######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002570Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن الجوزي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 597 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: زاد المسير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 8 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002570Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2570_زاد-المسير-ابن-الجوزي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد بن عبد الرحمن عبد الله #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: جمادى الأولى 1407 - كانون الثاني 1987 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # زاد المسير في علم التفسير للإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن ~~علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه ~~محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القران أستاذ بكلية الدراسات ~~الإسلامية بالأزهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء ~~الأول من فاتحة الكتاب حتى الآية 91 من سورة آل عمران دار الفكر للطباعة ~~والنشر والتوزيع PageV0MP001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى جمادى الأولى 1407 ه‍ ~~- كانون الثاني 1987 م دار الفكر بيروت لبنان المكاتب: البناية المركزية - ~~هاتف: 244739 - ص ب: 7061 / 11 المطابع والمعمل: حارة حريك - شارع عبد ~~النور - هاتف: 390663 برقيا: فكسي - تلكس: 41392 فكر PageV0MP002 # بسم الله الرحمن الرحيم الإمام ابن الجوزي نسبه: هو أبو الفرج عبد الرحمن ~~بن أبي الحسن علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي ابن أحمد بن ~~محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن ~~عبد الله ابن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه، القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ. # فهو عربي قرشي تيمي يتصل نسبه بالصديق رضي الله عنه، ولقد دعي بابن ~~الجوزي لان أحد جدوده وهو جعفر كان يدعى بالجوزي نسبة إلى مشرعة الجوز، وهي ~~فرضة نهر البصرة، وقيل بل نسبة إلى جوزة كانت في داره بواسطة لم يكن بواسط ~~جوزة غيرها، وقيل: نسبة إلى مشرعة الجوز، إحدى محال بغداد الغربي، وتوارث ~~أبناؤه هذا النسب. # مولده: ولد ابن الجوزي سنة ثمان وخمسمائة، وقيل سنة عشر وخمسمائة للهجرة ~~على وجه التقريب. وقد قال ابن النجار في تاريخ بغداد: كان أبو الفرج ابن ~~الجوزي يقول: لا أتحقق مولدي، غير أن والدي مات سنة أربع عشرة، وقالت ~~الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين. # حياته: لم يشتغل أهل ابن الجوزي بالعلم بل كانوا يتعاطون البيع والشراء ~~والتجارة، وأما أبوه فكان يعمل الصفر ms0001 بنهر القلايين، ولقد ذكر أبو الفرج ~~ذلك في كتابه " لفتة الكبد " فقال: واعلم يا بني أننا من أولاد أبي بكر ~~الصديق، ثم تشاغل سلفنا بالتجارة والبيع والشراء، فما كان من رزق همة في ~~طلب العلم غيري. وتوفي أبوه وهو صغير السن، وكان موسرا، خلف أموالا طائلة، ~~ولكنهم أجحفوا عليه وهضموه حقه من ارث أبيه، فلم يعطوه سوى دارين وعشرين ~~دينارا، فما كان منه إلا أن اشترى بذلك كتبا. # أما أمه فقد أهملته وانصرفت عنه فرعته عمته حتى أدرك، فأخذته إلى مسجد ~~أبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ، وهو خاله، وكان حافظا ضابطا متقنا من أهل ~~السنة، فاعتنى به، وأسمعه الحديث، وحفظه القرآن. # وقد اتفق الذين ترجموا له على أنه كان في صغره منصرفا عن لعب الصبيان ~~ومعاشرتهم، فبينما كان أترابه يقضون أوقاتهم باللعب والنزهات على شواطئ ~~النهر كان يمضي هو في طلب العلم وسماع فنونه من شيوخه وكأنه شيخ كبير، ~~ويقول عن نفسه: # أذكر نفسي ولي همة عالية وأنا في المكتب ابن ست سنين، وأنا قرين الصبيان ~~الكبار، قد رزقت عقلا وافرا في الصغر يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني ~~لعبت مع الصبيان قط، ولا ضحكت ضحكا عاليا، حتى إني ولي سبع سنين أو نحوهما ~~أحضر رحبة الجامع، فأطلب المحدث يتحدث فأحفظ جميع ما أسمعه، وأذهب إلى ~~البيت فأكتبه. PageV0MP003 # وظهرت علامات النجابة على أبي الفري، وتوسم فيه خاله أبو الفضل خيرا ~~كثيرا، فاشتدت عنايته به وحمله إلى الشيوخ، واسمعه المسند وغيره من الكتب ~~الكبار، وأجازه بها. # وبقي ملازما لخاله حتى توفي رحمه الله وقد أفاد منه معرفة قوية بالحديث ~~والنقل. ووصفه بقوله: # كان حافظا ضابطا متقنا ثقة من أهل السنة لا مغمز فيه، وكان كثير الذكر ~~سريع الدمعة. وقال: وهو الذي تولى تسميعي الحديث، قرأت عليه ثلاثين سنة، ~~ولم استفد من أحد استفادتي منه. # وتتابع نهم ابن الجوزي للعلم وقوي، واشتد ولعله بشتى العلوم، فأخذ العلم ~~عن شيوخه الأفذاذ في عصره يساعده على ذلك جلد قوي، وحافظة واعية، وذكاء ms0002 ~~متوقد، حتى برع في كثير من العلوم فكان محدثا، حافظا، مفسرا، فقيها، واعظا، ~~أديبا، مؤرخا. وألف في كل هذه العلوم وأكثر حتى حكيت في غزارة تآليفه ~~الحكايات التي تكاد لا تصدق لكثرة إنتاجه وروعة تآليفه. # والحقيقة أنه لا غرابة أن ينتج هذا الإنتاج الغزير وهو الذي وجد حلاوة ~~الإيمان ولذة العلم تفوقان كل حلاوة ولذة، فكان يأخذ خبزه اليابس ويخرج في ~~طلب الحديث، حتى إذا جاع جلس إلى جانب الماء، يأكل كسرة من الخبر اليابس ~~ويشرب بعدها الماء ليسهل ابتلاعها، ولابد أن هذا الزهد في الدنيا وما فيها ~~من لذات قد ساعده على التحصيل. # وبقيت هذه حاله حتى علا شأنه، وبرع، وذاع صيته، وقربه الامراء إليهم ~~وعرفوا مكانته. # وقد أدرك ابن العماد سببا من أسباب نبوغ ابن الجوزي فذكره وقال عنه: وما ~~تناول مالا من جهة لا يتيقن حلها، ولا ذل لأحد. كما قال عنه: وكان يراعي ~~حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوة وذهنه حدة. # ولقد أوتي حظا عظيما وصيتا بعيدا في الوعظ، فكان يحضر مجالسه الملوك ~~والوزراء وبعض الخلفاء والأئمة الكبراء، وكان مجلسه لا ينقص عن ألوف كثيرة ~~حتى قيل في بعض مجالسه: إنه حزر الجمع بمائة ألف. # وأصيب ابن الجوزي بحسد الحساد ودس الدساسين فسجن زمن الخليفة الناصر في ~~واسط، وكان في سجنه يدخل عليه الناس فيستمعون إليه ويملي عليهم ويعظهم، ~~وكان يرسل الاشعار الكثيرة إلى بغداد. # وبقي في سجنه ذاك سنين خمسا يقوم بخدمة نفسه وقد قارب الثمانين من عمره. # بقي الشيخ في سجنه من سنة (590) حتى سنة (595) ه‍ حيث أفرج عنه، فقدم ~~بغداد، واستقبله خلق كثير، وخلع عليه الخليفة، وعاد الشيخ إلى الوعظ ~~والارشاد والكتابة ونشر العلم حتى توفاه الله ليلة الجمعة (12 رمضان سنة ~~597 ه‍) بين العشاءين وقد قارب التسعين من العمر، ودفن بباب حرب قرب مدفن ~~الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وأوصى أن يكتب على قبره: # يا كثير العفو عمن * كثر الذنب لديه PageV0MP004 # جاءك المذنب يرجو * الصفح عن جرم ms0003 يديه أنا ضيف وجزاء * الضيف إحسان إليه ~~شيوخه: # أما شيوخ ابن الجوزي فكثيرون ذكر منهم سبعة وثمانون شيخا، غير أن هؤلاء ~~ليسوا كل من أخذ عنهم العلم، بل هناك آخرون استفاد منهم وأخذ العلم ومن أهم ~~شيوخه: # 1 - خاله أبو الفضل محمد بن ناصر الحافظ الثقة. # 2 - أبو القاسم الهروي وقد لقنه كلمات في الوعظ. # 3 - أبو الحسن - ابن الزاغوني - وقد قال عنه ابن الجوزي: كان له في كل فن ~~من العلم حظ وافر، ووعظ مرة طويلة، وصحبته زمانا فسمعت منه الحديث، وعلقت ~~عنه من الفقه والوعظ. # 4 - أبو بكر الدينوري، وابن أبي الدنيا: وقد قرأ عليهما الفقه والخلاف ~~والجدل والأصول. # 5 - وتتبع مشايخ الحديث والفقه فأخذ عن القاضي أبي بكر الأنصاري، وأبي ~~القاسم الحريري، وأبي السعادات المتوكلي، وأبي عبد الله البارع، وأبي غالب ~~الماوردي، وأبي القاسم السمرقندي، وعبد الوهاب الأنماطي، وإسماعيل بن صالح ~~المؤذن، وعبد الجبار بن مندة. # وقد قال يصف نفسه وتتبعه الحديث والمحدثين: # ولم أقنع بفن واحد، بل كنت أسمع الفقه والحديث، وأتبع الزهاد، ثم قرأت ~~اللغة، ولم أترك أحدا ممن يروي ويعظ، ولا غريبا يقدم إلا وأحضره، وأتخير ~~الفضائل. # ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق. # وكن أصبح وليس لي مأكل، وأمسي وليس لي مأكل، وما أذلني الله لمخلوق قط. # 6 - وكان من شيوخه أبو منصور الجواليقي أستاذ عصره في علوم العربية، وقد ~~قرأ عليه كتابه " المعرب " وتصانيف أخرى، وأفاد منه فائدة جلى. # علمه وفضله وثناء العلماء عليه: # لقد امتاز ابن الجوزي بميزات جعلت منه أكبر عالم في عصره، ألقت إليه ~~العلوم مقاليدها، ومن هذه الميزات: حب العلم الذي أولع به صغيرا لم يتجاوز ~~السادسة من العمر وبقي في فؤاده حتى لقي ربه سبحانه وتعالى، ومنها: الجد في ~~الطلب والمثابرة عليه والاشتغال بالعلم دون سواه، ومنها ذكاء متوقد وحافظة ~~مساعدة، وزهر في متاع الدنيا، وورع بلغ حدا لا يبلغه إلا النادر من الناس، ~~وإيمان بالله قوي، وهمة عالية تأبى إلا ms0004 الوصول إلى الغاية. # يقول ابن الجوزي: إني رجل حبب إلي العلم زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم ~~يحبب إلي فن واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فنه على بعض بل أروم ~~استقصاءه، والزمان لا يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى ~~وقوف بعض المطلوبات حسرات. # وبهذه الميزات، وبعون الله له توصل ابن الجوزي أن يكون المحدث الفقيه ~~العارف لصحيح الحديث من سقيمه، الأديب، الواعظ، الشاعر. PageV0MP005 # وبعونه تعالى كان أيضا المؤلف الذي أغنى المكتبة الإسلامية بعدد كبير من ~~المؤلفات في شتى فنون العلم، مما لا يتيسر لأحد تصنيف مثله إلا إذا أوتي ~~الهمة العالية والذكاء الفذ، والعون من الله سبحانه وتعالى. # وقد تحدث عنه علماؤنا الأفذاذ بكثير من الإعجاب والاعتراف له بالفضل ~~والتقدير، * - قال أبو عبد الله الدبيثي في تاريخه: # شيخنا جمال الدين صاحب التصانيف في فنون العلوم من التفسير والفقه ~~والحديث والتواريخ وغير ذلك. # وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه من سقيمه، وكان من ~~أحسن الناس كلاما، وأتمهم نظاما، وأعذبهم لسانا، وأجودهم بيانا. # * - وقال عنه الحافظ الذهبي: # ثم لما ترعرع حملته عمته إلى ابن ناصر، فأسمعه الكثير. # وأحب الوعظ وهو مراهق فوعظ الناس وهو صبي، ثم ما زال نافق السوق، معظما ~~متغاليا فيه، مضروبا برونق وعظه المثل، كما له في ازدياد اشتهار إلى أن مات ~~رحمه الله وسامحه فليته لم يخض في التأويل ولا خالف إمامه. # وقال: # وكان ذا حظ عظيم وصيت بعيد في الوعظ يحضر مجالسه الملوك والوزراء وبعض ~~الخلفاء والأئمة الكبراء، لا يكاد المجلس ينقص عن ألوف كثيرة حتى قيل في ~~بعض مجالسه: إنه حزر الجمع بمائة الف. # وقال الحافظ الذهبي أيضا: # ما علمت أن أحدا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل. # * - وقال سبطه أبو المظفر في مرآة الزمان 8 / 482: # سمعت جدي على المنبر يقول: # بإصبعي هاتين كتبت ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي ~~عشرون ألفا. # * - وقال ابن خلكان: # كان علامة عصره، وإمام وقته في الحديث وصناعة ms0005 الوعظ، صنف في فنون كثيرة ~~منها " زاد المسير في علم التفسير " أربعة أجزاء، أتى فيه بأشياء غريبة، ~~وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله " المنتظم " في التاريخ وهو كبير، وله " ~~الموضوعات " في أربعة أجزاء. PageV0MP006 # وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد. وكتب بخطه شيئا كثيرا، والناس يغالون في ~~ذلك حتى يقولوا إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت ~~الكراريس على المدة، فكان ما خص كل يوم تسع كراريس وهذا شئ كثير لا يكاد ~~يقبله العقل. ثم قال: # وعرف ابن الجوزي بحضور الذهن، وسرعة البديهة، وحسن التصرف، والإجابات ~~اللبقة تجاه الأسئلة المحرجة. # * - وقال عنه ابن كثير: # أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع ~~المصنفات الكبار والصغار نحوا من ثلاثمائة مصنف، وكتب نحوا من مائتي مجلد. # وله في العلوم كلها اليد الطولى، والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير ~~والحديث، والتاريخ، والحساب، والنجوم، والطلب، والفقه، وغير ذلك من اللغة، ~~والنحو. # * - وقال ابن جبير بعد أن وصف مجلسا كان ابن الجوزي يعظ الناس فيه: # وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطى من امتلاك النفوس والتلاعب فيها ~~ما أعطي هذا الرجل. فسبحان من يخص بالكلام من يشاء من عباده. # آثاره وتصانيفه: # قال ابن الأثير: # وله في العلوم كلها اليد الطولى والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير ~~والحديث والتاريخ والحساب والنجوم والطب والفقه وغير ذلك من اللغة والنحو. # وله من المصنفات في ذلك كله ما يضيق هذا المكان عن تعدادها وحصر أفرادها ~~منها كتابة في التفسير المشهور " بزاد السير "، وله تفسير أبسط منه، لكنه ~~ليس بمشهور، وله جامع المسانيد استوعب غالب المسند أحمد وصحيحي البخاري ~~ومسلم وجامع الترمذي. # وله كتاب المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم في عشرين مجلدا. # وأجمع كل من أرخ ابن الجوزي أنه ألف الكثير في مختلف فنون العلم وحاول ~~استقصاء أي موضوع كتب فيه، وقد أورد له في هداية العارفين ثبتا كبير من ~~المؤلفات. وقد بلغت مؤلفاته عددا كبيرا مما بين مؤلف ضخم في عدة ms0006 اجزاء، ~~ومؤلف قليل الصفحات، حتى إن الأستاذ عبد الحميد العلوجي صنف كتابا في ~~مصنفاته طبع بغداد سنة 1965 وتتبع أسماءها ونسخها ما طبع منها وما لم يطبع. # وأهم هذه المؤلفات: # * - في التفسير: # - المغني - زاد المسير في علم التفسير، وهو الكتاب الذي نقدم له. - غريب ~~الغريب. - نزهة العيون النواظر في الوجوه والنظائر. PageV0MP007 # * - في التوحيد وعلم الكلام: # منهاج الوصول إلى علم الأصول - بيان غفلة القائل بقدم أفعال العباد - ~~الرد على المتعصب العنيد - دفع شبه التشبه. # * - في علم الحديث: # جامع المسانيد - عيون الحكايات - التحقيق في أحاديث التعليق - غرر الأثر ~~- الموضوعات - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. # * - علم الرجال: # الضعفاء والمتروكين - المشيخة - الألقاب - فضائل عمر بن الخطاب - صفة ~~الصفوة. # * - في الفقه: # الإنصاف في مسائل الخلاف - المذهب في المذهب - عمد الدلائل في مشتهر ~~المسائل - رد اللوم والضيم في صوم يوم الغيم. # * - في التاريخ: # المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - شذوذ العقود في تاريخ المعهود. # * - في الوعظ: # صيد الخاطر - المدهش - ذم الهوى - كنز المذكر - اللطائف - اليواقيت في ~~الخطب - وغيرها. # زاد المسير في علم التفسير أحد أهم الكتب التي صنفها ابن الجوزي وقد نيفت ~~على الثلاثمائة مصنف، بل هو من أهم كتب التفسير للقرآن الكريم، فقد عمد ابن ~~الجوزي حين عقد النية على تأليفه إلى كتب الذين سبقوه في التفسير فقرأها ~~وأشبعها دراسة، وإلى العلوم المساعدة للمفسر ليلم بموضوعة تمام الإلمام ~~ورأى من خلا هذه الدراسة لمؤلفات السلف أن المفسرين قبله قد وقعوا في كثير ~~التطويل تارة، والتقصير طورا فاستفاد من الثغرات التي كانت في تفاسيرهم ~~وألف تفسيره هذا مخلصا إياه في التطويل الممل ومن الاختصار المخل. وقال في ~~خطبة الكتاب: [فأتيتك بهذا المختصر اليسير، منطويا على العلم الغزير، ~~ووسمته بزاد المسير في علم التفسير] وزاد المسير ببالغ عناية المؤلف في ~~إخراجه له خصائص يمتاز بها: # منها: أنه جاء بالألفاظ على قد المعاني، بل حمل الألفاظ في بعض الأحيان ~~أكبر طاقة لها بمن المعاني. وقد قال في المقدمة: " وقد بالغت في اختصار ~~لفظه ". # ومنها: أنه حين تفسير كل آية ms0007 من الآيات أورد كل روايات أسباب نزولها مما ~~يفيد القارئ إضافة إلى المعنى معرفة في سبب نزول الآية وتعمقا في جوها. ~~PageV0MP008 # ومنها: أنه تحدث عمن نزلت بعض الآيات فيهم. # ومنها: أنه ذكر القراءات المشهورة، وأحيانا الشاذة. # ومنها: أنه توقف عند الآيات المنسوخة، والتي اختلف العلماء حولها أمنسوخة ~~هي أم لا؟ وأورد أقوال العلماء في ذلك. # ومنها: أنه توقف بعض الأحيان عند تفسير آية ليذكر أقوال العرب فيها من ~~ناحية إعراب بعض كلماتها، أو صرف بعضها ذاكرا وجوه الإعراب، رادا ذلك إلى ~~علماء النحو الذين قالوا بها. # ومنها: أنه أورد في تفسير بعض الآيات، وشرح بعض مفرداتها أبياتا من ~~الشعر، كما اعتمد الحديث النبوي في سبيل توضيح بعض النواحي. # ومنها: حيث تحدث عن القراءة أعاد القارئ في كثير من الأحيان إلى لهجات ~~العرب واستعمالها مفردات اللغة، واختلافها فيها كقوله في تفسير الآية (66) ~~من سورة الأنفال في تفسير كلمة (ضغفا) " وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~والكسائي بضم الضاد. وقرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد. وكذلك خلافهم في (الروم). ~~قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم ". # ومنها: رده كل قول إلى مصدره فاعتمد على علماء اللغة ومنهم أبو عبيدة ~~والخليل بن أحمد الفراهيدي، وعلى النحاة ومنهم: الزجاج والكسائي والأخفش ~~ومحمد بن القاسم النحوي، وعلى القراء ومنهم: الفراء، وأبو عمرو، والجحدري، ~~وابن كثير، وعاصم وغيرهم. # بهذه الميزات، إضافة إلى أسلوب ابن الجوزي السلس المتين، السهل الممتنع ~~لقي زاد المسير عناية من جاء بعد مؤلفه وما زال يلقى حتى يوما هذا، وسيبقى ~~منارا من المنارات التي تضئ الطريق، وترشد إلى معرفة معاني كتاب الله ~~سبحانه لمن أراد الهدى والرشاد والصلاح والتقوى.. # عملنا في الكتاب نظر لأن زاد المسير عماد في تفسير القرآن الكريم، ونافذة ~~مضيئة من نوافذه، وأحد كتب التفسير التي تحتل المكانة المرموقة بين هذه ~~الأسفار الكثيرة التي ألفت في هذا العلم. لأنه جاء وسطا بين التفاسير ~~الطويلة والمختصرة الشديدة الاختصار، فقد وجدنا اخراج طبعة جديدة لهذا ~~السفر المفيد في التفسير وقد اعتمدنا ms0008 لطبعتنا هذه المخطوطات التالية: # 1 - نسخة استامبول. # كتبت بخط جيد، ينقصها الإعجام أحيانا. # الجزء الأول: عدد أوراقه 330 وتاريخ النسخ 596 وكتب في حقل الملاحظات ~~لهذه النسخة هي نسخة المؤلف. # الجزء الثاني: عدد أوراقه 240 وتاريخ النسخ 759. # الجزءان الثالث والرابع غير موجدين. PageV0MP009 # 2 - نسخة المكتبة التيمورية. # وهي ذات خط واضح. # الجزء الأول: غير موجود. # الجزء الثاني: وعدد أوراقه 422 وتاريخ النسخ 686. # الجزء الثالث: وعدد أوراقه 418 وتاريخ النسخ 759. # الجزء الرابع (الأخير): وعدد صفحات 446 وتاريخ النسخ 597. # 3 - النسخة الأزهرية. # وجدت منها سور مختلفة من أجزائها الأربعة مشتتة. # 4 - نسخة الخزانة الملكية في الرباط: # وقد أرسلنا تجارب الطبع إلى الدكتور شكري فيصل الذي تولى مقابلتها على ~~النسخة المذكورة، وقد زودنا ببعض الملاحظات والتعليقات استفدنا منها وأشرنا ~~إليها. # 5 - المطبوعة السابقة للكتاب: # وقد لا حظنا اختلافا بين طبعتنا هذه وبين المطبوعة السابقة للكتاب في بعض ~~المواضع، وهذا الاختلاف كاف يشتمل على تصحيف أحيانا وعلى نقص أو زيادة ~~أحيان أخرى وقد أشرنا إلى ذلك ولكن - وللأمانة العلمية - فإن النقص إن وجد ~~في إحدى المطبوعتين فهو لا يخل بالمعنى عما في المطبوعة الأخرى كما أن ~~الزيادة في إحداهما لا تضيف معنى جديدا مهما. # وبعد قراءات ومقابلات على المخطوطات المختلفة. # 1 - عزونا الآيات التي وردت شاهدا في الزاد. # 2 - خرجنا الأحاديث التي وردت فيه. # 3 - أرجعنا القارئ في كثير من الأحيان إلى الكتب السابقة على ابن الجوزي ~~والتي اعتمدها في كتابه مبينين أرقام الصفحات التي أخذ ابن الجوزي عنها ~~وأرقام الأجزاء إن كان الكتاب مؤلفا من أجزاء. وقد لاحظنا أنه ينقل حرفيا ~~في أغلب الأحيان، وفي تغيير طفيف بعض الأحيان الأخرى. # ولعل ذلك يعود إلى أن ابن الجوزي رحمه الله قد أخذ من نسخة غير النسخة ~~التي وصلتنا. # ومن هذه الكتب التي أعدنا القارئ إليها في حواشينا المفسرة لما ورد عند ~~ابن الجوزي كتاب الجامع البيان للطبري، وكتاب المغني والشرح الكبير لابني ~~قدامة. # 4 - أثبتنا الآيات المفسرة من المصحف الشريف، وذلك توخيا للدقة والصحة ~~والجمال. ms0009 # 5 - عملنا فهرسا للحديث، وآخر للشعر، لكل جزء من أجزاء الزاد إلى جانب ~~فهرس للموضوعات. # 6 - كذلك اعتنينا بتصحيح الكتاب تصحيحا دقيقا بحيث خلا من الأخطاء ~~والهفوات. # ومن الله نستمد المعونة وهو حسبنا وبه نعتصم وهو نعم المولى النصير. # بيروت في يوم الاثنين 15 ربيع الثاني 1405 ه‍، الموافق 7 كانون الثاني ~~1985 PageV0MP010 # وجه الجزء الأول من مخطوطة استامبول الصفحة الأولى من الجزء الأول من ~~مخطوطة استامبول PageV0MP011 # الصفحة الأولى من الجزء الثاني من مخطوطة استامبول PageV0MP012 # وجه الجزء الثاني من المخطوطة التيمورية PageV0MP013 # الصفحة الأولى من الجزء الثالث من المخطوطة التيمورية PageV0MP014 # وجه الجزء الأخير من المخطوطة التيمورية الصفحة الأخيرة من الجزء الأخير ~~من المخطوطة التيمورية زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي PageV0MP015 # بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن خطبة الكتاب الحمد لله الذي شرفنا ~~على الأمم بالقرآن المجيد، ودعانا بتوفيقه على الحكم إلى الأمر الرشيد وقوم ~~به نفوسنا بين الوعد والوعيد، وحفظه من تغيير الجهول وتحريف العنيد، لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أحمده على ~~التوفيق للتحميد حديث وأشكره على التحقيق في التوحيد وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، شهادة يبقى ذخرها على التأبيد، وأن محمدا عبده ~~ورسوله أرسله إلى القريب والبعيد، بشيرا للخلائق ونذيرا، وسراجا في الأكوان ~~منيرا، ووهب له من فضله خيرا كثيرا، وجعله مقدما على الكل كبيرا، ولم يجعل ~~له من أرباب جنسه نظيرا، ونهى أن يدعى باسمه تعظيما له وتوقيرا، وأنزل عليه ~~كلاما قرر صدق قوله القرآن: لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. # فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه وأشياعه، وسلم تسليما ~~كثيرا. # وبعد، لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم لمعانيه أوفى ~~الفهوم، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، وإني نظرت في جملة من كتب التفسير، ~~فوجدتها بين كبير قد يئس الحافظ منه، وصغير لا يستفاد كل المقصود منه، ~~والمتوسط منها قليل الفوائد، عديم الترتيب، وربما أهمل فيه المشكل، وشرح ~~غير ms0010 الغريب، فأتيتك بهذا المختصر اليسير، منطويا على العلم الغزير، ووسمته ~~بزاد المسير في علم التفسير. # وقد بالغت في اختصار لفظه، فاجتهد وفقك الله في حفظه، والله المعين على ~~تحقيقه، فما زال جائدا أخبرنا بتوفيقه. # فصل في فضيل علم التفسير روى أبو عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود قال: ~~كنا نتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر، PageV01P001 # فلا نجاوزها إلى العشر الآخر حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل. # وروى قتادة عن الحسن أنه قال: ما أنزل الله آية إلا أحب أن أعلم فيم ~~أنزلت، مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلا، وليس عندهم مصباح، فتداخلهم ~~لمجئ الكتاب روعة لا يدرون ما فيه، فإذا جاءهم المصباح عرفوا ما فيه فصل ~~اختلف العلماء: هل التفسير والتأويل بمعنى، أم يختلفان؟ فذهب قوم يميلون ~~إلى العربية إلى أنهما بمعنى، وهذا قول جمهور المفسرين المتقدمين. وذهب قوم ~~يميلون إلى الفقه إلى اختلافهما، فقالوا: التفسير: إخراج الشئ من مقام ~~الخفاء إلى مقام التجلي. والتأويل: نقل الكلام عن وضعه فيما يحتاج في ~~إتيانه إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، فهو مأخوذ من قولك: # آل الشئ إلى كذا، أي: صار إليه. # فصل في مدة نزول القرآن روى عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة ~~واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم أنزل بعد ذلك في ~~عشرين سنة. # وقال الحسن: ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة، أنزل عليه ~~بمكة ثماني سنين، وبالمدينة عشر سنين. # فصل واختلفوا في أول ما نزل من القرآن، فأثبت المنقول: أن أول ما نزل ~~القرآن: (اقرأ PageV01P002 # باسم ربك). العلق رواه عروة عن عائشة وبه قال قتادة وأبو صالح. # وروي عن جابر به عبد الله: أن أول ما نزل (يا أيها المدثر). # والصحيح أنه لما نزل عليه (اقرأ باسم ربك) رجع فتدثر فنزل: (يا أيها ~~المدثر) يدل عليه ما أخرج في " الصحيحين " من حديث جابر قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو ms0011 يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: " فبينا أنا ~~أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء ~~جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه رعبا، فرجعت فقلت: زملوني، ~~زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: (يا أيها المدثر) ومعنى جثتت: # فرقت. وقد صحفه بعض الرواة فقال: جبنت من الجبن، والصحيح الأول، وروي عن ~~الحسن وعكرمة: أن أول ما نزل: (بسم الله الرحمن الرحيم). # فصل واختلفوا في آخر ما نزل، فروى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس، ~~قال: آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، آية الربا، وفي ~~أفراد مسلم عنه: آخر سورة نزلت جميعا (إذا جاء نصر الله والفتح). وروى ~~الضحاك عن ابن عباس قال: آخر آية أنزلت (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) ~~وهذا مذهب سعيد بن جبير وأبي صالح. وروى أبو إسحاق عن البراء قال: آخر آية ~~نزلت (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) وآخر سورة نزلت (براءة) وروي عن ~~أبي بن كعب: أن آخر آية نزلت: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم). إلى آخر السورة. ~~PageV01P003 # فصل لما رأيت جمهور كتب المفسرين لا يكاد الكتاب منها يفي بالمقصود كشفه ~~حتى ينظر للآية الواحدة في كتب، فرب تفسير أخل فيه بعلم الناسخ والمنسوخ، ~~أو ببعضه، فإن وجد فيه لم يوجد أسباب النزول، أو أكثرها، فإن وجد لم يوجد ~~بيان المكي من المدني، وإن وجد ذلك لم توجد الإشارة إلى حكم الآية، فإن وجد ~~لم يوجد جواب إشكال يقع في الآية، إلى غير ذلك من الفنون المطلوبة وقد ~~أدرجت في هذا الكتاب من هذه الفنون المذكورة مع ما لم أذكره مما لا يستغني ~~التفسير عنه ما أرجو به وقوع الغناء بهذا الكتاب عن أكثر ما يجانسه. # وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدمة إلا على وجه الإشارة، ولم أغادر من ~~الأقوال التي أحطت بها إلا ما تبعد صحته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت في ~~فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره، فهو لا يخلو ms0012 من أمرين: إما أن يكون قد سبق، ~~وإما أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير. # وقد انتقى كتابنا هذا أنقى التفاسير فأخذ منها الأصح والأحسن والأصون، ~~فنظمه في عبارة الاختصار. وهذا حين شروعنا فيما ابتدأنا له، والله الموفق. # فصل في الاستعاذة قد أمر الله عز وجل بالاستعاذة عند القراءة بقوله ~~تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ومعناه: إذا ~~أردت القراءة. ومعنى أعوذ: ألجأ وألوذ. # فصل في بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عمر: نزلت في كل سورة. وقد اختلف ~~العلماء: هل هي آية كاملة، أم لا؟ وفيه [عن] أحمد روايتان، واختلفوا: هل هي ~~من الفاتحة، أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان أيضا. # فأما من قال: إنها من الفاتحة، فإنه يوجب قراءتها في الصلاة إذا قال ~~بوجوب الفاتحة، وأما من لم PageV01P004 # يرها من الفاتحة، فإنه يقول: قراءتها في الصلاة سنة. ما عدا مالكا فإنه ~~لا يستحب قراءتها في الصلاة. # واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به، فنقل جماعة عن أحمد: أنه ~~لا يسن الجهر بها، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعمار ~~بن ياسر، وابن مغفل، وابن الزبير، وابن عباس، وقال به من كبراء التابعين ~~ومن بعدهم: الحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وعمر بن عبد ~~العزيز، والأعمش، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو عبيد في آخرين. # وذهب الشافعي إلى أن الجهر بها مسنون، وهو مروي عن معاوية بن أبي سفيان، ~~وعطاء، وطاووس، ومجاهد. # فأما تفسيرها: # فقوله: (بسم الله) اختصار، كأنه قال: أبدأ بسم الله. أو بدأت باسم الله. ~~وفي الاسم خمس لغات: اسم بكسر الألف، وأسم بضم الألف إذا ابتدأت بها، وسم ~~بكسر السين، وسم بضمها، وسما. قال الشاعر: # والله أسماك سمى مباركا * آثرك الله به إيثاركا وأنشدوا: # باسم الذي في كل سورة سمه قال الفراء: بعض قيس [يقولون:] سمه، يريدون: ~~اسمه، وبعض قضاعة يقولون: # سمه. أنشدني بعضهم: # وعامنا أعجبنا مقدمه * يدعى أبا السمح وقرضاب سمه والقرضاب: القطاع، ~~يقال: سيف قرضاب. ms0013 # واختلف العلماء في اسم الله الذي هو " الله ": # فقال قوم: إنه مشتق، وقال آخرون: إنه علم ليس بمشتق. وفيه عن الخليل ~~روايتان. # إحداهما: أنه ليس بمشتق، ولا يجوز حذف الألف واللام منه كما يجوز من ~~الرحمن. والثانية: # رواها عنه سيبويه: أنه مشتق. وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض العلماء أن ~~أصله في الكلام مشتق من: أله الرجل يأله: إذا فزع إليه من أمر نزل به. ~~فألهه، أي: أجاره وأمنه، فسمي إلها PageV01P005 # كما يسمى الرجل إماما. وقال غيره: أصله ولاه. فأبدلت الواو همزة فقيل: ~~إله كما قالوا: وسادة وإسادة، ووشاح وإشاح. # واشتق من الوله، لأن قلوب العباد توله نحوه. كقوله تعالى: (ثم إذا مسكم ~~الضر فإليه تجأرون). وكان القياس أن يقال: مألوه، كما قيل: معبود، إلا أنهم ~~خالفوا به البناء ليكون علما، كما قالوا للمكتوب: كتاب، وللمحسوب: حساب. ~~وقال بعضهم: أصله من: أله الرجل يأله إذا تحير، لأن القلوب تتحير عند ~~التفكر في عظمته، وحكي عن بعض اللغويين: أله الرجل يأله إلاهة، بمعنى: عبد ~~يعبد عبادة. # وروي عن ابن عباس أنه قال: (ويذرك وإلا هتك) أي: عبادتك. قال: والتأله: ~~التعبد. # قال رؤبة: # لله در الغانيات المدة * سبحن واسترجعن من تألهي فمعنى الإله: المعبود. # فأما " الرحمن ": # فذهب الجمهور إلى أنه مشتق من الرحمة، مبني على المبالغة، ومعناه: ذو ~~الرحمة التي لا نظير له فيها. وبناء فعلان في كلامهم للمبالغة: فإنهم ~~يقولون للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبع: شبعان. # قال الخطابي: ف‍ " الرحمن ": ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في ~~أرزاقهم ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر. # و " الرحيم ": خاص للمؤمنين. قال عز وجل: (وكان بالمؤمنين رحيما). ~~والرحيم: # بمعنى الراحم. PageV01P006 # (1) سورة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله رب العالمين (2) ~~الرحمن الرحيم (3) ملك يوم الدين (4) إياك نعبد وإياك نستعين (5) اهدنا ~~الصراط المستقيم (6) صرط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~(7) روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال - وقرأ عليه ~~أبي بن كعب أم القآن - فقال: " والذي نفسي بيده، ما أنزل ms0014 في التوراة، ولا ~~في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، هي السبع المثاني ~~والقرآن العظيم الذي أوتيته ". # فمن أسمائها: الفاتحة، لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة. ومن ~~أسمائها: أم القرآن، وأم الكتاب، لأنها أمت الكتاب بالتقدم. ومن أسمائها: ~~السبع المثاني، وإنما سميت بذلك لما سنشرحه في (الحجر) إن شاء الله. # واختلف العلماء في نزولها على قولين: # أحدهما: أنها مكية، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وأبي العالية، ~~وقتادة، وأبي ميسرة. # والثاني: أنها مدنية، وهو مروي عن أبي هريرة، ومجاهد، وعبيد بن عمير، ~~وعطاء الخراساني. وعن ابن عباس كالقولين. # فأما تفسيرها: # ف‍ (الحمد) رفع بالابتداء، و (لله) الخبر. والمعنى: الحمد ثابت لله، ~~ومستقر له، والجمهور على كسر لام " لله " وضمها ابن عبلة، قال الفراء: هي ~~لغة بعض بني ربيعة وقرأ ابن السميفع: " الحمد " بنصب الدال " لله " بكسر ~~اللام. وقرأ أبو نهيك: بكسر الدال واللام جميعا. PageV01P007 # واعلم أن الحمد: ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقا، ~~وهو: أن الحمد قد يقع ابتداء للثناء، والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة، ~~وقيل: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، فتقديره: قولوا: الحمد لله. # وقال ابن قتيبة: الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من كرم أو حسب أو ~~شجاعة، وأشباه ذلك. والشكر: الثناء عليه بمعروف أولاكه، وقد يوضع الحمد ~~موضع الشكر. فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرت له على شجاعته. # فأما " الرب " فهو المالك، ولا يذكر هذا الاسم في حق المخلوق إلا ~~بالإضافة، فيقال: هذا رب الدار، ورب العبد. وقيل: هو مأخوذ من التربية. # قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: رب فلان صنيعته يربها ربا: إذا أتمها ~~وأصلحها، فهو رب وراب. # قال الشاعر: # يرب الذي يأتي من الخير إنه * إذا سئل المعروف زاد وتمما قال: والرب يقال ~~على ثلاثة أوجه: # أحدها: المالك. يقال: رب الدار. # والثاني: المصلح، يقال: رب الشئ. # والثالث: السيد المطاع. قال تعالى: (فيسقي ربه خمرا) والجمهور على خفض ~~باء " رب ". وقرأ أبو العالية، وابن السميفع، ms0015 وعيسى بن عمر بنصبها. وقرأ ~~أبو رزين العقيلي، والربيع بن خيثم، برفعها. # فأما (العالمين) فجمع عالم، وهو عند أهل العربية: اسم للخلق من مبتداهم ~~إلى منتهاهم، وقد سموا أهل الزمان الحاضر عالما. # فقال الحطيئة: # أراح الله منك العالمينا فأما أهل النظر، فالعالم عندهم: اسم يقع على ~~الكون الكلي المحدث من فلك، وسماء، وأرض، وما بين ذلك. # وفي اشتقاق العالم قولان: # أحدهما: أنه من العلم، وهو يقوي قول أهل اللغة. PageV01P008 # والثاني: أنه من العلامة، وهو يقوي قول أهل النظر، فكأنه إنما سمي عندهم ~~بذلك، لأنه دال على خالقه. # وللمفسرين في المراد ب‍ " العالمين " هاهنا خمسة أقوال: # أحدهما: الخلق كله، السماوات والأرضون وما فيهن وما بينهن. رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. # والثاني: كل ذي روح دب على وجه الأرض. رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم الجن والإنس. روي أيضا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~ومقاتل. # والرابع: أنهم الجن والإنس والملائكة، نقل عن ابن عباس أيضا، واختاره ابن ~~قتيبة. # والخامس: أنهم الملائكة، وهو مروي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: (الرحمن الرحيم). # قرأ أبو العالية، وابن السميفع، وعيسى بن عمر بالنصب فيهما، وقرأ أبو ~~رزين العقيلي، والربيع بن خيثم، وأبو عمران الجوني بالرفع فيهما. # قوله تعالى: (مالك يوم الدين). # قرأ عاصم والكسائي، وخلف ويعقوب: " مالك " بألف. وقرأ ابن السميفع، وابن ~~أبي عبلة كذلك، إلا أنهما نصبا الكاف. وقرأ أبو هريرة، وعاصم الجحدري: " ~~ملك " باسكان اللام من غير الألف مع كسر الكاف، وقرأ أبو عثمان النهدي، ~~والشعبي " ملك " بكسر اللام ونصب الكاف من غير ألف. وقرأ سعد بن أبي وقاص، ~~وعائشة، ومورق العجلي: " ملك " مثل ذلك إلا أنهم رفعوا الكاف. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو رجاء العطاردي " مليك " بياء غير بعد اللام مكسورة الكاف من غير ~~ألف. وقرأ عمرو بن العاص كذلك، إلا أنه ضم الكاف. وقرأ أبو حنيفة، وأبو ~~حيوة " ملك " على الفعل الماضي، " ويوم " بالنصب. # وروى عبد الوارث عن أبي عمرو: إسكان اللام، والمشهور عن أبي عمرو وجمهور ~~القراء ms0016 " ملك " بفتح الميم مع كسر اللام، وهو أظهر في المدح، لأن كل ملك ~~مالك، وليس كل مالك ملكا. # وفي " الدين " هاهنا قولان: # أحدهما: أنه الحساب. قاله ابن مسعود. # والثاني: الجزاء. قاله ابن عباس، ولما أخبر الله عز وجل في قوله: (رب ~~العالمين) أنه مالك الدنيا. دل بقوله: (مالك يوم الدين) على أنه مالك ~~الأخرى. وقيل: إنما خص يوم PageV01P009 # الدين، لأنه ينفرد يومئذ بالحكم في خلقه. # قوله تعالى: (إياك نعبد). # وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وأبو مجلز " يعبد " بضم الياء وفتح الباء. قال ~~ابن الأنباري: # المعنى: قل يا محمد: إياك يعبد، والعرب ترجع من الغيبة إلى الخطاب، ومن ~~الخطاب إلى الغيبة، كقوله [تعالى]: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) ~~وقوله: (وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء). # وقال لبيد: # باتت تشكى إلي النفس مجهشة * وقد حملتك سبعا بعد سبعينا وفي المراد بهذه ~~العبارة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى التوحيد. روي عن علي، وابن عباس في آخرين. # والثاني: أنها بمعنى الطاعة، كقوله: (لا تعبدوا الشيطان). # والثالث: أنهما بمعنى الدعاء، كقوله: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي). # قوله [تعالى]: (اهدنا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: ثبتنا. قاله علي، وأبي. # والثاني: أرشدنا. # والثالث: وفقنا. # والرابع: ألهمنا. رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس. # و (الصراط) الطريق. # ويقال: إن أصله بالسين، لأنه من الاستراط وهو: الابتلاع، فالسراط كأنه ~~يسترط المارين عليه، فمن قرأ بالسين، كمجاهد، وابن محيصن، ويعقوب، فعلى أصل ~~الكلمة، ومن قرأ بالصاد، كأبي عمرو، والجمهور، فلأنها أخف على اللسان، ومن ~~قرأ بالزاي، كرواية الأصمعي عن أبي عمرو، واحتج بقول العرب. صقر سقر وزقر. ~~وروي عن حمزة: إشمام السين زايا، وروي عنه أنه تلفظ بالصراط بين الصاد ~~والزاي. # قال الفراء: اللغة الجيدة بالصاد، وهي لغة قريش الأولى، وعامة العرب ~~يجعلونها سينا، PageV01P010 # وبعض قيس يشمون الصاد، فيقول: الصراط بين الصاد والسين، وكان حمزة يقرأ " ~~الزراط " بالزاي، وهي لغة لعذرة وكليب وبني القين. يقولون أزدق. # وفي المراد بالصراط ها هنا أربعة أقوال: # أحدها: أنه كتاب الله، رواه ms0017 علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # والثاني: أنه دين الاسلام. قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وأبو ~~العالية في آخرين. # والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد. # والرابع: أنه طريق الجنة، نقل عن ابن عباس أيضا. # فإن قيل: ما معنى سؤال المسلمين الهداية وهم مهتدون؟ ففيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: إهدنا لزوم الصراط، فحذف اللزوم. قاله ابن الأنباري. # والثاني: أن المعنى: ثبتنا على الهدى، تقول العرب للقائم: قم حتى آتيك، ~~أي: أثبت على حالك. # والثالث: أن المعنى: زدنا هداية. # قوله [تعالى]: (الذين أنعمت عليهم). # قال ابن عباس: هم النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون. وقرأ ~~الأكثرون " عليهم " بكسر الهاء، وكذلك " لديهم " و " إليهم " وقرأهن حمزة ~~بضمها. وكان ابن كثير يصل الميم بواو. وقال ابن الأنباري: حكى اللغويون في ~~" عليهم " عشر لغات، قرئ بعامتها " عليهم " بضم الهاء وإسكان الميم " ~~وعليهم " بكسر الهاء وإسكان الميم، و " عليهم " بكسر الهاء والميم وإلحاق ~~ياء بعد الكسرة، و " عليهمو " بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة، ~~و " عليهمو " بضم الهاء والميم وإدخال واو بعد الميم و " عليهم " بضم الهاء ~~والميم من غير زيادة واو، وهذه الأوجه الستة مأثورة عن القراء، وأوجه أربعة ~~منقولة عن العرب " عليهمي " بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم، و ~~" عليهم " بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء، و " عليهم " بكسر الهاء ~~وضم الميم من غير إلحاق واو، و " عليهم " بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد ~~الميم. # فأما " المغضوب عليهم " فهم اليهود، " والضالون ": النصارى. # رواه عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قال ابن قتيبة: والضلال: الحيرة والعدول عن الحق. PageV01P011 # فصل ومن السنة في حق قارئ الفاتحة أن يعقبها ب‍ " آمين ". قال شيخنا أبو ~~الحسن علي بن عبيد الله: وسواء كان خارج الصلاة أو فيها، لما روى أبو هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا قال الامام (غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين) ms0018 فقال من خلفه: آمين، فوافق ذلك قول أهل السماء، غفر له ما ~~تقدم من ذنبه. # وفي معنى آمين: ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معنى آمين: كذلك يكون. حكاه ابن الأنباري عن ابن عباس، والحسن. # والثاني: أنها بمعنى: اللهم استجب. قاله الحسن والزجاج. # والثالث: أنه اسم من أسماء الله [تعالى]. قاله مجاهد، وهلال بن يساف، ~~وجعفر بن محمد. # وقال ابن قتيبة: معناها: يا أمين أجب دعاءنا، فسقطت يا، كما سقطت في ~~قوله: # (يوسف أعرض عن هذا) تأويله: يا يوسف. ومن طول الألف فقال: آمين، أدخل ألف ~~النداء على ألف أمين، كما يقال: آزيد أقبل: ومعناه: يا زيد. قال ابن ~~الأنباري: وهذا القول خطأ عند جميع النحويين، لأنه إذا أدخل " يا " على " ~~آمين " كان منادى مفردا، فحكم آخره الرفع، فلما أجمعت العرب على فتح نونه، ~~دل على أنه غير منادى، وإنما فتحت نون " آمين " لسكونها وسكون الياء التي ~~قبلها، كما تقول العرب: ليت، ولعل. قال: وفي " آمين " لغتان: " أمين " ~~بالقصر، و " آمين " بالمد، والنون فيهما مفتوحة. # أنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي: # سقى الله حيا بين صارة والحمى * حمى فيد صوب المدجنات المواطر أمين وأدى ~~الله ركبا إليهم * بخير ووقاهم حمام المقادر وأنشدنا أبو العباس أيضا: # تباعد مني فطحل وابن أمه * أمين فزاد الله ما بيننا بعدا حتى وأنشدنا أبو ~~العباس أيضا: # يا رب لا تسلبني حبها أبدا * ويرحم الله عبدا قال آمينا وأنشدني أبي: # أمين ومن أعطاك مني هوادة * رمى الله في أطرافه فاقفعلت PageV01P012 # وأنشدني أبي: # فقلت له قد هجت لي بارح الهوى * أصاب حمام الموت أهوننا وجدا أمين وأضناه ~~الهوى فوق ما به * أمين ولاقى من تباريحه جهدا فصل نقل الأكثرون عن أحمد أن ~~الفاتحة شرط في صحة الصلاة، فمن تركها مع القدرة عليها لم تصح صلاته وهو ~~قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة [رحمه الله]: لا تتعين، وهي رواية عن ~~أحمد، ويدل على الرواية الأولى ما روي في " الصحيحين " من حديث عبادة بن ~~الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ms0019 أنه قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة ~~الكتاب ". PageV01P013 # (2) سورة البقرة مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان فصل في فضيلتها روى ~~أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا تجعلوا بيوتكم ~~مقابر، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان ". # وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " اقرأوا ~~الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، ~~أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، اقرؤوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها ~~حسرة، ولا تستطيعها البطلة " والمراد بالزهراوين: المنيرتين. يقال لكل ~~مستنير: زاهر. والغياية: كل شئ أظل الانسان فوق رأسه، مثل السحابة والغبرة. ~~يقال: غايا عنه القوم فوق رأس فلان بالسيف، كأنهم أظلوه به. # قال لبيد: # فتدليت عليه قافلا * وعلى الأرض غيايات الطفل ومعنى فرقان: قطعتان. ~~والفرق: القطعة من الشئ. قال الله عز وجل: (فكان كل فرق كالطود العظيم). ~~والصواف: المصطفة المتضامة لتظل قارئها. والبطلة: السحرة. # فصل في نزولها قال ابن عباس: هي أول ما نزل بالمدينة، وهذا قول الحسن، ~~ومجاهد، وعكرمة، وجابر ابن زيد، وقتادة، ومقاتل. وذكر قوم أنها مدنية سوى ~~آية، وهي قوله [عز وجل]: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله). فإنها أنزلت ~~يوم النحر بمنى في حجة الوداع. PageV01P015 # بسم الله الرحمن الرحيم فصل ألم (1) فأما التفسير فقوله: (ألم) اختلف ~~العلماء فيها وفي سائر الحروف المقطعة في أوائل السور على ستة أقوال: ~~أحدها: أنها من المتشابه الذي لا يعلمه الا الله. قال أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه: لله عز وجل في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور، وإلى ~~هذا المعنى ذهب الشعبي، وأبو صالح، وابن زيد. # والثاني: أنها حروف من أسماء، فإذا ألفت ضربا من التأليف كانت أسماء من ~~أسماء الله عز وجل. قال علي بن أبي طالب عليه السلام: هي أسماء مقطعة لو ~~علم الناس تأليفها علموا اسم الله الذي إذا دعي به أجاب. # وسئل ابن عباس عن " آلر " و " حم " و " نون " فقال: ms0020 اسم الرحمن على ~~الجهاء، وإلى نحو هذا ذهب أبو العالية، والربيع بن أنس. # والثالث: أنها حروف أقسم الله بها، قاله ابن عباس، وعكرمة. قال ابن ~~قتيبة: ويجوز أن يكون أقسم بالحروف المقطعة كلها، واقتصر على ذكر بعضها كما ~~يقول القائل: تعلمت " أ ب ت ث " وهو يريد سائر الحروف، وكما يقول: قرأت ~~الحمد، يريد فاتحة الكتاب، فيسميها بأول حرف منها، وإنما أقسم بحروف المعجم ~~لشرفها وأنها مباني كتبه المنزلة، وبها يذكر ويوحد. قال ابن الأنباري: ~~وجواب القسم محذوف، تقديره: وحروف المعجم لقد بين الله لكم السبيل، وأنهجت ~~لكم الدلالات بالكتاب المنزل، وإما حذف لعلم المخاطبين به، ولأن في قوله: ~~(ذلك الكتاب لا ريب فيه) دليلا على الجواب. # والرابع: انه أشار بما ذكر من الحروف إلى سائرها، والمعنى: أنه لما كانت ~~الحروف أصولا للكلام المؤلف، أخبر أن هذا القرآن إنما هو مؤلف من هذه ~~الحروف، قاله الفراء، وقطرب. # فإن قيل: فقد علموا أنه حروف، فما الفائدة في أعلامهم بهذا؟ # فالجواب أنه نبه بذلك على إعجازه، فكأنه قال: هو من هذه الحروف التي ~~تؤلفون منها كلامكم، فما بالكم تعجزون عن معارضته؟! فإذا عجزتم فاعلموا أنه ~~ليس من قول محمد [عليه السلام]. PageV01P016 # والخامس: أنها أسماء للسور. روي عن زيد بن أسلم، وابنه، وأبي فاختة سعيد ~~بن علاقة مولى أم هانئ. # والسادس: أنها من الرمز الذي نستعمله العرب في كلامها. يقول الرجل للرجل: ~~هل تا؟ # فيقول له: بلى، يريد هل تأتي؟ فيكتفي بحرف من حروفه. وأنشدوا: # قلنا لها قفي لنا فقالت قاف أراد قالت: أقف. ومثله: # نادوهم ألا الجموا ألا تا * قالوا جميعا كلهم بلى فا يريد: ألا تركبون؟ ~~قالوا: بلى فاركبوا. ومثله: # بالخير خيرات وإن شرا فا * ولا أريد الشر إلا أن تا معناه: وإن شرا فشر ~~ولا أريد الشر إلا أن تشاء. وإلى هذا القول ذهب الأخفش والزجاج، وابن ~~الأنباري. # وقال أبو روق عطية بن الحارث الهمداني: كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يجهر بالقراءة في الصلوات كلها، وكان المشركون يصفقون ms0021 ويصفرون، فنزلت ~~هذه الحروف المقطعة، فسمعوها فبقوا متحيرين. # وقال غيره: إنما خاطبهم بما لا يفهمون ليقبلوا على استماعه، لأن النفوس ~~تطلع إلى ما غلب عنها، معناه، فإذا أقبلوا اليه خاطبهم بما يفهمون، فصار ~~ذلك كالوسيلة إلى الإبلاغ، إلا أنه لا بد له من معنى يعلمه غيرهم، يكون ~~معلوما عند المخاطب، فهذا الكلام يعم جميع الحروف. # وقد خص المفسرون قوله " آلم " بخمسة أقوال: # أحدها: أنه من المتشابه الذي لا يعلم معناه الا الله [عز وجل]، وقد سبق ~~بيانه. # والثاني: أن معناه: أنا الله أعلم. رواه أبوا الضحى عن ابن عباس، وبه قال ~~ابن مسعود، وسعيد بن جبير. # والثالث: أنه قسم. رواه أبو صالح عن ابن عباس، وخالد الحذاء عن عكرمة. # والرابع: أنها حروف من أسماء. # ثم فيها قولان: # أحدهما أن الألف من " الله " واللام من " جبريل " والميم من " محمد " ~~قاله ابن عباس. # فإن قيل: إذا كان قد تنوول فقال من كل اسم حرفه الأول اكتفاء به، فلم ~~أخذت اللام من جبريل وهي أخر الاسم؟! # فالجواب: أن مبتدأ القرآن من الله [تعالى]، فدل على ذلك بابتداء أول حرف ~~من اسمه، وجبريل انختم به التنزيل والإقراء، أي فتنوول من اسمه نهاية ~~حروفه، و " محمد " مبتدأ في الإقراء، PageV01P017 # فتنوول أول حروفه. والقول الثاني: أن الألف من " الله " [تعالى] واللام ~~من " لطيف " والميم من " مجيد " قاله أبو العالية. # والخامس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، والشعبي، وقتادة، وابن ~~جريج. # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) قوله [تعالى]: (ذلك) فيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى هذا، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والكسائي، ~~وأبي عبيدة، والأخفش. واحتج بعضهم بقول خفاف بن ندبة: # أقول له والرمح يأطر متنه * تأمل خفافا إنني أنا ذلكا أي: أنا هذا. وقال ~~ابن الأنباري: إنما أراد: أنا ذلك الذي تعرفه. # والثاني: أنها إشارة إلى غائب. # ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أراد به ما تقدم إنزاله عليه من القرآن. # والثاني: أنه أراد به ما وعده أن يوحيه اليه في قوله: (سنلقي ms0022 عليك قولا ~~ثقيلا). # والثالث: أنه أراد بذلك ما وعد به أهل الكتب السالفة، لأنهم وعدوا بنبي ~~وكتاب. # و (الكتاب). القرآن. وسمي كتابا، لأنه جمع بعضه إلى بعض، ومنه الكتيبة، ~~سميت بذلك لاجتماع بعضها إلى بعض. ومنه: كتبت البغلة. # قوله [تعالى]: (لا ريب فيه) الريب: الشك. والهدى: الإرشاد. والمتقون: # المحترزون مما اتقوه. # وفرق شيخنا علي بن عبيد الله بين التقوى والورع، فقال: التقوى: أخذ عدة، ~~والورع: # دفع شبهة، فالتقوى: متحقق السبب، والورع: مظنون المسبب. # واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ظاهرها النفي، ومعناها النهى، وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن ~~يرتاب به لإتقانه وإحكامه. ومثله: (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ). أي: ~~ما ينبغي لنا. ومثله: (فلا رفت ولا فسوق). وهذا مذهب الخليل وابن الأنباري. # والثاني: أن معناها: لا ريب فيه أنه هدى للمتقين. قاله المبرد. ~~PageV01P018 # والثالث: أن معناها: لا ريب فيه أنه من عند الله، قاله مقاتل في آخرين. ~~فان قيل: فقد ارتاب به قوم. # فالجواب: أنه حق في نفسه، فمن حقق النظر فيه علم. # فان قيل: فالمتقي مهتد، فما فائدة اختصاص الهداية به؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه أراد المتقين، والكافرين، فاكتفى بذكر أحد الفريقين، كقوله ~~[تعالى]: # (سرابيل تقيكم الحر). أراد: [المتقين والكافرين فاكتفى بذكر أحد ~~الفريقين] والبرد والثاني: أنه خص المتقين لانتفاعهم به، كقوله: (إنما أنت ~~منذر من يخشاها). وكان منذرا لمن يخشى ولمن لا يخشى. # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) قوله تعالى: ~~(الذين يؤمنون بالغيب) الايمان في اللغة: التصديق، والشرع أقره على ذلك، ~~وزاد فيه القول والعمل. وأصل الغيب: المكان المطمئن الذي يستتر فيه لنزوله ~~عما حوله، فسمي كل مستتر: غيبا. # وفي المراد بالغيب ها هنا ستة أقوال: # أحدها: أنه الوحي، قاله ابن عباس، وابن جريج. # والثاني: القرآن، قاله أبو رزين العقيلي، وزر بن حبيش. # والثالث: الله عز وجل، قاله عطاء، وسعيد بن جبير. # والرابع: ما غاب عن العياد من أمر الجنة والنار، ونحو ذلك مما ذكر في ms0023 ~~القرآن. رواه السدي عن أشياخه، وإليه ذهب أبو العالية، وقتادة. # والخامس: أنه قدر الله عز وجل، قاله الزهري. # والسادس: أنه الايمان بالرسول في حق من لم يره. قال عمرو بن مرة: قال ~~أصحاب عبد الله له: طوبى لك، جاهدت مع رسول الله [صلى الله عليه وآله ~~وسلم]، وجالسته. فقال: إن شأن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] كان ~~مبينا لمن رآه، ولكن أعجب من ذلك: قوم يجدون كتابا مكتوبا يؤمنون به ولم ~~يروه، ثم قرأ: (الذين يؤمنون بالغيب). # قوله [تعالى]: (ويقيمون الصلاة) الصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشريعة: ~~أفعال وأقوال على صفات مخصوصة. وفي تسميتها بالصلاة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها سميت بذلك لرفع الصلاة، وهو مغرز الذنب من الفرس. ~~PageV01P019 # والثاني: أنها من صليت العود إذا لينته، فالمصلي يلين ويخشع. # والثالث: أنها مبنية على السؤال والدعاء، والصلاة في اللغة الدعاء وهي في ~~هذا المكان اسم جنس. # قال مقاتل: أراد بها هاهنا: الصلوات الخمس. # وفي معنى إقامتها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تمام فعلها على الوجه المأمور به، روي عن ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أنه المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، قاله ~~قتادة، ومقاتل. # والثالث: أنه إدامتها، والعرب تقول في الشئ الراتب: قائم، وفلان يقيم ~~أرزاق الجند، قاله ابن كيسان. # قوله [تعالى]: (ومما رزقناهم) أي: أعطيناهم (ينفقون) أي يخرجون. وأصل ~~الإنفاق الإخراج. يقال: نفقت الدابة: إذا خرجت روحها. # وفي المراد بهذه النفقة أربعة أقوال: # أحدها: أنها النفقة على الأهل والعيال، قاله ابن مسعود، وحذيفة. # والثاني: أنها الزكاة المفروضة، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثالث: أنها الصدقات النوافل، قاله مجاهد والضحاك. # والرابع: أنها النفقة التي كانت واجبة قبل وجوب الزكاة، ذكره بعض ~~المفسرين، وقالوا: # إنه كان فرض على الرجل أن يمسك مما في يده مقدار كفايته يومه وليلته، ~~ويفرق باقيه على الفقراء. فعلى قول هؤلاء، الآية منسوخة بآية الزكاة، وغير ~~هذا القول أثبت. واعمل أن الحكمة في الجمع بين الإيمان بالغيب وهو عقد ~~القلب، وبين الصلاة وهي فعل البدن، وبين الصدقة وهو تكليف يتعلق ms0024 بالمال - ~~أنه ليس في التكليف قسم رابع، إذ ما عدا هذه الأقسام فهو ممتزج بين اثنين ~~منهما، كالحج والصوم ونحوهما. # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) ~~قوله [تعالى]: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك) اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، رواه الضحاك عن أبن ~~عباس، واختاره مقاتل. PageV01P020 # والثاني: أنها نزلت في العرب الذي آمنوا بالنبي وما أنزل من قبله. رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس، قال المفسرون: الذي أنزل اليه، القرآن. وقال شيخنا ~~علي بين عبيد الله: القرآن وغيره مما أوحي إليه. # قوله [تعالى]: (وما أنزل من قبلك) يعني الكتب المتقدمة والوحي، فأما ~~(الآخرة) فهي اسم لما بعد الدنيا، وسميت آخرة، لأن الدنيا قد تقدمتها. ~~وقيل: سميت آخرة لأنها نهاية الأمر. # قوله [تعالى]: (يوقنون) اليقين: ما حصلت به الثقة، وثلج به الصدر، وهو ~~أبلغ علم مكتسب. # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) قوله [تعالى]: (أولئك على ~~هدى) أي: على رشاد. وقال ابن عباس: على نور واستقامة. قال ابن قتيبة: ~~(المفلحون): الفائزون ببقاء الأبد. وأصل الفلاح: البقاء. ويشهد لهذا قول ~~لبيد: # نحل بلادا كلها حل قبلنا * ونرجوا الفلاح بعد عاد وحمير يريد: البقاء، ~~وقال الزجاج: المفلح: الفائز بما فيه غاية صلاح حاله. قال ابن الأنباري: # ومنه: حي على الفلاح، معناه: هلموا إلى سبيل الفوز ودخول الجنة. # إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) قوله ~~[تعالى]: (إن الذين كفروا) في نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في قادة الأحزاب، قاله أبو العالية. # والثاني: أنها نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، قاله الضحاك. # الثالث: أنها نزلت في طائفة من اليهود، ومنهم حيي بن أخطب، قاله ابن ~~السائب. # والرابع: أنها نزلت في مشركي العرب، كأبي جهل وأبي طالب وأبي لهب وغيرهم ~~ممن لم يسلم قال مقاتل. # فأما تفسيرها، فالكفر في اللغة: التغطية. تقول: كفرت الشئ إذا غطيته، ~~فسمي الكافر كافرا، لأنه يغطي الحق. ms0025 # قوله [تعالى]: (سواء عليهم) أي: متعادل ثم عندهم الانذار وتركه، ~~والانذار: إعلام مع تخويف، وتناذر بنو فلان هذا الأمر: إذا خوفه بعضهم ~~بعضا. PageV01P021 # قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية وردت بلفظ العموم، والمراد بها ~~الخصوص، لأنها آذنت بأن الكافر حين إنذاره لا يؤمن، وقد آمن كثير من الكفار ~~عند إنذارهم، ولو كانت على ظاهرها في العموم، لكان خبر الله لهم خلاف ~~مخبره، ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص. # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم غشوة ولهم عذاب عظيم (7) ~~قوله [تعالى]: (ختم الله على قلوبهم) الختم: الطبع، والقلب: قطعة من دم ~~جامدة سوداء، وهو مستكن في الفؤاد، وهو بين النفس، ومسكن العقل، وسمي قلبا ~~لتقلبه. وقيل: # لأنه خالص البدن، وإنما خصه بالختم لأنه محل الفهم. # قوله [تعالى]: (وعلى سمعهم) يريد: على أسماعهم، فذكره بلفظ التوحيد، ~~ومعناه: # الجمع، ونظيره قوله تعالى: (ثم يخرجكم طفلا). # وأنشدوا من ذلك: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا * فأن زمانكم زمن خميص أي: في أنصاف بطونكم. ~~ذكر هذا القول أبو عبيدة، والزجاج. وفيه وجه آخر، وهو أن العرب تذهب بالسمع ~~مذهب المصدر، والمصدر يوحد، تقول: يعجبني حديثكم، ويعجبني ضربكم. فأما ~~البصر والقلب فهما اسمان لا يجريان مجرى المصادر في مثل هذا المعنى. ذكره ~~الزجاج، وابن القاسم. وقد قرأ عمرو بن العاص، وأبن أبي عبلة: (ولا وعلى ~~أسماعهم). # قوله [تعالى]: (وعلى أبصارهم غشاوة) الغشاوة الغطاء قال الفراء: أما قريش ~~وعامة العرب، فيكسرون الغين من " غشاوة "، وعكل يضمون الغين، وبعض العرب ~~يفتحها، وأظنها لربيعة. وروى المفضل عن عاصم " غشاوة " بالنصب على تقدير: ~~جعل على أبصارهم غشاوة. فأما العذاب، فهو الألم المستمر، وماء عذب: إذا ~~استمر في الحلق سائغا. # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين (8) قوله ~~[تعالى]: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها في المنافقين، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال ~~أبو العالية، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أنها في منافقي أهل الكتاب. رواه ms0026 أبو صالح عن ابن عباس. وقال ~~ابن سيرين PageV01P022 # كانوا يتخوفون من هذه الآية. وقال قتادة: هذه الآية نعت المنافق، يعرف ~~بلسانه، وينكر بقلبه، ويصدق بلسانه، ويخالف بعمله، ويصبح على حالة ويمسي ~~على غيرها، ويتكفأ تكفؤ السفينة، كلما هبت ريح هب معها. # يخدعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) قوله ~~[تعالى]: (يخادعون الله). # قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، والجد بن القيس، إذا ~~لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، ونشهد أن صاحبكم صادق، فإذا خلوا لم يكونوا ~~كذلك، فنزلت هذه الآية. # فأما التفسير، فالخديعة: الحيلة والمكر، وسميت خديعة، لأنها تكون في ~~خفاء. # والمخدع: بيت داخل البيت تختفي فيه المرأة، ورجل خادع: إذا فعل الخديعة، ~~سواء حصل مقصوده أو لم يحصل، فإذا حصل مقصوده، قيل: قد خدع. وانخدع الرجل: ~~استجاب للخادع، حدثنا سواء تعمد الاستجابة أو لم يقصدها، والعرب تسمي الدهر ~~خداعا، لتلونه بما يخفيه من خير وشر. # وفي معنى خداعهم الله خمسة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا يخادعون المؤمنين، فكأنهم خادعوا الله. روي عن ابن ~~عباس، واختاره ابن قتيبة. # والثاني: أنهم كانوا يخادعون نبي الله، فأقام الله نبيه مقامه، كما قال: ~~(إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) قاله الزجاج. # والثالث: أن الخادع عند العرب: الفاسد. وأنشدوا: # طيب اللون إذا الريق خدع أي: فسد. رواه محمد بن القاسم عن ثعلب عن ابن ~~الأعرابي. قال ابن القاسم: فتأويل: # يخادعون الله: يفسدون ما يظهرون من الايمان بما يضمرون من الكفر. # والرابع: أنهم كانوا يفعلون في دين الله ما لو فعلوه بينهم كان خداعا. # والخامس: أنهم كانوا يخفون كفرهم، ويظهرون الإيمان به. # قوله [تعالى]: (وما يخدعون إلا أنفسهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: ~~(وما يخادعون) وقرأ الكوفيون، وابن عامر: (يخدعون) * والمعنى: أن وبال ذلك ~~الخداع عائد عليهم. # ومتى يعود وبال خداعهم عليهم؟ فيه قولان: PageV01P023 # أحدهما: في دار الدنيا، وذلك بطريقين: أحدهما: بالاستدراج والإمهال الذي ~~يزيدهم عذابا. # والثاني: باطلاع النبي والمؤمنين على أحوالهم التي أسروها. # والقول الثاني: أن عود ms0027 الخداع عليهم في الآخرة. وفي ذلك قولان: # أحدهما: أنه يعود عليهم عند ضرب الحجاب بينهم وبين المؤمنين، وذلك قوله: ~~(قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب) الآية... # والثاني: أنه يعود عليهم عند اطلاع أهل الجنة عليهم، فإذا رأوهم طمعوا في ~~نيل راحة من قبلهم، فقالوا: (أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) ~~فيجيبونهم: (إن الله حرمهما على الكافرين). # قوله [تعالي]: (وما يشعرون) أي: وما يعلمون. وفي الذي لم يشعروا به ~~قولان: # أحدهما: أنه اطلاع الله نبيه على كذبهم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه إضرارهم بأنفسهم بكفرهم، قاله ابن زيد. # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) ~~قوله [تعالى] (في قلوبهم مرض) المرض ها هنا: الشك، قاله عكرمة، وقتادة. # (فزادهم الله مرضا) هذا الإخبار من الله عز وجل أنه فعل بهم ذلك، و " ~~الأليم " بمعنى المؤلم، والجمهور يقرأون (يكذبون) بالتشديد، وقرأ الكوفيون ~~سوى أبان، عن عاصم بالتخفيف مع فتح الياء. # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) قوله ~~[تعالى]: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله [صلى الله ~~عليه وآله وسلم]، وهو قول الجمهور، منهم ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أن المراد بها قوم لم يكونوا خلقوا حين نزولها، قاله سلمان ~~الفارسي. وكان الكسائي يقرأ بضم القاف من " قيل " والحاء من " حيل " والغين ~~من " غيض " والجيم من " جئ "، والسين من " سئ " و " سيئت ". وكان نافع يضم ~~" سئ " و " سيئت "، ويكسر البواقي، والآخرون يكسرون جميع ذلك. # وقال الفراء: أهل الحجاز من قريش ومن جاورهم من بني كنانة يكسرون القاف ~~في " قيل " PageV01P024 # و " جئ " و " غيض "، وكثير من عقيل ومن جاورهم وعامة أسد، يشيرون إلى ~~الضم من " قيل " و " جئ ". # أحدها: أنه الكفر، قال ابن عباس. # والثاني: العمل بالمعاصي، قاله أبو العالية، ومقاتل. # والثالث: أنه الكفر والمعاصي، قاله السدي عن أشياخه. # والرابع: أنه ترك امتثال ms0028 الأوامر، واجتناب النواهي، قاله مجاهد. # والخامس: أنه النفاق الذي صادفوا به الكفار، وأطلعوهم على أسرار ~~المؤمنين، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله. # قوله [تعالى]: (إنما نحن مصلحون) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أن معناه إنكار ما فرقوا به، وتقديره: ما فعلنا شيئا يوجب الفساد. # والثاني: أن معناه: إنا نقصد الإصلاح بين المسلمين [والكافرين] والقولان ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنهم أرادوا: في مصافاة الكفار صلاح لا فساد، قاله مجاهد، ~~وقتادة. # والرابع: أنهم أرادوا أن فعلنا هذا هو الصلاح، وتصديق محمد هو الفساد، ~~قاله السدي. # والخامس: أنهم ظنوا أن مصافاة الكفا صلاح في الدنيا لا في الله، لأنهم ~~اعتقدوا أن الدولة إن كانت للنبي [صلى الله عليه وآله وسلم] فقد أمنوه ~~بمبايعته وإن كانت للكفار فقد أمنوهم بمصافاتهم، ذكره شيخنا. # ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) قوله [تعالى]: (ألا إنهم هم ~~المفسدون) قال الزجاج: ألا: كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب، يدل على صحة ~~ما بعدها. و " هم ": تأكيد للكلام. # وفي قوله [تعالى]: (ولكن لا يشعون) قولان: # وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) أحدهما: لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على ~~فسادهم. # والثاني: لا يشعرون أن ما فعلون فساد، لا صلاح. # قوله [تعالى]: (وإذا قيل لهم آمنوا) في المقول لهم قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: المنافقون، قاله مجاهد، وابن زيد، وفي القائلين لهم قولان: # أحدهما: انهم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قاله ابن عباس، ولم ~~يعين أحدا من أصحابه. PageV01P025 # والثاني: أنهم معينون، وهم سعد بن معاذ، وأبو لبابة، وأسيد، ذكره مقاتل. ~~وفي الإيمان الذي دعوا إليه قولان: # أحدهما: أنه التصديق بالنبي، وهو قول من قال: هم اليهود. # والثاني: أنه العمل بمقتضى ما أظهروه، وهو قول من قال: هم المنافقون. # وفي المراد بالناس ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: جميع الصحابة، قاله ابن عباس. # والثاني: عبد الله بن سلام: ومن أسلم معه من اليهود، قاله ms0029 مقاتل. # والثالث: معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وجماعة من وجوه ~~الأنصار، عدهم الكلبي. وفيمن عنوا بالسفهاء ثلاثة أقوال: # أحدها: جميع الصحابة، قاله ابن عباس. # والثاني: النساء والصبيان، قاله الحسن. # والثالث: ابن سلام وأصحابه، قاله مقاتل. وفيما عنوه بالغيب من إيمان ~~الذين زعموا أنهم السفهاء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أرادوا دين الإسلام، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: أنهم أرادوا البعث والجزاء، قاله مجاهد. والثالث: أنهم عنوا ~~مكاشفة الفريقين بالعداوة من غير نظر في عاقبة، وهذا الوجه والذي قبله يخرج ~~على أنهم المنافقون، والأول يخرج على أنهم اليهود. قال ابن قتيبة: ~~والسفهاء: الجهلة، يقال: سفه فلان رأيه إذا جهله، ومنه قيل للبذاء: سفه، ~~لأنه جهل. قال الزجاج: وأصل السفه في اللغة: خفة الحلم، ويقال: ثوب سفيه: ~~إذا كان رقيقا باليا، وتسفهت الريح الشجر: إذا مالت به. قال الشاعر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم قوله [تعالى]: ~~(ولكن لا يعلمون). # قال مقاتل: لا يعلمون أنهم هم السفهاء. # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما ~~نحن مستهزءون (14) قوله [تعالى]: (وإذا لقوا الذين آمنوا). # اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه. قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في المنافقين وغيرهم من أهل الكتاب الذين كانوا ~~يظهرون للنبي [صلى الله عليه وآله وسلم] PageV01P026 # من الإيمان ما يلقون رؤساءهم بضده، قاله الحسن. # فأما التفسير: ف‍ " إلى ": بمعنى " مع " والشياطين: جمع شيطان، قال ~~الخليل: كل متمرد عند العرب شيطان. وفي هذا الاسم قولان: # أحدهما: أنه من شطن، أي: بعد عن الخير، فعلى هذا تكون النون أصلية. # قال أمية بن أبي الصلت في صفة سليمان عليه السلام: # أيما شاطن عصاه عكاه * ثم يلقى في السجن والأغلال عكاه: أوثقه. وقال ~~النابغة: # نأت بسعاد عنك نوى شطون * فبانت والفؤاد لها رهين والثاني: أنه من شاط ~~يشيط: إذا التهب واحترق، فتكون النون زائدة. وأنشدوا: # وقد يشيط على أرماحنا البطل أي: يهلك. # وفي ms0030 المراد: بشياطينهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم رؤوسهم في الكفر، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، ~~والسدي. # والثاني: إخوانهم من المشركين، قاله أبو العالية، ومجاهد. # والثالث: كهنتهم، قاله الضحاك، والكلبي. # قوله [تعالى]: (إنا معكم). # فيه قولان: # أحدهما: أنهم أرادوا: إنا معكم على دينكم. # والثاني: إنا معكم على النصرة والمعاضدة. والهزء: السخرية. # الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) قوله [تعالى]: (يستهزئ ~~بهم). # اختلف العلماء في المراد، باستهزاء بهم على تسعة أقوال: # أحدها: أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار، فيسرعون إليه فيغلق، ثم ~~يفتح لهم باب آخر، فيسرعون فيغلق، فيضحك منهم المؤمنون. روي عن ابن عباس. # والثاني: أنه إذا كان يوم القيامة جمدت النار لهم كما تجمد الإهالة في ~~القدر، فيمشون فتنخسف بهم. روي عن الحسن البصري. # والثالث: أن الاستهزاء بهم: إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب، ~~باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، فيبقون في الظلمة، فيقال لهم: ~~(ارجعوا وراءكم فالتمسوا PageV01P027 # نورا) قاله مقاتل. # والرابع: أن المراد به: يجازيهم على استهزائهم، فقوبل اللفظ بمثله لفظا ~~وإن خالفه معنى، فهو كقوله [تعالى]: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله: (فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) قال عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا أراد: فنعاقبه بأغلظ ~~من عقوبته. # والخامس: أن الاستهزاء من الله تعالى التخطئة لهم، والتجهيل، فمعناه: ~~الله يخطئ فعلهم، ويجهلهم في الإقامة على كفرهم. # والسادس: أن استهزاءه: استدراجه إياهم. # والسابع: أنه إيقاع استهزائهم بهم، ورد خداعهم ومكرهم عليهم. ذكر هذا ~~الأقوال محمد بن القاسم الأنباري. # والثامن: أن الاستهزاء بهم أن يقال لأحدهم في النار وهو في غاية الذل: ~~(ذق إنك أنت العزيز الكريم) والتاسع: أنه لما أظهروا من أحكام إسلامهم في ~~الدنيا خلاف ما أبطن لهم في الآخرة، كان كالاستهزاء بهم. # قوله [تعالى]: (ويمدهم). # فيه أربعة أقوال: # أحدها: يمكن لهم، قاله ابن مسعود. # والثاني: يملي لهم، قاله ابن عباس. # والثالث: يزيدهم، قاله مجاهد. # والرابع: يمهلهم، قاله الزجاج. # والطغيان: الزيادة على القدر، والخروج عن ms0031 حيز الاعتدال في الكثرة، يقال: ~~طغى البحر: # إذا هاجت أمواجه، وطغى السيل: إذا جاء بماء كثير. وفي المراد بطغيانهم ~~قولان: # أحدهما: أنه كفرهم، قاله الجمهور. # والثاني: أنه عتوهم وتكبرهم، قاله ابن قتيبة. و " يعمهون " بمعنى: ~~يتحيرون، يقال: # رجل عمه وعامه، أي: متحير. PageV01P028 # قال الراجز: # ومهمه يجتبنه في مهمه * أعمى الهدى بالجاهلين العمة وقال ابن قتيبة: ~~يعمهون: يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون. # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~(16) قوله [تعالى]: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى). # في نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في جميع الكفار، قاله ابن مسعود، وابن عباس. # والثاني: أنها في أهل الكتاب، قاله قتادة والسدي ومقاتل. # والثالث: أنها في المنافقين، قاله مجاهد. واشتروا: بمعنى استبدلوا، ~~والعرب تجعل من آثر شيئا على شئ مشتريا له، وبائعا للآخر. والضلالة والضلال ~~بمعنى واحد. # وفيها للمفسرين ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المارد بها ها هنا الكفر، والمراد بالهدى: الإيمان، روي عن ~~الحسن وقتادة والسدي. # والثاني: أنها الشك، والهدى: اليقين. # والثالث: أنها الجهل، والهدى: العلم. # وفي كيفية استبدالهم الضلالة بالهدى ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم آمنوا ثم كفروا، قاله مجاهد. # والثاني: أن اليهود آمنوا بالنبي قبل مبعثه، فلما بعث كفروا به، قاله ~~مقاتل. # والثالث: أن الكفار لما بلغهم ما جاء به النبي من الهدى فردوه واختاروا ~~الضلال، كانوا كمن أبدل شيئا بشئ، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله. # وقوله [تعالى]: (فما ربحت تجارتهم). # من مجاز الكلام، لأن التجارة لا تربح، وإنما يربح فيها، ومثله قوله ~~تعالى: (بل مكر الليل والنهار) يريد: بل مكرهم في الليل والنهار. ومثله ~~(فإذا عزم الأمر) أي: عزم عليه. # وأنشدوا: # حارث قد فرجت عني همي * فنام ليلي وتجلى غمي والليل لا ينام، بل ينام ~~فيه، وإنما يستعمل مثل هذا فيما يزول فيه الإشكال، ويعلم مقصود PageV01P029 # قائله، فأما إذا أضيف إلى ما يصلح أن يوصف به، وأريد به ما سواه، لم يجز، ~~مثل أن يقول: # ربح عبدك، وتريد: ربحت في عبدك. وإلى هذا المعنى ذهب الفراء وابن قتيبة ms0032 ~~والزجاج. # قوله [تعالى]: (وما كانوا مهتدين). # فيه خمسة أقوال: # أحدها: وما كانوا في علم الله مهتدين. # والثاني: وما كانوا مهتدين من الضلالة. # والثالث: وما كانوا مهتدين إلى تجارة المؤمنين. # والرابع: وما كانوا مهتدين في اشتراء الضلالة. # والخامس: أنه قد لا يربح التاجر، ويكون على هدى من تجارته، غير مستحق ~~للذم فيما اعتمده، فنفى الله عز وجل عنهم الأمرين، مبالغة في ذمهم. # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) قوله [تعالى]: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا). # هذه الآية نزلت في المنافقين. والمثل بتحريك الثاء: ما يضرب ويوضع لبيان ~~النظائر في الأحوال. وفي قوله [تعالى] " استوقد " قولان: # أحدهما: أن السين زائدة، وأنشدوا: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب أراد: فلم ~~يجبه، وهذا قول الجمهور، منهم الأخفش وابن قتيبة. # والثاني: أن السين داخلة للطلب، أراد: كمن طلب من غيره نارا. # وفي " أضاءت " قولان: # أحدهما: أنه من الفعل المتعدي، قال الشاعر: # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وقال الآخر: # أضاءت لنا النار وجها أغر * ملتبسا بالفؤاد التباسا والثاني: أنه من ~~الفعل اللازم. قال أبو عبيد: يقال: أضاءت النار، وأضاءها غيرها. وقال ~~الزجاج: يقال: ضاء القمر، وأضاء. # وفي " ما " قولان: # أحدهما: أنها زائدة، تقديره: أضاءت حوله. PageV01P030 # والثاني: أنها بمعنى الذي. وحول الشئ: ما دار من جوانبه. والهاء: عادة ~~على المستوقد، فإن قيل: كيف وحد، فقال: " كمثل الذي " * ثم جمع فقال: " ذهب ~~الله بنورهم "؟ فالجواب: أن ثعلبا حكى عن الفراء أنه قال: إنما ضرب المثل ~~للفعل، لا لأعيان الرجال، وهو مثل للنفاق. وإنما قال: " ذهب الله بنورهم " ~~لأن المعنى ذاهب إلى المنافقين، فجمع لذلك. قال ثعلب: وقال غير الفراء: ~~معنى الذي: الجمع، وحد أولا للفظه، وجمع بعد لمعناه، كما قال الشاعر: # فان الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد فجعل " الذي " ~~جمعا. # فصل اختلف العلماء في الذي ضرب الله تعالى له هذا ms0033 المثل من أحوال ~~المنافقين على قولين: # أحدهما: أنه ضرب بكلمة الإسلام التي يلفظون بها، ونورها صيانة النفس وحقن ~~الدماء، فإذا ماتوا سلبهم الله ذلك العز، كما سلب صاحب النار ضوءه. وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس. # [والثاني: أنه ضرب لإقبالهم على المؤمنين وسماعهم ما جاء به الرسول، ~~فذهاب نورهم: # إقبالهم على الكافرين والضلال، وهذا قول مجاهد. # وفي المراد ب‍ " الظلمات " ها هنا أربعة أقوال: # أحدها: العذاب، قاله ابن عباس]. # والثاني: ظلمة الكفر، قاله مجاهد. # والثالث: ظلمة يلقيها الله عليهم بعد الموت، قاله قتادة. # والرابع: أنها نفاقهم، قاله السدي. # فصل وفي ضرب المثل لهم بالنار ثلاث حكم: # إحداهن: أن المستضئ بالنار مستضئ بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، فإذا ~~ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، فكأنهم لما أقروا بألسنتهم من غير اعتقاد ~~قلوبهم، كان نور إيمانهم كالمستعار. PageV01P031 # والثانية: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة الحطب، فهو له كغذاء ~~الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة الاعتقاد ليدوم. # والثالثة: أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد ~~معها ضياء، فشبه حالهم بذلك. # صم بكم عمى فهم لا يرجعون (18) قوله [تعالى]: (صم بكم عمي). # الصمم: انسداد منافذ السمع، وهو أشد من الطرش. وفي البكم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الخرس، قاله مقاتل، وأبو عبيد، وابن فارس. # والثاني: أنه عيب في اللسان لا تتمكن معه من النطق، وقيل: إن الخرس يحدث ~~عنه. # والثالث: أنه عيب في الفؤاد يمنعه أن يعي شيئا فيفهمه، فيجمع بين الفساد ~~في محل الفهم ومحل النطق. ذكر هذين القولين شيخنا. # قوله [تعالى]: (فهم لا يرجعون). # فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يرجعون عن ضلالتهم، قاله قتادة ومقاتل. # والثاني: لا يرجعون إلى الإسلام، قاله السدي. # والثالث: لا يرجعون عن الصمم والبكم والعمى، وإنما أضاف الرجوع إليهم، ~~لأنهم انصرفوا باختيارهم، لغلبة أهوائهم عن تصفح الهدى بآلات التصفح، ولم ~~يكن بهم صمم ولا بكم حقيقة، ولكنهم لما التفتوا عن سماع الحق والنطق به، ~~كانوا كالصمم البكم، والعرب ms0034 تسمي المعرض عن الشئ: أعمى، والملتفت عن سماعه: ~~أصم، قال مسكين الدارمي: # ما ضر لي جارا أجاوره * ألا يكون لبابه ستر أعمى إذا ما جارتي خرجت * حتى ~~يواري جارتي الخدر وتصم عما بينهم أذني * حتى يكون كأنه وقر أو كصيب من ~~السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ~~والله محيط بالكافرين (19) قوله [تعالى]: (أو كصيب من السماء). أو، حرف ~~مردود على قوله: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) واختلف العلماء فيه على ستة ~~أقوال: # أحدها: أنه داخل هاهنا للتخيير، تقول العرب: جالس الفقهاء أو النحويين، ~~ومعناه: أنت PageV01P032 # مخير في مجالسة أي الفريقين شئت، فكأنه خيرنا بين أن نضرب لهم المثل ~~الأول أو الثاني. والثاني: أنه داخل للابهام فيما قد علم الله تحصيله، ~~فأبهم عليهم ما لا يطلبون تفصيله، فكأنه قال: مثلهم كأحد هذين، ومثله قوله ~~تعالى: (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) والعرب تبهم ما لا فائدة في تفصيله. قال ~~لبيد: # تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر أي: هل أنا ~~إلا من أحد هذين الفريقين، وقد فنيا، فسبيلي أن أفنى كما فنيا. # والثالث: أنه بمعنى: بل. وأنشد الفراء: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أو أنت في العين أملح ~~والرابع: أنه للتفصيل، ومعناه: بعضهم يشبه بالذي استوقد نارا، وبعضهم ~~بأصحاب الصيب. ومثله قوله تعالى: (كونوا هودا أو نصارى) معناه: قال بعضهم، ~~وهو اليهود: كونوا هودا، وقال النصارى: كونوا نصارى. وكذلك قوله: (فجاءها ~~بأسنا بياتا أو هم قائلون) جاء بعضهم بأسنا وقت القائلة. # والخامس: أنه بمعنى الواو. ومثله قوله تعالى: (أن تأكلوا من بيوتكم أو ~~بيوت آبائكم) قال جرير: # نال الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر السادس: أنه ~~للشك في حق المخاطبين، إذ الشك مرتفع عن الحق عز وجل، ومثله قوله تعالى: ~~(وهو أهون عليه) يريد: الإعادة أهون من الابتداء فيما تظنون. # فأما التفسير فمعنى الكلام: أو كأصحاب صيب، فأضمر الأصحاب، لأن في قوله ms0035 ~~(يجعلون أصابعهم في آذانهم)، دليلا عليه. والصيب: المطر. قال ابن قتيبة: هو ~~فيعل [من صاب يصوب: إذا نزل من السماء، وقال الزجاج: كل نازل من علو إلى ~~استفال، فق] صاب يصوب، قال الشاعر: # كأنهم صابت عليهم سحابة * صواعقها لطيرهن دبيب وفي الرعد ثلاثة أقوال: ~~PageV01P033 # أحدها: أنه صوت ملك يزجر السحاب، وقد روي هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وبه قال ابن عباس ومجاهد. وفي رواية عن مجاهد: ~~أنه صوت ملك يسبح. وقال عكرمة: هو ملك يسوق السحاب كما يسوق الحادي وراعي ~~الإبل. # والثاني: أنه ريح تختنق بين السماء والأرض. وقد روي عن أبي الجلد أنه ~~قال: الرعد: # الريح. واسم أبي الجلد: جيلان بن أبي فروة البصري، وقد روى عنه قتادة. # والثالث: أنه اصطكاك أجرام السحاب، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. # وفي البرق ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه مخاريق يسوق بها الملك السحاب، روي هذا المعنى مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قول علي بن أبي طالب. وفي رواية عن علي ~~قال: هو ضربة بمخراق من حديد. وعن ابن عباس: أنه ضربة بسوط من نور. قال ابن ~~الأنباري: المخاريق: ثياب تلف، ويضرب بها بعض القوم بعضا، فشبه السوط الذي ~~يضرب به السحاب بذلك المخراق. # قال عمرو بن كلثوم: # كأن سيوفنا فينا وفيهم * مخاريق بأيدي لاعبينا وقال مجاهد: البرق: مصع ~~ملك، والمصع: الضرب والتحريك. # والثاني: أن البرق: الماء، قاله أبو الجلد. وحكى ابن فارس أن البرق: ~~تلألؤ الماء. # والثالث: أنه نار تتقدح بين من اصطكاك أجرام السحاب لسيره، وضرب بعضه ~~لبعض، حكاه شيخنا. # والصواعق: جمع صاعقة، وهي صوت شديد من صوت الرعد يقع معه قطعة من نار ~~تحرق ما تصيبه. وروي عن شهر بن حوشب: أن الملك الذي يسوق السحاب، إذا اشتد ~~غضبه، طار من فيه النار، فهي الصواعق. وقال غيره: هي نار تنقدح من اصطكاك ~~أجرام السحاب. قال ابن قتيبة: وإنما سميت صاعقة، لأنها إذا أصابت قتلت، ~~يقال: صعقتهم أي: قتلتهم. # قوله [تعالى]: (والله ms0036 محيط بالكافرين). # فيه ثلاثة أقوال: PageV01P034 # أحدها: أنه لا يفوته أحد منهم، فهو جامعهم يوم القيامة. ومثله قوله ~~[تعالى]: (أحاط بكل شئ علما) قاله مجاهد. # والثاني: أن الإحاطة: الإهلاك، مثل قوله [تعالى] (وأحيط بثمره). # والثالث: أنه لا يخفى عليه ما يفعلون. # يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ~~ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير (20) قوله ~~تعالى: (يكاد البرق يخطف أبصارهم). يكاد بمعنى: يقارب، وهي كلمة إذا أثبتت ~~انتفى الفعل، وإذا نفيت ثبت الفعل. وسئل بعض المتأخرين فقيل له: # أنحوي هذا العصر ما هي كلمة * جرت بلساني جرهم وثمود إذا نفيت والله يشهد ~~أثبتت * وإن أثبتت قامت مقام جحود ويشهد للإثبات عند النفي قوله تعالى: (لا ~~يكادون يفقهون حديثا) وقوله (إذا أخرج يده لم يكد يراها) ومثله (لا يكاد ~~يبين) ويشهد للنفي عند الإثبات قوله [تعالى] (يكاد البرق) و (يكاد سنا ~~برقه) و (يكاد زيتها يضئ). وقال ابن قتيبة: كاد: بمعنى هم ولم يفعل. وقد ~~جاءت بمعنى فعل. قال ذو الرمة: # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت * لعينيه مي سافرا كاد يبرق أي لو تعرضت له ~~لبرق، أي: دهش وتحير. # قلت: وقد قال ذو الرمة في المنفية ما يدل على أنها تستعمل على خلاف ~~الأصل، وهو قوله: # إذا غير النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب مية يبرح أراد: لم ~~يبرح. # قوله [تعالى]: (يخطف أبصارهم). # قرأ الجمهور يخطف بفتح الياء، وسكون الخاء وفتح الطاء، وقرأ أبان بن ~~تغلب. وأبان بن يزيد كلاهما عن عاصم، بفتح الياء وسكون الخاء، وكسر الطاء ~~مخففا. ورواه الجعفي عن أبي بكر عن عاصم، بفتح الياء وكسر الخاء، وتشديد ~~الطاء، وهي قراءة الحسن، وعن الحسن كذلك، PageV01P035 # إلا أنه كسر الياء. وعنه: فتح الياء والخاء مع كسر الطاء المشددة. # ومعنى " يخطف ": يستلب، وأصل الاختطاف: الاستلاب، ويقال لما يخرج به ~~الدلو: # خطاف، لأنه يختطف ما علق به. قال النابغة: # خطاطيف حجن في حبال متينة * تمد بها أيد إليك ms0037 نوازع والحجن المتعقفة وجمل ~~خيطف: سريع المر، وتلك السرعة الخطفى. # قوله [تعالى]: (كلما أضاء لهم). # قال الزجاج: يقال: ضاء الشئ يضوء، وأضاء يضئ، وهذه اللغة الثانية هي ~~المختارة. # فصل واختلف العلماء ما الذي يشبه الرعد مما يتعلق بأحوال المنافقين على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التخويف الذي في القرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ما يخافون أن يصيبهم من المصائب إذا علم النبي والمؤمنون ~~بنفاقهم، قاله مجاهد والسدي. # والثالث: أنه ما يخافونه من الدعاء إلى الجهاد، وقتال من يبطنون مودته، ~~مع ذكره شيخنا. # واختلفوا: ما الذي يشبه البرق من أحوالهم على ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه ما يتبين لهم من مواعظ القرآن وحكمه. # والثاني: أنه ما يضئ لهم من نور إسلامهم الذي يظهرونه. # والثالث: أنه مثل لما ينالونه باظهار الإسلام من حقن دمائهم، فإنه ~~بالإضافة إلى ما ذخر لهم في الأجل كالبرق. # واختلفوا في معنى قوله: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق) على ~~قولين: # أحدهما: أنهم كانوا يفرون من سماع القرآن لئلا يأمرهم بالجهاد مخالفة ~~الموت، قاله الحسن والسدي. # والثاني: أنه مثل لإعراضهم عن القرآن كراهية له، قاله مقاتل. # واختلفوا في معنى (كلما أضاء لهم مشوا فيه) على أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه: كلما أتاهم القرآن بما يحبون تابعوه، قاله ابن عباس ~~والسدي. # والثاني: أن إضاءة البرق حصول ما يرجونه من سلامة نفوسهم وأموالهم ~~فيسرعون إلى متابعته، قاله قتادة. # والثالث: أنه تكلمهم بالاسلام، ومشيهم فيه اهتداؤهم به، فإذا تركوا ذلك ~~سعيد وقفوا في ضلالة، قاله مقاتل. PageV01P036 # والرابع: أن إضاءته لهم: تركهم بلا ابتلاء ولا امتحان، ومشيهم فيه: ~~إقامتهم على المسالمة بإظهار ما يظهرونه. ذكره شيخنا. # فأما قوله [تعالى]: (وإذا أظلم عليهم) فمن قال: إضاءته: إتيانه إياهم بما ~~يحبون قال: إظلامه: إتيانه إياهم بما يكرهون. وعلى هذا سائر الأقوال التي ~~ذكرناها بالعكس. # ومعنى (قاموا): وقفوا. # قوله [تعالى]: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) قال مقاتل: معناه: لو ~~شاء لأذهب أسماعهم وأبصارهم عقوبة لهم. قال مجاهد: من أول البقرة أربع آيات ~~في نعت المؤمنين، ms0038 وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في نعت المنافقين. # يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) ~~قوله [تعالى]: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم). # اختلف العلماء فيمن عنى بهذا الخطاب على أربعة أقوال: # أحدها: أنه عام في جميع الناس، وهو قول ابن عباس. # والثاني: أنه خطاب لليهود دون غيرهم، قاله الحسن ومجاهد. # والثالث: أنه خطاب للكفار من مشركي العرب وغيرهم، قاله السدي. # والرابع: أنه خطاب للمنافقين واليهود، قاله مقاتل. و (الناس) اسم للحيوان ~~الآدمي وسموا بذلك لتحركهم في مراداتهم. وقيل: سموا ناسا لما يعتريهم من ~~النسيان. # وفي المراد بالعبادة ها هنا قولان: # أحدهما: التوحيد، والثاني: الطاعة، رويا عن ابن عباس. والخلق: والإيجاد. ~~وإنما ذكر من قبلهم، لأنه أبلغ في التذكير، وأقطع للجحد، وأحوط في الحجة. ~~وقيل: إنما ذكر من قبلهم، لينبههم على الاعتبار بأحوالهم من إثابة مطيع، ~~ومعاقبة عاص. # وفي (لعل) قولان: # أحدهما: أنها بمعنى كي، وأنشدوا في ذلك: # وقلتم لنا كفوا الحروب لعنا * نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب ~~كانت عهودكم * كلمع سراب في الملا متألق يريد: لكي نكف، وإلى هذا المعنى ~~ذهب مقاتل وقطرب وابن كيسان. PageV01P037 # والثاني: أنها بمعنى الترجي، ومعناها: اعبدوا الله راجين للتقوى، ولأن ~~تقوا أنفسكم بالعبادة - عذاب ربكم. وهذا قول سيبويه. قال ابن عباس: لعلكم ~~تتقون الشرك، وقال الضحاك: لعلكم تتقون النار. وقال مجاهد: لعلكم تطيعون. # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) قوله [تعالى]: ~~(الذي جعل لكم الأرض فراشا). # إنما سميت الأرض أرضا لسعتها، وقيل: لانحطاطها عن السماء، وكل ما سفل: ~~أرض، وقيل: لأن الناس يرضونها بأقدامهم، وسميت السماء سماء لعلوها. قال ~~الزجاج: وكل ما علا على الأرض فاسمه بناء، وقال ابن عباس: البناء هاهنا ~~بمعنى السقف. # قوله [تعالى]: (وأنزل من السماء ماء) يعني: من السحاب ماء يعني المطر. # (فلا تجعلوا لله أندادا) يعني: شركاء، أمثالا، يقال: هذا ند هذا، ونديده. ~~وفيما ms0039 أريد بالأنداد هاهنا قولان: # أحدهما: الأصنام، قاله ابن زيد. # والثاني: رجال كانوا يطيعونهم في معصية الله، قاله السدي. # قوله [تعالى]: (وأنتم تعلمون). # فيه ستة أقوال: # أحدهما: وأنتم تعلمون أنه خلق السماء. وأنزل الماء، وفعل ما شرحه في هذه ~~الآيات، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة ومقاتل. # والثاني: وأنتم تعلمون أنه ليس ذلك في كتابكم التوراة والإنجيل، روي عن ~~ابن عباس أيضا، وهو يخرج على قول من قال: الخطاب لأهل الكتاب. # والثالث: وأنتم تعلمون أنه لا ند له، قاله مجاهد. # والرابع: أن العلم هاهنا بمعنى العقل، قاله ابن قتيبة. # والخامس: وأنتم تعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه. ذكره شيخنا ~~علي بن عبيد الله. # والسادس: وأنتم تعلمون أنها حجارة، سمعته من الشيخ أبي محمد بن الخشاب. # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين (23) قوله [تعالى]: (وإن كنتم في ريب). ~~PageV01P038 # سبب نزولها أن اليهود قالوا: هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي، ~~وإنا لفي شك منه، فنزلت هذه الآية. وهذا مروي عن ابن عباس ومقاتل. و " إن " ~~ها هنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب، ~~يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فأطعني. وقيل: # إنها هاهنا بمعنى إذ، قال أبو زيد: ومنه قوله تعالى: (وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين). # قوله [تعالى]: (فأتوا بسورة من مثله) قال ابن قتيبة: السورة تهمز ولا ~~تهمز، فمن همزها جعلها من أسأرت، يعني أفضلت لأنها قطعة من القرآن، ومن لم ~~يهمزها جعلها من سورة البناء، أي منزلة بعد منزلة. قال النابغة في النعمان: # ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب والسورة في هذا ~~البيت: سورة المجد، وهي مستعارة من سورة البناء. وقال ابن الأنباري: # قال أبو عبيدة: إنما سميت السورة سورة لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى ~~منزلة، مثل سورة البناء. # ومعنى: أعطاك سورة، أي: منزلة شرف ms0040 ارتفعت إليها عن منازل الملوك. قال ابن ~~القاسم: # ويجوز أن تكون سميت سورة لشرفها، تقول العرب: له سورة في المجد، أي: شرف ~~وارتفاع، أو لأنها قطعة من القرآن من قولك: أسأرت سؤرا، أي: أبقيت بقية، ~~وفي هاء " مثله " قولان: # أحدهما: أنها تعود على القرآن المنزل، قاله قتادة، والفراء ومقاتل. # والثاني: أنها تعود على النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون التقدير: ~~فأتوا بسورة من مثل هذا العبد الأمي، ذكره أبو عبيدة والزجاج وابن القاسم. ~~فعلى هذا القول تكون " من " لابتداء الغاية، وعلى الأول: تكون زائدة. # قوله [تعالى]: (وادعوا). # فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: استعينوا من المعونة، قاله السدي والفراء. # والثاني: استغيثوا من الاستغاثة، وأنشدوا: # فلما التقت فرساننا ورجالهم * دعوا يال كعب واعتزينا لعامر وهذا قول ابن ~~قتيبة: # وفي شهدائهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم آلهتهم، قاله ابن عباس والسدي ومقاتل والفراء. قال ابن ~~قتيبة: وسموا شهداء، لأنهم يشهدونهم، ويحضرونهم. وقال غيره: لأنهم عبدوهم ~~ليشهدوا لهم عند الله. PageV01P039 # والثاني: أنهم أعوانهم، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن معناه: فأتوا بناس يشهدون أن ما تأتون به مثل القرآن، روي عن ~~مجاهد. # قوله [تعالى]: (إن كنتم صادقين) أي: في قولكم: إن هذا القرآن ليس من عند ~~الله، قاله ابن عباس. # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين (24) قوله [تعالى]: (فإن لم تفعلوا) في هذه الآية مضمر مقدر، ~~يقتضي الكلام تقديمه، وهو أنه لما تحداهم بما في الآية الماضية من التحدي، ~~فسكتوا عن الإجابة، قال: (فإن لم تفعلوا) وفي قوله [تعالى]: (ولن تفعلوا) ~~أعظم دلالة على صحة نبوة نبينا، لأنه أخبر أنهم لا يفعلون، ولم يفعلوا. # والوقود: بفتح الواو: الحطب، وبضمها: التوقد، كالوضوء بالفتح: الماء، ~~وبالضم: # المصدر، وهو: اسم حركات المتوضئ. وقرأ الحسن وقتادة: وقودها، بضم الواو، ~~والاختيار الفتح. والناس أوقدوا فيها بطريق العذاب، والحجارة، لبيان قوتها ~~وشدتها، إذ هي محرقة للحجارة. وفي هذه الحجارة قولان: # أحدهما: أنها أصنامهم التي عبدوها، قاله الربيع بن أنس. # والثاني: أنها حجارة ms0041 الكبريت، وهي أشد الأشياء حرا، إذا أحميت يعذبون ~~بها. # ومعنى " أعدت ": هيئت. وإنما خوفهم بالنار إذا لم يأتوا بمثل القرآن، ~~لأنهم إذا كذبوه، وعجزوا عن الاتيان بمثله، ثبتت عليهم الحجة، وصار الخلاف ~~عنادا، وجزاء المعاندين النار. # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) قوله [تعالى]: (وبشر ~~الذين آمنوا). # البشارة: أول خبر يرد على الإنسان، وسمي بشارة، لأنه يؤثر في بشرته، فإن ~~كان خيرا، أثر المسرة والانبساط، وإن شرا، أثر الاجتماع والغم، والأغلب في ~~عرف الاستعمال أن تكون البشارة بالخير، وقد تستعمل في الشر، ومنه قوله ~~تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) قوله [تعالى]: (وعملوا ~~الصالحات). # يشمل كل عمل صالح، وقد روي عن عثمان بن عفان أنه قال: أخلصوا الأعمال. ~~وعن علي عليه السلام أنه قال: أقاموا الصلوات المفروضات. فأما الجنات، فجمع ~~جنة. وسميت الجنة جنة، لاستتار أرضها بأشجارها، وسمي الجن جنا، لاستتارهم، ~~والجنين من ذلك، والدرع جنة، وجن الليل: إذا ستر، وذكر عن المفضل أن الجنة: ~~كل بستان فيه نخل. وقال الزجاج: PageV01P040 # كل نبت كثف وكثر وستر بعضه بعضا، فهو جنة. # قوله [تعالى]: (تجري من تحتها) أي: من تحت شجرها لا من تحت أرضها. # قوله [تعالى]: (هذا الذي رزقنا من قبل) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: هذا الذي طعمنا من قبل، فرزق الغداة كرزق العشي، روي عن ~~ابن عباس والضحاك ومقاتل. # والثاني: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، قاله مجاهد وابن زيد. # والثالث: أن ثمر الجنة إذا جني خلفه مثله، فإذا رأوا ما خلف الجنى، اشتبه ~~عليهم، فقالوا: (هذا الذي رزقنا من قبل) قاله يحيى بن أبي كثير وأبو عبيدة. # قوله [تعالى]: (وأوتوا به متشابها). # فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه متشابه في المنظر واللون، مختلف في الطعم، قاله ابن عباس ~~ومجاهد وأبو العالية والضحاك والسدي ومقاتل. # والثاني: أنه متشابه في ms0042 جودته، لا ردئ فيه، قاله الحسن وابن جريج. # والثالث: أنه يشبه ثمار الدنيا في الخلقة والاسم، غير أنه أحسن في المنظر ~~والطعم، قاله قتادة وابن زيد. فإن قال قائل: ما وجه الامتنان بمتشابهه، ~~وكلما تنوعت المطاعم واختلفت ألوانها كان أحسن؟! فالجواب: أنا إن قلنا: إنه ~~متشابه المنظر مختلف الطعم، كان أغرب عند الخلق وأحسن، فإنك لو رأيت تفاحة ~~فيها طعم سائر الفاكهة، كان نهاية في العجب. وإن قلنا: إنه متشابه في ~~الجودة، جاز اختلافه في الألوان والطعوم. وإن قلنا: إنه يشبه صورة ثمار ~~الدنيا مع اختلاف المعاني، كان أطرف وأعجب، وكل هذه مطالب مؤثرة. # قوله [تعالى]: (ولهم فيها أزواج مطهرة). # قال ابن عباس: نقية عن القذى والأذى. قال الزجاج: و (مطهرة) أبلغ من ~~طاهرة، لأنه للتكثير. والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له. # * إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا الله بهذا مثلا ~~يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) وقوله تعالى: ~~(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا). # في سبب نزولها قولان: PageV01P041 # أحدهما: أنه لما نزل قوله تعالى: (ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) ونزل قوله (كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا). قالت اليهود: وما هذا من الأمثال؟! فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس ~~والحسن وقتادة ومقاتل والفراء. # والثاني: أنه لما ضرب الله المثلين المتقدمين، وهما قوله [تعالى]: (كمثل ~~الذي استوقد نارا) وقوله: (أو كصيب) قال المنافقون: الله أجل وأعلى من أن ~~يضرب هذه الأمثال، فنزلت هذه الآية، رواه السدي عن أشياخه. وروي عن الحسن ~~ومجاهد نحوه. # والحياء بالمد: الانقباض والاحتشام، غير أن صفات الحق عز وجل لا يطلع لها ~~على ماهية وإنما تمر كما جاءت. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ~~إن ربكم حيي كريم " وقيل: معنى لا يستحيي: لا يترك [لأن كل ما يستحيي منه ~~يترك] ms0043 وحكى ابن جرير الطبري عن بعض اللغويين أن معنى لا يستحيي: لا يخشى. ~~ومثله (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) أي: تستحيي منه. فالاستحياء. # والخشية أينوب كل واحد منهما عن الآخر. وقرأ مجاهد وابن محيصن: لا يستحي ~~بياء واحدة، وهي لغة. # وقوله [تعالى]: (أن يضرب مثلا). # قال ابن عباس: أن يذكر شبها، واعلم أن فائدة المثل أن يبين للمضروب له ~~الأمر الذي ضرب لأجله، فينجلي غامضه. # قوله [تعالى]: (ما بعوضة). # ما زائدة، وهذا اختيار أبي عبيدة والزجاج والبصريين. وأنشدوا للنابغة: # قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا وذكر أبو جعفر الطبري ان المعنى: ما بين ~~بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف ذكر: " بين " و " إلى " إذ كان في نصب البعوضة، ~~ودخول الفاء في " ما " الثانية، دلالة عليهما، كما قالت العرب: مطرنا ما ~~زبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ناقة فجملا، وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما. ~~وقال غيره: نصب البعوضة على البدل من المثل. وروى الأصمعي عن نافع: " بعوضة ~~" بالرفع، على إضمار هو والبعوضة: صغيرة البق. # وفي قوله [تعالى]: (فما فوقها) فيه قولان: PageV01P042 # أحدهما: أن معناه فما فوقها في الكبر، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، ~~والفراء. # والثاني: فما فوقها في الصغر، فيكون معناه: فما دونها، قاله أبو عبيدة. # قال ابن قتيبة: وقد يكون الفوق بمعنى: دون، وهو من الأضداد، ومثله: ~~الجون، يقال للأسود والأبيض. والصريم: الصبح، والليل. والسدفة: الظلمة، ~~والضوء. والجلل: الصغير، والكبير. والناهل: العطشان، والريان. والمائل: ~~القائم، واللاطئ بالأرض. والصارخ: المغيث، والمستغيث. والهاجد: المصلي ~~بالليل، والنائم. والرهوة: الارتفاع، والانحدار. والتلعة: مجرى الماء من ~~أعلى الوادي وهي ما انهبط من الأرض. والظن: يقين، وشك. والأقراء: الحيض، ~~والأطهار. والمفرع في الجبل: المصعد، وهو المنحدر. والوراء: خلفا خلفا، ~~وقداما. وأسررت الشئ: أخفيته، وأعلنته. وأخفيت الشئ: أظهرته وكتمته. ورتوت ~~الشئ: شددته، وأرخيته. # وشعبت الشئ جمعته، وفرقته. وبعت الشئ بمعنى: بعته، واشتريته. وشريت الشئ: ~~اشتريته، وبعته. والحي خلوف: غيب، ومتخلفون. # واختلفوا في قوله: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) هل هو من تمام قول ~~الذين ms0044 قالوا: (ماذا أراد الله بهذا مثلا) أو هو مبتدأ من كلام الله عز وجل؟ ~~على قولين: # أحدهما: أنه تمام الكلام الذي قبله، قاله الفراء، وابن قتيبة. قال ~~الفراء: كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا، ~~ويهدي به هذا؟! # فقال الله: (وما يضل به إلا الفاسقين). # والثاني: أنه مبتدأ من قول الله تعالى، قاله السدي ومقاتل. # فأما الفسق، فهو في اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها ~~فالفاسق: # الخارج عن طاعة الله إلى معصيته. # وفي المراد بالفاسقين هاهنا، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس ومقاتل. # والثاني: المنافقون، قاله أبو العالية والسدي. # والثالث: جميع الكفار. # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) قوله [تعالى]: (الذين ينقضون عهد ~~الله) PageV01P043 # هذه صفة للفاسقين، وقد سبقت فيهم الأقوال الثلاثة. والنقض: ضد الإبرام، ~~ومعناه حل الشئ بعد عقده. وينصرف النقض إلى كل شئ بحسبه، فنقض البناء: ~~تفريق جمعه بعد إحكامه. # ونقض العهد: الإعراض عن المقام على أحكامه. # وفي هذا العهد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ما عهد إلى أهل الكتاب من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~والوصية باتباعه، قاله ابن عباس ومقاتل. # والثاني: ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به ثم كفروا فنقضوه، قاله ~~السدي. # والثالث: أنه الذي أخذه عليهم حين استخرج ذرية آدم من ظهره، قاله الزجاج. # وفي " من " قولان: # أحدهما: أنها زائدة. # والثاني: أنها لابتداء الغاية، كأنه قال: ابتداء نقض العهد من بعد ~~ميثاقه. وفي هاء " ميثاقه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله سبحانه. # والثاني: أنها ترجع إلى العهد، فتقديره: بعد إحكام التوثق فيه. # وفي: الذي أمر الله به أن يوصل: ثلاثة أقوال أحدها: الرحم والقرابة، قاله ~~ابن عباس وقتادة والسدي. # والثاني: أنه رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]، قطعوه بالتكذيب، قاله ~~الحسن. # والثالث: الإيمان بالله، وأن لا يفرق بين أحد من رسله، فآمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض، قاله مقاتل. ms0045 # وفي فسادهم في الأرض ثلاثة أقوال: # أحدها: استدعاؤهم الناس إلى الكفر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه العمل بالمعاصي، قاله السدي، ومقاتل. # والثالث: أنه قطعهم الطريق على من جاء مهاجرا إلى النبي [صلى الله عليه ~~وآله وسلم]، ليمنعوا الناس من الإسلام. # والخسران في اللغة: النقصان. # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون (28) قوله [تعالى]: (كيف تكفرون بالله) في كيف قولان: PageV01P044 # أحدهما: أنه استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب للمؤمنين، أي: اعجبوا ~~من هؤلاء كيف يكفرون، وقد ثبتت حجة الله عليهم، قاله ابن قتيبة والزجاج. # والثاني: أنه استفهام خارج مخرج التقرير والتوبيخ، تقديره: ويحكم كيف ~~تكفرون بالله؟! قال العجاج: # أطربا وأنت قنسري أراد: أتطرب وأنت شيخ كبير؟!، قاله ابن الأنباري. # قوله [تعالى]: (وكنتم أمواتا). # قال الفراء: أي: وقد كنتم أمواتا. ومثله (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) أي: قد ~~حصرت. ومثله (إن كان قميصه قد من دبر فكذبت): فقد كذبت، ولولا إضمار " قد " ~~لم يجز مثله في الكلام. # وفي الحياتين، والموتتين أقول: أصحها: أن الموتة الأولى، كونهم نطفا ~~وعلقا ومضغا، فأحياهم في الأرحام، ثم يميتهم بعد خروجهم إلى الدنيا، ثم ~~يحييهم للبعث يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومقاتل والفراء وثعلب، ~~والزجاج، وابن قتيبة، وابن الأنباري. # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شئ عليم (29) قوله [تعالى]: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا) أي: لأجلكم، فبعضه للانتفاع، وبعضه للاتباع. # (ثم استوى إلى السماء)، أي: عمد إلى خلقها، والسماء: لفظها لفظ الواحد، ~~ومعناها، معنى الجمع، بدليل قوله: (فسواهن). # وأيها أسبق في الخلق: الأرض، أم السماء؟ فيه قولان: # أحدهما: الأرض، قاله مجاهد. # والثاني: السماء، قاله مقاتل. # واختلفوا في كيفية تكميل خلق الأرض وما فيها، فقال ابن عباس: بدأ بخلق ~~الأرض في يومين، ثم خلق السماوات في يومين [ثم دحا الأرض وبينها الجبال]، ~~وقدر فيها أقواتها في يومين وقال الحسن ومجاهد: جمع خلق الأرض وما فيها في ~~أربعة ms0046 أيام متوالية، ثم خلق السماء في يومين. PageV01P045 # والعليم: جاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم. # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) قوله [تعالى]: (وإذ قال ربك للملائكة). # كان أبو عبيدة يقول: " إذ " ملغاة، وتقدير الكلام: وقال ربك، وتابعه ابن ~~قتيبة، وغاب ذلك عليهما الزجاج وابن القاسم. وقال الزجاج: إذ: معناها: ~~الوقت، فكأنه قال: ابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة. # والملائكة: من الألوك، وهي الرسالة، قال لبيد: # وغلام أرسلته أمه * بألوك فبذلنا ما سأل وواحد الملائكة: ملك، والأصل ~~فيه: ملأك. وأنشد سيبويه: # فلست لإنسي ولكن لملأك * تنزل من جو السماء يصوب قال أبو إسحاق: ومعنى ~~ملأك: صاحب رسالة، يقال: مألكة ومألكة وملأكة. ومآلك: جمع مألكة. قال ~~الشاعر: # أبلغ النعمان عني مألكا * أنه قد طال حبسي وانتظاري وفي هؤلاء الملائكة ~~قولان: # أحدهما: أنهم جميع الملائكة، قاله السدي عن أشياخه. # والثاني: أنهم الذين كانوا مع إبليس حين أهبط إلى الأرض، ذكره أبو صالح ~~عن ابن عباس. # ونقل أنه كان في الأرض خلق قبل آدم، فأفسدوا، فبعث الله إبليس في جماعة ~~من الملائكة فأهلكوهم. # واختلفوا ما المقصود في إخبار الله [عز وجل] الملائكة بخلق آدم على ستة ~~أقوال: # أحدها: أن الله تعالى علم في نفس إبليس كبرا، فأحب أن يطلع الملائكة ~~عليه، وأن يظهر ما سبق عليه في علمه، رواه الضحاك عن ابن عباس، والسدي عن ~~أشياخه. # والثاني: أنه أراد أن يبلو طاعة الملائكة، قاله الحسن. # والثالث: أنه لما خلق النار خافت الملائكة، فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه؟ ~~قال: لمن عصاني، فخافوا وجود المعصية منهم، وهم لا يعلمون بوجود خلق سواهم، ~~فقال لهم: (إني جاعل PageV01P046 # في الأرض خليفة) قاله ابن زيد. # والرابع: أنه أراد إظهار عجزهم عن الإحاطة بعلمه. فأخبرهم حتى قالوا: ~~أتجعل فيها من يفسد فيها؟ فأجابهم: إني أعلم ما لا تعلمون. # والخامس: أنه أراد تعظيم آدم بذكره بالخلافة ms0047 قبل وجوده، ليكونوا معظمين ~~له إذ أوجده. # والسادس: أنه أراد إعلامهم بأنه خلقه ليسكنه الأرض، وإن كان ابتداء خلقه ~~في السماء. # والخليفة: هو القائم مقام غيره، يقال: هذا خلف فلان وخليفته. قال ابن ~~الأنباري: والأصل في الخليفة خليف، بغير هاء، فدخلت الهاء للمبالغة بهذا ~~الوصف، كما قالوا: علامة ونسابة. # وفي معنى خلافة آدم قولان: # أحدهما: أنه خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه، ودلائل توحيده، والحكم ~~في خلقه، وهذا قول ابن مسعود ومجاهد. # والثاني: أنه خلف من سلف في الأرض قبله، وهذا قول ابن عباس والحسن. # قوله [تعالى]: (أتجعل فيها من يفسد فيها). # فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ظاهر الألف الاستفهام، [ومعناها الإيجاب تقديره ستجعل فيها من ~~يفسد فيها. # قاله أبو عبيدة]. # والثاني: أنهم قالوه لاستعلام وجه الحكمة، لا على وجه الاعتراض. ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أنهم سألوا عن حال أنفسهم، فتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ونحن نسبح بحمدك، أم لا؟ # وهل علمت الملائكة أنهم يفسدون بتوقيف من الله تعالى، أم قاسوا على حال ~~من قبلهم؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه بتوقيف من الله [تعالى]، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ~~ومجاهد وقتادة، وابن زيد وابن قتيبة، وروى السدي عن أشياخه: أنهم قالوا: ~~ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون، ~~ويقتل بعضهم بعضا، فقالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها). # والثاني: أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم، روي نحو هذا عن ابن عباس ~~وأبي العالية ومقاتل. PageV01P047 # قوله [تعالى]: (ويسفك الدماء). # قرأ الجمهور بكسر الفاء، وضمها طلحة بن مصرف وإبراهيم بن أبي عبلة، وهما ~~لغتان، وروي عن طلحة وابن مقسم: ويسفك: بضم الياء، وفتح السين، وتشديد ~~الفاء مع كسرها، وهي لتكثير الفعل وتكريره. وسفك الدم: صبه وإراقته وسفحه، ~~وذلك مستعمل في كل مضيع، إلا أن السفك يختص الدم، والصب والسفح والإراقة ~~يقال في الدم وفي غيره. # وفي معنى تسبيحهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه الصلاة، قاله ابن مسعود وابن عباس. # والثاني: أنه قول: سبحان الله، قاله ms0048 قتادة. # والثالث: أنه التعظيم والحمد، قاله أبو صالح. # والرابع: أنه الخضوع والذل، قاله محمد بن القاسم الأنباري. # وقوله [تعالى]: (ونقدس لك). # القدس: الطهارة، وفي معنى تقديسهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: نتطهر لك من أعمالهم، قاله ابن عباس. # والثاني: نعظمك، ونكبرك، قاله مجاهد. # والثالث: نصلي لك، قاله قتادة. # قوله [تعالى]: (إني أعلم ما لا تعلمون). # فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه: أعلم ما في نفس إبليس من البغي والمعصية، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، والسدي عن أشياخه. # والثاني: أعلم أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون، قاله قتادة. # والثالث: أعلم أني أملأ جهنم من الجنة والناس، قاله ابن زيد. # والرابع: أعلم عواقب الأمور، فانا أبتلي من تظنون أنه مطيع، فيؤديه ~~الابتلاء إلى المعصية كإبليس، ومن تظنون به المعصية فيطيع، قاله الزجاج. # الإشارة إلى خلق آدم عليه السلام روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أنه قال: " إن الله، عز وجل، خلق آدم من قبضة قبضها من جميع ~~الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأسود، وبين ذلك، والسهل ~~PageV01P048 # والحزن، وبين ذلك، والخبيث والطيب " قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقد ~~أخرج البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، أنه قال: [" خلق الله تعالى آدم طوله ستون ذراعا ". وأخرج ~~مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه ~~قال: " خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة " آخر الخلق في آخر ساعة من ~~ساعات الجمعة، ما بين العصر إلى الليل " قال ابن عباس: لما نفخ فيه الروح، ~~أتته النفخة من قبل رأسه، فجعلت لا تجري منه في شئ إلا صار لحما ودما. # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين (31) قوله [تعالى]: (وعلم آدم الأسماء كلها). # في تسمية بآدم قولان: # أحدهما: لأنه خلق من أديم الأرض، قاله ابن عباس وابن جبير والزجاج. # والثاني: أنه من الأدمة في اللون، ms0049 قاله الضحاك والنضر بن شميل وقطرب. # وفي الأسماء التي علمه قولان: # أحدهما: أنه علمه كل الأسماء، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وقتادة. # والثاني: أنه علمه أسماء معدودة لمسميات مخصوصة. ثم فيها أربعة أقوال: # أحدها: أنه علمه أسماء الملائكة، قاله أبو العالية. # والثاني: أنه علمه أسماء الأجناس دون أنواعها، كقولك: إنسان وملك وجني ~~وطائر، قاله عكرمة. # والثالث: أنه علمه أسماء ما خلق من الأرض من الدواب والهوام والطير، قال ~~الكلبي ومقاتل وابن قتيبة. # والرابع: أنه علمه أسماء ذريته، قاله ابن زيد. PageV01P049 # قوله [تعالى]: (ثم عرضهم). # يريد: أعيان الخلق على الملائكة، قال ابن عباس: الملائكة هاهنا: هم الذين ~~كانوا مع إبليس خاصة. # قوله [تعالى] (أنبئوني): أخبروني. # قوله [تعالى]: (إن كنتم صادقين). # فيه قولان: # أحدهما: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقا هو أفضل منكم وأعلم، قاله ~~الحسن. # والثاني: أني أجعل فيها من يفسد فيها، قاله السدي عن أشياخه. # قوله [تعالى]: (قالوا سبحانك). # قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال ~~الزجاج: لا اختلاف بين أهل اللغة أن التسبيح هو: التنزيه لله تعالى عن كل ~~سوء. # والعليم بمعنى: العالم، جاء على بناء " فعيل " للمبالغة. وفي الحكيم ~~قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الحاكم، قاله ابن قتيبة. # والثاني: المحكم للأشياء، قاله الخطابي. # قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) قال ~~[تعالى]: (قال يا آدم أنبئهم) أي: أخبرهم، وروي عن ابن عباس: أنبئهم بكسر ~~الهاء، قال أبو علي: قراءة الجمهور على الأصل، لأن أصل هذا الضمير أن تكون ~~الهاء مضمومة فيه، ألا ترى أنك تقول: ضربهم وأبناءهم، وهذا لهم. ومن كسر ~~أتبع كسر الهاء التي قبلها وهي PageV01P050 # كسرة الباء. والهاء والميم تعود على الملائكة. وفي الهاء والميم من " ~~أسمائهم " قولان: # أحدهما: أنها تعود على المخلوقات التي عرضها، قاله الأكثرون. # والثاني: أنها تعود على الملائكة، قاله الربيع بن أنس. # وفي الذي أبدوه قولان: # أحدهما: ms0050 أنه قولهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها) ذكره السدي عن أشياخه. # والثاني: أنه ما أظهره من السمع والطاعة لله حيث مروا على جسد آدم، فقال ~~إبليس: إن فضل عليكم هذا ما تصنعون؟ فقالوا: نطيع ربنا، فقال إبليس في ~~نفسه: لئن فضلت عليه لأهلكنه، ولئن فضل علي لأعصينه، قاله مقاتل. # وفي الذي كتموه قولان: # أحدهما: أنه اعتقاد الملائكة أن الله [تعالى] لا يخلق أكرم منهم، قاله ~~الحسن وأبو العالية وقتادة. # والثاني: أنه ما أسره إبليس من الكبر والعصيان. رواه السدي عن أشياخه، ~~وبه قال مجاهد وابن جبير ومقاتل. # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين (34) قوله [تعالى]: (وإذا قلنا للملائكة اسجدوا). # عامة القراء على كسر التاء من الملائكة، وقرأ أبو جعفر والأعمش بضمها في ~~الوصل، قال الكسائي: هي لغة، أزد شنوءة. # وفي هؤلاء الملائكة قولان: PageV01P051 # أحدهما: أنهم جميع الملائكة، قاله السدي عن أشياخه. # والثاني: أنهم طائفة من الملائكة، روي عن ابن عباس، والأول أصح. # والسجود في اللغة: التواضع والخضوع، وأنشدوا: # ساجد المنخر ما يرفعه * خاشع الطرف أصم المستمع وفي صفة سجودهم لآدم ~~قولان: # أحدهما: أنه على صفة سجود الصلاة، وهو الأظهر. # والثاني: أنه الانحناء والميل المساوي للركوع. # قوله [تعالى]: (إلا إبليس). # في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه استثناء من الجنس، فهو على هذا القول من الملائكة، [قاله ابن ~~مسعود في رواية، وابن عباس. وقد روي عن ابن عباس أنه كان من الملائكة]، ثم ~~مسخه الله [تعالى] شيطانا. # والثاني: أنه من غير الجنس، فهو من الجن، قاله الحسن والزهري: قال ابن ~~عباس: كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر السماء الدنيا. فإن قيل: كيف ~~استثني وليس من الجنس؟ # فالجواب: أنه أمر بالسجود معهم، فاستثني من أنه لم يسجد، وهذا كما تقول: ~~أمرت عبدي وإخوتي فأطاعوني إلا عبدي، هذا قول الزجاج. # وفي إبليس قولان: # أحدهما: اسم أعجمي ليس بمشتق، ولذلك لا يصرف، هذا قول أبي عبيدة، والزجاج ~~وابن الأنباري. # والثاني: أنه مشتق من الإبلاس، وهو: اليأس، ms0051 روي عن أبي صالح، وذكره ابن ~~قتيبة PageV01P052 # وقال: إنه لم يصرف، لأنه لا سمي له، فاستثقل. قال شيخنا أبو منصور ~~اللغوي: والأول أصح، لأنه لو كان من الإبلاس لصرف، ألا ترى أنك لو سميت ~~رجلا: بإخريط وإجفيل، لصرفت في المعرفة. # قوله [تعالى]: (أبى) معناه: امتنع، (واستكبر) استفعل من: الكبر، وفي ~~(كان) قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: صار، قاله قتادة. # والثاني: أنها بمعنى الماضي، فمعناه: كان في علم الله كافرا، قاله مقاتل ~~وابن الأنباري. # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوج الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) قوله [تعالى]: (وقلنا يا آدم اسكن أنت ~~وزوجك الجنة) زوجه: حواء، قال الفراء: أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: ~~زوج، ويجمعونها: الأزواج. وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: زوجة، ~~ويجمعونها: زوجات. # قال الشاعر: # فإن الذي يسعى يحرش زوجتي * كماش إلى أسد الشرى يستبيلها وأنشدني أبو ~~الجراح: # يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم * أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب وفي الجنة ~~التي أسكنها آدم قولان: # أحدهما: جنة عدن. # والثاني: جنة الخلد. # والرغد: الرزق الواسع الكثير، يقال: أرغد فلان: إذا صار في خصب وسعة. ~~PageV01P053 # قوله [تعالى]: (ولا تقربا هذه الشجرة) أي: بالأكل، لا بالدنو منها. # وفي الشجرة ستة أقوال: # أحدها: أنها السنبلة، وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن سلام، وكعب ~~الأحبار، ووهب بن منبه، وقتادة، وعطية العوفي، ومحارب بن دثار، ومقاتل. # والثاني: أنها الكرم، روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وجعدة ~~بن هبيرة. # والثالث: أنها التين، روي عن الحسن، وعطاء بن أبي رباح، وابن جريج. # والرابع: أنها شجرة يقال لها: شجرة العلم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والخامس: أنها شجرة الكافور، نقل عن علي بن أبي طالب. # والسادس: أنها النخلة، روي عن أبي مالك. # وقد ذكروا وجها سابعا عن وهب بن منبه أنه قال: هي شجرة [يقال لها شجرة ~~الخلد وهذا لا يعد وجها لأن الله تعالى سماها شجرة الخلد وإنما الكلام في ~~جنسها]. # قوله ms0052 [تعالى]: (فتكونا من الظالمين). # قال ابن الأنباري: الظلم: وضع الشئ في غير موضعه، ويقال: ظلم الرجل سقاءه ~~إذا سقاه قبل أن يخرج زبده. قال الشاعر: # وصاحب صدق لم تنلني شكاته * ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر أراد بالصاحب: ~~وطلب اللبن، وظلمه إياه: أن يسقيه قبل أن يخرج زبده. # والعرب تقول: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه، ~~ويقال: قد ظلم الماء الوادي: إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما ~~مضى. فإن قيل: ما وجه الحكمة في PageV01P054 # تخصيص تلك الشجرة بالنهي؟ فالجواب: أنه ابتلاء من الله [تعالى] بما أراد. ~~وقال أبو العالية: # كان لها ثقل من بين أشجار الجنة، فلما أكل منها، قيل: اخرج إلى الدار ~~التي تصلح لما يكون منك. # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ~~ولكم في الأرض مستقر ومتع إلى حين (36) قوله [تعالى]: (فأزلهما الشيطان ~~عنها). # أزلهما بمعنى: استزلهما، وقرأ حمزة: (فأزالهما)، أراد: نحاهما. قال أبو ~~علي الفارسي: لما كان معنى (اسكن أنت وزوجك الجنة) اثبتا فيها، فثبتا ~~فأزالهما وقابل حمزة الثبات بالزوال الذي يخالفه، ويقوي قراءته: ~~(فأخرجهما). # والشيطان: إبليس، وأضيف الفعل إليه، لأنه السبب. وفي هاء (عنها) ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها تعود إلى الجنة. # والثاني: ترجع إلى الطاعة. # والثالث: ترجع إلى الشجرة. فمعناه: أزلهما بزلة صدرت عن الشجرة. # وفي كيفية إزلاله لهما، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه احتال حتى دخل إليهما الجنة، وكان الذي أدخله الحية، قاله ابن ~~عباس والسدي. # والثاني: أنه وقف على باب الجنة، وناداهما، قاله الحسن. # والثالث: أنه وسوس إليهما، وأوقع في نفوسهما من غير مخاطبة ولا مشاهدة، ~~قاله ابن إسحاق، وفيه بعد. قال الزجاج: الأجود: أن يكون خاطبها، لقوله: ~~(وقاسمهما). # واختلف العلماء في معصية آدم بالأكل، فقال قوم: إنه نهي عن شجرة بعينها، ~~فأكل من PageV01P055 # جنسها، وقال آخرون: تأول الكراهة في النهي دون التحريم. # قوله [تعالى]: (وقلنا اهبطوا) الهبوط بضم الهاء: الانحدار من علو، بفتح ~~الهاء: المكان الذي يهبط فيه، وإلى ms0053 من انصرف هذا الخطاب؟ فيه ستة أقوال: # أحدها: أنه انصرف إلى آدم وحواء والحية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: إلى آدم وحواء وإبليس والحية، حكاه السدي عن ابن عباس. # والثالث: إلى آدم وإبليس، قاله مجاهد. # والرابع: إلى آدم وحواء وإبليس، قاله مقاتل. # والخامس: إلى آدم وحواء وذريتهما، قاله الفراء. # والسادس: إلى آدم وحوا فحسب، ويكون لفظ الجمع واقعا على التثنية، كقوله: ~~(وكنا لحكمهم شاهدين) ذكره ابن الأنباري، وهو العلة في قول مجاهد أيضا. # واختلف العلماء: هل أهبطوا جملة أو متفرقين؟ على قولين: # أحدهما: أنهم أهبطوا جملة، لكنهم نزلوا في بلاد متفرقة، قاله كعب، ووهب. # والثاني: أنهم أهبطوا متفرقين، فهبط إبليس قبل آدم، وهبط آدم بالهند، ~~وحواء بجدة، وإبليس بالأبلة قاله مقاتل. وروي عن ابن عباس أنه قال: أهبطت ~~الحية بنصيبين، قال: وأمر الله [تعالى] جبريل بإخراج آدم، فقبض على ناصيته ~~وخلصه من الشجرة التي قبضت عليه، فقال: أيها الملك ارفق بي. قال جبريل: إني ~~لا أرفق بمن عصى الله، فارتعد آدم واضطرب، وذهب كلامه، وجبريل يعاتبه في ~~معصيته، ويعدد نعم الله عليه، قال: وأدخل الجنة ضحوة، وأخرج منها بين ~~الصلاتين، فمكث فيها نصف يوم، خمسمائة عام مما يعد أهل الدنيا. # وفي العداوة المذكرة هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ذرية بعضهم أعداء لبعض، قاله مجاهد. # والثاني: أن إبليس عدو لآدم وحواء، وهما له عدو، قاله مقاتل. PageV01P056 # والثالث: أن إبليس عدو للمؤمنين، وهم أعداؤه، قاله الزجاج. # وفي المستقر قولان: # أحدهما: أن المراد به القبور، حكاه السدي عن ابن عباس. # والثاني: موضع الاستقرار، قاله أبو العالية، وابن زيد، والزجاج، وابن ~~قتيبة، وهو أصح. # والمتاع: المنفعة. والحين: الزمان. قال ابن عباس: (إلى حين)، أي: إلى ~~فناء الأجل بالموت. # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) قوله ~~[تعالى]: (فتلقى آدم من ربه كلمات). # تلقى: بمعنى أخذ، وقبل. قاله ابن قتيبة: كأن الله تعالى أوحى إليه أن ~~يستغفره بكلام من عنده، ففعل فتاب عليه وقرأ ابن كثير: (آدم) بالنصب، ~~(كلمات) ms0054 بالرفع، على أن الكلمات هي الفاعلة. # وفي الكلمات أقوال: # أحدها: أنها قوله تعالى: (ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين) قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير ومجاهد، وعطاء ~~الخراساني، وعبيد بن عمير، وأبي بن كعب، وابن زيد. # والثاني: أنه قال: أي رب، ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ في ~~من روحك؟ # قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك إلي قبل غضبك؟ قال: بلى. قال: أي رب إن ~~تبت وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. حكاه السدي عن ابن عباس. # والثالث: أنه قال: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب ~~إني ظلمت نفسي [فارحمني، فأنت خير الراحمين، [اللهم] لا إله إلا أنت، ~~سبحانك، وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي] فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم، رواه ~~ابن كثير عن مجاهد وقد ذكرت أقوال من PageV01P057 # كلمات الاعتذار تقارب هذا المعنى. # قوله [تعالى]: (فتاب عليه). # أصل التوبة: الرجوع، فالتوبة من آدم: رجوعه عن المعصية، وهي من الله ~~[تعالى]: رجوعه عليه بالرحمة، والثواب الذي كلما تكررت توبة العبد تكرر ~~قبوله، وإنما لم تذكر حواء في التوبة، لأنه لم يجر لها ذكر، لا أن توبتها ~~ما قبلت. وقال قوم: إذا كان معنى فعل الاثنين واحدا، جاز أن يذكر أحدهما ~~ويكون المعنى لهما، كقوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) وقوله: (فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى). # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (38) قوله [تعالى]: (قلنا اهبطوا منها جميعا). # في إعادة ذكر الهبوط - وقد تقدم - قولان: # أحدهما: أنه أعيد لأن آدم أهبط إهباطين، أحدهما من الجنة إلى السماء، ~~والثاني من السماء إلى الأرض. وأيهما الاهباط المذكور في هذه الآية؟ فيه ~~قولان: # والثاني: أنه إنما كرر الهبوط توكيدا. # قوله [تعالى]: (فإما) قال الزجاج: هذه " إن " التي للجزاء، ضمت إليها " ~~ما " إلى " ان " لزم الفعل ms0055 النون والأصل في اللفظ " إن ما " مفصولة، ولكنها ~~مدغمة، وكتبت على الإدغام، فإذا ضمت " ما " إلى " إن " لزم الفعل النون ~~الثقيلة أو الخفيفة. وإنما تلزمه النون لأن " ما " تدخل مؤكدة، كما لزمت ~~اللام النون في القسم في قولك: والله لتفعلن، وجواب الجزاء الفاء. # وفي المراد ب‍ " الهدى " هاهنا قولان: # أحدهما: أنه الرسول، قاله ابن عباس ومقاتل. # والثاني: الكتاب، حكاه بعض المفسرين. # قوله [تعالى]: (فلا خوف عليهم). # وقرأ يعقوب: فلا خوف: بفتح الفاء من غير تنوين، وقرأ ابن محيصن بضم الفاء ~~من غير تنوين. والمعنى: فلا خوف عليهم فيما يستقبلون من العذاب، ولا هم ~~يحزنون عند الموت. والخوف لأمر مستقبل، والحزن لأمر ماض. # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) قوله ~~[تعالى]: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) في الآية: ثلاثة أقوال: ~~PageV01P058 # أحدها: أنها العلامة، فمعنى آية: علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، والذي ~~بعدها، قال الشاعر: # ألا أبلغ لديك بني تميم * بآية ما يحبون الطعاما وقال النابغة: # توهمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع وهذا اختيار أبي ~~عبيد. # والثاني: أنها سميت آية، لأنها جماعة حروف من القرآن، وطائفة منه. قال ~~أبو عمرو الشيباني: # يقال: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم. وأنشدوا: # خرجنا من النقبين لا حي مثلنا * بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا والثالث: ~~أنها سميت آية، لأنها عجب، وذلك أن قارئها يستدل إذا قرأها على مباينتها ~~كلام المخلوقين، وهذا كما تقول: فلان آية من الآيات، أي: عجب من العجائب. ~~ذكره ابن الأنباري. # في المراد بهذه الآيات أربعة أقوال: # أحدها: آيات الكتب التي تتلى. # والثاني: معجزات الأنبياء. # والثالث: القرآن. # والرابع: دلائل الله في مصنوعاته. وأصحاب النار: سكانها، سموا أصحابا، ~~لصحبتهم إياها بالملازمة. # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون (40) قوله [تعالى]: (يا بني إسرائيل) إسرائيل: هو يعقوب، وهو ~~اسم أعجمي. قال ابن عباس: ومعناه: عبد الله. وقد لفظت به العرب على أوجه، ~~فقالت إسرائل، واسرال، والسرائين. # قال أمية: # إنني زارد الحديد على الناس * دروعا ms0056 سوابغ الأذيال لا أرى من يعينني في ~~حياتي * غير نفسي إلا بني إسرال PageV01P059 # وقال أعرابي صاد ضبا، فأتى به أهله: # يقول أهل السوق لما جينا: * هذا ورب البيت إسرائينا أراد: هذا مما مسخ من ~~بني إسرائيل. # والنعمة: المنة، ومثلها: النعماء. والنعمة: بفتح النون: التنعم، وأراد ~~بالنعمة: النعم، فوحدها، لأنهم يكتفون بالواحد من الجميع، كقوله تعالى: ~~(والملائكة بعد ذلك ظهير) أي: # ظهراء. # وفي المراد بهذه النعمة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ما استوعدهم من التوراة التي فيها صفة رسول الله [صلى الله ~~عليه وآله وسلم]، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها ما أنعم به على آبائهم وأجدادهم إذ أنجاهم من آل فرعون، ~~وأهلك عدوهم، وأعطاهم التوراة، ونحو ذلك، قاله الحسن والزجاج. وإنما من ~~عليهم بما أعطى آباءهم، لأن فخر الآباء فخر للأبناء، وعار الآباء عار على ~~الأبناء. # والثالث: أنها جمع نعمة على تصريف الأحوال. # والمراد من ذكرها: شكرها، إذ من لم يشكر فما ذكر. # قوله [تعالى]: (وأوفوا). # قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أوفيت، وأهل نجد يقولون: وفيت، بغير ألف. ~~قال الزجاج. يقال: وفى بالعهد، وأوفى به، وأنشد: # أما ابن طوق فقد أوفى بذمته * كما وفى بقلاص النجم حاديها وقال ابن ~~قتيبة. يقال: وفيت بالعهد، وأوفيت به وأوفيت الكيل لا غير. # وفي المراد بعهده: أربعة أقوال: # أحدها: أنه ما عهده إليهم في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه الإسلام، قاله أبو العالية. # والرابع: أنه العهد المذكور في قوله تعالى: (ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل وبعثنا منهم PageV01P060 # اثني عشر نقيبا) قاله قتادة. # قوله [تعالى]: (أوف بعهدكم) قال ابن عباس: أدخلكم الجنة. # قوله [تعالى]: (وإياي فارهبون) أي: خافون. # وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) قوله [تعالى]: (وآمنوا بما أنزلت) ~~يعني القرآن (مصدقا لما معكم) يعني التوراة أو الإنجيل، فإن القرآن يصدقهما ms0057 ~~أنهما من عند الله، ويوافقهما في صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # (ولا تكونوا أول كافر به). # إنما قال: أول كافر، لأن المتقدم إلى الكفر أعظم من الكفر بعد ذلك، إذ ~~المبادر لم يتأمل الحجة، وإنما بادر بالعناد، فحاله أشد. وقيل: ولا تكونوا ~~أول كافر به بعد أن آمن، والخطاب لرؤساء اليهود. # وفي هائه قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى المنزل، قاله ابن مسعود وابن عباس. # والثاني: أنها تعود على ما معهم، لأنهم إذا كتموا وصف النبي [صلى الله ~~عليه وآله وسلم] وهو معهم، فقد كفروا به، ذكره الزجاج. # قوله [تعالى]: (ولا تشتروا بآياتي). # أي: لا تستبدلوا ثمنا قليلا. وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ما كانوا يأخذون من عرض الدنيا. # والثاني: بقاء رئاستهم عليهم. # والثالث: أخذ الأجرة على تعليم الدين. # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) قوله [تعالى]: ~~(ولا تلبسوا الحق بالباطل). # تلبسوا: بمعنى تخلطوا. يقال: لبست الأمر عليهم، ألبسه: إذا عميته عليهم، ~~وتخليطهم: # أنهم قالوا: إن الله عهد إلينا أن نؤمن بالنبي الأمي، ولم يذكر أنه من ~~العرب. # وفي المراد بالحق قولان: # أحدهما: أنه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله ابن عباس، ومجاهد ~~وقتادة، وأبو العالية، والسدي ومقاتل. # والثاني: أنه الإسلام، قاله الحسن. PageV01P061 # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) قوله [تعالى]: ~~(وأقيموا الصلاة). # يريد: الصلوات الخمس، وهي هاهنا اسم جنس، والزكاة: مأخوذة من الزكاء، وهو ~~الماء، والزيادة. يقال: زكا الزرع يزكو زكاء. [وقال ابن الأنباري: معنى ~~الزكاة في كلام العرب: الزيادة والماء، فسميت زكاة، لأنها تزيد في المال ~~الذي تخرج منه، وتوفره، وتقيه من الآفات، ويقال: هذا أزكى من ذاك، أي: أزيد ~~فضلا منه]. # قوله [تعالى]: (واركعوا). # أي: صلوا مع المصلين. قال ابن عباس: يريد محمد [صلى الله عليه وآله ~~وسلم]، وأصحابه [رضي الله عنهم ]. وقيل: إنما ذكر الركوع، لأنه ليس في ~~صلاتهم ركوع، والخطاب لليهود. وفي هذه الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون ~~بالفروع، وهي إحدى الروايتين عن أحمد رضي الله عنه. # أتأمرون ms0058 الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) ~~قوله [تعالى]: (أتأمرون الناس بالبر). # قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كان الرجل يقول لقرابته من المسلمين في ~~السر: أثبت على ما أنت عليه فإنه حق. والألف في " أتأمرون " ألف الاستفهام، ~~ومعناه التوبيخ. # وفي " البر " هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التمسك بكتابهم، كانوا يأمرون باتباعه ولا يقومون به. # والثاني: اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، روي القولان عن ابن عباس. # والثالث: الصدقة، كانوا يأمرون بها، ويبخلون. ذكره الزجاج. # قوله [تعالى]: (وتنسون) أي: تتركون. وفي " الكتاب " قولان: # أحدهما: أنه التوراة، قاله الجمهور. # والثاني: أنه القرآن، فلا يكون الخطاب على هذا القول لليهود. # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلى علي الخاشعين (45) قوله ~~[تعالى]: (واستعينوا بالصبر والصلاة). # الأصل في الصبر: الحبس، فالصابر حابس لنفسه عن الجزع. وسمي الصائم صابرا ~~لحبسه PageV01P062 # نفسه عن الأكل والشرب والجماع، والمصبورة: البهيمة تتخذ غرضا. وقال ~~مجاهد: الصبر هاهنا: # الصوم. # وفيما أمروا بالصبر عليه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أداء الفرائض، قاله ابن عباس ومقاتل. # والثاني: أنه ترك المعاصي، قاله قتادة. # والثالث: عدم الرئاسة، وهو خطاب لأهل الكتابين، ووجه الاستعانة بالصلاة ~~أنه يتلى فيها ما يرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا. # قوله [تعالى]: (وإنها) في المكنى عنها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الصلاة، قاله ابن عباس والحسن، ومجاهد والجمهور. # والثاني: أنها الكعبة والقبلة، لأنه لما ذكر الصلاة، دلت على القبلة، ~~ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # والثالث: أنها الاستعانة، لأنه لما قال: (واستعينوا) دل على الاستعانة، ~~ذكره محمد بن القاسم النحوي. # قوله [تعالى]: (لكبيرة) قال الحسن والضحاك: الكبيرة: الثقيلة، مثل قوله ~~[تعالى] (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) أي: ثقل، والخشوع في اللغة: ~~التطامن والتواضع، وقيل: # السكون. # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) قوله [تعالى]: ~~(الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم). # الظن هاهنا: بمعنى اليقين، وله وجوه قد ذكرناها في كتاب " الوجوه ~~والنظائر ". # قوله [تعالى]: (وأني فضلتكم على العالمين) يعني: على عالمي زمانهم، قاله ~~ابن عباس وأبو العالية ومجاهد ms0059 وابن زيد. قال ابن قتيبة: وهو من العام الذي ~~أريد به الخاص. # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(47) قوله [تعالى]: (واتقوا يوما). # قال الزجاج: كانت اليهود تزعم أن آباءها الأنبياء تشفع لهم يوم القيامة، ~~فآيسهم الله بهذه الآية من ذلك. PageV01P063 # واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل ولا هم ينصرون (48) وفي قوله [تعالى]: (واتقوا يوما) إضمار، تقديره: ~~اتقوا عذاب يوم، أو: ما في يوم. # والمراد باليوم يوم القيامة و " تجزي " بمعنى تقضي. قال ابن قتيبة: يقال: ~~جزى الأمر عني يجزي، بغير همز، أي: قضى عني، وأجزأني يجزئني، مهموز، أي: ~~كفاني. # قوله [تعالى]: (نفس عن نفس). قالوا: المراد بالنفس هاهنا: النفس الكافرة، ~~فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص. # قوله [تعالى]: (ولا تقبل منها شفاعة). # قرأ ابن كثير وأبوا عمرو بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، إلا أن قتادة فتح ~~الياء، ونصب الشفاعة، ليكون الفعل لله تعالى والشفاعة مأخوذة من الشفع الذي ~~يخالف الوتر، وذلك أن سؤال الشفيع يشفع سؤال المشفوع له. # فأما " العدل " فهو الفداء، وسمي عدلا، لأنه يعادل المفدى. واختلف ~~اللغويون: هل " العدل " و " العدل " بفتح العين وكسرها يختلفان، أم لا؟ ~~فقال الفراء: العدل بفتح العين: ما عادل الشئ من غير جنسه، والعدل بكسرها: ~~ما عادل الشئ من جنسه، فهو المثل، تقول: عندي عدل غلامك، بفتح العين: إذا ~~أردت قيمته من غير جنسه، وعندي عدل غلامك، بكسر العين: إذا كان غلام يعدل ~~غلاما. وحكى الزجاج عن البصريين أن العدل والعدل في معنى المثل، وأن المعنى ~~واحد، سواء كان المثل من الجنس أو من غير الجنس. # قوله [تعالى]: (ولا هم ينصرون) أي: يمنعون من عذاب الله. # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) قوله [تعالى]: (وإذ نجيناكم) ~~تقديره: واذكروا إذ نجيناكم، وهذه النعم على آبائهم كانت. # وفي آل فرعون ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أهل ms0060 مصر، قاله مقاتل. # والثاني: أهل بيته خاصة، قاله أبو عبيدة. # والثالث: أتباعه عليه دينه، قال الزجاج وهل الآل والأهل بمعنى، أو ~~يختلفان؟ وفيه قولان: PageV01P064 # وقد شرحت معنى الآل في كتاب " النظائر " وفرعون: اسم أعجمي، وقيل: هو ~~لقبه. وفي اسمه أربعة أقوال: # أحدها: الوليد بن مصعب، قاله الأكثرون. # والثاني: فيطوس قاله مقاتل. # والثالث: مصعب بن الريان، حكاه ابن جرير الطبري. # والرابع: مغيث، ذكره بعض المفسرين. # قوله [تعالى]: (يسومونكم) أي: يولونكم. يقال: فلان يسومك خسفا، أي: يوليك ~~ذلا واستخفافا. وسوء العذاب: شديده. وكان الزجاج يرى أن قوله: (يذبحون ~~أبناءكم) تفسير لقوله (يسومونكم سوء العذاب) وأبى هذا بعض أهل العلم، فقال: ~~قد فرق الله بينهما في موضع آخر، فقال: (يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون ~~أبناءكم) وإنما سوء العذاب: استخدامهم في أصعب الأعمال وقال الفراء: الموضع ~~الذي فيه الواو، يبين أنه قد مسهم من العذاب غير الذبح، فكأنه قال: # يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح. # قوله [تعالى]: (ويستحيون) أي: يستبقون نساءكم، أي: بناتكم. وإنما استبقوا ~~نساءهم للاستذلال والخدمة. # وفي البلاء ههنا قولان: # أحدهما: أنه بمعنى النعمة، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو مالك، وابن قتيبة ~~والزجاج. # والثاني: أنه النقمة، رواه السدي عن أشياخه. فعلى هذا القول يكون " ذا " ~~في قوله [تعالى]: (ذلكم): عائدا على سومهم سوء العذاب، وذبح أبنائهم ~~واستحياء نسائهم، وعلى القول الأول يعود على النجاة من آل فرعون. قال أبو ~~العالية: وكان السبب في ذبح الأبناء، أن الكهنة قالت لفرعون: سيولد العام ~~بمصر غلام يكون هلاكك على يديه، فقتل الأبناء. قال الزجاج: فالعجب من حمق ~~فرعون، إن كان الكاهن عنده صادقا، فما ينفع القتل؟! وإن كان كاذبا فما معنى ~~القتل؟! # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) قوله ~~[تعالى]: (وإذ فرقنا بكم البحر) الفرق: الفصل بين الشيئين و " بكم " بمعنى ~~" لكم ". وإنما ذكر آل فرعون دونه، لأنه قد علم كونه فيهم. وفي قوله ~~[تعالى]: (وأنتم تنظرون) قولان: # أحدهما: أنه من نظر العين، معناه: وأنتم ترونهم يغرقون. PageV01P065 # والثاني: أنه بمعنى: العلم، كقوله [تعالى]: (ألم ms0061 تر إلى ربك كيف مد الظل) ~~قاله الفراء الإشارة إلى قصتهم روى السدي عن أشياخه: أن الله تعالى أمر ~~موسى أن يخرج ببني إسرائيل، وألقى على القبط الموت، فمات بكر كل رجل منهم، ~~فأصبحوا يدفنونهم، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، قال عمرو بن ميمون: ~~فلما خرج موسى بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك، فما صاح ~~ديك ليلتئذ. قال أبو السليل: لما انتهى موسى إلى البحر قال: هي أبا خالد، ~~فأخذه أفكل، يعني: رعدة، قال مقاتل: تفرق الماء يمينا وشمالا كالجبلين ~~المتقابلين، وفيهما كوى ينظر كل سبط إلى الآخر. قال السدي: فلما رآه فرعون ~~متفرقا قال: ألا ترون البحر فرق مني، فانفتح لي؟! فأتت خيل فرعون فأبت أن ~~تقتحم، فنزل جبريل على ماذيانة فتشامت الحصن ريح الماذيانة، فاقتحمت في ~~إثرها، حتى إذا هم أولهم أن يخرج، ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم ~~عليهم. # وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعد وأنتم ظالمون (51) ~~قوله [تعالى]: (وإذ واعدنا موسى أربعين). # قرأ أبو جعفر وأبو عمرو: " وعدنا " بغير ألف هاهنا، وفي (الأعراف) و (طه) ~~ووافقهما أبان عن عاصم في (البقرة) خاصة. وقرأ الباقون " واعدنا " بألف. ~~ووجه القراءة الأولى: إفراد الوعد من الله تعالى، ووجه الثانية: أنه لما ~~قبل موسى وعد الله عز وجل، صار ذلك مواعدة بين الله تعالى وبين موسى. ~~ومثله: (لا تواعدوهن سرا). PageV01P066 # ومعنى الآية: وعدنا موسى تتمة أربعين ليلة أو انقضاء أربعين ليلة. وموسى: ~~اسم أعجمي، أصله بالعبرانية: موشا، فمو: هو الماء، وشا: هو الشجر، لأنه وجد ~~عند الماء والشجر، فعرب بالسين. ولماذا كان هذا الوعد؟ فيه قولان: # أحدهما: لأخذ التوراة. # والثاني: للتكليم. وفي هذه المدة قولان: # أحدهما: أنها ذو القعدة وعشر من ذي الحجة! وهذا قول من قال كان الوعد ~~لإعطاء التوراة. # والثاني: أنها ذو الحجة وعشر من المحرم، وهو قول من قال: كان الوعد ~~للتكليم، وإنما ذكرت الليالي دون الأيام، لأن عادة العرب التأريخ بالليالي، ~~لأن أول شهر ليله، واعتماد العرب ms0062 على الأهلة، فصارت الأيام تبعا لليالي. ~~وقال أبو بكر النقاش: إنما ذكر الليالي، لأنه أمره أن يصوم هذا الأيام ~~ويواصلها الرحمن بالليالي، فلذلك ذكر الليالي وليس بشئ. # ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) قوله [تعالى]: (ثم اتخذتم ~~العجل من بعده) من بعده، أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل. # الإشارة إلى اتخاذهم العجل روى السدي عن أشياخه أنه لما انطلق موسى، ~~واستخلف هارون، قال هارون: يا بني إسرائيل ! إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن ~~حلي القبط غنيمة فاجمعوه واحفروا له حفيرة، فادفنوه، فإن أحله موسى فخذوه، ~~وإلا كان شيئا لم تأكلوه، ففعلوا. قال السدي: وكان جبريل قد أتى إلى موسى ~~ليذهب به إلى ربه، فرآه السامري، فأنكره وقال: إن لهذا شأنا، فأخذ قبضة من ~~أثر حافر الفرس، فقذفها في الحفيرة، فظهر العجل. وقيل: إن السامري أمرهم ~~بالقاء ذلك الحلي، وقال: إنما طالت غيبة موسى عنكم لأجل ما معكم من الحلي، ~~فاحفروا لها حفيرة وقربوه إلى الله، يبعث لكم نبيكم، فإنه كان عارية، ذكره ~~أبو سليمان الدمشقي. # وفي سبب اتخاذ السامري عجلا قولان: # أحدهما: أن السامري كان من قوم يعبدون البقر، فكان ذلك في قلبه، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أن بني إسرائيل لما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، أعجبهم ~~ذلك، فلما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها وأنكر عليهم، أخرج السامري لهم في ~~غيبته عجلا لما رأى من PageV01P067 # استحسانهم ذلك، قاله ابن زيد. # وفي كيفية اتخاذ العجل قولان: # أحدهما: أن السامري كان صواغا فصاغه وألقى فيه القبضة، قاله علي وابن ~~عباس. # والثاني: أنهم حفروا حفيرة، وألقوا فيها حلي قوم فرعون وعواريهم تنزها ~~عنها، فألقى السامري القبضة من التراب فصار عجلا. روي عن ابن عباس أيضا. ~~قال ابن عباس. صار لحما ودما وجسدا، فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى ~~قد جاء، وأخطأ موسى الطريق، فعبدوه وزفنوا حوله. # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) قوله تعالى: (وإذ ~~آتينا موسى الكتاب والفرقان) الكتاب: التوراة. وفي الفرقان خمسة أقوال: # أحدها: ms0063 أنه النصر، قاله ابن عباس وابن زيد. # والثاني: أنه ما في التوراة من الفرق بين الحق والباطل، فيكون الفرقان ~~نعتا للتوراة، قاله أبو العالية. # والثالث: أنه الكتاب، فكرره بغير اللفظ. قال عدي بن زيد: # فألفى قولها كذبا ومينا وقال عنترة: # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم هذا قول مجاهد، واختيار الفراء والزجاج. # والرابع: أنه فرق البحر لهم، ذكره الفراء والزجاج وابن القاسم. # والخامس: أنه القرآن. ومعنى الكلام: لقد آتينا موسى الكتاب، ومحمد ~~الفرقان، ذكره الفراء، وهو قول قطرب. # وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا PageV01P068 # أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) ~~قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم). # القوم: اسم للرجال والنساء، قال الله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم ولا ~~نساء من نساء) وقال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء؟! # وإنما سموا قوما، لأنهم يقومون بالأمور. # قوله [تعالى]: (فتوبوا إلى بارئكم) قال أبو علي: كان ابن كثير ونافع ~~وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يكسرون الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف. ~~وروى اليزيدي وعبد الوارث عن أبي عمرو: (بارئكم) بجزم الهمزة. روى عنه ~~العباس بن الفضل: " بارئكم " مهموزة غير مثقلة. وقال سيبويه: كان أبو عمر ~~يختلس الحركة في: " بارئكم " و " يأمركم " وما أشبه ذلك مما تتوالى فيه ~~الحركات، فيرى من يسمعه أنه قد أسكن ولم يسكن. PageV01P069 # والبارئ: الخالق. ومعنى (فاقتلوا أنفسكم): ليقتل بعضكم بعضا. قاله ابن ~~عباس ومجاهد. # واختلفوا فيمن خوطب بهذا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه خطاب للكل، قاله السدي عن أشياخه. # والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد، قاله مقاتل. # والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضا، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. وفي الإشارة بقوله: " ذا " في: " ذلكم " قولان: # أحدهما: أنه يعود إلى القتل. # والثاني: أنه يعود إلى التوراة. # الإشارة إلى قصتهم في ذلك قال ابن عباس: قالوا لموسى: كيف يقتل الآباء ms0064 ~~الأبناء، والإخوة الإخوة؟ فأنزل الله عليهم ظلمة لا يرى بعضهم بعضا، ~~فقالوا: فما آية توبتنا؟ قال: أن يقوم السلام ولا يقتل، وترفع الظلمة. # فقتلوا حتى خاضوا في الدماء، وصاح الصبيان: يا موسى: العفو العفو. فبكى ~~موسى، فنزلت التوبة، وقام السلام، وارتفعت الظلمة. قال مجاهد: بلغ القتلى ~~سبعين ألفا. قال قتادة: جعل القتل للقتيل شهادة، وللحي توبة. # وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون (55) قوله [تعالى]: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة). # في القائلين لموسى ذلك قولان: # أحدهما: أنهم السبعون المختارون، قاله ابن مسعود وابن عباس. # والثاني: جميع بني إسرائيل إلا من عصم الله منهم، قاله ابن زيد، قال: ~~وذلك أنهم أتاهم بكتاب الله، فقالوا: والله لا نأخذ بقولك حتى نرى الله ~~جهرة، فيقول: هذا كتابي وفي " جهرة " قولان: # أحدهما: أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول، قاله ابن عباس، وأبو ~~عبيدة. # والثاني: أنها الرؤية البينة، أي: أرناه غير مستتر عنا بشئ، يقال: فلان ~~يتجاهر بالمعاصي، أي: لا يستتر من الناس، قاله الزجاج. ومعنى " الصاعقة ": ~~ما يصعقون منه، أي: يموتون. ومن PageV01P070 # ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) الدليل على أنهم ماتوا، قوله ~~[تعالى]: (ثم بعثناكم) هذا قول الأكثرين. وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا ~~بقوله [تعالى]: (وخر موسى صعقا) وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين ~~الموضعين، فقال هناك: (فلما أفاق) وقال هاهنا: (ثم بعثناكم) والإفاقة ~~للمغشي عليه، والبعث للميت. # قوله [تعالى]: (وأنتم تنظرون) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: ينظر بعضكم إلى بعض كيف يقع ميتا. # والثاني: ينظر بعضكم إلى إحياء بعض. # والثالث: تنظرون العذاب كيف ينزل بكم، وهو قول من قال: نزلت نار ~~فأحرقتهم. # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) قوله [تعالى]: (وظللنا ~~عليكم الغمام). # (الغمام): السحاب، سمي غماما، لأنه يغم السماء، أي: يسترها، وكل شئ غطيته ~~فقد غممته، وهذا كان في ms0065 التيه. وفي المن ثمانية أقوال: # أحدها: أنه الذي يقع على الشجر فيأكله الناس، قاله ابن عباس والشعبي ~~والضحاك. # والثاني: أنه الترنجبين، روي عن ابن عباس أيضا، وهو قول مقاتل. # والثالث: أنه صمغه، قاله مجاهد. # والرابع: أنه يشبه الرب الغليظ، قاله عكرمة. # والخامس: أنه شراب، قاله أبو العالية، والربيع بن أنس. # والسادس: أنه خبز الرقاق مثل الذرة، أو مثل النقي، قاله وهب. # والسابع: أنه عسل، قاله ابن زيد. # والثامن: أنه الزنجبيل، قاله السدي. # وفي السلوى قولان: # أحدهما: أنه طائر، قال بعضهم: يشبه السماني، وقال بعضهم: هو السماني. # والثاني: أنه العسل ذكره ابن الأنباري، وأنشد: PageV01P071 # وقاسمها بالله جهدا لأنتم * ألذ من السلوى إذا ما يشورها قوله [تعالى]: ~~(وما ظلمونا) قال ابن عباس: ما نقصونا وضرونا، بل ضروا أنفسهم. # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) قوله تعالى: (وإذ قلنا ~~ادخلوا هذه القرية). # في القائل لهم قولان: # أحدهما: أنه موسى بعد مضي الأربعين سنة. # والثاني: أنه يوشع بن نون بعد موت موسى. والقرية: مأخوذة من الجمع، ومنه: ~~قريت الماء في الحوض. والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء. وفي المراد بهذه ~~القرية قولان: # أحدهما: أنها بيت المقدس، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي ~~والربيع، وروي عن ابن عباس أنها أريحا. قال السدي: وأريحا: هي أرض بيت ~~المقدس. # والثاني: أنها قرية من أداني قرى الشام، قاله وهب. # قوله [تعالى]: (وادخلوا الباب) قال ابن عباس: وهو أحد أبواب بيت المقدس، ~~وهو يدعى: باب حطة. وقوله: (سجدا) أي: ركعا. قال وهب: أمروا بالسجود شكرا ~~لله عز وجل إذ ردهم إليها. # قوله [تعالى]: (وقولوا حطة) وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة (حطة) ~~بالنصب. # وفي معنى حطة ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: استغفروا، قاله ابن عباس ووهب. قال ابن قتيبة: وهي كلمة ~~في معنى الاستغفار، من: حططت، أي: حط عنا ذنوبنا. # والثاني: أن معناها: قولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم، ذكره الضحاك عن ~~ابن عباس. ms0066 # والثالث: أن معناها: لا إله إلا الله، قاله عكرمة. قال ابن جرير الطبري: ~~فيكون المعنى: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم. # فلماذا أمروا بدخول القرية؟ فيه قولان: # أحدهما: أن ذلك لذنوب ركبوها فقيل: (ادخلوا القرية)، (وادخلوا الباب سجدا ~~نغفر لكم خطاياكم) قاله وهب. # والثاني: أنهم ملوا المن والسلوى، فقيل: (اهبطوا مصرا) فكان أول ما لقيهم ~~أريحا، فأمروا بدخولها. PageV01P072 # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (نغفر لكم) بالنون مع ~~كسر الفاء. # وقرأ نافع وأبان عن عاصم (يغفر) بياء مضمومة وفتح الفاء. وقرأ ابن عامر ~~بتاء مضمومة مع فتح الفاء. # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون (59) قوله [تعالى]: (فبدل الذين ظلموا قولا). # واعلم أن الله عز وجل، أمرهم في دخولهم بفعل وقول، فالفعل السجود، ~~والقول: حطة، فغير القوم الفعل والقول. # فأما تغيير الفعل، ففيه خمسة أقوال: # أحدها: أنهم دخلوا متزحفين على أوراكهم. رواه أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # والثاني: أنهم دخلوا من قبل أستاههم، قاله ابن عباس وعكرمة. # والثالث: أنهم دخلوا مقنعي رؤوسهم، قاله ابن مسعود. # والرابع: أنهم دخلوا على حروف عيونهم، قاله مجاهد. # والخامس: أنهم دخلوا مستلقين، قاله مقاتل. # وأما تغيير القول، ففيه خمسة أقوال: # أحدها: أنهم قالوا مكان " حطة ": حبة في شعرة، رواه أبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # والثاني: أنهم قالوا: حنطة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، ووهب، وابن ~~زيد. # والثالث: أنهم قالوا: حنطة حمراء [فيها شعرة، قاله ابن مسعود. # والرابع: أنهم قالوا: حبة حنطة] مثقوبة فيها شعيرة سوداء، قاله السدي عن ~~أشياخه. # والخامس: أنهم قالوا: سنبلاثا قاله أبو صالح. # فأما الرجز، فهو العذاب، قاله الكسائي وأبو عبيدة والزجاج. وأنشدوا ~~لرؤية: # [كم رأينا في ذي عديد مبزى]. # حتى وقمنا كيدة بالرجز وفي ماهية هذا العذاب ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ظلمة وموت، فمات منهم في ساعة واحدة، أربعة وعشرون ألفا، وهلك ~~سبعون ألفا عقوبة، قاله ابن عباس. PageV01P073 # والثاني: أنه أصابها ms0067 الطاعون، عذبوا به أربعين ليلة ثم ماتوا، قاله وهب ~~بن منبه. # والثالث: أنه الثلج، هلك به منهم سبعون ألفا، قاله سعيد بن جبير. # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~(60) قوله [تعالى]: (وإذ استسقى موسى لقومه). # استسقى بمعنى: استدعى ذلك، كقولك: استنصر. # وفي الحجر قولان: # أحدهما: أنه حجر معروف عين لموسى، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة، ~~وعطية، وابن زيد، ومقاتل، واختلفوا في صفته على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان حجرا مربعا، قاله ابن عباس. # والثاني: كان مثل رأس الثور، قاله عطية. # والثالث: مثل رأس الشاة، قاله ابن زيد. وقال سعيد بن جبير: هو الذي ذهب ~~بثياب موسى. # فجاءه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول لك: ارفع هذا الحجر، فلي فيه قدرة، ~~ولك فيه معجزة، فكان إذا احتاج إلى الماء ضربه. # والقول الثاني: أنه أمر بضرب أي حجر كان، والأول أثبت. # قوله [تعالى]: (فانفجرت منه). # تقدير معناه: فضرب فانفجرت، فلما عرف بقوله: " فانفجرت " أنه قد ضرب، ~~اكتفى بذلك عن ذكر الضرب، ومثله: (أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) قاله ~~الفراء. ولما كان القوم اثني عشر سبطا، أخرج الله لهم اثني عشرة عينا، ~~ولأنه كان فيهم تشاحن فسلموا بذلك منه. # قوله [تعالى]: (ولا تعثوا). # العثو: أشد الفساد، يقال: عثي، وعثا، وعاث. قال ابن الرقاع: # لولا الحياء وأن رأسي قد عثا * فيه المشيب لزرت أم القاسم وإذ قلتم يا ~~موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها ~~وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من ~~الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون (61) PageV01P074 # قوله [تعالى]: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) هذا قولهم في ~~التيه. وعنوا بالطعام ms0068 الواحد: المن والسلوى. قال محمد بن القاسم: كان المن ~~يؤكل بالسلوى، والسلوى بالمن، فلذلك كانا طعاما واحدا. والبقل هاهنا: اسم ~~جنس، وعنوا به: البقول وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: تذهب العامة ~~إلى أن البقل: ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الناجم الذي لا ~~يحتاج في أكله إلى طبخ، وليس كذلك، إنما البقل: العشب، وما ينبت الربيع مما ~~يأكله الناس والبهائم، يقال: بقلت الأرض، وأبقلت، لغتان فصيحتان: إذا أنبت ~~البقل. وابتقلت الإبل وتبقلت: إذا رعت. قال أبو النجم يصف الإبل: # تبقلت في أول التبقل * وبين رماحي مالك ونهشل وفي " القثاء " لغتان: كسر ~~القاف وضمها، والكسر أجود، وبه قرأ الجمهور. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، ~~وقتادة وطلحة بن مصرف، والأعمش: بضم القاف. قال الفراء: الكسر لغة أهل ~~الحجاز، والضم لغة تميم، وبعض بني أسد. # وفي " الفوم " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحنطة، قاله ابن عباس، والسدي عن أشياخه، والحسن وأبو مالك. ~~قال الفراء هي لغة قديمة، يقول أهلها: فوموا لنا، أي: اختبزوا لنا. # والثاني: أنه الثوم، وهو قراءة عبد الله وأبي: " وثومها " واختاره ~~الفراء، وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله، والفاء تبدل من الثاء، كما تقول ~~العرب: الجدث، والجدف: للقبر، والأثافي والأفافي: # للحجارة التي توضع تحت القدر. ومغاثير والمغافير: لضرب من الصمغ. وهذا ~~قول مجاهد، والربيع بن أنس، ومقاتل، والكسائي، والنضر بن شميل وابن قتيبة. # والثالث: أنه الحبوب، ذكره ابن قتيبة والزجاج. # قوله [تعالى]: (أتستبدلون الذي هو أدنى): أي: أردأ (بالذي هو خير): أي: ~~أعلى، يريد: أن المن والسلوى أعلى ما طلبتم. # قوله [تعالى]: (اهبطوا مصرا) فيه قولان: PageV01P075 # أحدهما: أنه اسم لمصر من الأمصار غير معين، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ~~وقتادة، وابن زيد، وإنما أمروا بالمصر، الذي طلبوه في الأمصار. # والثاني: أنه أراد البلد المسمى بمصر. وفي قراءة عبد الله والحسن وطلحة ~~بن مصرف والأعمش " مصر " بغير تنوين، قال أبو صالح عن ابن عباس: أراد مصر ~~فرعون، وهذا قول أبي العالية والضحاك، واختاره الفراء، واحتج بقراءة عبد ~~الله. ms0069 قال: وسئل عنها الأعمش، فقال: هي مصر التي عليها سليمان بن علي. وقال ~~مفضل الضبي: سميت مصرا، لأنها أخر حدود المشرق، وأول حدود المغرب، فهي حد ~~بينهما. والمصر: الحد. وأهل هجر يكتبون في عهدهم: اشترى فلا الدار بمصورها، ~~أي: بحدودها. وقال عدي: # وجاعل الشمس مصرا لاخفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا [وحكى ابن ~~فارس أن قوما قالوا: سميت بذلك لقصد الناس إياها. كقولهم: مصرت الشاة، إذا ~~حلبتها، فالناس يقصدونها، ولا يكادون يرغبون عنها إذا نزلوها]. # قوله [تعالى]: (وضربت عليهم الذلة): أي: ألزموها، قال الفراء: الذلة ~~والذل: بمعنى واحد وقال الحسن: هي الجزية. وفي المسكنة قولان: # أحدهما: أنها الفقر والفاقة، قاله أبو العالية، والسدي، وأبو عبيدة، وروي ~~عن السدي قال: # هي فقر النفس. # والثاني: انها الخضوع، قاله الزجاج. # قوله [تعالى]: (وباؤوا) أي: رجعوا. قوله [تعالى] (ذلك) إشارة إلى الغضب. ~~وقيل: إلى جميع ما ألزموه من الذلة والمسكنة وغيرهما. # قوله [تعالى]: (ويقتلون النبيين). # كان نافع يهمز " النبيين " و " الأنبياء " و " النبوة " وما جاء من ذلك، ~~إلا في موضعين في PageV01P076 # الأحزاب: (لا تدخلوا بيوت النبي) (إن وهبت نفسها للنبي). وإنما ترك ~~الهمزة في هذين الموضعين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد، وباقي ~~القراء لا يهمزون جميع المواضع. # قال الزجاج: الأجود ترك الهمز. واشتقاق النبي من: نبأ، وأنبأ، أي: أخبر. ~~ويجوز أن يكون من: # نبا ينبو: إذا ارتفع، فيكون بغير همز: فعيلا، من الرفعة. قال عبد الله بن ~~مسعود: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم تقوم سوق بقلهم في ~~آخر النهار. # قوله [تعالى]: (بغير الحق) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: بغير جرم، قاله ابن الأنباري. # والثاني: أنه توكيد كقوله [تعالى]: (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). # والثالث: أنه خارج مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم، فهو كقوله [تعالى]: (رب ~~احكم بالحق) فوصف حكمه بالحق، ولم يدل على أنه يحكم بغير الحق. # قوله [تعالى]: (وكانوا يعتدون) العدوان: أشد الظلم. وقال الزجاج: ~~الاعتداء: مجاوزة القدر في كل شئ. # قوله [تعالى]: إن ms0070 الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (62) قوله [تعالى]: (إن الذين آمنوا) فيهم خمسة أقوال: # أحدها: أنهم قوم كانوا مؤمنين بعيسى قبل أن يبعث محمد [صلى الله عليه ~~وآله وسلم]، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين آمنوا بموسى، وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى،. ~~فآمنوا به وعملوا بشريعته إلى أن جاء محمد. وهذا قول السدي عن أشياخه. # والثالث: أنهم المنافقون، قاله سفيان الثوري. # والرابع: أنهم الذين كانوا يطلبون الإسلام، كقيس بن ساعدة، وبحيرا، وورقة ~~بن PageV01P077 # نوفل، وسلمان. # والخامس: أنهم المؤمنون من هذه الأمة. قوله [تعالى]: (والذين هادوا) قال ~~الزجاج: أصل هادوا في اللغة: تابوا. وروي عن ابن مسعود أن اليهود سموا ~~بذلك، لقول موسى: (هدنا إليك)، والنصارى لقول عيسى: (من أنصاري إلى الله). ~~وقبل سموا النصارى لقرية: نزلها المسيح، اسمها: ناصرة، وقيل: # لتناصرهم. # فأما " الصابئون " فقرأ الجمهور بالهمز في جميع القرآن. وكان نافع لا ~~يهمز كل المواضع. قال الزجاج: معنى الصابئين: الخارجون من دين إلى دين، ~~يقال: صبأ فلان، إذا خرج من دينه. # وصبأت النجوم: إذا طلعت [وصبأ نابه: إذا خرج]. # وفي الصابئين سبعة أقوال: # أحدها: أنه صنف من النصارى ألين قولا منهم، وهم السائحون المحلقة أوساط ~~رؤوسهم، روي عن ابن عباس. # والثاني: أنهم قوم بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين، قاله مجاهد. # والثالث: أنهم قوم بين اليهود والنصارى، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: قوم كالمجوس، قاله الحسن والحكم. # والخامس: فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، قاله أبو العالية. # والسادس: قوم يصلون القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرأون الزبور، قاله ~~قتادة. # والسابع: قوم يقولون: لا إله إلا الله، فقط، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا ~~نبي، قاله ابن زيد. # قوله [تعالى]: (من آمن) في إعادة ذكر الإيمان ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لما ذكر مع المؤمنين طوائف من الكفار رجع قوله: (من آمن) ~~إليهم. PageV01P078 # والثاني: أن المعنى من أقام على إيمانه. # والثالث: أن الإيمان الأول نطق المنافقين ms0071 بالإسلام. والثاني: اعتقاد ~~القلوب. # قوله [تعالى]: (وعمل صالحا). # قال ابن عباس: أقام الفرائض. # فصل وهل هذه الآية محكمة أم منسوخة؟. فيه قولان: # أحدهما: أنها محكمة، قاله مجاهد والضحاك في آخرين، وقدروا فيها: إن الذين ~~آمنوا، ومن آمن من الذين هادوا. # والثاني: أنها منسوخة بقوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)، ~~ذكره جماعة من المفسرين. # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون (63) قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم). # الخطاب بهذه الآية لليهود. والميثاق: مفعال من التوثق بيمين أو عهد أو ~~نحو ذلك من الأمور التي تؤكد القول. # وفي هذا الميثاق ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة، فكرهوا الإقرار بما ~~فيها، فرفع عليهم الجبل، قاله مقاتل. قال أبو سليمان الدمشقي: أعطوا الله ~~عهدا ليعملن بما في التوراة، فلما جاء بها موسى فرأوا ما فيها من التثقيل، ~~امتنعوا من أخذها، فرفع الطور عليهم. # والثاني: أنه ما أخذه الله تعالى على الرسل وتابعيهم من الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره الزجاج. # والثالث: ذكره الزجاج أيضا، فقال: يجوز أن يكون الميثاق يوم أخذ الذرية ~~من ظهر آدم. # قوله [تعالى]: (ورفعنا فوقكم الطور) قال أبو عبيدة: الطور في كلام العرب: ~~الجبل. وقال ابن قتيبة: الطور: الجبل بالسريانية. وقال ابن عباس. ما أنبت ~~من الجبال فهو طور، وما لم ينبت فليس بطور. # وأي الجبال هو؟ فيه ثلاثة أ قوال: PageV01P079 # أحدها: جبل من جبال فلسطين، قاله ابن عباس. # والثاني: جبل نزلوا بأصله، قاله قتادة. # والثالث: الجبل الذي تجلى له ربه، قاله مجاهد. # وجمهور العلماء على أنه إنما رفع الجبل عليهم لإبائهم التوراة. وقال ~~السدي لإبائهم دخول الأرض المقدسة. # قوله [تعالى]: (خذوا ما آتيناكم بقوة). # وفي المراد بقوة أربعة أقوال: # أحدها: الجد والاجتهاد، قاله ابن عباس وقتادة والسدي. # والثاني: الطاعة، قاله أبو العالية. # والثالث: العمل بما فيه، قاله مجاهد. # والرابع: الصدق، قاله ابن زيد. # قوله [تعالى]: (واذكروا ما فيه) قولان: # أحدهما: اذكروا ما ms0072 تضمنه من الثواب والعقاب، قاله ابن عباس. # والثاني: ان معناه: ادرسوا ما فيه، قاله الزجاج. # قوله [تعالى]: (لعلكم تتقون) قال ابن عباس: تتقون العقوبة. # ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ~~(64) قوله [تعالى]: (ثم توليتم) أي: أعرضتم عن العمل بما فيه من بعد إعطاء ~~المواثيق ليأخذنه بجد، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ~~بالعقوبة. # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) ~~قوله [تعالى]: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت). # السبت: اليوم المعروف، قاله ابن الأنباري: ومعنى السبت في كلام العرب: ~~القطع، يقال: # قد سبت رأسه: إذا حلقه وقطع الشعر منه، ويقال: نعل سبتية: إذا كانت ~~مدبوغة بالقرظ محلوقة الشعر، فسمي السبت سبتا، لأن الله عز وجل ابتدأ الخلق ~~فيه، وقطع فيه بعض خلق الأرض، أو: # لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل فيه بقطع الأعمال وتركها. قال: وقال ~~بعضهم: سمي سبتا، لأن الله تعالى أمرهم بالاستراحة فيه من الأعمال، وهذا ~~خطأ، لأنه لا يعرف في كلام العرب: سبت بمعنى: # استراح. # وفي صفة اعتدائهم في السبت قولان: # أحدهما: أنهم أخذوا الحيتان يوم السبت، قاله الحسن ومقاتل. PageV01P080 # والثاني: أنهم حبسوها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وذلك أن الرجل كان ~~يحفر الحفرة، ويجعل لها نهرا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر، وقد ~~حرم الله عليه العمل يوم السبت، فيقبل الموج بالحيتان حتى يلقيها في ~~الحفيرة، فيريد الحوت الخروج فلا يطيق، فيأخذها يوم الأحد، قاله السدي. # الإشارة إلى قصة مسخهم روى عثمان بن عطاء عن أبيه قال: نودي الدين اعتدوا ~~في السبت ثلاثة أصوات: نودوا: يا أهل القرية، فانتبهت طائفة [ثم نودوا: يا ~~أهل القرية فانتبهت طائفة] أكثر من الأولى، ثم نودوا: يا أهل القرية، ~~فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم: (كونوا قردة خاسئين) فجعل ~~الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم: بلى. ~~قال قتادة: فصار القوم قردة تعاوي، لها أذناب بعدما كانوا رجالا ونساء. ms0073 # وفي رواية عن قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير، وما نجا إلا الذين ~~نهوا، وهلك سائرهم. وقال غيره: كانوا نحوا من سبعين ألفا، وعلى هذا القول ~~العلماء، غير ما روي عن مجاهد أنه قال: مسخت قلوبهم ولم تمسخ أبدانهم، وهو ~~قول بعيد، قال ابن عباس: لم يحيوا على الأرض إلا ثلاثة أيام، ولم يحيي مسخ ~~في الأرض فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. # وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام، وماتوا في اليوم الثامن، وهذا كان في ~~زمان داود عليه السلام. # قوله [تعالى]: (خاسئين): الخاسئ في اللغة: المبعد، يقال للكلب: اخسأ، أي: ~~تباعد. # فجعلناها نكالا لما بين يديه وما خلفها وموعظة للمتقين (66) قوله ~~[تعالى]: (فجعلناها). # في المنكي عنها أربعة أقوال: # أحدها: أنها الخطيئة، رواه عطية عن ابن عباس. # والثاني: العقوبة، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقال الفراء: الهاء: كناية ~~عن المسخة التي مسخوها. # والثالث: أنها القرية، والمراد أهلها، قاله قتادة وابن قتيبة. # والرابع: أنها الأمة التي مسخت، قاله الكسائي، والزجاج. # وفي النكال قولان: # أحدهما: أنه العقوبة، قاله مقاتل. # والثاني: العبرة، قاله ابن قتيبة والزجاج. PageV01P081 # قوله [تعالى]: (لما بين يديها وما خلفها) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لما بين يديها من القرى وما خلفها رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: لما بين يديها من الذنوب، وما خلفها: ما عملوا بعدها، رواه عطية ~~عن ابن عباس. # والثالث: لما بين يديها من السنين التي عملوا فيها بالمعاصي، وما خلفها: ~~ما كان بعدهم في بني إسرائيل لئلا يعملوا بمثل أعمالهم، قاله عطية. # وفي المتقين قولان: # أحدهما: أنه عام في كل متق إلى يوم القيامة، قاله ابن عباس. # والثاني: أن المراد بهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قاله السدي عن ~~أشياخه، وذكره عطية وسفيان. # وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) قوله تعالى: (وإذا قال موسى لقومه ~~إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). # ذكر السبب في أمرهم بذبح البقرة ms0074 روى ابن سيرين عن عبيدة قال: كان في بني ~~إسرائيل رجل عقيم لا يولد له، وله مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ~~واحتمله ليلا، فأتى به حيا آخرين، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه ~~حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض، فأتوا موسى فذكروا له ذلك، فأمرهم بذبح ~~البقرة. # وروى السدي عن أشياخه أن رجلا من بني إسرائيل كانت له بنت وابن أخ فقير، ~~فخطب إليه ابنته، فأبى، فغضب وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله ولأنكحن ~~ابنته، ولآكلن ديته، فأتاه فقال: قد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، ~~فانطلق معي فخذ لي من تجارتهم لعلي أصيب فيها، فخرج معه، فلما بلغا ذلك ~~السبط، قتله الفتى، ثم رجع، فلما أصبح، جاء كأنه يطلب عمه ولا يدري أين هو، ~~فإذا بذلك السبط قد اجتمعوا عليه، فأمسكهم وقال: قتلتم عمي، وجعل يبكي ~~وينادي: وا عماه. قال أبو العالية: والذي سأل موسى أن يسأل الله البيان: ~~القاتل وقال غيره: بل القوم اجتمعوا فسألوا موسى، فلما أمرهم بذبح بقرة، ~~قالوا: أتتخذنا هزوا؟ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: هزؤا ~~بضم الهاء والزاي والهمزة، وقرأ حمزة، وإسماعيل، وخلف في اختياره، والفراء ~~عن عبد الوارث، والمفضل: هزئا باسكان الزاي. ورواه حفص بالضم من غير همزة، ~~وحكى أبو علي الفارسي؟ ن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فمن العرب من ~~يثقله، ومنهم من يخففه، نحو العسر واليسر. PageV01P082 # قوله [تعالى]: (قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين). # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا ~~بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) وإنما انتفى من الهزء، لأن الهازئ ~~جاهل لاعب، فلما تبين لهم أن الأمر من عند الله، (قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما هي). قال الزجاج: وإنما سألوا: ما هي، لأنهم لا يعلمون أن بقرة تحيا ~~بضرب بعضها ميت. # فأما الفارض فهي: المسنة، يقال: فرضت البقرة فهي فارض: إذا أسنت. والبكر: ~~الصغيرة التي ms0075 لم تلد، والعوان: دون المسنة، وفوق الصغير، يقال: حرب عوان: ~~إذا لم تكن أول حرب، وكانت ثانية. # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع ~~لونها تسر الناظرين (69) قالوا ادع ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه ~~علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) قوله [تعالى]: (قالوا ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما لونها قال: إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين. ~~قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون). # في الصفراء قولان: # أحدهما: أنه من الصفرة، وهو: اللون المعروف، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن ~~زيد، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنها السوداء، قال الحسن البصري، ورده جماعة، فقال ابن قتيبة: ~~هذا غلط في نعوت البقر، وإنما يكون ذلك في نعوت الإبل، يقال: بعير أصفر، ~~أي: أسود، لأن السود من الإبل يشوب سوادها صفرة، ويدل على ذلك: قوله ~~[تعالى]: (فاقع لونها). # قال الزجاج: وفاقع نعت للأصفر الشديد الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأحمر ~~قانئ وأخضر ناضر، وأبيض يقق، وأسود حالك، وحلكوك ودجوجي، فهذه صفات ~~المبالغة في الألوان. # ومعنى (تسر الناظرين) تعجبهم، قال ابن عباس: شدد القوم فشدد الله عليهم. ~~وروى أبو هريرة [رضي الله عنه]، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " ~~لولا أن بني إسرائيل استثنوا لم يعطوا الذي أعطوا " يعني بذلك قولهم. # (وإنا إن شاء الله لمهتدون). PageV01P083 # وفي المراد باهتدائهم قولان: # أحدهما: أنهم أرادوا: المهتدون إلى البقرة، وهو قول الأكثرين. # والثاني: إلى القاتل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. # قوله [تعالى]: قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ~~مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) ~~وقوله [تعالى]: (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول) قال قتادة: لم يذلها ~~العمل فتثير الأرض. # وقال ابن قتيبة: يقال في الدواب: دابة ذلول: بينة الذل بكسر الذال، وفي ~~الناس: رجل ذليل بين الذل بضم الذال. # (تثير ms0076 الأرض): تقلبها للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة. قال الفراء: لا ~~تقفن على ذلول، لأن المعنى: ليست بذلول فتثير الأرض، وحكى ابن القاسم أن ~~أبا حاتم السجستاني أجاز الوقف على ذلول، ثم أنكره عليه جدا، وعلل بأن التي ~~تثير الأرض لا يعدم منها سقي الحرث، ومتى أثارت الأرض كانت ذلولا. ومعنى: ~~ولا تسقي الحرث: لا يستقي عليها الماء لسقي الزرع. # قوله [تعالى]: (مسلمة) فيه أربعة أقوال: # أحدها: مسلمة من العيوب، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: مسلمة من العمل، قاله الحسن وابن قتيبة. # والثالث: مسلمة من الشية، قاله مجاهد وابن زيد. # والرابع: مسلمة القوائم والخلق، قاله عطاء الخراساني. # فأما الشية، فقال الزجاج: الوشي في اللغة: خلط لون بلون. ويقال: وشيت ~~الثوب أشيه شية ووشيا، كقولك: وديت فلانا أدية دية. ونصب: لاشية فيها، على ~~النفي. ومعنى الكلام: ليس فيها لون يفارق سائر لونها، وقال عطاء الخراساني: ~~لونها لون واحد. # قوله [تعالى]: (الآن جئت بالحق) قال ابن قتيبة: الآن: هو الوقت الذي أنت ~~فيه، وهو حد PageV01P084 # الزمانين، حد الماضي من آخره، وحد المستقبل من أوله، ومعنى (جئت بالحق) ~~بنيت لنا. # قوله [تعالى]: (وما كادوا يفعلون) فيه قولان: # أحدهما: لغلاء ثمنها، قاله ابن كعب القرظي. # والثاني: لخوف الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم، قاله وهب. قال ~~ابن عباس: # مكثوا يطلبون البقرة أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل، فأبى أن يبيعها الا ~~بملء ء مسكها ذهبا، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وعبيدة، ووهب، وابن زيد، ~~والكلبي، ومقاتل في مقدار الثمن. فأما السبب الذي لأجله غلا ثمنها، فيحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أنهم شددوا فشدد عليهم والثاني: لإكرام الله عز وجل صاحبها، فإن ~~كان برا بوالديه. فذكر بعض المفسرين أنه كان شاب من بني إسرائيل برا بأبيه، ~~فجاء رجل يطلب سلعة هي عنده، فانطلق ليبيعه إياها، فإذا مفاتيح حانوته مع ~~أبيه، [وأبوه نائم، فلم يوقظه ورد المشتري فأضعف له المشتري المثمن، فرجع ~~إلى أبيه] فوجده نائما، فعاد إلى المشتري فرده، فأضعف له الثمن، فلم يزل ~~ذلك دأبهما ms0077 حتى ذهب المشتري فأثابه الله على بره بأبيه أن نتجت له بقرة من ~~بقرة، تلك البقرة. # وروي عن وهب بن منبه في حديث طويل: أن فتى كان برا بوالديه، وكان يحتطب ~~على ظهره، فإذا باعه تصدق بثلثه، وأعطى أمه ثلثه، وأبقى لنفسه ثلثه، فقالت ~~له أمه يوما: إني ورثت من أبيك بقرة، فتركتها في البقر على اسم الله، فإذا ~~أتيت البقر، فادعها باسم إله إبراهيم، فذهب فصاح بها، فأقبلت، فأنطقها ~~الله، فقالت: اركبني يا فتى، فقال لم تأمرني أمي بهذا. فقالت: أيها البر ~~بأمه، لو ركبتني لم تقدر علي، فانطلق، فلوا أمرت الجبل أن ينقلع من أصله ~~لانقلع ببرك لأمك. # فلما جاء بها قالت أمه: بعها بثلاثة دنانير على رضى مني، فبعث الله ملكا ~~فقال: بكم هذه؟ قال: # بثلاثة دنانير على رضى من أمي. قال: لك ستة ولا تستأمرها، فأبى، وعاد إلى ~~أمه فأخبرها، فقالت: بعها بستة على رضى مني، فجاء الملك فقال: خذ اثني عشر ~~ولا تستأمرها، فأبي، وعاد إلى أمه فأخبرها، فقالت:، يا بني، ذاك ملك، فقل ~~له: بكم تأمرني أن أبيعها؟ فجاء إليه فقال له PageV01P085 # ذلك، فقال: يا فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل في بني ~~إسرائيل. # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) قوله ~~تعالى: (وإذ قتلتم نفسا) هذه الآية مؤخرة في التلاوة، مقدمة في المعنى، لأن ~~السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس، فتقدير الكلام: وإذ قتلتم نفسا ~~فادارأتم فيها، فسألتم موسى فقال: # (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). ونظيرها قوله [تعالى]: (ولم يجعل له ~~عوجا قيما) أراد: أنزل الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا، فأخر المقدم وقدم ~~المؤخر، لأنه من عادة العرب، قال الفرزدق: # إن الفرزدق صخرة ملمومة * طالت فليس تنالها الأوعالا أراد: طالت الأوعال. ~~وقال جرير: # طاف الخيال وأين منك لماما * فارجع لزورك بالسلام سلاما أراد: طاف الخيال ~~لماما، وأين هو منك؟ وقال الآخر: # خير من القوم العصاة أميرهم * - يا قوم فاستحيوا - النساء الجلس أراد: ~~خير من ms0078 القوم العصاة النساء، فاستحيوا من هذا. # ومعنى قوله: (فادارأتم) اختلفتم، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الزجاج: ~~ادارأتم، بمعنى: # تدارأتم، أي: تدافعتم، وألقى بعضكم على بعض، تقول: درأت فلانا، إذا ~~دفعته، وداريته: إذا لاينته، ودريته إذا ختلته، فأدغمت التاء في الدال، ~~لأنهما من مخرج واحد، فأما الذي كتمود، فهو أمر القتيل. # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ~~(73) قوله [تعالى]: (فقلنا اضربوه ببعضها). # من قال: أقاموا في طلبها أربعين سنة، قال: ضربوا قبره، ومن لم يقل ذلك، ~~قال: ضربوا جسمه قبل دفنه، وفي الذي ضرب به ستة أقوال: # أحدها: أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف، رواه عكرمة عن ابن عباس. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: وذلك العظم هو أصل الأذن، وزعم قوم أنه لا يكسر ذلك ~~العظم من أحد فيعيش. قال الزجاج: الغضروف في الأذن، وهو: ما أشبه العظم ~~الرقيق من فوق الشحمة، وجميع أعلى صدفة الأذن، وهو معلق الشنوف، فأما ~~العظمان اللذان خلف الأذن الناتئان من مؤخر الأذن، فيقال لهما: # الخشاوان، وأن الخششاوان، وأحدهما: خشاء، وخششاء. PageV01P086 # والثاني: أنه ضرب بالفخذ، روي عن ابن عباس أيضا، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، ~~وذكر عكرمة ومجاهد أنه الفخذ الأيمن. # والثالث: أنه البضعة التي بين الكتفين. رواه السدي عن أشياخه. # والرابع: أنه الذنب، رواه ليث عن مجاهد. # والخامس: أنه عجب الذنب، وهو عظم عليه بني البدن، روي عن سعيد بن جبير. # والسادس: أنه اللسان * قاله الضحاك. # وفي الكلام اختصار تقديره: فقلنا: اضربوه ببعضها ليحيا، فضربوه فيحي، ~~فقام فأخبر بقاتله. # وفي قاتله أربعة أقوال: # أحدها: بنو أخيه، رواه عطية عن ابن عباس. # والثاني: ابنا عمه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهذان القولان يدلان على ~~أن قاتله أكثر من واحد. # والثالث: ابن أخيه، قال السدي عن أشياخه وعبيدة. # والرابع: أخوه، قاله عبد الرحمن بن زيد. # قوله [تعالى]: (كذلك يحيي الله الموتى) فيه قولان: # أحدهما: أنه خطاب لقوم موسى. # والثاني: لمشركي قريش، احتج عليهم إذ جحدوا البعث بما يوافق عليه أهل ~~الكتاب، قال أبو عبيدة: ms0079 وآياته عجائبه. # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) PageV01P087 # قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم) قال إبراهيم بن السري قست في اللغة: غلظت ~~ويبست وعست. فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه. والقاسي: ~~والعاسي: الشديد الصلابة. # وقال ابن قتيبة: قست وعست وعتت واحد، أي: يبست. # وفي المشار إليهم بها قولان: # أحدهما: جميع بني إسرائيل. # والثاني: القاتل. قال ابن عباس: قال الذين قتلوه بعد أن سمى قاتله: والله ~~ما قتلناه. وفي كاف " ذلك " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إشارة إلى إحياء الموتى، فيكون الخطاب لجميع بني إسرائيل. # والثاني: إلى كلام القتيل، فيكون الخطاب للقاتل، ذكرهما المفسرون. # والثالث: إلى ما شرح من الآيات من مسخ القردة والخنازير، ورفع الجبل ~~وانبجاس الماء، وإحياء القتيل، ذكره الزجاج. # وفي " أو " أقوال، هي بعينها مذكورة في قوله [تعالى]: (أو كصيب) وقد ~~تقدمت. # قوله [تعالى]: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار) قال مجاهد: كل حجر ~~ينفجر منه الماء، وينشق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فمن خشية الله. # * أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه، من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) قوله [تعالى]: (أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم). # في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم المؤمنون، تقديره: أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم، قاله أبو ~~العالية وقتادة. # والثالث: أنهم الأنصار، فإنهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة ~~التي كانت بينهم، ذكره النقاش. قال الزجاج: وألف " أفتطمعون " ألف استخبار، ~~كأنه آيسهم من الطمع في إيمانهم. # وفي سماعهم لكلام الله قولان: # أحدهما: أنهم قرؤوا التوراة فحرفوها، هذا قول مجاهد والسدي في آخرين، ~~فيكون سماعهم لكلام الله بتبليغ نبيهم، وتحريفهم: تغيير ما فيها. # والثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى، فسمعوا كلام الله كفاحا ms0080 عند ~~الجبل، فلما PageV01P088 # جاؤوا إلى قومهم قالوا: قال لنا: كذا وكذا، وقال في آخر قوله: إن لم ~~تستطيعوا ترك ما أنهاكم عنه، فافعلوا ما تستطيعون. هذا قول مقاتل، والأول ~~أصح. وقد أنكر بعض أهل العلم، منهم الترمذي صاحب " النوادر " هذا القول ~~إنكار شديدا، وقال: إنما خص بالكلام موسى وحده، وإلا فأي ميزة؟ # وجعل هذا من الأحاديث التي رواها الكلبي وكان كذابا. # ومعنى (عقلوه): سمعوه ووعوه. # وفي قوله [تعالى]: (وهم يعلمون) قولان: # أحدهما: وهم يعلمون أنهم حرفوه. # والثاني: أنهم يعلمون عقاب تحريفه. # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) قوله ~~تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا). # هذه الآية نزلت في نفر من اليهود، كانوا إذا لقوا النبي والمؤمنين قالوا: ~~آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، هذا ~~قول ابن عباس وأبي العالية، ومجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن زيد، ~~ومقاتل. # وفي معنى (بما فتح الله عليكم) قولان: # أحدهما: بما قضى الله عليكم، والفتح: القضاء، ومنه قوله [تعالى]: (ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق) قال السدي عن أشياخه: كان ناس من اليهود ~~آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، ~~وأكرم على الله منكم. # والثاني: أن معناه: بما علمكم الله. قال ابن عباس وأبو العالية وقتادة: ~~الذي فتحه عليهم، ما أنزله من التوراة في صفة محمد، [صلى الله عليه وآله ~~وسلم]، وقال مقاتل: كان المسلم يلقى حليفه، أو أخاه من الرضاعة من اليهود، ~~فيسأله: أتجدون محمدا في كتابكم؟ فيقولون: نعم، إنه لحق. فسمع كعب بن ~~PageV01P089 # الأشرف وغيره، فقال لليهود في السر: أتحدثون ابن أصحاب محمد بما فتح الله ~~عليكم؟ أي: بما بين لكم في التوراة من أمر محمد ليخاصموكم به عند ربكم ~~باعترافكم أنه نبي، أفلا تعقلون أن هذا حجة عليكم؟! # قوله [تعالى]: (عند ربكم) فيه ms0081 قولان: # أحدهما: أنه بمعنى: في حكم ربكم، كقوله [تعالى]: (فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون). # والثاني: أنه أراد يوم القيامة. # أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) قوله [تعالى]: (ومنهم ~~أميون) يعنى: اليهود. والأمي: الذي لا يكتب ولا يقرأ، قاله مجاهد. وفي ~~تسميته بالأمي قولان: # أحدهما: لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم الكتاب، فهو على جبلته، قاله ~~الزجاج. # والثاني: أنه ينسب إلى أمه، لأن الكتابة في الرجال كانت دون النساء. ~~وقيل: لأنه على ما ولدته أمه. # قوله [تعالى]: (لا يعلمون الكتاب) قال قتادة: لا يدرون ما فيه. # قوله [تعالى]: (إلا أماني) جمهور القراء على تشديد الياء، وقرأ الحسن، ~~وأبو جعفر، بتخفيف الياء، وكذلك: (تلك أمانيهم) و (ليس بأمانيكم ولا أماني ~~أهل الكتاب) (في أمنيته) (وغرتكم الأماني) كله بتخفيف الياء وكسر الهاء من ~~" أمانيهم " ولا خلاف في فتح ياء " الأماني ". # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الأكاذيب. قال ابن عباس: إلا أماني: يريد إلا قولا يقولونه ~~بأفواههم كذبا. وهذا قول مجاهد واختيار الفراء. وذكر الفراء أن بعض العرب ~~قال لابن دأب وهو يحدث: أهذا شئ رويته، أم شئ تمنيته؟ يريد: افتعلته. # والثاني: أن الأماني: التلاوة، فمعناه: لا يعلمون فقه الكتاب، إنما ~~يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم قال الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليلة * تمني داود الزبور على رسل وهذا قول الكسائي ~~والزجاج. PageV01P090 # والثالث: أنها أمانيهم على الله، قاله قتادة. # قوله [تعالى]: (وإن هم إلا يظنون) قال مقاتل: ليسوا على يقين. فإن كذب ~~الرؤساء أو صدقوا تابعوهم. # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) قوله ~~[تعالى]: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم). # هذه الآية نزلت في أهل الكتاب بدلوا التوراة وغيروا صفة النبي [صلى الله ~~عليه وآله وسلم] فيها. وهذا قول ابن عباس وقتادة وابن زيد وسفيان. فأما ~~الويل: فروى أبو ms0082 سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ويل: # واد في جهنم، يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره " وقال ~~الزجاج: الويل: كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، ويستعملها هو أيضا. ~~وأصلها في اللغة: العذاب والهلاك. # قال ابن الأنباري: ويقال: معنى الويل: المشقة من العذاب ويقال: أصله: وي ~~لفلان، أي: حزن لفلان، وكثر الاستعمال للحرفين، فوصلت اللام ب‍ " وي " ~~وجعلت حرفا واحدا ثم خبر عن " ويل " بلام أخرى وهذا اختيار الفراء والكتاب ~~هاهنا: التوراة. وذكر الأيدي توكيد، والثمن القليل: ما يفنى من الدنيا. # وفيما يكسبون قولان: # أحدهما: أنه عوض ما كتبوا. # والثاني: إثم ما فعلوا. # وقالوا لن تسمنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون (80) قوله تعالى: (وقالوا ~~لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) وهم: اليهود. وفيما عنوا بهذه الأيام ~~قولان: # أحدهما: أنهم أرادوا أربعين يوما، قاله ابن عباس وعكرمة، وأبو العالية، ~~وقتادة، والسدي. # ولماذا قدروها بأربعين؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم قالوا: بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، ونحن نقطع مسيرة كل ~~سنة في يوم، ثم ينقضي العذاب وتهلك النار، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم قالوا: عتب علينا ربنا في أمر، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة، ~~ثم يدخلنا الجنة، PageV01P091 # فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم، وهذا قول الحسن وأبي ~~العالية. # والثالث: أنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، قاله مقاتل. # والقول الثاني: أن الأيام المعدودة سبعة أيام، وذلك لأن عندهم أن الدنيا ~~سبعة آلاف سنة، والناس يعذبون لكل ألف سنة يوما من أيام الدنيا، ثم ينقطع ~~العذاب، قاله ابن عباس. # (قل اتخذتم عند الله عهدا) أي: عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا ~~المقدار؟! # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) ~~قوله [تعالى]: (بلى من كسب سيئة) بلى: بمنزلة " نعم " إلا أن " بلى " جواب ms0083 ~~النهي، و " نعم " جواب الإيجاب، قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: مالك ~~علي شئ، فقال الآخر: # نعم، كان تصديقا أن لا شئ له عليه. ولو قال: بلى، كان ردا لقوله: قال ابن ~~الأنباري: وإنما صارت " بلى " تتصل بالجحد، لأنها رجوع عن الجحد إلى ~~التحقيق، فهي بمنزلة " بل ". و " بل " سبيلها أن تأتي بعد الجحد، كقولهم: ~~ما قام أخوك، بل أبوك. وإذا قال الرجل للرجل: ألا تقوم؟ # فقال له: بلى، أراد: بل أقوم، فزاد الألف على " بل " ليحسن السكوت عليها، ~~لأنه لو قال: بل، قال الزجاج: بلى، رد لقولهم: (لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة) والسيئة هاهنا: الشرك في قول ابن عباس وعكرمة، وأبي وائل، وأبي ~~العالية، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل. # (وأحاطت به) أي: أحدقت به خطيئته. وقرأ نافع " خطيئاته " بالجمع. قال ~~عكرمة: مات ولم يتب منها، وقال أبو وائل: الخطيئة: صفة، قال أبو علي: إما ~~أن يكون المعنى: # أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها، من حيث أن المحيط أكثر من المحاط به، ~~فيكون كقوله [تعالى]: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) وقوله (أحاط بهم ~~سرادقها) أو يكون معنى أحاطت به: أهلكته، كقوله: (إلا أن يحاط بكم). # وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم PageV01P092 # وأنتم معرضون (83) قوله [تعالى]: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) هذا ~~الميثاق مأخوذ عليهم في التوراة. # وقوله [تعالى]: (لا تعبدون) قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر: بالتاء ~~على الخطاب لهم. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: بالياء على الاخبار عنهم. # قوله [تعالى]: (وبالوالدين احسانا) أي: ووصيناهم بآبائهم وأمهاتهم خيرا. ~~قال الفراء: # والعرب تقول: أوصيك به خيرا، وآمرك به خيرا والمعنى: آمرك أن تفعل به، ثم ~~تحذف " أن " فيوصل الخير بالوصية والأمر. قال الشاعر: # عجبت من دهماء إذ تشكونا * ومن أبي دهماء إذ يوصينا خيرا بها كأننا ~~جافونا وأما الإحسان إلى الوالدين، فهو برهما. قال ابن عباس: لا تنفض ثوبك ~~فيصيبهما الغبار. # وقالت ms0084 عائشة: ما بر والده من شد النظر إليه، وقال عروة: لا تمتنع عن شئ ~~أحباه. # قال [تعالى]: (وذي القربى) أي: ووصيناهم بذي القربى أي يصلوا أرحامهم. ~~فأما اليتامى، فجمع: يتيم. قال الأصمعي: اليتم في الناس، من قبل الأب، وفي ~~غير الناس: من قبل الأم. # وقال ابن الأنباري: قال ثعلب: اليتم معناه في كلام العرب: الانفراد: ~~فمعنى صبي يتيم: منفرد عن أبيه. وأنشدنا: # أفاطم إني ذاهب فتبيني * ولا تجزعي كل النساء يتيم وقال. يروي: يتيم ~~ويئيم، فمن روى يتيم بالتاء، أراد: كل النساء ضعيف منفرد. ومن روى بالياء ~~أراد: كل النساء يموت عنهن أزواجهن. وقال: أنشدنا ابن الأعرابي: # ثلاثة أحباب: فحب علاقة * وحب علاق وحب هو القتل قال: فقلنا له: زدنا، ~~فقال: البيت يتيم: أي: هو منفرد. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: ~~إذا بلغ الصبي، زال عنه اسمه اليتم. يقال منه: يتم يتيم يتما ويتما، وجمع ~~اليتيم: # يتامى، وأيتام. وكل منفرد عند العرب يتيم ويتيمة. قال: وقيل: أصل اليتم: ~~الغفلة، وبه سمي اليتيم، لأنه يتغافل عن بره. والمرأة تدعى: يتيمة ما لم ~~تزوج، فإذا تزوجت زال عنها اسم اليتم، وقيل: لا يزول عنها اسم اليتم أبدا. ~~وقال أبو عمرو، اليتم: الإبطاء، ومنه أخذ اليتيم، لأن البر PageV01P093 # يبطئ عنه. " والمساكين ": جمع مسكين، وهو اسم مأخوذ من السكون، كأن ~~المسكين قد أسمنه الفقر. # وقوله [تعالى]: (وقولوا للناس حسنا) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، ~~وعاصم، وابن عامر: (حسنا) بضم الحاء والتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي: (حسنا) ~~بفتح الحاء والتثقيل. قال أبو علي: من قرأ " حسنا " فجائز أن يكون الحسن ~~لغة في الحسن، كالبخل، والبخل، والرشد والرشد. وجاء ذلك في الصفة كما جاء ~~في الاسم، ألا تراهم قالوا: العرب والعرب ويجوز أن يكون الحسن مصدرا كالكفر ~~والشكر والشغل، وحذف المضاف معه، كأنه قولا ذا حسن. ومن قرأ (حسنا) جعله ~~صفة، والتقدير عنده: قولوا للناس قولا حسنا، فحذف الموصوف. # واختلفوا في المخاطب بهذا على قولين: # أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن جبير، وابن ms0085 جريج. ومعناه: ~~اصدقوا وبينوا صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # والثاني: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو العالية: قولوا ~~للناس معروفا، وقال محمد بن علي بن الحسين عليه السلام: كلموهم بما تحبون ~~أن يقولوا لكم. وزعم قوم أن المراد بذلك مساهلة الكفار في دعائهم إلى ~~الإسلام. فعلى هذا، تكون منسوخة بآية السيف. # قوله [تعالى]: (ثم توليتم) أي: أعرضتم إلا قليلا منكم وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم أولهم الذين لم يبدلوا. # والثاني: أنهم الذين آمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ~~زمانه. # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وأن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو ~~محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون بعض فما جزاء من يفعل ذلك ~~منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة PageV01P094 # يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) قوله [تعالى]: (وإذ ~~أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم ~~بعضا من داره. قال ابن عباس: ثم أقررتم يومئذ بالعهد، وأنتم اليوم تشهدون ~~على ذلك، فالإقرار على هذا متوجه إلى سلفهم، والشهادة متوجهة إلى خلفهم. ~~(ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) أي: يقتل بعضكم بعضا. روى السدي عن أشياخه ~~قال: كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقاتلون في حرب ~~سمير فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءها فيقتلون ويخبرون الديار ~~ويخرجون منها، فإذا أسر الرجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم ~~العرب بذلك، فتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟! فيقولون: أمرنا أن نفديهم، ~~وحرم علينا قتلهم. فتقول العرب: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: نستحيي أن تستذل ~~حلفاؤنا، فعيرهم الله، عز وجل فقال: # (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) إلى قوله ~~[تعالى]: # (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) فكان إيمانهم ببعضه: فداءهم ~~الأسارى، وكفرهم: قتل بعضهم بعضا. # قوله [تعالى]: (تظاهرون) قرأ عاصم ms0086 وحمزة والكسائي (تظاهرون) وفي التحريم: # (تظاهرا) بتخفيف الظاء وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بتشديد الظاء مع ~~إثبات الألف. وروي عن الحسن وأبي جعفر (تظهرون) بتشديد الظاء من غير الف، ~~فالتظاهر: التعاون. قال ابن قتيبة: # وأصله من الظهر، فكأن التظاهر: أن يجعل كل واحد من الرجلين الآخر ظهرا له ~~يتقوى به، ويستند إليه. قال مقاتل: والإثم: المعصية والعدوان: الظلم. # قوله [تعالى]: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم) أصل الأسر: الشد. قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر (أسارى) وقرأ الأعمش وحمزة (أسرى) قال الفراء: أهل ~~الحجاز يجتمعون الأسير: # " أسارى " وأهل نجد أكثر كلامهم " أسرى " وهو أجود الوجهين في العربية، ~~لأنه بمنزلة قولهم: جريح وجرحى، وصريع وصرعى، وروى الأصمعي عن أبي عمرو ~~قال: الأسارى: ما شدوا، والأسرى: في أيديهم، إلا أنهم لم يشدوا. قال ~~الزجاج: " فعلى " جمع لكل ما أصيب به الناس PageV01P095 # في أبدانهم وعقولهم. يقال هالك وهلكى، ومريض ومرضى، وأحمق وحمقى، وسكران ~~وسكرى، فمن قرأ: (أسارى)، فهو جمع الجمع. يقال: أسير وأسري وأسارى جمع ~~أسرى. # قوله [تعالى]: (تفادوهم) قال ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (تفدوهم) ~~وقرأ نافع وعاصم والكسائي: (تفادوهم) بألف. والمفاداة: إعطاء شئ، وأخذ شئ ~~مكانه. # (أفتؤمنون ببعض الكتاب) وهو: فكاك الأسرى. (وتكفرون ببعض) وهو: الإخراج ~~والقتل. # وقال مجاهد: تفديه في يد غيرك، وتقتله أنت بيدك؟! # وفي المراد بالخزي قولان: # أحدهما: أنه الجزية، قاله ابن عباس. # والثاني: قتل قريظة ونفي النضير، قاله مقاتل. # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86) قوله [تعالى]: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة). ~~قال ابن عباس: هم اليهود. وقال مقاتل: باعوا الآخرة بما يصيبونه من الدنيا. # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) قوله [تعالى]: (ولقد آتينا موسى الكتاب) ~~يريد التوراة: وقفينا: أتبعنا. قال ابن قتيبة: وهو من القفا مأخوذ يقال: ~~قفوت الرجل: إذا سرت في أثره. والبينات: ms0087 الآيات والواضحات كإبراء الأكمه ~~والأبرص، وإحياء الموتى. وأيدناه: قويناه. والأيد: القوة. # وفي روح القدس ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه جبريل. والقدس: الطهارة، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك ~~والسدي في آخرين أ وكان ابن كثير يقرأ: (بروح القدس) ساكنة الدال. قال أبو ~~علي: التخفيف والتثقيل فيه حسنان، نحو: العنق والعنق، والطنب والطنب. # وفي تأييده ثلاثة أقوال: ذكرها الزجاج: PageV01P096 # أحدها: أنه أيد به لإظهار حجته وأمر دينه.. # والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله. # والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله. # والقول الثاني: أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتى، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنه الإنجيل، قاله ابن زيد. # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) قوله ~~[تعالى]: (وقالوا قلوبنا غلف) قرأ الجمهور بإسكان اللام، وقرأ قوم، منهم ~~الحسن وابن محيصن بضمها. قال الزجاج: [من قرأ: (غلف) بتسكين اللام، فمعناه: ~~ذوات غلف، فكأنهم قالوا: قلوبنا في أوعية] ومن قرأ (غلف) بضم اللام، فهو ~~جمع " غلاف " فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم وهي ~~أوعية للعلم؟! فعلى الأول، يقصدون إعراضه عنهم، وكأنهم يقولون: ما نفهم ~~شيئا. وعلى الثاني يقولون: لو كان قولك حقا لقبلته قلوبنا. # وقوله [تعالى]: (فقليلا ما يؤمنون) فيه خمسة أقوال: # أحدها: فقليل من يؤمن منهم، قاله ابن عباس وقتادة. # والثاني: أن المعنى: قليل ما يؤمنون. قال معمر: يؤمنون بقيل مما في ~~أيديهم، ويكفرون بأكثره. # والثالث: أن المعنى: فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا. ذكره ابن الأنباري. ~~وقال: هذا على لغة قوم من العرب، يقولون: قلما رأيت مثل هذا الرجل، وهم ~~يريدون: ما رأيت مثله. # والرابع: فيؤمنون قليلا من الزمان: كقوله [تعالى] (آمنوا بالذي أنزل على ~~الذين آمنوا وجه النهار) ذكره ابن الأنباري أيضا. # والخامس: أن المعنى: فإيمانهم قليل، ذكره ابن جرير الطبري. وحكى في " ما ~~" قولين: # أحدهما: أنها زائدة. # والثاني: أن " ما " تجمع جميع الأشياء ثم تخص بعض ما عمته بما يذكر ~~بعدها. PageV01P097 # ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا ms0088 من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) ~~بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله ~~على من يشاء من عباده فباءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) قوله ~~[تعالى]: (ولما جاءهم كتاب من عند الله) يعني: القرآن: و " يستفتحون ": # يستنصرون. وكانت اليهود إذا قاتلت المشركين استنصروا باسم نبي الله، محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # قوله [تعالى]: (بئس ما اشتروا به أنفسهم) بئس: كلمة مستوفية لجميع الذم، ~~ونقيضها: # " نعم " واشتروا، بمعنى: باعوا: والذي باعوها به قليل من الدنيا. # قوله [تعالى]: (بغيا) قال قتادة: حسدا. ومعنى الكلام: كفروا بغيا، لأن ~~نزل الله الفضل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وفي قوله [تعالى]: (بغضب على غضب) خمسة أقوال: # أحدها: أن الغضب الأول لاتخاذهم العجل. والثاني: لكفرهم بمحمد، حكاه ~~السدي عن ابن مسعود وابن عباس. # والثاني: أن الأول لتكذيبهم رسول الله. والثاني لعداوتهم لجبريل. رواه ~~شهر عن ابن عباس. # والثالث: أن الأول حين قالوا: (يد الله مغلولة) والثاني: حين كذبوا نبي ~~الله. رواه أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء. # والرابع: أن الأول لتكذيبهم بعيسى والإنجيل. والثاني: لتكذيبهم بمحمد ~~والقرآن قاله الحسن، والشعبي، وعكرمة، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل. # والخامس: ان الأول لتبديلهم التوراة. والثاني: لتكذيبهم محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم قاله مجاهد. والمهين: # المذل. PageV01P098 # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ~~وراءه، وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين (91) قوله [تعالى]: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) يعني: ~~القرآن، (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) يعنون: التوراة. # وفي قوله: (ويكفرون بما وراءه) قولان: # أحدهما: انه أراد بما سواه. ومثله (وأحل لكم ما وراء ذلكم) قاله الفراء ~~ومقاتل. # والثاني: بما بعد الذي أنزل عليهم. قاله الزجاج. # قوله [تعالى]: (وهو الحق) يعود على ما وراءه. # قوله [تعالى]: (وهو الحق) هذا جواب قولهم: ms0089 (نؤمن بما أنزل علينا) فإن ~~الأنبياء جاؤوا بتأييد التوراة. وإنما نسب القتل إلى المتأخرين لأنهم في ~~ذلك على رأي المتقدمين. وتقتلون بمعنى: قتلتم، فوضع المستقبل في موضع ~~الماضي، لأن الوهم لا يذهب إلى غيره. وأنشدوا في ذلك: # شهد الحطيئة حين يلقى ربه * أن الوليد أحق بالعذر أراد: يشهد. # ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) وإذ ~~أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا ~~سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم ~~إن كنتم مؤمنين (93) قوله [تعالى]: (ولقد جاءكم موسى بالبينات) فيها قولان: ~~أحدهما: ما في الألواح من الحلال والحرام، قاله ابن عباس. # والثاني: الآيات التسع، قاله مقاتل. # وفي هاء " بعده " قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى موسى، فمعناه: من بعد انطلاقه إلى الجبل، قاله ابن ~~عباس ومقاتل والثاني: أنها تعود إلى المجئ، لأن " جاءكم " يدل على المجئ. ~~وفي ذكر عبادتهم العجل. # تكذيب لقولهم: (نؤمن بما أنزل علينا). PageV01P099 # قوله [تعالى]: (قالوا سمعنا وعصينا) قال ابن عباس: كانوا إذا نظروا إلى ~~الجبل، قالوا سمعنا وأطعنا وإذا نظروا إلى الكتاب، قالوا: سمعنا وعصينا. # قوله [تعالى]: (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي: سقوا حب العجل، فحذف ~~المضاف، وهو الحب، وأقام المضاف إليه مقامه، ومثله قوله: (الحج أشهر ~~معلومات) وقوله: (أجعلتم سقاية الحاج). وقوله: (واسئلوا القرية): أي: أهلها ~~وقوله: (إذا لأذقناك ضعف الحياة): أي: # ضعف عذاب الحياة. وقوله: (لهدمت صوامع وبيع وصلوات): أي: بيوت صلوات ~~وقوله: (بل مكر الليل والنهار): أي: مكركم فيهما. وقوله: (فليدع نادية) أي: ~~أهله. # ومن هذا قول الشاعر: # أنبئت أن النار بعدك أوقدت * واستب بعدك يا كليب المجلس أي: أهل المجلس، ~~وقال الآخر: # وشر المنايا ميت بين أهله أي: وشر المنايا منية ميت. # قوله [تعالى]: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) أي: أن تكذبوا المرسلين، ~~وتقتلوا النبيين بغير حق، وتكتموا الهدى. # قوله [تعالى]: (إن كنتم مؤمنين) في " إن " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: الجحد، فالمعنى: ما كنتم مؤمنين إذ عصيتم الله، ~~وعبدتم العجل. ms0090 # والثاني: أن تكون " إن " شرطا معلقا بما قبله، فالمعنى: إن كنتم مؤمنين، ~~فبئس الإيمان إيمان يأمركم بعبادة العجل وقتل الأنبياء، ذكرهما ابن ~~الأنباري. # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ~~(95) ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) ~~PageV01P100 # قوله [تعالى]: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة) كانت اليهود تزعم أن الله ~~تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده، فنزلت هذه الآية. ومن الدليل على ~~علمهم بأن النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] صادق، أنهم ما تمنوا الموت، ~~وأكبر الدليل على صدقه أنه أخبر أنهم لا يتمنونه بقوله [تعالى]: (ولن ~~يتمنوه) فما تمناه أحد منهم. والذي قدمته أيديهم: قتل الأنبياء وتكذيبهم، ~~وتبديل التوراة.. # قوله [تعالى]: (ولتجدنهم) اللام: لام القسم، والنون توكيد له، والمعنى: ~~ولتجدن اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وأحرص من ~~الذين أشركوا. وفي (الذين أشركوا) قولان: # أحدهما: أنهم: المجوس، قاله ابن عباس، وابن قتيبة والزجاج. # والثاني: مشركو العرب، قاله مقاتل. # قوله [تعالى]: (يود أحدهم) في الهاء والميم من " أحدهم " قولان: # أحدهما: أنها تعود على الذين أشركوا، قاله الفراء. # والثاني: ترجع إلى اليهود، قاله مقاتل. قال الزجاج: وإنما ذكر " ألف سنة ~~" لأنها نهاية ما كانت المجوس تدعو بها لملوكها، كان الملك يحيا بأن يقال ~~له: عش ألف نيروز، وألف مهرجان. # قوله [تعالى]: (وما هو) فيه قولان: ذكرهما الزجاج. # أحدهما: أنه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره، تقديره: وما أحدهم بمزحزحه من ~~العذاب تعميره. # والثاني: أن يكون هو كناية عما جرى من التعمير، فيكون المعنى: وما تعميره ~~بمزحزحه من العذاب، ثم جعل " أن يعمر " مبينا عنه، كأنه قال: ذلك الشئ ~~الدنئ ليس بمزحزحه من العذاب. # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ms0091 ~~وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~فإن الله عدو للكافرين (98) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا ~~الفاسقون (99) PageV01P101 # قوله [تعالى]: (قل من كان عدوا لجبيريل) قال ابن عباس: أقبلت اليهود إلى ~~النبي، [صلى الله عليه وسلم] فقالوا: من يأتيك من الملائكة؟ قال: جبريل. ~~فقالوا: ذاك ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، فنزلت هذه الآية والتي تليها. # وفي جبريل إحدى عشرة لغة: # إحداها: جبريل، بكسر الجيم والراء من غير همز، وهي لغة أهل الحجاز، وبها ~~قرأ ابن عامر، وأبو عمرو. قال ورقة بن نوفل: # وجبريل يأتيه وميكال معهما * من الله وحي يشرح الصدر منزل وقال عمران بن ~~حطان: # والروح جبريل فيهم لا كفاء له * وكان جبريل عند الله مأمونا وقال حسان: # وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء واللغة الثانية: جبريل ~~بفتح الجيم وكسر الراء، وبعدها ياء ساكنة من غير همز على وزن: # فعليل، وبها قرأ الحسن البصري، وابن كثير، وابن محيصن. وقال الفراء: لا ~~أشتهيها، لأنه ليس في الكلام فعليل، ولا أرى الحسن قرأها وهو صواب، لأنه ~~اسم أعجمي. # والثالثة: جبرئيل: بفتح الجيم والراء، وبعدها همزة مكسورة على وزن: ~~جبرعيل، وبها قرأ، الأعمش، وحمزة، والكسائي قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس، ~~وكثير من أهل نجد. وقال الزجاج: # هي أجود اللغات، وقال جرير: # عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد * وبجبرئيل وكذبوا ميكالا والرابعة: جبرئل، ~~بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء اللام، مكسورة من غير مد، على وزن ~~جبرعل، رواها أبو بكر عن عاصم. PageV01P102 # والخامسة: جبرئل، بفتح الجيم وكسر الهمزة وتشديد اللام، وهى قراءة أبان ~~عن عاصم ويحيى بن يعمر. # والسادسة: جبرائيل، بهمزة مكسورة بعدها ياء مع الألف. # والسابعة: جبراييل بيائين بعد الألف أولاهما مكسورة. # والثامنة: جبرين، بفتح الجيم ونون مكان اللام. # والتاسعة: جبرين بكسر الجيم وبنون، قال الفراء: هي لغة بني أسد. وقرأت ~~على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن الأنباري قال: في جبريل تسعة لغات، ~~فذكرهن. # وذكر ابن الأنباري في كتاب " الرد على من ms0092 خالف مصحف عثمان ": جبرائل، ~~بفتح الجيم وإثبات الألف مع همزة مكسورة ليس بعدها ياء. وجبرئين، بفتح ~~الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون. # فأما ميكائيل، ففيه خمس لغات: # إحداهن: ميكال، مثل: مفعال بغير همز، وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ أبو ~~عمرو وحفص عن عاصم. # والثانية: ميكائيل باثبات ياء ساكنة بعد الهمزة، مثل: ميكاعيل، وهي لغة ~~تميم وقيس، وكثير من أهل نجد، وبها قرأ ابن عامر، وابن كثير، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم. # والثالثة: ميكائل بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء، مثل ميكاعل، وبها ~~قرأ نافع وابن شنبوذ، وابن الصباح، جميعا عن قنبل. # والرابعة: ميكئل، على وزن ميكعل، وبها قرأ ابن محيصن. # والخامسة: ميكائين وكان بهمزة معها ياء ونون بعد الألف، ذكرها ابن ~~الأنباري. قال الكسائي: # جبريل وميكائيل، اسمان لم تكن العرب تعرفهما، فلما جاءا عربتهما. قال ابن ~~عباس، جبريل وميكائيل، كقولك: عبد الله، وعبد الرحمن، ذهب إلى أن " إيل " ~~اسم الله، واسم الملك " جبر " " وميكا ". وقال عكرمة: معنى جبريل: عبد ~~الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله. وقد دخل جبريل وميكائيل في الملائكة، لكنه ~~أعاد ذكرهما لشرفهما، كقوله [تعالى] (فيهما فاكهة ونخل ورمان). # وإنما قال: (فإن الله عدو للكافرين) ولم يقل: لهم، ليدل على أنهم كافرون ~~بهذه العداوة. # أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما جاءهم ~~رسول PageV01P103 # من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ~~وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) قوله [تعالى]: (أو كلما عاهدوا عهدا) ~~الواو واو العطف، أدخلت عليها ألف الاستفهام. قال ابن عباس ومجاهد: والمشار ~~إليهم: اليهود، وقيل: العهد الذي عاهدوه، أنهم قالوا: والله لئن خرج محمد ~~لنؤمنن به. وروي عن عطاء أنها العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وبينهم، فنقضوها، كفعل قريظة والنضير. ومعنى نبذه: رفضه. # قوله [تعالى]: (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) يعني اليهود، والكتاب: ~~التوراة. وفي قوله [تعالى]: (كتاب الله) قولان: # أحدهما: انه القرآن. # والثاني: أنه التوراة، ms0093 لأن الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم قد نبذوا ~~التوراة. # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) قوله [تعالى]: (واتبعوا ما تتلو ~~الشياطين). # في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن اليهود كانوا لا يسألون النبي عن شئ من التوراة إلا أجابهم، ~~فسألوه عن السحر وخاصموه به، فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. # والثاني: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت يهود المدينة: ألا تعجبون ~~لمحمد يزعم أن ابن PageV01P104 # داود كان نبيا حرا؟! والله ما كان إلا ساحرا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~إسحاق. # وتتلوا بمعنى: تلت، و " على " بمعنى: " في " قاله المبرد. قال الزجاج: ~~وقوله (على ملك سليمان) أي: على عهد سليمان. # وفي كيفية ما تلت الشياطين على ملك سليمان ستة أقوال: # أحدها: أنه لما خرج سليمان عن ملكه، كتبت الشياطين السحر، ودفنته في ~~مصلاه، فلما توفي استخرجوه، وقالوا: بهذا كان يملك الملك، ذكر هذا المعنى ~~أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. # والثاني: أن آصف كان يكتب ما يأمر به سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات ~~سليمان، استخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكذبا، وأضافوه إلى ~~سليمان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: أن الشياطين كتبت السحر بعد موت سليمان، ثم أضافته إليه، قاله ~~عكرمة. # والرابع: أن الشياطين ابتدعت السحر، فأخذه سليمان، فدفنه تحت كرسيه لئلا ~~يتعلمه الناس، فلما قبض استخرجته، فعلمته الناس وقالوا: هذا علم سليمان، ~~قاله قتادة. # والخامس: أن سليمان أخذ عهود الدواب، فكانت الدابة إذا أصابت إنسانا طلب ~~إليها بذلك العهد، فتخلي عنه، فزاد السحرة السجع والكفر، ms0094 قاله أبو مجلز. # والسادس: أن الشياطين كانت في عهد سليمان تسترق السمع، فتسمع من كلام ~~الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، ~~فتحدث الكهنة الناس، فيجدونه كما قالوا، حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، ~~فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في ~~بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب في ~~صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من ~~الكرسي إلا احترق، فلما مات سليمان، جاء شيطان إلى نفر من بني إسرائيل. ~~فدلهم PageV01P105 # على تلك الكتب وقال: إنما كان سليمان يضبط أمر الخلق بهذا، ففشا في الناس ~~أن سليمان كان ساحرا، واتخذ بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، خاصموه بها، هذا قول السدي. # وسليمان: اسم عبراني، وقد تكلمت به العرب في الجاهلية، وقد جعله النابغة ~~سليما ضرورة، فقال: # ونسج سليم كل قضاء ذائل واضطر الحطيئة فجعله: سلاما، فقال: # فيه الرماح وفيه كل سابغة * جدلاء محكمة من نسج سلام وأرادا جميعا: داود ~~أبا سليمان، فلم يستقم لهما الشعر، فجعلاه: سليمان وغيراه. كذلك قرأته على ~~شيخنا أبي منصور اللغوي. وفي قوله: (وما كفر سليمان) دليل على كفر الساحر، ~~لأنهم نسبوا سليمان إلى السحر، لا إلى الكفر. # قوله [تعالى]: (ولكن الشياطين كفروا). # وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم بتشديد نون (ولكن) ونصب نون ~~(الشياطين). # وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف النون من (لكن) ورفع نون ~~(الشياطين). # قوله [تعالى]: (وما أنزل على الملكين) وقرأ ابن عباس، والحسن، وسعيد بن ~~جبير والزهري (الملكين) بكسر اللام، وقراءة الجمهور أصح. # وفي " ما " قولان: # أحدهما: انها معطوفة على " ما " الأولى، فتقديره: واتبعوا ما نتلو ~~الشياطين وما أنزل على الملكين. # والثاني: أنها معطوفة على السحر، فتقديره. يعلمون الناس السحر، ويعلمونهم ~~ما أنزل على الملكين. فإن قيل: إذا كان السحر نزل على الملكين، فلماذا كره؟ ~~فالجواب من وجهين: ذكرهما، ms0095 ابن السري: # أحدهما: أنهما كانا يعلمان الناس: ما السحر، ويأمران باجتنابه، وفي ذلك ~~حكمة، لأن سائلا لو قال: ما الزنى؟ لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام. # والثاني: أنه من الجائز أن يكون الله تعالى امتحن الناس بالملكين، فمن ~~قبل التعلم كان كافرا، ومن لم يقبله فهو مؤمن، كما امتحن بنهر طالوت. ~~PageV01P106 # وفي الذي أنزل على الملكين قولان: # أحدهما: أنه السحر، روي عن ابن مسعود والحسن، وابن زيد. # والثاني: أنه التفرقة بين المرء وزوجه، لا السحر، روي عن مجاهد وقتادة، ~~وعن ابن عباس كالقولين. قال الزجاج: وهذا من باب السحر أيضا. # الإشارة إلى قصة الملكين ذكر العلماء أن الملكين إنما أنزلا إلى الأرض ~~لسبب، وهو أنه لما كثرت خطايا بني آدم، دعت عليهم الملائكة، فقال الله ~~تعالى: لو أنزلت الشهوة والشياطين منكم منزلتهما من بني آدم، لفعلتم مثل ما ~~فعلوا، فحدثوا أنفسهم أنهم إن ابتلوا، اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن ~~اختاروا من أفضلكم ملكين، فاختاروا هاروت وماروت. وهذا مروي عن ابن مسعود، ~~وابن عباس. # واختلف العلماء: ماذا فعلا من المعصية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهما زنيا، وقتلا، وشربا الخمرة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهما جارا في الحكم، قاله عبيد الله بن عتبة. # والثالث: أنهما هما بالمعصية فقط. ونقل عن علي، عليه السلام، أن الزهرة ~~أتتهما وهي امرأة فأرادها كل واحد منهما على نفسها، ولم يعلم صاحبه، وكانا ~~يصعدان السماء آخر النهار، فقالت لهما: بم تهبطان وتصعدان؟ قالا: باسم الله ~~الأعظم، فقالت: ما أما بمواتيتكما إلى ما تريدان حتى تعلمانيه، فعلماها ~~إياه، فطارت إلى السماء، فمسخها الله كوكبا. # وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لعن الزهرة، وقال: إنها ~~فتنت ملكين " وتأول بعضهم، هذا فقال: إنه لما رأى الكوكب، ذكر تلك المرأة، ~~لا أن المرأة مسخت نجما. # واختلف العلماء في كيفية عذابهما، فروي عن ابن مسعود أنهما معلقان ~~بشعورهما إلى يوم القيامة، وقال مجاهد: إن جبا ملئ نارا فجعلا فيه. # فأما بابل، فروي عن الخليل أن ألسن الناس تبلبلت ms0096 بها. واختلفوا في حدها ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها: الكوفة وسوادها، قاله ابن مسعود. PageV01P107 # والثاني: أنها من نصيبين إلى رأس العين، قاله قتادة. # والثالث: أنها جبل في وهدة من الأرض، قاله السدي. # قوله [تعالى]: (إنما نحن فتنة) أي: اختبار وابتلاء. # قوله [تعالى]: (إلا بإذن الله) يريد: بقضائه. (ولقد علموا): إشارة إلى ~~اليهود (لمن اشتراه)، يعني: اختاره، يريد: السحر. واللم لام اليمين. فأما ~~الخلاق، فقال الزجاج: هو النصيب والوافر من الخير. # قوله [تعالى]: (ولبئس ما شروا به أنفسهم) أي: باعوها به (لو كانوا ~~يعلمون) العقاب فيه. # فصل اختلف الفقهاء في حكم الساحر، فمذهب إمامنا أحمد [رضي الله عنه] انه ~~يكفر بسحره، قتل به، أو لم يقتل، وهل تقبل توبته؟ على روايتين. وقال ~~الشافعي: لا يكفر بسحره، فإن قتل بسحره وقال: سحري يقتل مثله، وتعمدت ذلك، ~~قتل قودا. وإن قال: قد يقتل، وقد يخطئ، لم يقتل، وفيه الدية. فأما ساحر أهل ~~الكتاب، فإنه لا يقتل عند أحمد إلا أن يضر بالمسلمين، فيقتل لنقض العهد، ~~وسواء في ذلك الرجل والمرأة. وقال أبو حنيفة: حكم ساحر أهل الكتاب حكم ساحر ~~المسلمين في ايجاب القتل، فأما المرأة الساحرة، فقال: تحبس، ولا تقتل. # ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) يا ~~أيها الذين آمنوا PageV01P108 # لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (104) قوله ~~[تعالى]: (ولو أنهم آمنوا) يعني: اليهود، والمثوبة: الثواب. (لو كانوا ~~يعلمون) قال الزجاج: أي: يعلمون بعلمهم. # قوله [تعالى]: (لا تقولوا راعنا) قرأ الجمهور بلا تنوين، وقرأ الحسن، ~~والأعمش، وابن محيصن بالتنوين، " وراعنا " بلا تنوين من راعيت، وبالتنوين ~~من الرعونة، قال ابن قتيبة: راعنا بالتنوين: هو اسم مأخوذ من الرعونة، ~~أراد: لا تقولوا جهلا ولا حمقا. وقال غيره: كان الرجل إذا أراد استنصات ~~صاحبه، قال: راعني سمعك، فكان المنافقون يقولون: راعنا، يريدون: أنت أرعن. # وقوله: (انظرنا) بمعنى: انتظرنا، وقال مجاهد: انظرنا: اسمع منا، وقال ابن ~~زيد: لا تعجل علينا [قوله: (واسمعوا) أي: ما تؤمرون به]. # ما يود الذين ms0097 كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) قوله [تعالى]: ~~(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب). # قال ابن عباس: هم يهود المدينة، ونصارى نجران، فالمشركون مشركو أهل مكة. ~~(أن ينزل عليكم) أي: على رسولكم. (من خير من ربكم) أراد: النبوة والإسلام. ~~وقال أبو سليمان الدمشقي: أراد بالخير: العلم والفقه والحكمة. # (والله يختص برحمته من يشاء). # في هذه الرحمة قولان: # أحدهما: أنها النبوة، قاله علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي بن الحسين، ~~ومجاهد والزجاج. # والثاني: أنها الإسلام، قاله ابن عباس ومقاتل. # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله علي كل ~~شئ قدير (106) PageV01P109 # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (107) قوله تعالى: (ما ننسخ من آية). # سبب نزولها: أن اليهود قالت لما نسخت القبلة: إن محمدا يحل لأصحابه إذا ~~شاء، ويحرم عليهم إذا شاء، فنزلت هذه الآية. # قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شئ وإقامة آخر مقامه، تقول العرب: ~~نسخت الشمس الظل: إذا أذهبته، وحلت محله، وفي المراد بهذا النسخ ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: رفع اللفظ والحكم. # والثاني: تبديل الآية بغيرها، رويا عن ابن عباس، والأول قول السدي، ~~والثاني قول مقاتل. # والثالث:، رفع الحكم مع بقاء اللفظ، رواه مجاهد عن أصحاب ابن مسعود، وبه ~~قال أبو العالية. وقرأ ابن عامر: (ما ننسخ) بضم النون، وكسر السين. قال أبو ~~علي: أي: ما نجده منسوخا كقولك: أحمدت فلانا، أي: وجدته محمودا، وإنما يجده ~~منسوخا بنسخه إياه. # قوله [تعالى]: (أو ننسها) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ننسأها) بفتح النون ~~مع الهمزة، والمعنى: نؤخرها. قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض، فأنا ~~أنسأها: إذا أخرتها، ومنه: النسيئة في البيع. وفي معنى نؤخرها ثلاثة أقوال: # أحدها: نؤخرها عن النسخ فلا ننسخها، قاله الفراء. # والثاني: نؤخر إنزالها، فلا ننزلها البتة. # والثالث: نؤخرها عن العمل بها ms0098 بنسخنا إياها، حكاهما أبو علي الفارسي. ~~وقرأ سعد بن أبي وقاص. (تنسها) بتاء مفتوحة ونون. وقرأ سعيد بن المسيب ~~والضحاك: (تنسها) بضم التاء. # وقرأ نافع: (أو ننسها) بنونين: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة. أراد: أو ~~ننسكها، من النسيان. # قوله [تعالى]: (نأت بخير منها) قال ابن عباس: بألين منها وأيسر على ~~الناس. PageV01P110 # قوله [تعالى]: (أو مثلها) أي: في الثواب والمنفعة، فيكون الحكمة في ~~تبديلها بمثلها الاختبار. (ألم تعلم) لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التوقيف ~~والتقرير. والملك في اللغة: تمام القدرة واستحكامها، فالله عز وجل يحكم بما ~~يشاء على عباده وبغير ما يشاء من أحكامه. # أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) قوله [تعالى]: (أم تريدون أن تسألوا ~~رسولكم). # في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن رافع، ووهب بن زيد، قالا لرسول الله: ائتنا بكتاب نقرؤه تنزله ~~من السماء علينا، وفجر لنا أنهارا حتى نتبعك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أن قريشا سألت النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] أن يجعل لهم ~~الصفا ذهبا فقال: " هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا " قاله مجاهد. # والثالث: أن رجلا قال: يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني ~~إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اللهم لا نبغيها، ما ~~أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانوا إذا أصاب أحدهم الخطيئة، ~~وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزينا في الدنيا، وإن ~~لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة، فقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني ~~إسرائيل. فقال: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) الآية. وقال: " الصلوات ~~الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن " فنزلت هذه الآية. قال أبو ~~العالية. # والرابع: أن عبد الله بن أبي أمية المخزومي أتى النبي، [صلى الله عليه ~~وآله وسلم]، في رهط من قريش، فقال: يا محمد: والله لا أؤمن بك حتى تأتي ~~بالله والملائكة قبيلا، فنزلت هذه الآية. ذكره ابن السائب. # والخامس: أن جماعة من ms0099 المشركين جاؤوا إلى النبي [صلى الله عليه وآله ~~وسلم]، فقال بعضهم: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. وقال آخر: لن ~~أؤمن حتى تسير لنا جبال مكة، وقال عبد الله بن أبي PageV01P111 # أمية: لن أؤمن لك حتى تأتي بكتاب من السماء، فيه: من الله رب العالمين ~~إلى ابن أمية: اعلم أني قد أرسلت محمدا إلى الناس. وقال آخر: هلا جئت ~~بكتابك مجتمعا، كما جاء موسى بالتوراة. # فنزلت هذه الآية. ذكره محمد بن القاسم الأنباري. # وفي المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم قريش، قاله ابن عباس ومجاهد. # والثاني: اليهود، قاله مقاتل. # والثالث: جميع العرب، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي (أم) قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: بل، تقول العرب: هل لك علي حق، أم أنت معروف بالظلم. # يريدون: بل أنت. وأنشدوا: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أم أنت في العين أملح ذكره ~~الفراء والزجاج. # والثاني: انها بمعنى الاستفهام. فإن اعترض معترض، فقال: إنما تكون ~~للاستفهام إذا كانت مردودة على استفهام قبلها، فأين الاستفهام الذي تقدمها؟ ~~فعنه جوابان: # أحدهما: أنه قد تقدمها استفهام، وهو قوله: (ألم تعلم أن الله على كل شئ ~~قدير)، ذكره الفراء، وكذلك قال ابن الأنباري: هي مردودة على الألف في: (ألم ~~تعلم) فإن اعترض على هذا الجواب، فقيل: كيف يصح العطف ولفظ: (ألم تعلم) ~~ينبئ عن الواحد، و (تريدون) عن جماعة؟ فالجواب: أنه إنما رجع الخطاب من ~~التوحيد إلى الجمع، لأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد ~~خوطبت به أمته، فاكتفى به من أمته في المخاطبة الأولى، ثم أظهر المعنى في ~~المخاطبة الثانية. # ومثل هذا قوله [تعالى]: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن). ذكر هذا الجواب ابن الأنباري. فأما الجواب الثاني عن (أم)، فهو ~~أنها للاستفهام، وليست مردودة على شئ. قال الفراء: إذا توسط الاستفهام ~~الكلام، ابتدئ بالألف وبأم، وإذا لم يسبقه كلام، لم يكن إلا بالألف أو ب‍ " ~~هل ". وقال ابن الأنباري: " أم " جارية مجرى " هل "، غير ms0100 أن الفرق بينهما: ~~أن " هل " استفهام مبتدأ، لا يتوسط ولا يتأخر، و " أم ": استفهام متوسط، لا ~~يكون إلا بعد كلام. # فأما الرسول هاهنا: فهو: محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والذي سئل موسى ~~من قبل قولهم: (أرنا الله جهرة). PageV01P112 # وهل سألوا ذلك نبيا أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهم سألوا ذلك، فقالوا: (لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا) قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم بالغوا في المسائل، فقيل لهم بهذه الآية: لعلكم تريدون أن ~~تسألوا محمدا أن يريكم الله جهرة، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والكفر: الجحود. والإيمان: التصديق. وقال أبو العالية: المعنى: ومن يتبدل ~~الشدة بالرخاء. # وسواء السبيل: وسطه. # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شئ قدير (109) قوله [تعالى]: (ود كثير من أهل الكتاب). # في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن حيي بن أخطب، وأبا ياسر كانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام، ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون ~~رسول الله حين قدمها، فأمر النبي بالصفح عنهم، فنزلت هذه الآية، قاله عبد ~~الله بن كعب بن مالك. # والثالث: أن نفرا من اليهود دعوا حذيفة وعمارا إلى دينهم، فأبيا، فنزلت ~~هذه الآية، قاله مقاتل. # ومعنى " ود ": أحب وتمنى. وأهل الكتاب: اليهود. قال الزجاج من عند أنفسهم ~~موصول: # ب‍ (ود كثير)، لا بقوله: (حسدا) لأن حسد الإنسان لا يكون إلا من عند ~~نفسه. والمعنى: # مودتهم لكفركم من عند أنفسهم، لا أنه عندهم الحق. فأما الحسد، فهو تمني ~~زوال النعمة عن PageV01P113 # المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، وتفارقه الغبطة، فإنها تمني مثلها من ~~غير حب زوالها عن المغبوط. وحد بعضهم الحسد فقال: هو أذى يلحق بسبب العلم ~~بحسن حال الأخيار، ولا ms0101 يجوز أن يكون الفاضل حسودا، لأن الفاضل يجري على ما ~~هو الجميل. وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن ان ترضيه إلا الحاسد، فإنه لا ~~يرضيه إلا زوال نعمتك. وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: ما رأيت ظالما ~~أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي. # قوله [تعالى]: (حتى يأتي الله بأمره) قال ابن عباس: فجاء الله بأمره في ~~النضير بالجلاء والنفي، وفي قريظة بالقتل والسبي. # فصل وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود، وأبي العالية، وقتادة، [رضي الله ~~عنهم]: أن العفو والصفح منسوخ بقوله [تعالى]: (قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر، ويحرمون ما حرم الله ورسوله) وأبى هذا القول جماعة ~~من المفسرين والفقهاء، واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقا. ~~وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، وما هذا سبيله ~~لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج ~~إلى حكم آخر. # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير (110) قوله [تعالى]: (تجدوه) أي: تجدوا ثوابه. # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت اليهود ليست النصارى على شئ ~~وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم PageV01P114 # القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) قوله [تعالى]: (وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى). # قال ابن عباس: اختصم يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فقالت اليهود: ليست النصارى على شئ، ولا يدخل الجنة إلا من كان ~~يهوديا، وكفروا بالإنجيل وعيسى. # وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. والهود، جمع: هائد. ~~(تلك أمانيهم) أي: ذاك شئ يتمنونه، وظن ms0102 يظنونه، هذا معنى قول ابن عباس، ~~ومجاهد (قل هاتوا برهانكم) أي: حجتكم [فيما ادعيتم فرد الله عز وجل قولهم: ~~لن يدخل الجنة] من كان هودا أو نصارى. فقال: (بلى من أسلم وجهه) وأسلم، ~~بمعنى: أخلص. وفي الوجه قولان: # أحدهما: أنه الدين. # والثاني: العمل. # قوله [تعالى]: (وهو محسن) أي: في عمله، (فله أجره) قال الزجاج: يريد: فهو ~~يدخل الجنة. # قوله [تعالى]: (وهم يتلون الكتاب) أي: كل منهم يتلوا كتابه بتصديق ما كفر ~~به، قاله السدي، وقتادة (كذلك قال الذي لا يعلمون) وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم مشركو العرب قاله لمحمد وأصحابه: لستم على شئ قاله السدي عن ~~أشياخه. # والثاني: أنهم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى، كقوم نوح، وهود، وصالح، ~~قاله عطاء. # قوله [تعالى]: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة) قال الزجاج: يريد حكم ~~الفصل بينهم، فيريهم من يدخل الجنة عيانا فأما الحكم بينهم في العقد فقد ~~بينه لهم في الدنيا بما أقام على الصواب من الحجج. PageV01P115 # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها أسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~(114) قوله [تعالى]: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله) اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين: # أحدهما: أنها نزلت في الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس من ~~أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، فخرب وطرحت الجيف فيه، قاله ابن ~~عباس في آخرين. # والثاني: أنها في المشركين الذين حالوا بين رسول الله وبين مكة يوم ~~الحديبية، قاله ابن زيد. # وفي المراد بخرابها قولان: أحدهما: أنه نقضها. # والثاني: منع ذكر الله منها. # قوله [تعالى]: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) فيه قولان: # أحدهما: أنه إخبار عن أحوالهم بعد ذلك. قال السدي: لا يدخل رومي بيت ~~المقدس إلا وهو خائف أن يضرب عنقه أو قد أخيف بأداء الجزية. # والثاني: أنه خبر في معنى الأمر، تقديره: عليكم بالجد في جهادهم كي لا ~~يدخلها أحد إلا وهو خائف. # (لهم ms0103 في الدنيا خزي) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن خزيهم الجزية، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه فتح القسطنطينية، قاله السدي. # والثالث: أنه طردهم عن المسجد الحرام، فلا يدخله مشرك أبدا ظاهرا، قاله ~~ابن زيد. # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) ~~قوله [تعالى]: (ولله المشرق والمغرب). # في نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن الصحابة كانوا مع رسول الله في غزوة في ليلة مظلمة، فلم يعرفوا ~~القبلة، فجعل PageV01P116 # كل واحد منهم مسجدا بين يديه وصلى، فلما أصبحوا إذا هم على غير القبلة، ~~فذكروا ذلك لرسول الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. رواه عامر بن ربيعة. # والثاني: أنها نزلت في التطوع بالنافلة، قاله ابن عمر والثالث: أنه لما ~~نزل قوله تعالى: (ادعوني أستجب لكم). قالوا: إلى أين؟ فنزلت هذه الآية، ~~قاله مجاهد. # والرابع: أنه لما مات النجاشي، وأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالصلاة عليه، قالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فنزلت هذه الآية، قاله ~~قتادة. # قوله [تعالى]: (فثم وجه الله) فيه قولان: # أحدهما: فثم الله، يريد: علمه معكم أين كنتم، وهو قول ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: فثم قبلة الله، قاله عكرمة، ومجاهد. والواسع: الذي وسع غناه ~~مفاقر عباده، ورزقه جميع خلقه. والسعة في كلام العرب: الغنى. # فصل وهذه الآية مستعملة الحكم في المجتهد إذا صلى إلى غير القبلة، وفي ~~صلاة المتطوع على الراحلة، والخائف. وقد ذهب قوم إلى نسخها، فقالوا: إنها ~~لما نزلت، توجه رسول الله إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك بقوله: (وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره). وهذا مروي عن ابن عباس. قال شيخنا علي بن عبيد الله: ~~وليس في القرآن أمر خاص بالصلاة إلى بيت المقدس، بل فيه ما يدل على أن ~~الجهات كلها سواء في جواز التوجه إليها، فإذا ثبت هذا، دل على أنه وجب ~~التوجه إلى بيت المقدس بالسنة، ثم نسخ بالقرآن. PageV01P117 # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(116) قوله تعالى: (وقالوا: اتخذ الله ms0104 ولدا). # اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في اليهود إذ جعلوا عزيرا ابن الله، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في نصارى نجران حيث قالوا: عيسى ابن الله، قاله ~~مقاتل. # والثالث: أنها في النصارى ومشركي العرب، لأن النصارى قالت: عيسى ابن ~~الله، والمشركين قالوا: الملائكة بنات الله، ذكره إبراهيم بن السري. # والرابع: أنها في اليهود والنصارى ومشركي العرب، ذكره الثعلبي. # فأما القنوت، فقال الزجاج: هو في اللغة بمعنيين: # أحدهما: القيام. # والثاني: الطاعة. والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: الدعاء في ~~القيام، فالقانت: # القائم بأمر الله. ويجوز أن يقع في جميع الطاعات، لأنه إن لم يكن قيام ~~على الرجلين، فهو قيام بالنية. وقال ابن قتيبة: لا أرى أصل القنوت إلا ~~الطاعة، لأن جميع الخلال من الصلاة، والقيام فيها والدعاء وغير ذلك يكون ~~عنها. # وللمفسرين في المراد بالقنوت هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الطاعة، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه الإقرار بالعبادة، قاله عكرمة، والسدي. # والثالث: القيام، قاله الحسن، والربيع. PageV01P118 # وفي معنى القيام قولان: # أحدهما: أنه القيام له بالشهادة بالعبودية. # والثاني: أنه القيام بين يديه يوم القيامة. فإن قيل: كيف عم بهذا القول ~~وكثير من الخلق ليس له بمطيع؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن يكون ظاهرها ظاهر العموم، ومعناها معنى الخصوص. والمعنى: كل ~~أهل الطاعة له قانتون. # والثاني: أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيات، فنسب القنوت ~~إليهم بذلك. # والثالث: أن كل مخلوق قانت هل بأثر صنعه فيه، وجري أحكامه عليه، فذلك ~~دليل على ذله لربه. ذكرهن ابن الأنباري. # بديع السماوات والأرض وإذا قضى؟ مرا فإنما يقول له كن فيكون (117) قوله ~~[تعالى]: (بديع السماوات). # البديع: المبدع، وكل من أنشأ شيئا لم يسبق إليه قيل له: أبدعت. قال ~~الخطابي: البديع، فعيل بمعنى: مفعل، ومعناه: أنه فطر الخلق مخترعا له لا ~~على مثال سبق. # قوله [تعالى]: (وإذا قضى أمرا) قال ابن عباس: معنى القضاء: الإرادة. وقال ~~مقاتل: # إذا قضى أمرا في علمه، فإنما يقول له: كن فيكون. والجمهور ms0105 على ضم نون ~~(فيكون)، بالرفع على القطع. والمعنى: فهو يكون. وقرأ ابن عامر بنصب النون. ~~قال مكي بن أبي طالب: النصب على الجواب، لكن وفيه بعد. # فصل وقد استدل أصحابنا على قدم القرآن بقوله: (كن) فقالوا: لو كانت " كن ~~" مخلوقة، لافتقرت إلى إيجادها بمثلها وتسلسل ذلك، والمتسلسل محال. فإن ~~قيل: هذا خطاب لمعدوم، PageV01P119 # فالجواب أنه خطاب تكوين يظهر أثر القدرة، ويستحيل أن يكون المخاطب به ~~موجودا، لأنه بالخطاب كان، فامتنع وجوده قبله أو معه. ويحقق هذا أن ما ~~سيكون متصور للعلم فضاهى بذلك الموجود، فجاز خطابه لذلك. # وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) قوله ~~[تعالى]: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: النصارى، قاله مجاهد. # والثالث: مشركو العرب، قاله قتادة، والسدي عن أشياخه. و (لولا) بمعنى: # هلا. # وفي (الذين من قبلهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي عن أشياخه. # والثالث: اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، قاله قتادة. PageV01P120 # (تشابهت قلوبهم) أي: في الكفر. # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119) قوله ~~[تعالى]: (إنا أرسلناك بالحق). # في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن النبي قال يوما: " ليت شعري ما فعل أبواي! "، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]: قال: " لو أنزل الله بأسه ~~باليهود لآمنوا " فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي المراد (بالحق) هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه القرآن. قاله ابن عباس. # والثاني: الإسلام، قاله ابن كيسان. # والثالث: الصدق. # قوله [تعالى]: (ولا تسأل) قرأه الأكثرون بضم التاء، على الخبر، والمعنى: ~~لست بمسؤول عن أعمالهم. وقرأ نافع، ويعقوب بفتح التاء وسكون اللام، على ~~السؤال عنهم. وجوز أبو الحسن الأخفش أن يكون معنى هذه القراءة: لا تسأل ~~عنهم فإنهم في أمر عظيم. فيكون ذلك PageV01P121 # على وجه التعظيم لما هم ms0106 فيه فأما الجحيم، فقال الفراء: النار، على النار ~~والجمر على الجمر. وقال أبو عبيدة: الجحيم: النار المستحكمة المسلطة. وقال ~~الزجاج: الجحيم: النار الشديدة الوقود، وقد جحم فلان النار: إذا شدد ~~وقودها، ويقال لعين الأسد: جحمة لشد توقدها. ويقال لوقود الحرب، وهو شدة ~~القتال فيها: جاحم. وقال ابن فارس: الجاحم: المكان الشديد الحر. قال ~~الأعشى: # يعدون للهيجاء قبل لقائها * غداة احتضار البأس والموت جاحم ولذلك سميت ~~الجحيم. وقال ابن الأنباري: قال أحمد بن عبيد: إنما سميت النار جحيما، ~~لأنها أكثر وقودها، من قول العرب: جحمت النار أجحمها: إذا أكثرت لها ~~الوقود. # قال عمران بن حطان: # يرى طاعة الله الهدى وخلافه * الضلالة يصلي أهلها جاحم الجمر ولن ترضى ~~عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير (120) قوله ~~[تعالى]: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى). # في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي [صلى ~~الله عليه وآله وسلم] إلى قبلتهم، فلما صرف إلى الكعبة يئسوا منه، فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم دعوه إلى دينهم، فنزلت، قاله مقاتل. # والثالث: أنهم كانوا يسألونه الهدنة، ويطمعونه في أنه إن هادنهم وافقوه، ~~فنزلت، ذكر PageV01P122 # معناه الزجاج. # قال الزجاج: والملة في اللغة: السنة والطريقة. قال ابن عباس: و (هدى ~~الله) هاهنا: # الإسلام. وفي الذي جاءه من العلم أربعة أقوال: # أحدها: أنه التحول إلى الكعبة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه البيان بأن دين الله الإسلام. # والثالث: أنه القرآن. # والرابع: العلم بضلالة القوم. (مالك من الله من ولي) ينفعك (ولا نصير) ~~يمنعك من عقوبته. # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون ms0107 (123) * وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال ~~عهدي الظالمين (124) قوله [تعالى]: (الذين آتيناهم الكتاب). # اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في الذين آمنوا من اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: في المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قاله ~~عكرمة، وقتادة. وفي الكتاب قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة. # والثاني: أنه التوراة، قاله مقاتل. # قوله [تعالى]: (يتلونه حق تلاوته) أي: يعملون به حق عمله، قاله مجاهد. ~~PageV01P123 # قوله [تعالى]: (أولئك يؤمنون به) في هاء (به) قولان: # أحدهما: أنها تعود على الكتاب. # والثاني: على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما بعد هذا قد سبق بيانه ~~إلى قوله: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) والابتلاء: الاختبار. وفي ~~إبراهيم ست لغات: # أحدها: إبراهيم، وهي اللغة الفاشية. # والثانية: إبراهم. # والثالثة: ابراهم. # والرابعة: إبراهم، ذكرهن الفراء. # والخامسة: إبراهام. # والسادسة: إبرهم. قال عبد المطلب: # عذت بما عاذ به إبرهم * مستقبل الكعبة وهو قائم وقال أيضا: # نحن آل الله في كعبته * لم يزل ذاك على عهد إبرهم وفي الكلمات خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنها خمس في الرأس، وخمس في الجسد. أما التي في الرأس، فالفرق ~~والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. وفي الجسد: تقليم الأظافر، ~~وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستطابة بالماء، والختان، رواه طاوس عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنها عشر ست في الإنسان، وأربع في المشاعر. فالتي في الإنسان: ~~حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب، والسواك، والغسل من ~~الجنابة، والغسل يوم الجمعة. # والتي في المشاعر: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمرة، ورمي الجمار، ~~والإفاضة. رواه حنش بن عبد الله عن ابن عباس. PageV01P124 # والثالث: أنها المناسك، رواه قتادة عن ابن عباس. # الرابع: أنه ابتلاء بالكوكب، والشمس، والقمر، والهجرة، والنار، وذبح ولده ~~والختان، قاله الحسن. # والخامس: أنها كل مسألة في القرآن، مثل قوله: (رب اجعل هذا البلد آمنا). ~~ونحو ذلك، قاله مقاتل. فمن قال: هي أفعال فعلها، قال. معنى فأتمهن: عمل ~~بهن. ومن قال: هي ms0108 دعوات ومسائل، قال: معنى فأتمهن: أجابه الله إليهن. وقد ~~روي عن أبي حنيفة أنه قرأ: # (إبراهيم) برفع الميم (ربه (بنصب الباء، على معنى: اختبر ربه هل يستجيب ~~دعاءه، ويتخذه خليلا أم لا؟. # قوله [تعالى]: (ومن ذريتي) في الذرية قولان: # أحدهما: أنها فعلية من الذر، لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر. # والثاني: أن أصلها ذرورة، على وزن: فعلولة، ولكن لما كثر أبدل من الراء ~~الأخيرة ياء، فصارت: ذروية، ثم أدغمت الواو في الياء، فصارت: ذرية، ذكرهما ~~الزجاج، وصوب الأول. # وفي العهد هاهنا سبعة أقوال: # أحدها: أنه الإمامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن ~~جبير. # والثاني: أنه الطاعة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: الرحمة، قاله عطاء وعكرمة. # والرابع: الدين، قاله أبو العالية. # والخامس: النبوة، قاله السدي عن أشياخه. # والسادس: الأمان، قاله أبو عبيدة. # والسابع: الميثاق، قاله ابن قتيبة. والأول أصح. # وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان: PageV01P125 # أحدهما: أنهم الكفار، قاله ابن جبير، والسدي. # والثاني: العصاة، قاله عطاء. # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) ~~قوله [تعالى]: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) البيت هاهنا: الكعبة، والألف ~~واللام تدخل للمعهود، أو للجنس، فلما علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس، ~~انصرف إلى المعهود، قال الزجاج: # والمثاب والمثابة واحد، كالمقام والمقامة، قال ابن قتيبة: والمثابة: ~~المعاد، من قولك: ثبت إلى كذا، أي: عدت إليه، وثاب جسمه إذا رجع بعد العلة: ~~فأراد: أن الناس يعودون إليه مرة بعد مرة. # قوله [تعالى]: (وأمنا) قال ابن عباس: يريد أن من أحدث حديثا في غيره، ثم ~~لجأ إليه، فهو آمن، ولكن ينبغي لأهل مكة أن لا يبايعوه، ولا يطعموه، ولا ~~يسقوه، ولا يؤووه، ولا يكلم حتى يخرج، فإذا خرج أقيم عليه الحد. قال القاضي ~~أبو يعلي: وصف البيت بالأمن، والمراد جميع الحرم، كما قال: (هديا بالغ ~~الكعبة) والمراد: الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد ms0109 الحرام، ~~وهذا على طريق الحكم، لا على وجه الخبر فقط. # وفي (مقام إبراهيم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحرم كله، قاله ابن عباس. # والثاني: عرفة والمزدلفة والجمار، قاله عطاء. وعن مجاهد كالقولين. وقد ~~روي عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، قالوا: الحج كله مقام إبراهيم. # والثالث: الحجر، قاله سعيد بن جبير، وهو الأصح. قال عمر بن الخطاب: قلت: ~~يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت. # وفي سبب وقوف إبراهيم على الحجر قولان: # أحدهما: أنه جاء يطلب ابنه إسماعيل، فلم يجده، فقالت له زوجته: انزل ~~فأبى، فقالت: PageV01P126 # دعني اغسل رأسك، فأتته بحجر فوضع رجله عليه، وهو راكب، فغسلت شقه، ثم ~~رفعته وقد غابت رجله فيه، فوضعته تحت الشق الآخر وغسلته، فغابت رجله فيه، ~~فجعله الله من شعاره، ذكره السدي عن ابن مسعود وابن عباس. # والثاني: أنه قام على الحجر لبناء البيت، وإسماعيل يناوله الحجارة، قاله ~~سعيد بن جبير. # [قرأ الجمهور، منهم: ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ~~(واتخذوا) بكسر الخاء، على الأمر]. وقرأ نافع، وابن عامر بفتح الخاء على ~~الخبر. قال ابن زيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أين ترون أن أصلي ~~بكم؟ " فقال عمر: إلى المقام، فنزلت: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). قال ~~رضي الله ذلك من أعمالهم. وقال أبو علي: وجه فتح الخاء: أنه معطوف على ما ~~أضيف إليه، كأنه قال: وإذ اتخذوا. ويؤكد الفتح في الخاء أن الذي بعده خبر، ~~وهو قوله: # وعهدنا. # قوله [تعالى]: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي: أمرناهما وأوصيناهما. ~~وإسماعيل: # اسم أعجمي، وفيه لغتان: إسماعيل، و: اسماعين. وأنشدوا: # قال جواري الحي لما جينا * هذا ورب البيت إسماعينا قوله [تعالى]: (أن ~~طهرا بيتي) قال قتادة: يريد من عبادة الأوثان والشرك، وقول الزور. # فإن قيل: لم يكن هناك بيت، فما معنى أمرهما بتطهيره؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمرا بإخراجها، قاله عكرمة. # والثاني: أن معناه: ابنياه مطهرا، قاله السدي، والعاكفون: المقيمون، ~~يقال: عكف يعكف ويعكف عكوف: إذا أقام، ومنه: الاعتكاف. وقد روى ms0110 ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إن الله تعالى في كل ليلة ويوم عشرين ~~ومائة رحمة ينزل على هذا البيت: ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون ~~للناظرين ". # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس PageV01P127 # المصير (126) قوله [تعالى]: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا) ~~البلد: صدر القرى، والبالد: # المقيم بالبلد، والبلد: الصدر، ووضعت الناقة بلدتها: بركت والمراد بالبلد ~~هاهنا: مكة. ومعنى (آمنا) ذا أمن. وأمن البلدة مجاز، والمراد: أمن من فيه. ~~وفي المراد بهذا الأمن ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سأله الأمن من القتل. # والثاني: من الخسف والقذف. # والثالث: من القحط والجدب. قال مجاهد: قال إبراهيم: لمن آمن، فقال الله ~~عز وجل: ومن كفر فسأرزقه. # قوله [تعالى]: (فأمتعه) وقرأ ابن عامر: (فأمتعه) بالتخفيف، من أمتعت. ~~وقرأ الباقون بالتشديد من: متعت. والإمتاع: إعطاء ما تحصل به المتعة. ~~والمتعة: أخذ الحظ من لذة ما يشتهى. وبماذا يمتعه؟ فيه قولان: # أحدهما: بالأمن. # والثاني: بالرزق. والاضطرار: الإلجاء إلى الشئ والمصير ما ينتهي إليه ~~الأمر. # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ~~(129) قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل). # القواعد: أساس البيت، واحدها: قاعدة. فأما قواعد النساء، فواحدتها: قاعد، ~~وهي العجوز. (ربنا تقبل منا) أي: يقولان: ربنا، فحذف ذلك، كقوله: ~~(والملائكة يدخلون عليهم PageV01P128 # من كل باب سلام عليكم) أراد: يقولون و (السميع) بمعنى: السامع، لكنه ~~أبلغ، لأن بناء فعيل للمبالغة. قال الخطابي: ويكون السماع بمعنى القبول ~~والإجابة، كقول النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]: " أعوذ بك من دعاء لا ~~يسمع " أي: لا يستجاب. وقول المصلي: سمع الله لمن ms0111 حمده، أي: قبل الله حمد ~~من حمده. وأنشدوا: # دعوت الله حتى خفت أن لا * يكون الله يسمع ما أقول الإشارة إلى بناء ~~البيت روى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: كانت الملائكة تحج ~~إلى البيت قبل آدم. وقال ابن عباس: # لما أهبط آدم، قال الله تعالى له: يا آدم! اذهب فابن لي بيتا فطف به، ~~واذكرني حوله كما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي. فأقبل يسعى حتى انتهى إلى ~~البيت الحرام، وبناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور سيناء، وطور زيتا، ~~والجودي، وحراء، فكان آدم أول من أسس البيت، وطاف به، ولم يزل كذلك حتى بعث ~~الله الطوفان، فدرس موضع البيت، فبعث الله إبراهيم وإسماعيل. وقال علي ابن ~~أبي طالب: عليه السلام لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت، ضاق به ~~ذرعا، ولم يدر كيف يصنع، فأنزل الله عليه كهيئة السحابة فيها، رأس يتكلم، ~~فقال: يا إبراهيم! علم على ظلي، فلما علم ارتفعت. وفي رواية عنه أنه كان ~~يبني عليها كل يوم، قال: وحفر إبراهيم تحت السكينة، فأبدى عن قواعد، ما ~~تحرك احدى القاعدة منها دون ثلاثين رجلا. فلما بلغ موضع الحجر، قال ~~لإسماعيل: التمس لي حجرا، فذهب يطلب حجرا، فجاء جبريل بالحجر الأسود فوضعه، ~~فلما جاء إسماعيل، قال: من جاءك بهذا الحجر؟ قال: جاء به من لم يتكل على ~~بنائي وبنائك. وقال ابن عباس، وابن المسيب، وأبو العالية: رفعا القواعد ~~التي كانت قواعد قبل ذلك. وقال السدي: لما أمره ببناء البيت، لم يدر أين ~~يبني، فبعث الله ريحا، فكنست حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت ~~عليه قبل الطوفان. # قوله [تعالى]: (ربنا واجعلنا مسلمين لك) قال الزجاج: المسلم في اللغة: ~~الذي قد استسلم لأمر الله، وخضع. والمناسك: المتعبدات. فكل متعبد منسك ~~ومنسك، ومنه قيل للعابد: # ناسك. وتسمى الذبيحة المتقرب بها إلى الله، تعالى النسيكة. وكأن الأصل في ~~النسك إنما هو من الذبيحة لله تعالى. # قوله [تعالى]: (وأرنا مناسكنا) أي: مذابحنا. قاله مجاهد. وقال غيره: هي ~~جميع ms0112 أفعال الحج. وقرأ ابن كثير: (وأرنا) بجزم الراء. و (رب أرني) و (أرنا ~~اللذين). وقرأ نافع، وحمزة، PageV01P129 # والكسائي (أرنا) بكسر الراء في جميع ذلك. وقرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر ~~كذلك، إلا أنهما أسكنا الراء من (أرنا اللذين) وحدها. قال الفراء: أهل ~~الحجاز يقولون: (أرنا) وكثير من العرب يجزم الراء، فيقول، (أرنا مناسكنا) ~~وقرأ بها بعض الثقات. وأنشد بعضهم: # قالت سليمى اشتر لنا دقيقا * واشتر فعجل خادما لبيقا وأنشدني الكسائي: # ومن يتق فإن الله معه * ورزق الله مؤتاب وغادي قال قتادة: أراهما الله ~~مناسكهما: الموقف بعرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، والطواف، والسعي. ~~وقال أبو مجلز: لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطواف، ثم أتى ~~به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم ~~سبعا، وقال له: # ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به جمرة ~~الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ حتى جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع ~~حصيات، فقال له: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى ~~به الجمرة القصوى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم ~~سبع حصيات. فقال له: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، ثم ~~أتى به منى، فقال: هاهنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعا، فقال: # هاهنا يجمع الناس، ثم أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم. قال: فمن ثم ~~سميت عرفات. # قوله [تعالى]: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) في الهاء والميم من (فيهم) ~~قولان: # أحدهما: أنها تعود على الذرية، قاله مقاتل والفراء. # والثاني: على أهل مكة في قوله: (وارزق أهله) والمراد بالرسول: محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وقد روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~أنه قيل: يا رسول الله! ما كان بدء أمرك؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم، وبشري ~~عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام " والكتاب: القرآن. ~~والحكمة: # السنة، قاله ابن عباس. ms0113 وروي عنه: الحكمة: الفقه والحلال والحرام، ومواعظ ~~القرآن. وسميت الحكمة حكمة، لأنها تمنع من الجهل. # وفي قوله [تعالى]: (ويزكيهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: يأخذ الزكاة منهم فيطهرهم بها، قاله ابن عباس والفراء. # والثاني: يطهرهم من الشرك والكفر، قاله مقاتل. PageV01P130 # والثالث: يدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء. # قوله [تعالى]: (إنك أنت العزيز) قال الخطابي: العز في كلام العرب على ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: بمعنى الغلبة، يقولون: من عزبز. أي: من غلب سلب، يقال منه: عز ~~يعز، بضم العين من يعز، ومنه قوله [تعالى]: (وعزني في الخطاب). # والثاني: بمعنى الشدة والقوة، يقال منه: عز يعز، بفتح العين من يعز. # والثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: عز يعز بكسر العين، من ~~يعز ويتأول معنى العزيز على أنه الذي لا يعادله شئ، ولا مثل له. # ومن يرغب من ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~(131) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) قوله [تعالى]: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم). # سبب نزولها: أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه مهاجرا وسلمة إلى ~~الإسلام، فأسلم سلمة، ورغب عن الإسلام مهاجر، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ~~قال الزجاج: و " من " لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها التقرير والتوبيخ. ~~والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نسفه. ويقال: # رغبت في الشئ: إذا أردته. ورغبت عنه: إذا تركته. وملة إبراهيم: دينه: # قوله [تعالى]: (إلا من سفه) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه: إلا من سفه نفسه، قاله الأخفش ويونس. قال يونس: ولذلك ~~تعدى إلى النفس فنصبها، وقال الأخفش: نصبت النفس لإسقاط حرف الجر، لأن ~~المعنى: إلا من سفه في نفسه. # قال الشاعر: # نغالي اللحم للأضياف نيئا * ونرخصه إذا نضج القدور والثاني: إلا من أهلك ~~نفسه، قاله أبو عبيدة. # والثالث: إلا من سفهت نفسه، كما يقال: غبن فلان راية، وهذا ms0114 مذهب الفراء ~~وابن قتيبة. قال PageV01P131 # الفراء: نقل الفعل عن النفس إلى ضمير " من "، ونصبت النفس على التشبيه ~~بالتفسير، كما يقال: # ضقت بالأمر ذرعا، يريدون: ضاق ذرعي به، ومثله: (واشتعل الرأس شيبا). # والرابع: إلا من جهة نفسه، فلم يفكر فيها، وهو اختيار الزجاج. # قوله [تعالى]: (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) قال ابن الأنباري: لمن ~~الصالحي الحال عند الله تعالى. وقال الزجاج: الصالح في الآخرة: الفآئز. # قوله [تعالى]: (إذ قال له ربه أسلم) وذلك حين وقوع الاصطفاء، قال ابن ~~عباس: لما رأى الكوكب والقمر والشمس، قال له ربه أسلم، أي: أخلص. # قوله [تعالى]: (ووصى) قرأ ابن عباس وأهل المدينة: (وأوصى) بألف، مع تخفيف ~~الصاد، والباقون بغير ألف مشددة الصاد، وهذا لاختلاف المصاحف. أخبرنا ابن ~~ناصر، قال: أخبرنا ثابت، قال: أخبرنا ابن قشيش، قال: أخبرنا ابن حيويه، ~~قال: ابن الأنباري، قال: أخبرنا ثعلب، قال: أملى علي خلف بن هشام البزار ~~قال: اختلف مصحفا أهل المدينة وأهل العراق في اثني عشر حرفا: كتب أهل ~~المدينة: (وأوصى) وأهل العراق. (ووصى) وكتب أهل المدينة: # (سارعوا إلى مغفرة) بغير واو، وأهل العراق: (وسارعوا) وكتب أهل المدينة: ~~(يقول الذين آمنوا) وأهل العراق: (ويقول) وكتب أهل المدينة: (من يرتدد) ~~وأهل العراق: (من يرتد) وكتب أهل المدينة: (الذين اتخذوا مسجدا) وأهل ~~العراق (والذين) وكتب أهل المدينة: (خيرا منهما منقلبا) وأهل العراق: ~~(منها) وكتب أهل المدينة: (فتوكل على العزيز) وأهل العراق: (وتوكل) وكتب ~~أهل المدينة: (وأن يظهر في الأرض الفساد) وأهل العراق: (أو أن يظهر) وكتب ~~أهل المدينة في " حم عسق ": (بما كسبت أيديكم) بغير فاء، وأهل العراق: ~~(فبما) وكتب أهل المدينة (ما تشتهيه الأنفس) بالهاء. وأهل العراق: (ما ~~تشتهي) وكتب أهل المدينة: (فإن الله الغني الحميد) في سورة الحديد وأهل ~~العراق (فإن الله هو الغني) وكتب أهل المدينة: (فلا يخاف عقباها) بالفاء، ~~وأهل العراق: (ولا يخاف). PageV01P132 # ووصى آكد من أوصى، لأنها تكون لمرات كثيرة، وهاء " بها " تعود على الملة، ~~قاله عكرمة والزجاج. قال مقاتل: وبنوه أربعة: إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ~~ومدائن. ms0115 وذكر غير مقاتل أنهم ثمانية. # قوله [تعالى]: (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) يريد: الزموا الإسلام، فإذا ~~أدرككم الموت صادفكم عليه. # أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل واسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون ~~(133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا ~~يعملون (134) قوله [تعالى]: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت). # سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي، صلى الله عليه وآله وسلم: ألست تعلم ~~أن يعقوب أوصى بنيه يوم مات باليهودية؟ # فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله [تعالى]: (تلك أمة قد خلت) أي: مضت، يشير إلى إبراهيم وبنيه، ويعقوب ~~وبنيه. # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) قوله [تعالى]: (وقالوا ~~كونوا هودا). PageV01P133 # معناه: قالت اليهود: كونوا هودا وقالت النصارى: كونوا نصارى، تهتدوا. (بل ~~ملة إبراهيم حنيفا) المعنى: بل نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفيته. وفي ~~الحنيف قولان: # أحدهما: أنه المائل إلى العبادة، قال الزجاج: الحنيف في اللغة: المائل ~~إلى الشئ، أخذ من قولهم: رجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى ~~أختها بأصابعها. قالت أم الأحنف ترقصه: # والله لولا حنف برجله * ودقة في ساقه من هزله ما كان في فتيانكم من مثله ~~والثاني: أنه المستقيم، ومنه قيل للأعرج: حنيف، نظرا له إلى السلامة، هذا ~~قول ابن قتيبة. # وقد وصف المفسرون الحنيف بأوصاف، فقال عطاء: هو المخلص، وقال ابن سائب: ~~هو الذي يحج. وقال غيرهما: هو الذي يوحد ويحج، ويضحي ويختتن، ويستقبل ~~الكعبة. # فأما الأسباط: فهم بنوا يعقوب، وكانوا اثني عشر رجلا، قال الزجاج: السبط ~~في اللغة: # الجماعة الذين يرجعون إلى رب واحد. والسبط في اللغة: الشجرة، فالسبط: ~~الذين هم ms0116 من شجرة واحدة. # فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) قوله [تعالى]: (فإن آمنوا) يعني: ~~أهل الكتاب. # وفي قوله تعالى: (بمثل ما آمنتم به) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: مثل إيمانكم، فزيدت الباء للتوكيد، كما زيدت في قوله: ~~(وهزي إليك بجذع النخلة) قاله ابن الأنباري. # والثاني: أن المراد بالمثل هاهنا: الكتاب، فتقديره: فإن آمنوا بكتابكم ~~كما آمنتم بكتابهم، PageV01P134 # قاله أبو معاذ النحوي. # والثالث: أن المثل هاهنا: صلة، والمعنى: فإن آمنوا بما آمنتم به. ومثله ~~قوله: (ليس كمثله شئ) أي: ليس كهو شئ. وأنشدوا: # يا عاذلي دعني من عذلكا * مثلي لا يقبل من مثلكا أي: أنا لا أقبل منك، ~~فأما الشقاق، فهو المشاقة والعداوة، ومنه قولهم: فلان قد شق عصا المسلمين، ~~يريدون: فارق ما اجتمعوا عليه من اتباع إمامهم، فكأنه صار في شق غير شقهم. # قوله [تعالى]: (فسيكفيكهم الله) هذا ضمان لنصر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) قوله [تعالى]: ~~(صبغة الله) سبب نزولها أن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى عليه ~~سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودية، ليطهروه بذلك، ويقولون: ~~هذا طهور مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك، قالوا: صار نصرانيا حقا، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. قال ابن مسعود وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، ~~والنخعي، وابن زيد: (صبغة الله): دينه. قال الفراء: (صبغة الله) مردودة على ~~الملة. وقرأ ابن عبلة: (صبغة الله) بالرفع على معنى: هذه صبغة الله. وكذلك ~~قرأ: (ملة إبراهيم) بالرفع أيضا على معنى: هذه ملة إبراهيم. قال ابن قتيبة: # المراد بصبغة الله: الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى كانوا يصبغون ~~أولادهم في ماء فقال: # (صبغة الله) أي: الزموا صبغة الله، لا صبغة النصارى وردها على ملة ~~إبراهيم، وقال غيره: إنما سمي الدين صبغة لبيان أثره على الإنسان، كظهور ~~الصبغ على الثوب. # قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم ms0117 أعمالكم ونحن له ~~مخلصون (139) قوله [تعالى]: (أتحاجوننا في الله) قال ابن عباس: يريد: يهود ~~المدينة، ونصارى نجران. # والمحاجة: المخاصمة في الدين، فإن اليهود قالت: نحن أهل الكتاب الأول. ~~وقيل: ظاهرت اليهود عبدة الأوثان، فقيل لهم: تزعمون أنكم موحدون، ونحن ~~نوحد، فلم ظاهرتم من لا يوحد؟! # قوله [تعالى]: (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) قال أكثر المفسرين: هذا ~~الكلام اقتضى نوع PageV01P135 # مساهلة، ثم نسخ بآية السيف. # أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله ~~بغافل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون (141) قوله [تعالى]: (أم تقولون إن إبراهيم ~~وإسماعيل).. الآية. # سبب نزولها: أن يهود المدينة، ونصارى نجران قالوا للمؤمنين: إن أنبياء ~~الله كانوا منا من بني إسرائيل، وكانوا على ديننا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. ومعنى الآية: إن الله قد أعلمنا بدين الأنبياء، ولا أحد أعلم به ~~منه. قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو (أم يقولون) ~~بالياء على وجه الخبر عن اليهود. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم: # (تقولون) بالتاء لأن ما قبلها مخاطبة، وهي " أتحاجوننا " وبعدها (قل ~~أأنتم أعلم). # وفي الشهادة التي كتموها قولان: # أحدهما: أن الله تعالى شهد عندهم بشهادة لإبراهيم ومن ذكر معه أنهم كانوا ~~مسلمين، فكتموها، قاله الحسن، وزيد بن أسلم. # والثاني: أنهم كتموا الإسلام وأمر محمد وهم يعلمون أنه نبي دينه الإسلام، ~~قاله أبو العالية، وقتادة. # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) قوله [تعالى]: (سيقول ~~السفهاء من الناس). # فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله البراء بن عازب، ومجاهد، وسعيد بن جبير. ~~PageV01P136 # والثاني: أنهم أهل مكة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث، أنهم المنافقون، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس. وقد يمكن ~~أن يكون الكل ms0118 قالوا ذلك، والآية نزلت بعد تحويل القبلة. والسفهاء: الجهلة. ~~ما ولاهم. أي: صرفهم عن قبلتهم يريد: قبلة المقدس. # واختلف العلماء في مدة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت ~~المقدس بعد قدومه إلى المدينة على ستة أقوال: # أحدها: أنه ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر، قاله البراء به عازب. # والثاني: سبعة عشر شهرا، قاله ابن عباس. # والثالث: ثلاثة عشر شهرا، قاله معاذ بن جبل. # والرابع: تسعة أشهر، قاله أنس بن مالك. # والخامس: ستة عشر شهرا. # والسادس: ثمانية عشر شهرا، روي القولان عن قتادة. # وهل كان استقباله بيت المقدس برأيه، أو عن وحي؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه كان بأمر الله تعالى ووحيه، قاله ابن عباس وابن جريج. # والثاني: أنه كان باجتهاده ورأيه، قاله الحسن وأبو العالية، وعكرمة، ~~والربيع. وقال قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا بقوله: (ولله ~~المشرق والمغرب). ثم أمرهم باستقبال بيت المقدس. وفي سبب اختياره بيت ~~المقدس قولان: # أحدهما: ليتألف أهل الكتاب، ذكره بعض المفسرين. # والثاني: لامتحان العرب بغير ما ألفوه، قاله الزجاج. PageV01P137 # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم (143) قوله [تعالى]: (وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا). # سبب نزولها: أن اليهود قالوا: قبلتنا قبلة الأنبياء، ونحن عدل بين الناس، ~~فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. والأمة: الجماعة. والوسط: العدل، قاله ابن ~~عباس، وأبو سعيد، ومجاهد، وقتادة: وقال ابن قتيبة: الوسط: العدل، الخيار، ~~ومنه قوله تعالى: (قال أوسطهم) أي: أعدلهم، وخيرهم. قال الشاعر: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وأصل ذلك أن ~~خير الأشياء أوساطها، والغلو والتقصير مذمومان. وذكر ابن جرير الطبري أن من ~~التوسط في الفعل، فإن المسلمين لم يقصروا في دينهم كاليهود، فإنهم قتلوا ~~الأنبياء، وبدلوا كتاب الله، ولم يغلوا كالنصارى، فإنهم زعموا أن ms0119 عيسى ابن ~~الله. وقال أبو سليمان الدمشقي: في هذا الكلام محذوف، ومعناه: جعلت قبلتكم ~~وسطا بين القبلتين، فإن اليهود يصلون نحو المغرب، والنصارى نحو المشرق، ~~وأنتم بينهما. # قوله [تعالى]: (لتكونوا شهداء على الناس) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: لتشهدوا للأنبياء على أممهم. روى أبو سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يجئ النبي يوم القيامة ومعه الرجل، ~~ويجئ النبي ومعه الرجلان، ويجئ النبي فيه ومعه أكثر من ذلك، فيقال لهم: ~~أبلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال للنبي: أبلغتهم؟ فيقول: نعم، فيقال: من ~~يشهد لك؟ قال: محمد وأمته، فيشهدون أن الرسل قد بلغوا فيقال: ما علمكم؟ ~~فيقولون: أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، فذلك قوله: (لتكونوا ~~شهداء على الناس) وهذا مذهب عكرمة، وقتادة. PageV01P138 # والثاني: أن معناه: لتكونوا شهداء لمحمد [صلى الله عليه وآله وسلم]، على ~~الأمم: اليهود والنصارى والمجوس، قاله مجاهد. # قوله [تعالى]: (ويكون الرسول عليكم شهيدا) يعني: محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وبماذا يشهد عليهم؟ # في ثلاثة أقوال: # أحدها: بأعمالهم، قاله ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وابن زيد. # والثاني: بتبليغهم الرسالة، قاله قتادة، ومقاتل. # والثالث: بإيمانهم، قاله أبو العالية. فيكون على هذا " علكيم " بمعنى: ~~لكم. قال عكرمة: # لا يسأل عن هذه الأمة إلا نبيها. # قوله [تعالى]: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) يريد: قبلة بيت المقدس. ~~(إلا لنعلم) فيه أربعة أقوال: # أحدها: لنرى. # والثاني: لنميز. رؤيا عن ابن عباس. # والثالث: لنعلمه واقعا، إذ علمه قديم، قاله جماعة من أهل التفسير وهو ~~يرجع إلى قول ابن عباس: " لنرى ". # والرابع: أن العلم راجع إلى المخاطبين، والمعنى: لتعلموا أنتم، قاله ~~الفراء. # قوله [تعالى]: (ممن ينقلب على عقبيه) أي: يرجع إلى الكفر، قاله ابن زيد، ~~ومقاتل. # قوله [تعالى]: (وإن كانت لكبيرة) في المشار إليها قولان: # أحدهما: أنه التولية إلى الكعبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أنها قبلة بيت المقدس قبل التحول عنها، قاله أبو العالية، ~~والزجاج. # قوله [تعالى]: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) نزل على سبب، وهو أن ms0120 ~~المسلمين قالوا: يا رسول الله، أرأيت إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى ~~بيت المقدس؟! فأنزل الله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) والإيمان المذكور ~~هاهنا أريد به: الصلاة في قول الجماعة. وقيل: إنما سميت الصلاة إيمانا، ~~لاشتمالها على قول ونية وعمل. قال الفراء: وإنما أسند الإيمان إلى الأحياء ~~[من PageV01P139 # المؤمنين] والمعنى: فيمن مات [من المسلمين قبل أن تحول القبلة] لأنهم ~~داخلون معهم في الملة. قوله تعالى: (لرؤوف) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: (لرؤوف) على وزن: لرعوف، في جميع القرآن، ووجهها: أن ~~فعولا أكثر في كلامهم من فعل، فباب ضروب وشكور، أوسع من باب حذر ويقظ. وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: # (لرؤف) على وزن: رعف ويقال: هو الغالب على أهل الحجاز. قال جرير: # ترى للمسلمين عليك حقا * كفعل الوالد الرؤف الرحيم] والرؤوف بمعنى: ~~الرحيم، هذا قول الزجاج. وذكر الخطابي عن بعض أهل العلم ان الرأفة أبلغ ~~الرحمة وأرقها. قال: ويقال: الرأفة أخص، والرحمة أعم. # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) قوله تعالى: (قد نرى تقلب ~~وجهك في السماء). # سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يحب أن يوجه إلى ~~الكعبة، قاله البراء، وابن عباس، وابن المسيب، وأبو العالية، وقتادة. وذكر ~~بعض المفسرين أن هذه الآية مقدمة في النزول على قوله [تعالى]: (سيقول ~~السفهاء من الناس) واختلفوا في سبب اختيار النبي الكعبة علي بيت المقدس على ~~قولين: # أحدهما: لأنها كانت قبلة إبراهيم، روى عن ابن عباس. # والثاني: لمخالفة اليهود، قاله مجاهد. ومعنى تقلب وجهه: نظره إليها يمينا ~~وشمالا و (في) بمعنى (إلى) و (ترضاها) بمعنى: " تحبها " و (الشطر): النحو ~~من غير خلاف. قال ابن عمر: أتى الناس آت وهم في صلاة الصبح بقباء، فقال: إن ~~رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] قد أنزل ms0121 عليه PageV01P140 # الليلة قرآن، وأمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها فاستداروا وهم في ~~صلاتهم. # فصل اختلف العلماء أي وقت حولت القبلة على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها حولت في صلاة الظهر يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة ~~عشر شهرا من مقدم رسول الله المدينة، قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار. # والثاني: أنها حولت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا ~~من مقدم المدينة، قاله قتادة. # والثالث: جمادى الآخرة، حكاه ابن سلامة المفسر عن إبراهيم الحربي. # وفي (الذين أوتوا الكتاب) قولان: # أحدهما: اليهود، قاله مقاتل. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله [تعالى]: (ليعلمون أنه الحق) يشير إلى ما أمر به من التوجه إلى ~~الكعبة، ثم تواعدهم بباقي الآية على كتمانهم ما علموا. ومن أين علموا أنه ~~الحق؟ فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن في كتابهم الأمر بالتوجه إليها، قاله أبو العالية. # والثاني: يعلمون أن المسجد الحرام قبلة إبراهيم. # والثالث: أن في كتابهم أن محمدا رسول صادق، فلا يأمر إلا بحق. # والرابع: انهم يعلمون جواز النسخ. # ولئن أتيت أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما ~~بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا ~~لمن الظالمين (145) PageV01P141 # قوله [تعالى]: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية). # سبب نزولها أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للنبي: ائتنا بآية كما ~~أتى الأنبياء قبلك، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله [تعالى]: (ما تبعوا قبلتك) يريد: الكعبة (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) ~~لأن اليهود يصلون قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق (ولئن ~~أتبعت أهواءهم) فصليت إلى قبلتهم (من بعد ما جاءك من العلم) قال مقاتل: ~~يريد بالعلم: البيان. # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون (142) قوله [تعالى]: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه) في ~~هاء " يعرفونه " قولان: # أحدهما: أنها تعود على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس والثاني: ~~تعود على صرفه إلى ms0122 الكعبة، قاله أبو العالية، وقتادة، والسدي، ومقاتل. وروي ~~عن ابن عباس أيضا. وفي الحق الذي كتموه قولان: # أحدهما: أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قاله مجاهد. # والثاني: أنه التوجه إلى الكعبة قاله السدي، ومقاتل في آخرين. # وفي قوله: (وهم يعلمون) قولان: # أحدهما: وهم يعلمون أنه حق. # والثاني: وهم يعلمون ما على مخالفه من العقاب. # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) PageV01P142 # قوله [تعالى]: (الحق من ربك). # قال الزجاج: أي: هذا الحق من ربك. والممترون: الشاكون، والخطاب عام. # ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله على كل شئ قدير (148) قوله [تعالى]: (ولكل وجهة). # أي: لكل أهل دين وجهة. المراد بالوجهة: القبلة، قاله ابن عباس في آخرين. ~~قال الزجاج: # يقال: جهة، ووجهة. وفي " هو " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الله [تعالى]، فالمعنى: الله موليها إياهم، أي: ~~أمرهم بالتوجه إليها. # والثاني: ترجع إلى المتولي، فالمعنى: هو موليها نفسه، فيكون " هو " ضمير ~~كل. # والثالث: يرجع إلى البيت، قاله مجاهد: أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة. ~~والجمهور يقرأون: (موليها) وقرأ ابن عامر، والوليد عن يعقوب: " هو مولاها " ~~بألف بعد اللام، فضمير " هو " لكل، ومعنى القراءتين متقارب. # قوله [تعالى]: (فاستبقوا الخيرات) أي: بادروها. وقال قتادة: لا تغلبوا ~~على قبلتكم، (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا) قال ابن عباس وغيره: هذا في ~~يوم القيامة. فأما إعادة قوله: # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ~~فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) قوله تعالى: ~~(ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) فإنه تكرير تأكيد، ليحسم طمع ~~أهل الكتاب في رجوع المسلمين أبدا إلى قبلتهم. PageV01P143 # قوله [تعالى]: (لئلا يكون للناس) في الناس قولان: # أحدهما: انهم أهل الكتاب قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ms0123 ومقاتل. # والثاني: مشركوا العرب، رواه السدي عن أشياخه. فمن قال بالأول، قال: ~~احتجاج أهل الكتاب أنهم قالوا للنبي: مالك تركت قبلة بيت المقدس؟! إن كانت ~~ضلالة، فقد دنت الله بها، وإن كانت هدى، فقد نقلت عنها. وقال قتادة: قالوا: ~~اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. ومن قال بالثاني، قال: احتجاج ~~المشركين أنهم قالوا: قد رجع إلى قبلتكم، ويوشك أن يعود إلى دينكم. # وتسمية باطلهم حجة على وجه الحكاية عن المحتج به، كقوله [تعالى]: (حجتهم ~~داحضة عند ربهم) وقوله: (فرحوا بما عندهم من العلم). # قوله [تعالى]: (إلا الذين ظلموا منهم) قال الزجاج: معناه إلا من ظلم ~~باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: مالك علي حجة إلا الظلم، أي: إلا أن ~~تظلمني قال ابن عباس: (فلا تخشوهم) في انصرافكم إلى الكعبة (واخشوني) في ~~تركها. # كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) قوله [تعالى]: (كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم) قال الزجاج: " كما " لا تصلح أن تكون جوابا لما قبلها، والأجود ~~أن تكون معلقة بقوله: (فاذكروني) وقد روي معناه عن علي، وابن عباس، ومجاهد، ~~ومقاتل. والآية خطاب لمشركي العرب. وفي قوله: (ويزكيهم) ثلاثة أقوال، قد ~~سبق ذكرها في قصة إبراهيم. والكتاب: القرآن والحكمة: السنة. # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (153) قوله تعالى: (فاذكروني). # قال ابن عباس، وابن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي. وقال إبراهيم ~~بن السري: كما أنعمت عليكم بالرسالة، فاذكروني بتوحيدي وتصديق نبيي. قال: ~~فإن قيل: كيف يكون جواب: # (كما أرسلنا) (فاذكروني) فإن قوله: (اذكروني) أمر وقوله: (أذكركم) جزاؤه، ~~فالجواب: أن المعنى: إن تذكروني أذكركم. # قوله [تعالى]: (واشكروا لي) الشكر: الاعتراف بحق المنعم، مع الثناء عليه. ~~PageV01P144 # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ~~قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة). # سبب نزولها: أن المشركين قالوا: سيرجع محمد إلى ديننا، كما رجع إلى ~~قبلتنا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. وقال ابن عباس: استعينوا على طلب ~~الآخرة ms0124 بالصبر على أداء الفرائض، وبالصلاة، وقد سبق الكلام في الصبر، وبيان ~~الاستعانة به وبالصلاة. # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل احياء ولكن لا تشعرون (154) ~~قوله [تعالى]: (ولا تقولوا لمن لا يقتل في سبيل الله أموات). # سبب نزولها: أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأحد: مات فلان ببدر، مات فلان ~~بأحد، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس ورفع الأموات باضمار مكنى من ~~أسمائهم، أي: لا تقولوا: هم أموات، ذكر نحوه الفراء، فإن قيل: فنحن نراهم ~~موتى، فما وجه النهي؟ فالجواب أن المعنى: لا تقولوا: # هم أموات لا تصل أرواحهم إلى الجنات، ولا تنال من تحف الله ما لا يناله ~~الأحياء بل هم أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، فهم أحياء ~~من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الأرواح، ذكره ابن الأنباري ~~فإن قيل: أليس جميع المؤمنين منعمين بعد موتهم؟ فلم خصصتم الشهداء؟ ~~فالجواب: أن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم مرزوقون من مطاعم الجنة ~~ومآكلها، وغيرهم منعم بما دون ذلك، ذكره ابن جرير الطبري. # ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(159) قوله [تعالى]: (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع). # قال الفراء: " من " تدل على أن لكل صنف منها شيئا مضمرا، فتقديره: بشئ من ~~الخوف، وشئ من الجوع، وشئ من نقص الأموال. # وفيمن أريد في هذه الآية أربعة أقوال: PageV01P145 # أحدها: أنهم أصحاب النبي خاصة، قاله عطاء. # والثاني: انهم أهل مكة. # والثالث: أن هذا يكون في آخر الزمان. قال كعب: يأتي على الناس زمان لا ~~تحمل النخلة إلا تمرة. # والرابع: أن الآية على عمومها. # فأما الخوف، فقال ابن عباس: وهو الفزع في القتال. والجوع: المجاعة التي ~~أصابت أهل مكة سبع سنين. ونقص من الأموال: ذهاب أموالهم، والأنفس بالموت ~~والقتل الذي نزل بهم، والثمرات لم تخرج كما كانت تخرج. وحكى أبو سليمان ~~الدمشقي عن بعض أهل العلم: أن الخوف في الجهاد والجوع في فرض ms0125 الصوم، ونقص ~~الأموال: ما فرض فيها من الزكاة والحج ونحو ذلك. والأنفس: ما يستشهد منها ~~في القتال، والثمرات: ما فرض فيها من الصدقات. (وبشر الصابرين) على هذه ~~البلاوي بالجنة. # واعلم أنه إنما أخبرهم بما سيصيبهم، ليوطنوا أنفسهم على الصبر فيكون ذلك ~~أبعد لهم من الجزع. (قالوا إنا لله) يريدون: نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء ~~(وإنا إليه راجعون) يريدون: نحن مقرون بالبعث والجزاء على أعمالنا، والثواب ~~على صبرنا. قال سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئا لم ~~يعطه الأنبياء قبلهم (الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة). ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها ~~يعقوب، إذ يقول (يا أسفى على يوسف) قال الفراء: وللعرب في المصيبة ثلاث ~~لغات: مصيبة، ومصابة، ومصوبة، زعم الكسائي أنه سمع أعرابيا يقول: جبر الله ~~مصوبتك. # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) قوله [تعالى]: ~~(أولئك عليهم صلوات من ربهم). # قال سعيد بن جبير: الصلوات من الله: المغفرة (وأولئك هم المهتدون) ~~بالاسترجاع. قال عمر بن الخطاب: نعم العدلان، ونعمت العلاوة: (أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون). # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات PageV01P146 # والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون (159) قوله [تعالى]: (إن الصفا والمروة من شعائر الله). # في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رجالا من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية - ومناة: صنم ~~كان بين مكة والمدينة - قالوا: يا رسول الله! إنا كنا لا نطوف بين الصفا ~~والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فنزلت هذه الآية. ~~رواه عروة عن عائشة. # والثاني: أن المسلمين كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة، لأنه كان على ~~الصفا تماثيل وأصنام، فنزلت هذه الآية. رواه عكرمة عن ابن عباس وقال ~~الشعبي: ms0126 كان وثن على الصفا يدعى: إساف، ووثن على المروة يدعى: نائلة، وكان ~~أهل الجاهلية يسعون بينهما ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام كفوا عن السعي ~~بينهما، فنزلت هذه الآية. # والثالث: أن الصحابة قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنا كنا نطوف ~~في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإن الله تعالى ذكر الطواف بالبيت، ولم ~~يذكره بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما، فنزلت هذه ~~الآية. رواه الزهري عن أبي بكر بن بعد الرحمن عن جماعة من أهل العلم. قال ~~إبراهيم بن السري: الصفا في اللغة: الحجارة الصلبة الصلدة التي لا تنبت ~~شيئا، وهو جمع، واحده صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى. والمروة: الحجارة اللينة، ~~وهذان الموضعان من شعائر الله، أي: من أعلام متعبداته. وواحد الشعائر: ~~شعيرة. والشعائر: كل ما كان من موقف أو مسعى أو ذبح. والشعائر: من شعرت ~~بالشئ: إذا علمت به فسميت الأعلام التي هي متعبدات الله: شعائر. والحج في ~~اللغة: القصد، وكذلك كل قاصد شيئا فقد اعتمره. والجناح: الإثم، أخذ من جنح: ~~إذا مال وعدل، وأصله من جناح الطائر، وإنما اجتنب المسلمون الطواف بينهما، ~~PageV01P147 # لمكان الأوثان، فقيل لهم: إن نصب الأوثان بينهما قبل الاسلام لا يوجب ~~اجتنابهما، فأعلم الله عز وجل أنه لا جناح في التطوف بهما، وأن من تطوع ~~بذلك فإن الله شاكر عليم. والشكر من الله. # المجازاة والثناء الجميل، والجمهور قرؤوا (ومن تطوع) بالتاء ونصب العين ~~منهم: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأ حمزة، والكسائي ~~" يطوع " بالياء وجزم العين. وكذلك خلافهم في التي بعدها بآيات. # فصل اختلفت الرواية عن إمامنا أحمد في السعي بين الصفا والمروة فنقل ~~الأثرم أن من ترك السعي لم يجزه حجه. ونقل أبو طالب: لا شئ في تركه عمدا أو ~~سهوا، ولا ينبغي أن يتركه. ونقل الميموني أنه تطوع. # قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) قال أبو صالح ~~عن ابن عباس: # نزلت في رؤساء اليهود، كتموا ما أنزل الله في التوراة من البينات ms0127 والهدى، ~~فالبينات: الحلال والحرام والحدود والفرائض. والهدى: نعت النبي وصفته (من ~~بعد ما بيناه للناس) قال مقاتل: لبني إسرائيل، وفي الكتاب قولان: # أحدهما: أنه التوراة وهو قول ابن عباس. # والثاني: التوراة والإنجيل، قاله قتادة. (أولئك) إشارة إلى الكاتمين ~~(يلعنهم الله) قال ابن قتيبة: أصل اللعن في اللغة: الطرد، ولعن الله إبليس، ~~أي: طرده، ثم انتقل ذلك فصار قولا. قال الشماخ وذكر ماء: # ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين أي: الطريد. وفي ~~اللاعنين أربعة أقوال: # أحدها: أن المراد بهم: دواب الأرض، رواه البراء عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو قول مجاهد، وعكرمة. # قال مجاهد: يقولون إنما منعنا القطر بذنوبكم فيلعنوهم. # والثاني: أنهم المؤمنون، قاله عبد الله بن مسعود. # والثالث: أنهم الملائكة والمؤمنون، قاله أبو العالية، وقتادة. ~~PageV01P148 # والرابع: أنهم الجن والإنس وكل دابة، قاله عطاء. # فصل وهذه الآية توجب إظهار علوم الدين، منصوصة كانت أو مستنبطة، وتدل على ~~امتناع جواز أخذ الأجرة على ذلك، إذ غير جائز استحقاق الأجر على ما يجب ~~فعله، وقد روى الأعرج عن أبي هريرة أنه قال: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والله الموعد، وأيم الله: لولا آية في ~~كتاب الله ما حدثت أحدا بشئ أبدا، ثم تلا (إن الذين يكتمون ما أنزلنا).. ~~إلى آخرها. # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ~~(160) قوله [تعالى]: (إلا الذين تابوا). # قال ابن مسعود: إلا الذين تابوا من اليهود وأصلحوا أعمالهم، وبينوا صفة ~~رسول الله في كتابهم. # فصل وقد ذهب قوم إلى أن الآية التي قبل هذه منسوخة بالاستثناء في هذه، ~~وهذا ليس بنسخ، لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ، وذلك يقتضي التخصيص ~~دون النسخ، ومما يحقق هذا أن الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلا ~~بترك العمل بالآخر، وهاهنا يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه. # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين (161) قوله [تعالى]: (إن الذين كفروا وماتوا وهم ms0128 كفار). # إنما شرط الموت على الكفر، لأن حكمه يستقر بالموت عليه، فإن قيل: كيف ~~قال: (والناس أجمعين) وأهل دينه لا يلعنونه، فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنهم يلعنونه في الآخرة. قال الله عز وجل: (ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) وقال: (كلما دخلت أمة لعنت أختها). # والثاني: أن المراد بالناس هاهنا المؤمنون، قاله ابن مسعود، وقتادة، ~~ومقاتل. فيكون على PageV01P149 # هذا من العام الذي أريد به الخاص. # والثالث: أن اللعنة من الأكثر يطلق عليها: لعنة جميع الناس تغليبا لحكم ~~الأكثر على الأقل. # خالدين فيها لا يخفف عنهم الذاب ولا هم ينظرون (162) قوله [تعالى]: ~~(خالدين فيها) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى اللعنة، قاله ابن مسعود، ومقاتل: # والثاني: أنها ترجع إلى النار، وإن لم يجر لها ذكر فقد علمت. # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) قوله [تعالى]: ~~(وإلهكم إله واحد). # قال ابن عباس: إن كفار قريش قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه، فنزلت هذه ~~الآية، وسورة الإخلاص. والإله بمعنى: المعبود. # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) قوله [تعالى]: (إن في خلق السماوات والأرض). # في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المشركين قالوا للنبي: اجعل لنا الصفا ذهبا إن كنت صادقا، ~~فنزلت هذه الآية، حكاه السدي عن ابن مسعود، وابن عباس. # والثاني: أنهم لما قالوا: انسب لنا ربك وصفه، فنزلت: (وإلهكم إله واحد) ~~قالوا: فأرنا آية ذلك، فنزلت: (إن في خلق السماوات والأرض) إلى قوله: ~~(يعقلون) رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما نزلت (وإلهكم إله واحد) قال كفار قريش: كيف يسع الناس ~~إله واحد PageV01P150 # فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. # فأما (السماوات)، فتدل على صانعها، إذ هي قائمة بغير عمد، وفيها من ~~الآيات الظاهرة، ما يدل ms0129 يسيره على مبدعة، وكذلك الأرض في ظهور ثمارها، ~~وتمهيد سهولها، وإرساء جبالها، إلى غير ذلك. (واختلاف الليل والنهار) كل ~~واحد منهما حادث بعد أن لم يكن، وزائل بعد أن كان (والفلك): السفن. قال ابن ~~قتيبة: الواحد والجمع بلفظ واحد. وقال اليزيدي: واحدة فلكة، ويذكر ويؤنث. ~~وقال الزجاج: الفلك السفن، ويكون واحدا، ويكون جمعا، لأن فعل، وفعل جمعهما ~~واحد، ويأتيان كثيرا بمعنى واحد. يقال: العجم والعجم، والعرب والعرب والفلك ~~والفلك. والفلك: يقال لكل مستدير، أو فيه استدارة. و (البحر): الماء الغزير ~~(بما ينفع الناس) من المعايش. (وما أنزل الله من السماء من ماء) يعني: ~~المطر، والمطر ينزل على معنى واحد، وأجزاء الأرض والهواء على معنى واحد، ~~والأنواع تختلف في النبات والطعوم الألوان والأشكال المختلفات، وفي ذلك رد ~~على من قال: إن انه من فعل الطبيعة، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتفق موجبها، ~~إذ المتفق لا يوجب المختلف، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى في قوله: # (يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل). # قوله [تعالى]: (وبث) أي: فرق. # قرأ ابن كثير (الرياح) على الجمع في خمسة مواضع: هاهنا: في الحجر (أرسلنا ~~الرياح لواقح) وفي الكهف: (تذروه الرياح) وفي الروم: الحرف الثاني. وفي ~~الجاثية: (تصريف الرياح) وقرأ باقي القرآن (والريح). وقرأ أبو جعفر ~~(الرياح) في خمسة عشر موضعا في البقرة، وفي الأعراف: (يرسل الرياح) وفي ~~إبراهيم: (اشتدت به الرياح) وفي الحجر: (الرياح لواقح) وفي سبحان، وفي ~~الكهف: (تذروه الرياح) وفي الأنبياء، وفي الفرقان: (أرسل الرياح) وفي ~~النمل. والثاني من الروم: وفي سبأ: وفي فاطر (أرسل الرياح) وفي عسق: (يسكن ~~الرياح) وفي الجاثية: (وتصريف الرياح) تابعه نافع إلا في سبحان. ورياح ~~سليمان: وتابع نافعا أبو عمرو إلا في حرفين: (الريح) في إبراهيم، وعسق، ~~ووافق أبا عمر، وعاصم، وابن عامر. وقرأ حمزة (الرياح) جمعا في موضعين: في ~~الفرقان، والحرف الأول من الروم، وباقيهن على التوحيد. وقرأ الكسائي مثل ~~حمزة، إلا إنه زاد عليه في الحجر: (الرياح لواقح) ولم يختلفوا فيما ليس فيه ms0130 ~~ألف PageV01P151 # ولام، فمن جمع، فكل ريح تساوي أختها في الدلالة على التوحيد والنفع، ومن ~~وحد، أراد الجنس. # ومعنى تصريف الرياح: تقلبها شمالا مرة، وجنوبا مرة، ودبورا أخرى،، وعذابا ~~ورحمة (والسحاب المسخر): المذلل. والآية فيه من أربعة أوجه: ابتداء كونه، ~~وانتهاء تلاشيه، وقيامه بلا دعامة ولا علاقة، وإرساله إلى حيث شاء الله ~~تعالى. لآيات. الآية: العلامة. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: أخبرنا عاصم ~~قال: أخبرنا ابن بشران قال: أخبرنا ابن صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا ~~قال: حدثني هارون قال: حدثني عفان عن مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: # كانوا يقولون، يعني: أصحاب النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]: الحمد لله ~~الرفيق، الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا ينصرف، لقال الشاك في الله: ~~لو كان لهذا الخلق رب لحادثه، وإن الله [تعالى] قد حادث بما ترون من ~~الآيات، إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشا، وسراجا وهاجا، ~~ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيه ~~شهبا ونجوما، وقمرا منيرا، وإذا شاء، بنى بناء، جعل فيه المطر، والبرق، ~~والرعد، والصواعق، ما شاء، وإذا شاء صرف ذلك، وإذا شاء جاء ببرد يقرقف ~~الناس، وإذا شاء ذهب بذلك، وجاء بحر يأخذ أنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا ~~الخلق ربا يحادثه بما ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء ~~بالآخرة. # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) قوله [تعالى]: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا). # وفي الأنداد قولان قد تقدما في أول السورة وفي قوله: (يحبونهم كحب الله) ~~قولان: # أحدهما: أن معناه: يحبونهم كحب الذين آمنوا لله، هذا قول ابن عباس، ~~وعكرمة، وأبي العالية، وابن زيد، ومقاتل، والفراء. # والثاني: يحبونهم كمحبتهم لله، أي: يسوون بين الأوثان وبين الله [تعالى] ~~في المحبة. هذا اختيار الزجاج، قال: ms0131 والقول والأول ليس بشئ، والدليل على ~~نقضه قوله: (والذين آمنوا أشد حبا لله) قال المفسرون: أشد حبا لله من أهل ~~الأوثان لأوثانهم. PageV01P152 # قوله [تعالى]: (ولو يرى الذين ظلموا) قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وعاصم، ~~وحمزة والكسائي: (ويرى) بالياء، ومعناه: لو يرون عذاب الآخرة، لعلموا أن ~~القوة لله جميعا. وقرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب: (ولو ترى) بالتاء، على ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به جميع الناس، وجوابه محذوف، ~~تقديره: لرأيتم أمر عظيما، كما تقول: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه. فإنما ~~حذف الجواب، لأن المعنى معلوم. قال أبو علي: وإنما قال: " إذ " ولم يقل: " ~~إذا " وإن كانت " إذ " لما مضى، لإرادة تقريب الأمر، فأتى بمثال الماضي، ~~وإنما حذف جواب " لو " لأنه أفخم، لذهاب المتوعد إلى كل ضرب من الوعيد. ~~وقرا أبو جعفر: (إن القوة) و: (إن الله) بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف، ~~كأنه يقول: ولا يحزنك ما ترى من محبتهم أصنامهم (إن القوة لله جميعا) قال ~~ابن عباس: القوة: القدرة، والمنعة. # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ~~(166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) قوله ~~[تعالى]: (من الذين اتبعوا) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم القادة والرؤساء، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ~~ومقاتل، والزجاج. # والثاني، أنهم الشياطين، قاله السدي. # قوله [تعالى]: (ورأوا العذاب) يشمل الكل. (وتقطعت بهم الأسباب) أي: عنهم، ~~مثل قوله: (فسئل به خبيرا). وفي (الأسباب) أربعة أقوال: # أحدها: أنها المودات، وإلى نحوه يذهب ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها الأعمال، رواه السدي عن ابن مسعود، وابن عباس وهو قول أبي ~~صالح وابن زيد. # والثالث: أنها الأرحام. رواه ابن جريج عن ابن عباس. PageV01P153 # والرابع: أنها تشمل جميع ذلك. قال ابن قتيبة: هي الأسباب التي كانوا ~~يتواصلون بها في الدنيا، فأما تسميتها بالأسباب، فالسبب في اللغة: الحبل، ~~ثم قيل لكل ما يتوصل به إلى المقصود: # سبب. والكرة: الرجعة إلى ms0132 الدنيا، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين (فنتبرأ ~~منهم) يريدون: من القادة (كما تبرؤوا منا) في الآخرة. (كذلك يريهم الله ~~أعمالهم) [قال الزجاج: أي: كتبرؤ بعضهم من بعض، يريهم الله أعمالهم] حسرات ~~عليهم، لأن أعمال الكافر لا تنفعه، وقال ابن الأنباري: يريهم الله أعمالهم ~~القبيحة حسرات عليهم إذا رأوا أحسن المجازاة للمؤمنين بأعمالهم، قال: ويجوز ~~أن يكون: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم وجزاءها، فحذف الجزاء وأقام الأعمال ~~مقامه. قال ابن فارس: والحسرة: التلهف على الشئ الفائت. وقال غيره: الحسرة: ~~أشد الندامة. # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) قوله تعالى: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حلالا) نزلت في ثقيف، وخزاعة، وبني عامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من ~~الحرث والأنعام، وحرموا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، قاله ابن ~~السائب. # قوله [تعالى]: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) قرأ ابن كثير، وابن عامر، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم (خطوات) مثقلة. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم، وحمزة (خطوات) ساكنة الطاء خفيفة. وقرا الحسن، وأبو الجوزاء (خطوات) ~~بفتح الخاء وسكون الطاء من غير همز. # وقرأ أبو عمران الجوني بضم الخاء والطاء مع الهمز. قال ابن قتيبة: ~~خطواته: سبيله ومسلكه، وهي جمع خطوة، والخطوة بضم الخاء: ما بين القدمين، ~~وبفتحها: الفعلة الواحدة. واتباعهم خطواته: # أنهم كانوا يحرمون أشياء قد أحلها الله، ويحلون أشياء قد حرمها الله. # [قوله تعالى]: (إنه لكم عدو مبين) أي: بين. وقيل: أبان عداوته بما جرى له ~~مع آدم. # إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله مالا تعلمون (169) ~~[قوله تعالى]: (إنما يأمركم بالسوء) السوء: كل إثم وقبح. قال ابن عباس: ~~وإنما سمي سوءا، لأنه تسوء عواقبه، وقيل: لأنه يسوء إظهاره (والفحشاء) من: ~~فحش الشئ: إذا جاز قدره. PageV01P154 # وفي المراد بها هاهنا خمسة أقوال: # أحدها: أنها كل معصية لها حد في الدنيا. # والثاني: أنها ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. # والثالث: أنها البخل، وهذه الأقوال الثلاثة منقولة عن ابن ms0133 عباس. # والرابع: أنها الزنا، قاله السدي: # والخامس: المعاصي، قاله مقاتل. # قوله [تعالى]: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) أي: أنه حرم عليكم ما ~~لم يحرم. # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) قوله [تعالى]: (وإذا قيل ~~لهم اتبعوا ما أنزل الله). # اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها في الذين قيل لهم: (كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) فعلى هذا ~~تكون الهاء والميم عائدة عليهم، وهذا قول مقاتل. # والثاني: أنها نزلت في اليهود، وهي قصة مستأنفة، فتكون الهاء والميم ~~كناية عن غير مذكور، ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس. # والثالث: أنها في مشركي العرب وكفار قريش، فتكون الهاء والميم عائدة إلى ~~قوله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا) فعلى القول الأول، يكون ~~المراد بالذي أنزل الله: تحليل الحلال، وتحريم الحرام. وعلى الثاني يكون: ~~الإسلام. وعلى الثالث: التوحيد والإسلام. # و (ألفينا) بمعنى: وجدنا. # قوله [تعالى]: (أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا) من الدين، ولا يهتدون ~~له، أيتبعونهم في خطئهم وافترائهم؟! # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا PageV01P155 # يعقلون (171) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ~~إن كنتم إياه تعبدون (172) قوله [تعالى]: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق). # في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناها: ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي ينعق بها الراعي، ~~وهذا قول الفراء، وثعلب، قالا جميعا: أضاف المثل إلى الذين كفروا، ثم شبههم ~~بالراعي، ولم يقل: كالغنم، والمعنى: ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا ~~تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت، فلو قال لها الراعي: ارعي، أو اشربي، ~~لم تدر ما يقول، فكذلك الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن، وإنذار الرسول، ~~فأضيف التشبيه إلى الراعي، والمعنى في المرعي، وهو ظاهر في كلام العرب، ~~يقولون: # فلان يخافك كخوف الأسد، والمعنى: كخوفه الأسد. ms0134 قال الشاعر: # كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم المعنى: كما كان الرجم ~~فريضة الزنى. # والثاني أن معناها: ومثل الذين كفروا، ومثلنا في وعظهم، كمثل الناعق ~~والمنعوق به، فحذف: ومثلنا، اختصارا، إذ كان في الكلام ما يدل عليه. وهذا ~~قول ابن قتيبة، والزجاج. # والثالث: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي يعبدون، كمثل الذي ~~ينعق، هذا قول ابن زيد، والذي ينعق هو الراعي، يقال: نعق بالغنم، ينعق نعقا ~~ونعيقا ونعاقا ونعقانا. قال ابن الأنباري: # والفاشي في كلام العرب إنه لا يقال: نعق، إلا في الصياح بالغنم وحدها، ~~فالغنم تسمع الصوت ولا تعقل المعنى. (صم بكم) إنما وصفهم بالصم والبكم، ~~لأنهم في تركهم قبول ما يسمعون بمنزلة من لا يسمع، وكذلك في النطق والنظر، ~~وقد سبق شرح هذا المعنى. # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) PageV01P156 # قوله [تعالى]: (إنما حرم عليكم الميتة). # قرأ أبو جعفر " الميتة " هاهنا، وفي المائدة، والنحل: (وبلدة ميتا) ~~بالتشديد، حيث وقع. # والميتة في عرف الشرع: اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة. وقيل: إن ~~الحكمة في تحريم الميتة أن جمود الدم فيها بالموت يحدث أذى للآكل، وقد يسمى ~~المذبوح في بعض الأحوال: # ميتة حكما، لأن حكمه حكم الميتة، كذبيحة المرتد، فأما الدم، فالمحرم منه: ~~المسفوح، لقوله [تعالى]: (أو دما مسفوحا). قال القاضي أبو يعلى: فأما الدم ~~الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح، وما يبقى في العروق، فهو مباح. # فأما لحم الخنزير، فالمراد: جملته، وإنما خص اللحم، لأنه معظم المقصود. ~~قال الزجاج: # الخنزير يشتمل على الذكر والأنثى. ومعنى (وما أهل به لغير الله): ما رفع ~~فيه الصوت بتسمية غير الله، ومثله الإهلال بالحج، إنما هو رفع الصوت ~~بالتلبية. # قوله [تعالى]: (فمن اضطر) أي: ألجئ بضرورة. وقرأ أبو جعفر: (فمن اضطر) ~~بكسر الطاء حيث كان. وأدغم ابن محيصن الضاد في الطاء. # قوله [تعالى]: [(غير باغ) قال الزجاج: البغي: ms0135 قصد الفساد، يقال: بغى ~~الجرح: إذا ترامى إلى الفساد. وفي قوله] (غير باغ ولا عاد) أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه غير باغ على الولاة، ولا عاد يقطع السبيل، هذا قول سعيد ~~بن جبير، ومجاهد. # والثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته، ولا متعد بأكلها وهو يجد غيرها. هذا ~~قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، والربيع. # والثالث: غير باغ، أي: مستحل، ولا عاد: غير مضطر، روي عن سعيد بن جبير، ~~ومقاتل. # والرابع: غير باغ شهوته بذلك، ولا عاد بالشبع منه، قاله السدي. ~~PageV01P157 # فصل معنى الضرورة في إباحة الميتة: أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه. سئل ~~أحمد، رضي الله عنه، عن المضطر إذا لم يأكل الميتة، فذكر عن مسروق أنه قال: ~~من اضطر فلم يأكل فمات دخل النار. وأما مقدار ما يأكل، فنقل حنبل: يأكل ~~مقدار ما يقيمه عن الموت. ونقل ابن منصور: يأكل بقدر ما يستغني. فظاهر ~~الأولى: أنه لا يجوز له الشبع، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وظاهر الثانية: ~~جواز الشبع، وهو قول مالك. # إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) قوله [تعالى]: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب). # قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كتموا اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وغيروه في كتابهم. والثمن القليل: ما يصيبونه من أتباعهم من الدنيا. (أولئك ~~ما يأكلون في بطونهم إلا النار) [قال الزجاج: # معناه: إن الذين يأكلونه يعذبون به، فكأنهم يأكلون النار] (ولا يكلمهم ~~الله) هذا دليل على أن الله لا يكلم الكفار ولا يحاسبهم. # وفي قوله [تعالى]: (ولا يزكيهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يزكي أعمالهم، قاله مقاتل. # والثاني: لا يثني عليهم، قاله الزجاج. # والثالث: لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم، قاله ابن جرير. # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة) أي: اختاروها على ~~الهدى. # وفي قوله ms0136 [تعالى]: (فما أصبرهم على النار) أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار! قاله عكرمة، ~~والربيع. PageV01P158 # والثاني: ما أجرأهم على النار قاله الحسن، ومجاهد. وذكر الكسائي أن ~~أعرابيا حلف له رجل كاذبا، فقال الأعرابي: ما أصبرك على الله، يريد: ما ~~أجرأك. # والثالث: ما أبقاهم في النار، كما تقول: ما أصبر فلانا على الحبس، أي: ما ~~أبقاه فيه، ذكره الزجاج. # والرابع: أن المعنى: فأي شئ صبرهم على النار؟! قاله ابن الأنباري. وفي " ~~ما " قولان: # أحدهما: أنها للاستفهام، تقديرها: ما الذي أصبرهم؟ قاله عطاء، والسدي، ~~وابن زيد، وأبو بكر بن عياش. # والثاني: أنها للتعجب، كقولك: ما أحسن زيدا، وما أعلم عمرا. وقال ابن ~~الأنباري: معنى الآية التعجب، والله يعجب المخلوقين، ولا يعجب هو كعجبهم. # ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد (176) قوله [تعالى]: (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق) الإشارة بذلك ~~إلى ما تقدم من الوعيد بالعذاب، فتقديره: ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب ~~بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه. وفي " الكتاب " قولان: # أحدهما: أنه التوراة. # والثاني: القرآن. وفي " الحق " قولان: # أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ضد الباطل، قاله مقاتل. # قوله [تعالى]: (وإن الذين اختلفوا في الكتاب) فيه قولان: # أحدهما: أنه التوراة ثم في اختلافهم محمد فيها أربعة أقوال: # أحدها: أن اليهود والنصارى اختلفوا فيها، فادعى النصارى فيها صفة عيسى، ~~وأنكر اليهود ذلك. PageV01P159 # والثاني: (أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد [صلى الله عليه وسلم]. # والثالث: أنهم خالفوا سلفهم في التمسك بها.. # والرابع: أنه القرآن، فمنهم من قال: شعر، ومنهم من قال: إنما يعلمه بشر. # والشقاق: معاداة بعضهم لبعض. وفي معنى " بعيد " قولان: # أحدهما: أن بعضهم متباعد في مشاقة بعض، قاله الزجاج. # والثاني: أنه بعيد من الهدى. # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ms0137 وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) قوله تعالى: (ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم). # قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا سأل عن " البر "، فأنزلت هذه الآية، فدعاه ~~رسول الله، فتلاها عليه. وفيمن خوطب بها قولان: # أحدهما: انهم المسلمون. # والثاني: أهل الكتابين. فعلى القول الأول، معناها: ليس البر كله في ~~الصلاة، لكن البر ما في هذه الآية. وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ~~والضحاك وسفيان. وعلى القول الثاني، معناها: ليس البر صلاة اليهود إلى ~~المغرب، وصلاة النصارى إلى المشرق، ولكن البر ما في هذه الآية، وهذا قول ~~قتادة، والربيع، وعوف الأعرابي، ومقاتل. PageV01P160 # وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: (ليس البر) بنصب الراء وقرأ الباقون برفعها، ~~قال أبو علي: # كلاهما حسن، لأن كل واحد من الاسمين، اسم " ليس " وخبرها، معرفة فإذا ~~اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما، والآخر خبرا، كما تتكافأ ~~النكرتان. # وفي المراد بالبر ثلاثة أقوال: # أحدها: الإيمان. # والثاني: التقوى. # والثالث: العمل الذي يقرب إلى الله. # قوله [تعالى]: (ولكن البر من آمن بالله) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: ولكن البر بر من آمن بالله. # والثاني: ولكن ذا البر من آمن بالله حكاهما الزجاج. وقرأ نافع، وابن ~~عامر: (ولكن البر) بتخفيف نون " لكن " ورفع " البر ". وإنما ذكر اليوم ~~الآخر، لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون بالبعث. وفي المراد بالكتاب هاهنا ~~قولان: # أحدهما: أنه القرآن. # والثاني: أنه بمعنى الكتب، فيدخل في هذا اليهود، لتكذيبهم بعض النبيين ~~وردهم القرآن. # قوله [تعالى]: (وآتى المال على حبه) في هاء " حبه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى المال. # والثاني: إلى الإيتاء. وكان الحسن إذا قرأها قال: سوى الزكاة المفروضة. # قوله [تعالى]: (ذوي القربى) يريد: قرابة المعطي. وقد شرحنا معنى: ~~(اليتامى والمساكين) عند رأس ثلاث وثمانين آية من هذه السورة. فأما (ابن ~~السبيل) ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الضيف، قاله سعيد بن جبير، والضحاك، ومقاتل، والفراء، وابن ~~قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنه الذي يمر بك مسافرا، ms0138 قاله الربيع بن أنس، وعن مجاهد، وقتادة ~~كالقولين. # وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: هو المنقطع به يريد بلدا آخر وهو ~~الطريق، وابنه: صاحبه PageV01P161 # الضارب فيه، فله حق على من يمر به إذا كان محتاجا. ولعل أصحاب القول ~~الأول أشاروا إلى هذا، لأنه إن كان مسافرا، فإنه ضيف لم ينزل. # والقول الثالث: أنه الذي يريد سفرا، ولا يجد نفقة، ذكره الماوردي وغيره ~~عن الشافعي قوله [تعالى]: (وفي الرقاب) أي: في فك الرقاب. ثم فيه قولان: # أحدهما: أنهم المكاتبون يعانون في كتابتهم بما يعتقون به، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وابن زيد، والشافعي. # والثاني: أنهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون، رواه مجاهد عن ابن عباس، ~~وبه قال مالك ابن أنس، وأبو عبيد، وأبو ثور. وعن أحمد كالقولين. # وأما البأساء، فهي: الفقر، والضراء: المرض. وحين البأس: القتال، قاله ~~الضحاك. (أولئك الذين صدقوا) قال أبو العالية: تكلموا بالإيمان وحققوه ~~بالعمل. # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) ~~قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص). PageV01P162 # روى شيبان عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي، فكان الحي منهم إذا ~~كان فيهم عدد وعدة، فقتل عبدهم عبد قوم آخرين، قالوا: لن نقتل به إلا حرا، ~~تعززا على غيرهم. وإذا قتلت امرأة منهم امرأة من آخرين، قالوا: لن نقتل بها ~~إلا رجلا، فنزلت هذه الآية. ومعنى " كتب ": # فرض، قاله ابن عباس وغيره. والقصاص: مقابلة الفعل بمثله، مأخوذ من: قص ~~الأثر، فإن قيل: # كيف يكون فرضا والولي مخير بينه وبين العفو؟ فالجواب: أنه فرض على القاتل ~~للولي، لا على الولي. # قوله [تعالى]: (فمن عفي له من أخيه شئ) أي: من دم أخيه، أي: ترك له ~~القتل، ورضي منه بالدية: ودل قوله: (من أخيه) على ms0139 أن القاتل لم يخرج عن ~~الإسلام، (فاتباع بالمعروف) أي: # مطالبته بالمعروف، بأمر آخذ الدية بالمطالبة الجميلة التي لا ترهقه كان ~~فيها. (وأداء بإحسان) يأمر المطالب بأن لا يبخس ولا يماطل (ذلك تخفيف من ~~ربكم) قال سعيد بن جبير: كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد، ~~ولا يعفى عنه ولا يؤخذ منه دية، فرخص الله لأمة محمد، فإن شاء ولي المقتول ~~عمدا، قتل، وإن شاء عفا وإن شاء، أخذ الدية. # قوله [تعالى]: (فمن اعتدى) أي: ظلم: فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية، (فله ~~عذاب أليم) قال قتادة: يقتل ولا تقبل منه الدية. PageV01P163 # فصل ذهب جماعة من المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ، لأنه لما ~~قال: (الحر بالحر)، اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر، وكذلك لما قال: (والأنثى ~~بالأنثى) اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب، وذلك منسوخ ~~بقوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) قال شيخنا علي بن عبد ~~الله: وهذا عند الفقهاء ليس بنسخ، لأن الفقهاء يقولون: دليل الخطاب حجة ما ~~لم يعارضه أبو دليل دليل أقوى منه. # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) قوله تعالى: ~~(ولكم في القصاص حياة). # قال الزجاج: إذا علم الرجل أنه إن قتل قتل، أمسك عن القتل وكان، في ذلك ~~حياة للذي هم بقتله ولنفسه، لأنه من أجل القصاص أمسك. وأخذ هذا المعنى ~~الشاعر فقال: # أبلغ أبا مالك عني مغلغلة * وفي العتاب حياة بين أقوام يريد: أنهم إذا ~~تعاتبوا أصلح من بينهم العتاب. والألباب: العقول، وإنما خصهم بهذا الخطاب ~~وإن كان الخطاب عاما، لأنهم المنتفعون بالخطاب، لكونهم يأتمرون بأمره ~~وينتهون بنهيه. # وقوله [تعالى]: (لعلكم تتقون) قال ابن عباس: لعلكم تتقون الدماء. وقال ~~ابن زيد: لعلك تتقي أن يقتله فتقتل به. # فصل نقل ابن منصور عن أحمد: إذا قتل رجل رجلا بعصا، أو خنقه، أو شدخ رأسه ~~بحجر، يقتل بمثل الذي قتل به، فظاهر هذا: أن القصاص يكون بغير السيف، ويكون ~~بمثل الآلة التي ms0140 قتل بها، وهو قول مالك، والشافعي. ونقل عنه حرب: إذا قتله ~~بخشبة قبل بالسيف. ونقل أبو طالب: إذا خنقه قتل بالسيف. فظاهر هذا: أنه لا ~~يكون القصاص إلا بالسيف، وهو قول أبي حنيفة [رحمه الله]. PageV01P164 # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180) قوله [تعالى]: (كتب علكيم إذا حضر أحدكم ~~الموت). # قال الزجاج: المعنى: وكتب عليكم، إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف ~~بالواو. وعلم أن معناه معنى الواو، وليس المراد: كتب عليكم أن يوصي أحدكم ~~عند الموت، لأنه في شغل حينئذ، وإنما المعنى: كتب علكيم أن توصوا وأنتم ~~قادرون على الوصية، فيقول الرجل: إذا أنا مت، فلفلان كذا، فأما الخير ~~هاهنا، فهو المال في قول الجماعة. # وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال: # أحدها: أنه ألف درهم فصاعدا، روي عن علي وقتادة.. # والثاني: أنه سبعمائة درهم فما فوقها، رواه طاووس عن ابن عباس. # والثالث: ستون دينار فما فوقها، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والرابع: أنه المال الكثير الفاضل عن نفقة العيال. قالت عائشة لرجل ~~سألها: إني أريد الوصية، فقالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ ~~قال: أربعة. قالت: هذا شئ يسير، فدعه لعيالك. # والخامس: أنه من ألف درهم إلى خمسمائة، قاله إبراهيم النخعي. # والسادس: أنه القليل والكثير، رواه معمر عن الزهري. فأما المعروف، فهو ~~الذي لا حيف فيه. # فصل وهل كانت الوصية ندبا أو واجبة؟ فيه قولان: # أحدهما: أنها كانت ندبا. # والثاني: أنها كانت فرضا، وهو أصح، لقوله [تعالى]: (كتب) ومعناه: فرض قال ~~ابن عمر: # نسخت هذه الآية بآية الميراث. وقال ابن عباس: نسختها: (للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان PageV01P165 # والأقربون). والعلماء متفقون على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين ~~يرثون وهم مختلفون في الأقربين الذين لا يرثون: هل تجب الوصية لهم؟ على ~~قولين، أصحهما أنها لا تجب لأحد. # فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~(181) قوله [تعالى]: (فمن بدله) ms0141 قال الزجاج: من بدل أمر الوصية بعد سماعه ~~إياها، فإنما إثمه على مبدله، لا على الموصي، ولا على الموصى له (إن الله ~~سميع) لما قد قاله الموصي (عليم بما يفعله الموصى إليه. # فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ~~(182) قوله [تعالى]: (فمن خاف من موص). [قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم (موص) ساكنة الواو، وقرأ حمزة، الواو، وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم " موص " مفتوحة الواو مشددة الصاد] وفي المراد ~~بالخوف هاهنا قولان: # أحدهما: أنه العلم. # والثاني: نفس الخوف. فعلى الأول، يكون الجور قد وجد. وعلى الثاني: يخشى ~~وجوده. # و " الجنف ": الميل عن الحق. قال الزجاج: جنفا، أي: ميلا، أو إثما، أي ~~قصد الإثم. وقال ابن عباس: الجنف: الخطأ، والإثم: التعمد، إلا أن المفسرين ~~عقلوا الجنف على المخطئ، والإثم على العامد. # وفي توجيه هذه الآية قولان: # أحدهما: أن معناه: من حضر رجلا يموت، فأسرف في وصيته، أو قصر عن حق، ~~فليأمره بالعدل، هذا قول مجاهد. # والثاني: أن معناه: من أوصى بجور، فرد وليه وصيته، أو ردها إمام من أئمة ~~المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيه، فلا إثم عليه، وهذا قول قتادة: # قوله [تعالى]: (فأصلح بينهم) أي: بين الذين أوصى لهم، ولم يجر لهم ذكر، ~~غير أنه لما ذكر الموصي أفاد مفهوم الخطاب أن هناك موصى له، وأنشر الفراء: # وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني؟! # أألخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني PageV01P166 # فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكره الخير وحده، لما في مفهوم اللفظ من ~~الدلالة. # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183) قوله [تعالى]: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام). # الصيام في اللغة: الإمساك في الجملة، يقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن ~~السير، وصامت الريح: إذا أمسكت عن الهبوب. والصوم في الشرع: عبارة عن ~~الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع ms0142 انضمام النية إليه. وفي الذين من ~~قبلنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أهل الكتاب، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس، وهو قول ~~مجاهد. # والثاني: أنهم النصارى، قاله الشعبي، والربيع. # والثالث: انهم جميع أهل الملل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. # وفي موضع التشبيه في كاف (كما كتب) قولان: # أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده. قال سعيد بن جبير: ~~كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم لم يحل له أن يطعم إلى القابلة، ~~والنساء عليهم حرام ليلة الصيام، وهو عليهم ثابت. وقد أرخص لكم. فعلى هذا ~~تكون هذه الآية منسوخة بقوله: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث). فإنها بين صوم ~~أهل الكتاب وبين صوم المسلمين. # والثاني: أن التشبيه في عدد الأيام: ثم في ذلك قولان: # أحدهما: أنه فرض على هذه الأمة صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقد كان ذلك ~~فرضا على من قبلهم. قال عطية عن ابن عباس في قوله [تعالى]: (كما كتب على ~~الذين من قبلكم) قال: كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ برمضان. قال معمر ~~عن قتادة: كان الله قد كتب على الناس قبل رمضان ثلاثة أيام من كل شهر، فعلى ~~هذا القول تكون الآية منسوخة بقوله [تعالى]: (شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن). # والثاني: أنه فرض على من قبلنا صوم رمضان بعينه. قال ابن عباس: فقدم ~~النصارى يوما ثم يوما، وأخروا يوما، ثم قالوا: نقدم عشرا ونؤخر عشرا. وقال ~~السدي عن أشياخه: اشتد على النصارى صوم رمضان، فجعل يتقلب عليهم في الشتاء ~~والصيف، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف، ~~وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا. فعلى هذا تكون الآية محكمة غير ~~منسوخة. # قوله [تعالى]: (لعلكم تتقون) لأن الصيام وصلة إلى التقى، إذ هو يكف النفس ~~عن كثير مما PageV01P167 # تتطلع إليه من المعاصي، وقيل: لعلكم تتقون محظورات الصوم. # أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى ~~الذين يطيقون فدية طعام ms0143 مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وان تصوموا خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (184) قوله [تعالى]: (أياما معدودات) قال الزجاج: نصب " ~~أياما " على الظرف، كأنه قال: [كتب عليكم الصيام في هذه الأيام. والعامل ~~فيه " الصيام " كأن المعنى]: كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات. وفي هذه ~~الأيام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ثلاثة أيام من كل شهر. # والثاني: أنها ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء. # والثالث: أنها شهر رمضان، وهو الأصح، وتكون الآية محكمة في هذا القول، ~~وفي القولين قبله تكون منسوخة (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام) فيه إضمار: فأفطر. # فصل وليس المرض والسفر على الإطلاق، فإن المريض إذا لم يضر به الصوم، لم ~~يجز له الإفطار، وإنما الرحمة موقوفة على زيادة المرض بالصوم. واتفق ~~العلماء أن السفر مقدر، واختلفوا في تقديره، فقال أحمد، ومالك، والشافعي: ~~أقله مسيرة ستة عشر فرسخا: يومان، وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله مسيرة ~~ثلاثة أيام، مسيرة أربعة وعشرين فرسخا. وقال الأوزاعي: أقله مرحلة يوم، ~~مسيرة ثمانية فراسخ. وقيل: إن السفر مشتق من السفر الذي هو الكشف، يقال: ~~سفرت المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح: إذا أضاء، فسمي الخروج إلى المكان ~~البعيد: سفرا، لأنه يكشف عن أخلاق المسافر. PageV01P168 # قوله [تعالى]: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) نقل عن ابن مسعود، ~~ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وعلقمة، والزهري في ~~آخرين في هذه الآية أنهم قالوا: كان من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى، يطعم ~~عن كل يوم مسكينا، حتى نزلت: # (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فعلى هذا يكون معنى الكلام: وعلى الذين ~~يطيقونه ولا يصومونه فدية، ثم نسخت. وروي عن عكرمة أنه قال: نزلت في الحامل ~~والمرضع. وقرأ أبو بكر الصديق، وابن عباس: (وعلى الذين يطوقونه) بضم الياء ~~وفتح الطاء وتشديد الواو. قال ابن عباس: هو الشيخ والشيخة. # قوله [تعالى]: (فدية طعام مسكين) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة ~~والكسائي (فدية) منون (طعام المسكين) موحد. وقرأ نافع، وابن ms0144 عامر: " فدية " ~~بغير تنوين " طعام " بالخفض " مساكين " بالجمع وقال أبو علي: معنى القراءة ~~الأولى: على كل واحد طعام مسكين. ومثله: (فاجلدوهم ثمانين). أي: اجلدوا كل ~~واحد ثمانين. قال أبو زيد: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة، وأعطانا كلنا ~~مئة، أي: فعل ذلك بكل واحد منا. قال: فأما من أضاف الفدية إلى الطعام، ~~فكإضافة البعض إلى ما هو بعض له، وذلك أنه سمى الطعام الذي يفدي به فدية، ~~ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية وغيرها، فهو على هذا من باب: ~~خاتم حديد. # وفي قوله [تعالى]: (فمن تطوع خيرا) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: من أطعم مسكينين، قال ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أن التطوع إطعام مساكين، قاله طاوس. PageV01P169 # والثالث: أنه زيادة المسكين على قوته، وهو مروي عن مجاهد، وفعله أنس بن ~~مالك لما كبر (وأن تصوموا خير لكم) عائد إلى من تقدم ذكره من الأصحاء ~~المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام على ما حكينا في أول الآية عن السلف، ~~ولم يرجع ذلك إلى المرضى والمسافرين، والحامل والمرضع، إذ الفطر في حق ~~هؤلاء أفضل من الصوم، وقد نهوا عن تعريض أنفسهم للتلف، وهذا يقوي قول ~~القائلين بنسخ الآية. # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هديكم ولعلكم تشكرون (185) قوله [تعالى]: (شهر رمضان). # قال الأخفش: شهر رمضان بالرفع على تفسير الأيام، كأنه لما قال: (أياما ~~معدودات) فسرها فقال: هي شهر رمضان: قال أبو عبيد: وقرأ مجاهد: (شهر رمضان) ~~بالنصب، وأراه نصبه على معنى الإغراء: عليكم شهر رمضان فصوموه كقوله: (ملة ~~أبيكم) وقوله: (صبغة الله) قلت: وممن قرأ بالنصب معاوية، والحسن، وزيد بن ~~علي، وعكرمة، ويحيى بن يعمر. قال ابن فارس: # الرمض: حر الحجارة من شدة حر الشمس، ويقال: شهر رمضان، من شدة الحر، ~~لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة ms0145 القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت ~~فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، ويجمع على رمضانات، وأرمضاء، وأرمضة. # قوله [تعالى]: (الذي أنزل فيه القرآن) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أنزل القرآن فيه جملة واحدة وذلك في ليلة القدر إلى بيت العزة ~~من السماء الدنيا. قاله ابن عباس. # والثاني: أن معناه: أنزل القرآن بفرض صيامه، روي عن مجاهد، والضحاك. ~~PageV01P170 # والثالث: أن معناه: إن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، قاله ابن إسحاق، وأبو سليمان الدمشقي. قال مقاتل: والفرقان: ~~المخرج في الدين من الشبهة والضلالة. # [قوله تعالى]: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أي: من كان حاضرا غير مسافر. ~~فإن قيل: # ما الفائدة في إعادة ذكر المرض والسفر في هذه الآية، وقد تقدم ذلك؟ قيل: ~~لأن في الآية المتقدمة منسوخا، فأعاده لئلا يكون مقرونا بالمنسوخ. # قوله [تعالى]: (يريد الله بكم اليسر) قال ابن عباس، ومجاهد وقتادة ~~والضحاك: اليسر: # الإفطار في السفر، والعسر: الصوم فيه. وقال عمر بن عبد العزيز: أي ذلك ~~كان أيسر عليك فافعل: الصوم في السفر، أو الفطر. # قوله [تعالى]: (ولتكملوا العدة) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: # (ولتكملوا) بإسكان الكاف خفيفة. وقرأ أبو بكر عن عاصم بتشديد الميم، وذلك ~~مثل: # " وصى " و " أوصى " وقال ابن عباس: ولتكملوا عدة ما أفطرتم. وقال بعضهم: ~~المراد به: لا تزيدوا على ما افترض، كما فعلت النصارى، ولا تنقلوه عن زمانه ~~كما نقلته (ولتكبروا الله على ما هداكم) قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا ~~نظروا إلى هلال شوال، أن يكبروا لله حتى يفرغوا من عيدهم. فإن قيل: ما وجه ~~دخول الواو في قوله: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله) وليس هناك ما يعطف ~~عليه؟ فالجواب: أن هذه الواو عطفت اللام التي بعدها على لام محذوفة، ~~والمعنى: ولا يريد بكم العسر، ليسعدكم، ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى ~~لوضوح معناها، ذكره ابن الأنباري. # فصل ومن السنة إظهار التكبير ليلة الفطر، وليلة النحر، وإذا غدوا إلى ~~المصلى. واختلفت الرواية عن أحمد، رضي الله ms0146 عنه، متى يقطع في عيد الفطر، ~~فنقل عنه حنبل: يقطع بعد فراغ الإمام من الخطبة. ونقل الأثرم: إذا جاء ~~المصلى، قطع. قال القاضي أبو يعلى: يعني: إذا جاء المصلى وخرج الإمام. ~~PageV01P171 # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) قوله [تعالى]: (وإذا سألك عبادي عني). # في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أقريب ~~ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية، رواه الصلت بن حكيم عن ~~أبيه عن جده. # والثاني: أن يهود المدينة قالوا: يا محمد! كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت ~~تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام؟! فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم قالوا: يا رسول الله! لو نعلم آية ساعة أحب إلى الله أن ~~ندعو فيها دعونا، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. # والرابع: أن أصحاب النبي قالوا له: أين الله؟ فنزلت هذه الآية، قاله ~~الحسن. # والخامس: أنه لما حرم في الصوم الأول على المسلمين بعد النوم الأكل ~~والجماع، أكل رجل منهم بعد أن نام، ووطئ رجل بعد أن نام، فسألوا: كيف ~~التوبة مما عملوا؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الكلام: إذا سألوك ~~عني، فأعلمهم أني قريب. # وفي معنى " أجيب " قولان: أحدهما: أسمع، قاله الفراء، وابن القاسم. # والثاني: أنه من الإجابة (فليستجيبوا لي) أي: فليجيبوني. قال الشاعر: # فلم يستجبه عند ذاك مجيب أراد: فلم يجبه. وهذا قول أبي عبيدة، وابن ~~قتيبة، والزجاج (لعلهم يرشدون) قال أبو العالية: يعني: يهتدون. # فصل إن قال قائل: هذه الآية تدل على أن الله تعلى يجيب أوعيه الداعين ~~وترى كثيرا من الداعين لا يستجاب لهم! PageV01P172 # فالجواب: أن أبا - روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: " ما ~~من مسلم دعا الله تعالى بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم، إلا أعطاه الله ~~بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، ms0147 وإما ~~أن يدفع عنه من السوء مثلها ". # وجواب آخر: وهو أن الدعاء تفتقر إجابته إلى شروط أصلها الطاعة لله، ومنها ~~أكل الحلال، فإن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء، ومنها حضور القلب، ففي بعض ~~الحديث: " لا يقبل الله دعاء من قلب غافل لاه ". # وجواب آخر: وهو أن الداعي قد يعتقد المصلحة في إجابته إلى ما سأل، وقد لا ~~تكون المصلحة في ذلك، فيجاب إلى مقصوده الأصلي، وهو: طلب المصلحة، وقد تكون ~~المصلحة في التأخير أو في المنع. # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) ~~قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث). # سبب نزول هذه الآية: أن الصحابة كانوا إذا نام الرجل قبل الأكل والجماع، ~~حرما عليه إلى أن يفطر، فجاء شيخ من الأنصار وهو صائم إلى أهله، فقال: ~~عشوني، فقالوا: حتى نسخن لك طعاما، فوضع رأسه فنام، فجاؤوا بالطعام، فقال: ~~قد كنت نمت، فبات يتقلب ظهرا لبطن، فلما أصبح أتى النبي [صلى الله عليه ~~وآله وسلم] فأخبره، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! إني أردت أهلي ~~الليلة، فقالت: # إنها قد نامت، فظننتها تعتل، فواقعتها، فأخبرتني أنها قد نامت، فأنزل ~~الله [تعالى] في عمر بن الخطاب: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ~~وأنزل الله في الأنصاري: (وكلوا واشربوا PageV01P173 # حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) هذا قول جماعة من ~~المفسرين. # واختلفوا في اسم هذا الأنصاري على أربعة أقوال: # أحدها: قيس بن صرمة، قاله البراء. # والثاني: صرمة بن أنس، قاله القاسم بن محمد. وقال عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى: صرمة بن مالك. # والثالث: ضمرة بن أنس. # والرابع: أبو قيس ms0148 بن عمر. وذكر القولين أبو بكر الخطيب فأما " الرفث " ~~فقال ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وابن جبير في آخرين: هو ~~الجماع. # قوله [تعالى]: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) فيه قولان: # أحدهما: أن اللباس السكن. ومثله (جعل لكم الليل لباسا) أي: سكنا. وهذا ~~قول ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنهن بمنزلة اللباس لإفضاء كل واحد ببشرته إلى بشرة صاحبه، فكنى ~~عن اجتماعهما متجردين باللباس. قال الزجاج: والعرب تسمي المرأة: لباسا ~~وإزارا، قال النابغة الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى جيدها * تثنت فكانت عليه لباسا وقال غيره: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا * فدى لك من أخي ثقة إزاري يريد بالإزار: امرأته. # قوله [تعالى]: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) قال ابن قتيبة: يريد: ~~تخونونها بارتكاب ما حرم عليكم. قال ابن عباس: وعنى بذلك فعل عمر، فإنه أتى ~~أهله، فلما اغتسل أخذ يلوم نفسه ويبكي (فالآن باشروهن) أصل المباشرة: إلصاق ~~البشرة بالبشرة. وقال ابن عباس: # المراد بالمباشرة هاهنا الجماع (وابتغوا ما كتب الله لكم) فيه أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه الولد قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد في آخرين. قال بعض أهل ~~العلم: PageV01P174 # لما كانت المباشرة قد تقع على ما دون الجماع، أباحهم الجماع الذي يكون من ~~مثله الولد، فقال: # (وابتغوا ما كتب الله لكم) يريد: الولد. # والثاني: أن الذي كتب لهم الرخصة، وهو قول قتادة، وابن زيد. # والثالث: أنه ليلة القدر. رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. # والرابع: أنه القرآن، فمعنى الكلام: اتبعوا القرآن، فما أبيح لكم وأمرتم ~~به فهو المبتغى، وهذا اختيار الزجاج. # قوله [تعالى]: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض) قال عدي بن ~~حاتم: لما نزلت هذه الآية، عمدت إلى عقالين، أبيض وأسود، فجعلتهما تحت ~~وسادتي، فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الأسود من الأبيض، فلما أصبحت، ~~غدوت على رسول الله فأخبرته، فضحك وقال: " إن كان وسادك إذا لعريض إنما ذاك ~~بياض النهار من سواد الليل " وقال سهل بن سعد: # نزلت هذه الآية: (حتى يتبين لكم الخيط ms0149 الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل: ~~(من الفجر) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود ~~والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له زيهما، فأنزل الله بعد ~~ذلك (من الفجر) فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار. # فصل إذا شك في الفجر، فهل يدع السحور أم لا؟ فظاهر كلام أحمد يدل على أنه ~~لا يدع السحور، بل يأكل حتى يستيقن طلوع الفجر. وقال مالك: أكره له أن يأكل ~~إذا شك في طلوع الفجر، فإن أكل فعليه القضاء. وقال الشافعي: لا شئ عليه. # قوله [تعالى]: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) في هذه المباشرة ~~قولان: # أحدهما: أنها المجامعة، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنها ما دون الجماع من اللمس والقبلة قاله ابن زيد. وقال قتادة: ~~كان الرجل PageV01P175 # المعتكف إذا خرج من المسجد، فلقي امرأته باشرها إذا أراد ذلك، فوعظهم ~~الله في ذلك. # فصل الاعتكاف في اللغة: اللبث، يقال: فلان معتكف على كذا، وعاكف. وهو فعل ~~مندوب إليه، إلا أن ينذره الإنسان، فيجب. ولا يجوز إلا في مسجد تقام فيه ~~الجماعات، ولا يشترط في حق المرأة مسجد تقام فيه الجماعة، إذ الجماعة لا ~~تجب عليها. وهل يصح بغير صوم؟ فيه عن أحمد روايتان. # قوله [تعالى]: (تلك حدود الله) قال ابن عباس: يعني: المباشرة (فلا ~~تقربوها) قال الزجاج: الحدود ما منع الله من مخالفتها، فلا يجوز مجاوزتها. ~~وأصل الحد في اللغة: المنع، ومنه: حد الدار، وهو ما يمنع غيرها من الدخول ~~فيها. والحداد في اللغة: الحاجب والبواب، وكل من منع شيئا فهو حداد، قال ~~الأعشى: # فقمنا ولما يصح ديكنا * إلى جونة عند حدادها أي: عند ربها الذي يمنعها ~~إلا بما يريده. وأحدت المرأة على زوجها، وحدت فهي حاد، ومحد: إذا قطعت ~~الزينة، وامتنعت منها، وأحددت النظر إلى فلان: إذا منعت نظرك من غيره. # وسمي الحديد حديدا، لأنه يمتنع به الأعداء. # قوله [تعالى]: (كذلك يبين الله) أي: مثل هذا البيان الذي ذكر. # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ms0150 لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) قوله [تعالى]: (ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل). # سبب نزولها: أن امرؤ القيس بن عابس وعبدان الحضرمي، اختصما في أرض، وكان ~~عبدان هو الطالب ولا بينة له، فأراد امرؤ القيس أن يحلف، فقرأ عليه النبي ~~[صلى الله عليه وآله وسلم]: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا) فكره أن يخلف، ولم يخاصم في الأرض، فنزلت هذه الآية. هذا قول جماعة، ~~منهم: سعيد بن جبير. ومعنى الآية: لا يأكل بعضكم مال بعض، كقوله: (فاقتلوا ~~أنفسكم) قال القاضي أبو يعلي: والباطل على وجهين: PageV01P176 # أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه، كالسرقة، والغصب، والخيانة. # والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه، كالقمار، والغناء، وثمن الخمر، وقال ~~الزجاج: الباطل: # الظلم. " وتدلوا " أصله في اللغة من: أدليت الدلو: إذا أرسلتها لتملأها، ~~ودلوتها: إذا أخرجتها. # ومعنى أدلى فلان بحجته: أرسلها، وأتى بها على صحة. فمعنى الكلام: تعملون ~~على ما يوجبه أدلاء الحجة، وتخونون في الأمانة، وأنتم تعلمون أن الحجة ~~عليكم في الباطن. # وفي هاء " بها " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الأموال، كأنه قال: لا تصانعوا ببعضها جورة ~~الحكام. # والثاني: أنها ترجع إلى الخصومة، فإن قيل كيف أعاد ذكر الأكل فقال: " ولا ~~تأكلوا " " لتأكلوا "؟ فالجواب: أنه وصل اللفظة الأولى بالباطل، والثانية ~~بالإثم، فأعادها للزيادة في المعنى، ذكره ابن الأنباري. # يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) قوله [تعالى]: (يسئلونك عن الأهلة). # هذه الآية من أولها إلى قوله: " والحج " نزلت على سبب وهو أن رجلين من ~~الصحابة قالا: # يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد ويمتلئ حتى يستدير ~~ويستوي ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ فنزلت: (يسألونك عن الأهلة ~~قل هي مواقيت للناس والحج) هذا قول ابن عباس. # ومن قوله [تعالى]: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) إلى آخرها، ~~يدل على سبب آخر، وهو ms0151 انهم كانوا إذا حجوا، ثم قدموا المدينة، لم يدخلوا من ~~باب، ويأتون البيوت من ظهورها، [فنسي رجل فدخل من باب، فنزلت: (وليس البر ~~بأن تأتوا البيوت من ظهورها) هذا قول البراء بن عازب. PageV01P177 # وفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله أربعة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام، قاله ابن عباس، وأبو ~~العالية، والنخعي، وقتادة، وقيس النهشلي. # والثاني: لأجل دخول الشهر الحرام، قاله البراء بن عازب. # والثالث: أن أهل الجاهلية كانوا إذا هم أحدهم بالشئ فاحتبس عنه، لم يأت ~~بيته من بابه حتى يأتي الذي كان هم به، قاله الحسن. # والرابع: أن أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك، رواه عثمان ~~بن عطاء عن أبيه. # فأما التفسير، فإنما سألوه عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها، ~~فأخبرهم أنها مقادير لما يحتاج الناس إليه في صومهم وحجهم وغير ذلك. ~~والأهلة: جمع هلال. وكم يبقى الهلال على هذه التسمية؟ فيه للعرب أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه يسمى هلالا لليلتين من الشهر. # والثاني: لثلاث ليال، ثم يسمى قمرا. # والثالث: إلى أن يحجر وتحجيره: أن يسير بخطة دقيقة، وهو قوال الأصمعي. # والرابع: إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل. حكى هذه الأقوال ابن السري فاختار ~~الأول، قال: # واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبي: إذا بكى حين يولد. وأهل القوم ~~بالحج: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، فسمي هلالا لأنه حين يرى يهل الناس ~~بذكره. # [قوله تعالى: (ولكن البر من اتقى) مثل قوله تعالى: (ولكن البر من آمن ~~بالله) وقد سبق بيانه، واختلف القراء في البيوت وما أشبهها، فقرأ ابن كثير، ~~وابن عامر، والكسائي بكسر باء " البيوت " وعي " العيون "] وغين " الغيوب " ~~وروي عن نافع أنه ضم باء " البيوت " وعين " العيون " وغين " الغيوب " وجيم ~~" الجيوب " وشين " الشيوخ وروى عنه قالون أنه كسر باء PageV01P178 # " البيوت " وقرأ أبو عمر وأبو جعفر بضم الأحرف الخمسة، وكسرهن جميعا ~~حمزة، واختلف عن عاصم. قال الزجاج: " البيوت " الجمع: بيت وبيوت، مثل: قلب ~~وقلوب، وفلس وفلوس. ومن كسر، الياء بعد الباء، وذلك عند ms0152 البصريين ردئ جدا، ~~لأنه ليس في الكلام فعول بكسر الفاء وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: ~~إذا كان الجمع على فعول، وثانيه ياء، جاز فيه الضم والكسر، تقول: بيوت ~~وبيوت، وشيوخ وشيوخ، وقيود وقيود. # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) قوله [تعالى]: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم). # سبب نزولها: أن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]، لما صد عن البيت، ~~ونحر هديه بالحديبية، وصالحه المشركون على أن يرجع من العام المقبل، رجع، ~~فلما تجهز في العام المقبل، خاف أصحابه أن لا تفي قريش بذلك، وأن يصدوهم ~~ويقاتلوهم، وكره أصحابه القتال في الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. # قوله [تعالى]: (ولا تعتدوا) أي: ولا تظلموا. وفي المراد بهذا الاعتداء ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه قتل النساء والولدان، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أن معناه: لا تقاتلوا من لم يقاتلكم، قاله سعيد بن جبير، وأبو ~~العالية، وابن زيد. # والثالث: أنه إتيان ما نهوا عنه، قاله الحسن. # والرابع: أنه ابتداؤهم بالقتال في الحرم في الشهر الحرام، قاله مقاتل. # فصل اختلف العلماء: هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنها منسوخة. واختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على قولين: # أحدهما: أنه أولها، وهو قوله (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) ~~قالوا: وهذا يقتضي أن القتال يباح في حق من قاتل من الكفار، ولا يباح في حق ~~من لم يقاتل، وهذا منسوخ بقوله: # (واقتلوهم حيث ثقفتموهم). PageV01P179 # والثاني: أن المنسوخ منها: (ولا تعتدوا) ولهؤلاء في هذا الاعتداء قولان: # أحدهما: أنه قتل من لم يقاتل. # والثاني: أنه ابتداء المشركين بالقتال وهذا منسوخ بآية السيف. # والقول الثاني: أنها محكمة، ومعناها عند أرباب هذا القول: (وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم) وهم الذين أعدوا أنفسهم للقتال، فأما من ليس ~~بمعد نفسه للقتال، كالرهبان والشيوخ الفناة، والزمنى، والمكافيف، ~~والمجانين، فإن هؤلاء لا يقاتلون وهذا حكم باق غير منسوخ. # فصل واختلف العلماء في أول آية نزلت في إباحة ms0153 القتال على قولين: # أحدهما: أنها قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) قاله أبو بكر ~~الصديق، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والزهري. # والثاني: أنها هذه الآية: (وقاتلوا في سبيل الله) قاله أبو العالية، وابن ~~زيد. # واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكافرين (191). # قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفثموهم). # أي: وجدتموهم. يقال: ثقفته أثقفه: إذا وجدته. قال القاضي أبو يعلى: قوله ~~[تعالى]: # (واقتلوهم حيث ثقفتموهم). عام في جميع المشركين، إلا من كان بمكة، فإنهم ~~أمروا بإخراجهم منها، إلا من قاتلهم فإنهم أمروا بقتالهم، يدل على ذلك قوله ~~في نسق الآية: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) وكانوا ~~قد آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج، فكأنهم أخرجوهم. فأما ~~الفتنة، ففيها قولان: # أحدهما: أنها الشرك، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وقتادة في ~~آخرين. PageV01P180 # والثاني: أنها ارتداد المؤمن إلى عبادة الأوثان. قاله مجاهد. فيكون معنى ~~الكلام على القول الأول: شرك القوم أعظم من قتلكم إياهم في الحرم. # وعلى الثاني: ارتداد المؤمن إلى الأوثان أشد عليه من أن يقتل محقا. # قوله [تعالى]: (ولا تقاتلوهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم ~~وابن عامر: # (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم) ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم) بحذف ~~الألف فيهن. وقد اتفق الكل على قوله: (فاقتلوهم) فاحتج من قرأ بالألف ~~بقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) واحتج من حذف الألف بقوله: (فاقتلوهم). # فصل واختلف العلماء في قوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه): هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب مجاهد في جماعة من الفقهاء إلى أنه ~~محكم، وأنه لا يقاتل فيه إلا من قاتل، ويدل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، أنه خطب يوم فتح مكة، فقال: " يا أيها الناس! # إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، ولم ms0154 تحل لأحد قبلي، ولا تحل ~~لأحد بعدي. وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ثم عادت حراما إلى يوم القيامة ~~". فبين صلى الله عليه وآله وسلم أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل ~~التخصيص، لا على وجه النسخ، فثبت بذلك خطر القتال في الحرم، إلا أن يقاتلوا ~~فيدفعون دفعا، وهذا أمر مستمر والحكم غير منسوخ، وقد ذهب قتادة إلى أنه ~~منسوخ بقوله [تعالى]: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم). فأمر بقتالهم في ~~الحل والحرم وعلى كل حال. # وذهب الربيع بن أنس، وابن زيد، إلى أنه منسوخ بقوله [تعالى]: (وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة) وزعم مقاتل أنه منسوخ بقوله [تعالى]: (واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم). والقول الأول أصح. # قوله [تعالى]: (فإن قاتلوكم فاقتلوهم) قال مقاتل: أي: فقاتلوهم. # فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) قوله تعالى: (فإن انتهوا). # فيه ثلاثة أقوال: PageV01P181 # أحدها: أن معناه: فإن انتهوا عن شركهم وقتالكم. # والثاني: عن كفرهم. # والثالث: عن قتالكم دون كفرهم. فعلى القولين الأولين تكون الآية محكمة، ~~ويكون معنى: # (فإن الله غفور رحيم) غفور لشركهم وجرمهم، وعلى القول الأخير، يكون في ~~معنى قوله: # (غفور رحيم) قولان: # أحدهما: غفور لكم حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم. # والثاني: أن معناه: يأمركم بالغفران والرحمة لهم. فعلى هذا تكون الآية ~~منسوخة بآية السيف. # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين (193) قوله [تعالى]: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة). # قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة في آخرين: الفتنة هاهنا: الشرك. # قوله [تعالى]: (ويكون الدين لله) قال ابن عباس: أي: يخلص له التوحيد. ~~والعدوان: # الظلم، وأريد به هاهنا: الجزاء، فسمي الجزاء عدوانا مقابلة للشئ بمثله، ~~كقوله: (فمن اعتد عليكم فاعتدوا عليه) والظالمون هاهنا: المشركون، قاله ~~عكرمة، وقتادة في آخرين. # فصل وقد روي عن جماعة من المفسرين، منهم قتادة: أن قوله [تعالى]: (فإن ~~انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) منسوخ بآية السيف، وإنما يستقيم هذا ~~إذا قلنا: إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم، ~~فأما إذا قلنا: ms0155 إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم، فالآية محكمة. # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) قوله ~~[تعالى]: (الشهر الحرام بالشهر الحرام). # هذه الآية نزلت على سبب، واختلفوا فيه على قولين: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أقبل هو وأصحابه معتمرين في ~~ذي القعدة ومعهم الهدي، فصدهم المشركون، فصالحهم نبي الله على أن يرجع عنهم ~~ثم يعود في العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث PageV01P182 # ليال، ولا يدخلها بسلاح، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فلما كان العام ~~المقبل، أقبل هو وأصحابه فدخلوها، فافتخر المشركون عليه إذ ردوه يوم ~~الحديبية، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في الشهر الذي ردوه فيه، فقال: ~~(الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص) وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، ~~ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، وقتادة في آخرين. # والثاني: أن مشركي العرب قالوا للنبي، [عليه السلام]: أنهيت عن قتالنا في ~~الشهر الحرام؟ قال: " نعم " وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام، فيقاتلوه ~~فيه، فنزلت هذه الآية، يقول: # إن استحلوا منكم شيئا في الشهر الحرام، فاستحلوا منهم مثله، هذا قول ~~الحسن، واختاره إبراهيم بن السري الزجاج. وأما أرباب القول الأول، فيقولون: ~~معنى الآية: الشهر الحرام الذي دخلتم فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم ~~فيه عام أول. (والحرمات قصاص): اقتصصت لكم منهم في ذي القعدة كما صدوكم في ~~ذي القعدة. وقال الزجاج: الشهر الحرام، أي: قتال الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام، فأعلم الله عز وجل أن أمر هذه الحرمات لا تجوز للمسلمين إلا قصاصا، ~~ثم نسخ ذلك بآية السيف، وقيل: إنما جمع الحرمات، لأنه أراد الشهر الحرام ~~بالبلد الحرام، وحرمة الإحرام. # قوله [تعالى]: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) قال ابن عباس: من قاتلكم ~~في الحرم فقاتلوه. وإنما سمى المقابلة على الاعتداء اعتداء، لأن صورة ~~الفعلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية. قال الزجاج: والعرب ~~تقول: ظلمني فلان فظلمته، أي: جازيته بظلمه. وجهل فلان علي، فجهلت عليه. ~~وقد ms0156 سبق بيان هذا المعنى في أول السورة. # قوله [تعالى]: (واتقوا الله) قال سعيد بن جبير. واتقوا الله، ولا تبدأوهم ~~بقتال في الحرم. # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين (195) وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ~~ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي فمن لم PageV01P183 # يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ~~(196) قوله [تعالى]: (وأنفقوا في سبيل الله). # هذه الآية نزلت على سبب، وفيه قولان: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أمر بالتجهز إلى مكة، قال ~~ناس من الأعراب: يا رسول الله! بماذا نتجهز؟ فوالله مالنا زاد ولا مال! ~~فنزلت، قاله ابن عباس. # والثاني: أن الأنصار كانوا ينفقون ويتصدقون، فأصابتهم سنة، فأمسكوا، ~~فنزلت، قاله الضحاك وأبو جبيرة. والسبيل في اللغة: الطريق. وإنما استعملت ~~هذه الكلمة في الجهاد، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين. ~~والتهلكة: بمعنى الهلاك، يقال: هلك الرجل يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة. قال ~~المبرد: وأراد بالأيدي: الأنفس، فعبر بالبعض عن الكل. وفي المراد بالتهلكة ~~هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: أنها ترك النفقة في سبيل الله قاله حذيفة، وابن عباس، والحسن، ~~وابن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أنها القعود عن الغزو شغلا بالمال، قاله أبو أيوب الأنصاري. # والثالث: أنها القنوط من رحمة الله. قاله البراء، والنعمان بن بشير، ~~وعبيدة. PageV01P184 # والرابع: أنها عذاب الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله [تعالى]: (وأحسنوا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: أحسنوا الإنفاق وهو قول أصحاب القول الأول. # والثاني: أحسنوا الظن بالله، قاله عكرمة، وسفيان، وهو يخرج على قول من ~~قال: التهلكة القنوط. # والثالث: أن معناه: أدوا الفرائض، رواه سفيان ms0157 عن أبي إسحاق. # قوله [تعالى]: (وأتموا الحج والعمرة لله) قال ابن فارس: الحج في اللغة: ~~القصد، والاعتمار في الحج أصله: الزيارة. قال ثعلب: الحج بفتح الحاء: ~~المصدر، وبكسرها: الاسم. # قال: وربما قال الفراء: هما لغتان. وذكر ابن الأنباري في العمرة قولين: # أحدهما: الزيارة. # والثاني: القصد. وفي إتمامها أربعة أقوال: # أحدها: أن معنى إتمامها: أن يفصل بينهما، فيأتي بالعمرة في غير أشهر ~~الحج، قاله عمر بن الخطاب، والحسن، وعطاء. # والثاني: أن يحرم الرجل من دويرة أهله، قاله علي بن أبي طالب، وطاووس، ~~وابن جبير. # والثالث: أنه إذا شرع في أحدهما لم يفسخه حتى يتم، قاله ابن عباس. ~~والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما، قاله مجاهد. وجمهور القراء على نصب " ~~العمرة " بإيقاع الفعل عليها. وقرأ الأصمعي عن نافع والقزاز عن أبي عمرو، ~~والكسائي عن أبي جعفر برفعها، وهي قراءة ابن مسعود، وأبي رزين، والحسن، ~~والشعبي. وممن ذهب إلى أن العمرة واجبة، علي، وابن عمر وابن عباس، والحسن، ~~وابن سيرين، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأحمد، PageV01P185 # والشافعي. وروي عن ابن مسعود، وجابر، والشعبي، وإبراهيم، وأبي حنيفة، ~~ومالك، أنها سنة وتطوع. # قوله [تعالى]: (فإن أحصرتم) قال ابن قتيبة: أحصره المرض والعدو: إذا منعه ~~من السفر، ومنه هذه الآية. وحصره العدو: إذا ضيق عليه. وقال الزجاج: [يقال ~~للرجل إذا منعه الخوف والمرض من التصرف قد أحصر فهو محصر]. يقال للرجل إذا ~~حبس: قد حصر، فهو محصور. # وللعلماء في هذا الإحصار قولان: # أحدهما: أنه لا يكون إلا بالعدو، ولا يكون المريض محصرا. وهذا مذهب ابن ~~عمر، وابن عباس، وأنس، ومالك، والليث والشافعي، وأحمد. ويدل عليه قوله: ~~(فإذا أمنتم). # والثاني: أنه يكون بكل حابس من مرض أو عدو أو عذر، وهو قول عطاء، ومجاهد، ~~وقتادة، وأبي حنيفة. وفي الكلام اختصار وحذف، والمعنى: فإن أحصرتم دون تمام ~~الحج والعمرة فحللتم، فعليكم ما استيسر من الهدي. ومثله: (أو به أذى من ~~رأسه ففدية) والهدي: ما أهدي إلى البيت. # وأصله: هدي مشدد فخفف، قاله ابن قتيبة. وبالتشديد يقرأ ms0158 الحسن، ومجاهد. ~~وفي المراد (بما استيسر من الهدي) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه شاة قاله علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن، وعطاء، وابن ~~جبير، وإبراهيم، وقتادة والضحاك ومغيرة. # والثاني: أنه ما تيسر من الإبل والبقر لا غير، قاله ابن عمر، وعائشة، ~~والقاسم. # والثالث: أنه على قدر الميسرة، رواه طاووس عن ابن عباس. وروي عن الحسن، ~~وقتادة قالا: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة. وقال أحمد: الهدي من ~~الأصناف الثلاثة، الإبل والبقر، والغنم، وهو قول أبي حنيفة [رحمه الله]، ~~ومالك، والشافعي [رحمهما الله]. # قوله [تعالى]: (حتى يبلغ الهدي محله) قال ابن قتيبة: المحل: الموضع الذي ~~يحل به نحره وهو من: حل يحل. وفي المحل قولان: # أحدهما: أنه الحرم، قاله ابن مسعود، والحسن، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وابن ~~سيرين، PageV01P186 # والثوري، وأبو حنيفة. # والثاني: أنه الموضع الذي أحصر به فيذبحه ويحل، قاله مالك، والشافعي، ~~وأحمد. # قوله [تعالى]: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) هذا نزل على ~~سبب، وهو أن كعب بن عجرة كثر قمل رأسه حتى تهافت على وجهه، فنزلت هذه الآية ~~فيه، فكان يقول: # في أنزلت خاصة. # فصل قال شيخنا علي بن عبيد الله: اقتضى قوله: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله) تحريم حلاق الشعر، سواء وجد به الأذى، أو لم يجد، حتى ~~نزل: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) فاقتضى هذا إباحة حلق ~~الشعر عند الأذى مع الفدية، فصار ناسخا لتحريمه المتقدم. # ومعنى الآية: فمن كان منكم - أي: من المحرمين، محصرا كان أو غير محصر - ~~مريضا، واحتاج إلى لبس أو شئ يحظره الإحرام، ففعله، أو به أذى من رأسه ~~فحلق، ففدية من صيام. وفي الصيام قولان: # أحدهما: أنه ثلاثة أيام، روي في حديث كعب بن عجرة، [رضي الله عنه]، عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول الجمهور. # والثاني: أنه صيام عشرة أيام، روي عن الحسن وعكرمة، ونافع. وفي الصدقة ~~قولان: # أحدهما: إطعام ستة مساكين، روي في حديث كعب، وهو قول من ms0159 قال: الصوم ثلاثة ~~أيام. # والثاني: أنها إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صوم عشرة أيام. ~~والنسك: ذبح شاة، يقال: نسكت لله، أي: ذبحت له. وفي النسك لغتان: ضم النون ~~والسين، وبها قرأ الجمهور، وضم النون مع تسكين السين، وهي قراءة الحسن. # قوله [تعالى]: (فإذا أمنتم)، أي: من العدو، إذ المرض لا تؤمن معاودته ~~وقال علقمة في آخرين: فإذا امنتم من الخوف والمرض. (فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج) معناه: من بدأ PageV01P187 # بالعمرة في أشهر الحج، وأقام الحج من عامه ذلك، فعليه ما استيسر من ~~الهدي. وهذا قول ابن عمر وابن عباس، وابن المسيب، وعطاء، والضحاك. وقد سبق ~~الكلام فيما استيسر من الهدي. # (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) قال الحسن: هي قبل التروية بيوم ~~والتروية، وعرفة، وهذا قول عطاء، والشعبي، وأبي العالية، وابن جبير، ~~وطاووس، وإبراهيم. وقد نقل عن علي عليه السلام. وقد روي عن الحسن، وعطاء ~~قالا: في أي العشر شاء صامهن. ونقل عن طاووس، ومجاهد، وعطاء، أنهم قالوا: ~~في أي اشهر الحج شاء فليصمهن. ونقل عن ابن عمر أنه قال: من حين يحرم إلى ~~يوم عرفة. # فصل فإن لم يجد الهدي، ولم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر، فماذا ~~يصنع؟ قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن جبير، وطاووس، وإبراهيم: لا ~~يجزيه إلا الهدي ولا يصوم. وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منى. ورواه صالح ~~عن أحمد، وهو قول مالك. وذهب آخرون إلى أنه لا يصوم أيام التشريق، بل يصوم ~~بعدهن. روي عن علي. ورواه المروذي عن أحمد، وهو قول الشافعي. # فصل فإن وجد الهد بعد الدخول في صوم الثلاثة الأيام، لم يلزمه الخروج ~~منه، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه الخروج، وعليه الهدي. ~~وقال عطاء: إن صام يومين ثم أيسر، فعليه الهدي. وإن صام ثلاثة ثم أيسر، ~~فليصم السبعة، ولا هدي عليه. وفي معنى قوله: # (في الحج) قولان: # أحدهما: أن معناه: في أشهر الحج. # والثاني: في زمان الإحرام بالحج. وفي قوله [تعالى]: (وسبعة ms0160 إذا رجعتم) ~~قولان: # أحدهما: إذا رجعتم إلى أمصاركم، قاله ابن عباس، والحسن، وأبو العالية، ~~والشعبي، وقتادة. # والثاني: إذا رجعتم من حجكم، وهو قول عطاء، وسعيد بن جبير، وأبي حنيفة، ~~ومالك. قال PageV01P188 # الأثرم: قلت لأبي عبيد الله، يعني: أحمد بن حنبل: فصيام السبعة الأيام ~~إذا رجع متى يصومهن؟ أفي الطريق، أم في أهله؟ قال: كل ذلك قد تأوله الناس. ~~قيل لأبي عبد الله: ففرق بينهن، فرخص في ذلك. # قوله [تعالى]: (تلك عشرة كاملة) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أن معناه: كاملة في قيامها مقام الهدي، وإلى هذا المعنى ذهب ابن ~~عباس والحسن. قال القاضي أبو يعلى: وقد كان يجوز أن يظن ظان أن الثلاثة قد ~~قامت مقام الهدي في باب استكمال الثواب، فأعلمنا الله تعالى أن العشرة ~~بكمالها هي القائمة مقامه. # والثاني: أن الواو قد تقوم مقام أو في مواضع، منها قوله: (فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) فأزال الله، عز وجل احتمال التخيير في هذه ~~الآية بقوله: (تلك عشرة كاملة) وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج. # والثالث: أن ذلك للتوكيد. وأنشدوا للفرزدق: # ثلاث واثنتان فهن خمس * وسادسة تميل إلى شمام وقال آخر: # هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا وقال آخر: # كم نعمة كانت له كم كم وكم والقرآن نزل بلغة العرب، وهي تكرر الشئ ~~لتوكيده. # والرابع: أن معناه: تلك عشرة كاملة في الفصل، وإن كانت الثلاثة في الحج، ~~والسبعة بعد، لئلا يسبق إلى وهم أحد أن السبعة دون الثلاثة، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # والخامس: أنها لفظة خبر ومعناها: الأمر، فتقديره: تلك عشرة فأكملوها. ~~PageV01P189 # قوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) في المشار إليه ~~بذلك قولان: # أحدهما: أنه التمتع بالعمرة إلى الحج. # والثاني: أنه الجزاء بالنسك والصيام. " لمن " في هذا القول بمعنى: " على ~~". [فأما حاضروا المسجد الحرام، فقال ابن عباس، وطاوس ومجاهد: هم أهل ~~الحرم. وقال عطاء:] من كان منزله دون المواقيت. قال ابن الأنباري: ومعنى ~~الآية: إن هذا الفرض لمن كان من الغرباء، وإنما ms0161 ذكر أهله، وهو المراد ~~بالحضور، لأن الغالب على الرجل أن يسكن حيث أهله ساكنون. # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) قوله [تعالى]: (الحج أشهر معلومات). # في الحج لغتان: فتح الحاء، وهي لأهل الحجاز، وبها قرأ الجمهور. وكسرها، ~~وهي لتميم، وقيل: لأهل نجد، وبها قرأ الحسن. قال سيبويه: يقال: حج حجا، ~~كقولهم: ذكر ذكرا. # وقالوا: حجة، يريدون: عمل سنة. قال الفراء: المعنى: وقت الحج هذه الأشهر. ~~وقال الزجاج: # معناه: أشهر الحج أشهر معلومات. # وفي أشهر الحج قولان: # أحدهما: أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، قاله ابن مسعود، وابن ~~عمر، وابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، والشعبي، وطاوس، ~~والنخعي، وقتادة، ومكحول، والضحاك، والسدي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، ~~والشافعي، [رضي الله عنهم]. # والثاني: أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة، وهو مروي عن ابن عمر أيضا، ~~وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والزهري، والربيع، ومالك بن أنس. قال ابن جرير ~~الطبري: إنما أراد هؤلاء أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، ~~وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، وقد كانوا يستحبون أن يفعلوا ~~العمرة في غيرها. قال ابن سيرين: ما أحد من أهل العلم شك في أن عمرة في غير ~~أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج، وإنما قال: (الحج أشهر) وهي شهران ~~وبعض الآخر على عادة العرب. قال الفراء: تقول العرب: له اليوم يومان لم ~~أره، وإنما هو يوم، وبعض آخر. وتقول: زرتك العام، وأتيتك اليوم، وإنما وقع ~~الفعل في ساعة. وذكر ابن PageV01P190 # الأنباري في هذا قولين: # أحدهما: أن العرب توقع الجمع على التثنية، إذا كانت التثنية أقل الجمع. ~~كقوله [تعالى]: # (أولئك مبرؤون مما يقولون) وإنما يريد عائشة وصفوان، وكذلك قوله: (وكنا ~~لحكمهم شاهدين) يريد: داود وسليمان. # والثاني: أن العرب توقع الوقت الطويل على الوقت القصير، فيقولون: قتل ابن ~~الزبير أيام الحج، ms0162 وإنما كان القتل في أقصر وقت. # فصل اختلف العلماء فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج، فقال عطاء، وطاوس ~~ومجاهد، والشافعي: لا يجزئه ذلك، وجعلوا فائدة قوله: (الحج أشهر معلومات) ~~أنه لا ينعقد الحج إلا فيهن. وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والليث بن ~~سعد، وأحمد بن حنبل: يصح الإحرام بالحج قبل أشهر فعلى هذا يكون قوله: (الحج ~~أشهر معلومات) أي: معظم الحج يقع في هذه الأشهر، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: (الحج عرفة). # قوله [تعالى]: (فمن فرض فيهن الحج) قال ابن مسعود: هو الإهلال بالحج ~~والاحرام به. # وقال طاوس، وعطاء: هو أن يلبي. وروي عن علي، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي ~~في آخرين: # أنه إذا قلد بدنته فقد أحرم، وهذا محمول على أنه قلدها ناويا للحج ونص ~~الإمام أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، في رواية الأثرم: أن الإحرام بالنية. ~~قيل له: يكون محرما بغير تلبية؟ قال: نعم إذا عزم على الإحرام، وهذا قول ~~مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الدخول في الإحرام إلا بالتلبية أو ~~تقليد الهدي وسوقه. # قوله تعالى: (فلا رفث) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: (فلا رفث ولا ~~فسوق) بالضم والتنوين. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بغير ~~تنوين، ولم يرفع أحد PageV01P191 # منهم لام " جدال " إلا أبو جعفر. قال أبو علي: حجة من فتح أنه أشد مطابقة ~~للمعنى المقصود، لأنه بالفتح قد نفى جميع الرفث والفسوق، كقوله: (لا ريب ~~فيه) فإذا رفع ونون، كان النفي لواحد منه وإنما فتحوا لام الجدال، ليتناول ~~النفي جميع جنسه، فكذلك ينبغي أن يكون جمع الاسمين قبله. وحجة من رفع أنه ~~قد علم من فحوى الكلام نفي جميع الرفث، وقد يكون اللفظ واحدا، والمراد ~~بالمعنى الجميع، قال الشاعر: # فقتلا بتقتيل وضربا بضربكم وفي الرفث ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الجماع، قاله ابن عمر، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة في ~~آخرين. # والثاني: أنه الجماع، وما دونه من التعريض به، وهو مروي عن ابن عمر أيضا، ~~وابن عباس، وعمرو بن دينار ms0163 في آخرين. # والثالث: أنه اللغو من الكلام، قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي. # وفي الفسوق ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه السباب، قاله ابن عمر، وابن عباس، وإبراهيم في آخرين. # والثاني: أنه التنابز بالألقاب، مثل أن تقول لأخيك: يا فاسق، يا ظالم، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه المعاصي، قاله الحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وقتادة في ~~آخرين، وهو الذي نختاره، لأن المعاصي تشمل الكل، ولأن الفاسق: الخارج من ~~الطاعة إلى المعصية. # قوله [تعالى]: (ولا جدال في الحج) الجدال: المراء. في معنى الكلام قولان: # أحدهما: أن معناه: لا يمارين أحد أحدا، فيخرجه المراء إلى الغضب، وفعل ~~مالا يليق بالحج، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عمر، وابن عباس وطاوس، وعطاء، ~~وعكرمة، والنخعي، وقتادة، والزهري، والضحاك في آخرين. # والثاني: أن معناه: لا شك في الحج ولا مراء، فإنه قد استقام أمره وعرف ~~وقته وزال النسئ عنه، قال مجاهد: كان يحجون في ذي الحجة عامين، وفي المحرم ~~عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى ~~وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بسنة، ثم حج النبي من قابل في ذي الحجة، فذلك حين قال: ~~PageV01P192 # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " وإلى هذا ~~المعنى ذهب السدي عن أشياخه، والقاسم بن محمد. # قوله [تعالى]: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) قال ابن عباس: كان أهل ~~اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فيسألون الناس، فأنزل ~~الله تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) قال الزجاج: أمروا أن يتزودوا، ~~وأعلموا أن خير ما تزود تقوى [الله عز وجل]. # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) ~~ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) قوله ~~[تعالى]: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم). # قال ابن ms0164 عباس: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم، ويقولون: أيام ~~ذكر، فنزلت هذه الآية. والابتغاء: الالتماس. والفضل هاهنا: النفع بالتجارة ~~والكسب، قال ابن قتيبة: أفضتم، بمعنى: دفعتم، وقال الزجاج: معناه: دفعتم ~~بكثرة، يقال: أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا فيه، وأكثروا التصرف. # وفي تسمية " عرفات " قولان: # أحدهما: أن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفات ~~قال: قد عرفت، فسميت " عرفة " قاله علي عليه السلام. # والثاني: أنها سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء، وتعارفهما بها، قاله الضحاك. # قال الزجاج: والمشعر: المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده. والمقام والمبيت ~~والدعاء من PageV01P193 # معالم الحج، وهو مزدلفة، وهي جمع يسمى بالاسمين. قال ابن عمر، ومجاهد: ~~المشعر الحرام: # المزدلفة كلها. # قوله [تعالى]: (واذكروه كما هداكم) أي: جزاء هدايته لكم، فإن قيل: ما ~~فائدة تكرير الذكر؟ قيل: فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أنه كرره للمبالغة في الأمر به. # والثاني: أنه وصل بالذكر الثاني ما لم يصل بالذكر الأول، فحسن تكريره. ~~فالمعنى: اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته. # والثالث: أنه كرره ليدل على مواصلته، والمعنى: اذكروه ذكرا بعد ذكر، ذكر ~~هذه الأقوال محمد بن القاسم النحوي. # والرابع: أن الذكر في قوله: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) هو: صلاة ~~المغرب والعشاء اللتان يجمع بينهما بالمزدلفة. والذكر في قوله: (كما هداكم) ~~هو: الذكر المفعول عند الوقوف بمزدلفة غداة جمع، حكاه القاضي أبو يعلى. # قوله [تعالى]: (وإن كنتم من قبله) في هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الإسلام، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها ترجع إلى الهدى، قاله مقاتل، والزجاج. # والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله سفيان الثوري. # قوله [تعالى]: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) قالت عائشة: كانت قريش ومن ~~يدين بدينها، وهم الحمس، يقفون عشية عرفة بالمزدلفة، يقولون: نحن قطن ~~البيت، وكان بقية العرب والناس يقفون بعرفات، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: ~~سموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا. والحماسة: الشدة في كل شئ. # وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: أنهم جميع العرب غير الحمس، ms0165 ويدل عليه حديث عائشة، وهو قول عروة، ~~ومجاهد، وقتادة. PageV01P194 # والثاني: أن المراد بالناس هاهنا: إبراهيم الخليل، [عليه السلام]، قاله ~~الضحاك بن مزاحم. # والثالث: أن المراد بالناس آدم، قاله الزهري: وقد قرأ أبو المتوكل، وأبو ~~نهيك، ومورق العجلي: " الناسي " باثبات الياء. # والرابع: أنهم أهل اليمن وربيعة، فإنهم كانوا يفيضون من عرفات، قاله ~~مقاتل. # وفي المخاطبين بذلك قولان: # أحدهما: أنه خطاب لقريش، وهو قول الجمهور. # والثاني: أنه خطاب لجميع المسلمين، وهو يخرج على قول من قال: الناس آدم، ~~أو إبراهيم. والإفاضة هاهنا على ما يقتضيه ظاهر اللفظ: هي الإفاضة من ~~المزدلفة إلى منى صبيحة النحر، إلا أن جمهور المفسرين على أنها الإفاضة من ~~عرفات، فظاهر الكلام لا يقتضي ذلك، كيف يقال: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا ~~الله) ثم أفيضوا من عرفات؟! غير أني أقول: وجه الكلام على ما قال أهل ~~التفسير: أن فيه تقديما وتأخيرا، تقديره: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، ~~فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله. # و " الغفور ": من أسماء الله، عز وجل، وهو من قولك: غفرت الشئ: إذا ~~غطيته، فكأن الغفور هو الساتر لعبده برحمته، أو الساتر لذنوب عباده. ~~والغفور: هو الذي يكثر المغفرة، لأن بناء المفعول للمبالغة من الكثرة، ~~كقولك: صبور، وضروب، وأكول. # فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم ~~نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) * واذكروا الله في أيام معدودات ~~فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا ~~الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) قوله [تعالى]: (فإذا قضيتم مناسككم ~~فاذكروا الله). # في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن أهل الجاهلية كانوا إذا اجتمعوا بالموسم، ذكروا أفعال آبائهم ~~وأيامهم وأنسابهم في PageV01P195 # الجاهلية، فتفاخروا بذلك، فنزلت هذه الآية. وهذا المعنى مروي عن الحسن، ~~وعطاء، ومجاهد. # والثاني: أن العرب كانوا إذا ms0166 حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا ~~كذا وكذا، فنزلت هذه الآية. وهذا مروي عن الحسن أيضا. # والثالث: أنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم، قام الرجل بمنى. فقال: اللهم إن ~~أبي كان عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ذلك، فلا يذكر الله، إنما ~~يذكر أباه ويسأل أن يعطى في دنياه، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. # والمناسك: المتعبدات وفي المراد بها هاهنا قولان: # أحدهما: أنها أفعال الحج، قاله الحسن. # والثاني: أنها إراقة الدماء، قاله مجاهد، وفي ذكرهم آبائهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه إقرارهم بهم. # والثاني: أنه حلفهم بهم. # والثالث: أنه ذكر إحسان آبائهم إليهم فإنهم كانوا يذكرونهم وينسون إحسان ~~الله إليهم. # والرابع: أنه ذكر الأطفال الآباء، لأنهم أول نطقهم بذكر آبائهم، روي هذا ~~المعنى عن عطاء، والضحاك. وفي " أو " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى " بل ". # والثاني: بمعنى الواو. و " الخلاق " قد تقدم ذكره. # وفي حسنة الدنيا سبعة أقوال: # أحدها: أنها المرأة الصالحة، قاله علي عليه السلام. # والثاني: أنها العبادة، رواه سفيان بن حسين عن الحسن. # والثالث: أنها العلم والعبادة، رواه هشام عن الحسن. # والرابع: المال، قاله أبو وائل، والسدي، وابن زيد. # والخامس: العافية، قاله قتادة. # والسادس: الرزق الواسع، قاله مقاتل. # والسابع: النعمة، قاله ابن قتيبة. PageV01P196 # وفي حسنة الآخرة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الحور العين، قاله علي، عليه السلام. # والثاني: الجنة، قاله الحسن، والسدي، ومقاتل. # والثالث: العفو والمعافاة، روي عن الحسن، والثوري. # قوله [تعالى]: (أولئك لهم نصيب مما كسبوا) قال الزجاج: معناه: دعاؤهم ~~مستجاب، لأن كسبهم هاهنا هو الدعاء، وهذه الآية متعلقة بما قبلها، إلا أنه ~~قد روي أنها نزلت على سبب يخالف سبب أخواتها، فروى الضحاك عن ابن عباس أن ~~رجلا قال: يا رسول الله: مات أبي ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال: " لو كان علي ~~أبيك دين قضيته، أفكان ذلك عنه؟ " قال: نعم، قال: # " فدين الله أحق أن يقضى! " قال: فهل لي من أجر؟ فنزلت هذه الآية. # وفي معنى سرعة الحساب خمسة أقوال: # أحدها: أنه قلته، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه قرب ms0167 مجيئه، قال مقاتل. # والثالث: أنه لما علم ما للمحاسب وما عليه قبل حسابه، كان سريع الحساب. ~~والرابع: أن المعنى: والله سريع المجازاة، ذكر هذا القول والذي قبله ~~الزجاج. # والخامس: أنه لا يحتاج إلى فكر وروية كالعاجزين قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله [تعالى]: (واذكروا الله في أيام معدودات) في هذا الذكر قولان: # أحدهما: أنه التكبير عند الجمرات، وأدبار الصلوات، وغير ذلك من أوقات ~~الحج. # والثاني: أنه التكبير عقيب الصلوات المفروضات. واختلف أرباب هذا القول في ~~الوقت الذي يبتدئ فيه بالتكبير ويقطع على ستة أقوال: # أحدها: أنه يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة، إلى ما بعد صلاة العصر من آخر ~~أيام التشريق، قاله علي عليه السلام، وأبو يوسف، ومحمد. # والثاني: أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ~~ابن مسعود، وأبو حنيفة. # والثالث: من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد العصر من آخر أيام ~~التشريق. قاله ابن عمر، PageV01P197 # وزيد بن ثابت وابن عباس، وعطاء. # والرابع: أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد صلاة الظهر من يوم ~~النفر، وهو الثاني من أيام التشريق، قاله الحسن. # والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام ~~التشريق، قاله مالك بن أنس، وهو أحد أقوال الشافعي. # والسادس: أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام ~~التشريق، وهذا قول للشافعي، ومذهب إمامنا أحمد أنه إن كان محلا، كبر عقيب ~~ثلاث وعشرين صلاة، أولها الفجر يوم عرفة، وآخرها، العصر من آخر أيام ~~التشريق، وان كان محرما كبر عقيب سبعة عشر، أولها الظهر من يوم النحر، ~~وآخرها العصر من آخر أيام التشريق. # وهل يختص هذا التكبير عقيب الفرائض بكونها في جماعة، أم لا؟ فيه عن أحمد ~~روايتان: # إحداهما: يختص بمن صلاها في جماعة، وهو قول أبي حنيفة [رحمه الله] ~~والثانية: يختص بالفريضة، وإن صلاها وحده، وهو قول الشافعي. # وفي الأيام المعدودات ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها أيام التشريق، قاله ابن عمر، ms0168 وابن عباس، والحسن، وعطاء ~~ومجاهد، وقتادة في آخرين. # والثاني: أنها يوم النحر ويومان بعده، روي عن علي، وابن عمر. # والثالث: أنها أيام العشر، قاله سعيد بن جبير، والنخعي. قال الزجاج: و " ~~معدودات " يستعمل كثيرا للشئ القليل، كما يقال: دريهمات وحمامات. # قوله [تعالى]: (فمن تعجل في يومين) أي: فمن تعجل النفر الأول في اليوم ~~الثاني من أيام منى، فلا إثم عليه، [ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو اليوم ~~الثالث من أيام منى، فلا إثم عليه] فإن قيل، إنما يخاف الإثم المتعجل، فما ~~بال المتأخر ألحق به، والذي أتى به أفضل؟! فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: لا إثم على المتعجل، والمتأخر مأجور، فقال: لا إثم ~~عليه، لتوافق PageV01P198 # اللفظة الثانية الأولى كقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه). # والثاني: أن المعنى: فلا إثم على المتأخر في ترك استعمال الرخصة. # والثالث: أن المعنى: قد زالت آثام المتعجل والمتأخر التي كانت عليها قبل ~~حجهما). # والرابع: أن المعنى: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر إنما يكون بشرط ~~التقوى. # وفي معنى " لمن اتقى " ثلاثة أقوال: # أحدها: لمن اتقى قتل الصيد، قاله ابن عباس. # والثاني: لمن اتقى المعاصي في حجه، قاله قتادة. وقال ابن مسعود: إنما ~~مغفرة الله لمن اتقى الله في حجه. # والثالث: لمن اتقى فيما بقي من عمره، قاله أبو العالية، وإبراهيم. # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) قوله [تعالى]: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا). # اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان لين الكلام، كافر القلب، يظهر ~~للنبي الحسن، ويحلف له أنه يحبه، ويتبعه على دينه، وهو يضمر غير ذلك، هذا ~~قول ابن عباس، والسدي ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه. وهذا قول ~~الحسن، وقتادة، وابن زيد. # والثالث: أنها نزلت في سرية الرجيع، وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي ~~[صلى الله عليه وآله وسلم] وهو بالمدينة: إنا ms0169 قد أسلمنا، فابعث لنا نفرا من ~~أصحابك يعلمونا ديننا، فبعث صلى الله عليه وسلم، خبيب بن عدي، ومرثدا ~~الغنوي، وخالد بن بكير، وعبد الله بن طارق، وزيد بن الدثنة، وأمر عليهم ~~عاصم بن ثابت، فساروا نحو مكة، فنزلوا بين مكة والمدينة ومعهم تمر، فأكلوا ~~منه، فمرت عجوز فأبصرت النوى، فرجعت إلى قومها وقالت: قد سلك هذا الطريق ~~أهل يثرب، فركب سبعون منهم حتى أحاطوا بهم، PageV01P199 # فحاربوهم فقتلوا مرثدا، وخالدا، وابن طارق، ونثر عاصم كنانته وفيها سبعة ~~أسهم، فقتل بكل سهم رجلا من عظمائهم، ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر ~~النهار، فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاطوا به فقتلوه، وأرادوا حز رأسه ~~يبيعوه من سلافة بنت سعد، وكان قتل بعض أهلها، فنذرت: # لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر، فأرسل الله [تعالى] رجلا من ~~الزنابير - فحمته، فلم يقدروا عليه، فقالوا: دعوه حتى يمسي فجاءت سحابة ~~فأمطرت كالعزالي، فبعث الله الوادي، فاحتمله فذهب به، وأسروا خبيبا وزيدا، ~~فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبا ليقتلوه، لأنه قتل آباءهم، فلما خرجوا به ~~ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين، ثم قال: لولا أن تقولوا: جزع خبيب، لزدت، ~~وأنشأ يقول: # ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات ~~الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع فصلبوه حيا فقال: اللهم إنك تعلم ~~أنه ليس حولي من يبلغ رسولك سلامي، فجاءه رجل منهم يقال له: أبو سروعة، ~~ومعه رمح، فوضعه بين يدي خبيب، فقال له خبيب: اتق الله، فما زاده ذلك إلا ~~عتوا فأما زيد، فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فجاءه سفيان بن حرب ~~حين قدم ليقتله، فقال: # يا زيد! أنشدك الله، أتحب أن محمدا مكانك، وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما ~~أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في ~~أهلي، ثم قتل. وبلغ النبي الخبر، فقال: # أيكم يحتمل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ فقال الزبير: أنا وصاحبي المقداد، ~~فخرجا يمشيان ms0170 بالليل ويمكثان بالنهار، حتى وافيا المكان، وإذا حول الخشبة ~~أربعون مشركا نيام نشاوى، وإذا هو رطب يتثنى لم يتغير فيه شئ بعد أربعين ~~يوما، فحمله الزبير على فرسه، وسار فلحقه سبعون منهم، فقذف الزبير خبيبا ~~فابتلعته الأرض، وقال الزبير: ما جرأكم علينا يا معشر قريش؟! ثم رفع ~~العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام، وأمي صفية بنت عبد المطلب، ~~وصاحبي المقداد، أسدان رابضان يدفعان عن شبلهما، فإن شئتم ناضلتكم، وإن ~~شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا، وقدما على رسول [صلى الله عليه ~~وآله وسلم]: وجبريل عنده، فقال: " يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من ~~أصحابك ". # وقال بعض المنافقين في أصحاب خبيب: ويح هؤلاء المقتولين لا في بيوتهم ~~قعدوا، ولا PageV01P200 # رسالة صاحبهم أدوا، فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد وخبيب وأصحابه ~~والمنافقين هذه الآية، وثلاث آيات بعدها. وهذا الحديث بطوله مروي عن ابن ~~عباس. # قوله [تعالى]: (ويشهد الله على ما في قلبه). فيه قولان: # أحدهما: أنه يقول: إن الله يشهد أن ما ينطق به لساني هو الذي في قلبي. # والثاني: أنه يقول: اللهم اشهد علي بهذا القول. وقرأ ابن مسعود: " ~~ويستشهد الله " بزيادة سين. وقرأ الحسن، وطلحة بن مصرف، وابن محيصن وابن ~~أبي عبلة: " ويشهد " بفتح الياء " الله " بالرفع. # قوله [تعالى]: (وهو ألد الخصام). الخصام: جمع خصم، يقال: خصم وخصام ~~وخصوم. # قال الزجاج: والألد: الشديد الخصومة، واشتقاقه من لديدي العنق، وهما ~~صفحتا العنق، ومعناه: # أن خصمه في أي وجه أخذ من أبواب الخصومة، غلبه في ذلك. # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد (205) قوله [تعالى]: (وإذا تولى) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى: غضب، روي عن ابن عباس، وابن جريج. # والثاني: أنه الانصراف عن القول الذي قاله، قاله الحسن. # والثالث: أنه من الولاية، فتقديره: إذا صار واليا، قاله مجاهد والضحاك. # والرابع: أنه الانصراف بالبدن، قاله مقاتل وابن قتيبة. # وفي معنى: " سعى " قولان: # أحدهما: أنه بمعنى: عمل: قاله ابن عباس ومجاهد. # والثاني: أنه من ms0171 السعي بالقدم، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الفساد ~~قولان. # أحدهما: أنه الكفر. # والثاني: الظلم. والحرث: الزرع. والنسل: نسل كل شئ من الحيوان، هذا قول ~~ابن عباس وعكرمة في آخرين. وحكى الزجاج عن قوم: أن الحرث: النساء، والنسل: ~~الأولاد. قال: وليس هذا بمنكر، لأن المرأة تسمى حرثا. # وفي معنى إهلاكه للحرث والنسل ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إهلاك ذلك بالقتل والإحراق والافساد، قاله الأكثرون. ~~PageV01P201 # والثاني: أنه إذا ظلم كان الظلم سببا لقطع القطر، فيهلك الحرث والنسل، ~~قاله مجاهد. وهو يخرج على قول من قال: إنه من التولي. # والثالث: أنه إهلاك ذلك بالضلال الذي يؤول إلى الهلاك، حكاه بعض ~~المفسرين. # قوله [تعالى]: (والله لا يحب الفساد) قال ابن عباس: لا يرضى بالمعاصي. ~~وقد احتجت المعتزلة بهذه الآية، فأجاب أصحابنا بأجوبة. منها: # الأول: أنه لا يحبه دينا، ولا يريده شرعا، فأما أنه لم يرده وجودا، فلا. # والثاني: أنه لا يحبه للمؤمنين دون الكافرين. # والثالث، أن الإرادة معنى غير المحبة، فإن الانسان قد يتناول المر، ويريد ~~ربط الجرح، ولا يحب شيئا من ذلك. وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة ~~والمحبة، بطل ادعاؤهم التساوي بينهما، وهذا جواب معتمد. وفي معنى هذه الآية ~~قوله [تعالى]: (ولا يرضى لعباده الكفر). # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ~~قوله [تعالى]: (أخذته العزة) قال ابن عباس: هي الحمية. وأنشدوا: # أخذته عزة من جهله * فتولى مغضبا فعل الضجر ومعنى الكلام: حملته الحمية ~~على الفعل بالإثم. وفي " جهنم " قولان، ذكرهما ابن الأنباري: # أحدهما: أنها أعجمية لا تجر للتعريف والعجمة. # والثاني: أنها اسم عربي، ولم يجر للتأنيث والتعريف. قال رؤبة: ركبة ~~جهنام: بعيدة القعر. # وقال الأعشي: # دعوت خليلي مسحلا ودعوا له * جهنام جدعا للهجين المذمم فترك صرفه يدل على ~~أنه اسم أعجمي معرب. # وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: فحسبه جهنم جزاء عن إثمه. # والثاني: فحسبه جهنم ذلا من عزة. والمهاد: الفراش، ومهدت لفلان: إذا وطأت ~~له، ومنه: # مهد الصبي. PageV01P202 # ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ms0172 والله رؤوف بالعباد (207) قوله ~~[تعالى]: (ومن الناس من يشري نفسه) اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو معنى قول عمر ~~وعلي عليهما السلام. # والثاني: أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته، ~~وقد شرحنا القصة. # وهذا قول ابن عباس والضحاك. # والثالث: أنها نزلت في صهيب الرومي، واختلفوا في قصته، فروي أنه أقبل ~~مهاجرا نحو النبي، [صلى الله عليه وآله وسلم]، فاتبعه نفر من قريش، فنزل، ~~فانتثل كنانته، وقال: قد علمتم أني من أرماكم بسهم، وأيم الله لا تصلون إلي ~~حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شئ، فإن شئتم ~~دللتكم على مالي. قالوا: فدلنا على مالك نخل عنك، فعاهدهم على ذلك، فنزلت ~~فيه هذه الآية، فلما رآه النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] قال: " ربح البيع ~~أبا يحيى "؟ وقرأ عليه القرآن. هذا قول سعيد بن المسيب، وذكر نحوه أبو صالح ~~عن ابن عباس، وقال: إن الذي تلقاه فبشره بما نزل فيه أبو بكر الصديق. وذكر ~~مقاتل أنه قال للمشركين: أنا شيخ كبير لا يضركم إن كنت معكم أو عليكم، ولي ~~عليكم حق لجواري فخذوا مالي غير راحلة، واتركوني وديني، فاشترط أن لا يمنع ~~عن صلاة ولا هجرة، فأقام ما شاء الله، ثم ركب راحلته، فأتى المدينة مهاجرا ~~فلقيه أبو بكر، فبشره وقال: نزلت فيك هذه الآية. وقال عكرمة: انها نزلت في ~~صهيب، وأبي ذر الغفاري، فأما صهيب، فأخذه أهله فافتدى بماله، وأما أبو ذر، ~~فأخذه أهله فأفلت منهم حتى قدم مهاجرا. # والرابع: أنها نزلت في المجاهدين في سبيل الله، قاله الحسن وابن زيد في ~~آخرين. # والخامس: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار حين قاتلوا على دين الله حتى ~~ظهروا، هذا قول قتادة و " يشري " كلمة من الأضداد، يقال: شرى، بمعنى: باع، ~~وبمعنى: اشترى. فمعناها على قول من قال: نزلت في صهيب، معنى، يشتري. وعلى ~~بقية الأقوال بمعنى: يبيع. # يبيع. PageV01P203 # يا أيها ms0173 الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فأعلموا أن الله ~~عزيز حكيم (209) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) قوله [تعالى]: (يا أيها الذين ~~آمنوا ادخلوا في السلم كافة) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت فيمن اسلم من أهل الكتاب، كانوا بعد إسلامهم يتقون ~~السبت ولحم الجمل، وأشياء يتقيها أهل الكتاب. رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، أمروا بالدخول في الإسلام. روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ~~الضحاك. # والثالث: أنها نزلت في المسلمين، يأمرهم بالدخول في شرائع الاسلام كلها، ~~قاله مجاهد وقتادة. # وفي " السلم " ثلاث لغات: كسر السين، وتسكين اللام. وبها قرأ أبو عمرو، ~~وابن عامر في " البقرة " وفتحا السين في " الأنفال " وسورة " محمد " وفتح ~~السين مع تسكين اللام. وبها قرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي في المواضع ~~الثلاثة، وفتح السين واللام. وبها قرأ الأعمش في " البقرة " خاصة. # وفي معنى " السلم " قولان: # أحدهما: أنه الإسلام، قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، ~~وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. # والثاني: أنها الطاعة، روي عن ابن عباس أيضا، وهو قول أبي العالية، ~~والربيع. وقال PageV01P204 # الزجاج: و " كافة " بمعنى الجميع، وهو في اشتقاق اللغة: ما يكف الشئ في ~~آخره، من ذلك: # كفة القميص، وكل مستطيل فحرفه كفة: بضم الكاف. ويقال في كل مستدير: كفه ~~بكسر الكاف نحو: كفة الميزان. ويقال: إنما سميت كفة الثوب، لأنها تمنعه أن ~~ينتشر، وأصل الكف: المنع، وقيل لطرف اليد: كف، لأنها تكف بها عن سائر ~~البدن، ورجل مكفوف: قد كف بصره أن ينظر. # واختلفوا: هل قوله: " كافة " يرجع إلى السلم، أو إلى الداخلين فيه؟ على ~~قولين: # أحدهما: أنه راجع إلى السلم، فتقديره: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام. ~~وهذا يخرج على القول الأول الذي ذكرناه في نزول ms0174 الآية. # والثاني: أنه يرجع إلى الداخلين فيه، فتقديره: ادخلوا كلكم في الإسلام، ~~وبهذا يخرج على القول الثاني. وعلى القول الثالث يحتمل قوله: " كافة " ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون أمرا للمؤمنين بألسنتهم أن يؤمنوا بقلوبهم. # والثاني: أن يكون امر للمؤمنين بالدخول في جميع شرائعه. # والثالث: أن يكون أمرا لهم بالثبات عليه، كقوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا) " خطوات الشيطان ": المعاصي. وقد سبق شرحها. و " البينات " ~~الدلالات الواضحات. وقال ابن جريج: # هي الإسلام والقرآن. و " ينظرون " بمعنى: ينتظرون. # ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال: المراد به: قدرته وأمره. قال: وقد ~~بينه في قوله [تعالى]: (أو يأتي أمر ربك). # قوله [تعالى]: (في ظلل) أي: بظلل. والظلل: جمع ظلة. و " الغمام ": السحاب ~~الذي لا ماء فيه. قال الضحاك: في قطع من السحاب. ومتى يكون مجئ الملائكة؟ ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه يوم القيامة وهو قول الجمهور. # والثاني: أنه عند الموت. قاله قتادة. وقرأ الحسن بخفض " الملائكة " و ~~(قضي الأمر): فرغ منه. و (إلى الله ترجع الأمور) أي: تصير. قرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو وعاصم، " ترجع " بضم التاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي بفتحها. فإن قيل: فكأن الأمور كانت إلى غيره؟ فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أن المراد به إعلام الخلق أنه المجازي على الأعمال بالثواب ~~والعقاب، قاله الزجاج. # والثاني: أنه لما عبد قوم غيره، ونسبوا أفعاله إلى سواه، ثم انكشف الغطاء ~~يوم القيامة، ردوا PageV01P205 # إليه ما أضافوا إلى غيره. # والثالث: أن العرب تقول: قد رجع علي من فلان مكروه: إذا صار إليه منه ~~مكروه، وإن لم يكن سبق، قال الشاعر: # فإن تكن الأيام أحسن مرة * إلي فقد عادت لهن ذنوب ذكرهما ابن الأنباري ~~ومما يشبه هذا قول لبيد وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ ~~هو ساطع أراد: يصير رمادا لا أنه كان رمادا وقال أمية بن أبي الصلت: # تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا أي: صار. # والرابع: أنه لما كانت الأمور إليه قبل الخلق، ms0175 ثم أوجدهم فملكهم بعضها ~~رجعت إليه بعد هلاكهم. فإن قيل: قد جرى ذكر اسمه [تعالى] في قوله: (أن ~~يأتيهم الله) فما الحكمة في أنه لم يقل: وإليه ترجع الأمور؟ فالجواب: أن ~~إعادة اسمه أفخم أعظم، والعرب إذا جرى ذكر شئ يفخم أعادوا لفظه، وأنشدوا: # لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فأعادوا ذكر ~~الموت لفخامته في صدورهم، ذكره الزجاج. # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب (211) قوله [تعالى]: (سل بني إسرائيل) الخطاب ~~للنبي [صلى الله عليه وآله وسلم]، والمعنى: له وللمؤمنين. قال الفراء: أهل ~~الحجاز يقولون: " سل " بغير همز، وبعض تميم يقولون: " اسأل " بالهمز، ~~وبعضهم يقول: " إسل " بالألف وطرح الهمز، والأولى أغربهن، وبها جاء الكتاب. ~~وفي المراد بالسؤال قولان: # أحدهما: أنه التقرير والإذكار بالنعم. # والثاني: التوبيخ على ترك الشكر. # والآية البينة: العلامة الواضحة، كالعصا، والغمام، والمن، والسلوى، ~~والبحر. وفي المراد بنعمة الله قولان: PageV01P206 # أحدهما: أنها الآيات التي ذكرناها، قاله قتادة. # والثاني: أنها حجج الله الدالة على أمر النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]، ~~قاله الزجاج. # وفي معنى تبديلها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الكفر بها، قاله أبو العالية ومجاهد. # والثاني: تغيير صفة النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] في التوراة. قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: تعطيل حجج الله بالتأويلات الفاسدة. # زين للذين كفورا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) قوله [تعالى]: (زين ~~للذين كفروا الحياة الدنيا) في نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أبي جهل وأصحابه، قاله ابن عباس. # والثاني: نزلت في علماء اليهود، قاله عطاء. # والثالث: في عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين. قاله مقاتل. قال ~~الزجاج: وإنما جاز في " زين " لفظ التذكير، لأن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، ~~إذ معنى الحياة ومعنى العيش واحد. # وإلى من يضاف هذا لتزيين فيه قولان: # أحدهما: أنه يضاف إلى الله. وقرأ أبي بن كعب ms0176 والحسن، ومجاهد، وابن محيصن، ~~وابن أبي عبلة: " زين " بفتح الزاي والياء، على معنى: زينها الله لهم. # والثاني: أنه يضاف إلى الشيطان، روي عن الحسن. قال شيخنا علي بن عبيد ~~الله: والتزيين من الله تعالى: هو التركيب الطبيعي فإنه وضع في الطبائع ~~محبة المحبوب لصورة فيه تزينت للنفس، وذلك من صنعه، وتزيين الشيطان باذكار ~~ما وقع من إغفاله مما مثله يدعو إلى نفسه لزينته، فالله تعالى يزين بالوضع، ~~والشيطان يزين بالإذكار. # وما السبب في سخرية الكفار من المؤمنين؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم سخروا منهم للفقر. # والثاني: لتصديقهم بالآخرة. # والثالث: لاتباعهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل إنهم كانوا ~~يوهمونهم أنكم على الحق، سخرية منهم بهم. PageV01P207 # وفي معنى كونهم " فوقهم " ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ذلك على أصله، لأن المؤمنين في عليين، والكفار في سجين. # والثاني: أن حجج المؤمنين فوق شبه الكافرين، فهم المنصورون. # والثالث: في أن نعيم المؤمنين في الجنة فوق نعيم الكافرين في الدنيا. # قوله تعالى: (والله يرزق من يشاء بغير حساب) فيه قولان: # أحدهما: أنه يرزق من يشاء رزقا واسعا غير ضيق. # والثاني: يرزق من يشاء بلا محاسبة في الآخرة. # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) قوله تعالى: (كان ~~الناس أمة واحدة) في المراد ب‍ " الناس " هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: جميع بني آدم، وهو قول الجمهور. # والثاني: آدم وحده، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: وهذا الوجه جائز، لأن ~~العرب توقع الجمع على الواحد. ومعنى الآية: كان آدم ذا دين واحد، فاختلف ~~ولده بعده. # والثالث: آدم وأولاده كانوا على الحق، فاختلفوا حين قتل قابيل وهابيل. ~~ذكره ابن الأنباري. # والأمة هاهنا: الصنف والواحد على مقصد واحد. # وفي ذلك المقصد الذي كانوا عليه قولان: # أحدهما: أنه الإسلام، قاله ms0177 أبي بن كعب، وقتادة، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه الكفر، رواه عطية عن ابن عباس. # ومتى كان ذلك. فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه حين عرضوا على آدم وأقروا بالعبودية، قاله أبي بن كعب. # والثاني: في عهد إبراهيم كانوا كفارا، قاله ابن عباس. # والثالث: بين آدم ونوح، وهو قول قتادة. PageV01P208 # والرابع: حين ركبوا السفينة، كانوا على الحق. قاله مقاتل. # والخامس: في عهد آدم. ذكره ابن الأنباري. (فبعث الله النبيين مبشرين) ~~بالجنة (ومنذرين) بالنار. هذا قول الأكثرين. وقال بعض السلف: مبشرين لمن ~~آمن بك يا محمد، ومنذرين لمن كذبك. والكتاب: اسم جنس، كما تقول: كثر الدرهم ~~في أيدي الناس. وذكر بعضهم أنه في التوراة. # وفي المراد بالحق هاهنا قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الصدق والعدل. # والثاني: أنه القضاء فيما اختلفوا فيه (ليحكم بين الناس) في الحاكم هاهنا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الله تعالى. # والثاني: النبي الذي أنزل عليه الكتاب. # والثالث: الكتاب، كقوله [تعالى]: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) وقرأ أبو ~~جعفر: # " ليحكم " بضم الياء وفتح الكاف. وقرأ مجاهد " لتحكم " بالتاء على الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قوله [تعالى]: (فيما اختلفوا فيه) يعني: الدين. # قوله [تعالى]: (وما اختلف فيه) في هذه الهاء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها تعود إلى محمد صلى الله عليه وله وسلم قاله ابن مسعود. # والثاني: إلى الدين. قاله مقاتل. # والثالث: إلى الكتاب، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما هاء " أوتوه " ~~فعائدة على الكتاب من غير خلاف. وقال الزجاج: ونصب " بغيا " على معنى ~~المفعول له، فالمعنى: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي، لأنهم عالمون بحقيقة ~~الأمر في كتبهم. وقال الفراء: في اختلافهم وجهان: # أحدهما: كفر بعضهم بكتاب بعض. # والثاني: تبديل ما بدلوا. # قوله [تعالى]: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه) أي: لمعرفة ما ~~اختلفوا فيه، أو تصحيح ما اختلفوا فيه. # وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال: # أحدها: أنه الجمعة، جعلها اليهود السبت، والنصارى الأحد، فروى البخاري ~~ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن رسول الله [صلى الله عليه وآله ~~وسلم] أنه ms0178 قال: " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة يبد أنهم أوتوا الكتاب ~~من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله ~~PageV01P209 # له. فاليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى. # والثاني: أنه الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم إلى المغرب. # والثالث: أنه إبراهيم. قالت اليهود: كان يهوديا. وقالت النصارى: كان ~~نصرانيا. # والرابع: أنه عيسى، جعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى إلها. # والخامس: أنه الكتب، آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها. # والسادس: أنه الدين، وهو الأصح، لأن جميع الأقوال داخلة في ذلك. # قوله [تعالى]: (بإذنه) قال الزجاج: إذنه: علمه. وقال غيره: أمره. قال ~~بعضهم: # توفيقه: # أن حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) قوله [تعالى]: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) في ~~سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الصحابة أصابهم يوم الأحزاب بلاء وحصر، فنزلت هذه الآية، ذكره ~~السدي عن أشياخه، وهو قول قتادة. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما دخل المدينة هو وأصحابه ~~اشتد بهم الضر، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. # والثالث: أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لو كان محمد نبيا لم يسلط عليكم ~~القتل، فأجابوهم: # من قتل منا دخل الجنة، فقالوا: لم تمنون أنفسكم بالباطل؟ فنزلت هذه ~~الآية، قاله مقاتل. وزعم أنها نزلت يوم أحد. قال الفراء: (أم حسبتم) بمعنى: ~~أظننتم، وقال الزجاج: " أم " بمعنى: # بل. وقد شرحنا " أم " فيما تقدم شرحا كافيا. والمثل بمعنى: الصفة. و " ~~زلزلوا " خوفوا وحركوا بما يؤذي، وأصل الزلزلة في اللغة من: زل الشئ عن ~~مكانه، فإذا قلت: زلزلته، فتأويله: كررت زلزلته من مكانه، وكل ما كان فيه ~~ترجيع كررت فيه فاء الفعل، تقول: أقل فلان الشئ: إذا رفعه من PageV01P210 # مكانه، فإذا كرر رفعه ورده، قيل: قلقله. فالمعنى أنه تكرر عليهم التحريك ~~بالخوف، قاله ابن عباس. البأساء: الشدة والبؤس، والضراء: البلاء والمرض. ~~وكل رسول بعث إلى أمته يقول: # (متى نصر الله) والنصر: الفتح، ms0179 والجمهور على فتح لام " حتى يقول "، وضمها ~~نافع. # فصل ومعنى الآية: أن البلاء والجهد بلغ بالأمم المتقدمة إلى أن استبطؤوا ~~النصر لشدة البلاء. وقد دلت على أن طريق الجنة إنما هو الصبر على البلاء. ~~قالت عائشة: ما شبع رسول الله، [صلى الله عليه وآله وسلم]، ثلاثة أيام ~~تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله. وقال حذيفة: أقر أيامي لعيني، يوم أرجع ~~إلى أهلي فيشكون إلي الحاجة. قيل: ولم ذلك؟ قال: لأني سمعت رسول الله، [صلى ~~الله عليه وآله وسلم]، يقول: " إن الله يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد ~~الوالد ولده، وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا، كما يحمي المريض أهله ~~الطعام " أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي صادق، قال: ~~أبو عبد الله الشيرازي، قال: سمعت أبا الطيب بن الفرخان يقول: سمعت الجنيد ~~يقول: دخلت على سري السقطي وهو يقول: # وما رمت الدخول عليه حتى * حللت محله العبد الذليل وأغضيت الجفون على ~~قذاها * وصنت وفي النفس عن قال وقيل يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من ~~خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير ~~فإن الله به عليم (215) قوله [تعالى]: (يسئلونك ماذا ينفقون) في سبب نزولها ~~قولان: # أحدهما: أنها نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان له مال كثير، فقال: ~~يا رسول الله بماذا نتصدق، وعلى من ننفق؟ فنزلت هذا الآية. رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا قال للنبي [صلى الله عليه وآله وسلم]: إن لي دينار، ~~فقال: " أنفقه على نفسك ". فقال: إن لي دينارين، فقال: " أنفقها على أهلك ~~". فقال: إن لي ثلاثة، فقال: " أنفقها على خادمك ". # فقال: إن لي أربعة، فقال: " أنفقها على والديك ". فقال: إن لي خمسة، ~~فقال: " أنفقها على PageV01P211 # قرابتك " فقال: إن لي ستة، فقال: " أنفقها في سبيل الله، وهو أحسنها " ~~فنزلت فيه هذه الآية. رواه عطاء عن ابن عباس. # قال الزجاج: " ماذا " في اللغة على ضربين: # أحدهما: أن تكون " ذا " بمعنى الذي، و " ينفقون ": صلته، فيكون المعنى: ~~يسألونك: ms0180 أي شئ الذي ينفقون؟ # والثاني: أن تكون " ما " مع " ذا " اسما واحدا، فيكون المعنى: يسألونك أي ~~شئ ينفقون، قال: وكأنهم سألوا: على من ينبغي أن يفضلوا، وما وجه الذي ~~ينفقون؟ لأنهم يعلمون ما المنفق. # فأعلمهم الله أن أولى من أفضل عليه الوالدان والأقربون. والخير: المال، ~~قاله ابن عباس في آخرين. وقال: ومعنى: " فللوالدين ": فعلى الوالدين. # فصل وأكثر علماء التفسير على أن هذه الآية منسوخة، قال ابن مسعود: نسختها ~~آية الزكاة. وذهب الحسن إلى إحكامها، وقال ابن زيد: هي في النوافل، وهذا ~~الظاهر من الآية، لأن ظاهرها يقتضي الندب، ولا يصح أن يقال: إنها منسوخة، ~~إلا أن يقال: إنها اقتضت وجوب النفقة على المذكورين فيها. # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) قوله [تعالى]: ~~(كتب عليكم القتال) قال ابن عباس: لما فرض الله على المسلمين الجهاد شق ~~عليهم وكرهوه، فنزلت هذه الآية. و " كتب " بمعنى: فرض في قول الجماعة. قال ~~الزجاج: كرهت الشئ أكرهه كرها وكرها، وكراهة وكراهية. وكل ما في كتاب الله ~~من الكره، فالفتح فيه جائز، إلا أن أبا عبيد ذكر أن الناس مجتمعون على ضم ~~هذا الحرف الذي فيه هذه الآية. وإنما كرهوه لمشقته على النفوس، لا أنهم ~~كرهوا فرض الله تعالى. وقال الفراء: الكره والكره: لغتان. # وكأن النحويين يذهبون بالكره إلى ما كان منك مما لم تكره عليه، فإذا ~~أكرهت على الشئ استحبوا " كرها " بالفتح. وقال ابن قتيبة: الكره بالفتح، ~~معناه الإكراه والقهر، وبالضم معناه: المشقة. ومن نظائر هذا: الجهد: ~~الطاقة، والجهد: المشقة. ومنهم من يجعلهما واحدا. وعظم الشئ: أكبر وعظمه: ~~نفسه. وعرض الشئ: إحدى نواحيه. وعرضه: خلاف طوله. والأكل: مصدر أكلت، ~~PageV01P212 # والأكل: المأكول، وقال أبو علي: هما لغتان، كالفقر والفقر، والضعف ~~والضعف، والدف والدف، والشهد والشهد. # قوله [تعالى]: (وعسى أن تكرهوا شيئا) قال ابن عباس: يعنى الجهاد. (وهو ~~خير لكم) فتح وغنيمة أو شهادة. (وعسى أن تحبوا شيئا) ms0181 وهو: القعود عنه. (وهو ~~شر لكم) لا تصيبون فتحا ولا غنيمة ولا شهادة. (والله يعلم) أن الجهاد خير ~~لكم. (وأنتم لا تعلمون) حين أحببتم القعود عنه. # فصل اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا الآية على ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنها من المحكم الناس للعفو عن المشركين. # والثاني: أنها منسوخة، لأنها أوجبت الجهاد على الكل، فنسخ ذلك بقوله ~~[تعالى]: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة). # والثالث: أنها ناسخة من وجه، منسوخة من وجه. # وقالوا: إن الحال في القتال كانت على ثلاث مراتب: # الأولى: المنع من القتال، ومنه قوله [تعالى]: (ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم). # والثانية: أمر الكل بالقتال، ومنه قوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) ~~ومثلها هذه الآية. # والثالثة: كون القتال فرضا على الكفاية، وهو قوله تعالى: (وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة). فيكون الناسخ منها ايجاب القتال بعد المنع منه، ~~والمنسوخ وجوب القتال على الكل. # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونك حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم ~~عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (217) PageV01P213 # قوله [تعالى]: (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه) روى جندب بن عبد الله ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعث رهطا واستعمل عليهم أبا عبيدة ~~بن الحرث فلما انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأه إلا ~~بمكان كذا وكذا، وقال: " لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك " فلما ~~صار إلى المكان، قرأ الكتاب واسترجع، وقال: سمعا لله ولرسوله فرجع رجلان من ~~أصحابه، ومضى بقيتهم، فأتوا ابن الحضرمي فقتلوه، فلم يدروا ذلك اليوم، من ~~رجب، أو من جمادى الآخرة؟ فقال المشركون: قتلتم في الشهر الحرام فنزلت هذه ~~الآية، فقال بعض ms0182 المسلمين: لئن كان أصابهم خير فما لهم أجر، فنزلت: (إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا) إلى قوله: (رحيم) وقال الزهري: اسم ابن ~~الحضرمي: عمرو، واسم الذي قتله عبد الله بن واقد الليثي: قال ابن عباس: كان ~~أصحاب النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]، يظنون تلك الليلة من جمادى، وكانت ~~أول رجب. # وقد روى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في شيئين: # أحدهما: هذا. # والثاني: دخول النبي، [صلى الله عليه وآله وسلم]، مكة في شهر حرام يوم ~~الفتح، حين عاب المشركون عليه القتال في شهر حرام. # وفي السائلين النبي، [صلى الله عليه وآله وسلم]، عن ذلك قولان: # أحدهما: أنهم المسلمون سألوه: هل أخطؤوا أم أصابوا؟ قاله ابن عباس وعكرمة ~~ومقاتل. # والثاني: أنهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين، قاله الحسن، ~~وعروة، ومجاهد. # والشهر الحرام: شره رجب، وكان يدعى الأصم، لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح ~~قعقعة تعظيما له (قتال فيه) أي: يسألونك عن قتال فيه. (قل: قتال فيه كبير) ~~قال ابن مسعود وابن عباس: لا يحل. قال القاضي أبو يعلى: كان أهل الجاهلية ~~يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر، فأعلمهم الله [تعالى] في هذه الآية ~~ببقاء التحريم. # فصل اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم: هل هو باق أم نسخ؟ ~~على قولين: # أحدهما: أنه باق روى ابن جريج أن عطاء كان يحلف بالله: ما يحل للناس الآن ~~أن يغزوا PageV01P214 # في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا فيه أو يغزوا، وما نسخت. # والثاني: أنه منسوخ، قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار: القتال جائز ~~في الشهر الحرام، وهذه الآية منسوخة بقوله [تعالى]: (اقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم) وبقوله [تعالى]: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر). وهذا قول فقهاء الأمصار. # قوله [تعالى]: (وصد عن سبيل الله) هو مرفوع بالابتداء، وخبر هذه الأشياء: ~~(أكبر عند الله). وفي المراد ب‍ " سبيل الله " هاهنا قولان: # أحدهما: أنه الحج، لأنهم صدوا رسول الله، [صلى الله عليه وآله وسلم]، عن ~~مكة. قاله ابن عباس ms0183 والسدي عن أشياخه. # والثاني: أنه الإسلام، قاله مقاتل، وفي هاء الكناية في قوله: (وكفر به) ~~قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى قاله السدي عن أشياخه، وقتادة، ومقاتل، ~~وابن قتيبة. # والثاني: أنها تعود إلى السبيل. قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: وخفض " ~~المسجد الحرام " نسقا على: (سبيل الله) كأنه قال: وصد عن سبيل الله، وعن ~~المسجد الحرام. # قوله [تعالى]: (وإخراج أهله منه) لما آذوا رسول الله وأصحابه، اضطروهم ~~إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم، فأعلمهم الله أن هذه الأفعال أعظم من قتل كافر. ~~" والفتنة " هاهنا بمعنى الشرك. قاله ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وابن ~~جبير، وقتادة، والجماعة. والفتنة في القرآن على وجوه كثيرة، قد ذكرتها في ~~كتاب " النظائر " (ولا يزالون) يعني: الكفار، (يقاتلونكم) يعني: المسلمين. ~~و (حبطت) بمعنى: بطلت: # إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت ~~الله والله غفور رحيم (218) قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا) في ~~سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنه لما نزل القرآن بالرخصة لأصحاب عبد الله بن جحش في قتل ابن ~~الحضرمي، قال بعض المسلمين: ما لهم أجر، فنزلت هذه الآية: وقد ذكرنا هذا في ~~سبب نزول قوله [تعالى]: # (يسألونك عن الشهر الحرام) عن جندب بن عبد الله. # والثاني: أنه لما نزلت لهم الرخصة قاموا، فقالوا: أتطمع لنا من ربنا أن ~~تكون لنا هذه غزاة، PageV01P215 # فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال: (هاجروا) من مكة إلى المدينة، ~~(وجاهدوا) في طاعة الله ابن الحضرمي وأصحابه. و (رحمة الله): مغفرته وجنته. ~~قال الشعبي: أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش، وأول مغنم قسم ~~في الإسلام: مغنمه. # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) قوله [تعالى]: (يسئلونك عن الخمر والميسر) في سبب نزولها ~~قولان: # أحدهما: أن عمر بن الخطاب، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، ~~فنزلت هذه الآية. # والثاني: أن جماعة من ms0184 الأنصار جاؤوا إلى النبي [صلى الله عليه وآله ~~وسلم]، وفيهم عمر، ومعاذ، فقالوا: أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة ~~للمال، فنزلت هذه الآية. # وفي تسمية الخمر خمرا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها سميت خمرا، لأنها تخامر العقل، أي: تخالطه. # والثاني: لأنها تخمر العقل، أي: تستره. # والثالث: لأنها تخمر، أي: تغطي. ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم. وقال ~~الزجاج: الخمر في اللغة: ما ستر على العقل، يقال: دخل فلان في خمار الناس، ~~أي: في الكثير الذي يستتر فيهم، وخمار المرأة قناعها، سمي خمارا لأنه يغطي. # قال: والخمر هاهنا هي المجمع عليها، وقياس كل ما عمل عملها أن يقال له: ~~خمر، وأن يكون في التحريم بمنزلتها، لأن العلماء أجمعوا على أن القمار كله ~~حرام، وإنما ذكر الميسر من PageV01P216 # بينه، وجعل كله قياسا على الميسر، والميسر إنما يكون قمارا في الجزر ~~خاصة. فأما الميسر، فقال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة في الآخرين: هو القمار. قال ابن قتيبة: يقال: يسرت: إذا ~~ضربت بالقداح، ويقال للضارب بالقداح: ياسر وياسرون، ويسر وأيسار. # وكان أصحاب الثروة والأجواد في الشتاء عند شدة الزمان وكلبه ينحرون ~~جزورا، ويجزئونها أجزاء، ثم يضربون عليها القداح، فإذا قمر القامر، جعل ذلك ~~لذوي الحاجة والمسكنة، وهو النفع الذي ذكره الله تعالى، وكانوا يتمادحون ~~بأخذ القداح، ويتسابون: بتركها ويعيبون من لا ييسر. # قوله [تعالى]: (قل فيهما إثم كبير) قرأ الأكثرون " كبير " بالباء، وقرأ ~~حمزة والكسائي بالثاء. # وفي إثم الخمر ثلاثة أقوال: # أحدها: أن شربها ينقص الدين. قاله ابن عباس. # والثاني أنه إذا شرب سكر وآذى الناس رواه السدي عن أشياخه. # والثالث: أنه وقوع العداوة والبغضاء وتغطية العقل الذي يقع به التمييز، ~~قاله الزجاج. # وفي إثم الميسر قولان: # أحدهما: أنه يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقع العداوة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه يدعوا إلى الظلم ومنع الحق. رواه السدي عن أشياخه وجائز أن ~~يراد جميع ذلك. # وأما منافع الخمر، فمن وجهين: # أحدهما: الربح في بيعها. # والثاني: انتفاع الأبدان مع ms0185 التذاذ النفوس. وأما منافع الميسر: فإصابة ~~الرجل المال من غير تعب. # وفي قوله [تعالى]: (وإثمهما أكبر من نفعها) قولان: # أحدهما: أن معناه: وإثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم، قاله ~~سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل. PageV01P217 # والثاني: وإثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم أيضا، لأن ~~الإثم الذي يحدث في أسبابهما أكبر من نفعهما. وهذا منقول عن ابن جبير أيضا ~~واختلفوا بماذا كانت الخمرة مباحة؟ على قولين: # أحدهما: بقوله [تعالى]: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا). ~~قاله ابن جبير. # والثاني: بالشريعة الأولى، وأقر المسلمون على ذلك حتى حرمت. # فصل اختلف العلماء: هل لهذه الآية تأثير في تحريم الخمر أم لا؟ على ~~قولين. # أحدهما: أنها تقتضي ذمها دون تحريمها، رواه السدي عن أشياخه، وبه قال ~~سعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة، ومقاتل. وعلى هذا القول تكون هذه الآية ~~منسوخة. # والقول الثاني: أن لها تأثيرا في التحريم، وهو أن الله تعالى أخبر أن ~~فيها إثما كبيرا والإثم كله محرم بقوله: (والإثم والبغي). هذا قول جماعة من ~~العلماء، وحكاه الزجاج، واختاره القاضي أبو يعلى للعلة التي بيناها، واحتج ~~لصحته بعض أهل المعاني، فقال: لما قال الله تعالى: (قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس)، وقع التساوي بين الأمرين، فلما قال: (وإثمهما أكبر من ~~نفعهما) صار الغالب الإثم، وبقي النفع مستغرقا في جنب الاثم، فعاد الحكم ~~للغالب المستغرق، فغلب جانب الخطر. # فصل فأما الميسر، فالقول فيه مثل القول في الخمر، إن قلنا: إن هذه الآية ~~دلت على التحريم، فالميسر حكمها حرام أيضا، وإن قلنا: إنها دلت على ~~الكراهة، فأقوم الأقوال أن نقول: إن الآية التي في المائدة نصت على تحريم ~~الميسر. PageV01P218 # قوله [تعالى]: (ويسئلونك ماذا ينفقون) قال ابن عباس: الذي سأله عن ذلك ~~عمرو بن الجموح: قال ابن قتيبة: والمراد بالنفقة هاهنا: الصدقة والعطاء. # قوله [تعالى]: (قل العفو) قرأ أبو عمرو برفع واو " العفو " وقرأ الباقون ~~بنصبها قال أبو علي: " ماذا " في موضع نصب، فجوابه العفو بالنصب، كما تقول ~~في جواب. ماذا أنفقت؟ # درهما، ms0186 أي: أنفقت درهما. هذا وجه نصب العفو. ومن رفع جعل " ذا " بمنزلة ~~الذي، ولم يجعل " ماذا " اسما واحدا، فإذا قال قائل: ماذا أنزل ربكم؟ فكأنه ~~قال: ما الذي أنزل ربكم؟ فجوابه: # قرآن. قال الزجاج: " العفو " في اللغة: الكثرة والفضل، يقال: قد عفا ~~القوم: إذا كثروا. # و " العفو ": يأتي بغير كلفة. وقال ابن قتيبة: العفو: الميسور. يقال: خذ ~~ما عفاك، أي: ما أتاك سهلا بلا إكراه ولا مشقة. # وللمفسرين في المراد بالعفو هاهنا خمسة أقوال: # أحدها: أنه ما يفضل عن حاجة المرء وعياله، رواه مقسم عن ابن عباس. # والثاني: ما تطيب به أنفسهم من قليل وكثير، رواه عطية عن ابن عباس. # والثالث: أنه القصد من الإسراف والإقتار، قاله الحسن، وعطاء، وسعيد بن ~~جبير. # والرابع: أنه الصدقة المفروضة، قاله مجاهد. # والخامس: أنه ما لا يتبين عليهم مقداره، من قولهم: عفا الأثر إذا خفي ~~ودرس، حكاه شيخنا عن طائفة من المفسرين. # فصل وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذا الآية، فروى السدي عن أشياخه ~~أنها نسخت بالزكاة، وأبي نسخها آخرون. وفصل الخطاب في ذلك أنا متى قلنا: ~~إنه فرض عليهم بهذه الآية التصدق بفاضل المال، أو قلنا: وجبت عليهم هذه ~~الآية صدقة قبل الزكاة، فالآية منسوخة بآية الزكاة، ومتى قلنا، إنها محمولة ~~على الزكاة المفروضة كما قال مجاهد، أو على الصدقة المندوب PageV01P219 # إليها، فهي محكمة. # قوله [تعالى]: (كذلك يبين الله) قال الزجاج: إنما قال كذلك، وهو يخاطب ~~جماعة، لأن الجماعة معناها: القبيل، كأنه قال: كذلك يا أيها القبيل. وجائز ~~أن تكون الكاف للنبي، صلى الله عليه وآله وسلم، كأنه قال: كذلك يا أيها ~~النبي، لأن الخطاب له مشتمل على خطاب أمته. وقال ابن الأنباري: الكاف في " ~~كذلك " إشارة إلى ما بين من الإنفاق، فكأنه قال: مثل ذلك الذي بينه لكم في ~~الانفاق يبين الآيات. ويجوز أن يكون " كذلك " غير إشارة إلى ما قبله، فيكون ~~معناه: هكذا قاله ابن عباس. # (لعلكم تتفكرون) في الدنيا والآخرة فتعرفون فضل ما بينهما، فتعملون ~~للباقي منهما. # في الدنيا ms0187 والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220) قوله [تعالى]: (ويسئلونك عن اليتامى) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنه لما أنزل الله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتمي إلا بالتي هي ~~أحسن) و (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) انطلق من كان عنده مال يتيم، ~~فعزل طعامه من طعامه، وشرابه، من شرابه، فجعل يفضل الشئ من طعامه فيحبس له ~~حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروه للنبي، صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فنزلت هذه الآية هذا قول ابن عباس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، ~~ومقاتل. # والثاني: أن العرب كانوا يشددون في أمر اليتيم حتى لا يأكلون معه في ~~قصعته، ولا يستخدمون له خادما. فسألوا النبي، [صلى الله عليه وآله وسلم]، ~~عن مخالطتهم، فنزلت هذه الآية، ذكره السدي عن أشياخه، وهو قول الضحاك. # وفي السائلين للنبي، [صلى الله عليه وآله وسلم]، عن ذلك قولان: # أحدهما: أن الذي سأله ثابت بن رفاعة الأنصاري، قاله مقاتل. # والثاني: عبد الله بن رواحة، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله [تعالى]: (قل إصلاح لهم خير) قال ابن قتيبة: معناه: تثمير أموالهم، ~~والتنزه عن أكلها لمن وليها خير. (وإن تخالطوهم فاخوانكم) أي: فهم إخوانكم، ~~حكمهم في ذلك حكم PageV01P220 # إخوانكم. قال ابن عباس: والمخالطة: أن يشرب من لبنك، وتشرب من لبنه، ~~ويأكل في قصعتك، وتأكل في قصعته. (والله يعلم المفسد من المصلح) يريد: ~~المتعمد أكل مال اليتيم، من المتحرج الذي لا يألو الإصلاح: (ولو شاء الله ~~لأعنتكم) قال ابن عباس: أي لأحرجكم، ولضيق عليكم. وقال ابن الأنباري: أصل ~~العنت: التشديد. تقول العرب: فلان يتعنت فلانا ويعنته، أي: # يشدد عليه، ويلزمه المشاق واشتقاق الحرف، من قول العرب: أكمة عنوت: إذا ~~كانت شديدة، فجعلت هذه اللفظة مستعملة في كل شدة. # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك ms0188 يدعون ~~إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة باذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) قوله [تعالى]: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) في سبب نزولها ~~قولان: # أحدهما: أن رجلا يقال له: مرثد بن أبي مرثد بعثه النبي: [صلى الله عليه ~~وآله وسلم] إلى مكة ليخرج ناسا من المسلمين بها أسرى، فلما قدمها سمعت به ~~امرأة يقال لها: عناق، وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها، ~~فأتته فقالت: ويحك يا مرثد: ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام قد حال بيني وبينك، ~~ولكن إن شئت تزوجتك، إذا رجعت إلى رسول الله، [صلى الله عليه وآله وسلم]، ~~إستأذنته في ذلك، فقالت: # أبي يتبرم؟! واستغاثت عليه، فضربوه ضربا شديدا، ثم خلوا سبيله، فلما رجع ~~إلى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله: # أتحل لي أن أتزوجها؟ فنزلت هذه الآية. هذا قول ابن عباس. وذكر مقاتل بن ~~سليمان أنه أبو مرثد الغنوي. # والثاني: أن عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها ~~فلطمها، ثم فزع، فأتى النبي، [صلى الله عليه وآله وسلم]: فأخبره خبرها، ~~وقال: يا رسول الله: هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأنك رسول الله. فقال: " يا عبد الله: هذه مؤمنة ". فقال: والذي بعثك ~~بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل، فعابه ناس من المسلمين، وقالوا: أنكح أمة، ~~وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رغبة في أحسابهن، فنزلت هذه الآية. رواه ~~السدي عن أشياخه. وقد ذكر بعض PageV01P221 # المفسرين أن قصة عناق وأبا مرثد كانت سببا لنزول قوله [تعالى]: (ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن) وقصة ابن رواحة كانت سببا لنزول قوله [تعالى]: ~~(ولأمة مؤمنة خير من مشركة). # فأما التفسير، فقال المفضل: أصل النكاح: الجماع، ثم كثر ذلك حتى قيل ~~للعقد: نكاح. # وقد حرم الله عز وجل نكاح المشركات عقدا ووطءا. # وفي " المشركات " هاهنا قولان: # أحدهما: أنه يعم الكتابيات وغيرهن، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنه خاص في الوثنيات، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، وقتادة. # وفي المراد بالأمة قولان: # أحدهما: أنها ms0189 المملوكة، وهو قول الأكثرين، فيكون المعنى: ولنكاح أمة ~~مؤمنة خير من نكاح حرة مشركة. # والثاني: أنها المرأة، وإن لم تكن مملوكة، كما يقال: هذه أمة الله، هذا ~~قول الضحاك، والأول أصح. # وفي قوله: (ولو أعجبتكم) قولان: # أحدهما: بجمالها وحسنها. # والثاني: بحسبها ونسبها. # فصل اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال القائلون بأن ~~المشركات الوثنيات: هي محكمة، وزعم بعض من نصر هذا القول أن اليهود ~~والنصارى ليسوا بمشركين بالله، وإن جحدوا بنبوة نبينا. قال شيخنا: وهو قول ~~فاسد من وجهين: # أحدهما: أن حقيقة الشرك ثابتة في حقهم حيث قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ~~ابن الله. # والثاني: أن كفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، يوجب أن يقولوا: إن ما ~~جاء به ليس من عند الله، وإضافة ذلك إلى غير الله شرك. فأما القائلون بأنها ~~عامة في جميع المشركات، فلهم في ذلك قولان: # أحدهما: أن بعض حكمها منسوخ بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم). وبقي الحكم في غير أهل الكتاب محكما. # والثاني: أنها ليست منسوخة، ولا ناسخة، بل هي عامة في جميع المشركات، وما ~~أخرج PageV01P222 # عن عمومها من إباحة كافرة، فدليل خاص، وهو قوله تعالى: (والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، فهذه خصصت عموم تلك من غير نسخ، وعلى هذا ~~عامة الفقهاء. وقد روي معناه عن جماعة من الصحابة، منهم: عثمان، وطلحة، ~~وحذيفة، وجابر، وابن عباس. # قوله [تعالى]: (ولا تنكحوا المشركين) أي: لا تزوجوهم بمسلمة حتى يؤمنوا، ~~والكلام في قوله [تعالى]: (ولعبد مؤمن) وفي قوله [تعالى]: (ولو أعجبكم) مثل ~~الكلام في أول الآية. # قوله [تعالى]: (والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه)، قرأ الجمهور بخفض ~~" المغفرة " وقرأ الحسن، والقزاز، عن أبي عمرو، برفعها. # يسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) قوله [تعالى]: (ويسألونك عن المحيض) روى ثابت عن أنس قال: ~~كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهن لم يؤاكلوها، ولم ms0190 يشاربوها، ولم يجامعوها ~~في البيوت، فسئل النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]، عن ذلك، فنزلت هذه ~~الآية، فأمرهم النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]، أن يؤاكلوهن ويشاربوهن ~~ويكونوا معهن في البيوت، وأن يفعلوا كل شئ ما عدا النكاح. وقال ابن عباس: ~~جاء رجل يقال له: ابن الدحداحة، من الأنصار، إلى النبي [صلى الله عليه وآله ~~وسلم] فقال: كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزلت هذه الآية. وفي المحيض قولان: # أحدهما: أنه اسم للحيض، قال الزجاج: يقال: قد حاضت المرأة تحيض حيضا ~~ومحاضا ومحيضا. وقال ابن قتيبة: المحيض: الحيض. # والثاني: أنه اسم لموضع الحيض، كالمقيل، فإنه موضع القيلولة، والمبيت ~~موضع البيتوتة. # وذكر القاضي أبو يعلى أن هذا ظاهر كلام أحمد. فأما أرباب القول الأول، ~~فأكدوه الذي بأن في اللفظ ما يدل على قولهم، وهو أنه وصفه بالأذى، وذلك صفة ~~لتفسير الحيض، لا لمكانه. وأما أرباب PageV01P223 # القول الثاني: فقالوا: لا يمتنع أن يكون المحيض صفة لموضع، ثم وصفه بما ~~قاربه وجاوره، كالعقيقة، فإنها اسم لشعر الصبي، وسميت بها الشاة التي تذبح ~~عند حلق رأسه مجازا. والرواية: # اسم للجمل، وسميت المزادة راوية مجازا. والأذى يحصل للواطئ بالنجاسة، ~~ونتن الريح. وقيل: # يورث جماع الحائض علة بالغة في الألم. (فاعتزلوا النساء في المحيض) ~~المراد به اعتزال الوطء في الفرج، لأن المحيض نفس الدم أو نفس الفرج (ولا ~~تقربوهن) أي: لا تقربوا جماعهن، وهو تأكيد لقوله: (فاعتزلوا النساء). # قوله [تعالى]: (حتى يطهرن) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحفص، عن عاصم (حتى يطهرن) خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر، عن ~~عاصم (يطهرن) بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. قال ابن قتيبة: يطهرن: ينقطع ~~عنهن الدم، يقال: طهرت المرأة وطهرت: إذا رأت الطهر، وإن لم تغتسل بالماء. ~~ومن قرأ: " يطهرن " بالتشديد أراد: # يغتسلن بالماء والأصل يتطهرن، فأدغمت التاء في الطاء. قال ابن عباس ~~ومجاهد: حتى يطهرن من الدم، فإذا تطهرن اغتسلن بالماء. # قوله [تعالى]: (فأتوهن) إباحة من حظر، لا على الوجوب. # قوله [تعالى]:) من حيث أمركم الله) ms0191 فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه. من قبل الطهر: لا من قبل الحيض: قال ابن عباس، وأبو ~~رزين، وقتادة، والسدي في آخرين. # والثاني: أن معناه: فأتوهن من حيث أمركم الله أن لا تقربوهن فيه، وهو محل ~~الحيض، قاله مجاهد. وقال من نصر هذا القول: إنما قال: (أمركم) والمعنى: ~~نهاكم، لأن النهي أمر بترك المنهي عنه و " من " بمعنى " في ": كقوله تعالى: ~~(إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة). # والثالث: فأتوهن من قبل التزويج والحلال، لا من قبل الفجور، قاله ابن ~~الحنفية. # والرابع: أن معناه فاتوهن من الجهات التي يحل أن تقرب فيها المرأة، ولا ~~تقربوهن من حيث لا ينبغي مثل أن كن صائمات أو معتكفات أو محرمات. وهذا قول ~~الزجاج، وابن كيسان. وفي قوله [تعالى]: (إن الله يحب التوابين) قولان: # أحدهما: التوابين من الذنوب، قاله عطاء، ومجاهد في آخرين. # والثاني: التوابين من إتيان الحيض ذكره بعض المفسرين. # وفي قوله: (ويحب المتطهرين) ثلاثة أقوال: PageV01P224 # أحدها: المتطهرين من الذنوب، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية. # والثاني: المتطهرين بالماء، قاله عطاء. # والثالث: المتطهرين من إتيان أدبار النساء. روي عن مجاهد. # فصل أقل الحيض يوم وليلة في إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: يوم. وقال ~~أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام. وقال مالك وداود: ليس لأقله حد. وفي أكثره ~~روايتان عن أحمد: # إحداهما: خمسة عشر يوما، وهو قول مالك والشافعي. # والثانية: سبعة عشر يوما. وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام. # والحيض مانع من عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصوم دون وجوبه، ~~والجلوس في المسجد، والاعتكاف، والطواف، وقراءة القرآن، وحمل المصحف، ~~والاستمتاع في الفرج، وحصول الطلاق. # نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) قوله [تعالى]: (نساؤكم حرث لكم) في سبب ~~نزلها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن اليهود أنكرت جواز إتيان المرأة إلا من بين يديها، وعابت من ~~يأتيها على غير تلك الصفة، فنزلت هذه الآية. روي عن جابر، والحسن، وقتادة. # والثاني: أن حيا من قريش كانوا يتزوجون النساء ms0192 بمكة، ويتلذذون بهن مقبلات ~~ومدبرات، فلما قدموا المدينة، تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا ذلك، ~~فأنكرنه، وانتهى الحديث إلى النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]، فنزلت هذه ~~الآية. رواه مجاهد عن ابن عباس. # والثالث: أن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]، ~~فقال: هلكت، حولت رحلي الليلة، فنزلت هذه الآية. رواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس. والحرث: المزدرع، وكنى به هاهنا عن PageV01P225 # الجماع، فسماهن حرثا، لأنهن مزدرع الأولاد، كالأرض للزرع، فإن قيل: ~~النساء جمع، فلم يقل: # حروث؟ فعنه ثلاثة أجوبة، ذكرها ابن القاسم الأنباري النحوي: # أحدها: أن يكون الحرث مصدرا في موضع الجمع، فلزمه التوحيد، كما تقول ~~العرب: # إخوتك صوم، وأولادك فطر، يريدون: صائمين ومفطرين، فيؤدي المصدر بتوحيده ~~عن اللفظ المجموع. # والثاني: أن يكون أراد: حروث لكم، فاكتفى بالواحد من الجمع، كما قال ~~الشاعر: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا أي: في أنصاف بطونكم. # والثالث: أنه إنما وحد الحرث، لأن النساء شبهن به، ولسن من جنسه، ~~والمعنى: نساؤكم مثل حروث لكم. # قوله [تعالى]: (أنى شئتم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى: كيف شئتم، ثم فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: كيف شئتم، مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان ~~الإتيان في الفرج. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعطية، والسدي، وابن قتيبة ~~في آخرين. # والثاني: أنها نزلت في العزل. قاله سعيد بن المسيب، فيكون المعنى: إن ~~شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا. # والقول الثاني: أنه بمعنى: إذا شئتم، ومتى شئتم، وهو قول ابن الحنفية ~~والضحاك، وروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنه بمعنى: حيث شئتم، وهذا محكي عن ابن عمر ومالك بن أنس، وهو ~~فاسد من وجوه: # أحدها: أن سالم بن عبد الله لما بلغه أن نافعا تحدث بذلك عن ابن عمر، ~~قال: كذب العبد، إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن. وأما ~~أصحاب مالك، فإنهم ينكرون صحته عن مالك. # والثاني: أن أبا هريرة روى عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: ~~" ملعون من ms0193 أتى النساء في PageV01P226 # أدبارهن " فدل على أن الآية لا يراد بها هذا. والثالث: أن الآية نبهت على ~~أنه محل الولد بقوله: (فأتوا حرثكم) وموضع الزرع: هو مكان الولد. قال ابن ~~الأنباري: لما نص الله على ذكر الحرث، والحرث به يكون النبات، والولد مشبه ~~بالنبات، لم يجز أن يقع الوطء في محل لا يكون منه ولد: # والرابع: أن تحريم إتيان الحائض كان لعلة الأذى، والأذى ملازم لهذا المحل ~~لا يفارقه. # قوله [تعالى]: (وقدموا لأنفسكم) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه: وقدموا لأنفسكم من العمل الصالح، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: وقدموا التسمية عند الجماع، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: وقدموا لأنفسكم في طلب الولد، قاله مقاتل: # والرابع: وقدموا طاعة الله واتباع أمره، قاله الزجاج. # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم (224) وقوله [تعالى]: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) في سبب ~~نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنة شئ، فحلف عبد ~~الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه، وجعل يقول: قد حلفت بالله، ولا يحل لي، ~~إلا أن تبر يميني، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: ان الرجل كان يحلف بالله أن لا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس، ~~فنزلت هذه الآية، قاله الربيع بن أنس. # والثالث: أنها نزلت في أبي بكر حين حلف: لا ينفق على مسطح، قاله ابن ~~جريج. # والرابع: نزلت في أبي بكر، حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم، قاله ~~المقاتلان: # ابن حيان، وابن سليمان. PageV01P227 # قال الفراء: والمعنى: ولا تجعلوا الله معترضا لأيمانكم. وقال أبو عبيد: ~~نصبا لأيمانكم، كأنه يعني: أنكم تعترضونه في كل شئ فتحلفون به. وفي معنى ~~الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناها: لا تحلفوا بالله أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين ~~الناس، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن جبير، وإبراهيم، والضحاك، ~~وقتادة، والسدي، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. # والثاني: ms0194 أن معناها: لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبروهم، ~~وتصلحوا بينهم بالكذب، روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس. # والثالث: أن معناها: لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين مصلحين، فإن ~~كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه. هذا قول ابن زيد. # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ~~غفور حليم (225) قوله [تعالى]: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) قال ~~الزجاج: اللغو في كلام العرب: ما أطرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمى ما لا يعتد ~~به، لغوا. وقال ابن فارس: اشتقاق ذلك من قولهم لما لا يعتد به من أولاد ~~الإبل في الدية وغيرها لغو، يقال منه: لغا يلغو، وتقول: لغي بالأمر يلغى: ~~إذا لهج به. وقيل إن اشتقاق اللغة منه. وفي المراد باللغو هاهنا خمسة ~~أقوال: # أحدها: أن يحلف على الشئ يظن أنه كما حلف، ثم يتبين له أنه بخلافه. وإلى ~~هذا المعنى ذهب أبو هريرة، وابن عباس، والحسن، وعطاء، والشعبي، وابن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة، والسدي عن أشياخه، ومالك، ومقاتل. # والثاني: أنه: لا والله، وبلى والله، من غير قصد لعقد اليمين، وهو قول ~~عائشة، وطاووس، وعروة، والنخعي، والشافعي. واستدل أرباب هذا القول بقوله ~~[تعالى] (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) وكسب القلب: عقدة وقصده، وهذان ~~القولان منقولان عن الإمام أحمد، روى عنه ابنه عبد الله أنه قال: اللغو ~~عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنه كذلك، ولا كفارة. والرجل يحلف ولا يعقد ~~قلبه على شئ، فلا كفارة. # والثالث: أنه يمين الرجل وهو غضبان، رواه طاوس عن ابن عباس. PageV01P228 # والرابع: انه حلف الرجل على معصية، فليحنث، وليكفر، ولا إثم عليه. قاله ~~سعيد بن جبير. # والخامس: أن يحلف الرجل على شئ، ثم ينساه. قاله النخعي. وقول عائشة أصح ~~الجميع. قال حنبل: سئل أحمد عن اللغو فقال: الرجل يحلف فيقول: لا والله، ~~وبلى والله، لا يريد عقد اليمين، فإذا عقد على اليمين لزمته الكفارة. # قوله [تعالى]: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) قال مجاهد: أي: ما عقدت ~~عليه قلوبكم ms0195 " والحليم ": ذو الصفح الذي لا يستفزه غضب، فيعجل، ولا يستخفه ~~جهل جاهل مع قدرته على العقوبة. قال أبو سليمان الخطابي: ولا يستحق اسم ~~الحليم من سامح مع العجز عن المجازاة، إنما الحليم الصفوح مع القدرة، ~~المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض الشعراء أبياتا في هذا المعنى ~~فقال: # لا يدرك المجد أقوام وإن كرموا * حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا حتى ~~فترى الألوان مسفرة * لا صفح ذل ولكن صفح أحلام قال، ويقال: حلم الرجل يحلم ~~حلما يضم اللام في الماضي والمستقبل. وحلم في النوم، بفتح اللام، يحلم ~~حلما، اللام في المستقبل والحاء في المصدر مضمومتان. # فصل الأيمان على ضربين، ماض ومستقبل، فالماضي على ضربين: يمين محرمة، ~~وهي: اليمين الكاذبة، وهي أن يقول: والله ما فعلت، وقد فعل. أو: لقد فعلت، ~~وما فعل. ويمين مباحة، وهي أن يكون صادقا في قوله. ما فعلت. أو: لقد فعلت. ~~والمستقبلة على خمسة أقسام: # أحدها: يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة، وحلها معصية، مثل أن يحلف: ~~لأصلين الخمس، ولأصومن رمضان، أو: لا شربت الخمر. # والثاني: عقدها معصية، والمقام عليها معصية، وحلها طاعة، وهي عكس الأولى. # والثالث: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها مكرهة، مثل ان ~~يحلف: ليفعلن النوافل من العبادات. # والرابع: يمين عقدها مكروه، والمقام عليها مكروه، وحلها طاعة، وهي عكس ~~التي قبلها. PageV01P229 # والخامس: يمين عقدها مباح، والمقام عليها مباح، وحلها مباح مثل أن يحلف: ~~لا دخلت بلدا فيه من يظلم الناس، ولا سلكت طريقا مخوفا، ونحو ذلك. # للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ~~(226) قوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم) قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية ~~إذا طلب الرجل من امرأته شيئا، فأبت أن تعطيه، حلف أن لا يقربها السنة، ~~والسنتين، والثلاث، فيدعها لا أيما، ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام، جعل ~~الله ذلك أربعة أشهر، وأنزل الله هذه الآية. # وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، وكان الرجل لا يريد ~~المرأة * ولا يحب ms0196 ان يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، فجعل الله ~~تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل هذه ~~الآية. قال ابن قتيبة: يؤلون، أي: يحلفون. يقال آليت من امرأتي، أولي ~~إيلاء: إذا حلف لا يجامعها. والاسم: الألية. وقال الزجاج: يقال من الإيلاء: ~~آليت اولي إيلاء وألية وألوة وألوة وإلوة، وهي بالكسر أقل اللغات، قال ~~كثير: # قيل الألايا حافظ ليمينه * وإن بدرت منه الألية برت وحكي ابن الأنباري عن ~~بعض اللغويين أنه قال: " من " بمعنى: " في " أو: " على " والتقدير: # على وطء نسائهم، فحذف الوطء، وأقام النساء مقامه، كقوله [تعالى]: (ما ~~وعدتنا على رسلك) أي: على ألسنة رسلك. وقيل: في الكلام حذف، تقديره: يؤلون، ~~يعتزلون من نسائهم. والتربص: # الانتظار. ولا يكون مؤليا إلا إذا حلف بالله لا يصيب زوجته أكثر من أربعة ~~أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر فما دون، لم يكن مؤليا. وهذا قول مالك، ~~وأحمد، والشافعي. وفاؤوا: رجعوا، ومعنا رجعوا إلى الجماع، قاله علي، وابن ~~عباس وابن جبير، ومسروق، والشعبي، وإذا كان للمؤلي عذر لا يقدر معه على ~~الجماع، فإنه يقول: متى قدرت جامعتها، فيكون ذلك من قوله فيئة، فمتى قدر ~~فلم يفعل، أمر بالطلاق، فإن لم يطلق، طلق الحاكم عليه. # قوله [تعالى]: (فإن الله غفور رحيم) قال علي، وابن عباس: غفور لإثم ~~اليمين. # وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (237) قوله [تعالى]: (وإن عزموا ~~الطلاق) أي: حققوه. وفي عزم الطلاق قولان: # أحدهما: أنه إذا مضت الأربعة الأشهر استحق عليه أن يفي، أو يطلق، وهو ~~مروي عن عمر، PageV01P230 # وعثمان، وعلي، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعائشة، وطاووس، ومجاهد، والحكم، ~~وأبي صالح. وحكاه أبو صالح عن اثني عشر رجلا من الصحابة، وهو قول مالك، ~~وأحمد، والشافعي. # والثاني: أنه لا يفئ حتى يمضي أربعة أشهر، فتطلق بذلك من غير أن يتكلم ~~بطلاق. # واختلف أرباب هذا القول فيما يلحقها من الطلاق على قولين: # أحدهما: طلقة بائنة. روي عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وقبيصة ~~بن ms0197 ذؤيب. # والثاني: طلقة رجعية، روي عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، ~~وابن شبرمة. # قوله [تعالى]: (فإن الله سميع عليم) فيه قولان: # أحدهما: سميع لطلاقه، عليم بنيته. # والثاني: سميع ليمينه، عليم بها. # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) قوله [تعالى]: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) سبب ~~نزولها: أن المرأة كانت إذا طلقت وهي راغبة في زوجها، قالت: أنا حبلى، لكي ~~يراجعها، وإن كانت حبلى وهي كارهة. قالت: لست بحبلى، لكي لا يقدر على ~~مراجعتها. فلما جاء الإسلام ثبتوا على هذا، فنزل قوله تعالى: (يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) ثم نزلت: # (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء). رواه أبو صالح عن ابن عباس. # فأما التفسير، فالطلاق: التخلية. قال ابن الأنباري: هي من قول العرب: ~~أطلقت الناقة، فطلقت: إذا كانت مشدودة، فأزلت الشد عنها: وخليتها، فشبه ما ~~يقع للمرأة بذلك، لأنها كانت متصلة الأسباب بالرجل، وكانت الأسباب كالشد ~~لها، فلما طلقها قطع الأسباب. ويقال: طلقت المرأة، وطلقت. وقال غيره: ~~الطلاق: من أطلقت الشئ من يدي، إلا أنهم لكثرة استعمالهم PageV01P231 # اللفظتين فرقوا بينهما، ليكون التطليق مقصورا في الزوجات. وأما القروء: ~~فيراد بها: الأطهار، ويراد بها الحيض. يقال: أقرأت المرأة إذا حاضت، ~~وأقرأت: إذا طهرت. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المستحاضة: # " تقعد أيام أقرائها ". يريد: أيام حيضها. وقال الأعشى: # وفي كل عام أنت جاشم غزوة * تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالا، وفي ~~الحي رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا أراد بالقروء: الأطهار، لأنه لما ~~خرج عن نسائه أضاع أطهارهن. واختلف أهل اللغة في أصل القروء على قولين: # أحدهما: أن أصله الوقت، يقال: رجع فلان لقرئه، أي: لوقته الذي كان يرجع ~~فيه. # فالحيض يأتي لوقت، والطهر يأتي لوقت، هذا قول ابن ms0198 قتيبة. # والثاني: أن أصله الجمع. وقولهم: قرأت القرآن، أي لفظت به مجموعا. ~~والقروء: # اجتماع الدم في البدن، وذلك إنما يكون في الطهر، وقد يجوز أن يكون ~~اجتماعه في الرحم، وكلاهما حسن، هذا قول الزجاج. # واختلف الفقهاء في الأقراء على قولين: # أحدهما: أنها الحيض، روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعبادة بن ~~الصامت، وأبي الدرداء، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ~~والحسن بن صالح، وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل رضي الله عنه فإنه قال: ~~قد كنت أقول: ان القروء: # الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. # والثاني: أنها الأطهار. روي عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، والزهري، ~~وأبان بن عثمان، ومالك بن أنس، والشافعي، وأومأ إليه أحمد ولفظ قوله ~~[تعالى]: (والمطلقات يتربصن) لفظ الخبر، ومعناه: الأمر، كقوله [تعالى]: # (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) وقد يأتي لفظ الأمر في معنى ~~الخبر كقوله [تعالى]: # (فليمدد الرحمن مدا) والمراد بالمطلقات في هذه الآية، البالغات، المدخول ~~بهن غير الحوامل. # قوله [تعالى]: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) فيه ثلاثة ~~أقوال: PageV01P232 # أحدها: أنه الحمل، قاله عمر، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، وابن ~~قتيبة: # والزجاج. # والثاني: أنه الحيض، قاله عكرمة، وعطية، والنخعي، والزهري. # والثالث: الحمل والحيض، قاله ابن عمر، وابن زيد. # وقوله [تعالى]: (إن كن يؤمن بالله) خرج مخرج الوعيد لهن والتوكيد، قال ~~الزجاج: وهو كما تقول للرجل: إن كنت مؤمنا فلا تظلم. وفي سبب وعيدهم بذلك ~~قولان: # أحدهما: أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة قاله ابن عباس. # والثاني: لأجل إلحاق الولد بغير أبيه، قاله قتادة. وقيل: كانت المرأة إذا ~~رغبت في زوجها، قالت: إني حائض، وقد طهرت. وإذا زهدت فيه، كتمت حيضها حتى ~~تغتسل، فتفوته. # والبعولة: الأزواج. و " ذلك ": إشارة إلى العدة. قاله مجاهد، والنخعي، ~~وقتادة في آخرين: # وفي الآية دليل على أن خصوص آخر اللفظ لا يمنع عموم أوله، ولا يوجب ~~تخصيصه، لأن قوله [تعالى]: (والمطلقات يتربصن) عام في المبتوتات والرجعيات، ~~وقوله [تعالى]: (وبعولتهن أحق بردهن) ms0199 خاص في الرجعيات. # قوله [تعالى]: (إن أرادوا إصلاحا) قيل: إن الرجل كان إذا أراد الإضرار ~~بامرأته، طلقها واحدة وتركها، فإذا قارب انقضاء عدتها راجعها، ثم تركها ~~مدة، ثم طلقها، فنهوا عن ذلك. وظاهر الآية يقتضي انه إنما يملك الرجعة على ~~غير وجه المضارة بتطويل العدة عليها، غير أنه قد دل قوله [تعالى]: (ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) على صحة الرجعة وإن قصد الضرار، لأن الرجعة لو لم ~~تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالما بفعلها. # قوله [تعالى]: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وهو: المعاشرة الحسنة، ~~والصحبة الجميلة. روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن حق ~~المرأة على الزوج، فقال: " أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب ~~الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت " وقال ابن عباس: # إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي لهذه الآية. # قوله [تعالى]: (وللرجال عليهن درجة) قال ابن عباس: بما ساق إليها من ~~المهر، وأنفق عليها من المال. وقال مجاهد: بالجهاد والميراث. وقال أبو ~~مالك: يطلقها، وليس لها من الأمر شئ. وقال الزجاج: تنال منه من اللذة كما ~~ينال منها، وله الفضل بنفقته. وروى أبو هريرة عن النبي PageV01P233 # صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها ". وقالت ابنة سعيد بن المسيب: ما كنا نكلم أزواجنا ~~إلا كما تكلمون أمراءكم. # فصل اختلف العلماء في هذه الآية: هل تدخل في الآيات المنسوخات أم لا؟ على ~~قولين: # أحدهما: أنها تدخل في ذلك. واختلف هؤلاء في المنسوخ منها، فقال قوم: ~~المنسوخ منها قوله [تعالى]: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) وقالوا: ~~فكان يجب على كل مطلقة أن تعتد بثلاثة قروء، فنسخ حكم الحامل بقوله ~~[تعالى]: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن). # وحكم المطلقة قبل الدخول بقوله [تعالى]: (إذا نكحتم المؤمنات، ثم ~~طلقتموهن من قبل ان تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) وهذا مروي عن ~~ابن عباس، والضحاك في ms0200 آخرين. # وقال قوم: أولها محكم، والمنسوخ قوله [تعالى]: (وبعولتهن أحق بردهن) ~~قالوا: كان الرجل إذا طلق امرأته كان أحق برجعتها، سواء كان الطلاق ثلاثا، ~~أو دون ذلك، فنسخ بقوله [تعالى]: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره) والقول الثاني: أن الآية كلها محكمة، فأولها عام. والآيات ~~الواردة في العدد، خصت ذلك من العموم، وليس بنسخ. وأما ما قيل في الارتجاع، ~~فقد ذكرنا أن معنى قوله [تعالى]: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك)، أي: في ~~العدة قبل انقضاء القروء الثلاثة، وهذا القول هو الصحيح. # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون (239) قوله [تعالى]: (الطلاق مرتان) سبب ~~نزولها: أن الرجل كان يطلق امرأته، ثم يراجعها ليس لذلك شئ ينتهي إليه، ~~فقال رجل من الأنصار لامرأته: والله لا أؤيك إلي أبدا ولا تحلين مني. # فقالت: كيف ذلك؟ قال: أطلقك، فإذا دنا أجلك، راجعتك، فذهبت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، تشكو إليه PageV01P234 # ذلك، فنزلت هذه الآية، فاستقبلها الناس جديدا من كان طلق ومن لم يطلق. ~~رواه هشام بن عروة عن أبيه. # فأما التفسير، ففي قوله [تعالى]: (الطلاق مرتان) قولان: # أحدهما: أنه بيان لسنة الطلاق، وأن يوقع في كل قرء طلقة، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. # والثاني: أنه بيان للطلاق الذي يملك معه الرجعة، قاله عروة، وقتادة، وابن ~~قتيبة، والزجاج في آخرين. # قوله [تعالى]: (فإمساك بمعروف) معناه: فالواجب عليكم إمساك بمعروف، وهو ~~ما يعرف من إقامة الحق في إمساك المرأة. وقال عطاء، ومجاهد، والضحاك، ~~والسدي: المراد بقوله [تعالى]: (فإمساك بمعروف): الرجعة بعد الثانية. وفي ~~قوله [تعالى]: (أو تسريح بإحسان) قولان: # أحدهما: أن المراد به: الطلقة الثالثة، قاله عطاء ومجاهد، ومقاتل. # والثاني: أنه الإمساك عن رجعتها حتى تنقضي عدتها، قاله الضحاك، والسدي. ~~قال القاضي ms0201 أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء وهذا الصحيح، أنه قال عقيب ~~الآية: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) والمراد بهذه ~~الطلقة: الثالثة بلا شك، فيجب إذن أن يحمل قوله [تعالى]: (أو تسريح بإحسان) ~~على تركها حتى تنقضي عدتها، لأنه إن حمل على الثالثة، وجب ان يحمل قوله ~~[تعالى]: (فإن طلقها) على رابعة، وهذا لا يجوز. # فصل الطلاق على أربعة أضرب: # واجب، ومندوب إليه، ومحظور، ومكروه. فالواجب: طلاق المؤلي بعد التربص، ~~إذا لم يف، وطلاق الحكمين في شقاق الزوجين، إذا رأيا الفرقة. والمندوب: إذا ~~لم يتفقا، واشتد الشقاق بينهما، ليتخلصا من الإثم. والمحظور: في الحيض، إذا ~~كانت مدخولا بها، وفي طهر جامعها فيه قبل أن تطهر. والمكروه: إذا كانت ~~حالهما مستقيمة، وكل واحد منهما قيم بحال صاحبه. # قوله [تعالى]: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) نزلت في ثابت ~~بن قيس بن شماس، أتت زوجته إلى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: ~~والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني لا أطيقه بغضا. فقال لها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. فأمره ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يأخذها، PageV01P235 # ولا يزداد. رواه عكرمة عن ابن عباس واختلفوا في اسم زوجته، فقال ابن ~~عباس: جميلة. # ونسبها يحيى بن أبي كثير، فقال: جميلة بنت عبد الله ابن أبي بن سلول، ~~وكناها مقاتل، فقال: أم حبيبة بنت عبد الله بن أبي. وقال آخرون: إنما هي ~~جميلة أخت عبد الله بن أبي وروى يحيى بن سعيد عن عمرة روايتين: # إحداهما: أنها حبيبة بنت سهل. # والثانية: سهلة بنت حبيب. # وهذا الخلع أول خلع كان في الإسلام والخوف في الآية بمعنى: العلم والحدود ~~قد سبق بيان معناها. # ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها لبغضها إياه، ~~وخاف الزوج أن يعتدي عليها لامتناعها عن طاعته، جاز له أن يأخذ منها ~~الفدية، إذا طلبت ذلك. هذا على قراءة ms0202 الجمهور في فتح " ياء " (يخافا) وقرأ ~~الحسن، ومجاهد، وأبو جعفر، وحمزة والأعمش: (يخافا) بضم الياء. # قوله [تعالى]: (فإن خفتم) قال قتادة: هو خطاب للولاة (فلا جناح عليهما) ~~على المرأة (فيما افتدت به) وعلى الزوج فيما أخذ، لأنه ثمن حقه. وقال ~~الفراء: يجوز أن يراد الزوج وحده، وإن كانا قد ذكرا جميعا، كقوله [تعالى]: ~~(يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) وإنما يخرج من أحدهما. وقوله: (نسيا حوتهما): ~~وإنما نسي أحدهما. # فصل وهل يجوز له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها؟ فيه قولان: # أحدهما: يجوز، وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد، والنخعي، والضحاك، ومالك، والشافعي. # والثاني: لا يجوز، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي، وطاووس، وابن ~~جبير، والزهري، وأحمد بن حنبل وقد نقل عن علي، والحسن أيضا. وهل يجوز الخلع ~~دون السلطان؟ # قال عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وطاوس، وشريح، والزهري: يجوز، وهو قول ~~جمهور العلماء. وقال الحسن، وابن سيرين، وقتادة: لا يجوز إلا عند السلطان. ~~PageV01P236 # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون (230) قوله [تعالى]: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره) ذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت في تميمة بنت وهب بن عتيك النضيري، وقي ~~زوجها رفاعة بن عبد الرحمن القرظي. وقال غير مقاتل: إنها عائشة بن عبد ~~الرحمن بن عتيك، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها، فطلقها ~~ثلاثا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، ثم طلقها، فأتت إلى النبي [صلى ~~الله عليه وآله وسلم]، فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني، فأبت طلاقي، ~~فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى ~~ابن عمي؟ فتبسم رسول الله، [صلى الله عليه وآله وسلم]، وقال: " أتريدين أن ~~ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". # قوله [تعالى]: (فإن طلقها) يعني: الزوج المطلق مرتين. ms0203 قال ابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة: # هي الطلقة الثالثة. واعلم أن الله تعالى عاد بهذه الآية بعد الكلام في ~~حكم الخلع إلى تمام الكلام في الطلاق. # قوله [تعالى]: (فإن طلقها) يعني: الثاني (فلا جناح عليهما) يعني: المرأة، ~~والزوج الأول (إن ظنا أن يقيما حدود الله) قال طاووس: ما فرض الله على كل ~~واحد منهما من حسن العشرة والصحبة. # قوله [تعالى]: (يبينها) قراءة الجمهور (يبينها) بالياء. وقرأ الحسن، ~~ومجاهد، والمفضل عن عاصم بالنون (لقوم يعلمون) قال الزجاج: يعلمون أن أمر ~~الله حق. # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم (231) قوله [تعالى]: (وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن) قال ابن عباس: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل ~~انقضاء عدتها، ثم يطلقها، يضارها بذلك، فنزلت هذه الآية. والأجل هاهنا: ~~زمان PageV01P237 # العدة. ومعنى البلوغ هاهنا: مقاربة الأجل دون حقيقة الانتهاء إليه، يقال: ~~بلغت المدينة: إذا قاربتها، وبلغتها: إذا دخلتها، وإنما حمل العلماء هذا ~~البلوغ على المقاربة، لأنه ليس بعد انقضاء العدة رجعة. # قوله [تعالى]: (فأمسكوهن بمعروف) قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة: ~~المراد به الرجعة قبل انقضاء العدة. # قوله [تعالى]: (أو سرحوهن بمعروف) وهو تركها حتى تنقضي عدتها. والمعروف ~~في الإمساك: القيام بما يجب لها من حق والمعروف في التسريح: أن لا يقصد ~~إضرارها، بأن يطيل عدتها بالمراجعة، وهو معنى قوله: (ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا) قاله الحسن ومجاهد، وقتادة في آخرين. وقال الضحاك: إنما كانوا ~~يضارون المرأة لتفتدي (ومن يفعل ذلك) الاعتداء، (فقد ظلم نفسه) بارتكاب ~~الإثم. # قوله [تعالى]: ولا تتخذوا آيات الله هزوا) فيه قولان: # أحدهما: أنه الرجل يطلق أو يراجع، أو يعتق، ويقول: كنت لاعبا. روي عن ~~عمر، وأبي الدرداء، والحسن. # والثاني: أنه المضار بزوجته في تطويل عدتها بالمراجعة قبل الطلاق. قاله ~~مسروق، ومقاتل (واذكروا ms0204 نعمة الله عليكم) قال ابن عباس: احفظوا منته عليكم ~~بالإسلام. قال: والكتاب: القرآن. # والحكمة: الفقه. (واتقوا الله) في الضرار (واعلموا أن الله بكل شئ) به ~~وبغيره (عليم). # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) قوله [تعالى]: (وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: ما روى الحسن أن معقل بن يسار زوج أخته من رجل من المسلمين، ~~فكانت عنده ما كانت، فطلقها تطليقة العدة، وكانت أحق بنفسها، فخطبها مع ~~الخطاب، فرضيت أن ترجع إليه، فخطبها إلى معقل، فغضب معقل، وقال: أكرمتك ~~بها، فطلقتها؟! لا والله! لا ترجع إليك آخر ما عليك. قال الحسن: فعلم الله، ~~عز وجل، حاجة الرجل إلى امرأته، وحاجة المرأة إلى بعلها، فنزلت PageV01P238 # هذه الآية، فسمعها معقل، فقال: سمعا لربي، وطاعة، فدعا زوجها، فقال: ~~أزوجك، وأكرمك. # ذكر عبد الغني الحافظ عن الكلبي أنه سمى هذه المرأة، فقال: جميلة بنت ~~يسار. # والثاني: أن جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عم، فطلقها زوجها ~~تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها، فأبى جابر، وقال: طلقت ابنة ~~عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية؟! # وكانت المرأة تريد زوجها، قد راضته، فنزلت هذه الآية، قال السدي. # فأما بلوغ الأجل في هذه الآية، فهو انقضاء العدة، بخلاف التي قبلها. قال ~~الشافعي رضي الله عنه. دل اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين. # قوله [تعالى]: (فلا تعضلوهن) خطاب للأولياء قال ابن عباس، وابن جبير، ~~وابن قتيبة في آخرين: معناه لا تحبسوهن والعرب تقول تقول للشدائد: معضلات. ~~وداء عضال: قد أعيا. قال أوس بن حجر: # وليس أخوك الدائم العهد بالذي * يذمك إن ولي ويرضيك مقبلا ولكنه النائي ~~إذا كنت آمنا * وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا وقالت ليلى الأخيلية: # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء ~~العضال الذي بها * غلام إذا هز ms0205 القناة سقاها قال الزجاج: وأصل العضل، من ~~قولهم: عضلت الدجاجة، فهي معضل: إذا احتبس بيضها ونشب فلم يخرج، وعضلت ~~الناقة أيضا: إذا احتبس ولدها في بطنها. # قوله [تعالى]: (إذا تراضوا بينهم بالمعروف) قال السدي، وابن قتيبة: معناه ~~إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح. قال الشافعي: وهذه الآية أبين آية في ~~أنه ليس للمرأة أن تتزوج إلا بولي. # قوله [تعالى]: (ذلك يوعظ به) قال مقاتل: الإشارة إلى نهي الولي عن المنع. ~~قال الزجاج: # إنما قال: " ذلك " ولم يقل: " ذلكم " وهو يخاطب جماعة، لأن لفظ الجماعة ~~لفظ الواحد، فالمعنى، ذلك أيها القبيل. # قوله [تعالى]: (ذلكم أزكى لكم) يعني رد النساء إلى أزواجهن، أفضل من ~~التفرقة بينهم PageV01P239 # (وأطهر) أي: أنقى لقلوبكم من الريبة لئلا يكون هناك نوع محبة، فيجتمعان ~~على غير وجه صلاح. # قوله [تعالى]: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: يعلم ود كل واحد منهما لصحابه، قاله ابن عباس، ~~والضحاك. # والثاني: يعلم مصالحكم عاجلا وآجلا، قاله الزجاج في آخرين. # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) قوله [تعالى]: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين) لفظه لفظ الخبر، ~~ومعناه الأمر، كقوله [تعالى]: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) وقال ~~القاضي أبو يعلى: وهذا الأمر انصرف إلى الآباء، لأن عليهم الاسترضاع، لا ~~إلى الوالدات بدليل قوله [تعالى]: (وعلى المولود له رزقهن) وقوله [تعالى]: ~~(فآتوهن أجورهن) فلو كن متحتما على الوالدة، لم تستحق الأجرة. وهل هو عام ~~في جميع الوالدات؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه خاص في المطلقات، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، ~~والسدي، ومقاتل في آخرين. # والثاني: أنه عام في الزوجات والمطلقات، ولهذا يقال: لها أن تؤجر ms0206 نفسها ~~لرضاع ولدها، سواء كانت مع الزوج، أو مطلقة، قاله القاضي أبو يعلى، وأبو ~~سليمان الدمشقي في آخرين. # والحول: السنة، وفي قوله: (كاملين) قولان: # أحدهما: أنه دخل للتوكيد، كقولك [تعالى]: (تلك عشرة كاملة). # والثاني: أنه لما جاز أن يقول: " حولين "، ويريد أقل منهما، كما قال: ~~(فمن تعجل في يومين) ومعلوم أنه يتعجل في يوم وبعض آخر. وتقول العرب: لم أر ~~فلانا منذ يومين، وإنما PageV01P240 # يريدون: يوما وبعض آخر - قال كاملين لتبيين أنه لا يجوز أن ينقص منهما، ~~وهذا قول الزجاج، والفراء. # فصل واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فقال بعضهم: هو ~~محكم، والمقصود منه بيان مدة الرضاع، ويتعلق به أحكام، منها أنه كمال ~~الرضاع، ومنها أنه يلزم الأب نفقة الرضاع مدة الحولين، ويجبره الحاكم على ~~ذلك، ومنها أنه يثبت تحريم الرضاع في مدة الحولين، ولا يثبت فيما زاد، ونقل ~~عن قتادة، والربيع بن أنس في آخرين أنه منسوخ بقوله [تعالى]: (فإن أرادا ~~فصالا عن تراض منهما) قال شيخنا علي بن عبيد الله: وهذا قول بعيد، لأن الله ~~تعالى قال في أولها: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) فلما قال في الثاني (فان ~~أرادا فصالا عن تراض منهما) خير بين الإرادتين، وذلك لا يعارض المدة ~~المقدرة في التمام. # قوله تعالى: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) أي: هذا التقدير بالحولين لمريدي ~~إتمام الرضاعة. # وقرأ مجاهد بتاءين " تتم الرضاعة " بالرفع، وهي رواية الحلبي عن عبد ~~الوارث. وقد نبه ذكر التمام على نفي حكم الرضاع بعد الحولين، وأكثر القراء ~~على فتح راء " الرضاعة "، وقرأ طلحة مصرف، وابن أبي عبلة، وأبو رجاء ~~بكسرها، قال الزجاج يقال: الرضاعة بفتح الراء وكسرها، والفتح أكثر، ويقال: ~~ما حمله على ذلك إلا اللؤم والرضاعة بالفتح ها هنا لا غير. # قوله [تعالى]: (وعلى المولود له) يعني: الأب. (رزقهن وكسوتهن) يعني: ~~المرضعات. # وفي قوله: (بالمعروف) دلالة على أن الواجب على قدر حال الرجل في إعساره ~~ويساره، إذ ليس من المعروف إلزام المعسر مالا يطيقه، ولا الموسر النزر ~~الطفيف. وفي ms0207 الآية دليل على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث، إذ لا ~~يتوصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن، إذ هو معتبر ~~بالعادة. # قوله [تعالى]: (لا تكلف نفس إلا وسعها) أي: إلا ما تطيقه. (لا تضار والدة ~~بولدها) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبا عن عاصم (لا تضار) برفع الراء، وقرأ ~~نافع وعاصم، وحمزة، والكسائي بنصبها، قال أبو علي: من رفع، فلأجل المرفوع ~~قبله، وهو " لا تكلف "، فأتبعه بما قبله ليقع تشابه اللفظ، ومن نصب جعله ~~أمرا، وفتح الراء لتكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف، قال ابن قتيبة: ~~معناه: لا تضارر، فأدغمت الراء في الراء. وقال سعيد بن جبير: لا يحملن ~~المطلقة مضارة الزوج أن تلقي إليه ولده. وقال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ~~ضرارا بأبيه، ولا يضار الولد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه، ليحزنها بذلك. ~~وقال عطاء، وقتادة، والزهري، وسفيان، والسدي في PageV01P241 # آخرين: إذا رضيت بما يرضى به غيرها، فهي أحق به، وقرأ أبو جعفر " لا تضار ~~". # قوله [تعالى]: (وعلى الوارث) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه وارث المولود، وهو قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن أبي ~~ليلى، وقتادة، والسدي، والحسن بن صالح، ومقاتل في آخرين. واختلف أرباب هذا ~~القول، فقال بعضهم: هو وارث المولود من عصبته، كائنا من كان، وهذا مروي عن ~~عمر، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وسفيان. وقال بعضهم: هو وارث ~~المولود على الإطلاق من الرجال والنساء، روي عن ابن أبي ليلى، وقتادة ~~والحسن بن صالح، وإسحاق، وأحمد بن حنبل. وقال آخرون: هو من كان ذا رحم محرم ~~من ورثة المولود، روي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. # والقول الثاني: أن المراد بالوارث هاهنا، وارث الوالد، روي عن الحسن ~~والسدي. # والثالث: أن المراد بالوارث الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر، روي ~~عن سفيان. # والرابع: أنه أريد بالوارث الصبي نفسه، فالنفقة عليه، فإن لم يملك شيئا، ~~فعلي عصبته. قاله الضحاك، وقبيصة بن ذؤيب. قال شيخنا علي بن عبيد الله: ~~وهذا القول لا ينافي قول ms0208 من قال: # المراد بالوارث وارث الصبي، لأن النفقة تجب للموروث على الوارث إذا ثبت ~~إعسار المنفق عليه. # وفي قوله تعالى: (مثل ذلك) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الإشارة إلى أجرة الرضاع والنفقة، روي عن عمر، وزيد بن ثابت، ~~والحسن، وعطاء، ومجاهد، وإبراهيم، وقتادة، وقبيصة بن ذؤيب، والسدي. واختاره ~~ابن قتيبة. # والثاني: أن الإشارة بذلك إلى النهي عن الضرار، روي عن ابن عباس، ~~والشعبي، والزهري. واختاره الزجاج. # والثالث: أنه إشارة إلى جميع ذلك، روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، ~~وأبي سليمان الدمشقي، واختاره القاضي أبو يعلى. ويشهد لهذا أنه معطوف على ~~ما قبله، وقد ثبت أن على المولود له النفقة والكسوة، وأن لا يضار، فيجب أن ~~يكون قوله: (مثل ذلك) مشيرا إلى جميع ما على المولود له. # قوله [تعالى]: (فإن أرادا فصالا) الفصال: الفطام. قال ابن قتيبة: يقال: ~~فصلت الصبي من أمه: إذا فطمته. ومنه قيل للحوار إذا قطع عن الرضاع: فصيل، ~~لأنه فصل عن أمه، وأصل الفصل: التفريق. قال مجاهد: التشاور فيما دون ~~الحولين إن أرادت أن تفطم وأبى، فليس لها، وإن أراد هو، ولم ترد، فليس له ~~ذلك حتى يقع ذلك عن تراض منهما وتشاور، يقول: غير مسيئين إلى أنفسهما وإلى ~~صبيهما. PageV01P242 # قوله [تعالى]: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) قال الزجاج: أي: ~~لأولادكم. قال مقاتل: إذا لم ترض الأم بما يرضى به غيرها، فلا حرج على الأب ~~أن يسترضع لولده. # وفى قوله [تعالى]: (إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف) قولان: # أحدهما: إذا سلمتم أيها الآباء إلى أمهات الأولاد أجور ما أرضعن قبل ~~اشباعهن، قاله مجاهد، والسدي. # والثاني: إذا سلمتم إلى الظئر أجرها بالمعروف، قاله سعيد بن جبير، ~~ومقاتل. وقرأ ابن كثير (ما أتيتم) بالقصر، قال أبو علي: وجهه أن يقدر فيه: ~~ما أتيتم نقده أو أوتيتم سوقه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما ~~تقول: أتيت جميلا، أي: فعلته. # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ms0209 والله بما تعملون ~~خبير (234) قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم) أي: يقبضون بالموت. وقرأ ~~المفضل عن عاصم " يتوفون " بفتح الياء في الموضعين. قال ابن قتيبة: هو من ~~استيفاء العدد، واستيفاء الشئ: أن نستقصيه كله، يقال: توفيته واستوفيته، ~~كما يقاله: تيقنت الخير واستيقنته، هذا الأصل، ثم قيل للموت: وفاة وتوف ~~(ويتربصن) ينتظرن وقال الفراء: وإنما قال: (وعشرا) ولم يقل: عشرة، لأن ~~العرب إذا أبهمت العدد من الليالي والأيام، غلبوا فقال على الليالي على ~~الأيام، حتى إنهم ليقولون: # صمنا عشرا من شهر رمضان، لكثرة تغليبهم أي الليالي والأيام، فإذا أظهروا ~~مع العدد تفسيره، كانت الإناث بغير هاء، والذكور بالهاء كقوله تعالى: ~~(سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما). # فإن قيل ما وجه الحكمة في زيادة هذه العشرة؟ فالجواب: أنه يبين صحة الحمل ~~بنفخ الروح فيه، قاله سعيد بن المسيب، وأبو العالية ويشهد له الحديث الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ~~يوما، نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ~~الملك، فينفخ فيه الروح ". # فصل وهذه الآية ناسخة للتي تشابهها، وهي تأتي بعد آيات، وهي قوله: ~~(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول). لأن ~~تلك كانت تقتضي وجوب العدة سنة، PageV01P243 # وسنذكر ما يتعلق بها هنالك، إن شاء الله. فأما التي نحن في تفسيرها: فقد ~~روي عن ابن عباس أنه قال: نسختها (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن). ~~والصحيح: أنها عامة دخلها التخصيص، لأن ظاهرها يقتضي وجوب العدة على ~~المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، سواء كانت حاملا، أو غير حامل، غير ~~أن قوله [تعالى]: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) خص أولات الحمل، ~~وهي خاصة أيضا في الحرائر، فإن الأمة عدتها شهران وخمسة أيام، فبان أنها من ~~العام الذي دخله التخصيص. # قوله [تعالى]: (فإذا بلغن أجلهن) يعني: انقضاء العدة. # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله أنكم ms0210 ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذوره واعلموا أن الله غفور حليم (235) قوله [تعالى]: (ولا جناح ~~عليكم) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: فلا جناح على الرجال في تزويجهن بعد ذلك. # والثاني: فلا جناح على الرجال في ترك الإنكار عليهن إذا تزين وتزوجن. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: وهو خطاب لأوليائهن. # قوله [تعالى]: (فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) فيه قولان: # أحدهما: أنه التزين والتشوف للنكاح، قاله الضحاك، ومقاتل. # والثاني: أنه النكاح، قاله الزهري، والسدي. و " الخبير " من أسماء الله ~~تعالى، ومعناه العالم بكنه الشئ، المطلع على حقيقته. " والخبير " في صفة ~~المخلوقين، إنما يستعمل في نوع من العلم، وهو الذي يتوصل إليه بالاجتهاد ~~دون النوع المعلوم ببدائه العقول. وعلم الله تعالى سواء، فيما غمض ولطف، ~~وفيما تجلى وظهر. # قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) هذا خطاب لمن ~~أراد تزويج معتدة. والتعريض: الإيماء والتلويح من غير كشف، فهو إشارة ~~بالكلام إلى ما ليس له في الكلام ذكر. والخطبة بكسر الخاء: طلب النكاح، ~~والخطبة بضم الخاء: مثل الرسالة التي لها أول PageV01P244 # وآخر. قال ابن عباس: التعريض أن يقول: إني أريد أن أتزوج وقال مجاهد: أن ~~يقول: إنك لجميلة، وإنك لحسنة، وإنك لإلى خير. # قوله [تعالى]: (أو أكننتم في أنفسكم) قال الفراء: فيه لغتان: كننت الشئ، ~~وأكننته وقال ثعلب: أكننت الشئ: إذا أخفيته في نفسك، وكننته: إذا سترته ~~بشئ. وقال ابن قتيبة: أكننت الشئ: إذا سترته، ومنه هذه الآية، وكننته: إذا ~~صنته، ومنه قوله [تعالى]: (كأنهن بيض مكنون) قال بعضهم: يجعل كننته، ~~وأكننته، بمعنى. # قوله [تعالى]: (علم الله أنكم ستذكرونهن) قال مجاهد: ذكره إياها في نفسه. # قوله [تعالى]: (ولكن لا تواعدوهن سرا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن المراد بالسر هاهنا: النكاح، قاله ابن عباس. وأنشد بيت امرئ ~~القيس: # ألا زعمت بشباشة اليوم أنني * كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي وفي رواية: ~~يشهد ms0211 اللهو. قال الفراء: ونرى أنه مما كنى الله عنه، كقوله [تعالى]: (أو ~~جاء أحد منكم من الغائط). وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن السر: الإفضاء ~~بالنكاح وأنشد: # ويحرم سر جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع قال ابن قتيبة: استعير ~~السر للنكاح، لأن النكاح يكون سرا، فالمعنى: لا تواعدوهن بالتزويج، تصريحا ~~(إلا أن تقولوا قولا معروفا) لا تذكرون فيه رفثا ولا نكاحا. # والثاني: أن المواعدة سرا: أن يقول لها: إني لك محب، وعاهديني أن لا ~~تتزوجي غيري، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن المراد بالسر الزنى. قاله الحسن، وجابر بن زيد، وأبو مجلز، ~~وإبراهيم، وقتادة، والضحاك. # والرابع: أن المعنى: لا تنكحوهن في عدتهن سرا، فإذا حلت أظهرتم ذلك، قاله ~~ابن زيد. # وفي القول المعروف قولان: # أحدهما: أنه التعريض لها، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، ~~والقاسم بن محمد، والشعبي، ومجاهد، وإبراهيم، وقتادة، والسدي. # والثاني: أنه إعلام وليها برغبته فيها، وهو قول عبيدة. # قوله [تعالى]: (ولا تعزموا عقدة النكاح) قال الزجاج: معناه: لا تعزموا ~~على عقدة PageV01P245 # النكاح، وحذفت " على " استخفافا، كما قالوا: ضرب زيد الظهر والبطن، ~~معناه: على الظهر والبطن (حتى يبلغ الكتاب) أي: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله. ~~قال: ويجوز أن يكون " الكتاب " بمعنى " الفرض " كقوله [تعالى]: (كتب عليكم ~~الصيام). فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض أجله. قال ابن عباس، ومجاهد، ~~والشعبي، وقتادة، والسدي: بلوغ الكتاب أجله: # انقضاء العدة. # قوله تعالى: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم) قال ابن عباس: من ~~الوفاء، فاحذروه أن تخالفوه في أمره. والحليم قد سبق بيانه. # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) ~~قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو " تمسوهن " بغير ألف حيث كان، وبفتح ~~التاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف " تماسوهن " بألف وضم التاء في الموضعين ~~هنا وفي الأحزاب ثالث. قال ms0212 أبو علي: وقد يراد بكل واحد من " فاعل " و " فعل ~~" ما يراد بالآخر، يقول: قال مقاتل بن سليمان: # نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة، ولم يسم لها ~~مهرا، فطلقها قبل أن يمسها، فقال النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] " هل ~~متعتها بشئ؟ " قال: لا. قال: " متعها ولو بقلنسوتك " ومعنى الآية: ما لم ~~تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. وقد تكون " أو " بمعنى الواو. وكقوله ~~[تعالى]: # (ولا تطع منهم آثما أو كفورا الدهر). # والمس: النكاح، والفريضة: الصداق، وقد دلت الآية على جواز عقد النكاح ~~بغير تسمية مهر (ومتعوهن) أي: أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على قدر ~~أحوالكم في الغنى والفقر. والمتاع: # اسم لما ينتفع به، فذلك معنى قوله [تعالى]: (على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره). وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو " قدره " باسكان الدال في الحرفين، ~~وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي بتحريك الحرفين، وعن عاصم: كالقرائتين، ~~وهما لغتان. # فصل وهل هذه المتعة واجبة، أم مستحبة؟ فيه قولان: PageV01P246 # أحدهما: واجبة، واختلف أرباب هذا القول، لأي المطلقات تجب. على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها واجبة لكل مطلقة، روي عن علي، والحسن، وأبو العالية، ~~والزهري. # والثاني: أنها تجب لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها صداقا، ولم يمسها، ~~فإنه يجب لها نصف ما فرض، روي عن ابن عمر، والقاسم بن محمد، وشريح، ~~وإبراهيم. # والثالث: أنها تجب للمطلقة قبل الدخول إذا لم يسم لها مهرا، فإن دخل بها، ~~فلا متعة، ولها مهر المثل، روي عن الأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد بن ~~حنبل. # والثاني: أن المتعة مستحبة، ولا تجب على أحد، سواء سمي للمرأة، أو لم ~~يسم، دخل بها، أو لم يدخل، وهو قول مالك، والليث بن سعد، والحكم، وابن أبي ~~ليلى. واختلف العلماء في مقدار المتعة، فنقل عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب: ~~أعلاها خادم، وأدناها كسوة يجوز لها أن تصلي فيها، وروي عن حماد وأبي ~~حنيفة: أنه قدر نصف صداق مثلها. وعن الشافعي وأحمد: أنه قدر يساره وإعساره، ~~فيكون ms0213 مقدرا باجتهاد الحاكم. ونقل عن أحمد: أن المتعة بقدر ما تجزئ فيه ~~الصلاة من الكسوة، وهو درع وخمار. # قوله [تعالى]: (متاعا بالمعروف) أي: بقدر الإمكان، والحق: الواجب. وذكر ~~المحسنين والمنفقين ضرب من التأكيد. # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن) أي: قبل الجماع (وقد فرضتم لهن) أي: أوجبتم لهن شيئا ~~التزمتم به، وهو المهر (إلا أن يعفون) يعني: النساء، وعفو المرأة: ترك حقها ~~من الصداق وفي: الذي بيده عقدة النكاح ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الزوج، وهو قول علي وابن عباس، وجبير بن مطعم، وابن المسيب، ~~وابن جبير، ومجاهد، وشريح، وجابر بن زيد، والضحاك، ومحمد بن كعب القرظي، ~~والربيع بن أنس، PageV01P247 # وابن شبرمة، والشافعي، وأحمد [رضي الله عنهم] في آخرين. # والثاني: أنه الولي، روي عن ابن عباس، والحسن، وعلقمة، وطاووس، والشعبي، ~~وإبراهيم في آخرين. # والثالث: أنه أبو البكر. روي عن ابن عباس، والزهري، والسدي في آخرين. ~~فعلى القول الأول عفو الزوج: أن يكمل لها الصداق، وعلى الثاني: عفو الولي: ~~ترك حقها إذا أبت، روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء. وعلى الثالث يكون قوله: ~~(إلا أن يعفون) يختص بالثيبات. وقوله: # (أو يعفو) يختص أبا البكر، قاله الزهري، والأول أصح، لأن عقدة النكاح ~~خرجت من يد الولي، فصارت بيد الزوج، والعفو إنما يطلق على ملك الإنسان، ~~وعفو الولي عفو عما لا يملك، ولأنه قال: # (ولا تنسوا الفضل بينكم) والفضل فيه هبة الإنسان مال نفسه، لا مال غيره. # قوله [تعالى]: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) فيه قولان: # أحدهما: أنه خطاب للزوجين جميعا، روي عن ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنه خطاب للزوج وحده، قاله الشعبي، وكان يقرأ: " وأن يعفو " ~~بالياء. # قوله [تعالى]: (ولا تنسوا الفضل بينكم) خطاب للزوجين، قال مجاهد: هو ~~إتمام الرجل الصداق، وترك المرأة شطرها. # حافظوا على الصلوات ms0214 والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) قوله ~~[تعالى]: (حافظوا على الصلوات) المحافظة: المواظبة والمداومة، والصلوات ~~بالألف واللام ينصرف إلى المعهود، والمراد: الصلوات الخمس. # قوله [تعالى]: (والصلاة الوسطى) قال الزجاج: هذه الواو تنصرف إلى المعهود ~~والمرا الصلوات الخمس إذا جاءت مخصصة، فهي دالة على فضل الذي تخصصه، كقوله ~~[تعالى]: # (وجبريل وميكال) قال سعيد بن المسيب: كان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وآله وسلم، في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. ثم فيها خمسة أقوال: # أحدها: أنها العصر، روى مسلم في " أفراده " من حديث علي [رضي الله عنه] ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال يوم الأحزاب: " شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم PageV01P248 # نارا. وروى ابن مسعود، وسمرة، وعائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~أنها صلاة العصر. وروى مسلم في " أفراده " من حديث البراء بن عازب قال: ~~نزلت هذه الآية (حافظوا على الصلوات [والصلاة الوسطى] وصلاة العصر) ~~فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: (حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى) وهذا قول علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]، وابن مسعود، وأبي، وأبي ~~أيوب، وابن عمر في رواية، وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية ~~عطية، وأبي سعيد الخدري، وعائشة في رواية، وحفصة، والحسن، وسعيد بن المسيب، ~~وسعيد بن جبير، وعطاء في رواية، وطاووس، والضحاك، والنخعي، وعبيد بن عمير، ~~وزر بن حبيش، وقتادة، وأبي حنيفة، ومقاتل في آخرين، وهو مذهب أصحابنا. # والثاني: أنها الفجر، روي عن عمر، وعلي في رواية، وأبي موسى، ومعاذ، ~~وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة، وابن عمر في رواية مجاهد، وزيد بن أسلم، في ~~رواية أبي رجاء العطاردي، وعكرمة، وجابر بن زيد، وأنس بن مالك، وعطاء، ~~وطاووس في رواية ابنه، وعبد الله بن شداد، ومجاهد، ومالك، والشافعي. وروى ~~أبو العالية قال: صليت مع أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ~~الغداة فقلت لهم: أيما الصلاة الوسطى؟ فقالوا: التي صليت قبل. # والثالث: أنها الظهر، روي عن ابن عمر، ms0215 وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وأبي ~~سعيد الخدري، وعائشة في رواية، وروى ضميرة عن علي عليه السلام قال: هي صلاة ~~الجمعة وهي سائر الأيام الظهر. # والرابع: أنها المغرب، روي عن ابن عباس، وقبيصة بن ذؤيب. # والخامس: أنها العشاء الأخيرة، ذكره علي بن أحمد النيسابوري في " تفسيره ~~". وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها أوسط الصلوات محلا. # والثاني: أوسطها مقدارا. # والثالث: أفضلها ووسط الشئ: خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى: (وكذلك ~~جعلناكم أمة PageV01P249 # وسطا). فإن قلنا: إن الوسطى بمعنى: الفضلى، جاز أن يدعي هذا كل ذي مذهب ~~فيها. وإن قلنا: إنها أوسطها مقدارا، فهي المغرب، لأن أقل المفروضات ~~ركعتان، وأكثرها أربعا. وإن قلنا: # أوسطها محلا، فللقائلين: إنها العصر أن يقولوا: قبلها صلاتان في النهار، ~~وبعدها صلاتان في الليل، فهي الوسطى. ومن قال: هي الفجر، فقال عكرمة: هي ~~وسط بين الليل والنهار، وكذلك قال ابن الأنباري: هي وسط بين الليل والنهار، ~~وقال: وسمعت أبا العباس يعني، ثعلبا يقول: النهار عند العرب أوله: طلوع ~~الشمس. قاله ابن الأنباري: فعلى هذا صلاة الصبح من صلاة الليل، قال: وقال ~~آخرون: بل هي من صلاة النهار، لأن أول وقتها أول وقت الصوم. قال: والصواب ~~عندنا أن نقول: # الليل المحض خاتمته طلوع الفجر، والنهار المحض أوله: طلوع الشمس، والذي ~~بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس يجوز أن يسمى نهارا، ويجوز أن يسمى ليلا، لما ~~يوجد فيه من الظلمة والضوء، فهذا قول يصح به المذهبان. قال ابن الأنباري: ~~ومن قال: هي الظهر، قال: هي وسط النهار. فأما من قال: هي المغرب، فاحتج بأن ~~أول صلاة فرضت، الظهر، فصارت المغرب وسطى، ومن قال: هي العشاء، فإنه يقول: ~~هي بين صلاتين لا تقصران. # قوله [تعالى]: (وقوموا لله قانتين) المراد بالقيام هاهنا: القيام في ~~الصلاة، فأما القنوت، فقد شرحناه فيما تقدم. وفي المراد به هاهنا ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه الطاعة، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن جبير، والشعبي، ~~وطاووس، والضحاك، وقتادة في آخرين. # والثاني: أنه طول القيام في الصلاة، روي عن ابن ms0216 عمر، والربيع بن أنس، وعن ~~عطاء كالقولين. # والثالث: أنه الإمساك عن الكلام في الصلاة. قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم ~~في الصلاة حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمروا بالسكوت. # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون (239) قوله [تعالى]: (فإن خفتم فرجالا) أي: خفتم عدوا، فصلوا ~~رجالا، وهو جمع راجل، PageV01P250 # والركبان جمع راكب، وهذا يدل على تأكيد أمر الصلاة، لأنه أمر بفعلها على ~~كل حال. وقيل: إن هذه الآية أنزلت بعد التي في سورة النساء، لأن الله تعالى ~~وصف لهم صلاة الخوف في قوله: # (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) ثم أنزل هذه الآية (فإن خفتم) أي: خوفا ~~أشد من ذلك، فصلوا عند المسايفة كيف قدرتم. فإن قيل: كيف الجمع بين هذه ~~الآية، وبين ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى يوم ~~الخندق الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بعد ما غاب الشفق؟ # فالجواب: أن أبا سعيد روى أن ذلك كان قبل نزول قوله [تعالى]: (فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا) قال أبو بكر الأثرم: فقد بين الله أن ذلك الفعل الذي كان ~~يوم الخندق منسوخ. # قوله [تعالى]: (فإذا أمنتم فاذكروا الله) في هذا الذكر قولان: # أحدهما: أنه الصلاة، فتقديره: فصلوا كما كنتم تصلون آمنين. # والثاني: أنه الثناء على الله، والحمد له. # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) قوله [تعالى]: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) روى ابن حيان ~~أن هذه الآية نزلت في رجل من أهل الطائف، يقال له: حكيم بن الحارث هاجر إلى ~~المدينة، ومعه أبواه وامرأته، وله أولاد، فمات فرفع ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية فأعطى النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] ~~أبويه وأولاده من ميراثه، ولم يعط امرأته شيئا، غير أنه أمرهم أن ينفقوا ~~عليها من تركة زوجها حولا. # قوله ms0217 [تعالى]: (وصية لأزواجهم) قرأ أبو عمرو، وحمزة، وابن عامر " وصية " ~~بالنصب، وقرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي " وصية " بالرفع. وعن عاصم ~~كالقراءتين: قال أبو علي: من نصب حمله على الفعل، أي: ليوصوا وصية، ومن ~~رفع، فمن وجهين: # أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والخبر لأزواجهم. # والثاني: أن يضمر له خبرا، تقديره: فعليهم وصية. والمراد من قارب الوفاة، ~~فليوص، لأن المتوفى لا يؤمر ولا ينهى. # قوله [تعالى]: (متاعا إلى الحول) أي: متعوهن إلى الحول، ولا تخرجوهن. ~~والمراد بذلك نفقة السنة وكسوتها (فإن خرجن) أي: من قبل أنفسهن (فلا جناح ~~عليكم) يعني: أولياء الميت. PageV01P251 # (فيما فعلن في أنفسهن من معروف) يعني التشوف للنكاح. وفي ماذا رفع الجناح ~~عن الرجال؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. # والثاني: في ترك منعهن من الخروج، لأنه ليكن مقامها الحول واجبا عليها، ~~بل كانت مخيرة في ذلك. # فصل ذكر علماء التفسير أن أهل الجاهلية كان إذا مات أحدهم، مكثت زوجته في ~~بيته حولا، ينفق عليها من ميراثه، فإذا تم الحول، خرجت إلى باب بيتها، ~~ومعها بعرة، فرمت بها كلبا، وخرجت بذلك من عدتها. وكان معنى رميها بالعبرة ~~أنها تقول: مكثي بعد وفاة زوجي أهون عندي من هذه البعرة. ثم جاء الإسلام، ~~فأقرهم على ما كانوا عليه من مكث الحول بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالآية ~~المتقدمة في نظم القرآن على هذه الآية، وهي قوله [تعالى]: (والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا). # ونسخ الأمر بالوصية لها بما فرض لها من ميراثه. # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) قوله [تعالى]: (وللمطلقات ~~متاع بالمعروف) قد سبق الكلام في المتعة بما فيه كفاية. # كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) قوله [تعالى]: (كذلك يبين ~~الله لكم آياته) أي: يثبت لكم وصف العقلاء باستعمال ما بين لكم، وثمرة ~~العقل استعمال الأشياء المستقيمة، ألا ترى إلى قوله [تعالى]: (إنما التوبة ~~على الله للذين يعملون السوء بجهالة). وإنما سموا جهالا، لأنهم آثروا ~~أهواءهم على ما ms0218 علموا أنه الحق. # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشركون ~~(243) قوله [تعالى]: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) معناه: ألم تعلم. ~~قال ابن قتيبة: وهذا على جهة التعجب، كما تقول: ألا ترى إلى ما يصنع فلان؟. # قوله [تعالى]: (وهم ألوف) فيه قولان: PageV01P252 # أحدهما: أن معناه: وهم مؤتلفون، قاله ابن زيد. # والثاني: أنه من العدد، وعليه العلماء واختلفوا في عددهم على سبعة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا أربعة آلاف. # والثاني: أربعين ألفا، والقولان عن ابن عباس. # والثالث: تسعين ألفا، قاله عطاء بن أبي رباح. # والرابع: سبعة آلاف، قاله أبو صالح. م والخامس: ثلاثين ألفا، قاله أبو ~~مالك. # والسادس: بضعة وثلاثين ألفا، قاله السدي. # والسابع: ثمانية آلاف، قاله مقاتل. وفي معنى: حذرهم من الموت، قولان: # أحدهما: أنهم فروا من الطاعون، وكان قد نزل بهم، قاله الحسن والسدي. # والثاني: أنهم أمروا بالجهاد، ففروا منه، قاله عكرمة والضحاك، وعن ابن ~~عباس، كالقولين. # الإشارة إلى قصتهم روى حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال: كانت أمة ~~من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع، خرج أغنياؤهم، وأقام فقراؤهم، فمات ~~الذين أقاموا، ونجا الذين خرجوا، فقال الأشراف: لو أقمنا كما أقام هؤلاء ~~لهلكنا، وقال الفقراء: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء سلمنا، فأجمع رأيهم في بعض ~~السنين على أن يظعنوا جميعا، فظعنوا فماتوا، وصاروا عظاما تبرق، فكنسهم أهل ~~البيوت والطرق عن بيوتهم وطرقهم، فمر بهم نبي من الأنبياء، فقال: يا رب لو ~~شئت أحييتهم، فعبدوك، وولدوا أولادا يعبدونك ويعمرون بلادك. فقيل له: تكلم ~~بكذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تكسى لحما وعصبا، ثم قيل له: تكلم ~~بكذا وكذا، فنظر فإذا هم قعود يسبحون الله ويكبرونه. وأنزل الله تعالى فيهم ~~هذه الآية. وهذا الحديث يدل على بعد المدة التي مكثوا فيها أمواتا. وفي بعض ~~الأحاديث: أنهم بقوا أمواتا سبعة أيام، وقيل: ثمانية أيام. وفي النبي ms0219 الذي ~~دعا لهم قولان: # أحدهما: أنه حزقيل. # والثاني: أنه شمعون فإن قيل كيف أميت هؤلاء مرتين في الدنيا وقد قال الله ~~تعالى: (إلا الموتة الأولى) فالجواب أن موتهم بالعقوبة لم يفن أعمارهم، ~~فكان كقوله [تعالى]: (والتي لم تمت في منامها) وقيل: كان إحياؤهم آية من ~~آيات نبيهم، وآيات الأنبياء نوادر لا يقاس عليها، فيكون تقدير قوله ~~[تعالى]: (إلا الموتة الأولى) التي ليست من آيات الأنبياء، ولا لأمر نادر. ~~وفي PageV01P253 # هذه القصة احتجاج على اليهود إذ أخبرهم النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] ~~بأمر لم يشاهدوه، وهم يعلمون صحته واحتجاج على المنكرين للبعث، فدلهم عليه ~~باحياء الموتى في الدنيا، ذكر ذلك جميعه ابن الأنباري. # قوله [تعالى]: (إن الله لذو فضل على الناس) نبه عز وجل بذكر فضله على ~~هؤلاء على فضله على سائر خلقه مع قلة شكرهم. # وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) قوله تعالى: ~~(وقاتلوا في سبيل الله) في المخاطبين بهذا قولان: # أحدهما: أنهم الذين أماتهم الله، ثم أحياهم، قاله الضحاك. # والثاني: انه خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فمعناه: لا تهربوا ~~من الموت كما هرب هؤلاء، فما ينفعكم الهرب (واعملوا أن الله سميع) لأقوالكم ~~(عليم) بما تنطوي عليه ضمائركم. # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ~~ويبسط وإليه ترجعون (245) قوله [تعالى]: (من ذا الذي يقرض الله) قال ~~الزجاج: أصل القرض ما يعطيه الرجل أو يفعله ليجازى عليه، وأصله في اللغة ~~القطع، ومنه أخذ المقراض. فمعنى أقرضته: قطعت له قطعة يجازيني عليها. فإن ~~قيل: ما وجه تسمية الصدقة قرضا؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدهما: لأن القرض يبدل بالجزاء. # والثاني: لأنه يتأخر قضاؤه إلى يوم القيامة. # والثالث: لتأكيد استحقاق الثواب به، إذ لا يكون قرض إلا والعوض مستحق به. ~~فأما اليهود فإنهم جهلوا هذا، فقالوا: أيستقرض الله منا؟ وأما المسلمون ~~فوثقوا بوعد الله، وبادروا إلى معاملته قال ابن مسعود: لما نزلت هذه الآية، ~~قال أبو الدحداح: وإن الله ليريد منا ms0220 القرض، فقال النبي [صلى الله عليه ~~وآله وسلم]: نعم. قال: أرني يدك. قال: إني أقرضت ربي حائطي، قال: وحائطه ~~فيه ستمائة نخلة، ثم جاء إلى الحائط، فقال: يا أم الدحداح أخرجي من الحائط، ~~فقد أقرضته ربي. وفي بعض الألفاظ: فعمدت إلى صبيانها تخرج ما في أفواههم، ~~وتنفض ما في أكمامهم، فقال PageV01P254 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح ~~" وفي معنى القرض الحسن ستة أقوال: # أحدها: أنه الخالص لله، قاله الضحاك، والثاني: أن يخرج عن طيب نفس، قاله ~~مقاتل. # والثالث: أن يكون حلالا. قاله ابن المبارك. # والرابع: أن يحتسب عند الله ثوابه. # والخامس: أن لا يتبعه منا ولا أذى. # والسادس: أن يكون من خيار المال. # قوله [تعالى]: (فيضاعفه له) قرأ أبو عمرو فيضاعفه بألف مع رفع الفاء، ~~وكذلك في جميع القرآن، إلا في الأحزاب (يضعف لها العذاب) وقرأ نافع، وحمزة، ~~والكسائي، جميع ذلك بالألف مع رفع الفاء، وقرأ ابن كثير (فيضعفه) برفع ~~الفاء من غير ألف في جميع القرآن، وقرأ ابن عامر (فيضعفه) بغير ألف مشددة ~~في جميع القرآن، ووافقه عاصم على نصب الفاء في " فيضاعفه " إلا أنه أثبت ~~الألف في جميع القرآن. قال أبو علي: للرفع وجهان: # أحدهما: أن يعطفه على ما في الصلة، وهو يقرض. # والثاني: أن يستأنفه، ومن نصب حمل الكلام على المعنى، لأن المعنى: أيكون ~~قرض؟ # فحمل عليه " فيضاعفه " وقال: ومعنى ضاعف وضعف واحد، والمضاعفة: الزيادة ~~على الشئ حتى يصير مثلين أو أكثر. وفي الأضعاف الكثيرة قولان: # أحدهما: أنها لا يحصى عددها، قاله ابن عباس والسدي. وروى أبو عثمان ~~النهدي عن أبي هريرة أنه قال: إن الله يكتب للمؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ~~ألف حسنة. وقرأ هذه الآية، ثم قال [والكثير من الله أكثر من الفي الف والفي ~~الف]. # والثاني: أنها معلومة المقدار، فالدرهم بسبعمائة، كما ذكر في الآية ~~بعدها، قاله ابن زيد. # قوله [تعالى]: (والله يقبض ويبسط) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي " يبسط " " وبسطة " بالسين، وقرأهما نافع بالصاد. ms0221 وفي معنى الكلام ~~قولان: # أحدهما: أن معناه: يقتر على من يشاء في الرزق، ويبسطه على من يشاء، قاله ~~ابن عباس، والحسن، وابن زيد ومقاتل. # والثاني: يقبض يد من يشاء عن الإنفاق في سبيله، ويبسط يد من يشاء ~~بالإنفاق، قاله أبو سليمان الدمشقي في آخرين. PageV01P255 # ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) قوله ~~[تعالى]: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل) قال الفراء: الملأ: الرجال في ~~كل القرآن لا يكون فيهم امرأة، وكذلك القوم والنفر والرهط، وقال الزجاج: ~~الملأ: هم الوجوه، وذوو الرأي، وإنما سموا ملأ، لأنهم مليؤون ذلك بما يحتاج ~~إليه منهم. وفي نبيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أشمويل، قاله ابن عباس، ووهب. # والثاني: أنه يوشع بن نون، قاله قتادة. # والثالث: أنه نبي، يقال له: سمعون بالسين المهملة، سمته أمه بذلك، لأنها ~~دعت الله أن يرزقها غلاما، فسمع دعاؤها فيه، هذا قول السدي. # وسيب سؤالهم ملكا أن عدوهم غلب عليهم. # قوله [تعالى]: (نقاتل) قراءة الجمهور بالنون والجزم، وقرأ ابن أبي عبلة ~~بالياء والرفع، كناية عن الملك. # قوله [تعالى]: (هل عسيتم) قراءة الجمهور بفتح السين، وقرأ نافع بكسرها ~~هاهنا، وفي سورة " محمد " وهي لغتان. # قوله [تعالى]: (إن كتب عليكم القتال) أي: فرض (ان لا تقاتلوا) أي: لعلكم ~~تجبنون. # قوله [تعالى]: (وقد أخرجنا من ديارنا) يعنون: أخرج بعضنا، وهم الذين سبوا ~~منهم وقهروا. # فظاهره العموم، ومعناه الخصوص. # قوله [تعالى]: (تولوا) أي: أعرضوا عن الجهاد. (إلا قليلا) وهم الذين ~~عبروا النهر، وسيأتي ذكرهم. # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت محمد ملكا قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده PageV01P256 # بسطة ms0222 في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) ~~قوله [تعالى]: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) ذكر أهل ~~التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكا، فأتى بعصا وقرن فيه ~~دهن، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكا يكون طوله طول هذه العصا، ومتى دخل ~~عليك رجل فنشق، الدهن، فهو ملك، فادهن به رأسه، وملكه على بني إسرائيل، ~~فقاس القوم أنفسهم بالعصا، فلم يكونوا على مقدارها. قال عكرمة، والسدي: كان ~~طالوت سقاء يسقي على حمار له، فضل حماره، فخرج يطلبه. وقال وهب: # بل كان دباغا يعمل الأدم، فضلت حمر لأبيه فأرسل مع غلام له في طلبها، فمر ~~ببيت شمويل النبي [صلى الله عليه وآله وسلم]، فدخلا ليسألاه عن ضالتهما، ~~فنشق الدهن، فقام شمويل، فقاس طالوت بالعصا، وكان على مقدارها، فدهنه، ثم ~~قال له: أنت ملك بني إسرائيل، فقال طالوت: أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني ~~إسرائيل، وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: بلى. قال: فبأي آية؟ قال: بأنك ترجع وقد ~~وجد أبوك حمره، فكان كما قال. # قال الزجاج: طالوت، وجالوت، وداود لا تنصرف، لأنها أسماء أعجمية، وهي ~~معارف، فاجتمع فيها التعريف والعجمة. # ومعنى قوله [تعالى]: (أنى له الملك) من أي جهة يكون له الملك علينا. قال ~~ابن عباس: إنما قالوا ذلك، لأنه كان في بني إسرائيل سبطان، في أحدهما ~~النبوة، وفي الآخر الملك، فلم يكن هو من أحد السبطين. قال قتادة. كانت ~~النبوة في سبط لاوي، والملك في سبط يهوذا. # قوله [تعالى]: (ولم يؤت سعة من المال) أي: لم يؤت ما يتملك به الملوك. ~~(قال إن الله اصطفاه عليكم) أي: اختاره، وهو " افتعل " من الصفوة. والبسطة: ~~السعة، قال ابن قتيبة: هو من قولك: بسطت الشئ: إذا كان مجموعا، ففتحته، ~~ووسعته. قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب، وكان يفوق الناس ~~بمنكبيه وعنقه ورأسه. وهل كانت هذه الزيادة قبل الملك، أم أحدثت له بعد؟ ~~فيه قولان: # أحدهما: قبل الملك، قاله ms0223 وهب، والسدي. # والثاني: بعد الملك، قاله ابن زيد. والمراد بتعظيم الجسم، فضل القوة، إذ ~~العادة أن من كان أعظم جسما، كان أكثر قوة والواسع: الغني. # وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (248) PageV01P257 # قوله [تعالى]: (وقال لهم نبيهم إن أية ملكه) الآية: العلامة، فمعناه: ~~علامة تمليك الله إياه (أن يأتيكم التابوت) وهذا من مجاز الكلام، لأن ~~التابوت يؤتى به، ولا يأتي، ومثله: (فإذا عزم الأمر) وإنما جاز مثل هذا، ~~لزوال اللبس فيه، كما بينا في قوله [تعالى]: (فما ربحت تجارتهم). # وروي عن ابن مسعود وابن عباس: أنهم قالوا لنبيهم: إن كنت صادقا، فأتنا ~~بآية تدل على أنه ملك، فقال لهم ذلك. وقال وهب: خيرهم، أي آية يريدون؟ ~~فقالوا: أن يرد علينا التابوت. قال ابن عباس: كان التابوت من عود الشمشار ~~عليه صفائح الذهب، وكان يكون مع الأنبياء إذا حضروا قتالا، قدموه بين ~~أيديهم يستنصرون به، وفيه السكينة. وقال وهب بن منبه: كان نحوا من ثلاث ~~أذرع في ذراعين. قال مقاتل: فلما تفرقت بنو إسرائيل، وعصوا الأنبياء، سلط ~~الله عليهم عدوهم، فغلبوهم عليه. وفي السكينة سبعة أقوال: # والثاني: أنها دابة بقمدار الهر، لها عينان لهما شعاع، وكانوا إذا التقى ~~الجمعان، أخرجت يدها، ونظرت إليهم، فيهزم الجيش من الرعب. رواه الضحاك عن ~~ابن عباس. وقال مجاهد: السكينة لها رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة، ~~وجناحان. # لها رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة، وجناحان. # والثالث: أنها طست من ذهب تغسل فيه قلوب الأنبياء. رواه أبو مالك عن ابن ~~عباس. # والرابع: أنها روح من الله تتكلم، كانوا إذا اختلفوا في شئ، كلمتهم ~~وأخبرهم ببيان ما يريدون، رواه عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه. # والخامس: أن السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها، رواه ابن جريج ~~عن عطاء بن أبي رباح، وذهب إلى نحوه الزجاج، فقال: السكينة: من السكون، ~~فمعناه: فيه ms0224 ما تسكنون إليه إذا أتاكم. # والسادس: أن السكنية معناها هاهنا: الوقار، رواه معمر عن قتادة. # والسابع: أن السكينة: الرحمة. قاله الربيع بن أنس. # وفي البقية تسعة أقوال: # أحدها: أنها رضاض الألواح التي تكسرت حين ألقاها موسى وعصاه، قاله ابن ~~عباس، وقتادة، والسدي. PageV01P258 # والثاني: أنها رضاض الألواح. قاله عكرمة، ولم يذكر العصا. وقيل: إنما ~~اتخذ موسى التابوت ليجمع رضاض الألواح فيه. # والثالث: أنها عصى موسى، والسكينة، قاله وهب. # والرابع: عصا موسى، وعصا هارون، وثيابهما، ولوحان من التوراة، والمن، ~~قاله أبو صالح. # والخامس: أن البقية، العلم والتوراة، قاله مجاهد، وعطاء بن رباح. # والسادس: أنها رضاض الألواح، وقفيز من من في طست من ذهب، وعصا موسى ~~وعمامته، قاله مقاتل. # والسابع: انها قفيز من من ورضاض الألواح، حكاه سفيان الثوري عن بعض ~~العلماء. # والثامن: أنها عصا موسى والنعلان: ذكره الثوري أيضا عن بعض أهل العلم. # والتاسع: أن المراد بالبقية: الجهاد في سبيل الله، وبذلك أمروا، قاله ~~الضحاك. # والمراد بآل موسى، وآل هارون: موسى وهارون. وأنشد أبو عبيدة: # ولا تبك ميتا بعد ميت أحبة * علي وعباس وآل أبي بكر يريد: أبا بكر نفسه. # قوله [تعالى]: (تحمله الملائكة) قرأ الجمهور: " تحمله " بالتاء، وقرأ ~~الحسن، ومجاهد، والأعمش بالياء. وفي المكان الذي حملته منه الملائكة إليهم ~~قولان: # أحدهما: أنه كان مرفوعا مع الملائكة بين السماء والأرض، منذ خرج عن بني ~~إسرائيل، قاله الحسن. # والثاني: أنه كان في الأرض. # وفي أي مكان كان؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه كان في أيدي العمالقة قد دفنوه، قال ابن عباس: أخذ التابوت ~~قوم جالوت، فدفنوه في متبرز لهم، فأخذهم الباسور فهلكوا، ثم أخذه أهل مدينة ~~أخرى، فأخذهم بلاء، فهلكوا، ثم اخذه غيرهم كذلك، حتى هلكت خمس مدائن، ~~فأخرجوه على بقرتين، ووجهوهما إلى بني إسرائيل، فساقتهما الملائكة. # والثاني: أنه كان في برية التيه، خلفه فيها يوشع، ولم يعلموا بمكانه حتى ~~جاءت به الملائكة، PageV01P259 # قاله قتادة. # وفي كيفية مجئ الملائكة به قولان: # أحدهما: أنها جاءت به بأنفسها، قال وهب: قالوا لنبيهم: اجعل لنا وقتا ~~يأتينا ms0225 فيه، فقال: الصبح، فلم يناموا ليلتهم، ووافت به الملائكة مع الفجر، ~~فسمعوا حفيف الملائكة تحمله بين السماء والأرض. # والثاني: أن الملائكة جاءت به على عجلة وثورين، ذكر عن وهب أيضا. فعلى ~~القول الأول: يكون معنى تحمله: تقله. وعلى الثاني: يكون معنى حملها إياه: ~~تسببها في حمله. # قوله [تعالى]: (إن في ذلك لآية لكم) أي: علامة تدل على تمليك طالوت. قال ~~المفسرون: فلما جاءهم التابوت وأقروا له بالملك، تأهب للخروج، فأسرعوا في ~~طاعته، وخرجوا معه، فذلك قوله [تعالى]: # فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) قوله [تعالى]: (فلما فصل طالوت) أي: خرج وشخص. وفي ~~عدد من خرج معه ثلاثة أقوال: # أحدها: سبعون ألفا، قاله ابن عباس. # والثاني: ثمانون ألفا، قاله عكرمة والسدي. # والثالث: مائة ألف، قاله مقاتل. قال: وساروا في حر شديد، فابتلاهم الله ~~بالنهر. والابتلاء. PageV01P260 # الاختبار، وفي النهر لغتان: # إحداهما: تحريك الهاء، وهي قراءة الجمهور. # والثاني: تسكينها، وبها قرأ الحسن ومجاهد، وفي هذا النهر قولان: # أحدهما: أنه نهر فلسطين قاله ابن عباس والسدي. # والثاني: نهر بين الأردن وفلسطين، قاله عكرمة، وقتادة، والربيع بن أنس. ~~ووجه الحكمة في ابتلائهم به أن يعلم طالوت من له نية في القتال منهم، ومن ~~ليس له نية. # وقوله تعالى: (ليس مني) أي ليس من أصحابي. # قوله [تعالى]: (إلا من اغترف غرفة) قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، " ~~غرفة " بفتح الغين، وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي بضمها، قال ~~الزجاج: من فتح الغين، أراد المرة الواحدة باليد، ومن ضمها، أراد ملء اليد. ~~وزعم مقاتل أن الغرفة كان يشرب منها الرجل ودابته، وخدمه ويملأ قربته. وقال ~~بعض المفسرين: لم يرد به غرفة الكف، وإنما ms0226 أراد المرة الواحدة بقربة أو ~~جرة، أو ما أشبه ذلك. وفي عدد القليل الذين لم يشربوا إلا غرفة قولان: # أحدهما: أنهم أربعة آلاف، قاله عكرمة والسدي. # والثاني: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وهو الصحيح، لما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قاله لأصحابه يوم بدر " أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم ~~لقاء جالوت " وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر. # قوله [تعالى]: (لا طاقة لنا) أي: لا قوة لنا، قال الزجاج: يقال: أطقت ~~الشئ إطاقة وطاقة، وطوقا، مثل قولك: أطعته إطاعة وطاعة وطوعا. واختلفوا في ~~القائلين لهذا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الذين شربوا أكثر من غرفة، فإنهم انصرفوا، ولم يشهدوا، ~~وكانوا أهل شك ونفاق، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: أنه قول الذين قلت بصائرهم من المؤمنين، قاله الحسن، وقتادة، ~~وابن زيد. # والثالث: أنه قول الذين جاوزوا معه، وإنما قال ذلك بعضهم لبعض، لما رأوا ~~من قلتهم، وهذا اختيار الزجاج. # قوله [تعالى]: (قال الذين يظنون) في هذا الظن قولان: # أحدهما: أنه بمعنى اليقين، قاله السدي في آخرين. # والثاني: أنه الظن الذي هو التردد، فإن القوم توهموا لقلة عددهم أنهم ~~سيقتلون فيلقون الله. PageV01P261 # قاله الزجاج في آخرين. وفي الظانين هذا الظن قولان: # أحدهما: أنهم الثلاثمائة والثلاثة عشر، قالوا للراجعين: كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة، قاله السدي. # والثاني: أنهم أولو العزم والفضل من الثلاثمائة والثلاثة عشر. والفئة: ~~الفرقة، قال الزجاج: # وإنما قيل لهم: فئة من قولهم: فأوت رأسه بالعصا، وفأيته: إذ شققته. # قوله [تعالى]: (بإذن الله) قال الحسن: بنصر الله. # ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (250) قوله [تعالى]: (ولما برزوا) أي: صاروا ~~بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر واستوى. # و (أفرغ) بمعنى اصبب (وثبت أقدامنا) أي: قو قلوبنا لتثبيت أقدامنا، وإنما ~~تثبت الأقدام عند قوة القلوب. قال مقاتل: كان جالوت وجنوده يعبدون الأوثان. # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ms0227 ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) قوله [تعالى]: (فهزموهم) أي: كسروهم وردوهم، قال الزجاج: ~~أصل الهزم في اللغة: كسر الشئ، وثني بعضه على بعض، يقال: سقاء منهزم ومهزم ~~إذا كان بعضه قد ثني على بعض مع جفاف، وقصب منهزم: قد كسر وشقق، والعرب ~~تقول: هزمت على زيد، أي: عطفت عليه. # قال الشاعر: # هزمت عليك اليوم يا بنت مالك * فجودي علينا بالنوال وأنعمي ويقال: سمعت ~~هزمة الرعد، قال الأصمعي: كأنه صوت فيه تشقق. # وداود: هو نبي الله أبو سليمان، وهو اسم أعجمي، وقيل: إن إخوة داود كانوا ~~مع طالوت، فمضى داود لينظر إليهم، فنادته أحجار: خذني، فأخذها، وجاء إلى ~~طالوت، فقال: مالي إن قتلت جالوت؟ قال: ثلث ملكي، وأنكحك ابنتي، فقتل ~~جالوت. # قوله [تعالى]: (وآتاه الله الملك) يعني آتى داود ملك طالوت. وفي المراد ~~ب‍ " الحكمة " هاهنا قولان: # أحدهما: أنها النبوة، قاله ابن عباس. PageV01P262 # والثاني: الزبور، قاله مقاتل. قوله [تعالى]: (وعلمه مما يشاء) فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها صنعة الدروع. # والثاني: الزبور. # والثالث: منطق الطير. # قوله [تعالى]: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) قرأ الجمهور (دفع) بغير ~~ألف هاهنا، وفي " الحج " ان الله يدفع وقرأ نافع، ويعقوب، وأبان (ولولا ~~دفاع الله). قال أبو علي: المعنيان متقاربان، قال الشاعر: # ولقد حرصت بأن أدافع عنهم * فإذا المنية أقبلت لا تدفع وفي معنى الكلام ~~قولان: # أحدهما: أن معناه: لولا أن الله يدفع بمن أطاعه عمن عصاه، كما دفع عن ~~المتخلفين عن طالوت بمن أطاعه، لهلك العصاة بسرعة العقوبة، قاله مجاهد. # والثاني: أن معناه، لولا دفع الله المشركين بالمسلمين، لغلب المشركون على ~~الأرض، فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد، قاله مقاتل. ومعنى: (لفسدت الأرض) ~~لهلك أهلها. # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) قوله تعالى: ~~(تلك آيات الله نتلوها عليك) أي: نقص عليك من أخبار المتقدمين. (وإنك لمن ~~المرسلين) حكمك حكمهم، فمن صدقك، فسبيله سبيل من صدقهم، ومن عصاك، فسبيله ~~سبيل من عصاهم. # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم ms0228 الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) قوله [تعالى]: (منهم ~~من كلم الله) يعني: موسى عليه السلام. وقرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، وابن ~~السميفع: منهم من كالم الله بألف خفيفة اللام، ونصب اسم " الله ". وفي ~~المراد بقوله: # (ورفع بعضهم فوق بعض درجات) قولان: # أحدهما: عنى بالمرفوع درجات، محمدا عليه السلام، فإنه بعث إلى الناس ~~كافة، وغيره بعث إلى أمته خاصة، هذا قول مجاهد. # والثاني: أنه عنى تفضيل بعضهم على بعض فيما اتاه الله، هذا قول مقاتل. ~~قال ابن جرير PageV01P263 # الطبري: والدرجات: جمع درجة، وهي المرتبة، وأصل ذلك: مراقي السلم ودرجه، ~~ثم يستعمل في ارتفاع المنازل والمراتب. وقد تقدم تفسير " البينات " و " روح ~~القدس ". # قوله [تعالى]: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم) أي: من بعد ~~الأنبياء. وقال قتادة: # من بعد موسى وعيسى. قال مقاتل: وكان بينهما ألف نبي. # قوله [تعالى]: (ولكن اختلفوا) يعني: الأمم. # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن تأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) قوله [تعالى]: (يا أيها ~~الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) هذه الآية تحث على الصدقات، والإنفاق في ~~وجوه الطاعات. وقال الحسن: أراد الزكاة المفروضة. # قوله [تعالى]: (من قبل أن يأتي يوم) يعني، يوم القيامة (لا بيع فيه) قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بالنصب من غير تنوين، ~~ومثله في " إبراهيم " (لا بيع فيه) وفي الطور (لا لغو فيها ولا تأثيم) وقرأ ~~نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، جميع ذلك بالرفع والتنوين. قال ~~ابن عباس: لا فدية فيه، وقيل: إنما ذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة، ~~وأخذ البدل. والخلة: الصداقة. وقيل: إنما نفى هذه الأشياء، لأنه عنى عن ~~الكافرين، وهذه الأشياء لا ms0229 تنفعهم، ولهذا قال: (والكافرون هم الظالمون). # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده ~~حفظهما وهو العلي العظيم (255) قوله [تعالى]: (الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم) روى مسلم في " صحيحه " عن أبي بن كعب، أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال له: " يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟ " قال: ~~قلت: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). قال: فضرب في صدري! قال: " ليهنك ~~العلم يا أبا المنذر " قال أبو عبيدة: # القيوم: الذي لا يزول، لاستقامة وصفه الوجود، حتى لا يجوز عليه التغيير ~~بوجه من الوجوه. وقال PageV01P264 # الزجاج: القيوم: القائم بتدبير أمر الخلق. وقال الخطابي: القيوم: هو ~~القائم الدائم بلا زوال، وزنه: " فيعول " من القيام، وهو نعت للمبالغة ~~للقيام على الشئ، ويقال: هو القائم على كل شئ بالرعاية، يقال: قمت بالشئ: ~~إذا وليته بالرعاية والمصلحة. وفي " القيوم " ثلاث لغات: القيوم، وبه قرأ ~~الجمهور، والقيام، وبه قرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود: وابن أبي عبلة، ~~والأعمش. # والقيم، وبه قرأ أبو رزين، وعلقمة. وذكر ابن الأنباري أنه كذلك في مصحف ~~ابن مسعود، قال: # وأصل القيم: القيوم. فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن، جعلتا ياء ~~مشددة. وأصل القيام: # القوام، قال الفراء: وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال، فيقولون ~~للصواغ: صياغ. فأما " السنة " فهي: النعاس من غير نوم، ومنه: الوسنان. قال ~~ابن الرقاع: # وكأنها بين النساء أعارها * عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس ~~فرنقت * في عينه سنة وليس بنائم قوله [تعالى]: (له ما في السماوات) قال بعض ~~العلماء: إنما لم يقل: والأرضين، لأنه قد سبق ذكر الجمع في السماوات، ~~فاستغنى بذلك عن إعادته، ومثله (وجعل الظلمات والنور) ولم يقل: والأنوار. # قوله [تعالى]: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) ms0230 فيه رد على من قال: ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. # قوله [تعالى]: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) ظاهر الكلام يقتضي الإشارة ~~إلى جميع الخلق، وقال مقاتل: المراد بهم الملائكة. وفي المراد (بما بين ~~أيديهم وما خلفهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الذي بين أيديهم أمر الآخرة. والذي خلفهم أمر الدنيا، روي عن ~~ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أن الذي بين أيديهم الدنيا، والذي خلفهم الآخرة، قاله السدي عن ~~أشياخه، ومجاهد، وابن جريج، والحكم بن عتيبة. # والثالث: ما بين أيديهم: ما قبل خلقهم، وما خلفهم: ما بعد خلقهم، قاله ~~مقاتل. # قوله [تعالى]: (ولا يحيطون) قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئا، أو بلغ ~~علمه أقصاه: قد أحاط به. والمراد بالعلم هاهنا المعلوم (وسع كرسيه) أي ~~احتمل وأطاق. وفي المراد بالكرسي ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كرسي فوق السماء السابعة دون العرش، قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم " ما السماوات السبع في PageV01P265 # الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة " وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. # والثاني: ان المراد بالكرسي علم الله تعالى. رواه ابن جبير عن ابن عباس. # والثالث: أن الكرسي هو العرش، قاله الحسن. # قوله [تعالى]: (ولا يؤوده) أي: لا يثقله، يقال: آده الشئ يؤوده أودا ~~وإيادا. والأود: # الثقل، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والجماعة. والعلي: العالي القاهر، " ~~فعيل " بمعنى " فاعل " قال الخطابي: وقد يكون من العلو الذي هو مصدر: علا ~~يعلو، فهو عال، كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) ويكون ذلك من علاء ~~المجد والشرف، يقال منه: علي يعلى علاء. ومعنى العظيم: ذو العظمة والجلال، ~~والعظم في حقه [تعالى]: منصرف إلى عظم الشأن، وجلالة القدر، دون العظم الذي ~~هو من نعوت الأجسام. # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) قوله ~~[تعالى]: (لا إكراه في الدين) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن المرأة من نساء الأنصار كانت في الجاهلية إذا لم ms0231 يعش لها ولد، ~~تحلف: لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت يهود بني النضير، كان فيهم ناس ~~من أبناء الأنصار. فقال الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا؟ فنزلت هذه الآية. ~~هذا قول ابن عباس. وقال الشعبي: قالت الأنصار: والله لنكرهن أولادنا على ~~الإسلام، فإنا إنما جعلناهم في دين اليهود إذ لم نعلم دينا أفضل منه، فنزلت ~~هذه الآية. # والثاني: أن رجلا من الأنصار تنصر له ولدان قبل أن يبعث النبي [صلى الله ~~عليه وآله وسلم]، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما، وقال: والله لا أدعكما ~~حتى تسلما، فأبيا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه ~~الآية. هذا قول مسروق. # والثالث: أن ناسا كانوا مسترضعين في اليهود، فلما أجلى رسول الله [صلى ~~الله عليه وآله وسلم] بني النضير، قالوا: والله ليذهبن معهم، ولندينن ~~بدينهم، فمنعهم أهلوهم، وأرادوا إكراههم على الإسلام، فنزلت الآية. ~~PageV01P266 # والرابع: أن رجلا من الأنصار كان له غلام اسمه صبيح، كان يكرهه على ~~الإسلام، فنزلت هذه الآية، والقولان عن مجاهد. # فصل واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فذهب قوم إلى ~~أنه محكم، وأنه من العام المخصوص، فإنه خص منه أهل الكتاب بأنهم لا يكرهون ~~على الإسلام، بل يخيرون بينه وبين أداء الجزية، وهذا معنى ما روي عن ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ليس الدين ما تدين به ~~في الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به القلب، وتنطوي عليه الضمائر، ~~إنما الدين هو المنعقد بالقلب، وذهب قوم إلى أنه منسوخ وقالوا هذه الآية ~~نزلت قبل الأمر بالقتال، فعلى قولهم، يكون منسوخا بآية السيف، وهذا مذهب ~~الضحاك، والسدي، وابن زيد. والدين هاهنا: أريد به الإسلام. والرشد: الحق، ~~والغي: الباطل. وقيل: هو الإيمان والكفر. # وأما الطاغوت، فهو اسم مأخوذ من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، قال ابن ~~قتيبة: الطاغوت: واحد، وجمع، ومذكر، ومؤنث قال تعالى: (أولياؤهم الطاغوت) ~~وقال: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها) والمراد بالطاغوت هاهنا خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه الشيطان، قاله عمر، وابن ms0232 عباس، ومجاهد، والشعبي، والسدي، ~~ومقاتل في آخرين. # والثاني: أنه الكاهن، قاله سعيد بن جبير، وأبو العالية. # والثالث: أنه الساحر، قاله محمد بن سيرين. # والرابع: أنه الأصنام، قاله اليزيدي، والزجاج. # والخامس: أنه مردة أهل الكتاب، ذكره الزجاج أيضا. # قوله [تعالى]: (فقد استمسك بالعروة الوثقى) هذا مثل للإيمان، شبه التمسك ~~به بالتمسك بالعروة الوثيقة. وقال الزجاج: معنى الكلام: فقد عقد لنفسه عقدا ~~وثيقا. والانفصام: كسر الشئ من غير إبانة. # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(257) PageV01P267 # قوله [تعالى]: (الله ولي الذين آمنوا) أي: متولي أمورهم، يهديهم، ~~وينصرهم، ويعينهم. # والظلمات: الضلالة، والنور، الهدى، والطاغوت: الشياطين، هذا قول ابن ~~عباس، وعكرمة في آخرين. وقال مقاتل: الذين كفروا: هم اليهود، والطاغوت: كعب ~~بن الأشرف. قال الزجاج: # والطاغوت هاهنا: واحد في معنى جماعة، وهذا جائز في اللغة إذا كان في ~~الكلام دليل على الجماعة. قال الشاعر: # بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب يريد جلودها، فإن ~~قيل: متى كان المؤمنون في ظلمة؟ ومتى كان الكفار في نور؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن عصمة الله للمؤمنين عن مواقعة الضلال، إخراج لهم من ظلام ~~الكفر، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل يحيدون به عن الهدى، إخراج لهم من ~~نور الهدى، و " الإخراج " مستعار هاهنا. وقد يقال للممتنع من الشئ: خرج ~~منه، وإن لم يكن دخل فيه. قال تعالى: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) ~~وقال: (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر). وقد سبقت شواهد هذا في قوله [تعالى]: ~~(وإلى الله ترجع الأمور). # والثاني: أن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن يظهر نور لهم وكفرهم به بعد ~~أن ظهر، خروج إلى الظلمات. # والثالث: أنه لما ظهرت معجزات رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]، كان ~~المخالف له خارجا من نور قد علمه، والموافق له خارجا من ظلمات الجهل إلى ~~نور العلم. # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن ms0233 آتيه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(258) قوله [تعالى]: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) قد سبق معنى " ~~ألم تر ". وحاج: # بمعنى خاصم، وهو نمروذ في قول الجماعة. قال ابن عباس: ملك الأرض شرقها ~~وغربها، مؤمنان. # وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود، وذو القرنين. والكافران: نمروذ، ~~وبختنصر. قال ابن قتيبة: # معنى الآية: حاج إبراهيم، لأن الله آتاه الملك، فأعجب بنفسه. PageV01P268 # قوله [تعالى]: (إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت) قال بعضهم: هذا جواب ~~سؤال سابق غير مذكور، تقديره: أنه قال له: من ربك؟ فقال: ربي الذي يحيي ~~ويميت. قال نمروذ: أنا أحيي وأميت. قال ابن عباس: يقول: أترك من شئت، وأقتل ~~من شئت. فإن قيل: لم انتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، وعدل عن نصرة الأولى؟ ~~فالجواب: ان إبراهيم رأى من فساد معارضته أمرا يدل على ضعف فهمه، فإنه عراض ~~اللفظ بمثله، ونسي اختلاف الفعلين، فانتقل إلى حجة أخرى، قصدا لقطع المحاج ~~لا عجزا عن نصرة الأولى. # وقرأ أبو رزين العقيلي، وابن السميفع: فبهت: بفتح الباء والهاء، وقرأ أبو ~~الجوزاء، ويحيى ابن يعمر، وأبو حيوة: فبهت، بفتح الباء، وضم الهاء. قال ~~الكسائي: ومن العرب من يقول: بهت، وبهت، بكسر الهاء وضمها (والله لا يهدي ~~القوم الظالمين) يعني: الكافرين. قال مقاتل: لا يهديهم إلى الحجة، وعنى ~~بذلك نمروذ. # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير (259) قوله [تعالى]: (أو كالذي مر على ~~قرية) قال الزجاج: ms0234 هذا معطوف على معنى الكلام الذي قبله، أرأيت كالذي حاج ~~إبراهيم، أو كالذي مر على قرية؟ وفي المراد بالقرية قولان: # أحدهما: أنها بيت المقدس لما خربه بختنصر، قاله وهب، وقتادة، والربيع بن ~~أنس. # والثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت قاله ابن زيد: وفي الذي مر ~~عليها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه عزير، قاله علي بن أبي طالب، وأبو العالية، وعكرمة، وسعيد بن ~~جبير، وناجية ابن كعب، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه أرمياء، قاله وهب، ومجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير. # والثالث: أنه رجل كافر شك في البعث، نقل عن مجاهد أيضا. والخالية، قاله ~~الزجاج. وقال ابن قتيبة: الخاوية: الخراب، والعروش: السقوف، وأصل ذلك أن ~~تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها (قال أنى يحيي هذه الله) أي: كيف ~~يحييها. فإن قلنا: إن هذا الرجل PageV01P269 # نبي، فهو كلام من يؤثر أن يرى كيفية الإعادة، أو يستهولها، فيعظم قدرة ~~الله، وإن قلنا: إنه كان رجلا كافرا، فهو كلام شاك، والأول أصح. # قوله [تعالى]: (فأماته الله مائة عام، ثم بعثه). # الإشارة إلى قصته روى ناجية بن كعب عن علي عليه السلام قال: خرج عزير نبي ~~الله من مدينته، وهو رجل شاب، فمر على قرية، وهى خاوية على عروشها، فقال: ~~أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه، وأول ما خلق ~~الله منه عيناه، فجعل ينظر إلى عظامه تنظم بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحما، ~~ونفخ فيها الروح. قال الحسن: قبضه الله أول النهار، وبعثه الله آخر النهار ~~بعد مائة سنة. قال مقاتل: ونودي من السماء: كم لبثت؟ قال قتادة: فقال: لبثت ~~يوما، ثم نظر فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم. فهذا يدل على أنه ~~عزير، وقال وهب بن منبه: أقام أرميا بأرض مصر فأوحى الله إليه أن الحق بأرض ~~إيلياء، فركب حماره، وأخذ معه سلة من عنب وتين، ومعه سقاء جديد، فيه ماء، ~~فلما بدا له شخص بيت المقدس وما حوله من القرى نظر إلى ms0235 خراب لا يوصف فقال: ~~أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم نزل منها منزلا، وربط حماره، وألقى الله ~~عليه النوم، ونزع روحه مئة عام، فلما مر منها سبعون عاما، أرسل الله ملكا ~~إلى ملك من ملوك فارس، عظيم، فقال: # إن الله يأمرك أن تنفر بقومك، فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود ~~أعمر ما كانت،، فندب ثلاثمائة قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل، وما ~~يصلحه من أداة العمل فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عيني ~~أرميا، وآخر جسده ميت، فنظر إليها تعمر، فلما تمت بعد ثلاثين سنة، رد الله ~~إليه الروح، فنظر إلى طعامه وشرابه فلم يتسنه وزعم مقاتل أن هذه القصة كانت ~~بعد رفع عيسى عليه السلام. # قوله [تعالى]: (كم لبثت) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم " لبثت " و " لبثتم ~~" في كل القرآن بإظهار التاء وقرأ أبو عمرو وابن عامر، وحمزة والكسائي ~~بالإدغام، قال أبو علي الفارسي: من بين " لبثت " فلتباين المخرجين، وذلك أن ~~الظاء والذال والثاء من حيز، والطاء والتاء والدال من حيز، فلما تباين ~~المخرجان، واختلف الحيزان، لم يدغم. ومن أدغمها أجراها مجرى المثلين، ~~لاتفاق الحرفين في أنهما من طرف اللسان، وأصول الثنايا، واتفاقهما في ~~الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف يسيرا، فأجراهما مجرى المثلين. فأما ~~طعامه وشرابه، فقال وهب: كان معه مكتل فيه PageV01P270 # عنب وتين، وقلة فيها ماء. وقال السدي: كان معه تين وعنب، وشرابه من ~~العصير، ولم يحمض التين والعنب، ولم يختمر العصير. # قوله [تعالى]: (لم يتسنه) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: # (يتسنه) و (اقتده) و (ما أغنى عني ماليه) و (سلطانيه) و (ماهية) الهاء في ~~الوصل. وقرأ الكسائي في حذف موضعين (يتسنه) و (اقتده) وكلهم يقف على الهاء. ~~ولم يختلفوا في (كتابيه) و (حسابيه) بالهاء وصلا ووقفا. فأما معنى: (لم ~~يتسنه) فقال ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين: لم يتغير. وقال ابن قتيبة: ~~لم يتغير بمر السنين عليه، واللفظ مأخوذ من السنة يقال: سانهت النخلة: إذا ~~حملت ms0236 عاما، وحالت عاما. # قوله [تعالى]: (وانظر إلى حمارك) قال مقاتل: انظر إليه، وقد ابيضت عظامه، ~~وتفرقت أوصاله، فأعاده الله. # قوله [تعالى]: (ولنجعلك) اللام صلة لفعل مضمر تقديره: فعلنا بك ذلك لنريك ~~قدرتنا، ولنجعلك آية للناس، أي: علما على قدرتنا، فأضمر الفعل لبيان معناه. ~~قال ابن عباس: مات وهو ابن أربعين سنة، وابنه ابن عشرين سنة، ثم بعث وهو ~~ابن أربعين وابنه ابن عشرين ومائة، ثم أقبل حتى اتى قومه في بيت المقدس، ~~فقال لهم: أنا عزير، فقالوا: حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات بأرض بابل، فقال ~~لهم: أنا هو أرسلني الله إليكم أجدد لكم توراتكم، وكانت قد ذهبت، وليس منهم ~~أحد يقرؤها فأملاها عليهم. # قوله [تعالى]: (وانظر إلى العظام) قيل: أراد عظام نفسه، وقيل: عظام ~~حماره، وقيل: هما جميعا. # قوله [تعالى]: (كيف ننشزها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (ننشرها) بضم ~~النون الأولى، وكسر الشين وراء مضمومة. ومعناه: نحييها. يقال: أنشز الله ~~الميت، فنشر. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ننشزها، بضم النون مع ~~الزاي، وهو من النشز الذي هو الارتفاع. # والمعنى: نرفع بعضها إلى بعض للإحياء. وقرأ الأعمش: ننشزها، بفتح النون ~~ورفع الشين مع الزاي. وقرأ الحسن، وأبان، عن عاصم: ننشرها، بفتح النون مع ~~الراء، كأنه من النشر عن الطي، فكأن الموت طواها، والإحياء نشرها. # قوله [تعالى]: (فلما تبين له) أي: بان له إحياء الموتى (قال أعلم) قرأ ~~ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: " أعلم " مقطوعة الألف، ~~مضمومة الميم. والمعنى: قد علمت ما كنت أعلمه غيبا مشاهدة. وقرأ حمزة ~~والكسائي بوصل الألف، وسكون الميم على معنى الأمر، PageV01P271 # والابتداء، على قراءتهما بكسر الهمزة، وظاهر الكلام أنه أمر. وقرأ الجعفي ~~عن أبي بكر، " أعلم " بكسر اللام على معنى الأمر بإعلام الغير. # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز ms0237 حكيم (260) قوله [تعالى]: ~~(وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) في سبب سؤاله هذا أربعة أقوال: # أحدها: أنه رأى ميتة تمزقها الهوام والسباع فسأل هذا السؤال، وهذا قول ~~ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وابن جريج، ومقاتل: ~~وما الذي كانت هذه الميتة؟ # فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: كان رجلا ميتا، قاله ابن عباس. # والثاني: كان جيفة حمار، قاله ابن جريج، ومقاتل. # والثالث: كان حوتا ميتا، قاله ابن زيد. # والثاني: أنه لما بشر باتخاذ الله له خليلا، سأل هذا السؤال ليعلم صحة ~~البشارة، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس. وروي عن سعيد بن جبير أنه ~~لما بشر بذلك، قال: ما علامة ذلك؟ # قال: أن يجيب الله دعاءك، ويحيي الموتى بسؤالك، فسأل هذا السؤال. # والثالث: أنه سأل ذلك ليزيل عوارض الوسواس، وهو قول عطاء ابن أبي رباح. # والرابع: أنه لما نازعه نمرود في إحياء الموتى، سأل ذلك ليرى ما أخبر به ~~عن الله تعالى، وهذا قول محمد بن إسحاق. # قوله [تعالى]: (أو لم تؤمن) أي: أو لست قد آمنت أني أحيي الموتى؟ وقال ~~ابن جبير: ألم توقن بالخلة؟ PageV01P272 # قوله [تعالى]: (ولكن ليطمئن قلبي) " اللام " متعلقة بفعل مضمر، تقديره: ~~ولكن سألتك ليطمئن، أو أرني ليطمئن قلبي، ثم في المعنى أربعة أقوال: # أحدها: لأعلم انك تجيبني إذا دعوتك، قاله ابن عباس. # والثاني: ليزداد قلبي يقينا، قاله سعيد بن جبير. وقال الحسن: كان إبراهيم ~~موقنا، ولكن ليس الخبر كالمعاينة. # والثالث: ليطمئن قلبي بالخلة، روي عن ابن جبير أيضا. # والرابع: أنه كان قلبه متعلقا برؤية إحياء الموتى، فأراد: ليطمئن قلبه ~~بالنظر، قاله ابن قتيبة. # وقال غيره: كنت نفسه تائقة إلى رؤية ذلك، وطالب الشئ قلق إلى أن يظفر ~~بطلبته، يدل على أنه لم يسأل لشك، أنه قال: (أرني كيف تحيي الموتى) وما ~~قال: هل تحيي الموتى؟ # قوله [تعالى]: (فخذ أربعة من الطير) في الذي أخذ سبعة أقوال: # أحدها: أنها الحمامة، والديك، والكركي، والطاووس، رواه عبد الله بن هبيرة ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنها الطاووس، ms0238 والديك، والدجاجة السندية، والأوزة، رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. وفي لفظ آخر، رواه الضحاك مكان الدجاجة السندية الرأل، وهو ~~فرخ النعام. # والثالث: أنها الشعانين، وكانت قرباهم يومئذ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أنها الطاووس، والنسر، والغراب. والديك، نقل عن ابن عباس أيضا. # والخامس: أنها الديك، والطاووس والغراب، والحمام، قاله عكرمة، ومجاهد، ~~وعطاء وابن جريج، وابن زيد. # والسادس: أنها ديك، وغراب، وبط، وطاووس، رواه ليث عن مجاهد. # والسابع: أنها الديك، والبطة، والغراب، والحمامة، قاله مقاتل. وقال عطاء ~~الخراساني: # أوحى الله إليه أن خذ بطة وغرابا أسود، وحمامة بيضاء، وديكا أحمر. # قوله [تعالى]: (فصرهن إليك) قرأ الجمهور بضم الصاد، والمعنى: أملهن إليك، ~~يقال: # صرت الشئ فانصار، أي: أملته فمال، وأنشدوا: # الله يعلم أنا في تلفتنا * يوم الفراق إلى جيراننا صور فمعنى الكلام: ~~أجمعهن إليك. (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) فيه إضمار قطعهن. PageV01P273 # قال ابن قتيبة: أضمر " قطعهن " واكتفى بقوله: (واجعل على كل جبل منهن ~~جزءا) من قوله " قطعهن " لأنه يدل عليه، وهذا كما تقول: خذ هذا الثوب، ~~واجعل على كل رمح عندك منه علما. # يريد: قطعه وافعل ذلك، وقرأ أبو جعفر، وحمزة، وخلف، والمفضل، عن عاصم ~~(فصرهن) بكسر الصاد. قال اليزيدي: هما واحد، وقال ابن قتيبة: الكسر والضم ~~لغتان. قال الفراء: أكثر العرب على ضم الصاد، وحدثني الكسائي أنه سمع بعض ~~بني سليم يقول: صرته، فأنا أصيره. # وروي عن ابن عباس ووهب، وأبي مالك، وأبي الأسود الدؤلي، والسدي، أن معنى ~~المكسورة الصاد: قطعهن. # قوله [تعالى]: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) قال الزجاج: معناه: اجعل ~~على كل جبل من كل واحد منهن جزءا. وروي عوف عن الحسن قال: اذبحهن ونتفهن، ~~ثم قطعهن أعضاء، ثم خلط بينهن جميعا، ثم جزأهما أربعة أجزاء، وضع على كل ~~جبل جزءا. ثم تنحى عنهن، فدعاهن، فجعل يعدو كل عضو إلى صاحبه حتى استوين ~~كما كن، ثم أتينه يسعين. وقال قتادة: # أمسك رؤوسها بيده، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، ~~والبضعة ms0239 إلى البضعة، وهو يرى ذلك، ثم دعاهن، فأقبلن على أرجلهن يلقي لكل ~~طائر رأسه. وفي عدد الجبال التي قسمن عليها قولان: # أحدهما: أنه قسمهن على أربعة أجبال، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. وروي ~~عن ابن عباس قال: جعلهن أربعة أجزاء في أرباع الأرض، كأنه يعني جهات ~~الانسان الأربع. # والثاني: أنه قسمهن سبعة أجزاء على سبعة أجبال، قاله ابن جريج، والسدي. # قوله [تعالى]: (ثم أدعهن يأتينك سعيا) قال ابن قتيبة: يقال: عدوا، ويقال: ~~مشيا على أرجلهن، ولا يقال لطائر إذا طار: سعى (واعلم أن الله عزيز) أي: ~~منيع لا يغلب، (حكيم) فيما يدبر. ويزعم مقاتل أن هذه القصة جرت لإبراهيم ~~بالشام قبل أن يكون له ولد، وقبل نزول الصحف عليه، وهو ابن خمس وسبعين سنة. # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) قوله [تعالى]: ~~(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) حدثنا عن ثعلب أنه قال: إنما ~~المثل - والله أعلم - للنفقة، لا للرجال، ولكن العرب إذا دل المعنى على ما ~~يريدون، حذفوا، مثل قوله [تعالى]: (وأشربوا في قلوبهم العجل) فأضمر " الحب ~~" لأن المعنى معلوم، فكذلك هاهنا PageV01P274 # أراد: مثل نفقة الذين ينفقون ونحو هذا قوله [تعالى]: (ولا تحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم) يريد: بخل الباخلين فحذف ~~البخل. وفي المراد ب‍ " سبيل الله " قولان: # أحدهما: أنه الجهاد. # والثاني: أنه جميع أبواب البر. قال أبو سليمان الدمشقي. والآية مردودة ~~على قوله [تعالى]: # (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) وقد أعلم الله عز وجل بضرب هذا ~~المثل، أن الحسنة في النفقة في سبيله تضاعف بسبعمائة ضعف. قال ابن زيد: ~~(والله يضاعف لمن يشاء) أي: يزيد على السبعمائة. # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) قوله [تعالى]: ~~(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قال ابن ms0240 السائب ومقاتل: نزلت في عثمان ~~بن عفان في نفقته في غزوة تبوك، وشرائه بئر رومة، ركية بالمدينة، تصدق بها ~~على المسلمين. وفي عبد الرحمن بن عوف حين تصدق بأربعة آلاف درهم، وكانت نف ~~ماله. وأما المن ففيه قولان: # أحدهما: أنه المن على الفقير، ومثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك، وهو ~~قول الجمهور. # والثاني: أنه المن على الله بالصدقة، روي عن ابن عباس، فإن قيل: كيف ~~مدحهم بترك المن. ووصف نفسه بالمنان؟ فالجواب: يقال: من فلان على فلان: إذا ~~أنعم عليه، فهذا الممدوح، قال الشاعر: # فمني علينا بالسلام فإنما * كلامك ياقوت ودر منظم أراد بالمن الإنعام. ~~وأما الوجه المذموم، فهو أن يقال: من فلان على فلان: إذا استعظم ما أعطاه، ~~وافتخر بذلك قال الشاعر في ذلك: # أنلت قليلا ثم أسرعت منة * فنيلك عن ممنون كذاك قليل ذكر ذلك أبو بكر ~~الأنباري. وفي الأذى قولان: # أحدهما: أنه مواجهة الفقير بما يؤذيه، مثل أن يقول له: أنت أبدا فقير، ~~وقد بليت بك، PageV01P275 # وأراحني الله منك. # والثاني: أن يخبر بإحسانه إلى الفقير، من يكره الفقير اطلاعه على ذلك، ~~وكلا القولين يؤذي الفقير وليس من صفة المخلصين في الصدقة. ولقد حدثنا عن ~~حسان بن أبي سنان أنه كان يشتري أهل بيت الرجل وعياله، ثم يعتقهم جميعا، ~~ولا يتعرف إليهم، ولا يخبرهم من هو. # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) قوله ~~تعالى: (قول معروف) أي: قول جميل، مثل أن يقول له: يوسع الله عليك (ومغفرة) ~~أي: يستر على المسلم خلته وفاقته، وقيل: أراد بالمغفرة التجاوز عن السائل ~~إن استطال على المسؤول وقت رده (خير من صدقة يتبعها أذى) وقد سبق بيانه. # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) قوله [تعالى]: (لا تبطلوا صدقاتكم) أي: لا تبطلوا ثوابها، كما ms0241 تبطل ~~ثواب صدقة المرائي الذي لا يؤمن بالله، وهو المنافق (فمثله) أي: مثل نفقته، ~~كمثل صفوان، قال ابن قتيبة: الصفوان الحجر، والوابل: أشد المطر، والصلد: ~~الأملس. وقال الزجاج: الصفوان: الحجر الأملس، وكذلك الصفا، وقال ثعلب: ~~الصلد: النقي. وروي عن ابن عباس، وقتادة (فتركه صلدا) قالا: # ليس عليه شئ وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته، لا يقدر يوم ~~القيامة على ثواب شئ مما أنفق. # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) قوله [تعالى]: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة ~~الله) أي: طلبا لرضاه. وفي معنى التثبيت قولان: # أحدهما: أنه الإنفاق على يقين وتصديق، وهذا قول الشعبي، وقتادة، والسدي ~~في، في آخرين: PageV01P276 # والثاني: أنه التثبيت لارتياد محل الإنفاق، فهم ينظرون أين يضعونها، وهذا ~~قول الحسن، ومجاهد، وأبي صالح. # قوله [تعالى]: (كمثل جنة) الجنة: البستان وقرأ مجاهد، وعاصم الجحدري " ~~حبة " بالحاء. والربوة: ما ارتفع. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي " بربوة " بضم الراء. وقرأ عاصم، وابن عامر بفتح الراء وقرأ الحسن ~~والأعمش بكسر الراء، وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، برباوة بزيادة ألف، وفتح ~~الراء، وقرأ أبي بن كعب، والجحدري كذلك إلا أنهما ضما الواو، وكذلك خلافهم ~~في " الموضعين " قال الزجاج: يقال: ربوة وربوة وربوة ورباوة. والموضع ~~المرتفع من الأرض، إذا كان له ما يرويه من الماء، فهو أكثر ريعا من السفل. ~~وقال ابن قتيبة: الربوة الارتفاع، وكل شئ ارتفع وزاد، فقد ربا، ومنه الربا ~~في البيع. # قوله [تعالى]: (فآتت أكلها) قرأ ابن كثير، ونافع: أكلها. والأكل بسكون ~~الكاف حيث وقع، ووافقهما أبو عمرو، فيما أضيف إلى مؤنث، مثل: (أكلها) فأما ~~ما أضيف إلى مذكر مثل: # أكله؟ أو كان غير مضاف إلى مكنى: مثل (أكل خمط) فثقله أبو عمرو. وقرأ ~~عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي جميع ذلك مثقلا وأكلها: ثمرها. (ضعفين) ~~أي: مثلين. فأما " الطل " فقال ابن قتيبة: هو أضعف المطر، ms0242 وقال الزجاج: هو ~~المطر الدائم، الصغار القطر الذي لا تكاد تسيل منه المثاعب. قال ثعلب: وهذا ~~لفظ مستقبل وهو لأمر ماض، فمعناه: فإن لم يكن أصابها وابل فطل. # ومعنى هذا المثل: أن صاحب هذه الجنة لا يخيب، فإنها إن أصابها الطل حسنت، ~~وإن أصابها الوابل أضعفت، فكذلك نفقة المؤمن المخلص. والبصير من أسماء الله ~~تعالى معناه: المبصر. قال الخطابي: وهو فعيل بمعنى مفعل، كقولهم: أليم ~~بمعنى مؤلم. # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) قوله [تعالى]: (أيود أحدكم) ~~هذه الآية متصلة بقوله [تعالى]: (لا تبطلوا صدقاتكم) ومعنى: (أيود) أيحب، ~~إنما ذكر النخيل والأعناب، لأنهما من أنفس ما يكون في البساتين، وخص ذلك ~~بالكبير، لأنه قد يئس من سعي الشباب في إكسابهم. # قوله تعالى: (وله ذرية ضعفاء) أي: ضعاف، وإذا ضعفت الذرية كان أحنى ~~عليهم، وأكثر PageV01P277 # إشفاقا (فأصابها) يعني: الجنة (إعصار) وهي ريح شديدة، تهب بشدة، فترفع ~~إلى السماء ترابا، كأنه عمود. # قال الشاعر: # إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا أي: لاقيت أشد منك. فإن قيل: كيف جاز في ~~الكلام أن يكون له جنة فأصابها، ولم يقل: # فيصيبها؟ أفيجوز أن يقال: أيود أن يصيب مالا، فضاع، والمراد: فيضيع؟ ~~فالجواب: أن ذلك جائز في " وددت " لأن العرب تلقاها مرة ب‍ " أن " ومرة ب‍ ~~" لو "، فيقولون: وددت لو ذهبت عنا، وددت أن تذهب عنا، قاله الفراء، وثعلب. # فصل وهذا الآية مثل ضربه الله تعالى في الحسرة بسلب النعمة عند شدة ~~الحاجة. وفيمن قصد به ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه مثل للمفرط في طاعة الله [تعالى] حتى يموت، قاله مجاهد. # والثالث: أنه مثل للمرائي في النفقة، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه، ~~قاله السدي. # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ms0243 ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) قوله [تعالى]: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن الأنصار كانوا إذا جذوا النخل، جاء كل رجل بشئ من ذلك فعلقه ~~في المسجد، فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان أناس ممن لا يرغب في الخير يجئ ~~أحدهم بالقنو فيه الحشف والشيص، فيعلقه، فنزلت هذه الآية: هذا قول البراء ~~بن عازب. PageV01P278 # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمر بزكاة الفطر، فجاء رجل ~~بتمر ردئ، فنزلت هذه الآية. هذا قول جابر بن عبد الله. وفي المراد بهذه ~~النفقة قولان: # أحدهما: أنها الصدقة المفروضة، قاله عبيدة السلماني في آخرين. # والثاني: أنها التطوع. وفي المراد بالطيب هاهنا قولان: # أحدهما: أنه الجيد الأنفس، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الحلال، قاله أبو معقل في آخرين. # قوله [تعالى]: (ولا تيمموا) أي: لا تقصدوا. والتيمم في اللغة: القصد. قال ~~ميمون بن قيس: # تيممت قيسا وكم دونه * من الأرض من مهمه ذي شزن وفي الخبيث قولان: # أحدهما: أنه الردئ، قاله الأكثرون وسبب الآية يدل عليه. # والثاني: أنه الحرام، قاله ابن زيد. # قوله [تعالى]: (ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) قال ابن عباس: لو كان ~~بعضكم يطلب من بعض حقا له، ثم قضاه ذلك، ولم يأخذه إلى أن يرى أنه قد أغمض ~~عن بعض حقه. وقال ابن قتيبة: أصل هذا أن يصرف المرء بصره عن الشئ، ويغمضه، ~~فسمي الترخص إغماضا. ومنه قول الناس للبائع: أغمض، أي: لا تشخص، وكن كأنك ~~لا تبصر. وقال غيره: لما كان الرجل إذا رأى ما يكره، أغمض عينيه، لئلا يرى ~~جميع ما يكره، جعل التجاوز والمساهلة في كل شئ إغماضا. # قوله [تعالى]: (واعلموا أن الله غني) قال الزجاج: لم يأمركم بالتصدق عن ~~عوز، لكنه بلا أخباركم، فهو حميد على ذلك. يقال: قد غني زيد، يغنى غنى ~~مقصور: إذا استغنى، وقد غني القوم: إذا نزلوا في ms0244 مكان يغنيهم، والمكان الذي ~~ينزلون فيه مغنى. والغواني: النساء، قيل: إنما سمين بذلك، لأنهن غنين ~~بجمالهن، وقيل: بأزواجهن. فأما " الحميد " فقال الخطابي: هو بمعنى المحمود، ~~فعيل بمعنى مفعول. # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم (268) PageV01P279 # قوله [تعالى]: (الشيطان يعدكم الفقر) قال الزجاج: يقال: وعدته أعده وعدا ~~وعدة وموعدا وموعدة وموعودا، ويقال: الفقر، والفقر. ومعنى الكلام: يحملكم ~~على أن تؤدوا من الردئ، يخوفكم الفقر بإعطاء الجيد. ومعنى: يعدكم الفقر، ~~أي: بالفقر، وحذفت الباء. قال الشاعر: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب وفي الفحشاء ~~قولان: # أحدهما: البخل. # والثاني: المعاصي. قال ابن عباس: والله يعدكم مفغرة لفحشائكم، وفضلا في ~~الرزق. # يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا ~~أولو الألباب (269) قوله [تعالى]: (يؤتي الحكمة من يشاء) في المراد بهذه ~~الحكمة أحد عشر قولا: # أحدها: أنها القرآن، قاله ابن مسعود، ومجاهد، والضحاك، ومقاتل في آخرين. # والثاني: معرفة ناسخ القرآن، ومنسوخه ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، ~~ونحو ذلك، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: النبوة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: الفهم في القرآن، قاله أبو العالية، وقتادة، وإبراهيم. # والخامس: العلم والفقه، رواه ليث عن مجاهد. # والسادس: الإصابة في القول، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والسابع: الورع في دين الله، قاله الحسن. # والثامن: الخشية لله، قاله الربيع بن أنس. # والتاسع: العقل في الدين، قاله ابن زيد. # والعاشر: الفهم، قاله شريك. # والحادي عشر: العلم والعمل، لا يسمى الرجل حكيما إلا إذا جمعهما، قاله ~~ابن قتيبة: # قوله [تعالى]: (ومن يؤت الحكمة) قرأ يعقوب بكسر تاء " يؤت "، ووقف عليها ~~PageV01P280 # والمعنى: ومن يؤته الله الحكمة. وكذلك هي في قراءة ابن مسعود بهاء بعد ~~التاء. # قوله [تعالى]: (وما يذكر) قال الزجاج: أي: وما يتفكر فكرا يذكره به ما قص ~~من آيات القرآن إلا ذوو العقول. قال ابن قتيبة: " أولو " بمعنى: ذوو، وواحد ~~" أولو " " ذو "، و " أولات ": # " ذات ". # وما ms0245 أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار (270) قوله [تعالى]: (أو نذرتم من نذر) النذر: ما أوجبه الإنسان على ~~نفسه، وقد يكون مطلقا، ويكون معلقا بشرط (فإن الله يعلمه) قال مجاهد: ~~يحصيه، وقال الزجاج: يجازى عليه. وفى المراد بالظالمين هاهنا، قولان: # أحدهما: انهم المشركون، قاله مقاتل. # والثاني: المنفقون بالمن والأذى والرياء، والمنذرون في المعصية، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. والأنصار: المانعون. فمعناه: مالهم مانع يمنعهم من عذاب ~~الله. # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر ~~عنكم من سيئاتكم والله بما تعلمون خبير. # قوله [تعالى]: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) قال ابن السائب: لما نزل قوله ~~[تعالى]: (وما أنفقتم من نفقة) قالوا: يا رسول الله، صدقة السر أفضل، أم ~~العلانية؟ فنزلت هذه الآية. قال الزجاج، يقال بدا الشئ يبدو: إذا ظهر، ~~وأبديته إبداء: إذا أظهرته، وبدا لي بداء: إذا تغير رأيي عما كان عليه. # وقوله تعالى: (فنعما هي) في " نعم " أربع لغات: " نعم " بفتح النون، ~~والعين، مثل: # علم. و " نعم " بكسرها، و " نعم " بفتح النون، وتسكين العين، و " نعم " ~~بكسر النون، وتسكين العين. وأما قوله (نعما) قرأ نافع في غير رواية " ورش ~~"، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، والمفضل: " فنعما "، بكسر النون، ~~والعين ساكنة. وقرأ ابن كثير، وعاصم في رواية حفص، ونافع في رواية " ورش "، ~~ويعقوب بكسر النون والعين. وقرأ ابن عامر، وحمزة والكسائي، وخلف: # " فنعما " بفتح النون، وكسر العين، وكلهم شددوا الميم. وكذلك خلافهم في ~~سورة النساء. قال PageV01P281 # الزجاج: " ما " في تأويل الشئ، أي: فنعم الشئ هو. وقال أبو علي: نعم الشئ ~~إبداؤها. وقوله [تعالى]: (فهو خير لكم) فهو الإخفاء. واتفق العلماء على أن ~~إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها، وفي الفريضة قولان: # أحدهما: أن إظهارها أفضل، قاله ابن عباس في آخرين. واختاره القاضي أبو ~~يعلى. وقال الزجاج: كان إخفاء الزكاة على عهد رسول الله [صلى الله عليه ~~وآله وسلم]، أحسن، فأما اليوم، فالناس مسيؤون الظن، فإظهارها أحسن. ms0246 # والثاني: إخفاؤها أفضل، قاله الحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب. وقد حمل ~~أرباب القول الأول الصدقات في الآية على الفريضة، وحملوا (وإن تخفوها) على ~~النافلة، وهذا قول عجيب. # وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين: # أحدهما: يرجع إلى المعطي، وهو بعده عن الرياء، وقربه من الإخلاص، ~~والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية. # والثاني: يرجع إلى المعطى، وهو دفع الذل عنه بإخفاء الحال، لأنه في ~~العلانية ينكسر. # قوله [تعالى]: (ويكفر عنكم) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم ~~(ونكفر) بالنون والرفع، والمعنى: ونحن نكفر، ويجوز أن يكون مستأنفا. وقرأ ~~نافع، وحمزة، والكسائي: # " ونكفر " بالنون وجزم الراء. قال أبو علي: وهذا على حمل الكلام على موضع ~~قوله: (فهو خير لكم) في موضع جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها يكن أعظم ~~لأجركم لجزم، ومثله: (لولا أخرتني فأصدق وأكن) حمل قوله و " أكن "، على ~~موضع " فأصدق ". وقرأ ابن عامر: " ويكفر " بالياء والرفع، وكذلك عن حفص عن ~~عاصم على الكناية عن الله عز وجل، وقرأ أبان عن عاصم، " وتكفر " بالتاء ~~المرفوعة، وفتح الفاء مع إسكان الراء. # قوله [تعالى]: (من سيئاتكم) في " من " قولان: # أحدهما: أنها زائدة. # والثاني: أنها داخلة للتبعيض. قال أبو سليمان الدمشقي: ووجه الحكمة في ~~ذلك أن يكون العباد على خوف ووجل. # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272) PageV01P282 # قوله [تعالى]: (ليس عليك هداهم) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن المسلمين كرهوا أن يتصدقوا على أقربائهم من المشركين، فنزلت ~~هذه الآية، هذا قول الجمهور والثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: " لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم " فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير. ~~والخير في الآية، أريد به المال، قاله ابن عباس، ومقاتل. ومعنى: # (فلأنفسكم)، أي: فلكم ثوابه. # قوله [تعالى]: (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) قال الزجاج: هذا خاص ~~للمؤمنين، أعلمهم الله أنه قد علم أن ms0247 مرادهم ما عنده، وإذا أعلمهم بصحة ~~قصدهم، فقد أعلمهم بالجزاء عليه. # قوله [تعالى]: (يوف إليكم) أي: توفون أجره ومعنى الآية: ليس عليك أن ~~يهتدوا، فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام، فإن تصدقتم عليه أثبتم. والآية ~~محمولة على صدقة التطوع، إذ لا يجوز أن يعطى الكافر من الصدقة المفروضة ~~شيئا. # للفقراء الذين أحصروا عمرو في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما ~~تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) قوله [تعالى]: (للفقراء الذين ~~أحصروا) لما حثهم على الصدقات والنفقات، دلهم على خير من تصدق عليه. وقد ~~تقدم تفسير الإحصار عند قوله: (فإن أحصرتم) وفي المراد: (الذين أحصروا) ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أهل الصفة حبسوا أنفسهم على طاعة الله، ولم يكن لهم شئ، قاله ~~ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم فقراء المهاجرين، قاله مجاهد. # والثالث: أنهم قوم حبسوا أنفسهم على الغزو، فلا يقدرون على الاكتساب، ~~قاله قتادة. # والرابع: أنهم قوم أصابتهم جراحات مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فصاروا زمنى. قاله سعيد بن جبير، PageV01P283 # واختاره الكسائي، وقال: أحصروا من المرض، ولو أراد الحبس، لقال: حصروا، ~~وإنما الإحصار من الخوف، أو المرض. والحصر: الحبس في غيرهما وفي سبيل الله ~~قولان: # أحدهما: أنه الجهاد. # والثاني: الطاعة. وفي الضرب في الأرض قولان: # أحدهما: أنه الجهاد لم يمكنهم لفقرهم، نقل عن ابن عباس. و والثاني: ~~الكسب، قاله قتادة. وفي الذي منعهم من ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: الفقر، قاله ابن عباس. # والثاني: أمراضهم، قاله ابن جبير، وابن زيد. # والثالث: التزامهم بالجهاد، قاله الزجاج. # قوله [تعالى]: (يحسبهم الجاهل) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي ~~" يحسبهم " و " يحسبن " بكسر السين في جميع القرآن. وقرأ ابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة، بفتح السين في الكل. قاله أبو علي: فتح السين أقيس، لأن الماضي إذا ~~كان على " فعل "، نحو: # حسب، كان المضارع على " يفعل " مثل: فرق يفرق، وشرب يشرب، والكسر حسن ~~لموضع السمع. قاله ابن قتيبة: لم يرد الجهل الذي هو ms0248 ضد العقل، إنما أراد ~~الجهل الذي هو ضد الخير، فكأنه قال: يحسبهم من لا يخبر أمرهم. والتعفف: ترك ~~السؤال، يقال: عف عن الشئ وتعفف. # والسيما: العلامة التي يعرف بها الشئ، وأصله من السمة. وفي المراد ~~بسيماهم ثلاثة أقوال: # أحدها: تجملهم، قاله ابن عباس. # والثاني: خشوعهم، قاله مجاهد. # والثالث: أثر الفقر عليهم، قاله السدي والربيع بن أنس، وهذا يدل على أن ~~للسيما حكما يتعلق بها. قال إمامنا أحمد في الميت يوجد في دار الحرب، ولا ~~يعرف أمره: ينظر إلى سيماه، فإن كان عليه سيما الكفار من عدم الختان، حكم ~~له بحكمهم، فلم يدفن في مقابر المسلمين، ولم يصل عليه، وإن كان عليه سيما ~~المسلمين حكم له بحكمهم. فأما الإلحاف، فهو: الإلحاح، قال ابن قتيبة: يقال: ~~ألحف في المسألة: إذا ألح، وقال الزجاج: معنى ألحف: شمل بالمسألة، ومنه ~~اشتقاق اللحاف، لأنه يشمل الانسان بالتغطية، فإن قيل: فهل كانوا يسألون غير ~~ملحفين؟ فالجواب: PageV01P284 # أن لا، وإنما معنى الكلام: أنه لم يكن منهم سؤال، فيكون إلحاف. # قال الأعشى: # لا يغمز الساق من أين ولا وصب * ولا يعض على شرسوفه الصفر معناه ليس ~~بساقه أين ولا وصب، فيغمزها لذلك. قال الفراء: ومثله أن تقول: قل ما رأيت ~~مثل هذا الرجل، ولعلك لم تر قليلا ولا كثيرا من أشباهه، فهم لا يسألون ~~الناس إلحافا، ولا غير إلحاف. وإلى نحو هذا ذهب الزجاج، وابن الأنباري في ~~آخرين. # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون (274) قوله [تعالى]: (الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله عز وجل، رواه حنش ~~الصنعاني عن ابن عباس وهو قول أبي الدرداء وأبي أمامة، ومكحول، والأوزاعي ~~في آخرين. # والثاني: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه كان معه أربعة ~~دراهم، فأنفق في الليل درهما وبالنهار درهما، وفي السر درهما، وفي العلانية ~~درهما، رواه مجاهد عن ابن عباس، ms0249 وبه قال مجاهد، وابن السائب، ومقاتل. # والثالث: أنها نزلت في علي، وعبد الرحمن بن عوف، فإن عليا بعث بوسق من ~~تمر إلى أهل الصفة ليلا، وبعث عبد الرحمن إليهم بدنانير كثيرة نهارا، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من PageV01P285 # ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (275) قوله [تعالى]: (الذين يأكلون الربا) الربا: أصله في ~~اللغة: الزيادة، ومنه الربوة والرابية، وأربى فلان على فلان: زاد. وهذا ~~الوعيد يشمل الآكل، والعامل به، وإنما خص الآكل بالذكر، لأنه معظم المقصود. ~~وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه " لعن آكل الربا وموكله ~~وشاهديه وكاتبه ". # قوله [تعالى]: (لا يقومون) قال ابن قتيبة أي: يوم البعث من القبور. ~~والمس: الجنون، يقال رجل ممسوس، فالناس إذا خرجوا من قبورهم أسرعوا كما قال ~~تعالى: (يخرجون من الأجداث سراعا). إلا أكلة الربا، فإنهم يقومون ويسقطون، ~~لأن الله أربى الربا في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم، فلا يقدرون على ~~الإسراع. وقال سعيد بن جبير: تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة. # قوله [تعالى]: (ذلك) أي: هذا الذي ذكر من عقابهم (بأنهم قالوا: إنما ~~البيع مثل الربا) وقيل: إن ثقيف كانوا أكثر العرب ربا، فلما نهوا عنه، ~~قالوا: إنما هو مثل البيع. # قوله [تعالى]: (فمن جاءه موعظة من ربه) قال الزجاج: كل تأنيث ليس بحقيقي، ~~فتذكيره جائز، ألا ترى أن الوعظ والموعظة معبران عن معنى واحد؟ # قوله [تعالى]: (فله ما سلف) أي: ما أكل من الربا. # وفي قوله [تعالى]: (وأمره إلى الله) قولان: # أحدهما: أن " الهاء " ترجع إلى المربي، فتقديره، إن شاء عصمه منه، وإن ~~شاء لم يفعل، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. # والثاني: أنها ترجع إلى الربا فمعناه: يعفو الله عما شاء منه، ويعاقب على ~~ما شاء منه، قاله أبو ms0250 سليمان الدمشقي. # قوله [تعالى]: (ومن عاد) قاله ابن جبير: من عاد إلى الربا مستحلا محتجا ~~بقوله [تعالى]: (إنما البيع مثل الربا). # يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين ~~آمنوا PageV01P286 # وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (277) قوله [تعالى]: (يمحق الله الربا) فيه قولان: # أحدهما: أن معنى محقه: تنقيصه واضمحلاله، ومنع: محاق الشهر لنقصان الهلال ~~فيه. # روي هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. # والثاني: أنه إبطال ما يكون منه من صدقة ونحوها، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. # قوله [تعالى]: (ويربي الصدقات) قال ابن جبير: يضاعفها. والكفار: الذي ~~يكثر فعل ما يكفر به، والأثيم: المتمادي في ارتكاب الإثم المصر عليه أ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) ~~قوله [تعالى]: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) في ~~نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف. وفي بني المغيرة ~~من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ثقيف، فلما وضع الله ~~الربا، طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم، فنزلت هذه الآية، والتي ~~بعدها. هذا قول ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان، والعباس، كانا قد أسلفا في التمر، ~~فلما حضر الجذاذ، قال صاحب التمر: إن أخذتما مالكما، لم يبق لي ولعيالي ما ~~يكفي، فهل لكما أن تأخذا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما حل الأجل، طلبا ~~الزيادة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنهاهما، عليه السلام ~~فنزلت هذه الآية، هذا قول عطاء وعكرمة. # والثالث: أنها نزلت في العباس، وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في ~~الجاهلية، وكانا يسلفان في الربا، فجاء الإسلام، ولهما أموال عظيمة في ~~الربا، فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا إن كل ~~ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا ms0251 العباس " هذا قول السدي. قال ~~ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: إنما قال: (ما بقي من الربا) لأن كل ربا كان قد ~~PageV01P287 # ترك، فلم يبق إلا ربا ثقيف. وقال قوم: الآية محمولة على من أربى قبل ~~إسلامه، وقبض بعضه في كفره، ثم أسلم، فيجب عليه أن يترك ما بقي، ويعفى له ~~عما مضى. فأما المراد بعد الإسلام، فمردودة فيما قبض، ويسقط ما بقي. # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) قوله [تعالى]: (فإن لم تفعلوا فأذنوا) قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر (فأذنوا) مقصورة، مفتوحة. وقرأ حمزة، ~~وأبو بكر عن عاصم: " فآذنوا " بمد الألف وكسر الذال. قال الزجاج: من قرأ: ~~فأذنوا، بقصر الألف، وفتح الذال، فالمعنى: أيقنوا. ومن قرأ بمد الألف، وكسر ~~الذال، فمعناه: أعلموا كل من لم يترك الربا أنه حرب. قال ابن عباس: يقال ~~يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. # قوله [تعالى]: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم) أي: التي أقرضتموها، لا ~~تظلمون، فتأخذون أكثر منها، ولا تظلمون فتنقصون منها، والجمهور على فتح " ~~تاء " تظلمون الأولى، وضم " تاء " تظلمون الثانية. وروى المفضل عن عاصم: ضم ~~الأولى، وفتح الثانية. # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(280) قوله [تعالى]: (وإن كان ذو عسرة) ذكر ابن السائب، ومقاتل أنه لم نزل ~~قوله [تعالى]: (وذروا ما بقي من الربا) قال بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: ~~هاتوا رؤوس أموالنا، وندع لكم الربا، فشكا بنو المغيرة العسرة، فنزلت هذه ~~الآية. فأما العسرة، فهي الفقر، والضيق. # والجمهور على تسكين السين، وضمها أبو جعفر هاهنا، وفي (ساعة العسرة) وقرأ ~~الجمهور بفتح سين " الميسرة " وضمها نافع، وتابعه زيد عن يعقوب على ضم ~~السين، إلا أنه زاد، فكسر الراء، وقلب الياء هاء، ووصلها بباء. قال الزجاج: ~~ومعنى وإن كان: وإن وقع. والنظرة: التأخير، فأمرهم بتأخير رأس المال بعد ~~إسقاط الربا إذا كان المطالب معسرا، وأعلمهم أن الصدقة عليه بذلك أفضل ms0252 ~~بقوله [تعالى]: (وأن تصدقوا) والأكثرون على تشديد الصاد، وخففها عاصم مع ~~تشديد الدال. # وسكنها ابن أبي عبلة مع ضم الدال فجعله من الصدق. PageV01P288 # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(281) قوله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) قرأ أبو عمرو بفتح ~~تاء " ترجعون " وضمها الباقون. قاله ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن ~~جبير، وعطية، ومقاتل في آخرين: هذه آخر آية نزلت من القرآن. قال ابن عباس: ~~وتوفي رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] بعدها بأحد وثمانين يوما، وقال ~~ابن جريج: توفي بعدها بتسع ليال. وقال مقاتل: بسبع ليال. # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم (282) قوله [تعالى]: (يا ~~أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين) قال الزجاج: يقال: داينت الرجل إذا ~~عاملته، فأخذت منه بدين، وأعطيته. # قال الشاعر: # داينت أروى والديون تقضى * فما طلت ولم بعضا وأدت بعضا والمعنى: إذا كان ~~لبعضكم على بعض دين إلى أجل مسمى، فاكتبوه، فأمر الله تعالى بكتب الدين، ~~والإشهاد، حفظا منه للأموال، وللناس من الظلم، لأن من كانت عليه البينة، قل ~~تحديثه لنفسه بالطمع في إذهابه. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية ms0253 في السلم ~~خاصة. فإن قيل: ما الفائدة PageV01P289 # في قوله " بدين " و " تداينتم " يكفي عنه؟ فالجواب: إن تداينتم يقع على ~~معنيين: # أحدهما: المشاراة والمبايعة والإقراض. # والثاني: المجازاة بالأفعال، فالأول يقال فيه: الدين بفتح الدال، ~~والثاني: يقال منه: الدين بكسر الدال. قال تعالى: (يسألون أيان يوم ~~القيامة) أي: يوم الجزاء. # وأنشدوا: # دناهم كما دانوا فدل قوله " بدين " على المراد بقوله " تداينتم " ذكره ~~ابن الأنباري. فأما العدل فهو الحق. # قال قتادة: لا تدعن حقا، ولا تزيدن باطلا. # قوله [تعالى]: (ولا يأب كاتب) أي: لا يمتنع أن يكتب كما علمه الله، وفيه ~~قولان: # أحدهما: كما علمه الله الكتابة، قاله سعيد بن جبير. وقال الشعبي: الكتابة ~~فرض على الكفاية كالجهاد. # والثاني: كما أمره الله به الحق، قاله الزجاج. # قوله [تعالى]: (وليملل الذي عليه الحق) قال سعيد بن جبير: يعني المطلوب، ~~يقول: # ليمل ما عليه من حق الطالب على الكاتب، (ولا يبخس منه) أي: لا ينقص عند ~~الإملاء. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: أمللت أمل، وأمليت أملي لغتان: ~~فأمليت من الإملاء وأمللت من الملل والملال، لأن المحل يطيل قوله على ~~الكاتب ويكرره. # قوله [تعالى]: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها) في المراد بالسفيه هاهنا ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه الجاهل بالأموال، والجاهل بالإملاء. قاله مجاهد، وابن جبير. # والثاني: أنه الصبي والمرأة، قاله الحسن. # والثالث: أنه الصغير، قاله الضحاك، والسدي. # والرابع أنه المبذر، قاله القاضي أبو يعلى. وفي المراد بالضعيف ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه العاجز والأخرس، ومن به حمق، قاله ابن عباس، وابن جبير. # والثاني: أنه الأحمق، قاله مجاهد، والسدي. # والثالث: أنه الصغير قاله القاضي أبو يعلى. # قوله [تعالى]: (أو لا يستطيع أن يمل هو) قاله ابن عباس: لا يستطيع لعيه. ~~وقال ابن جبير: PageV01P290 # لا يحسن أن يمل ما عليه، وقال القاضي أبو يعلى: هو المجنون. # قوله [تعالى]: (فليملل وليه) في هاء الكناية قولان: # أحدها: أنها تعود إلى الحق، فتقديره، فليملل ولي الحق، هذا قول ابن عباس، ~~وابن جبير، والربيع بن أنس، ومقاتل، واختاره ابن قتيبة. # والثاني: ms0254 أنها تعود إلى الذي عليه الحق، وهذا قول الضحاك، وابن زيد، ~~واختاره الزجاج، وعاب قول الأولين، فقال: كيف يقبل قول المدعي! وما حاجته ~~إلى الكتاب والإشهاد، والقول قوله؟! # وهذا اختيار القاضي أبي يعلى أيضا، والعدل: الإنصاف. وقي قوله [تعالى]: ~~(من رجالكم) قولان: # أحدهما: أنه يعني الأحرار، قاله مجاهد. # والثاني: أهل الإسلام، وهذا اختيار الزجاج، والقاضي أبي يعلى، ويدل عليه ~~أنه خاطب المؤمنين في أول الآية. # قوله [تعالى]: (فإن لم يكونا رجلين) أراد: فإن لم يكن الشهيدان رجلين ~~(فرجل وامرأتان) ولم يرد به: إن لم يوجد رجلان. # قوله [تعالى]: (ممن ترضون من الشهداء) قال ابن عباس: من أهل الفضل ~~والدين. قوله [تعالى]: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) ذكر الزجاج، ~~أن الخليل، وسيبويه، وسائر النحويين الموثوق بعلمهم، قالوا: معناه: ~~استشهدوا امرأتين، لأن تذكر إحداهما الأخرى. ومن أجل أن تذكر إحداهما ~~الأخرى. وقرأ حمزة " إن تضل " بكسر الألف. والضلال هاهنا: النسيان قاله ابن ~~عباس والضحاك، والسدي، والربيع، ومقاتل، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. فأما ~~قوله: " فتذكر " فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بالتخفيف مع نصب الراء، وقرأ ~~حمزة بالرفع مع تشديد الكاف، وقرأ الباقون بالنصب وتشديد الكاف، فمن شدد ~~أراد الإدكار عند النسيان، وفي قراءة من خفف قولان: # أحدهما: أنها بمعنى المشددة أيضا، وهذا قول الجمهور. قال الضحاك، والربيع ~~بن أنس، والسدي: ومعنى القراءتين واحد. # والثاني: أنها بمعنى: تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر، وهذا مذهب سفيان ~~بن عيينة، وحكى الأصمعي عن أبي عمرو نحوه. واختاره القاضي أبو يعلى، وقد ~~رده جماعة، منهم PageV01P291 # ابن قتيبة. قال أبو علي: ليس مذهب ابن عيينة بالقوي، لأنهن لو بلغن ما ~~بلغن، لم تجز شاهدتهن إلا أن يكون معهن رجل، ولأن الضلال هاهنا: النسيان، ~~فينبغي أن يقابل بما يعادله، وهو التذكير. # قوله [تعالى]: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) قال قتادة: كان الرجل يطوف ~~في الحواء العظيم فلا يتبعه منهم أحد فنزلت هذه الآية. ويكون هذا الدعاء.. ~~فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: إلى تحمل الشهادة، وإثباتها في الكتاب، قاله ابن ms0255 عباس، وعطية، ~~وقتادة، والربيع. # والثاني: إلى إقامتها وأدائها عند الحكام بعد أن تقدمت شهادتهم بها، قاله ~~سعيد بن جبير، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والشعبي، وأبو مجلز، ~~والضحاك، وابن زيد. ورواه الميموني عن أحمد بن حنبل. # والثالث: إلى تحملها وإلى أدائها، روي عن ابن عباس، والحسن، واختاره ~~الزجاج، قال القاضي أبو يعلى: إنما يلزم الشاهد أن لا يأبى إذا دعي لإقامة ~~الشهادة إذا لم يوجد من يشهد غيره، فأما إن كان قد تحملها جماعة، لم تتعين ~~عليه، وكذلك في حال تحملها، لأنه فرض على الكفاية كالجهاد، فلا يجوز لجميع ~~الناس الامتناع منه. # قوله [تعالى]: (ولا تسأموا) أي: لا تملوا وتضجروا أن تكتبوا القليل ~~والكثير الذي قد جرت العادة بتأجيله إلى أجله، أي: إلى محل أجله (ذلكم أقسط ~~عند الله) أي: أعدل، (وأقوم للشهادة) لأن الكتاب يذكر الشهود جميع ما شهدوا ~~عليه (وأدنى) أي: أقرب (أن لا ترتابوا) أي: # لا تشكوا (إلا أن تكون) الأموال (تجارة) أي: الا أن تقع تجارة. وقرأ عاصم ~~" تجارة " بالنصب على معنى: إلا أن تكون الأموال تجارة حاضرة، وهي البيوع ~~التي يستحق كل واحد منهما على صاحبه تسليم ما عقد عليه من جهته بلا تأجيل. ~~فأباح ترك الكتاب فيها توسعة، لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم في مأكول ~~ومشروب. # قوله [تعالى]: (وأشهدوا إذا تبايعتم) الإشهاد مندوب إليه فيما جرت العادة ~~بالإشهاد عليه. # فصل وهذا الآية تتضمن الأمر باثبات الدين في كتاب، وإثبات شهادة في البيع ~~والدين. واختلف PageV01P292 # العلماء، هل هذا أمر وجوب، أم على وجه الاستحباب؟ فذهب الجمهور إلى أنه ~~أمر ندب واستحباب فعلى هذا هو محكم، وذهبت طائفة إلى أن الكتاب والإشهاد ~~واجبان، روي عن ابن عمر، وأبي موسى، ومجاهد، وابن سيرين، وعطاء، والضحاك، ~~وأبي قلابة، والحكم وابن زيد. ثم اختلف هؤلاء، هل هذا الحكم باق أم منسوخ؟ ~~فذهب أكثرهم إلى أنه محكم غير منسوخ، وذهبت طائفة إلى أنه منسوخ بقوله ~~[تعالى]: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته) قوله [تعالى]: (ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد) ms0256 قرأ أبو جعفر بتخفيف الراء من " يضار " وسكونها. وفي ~~معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: لا يضار بأن يدعي وهو مشغول، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، ~~وعكرمة، والسدي، والربيع بن أنس، والفراء، ومقاتل. وقال الربيع: كان أحدهم ~~يجئ إلى الكاتب فيقول: # اكتب لي، فيقول: إني مشغول، فيلزمه، ويقول: إنك قد أمرت بالكتابة، فيضاره ~~ولا يدعه، وهو يجد غيره، وكذلك يفعل الشاهد، فنزلت (ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد). # والثاني: أن معناه: النهي للكاتب أن يضار من يكتب له بان يكتب غير ما يمل ~~عليه، وللشاهد أن يشهد بما لم يستشهد عليه، هذا قول الحسن، وطاووس، وقتادة، ~~وابن زيد، واختاره ابن قتيبة، والزجاج واحتج الزجاج على صحته بقوله ~~[تعالى]: (وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم) قال: ولا يسمى من دعا كاتبا ليكتب، ~~وهو مشغول، أو شاهد، فاسقا، إنما يسمى من حرف الكتاب، أو كذب في الشهادة، ~~فاسقا. # والثالث: أن معنى المضارة: امتناع الكاتب أن يكتب، والشهادة أن يشهد، ~~وهذا قول عطاء في آخرين. # قوله [تعالى]: (وإن تفعلوا) يعني: المضارة. # وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم (283) PageV01P293 # قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر) إنما خص السفر، لأن الأغلب عدم الكاتب، ~~والشاهد فيه، ومقصود الكلام: إذ عدمتم التوثق بالكتاب، والاشهاد، فخذوا ~~الرهن. # قوله [تعالى]: (فرهان) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعبد الوارث (فرهن) بضم ~~الراء والهاء من غير ألف، وأسكن الهاء عبد الوارث وجماعة. وقرأ نافع، وعاصم ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي (فرهان) بكسر الراء، وفتح الهاء، وإثبات الألف. ~~قال ابن قتيبة: من قرأ (فرهان) أراد: جمع رهن، ومن قرأ (فرهن) أراد: جمع ~~رهان، فكأنه جمع الجمع. # وقوله [تعالى]: (مقبوضة) يدل على أن من شرط لزوم الرهن القبض، وقبض الرهن ~~أخذه من راهنه منقولا، فإن كان مما لا ينقل، كالدور والأرضين، فقبضه تخلية ~~راهنه بينه وبين مرتهنه قوله [تعالى]: (فإن ms0257 أمن بعضكم بعضا) أي: فإن وثق رب ~~الدين بأمانة الغريم، فدفع ماله بغير كتاب ولا شهود ولا رهن، (فليؤد الذي ~~اؤتمن) وهو المدين (أمانته وليتق الله ربه) أن يخون من ائتمنه. # وقوله [تعالى]: (فإنه آثم قلبه) قال السدي عن أشياخه: فإنه فاجر قلبه. ~~قال القاضي أبو يعلى: إنما أضاف الإثم إلى القلب، لأن المآثم تتعلق بعقد ~~القلب، وكتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أدائها. # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيفغر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير (284) ~~قوله [تعالى]: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) أما ~~إبداء ما في النفس، فإنه العمل بما أضمره العبد، أو النطق، وهذا مما يحاسب ~~عليه العبد، ويؤاخذ به، وأما ما يخفيه في نفسه، فاختلف العلماء في المراد ~~بالمخفي في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنه عام في جميع المخفيات، وهو قول الأكثرين. واختلفوا: هل هذا ~~الحكم ثابت في المؤاخذة أم منسوخ؟ على قولين: # أحدهما: أنه منسوخ بقوله [تعالى]: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) هذا قول ~~ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وابن سيرين، ~~وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد، ومقاتل. # والثاني: أنه ثابت في المؤاخذة على العموم، فيؤاخذ به من يشاء، ويغفره ~~لمن يشاء، وهذا PageV01P294 # مروي عن ابن عمر، والحسن، واختاره أبو سليمان الدمشقي، والقاضي أبو يعلى. ~~وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله عز ~~وجل إذا جمع الخلائق، يقول لهم: إني مخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم ~~يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم، ويغفر لهم، مع ما حدثوا به ~~أنفسهم، وهو قوله [تعالى]: (يحاسبكم به الله) يقول: يخبركم به الله، وأما ~~أهل الشرك والريب، فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله تعالى: (فيغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء) والأكثرون على تسكين راء " مغفرة " وباء " يعذب " ~~منهم ms0258 ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي. وإنما جزموا لاتباع هذا ~~ما قبله، وهو " يحاسبكم " وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم ويعقوب: برفع ~~الراء، والباء فيهما. فهؤلاء قطعوا الكلام عن الأول، قال ابن الأنباري: وقد ~~ذهب قوم إلى أن المحاسبة هاهنا هي اطلاع الله العبد يوم القيامة على ما كان ~~حدث به نفسه في الدنيا، ليعلم أنه لم يعزب عنه شئ. قال: والذي نختاره أن ~~تكون الآية محكمة، لأن النسخ إنما يدخل على الأمر والنهي. وقد روي عن عائشة ~~أنها قالت: أما ما أعلنت، فالله يحاسبك به، وأما ما أخفيت، فما عجلت لك به ~~العقوبة في الدنيا، والقول الثاني: أنه أمر خاص في نوع من المخفيات، ~~ولأرباب هذا القول فيه قولان: # أحدهما: أنه كتمان الشهادة قاله ابن عباس في رواية، وعكرمة والشعبي. # والثاني: أنه الشك واليقين، قاله مجاهد. فعلى هذا المذكور تكون الآية ~~محكمة. # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) قوله [تعالى]: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) روى البخاري ~~ومسلم في " صحيحيهما " من حديث أبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أنه قال " الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه ~~" قال أبو بكر النقاش: معناه: كفتاه عن قيام الليل. وقيل: إنهما نزلتا على ~~سبب، وهو ما روى العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما أنزل الله تعالى: ~~(وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) اشتد ذلك على أصحاب ~~النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] فقالوا: قد أنزل عليك هذه الآية ولا ~~نطيقها. فقال: " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين، من قبلكم: سمعنا ~~وعصينا؟ # قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير " فلما قالوها فذلت بها ~~ألسنتهم، أنزل الله في أثرها (آمن الرسول) قال الزجاج: لما ذكر ما تشتمل ~~عليه هذه السورة من القصص والأحكام ختمها PageV01P295 # بتصديق نبيه، ms0259 والمؤمنين. وقرأ ابن عباس (وكتابه) فقيل له في ذلك، فقال: ~~كتاب أكثر من كتب، ذهب به إلى اسم الجنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي ~~الناس. وقد قرأ ابن عباس وفي رواية حمزة، والكسائي، وخلف، وكذلك في " ~~التحريم " وقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر ~~(وكتبه) هاهنا بالجمع، وفي " التحريم " بالتوحيد. وقرأ أبو عمرو بالجمع في ~~الموضعين. # قوله [تعالى]: (لا نفرق بين أحد من رسله) قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكنى ~~على حرفين، مثل " رسلنا " و " رسلكم " باسكان السين، وثقل ما عدا ذلك. في ~~قوله [تعالى]: (على رسلك) روايتان، بالتخفيف والتثقيل وقرأ الباقون كل ما ~~[كان] في القرآن من هذا الجنس بالتثقيل وقرأ يعقوب: لا يفرق بالياء مع] ~~ومعنى قوله: (لا نفرق بين أحد من رسله) أي: لا نفعل كما فع أهل الكتاب، ~~آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وقرأ يعقوب " لا يفرق " بالياء، وفتح الراء. # قوله [تعالى]: (غفرانك) أي: نسألك غفرانك، والمصير: المرجع. # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) قوله [تعالى]: (لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها) الوسع: الطاقة. قاله ابن عباس، وقتادة ومعناه: لا يكلفها ~~ما لا قدرة لها عليه لاستحالته، كتكليف الزمن السعي، والأعمى النظر. فأما ~~تكليف ما يستحيل من المكلف، لا لفقد الآلات، فيجوز كتكليف الكافر الذي سبق ~~في العلم القديم أنه لا يؤمن الإيمان، فالآية محمولة على القول الأول. ومن ~~الدليل على ما قلناه قوله [تعالى]: في سياق الآية (ربنا لا تحملنا مالا ~~طاقة لنا به) فلو كان تكليف ما لا يطاق ممتنعا، كان السؤال عبثا، وقد أمر ~~الله تعالى نبيه بدعاء قوم قال فيهم: (وان تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا) وقال ابن الأنباري: المعنى: لا تحملنا ms0260 ما يثقل علينا أداؤه، وان كنا ~~مطيقين له على تجشم، وتحمل مكروه، PageV01P296 # فخاطب العرب على حسب، ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق ~~النظر إليك، وهو مطيق لذلك، لكنه يثق عليه، ومثله قوله [تعالى]: (ما كانوا ~~يستطيعون السمع). # قوله [تعالى]: (لها ما كسبت) قال ابن عباس: لها ما كسبت من طاعة (وعليها ~~ما اكتسبت) من معصية. قال أبو بكر النقاش: فقوله: " لها " دليل على الخير، ~~و " عليها " دليل على الشر. وقد ذهب قوم إلى أن " كسبت " لمرة ومرات و " ~~اكتسبت " لا يكون إلا لشئ بعد شئ وهما عند آخرين لغتان بمعنى واحد، كقوله ~~[عز وجل]: (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا). # قوله [تعالى]: (ربنا لا تؤاخذنا) هذا تعليم من الله للخلق أن يقولوا ذلك، ~~قال ابن الأنباري: والمراد بالنسيان هاهنا: الترك مع العمد، لأن النسيان ~~الذي هو بمعنى الغفلة قد أمنت الآثام من جهته. والخطأ أيضا هاهنا من جهة ~~العمد، لا من جهة السهو، يقال: أخطأ الرجل: إذا تعمد، كما يقال: أخطأ إذا ~~غفل. وفي " الإصر " قولان: # أحدهما: أنه العهد، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي. # والثاني: الثقل، أي: لا تثقل علينا من الفروض ما ثقلته على بني إسرائيل، ~~قاله ابن قتيبة. # قوله [تعالى]: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) فيه خمسة أقوال: # أحدهما: أنه ما يصعب ويشق من الأعمال، قاله الضحاك، والسدي، وابن زيد، ~~والجمهور. # والثاني: أنه المحبة، رواه الثوري عن منصور عن إبراهيم. # والثالث: الغلمة قاله مكحول. # والرابع: حديث النفس ووساوسها. # والخامس: عذاب النار. # قوله [تعالى]: (أنت مولانا) أي: أنت ولينا (فانصرنا) أي: أعنا. وكان معاذ ~~إذا فرغ من هذه السورة قال: آمين. PageV01P297 # سورة آل عمران ذكر أهل التفسير أنها مدنية، وأن صدرا من أولها نزل في وفد ~~نجران، قدموا على النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] في ستين راكبا، فيهم ~~العاقب، والسيد، فخاصموه في عيسى، فقالوا: إن لم يكن ولد الله، فمن أبوه؟ ~~فنزلت فيهم صدر (آل عمران) إلى بضع وثمانين آية منها. # بسم الله ms0261 الرحمن الرحيم آلم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل ~~عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل ~~هدى للناس وأنزل الفرقان PageV01P298 # قوله تعالى: (نزل عليك الكتاب) يعني: القرآن (بالحق) يعني: العدل. (مصدقا ~~لما بين يديه) من الكتب. وقيل: إنما قال في القرآن: " نزل " بالتشديد، وفي ~~التوراة والإنجيل: أنزل، لأن كل واحد منهما أنزل في مرة واحدة، وأنزل ~~القرآن في مرات كثيرة. فأما التوراة. فذكر ابن قتيبة عن الفراء أنه يجعلها ~~من: وري الزند يري: إذا خرجت ناره، وأوريته يريد أنها ضياء. قال ابن قتيبة: # وفيه لغة أخرى: ورى يري، ويقال: وريت بك زنادي. والإنجيل، من نجلت الشئ: ~~إذا أخرجته، وولد الرجل: نجله، كأنه هو استخرجه، يقال: قبح الله ناجليه، ~~أي: والديه، وقيل للماء يظهر من البئر: نجل، يقال: قد استنجل الوادي: ~~وإنجيل: إفعيل من ذلك، كأن الله أظهر به عافيا من الحق دارسا. قال شيخنا ~~أبو منصور اللغوي: والإنجيل: أعجمي معرب، قال: وقال بعضهم: إن كان عربيا، ~~فاشتقاقه من النجل، وهو ظهور الماء على وجه الأرض، واتساعه، ونجلت الشئ: ~~إذا استخرجته وأظهرته، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم وقيل: هو إفعيل من ~~النجل وهو الأصل: # فالإنجيل أصل لعلوم وحكم وفي الفرقان هاهنا قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة، والجمهور. قال أبو عبيدة: سمي القرآن ~~فرقانا، لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. # والثاني: أنه الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى حين اختلفوا فيه قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: وأنزل ~~التوراة، والإنجيل، والفرقان، فيه هدى للناس. # إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) قوله ~~[تعالى]: (إن الذين كفروا بآيات الله) قال ابن عباس: يريد وفد نجران ~~النصارى، كفروا بالقرآن، وبمحمد، والانتقام: المبالغة في العقوبة. # إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) PageV01P299 # قوله [تعالى]: (إن الله لا يخفى ms0262 عليه شئ في الأرض ولا في السماء) قال أبو ~~سليمان الدمشقي: هذا تعريض بنصارى أهل نجران فيما كانوا ينطوون عليه من كيد ~~النبي عليه السلام وذكر التصوير في الأرحام تنبيه على أمر عيسى. # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) قوله [تعالى]: (منه آيات محكمات) ~~المحكم: المتقن المبين، وفي المراد به هاهنا ثمانية أقوال: # أحدها: أنه الناسخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والسدي في آخرين. # والثاني: أنه الحلال والحرام، روي عن ابن عباس ومجاهد. # والثالث: أنه ما علم العلماء تأويله، روي عن جابر بن عبد الله. # والرابع: أنه الذي لم ينسخ، قاله الضحاك. # والخامس: أنه ما لم تتكرر ألفاظه، قاله ابن زيد. # والسادس: أنه ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى ~~عن الإمام أحمد. وقال الشافعي، وابن الأنباري: هو ما لم يحتمل من التأويل ~~إلا وجها واحدا. # والسابع: أنه جميع القرآن غير الحروف المقطعة. # والثامن: أنه الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، ذكر هذا ~~والذي قبله القاضي أبو يعلى بن الفراء، وأم الكتاب أصله. قاله ابن عباس، ~~وابن جبير، فكأنه قال: هن أصل الكتاب اللواتي يعمل عليهن في الأحكام، ومجمع ~~الحلال والحرام. وفي المتشابه سبعة أقوال: # أحدها: أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والسدي في ~~آخرين. # والثاني: أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن ~~جابر بن عبد الله. # والثالث: أنه الحروف المقطعة كقوله: " آلم " ونحو ذلك، قاله ابن عباس. # والرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد. # والخامس: أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد. PageV01P300 # والسادس: أنه [ما احتمل إلى بيان، ذكره القاضي أو يعلى عن أحمد وقال ~~الشافعي ما احتمل من التأويل وجوها. وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا ms0263 يحتمل ~~التأويلات، ولا يخفى على مميز، والمتشابه: الذي تعتوره تأويلات. # والسابع: أنه القصص، والأمثال ذكره القاضي أبو يعلى. فإن قيل: فما فائدة ~~إنزال المتشابه، والمراد بالقرآن البيان والهدى؟ فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أنه لما كان كلام العرب على ضربين: # أحدهما: الموجز الذي لا يخفى على سامعه، ولا يحتمل غير ظاهره. # والثاني: المجاز، والكنايات، والإشارات، والتلويحات، وهذا الضرب الثاني ~~هو المستحلى عند العرب، والبديع في كلامهم، أنزل الله تعالى القرآن على ~~هذين الضربين، ليتحقق عجزهم عن الاتيان بمثله، فكأنه قال: عارضوه بأي ~~الضربين شئتم ولو نزل كله محكما واضحا، لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن ~~عندنا؟ ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية، أو تعريض أو تشبيه، كان أفصح ~~وأغرب. # قال امرؤ القيس: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل فجعل النظر بمنزلة ~~السهم على جهة التشبيه، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد، وزاد في بلاغته، وقال ~~امرؤ القيس أيضا: # رمتني بسهم أصاب الفؤاد * غداة الرحيل فلم أنتصر وقال أيضا: # فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل فجعل لليل صلبا وصدرا ~~على جهة التشبيه، فحسن بذلك شعره. وقال غيره: # من كميت أجادها طابخاها * لم تمت كل موتها في القدور أراد بالطابخين: منه ~~الليل والنهار على جهة التشبيه. وقال آخر: # تبكي هاشما في كل فجر * كما تبكي على الفنن الحمام PageV01P301 # قاله آخر: # عجبت لها أنى يكون غناؤها * فصيحا ولم تفتح بمنطقها فما فجعل لها غناء ~~وفما على جهة الاستعارة. والجواب الثاني: أن الله تعالى أنزله مختبرا به ~~عباده، ليقف المؤمن عنده، ويرده إلى عالمه، فيعظم بذلك صوابه، ويرتاب به ~~المنافق، فيداخله الزيغ، فيستحق بذلك العقوبة، كما ابتلاهم بنهر طالوت. # والثالث: أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردهم المتشابه إلى ~~المحكم فيطول بذلك فكرهم، ويتصل بالبحث عنه اهتمامهم فيثابون على تعبهم، ~~كما أثيبوا على سائر عباداتهم، ولو جعل القرآن كله محكما لاستوى فيه العالم ~~والجاهل، ولم يفضل العالم على غيره، ولماتت الخواطر، وإنما تقع الفكرة ~~والحيلة مع ms0264 الحاجة إلى الفهم، وقد قال الحكماء: عيب الغنى: أنه يورث ~~البلادة، وفضل الفقر: أنه يبعث على الحيلة، لأنه إذا احتاج احتال. # والرابع: أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني غامضة * ومسائل دقيقة ~~ليحرجوا غير بها من يعلمون، ويمرنوهم على انتزاع الجواب، لأنهم إذا قدروا ~~على الغامض، كانوا على الواضح أقدر، فلما كان ذلك حسنا عند العلماء، جاز أن ~~يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو، وهذه الأجوبة معنى ما ~~ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري. # قوله [تعالى]: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) في الزيغ قولان: # أحدهما: أنه الشك، قاله مجاهد، والسدي. # والثاني: أنه الميل، قاله أبو مالك وعن ابن عباس كالقولين: وقيل: هو ~~الميل عن الهدى. وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال: # أحدها: انهم الخوارج، قاله الحسن: # والثاني: المنافقون، قاله ابن جريج. # والثالث: وفد نجران من النصارى، قاله الربيع. # والرابع: اليهود، طلبوا معرفة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل، قاله ابن ~~السائب. # قوله [تعالى]: (فيتبعون ما تشابه منه) قال ابن عباس: يحيلون المحكم على ~~المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون. وقال السدي: يقولون: ما بال هذه ~~الآية عمل بها كذا وكذا، ثم نسخت وفي المراد بالفتنة ها هنا، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الكفر، قاله السدي، والربيع، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: الشبهات، قاله مجاهد. PageV01P302 # والثالث: إفساد ذات البين، قاله الزجاج: وفي التأويل وجهان. # أحدهما: أنه التفسير. # والثاني: العاقبة المنتظرة. والراسخ: الثابت، يقال: رسخ يرسخ رسوخا. وهل ~~يعلم الراسخون تأويله أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهم لا يعلمونه، وأنهم مستأنفون، وقد روى طاووس عن ابن عباس أنه ~~قرأ (ويقول الراسخون في العلم آمنا به) وإلى هذا المعنى ذهب ابن مسعود، ~~وأبي بن كعب، وابن عباس، وعروة، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والفراء، وأبو ~~عبيدة، وثعلب، وابن الأنباري، والجمهور. قال ابن الأنباري: في قراءة عبد ~~الله (إن تأويله، إلا عند الله) وفي قراءة أبي، وابن عباس (ويقول الراسخون) ~~وقد أنزل الله تعالى في كتابه أشياء، استأثر بعلمها، وقوله تعالى: # (وقرونا بين ذلك ms0265 كثيرا) فأنزل [تعالى] المجمل، ليؤمن به المؤمن، فيسعد، ~~ويكفر به الكافر، فيشقى. # والثاني: أنهم يعلمون، أنهم داخلون في الاستثناء. وقد روى مجاهد عن ابن ~~عباس أنه قال: # أنا ممن يعلم تأويله، وهذا قول مجاهد، والربيع، واختاره ابن قتيبة، وأبو ~~سليمان الدمشقي. قال ابن الأنباري: الذي روى هذا القول عن مجاهد بن أبي ~~نجيح، ولا تصح روايته التفسير عن مجاهد. # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ~~(8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه أن الله لا يخلف الميعاد (9) قوله ~~[تعالى]: (ربنا لا تزغ قلوبنا) أي يقولون: (ربنا لا تمل قلوبنا عن الهدى ~~بعد إذ هديتنا) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وابن يعمر، والجحدري " لا تزغ ~~" بفتح التاء " قلوبنا " برفع الباء. ولدنك: بمعنى عندك. والوهاب: الذي ~~يجود بالعطاء من غير استثابة، والمخلوقون لا يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم، ~~ولا ولدا لعقيم، والله تعالى قادر على أن يهب جميع الأشياء. # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار (10) قوله [تعالى]: (لن تغني عنهم أموالهم) أي: لن تدفع، لأن ~~المال يدفع عن صاحبه في PageV01P303 # الدنيا، وكذلك الأولاد، فأما في الآخرة، فلا ينفع الكافر ماله، ولا ولده. ~~وقوله [تعالى]: (من الله) أي: من عذابه. # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله ~~شديد العقاب (11) قوله [تعالى]: (كدأب آل فرعون) في الدأب قولان: # أحدهما: أنه العادة، فمعناه: كعادة آل فرعون، يريد: كفر اليهود، ككفر من ~~قبلهم، قاله ابن قتيبة، وقال ابن الأنباري: و " الكاف " في " كدأب " متعلقة ~~بفعل مضمر، كأنه قال: كفرت اليهود، ككفر آل فرعون. # والثاني: أنه الاجتهاد، فمعناه: أن دأب هؤلاء وهو اجتهادهم في كفرهم، ~~وتظاهرهم على النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] كتظاهر آل فرعون على موسى ~~[عليه السلام] قاله الزجاج. # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قوله [تعالى]: ~~(قل للذين كفروا ستغلبون) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو ms0266 عمرو، وابن عامر ~~(ستغلبون وتحشرون) بالتاء و (يرونهم) بالياء، وقرأ نافع ثلاثتهن بالتاء! ~~وقرأهن حمزة، والكسائي بالياء. وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن يهود المدينة لما رأوا وقعة بدر، هموا بالإسلام، وقالوا: هذا ~~هو النبي الذي نجده في كتابنا، لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا ~~تعجلوا حتى تنظروا له وقعة أخرى، فلما كانت أحد، شكوا، وقالوا: ما هو به، ~~ونقضوا عهدا كان بينهم وبين النبي، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى ~~أهل مكة، فقالوا: تكون كلمتنا واحدة، فنزلت هذا الآية، رواه أبو صالح، عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في قريش قبل وقعة بدر، فحقق الله وعده يوم بدر، روي ~~عن ابن عباس، والضحاك. # والثالث: أن أبا سفيان في جماعة من قريش، جمعوا لرسول الله [صلى الله ~~عليه وآله وسلم] بعد وقعة بدر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. ~~PageV01P304 # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار (13) قوله [تعالى]: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا) في المخاطبين ~~بهذا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم المؤمنون، روي عن ابن مسعود، والحسن. # والثاني: الكفار، فيكون معطوفا على الذي قبله، وهو يخرج على قول ابن عباس ~~الذي ذكرناه آنفا. # والثالث: أنهم اليهود، ذكره الفراء، وابن الأنباري، فإن قيل: لم قال: (قد ~~كان لكم) ولم يقل: فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن ما ليس بمؤنث حقيقي، يجوز تذكيره. # والثاني: أنه رد المعنى إلى البيان، فمعناه: قد كان لكم بيان فذهب إلى ~~المعنى، وترك اللفظ، وأنشدوا: # إن امرءا غره منكن واحدة * بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور وقد سبق معنى " ~~الآية "، و " الفئة " وكل مشكل تركت شرحه، فإنك تجده فيما سبق، والمراد ~~بالفئتين: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ومشركو قريش يوم بدر. ~~قاله قتادة والجماعة. وفي قوله [تعالى]: # (يرونهم مثليهم) قولان: # أحدهما: يرونهم ثلاثة أمثالهم قاله الفراء، واحتج بأنك ms0267 إذا قلت: عندي ألف ~~دينار، وأحتاج إلى مثليهما، فإنك تحتاج إلى ثلاثة آلاف. # والثاني: أن معناه يرونهم ومثلهم، قال الزجاج: وهو الصحيح قوله [تعالى]: ~~(رأي العين) أي: في رأي العين. قال ابن جرير: جاء هذا على مصدر رأيته يقال ~~رأيته، يقال: رأيته رأيا ورؤية. واختلفوا في الفئة الرائية على ثلاثة ~~أقوال: هي التي ذكرناها في قوله تعالى: (قد كان لكم آية) فإن قلنا: إن ~~الفئة الرائية المسلمون، فوجهه أن المشركين كانوا يضعفون على عدد المسلمين، ~~فرأوهم على ما هم عليه، ثم نصرهم الله، وكذلك إن قلنا: إنهم اليهود. وإن ~~قلنا: إنهم المشركون، فتكثير المسلمين في أعينهم من أسباب النصر. وقد قرأ ~~نافع: # " ترونهم " بالتاء. قال ابن الأنباري: ذهب إلى أن الخطاب لليهود. قال ~~الفراء: ويجوز لمن قرأ " يرونهم " بالياء أن يجعل الفعل لليهود، وإن كان قد ~~خاطبهم في قوله [تعالى]: (قد كان لكم آية) لأن العرب ترجع من الخطاب إلى ~~الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب. وقد شرحنا هذا في PageV01P305 # " الفاتحة " وغيرها. فإن قيل: كيف يقال: إن المشركين استكثروا والمسلمين، ~~وإن المسلمين استكثروا المشركين، وقد بين قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ ~~التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم) أن الفئتين تساوتا في استقلال ~~إحداهما للأخرى؟ فالجواب: أنهم استكثروهم في حال، واستقلوهم في حال، فإن ~~قلنا: إن الفئة الرائية المسلمون، فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية ~~القتال على ما هم عليه، ثم قلل الله المشركين في أعينهم حتى اجترأوا عليهم، ~~فنصرهم الله بذلك السبب. قال ابن مسعود: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم ~~يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا. وقال ~~في رواية أخرى: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: # تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة، فأسرنا منهم رجلا فقلت: كم كنتم؟ قال: ~~ألفا. وإن قلنا: إن الفئة الرائية المشركون فإنهم استقلوا المسلمين في حال، ~~فاجترؤوا عليهم، واستكثروهم في حال، فكان ذلك سبب خذلانهم، وقد نقل أن ~~المشركين لما أسروا يومئذ، قالوا للمسلمين: كم كنتم؟ قالوا: كنا ثلاثمائة ms0268 ~~وثلاثة عشر. قالوا: ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا. # قوله [تعالى]: (والله يؤيد)، أي: يقوي (إن في ذلك) في الإشارة قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى النصر. # والثاني: إلى رؤية الجيش مثليهم، والعبرة: الدلالة الموصلة إلى اليقين، ~~المؤدية إلى العلم، وهي من العبور، كأنه طريق يعبر به ويتوصل به إلى ~~المراد. وقيل: العبرة: الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى العلم. ~~والأبصار: العقول والبصائر. # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب (14) قوله [تعالى]: (زين للناس حب الشهوات) قرأ أبو رزين العقيلي ~~وأبو رجاء العطاردي، ومجاهد، وابن محيصن " زين " بفتح الزاي " حب " بنصب ~~الباء، وقد سبق في " البقرة " بيان التزيين. والقناطير: جمع قنطار، قال ابن ~~دريد: ليست النون فيه أصلية، وأحسب أنه معرب. PageV01P306 # واختلف العلماء: هل هو محدود أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه محدود، ثم فيه أحد عشر قولا: # أحدها: أنه ألف ومئتا أوقية، رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبه قال معاذ بن جبل، وابن عمر، وعاصم بن أبي النجود، والحسن في ~~رواية. # والثاني: أنه اثنا عشر ألف أوقية، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن أبي هريرة كالقولين، وفي رواية عن أبي هريرة أيضا: اثنا عشر ~~أوقية. # والثالث: أنه ألف ومئتا دينار، ذكره الحسن [عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ورواه العوفي عن ابن عباس]. # والرابع: أنه اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وروي عن الحسن، والضحاك، كهذا القول، والذي قبله. # والخامس: أنه سبعون ألف دينار، روي عن ابن عمر، ومجاهد. # والسادس: ثمانون ألف درهم، أو مئة رطل من الذهب روي عن سعيد بن المسيب، ~~وقتادة. # والسابع: أنه سبعة آلاف دينار، قاله عطاء. # والثامن: ثمانية آلاف مثقال، قاله السدي. # والتاسع: أنه ألف مثقال ذهب أو فضة، قاله الكلبي. # والعاشر: أنه ملء مسك ثور ذهبا، قاله ms0269 أبو نضرة، وأبو عبيدة. # والحادي عشر: أن القنطار: رطل من الذهب، أو الفضة، حكاه ابن الأنباري. # والقول الثاني: أن القنطار ليس بمحدود. وقال الربيع بن أنس: القنطار: ~~المال الكثير، بعضه على بعض، وروي عن أبي عبيدة أنه ذكر عن العرب أن ~~القنطار وزن لا يحد، وهذا اختيار ابن جرير PageV01P307 # الطبري. قاله ابن الأنباري: قال بعض اللغويين: القنطار: العقدة الوثيقة ~~المحكمة من المال. وفي معنى المقنطرة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها المضعفة، قال ابن عباس: القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة، ~~وهذا قول الفراء. # والثاني: أنها المكملة، كما تقول: بدرة مبدرة، وألف مؤلفة، وهذا قول ابن ~~قتيبة. # والثالث: أنها المضروبة حتى صارت دنانير ودراهم، قاله السدي. وفي المسومة ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الراعية، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ~~ومجاهد في رواية، والضحاك، والسدي، والربيع، ومقاتل. قال ابن قتيبة: يقال: ~~سامت الخيل، وهي سائمة: # إذا رعت وأسمتها وهي مسامة، وسومتها، فهي مسومة: إذا رعيتها والمسومة في ~~غير هذا: المعلمة في الحرب بالسومة وسلم وبالسيماء أي: بالعلامة. # والثاني: أنها المعلمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~واختاره الزجاج، وعن الحسن كالقولين وفي معنى المعلمة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها معلمة بالشية، إن وهو اللون الذي يخالف سائر لونها، روي عن ~~قتادة. # والثاني: بالكي، روي عن المؤرج. # والثالث: أنها البلق، قاله ابن كيسان. # والثالث: أنها الحسان، قاله عكرمة، ومجاهد. فأما الانعام، فقال ابن ~~قتيبة: هي: الإبل. # والبقر، والغنم، واحدها نعم وهو جمع لا واحد له من لفظه والمآب: المرجع. ~~وهذه الأشياء المذكورة قد تحسن نية العبد بالتلبس بها، فيثاب عليها، وإنما ~~يتوجه الذم إلى سوء القصد فيها. # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) ~~قوله تعالى: (قل أؤنبئكم إلا بخير من ذلكم) روى عطاء بن السائب عن أبي بكر ~~بن حفص قال: لما نزلت (زين للناس حب الشهوات) قال عمر: يا رب ms0270 الآن حين ~~زينتها؟! فنزلت: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم) ووجه الآية أنه خبر أن ما عنده ~~خير مما في الدنيا، وإن كان محبوبا، ليتركوا ما يحبون لما يرجون. فأما ~~الرضوان فقرأ عاصم، إلا حفصا وأبان بن يزيد عنه، برفع الراء في PageV01P308 # جميع القرآن، واستثنى يحيى والعليمي كسر الراء في المائدة في قوله ~~[تعالى]: (من اتبع رضوانه) وقرأ الباقون بكسر الراء، والكسر لغة قريش. قال ~~الزجاج: يقال: رضيت الشئ أرضاه رضى ومرضاة ورضوانا ورضوانا (والله بصير ~~بالعباد). يعلم من يؤثر ما عنده ممن يؤثر شهوات الدنيا، فهو يجازيهم على ~~أعمالهم. # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) ~~الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) قوله ~~[تعالى]: (الصابرين) أي: على طاعة الله [عز وجل]: وعن محارمه (والصادقين) ~~في عقائدهم وأقوالهم (والقانتين) بمعنى المطيعين لله (والمنفقين) في طاعته. # وقال ابن قتيبة يعني: بالنفقة الصدقة. وفي معنى استغفارهم قولان: # أحدهما: أنه الاستغفار المعروف باللسان، قاله ابن مسعود، والحسن في ~~آخرين. # والثاني: أنه الصلاة. قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك ومقاتل في آخرين. فعلى ~~هذا إنما سميت الصلاة استغفارا، لأنهم طلبوا بها المغفرة، فأما السحر، فقال ~~إبراهيم بن السري: السحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وهو أول إدبار الليل ~~إلى طلوع الفجر، فوصفهم الله بهذه الطاعات، ثم وصفهم بأنهم لشدة خوفهم ~~يستغفرون. # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم (18) قوله [تعالى]: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) سبب ~~نزول هذه الآية أن حبرين من أحبار الشام قدما النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلما أبصرا المدنية، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة ~~النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي [صلى الله عليه وآله ~~وسلم]، عرفاه بالصفة، فقالا: أنت محمد؟ # قال: " نعم ". قالا. وأحمد؟ قال: " نعم ". قالا: نسألك عن شهادة، فإن ~~أخبرتنا بها، آمنا بك، فقال: " سلاني ". فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في ~~كتاب الله، فنزلت هذه الآية، ms0271 فأسلما، قاله ابن السائب. وقال غيره: هذه ~~الآية رد على نصارى نجران فيما ادعوا في عيسى [عليه السلام]، وقد سبق ذكر ~~خبرهم في أول السورة. وقال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة ~~PageV01P309 # وستون صنما، وكان لكل حي من العرب صنم أو صنمان، فلما نزلت هذا الآية، ~~خرت الأصنام سجدا. وفي معنى (شهد الله) قولان: # أحدهما: أنه بمعنى قضى وحكم، قاله مجاهد، والفراء، وأبو عبيدة. # والثاني: بمعنى بين، قاله ثعلب والزجاج، قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره ~~العجيب، وأموره المحكمة عند خلقه، أنه لا إله إلا هو. وسئل بعض الأعراب: ما ~~الدليل على وجود الصانع؟ فقال: # إن البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه ~~اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على الصانع الخبير؟! وقرأ ابن ~~مسعود، وأبي بن كعب، وعاصم الجحدري (شهداء الله) بضم " الشين " وفتح " ~~الهاء والدال " وبهمزة مرفوعة بعد المد، وخفض " الهاء " من اسم الله تعالى ~~(قائما بالقسط) أي: بالعدل. قال جعفر الصادق: وإنما كرر (لا إله إلا هو) ~~لأن الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، أي: قولوا: لا إله إلا هو. # إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) ~~قوله [تعالى]: (إن الدين عند الله الإسلام) الجمهور على كسر " إن " إلا ~~الكسائي، فإنه فتح " الألف "، وهي قراءة ابن مسعود، وابن عباس، وأبي رزين، ~~وأبي العالية، وقتادة. قال أبو سليمان الدمشقي: لما ادعت اليهود أنه لا دين ~~أفضل من اليهودية، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية، نزلت هذه ~~الآية. قال الزجاج: الدين: اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم ~~بالإقامة عليه، وأن يكون عادتهم، وبه يجزيهم. وقال شيخنا علي بن عبيد الله: ~~الدين: ما التزمه العبد الله عز وجل. قال ابن قتيبة: والإسلام الدخول في ~~السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ومثله الاستسلام، يقال: سلم فلان لأمرك، ~~واستسلم، وأسلم، كما تقول: أشتى ms0272 الرجل، أي: دخل في الشتاء، وأربع: دخل في ~~الربيع. وفي الذين أوتوا الكتاب ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله الربيع. # والثاني: انهم النصارى، قاله محمد بن جعفر بن الزبير. # والثالث: انهم اليهود، والنصارى، قاله ابن السائب. وقيل: الكتاب هاهنا: ~~اسم جنس بمعنى الكتب. وفي الذين اختلفوا فيه أربعة أقوال: # أحدها: دينهم. PageV01P310 # والثاني: أمر عيسى. # والثالث: دين الإسلام، وقد عرفوا صحته. # والرابع: نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد عرفوا صفته. # قوله [تعالى]: (إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي: الإيضاح لما اختلفوا فيه ~~(بغيا بينهم) قال الزجاج: معناه: اختلفوا للبغي، لا لقصد البرهان، وقد ~~ذكرنا في " البقرة " معنى: # سريع الحساب. # فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد (20) قوله [تعالى]: (فإن حاجوك) أي: جادلوك، وخاصموك. قال مقاتل: ~~يعني اليهود، وقال ابن جرير: يعني نصارى نجران في أمر عيسى، وقال غيرهما: ~~اليهود والنصارى. (فقل أسلمت وجهي) قال الفراء: معناه: أخلصت عملي، وقال ~~الزجاج: قصدت بعبادتي إلى الله. # قوله [تعالى]: (ومن اتبعن) أثبت الياء في الوصل دون الوقف أهل المدينة ~~والبصرة، وابن شنبوذ عن قنبل، ووقف ابن شنبوذ ويعقوب بياء. قال الزجاج: ~~والأحب إلى اتباع المصحف. وما حذف من الياءات في مثل قوله [تعالى]: (ومن ~~اتبعن) و (لئن أخرتن) و (ربي أكرمن) و (ربي أهانن). فهو على ضربين: # أحدهما: ما كان مع النون، فإن كان رأس آية، فأهل اللغة يجيزون حذف الياء، ~~ويسمون أواخر الآي الفواصل، كما أجازوا ذلك في الشعر. # قال الأعشى: # ومن شانئ كاسف باله * إذا ما انتسبت له أنكرن وهل يمنعني ارتيادي البلا * ~~د من حذر الموت أن يأتين فأما إذا لم يكن آخر آية أو قافية، فالأكثر إثبات ~~الياء، وحذفها جيد أيضا، خاصة مع النونات، لأن أصل " اتبعني " " اتبعي " ~~ولكن " النون " زيدت لتسلم فتحة العين، فالكسرة وقال مع النون تنوب عن ~~الياء، فأما إذا لم تكن النون، نحو غلامي ms0273 وصاحبي، فالأجود إثباتها، وحذفها ~~عند عدم النون جائز على قلته، تقول: هذا غلام، قد جاء غلامي، وغلامي بفتح ~~الياء وإسكانها، فجاز الحذف، لأن الكسرة تدل عليها. PageV01P311 # قوله [تعالى]: (وقل للذين أوتوا الكتاب) يريد اليهود والنصارى (والأميين) ~~بمعنى مشركي العرب، وقد سبق في البقرة شرح هذا الاسم. # قوله [تعالى]: (أسلمتم) قال الفراء: هو استفهام ومناه الأمر، كقوله ~~[تعالى]: # (فهل أنتم منتهون)؟ # فصل اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فذهبت طائفة إلى أنها ~~محكمة، وأن المراد بها تسكين نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند امتناع ~~من لم يجبه، لأنه كان يحرص على إيمانهم، ويتألم من تركهم الإجابة. وذهبت ~~طائفة إلى أن المراد بها الاقتصار على التبليغ، وهذا منسوخ بآية السيف إن ~~الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون ~~بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) قوله [تعالى]: (إن الذين يكفرون ~~بآيات الله) قال أبو سليمان الدمشقي: عنى بذلك اليهود والنصارى. قال ابن ~~عباس: والمراد بآيات الله محمد والقرآن. وقد تقدم في " البقرة " شرح قتلهم ~~الأنبياء، والقسط، والعدل. وقرأ الجمهور (ويقتلون الذين يأمرون بالقسط) ~~وقرأ حمزة " ويقاتلون " بألف. وروى أبو عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: (قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول ~~النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل، ~~فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا في آخر النهار، ~~فهم الذين كانوا في زمن النبي عليه السلام لأنهم تولوا أولئك، ورضوا بفعلهم ~~(فبشرهم) بمعنى: أخبرهم، وقد تقدم شرحه في " البقرة " ومعنى حبطت: بطلت. # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) قوله [تعالى]: (ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة ms0274 من ~~اليهود، فدعاهم إلى الله فقال رجلان منهم: على أي دين أنت؟ فقال: على ملة ~~إبراهيم. قالا: فإنه كان يهوديا. قال: فهلموا إلى PageV01P312 # التوراة، فأبيا عليه، فنزلت هذه الآية. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~والثاني: أن رجلا وامرأة من اليهود، زنيا. فكرهوا رجمهما لشرفهما، فرفعوا ~~أمرهما إلى النبي عليه السلام رجاء أن يكون عنده رخصة، فحكم عليهما بالرجم، ~~فقالوا: جرت علينا يا محمد، ليس علينا الرجم. فقال: بيني وبينكم التوراة، ~~فجاء ابن صوريا، فقرأ من التوراة، فلما أتى على آية الرجم، وضع كفه عليها، ~~وقرأ ما بعدها، فقال ابن سلام: قد جاوزها، ثم قام، فقرأها، فأمر رسول الله ~~[صلى الله عليه وآله وسلم]: باليهوديين، فرجما، فغضب اليهود. فنزلت هذه ~~الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا اليهود إلى الإسلام، فقال ~~نعمان بن أبي أوفى: هلم نحاكمك إلى الأحبار. فقال: بل إلى كتاب الله، فقال: ~~بل إلى الأحبار، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # والرابع: أنها نزلت في جماعة من اليهود، دعاهم النبي إلى الإسلام، ~~فقالوا: نحن أحق بالهدى منك، وما أرسل الله نبيا إلا من بني إسرائيل. قال: ~~فأخرجوا التوراة، فإني مكتوب فيها أني نبي، فأبوا فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل بن سليمان. # فأما التفسير، فالنصيب الذي أوتوه: العلم الذي علموه من التوراة. وفي ~~الكتاب الذي دعوا إليه قولان: # أحدهما: أنه التوراة، رواه عكرمة، عن ابن عباس، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنه القرآن، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وهو قول الحسن، ~~وقتادة. وفي الذي أريد أن يحكم الكتاب بينهم فيه أربعة أقوال: # أحدها: ملة إبراهيم. # والثاني: حد الزنى. رويا عن ابن عباس. # والثالث: صحة دين الإسلام، قاله السدي. # والرابع: صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. فإن قيل: التولي ~~هو الإعراض، فما فائدة تكريره؟ فالجواب من أربعة أوجه: PageV01P313 # أحدها: التأكيد. # والثاني: أن يكون المعنى: يتولون عن الداعي، ويعرضون عما دعا إليه. # والثالث: يتولون بأبدانهم، ويعرضون عن الحق ms0275 بقلوبهم. # والرابع: أن يكون الذين تولوا علماءهم، والذين أعرضوا أتباعهم، قاله ابن ~~الأنباري. # ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون (24) قوله [تعالى]: (ذلك بأنهم قالوا) يعني: الذي حملهم على ~~التولي والإعراض أنهم قالوا: # (لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) وقد ذكرناها في " البقرة ". و ~~(يفترون): يختلقون. وفي الذي اختلقوه قولان: # أحدهما: أنه قولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات، قاله مجاهد، ~~والزجاج. # والثاني: قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، قاله قتادة، ومقاتل. # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(25) قوله [تعالى]: (فكيف إذا جمعناهم) معناه: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ~~(ليوم) أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم. وقيل " اللام " بمعنى: " في ". # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير (26) قوله [تعالى]: (قل ~~اللهم مالك الملك) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما فتح مكة، ووعد أمته ملك ~~فارس والروم، قال المنافقون واليهود: # هيهات هيهات، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، وأنس بن مالك. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم ~~في أمته، فنزلت هذه الآية، حكاه قتادة. PageV01P314 # والثالث: أن اليهود قالوا: والله لا نطيع رجلا جاء ينقل النبوة من بني ~~إسرائيل إلى غيرهم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما ~~التفسير، فقال الزجاج: قال: الخليل، وسيبويه، وجميع النحويين الموثوق ~~بعلمهم: " اللهم " بمعنى " يا الله "، و " الميم " المشددة زيدت عوضا من " ~~يا "، لأنهم لم يجدوا " يا " مع هذه " الميم " في كلمة، ووجدوا اسم الله ~~[عز وجل]: مستعملا ب‍ " يا " إذا لم تذكر الميم، فعلموا أن الميم في آخر ~~الكلمة بمنزلة " يا " في أولها والضمة التي في " الهاء " هي ضمة الاسم ~~المنادى المفرد. قال أبو سليمان الخطابي: ومعنى " مالك الملك ": أنه بيده، ~~يؤتيه من يشاء، ms0276 قال: وقد يكون معناه: مالك الملوك، ويحتمل أن يكون معناه: ~~وارث الملك يوم لا يدعيه مدع، كقوله [تعالى]: (الملك يومئذ الحق للرحمن). # قوله [تعالى]: (تؤتي الملك من تشاء) في هذا الملك قولان: # أحدهما: أنه النبوة، قاله ابن جبير، ومجاهد. # والثاني: أنه المال، والعبيد، والحفدة، ذكره الزجاج. وقال مقاتل: تؤتي ~~الملك من تشاء، يعني محمدا وأمته، وتنزع الملك ممن تشاء، يعني فارس والروم. ~~(وتعز من تشاء) محمدا وأمته (وتذل من تشاء) فارس والروم. وبماذا يكون هذا ~~العز والذل؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: العز بالنصر، والذل بالقهر. # والثاني: العز بالغنى، والذل بالفقر. # والثالث: العز بالطاعة، والذل بالمعصية. # قوله [تعالى]: (بيدك الخير) قال ابن عباس: يعني النصر والغنيمة، وقيل: ~~معناه بيدك الخير والشر، فاكتفى بأحدهما، لأنه المرغوب فيه. # تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) قوله [تعالى]: (تولج الليل في ~~النهار) أي: تدخل ما نقصت من هذا في هذا. وقال ابن عباس، ومجاهد: ما ينقص ~~من أحدهما يدخل في الآخر. قال الزجاج: يقال: ولج الشئ يلج ولوجا وولجا ~~وولجة. # قوله [تعالى]: (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) قرأ ابن كثير، ~~وأبو PageV01P315 # عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم (وتخرج الحي من الميت وتخر الميت من ~~الحي) و (لبلد ميت)، و (أو من كان ميتا)، و (وإن يكن ميتة)، و (الأرض ~~الميتة): كله بالتخفيف. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: (وتخرج الحي من الميت ~~وتخرج الميت من الحي) و (لبلد ميت) و (إلى بلد ميت) وخفف حمزة، والكسائي ~~غير هذه الحروف. وقرأ نافع وابن كيسان و (الأرض المية) و (لحم أخيه ميتا) ~~وخفف في سائر القرآن ما لم يمت. وقال أبو علي: الأصل التثقيل، والمخفف ~~محذوف منه، وما مات، وما لم يمت في هذا الباب مستويان في الاستعمال. ~~وأنشدوا: # ومنهل فيه الغراب ميت * سقيت منه القوم واستقيت فهذا قد مات. وقال آخر: # ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت ms0277 الأحياء فخفف ما مات، وشدد ما ~~لم يمت. وكذلك قوله [تعالى]: (إنك ميت وإنهم ميتون) ثم في معنى الآية ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه إخراج الإنسان حيا من النطفة، وهي ميتة. وإخراج النطفة من ~~الإنسان، وكذلك إخراج الفرخ من البيضة، والبيضة من الطائر، هذا قول ابن ~~مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والجمهور. # والثاني: أنه إخراج المؤمن الحي بالإيمان من الكافر الميت بالكفر، وإخراج ~~الكافر الميت بالكفر من المؤمن الحي بالإيمان، روى نحو هذا الضحاك عن ابن ~~عباس، وهو قول الحسن، وعطاء. # والثالث: أنه إخراج السنبلة الحية من الحبة الميتة، والنخلة فقال الحية ~~من النواة الميتة، والنواة الميتة من النخلة الحية، قاله السدي. وقال ~~الزجاج: يخرج النبات الغض من الحب اليابس، والحب اليابس من النبات الحي ~~النامي. # قوله [تعالى]: (بغير حساب) أي: بغير تقتير. قال الزجاج: يقال للذي ينفق ~~موسعا: # فلان ينفق بغير حساب، كأنه لا يحسب ما أنفقه إنفاقا. # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) PageV01P316 # قوله [تعالى]: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود، فقال يوم الأحزاب: يا ~~رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن أستظهر بهم على العدو، ~~فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي، وأصحابه من المنافقين كانوا ~~يتولون اليهود، ويأتونهم بالأخبار يرجون لهم الظفر من النبي [صلى الله عليه ~~وسلم]: فنهى الله المؤمنين عن مثل فعلهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أن قوما من اليهود، كانوا يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن ~~دينهم، فنهاهم قوم من المسلمين عن ذلك، وقالوا: اجتنبوا هؤلاء اليهود، ~~فأبوا، فنزلت هذا الآية. روي عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودة ~~لكفار مكة، فنهاهم الله [عز ms0278 وجل] عن ذلك، هذا قول المقاتلين، ابن سليمان، ~~وابن حيان. فأما التفسير، فقال الزجاج: معنى قوله [تعالى]: (من دون ~~المؤمنين) أي: لا يجعل المؤمن ولايته لمن هو غير مؤمن، أي: لا يتناول ~~الولاية من مكان دون مكان المؤمنين، وهذا كلام جرى على المثل في المكان، ~~كما تقول: زيد دونك، ولست تريد المكان، ولكنك جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع ~~في المكان، والخسة كالاستفال في المكان. ومعنى (فليس من الله في شئ) أي: ~~فالله برئ منه. # قوله [تعالى]: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) قرأ يعقوب، والمفضل عن عاصم " ~~تقية " بفتح التاء من غير ألف، قال مجاهد: إلا مصانعة في الدنيا. قال أبو ~~العالية: التقاة باللسان، لا بالعمل. # فصل والتقية رخصة، وليست بعزيمة. قال الإمام أحمد: وقد قيل: إن عرضت على ~~السيف تجيب؟ قال: لا. وقال: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل، فمتى ~~يتبين الحق؟ وسنشرح هذا المعنى في " النحل " عند قوله [تعالى] (إلا من ~~أكره)، إن شاء الله. PageV01P317 # قل إن تخفوا ما صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض والله على كل شئ قدير (29) قوله [تعالى]: (إن تخفوا ما في صدوركم أو ~~تبدوه) قال ابن عباس: يعني اتخاذ الكافرين أولياء. # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد. # قوله [تعالى]: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) قال الزجاج: نصب " ~~اليوم " بقوله: (ويحذركم الله نفسه) في ذلك اليوم. قال ابن الأنباري: يجوز ~~أن يكون متعلقا بالمصير، والتقدير: وإلى الله المصير، يوم تجد. ويجوز أن ~~يكون متعلقا بفعل مضمر، والتقدير: # اذكر يوم نجد. وفي كيفية وجود العمل وجهان: # أحدهما: وجوده مكتوبا في الكتاب. # والثاني: وجود الجزاء عليه. والأمد: الغاية. # قال الطرماح: # كل حي مستكمل عدة العم * ر ومود إذا انقضى أمده يريد: غاية أجله. # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) قوله ms0279 [تعالى]: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) في سبب نزولها ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، وقف على قريش، وقد نصبوا أصنامهم. ~~فقالوا: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله، ليقربونا إلى الله زلفى. فنزلت هذه ~~الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أن اليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فنزلت هذه الآية، ~~فعرضها النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P318 # عليهم، فلم يقبلوها، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أن ناسا قالوا: إنا لنحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل ~~لحبه علما، فأنزل هذه الآية، قال الحسن، وابن جريج. # والرابع: أن نصارى نجران، قالوا: إنما تقول هذا في عيسى حبا لله، وتعظيما ~~له، فنزلت هذه الآية، ذكره ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، واختار ~~أبو سليمان الدمشقي. # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) قوله ~~[تعالى]: (قل أطيعوا الله والرسول) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله، ~~ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم، فنزلت هذا الآية، هذا قول ~~ابن عباس. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الإسلام، فقالوا: ~~نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه، فنزلت (قل إن ~~كنتم تحبون الله) ونزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. # والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران، قاله أبو سليمان الدمشقي. # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) قوله ~~[تعالى]: (إن الله اصطفى آدم) قال ابن عباس قالت اليهود نحن أبناء إبراهيم ~~وإسحاق، ويعقوب، ونحن على دينهم، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: ومعنى ~~اصطفاهم في اللغة: اختارهم، فجعلهم صفوة خلقة، وهذا تمثيل بما يرى، لأن ~~العرب تمثل المعلوم بالشئ المرئي، سمع السامع ذلك المعلوم كان عنده بمنزلة ~~ما يشاهد عيانا، فنحن نعاين الشئ الصافي أنه النقي من الكدر، فكذلك صفوة ~~الله من خلقه. وفيه ثلاث لغات: صفوة، ms0280 وصفوة، وصفوة. وأما آدم فعربي وقد ~~ذكرنا اشتقاقه في " البقرة ". وأما نوح، فأعجمي معرب، قال أبو سليمان ~~الدمشقي: # اسم نوح: السكن، وإنما سمي نوحا، لكثرة نوحه وفي سبب نوحه خمسة أقوال: # أحدها: أنه كان ينوح على نفسه، قاله يزيد الرقاشي. # والثاني: أنه كان ينوح لمعاصي أهله، وقومه. PageV01P319 # والثالث: لمراجعته ربه في ولده. # والرابع: لدعائه على قومه بالهلاك. # والخامس: أنه مر بكلب مجذوم، فقال: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه: ~~أعبتني يا نوح أم عبت الكلب؟ وفي آل إبراهيم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه من كان على دينه، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أنهم إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، قاله مقاتل. # والثالث: أن المراد ب‍ " آل إبراهيم " هو نفسه، كقوله: (وبقية مما ترك آل ~~موسى وآل هارون) ذكره بعض أهل التفسير. وفي " عمران " قولان: # أحدهما: أنه والد مريم، قاله الحسن، ووهب. # والثاني: أنه والد موسى، وهارون، قاله مقاتل. وفي " آله " ثلاثة أقوال ~~أحدها: أنه عيسى عليه السلام، قاله الحسن. # والثاني: أن آله موسى وهارون، قاله مقاتل. # والثالث: أنه المراد ب‍ " آله " نفسه، ذكره بعض المفسرين، وإنما خص هؤلاء ~~بالذكر، لأن الأنبياء كلهم من نسلهم، وفي معنى اصطفاء هؤلاء المذكورين ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد اصطفى دينهم على سائر الأديان، قاله ابن عباس، واختاره ~~الفراء، والدمشقي. # والثاني: اصطفاهم بالنبوة، قاله الحسن، ومجاهد، ومقاتل. # والثالث: اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم. ~~والمراد ب‍ " العالمين ": عالمو زمانهم، كما ذكرنا في " البقرة ". # ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) قوله [تعالى]: (ذرية بعضها من ~~بعض) قال الزجاج: نصبها على البدل، والمعنى: اصطفى ذرية بعضها من بعض. قال ~~ابن الأنباري: وإنما قال: بعضها، لأن لفظ الذرية مؤنث، ولو قال: # بعضهم، ذهب إلى معنى الذرية. وفي معنى هذه البعضية قولان: # أحدهما: أن بعضهم من بعض في التناصر والدين لا في التناسل، وهو معنى قول ~~ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنه في التناسل، لأن جميعهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية ~~إبراهيم، ذكره PageV01P320 # بعض أهل التفسير. ms0281 قال أبو بكر النقاش: ومعنى قوله: (ذرية بعضها من بعض) ~~أن الأبناء ذرية للآباء، والآباء ذرية للأبناء. كقوله [تعالى]: (حملنا ~~ذريتهم في الفلك المشحون)، فجعل الآباء ذرية للأبناء، وإنما جاز ذلك، لأن ~~الذرية مأخوذة من: ذرأ الله الخلق، فسمي الولد للوالد ذرية، لأنه ذرئ منه، ~~وكذلك يجوز أن يقال للأب: ذرية للابن، لأن ابنه ذرئ منه، فالفعل يتصل به من ~~الوجهين، ومثله: (يحبونهم كحب الله) فأضاف الحب إلى الله، والمعنى: كحب ~~المؤمن لله، ومثله (ويطعمون الطعام على حبه)، فأضاف الحب إلى للطعام. # إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت ~~السميع العليم (35) قوله [تعالى]: (إذ قالت امرأة عمران) في " إذ " قولان: # أحدهما: أنها زائدة، واختاره أبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثاني: أنها أصل في الكلام، وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: اذكر إذ قالت امرأة عمران، قاله المبرد، والأخفش،. # والثاني: أن العامل في (إذ قالت) معنى الاصطفاء، فيكون المعنى: اصطفى آل ~~عمران، إذ قالت امرأة عمران، واصطفاهم إذ قالت الملائكة: يا مريم، هذا ~~اختيار الزجاج. # والثالث: أنها من صلة " سميع " تقديره: والله سميع إذ قالت، وهذا اختيار ~~ابن جرير الطبري. # قال ابن عباس: واسم امرأة عمران حنة، وهي أم مريم، وهذا عمران بن مأتان، ~~وليس ب‍ " عمران أبي موسى " وليست هذه مريم أخت موسى. وبين عيسى وموسى ألف ~~وثمانمائة سنة. والمحرر: # العتيق. قال ابن قتيبة: يقال: أعتقت الغلام، وحررته: سواء. وأرادت: أي ~~نذرت أن أجعل ما في بطني محررا من التعبيد الدنيا، ليعبدك. وقال الزجاج: ~~كان على أولادهم فرضا أن يطيعوهم في نذرهم، فكان الرجل ينذر في ولده أن ~~يكون خادما في متعبدهم. وقال ابن إسحاق: كان السبب في نذرها أنه أمسك عنها ~~الولد حتى أسنت، فرأت طائرا يطعم فرخا له، فدعت الله أن يهب لها ولدا، ~~وقالت: اللهم لك علي إن ترزقني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس، فحملت ~~بمريم، وهلك عمران، وهي حامل. قال القاضي أبو يعلى: والنذر في مثل ms0282 ما نذرت ~~صحيح في شريعتنا، فإنه إذا نذر الإنسان أن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله ~~وطاعته، وأن يعلمه القرآن، والفقه، وعلوم الدين، صح النذر. PageV01P321 # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) ~~قوله [تعالى]: (والله أعلم بما وضعت) قرأ ابن عامر، وعاصم إلا حفصا ويعقوب ~~(بما وضعت) باسكان العين، وضم التاء. وقرأ الباقون بفتح العين، وجزم التاء، ~~قال ابن قتيبة: من قرأ بجزم التاء، وفتح العين، فيكون في الكلام تقديم ~~وتأخير، تقديره: إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما ~~وضعت. ومن قرأ بضم التاء، فهو كلام متصل من كلام أم مريم. # قوله [تعالى]: (وليس الذكر كالأنثى) من تمام اعتذارها، ومعناه: لا تصلح ~~الأنثى لما يصلح له الذكر، من خدمته المسجد، والإقامة فيه، قال السدي: ظنت ~~أن ما في بطنها غلام، فلما وضعت جارية، اعتذرت. ومريم: اسم أعجمي وفي ~~الرجيم قولان: # أحدهما: أنه الملعون، قاله قتادة. # والثاني: انه المرجوم بالحجارة، كما تقول: قتيل بمعنى مقتول، قاله أبو ~~عبيدة، فعلى هذا سمي رجيما، لأنه يرمى بالنجوم. # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) قوله [تعالى]: (فتقبلها ربها بقبول ~~حسن) وقرأ مجاهد (فتقبلها) بسكون اللام (ربها) بنصب الباء (وأنبتها) بكسر ~~الباء وسكون التاء على معنى الدعاء. قال الزجاج: الأصل في العربية: # فقبلها بتقبل حسن، ولكن " قبول " محمول على قبلها قبولا يقال: قبلت الشئ ~~قبولا، ويجوز قبولا: # إذا رضيته. (وأنبتها نباتا حسنا)، أي: جعل نشوءها نشوءا حسنا، وجاء " ~~نباتا " على غير لفظ أنبت، على معنى: نبتت نباتا حسنا. وقال ابن الأنباري: ~~لما كان " أنبت " يدل على " نبت " حمل الفعل على المعنى، فكأنه قال: ~~وأنبتها، فنبتت هي نباتا حسنا. # قال امرؤ القيس: # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا * ورضت ms0283 فذلت صعبة أي اذلال أراد: أي رياضة، ~~فلما دل " رضت " على " أذللت " حمله على المعنى. وللمفسرين في معنى ~~PageV01P322 # النبات الحسن، قولان: # أحدهما: أنه كمال النشوء، قال ابن عباس: كانت تنبت في اليوم ما ينبت ~~المولود في عام. # والثاني: أنه ترك الخطايا. حدثنا أنها كانت لا تصيب الذنوب، كما يصيب بنو ~~آدم. # قوله [تعالى]: (وكفلها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " ~~وكفلها " بفتح الفاء خفيفة، و " زكرياء " مرفوع ممدود. وروى أبو بكر عن ~~عاصم: تشديد الفاء، ونصب " زكرياء "، وكان يمد " زكرياء " في كل القرآن في ~~رواية أبي بكر. وروى حفص عن عاصم: تشديد الفاء و " زكريا " مقصور في كل ~~القرآن. وكان حمزة والكسائي يشددان و " كفلها "، ويقصران " زكريا " في كل ~~القرآن. # فأما " زكريا " فقال الفراء: فيه ثلاث لغات: أهل الحجاز يقولون: هذا ~~زكريا قد جاء، مقصور، وزكرياء، ممدود، وأهل نجد يقولون: زكري، فيجرونه، ~~ويلقون الألف. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، عن ابن دريد، قال: زكريا ~~اسم أعجمي، يقال: زكري، وزكرياء ممدود، وزكريا مقصور. وقال غيره: وزكري ولا ~~بتخفيف الياء، فمن قال: زكرياء بالمد، قال في التثنية: زكريا وان، وفي ~~الجمع زكرياوون، ومن قال: زكريا بالقصر، قال في التثنية زكريان كما نقول: ~~مدنيان، ومن قال: زكري بتخفيف الياء، قال في التثنية: زكريان الياء خفيفه، ~~وفي الجمع: زكرون بطرح الياء. # الإشارة إلى كفالة زكريا مريم قال السدي: انطلقت بها أمها في خرقها، ~~وكانوا يقترعون على الذين يؤتون بهم، فقال زكريا وهو نبيهم يومئذ: أنا ~~أحقكم بها، عندي أختها، فأبوا، وخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي ~~يكتبون بها، فجرت الأقلام، وثبت قلم زكريا، فكفلها، قال ابن عباس: كانوا ~~سبعة وعشرين رجلا، فقالوا: نطرح أقلامنا، فمن صعد قلمه مغالبا للجرية فهو ~~أحق بها، فصعد قلم زكريا، فعلى هذا القول كانت غلبة زكريا بمصاعدة قلمه، ~~وعلى قول السدي بوقوفه في جريان الماء وقال مقاتل: كان يغلق عليها الباب، ~~ومعه المفتاح، لا يأمن عليه أحدا، وكانت إذا حاضت، أخرجها إلى منزلة تكون ~~مع ms0284 أختها أم يحيى، فإذا طهرت، ردها إلى بيت المقدس. والأكثرون على أنه ~~كفلها منذ كانت طفلة بالقرعة، وقد ذهب قوم إلى أنه كفلها عند طفولتها بغير ~~قرعة، لأجل أن أمها ماتت، وكانت خالتها عنده، فلما بلغت، أدخلوها الكنيسة ~~لنذر أمها، وإنما كان الاقتراع بعد ذلك بمدة، لأجل سنة أصابتهم. فقال محمد ~~بن إسحاق: كفلها زكريا إلى أن أصابت الناس سنة، فشكا زكريا إلى بني إسرائيل ~~ضيق يده، فقالوا: ونحن أيضا كذلك، فجعلوا يتدافعونها حتى اقترعوا، فخرج ~~السهم على جريج النجار، وكان فقيرا وكان يأتيها باليسير، فينمي، فدخل ~~زكريا، فقال: ما هذا على قدر نفقة جريج، فمن أين هذا؟ قالت: هو من عند الله ~~والصحيح ما عليه الأكثرون، وأن القوم تشاحوا PageV01P323 # على كفالتها، لأنها كانت بنت سيدهم وإمامهم عمران، كذلك قال قتادة في ~~آخرين، وأن زكريا ظهر عليهم بالقرعة منذ طفولتها بغير قرعة المحراب، فقال ~~أبو عبيدة: المحراب سيد المجالس، ومقدمها، وأشرفها، وكذلك هو من المسجد. ~~وقال الأصمعي: المحراب هاهنا: الغرفة. وقال الزجاج: المحراب في اللغة: ~~الموضع العالي الشريف. # قال الشاعر: # ربة محراب إذا جئتها * لم ألقها أو أرتقي سلما قوله [تعالى]: (وجد عندها ~~رزقا) قال ابن عباس: ثمار الجنة، فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في ~~الصيف، وهذا قول الجماعة. # قوله [تعالى]: (أنى لك هذا) أي: من أين؟ قال الربيع بن أنس: كان زكريا ~~إذا خرج، أغلق عليها سبعة أبواب، فإذا دخل وجد عندها رزقا. وقال الحسن: لم ~~ترتضع ثديا قط، وكان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول زكريا: أنى لك هذا؟ ~~فتقول: هو من عند الله، فتكلمت وهي صفيرة وزعم مقاتل أن زكريا استأجر لها ~~ظئرا، وعلى ما ذكرنا عن ابن إسحاق يكون قوله لها: أنى لك هذا؟ لاستكثار ما ~~يرى عندها. وما عليه الجمهور أصح. والحساب في اللغة: التقتير والتضييق. # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~(38) قوله [تعالى]: (هنالك دعا زكريا) قال المفسرون: لما عاين زكريا هذه ~~الآية العجيبة من ms0285 رزق الله تعالى مريم الفاكهة في غير حينها، طمع في الولد ~~على الكبر. و (من لدنك) بمعنى: من عندك. والذرية، تقال للجمع، وتقال ~~للواحد، والمراد بها هاهنا: الواحد. قال الفراء: وإنما قال طيبة، لتأنيث ~~الذرية، والمراد بالطيبة: النقية الصالحة. والسميع: بمعنى السامع. وقيل: ~~أراد مجيب الدعاء. # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) قوله [تعالى]: (فنادته ~~الملائكة) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: # فنادته بالتاء، وقرأ حمزة، والكسائي: فناداه بألف ممالة، قال أبو علي: هو ~~كقوله [تعالى]: (وقال نسوة). وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس: " فناداه " ~~بألف. وفي الملائكة قولان: PageV01P324 # أحدهما: جبريل وحده، قاله السدي، ومقاتل، ووجهه أن العرب تخبر عن الواحد ~~بلفظ الجمع، تقول: ركبت في السفن، وسمعت هذا من الناس. # والثاني: أنهم جماعة من الملائكة، وهو مذهب قوم، منهم ابن جرير الطبري. ~~وفي المحراب قولان: # أحدهما: أنه المسجد. # والثاني: انه قبلة المسجد وفي تسمية محراب الصلاة محرابا، ثلاثة أقوال: # أحدها: لانفراد الإمام فيه، وبعده من الناس، ومنه قولهم: فلان حرب لفلان: ~~إذا كان بينهما مباغضة، وتباعد، ذكره ابن الأنباري عن أبيه، عن أحمد بن ~~عبيد. # والثاني: أن المحراب في اللغة أشرف الأماكن، وأشرف المسجد مقام الإمام. # والثالث: أنه من الحرب فالمصلي محارب للشيطان. # قوله [تعالى]: (أن الله يبشرك) قرأ الأكثرون بفتح الألف على معنى: فنادته ~~الملائكة بأن الله، فلما حذف الجار منها، وصل الفعل إليها، فنصبها. وقرأ ~~ابن عامر، وحمزة، بكسر " إن " فأضمر القول. والتقدير: فنادته، فقالت: إن ~~الله يبشرك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: يبشرك بضم الياء: # وفتح الباء، والتشديد في جميع القرآن إلا في حم " عسق ": " يبشر الله ~~عباده " فأنهما فتحا الياء وضما الشين، وخففا. فأما نافع، وابن عامر، ~~وعاصم، فشددا كل القرآن. وقرأ حمزة: " يبشر " خفيفا في كل القرآن، إلا قوله ~~[تعالى]: (فبم تبشرون). وقرأ الكسائي " يبشر " مخففة في خمسة: مواضع: # قال الزجاج: وفي " يبشرك " ثلاث لغات: # أحدها: يبشرك ms0286 بفتح الباء وتشديد الشين. # والثانية: " يبشرك " بإسكان الباء، وضم الشين. # والثالثة: " يبشرك " بضم الياء وإسكان الباء، فمعنى " يبشرك " بالتشديد و ~~" يبشرك " بضم الياء: # البشارة. ومعنى " يبشرك " بفتح الياء: يسرك ويفرحك، يقال: بشرت الرجل ~~أبشره: إذا أفرحته، كان وبشر الرجل يبشر: # وأنشد الأخفش والكسائي: # وإذا لقيت الباهشين إلى الندى * غبرا أكفهم بقاع ممحل فأعنهم وأبشر بما ~~بشروا به * وإذا هم نزلوا بضنك فانزل PageV01P325 # فهذا على بشر يبشر: إذا فرح. وأصل هذا كله أن بشرة الإنسان تنبسط عند ~~السرور، ومنه قولهم: يلقاني ببشر، أي: بوجه منبسط، وفي معنى تسميته " يحيى ~~" خمسة أقوال: # أحدها: لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه. قاله ابن عباس. # والثاني: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان. قاله قتادة. # والثالث: لأنه أحياه بين شيخ وعجوز، قاله مقاتل. # والرابع: لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها، قاله الزجاج. # والخامس: لأن الله أحياه بالطاعة، فلم يعص، ولم يهم، قاله الحسن بن ~~الفضل. وفي " الكلمة " قولان: # أحدهما: أنها عيسى، وسمي كلمة، لأنه بالكلمة كان، وهي " كن " وهذا قول ~~ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة والسدي، ومقاتل، وقيل: إن يحيى كان أكبر ~~من عيسى بستة أشهر، وقتل يحيى قبل رفع عيسى. # والثاني: أن الكلمة كتاب الله وآياته، وهو قول أبي عبيدة في آخرين. ووجهه ~~أن العرب تقول: # أنشدني فلان كلمة، أي: قصيدة. وفي معنى السيد ثمانية أقوال: # أحدها: أنه الكريم على ربه، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أنه الحليم التقي، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك. # والثالث: أنه الحكيم قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء وأبو ~~الشعثاء، والربيع، ومقاتل. # والرابع: أنه الفقيه العالم، قاله سعيد بن المسيب. # والخامس: أنه التقي، رواه سالم عن ابن جبير. # والسادس: أنه الحسن الخلق، رواه أبو روق عن الضحاك. # والسابع: أنه الشريف، قاله ابن زيد. # والثامن: أنه الذي يفوق قومه في الخير، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: ~~السيد هاهنا الرئيس، والإمام في الخير. فأما " الحصور " فقال ابن قتيبة: هو ~~الذي لا يأتي النساء، وهو فعول بمعنى مفعول، ms0287 كأنه محصور عنهن، أي: محبوس ~~عنهن. وأصل الحصر: الحبس. ومما جاء على " فعول " بمعنى " مفعول ": ركوب ~~بمعنى مركوب، وحلوب بمعنى محلوب، وهيوب بمعنى مهيب واختلف المفسرين لماذا ~~كان لا يأتي النساء؟ على أربعة أقوال: # أحدها: أنه لم يكن له ما يأتي به النساء، فروى عبد الله بن عمرو بن العاص ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ~~ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا " قال: ثم دلى رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] يده إلى الأرض، فأخذ عودا صغيرا، ثم قال: " وذلك أنه لم يكن له ما ~~للرجال إلا مثل هذا العود، PageV01P326 # ولذلك سماه الله سيدا وحصورا " وقال سعيد بن المسيب: كان له كالنواة. # والثاني: أنه كان لا ينزل الماء، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثالث: أنه كان لا يشتهي النساء قاله الحسن، وقتادة والسدي. # والرابع: أنه كان يمنع نفسه من شهواتها، ذكره الماوردي. # قوله [تعالى]: (ونبيا من الصالحين) قال ابن الأنباري: معناه: من الصالحي ~~الحال عند الله. # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) قوله [تعالى]: (قال رب أنى يكون لي غلام) أي: كيف ~~يكون؟!. # قال الكميت: # أنى ومن أين آبك الطرب قال العلماء، منهم الحسن، وابن الأنباري، وابن ~~كيسان، كأنه قال: من أي وجد يكون لي الولد؟ أيكون بإزالة العقر عن زوجتي، ~~ورد شبابي؟ أم يأتي ونحن على حالنا؟ فكان ذلك على سبيل الاستعلام، لا على ~~وجه الشك، قال الزجاج: يقال: غلام بين الغلومية، وبين الغلامية، وبين ~~الغلومة. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: الغلام: فعال، من الغلمة، وهي شدة ~~شهوة النكاح، ويقال للكهل: غلام. # قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج: # غلام إذا هز القناة سقاها وكأن قولهم للكهل: غلام، أي: قد كان مرة غلاما. ~~وقولهم للطفل: غلام على معنى التفاؤل، أي: سيصير غلاما. قال: وقيل: الغلام ~~الطار الشارب، ويقال للجارية: غلامة. قال الشاعر: # يهان لها الغلامة والغلام قوله [تعالى]: (وقد بلغني ms0288 الكبر) أي: وقد بلغت ~~الكبر، قال الزجاج: كل شئ بلغته فقد PageV01P327 # بلغك. وفي سنة يؤمئذ ستة أقوال: # أحدها: أنه كان ابن مائة وعشرين سنة، وامرأته بنت ثمان وتسعين، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه كان ابن بضع وسبعين سنة، قاله قتادة والثالث: ابن خمس ~~وسبعين، قاله مقاتل. # والرابع: ابن سبعين، حكاه فضيل بن غزوان. # والخامس: ابن خمس وستين. # والسادس: ابن ستين، حكاهما الزجاج. قال اللغويون: والعاقر من الرجال ~~والنساء: الذي لا يأتيه الولد، وإنما قال: " عاقر "، ولم يقل: عاقرة، لأن ~~الأصل في هذا الوصف للمؤنث، والمذكر فيه كالمستعار، فأجري مجرى " طالق " و ~~" حائض " هذا قول الفراء. # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) قوله [تعالى]: (رب اجعل لي آية) أي: ~~علامة على وجود الحمل. وفي علة سؤاله " آية " قولان: # أحدهما: ان الشيطان جاءه، فقال: هذا الذي سمعت من صوت الشيطان، ولو كان ~~من وحي الله، لأوحاه إليك، كما يوحي إليك غيره، فسأل الآية، ذكره السدي عن ~~أشياخه. # والثاني: انه إنما سأل الآية على وجود الحمل ليبادر بالشكر، وليتعجل ~~السرور لأن شأن الحمل لا يتحقق بأوله فجعل الله آية وجود الحمل حبس لسانه ~~ثلاثة أيام. فأما " الرمز " فقال الفراء: الرمز بالشفتين، والحاجبين، ~~والعينين، وأكثره في الشفتين. قال ابن عباس: جعل يكلم الناس بيده، وإنما ~~منع من مخاطبة الناس، ولم يحبس عن الذكر لله تعالى. وقال ابن زيد: كان يذكر ~~الله، ويشير إلى الناس. وقال عطاء بن السائب: اعتقل لسانه من غير مرض. ~~وجمهور العلماء على أنه إنما اعتقل لسانه آية على وجود الحمل. وقال قتادة، ~~والربيع بن أنس: كان ذلك عقوبة له إذ سأل الآية بعد مشافهة الملائكة ~~بالبشارة. # قوله [تعالى]: (وسبح) قال مقاتل: صل. قال الزجاج: يقال: فرغت من سبحتي، ~~أي: من صلاتي. وسميت الصلاة تسبيحا، لأن التسبيح تعظيم الله، وتبرئته من ~~السوء، فالصلاة يوصف فيها بكل ما يبرئه من السوء. # قوله [تعالى]: (بالعشي) العشي: من حين نزول ms0289 الشمس إلى آخر النهار ~~(والإبكار) ما بين PageV01P328 # طلوع الفجر إلى وقت الضحى: قال الشاعر: # فلا الظل في برد الضحى تستطيعه * ولا الفئ من برد العشي يذوق قال الزجاج: ~~يقال: أبكر الرجل يبكر إبكارا، وبكر يبكر تبكيرا، وبكر يبكر في كل شئ تقدم ~~فيه. # وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين (42) قوله [تعالى]: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك) ~~قال جماعة من المفسرين: المراد بالملائكة: جبريل وحده وقد سبق معنى ~~الاصطفاء وفي المراد بالتطهير هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: انه التطهير من الحيض، قاله ابن عباس. وقال السدي: كانت مريم لا ~~تحيض. # وقال قوم: من الحيض والنفاس. # والثاني: من مس الرجال، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: من الكفر، قاله الحسن ومجاهد. # والرابع: من الفاحشة والإثم، قاله مقاتل. وفي هذا الاصفاء الثاني أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن تأكيد للأول. # والثاني: أن الأول للعبادة. والثاني: لولادة عيسى عليه السلام. # والثالث: أن الاصطفاء الأول اختيار منهم، وعموم يدخل فيه صوالح من ~~النساء، فأعاد الاصطفاء لتفضيلها على نساء العالمين. # والرابع: أنه لما أطلق الاصطفاء الأول، أبان بالثاني أنها مصطفاة على ~~النساء دون الرجال. # قال ابن عباس، والحسن، وابن جريج: اصطفاها على عالمي زمانها. قال ابن ~~الأنباري: وهذا قول الأكثرين. # يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) قوله [تعالى]: (يا ~~مريم اقنتي لربك) قد سبق شرح القنوت في " البقرة " وفي المراد به هاهنا ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه العبادة، قاله الحسن. PageV01P329 # والثاني: طول القيام في الصلاة، قاله مجاهد. # والثالث: الطاعة، قاله قتادة، والسدي، وابن زيد. # والرابع: الإخلاص، قاله سعيد بن جبير. وفي تقديم السجود على الركوع أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تؤذن بالجمع، فالركوع مقدم، ~~قاله الزجاج في آخرين. # والثاني: أن المعنى استعملي السجود في حال، والركوع في حال، لا أنها ~~يجتمعان في ركعة، فكأنه حث لها على فعل الخير. # والثالث: أنه مقدم ومؤخر، والمعنى: اركعي واسجدي، كقوله [تعالى]: (إني ~~متوفيك ورافعك إلي) ذكرهما ابن ms0290 الأنباري. # والرابع: انه كذلك كان في شريعتهم تقديم السجود على الركوع، ذكره أبو ~~سليمان الدمشقي. قال مقاتل: ومعناه اركعي مع المصلين قراء بيت المقدس. قال ~~مجاهد: سجدت حتى قرحت. # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين (45) ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) وقوله ~~[تعالى]: (ذلك من أنباء الغيب) " ذلك " إشارة على ما تقدم من قصة زكرياء، ~~ويحيى، وعيسى، ومريم، والأنباء: الأخبار. والغيب: ما غاب عنك. والوحي: كل ~~شئ دللت به من كلام أو كتاب، أو إشارة، أو رسالة، قاله ابن قتيبة. والوحي ~~في القرآن على أوجه تراها في القرآن على أوجه تراها في كتابنا الموسوم ب‍ " ~~الوجوه والنظائر " مونقة. وفي الأقلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها التي يكتب بها، قاله ابن عباس، وابن جبير، والسدي. # والثاني: أنها العصي قاله الربيع بن أنس. # والثالث: أنها القداح، وهو اختيار ابن قتيبة، وكذلك قال الزجاج: هي قداح ~~جعلوا عليها PageV01P330 # علامات يعرفونها على جهة القرعة. وإنما قيل للسهم: القلم لأنه يقلم، أي: ~~يبرى. وكل ما قطعت منه شيئا بعد شئ، فقد قلمته، ومنه القلم الذي يكتب به، ~~لأنه قلم مرة بعد مرة، ومنه: # قلمت أظفاري. قال: ومعنى: (أيهم يكفل مريم) لينظروا أيهم تجب له كفالة ~~مريم، وهو الضمان للقيام بأمرها. ومعنى: (لديهم) عندهم وقد سبق شرح كفالتهم ~~لها آنفا. وفي المراد بالكلمة هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قول الله له: " كن " فكان، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: انها بشارة الملائكة مريم بعيسى، حكاه أبو سليمان. # والثالث: أن الكلمة اسم لعيسى، وسمي كلمة، لأنه كان عن الكلمة. وقال ~~القاضي أبو يعلى: # لأنه يهتدى به كما يهتدى بالكلمة من الله تعالى. وفي تسميته بالمسيح خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه لم يكن لقدمه أخمص، والأخص: ما يتجافى عن الأرض من باطن ~~القدم، رواه عطاء ms0291 عن ابن عباس. # والثاني: انه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأ، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنه مسح بالبركة، قاله الحسن، وسعيد. # والرابع: أن معنى المسيح: الصديق، قاله مجاهد، وإبراهيم النخعي، وذكره ~~اليزيدي. قال أبو سليمان الدمشقي: ومعنى هذا أن الله مسحه، فطهره من ~~الذنوب. # والخامس: أنه كان يمسح الأرض أي: يقطعها، ذكره ثعلب. وقال أبو عبيد: # كلام العرب على معنيين. # أحدهما: المسيح الدجال، والأصل فيه: الممسوح، لأنه ممسوح أحد العينين. ~~والمسيح عيسى، وأصله بالعبرانية " مشيحا " بالشين، فلما عربته العرب، أبدلت ~~من شينه سينا، كما قالوا: # موسى، وأصله بالعبرانية موشى [وبيانه انه كان كثير السياحة] قال ابن ~~الأنباري: وإنما بدأ بلقبه، فقال: المسيح عيسى ابن مريم، لأن المسيح أشهر ~~من عيسى، لأنه قل أن يقع على سمي يشتبه به، وعيسى قد يقع على عدد كثير، ~~فقدمه لشهرته، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهر من أسمائهم. فأما قوله: عيسى ~~ابن مريم، فإنما نسبه إلى أمه، لينفي ما قال عنه الملحدون من النصارى، إذ ~~أضافوه إلى الله تعالى. # قوله [تعالى]: (وجيها) قال ابن زيد: الوجيه في كلام العرب: المحبب ~~المقبول. وقال ابن قتيبة: الوجيه: ذو الجاه وقال الزجاج: هو ذو المنزلة ~~الرفيعة عند ذوي القدر والمعرفة، يقال: قد وجه الرجل يوجه وجاهة، ولفلان ~~جاه عند الناس، أي: منزلة رفيعة. PageV01P331 # قوله [تعالى]: (ومن المقربين) قال قتادة: عند الله يوم القيامة. والمهد: ~~مضجع الصبي في رضاعه، وهو مأخوذ من التمهيد، وهو التوطئة. وفي تكليمه للناس ~~في تلك الحال قولان: # أحدهما: لتبرئه أمه مما قذفت به. # والثاني: لتحقيق معجزته الدالة على نبوته. قال ابن عباس: تكلم ساعة في ~~مهده، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق. (وكهلا) قال: ابن ثلاثين سنة أرسله ~~الله تعالى، فمكث في رسالته ثلاثين شهرا، ثم رفعه الله. وقال وهب بن منبه: ~~جاءه الوحي على رأس سنة، فمكث في نبوته ثلاث سنين، ثم رفعه الله. قال ابن ~~الأنباري: كان عليه السلام قد زاد على الثلاثين * ومن أربى عليها، ms0292 فقد دخل ~~في الكهولة. والكهل عند العرب: الذي قد جاوز الثلاثين، وإنما سمي الكهل ~~كهلا، لاجتماع قوته، وكمال شبابه، وهو من قولهم: قد اكتهل النبات. وقال ابن ~~فارس: الكهل: # الرجل حين وخطه الشيب. فإن قيل: فقد علم أن الكهل يتكلم، فعنه ثلاثة ~~أجوبة: # أحدها: أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة بطول عمره، أي: أنه يبلغ الكهولة، ~~وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (وكهلا) قال: ذلك بعد نزوله من السماء. # والثاني: أنه أخبرهم أن الزمان يؤثر فيه، وأن الأيام تنقله من حال إلى ~~حال. ولو كان إلها لم يدخل عليه هذا التغير، ذكره ابن جرير الطبري. # والثالث: أن المراد بالكهل: الحليم قاله مجاهد. # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) قوله [تعالى]: (قالت رب أنى يكون لي ~~ولد) في علة قولها هذا قولان: # أحدهما: أنها قالت هذا تعجبا واستفهاما، لا شكا وإنكارا، على ما أشرنا ~~إليه في قصة زكريا، وعلى هذا الجمهور. # والثاني: أن الذي خاطبها كان جبريل، وكانت تظنه آدميا يريد بها سوءا، ~~ولهذا قالت: (أعوذ بالرحمن منك) فلما بشرها لم تتيقن صحة قوله، لأنها لم ~~تعلم أنه ملك، فلذلك قالت: (أنى يكون لي ولد) قاله ابن الأنباري. # قوله [تعالى]: (ولم يمسسني بشر) أي: ولم يقربني زوج. والمس: الجماع، قاله ~~ابن فارس. وسمي البشر بشرا، لظهورهم، والبشرة: ظاهر جلد الإنسان، وأبشرت ~~الأرض: أخرجت PageV01P332 # نباتها. وبشرت الأديم: إذا قشرت وجهه، وتباشير الصبح: أوائله. قال: يعني ~~جبريل: (كذلك الله يخلق ما يشاء) أي: بسبب، وبغير سبب. وباقي الآية مفسر في ~~" البقرة ". # ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) قوله [تعالى]: (ويعلمه ~~الكتاب) قرأ الأكثرون " ونعلمه " بالنون. وقرأ نافع، وعاصم بالياء، فعطفاه ~~أن على قوله " يبشرك " وفي الكتاب قولان: # أحدهما: أنه كتب النبيين وعلمهم، قاله ابن عباس. # والثاني: الكتابة. قاله ابن جريج، ومقاتل، قال ابن عباس: والحكمة، الفقه ~~وقضاء النبيين. # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية ms0293 من ربك أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي ~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين (49) قوله [تعالى]: (ورسولا) قال الزجاج: ينتصب على ~~وجهين: # أحدهما: ونجعله رسولا، والاختيار عندي: ويكلم الناس رسولا. # قوله [تعالى]: (أني أخلق) قرأ الأكثرون " أني " بالفتح، فجعلوها بدلا من ~~آية، فكأنه قال: # قد جئتكم بأني أخلق، وقرأ نافع بالكسر، قال أبو علي: يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مستأنفا. # والثاني: أنه فسر الآية بقوله: إني أخلق، أي: أصور وأقدر. قال ابن عباس: ~~أخذ طينا، وصنع منه خفاشا، ونفخ فيه، فإذا هو يطير، ويقال: لم يصنع غير ~~الخفاش، ويقال: إن بني إسرائيل نعتوه بذلك، لأن الخفاش عجيبة الخلق. وروي ~~عن أبي سعيد الخدري أنه قال لهم: ماذا تريدون؟ # قالوا: الخفاش. فسألوه أشد الطير خلقا، لأنه يطير بغير ريش. وقال وهب: ~~كان الذي صنعه يطير ما دام الناس ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم، سقط ميتا، ~~ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق. # والأكثرون قرؤوا (فيكون طيرا) وقرأ نافع هاهنا وفي (المائدة) طائرا قال ~~أبو علي: حجة الجمهور قوله [تعالى]: (كهيئة الطير) ولم يقل: كهيئة الطائر. ~~ووجهة قراءة نافع: أنه أراد: يكون ما أنفخ فيه، أو ما أخلقه، طائرا. وفي " ~~الأكمه " أربعة أقوال: # أحدها: أنه الذي يولد أعمى، رواه الضحاك عن ابن عباس، وسعيد عن قتادة وبه ~~قال PageV01P333 # اليزيدي، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنه الأعمى، ذكره ابن جريج عن ابن عباس، ومعمر عن قتادة، وبه ~~قال الحسن، والسدي، وحكى الزجاج عن الخليل أن الأكمه: هو الذي يولد أعمى، ~~وهو الذي يعمى، وإن كان بصيرا. # والثالث: أنه الأعمش، قال عكرمة. # والرابع: أنه الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، قاله مجاهد والضحاك. ~~والأبرص: الذي به وضح. وكان الغالب على زمان عيسى عليه السلام، علم الطب، ~~فأراهم المعجزة من جنس ذلك، إلا أنه ليس في الطب إبراء الأكمه والأبرص، ~~وكان ذلك دليلا على ms0294 صدقه. قال وهب: ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم ~~الواحد خمسون ألفا، وإنما كان يداويهم بالدعاء. وذكر المفسرون أنه أحيا ~~أربعة أنفس من الموتى. وعن ابن عباس أن الأربعة كلهم بقي حتى ولد له، إلا ~~سام بن نوح. # قوله [تعالى]: (وأنبئكم بما تأكلون) قال سعيد بن جبير: كان عيسى إذا كان ~~في المكتب يخبرهم بما يأكلون، ويقول للغلام: يا غلام إن أهلك قد هيئوا لك ~~كذا وكذا من الطعام فتطعمني منه؟ وقال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وبما ~~خبأتم منه. وعلى هذا المفسرون، إلا أن قتادة كان يقول: وأنبئكم بما تأكلون ~~من المائدة التي تنزل عليكم، وما تدخرون منها، وكان أخذ عليهم أن يأكلوا ~~منها، ولا يدخروا، فلما خانوا، مسخوا خنازير. # ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم قوله [تعالى]: (ومصدقا لما بين يدي) قال الزجاج: نصب " مصدقا " على ~~الحال، أي: # وجئتكم مصدقا (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) قال قتادة: كان قد حرم ~~عليهم موسى الإبل والثروب وأشياء من الطير، فأحلها عيسى. # قوله [تعالى]: (وجئتكم بآية) أي: بآيات تعلمون بها صدقي، وإنما وحد، لأن ~~الكل من جنس واحد (من ربكم) أي: من عند ربكم. PageV01P334 # فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) قوله [تعالى]: (فلما أحس ~~عيسى) أي: علم. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: # أحسست بالشئ، وحسست به وقول الناس في المعلومات " محسوسات " خطأ، إنما ~~الصواب " المحسات " فأما المحسوسات، فهي المقتولات، يقال: حسه، إذا قتله. ~~والأنصار: الأعوان. # و " إلى " بمعنى " مع " في قول الجماعة، قال الزجاج: وإنما حسنت في موضع ~~" مع " لأن " إلى " غاية و " مع " تضم الشئ بالشئ. قال ابن الأنباري: ويجوز ~~أن يكون المعنى: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله. واختلفوا في سبب استنصاره ~~بالحواريين، فقال مجاهد: لما كفر به قومه، وأرادوا ms0295 قتله، استنصر الحواريين. ~~وقال غيره: لما كفروا به، وأخرجوه من قريتهم، استنصر الحواريين. وقيل: # استنصرهم، لإقامة الحق، وإظهار الحجة، والجمهور على تشديد " ياء " ~~الحواريين. وقرأ الجوني، والجحدري، وأبو حيوة: الحواريون بتخفيف الياء. وفي ~~معنى الحواريين ستة أقوال: # أحدها: أنهم الخواص الأصفياء، قال ابن عباس: الحواريون: أصفياء عيسى. ~~وقال الفراء: # كانوا خاصة عيسى. وقال الزجاج: الحواريون في اللغة: الذين أخلصوا، ونقوا ~~من كل عيب، وكذلك الدقيق: الحواري، إنما سمي بذلك، لأنه ينقى من لباب البر ~~وخالصه. قال حذاق اللغويين: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا وأخلصوا ~~في تصديقهم ونصرتهم. ويقال: عين حوراء: إذا اشتد بياضها، وخلص، واشتد ~~سوادها، ولا يقال: امرأة حوراء، إلا أن تكون مع حور عينها بيضاء. # والثاني: انهم البيض الثياب، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنهم سموا ~~بذلك، لبياض ثيابهم. # والثالث: أنهم القصارون، سموا بذلك، لأنهم كانوا يحورون الثياب، أي:: ~~يبيضونها. قال الضحاك، ومقاتل: الحواريون: هم القصارون. قال اليزيدي: ويقال ~~للقصارين: الحواريون، لأنهم يبيضون الثياب، ومنه سمي الدقيق: الحوارى، ~~والعين الحوراء: النقية المحاجر. # والرابع: الحواريون: المجاهدون. # وأنشدوا: # ونحن أناس يملأ البيض هامنا * ونحن حواريون حين نزاحف جماجمنا يوم اللقاء ~~تراسنا * إلى الموت نمشي ليس فينا تحانف PageV01P335 # والخامس: الحواريون: الصيادون. # والسادس: الحواريون: الملوك، حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري. قال ~~ابن عباس: وعدد الحواريين اثنا عشر رجلا. وفي صناعتهم قولان. # أحدهما: أنهم كانوا يصطادون السمك رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنهم كانوا يغسلون الثياب، قاله الضحاك، وأبو أرطاة. # ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) قوله ~~[تعالى]: (ربنا آمنا بما أنزلت) هذا قول الحواريين. والذي أنزل: الإنجيل. # والرسول: عيسى. وفي المراد بالشاهدين خمسة أقوال: # أحدها: أنهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، لأنهم يشهدون للرسل ~~بالتبليغ، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أنهم من آمن قبلهم من المؤمنين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم الأنبياء، لأن كل نبي شاهد أمته، قاله عطاء. # والرابع: أن الشاهدين: الصادقون، قاله مقاتل. # والخامس: أنهم الذين ms0296 شهدوا للأنبياء بالتصديق. فمعنى الآية: صدقنا ~~واعترفنا فاكتبنا مع من فعل فعلنا، هذا قول الزجاج. # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) قوله [تعالى]: (ومكروا ومكر ~~الله) قال الزجاج: المكر من الخلق: خبث وخداع، ومن الله عز وجل: المجازاة، ~~فسمي باسم ذلك، لأنه مجازاة عليه، كقوله [تعالى]: (الله يستهزئ بهم)، ~~(والله خير الماكرين) لأن مكره مجازاة، ونصر للمؤمنين. قال ابن عباس: ~~ومكرهم، أن اليهود أرادوا قتل عيسى، فدخل خوخة، فدخل رجل منهم، فألقي عليه ~~شبه عيسى، ورفع عيسى إلى السماء، فلما خرج إليهم، ظنوه عيسى، فقتلوه. # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) قوله [تعالى]: (إذ قال الله يا عيسى إني ~~متوفيك) قال ابن قتيبة: التوفي، من استيفاء العدد: PageV01P336 # يقال: توفيت، واستوفيت، كما يقال: تيقنت الخبر، واستيقنته، ثم قيل للموت: ~~وفاة، وتوف. وأنشد أبو عبيدة: # إن بني الأدرد ليسوا من أحد * ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد ولا توفاهم ~~قريش في العدد أي: لا تجعلهم وفاء لعددها، والوفاء: التمام. وفي هذا التوفي ~~قولان: # أحدهما: أنه الرفع إلى السماء. # والثاني: أنه الموت. فعلى القول الأول يكون نظم الكلام مستقيما من غير ~~تقديم ولا تأخير، ويكون معنى " متوفيك " قابضك من الأرض وافيا تاما من غير ~~أن ينال منك اليهود شيئا، هذا قول الحسن، وابن جريج، وابن قتيبة، واختاره ~~الفراء ومما يشهد لهذا الوجه قوله [تعالى]: (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم)، أي: رفعتني إلى السماء من غير موت، لأنهم إنما بدلوا بعد رفعه، لا ~~بعد موته. وعلى القول الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: إني ~~رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك، هذا قول الفراء، ~~والزجاج في آخرين. فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعه إلى ~~السماء لا يمنع من موته. قال سعيد بن المسيب: رفع عيسى وهو ابن ثلاث ~~وثلاثين سنة. وقال مقاتل: رفع ms0297 من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان. وقيل: # عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. ويقال: ماتت قبل رفعه. # قوله [تعالى]: (ومطهرك من الذين كفروا) فيه قولان: # أحدهما: أنه رفعه من بين أظهرهم. # والثاني: منعهم من قبله. وفي الذين اتبعوه قولان: # أحدهما: أنهم مسلمون من أمة محمد عليه السلام، لأنهم صدقوا بنبوته، وأنه ~~روح الله وكلمته، هذا قول قتادة، والربيع، وابن السائب. # والثاني: أنهم، النصارى، فهم فوق اليهود، واليهود مستذلون مقهورون، قاله ~~ابن زيد. # قوله [تعالى]: (فيما كنتم فيه تختلفون) يعني الدين. # فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين (56) قوله تعالى: (فأما الذين كفروا) قيل: هم اليهود والنصارى، ~~وعذابهم في الدنيا بالسيف والجزية، وفي الآخرة بالنار. PageV01P337 # وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ~~(57) قوله [تعالى]: (فيوفيهم أجورهم) قرأ الأكثرون بالنون، وقرأ الحسن، ~~وقتادة، وحفص عن عاصم: فيوفيهم بالياء معطوفا على قوله [تعالى] (إذ قال ~~الله يا عيسى). # ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) قوله [تعالى]: (ذلك نتلوه ~~عليك) يعني ما جرى من القصص. (من الآيات) يعني الدلالات على صحة رسالتك إذ ~~كانت أخبارا لا يعلمها أمي. (والذكر الحكيم) قال ابن عباس: هو القرآن. قال ~~الزجاج: معناه: ذو الحكمة في تأليفه ونظمه، وإبانة الفوائد منه. # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قاله له كن فيكون (59) ~~قوله [تعالى]: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) قال أهل التفسير: سبب نزول ~~هذه الآية، مخاصمة وفد نجران من النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم، في أمر ~~عيسى، وقد ذكرناه في أول السورة. فأما تشبيه عيسى بآدم، فلأنهما جميعا من ~~غير أب. # وقوله [تعالى]: (خلقه من تراب) يعني: آدم. قال ثعلب: وهذا تفسير لأمر ~~آدم. وليس بحال. # قوله [تعالى]: (ثم قال له) يعني لآدم، وقيل لعيسى (كن فيكون) أي: فكان: ~~فأريد بالمستقبل الماضي، كقوله [تعالى]: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) أي: ~~ما تلت. # الحق من ربك فلا تكن من الممترين ms0298 (60) قوله [تعالى]: (الحق من ربك) قال ~~الزجاج: الحق مرفوع على خبر ابتداء محذوف، المعنى: الذي أنبأتك به في قصة ~~عيسى الحق من ربك (فلا تكن من الممترين) أي: الشاكين والخطاب للنبي خطاب ~~للخلق، لأنه لم يشك. # فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ~~(61) قوله [تعالى]: (فمن حاجك فيه) في هاء " فيه " قولان: PageV01P338 # أحدهما: أنها ترجع إلى عيسى. # والثاني: إلى الحق. والعلم: البيان والإيضاح. # قوله تعالى: (فقل تعالوا) قال ابن قتيبة: تعال: تفاعل، من علوت ويقال ~~للاثنين من الرجال والنساء: تعاليا، وللنساء: تعالين. قال الفراء: أصلها من ~~العلو، ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها، صارت عندهم بمنزلة " هلم " حتى ~~استجازوا أن يقولوا للرجل، وهو فوق شرف: تعال، أي: # اهبط. وإنما أصلها: الصعود. قال المفسرون: أراد بأبنائنا: فاطمة والحسن، ~~والحسين، وروى مسلم في " صحيحه " من حديث سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت ~~هذه الآية (تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ". # قوله [تعالى]: (وأنفسنا) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أراد علي بن أبي طالب، قاله الشعبي. والعرب تخبر عن ابن العم بأنه ~~نفس ابن عمه. # والثاني: أراد الاخوان، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أراد أهل دينه، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والرابع: أراد الأزواج. # والخامس: أراد القرابة القريبة، ذكرهما علي بن أحمد النيسابوري، فأما ~~الابتهال، فقال ابن قتيبة: هو التداعي باللعن، يقال: عليه بهلة الله، ~~وبهلته، أي: لعنته. وقال الزجاج: معنى الابتهال في اللغة: المبالغة في ~~الدعاء وأصله: الالتعان، يقال: بهله الله، أي: لعنه. وأمر بالمباهلة بعد ~~إقامة الحجة. قال جابر بن عبد الله قدم وفد نجران فيهم السيد والعاقب فذكر ~~الحديث.. إلى أن قال: # فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه أن يغادياه، فغدا رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن ~~يجيباه، فأقرا له بالخراج فقال: ms0299 # " والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهم نارا ". # إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ~~(62) قوله [تعالى]: (وما من إله إلا الله) قال الزجاج: دخلت " من " هاهنا ~~توكيدا ودليلا على نفي جميع ما ادعى المشركون من الآلهة. PageV01P339 # فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) قوله تعالى: (فإن تولوا) فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: عن الملاعنة قاله مقاتل. # والثاني: أنه عن البيان الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ~~الزجاج. # والثالث: عن الإقرار بوحدانية الله، وتنزيهه عن الصاحبة والولد، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي، وفي الفساد هاهنا قولان: # أحدهما: أنه العمل بالمعاصي، قاله مقاتل. # والثاني: الكفر، ذكره الدمشقي. # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون (64) قوله [تعالى]: (يا أهل الكتاب) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله قتادة، وابن جريج، والربيع بن أنس. # والثاني: وفد نجران الذين حاجوا في عيسى، قاله السدي ومقاتل. # والثالث: أهل الكتاب جميعا، قاله الحسن. وقال ابن عباس: نزلت في القسيسين ~~والرهبان، فبعث بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جعفر وأصحابه ~~بالحبشة. فقرأها جعفر، والنجاشي جالس، وأشراف الحبشة. فأما " الكلمة " فقال ~~المفرسون هي: لا إله إلا الله. فإن قيل: فهذه كلمات، فلم قال كلمة؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أن الكلمة تعبر عن ألفاظ وكلمات. قال اللغويون: ومعنى كلمة: كلام ~~فيه شرح قالت الخنساء: PageV01P340 # تقد الذؤابة من يذبل * أبت أن تزايل أوعالها نطقت ابن عمرو فسهلتها * ولم ~~ينطق الناس أمثالها فأوقعت القافية على القصيدة كلها، والغالب على القافية ~~أن تكون في آخر كلمة، من البيت، وإنما سميت قافية، لأن الكلمة تتبع البيت، ~~وتقع آخره، فسميت قافية من قول العرب: قفوت فلانا: # إذا اتبعته، وإلى هذا الجواب يذهب الزجاج وغيره. # والثاني: أن المراد بالكلمة: كلمات، فاكتفى بالكلمة من كلمات كما قال ~~علقمة بن عبدة: # بها ms0300 جيف الحسرى فأما عظامها * بين فبيض وأما جلدها فصليب أراد: وأما ~~جلودها، فاكتفى بالواحد من الجمع، ذكره والذي قبله ابن الأنباري. # قوله [تعالى]: (سواء بيننا وبينكم) قال الزجاج: يعني بالسواء العدل، وهو ~~من استواء الشئ، ويقال: للعدل سواء وسواء وسواء. # قال زهير بن أبي سلمى: # أروني خطة لا ضيم فيها * يسوي بيننا فيها السواء فإن تدعوا السواء فليس ~~بيني * وبينكم بني حصن بقاء قال: وموضع " أن " في قوله [تعالى] (ألا تعبدوا ~~إلا الله) خفض على البدل من " كلمة " المعنى: تعالوا إلى أن لا نعبد إلا ~~الله. وجائز أن يكون " أن " في موضع رفع، كأن قائلا قال: ما الكلمة؟ فأجيب، ~~فقيل: هي ألا نعبد إلا الله. # قوله [تعالى]: (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن سجود بعضهم لبعض، قاله عكرمة. # والثاني: لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، قاله ابن جريج. # والثالث: أن نجعل غير الله ربا، كما قالت النصارى في المسيح، قاله مقاتل ~~والزجاج. # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون (65) قوله [تعالى]: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم) ~~قال ابن عباس، والحسن، والسدي: اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم نصارى ~~نجران، وأحبار اليهود، فقال هؤلاء: ما كان إبراهيم إلا PageV01P341 # يهوديا، وقال هؤلاء: ما كان إلا نصرانيا. فنزلت هذه الآية. # ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به على ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) قوله [تعالى]: (ها أنتم) قرأ ابن كثير " ~~ها أنتم " مثل: هعنتم، حديث فأبدل من همزة الاستفهام " الهاء " أراد: ~~أأنتم. وقرأ نافع وأبو عمرو " هانتم " ممدودا استفهام بلا همزة وقرأ عاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي، " هأنتم " ممدودا مهموزا ولم يختلفوا في مد " ~~هؤلاء " و " أولاء ". # قوله [تعالى]: (فيما لكم به علم) فيه قولان: # أحدهما: أنه ما رأوا وعاينوا قاله قتادة. # والثاني: ما أمروا به ونهوا عنه، قاله السدي: فأما الذي ليس لهم به علم، ms0301 ~~فهو شأن إبراهيم [عليه السلام]. روى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان بين ~~إبراهيم وموسى، خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة. وبين موسى وعيسى ألف وستمائة ~~واثنتان وثلاثون سنة. وقال ابن إسحاق: كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة وخمس ~~وستون سنة، وبين موسى وعيسى ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة وقد سبق في ~~(البقرة) معنى الحنيف. # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين (68) قوله [تعالى]: (إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن رؤساء اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد علمت أنا ~~أولى بدين إبراهيم منك، وأنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد، فنزلت هذه ~~الآية. ومعناها: أحق الناس بدين إبراهيم، الذين اتبعوه على دينه، وهذا ~~النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، قاله ابن عباس. # والثاني: أن عمرو بن العاص أراد أن يغضب النجاشي على أصحاب النبي [صلى ~~الله عليه وسلم]، فقال للنجاشي: إنهم ليشتمون عيسى. فقال النجاشي: ما يقول ~~صاحبكم في عيسى؟ فقالوا: يقول: إنه عبد الله وروحه، وكلمته ألقاها إلى ~~مريم. فأخذ النجاشي من سواكه قدر ما يقذي العين، فقال: والله ما زاد على ما ~~يقول صاحبكم ما يزن هذا القذى، ثم قال: أبشروا، فلا دهورة اليوم على حزب ~~PageV01P342 # إبراهيم. قال عمرو بن العاص: ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم ~~فأنزل الله يوم خصومتهم على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، هذا قول ~~عبد الرحمن بن غنم. # ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(69) قوله [تعالى]: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم) سبب نزولها أن ~~اليهود قالوا لمعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر: تركتما دينكما، واتبعتما دين ~~محمد، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. والطائفة: اسم لجماعة مجتمعين على ~~ما اجتمعوا عليه من دين، ورأي، ومذهب، وغير ذلك. وفي هذه الطائفة قولان: # أحدهما: أنهم ms0302 اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله أبو سليمان الدمشقي. والضلال: الحيرة. ~~وفيه هاهنا قولان: # أحدهما: أنن الاستنزال عن الحق إلى الباطل، وهو قول ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: الإهلاك، ومنه (أإذا ضللنا في الأرض) قاله ابن جرير، والدمشقي، ~~وفي قوله: # (وما يشعرون) قولان: # أحدهما: وما يشعرون أن الله يدل المؤمنين على حالهم. # والثاني: وما يشعرون أنهم يضلون أنفسهم. # يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) قوله [تعالى]: (لم ~~تكفرون بآيات الله؟) قال قتادة: يعني: محمدا والإسلام (وأنتم تشهدون) أن ~~بعث محمد في كتابكم، ثم تكفرون به. # يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) ~~قوله [تعالى]: (لم تلبسون الحق بالباطل؟) قال اليزيدي: معناه: لم تخلطون ~~الحق بالباطل؟ قال ابن فارس: واللبس: اختلاط الأمر، وفي الأمر لبسة، أي: ~~ليس بواضح. وفي الحق والباطل أربعة أقوال: PageV01P343 # أحدها: أن الحق: إقرارهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والباطل: ~~كتمانهم بعض أمره. # والثاني: الحق: إيمانهم بالنبي [صلى الله عليه وسلم] غدوة، والباطل: ~~كفرهم به عشية، رويا عن ابن عباس. # والثالث: الحق التوراة، والباطل: ما كتبوه فيها بأيديهم، قاله الحسن، ~~وابن زيد. # والرابع: الحق: الإسلام. والباطل: اليهودية والنصرانية، قاله قتادة. # قوله [تعالى]: (وتكتمون الحق) قال قتادة: كتموا الإسلام، وكتموا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) قوله [تعالى]: (وقالت طائفة من أهل الكتاب) ~~في سبب نزلوها قولان: # أحدهما: أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار، ~~فآمنوا، وإذا كان آخره، فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم ~~أعلم منا، فينقلبون عن دينهم، رواه عطية عن ابن عباس. وقال الحسن والسدي: ~~تواطأ اثنا عشر حبرا من اليهود، فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد ~~باللسان أول النهار، واكفروا آخره، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا ~~علماءنا، فوجدنا محمد ليس بذلك، فيشك أصحابه في دينهم، ويقولون: هم أهل ~~الكتاب، وهم أعلم ms0303 منا، فيرجعون إلى دينكم، فنزلت هذه الآية. وإلى هذا ~~المعنى ذهب الجمهور. # والثاني: أن الله تعالى صرف نبيه إلى الكعبة عند صلاة الظهر، فقال قوم من ~~علماء اليهود: # (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار) يقولون: آمنوا بالقبلة ~~التي صلوا إليها الصبح، واكفروا بالتي صلوا إليها آخر النهار، لعلهم يرجعون ~~إلى قبلتكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قال مجاهد وقتادة، والزجاج في آخرين: وجه النهار: أوله. # وأنشد الزجاج: # من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار PageV01P344 # يجد النساء حواسرا يندبنه * قد قمن قبل تبلج الأسحار ولا تؤمنوا إلا لن ~~تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ~~ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) قوله ~~[تعالى]: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) اختلف العلماء في توجيه هذه الآية ~~على أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد ~~مما أوتيتم من العلم، وفلق البحر، والمن والسلوى، وغير ذلك، ولا تصدقوا أن ~~يجادلوكم عند ربكم، لأنكم أصح دينا منهم، فيكون هذا كله، من كلام اليهود ~~بينهم، وتكون اللام في " لمن " صلة، ويكون قوله [تعالى]: (قل إن الهدى هدى ~~الله) كلاما معترضا بين كلامين، هذا معنى قول مجاهد، والأخفش. # والثاني: أن كلام اليهود تام عند قوله: (لمن تبع دينكم) والباقي من قول ~~الله تعالى، لا يعترضه شئ من قولهم وتقديره: قل يا محمد: إن الهدى هدى الله ~~أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، إلا أن تجادلكم اليهود بالباطل، ~~فيقولون: نحن أفضل منكم، هذا معنى قول الحسن، وسعيد بن جبير. وقال الفراء: ~~معنى: " أن يؤتى ": أن لا يؤتى. # والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم، إلا من تبع دينكم، فأخرت " أن "، وهي مقدمة في النية على ~~مذهب العرب في التقديم والتأخير، ودخلت اللام على جهة التوكيد، كقوله ~~[تعالى]: (عسى ms0304 أن يكون ردف لكم) أي: ردفكم. # وقال الشاعر: # ما كنت أخدع للخليل بخلة * حتى يكون لي الخليل خدوعا أراد: ما كنت أخدع ~~الخليل. # وقال الآخر: # يذمون الدنيا وهم يحلبونها * أفاويق حتى ما يدر لها ثعل أراد: يذمون ~~الدنيا، ذكره ابن الأنباري. # والرابع: أن اللام غير زائدة، والمعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شئ ~~مما جاء به إلا PageV01P345 # لليهود. فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين، كان عونا لهم على تصديقه، قاله ~~الزجاج. وقال ابن الأنباري: لا تؤمنوا أن محمدا وأصحابه على حق، إلا لمن ~~تبع دينكم، مخافة أن يطلع على عنادكم الحق، ويحاجوكم به عند ربكم. فعلى هذا ~~يكون معنى الكلام: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، ~~وقد ذكر هذا المعنى مكي بن أبي طالب النحوي. وقرأ ابن كثير: أان يؤتى ~~بهمزتين: الأولى مخففة، والثانية ملينة على الاستفهام، مثل: أأنتم أعلم. ~~قال أبو علي: # ووجهها أن " أن " في موضع رفع بالابتداء، وخبره: يصدقون به. ويعترفون به، ~~أو يذكرونه لغيركم، ويجوز أن يكون موضع " أن " نصبا، فيكون المعنى: ~~أتشيعون، أو أتذكرون أن يؤتى أحد، ومثله في المعنى: (أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم) وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف: إن يؤتى، بكسر الهمزة، على معنى: ~~ما يؤتى. وفي قوله [تعالى]: (أو يحاجوكم عند ربكم) قولان: # أحدهما: أن معناه: ولا تصدقوا أنهم يحاجوكم عند ربكم، لأنهم لا حجة لهم، ~~قاله قتادة. # والثاني: أن معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم على طريق التعبد، كما يقال: لا ~~يلقاه أو تقوم الساعة، قاله الكسائي. # قوله [تعالى]: (إن الفضل بيد الله) قال ابن عباس: يعني النبوة، والكتاب، ~~والهدى (يؤتيه من يشاء) لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود من أنه لا يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم. # يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) قوله [تعالى]: (يختص ~~برحمته من يشاء) في الرحمة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الإسلام، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: النبوة، قاله مجاهد. # والثالث: القرآن والإسلام، قاله ابن جريج. # ومن أهل الكتاب من ms0305 إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون قوله [تعالى]: (ومن أهل الكتاب من ~~إن تأمنه بقنطار) قال ابن عباس: أودع رجل ألفا ومئتي أوقية من ذهب عبد الله ~~بن سلام، فأداهما إليه، فمدحه الله بهذه الآية وأودع رجل PageV01P346 # فنحاص بن عازوراء دينارا، فخانه، وأهل الكتاب: اليهود. وقد سبق الكلام في ~~القنطار. وقيل: إن " الباء " في قوله: " بقنطار " بمعنى " على " فأما ~~الدينار، فقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: الدينار فارسي معرب، ~~وأصله: دنار وهو وإن كان معربا، فليس تعرف له العرب اسما غير الدينار، فقد ~~صار كالعربي، ولذلك ذكره الله عز وجل في كتابه، لأنه خاطبهم بما عرفوا، ~~واشتقوا منه فعلا، فقالوا: رجل مدنر: كثير الدنانير. وبرذون مدنر: أشهب ~~مستدير النقش ببياض وسواد. فإن قيل: لم خص أهل الكتاب بأن فيهم خائنا ~~وأمينا والخلق على ذلك، فالجواب: أنهم يخونون المسلمين استحلالا لذلك، وقد ~~بينه في قوله [تعالى]: (ليس علينا في الأميين سبيل) فحذر منهم. وقال مقاتل: ~~الأمانة ترجع إلى من أسلم منهم، والخيانة إلى من لم يسلم. وقيل: إن الذين ~~يؤدون الأمانة: النصارى، والذين لا يؤدونها: اليهود. # قوله [تعالى]: (إلا ما دمت عليه قائما) قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: ~~دمت ودمتم، ومت ومتم وتميم يقولون: مت ودمت بالكسر، ويجتمعون في " يفعل " ~~يدوم ويموت. وفي هذا القيام قولان: # أحدهما: أنه التقاضي، قاله مجاهد، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. ~~قال ابن قتيبة: # والمعنى: ما دمت مواظبا بالاقتضاء له والمطالبة. وأصل هذا أن المطالب ~~بالشئ يقوم فيه ويتصرف والتارك له يقعد عنه، (من أهل الكتاب أمة قائمة) أي: ~~عاملة غير تاركة، وقال [تعالى]: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) أي: ~~آخذ لها بما كسبت. # والثاني: أنه القيام حقيقة، فتقديره: إلا ما دمت قائما على رأسه، فإنه ~~يعترف بأمانته، فإذا ذهبت ثم جئت، جحدك، قاله السدي. # قوله ms0306 [تعالى]: (ذلك) يعني: الخيانة. والسبيل: الإثم والحرج، ونظيره (ما ~~على المحسنين من سبيل) قال قتادة: إنما استحل اليهود أموال المسلمين، لأنهم ~~عندهم ليسوا أهل كتاب. # قوله [تعالى]: (ويقولون على الله الكذب) قال السدي: يقولون: قد أحل الله ~~لنا أموال العرب. # وفي قوله [تعالى]: (وهم يعلمون) قولان: # أحدهما: يعلمون أن الله قد أنزل في التوراة الوفاء، وأداء الأمانة. # والثاني: يقولون الكذب، وهم يعلمون أنه كذب. # بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) PageV01P347 # قوله [تعالى]: (بلى) رد الله عز وجل عليهم قولهم: (ليس علينا في الأميين ~~سبيل) بقوله: # (بلى) قال الزجاج: وهو عندي وقف التمام، ثم استأنف، فقال: (من أوفى ~~بعهده) ويجوز أن يكون استأنف جملة الكلام بقوله: (بلى من أوفى). والعهد: ما ~~عاهدهم الله [عز وجل] عليه في التوراة. وفي " هاء " (عهده) قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. # والثاني: إلى الموفي. # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم (77) قوله [تعالى]: (إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا) ~~في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الأشعث بن قيس خاصم بعض اليهود في أرض، فجحده اليهودي فقدمه ~~إلى النبي [صلى الله عليه وسلم]، فقال: " ألك بينة "؟ قال: لا. قال ~~لليهودي: " أتحلف "؟ فقال الأشعث: إذا يحلف فيذهب بمالي. فنزلت هذه الآية. ~~أخرجه البخاري ومسلم. # والثاني: أنها نزلت في اليهود، عهد الله إليهم في التوراة تبيين صفة ~~النبي عليه السلام، فجحدوا، وخالفوا لما كانوا ينالون من سفلتهم من الدنيا، ~~هذا قول عكرمة، ومقاتل. # والثالث: أن رجلا أقام سلعته في السوق أول النهار، فلما كان آخره، جاء ~~رجل، يساومه، فحلف: لقد منعها أول النهار من كذا، ولولا المساء لما باعها ~~به، فنزلت هذه الآية، هذا قول الشعبي، ومجاهد. فعلى القول الأول، والثالث، ~~العهد: لزوم الطاعة، وترك المعصية، وعلى الثاني: ما عهده إلى اليهود في ~~التوراة. واليمين: الحلف. وإن قلنا: إنها في اليهود، ms0307 والكفار، فإن الله لا ~~يكلمهم يوم القيامة أصلا. وإن قلنا: إنها في العصاة، فقد روي عن ابن عباس ~~أنه قال: لا يكلمهم الله كلام خير. ومعنى (ولا ينظر إليهم)، أي: لا يعطف ~~عليهم بخير مقتا لهم، قال الزجاج: تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، ولا يكلمه ~~معناه: أنه غضبان عليه. PageV01P348 # قوله [تعالى]: (ولا يزكيهم) أي: لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم. # وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون (78) قوله [تعالى]: (وإن منهم فريقا) اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين: # أحدهما: أنها نزلت في اليهود، رواه عطية، عن ابن عباس. # والثاني: في اليهود والنصارى، رواه الضحاك، عن ابن عباس. # قوله [تعالى]: (وإن) هي كلمة مؤكدة، واللام في قوله: " لفريقا " توكيد ~~زائد على توكيد " إن " قال ابن قتيبة: ومعنى (يلوون ألسنتهم): يقلبونها ~~بالتحريف والزيادة. والألسنة: جمع لسان، قال أبو عمرو: اللسان يذكر ويؤنث، ~~فمن ذكره جمعه: ألسنة، ومن أنثه، جمعه: ألسنا. # وقال الفراء: اللسان بعينه لم نسمعه من العرب إلا مذكرا. وتقول: سبق من ~~فلان لسان، يعنون به الكلام، فيذكرونه. # وأنشد ابن الأعرابي: # لسانك معسول ونفسك شحة * وعند الثريا من صديقك مالكا وأنشد ثعلب: # ندمت على لسان كان مني * فليت بأنه في جوف عكم والعكم: العدل. ودل بقوله: ~~كان مني، على أن اللسان الكلام. # وأنشد ثعلب: # أتتني لسان بني عامر * أحاديثها بعد قول نكر فأنث اللسان، لأنه عنى ~~الكلمة والرسالة. # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون (79) قوله [تعالى]: (ما كان لبشر) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: ~~PageV01P349 # أحدها: أن قوما من رؤساء اليهود والنصارى، قالوا: يا محمد أتريد أن نتخذك ~~ربا؟ فقال: # معاذ الله، ما بذلك بعثني، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن رجلا قال للنبي صلى الله ms0308 عليه وسلم: ألا نسجد لك؟ قال: " لا، ~~فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله " فنزلت هذه الآية، قاله الحسن ~~البصري. # والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران حيث عبدوا عيسى. قاله الضحاك، ومقاتل. ~~وفيمن عنى ب‍ " البشر " قولان: # أحدهما: محمد صلى الله عليه وسلم. والكتاب: القرآن، قاله ابن عباس، ~~وعطاء. # والثاني: عيسى، والكتاب: الإنجيل، قاله الضحاك، ومقاتل. والحكم: الفقه ~~والعلم قاله قتادة في آخرين. قال الزجاج: ومعنى الآية: لا يجتمع لرجل نبوة، ~~والقول للناس: كونوا عبادا لي من دون الله، لأن الله لا يصطفي الكذبة. # قوله [تعالى]: (ولكن كونوا) أي: ولكن يقول لهم: كونوا، فحذف القول لدلالة ~~الكلام عليه. # فأما الربانيون، فروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: هم الذين ~~يغذون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها. وقال ابن عباس، وابن جبير: هم ~~الفقهاء المعلمون. وقال قتادة، وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء. قاله ~~ابن قتيبة: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون. وقال أبو عبيد: أحسب ~~الكلمة ليست بعربية، إنما هي عبرانية، أو سريانية، وذلك أن أبا عبيدة زعم ~~أن العرب لا تعرف الربانيين. وقال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء، وأهل ~~العلم، قال: وسمعت رجلا عالما بالكتب يقول: هم العلماء بالحلال والحرام، ~~والأمر والنهي. وحكى ابن الأنباري عن بعض اللغويين: الرباني: منسوب إلى ~~الرب، لأن العلم: مما يطاع الله به، فدخلت الألف والنون في النسبة ~~للمبالغة، كما قالوا: رجل لحياني: إذا بالغوا في وصفه بكبر اللحية. # قوله [تعالى]: (ما كنتم تعلمون الكتاب) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: ~~تعلمون، بإسكان العين، ونصب اللام، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~تعلمون مثقلا، وكلهم قرؤوا: " تدرسون " خفيفة. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، ~~وأبو رزين وسعيد بن جبير، وطلحة بن مصرف، وأبو حيوة: تدرسون، بضم التاء مع ~~التشديد والدراسة: القراءة. قال الزجاج: ومعنى PageV01P350 # الكلام: ليكن هديكم ونيتكم في التعليم هدي العلماء والحكماء، لأن العالم ~~إنما يستحق هذا الاسم إذا عمل بعلمه. # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم ms0309 مسلمون (80) قوله [تعالى]: (ولا يأمركم) قرأ ابن عامر، وحمزة، وخلف، ~~ويعقوب، وعاصم في بعض الروايات عنه وعبد الوارث، عن أبي عمرو، واليزيدي في ~~اختياره، بنصب الراء. وقرأ الباقون برفع الراء، فمن نصب كان المعنى: وما ~~كان لبشر أن يأمركم، ومن رفع قطعه مما قبله. قال ابن جريج: # ولا يأمركم محمد. # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين (81) قوله [تعالى]: (وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين) قال الزجاج: موضع " إذ " نصب، المعنى: # واذكر في أقاصيصك إذ أخذ الله. قال ابن عباس: والميثاق: العهد. وفي الذي ~~أخذ ميثاقهم عليه قولان: # أحدهما: أنه تصديق محمد صلى الله عليه وسلم، روي عن علي، وابن عباس، ~~وقتادة، والسدي. # والثاني: أنه أخذ ميثاق الأول من الأنبياء ليؤمنن بما جاء به الآخر منهم، ~~قاله طاووس. قال مجاهد، والربيع بن أنس: هذه الآية خطأ من الكتاب، وهي في ~~قراءة ابن مسعود: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) واحتج الربيع ~~بقوله [تعالى]: (ثم جاءكم رسول). وقال بعض أهل PageV01P351 # العلم: إنما أخذ الميثاق على النبيين، وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ~~ذكر الأمم، لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع، ~~وهذا معنى قول ابن عباس والزجاج. # واختلف العلماء في لام " لما " فقرأ الأكثرون " لما " بفتح اللام مع ~~التخفيف، وقرأ حمزة مثلها، إلا أنه كسر اللام، وقرأ سعيد بن جبير " لما " ~~مشددة الميم، فقراءة ابن جبير، معناها: حين آتيتكم. وقال الفراء في قراءة ~~حمزة: يريد أخذ الميثاق للذي آتاهم، ثم جعل قوله: (لتؤمنن به) من الأخذ. ~~قال الفراء: ومن نصب اللام جعلها زائدة. و " ما " هاهنا بمعنى الشرط ~~والجزاء، فالمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم شيئا من كتاب وحكمة. قال ابن ~~الأنباري: اللام في قوله [تعالى]: (لما آتيتكم) على قراءة من شددها أو ~~كسرها: جواب لأخذ الميثاق، وعلى قراءة من خففها، معناها: القسم، ms0310 وجواب ~~القسم اللام في قوله: (لتؤمنن به) وإنما خاطب، فقال: آتيتكم. # بعد أن ذكر النبيين وهم غيب، لأن في الكلام معنى قول وحكاية، فقال مخاطبا ~~لهم: لما آتيتكم وقرأ نافع " آتيناكم " بالنون والألف. # قوله [تعالى]: (ثم جاءكم رسول) قال علي عليه السلام: ما بعث نبيا إلا أخذ ~~عليه العهد، إن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. وقال غيره: أخذ ميثاق ~~الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا. والإصر هاهنا: العهد في قول الجماعة. قال ابن ~~قتيبة: أصل الإصر: الثقل، فسمي العهد إصرا، لأنه منع من الأمر الذي أخذ له، ~~وثقل وتشديد وكلهم كسر ألف " إصري ". وروى أبو بكر، عن عصام ضمة. قال أبو ~~علي: يشبه أن يكون الضم لغة. # قوله [تعالى]: (قال فاشهدوا) قال ابن فارس: الشهادة: الإخبار بما شوهد. ~~وفيمن خوطب بهذا قولان: # أحدهما: أنه خطاب للنبيين ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه معناه: فاشهدوا على أممكم، قاله علي بن أبي طالب. # والثاني: فاشهدوا على أنفسكم، قاله مقاتل. # والثاني: أنه خطاب للملائكة، قاله سعيد بن المسيب، فعلى هذا يكون كناية ~~عن غير مذكور. # فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) قوله [تعالى]: (أفغير ~~دين الله يبغون) قرأ أبو عمرو: " يبغون " بالياء مفتوحة. (وإليه ~~PageV01P352 # ترجعون) بالتاء مضمومة، وقرأها الباقون بالياء في الحرفين. وروى حفص عن ~~عاصم: " يبغون " و " يرجعون " بالياء فيهما، وفتح الياء وكسر الجيم، يعقوب ~~على أصله. قال ابن عباس: اختصم أهل الكتابين، فزعمت كل فرقة أنها أولى بدين ~~إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كلا الفريقين برئ من دين ~~إبراهيم ". فغضبوا، وقالوا: والله لا نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فنزلت ~~هذه الآية. # والمراد بدين الله، دين محمد صلى الله عليه وسلم. (وله أسلم) انقاد، وخضع ~~(طوعا وكرها) الطوع: الانقياد بسهولة، والكره: الانقياد بمشقة وإباء من ~~النفس. وفي معنى الطوع والكره ستة أقوال: # أحدها: أن إسلام الكل كان يوم الميثاق طوعا وكرها، رواه مجاهد عن ابن ms0311 ~~عباس، والأعمش عن مجاهد، وبه قال السدي. # والثاني: أن المؤمن يسجد طائعا، والكافر يسجد ظله وهو كاره، روي عن ابن ~~عباس، ورواه ابن أبي نجيح، وليث عن مجاهد. # والثالث: أن الكل أقروا له بأنه الخالق، وإن أشرك بعضهم، فإقراره بذلك ~~حجة عليه في إشراكه، هذا قول أبو العالية، ورواه منصور عن مجاهد. # والرابع: أن المؤمن أسلم طائعا، والكافر أسلم مخافة السيف، هذا قول ~~الحسن. # والخامس: أن المؤمن أسلم طائعا، والكافر أسلم حين رأى بأس الله، فلم ~~ينفعه في ذلك الوقت، وهذا قول قتادة. # والسادس: أن إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جبلتهم، لا يقدر أحد هم أن ~~يمتنع من جبلة جبله عليها، ولا على تغييرها، هذا قول الزجاج، وهو معنى قول ~~الشعبي: انقاد كلهم له. # قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم ~~أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) PageV01P353 # قوله [تعالى]: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رجلا من الأنصار ارتد، فلحق بالمشركين، فنزلت هذه الآية، إلى ~~قوله [تعالى]: (إلا الذين تابوا) فكتب بها قومه إليه، فرجع تائبا. رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. # وذكر مجاهد، والسدي أن اسم ذلك الرجل: الحارث بن سويد. # والثاني: أنها نزلت في عشرة رهط ارتدوا، فيهم الحارث بن سويد، فندم، ~~فرجع. رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # والثالث: أنها في أهل الكتاب، عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفروا ~~به. رواه عطية عن ابن عباس. # وقال الحسن: هم اليهود والنصارى. وقيل: إن " كيف " هاهنا لفظها لفظ ~~الاستفهام، ومعناها الجحد، أي: لا يهدي الله هؤلاء. # خالدين فيها لا يخفف ms0312 عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) قوله [تعالى]: (خالدين فيها) قال ~~الزجاج أي: في عذاب اللعنة (ولا هم ينظرون) أي: يؤخرون عن الوقت. قال: ~~ومعنى: (أصلحوا) أي: أظهروا أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه، ~~وغروا به من تبعهم ممن لا علم له. # فصل وهذه الآية استثنت من تاب ممن لم يتب وقد زعم قوم أنها نسخت ما ~~تضمنته إلا من تاب قبلها من الوعيد، والاستثناء ليس بنسخ. # إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) قوله [تعالى]: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم) اختلفوا فيمن ~~نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت فيمن لم يتب من أصحاب الحارث بن سويد، فإنهم قالوا: ~~نقيم بمكة ونتربص بمحمد ريب المنون، قاله ابن عباس، ومقاتل. PageV01P354 # والثاني: أنها نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا ~~بمحمد والقرآن، قاله الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني. # والثالث: أنها نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد بعد إيمانهم بصفته، ~~ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم، قاله أبو العالية. قال الحسن: كلما ~~نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفرا. # وفي علة امتناع قبول توبتهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم ارتدوا، وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم، والكفر في ~~ضمائرهم، قاله ابن عباس. # والثاني: انهم قوم تابوا من الذنوب في الشرك، ولم يتوبوا من الشرك، قاله ~~أبو العالية. # والثالث: أن معناه: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، وهو قول الحسن، ~~وقتادة، وعطاء، الخراساني، والسدي. # والرابع: لن تقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر، وهو قول مجاهد. # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) قوله [تعالى]: (إن ~~الذين كفروا وماتوا وهم كفار) روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما فتح مكة، دخل من كان من أصحاب الحارث بن سويد حيا في ~~الإسلام، ms0313 فنزلت هذه الآية فيمن مات منهم كافرا. قال الزجاج: وملء الشئ: ~~مقدار ما يملؤه. قال سيبويه، والخليل: # والملء بفتح الميم: الفعل، تقول: ملأت الشئ أملؤه ملأ، المصدر بالفتح لا ~~غير. والملاءة: التي تلبس ممدودة. والملاوة من الدهر: القطعة الطويلة منه، ~~يقولون: إبل جديدا، وتمل حبيبا، أي: # عش معه دهرا طويلا. و (ذهبا) منصوب على التمييز. وقال ابن فارس: ربما أنث ~~الذهب، فقيل: ذهبة، ويجمع على الأذهاب. # قوله [تعالى]: (ولو افتدى به) قال الفراء: الواو هاهنا قد يستغنى عنها، ~~ولو حذفت كان صوابا، كقوله [تعالى]: (وليكون من الموقنين). قال الزجاج: هذا ~~غلط، لأن فائدة الواو بينة، فليست مما يلقى. # انتهى الجزء الأول من كتاب زاد المسير ويليه الجزء الثاني وأوله لن ~~تنالوا البر... (92) من آل عمران PageV01P355 # زاد المسير في علم التفسير للامام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن ~~علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه ~~محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن أستاذ بكلية الدراسات ~~الإسلامية بالأزهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء ~~الثاني من الآية 92 من آل عمران حتى آخر سورة المائدة دار الفكر للطباعة ~~والنشر والتوزيع PageV02P001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى جمادي الأولى 1407 ه‍ ~~- كانون الثاني 1987 م PageV02P002 # سورة آل عمران بسم الله الرحمن الرحيم لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم (92) قوله [تعالى] (لن تنالوا ~~البر) في البر أربعة أقوال: # أحدها: أنه الجنة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين. قال ابن ~~جرير: فيكون المعنى: لن تنالوا بر الله بكم الذي تطلبونه بطاعتكم. # والثاني: التقوى، قاله عطاء، ومقاتل. والثالث: الطاعة، قاله عطية. # والرابع: الخير الذي يستحق به الأجر، قاله أبو روق. قال القاضي أبو يعلى: ~~لم يرد نفي الأصل، وإنما نفي وجود الكمال. # قوله [تعالى]: (حتى تنفقوا مما تحبون) فيه قولان: # أحدهما: أنه نفقة العبد من ماله، وهو صحيح شحيح، رواه ابن ms0314 عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه الانفاق من محبوب المال، قاله قتادة، والضحاك. وفي المراد ~~بهذه النفقة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الصدقة المفروضة، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك. # والثاني، أنها جميع الصدقات، قاله ابن عمر. # والثالث: أنها جميع النفقات التي يبتغي بها وجه الله [تعالى]، سواء كانت ~~صدقة، أو لم تكن، نقل عن الحسن، واختاره القاضي أبو يعلى. وروى البخاري، ~~ومسلم في " الصحيحين " من حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري ~~بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: ~~فلما نزلت: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قام أبو طلحة، فقال: يا ~~رسول الله إن الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب ~~أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله [تعالى]، ~~فضعها حيث أراك الله، فقال [صلى الله عليه وسلم]: " بخ بخ، ذاك مال رابح أو ~~رائح شك الرواي وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " فقسمها ~~أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه. وروي عن عبد الله بن عمر أنه قرأ هذه الآية ~~فقال: لا أجد شيئا أحب إلى من جاريتي رميثة، فهي حرة لوجه الله، ثم قال: ~~لولا أني أعود في شئ جعلته لله، PageV02P003 # لنكحتها، فأنكحها نافعا، فهي أم ولده. وسئل أبو ذر: أي الأعمال أفضل؟ ~~فقال: الصلاة: عماد الإسلام، والجهاد: سنام العمل، والصدقة: شئ عجب. فقال ~~السائل: يا أبا ذر لقد تركت شيئا هو أوثق عمل في نفسي ما ذكرته. قال: ما ~~هو؟ قال: الصيام. فقال: قربة وليس هناك، وتلا قوله [تعالى]: (لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون). قال الزجاج: ومعنى قوله [تعالى]: (فإن الله به ~~عليم) أي: يجازي عليه. # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التورية قل فأتوا بالتورية فاتلوها إن ms0315 كنتم صادقين (93) قوله [تعالى]: ~~(كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل) سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " أنا على ملة إبراهيم " فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل، ~~وتشرب ألبانها؟ فقال: " كان ذلك حلالا لإبراهيم ". فقالوا: كل شئ نحرمه ~~نحن، فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا. # فنزلت هذه الآية تكذيبا لهم. قاله أبو روق، وابن السائب و " الطعام ": ~~اسم للمأكول. قال ابن قتيبة: والحل: الحلال، والحرم والحرام، واللبس ~~واللباس. وفي الذي حرمه على نفسه، ثلاثة أقوال: # أحدها: لحوم الإبل وألبانها. روي عن ابن عباس، وهو قول الحسن، وعطاء بن ~~أبي رباح، وأبي العالية في آخرين. # والثاني: أنه العروق، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وهو قول مجاهد، ~~وقتادة، والضحاك، والسدي في آخرين. # والثالث: أنه زائدتا الكبد، والكليتان، والشحم إلا ما على الظهر، قاله ~~عكرمة، وفي سبب تحريمه لذلك أربعة أقوال: # أحدها: أنه طال به مرض شديد، فنذر: لئن شفاه الله، ليحرمن أحب الطعام ~~والشراب إليه، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه اشتكى عرق النسا فحرم العروق، قاله ابن عباس في آخرين. ~~PageV02P004 # والثالث: أن الأطباء وصفوا له حين أصابه " النسا " اجتناب ما حرمه، ~~فحرمه، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: أنه كان إذا أكل ذلك الطعام، أصابه عرق النسا، فيبيت وقيذا ~~فحرمه، قاله أبو سليمان الدمشقي. واختلفوا: هل حرم ذلك بإذن الله، أم ~~باجتهاده؟ على قولين، واختلفوا: بماذا ثبت تحريم الطعام الذي حرمه على ~~اليهود، على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه حرم عليهم بتحريمه، ولم يكن محرما في التوراة، قاله عطية. ~~وقال ابن عباس: # قال يعقوب: لئن عافاني الله لا يأكله لي ولد. # والثاني: أنهم وافقوا أباهم يعقوب في تحريمه، لا أنه حرم عليهم بالشرع، ~~ثم أضافوا تحريمه إلى الله، فأكذبهم الله بقوله: (قل فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها) هذا قول الضحاك. # والثالث: أن الله حرمه عليهم بعد التوراة لا فيها. وكانوا إذا أصابوا ~~ذنبا عظيما، حرم عليهم به طعام طيب، أو صب عليهم عذاب، ms0316 هذا قول ابن السائب. ~~قال ابن عباس: (فأتوا بالتوراة فاتلوها) هل تجدون فيها تحريم لحوم الإبل ~~وألبانها!. # فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قوله ~~[تعالى]: (فمن افترى) يقول: اختلق (على الله الكذب من بعد ذلك) * أي: من ~~بعد البيان في كتابهم، وقيل: من بعد مجيئكم بالتوراة وتلاوتكم. # قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) قوله ~~تعالى: (قل صدق الله) الصدق: الإخبار بالشئ على ما هو به، وضده الكذب. # واختلفوا أي خبر عنى بهذه الآية؟ على قولين: # أحدهما: أنه عنى قوله [تعالى]: (ما كان إبراهيم يهوديا)، قاله مقاتل، ~~وأبو سليمان الدمشقي. # والثاني: أنه عنى قوله [تعالى]: (كل الطعام كان حلا) قاله ابن السائب. # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) قوله [تعالى]: ~~(إن أول بيت وضع للناس) قال مجاهد: افتخر المسلمون واليهود، فقالت ~~PageV02P005 # اليهود: بيت المقدس أفضل من الكعبة. وقال المسلمون: الكعبة أفضل. فنزلت ~~هذه الآية. وفي معنى كونه " أولا " قولان: # أحدهما: أنه أول بيت كان في الأرض، واختلف أرباب هذا القول، كيف كان أول ~~بيت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ظهر على وجه الماء حين خلق الله الأرض، فخلقه قبلها بألفي ~~عام، ودحاها من تحته، فروى سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: كانت الكعبة ~~حشفة على وجه الماء، عليها ملكان يسبحان الليل والنهار قبل الأرض بألفي ~~سنة. وقال ابن عباس: وضع البيت في الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق ~~الدنيا بألفي سنة، ثم دحيت الأرض من تحت البيت، وبهذا القول يقول ابن عمر، ~~وابن عمرو، وقتادة، ومجاهد، والسدي في آخرين. # والثاني: أن آدم استوحش حين أهبط، فأوحى الله إليه، أن: ابن لي بيتا في ~~الأرض، فاصنع حوله نحو ما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي، فبناه، رواه أبو ~~صالح، عن ابن عباس. # والثالث: أنه أهبط مع آدم، فلما كان الطوفان، رفع فصار معمورا في السماء، ~~وبنى إبراهيم على أثره، رواه شيبان عن قتادة. القول الثاني: أنه أول بيت ms0317 ~~وضع للناس للعبادة، وقد كانت قبله بيوت، هذا قول علي بن أبي طالب [رضي الله ~~عنه]، والحسن، وعطاء بن السائب في آخرين. # فأما بكة، فقال الزجاج: يصلح هذا الاسم أن يكون مشتقا من البك. يقال: بك ~~الناس بعضهم بعضا، أي: دفع. واختلفوا في تسميتها ببكة على ثلاثة أقوال: # أحدها: لازدحام الناس بها، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ~~وقتادة، والفراء، ومقاتل. # والثاني: لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي: تدقها، فلم يقصدها جبار إلا قصمه ~~الله، روي عن عبد الله بن الزبير، وذكره الزجاج. # والثالث: لأنها تضع من نخوة المتجبرين، يقال: بككت الرجل، أي: وضعت منه، ~~ورددت نخوته، قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي، وقطرب. واتفقوا على أن مكة اسم ~~لجميع البلدة. واختلفوا في بكة على أربعة أقوال: # أحدها: أنه اسم للبقعة التي فيها الكعبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو ~~مالك، وإبراهيم. # وعطية. PageV02P006 # والثاني: أنها ما حول البيت، ومكة ما وراء ذلك، قاله عكرمة. # والثالث: أنها المسجد، والبيت. ومكة: اسم للحرم كله، قاله الزهري، وضمرة ~~بن حبيب. # والرابع: أن بكة هي مكة، قاله الضحاك، وابن قتيبة، واحتج ابن قتيبة بأن ~~الباء تبدل من الميم، يقال: سمد رأسه، وسبد رأسه: إذا استأصله. وشر لازم، ~~ولازب. # قوله [تعالى]: (مباركا) قال الزجاج: هو منصوب على الحال. المعنى: الذي ~~استقر بمكة في حال بركته. # (وهدى)، فأما بركته، ففيه تغفر الذنوب، وتضاعف الحسنات، ويأمن من دخله. # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من طاف بالبيت، لم ~~يرفع قدما، ولم يضع أخرى، إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ~~ورفع له بها درجة ". # قوله [تعالى [: (وهدى للعالمين)، في معنى الهدى هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى القبلة، فتقديره: وقبلة للعالمين. # والثاني: أنه بمعنى: الرحمة. # والثالث: أنه بمعنى: الصلاح، لأن من قصده، صلحت حاله عند ربه. # والرابع: أنه بمعنى: البيان، والدلالة على الله تعالى بما فيه من الآيات ~~التي لا يقدر عليها غيره، حيث يجتمع الكلب والظبي في الحرم، فلا الكلب ms0318 يهيج ~~الظبي، ولا الظبي يستوحش منه، قاله القاضي أبو يعلى. # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) قوله [تعالى]: ~~(فيه آيات بينات)، الجمهور يقرأون: آيات. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قرأ: ~~(فيه آية بينة مقام إبراهيم)، وبها قرأ مجاهد. قالا: مقام إبراهيم. فأما من ~~قرأ: (آيات) فقال علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]: الآيات: مقام إبراهيم، ~~وأمن من دخله. فعلى هذا يكون الجمع معبرا عن التثنية، وذلك جائز في اللغة، ~~كقوله [تعالى]: (وكنا لحكمهم شاهدين). PageV02P007 # وقال أبو رجاء: كان الحسن يعدهن، وأنا أنظر إلى أصابعه: مقام، إبراهيم ~~ومن دخله كان آمنا، ولله على الناس حج البيت. وقال ابن جرير: في الكلام ~~إضمار: تقديره: منهم مقام إبراهيم. قال المفسرون: الآيات فيه كثيرة، منها ~~مقام إبراهيم، ومنها: أمن من دخله، ومنها: امتناع الطير من العلو عليه، ~~واستشفاء المريض منها به، وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته، وإهلاك أصحاب ~~الفيل لما قصدوا إخرابه، إلى غير ذلك. قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالبيت ~~هاهنا: الحرم كله، لأن هذه الآيات موجودة فيه، ومقام إبراهيم ليس في البيت، ~~والآية في مقام إبراهيم أنه قام على حجر، فأثرت: قدماه فيه، فكان ذلك دليلا ~~على قدرة الله، وصدق إبراهيم. # قوله [تعالى]: (ومن دخله كان آمنا)، قال القاضي أبو يعلى: لفظه لفظ ~~الخبر، ومعناه: # الأمر، وتقديره: ومن دخله، فأمنوه، وهو عام فيمن جنى جناية قبل دخوله، ~~وفيمن جنى فيه بعد دخوله، إلا أن الإجماع انعقد على أن من جنى فيه لا يؤمن، ~~لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان، فبقي حكم الآية فيمن جنى خارجا منه، ثم ~~لجأ إلى الحرم. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال احمد في رواية المروذي: إذا ~~قتل، أو قطع يدا، أو أتى حدا في غير الحرم، ثم دخله، لم يقم عليه الحد، ولم ~~يقتص منه، ولكن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يؤاكل حتى يخرج، فان فعل ms0319 شيئا من ~~ذلك في الحرم، استوفي منه. وقال أحمد في رواية حنبل: إذا قتل خارج الحرم، ~~ثم دخله، لم يقتل. وإن كانت الجناية دون النفس، فإنه يقام عليه الحد، وبه ~~قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال مالك والشافعي: يقام عليه جميع ذلك في النفس، ~~وفيما دون النفس. # وفي قوله [تعالى]: (ومن دخله كان آمنا)، دليل على أنه لا يقام عليه شئ من ~~ذلك، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن جبير، وطاوس. # قوله [تعالى]: (ولله على الناس حج البيت)، الأكثرون على فتح حاء " الحج ~~"، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: بكسرها. قال مجاهد: لما أنزل قوله ~~[تعالى]: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) قال أهل الملل كلهم: ~~نحن مسلمون، فنزلت هذه الآية، فحجه المسلمون، وتركه المشركون، وقالت ~~اليهود: لا نحجه أبدا. # قوله [تعالى] (من استطاع إليه سبيلا)، قال النحويون: من بدل من " الناس ~~"، وهذا بدل البعض، كما تقول: ضربت زيدا رأسه. وقد روي عن ابن مسعود، وابن ~~عمر، وأنس، وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: ما السبيل؟ فقال: ~~" من وجد الزاد والراحلة ". PageV02P008 # قوله [تعالى]: (ومن كفر)، فيه خمسة أقوال: # أحدها: أن معناه: من كفر بالحج فاعتقده غير واجب، رواه مقسم عن ابن عباس، ~~وابن جريج عن مجاهد، وبه قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، ومقاتل. # والثاني: من لم يرج ثواب حجه، ولم يخف عقاب تركه، فقد كفر به، رواه علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس، وابن أبي نجيح. # والثالث: أنه الكفر بالله، لا بالحج، وهذا المعنى مروي عن عكرمة، ومجاهد. # والرابع: أنه إذا أمكنه الحج، فلم يحج حتى مات، وسم بين عينيه: كافر، هذا ~~قول ابن عمر. # والخامس: أنه أراد الكفر بالآيات التي أنزلت في ذكر البيت، لأن قوما من ~~المشركين قالوا: # نحن نكفر بهذه الآيات، هذا قول ابن زيد. # قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل ~~يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من ms0320 آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما ~~الله بغافل عما تعملون (99) قوله [تعالى]: (قل يا أهل الكتاب). قال الحسن: ~~هم اليهود والنصارى، فأما آيات الله. # فقال ابن عباس: هي القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم. وأما الشهيد، فقال ~~ابن قتيبة: هو بمعنى الشاهد، وقال الخطابي: هو الذي لا يغيب عنه شئ، كأنه ~~الحاضر الشاهد. # قوله [تعالى]: (يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن). قال مقاتل: ~~دعت اليهود حذيفة، وعمار بن ياسر، إلى دينهم، فنزلت هذه الآية. وفي المراد ~~بأهل الكتاب هاهنا قولان: # أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، قاله الحسن. # والثاني: اليهود. قاله زيد بن أسلم، ومقاتل. قال ابن عباس: لم تصدون عن ~~سبيل الله: # الإسلام، والحج. وقال قتادة: لم تصدون عن نبي الله، وعن الإسلام. قال ~~السدي: كانوا إذا سئلوا: هل تجدون محمدا في كتبكم؟ قالوا: لا. فصدوا عنه ~~الناس. # قوله [تعالى]: (تبغونها)، قال اللغويون: الهاء كناية عن السبيل، والسبيل ~~يذكر ويؤنث. # وأنشدوا: PageV02P009 # فلا تبعد فكل فتى أناس * غير سيصبح سالكا تلك السبيلا ومعنى " تبغونها ": ~~تبغون لها، تقول العرب: ابغني خادما، يريدون: ابتغه لي، فإذا أرادوا: # ابتغ معي، وأعني على طلبه، قالوا: ابغني، ففتحوا الألف، ويقولون: وهبتك ~~درهما، كما يقولون: # وهبت لك. قال الشاعر: # فتولى غلامهم ثم نادى * أظليما أصيدكم أم حمارا؟. # أراد: أصيد لكم. ومعنى الآية: يلتمسون لسبيل الله الزيغ والتحريف، ~~ويريدون رد الإيمان والاستقامة إلى الكفر والاعوجاج، ويطلبون العدول عن ~~القصد، هذا قول الفراء، والزجاج، واللغويين. قال ابن جرير: خرج هذا الكلام ~~على السبيل، والمعنى: لأهله، كأن المعنى: تبغون لأهل دين الله، ولمن هو على ~~سبيل الحق عوجا. أي: ضلالا. قال أبو عبيدة: العوج بكسر العين، في الدين، ~~والكلام، والعمل، والعوج بفتحها، في الحائط والجذع. وقال الزجاج: العوج ~~بكسر العين: فيما لا ترى له شخصا، وما كان له شخص قلت: عوج بفتحها، تقول: ~~في أمره ودينه عوج، وفي العصا عوج. وروى ابن الأنباري عن ثعلب قال: العوج ~~عند العرب بكسر العين: في كل ما لا يحاط به، ms0321 والعوج بفتح العين في كل مالا ~~يحصل، فيقال: في الأرض عوج، وفي الدين عوج، لأن هذين يتسعان، ولا يدركان. ~~وفي العصا عوج، وفي الدين عوج، لأنهما يحاط بهما، ويبلغ كنههما. # وقال ابن أبي فارس: العوج بفتح العين: في كل منتصب، كالحائط. والعوج: ما ~~كان في بساط أو أرض، أو دين، أو معاش. # قوله [تعالى]: (وأنتم شهداء) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه، وأنتم شاهدون بصحة ما صددتم عنه، وبطلان ما أنتم فيه، ~~وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وقتادة، والأكثرين. # والثاني: أن معنى الشهداء هاهنا: العقلاء، ذكره القاضي أبو يعلى في ~~آخرين. # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين (100) سبب نزولها أن الأوس والخزرج كان بينهما حرب في ~~الجاهلية، فلما جاء النبي عليه سلام أطفأ تلك الحرب بالإسلام، فبينما رجلان ~~أوسي وخزرجي يتحدثان، ومعهما يهودي، جعل اليهودي يذكرهما أيامهما، والعداوة ~~التي كانت بينهما حتى اقتتلا، فنادى كل واحد منهما بقومه، فخرجوا ~~PageV02P010 # بالسلاح، فجاء النبي [صلى الله عليه وسلم]، فأصلح بينهم، فنزلت هذه ~~الآية، قاله مجاهد، وعكرمة، والجماعة. قال المفسرون: والخطاب بهذه الآية ~~للأوس والخزرج. قال زيد بن أسلم: وعنى بذلك الفريق: شاس بن قيس اليهودي ~~وأصحابه. قال الزجاج: ومعنى طاعتهم: تقليدهم. # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد ~~هدي إلى صراط مستقيم (101) قوله [تعالى]: (ومن يعتصم بالله). # قال ابن قتيبة: أي: يمتنع، وأصل العصمة: المنع، قال الزجاج: ويعتصم جزم ب ~~(من) والجواب (فقد هدي). # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) قال عكرمة: نزلت في الأوس والخزرج حين اقتتلوا، وأصلح النبي صلى الله ~~عليه وسلم بينهم. وفي (حق تقاته) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، رواه ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن مسعود، والحسن، ~~وعكرمة، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أن يجاهد في الله حق الجهاد، وأن لا يأخذ ms0322 العبد فيه لومة لائم، ~~وأن يقوموا له بالقسط، ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس والثالث: أن معناه: اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه، ~~قاله الزجاج. # فصل واختلف العلماء: هل هذا الكلام محكم أو منسوخ؟ على قولين: # أحدهما: أنه منسوخ، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد، ~~والسدي، PageV02P011 # ومقاتل. قالوا: لما نزلت هذه الآية، شقت على المسلمين، فنسخها قوله ~~[تعالى]: (فاتقوا الله ما استطعتم). # والثاني: أنها محكمة، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول طاووس. ~~قال شيخنا علي بن عبد الله: والاختلاف في نسخها وإحكامها، يرجع إلى اختلاف ~~المعنى المراد بها، فالمعتقد نسخها يرى أن " حق تقاته " الوقوف على جميع ما ~~يجب له ويستحقه، وهذا يعجز الكل عن الوفاء به، فتحصيله من الواحد ممتنع، ~~والمعتقد إحكامها يرى أن (حق تقاته) أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته، ~~فكان قوله [تعالى]: " ما استطعتم " مفسرا ل‍ (حق تقاته) لا ناسخا ولا ~~مخصصا. # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) قوله [تعالى] ~~(واعتصموا بحبل الله جميعا) قال الزجاج: اعتصموا: استمسكوا. فأما الحبل، ~~ففيه ستة أقوال: # أحدها: أنه كتاب الله: القرآن: رواه شقيق عن ابن مسعود وبه قال قتادة، ~~والضحاك، والسدي. # والثاني: أنه الجماعة، رواه الشعبي عن ابن مسعود. # والثالث: أنه دين الله، قاله ابن عباس، وابن زيد، ومقاتل، وابن قتيبة. ~~وقال ابن زيد: هو الإسلام. # والرابع: عهد الله، قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة في رواية، وأبو عبيد، ~~واحتج له الزجاج بقول الأعشى: # وإذا تجوزها حبال قبيلة * أخذت من الأخرى إليك حبالها وأنشد ابن ~~الأنباري: # فلو حبلا تناول من سليمى * لمد بحبلها حبلا متينا والخامس: أنه الإخلاص، ~~قاله أبو العالية. PageV02P012 # والسادس: أنه أمر الله وطاعته، قاله مقاتل بن حيان. قال الزجاج: وقوله: " ~~جميعا " منصوب على الحال، ms0323 أي: كونوا مجتمعين على الاعتصام به. وأصل ~~(تفرقوا): تتفرقوا، إلا أن التاء حذفت لاجتماع حرفين من جنس واحد، ~~والمحذوفة هي الثانية، لأن الأولى دليلة على الاستقبال، فلا يجوز حذف الحرف ~~الذي يدل على الاستقبال، وهو مجزوم بالنهي، والأصل: ولا تتفرقون، فحذفت ~~النون، لتدل على الجزم. # قوله [تعالى]: (واذكروا نعمة الله عليكم) اختلفوا فيمن أريد بهذا الكلام ~~على قولين: # أحدهما: أنهم مشركو العرب، كان القوي يستبيح الضعيف، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: الأوس والخزرج، كان بينهم حرب شديد، قاله ابن إسحاق. والأعداء: ~~جمع عدو. # قال ابن فارس: وهو من عدا: إذا ظلم. # قوله [تعالى]: (فأصبحتم) أي: صرتم، قال الزجاج: وأصل الأخ في اللغة أنه ~~الذي مقصده مقصد أخيه، والعرب تقول: فلان يتوخى مسار فلان، أي: ما يسره. ~~والشفا: الحرف. # واعلم أن هذا مثل ضربه الله لإشرافهم على الهلاك. وقربهم من العذاب، كأنه ~~قال: كنتم على حرف حفرة من النار، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا الموت ~~على الكفر. قال السدي: فأنقذكم منها محمد صلى الله عليه وسلم. # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون (104) قوله [تعالى]: (ولتكن منكم أمة) قال الزجاج: معنى ~~الكلام: ولتكونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير، وتأمرون بالمعروف، ولكن " من " ~~هاهنا تدخل لتحض المخاطبين من سائر الأجناس، وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين، ~~ومثله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) معناه: اجتنبوا الأوثان، فإنها رجس. ~~ومثله قول الشاعر: # أخو رغائب يعطيها ويسألها * يأبى الظلامة منه النوفل الزفر وهو النوفل ~~الزفر. لأنه وصفه باعطاء الرغائب. والنوفل: الكثير الإعطاء للنوافل، ~~والزفر: الذي يحمل الأثقال. ويدل على أن الكل أمروا بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. قوله [تعالى]: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر) قال: ويجوز أن يكون أمر منهم فرقة، لأن الدعاة ينبغي أن يكونوا ~~علماء بما يدعون إليه، وليس الخلق كلهم علماء ينوب بعض الناس فيه عن بعض، ~~كالجهاد. فأما الخير، ففيه قولان: PageV02P013 # أحدهما: أنه الإسلام، قاله مقاتل. # والثاني: العمل بطاعة الله، قاله أبو ms0324 سليمان الدمشقي. وأما المعروف، فهو ~~ما يعرف كل عاقل صوابه، وضده المنكر، وقيل: المعروف هاهنا: طاعة الله، ~~والمنكر: معصيته. # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم (105) قوله [تعالى]: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) فيهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، والحسن في آخرين. # والثاني: أنهم الحرورية قاله أبو أمامة. # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) قوله [تعالى]: (يوم تبيض وجوه) قرأ ~~أبو رزين العقيلي، وأبو عمران الجوني، وأبو نهيك: تبيض وتسود، بكسر التاء ~~فيهما. وقرأ الحسن، والزهري، وابن محيصن، وأبو الجوزاء: # تبياض وتسواد بألف، ومدة فيهما. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر: فأما الذين ~~اسوادت وأما الذين ابياضت، بألف ومدة. قال الزجاج: أخبر بوقت ذلك العذاب، ~~فقال: يوم تبيض وجوه. قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل ~~البدعة. وفي الذين اسودت وجوههم، خمسة أقوال: # أحدها: أنهم كل من كفر بالله بعد إيمانه يوم الميثاق، قاله أبي بن كعب. # والثاني: أنهم الحرورية، قاله أبو أمامة، وإسحاق الهمذاني. # والثالث: اليهود، قاله ابن عباس. # والرابع: أنهم المنافقون، قاله الحسن. # والخامس: أنهم أهل البدع، قاله قتادة. # قوله [تعالى]: (أكفرتم) قال الزجاج: معناه: فيقال لهم: أكفرتم، فحذف ~~القول لأن في الكلام دليلا عليه، كقوله [تعالى]: (وإسماعيل ربنا تقبل منا)، ~~أي ويقولان: ربنا تقبل منا. PageV02P014 # ومثله: (من كل باب. سلام عليكم) والمعنى: يقولون: سلام عليكم. والألف ~~لفظها الاستفهام، ومعناها التقرير والتوبيخ. فإن قلنا: إنهم جميع الكفار، ~~فإنهم آمنوا يوم الميثاق، ثم كفروا، وإن قلنا: إنهم الحرورية، وأهل البدع، ~~فكفرهم بعد إيمانهم: مفارقة الجماعة في الاعتقاد، وإن قلنا: # اليهود، فإنهم آمنوا بالنبي قبل مبعثه، ثم كفروا بعد ظهوره، وإن قلنا: ~~المنافقون، فإنهم قالوا بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. # قوله [تعالى]: (فذوقوا العذاب) أصل الذوق إنما يكون بالفم، وهذا استعارة ~~منه، فكأنهم جعلوا ما يتعرف ويعرف مذوقا على وجه التشبيه بالذي يعرف عند ~~التطعم، تقول العرب: قد ذقت ms0325 من إكرام فلان ما يرغبني في قصده، يعنون: عرفت، ~~ويقولون ذق الفرس، فاعرف ما عنده. # قال تميم بن مقبل: # أو كاهتزاز رديني تذاوقه * أيدي التجار فزادوا متنه لينا وقال الآخر: # وإن الله ذاق حلوم قيس * فلما راء خفتها قلاها يعنون بالذوق: العلم. وفي ~~كتاب الخليل: كل ما نزل بإنسان من مكروه، فقد ذاقه. # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (107) قوله ~~[تعالى]: (وأما الذين ابيضت وجوههم) قال ابن عباس: هم المؤمنون. ورحمة ~~الله: جنته، قال ابن قتيبة: وسمى الجنة رحمة، لأن دخولهم إياها كان برحمته. ~~وقال الزجاج: # معناه: في ثواب رحمته، قال: وأعاد ذكر " فيها " توكيدا. # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) قوله ~~[تعالى]: (وما الله يريد ظلما للعالمين) قال بعضهم: معناه: لا يعاقبهم بلا ~~جرم. # وقال الزجاج: أعلمنا أنه يعذب من عذبه باستحقاق. # ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن ~~أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) ~~PageV02P015 # قوله [تعالى]: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) سبب نزولها أن مالك بن الضيف ~~ووهب ابن يهوذا اليهوديين، قالا لابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة: ديننا ~~خير ما تدعونا إليه، ونحن أفضل منكم فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة ~~ومقاتل. وفيمن أريد بهذه الآية، أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أهل بدر. # والثاني: أنهم المهاجرون. # والثالث: جميع الصحابة. # والرابع: جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نقلت هذه الأقوال كلها عن ~~ابن عباس. وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أنه قال: " إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله عز ~~وجل ". قال الزجاج: وأصل الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعم ~~سائر أمته. # وفي قوله [تعالى]: (كنتم)، قولان: # أحدهما: أنها على أصلها، والمراد بها الماضي، ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: كنتم في اللوح ms0326 المحفوظ. # والثاني: أن معناه: خلقتم ووجدتم. ذكرهما المفسرون. # والثالث: أن المعنى: كنتم مذ كنتم، ذكره ابن الأنباري. # والثاني: أن معنى كنتم: أنتم، كقوله [تعالى]: (وكان الله غفورا رحيم). # ذكره الفراء، والزجاج. قال ابن قتيبة: وقد يأتي الفعل على بنية الماضي، ~~وهو راهن، أو مستقبل، كقوله [تعالى]: (كنتم) ومعناه: أنتم، ومثله: (وإذ قال ~~الله يا عيسى)، أي: وإذ يقول. ومثله: (أتى أمر الله)، أي: سيأتي، ومثله: ~~(كيف نكلم من كان في المهد)، أي: من هو في المهد، ومثله: (وكان الله سميعا ~~بصيرا)، أي: والله سميع بصير، ومثله: (فتثير سحابا فسقناه)، أي: فنسوقه. # وفي قوله [تعالى]: (خير أمة أخرجت للناس) قولان: PageV02P016 # أحدهما: أن معناه: كنتم خير الناس للناس. قال أبو هريرة: يأتون بهم في ~~السلاسل حتى يدخلوهم في الإسلام. # والثاني: أن معناه: كنتم خير الأمم التي أخرجت. # وفي قوله [تعالى]: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) قولان: # أحدهما: أنه شرط في الخيرية، وهذا المعنى مروي عن عمر بن الخطاب، ومجاهد، ~~والزجاج. # والثاني: أنه ثناء من الله عليهم، قاله الربيع بن أنس. قال أبو العالية: ~~والمعروف: التوحيد. # والمنكر: الشرك. قال ابن عباس: وأهل الكتاب: النصارى. # (منهم المؤمنون): من أسلم، كعبد الله بن سلام وأصحابه. (وأكثرهم ~~الفاسقون) يعني: الكافرين، وهم الذين لم يسلموا. # لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) قوله ~~[تعالى]: (لن يضروكم إلا أذى) قال مقاتل: سبب نزولها أن رؤساء اليهود عمدوا ~~إلى عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم، فنزلت هذه الآية قال ابن ~~عباس: والأذى قولهم: (عزير ابن الله) و (المسيح ابن الله) و (ثالث ثلاثة). ~~وقال الحسن: هو الكذب على الله، ودعاؤهم المسلمين بأنه لن ينالهم منهم إلا ~~الأذى باللسان من دعائهم إياهم إلى الضلال، وإسماعهم الكفر، ثم وعدهم النصر ~~عليهم في قوله: (وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار) وكذلك كان. # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا ~~بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون ms0327 الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) قوله [تعالى]: ~~(أين ما ثقفوا) معناه: أدركوا ووجدوا، وذلك أنهم أين نزلوا احتاجوا إلى عهد ~~من أهل المكان، وأداء جزية. قال الحسن: أدركتهم هذه الآية، وإن المجوس ~~لتجبيهم الجزية. وأما PageV02P017 # الحبل، فقال ابن عباس، وعطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الحبل: ~~العهد، قال بعضهم: ومعنى الكلام: إلا بعهد يأخذونه من المؤمنين بإذن الله. ~~قال الزجاج: وما بعد الاستثناء في قوله [تعالى]: (إلا بحبل من الله) ليس من ~~الأول، وإنما المعنى: أنهم أذلاء، إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه. وقد ~~سبق في " البقرة " تفسير باقي الآية. # ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله اناء الليل وهم ~~يسجدون (113) قوله [تعالى]: (ليسوا سواء)، في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم، احتبس عن صلاة العشاء ليلة حتى ذهب ~~ثلث الليل، ثم جاء فبشرهم، فقال: " إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل ~~الكتاب " فنزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود والثاني: أنه لما أسلم ابن سلام ~~في جماعه من اليهود، قال أحبارهم: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس، ومقاتل. وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: ليس أمة محمد واليهود سواء، هذا قول ابن مسعود، والسدي. # والثاني: ليس اليهود كلهم سواء، بل فيهم من هو قائم بأمر الله، هذا قول ~~ابن عباس، وقتادة. وقال الزجاج: الوقف التام (ليسوا سواء) أي: ليس أهل ~~الكتاب متساوين. وفي معنى " قائمة " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الثابتة على أمر الله، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنها العادلة، قاله الحسن، ومجاهد، وابن جريج. # والثالث: أنها المستقيمة، قاله أبو عبيد، والزجاج. قال الفراء: ذكر أمة ~~واحدة ولم يذكر بعدها أخرى، والكلام مبني على أخرى، لأن (سواء) لا بد لها ~~من اثنين، وقد تستجيز العرب إضمار أحد الشيئين إذا كان في الكلام دليل ~~عليه، قال أبو ذؤيب: # عصيت إليها القلب إني لأمره * سميع فما أدري أرشد طلابها؟! # ولم يقل: أم لا، ولا أم غي، لأن ms0328 الكلام معروف المعنى. PageV02P018 # وقال آخر: # وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي انا أبتغيه ~~* أم الشر الذي هو يبتغيني ومثله قوله [تعالى]: (أمن هو قانت آناء الليل ~~ساجدا وقائما) ولم يذكر ضده، لأن في قوله: (قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون). دليلا على ما أضمر من ذلك، وقد رد هذا القول الزجاج، ~~فقال: قد جرى ذكر أهل الكتاب في قوله [تعالى]: (كانوا يكفرون بآيات الله، ~~ويقتلون الأنبياء بغير حق) فأعلم الله أن منهم أمة قائمة. فما الحاجة إلى ~~أن يقال: وأمة غير قائمة؟ وإنما بدأ بذكر فعل الأكبر منهم، وهو الكفر ~~والمشاقة، فذكر من كان منهم مباينا لهؤلاء. قال: و (آناء الليل) ساعاته، ~~وواحد الآناء: إني. قال ابن فارس: يقال: مضى من الليل إني وإنيان، والجمع: ~~الآناء. # واختلف المفسرون: هل هذه الآناء معينة من الليل أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنها معينة، ثم فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها صلاة العشاء، قاله ابن مسعود، ومجاهد. # والثاني: أنها ما بين المغرب والعشاء، رواه سفيان عن منصور. # والثالث: جوف الليل، قاله السدي. # والثاني: أنها ساعات الليل من غير تعيين، قاله قتادة في آخرين. # وفي قوله [تعالى]: (وهم يسجدون)، قولان: # أحدهما: أنه كناية عن الصلاة، قاله مقاتل، والفراء، والزجاج. # والثاني: أنه السجود المعروف، وليس المراد أنهم يتلون في حال السجود، ~~ولكنهم جمعوا الأمرين، التلاوة والسجود. # يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون ~~في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله ~~عليم بالمتقين (115) قوله [تعالى]: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: تفعلوا، وتكفروه، بالتاء في ~~الموضعين على الخطاب، لقوله [تعالى]: (كنتم خير أمة). # قال قتادة: فلن تكفروه: لن يضل عنكم. وقرأ قوم، منهم: حمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم، وعبد الوارث عن أبي عمرو: يفعلوا، ويكفروا بالياء فيهما، ~~إخبارا عن الأمة القائمة. وبقية PageV02P019 # أصحاب أبي عمرو يخيرون بين الياء والتاء. # إن الذين كفروا ms0329 لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن ~~أنفسهم يظلمون (117) قوله [تعالى]: (ينفقون في هذه الحياة الدنيا) اختلفوا ~~فيمن أنزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها في نفقات الكفار، وصدقاتهم، قاله مجاهد. # والثاني: في نفقة سفلة اليهود على علمائهم، قاله مقاتل. # والثالث: في نفقة المشركين يوم بدر. # والرابع: في نفقة المنافقين إذا خرجوا مع المسلمين لحرب المشركين، ذكر ~~هذين القولين أبو الحسن الماوردي. وقال السدي: إنما ضرب الإنفاق مثلا ~~لأعمالهم في شركهم. وفي الصر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه البرد، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه النار، قاله ابن عباس، قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار ~~بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب. # والثالث: أن الصر: التصويت، والحركة من الحصى والحجارة، ومنه: صرير ~~النعل، ذكره ابن الأنباري. والحرث: الزرع. وفي معنى (ظلموا أنفسهم) قولان: # أحدهما: ظلموها بالكفر، والمعاصي، ومنع حق الله تعالى. # والثاني: بأن زرعوا في غير وقت الزرع. # قوله [تعالى]: (وما ظلمهم الله) قال ابن عباس: أي: ما نقصهم ذلك بغير جرم ~~أصابوه، وإنما أنزل بهم ذلك لظلمهم أنفسهم بمنع حق الله منه، وهذا مثل ضربه ~~الله لإبطال أعمالهم في الآخرة. وحدثنا عن ثعلب، قال: بدأ الله عز وجل هذه ~~الآية بالريح، والمعنى: على الحرث، كقوله [تعالى]: (كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع) وإنما المعنى على المنعوق به. وقريب منه قوله [تعالى]: (والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن) فخبر عن (الأزواج) وترك (الذين) ~~كأنه قال: أزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، فبدأ بالذين، ومراده: بعد ~~الأزواج. وأنشد: PageV02P020 # لعلي إن مالت بي الريح ميلة * على ابن أبي ديان أن يتندما فخبر عن ابن ~~أبي ديان، وترك نفسه، وإنما أراد: لعل ابن أبي ديان أن يتندما إن مالت بي ~~الريح ميلة. وقد يبدأ بالشئ، والمراد التأخير، كقوله [تعالى]: (ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) والمعنى: ترى ms0330 وجوه الذين ~~كذبوا على الله مسودة يوم القيامة. # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون (118) قوله [تعالى]: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ~~من دونكم) قال ابن عباس، ومجاهد: # نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، ويواصلون رجالا من ~~اليهود لما كان بينهم من القرابة، والصداقة، والجوار، والرضاع، والحلف، ~~فنهوا عن مباطنتهم قال الزجاج: البطانة: # الدخلاء الذين يستبطنون وينبسط إليهم، يقال: فلان بطانة لفلان، أي: مداخل ~~له، مؤانس. # ومعنى لا يألونكم: لا يتقون غاية في إلقائكم فيما يضركم. # (ودوا ما عنتم) أي: ودوا عنتكم، وهو ما نزل بكم من مكروه وضر، يقال: فلان ~~يعنت فلانا، أي: يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، وأصل هذا من قولهم: أكمة ~~عنوت، إذ أكانت طويلة، شاقة المسلك. قال ابن قتيبة: ومعنى (من دونكم) أي: ~~من غير المسلمين. والخبال: # الشر. # قوله [تعالى]: (قد بدت البغضاء من أفواههم) قال ابن عباس: أي: قد ظهر لكم ~~منهم الكذب، والشتم، ومخالفة دينكم، قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية ~~دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات ~~والكتبة، ولهذا قال أحمد: لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب ~~وروي عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب رجلا من أهل الذمة، فكتب إليه ~~يعنفه، وقال: لا تردوهم إلى العز بعد إذ أذلهم الله. # ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ~~بذات الصدور (119) PageV02P021 # قوله [تعالى]: (ها أنتم أولاء تحبونهم) قال ابن عباس: كان عامة الأنصار ~~يواصلون اليهود ويواصلونهم، فلما أسلم الأنصار بغضهم اليهود، فنزلت هذه ~~الآية. والخطاب بهذه الآية للمؤمنين. # قال ابن قتيبة: ومعنى الكلام: ها أنتم يا هؤلاء. فأما " تحبونهم ". ~~فالهاء والميم عائدة إلى الذين نهوا عن ms0331 مصافاتهم. وفي معنى محبة المؤمنين ~~لهم أربعة أقوال: # أحدها: أنها الميل إليهم بالطباع، لموضع القرابة والرضاع والحلف، وهذا ~~المعنى منقول عن ابن عباس. # والثاني: أنها بمعنى الرحمة لهم، لما يفعلون من المعاصي التي يقابلها ~~العذاب الشديد، وهذا المعنى منقول عن قتادة. # والثالث: أنها لموضع إظهار المنافقين الإيمان، روي عن أبي العالية. # والرابع: أنها بمعنى الإسلام لهم، وهم يريدون المسلمين على الكفر، وهذا ~~قول المفضل، والزجاج. والكتاب بمعنى الكتب، قاله الزجاج. # قوله [تعالى]: (وإذا لقوكم قالوا آمنا) هذه حالة المنافقين، وقال مقاتل: ~~هم اليهود. والأنامل: # أطراف الأصابع. قال ابن عباس: والغيظ: الحنق عليكم، وقيل: هذا من مجاز ~~الكلام، ضرب مثلا لما حل بهم، وإن لم يكن هناك عض على أنملة، ومعنى (موتوا ~~بغيظكم): ابقوا به حتى تموتوا، وإنما كان غيظهم من رؤية شمل المسلمين ~~ملتئما. قال ابن جرير: هذا أمر من الله تعالى لنبيه أن يدعو عليهم بأن ~~يهلكهم الله كمدا من الغيظ. # إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) قوله [تعالى]: (إن تمسسكم ~~حسنة) قال قتادة: وهي الألفة والجماعة. والسيئة: الفرقة والاختلاف، وإصابة ~~طرف من المسلمين. وقال ابن قتيبة: الحسنة: النعمة. والسيئة: المصيبة. # قوله [تعالى]: (وإن تصبروا) فيه قولان: # أحدهما: على أذاهم، قاله ابن عباس. # والثاني: على أمر الله، قاله مقاتل. # وفي قوله [تعالى]: (وتتقوا) قولان: # أحدهما: الشرك، قاله ابن عباس. # والثاني: المعاصي، قاله مقاتل. # قوله [تعالى]: (لا يضركم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، الضاد ~~PageV02P022 # وتخفيف الراء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: لا يضركم بضم ~~الضاد وتشديد الراء. # قال الزجاج: الضر والضير بمعنى واحد. فأما الكيد فقال ابن قتيبة: هو ~~المكر. قال أبو سليمان الخطابي: والمحيط: الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، ~~وأحاط علمه بالأشياء كلها. # وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) قوله ~~[تعالى]: (وإذ غدوت من أهلك) قال المفسرون: في هذا الكلام تقديم وتأخير، ~~تقديره: ولقد نصركم الله ببدر، ms0332 وإذ غدوت من أهلك. وقال ابن قتيبة: تبوئ، من ~~قولك: بوأتك منزلا: إذا أفدتك إياه، أو أسكنتكه. ومعنى مقاعد للقتال: ~~المعسكر والمصاف. واختلفوا في أي يوم كان ذلك، على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يوم أحد، قاله عبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، ~~والزهري، وقتادة والسدي، والربيع وابن إسحاق، وذلك أنه خرج يوم أحد من بيت ~~عائشة إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال. # والثاني: انه يوم الأحزاب، قاله الحسن، ومجاهد، ومقاتل. # والثالث: يوم بدر نقل عن الحسن أيضا. قال ابن جرير: والأول أصح، لقوله ~~[تعالى]: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) وقد اتفق العلماء أن ذلك كان يوم ~~أحد. # قوله [تعالى]: (والله سميع عليم) قال أبو سليمان الدمشقي: سميع لمشاورتك ~~إياهم في الخروج، ومرادهم للخروج، عليم بما يخفون من حب الشهادة. # إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(122) قوله [تعالى]: (إذ همت طائفتان) قال الزجاج: كانت النبوءة في ذلك ~~الوقت. وتفشلا: # تجبنا، وتخورا. (والله وليهما)، أي: ناصرهما. قال جابر بن عبد الله: نحن ~~هم بنو سلمة، وبنو حارثة، وما نحب أن لو لم يكن ذلك لقول الله: (والله ~~وليهما). وقال الحسن: طائفتان من الأنصار همتا بذلك، فعصمهما الله. وقيل: ~~لما رجع عبد الله بن أبي في أصحابه يوم أحد، همت الطائفتان باتباعه، ~~فعصمهما الله. PageV02P023 # فصل فأما التوكل، فقال ابن عباس: هو الثقة بالله. وقال ابن فارس: هو ~~إظهار العجز والاعتماد على غيرك، ويقال: فلان وكلة تكلة، أي: عاجز، يكل ~~أمره إلى غيره. وقال غيره: هو تفعل من الوكالة، يقال: وكلت أمري إلى فلان ~~فتوكل به، أي: ضمنه، وقام به، وأنا متوكل عليه. وقال بعضهم: هو تفويض الأمر ~~إلى الله ثقة بحسن تدبيره. # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) قوله ~~[تعالى]: (ولقد نصركم الله ببدر) في تسمية بدر قولان: # أحدهما: أنها بئر لرجل اسمه بدر، قاله الشعبي. # والثاني: انه اسم للمكان الذي التقوا عليه، ذكره الواقدي عن أشياخه. # قوله [تعالى]: (وأنتم ms0333 أذلة) أي: لقلة العدد والعدد. (لعلكم تشكرون) أي: ~~لتكونوا من الشاكرين. # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين (124) قوله [تعالى]: (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم) ~~قال الشعبي: قال كرز بن جابر لمشركي مكة: إني أمدكم بقومي، فاشتد ذلك على ~~المسلمين، فنزلت هذه الآية وفي أي يوم كان ذلك؟ فيه قولان: # أحدهما: يوم بدر، قاله ابن عباس، وعكرمة ومجاهد، وقتادة. # والثاني: يوم أحد، وعدهم فيه بالمدد إن صبروا، فلما لم يصبروا لم يمدوا، ~~روي عن عكرمة، والضحاك، ومقاتل، والأول أصح. والكفاية: مقدار سد الخلة. ~~والاكتفاء: الاقتصار على ذلك. والإمداد إعطاء الشئ بعد الشئ. # قوله [تعالى]: (منزلين) قرأ الأكثرون بتخفيف الزاي، وشددها ابن عامر. # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~PageV02P024 # الملائكة مسومين (125) قوله [تعالى]: (ويأتوكم من فورهم) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: من وجههم وسفرهم هذا، قاله ابن عباس والحسن، وقتادة ~~ومقاتل، والزجاج. # والثاني: من غضبهم هذا، قاله عكرمة، ومجاهد، والضحاك في آخرين. قال ابن ~~جرير: # من قال: من وجههم، أراد ابتداء الأمر يؤخذ فيه، يقال: فارت القدر: إذا ~~ابتدأ ما فيها بالغليان، ثم اتصل. وقال ابن فارس: الفور: الغليان، يقال: ~~فارت القدر تفور، وفار غضبه: إذا جاش، ويقولون: فعله من فوره، أي: قبل أن ~~يسكن. # وفي يوم فورهم قولان: # أحدهما: أنه يوم بدر، قاله قتادة. # والثاني: يوم أحد، قال مجاهد، والضحاك، كانوا غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما ~~لقوا قوله [تعالى]: (مسومين) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بكسر الواو، ~~والباقون بفتحها، فمن فتح الواو، أراد أن الله سومها، ومن كسرها، أراد أن ~~الملائكة سومت أنفسها. وقال الأخفش: سومت خيلها، وفي الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال يوم بدر: " سوموا فإن الملائكة قد سومت " ونسب ~~الفعل إليها، فهذا دليل الكسر. قال ابن قتيبة: ومعنى مسومين: معلمين بعلامة ~~الحرب، وهو من السيماء والسومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه. قال ~~علي عليه السلام: ms0334 وكان سيماء خيل الملائكة يوم بدر، الصوف الأبيض في ~~أذنابها ونواصيها. وقال أبو هريرة: العهن الأحمر. وقال مجاهد: كانت أذناب ~~خيولهم مجزوزة، وفيها العهن. وقال هشام بن عروة: كانت الملائكة على خيل ~~بلق، وعليهم عمائم صفر. وروى ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرت أنا ~~وابن عم لي بدرا، ونحن على شركنا، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا ~~فيها حمحمة الخيل، وسمعنا فارسا يقول: أقدم حيزوم، فأما صاحبي فمات مكانه، ~~وأما أنا فكدت أهلك، ثم انتعشت وقال أبو واقد الليثي: إني لأتبع يوم بدر ~~رجلا من المشركين لأضربه، فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري ~~قد قتله. # وفي عدد الملائكة يوم بدر خمسة أقوال: # أحدها: خمسة آلاف، قاله الحسن. وروى جبير بن مطعم عن علي عليه السلام ~~قال: بينا أنا امتح من قليب بدر، جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها، ثم جاءت ~~ريح شديدة لم أر أشد منها إلا PageV02P025 # التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها، فكانت الريح الأولى ~~جبريل نزل في ألفين من الملائكة، وكان مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين من الملائكة عن يمين رسول الله، ~~وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن يسار رسول الله، ~~وكنت عن يساره، وهزم الله أعداءه. # والثاني: أربعة آلاف، قاله الشعبي. # والثالث: ألف، قاله مجاهد. # والرابع: تسعة آلاف، ذكره الزجاج. # والخامس: ثمانية آلاف، ذكره بعض المفسرين. # وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم (126) قوله [تعالى]: (وما جعله الله) يعني المدد (إلا بشرى)، ~~أي: إلا بشارة تطيب أنفسكم، (ولتطمئن به قلوبكم)، فتسكن في الحرب، ولا ~~تجزع، والأكثرون على أن هذا المدد يوم بدر. # وقال مجاهد: يوم أحد، وروي عنه ما يدل على أن الله أمدهم بالملائكة في ~~اليومين جميعا، غير أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر. # قوله [تعالى]: (وما النصر ms0335 إلا من عند الله) أي: ليس بكثرة العدد والعدد. # ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) قوله [تعالى] ~~ليقطع طرفا) معناه: نصركم ببدر ليقطع طرفا. قال الزجاج: أي: ليقتل قطعة ~~منهم. وفي أي يوم كان ذلك فيه قولان: # أحدهما: في يوم بدر، قاله الحسن، وقتادة، والجمهور. # والثاني: يوم أحد، قتل منهم ثمانية وعشرون، قاله السدي. # قوله [تعالى]: (أو يكبتهم) فيه سبعة أقوال: # أحدها: أن معناه: يهزمهم، قاله ابن عباس، والزجاج. # والثاني: يخزيهم، قاله قتادة، ومقاتل. # والثالث: يصرعهم، قاله أبو عبيد، واليزيدي. وقال الخليل: هو الصرع على ~~الوجه. # والرابع: يهلكهم، قاله أبو عبيدة. PageV02P026 # والخامس: يلعنهم، قاله السدي. # والسادس: يظفر عليهم، قاله المبرد. # والسابع: يغيظهم، قاله النضر بن شميل واختاره ابن قتيبة. وقال ابن قتيبة: ~~أهل النظر يرون أن التاء فيه منقلبة عن ذاك، كأن الأصل فيه: يكبدهم، أي: ~~يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ، وشدة العداوة، ومنه يقال: فلان قد أحرق ~~الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده، والعرب تقول: # العدو: اسود الكبد، قال الأعشى: # فما أجشمت من إتيان قوم * هم الأعداء والأكباد سود كأن الأكباد لما ~~احترقت بشدة العداوة، اسودت، ومنه يقال للعدو: كاشح، لأنه يخبأ العداوة في ~~كشحه. والكشح: الخاصرة، وإنما يريدون الكبد. لأن الكبد هناك. قال الشاعر: # وأضمر أضغانا علي كشوحها والتاء والدال متقاربتا المخرج، والعرب تدغم ~~إحداهما في الأخرى، وتبدل إحداهما من الأخرى، كقولهم: هرت الثوب وهرده: إذا ~~خرقه، وكذلك: كبت العدو، وكبده، ومثله كثير. # قوله [تعالى]: (فينقلبوا خائبين) قال الزجاج: الخائب: الذي لم ينل ما ~~أمل. وقال غيره: # الفرق بين الخيبة واليأس: ان الخيبة لا تكون إلا بعد الأمل، واليأس قد ~~يكون من غير أمل. # ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) قوله ~~[تعالى]: (ليس لك من الأمر شئ) في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته ~~حتى سال الدم على وجهه، فقال: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم ms0336 ~~إلى ربهم عز وجل؟! " فنزلت هذه الآية. # أخرجه مسلم في " أفراده " من حديث أنس. وهو قول ابن عباس، والحسن، ~~وقتادة، والربيع. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، لعن قوما من المنافقين، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عمر. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بسب الذين انهزموا يوم أحد، ~~فنزلت هذه الآية، فكف عن ذلك، نقل عن ابن مسعود، وابن عباس. PageV02P027 # والرابع: أن سبعين من أهل الصفة، خرجوا إلى قبيلتين من بني سليم، عصية ~~وذكوان، فقتلوا جميعا، فدعا النبي [صلى الله عليه وسلم] عليهم أربعين يوما، ~~فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن سليمان. # والخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة ممثلا به، قال: " ~~لأمثلن بكذا وكذا منهم " فنزلت هذه الآية، قاله الواقدي. وفي معنى الآية ~~قولان: # أحدهما: ليس لك من استصلاحهم أو عذابهم شئ. # والثاني: ليس لك من النصر والهزيمة شئ. وقيل: إن " لك " بمعنى " إليك ". # قوله [تعالى]: (أو يتوب عليهم) قال الفراء: في نصبه وجهان، إن شئت جعلته ~~معطوفا على قوله [تعالى]: (ليقطع طرفا) وإن شئت جعلت نصبه على مذهب " حتى " ~~كما تقول: لا أزال معك حتى تعطيني، ولما نفى الأمر عن نبيه، أثبت أن جميع ~~الأمور إليه بقوله [تعالى]: (ولله ما في السماوات وما في الأرض). # ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم (129) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) قوله [تعالى]: (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا الربا) قال أهل التفسير: هذه الآية نزلت في ربا الجاهلية. قال سعيد ~~بن جبير: كان الرجل يكون له على الرجل المال، فإذا حل الأجل، فيقول: # أخر عني، وأزيدك على مالك، فتلك الأضعاف المضاعفة. # واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) قوله [تعالى]: (واتقوا النار التي ~~أعدت للكافرين) قال ابن عباس: هذا تهديد للمؤمنين، لئلا يستحلوا الربا. قال ~~الزجاج: والمعنى: اتقوا ان تحلوا ما حرم الله فتكفروا. PageV02P028 # وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) * وسارعوا ms0337 إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133) قوله [تعالى]: (وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم) كلهم أثبت الواو في (وسارعوا) إلا، نافعا وابن عامر، فإنهما ~~لم يذكراها. وقال أبو علي: وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام، فمن قرأ ~~بالواو، عطف (وسارعوا) على (وأطيعوا) ومن حذفها، فلأن الجملة الثانية ~~ملتبسة بالأولى، فاستغنت عن العطف. ومعنى الآية: بادروا إلى ما يوجب ~~المغفرة. وفي المراد بموجب المغفرة هاهنا عشرة أقوال: # أحدها: أنه الاخلاص، قاله عثمان بن عفان [رضي الله عنه]. # والثاني: أداء الفرائض، قاله علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]. # والثالث: الإسلام، قاله ابن عباس. # والرابع: التكبيرة الأولى من الصلاة، قاله أنس بن مالك. # والخامس: الطاعة، قاله سعيد بن جبير. # والسادس: التوبة، قاله عكرمة. # والسابع: الهجرة، قاله أبو العالية. # والثامن: الجهاد، قاله الضحاك. # والتاسع: الصلوات الخمس، قاله يمان. # والعاشر: الأعمال الصالحة، قاله مقاتل. # قوله [تعالى]: (وجنة عرضها السماوات والأرض) قال ابن قتيبة: أراد بالعرض ~~السعة، ولم يرد العرض الذي يخالف الطول، والعرب تقول: بلاد عريضة، أي: ~~واسعة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للمنهزمين يوم أحد " لقد ذهبتم فيها ~~عريضة ". # قال الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفة حابل قال: وأصل هذا من ~~العرض الذي هو خلاف الطول، وإذا عرض الشئ اتسع، وإذا لم يعرض ضاق ودق. وقال ~~سعيد بن جبير: لو ألصق بعضهن إلى بعض كانت الجنة في عرضهن. # الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين (134) PageV02P029 # قوله [تعالى): (الذين ينفقون في السراء والضراء) قال ابن عباس: في العسر ~~واليسر وفي معنى الآية: أنهم رغبوا في معاملة الله، فلم يبطرهم الرخاء ~~فينسيهم، ولم تمنعهم الضراء فيبخلوا. # قوله [تعالى]: (والكاظمين الغيظ) قال الزجاج: يقال: كظمت الغيظ: إذا ~~أمسكت على ما في نفسك منه، وكظم البعير على جرته: إذا رددها في حلقه. وقال ~~ابن الأنباري: الأصل في الكظم: الإمساك على غيظ وغم. وروى ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه ms0338 قال: " ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ ~~يكظمها ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى. # قوله [تعالى]: (والعافين عن الناس) فيه قولان: # أحدهما: أنه العفو عن المماليك، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه على إطلاقه، فهم يعفون عمن ظلمهم، قاله زيد بن أسلم، ~~ومقاتل. # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم ~~مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ~~(136) قوله [تعالى]: (والذين إذا فعلوا فاحشة) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن امرأة أتت إلى نبهان التمار تشتري منه تمرا فضمها، وقبلها، ثم ~~ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء ~~عن ابن عباس. # والثاني: أن أنصاريا وثقفيا آخى النبي [صلى الله عليه وسلم] بينها، فخرج ~~الثقفي مع النبي [صلى الله عليه وسلم] في بعض مغازيه، فكان يتعاهد أهل ~~الثقفي، فجاء ذات يوم فأبصر المرأة قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فدخل ولم ~~يستأذن، فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها، فقبله ثم ندم، فأدبر راجعا، ~~فقالت: # سبحان الله خنت أمانتك، فخرج يسيح في الجبال، ويتوب من ذنبه. فلما قدم ~~الثقفي أخبرته المرأة فوافقه ساجدا يقول: ذنبي ذنبي: قد خنت أخي. فقال: يا ~~فلان انطلق إلى رسول [صلى الله عليه وسلم] فاسأله عن ذنبك، لعل الله أن ~~يجعل لك منه مخرجا، فرجع إلى المدينة، فنزلت هذه الآية بتوبته، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. وذكره مقاتل. PageV02P030 # والثالث: أن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: بنو إسرائيل أكرم ~~على الله منا! كان أحدهم إذا أذنب، أصبحت كفارة ذنوبه مكتوبة في عتبة بابه، ~~فنزلت هذه الآية، فقال النبي عليه السلام: " ألا أخبركم بخير من ذلك "؟ ~~فقرأ هذه الآية، والتي قبلها، هذا قول عطاء واختلفوا هل هذه الآية نعت ~~للمنفقين في السراء والضراء؟ أم لقوم آخرين؟ على قولين: # أحدهما: أنها نعت لهم، قاله الحسن. ms0339 # والثاني: أنها لصنف آخر، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والفاحشة: القبيحة وكل شئ جاوز قدره، فهو فاحش. وفي المراد بها هاهنا ~~قولان: # أحدهما: أنها الزنى، قاله جابر بن زيد، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنها كل كبيرة، قاله جماعة من المفسرين. # واختلفوا في " الظلم " المذكور بعدها، فلم يفرق قوم بينه وبين الفاحشة، ~~وقالوا: الظلم للنفس فاحشة أيضا، وفرق آخرون، فقالوا: هو الصغائر. وفي قوله ~~[تعالى]: (ذكروا الله) قولان: # أحدهما: أنه ذكر اللسان، وهو الاستغفار، قاله ابن مسعود، وعطاء في آخرين. # والثاني: أنه ذكر القلب، ثم فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه ذكر العرض على الله، قاله الضحاك. # والثاني: أنه ذكر السؤال عنه يوم القيامة، قاله الواقدي. # والثالث: ذكر وعيد الله لهم على ما أتوا، قاله ابن جرير. # والرابع: ذكر نهي الله لهم عنه. # والخامس: ذكر غفران الله: ذكر القولين أبو سليمان الدمشقي. # فأما الإصرار، فقال الزجاج: هو الإقامة على الشئ. وقال ابن فارس: هو ~~العزم على الشئ والثبات عليه. وللمفسرين في المراد بالاصرار ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه مواقعة الذنب عند الاهتمام به. وهذا مذهب مجاهد. # والثاني: أنه الثبوت عليه من غير استغفار، وهذا مذهب قتادة، وابن إسحاق.. # والثالث: أنه ترك الاستغفار منه، وهذا مذهب السدي. وفي معنى (وهم يعلمون) ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: وهم يعلمون أن الإصرار يضر، وان تركه أولى من التمادي، قاله ابن ~~عباس، والحسن. PageV02P031 # والثاني: يعلمون أن الله يتوب على من تاب، قاله مجاهد، وأبو عمارة. # والثالث: يعلمون أنهم قد أذنبوا، قاله السدي، ومقاتل. # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(137) قوله [تعالى]: (قد خلت من قبلكم سنن) السنن: جمع سنة، وهي الطريقة. ~~وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: قد مضى قبلكم أهل سنن وشرائع، فانظروا ماذا صنعنا بالمكذبين ~~منهم، وهذا قول ابن عباس. # والثاني: قد مضت قبلكم سنن الله في إهلاك من كذب من الأمم، فاعتبروا بهم، ~~وهذا قول مجاهد. وفي معنى (فسيروا في الأرض) قولان: # أحدهما: أنه السير في السفر. قال الزجاج: إذا سرتم في ms0340 أسفاركم، عرفتم ~~أخبار الهالكين بتكذيبهم. # والثاني: أنه التفكر. ومعنى: فانظروا: اعتبروا، والعاقبة: آخر الأمر. # هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) قوله [تعالى]: (هذا بيان ~~للناس) قال سعيد بن جبير: هذه الآية أول ما نزل من " آل عمران " في المشار ~~إليه ب‍ " هذا " قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أنه شرح أخبار الأمم السالفة، قاله ابن إسحاق. والبيان: الكشف ~~عن الشئ، وبان الشئ: اتضح، وفلان أبين من فلان، أي: أفصح. قال الشعبي: هذا ~~بيان للناس من العمى، وهدى من الضلالة، وموعظة من الجهل. # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) قوله [تعالى]: ~~(ولا تهنوا ولا تحزنوا) سبب نزولها أن أصحاب رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] لما انهزموا يوم أحد، أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن ~~يعلو عليهم الجبل، فقال النبي [صلى الله عليه وسلم]: # " اللهم لا يعلن علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك " فنزلت هذه الآيات، ~~قاله ابن عباس قال ابن PageV02P032 # عباس، ومجاهد: (ولا تهنوا) أي: ولا تضعفوا. وفيما نهوا عن الحزن عليه ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه قتل إخوانهم من المسلمين، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه هزيمتهم يوم أحد، وقتلهم، قاله مقاتل. # والثالث: أنه ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من شجه، وكسر رباعيته، ~~ذكره الماوردي. # والرابع: أنه ما فات من الغنيمة، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله [تعالى]: (وأنتم الأعلون) قال ابن عباس: يقول: أنتم الغالبون وآخر ~~الأمر لكم.. # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) ~~قوله [تعالى]: (إن يمسسكم قرح) قال ابن عباس: أصابهم يوم أحد قرح، فشكوا ~~إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] ما لقوا، فنزلت هذه الآية. فأما المس، فهو ~~الإصابة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع " قرح " بفتح القاف. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم " قرح " بضم القاف. # واختلفوا هل معنى القراءتين واحد أم لا؟ فقال ms0341 أبو عبيد: القرح بالفتح: ~~الجراح، والقتل. والقرح بالضم: ألم الجراح. وقال الزجاج: هما في اللغة ~~بمعنى واحد، ومعناه الجراح وألمها، قال: # ومعنى نداولها: أي: نجعل الدولة في وقت كفار على المؤمنين إذا عصى ~~المؤمنون، فأما إذا أطاعوا، فهم منصورون، قال ومعنى (ليعلمه الله) أي: ~~ليعلم واقعا منهم، لأنه عالم قبل ذلك، وإنما يجازي على ما وقع. وقال ابن ~~عباس: معنى العلم هاهنا: الرؤية. # قوله [تعالى]: (ويتخذ منكم شهداء) قال أبو الضحى: نزلت في قتلى أحد، قال ~~ابن جريج: كان المسلمون يقولون: ربنا أرنا يوما كيوم بدر، نلتمس فيه ~~الشهادة، فاتخذ منهم شهداء يوم أحد. قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: ~~المنافقون. وقال غيره: هم الذين انصرفوا يوم أحد مع ابن أبي. PageV02P033 # وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) قوله [تعالى]: (وليمحص ~~الله الذين آمنوا) قال الزجاج: معنى الكلام: جعل الله الأيام مداولة بين ~~الناس، ليمحص المؤمنين، ويمحق الكافرين. وفي التمحيص قولان: # أحدهما: أنه الابتلاء والاختبار، وأنشدوا: # رأيت فضيلا كان شيئا ملففا * فكشفه التمحيص حتى بدا ليا وهذا قول الحسن، ~~ومجاهد، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة في آخرين. # والثاني: أنه التنقية، والتخليص، وهو قول الزجاج، وحكي عن المبرد، قال: ~~يقال: محص الحبل محصا: إذا ذهب منه الوبر حتى يتخلص، ومعنى قوله: محص عنا ~~ذنوبنا: أذهبها عنا. وذكر الزجاج عن الخليل أن المحص: التخليص، يقال: محصت ~~الشئ أمحصه محصا: إذا خلصته. # فعلى القول الأول التمحيص: ابتلاء المؤمنين بما يجري عليهم، وعلى الثاني: ~~هو تنقيتهم من الذنوب بذلك. قال الفراء: معنى الآية: وليمحص الله بالذنوب ~~عن الذين آمنوا. # قوله [تعالى]: (ويمحق الكافرين) فيه أربعة أقوال: # أحدها: يهلكهم، قاله ابن عباس. # والثاني: يذهب دعوتهم، قاله مقاتل. # والثالث: ينقصهم ويقللهم، قاله الفراء. # والرابع: يحبط أعمالهم، ذكره الزجاج. # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون (143) قوله [تعالى]: (ولقد كنتم تمنون الموت) قال ابن عباس: لما ~~أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه ms0342 صلى الله عليه وسلم، بما فعل بشهداء يوم ~~بدر من الكرامة، رغبوا في ذلك، فتمنوا قتالا يستشهدون فيه، فيلحقون ~~باخوانهم، فأراهم الله يوم أحد، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله ~~منهم، فنزل فيهم (ولقد كنتم تمنون الموت) يعني القتال (من قبل أن تلقوه) ~~أي: من قبل أن تنظروا إليه يوم أحد (فقد رأيتموه) يومئذ، قال الفراء، وابن ~~قتيبة: أي: رأيتم أسبابه، وهي السيف ونحوه من السلاح. # وفي معنى (وأنتم تنظرون) ثلاثة أقوال: PageV02P034 # أحدها: تنظرون إلى السيوف، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ذكر للتوكيد، قاله الأخفش. وقال الزجاج: معناه: فقد ~~رأيتموه، وأنتم بصراء، كما تقول: رأيت كذا وكذا، وليس في عينك علة، أي: ~~رأيته رؤية حقيقة. # والثالث: أن معناه: وأنتم تنظرون ما تمنيتم. وفي الآية إضمار فلم ~~انهزمتم؟! # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) ~~قوله [تعالى]: (وما محمد إلا رسول) قال ابن عباس: صاح الشيطان يوم أحد: قتل ~~محمد. فقال قوم: لئن كان قتل لنعطينهم بأيدينا إنهم لعشائرنا وإخواننا، ولو ~~كان محمد حيا لم نهزم، فترخصوا في الفرار، فنزلت هذه الآية. وقال الضحاك: ~~قال قوم من المنافقين: قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول، فنزلت هذه الآية. ~~وقال قتادة: قال أناس: لو كان نبيا ما قتل، وقال ناس من علية أصحاب رسول ~~الله: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى تلحقوا به، فنزلت هذه الآية. # ومعنى الآية: أنه يموت كما ماتت قبله الرسل، أفإن مات على فراشه، أو قتل ~~كمن قتل قبله من الأنبياء، أتنقلبون على أعقابكم؟! أي: ترجعون إلى ما كنتم ~~عليه من الكفر؟! وهذا على سبيل المثل، يقال لكل من رجع عما كان عليه: قد ~~انقلب على عقبيه، وأصله: رجعة القهقرى، والعقب: # مؤخر القدم. # قوله [تعالى]: (فلن يضر الله شيئا) أي: لن ينقص الله شيئا برجوعه، وإنما ~~يضر نفسه (وسيجزي) أي: يثيب الشاكرين، وفيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم ms0343 الثابتون على دينهم، قاله علي عليه السلام، وقال: كان أبو ~~بكر أمير الشاكرين. # والثاني: أنهم الشاكرون على التوفيق والهداية. # والثالث: على الدين. # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) ~~PageV02P035 # قوله [تعالى]: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) في الإذن قولان: # أحدهما: أنه الأمر، قاله ابن عباس. # والثاني: الإذن نفسه، قاله مقاتل. # قال الزجاج: ومعنى الآية: وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله. # قوله [تعالى]: (كتابا مؤجلا) توكيد، والمعنى: كتب الله ذلك كتابا ذا أجل. ~~والأجل: # الوقت المعلوم، ومثله في التوكيد (كتاب الله عليكم) لأنه لما قال: (حرمت ~~عليكم أمهاتكم) دل على أنه مرفوض، فأكد بقوله: (كتاب الله عليكم) وكذلك ~~قوله تعالى: (صنع الله) لأنه لما قال: (وترى الجبال تحسبها جامدة) دل على ~~أنه خلق الله فأكد بقوله: (صنع الله). # قوله [تعالى]: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) أي: من قصد بعمله الدنيا، ~~أعطي منها، قليلا كان أو كثيرا، ومن قصد الآخرة بعمله، أعطي منها. وقال ~~مقاتل: عنى بالآية: من ثبت يوم أحد، ومن طلب الغنيمة. # فصل وأكثر العلماء على أن هذا الكلام محكم، وذهبت طائفة إلى نسخه بقوله ~~[تعالى]: (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) والصحيح أنه محكم، لأنه لا يؤتى ~~أحد شيئا إلا بقدرة الله ومشيئته. # ومعنى قوله [تعالى]: (نؤته منها) أي: ما نشاء، وما قدرنا له، ولم يقل: ما ~~يشاء هو. # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) قوله [تعالى]: (وكأين من نبي) ~~قرأ الجمهور (وكأين) في وزن " كعين). وقرأ ابن كثير " وكائن " في وزن " ~~كاعن ". قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: " كأين " مثل: " كعين " ينصبون ~~الهمزة، ويشددون الياء. وتميم يقول: " وكائن " كأنها فاعل من كئت. وأنشدني ~~الكسائي: # وكائن ترى يسعى من الناس جاهدا * على ابن غدا منه شجاع وعقرب وقال آخر: # وكائن أصابت مؤمنا ms0344 من مصيبة * على الله عقباها ومنه ثوابها وقال ابن ~~قتيبة: كائن بمعنى " كم " مثل قوله تعالى: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ~~PageV02P036 # " كأين " بالهمزة وتشديد الياء، و " كائن " على وزن " قائل "، وقد قرئ ~~بهما والأكثر والأفصح تخفيفها. قال الشاعر: # وكائن أرينا الموت من ذي تحية * إذا ما ازدرانا أو أصر لمأثم وقال الآخر: ~~وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلم قوله تعالى: (قاتل ~~معه ربيون) قرأ ابن كثير، ونافع، أبو عمرو، وأبان، والمفضل كلاهما عن عاصم: ~~" قتل " بضم القاف، وكسر التاء من غير ألف، وقرأ الباقون: (قاتل) بألف، ~~وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأبو رجاء، والحسن، وابن يعمر، وابن جبير، ~~وقتادة، وعكرمة، وأيوب: # (ربيون) بضم الراء. وقرأ ابن عباس، وأنس وأبو مجلز، وأبو العالية، ~~والجحدري بفتحها. فعلى حذف الألف يحتمل وجهين ذكرهما الزجاج أحدهما: أن ~~يكون قتل للنبي وحده، ويكون المعنى: وكأين من نبي قتل، ومعه ربيون، فما ~~وهنوا بعد قتله. # والثاني: أن يكون قتل الربيين، ويكون " فما وهنوا " لمن بقي منهم. وعلى ~~إثبات الألف يكون المعنى: أن القوم قاتلوا، فما وهنوا. وفي معنى الربيين ~~خمسة أقوال: # أحدهما: أنهم الألوف، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، واختاره ~~الفراء. # والثاني: الجماعات الكثيرة رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع، واختاره ابن قتيبة. # والثالث: أنهم الفقهاء والعلماء، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، واختاره اليزيدي، والزجاج. # والرابع: أنهم الأتباع، قاله ابن زيد. # والخامس: أنهم المتألهون العارفون بالله تعالى، قاله ابن فارس. # قوله تعالى: (فما وهنوا) فيه قولان: # أحدهما: أنه الضعف، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: أنه العجز، قاله قتادة. # قال ابن قتيبة: والاستكانة: الخشوع، والذل، ومنه أخذ المسكين. وفي معنى ~~الكلام قولان: PageV02P037 # أحدهما: فما وهنوا بالخوف، وما ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا ~~بالخضوع. # والثاني: فما وهنوا لقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما ~~أصابهم. # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ms0345 ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) قوله تعالى: (وما كان قولهم) ~~يعني الربيين. (إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا) أي: لم يكن قولهم غير ~~الاستغفار. والإسراف: مجاوزة الحد، وقيل: أريد بالذنوب الصغائر، وبالإسراف: ~~الكبائر. # قوله تعالى: (وثبت أقدامنا) قال ابن عباس: على القتال. وقال الزجاج: ~~معناه: ثبتنا على دينك، فإن الثابت على دينه ثابت في حربه. # فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) قوله ~~تعالى: (فآتاهم الله ثواب الدنيا) فيه قولان: # أحدهما: أنه النصر، قاله قتادة. # والثاني: الغنيمة، قاله ابن جريج. وروي عن ابن عباس، أنه النصر والغنيمة. # وفي حسن ثواب الآخرة قولان: # أحدهما: أنه الجنة. # والثاني: الأجر والمغفرة، وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما يفعلون ~~ويقولون عند لقاء العدو. # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين (149) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا) قال ~~ابن عباس: نزلت في قول ابن أبي للمسلمين لما رجعوا من أحد: لو كان نبيا ما ~~أصابه الذي أصابه. وفي الذين كفروا هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم المنافقون على قول ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن جريج. # والثالث: أنهم عبدة الأوثان، قاله السدي. قالوا وكانوا قد أمروا المسلمين ~~بالرجوع عن دينهم. ومعنى (يردوكم على أعقابكم): يصرفوكم إلى الشرك. ~~(فتنقلبوا خاسرين) بالعقوبة. PageV02P038 # بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) قوله تعالى: (بل الله مولاكم) أي: ~~وليكم ينصركم عليهم، فاستغنوا عن موالاة الكفار. # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب) قال السدي: لما ارتحل المشركون يوم أحد نحو مكة ندموا في بعض ~~الطريق، وقالوا: قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة، تركتموهم؟! # ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلت هذه الآية. ~~والإلقاء: القذف. # والرعب: الخوف. قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة " الرعب " ~~ساكنة العين خفيفة، ms0346 وقرأ ابن عامر، والكسائي، ويعقوب، وأبو جعفر، مضمومة ~~العين، مثقلة، أين وقعت. # والسلطان هاهنا: الحجة في قول الجماعة. والمأوى: المكان الذي يؤوى إليه. ~~والمثوى: المقام، والثوى: الإقامة. قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: ~~الكافرون. # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم باذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ~~ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) ~~قوله تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده) قال محمد بن كعب القرظي لما رجع النبي ~~[صلى الله عليه وسلم) وأصحابه من أحد، قال قوم منهم: من أين أصابنا هذا، ~~وقد وعدنا الله النصر؟! فنزلت هذه الآية. # وقال المفسرون: وعد الله تعالى المؤمنين النصر بأحد، فنصرهم فلما خالفوا، ~~وطلبوا الغنيمة، هزموا، وقال ابن عباس: ما نصر رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] في موطن ما نصر في أحد، فأنكر ذلك عليه، فقال: بيني وبينكم كتاب ~~الله، إن الله يقول: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) فأما الحس، ~~فهو القتل، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي، والجماعة. وقال ابن ~~قتيبة: # تحسونهم، أي: تستأصلونهم بالقتل، يقال: سنة حسوس: إذا أتت على كل شئ، ~~وجراد PageV02P039 # محسوس: إذا قتله البرد. # وفي قوله [تعالى]: (بإذنه) ثلاثة أقوال: # أحدها: بأمره، قاله ابن عباس. # والثاني: بعلمه، قاله الزجاج. # والثالث: بقضائه، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (حتى إذا فشلتم) قال الزجاج: أي: جبنتم (وتنازعتم) أي: ~~اختلفتم (من بعد ما أراكم ما تحبون) يعني: النصرة. وقال الفراء: فيه تقديم ~~وتأخير، معناه: حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم وعصيتم، وهذه الواو زائدة، ~~كقوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه) معناه ناديناه. # فأما تنازعهم، فإن بعض الرماة قال: قد انهزم المشركون، فما يمنعنا من ~~الغنيمة؟ وقال بعضهم: بل نثبت مكاننا كما أمرنا رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] فترك المركز بعضهم، وطلب الغنيمة، وتركوا مكانهم، فذلك عصيانهم، وكان ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] قد أوصاهم: " لو رأيتم الطير ms0347 تخطفنا فلا تبرحوا ~~من مكانكم ". # قوله تعالى: (منكم من يريد الدنيا) قال المفسرون: هم الذين طلبوا ~~الغنيمة، وتركوا مكانهم (ومنكم من يريد الآخرة) وهم الذين ثبتوا. وقال ابن ~~مسعود: ما كنت أظن أحدا من أصحاب محمد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية. # قوله تعالى: (صرفكم عنهم) أي: ردكم عن المشركين بقتلكم وهزيمتكم. ~~(ليبتليكم) أي: ليختبركم، فيبين الصابر من الجازع. # قوله تعالى: (ولقد عفا عنكم) فيه قولان: # أحدهما: عفا عن عقوبتكم، قاله ابن عباس. # والثاني: عفا عن استئصالكم، قاله الحسن. وكان يقول: هؤلاء مع رسول الله، ~~في سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله نهوا عن شئ فضيعوه، فما تركوا ~~حتى غموا بهذا الغم، والفاسق اليوم يتجرم كل كبيرة ويركب كل داهية، ويزعم ~~أن لا بأس عليه، فسوف يعلم. # قوله تعالى: (والله ذو فضل على المؤمنين) فيه قولان: # أحدهما: إذ عفا عنهم، قاله ابن عباس. # والثاني: إذ لم يقتلوا جميعا، قاله مقاتل. # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) ~~PageV02P040 # قوله تعالى: (إذ تصعدون) قال المفسرون: " إذ " متعلقة بقوله [تعالى]: ~~(ولقد عفا عنكم) وأكثر القراء على ضم التاء، وكسر العين، من قوله تعالى: " ~~تصعدون " وهو من الإصعاد. # وروى أبان عن ثعلب، عن عاصم فتحها، وهي قراءة الحسن، ومجاهد، وهو من ~~الصعود. قال الفراء: الإصعاد في ابتداء الأسفار، والمخارج، تقول: أصعدنا من ~~بغداد إلى خراسان، فإذا صعدت على سلم أو درجة، قلت: صعدت، ولا تقول: أصعدت. ~~وقال الزجاج: كل من ابتدأ مسيرا من مكان، فقد أصعد، فأما الصعود، فهو من ~~أسفل إلى فوق ومن فتح التاء والمعين، أراد الصعود في الجبل. وللمفسرين في ~~معنى الآية قولان: # أحدهما: أنه صعودهم في الجبل، قاله ابن عباس ومجاهد. # والثاني: أنه الإبعاد في الهزيمة، قاله قتادة، وابن قتيبة، (وتلوون) ~~بمعنى: (تعرجون). # وقوله تعالى: (على أحد) عام، وقد روي عن ابن عباس أنه أريد به النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms0348 قال: # والنبي [صلى الله عليه وسلم] يناديهم من خلفهم: " إلى عباد الله، أنا ~~رسول الله "، وقرأت عائشة، وأبو مجلز، وأبو الجوزاء، وحميد " على أحد " بضم ~~الألف والحاء، يعنون الجبل. # قوله تعالى: (فأثابكم) أي: جازاكم. قال الفراء: الإثابة هاهنا بمعنى ~~عقاب، ولكنه كما قال الشاعر: # أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا المحدرجة: إلى ~~السياط. والسود فيما يقال: القيود. # قوله تعالى: (غما بغم) في هذه الباء أربعة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى " مع ". # والثاني: بمعنى " بعد ". # والثالث: بمعنى " على "، فعلى هذه الثلاثة الأقوال يتعلق الغمان ~~بالصحابة. وللمفسرين في المراد بهذين الغمين خمسة أقوال: # أحدها: أن الغم الأول ما أصابهم من الهزيمة والقتل. # والثاني: إشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين عليهم، قاله ابن عباس ~~ومقاتل. # والثاني: أن الأول فرارهم الأول، والثاني: فرارهم حين سمعوا أن محمد قد ~~قتل، قاله مجاهد. # والثالث: أن الأول، ما فاتهم من الغنيمة وأصابهم من القتل والجراح، ~~والثاني: حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، قاله قتادة. ~~PageV02P041 # والرابع: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة، والفتح، والثاني: إشراف أبي ~~سفيان عليهم، قاله السدي. # والخامس: أن الأول اشراف خالد بن الوليد عليهم، والثاني: إشراف أبي سفيان ~~عليهم، ذكره الثعلبي. # والقول الرابع: أن الباء بمعنى الجزاء، فتقديره: غمكم كما غممتم غيركم، ~~فيكون أحد الغمين للصحابة، وهو أحد غمومهم التي ذكرناها عن المفسرين، ويكون ~~الغم الذي جوزوا لأجله لغيرهم. وفي المراد بغيرهم قولان: # أحدهما: أنهم المشركون غموهم كان يوم بدر، قاله الحسن. # والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم غموه حيث خالفوه، فجوزوا على ذلك، ~~بأن غموا بما أصابهم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (لكيلا تحزنوا) في " لا " قولان: # أحدهما: أنها باقية على أصلها، ومعناها النفي، فعلى هذا في معنى الكلام ~~قولان: # أحدهما: فأثابكم غما أنساكم الحزن على ما فاتكم وما أصابكم، وقد روي أنهم ~~لما سمعوا أن النبي قد قتل، نسوا ما أصابهم وما فاتهم. # والثاني: أنه متصل بقوله [تعالى]: (ولقد عفا عنكم] فمعنى الكلام: عفا ~~عنكم، ms0349 لكيلا تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم، لأن عفوه يذهب كل غم. # والقول الثاني: أنها صلة، ومعنى الكلام: لكي تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم ~~عقوبة لكم في خلافكم. ومثلها قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون ~~على شئ من فضل الله أي: # ليعلم. هذا قول المفضل. قال ابن عباس: والذي فاتهم: الغنيمة، والذي ~~أصابهم: القتل والهزيمة. # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شئ قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم PageV02P042 # وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154) قوله تعالى: (ثم أنزل ~~عليكم من بعد الغم أمنة) قال ابن قتيبة: الأمنة: الأمن. يقال: # وقعت الأمنة في الأرض. وقال الزجاج: معنى الآية: أعقبكم بما نالكم من ~~الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه، لأن الشديد الخوف لا يكاد ينام. و " نعاسا ~~" منصوب على البدل من " أمنة "، يقال: # نعس الرجل ينعس نعاسا، فهو ناعس. وبعضهم يقول: نعسان. قال الفراء: قد ~~سمعتها، ولكني لا أشتهيها. قال العلماء: النعاس: أخف النوم. وفي وجه ~~الامتنان عليهم بالنعاس قولان: # أحدهما: أنه أمنهم بعد خوفهم حتى ناموا، فالمنة بزوال الخوف، لأن الخائف ~~لا ينام. # والثاني: قواهم بالاستراحة على القتال. # قوله تعالى: (يغشى طائفة منكم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: # " يغشى " بالياء مع التفخيم، وهو يعود إلى النعاس. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وخلف " تغشى " بالتاء مع الإمالة، وهو يرجع إلى الأمنة. فأما الطائفة التي ~~غشيها النوم، فهم المؤمنون، والطائفة الذين أهمتهم أنفسهم: المنافقون، ~~أهمهم خلاص أنفسهم، فذهب النوم عنهم. قال أبو طلحة: كان السيف يسقط من يدي، ~~ثم آخذه، ثم يسقط، وآخذه من النعاس. وجعلت أنظر، وما منهم أحد يومئذ إلا ~~يميد تحت ms0350 حجفته من النعاس. وقال الزبير: ارسل الله علينا النوم، فما منا ~~رجل إلا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير: (لو كان ~~لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا)، فحفظتها منه. # قوله تعالى: (يظنون بالله غير الحق) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنهم ظنوا أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنهم كذبوا بالقدر، رواه الضحاك، عن ابن عباس. # والثالث: أنهم ظنوا أن محمدا قد قتل، قاله مقاتل. # والرابع: ظنوا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم مضمحل، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (ظن الجاهلية) قال ابن عباس: أي: كظن الجاهلية. # قوله تعالى: (يقولون هل لنا من الأمر من شئ) لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: ~~الجحد، PageV02P043 # تقديره: ما لنا من الأمر من شئ. قال الحسن: قالوا: لو كان الأمر إلينا ما ~~خرجنا، وإنما أخرجنا كرها. وقال غيره: المراد بالأمر: النصر والظفر، ~~والقضاء والقدر (لله). والأكثرون قرأوا (إن الأمر كله لله) بنصب اللام، ~~وقرأ أبو عمرو برفعها، قال أبو علي: حجة من نصب، أن " كله " بمنزلة " ~~أجمعين " في الإحاطة والعموم، فلو قال: إن الأمر أجمع، لم يكن إلا النصب، و ~~" كله " بمنزلة " أجمعين " ومن رفع، فلأنه قد ابتدأ به، كما ابتدأ بقوله ~~[تعالى]: (وكلهم آتية). # قوله تعالى: (يخفون في أنفسهم) في الذي أخفوه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قولهم: (لو كنا في بيوتنا ما قتلنا هاهنا). # والثاني: أنه إسرارهم الكفر، والشك في أمر الله. # والثالث: الندم على حضورهم مع المسلمين بأحد. # قال أبو سليمان الدمشقي: والذي قال: (هل لنا من الأمر من شئ) عبد الله ~~ابن أبي. # والذي قال: (لو كان لنا من الأمر من شئ) معتب بن قشير. # قوله تعالى: (قل لو كنتم في بيوتكم) أي: لو تخلفتم، لخرج منكم من كتب ~~عليه القتل، ولم ينجه القعود. والمضاجع: المصارع بالقتل. قال الزجاج: ومعنى ~~(برزوا): صاروا إلى براز، وهو المكان المنكشف. ومعنى (وليبتلي الله ما في ~~صدوركم) أي: ليختبره بأعمالكم، لأنه قد علمه غيبا، فيعلمه ms0351 شهادة. # قوله تعالى: (وليمحص الله ما في قلوبكم) قال قتادة: أراد ليظهرها من الشك ~~والارتياب، بما يريكم من عجائب صنعه من الأمنة، وإظهار سرائر المنافقين. ~~وهذا التمحيص خاص للمؤمنين. # وقال غيره: أراد بالتمحيص: إبانة ما في القلوب من الاعتقاد لله، ولرسوله، ~~وللمؤمنين، فهو خطاب للمنافقين. # قوله تعالى: (والله عليم بذات الصدور) أي: بما فيها. وقال ابن الأنباري: ~~معناه: عليم بحقيقة ما في الصدور من المضمرات، فتأنيث ذات بمعنى الحقيقة، ~~كما تقول العرب: لقيته ذات يوم. فيؤنثون لأن مقصدهم: لقيته مرة في يوم. # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) PageV02P044 # قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان) الخطاب للمؤمنين، ~~وتوليهم: # فرارهم من العدو. والجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين، وذلك يوم أحد. ~~واستزلهم. # طلب زللهم، قال ابن قتيبة: هو كما تقول: استعجلت فلانا، أي: طلبت عجلته، ~~واستعملته: # طلبت عمله. والذي كسبوا: يريد به الذنوب. وفي سبب فرارهم يؤمئذ قولان: # أحدها: أنهم سمعوا أن النبي [صلى الله عليه وسلم: قد قتل، فترخصوا في ~~الفرار، قاله ابن عباس في آخرين. # والثاني: أن الشيطان أذكرهم خطاياهم، فكرهوا لقاء الله إلا على حال ~~يرضونها، قاله الزجاج. # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) قوله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) أي: كالمنافقين الذين قالوا ~~لإخوانهم في النفاق، وقيل: إخوانهم في النسب. قال الزجاج: وإنما قال: " إذا ~~ضربوا " ولم يقل: # إذ ضربوا، لأنه يريد: شأنهم هذا أبدا، تقول: فلان إذا حدث صدق، وإذا ضرب ~~صبر. و " إذا " لما يستقبل، إلا أنه لم يحكم له بهذا المستقبل إلا لما قد ~~خبر منه فيما مضى. قال المفسرون: # ومعنى (ضربوا في الأرض): ماتوا، أو غزوا، فقتلوا. # قوله تعالى: (ليجعل الله ذلك) ms0352 قال ابن عباس: ليجعل الله ما ظنوا من أنهم ~~لو كانوا عندهم، سلموا، (حسرة في قلوبهم) أي: حزنا. قال ابن فارس: الحسرة: ~~التلهف على الشئ الفائت. # قوله تعالى: (والله يحيي ويميت) أي: ليس تحرز الانسان يمنعه من أجله. # قوله تعالى: (والله بما تعملون بصير) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: ~~يعملون بالياء، PageV02P045 # وقرأ الباقون بالتاء. قال أبو علي: حجة من قرأ بالياء أن قبلها غيبة، وهو ~~قوله عز وجل: (وقالوا لإخوانهم)، ومن قرأ بالتاء، فحجته (لا تكونوا كالذين ~~كفروا). # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ~~(157) قوله تعالى: (ولئن قتلتم) اللام في " لئن " لام القسم، تقديره: والله ~~لئن قتلتم في الجهاد (أو متم) في إقامتكم. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم: " مت " و " متم " و " متنا " برفع الميم في جميع ~~القرآن، وروى حفص عن عاصم: أو متم) (ولئن متم) برفع الميم في هذين دون باقي ~~القرآن. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي كل ما في القرآن بالكسر. # قوله تعالى: (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) أي: من أعراض الدنيا ~~التي تتركون الجهاد لجمعها. وقرأ حفص عن عاصم: يجمعون بالياء، ومعناه: خير ~~مما يجمع غيركم مما تركوا الجهاد لجمعه. قال ابن عباس: خير مما يجمع ~~المنافقون في الدنيا. # ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) قوله تعالى: (ولئن متم) أي: في ~~إقامتكم. (أو قتلتم) في جهادكم. (لإلى الله تحشرون) وهذا تخويف من القيامة. ~~والحشر: الجمع مع سوق. # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب ~~المتوكلين (159) قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم) قال الفراء وابن ~~قتيبة، والزجاج " ما " هاهنا صلة، ومثله: (فبما نقضهم ميثاقهم) قال ابن ~~الأنباري: دخول " ما " هاهنا يحدث توكيدا. # قال النابغة: # المرء يهوى أن يعي * ش وطول عيش قد يضره فأكد بذكر " ما " وفيمن تتعلق ms0353 به ~~هذه الرحمة قولان: # أحدهما: أنها تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: بالمؤمنين. PageV02P046 # قال قتادة: ومعنى (لنت لهم) لأن جانبك، وحسن خلقك، وكثر احتمالك. قال ~~الزجاج: والفظ: الغليظ الجانب، السئ الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة وفظظا، ~~والفظ: ماء الكرش والفرث، وإنما سمي فظا لغلظ مشربه. فأما الغليظ القلب، ~~فقيل: هو القاسي القلب، فيكون ذكر الفظاظة والغلظ - وإن كانا بمعنى واحد - ~~توكيدا. وقال ابن عباس: الفظ: في القول، والغليظ القلب: في الفعل. # قوله تعالى: (لانفضوا) أي: تفرقوا. وتقول: فضضت عن الكتاب ختمه: إذا ~~فرقته عنه. # (فاعف عنهم) أي: تجاوز عن هفواتهم، وسل الله المغفرة لذنوبهم (وشاورهم في ~~الأمر) معناه: استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم. ويقال: إنه من: شرت العسل. # وأنشدوا: # وقاسمها بالله حقا لأنتم * ألذ من الشكوى إذا ما نشورها قال الزجاج: ~~يقال: شاورت الرجل مشاورة وشورا، وما يكون عن ذلك اسمه المشورة. # وبعضهم يقول: المشورة. ويقال: فلان حسن الصورة والشورة، أي: حسن الهيئة ~~واللباس. ومعنى قولهم: شاورت فلانا، أظهرت ما عنده وما عندي. وشرت الدابة: ~~إذا امتحنتها، فعرفت هيئتها في سيرها. وشرت العسل: إذا أخذته من مواضع ~~النحل. وعسل مشار. قال الأعشى: # كأن القرنفل والزنجبيل * باتا بفيها وأريا مشارا والأري: العسل. واختلف ~~العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي، تام ~~التدبير، على ثلاثة أقوال: # أحدها: ليستن به من بعده، وهذا قول الحسن، وسفيان بن عيينة. # والثاني: لتطيب قلوبهم، وهو قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق، ومقاتل. قال ~~الشافعي رضي الله عنه: نظير هذا قوله عليه السلام: " البكر تستأمر في نفسها ~~"، إنما أراد استطابة نفسها، فإنها لو كرهت، كان للأب أن يزوجها، وكذلك ~~مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه حين أمر بذبحه. # والثالث: للإعلام ببركة المشاورة، وهو قول الضحاك. ومن فوائد المشاورة أن ~~المشاور إذا لم ينجح أمره، علم أن امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم نفسه، ~~ومنها أنه قد يعزم على أمر، فيبين له الصواب في قول غيره، فيعلم عجز نفسه ~~عن الإحاطة بفنون المصالح. قال ms0354 علي عليه السلام: # الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل ~~يؤمنك من الندم. وقال PageV02P047 # بعض الحكماء: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا حصنت النعم بمثل ~~المواساة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر. واعلم أنه إنما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما لم يأته فيه وحي، وعمهم بالذكر، ~~والمقصود أرباب الفضل والتجارب منهم. وفي الذي أمر بمشاورتهم فيه قولان: ~~حكاهما القاضي أبو يعلى. # أحدهما: أنه أمر الدنيا خاصة. # والثاني: أمر الدين والدنيا، وهو أصح. # وقد قرأ ابن مسعود، وابن عباس " وشاورهم في بعض الأمر ". # قوله تعالى: (فإذا عزمت) قال ابن فارس: العزم: عقد القلب على الشئ ويريد ~~أن يفعله. وقد قرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو العالية، وعكرمة، والجحدري: ~~(فإذا عزمت) بضم التاء. فأما التوكل، فقد سبق شرحه. # ومعنى الكلام: فإذا عزمت على فعل شئ، فتوكل على الله، لا على المشاورة. # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (160) قوله تعالى: (إن ينصركم الله) قال ابن فارس: ~~النصر: العون، والخذلان: ترك العون. # وقيل: الكناية في قوله تعالى (من بعده) تعود إلى خذلانه. # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل) في سبب نزولها ~~سبعة أقوال: # أحدها: أن قطيفة من المغنم فقدت يوم بدر، فقال ناس: لعل النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] أخذها، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا غل من غنائم هوازن يوم حنين، فنزلت هذه الآية، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. PageV02P048 # والثالث: أن قوما من أشراف الناس طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يخصهم بشئ من الغنائم، فنزلت هذه الآية، نقل عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث طلائعا، فغنم النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] غنيمة، ولم يقسم للطلائع، فقالوا قسم ms0355 الفئ ولم يقسم لنا، فنزلت ~~هذه الآية، قاله الضحاك. # والخامس: أن قوما غلوا يوم بدر، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والسادس: أنها نزلت في الذين تركوا مركزهم يوم أحد طلبا للغنيمة، وقالوا: ~~نخاف أن يقول النبي [صلى الله عليه وسلم]: " من أخذ شيئا، فهو له " فقال ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا؟! # أظننتم أنا نغل؟! " فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والسابع: أنها نزلت في غلول الوحي، قاله القرظي، وابن إسحاق. # وذكر بعض المفسرين أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم وآلهتهم، ~~فسألوه أن يطوي ذلك، فنزلت هذه الآية. # واختلف القراء في " يغل " فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: بفتح الياء ~~وضم الغين، ومعناها: يخون. وفي هذه الخيانة قولان: # أحدهما: خيانة المال على قول الأكثرين. # والثاني: خيانة الوحي على قول القرظي، وابن إسحاق، وقرأ الباقون: بضم ~~الياء وفتح الغين، ولها وجهان: # أحدهما: أن يكون المعنى يخان، قاله الحسن، وابن قتيبة. # والثاني: يخون، قاله الفراء، وأجازه الزجاج، ورده ابن قتيبة، فقال: لو ~~أراد: يخون، لقال: # يغلل، كما يقال: يفسق. # وقيل: " اللام " في قوله " لنبي " منقولة، ومعنى الآية: وما كان النبي ~~ليغل، ومثله: (ما كان لله أن يتخذ من ولد)، أي: ما كان الله ليتخذ ولدا. # وهذه الآية من ألطف التعريض، إذ قد ثبتت براءة ساحة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، من الغلول فدل على أن PageV02P049 # الغلول في غيره. ومثله: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) وقد ~~ذكر عن السدي نحو هذا. # قوله تعالى: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) الغلول: أخذ شئ من المغنم ~~خفية، ومنه الغلالة، وهي ثوب يلبس تحت الثياب، والغلل: وهو الماء الذي يجري ~~بين الشجر، والغل: # وهو الحقد الكامن في الصدر، وأصل الباب الاختفاء وفي إتيانه بما غل ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه يأتي بما غله، يحمله، ويدل عليه ما روى البخاري ومسلم في " ~~الصحيحين " من حديث أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله ms0356 عليه وسلم ~~يوما فذكر الغلول، فعظمه، وعظم أمره، ثم قال: " لا ألفين أحدكم يجئ يوم ~~القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك ~~لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته فرس له ~~حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ~~ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله ~~أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة ~~على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، ~~قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول ~~الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. الرغاء: صوت البعير، ~~والثغاء: صوت الشاة، والنفس: ما يغل من السبي، والرقاع: الثياب، والصامت: ~~المال. # والقول الثاني: أنه يأتي حاملا إثم ما غل. # والثالث: أنه يرد عوض ما غل من حسناته، والقول الأول أصح لمكان الأثر ~~الصحيح. # أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~(162) قوله تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله) اختلفوا في معنى هذه الآية على ~~قولين: # أحدهما: أن معناها: أفمن اتبع رضوان الله، فلم يغل، (كمن باء بسخط من ~~الله) حين غل؟! هذا قول سعيد بن جبير، والضحاك، والجمهور. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر المسلمين باتباعه يوم أحد، ~~اتبعه المؤمنون، وتخلف جماعة من المنافقين، فأخبر الله بحال من تبعه، ومن ~~تخلف عنه، هذا قول الزجاج. PageV02P050 # هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) قوله تعالى: (هم درجات) ~~قال الزجاج: معناه: هم ذوو درجات. وفي معنى درجات قولان: # أحدهما: أنها درجات الجنة، قاله الحسن. # والثاني: أنها فضائلهم، فبعضها أفضل من بعض، قاله الفراء، وابن قتيبة. # وفيمن عنى بهذا الكلام قولان: # أحدهما: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط من الله، فلمن ~~اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه ms0357 العذاب، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فإنهم يتفاوتون في المنازل، ~~هذا قول سعيد بن جبير، وأبي صالح، ومقاتل. # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) قوله ~~تعالى: (لقد من الله على المؤمنين) أي: أنعم عليهم. و (أنفسهم): جماعتهم، ~~وقيل: نسبهم. وقرأ الضحاك، وأبو الجوزاء: (من أنفسهم) بفتح الفاء. وفي وجه ~~الامتنان عليهم بكونه من أنفسهم أربعة أقوال: # أحدها: لكونه معروف النسب فيهم، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: لكونهم قد خبروا أمره، وعلموا صدقه، قاله الزجاج. # والثالث: ليسهل عليهم التعلم منه، لموافقة لسانه للسانهم، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # والرابع: لأن شرفهم يتم بظهور نبي منهم، قاله الماوردي. # وهل هذه الآية خاصة أم عامة؟ فيه قولان: # أحدهما: أنها خاصة للعرب، روي عن عائشة والجمهور. # والثاني: أنها عامة لسائر المؤمنين، فيكون المعنى أنه ليس بملك، ولا بني ~~آدم، وهذا اختيار الزجاج. وقد سبق في (البقرة) بيان باقي الآية. ~~PageV02P051 # أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ~~إن الله على كل شئ قدير (165) قوله تعالى: (أو لما أصابتكم مصيبة) قال عمر ~~بن الخطاب [رضي الله عنه]: لما كان يوم أحد، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر، من ~~أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي [صلى الله عليه وسلم]، ~~وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: (أو لما) قال الزجاج: هذه واو النسق، دخلت عليها ألف ~~الاستفهام، فبقيت مفتوحة على هيئتها قبل دخولها، ومثل ذلك قول القائل: تكلم ~~فلان بكذا وكذا فيقول المجيب له: # أو هو ممن يقول ذلك؟ فأما " المصيبة " فما أصابهم يوم أحد، وكانوا قد ~~أصابوا مثليها من المشركين يوم بدر، لأنهم قتل منهم سبعون، فقتلوا يوم بدر ~~سبعين، وأسروا سبعين، وهذا قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والجماعة، إلا ~~أن الزجاج قال: قد أصبتم يوم أحد مثلها، ويو بدر ms0358 مثلها، فجعل المثلين في ~~اليومين. # قوله تعالى: (أنى هذا) قال ابن عباس: من أين أصابنا هذا ونحن مسلمون؟ # قوله تعالى: (قل هو من عند أنفسكم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: بأخذكم الفداء يوم بدر، قاله عمر بن الخطاب. وقال علي ~~بن أبي طالب [رضي الله عنه]: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن ~~يضربوا أعناق الأسارى، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فذكر ~~ذلك للناس، فقالوا: عشائرنا وإخواننا، بل نأخذ منهم الفداء، ويستشهد منا ~~عدتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر فعلى هذا يكون المعنى: قل هو ~~بأخذكم الفداء، واختياركم القتل لأنفسكم. # والثاني: أنه جرى ذلك بمعصية الرماة يوم أحد، وتركهم أمر رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] قاله ابن عباس، ومقاتل في آخرين. # والثالث: أنه بمخالفتهم الرسول في الخروج من المدينة يوم أحد، فإنه أمرهم ~~بالتحصن فيها، فقالوا: بل نخرج، قاله قتادة، والربيع. قال مقاتل: إن الله ~~على كل شئ من النصر والهزيمة قدير. PageV02P052 # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان) الجمعان: النبي وأصحابه، وأبو سفيان وأصحابه، وذلك في يوم أحد، ~~وقد سبق ذكر ما أصابهم. # قوله تعالى: (فبإذن الله) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أمره. # والثاني: قضاؤه، رويا عن ابن عباس. # والثالث: علمه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (وليعلم المؤمنين) أي: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما ~~نالهم، ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم وقلة صبرهم. قال ابن قتيبة: والنفاق ~~مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو جحر من جحرته يخرج منه إذا أخذ عليه الجحر ~~الذي دخل فيه. قال ابن قتيبة: قال الزيادي عن الأصمعي: # ولليربوع أربعة ms0359 أجحرة، النافقاء: وهو الذي يخرج منه كثيرا، ويدخل منه ~~كثيرا. والقاصعاء، هذه سمي بذلك لأنه يخرج تراب الجحر، ثم يقصع ببعضه كأنه ~~يسد به فم الجحر، ومنه يقال: جرح فلان قد قصع بالدم: إذا امتلأ ولم يسل. ~~والداماء، سمي بذلك، لأنه يخرج التراب من فم الجحر، ثم يدم به فم الجحر، ~~كأنه يطليه، ومنه يقال: ادمم قدرك بشحم، أي اطلها به. والراهطاء، ولم يذكر ~~اشتقاقه، وإنما يتخذ هذه الجحر عددا، فإذا أخذ عليه بعضها، خرج من بعض. قال ~~أبو زيد: فشبه المنافق به، لأنه يدخل في الإسلام بلفظه، ويخرج منه بعقدة، ~~كما يدخل اليربوع من باب ويخرج من باب. قال ابن قتيبة: والنفاق: لفظ إسلامي ~~لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام. قال ابن عباس: والمراد بالذين نافقوا عبد ~~الله بن أبي، وأصحابه. قال موسى بن عقبة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد، ومعه المسلمون، وهم ألف رجل، والمشركون ثلاثة آلاف، فرجع عنه ابن أبي ~~في ثلاثمئة. # فأما القتال، فمباشرة الحرب. وفي المراد بالدفع ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التكثير بالعدد. رواه مجاهد عن ابن عباس وهو قول الحسن، ~~وعكرمة، PageV02P053 # والضحاك، والسدي، وابن جريج في آخرين. # والثاني: أن معناه: ادفعوا عن أنفسكم وحريمكم، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وهو قول مقاتل. # والثالث: أنه بمعنى القتال أيضا. قاله ابن زيد. # قوله تعالى: (لو نعلم قتالا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: لو نعلم أن اليوم يجري قتال ما أسلمناكم، ذكره ابن ~~إسحاق. # والثاني: لو كنا نحسن القتال لاتبعناكم. # والثالث: إنما معناه: أن هناك قتلا وليس بقتال، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: (هم للكفر) أي: إلى الكفر (أقرب منهم للايمان) أي: إلى ~~الإيمان، وإنما قال: يومئذ، لأنهم فيما قبل لم يظهروا مثل ما أظهروا، ~~فكانوا بظاهر حالهم فيما قبل أقرب إلى الإيمان. # قوله تعالى: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) فيه وجهان ذكرهما ~~الماوردي: # أحدهما: ينطقون بالإيمان، وليس في قلوبهم إلا الكفر. # والثاني: يقولون: نحن أنصار، وهم أعداء. وذكر في الذي يكتمون ms0360 وجهين: # أحدهما: أنه النفاق. # والثاني: العداوة. # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين (168) قوله تعالى: (الذين قالوا لإخوانهم) قال ابن ~~عباس: نزلت في عبد الله بن أبي. وفي إخوانهم قولان: # أحدهما: أنهم إخوانهم في النفاق، قاله ابن عباس. # والثاني: إخوانهم في النسب، قاله مقاتل. فعلى الأول يكون المعنى: قالوا ~~لإخوانهم المنافقين: لو أطاعنا الذين قتلوا مع محمد ما قتلوا، وعلى الثاني ~~يكون المعنى: قالوا عن إخوانهم الذين استشهدوا بأحد: لو أطاعونا ما قتلوا. ~~PageV02P054 # قوله تعالى: (وقعدوا) يعني القائلين قعدوا عن الجهاد. # قوله تعالى: (فادرؤوا) أي: فادفعوا (عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) أن ~~الحذر ينفع مع القدر. # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~(169) قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) قرأ ابن ~~عامر: قتلوا بالتشديد. # واختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في شهداء أحد، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير ~~خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ~~ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: ليت إخواننا ~~يعلمون بما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، قال الله تعالى: أنا ~~أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية " وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي ~~الضحى. # والثاني: أنها نزلت في شهداء بدر لما أفضوا إلى كرامة الله عز وجل ~~وقالوا: ربنا أعلم إخواننا، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. # والثالث: أنها نزلت في شهداء بئر معونة. روى محمد بن إسحاق عن أشياخ له، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث المنذر بن عمرو في سبعين رجلا من خيار ~~المسلمين إلى أهل نجد، فلما نزلوا بئر معونة، خرج حزام بن ملحان إلى عامر ~~بن الطفيل بكتاب رسول الله ms0361 [صلى الله عليه وسلم]، فلم ينظر فيه عامر، وخرج ~~رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنب حرام حتى خرج من الشق الآخر، فقال: ~~الله أكبر، فزت ورب الكعبة، وقتل سائر أصحابه غير واحد منهم، قال أنس بن ~~مالك: فأنزل الله تعالى فيهم: " بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي ~~عنا ورضينا عنه " ثم رفعت، فنزلت هذه الآية: # (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا). # فهذا اختلاف الناس فيمن نزلت، واختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الشهداء بعد استشهادهم سألوا الله أن يخبر إخوانهم بمصيرهم، ~~وقد ذكرناه عن ابن عباس. PageV02P055 # والثاني: أن رجلا قال: يا ليتنا نعلم ما لقي إخواننا الذين استشهدوا، ~~فنزلت، قاله مقاتل. # والثالث: أن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور، تحسروا، ~~وقالوا نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا، وأبناؤنا، وإخواننا، في القبور، ~~فنزلت هذه الآية، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # فأما التفسير، فمعنى الآية: لا تحسبنهم أمواتا كالأموات الذين لم يقتلوا ~~في سبيل الله، وقد بينا هذا المعنى في (البقرة) وذكرنا أن معنى حياتهم: أن ~~أرواحهم في حواصل طير تأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها. قال مجاهد: ~~يرزقون من ثمر الجنة. # فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) قوله تعالى: (فرحين) قال ابن قتيبة: ~~الفرح: المسرة، فأما الذي آتاهم الله، فما نالوا من كرامة الله ورزقه، ~~والاستبشار: السرور بالبشارة (للذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) إخوانهم من ~~المسلمين. وفي سبب استبشارهم بهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الله تعالى ما أخبر بكرامة الشهداء، أخبر الشهداء بأني قد ~~أنزلت على نبيكم، وأخبرته بأمركم، فاستبشروا، وعلموا أن إخوانهم سيحرصون ~~على الشهادة، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: يستبشرون بإخوانهم الذين يرجون لهم الشهادة، يقولون: إن قتلوا ~~نالوا ما نلنا من الفضل، قاله قتادة. # والثالث: أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه وأهله، ~~وفيه يقدم عليك فلان يوم ms0362 كذا وكذا، فيستبشر بقدومه، كما يستبشر أهل الغائب ~~به، هذا قول السدي. " والهاء " و " الميم " في قوله تعالى: (أن لا خوف ~~عليهم) تعود إلى الذين لم يلحقوا بهم. قال الفراء: # معناه: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم، ولا حزن. وفي ماذا يرتفع " ~~الخوف " و " الحزن " عنهم؟ فيه قولان: # أحدهما: لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم، ولا يحزنون على ما خلفوا من ~~أموالهم. # والثاني: لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه، ولا يحزنون على مفارقة الدنيا ~~فرحا بالآخرة. # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) ~~PageV02P056 # قوله تعالى: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل) قال مقاتل: برحمة ورزق. # قوله تعالى: (وأن الله) قرأ الجمهور بالفتح على معنى: ويستبشرون بأن ~~الله، وقرأ الكسائي بالكسر على الاستئناف. # الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم (172) قوله تعالى: (الذين استجابوا لله والرسول) في سبب ~~نزولها قولان: # أحدهما: أن المشركين لما انصرفوا يوم أحد، ندب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه لاتباعهم، ثم خرج بمن انتدب معه، فلقي أبو سفيان قوما، فقال: إن ~~لقيتم محمدا، فأخبروه أني في جمع كثير، فلقيهم النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~فسألهم عنه؟ فقالوا: لقيناه في جمع كثير، ونراك في قلة، فأبى إلا أن يطلبه، ~~فسبقه أبو سفيان، فدخل مكة، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أن أبا سفيان لما أراد الانصراف عن أحد، قال يا محمد، موعد ~~بيننا وبينك موسم بدر، فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان، ثم ألقى الله ~~في قلبه الرعب، فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود، فقال: إني قد واعدت ~~محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وهذا عام جدب، لا يصلح لنا، ~~فثبطهم عنا، وأعلمهم أنا في جمع كثير، فلقيهم فخوفهم، فقالوا: حسبنا الله ~~ونعم الوكيل، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، حتى أقاموا ببدر ~~ينتظرون أبا سفيان، فنزل قوله: (الذين استجابوا لله والرسول) الآيات. وهذا ~~المعنى مروي عن مجاهد، ms0363 وعكرمة. والاستجابة: # الإجابة. وأنشدوا: # فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي: فلم يجبه. # وفي المراد النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه وندب الناس إلى الخروج ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: ليرهب العدو باتباعهم. # والثاني: لموعد أبي سفيان. PageV02P057 # والثالث: لأنه بلغه عن القوم أنهم قالوا: أصبتم شوكتهم، ثم تركتموهم. وقد ~~سبق الكلام في القرح. # قوله تعالى: (للذين أحسنوا منهم) أي: أحسنوا بطاعة الرسول، واتقوا ~~مخالفته الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس) في ~~المراد بالناس ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم ركب لقيهم أبو سفيان، فضمن لهم ضمانا لتخويف النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] وأصحابه، قاله ابن عباس، وابن إسحاق. # والثاني: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي، قاله مجاهد، وعكرمة، ومقاتل في ~~آخرين. # والثالث: أنهم المنافقون، لما رأوا النبي [صلى الله عليه وسلم] يتجهز، ~~نهوا المسلمين عن الخروج، وقالوا: # إن أتيتموهم في ديارهم، لم يرجع منكم أحد، هذا قول السدي. # قوله تعالى: (إن الناس قد جمعوا لكم) يعني أبا سفيان وأصحابه. # قوله تعالى: (فزادهم إيمانا) قال الزجاج: زادهم ذلك التخويف ثبوتا في ~~دينهم، وإقامة على نصرة نبيهم، وقالوا: (حسبنا الله) أي: هو الذي يكفينا ~~أمرهم. فأما " الوكيل "، فقال الفراء: الوكيل: الكافي، واختاره ابن القاسم. ~~وقال ابن قتيبة: هو الكفيل، قال: ووكيل الرجل في ماله: هو الذي كفله له، ~~وقام به. وقال الخطابي: الوكيل: الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم، وحقيقته: ~~أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه. وحكى ابن الأنباري: أن قوما قالوا: ~~الوكيل: الرب. # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو ~~فضل عظيم (174) قوله تعالى: (فانقلبوا بنعمة من الله) الانقلاب: الرجوع. ~~وفي النعمة، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الأجر، قاله مجاهد. # والثاني: العافية، قاله السدي. # والثالث: الإيمان والنصر، قاله الزجاج. وفي الفضل، ثلاثة أقوال: ~~PageV02P058 # أحدها: ربح التجارة، قاله مجاهد، والسدي، وهذا قول من يرى أنهم خرجوا ~~لموعد أبي سفيان. قال الزهري: لما استنفر النبي [صلى الله عليه وسلم] ms0364 ~~المسلمين لموعد أبي سفيان ببدر، خرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا ~~سفيان، فهو الذي خرجنا إليه، وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا، وكانت بدر متجرا ~~يوافي كل عام، فانطلقوا فقضوا حوائجهم، وأخلف أبو سفيان الموعد. # والثاني: أنهم أصابوا سرية بالصفراء، فرزقوا منها، قاله مقاتل. # والثالث: أنه الثواب، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (لم يمسسهم سوء) قال ابن عباس: لم يؤذهم أحد. (واتبعوا رضوان ~~الله) في طلب القوم. (والله ذو فضل) أي: ذو من بدفع المشركين عن المؤمنين. # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) ~~قوله تعالى: (إنما ذلكم الشيطان) قال الزجاج: معناه: ذلك التخويف كان فعل ~~الشيطان، سوله للمخوفين. # وفي قوله تعالى: (يخوف أولياءه) قولان: # أحدهما: أن معناه: يخوفكم بأوليائه، قاله الفراء، واستدل بقوله تعالى: ~~(لينذر بأسا شديدا). أي: ببأس، وبقوله تعالى: (لينذر يوم التلاق) أي: بيوم ~~التلاق. وقال الزجاج: # معناه: يخوفكم من أوليائه، بدليل قوله [تعالى]: (فلا تخافوهم). # وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وإبراهيم، وابن قتيبة. # وأنشد ابن الأنباري في ذلك: # وأيقنت التفرق يوم قالوا * تقسم مال أربد بالسهام أراد: أيقنت بالتفرق. ~~قال: فلما أسقط الباء أعمل الفعل فيما بعدها ونصبه. قال: والذي نختاره في ~~الآية: أن المعنى: يخوفكم أولياءه. تقول العرب: قد أعطيت الأموال، يريدون: ~~أعطيت القوم الأموال، فيحذفون القوم، ويقتصرون على ذكر المفعول الثاني. ~~فهذا أشبه من ادعاء " باء " ما عليها دليل، ولا تدعوا إليها ضرورة. # والثاني: أن معناه: يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين، ~~قاله الحسن والسدي، وذكره الزجاج. # قوله تعالى: (فلا تخافوهم) يعني: أولياء الشيطان (وخافون) في ترك أمري. ~~وفي PageV02P059 # إن قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: " إذ " قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنها للشرط، وهو قول الزجاج في آخرين. # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) قوله تعالى: (ولا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر) قرأ نافع ى " حزنك " " ليحزنني " و " ليحزن " ولم بضم ~~الياء ms0365 وكسر الزاي في جميع القرآن، إلا في (الأنبياء) (لا يحزنهم الفزع)، ~~فإنه فتح الياء، وضم الزاي. وقرأ الباقون كل ما في القرآن بفتح الياء وضم ~~الزاي. قال أبو علي: يشبه أن يكون نافع تبع في سورة (الأنبياء) أثرا، أو ~~أحب أن يأخذ بالوجهين. وفي الذين يسارعون في الكفر أربعة أقوال: # أحدها: أنهم المنافقون، ورؤساء اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: المنافقون، قاله مجاهد. # والثالث: كفار قريش، قاله الضحاك. # والرابع: قوم ارتدوا عن الإسلام، ذكره الماوردي. # وقيل: معنى مسارعتهم في الكفر: مظاهرتهم للكفار، ونصرهم إياهم. فإن قيل: ~~كيف لا يحزنه المسارعة في الكفر؟ فالجواب: لا يحزنك فعلهم، فإنك منصور ~~عليهم. # قوله تعالى: (إنهم لن يضروا الله شيئا) فيه قولان: # أحدهما: لن ينقصوا الله شيئا بكفرهم، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: لن يضروا أولياء الله شيئا، قاله عطاء. قال ابن عباس: والحظ: ~~النصيب، والآخرة: # الجنة. (ولهم عذاب عظيم) في النار. # إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ~~قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالايمان) قال مجاهد: المنافقون آمنوا ~~ثم كفروا، وقد سبق في (البقرة) معنى الاشتراء. # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم PageV02P060 # عذاب مهين (178) قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم) اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: في اليهود والنصارى والمنافقين، قاله ابن عباس. # والثاني: في قريظة والنضير، قاله عطاء. # والثالث: في مشركي مكة، قاله مقاتل. # والرابع: في كل كافر، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، (ولا يحسبن الذين يبخلون) (ولا يحسبن ~~الذين يفرحون) بالياء وكسر السين، ووافقهم ابن عامر غير أنه فتح السين، ~~وقرأ حمزة بالتاء، وقرأ عاصم والكسائي كل ما في هذه السورة بالتاء غير ~~حرفين (ولا يحسبن الذين كفروا) (ولا يحسبن الذين يبخلون) فإنهما بالياء، ~~إلا أن عاصما فتح السين، وكسرها الكسائي، ولم يختلفوا في (ولا تحسبن الذين ~~قتلوا) أنها بالتاء. (ونملي لهم): أي: نطيل لهم في ms0366 العمر، ومثله: (واهجرني ~~مليا) قال ابن الأنباري: واشتقاق " نملي لهم " من الملوة، وهي المدة من ~~الزمان، يقال: ملوة من الدهر، وملوة، وملوة، وملاوة، وملاوة، وملاوة، ~~بمعنى، ومنه قولهم وتمل حبيبا، أي: لتطل أيامك معه. # قال متمم بن نويرة: # بودي لو أني تمليت عمره * بمالي من مال طريف وتالد وما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم ~~على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا ~~وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه) في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن قريشا قالت: تزعم يا محمد أن من اتبعك، فهو في الجنة، ومن ~~خالفك فهو في النار؟! فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول ابن عباس. PageV02P061 # والثاني: أن المؤمنين سألوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن ~~والمنافق، فنزلت هذه الآية، هذا قول أبى العالية. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرضت علي أمتي، وأعلمت من ~~يؤمن بي، ومن يكفر، فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزؤوا، وقالوا: فنحن معه ولا ~~يعرفنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. # والرابع: أن اليهود، قالت: يا محمد قد كنتم راضين بديننا، فكيف بكم لو ~~مات بعضكم قبل نزول كتابكم؟! فنزلت هذه الآية. هذا قول عمر مولى غفرة. # والخامس: أن قوما من المنافقين ادعوا أنهم في إيمانهم مثل المؤمنين، ~~فأظهر الله نفاقهم يوم أحد، وأنزل هذه الآية، هذا قول أبي سليمان الدمشقي. # وفي المخاطب بهذه الآية قولان: # أحدهما: أنهم الكفار، والمنافقون، وهو قول ابن عباس، والضحاك. # والثاني: أنهم المؤمنون، فيكون المعنى: ما كان الله ليذركم على ما أنتم ~~عليه من التباس المؤمن بالمنافق. قال الثعلبي: وهذا قول أكثر أهل المعاني. # قوله تعالى: (حتى يميز الخبيث من الطيب) قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، ~~وابن عامر (حتى يميز) و (ليميز الله الخبيث) بفتح الياء والتخفيف. وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب: ms0367 " يميز " بالتشديد، وكذلك في الأنفال: ~~(ليميز الله الخبيث). # قال أبو علي: مزت وميزت لغتان. قال ابن قتيبة: ومعنى يميز: يخلص. فأما ~~الطيب، فهو المؤمن. وفي الخبيث قولان: # أحدهما: أنه المنافق، قاله مجاهد، وابن جريج. # والثاني: الكافر، قاله قتادة، والسدي. وفي الذي وقع به التمييز بينهم ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الهجرة والقتال، قاله قتادة، وهو قول من قال: الخبيث: الكافر. # والثاني: أنه الجهاد، وهو قول من قال: هو المنافق. قال مجاهد: فميز الله ~~يوم أحد بين المؤمنين والمنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلفوا. # والثالث: أنه جميع الفرائض والتكاليف. فإن المؤمن مستور الحال بالإقرار، ~~فإذا جاءت PageV02P062 # التكاليف بان أمره، هذا قول ابن كيسان. # وفي المخاطب بقوله [تعالى]: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) قولان: # أحدهما: أنهم كفار قريش، فمعناه: ما كان الله ليبين لكم المؤمن من ~~الكافر، لأنهم طلبوا ذلك، فقالوا: أخبرنا بمن يؤمن ومن لا يؤمن، هذا قول ~~ابن عباس. # والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فمعناه: وما كان الله ليطلع ~~محمدا على الغيب، قاله السدي. # " ويجتبي " بمعنى يختار، قاله الزجاج وغيره. فمعنى الكلام على القول ~~الأول: أن الله لا يطلع على الغيب أحدا إلا الأنبياء الذين اجتباهم، وعلى ~~القول الثاني: أن الله لا يطلع على الغيب أحدا إلا أنه يجتبي من يشاء ~~فيطلعه على ما يشاء. # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما ~~تعملون خبير (180) قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله) ~~اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في الذين يبخلون أن يؤدوا زكاة أموالهم، وهو قول ابن ~~مسعود وأبي هريرة، وابن عباس في رواية أبي صالح، والشعبي، ومجاهد، وفي ~~رواية السدي في آخرين. # والثاني: أنها في الأحبار الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ونبوته، رواه عطية عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد، واختاره الزجاج. # قال الفراء: ومعنى الكلام: لا يحسبن الباخلون ms0368 البخل هو خيرا لهم، فاكتفى ~~بذكر " يبخلون " من البخل، كما تقول: قدم فلان، فسررت به، أي: سررت بقدومه. # قال الشاعر: # إذا نهي السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف ويدخلون إلى السفه. ~~والذي آتاهم الله على قول من قال: البخل بالزكاة: هو المال، وعلى قول من ~~قال: البخل بذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم هو العلم. # قوله تعالى: (هو) إشارة إلى البخل وليس مذكورا، ولكنه مدلول عليه ب‍ " ~~يبخلون " وفي معنى تطويقهم به أربعة أقوال: PageV02P063 # أحدها: أنه يجعل كالحية يطوق بها الإنسان، روى ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم ~~القيامة شجاع أقرع يفر منه، وهو يتبعه حتى يطوق في عنقه " ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) وهذا مذهب ابن ~~مسعود، ومقاتل. # والثاني: أنه يجعل طوقا من نار، رواه منصور عن مجاهد، وإبراهيم. # والثالث: أن معنى تطويقهم به: تكليفهم أن يأتوا به، رواه ابن أبي نجيح، ~~عن مجاهد. # والرابع: أن معناه: يلزم أعناقهم إثمه، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (ولله ميراث السماوات والأرض) قال ابن عباس: يموت أهل ~~السماوات وأهل الأرض، ويبقى رب العالمين، قال الزجاج: خوطب القوم بما ~~يعقلون، لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثا إذا كان ملكا له، وقال ابن ~~الأنباري: معنى الميراث: انفراد الرجل بما كان لا ينفرد به، فلما مات ~~الخلق، وانفرد عز وجل صار ذلك له وراثة. # قوله تعالى: (والله بما تعملون خبير) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " يعملون ~~" بالياء اتباعا لقوله تعالى: (سيطوقون) وقرأ الباقون بالتاء، لأن قبله ~~(وإن تؤمنوا وتتقوا). # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) قوله تعالى: (لقد ~~سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن أبا بكر الصديق [رضي الله عنه] دخل بيت مدراس اليهود، ms0369 فوجدهم ~~قد اجتمعوا على رجل منهم، اسمه فنحاص، فقال له أبو بكر: اتق الله وأسلم، ~~فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله. فقال: والله يا أبا بكر ما بنا إلى ~~الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنيا عنا ما استقرضنا فغضب أبو بكر ~~وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والله لولا العهد الذي بيننا لضربت عنقك. ~~فذهب فنحاص يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أبو بكر بما قال، ~~فجحد فنحاص، فنزلت هذه الآية، ونزل فيما بلغ من أبي بكر من الغضب (ولتسمعن ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) هذا قول ابن ~~عباس وإلى نحوه ذهب مجاهد، وعكرمة والسدي، ومقاتل. PageV02P064 # والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا) قالت ~~اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني، فنزلت هذه الآية، هذا قول الحسن، ~~وقتادة. # وفي الذين قالوا: إن الله فقير، أربعة أقوال: # أحدها: أنه فنحاص بن عازوراء اليهودي، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: حيي بن أخطب، قاله الحسن وقتادة. # والثالث: أن جماعة من اليهود قالوه. قال مجاهد: صك أبو بكر رجلا من الذين ~~قالوا: (إن الله فقير ونحن أغنياء) لم يستقرضنا وهو غني؟! # والرابع: أنه النباش بن عمرو اليهودي، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (سنكتب ما قالوا) قرأ حمزة وحده: " سيكتب " بياء مضمومة و ~~(قتلهم) بالرفع و " يقول " بالياء، وقرأ الباقون: (سنكتب ما قالوا) بالنون، ~~و (قتلهم) بالنصب و " نقول " بالنون، وقرأ ابن مسعود " ويقال " وقرأ الأعمش ~~وطلحة: و " يقول ". # وفي معنى (سنكتب ما قالوا) قولان: # أحدهما: سنحفظ عليهم ما قالوا، قاله ابن عباس. # والثاني: سنأمر الحفظة بكتابته، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (وقتلهم الأنبياء) أي: ونكتب ذلك. فإن قيل: هذا القائل لم ~~يقتل نبيا قط، فالجواب أنه رضي بفعل متقدميه لذلك، كما بينا في قوله تعالى: ~~(ويقتلون النبيين بغير الحق). # قال الزجاج: ومعنى (عذاب الحريق) عذاب محرق، أي: عذاب بالنار، لأن العذاب ~~قد يكون بغير النار. # ذلك بما قدمت ms0370 أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) قوله تعالى: (ذلك) ~~إشارة إلى العذاب، والذي قدمت أيديهم: الكفر والخطايا.. # الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم ~~صادقين (183) قوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا) قال ابن عباس: ~~نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وحيي بن أخطب، وجماعة من اليهود، ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الله عهد PageV02P065 # إلينا، أي: أمرنا في التوراة: أن لا نؤمن لرسول، أي: لا نصدق رسولا يزعم ~~أنه رسول، حتى يأتينا بقربان تأكله النار. قال ابن قتيبة: والقربان: ما ~~تقرب به إلى الله تعالى من ذبح وغيره. وإنما طلبوا القربان، لأنه لأنه كان ~~من سنن الأنبياء المتقدمين، وكان نزول النار علامة القبول. قال ابن عباس: # كان الرجل يتصدق، فإذا قبلت منه، نزلت نار من السماء، فأكلته، وكانت نارا ~~لها دوي، وحفيف. # وقال عطاء: كان بنو إسرائيل يذبحون لله، فيأخذون أطايب اللحم، فيضعونها ~~في وسط البيت تحت السماء، فيقوم النبي في البيت، ويناجي ربه، فتنزل نار، ~~فتأخذ ذلك القربان، فيخر النبي ساجدا، فيوحي الله إليه ما يشاء. قال ابن ~~عباس: قل يا محمد لليهود (قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات) أي: بالآيات، ~~(وبالذي) سألتم من القربان. # فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير ~~(184) قوله تعالى: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك) معناه: لست بأول رسول ~~كذب. قال أبو علي: وقرأ ابن عامر وحده " بالبينات والزبر " بزيادة باء، ~~وكذلك في مصاحف أهل الشام، ووجهه أن إعادة الباء ضرب من التأكيد، ووجه ~~قراءة الجمهور أن الواو قد أغنت عن تكرير العامل، تقول: # مررت بزيد وعمرو، فتستغني عن تكرير الباء. # قوله تعالى: (والكتاب المنير) قال أبو سليمان: يعني به الكتب النيرة ~~بالبراهين والحجج. # كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وأدخل الجنة فقد فاز ms0371 وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) قوله تعالى: ~~(كل نفس ذائقة الموت) قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى (قل يتوفاكم ملك ~~الموت الذي وكل بكم) قالوا: يا رسول الله إنما نزل في بني آدم، فأين ذكر ~~الموت في الجن. # والطير، والأنعام، فنزلت هذه الآية. وفي ذكر الموت تهديد للمكذبين ~~بالمصير، وتزهيد في الدنيا وتنبيه على اغتنام الأجل. # وفي قوله تعالى: (إنما توفون أجوركم يوم القيامة) بشارة للمحسنين، وتهديد ~~للمسيئين. # قوله تعالى: (فمن زحزح) قال ابن قتيبة: نجي وأبعد. (فقد فاز) قال الزجاج: ~~تأويل فاز: # تباعد عن المكروه، ولقي ما يحب، يقال لمن نجا من هلكة، ولمن لقي ما يغتبط ~~به: قد فاز. # قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) يريد أن العيش فيها يغر ~~الإنسان بما يمنيه من PageV02P066 # طول البقاء، وسينقطع عن قريب. قال سعيد بن جبير: هي متاع الغرور لمن لم ~~يشتغل بطلب الآخرة، فأما من يشتغل بطلب الآخرة، فهي له متاع بلاغ إلى ما هو ~~خير منها. # لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) ~~قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم) في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي، وعبد ~~الله بن رواحة، فغشي المجلس عجاجة الدابة، فخمر ابن أبي أنفه بردائه، وقال: ~~لا تغبروا علينا، فنزل رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ثم دعاهم إلى الله، ~~وقرأ عليهم القرآن، فقال ابن أبي: إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقا فلا ~~تؤذنا في مجالسنا. وقال ابن رواحة: اغشنا به في مجالسنا يا رسول الله، فإنا ~~نحب ذلك، فاستب المسلمون، والمشركون، واليهود، فنزلت هذه الآية، رواه عروة ~~عن أسامة بن زيد. # والثاني: أن المشركين واليهود كانوا يؤذون النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~وأصحابه أشد الأذى، فنزلت هذه الآية، قاله كعب بن مالك الأنصاري. # والثالث: أنها نزلت فيما جرى بين ms0372 أبي بكر الصديق، وبين فنحاص اليهودي، ~~وقد سبق ذكره عن ابن عباس. # والرابع: أنها نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس. واختاره مقاتل: وقال عكرمة: نزلت في النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأبي بكر الصديق، وفنحاص اليهودي. # والخامس: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، كان يحرض المشركين على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، وهذا مذهب الزهري. # قال الزجاج: ومعنى (لتبلون) لتختبرن، أي: توقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن ~~حقا من غيره. و " النون " دخلت مؤكدة مع لام القسم، وضمت الواو لسكونها، ~~وسكون النون وفي البلوى في الأموال قولان: # أحدهما: ذهابها ونقصانها. # والثاني: ما فرض فيها من الحقوق. PageV02P067 # وفي البلوى في الأنفس أربعة أقوال: # أحدها: المصائب، والقتل. # والثاني: ما فرض من العبادات. # والثالث: الأمراض. # والرابع: المصيبة بالأقارب، والعشائر. # وقال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم، وباعوا رباعهم، وعذبوهم. # قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب) قال ابن عباس: هم اليهود ~~والنصارى، والذين أشركوا: مشركو العرب (وإن تصبروا) على الأذى (وتتقوا) ~~الله بمجانبة معاصيه. # قوله تعالى: (فإن ذلك من عزم الأمور) أي: ما يعزم عليه، لظهور رشدة. # فصل والجمهور على إحكام هذه الآية، وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور ~~منسوخ بآية السيف. # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ~~وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) قوله تعالى: (وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن جبير، والسدي، ومقاتل. فعلى ~~هذا، الكتاب: # التوراة. # والثاني: أنهم اليهود، والنصارى، والكتاب: التوراة والإنجيل. # والثالث: أنهم جميع العلماء فيكون الكتاب اسم جنس. # قوله تعالى: (لتبيننه). # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب ~~(ليبيننه للناس ولا يكتمونه) بالياء فيهما، وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم ~~بالتاء فيهما. وفي هاء الكناية في " لتبيننه " و " تكتمونه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى النبي محمد صلى الله ms0373 عليه وسلم وهذا قول من قال: ~~هم اليهود. # والثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله الحسن، وقتادة، وهو أصح، لأن الكتاب ~~أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب. وقال علي بن أبي طالب ~~عليه السلام: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى PageV02P068 # أخذ على أهل العلم أن يعلموا. # قوله تعالى: (فنبذوه) قال الزجاج: أي: رموا به يقال للذي يطرح الشئ ولا ~~يعبأ به: قد جعلت هذا الأمر بظهر. قال الفرزدق: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي * بظهر ولا يعيا على جوابها معناه: لا تكونن ~~حاجتي مهملة عندك، مطرحة. وفي هاء " فنبذوه " قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى الميثاق. # والثاني: إلى الكتاب. # قوله تعالى: (واشتروا به) يعني: استبدلوا بما أخذ الله عليهم القيام به، ~~ووعدهم عليه الجنة (ثمنا قليلا) أي: عرضا يسيرا من الدنيا. # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) قوله تعالى: (ولا يحسبن ~~الذين يفرحون بما أتوا) وقرأ أهل الكوفة: لا تحسبن بالتاء. وفي سبب نزولها ~~ثمانية أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، سأل اليهود عن شئ، فكتموه و، أخبروه ~~بغيره، وأروه أنهم قد أخبروه به، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من ~~كتمانهم إياه، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنها نزلت في قوم من اليهود، فرحوا بما يصيبون من الدنيا، ~~وأحبوا أن يقول الناس: # إنهم علماء، وهذا القول والذي قبله عن ابن عباس. # والثالث: أن اليهود قالوا: نحن على دين إبراهيم، وكتموا ذكر محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أن يهود المدينة كتبت إلى يهود العراق واليمن، ومن بلغهم كتابهم ~~من اليهود في الأرض كلها: أن محمدا ليس بنبي، فاثبتوا على دينكم، فاجتمعت ~~كلمتهم على الكفر به، ففرحوا بذلك، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة، وأولياء ~~الله، فنزلت هذه الآية، ms0374 هذا قول الضحاك، والسدي. # والخامس: أن يهود خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقالوا: ~~نحن على رأيكم، ونحن لكم ردء، PageV02P069 # وهم مستمسكون بضلالتهم، فأرادوا أن يحمدهم نبي الله بما لم يفعلوا، فنزلت ~~هذه الآية، قاله قتادة. # والسادس: أن ناسا من اليهود جهزوا جيشا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~واتفقوا عليهم، فنزلت هذه الآية، قاله إبراهيم النخعي. # والسابع: أن قوما من أهل الكتاب دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~خرجوا من عنده فذكروا للمسلمين أنهم قد أخبروا بأشياء قد عرفوها، فحمدوهم، ~~وأبطنوا خلاف ما أظهروا، فنزلت هذه الآية، ذكره الزجاج. # والثامن: أن رجالا من المنافقين كانوا يتخلفون عن الغزو مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإذا قدم، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو سعيد الخدري وهذا القول يدل على أنها ~~نزلت في المنافقين، وما قبله من الأقوال يدل على أنها في اليهود. # وفي الذي أتوا ثمانية أقوال: # أحدها: أنه كتمانهم ما عرفوا من الحق. # والثاني: تبديلهم التوراة. # والثالث: إيثارهم الفاني من الدنيا على الثواب. # والرابع: إضلالهم الناس. # والخامس: اجتماعهم على تكذيب النبي. # والسادس: نفاقهم باظهار ما في قلوبهم ضده. # والسابع: اتفاقهم على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه أقوال من ~~قال: هم اليهود. # والثامن: تخلفهم في الغزوات، وهذا قول من قال: هم المنافقون. # وفي قوله تعالى: (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) ستة أقوال: # أحدها: أحبوا أن يحمدوا على إجابة النبي صلى الله عليه وسلم، عن شئ سألهم ~~عنه وما أجابوه. # والثاني: أحبوا أن يقول الناس: إنهم علماء، وليسوا كذلك. # والثالث: أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصيام، وهذه الأقوال ~~الثلاثة عن ابن عباس. # والرابع: أحبوا أن يحمدوا على قولهم: نحن على دين إبراهيم، وليسوا عليه، ~~قاله سعيد بن جبير. # والخامس: أحبوا أن يحمدوا على قولهم: إنا راضون بما جاء به النبي، وليسوا ~~كذلك، قاله PageV02P070 # قتادة. وهذه أقوال من قال: هم اليهود. # والسادس: أنهم كانوا ms0375 يحلفون للمسلمين، إذا نصروا: إنا قد سررنا بنصركم، ~~وليسوا كذلك، قاله أبو سعيد الخدري، وهو قول من قال: هم المنافقون. # قوله تعالى: (فلا يحسبنهم) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: فلا يحسبنهم، بالياء ~~وضم الباء. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: بالتاء، وفتح ~~الباء. قال الزجاج: إنما كررت " تحسبنهم " لطول القصة، والعرب تعيد إذا ~~طالت القصة " حسبت " وما أشبهها، إعلاما أن الذي يجرى متصل بالأول، وتوكيدا ~~له، فتقول: لا تظنن زيدا إذا جاء وكلمك بكذا وكذا، فلا تظننه صادقا. # قوله تعالى (بمفازة) قال ابن زيد، وابن قتيبة: بمنجاة. # ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شئ قدير (189) قوله تعالى (ولله ~~ملك السماوات والأرض) فيه تكذيب القائلين: بأنه فقير. # وفي قوله تعالى: (والله على كل شئ قدير) تهديد لهم، أي: لو شئت لعجلت ~~عذابهم. # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ~~(190) قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن قريشا قالوا لليهود: ما الذي جاءكم به موسى؟ قالوا: عصاه ويده ~~البيضاء. وقالوا للنصارى: ما الذي جاءكم به عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه ~~والأبرص ويحيى الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ادع ربك ~~يجعل لنا الصفا ذهبا، فنزلت هذه الآية، رواه ابن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن أهل مكة سألوه أن يأتيهم بآية، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد) قالت قريش: قد سوى ~~بين آلهتنا، ائتنا بآية، فنزلت هذه الآية، قاله أبو الضحى، واسمه: مسلم بن ~~صبيح. فأما تفسير الآية فقد سبق. # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) PageV02P071 # قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا) في هذا الذكر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الذكر في الصلاة، يصلي قائما، فإن لم يستطع، فعلى جنب، هذا ~~قول علي، وابن مسعود، وابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنه ms0376 الذكر في الصلاة وغيرها، وهو قول طائفة من المفسرين. # والثالث: أنه الخوف، فالمعنى: يخافون الله قياما في تصرفهم وقعودا في ~~دعتهم، وعلى جنوبهم في منامهم. # قوله تعالى: (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) قال ابن فارس: الفكرة: ~~تردد القلب في الشئ. قال ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ~~ليلة، والقلب ساه. # قوله تعالى: (ربنا) قال الزجاج: معناه: يقولون: ربنا (ما خلقت هذا باطلا) ~~أي: خلقته دليلا عليك، وعلى صدق ما أتت به أنبياؤك. ومعنى (سبحانك) براءة ~~لك من السوء، وتنزيها لك أن تكون خلقتهما باطلا، (فقنا عذاب النار) فقد ~~صدقنا أن لك جنة ونارا. # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) قوله ~~تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) قال الزجاج: المخزى في اللغة ~~المذل المحقور بأمر قد لزمه وبحجة. يقال: أخزيته، أي: ألزمته حجة أذللته ~~معها. وفيمن يتعلق به هذا الخزي قولان: # أحدهما: أنه يتعلق بمن يدخلها مخلدا، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، ~~وابن جبير، وقتادة، وابن جريج، ومقاتل. # والثاني: أنه يتعلق بكل داخل إليها، وهذا المعنى مروي عن جابر بن عبد ~~الله، واختاره ابن جرير الطبري، وأبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (وما للظالمين من أنصار) قال ابن عباس: وما للمشركين من مانع ~~يمنعهم عذاب الله تعالى. # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) قوله تعالى: (ربنا ~~إننا سمعنا مناديا) في المنادي قولان: # أحدهما: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، وابن جريج، وابن ~~زيد، ومقاتل. PageV02P072 # والثاني: أنه القرآن، قاله محمد بن كعب القرظي، واختاره ابن جرير الطبري. # قوله تعالى: (ينادي للإيمان) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: ينادي إلى الإيمان، ومثله: (الذي هدانا لهذا)، (بأن ~~ربك أوحى لها) قاله الفراء. # والثاني: بأنه مقدم ومؤخر، والمعنى: سمعنا مناديا للإيمان ينادي، قاله ~~أبو عبيدة. # قوله تعالى: (وكفر عنا سيئاتنا) قال مقاتل: امح عنا خطايانا. وقال غيره: ~~غطها ms0377 عنا، وقيل: # إنما جمع بين غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لأن الغفران بمجرد الفضل، ~~والتكفير بفعل الخير (وتوفنا مع الأبرار) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي " الأبرار " و " الأشرار " و " ذات قرار " وما كان مثله ~~بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح. ومعنى: (مع الأبرار) فيهم ~~قال ابن عباس: وهم الأنبياء والصالحون. # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد (194) قوله تعالى: (ربنا وآتنا ما وعدتنا) قال ابن عباس: يعنون: ~~الجنة (على رسلك) أي: على ألسنتهم. فإن قيل: ما وجه هذه المسألة والله لا ~~يخلف الميعاد؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه خرج مخرج المسألة، ومعناه: الخبر، تقديره: فآمنا، فاغفر لنا ~~لتؤتينا ما وعدتنا. # والثاني: أنه سؤال له، أن يجعلهم ممن آتاه ما وعده، لا أنهم استحقوا ذلك، ~~إذ لو كانوا قد قطعوا أنهم من الأبرار لكانت تزكية لأنفسهم. # والثالث: أنه سؤال لتعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، لأنه وعدهم ~~نصرا غير مؤقت، فرغبوا في تعجيله، ذكر هذه الأجوبة ابن جرير، وقال: أولى ~~الأقوال بالصواب، أن هذه صفة المهاجرين، رغبوا في تعجيل النصر على أعدائهم. ~~فكأنهم قالوا: لا صبر لنا على حلمك عن الأعداء فعجل خزيهم، وظفرنا عليهم. # فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ~~والله عنده حسن الثواب (195) PageV02P073 # قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم) روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، ~~لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشئ؟ فنزلت هذه الآية، واستجاب: بمعنى أجاب. ~~والمعنى: أجابهم بأن قال لهم: إني لا أضيع عمل عامل منكم ذكرا أو أنثى. # وفي معنى قوله [تعالى]: (بعضكم من بعض) ثلاثة أقوال: # أحدها: بعضكم من بعض في الدين، والنصرة والموالاة. # والثاني: حكم جميعكم في الثواب واحد، لأن الذكور من الإناث والإناث من ~~الذكور. ms0378 # والثالث: كلكم من آدم وحواء. # قوله تعالى: (فالذين هاجروا) أي: تركوا الأوطان والأهل والعشائر (وأخرجوا ~~من ديارهم) يعني: المؤمنين الذين أخرجوا من مكة بأذى المشركين، فهاجروا، ~~(وقاتلوا) المشركين (وقتلوا) قرأ ابن كثير، وابن عامر: " وقاتلوا وقتلوا " ~~مشددة التاء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: " وقاتلوا وقتلوا " خفيفة. وقرأ ~~حمزة، والكسائي: و " قتلوا وقاتلوا ". قال أبو علي: تقديم " قتلوا " جائز، ~~لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولا في المعنى، مؤخرا في اللفظ. # قوله تعالى: (ثوابا من عند الله) قال الزجاج: هو مصدر مؤكد لما قبله، لأن ~~معنى لأدخلنهم جنات): لأثيبنهم. # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد (197) قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) ~~اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في اليهود، ثم في ذلك قولان: # أحدهما: أن اليهود كانوا يضربون في الأرض. فيصيبون الأموال، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يستسلف من بعضهم شعيرا، ~~فأبى إلا على رهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أعطاني لأوفيته قد ~~اني لأمين في السماء أمين في الأرض " فنزلت، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أنها نزلت في مشركي العرب كانوا في رخاء، فقال بعض ~~المؤمنين: قد أهلكنا الجهد، وأعداء الله فيما ترون، فنزلت هذه الآية، هذا ~~قول مقاتل. قال قتادة: والخطاب للنبي [صلى الله عليه وسلم]، والمراد غيره. ~~وقال غيره: إنما خاطبه تأديبا وتحذيرا، وإن كان لا يغتر. وفي معنى " تقلبهم ~~" ثلاثة أقوال: PageV02P074 # أحدها: تصرفهم في التجارات، قاله ابن عباس، والفراء، وابن قتيبة، ~~والزجاج. # والثاني: تقلب ليلهم ونهارهم، وما يجري عليهم من النعم، قاله عكرمة ~~ومقاتل. # والثالث: تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم، ذكره بعض المفسرين. قال الزجاج: ~~ذلك الكسب والربح متاع قليل، وقال ابن عباس: منفعة يسيرة في الدنيا، ~~والمهاد: الفراش. # لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ~~من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) قوله تعالى: ms0379 (لكن الذين اتقوا ~~ربهم) قرأ أبو جعفر: " لكن " بالتشديد هاهنا، وفي (الزمر) قال مقاتل: ~~وحدوا. قال ابن عباس: " النزل " الثواب. قال ابن فارس: النزل: ما يهيأ ~~للنزيل، والنزيل: الضيف. # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب (199) قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله) اختلفوا ~~فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في النجاشي، لأنه لما مات صلى عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال قائل: يصلي على هذا العلج النصراني، وهو في أرضه؟! فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس. وقال الحسن، وقتادة: ~~فيه وفي أصحابه. # والثاني: أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، روى هذا ~~المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثالث: في عبد الله بن سلام، وأصحابه، قاله ابن جريج، وابن زيد، ~~ومقاتل. # والرابع: في أربعين من أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم ~~كانوا على دين عيسى، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قاله عطاء. # قوله تعالى: (وما أنزل إليكم) يعني: القرآن، (وما أنزل إليهم) يعني: ~~كتابهم. والخاشع: # الذليل. (لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا) أي: عرضا من الدنيا كما فعل ~~رؤساء اليهود، وقد سلف بيان سرعة الحساب. PageV02P075 # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(200) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا) قال أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن: نزلت في انتظار الصلاة بعد الصلاة، وليس يؤمئذ غزو يرابط. وفي الذي ~~أمروا بالصبر عليه خمسة أقوال: # أحدها: البلاء والجهاد، قاله ابن عباس. # الثاني: الدين، قاله الحسن، والقرظي، والزجاج. # والثالث: المصائب، روي عن الحسن أيضا. # والرابع: الفرائض، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: طاعة الله، قاله قتادة، وفي الذي أمروا بمصابرته قولان: # أحدهما: العدو، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: الوعد الذي وعدهم الله: قاله عطاء، والقرظي، وفيما أمروا ~~بالمرابطة ms0380 عليه قولان: # أحدهما: الجهاد للأعداء، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين. قال ~~ابن قتيبة: وأصل المرابطة والرباط: أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم في ~~الثغر، كل يعد لصاحبه. # والثاني: أنه الصلاة، أمروا بالمرابطة عليها، قاله أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن، وقد ذكرنا في (البقرة) معنى " لعل "، ومعنى " الفلاح ". ~~PageV02P076 # (4) سورة النساء وآياتها ستة وسبعون ومائة بسم الله الرحمن الرحيم يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم ~~رقيبا (1) اختلفوا في نزولها على قولين: # أحدهما: أنها مكية رواه عطية عن ابن عباس، وهو قول الحسن، ومجاهد، وجابر ~~بن زيد، وقتادة. # والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. وقيل: إنها ~~مدنية، إلا آية نزلت بمكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] أن يأخذ منه مفاتيح الكعبة، فيسلمها إلى العباس، وهي قوله: [تعالى]: ~~(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (اتقوا ربكم) فيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، قاله ابن عباس. # والثاني: بمعنى الخشية. قاله مقاتل. والنفس الواحدة: آدم، وزوجها حواء و ~~(من) في قوله [تعالى]: (وخلق منها) للتبعيض في قول الجمهور. وقال ابن بحر: ~~منها، أي: من جنسها. # واختلفوا أي وقت خلقت له، على قولين: # أحدهما: أنها خلقت بعد دخوله الجنة، قاله ابن مسعود، وابن عباس. # والثاني: قبل دخوله الجنة، قاله كعب الأحبار، ووهب، وابن إسحاق. قال ابن ~~عباس: لما خلق الله آدم، ألقى عليه النوم، فخلق حواء من ضلع من أضلاعه ~~اليسرى، فلم تؤذه بشئ، ولو PageV02P077 # وجد الأذى ما عطف عليها أبدا، فلما استيقظ، قيل: يا آدم ما هذه؟ قال: ~~حواء. # قوله تعالى: (وبث منهما) قال الفراء: بث: نشر، ومن العرب من يقول: أبث ~~الله الخلق، ويقولون: بثثتك ما في نفسي، وأبثثتك. # قوله تعالى: (الذي تساءلون به) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~والبرجمي، عن أبي بكر، ms0381 عن عاصم. واليزيدي، وشجاع، والجعفي، وعبد الوارث، عن ~~أبي عمرو: " تساءلون " بالتشديد. # وقرأ عاصم، وحمزة والكسائي، وكثير من أصحاب أبي عمرو عنه بالتخفيف. # قال الزجاج: الأصل: تتساءلون، فمن قرأ بالتشديد. أدغم التاء في السين، ~~لقرب مكان هذه من هذه، ومن قرأ بالتخفيف، حذف التاء الثانية لاجتماع ~~التاءين. وفي معنى " تساءلون به " ثلاثة أقوال: # أحدها: تتعاطفون به، قاله ابن عباس. # والثاني: تتعاقدون، وتتعاهدون به، قاله الضحاك، والربيع. # والثالث: تطلبون حقوقكم به، قاله الزجاج. # فأما قوله " والأرحام " فالجمهور على نصب الميم على معنى: واتقوا الأرحام ~~أن تقطعوها، وفسرها على هذا ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، وابن زيد. ~~وقرأ الحسن، وقتادة، والأعمش، وحمزة بخفض الميم على معنى: تساءلون به ~~وبالأرحام، وفسرها على هذا الحسن، وعطاء والنخعي. # وقال الزجاج: الخفض في " الأرحام " خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار ~~الشعر، وخطأ في الدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا ~~بآبائكم " وذهب إلى نحو هذا الفراء، وقال ابن الأنباري: إنما أراد، حمزة ~~الخبر عن الأمر القديم الذي جرت عادتهم به، فالمعنى: الذي كنتم تساءلون به ~~وبالأرحام في الجاهلية. قال أبو علي: من جر، عطف على الضمير المجرور ~~بالباء، وهو ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال، فترك الأخذ به أحسن. # فأما الرقيب، فقال ابن عباس، ومجاهد: الرقيب: الحافظ. وقال الخطابي: هو ~~الحافظ الذي لا يغيب عنه شئ، وهو في نعوت الآدميين الموكل بحفظ الشئ، ~~المترصد له، المتحرز عن الغفلة فيه، يقال منه: رقبت الشئ أرقبه رقبة. ~~PageV02P078 # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) سبب ~~نزولها: أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ، طلب ~~ماله فمنعه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، قاله سعيد بن ~~جبير. والخطاب بقوله [تعالى]: " وآتوا " للأولياء والأوصياء. قال الزجاج: ~~وإنما سموا يتامى بعد البلوغ، بالاسم الذي كان لهم، وقد كان يقال للنبي صلى ~~الله عليه ms0382 وسلم: يتيم أبي طالب. # قوله [تعالى]: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) قرأ ابن محيصن: " تبدلوا " ~~بتاء واحدة. ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: أنه إبدال حقيقة، ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه أخذ الجيد، وإعطاء الردئ مكانه، قاله سعيد بن المسيب، ~~والضحاك، والنخعي، والزهري، والسدي. قال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة ~~السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدراهم الجياد، ~~ويطرح مكانها الزيوف. # والثاني: أنه الربح على اليتيم، واليتيم غر لا علم له، قاله عطاء. # والقول الثاني: أنه ليس بإبدال حقيقة، وإنما هو أخذه مستهلكا، ثم فيه ~~قولان: # أحدهما: أنهم كانوا لا يورثون النساء والصغار، وإنما يأخذ الميراث ~~الأكابر من الرجال، فنصيب الرجل من الميراث طيب، وما أخذه من حق اليتيم ~~خبيث، هذا قول ابن زيد. # والثاني: أنه أكل مال اليتيم بدلا من أكل أموالهم، قاله الزجاج و " إلى " ~~بمعنى " مع " والحوب: الإثم. وقرأ الحسن، وقتادة، والنخعي بفتح الحاء. # قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: حوب بالضم، وتميم يقولونه بالفتح. قال ~~ابن الأنباري: # وقال الفراء: المضموم الاسم، والمفتوح المصدر. قال ابن قتيبة: وفيه ثلاث ~~لغات: حوب، وحوب، وحاب. # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ورباع ~~فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) ~~PageV02P079 # قوله تعالى: (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى) اختلفوا في تنزيلها، ~~وتأويلها على ستة أقوال: # أحدها: أن القوم كانوا يتزوجون عددا كثيرا من النساء في الجاهلية، ولا ~~يتحرجون من ترك العدل بينهن، وكانوا يتحرجون في شأن اليتامى، فقيل لهم بهذه ~~الآية: احذروا من ترك العدل بين النساء، كما تحذرون من تركه في اليتامى ~~وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير والضحاك، وقتادة، والسدي ~~ومقاتل. # والثاني: أن أولياء اليتامى كانوا يتزوجون النساء بأموال اليتامى، فلما ~~كثر النساء، مالوا على أموال اليتامى، فقصروا على الأربع حفظا لأموال ~~اليتامى. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا، وعكرمة. # والثالث: أن معناها: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا ms0383 تعدلوا في صدقات ~~اليتامى إذا نكحتموهن، فانكحوا سواهن من الغرائب اللواتي أحل الله لكم، ~~وهذا المعنى مروي عن عائشة. # والرابع: أن معناها: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في نكاحهن، ~~وحذرتم سوء الصحبة لهن، وقلة الرغبة فيهن، فانكحوا غيرهن، وهذا المعنى مروي ~~عن عائشة أيضا، والحسن. # والخامس: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى، فأمروا بالتحرج من الزنى ~~أيضا، وندبوا إلى النكاح الحلال، وهذا المعنى مروي عن مجاهد. # والسادس: أنهم تحرجوا من نكاح اليتامى، كما تحرجوا من أموالهم، فرخص الله ~~لهم بهذه الآية، وقصرهم على عدد يمكن العدل فيه، فكأنه قال: وإن خفتم يا ~~أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن، فانكحوهن، ولا تزيدوا على أربع لتعدلوا، ~~فإن خفتم أن لا تعدلوا فيهن، فواحدة، وهذا المعنى مروي عن الحسن. ~~PageV02P080 # قال ابن قتيبة: ومعنى قوله: وإن خفتم، أي فان علمتم أنكم لا تعدلوا يقال: ~~أقسط الرجل: # إذا عدل وقسط الرجل: إذا جار وفي معنى العدل في اليتامى قولان: # أحدهما: في نكاح اليتامى. # والثاني: في أموالهم. # قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم) أي: ما حل لكم. # قال ابن جرير: وأراد بقوله [تعالى]: ما طاب لكم، الفعل دون أعيان النساء، ~~ولذلك قال: # " ما " ولم يقل: " من " واختلفوا: هل النكاح من اليتامى، أو من غيرهن؟ ~~على قولين قد سبقا. # قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع). # قال الزجاج: هو بدل " ما طاب لكم " ومعناه: اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، ~~وأربعا أربعا، وإنما خاطب الله العرب بأفصح اللغات، وليس من شأن البليغ أن ~~يعبر في العدد عن التسعة باثنتين، وثلاث، وأربع لأن التسعة قد وضعت لهذا ~~العدد، فيكون عيا في الكلام. # وقال ابن الأنباري: هذه الواو معناها التفرق، وليست جامعة، فالمعنى: ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ثلاث في غير الحال الأولى، ~~وانكحوا رباع في غير الحالين. # وقال القاضي أبو يعلى: الواو هاهنا لإباحة أي الأعداد شاء، لا للجمع، ~~وهذا العدد إنما هو للأحرار، لا للعبيد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. # وقال مالك: هم كالأحرار. ويدل ms0384 على قولنا: أنه قال: فانكحوا، فهذا منصرف ~~إلى من يملك النكاح، والعبد لا يملك ذلك بنفسه، وقال في سياقها (فواحدة أو ~~ما ملكت أيمانكم)، والعبد لا ملك له، فلا يباح له الجمع إلا بين اثنتين. # قوله تعالى: (فإن خفتم) فيه قولان: # أحدهما: علمتم. # والثاني: خشيتم. # قوله تعالى: (أن لا تعدلوا) قال القاضي أبو يعلى: أراد العدل في القسم ~~بينهن. # قوله تعالى: (فواحدة) أي: فانكحوا واحدة، وقرأ الحسن، والأعمش، وحميد: ~~فواحدة بالرفع، المعنى، فواحدة تقنع. # قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) يعني: السراري. قال ابن قتيبة: معنى ~~الآية: فكما PageV02P081 # تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أن لا تعدلوا بين ~~النساء إذا نكحتموهن، فقصرهم على أربع، ليقدروا على العدل، ثم قال: فإن ~~خفتم أن لا تعدلوا بين هؤلاء الأربع، فانكحوا واحدة، واقتصروا على ملك ~~اليمين. # قوله تعالى: (ذلك أدنى) أي: أقرب. وفي معنى (تعولوا) ثلاثة أقوال: # أحدهما: تميلوا، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، ~~وإبراهيم، وقتادة، والسدي، ومقاتل، والفراء. وقال أبو مالك، وأبو عبيد: ~~تجوروا. # قال ابن قتيبة، والزجاج: تجوروا وتميلوا بمعنى واحد. واحتكم رجلان من ~~العرب إلى رجل، فحكم لأحدهما، فقال المحكوم عليه: إنك والله تعول علي، أي: ~~تميل وتجور. # والثاني: تضلوا، قاله مجاهد. # والثالث: تكثر عيالكم، قال ابن زيد، ورواه أبو سليمان الدمشقي في " ~~تفسيره " عن الشافعي، ورده الزجاج، فقال: أهل اللغة يقولون: هذا القول خطأ، ~~لأن الواحدة يعولها، وإباحة ملك اليمين أزيد في العيال من أربع. # وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ~~(4) قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) اختلفوا فيمن خوطب بهذا على ~~قولين: # أحدهما: أنهم الأزواج، وهو قول الجمهور، واحتجوا بأن الخطاب للناكحين قد ~~تقدم، وهذا معطوف عليه، وقال مقاتل: كان الرجل يتزوج بلا مهر، فيقول: أرثك ~~وترثيني، فتقول المرأة: # نعم، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء ثم فيه قولان: # أحدهما: أن الزوج كان إذا زوج أيمة جاز صداقها دونها، فنهوا بهذه الآية ~~هذا ms0385 قول أبي PageV02P082 # صالح واختاره الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أن الرجل كان يعطي الرجل أخته ويأخذ أخته مكانها من غير مهر، ~~فنهوا عن هذا بهذه الآية، رواه أبو سليمان التيمي عن بعض أشياخه. # قال ابن قتيبة: والصدقات: المهور، واحدها: صدقة. وفي قوله " نحلة) أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها بمعنى الفريضة، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، ~~ومقاتل. # والثاني: أنها الهبة والعطية، قاله الفراء. # قال ابن الأنباري: كانت العرب في الجاهلية لا تعطي النساء شيئا من ~~مهورهن، فلما فرض الله لهن المهر، كان نحلة من الله أي: هبة للنساء، فرضا ~~على الرجال. # وقال الزجاج: هو هبة من الله للنساء. قال القاضي أبو يعلى: وقيل: إنما ~~سمي المهر: # نحلة، لأن الزوج لا يملك بدله شيئا، لأن البضع بعد النكاح في ملك المرأة، ~~ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة، كان المهر لها دون الزوج، وإنما الذي يستحقه ~~الزوج الاستباحة، لا الملك. # والثالث: انها العطية بطيب نفس، فكأنه قال: لا تعطوهن مهورهن وأنتم ~~كارهون، قال أبو عبيدة. # والرابع: أن معنى (النحلة): الديانة، فتقديره: وآتوهن صدقاتهن ديانة، ~~يقال: فلان ينتحل كذا، أي: يدين به، ذكره الزجاج عن بعض العلماء. # قوله تعالى: (فان طبن لكم) يعني: النساء المنكوحات. وفي (لكم) قولان: # أحدهما: أنه يعني الأزواج. # والثاني: الأولياء. و " الهاء " في (منه) كناية عن الصداق، قال الزجاج: و ~~(منه) هاهنا للجنس، كقوله [تعالى]: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) معناه: ~~فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن، فكأنه قال: كلوا الشئ الذي هو مهر، فيجوز أن ~~يسأل الرجل المهر كله. و (نفسا) منصوب على التمييز. # فالمعنى: فإن طابت أنفسهن لكم بذلك، فكلوه هنيئا مريئا. وفي الهنئ ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه ما تؤمن عاقبته. # والثاني: ما أعقب نفعا وشفاء. PageV02P083 # والثالث: أنه الذي لا ينغصه شئ. وأما " المرئ " فيقال: مرئ الطعام: إذا ~~انهضم، وحمدت عاقبته. # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم) المراد بالسفهاء خمسة أقوال: # أحدها: أنهم ms0386 النساء، قاله ابن عمر. # والثاني: النساء والصبيان، قاله سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، ~~والفراء، وابن قتيبة. وعن الحسن ومجاهد كالقولين. # والثالث: الأولاد، قاله أبو مالك وهذه الأقوال الثلاثة مروية عن ابن ~~عباس، وروي عن الحسن، قال: هم الأولاد الصغار. # والرابع: اليتامى، قاله عكرمة، وسعيد بن جبير في رواية. # قال الزجاج: ومعنى الآية: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، بدليل قوله ~~[تعالى]: (وارزقوهم فيها) وإنما قال: " أموالكم " ذكرا للجنس الذي جعله ~~الله أموالا للناس. وقال غيره: أضافها إلى الولاة، لأنهم قوامها. # والخامس: أن القول على إطلاقه، والمراد به كل سفيه يستحق الحجر عليه، ~~ذكره ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي، وغيرهما، وهو ظاهر الآية. # وفي قوله [تعالى]: (أموالكم) قولان: # أحدهما: أنه أموال اليتامى. # والثاني: أموال السفهاء. # قوله تعالى: (التي جعل الله) قرأ الحسن: " اللاتي جعل الله لكم قواما ". ~~وقرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو عمرو: " قياما " الألف، هاهنا ~~وقرأ نافع، وابن عامر: " قيما " بغير ألف. # قال ابن قتيبة: قياما وقواما بمنزلة واحدة، تقول: هذا قوام أمرك وقيامه، ~~أي: ما يقوم به. PageV02P084 # وذكر أبو علي الفارسي أن " قواما " و " قياما " و " قيما "، بمعنى القوام ~~الذي يقيم الشأن، قال: وليس قول من قال: " القيم " هاهنا: جمع: " قيمة " ~~بشئ. # قوله تعالى: (وارزقوهم فيها) أي: منها. وفي " القول المعروف " ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: العدة الحسنة، قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، ومقاتل. # والثاني: الرد الجميل، قاله الضحاك. # والثالث: الدعاء، كقولك: عافاك الله، قاله ابن زيد. # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى ~~بالله حسيبا (6) قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) سبب نزولها أن رجلا، يقال ~~له: رفاعة، مات وترك ولدا صغيرا، يقال له، ثابت، فوليه عمه، فجاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ ~~ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزلت هذه الآية، ms0387 ذكر نحوه مقاتل. والابتلاء: ~~الاختبار. # وبماذا يختبرون؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم يختبرون في عقولهم، قاله ابن عباس، والسدي، وسفيان، ومقاتل. # والثاني: يختبرون في عقولهم ودينهم، قاله الحسن، وقتادة. وعن مجاهد ~~كالقولين: # والثالث: في عقولهم ودينهم، وحفظهم أموالهم، ذكره الثعلبي. قال القاضي ~~أبو يعلى: # وهذا الابتلاء قبل البلوغ. # قوله تعالى: (حتى إذا بلغوا النكاح) قال ابن قتيبة: أي: بلغوا أن ينكحوا ~~النساء (فإن آنستم) أي: علمتم، وتبينتم. وأصل: آنست: أبصرت. وفي الرشد ~~أربعة أقوال: # أحدها: الصلاح في الدين، وحفظ المال، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: الصلاح في العقل، وحفظ المال، روي عن ابن عباس والسدي. # والثالث: أنه العقل، قاله مجاهد، والنخعي. # والرابع: العقل، والصلاح في الدين، روي عن السدي. PageV02P085 # فصل واعلم أن الله تعالى علق رفع الحجر عن اليتامى بأمرين: بالبلوغ ~~والرشد، وأمر الأولياء باختبارهم، فإذا استبانوا رشدهم، وجب عليهم تسليم ~~أموالهم إليهم. # والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، ~~الاحتلام، واستكمال خمس عشرة سنة، والإنبات، وشيئان يختصان بالنساء: الحيض ~~والحمل. # قوله تعالى: (ولا تأكلوها إسرافا) خطاب للأولياء، قال ابن عباس: لا ~~تأكلوها بغير حق. # و (بدارا): تبادرون أكل المال قبل بلوغ الصبي (ومن كان غنيا فليستعفف) ~~بماله عن مال اليتيم. # وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال: # أحدها: أنه الأخذ على وجه القرض، وهذا مروي عن عمر، وابن عباس، وابن ~~جبير، وأبي العالية، وعبيدة، وأبي وائل، ومجاهد، ومقاتل. # والثاني: الأكل بمقدار الحاجة من غير إسراف، وهذا مروي عن ابن عباس، ~~والحسن، وعكرمة، وعطاء، والنخعي، وقتادة، والسدي. # والثالث: انه الأخذ بقدر الأجرة إذا عمل لليتيم عملا، روي عن ابن عباس، ~~وعائشة، وهي رواية أبي طالب، وابن منصور، عن أحمد رضي الله عنه والرابع: ~~أنه الأخذ عند الضرورة، فإن أيسر قضاه، وإن لم يوسر، فهو في حل، وهذا قول ~~الشعبي. # فصل واختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أو منسوخة؟ على قولين: # أحدهما: محكمة، وهو قول عمر، وابن عباس، والحسن، والشعبي، وأبي العالية، ~~ومجاهد، وابن جبير، والنخعي، وقتادة في آخرين. وحكمها ms0388 عندهم أن الغني ليس ~~له أن يأكل من مال اليتيم شيئا، فأما الفقير الذي لا يجد ما يكفيه، وتشغله ~~رعاية مال اليتيم عن تحصيل الكفاية، فله ان يأخذ قدر كفايته بالمعروف من ~~غير إسراف. وهل عليه الضمان إذا أيسر؟ فيه قولان لهم: # أحدهما: أنه لا ضمان عليه، بل يكون كالأجرة له على عمله، وهو قول الحسن، ~~والشعبي، والنخعي وقتادة، وأحمد بن حنبل. PageV02P086 # والثاني: إذا أيسر وجب عليه القضاء، روي عن عمر وغيره وعن ابن عباس أيضا ~~كالقولين. # والقول الثاني: أنها منسوخة بقوله [تعالى]: (لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل). # قوله تعالى: (فأشهدوا عليهم) قال القاضي أبو يعلى: هذا على طريق الاحتياط ~~لليتيم، والولي، وليس بواجب، فأما اليتيم، فإنه إذا كانت عليه بينة، كان ~~أبعد من أن يدعي عدم القبض، وأما الولي، فإن تظهر أمانته، ويسقط عنه اليمين ~~عند إنكار اليتيم للدفع. وفي " الحسيب " ثلاثة أقوال: # أحدها: انه الشهيد، قاله ابن عباس، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه الكافي، من قولك: أحسبني هذا الشئ [قاله ابن قتيبة ~~والمخطابي]. # والثالث: أنه المحاسب، فيكون في مذهب جليس، وأكيل، وشريب، حكاه ابن قتيبة ~~والخطابي. # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) قوله تعالى: (للرجال نصيب ~~مما ترك الوالدان والأقربون) سبب نزولها أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك ~~ثلاث بنات وامرأة فقام رجلان من بني عمه، يقال لهما: قتادة، وعرفطة فأخذوا ~~ماله، ولم يعطيا امرأته، ولا بناته شيئا، فجاءت امرأته إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت له ذلك، وشكت الفقر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال ~~قتادة: كانوا لا يورثون النساء، فنزلت هذه الآية والمراد بالرجال: الذكور، ~~وبالنساء: الإناث، صغارا كانوا أو كبارا. و (النصيب): الحظ من الشئ، وهو ~~مجمل في هذه الآية، ومقداره معلوم من موضع آخر، وذلك مثل قوله [تعالى]: # (وآتوا حقه يوم حصاده) وقوله [تعالى]: (خذ من أموالهم صدقة) والمفروض: ~~الذي فرضه الله، وهو آكد من الواجب. PageV02P087 # وإذا حضر القسمة ms0389 أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا ~~لهم قولا معروفا (8) قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) في هذه ~~القسمة قولان: # أحدهما: قسمة الميراث بعد موت الموروث، فعلى هذا يكون الخطاب للوارثين، ~~وبهذا قال الأكثرون منهم ابن عباس، والحسن، والزهري. # والثاني: أنها وصية الميت قبل موته، فيكون مأمورا بأن يعين لمن لا يرثه ~~شيئا، روي عن ابن عباس وابن زيد. قال المفسرون: والمراد بأولي القربى: ~~الذين لا يرثون، (فارزقوهم منه) أي: # أعطوهم منه، وقيل: أطعموهم، وهذا على الاستحباب عند الأكثرين، وذهب قوم ~~إلى أنه واجب في المال، فإن كان الورثة كبارا، تولوا إعطاءهم، وإن كانوا ~~صغارا تولى ذلك عنهم ولي مالهم، فروي عن عبيدة أنه قسم مال أيتام، فأمر ~~بشاة، فاشتريت من مالهم، وبطعام فصنع، وقال: لولا هذه الآية لأحببت أن يكون ~~من مالي وكذلك فعل محمد بن سيرين في أيتام وليهم، وكذلك روي عن مجاهد: أن ~~ما تضمنته هذه الآية واجب. وفي " القول المعروف " أربعة أقوال: # أحدها: أن يقول لهم الولي حين يعطيهم: خذ بارك الله فيك، رواه سالم ~~الأفطس، عن ابن جبير. # والثاني: أن يقول الولي: إنه مال يتامى، ومالي فيه شئ، رواه أبو بشر عن ~~ابن جبير، وفي رواية أخرى عن ابن جبير، قال: إن كان الميت أوصى لهم بشئ ~~أنفذت لهم وصيتهم، وإن كان الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانوا صغارا، قال ~~وليهم: إني لست أملك هذا المال، إنما هو للصغار، فذلك القول المعروف. # والثالث: أنه العدة الحسنة، وهو أن يقول لهم أولياء الورثة: إن هؤلاء ~~الورثة صغار، فإذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم. رواه عطاء بن دينار، عن ~~ابن جبير. # والرابع: أنهم يعطون من المال، ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق: بورك ~~فيكم، وهذا القول المعروف. قال الحسن والنخعي: أدركنا الناس يفعلون هذا. # فصل اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين: PageV02P088 # أحدهما: أنها محكمة، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، وأبي ~~العالية، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ms0390 والنخعي، ~~والزهري، وقد ذكرنا أن ما تضمنته من الأمر مستحب عند الأكثرين، وواجب عند ~~بعضهم. # والقول الثاني: انها منسوخة نسخها قوله [تعالى]: (يوصيكم الله في ~~أولادكم) رواه مجاهد عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، وعكرمة، ~~والضحاك، وقتادة في آخرين. # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا) اختلفوا في المخاطب بهذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. وفي معنى الآية على هذا القول ~~قولان: # أحدهما: وليخش الذين يحضرون موصيا في ماله أن يأمروه بتفريقه فيمن لا ~~يرثه، فيفرقه، ويترك ورثته، كما لو كانوا هم الموصين، لسرهم أن يحثهم من ~~حضرهم على حفظ الأموال للأولاد، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس والحسن وسعيد ~~بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. # والثاني: على الضد من هذا القول، وهو أنه نهي لحاضري الموصي أن يمنعوه من ~~الوصية لأقاربه، وأن يأمروه بالاقتصار على ولده، وهذا قول مقسم، وسليمان ~~التيمي في آخرين. # والقول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى متعلق بقوله [تعالى]: (ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا) فمعنى الكلام: أحسنوا فيمن وليتم من اليتامى، كما ~~تحبون أن يحسن ولاة أولادكم بعدكم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وابن ~~السائب. # والثالث: أنه خطاب للأوصياء أمروا بأداء الوصية على ما رسم الموصي، وأن ~~تكون الوجوه التي عينها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل، ~~ثم نسخ ذلك بقوله [تعالى]: # (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه) فأمر الوصي بهذه ~~الآية إذا وجد PageV02P089 # ميلا عن الحق أن يستعمل قضية الشرع، ويصلح بين الورثة، ذكره شيخنا علي بن ~~عبيد الله، وغيره في " الناسخ والمنسوخ " فعلى هذا تكون الآية منسوخة، وعلى ~~ما قبله تكون محكمة. # و " الضعاف ": جمع ضعيف، وهم الأولاد الصغار، وقرأ حمزة: ضعافا بإمالة ~~العين. # قال أبو علي: ووجهها: أن ما كان على " فعال " وكان أوله حرفا مستعليا ~~مكسورا، نحو ضعاف، ms0391 وقفاف، وخفاف، حسنت فيه الإمالة، لأنه قد يصعد بالحرف ~~المستعلي، ثم يحدر بالكسر، فيستحب أن لا يصعد بالتفخيم بعد التصوب بالكسر، ~~فيجعل الصوت على طريقة واحدة، وكذلك قرأ حمزة: (خافوا عليهم) بإمالة الخاء، ~~والإمالة هاهنا حسنة، وإن كانت " الخاء " حرفا مستعليا، لأنه يطلب الكسرة ~~التي في " خفت " فينحو نحوها بالإمالة. والقول السديد: الصواب. # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا (10) قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) في سبب ~~نزولها قولان: # أحدهما: أن رجلا من غطفان، يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه، ~~فأكله، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن حيان. # والثاني: أن حنظلة بن الشمردل ولي يتيما، فأكل ماله، فنزلت هذه الآية، ~~ذكره بعض المفسرين. وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه معظم المقصود، وقيل: عبر ~~به عن الأخذ. # قال سعيد بن جبير: ومعنى الظلم: ان يأخذه بغير حق. وأما ذكر " البطون " ~~فللتوكيد، كما تقول: نظرت بعيني، وسمعت بأذني. وفي المراد بأكلهم النار ~~قولان: # أحدهما: أنهم سيأكلون يوم القيامة نارا، فسمي الأكل بما يؤول إليه أمرهم، ~~كقوله [تعالى]: # (أعصر خمرا) قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما، ولهب النار يخرج من ~~فيه، ومن مسامعه وأذنيه، وأنفه، وعينيه، يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم. # والثاني: أنه مثل. معناه: يأكلون ما يصيرون به إلى النار، كقوله [تعالى]: ~~(ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه) أي: رأيتم أسبابه. # قوله تعالى: (وسيصلون) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ~~PageV02P090 # " وسيصلون " بفتح الياء، وقرأ الحسن، وابن عامر، بضم الياء، ووافقهما ابن ~~مقسم، إلا أنه شدد. # والمعنى: سيحرقون بالنار، ويشوون. والسعير: النار المستعرة، واستعار ~~النار: توقدها. # فصل وقد توهم قوم لا علم لهم بالتفسير وفقهه، أن هذه الآية منسوخة، لأنهم ~~سمعوا أنها لما نزلت، تحرج القوم عن مخالطة اليتامى، فنزل قوله [تعالى]: ~~(وإن تخالطوهم فإخوانكم) وهذا غلط، وإنما ارتفع عنهم الحرج بشرط قصد ~~الإصلاح، لا على إباحة الظلم. # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ms0392 حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) قوله ~~تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن جابر بن عبد الله مرض، فعاده رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~فقال: كيف أصنع في مالي يا رسول الله، فنزلت هذه الآية، رواه البخاري ~~ومسلم. # والثاني: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بابنتين لها، ~~فقالت: يا رسول الله قتل أبو هاتين معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما، ~~فنزلت، روي عن جابر بن عبد الله أيضا. # والثالث: أن عبد الرحمن أخا حسان بن ثابت مات، وترك امرأة، وخمس بنات، ~~فأخذ ورثته PageV02P091 # ماله، ولم يعطوا امرأته، ولا بناته شيئا، فجاءت امرأته تشكو إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. # قال الزجاج: ومعنى يوصيكم: يفرض عليكم، لأن الوصية منه فرض، وقال غيره: ~~إنما ذكره بلفظ الوصية لأمرين: # أحدهما: أن الوصية تزيد على الأمر، فكانت آكد. # والثاني: أن في الوصية حقا للموصي، فدل على تأكيد الحال بإضافته إلى حقه. ~~وقرأ الحسن. # وابن أبي عبلة: " يوصيكم " بالتشديد. # قوله تعالى: (للذكر مثل حظ الأنثيين) يعني، للابن من الميراث مثل حظ ~~الأنثيين، ثم ذكر نصيب الإناث من الأول، فقال (فإن كن) يعني: البنات (نساء ~~فوق اثنتين) وفي قوله [تعالى]: # (فوق) قولان: # أحدهما: أنها زائدة، كقوله [تعالى]: (فاضربوا فوق الأعناق). # والثاني: أنها بمعنى الزيادة. قال القاضي أبو يعلى: إنما نص على ما فوق ~~الاثنتين، والواحدة، ولم ينص على الاثنتين، لأنه لما جعل لكل واحدة مع ~~الذكر الثلث، كان لها مع الأنثى الثلث أولى. # قوله تعالى: (وإن كانت واحدة) قرأ الجمهور ms0393 بالنصب، وقرأ نافع بالرفع، على ~~معنى: وإن وقعت، أو وجدت واحدة. # قوله تعالى: (ولأبويه) قال الزجاج: أبواه تثنية أب وأبة، والأصل في الأم ~~أن يقال لها: أبة [ولكن استغنى عنها بأم، والكناية في قوله " لأبويه " عن ~~الميت وإن لم يجر له ذكر]. # وقوله تعالى: (فلأمه الثلث) أي: إذا لم يخلف غير أبوين، فثلث ماله لأمه، ~~والباقي للأب، وإنما خص الأم بالذكر، لأنه لو اقتصر على قوله [تعالى]: ~~(وورثه أبواه) ظن الظان أن المال يكون بينهما نصفين، فلما خصها بالثلث، دل ~~على التفضيل. # وقرأ ابن كثير، ونافع وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر " فلأمه " و (في بطون ~~أمهاتكم) و (في أمها) و (في أم الكتاب) بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك ~~بالكسر إذا وصلا، PageV02P092 # وحجتهما: أنهما أتبعا الهمزة ما قبلها، من ياء أو كسرة. # قوله تعالى: (فإن كان له إخوة) أي: مع الأبوين، فإنهم يحجبون الأم عن ~~الثلث فيردونها إلى السدس، واتفقوا على أنهم إذا كانوا ثلاثة إخوة، حجبوا، ~~فإن كانا أخوين، فهل يحجبانها، فيه قولان: # أحدهما: يحجبانها عن الثلث، قاله عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، والجمهور. # والثاني: لا يحجبها إلا ثلاثة، قاله ابن عباس، واحتج بقوله: إخوة. ~~والأخوة: اسم جمع، واختلفوا في أقل الجمع، فقال الجمهور: أقله ثلاثة، وقال ~~قوم: اثنان، والأول: أصح. وإنما حجب العلماء الأم بأخوين لدليل اتفقوا ~~عليه، وقد يسمى الاثنان بالجمع، قال الزجاج: جميع أهل اللغة يقولون: إن ~~الأخوين جماعة، وحكى سيبويه أن العرب تقول: وضعا رحالهما، يريدون: # رحلي راحلتيهما. # قوله تعالى: (من بعد وصية) أي: هذه السهام إنما تقسم بعد الوصية والدين. ~~وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم " يوصى بها " بفتح الصاد في ~~الحرفين. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " يوصي " فيهما بالكسر، ~~وقرأ حفص، عن عاصم الأولى بالكسر، والثانية بالفتح. # واعلم أن الدين مؤخر في اللفظ، مقدم في المعنى، لأن الدين حق عليه، ~~والوصية حق له، وهما جميعا مقدمان على حق الورثة إذا كانت الوصية في ثلث ~~المال، و " أو " لا توجب الترتيب، ms0394 إنما تدل على أن أحدهما إن كان، فالميراث ~~بعده، وكذلك إن كانا. # قوله تعالى: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) فيه قولان: # أحدهما: أنه النفع في الآخرة، ثم فيه قولان: # أحدهما: أن الوالد إذا كان أرفع درجة من ولده، رفع إليه ولده، وكذلك ~~الولد، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أنه شفاعة بعضهم في بعض، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. # والقول الثاني: أنه النفع في الدنيا، قاله مجاهد. ثم في معناه قولان: # أحدهما: أن المعنى: لا تدرون هل موت الآباء أقرب، فينتفع الأبناء ~~بأموالهم، أو موت الأبناء، فينتفع الآباء بأموالهم؟ قاله ابن بحر. # والثاني: أن المعنى: أن الآباء والأبناء يتفاوتون في النفع، حتى لا يدري ~~أيهم أقرب نفعا، PageV02P093 # لأن الأولاد ينتفعون في صغرهم بالآباء، والآباء ينتفعون في كبرهم ~~بالأبناء، ذكره القاضي أبو يعلى. # وقال الزجاج: معنى الكلام: أن الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة. ~~ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فتضعون الأموال على غير حكمة. ~~إن الله كان عليما بما يصلح خلقه، حكيما فيما فرض. وفي معنى " كان " ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن معناها: كان عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقدر تدبيره ~~منها، قاله الحسن. # والثاني: أن معناها: لم يزل. قال سيبويه: كأن القوم شاهدوا علما وحكمة، ~~فقيل لهم: # إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم، ليس ذلك بحادث. # والثالث: أن لفظة " كان " في الخبر عن الله عز وجل يتساوى ماضيها ~~ومستقبلها، لأن الأشياء عنده على حال واحدة، ذكر هذه الأقوال الزجاج. # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ms0395 السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) قوله تعالى: (وإن كان رجل يورث ~~كلالة) قرأ الحسن: " يورث " بفتح الواو، وكسر الراء مع التشديد. وفي ~~الكلالة أربعة أقوال: # أحدها: أنها ما دون الوالد والولد، قاله أبو بكر الصديق. وقال عمر ابن ~~الخطاب: أتى على حين وأنا لا أعرف ما الكلالة، فإذا هو: من لم يكن له والد ~~ولا ولد، وهذا قول علي، PageV02P094 # وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، ~~والزهري، وقتادة والفراء، وذكر الزجاج عن أهل اللغة، أن " الكلالة ": من ~~قولهم: تكلله النسب، أي: # لم يكن الذي يرثه ابنه، ولا أباه. قال: والكلالة سوى الوالد والولد، ~~وإنما هو كالإكليل على الرأس. وذكر ابن قتيبة عن أبي عبيدة أنه مصدر تكلله ~~النسب: إذا أحاط به. والابن والأب: # طرفان للرجل، فإذا مات، ولم يخلفهما، فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب ~~الطرفين: # كلالة. # والثاني: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، ~~وهو قول طاووس. # والثالث: أن الكلالة: ما عدا الوالد، قاله الحكم. # والرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي. # واختلفوا على ما يقع اسم الكلالة على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اسم للحي الوارث، وهذا مذهب أبي بكر الصديق، وعامة العلماء ~~الذين قالوا: إن الكلالة من دون الوالد والولد، فإنهم قالوا: الكلالة: اسم ~~للورثة إذا لم يكن فيهم ولد ولا والد، قال بعض الأعراب: مالي كثير، ويرثني ~~كلالة متراخ نسبهم. # والثاني: أنه اسم للميت، قاله ابن عباس، والسدي، وأبو عبيدة في جماعة. ~~قال القاضي أبو يعلى: الكلالة: اسم للميت، ولحاله، وصفته، ولذلك انتصب. # والثالث: أنه اسم للميت والحي، قاله ابن زيد. # وفيما أخذت منه الكلالة قولان: # أحدهما: أنه اسم مأخوذ من الإحاطة، ومنه الإكليل، لإحاطته بالرأس. # والثاني: أنه مأخوذ من الكلال، وهو التعب، كأنه يصل إلى الميراث من بعد ~~وإعياء. ms0396 قال الأعشى. # فآليت لا أرثي لها من كلالة * ولا من حفى حتى تزور محمدا قوله: (وله أخ ~~أو أخت) يعني: من الأم باجماعهم. # قوله تعالى: (فهم شركاء في الثلث) قال قتادة: ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. # قوله تعالى (غير مضار) قال الزجاج: " غير " منصوب على الحال، والمعنى: ~~يوصي بها غير مضار، يعني: للورثة. PageV02P095 # تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) قوله تعالى: (تلك حدود الله) قال ابن ~~عباس: يريد ما حد الله من فرائضه في الميراث (ومن يطع الله ورسوله) في شأن ~~المواريث (يدخله جنات) قرأ ابن عامر، ونافع: " ندخله " بالنون في الحرفين ~~جميعا، والباقون بالياء فيهما. # ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ~~(14) قوله تعالى: (ومن يعص الله) فلم يرض بقسمه (يدخله نارا) فإن قيل: كيف ~~قطع للعاصي بالخلود؟ فالجواب: أنه إذا رد حكم الله، وكفر به، كان كافرا ~~مخلدا في النار. # واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) قوله ~~تعالى: واللاتي يأتين الفاحشة) قال الزجاج: " التي " تجمع اللاتي واللواتي. ~~قال الشاعر: # من اللواتي والتي واللاتي * زعمن أني كبرت لداتي وتجمع اللاتي باثبات ~~التاء وحذفها. قال الشاعر: # من اللاتي لم يحججن يبغين حسبة * ولكن ليقتلن البرئ المغفلا والفاحشة: ~~الزنى في قول الجماعة. وفي قوله: [تعالى] (فاستشهدوا عليهن) قولان: # أحدهما: أنه خطاب للأزواج. # والثاني: خطاب للحكام، فالمعنى: اسمعوا شهادة أربعة منكم، ذكرهما ~~الماوردي. قال عمر بن الخطاب: إنما جعل الله عز وجل الشهود أربعة سترا ~~ستركم به دون فواحشكم. ومعنى " منكم ": من المسلمين. # قوله تعالى: (فأمسكوهن في البيوت) قال ابن عباس: كانت المرأة إذا زنت، ~~حبست في البيت حتى تموت، فجعل الله لهن سبيلا، وهو الجلد، أو الرجم. ~~PageV02P096 # واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله ~~كان توابا رحيما (16) قوله تعالى: (واللذان) قرأ ابن كثير: " واللذان ms0397 " ~~بتشديد النون، " وهذان " في (طه) و (الحج) و " هاتين " في (القصص): " إحدى ~~ابنتي هاتين " و " فذانك " كله بتشديد النون. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، بتخفيف ذلك كله، وشدد أبو عمرو " فذانك " وحدها. # وقوله: واللذان: يعني: الزانيين. وهل هو عام، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه عام في الأبكار والثيب من الرجال والنساء، قاله الحسن، ~~وعطاء. # والثاني: أنه خاص في البكرين إذا زنيا، قاله أبو صالح، والسدي، وابن زيد، ~~وسفيان. # قال القاضي أبو يعلى: والأول أصح، لأن هذا تخصيص بغير دلالة. # قوله تعالى: (يأتيانها) يعني الفاحشة. قوله [تعالى] (فآذوهما) فيه قولان: # أحدهما: أنه الأذى بالكلام، والتعيير، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال قتادة، والسدي، والضحاك، ومقاتل. # والثاني: أنه التعيير، والضرب بالنعال، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. ~~(فإن تابا) من الفاحشة (وأصلحا) العمل (فأعرضوا) عن أذاهما. وهذا كله كان ~~قبل الحد. # فصل كان حد الزانيين، فيما تقدم، الأذى لهما، والحبس للمرأة خاصة، فنسخ ~~الحكمان جميعا، واختلفوا بماذا وقع نسخهما، فقال قوم: بحديث عبادة بن ~~الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل ~~الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة، ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد ~~مائة، ونفي سنة وهذا على قول من يرى نسخ القرآن بالسنة. # وقال قوم: نسخ بقوله [تعالى] (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة) PageV02P097 # قالوا: وكان قوله [تعالى] (واللذان يأتيانها) للبكرين، فنسخ حكمهما ~~بالجلد، ونسخ حكم الثيب من النساء بالرجم. # وقال قوم: يحتمل أن يكون النسخ وقع بقرآن، ثم رفع رسمه، وبقي حكمه، لأن ~~في حديث عبادة " قد جعل الله لهن سبيلا " والظاهر: أنه جعل بوحي لم تستقر ~~تلاوته. قال القاضي أبو يعلى: وهذا وجه صحيح، يخرج على قول من لم ينسخ ~~القرآن بالسنة. قال: ويمتنع أن يقع النسخ بحديث عبادة، لأنه من أخبار ~~الآحاد، والنسخ لا يجوز بذلك. # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم ms0398 وكان الله عليما حكيما (17) قوله تعالى: (إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) قال الحسن: إنما التوبة التي ~~يقبلها الله. فأما " السوء " فهو المعاصي، سمي سوءا لسوء عاقبته. # قوله تعالى: (بجهالة) قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته وقال الحسن، ~~وعطاء، وقتادة، والسدي في آخرين: إنما سموا جهالا لمعاصيهم، لا أنهم غير ~~مميزين. # وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما ~~يجهله، كان كمن لم يوقع سوءا، وإنما يحتمل أمرين: # أحدهما: أنهم عملوه، وهم يجهلون المكروه فيه. # والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل ~~على الآجل، فسموا جهالا، لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعاقبة ~~الدائمة. وفي " القريب " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التوبة في الصحة، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال السدي، ~~وابن السائب. # والثاني: أنه التوبة قبل معاينة ملك الموت. رواه ابن أبي طلحة، عن ابن ~~عباس، وبه قال أبو مجلز. PageV02P098 # والثالث: أنه التوبة قبل الموت، وبه قال ابن زيد في آخرين. # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما (18) قوله ~~تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) في السيئات ثلاثة أقوال: # أحدها: الشرك، قاله ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: أنها النفاق، قاله أبو العالية، وسعيد بن جبير. # والثالث: أنها سيئات المسلمين، قاله سفيان الثوري، واحتج بقوله [تعالى]: ~~(ولا الذين يموتون وهم كفار). # قوله تعالى: (حتى إذا حضر أحدهم الموت) في الحضور قولان: # أحدهما: أنه السوق، قاله ابن عمر. # والثاني: أنه معاينة الملائكة لقبض الروح، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد ~~روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: أنزل الله تعالى بعد هذه الآية ~~(إن الله لا يغفر أن يشرك به) الآية. فحرم المغفرة على من مات مشركا، وأرجأ ~~أهل التوحيد إلى مشيئته، فعلى هذا تكون منسوخة في حق المؤمنين. # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء ms0399 كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فان ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) قوله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) سبب نزولها: أن ~~الرجل كان إذا مات، كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا ~~لم يزوجوها، PageV02P099 # فنزلت هذه الآية. قاله ابن عباس. وقال في رواية أخرى: كانوا في أول ~~الإسلام إذا مات الرجل، قام أقرب الناس منه، فيلقى على امرأته ثوبا، فيرث ~~نكاحها. وقال مجاهد: كان إذا توفي الرجل، فابنه الأكبر أحق بامرأته، ~~فينكحها إن شاء، أو ينكحها من شاء. وقال أبو أمامة بن سهل ابن حنيف: لما ~~توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته من بعده، وكان ذلك لهم ~~في الجاهلية، فنزلت هذه الآية. قال عكرمة، واسم هذه المرأة: كبيشة بنت معن ~~بن عاصم، وكان هذا في العرب. وقال أبو مجلز: كانت الأنصار تفعله. وقال ابن ~~زيد: كان هذا في أهل المدينة. وقال السدي: إنما كان ذلك للأولياء ما لم ~~تسبق المرأة، فتذهب إلى أهلها، فإن ذهبت، فهي أحق بنفسها. وفي معنى قوله ~~[تعالى]: (أن ترثوا النساء كرها) قولان: # أحدهما: أن ترثوا نكاح النساء، وهذا قول الجمهور. # والثاني: أن ترثوا أموالهن كرها. روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: ~~كان يلقي حميم الميت على الجارية ثوبا، فان كانت جميلة تزوجها، وإن كانت ~~دميمة حبسها حتى تموت، فيرثها. # واختلف القراء في فتح كاف " الكره " وضمها في أربعة مواضع: هاهنا، وفي ~~(التوبة) وفي (الأحقاف) في موضعين، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو بفتح ~~الكاف فيهن وضمهن حمزة. وقرأ عاصم، وابن عامر بالفتح في (النساء) و ~~(التوبة) وبالضم في (الأحقاف). # وهما لغتان، قد ذكرناهما في (البقرة). وفيمن خوطب بقوله [تعالى].. (ولا ~~تعضلوهن) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه خطاب للأزواج، ثم في العضل الذي نهى عنه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الرجل كان يكره صحبة امرأته، ولها عليه مهر، فيحبسها، ويضربها ms0400 ~~لتفتدي، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي. # والثاني: أن الرجل كان ينكح المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها ~~على أن لا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد على ذلك، فإذا خطبت، فأرضته، أذن لها، ~~وإلا عضلها، قاله ابن زيد. # والثالث: أنهم كانوا بعد الطلاق يعضلون، كما كانت الجاهلية تفعل، فنهوا ~~عن ذلك، PageV02P100 # روي عن ابن زيد أيضا. وقد ذكرنا في (البقرة) أن الرجل كان يطلق المرأة، ~~ثم يراجعها، ثم يطلقها كذلك أبدا إلى غير غاية، يقصد إضرارها، حتى نزلت ~~(الطلاق مرتان). # والقول الثاني: أنه خطاب للأولياء، ثم في ما نهوا عنه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الرجل كان في الجاهلية إذا كانت له قرابة قريبة، ألقى عليها ~~ثوبه، فلم تتزوج أبدا غيره إلا بإذنه، قاله ابن عباس. # والثاني: أن اليتيمة كانت تكون عند الرجل، فيحبسها حتى تموت، أو تتزوج ~~بابنه، قاله مجاهد. # والثالث: أن الأولياء كانوا يمنعون النساء من التزويج، ليرثوهن، وإن روي ~~عن مجاهد أيضا. # والقول الثالث: أنه خطاب لورثة أزواج النساء الذين قيل لهم: لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها. كان الرجل يرث امرأة قريبه، فيعضلها حتى تموت، أو ~~ترد عليه صداقها. هذا قول ابن عباس في آخرين وعلى هذا يكون الكلام متصلا ~~بالأول، وعلى الأقوال التي قبله يكون ذكر العضل منفصلا عن قوله [تعالى]: ~~(أن ترثوا النساء). # وفي الفاحشة قولان: # أحدهما: أنها النشوز على الزوج، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة في ~~جماعة. # والثاني: الزنى، قاله الحسن، وعطاء، وعكرمة في جماعة. وقد روى معمر، عن ~~عطاء الخراساني، قال: كانت المرأة إذا أصابت فاحشة، أخذ زوجها ما ساق ~~إليها، وأخرجها، فنسخ ذلك بالحد. قال ابن جرير: وهذا القول ليس بصحيح لأن ~~الحد حق الله، والافتداء حق للزوج، وليس أحدهما مبطلا للآخر، والصحيح: أنها ~~إذا أتت بأي فاحشة كانت، من زنى الفرج، أو بذاءة اللسان، جاز له أن يعضلها، ~~ويضيق عليها حتى تفتدي. فأما قوله [تعالى]: # (مبينة) فقرأ ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم: " مبينة "، و (آيات مبينات) ~~بفتح الياء فيهما ms0401 PageV02P101 # جميعا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: بكسر الياء ~~فيهما، وقرأ نافع، أبو عمرو " مبينة " كسرا و " آيات مبينات " فتحا. وقد ~~سبق ذكر " العشرة ". # قوله تعالى (فعسى أن تكرهوا شيئا) قال ابن عباس: ربما رزق الله منهما ~~ولدا، فجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع ~~الكراهة لها، ونبهت على معنيين: # أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محمودا، ومحمود ~~عاد مذموما. # والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما ~~يكره لما يحب. # وأنشدوا في هذا المعنى: # ومن لم يغمض عينه عن صديقه * وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبع ~~جاهدا كل عثرة * يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ~~(20) قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج) هذا الخطاب للرجال. والزوج: ~~المرأة. وقد سبق ذكر " القنطار " في (آل عمران). # قوله تعالى: فلا تأخذوا منه شيئا) إنما ذلك في حق من وطئها، أو خلا بها، ~~وقد بينت ذلك الآية التي بعدها. قال القاضي أبو يعلى: وإنما خص النهي عن ~~أخذ شئ مما أعطى بحال الاستبدال، وإن كان المنع عاما، لئلا يظن ظان أنه لما ~~عاد البضع إلى ملكها، وجب أن يسقط حقها من المهر، أو يظن ظان أن الثانية ~~أولى بالمهر منها، لقيامها مقامها. # وفي البهتان قولان: # أحدهما: أنه الظلم، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: الباطل، قاله الزجاج. ومعنى الكلام: أتأخذونه مباهتين آثمين. # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) قوله ~~تعالى: (وكيف تأخذونه) أي: كيف تستجيزون أخذه. وفي " الإفضاء " قولان: ~~PageV02P102 # أحدهما: أنه الجماع، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: الخلوة بها، وإن لم يغشها، قاله الفراء. # وفي المراد بالميثاق هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الذي أخذه الله للنساء على الرجال، الإمساك بمعروف، أو ~~التسريح بإحسان. # هذا قول ابن عباس، ms0402 والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه عقد النكاح قاله مجاهد وابن زيد. # والثالث: أنه أمانة الله، قاله الربيع. # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا (22) قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) قال ابن عباس: كان ~~أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، ~~فنزلت هذه الآية.. وقال بعض الأنصار: توفي أبو قيس بن الأسلت، فخطب ابنه ~~قيس امرأته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستأذنه، وقالت: إنما كنت أعده ~~ولدا، فنزلت هذه الآية. # قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصلناه عن ثعلب، عن الكوفيين، والمبرد عن ~~البصريين، أن " النكاح " في أصل اللغة: اسم للجمع بين الشيئين. وقد سموا ~~الوطء نفسه نكاحا من غير عقد. # قال الأعشى: # ومنكوحة غير ممهورة يعني المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد. قال القاضي ~~أبو يعلى: قد يطلق النكاح على العقد، قال الله تعالى: (إذا نكحتم المؤمنات ~~ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) وهو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، لأنه ~~اسم للجمع، والجمع: إنما يكون بالوطء، فسمي العقد نكاحا، لأنه سبب إليه. # قوله تعالى: (إلا ما قد سلف) فيه ستة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى: بعد ما قد سلف، فإن الله يغفره، قاله الضحاك، ~~والمفضل. وقال PageV02P103 # الأخفش: المعنى: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم فإنكم تعذبون به، إلا ما قد ~~سلف، فقد وضعه الله عنكم. # والثاني: أنها بمعنى: سوى ما قد سلف، قاله الفراء. # والثالث: أنها بمعنى: لكن ما قد سلف فدعوه، قاله قطرب. وقال ابن ~~الأنباري: لكن ما قد سلف، فإنه كان فاحشة. # والرابع: أن المعنى: ولا تنكحوا كنكاح آباؤكم النساء، أي: كما نكحوا على ~~الوجوه الفاسدة التي لا تجوز في الإسلام إلا ما قد سلف في جاهليتكم، من ~~نكاح لا يجور ابتداء مثله في الإسلام، فإنه معفو لكم عنه، وهذا كقول ~~القائل: لا تفعل ما فعلت، أي: لا تفعل مثل ما فعلت، ذكره ابن جرير. # والخامس: أنها ms0403 بمعنى " الواو " فتقديرها: ولا ما قد سلف، فيكون المعنى: ~~إقطعوا ما أنتم عليه من نكاح الآباء، ولا تبتدئوا، قاله بعض أهل المعاني. # والسادس: أنها للاستثناء، فتقدير الكلام: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء بالنكاح الجائز إلا ما قد سلف منهم بالزنى، والسفاح، فإنهن حلال ~~لكم، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: (إنه) يعني النكاح، و " الفاحشة ": ما يفحش ويقبح. " والمقت ~~": أشد البغض. وفي المراد بهذا " المقت " قولان: # أحدهما: أنه اسم لهذا النكاح، وكانوا يسمون نكاح امرأة الأب في الجاهلية: ~~مقتا، ويسمون الولد منه: " المقتي " فأعلموا أن هذا الذي حرم عليهم لم يزل ~~منكرا ممقوتا عندهم. هذا قول الزجاج. # والثاني: أنه يوجب مقت الله لفاعله، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله: (وساء سبيلا) قال ابن قتيبة: أي: قبح هذا الفعل طريقا. # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~PageV02P104 # اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن ~~فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين ~~إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) قوله تعالى: (حرمت عليكم ~~أمهاتكم) قال الزجاج: الأصل في أمهات: أمات، ولكن الهاء زيدت مؤكدة، كما ~~زادوها في: أهرقت الماء، وإنما أصله: أرقت. # قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) إنما سمين أمهات، لموضع الحرمة. ~~واختلفوا: # هل يعتبر في الرضاع العدد، أم لا؟ فنقل حنبل، عن أحمد: أنه يتعلق التحريم ~~بالرضعة الواحدة، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، والحسن، وطاوس، ~~والشعبي، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، ~~وأصحابه. ونقل محمد بن العباس، عن أحمد: أنه يتعلق التحريم بثلاث رضعات. ~~ونقل أبو الحارث، عن أحمد: لا يتعلق بأقل من خمس رضعات متفرقات، وهو قول ~~الشافعي. # قوله تعالى: (وأمهات نسائكم) أمهات النساء: يحرمن بنفس العقد على البنت، ~~سواء دخل بالبنت، أو لم يدخل، وهذا قول عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وعمران ~~بن حصين ومسروق، وعطاء، وطاوس، والحسن، والجمهور. ms0404 وقال علي [رضي الله عنه] ~~في رجل طلق امرأته قبل الدخول: # له أن يتزوج أمها وهذا قول مجاهد، وعكرمة. # قوله تعالى: (وربائبكم) الربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره. ومعنى ~~الربيبة: مربوبة، لأن الرجل يربيها، وخرج الكلام على الأعم من كون التربية ~~في حجر الرجل، لا على الشرط. قوله: # (وحلائل أبنائكم) قال الزجاج: الحلائل: الأزواج. وحليلة: بمعنى محلة، وهي ~~مشتقة من الحلال. وقال غيره: سميت بذلك، لأنها تحل معه أينما كان. وقرأت ~~على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: الحليل: الزوج، والحليلة: المرأة، وسميا ~~بذلك، إما لأنهما يحلان في موضع واحد، أو لأن كل واحد منهما يحال صاحبه، ~~أي: ينازله، أو لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه. # قوله [تعالى]: (الذين من أصلابكم) قال عطاء: إنما ذكر الأصلاب، لأجل ~~الأدعياء. والكلام PageV02P105 # في قوله [تعالى]: (إلا ما قد سلف) على نحو ما تقدم في الآية التي قبلها. ~~وقد زادوا في هذا قولين آخرين: # أحدهما: إلا ما قد سلف من أمر يعقوب عليه السلام، لأنه جمع بين أم يوسف ~~وأختها، وهذا مروي عن عطاء، والسدي، وفيه ضعف لوجهين: # أحدهما: أن هذا التحريم يتعلق بشريعتنا، وليس كل الشرائع تتفق، ولا وجه ~~للعفو عنا فيما فعله غيرنا. # والثاني: أنه لو طولب قائل هذا بتصحيح نقله، لعسر عليه. # والقول الثاني: أن تكون فائدة هذا الاستثناء أن العقود المتقدمة على ~~الأختين لا تنفسخ، ويكون للإنسان أن يختار إحداهما، ومنه حديث فيروز ~~الديلمي قال: أسلمت وعندي أختان، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~طلق إحداهما " ذكره القاضي أبو يعلى. # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما (24) قوله: (والمحصنات من النساء) أما سبب نزولها، ~~فروى أبو سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع ~~عليهن، فسألنا النبي صلى الله عليه ms0405 وسلم، فنزلت هذه الآية، فاستحللناهن. # وأما خلاف القراء، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة بفتح الصاد في كل القرآن، وفتح الكسائي الصاد في هذه وحدها، قال ابن ~~قتيبة: والإحصان: أن يحمي الشئ، ويمنع منه، فالمحصنات: ذوات الأزواج، لأن ~~الأزواج أحصنوهن، ومنعوا منهن. # والمحصنات: الحرائر وإن لم يكن متزوجات، لأن الحرة تحصن وتحصن، وليست ~~كالأمة. والثاني: العفائف: فإنهن حرام على الرجال إلا بعقد نكاح، أو ملك ~~يمين. وهذا قول PageV02P106 # عمر بن الخطاب، وأبي العالية، وعطاء، وعبيدة، والسدي. # والثالث: الحرائر، فالمعنى: أنهن حرام بعد الأربع اللواتي ذكرن في أول ~~السورة، روي عن ابن عباس، وعبيدة. # فعلى القول الأول في معنى قوله [تعالى]: (إلا ما ملكت أيمانكم) قولان: # أحدهما: أن معناه إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا في الحروب، وعلى هذا ~~تأول الآية علي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وكان هؤلاء لا ~~يرون بيع الأمة طلاقا. # والثاني: إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء ذوات الأزواج، بسبي أو غير سبي، ~~وعلى هذا تأول الآية ابن مسعود، وأبي بن كعب، وجابر، وأنس وكان هؤلاء يرون ~~بيع الأمة طلاقا. وقد ذكر ابن جرير، عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن: ~~أنهم قالوا: بيع الأمة طلاقها، والأول أصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خير بريرة إذ أعتقتها عائشة، بين المقام مع زوجها الذي زوجها منه سادتها في ~~حال رقها، وبين فراقه، ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها ~~طلاقا، ولو كان طلاقا لم يكن لتخييره إياها معنى. ويدل على صحة القول الأول ~~ما ذكرناه من سبب نزول الآية. # وعلى القول الثاني: العفائف حرام إلا بملك، والملك يكون عقدا، ويكون ملك ~~يمين. # وعلى القول الثالث: الحرائر حرام بعد الأربع إلا ما ملكت أيمانكم من ~~الإماء، فإنهن لم يحصرن بعدد. # قوله تعالى: (كتاب الله عليكم) قال الزجاج: هو منصوب على التوكيد، محمول ~~على المعنى، لأن معنى " حرمت عليكم أمهاتكم ": كتب الله عليكم هذا كتابا، ~~قال: ويجوز أن ينتصب ms0406 على جهة الأمر، ويكون " عليكم " مفسرا له، فيكون ~~المعنى: الزموا كتاب الله. قال: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) أي: ما بعد هذه ~~الأشياء، إلا أن السنة، قد حرمت تزويج المرأة على عمتها، وتزويجها على ~~خالتها وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران: " كتب الله عليكم " بفتح الكاف، ~~والتاء، والباء، من غير ألف، ورفع الهاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: وأحل بفتح الحاء، وقرأ حمزة، والكسائي: بضم الألف. PageV02P107 # فصل قال شيخنا علي بن عبيد الله: وعامة العلماء ذهبوا إلى أن قوله ~~[تعالى]: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) تحليل ورد بلفظ العموم، وأنه عموم دخله ~~التخصيص، والمخصص له نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على ~~عمتها، أو على خالتها. وليس هذا على سبيل النسخ. وذهب طائفة إلى أن التحليل ~~المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث. # قوله تعالى: (أن تبتغوا بأموالكم) أي: تطلبوا إما بصداق في نكاح، أو ثمن ~~في ملك (محصنين) قال ابن قتيبة: متزوجين، وقال الزجاج: عاقدين التزويج، ~~وقال غيرهما: متعففين غير زانين. والسفاح: الزنى، قال ابن قتيبة.. أصله من ~~سفحت القربة: إذا صببتها، فسمي الزنى سفاحا، لأن [حين يسافح] يصب النطفة، ~~وتصب المرأة النطفة. وقال ابن فارس: السفاح: صب الماء بلا عقد، ولا نكاح، ~~فهو كالشئ يسفح ضياعا. # قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) فيه قولان: # أحدهما: أنه الاستمتاع في النكاح بالمهور، قاله ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد، والجمهور. # والثاني: أنه الاستمتاع إلى أجل مسمى من غير عقد نكاح. وقد روي عن ابن ~~عباس أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك وقد تكلف قوم من مفسري ~~القراء، فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أجاز المتعة، ثم منع منها، فكان قوله منسوخا ~~بقوله. وأما الآية، فإنها لم تتضمن جواز المتعة. لأنه تعالى قال فيها: (أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين ms0407 غير مسافحين) فدل ذلك على النكاح الصحيح. قال ~~الزجاج: ومعنى قوله [تعالى]: (فما استمعتم به منهن) فما نكحتموهن على ~~الشريطة التي جرت، وهو قوله: (محصنين غير مسافحين) أي: عاقدين التزويج ~~(فآتوهن أجورهن) أي: مهورهن. ومن ذهب في الآية إلى غير هذا، فقد أخطأ، وجهل ~~اللغة. # قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) فيه ستة ~~أقوال: # أحدها: أن معناه: لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها، ووهبته ~~لزوجها، هذا مروي عن ابن عباس، وابن زيد. # والثاني: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من مقام، أو فرقة بعد أداء ~~الفريضة، روي عن ابن عباس أيضا. PageV02P108 # والثالث: ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم فيما ~~تراضيتم به من أن ينقصنكم، وسلم أو يبرئنكم، قاله أبو سليمان التيمي. # والرابع: لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل، ~~وتزيدونهن في الأجر من غير استبراء، قاله السدي، وهو يعود إلى قصة المتعة. # والخامس: لا جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب هو للتي لم ~~يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه. قاله الزجاج. # والسادس: أنه عام في الزيادة، والنقصان، والتأخير، والإبراء، قاله القاضي ~~أبو يعلى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن ~~بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ~~فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن ~~خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) قوله تعالى: (ومن ~~لم يستطع منكم طولا) " الطول ": الغنى والسعة في قول الجماعة. # و " المحصنات ": الحرائر، قال الزجاج: والمعنى: من لم يقدر على مهر ~~الحرة، يقال: قد طال فلان طولا على فلان، أي: كان له فضل عليه في القدرة. ~~والمراد بالفتيات هاهنا: المملوكات، يقال للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وقد ~~سمي بهذا الاسم من ليس بمملوك. قرأت على شيخنا الإمام ms0408 أبي منصور اللغوي ~~قال: المتفتية: الفتاة والمراهقة، ويقال للجارية الحدثة: فتاة، وللغلام: ~~فتى، قال القتيبي: وليس الفتى بمعنى الشاب والحدث، إنما هو بمعنى الكامل ~~الجزل من الرجال. PageV02P109 # فأما ذكر الايمان، فشرط في إباحتهن، ولا يجوز نكاح الأمة الكتابية، هذا ~~قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجوز. # قوله تعالى: (والله أعلم بإيمانكم) قال الزجاج: معناه: اعملوا على ظاهركم ~~في الإيمان، فإنكم متعبدون بما ظهر من بعضكم لبعض. قال: وفي قوله [تعالى]: ~~(بعضكم من بعض) وجهان: # أحدهما: أنه أراد النسب، أي: كلكم ولد آدم. ويجوز أن يكون معناه: دينكم ~~واحد، لأنه ذكر هاهنا المؤمنات. وإنما قيل لهم ذلك، لأن العرب كانت تطعن في ~~الأنساب، وتفخر بالأحساب، وتسمي ابن الأمة: الهجين، فأعلم الله عز وجل أن ~~أمر العبيد وغيرهم مستوفى باب الإيمان، وإنما كره التزويج بالأمة، وحرم إذا ~~وجد إلى الحرة سبيلا، لأن ولد الأمة من الحر يصيرون رقيقا، ولأن الأمة ~~ممتهنة في عشرة الرجال، وذلك يشق على الزوج. # قال ابن الأنباري: ومعنى الآية كلكم بنو آدم، فلا يتداخلكم شموخ وأنفة من ~~تزوج الإماء عند الضرورة. # وقال ابن جرير: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ومن لم يستطع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات فلينكح بعضكم من بعض، أي: لينكح هذا فتاة هذا. # قوله تعالى: (فانكحوهن) يعني: الإماء (بإذن أهلهن) أي: سادتهن. و " ~~الأجور ": # المهور. وفي قوله (بالمعروف) قولان: # أحدهما: أنه مقدم في المعنى، فتقديره: انكحوهن بإذن أهلهن بالمعروف، أي: ~~بالنكاح الصحيح (وآتوهن أجورهن). # والثاني: أن المعنى: وآتوهن أجورهن بالمعروف، كمهور أمثالهن. قال ابن ~~عباس: # " محصنات ": عفائف غير زوان (ولا متخذات أخدان) يعني: أخلاء كان الجاهلية ~~يحرمون ما ظهر من الزنى، ويستحلون ما خفي. وقال في رواية أخرى: " المسافحات ~~": المعلنات بالزنى. # و " المتخذات أخدان ": ذات الخليل الواحد. وقال غيره: كانت المرأة تتخذ ~~صديقا تزني معه، ولا تزني مع غيره. # قوله تعالى: (فإذا أحصن) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " ~~أحصن " مضمومة الألف. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم: ~~بفتح الألف، والصاد. # قال ms0409 ابن جرير: من قرأ بالفتح، أراد: أسلمن، فصرن ممنوعات الفروج عن ~~الحرام بالاسلام، ومن PageV02P110 # قرأ بالضم، أراد: فإذا تزوجن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج. # فأما " الفاحشة "، فهي الزنى، و (المحصنات): الحرائر، و " العذاب ": ~~الحد. قال القاضي أبو يعلى: وليس الإسلام والتزويج شرطا في إيجاب الحد على ~~الأمة، بل يجب وإن عدما، وإنما شرط الإحصان في الحد، لئلا يتوهم متوهم أن ~~عليها نصف ما على الحرة إذا لم تكن محصنة، وعليها مثل ما على الحرة إذا ~~كانت محصنة. # قوله تعالى: (ذلك) الإشارة إلى إباحة تزويج الإماء. وفي (العنت) خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه الزنى، قاله ابن عباس، والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، ~~وابن زيد، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: أنه الهلاك، ذكره أبو عبيدة، والزجاج. # والثالث: لقاء المشقة في محبة الأمة، حكاه الزجاج. # والرابع: أن العنت هاهنا: الإثم. # والخامس: أنه العقوبة التي تعنته، وهي الحد، ذكرهما ابن جرير الطبري. # قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على إباحة نكاح الإماء المؤمنات ~~بشرطين: # أحدهما: عدم طول الحرة. # والثاني: خوف الزنى، وهذا قول ابن عباس، والشعبي، وابن جبير، ومسروق، ~~ومكحول، وأحمد، ومالك، والشافعي. وقد روي عن علي، والحسن، وابن المسيب، ~~ومجاهد، والزهري، قالوا: ينكح الأمة، وإن كان موسرا، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. # قوله تعالى: (وأن تصبروا خير لكم) قال ابن عباس والجماعة: عن نكاح ~~الإماء، وإنما ندب إلى الصبر عنه، لاسترقاق الأولاد. # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم) اللام بمعنى " أن " وهذا مذهب ~~جماعة من أهل العربية، واختاره ابن جرير، ومثله (وأمرت لأعدل بينكم) ~~(وأمرنا لنسلم) (يريدون ليطفئوا). PageV02P111 # والبيان من الله تعالى بالنص تارة، وبدلالة النص أخرى. قال الزجاج: و " ~~السنن ": الطرق، فالمعنى يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء وتابعيهم. وقال ~~غيره: معنى الكلام: يريد الله ليبين لكم سنن من قبلكم من أهل الحق والباطل، ~~لتجتنبوا الباطل وتجيبوا الحق، ويهديكم إلى الحق. # الله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ms0410 يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما (27) قوله تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم) قال الزجاج: يريد أن ~~يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم. وفي الذين اتبعوا الشهوات أربعة أقوال: # أحدها: أنهم الزناة، قاله مجاهد، ومقاتل. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي. # والثالث: أنهم اليهود خاصة، ذكره ابن جرير. # والرابع: أهل الباطل، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: (أن تميلوا ميلا عظيما) أي: عن الحق بالمعصية. # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) قوله تعالى: (يريد الله ~~أن يخفف عنكم) التخفيف: تسهيل التكليف، أو إزالة بعضه. قاله ابن جرير: ~~والمعنى: يريد أن ييسر لكم بإذنه في نكاح الفتيات المؤمنات لمن لم يستطع ~~طولا لحرة. وفي المراد بضعف الانسان ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة. قال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين. # والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاوس، ومقاتل. # والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجاج، وابن كيسان. # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) قوله تعالى: ~~(لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) الباطل: ما لا يحل في الشرع. # قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: " تجارة " PageV02P112 # بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم بالنصب، وقد بينا العلة في آخر ~~(البقرة). # قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه على ظاهره، وأن الله حرم على العبد قتل نفسه، وهذا الظاهر. # والثاني: أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضا، وهذا قول ابن عباس، والحسن، ~~وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثالث: أن المعنى: لا تكلفوا أنفسكم عملا ربما أدى إلى قتلها وإن كان ~~فرضا، وعلى هذا تأولها عمرو بن العاص في غزاة ذات السلاسل حيث صلى بأصحابه ~~جنبا في ليلة باردة، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال له: يا ~~عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال: يا رسول الله ms0411 إني احتلمت في ليلة باردة، ~~وأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) فضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والرابع: أن المعنى: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظها، فكأنما ~~قتلها، هذا قول الفضيل بن عياض. # والخامس: لا تقتلوها بارتكاب المعاصي. # ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) ~~قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما) في المشار إليه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قتل النفس، قاله ابن عباس، وعطاء. # والثاني: أنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هاهنا، روي ~~عن ابن عباس أيضا. # والثالث: قتل النفس، وأكل الأموال بالباطل، قاله مقاتل. # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ~~(31) PageV02P113 # قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) اجتناب الشئ: تركه جانبا. # وفي الكبائر أحد عشر قولا: # أحدها: أنها سبع، فروى البخاري، ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا ~~رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات ~~المؤمنات الغافلات ". # وقد روي هذا الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " الكبائر سبع، الإشراك بالله أولهن، وقتل النفس بغير حقها، ~~وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا، والفرار من الزحف، ورمي ~~المحصنات، وانقلاب إلى أعرابية بعد هجرة. # وروي عن علي عليه السلام قال: هي سبع، فعد هذه. # وروي عن عطاء أنه قال: هي سبع، وعد هذه، إلا أنه ذكر مكان الإشراك ~~والتعرب شهادة الزور وعقوق الوالدين. # والثاني: أنها تسع، روى عبيد بن عمير، عن أبيه، وكان من الصحابة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ما الكبائر؟ فقال: " تسع، أعظمهن الإشراك ~~بالله، وقتل نفس المؤمن بغير حق، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، ms0412 ~~والسحر، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال ~~البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا ". # والثالث: أنها أربع: روى البخاري، ومسلم في " الصحيحين " من حديث عبد ~~الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الكبائر: الإشراك ~~بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس ". PageV02P114 # وروى أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل ~~عنها، فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين " وقال: " ألا ~~أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو شهادة الزور ". # وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأمن لمكر ~~الله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله وعن عكرمة نحوه. # والرابع: أنها ثلاث، فروى عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله، وعقوق الوالدين - وكان ~~متكئا فاحتفز - قال: والزور ". وروى البخاري، ومسلم في " الصحيحين " من ~~حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر؟ # قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وكان ~~متكئا فجلس - فقال: وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت - ~~وأخرجا في " الصحيحين " من حديث ابن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أي الذنب أكبر؟ قال: " أن تجعل لله تعالى ندا وهو خلقك ". قلت: ثم ~~أي؟ قال: " ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ". قلت: ثم أي؟ قال: " أن ~~تزاني حليلة جارك ". # والخامس: أنها مذكورة من أول السورة إلى هذه الآية، قاله ابن مسعود وابن ~~عباس. # والسادس: أنها إحدى عشرة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين ~~الغموس، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا " والفرار من الزحف، وقذف ~~المحصنات، وشهادة الزور، والسحر، والخيانة. روي عن ابن مسعود أيضا. # والسابع: أنها كل ذنب يختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، رواه ~~ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. # والثامن: أنها كل ما أوجب الله عليه النار في الآخرة، والحد في الدنيا، ~~روى هذا المعنى ms0413 أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والتاسع: أنها كل ما عصي الله به، روي عن ابن عباس، وعبيدة، وهو قول ~~ضعيف. PageV02P115 # والعاشر: أنها كل ذنب أوعد الله عليه النار، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك في رواية، والزجاج. # والحادي عشر: أنها ثمان، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، ~~وقذف المحصنة، والزنا، وأكل مال اليتيم، وقول الزور، واقتطاع الرجل بيمينه ~~وعهده ثمنا قليلا. رواه محرز، عن الحسن البصري. # قوله تعالى: (نكفر عنكم سيئاتكم) روى المفضل، عن عاصم: " يكفر " " ~~ويدخلكم " بالياء فيهما، وقرأ الباقون بالنون فيهما، وقرأ نافع، وأبان، عن ~~عاصم، والكسائي، عن أبي بكر، عن عاصم: " مدخلا " بفتح الميم هاهنا، وفي ~~(الحج) وضم الباقون " الميم "، ولم يختلفوا في ضم " ميم " (مدخل صدق) و ~~(مخرج صدق) قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون " المدخل " مصدرا ويجوز أن ~~يكون مكانا، سواء فتح، أو ضم: قال السدي: السيئات هاهنا: هي الصغائر. ~~والمدخل الكريم: الجنة. قال ابن قتيبة: والكريم: بمعنى: الشريف. # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما ~~(32) قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله: يغزو الرجال، ولا نغزو، وإنما لنا ~~نصف الميراث، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # والثاني: أن النساء قلن: وددن أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما ~~يصيب الرجال، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # والثالث: أنه لما نزل (للذكر مثل حظ الأنثيين) قال الرجال: إنا لنرجو أن ~~نفضل على النساء بحسناتنا، كما فضلنا عليهن في الميراث، وقال النساء: إنا ~~لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف PageV02P116 # ما على الرجال، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم، فنزلت هذه الآية، ~~قاله قتادة، والسدي. # وفي معنى هذا التمني قولان: # أحدهما: أن يتمنى الرجل مال غيره، قاله ابن عباس، وعطاء. # والثاني: أن يتمنى النساء ms0414 أن يكن رجالا. وقد روي عن أم سلمة أنها قالت: ~~يا ليتنا كنا رجال، فنزلت هذه الآية. وللتمني وجوه: # أحدها: أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره، ويزول عن الغير، فهذا ~~الحسد. # والثاني: أن يتمنى مثل ما لغيره، ولا يحب زواله عن الغير، فهذا هو الغبطة ~~وربما لم يكن نيل ذلك مصلحة في حق المتمني. قال الحسن: لا تمن مال فلان، ~~ولا مال فلان، وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال؟ # والثالث: أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا، ونحو هذا مما لا يقع، فليعلم ~~العبد أن الله أعلم بالمصالح، فليرض بقضاء الله، ولتكن أمانيه الزيادة من ~~عمل الآخرة. # قوله تعالى: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) فيه ~~قولان: # أحدهما: أن المراد بهذا الاكتساب: الميراث، وهو قول ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: أنه الثواب والعقاب. فالمعنى: أن المرأة تثاب كثواب الرجل، ~~وتأثم كإثمه، هذا قول قتادة، وابن السائب، ومقاتل، واحتج على صحته أبو ~~سليمان الدمشقي بأن الميراث لا يحصل بالاكتساب، وبأن الآية نزلت لأجل ~~التمني والفضل. # قوله تعالى: (واسألوا الله من فضله) قرأ ابن كثير، والكسائي، وأبان، وخلف ~~في اختياره (وسل الله) (وسل الذين) (وسل بني إسرائيل) (وسل من أرسلنا) وما ~~كان مثله من الأمر المواجه به، وقبله " واو " أو " فاء " فهو غير مهموز ~~عندهم. وكذلك نقل عن أبي جعفر، وشيبة. وقرأ الباقون بالهمز في ذلك كله، ولم ~~يختلفوا في قوله [تعالى]: (وليسألوا ما أنفقوا) أنه مهموز. PageV02P117 # وفي المراد بالفضل قولان: # أحدهما: أن الفضل: الطاعة، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي. # والثاني: أنه الرزق، قاله ابن السائب، فيكون المعنى: سلوا الله ما ~~تتمنونه من النعم، ولا تتمنوا مال غيركم. # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا (33) قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي) ~~الموالي: الأولياء، وهم الورثة من العصبة وغيرهم. # ومعنى الآية: لكل إنسان موالي يرثون ما ترك. وارتفاع الوالدين والأقربين ~~على معنيين من الإعراب: # أحدهما: أن يكون الرفع ms0415 على خبر الابتداء، والتقدير: وهم الوالدان ~~والأقربون، ويكون تمام الكلام قوله: (مما ترك). # والثاني: أن يكون رفعا على أنه الفاعل التارك للمال، فيكون الوالدان، هم ~~المولى. # قوله تعالى: (والذين عقدت أيمانكم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: # " عاقدت " بالألف، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " عقدت " بلا ألف. قال ~~أبو علي: من قرأ بالألف، فالتقدير: والذي عاقدتهم أيمانكم، ومن حذف الألف، ~~فالمعنى: عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. وفيهم ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أهل الحلف، كان الرجل يحالف الرجل، فأيهما مات ورثه الآخر، ~~فنسخ ذلك بقوله [تعالى] (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) رواه ابن أبي ~~طلحة، عن ابن عباس وروى عنه عطية قال: كان الرجل يلحق الرجل في الجاهلية، ~~فيكون تابعه، فإذا مات الرجل، صار لأهله الميراث، وبقي تابعه بغير شئ، ~~فأنزل الله (والذين عاقدت أيمانكم) فأعطي من ميراثه، ثم نزل من بعد ذلك ~~(وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) وممن قال هم الحلفاء: سعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وقتادة. # والثاني: أنهم الذين آخى بينهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، وهم ~~المهاجرون والأنصار، كان المهاجرون يورثون الأنصار دون ذوي رحمهم للأخوة ~~التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. رواه سعيد بن جبير، ~~PageV02P118 # عن ابن عباس. وبه قال ابن زيد. # والثالث: أنهم الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية، هذا قول سعيد ~~ابن المسيب. # فأما أرباب القول الأول، فقالوا: نسخ حكم الحلفاء الذين كانوا يتعاقدون ~~على النصرة والميراث بآخر (الأنفال)، وإليه ذهب ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ~~وقتادة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، والشافعي. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا الحكم باق غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى من ~~موالي المعاقدة. وذهب قوم إلى أن المراد: فآتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة ~~من غير ميراث، وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد. وذهب قوم آخرون إلى أن ~~المعاقدة: إنما كانت في الجاهلية على النصرة لا غير، والإسلام لم يغير ذلك، ~~وإنما قرره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أيما حلف كان في ms0416 الجاهلية، ~~فإن الإسلام لم يزده إلا شدة " أراد: النصر والعون. وهذا قول سعيد بن جبير، ~~وهو يدل على أن الآية محكمة. # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا (34) قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) سبب ~~نزولها: أن رجلا لطم زوجته لطمة فاستعدت عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وذكر المفسرون أنه سعد ~~بن الربيع الأنصاري. قال ابن عباس: " قوامون " أي: مسلطون على تأديب النساء ~~في الحق. وروى هشام بن محمد، عن أبيه في قوله [تعالى]: (الرجال قوامون على ~~النساء) قال: إذا كانوا رجالا، وأنشد: PageV02P119 # أكل امرئ تحسبين امرءا * ونارا توقد بالليل نارا قوله تعالى: (بما فضل ~~الله بعضهم على بعض) يعني: الرجال على النساء، وفضل الرجل على المرأة ~~بزيادة العقل، وتوفير الحظ في الميراث، والغنيمة، والجمعة، والجماعات، ~~والخلافة، والإمارة، والجهاد، وجعل الطلاق إليه إلى غير ذلك. # قوله تعالى: (وبما أنفقوا من أموالهم) قال ابن عباس يعني: المهر والنفقة ~~عليهن. وفي " الصالحات " قولان: # أحدهما: المحسنات إلى أزواجهن، قاله ابن عباس. # والثاني: العاملات بالخير، قاله ابن مبارك. قال ابن عباس. و " القانتات ~~": المطيعات لله في أزواجهن، والحافظات للغيب، أي: لغيب أزواجهن. وقال ~~عطاء، وقتادة: يحفظن ما غاب عنه الأزواج من الأموال، وما يجب عليهن من ~~صيانة أنفسهن لهم. # قوله تعالى: (بما حفظ الله) قرأ الجمهور برفع اسم " الله " وفي معنى ~~الكلام على قراءتهم ثلاثة أقوال: # أحدها: بحفظ الله إياهن، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل، وروى ابن ~~المبارك، عن سفيان، قال: بحفظ الله إياها أن جعلها كذلك. # والثاني: بما حفظ الله لهن مهورهن، وإيجاب نفقتهن، قاله الزجاج. # والثالث: أن معناه: حافظات للغيب بالشئ الذي يحفظ به أمر الله، حكاه ~~الزجاج. وقرأ أبو جعفر بنصب اسم الله. والمعنى: بحفظهن الله ms0417 في طاعته. # قوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن) في الخوف قولان: # أحدهما: أنه بمعنى العلم، قاله ابن عباس. # والثاني: بمعنى الظن لما يبدو من دلائل النشوز، قاله الفراء، وأنشد: # وما خفت يا سلام أنك عائبي قال ابن قتيبة: والنشوز: بغض المرأة للزوج، ~~يقال: نشزت المرأة على زوجها، ونشصت: # إذا فركته، ولم تطمئن عنده، وأصل النشوز: الانزعاج. قال الزجاج: أصله من ~~النشز، وهو المكان المرتفع من الأرض. # قوله تعالى: (فعظوهن) قال الخليل: الوعظ: التذكير بالخير فيما يرق له ~~القلب. قال PageV02P120 # الحسن: يعظها بلسانه، فان أبت وإلا هجرها. واختلفوا في المراد بالهجر في ~~المضجع على أربعة أقوال: # أحدها: أنه ترك الجماع، رواه سعيد بن جبير، وابن أبي طلحة، والعوفي، عن ~~ابن عباس وبه قال ابن جبير، ومقاتل. # والثاني: أنه ترك الكلام، لا ترك الجماع، رواه أبو الضحى، عن ابن عباس، ~~وخصيف، عن عكرمة، وبه قال السدي، والثوري. # والثالث: أنه قول الهجر من الكلام في المضاجع، روي عن ابن عباس، والحسن، ~~وعكرمة. فيكون المعنى: قولوا لهن في المضاجع هجرا من القول. # والرابع: أنه هجر فراشها، ومضاجعتها. روي عن الحسن، والشعبي، ومجاهد، ~~والنخعي، ومقسم، وقتادة. قال ابن عباس: اهجرها وهو في المضجع، فإن أقبلت ~~وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح. وقال جماعة من أهل العلم: ~~الآية على الترتيب، فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، والضرب ~~عند تكرره، واللجاج فيه. ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز، قال القاضي أبو ~~يعلى: وعلى هذا مذهب أحمد. وقال الشافعي: يجوز ضربها في ابتداء النشوز. # قوله تعالى: (فإن أطعنكم) قال ابن عباس: يعني في المضجع (فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا) أي: فلا تتجن عليها العلل. وقال سفيان بن عيينة: لا تكلفها الحب، ~~لأن قلبها ليس في يدها. # وقال ابن جرير: المعنى: فلا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن ~~وأموالهن بالعلل، وذلك أن تقول لها وهي مطيعة لك: لست لي محبة، فتضربها، أو ~~تؤذيها. # قوله تعالى: (إن الله كان عليا كبيرا) قال أبو ms0418 سليمان الدمشقي: لا تبغوا ~~على أزواجكم، فهو ينتصر لهن منكم. وقال الخطابي: الكبير: الموصوف بالجلال، ~~وكبر الشأن، يصغر دون جلاله كل كبير. ويقال: هو الذي كبر عن شبه المخلوقين. # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) قوله تعالى: (وإن ~~خفتم شقاق بينهما) في الخوف قولان: PageV02P121 # أحدهما: أنه الحذر من وجود ما لا يتيقن وجوده، قاله الزجاج. # والثاني: أنه العلم، قاله أبو سليمان الدمشقي. قال الزجاج: والشقاق: ~~العداوة، واشتقاقه من المتشاقين، كل صنف منهم في شق. و " الحكم ": هو القيم ~~بما يسند إليه. وفي المأمور بانفاذ الحكمين قولان: # أحدهما: أنه السلطان إذا ترافعا إليه، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. # والثاني: الزوجان، قاله السدي. # قوله تعالى: (إن يريدا إصلاحا) قال ابن عباس: يعني الحكمين. وفي قوله ~~[تعالى]: # (يوفق الله بينهما) قولان. # أحدهما: أنه راجع إلى الحكمين، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وعطاء، ~~والسدي والجمهور. # والثاني: أنه راجع إلى الزوجين، ذكره بعض المفسرين. # فصل والحكمان وكيلان للزوجين، ويعتبر رضى الزوجين فيما يحكمان به، هذا ~~قول أحمد، وأبي حنيفة، وأصحابه. وقال مالك، والشافعي: لا يفتقر حكم الحكمين ~~إلى رضى الزوجين. # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) قوله تعالى: ~~(واعبدوا الله) قال ابن عباس: وحدوه. # قوله تعالى: (وبالوالدين إحسانا) قال الفراء: أغراهم بالإحسان إلى ~~الوالدين. # قوله تعالى: (والجار ذي القربى) فيه قولان: PageV02P122 # أحدهما: أنه الجار الذي بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل في آخرين. # والثاني: أنه الجار المسلم، قاله نوف الشامي. فيكون المعنى: ذي القربى ~~منكم بالإسلام. # قوله تعالى: (والجار الجنب) روى المفضل، عن عاصم: والجار الجنب بفتح ~~الجيم، وإسكان النون. قال أبو علي: المعنى: والجار ذي الجنب، فحذف المضاف. ~~وفي الجار الجنب ثلاثة أقوال: # أحدها: ms0419 أنه الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل، في آخرين. # والثاني: أنه جارك عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، رواه الضحاك، ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنه اليهودي والنصراني، قاله نوف الشامي وفي الصاحب بالجنب ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الزوجة، قاله علي، وابن مسعود، والحسن، وإبراهيم النخعي، وابن ~~أبي ليلى. # والثاني: أنه الرفيق في السفر، قاله ابن عباس في رواية مجاهد، وقتادة، ~~والضحاك، والسدي، وابن قتيبة. وعن سعيد بن جبير كالقولين. # والثالث: أنه الرفيق، رواه ابن جريج، عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. قال ~~ابن زيد: هو الذي يلصق بك رجاء خيرك. وقال مقاتل: هو رفيقك حضرا وسفرا. وفي ~~ابن السبيل أقوال قد ذكرناها في (البقرة). # قوله تعالى: (وما ملكت أيمانكم) يعني: المملوكين. وقال بعضهم: يدخل فيه ~~الحيوان البهيم. قال ابن عباس: والمختال: البطر في مشيته، والفخور: المفتخر ~~على الناس بكبره. وقال مجاهد: هو الذي يعد ما أعطى، ولا يشكر الله، وقال ~~ابن قتيبة: المختال: ذو الخيلاء والكبر. # وقال الزجاج: المختال: الصلف التياه الجهول. وإنما ذكر الاختيال هاهنا، ~~لأن المختال يأنف من ذوي قراباته، ومن جيرانه إذا كانوا فقراء. # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتهم الله من فضله وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا (37) قوله تعالى: (الذين يبخلون) ذكر المفسرون أنها ~~نزلت في اليهود. فأما سبب نزولها، فقال PageV02P123 # ابن عباس: كان كردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن ~~عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يخالطونهم، وينتصحون لهم، ~~فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تسارعوا في ~~النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون، فنزلت هذه الآية. وفي الذي بخلوا به ~~وأمروا الناس بالبخل به قولان: # أحدهما: أنه المال، قاله ابن عباس، وابن زيد. # والثاني: أنه إظهار صفة النبي صلى الله عليه وسلم ونبوته، قاله مجاهد، ~~وقتادة، والسدي. # قوله ms0420 تعالى: (ويأمرون الناس بالبخل) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر: بالبخل " خفيفا " وقرأ حمزة، والكسائي: " بالبخل " ~~محركا، وكذلك في سورة الحديد وفي الذين آتاهم الله من فضله قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، أوتوا علم نعت محمد صلى الله عليه وسلم فكتموه، هذا ~~قول الجمهور. # والثاني: أنهم أرباب الأموال بخلوا بها، وكتموا الغنى، ذكره الماوردي في ~~آخرين. # قوله تعالى: (وأعتدنا) قال الزجاج: معناه: جعلنا ذلك عتادا لهم، أي مثبتا ~~لهم. # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن ~~الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم رئاء ~~الناس) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. # والثاني: أنهم المنافقون، قاله السدي، والزجاج، وأبو سليمان الدمشقي. # والثالث: مشركو مكة أنفقوا على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره ~~الثعلبي. # والقرين: الصاحب المؤالف، وهو فعيل من الاقتران بين الشيئين. وفي معنى ~~مقارنة الشيطان قولان: PageV02P124 # أحدها: مصاحبته في الفعل. # والثاني: مصاحبته في النار. # وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما (39) قوله تعالى: (وماذا عليهم) المعنى: وأي شئ على هؤلاء ~~الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله، لو آمنوا!. وفي ~~الإنفاق المذكور هاهنا قولان: # أحدهما: أنه الصدقة، قاله ابن عباس. # والثاني: الزكاة، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي قوله [تعالى]: (وكان الله ~~بهم عليما) تهديد لهم على سوء مقاصدهم. # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وأن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~(40) قوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) قد شرحنا الظلم فيما سلف، ~~وهو مستحيل على الله عز وجل، لأن قوما قالوا: الظلم: تصرف فيما لا يملك، ~~والكل ملكه، وقال آخرون: هو وضع الشئ في غير موضعه، وحكمته لا تقتضي فعلا ~~لا فائدة تحته. ومثقال الشئ: زنة الشئ. قال ابن قتيبة: يقال: هذا على مثقال ~~هذا، أي: على وزنه. قال الزجاج: وهو مفعال من الثقل. # وقرأت على شيخنا أبي ms0421 منصور اللغوي قال: يظن الناس أن المثقال وزن دينار ~~لا غير، وليس كما يظنون. مثقال كل شئ: وزنه، وكل وزن يسمى مثقالا، وإن كان ~~وزن ألف. قال الله تعالى: # (وإن كان مثقال حبة من خردل) قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن صنجة مثقال ~~الميزان، فقال: فارسي، ولا أدري كيف أقول، ولكني أقول: مثقال، فإذا قلت ~~للرجل: ناولني مثقالا، فأعطاك صنجة ألف، أو صنجة حبة، كان ممتثلا. # وفي المراد بالذرة خمسة أقوال: # أحدها: أنه رأس نملة حمراء، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: ذرة يسيرة من التراب، رواه يزيد بن الأصم، عن ابن عباس. # والثالث: أصغر النمل، قاله ابن قتيبة، وابن فارس. # والرابع: الخردلة. # والخامس: الواحدة من الهباء الظاهر في ضوء الشمس إذا طلعت من ثقب، ذكرهما ~~الثعلبي. PageV02P125 # واعلم أن ذكر الذرة ضرب مثل بما يعقل، والمقصود أنه لا يظلم قليلا ولا ~~كثيرا. # قوله تعالى: (وإن تك حسنة) قرأ ابن كثير، ونافع: حسنة بالرفع. وقرأ ~~الباقون بالنصب. # قال الزجاج: من رفع، فالمعنى: وإن تحدث حسنة، ومن نصب، فالمعنى: وإن تك ~~فعلته حسنة. # قول تعالى: (يضاعفها) قرأ ابن عامر، وابن كثير: يضعفها بالتشديد من غير ~~ألف. وقرأ الباقون: يضاعفها بألف مع كسر العين. قال ابن قتيبة: يضاعفها ~~بالألف: يعطي مثلها مرات، ويضعفها بغير ألف: يعطي مثلها مرة. # قوله تعالى: (من لدنه) أي: من قبله. والأجر العظيم: الجنة. # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) قوله ~~تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) قال الزجاج: معنى الآية فكيف يكون ~~حال هؤلاء يوم القيامة، فحذف الحال، لأن في الكلام دليلا عليه. ولفظ " كيف ~~" لفظ الاستفهام، ومعناها: التوبيخ. والشهيد: نبي الأمة. وبماذا يشهد فيه ~~أربعة أقوال: # أحدها: بأنه قد بلغ أمته. قاله ابن مسعود، وابن جريج، والسدي، ومقاتل. # والثاني: بايمانهم، قاله أبو العالية. # والثالث: بأعمالهم، قاله مجاهد، وقتادة. # والرابع: يشهد لهم وعليهم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (وجئنا بك) يعني: نبينا صلى الله عليه وسلم. وفي هؤلاء ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: ms0422 أنهم جميع أمته، ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه يشهد عليهم. # والثاني: يشهد لهم فتكون " على " بمعنى: اللام. # والقول الثاني: أنهم الكفار يشهد عليهم بتبليغ الرسالة، قاله مقاتل. # والثالث: اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. # يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله ~~حديثا (42) PageV02P126 # قوله تعالى: (لو تسوى بهم الأرض) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: لو ~~تسوى، بضم التاء، وتخفيف السين. والمعنى: ودوا لو جعلوا ترابا، فكانوا هم ~~والأرض سواء، هذا قول الفراء في آخرين. قال أبو هريرة: إذا حشر الله ~~الخلائق، قال للبهائم، والدواب، والطير: كوني ترابا. فعندها يقول الكافر: ~~يا ليتني كنت ترابا. # وقرأ نافع، وابن عامر: لو تسوى، بفتح التاء، وتشديد السين، والمعنى: لو ~~تتسوى، فأدغمت التاء في السين، لقربها منها. قال أبو علي: وفي هذه القراءة ~~اتساع، لأن الفعل مسند إلى الأرض، وليس المراد: ودوا لو صارت الأرض مثلهم، ~~وإنما المعنى: ودوا لو يتسوون بها. ثم في المعنى للمفسرين قولان: # أحدهما: أن معناه: ودوا لو تخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها، قاله قتادة، ~~وأبو عبيدة، ومقاتل. # والثاني: أن معناه: ودوا أنهم لم يبعثوا، لأن الأرض كانت مستوية بهم قبل ~~خروجهم منها، قاله ابن كيسان، وذكر نحوه الزجاج، وقرأ حمزة، والكسائي: لو ~~تسوى، بفتح التاء، وتخفيف السين والواو مشددة ممالة، وهي بمعنى: تتسوى، ~~فحذف التاء التي أدغمها نافع، وابن عامر. فأما معنى القراءتين، فواحد. # قوله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) في " الحديث " قولان: # أحدهما: أنه قولهم: ما كنا مشركين، هذا قول الجمهور. # والثاني: أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته، قاله عطاء: فعلى ~~الأول يتعلق الكتمان بالآخرة، وعلى الثاني يتعلق بما كان في الدنيا، فيكون ~~المعنى: ودوا أنهم لم يكتموا ذلك. # وفي معنى الآية ستة أقوال: # أحدها: ودوا إذا فضحتهم جوارحهم أنهم لم يكتموا الله شركهم، وهذا المعنى ~~مروي عن ابن عباس. # والثاني: أنهم لما شهدت عليهم جوارحهم لم يكتموا الله حديثا بعد ذلك، روي ~~عن ابن عباس أيضا. PageV02P127 # والثالث: أنهم في موطن ms0423 لا يكتمونه حديثا، وفي موطن يكتمون، ويقولون: ما ~~كنا مشركين، قاله الحسن. # والرابع: أن قوله [تعالى]: (ولا يكتمون الله حديثا) كلام مستأنف لا يتعلق ~~بقوله: لو تسوى بهم الأرض، هذا قول الفراء، والزجاج. ومعنى: لا يكتمون الله ~~حديثا: لا يقدرون على كتمانه، لأنه ظاهر عند الله. # والخامس: أن المعنى: ودوا لو سويت بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا الله ~~حديثا. # والسادس: أنهم لم يعتقدوا قولهم: ما كنا مشركين كذبا، وإنما اعتقدوا أن ~~عبادة الأصنام طاعة، ذكر القولين ابن الأنباري. # وقال القاضي أبو يعلى: أخبروا بما توهموا، إذ كانوا يظنون أنهم ليسوا ~~بمشركين وذلك لا يخرجهم عن أن يكونوا قد كذبوا. # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) قوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) روى أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي بن ~~أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر، ~~فأخذت منا، وحضرت الصلاة، فقدموني، فقرأت " قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون " فنزلت هذه الآية. وفي رواية أخرى، عن أبي ~~عبد الرحمن، عن علي [رضي الله عنه] أن الذي قدموه، وخلط في هذه السورة، عبد ~~الرحمن بن عوف. # وفي معنى قوله [تعالى]: (لا تقربوا الصلاة) قولان: # أحدهما: لا تتعرضوا بالسكر في أوقات الصلاة. # والثاني: لا تدخلوا في الصلاة في حال السكر، والأول أصح، لأن السكران لا ~~يعقل ما PageV02P128 # يخاطب به. وفي معنى: (وأنتم سكارى) قولان: # أحدهما: من الخمر، قاله الجمهور. # والثاني: من النوم، قاله الضحاك، وفيه بعد. وهذه الآية اقتضت إباحة السكر ~~في غير أوقات الصلاة، ثم نسخت بتحريم الخمر. # قوله تعالى: (ولا جنبا) قال ابن قتيبة: الجنابة: البعد، قال الزجاج: ~~يقال: رجل ms0424 جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، كما يقال: رجل رضى، وقوم رضى. وفي ~~تسمية الجنب بهذا الاسم قولان: # أحدهما: لمجانبة مائه محله. # والثاني: لما يلزمه من اجتناب الصلاة، وقراءة القرآن، ومس المصحف، ودخول ~~المسجد. # قوله تعالى: (إلا عابري سبيل) فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين ~~غير واجدين للماء فتيمموا، وتصلوا. وهذا المعنى مروي عن علي [رضي الله ~~عنه]. ومجاهد، والحكم، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والفراء، والزجاج. # والثاني: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم جنب إلا مجتازين، ولا ~~تقعدوا. وهذا المعنى مروي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، والحسن، وسعيد بن ~~المسيب، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبي الضحى، ~~وأحمد، والشافعي، وابن قتيبة. وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير، كالقولين، فعلى ~~القول الأول: " عابر السبيل ": المسافر، و " قربان الصلاة ": فعلها، وعلى ~~الثاني: " عابر السبيل ": المجتاز في المسجد، و " قربان الصلاة ": دخول ~~المسجد الذي تفعل فيه الصلاة. # قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى) في سبب نزول هذا الكلام قولان: # أحدهما: أن رجلا من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن ~~له خادم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فنزلت: (وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر) قاله مجاهد. # والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جراحات، ففشت ~~فيهم، وابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت (وإن كنتم مرضى) الآية كلها، قاله إبراهيم النخعي. قال PageV02P129 # القاضي أبو يعلى: وظاهر الآية يقتضي جواز التيمم مع حصول المرض الذي ~~يستضر معه باستعمال الماء، سواء كان يخاف التلف، أو لا يخاف، وكذلك السفر ~~يجوز فيه التيمم عند عدم الماء، سواء كان قصيرا، أو طويلا، وعدم الماء ليس ~~بشرط في جواز التيمم للمريض، وإنما الشرط: حصول الضرر، وأما السفر، فعدم ~~الماء شرط في إباحة التيمم، وليس السفر بشرط، وإنما ذكر السفر، لأن الماء ~~يعدم فيه غالبا. # قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) ms0425 " أو " بمعنى الواو، لأنها لو ~~لم تكن كذلك، لكان وجوب الطهارة على المريض والمسافر غير متعلق بالحدث. ~~والغائط: المكان المطمئن من الأرض، فكني عن الحدث بمكانه، قاله ابن قتيبة. ~~وكذلك قالوا للمزادة: راوية، وإنما الراوية للبعير الذي يسقى عليه، وقالوا ~~للنساء: ظعائن، وإنما الظعائن: الهوادج، وكن يكن فيها، وسموا الحدث عذرة، ~~لأنهم كانوا يلقون الحدث بأفنية الدور. # قوله تعالى: (أو لامستم النساء) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: أو لامستم بألف هاهنا، وفي (المائدة) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف ~~في اختياره، والمفضل عن عاصم، والوليد بن عتبة، عن ابن عامر (أو لمستم) ~~بغير ألف هاهنا، وفي (المائدة) وفي المراد بالملامسة قولان: # أحدهما: أنها الجماع، قاله علي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها الملامسة باليد، قاله ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي، ~~وعبيدة، وعطاء، وابن سيرين، والنخعي، والنهدي والحكم، وحماد. # قال أبو علي: اللمس يكون باليد، وقد اتسع فيه، فأوقع على غيره، فمن ذلك ~~(وأنا لمسنا السماء) أي: عالجنا غيب السماء، ومنا من يسترقه فيلقيه إلى ~~الكهنة، ويخبرهم به. فلما كان اللمس يقع على غير المباشرة باليد، قال: ~~(فلمسوه بأيديهم) فخص اليد، لئلا يلتبس بالوجه الآخر، كما قال: (وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم) لأن الابن قد يتبنى وليس من الصلب. PageV02P130 # قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) سبب نزولها: أن عائشة رضي الله عنها ~~كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فانقطع عقد لها، فأقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم على التماسه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، ~~فنزلت هذه الآية، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. ~~أخرجه البخاري، ومسلم، وفي رواية أخرى أخرجها البخاري، ومسلم أيضا: أن ~~عائشة استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجالا في طلبها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، وشكوا ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية التيمم. والتيمم في ~~اللغة: # القصد، وقد ذكرناه في ms0426 قوله [تعالى]: (ولا تيمموا الخبيث) وأما الصعيد: ~~فهو التراب، قاله علي، وابن مسعود، والفراء، وأبو عبيد، والزجاج، وابن ~~قتيبة. وقال الشافعي: لا يقع اسم الصعيد إلى علي تراب ذي غبار. وفي الطيب ~~قولان: # أحدهما: أنه الطاهر. # والثاني: الحلال. # قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) الوجه الممسوح في التيمم: هو ~~المحدود في الوضوء. وفيما يجب مسحه من الأيدي ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إلى الكوعين حيث يقطع السارق، روى عمار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " التيمم ضربة للوجه والكفين " وبهذا قال سعيد بن ~~المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، والأوزاعي، ومكحول، ومالك، وأحمد، ~~وإسحاق، وداود. # والثاني: أنه إلى حد المرفقين، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه تيمم، فمسح ذراعيه. # وبهذا قال ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، وأبو حنيفة، والشافعي، وعن ~~الشعبي كالقولين. # والثالث: أنه يجب المسح من رؤوس الأنامل إلى الآباط، روى عمار بن ياسر ~~قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلت الرخصة في المسح، ~~فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط. وهذا قول ~~الزهري. PageV02P131 # قوله تعالى: (إن الله كان عفوا) قال الخطابي: [" العفو "]: بناء ~~للمبالغة. و (العفو): # الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسئ. وقيل: إنه مأخوذ من عفت الريح ~~الأثر: إذا درسته، وكأن العافي عن الذنوب يمحوه بصفحه عنه. # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا ~~السبيل (44) قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) اختلفوا ~~فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت. # والثاني: أنها نزلت في رجلين كانا إذا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~لويا ألسنتهما وعاباه، روي القولان عن ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في اليهود، قاله قتادة. # وفي النصيب الذي أوتوه قولان: # أحدهما: أنه علم نبوة محمد النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: العلم بما في كتابهم دون العمل. # قوله تعالى: (يشترون الضلالة) قال ابن قتيبة: هذا من الاختصار، ms0427 والمعنى: ~~يشترون الضلالة بالهدى، ومثله (وتركنا عليه في الآخرين) أي: تركنا عليه ~~ثناء حسنا، فحذف الثناء لعلم المخاطب. # وفي معنى اشترائهم الضلالة أربعة أقوال: # أحدها: أنه استبدالهم الضلالة بالإيمان، قاله أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أنه استبدالهم التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهوره ~~بإيمانهم به قبل ظهوره، قاله مقاتل. # والثالث: أنه إيثارهم التكذيب بالنبي لأخذ الرشوة، وثبوت الرئاسة لهم، ~~قاله الزجاج. PageV02P132 # والرابع: أنه إعطاؤهم أحبارهم أموالهم على ما يصنعونه من التكذيب بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (ويريدون أن تضلوا) خطاب للمؤمنين. والمراد بالسبيل: طريق ~~الهدى. # والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) قوله تعالى: ~~(والله أعلم بأعدائكم) فهو يعلمكم ما هم عليه، فلا تستنصحوهم، وهم اليهود، ~~(وكفى بالله وليا) لكم، فمن كان وليه، لم يضره عدوه. قال الخطابي: " الولي ~~": # الناصر، و " الولي ": المتولي للأمر، والقائم به، وأصله، من الولي، وهو ~~القرب، و " النصير ": # فعيل بمعنى فاعل. # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا (46) قوله تعالى: (من الذين هادوا) قال مقاتل: نزلت في رفاعة بن زيد، ~~ومالك ابن الضيف، وكعب بن أسيد، وكلهم يهود. وفي " من " قولان: ذكرهما ~~الزجاج: # أحدهما: أنها من صلة الذين أوتوا الكتاب، فيكون المعنى: ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا. # والثاني: أنها مستأنفة، فالمعنى: من الذين هادوا قوم يحرفون، فيكون قوله: ~~يحرفون، صفة، ويكون الموصوف محذوفا، وأنشد سيبويه: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح والمعنى: ~~فمنهما تارة أموت فيها. قال أبو علي الفارسي: والمعنى: وكفى بالله نصيرا من ~~الذين هادوا، أي: إن الله ينصر عليهم. # فأما " التحريف "، فهو التغيير. و (الكلم): جمع كلمة. وقيل: إن " الكلام ~~" مأخوذ من " الكلم "، وهو الجرح الذي يشق الجلد واللحم، فسمي الكلام ~~كلاما، ms0428 لأنه يشق الأسماع بوصوله إليها، وقيل: بل لتشقيقه المعاني المطلوبة ~~في أنواع الخطاب. PageV02P133 # وفي معنى تحريفهم الكلم قولان: # أحدهما: أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الشئ، فإذا ~~خرجوا، حرفوا كلامه، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه تبديلهم التوراة، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (عن مواضعه) أي: عن أماكنه ووجوهه. # قوله تعالى: (ويقولون سمعنا وعصينا) قال مجاهد: سمعنا قولك، وعصينا أمرك. # قوله تعالى: (واسمع غير مسمع فيه قولان: # [أحدهما: أن معناه: اسمع لا سمعت، قاله ابن عباس، وابن زيد، وابن قتيبة]. # والثاني: أن معناه: اسمع غير مقبول ما تقول، قاله الحسن، ومجاهد، وقد ~~تقدم في (البقرة) معنى: وراعنا. # قوله تعالى: (ليا بألسنتهم) قال قتادة: " اللي ": تحريك ألسنتهم بذلك. ~~وقال ابن قتيبة معنى " ليا بألسنتهم " أنهم يحرفون " راعنا " عن طريق ~~المراعاة، والانتظار إلى السب بالرعونة. # قال ابن عباس: (لكان خيرا لهم) مما بدلوا، و (أقوم) أي: أعدل، (ولكن ~~لعنهم الله بكفرهم) بمحمد. # قوله تعالى: (فلا يؤمنون إلا قليلا) فيه قولان: # [أحدهما: فلا يؤمن منهم إلا قليل، وهم عبد الله بن سلام، ومن تبعه، قاله ~~ابن عباس]. # والثاني: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، قاله قتادة، والزجاج. قال مقاتل: ~~وهو اعتقادهم أن الله خلقهم ورزقهم. # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما ~~نزلنا) سبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا قوما من أحبار اليهود، ~~منهم عبد الله بن صوريا، وكعب إلى الإسلام، وقال لهم: إنكم لتعلمون أن الذي ~~PageV02P134 # جئت به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. وفي ~~الذين أوتوا الكتاب قولان: # أحدهما: أنه اليهود، قاله الجمهور. # والثاني: اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. وعلى الأول يكون الكتاب: ~~التوراة، وعلى الثاني: التوراة والإنجيل. والمراد بما نزلنا: القرآن، وقد ~~سبق في (البقرة) بيان تصديقه لما معهم. # قوله تعالى: ms0429 (من قبل أن نطمس وجوها) في طمس الوجوه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إعماء العيون، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أنه طمس ما فيها من عين، وأنف، وحاجب، وهذا المعنى مروي عن ابن ~~عباس، واختيار ابن قتيبة. # والثالث: أنه ردها عن طريق الهدى، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ومجاهد، ~~والضحاك، والسدي. وقال مقاتل: من قبل أن نطمس وجوها، أي: نحول الملة عن ~~الهدى والبصيرة. فعلى هذا القول يكون ذكر الوجه مجازا. والمراد: البصيرة ~~والقلوب. وعلى القولين قبله يكون المراد بالوجه: العضو المعروف. # قوله تعالى: (فنردها على أدبارها) خمسة أقوال: # أحدها: نصيرها في الأقفاء، ونجعل عيونها في الأقفاء، هذا قول ابن عباس، ~~وعطية. # والثاني: نصيرها كالأقفاء، ليس فيها فم، ولا حاجب، ولا عين، وهذا قول ~~قوم، منهم ابن قتيبة. # والثالث: نجعل الوجه منبتا للشعر، كالقرود، هذا قول الفراء. # والرابع: ننفيها مدبرة عن ديارها ومواضعها. وإلى نحوه ذهب ابن زيد. قال ~~ابن جرير: # فيكون المعنى: من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها. وناحيتهم التي هم بها ~~نزول، فنردها على أدبارها من حيث جاؤوا بديا من الشام. # والخامس: نردها في الضلالة، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ~~ومقاتل. PageV02P135 # قوله تعالى: (أو نلعنهم) يعود إلى أصحاب الوجوه. وفي معنى لعن أصحاب ~~السبت قولان: # أحدهما: مسخهم قردة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: طردهم في التيه حتى هلك فيه أكثرهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (وكان أمر الله مفعولا) قال ابن جرير: الأمر هاهنا بمعنى ~~المأمور، سمي باسم الأمر لحدوثه عنه. # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما (48) قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) قال ~~ابن عمر: لما نزلت (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # والشرك؟ فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت هذه. وقد سبق معنى ~~الإشراك. # والمراد من الآية: ms0430 لا يغفر لمشرك مات على شركه. وفي قوله [تعالى]: (لمن ~~يشاء) نعمة عظيمة من وجهين: # أحدهما: أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب، ~~وإن مات مصرا. # والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف ~~وطمع. # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ~~(49) قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) سبب نزولها: أن مرحب بن ~~زيد. # وبحري بن عون - وهما من اليهود - أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأطفالهما، ومعهما طائفة من اليهود فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ ~~قال: لا، قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا ~~كفر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فنزلت هذه ~~الآية. هذا قول ابن عباس. PageV02P136 # وفي قوله (ألم تر) قولان: # أحدهما: ألم تخبر، قاله ابن قتيبة: # والثاني: ألم تعلم، قاله الزجاج. وفي الذين يزكون أنفسهم قولان: # أحدهما: اليهود على ما ذكرنا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، ~~ومقاتل. # والثاني: أنهم اليهود، والنصارى، وبه قال الحسن، وابن زيد. ومعنى " يزكون ~~أنفسهم ": # يزعمون أنهم أزكياء، يقال: زكى الشئ: إذا نما في الصلاح. وفي الذي زكوا ~~به أنفسهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم برؤوا أنفسهم من الذنوب، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أن اليهود قالوا: إن أبناءنا الذين ماتوا يزكوننا عند الله، ~~ويشفعون لنا، رواه عطية، عن ابن عباس. # والثالث: أن اليهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم، يزعمون ~~أنهم لا ذنوب لهم، هذا قول عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك. # والرابع: أن اليهود والنصارى قالوا: (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقالوا: ~~(لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) هذا قول الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: (بل الله يزكي من يشاء) أي: يجعله زاكيا، ولا يظلم الله أحدا ~~مقدار فتيل. # قال ابن جرير: وأصل " الفتيل ": المفتول، صرف عن مفعول إلى فعيل، كصريع، ~~ودهين. # وفي الفتيل قولان: # أحدهما: ms0431 أنه ما يكون في شق النواة، رواه عكرمة، عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، وقتادة، وعطية، وابن زيد، ومقاتل، وأبو ~~عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنه ما يخرج بين الأصابع من الوسخ إذا دلكن، رواه العوفي، عن ~~ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو مالك، والسدي، والفراء. # أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) PageV02P137 # قوله تعالى: (انظر كيف يفترون على الله الكذب) وهو قولهم (نحن أبناء الله ~~وأحباؤه)] وقولهم (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) وقولهم: لا ذنب ~~لنا ونحو ذلك مما كذبوا فيه (وكفى به) أي: وحسبهم بقيلهم الكذب (إثما ~~مبينا) يتبين كذبهم لسامعيه. # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) قوله تعالى: (ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن جماعة من اليهود قدموا على قريش، فسألوهم: أديننا خير، أم دين ~~محمد؟ # فقال اليهود: بل دينكم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أن كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، قدما مكة، فقالت لهما قريش: ~~أنحن خير، أم محمد؟ فقالا: أنتم، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة في رواية. ~~وقال قتادة: نزلت في كعب، وحيي، ورجلين آخرين من بني النضير قالوا لقريش: ~~أنتم أهدى من محمد. # والثالث: أن كعب بن الأشرف وهو الذي قال لكفار قريش: أنتم أهدى من محمد، ~~فنزلت هذه الآية. وهذا قول مجاهد، والسدي، وعكرمة في رواية. # والرابع: أن حيي بن أخطب قال للمشركين: نحن وإياكم خير من محمد، فنزلت ~~هذه الآية، هذا قول ابن زيد. والمراد بالمذكورين في هذه الآية اليهود. # وفي " الجبت " سبعة أقوال: # أحدها: أنه السحر، قاله عمر بن الخطاب، ومجاهد، والشعبي. # والثاني: الأصنام، رواه عطية، عن ابن عباس. وقال عكرمة: الجبت: صنم. # والثالث: حيي بن أخطب، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ~~والفراء. # والرابع: ms0432 كعب بن الأشرف، رواه الضحاك، عن ابن عباس، وليث عن مجاهد. # والخامس: الكاهن، روي عن ابن عباس، وبه قال ابن سيرين، ومكحول. ~~PageV02P138 # والسادس: الشيطان، قاله سعيد بن جبير في رواية، وقتادة، والسدي. # والسابع: الساحر، قاله أبو العالية، وابن زيد. وروى أبو بشر، عن سعيد بن ~~جبير، قال: # الجبت: الساحر بلسان الحبشة. # وفي المراد بالطاغوت هاهنا ستة أقوال: # أحدها: الشيطان، قاله عمر بن الخطاب، ومجاهد في رواية، والشعبي، وابن ~~زيد. # والثاني: أنه اسم للذين يكونون بين يدي الأصنام يعبرون عنها ليضلوا ~~الناس، رواه العوفي، عن ابن عباس. # والثالث: كعب بن الأشرف، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال ~~الضحاك، والفراء. # والرابع: الكاهن، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو العالية، وقتادة، والسدي. # والخامس: أنه الصنم، قاله عكرمة. وقال. الجبت والطاغوت صنمان. # والسادس: الساحر، روي عن ابن عباس، وابن سيرين، ومكحول، فهذه الأقوال تدل ~~على أنهما اسمان لمسميين. وقال اللغويون منهم ابن قتيبة، والزجاج: كل معبود ~~من دون الله، من حجر، أو صورة، أو شيطان، فهو جبت وطاغوت. # قوله تعالى: (ويقولون للذين كفروا) يعني لمشركي قريش: أنتم (أهدى) من ~~الذين آمنوا، يعنون النبي وأصحابه (طريقا) في الديانة والاعتقاد. # أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) أم لهم نصيب ~~من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) قوله تعالى: (أم لهم نصيب من ~~الملك) هذا استفهام معناه الإنكار، فالتقدير: ليس لهم. # وقال الفراء: قوله (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) جواب لجزاء مضمر، تقديره: ~~ولئن كان لهم نصيب لا يؤتون الناس نقيرا. وفي " النقير " أربعة أقوال: # أحدها: أنه النقطة التي في ظهر النواة، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد، ~~ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة في آخرين. # والثاني: أنه القشر الذي يكون في وسط النواة، رواه التيمي عن ابن عباس. ~~وروي عن PageV02P139 # مجاهد: أنه الخيط الذي يكون في وسط النواة. # والثالث: أنه نقر الرجل الشئ بطرف إبهامه، رواه أبو ms0433 العالية، عن ابن ~~عباس. # والرابع: أنه حبة النواة التي في وسطها رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد. قال ~~الأزهري: # و " الفتيل " و " النقير " و " القطمير ": تضرب أمثالا للشئ التافه ~~الحقير. # أم يحسدون الناس على ما آتهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) قوله تعالى: (أم يحسدون الناس) سبب ~~نزولها: أن أهل الكتاب قالوا: يزعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع، وله ~~تسع نسوة، فأي ملك أفضل من هذا، فنزلت، رواه العوفي، عن ابن عباس. # وفي " أم " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى ألف الاستفهام، قاله ابن قتيبة: # والثاني: بمعنى " بل " قاله الزجاج، وقد سبق ذكر " الحسد " في (سورة ~~البقرة) والحاسدون هاهنا: اليهود. وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: النبي محمد صلى الله عليه وسلم، رواه عطية، عن ابن عباس، وبه قال ~~عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل. # والثاني: النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، روي عن علي بن أبي ~~طالب [رضي الله عنه]. # والثالث: العرب، قاله قتادة. # والرابع: النبي، والصحابة، ذكره الماوردي. وفي الذي آتاهم الله من فضله ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: إباحة الله تعالى نبيه أن ينكح ما شاء من النساء من غير عدد، روي ~~عن ابن عباس، والضحاك، والسدي. # والثاني: أنه النبوة، قاله ابن جريج، والزجاج. # والثالث: بعثة نبي منهم على قول من قال: هم العرب. PageV02P140 # قوله تعالى: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب) يعني: التوراة، والإنجيل، ~~والزبور. كله كان في آل إبراهيم، وهذا النبي من أولاد إبراهيم. وفي الحكمة ~~قولان: # أحدهما: النبوة، قاله السدي، ومقاتل. # والثاني: الفقه في الدين، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي الملك العظيم خمسة أقوال: # أحدها: ملك سليمان، رواه عطية، عن ابن عباس. # والثاني: ملك داود، وسليمان في النساء، كان لداود مائة امرأة، ولسليمان ~~سبعمائة امرأة، وثلاثمائة سرية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال ~~السدي. # والثالث: النبوة، قاله مجاهد. # والرابع: التأييد بالملائكة، قاله ابن زيد في آخرين. # والخامس: الجمع بين سياسة الدنيا، وشرع الدين، ذكره الماوردي. # فمنهم ms0434 من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) قوله تعالى: ~~(فمنهم من آمن به) فيمن تعود عليه الهاء، والميم قولان: # أحدهما: اليهود الذين أنذرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ~~مجاهد، ومقاتل، والفراء في آخرين. فعلى هذا القول في هاء (به) ثلاثة أقوال: # أحدها: تعود على ما أنزل الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ~~مجاهد. قال أبو سليمان: فيكون الكلام مبنيا على قوله [تعالى]: (على ما ~~آتاهم الله من فضله) وهو النبوة، والقرآن. # والثاني: أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون متعلقة بقوله: ~~(أم يحسدون الناس) يعني بالناس: محمدا صلى الله عليه وسلم، ويكون المراد ~~بقوله: (فمنهم من آمن به) عبد الله بن سلام، وأصحابه. # والثالث: أنها تعود إلى النبأ عن آل إبراهيم، قاله الفراء. # والقول الثاني: أن الهاء، والميم في قوله (فمنهم) تعود إلى آل إبراهيم، ~~فعلى هذا في هاء (به) قولان: # أحدهما: أنها عائدة إلى إبراهيم، قاله السدي. # والثاني: إلى الكتاب، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (ومنهم من صد عنه) وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن جبير، ~~وعكرمة، PageV02P141 # وابن يعمر، والجحدري: " من صد عنه " برفع الصاد. وقرأ أبي بن كعب، وأبو ~~الجوزاء: بكسر الصاد. # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) قوله تعالى: (فسوف ~~نصليهم نارا) قال الزجاج: أي نشويهم في نار. ويروى أن يهودية أهدت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية، أي: مشوية. وفي قوله [تعالى] (بدلناهم ~~جلودا غيرها) قولان: # أحدهما: أنها غيرها حقيقة، ولا يلزم على هذا أن يقال: كيف بدلت جلود ~~التذت بالمعاصي بجلود ما التذت، لأن الجلود آلة في إيصال العذاب إليهم، كما ~~كانت آلة في إيصال اللذة، وهم المعاقبون لا الجلود. # والثاني: أنها هي بعينها تعاد بعد احتراقها، كما تعاد بعد البلى في ~~القبور. فتكون الغيرية عائدة إلى الصفة، لا إلى الذات، فالمعنى: بدلناهم ~~جلودا غير محترقة، كما تقول: صغت ms0435 من خاتمي خاتما آخر. وقال الحسن البصري: ~~في هذه الآية: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم: ~~عودوا، فعادوا. # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) قوله تعالى: ~~(وندخلهم ظلا ظليلا) قال الزجاج: هو الذي يظل من الحر والريح، وليس كل ظل ~~كذلك، فأعلم الله تعالى أن ظل الجنة ظليل لا حر معه، ولا برد. فإن قيل: أفي ~~الجنة برد أو حر يحتاجون معه إلى ظل؟ فالجواب: أن لا، وإنما خاطبهم بما ~~يعقلون مثله، كقوله [تعالى]: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا)، وجواب آخر: وهو ~~أنه إشارة إلى كمال وصفها، وتمكين بنائها، فلو كان البرد أو الحر يتسلط ~~عليها، لكان في أبنيتها وشجرها ظل ظليل. # * إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا PageV02P142 # بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) قوله تعالى: ~~(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، طلب مفتاح البيت من ~~عثمان بن أبي طلحة، فذهب ليعطيه إياه، فقال العباس: بأبي أنت وأمي اجمعه لي ~~مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه للعباس، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " هات المفتاح " فأعاد العباس قوله، وكف عثمان، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله وباليوم الآخر " فقال: هاكه يا رسول ~~الله بأمانة الله، فأخذ المفتاح، ففتح البيت، فنزل جبريل بهذه الآية، فدعا ~~عثمان، فدفعه إليه. رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والزهري، ~~وابن جريج، ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت في الأمراء. رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال ~~زيد بن أسلم، وابنه، ومكحول، واختاره أبو سليمان الدمشقي، وقال: أمر ~~الأمراء أن يؤدوا الأمانة في أموال المسلمين. # والثالث: أنها نزلت عامة، وهو مروي عن أبي بن كعب، وابن ms0436 عباس، والحسن، ~~وقتادة، واختاره القاضي أبو يعلى. واعلم أن نزولها على سبب لا يمنع عموم ~~حكمها. فإنها عامة في الودائع وغيرها من الأمانات. وقال ابن مسعود: الأمانة ~~في الوضوء، وفي الصلاة، وفي الصوم، وفي الحديث، وأشد ذلك في الودائع. # قوله تعالى: (نعما يعظكم به) يقول: نعم الشئ يعظكم به، وقد ذكرناه في ~~(البقرة). # يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في سرية، أخرجه البخاري، ومسلم، من حديث ابن عباس. # والثاني: أن عمار بن ياسر كان مع خالد بن الوليد في سرية، فهرب القوم، ~~ودخل رجل منهم PageV02P143 # على عمار، فقال: إني قد أسلمت، هل ينفعني، أو أذهب كما ذهب قومي؟ قال ~~عمار: أقم فأنت آمن، فرجع الرجل، وأقام فجاء خالد، فأخذ الرجل، فقاد عمار: ~~إني قد أمنته، وإنه قد أسلم، قال: أتجير علي وأنا الأمير؟ فتنازعا، وقدما ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن ~~عباس. # قوله تعالى: (وأطيعوا الرسول) طاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، ~~واجتناب نهيه، وبعد مماته: اتباع سنته. وفي أولي الأمر أربعة أقوال: # أحدها: أنهم الأمراء، قاله أبو هريرة، وابن عباس في رواية، وزيد بن أسلم، ~~والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنهم العلماء، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهو قول جابر بن ~~عبد الله، والحسن، وأبي العالية، وعطاء، والنخعي، والضحاك، ورواه خصيف، عن ~~مجاهد. # والثالث: أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رواه ابن أبي نجيح، عن ~~مجاهد، وبه قال بكر بن عبد الله المزني. # والرابع: أنهم أبو بكر، وعمر، وهذا قول عكرمة. # قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شئ) قال الزجاج: معناه: اختلفتم. وقال كل ~~فريق: ms0437 القول قولي. واشتقاق المنازعة: أن كل واحد ينتزع الحجة. # قوله تعالى: (فردوه إلى الله والرسول) في كيفية هذا الرد قولان: # أحدهما: أن رده إلى الله رده إلى كتابه، ورده إلى النبي رده إلى سنته، ~~هذا قول مجاهد، وقتادة، والجمهور. قال القاضي أبو يعلى: وهذا الرد يكون من ~~وجهين: # أحدهما: إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه. # والثاني: الرد إليهما من جهة الدلالة عليه، واعتباره من طريق القياس، ~~والنظائر. # والقول الثاني: أن رده إلى الله ورسوله أن يقول من لا يعلم الشئ: الله ~~ورسوله أعلم، ذكره قوم، منهم الزجاج. PageV02P144 # وفي المراد بالتأويل أربعة أقوال: # أحدها: أنه الجزاء، والثواب، وهو قول مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه العاقبة، وهو قول السدي، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. # والثالث: أنه التصديق، مثل قوله [تعالى]: (هذا تأويل رؤياي). قاله ابن ~~زيد في رواية. # والرابع: أن معناه: ردكم إياه إلى الله ورسوله أحسن من تأويلكم، ذكره ~~الزجاج ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) قوله تعالى: (ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا) ~~في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال ~~اليهودي، انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، فأبى ~~اليهودي، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي، فلما خرجا، قال ~~المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إليه، فقصا عليه القصة، فقال: ~~رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج، فضرب به ~~المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت ~~هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أن أبا بردة الأسلمي كان كاهنا يقضي بين اليهود، فتنافر إليه ~~ناس من المسلمين، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة، عن ابن عباس. # والثالث: أن يهوديا ومنافقا كانت بينهما خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى ms0438 ~~النبي، لأنه لا يأخذ الرشوة، ودعا المنافق إلى حكامهم، لأنهم يأخذون ~~الرشوة، فلما اختلفا، اجتمعا أن يحكما كاهنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول ~~الشعبي. PageV02P145 # والرابع: أن رجلا من بني النضير قتل رجلا من بني قريظة، فاختصموا، فقال ~~المنافقون منهم: إنطلقوا إلى أبي برذة الكاهن، فقال المسلمون من الفريقين: ~~بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون، فانطلقوا إلى الكاهن، ~~فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. # والزعم والزعم لغتان، وأكثر ما يستعمل في قول ما لا تتحقق صحته، وفي ~~(الذين زعموا أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله) قولان: # أحدهما: أنه المنافق. # والثاني: أن الذي زعم أنه آمن بما أنزل إليه المنافق، والذي زعم أنه آمن ~~بما أنزل من قبله اليهودي. والطاغوت: كعب بن الأشرف، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد، والضحاك، والربيع، ومقاتل. # قوله تعالى: (وقد أمروا أن يكفروا به) قال مقاتل: أن يتبرؤوا من الكهنة، ~~" والضلال البعيد ": الطويل. # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا (61) قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله) قال ~~مجاهد: هذه الآية والتي قبلها نزلتا في خصومة اليهودي، والمنافق، والهاء ~~والميم في (لهم): إشارة إلى الذين يزعمون و (الذي أنزل الله): أحكام ~~القرآن. و (إلى الرسول) أي: إلى حكمه. # فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا ~~إلا إحسانا وتوفيقا (62) قوله تعالى: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة) أي: كيف ~~يصنعون ويحتالون إذا أصابتهم عقوبة من الله؟ وفي المراد بالمصيبة قولان: # أحدهما: أنه تهديد ووعيد. # والثاني: أنه قتل المنافق الذي قتله عمر. وفي الذي قدمت أيديهم ثلاثة ~~أقوال: PageV02P146 # أحدها: نفاقهم واستهزاؤهم. # والثاني: ردهم حكم النبي صلى الله عليه وسلم. # والثالث: معاصيهم المتقدمة. # قوله تعالى: (إن أردنا) بمعنى. ما أردنا. # قوله تعالى: (إلا إحسانا وتوفيقا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لما قتل عمر صاحبهم، جاؤوا يطلبون بدمه، ويحلفون ما أردنا في ~~المطالبة بدمه إلا إحسانا إلينا، وما يوافق الحق في أمرنا. ms0439 # والثاني: ما أردنا بالترافع إلى عمر إلا إحسانا وتوفيقا. # والثالث: أنهم جاؤوا يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من محاكمتهم ~~إلى غيره، ويقولون: ما أردنا في عدولنا عنك إلا إحسانا بالتقريب في الحكم، ~~وتوفيقا بين الخصوم دون الحمل على مر الحق. # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) قوله تعالى: (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) أي: من ~~النفاق والزيغ. وقال ابن عباس: إضمارهم خلاف ما يقولون (فأعرض عنهم) ولا ~~تعاقبهم (وعظهم) بلسانك (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) أي: تقدم إليهم: إن ~~فعلتم الثانية، عاقبتكم. وقال الزجاج: يقال: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو ~~بليغ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. # وقد تكلم العلماء في حد " البلاغة " فقال بعضهم: " البلاغة " إيصال ~~المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: " البلاغة ": حسن العبارة ~~مع صحة المعنى، وقيل: البلاغة: # الإيجاز مع الإفهام، والتصرف من غير إضجار. قال خالد بن صفوان: أحسن ~~الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخير الكلام ما شوق أوله إلى سماع ~~آخره، وقال غيره: إنما يستحق الكلام اسم البلاغة إذا سابق لفظه معناه، ~~ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك. # فصل وقد ذهب قوم إلى أن " الإعراض " المذكور في هذه الآية منسوخ بآية ~~السيف. PageV02P147 # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) قوله ~~تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع) قال الزجاج: (من) دخلت للتوكيد. # والمعنى: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع. وفي قوله: (بإذن الله) قولان: # أحدهما: أنه بمعنى: الأمر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الإذن نفسه، قاله مجاهد. وقال الزجاج: المعنى: إلا ليطاع ~~بأن الله أذن له في ذلك. # وقوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) يرجع إلى المتحاكمين اللذين سبق ~~ذكرهما. قال ابن عباس: ظلموا أنفسهم بسخطهم قضاء الرسول: (جاؤوك فاستغفروا ~~الله) ms0440 من صنيعهم. # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون) في ~~سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنها نزلت في خصومة كانت بين الزبير وبين رجل من الأنصار في شراج ~~الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: " اسق ثم أرسل إلى جارك " ~~فغضب الأنصاري، قال: يا رسول الله: أن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: " اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يبلغ ~~الجدر " قال الزبير: فوالله ما أحسب هذه الآية نزلت إلى في ذلك. أخرجه ~~البخاري، ومسلم. # والثاني: أنها نزلت في المنافق، واليهودي اللذين تحاكما إلى كعب بن ~~الأشرف، وقد سبقت قصتهما، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون) أي: لا يكونون مؤمنين حتى يحكموك، ~~وقيل: (لا) رد لزعمهم أنهم مؤمنون، والمعنى: فلا، أي: ليس الأمر كما يزعمون ~~أنهم آمنوا، وهم يخالفون PageV02P148 # حكمك. ثم استأنف، فقال: وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، أي: ~~فيما اختلفوا فيه. # وفي " الحرج " قولان: # أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي في آخرين. # والثاني: الضيق، قاله أبو عبيدة، والزجاج. وفي قوله: (ويسلموا تسليما) ~~قولان: # أحدهما: يسلموا لما أمرتهم به، فلا يعارضونك، هذا قول ابن عباس، والزجاج، ~~والجمهور. # والثاني: يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك، قاله الماوردي. # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا ~~قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) ~~وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) قوله ~~تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم) سبب نزولها: أن رجلا من ~~اليهود قال: # والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلناها. فقال ثابت بن قيس ~~بن الشماس: والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا، فنزلت هذه الآية. هذا قول ~~السدي. قال الزجاج: (لو) يمتنع به الشئ لامتناع غيره، تقول: لو ms0441 جاءني زيد ~~لجئته. والمعنى: أن مجيئك امتنع لامتناع مجيئه، و (كتبنا) بمعنى: # فرضنا. والمعنى: لو أنا فرضنا على المؤمنين بك أن اقتلوا أنفسكم. قرأ أبو ~~عمرو: أن اقتلوا أنفسكم، بكسر النون، أو اخرجوا بضم الواو. وقرأ ابن عامر، ~~وابن كثير، ونافع، والكسائي: أن اقتلوا أو اخرجوا بضم النون والواو، وقرأ ~~عاصم، وحمزة بكسرهما. والمعنى: لو فرضنا عليهم كما فرضنا على قوم موسى، لم ~~يفعله إلا قليل منهم، هذه قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر: إلا قليلا بالنصب. ~~(ولو أنهم) يعني: المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا، وهم يتحاكمون إلى ~~الطاغوت، ويصدون عنك (فعلوا ما يوعظون به) أي: ما يذكرون به من طاعة الله، ~~والوقوف مع أمره، (لكان خيرا لهم) وأثبت لأمورهم. وقال السدي: (وأشد ~~تثبيتا) أي: تصديقا. # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء PageV02P149 # والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ~~(70) قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد المحبة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فرآه رسول الله يوما فعرف الحزن في وجهه، فقال ~~يا ثوبان ما غير وجهك؟ قال: ما بي من وجع غير أني إذا لم ارك اشتقت إليك، ~~فأذكر الآخرة، فأخاف أن لا أراك هناك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: ما ينبغي أن ~~نفارقك في الدنيا، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا، فنزلت هذه الآية. هذا قول ~~مسروق. # والثالث: أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~محزون، فقال مالي أراك محزونا؟ # فقال: يا رسول الله غدا ترفع مع الأنبياء، فلا نصل إليك. فنزلت هذه ~~الآية. هذا قول سعيد بن جبير. قال ابن عباس: ومن يطع الله في الفرائض، ~~والرسول في السنن. قال ابن قتيبة: # والصديق: الكثير الصدق، كما يقال: فسيق، وسكير، وشريب، وخمير، وسكيت، ms0442 ~~وفجير، وعشيق، وضليل، وظليم: إذا كثر منه ذلك. ولا يقال ذلك لمن فعل الشئ ~~مرة، أو مرتين حتى يكثر منه ذلك، أو يكون عادة. فأما الشهداء، فجمع شهيد ~~وهو القتيل في سبيل الله. # وفي تسميته بالشهيد خمسة أقوال: # أحدها: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة، قاله ثعلب. # والثاني: لأن ملائكة الرحمة تشهده. # والثالث: لسقوطه بالأرض، والأرض: هي الشاهدة، ذكر القولين ابن فارس ~~اللغوي. # والرابع: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. # والخامس: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل، قاله شيخنا علي بن ~~عبيد الله. # فأما الصالحون، فهم اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته. والجمهور على أن ~~النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين عام في جميع من هذه صفته. # وقال عكرمة: المراد بالنبيين هاهنا محمد، والصديقين أبو بكر، وبالشهداء ~~عمرو عثمان PageV02P150 # وعلي، وبالصالحين سائر الصحابة. # قوله تعالى: (وحسن أولئك رفيقا) قال الزجاج: " رفيقا " منصوب على ~~التمييز، وهو ينوب عن رفقاء، قال الشاعر: # بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب وقال آخر: # في حلقكم عظم وقد شجينا يريد: في حلوقكم عظام (ذلك الفضل) الذي أعطى ~~المذكورين (من الله وكفى بالله عليما) بالمقاصد والنيات. # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) قوله ~~تعالى: (خذوا حذركم) فيه قولان: # أحدهما: احذروا عدوكم. # والثاني: خذوا سلاحكم. # قوله تعالى: (فانفروا ثبات) قال ابن قتيبة: أي: جماعات، واحدتها: ثبة، ~~يريد جماعة بعد جماعة. وقال الزجاج: " الثبات ": الجماعات المتفرقة. قال ~~زهير: # وقد أغدوا على ثبة كرام * نشاوى واجدين لما نشاء قال ابن عباس: فانفروا ~~ثبات، أي: عصبا، سرايا متفرقين، أو انفروا كلكم. # فصل وقد نقل عن ابن عباس أن هذه الآية وقوله (انفروا خفافا وثقالا) وقوله ~~[تعالى]: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) منسوخات بقوله: (وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة) قال أبو سليمان الدمشقي: والأمر في ذلك بحسب ما ~~يراه الإمام، وليس في هذا من المنسوخ شئ. # وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم ms0443 الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة يا ليتني PageV02P151 # كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن) ~~اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها في المنافقين، كعبد الله بن أبي، وأصحابه كانوا يتثاقلون عن ~~الجهاد، فإن لقيت السرية نكبة، قال من أبطأ منهم: لقد أنعم الله علي، وإن ~~لقوا غنيمة، قال: يا ليتني كنت معهم. هذا قول ابن عباس، وابن جريج. # والثاني: أنها نزلت في المسلمين الذين قلت علومهم بأحكام الدين، فتثبطوا ~~لقلة العلم، لا لضعف الدين، ذكره الماوردي وغيره. فعلى الأول تكون إضافتهم ~~إلى المؤمنين بقوله " منكم " لموضع نطقهم بالإسلام، وجريان أحكامه عليهم، ~~وعلى الثاني تكون الإضافة حقيقة. قال ابن جرير: اللام في (لمن) لام تأكيد. ~~قال الزجاج: واللام في (ليبطئن) لام القسم، كقولك: إن منكم لمن أحلف بالله ~~ليبطئن، يقال: " أبطأ الرجل " و " بطؤ " فمعنى " أبطأ " تأخر، ومعنى " بطؤ ~~": ثقل. وقرأ أبو جعفر: (ليبطئن) بتخفيف الهمزة. وفي معنى " ليبطئن " ~~قولان: # أحدهما: ليبطئن هو نفسه، وهو قول ابن عباس: # والثاني: ليبطئن غيره، قاله ابن جريج. قال ابن عباس: و " المصيبة ": ~~النكبة. و " الفضل من الله ": الفتح والغنيمة. # قوله تعالى: (كأن لم يكن بينكم وبينه مودة) قرأ ابن كثير، وحفص، والمفضل، ~~عن عاصم: # كأن لم تكن بالتاء، لأن الفاعل المسند إليه مؤنث في اللفظ وقرأ نافع، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: يكن بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي. ~~قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: # ليقولن يا ليتني كنت معهم، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة، أي: كأنه لم ~~يعاقدكم على أن يجاهد معكم، ويجوز أن يكون هذا الكلام معترضا به، فيكون ~~المعنى: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فإن أصابتكم ~~مصيبة، قال: قد أنعم الله علي، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة. فيكون معنى " ~~المودة " أي: كأنه لم يعاقدكم على الإيمان. # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن ms0444 يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) PageV02P152 # قوله تعالى: (الذين يشترون الحياة الدنيا) يشترون هاهنا: بمعنى يبتغون في ~~قول الجماعة. # وأنشدوا: # وشريت... بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه و " برد ": غلام له باعه. ~~ومعنى الآية: ليكن قتال المقاتلين على وجه الإخلاص، وطلب الآخرة. # قوله تعالى: (فيقتل أو يغلب) خرج مخرج الغالب، وقد يثاب من لم يغلب ولم ~~يقتل. # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ~~وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) قوله تعالى: (والمستضعفين من الرجال) ~~قال الفراء: تقديره: وفي المستضعفين. وكذلك روي عن ابن عباس. وقال الزجاج: ~~المستضعفون في موضع خفض، والمعنى في سبيل الله، وسبيل المستضعفين، أي: ما ~~لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء؟ قال ابن عباس: وهم ناس مسلمون كانوا بمكة لا ~~يستطيعون أن يخرجوا. و (القرية): مكة في قول الجماعة. قال الفراء: وإنما ~~خفض (الظالم) لأنه نعت للأهل، فلما عاد الأهل على القرية كان فعل ما أضيف ~~إليها بمنزلة فعلها، تقول: مررت بالرجل الواسعة داره. # قوله تعالى: (واجعل لنا من لدنك وليا) قال أبو سليمان: سألوا الله وليا ~~من عنده يلي إخراجهم منها، ونصيرا يمنعهم من المشركين. قال ابن عباس: فلما ~~فتح رسول الله مكة، جعل الله عز وجل النبي عليه السلام وليهم، واستعمل ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد، فكان نصيرا لهم، ينصف ~~الضعيف من القوي. # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) قوله تعالى: ~~(يقاتلون في سبيل الطاغوت) الطاغوت هاهنا في معنى جماعة، كقوله (ولحم ~~الخنزير) معناه: ولحم الخنازير. # قوله تعالى: (إن كيد الشيطان) يعني: مكره وصنيعه (كان ضعيفا) حيث خذل ~~أصحابه يوم بدر. PageV02P153 # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون ms0445 الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين ~~قيل لهم كفوا أيديكم) اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في نفر من المهاجرين، كانوا يحبون أن يؤذن لهم في قتال ~~المشركين وهم بمكة قبل أن يفرض القتال، فنهوا عن ذلك، فلما أذن لهم فيه، ~~كرهه بعضهم. روى هذا المعنى أبو صالح، عن ابن عباس وهو قول قتادة، والسدي، ~~ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت واصفة أحوال قوم كانوا في الزمان المتقدم، فحذرت هذه ~~الأمة من مثل حالهم، روى هذا المعنى عطية، عن ابن عباس. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: كأنه يومئ إلى قصة الذين قالوا: ابعث لنا ملكا. وقال مجاهد: هي في ~~اليهود. # فأما كف اليد، فالمراد به: الامتناع عن القتال، ذلك كان بمكة و " كتب " ~~بمعنى: فرض، وذلك بالمدينة، هذا على القول الأول. # قوله تعالى: (إذا فريق منهم) في هذا الفريق ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم المنافقون. # والثاني: أنهم كانوا مؤمنين، فلما فرض القتال، نافقوا جبنا وخوفا. # والثالث: أنهم مؤمنون غير أن طبائعهم غلبتهم، فنفرت نفوسهم عن القتال. # قوله: (يخشون الناس) في المراد بالناس قولان: # أحدهما: كفار مكة. # والثاني: جميع الكفار. # قوله تعالى: (أو أشد خشية) قيل: إن " أو " بمعنى الواو، و " كتبت " ~~بمعنى: فرضت. PageV02P154 # و " لولا " بمعنى " هلا "، وإذا رأيت بعدها اسما مرفوعا، فهي التي جوابها ~~اللام، تقول: لولا عبد الله لضربتك. وقال ابن قتيبة: إذا رأيتها بغير جواب، ~~فهي بمعنى " هلا " تقول: لولا فعلت كذا، ومثلها " لوما " فإذا رأيت ل‍ ~~(لولا) جوابا، فليست بمعنى " هلا " إنما هي التي تكون لأمر يقع بوقوع غيره، ~~كقوله [تعالى]: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه) قلت: فأما (لولا) ~~التي لها جواب فكثيرة في الكلام، وأنشدوا في ذلك: # لولا الحياء وأن رأسي قد عثا * فيه المشيب لزرت أم القاسم وأما التي ~~بمعنى " هلا " فأنشدوا منها: # تعدون ذلك ms0446 عقر النبيب أفضل مجدكم * بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا أراد: ~~فهلا تعدون الكمي، والكمي: الداخل في السلاح. # وفي الأجل القريب قولان: # أحدهما: أنه الموت، فكأنهم قالوا: هلا تركتنا نموت موتا، وعافيتنا من ~~القتل، هذا قول السدي، ومقاتل. # والثاني: أنه إمهال زمان، فكأنهم قالوا: هلا أخرت فرض الجهاد عنا قليلا ~~حتى نكثر ونقوى، قاله أبو سليمان الدمشقي في آخرين. # قوله تعالى: (قل متاع الدنيا قليل) أي: مدة الحياة فيها قليلة. # قوله تعالى: (ولا تظلمون فتيلا) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: ولا يظلمون بالياء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: بالتاء، وقد ~~سبق ذكر المتاع والفتيل. # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) قوله تعالى: (أينما تكونوا يدرككم ~~الموت) سبب نزولها أن المنافقين قالوا في حق شهداء أحد: لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا، وما قتلوا، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، ومقاتل. # والبروج: الحصون، قاله ابن عباس وابن قتيبة. وفي " المشيدة " خمسة أقوال: ~~PageV02P155 # أحدها: أنها الحصينة، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: المطولة، قاله أبو مالك، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثالث: المجصصة، قاله هلال بن خباب، واليزيدي. # والرابع: أنها المبنية بالشيد، وهو الجص، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والخامس: أنها بروج في السماء، قاله الربيع بن أنس، والثوري. وقال السدي: ~~هي قصور بيض في السماء مبنية. # قوله تعالى: (وإن تصبهم) اختلفوا فيهم على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم المنافقون واليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: المنافقون، قاله الحسن. # والثالث: اليهود، قاله ابن السري. وفي الحسنة والسيئة قولان: # أحدهما: أن الحسنة: الخصب، والمطر. والسيئة: الجدب، والغلاء، رواه أبو ~~صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أن الحسنة: الفتح والغنيمة، والسيئة: الهزيمة والجراح، ونحو ~~ذلك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي قوله تعالى: (من عندك) قولان: # أحدهما: بشؤمك، قاله ابن عباس. # والثاني: بسوء تدبيرك، قاله ابن زيد. # قوله ms0447 تعالى: (قل كل من عند الله) قال ابن عباس: الحسنة والسيئة، أما ~~الحسنة، فأنعم بها عليك، وأما السيئة، فابتلاك بها. # قوله تعالى: (فما لهؤلاء القوم) وقف أبو عمرو، والكسائي على الألف من ~~(فما) في قوله [تعالى]: (فما لهؤلاء القوم) و (ما لهذا الكتاب) و (ما لهذا ~~الرسول) و (فما للذين كفروا) والباقون وقفوا على اللام. فأما " الحديث "، ~~فقيل: هو القرآن، فكأنه قال: لا يفقهون القرآن، فيؤمنون به، ويعلمون أن ~~الكل من عند الله. # ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله) في ~~المخاطب بهذا الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه عام، فتقديره: ما أصابك أيها الإنسان، قاله قتادة. ~~PageV02P156 # والثاني: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المراد به غيره، ذكره ~~الماوردي. وقال ابن الأنباري: ما أصابك الله من حسنة، وما أصابك الله به من ~~سيئة، فالفعلان يرجعان إلى الله عز وجل. وفي " الحسنة " و " السيئة " ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن الحسنة: ما فتح عليه يوم بدر، والسيئة: ما أصابه يوم أحد، رواه ~~ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. # والثاني: الحسنة: الطاعة، والسيئة: المعصية، قاله أبو العالية. # والثالث: الحسنة: النعمة، والسيئة: البلية، قاله ابن قتيبة، وعن أبي ~~العالية نحوه، وهو أصح، لأن الآية عامة. # وروى كرداب، عن يعقوب: (ما أصابك من حسنة فمن الله) بتشديد النون، ~~ورفعها، ونصب الميم، وخفض اسم (الله) (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) بنصب ~~الميم، ورفع السين. وقرأ ابن عباس: وما أصابك من سيئة، فمن نفسك، وأنا ~~كتبتها عليك. وقرأ ابن مسعود: وأنا عددتها عليك قوله تعالى: (فمن نفسك) أي: ~~فبذنبك، قاله الحسن، وقتادة، والجماعة، وذكر فيه ابن الأنباري وجها آخر، ~~فقال: المعنى: أفمن نفسك فأضمرت ألف الاستفهام، كما أضمرت في قوله (وتلك ~~نعمة) أي: أو تلك نعمة. # قوله تعالى: (وأرسلناك للناس رسولا) قال الزجاج: ذكر الرسول مؤكد لقوله ~~[تعالى]: # (وأرسلناك) والباء في " بالله " مؤكدة. والمعنى: وكفى بالله شهيدا. ms0448 و " ~~شهيدا " منصوب على التمييز، لأنك إذا قلت: كفى بالله، ولم تبين في أي شئ ~~الكفاية كنت مبهما. # وفي المراد بشهادة الله هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: شهيدا لك بأنك رسوله، قاله مقاتل. # والثاني: على مقالتهم، قاله ابن السائب. # والثالث: لك بالبلاغ، وعليهم بالتكذيب والنفاق، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~فان قيل: # كيف عاب الله هؤلاء حين قالوا: إن الحسنة من عند الله، والسيئة من عند ~~النبي عليه السلام، ورد عليهم بقوله [تعالى]: (كل من عند الله) ثم عاد، ~~فقال: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فهل قال ~~القوم إلا هكذا؟ فعنه جوابان: PageV02P157 # أحدهما: أنهم أضافوا السيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشاؤما به، فرد ~~عليهم، فقال: كل بتقدير الله. # ثم قال: ما أصابك من حسنة، فمن الله، أي: من فضله، وما أصابك من سيئة، ~~فبذنبك، وإن كان الكل من الله تقديرا. # والثاني: أن جماعة من أرباب المعاني قالوا: في الكلام محذوف مقدر، ~~تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون: ما أصابك من ~~حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن نفسك. فيكون هذا من قولهم. ~~والمحذوف المقدر في القرآن كثير، ومنه قوله [تعالى]: (ربنا تقبل منا) أي: ~~يقولان: ربنا. ومثله (أو به أذى من رأسه ففدية) أي: فحلق، ففدية. ومثله ~~(فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم) أي: فيقال لهم. ومثله (والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب سلام عليكم) أي: يقولون سلام. ومثله (أو كلم به الموتى بل ~~لله الأمر) أراد: لكان هذا القرآن. ومثله (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله رؤوف رحيم) أراد: لعذبكم. ومثله (ربنا أبصرنا وسمعنا) أي: يقولون. ~~وقال النمر بن تولب: # فإن المنية من يخشها * فسوف تصادفه أينما أراد: أينما ذهب. # وقال غيره: # فأقسم لو شئ أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا أراد: لرددناه. # ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) ~~قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) سبب نزولها: أن ms0449 النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن أحبني، فقد أحب الله " ~~فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ~~ومعنى الكلام: من قبل ما أتى به الرسول، فإنما قبل: ما أمر الله به، ومن ~~تولى، أي: أعرض عن طاعته. وفي " الحفيظ " قولان: # أحدهما: أنه الرقيب، قاله ابن عباس. PageV02P158 # والثاني: المحاسب، قاله السدي، وابن قتيبة. # فصل قال المفسرون: وهذا كان قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. # ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله ~~يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) قوله ~~تعالى: (ويقولون طاعة) نزلت في المنافقين، كانوا يؤمنون عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليأمنوا، فإذا خرجوا، خالفوا، هذا قول ابن عباس. قال ~~الفراء: والرفع في " طاعة " على معنى: أمرك طاعة. # قوله تعالى: (بيت طائفة) قرأ أبو عمرو، وحمزة: بيت، بسكون " التاء "، ~~وإدغامها في " الطاء " ونصب الباقون " التاء " قال أبو علي: التاء والطاء ~~والدال من حيز واحد، فحسن الإدغام، ومن بين، فلانفصال الحرفين، واختلاف ~~المخرجين. قال ابن قتيبة: والمعنى قالوا: # وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا. قال الشاعر: # أتوني فلم أرض ما بيتوا * وكانوا أتوني بشئ نكر والعرب تقول: هذا أمر قد ~~قدر بليل وقال بعضهم: بيت، بمعنى: بدل، وأنشد: # وبيت قولي عند المليك * قاتلك الله عبدا كفورا وفي قوله (غير الذي تقول) ~~قولان: # أحدهما: غير الذي تقول الطائفة عندك، وهو قول ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: غير الذي تقول أنت يا محمد، وهو قول قتادة، والسدي. # قوله تعالى: (والله يكتب ما يبيتون) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يكتبه في الأعمال التي تثبتها الملائكة، قاله مقاتل في آخرين. # والثاني: ينزله إليك في كتابه. # والثالث: يحفظه عليهم ليجازوا به، ذكر القولين الزجاج، قال ابن عباس: ~~فأعرض عنهم: PageV02P159 # فلا تعاقبهم، وثق بالله [عز وجل]، وكفى بالله ثقة لك، قال: ثم نسخ هذا ~~الإعراض، وأمر بقتالهم. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه ابتدأ ms0450 بذكرهم جملة، ثم قال: (بيت طائفة) والكل ~~منافقون؟ فالجواب من وجهين: ذكرهما أهل التفسير. # أحدهما: أنه أخبر عمن سهر ليله، ودبر أمره منهم دون غيره منهم، والثاني: ~~أنه ذكر من علم أنه يبقى على نفاقه من علم أنه يرجع. # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82) قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن) قال الزجاج: " التدبر ": النظر في ~~عاقبة الشئ. # و " الدبر " النحل، سمي دبرا، لأنه يعقب ما ينتفع به، و " الدبر ": المال ~~الكثير، سمي دبر لكثرته، لأنه يبقى للأعقاب، والأدبار. وقال ابن عباس: أفلا ~~يتدبرون القرآن، فيتفكرون فيه، فيرون تصديق بعضه لبعض، وأن أحدا من الخلائق ~~لا يقدر عليه. قال ابن قتيبة: والقرآن من قولك: ما قرأت الناقة سلى قط، أي: ~~ما ضمت في رحمها ولدا، وأنشد أبو عبيدة: # هجان اللون لم تقرأ جنينا وإنما سمي قرآنا، لأنه جمع السور، وضمها. # قوله تعالى: (لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التناقض، قاله ابن عباس، وابن زيد، والجمهور. # والثاني: الكذب، قاله مقاتل، والزجاج. # والثالث: أنه اختلاف تفاوت من جهة بليغ من الكلام، ومرذول، أبو لا بد ~~للكلام إذا طال من مرذول، وليس في القرآن إلا بليغ، ذكره الماوردي في ~~جماعة. # وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) PageV02P160 # قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل نساءه، دخل عمر المسجد، ~~فسمع الناس يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فدخل على ~~النبي عليه السلام فسأله أطلقت نساءك؟ قال: " لا ". فخرج فنادى: ألا إن ~~رسول الله لم يطلق نساءه. فنزلت هذه الآية. فكان هو الذي استنبط الأمر. ~~انفرد باخراجه مسلم، من حديث ابن عباس، عن عمر. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث ms0451 سرية من السرايا ~~فغلبت أو غلبت، تحدثوا بذلك، وأفشوه، ولم يصبروا حتى يكون النبي هو المتحدث ~~به. فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # وفي المشار إليهم بهذه الآية قولان: # أحدهما: أنهم المنافقون. قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: أهل النفاق، ~~وضعفة المسلمين، ذكره الزجاج. وفي المراد بالأمن أربعة أقوال: # أحدها: فوز السرية بالظفر والغنيمة، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنه الخبر يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ظاهر على قوم، ~~فيأمن منهم، قاله الزجاج. # والثالث: أنه ما يعزم عليه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من الموادعة ~~والأمان لقوم، ذكره الماوردي. # والرابع: أنه الأمن يأتي من المأمن وهو المدينة، ذكره أبو سليمان الدمشقي ~~مخرجا من حديث عمر. وفي (الخوف) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه النكبة التي تصيب السرية، ذكره جماعة من المفسرين. # والثاني: أنه الخبر يأتي أن قوما يجمعون للنبي [صلى الله عليه وسلم]، ~~فيخاف منهم، قاله الزجاج. # والثالث: ما يعزم عليه النبي من الحرب والقتال، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (أذاعوا به) قال ابن قتيبة: أشاعوه. وقال ابن جرير: والهاء ~~عائدة على الأمر. # قوله تعالى: (ولو ردوه) يعني: الأمر (إلى الرسول) حتى يكون هو المخبر به ~~(وإلى أولي الأمر منهم) وفيهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم أبو بكر، وعمر، قاله عكرمة. PageV02P161 # والثالث: العلماء، قاله الحسن، وقتادة، وابن جريج. # والرابع: أمراء السرايا، قاله ابن زيد، ومقاتل. وفي (الذين يستنبطونه) ~~قولان: # أحدهما: أنهم الذين يتتبعونه من المذيعين له، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم أولو الأمر، قاله ابن زيد. و " الاستنباط " في اللغة: ~~الاستخراج. قال الزجاج: أصله من النبط، وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ~~ما تحفر، يقال من ذلك: قد أنبط فلان في غضراء، أي: استنبط الماء من طين حر. ~~والنبط: سموا نبطا، لاستنباطهم ما يخرج من الأرض. قال ابن جرير: ومعنى ~~الآية: وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين بخير أو بشر أفشوه، ولو سكتوا حتى ~~يكون الرسول وذوو الأمر ms0452 يتولون الخبر عن ذلك، فيصححوه إن كان صحيحا، أو ~~يبطلوه إن كان باطلا، لعلم حقيقة ذلك من يبحث عنه من أولي الأمر. # قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم). # في المراد بالفضل أربعة أقوال: # أحدها: أنه رسول الله. # والثاني: الإسلام. # والثالث: القرآن. # والرابع: أولو الأمر. وفي الرحمة أربعة أقوال: # أحدها: أنها الوحي. # والثاني: اللطف. # والثالث: النعمة. # والرابع: التوفيق. # قوله تعالى: (لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) في معنى هذا الاستثناء ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه راجع إلى الإذاعة، فتقديره: أذاعوا به إلا قليلا. وهذا قول ~~ابن عباس، وابن زيد، واختاره الفراء، وابن جرير. # والثاني: أنه راجع إلى المستنبطين، فتقديره: لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~إلا قليلا، وهذا قول الحسن، وقتادة، واختاره ابن قتيبة. فعلى هذين القولين، ~~في الآية تقديم وتأخير. # والثالث: أنه راجع إلى اتباع الشيطان، فتقديره: لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا منكم، وهذا قول الضحاك، واختاره الزجاج. وقال بعض العلماء: المعنى: ~~لولا فضل الله بإرسال النبي إليكم، لضللتم إلا قليلا منكم كانوا يستدركون ~~بعقولهم معرفة الله، ويعرفون ضلال من يعبد غيره، كقيس بن ساعدة. ~~PageV02P162 # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) قوله تعالى: (فقاتل في سبيل ~~الله) سبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس لموعد أبي ~~سفيان ببدر الصغرى بعد أحد، كره بعضهم ذلك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح، عن ابن عباس. وفي " فاء " (فقاتل) قولان: # أحدهما: أنه جواب قوله (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب). # والثاني: أنها متصلة بقوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) ذكرهما ابن ~~السري. # والمراد بسبيل الله: الجهاد. # قوله تعالى: (لا تكلف إلا نفسك) أي: إلا المجاهدة بنفسك. و " حرض ": ~~بمعنى حضض. قال الزجاج: ومعنى (عسى) في اللغة: معنى الطمع والإشفاق. ~~والإطماع من الله واجب. و " البأس ": الشدة. وقال ابن عباس. والله أشد ~~عذابا. قال قتادة: و " التنكيل ": # العقوبة. # من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ms0453 ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها وكان الله على شئ مقيتا (85) قوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة) في ~~المراد بالشفاعة أربعة أقوال: # أحدها: أنها شفاعة الإنسان للانسان، ليجتلب له نفعا، أو يخلصه من بلاء، ~~وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أنها الإصلاح بين اثنين، قاله ابن السائب. # والثالث: أنه الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. ذكره الماوردي. # والرابع: أن المعنى: من يصر شفعا لوتر أصحابك يا محمد، فيشفعهم في جهاد ~~عدوهم وقتالهم في سبيل الله، قاله ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. وفي ~~الشفاعة السيئة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها السعي بالنميمة، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنها الدعاء على المؤمنين والمؤمنات، وكانت اليهود تفعله، ذكره ~~الماوردي. # والثالث: أن المعنى من يشفع وتر أهل الكفر، فيقاتل المؤمنين، قاله ابن ~~جرير، وأبو PageV02P163 # سليمان الدمشقي. قال الزجاج: و " الكفل " في اللغة: النصيب، وأخذ من ~~قولهم: اكتفلت البعير: إذ أدرت على سنامه، أو على موضع من ظهره كساء، وركبت ~~عليه. وإنما قيل له: # كفل، لأنه لم يستعمل الظهر كله، وإنما استعمل نصيبا منه. وفي " المقيت " ~~سبعة أقوال: # أحدها: أنه المقتدر، قال أحيحة بن الجلاح: # وذي ضغن كففت النفس عنه * وكنت على مساءته مقيتا وإلى هذا المعنى ذهب ابن ~~عباس، وابن جرير، والسدي، وابن زيد، والفراء، وأبو عبيد، وابن قتيبة، ~~والخطابي. # والثاني: أنه الحفيظ، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والزجاج. # وقال: هو بالحفيظ أشبه، لأنه مشتق من القوت، يقال: قت الرجل أقوته قوتا: ~~إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته. والقوت: اسم الشئ الذي يحفظ نفسه، فمعنى ~~المقيت: الحافظ الذي يعطي الشئ على قدر الحاجة من الحفظ. قال الشاعر: # ألي الفضل أم علي إذا حو * سبت إني على الحساب مقيت والثالث: أنه الشهيد، ~~رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد، واختاره أبو سليمان الدمشقي. # والرابع: أنه الحسيب، رواه خصيف عن مجاهد. # والخامس: الرقيب، رواه أبو شيبة عن عطاء. # والسادس: الدائم، رواه ابن جريج عن عبد الله بن كثير. # والسابع: أنه معطي القوت، ms0454 قاله مقاتل بن سليمان. وقال الخطابي: المقيت ~~يكون بمعنى معطي القوت، قال الفراء: يقال: قاته وأقاته. # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا ~~(86) قوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية) في التحية قولان: # أحدهما: أنها السلام، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: الدعاء، ذكره ابن جرير، والماوردي. فأما " أحسن منها " فهو ~~الزيادة عليها، وردها: قول مثلها. قال الحسن: إذا قال أخوك المسلم: السلام ~~عليكم، فرد السلام، وزد: # ورحمة الله. أو رد ما قال ولا تزد. وقال الضحاك: إذا قال: السلام عليك، ~~قلت: وعليكم السلامة ورحمة الله بركاته وإذا قال: السلام عليك ورحمة الله، ~~قلت: وعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته، وهذا منتهى السلام. وقال قتادة: ~~بأحسن منها للمسلم، أو ردوها على أهل الكتاب. PageV02P164 # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو) قال مقاتل: نزلت في ~~الذين شكوا في البعث. قال الزجاج: وللأم في " ليجمعنكم " لام القسم، كقولك: ~~والله ليجمعنكم، قال: وجائز أن تكون سميت القيامة، لقيام الناس من قبورهم، ~~وجائز أن تكون، لقيامهم للحساب. # قوله تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا) إنما وصف نفسه بهذا، لأن جميع ~~الخلق يجوز عليهم الكذب، ويستحيل في حقه. # * فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا ~~من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) قوله تعالى: (فما لكم في ~~المنافقين فئتين) في سبب نزولها سبعة أقوال: # أحدها: أن قوما أسلموا، فأصابهم وباء بالمدينة وحماها، فخرجوا فاستقبلهم ~~نفر من المسلمين، فقالوا: ما لكم خرجتم؟ قالوا: أصابنا وباء بالمدينة، ~~واجتويناها، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال ~~بعضهم: لم ينافقوا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد، رجع ناس ممن ~~خرج معه، فافترق فيهم أصحاب رسول الله، ففرقة تقول: نقتلهم، ms0455 وفرقة تقول: لا ~~نقتلهم، فنزلت هذه الآية، هذا في " الصحيحين " من قول زيد بن ثابت. # والثالث: أن قوما كانوا بمكة تكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون المشركين، ~~فخرجوا من مكة لحاجة لهم، فقال قوم من المسلمين: اخرجوا إليهم، فاقتلوهم، ~~فإنهم يظاهرون عدوكم. وقال قوم: كيف نقتلهم وقد تكلموا بمثل ما تكلمنا به؟ ~~فنزلت هذه الآية، رواه عطية، عن ابن عباس. PageV02P165 # والرابع: أن قوما قدموا المدينة، فأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى مكة، ~~فأظهروا الشرك، فنزلت هذه الآية، هذا قول الحسن، ومجاهد. # والخامس: أن قوما أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة، فاختلف ~~المؤمنون فيهم، فنزلت هذه الآية، وهذا قول الضحاك. # والسادس: أن قوما من المنافقين أرادوا الخروج من المدينة، فقالوا ~~للمؤمنين: إنه قد أصابتنا أوجاع في المدينة، فلعلنا نخرج فنتماثل، فإنا كنا ~~أصحاب بادية، فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. # والسابع: أنها نزلت في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم، وهذا قول ~~ابن زيد. # وقوله تعالى: (فما لكم) خطاب للمؤمنين. والمعنى: أي شئ لكم في الاختلاف ~~في أمرهم؟ و " الفئة ": الفرقة. وفي معنى " أركسهم " أربعة أقوال: # أحدها: ردهم، رواه عطاء، عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: ركست الشئ،، ~~وأركسته: # لغتان، أي: نكسهم وردهم في كفرهم، وهذا قول الفراء، والزجاج. # والثاني: أوقعهم، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. # والثالث: أهلكهم، قاله قتادة. # والرابع: أضلهم، قاله السدي. # فأما الذي كسبوا، فهو كفرهم، وارتدادهم. قال أبو سليمان. إنما قال: ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله، لأن قوما من المؤمنين قالوا: إخواننا، ~~وتكلموا بكلمتنا. # قوله تعالى: (فلن تجد له سبيلا) فيه قولان: # أحدهما: إلى الحجة، قاله الزجاج. PageV02P166 # والثاني: إلى الهدى، قاله أبو سليمان الدمشقي. # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا) أخبر ~~الله عز وجل المؤمنين ms0456 بما في ضمائر تلك الطائفة، لئلا يحسنوا الظن بهم، ولا ~~يجادلوا عنهم، وليعتقدوا عداوتهم. # قوله تعالى: (فلا تتخذوا منهم أولياء) أي: لا توالوهم فإنهم أعداء لكم ~~(حتى يهاجروا) أي: يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: فإن ~~تولوا عن الهجرة والتوحيد، (فخذوهم) أي: # ائسروهم، واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحل والحرم. # فصل قال القاضي أبو يعلى: كانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة. وقال الحسن: ~~فرض الهجرة باق، واعلم أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: # أحدها: من تجب عليه، وهو الذي لا يقدر على إظهار الإسلام في دار الحرب، ~~خوفا على نفسه، وهو قادر على الهجرة، فتجب عليه لقوله (ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها). # والثاني: من لا تجب عليه بل تستحب له، وهو من كان قادرا على إظهار دينه ~~في دار الحرب. # والثالث: من لا تستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر على إظهار دينه، ولا ~~على الحركة كالشيخ الفاني، والزمن فلم تستحب له للحوق المشقة. # إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~(90) قوله تعالى: (إلا الذين يصلون) هذا الاستثناء راجع إلى القتل، لا إلى ~~الموالاة وفي " يصلون " قولان: PageV02P167 # أحدهما: أنه بمعنى يتصلون ويلجؤون. قال ابن عباس: كان هلال بن عويمر ~~الأسلمي وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يعينه ولا يعين عليه. ~~فكان من وصل إلى هلال من قومه وغيرهم، فلهم من الجوار مثل ما لهلال. # والثاني: أنه بمعنى ينتسبون، قاله ابن قتيبة، وأنشد. # إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل * وبكر سبتها والأنوف رواغم يريد: إذا ~~انتسبت، قالت: أبكرا، أي: يا آل بكر. # وفي القوم المذكورين أربعة أقوال: # أحدها: أنهم بنو بكر بن زيد مناة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك، وخزيمة بن عامر بن ~~عبد ms0457 مناف، قاله عكرمة. # والثالث: أنهم بنو مدلج، قاله الحسن. # والرابع: خزاعة وبنو مدلج، قاله مقاتل. قال ابن عباس: " والميثاق ": ~~العهد. # قوله تعالى: (أو جاؤوكم) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: أو يصلون إلى قوم جاؤوكم، قاله الزجاج في جماعة. # والثاني: أنه يعود إلى المطلوبين للقتل. فتقديره: أو رجعوا فدخلوا فيكم، ~~وهو بمعنى قول السدي. # قوله تعالى: (حصرت صدورهم) فيه قولان: # أحدهما: أن فيه إضمار " قد ". # والثاني: أنه خبر، فقوله (جاؤوكم): خبر قد تم، وحصرت: خبر مستأنف، حكاهما ~~الزجاج، وقرأ الحسن، ويعقوب، والمفضل، عن عاصم: (حصرة صدورهم) على الحال. و ~~" حصرت " ضاقت، ومعنى الكلام: ضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم ~~وبينهم، أو PageV02P168 # يقاتلوا قومهم، يعني قريشا. قال مجاهد: هلال بن عويمر هو الذي حصر صدره ~~أن يقاتلكم، أو يقاتل قومه. # قوله تعالى: (ولو شاء الله لسلطهم عليكم) قال الزجاج: أخبر انه إنما كفهم ~~بالرعب الذي قذف في قلوبهم. وفي (السلم) قولان: # أحدهما: أنه الإسلام، قاله الحسن. # والثاني: الصلح، قاله الربيع، ومقاتل. # فصل قال جماعة من المفسرين: معاهدة المشركين وموادعتهم المذكورة في هذه ~~الآية منسوخة بآية السيف. قال القاضي أبو يعلى: لما أعز الله الإسلام أمروا ~~أن لا يقبلوا من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف. # ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) قوله ~~تعالى: ستجدون آخرين) اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أسد وغطفان، كانوا قد تكلموا بالإسلام ليأمنوا ~~المؤمنين بكلمتهم، ويأمنوا قومهم بكفرهم، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في بني عبد الدار، رواه الضحاك، عن ابن عباس، ~~والثالث: أنها نزلت في قوم أرادوا أخذ الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقالوا: لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، قاله قتادة. # والرابع: أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان يأمن في المسلمين ~~والمشركين، فينقل الحديث بين النبي عليه ms0458 السلام وبينهم، ثم أسلم نعيم، هذا ~~قول السدي. ومعنى الآية: PageV02P169 # ستجدون قوما يظهرون الموافقة لكم ولقومهم، ليأمنوا الفريقين، كلما دعوا ~~إلى الشرك، عادوا فيه، فإن لم يعتزلوكم في القتال، ويلقوا إليكم الصلح، ~~ويكفوا أيديهم عن قتالكم، فخذوهم أي: # ائسروهم، واقتلوهم حيث أدركتموهم، وأولائكم جعلنا لكم عليهم حجة بينة في ~~قتلهم. # فصل قال أهل التفسير: والكف عن هؤلاء المذكورين في هذه الآية منسوخ بآية ~~السيف. # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) في ~~سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن عياش بن أبي ربيعة أسلم بمكة قبل هجرة رسول الله، ثم خاف ان ~~يظهر إسلامه لقومه، فخرج إلى المدينة فقالت أمه لابنيها أبي جهل، والحارث ~~ابني هشام، وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف، ولا أذوق طعام ولا شرابا ~~حتى تأتياني به. فخرجا في طلبه، ومعهما الحارث بن زيد، حتى أتوا عياشا وهو ~~متحصن في أطم، فقالوا له انزل فإن أمك لم يؤوها سقف، ولو تذق طعاما، ولا ~~شرابا، ولك علينا أن لا نحول بينك وبين دينك، فنزل، فأوثقوه، وجلده كل واحد ~~منهم مائة جلدة، فقدموا به على أمه، فقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى ~~تكفر، فطرح موثقا في الشمس حتى أعطاهم ما أرادوا، فقال له الحارث بن زيد: ~~يا عياش لئن كان ما كنت عليه هدى لقد تركته، وإن كان ضلالا لقد ركبته. ~~فغضب، وقال: والله لا ألقاك خاليا إلا قتلتك، ثم أفلت عياش بعد ذلك، وهاجر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم أسلم الحارث بعده، وهاجر ~~ولم يعلم عياش، فلقيه يوما فقتله، فقيل له: ms0459 إنه قد أسلم، فجاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، وقال: لم أشعر بإسلامه، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وهو قول سعيد بن جبير، والسدي، ~~والجمهور. PageV02P170 # والثاني: أن أبا الدرداء قتل رجلا قال لا إله إلا الله في بعض السرايا، ~~ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما صنع، فنزلت هذه الآية، هذا ~~قول ابن زيد. قال الزجاج: معنى الآية: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة. ~~والاستثناء ليس من الأول، وإنما المعنى: إلا أن يخطئ المؤمن. روى أبو ~~عبيدة، عن يونس: أنه سأل رؤبة عن هذه الآية، فقال: ليس له أن يقتله عمدا ~~ولا خطأ، ولكنه أقام " إلا " مقام " الواو " قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان أراد: والفرقدان. وقال بعض ~~أهل المعاني: تقدير الآية: لكن قد يقتله خطأ، وليس ذلك فيما جعل الله له، ~~لأن الخطأ لا تصح فيه الإباحة، ولا النهي. وقيل: إنما وقع الاستثناء على ما ~~تضمنته الآية من استحقاق الاثم، وإيجاب القتل. # قوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة) قال سعيد بن جبير: عتق الرقبة واجب على ~~القاتل في ماله، واختلفوا في عتق الغلام الذي لا يصح منه فعل الصلاة ~~والصيام، فروي عن أحمد جوازه، وكذلك روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهذا ~~قول عطاء، ومجاهد. وروي عن أحمد: لا يجزئ إلا من صام وصلى، وهو قول ابن ~~عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وإبراهيم، وقتادة. # قوله تعالى: (ودية مسلمة إلى أهله) قال القاضي أبو يعلى: ليس في هذه ~~الآية بيان من تلزمه هذه الدية، واتفق الفقهاء على أنها عاقلة القاتل، ~~تحملها عنه على طريق المواساة، وتلزم العاقلة في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها، ~~والعاقلة: العصبات من ذوي الأنساب. ولا يلزم الجاني منها شئ. # وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة. # وللنفس ستة أبدال: من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألف درهم، ومن ~~الإبل مائة، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، ms0460 وفي الحلل روايتان ~~عن أحمد. إحداهما: أنها أصل، فتكون مائتا حلة. فهذه دية الذكر الحر المسلم، ~~ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك. PageV02P171 # قوله تعالى: (إلا أن يصدقوا) قال سعيد بن جبير: إلا أن يتصدق أولياء ~~المقتول بالدية على القاتل. # قوله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: وإن كان المقتول خطأ من قوم كفار، ففيه تحرير رقبة من ~~غير دية، لأن أهل ميراثه كفار. # والثاني: وإن كان مقيما بين قومه، فقتله من لا يعلم بإيمانه، فعليه تحرير ~~رقبة ولا دية، لأنه ضيع نفسه بإقامته مع الكفار، والقولان مرويان عن ابن ~~عباس، وبالأول قال النخعي، وبالثاني سعيد ابن جبير. وعلى الأول تكون " من " ~~للتبعيض، وعلى الثاني تكون بمعنى في. # قوله تعالى: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) فيه قولان: # أحدهما: أنه الرجل من أهل الذمة يقتل خطأ، فيجب على قاتله الدية، ~~والكفارة، هذا قول ابن عباس، والشعبي، وقتادة، والزهري. وأبي حنيفة، ~~والشافعي، ولأصحابنا تفصيل في مقدار ما يجب من الدية. # والثاني: أنه المؤمن يقتل، وقومه مشركون، ولهم عقد، فديته لقومه، وميراثه ~~للمسلمين، هذا قول النخعي. # قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) اختلفوا هل هذا الصيام ~~بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها، أو بدل من الرقبة والدية؟ فقال الجمهور: عن ~~الرقبة وحدها، وقال مسروق، ومجاهد، وابن سيرين: عنهما: واتفق العلماء على ~~أنه إذا تخلل صوم الشهرين إفطار لغير عذر، فعليه الابتداء، فأما إذا تخللها ~~المرض، أو الحيض، فعندنا لا ينقطع التتابع. وبه قال مالك. # وقال أبو حنيفة: المرض يقطع! والحيض لا يقطع، وفرق بينهما بأنه يمكن في ~~العادة صوم شهرين بلا مرض، ولا يمكن ذلك في الحيض، وعندنا أنها معذورة في ~~الموضعين. # قوله تعالى: (توبة من الله) قال الزجاج: معناه: فعل الله ذلك توبة منه. ~~قوله: (وكان الله عليما) أي: لم يزل عليما بما يصلح خلقه من التكليف ~~(حكيما) فيما يقضي بينهم، ويدبره في أمورهم. PageV02P172 # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ms0461 خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما (93) قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) سبب نزولها: أن ~~مقيس بن صبابة وجد أخاه هشام بن صبابة قتيلا في بني النجار، وكان مسلما، ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأرسل رسول الله رسولا من ~~بني فهر، فقال له: إيت بني النجار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام، فادفعوه إلى مقيس، وإن ~~لم تعلموا له قاتلا، فادفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك، فقالوا: والله ~~ما نعلم له قاتلا، ولكنا نعطي ديته، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا ~~راجعين إلى المدينة، فأتى الشيطان مقيس بن صبابة، فقال: تقبل دية أخيك، ~~فيكون عليك سبة ما بقيت. اقتل الذي معك مكان أخيك، وأفضل بالدية، فرمى ~~الفهري بصخرة فشدخ رأسه، ثم ركب بعيرا منها، وساق بقيتها راجعا إلى مكة، ~~وهو يقول: # قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع وأدركت ثأري ~~واضطجعت موسدا * وكنت إلى الأصنام أول راجع فنزلت هذه الآية، ثم أهدر النبي ~~صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح، فقتل، رواه أبو صالح، عن ابن عباس وفي ~~قوله [تعالى]: (متعمدا) قولان: # أحدهما: متعمدا لأجل أنه مؤمن، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: متعمدا لقتله، ذكره بعض المفسرين. وفي قوله [تعالى]: (فجزاؤه ~~جهنم) قولان: # أحدهما: أنها جزاؤه قطعا. # والثاني: انها جزاؤه إن جازاه. واختلف العلماء هل للمؤمن إذا قتل مؤمنا ~~متعمدا توبة أم لا؟ # فذهب الأكثرون إلى أن له توبة، وذهب ابن عباس إلى أنه لا توبة له. # فصل اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة؟ فقال قوم: هي ~~محكمة، واحتجوا بأنها خبر، والأخبار لا تحتمل النسخ، ثم افترق هؤلاء ~~فرقتين، إحداهما قالت: هي على ظاهرها، PageV02P173 # وقاتل المؤمن مخلد في النار، والفرقة الثانية قالت: هي عامة قد دخلها ~~التخصيص بدليل أنه لو قتله كافر، ثم أسلم الكافر، انهدرت عنه العقوبة في ~~الدنيا والآخرة، فإذا ثبت ms0462 كونها من العام المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص، ~~وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قتله مستحلا، فيستحق الخلود ~~لاستحلاله. وقال قوم: هي مخصوصة في حق من لم يتب، واستدلوا بقوله تعالى في ~~الفرقان: (إلا من تاب) وقال آخرون: هي منسوخة بقوله [تعالى]: (إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعلمون خبيرا ~~(94) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) في ~~سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها المقداد بن الأسود، ~~فلما أتوا القوم، وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد بن الأسود فقتله.. فلما قدموا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله إن رجلا شهد أن لا ~~إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: ادعوا لي المقداد فقال: يا مقداد أقتلت ~~رجلا قال: لا إله إلا الله، فكيف لك ب‍ " لا إله إلا الله غدا "! فنزلت هذه ~~الآية. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا من بني سليم مر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومعه غنم، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ، فعمدوا ~~إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ~~هذه الآية. رواه عكرمة، عن ابن عباس. # والثالث: أن قوما من أهل مكة سمعوا بسرية لرسول الله أنها تريدهم فهربوا، ~~وأقام رجل منهم كان قد أسلم، يقال له: مرداس، وكان على السرية رجل، يقال ~~له: غالب بن فضالة، فلما رأى مرداس الخيل، كبر، ونزل إليهم، فسلم عليهم، ~~فقتله أسامة بن زيد، ms0463 واستاق غنمه، ورجعوا إلى PageV02P174 # النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فوجد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~من ذلك وجدا شديدا، وأنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ~~السدي: كان أسامة أمير السرية. # والرابع: أن رسول الله بعث أبا حدرد الأسلمي، وأبا قتادة، ومحلم بن جثامة ~~في سرية إلى إضم، فلقوا عامر بن الأضبط الأشجعي، فحياهم بتحية الإسلام، ~~فجعل عليه محلم بن جثامة، قتله، وسلبه بعيرا وسقاء. فلما قدموا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أخبروه، فقال: أقتلته بعد ما قال آمنت؟! # ونزلت هذه الآية. رواه ابن أبي حدرد، عن أبيه. # فأما التفسير، فقوله [تعالى]: (إذا ضربتم في سبيل الله) أي: سرتم وغزوتم. ~~وقوله [تعالى]: (فتبينوا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: فتبينوا بالنون من التبيين للأمر قبل الإقدام عليه. وقرأ حمزة ~~والكسائي وخلف (فتثبتوا) بالثاء من الثبات وترك الاستعجال، وكذلك قرؤوا في ~~(الحجرات). # قوله تعالى: (لمن ألقى إليكم السلام) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، ~~وحفص، عن عاصم، والكسائي: " السلام " بالألف مع فتح السين. قال الزجاج: ~~يجوز أن يكون بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى الاستسلام. وقرأ نافع. ~~وابن عامر، وحمزة، وخلف، وجبلة عن المفضل عن عاصم: (السلم) بكسر السين ~~وإسكان اللام من غير ألف. و " السلم ": الصلح وقرأ الجمهور: لست مؤمنا، ~~بكسر الميم، وقرأ علي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية، ويحيى بن يعمر ~~وأبو جعفر: بفتح الميم من الأمان. # قوله تعالى: (تبتغون عرض الحياة الدنيا) و " عرضها ": ما فيها من مال، قل ~~أو كثر. قال المفسرون: والمراد به: ما غنموه من الرجل الذي قتلوه. # قوله تعالى: (فعند الله مغانم كثيرة) فيه قولان: # أحدهما: أنه ثواب الجنة، قاله مقاتل. # والثاني: أنها أبواب الرزق في الدنيا، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~PageV02P175 # قوله تعالى: (كذلك كنتم من قبل) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: كذلك كنتم تأمنون من قومكم المؤمنين بهذه الكلمة، فلا ~~تخيفوا من قالها، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: كذلك كنتم ms0464 تخفون إيمانكم بمكة كما كان هذا يخفي إيمانه، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: كذلك كنتم من قبل مشركين، قاله مسروق، وقتادة، وابن زيد. # قوله تعالى: (فمن الله عليكم) في الذي من به أربعة أقوال: # أحدها: الهجرة، قاله ابن عباس. # والثاني: إعلان الإيمان، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: الإسلام، قاله قتادة، ومسروق. # والرابع: التوبة على الذي قتل ذلك الرجل، قاله السدي. # قوله تعالى: (فتبينوا) تأكيد للأول. # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) ~~قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون) قال أبو سليمان الدمشقي: نزلت هذه الآية ~~من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود. وقال زيد بن ثابت: إني ~~لقاعد إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ غشيته السكينة، ثم سري ~~عنه، فقال: " اكتب " (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) الآية، ~~فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ # فوالله ما قضى كلامه حتى غشيت رسول الله السكينة، ثم سري عنه، فقال: اقرأ ~~فقرأت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (غير أولي الضرر) فألحقتها. # قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون) يعني عن الجهاد، والمعنى: أن المجاهدين ~~أفضل. قال PageV02P176 # ابن عباس: وأريد بهذا الجهاد غزوة بدر. وقال مقاتل: غزاة تبوك. # قوله تعالى: (غير أولي الضرر) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة: (غير) ~~برفع الراء، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وخلف، والمفضل: بنصبها. قال ~~أبو علي: من رفع الراء، جعل " غير " صفة للقاعدين، ومن نصبها، جعلها ~~استثناء من القاعدين. وفي " الضرر " قولان: # أحدهما: أنه العجز بالزمانة والمرض ونحوهما. قال ابن عباس: هم قوم كانت ~~تحبسهم عن الغزاة أمراض وأوجاع. وقال ابن جبير، وابن قتيبة: هم أولو ~~الزمانة. وقال الزجاج: الضرر: أن يكون ضريرا أو أعمى أو زمنا. # والثاني: أنه العذر، رواه ms0465 ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) في ~~هؤلاء القاعدين قولان: # أحدهما: انهم القاعدون بالضرر، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: القاعدون من غير ضرر، قاله أبو سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: ~~والدرجة: # الفضيلة. فأما الحسنى فهي الجنة في قول الجماعة. # قوله تعالى: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين) قال ابن عباس: القاعدون ~~هاهنا: غير أولي الضرر، وقال سعيد بن جبير: هم الذين لا عذر لهم. # درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) قوله تعالى: (درجات ~~منه) قال الزجاج: درجات في موضع نصب بدلا من قوله [تعالى]: أجرا عظيما، وهو ~~مفسر للأجر. وفي المراد بالدرجات قولان: # أحدهما: أنها درجات الجنة، قال ابن محيريز: الدرجات: سبعون درجة ما بين ~~كل درجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، وإلى نحوه ذهب مقاتل. # والثاني: أن معنى الدرجات: الفضائل، قاله سعيد بن جبير. قال قتادة: كان ~~يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، ~~والقتل في الجهاد درجة، PageV02P177 # وقال ابن زيد: الدرجات: هي السبع التي ذكرها الله تعالى في براءة حين ~~قال: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ.. إلى قوله: ولا يقطعون واديا إلا كتب ~~لهم...) فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر في أول الكلام درجة، وفي ~~آخره درجات؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن الدرجة الأولى تفضيل المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر ~~منزلة، والدرجات: تفضيل المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر منازل ~~كثيرة، وهذا معنى قول ابن عباس. # والثاني: أن الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم، والدرجات: منازل الجنة، ~~ذكره القاضي أبو يعلى. # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن أناسا كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فلما خرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بدر لم ms0466 تدع قريش أحدا إلا أخرجوه معهم، فقتل أولئك الذين ~~أقروا بالإسلام، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس وقال قتادة: ~~نزلت في أناس تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، ~~واعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم. # والثاني: أن قوما نافقوا يوم بدر، وارتابوا، وقالوا: غر هؤلاء دينهم ~~وأقاموا مع المشركين حتى قتلوا، فنزلت فيهم هذه الآية. رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في قوم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي، ضربت الملائكة وجهه ودبره، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. وفي " التوفي " قولان: # أحدهما: أنه قبض الأرواح بالموت، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: الحشر إلى النار، قاله الحسن. قال مقاتل: والمراد بالملائكة ملك ~~الموت وحده. # وقال في موضع آخر: ملك الموت وأعوانه، وهم ستة، ثلاثة يلون أرواح ~~المؤمنين، وثلاثة يلون PageV02P178 # أرواح الكفار. قال الزجاج: " ظالمي أنفسهم " نصب على الحال، والمعنى: ~~تتوفاهم في حال ظلمهم أنفسهم، والأصل. ظالمين، لأن النون حذفت استخفافا. ~~فأما ظلمهم لأنفسهم، فيحتمل على ما ذكر في قصتهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه ترك الهجرة. # والثاني: رجوعهم إلى الكفر. # والثالث: الشك بعد اليقين. # والرابع: إعانة المشركين. # قوله تعالى: (فيم كنتم) قال الزجاج: هو سؤال توبيخ، والمعنى: كنتم في ~~المشركين أو في المسلمين. # قوله تعالى: (قالوا كنا مستضعفين في الأرض: قال مقاتل: كنا مقهورين في ~~أرض مكة، لا نستطيع أن نذكر الإيمان، قالت الملائكة: (ألم تكن أرض الله ~~واسعة) يعني المدينة (فتهاجروا فيها) يعني: إليها. وقول الملائكة لهم يدل ~~على أنهم كانوا يستطيعون الهجرة. # إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) قوله ~~تعالى: (إلا المستضعفين) سبب نزولها: أن المسلمين قالوا في حق المستضعفين ~~من المسلمين بمكة: هؤلاء بمنزلة الذين قتلوا ببدر، فنزلت هذه الآية. قاله ~~مجاهد. قال الزجاج: # " المستضعفين " نصب على الاستثناء من قوله [تعالى]: (مأواهم ms0467 جهنم) قال ~~أبو سليمان: # " المستضعفون ": ذوو الأسنان، والنساء، والصبيان. # قوله تعالى: (لا يستطيعون حيلة) أي: لا يقدرون على حيلة في الخروج من ~~مكة، ولا على نفقة، ولا قوة. وفي قوله تعالى: (ولا يهتدون سبيلا) قولان: # أحدهما: أنهم لا يعرفون الطريق إلى المدينة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ~~ومجاهد، والثاني: أنهم لا يعرفون طريقا يتوجهون إليه، فإن خرجوا هلكوا، ~~قاله ابن زيد. وفي (عسى) قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الإيجاب، قاله الحسن. # والثاني: أنها بمعنى الترجي، فالمعنى: أنهم يرجون العفو، قاله الزجاج. ~~PageV02P179 # * ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان ~~الله غفورا رحيما (100) قوله تعالى: (يجد في الأرض مراغما) قال سعيد بن ~~جبير، ومجاهد: متزحزحا عما يكره. # وقال ابن قتيبة: المراغم والمهاجر: واحد، يقال: راغمت وهاجرت، وأصله: أن ~~الرجل كان إذا أسلم، عن قومه، مراغما، أي: مغاضبا لهم، ومهاجرا، أي: مقاطعا ~~من الهجران فقيل للمذهب: # مراغم، وللمصير إلى النبي عليه السلام هجرة، لأنها كانت بهجرة الرجل ~~قومه. # وفي السعة قولان: # أحدهما: أنها السعة في الزرق، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: التمكن من إظهار الدين، قاله قتادة. # قوله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) اتفقوا على أنه ~~نزل في رجل خرج مهاجرا، فمات في الطريق، واختلفوا فيه على ستة أقوال: # أحدها: (أنه ضمرة بن العيص، وكان ضريرا موسرا، فقال: احملوني فحمل، وهو ~~مريض، فمات عند التنعيم، فنزل فيه هذا الكلام، رواه سعيد بن جبير. # والثاني: أنه العيص بن ضمرة بن زنباع الخزاعي أمر أهله ان يحملوه على ~~سريره، فلما بلغ التنعيم، مات، فنزلت فيه هذه الآية، رواه أبو بشر عن سعيد ~~بن جبير. # والثالث: أنه ابن ضمرة الجندعي، مرض فقال لبنيه: أخرجوني من مكة، فقد ~~قتلني غمها، فقالوا: أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة، يريد الهجرة، فخرجوا به، ~~فمات في الطريق، فنزل فيه هذا، ذكره ابن إسحاق. وقال مقاتل: هو جندب بن ms0468 ~~ضمرة. # والرابع: أن اسمه سبرة، فلما نزل قوله [تعالى]: (إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم) إلى قوله: (مراغما كثيرا) قال لأهله وهو مريض: ~~احملوني، فإني موسر، ولي من المال ما يبلغني إلى المدينة، فلما جاوز الحرم، ~~مات فنزل فيه هذا، قاله قتادة. PageV02P180 # والخامس: أنه رجل من بني كنانة هاجر فمات في الطريق، فسخر منه قومه، ~~فقالوا: لا هو بلغ ما يريد، ولا أقام في أهله حتى يدفن، فنزل فيه هذا، قاله ~~ابن زيد. # والسادس: أنه خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام، خرج مهاجرا، فمات في ~~الطريق، ذكره الزبير بن بكار وقوله: (وقع) معناه وجب. # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) قوله تعالى: ~~(وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) روى مجاهد عن ~~أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى ~~المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لو ~~كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر فيما بين الظهر والعصر. ~~والضرب في الأرض: السفر، والجناح: الإثم، والقصر: النقص، والفتنة: القتل. ~~وفي القصر قولان: # أحدهما: أنه القصر من عدد الركعات. # والثاني: أنه القصر من حدودها. وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز إلا ~~عند الخوف، وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو. وقيل: إن قوله: (أن ~~تقصروا من الصلاة) كلام تام. وقوله [تعالى]: (إن خفتم) كلام مبتدأ، ومعناه: ~~وإن خفتم. # واختلف العلماء هل صلاة المسافر ركعتين مقصورة أم لا؟ فقال قوم: ليست ~~مقصورة، وإنما فرض المسافر ذلك، وهو قول ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسعيد ~~بن جبير، والسدي، وأبي حنيفة، فعلى هذا القول قصر الصلاة أن تكون ركعة ولا ~~يجوز ذلك إلا بوجود السفر والخوف. لأن عند هؤلاء أن الركعتين في السفر ms0469 إذا ~~لم يكن فيه خوف تمام غير قصر، واحتجوا بما روى ابن عباس أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] صلى بذي قرد، فصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه، وصفا موازي العدو، ~~فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء، إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى ~~بهم ركعة، ولم PageV02P181 # يقضوا. وعن ابن عباس أنه قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر ~~أربعا، وفي السفر ركعتين: وفي الخوف ركعة. # والثاني: انها مقصورة، وليست بأصل، وهو قول مجاهد: وطاووس، وأحمد، ~~والشافعي. # قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: عجبت من قصر الناس اليوم، وقد ~~أمنوا وإنما قال الله تعالى: (إن خفتم) فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ~~ذلك لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فقال: # صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته. # فصل وإنما يجوز للمسافر القصر إذا كان سفره مباحا، وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز له القصر في سفر المعصية. فأما مدة الإقامة ~~التي إذا نواها أتم الصلاة، وإن نوى أقل منها، قصر، فقال أصحابنا: إقامة ~~اثنين وعشرين صلاة وقال أبو حنيفة: خمسة عشر يوما. # وقال مالك، والشافعي: أربعة أيام. # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) ~~قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) سبب نزولها: أن المشركين لما ~~رأوا النبي [صلى الله عليه وسلم]، وأصحابه قد صلوا الظهر، ندموا إذ لم ~~يكبوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن PageV02P182 # لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون العصر، فإذا قاموا ~~فشدوا عليهم، فلما قاموا، إلى صلاة العصر، نزل جبريل بهذه الآية. رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: ms0470 (وإذا كنت فيهم) خطاب للنبي [عليه السلام]، ولا يدل على أن ~~الحكم مقصور عليه، فهو كقوله [تعالى] (خذ من أموالهم صدقة) وقال أبو يوسف: ~~لا تجوز صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والهاء والميم من (فيهم) ~~تعود على الضاربين في الأرض. # قوله تعالى: (فأقمت لهم الصلاة) أي: ابتدأتها، (فلتقم طائفة منهم معك) ~~أي: لتقف. # ومثله (وإذا أظلم عليهم قاموا). (وليأخذوا أسلحتهم) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم الباقون، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم المصلون معه، ذكره ابن جرير، قال: وهذا السلاح كالسيف، ~~يتقلده الإنسان، والخنجر يشده إلى ذراعه. # قوله تعالى: (فإذا سجدوا) يعني المصلين معه (فليكونوا) في المشار إليهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم الطائفة التي لم تصل، أمرت ان تحرس الطائفة المصلية، وهذا ~~معنى قول ابن عباس. # والثاني: أنهم المصلون معه أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحرس. # واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود، فقال قوم: إذا أتموا مع الإمام ~~ركعة أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم وقال آخرون: ~~ينصرفون عن ركعة، واختلف هؤلاء، فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة ~~وسلموا، فهي تجزئهم. وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ينصرفون عن تلك الركعة ~~إلى الحرس وهم على صلاتهم، فيكونون في وجه العدو مكان الطائفة التي لم تصل، ~~وتأتي تلك الطائفة. واختلفوا في الطائفة الأخرى، فقال قوم: إذا صلى بهم ~~الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائتة، ثم يسلم بهم، وقال آخرون: بل ~~يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم. وقال آخرون: بل ~~يصلي بالطائفة الثانية ركعة ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ~~ثم تجئ الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجئ الأخرى، فتتم ~~صلاتها، وهذا مذهب أبي حنيفة. PageV02P183 # قوله تعالى: (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) قال ابن عباس: يريد الذين صلوا ~~أولا. وقال الزجاج: يجوز أن يريد به الذين وجاه العدو، لأن المصلي غير ~~مقاتل، ويجوز أن يكون الجماعة أمروا بحمل السلاح، لأنه أرهب للعدو، وأحرى ~~أن لا ms0471 يقدموا عليهم. و " الجناح " الإثم، وهو من: # جنحت: إذا عدلت عن المكان، وأخذت جانبا عن القصد. فالمعنى: أنكم إذا ~~وضعتم أسلحتكم، لم تعدلوا عن الحق. # قوله تعالى: (إن كان بكم أذى من مطر) قال ابن عباس: رخص لهم في وضع ~~الأسلحة لثقلها على المريض وفي المطر، وقال: وخذوا حذركم كي لا يتغفلوكم. # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) قوله ~~تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة) يعني صلاة الخوف، و (قضيتم) بمعنى: فرغتم. # قوله تعالى: (فاذكروا الله) في هذا الذكر قولان: # أحدهما: أنه الذكر لله في غير الصلاة، وهذا قول ابن عباس، والجمهور ~~قالوا: وهو التسبيح، والتكبير، والدعاء، والشكر. # والثاني: انه الصلاة فيكون المعنى: فصلوا قياما، فإن لم تستطيعوا فقعودا، ~~فإن لم تستطيعوا فعلى جنوبكم، هذا قول ابن مسعود. وفي المراد بالطمأنينة ~~قولان: # أحدهما: أنه الرجوع إلى الوطن عن السفر، وهو قول الحسن، ومجاهد وقتادة. # والثاني: أنه الأمن بعد الخوف، وهو قول السدي، والزجاج وأبي سليمان ~~الدمشقي. # وفي إقامة الصلاة قولان: # أحدهما: إتمامها، قاله مجاهد، وقتادة، والزجاج، وابن قتيبة. # والثاني: أنه إقامة ركوعها وسجودها، وما يجب فيها مما قد يترك في حالة ~~الخوف، هذا قول السدي. # قوله تعالى: (كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) أي: فرضا. وفي " الموقوت " ~~قولان: # أحدهما: انه بمعنى المفروض، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد. # والثاني: انه الموقت في أوقات معلومة، وهو قول ابن مسعود، وقتادة، وزيد ~~بن أسلم، وابن قتيبة. PageV02P184 # ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) قوله تعالى: (ولا ~~تهنوا في ابتغاء القوم) قال أهل التفسير: سبب نزولها: أن النبي [عليه ~~السلام] أمر أصحابه لما انصرفوا من أحد أن يسيروا في أثر أبي سفيان ~~وأصحابه، فشكوا ما بهم من الجراحات، فنزلت هذه الآية، قال الزجاج: ومعنى " ~~تهنوا ": تضعفوا، يقال: وهن يهن: إذا ضعف، وكل ضعف فهو وهن. وابتغى القوم: ms0472 ~~طلبهم بالحرب. و " القوم " هاهنا: الكفار (إن تكونوا تألمون) أي: توجعون، ~~فإنهم يجدون من الوجع بما ينالهم من الجراح والتعب، كما تجدون، وأنتم مع ~~ذلك ترجون مالا يرجون. وفي هذا الرجاء قولان: # أحدهما: أنه الأمل، قاله مقاتل. قال الزجاج: وهو إجماع أهل اللغة الموثوق ~~بعلمهم. # والثاني: أنه الخوف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الفراء: ولم نجد ~~الخوف بمعنى الرجاء إلا ومعه جحد، كقوله [تعالى]: (ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا) وقوله: (لا يرجون أيام الله) قال الشاعر: # لا ترتجي حين تلاقي الزائدا * أسبعة لاقت معا أم واحدا وقال الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك، ولا خفتك ~~وأنت تريد رجوتك، قال الزجاج: وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف، لأنه أمل ~~قد يخاف أن لا يتم، فعلى القول الأول يكون المعنى: # ترجون النصر وإظهار دينكم والجنة. وعلى الثاني: تخافون من عذاب الله ما ~~لا يخافون. # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) قوله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) في سبب ~~نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لقتادة بن النعمان، وكان الدرع في جراب ~~فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق الجراب، حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها ~~عند رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة، فلم توجد عنده، وحلف: مالي بها ~~علم، فقال أصحابها: بلى والله، PageV02P185 # لقد دخل علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق، ~~فلما حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه، ~~فقال: دفعها إلي طعمة، فقال قوم طعمة: إنطلقوا إلى رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم]، وليجادل عن صاحبنا فإنه برئ، فأتوه فكلموه في ذلك، فهم أن ~~يفعل، وأن يعاقب اليهودي، فنزلت هذه الآيات كلها. رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن رجلا من اليهود، استودع طعمة بن أبيرق درعا، فخانها، فلما ~~خاف اطلاعهم عليها، ألقاها في دار أبي مليل ms0473 الأنصاري، فجادل قوم طعمة عنه، ~~وأتوا إلى النبي [صلى الله عليه وسلم]، فسألوه ان يبرئه، ويكذب اليهودي، ~~فنزلت الآيات هذا قول السدي، ومقاتل. # والثالث: أن مشربة رفاعة بن زيد نقبت، وأخذ طعامه وسلاحه، فاتهم به بنو ~~أبيرق، وكانوا ثلاثة بشير، ومبشر، وبشر، فذهب قتادة بن النعمان إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أهل بيت منا فيهم جفاء نقبوا ~~مشربة لعمي رفاعة بن زيد، وأخذوا سلاحه، وطعامه، فقال: أنظر في ذلك، فذهب ~~قوم من قوم بني أبيرق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن قتادة بن ~~النعمان، وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا يرمونهم بالسرقة وهم أهل بيت إسلام ~~وصلاح، فقال النبي لقتادة: رميتهم بالسرقة على غير بينة! فنزلت هذه الآيات. ~~قاله قتادة بن النعمان والكتاب: القرآن. والحق: الحكم بالعدل. (لتحكم بين ~~الناس) أي: لتقضي بينهم. وفي قوله [تعالى]: (بما أراك الله) قولان: # أحدهما: أنه الذي علمه، والذي علمه أن لا يقبل دعوى أحد على أحد إلا ~~ببرها. # والثاني: أنه ما يؤدي إليه اجتهاده، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (ولا تكن للخائنين خصيما) قال الزجاج: لا تكن مخاصما، ولا ~~دافعا عن خائن واختلفوا هل خاصم عنه أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنه قام خطيبا فعذره. رواه العوفي عن ابن عباس: # والثاني: أنه هم بذلك، ولم يفعله، قاله سعيد بن جبير، وقتادة. قال القاضي ~~أبو يعلى: # وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو ~~نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره، لأن الله تعالى عاتب نبيه على مثل ذلك. # واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) PageV02P186 # قوله تعالى: (واستغفر الله) في الذي أمر بالاستغفار منه قولان: # أحدهما: أنه القيام بعذر. # والثاني: انه العزم على ذلك. # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ~~(107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول وكان الله بما يعملون محيطا ms0474 (108) قوله تعالى: (ولا تجادل عن ~~الذين يختانون أنفسهم) أي: يخونون أنفسهم، فيجعلونها خائنة بارتكاب ~~الخيانة. قال عكرمة: والمراد بهم:: طعمة بن أبيرق، وقومه الذين جادلوا عنه. ~~وفي حديث العوفي عن ابن عباس قال: انطلق نفر من عشيرة طعمة ليلا إلى رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم]، فقالوا: # إن صاحبنا برئ. و " الاستخفاء ": الاستتار، والمعنى: يستترون من الناس ~~لئلا يطلعوا على خيانتهم وكذبهم، ولا يستترون من الله، وهو معهم بالعلم. ~~وكل ما فكر فيه، أو خيض فيه بليل، فقد بيت. وجمهور العلماء على أن المشار ~~إليه بالاستخفاء والتبييت، قوم طعمة. والذي بيتوا: احتيالهم في براءة ~~صاحبهم بالكذب. وقال الزجاج: هو السارق نفسه، والذي بيت أنه قال: أرمي ~~اليهودي بأنه سارق الدرع، وأحلف أني لم أسرقها، فتقبل يميني، ولا تقبل يمين ~~اليهودي ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم ~~يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا (109) قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء ~~جادلتم عنهم) قال الزجاج: " ها " للتنبيه، وأعيدت في أوله. # والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم. و " المجادلة، والجدال ": شدة المخاصمة، ~~و " الجدل ": شدة الفتل. والكلام يعود إلى من احتج عن السارق. فأما قوله: " ~~عنهم " فإنه عائد إلى السارق. # و " عليهم " بمعنى " لهم ". والوكيل: القائم بأمر من وكله. فكأنه قال: من ~~الذي يتوكل لهم منكم في خصومة ربهم؟! # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) ~~قوله تعالى: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) اختلفوا في نزولها على ثلاثة ~~أقوال: PageV02P187 # أحدها: أنها نزلت خطابا للسارق، وعرضا للتوبة عليه. رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال ابن زيد، ومقاتل. # والثاني: أنها للذين جادلوا عنه من قومه، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه عنى بها كل مسئ ومذنب. ذكره أبو سليمان الدمشقي. وإطلاقها ~~لا يمنع أن تكون نزلت على سبب. وفي هذا السوء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه السرقة. # والثاني: الشرك. # والثالث: أنه كل ما يأثم به. وفي هذا الظلم قولان: # أحدهما: أنه رمي ms0475 البرئ بالتهمة. # والثاني: ما دون الشرك. # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) قوله ~~تعالى: (ومن يكسب إثما) أي: ومن يعمل ذنبا (فإنما يكسبه على نفسه) يقول: ~~إنما يعود وباله عليه. قاله مقاتل. وهذه في طعمة أيضا. # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتنا وإثما مبينا ~~(112) قوله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو إثما) جمهور العلماء على أنها نزلت ~~متعلقة بقصة طعمة ابن أبيرق. وقد روى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبد ~~الله ابن أبي بن سلول إذ رمى عائشة عليها السلام بالإفك وفي قوله [تعالى]: ~~(خطيئة أو إثما) أربعة أقوال: # أحدها: أن " الخطيئة " يمين السارق الكاذبة و " الإثم ": سرقته الدرع، ~~ورميه اليهودي، قاله ابن السائب. # والثاني: أن " الخطيئة " ما يتعلق به من الذنب، و " الإثم ": قذفه البرئ، ~~قاله مقاتل. # والثالث: أن " الخطيئة " قد تقع عن عمد، وقد تقع عن خطأ، و " الإثم ": ~~يختص العمد. قاله ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. وذكر الزجاج أن الخطيئة ~~نحو قتل الخطأ الذي يرتفع فيه الإثم. # والرابع: انه لما سمى الله عز وجل بعض المعاصي خطيئة، وبعضها إثما، أعلم ~~أن من كسب ما يقع عليه أحد هذين الاسمين، ثم قذف به بريئا، فقد احتمل ~~بهتانا، ذكره الزجاج أيضا فأما قوله [تعالى]: (ثم يرم به) أي: يقذف بما ~~جناه بريئا منه. PageV02P188 # فإن قيل: الخطيئة والإثم اثنان، فكيف قال: به، فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أنه أراد: ثم يرم بهما، فاكتفى بإعادة الذكر على الاثم من إعادته ~~على الخطيئة، كقوله [تعالى]: (انفضوا إليها) فخص التجارة، والمعنى للتجارة ~~واللهو. # والثاني: أن الهاء تعود على الكسب، فلما دل ب " يكسب " على الكسب، كنى ~~عنه. # والثالث: ان الهاء راجعة على معنى الخطيئة والإثم، كأنه قال: ومن يكسب ~~ذنبا، ثم يرم به. # ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. # والرابع: أن الهاء تعود على الإثم خاصة، قاله ابن جرير الطبري. وفي ~~المراد بالبرئ الذي قذفه هذا السارق قولان: # أحدهما: أنه كان يهوديا، قاله ms0476 ابن عباس، وعكرمة، وابن سيرين وقتادة وابن ~~زيد، وسماه عكرمة، وقتادة: زيد بن السمير. # والثاني: أنه كان مسلما، روي عن ابن عباس، وقتادة بن النعمان، والسدي، ~~ومقاتل، واختلفوا في ذلك المسلم، فقال الضحاك عن ابن عباس: هو عائشة لما ~~قذفها ابن أبي، وقال قتادة ابن النعمان: هو لبيد بن سهل، وقال السدي، ~~ومقاتل: هو أبو مليل الأنصاري، فأما البهتان: فهو الكذب الذي يحير من عظمه، ~~يقال: بهت الرجل: إذا تحير. قال ابن السائب: فقد احتمل بهتانا برميه البرئ، ~~وإثما مبينا بيمينه الكاذبة. # ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليك ~~ورحمته) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنها متعلقة بقصة طعمة وقومه، حيث لبسوا على النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] أمر صاحبهم، هذا قول ابن عباس من طريق ابن السائب. # والثاني: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقالوا: ~~جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر، وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة، فلم ~~يجبهم، فنزلت هذه الآية، وهذا قول ابن عباس في PageV02P189 # رواية الضحاك. وفي المراد بفضل الله ورحمته قولان: # أحدهما: النبوة والعصمة. # والثاني: الإسلام والقرآن، رويا عن ابن عباس. # قال مقاتل: لولا فضل الله عليك حيث بين لك امر طعمة، وحولك بالقرآن عن ~~تصديق. # الخائن، لهمت طائفة منهم أن يضلوك. قال الفراء: والمعنى لقد همت فإن قيل: ~~كيف قال: # (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة) وقد همت بإضلاله؟ فالجواب: أنه ~~لولا فضل الله، لظهر تأثير ما هموا به. فأما الطائفة، فعلي رواية ابن ~~السائب عن ابن عباس: قوم طعمة، وعلى رواية الضحاك: وفد ثقيف، وفي الإضلال ~~قولان: # أحدهما: التخطئة في الحكم: # والثاني: الاستزلال عن الحق. # قال الزجاج: وما يضلون إلا أنفسهم، لأنهم يعملون عمل الضالين، فيرجع ~~الضلال إليهم. # فأما " الكتاب "، فهو القرآن وفي " الحكمة ms0477 " ثلاثة أقوال: # أحدها: القضاء بالوحي، قاله ابن عباس. # والثاني: الحلال والحرام، قاله مقاتل. # والثالث: بيان ما في الكتاب، وإلهام الصواب، وإلقاء صحة الجواب في الروع، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي، وفي قوله [تعالى]: (وعلمك ما لم تكن تعلم) ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه الشرع، قاله ابن عباس ومقاتل. # والثاني: أخبار الأولين والآخرين، قاله أبو سليمان. # والثالث: الكتاب والحكمة، ذكره الماوردي. وفي قوله [تعالى]: (وكان فضل ~~الله عليك عظيما) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه المنة بالإيمان. # والثاني: المنة بالنبوة، هذان عن ابن عباس. # والثالث: انه عام في جميع الفضل الذي خصه [الله] به، قاله أبو سليمان. # لا خير في كثير من نجوهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) PageV02P190 # قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم) قال ابن عباس: هم قوم طعمة، وقال ~~مقاتل: # وكلهم يهود تناجوا في أمر طعمة، وقال مجاهد: هو عام في نجوى جميع الناس. ~~قال الزجاج: # ومعنى النجوى: ما تنفرد به الجماعة أو الاثنان، سرا كان أو ظاهرا. ومعنى ~~" نجوت الشئ " في اللغة. خلصته وألقيته، يقال: نجوت الجلد: إذا ألقيته عن ~~البعير وغيره. قال الشاعر: # فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنه * سيرضيكما منها سنام وغاربه وقد نجوت ~~فلانا إذا استنكهته، قال الشاعر: # نجوت مجالدا فوجدت منه * كريح الكلب مات قديم عهد وأصله كله من النجوة، ~~وهو ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر يصف سيلا: # فمن بنجوته كمن بعقوته * والمستكن كمن يمشي بقرواح والمراد بنجواهم: ما ~~يدبرونه بينهم من الكلام. # فأما قوله: (إلا من أمر بصدقة) فيجوز أن يكون بمعنى: إلا في نجوى من أمر ~~بصدقة، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول فيكون بمعنى: لكن من أمر بصدقة، ~~ففي نجواهم خير. # وأما قوله [تعالى]: (أمر بصدقة فالمعنى: حث عليها. وأما المعروف، ففيه ~~قولان: # أحدهما: أنه الفرض، روي عن ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنه عام في جميع أفعال البر، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وأبي ~~سليمان الدمشقي. ms0478 # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول في ~~سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنه لما نزل القرآن بتكذيب طعمة، وبيان ظلمه، وخاف على نفسه من ~~القطع والفضيحة، هرب إلى مكة، فلحق بأهل الشرك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ~~ابن عباس، وقتادة، PageV02P191 # وابن زيد، والسدي. وقال مقاتل: لما قدم مكة نزل على الحجاج بن علاط ~~السلمي فأحسن نزله، فبلغه أن في بيته ذهبا، فخرج في الليل فنقب حائط البيت، ~~فعلموا به فأحاطوا البيت، فلما رأوه، أرادوا أن يرجموه، فاستحيا الحجاج، ~~لأنه ضيفه، فتركوه، فخرج، فلحق بحرة بني سليم يعبد صنمهم حتى مات على ~~الشرك، فنزل فيه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وقال غيره: بل خرج مع تجار ~~فسرق منهم شيئا، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقيل: ركب سفينة، فسرق فيها ~~مالا، فعلم به، فألقي في البحر. # والقول الثاني: أن قوما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، ~~ثم ارتدوا، فنزلت فيهم هذه الآية، روي عن ابن عباس. ومعنى الآية: ومن يخالف ~~الرسول في التوحيد، والحدود، من بعد ما تبين له التوحيد والحكم، ويتبع غير ~~دين المسلمين، نوله ما تولى، أي: نكله إلى ما اختار لنفسه، ونصله جهنم: ~~ندخله إياها. # قال ابن فارس: تقول صليت اللحم أصليه: إذا شويته، فإن أردت أنك أحرقته، ~~قلت: # أصليته. وساءت مصيرا، أي: مرجعا يصار إليه. # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضللا بعيدا (116) قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) في سبب ~~نزولها قولان: # أحدهما: أنها نزلت في حق طعمة بن أبيرق لما هرب من مكة، ومات على الشرك، ~~وهذا قول الجمهور، منهم سعيد بن جبير. # والثاني: أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~فقال: إني منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله منذ عرفته، وإني ms0479 لنادم ~~مستغفر، فما حالي؟ فنزلت هذه الآية، روي عن ابن عباس. فأما تفسيرها، فقد ~~تقدم. PageV02P192 # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله ~~وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) قوله تعالى: (إن يدعون من دونه ~~إلا إناثا) (إن) بمعنى: " ما " و (يدعون) بمعنى: يعبدون. # والهاء في (دونه) ترجع إلى الله عز وجل. والقراءة المشهورة إناثا. وقرأ ~~سعيد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء: إلا وثنا، بفتح الواو، والثاء من غير ألف. # وقرأ ابن عباس، وأبو رزين: أنثا، برفع الهمزة والنون من غير ألف. وقرأ ~~أبو العالية، ومعاذ القارئ، وأبو نهيك: إناثا، برفع الهمزة وبألف بعد ~~الثاء. وقرأ أبو السوار العدوي، وأبو شيخ الهنائي: أوثانا، بهمزة مفتوحة ~~بعدها واو وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو هريرة، والحسن، والجوني: إلا أنثى، ~~على وزن " فعلى ". وقرأ أيوب السختياني: إلا وثنا، برفع الواو والثاء من ~~غير ألف. وقرأ مورق العجلي: اثنا، برفع الهمزة والثاء من غير ألف. قال ~~الزجاج: فمن قال: إناثا، فهو جمع أنثى وإناث، ومن قال: أنثا، فهو جمع إناث، ~~ومن قال: اثنا، فهو جمع وثن، والأصل: وثن، إلا أن الواو إذا انضمت جاز ~~إبدالها همزة، كقوله تعالى: (وإذا الرسل أقتت) الأصل: وقتت. وجائز أن يكون ~~أثن أصلها: أثن، فأتبعت الضمة الضمة وجائز أن يكون أثن، مثل أسد وأسد. فأما ~~المفسرون، فلهم في معنى الإناث أربعة أقوال: # أحدها: إن الإناث بمعنى الأموات، قاله ابن عباس، والحسن في رواية، ~~وقتادة. قال الحسن: كل شئ لا روح فيه، كالحجر، والخشبة، فهو إناث. قال ~~الزجاج: والموات كلها يخبر عنها، كما يخبر عن المؤنث، تقول من ذلك: الأحجار ~~تعجبني، والدراهم تنفعني. # والثاني: أن الإناث. الأوثان، وهو قول عائشة، ومجاهد. # والثالث: أن الإناث اللات والعزى ومناة، كلهن مؤنث، وهذا قول أبي مالك، ~~وابن زيد والسدي. وروى أبو رجاء عن الحسن قال: لم يكن حي من أحياء العرب ~~إلا ولهم صنم يسمونه: # أنثى بني فلان، فنزلت هذه ms0480 الآية. قال الزجاج: والمعنى: ما يدعون إلا ما ~~يسمونه باسم الإناث. # والرابع: أنها الملائكة كانوا يزعمون أنها بنات الله، قاله الضحاك. # وفي المراد بالشيطان ثلاثة أقوال: # أحدها: شيطان يكون في الصنم. قال ابن عباس: في كل صنم شيطان يتراءى ~~للسدنة فيكلمهم. # وقال أبي بن كعب: مع كل صنم جنية. # والثاني: أنه إبليس وعبادته: طاعته فيما سول لهم، هذا قول مقاتل، ~~والزجاج. # والثالث: أنه أصنامهم التي عبدوا، ذكره الماوردي، فأما " المريد " فقال ~~الزجاج: PageV02P193 # و " المريد ": المارد، وهو الخارج عن الطاعة، ومعناه: أنه قد مرد في ~~الشر، يقال: مرد الرجل يمرد مرودا: إذا عتا، وخرج عن الطاعة. وتأويل ~~المرود: أن يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف، وأصله في ~~اللغة: املساس الشئ، ومنه قيل للإنسان: أمرد: إذا لم يكن في وجهه شعر، ~~وكذلك يقال: شجرة مرداء: إذا تناثر ورقها، وصخرة مرداء: إذا كانت ملساء. ~~وفي قوله [تعالى]: (لعنه الله) قولان: # أحدهما: أنه ابتداء دعاء علي باللعن، وهو قول من قال: هو الأوثان. # والثاني: أنه إخبار عن لعن متقدم، وهو قول من قال: هو إبليس، قال ابن ~~جرير: المعنى: قد لعنه الله قالا بن عباس: معنى الكلام: دحره الله، وأخرجه ~~من الجنة. وقال - يعني إبليس -: # لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. قال ابن قتيبة: أي: حظا افترضته لنفسي ~~منهم، فأضلهم. وقال مقاتل: النصيب المفروض [في اللغة: القطع] أن من كل ألف ~~إنسان واحد في الجنة، وسائرهم في النار قال الزجاج: " الفرض " في اللغة: ~~القطع، و " الفرضة ": الثلمة تكون في النهر. # و " الفرض " في القوس: الحز الذي يشد فيه الوتر، والفرض فيما ألزمه الله ~~العباد: جعله حتما عليهم قاطعا. # ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعم ولأمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) قوله ~~تعالى: (ولأضلنهم) قال ابن عباس: عن سبيل الهدى، وقال غيره: ليس له من ~~الضلال سوى الدعاء إليه. وفي قوله [تعالى]: (ولأمنينهم) أربعة أقوال: # أحدها: أنه الكذب الذي يخبرهم به، قال ms0481 ابن عباس: يقول لهم: لا جنة، ولا ~~نار، ولا بعث. # والثاني: أنه التسويف بالتوبة، روي عن ابن عباس. # والثالث: أنه إيهامهم أنهم سينالون من الآخرة حظا، قاله الزجاج. # والرابع: أنه تزيين الأماني لهم، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: (فليبتكن آذان الأنعام) قال قتادة، وعكرمة، والسدي: هو شق ~~أذن البحيرة، قال الزجاج: ومعنى " يبتكن " يشققن، يقال: بتكت الشئ أبتكه ~~بتكا: إذا قطعته، وبتكه وبتك، مثل: PageV02P194 # قطعه وقطع. وهذا في البحيرة كانت الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن، ~~وكان الخامس ذكرا، شقوا أذن الناقة، وامتنعوا من الانتفاع بها، ولم تطرد عن ~~ماء، ولا مرعى، وإذا لقيها المعيي، لم يركبها. سول لهم إبليس أن هذا قربة ~~إلى الله تعالى وفي المراد بتغيير خلق الله خمسة أقوال: # أحدها: أنه تغيير دين الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن في رواية، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، والنخعي، والضحاك والسدي، ~~وابن زيد، ومقاتل: وقيل: معنى تغيير الدين: تحليل الحرام، وتحريم الحلال. # والثاني: أنه تغيير الخلق بالخصاء، رواه عكرمة عن ابن عباس، وهو مروي عن ~~أنس بن مالك، وعن مجاهد، وقتادة، وعكرمة، كالقولين. # والثالث: أنه التغيير بالوشم، وهو قول ابن مسعود، والحسن في رواية. # والرابع: أنه تغيير أمر الله، رواه أبو شيبة عن عطاء. # والخامس: أنه عبادة الشمس والقمر والحجارة، وتحريم ما حرموا من الأنعام، ~~وإنما خلق ذلك للانتفاع به، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله) في المراد بالولي ~~قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الرب، قاله مقاتل. # والثاني: من الموالاة، قاله أبو سليمان الدمشقي، فإن قال قائل: من أين ~~لإبليس العلم بالعواقب حتى قال: ولأضلنهم. وقال في [سورة] الأعراف (ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين). وقال في [سورة] بني إسرائيل: (لأحتنكن ذريته إلا قليلا) ~~فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه ظن ذلك، فتحقق ظنه، وذلك قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ~~ظنه) قاله الحسن، وابن زيد وفي سبب ذلك الظن قولان: # أحدهما: أنه لما قال الله تعالى له: (لأملأن جهنم منك وممن ms0482 تبعك منهم ~~أجمعين) علم أنه ينال ما يريد. # والثاني: أنه لما استزل آدم، قال: ذرية هذا أضعف منه. PageV02P195 # والثاني: أن المعنى: لأحرضن بين ولأجتهدن في ذلك، لا أنه كان يعلم الغيب، ~~قاله ابن الأنباري. # والثالث: أن من الجائز أن يكون علم من جهة الملائكة بخبر من الله تعالى ~~أن أكثر الخلق لا يشكرون، ذكره الماوردي، فإن قيل: فلم اقتصر على بعضهم؟ ~~فقال: (نصيبا مفروضا) وقال: # (ولا تجد أكثرهم شاكرين) وقال: (إلا قليلا)، فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه يجوز أن يكون علم مآل الخلق من جهة الملائكة، كما بينا. # والثاني: أنه لما لم ينل من آدم كل ما يريد، طمع في بعض أولاده، وأيس من ~~بعض. # والثالث: أنه لما عاين الجنة والنار، علم أنهما خلقتا لمن يسكنهما، فأشار ~~بالنصيب المفروض إلى ساكني النار. # قوله تعالى: (يعدهم) يعني: الشيطان يعد أولياءه. وفيما يعدهم به قولان: # أحدهما: أنه لا بعث لهم، قاله مقاتل. # والثاني: النصرة لهم، ذكره أبو سليمان الدمشقي، وفيما يمنيهم قولان: # أحدهما: الغرور والأماني، مثل أن يقول: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا ~~مرادك: # والثاني: الظفر بأولياء الله. # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا ~~يجدون عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) ~~قوله تعالى: (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) أي: باطلا يغرهم به، فأما ~~المحيص، فقال الزجاج: هو المعدل والملجأ، يقال: حصت عن الرجل أحيص، ورووا: ~~جضت أجيض بالجيم والضاد، بمعنى: حصت، ولا يجوز ذلك في القرآن، وإن كان ~~المعنى واحدا، لأن القراءة سنة، والذي في القرآن أفصح مما يجوز، ويقال: حصت ~~أحوص حوصا وحياصة: إذا خطت، قال الأصمعي: يقال: حص عين صقرك، أي: خط عينه، ~~والحوص في العين: ضيق مؤخرها، ويقال: # وقع في حيص بيص، وحاص باص: إذا وقع فيما لا يقدر على التخلص منه. ~~PageV02P196 # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ms0483 دون ~~الله وليا ولا نصيرا (123) قوله تعالى: (ليس بأمانيكم) في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن أهل الأديان اختصموا، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ~~ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال المسلمون: كتابنا نسخ ~~كل كتاب، ونبينا خاتم الأنبياء، فنزلت هذه الآية، ثم خير بين الأديان بقوله ~~[تعالى]: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله) رواه العوفي عن ابن عباس وإلى ~~هذا المعنى ذهب مسروق، وأبو صالح، وقتادة والسدي. # والثاني: أن العرب قالت: لا نبعث، ولا نعذب، ولا نحاسب، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول مجاهد. # والثالث: أن اليهود والنصارى قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: لا ~~نبعث، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة. # قال الزجاج: اسم " ليس " مضمر، والمعنى: ليس ثواب الله عز وجل بأمانيكم، ~~وقد جرى ما يدل على الثواب، وهو قوله تعالى: (سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار) وفي المشار إليهم بقوله " أمانيكم " قولان: # أحدهما: أنهم المسلمون على قول الأكثرين: # والثاني: المشركون على قول مجاهد. فأما أماني المسلمين، فما نقل من ~~قولهم: كتابنا ناسخ للكتب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأماني المشركين قولهم: ~~لا نبعث، وأماني أهل الكتاب قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإن النار لا ~~تمسنا إلا أياما معدودة، وإن كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، فأخبر ~~الله عز وجل أن دخول الجنة والجزاء، بالأعمال لا بالأماني. وفي المراد " ~~بالسوء " قولان: # أحدهما: أنه المعاصي، ومنه حديث أبي بكر الصديق أنه قال: يا رسول الله ~~كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ (من يعمل سوءا يجز به) فإذا عملنا سوءا جزينا ~~به، فقال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك ~~اللأواء؟ فذلك ما تجزون به. # والثاني: أنه الشرك، قاله ابن عباس، ويحيى بن أبي كثير. وفي هذا الجزاء ~~قولان: PageV02P197 # أحدهما: أنه عام في كل من عمل سوءا فإنه يجازى به، وهو معنى قول أبي بن ~~كعب، وعائشة، واختاره ابن جرير، واستدل عليه بحديث أبي بكر الذي قدمناه. # والثاني: أنه خاص في الكفار يجازون ms0484 بكل ما فعلوا، فأما المؤمن فلا يجازى ~~بكل ما جنى، قاله الحسن البصري. وقال ابن زيد: وعد الله المؤمنين أن يكفر ~~عنهم سيئاتهم، ولم يعد المشركين. # قوله تعالى: (ولا يجد له من دون الله وليا) قال أبو سليمان: لا يجد من ~~أراد الله أن يجزيه بشئ من عمله وليا، وهو القريب، ولا ناصرا يمنعه من عذاب ~~الله وجزائه. # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا (124) قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن) قال مسروق: لما نزلت (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) قال أهل ~~الكتاب: نحن وأنتم سواء، فنزلت (ومن يعمل من الصالحات...)، وهذه تدل على ~~ارتباط الإيمان بالعمل الصالح، فلا يقبل أحدهما إلا بوجود الآخر، وقد سبق ~~ذكر " النقير ". # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا (125) قوله تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله) ~~قال ابن عباس: خير الله بين الأديان بهذه الآية. و (أسلم) بمعنى: أخلص. وفي ~~" الوجه " قولان: # أحدهما: أنه الدين. # والثاني: العمل. وفي الاحسان قولان: # أحدهما: أنه التوحيد، قاله ابن عباس. # والثاني: القيام لله بما فرض الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي اتباع ~~ملة إبراهيم قولان: PageV02P198 # أحدهما: اتباعه على التوحيد والطاعة. # والثاني: اتباع شريعته، اختاره القاضي، أبو يعلى. فأما الخليل، فقال ابن ~~عباس: الخليل الصفي، وقال غيره: المصافي، وقال الزجاج: هو المحب الذي ليس ~~في محبته خلل. قال: وقيل: # الخليل: الفقير، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله بأنه أحبه محبة ~~كاملة، وجائز أن يكون لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إليه، و " الخلة ": ~~الصداقة، لأن كل واحد يسد خلل صاحبه، و " الخلة " بفتح الخاء: الحاجة: سميت ~~خلة للاختلال الذي يلحق الانسان فيما يحتاج إليه، وسمي الخل الذي يؤكل خلا، ~~لأنه اختل منه طعم الحلاوة. وقال ابن الأنباري: الخليل: فعيل من الخلة، ~~والخلة: المودة. وقال بعض أهل اللغة: الخليل، المحب، والمحب ms0485 الذي ليس في ~~محبته نقص ولا خلل، والمعنى: أنه كان يحب الله، ويحبه الله محبة لا نقص ~~فيها، ولا خلل، ويقال: الخليل: # الفقير، فالمعنى: اتخذه فقيرا إليه ينزل فقره وفاقته به، لا بغيره. وفي ~~سبب اتخاذ الله له خليلا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام، روى عبد الله بن عمرو عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال: لإطعامه الطعام ". # والثاني: أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، ~~وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه، ~~فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا ~~بميرة، فملؤوا الغرائر رملا، ثم أتوا إبراهيم عليه السلام، فأعلموه، فاهتم ~~إبراهيم لأجل الخلق. فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان، ففتحت الغرائر، ~~فإذا دقيق حواري، فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، ~~فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند ~~خليلي الله عز وجل، فيومئذ اتخذه الله خليلا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل. # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شئ محيطا (126) قوله ~~تعالى: (وكان الله بكل شئ محيطا) أي: أحاط علمه بكل شئ. PageV02P199 # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتب في ~~يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء) في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، فلما فرض الله ~~المواريث في هذه السورة، شق ذلك عليهم، فسألوا رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ~~وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أن ms0486 ولي اليتيمة كان يتزوجها إذا كانت جميلة وهويها، فيأكل ~~مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فنزلت هذه ~~الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنهم كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن، ويتملك ذلك أولياؤهن، فلما ~~نزل قوله [تعالى]: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) سألوا رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة [عليها السلام]. # والرابع: أن رجلا كانت له امرأة كبيرة، وله منها أولاد، فأراد طلاقها، ~~فقالت: لا تفعل، وأقسم لي في كل شهر إن شئت أو أكثر فقال: لئن كان هذا ~~يصلح، فهو أحب إلي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فقال: ~~" قد سمع الله ما تقول، فإن شاء أجابك "، فنزلت هذه الآية، والتي بعدها، ~~رواه سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. # والخامس: أن ولي اليتيمة كان إذا رغب في مالها وجمالها لم يبسط لها في ~~صداقها، فنزلت هذه الآية، ونهوا أن ينكحوهن، أو يبلغوا بهن أعلى سنتهن من ~~الصداق، ذكره القاضي أبو يعلى. # وقوله [تعالى]: (ويستفتونك) أي: يطلبون منك الفتوى، وهي تبيين المشكل من ~~الأحكام. # وقيل: الاستفتاء: الاستخبار. قال المفسرون: والذي استفتوه فيه، ميراث ~~النساء، وذلك أنهم قالوا: PageV02P200 # كيف ترث المرأة والصبي الصغير؟ # قوله تعالى: (وما يتلى عليكم) قال الزجاج: موضع " ما " رفع: المعنى: الله ~~يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب أيضا يفتيكم فيهن. وهو قوله ~~[تعالى]: (وآتوا اليتامى أموالهم...) الآية. # والذي تلي عليهم في التزويج قوله تعالى: (فإن خفتم أن لا تقسطوا في ~~اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) وفي يتامى النساء قولان: # أحدهما: أنهن النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: يوم ~~الجمعة. # والثاني: أنهن أمهات اليتامى، فأضيف إليهن أولادهن اليتامى. # وفي الذي كتب لهن قولان: # أحدهما: أنه الميراث، قاله ابن عباس، ومجاهد في آخرين. # والثاني: أنه الصداق. ثم في المخاطب بهذا قولان: # أحدهما: أنهم أولياء المرأة كانوا يحوزون صداقها دونها. # والثاني: ولي اليتيمة، كان إذا تزوجها لم ms0487 يعدل في صداقها، وفي قوله ~~[تعالى]: (وترغبون أن تنكحوهن) قولان: # أحدهما: وترغبون في نكاحهن رغبة في جمالهن، وأموالهن، هذا قول عائشة، ~~وعبيدة. # والثاني: وترغبون عن نكاحهن لقبحهن، فتمسكوهن رغبة في أموالهن، وهذا قول ~~الحسن. # قوله تعالى: (والمستضعفين من الولدان) قال الزجاج: موضع المستضعفين خفض ~~على قوله [تعالى]: (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) المعنى: وفي ~~الولدان. قال ابن عباس: # يريد أنهم لم يكونوا يورثون صغيرا من الغلمان والجواري، فنهاهم الله عن ~~ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه. # قوله تعالى: (وأن تقوموا لليتامى بالقسط) قال الزجاج: موضع " أن " خفض، ~~فالمعنى: في يتامى النساء، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. قال ابن عباس: ~~يريد العدل في مهورهن ومواريثهن. # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) PageV02P201 # قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن سودة خشيت أن يطلقها رسول لله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا ~~رسول الله لا تطلقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت هذه الآية، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أن بنت محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج، فكره منها أمرا، ~~إما كبرا، وإما غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما شئت، ~~فنزلت هذه الآية، رواه الزهري عن سعيد بن المسيب وقال مقاتل: واسمها خويلة. # والثالث: قد ذكرناه عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في نزول الآية التي ~~قبلها، وقالت عائشة: نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلا يستكثر منها، ~~ويريد فراقها، ولعلها تكون له محبة أو يكون لها ولد فتكره فراقه، فتقول له: ~~لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حل من شأني. رواه البخاري، ومسلم. # وفي خوف النشوز قولان: # أحدهما: أنه العلم به عند ظهوره. # والثاني: الحذر من وجوده لأماراته. قال الزجاج: والنشوز من بعل المرأة: ~~أن يسئ عشرتها، وأن يمنعها نفسه ونفقته. وقال ms0488 أبو سليمان: نشوزا، أي: نبوا ~~عنها إلى غيرها، أو إعراضا عنها، واشتغالا بغيرها. (فلا جناحا عليهما أن) ~~يصالحا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: # " يصالحا " بفتح الياء، والتشديد. والأصل: " يتصالحا "، فأدغمت التاء في ~~الصاد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " يصلحا " بضم الياء، والتخفيف. قال ~~المفسرون: والمعنى: أن يوقعا بينهما أمرا يرضيان به، وتدوم بينهم الصحبة، ~~مثل أن تصبر على تفضيله. وروي عن علي، وابن عباس: # أنهما أجازا لهما أن يصطلحا على ترك بعض مهرها، أو بعض أيامها، بأن يجعله ~~لغيرها. وفي قوله [تعالى]: (والصلح خير) قولان: # أحدهما: خير من الفرقة، قاله مقاتل، والزجاج. # والثاني: خير من النشوز والإعراض، ذكره الماوردي، قال قتادة: متى ما رضيت ~~بدون ما كان لها، واصطلحا عليه، جاز، فإن أبت لم يصلح أن يحبسها على الخسف. ~~PageV02P202 # قوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) " أحضرت " بمعنى: ألزمت. و " الشح ": ~~الإفراط في الحرص على الشئ. وقال ابن فارس: " الشح ": البخل مع الحرص، ~~وتشاح الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما، وفيمن يعود إليه هذا الشح ~~قولان: # أحدهما: المرأة، فتقديره: وأحضرت نفس المرأة الشح بحقها من زوجها، هذا ~~قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: الزوجان جميعا، فالمرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح ~~عليها بنفسه إذا كان غيرها أحب إليه، هذا قول الزجاج. وقال ابن زيد: لا ~~تطيب نفسه أن يعطيها شيئا فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئا من مالها، ~~فتعطفه عليها. # قوله تعالى: (وإن تحسنوا) فيه قولان: # أحدهما: بالصبر على التي يكرهها. # والثاني: بالإحسان إليها في عشرتها. # قوله تعالى: (وتتقوا) يعني الجور عليها (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) ~~فيجازيكم عليه. # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) قوله ~~تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) قال أهل التفسير: لن تطيقوا أن ~~تسووا بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع، لأن ذلك ليس من كسبكم (ولو ~~حرصتم) على ذلك (فلا تميلوا) ms0489 إلى التي تحبون في النفقة والقسم. وقال مجاهد: ~~لا تتعمدوا الإساءة فتذروا الأخرى كالمعلقة قال ابن عباس: المعلقة: التي لا ~~هي أيم، ولا ذات بعل. وقال قتادة: # المعلقة: المسجونة و قوله تعالى: (وإن تصلحوا) أي: بالعدل في القسمة ~~(وتتقوا) الجور (فإن الله كان غفورا) لميل القلوب. # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله وسعا حكيما (130) ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا PageV02P203 # تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) ~~ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) قوله تعالى: (وإن ~~يتفرقا) يقول: وإن أبت المرأة أن تسمح لزوجها بإيثار التي يميل إليها، ~~واختارت الفرقة، فإن الله يغني كل واحد من سعته. قال ابن السائب: يغني ~~المرأة برجل، والرجل بامرأة، ثم ذكر ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير، ~~فقال: (ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم) يعني: أهل التوراة، والإنجيل، وسائر الكتب (وإياكم) يا أهل القرآن ~~(أن اتقوا الله) قيل: وحدوه (وإن تكفروا) بما أوصاكم به (فإن لله ما في ~~السماوات وما في الأرض) فلا يضره خلافكم. وقيل: له ما في السماوات، وما في ~~الأرض من الملائكة، فهم أطوع له منكم. وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى " ~~الغني الحميد "، وفي آل عمران معنى " الوكيل ". # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) ~~قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس) قال ابن عباس: يريد المشركين ~~والمنافقين (ويأت بآخرين) أطوع له منكم. وقال أبو سليمان: هذا تهدد للكفار، ~~يقول: إن يشأ يهلككم كما أهلك من قبلكم إذ كفروا به، وكذبوا رسله. # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا (134) قوله تعالى: (من كان يريد ثواب الدنيا) قيل: إن هذه الآية نزلت ~~من أجل المنافقين كانوا لا يصدقون بالقيامة، وإنما يطلبون عاجل الدنيا، ~~ذكره أبو سليمان. ms0490 وقال الزجاج: كان مشركو العرب يتقربون إلى الله ليعطيهم ~~من خير الدنيا، ويصرف عنهم شرها، ولا يؤمنون بالبعث، فأعلم الله عز وجل أن ~~خير الدنيا والآخرة عنده. وذكر الماوردي أن المراد بثواب الدنيا: الغنيمة ~~في الجهاد، وثواب الآخرة: الجنة. قال: والمراد بالآية: حث المجاهد على قصد ~~ثواب الله. # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) ~~PageV02P204 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) في سبب نزولها ~~قولان: # أحدهما: أن فقيرا وغنيا اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان صغوه ~~مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فنزلت هذه الآية، هذا قولا السدي. # والثاني: أنها متعلقة بقصة ابن أبيرق، فهي خطاب للذين جادلوا عنه، ذكره ~~أبو سليمان الدمشقي. و " القوام ": مبالغة من قائم. و " القسط ": العدل. ~~قال ابن عباس: كونوا قوالين بالعدل في الشهادة على من كانت، ولو على ~~أنفسكم. وقال الزجاج: معنى الكلام: قوموا بالعدل، واشهدوا لله بالحق، وإن ~~كان الحق على الشاهد، أو على والديه، أو قريبه، (إن يكن) المشهود له (غنيا) ~~فالله أولى به، وإن يكن (فقيرا) فالله أولى به. فأما الشهادة على النفس، ~~فهي إقرار الإنسان بما عليه من حق. وقد أمرت الآية بأن لا ينظر إلى فقر ~~المشهود عليه، ولا إلى غناه، فإن الله تعالى أولى بالنظر إليهما. قال عطاء: ~~لا تحيفوا على الفقير، ولا تعظموا الغني، فتمسكوا عن القول فيه. وممن قال: ~~إن الآية نزلت في الشهادات، ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، والزهري، ~~وقتادة، والضحاك. # قوله تعالى: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه: فلا تتبعوا الهوى، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق، قاله ~~مقاتل. # والثاني: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، قاله الزجاج. # والثالث: فلا تتبعوا الهوى كراهية أن تعدلوا عن الحق. # والرابع: فلا تتبعوا الهوى فتعدلوا، ذكرهما ms0491 الماوردي. # قوله تعالى: (وإن تلووا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~والكسائي، تلووا، بواوين، الأولى مضمومة، واللام ساكنة. وفي معنى هذه ~~القراءة ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يلوي الشاهد لسانه بالشهادة إلى غير الحق. قال ابن عباس: يلوي ~~لسانه بغير الحق، ولا يقيم الشهادة على وجهها، أو يعرض عنها ويتركها. وهذا ~~قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد. # والثاني: أن يلوي الحاكم وجهه إلى بعض الخصوم، أو يعرض عن بعضهم، روي عن ~~ابن عباس أيضا. PageV02P205 # والثالث: أن يلوي الإنسان عنقه إعراضا عن أمر الله لكبره وعتوه. ويكون: " ~~أو تعرضوا " بمعنى: وتعرضوا، ذكره الماوردي. وقرأ الأعمش، وحمزة، وابن ~~عامر: " تلوا " بواو واحدة، واللام مضمومة. والمعنى: أن تلوا أمور الناس، ~~أو تتركوا، فيكون الخطاب للحكام. # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فقد ضل ضلالا بعيدا (136) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن عبد الله بن سلام، وأسدا، وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، ~~وسلاما، وسلمة، ويامين. وهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا رسولا الله نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، والتوراة، ~~وعزير، ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثاني: أن مؤمني أهل الكتاب كان بينهم وبين اليهود كلام لما أسلموا، ~~فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. وفي المشار إليهم بقوله [تعالى]: (يا أيها ~~الذين آمنوا) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم المسلمون، قاله الحسن، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا ~~بمحمد والقرآن اثبتوا على إيمانكم. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله الضحاك، فيكون المعنى: يا أيها الذين ~~آمنوا بموسى، والتوراة، وبعيسى، والإنجيل: آمنوا بمحمد والقرآن. # والثالث: المنافقون، قاله مجاهد، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا في ~~الظاهر بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم. # قوله تعالى: (والكتاب الذي نزل على رسوله) قرأ ابن كثير، وأبو ms0492 عمرو، وابن ~~عامر: # " نزل " على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل، مضمومتين. وقرأ نافع، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي: نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل مفتوحتين. ~~والمراد بالكتاب: الذي نزل على PageV02P206 # رسوله القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل: كل كتاب أنزل قبل القرآن، فيكون ~~" الكتاب " هاهنا اسم جنس. # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا) ~~اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها في اليهود آمنوا بموسى، ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعزير، ~~ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد عليه السلام، هذا قول ابن ~~عباس. وروي عن قتادة قال: آمنوا بموسى، ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا به ~~بعد عوده، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد. # والثاني: أنها في اليهود والنصارى، آمن اليهود بالتوراة، وكفروا ~~بالإنجيل. وآمن النصارى بالإنجيل، ثم تركوه فكفروا به، ثم ازدادوا كفرا ~~بالقرآن وبمحمد، رواه شيبان عن قتادة. وروي عن الحسن قال: هم قوم من أهل ~~الكتاب، قصدوا تشكيك المؤمنين، فكانوا يظهرون بالإيمان ثم الكفر، ثم ~~ازدادوا كفرا بثبوتهم على دينهم. وقال مقاتل: آمنوا بالتوراة وموسى، ثم ~~كفروا من بعد موسى، ثم آمنوا بعيسى والإنجيل، ثم كفروا من بعده، ثم ازدادوا ~~كفرا بمحمد والقرآن. # والثالث: أنها في المنافقين آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، قاله ~~مجاهد. وروى ابن جريج عن مجاهد (ثم ازدادوا كفرا) قال: ثبتوا عليه حتى ~~ماتوا. قال ابن عباس: (لم يكن الله ليغفر لهم) ما أقاموا على ذلك (ولا ~~ليهديهم سبيلا) أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين. قال: وإنما علق امتناع ~~المغفرة بكفر بعد كفر، لأن المؤمن بعد الكفر يغفر له كفره، فإذا ارتد طولب ~~بالكفر الأول. # بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) قوله تعالى: (بشر المنافقين) ~~زعم مقاتل أنه لما نزلت المغفرة في (سورة الفتح) للنبي والمؤمنين قال عبد ~~الله بن أبي ونفر معه: فما لنا؟ فنزلت هذه الآية. ms0493 وقال غيره: كان المنافقون ~~يتولون اليهود، فألحقوا بهم في التبشير بالعذاب. وقال الزجاج: معنى الآية: ~~اجعل موضع بشارتهم العذاب. والعرب تقول: تحيتك الضرب، أي: هذا بدل لك من ~~التحية. قال الشاعر: PageV02P207 # وخيل قد دلفت لها بخيل * تحية بينهم ضرب وجيع الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا (139) ~~قوله تعالى: (الذين يتخذون الكافرين أولياء) قال ابن عباس: يتخذون اليهود ~~أولياء في العون والنصرة. # قوله تعالى: (أيبتغون عندهم العزة) أي: القوة بالظهور على محمد وأصحابه، ~~والمعنى: أيتقون بهم؟ قال مقاتل: وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على ~~قتال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]. وقال الزجاج: أيبتغي المنافقون عند ~~الكافرين العزة. و " العزة ": المنعة، وشدة الغلبة، وهو مأخوذ من قولهم: ~~أرض عزاز. قال الأصمعي: " العزاز ": الأرض التي لا تنبت. # فتأويل العزة: الغلبة والشدة التي لا يتعلق بها إذلال. قالت الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يتقى * إذ الناس إذ ذاك من عز بزا أي: من قوي وغلب ~~سلب. ويقال: قد استعز على المريض، أي: اشتد وجعه. وكذلك قول الناس: يعز علي ~~أن يفعل، أي: يشتد، وقولهم قد عز الشئ: إذا لم يوجد، معناه: # صعب أن يوجد، والباب واحد. # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في ~~الكتاب) وقرأ عاصم، ويعقوب: " نزل " بفتح النون والزاي. قال المفسرون: الذي ~~نزل عليهم في النهي عن مجالستهم، قوله في (الأنعام) (وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، ~~فيسخرون من القرآن ويكذبون به، فنهى الله المسلمين عن مجالستهم. وآيات ~~الله: هي القرآن. # والمعنى: إذا سمعتم الكفر بآيات الله، والاستهزاء بها، فلا تقعدوا معهم ~~حتى يأخذوا في حديث غير الكفر، والاستهزاء. (إنكم) إن جالستموهم على ما هم ~~عليه من ذلك، فأنتم (مثلهم) وفي ماذا ms0494 تقع المماثلة فيه، قولان: PageV02P208 # أحدهما: في العصيان. # والثاني: في الرضى بحالهم، لأن مجالس الكافر غير كافر. وقد نبهت الآية ~~على التحذير من مجالسة العصاة، قال إبراهيم النخعي: إن الرجل ليجلس في ~~المجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضي الله بها، فتصيبه الرحمة فتعم من حوله، وإن ~~الرجل ليجلس في المجلس، فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، ~~فيعم من حوله. # الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) قوله ~~تعالى: (الذين يتربصون بكم) قال أبو سليمان: هذه الآية نزلت في المنافقين ~~خاصة. قال مقاتل: كان المنافقون يتربصون بالمؤمنين الدوائر، فإن كان الفتح، ~~قالوا: ألم نكن معكم؟ فأعطونا من الغنيمة. وإن كان للكافرين نصيب، أي: دولة ~~على المؤمنين، قالوا للكفار: # ألم نستحوذ عليكم؟ قال المبرد: ومعنى: ألم نستحوذ عليكم: ألم نغلبكم على ~~رأيكم. وقال الزجاج: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم. و " نستحوذ " في اللغة، ~~بمعنى: نستولي، يقال: # حذت الإبل، وحزتها: إذا استوليت عليها وجمعتها. وقال غيره: ألم نستول ~~عليكم بالمعونة والنصرة؟ وقال ابن جريج: ألم نبين لكم أنا على دينكم؟ وفي ~~قوله [تعالى]: (ونمنعكم من المؤمنين) ثلاثة أقوال: # أحدها: نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم. # والثاني: بما نعلمكم من أخبارهم. # والثالث: بصرفنا سعيد إياكم عن الدخول في الإيمان. ومراد الكلام: إظهار ~~المنة من المنافقين على الكفار، أي: فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم. # قوله تعالى: (فالله يحكم بينكم يوم القيامة) يعني المؤمنين والمنافقين. ~~قال ابن عباس: # يريد أنه أخر عقاب المنافقين. # قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة، روى يسيع الحضرمي عن علي بن ~~أبي طالب أن رجلا جاءه، فقال: أرأيت قول الله [عز وجل]: (ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين PageV02P209 # سبيلا) وهم يقاتلوننا، فقال: ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على ~~المؤمنين سبيلا. هذا مروي ms0495 عن ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أن المراد بالسبيل: الظهور عليهم، يعني: أن المؤمنين هم ~~الظاهرون، والعاقبة لهم، وهذا المعنى في رواية عكرمة، عن ابن عباس. # والثالث: أن السبيل: الحجة. قال السدي: لم يجعل الله عليهم حجة، يعني ~~فيما فعلوا بهم من القتل والإخراج من الديار. قال ابن جرير: لما وعد الله ~~المؤمنين أنه لا يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة، ولا المؤمنين مدخل ~~المنافقين، لم يكن للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم: أنتم كنتم ~~أعداءنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار. # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) قوله تعالى: (إن المنافقين ~~يخادعون الله) أي: يعملون عمل المخادع. وقيل: يخادعون نبيه، وهو خادعهم، ~~أي: مجازيهم على خداعهم. وقال الزجاج: لما أمر بقبول ما أظهروا، كان خادعا ~~لهم بذلك. وقيل: خداعه إياهم يكون في القيامة باطفاء نورهم، وقد شرحنا طرفا ~~من هذا في (البقرة). # قوله تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) أي: متثاقلين. و ~~(كسالى): جمع كسلان، و " الكسل ": التثاقل عن الأمر. وقرأ أبو عمران ~~الجوني: " كسلى " بفتح الكاف، وقرأ ابن السميفع: " كسلى " بفتح الكاف من ~~غير ألف. وإنما كانوا هكذا، لأنهم يصلون حذرا على دمائهم، لا يرجون بفعلها ~~ثوابا، ولا يخافون بتركها عقابا. # قوله تعالى: (يراؤون الناس) أي: يصلون ليراهم الناس. قال قتادة: والله ~~لولا الناس ما صلى المنافق. وفي تسمية ذكرهم بالقليل ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سمي قليلا، لأنه غير مقبول، قاله علي [رضي الله عنه]، وقتادة. # والثاني: لأنه رياء، ولو كان لله لكان كثيرا، قاله ابن عباس، والحسن. # والثالث: أنه قليل في نفسه، لأنهم يقتصرون على ما يظهر، دون ما يخفى من ~~القراءة والتسبيح، ذكره الماوردي. PageV02P210 # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا (143) قوله تعالى: (مذبذبين بين ذلك) المذبذب: المتردد بين أمرين، ~~وأصل التذبذب: # التحرك، والاضطراب، وهذه صفة المنافق، لأنه محير في دينه لا يرجع ms0496 إلى ~~اعتقاد صحيح. قال قتادة: ليسوا بالمشركين المصرحين بالشرك، ولا بالمؤمنين ~~المخلصين. قال ابن زيد: ومعنى (بين ذلك): بين الاسلام والكفر، لم يظهروا ~~الكفر فيكونوا إلى الكفار، ولم يصدقوا الإيمان، فيكونوا إلى المؤمنين. قال ~~ابن عباس: (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) إلى الهدى. وقد روى ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مثل المنافق: مثل الشاة العائرة بين ~~الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، ولا تدري أيها تتبع ". # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) قوله تعالى: (لا تتخذوا الكافرين ~~أولياء) في المراد بالكافرين قولان: # أحدهما: اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: المنافقون، قال الزجاج: ومعنى الآية: لا تجعلوهم بطانتكم ~~وخاصتكم. # والسلطان: الحجة الظاهرة، وإنما قيل للأمير: سلطان، لأنه حجة الله في ~~أرضه، واشتقاق السلطان: من السليط. والسليط: ما يستضاء به، ومن هذا قيل ~~للزيت: السليط. والعرب تؤنث السلطان وتذكره، تقول: قضت عليك السلطان، ~~وأمرتك السلطان، والتذكير أكثر، وبه جاء القرآن، فمن أنث، ذهب إلى معنى ~~الحجة، ومن ذكر، أراد صاحب السلطان. قال ابن الأنباري: تقدير الآية: ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم بموالاة الكافرين حجة بينة تلزمكم عذابه، ~~وتكسبكم غضبه؟ # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) قوله ~~تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن PageV02P211 # عامر: بفتح الراء، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: بتسكين الراء. قال ~~الفراء: وهي لغتان. قال أبو عبيدة: جهنم أدراك، أي: منازل، وأطباق. فكل ~~منزل منها: درك. وحكى ابن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال: الدركات: مراق، ~~بعضها تحت بعض. وقال الضحاك: # الدرج: إذا كان بعضها فوق بعضها، والدرك: إذا كان بعضها أسفل من بعض. ~~وقال ابن فارس: # الجنة درجات، والنار دركات. وقال ابن مسعود في هذه الآية: هم في توابيت ~~من حديد مبهمة. # قال ابن الأنباري: المبهمة: التي لا أقفال عليها، يقال: أمر مبهم: إذا ~~كان ملتبسا ولا ms0497 يعرف معناه، ولا بابه. # قوله تعالى: (ولن تجد لهم نصيرا) قال ابن عباس: مانعا من عذاب الله. # إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) قوله تعالى: (إلا الذين ~~تابوا) قال مقاتل: سبب نزولها: أن قوما قالوا عند ذكر مستقر المنافقين: فقد ~~كان فلان وفلان منافقين، فتابوا، فكيف يفعل بهم؟ فنزلت هذه الآية. ومعنى ~~الآية: إلا الذين تابوا من النفاق (وأصلحوا) أعمالهم بعد التوبة (واعتصموا ~~بالله) أي: # استمسكوا بدينه. (وأخلصوا دينهم) فيه قولان: # أحدهما: أنه الإسلام، وإخلاصه: رفع الشرك عنه، قاله مقاتل. # والثاني: أنه العمل، وإخلاصه: رفع شوائب النفاق والرياء منه، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (فأولئك مع المؤمنين) في " مع " قولان: # أحدهما: أنها على أصلها، وهو الاقتران. وفي ماذا اقترنوا بالمؤمنين؟ فيه ~~قولان: # أحدهما: في الولاية، قاله مقاتل. # والثاني: في الدين والثواب. قاله أبو سليمان. # والثاني: أنها بمعنى " من " فتقديره: فأولئك من المؤمنين، قاله الفراء. # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) قوله ~~تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم) " ما " حرف استفهام، ومعناه: التقرير، أي: ~~إن الله لا يعذب الشاكر المؤمن، ومعنى الآية: ما يصنع الله بعذابكم إن ~~شكرتم نعمه، وآمنتم به PageV02P212 # وبرسوله. والإيمان مقدم في المعنى وإن أخر في اللفظ. وروي عن ابن عباس أن ~~المراد بالشكر: # التوحيد. # قوله تعالى: (وكان الله شاكرا عليما) أي: للقليل من أعمالكم، عليما ~~بنياتكم، وقيل: # شاكرا، أي: قابلا. # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ~~(148) قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) في سبب نزولها ~~قولان: # أحدهما: أن ضيفا تضيف فأساؤوا قراه فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصة في أن ~~يشكوا، قاله مجاهد. # والثاني: أن رجلا نال من أبي بكر الصديق والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر، ~~فسكت عنه أبو بكر مرارا، ثم رد عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~أبو بكر: يا رسول الله شتمني فلم تقل ms0498 له شيئا، حتى إذا رددت عليه قمت؟! ~~فقال: " إن ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت عليه، ذهب الملك، وجاء الشيطان، ~~فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. واختلف القراء في قراءة (إلا من ظلم) فقرأ ~~الجمهور بضم الظاء، وكسر اللام. وقرأ عبد الله بن عمرو، والحسن، وابن ~~المسيب، وأبو رجاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، ~~بفتحهما. فعلى قراءة الجمهور، في معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: إلا أن يدعو المظلوم علة من ظلمه، فإن الله قد أرخص له، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: إلا أن ينتصر المظلوم من ظالمه، قاله الحسن، والسدي. # والثالث: إلا أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. ~~وروى ابن جريج عنه قال: إلا أن يجهر الضيف بذم من لم يضيفه. فأما قراءة من ~~فتح الظاء، فقال ثعلب: # هي مردودة على قوله [تعالى]: (ما يفعل الله بعذابكم) إلا من ظلم. وذكر ~~الزجاج فيها قولين: # أحدهما: أن المعنى: إلا أن الظالم يجهر بالسوء ظلما. # والثاني: إلا أن تجهروا بالسوء للظالم. فعلى هذا تكون " إلا " في هذا ~~المكان استثناء PageV02P213 # منقطعا، ومعناها: لكن المظلوم يجوز له أن يجهر لظالمه بالسوء. ولكن ~~الظالم قد يجهر له بالسوء.. # فاجهروا له بالسوء. وقال ابن زيد: إلا من ظلم، أي: أقام على النفاق، ~~فيجهر له بالسوء حتى ينزع. # قوله تعالى: (وكان الله سميعا) أي: لما تجهرون به من سوء القول (عليما) ~~بما تخفون. # وقيل: سميعا لقوم المظلوم، عليما بما في قلبه، فليتق الله، ولا يقل إلا ~~الحق. وقال الحسن: من ظلم، فقد رخص له أن يدعو على ظالمه من غير أن يعتدي، ~~مثل أن يقول: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بينه وبين ما ~~يريد. # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) ~~قوله تعالى: (إن تبدوا خيرا) قال ابن عباس: يريد من أعمال البر كالصيام ~~والصدقة. وقال بعضهم: إن تبدوا خيرا بدلا من السوء. وأكثرهم على أن " الهاء ~~" في ms0499 (تخفوه) تعود إلى الخير. # وقال بعضهم: تعود إلى السوء. # قوله تعالى: (فإن الله كان عفوا) قال أبو سليمان: أي: لم يزل ذا عفو مع ~~قدرته، فاعفوا أنتم مع القدرة. # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) قوله تعالى: ~~(إن الذين يكفرون بالله ورسله) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم اليهود كانوا يؤمنون بموسى، وعزير، والتوراة، ويكفرون ~~بعيسى، والإنجيل، ومحمد، والقرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى، آمن اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا ~~بالإنجيل وعيسى، وآمن النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بمحمد والقرآن، قاله ~~قتادة. ومعنى قوله [تعالى]: (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) أي: يريدون ~~أن يفرقوا بين الإيمان بالله، والإيمان برسله، ولا يصح الإيمان به والتكذيب ~~برسله أو ببعضهم (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك) أي: بين إيمانهم ببعض ~~PageV02P214 # الرسل، وتكذيبهم ببعض (سبيلا) أي: مذهبا يذهبون إليه. وقال ابن جريج: ~~دينا يدينون به. # أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا ~~بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله ~~غفورا رحيما (152) قوله تعالى: (أولئك هم الكافرون حقا) ذكر " الحق " هاهنا ~~توكيدا لكفرهم إزالة لتوهم من يتوهم أن إيمانهم ببعض الرسل يزيل عنهم اسم ~~الكفر. # يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) قوله ~~تعالى: (يسألك أهل الكتاب) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم سألوه أن ينزل كتابا عليهم خاصة، هذا قول الحسن، وقتادة. # والثاني: أن اليهود والنصارى أتوا إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~فقالوا: لا نبايعك حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول الله، ~~وإلى فلان كل بكتاب أنك رسول الله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن جريج. # والثالث: أن اليهود سألوا النبي [عليه السلام] أن ms0500 ينزل عليهم كتابا من ~~السماء مكتوبا كما نزلت التوراة على موسى، هذا قول القرظي، والسدي. وفي ~~المراد بأهل الكتاب قولان: # أحدهما: اليهود والنصارى. # والثاني: اليهود وفي المراد بأهل الكتاب المنزل من السماء قولان: # أحدهما: كتاب مكتوب غير القرآن. # والثاني: كتاب بتصديقه في رسالته، وقد بينا في (البقرة) معنى سؤالهم رؤية ~~الله جهرة، واتخاذهم العجل. و (البينات) الآيات التي جاء بها موسى. فإن ~~قيل: كيف قال: ثم اتخذوا العجل، و " ثم " تقتضي التراخي. والتأخر: أفكان ~~اتخاذ العجل بعد قولهم: (أرنا الله جهرة)؟ # فعنه أربعة أجوبة: ذكرهن ابن الأنباري. PageV02P215 # أحدهن: أن تكون " ثم " مردودة على فعلهم القديم، والمعنى: وإذ وعدنا موسى ~~أربعين فخالفوا أيضا، ثم اتخذوا العجل. # والثاني: أن تكون مقدمة في المعنى، مؤخرة في اللفظ، والتقدير: فقد اتخذوا ~~العجل، ثم سألوا موسى أكبر من ذلك ومثله (فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ~~ماذا يرجعون) المعنى: فألقه إليهم، ثم انظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم. # والثالث: أن المعنى، ثم كانوا اتخذوا العجل، فأضمر الكون. # والرابع: أن معناها التأخير في الإخبار، والتقديم في الفعل، كما يقول ~~القائل: شربت الماء، ثم أكلت الخبز، يريد: شربت الماء، ثم أخبركم أني أكلت ~~الخبز بعد إخباري بشرب الماء. # قوله تعالى: (فعفونا عن ذلك) أي: لم نستأصل عبدة العجل. و " السلطان ~~المبين ": # الحجة البينة. قال ابن عباس: اليد والعصا. وقال غيره: الآيات التسع. # ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) قوله تعالى: (ورفعنا فوقهم ~~الطور بميثاقهم) أي: بما أعطوا الله من العهد والميثاق: ليعملن بما في ~~التوراة. # قوله تعالى: (لا تعدوا في السبت) قرأ نافع: (لا تعدوا) بتسكين العين، ~~وتشديد الدال، وقرأ الباقون " تعدوا " خفيفة، وقد ذكرنا هذا وغيره في ~~(البقرة) و " الميثاق الغليظ ": العهد المؤكد. # فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) قوله ~~تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم) " ما " صلة مؤكدة. ms0501 قال الزجاج: والمعنى: ~~فبنقضهم ميثاقهم، وهو أن الله أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا ما أنزل عليهم ~~من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. والجالب للباء العامل ما أنزل ~~عليهم فيها، وقوله [تعالى]: (حرمنا عليهم طيبات) أي: بنقضهم ميثاقهم، ~~والأشياء التي ذكرت بعده حرمنا عليهم. وقوله [تعالى]: (فبظلم) بدل من قوله ~~[تعالى]: (فبما PageV02P216 # نقضهم) وجعل الله جزاءهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم. وقال ابن فارس: ~~الطبع: الختم قوله تعالى: (فلا يؤمنون إلا قليلا) فيه قولان: # أحدهما: فلا يؤمن منهم إلا القليل، وهم عبد الله بن سلام، وأصحابه، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: المعنى: إيمانهم قليل، وهو قولهم: ربنا الله، قاله مجاهد. # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) قوله تعالى: (وبكفرهم) في ~~إعادة ذكر الكفر فائدة وفيها قولان: # أحدهما: أنه أراد: وبكفرهم بمحمد والقرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: وبكفرهم بالمسيح، وقد بشروا به، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما ~~" البهتان " فهو في قول الجماعة: قذفهم مريم بالزنى. # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) ~~قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح) قال الزجاج: أي باعترافهم بقتلهم ~~إياه، وما قتلوه، يعذبون عذاب من قتل، لأنهم قتلوا الذي قتلوا على أنه نبي ~~وفي قوله [تعالى]: (رسول الله) قولان: # أحدهما: أنه من قول اليهود، فيكون المعنى: أنه رسول الله على زعمه. # والثاني: أنه من قول الله، لا على وجه الحكاية عنهم. # قوله تعالى: (ولكن شبه لهم) أي: ألقي شبهه على غيره. # وفيمن ألقي عليه شبهه قولان: # أحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود روى أبو صالح عن ابن عباس: أن ~~اليهود لما اجتمعت على قتل عيسى، أدخله جبريل خوخة لها روزنة، ودخل وراءه ~~رجل منهم، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج على أصحابه، قتلوه يظنونه ~~عيسى، ثم صلبوه، وبهذا ms0502 قال مقاتل وأبو سليمان. # والثاني: أنه رجل من أصحاب عيسى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عيسى ~~خرج PageV02P217 # على أصحابه لما أراد الله رفعه، فقال: أيكم يلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ~~ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب، فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد القول، فقام ~~الشاب، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد، فقال الشاب: أنا، فقال: نعم أنت ذاك، ~~فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء اليهود، فأخذوا الرجل، فقتلوه، ثم ~~صلبوه وبهذا القول قال وهب بن منبه، وقتادة، والسدي. # قوله تعالى: (وإن الذين اختلفوا فيه) في المختلفين قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء " فيه " قولان: # أحدهما: أنها كناية عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا؟ وفي سبب اختلافهم ~~في ذلك قولان: # أحدهما: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه كان الشبه قد ألقي على وجهه دون ~~جسده، فقالوا: # الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، ذكره ابن السائب. # والثاني: أنهم قالوا: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا، ~~فأين عيسى يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي. # والثاني: أن " الهاء " كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم: هو ولد ~~زنى، وقول بعضهم، هو ساحر. # والثاني: أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء " فيه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى قتله، هل قتل أم لا؟ # والثاني: أنها ترجع إليه، هل هو إله أم لا؟ وفي هاء " منه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى قتله. # والثاني: إلى نفسه، هل هو إله، أم لغير رشدة، أم هو ساحر؟ # قوله تعالى: (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) قال الزجاج: " اتباع " ~~منصوب بالاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول. والمعنى: ما لهم به من علم ~~إلا أنهم يتبعون الظن، وإن رفع جاز على أن يجعل علمهم اتباع الظن، كما تقول ~~العرب: تحيتك الضرب. # قوله تعالى: (وما قتلوه) في " الهاء " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الظن فيكون المعنى: وما قتلوا ظنهم يقينا، هذا قول ~~ابن عباس. PageV02P218 # والثاني: أنها ترجع إلى العلم، ms0503 أي: ما قتلوا [العلم به] يقينا، تقول: ~~قتلته يقينا، وقتلته علما. # هذا قول الفراء، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن القتل للشئ ~~يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط ~~به، إنما كان ظنا. # والثالث: أنها ترجع إلى عيسى، فيكون المعنى: وما قتلوا عيسى حقا، هذا قول ~~الحسن، وقال ابن الأنباري: اليقين مؤخر في المعنى، فالتقدير: وما قتلوه، بل ~~رفعه الله إليه يقينا. # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا ~~(159) قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به) قال الزجاج: المعنى: ~~وما منهم أحد إلا ليؤمنن به، ومثله (وإن منكم إلا واردها) وفي أهل الكتاب ~~قولان: # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله الحسن، وعكرمة. وفي هاء " به " قولان: # أحدهما: أنها راجعة إلى عيسى، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنها راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قاله عكرمة. وفي هاء " ~~موته " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى المؤمن. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ليس ~~يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى، فقيل لابن عباس: إن خر من فوق بيت؟ قال: ~~يتكلم به في الهوي قال: # وهي في قراءة أبي: " قبل موتهم " وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وروى ~~الضحاك عن ابن عباس قال: يؤمن اليهودي قبل أن يموت، ولا تخرج روح النصراني ~~حتى يشهد أن عيسى عبد. وقال عكرمة: لا تخرج روح اليهودي والنصراني حتى يؤمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنها تعود إلى عيسى، روى عطاء عن ابن عباس قال: إذا نزل إلى ~~الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني، ولا أحد يعبد غير الله إلا اتبعه، وصدقه، ~~وشهد أنه روح الله، وكلمته، وعبده ونبيه. وهذا قول قتادة، وابن زيد، وابن ~~قتيبة، واختاره ابن جرير، وعن الحسن كالقولين. وقال الزجاج: هذا بعيد، ~~لعموم قوله [تعالى]: (وإن من أهل الكتاب)، والذين يبقون حينئذ شرذمة منهم، ~~إلا أن يكون المعنى: أنهم ms0504 كلهم يقولون: إن عيسى الذي ينزل لقتل الدجال نؤمن ~~به، PageV02P219 # قوله تعالى: (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) قال قتادة: يكون عليهم ~~شهيدا أنه قد بلغ رسالات ربه، وأقر بالعبودية على نفسه. # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~(160) قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا) قال مقاتل: حرم الله على أهل ~~التوراة الربا، وأن يأكلوا أموال الناس ظلما، ففعلوا، وصدوا عن دين الله، ~~وعن الإيمان بمحمد عليه السلام، فحرم الله عليهم ما ذكر في قوله [تعالى]: ~~(وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) عقوبة لهم. قال أبو سليمان: وظلمهم: ~~نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وما ذكر في الآيات قبلها. وقال مجاهد: # (وبصدهم عن سبيل الله) قال: صدهم أنفسهم وغيرهم عن الحق. قال ابن عباس: ~~صدهم عن سبيل الله، يعني الإسلام، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أي: بالكذب ~~على دين الله، وأخذ الرشى على حكم الله، وتبديل الكتب التي أنزلها الله ~~ليستديموا المأكل. # وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين ~~منهم عذابا أليما (161) قوله تعالى: (وأعتدنا) أي: أعددنا للكافرين، يعني ~~اليهود، وقيل: إنما قال " منهم "، لأنه علم أن قوما منهم يؤمنون، فيأمنون ~~العذاب. # لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك ~~سنؤتيهم أجرا عظيما (162) قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم) قال ابن ~~عباس: هذا استثناء لمؤمني أهل الكتاب، فأما الراسخون. فهم الثابتون في ~~العلم. قال أبو سليمان: وهم عبد الله بن سلام، ومن PageV02P220 # آمن معه، والذين آمنوا من أهل الإنجيل ممن قدم مع جعفر من الحبشة، ~~والمؤمنون، يعني أصحاب رسول الله، فأما قوله [تعالى]: (والمقيمين الصلاة) ~~فهم القائمون بأدائها كما أمروا وفي نصب " المقيمين " أربعة أقوال: # أحدها: أنه خطأ من الكاتب، وهذا قول عائشة، وروي عن عثمان بن عفان أنه ~~قال: إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها. وقد قرأ ابن مسعود، وأبي، ~~وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري: ms0505 " والمقيمون الصلاة " بالواو. وقال ~~الزجاج: قول من قال إنه خطأ، بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل ~~اللغة، والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم؟! فلا ينبغي أن ~~ينسب هذا إليهم. وقال ابن الأنباري: حديث عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ~~ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا، ليصلحه من بعده. # والثاني: أنه نسق على " ما " والمعنى: يؤمنون بما أنزل إليك، وبالمقيمين ~~الصلاة، فقيل: # هم الملائكة، وقيل: الأنبياء. # والثالث: أنه نسق على الهاء والميم من قوله (منهم) فالمعنى: لكن الراسخون ~~في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك. قال الزجاج: ~~وهذا ردئ عند النحويين، لا ينسق بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في ~~الشعر. # والرابع: أنه منصوب على المدح، فالمعنى: اذكر المقيمين الصلاة، وهم ~~المؤتون الزكاة. وأنشدوا: # لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك * ~~والطيبون معاقد الأزر وهذا على معنى: اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا ~~قولك: مررت بزيد الكريم، إن أردت أن تخلصه من غيره، فالخفض هو الكلام، وإن ~~أردت المدح والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت: بزيد الكريم، كأنك قلت: اذكر ~~الكريم، وإن شئت رفعت على معنى: هو الكريم، وتقول: جاءني قومك المطعمين في ~~المحل، والمغيثون في الشدائد على معنى: اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا ~~القول اختيار الخليل، وسيبويه. فهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار هذا ~~القول. # * إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم PageV02P221 # وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا ~~داود زبورا (163) قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك) قال ابن عباس: قال عدي بن ~~زيد، وسكين: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شئ بعد موسى، فنزلت هذه ~~الآية. وقد ذكرنا في " آل عمران " معنى الوحي، وذكر نوحا هنالك. وإسحاق: ~~أعجمي، وإن وافق لفظ العربي، يقال: أسحقه الله يسحقه إسحاقا، ويعقوب: ~~أعجمي. فأما اليعقوب، وهو ذكر الحجل وهي القبج فعربي، كذلك قرأته على شيخنا ~~أبي منصور اللغوي. وأيوب: أعجمي، ويونس: ms0506 اسم أعجمي. قال أبو عبيدة، يقال: ~~يونس ويونس بضم النون وكسرها، وحكى أبو زيد الأنصاري عن العرب همزة مع ~~الكسرة والضمة والفتحة. وقال الفراء: يونس بضم النون من غير همز لغة أهل ~~الحجاز، وبعض بني أسد يقول: يؤنس بالهمز، وبعض بني عقيل يقول: يونس بفتح ~~النون من غير همز. # والمشهور في القراءة يونس برفع النون من غير همز. وقد قرأ ابن مسعود، ~~وقتادة، ويحيى بن يعمر، وطلحة: يؤنس بكسر النون مهموزا. قرأ أبو الجوزاء، ~~وأبو عمران، والجحدري: يونس بفتح النون من غير همز. وقرأ أبو المتوكل: يؤنس ~~بفتح النون مهموزا. وقرأ أبو السماك العدوي. # يونس بكسر النون من غير همز. وقرأ عمرو بن دينار برفع النون مهموزا. ~~وهارون: اسم أعجمي، وباقي الأنبياء قد تقدم ذكرهم. فأما الزبور، فأكثر ~~القراء على فتح الزاي، وقرأ أبو رزين، وأبو رجاء، والأعمش، وحمزة بضم ~~الزاي. قال الزجاج: فمن فتح الزاي، أراد: كتابا، ومن ضم، أراد: كتبا. ومعنى ~~ذكر " داود " أي: لا تنكروا تفضيل محمد بالقرآن، فقد أعطى الله داود ~~الزبور. وقال أبو علي: كأن حمزة جعل كتاب داود أنحاء، وجعل كل نحو زبرا، ثم ~~جمع، فقال: زبورا. وقال ابن قتيبة: الزبور فعول بمعنى مفعول، كما تقول: ~~حلوب وركوب بمعنى: # محلوب ومركوب، وهو من قولك: زبرت الكتاب أزبره زبرا: إذا كتبته، قال: ~~وفيه لغة أخرى الزبور بضم الزاي، كأنه جمع. # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما) تأكيد كلم بالمصدر يدل ~~على أنه سمع كلام الله PageV02P222 # حقيقة. روى أبو سليمان الدمشقي، قال: سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول: ~~سمعت ثعلبا يقول: لولا أن الله تعالى أكد الفعل بالمصدر، لجاز أن يكون كما ~~يقول أحدنا للآخر: قد كلمت لك فلانا بمعنى: كتبت اليه رقعة، أو بعثت إليه ~~رسولا، فلما قال: تكليما لم يكن إلا كلاما مسموعا من الله. # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما ms0507 (165) قوله تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة) أي: لئلا ~~يحتجوا في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأن هذه الأشياء إنما تجب ~~بالرسل. # لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا (166) قوله تعالى: (لكن الله يشهد) في سبب نزلها قولان: # أحدهما: أن النبي عليه السلام دخل على جماعة من اليهود، فقال: " إني ~~والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله "، فقالوا: ما نعلم ذلك، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ~~سألوا عنك اليهود، فزعموا أنهم لا يعرفونك، فائتنا بمن يشهد لك أن الله ~~بعثك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن السائب. قال الزجاج: الشاهد: المبين لم ~~يشهد به، فالله عز وجل بين ذلك، ويعلم مع إبانته أنه حق. وفي معنى (أنزله ~~بعلمه) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنزله وفيه علمه، قاله الزجاج. # والثاني: أنزله من علمه، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه، قاله ابن جرير. # قوله تعالى: (والملائكة يشهدون). # [فيه قولان: # أحدهما: يشهدون أن الله أنزله. # والثاني: يشهدون بصدقك. PageV02P223 # قوله تعالى: (وكفى بالله شهيدا) قال الزجاج: " الباء " دخلت مؤكدة. ~~والمعنى: اكتفوا بالله في شهادته. # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضللا بعيدا (167) قوله تعالى: ~~(إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) قال مقاتل وغيره: هم اليهود كفروا ~~بمحمد، وصدوا الناس عن الإسلام. قال أبو سليمان: وكان صدهم عن الإسلام ~~قولهم للمشركين ولأتباعهم: ما نجد صفة محمد في كتابنا. # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) ~~إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) قوله تعالى: ~~(إن الذين كفروا وظلموا) قال مقاتل وغيره: شهم اليهود أيضا كفروا بمحمد ~~والقرآن. وفي الظلم المذكور هاهنا قولان: # أحدهما: أنه الشرك، قاله مقاتل. # والثاني: أنه جحدهم صفة محمد النبي صلى الله عليه وسلم في كتابهم. # قوله تعالى: (لم يكن الله ليغفر ms0508 لهم) يريد من مات منهم على الكفر. وقال ~~أبو سليمان لم يكن الله ليستر عليهم قبيح فعالهم، بل يفضحهم في الدنيا، ~~ويعاقبهم بالقتل والجلاء والسبي، وفي الآخرة بالنار (ولا ليهديهم طريقا) ~~ينجون فيه. وقال مقاتل: طريقا إلى الهدى (وكان ذلك على الله يسيرا) يعني ~~كان عذابهم على الله هينا. # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فأمنوا خيرا لكم وإن تكفروا ~~فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) قوله تعالى: ~~(يا أيها الناس) الكلام عام، وروي عن ابن عباس أنه قال: أراد المشركين. (قد ~~جاءكم الرسول بالحق) أي: بالهدى، والصدق. # قوله تعالى: (فآمنوا خيرا لكم) قال الزجاج عن الخليل وجميع البصريين: إنه ~~منصوب بالحمل على معناه، لأنك إذا قلت: انته خيرا لك، وأنت تدفعه عن أمر ~~فتدخله في غيره، كان المعنى: انته وأت خيرا لك، وادخل في ما هو خير لك. ~~وأنشد الخليل، وسيبويه قول عمر بن أبي ربيعة: PageV02P224 # فواعديه سرحتي مالك * أو الربا بينهما سهلا كأنه قال: إيتي مكانا أسهل ~~قوله تعالى: (وإن تكفروا فان لله ما في السماوات والأرض) أي: هو غني عنكم. ~~وعن إيمانكم، (وكان الله عليما) بما يكون من إيمان أو كفر (حكيما في ~~تكليفكم مع علمه بما يكون منكم. # يا أهل الكتب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى مريم وروح منه فأمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله وحد سبحانه أن ~~يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) قوله ~~تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) قال مقاتل: نزلت في نصارى نجران، ~~السيد والعاقب ومن معهما. والجمهور على أن المراد بهذه الآية: النصارى، ~~وقال الحسن: # نزلت في اليهود والنصارى. والغلو: الإفراط ومجاوزة الحد، ومنه غلا السعر. ~~وقال الزجاج: # الغلو: مجاوزة القدر في الظلم. وغلو النصارى في عيسى: قول بعضهم: هو ~~الله، وقول بعضهم: هو ms0509 ابن الله، وقول بعضهم: هو ثالث ثلاثة. وعلى قول الحسن ~~غلو اليهود فيه قولهم: # إنه لغير رشدة. وقال بعض العلماء: لا تغلوا في دينكم بالزيادة في التشدد ~~فيه قوله تعالى: (ولا تقولوا على الله إلا الحق) أي: لا تقولوا: إن الله له ~~شريك أو ابن أو زوجة. وقد ذكرنا معنى " المسيح " فالكلمة في (آل عمران). ~~وفي معنى (وروح منه) سبعة أقوال: # أحدها: أنه روح من أرواح الأبدان. قال أبي بن كعب: لما أخذ الله الميثاق ~~على بني آدم كان عيسى روحا من تلك الأرواح، فأرسله إلى مريم، فحملت به. # والثاني: أن الروح النفخ، فسمي روحا، لأنه حدث عن نفخة جبريل في درع ~~مريم. ومنه قول ذي الرمة: # وقلت له ارفعها إليك وأحيها * بروحك واقتته لها قيتة قدرا هذا قول أبي ~~روق. PageV02P225 # والثالث: أن معنى (وروح منه) إنسان حي باحياء الله له. # والرابع: أن الروح: الرحمة، فمعناه: ورحمة منه، ومثله (وأيدهم بروح منه) ~~والخامس: أن الروح هاهنا جبريل. فالمعنى: ألقاها الله إلى مريم، والذي ~~ألقاها روح منه: ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو سليمان الدمشقي. # والسادس: أنه سماه روحا، لأنه يحيا به الناس كما يحيون بالأرواح، ولهذا ~~المعنى سمي القرآن روحا، ذكره القاضي أبو يعلى. # والسابع: أن الروح: الوحي أوحى الله إلى مريم يبشرها به، وأوحى إلى جبريل ~~بالنفخ في درعها، وأوحى إلى ذات عيسى أن: كن فكان. ومثله: (ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره) أي. # بالوحي، ذكره الثعلبي. # فأما قوله: " منه " فإنه إضافة تشريف، كما تقول: بيت الله، والمعنى من ~~أمره، ومما يقاربها قوله [تعالى]: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه). # قوله تعالى: (ولا تقولوا ثلاثة) قال الزجاج: رفعه باضمار: لا تقولوا ~~آلهتنا ثلاثة (إنما الله إله واحد) أي: ما هو إلا إله واحد (سبحانه) ومعنى ~~" سبحانه ": تبرئته من أن يكون له ولد. قال أبو سليمان: (وكفى بالله وكيلا) ~~أي: قيما على خلقه، مدبرا لهم. # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ms0510 ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح ~~أن يكون عبدا لله) سبب نزولها: أن وفد نجران وفدوا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: يا محمد لم تذكر صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: # عيسى، قال: وأي شئ أقول له؟ هو عبد الله، قالوا: بل هو الله، فقال: إنه ~~ليس بعار عليه أن يكون عبدا لله، قالوا: بلى، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. قال الزجاج. # معنى يستنكف: يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع: إذا نحيته بإصبعك من ~~خدك. # قال الشاعر: # فبانوا فلولا ما تذكر منهم * من الحلف لم ينكف لعينيك مدمع PageV02P226 # قوله تعالى: (ولا الملائكة المقربون) قال ابن عباس: هم حملة العرش. # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا (173) قوله تعالى: (فيوفيهم أجورهم) أي: ثواب أعمالهم ~~(ويزيدهم من فضله) مضاعفة الحسنات. وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله [تعالى]: (فيوفيهم أجورهم) قال: # يدخلون الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم ~~المعروف في الدنيا يا أيها الناس قد جاءكم برهن من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا (174) قوله تعالى: (قد جاءكم برهان من ربكم) في البرهان ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحجة، قاله مجاهد، والسدي. # والثاني: القرآن، قاله قتادة. # والثالث: أنه النبي محمد [عليه وسلم]، قاله سفيان الثوري. فأما النور ~~المبين، فهو القرآن، قاله قتادة، وإنما سماه نورا، لأن الأحكام تبين به ~~بيان الأشياء بالنور. # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما (175) قوله تعالى: (واعتصموا به) أي: استمسكوا. وفي " ~~هاء " به قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى النور وهو القرآن، قاله ابن جريج. # والثاني: تعود إلى الله تعالى، قاله مقاتل. وفي " الرحمة " قولان: # أحدهما: أنها الجنة، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنها نفس الرحمة، والمعنى: سيرحمهم، قاله أبو سليمان. وفي ms0511 " ~~الفضل " قولان: PageV02P227 # أحدهما: أنه الرزق في الجنة، قاله مقاتل. # والثاني: أنه الإحسان، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: (ويهديهم إليه صراطا مستقيما) أي: يوفقهم لإصابة الطريق ~~المستقيم. وقال ابن الحنفية: الصراط المستقيم: دين الله. # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين ~~الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ عليم (176) قوله تعالى: (يستفتونك) في سبب ~~نزولها قولان: # أحدهما: أنها نزلت في جابر بن عبد الله. روى أبو الزبير عن جابر قال: ~~مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني هو وأبو بكر فوجدني قد ~~أغمي علي، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صب علي من وضوئه، فأفقت، ~~وقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي وكان لي تسع أخوات، ولم يكن لي ولد؟ ~~فلم يجبني بشئ، ثم خرج وتركني، ثم رجع إلي وقال: يا جابر لا أراك ميتا من ~~وجعك هذا، وإن الله عز وجل قد أنزل في أخواتك، وجعل لهن الثلثين، فقرأ علي ~~هذه الآية: (يستفتونك قل الله يفتيكم) فكان جابر يقول: أنزلت هذه الآية في. # والثاني: أن الصحابة أهمهم بيان شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله، فنزلت ~~هذه الآية، هذا قول قتادة. وقال سعيد بن المسيب: سأل عمر بن الخطاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كيف نورث الكلالة؟ # فأنزل الله [عز وجل] (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة). # قوله تعالى: (إن امرؤ هلك) أي: مات (ليس له ولد) يريد: ولا والد: فاكتفى ~~بذكر أحدهما، ويدل على المحذوف أن الفتيا في الكلالة، وهي من ليس له ولد ~~ولا والد. # قوله تعالى: (وله أخت) يريد من أبيه وأمه (فلها نصف ما ترك) عند انفرادها ~~(وهو يرثها) أي: يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن لها ولد ولا والد، وهذا هو ~~الأخ من الأب والأم، ms0512 PageV02P228 # أو من الأب (فإن كانتا اثنتين) يعني: أختين. وسئل الأخفش ما فائدة قوله " ~~اثنتين " و (كانتا) لا يفسر إلا باثنتين؟ فقال: أفادت العدد العاري عن ~~الصفة، لأنه يجوز في (كانتا) صغيرتين، أو حرتين، أو صالحتين، أو طالحتين، ~~فلما قال: (اثنتين) فإذا اطلاق العدد على أي وصف كانتا عليه. (فلهما ~~الثلثان) من تركة أخيهما الميت (وإن كانوا) يعني المخلفين. # قوله تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا) قال ابن قتيبة: لئلا تضلوا. وقال ~~الزجاج: فيه قولان: # أحدهما: أن لا تضلوا، فأضمرت لا. # والثاني: كراهية أن تضلوا، وهو قول البصريين. قال ابن جريج: أن تضلوا في ~~شأن المواريث. PageV02P229 # (5) سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة بسم الله الرحمن الرحيم قال ~~ابن عباس، والضحاك: هي مدنية. وقال مقاتل: نزلت نهارا وكلها مدنية. وقال ~~أبو سليمان الدمشقي: فيها من المكي (اليوم أكملت لكم دينكم) قال: وقيل: ~~فيها من المكي (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) والصحيح أن قوله ~~[تعالى]: (اليوم أكملت لكم دينكم) نزلت بعرفه يوم عرفة، فلهذا نسبت إلى ~~مكة. # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) قوله تعالى: (يا ~~أيها الذين آمنوا) اختلفوا في المخاطبين بهذا على قولين: # أحدهما: أنهم المؤمنون من أمتنا، وهذا قول الجمهور. # والثاني: أنهم أهل الكتاب، قاله ابن جريج. و (العقود): العهود، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والضحاك، والسدي، والجماعة. وقال الزجاج: ~~" العقود ": # أوكد العهود. واختلفوا في المراد بالعهود هاهنا على خمسة أقوال: # أحدها: أنها عهود الله التي أخذها على عباده فيما أحل وحرم، وهذا قول ابن ~~عباس، ومجاهد. # والثاني: أنها عهود الدين كلها، قاله الحسن. # والثالث: أنها عهود الجاهلية، وهي الحلف الذي كان بينهم، قاله قتادة. # والرابع: أنها العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من الإيمان بالنبي ~~محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن جريج، وقد ذكرنا عنه أن الخطاب ~~للكتابيين. # والخامس: أنها عقود الناس بينهم، من ms0513 بيع، ونكاح، أو عقد الإنسان على نفسه ~~من نذر، أو يمين وهذا قول ابن زيد. PageV02P230 # قوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام) في بهيمة الأنعام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها أجنة الأنعام التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت ~~الأمهات، قاله ابن عمر، وابن عباس. # والثاني: أنها الإبل، والبقر، والغنم، قاله الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ~~الربيع: هي الأنعام كلها. وقال ابن قتيبة: هي الإبل، والبقر، الغنم، ~~والوحوش كلها. # والثالث: أنها وحش الأنعام كالظباء، وبقر الوحش، روي عن ابن عباس. وأبي ~~صالح. # وقال الفراء: بهيمة الأنعام: بقر الوحش، والظباء، والحمر الوحشية. قال ~~الزجاج: وإنما قيل لها بهيمة، لأنها أبهمت عن أن تميز، وكل حي لا يميز فهو ~~بهيمة. # قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم) روي عن ابن عباس أنه قال: هي الميتة ~~وسائر ما في القرآن تحريمه. وقال ابن الأنباري: المتلو علينا من المحظور ~~الآية التي بعدها، وهي قوله [تعالى]: (حرمت عليكم الميتة). # قوله تعالى: (غير محلي الصيد) قال أبو الحسن الأخفش: أوفوا بالعقود غير ~~محلي الصيد، فانتصب على الحال. وقال غيره: المعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~غير مستحلي اصطيادها، وأنتم حرم، قال الزجاج: الحرم: المحرومون، وواحد ~~الحرم: حرام، يقال: رجل حرام، وقوم حرم. قال الشاعر: # فقلت لها فيئي إليك فإنني * حرام وإني بعد ذاك لبيب أي: ملب. وقوله ~~[تعالى]: (إن الله يحكم ما يريد) أي: الخلق له يحل ما يشاء لمن يشاء، ويحرم ~~ما يريد على من يريد. # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) قوله تعالى: (لا تحلوا شعائر الله) في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: أن شريح بن ضبيعة أتى المدينة، فدخل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: إلام تدعو؟ PageV02P231 # فقال: " إلى شهادة ms0514 أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله "، فقال: إن لي ~~أمراء خلفي أرجع إليهم أشاورهم، ثم خرج، فقال النبي [صلى الله عليه وسلم]: ~~" لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم "، فمر شريح بسرح ~~لأهل المدينة، فاستاقه، فلما كان عام الحديبية، خرج شريح إلى مكة معتمرا، ~~ومعه تجارة، فأراد أهل السرح أن يغيروا عليه كما أغار عليهم، فاستأذنوا ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وقال السدي: اسمه الحطم ابن هند البكري. قال: ولما ساق السرح جعل ~~يرتجز: # قد لفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم ~~* باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلج الساقين ~~ممسوح القدم والثاني: أن ناسا من المشركين، جاؤوا يؤمون البيت يوم الفتح ~~مهلين بعمرة، فقال المسلمون: لا ندع هؤلاء بل نغير عليهم، فنزل قوله ~~[تعالى] (ولا آمين البيت الحرام). # قال ابن قتيبة: وشعائر الله: ما جعله الله علما لطاعته. وفي المراد بها ~~هاهنا سبعة أقوال: # أحدها: أنها مناسك الحج، رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال الفراء: كانت ~~عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يطوفون بينهما، فقال ~~الله تعالى: لا تستحلوا ترك ذلك. # والثاني: أنها ما حرم الله تعالى في حال الإحرام، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثالث: دين الله كله، قاله الحسن. # والرابع: حدود الله، قاله عكرمة، وعطاء. # والخامس: حرم الله، قاله السدي. # والسادس: الهدايا المشعرة لبيت الله الحرام، قاله أبو عبيدة، والزجاج. # والسابع: أنها أعلام الحرم، نهاهم أن يتجاوزوها غير محرمين إذا أرادوا ~~دخول مكة، ذكره الماوردي، والقاضي أبو يعلى PageV02P232 # قوله تعالى: (ولا الشهر الحرام) قال ابن عباس: لا تحلوا القتال فيه. وفي ~~المراد بالشهر الحرام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ذو القعدة، قاله عكرمة، وقتادة. # والثاني: أن المراد به الأشهر الحرم. قال مقاتل: كان جنادة بن عوف يقوم ~~في سوق عكاظ كل سنة فيقول: ألا إني قد أحللت كذا، وحرمت ms0515 كذا. # والثالث: أنه رجب، ذكره ابن جرير الطبري. والهدي: كل ما أهدي إلى بيت ~~الله تعالى من شئ. وفي (القلائد) قولان: # أحدهما: أنها المقلدات من الهدي، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها ما كان المشركون يقلدون به إبلهم وأنفسهم في الجاهلية، ~~ليأمنوا به عدوهم، لأن الحرب كانت قائمة بين العرب إلا في الأشهر الحرم، ~~فمن لقوه مقلدا نفسه، أو بعيره، أو مشعرا بدنه أو سائقا هديا لم يتعرض له. ~~قال ابن عباس: كان من أراد أن يسافر في غير الأشهر الحرم، قلد بعيره من ~~الشعر والوبر، فيأمن حيث ذهب. وروى مالك بن مغول عن عطاء قال: # كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، فيأمنون به إذا خرجوا من الحرم، فنزلت ~~هذه الآية وقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج ~~تقلد من السمر، فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة شعر، فلم يعرض له ~~أحد. # وقال الفراء: كان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوبر ~~والشعر وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تستحلوا المقلدات من الهدي. # والثاني: لا تستحلوا أصحاب القلائد. # والثالث: أن هذا نهي للمؤمنين أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم، فيتقلدوه كما ~~كان المشركون يفعلون في جاهليتهم، رواه عبد الملك عن عطاء، وبه قال مطرف: ~~والربيع بن أنس. # قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) " الآم ": القاصد، و (البيت ~~الحرام): الكعبة، PageV02P233 # والفضل: الربح في التجارة، والرضوان من الله يطلبونه في حجهم على زعمهم. ~~ومثله قوله تعالى: (وانظر إلى إلهك الذي) وقيل: ابتغاء الفضل عام، وابتغاء ~~الرضوان للمؤمنين خاصة. # قوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) لفظه لفظ الأمر، ومعناه الإباحة، ~~نظيره (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) وهو يدل على إحرام متقدم. # قوله تعالى: (ولا يجرمنكم) وروى الوليد عن يعقوب " يجرمنكم " بسكون ~~النون، وتخفيفها. # قال ابن عباس: لا يحملنكم، وقال غيره: لا يدخلنكم في الجرم، كما تقول: ~~آثمته، أي: أدخلته في الاثم، وقال ابن قتيبة: لا يكسبنكم يقال: فلان جارم ~~أهله، أي: كاسبهم، ms0516 وكذلك جريمتهم. # وقال الهذلي: ووصف عقابا: # جريمة ناهض في رأس نيق * ترى لعظام ما جمعت صليبا والناهض: فرخها، يقول: ~~هي تكسب له، وتأتيه بقوته. و " الشنآن " البغض، يقال: شنئته أشنؤه: إذا ~~أبغضته. وقال ابن الأنباري: " الشنآن "، البعض، و " الشنآن " بتسكين النون: ~~البغيض. # واختلف القراء في نون الشنآن، فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: بتحريكها، وأسكنها ابن عامر، وروى حفص عن عاصم تحريكها، وأبو بكر ~~عنه تسكينها، وكذلك اختلف عن نافع. # قال أبو علي: " الشنآن "، قد جاء وصفا، وقد جاء اسما، فمن حرك، فلأنه ~~مصدر، والمصدر يكثر على فعلان، نحو النزوان، ومن سكن. قال: هو مصدر، وقد ~~جاء المصدر على فعلان، تقول: لويته دينه ليانا، فالمعنى في القراءتين واحد، ~~وإن اختلف اللفظان. واختلفوا في قوله تعالى: (أن صدوكم) فقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو بالكسر، وقرأ الباقون بالفتح، فمن فتح جعل الصد ماضيا، فيكون ~~المعنى من أجل ان صدوكم، ومن كسرها، جعلها للشرط، فيكون الصد مترقبا. قال ~~أبو الحسن الأخفش: وقد يكون الفعل ماضيا مع الكسر، كقوله تعالى: (إن يسرق ~~فقد سرق أخ له من قبل) وقد كانت السرقة عندهم قد وقعت، وأنشد أبو علي ~~الفارسي: # إذا ما انتسبنا لم تلدني أميمة * ولم تجدي من أن تقري بها بدا قال ابن ~~جرير: وقراءة من فتح الألف أبين، لأن هذه السورة نزلت بعد الحديبية، وقد ~~كان الصد تقدم. فعلى هذا في معنى الكلام قولان: # أحدهما: ولا يحملنكم بغض أهل مكة ان صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~فيه، PageV02P234 # فتقاتلوهم، وتأخذوا أموالهم إذا دخلتموه، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لا يحملنكم بغض أهل مكة، وصدهم إياكم أن تعتدوا باتيان ما لا ~~يحل لكم من الغارة على المعتمرين من المشركين، على ما سبق في نزول الآية.. # قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) قال الفراء: ليعن بعضكم بعضا. ~~قال ابن عباس: # البر ما أمرت به، و " التقوى ": ترك ما نهيت عنه. فأما " الإثم " ~~فالمعاصي. والعدوان: التعدي في حدود الله، قاله عطاء. # فصل اختلف ms0517 علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها محكمة، روي عن الحسن أنه قال: ما نسخ من المائدة شئ، وكذلك ~~قال أبو ميسرة في آخرين قالوا: ولا يجوز استحلال الشعائر، ولا الهدي قبل ~~أوان ذبحه، واختلفوا في القلائد) فقال قوم: يحرم رفع القلادة عن الهدي حتى ~~ينحر، وقال آخرون: كانت الجاهلية تقلد من شجر الحرم، فقيل لهم: لا تستحلوا ~~أخذ القلائد من الحرم، ولا تصدوا القاصدين إلى البيت. # والثاني: انها منسوخة، وفي المنسوخ منها أربعة أقوال: # أحدها: أن جميعها منسوخ، وهو قول الشعبي. # والثاني: انها وردت في حق المشركين كانوا يقلدون هداياهم، ويظهرون شعائر ~~الحج من الاحرام والتلبية، فنهي المسلمون بهذه الآية عن التعرض لهم، ثم نسخ ~~ذلك بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وهذا قول الأكثرين. # والثالث: أن الذي نسخ قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) نسخه قوله ~~[تعالى]: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) روي عن ابن عباس، ~~وقتادة. # والرابع: أن المنسوخ منها: تحريم الشهر الحرام، وآمون البيت الحرام: إذا ~~كانوا مشركين. # وهدي المشركين. إذا لم يكن لهم من المسلمين أمان، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تسقسموا: PageV02P235 # بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر ~~في مخصمة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) قوله تعالى: (حرمت عليكم ~~الميتة) مفسر في البقرة، فأما (المنخنقة) فقال ابن عباس: # هي التي تختنق فتموت، وقال الحسن، وقتادة: هي التي تختنق بحبل الصائد ~~وغيره. قلت: # والمنخنقة حرام كيف وقع ذلك، قال ابن قتيبة: و (لموقوذة): التي تضرب حتى ~~توقذ، أي: # تشرف على الموت، ثم تترك حتى تموت، وتؤكل بغير ذكاة، ومنه يقال: فلان ~~وقيذ، وقد وقذته العبادة. و " المتردية ": الواقعة من جبل أو حائط، أو في ~~بئر، ms0518 يقال: تردى: إذا سقط. و (النطيحة): # التي تنطحها شاة أخرى، أو بقرة، " فعيلة " في معنى " مفعولة " (وما أكل ~~السبع) وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو مجلز، وابن أبي ليلى: السبع: بسكون ~~الباء. والمراد: ما افترسه فأكل بعضه (إلا ما ما ذكيتم) أي: إلا ما لحقتم ~~من هذا كله وبه حياة، فذبحتموه. فأما الاستثناء، ففيه قولان: # أحدهما: أنه يرجع إلى المذكور من عند قوله [تعالى]: (والمنخنقة). # والثاني: أنه يرجع إلى ما أكل السبع خاصة، والعلماء على الأول. # فصل في الذكاة قال الزجاج: أصل الذكاة في اللغة: تمام الشئ، فمنه الذكاء ~~في السن، وهو تمام السن. # قال الخليل: الذكاء: ان تأتي على قروحه سنة، وذلك تمام استكمال القوة، ~~ومنه الذكاء في الفهم، وهو أن يكون فهما تاما، سريع القبول. وذكيت النار، ~~أي: أتممت إشعالها. وقد روي عن علي، وابن عباس، والحسن، وقتادة أنهم قالوا: ~~ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف، أو ذنب يتحرك، فأكله حلال. قال ~~القاضي أبو يعلى: ومذهب أصحابنا أنه إن كان يعيش مع ما به، حل بالذبح، فإن ~~كان لا يعيش مع ما به، نظرت، فإن لم تكن حياته مستقرة، وإنما حركته حركة ~~المذبوح، مثل أن شق جوفه، وأبينت حشوته، فانفصلت عنه، لم يحل أكله، وإن ~~كانت حياته مستقرة يعيش اليوم واليومين، مثل أن يشق جوفه، ولم تقطع ~~الأمعاء، حل أكله ومن الناس من يقول: إذا كانت فيه حياة في الجملة أبيح ~~بالذكاة، والصحيح ما ذكرنا، لأنه إذا لم تكن فيه حياة مستقرة، فهو في ~~PageV02P236 # حكم الميت. ألا ترى أن رجلا لو قطع حشوة آدمي، ثم ضرب عنقه آخر، فالأول ~~هو القاتل، لأن الحياة لا تبقى مع الفعل الأول. وفي ما يجب قطعه في الذكاة ~~روايتان: # إحداهما: أنه الحلقوم والمرئ، فإن نقص من ذلك شيئا، لم يؤكل، هذا ظاهر ~~كلام أحمد في رواية عبد الله. # والثاني: يجزئ قطع الحلقوم والمرئ، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل، وبه ~~قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزئ قطع الحلقوم والمرئ وأحد ms0519 الودجين. وقال ~~مالك: يجزئ قطع الأوداج، وإن لم يقطع الحلقوم. وقال الزجاج: الحلقوم بعد ~~الفم، وهو موضع النفس، وفيه شعب تتشعب منه في الرئة. والمرئ: مجرى الطعام، ~~والودجان: عرقان يقطعهما الذابح. # فأما الآلة التي تجوز بها الذكاة، فهي كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج سوى ~~السن والظفر، سواء كانا منزوعين، أو غير منزوعين. وأجاز أبو حنيفة الذكاة ~~بالمنزوعين. فأما البعير إذا توحش، أو تردى في بئر، فهو بمنزلة الصيد ذكاته ~~عقره. وقال مالك: ذكاته ذكاة المقدور عليه. فإن رمى صيدا، فأبان بعضه، وفيه ~~حياة مستقرة، فذكاه، أو تركه حتى مات جاز أكله، وفي أكل ما بان منه ~~روايتان. # قوله تعالى: (وما ذبح على النصب) في النصب قولان: # أحدهما: أنها أصنام تنصب، فتعبد من دون الله، قاله ابن عباس، والفراء، ~~والزجاج، فعلى هذا القول يكون المعنى، وما ذبح على اسم النصب، وقيل لأجلها، ~~فتكون " على " بمعنى " اللام "، وهما يتعاقبان في الكلام، كقوله تعالى: ~~(فسلام لك) أي: عليك، وقوله تعالى: (وإن أسأتم فلها). # والثاني: أنها حجارة كانوا يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها ويعظمونها، ~~وهو قول ابن جريج. وقرأ الحسن، وخارجة عن أبي عمرو: على النصب، بفتح النون، ~~وسكون الصاد، قال ابن قتيبة، يقال: نصب ونصب ونصب، وجمعه أنصاب. ~~PageV02P237 # قوله تعالى: (وأن تستقسموا بالأزلام) قال ابن جرير: أي: وأن تطلبوا علم ~~ما قسم لكم، أو لم يقسم بالأزلام، واستفعلت من القسم. قال ابن قتيبة: ~~الأزلام: القداح، واحدها: زلم وزلم. # والاستقسام بها: أن يضرب فيعمل بما يخرج فيها من أمر أو نهي، فكانوا إذا ~~أرادوا أن يقتسموا شيئا بينهم، فأحبوا أن يعرفوا قسم كل امرئ تعرفوا ذلك ~~منها، فأخذ الاستقسام من القسم وهو النصيب. قال سعيد بن جبير: الأزلام: حصى ~~بيض، كانوا إذا أرادوا غدوا، أو رواحا، كتبوا في قدحين، في أحدهما: أمرني ~~ربي، وفي الآخر: نهاني ربي، ثم يضربون بهما، فأيهما خرج، عملوا به. وقال ~~مجاهد: الأزلام: سهام العرب، وكعاب فارس التي يتقامرون بها. وقال السدي: ~~كانت الأزلام تكون عند الكهنة. وقال مقاتل: ms0520 في بيت الأصنام. وقال قوم: كانت ~~عند سدنة الكعبة قال الزجاج: ولا فرق بين ذلك، وبين قول المنجمين: لا تخرج ~~من أجل نجم كذا، أو اخرج من أجل نجم كذا. # قوله تعالى: (ذلكم فسق) في المشار إليه بذلكم قولان: # أحدهما: أنه جميع ما ذكر في الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~وبه قال سعيد ابن جبير. # والثاني: أنه الاستقسام بالأزلام، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والفسق: ~~الخروج عن طاعة الله إلى معصيته. # قوله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) في هذا (اليوم) ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه اليوم الذي دخل فيه رسول الله مكة في حجة الوداع، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. وقال ابن السائب: نزلت ذلك اليوم. # والثاني: أنه يوم عرفة، قاله مجاهد، وابن زيد. # والثالث: أنه لم يرد يوما بعينه، وإنما المعنى: الآن يئسوا، كما تقول: ~~أنا اليوم قد كبرت، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: العرب توقع اليوم على ~~الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي، فيقولون: قد كنت في غفلة، فاليوم ~~استيقظت، يريدون: فالآن، ويقولون: كان فلان يزورنا، وهو اليوم يجفونا، ولا ~~يقصدون باليوم قصد يوم واحد. قال الشاعر: # فيوم علينا ويوم لنا * ويوم نساء ويوم نسر أراد: فزمان لنا، وزمان علينا، ~~ولم يقصد ليوم واحد لا ينضم إليه غيره. وفي معنى يأسهم قولان: # أحدهما: أنهم يئسوا أن يرجع المؤمنون إلى دين المشركين، قاله ابن عباس، ~~والسدي. PageV02P238 # والثاني: يئسوا من بطلان الإسلام، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: وإنما ~~يئسوا من إبطال دينهم لما نقل الله خوف المسلمين إليهم. وأمنهم إلى ~~المسلمين، فعلموا أنهم لا يقدرون على إبطال دينهم، ولا على استئصالهم، ~~وإنما قاتلوهم بعد ذلك ظنا منهم أن كفرهم يبقى. # قوله تعالى: (فلا تخشوهم) قال ابن جريج: لا تخشوهم أن يظهروا عليكم، وقال ~~ابن السائب: لا تخشوهم أن يظهروا على دينكم، واخشوني في مخالفة أمري. # قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) روى البخاري، ومسلم في " الصحيحين " ~~من حديث طارق بن شهاب قال: جاء ms0521 رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير ~~المؤمنين إنكم تقرؤون آية من كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ~~ذلك اليوم عيدا، قال: وأي آية هي؟ قال: قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي) فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول ~~الله، والساعة التي نزلت فيها، والمكان الذي نزلت فيه على رسول الله وهو ~~قائم بعرفة في يوم جمعة. وفي لفظ " نزلت عشية عرفة " قال سعيد بن جبير: عاش ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بعد ذلك أحدا وثمانين يوما. فأما قوله ~~تعالى: (اليوم) ففيه قولان: # أحدهما: أنه يوم عرفة، وهو قول الجمهور. # والثاني: أنه ليس بيوم معين، رواه عطية عن ابن عباس، وقد ذكرنا هذا آنفا. ~~وفي معنى إكمال الدين خمسة أقوال: # أحدها: أنه إكمال فرائضه وحدوده، ولم ينزل بعد هذه الآية تحليل ولا ~~تحريم، قاله ابن عباس، والسدي، فعلى هذا يكون المعنى: اليوم أكملت لكم ~~شرائع دينكم. # والثاني: انه بنفي المشركين عن البيت، فلم يحج معهم مشرك عامئذ، قاله ~~سعيد بن جبير، وقتادة. وقال الشعبي: كمال الدين هاهنا: عزه وظهوره، وذل ~~الشرك ودروسه، لا تكامل الفرائض والسنن، لأنها لن تزل تنزل إلى أن قبض رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم]، فعلى هذا يكون المعنى: اليوم أكملت لكم نصر ~~دينكم. # والثالث: أنه رفع النسخ عنه. وأما الفرائض فلم تزل تنزل عليه حتى قبض، ~~روي عن ابن جبير أيضا. # والرابع: أنه زوال الخوف من العدو، والظهور عليهم، قاله الزجاج. # والخامس: أنه أمن هذه الشريعة من أن تنسخ بأخرى بعدها، كما نسخ بها ما ~~تقدمها. وفي إتمام النعمة ثلاثة أقوال: PageV02P239 # أحدها: منع المشركين من الحج معهم، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة. # والثاني: الهداية إلى الإيمان، قاله ابن زيد. # والثالث: الإظهار على العدو، قاله السدي. # قوله تعالى: (فمن اضطر) أي: دعته الضرورة إلى أكل ما حرم عليه. (في ~~مخمصة) أي: # مجاعة، والخمص: الجوع. قال الشاعر يذم رجلا: # يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة * يبت قلبه ms0522 من قلة الهم مبهما وهذا الكلام ~~يرجع إلى المحرمات المتقدمة من الميتة والدم، وما ذكر معهما. # قوله تعالى: (غير متجانف) قال ابن قتيبة: غير مائل إلى ذلك، و " الجنف " ~~الميل. وقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: غير متعمد لإثم. وفي معنى " تجانف ~~لإثم " قولان: # أحدهما: أن يتناول منه بعد زوال الضرورة، روي عن ابن عباس في آخرين. # والثاني: أن يتعرض لمعصية في مقصده، قاله قتادة. وقال مجاهد: من بغى وخرج ~~في معصية، حرم عليه أكله. قال القاضي أبو يعلى: وهذا أصح من القول الأول، ~~لأن الآية تقتضي اجتماع تجانف الاثم مع الاضطرار، وذلك إنما يصح في سفر ~~العاصي، ولا يصح حمله على تناول الزيادة على سد الرمق، لأن الاضطرار قد ~~زال. قال أبو سليمان: ومعنى الآية: فمن اضطر فأكله غير متجانف لإثم، فإن ~~الله غفور، أي: متجاوز عنه، رحيم إذ أحل ذلك للمضطر. # يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) قوله تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم) ~~في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب، قال الناس: يا ~~رسول الله ماذا أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية، ~~أخرجه أبو عبد الله الحاكم في " صحيحه " من حديث أبي رافع عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان السبب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها أن ~~جبريل عليه السلام استأذن على PageV02P240 # رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فأذن له، فلم يدخل وقال: " إنا لا ندخل ~~بيتا فيه كلب ولا صورة " فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. # والثاني: أن عدي بن حاتم، وزيد الخيل الذي سماه رسول الله: زيد الخير، ~~قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فمنه ما ندرك ذكاته، ~~ومنه مالا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت هذه ~~الآية، ms0523 قاله سعيد بن جبير قال الزجاج: ومعنى الكلام: يسألونك أي شئ أحل ~~لهم؟ قل: أحل لكم الطيبات، وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح: والتأويل ~~أنهم سألوا عنه ولكن حذف ذكر صيد ما علمتم، لأن في الكلام دليلا عليه. وفي ~~الطيبات قولان: # أحدهما: أنها المباح من الذبائح. # والثاني: أنها ما استطابه العرب مما لم يحرم. فأما (الجوارح) فهي ما صيد ~~به من سباع البهائم والطير، كالكلب، والفهد، والصقر والبازي، ونحو ذلك مما ~~يقبل التعليم، قال ابن عباس: كل شئ صاد فهو جارح. وفي تسميتها بالجوارح ~~قولان: # أحدهما: لكسب أهلها بها. قال ابن قتيبة: أصل الاجتراح: الاكتساب، يقال: ~~امرأة لا جارح لها، أي: لا كاسب. # والثاني: لأنها تجرح ما تصيد في الغالب، ذكره الماوردي. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: # وعلامة التعليم أنك إذا دعوته أجاب، وإذا أسدته على الصيد استأسد، ومضى ~~في طلبه، وإذا أمسك أمسك عليك لا على نفسه، وعلامة إمساكه عليك: أن لا يأكل ~~منه شيئا، هذا في السباع والكلاب، فأما تعليم جوارح الطير فبخلاف السباع، ~~لأن الطائر إنما يعلم الصيد بالأكل، والفهد، والكلب، وما أشبههما يعلمون ~~بترك الأكل، فهذا فرق ما بينهما. # وفي قوله تعالى: (مكلبين) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أصحاب الكلاب، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول ابن عمر، ~~وسعيد ابن جبير، وعطاء، والضحاك، والسدي، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة. ~~قال الزجاج: يقال: رجل مكلب وكلابي، أي: صاحب صيد بالكلاب. PageV02P241 # والثاني: أن معنى (مكلبين): مصرين على الصيد، وهذا مروي عن ابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد. # والثالث: أن (مكلبين) بمعنى: معلمين. قال أبو سليمان الدمشقي: وإنما قيل ~~لهم: # مكلبين، لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب. قال ثعلب: وقرأ الحسن، ~~وأبو رزين: # مكلبين، بسكون الكاف، يقال: أكلب الرجل: إذا كثرت كلابه، وأمشى: إذا كثرت ~~ماشيته، والعرب تدعو الصائد مكلبا. # قوله تعالى: (تعلمونهن مما علمكم الله) قال سعيد بن جبير: تؤدبونهن لطلب ~~الصيد. وقال الفراء: تؤدبونهن أن لا يأكلن صيدهن. واختلفوا هل إمساك الصائد ~~عن الأكل شرط في صحة التعليم ms0524 أم لا؟ على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه شرط في كل الجوارح، فإن أكلت، لم يؤكل، روي عن ابن عباس، ~~وعطاء. # والثاني: أنه ليس بشرط الكل، ويؤكل وإن أكلت، روي عن سعد ابن أبي وقاص، ~~وابن عمر، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي. # والثالث: أنه شرط في جوارح البهائم، وليس بشرط في جوارح الطير، وبه قال ~~الشعبي، والنخعي، والسدي، وهو أصح لما بينا أن جارح الطير يعلم على الأكل، ~~فأبيح ما أكل منه. وسباع البهائم تعلم على ترك الأكل، فأبيح ما أكلت منه. ~~فعلى هذا إذا أكل الكلب والفهد من الصيد، لم يبح أكله. فأما ما أكل منه ~~الصقر والبازي، فمباح، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وقال مالك: يباح أكل ما ~~أكل منه الكلب، والفهد، والصقر، فطن قتل الكلب، ولم يأكل، أبيح. وقال أبو ~~حنيفة: لا يباح، فان أدرك الصيد، وفيه حياة، فمات قبل أن يذكيه، فإن كل ذلك ~~قبل القدرة على ذكاته أبيح، وإن أمكنه فلم يذكه، لم يبح، وبه قال مالك، ~~والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يباح في الموضعين. # فأما الصيد بكلب المجوسي، فروي عن أحمد أنه لا يكره، وهو قول الأكثرين، ~~وروي عنه الكراهة، وهو قول الثوري لقوله تعالى: (وما علمتم) وهذا خطاب ~~للمؤمنين. قال القاضي أبو يعلى: ومنع أصحابنا الصيد بالكلب الأسود، وإن كان ~~معلما، لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] أمر بقتله، والأمر بالقتل: يمنع ~~ثبوت اليد، ويبطل حكم الفعل، فيصير وجوده كالعدم، فلا يباح صيده. # قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) قال الأخفش: " من " زائدة كقوله ~~تعالى: (فيها من برد). PageV02P242 # قوله تعالى: (واذكروا اسم الله عليه) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الإرسال، قاله ابن عباس، والسدي، وعندنا أن ~~التسمية شرط في إباحة الصيد. # والثاني: ترجع إلى الأكل فتكون التسمية مستحبة. # قوله تعالى: (واتقوا الله) قال سعيد بن جبير: لا تستحلوا ما لم يذكر اسم ~~الله عليه. # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ms0525 الذين أوتوا الكتب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) قوله تعالى: (اليوم أحل لكم ~~الطيبات) قال القاضي أبو يعلى: يجوز ان يريد باليوم اليوم الذي أنزلت فيه ~~الآية، ويجوز ان يريد اليوم الذي تقدم ذكره في قوله تعالى: (اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم)، وفي قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم)، وقيل: ~~ليس بيوم معين، وقد سبق الكلام في " الطيبات " وإنما كرر إحلالها تأكيدا. ~~فأما أهل الكتاب، فهم اليهود والنصارى. # وطعامهم: ذبائحهم، هذا قول ابن عباس، والجماعة. وإنما أريد بها الذبائح ~~خاصة، لأن سائر طعامهم لا يختلف بمن تولاه من مجوسي وكتابي، وإنما الذكاة ~~تختلف، فلما خص أهل الكتاب بذلك، دل على أن المراد الذبائح، فأما ذبائح ~~المجوس، فأجمعوا على تحريمها. واختلفوا في ذبائح من دان باليهودية ~~والنصرانية من عبدة الأوثان، فروي عن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى ~~العرب، فقال: لا بأس بها، وتلا قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ~~وهذا قول الحسن، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعكرمة، وقتادة، والزهري، ~~والحكم، وحماد. وقد روي عن علي، وابن مسعود في آخرين أن ذبائحهم لا تحل. ~~ونقل الخرقي عن أحمد في نصارى بني تغلب روايتين. # إحداهما: تباح ذبائحهم، وهو قول أبي حنيفة، ومالك. PageV02P243 # والثانية: لا تباح. وقال الشافعي: من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول ~~القرآن، لم يبح أكل ذبيحته. # قوله تعالى: (وطعامكم حل لهم) أي: وذبائحكم لهم حلال، فإذا اشتروا منا ~~شيئا كان الثمن لنا حلالا، واللحم لهم حلالا. قال الزجاج. والمعنى: أحل لكم ~~أن تطعموهم. # فصل وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقا وإن ~~ذكروا غير اسم الله عليها، فكان هذا ناسخا لقوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه) والصحيح أنها أطلقت إباحة ذبائحهم، لأن الأصل أنهم ~~يذكرون الله، وإلى هذا الذي قلته ذهب، علي، وابن عمر، وعبادة، وأبو ~~الدرداء، والحسن ms0526 في جماعة. # قوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات) فيهن قولان: # أحدهما: العفائف، قاله ابن عباس. # والثاني: الحرائر، قاله مجاهد. # وفي قوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) قولان: # أحدهما: الحرائر أيضا، قاله ابن عباس. # والثاني: العفائف، قاله الحسن، والشعبي، والنخعي، والضحاك والسدي، فعلى ~~هذا القول يجوز تزويج الحرة منهن والأمة. # فصل وهذه الآية أباحت نكاح الكتابية. وقد روي عن عثمان أنه تزوج نائلة ~~بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية. وعن طلحة بن عبيد الله: انه تزوج ~~يهودية. وقد روي عن عمر، وابن عمر كراهة ذلك. واختلفوا في نكاح الكتابية ~~الحربية، فقال ابن عباس: لا تحل، والجمهور على خلافه، وإنما كرهوا ذلك، ~~لقوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله) والنكاح يوجب الود. واختلفوا في نكاح نساء تغلب، فروي عن علي رضي ~~الله عنه الحظر، وبه قال جابر بن زيد، والنخعي، وروي عن ابن عباس الإباحة. ~~وعن أحمد روايتان واختلفوا في إماء أهل الكتاب، فروي عن ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد: أنه لا يجوز نكاحهن، PageV02P244 # وبه قال الأوزاعي، ومالك، والليث بن سعد، والشافعي، وأصحابنا، وروي عن ~~الشعبي، وأبي ميسرة جواز ذلك، وبه قال أبو حنيفة. فأما المجوس: فالجمهور ~~على أنهم ليسوا بأهل كتاب، وقد شذ من قال: إنهم أهل كتاب، ويبطل قولهم قوله ~~عليه السلام: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". # فأما " الأجور "، و " الإحصان "، و " السفاح "، و " الأخدان " فقد سبق في ~~(سورة النساء). # قوله تعالى: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) سبب نزول هذا الكلام: أن ~~الله تعالى لما رخص في نكاح الكتابيات قلن بينهن: لولا أن الله تعالى قد ~~رضي علينا، لم يبح للمؤمنين تزويجنا، وقال المسلمون: كيف يتزوج الرجل منا ~~الكتابية، وليست على ديننا، فنزلت: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل بن حيان: نزلت فيما أحصن المسلمون من ~~نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر. # وروى ليث عن مجاهد: (ومن يكفر بالإيمان) ms0527 بالله تعالى، قال الزجاج: معنى ~~الآية: من أحل ما حرم الله، أو حرم ما أحله الله فهو كافر. وقال أبو ~~سليمان: من جحد ما أنزله الله من شرائع الإيمان، وعرفه من الحلال والحرام، ~~فقد حبط عمله المتقدم. وسمعت الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه يقول: ~~إنما أباح الله عز وجل الكتابيات، لأن بعض المسلمين قد يعجبه حسنهن، فحذر ~~ناكحهن من الميل إلى دينهن بقوله [تعالى]: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط ~~عمله). # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) قوله ~~تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة) قال الزجاج: المعنى: إذا أردتم القيام إلى ~~الصلاة، كقوله [تعالى]: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) قال ابن الأنباري: ~~وهذا كما تقول: إذا آخيت فآخ أهل الحسب، وإذا اتجرت فاتجر في البز. قال: ~~ويجوز أن يكون الكلام مقدما ومؤخرا، تقديره: # إذا غسلتم وجوهكم، واستوفيتم الطهور، فقوموا إلى الصلاة. وللعلماء في ~~المراد بالآية قولان: PageV02P245 # أحدهما: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، فاغسلوا، فصار الحدث مضمرا في وجوب ~~الوضوء، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، ~~والفقهاء. # والثاني: أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل من يريد ~~الصلاة، محدثا كان، أو غير محدث، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه وعكرمة، ~~وابن سيرين. ونقل عنهم أن هذا الحكم غير منسوخ، ونقل عن جماعة من العلماء ~~أن ذلك كان واجبا، ثم نسخ بالسنة، وهو ما روى بريدة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: لقد صنعت شيئا لم ~~تكن تصنعه؟ فقال: " عمدا فعلته يا عمر " وقال قوم: في الآية ms0528 تقديم وتأخير، ~~ومعناها: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم. # قوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) " إلى " حرف موضوع للغاية، وقد تدخل ~~الغاية فيها تارة، وقد لا تدخل، فلما كان الحدث يقينا، لم يرتفع إلا بيقين ~~مثله، وهو غسل المرفقين. فأما الرأس فنقل عن أحمد وجوب مسح جميعه، وهو قول ~~مالك، وروي عنه: يجب مسح أكثره، وروي عن أبي حنيفة روايتان. # إحداهما: أنه يتقدر بربع الرأس. # والثانية: بمقدار ثلاث أصابع. # قوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو ~~بكر عن عاصم: بكسر اللام عطفا على مسح الرأس، وقرأ نافع، وابن عامر، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب: بفتح اللام عطفا على الغسل، فيكون من ~~المقدم والمؤخر. قال الزجاج: # الرجل من أصل الفخذ إلى القدم، فلما حد الكعبين، علم أن الغسل ينتهي ~~إليهما، ويدل على وجوب الغسل التحديد بالكعبين، كما جاء في تحديد اليد " ~~إلى المرافق " ولم يجئ في شئ من المسح تحديد، ويجوز أن يراد الغسل على ~~قراءة الخفض، لأن التحديد بالكعبين يدل على الغسل، فينسق وإن بالغسل على ~~المسح. قال الشاعر: # يا ليت بعلك قد غدا * متقلدا سيفا ورمحا PageV02P246 # والمعنى: وحاملا رمحا. وقال الآخر. # علفتها تبنا وماء باردا والمعنى: وسقيتها ماء باردا. وقال أبو الحسن ~~الأخفش: يجوز الجر على الاتباع، والمعنى: # الغسل، نحو قولهم جحر ضب خرب. وقال ابن الأنباري: لما تأخرت الأرجل بعد ~~الرؤوس، نسقت عليها للقرب والجوار، وهي في المعنى نسق على الوجوه كقولهم: ~~جحر ضب خرب، ويجوز أن تكون منسوقة عليها، لأن العرب تسمي الغسل مسحا، لأن ~~الغسل لا يكون إلا بمسح. وقال أبو علي: من جر فحجته أنه وجد في الكلام ~~عاملين: # أحدهما: الغسل، والآخر: الباء الجارة، ووجه العاملين إذا اجتمعا: أن يحمل ~~الكلام على الأقرب منهما دون الأبعد، وهو " الباء " هاهنا، وقد قامت ~~الدلالة على أن المراد بالمسح: الغسل من وجهين: # أحدهما: أن أبا زيد قال: المسح الخفيف الغسل، قالوا: تمسحت للصلاة، ms0529 وقال ~~أبو عبيدة: # فطفق مسحا بالسوق، أي: ضربا، فكأن المسح في الآية غسل خفيف. فإن قيل: ~~فالمستحب التكرار ثلاثا؟ قيل: إنما جاءت الآية بالمفروض دون المسنون. # والوجه الثاني: ان التحديد والتوقيت إنما جاء في المغسول دون الممسوح، ~~فلما وقع التحديد مع المسح، علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في ~~التحديد، وحجة من نصب أنه حمل ذلك على الغسل لاجتماع فقهاء الأمصار على ~~الغسل. # قوله تعالى: (إلى الكعبين) " إلى " بمعنى " مع " والكعبان: العظمان ~~الناتئان من جانبي القدم. # قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) أي: فتطهروا، فأدغمت التاء في ~~الطاء، لأنهما من مكان واحد، وقد بين الله عز وجل طهارة الجنب في سورة ~~(النساء) بقوله [تعالى]: (حتى تغتسلوا) وقد ذكرنا هناك الكلام في تمام ~~الآية إلى قوله [تعالى]: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) و " الحرج ": ~~الضيق، فجعل الله الدين واسعا حين رخص في التيمم. # قوله تعالى: (ولكن يريد ليطهركم) أي: يريد أن يطهركم. قال مقاتل: من ~~الأحداث والجنابة، وقال غيره: من الذنوب والخطايا، لأن الوضوء يكفر الذنوب. # قوله تعالى: (وليتم نعمته عليكم) في الذي يتم به النعمة أربعة أقوال: # أحدها: بغفران الذنوب. قال محمد بن كعب القرظي: حدثني عبد الله بن دارة، ~~عن حمران قال: مررت على عثمان بفخارة من ماء، فدعا بها فتوضأ، فأحسن الوضوء ~~ثم قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة أو مرتين أو ~~ثلاثا ما حدثتكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما توضأ ~~PageV02P247 # عبد فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة ~~الأخرى " قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث التمسته في القرآن. ~~فالتمست هذا فوجدته في قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا. ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك) فعلمت أن الله لم يتم ~~النعمة عليه حتى غفر له ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في " المائدة ": (إذا ~~قمتم إلى الصلاة) إلى قوله (وليتم ms0530 نعمته عليكم) فعلمت انه لم يتم النعمة ~~عليهم حتى غفر لهم. # والثاني: بالهداية إلى الإيمان، وإكمال الدين، وهذا قول ابن زيد. # والثالث: بالرخصة في التيمم، قاله مقاتل، وأبو سليمان. # والرابع: ببيان الشرائع، ذكره بعض المفسرين. # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله ~~عليكم) يعني النعم كلها. وفي هذا حث على الشكر. وفي الميثاق أربعة أقوال: # أحدها: أنه إقرار كل مؤمن بما آمن به. قال ابن عباس: لما أنزل الله ~~الكتاب، وبعث الرسول، فقالوا: آمنا، ذكرهم ميثاقه الذي أقروا به على ~~أنفسهم، وأمرهم بالوفاء. # والثاني: أنه الميثاق الذي أخذه من بني آدم حين أخرجهم من ظهره، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وابن زيد. # والثالث: أنه ما وثق على المؤمنين على لسان نبيه عليه السلام من الأمر ~~بالوفاء بما أقروا به من الإيمان. روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والرابع: أنه الميثاق الذي أخذ من الصحابة على السمع والطاعة في بيعة ~~العقبة، وبيعة الرضوان، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: (واتقوا الله) قال مقاتل: اتقوه في نقض الميثاق (إن الله ~~عليم بذات الصدور) أي: بما فيها من إيمان وشك. PageV02P248 # يا أيها الذين آمنوا كونوا قومين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ~~(8) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله) في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: من أجل كفار قريش أيضا، وقد تقدم ذكرهم في قوله تعالى: (ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام) روى نحو هذا أبو صالح، عن ابن ~~عباس، وبه قال مقاتل. # والثاني: ان قريشا بعثت رجلا ليقتل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فأطلع ~~الله نبيه على ذلك، ونزلت هذه الآية، والتي بعدها، هذا قول الحسن. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى يهود بني ms0531 النضير يستعينهم ~~في دية، فهموا بقتله، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وقتادة، ومعنى الآية: ~~كونوا قوامين لله بالحق، ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل (اعدلوا) في ~~الولي والعدو (هو أقرب للتقوى) أي: إلى التقوى. والمعنى: أقرب إلى أن ~~تكونوا متقين، وقيل: هو أقرب إلى اتقاء النار. # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين ~~كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك أصحب الجحيم (10) قوله تعالى: (وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة) في معناها قولان: # أحدهما: أن المعنى: وعدهم الله أن يغفر لهم ويأجرهم فاكتفى بما ذكر عن ~~هذا المعنى. # والثاني: أن المعنى: وعدهم فقال: لهم مغفرة. وقد بينا في (البقرة) معنى " ~~الجحيم ". # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا ~~إليكم أيديهم) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن رجلا من محارب قال لقومه: الا أقتل لكم محمدا، فقالوا: وكيف ~~تقتله؟ فقال. PageV02P249 # أفتك به، فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفه في حجره، فأخذه ~~وجعل يهزه، ويهم به، فيكبته الله، ثم قال: يا محمد ما تخافني؟ قال: لا، ~~قال: لا تخافني وفي يدي السيف؟! قال: يمنعني الله منك، فأغمد السيف، فنزلت ~~هذه الآية، رواه الحسن البصري عن جابر بن عبد الله. وفي بعض الألفاظ: # فسقط السيف من يده. وفي لفظ آخر: فما قال له النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~شيئا ولا عاقبه. واسم هذا الرجل: # غورث بن الحارث من محارب خصفة. # والثاني: أن اليهود عزموا على الفتك برسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~فكفاه الله شرهم قال ابن عباس: # صنعوا له طعاما، فأوحي إليه بشأنهم، فلم يأت. وقال مجاهد، وعكرمة: خرج ~~إليهم يستعينهم في دية، فقالوا: اجلس حتى نعطيك، فجلس هو وأصحابه، فخلا ~~بعضهم ببعض، وقالوا: لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن، فمن يظهر ms0532 على هذا ~~البيت، فيطرح عليه صخرة؟ فقال عمرو بن جحاش: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ~~ليطرحها عليه، فأمسك الله يده، وجاء جبريل، فأخبره، وخرج، ونزلت هذه الآية. # والثالث: أن بني ثعلبة، وبني محارب أرادوا أن يفتكوا بالنبي وبأصحابه، ~~وهم ببطن نخلة في غزاة رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: السابعة، فقالوا: ~~إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم، فإذا سجدوا وقعنا بهم فأطلع ~~الله نبيه على ذلك، وأنزل صلاة الخوف، ونزلت هذه الآية، هذا قول قتادة. # والرابع: أنها نزلت في حق اليهود حين ظاهروا المشركين على رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم]، هذا قول ابن زيد. # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعززتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيأتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) PageV02P250 # قوله تعالى: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل) قال أبو العالية: أخذ ~~الله ميثاقهم أن يخلصوا له العبادة، ولا يعبدوا غيره. وقال مقاتل: أن ~~يعملوا بما في التوراة. وفي معنى النقيب ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الضمين، قاله الحسن، ومعناه: أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت ~~يده، ولا يجوز أن يكون ضمينا عنهم بالوفاء، لأن ذلك لا يصح ضمانة. وقال ابن ~~قتيبة: هو الكفيل على القوم. # والنقابة شبيهة بالعرافة. # والثاني: أنه الشاهد، قاله قتادة. وقال ابن فارس: النقيب: شاهد القوم، ~~وضمينهم. # والثالث: الأمين، قاله الربيع بن أنس، وهذه الأقوال تتقارب. قال الزجاج: # النقيب في اللغة، كالأمين والكفيل، يقال: نقب الرجل على القوم ينقب: إذا ~~صار نقيبا عليهم، وصناعته النقابة، وكذلك عرف عليهم: إذا صار عريفا، ويقال ~~لأول ما يبدو من الجرب: النقبة، ويجمع النقب والنقب. وقال الشاعر: # متبذلا تبدو محاسنه * يضع الهناء مواضع النقب ويقال: في فلان مناقب ~~جميلة، وكل الباب معناه: التأثير الذي له عمق ودخول، ومن ذلك نقبت الحائط، ~~أي: بلغت في النقب آخره، والنقبة من ms0533 الجرب: داء شديد الدخول. وإنما قيل: # نقيب، لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة ~~أمورهم. ونقل ان الله تعالى أمر موسى وقومه بالسير إلى الأرض المقدسة، وكان ~~يسكنها الجبارون، فقال تعالى: يا موسى اخرج إليها وجاهد من فيها من العدو، ~~وخذ من قومك اثني عشر نقيبا، من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء ~~بما أمروا به، فاختاروا النقباء. وفيما بعثوا له قولان: # أحدهما: أن موسى بعثهم إلى بيت المقدس، ليأتوه بخبر الجبارين، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، والسدي. # والثاني: أنهم بعثوا ضمناء على قومهم بالوفاء بميثاقهم، قاله الحسن، وابن ~~إسحاق. وفي نبوتهم قولان: أصحهما: أنهم ليسوا بأنبياء. # قوله تعالى: (وقال الله) في الكلام محذوف. تقديره: وقال الله لهم، وفي ~~المقول لهم قولان: # أحدهما: أنهم بنو إسرائيل، قاله الجمهور. # والثاني: أنهم النقباء، قاله الربيع، ومقاتل. ومعنى (إني معكم)، أي: ~~بالعون والنصرة. # وفي معنى: (وعزرتموهم) قولان: # أحدهما: أنه الإعانة والنصر، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد وقتادة ~~والسدي. PageV02P251 # والثاني: أنه التعظيم والتوقير، قاله عطاء واليزيدي، وأبو عبيدة، وابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: (وأقرضتم الله قرضا) في هذا الاقراض قولان: # أحدهما: أنه الزكاة الواجبة. # والثاني: صدقة التطوع. وقد شرحنا في البقرة معنى القرض الحسن. # قوله تعالى: (فمن كفر بعد ذلك منكم) يشير إلى الميثاق (فقد ضل سواء ~~السبيل) أي: # أخطأ قصد الطريق. # فبما نقضهم ميثاقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) قوله تعالى: (فبما نقضهم) في الكلام ~~محذوف، تقديره: فنقضوا، فبنقضهم لعناهم. وفي المراد بهذه اللعنة ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها التعذيب بالجزية، قاله ابن عباس. # والثاني: التعذيب بالمسخ، قاله الحسن، ومقاتل. # والثالث: الإبعاد من الرحمة، قاله عطاء، والزجاج. # قوله تعالى: (وجعلنا قلوبهم قاسية) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: # (قاسية) بالألف، يقال: قست، فهي قاسية، وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، عن ~~عاصم: # (قسية) بغير ألف ms0534 مع تشديد الياء، لأنه قد يجئ فاعل وفعيل، مثل شاهد ~~وشهيد، وعالم وعليم. # و " القسوة ": خلاف اللين والرقة. وقد ذكرنا هذا في (البقرة) وفي تحريفهم ~~الكلم ثلاثة أقوال: # أحدها: تغيير حدود التوراة، قاله ابن عباس. # والثاني: تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. # والثالث: تفسيره على غير ما أنزل، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (عن مواضعه) مبين في (سورة النساء). # قوله تعالى: (ونسوا حظا مما ذكروا به) النسيان هاهنا: الترك عن عمد. ~~والحظ: النصيب. # قال مجاهد: نسوا كتاب الله الذي أنزل عليهم، وقال غيره: تركوا نصيبهم من ~~الميثاق المأخوذ عليهم. وفي معنى (ذكروا به) قولان: # أحدهما: أمروا. # والثاني: أوصوا. PageV02P252 # قوله تعالى: (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) وقرأ الأعمش " على خيانة ~~منهم " قال ابن قتيبة: الخائنة: الخيانة. ويجوز أن تكون صفة للخائن، كما ~~يقال: رجل طاغية، وراوية للحديث. # قال ابن عباس: وذلك مثل نقض قريظة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وخروج كعب بن الأشرف إلى أهل مكة للتحريض على رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] (إلا قليلا منهم) لم ينقضوا العهد، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، ~~وقيل: بل القليل ممن لم يؤمن. # قوله تعالى: (فاعف عنهم واصفح) واختلفوا في نسخها على قولين: # أحدهما: انها منسوخة، قاله الجمهور. واختلفوا في ناسخها على ثلاثة ~~أقوال:. # أحدها: أنها آية السيف. # والثاني: قوله [تعالى]: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله...). # والثالث: قوله [تعالى]: (وإما تخافن من قوم خيانة). # والثاني: أنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~عهد، فغدروا، وأرادوا قتل النبي [صلى الله عليه وسلم [فأظهره الله عليهم، ~~ثم أنزل الله هذه الآية، ولم تنسخ. قال ابن جرير: يجوز أن يعفى عنهم في ~~غدرة فعلوها، ما لم ينصبوا حربا، ولم يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار ~~بالصغار، فلا يتوجه النسخ. # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ~~(14) قوله تعالى: ms0535 (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم) قال الحسن: ~~إنما قال: قالوا: إنا نصارى، ولم يقل: من النصارى، ليدل على أنهم ليسوا على ~~منهاج النصارى حقيقة، هم الذين اتبعوا المسيح. وقال قتادة: كانوا بقرية، ~~يقال لها: ناصرة، فسموا بهذا الاسم، قال مقاتل: أخذ عليهم الميثاق، كما أخذ ~~على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد، فتركوا ما أمروا به. # قوله تعالى: (فأغرينا بينهم) قال النضر: هيجنا، وقال المؤرج: حرشنا بعضهم ~~على بعض. # وقال الزجاج: ألصقنا بهم ذلك، يقال: غريت بالرجل غرى مقصورا: إذا لصقت ~~به، هذا قول الأصمعي. وقال غير الأصمعي: غريت به غراء ممدود، وهذا الغراء ~~الذي يغرى به إنما يلصق به PageV02P253 # الأشياء، ومعنى أغرينا بينهم العداوة والبغضاء: أنهم صاروا فرقا يكفر ~~بعضهم بعضا. وفي الهاء والميم من قوله (بينهم) قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى اليهود والنصارى، قاله مجاهد، وقتادة، والسدي. # والثاني: ترجع إلى النصارى خاصة، قاله الربيع. وقال الزجاج: هم النصارى، ~~منهم النسطورية، واليعقوبية، والملكية، وكل فرقة منهم تعادي الأخرى. وفي ~~تمام الآية وعيد شديد لهم. # يا أهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب ~~ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) قوله تعالى: (يأهل ~~الكتاب) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم اليهود. # والثاني: اليهود والنصارى. والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب) قال ابن عباس: ~~أخفوا آية الرجم وأمر محمد [عليه السلام] وصفته (ويعفو عن كثير) يتجاوز، ~~فلا يخبرهم بكتمانه. فإن قيل: كيف كان له أن يمسك عن حق كتموه فلا يبينه؟ ~~فعنه جوابان: # أحدهما: أنه كان متلقيا ما يؤمر به، فإذا أمر باظهار شئ من أمرهم، أظهره، ~~وأخذهم به، وإلا سكت. # والثاني: أن عقد الذمة إنما كان على أن يقروا على دينهم، فلما كتموا ~~كثيرا مما أمروا به، واتخذوا غيره دينا، أظهر عليهم ما كتموه من صفته ~~وعلامة نبوته، لتتحقق معجزته عندهم، واحتكموا إليه في الرجم، فأظهر ما ~~كتموا مما يوافق شريعته، وسكت ms0536 عن أشياء ليتحقق إقرارهم على دينهم. # قوله تعالى: (قد جاءكم من الله نور) قال قتادة: يعني بالنور: النبي محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وقال غيره: # هو الإسلام، فأما الكتاب المبين، فهو القرآن. # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلم ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) PageV02P254 # قوله تعالى: (يهدي به الله) يعني: بالكتاب. ورضوانه: ما رضيه الله تعالى. ~~و " السبل "، جمع سبيل، قال ابن عباس: سبل السلام: دين الاسلام. وقال ~~السدي: " السلام ": هو الله، و " سبله ": دينه الذي شرعه. قال الزجاج: ~~وجائز أن يكون " سبل السلام " طريق السلامة التي من سلكها سلم في دينه، ~~وجائز أن يكون " السلام " اسم الله عز وجل، فيكون المعنى: طرق الله عز وجل. ~~قوله تعالى: (ويخرجهم من الظلمات) قال ابن عباس: يعني الكفر (إلى النور) ~~يعني: # الإيمان (بإذنه) أي: بأمره (ويهديهم إلى صراط مستقيم) وهو الإسلام. وقال ~~الحسن: طريق الحق. # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير (17) قوله ~~تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) قال ابن عباس: ~~هؤلاء نصارى أهل نجران، وذلك أنهم اتخذوه إلها (قل فمن يملك من الله شيئا) ~~أي: فمن يقدر أن يدفع من عذابه شيئا (إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم) أي: ~~فلو كان إلها كما تزعمون لقدر أن يرد أمر الله إذا جاءه باهلاكه أو إهلاك ~~أمه، ولما نزل أمر الله بأمه، لم يقدر أن يدفع عنها. وفي قوله [تعالى]: ~~(يخلق ما يشاء) رد عليهم حيث قالوا للنبي: فهات مثله من غير أب فإن قيل: ~~فلم قال (ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما) ولم يقل: وما بينهن؟ ~~فالجواب أن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، قاله ابن جرير. # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ms0537 وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير (18) قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى) قال ~~مقاتل: هم يهود المدينة، ونصارى نجران. # وقال السدي: قالوا: إن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل، إن ولدك بكري من ~~الولد. فأدخلهم النار PageV02P255 # فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم، وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: ~~أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل. وقيل: إنهم لما قالوا: المسيح ابن الله، ~~كان معنى قولهم: (نحن أبناء الله) أي: منا ابن الله. وفي قوله: (قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم) إبطال لدعواهم، لأن الأب لا يعذب ولده، والحبيب لا يعذب ~~حبيبه وهم يقولون: إن الله يعذبنا أربعين يوما بالنار. وقيل: معنى الكلام: ~~فلم عذب منكم من مسخه قردة وخنازير؟ وهم أصحاب السبت والمائدة. # قوله تعالى: (بل أنتم ممن خلق) أي: أنتم كسائر بني آدم تجازون بالإحسان ~~والإساءة. قال عطاء: يغفر لمن يشاء، وهم الموحدون، ويعذب من يشاء، وهم ~~المشركون. # يا أهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شئ قدير (19) ~~قوله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا) سبب نزولها: أن معاذ بن جبل، ~~وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب، قالوا: يا معشر اليهود اتقوا الله، والله ~~إنكم لتعلمون أنه رسول الله، كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه بصفته. ~~فقال وهب بن يهوذا، ورافع: ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله بعد موسى من ~~كتاب، ولا أرسل رسولا بشيرا ولا نذيرا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # فأما " الفترة " فأصلها السكون، يقال: فتر الشئ يفتر فتورا: إذا سكنت ~~حدته، وانقطع عما كان عليه، والطرف الفاتر: الذي ليس بحديد. والفتور: ~~الضعف. وفي مدة الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة أقوال: # أحدها: أنه كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس، وبه قال سلمان الفارسي، ms0538 ومقاتل. # والثاني: خمسمائة سنة وستون سنة، قاله قتادة. # والثالث: أربع مائة وبضع وثلاثون سنة، قاله الضحاك. # والرابع: خمسمائة سنة وأربعون سنة، قاله ابن السائب. وقال أبو صالح عن ~~ابن عباس (على فترة من الرسل) أي: انقطاع منهم، قال: وكان بين ميلاد عيسى، ~~وميلاد محمد عليهما السلم خمسمائة سنة وتسعة وتسعون سنة، وهي فترة. وكان ~~بعد عيسى أربعة من الرسل، فذلك قوله [تعالى]: (إذا أرسلنا إليهم اثنين ~~فكذبوهما فعززنا بثالث). قال: والرابع لا أدري من هو. PageV02P256 # وكان بين تلك السنين مائة سنة، وأربع وثلاثون نبوة وسائرها فترة. قال أبو ~~سليمان الدمشقي: والرابع - والله أعلم - خالد بن سنان الذي قال فيه رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] نبي ضيعه قومه ". # قوله تعالى: (أن تقولوا) قال الفراء: كي لا تقولوا: مثل قوله [تعالى]: ~~(يبين الله لكم أن تضلوا). وقال غيره: لئلا تقولوا، وقيل: كراهة أن تقولوا. # وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العلمين (20) قوله تعالى: (إذ جعل ~~فيكم أنبياء) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى، وانطلقوا معه إلى الجبل، جعلهم ~~الله أنبياء بعد موسى، وهارون، وهذا قول ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنهم الأنبياء الذين أرسلوا من بني إسرائيل بعد موسى، ذكره ~~الماوردي. وبماذا جعلهم ملوكا؟ فيه ثمانية أقوال: # أحدها: بالمن والسلوى والحجر. # والثاني: بأن جعل للرجل منهم زوجة وخادما. # والثالث: بالزوجة والخادم والبيت، رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس، وهذا ~~الثالث اختيار الحسن، ومجاهد. # والرابع: بالخادم والبيت، قاله عكرمة. # والخامس: بتمليكهم الخدم. وكانوا أول من ملك الخدم، ومن اتخذ خادما فهو ~~ملك، قاله قتادة. # والسادس: بكونهم أحرارا يملك الإنسان منهم نفسه وأهله وماله، قاله السدي. # والسابع: بالمنازل الواسعة، فيها المياه الجارية، قاله الضحاك. # والثامن: بأن جعل لهم الملك والسلطان، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) اختلفوا فيمن خوطب بهذا ~~على قولين: # أحدهما: أنهم قوم موسى، وهذا مذهب ابن عباس، ومجاهد. قال ms0539 ابن عباس: ويعني ~~PageV02P257 # بالعالمين: الذين هم بين ظهرانيهم. وفي الذي آتاهم ثلاثة أقوال: # أحدها: المن والسلوى والحجر والغمام، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به.. # والثاني: أنه الدار والخادم والزوجة، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن ~~جرير: ما أوتي أحد من النعم في زمان قوم موسى ما أوتوا. # والثالث: كثرة الأنبياء فيهم، ذكره الماوردي. # والثاني: أن الخطاب لأمة محمد [صلى الله عليه وسلم]، وهذا مذهب سعيد بن ~~جبير وأبي مالك. # يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين (21) قوله تعالى: (يا قوم ادخلوا) وقرأ ابن محيصن: يا قوم ~~ادخلوا بضم الميم، وكذلك (يا قوم اذكروا) و (يا قوم اعبدوا) وفي معنى ~~(المقدسة) قولان: # أحدهما: المطهرة، قاله ابن عباس، والزجاج. قال: وقيل للسطل: القدس، لأنه ~~يتطهر منه، وسمي بيت المقدس، لأنه يتطهر فيه من الذنوب. وقيل: سماها مقدسة، ~~لأنها طهرت من الشرك، وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين. # والثاني: أن المقدسة: المباركة، قاله مجاهد. # وفي المراد بتلك الأرض أربعة أقوال: # أحدها: أنها أريحا: هي أرض بيت المقدس. وروي عن الضحاك أنه قال: المراد ~~بهذه الأرض إيلياء بيت المقدس فهذا يدل على أن إيلياء الأرض التي فيها بيت ~~المقدس. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي أن إيلياء بيت المقدس، وهو معرب. ~~قال الفرزدق: # وبيتان بيت الله نحن ولاته * وبيت بأعلى إيلياء مشرف والقول الثاني: انها ~~الطور وما حوله، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به. PageV02P258 # والقول الثالث: أنها دمشق وفلسطين وبعض الأردن، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والرابع: أنها الشام كلها، قاله قتادة. وفي قوله تعالى: (التي كتب الله ~~لكم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى أمركم وفرض عليكم دخولها، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: أنه بمعنى: وهبها الله لكم، قاله محمد بن إسحاق. وقال ابن ~~قتيبة: جعلها لكم. # والثالث: كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكنكم. # فإن قيل: كيف؟ قال: فإنها محرمة عليهم، وقد كتبها لهم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه إنما جعلها لهم بشرط الطاعة، فلما عصوا ms0540 حرمها عليهم. # والثاني: أنه كتبها لبني إسرائيل، وإليهم صارت، ولم يعن موسى أن الله ~~كتبها للذين أمروا بدخولها بأعيانهم. قال ابن جرير: ويجوز أن يكون الكلام ~~خرج مخرج العموم، وأريد به الخصوص فتكون مكتوبة لبعضهم، وقد دخلها يوشع، ~~وكالب. # قوله تعالى: (ولا ترتدوا على أدباركم) فيه قولان: # أحدهما: لا ترجعوا عن أمر الله إلى معصيته. # والثاني: لا ترجعوا إلى الشرك به. # * * * قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ~~فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قوله تعالى: (إن فيها قوما جبارين) قال ~~الزجاج: الجبار من الآدميين: الذي يجبر الناس على ما يريد، يقال: جبار: بين ~~الجبرية، والجبرية بكسر الجيم والباء، والجبروة والجبورة والتجبار ~~والجبروت. # وفي معنى وصفه هؤلاء بالجبارين ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا ذوي قوة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم كانوا عظام الخلق والأجسام، قاله قتادة. # والثالث: أنهم كانوا قتالين، قاله مقاتل. # الإشارة إلى القصة قال ابن عباس: لم نزل موسى وقومه بمدينة الجبارين، بعث ~~اثني عشر رجلا، ليأتوه بخبرهم، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، ~~فأتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا، PageV02P259 # فقالوا لهم: من أين أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم، ~~فأعطوهم حبة من عنب توقر الرجل، وقالوا لهم، قولوا لموسى وقومه: اقدروا قدر ~~فاكههم، فلما رجعوا، قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين. وقال السدي: كان ~~الذي لقيهم، يقال له: عاج، يعني: عوج بن عناق، فأخذ الاثني عشر، فجعلهم في ~~حجرته وعلى رأسه حزمة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: # انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، فطرحهم بين يديها، ~~قال: ألا أطحنهم برجلي؟ # فقالت امرأته: لا، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا. فلما خرجوا ~~قالوا: يا قوم إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم، ارتدوا عن نبي الله، ~~فأخذوا الميثاق بينهم على كتمان ذلك، فنكث عشرة، وكتم رجلان، وقال مجاهد: ~~لما رأى النقباء الجبارين، وجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل ~~عنقود عنبهم إلا ms0541 خمسة أو أربعة، ويدخل في شطر الرمانة إذ نزع حبها خمسة أو ~~أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع، وابن يوقنا. # قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قوله تعالى: ~~(قال رجلان من الذين يخافون) في الرجلين ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوقنة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ~~ابن يوقنا، وهما من النقباء. # والثاني: أنهما كانا من الجبارين فأسلما، روي عن ابن عباس. # والثالث: أنهما كانا في مدينة الجبارين، وهما على دين موسى، قاله الضحاك: ~~وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء، وأيوب: " يخافون " بضم ~~الياء، على معنى أنهما كانا من العدو، فخرجا مؤمنين. وفي معنى " خوفهم " ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم خافوا الله وحده. # والثاني: خافوا الجبارين، ولم يمنعهم خوفهم قول الحق. # والثالث: يخاف منهم، على قراءة ابن جبير. وفيما أنعم به عليهما أربعة ~~أقوال: # أحدها: الإسلام، قاله ابن عباس. # والثاني: الصلاح والفضل واليقين، قاله عطاء. # والثالث: الهدى، قاله الضحاك. PageV02P260 # والرابع: الخوف، ذكره ابن جرير عن بعض السلف. # قوله تعالى: (ادخلوا عليهم الباب) قال ابن عباس: قال الرجلان: ادخلوا ~~عليهم باب القرية فإنهم قد ملئوا منا رعبا وفرقا. # قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقتلا ~~إنا ههنا قاعدون (24) قوله تعالى: (فاذهب أنت وربك فقاتلا) قال ابن زيد: ~~قالوا له: انظر كما صنع ربك بفرعون وقومه، فليصنع بهؤلاء. وقال مقاتل: ~~فاذهب أنت وسل ربك النصر. وقال غيرهما: اذهب أنت وليعنك ربك. قال ابن ~~مسعود: لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول لك، كما ~~قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل ~~عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيت رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] ms0542 أشرق لذلك وجهه وسر به. وقال أنس: استشار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الناس يوم خرج إلى بدر، فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم، فأشار ~~عليه عمر فسكت، فقال رجل من الأنصار: إنما يريدكم، فقالوا: يا رسول الله! ~~لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون، ولكن والله لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك. # قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) ~~قوله تعالى: (لا أملك إلا نفسي وأخي) فيه قولان: # أحدهما: لا أملك إلا نفسي، وأخي لا يملك إلا نفسه. # والثاني: لا أملك إلا نفسي وإلا أخي، أي: وأملك طاعة أخي، لأن أخاه إذا ~~أطاعه فهو كالملك له، وهذا على وجه المجاز، كما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر " فبكى أبو بكر، وقال: ~~هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله يعني: أني متصرف حيث صرفتني، وأمرك جائز ~~في مالي. PageV02P261 # قوله تعالى: (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) قال ابن عباس: اقض بيننا ~~وبينهم. وقال أبو عبيدة: باعد، وافصل، وميز. وفي المراد بالفاسقين ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: العاصون، قاله ابن عباس. # والثاني: الكاذبون، قاله ابن زيد. # والثالث: الكافرون، قاله أبو عبيدة: قال السدي: غضب موسى حين قالوا له: ~~اذهب أنت وربك، فدعا عليهم، وكانت عجلة من موسى عجلها. # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) قوله تعالى: (فإنها محرمة عليهم) الإشارة إلى الأرض المقدسة. ~~ومعنى تحريمها عليهم: # منعهم منها. فأما نصب " الأربعين "، فقال الفراء: هو منصوب بالتحريم، ~~وجائز أن يكون منصوبا ب " يتيهون ". وقال الزجاج: لا يجوز أن ينتصب ~~بالتحريم، لأن التفسير جاء أنها محرمة عليهم أبدا قلت: وقد اختلف المفسرون ~~في ذلك، فذهب الأكثرون، منهم عكرمة، وقتادة، إلى ما قال الزجاج، وأنها حرمت ~~عليهم أبدا، قال عكرمة: فإنها محرمة عليهم أبدا يتيهون في الأرض أربعين ~~سنة، ms0543 وذهب قوم، منهم البيع بن أنس، إلى انها حرمت عليهم أربعين سنة، ثم ~~أمروا بالسير إليها، وهذا اختيار ابن جرير. قال: إنما نصبت بالتحريم، ~~والتحريم كان عاما في حق الكل، ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد، فلما ~~انقضت، أذن لمن بقي منهم بالدخول مع ذراريهم. # قال أبو عبيدة: ومعنى: يتيهون: يحورون ويضلون. # الإشارة إلى قصتهم قال ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت ~~المقدس، فلبثوا في تيههم أربعين سنة، وماتوا في التيه، ومات موسى وهارون، ~~ولم يدخل بيت المقدس إلا يوشع وكالب بأبناء القوم، وناهض يوشع بمن بقي معه ~~مدينة الجبارين فافتتحها. وقال مجاهد: تاهوا أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا، ~~ويمسون حيث أصبحوا. وقال السدي: لما ضرب الله عليهم التيه، ندم موسى على ~~دعائه عليهم، وقالوا له: ما صنعت بنا، أين الطعام؟ فأنزل الله المن. قالوا: ~~فأين الشراب؟ فأمر موسى أن يضرب بعصاه الحجر. قالوا: فأين الظل؟ فظلل عليهم ~~الغمام. قالوا: فأين اللباس؟ وكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا ~~يتخرق لهم ثوب، وقبض موسى ولم يبق PageV02P262 # أحد ممن أبى دخول قرية الجبارين إلا مات، ولم يشهد الفتح. وفيه قول آخر ~~أنه لما مضت الأربعون خرج موسى ببني إسرائيل من التيه، وقال لهم: ادخلوا ~~هذه القرية، فكلوا منها حيث شئتم رغدا، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا حطة... ~~إلى آخر القصة. وهذا قول الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد. وقال ابن جرير ~~الطبري، وأبو سليمان الدمشقي: وهذا الصحيح، وان موسى هو الذي فتح مدينة ~~الجبارين مع الصالحين من بني إسرائيل، لأن أهل السيرة أجمعوا على أن موسى ~~هو قاتل عوج، وكان عوج ملكهم، وكان بلعم بن باعوراء فيمن سباه موسى وقتله، ~~ولم يدخل مع موسى من قدمائهم غير يوشع وكالب، وإنما حرمت على الذين لم ~~يطيعوا. وفي مسافة أرض التيه قولان، أحدهما: تسعة فراسخ، قاله ابن عباس. ~~وقال مقاتل: هذا عرضها، وطولها ثلاثون فرسخا. # والثاني: ستة فراسخ في طول اثني عشر فرسخا، حكاه مقاتل أيضا. # قوله تعالى: ms0544 (فلا تأس على القوم الفاسقين) قال الزجاج: لا تحزن على قوم ~~شأنهم المعاصي، ومخالفة الرسل. وقال ابن قتيبة: يقال أسيت على كذا، أي: ~~حزنت، فأنا آسي أسى. # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الأخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) قوله تعالى: ~~(واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) النبأ: الخبر. وفي ابني آدم قولان: # أحدهما: أنهما ابناه لصلبه، وهما قابيل وهابيل، قاله ابن عمر، وابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها أخوان من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، هذا قول ~~الحسن، والعلماء على الأول، وهو أصح لقوله [تعالى]: (ليريه كيف يواري سوأة ~~أخيه) ولو كان من بني إسرائيل، لكان قد عرف الدفن، ولأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال عنه: " إنه أول من سن القتل " وقوله تعالى: # (بالحق) أي: كما كان. والقربان: فعلان من القرب، وقد ذكرناه في (آل ~~عمران) PageV02P263 # وفي السبب الذي قربا لأجله قولان: # أحدهما: أن آدم عليه السلام كان قد نهي أن ينكح المرأة أخاها الذي هو ~~توأمها، وأجيز له أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن ذكر ~~وأنثى، فولدت له ابنة وسيمة، وأخرى دميمة، فقال أخو الدميمة لأخي الوسيمة: ~~أنكحني أختك، وأنكحك أختي، فقال أخو الوسيمة: أنا أحق بأختي، وكان أخو ~~الوسيمة صاحب حرث، وأخو الدميمة صاحب غنم، فقال: هلم فلنقرب قربانا، فأينا ~~تقبل قربانه فهو أحق بها، فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض أعين أقرن، وجاء صاحب ~~الحرث بصبرة من طعام، فتقبل الكبش، فخزنه الله في الجنة أربعين خريفا، فهو ~~الذي ذبحه إبراهيم، فقتله صاحب الحرث، فولد آدم كلهم من ذلك الكافر، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنهما قرباه من غير سبب. روى العوفي عن ابن عباس أن ابني آدم ~~كانا قاعدين يوما، فقالا: لو قربنا قربانا، فجاء صاحب الغنم بخير غنمه ~~وأسمنها، وجاء الآخر ببعض زرعه، فنزلت النار، فأكلت الشاة، وتركت الزرع، ~~فقال لأخيه: أتمشي في ms0545 الناس وقد علموا أن قربانك تقبل، وأنك خير مني ~~لأقتلنك، واختلفوا هل قابيل وأخته ولدا قبل هابيل وأخته، أم بعدهما؟ على ~~قولين، وهل كان قابيل كافرا أو فاسقا غير كافر؟ فيه قولان: وفي سبب قبول ~~قربان هابيل قولان: # أحدهما: أنه كان أتقى لله من قابيل. # والثاني: أنه تقرب بخيار ماله، وتقرب قابيل بشر ماله. وهل كان قربانهما ~~بأمر آدم، أم من قبل أنفسهما؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه كان وآدم قد ذهب إلى زيارة البيت. # والثاني: أن آدم أمرهما بذلك. وهل قتل هابيل بعد تزويج أخت قابيل، أم لا؟ ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه قتله قبل ذلك لئلا يصل إليها. # والثاني: أنه قتله بعد نكاحها. # قوله تعالى: (قال لأقتلنك) وروى زيد عن يعقوب: " لأقتلنك " بسكون النون ~~وتخفيفها. # والقائل: هو الذي لم يتقبل منه. قال الفراء: إنما حذف ذكره، لأن المعنى ~~يدل عليه، ومثل ذلك في PageV02P264 # الكلام أن تقول: إذا رأيت الظالم والمظلوم أعنت، وإذا اجتمع السفيه ~~والحليم حمد، وإنما كان ذلك، لأن المعنى لا يشكل، فلو قلت: مر بي رجل ~~وامرأة، فأعنت، وأنت تريد أحدهما، لم يجز، لأنه ليس هناك علامة تدل على ~~مرادك. وفي المراد بالمتقين قولان:. # أحدهما: أنهم الذين يتقون المعاصي، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين يتقون الشرك، قاله الضحاك. # لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العلمين (28) قوله تعالى: (ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) فيه قولان: # أحدهما: ما أنا بمنتصر لنفسي، قاله ابن عباس. # والثاني: ما كنت لأبتدئك، قاله عكرمة. وفي سبب امتناعه من دفعه عنه ~~قولان: # أحدهما: أنه منعه التحرج مع قدرته على الدفع وجوازه له، قاله ابن عمر، ~~وابن عباس. # والثاني: أن دفع الإنسان عن نفسه لم يكن في ذلك الوقت جائزا، قاله الحسن، ~~ومجاهد. # وقال ابن جرير: ليس في الآية دليل على أن المقتول علم عزم القاتل على ~~قتله، ثم ترك الدفع عن نفسه، وقد ذكر أنه قتله غيلة، فلا يدعى ما ليس في ~~الآية إلا ms0546 بدليل. # إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحب النار وذلك جزاء الظالمين ~~(29) قوله تعالى: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) فيه قولان: # أحدهما: إني أريد أن ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي في عنقك، هذا قول ابن ~~مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أن تبوء بإثمي في خطاياي، وإثمك في قتلك لي، وهو مروي عن مجاهد ~~أيضا قال ابن جرير: والصحيح عن مجاهد القول الأول، وقد روى البخاري، ومسلم ~~في " صحيحهما " من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من ~~سن القتل " فإن قيل: كيف أراد هابيل وهو من المؤمنين أن يبوء قابيل بالإثم ~~وهو معصية، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه ما أراد لأخيه الخطيئة، وإنما أراد: إن قتلتني أردت أن تبوء ~~بالإثم، وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج. PageV02P265 # والثاني: أن في الكلام محذوفا، تقديره: إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك، ~~فحذف " لا " كقوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) أي: أن لا ~~تميد بكم، ومنه قول امرئ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أراد: لا أبرح. ~~وهذا مذهب ثعلب. # والثالث: أن المعنى: أريد زوال أن تبوء بإثمي وإثمك، وبطلان أن تبوء ~~بإثمي وإثمك، فحذف ذلك، وقامت " أن " مقامه، كقوله تعالى: (وأشربوا في ~~قلوبهم العجل) أي: حب العجل، ذكره والذي قبله ابن الأنباري. # قوله تعالى: (وذلك جزاء الظالمين) الإشارة إلى مصاحبة النار. # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) قوله تعالى: (فطوعت ~~له نفسه) فيه خمسة أقوال: # أحدها: تابعته على قتل أخيه، قاله ابن عباس. # والثاني: شجعته، قاله مجاهد. # والثالث: زينت له، قاله قتادة. # والرابع: رخصت له، قاله أبو الحسن الأخفش. # والخامس: أن " طوعت " فعلت من " الطوع " والعرب تقول: طاع لهذه الظبية ~~أصول هذا الشجر، وطاع له كذا، أي: أتاه طوعا، حكاه الزجاج ms0547 عن المبرد. وقال ~~ابن قتيبة: شايعته وانقادت له، يقال: لساني لا يطوع بكذا، أي: لا ينقاد ~~وهذه المعاني تتقارب. وفي كيفية قتله ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه رماه بالحجارة حتى قتله، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: ضرب رأسه بصخرة وهو نائم، رواه مجاهد عن ابن عباس، والسدي عن ~~أشياخه. # والثالث: رضخ رأسه بين حجرين. قال ابن جريج: لم يدر كيف يقتله، فتمثل له ~~إبليس، وأخذ طائرا فوضع رأسه على حجر، ثم شدخه بحجر آخر، ففعل به هكذا، ~~وكان ل‍ " هابيل " يومئذ عشرون سنة. وفي موضع مصرعه ثلاثة أقوال: # أحدها: على جبل ثور، قاله ابن عباس. # والثاني: بالبصرة، قاله جعفر الصادق. PageV02P266 # والثالث: عند عقبة حراء، حكاه ابن جرير الطبري. وفي قوله [تعالى]: (فأصبح ~~من الخاسرين) ثلاثة أقوال: # أحدها: من الخاسرين الدنيا والآخرة، فخسرانه الدنيا: أنه أسخط والديه، ~~وبقي بلا أخ، وخسرانه الآخرة: أنه أسخط ربه، وصار إلى النار، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه أصبح من الخاسرين الحسنات، قاله الزجاج. # والثالث: من الخاسرين أنفسهم باهلاكهم إياها، قاله القاضي أبو يعلى. # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه، كيف يوري سوءة أخيه قال يا ويلتي ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من الندمين (31) قوله ~~تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث) قال ابن عباس: حمله على عاتقه، فكان إذا مشى ~~تخط يداه ورجلاه في الأرض، وإذا قعد وضعه إلى جنبه حتى رأى غرابين اقتتلا، ~~فقتل أحدهما الآخر، ثم بحث له الأرض حتى واراه بعد أن حمله سنين. وقال ~~مجاهد: حمله على عاتقه مائة سنة. وقال عطية: حمله حتى أروح. وقال مقاتل: ~~حمله ثلاثة أيام. وفي المراد بسوأة فقال أخيه قولان: # أحدهما: عورة أخيه. # والثاني: جيفة أخيه. # قوله تعالى: (فأصبح من النادمين) فإن قيل: أليس الندم توبة، فلم لم يقبل ~~منه؟ فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا: ويكون توبة لهذه ~~الأمة، لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها، قاله الحسن بن الفضل. # والثاني: أنه ندم ms0548 على حمله لا على قتله. # والثالث: أنه ندم إذ لم يواره حين قتله. # والرابع: أنه ندم على فوات أخيه، لا على ركوب الذنب. وفي هذه القصة تحذير ~~من الحسد، لأنه الذي أهلك قابيل. # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) ~~PageV02P267 # قوله تعالى: (من أجل ذلك) قال الضحاك: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ~~ظلما، وقال أبو عبيدة: من جناية ذلك، ومن جري ذلك. قال الشاعر: # وأهل خباء صالح ذات بينهم * قد احتربوا في عاجل أنا آجله أي: جانيه وجار ~~عليهم. وقال قوم: الكلام متعلق بما قبله، والمعنى: فأصبح من النادمين من ~~أجل ذلك. فعلى هذا يحسن الوقف هاهنا، وعلى الأول لا يحسن الوقف. والأول ~~أصح. و (كتبنا) بمعنى: فرضنا. ومعنى (قتل نفسا بغير نفس) أي: قتلها ظلما ~~ولم تقتل نفسا. (أو فساد في الأرض) " فساد " منسوق على (نفس)، المعنى: أو ~~بغير فساد تستحق به القتل. وقيل: أراد بالفساد هاهنا: الشرك، وفي معنى قوله ~~[تعالى]: (فكأنما قتل الناس جميعا) خمسة أقوال: # أحدها: أن عليه إثم من قتل الناس جميعا، قاله الحسن، والزجاج. # والثاني: أنه يصلى النار بقتل المسلم، كما لو قتل الناس جميعا، قاله ~~مجاهد، وعطاء. وقال ابن قتيبة: يعذب كما يعذب قاتل الناس جميعا. # والثالث: أنه يجب عليه من القصاص مثل ما لو قتل الناس جميعا، قاله ابن ~~زيد والرابع: أن معنى الكلام: ينبغي لجميع الناس أن يعينوا ولي المقتول حتى ~~يقيدوه منه، كما لو قتل أولياءهم جميعا، ذكره القاضي أبو يعلى. # والخامس: أن المعنى: من قتل نبيا أو إماما عادلا، فكأنما قتل الناس ~~جميعا، رواه عكرمة عن ابن عباس. والقول بالعموم أصح. فإن قيل: إذا كان إثم ~~قاتل الواحد كإثم من قتل الناس جميعا، دل هذا على أنه لا إثم عليه في قتل ~~من يقتله ms0549 بعد قتل الواحد إلى أن يفنى الناس؟ فالجواب: أن المقدار الذي ~~يستحقه قاتل الناس جميعا، معلوم عند الله محدود، فالذي يقتل الواحد يلزمه ~~ذلك الإثم المعلوم، والذي يقتل الاثنين يلزمه مثلاه، وكلما زاد قتلا زاده ~~الله إثما، ومثل هذا قوله [تعالى]: (من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها) ~~فالحسنة معلوم عند الله مقدار ثوابها، فعاملها يعطى بمثل ذلك عشر مرات. ~~وهذا الجواب عن سؤال سائل إن قال: إذا كان من أحيا نفسا فله ثواب من أحيا ~~الناس، فما ثواب من أحيا الناس كلهم؟ هذا كله منقول عن المفسرين. والذي ~~أراه أن التشبيه بالشئ تقريب منه، لأنه لا يجوز أن يكون إثم قاتل شخصين ~~كإثم قاتل شخص، وإنما وقع التشبيه ب " كأنما "، لأن جميع الخلائق من شخص ~~واحد، فالمقتول يتصور منه نشر عدد الخلق كلهم. PageV02P268 # وفي قوله [تعالى]: (ومن أحياها) خمسة أقوال: # أحدها: استنقذها من هلكة، روي عن ابن مسعود، ومجاهد. قال الحسن. من ~~أحياها من غرق أو حرق أو هلاك. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: من شد عضد نبي ~~أو إمام عادل، فكأنما أحيا الناس جميعا. # والثاني: ترك قتل النفس المحرمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد في رواية. # والثالث: أن يعفو أولياء المقتول عن القصاص، قاله الحسن، وابن زيد، وابن ~~قتيبة. # والرابع: أن يزجر عن قتلها، وينهى. # والخامس: أن يعين الولي على استيفاء القصاص، لأن في القصاص حياة، ذكرهما ~~القاضي أبو يعلى. وفي قوله [تعالى]: (فكأنما أحيا الناس جميعا) قولان: # أحدهما: فله أجر من أحيا الناس جميعا، قاله الحسن، وابن قتيبة. # والثاني: فعلى جميع الناس شكره، كما لو أحياهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (ولقد جاءتهم رسلنا) يعني: بني إسرائيل الذين جرى ذكرهم. # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) قوله تعالى: (إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله) في ms0550 سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في ناس من عرينة قدموا المدينة، فاجتووها، فبعثهم رسول ~~الله في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فصحوا، ~~وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله في ~~آثارهم، فجئ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم ~~بالحرة حتى ماتوا، ونزلت هذه الآية، رواه قتادة عن أنس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، والسدي. # والثاني: أن قوما من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] عهد وميثاق، فنقضوا العهد، PageV02P269 # وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله بهذه الآية: إن شاء أن يقتلهم، وإن ~~شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه ~~قال الضحاك. # والثالث: أن أصحاب أبي بردة الأسلمي قطعوا الطريق على قوم جاؤوا يريدون ~~الاسلام، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ابن السائب: ~~كان أبو بردة، واسمه هلال بن عويمر، وادع النبي صلى الله عليه وسلم على أن ~~لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين لم يهج، ومن مر بهلال إلى ~~سول الله [صلى الله عليه وسلم] لم يهج، فمر قوم من بني كنانة يريدون ~~الاسلام بناس من قوم هلال، فنهدوا إليهم، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، ولم يكن ~~هلال حاضرا، فنزلت هذه الآية. # والرابع: أنها نزلت في المشركين، رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن. ~~واعلم أن ذكر " المحاربة " لله عز وجل في الآية مجاز. وفي معناها للعلماء ~~قولان: # أحدهما: أنه سماهم محاربين له تشبيها بالمحاربين حقيقة، لأن المخالف ~~محارب، وإن لم يحارب، فيكون المعنى: يخالفون الله ورسوله بالمعاصي. # والثاني: أن المراد: يحاربون أولياء الله، وأولياء رسوله. وقال سعيد بن ~~جبير: أراد بالمحاربة لله ورسوله، الكفر بعد الاسلام. وقال مقاتل: أراد بها ~~الشرك. فأما " الفساد " فهو القتل والجراح وأخذ الأموال، وإخافة السبيل. # قوله تعالى: (أن يقتلوا أو يصلبوا) اختلف العلماء هل هذه العقوبة على ~~الترتيب، أم على التخيير؟ فمذهب أحمد رضي الله ms0551 عنه أنها على الترتيب، وإنهم ~~إذا قتلوا، وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا، قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا ~~المال، ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن لم يأخذوا المال، ~~نفوا. قال ابن الأنباري: فعلى هذا تكون " أو " مبعضة فالمعنى: بعضهم يفعل ~~به كذا، وبعضهم كذا، ومثله قوله [تعالى]: (كونوا هودا أو نصارى) المعنى: ~~قال بعضهم هذا، وقال بعضهم هذا. وهذا القول اختيار أكثر اللغويين. وقال ~~الشافعي: إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا ~~المال، قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف. وقال مالك: الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء، سواء ~~قتلوا أو لم PageV02P270 # يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا، والصلب بعد القتل. وقال أبو حنيفة، ~~ومالك: يصلب ويبعج برمح حتى يموت. واختلفوا في مقدار زمان الصلب. فعندنا ~~أنه يصلب بمقدار ما يشتهر صلبه. # واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال ~~بعضهم: يترك حتى يسيل صديده. قال أبو عبيدة: معنى " من خلاف " أن تقطع يده ~~اليمنى ورجله اليسرى، يخالف بين قطعهما. فأما " النفي " فأصله الطرد ~~والإبعاد. وفي صفة نفيهم أربعة أقوال: # أحدها: إبعادهم من بلاد الإسلام إلى دار الحرب، قاله أنس بن مالك، ~~والحسن، وقتادة، وهذا إنما يكون في حق المحارب المشرك، فأما المسلم فلا ~~ينبغي أن يضطر إلى ذلك. # والثاني: أن يطلبوا لتقام عليهم الحدود، فيبعدوا، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثالث: إخراجهم من مدينتهم إلى مدينة أخرى، قاله سعيد بن جبير. وقال ~~مالك: ينفى إلى بلد غير بلده، فيحبس هناك. # والرابع: أنه الحبس، قاله أبو حنيفة وأصحابه. وقال أصحابنا: صفة النفي: ~~أن يشرد ولا يترك يأوي في بلد، فكلما حصل في بلد نفي إلى بلد غيره، وفي ~~(الخزي) قولان: # أحدهما: انه العقاب. # والثاني: الفضيحة. # وهل يثبت لهم حكم المحاربين في المصر، أم لا؟ ظاهر كلام أصحابنا أنه لا ~~يثبت لهم ذلك في المصر وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي، وأبو يوسف: المصر ~~والصحارى سواء، ويعتبر ms0552 في المال المأخوذ قدر نصاب، كما يعتبر في حق السارق، ~~خلافا لمالك. # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) ~~قوله تعالى: (إلا الذين تابوا) قال أكثر المفسرين: هذا الاستثناء في ~~المحاربين المشركين إذا تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم، وآمنوا قبل القدرة ~~عليهم، فلا سبيل عليهم فيما أصابوا من مال أو دم، وهذا لا خلاف فيه. فأما ~~المحاربون المسلمون، فاختلفوا فيهم، ومذهب أصحابنا: أن حدود الله تسقط عنهم ~~من انحتام القتل والصلب والقطع والنفي. فأما حقوق الآدميين من الجراح ~~والأموال، فلا تسقطها التوبة، وهذا قول الشافعي. PageV02P271 # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجهدوا في سبيله ~~لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون أن ~~يخرجوا من النار وما هم بخرجين منها ولهم عذاب مقيم (37) قوله تعالى: ~~(وابتغوا إليه الوسيلة) في (الوسيلة) قولان: # أحدهما: أنها القربة، قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والفراء وقال قتادة: ~~تقربوا إليه بما يرضيه. قال أبو عبيدة: يقال: توسلت إليه، أي: تقربت إليه. ~~وأنشد: # إذا غفل الواشون عدنا لو صلنا * وعاد التصافي بيننا والوسائل والثاني: ~~المحبة، يقول: تحببوا إلى الله، هذا قول ابن زيد. # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا من الله والله عزيز ~~حكيم (38) قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) قال ابن السائب: ~~نزلت في طعمة بن أبيرق، وقد مضت قصته في (سورة النساء). و (السارق): إنما ~~سمي سارقا، لأنه يأخذ الشئ في خفاء، واسترق السمع: إذا تسمع مستخفيا. قال ~~المبرد: والسارق هاهنا مرفوع بالابتداء، لأنه ليس القصد منه واحدا بعينه، ~~وإنما هو، كقولك: من سرق فاقطع يده. وقال ابن الأنباري: وإنما دخلت الفاء، ~~لأن في الكلام معنى الشرط، تقديره: من سرق فاقطعوا يده. قال الفراء: وإنما ~~قال: (فاقطعوا أيديهما) لأن كل شئ موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى ~~اثنين فصاعدا، جمع تقول: قد هشمت ms0553 رؤوسهما وملأت [ظهورهما] وبطونهما ومثله ~~(فقد صنعت قلوبكما) وإنما اختير الجمع على التثنية، لأن أكثر ما تكون عليه ~~الجوارح اثنين اثنين في الانسان: اليدين، والرجلين، والعينين، فلما جرى ~~أكثره على هذا، ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية، وقد يجوز ~~تثنيتهما. قال أبو ذؤيب فتخالسا نفسيهما بنوافذ * كنوافذ العبط التي لا ~~ترقع PageV02P272 # فصل وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق، وبينت السنة أن المراد به ~~السارق لنصاب من حرز مثله، كما قال تعالى: (فاقتلوا المشركين) ونهى النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] عن قتل النساء، والصبيان، وأهل الصوامع. واختلف في ~~مقدار النصاب، فمذهب أصحابنا: أن للسرقة نصابين: أحدهما: من الذهب ربع ~~دينار، ومن الورق ثلاثة دراهم، أو قيمة ثلاثة دراهم من العروض وهو قول ~~مالك. # وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى تبلغ السرقة عشرة دراهم. وقال الشافعي: ~~الاعتبار في ذلك بربع دينار، وغيره مقوم به، فلو سرق درهمين قيمتهما ربع ~~دينار، قطع فإن سرق نصابا من التبر، فعليه القطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع ~~حتى يبلغ ذلك نصابا مضروبا، فإن سرق منديلا لا يساوي نصابا، في طرفه دينار، ~~وهو لا يعلم، لا يقطع. وقال الشافعي: يقطع. فإن سرق ستارة الكعبة، قطع، ~~خلافا لأبي حنيفة. فإن سرق صبيا صغيرا حرا، لم يقطع، وإن كان على الصغير ~~حلي، وقال مالك: # يقطع بكل حال. وإذا اشترك جماعة في سرقة نصاب، قطعوا، وبه قال مالك، إلا ~~أنه اشترط أن يكون المسروق ثقيلا يحتاج إلى معاونة بعضهم لبعض في إخراجه. ~~وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا قطع عليه بحال ويجب القطع على جاحد العارية ~~عندنا، وبه قال سعيد بن المسيب، والليث بن سعد، خلافا لأكثر الفقهاء. # فأما الحرز، فهو ما جعل للسكنى، وحفظ الأموال، كالدور والمضارب والخيم ~~التي يسكنها الناس، ويحفظون أمتعتهم بها، فكل ذلك حرز، وإن لم يكن فيه حافظ ~~ولا عنده، وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب، أو لا باب له إلا أنه محجر ~~بالبناء. فأما ما كان في غير بناء ms0554 ولا خيمة، فإنه ليس في حرز إلا أن يكون ~~عنده من يحفظه. ونقل الميموني عن أحمد: إذا كان المكان مشتركا في الدخول ~~إليه، كالحمام والخيمة لم يقطع السارق منه، ولم يعتبر الحافظ. ونقل عنه ابن ~~منصور: # لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع أجير حافظ. فأما النباش، ~~فقال أحمد في رواية أبي طالب: يقطع، وبه قال مالك، والشافعي، وابن أبي ~~ليلى. وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لا يقطع. # فصل فأما موضع قطع السارق، فمن مفصل الكف، وممن مفصل الرجل. فأما اليد ~~اليسرى PageV02P273 # والرجل اليمنى، فروي عن أحمد: لا تقطع، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعلي، ~~وأبي حنيفة، وروي عنه: أنها تقطع، وبه قال مالك، والشافعي. ولا يثبت القطع ~~إلا باقراره مرتين، وبه قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك، والشافعي: يثبت بمرة. ويجتمع القطع والغرم موسرا كان أو ~~معسرا. وقال أبو حنيفة لا يجتمعان، فإن كانت العين باقية أخذها ربها، وإن ~~كانت مستهلكة، فلا ضمان. وقال مالك: يضمنها إن كان موسرا، ولا شئ عليه إن ~~كان معسرا. # قوله تعالى: (نكالا من الله) قد ذكرنا " النكال " في (البقرة). # قوله تعالى: (والله عزيز حكيم) قال سعيد بن جبير: شديد في انتقامه، حكيم ~~إذ حكم بالقطع. قال الأصمعي: قرأت هذه الآية، وإلى جنبي أعرابي، فقلت: ~~والله غفور رحيم، سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله. قال: ~~أعد فأعدت: والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت، فقلت: والله ~~عزيز حكيم. فقال: أصبت، هذا كلام الله. فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. ~~قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ فقال: يا هذا عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما ~~قطع. # فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ~~ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شئ قدير (40) قوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه) سبب نزولها: ~~أن امرأة كانت ms0555 قد سرقت، فقالت: يا رسول الله هل لي من توبة؟ فنزلت هذه ~~الآية. قاله عبد الله بن عمرو. وقال سعيد بن جبير: فمن تاب من بعد ظلمه، ~~أي: سرقته، وأصلح العمل، فإن الله يتجاوز عنه، إن الله غفور لما كان منه ~~قبل التوبة، رحيم لمن تاب. # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسرعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ~~لم يأتوك يحرفون الكلم من PageV02P274 # بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد ~~الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) قوله تعالى: (يا ~~أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) اختلفوا فيمن نزلت على خمسة ~~أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بيهودي وقد حمموه وجلدوه، فقال: ~~أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، فقال: ~~أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ~~قال: لا، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا نترك الشريف، ونقيمه على الوضيع، ~~فقلنا: تعالوا نجمع على شئ نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم ~~والجلد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أول من أحيا أمرك ~~إذا أماتوه " فأمر به فرجم، ونزلت هذه الآية، رواه البراء بن عازب. # والثاني: أنها نزلت في ابن صوريا آمن ثم كفر، وهذا المعنى مروي عن أبي ~~هريرة. # والثالث: أنها نزلت في يهودي قتل يهوديا، ثم قال: سلوا محمدا فإن كان بعث ~~بالدية، اختصمنا إليه، وإن كان بعث بالقتل، لم نأته، قال الشعبي. # والرابع: أنها نزلت في المنافقين، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والخامس: أن رجلا من الأنصار أشارت إليه قريظة يوم حصارهم على ماذا ننزل؟ ~~فأشار إليهم: أنه الذبح، قاله السدي، قال مقاتل: هو أبو لبابة بن عبد ~~المنذر، قالت له قريظة: أننزل ms0556 PageV02P275 # على حكم سعد؟ فأشار بيده: أنه الذبح، وكان حليفا لهم. قال أبو لبابة: ~~فعلمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. ومعنى الكلام: لا يحزنك ~~مسارعة الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم وهم ~~المنافقون، ومن الذين هادوا وهم اليهود. # (سماعون للكذب) قال سيبويه: هو مرفوع بالابتداء. قال أبو الحسن الأخفش: ~~ويجوز أن يكون رفعه على معنى: ومن الذين هادوا سماعون للكذب. # وفي معناه أربعة أقوال: # أحدها: سماعون منك ليكذبوا عليك. # والثاني: سماعون للكذب، أي: قائلون له. # والثالث: سماعون للكذب الذي بدلوه في توراتهم. # والرابع: سماعون للكذب، أي: قابلون له، ومنه: " سمع الله لمن حمده " أي: ~~قبل. # وفي قوله [تعالى]: (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) قولان: # أحدهما: يسمعون لأولئك، فهم عيون لهم. # والثاني: سماعون من قوم آخرين، وهم رؤساؤهم المبدلون التوراة. # وفي السماعين للكذب، وللقوم الآخرين قولان: # أحدهما: أن " السماعين للكذب " يهود المدينة، والقوم الآخرون يهود فدك. # والثاني: بالعكس من هذا. وفي تحريفهم الكلم خمسة أقوال: # أحدها: أنه تغيير حدود الله في التوراة، وذلك أنهم غيروا الرجم، قاله ابن ~~عباس، والجمهور. # والثاني: تغيير ما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب عليه، ~~قاله الحسن. # والثالث: إخفاء صفة النبي صلى الله عليه وسلم. # والرابع: إسقاط القود بعد استحقاقه. # والخامس: سوء التأويل. وقال ابن جرير: المعنى يحرفون حكم الكلم، فحذف ذكر ~~الحكم لمعرفة السامعين بذلك. PageV02P276 # قوله تعالى: (من بعد مواضعه) قال الزجاج: أي: من بعد أن وضعه الله ~~مواضعه، فأحل حلاله وحرم حرامه. # قوله تعالى: (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) في القائلين لهذا قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، وذلك أن رجلا وامرأة من أشرافهم زنيا، فكان حدهما ~~الرجم، فكرهت اليهود رجمهما، فبعثوا إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~يسألونه عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا، وقالوا: إن أفتاكم بالجلد فخذوه ~~وإن أفتاكم بالرجم فلا تعملوا به، هذا قول الجمهور. # والثاني: أنهم المنافقون. قال قتادة: وذلك أن بني النضير كانوا لا يعطون ~~قريظة القود إذا قتلوا منهم، وإنما يعطونهم الدية، ms0557 فإذا قتلت قريظة من ~~النضير لم يرضوا إلا بالقود تعززا عليهم، فقتل بنو النضير رجلا من قريظة ~~عمدا، فأرادوا رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من ~~المنافقين: إن قتيلكم قتيل عمد، ومتى ترفعوا ذلك إلى محمد خشيت عليكم ~~القود، فإن قبلت منكم الدية فأعطوا، وإلا فكونوا منه على حذر. وفي معنى ~~(فاحذروا) ثلاثة أقوال: # أحدها: فاحذروا أن تعملوا بقوله الشديد. # والثاني: فاحذروا أن تطلعوه على ما في التوراة فيأخذكم بالعمل به. # والثالث: فاحذروا أن تسألوه بعدها. # قوله تعالى: (ومن يرد الله فتنته) في " الفتنة " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى الضلالة، قاله ابن عباس ومجاهد. # والثاني: العذاب، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: الفضيحة، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: (فلن تملك له من الله شيئا) أي: لا تغني عنه، ولا تقدر على ~~استنقاذه. وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من حزنه على مسارعتهم في ~~الكفر. # قوله تعالى: (لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) قال السدي: يعني المنافقين ~~واليهود، لم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الكفر، ووسخ الشرك بطهارة الإيمان ~~والإسلام. # قوله تعالى: (لهم في الدنيا خزي) أما خزي المنافقين، فبهتك سترهم وإطلاع ~~النبي على كفرهم، وخزي اليهود بفضيحتهم في إظهار كذبهم إذ كتموا الرجم، ~~وبأخذ الجزية منهم. قال PageV02P277 # مقاتل، وخزي قريظة بقتلهم وسبيهم، وخزي النضير بإجلائهم. # سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) قوله تعالى: (سماعون للكذب) قال الحسن: يعني حكام اليهود يسمعون الكذب ~~ممن يكذب عندهم في دعواه، ويأتيهم برشوة فيأخذونها. وقال أبو سليمان: هم ~~اليهود يسمعون الكذب، وهو قول بعضهم لبعض: محمد كاذب، وليس بنبي، وليس في ~~التوراة رجم، وهم يعلمون كذبهم. # قوله تعالى: (أكالون للسحت) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو ~~جعفر " السحت " مضمومة الحاء مثقلة. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة ~~(السحت) ساكنة الحاء خفيفة. وروى خارجة بن مصعب عن نافع " أكالون للسحت ms0558 " ~~بفتح السين وجزم الحاء. قال أبو علي: السحت والسحت لغتان، وهما اسمان للشئ ~~المسحوت، وليسا بالمصدر، فأما من فتح السين، فهو مصدر سحت، فأوقع اسم ~~المصدر على المسحوت، كما أوقع الضرب على المضروب في قولهم: هذا الدرهم ضرب ~~الأمير. وفي المراد بالسحت ثلاثة أقوال: # أحدها: الرشوة في الحكم. # والثاني: الرشوة في الدين، والقولان عن ابن مسعود. # والثالث: أنه كل كسب لا يحل، قاله الأخفش. # قوله تعالى: (فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) فيمن أريد بهذا الكلام ~~قولان: # أحدهما: اليهوديان اللذان زنيا، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. # والثاني: رجلان من قريظة والنضير قتل أحدهما الآخر، قاله قتادة. وقال ابن ~~زيد: كان حيي بن أخطب قد جعل للنضيري ديتين، والقرظي دية، لأنه كان من ~~النضير، فقالت قريظة: لا نرضى بحكم حيي، ونتحاكم إلى محمد، فقال الله تعالى ~~لنبيه: (فان جاؤوك فاحكم بينهم) الآية. # فصل اختلف علماء التفسير في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان مخيرا، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، ثم نسخ ~~ذلك بقوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل PageV02P278 # الله) فلزمه الحكم، وزال التخيير، وهذا مروي عن ابن عباس، وعطاء ومجاهد، ~~وعكرمة، والسدي. # والثاني: أنها محكمة، وأن الإمام ونوابه في الحكم مخيرون إذا ترافعوا ~~إليهم، إن شاؤوا حكموا بينهم، وإن شاؤوا أعرضوا عنهم، وهذا مروي عن الحسن، ~~والشعبي، والنخعي، والزهري، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو الصحيح، لأنه لا ~~تنافي بين الآيتين، لأن إحداهما: خيرت بين الحكم وتركه. والثانية: بينت ~~كيفية الحكم إذا كان. # وكيف يحكمونك وعندهم التورة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة) قال ~~المفسرون: هذا تعجيب من الله عز وجل لنبيه من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم ~~بما في التوراة من حكم ما تحاكموا إليه فيه، وتقريع لليهود إذ يتحاكمون إلى ~~من يجحدون نبوته، ويتركون حكم التوراة التي يعتقدون صحتها. ms0559 # قوله تعالى: (فيها حكم الله) فيه قولان: # أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه تحاكموا، قاله الحسن. # والثاني: حكمه بالقود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة. # قوله تعالى: (ثم يتولون من بعد ذلك) فيه قولان: # أحدهما: من بعد حكم الله في التوراة. # والثاني: من بعد تحكيمك. وفي قوله تعالى: (وما أولئك بالمؤمنين) قولان: # أحدهما: ليسوا بمؤمنين لتحريفهم التوراة. # والثاني: ليسوا بمؤمنين أن حكمك من عند الله لجحدهم نبوتك. # إنا أنزلنا التورة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتب الله وكانوا عليه شهداء فلا ~~تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون (44) قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور) قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية: PageV02P279 # استفتاء اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الزانيين، وقد سبق. ~~و " الهدى ": البيان. فالتوراة مبينة صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ومبينة ما تحاكموا فيه إليه. و " النور ": الضياء الكاشف للشبهات، والموضح ~~للمشكلات. وفي النبيين الذين أسلموا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى، قاله الأكثرون. # فعلى هذا القول في معنى " أسلموا " أربعة أقوال: # أحدها: سلموا لحكم الله، ورضوا بقضائه. # والثاني: انقادوا لحكم الله، فلم يكتموه كما كتم هؤلاء. # والثالث: أسلموا أنفسهم إلى الله عز وجل. # والرابع: أسلموا لما في التوراة ودانوا بها، لأنه قد كان فيهم من لم يعمل ~~بكل ما فيها كعيسى عليه السلام. قال ابن الأنباري: وفي " المسلم " قولان: # أحدهما: أنه سمي بذلك لاستسلامه وانقياده لربه. # والثاني: لإخلاصه لربه، من قوله تعالى: (ورجلا سالما لرجل) أي: خالصا له. # والثاني: أن المراد بالنبيين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن، ~~والسدي. وذلك حين حكم على اليهود بالرجم، وذكره بلفظ الجمع كقوله تعالى: ~~(أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله). # وفي الذي حكم به منها قولان: # أحدهما: الرجم والقود. # والثاني: الحكم بسائرها ما لم يرد في شرعه ما يخالف. # والثالث: ms0560 النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قبله من الأنبياء صلوات ~~الله عليهم، قاله عكرمة. # قوله تعالى: (الذين هادوا) قال ابن عباس: تابوا من الكفر. قال الحسن: هم ~~اليهود. قال الزجاج: ويجوز أن يكون في الآية تقديم وتأخير. على معنى: إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا. ~~فأما " الربانيون " فقد سبق ذكرهم في (آل عمران). وأما (الأحبار) فهم ~~العلماء واحدهم حبر وحبر، والجمع أحبار وحبور. وقال الفراء: أكثر ما سمعت ~~العرب تقول في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء. وفي اشتقاق هذا الاسم ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه من الحبار وهو الأثر الحسن، قاله الخليل. PageV02P280 # والثاني: أنه من الحبر الذي يكتب به، قاله الكسائي. # والثالث: أنه من الحبر الذي هو الجمال والبهاء. وفي الحديث " يخرج رجل من ~~النار قد ذهب حبره وسبره " أي: جماله وبهاؤه. فالعالم بهي بجمال العلم، ~~وهذا قول قطرب. وهل بين الربانيين والأحبار فرق أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: لا فرق، والكل العلماء، هذا قول الأكثرين، منهم ابن قتيبة، ~~والزجاج. وقد روي عن مجاهد أنه قال: الربانيون: الفقهاء العلماء، وهم فوق ~~الأحبار. وقال السدي: الربانيون العلماء، والأحبار القراء. وقال ابن زيد: ~~الربانيون: الولاة، والأحبار: العلماء، وقيل: الربانيون: # علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود. # قوله تعالى: (بما استحفظوا من كتاب الله) قال ابن عباس: بما استودعوا من ~~كتاب الله وهو التوراة. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: يحكمون بحكم ما استحفظوا. # والثاني: العلماء بما استحفظوا. قال ابن جرير: " الباء " في قوله تعالى: ~~(بما استحفظوا) من صلة الأحبار. # وفي قوله تعالى: (وكانوا عليه شهداء) قولان: # أحدهما: وكانوا على ما في التوراة من الرجم شهداء، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: وكانوا شهداء لمحمد عليه السلام بما قال أنه حق. رواه العوفي عن ~~ابن عباس. # قوله تعالى: (فلا تخشوا الناس واخشوني) قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، وابن ~~عامر، والكسائي " واخشون " بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أبو عمرو بياء ~~في الوصل، وبغير ياء في الوقف، وكلاهما حسن. ms0561 وقد أشرنا إلى هذا في [سورة] ~~آل عمران. ثم في المخاطبين بهذا قولان. # أحدهما: أنهم رؤساء اليهود، قيل لهم: فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد، ~~والعمل بالرجم، واخشوني في كتمان ذلك، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن ~~عباس. قال مقاتل: # الخطاب ليهود المدينة، قيل لهم: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم، ~~ونعت محمد، واخشوني في كتمانه. # والثاني: أنهم المسلمون، قيل لهم: لا تخشوا الناس، كما خشيت اليهود ~~الناس، فلم يقولوا الحق، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) في المراد بالآيات قولان: ~~PageV02P281 # أحدهما: أنها صفة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # والثاني: الأحكام والفرائض. والثمن القليل مذكور في (البقرة). فأما قوله: ~~(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). وقوله تعالى بعدها: ~~(فأولئك هم الظالمون) (فأولئك هم الفاسقون). فاختلف العلماء فيمن نزلت على ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في اليهود خاصة، رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس، ~~وبه قال قتادة. # والثاني: أنها نزلت في المسلمين، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا ~~المعنى. # والثالث: أنها عامة في اليهود، وفي هذه الأمة، قاله ابن مسعود، والحسن، ~~والنخعي، والسدي. # والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى، قاله أبو مجلز. # والخامس: أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في ~~النصارى، قاله الشعبي وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان: # أحدهما: أنه الكفر بالله تعالى. # والثاني: أنه الكفر بذلك الحكم، وليس بكفر ينقل عن الملة. # وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا له، وهو يعلم أن الله ~~أنزله، كما فعلت اليهود، فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلا إلى الهوى من غير ~~جحود، فهو ظالم وفاسق. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: من ~~جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم. # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح ms0562 قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) PageV02P282 # قوله تعالى: (وكتبنا) أي: فرضنا (عليهم) أي: على اليهود (فيها) أي: في ~~التوراة. # قال ابن عباس: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، فما بالهم يخالفون، ~~فيقتلون النفسين بالنفس، ويفقؤون العينين بالعين؟ وكان على بني إسرائيل ~~القصاص أو العفو، وليس بينهم دية في نفس ولا جرح، فخفف الله عن أمة محمد ~~بالدية. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: النفس بالنفس: # والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، ينصبون ذلك ~~كله ويرفعون " والجروح " وكان نافع، وعاصم، وحمزة ينصبون ذلك كله، وكان ~~الكسائي يقرأ: " أن النفس بالنفس " نصبا، ويرفع ما بعد ذلك. قال أبو علي: ~~وحجته أن الواو لعطف الجمل، لا لاشتراك في العامل، ويجوز أن يكون حمل ~~الكلام على المعنى، لأن معنى: وكتبنا عليهم: قلنا لهم: النفس بالنفس، فحمل ~~العين على هذا، وهذه حجة من رفع الجروح. ويجوز أن يكون مستأنفا، لا أنه مما ~~كتب على القوم، وإنما هو ابتداء إيجاب. قال القاضي أبو يعلى: وقوله ~~[تعالى]: العين بالعين، ليس المراد قلع العين بالعين، لتعذر استيفاء ~~المماثلة، لأنا لا نقف على الحد الذي يجب قلعه، وإنما يجب فيما ذهب ضوؤها ~~وهي قائمة، وصفة ذلك أن تشد عين القالع، وتحمى مرآة، فتقدم من العين التي ~~فيها القصاص حتى يذهب ضوؤها. وأما الأنف فإذا قطع المارن، وهو ما لان منه، ~~وتركت قصبته، ففيه القصاص، وأما إذا قطع من أصله، فلا قصاص فيه، لأنه لا ~~يمكن استيفاء القصاص، كما لو قطع يده من نصف الساعد. وقال أبو يوسف، ومحمد: ~~فيه القصاص إذا استوعب. وأما الأذن، فيجب القصاص إذا استوعبت، وعرف ~~المقدار. وليس في عظم قصاص إلا في السن، فإن قلعت قلع مثلها، وإن كسر ~~بعضها، برد بمقدار ذلك. وقوله [تعالى]: (والجروح قصاص) يقتضي إيجاب القصاص ~~في سائر الجراحات التي يمكن استيفاء المثل فيها. # قوله تعالى: (فمن تصدق به) يشير إلى القصاص. # (فهو كفارة له) في هاء " له ms0563 " قولان: # أحدهما: أنها إشارة إلى المجروح، فإذا تصدق بالقصاص كفر من ذنوبه، وهو ~~قول ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والحسن، والشعبي. # والثاني: إشارة إلى الجارح إذا عفا عنه المجروح، كفر عنه ما جنى، وهذا ~~قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وهو محمول على أن الجاني تاب من جنايته، ~~لأنه إذا كان مصرا فعقوبة الإصرار باقية. # وقفينا على آثرهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التورة وآتيناه ~~الإنجيل PageV02P283 # فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التورة وهدى وموعظة للمتقين (46) ~~قوله تعالى: (وقفينا على آثارهم) أي: وأتبعنا على آثار النبيين الذين ~~أسلموا (بعيسى) فجعلناه يقفو آثارهم (مصدقا) أي: بعثناه مصدقا (لما بين ~~يديه) (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا) ليس هذا تكرارا للأول، لأن ~~الأول لعيسى، والثاني للإنجيل، لأن عيسى كان يدعو إلى التصديق بالتوراة، ~~والإنجيل أنزل وفيه ذكر التصديق بالتوراة. # وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون قوله تعالى: (وليحكم أهل الإنجيل) قرأ الأكثرون بجزم اللام على ~~معنى الأمر، تقديره: # وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه. وقرأ الأعمش، وحمزة بكسر ~~اللام، وفتح الميم على معنى " كي "، فكأنه قال: وآتيناه الإنجيل لكي يحكم ~~أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. # وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتكم ~~ابن فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ~~(48) قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب) يعني القرآن (بالحق) أي: بالصدق ~~(مصدقا لما بين يديه من الكتاب) قال ابن عباس: يريد كل كتاب أنزله الله ~~تعالى. وفي " المهيمن " أربعة أقوال: # أحدها: أنه المؤيمن قوله رواه التميمي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، وعكرمة، وعطاء، والضحاك. وقال المبرد: " مهيمن " في معنى: " مؤيمن " ~~إلا أن الهاء ms0564 بدل من الهمزة، كما قالوا: # أرقت الماء، وهرقت، وإياك وهياك. وأرباب هذا القول يقولون: المعنى: أن ~~القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب إلا أن ابن أبي نجيح روى عن مجاهد: ~~ومهيمنا عليه. قال: محمد مؤتمن على القرآن. فعلى قوله [تعالى]: في الكلام ~~محذوف، كأنه قال: وجعلناك يا محمد مهيمنا عليه، فتكون هاء " عليه " راجعة ~~إلى القرآن. وعلى غير قول مجاهد ترجع إلى الكتب المتقدمة. PageV02P284 # والثاني: أنه الشاهد، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، ~~والسدي، ومقاتل. # والثالث: أنه المصدق على ما أخبر عن الكتب، وهذا قول ابن زيد، وهو قريب ~~من القول الأول. # والرابع: أنه الرقيب الحافظ، قاله الخليل. # قوله تعالى: (فاحكم بينهم) يشير إلى اليهود (بما أنزل الله إليك) في ~~القرآن (ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق). قال أبو سليمان: المعنى: ~~فترجع عما جاءك. قال ابن عباس: لا تأخذ بأهوائهم في جلد المحصن. # قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) قال مجاهد: الشرعة: السنة، ~~والمنهاج: # الطريق. وقال ابن قتيبة: الشرعة والشريعة واحد، والمنهاج: الطريق الواضح. ~~فإن قيل: كيف نسق " المنهاج " على " الشرعة " وكلاهما بمعنى واحد؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أن بينهما فرقا من وجهين: # أحدهما: أن " الشرعة " ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق المستمر، قاله ~~المبرد. # والثاني: أن " الشرعة " الطريق الذي ربما كان واضحا، وربما كان غير واضح، ~~والمنهاج: # الطريق الذي لا يكون إلا واضحا، ذكره ابن الأنباري. فلما وقع الاختلاف ~~بين الشرعة والمنهاج، حسن نسق أحدهما على الآخر. # والثاني: أن الشرعة والمنهاج بمعنى واحد، وإنما نسق أحدهما على الآخر ~~لاختلاف اللفظين. قال الحطيئة: # ألا حبذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النأي والبعد فنسق البعد ~~على النأي لما خالفه في اللفظ، وإن كان موافقا له في المعنى، ذكره ابن ~~الأنباري. وأجاب عنه أرباب القول الأول، فقالوا: " النأي " كل ما قل بعده ~~أو كثر كأنه المفارقة، والبعد إنما يستعمل فيما كثرت مسافة مفارقته. ~~وللمفسرين في معنى الكلام قولان: # أحدهما: لكل ملة جعلنا شرعة ومنهاجا، فلأهل ms0565 التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل ~~شريعة، ولأهل القرآن شريعة، هذا قول الأكثرين. قال قتادة: الخطاب للأمم ~~الثلاث: أمة موسى، وعيسى، وأمة محمد، فللتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، ~~وللفرقان شريعة يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء بلاء، ليعلم من يطيعه ~~ممن يعصيه، والدين الواحد الذي لا يقبل غيره، التوحيد والإخلاص لله الذي ~~جاءت به الرسل. PageV02P285 # والثاني: أن المعنى: لكل من دخل في دين محمد جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا، ~~هذا قول مجاهد. # قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) فيه قولان: # أحدهما: لجمعكم على الحق. # والثاني: لجعلكم على ملة واحدة (ولكن ليبلوكم) أي: ليختبركم (في ما ~~آتاكم) من الكتب، وبين لكم من الملل. فإن قيل: إذا كان المعنى بقوله ~~[تعالى]: (لكل جعلنا منكم شرعة): نبينا محمد مع سائر الأنبياء قبله، فمن ~~المخاطب بقوله [تعالى]: (ليبلوكم)؟ # فالجواب: أنه خطاب لنبينا، والمراد به سائر الأنبياء والأمم. قال ابن ~~جرير: والعرب من شأنها إذا خاطبت غائبا، فأرادت الخبر عنه أن تغلب المخاطب، ~~فتخرج الخبر عنهما على وجه الخطاب. # قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات) قال ابن عباس، والضحاك: هو خطاب لأمة ~~محمد عليه السلام. قال مقاتل: و " الخيرات ": الأعمال الصالحة. (إلى الله ~~مرجعكم) في الآخرة (فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) من الدين. قال ابن جرير: ~~قد بين ذلك في الدنيا بالأدلة والحجج، وغدا يبينه بالمجازاة. # وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله) سبب نزولها: أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد، وعبد الله بن ~~صوريا، وشأس بن قيس، قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن ~~دينه فأتوه، فقالوا: يا محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وأنا إن ~~تبعناك، اتبعك اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا ~~عليهم، ونحن نؤمن بك، فأبى ذلك رسول الله ms0566 [صلى الله عليه وسلم]، ونزلت هذه ~~الآية، هذا قول ابن عباس. وذكر مقاتل: أن جماعة من بني النضير قالوا له: هل ~~لك أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء. كما كنا عليه من قبل، ~~ونبايعك؟ فنزلت هذه الآية. قال القاضي أبو يعلى: وليس هذه الآية تكرارا لما ~~تقدم، وإنما نزلتا في شيئين مختلفين: # أحدهما: في شأن الرجم. PageV02P286 # والآخر: في التسوية في الديات حتى تحاكموا إليه في الأمرين. # قوله تعالى: (واحذرهم أن يفتنوك) أي: يصرفوك (عن بعض ما أنزل الله إليك) ~~وفيه قولان: # أحدهما: أنه الرجم، قاله ابن عباس. # والثاني: شأن القصاص والدماء، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (فإن تولوا) فيه قولان: # أحدهما: عن حكمك. # والثاني: عن الإيمان، فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعذبهم ~~ببعض ذنوبهم. # وفي ذكر البعض قولان: # أحدهما: أنه على حقيقته، وإنما يصيبهم ببعض ما يستحقونه. # والثاني: أن المراد به الكل، كما يذكر لفظ الواحد، ويراد به الجماعة، ~~كقوله [تعالى]: # (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) والمراد: جميع المسلمين. وقال الحسن: ~~أراد ما عجله من إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة. # قوله تعالى: (وإن كثيرا من الناس لفاسقون) قال المفسرون: أراد اليهود. ~~وفي المراد بالفسق هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: الكفر، قاله ابن عباس. # والثاني: الكذب، قاله ابن زيد. # والثالث: المعاصي، قاله مقاتل. # أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) قوله ~~تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) قرأ الجمهور " يبغون " بالياء، لأن قبله ~~غيبة، وهي قوله [تعالى]: (وإن كثيرا من الناس لفاسقون). وقرأ ابن عامر " ~~تبغون " بالتاء، على معنى: # قل لهم. وسبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم بالرجم على ~~اليهوديين تعلق بنو قريظة ببني النضير، وقالوا: يا محمد هؤلاء إخواننا، ~~أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتلوا منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، ~~وإن قتلنا منهم واحدا أخذوا منا أربعين ومائة وسق، وإن قتلنا منهم رجلا ~~قتلوا به رجلين، وإن قتلنا امرأة قتلوا بها رجلا، فاقض بيننا بالعدل، ms0567 فقال ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: " ليس لبني النضير على بني قريظة فضل في ~~عقل ولا دم " فقال بنو النضير: والله لا نرضى بقضائك، ولا نطيع أمرك، ~~ولنأخذن PageV02P287 # بأمرنا الأول، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: ~~ومعنى الآية: # أتطلب اليهود حكما لم يأمر الله به، وهم أهل كتاب الله، كما تفعل ~~الجاهلية؟!. # قوله تعالى: (ومن أحسن من الله حكما) قال ابن عباس: ومن أعدل؟!. # وفي قوله تعالى: (لقوم يوقنون) قولان: # أحدهما: يوقنون بالقرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: يوقنون بالله، قاله مقاتل. وقال الزجاج: من أيقن تبين عدل الله ~~في حكمه. # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) في سبب ~~نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة إذ رضوا بحكم سعد: إنه ~~الذبح، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول عكرمة. # والثاني: أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود، ~~وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف ~~الدوائر، ولا أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فنزلت هذه الآية، قاله عطية ~~العوفي. # والثالث: أنه لما كانت وقعة أحد خافت طائفة من الناس أن يدال عليهم ~~الكفار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فألحق بفلان اليهودي، فآخذ منه أمانا، أو ~~أتهود معه، فنزلت هذه الآية، قاله السدي، ومقاتل. قال الزجاج: لا تتولوهم ~~في الدين. وقال غيره: لا تستنصروا بهم، ولا PageV02P288 # تستعينوا، (بعضهم أولياء بعض) في العون والنصرة. # قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) فيه قولان: # أحدهما: من يتولهم في الدين، فإنه منهم في الكفر. # والثاني: من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر. # فترى الذين في قلوبهم مرض يسرعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى ~~الله أن يأتي ms0568 بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ~~(52) قوله تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم) قال المفسرون: ~~نزلت في المنافقين، ثم لهم في ذلك قولان: # أحدهما: أن اليهود والنصارى كانوا يميرون المنافقين ويقرضونهم فيوادونهم، ~~فلما نزلت (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) قال المنافقون: كيف نقطع ~~مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا علينا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. وممن قال: نزلت في المنافقين، ولم يعين: مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي، قاله عطية العوفي. وفي المراد ~~بالمرض قولان: # أحدهما: أنه الشك، قاله مقاتل. # والثاني: النفاق، قاله الزجاج. # وفي قوله [تعالى]: (يسارعون فيهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: يسارعون في موالاتهم ومناصحتهم، قاله مجاهد: وقتادة. # والثاني: في رضاهم، قاله ابن قتيبة. # والثالث: في معاونتهم على المسلمين، قاله الزجاج. وفي المراد " بالدائرة ~~" قولان: # أحدهما: الجدب والمجاعة، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: نخشى أن يدور ~~علينا الدهر PageV02P289 # بمكروه، يعنون الجدب، فلا يبايعوننا، ولا يميروننا. # والثاني: انقلاب الدولة لليهود على المسلمين، قاله مقاتل. # وفي المراد بالفتح أربعة أقوال: # أحدها: فتح مكة، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: فتح قرى اليهود، قاله الضحاك. # والثالث: نصر النبي [صلى الله عليه وسلم] على من خالفه، قاله قتادة، ~~والزجاج. # والرابع: الفرج، قاله ابن قتيبة. وفي الأمر أربعة أقوال: # أحدها: إجلاء بني النضير وأخذ أموالهم، وقتل قريظة، وسبي ذراريهم، قاله ~~ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: الجزية، قاله السدي. # والثالث: الخصب، قاله ابن قتيبة. # والرابع: أن يؤمر النبي [صلى الله عليه وسلم] باظهار أمر المنافقين ~~وقتلهم، قاله الزجاج. وفيما أسروا قولان: # أحدهما: موالاتهم. # والثاني: قولهم: لعل محمدا لا ينصر. # ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمنهم إنهم لمعكم حبطت ~~أعملهم فأصبحوا خاسرين (53) قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا) قرأ أبو عمرو، ~~بنصب اللام على معنى: وعسى أن يقول. # ورفعه الباقون، فجعلوا الكلام مستأنفا. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~يقول، بغير واو، مع رفع اللام، وكذلك في مصاحف أهل ms0569 مكة والمدينة. قال ~~المفسرون: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، اشتد ذلك على ~~المنافقين، وجعلوا يتأسفون على فراقهم، وجعل المنافق يقول لقريبه المؤمن ~~إذا رآه جادا في معاداة اليهود: أهذا جزاؤهم منك، طال والله ما أشبعوا ~~بطنك؟ فلما قتلت قريظة، لم يطق أحد من المنافقين ستر ما في نفسه، فجعلوا ~~يقولون: أربعمائة حصدوا في ليلة، فلما رأى المؤمنون ما قد ظهر من ~~المنافقين، قالوا: (أهؤلاء) يعنون المنافقين (الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم) قال ابن عباس: أغلظوا في الأيمان. وقال مقاتل: جهد أيمانهم: القسم ~~بالله. PageV02P290 # وقال الزجاج: اجتهدوا في المبالغة في اليمين (إنهم لمعكم) على عدوكم ~~(حبطت أعمالهم) بنفاقهم. # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) قوله ~~تعالى: (من يرتد منكم عن دينه) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة ~~والكسائي: يرتد، بادغام الدال الأولى في الأخرى، وقرأ نافع، وابن عامر: ~~يرتدد، بدالين. قال الزجاج: " يرتدد " هو الأصل، لأن الثاني إذا سكن من ~~المضاعف، ظهر التضعيف. فأما " يرتد " فأدغمت الدال الأولى في الثانية، ~~وحركت الثانية بالفتح، لالتقاء الساكنين. قال الحسن: علم الله أن قوما ~~يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم عليه السلام، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم ~~يحبهم ويحبونه. # وفي المراد بهؤلاء القوم ستة أقوال: # أحدها: أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، قاله علي بن أبي ~~طالب، والحسن عليهما السلام، وقتادة، والضحاك، وابن جريج. قال أنس بن مالك: ~~كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه، ~~وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره والثاني: أبو بكر، وعمر، روي ~~عن الحسن، أيضا. # والثالث: أنهم قوم أبي موسى الأشعري، روى عياض الأشعري أنه لما نزلت هذه ~~الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هم قوم هذا " يعني: أبا موسى. # والرابع: ms0570 أنهم أهل اليمن، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والخامس: أنهم الأنصار، قاله السدي. # والسادس: المهاجرون والأنصار، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: ~~وقد أنجز الله ما وعد فأتى بقوم في زمن عمر كانوا أحسن موقعا في الإسلام ~~ممن ارتد. # قوله تعالى: (أذلة على المؤمنين) قال علي بن أبي طالب عليه السلام: أهل ~~رقة على أهل PageV02P291 # دينهم، أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وقال الزجاج: معنى " أذلة ": ~~جانبهم لين على المؤمنين، لا أنهم أذلاء. (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم) لأن المنافقين يراقبون الكفار، ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، ~~فأعلم الله عز وجل أن الصحيح الإيمان لا يخاف في الله لومة لائم، ثم أعلم ~~أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه، فقال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) يعني: # محبتهم لله، ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين. # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون (56) قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله) اختلفوا فيمن نزلت على ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن عبد الله بن سلام وأصحابه جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا: إن قوما قد أظهروا لنا العداوة، ولا نستطيع أن نجالس أصحابك ~~لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقالوا: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين، ~~وأذن بلال بالصلاة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا مسكين يسأل ~~الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل أعطاك أحد شيئا "؟ قال: ~~نعم. قال: " ماذا "؟ قال: خاتم فضة. قال: # " من أعطاكه "؟ قال: ذاك القائم، فإذا هو علي بن أبي طالب، أعطانيه وهو ~~راكع، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال مقاتل. وقال مجاهد: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع. # والثاني: أن عبادة بن الصامت لما تبرأ من حلفائه اليهود نزلت هذه الآية ~~في حقه، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: ms0571 أنها نزلت في أبي بكر الصديق، قاله عكرمة. # والرابع: أنها نزلت فيمن مضى من المسلمين ومن بقي منهم، قاله الحسن. # قوله تعالى: (ويؤتون الزكاة وهو راكعون) فيه قولان: # أحدهما: أنهم فعلوا ذلك في ركوعهم، وهو تصدق علي عليه السلام بخاتمه في ~~ركوعه. # والثاني: أن من شأنهم إيتاء الزكاة وفعل الركوع. وفي المراد بالركوع ~~ثلاثة أقوال: PageV02P292 # أحدها: أنه نفس الركوع على ما روى أبو صالح عن ابن عباس. وقيل: إن الآية ~~نزلت وهم في الركوع. # والثاني: أنه صلاة التطوع بالليل والنهار، وإنما أفرد الركوع بالذكر ~~تشريفا له، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أنه الخضوع والخشوع، ~~وأنشدوا: # لا تذل الفقير علك أن تر * كع يوما والدهر قد رفعه ذكره الماوردي. فأما ~~(حزب الله) فقال الحسن: هم جند الله. وقال أبو عبيدة: أنصار الله. ثم فيهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم المهاجرون والأنصار، قاله ابن عباس. # والثاني: الأنصار، ذكره أبو سليمان. # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) قوله ~~تعالى: (لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا) سبب نزولها: أن رفاعة بن ~~زيد ابن التابوت، وسويد بن الحارث كانا قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا، وكان ~~رجال من المسلمين يوادونهما، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. فأما اتخاذهم ~~الدين هزوا ولعبا، فهو إظهارهم الإسلام، وإخفاؤهم الكفر، وتلاعبهم بالدين. ~~والذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والكفار: # عبدة الأوثان. قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة: (والكفار) بالنصب ~~على معنى: لا تتخذوا الكفار أولياء. وقرأ أبو عمرو، والكسائي: " والكفار " ~~خفضا، لقرب الكلام من العامل الجار، وأمال أبو عمرو الألف. (واتقوا الله) ~~أن تولوهم. # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) ~~قوله تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نادى إلى الصلاة، ~~وقام المسلمون إليها، قالت PageV02P293 # اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا، ms0572 على سبيل الاستهزاء والضحك، فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن السائب. # والثاني: أن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين على ذلك، وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من ~~الأمم الخالية، فإن كنت تدعي النبوة، فقد خالفت في هذا الأذان الأنبياء ~~قبلك، فما أقبح هذا الصوت، وأسمج هذا الأمر، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض ~~المفسرين. وقال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: # أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمه ذات ليلة بنار ~~وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله. ~~والمناداة: هي الأذان، واتخاذهم إياها هزوا: تضاحكهم وتغامزهم (ذلك بأنهم ~~قوم لا يعقلون) ما لهم في إجابة الصلاة، وما عليهم في استهزائهم بها. # قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون ~~منا) سبب نزولها: أن نفرا من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فذكر جميع الأنبياء، فلما ذكر عيسى، جحدوا ~~نبوته، وقالوا: والله ما نعلم دينا شرا من دينكم، فنزلت هذه الآية والتي ~~بعدها، قاله ابن عباس. # وقرأ الحسن، والأعمش: " تنقمون " بفتح القاف. قال الزجاج: يقال: نقمت على ~~الرجل أنقم، ونقمت عليه أنقم، والأول أجود. ومعنى " نقمت ": بالغت في كراهة ~~الشئ، والمعنى: هل تكرهون منا إلا إيماننا، وفسقكم، لأنكم علمتم أننا على ~~حق، وأنكم فسقتم. # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ~~(60) PageV02P294 # قوله تعالى: (هل أنبئكم بشر من ذلك) قال المفسرون: سبب نزولها قول اليهود ~~للمؤمنين: # والله ما علمنا أهل دين أقل حظا منكم في الدنيا والآخرة، ولا دينا شرا من ~~دينكم. وفي قوله [تعالى]: (بشر من ذلك) قولان: # أحدهما: بشر من المؤمنين، ms0573 قاله ابن عباس. # والثاني بشر مما نقمتم من إيماننا، قاله الزجاج. فأما " المثوبة " فهي ~~الثواب. قال الزجاج: # وموضع " من " في قوله [تعالى]: (من لعنه الله) إن شئت كان رفعا، وإن شئت ~~كان خفضا، فمن خفض جعله بدلا من " شر " فيكون المعنى: أنبئكم بمن لعنه ~~الله؟ ومن رفع فبإضمار " هو " كأن قائلا قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه ~~الله. قال أبو صالح عن ابن عباس: من لعنه الله بالجزية، وغضب عليه بعبادة ~~العجل، فهم شر مثوبة عند الله. وروي عن ابن عباس أن المسخين من أصحاب ~~السبت: مسخ شبابهم قردة، ومشايخهم خنازير. وقال غيره: الردة: أصحاب السبت، ~~والخنازير: # كفار مائدة عيسى. وكان ابن قتيبة يقول: أنا أظن أن هذه القردة، والخنازير ~~هي المسوخ بأعيانها توالدت. قال: واستدللت بقوله تعالى: (وجعل منهم القردة ~~والخنازير) فدخول الألف واللام يدل على المعرفة، وعلى أنها القرود التي ~~تعاين، ولو كان أراد شيئا انقرض ومضى، لقال: وجعل منهم قردة وخنازير، إلا ~~أن يصح حديث أم حبيبة في " المسوخ " فيكون كما قال عليه السلام. قلت أنا: # وحديث أم حبيبة في " الصحيح " انفرد باخراجه مسلم، وهو أن رجلا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، القردة والخنازير هي مما مسخ؟ ~~فقال النبي عليه السلام: " لم يمسخ قوما أو يهلك قوما، فيجعل لهم نسلا ولا ~~عاقبة، وإن القردة والخنازير قد كانت قبل ذلك " وقد ذكرنا في سورة (البقرة) ~~عن ابن عباس زيادة بيان ذلك، فلا يلتفت إلى ظن ابن قتيبة. # قوله تعالى: (وعبد الطاغوت) فيها عشرون قراءة. قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، ونافع، والكسائي: " وعبد " بفتح العين والباء والدال، ~~ونصب تاء " الطاغوت ". وفيها وجهان: # أحدهما: أن المعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت. # والثاني: أن المعنى: من لعنه الله وعبد الطاغوت، وقرأ حمزة: " وعبد ~~الطاغوت " بفتح العين والدال، وضم الباء، وخفض تاء الطاغوت. قال ثعلب: ليس ~~لها وجه إلا أن يجمع فعل على فعل. PageV02P295 # وقال الزجاج: وجهها أن الاسم بني على ms0574 " فعل " كما تقول: علم زيد، ورجل ~~حذر، أي: مبالغ في الحذر. فالمعنى: جعل منهم خدمة الطاغوت ومن بلغ في طاعة ~~الطاغوت الغاية. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، " وعبدوا " بفتح العين ~~والباء، ورفع الدال على الجمع " الطاغوت " بالنصب. وقرأ ابن عباس، وابن أبي ~~عبلة: " وعبد " بفتح العين والباء والدال، إلا أنهما كسرا تاء " الطاغوت ". # قال الفراء: أرادا " عبدة " فحذفا الهاء. وقرأ أنس بن مالك: " وعبيد " ~~بفتح العين والدال وبياء بعد الباء وخفض تاء " الطاغوت ". وقرأ أيوب، ~~والأعمش: " وعبد "، برفع العين ونصب الباء والدال مع تشديد الباء، وكسر تاء ~~" الطاغوت ". وقرأ أبو هريرة، وأبو رجاء، وابن السميفع، " وعابد " بألف، ~~مكسورة الباء، مفتوحة الدال، مع كسر تاء الطاغوت. وقرأ أبو العالية، ويحيى ~~ابن وثاب: # " وعبد " برفع العين والباء وفتح الدال، مع كسر تاء الطاغوت. قال الزجاج: ~~هو جمع عبيد، وعبد مثل رغيف، ورغف، وسرير، وسرر، والمعنى: وجعل منهم عبيد ~~الطاغوت. وقرأ أبو عمران الجوني، ومورق العجلي، والنخعي: " وعبد " برفع ~~العين وكسر الباء مخففة، وفتح الدال مع ضم تاء " الطاغوت ". وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو الجوزاء، وعكرمة: " وعبد " بفتح العين والدال، وتشديد الباء ~~مع نصب تاء الطاغوت. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو نهيك: " وعبد " بفتح ~~العين والدال وسكون الباء خفيفة مع كسر تاء الطاغوت. وقرأ قتادة، وهذيل بن ~~شرحبيل: " وعبدة " بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ منصوبة بعد ~~الدال " الطواغيت " بألف وواو وياء بعد الغين على الجمع. # وقرأ الضحاك، وعمرو بن دينار: " وعبد " برفع العين وفتح الباء والدال مع ~~تخفيف الباء، وكسر تاء " الطاغوت ". وقرأ سعيد بن جبير، والشعبي: " وعبدة " ~~مثل حمزة، إلا أنهما رفعا تاء " الطاغوت ". وقرأ يحيى بن يعمر، والجحدري: " ~~وعبد " بفتح العين ورفع الباء والدال مع كسر تاء " الطاغوت ". وقرأ أبو ~~الأشهب العطاردي: " وعبد " برفع العين وتسكين الباء، ونصب الدال، مع كسر ~~تاء " الطاغوت " وقرأ أبو السماك: " وعبدة " بفتح العين والباء والدال وتاء ~~في اللفظ بعد الدال مرفوعة مع كسر تاء " الطاغوت " وقرأ معاذ القارئ: " ~~وعابد " مثل قراءة أبي هريرة ms0575 إلا أنه ضم الدال. وقرأ أبو حيوة: " وعباد " ~~بتشديد الباء وبألف بعدها مع رفع العين، وفتح الدال. وقرأ ابن حذلم، وعمرو ~~بن فائد: " وعباد " مثل أبي حيوة إلا أن العين مفتوحة والدال مضمومة. وقد ~~سبق ذكر " الطاغوت " في (سورة البقرة). وفي المراد به هاهنا قولان: # أحدهما: الأصنام. # والثاني: الشيطان. # قوله تعالى: (أولئك شر مكانا) أي: هؤلاء الذين وصفناهم شر مكانا من ~~المؤمنين، ولا شر في مكان المؤمنين، ولكن الكلام مبني على كلام الخصم، حين ~~قالوا للمؤمنين: لا نعرف شرا منكم، فقيل: من كان بهذه الصفة، فهو شر منهم. ~~PageV02P296 # وإذا جاؤكم ما قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم ~~بما كانوا يكتمون (61) قوله تعالى: (وإذا جاؤوكم قالوا آمنا) قال قتادة: ~~هؤلاء ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيخبرونه أنهم مؤمنون بما جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم. # قوله تعالى: (وقد دخلوا بالكفر) أي: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين، فالكفر ~~معهم في حالتيهم: (والله أعلم بما كانوا يكتمون) من الكفر والنفاق. # وترى كثيرا منهم يسرعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يعملون (62) قوله تعالى: (وترى كثيرا منهم) يعني: اليهود (يسارعون)، أي: ~~يبادرون (في الإثم) وفيه قولان: # أحدهما: أنه المعاصي، قاله ابن عباس. # والثاني: الكفر، قاله السدي. فأما العدوان فهو الظلم. وفي " السحت " ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: الرشوة في الحكم. # والثاني: الرشوة في الدين. # والثالث: الربا. # لولا ينههم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يصنعون (63) قوله تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار) " لولا " ~~بمعنى: " هلا " و " الربانيون " مذكورون في (آل عمران)، و (الأحبار) قد ~~تقدم ذكرهم في هذه السورة. وهذه الآية من أشد الآيات على تاركي الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأن الله تعالى جمع بين فاعل المنكر وتارك ~~الإنكار في الذم. قال ابن عباس: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية. # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن ms0576 كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العدوة PageV02P297 # والبغضاء إلى يوم القيمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في ~~الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) قوله تعالى: (وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة) قال أبو صالح عن ابن عباس: نزلت في فنحاص اليهودي وأصحابه، قالوا: ~~يد الله مغلولة. وقال مقاتل: فنحاص وابن صلوبا، وعازر ابن أبي عازر. وفي ~~سبب قولهم هذا ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الله تعالى كان قد بسط لهم الرزق، فلما عصوا الله تعالى في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم وكفروا به كف عنهم بعض ما كان بسط لهم، فقالوا: يد ~~الله مغلولة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والثاني: أنه الله تعالى استقرض منهم كما استقرض من هذه الأمة، فقالوا: ~~إن الله بخيل، ويده مغلولة فهو يستقرضنا، قاله قتادة. # والثالث: أن النصارى لما أعانوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس، ~~قالت اليهود: لو كان الله صحيحا، لمنعنا منه، فيده مغلولة، ذكره قتادة ~~أيضا. والمغلولة: الممسكة المنقبضة. وعن ماذا عنوا أنها ممسكة، فيه قولان: # أحدهما: عن العطاء، قاله ابن عباس، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، ~~والزجاج. # والثاني: ممسكة عن عذابنا، فلا يعذبنا إلا تحلة القسم بقدر عبادتنا ~~العجل، قاله الحسن. # وفي قوله [تعالى]: (غلت أيديهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: غلت في جهنم، قاله الحسن. # والثاني: أمسكت عن الخير، قاله مقاتل. # والثالث: جعلوا بخلاء، فهم أبخل قوم، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: ~~وهذا خبر أخبر الله تعالى به الخلق أن هذا قد نزل بهم، وموضعه نصب على معنى ~~الحال. تقديره: قالت اليهود هذا في حال حكم الله بغل أيديهم، ولعنته إياهم، ~~ويجوز أن يكون المعنى: فغلت أيديهم، ويجوز أن يكون دعاء، معناه: تعليم الله ~~لنا كيف ندعو عليهم، كقوله [تعالى] (تبت يدا أبي PageV02P298 # لهب) وقوله [تعالى]: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) وفي قوله ~~[تعالى]: # (ولعنوا بما قالوا) ثلاثة أقوال: # أحدها: أبعدوا من رحمة الله. # والثاني: عذبوا في الدنيا بالجزية، وفي الآخرة ms0577 بالنار. # الثالث: مسخوا قردة وخنازير. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " من لعن شيئا لم يكن للعنه أهلا رجعت اللعنة على اليهود بلعنة ~~الله إياهم ". قال الزجاج: وقد ذهب قوم إلى أن معنى " يد الله ": نعمته، ~~وهذا خطأ ينقضه (بل يداه مبسوطتان) فيكون المعنى على قولهم: # نعمتاه، ونعم الله أكثر من أن تحصى، والمراد بقوله: بل (يداه مبسوطتان): ~~أنه جواد ينفق كيف يشاء وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري. قال ابن عباس: إن ~~شاء وسع في الرزق، وإن شاء قتر. # قوله تعالى: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا) قال ~~الزجاج: كلما أنزل عليك شئ كفروا به فيزيد كفرهم. و " الطغيان " هاهنا: ~~الغلو في الكفر. وقال مقاتل: # وليزيدن بني النضير ما أنزل إليك من ربك من أمر الرجم والدماء طغيانا ~~وكفرا. # قوله تعالى: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء) فيمن عني بهذا قولان: # أحدهما: اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. فإن قيل: فأين ~~ذكر النصارى؟ فالجواب: أنه قد تقدم في قوله [تعالى]: (لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء). # والثاني: أنهم اليهود، قاله قتادة. # قوله تعالى: (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) ذكر إيقاد النار مثل ~~ضرب لاجتهادهم في المحاربة، وقيل: إن الأصل في استعارة اسم النار للحرب أن ~~القبيلة من العرب كانت إذا أرادت حرب أخرى أوقدت النار على رؤوس الجبال، ~~والمواضع المرتفعة، ليعلم استعدادهم للحرب، فيتأهب من يريد إعانتهم. وقيل: ~~كانوا إذا تحالفوا على الجد في حربهم، أوقدوا نارا، وتحالفوا. وفي معنى ~~الآية قولان: # أحدهما: كلما جمعوا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم فرقهم الله. # والثاني: كلما مكروا مكرا رده الله. # قوله تعالى: (ويسعون في الأرض فسادا) فيه أربعة أقوال: PageV02P299 # أحدها: بالمعاصي، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: بمحو ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من كتبهم، ودفع الإسلام، ~~قاله الزجاج. # والثالث: بالكفر. # والرابع: بالظلم، ذكرهما الماوردي. # ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) قوله تعالى: (ولو أن أهل ms0578 الكتاب) يعني: اليهود والنصارى ~~(آمنوا) بالله وبرسله (واتقوا) الشرك (لكفرنا عنهم سيئاتهم) التي سلفت. # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) قوله ~~تعالى: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل) قال ابن عباس: عملوا بما فيهما. ~~وفيما أنزل إليهم من ربهم قولان: # أحدهما: كتب أنبياء بني إسرائيل. # والثاني: القرآن، لأنهم لما خوطبوا به، كان نازلا إليهم. # قوله تعالى: (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) فيه قولان: # أحدهما: لأكلوا بقطر السماء، ونبات الأرض، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة. # والثاني: أن المعنى: لوسع عليهم، كما يقال: فلان في خير من قرنه إلى ~~قدمه، ذكره الفراء، والزجاج. وقد أعلم الله تعالى بهذا أن التقوى سبب في ~~توسعة الرزق كما قال: (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وقال: (ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب). # قوله تعالى: (منهم أمة مقتصدة) يعني: من أهل الكتاب، وهم الذين أسلموا ~~منهم، قاله ابن عباس، ومجاهد. وقال القرظي: هم الذين قالوا: المسيح عبد ~~الله ورسوله. و " الاقتصاد " الاعتدال في القول والعمل من غير غلو ولا ~~تقصير. PageV02P300 # يا أيها على الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) قوله تعالى: (يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت على أسباب، ~~روى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما بعثني الله برسالته، ضقت ~~بها ذرعا، وعرفت أن من الناس من يكذبني "، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يهاب قريشا واليهود والنصارى، فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد: لما ~~نزلت (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) قال: " يا رب كيف أصنع؟ ~~إنما أنا وحدي يجتمع علي الناس ". فأنزل الله (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس) وقال مقاتل: لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا ~~يستهزئون به، فسكت عنهم، ms0579 فحرض بهذه الآية. وقال ابن عباس: كان رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] يحرس فيرسل معه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم ~~يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية، فقال: " يا عماه إن الله قد عصمني من ~~الجن والإنس ". وقال أبو هريرة: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ~~تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد من يمنعني منك؟ ~~فقال: " الله " فنزل قوله [تعالى]: (والله يعصمك من الناس). قالت عائشة: ~~سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقلت: ما شأنك؟ قال: ألا رجل ~~صالح يحرسني الليلة، فبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال: " من هذا ~~"؟ فقال: سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~سمعت غطيطه، فنزلت (والله يعصمك من الناس) فأخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأسه من قبة أدم وقال: # انصرفوا أيها الناس، فقد عصمني الله تعالى " قال الزجاج: قوله [تعالى]: ~~(بلغ ما أنزل إليك) معناه: بلغ جميع ما أنزل إليك، ولا تراقبن أحدا ولا ~~تتركن شيئا منه مخافة أن ينالك مكروه، فإن تركت منه شيئا، فما بلغت. قال ~~ابن قتيبة: يدل على هذا المحذوف قوله [تعالى]: (والله يعصمك) وقال ابن ~~عباس: إن كتمت آية فما بلغت رسالتي. وقال غيره: PageV02P301 # المعنى: بلغ جميع ما أنزل إليك جهرا، فإن أخفيت شيئا منه لخوف أذى يلحقك، ~~فكأنك ما بلغت شيئا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " رسالته " على ~~التوحيد. وقرأ نافع " رسالاته " على الجمع. # قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) قال ابن قتيبة: أي: يمنعك منهم. ~~وعصمة الله: منعه للعبد من المعاصي، ويقال: طعام لا يعصم، أي: لا يمنع من ~~الجوع. فإن قيل: # فأين ضمان العصمة وقد شج جبينه، وكسرت رباعيته، وبولغ في أذاه؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أنه عصمة من القتل والأسر وتلف الجملة، فأما عوارض الأذى، فلا ~~تمنع عصمة الجملة. # والثاني: أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك، لأن " المائدة " من ~~أواخر ما ms0580 نزل. # قوله تعالى: (إن الله لا يهدي القوم الكافرين) فيه قولان: # أحدهما: لا يهديهم إلى الجنة. # والثاني: لا يعينهم على بلوغ غرضهم. # قل يأهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التورة والإنجيل وما أنزل إليكم ~~من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على ~~القوم الكافرين (68) قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شئ) سبب ~~نزولها: أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تؤمن بما عندنا من ~~التوراة، وتشهد أنها حق؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، فأنا برئ ~~من إحداثكم. فقالوا: نحن على الهدى، ونأخذ بما في أيدينا، ولا نؤمن بك، ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس فأما أهل الكتاب، فالمراد بهم اليهود ~~والنصارى، وقوله [تعالى]: (لستم على شئ) أي: لستم على شئ من الدين الحق حتى ~~تقيموا التوراة والإنجيل، وإقامتهما: العمل بما فيهما، ومن ذلك الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفي الذي أنزل إليهم من ربهم قولان قد سبقا، ~~وكذلك باقي الآية. # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الأخر وعمل PageV02P302 # صلحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئون) قد ذكرنا تفسيرها في البقرة. # وكذلك اختلفوا في إحكامها ونسخها كما بينا هناك. فأما رفع " الصائبين " ~~فذكر الزجاج عن البصريين، منهم الخليل، وسيبويه أن قوله: " والصائبون " ~~محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء. والمعنى: إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ~~والصائبون والنصارى كذلك أيضا، وأنشدوا: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق المعنى: فاعلموا أنا ~~بغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم أيضا كذلك. # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) قوله تعالى: (لقد أخذنا ميثاق ~~بني إسرائيل) قال مقاتل: أخذ ميثاقهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها. قال ~~ابن عباس: كان فيمن كذبوا، ms0581 محمد، وعيسى، وفيمن قتلوا، زكريا، ويحيى. قال ~~الزجاج: فأما التكذيب، فاليهود، والنصارى يشتركون فيه. وأما القتل فيختص ~~اليهود. # وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم والله بصير بما يعملون (71) قوله تعالى: (وحسبوا أن لا تكون فتنة) قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: # (تكون) بالنصب، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " تكون " بالرفع، ولم ~~يختلفوا في رفع (فتنة). قال مكي بن أبي طالب: من رفع جعل " أن " مخففة من ~~الثقيلة، وأضمر معها (الهاء)، وجعل (حسبوا) بمعنى: أيقنوا، لأن " أن " ~~للتأكيد، والتأكيد لا يجوز إلا مع اليقين. # والتقدير: أنه لا تكون فتنة. ومن نصب جعل " أن " هي الناصبة للفعل، وجعل ~~(حسبوا) بمعنى: ظنوا. ولو كان قبل " أن " فعل لا يصلح للشك، لم يجز أن تكون ~~إلا مخففة من الثقيلة، ولم يجز نصب الفعل بها، كقوله [تعالى]: (أفلا يرون ~~ألا يرجع إليهم) و (علم أن PageV02P303 # سيكون) وقال أبو علي: الأفعال ثلاثة: فعل يدل على ثبات الشئ واستقراره، ~~نحو العلم والتيقن، وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار، وفعل يجذب إلى ~~هذا مرة، وإلى هذا أخرى، فما كان معناه العلم، وقعت بعده " أن " الثقيلة، ~~لأن معناها ثبوت الشئ واستقراره، كقوله [تعالى]: (ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين) (ألم يعلم بأن الله يرى) وما كان على غير وجه الثبات والاستقرار ~~نحو: أطمع وأخاف وأرجو، وقعت بعده " أن " الخفيفة، كقوله [تعالى]: (فإن ~~خفتم أن لا يقيما حدود الله) (تخافون أن يتخطفكم) (فخشينا أن يرهقهما) ~~(أطمع أن يغفر لي) وما كان مترددا بين الحالين مثل حسبت وظننت، فإنه يجعل ~~تارة بمنزلة العلم، وتارة بمنزلة أرجو وأطمع وكلتا القراءتين في (وحسبوا ~~ألا تكون فتنة) قد جاء بها التنزيل. فمثل من نصب (أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم) (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) (أحسب الناس ~~أن يتركوا) ومثل مذهب من رفع (أيحسبون أنما نمدهم) (أم يحسبون أنا لا نسمع ~~سرهم) قال ابن عباس: ظنوا أن الله لا يعذبهم، ولا ms0582 يبتليهم بقتلهم الأنبياء، ~~وتكذبيهم الرسل. # قوله تعالى: (فعموا وصموا) قال الزجاج: هذا مثل تأويله: أنهم لم يعملوا ~~بما سمعوا، ورأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصم. # قوله تعالى: (ثم تاب الله عليهم) فيه قولان: # أحدهما: رفع عنهم البلاء، قاله مقاتل. وقال غيره: هو ظفرهم بالأعداء، ~~وذلك مذكور في قوله [تعالى]: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم). # والثاني: أن معنى " تاب عليهم ": أرسل إليهم محمدا يعلمهم أن الله قد تاب ~~عليهم إن آمنوا وصدقوا، قاله الزجاج. وفي قوله [تعالى]: (ثم عموا وصموا) ~~قولان: # أحدهما: لم يتوبوا بعد رفع البلاء، قاله مقاتل. # والثاني: لم يؤمنوا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (كثير منهم) أي: عمي وصم وكثير منهم، كما تقول: جاءني قومك ~~PageV02P304 # أكثرهم. قال ابن الأنباري: هذه الآية نزلت في قوم كانوا على الكفر قبل أن ~~يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث كذبوه بغيا وحسدا، وقدروا أن ~~هذا الفعل لا يكون موبقا لهم، وجانيا عليهم، فقال الله تعالى: (وحسبوا أن ~~لا تكون فتنة) أي: ظنوا ألا تقع بهم فتنة في الإصرار على الكفر، فعموا ~~وصموا بمجانبة الحق. (ثم تاب الله عليهم) أي: عرضهم للتوبة بأن أرسل محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وإن لم يتوبوا، ثم عموا وصموا بعد بيان الحق بمحمد، ~~كثير منهم فخص بعضهم بالفعل الأخير، لأنهم لم يجتمعوا كلهم على خلاف رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم]. # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا ~~إن الله هو المسيح ابن مريم) قال مقاتل: نزلت في نصارى نجران، قالوا ذلك. # قوله تعالى: (وقال المسيح) أي: وقد كان المسيح قال لهم وهو بين أظهرهم: ~~إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة. # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله ms0583 إلا إله وحد وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) قوله تعالى: (لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) قال مجاهد: هم النصارى. قال وهب بن ~~منبه: لما ولد عيسى لم يبق صنم إلا خر لوجهه، فاجتمعت الشياطين إلى إبليس، ~~فأخبروه، فذهب فطاف أقطار الأرض، ثم رجع، فقال: هذا المولود الذي ولد من ~~غير ذكر، أردت أن أنظر إليه، فوجدت الملائكة قد حفت بأمه، فليتخلف عندي ~~اثنان من مردتكم، فلما أصبح، خرج بهما في صورة الرجال، فأتوا مسجد بني ~~إسرائيل وهم يتحدثون بأمر عيسى، ويقولون: مولود من غير أب. فقال إبليس: ما ~~هذا ببشر، ولكن الله أحب أن يتمثل في امرأة ليختبر العباد، فقال أحد ~~صاحبيه: ما أعظم ما قلت، ولكن الله أحب أن يتخذ ولدا. وقال الثالث: ما أعظم ~~ما قلت، ولكن الله أراد أن يجعل إلها في الأرض، فألقوا هذا الكلام على ~~ألسنة الناس، ثم تفرقوا، فتكلم به الناس. وقال محمد بن كعب: لما رفع عيسى ~~اجتمع مئة من علماء بني إسرائيل، وانتخبوا منهم أربعة، فقال أحدهم: عيسى هو ~~الله كان في الأرض ما بدا له، ثم PageV02P305 # صعد إلى السماء، لأنه لا يحيي الموتى ولا يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله. ~~وقال الثاني: ليس كذلك، لأنا قد عرفنا عيسى، وعرفنا أمه، ولكنه ابن الله. ~~وقال الثالث: لا أقول كما قلتما، ولكن جاءت به أمه من عمل غير صالح. فقال ~~الرابع: لقد قلتم قبيحا، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته، فخرجوا، فاتبع كل ~~رجل منهم عنق من الناس. قال المفسرون: ومعنى الآية: أن النصارى قالت: ~~الإلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم، وكل واحد منهم إله. وفي الآية إضمار، ~~فالمعنى: ثالث ثلاثة آلهة، فحذف ذكر الآلهة، لأن المعنى مفهوم، لأنه لا ~~يكفر من قال: هو ثالث ثلاثة، ولم يرد الآلهة، لأنه ما من اثنين إلا وهو ~~ثالثهما، وقد دل على المحذوف قوله [تعالى]: (وما من إله إلا إله واحد). قال ~~الزجاج: ومعنى ثالث ثلاثة: أنه أحد ثلاثة. ms0584 # ودخلت " من " في قوله [تعالى]: (وما من إله) للتوكيد. والذين كفروا منهم، ~~هم المقيمون على هذا القول. وقال ابن جرير: المعنى: ليمسن الذين يقولون: ~~المسيح هو الله، والذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وكل كافر يسلك سبيلهم، ~~عذاب أليم. # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) قوله تعالى: (أفلا ~~يتوبون إلى الله) قال الفراء: لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الأمر، كقوله ~~[تعالى]: (فهل أنتم منتهون). # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) قوله ~~تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول) فيه رد على اليهود في تكذيبهم ~~رسالته، وعلى النصارى في ادعائهم إلهيته. والمعنى: أنه ليس بإله، وإنما ~~حكمه حكم من سبقه من الرسل. وفي قوله [تعالى]: (وأمه صديقة) رد على من ~~نسبها من اليهود إلى الفاحشة. قال الزجاج: والصديقة: المبالغة في الصدق، ~~وصديق " فعيل " من أبنية المبالغة، كما تقول: فلان سكيت، أي: مبالغ في ~~السكوت. وفي قوله [تعالى]: (كانا يأكلان الطعام) قولان: # أحدهما: أنه بين أنهما يعيشان بالغذاء، ومن لا يقيمه إلا أكل الطعام فليس ~~بإله، قاله الزجاج. PageV02P306 # والثاني: أنه نبه بأكل الطعام على عاقبته، وهو الحدث، إذ لا بد لآكل ~~الطعام من الحدث، قاله ابن قتيبة. قال: وقوله [تعالى]: (انظر كيف نبين لهم ~~الآيات) من ألطف ما يكون من الكناية. و " يؤفكون ": يصرفون عن الحق ~~ويعدلون، يقال: أفك الرجل عن كذا: إذا عدل عنه، وأرض مأفوكة: محرومة المطر ~~والنبات، كأن ذلك صرف عنها وعدل. # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم (76) قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله) قال مقاتل: قل لنصارى ~~نجران: أتعبدون من دون الله، يعني عيسى ولا يملك لكم ضرا في الدنيا، ولا ~~نفعا في الآخرة. والله هو السميع لقولهم: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، ~~العليم بمقالتهم. # قل يأهل الكتب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ms0585 قوم قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) قوله تعالى: (قل يا أهل ~~الكتاب) قال مقاتل: هم نصارى نجران. والمعنى: لا تغلوا في دينكم، فتقولوا ~~غير الحق في عيسى. وقد بينا معنى " الغلو " في آخر سورة (النساء) قوله ~~تعالى: (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل) قال أبو سليمان: من قبل أن ~~تضلوا. وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم رؤساء الضلالة من اليهود. # والثاني: رؤساء اليهود والنصارى، والآية خطاب للذين كانوا في عصر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم. # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون (78) قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) في ~~لعنهم قولان: # أحدهما: أنه نفس اللعن، ومعناه: المباعدة من الرحمة. قال ابن عباس: لعنوا ~~على لسان داود، فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى في الإنجيل. قال الزجاج: ~~وجائز أن يكون داود وعيسى أعلما أن محمدا نبي، ولعنا من كفر به. ~~PageV02P307 # والثاني: أنه المسخ، قاله مجاهد، لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى ~~لسان عيسى، فصاروا خنازير. وقال الحسن، وقتادة: لعن أصحاب السبت على لسان ~~داود، فإنهم لما اعتدوا، قال داود: اللهم العنهم، واجعلهم آية، فمسخوا ~~قردة. ولعن أصحاب المائدة على لسان عيسى، فإنهم لما أكلوا منها ولم يؤمنوا، ~~قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت، فجعلوا خنازير. # قوله تعالى: (ذلك بما عصوا) أي: ذلك اللعن بمعصيتهم لله تعالى في ~~مخالفتهم أمره ونهيه، وباعتدائهم في مجاوزة ما حده لهم. # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) قوله تعالى: ~~(كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) التناهي: تفاعل من النهي، أي: كانوا لا ~~ينهى بعضهم بعضا عن المنكر. وذكر المفسرون في هذا المنكر ثلاثة أقوال: # أحدها: صيد السمك يوم السبت. # والثاني: أخذ الرشوة في الحكم. # والثالث: أكل الربا، وأثمان الشحوم. وذكر المنكر منكرا يدل على الإطلاق ~~ويمنع هذا الحصر، ويدل على ما قلنا ما روي عن ms0586 النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه ~~تعذيرا، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريبه، ~~فلما رأى الله تعالى ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان ~~داود وعيسى ابن مريم ". # قوله تعالى: (لبئس ما كانوا يفعلون) قال الزجاج: اللام دخلت للقسم ~~والتوكيد، والمعنى: لبئس شيئا فعلهم. # ترى كثير منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خلدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) قوله تعالى: (ترى ~~كثيرا منهم) في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم المنافقون، روي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. PageV02P308 # والثاني: أنهم اليهود، قاله مقاتل في آخرين، فعلى هذا القول انتظام ~~الآيات ظاهر، وعلى الأول يرجع الكلام إلى قوله [تعالى] (فترى الذين في ~~قلوبهم مرض يسارعون فيهم) وفي الذين كفروا قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، قاله أرباب القول الأول. # والثاني: أنهم مشركو العرب، قاله أرباب هذا القول الثاني. # قوله تعالى: (لبئسما قدمت لهم أنفسهم) أي: بئسما قدموا لمعادهم (أن سخط ~~الله عليهم) قال الزجاج: يجوز أن تكون " أن " في موضع رفع على إضمار هو، ~~كأنه قيل: هو أن سخط الله عليهم. # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) قوله تعالى: ~~(لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود) قال المفسرون: نزلت هذه الآية ~~وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه. قال سعيد بن جبير: بعث ~~النجاشي قوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، فنزلت فيهم هذه ~~الآية والتي بعدها، وسنذكر قصتهم فيما بعد. قال الزجاج: واللام في " لتجدن ~~" لام ms0587 القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال، و " عداوة " منصوب ~~على التمييز، واليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين حسدا للنبي [عليه ~~السلام]. # قوله تعالى: (والذين أشركوا) يعني: عبدة الأوثان. فأما الذين قالوا: إنا ~~نصارى، فهل هذا عام في كل النصارى، أم خاص؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه خاص، ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد النجاشي وأصحابه لما أسلموا، قاله ابن عباس، وابن جبير. # والثاني: أنهم قوم من النصارى كانوا متمسكين بشريعة عيسى، فلما جاء محمد ~~عليه السلام أسلموا، قاله قتادة. PageV02P309 # والقول الثاني: أنه عام. قال الزجاج: يجوز أن يراد به النصارى، لأنهم ~~كانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود. # قوله تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا) وليس ذلك من أمر شريعتنا؟ ~~فالجواب: أنه مدحهم بالتمسك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ ~~عليهم في كتابهم، وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم. والمعنى بأن فيهم ~~علماء بما أوصى به عيسى من أمر محمد [صلى الله عليه وسلم]. قال القاضي أبو ~~يعلى: وربما ظن جاهل أن في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إنما ~~مدح من آمن منهم، ويدل عليه ما بعد ذلك، ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من ~~مقالة اليهود. # قوله تعالى: (وأنهم لا يستكبرون)، أي: لا يتكبرون عن اتباع الحق. # قوله تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) قال ابن عباس: لما حضر ~~أصحاب النبي [صلى الله عليه وسلم] بين يدي النجاشي، وقرؤوا القرآن، سمع ذلك ~~القسيسون والرهبان، فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فقال الله تعالى: ~~(ذلك بأن منهم قسيسين) إلى قوله [تعالى]: # (الشاهدين). وقال سعيد بن جبير: بعث النجاشي من خيار أصحابه ثلاثين رجلا ~~إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقرأ عليهم القرآن، فبكوا ورقوا، ~~وقالوا: نعرف والله، وأسلموا، وذهبوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم، فأنزل ~~الله فيهم (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول...) الآية. وقال السدي: # كانوا اثني عشر رجلا، سبعة من القسيسين، وخمسة من الرهبان، فلما قرأ ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ms0588 بكوا وآمنوا، فنزلت هذه الآية ~~فيهم. # قوله تعالى: (فاكتبنا مع الشاهدين)، أي: مع من يشهد بالحق، وللمفسرين في ~~المراد بالشاهدين هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: محمد وأمته، رواه علي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أصحاب محمد [صلى الله عليه وسلم]، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: الذين. يشهدون بالإيمان، قاله الحسن. # والرابع: الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجاج. # وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحب ~~الجحيم (86) قوله تعالى: (وما لنا لا نؤمن بالله) قال ابن عباس: لامهم ~~قومهم على الإيمان، فقالوا PageV02P310 # هذا. وفي القوم الصالحين ثلاثة أقوال: # أحدها: أصحاب رسول الله، قاله ابن عباس. # والثاني: رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه، قاله ابن زيد. # والثالث: المهاجرون الأولون، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (وذلك جزاء المحسنين) قال ابن عباس: ثواب المؤمنين. # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واتقوا الله الذي ~~أنتم به مؤمنون (88) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عثمان بن ~~مظعون، حرموا اللحم والنساء على أنفسهم، وأرادوا جب أنفسهم ليتفرغوا ~~للعبادة، فقال رسول الله: " لم أومر بذلك "، ونزلت هذه الآية، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: كانوا عشرة: # أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، والمقداد بن الأسود، ~~وسالم مولى أبي حذيفة، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، اجتمعوا في ~~دار عثمان بن مظعون، فتواثقوا على ذلك، فبلغ ذلك رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] فقال: " من رغب عن سنتي فليس مني " ونزلت هذه الآية. قال السدي: كان ~~سبب عزمهم ms0589 على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما، فلم يزدهم ~~على التخويف، فرق الناس، وبكوا، فعزم هؤلاء على ذلك، وحلفوا على ما عزموا ~~عليه. وقال عكرمة: إن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان ابن مظعون، ~~والمقداد، وسالما مولى أبي حذيفة في أصحابه، تبتلوا، فجلسوا في البيوت، ~~واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ~~ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل ~~وصيام النهار، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أن رجلا أتى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فقال: إني إذا ~~أكلت من هذا اللحم، أقبلت على النساء، وإني حرمته علي، فنزلت هذه الآية، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أن ضيفا نزل بعبد الله بن رواحة، ولم يكن حاضرا، فلما جاء، قال ~~لزوجته: # هل أكل الضيف؟ فقالت: انتظرتك. فقال: حبست ضيفي من أجلي؟! طعامك علي ~~حرام. PageV02P311 # فقالت: وهو علي حرام إن لم تأكله، فقال الضيف: وهو علي حرام إن لم ~~تأكلوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: قربي طعامك، كلوا بسم الله، ثم غدا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك فقال: # أحسنت، ونزلت هذه الآية، وقرأ حتى بلغ (لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم) رواه عبد الرحمن بن زيد عن أبيه. فأما " الطيبات " فهي اللذيذات ~~التي تشتهيها النفوس مما أبيح وفي قوله [تعالى]: " ولا تعتدوا " خمسة ~~أقوال: # أحدها: لا تجبوا أنفسكم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم. # والثاني: لا تأتوا ما نهى الله عنه، قاله الحسن. # والثالث: لا تسيروا بغير سيرة المسلمين من ترك النساء، وإدامة الصيام، ~~والقيام، قاله عكرمة. # والرابع: لا تحرموا الحلال، قاله مقاتل. # والخامس: لا تغصبوا من الأموال المحرمة، ذكره الماوردي. # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ms0590 تشكرون (89) قوله تعالى: (لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) سبب نزولها: أنه لما نزل قوله [تعالى]: ~~(لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) قال القوم الذين كانوا حرموا النساء ~~واللحم: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فنزلت هذه ~~الآية، رواه العوفي عن ابن عباس. # وقد سبق ذكر " اللغو " في سورة (البقرة). # قوله تعالى: (بما عقدتم الأيمان) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص ~~عن عاصم: " عقدتم " بغير ألف، مشددة القاف. قال أبو عمرو: معناها: وكدتم، ~~وقرأ أبو بكر، والمفضل عن عاصم: " عقدتم " خفيفة بغير ألف، واختارها أبو ~~عبيد. قال ابن جرير: معناها: # أوجبتموها على أنفسكم. وقرأ ابن عامر: " عاقدتم " بألف، مثل " عاهدتم ". ~~قال القاضي أبو يعلى: وهذه القراءة المشددة لا تحتمل إلا عقد قول. فأما ~~المخففة، فتحتمل عقد القلب، وعقد القول. وذكر المفسرون في معنى الكلام ~~قولين: PageV02P312 # أحدهما: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم عليه قلوبكم في التعمد لليمين، قاله ~~مجاهد. # والثاني: بما عقدتم عليه قلوبكم أنه كذب، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: (فكفارته) قال ابن جرير: الهاء عائدة على " ما " في قوله: " ~~بما عقدتم ". # فصل فأما إطعام المساكين، فروي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ~~والحسن في آخرين: أن لكل مسكين مدبر، وبه قال مالك، والشافعي. وروي عن عمر، ~~وعلي، وعائشة في آخرين: لكل مسكين نصف صاع من بر، قال عمر، وعائشة: أو صاعا ~~من تمر، وبه قال أبو حنيفة. ومذهب أصحابنا في جميع الكفارات التي فيها ~~إطعام، مثل كفارة اليمين، والظهار، وفدية الأذى، والمفرطة في قضاء رمضان، ~~مد بر، أو نصف صاع تمر أو شعير. ومن شرط صحة الكفارة، تمليك الطعام ~~للفقراء، فإن غداهم وعشاهم، لم يجزئه، وبه قال سعيد بن جبير، والحكم، ~~والشافعي. وقال الثوري، والأوزاعي: يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك. ولا ~~يجوز صرف مدين إلى مسكين واحد، ولا إخراج القيمة في الكفارة، وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز. قال الزجاج: وإنما وقع لفظ الذكير في ~~المساكين، ولو كانوا إناثا لأجزأ، ms0591 لأن المغلب في كلام العرب التذكير. وفي ~~قوله [تعالى]: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قولان: # أحدهما: من أوسطه في القدر، قاله عمر، وعلي، وابن عباس، ومجاهد. # والثاني: من أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، والأسود، وعبيدة، والحسن ~~وابن سيرين. وروي عن ابن عباس قال: كان أهل المدينة [يقرون] للحر من القوت ~~أكثر ما للمملوك، وللكبير أكثر ما للصغير، فنزلت (من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم) ليس بأفضله ولا بأخسه. وفي كسوتهم خمسة أقوال: # أحدها: أنها ثوب واحد، قاله ابن عباس، ومجاهد، وطاووس، وعطاء، والشافعي. # والثاني: ثوبان، قاله أبو موسى الأشعري، وابن المسيب، والحسن، وابن ~~سيرين، والضحاك والثالث: إزار ورداء وقميص، قاله ابن عمر. # والرابع: ثوب جامع كالملحفة، قاله إبراهيم النخعي. # والخامس: كسوة تجزئ فيها الصلاة، قاله مالك. ومذهب أصحابنا: أنه إن كسا ~~الرجل، كساه ثوبا، والمرأة ثوبين، درعا وخمارا، وهو أدنى ما تجزئ فيه ~~الصلاة. وقرأ أبو عبد الرحمن PageV02P313 # السلمي، وأبو الجوزاء، ويحيى بن يعمر: " أو كسوتهم "، بضم الكاف. وقد قرأ ~~سعيد بن جبير، وأبو العالية، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ: " أو كإسوتهم " ~~بهمزة مكسورة، مفتوحة الكاف، مكسورة التاء والهاء. وقرأ ابن السميفع، وأبو ~~عمران الجوزي مثله، إلا أنهما فتحا الهمزة. قال المصنف: ولا أرى هذه ~~القراءة جائزة، لأنها تسقط أصلا من أصول الكفارة. # قوله تعالى: (أو تحرير رقبة) تحريرها: عتقها، والمراد بالرقبة: جملة ~~الشخص. واتفقوا على اشتراط إيمان الرقبة في كفارة القتل لموضع النص. # واختلفوا في إيمان الرقبة المذكورة في هذه الكفارة على قولين: # أحدهما: أنه شرط، وبه قال الشافعي، لأن الله تعالى قيد بذكر الإيمان في ~~كفارة القتل، فوجب حمل المطلق على المقيد. # والثاني: ليس بشرط، وبه قال أبو حنيفة، وعن أحمد رضي الله عنه في إيمان ~~الرقبة المعتقة في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع، والمنذورة، ~~روايتان. # قوله تعالى (فمن لم يجد) اختلفوا فيما إذا لم يجده، صام، على خمسة أقوال: # أحدها: أنه إذا لم يجد درهمين صام، قاله الحسن. # والثاني: ثلاثة دراهم، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: إذا ms0592 لم يجد إلا قدر ما يكفر به، صام، قاله قتادة. # والرابع: مئتي درهم، قاله أبو حنيفة. # والخامس: إذا لم يكن له إلا قدر قوته وقوت عائلته يومه وليلته، قاله ~~أحمد، والشافعي، وفي تتابع الثلاثة أيام، قولان: # أحدهما: أنه شرط، وكان أبي، وابن مسعود يقرآن: " فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات " وبه قال ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، وقتادة، وأبو حنيفة، ~~وهو قول أصحابنا. # والثاني: ليس بشرط، ويجوز التفريق، وبه قال الحسن، ومالك. والشافعي فيه ~~قولان: # قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) فيه إضمار تقديره: إذا حلفتم ~~وحنثتم. # وفي قوله [تعالى]: (واحفظوا أيمانكم) ثلاثة أقوال: PageV02P314 # أحدها: أقلوا منها، ويشهد له قوله [تعالى]: (ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم) وأنشدوا: # قليل الألايا حافظ ليمينه والثاني: احفظوا أنفسكم من الحنث فيها. # والثالث: راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها. # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن سعد بن أبي وقاص أتى نفرا من المهاجرين والأنصار، فأكل عندهم، ~~وشرب الخمر، قبل أن تحرم، فقال: المهاجرون خير من الأنصار، فأخذ رجل لحي ~~جمل فضربه، فجدع أنفه، فأتى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فأخبره، فنزلت ~~هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه. # وقال سعيد بن جبير: صنع رجل من الأنصار صنيعا، فدعا سعد بن أبي وقاص، ~~فلما أخذت فيهم الخمرة افتخروا واستبوا، فقام الأنصاري إلى لحي بعير، فضرب ~~به رأس سعد، فإذا الدم على وجهه، فذهب سعد يشكو إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فنزل تحريم الخمر في قوله [تعالى]: (إنما الخمر والميسر) إلى قوله ~~[تعالى]: (تفلحون). # والثاني: أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، ~~فنزلت هذه الآية رواه أبو ميسرة عن عمر. # والثالث: أن أناسا من المسلمين شربوها، فقاتل بعضهم بعضا، وتكلموا بما لا ~~يرضاه الله من القول، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة ms0593 عن ابن عباس. # والرابع: أن قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثملوا عبث بعضهم ببعض، فلما ~~صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي ~~فلان!! والله لو كان بي رؤوفا PageV02P315 # ما صنع بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ~~ضغائن، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد ذكرنا الخمر ~~والميسر في البقرة وذكرنا في " النصب " في أول هذه السورة قولين، وهما ~~اللذان ذكرهما المفسرون في الأنصاب. وذكرنا هناك " الأزلام " فأما الرجس، ~~فقال الزجاج: هو اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رجس الرجل يرجس، ورجس ~~يرجس: إذا عمل عملا قبيحا، والرجس بفتح الراء: شدة الصوت، فكأن الرجس، ~~العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح، ويقال: رعد رجاس، إذا كان شديد ~~الصوت. # قوله تعالى: (من عمل الشيطان) قال ابن عباس: من تزيين الشيطان. فإن قيل: ~~كيف نسب إليه، وليس من فعله؟ فالجواب: أن نسبته إليه مجاز، وإنما نسب إليه، ~~لأنه هو الداعي إليه، المزين له، ألا ترى أن رجلا لو أغرى رجلا بضرب رجل، ~~لجاز أن يقال له: هذا من عملك. # قوله تعالى: (فاجتنبوه) قال الزجاج: اتركوه. واشتقاقه في اللغة: كونوا ~~جانبا منه. فإن قيل: كيف ذكر في هذه الآية أشياء، ثم قال: فاجتنبوه؟ ~~فالجواب: أن الهاء عائدة على الرجس، والرجس واقع على الخمر، والميسر، ~~والأنصاب، والأزلام، ورجوع الهاء عليه بمنزلة رجوعها على الجمع الذي هو ~~واقع عليه، ومنبئ عنه، ذكره ابن الأنباري. # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلغ المبين (92) قوله ~~تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر) أما " الخمر " فوقوع العداوة والبغضاء فيها على نحو ما ذكرنا في ~~سبب نزول الآية من القتال والمماراة. # وأما الميسر، فقال قتادة: كان الرجل يقامر على أهله وماله، فيقمر ويبقى ms0594 ~~حزينا سليبا، فينظر إلى ماله في يد غيره، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. # قوله تعالى: (فهل أنتم منتهون) فيه قولان: # أحدهما: أنه لفظ استفهام، ومعناه: الأمر. تقديره: انتهوا. قال الفراء: ~~ردد علي أعرابي: هل أنت ساكت، هل أنت ساكت؟ وهو يريد: اسكت، اسكت. ~~PageV02P316 # والثاني: أنه استفهام، لا بمعنى: الأمر، ذكر شيخنا علي بن عبيد الله أن ~~جماعة كانوا يشربون الخمر بعد هذه الآية، ويقولون: إنها لم يحرمها، إنما ~~قال: (فهل أنتم منتهون)، فقال بعضنا: انتهينا وقال بعضنا: لم ننته فلما ~~نزلت (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم) حرمت، لأن " ~~الإثم " اسم للخمر. وهذا القول ليس بشئ، والأول أصح. # قوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فيما أمراكم، واحذروا خلافهما ~~(فإن توليتم) أي: أعرضتم، فاعلموا أنكم قد استحققتم العقاب لتوليكم. # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين (93) قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا) سبب نزولها: # أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر، إذ ~~كانت مباحة، فلما حرمت، قال ناس: كيف بأصحابنا وقد ماتوا وهم يشربونها؟! ~~فنزلت هذه الآية، قاله البراء بن عازب. # و " الجناح ": الإثم. وفيما طعموا ثلاثة أقوال: # أحدها: ما شربوا من الخمر قبل تحريمها، قاله ابن عباس، قال ابن قتيبة: ~~يقال: لم أطعم خبزا وأدما ولا ماء ولا نوما. قال الشاعر: # فإن شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا النقاخ: ~~الماء [البارد] الذي ينقخ الفؤاد ببرده، والبرد: النوم. # والثاني: ما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر. # والثالث: ما طعموا من المباحات. وفي قوله [تعالى]: (إذا ما اتقوا) ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: اتقوا بعد التحريم، قاله ابن عباس. # والثاني: اتقوا المعاصي والشرك. # والثالث: اتقوا مخالفة الله في أمره. وفي قوله [تعالى]: (وآمنوا) قولان: # أحدهما: امنوا بالله ورسوله. # والثاني: آمنوا بتحريمها. قوله تعالى: (وعملوا الصالحات) قال مقاتل: ms0595 ~~أقاموا على الفرائض. PageV02P317 # قوله تعالى: (ثم اتقوا) في هذه التقوى المعادة أربعة أقوال: # أحدها: أن المراد خوف الله عز وجل. # والثاني: أنها تقوى الخمر والميسر بعد التحريم. # والثالث: أنها الدوام على التقوى. # والرابع: أن التقوى الأولى مخاطبة لمن شربها قبل التحريم، والثانية لمن ~~شربها بعد التحريم. # قوله تعالى: (وآمنوا) في هذا الإيمان المعاد قولان: # أحدهما: صدقوا بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. # والثاني: آمنوا بما يجئ من الناسخ والمنسوخ. # قوله تعالى: (ثم اتقوا وأحسنوا) في هذه التقوى الثالثة أربعة أقوال: # أحدها: اجتنبوا العود إلى الخمر بعد تحريمها، قاله ابن عباس. # والثاني: اتقوا ظلم العباد. # والثالث: توقوا الشبهات. # والرابع: اتقوا جميع المحرمات. # وفي الإحسان قولان: # أحدهما: أحسنوا العمل بترك شربها بعد التحريم، قاله ابن عباس. # والثاني: أحسنوا العمل بعد تحريمها، قاله مقاتل. # يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (94) قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد) قال المفسرون: ~~لما كان عام الحديبية، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بالتنعيم، كانت ~~الوحوش والطير تغشاهم في رحالهم، وهم محرمون، فنزلت هذه الآية، ونهوا عنها ~~ابتلاء. قال الزجاج: اللام في " ليبلونكم " لام القسم، ومعناه: لنختبرن ~~طاعتكم من معصيتكم. وفي " من " قولان: # أحدهما: أنها للتبعيض، ثم فيه قولان: PageV02P318 # أحدهما: أنه عنى صيد البر دون صيد البحر. # والثاني: أنه عنى الصيد ما داموا في الإحرام كأن ذلك بعض الصيد. # والثاني: أنها لبيان الجنس، كقوله [تعالى]: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان). # قوله تعالى: (تناله أيديكم ورماحكم) قال مجاهد: الذي تناله اليد: الفراخ ~~والبيض، وصغار الصيد، والذي تناله الرماح: كبار الصيد. # قوله تعالى: (ليعلم الله) قال مقاتل: ليرى الله من يخافه بالغيب ولم يره، ~~فلا يتناول الصيد وهو محرم (فمن اعتدى) فأخذ الصيد عمدا بعد النهي للمحرم ~~عن قتل الصيد (فله عذاب أليم) قال ابن عباس: يوسع بطنه وظهره جلدا، وتسلب ~~ثيابه. # يا أيها الذين ms0596 آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بلغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مسكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم) بين الله عز وجل بهذه الآية من أي وجه تقع البلوى، وفي أي زمان، ~~وما على من قتله بعد النهي؟. وفي قوله: (وأنتم حرم) ثلاثة أقوال: # أحدها: وأنتم محرمون بحج أو عمرة، قاله الأكثرون. # والثاني: وأنتم في الحرم، يقال: أحرم: إذا دخل في الحرم، وأنجد: إذا أتى ~~نجدا والثالث: الجمع بين القولين. # قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمدا) فيه قولان: # أحدهما: أن يتعمد قتله ذاكرا لإحرامه، قاله ابن عباس، وعطاء. # والثاني: أن يتعمد قتله ناسيا لإحرامه، قاله مجاهد. فأما قتله خطأ، ففيه ~~قولان: # أحدهما: أنه كالعمد، قاله عمر، وعثمان، والجمهور. قال الزهري: نزل القرآن ~~بالعمد، وجرت السنة في الخطأ، يعني: ألحقت المخطئ بالمتعمد في وجوب الجزاء ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله ~~المحرم " وهذا عام في العامد والمخطئ. PageV02P319 # قال القاضي أبو يعلى: أفاد تخصيص العمد بالذكر ما ذكر في أثناء الآية من ~~الوعيد، وإنما يختص ذلك بالعامد. # والثاني: أنه لا شئ فيه، قاله ابن عباس، وابن جبير، وطاووس، وعطاء، ~~وسالم، والقاسم، وداود. وعن أحمد روايتان: أصحهما الوجوب. # قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: (فجزاء مثل) مضافة وبخفض " مثل ". وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: " فجزاء " منون " مثل " مرفوع. قال أبو علي: من أضاف، فقوله ~~[تعالى]: (من النعم) يكون صفة للجزاء، وإنما قال: مثل ما قتل، وإنما عليه ~~جزاء المقتول لا جزاء مثله، لأنهم يقولون: أنا أكرم مثلك، يريدون: أن ~~أكرمك، فالمعنى: جزاء ما قتل. ومن رفع " المثل "، فالمعنى: فعليه جزاء من ~~النعم مماثل للمقتول، والتقدير: فعليه جزاء. قال ms0597 ابن قتيبة: النعم: الإبل، ~~وقد يكون البقر والغنم، والأغلب عليها الإبل. وقال الزجاج: النعم في اللغة: ~~الإبل والبقر والغنم، فإن انفردت الإبل، قيل لها: نعم، وإن انفردت البقر ~~والغنم، لم تسم نعما. # فصل قال القاضي أبو يعلى: والصيد الذي يجب الجزاء بقتله: ما كان مأكول ~~اللحم، كالغزال، وحمار الوحش، والنعامة، ونحو ذلك، أو كان متولدا من حيوان ~~يؤكل لحمه، كالسمع، فإنه متولد من الضبع، والذئب، وما عدا ذلك من السباع ~~كلها، فلا جزاء على قاتلها، سواء ابتدأ قتلها، أو عدت عليه، فقتلها دفعا عن ~~نفسه، لأن السبع لا مثل له صورة ولا قيمة، فلم يدخل تحت الآية، ولأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أجاز للمحرم قتل الحية، والعقرب، والفويسقة، والغراب، ~~والحدأة، والكلب العقور، والسبع العادي. قال: والواجب بقتل الصيد فيما له ~~مثل من الأنعام مثله، وفيما لا مثل له قيمته، وهو قول مالك، والشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: الواجب فيه القيمة، وحمل المثل على القيمة، وظاهر الآية يرد ما ~~قال، ولأن الصحابة حملوا الآية على المثل من طريق الصورة، فقال ابن عباس: ~~المثل: النظير، ففي الظبية شاة، وفي النعامة بعير. # قوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) يعني بالجزاء، وإنما ذكر اثنين، لأن ~~الصيد يختلف في نفسه، فافتقر الحكم بالمثل إلى عدلين. # قوله تعالى: (منكم) يعني: من أهل ملتكم. PageV02P320 # قوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة) قال الزجاج: هو منصوب على الحال، ~~والمعنى: # يحكمان به مقدرا أن يهدى. ولفظ قوله " بالغ الكعبة " لفظ معرفة، ومعناه: ~~النكرة. والمعنى: # بالغا الكعبة، إلا أن التنوين حذف استخفافا. قال ابن عباس: إذا أتى مكة ~~ذبحه، وتصدق به. # قوله تعالى: (أو كفارة) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: (أو كفارة) منونا (طعام) رفعا. وقرأ نافع، وابن عامر: (أو كفارة) ~~رفعا غير منون (طعام المساكين) على الإضافة. قال أبو علي: من رفع ولم يضف، ~~جعله عطفا على الكفارة عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة ~~إلى الطعام، لأن الكفارة لقتل الصيد، لا للطعام، ومن أضاف ms0598 الكفارة إلى ~~الطعام، فلأنه لما خير المكفر بين الهدي، والطعام، والصيام، جازت الإضافة ~~لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام، لا كفارة هدي، ولا صيام. والمعنى: أو عليه ~~بدل الجزاء والكفارة، وهي طعام مساكين. وهل يعتبر في إخراج الطعام قيمة ~~النظير، أو قيمة الصيد؟ فيه قولان: # أحدهما: قيمة النظير، وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد. # والثاني: قيمة الصيد، وبه قال قتادة، وأبو حنيفة، ومالك. وفي قدر الإطعام ~~لكل مسكين قولان: # أحدهما: مدان من بر، وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة. # والثاني: مد بر، وبه قال الشافعي، وعن أحمد روايتان، كالقولين. # قوله تعالى: (أو عدل ذلك صياما) قرأ أبو رزين، والضحاك، وقتادة، ~~والجحدري، وطلحة: (أو عدل ذلك)، بكسر العين. وقد شرحنا هذا المعنى في ~~(البقرة). قال أصحابنا: يصوم عن كل مد بر، أو نصف صاع تمر، أو شعير يوما. ~~وقال أبو حنيفة: يصوم يوما عن نصف صاع في الجميع. وقال مالك، والشافعي: ~~يصوم يوما عن كل مد من الجميع. # فصل وهل هذا الجزاء على الترتيب، أم على التخيير؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه على التخيير بين إخراج النظير، وبين الصيام، وبين الإطعام. # والثاني: أنه على الترتيب، إن لم يجد الهدي، اشترى طعاما، فإن كان معسرا ~~صام، قاله ابن سيرين. والقولان مرويان عن ابن عباس، وبالأول قال جمهور ~~الفقهاء. PageV02P321 # قوله تعالى: (ليذوق وبال أمره) أي: جزاء ذنبه. قال الزجاج: " الوبال ": ~~ثقل الشئ في المكروه، ومنه قولهم: طعام وبيل، وماء وبيل: إذا كانا ثقيلين. ~~قال الله عز وجل: # (فأخذناه أخذا وبيلا) أي: ثقيلا شديدا. # قوله تعالى: (عفا الله عما سلف) فيه قولان: # أحدهما: ما سلف في الجاهلية، من قتلهم الصيد، وهم محرمون، قاله عطاء. # والثاني: ما سلف من قتل الصيد في أول مرة، حكاه ابن جرير، والأول أصح. ~~فعلى القول الأول يكون معنى قوله: (ومن عاد) في الإسلام، وعلى الثاني: (ومن ~~عاد) ثانية بعد أولى. # قال أبو عبيدة: " عاد " في موضع يعود، وأنشد: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا قوله تعالى: ~~(فينتقم ms0599 الله منه) " الانتقام " المبالغة في العقوبة، وهذا الوعيد ~~بالانتقام لا يمنع إيجاب جزاء ثان إذا عاد، وهذا قول الجمهور، وبه قال مالك ~~والشافعي، وأحمد. وقد روي عن ابن عباس، والنخعي، وداود: أنه لا جزاء عليه ~~في الثاني، إنما وعد بالانتقام. # أحل لكم صيد البحر وطعامه متعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر) ~~قال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح، لأن التمساح يأكل ~~الناس يعني: أنه يفرس. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يباح منه إلا السمك، ~~وقال ابن أبي ليلى، ومالك: يباح كل ما فيه من ضفدع وغيره فأما طعامه، ففيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: ما نبذه البحر ميتا، قاله أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وأبو أيوب، ~~وقتادة. # والثاني: أنه مليحه، قاله سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير والسدي، وعن ابن ~~عباس ومجاهد، وعكرمة كالقولين. واختلفت الرواية عن النخعي. فروي عنه ~~كالقولين، وروي عنه أنه جمع بينهما، فقال: طعامه المليح وما لفظه. ~~PageV02P322 # والثالث: أنه ما نبت بمائة من زروع البر، وإنما قيل لهذا: طعام البحر، ~~لأنه ينبت بمائه، حكاه الزجاج، وفي المتاع قولان: # أحدهما: أنه المنفعة، قاله ابن عباس، والحسن وقتادة. # والثاني: أنه الحل قاله النخعي. قال مقاتل: متاعا لكم صيد البحر. # قوله تعالى: (صيد البحر ما دمتم حرما) أما الاصطياد فمحرم على المحرم، ~~فإن صيد لأجله، حرم عليه أكله خلافا لأبي حنيفة، فإن أكل فعليه الضمان ~~خلافا لأحد قولي الشافعي، فإن ذبح المحرم صيدا، فهو ميتة خلافا لأحد قولي ~~الشافعي أيضا. فإن ذبح الحلال صيدا في الحرم، فهو ميتة أيضا، خلافا لأكثر ~~الحنفية. # * جعل الله الكعبة البيت الحرام قيما للناس والشهر الحرام والهدى ~~والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله ~~بكل شئ عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) قوله ~~تعالى: (جعل الله الكعبة) جعل بمعنى: صير. وفي تسمية الكعبة كعبة قولان: # أحدهما: لأنها ms0600 مربعة، قاله عكرمة، ومجاهد. # والثاني: لعلوها ونتوئها، يقال: كعبت المرأة كعابة، وهي كاعب، إذا نتأ ~~ثديها. ومعنى تسمية البيت بأنه حرام: أنه حرم أن يصاد عنده، وأن يختلى ما ~~عنده من الخلا، وأن يعضد شجره، وعظمت حرمته. والمراد بتحريم البيت سائر ~~الحرم، كما قال: (هديا بالغ الكعبة) وأراد: الحرم. # والقيام: بمعنى القوام. وقرأ ابن عامر: قيما بغير ألف. قال أبو علي: وجهه ~~على أحد أمرين، إما أن يكون جعله مصدرا، كالشبع. أو حذف الألف وهو يريدها، ~~كما يقصر الممدود. وفي معنى الكلام ستة أقوال: # أحدها: قياما للدين، ومعالم للحج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: قياما لأمر من توجه إليها، رواه العوفي عن ابن عباس. قال قتادة: ~~كان الرجل لو جر كل جريرة، ثم لجأ إليها، لم يتناول. # والثالث: قياما لبقاء الدين، فلا يزال في الأرض دين ما حجت واستقبلت، ~~قاله الحسن. # والرابع: قوام دنيا وقوام دين، قاله أبو عبيدة. # والخامس: قياما للناس، أي: مما أمروا أن يقوموا بالفرض فيه، ذكره الزجاج. ~~PageV02P323 # والسادس: قياما لمعايشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، ذكره ~~بعض المفسرين. # فأما الشهر الحرام، فالمراد به الأشهر الحرم، كانوا يأمن بعضهم بعضا ~~فيها، فكان ذلك قواما لهم، وكذلك إذا أهدى الرجل هديا أو قلد بعيره أمن كيف ~~تصرف، فجعل الله تعالى هذه الأشياء عصمة للناس بما جعل في صدورهم من ~~تعظيمها. # قوله تعالى: (ذلك لتعلموا) ذكر ابن الأنباري في المشار إليه بذلك أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن الله تعالى أخبر في هذه السورة بغيوب كثيرة من أخبار الأنبياء ~~وغيرهم، وأطلع على أشياء من أحوال اليهود والمنافقين، فقال: ذلك لتعلموا، ~~أي: ذلك الغيب الذي أنبأتكم به عن الله يدلكم على أنه يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض، ولا تخفى عليه خافية. # والثاني: أن العرب كانت تسفك الدماء بغير حلها، وتأخذ الأموال بغير حقها، ~~ويقتل أحدهم غير القاتل، فإذا دخلوا البلد الحرام، أو دخل الشهر الحرام، ~~كفوا عن القتل. والمعنى: جعل الله الكعبة أمنا، والشهر الحرام ms0601 أمنا، إذ لو ~~لم يجعل للجاهلية وقتا يزول فيه الخوف لهلكوا، فذلك يدل على أنه يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض. # والثالث: أن الله تعالى صرف قلوب الخلق إلى مكة في الشهور المعلومة، فإذا ~~وصلوا إليها عاش أهلها معهم، ولولا ذلك ماتوا جوعا، لعلمه بما في ذلك من ~~صلاحهم، وليستدلوا بذلك على أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض. # والرابع: أن الله تعالى جعل مكة أمنا، وكذلك الشهر الحرام، فإذا دخل ~~الظبي الوحشي الحرم، أنس بالناس، ولم ينفر من الكلب، ولم يطلبه الكلب، فإذا ~~خرجا عن حدود الحرم، طلبه الكلب، وذعر هو منه، والطائر يأنس بالناس في ~~الحرم، ولا يزال يطير حتى يقرب من البيت، فإذا قرب منه عدل عنه، ولم يطر ~~فوقه إجلالا له، فإذا لحقه وجع طرح نفسه على سقف البيت استشفاء به، فهذه ~~الأعاجيب في ذلك المكان، وفي ذلك الشهر قد دللن على أن الله تعالى يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض. # ما على الرسول إلا البلغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قوله ~~تعالى: (ما على الرسول إلا البلاغ) في هذه الآية تهديد شديد. وزعم مقاتل ~~أنها نزلت والتي بعدها، في أمر شريح بن ضبيعة وأصحابه، وهم حجاج اليمامة ~~حين هم المسلمون بالغارة عليهم، وقد سبق ذكر ذلك في أول السورة. وهل هذه ~~الآية محكمة، أم لا؟ فيه قولان: PageV02P324 # أحدهما: أنها محكمة، وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ، وليس ~~عليه الهدى. # والثاني: أنها كانت قبل الأمر بالقتال، ثم نسخت بآية السيف. # قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب لعلكم تفلحون (100) قوله تعالى: (لا يستوي الخبيث والطيب) روى جابر ~~بن عبد الله أن رجلا قال: يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي، فهل ينفعني ~~ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يقبل إلا الطيب " فنزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ms0602 وفي الخبيث والطيب أربعة أقوال: # أحدها: الحلال والحرام، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: المؤمن والكافر، قاله السدي. # والثالث: المطيع والعاصي. # والرابع: الردئ والجيد، ذكرهما الماوردي. ومعنى الاعجاب هاهنا: السرور ~~بما يتعجب منه. # يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) قوله ~~تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) في سبب نزولها ستة أقوال: # أحدها: أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، ~~فقام مغضبا خطيبا، فقال: # " سلوني فوالله لا تسألوني عن شئ ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم "، ~~فقام رجل من قريش، يقال له: عبد الله بن حذافة كان إذا لاحى يدعى إلى غير ~~أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: # أبوك حذافة، فقام آخر، فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام عمر فقال: ~~رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا حديثو ~~عهد بجاهلية، والله أعلم من آباؤنا، PageV02P325 # فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن أبي هريرة، وقتادة عن أنس. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فقال: " إن الله ~~كتب عليكم الحج، فقام عكاشة ابن محصن، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ ~~فقال: أما إني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما ~~سكت عنكم، فإنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على ~~أنبيائهم " فنزلت هذه الآية، رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة. وقيل: إن ~~السائل عن ذلك الأقرع بن حابس. # والثالث: أن قوما كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، ~~فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت هذه الآية، ~~رواه أبو الجورية عن ابن عباس. # والرابع: أن قوما سألوا الرسول [صلى الله عليه وسلم] عن البحيرة، ~~والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه ~~قال ms0603 ابن جبير. # والخامس: أن قوما كانوا يسألون الآيات والمعجزات، فنزلت هذه الآية، روي ~~هذا المعنى عن عكرمة. # والسادس: أنها نزلت في تمنيهم الفرائض، وقولهم: وددنا أن الله تعالى أذن ~~لنا في قتال المشركين، وسؤالهم عن أحب الأعمال إلى الله، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. قال الزجاج: # (أشياء) في موضع خفض إلا أنها فتحت، لأنها لا تنصرف. و (تبد لكم): تظهر ~~لكم. فأعلم الله تعالى أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، لأنه ~~يسوء الجواب عنه. وقال ابن عباس: إن تبد لكم، أي: إن نزل القرآن فيها ~~بتغليظ، ساءكم ذلك. # قوله تعالى: (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن) أي: حين ينزل القرآن فيها ~~بفرض أو إيجاب، أو نهي أو حكم، وليس في ظاهر ما نزل دليل على شرح ما بكم ~~إليه حاجة، فإذا سألتم حينئذ عنها تبد لكم. وفي قوله [تعالى]: (عفا الله ~~عنها) قولان: # أحدهما: أنه إشارة إلى الأشياء. # والثاني: إلى المسألة، فعلى القول الأول في الآية تقديم وتأخير. والمعنى: ~~لا تسألوا عن PageV02P326 # أشياء إن تبد لكم تسؤكم، عفا الله عنها. ويكون معنى: عفا الله عنها: أمسك ~~عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكما. وعلى القول الثاني، الآية على نظمها، ومعنى: ~~عفا الله عنها: لم يؤاخذ بها. # قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كفرين (102) قوله تعالى: (قد سألها ~~قوم من قبلكم) في هؤلاء القوم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم الذين سألوا عيسى نزول المائدة، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أنهم قوم صالح حين سألوا الناقة، هذا على قول السدي. وهذان ~~القولان يخرجان على أنهما سألوا الآيات. # والثالث: أن القوم هم الذين سألوا في شأن البقرة وذبحها، فلو ذبحوا بقرة ~~لأجزأت، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن زيد. وهذا يخرج على سؤال ~~من سأل عن الحج، إذ لو أراد الله أن يشدد عليهم بالزيادة في الفرض لشدد. # والرابع: أنهم الذين قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، ~~وهذا عن ابن زيد أيضا، وهو يخرج على ms0604 من قال: إنما سألوا عن الجهاد والفرائض ~~تمنيا لذلك. قال مقاتل: كان بنو إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا ~~أخبروهم بها تركوا قولهم ولم يصدقوهم، فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين. # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) قوله تعالى: (ما جعل الله ~~من بحيرة) أي: ما أوجب ذلك، ولا أمر به. وفي " البحيرة " أربعة أقوال: # أحدها: أنها الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرا ~~نحروه، فأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى شقوا أذنها، وكانت حراما على ~~النساء لا ينتفعن بها، ولا يذقن من لبنها، ومنافعها للرجال خاصة، فإذا ~~ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، قاله ابن عباس، واختاره ابن قتيبة. # والثاني: أنها الناقة تلد خمس إناث ليس فيهن ذكر، فيعمدون إلى الخامسة، ~~فيبتكون أذنها، قاله عطاء. PageV02P327 # والثالث: أنها ابنة السائبة، قاله ابن إسحاق، والفراء: قال ابن إسحاق: ~~كانت الناقة إذا تابعت بين عشر إناث، ليس فيهن ذكر، سيبت، فإذا نتجت بعد ~~ذلك أنثى، شقت أذنها، وسميت بحيرة، وخليت مع أمها. # والرابع: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا بحروا ~~أذنها، أي: # شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، ~~وإذا لقيها لم يركبها، قاله الزجاج. فأما " السائبة "، فهي فاعلة بمعنى: ~~مفعولة، وهي المسيبة، كقوله [تعالى]: (في عيشة راضية): أي مرضية. وفي ~~السائبة خمسة أقوال: # أحدها: أنها التي تسيب من الأنعام للآلهة، لا يركبون لها ظهرا، ولا ~~يحلبون لها لبنا، ولا يجزون منها وبرا، ولا يحملون عليها شيئا، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أن الرجل كان يسيب من ماله ما شاء، فيأتي به خزنة الآلهة، ~~فيطعمون ابن السبيل من ألبانه ولحومه إلا النساء، فلا يطعمونهن شيئا منه ~~إلا أن يموت، فيشترك فيه الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وقال ~~الشعبي: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم، ويتركونها عند الآلهة، فلا يشرب ~~منها إلا ms0605 رجل، فان مات منها شئ أكله الرجال والنساء. # والثالث: أنها الناقة إذا ولدت عشرة أبطن، كلهن إناث، سيبت، فلم تركب، ~~ولم يجزلها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ضيف أو ولدها حتى تموت، فإذا ماتت ~~أكلها الرجال والنساء، ذكره الفراء. # والرابع: أنها البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله تعالى من ~~مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك، قاله ابن قتيبة. قال الزجاج: كان الرجل إذا ~~نذر لشئ من هذا، قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ولا ~~تمنع من ماء ومرعى. # والخامس: أنه البعير يحج عليه الحجة، فيسيب، ولا يستعمل شكرا لنجحها، حكا ~~الماوردي عن الشافعي. وفي " الوصيلة " خمسة أقوال: # أحدها: أنها الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع، فإن كان أنثى، ~~لم ينتفع النساء منها بشئ إلا أن تموت، فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ~~ذكرا، ذبحوه، فأكلوه جميعا. # وإن كان ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ~~ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. وذهب إلى نحوه ابن قتيبة، فقال: إن كان السابع ذكرا، ~~ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى، تركت في النعم، وإن كان ذكرا ~~وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم تذبح، لمكانها، وكانت لحومها حراما ~~PageV02P328 # على النساء، ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منها شئ فيأكله ~~الرجال والنساء. # والثاني: أنها الناقة البكر تبتكر في أول نتاج الإبل بالأنثى، ثم تثني ~~بالأنثى، فكانوا يستبقونها لطواغيتهم، ويدعونها الوصيلة، أي: وصلت إحداهما ~~بالأخرى، ليس بينهما ذكر، رواه الزهري عن ابن المسيب. # والثالث: أنها الشاة تنتج عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، فيدعونها ~~الوصيلة، وما ولدت بعد ذلك فللذكور دون الإناث، قاله ابن إسحاق. # والرابع: أنها الشاة تنتج سبعة أبطن، عناقين عناقين، فإذا ولدت في سابعها ~~عناقا وجديا، قيل: وصلت أخاها، فجرت مجرى السائبة، قاله الفراء. # والخامس: أن الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه ~~لآلهتم ms0606 فإن ولدت ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، ~~قاله الزجاج. # وفي " الحام " ستة أقوال: # أحدها: أنه الفحل، ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقولون: قد حمى ظهره، ~~فيسيبونه لأصنامهم، ولا يحمل عليه، قاله ابن مسعود، وابن عباس، واختاره أبو ~~عبيدة، والزجاج. # والثاني: أنه الفحل يولد لولده، فيقولون: قد حمى هذا ظهره، فلا يحملون ~~عليه، ولا يجزون وبره، ولا يمنعونه ماء، ولا مرعى، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس، واختاره الفراء، وابن قتيبة. # والثالث: أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إناث من بناته، وبنات بناته، قاله ~~عطاء والرابع: أنه الذي ينتج له سبع إناث متواليات، قاله ابن زيد. # والخامس: أنه الذي لصلبه عشرة كلها تضرب في الإبل، قاله أبو روق. # والسادس: أنه الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين، فيخلى ويقال: قد حمى ~~ظهره، ذكره الماوردي عن الشافعي. قال الزجاج: والذي ذكرناه في البحيرة، ~~والسائبة، والوصيلة، والحام أثبت ما روينا عن أهل اللغة. وقد أعلم الله عز ~~وجل في هذه الآية أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئا، وإن الذين كفروا افتروا ~~على الله عز وجل. قال مقاتل: وافتراؤهم: قولهم: إن الله حرمه، وأمرنا به. ~~وفي قوله [تعالى]: (وأكثرهم لا يعقلون) قولان: # أحدهما: وأكثرهم، يعني: الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب على الله من ~~الرؤساء الذين حرموا، قاله الشعبي. # والثاني: لا يعقلون أن هذا التحريم من الشيطان، قاله قتادة. PageV02P329 # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) قوله تعالى: ~~(وإذا قيل لهم) يعني: إذا قيل لهؤلاء المشركين الذين حرموا على أنفسهم هذه ~~الأنعام: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتهم على ~~أنفسكم، قالوا: (حسبنا) أي: يكفينا (ما وجدنا عليه آباءنا) من الدين ~~والمنهاج (أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا) من الدين (ولا يهتدون) له، ~~أيتبعونهم في خطئهم. # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ms0607 اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) قوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا عليكم أنفسكم) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هجر، وعليهم المنذر بن ساوي ~~يدعوهم إلى الاسلام، فإن أبوا فليؤدوا الجزية، فلما أتاه الكتاب، عرضه على ~~من عنده من العرب واليهود والنصارى والمجوس، فأقروا بالجزية، وكرهوا ~~الإسلام، فكتب إليهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: " أما العرب فلا تقبل ~~منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس، فاقبل منهم الجزية " ~~فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت العرب، وأعطى أهل ~~الكتاب والمجوس الجزية، فقال منافقو مكة: # عجبا لمحمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، وقد قبل من ~~مجوس هجر، وأهل الكتاب الجزية، فهلا أكرههم على الاسلام، وقد ردها على ~~إخواننا من العرب، فشق ذلك على المسلمين، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. وقال مقاتل: كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لا يقبل ~~الجزية إلا من أهل الكتاب فلما أسلمت العرب طوعا وكرها، قبلها من مجوس هجر، ~~فطعن المنافقون في ذلك، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أن الرجل كان إذا أسلم، قالوا له: سفهت آباءك وضللتهم، وكان ~~ينبغي لك أن تنصرهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد. قال الزجاج: ومعنى ~~الآية: إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم، ولا يؤاخذكم بذنوب غيركم، وهذه الآية ~~لا توجب ترك الأمر بالمعروف، لأن المؤمن إذا تركه وهو مستطيع له، فهو ضال، ~~وليس بمهتد. وقال عثمان بن عفان: لم يأت تأويلها بعد. وقال ابن PageV02P330 # مسعود: تأويلها في آخر الزمان: قولوا ما قبل منكم، فإذا غلبتم، فعليكم ~~أنفسكم. وفي وقاله [تعالى]: (لا يضركم من ضل) قولان: # أحدهما: لا يضركم من ضل بترك الأمر بالمعروف إذا اهتديتم أنتم للأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، قاله حذيفة بن اليمان، وابن المسيب. # والثاني: لا يضركم من ضل من أهل الكتاب إذا أدوا الجزية، قاله مجاهد. وفي ~~قوله [تعالى]: (فينبئكم بما ms0608 كنتم تعملون (تنبيه على الجزاء. # فصل فعلى ما ذكرنا عن الزجاج في معنى الآية، هي محكمة، وقد ذهب قوم من ~~المفسرين إلى أنها منسوخة، ولهم في ناسخها قولان: # أحدهما: أنه آية السيف. # والثاني: أن آخرها نسخ أولها. روي عن أبي عبيد أنه قال: ليس في القرآن ~~آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه، وموضع المنسوخ منها إلى قوله [تعالى]: ~~(لا يضركم من ضل) والناسخ: قوله: إذا اهتديتم. والهدى هاهنا: الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر. # يا أيها الذين آمنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهدة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) قوله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان ~~تميم الداري، وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة، فصحبهما رجل من قريش من بني ~~سهم، فمات بأرض ليس فيها أحد من المسلمين، فأوصى إليهما بتركته، فلما قدما، ~~دفعاها إلى أهله، وكتما جاما كان معه من فضة، وكان مخوصا بالذهب، فقالا: لم ~~نره، فأتي بهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما بالله: ما كتما، ~~وخلى سبيلهما، ثم إن الجام وجد عند قوم من أهل مكة، فقالوا: ابتعناه من ~~تميم PageV02P331 # الداري، وعدي بن بداء، فقام أولياء السهمي، فأخذوا الجام، وحلف رجلان ~~منهم بالله: إن هذا الجام جام صاحبنا، وشهادتنا أحق من شهادتهما، وما ~~اعتدينا، فنزلت هذه الآية، والتي بعدها. # قال مقاتل: واسم الميت: بزيل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، ~~وكان تميم، وعدي نصرانيين، فأسلم تميم، ومات عدي نصرانيا. فأما التفسير: ~~فقال الفراء: معنى الآية: ليشهدكم اثنان إذا حضر أحدكم الموت. قال الزجاج: ~~المعنى: شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فحذف " شهادة " ويقوم " اثنان " ~~مقامهما. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ليشهدكم في سفركم إذا حضركم ~~الموت، وأردتم الوصية ms0609 اثنان. وفي هذه الشهادة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الشهادة على الوصية التي ثبتت عند الحكام، وهو قول ابن ~~مسعود، وأبي موسى، وشريح، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري، والجمهور. # والثاني: أنها أيمان الوصي بالله تعالى إذا ارتاب الورثة بهما، وهو قول ~~مجاهد. # والثالث: أنها شهادة الوصية، أي: حضورها، كقوله [تعالى]: (أم كنتم شهداء ~~إذ حضر يعقوب الموت) جعل الله الوصي هاهنا اثنين تأكيدا، واستدل أرباب هذا ~~القول بقوله [تعالى]: # (فيقسمان بالله) قالوا: والشاهد لا يلزمه يمين. فأما " حضور الموت " فهو ~~حضور أسبابه ومقدماته. وقوله [تعالى]: (حين الوصية)، أي: وقت الوصية. وفي ~~قوله: " منكم " قولان: # أحدهما: من أهل دينكم وملتكم، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن ~~المسيب، وسعيد بن جبير وشريح، وابن سيرين، والشعبي، وهو قول أصحابنا. # والثاني: من عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله الحسن وعكرمة، ~~والزهري، والسدي. # قوله تعالى: (أو آخران) تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم. وفي قوله ~~[تعالى]: (من غيركم) قولان. # أحدهما: من غير ملتكم ودينكم، قاله أرباب القول الأول. # والثاني: من غير عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله أرباب القول ~~الثاني. وفي " أو " قولان: # أحدهما: أنها ليست للتخيير، وإنما المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا ~~منكم، وبه قال ابن عباس، وابن جبير. PageV02P332 # والثاني: أنها للتخيير، ذكره الماوردي. # فصل والقائل بأن المراد بالآية شهادة مسلمين من القبيلة، أو من غير ~~القبيلة لا يشك في إحكام هذه الآية. فأما القائل بأن المراد بقوله: " أو ~~آخران من غيركم " أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية في السفر، فلهم فيها ~~قولان: # أحدهما: أنها محكمة، والعمل على هذا باق، وهو قول ابن عباس، وابن المسيب، ~~وابن جبير، وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والثوري، وأحمد في آخرين. # والثاني: أنها منسوخة بقوله [تعالى]: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وهو قول زيد ~~بن أسلم، وإليه يميل أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، قالوا: وأهل الكفر ليسوا ~~بعدول، والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء ~~لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال. # قوله ms0610 تعالى: (إن أنتم ضربتم) هذا الشرط متعلق بالشهادة، والمعنى: ليشهدكم ~~اثنان إن أنتم ضربتم في الأرض، أي: سافرتم. (فاصابتكم مصيبة الموت) فيه ~~محذوف، تقديره: وقد أسندتم الوصية إليهما، ودفعتم إليهما مالكم (تحبسونهما ~~من بعد الصلاة) خطاب للورثة إذا ارتابوا. وقال ابن عباس: هذا من صلة قوله: ~~" أو آخران من غيركم " أي: من الكفار، فأما إذا كانا مسلمين، فلا يمين ~~عليهما. وفي هذه الصلاة قولان: # أحدهما: صلاة العصر، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال شريح، وابن ~~جبير، وإبراهيم، وقتادة، والشعبي. # والثاني: من بعد صلاتهما في دينهما، حكاه السدي عن ابن عباس، وقال به. ~~وقال الزجاج: # كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس. وقال ~~ابن قتيبة: لأنه وقت يعظمه أهل الأديان. # قوله تعالى: (فيقسمان بالله) أي: فيحلفان (إن ارتبتم) أي: شككتم يا ~~أولياء الميت. # ومعنى الآية: إذا قدم الموصى إليهما بتركة المتوفي، فاتهمهما الوارث، ~~استحلفا بعد صلاة العصر: # أنهما لم يسرقا، ولم يخونا. فالشرط في قوله: " إن ارتبتم " متعلق ~~بتحبسونهما، كأنه قال: إن ارتبتم حبستموهما فاستخلفتموهما، فيحلفان بالله: ~~(لا نشتري به) أي: بأيماننا، وقيل: بتحريف شهادتنا، فالهاء عائدة على ~~المعنى. (ثمنا) أي: عرضا من الدنيا (ولو كان ذا قربى) أي: ولو كان المشهود ~~له ذا قرابة منا، وخص ذا القرابة، لميل القريب إلى قريبه. والمعنى: لا ~~نحابي في شهادتنا PageV02P333 # أحدا، ولا نميل مع ذي القربى في قول الزور (ولا نكتم شهادة الله) إنما ~~أضيفت إليه، لأمره بإقامتها، ونهيه عن كتمانها، وقرأ سعيد بن جبير: " ولا ~~نكتم شهادة " بالتنوين " الله " بقطع الهمزة وقصرها، وكسر الهاء، ساكنة ~~النون في الوصل. وقرأ سعيد بن المسيب، وعكرمة " شهادة " بالتنوين والوصل ~~منصوبة الهاء. وقرأ أبو عمران الجوني " شهادة " بالتنوين وإسكانها في الوصل ~~الله بقطع الهمزة وقصرها مفتوحة الهاء وقرأ الشعبي وابن السميفع " شهادة " ~~بالتنوين وإسكانها في الوصل " الله " بقطع الهمزة، ومدها، وكسر الهاء. وقرأ ~~أبو العالية، وعمرو بن دينار مثله، إلا أنهما نصبا الهاء. واختلف العلماء ~~لأي معنى وجبت اليمين على ms0611 هذين الشاهدين، على ثلاثة أقوال: # أحدها: لكونهما من غير أهل الاسلام، روي هذا المعنى عن أبي موسى الأشعري. # والثاني: لوصية وقعت بخط الميت وفقد ورثته بعض ما فيها، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثالث: لأن الورثة كانوا يقولون: كان مال ميتنا أكثر، فاستخانوا ~~الشاهدين، قاله الحسن، ومجاهد. # فإن عثر على أنهما استحقا إثما فاخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأولين فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهدتهما وما اعتدينا إنا إذا ~~لمن الظالمين (107) قوله تعالى: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما) قال ~~المفسرون: لما نزلت الآية الأولى، دعا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عديا ~~وتميما، فاستحلفهما عند المنبر: أنهما لم يخونا شيئا مما دفع إليهما فحلفا، ~~وخلى سبيلهما، ثم ظهر الإناء الذي كتماه، فرفعهما أولياء الميت إلى رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] فنزلت (فإن عثر على أنهما استحقا إثما) ومعنى " ~~عثر ": اطلع أي: إن عثر أهل الميت، أو من يلي أمره، على أن الشاهدين اللذين ~~هما آخران من غيرنا (استحقا إثما) لميلهما عن الاستقامة في شهادتهما ~~(فآخران يقومان مقامهما) أي: مقام هذين الخائنين (من الذين استحق عليهم ~~الأوليان) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: " استحق " ~~بضم التاء، (الأوليان) على التثنية وفي قوله [تعالى]: (من الذين استحق ~~عليهم) قولان: # أحدهما: أنهما الذميان. # والثاني: الوليان فعلى الأول في معنى (استحق عليهم) أربعة أقوال: # أحدها: استحق عليهم الإيصاء، قال ابن الأنباري: المعنى: من القوم الذين ~~استحق فيهم الإيصاء، استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال الزجاج: المعنى: من ~~الذين استحقت الوصية أو الإيصاء عليهم. PageV02P334 # والثاني: أنه الظلم، والمعنى: من الذين استحق عليهم ظلم الأوليين فحذف ~~الظلم، وأقام الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضا. # والثالث: أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما. # والرابع: أنه الاثم، والمعنى: استحق منهم الاثم، ونابت " على " عن " من " ~~كقوله [تعالى]: (على الناس يستوفون) أي: منهم. وقال الفراء: " على " بمعنى ~~" في " كقوله [تعالى]: # (على ملك سليمان) أي: في ملكه، ذكر القولين أبو علي الفارسي. ms0612 وعلى هذه ~~الأقوال مفعول " استحق " محذوف مقدر، وعلى القول الثاني في معنى (استحق ~~عليهم) قولان: # أحدهما: استحق منهم الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة. # والثاني: عليهم الاثم، ذكره الزجاج. # فأما " الأوليان " فقال الأخفش: الأوليان: اثنان، وأحدهما: الأولى، ~~والجمع: الأولون: ثم للمفسرين فيهما قولان: # أحدهما: أنهما أولياء الميت، قاله الجمهور، قال الزجاج: " الأوليان " في ~~قول أكثر البصريين يرتفعان على البدل مما في " يقومان " والمعنى: فليقم ~~الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين. وقال أبو علي: لا يخلو الأوليان أن ~~يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: # فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان، أو يكون بدلا من الضمير الذي في " ~~يقومان " والتقدير: فيقوم الأوليان. # والقول الثاني: أن الأوليان: هما الذميان، والمعنى: أنهما الأوليان ~~بالخيانة ذكرهما ابن الأنباري وروى قرة عن ابن كثير، وحفص وعاصم: " استحق " ~~بفتح التاء والحاء " الأوليان " على التثنية، والمعنى: استحق عليهم ~~الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها، فحذف المفعول. وقرأ حمزة، وأبو بكر ~~عن عاصم: " استحق " برفع التاء، وكسر الحاء، " الأولين " بكسر اللام، وفتح ~~النون على الجمع، والتقدير: من الأولين الذين استحق فيهم الإثم، أي: جني ~~عليهم، لأنهم كانوا أولين في الذكر. ألا ترى أنه قد تقدم (ذوا عدل منكم) ~~على قوله [تعالى]: (أو آخران من غيركم) وروى الحلبي عن عبد الوارث " ~~الأولين " بفتح الواو وتشديدها، وفتح اللام، وسكون الياء، وكسر النون، وهي ~~تثنية: أول. وقرأ الحسن البصري: " استحق " بفتح التاء والحاء، " الأولان " ~~تثنية " أول " على البدل من قوله: " فآخران " وقال ابن قتيبة: أشبه الأقوال ~~بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرفنا كيف يشهد بالوصية عند حضور الموت ~~فقال: (ذوا عدل منكم) أي: عدلان من المسلمين وعلم أن من الناس من يسافر ~~فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها ~~غيرهم، ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين، فقال: (أو PageV02P335 # آخران من غيركم)، أي: من غير أهل دينكم، فالذميان في السفر خاصة إذا لم ~~يوجد غيرهما (تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم) ms0613 أراد: ~~تحبسونهما من بعد صلاة العصر إن ارتبتم في شهادتهما، وخشيتم أن يكونا قد ~~خانا، أو بدلا فإذا حلفا، مضت شهادتهما، فإن عثر أي: # ظهر على أنهما استحقا إثما، أي: حنثا في اليمين بكذب أو خيانة، فآخران، ~~أي: قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت الذين استحق منهم ~~الأوليان، وهما الوليان يقال: هذا الأولى بفلان، ثم يحذف من الكلام " بفلان ~~" فيقال: هذا الأولى، وهذان الأوليان، و " عليهم " بمعنى: " منهم " فيحلفان ~~بالله: لقد ظهرنا على خيانة الذميين، وكذبهما، وما اعتدينا عليهما، ~~ولشهادتنا أصح، لكفرهما وإيماننا، فيرجع على الذميين بما اختانا، وينقض ما ~~مضى من الحكم بشهادتهما تلك. # وقال غيره: لشهادتنا، أي: ليميننا أحق، وسميت اليمين شهادة، لأنها ~~كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك. قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية ~~قام عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله، ودفع ~~الاناء إليهما وإلى أولياء الميت. # ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمن بعد أيمنهم ~~واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108) قوله تعالى: (ذلك ~~أدنى) أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين، أقرب إلى إتيان أهل الذمة ~~بالشهادة على وجهها، أي: على ما كانت، وأقرب أن يخافوا أن ترد أيمان أولياء ~~الميت بعد أيمانهم، فيحلفون على خيانتهم، فيفتضحوا، ويغرموا، فلا يحلفون ~~كاذبين إذا خافوا ذلك. # (واتقوا الله) أن تحلفوا كاذبين، أو تخونوا أمانة، واسمعوا الموعظة. # * يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لاعلم لنا إنك أنت علم ~~الغيوب (109) قوله تعالى: (يوم يجمع الله الرسل) قال الزجاج: نصب (يوم) ~~محمول على قوله [تعالى]: (واتقوا يوم): واتقوا جمعة للرسل. ومعنى مسألته ~~للرسل توبيخ الذين أرسلوا إليهم. فأما قول الرسل: (لا علم لنا) ففيه ستة ~~أقوال: # أحدها: أنهم طاشت عقولهم حين زفرت جهنم، فقالوا: (لا علم لنا) ثم ترد ~~إليهم عقولهم، فينطلقون بحجتهم، رواه أبو الضحى عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، ومجاهد، والسدي. # والثاني: أن المعنى: (لا علم لنا) إلا علم أنت ms0614 أعلم به منا، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. PageV02P336 # والثالث: أن المراد بقوله [تعالى]: (ماذا أجبتم): ماذا عملوا بعدكم، ~~وأحدثوا، فيقولون: (لا علم لنا)، قاله ابن جريج، وفيه بعد. # والرابع: أن المعنى: (لا علم لنا) مع علمك، لأنك تعلم الغيب، ذكره ~~الزجاج. # والخامس: أن المعنى: (لا علم لنا) كعلمك، إذ كنت تعلم ما أظهر القوم وما ~~أضمروا، ونحن نعلم ما أظهروا، ولا نعلم ما أضمروا، فعلمك فيهم أنفذ من ~~علمنا، هذا اختيار ابن الأنباري. # والسادس: (لا علم لنا) بجميع أفعالهم إذ كنا نعلم بعضها وقت حياتنا، ولا ~~نعلم ما كان بعد وفاتنا، وإنما يستحق الجزاء بما تقع به الخاتمة، حكاه ابن ~~الأنباري. قال المفسرون: إذا رد الأنبياء العلم إلى الله أبلست الأمم، ~~وعلمت أن ما أتته في الدنيا غير غائب عنه، وأن الكل لا يخرجون عن قبضته. # قوله تعالى: (علام الغيوب) قال الخطابي: العلام: بمنزلة العليم، وبناء " ~~فعال " بناء التكثير، فأما " الغيوب " فجمع غيب، وهو ما غاب عنك. # إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح ~~القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) ~~قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى) قال ابن عباس: معناه: وإذ يقول. # قوله تعالى: (اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك) في تذكيره النعم فائدتان: # إحداهما: إسماع الأمم ما خصه به من الكرامة. # والثانية: توكيد حجته على جاحده. ومن نعمه على مريم أنه اصطفاها وطهرها، ~~وأتاها برزقها من غير سبب. وقال الحسن: المراد بذكر النعمة: الشكر. فأما ~~النعمة، فلفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع. فإن قيل: لم قال هاهنا: * ~~(فتنفخ فيها) * وفي (آل عمران) " فيه "؟ فالجواب: أنه جائز أن يكون ذكر ~~الطير على معنى الجميع، وأنث على معنى الجماعة، ms0615 وجاز أن يكون " فيه " ~~للطير، PageV02P337 # و " فيها " للهيئة ذكره أبو علي الفارسي. # قوله تعالى: (إن هذا إلا سحر مبين) قرأ ابن كثير، وعاصم هاهنا، وفي (هود) ~~و (الصف) (إلا سحر مبين)، وقرأ في (يونس) (لساحر مبين) بألف. وقرأ نافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، الأربعة (سحر مبين) بغير ألف، فمن قرأ " سحر " أشار ~~إلى ما جاء به، ومن قرأ " ساحر "، أشار إلى الشخص. # وإذ أوحيت إلى الحوارين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) وفي الوحي إلى الحواريين قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الإلهام، قاله الفراء. وقال السدي: قذف في قلوبهم. # والثاني: أنه بمعنى الأمر، فتقديره: أمرت الحواريين و " إلى " صلة، قاله ~~أبو عبيدة. وفي قوله [تعالى]: (واشهد) قولان: # أحدهما: أنهم يعنون الله تعالى. # والثاني: عيسى عليه السلام. # وقوله [تعالى]: (بأننا مسلمون) أي: مخلصون للعبادة والتوحيد. وقد سبق شرح ~~ما أهمل هاهنا فيما تقدم. # إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قوله تعالى: (هل يستطيع ربك) ~~قال الزجاج: أي: هل يقدر. وقرأ الكسائي: " هل تستطيع " بالتاء، ونصب الرب. ~~قال الفراء: معناه: هل تقدر أن تسأل ربك. قال ابن الأنباري: ولا يجوز لأحد ~~أن يتوهم أن الحواريين شكوا في قدرة الله، وإنما هذا كما يقول الإنسان ~~لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي، وهو يعلم أنه مستطيع، ولكنه يريد: هل يسهل ~~عليك. وقال أبو علي: المعنى: هل يفعل ذلك بمسألتك إياه. وزعم بعضهم أنهم ~~قالوا ذلك قبل استحكام إيمانهم ومعرفتهم، فرد عليهم عيسى بقوله: اتقوا ~~الله، أن تنسبوه إلى عجز، والأول أصح. فأما " المائدة " فقال اللغويون: # المائدة: كل ما كان عليه من الأخونة طعام، فإذا لم يكن عليه طعام، فليس ~~بمائدة، والكأس: كل إناء فيه شراب، فإذا لم يكن فيه شراب، فليس بكأس، ذكره ~~الزجاج. قال الفراء: وسمعت بعض PageV02P338 # العرب يقول للطبق الذي تهدى عليه الهدية: هو المهدى، مقصور، ما دامت عليه ~~الهدية، فإذا كان فارغا رجع ms0616 إلى اسمه إن كان طبقا أو خوانا أو غير ذلك. ~~وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن لفظها فاعلة، وهي في المعنى مفعولة، مثل (عيشة ~~راضية). قال أبو عبيدة: وهي من العطاء، والممتاد: المفتعل المطلوب منه ~~العطاء، قال الشاعر: # إلى أمير المؤمنين الممتاد وماد زيد عمرا: إذا أعطاه. قال الزجاج: والأصل ~~عندي في " مائدة " أنها فاعلة من: ماد يميد: إذا تحرك، فكأنها تميد بما ~~عليها. وقال ابن قتيبة: المائدة: الطعام، من: مادني يميدني، كأنها تميد ~~الآكلين، أي: تعطيهم، أو تكون فاعلة بمعنى: مفعول بها، أي: ميد بها ~~الآكلون. # قوله تعالى: * (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: اتقوه أن تسألوه البلاء، لأنها إن نزلت وكذبتم، عذبتم، قاله ~~مقاتل. # والثاني: أن تسألوه ما لم تسأله الأمم قبلكم، ذكره أبو عبيد. # والثالث: أن تشكوا في قدرته. # قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها ~~من الشاهدين (113) قوله تعالى: (قالوا نريد أن نأكل منها) هذا اعتذار منهم ~~بينوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه. وفي إرادتهم للأكل منها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أرادوا ذلك للحاجة، وشدة الجوع، قاله ابن عباس. # والثاني: ليزدادوا إيمانا، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: للتبرك بها، ذكره الماوردي. وفي قوله [تعالى]: (وتطمئن قلوبنا) ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبيا. # والثاني: إلى أن الله تعالى قد اختارنا يكون أعوانا لك. # والثالث: إلى أن الله تعالى قد أجابك. وقال ابن عباس: قال لهم عيسى: هل ~~لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم لا تسألونه شيئا إلا أعطاكم؟ فصاموا، ثم ~~سألوا المائدة. فمعنى: # (ونعلم أن صدقتنا) في أنا إذا صمنا ثلاثين يوما لم نسأل الله شيئا إلا ~~أعطانا. وفي هذا العلم قولان: PageV02P339 # أحدهما: أنه علم يحدث لهما لم يكن، وهو قول من قال: كان سؤالهم قبل ~~استحكام معرفتهم. # والثاني: أنه زيادة علم إلى علم، ويقين إلى يقين، وهو قول من قال: كان ~~سؤالهم بعد معرفتهم. وقرأ الأعمش: " وتعلم " بالتاء، والمعنى: وتعلم ms0617 القلوب ~~أن قد صدقتنا. وفي قوله [تعالى]: من الشاهدين أربعة أقوال: # أحدها: من الشاهدين لله بالقدرة، ولك بالنبوة. # والثاني: عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم، وذلك أنهم كانوا مع عيسى في ~~البرية عند هذا السؤال. # والثالث: من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدنا من الآيات الدالة ~~على أنك نبي. # والرابع: من الشاهدين لك عند الله بأداء ما بعثت به. # قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قوله تعالى: (تكون ~~لنا عيدا لأولنا وآخرنا) وقرأ ابن محيصن، وابن السميفع، والجحدري: # " لأولانا وأخرانا " برفع الهمزة، وتخفيف الواو، والمعنى: يكون اليوم ~~الذي نزلت فيه عيدا لنا، نعظمه نحن ومن بعدنا، قاله قتادة، والسدي. وقال ~~كعب: أنزلت عليهم يوم الأحد، فاتخذوه عيدا. # وقال ابن قتيبة: عيدا، أي: مجمعا. قال الخليل بن أحمد: العيد: كل يوم ~~يجمع، كأنهم عادوا إليه. وقال ابن الأنباري: سمي عيدا للعود من الترح إلى ~~الفرح. # قوله تعالى: (وآية منك) أي: علامة منك تدل على توحيدك، وصحة نبوة نبيك. ~~وقرأ ابن السميفع، وابن محيصن، والضحاك " وأنه منك " بفتح الهمزة، وبنون ~~مشددة. وفي قوله [تعالى]: (وارزقنا) قولان. # أحدهما: ارزقنا ذلك من عندك. # والثاني: ارزقنا الشكر على ما أنعمت به من إجابتك لنا. # قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العلمين (115) PageV02P340 # قوله تعالى: (قال الله إني منزلها عليكم) قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر " ~~منزلها " بالتشديد، وقرأ الباقون خفيفة. وهذا وعد بإجابة سؤال عيسى. واختلف ~~العلماء: هل نزلت، أم لا؟ # على قولين: # أحدهما: أنها نزلت، قاله الجمهور، فروى وهب بن منبه عن أبي عثمان النهدي، ~~عن سلمان الفارسي قال: لما رأى عيسى أنهم قد جدوا في طلبها لبس جبة من شعر، ~~ثم توضأ، واغتسل، وصف قدميه في محرابه حتى استويا، وألصق الكعب بالكعب، ~~وحاذى الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطأطأ رأسه ~~خضوعا، ثم أرسل ms0618 عينيه بالبكاء، فما زالت تسيل دموعه على خده، وتقطر من ~~أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض من دموعه حيال وجهه، ثم رفع رأسه إلى السماء، ~~فقال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، فبينما عيسى كذلك، هبطت ~~عليهم مائدة من السماء، سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من تحتها، وغمامة من ~~فوقها، وعيسى يبكي ويتضرع، ويقول: إلهي اجعلها سلامة، لا تجعلها عذابا، حتى ~~استقرت بين يديه، والحواريون من حوله، فأقبل هو وأصحابه حتى قعدوا حولها، ~~وإذا عليهم منديل مغطى، فقال عيسى: أيكم أوثق بنفسه وأقل بلاء عند ربه ~~فليأخذ هذا المنديل، وليكشف لنا عن هذه الآية. قالوا: يا روح الله أنت ~~أولانا بذلك، فاكشف عنها، فاستأنف وضوءا جديدا، وصلى ركعتين، وسأل ربه أن ~~يأذن له بالكشف عنها، ثم قعد إليها، وتناول المنديل، فإذا عليها سمكة ~~مشوية، ليس فيها شوك، وحولها من كل البقل ما خلا الكراث، وعند رأسها الخل، ~~وعند ذنبها الملح، وحولها خمسة أرغفة، على رغيف تمر، وعلى رغيف زيتون، وعلى ~~رغيف خمس رمانات. فقال شمعون رأس الحواريين: يا روح الله أمن طعام الدنيا ~~هذا، أمن طعام الجنة؟ فقال عيسى: سبحان الله أما تنتهون! ما أخوفني عليكم. # قال شمعون. لا وإله بني إسرائيل ما أردت بهذا سوءا. قال عيسى: ليس ما ~~ترون عليها من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إنما هو شئ ابتدعه الله، ~~فقال له: " كن " فكان أسرع من طرفة عين. # فقال الحواريون: يا روح الله إنما نريد أن ترينا في هذه الآية آية، فقال: ~~سبحان الله! ما اكتفيتم بهذه الآية؟! ثم أقبل على السمكة فقال: عودي بإذن ~~الله حية طرية، فعادت تضطرب على المائدة، ثم قال: عودي كما كنت، فعادت ~~مشوية، فقال: يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها، فقال: معاذ الله بل ~~يأكل منها من سألها، فلما رأوا امتناعه، خافوا أن يكون نزولها عقوبة، فلما ~~رأى عيسى ذلك دعا لها الفقراء والزمنى واليتامى، فقال: كلوا من رزق ربكم، ~~ودعوة نبيكم، ليكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على ms0619 غيركم، فأكل منها ألف ~~وسبعمائة إنسان، يصدرون عنها شباعا وهي كهيئتها حين نزلت، فصح كل مريض، ~~واستغنى كل فقير أكل منها، ثم نزلت بعد ذلك عليهم، فازدحموا عليها، فجعلها ~~عيسى نوبا بينهم، فكانت تنزل عليهم أربعين يوما، تنزل يوما وتغب يوما، ~~وكانت تنزل عند ارتفاع الضحى، فيأكلون منها حتى إذا قالوا، ارتفعت إلى ~~السماء وهم ينظرون إلى ظلها في PageV02P341 # الأرض. وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية، حيث كانوا: وقال غيره: ~~نزلت يوم الأحد مرتين. وقيل: نزلت غدوة وعشية يوم الأحد، فلذلك جعلوه عيدا. ~~وفي الذي كان على المائدة ثمانية أقوال: # أحدها: أنه خبز ولحم، روي عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما ". # والثاني: أنها سمكة مشوية، وخمس أرغفة، وتمر، وزيتون، ورمان. وقد ذكرناه ~~عن سلمان. # والثالث: ثمر من ثمار الجنة، قاله عمار بن ياسر، وقال قتادة: ثمر من ثمار ~~الجنة، وطعام من طعامها. # والرابع: خبز، وسمك، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن: وأبو عبد ~~الرحمن السلمي. # والخامس: قطعة من ثريد، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والسادس: أنه أنزل عليها كل شئ إلا اللحم، قاله سعيد بن جبير. # والسابع: سمكة فيها طعم كل شئ من الطعام، قاله عطية العوفي. # والثامن: خبز أرز وبقل، قاله ابن السائب. # والقول الثاني: أنها لم تنزل، روى قتادة عن الحسن أن المائدة لم تنزل، ~~لأنه لم قال الله تعالى: (فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين) قالوا: لا حاجة لنا فيها. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، ~~قال: أنزلت مائدة عليها ألوان من الطعام، فعرضها عليهم، وأخبرهم أنه العذاب ~~إن كفروا، فأبوها فلم تنزل. وروى ليث عن مجاهد قال: هذا مثل ضربه الله ~~تعالى لخلقه، لينهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه، ولم ينزل عليهم شئ، والأول ~~أصح. # قوله تعالى: (فمن يكفر بعد منكم) أي: بعد إنزال المائدة. وفي العذاب ~~المذكور قولان: # أحدهما: أنه المسخ. PageV02P342 # والثاني: جنس من العذاب ms0620 لم يعذب به أحد سواهم. قال الزجاج: ويجوز أن يعجل ~~لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة. وفي " العالمين " قولان: # أحدهما: أنه عام. # والثاني: عالمو زمانهم. وقد ذكر المفسرون أن جماعة من أصحاب المائدة ~~مسخوا. وفي سبب مسخهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أمروا أن لا يخونوا، ولا يدخروا، فخانوا وادخروا، فمسخوا ~~قردة وخنازير، رواه عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أن عيسى خص بالمائدة الفقراء، فتكلم الأغنياء بالقبيح من القول، ~~وشككوا الناس فيها، وارتابوا، فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم، ~~مسخهم الله خنازير، قاله سلمان الفارسي. # والثالث: أن الذين شاهدوا المائدة، ورجعوا إلى قومهم، فأخبروهم، فضحك بهم ~~من لم يشهد، وقالوا: إنما سحر أعينكم، وأخذ بقلوبكم، فمن أراد الله به ~~خيرا، ثبت على بصيرته، ومن أراد به فتنة، رجع إلى كفره. فلعنهم عيسى، ~~فأصبحوا خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا، قاله ابن عباس. # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علم الغيوب (116) قوله تعالى: ~~(وإذ قال الله يا عيسى بن مريم) في زمان هذا القول قولان: # أحدهما: أنه يقوله له يوم القيامة، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج. # والثاني: أنه قاله له حين رفعه إليه، قاله السدي، والأول أصح. وفي (إذ) ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها زائدة، والمعنى: وقال الله، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أنها على أصلها، والمعنى: وإذ يقول الله له، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أنها بمعنى: " إذا "، كقوله [تعالى]: (ولو ترى إذ فزعوا) ~~والمعنى: إذا. قال أبو النجم: PageV02P343 # ثم جزاك الله عني إذ جزى * جنات عدن في السماوات العلا ولفظ الآية لفظ ~~الاستفهام، ومعناها التوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى. قال أبو عبيدة: وإنما ~~قال: " إلهين "، لأنهم إذ أشركوا فعل ذكر مع فعل أنثى ذكروهما. فإن قيل: ~~فالنصارى ms0621 لم يتخذوا مريم إلها، فكيف قال الله تعالى ذلك فيهم؟ فالجواب: ~~أنهم لما قالوا: لم تلد بشرا، وإنما ولدت إلها، لزمهم أن يقولوا: إنها من ~~حيث البعضية بمثابة من ولدته، فصاروا بمثابة من قاله. # قوله تعالى: (قال سبحانك) أي: براءة لك من السوء (ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق) أي: لست أستحق العبادة، فأدعو الناس إليها. وروى عطاء بن ~~السائب عن ميسرة قال: لما قال الله تعالى لعيسى: (أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله) رعد كل مفصل منه حتى وقع مخافة أن يكون قد قاله، ~~وما قال: إني لم أقل، ولكنه قال: (إن كنت قلته، فقد علمته) فإن قيل: ما ~~الحكمة في سؤال الله تعالى له عن ذلك وهو يعلم أنه ما قاله؟ فالجواب: أنه ~~تثبيت للحجة على قومه، وإكذاب لهم في ادعائهم عليه أنه أمرهم بذلك، ولإنه ~~إقرار من عيسى بالعجز في قوله [تعالى]: (ولا أعلم ما في نفسك) وبالعبودية ~~في قوله [تعالى]: (أن اعبدوا الله ربي وربكم). # قوله تعالى: (تعلم ما في نفسي) قال الزجاج: تعلم ما أضمره، ولا أعلم ما ~~عندك علمه، والتأويل: تعلم ما أعلم وأنا لا أعلم ما تعلم. # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد (117) ~~قوله تعالى: (أن اعبدوا الله) قال مقاتل: وحدوه. # قوله تعالى: (وكنت عليهم شهيدا) أي: على ما يفعلون ما كنت مقيما فيهم، ~~(فلما توفيتني) فيه قولان: # أحدهما: بالرفع إلى السماء. # والثاني: بالموت عند انتهاء الأجل. و " الرقيب " مشروح في سورة (النساء)، ~~و " الشهيد " في (آل عمران). # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) قوله ~~تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) * قال الحسن، وأبو العالية: إن تعذبهم، ~~فبإقامتهم PageV02P344 # على كفرهم، وإن تغفر لهم، فبتوبة كانت منهم. وقال الزجاج: علم عيسى أن ~~منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال ms0622 في جملتهم: (إن تعذبهم) أي: إن ~~تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك، وأنت العادل فيهم، لأنك قد أوضحت لهم الحق، ~~فكفروا، وإن تغفر لهم، أي: وإن تغفر لمن أقلع منهم، وآمن، ذلك تفضل منك، ~~لأنه قد كان لك أن لا تغفر لهم بعد عظيم فريتهم، وأنت في مغفرتك لهم عزيز، ~~لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك. وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: # لا ينبغي لأحد أن يعترض عليك، فإن عذبتهم، فلا اعتراض عليك، وإن غفرت لهم ~~- ولست فاعلا إذا ماتوا على الكفر - فلا اعتراض عليك. وقال غيره: العفو لا ~~ينقص عزك، ولا يخرج عن حكمك. # وقد روى أبو ذر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام ليلة بآية ~~يرددها: (إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) قال ~~الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير (120) قوله تعالى: (قال الله ~~هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) قرأ الجمهور برفع اليوم، وقرأ نافع بنصبه على ~~الظرف. قال الزجاج: المعنى: قال الله هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم، ويجوز أن يكون على معنى: قال الله هذا الذي ذكرناه يقع في يوم ينفع ~~في يوم ينفع الصادقين صدقهم. والمراد باليوم: يوم القيامة. وإنما خص نفع ~~الصدق به، لأنه يوم الجزاء. وفي هذا الصدق قولان: # أحدهما: أنه صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة. # والثاني: صدقهم في الآخرة ينفعهم هنالك. وفي هذه الآية تصديق لعيسى فيما ~~قال. # قوله تعالى: (رضي الله عنهم) أي: بطاعتهم، (ورضوا عنه) بثوابه. وفي قوله ~~[تعالى]: (لله ملك السماوات والأرض) تنبيه على عبودية عيسى، وتحريض على ~~تعليق الآمال بالله وحده. # تم - بعون الله تبارك وتعالى - الجزء الثاني، من كتاب " زاد المسير في ~~علم التفسير " ويليه الجزء الثالث وأوله تفسير " سورة الأنعام " ~~PageV02P345 # زاد المسير في علم التفسير للامام أبي الفرج ms0623 جمال الدين عبد الرحمن بن ~~علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه ~~محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن أستاذ بكلية الدراسات ~~الإسلامية بالأزهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء ~~الثالث من سورة الأنعام حتى نهاية التوبة دار الفكر للطباعة والنشر ~~والتوزيع PageV03P001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى جمادي الأولى 1407 ه‍ ~~- كانون الثاني 1987 م دار الفكر - بيروت - لبنان PageV03P002 # (6) سورة الأنعام مكية وآياتها خمس وستون ومائة بسم الله الرحمن الرحيم ~~فصل في نزولها روى مجاهد عن ابن عباس: أن [سورة] الأنعام مما نزل بمكة. ~~وهذا قول الحسن، وقتادة، وجابر بن زيد. # وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام جملة ليلا بمكة، ~~وحولها سبعون ألف ملك. # وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هي مكية، نزلت جملة واحدة، ونزلت ليلا، ~~وكتبوها من ليلتهم، [غير ست آيات منها مدنيات] (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم...) إلى آخر الثلاث آيات وقوله: (وما قدروا الله حق قدره...) الآية. ~~وقوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي) إلى آخر ~~الآيتين. وذكر نحو هذا. وزاد آيتين: قوله: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق)، وقوله: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه...) وروى عن ~~ابن عباس، وقتادة قالا: هي مكية، إلا آيتين نزلتا بالمدينة، قوله: (وما ~~قدروا الله حق قدره...) وقوله: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات). ~~وذكر أبو الفتح بن شيطاء: أنها مكية، غير آيتين نزلتا بالمدينة (قل ~~تعالوا...) والتي بعدها. PageV03P003 # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) فأما التفسير، فقال كعب: فاتحة التورية فاتحة الأنعام، ~~وخاتمتها خاتمة هود، وإنما ذكر السماوات والأرض، لأنهما من أعظم المخلوقات. ~~والمراد " بالجعل ": الخلق. وقيل: إن " جعل " ههنا: صلة، والمعنى: ~~والظلمات. وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال: # أحدها: الكفر والإيمان، قاله الحسن. # والثاني: الليل والنهار، قاله السدي. # والثالث: ms0624 جميع الظلمات والأنوار. # قال قتادة خ: لق الله السماوات قبل الأرض، والظلمات قبل النور، والجنة ~~قبل النار. # قوله تعالى: (ثم الذين كفروا) يعني: المشركين بعد هذا البيان (بربهم ~~يعدلون)، أي: # يجعلون له عديلا: فيعبدون الحجارة الموات، مع إقرارهم بأنه الخالق لما ~~وصف. يقال: عدلت هذا بهذا: إذا ساويته به. قال أبو عبيدة: هو مقدم ومؤخر، ~~تقديره: يعدلون بربهم. وقال النضر بن شميل: الباء: بمعنى " عن ". # هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) ~~قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين) يعني: آدم، وذلك أنه لما شك المشركون ~~في البعث، وقالوا: من يحيي هذه العظام؟ أعلمهم أنه خلقهم من طين، فهو قادر ~~على إعادة خلقهم. # قوله تعالى: (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) فيه ستة أقوال: # أحدها: أن الأجل الأول: أجل الحياة إلى الموت [والأجل] الثاني: أجل الموت ~~إلى البعث، روي عن ابن عباس، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، ~~ومقاتل. # والثاني: أن الأجل الأول: النوم الذي تقبض فيه الروح، ثم ترجع في حال ~~اليقظة، والأجل لمسمى عنده: أجل موت الإنسان. رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أن الأجل الأول: أجل الآخرة متى يأتي، والأجل الثاني: أجل ~~الدنيا، قاله مجاهد في رواية. PageV03P004 # والرابع: أن الأول: خلق الأشياء في ستة أيام، والثاني: ما كان بعد ذلك ~~إلى يوم القيامة، قاله عطاء الخراساني. # والخامس: أن الأول: قضاه حين أخذ الميثاق على خلقه، والثاني: الحياة في ~~الدنيا، قاله ابن زيد، كأنه يشير إلى أجل الذرية حين أحياهم وخاطبهم. # والسادس: أن الأول: أجل من قد مات من قبل، والثاني: أجل من يموت من بعد، ~~ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (ثم أنتم) أي بعد هذا البيان (تمترون) وفيه قولان: # أحدهما: تشكون، قاله قتادة، والسدي. وفيما شكوا فيه قولان: أحدهما: ~~الوحدانية. والثاني: # البعث. # والثاني: يختلفون: مأخوذ من المراء، ذكره الماوردي. # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) ~~قوله تعالى: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) فيه أربعة أقوال: ms0625 # أحدها: هو المعبود في السماوات وفي الأرض، قاله ابن الأنباري. # والثاني: وهو المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض، قاله الزجاج. # والثالث: وهو الله في السماوات، ويعلم سركم وجهركم في الأرض، قاله ابن ~~جرير. # والرابع: أنه مقدم ومؤخر. والمعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في ~~السماوات والأرض، ذكره بعض المفسرين. # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا ~~بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (5) قوله تعالى: ~~(وما تأتيهم من آية من آيات ربهم) نزلت في كفار قريش. وفي الآية قولان: # أحدهما: أنها الآية من القرآن. # والثاني: المعجزة، مثل انشقاق القمر. # والمراد بالحق: القرآن. والأنباء: الأخبار. والمعنى: سيعلمون عاقبة ~~استهزائهم. # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء PageV03P005 # عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين (6) قوله تعالى: (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) القرن: اسم ~~أهل كل عصر. وسموا بذلك، لاقترانهم في الوجود. وللمفسرين في المراد بالقرن ~~سبعة أقوال. # أحدها: أنه أربعون سنة، ذكره ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: ثمانون سنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: مائة سنة، قاله عبد الله بن بشر المازني، وأبو سلمة بن عبد ~~الرحمن. # والرابع: مائة وعشرون سنة، قاله زرارة بن أوفى، وإياس بن معاوية. # والخامس: عشرون سنة، حكاه الحسن البصري. # والسادس: سبعون سنة، ذكره الفراء. # والسابع: أن القرن: أهل كل مدة كان فيها نبي، أو طبقة من العلماء، قلت ~~السنون، أو كثرت، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: " خيركم قرني " يعني: ~~أصحابي " ثم الذين يلونهم " يعني: التابعين " ثم الذين يلونهم " يعني: ~~الذين أخذوا عن التابعين. فالقرن: مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان، فهو ~~في كل قوم على مقدار أعمالهم، واشتقاق القرن: من الاقتران. وفي معنى ذلك ~~الاقتران قولان: # أحدهما: أنه سمي قرنا، لأنه المقدار الذي هو أكثر ما يقترن فيه أهل ذلك ~~الزمان في بقائهم. ms0626 # هذا اختيار الزجاج. # والثاني: أنه سمي قرنا، لأنه يقر زمانا بزمان، وأمة بأمة، قاله ابن ~~الأنباري. وحكى ابن قتيبة عن أبي عبيدة قال: يرون أن أقل ما بين القرنين: ~~ثلاثون سنة. # قوله تعالى: (مكناهم في الأرض) قال ابن عباس: أعطيناهم ما لم نعطكم. ~~يقال: مكنته ومكنت له: إذا أقدرته على الشئ بإعطاء ما يصح به الفعل من ~~العدة. وفي هذه الآية رجوع من الخبر إلى الخطاب. # فأما السماء: فالمراد بها المطر. ومعنى " أرسلنا ": أنزلنا. و " المدرار ~~": مفعال، من در، يدر، والمعنى: نرسلها كثيرة الدر. PageV03P006 # ومفعال: من أسماء المبالغة، كقولهم: امرأة مذكار: إذا كانت كثيرة الولادة ~~للذكور، وكذلك مئناث. # فإن قيل: السماء مؤنثة، فلم ذكرا مدرارا؟! # فالجواب: أن حكم ما انعدل من النعوت عن منهاج الفعل وبنائه، أن يلزم ~~التذكير في كل حال، سواء كان وصفا لمذكر أو مؤنث، كقولهم: امرأة مذكار، ~~ومعطار، وامرأة مذكر، ومؤنث: وهي ككفور، وشكور. ولو بنيت هذه الأوصاف على ~~الفعل، لقيل: كافرة، وشاكرة، ومذكرة، فلما عدل عن بناء الفعل، جرى مجرى ما ~~يستغني بقيام معنى التأنيث فيه عن العلامة، كقولهم: النعل لبستها، والفأس ~~كسرتها، وكان إيثارهم التذكير للفرق بين المبني على الفعل، والمعدول عن مثل ~~الأفاعيل. # والمراد بالمدرار: المبالغة في اتصال المطر ودوامه، يعني: أنها تدر وقت ~~الحاجة إليها، لا أنها تدوم ليلا ونهارا، فتفسد ذكره ابن الأنباري. # ولو أنزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين (7) قوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس) سبب نزولها: ~~أن مشركي مكة قالوا: يا محمد، والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند ~~الله، ومعه أربعة من الملائكة، يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسوله، فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن السائب. قال ابن قتيبة: والقرطاس: # الصحيفة، يقال للرامي إذا أصاب الصحيفة: قرطس. قال شيخنا أبو منصور ~~اللغوي: القرطاس قد تكلموا به قديما. ويقال: إن أصله غير عربي. والجمهور ~~على كسر قافه، وضمها أبو رزين، وعكرمة، وطلحة، ويحيى بن يعمر. # فأما ms0627 قوله تعالى: (فلمسوه بأيدهم) فهو توكيد لنزوله، وقيل: إنما علقه ~~باللمس باليد إبعادا له عن السحر، لأن السحر يتخيل في المرئيات، دون ~~الملموسات. ومعنى الآية: إنهم يدفعون الصحيح. # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ~~قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك) قال مقاتل: نزلت في النضر بن ~~الحارث: وعبد PageV03P007 # الله بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد و " لولا " بمعنى " هلا " (أنزل عليه ~~ملك) نصدقه: (ولو أنزلنا ملكا) فعاينوه ولم يؤمنوا، (لقضي الأمر)، وفيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: لماتوا، ولم يؤخروا طرفة عين لتوبة، قاله ابن عباس. # والثاني: لقامت الساعة، قاله عكرمة، ومجاهد. # والثالث: لعجل لهم العذاب، قاله قتادة. # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) قوله تعالى: ~~(ولو جعلناه) أي: ولو جعلناه الرسول إليهم ملكا، لجعلناه في صورة رجل، ~~لأنهم لا يستطيعون رؤية الملك على صورته، (وللبسنا عليهم) أي: لشبهنا ~~عليهم. يقال: ألبست الأمر على القوم، ألبسه، أي: شبهته عليهم، وأشكلته. ~~والمعنى: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا، فلا يدرون أملك هو، ~~أم آدمي؟ فأضللناهم بما به ضلوا، قبل أن يبعث الملك. وقال الزجاج: كانوا ~~يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إنما هذا بشر ~~مثلكم، فقال تعالى: لو رأوا الملك رجلا، لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما ~~لحق ضعفتهم منه. # وقرأ الزهري، ومعاذ القارئ، وأبو رجاء: " وللبسنا "، بالتشديد، " عليهم ~~ما يلبسون "، مشددة أيضا. # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(10) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) قوله تعالى: ~~(فحاق بالذين سخروا) أي: أحاط. قال الزجاج: الحيق في اللغة: ما اشتمل على ~~الإنسان من مكروه فعله، ومنه: (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله)، أي: لا ~~ترجع عاقبة مكروهه إلا عليهم. قال السدي: وقع بهم العذاب الذي استهزؤوا به. # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم ~~PageV03P008 # إلى يوم ms0628 القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) قوله ~~تعالى: (قل لمن ما في السماوات والأرض) المعنى: فإن أجابوك، وإلا ف‍ (قل: ~~لله، كتب على نفسه الرحمة) قال ابن عباس: قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين. قال ~~الزجاج: ومعنى كتب: أوجب ذلك إيجابا مؤكدا، وجائز أن يكون كتب في اللوح ~~المحفوظ، وإنما خوطب الخلق بما يعقلون، فهم يعقلون أن توكيد الشئ المؤخر أن ~~يحفظ بالكتاب. وقال غيره: رحمته عامة، فمنها تأخير العذاب عن مستحقه، وقبول ~~توبة العاصي. # قوله تعالى: (ليجمعنكم إلى يوم القيامة) اللام: لام القسم. كأنه قال: ~~والله ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه. وذهب قوم إلى أن " إلى " بمعنى: " ~~في ثم اختلفوا، فقال قوم: في يوم القيامة. وقال آخرون: في قبوركم إلى يوم ~~القيامة. # قوله تعالى: (الذين خسروا أنفسهم) أي: بالشرك، (فهم لا يؤمنون)، لما سبق ~~فيهم من القضاء. وقال ابن قتيبة: قوله: (الذين خسروا أنفسهم) مردود إلى ~~قوله: (كيف كان عاقبة المكذبين) الذين خسروا. # وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) قوله تعالى: (وله ما ~~سكن في الليل والنهار) سبب نزولها أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة، فنحن نجعل لك ~~نصيبا في أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلا، وترجع عما أنت عليه، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. وفي معنى " سكن " قولان: # أحدهما: أنه من السكنى. قال ابن الأعرابي: " سكن " بمعنى حل. # والثاني: أنه من السكون الذي يضاد الحركة. قال مقاتل: من المخلوقات ما ~~يستقر بالنهار، وينتشر بالليل، ومنها ما يستقر بالليل، وينتشر بالنهار. # فإن قيل: لم خص السكون بالذكر دون الحركة؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها أن السكون أعم وجودا من الحركة. # والثاني: أن كل متحرك قد يسكن، وليس كل ساكن يتحرك. # والثالث: أن في الآية إضمارا، والمعنى: وله ما سكن وتحرك، كقوله [تعالى] ~~(تقيكم الحر) أراد: والبرد، فاختصر. PageV03P009 # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل ms0629 إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قوله تعالى: (قل أغير ~~الله أتخذ وليا) ذكر مقاتل أن سبب نزولها، أن كفار قريش قالوا: يا محمد، ~~ألا ترجع إلى دين آبائك؟ فنزلت هذه الآية، وهذا الاستفهام معناه الإنكار، ~~أي: لا أتخذ وليا غير الله أتولاه، وأعبده، وأستعينه. # قوله تعالى: (فاطر السماوات والأرض) الجمهور على كسر راء " فاطر ". وقرأ ~~ابن أبي عبلة برفعها. قال أبو عبيدة: الفاطر، معناه الخالق. وقال ابن ~~قتيبة: المبتدئ. ومنه " كل مولود يولد على الفطرة " أي: على ابتداء الخلقة، ~~وهو الإقرار بالله حين أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم. # وقال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان ~~يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها. قال الزجاج: ~~إن قيل: كيف يكون الفطر بمعنى الخلق، والانفطار الانشقاق في قوله تعالى: ~~(إذا السماء انفطرت) فالجواب: إنما يرجعان إلى شئ واحد، لأن معنى " فطرهما ~~": خلقهما خلقا قاطعا. والانفطار، والفطور: تقطع وتشقق. # قوله تعالى: (وهو يطعم ولا يطعم) قرأ الجمهور بضم الياء من الثاني، ~~ومعناه: وهو يرزق ولا يرزق، لأن بعض العبيد يرزق مولاه. وقرأ عكرمة والأعمش ~~" ولا يطعم " بفتح الياء. قال الزجاج: وهذا الاختيار عند البصراء بالعربية، ~~ومعناه: وهو يرزق ويطعم ولا يأكل. # قوله تعالى: (إني أمرت أن أكون أول من أسلم) أي: أول مسلم من هذه الأمة، ~~(ولا تكونن من المشركين) قال الأخفش: معناه: وقيل لي: لا تكونن، فصارت: ~~أمرت، بدلا من ذلك، لأنه حين قال: أمرت، قد أخبر أنه قيل له. # قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قوله تعالى: (قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم) زعم بعض المفسرين أنه كان يجب عليه أن يخاف عاقبة ~~الذنوب، ثم نسخ ذلك بقوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) ~~والصحيح أن الآيتين خبر، والخبر لا يدخله النسخ، وإنما هو معلق بشرط، ~~ومثله: (لئن أشركت ليحبطن عملك). PageV03P010 # من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ms0630 وذلك الفوز المبين (16) قوله تعالى: (من يصرف ~~عنه) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم (من يصرف) ~~بضم الياء وفتح الراء، يعنون: العذاب. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم (يصرف) بفتح الياء وكسر الراء، الضمير قوله: (إن عصيت ربي)، ومما يحسن ~~هذه القراءة قوله [تعالى]: (فقد رحمه)، فقد اتفق إسناد الضميرين إلى اسم ~~الله عز وجل، ويعني بقوله: (يصرف) العذاب (يومئذ)، يعني يوم القيامة، ~~(وذلك) يعني: صرف العذاب. # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ ~~قدير (17) قوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر) الضر: اسم جامع لكل ما يتضرر ~~به الإنسان، من فقر، ومرض وغير ذلك، والخير: اسم جامع لكل ما ينتفع به ~~الإنسان. وللمفسرين في الضر والخير قولان: # أحدهما: أن الضر: السقم، والخير: العافية. # والثاني: أن الضر: الفقر، والخير: الغنى. # وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) قوله تعالى: (وهو القاهر ~~فوق عباده) القاهر: الغالب، والقهر: الغلبة. والمعنى: أنه قهر الخلق فصرفهم ~~على ما أراد طوعا وكرها، فهو المستعلي عليهم، وهم تحت التسخير والتذليل. # قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما ~~هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون (19) قوله تعالى: (قل أي شئ أكبر شهادة) ~~سبب نزلها: أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا ~~محمد، ما نرى أحدا يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا ~~أنه PageV03P011 # ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد أنك رسول الله، فنزلت هذه الآية ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الآية: قل لقريش: أي شئ أعظم شهادة؟ فإن ~~أجابوك، وإلا فقل: الله، وهو شهيد بيني وبينكم على ما أقول. # وقال الزجاج: أمره الله تعالى أن يحتج عليهم بأن شهادة الله [عز وجل] في ~~نبوته أكبر شهادة، وأن القرآن ms0631 الذي أتى به، يشهد له أنه رسول الله، وهو ~~قوله: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به) ففي الإنذار به دليل على نبوته، ~~لأنه لم يأت أحد بمثله، ولا يأتي، وفيه خبر ما كان وما يكون، ووعد فيه ~~بأشياء، فكانت كما قال. وقرأ عكرمة، وابن السميفع، والجحدري (وأوحى إلي) ~~بفتح الهمزة والحاء (القرآن) بالنصب، فأما " الإنذار "، فمعناه: التخويف، ~~ومعنى (ومن بلغ) أي: من بلغ إليه هذا القرآن، فإني نذير له. قال القرظي: من ~~بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمه. وقال أنس بن ~~مالك: لما نزلت هذه الآية، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ~~وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل. # قوله تعالى: (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى) هذا استفهام معناه ~~الإنكار عليهم. # قال الفراء: وإنما قال: " أخرى " ولم يقل: " آخر " لأن الآلهة جمع، ~~والجمع يقع عليه التأنيث، كما قال: (ولله الأسماء الحسنى). وقال: (فما بال ~~القرون الأولى). # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم ~~لا يؤمنون (20) قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب) في الكتاب قولان: # أحدهما: أنه التوراة والإنجيل، وهذا قول الجمهور. # والثاني: أنه القرآن. وفي هاء (يعرفونه) ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. وروي عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعبد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على ~~نبيه بمكة (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما PageV03P012 # يعرفون أبناءهم)، فكيف هذه المعرفة؟ فقال: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ~~ابني، ولأنا أشد معرفة بمحمد [صلى الله عليه وسلم] مني بابني. فقال عمر: ~~وكيف ذاك؟ فقال: إني أشهد أنه رسول الله حقا، ولا أدري ما يصنع النساء. # والثاني: أنها ترجع إلى الدين والنبي. فالمعنى: يعرفون الإسلام أنه دين ~~الله عز وجل، وأن محمدا رسول الله، قاله قتادة. # والثالث: أنها ترجع إلى القرآن. فالمعنى: يعرفون الكتاب الدال على صدقه، ~~ذكره الماوردي. وفي (الذين خسروا أنفسهم) قولان: # أحدهما: أنهم مشركو مكة. ms0632 # والثاني: كفار أهل الكتابين. # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ~~(21) قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي: اختلق على الله ~~الكذب في ادعاء شريك معه. وفي " آياته " قولان: # أحدهما: أنها محمد والقرآن، قاله ابن السائب. # والثاني: القرآن، قاله مقاتل. # والمراد بالظلم المذكور في هذه الآية: الشرك. # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ~~(22) قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا) انتصب " اليوم " بمحذوف تقديره: ~~واذكر يوم نحشرهم. قال ابن جرير: والمعنى: لا يفلحون اليوم، ولا يوم ~~نحشرهم. وقرأ يعقوب: # (يحشرهم) (ثم يقول) بالياء فيهما. وفي الذين عني قولان: # أحدهما: المسلمون والمشركون. # والثاني: العابدون والمعبودون. PageV03P013 # وقوله: (أين شركاؤكم) سؤال توبيخ. والمراد بشركائهم: الأوثان، وإنما ~~أضافها إليهم لأنهم زعموا أنها شركاء الله. # وفي معنى (تزعمون) قولان: # أحدهما: يزعمون أنهم شركاء مع الله. # والثاني: يزعمون أنها تشفع لهم. # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) قوله ~~تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " ثم لم ~~تكن " بالتاء، " فتنتهم " بالرفع. وقرأ نافع، وأبو عمر وأبو بكر عن عاصم: " ~~تكن بالتاء أيضا، " فتنتهم " بالنصب، وقد رويت عن ابن كثير أيضا. وقرأ ~~حمزة، والكسائي: " يكن بالياء، " فتنتهم " بالنصب. وفي " الفتنة " أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها بمعنى الكلام والقول. قال ابن عباس، والضحاك: لم يكن كلامهم. # والثاني: أنها المعذرة. قال قتادة، وابن زيد: لم تكن معذرتهم. قال ابن ~~الأنباري: فالمعنى: # اعتذروا بما هو مهلك لهم، وسبب لفضيحتهم. # والثالث: أنها بمعنى البلية. قال عطاء الخراساني: لم تكن بليتهم. وقال ~~أبو عبيد: لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة، وزادتهم لائمة. # والرابع: أنها بمعنى الافتتان. والمعنى: لم تكن عاقبة فتنتهم. # قال الزجاج: لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤوا منه. ~~ومثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا، فإذا وقع في هلكة تبرأ منه، ~~فيقول: ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه. ms0633 قال: وهذا تأويل لطيف، لا ~~يعرفه إلا من عرف معاني الكلام، وتصرف العرب في ذلك. # وقال ابن الأنباري: المعنى: أنهم افتتنوا بقولهم هذا، إذا كذبوا فيه، ~~ونفوا عن أنفسهم ما كانوا معروفين به في الدنيا. # قوله تعالى:: (إلا أن قالوا والله ربنا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر: # " والله ربنا " بكسر الباء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بنصب الباء. وفي ~~هؤلاء القوم الذين هذا وصفهم قولان: # أحدهما: أنهم المشركون. PageV03P014 # والثاني: المنافقون. # ومتى يحلفون؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما، قالوا: تعالوا ~~نكابر عن شركنا، فحلفوا، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم إذا دخلوا النار، ورأوا أهل التوحيد يخرجون، فحلفوا، قاله ~~سعيد بن جبير، ومجاهد. # والثالث: أنهم إذا سئلوا: أين شركاؤكم؟ تبرؤوا، وحلفوا: ما كنا مشركين، ~~قاله مقاتل. # انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) قوله تعالى: ~~(انظر كيف كذبوا على أنفسهم) أي: باعتذارهم بالباطل. # (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي: ذهب ما كانوا يدعون ويختلقون من أن ~~الأصنام شركاء لله، وشفعاؤهم في الآخرة. # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) وهم ينهون عنه وينؤن عنه وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون (26) قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك) سبب نزولها: أن ~~نفرا من المشركين، منهم عتبة، وشيبة، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا ~~خلف، جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمعوا إليه، ثم قالوا ~~للنضر بن الحارث، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بنية، ما أدري ما يقول؟ ~~إلا أني أرى تحرك شفتيه، وما يقول إلا أساطير الأولين، مثلما كنت أحدثكم عن ~~القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # فأما " الأكنة "، فقال الزجاج: هي جمع كنان، وهو الغطاء، مثل عنان وأعنة. ms0634 # وأما: " أن يفقهوه "، فمنصوب على أنه مفعول له. المعنى: وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه، فلما حذفت اللام، نصبت الكراهة، ولما حذفت ~~الكراهة، انتقل نصبها إلى " أن ". PageV03P015 # " الوقر ": ثقل السمع، يقال: في أذنه وقر، وقد وقرت الأذن، توقر. # قال الشاعر: # وكلام سئ قد وقرت * أذني عنه وما بي من صمم والوقر، بكسر الواو، أن يحمل ~~البعير وغيره مقدار ما يطيق، يقال: عليه وقر، ويقال: نخلة موقر، وموقرة، ~~وإنما فعل ذلك بهم مجازاة لهم بإقامتهم على كفرهم، وليس المعنى أنهم لم ~~يفهموه، ولم يسمعوه، ولكنهم لما عدلوا عنه، وصرفوا فكرهم عما عليهم في سوء ~~العاقبة، كانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع. (وإن يروا كل آية) أي: كل ~~علامة تدل على رسالتك، (لا يؤمنوا بها). # ثم أعلم الله عز وجل مقدار احتجاجهم وجدلهم، وأنهم إنما يستعملون في ~~الاحتجاج أن يقولوا: (إن هذا)، أي: ما هذا (إلا أساطير الأولين) وفيها ~~قولان: # أحدهما: أنها ما سطر من أخبارهم وأحاديثهم. روى أبو صالح عن ابن عباس ~~قال: أساطير الأولين: كذبهم، وأحاديثهم في دهرهم. وقال أبو الحسن الأخفش: ~~يزعم بعضهم أن واحدة الأساطير: أسطورة. وقال بعضهم: أسطارة، ولا أراه إلا ~~من الجمع الذي ليس له واحد، نحو عباديد ومذاكير، وأبابيل. وقال ابن قتيبة: ~~أساطير الأولين: أخبارهم وما سطر منها، أي: ما كتب، ومنه قوله [تعالى]: (ن. ~~والقلم وما يسطرون) أي: يكتبون، واحدها سطر، ثم أسطار، ثم أساطير جمع ~~الجمع، مثل قول، وأقوال، وأقاويل. # والقول الثاني: أن معنى أساطير الأولين: الترهات. قال أبو عبيدة: واحد ~~الأساطير: أسطورة، وإسطارة، ومجازها مجاز الترهات. قال ابن الأنباري: ~~الترهات عند العرب: طرق غامضة، ومسالك مشكلة، يقول قائلهم: قد أخذنا في ~~ترهات البسابس، يعني: قد عدلنا عن الطريق الواضح إلى المشكل، وعما يعرف إلى ~~مالا يعرف. و " البسابس ": كما الصحاري الواسعة، والترهات: طرق تتشعب من ~~الطريق الأعظم، فتكثر وتشكل، فجعلت مثلا لما لا يصح وينكشف. # فإن قيل: لم عابوا القرآن بأنه أساطير الأولين، وقد سطر الأولون ما فيه ~~علم وحكمة، ms0635 وما لا عيب على قائله؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنهم نسبوه إلى أنه ليس بوحي من الله. # والثاني: أنهم عابوه بالإشكال والغموض، استراحة منهم إلى البهت والباطل. ~~فعلى الجواب الأول تكون " أساطير " من التسطير، وعلى الثاني تكون بمعنى ~~الترهات، وقد شرحنا معنى الترهات. PageV03P016 # قوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن أبا طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ويتباعد عما جاء به، فنزلت فيه هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس، وهو قول عمرو بن دينار، وعطاء بن دينار، والقاسم بن مخيمرة. وقال ~~مقاتل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، ~~فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي صلى الله عليه وسلم سوءا، فسألوا ~~أبا طالب أن يدفعه إليهم، فيقتلوه، فقال: ما لي عنه صبر، فقالوا: ندفع إليك ~~من شبابنا من شئت مكان ابن أخيك، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل، فإن حنت ~~ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم، وقال: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى هو أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ~~ما عليك غضاضة * وأبشر وقر بذاك منك عيونا وعرضت دينا لا محالة أنه * من ~~خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك ~~مبينا فنزلت فيه هذه الآية: # والثاني: أن كفار مكة كانوا ينهون الناس عن اتباع النبي [صلى الله عليه ~~وسلم]، ويتباعدون بأنفسهم عنه، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~الحنفية، والضحاك، والسدي. فعلى القول الأول، يكون قوله [تعالى]: " وهم " ~~كناية عن واحد، وعلى الثاني: عن جماعة. وفي هاء " عنه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ثم فيه قولان: # أحدهما: ينهون عن أذاه، والثاني: عن اتباعه. # والقول الثاني: أنها ترجع إلى القرآن، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. ~~(وينأون) بمعنى يبعدون. وفي هاء " عنه " قولان: # أحدهما: أنها راجعة إلى النبي [صلى الله عليه وسلم]. # والثاني: إلى القرآن. # قوله تعالى: (وإن ms0636 يهلكون) أي: وما يهلكون (إلا أنفسهم) بالتباعد عنه (وما ~~يشعرون) أنهم يهلكونها. # وهو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) PageV03P017 # قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار) في معنى " وقفوا ستة أقوال. # أحدها: حبسوا عليها، قاله ابن السائب. # والثاني: عرضوا عليها، قاله مقاتل. # والثالث: عاينوها. # والرابع: وقفوا عليها وهي تحتهم. # والخامس: دخلوا إليها فعرفوا مقدار عذابها، تقول: وقفت على ما عند فلان، ~~أي: فهمته وتبينته، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الزجاج، واختار الأخير. وقال ~~ابن جرير: (على) هاهنا بمعنى " في ". # السادس: جعلوا عليها وقفا، كالوقوف المؤبدة على سبلها، ذكره الماوردي. ~~والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم، والوعيد للكفار، وجواب " لو ~~" محذوف، ومعناه: لو رأيتهم في تلك الحال، لرأيت عجبا. # قوله تعالى: (ولا نكذب بآيات ربنا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم برفع الباء من " نكذب "، والنون من " نكون ". # قال الزجاج: والمعنى أنهم تمنوا الرد، وضمنوا أنهم لا يكذبون. والمعنى: ~~يا ليتنا نرد، ونحن لا نكذب بآيات ربنا، رددنا أو لم نرد، ونكون من ~~المؤمنين، لأنا قد عاينا مالا نكذب معه أبدا. # قال: ويجوز الرفع على وجه آخر، على معنى " يا ليتنا نرد " يا ليتنا لا ~~نكذب، كأنهم تمنوا الرد والتوفيق للتصديق. # وقال الأخفش: إذا رفعت جعلته على مثل اليمين، كأنهم قالوا: ولا نكذب - ~~والله - بآيات ربنا، ونكون - والله - من المؤمنين. وقرأ حمزة إلا العجلي، ~~وحفص عن عاصم، ويعقوب: بنصب الباء من " نكذب " والنون من " نكون ". # قال مكي بن أبي طالب: وهذا النصب على جواب التمني، وذلك بإضمار " أن " ~~حملا على مصدر " نرد "، فأضمرت " أن " لتكون مع الفعل مصدرا، فعطف بالواو ~~مصدرا. وتقديره: يا ليت لنا ردا، وانتفاء من التكذيب، وكونا من المؤمنين. ~~وقرأ ابن عامر برفع الباء من " نكذب "، ونصب النون من " نكون "، بالرفع قد ~~بينا علته، والنصب على جواب التمني. # بل بدل لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا ms0637 عنه وإنهم ~~لكاذبون (28) PageV03P018 # وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) قوله تعالى: (بل ~~بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) " بل ": هاهنا رد لكلامهم، أي: ليس الأمر ~~على ما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا. # وقال الزجاج: " بل " استدراك وإيجاب بعد نفي، تقول: ما جاء زيد بل عمرو. ~~وفي معنى الآية أربعة أقوال. # أحدها: بدا ما كان يخفيه بعضهم عن بعض، قاله الحسن. # والثاني: بدا بنطق الجوارح ما كانوا يخفون من قبل بألسنتهم، قاله مقاتل. # والثالث: بدا لهم جزاء ما كانوا يخفونه، قاله المبرد. # والرابع: بدا للأتباع ما كان يخفيه الرؤساء، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) قال ابن عباس: لعادوا إلى ما ~~نهوا عنه من الشرك، وإنهم لكاذبون في قولهم: (ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين). # قال ابن الأنباري: كذبهم الله في إخبارهم عن أنفسهم، أنهم إن ردوا آمنوا ~~ولم يكذبوا، ولم يكذبهم في التمني. # قوله تعالى: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا) هذا إخبار عن منكري البعث. ~~قال مقاتل: لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة بالبعث، قالوا هذا. ~~وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا حكاية قولهم، لو ردوا لقالوه. # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على ~~ربهم) قال مقاتل: عرضوا على ربهم (قال: أليس هذا) العذاب (بالحق). وقال ~~غيره: أليس هذا البعث حقا؟ فعلى قول مقاتل: (بما كنتم تكفرون) بالعذاب، ~~وعلى قول غيره: (تكفرون) بالبعث. # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ~~(31) قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) إنما وصفوا بالخسران، ~~لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم. PageV03P019 # والمراد بلقاء الله: البعث والجزاء، والساعة: القيامة، والبغتة: الفجأة. # قال الزجاج: كل ما أتى فجأة فقد بغت، ms0638 يقال: قد بغته الأمر يبغته بغتا ~~وبغتة: إذا أتاه فجأة. # قال الشاعر: # ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة * وأفظع شئ حين يفجؤك البغت قوله تعالى: (يا ~~حسرتنا) الحسرة: التلهف على الشئ، وأهل التفسير يقولون: يا ندامتنا. فإن ~~قيل: ما معنى دعاء الحسرة، وهي لا تعقل؟ # فالجواب: أن العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم ما تقع ~~فيه، جعلته نداء، فتدخل عليه " يا " للتنبيه، والمراد تنبيه الناس، لا ~~تنبيه المنادي. ومثله قولهم: لا أرينك هاهنا. لفظه لفظ الناهي لنفسه، ~~والمعنى للمنهي، ومن هذا قولهم: يا خيل الله اركبي، يراد: يا فرسان خيل ~~الله. وقال سيبويه: إذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: احضر وتعال يا عجب، فهذا ~~زمانك. فأما التفريط فهو: التضييع. # وقال الزجاج: التفريط في اللغة: تقدمة العجز. وفي المكني عنه بقوله: " ~~فيها " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الدنيا، فالمعنى: على ما ضيعنا في الدنيا من عمل الآخرة، ~~قاله مقاتل. # والثاني: أنها الصفقة، لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة، وترك ذكرها ~~اكتفاء بذكر الخسران، قاله ابن جرير. # والثالث: أنها الطاعة، ذكره بعض المفسرين. # فأما الأوزار، فقال ابن قتيبة: هي الآثام، وأصل الوزر: الحمل على الظهر. ~~وقال ابن فارس: # الوزر: الثقل. وهل هذا الحمل حقيقة؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه على حقيقته. قال عمير بن هانئ: يحشر مع كل كافر عمله في صورة ~~رجل قبيح، كلما كان هول عظمه عليه، وزاده خوفا، فيقول: بئس الجليس أنت، ~~مالي ولك؟ فيقول: أنا عملك، طالما ركبتني في الدنيا، فلأركبنك اليوم حتى ~~أخزيك على رؤوس الناس، فيركبه ويتخطى به الناس حتى يقف بين يدي ربه، فذلك ~~قوله: (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) وهذا قول السدي، وعمرو بن قيس ~~الملائي، ومقاتل. # والثاني: أنه مثل، والمعنى: يحملون ثقل ذنوبهم، قاله الزجاج. قال. فجعل ~~ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل، ومعنى (ألا ساء ما يزرون): بئس ~~الشئ شيئا يزرونه، أي يحملونه. # وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (32) PageV03P020 # قوله تعالى: (وما ms0639 الحياة الدنيا إلا لعب ولهو) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: وما الحياة الدنيا في سرعة انقطاعها، وقصر عمرها، إلا كالشئ يلعب ~~به. # والثاني: وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو، فأما فعل الخير، فهو ~~من عمل الآخرة، لا من الدنيا. # والثالث: وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو، لاشتغالهم عما أمروا ~~به. واللعب: مالا يجدي نفعا. # قوله تعالى: (وللدار الآخرة خير) اللام: لام القسم، والدار الآخرة: الجنة ~~(أفلا يعقلون) فيعملون لها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي، ~~(يعقلون) بالياء، في (الأنعام) و (الأعراف و (يوسف) و (يس)، وقرؤوا في ~~(القصص) بالتاء. وقرأ نافع كل ذلك بالياء، وروى حفص، عن عاصم كل ذلك ~~بالتاء، إلا في (يس) (في الخلق أفلا يعقلون)، بالياء وقرأ ابن عامر الذي في ~~(يس) بالياء، والباقي بالتاء. # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون (33) قوله تعالى: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) في سبب ~~نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن رجلا من قريش يقال له: الحارث بن عامر، قال: والله يا محمد ما ~~كذبتنا قط فنتهمك اليوم، ولكنا إن نتبعك نتخطف من أرضنا، فنزلت هذه الآية، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: كان الحارث بن عامر يكذب النبي في ~~العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته، قال: # ما محمد من أهل الكذب، فنزلت فيه هذه الآية. # والثاني: أن المشركين كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا ~~فيما بينهم: إنه لنبي، فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح. # والثالث: أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن ~~نكذب الذي جئت به، فنزلت هذه الآية، قاله ناجية بن كعب. # وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فصافحه ~~أبو جهل، فقيل له: أتصافح هذا الصابئ؟ فقال: والله إني لأعلم أنه نبي، ولكن ~~متى كنا تبعا لبني عبد مناف فأنزل الله هذه الآية. # والرابع: أن الأخنس بن شريق لقي أبا ms0640 جهل فقال الأخنس: يا أبا الحكم، ~~أخبرني عن محمد PageV03P021 # أصادق هو، أم كاذب؟ فليس هاهنا من يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله ~~إن محمدا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء، والسقاية، ~~والحجابة، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فنزلت هذه الآية، قاله السدي ~~ذكره الطبري مطولا فأما الذي يقولون، فهو التكذيب للنبي [صلى الله عليه ~~وسلم]، والكفر بالله. وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية عما ~~يواجهونه به. # قوله تعالى: (فإنهم لا يكذبونك) قرأ نافع، والكسائي: " يكذبونك " ~~بالتخفيف وتسكين الكاف. وفي معناها قولان: # أحدهما: لا يلفونك كاذبا، قاله ابن قتيبة. # والثاني: لا يكذبون الشئ الذي جئت به، إنما يجحدون آيات الله، ويتعرضون ~~لعقوباته، قال ابن الأنباري. وكان الكسائي يحتج لهذه القراءة بأن العرب ~~تقول: كذبت الرجل: إذا نسبته إلى الكذب وصنعة الأباطيل من القول، وأكذبته: ~~إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب، ليس هو الصانع له. قال: وقال غير الكسائي: ~~يقال: أكذبت الرجل: إذا أدخلته في جملة الكذابين، ونسبته إلى صفتهم، كما ~~يقال: ابخلت الرجل: إذا نسبته إلى البخل، وأجبنته: إذا وجدته وجبانا. # قال الشاعر: # فطائفة قد أكفروني بحبكم * وطائفة قالوا مسئ ومذنب وقرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وعاصم، وحمزة وابن عامر: " يكذبونك " بالتشديد وفتح الكاف، وفي ~~معناها خمسة أقوال: # أحدها: لا يكذبونك بحجة، وإنما هو تكذيب عناد وبهت، قاله قتادة، والسدي. # والثاني: لا يقولون لك: إنك كاذب، لعلمهم بصدقك، ولكن يكذبون ما جئت، به ~~قاله ناجية ابن كعب. # والثالث: لا يكذبونك في السر، ولكن يكذبونك في العلانية، عداوة لك، قاله ~~ابن السائب، ومقاتل. # والرابع: لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به مما في كتبهم: كذبت. # والخامس: لا يكذبونك بقلوبهم، لأنهم يعلمون أنك صادق، ذكر القولين ~~الزجاج. # وقال أبو علي: يجوز أن يكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلفت اللفظتان، ~~إلا أن " فعلت ". # إذا أرادوا أن ينسبوه إلى أمر أكثر من " فعلت " ويؤكد أن القراءتين ~~بمعنى، ما حكاه سيبويه أنهم قالوا: قللت، وأقللت، وكثرت، ms0641 وأكثرت بمعنى. ~~PageV03P022 # قال أبو علي: ومعنى " لا يكذبونك ": لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما ~~أخبرت به مما جاء في كتبهم، ويجوز أن يكون معنى الحقيقة: لا يصادفونك ~~كاذبا، كما تقول: أحمدت فلانا: إذا أصبته محمودا، لأنهم يعرفونك بالصدق ~~والأمانة (ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * بألسنتهم ما يعلمونه يقينا، ~~لعنادهم. وفي " آيات الله " هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها محمد [صلى الله عليه وسلم]، قاله السدي. # والثاني: محمد والقرآن، قاله ابن السائب. # والثالث: القرآن، قاله مقاتل. # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأي المرسلين (34) قوله تعالى: (ولقد كذبت ~~رسل من قبلك) هذه تعزية له على ما يلقى منهم. قال ابن عباس: # (فصبروا على ما كذبوا) رجاء ثوابي، (وأوذوا) حتى نشروا بالمناشير، وحرقوا ~~بالنار (حتى أتاهم نصرنا) بتعذيب من كذبهم. # قوله تعالى: (ولا مبدل لكلمات الله) فيه خمسة أقوال: # أحدها: لا خلف لمواعيده، قاله ابن عباس. # والثاني: لا مبدل لما أخبر به وما أمر به، قاله الزجاج. # والثالث: لا مبدل لحكوماته وأقضيته النافذة في عباده، فعبرت الكلمات عن ~~هذا المعنى، كقوله [تعالى]: (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) أي: وجب ~~ما قضي عليهم. فعلى هذا القول، والذي قبله، يكون المعنى: لا مبدل لحكم ~~كلمات الله، ولا ناقض لما حكم به، وقد حكم بنصر أنبيائه بقوله: (لأغلبن أنا ~~ورسلي). # والرابع: أن معنى الكلام معنى النهي، وإن كان ظاهره الإخبار، فالمعنى: لا ~~يبدلن أحد كلمات الله، فهو كقوله: (لا ريب فيه). # والخامس: أن المعنى: لا يقدر أحد على تبديل كلام الله، وإن زخرف واجتهد، ~~لأن الله [تعالى] صانه برصين اللفظ، وقويم الحكم، أن يختلط بألفاظ أهل ~~الزيغ، ذكر هذه الألفاظ الثلاثة ابن الأنباري. # قوله تعالى: (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) أي: فيما صبروا عليه من الأذى ~~فنصروا. وقيل: # إن " من " صلة. PageV03P023 # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية ولو ms0642 شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ~~(35) قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم) سبب نزولها: أن الحارث بن ~~عامر أتى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في نفر من قريش فقال: يا محمد، ~~ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات، فإن فعلت آمنا بك، فنزلت ~~هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. و " كبر ": بمعنى " عظم ". وفي ~~إعراضهم قولان. # أحدهما: عن استماع القرآن. # والثاني: عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. # فأما " النفق "، فقال ابن قتيبة: النفق في الأرض: المدخل، وهو السرب. ~~والسلم في السماء: المصعد. وقال الزجاج: النفق: الطريق النافذ في الأرض. ~~والنافقاء، ممدود: أحد جحرة اليربوع يخرقه من باطن الأرض إلى جلدة الأرض، ~~فإذا بلغ الجلدة أرقها، حتى إن رابه ريب، دفع برأسه ذلك المكان وخرج، ومنه ~~سمي المنافق، لأنه أبطن غير ما أظهر، كالنافقاء الذي ظاهره غير بين، وباطنه ~~حفر في الأرض. # و " السلم " مشتق من السلامة، وهو الشئ الذي يسلمك إلى مصعدك. والمعنى: ~~فإن استطعت هذا فافعل، وحذف " فافعل "، لأن في الكلام دليلا عليه. # وقال أبو عبيدة: السلم: السبب والمرقاة، تقول اتخذتني سلما لحاجتك، أي: ~~سببا. وفي قوله [تعالى]: (فتأتيهم بآية) قولان: # أحدهما: بآية قد سألوك إياها، وذلك أنهم سألوا نزول ملك [الموت]، ومثل ~~آيات الأنبياء، كعصا موسى، وناقة صالح. # والثاني: بآية هي أفضل من آيتك. # قوله تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لو شاء أن يطبعهم على الهدى لطبعهم. # والثاني: لو شاء لأنزل ملائكة تضطرهم إلى الإيمان. ذكرهما الزجاج. # والثالث: لو شاء لآمنوا كلهم، فأخبر أنما تركوا الإيمان بمشيئته، ونافذ ~~قضائه. PageV03P024 # قوله تعالى: (فلا تكونن من الجاهلين) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تجهل أنه لو شاء لجمعهم على الهدى. # والثاني: لا تجهل أنه يؤمن بك بعضهم، ويكفر بعضهم. # والثالث: لا تكونن ممن لا صبر له، لأن قلة الصبر من أخلاق الجاهلين. # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) قوله ~~تعالى: (إنما يستجيب ms0643 الذين يسمعون) أي: إنما يجيبك من يسمع، والمراد به ~~سماع قبول. وفي المراد بالموتى قولان: # أحدهما: أنهم الكفار، قاله الحسن، ومجاهد وقتادة، فيكون المعنى: إنما ~~يستجيب المؤمنون، فأما الكفار، فلا يستجيبون حتى يبعثهم الله [تعالى]:، ثم ~~يحشرهم كفارا، فيجيبون اضطرارا. # والثاني: أنهم الموتى حقيقة، ضربهم الله [تعالى] مثلا، والمعنى: أن ~~الموتى لا يستجيبون حتى يبعثهم الله، فكذلك الذين لا يسمعون. # قوله تعالى: (ثم إليه يرجعون) يعني: المؤمنين والكافرين، فيجازي الكل. # وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه) قال ~~ابن عباس: نزلت في رؤساء قريش. # و " لولا ": بمعنى " هلا "، وقد شرحناها في سورة (النساء) وقال مقاتل: ~~أرادوا بالآية مثل آيات الأنبياء. # وقال غيره: أرادوا نزول ملك يشهد له بالنبوة. وفي قوله تعالى: (ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون) ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يعلمون بأن الله [سبحانه وتعالى] قادر على إنزال الآية. # والثاني: لا يعلمون ما عليهم من البلاء في إنزالها، لأنهم إن لم يؤمنوا ~~بها، زاد عذابهم. # والثالث: لا يعلمون المصلحة في نزول الآية. # وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون (38) PageV03P025 # قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض) قال ابن عباس: يريد كل ما دب على ~~الأرض. قال الزجاج: وذكر الجناحين توكيد، وجميع ما خلق لا يخلو إما أن يدب، ~~وإما أن يطير. # وقوله تعالى: (إلا أمم أمثالكم) قال مجاهد: أصناف مصنفة. # وقال أبو عبيدة: أجناس يعرفون الله ويعبدونه. وفي معنى " أمثالكم " أربعة ~~أقوال: # أحدها: أمثالكم في كون بعضها يفقه عن بعض، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: في معرفة الله، قاله عطاء. # والثالث: أمثالكم في الخلق والموت والبعث، قاله الزجاج. # والرابع: أمثالكم في كونها تطلب الغذاء، وتبتغي الرزق، وتتوقى المهالك، ~~قاله ابن قتيبة. # قال ابن الأنباري: وموضع الاحتجاج من هذه الآية ان الله تعالى ركب ms0644 في ~~المشركين عقولا، وجعل لهم أفهاما ألزمهم بها أن يتدبروا أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويتمسكوا بطاعته، كما جعل للطير أفهاما يعرف بها بعضها إشارة ~~بعض، وهدى الذكر منها لإتيان الأنثى، وفي كل ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ~~ذلك فيها. # قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) في الكتاب قولان: # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ما تركنا شيئا ~~إلا وقد كتبناه في أم الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة، وابن زيد. # والثاني: أنه القرآن. روى عطاء عن ابن عباس: ما تركنا من شئ إلا وقد ~~بيناه لكم. فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المعنى: ما ~~فرطنا في شئ بكم إليه حاجة إلا وبيناه في الكتاب، إما نصا، وإما مجملا، ~~وإما دلالة، كقوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) أي: لكل شئ ~~يحتاج إليه في أمر الدين. # قوله تعالى: (ثم إلى ربهم يحشرون) فيه قولان: # أحدهما: أنه الجمع يوم القيامة، روى أبو ذر قال: " انتطحت شاتان عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر، أتدري فيما انتطحتا؟ قلت: لا. ~~قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما ". وقال أبو هريرة: # يحشر الله الخلق يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شئ فيبلغ من ~~عدله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا، فيقول الكافر: يا ~~ليتني كنت ترابا. # والثاني: أن معنى حشرها: موتها، قاله ابن عباس، والضحاك. PageV03P026 # والذين كذبوا بآياتنا صم بكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم (39) قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا) يعني ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم (صم) عن القرآن لا يسمعونه، (وبكم) عنه لا ينطقون ~~به، (في الظلمات) أي: في الشرك والضلالة. (من يشأ الله يضلله) فيموت على ~~الكفر، (ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم)، وهو الإسلام. # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين (40) قوله تعالى: (قل ms0645 أرأيتكم) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة: # " أرأيتم " و " أرأيتكم " و " أرأيت " بالألف في كل القرآن مهموزا، ولين ~~الهمزة نافع في الكل. وقرأ الكسائي بغير همز ولا ألف. قال الفراء: العرب ~~تقول: أرأيتك، وهم يريدون: أخبرني. فأما عذاب الله، ففي المراد به هاهنا ~~قولان: # أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس. # والثاني: العذاب الذي كان يأتي الأمم الخالية، قاله مقاتل. # فأما الساعة، فهي القيامة. قال الزجاج: وهو اسم للوقت الذي يصعق فيه ~~العباد، وللوقت الذي يبعثون فيه. # قوله تعالى: (أغير الله تدعون) أي: أتدعون صنما أو حجرا لكشف ما بكم؟! ~~فاحتج عليهم بما لا يدفعونه، لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله. # وقوله [تعالى]: (إن كنتم صادقين) جواب لقوله [تعالى]: " أرأيتكم "، لأنه ~~بمعنى أخبروا، كأنه قيل لهم: إن كنتم صادقين، فأخبروا من تدعون عند نزول ~~البلاء بكم؟ # بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) قوله ~~تعالى: (بل إياه تدعون) قال الزجاج: أعلمهم أنهم لا يدعون في الشدائد إلا ~~إياه، وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لأنهم عبدوا الأصنام. # (فيكشف ما تدعون إليه إن شاء) المعنى: فيكشف الضر الذي من أجله دعوتهم، ~~وهذا على اتساع الكلام مثل قوله [تعالى]: (واسأل القرية)، أي: أهل القرية. # (وتنسون): يجوز أن يكون بمعنى " تتركون "، ويجوز أن يكون المعنى: إنكم في ~~ترككم PageV03P027 # دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم. # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ~~(42) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) في الآية محذوف، تقديره: ~~ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم، فأخذناهم بالبأساء، وفيها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الزمانة والخوف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها البؤس، وهو الفقر، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أنها الجوع، ذكره الزجاج. وفي الضراء ثلاثة أقوال: # أحدها: البلاء، والجوع، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: النقص في الأموال والأنفس، ذكره الزجاج. # والثالث: الأسقام والأمراض، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: (لعلهم يتضرعون) أي: لكي يتضرعوا. والتضرع: ms0646 التذلل ~~والاستكانة. وفي الكلام محذوف تقديره: فلم يتضرعوا. # فلو إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون (43) قوله تعالى: (فلولا) معناه: " فهلا ". والبأس: العذاب. ومقصود ~~الآية: أن الله تعالى أعلم نبيه [صلى الله عليه وسلم] أنه قد أرسل إلى قوم ~~قبله بلغوا من القسوة أنهم أخذوا بالشدائد، فلم يخضعوا، وأقاموا على كفرهم، ~~وزين لهم الشيطان ضلالتهم فأصروا عليها. # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به) قال ~~ابن عباس: تركوا ما وعظوا به. (فتحنا عليهم أبواب كل شئ) يريد رخاء الدنيا ~~وسرورها. وقرأ أبو جعفر، وابن عامر: " فتحنا " بالتشديد هنا وفي (الأعراف)، ~~وفي (الأنبياء): " فتحت "، وفي (القمر): " فتحنا "، والجمهور على تخفيفهن. # قال الزجاج: أبواب كل شئ كان مغلقا عنهم من الخير، حتى إذا ظنوا أن ما ~~كان نزل بهم، لم يكن انتقاما، وما فتح عليهم، باستحقاقهم، أخذناهم بغتة، أي ~~فاجأهم عذابنا. # وقال ابن الأنباري: إنما أراد بقوله تعالى: " كل شئ ": التأكيد، كقول ~~القائل: أكلنا عند PageV03P028 # فلان كل شئ، وكنا عنده في كل سرور، يريد بهذا العموم تكثير ما يصفه ~~والإطناب فيه، كقوله [تعالى]: (وأوتيت من كل شئ). وقال الحسن: من وسع عليه ~~فلم ير أنه لم يمكر به، فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له، فلا ~~رأي له، ثم قرأ هذه الآية، وقال: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجاتهم ثم ~~أخذوا. # قوله تعالى: (فإذا هم مبلسون) في المبلس خمسة أقوال. # أحدها: أنه الآيس من رحمة الله عز وجل، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقال في ~~رواية أخرى: الآيس من كل خير. وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ~~ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته، فلا يكون عنده جواب: قد أبلس. قال ~~العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم! أعرفه! وأبلسا! # أي: لم يحر جوابا. وقيل: المكرس: الذي قد بعرت فيه ms0647 الإبل، وبولت، فيركب ~~بعضه بعضا. # والثاني: أنه المفتضح. قال مجاهد: الإبلاس: الفضيحة. # والثالث: أنه المهلك، قاله السدي. # والرابع: أنه المجهود المكروب الذي قد نزل به من الشر مالا يستطيعه، قاله ~~ابن زيد. # والخامس: أنه الحزين النادم، قاله أبو عبيدة، وأنشد لرؤبة: # وحضرت يوم الخميس الأخماس * وفي الوجوه صفرة وإبلاس أي: اكتئاب، وكسوف، ~~وحزن. # وقال الزجاج: هو الشديد الحسرة، الحزين، اليائس. وقال في موضع آخر: ~~المبلس: الساكت المتحير. # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) قوله تعالى: ~~(فقطع دابر القوم الذين ظلموا) قال ابن السائب: دابرهم: الذي يتخلف في ~~آخرهم. والمعنى: أنهم استؤصلوا. وقال أبو عبيدة: دابرهم: آخرهم الذي ~~يدبرهم: قال ابن قتيبة: هو كما يقال: اجتث أصلهم. # قال المفسرون: وإنما حمد نفسه على قطع دابرهم، لأن ذلك إنعام على رسلهم ~~الذين كذبوهم، وعلم الحمد على كفايته شر الظالمين. # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) PageV03P029 # قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم) أي: أذهبها، (وختم ~~على قلوبكم) حتى لا تعرفون شيئا (من آله غير الله يأتيكم به)؟ في هاء " به ~~" ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها تعود على الفعل، والمعنى: يأتيكم بما أخذ الله منكم، قاله ~~الزجاج. وقال الفراء: إذا كنيت عن الأفاعيل، وإن كثرت، وحدت الكناية، كقولك ~~للرجل: إقبالك وإدبارك يؤذيني. # والثاني: أنها تعود إلى الهدى، ذكره الفراء. فعلى هذا تكون الكناية عن ~~غير مذكور، ولكن المعنى يشتمل عليه، لأن من أخذ سمعه وبصره وختم على قلبه ~~لم يهتد. # والثالث: أنها تعود على السمع، ويكون ما عطف عليه داخلا معه في القصة، ~~لأنه معطوف عليه، ذكره الزجاج. والجمهور يقرؤون: (من إله غير الله يأتيكم ~~به انظر) بكسر هاء " به ". وروى المسيبي عن نافع: " به انظر ": بالضم. قال ~~أبو علي: من كسر، حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو: بهي عيب: ومن ضم، فعلى ~~قول من قال: فخسفنا بهو وبدار هو الأرض، ms0648 فحذف الواو. # قوله تعالى: (انظر كيف نصرف الآيات) قال مقاتل: يعني تكون العلامات في ~~أمور شتى، فيخوفهم بأخذ الأسماع والأبصار والقلوب، وبما صنع بالأمم الخالية ~~(ثم هم يصدفون)، أي: # يعرضون فلا يعتبرون. # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ~~(47) قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة) قال ~~الزجاج: البغتة المفاجأة، والجهرة: أن يأتيهم وهم يرونه. (هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون) أي: هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم، لأنكم كفرتم معاندين، ~~فقد علمتم أنكم ظالمون. # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) ~~قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين) أي: بالثواب، ومنذرين بالعقاب، ~~وليس إرسالهم ليأتوا بما يقترحونه من الآيات. ثم ذكر ثواب من صدق، وعقاب من ~~كذب في تمام الآية والتي بعدها. وقال ابن عباس: يفسقون: بمعنى يكفرون. # قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع PageV03P030 # إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) قوله ~~تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله) سبب نزولها: أن أهل مكة قالوا: يا ~~محمد، لو أنزل الله عليك كنزا فتستغني به، فإنك فقير محتاج، أو تكون لك جنة ~~تأكل منها، فإنك تجوع، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قال الزجاج: وهذه الآية متصلة بقوله [تعالى]: (لولا أنزل عليه آية من ~~ربه)، فأعلمهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، ولا يعلم ~~الغيب فيخبرهم به إلا بوحي، ولا يقول: إنه ملك، لأن الملك يشاهد من أمور ~~الله تعالى مالا يشاهده البشر. وقرأ ابن مسعود، وابن جبير، وعكرمة، ~~والجحدري: " إني ملك " بكسر اللام. وفي الأعمى والبصير قولان: # أحدهما: أن الأعمى: الكافر والبصير: المؤمن، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: الأعمى: الضال، والبصير: المهتدي، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. ~~وفي قوله تعالى: (أفلا ms0649 تتفكرون) قولان: # أحدهما: فيما بين لكم من الآيات الدالة على وحدانيته، وصدق رسوله. # والثاني: فيما ضرب لكم من مثل الأعمى والبصير، وأنهما لا يستويان. # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون (51) قوله تعالى: (وأنذر به) قال الزجاج: يعني بالقرآن، وإنما ~~ذكر الذين يخافون الحشر دون غيرهم، وإن كان منذرا لجميع الخلق، لأن الحجة ~~على الخائفين الحشر أظهر، لاعترافهم بالمعاد، فهم أحد رجلين: إما مسلم، ~~فينذر ليؤدي حق الله عليه في إسلامه، وإما كتابي، فأهل الكتاب مجمعون على ~~البعث. وذكر الولي والشفيع، لأن اليهود والنصارى ذكرت أنها أبناء الله ~~وأحباؤه، فأعلم عز وجل أن أهل الكفر ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع. وقال ~~غيره: ليس لهم من دونه ولي، أي: ليس لهم غير الله ولي ولا شفيع، لأن شفاعة ~~الشافعين بأمره. # وقال أبو سليمان الدمشقي: هذه الآية متعلقة بقوله: (وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به). PageV03P031 # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من ~~حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين (52) ~~قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) روى سعد بن أبي وقاص قال: نزلت ~~هذه الآية في ستة: في، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمار، والمقداد، وبلال. قالت ~~قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء، ~~فاطردهم عنك. فدخل على رسول الله من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فنزلت هذه ~~الآية. # وقال خباب بن الأرت: نزلت فينا، كنا ضعفاء عند النبي صلى الله عليه وسلم، ~~يعلمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا، فجاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، ~~فقالا: إنا من أشراف قومنا، وإنا نكره أن يرونا معهم، فاطردهم إذا جالسناك. ~~قال: " نعم ". فقالوا: لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابا، فأتي بأديم ودواة، ~~ودعا عليا ليكتب، فلما أراد ذلك، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بقوله ~~تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) إلى قوله: ms0650 (فتنا بعضهم ببعض)، فرمى ~~بالصحيفة ودعانا، فأتيناه وهو يقول: " سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~". فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ركبته. وقال ابن مسعود: مر الملأ ~~من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خباب، وصهيب، وبلال، ~~وعمار، فقالوا: يا محمد، رضيت بهؤلاء، أتريد أن نكون تبعا لهم؟! فنزلت: ~~(ولا تطرد الذين يدعون ربهم). وقال عكرمة: جاء عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، ~~ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف، إلى أبي طالب ~~فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا، ~~وأدنى لاتباعنا إياه، فأتاه أبو طالب فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب: لو ~~فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، فنزلت هذه الآيات، فأقبل عمر يعتذر من ~~مقالته. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في الموالي، منهم ~~بلال، وصهيب، وخباب، وعمار، ومهجع، وسلمان، وعامر بن فهيرة، وسالم مولى أبي ~~حذيفة، وأن قوله: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) نزلت فيهم ~~أيضا. وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن أناسا من الأشراف قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: نؤمن لك، وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك، فليصلوا خلفنا. ~~فعلى هذا، إنما سألوه تأخيرهم عن الصف، وعلى الأقوال التي قبله، سألوه ~~طردهم عن مجلسه. # قوله تعالى: (يدعون ربهم) في هذا الدعاء خمسة أقوال: PageV03P032 # أحدها: أنه الصلاة المكتوبة، قاله ابن عمر، وابن عباس: وقال مجاهد: هي ~~الصلوات الخمس، وفي رواية عن مجاهد، وقتادة قالا: يعني صلاة الصبح والعصر. ~~وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرضت ~~الصلوات الخمس بعد ذلك. # والثاني: أنه ذكر الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي، وعنه كالقول الأول. # والثالث: أنه عبادة الله، قاله الضحاك. # والرابع: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية، قاله أبو جعفر. # والخامس: أنه دعاء الله بالتوحيد، والإخلاص له، وعبادته، قاله الزجاج. ~~وقرأ الجمهور: # " بالغداة "، وقرأ ابن عامر هاهنا وفي [سورة] الكهف أيضا: (بالغدوة) بضم ~~الغين ms0651 وإسكان الدال وبعدها واو. # قال الفراء: والعرب لا ندخل الألف واللام على " الغدوة " لأنها معرفة ~~بغير ألف ولام، ولا تضيفها العرب، يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: ~~غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة. # وقال أبو علي الوجه: الغداة لأنها تستعمل نكرة، وتتعرف باللام، وأما ~~غدوة، فمعرفة. # وقال الخليل: يجوز أن تقول: أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة، ~~فهذا وجه قراءة ابن عامر. # فإن قيل: دعاء القوم كان متصلا بالليل والنهار، فلماذا خص الغداة والعشي؟ # فالجواب: أنه نبه بالغداة على جميع النهار، وبالعشي على الليل، لأنه إذا ~~كان عمل النهار خالصا له، كان عمل الليل أصفى. # قوله تعالى: (يريدون وجهه) قال الزجاج: أي يريدون الله، فشهد * الله لهم ~~بصحة النيات، وأنهم مخلصون في ذلك. وأما الحساب المذكور في الآية، ففيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه حساب الأعمال، قاله الحسن. # والثاني: حساب الأرزاق. # والثالث: أنه بمعنى الكفاية، والمعنى: ما عليك من كفايتهم، ولا عليهم ~~كفايتك. # قوله تعالى: (فتكون من الظالمين) قال ابن الأنباري: عظم هذا الأمر على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وخوف بالدخول في جملة الظالمين، لأنه كان قد هم ~~بتقديم الرؤساء على الضعفاء. # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم PageV03P033 # بالشاكرين (53) قوله تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) المعنى: وكما ~~ابتلينا قبلك الغني بالفقير، ابتلينا أيضا بعضهم ببعض، و " فتنا " بمعنى: ~~ابتلينا واختبرنا، (ليقولوا)، يعني الكبراء (أهؤلاء) يعنون الفقراء ~~والضعفاء (من الله عليهم) بالهدى؟ وهذا استفهام معناه الانكار، كأنهم ~~أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة. # قال ابن السائب: ابتلى الله الرؤساء بالموالي، فإذا نظر الشريف إلى ~~الوضيع قد آمن قبله، أنف أن يسلم، ويقول: سبقني هذا؟. # قوله تعالى: (أليس الله بأعلم بالشاكرين) أي: بالذين يشكرون نعمته إذا من ~~عليهم بالهداية. والمعنى: إنما يهدي الله من يعلم أنه يشكر. والاستفهام في ~~" أليس "، معناه التقرير، أي: # إنه كذلك. # وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا ms0652 بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم (54) ~~قوله تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) اختلفوا فيمن نزلت على خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في رجال أتوا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقالوا: ~~إنا أصبنا ذنوبا عظيمة، فسكت عنهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فنزلت ~~هذه الآية قاله أنس بن مالك. # والثاني: أنها نزلت في الذين نهى عن طردهم، فكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ~~أن أبدأهم بالسلام، قاله الحسن وعكرمة. # والثالث: أنها نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، ~~وعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة، ومصعب بن عمير، وسالم وأبي سلمة والأرقم بن ~~أبي الأرقم، وعمار، وبلال، قاله عطاء. # والرابع: أن عمر بن الخطاب كان أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتأخير الفقراء، استمالة للرؤساء إلى الإسلام فلما نزلت تطرد الذين يدعون ~~ربهم)، جاء عمر بن الخطاب يعتذر من مقالته ويستغفر منها فنزلت فيه هذه ~~الآية قاله ابن السائب. # والخامس: أنها نزلت مبشرة باسلام عمر بن الخطاب فلما جاء وأسلم تلاها ~~عليه رسول PageV03P034 # الله صلى الله عليه وسلم، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # فأما قوله تعالى: (يؤمنون بآياتنا) فمعناه: يصدقون بحججنا وبراهيننا. # قوله تعالى: (قل سلام عليكم) فيه قولان: # أحدهما: أنه أمر بالسلام عليهم تشريفا لهم، وقد ذكرناه عن الحسن، وعكرمة. # والثاني: أنه أمر بإبلاغ السلام إليهم عن الله تعالى: قاله ابن زيد. قال ~~الزجاج: ومعنى السلام: دعاء للانسان بأن يسلم من الآفات. وفي السوء قولان: # أحدهما: أنه الشرك. # والثاني: المعاصي. # وقد ذكرنا في سورة (النساء) معنى " الجهالة ". قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وحمزة والكسائي: # " إنه من عمل " " فإنه غفور " بكسر الألف فيهما. وقرأ عاصم، وابن عامر: ~~بفتح الألف فيهما. وقرأ نافع. بنصب ألف " أنه " وكسر ألف " فإنه غفور ". ~~قال أبو علي: من كسر ألف " إنه " جعله تفسيرا للرحمة، ومن كسر ألف " فإنه ~~غفور " فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ms0653 فتح ألف " أنه من عمل " جعل " ~~أن " بدلا من الرحمة، والمعنى: كتب ربكم " أنه من عمل "، ومن فتحها بعد ~~الفاء أضمر خبرا تقديره: فله (أنه غفور رحيم) والمعنى: فله غفرانه. وكذلك ~~قوله [تعالى]: (فأن له نار جهنم)، معناه: فله أن له نار جهنم، وأما قراءة ~~نافع، فإنه أبدل من الرحمة: واستأنف ما بعد الفاء. # وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قوله تعالى: (وكذلك نفصل ~~الآيات) أي: وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وأعلامنا على المشركين، ~~كذلك نبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل. قال ابن قتيبة: ومعنى ~~تفصيلها: إتيانها متفرقة شيئا بعد شئ. # قوله تعالى: (ولتستبين) وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: " ولتستبين ~~" بالتاء، " سبيل " بالرفع. وقرأ نافع، وزيد عن يعقوب: بالتاء أيضا، إلا ~~أنهما نصبا السبيل. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " وليستبين " ~~بالياء، " سبيل " بالرفع. فمن قرأ (ولتستبين) بالياء أو التاء، فلأن السبيل ~~تذكر وتؤنث على ما بينا في (آل عمران)، ومن نصب اللام، فالمعنى: ولتستبين ~~أنت يا محمد سبيل المجرمين. وفي سبيلهم التي بينت له، قولان: # أحدهما: أنها طريقهم في الشرك، ومصيرهم إلى الخزي، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها مقصودهم في طرد الفقراء عنه، وذلك إنما هو الحسد، لا إيثار ~~مجالسته واتباعه، قاله أبو سليمان PageV03P035 # فإن قيل: كيف انفردت لام " كي " في قوله: " ولتستبين " وسبيلها أن تكون ~~شرطا لفعل يتقدمها أو يأتي بعدها؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري بجوابين: # أحدهما: أنها شرط لفعل مضمر، يراد به: ونفعل ذلك لكي تستبين. # والثاني: أنها معطوفة على لام مضمرة، تأويله: نفصل الآيات ليتكشف أمرهم، ~~ولتستبين سبيلهم. # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت ~~إذا وما أنا من المهتدين (56) قوله تعالى: (قل إني نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله) يعني الأصنام. وفي معنى (تدعون) قولان: # أحدهما: تدعونهم آلهة. # والثاني: تعبدون، قاله ابن عباس. وأهواؤهم: دينهم. قال الزجاج: أراد إنما ~~عبدتموها على طريق الهوى، لا على ms0654 طريق البينة والبرهان. ومعنى " إذا " معنى ~~الشرط، والمعنى: قد ضللت إن عبدتها. وقرأ طلحة، وابن أبي ليلى: " قد ضللت " ~~بكسر اللام. # قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا ~~لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قوله تعالى: (قل إني على بينة من ربي) ~~سبب نزولها أن النضر بن الحارث وسائر قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~يا محمد ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به، استهزاء، وقام النضر عند الكعبة ~~وقال: # اللهم إن كان ما يقول حقا، فائتنا بالعذاب، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. فأما البينة، فهي الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل. ~~قال الزجاج: أنا على أمر بين، لا متبع لهوى. # قوله تعالى: (وكذبتم به) في هاء الكناية، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الرب. # والثاني: ترجع إلى البيان. # والثالث: ترجع إلى العذاب الذي طلبوه استهزاء. PageV03P036 # قوله تعالى: (ما عندي ما تستعجلون به) أي: ما بيدي. وفي الذي استعجلوا به ~~قولان: # أحدهما: أنه العذاب، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أنه الآيات التي كانوا يقترحونها، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: (إن الحكم إلا لله) فيه قولان: # أحدهما: أنه الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بإيجاب الثواب والعقاب. # والثاني: أنه القضاء بإنزال العذاب على المخالف. # قوله تعالى: (يقص الحق) قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع " يقص الحق " بالصاد ~~المشددة، من القصص، والمعنى: أن كل ما أخبر به فهو حق. وقرأ أبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: " يقضي الحق " من القضاء، والمعنى: يقضي القضاء ~~الحق. # قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين (58) قوله تعالى: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به) أي: من العذاب ~~(لقضي الأمر بيني وبينكم) قال ابن عباس: يقول: لم أمهلكم ساعة، ولأهلكتكم. # قوله تعالى: (والله أعلم بالظالمين) فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: إن شاء عاجلهم، وإن شاء أخر عقوبتهم. # والثاني: أعلم بما يؤول إليهم أمرهم، وأنه قد يهتدي منهم قوم، ولا يهتدي ms0655 ~~آخرون، فلذلك يؤخرهم. # * وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين (59) قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب) قال ابن جرير: المفاتح: جمع ~~مفتح، ومفتاح، فمن قال: مفتح، جمعه: مفاتح. ومن قال: مفتاح، جمعه: مفاتيح. ~~وفي " مفاتح الغيب " سبعة أقوال: PageV03P037 # أحدها: أنها خمس لا يعلمها إلا الله عز وجل. روى البخاري في أفراده من ~~حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مفاتح الغيب خمس لا ~~يعلمهن إلا الله، لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم ما تغيض ~~الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت ~~إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله " قال ابن مسعود: أوتى نبيكم ~~علم كل شئ إلا مفاتيح الغيب. # والثاني: أنها خزائن غيب السماوات من الأقدار والأرزاق، قاله ابن عباس. # والثالث: ما غاب عن الخلق من الثواب والعقاب، وما تصير إليه الأمور، قاله ~~عطاء. # والرابع: خزائن غيب العذاب، متى ينزل، قاله مقاتل. # والخامس: الوصلة إلى علم الغيب إذا استعلم، قاله الزجاج. # والسادس: عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال. # والسابع: ما لم يكن، هل يكون، أم لا يكون؟ وما يكون كيف يكون، وما لا ~~يكون إن كان، كيف يكون؟ فأما البر، فهو القفر. وفي البحر قولان: # أحدهما: أنه الماء، قاله الجمهور. # والثاني: أنه القرى، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) قال الزجاج: المعنى أنه ~~يعلمها ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، ليس تأويله: ~~أعرفه في حال مجيئه فقط. فأما ظلمات الأرض، فالمراد بها بطن الأرض. وفي ~~الرطب واليابس، خمسة أقوال: # أحدها: أن الرطب: الماء، واليابس: البادية. والثاني: الرطب. ما ينبت، ~~واليابس: مالا ينبت. والثالث: الرطب: الحي، واليابس: الميت. والرابع: ~~الرطب: لسان المؤمن يذكر الله، واليابس: لسان الكافر لا يتحرك بذكر الله. ~~والخامس: أنهما الشئ ms0656 ينتقل من إحدى الحالتين إلى الأخرى، فهو يعلمه رطبا، ~~ويعلمه يابسا، وفي الكتاب المبين قولان: # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. # والثاني: أنه علم الله المتقن، ذكره الزجاج. فإن قيل: ما الفائدة في ~~إحصاء هذه الأشياء في كتاب؟ فعنه ثلاثة أجوبة، ذكرهن ابن الأنباري: # أحدها: أنه أحصاها في كتاب، لتقف الملائكة على نفاذ علمه. PageV03P038 # والثاني: أنه نبه بذلك عباده على تعظيم الحساب، وأعلمهم أنه لا يفوته ما ~~يصنعون، لأن من يثبت مالا ثواب فيه ولا عقاب، فهو إلى إثبات ما فيه ثواب ~~وعقاب أسرع. # والثالث: أن المراد بالكتاب: العلم، فالمعنى: أنها مثبتة في علمه. # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل ~~مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) قوله تعالى: (وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل) يريد به النوم، لأنه قبض الأرواح عن التصرف، كما يقبض ~~بالموت. وقال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم. وجرحتم: بمعنى كسبتم. (ثم ~~يبعثكم) أي: يوقظكم فيه، أي: في النهار. (ليقضى أجل مسمى) أي: لتبلغوا ~~الأجل المسمى لانقطاع حياتكم، فدل باليقظة بعد النوم على البعث بعد الموت. # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون (61) قوله تعالى: (ويرسل عليكم حفظة) الحفظة: ~~الملائكة، واحدهم: حافظ، والجمع: # حفظة، مثل كاتب وكتبة، وفاعل وفعلة. وفيما يحفظونه قولان: # أحدهما: أعمال بني آدم، قاله ابن عباس. # والثاني: أعمالهم وأجسادهم، قاله السدي. # قوله تعالى: (توفته رسلنا) وقرأ حمزة: " توفاه رسلنا " وحجته أنه فعل ~~مسند إلى مؤنث غير حقيقي، وإنما التأنيث للجمع، فهو مثل: (وقال نسوة). وفي ~~المراد بالرسل ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أعوان ملك الموت، قاله ابن عباس. وقال النخعي: أعوانه يتوفون ~~النفوس، وهو يأخذها منهم. # والثاني: أن المراد بالرسل: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. # والثالث: أنهم الحفظة، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (وهم لا يفرطون) قال ابن عباس: لا يضيعون. فإن قيل: كيف ~~الجمع بين PageV03P039 # قوله [تعالى]: (توفته رسلنا) وبين قوله [تعالى]: (قل يتوفاكم ملك الموت)؟ ms0657 ~~فعنه جوابان: # أحدهما: أنه يجوز أن يريد بالرسل ملك الموت وحده، وقد يقع الجمع على ~~الواحد. # والثاني: أن أعوان ملك الموت يفعلون بأمره، فأضيف الكل إلى فعله. وقيل: ~~توفي أعوان ملك الموت بالنزع، وتوفي ملك الموت بأن يأمر الأرواح فتجيب، ~~ويدعوها فتخرج، وتوفي الله تعالى بأن يخلق الموت في الميت. # ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) قوله ~~تعالى: (ثم ردوا إلى الله) يعني العباد. وفي متولي الرد قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة، ردتهم بالموت إلى الله تعالى. # والثاني: أنه الله عز وجل، ردهم بالبعث في الآخرة. وفي معنى ردهم إلى ~~الله تعالى، قولان: # أحدهما: أنهم ردوا إلى المكان الذي لا يملك الحكم فيه إلا الله وحده. # والثاني: أنهم ردوا إلى تدبيره وحده، لأنه لما أنشأهم كان منفردا ~~بتدبيرهم، فلما مكنهم من التصرف، صاروا في تدبير أنفسهم، ثم كفهم عنه ~~بالموت، فصاروا مردودين إلى تدبيره. # قوله تعالى: (ألا له الحكم) يعني القضاء. وبيان سرعة الحساب، في [سورة] ~~البقرة. # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا بكر من ~~هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم ~~تشركون (64) قوله تعالى: (قل من ينجيكم) قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~جعفر: (قل من ينجيكم) (قل الله ينجيكم)، مشددين. وقرأ يعقوب، والقزاز عن ~~عبد الوارث: بسكون النون وتخفيف الجيم. قال الزجاج: والمشددة أجود للكثرة. ~~وظلمات البر والبحر: شدائدها، والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شدة: يوم ~~مظلم، حتى إنهم يقولون: يوم ذو كواكب، أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل. ~~قال الشاعر: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا PageV03P040 # قوله تعالى: (تدعونه تضرعا) أي: مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر إلى الشئ، ~~والحاجة. # قوله تعالى: (وخفية) قرأ عاصم إلا حفصا: " وخفية " بكسر الخاء، وكذلك في ~~[سورة] الأعراف. وقرأ الباقون بضم الخاء، وهما لغتان. قال الفراء: وفيها ~~لغة أخرى بالواو، ولا تصلح في القراءة، خفوة، وخفوة. ومعنى الكلام، ms0658 أنكم ~~تدعونه في أنفسكم، كما تدعونه ظاهرا: " لئن أنجيتنا "، كذلك قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو: لئن أنجيتنا "، وقرأ عاصم وحمزة، والكسائي: " ~~لئن أنجانا " بألف، لمكان الغيبة في قوله: " تدعونه ". وكان حمزة، ~~والكسائي، وخلف، يميلون الجيم. # قوله تعالى: (من هذه) يعني: في أي شدة وقعتم، قلتم: " لئن أنجيتنا من هذه ~~". قال ابن عباس: و " الشاكرون " هاهنا: المؤمنون. وكانت قريش تسافر في ~~البر والبحر، فإذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك، دعوا الله مخلصين، فأنجاهم. ~~فأما " الكرب " فهو الغم الذي يأخذ بالنفس، ومنه اشتقت الكربة. # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) ~~قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم) فيه قولان: # أحدهما: أن الذي فوقهم: العذاب النازل من السماء، كما حصب قوم لوط، ~~وأصحاب الفيل. والذي من تحت أرجلهم: كما خسف بقارون، قاله ابن عباس، ~~والسدي، ومقاتل. وقال غيرهم: ومنه الطوفان، والريح، والصيحة، والرجفة. # والقول الثاني: أن الذي من فوقهم: من قبل أمرائهم. والذي من تحتهم من ~~سفلتهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال في رواية أخرى: الذي من ~~فوقهم: أئمة السوء، والذي من تحت أرجلهم: عبيد السوء. # قوله تعالى: (أو يلبسكم شيعا) قال ابن عباس: يبث فيكم الأهواء المختلفة، ~~فتصيرون فرقا. قال ابن قتيبة: يلبسكم: من الالتباس عليهم. والمعنى: حتى ~~تكونوا شيعا، أي: فرقا مختلفين. ثم يذيق بعضكم بأس بعض بالقتال والحرب. ~~وقال الزجاج: يلبسكم، أي: يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق. يقال: لبست ~~عليهم الأمر، ألبسه: إذا لم أبينه. ومعنى شيعا: أي PageV03P041 # يجعلكم فرقا، فإذا كنتم مختلفين، قاتل بعضكم بعضا. # قوله تعالى: (ويذيق بعضكم بأس بعض) أي: يقتل بعضكم بيد بعض. وفيمن عني ~~بهذه الآية، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها في المسلمين أهل الصلاة، هذا مذهب ابن عباس، وأبي العالية، ~~وقتادة. وقال أبي بن كعب في هذه ms0659 الآية: هن أربع خلال، وكلهن عذاب، وكلهن ~~واقع قبل يوم القيامة، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض. وثنتان واقعتان لا ~~محالة: الخسف، والرجم. # والثاني: أن العذاب للمشركين، وباقي الآية للمسلمين، قاله الحسن. وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ~~ومنعني واحدة، سألته أن لا يصيبكم بعذاب أصابه من كان قبلكم، فأعطانيها، ~~وسألتها أن لا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم، فأعطانيها، وسألته أن لا ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض، فمنعنيها ". # والثالث: أنها تهدد للمشركين، قاله ابن جرير الطبري، وأبو سليمان ~~الدمشقي. # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) قوله تعالى: (وكذب به ~~قومك) في هاء " به " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها كناية عن القرآن. # والثاني: عن تصريف الآيات. # والثالث: عن العذاب. # قوله تعالى: (قل لست عليكم بوكيل) فيه قولان: # أحدهما: لست حفيظا على أعمالكم لأجازيكم بها، إنما أنا منذر، قاله الحسن. # والثاني: لست حفيظا عليكم، أخذكم بالإيمان، إنما أدعوكم إلى الله ~~[تعالى]، قاله الزجاج. # فصل وفي هذا القدر من الآية قولان: PageV03P042 # أحدهما: أنه اقتضى الاقتصار في حقهم على الإنذار من غير زيادة، ثم نسخ ~~ذلك بآية السيف. # والثاني: أن معناه: لست حفيظا عليكم، إنما أطالبكم بالظواهر من الإقرار ~~والعمل، لا بالإسرار، فعلى هذا هو محكم. # لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون (67) قوله تعالى: (لكل نبأ مستقر) أي: لكل خبر ~~يخبر الله به وقت يقع فيه من غير خلف ولا تأخير. قال السدي: فاستقر نبأ ~~القرآن بما كان يعدهم من العذاب يوم بدر. وقال مقاتل: منه في الدنيا يوم ~~بدر، وفي الآخرة جهنم. # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) قوله ~~تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) فيمن أريد بهذه الآية ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: المشركون. # والثاني: اليهود. # والثالث: أصحاب الأهواء. والآيات: القرآن. وخوض ms0660 المشركين فيه: تكذيبهم به ~~واستهزاؤهم، ويقاربه خوض اليهود، وخوض أهل الأهواء والمراء والخصومات. # قوله تعالى: (فأعرض عنهم) أي: فاترك مجالستهم، حتى يكون خوضهم في غير ~~القرآن. # (وإما ينسينك) وقرأ ابن عامر: " ينسينك "، بفتح النون، وتشديد السين، ~~والنون الثانية. ومثل هذا: غرمته وأغرمته. وفي التنزيل: (فهل الكافرين ~~أمهلهم). والمعنى: إذا أنساك الشيطان، فقعدت معهم ناسيا نهينا لك، فلا تقعد ~~بعد الذكرى. والذكر والذكرى: واحد. قال ابن عباس: قم إذا ذكرت، والظالمون: ~~المشركون. # وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) قوله ~~تعالى: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المسلمين قالوا: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن، وخاضوا ~~فيه، فمنعناهم، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، ولا أن نطوف بالبيت، ~~فنزلت هذه الآية. PageV03P043 # والثاني: أن المسلمين قالوا: إنا نخاف الإثم إن لم ننههم عن الخوض، فنزلت ~~هذه الآية. # والثالث: أن المسلمين قالوا: لو قمنا عنهم إذا خاضوا، فإنا نخشى الإثم في ~~مجالستهم، فنزلت هذه الآية. هذا عن مقاتل، والأولان عن ابن عباس. # قوله تعالى: (وما على الذين يتقون) فيه قولان: # أحدهما: يتقون الشرك. # والثاني: يتقون الخوض. # قوله تعالى: (من حسابهم) يعني: حساب الخائضين. وفي " حسابهم " قولان: # أحدهما: أنه كفرهم وآثامهم. # والثاني: عقوبة خوضهم. # قوله تعالى: (ولكن ذكرى) أي: ولكن عليكم أن تذكروهم. وفيما تذكرونهم به، ~~قولان: # أحدهما: المواعظ. # والثاني: قيامكم عنهم. قال مقاتل: إذا قمتم عنهم، منعهم من الخوض الحياء ~~منكم، والرغبة في مجالستكم. # قوله تعالى: (لعلهم يتقون) فيه قولان: # أحدهما: يتقون الاستهزاء. # والثاني: يتقون الوعيد. # فصل وقد ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنها اقتضت جواز مجالسة ~~الخائضين والاقتصار على تذكيرهم، ثم نسخت بقوله [تعالى]: (وقد نزل عليكم في ~~الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم). ~~والصحيح أنها محكمة، لأنها خبر، وإنما دلت على أن كل عبد يختص بحساب نفسه، ~~ولا يلزمه حساب غيره. # وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ms0661 وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل ~~نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) PageV03P044 # قوله تعالى: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم الكفار. # والثاني: اليهود والنصارى. وفي اتخاذهم دينهم لعبا ولهوا، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه استهزاؤهم بآيات الله إذا سمعوها. # والثاني: أنهم دانوا بما اشتهوا، كما يلهون بما يشتهون. # والثالث: أنهم يحافظون على دينهم إذا اشتهوا كما يلهون إذا اشتهوا. قال ~~الفراء: ويقال: # إنه ليس من قوم إلا ولهم عيد، فهم يلهون في أعيادهم، إلا أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فإن أعيادهم صلاة وتكبير وبر وخير. # فصل ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، قولان: # أحدهما: أنه خرج مخرج التهديد، كقوله [تعالى]: (ذرني ومن خلقت وحيدا). # فعلى هذا، هو محكم، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد. # والثاني: أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف، وإلى ~~هذا ذهب قتادة، والسدي. # قوله تعالى: (وذكر به) أي: عظ بالقرآن. وفي قوله: (أن تبسل) قولان: # أحدهما: لئلا تبسل نفس، كقوله [تعالى]: (أن تضلوا). # والثاني: ذكرهم إبسال المبسلين بجناياتهم لعلهم يخافون. وفي معنى " تبسل ~~" سبعة أقوال: # أحدها: تسلم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، والسدي. ~~وقال ابن قتيبة: تسلم إلى الهلكة. قال الشاعر: # وإبسالي بني بغير جرم * بعوناه ولا بدم مراق أي: بغير جرم أجرمناه، ~~والبعو: الجناية. وقال الزجاج: تسلم بعملها غير قادرة على التخلص. ~~والمستبسل: المستسلم الذي لا يعلم أنه يقدر على التخلص. # والثاني: تفضح، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: تدفع، رواه الضحاك عن ابن عباس. PageV03P045 # والرابع: تهلك، روي عن ابن عباس أيضا. # والخامس: تحبس وتؤخذ، قاله قتادة، وابن زيد. # والسادس: تجزي، قاله ابن السائب، والكسائي. # والسابع: ترتهن، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: ترتهن وتسلم، وأنشد: # هنالك لا أرجو حياة تسرني * سمير الليالي مبسلا بالجرائر ms0662 سمير الليالي: ~~أبد الليالي. فأما الولي: فهو الناصر الذي يمنعها من عذاب الله. والعدل: # الفداء. قال ابن زيد: وإن تفتد كل فداء لا يقبل منها. فأما الحميم، فهو ~~الماء الحار. قال ابن قتيبة: ومنه سمي الحمام. # قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدي الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) وأن ~~أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) قوله تعالى: (قل أندعوا من ~~دون الله) أي: أنعبد مالا يضرنا إن لم نعبده، ولا ينفعنا إن عبدناه، وهي ~~الأصنام. (ونرد على أعقابنا) أي: نرجع إلى الكفر (بعد إذ هدانا الله) إلى ~~الإسلام، فنكون (كالذي استهوته الشياطين). وقرأ حمزة: " استهواه الشياطين ~~"، على قياس قراءته: (توفاه رسلنا). وفي معنى " استهوائها " قولان: # أحدهما: أنها هوت به وذهبت، قاله ابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: تشبه له ~~الشياطين، فيتبعها حتى تهوي به في الأرض، فتضله. # والثاني: زينت له هواه، قاله الزجاج. قال: و " حيران " منصوب على الحال، ~~أي: استهوته في حال حيرته. قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا ~~سبيلنا، واتركوا دين محمد، فقال تعالى: (قل أندعو من دون الله مالا ينفعنا ~~ولا يضرنا، ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله) فنكون كرجل كان مع قوم على ~~طريق، فضل، فخيرته الشياطين، وأصحابه على الطريق يدعونه: يا فلان هلم ~~إلينا، فإنا على الطريق، فيأبى. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد ~~الرحمن بن أبي بكر الصديق، دعاه أبوه وأمه إلى الإسلام فأبى. قال مقاتل: ~~والمراد بأصحابه: أبواه. # قوله تعالى: (قل إن هدى الله هو الهدى) هذا رد على من دعا إلى عبادة ~~الأصنام، وزجر PageV03P046 # عن إجابته كأنه قيل له: لا تفعل ذلك، لأن هدى الله هو الهدى، لا هدى ~~غيره. # قوله تعالى: (وأمرنا لنسلم) قال الزجاج: العرب تقول: أمرتك أن تفعل، ~~وأمرتك لتفعل، وأمرتك بأن تفعل. فمن قال: " بأن " فالباء للالصاق. والمعنى: ~~وقع ms0663 الأمر بهذا الفعل، ومن قال: # " أن تفعل " فعلى خذف الباء، ومن قال: " لتفعل " فقد أخبر بالعلة التي ~~لها وقع الأمر. قال: وفي قوله: (وأن أقيموا الصلاة) وجهان: # أحدهما: أمرنا لأن نسلم، ولأن نقيم الصلاة. # والثاني: أن يكون محمولا على المعنى، لأن المعنى: أمرنا بالإسلام، ~~وبإقامة الصلاة. # وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) قوله ~~تعالى: (وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق) فيه أربعة أقوال: # أحدها: خلقهما للحق. # والثاني: خلقهما حقا. # والثالث: خلقهما بكلامه وهو الحق. # والرابع: خلقهما بالحكمة. # قوله تعالى: (ويوم يقول كن فيكون) قال الزجاج: الأجود أن يكون منصوبا على ~~معنى: # واذكر يوم يقول كن فيكون، لأن بعده (وإذ قال إبراهيم) فالمعنى: واذكر هذا ~~وهذا. وفي الذي يقول له كن فيكون، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يوم القيامة، قاله مقاتل. # والثاني: ما يكون في القيامة. # والثالث: أنه الصور، وما ذكر من أمر الصور يدل عليه، قالهما الزجاج. قال: ~~وخص ذلك اليوم بسرعة إيجاد الشئ، ليدل على سرعة أمر البعث. # قوله تعالى: (قوله الحق) أي: الصدق الكائن لا محالة (وله الملك يوم ينفخ ~~في الصور). وروى إسحاق بن يوسف الأزرق عن أبي عمير: " ننفخ " بنونين. ومعنى ~~الكلام: أن الملوك يومئذ لا ملك لهم، فهو المنفرد بالملك وحده كما قال: ~~(والأمر يومئذ لله). وفي " الصور " قولان: PageV03P047 # أحدهما: أنه قرن ينفخ فيه، روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الصور، فقال: " هو قرن ينفخ فيه. وقال مجاهد: ~~الصور كهيأة البوق. وحكى ابن قتيبة: أن الصور: القرن، في لغة قوم من أهل ~~اليمن، وأنشد: # نحن نطحنا غداة الجمعين * بالضابحات في غبار النقعين نطحا شديدا لا كنطح ~~الصورين وأنشد الفراء: # لولا ابن جعدة لم يفتح قهندزكم * ولا خراسان حتى ينفخ الصور وهذا اختيار ~~الجمهور. # والثاني: أن الصور جمع صورة، يقال: صورة وصور، بمنزلة سورة وسور، كسورة ~~البناء، والمراد نفخ ms0664 الأرواح في صور الناس، قاله قتادة، وأبو عبيدة. وكذلك ~~قرأ الحسن، ومعاذ القارئ، وأبو مجلز، وأبو المتوكل " في الصور " بفتح ~~الواو. قال ثعلب: الأجود أن يكون الصور: القرن، لأنه قال عز وجل: (ونفخ في ~~الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض)، ثم قال: (ثم نفخ فيه أخرى)، ولو ~~كان الصور، كان: ثم نفخ فيها، أو فيهن، وهذا يدل على أنه واحد، وظاهر ~~القرآن يشهد أنه ينفخ في الصور مرتين. وقد روى أهل التفسير عن أبي هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الصور قرن ينفخ فيه ثلاث نفخات: # الأولى: نفخة الفزع. # والثانية نفخة الصعق. # والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين ". قال ابن عباس: وهذه النفخة ~~المذكورة في هذه الآية هي الأولى، يعني: نفخة الصعق. # قوله تعالى: (عالم الغيب) وهو ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه، ~~(فالشهادة) وهي ما شهدوه ورأوه. وقال الحسن: يعني بذلك السر والعلانية. ~~PageV03P048 # * وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) في " آزر " أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنه اسم أبيه، روي عن ابن عباس، والحسن، والسدي، وابن إسحاق. # والثاني: أنه اسم صنم، فأما اسم أبي إبراهيم، فتارح، قاله مجاهد. فيكون ~~المعنى: أتتخذ آزر أصناما؟ فكأنه جعل أصناما بدلا من آزر، والاستفهام معناه ~~الإنكار. # والثالث: أنه ليس باسم، إنما هو سب بعيب، وفي معناه قولان: # أحدهما: أنه المعوج، كأنه عابه بزيغه وتعويجه عن الحق، ذكره الفراء. # والثاني: أنه المخطئ، فكأنه قال: يا مخطئ أتتخذ أصناما؟ ذكره الزجاج. # والرابع: أنه لقب لأبيه، وليس باسمه، قاله مقاتل بن حيان. قال ابن ~~الأنباري: قد يغلب على اسم الرجل لقبه، حتى يكون به أشهر منه باسمه، ~~والجمهور على قراءة " آزر " بالنصب. وقرأ الحسن، ويعقوب بالرفع. قال ~~الزجاج: من نصب، فموضع " آزر " خفض بدلا من أبيه، ومن رفع فعلى النداء. # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) قوله ~~تعالى: (وكذلك نري إبراهيم) أي: وكما أريناه ms0665 البصيرة في دينه، والحق في ~~خلاف قومه، نريه (ملك السماوات والأرض). وقيل: " نري " بمعنى أرينا. قال ~~الزجاج: والملكوت بمنزلة الملك، إلا أن الملكوت أبلغ في اللغة، لأن الواو ~~والتاء يزادان للمبالغة، ومثل الملكوت: # الرغبوت والرهبوت. قال مجاهد: ملكوت السماوات والأرض: آياتها، تفرجت له ~~السماوات السبع، حتى العرش، فنظر فيهن، وتفرجت له الأرضون السبع، فنظر ~~فيهن. وقال قتادة: ملكوت السماوات: # الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار. وقال السدي: ~~أقيم على صخرة، وفتحت له السماوات والأرض، فنظر إلى ملك الله عز وجل، حتى ~~نظر إلى العرش، وإلى منزله من الجنة، وفتحت له الأرضون السبع، حتى نظر إلى ~~الصخرة التي عليها الأرضون. # قوله تعالى: (وليكون من الموقنين) هذا عطف على المعنى، لأن معنى الآية: ~~نريه ملكوت السماوات والأرض ليستدل به، وليكون من الموقنين. وفي ما يوقن به ~~ثلاثة أقوال: PageV03P049 # أحدها: وحدانية الله وقدرته. # والثاني: نبوته ورسالته. # والثالث: ليكون موقنا بعلم كل شئ حسا، لا خبرا. # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ~~(76) قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل) قال الزجاج: يقال: جن عليه الليل، ~~وأجنه الليل: إذا أظلم، حتى يستر بظلمته، ويقال لكل ما ستر: جن، وأجن، ~~والاختيار أن يقال: جن عليه الليل، وأجنه الليل. # الإشارة إلى بدء قصة إبراهيم عليه السلام روى أبو صالح عن ابن عباس قال: ~~ولد إبراهيم في زمن نمروذ، وكان لنمروذ كهان، فقالوا له: يولد في هذه السنة ~~مولود يفسد آلهة أهل الأرض، ويدعوهم إلى غير دينهم، ويكون هلاك أهل بيتك ~~على يديه، فعزل النساء عن الرجال، ودخل آزر إلى بيته، فوقع على زوجته، ~~فحملت، فقال الكهان لنمروذ: إن الغلام قد حمل به الليلة. فقال: كل من ولدت ~~غلاما فاقتلوه. فلما أخذ أم إبراهيم المخاض، خرجت هاربة، فوضعته في نهر ~~يابس، ولفته في خرقة، ثم وضعته في حلفاء، وأخبرت به أباه، فأتاه، فحفر له ~~سربا، وسد عليه بصخرة، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه، حتى شب وتكلم، فقال ~~لأمه: ms0666 من ربي؟ فقالت: أنا. قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك. قال: فمن رب أبي؟ ~~قالت: اسكت. فسكت، فرجعت إلى زوجها، فقالت: إن الغلام الذي كنا نتحدث أنه ~~يغير دين أهل الأرض، ابنك. فأتاه، فقال له مثل ذلك. فلما جن عليه الليل، ~~دنا من باب السرب، فنظر فرأى كوكبا. قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم " رأى "، ~~بفتح الراء والهمزة، وقرأ أبو عمرو: # " رأى "، بفتح الراء وكسر الهمزة، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر عن عاصم. # " رأى "، بكسر الراء والهمزة، واختلفوا فيها إذا لقيها ساكن، وهو آت في ~~ستة مواضع: (رأى القمر) (فلما رأى الشمس) وفي النحل (وإذا رأى الذين ظلموا) ~~(وإذا رأى الذين أشركوا) وفي الكهف: (ورأى المجرمون النار)، وفي الأحزاب: ~~(ولما رأى المؤمنون). وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة إلا العبسي، وخلف في ~~اختياره: بكسر الراء وفتح الهمزة في الكل، وروى العبسي كسرة الهمزة أيضا، ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بفتح الراء ~~والهمزة. فإن اتصل ذلك بمكنى، فقال نحو: رآك، ورآه، ورآها، فإن حمزة، ~~PageV03P050 # والكسائي، وخلف، والوليد عن ابن عامر، والمفضل، وأبان، والقزاز عن عبد ~~الوارث، والكسائي عن أبي بكر: يكسرون الراء، ويميلون الهمزة. وفي الكوكب ~~الذي رآه قولان: # أحدهما: أنه الزهرة، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: المشتري، قاله مجاهد، والسدي. # قوله تعالى: (قال هذا ربي) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه على ظاهره. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قال هذا ربي، ~~فعبده حتى غاب، وعبد القمر حتى غاب، وعبد الشمس حتى غابت، واحتج أرباب هذا ~~القول بقوله [تعالى]: (لئن لم يهدني ربي) وهذا يدل على نوع تحيير، قالوا: ~~وإنما قال هذا في حال طفولته على ما سبق إلى وهمه، قبل أن يثبت عنده دليل. ~~وهذا القول لا يرتضى، والمتأهلون للنبوة محفوظون من مثل هذا على كل حال. ~~فأما قوله: (لئن لم يهدني ربي) فما زال الأنبياء يسألون الهدى، ويتضرعون في ~~دفع الضلال عنهم، كقولهم: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ولأنه قد آتاه ~~رشده ms0667 من قبل، وأراه ملكوت السماوات والأرض ليكون موقنا، فكيف لا يعصمه عن ~~مثل هذا التخيير؟!. # والثاني: أنه قال ذلك استدراجا للحجة، ليعيب آلهتهم ويريهم بغضها عند ~~أفولها، ولا بد أن يضمر في نفسه: إما على زعمكم، وفيما تظنون، فيكون كقوله: ~~(أين شركائي)، وإما أن يضمر: # يقولون، فيكون كقوله [تعالى]: (ربنا تقبل منا)، أي: يقولان ذلك، ذكر نحو ~~هذا أبو بكر بن الأنباري، ويكون مراده استدراج الحجة عليهم، كما نقل عن بعض ~~الحكماء أنه نزل بقوم يعبدون صنما، فأظهر تعظيمه، فأكرموه، وصدروا عن رأيه، ~~فدهمهم عدو، فشاورهم ملكهم، فقال: ندعو إلهنا ليكشف ما بنا، فاجتمعوا ~~يدعونه، فلم ينفع، فقال هاهنا إله ندعوه، فيستجيب، فدعوا الله، فصرف عنهم ~~ما يحذرون، وأسلموا. # والثالث: أنه قال مستفهما، تقديره: أهذا ربي؟ أضمرت ألف الاستفهام، ~~كقوله: (أفإن مت، فهم الخالدون)؟ أي: أفهم الخالدون؟ قال الشاعر: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا أراد: أكذبتك؟ قال ~~ابن الأنباري: وهذا القول شاذ، لأن حرف الاستفهام لا يضمر إذ كان فارقا بين ~~الإخبار والاستخبار، وظاهر قوله: (هذا ربي) أنه إشارة إلى الصانع. وقال ~~الزجاج: # كانوا أصحاب نجوم، فقال: هذا ربي، أي: هذا الذي يدبرني، فاحتج عليهم أن ~~هذا الذي تزعمون PageV03P051 # أنه مدبر، لا نرى فيه إلا أثر مدبر. و " أفل " بمعنى: غاب، يقال: أفل ~~النجم يأفل ويأفل أفولا. # قوله تعالى: (لا أحب الآفلين) أي: حب رب معبود، لأن ما ظهر وأفل كان ~~حادثا مدبرا. # فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما ~~أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون (78) قوله تعالى: (فلما رأى القمر) قال ~~ابن قتيبة: سمي القمر قمرا لبياضه، والأقمر: الأبيض، وليلة قمراء، أي: ~~مضيئة. فأما البازغ، فهو الطالع. ومعنى (لئن لم يهدني): لئن لم يثبتني على ~~الهدى. فإن قيل: لم قال في الشمس: هذا، ولم يقل: هذه؟ فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أنه ms0668 رأى ضوء الشمس، لا عينها، قاله محمد بن مقاتل. # والثاني: أنه أراد: هذا الطالع ربي، قاله الأخفش. # والثالث: أن الشمس بمعنى الضياء والنور، فحمل الكلام على المعنى. # والرابع: أن الشمس ليس في لفظها علامة من علامات التأنيث، وإنما يشبه ~~لفظها لفظ المذكر، فجاز تذكيرها. ذكره والذي قبله ابن الأنباري. # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) ~~وحاجة قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون (80) قوله تعالى: (إني وجهت ~~وجهي) قال الزجاج: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله رب العالمين عز وجل. ~~وباقي الآية قد تقدم. # وقوله تعالى: (وحاجه قومه) قال ابن عباس: جادلوه في آلهتهم، وخوفوه بها، ~~فقال منكرا عليهم: (أتحاجوني). قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~(أتحاجوني) و (تأمروني) بتشديد النون. وقرأ نافع، وابن عامر بتخفيفها، ~~فحذفا النون الثانية لالتقاء النونين. # ومعنى (أتحاجوني في الله) أي: في توحيده. (وقد هدان)، أي: بين لي ما به ~~اهتديت. وقرأ الكسائي: " هداني "، بإمالة الدال. والإمالة حسنة فيما كان ~~أصله الياء، وهذا من هدى يهدي. # قوله تعالى: (ولا أخاف ما تشركون به) أي: لا أرهب آلهتكم، وذلك أنهم ~~قالوا: نخاف PageV03P052 # أن تمسك آلهتنا بسوء، فقال: لا أخافها لأنها لا تضر ولا تنفع (إلا أن ~~يشاء ربي شيئا) فله أخاف (وسع ربي كل شئ علما) أي: علمه علما تاما. # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) قوله تعالى: (وكيف ~~أخاف ما أشركتم) أي: من هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخافون أنتم ~~أنكم أشركتم بالله الذي خلقكم ورزقكم وهو قادر على ضركم ونفعكم (ما لم ينزل ~~به عليكم سلطانا) أي: حجة (فأي الفريقين أحق بالأمن) أي: بأن يأمن العذاب، ~~الموحد الذي يعبد من بيده ms0669 الضر والنفع؟ أم المشرك الذي يعبد ما لا يضر ولا ~~ينفع؟ ثم بين الأحق من هو بقوله [تعالى]: # (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي: لم يخلطوه بشرك. روى البخاري، ~~ومسلم في " صحيحيهما " من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية، شق ذلك ~~على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، رأينا ذلك؟ فقال: إنما هو الشرك، ألم ~~تسموا ما قاله لقمان لابنه: (إن الشرك لظلم عظيم)؟ وفيمن عني بهذه الآية، ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إبراهيم وأصحابه، وليست في هذه الأمة، قاله علي بن أبي طالب. ~~وقال في رواية أخرى: هذه الآية لإبراهيم خاصة، ليس لهذه الأمة منها شئ. # والثاني: أنه من هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة. # والثالث: أنها عامة، ذكره بعض المفسرين. وهل هي من قول إبراهيم لقومه، أم ~~جواب من الله تعالى؟ فيه قولان: # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم ~~عليم (83) قوله تعالى: (وتلك حجتنا) يعني ما جرى بينه وبين قومه من ~~الاستدلال على حدوث الكوكب والقمر والشمس، وعيبهم، إذ سووا بين الصغير ~~والكبير، وعبدوا من لا ينطق، وإلزامه إياهم الحجة. (آتيناها إبراهيم) ~~أرشدناه إليها بالإلهام. وقال مجاهد: الحجة قول إبراهيم (فأي PageV03P053 # الفريقين أحق بالأمن)؟. # قوله تعالى: (نرفع درجات من نشاء) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عمرو وابن ~~عامر: # (درجات من نشاء، مضافا. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي (درجات)، منونا، ~~وكذلك قرؤوا في (يوسف) ثم في المعنى قولان: # أحدهما: أن الرفع بالعلم والفهم والمعرفة. # والثاني: بالاصطفاء للرسالة. # قوله تعالى: (إن ربك حكيم) قال ابن جرير: حكيم في سياسة خلقه، وتلقينه ~~أنبياءه الحج على أممهم المكذبة (عليم) بما يؤول إليه أمر الكل. # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم (87) قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق) ولدا لصلبه ms0670 (ويعقوب) ولدا ~~لإسحاق (كلا) من هؤلاء المذكورين (هدينا) أي: أرشدنا. # قوله تعالى: (ومن ذريته) في " هاء الكناية "، قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى نوح، رواه أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء، ~~ومقاتل، وابن جرير الطبري. # والثاني: إلى إبراهيم، قاله عطاء. وقال الزجاج: كلا القولين جائز، لأن ~~ذكرهما جميعا قد جرى، واحتج ابن جرير للقول الأول بأن الله تعالى، ذكر في ~~سياق الآيات لوطا، وليس من ذرية إبراهيم. وأجاب عنه أبو سليمان الدمشقي ~~بأنه يحتمل أن يكون أراد: ووهبنا له لوطا في المعاضدة والنصرة، ثم قوله ~~[تعالى]: (وكذلك نجزي المحسنين) من أبين دليل على أنه إبراهيم، لأن افتتاح ~~الكلام إنما هو بذكر ما أثاب به إبراهيم. فأما " يوسف " فهو اسم أعجمي. قال ~~الفراء: # " يوسف ". بضم السين من غير همز، لغة أهل الحجاز، وبعض بني أسد يقول: " ~~يؤسف "، بالهمز، وبعض العرب يقول: " يوسف بكسر السين، وبعض بني عقيل يقول: ~~" يوسف " بفتح السين. PageV03P054 # قوله تعالى: (وكذلك نجزي المحسنين) أي: كما جزينا إبراهيم على توحيده ~~وثباته على دينه، بأن رفعنا درجته، ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء، كذلك ~~نجزي المحسنين. فأما عيسى، وإلياس، واليسع، ولوطا، فأسماء أعجمية، وجمهور ~~القراء يقرؤون " اليسع " بلام واحدة مخففة، منهم ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وأبو عمرو وابن عامر. وقرأ حمزة، والكسائي هاهنا وفي (ص): # " إلليسع " بلامين مع التشديد. قال الفراء: وهي أشبه بالصواب، وبأسماء ~~الأنبياء من بني إسرائيل، ولأن العرب لا تدخل على " يفعل "، إذا كان في ~~معنى فلان، ألفا ولاما، يقولون: هذا يسع قد جاء، وهذا يعمر، وهذا يزيد، ~~فهكذا الفصيح من الكلام. وأنشدني بعضهم. # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا بأحناء الخلافة كاهله فلما ذكر ~~الوليد بالألف واللام، أتبعه يزيد بالألف واللام، وكل صواب. وقال مكي: من ~~قرأه بلام واحدة، فالأصل عنده: يسع، ومن قرأه بلامين، فالأصل عنده: ليسع، ~~فأدخلوا عليه حرف التعريف. وباقي أسماء الأنبياء قد تقدم بيانها، والمراد ~~بالعالمين: عالمو زمانهم. # قوله تعالى: (ومن آبائهم وذرياتهم) " من " هاهنا للتبعيض. قال الزجاج: ~~المعنى: هدينا هؤلاء، وهدينا بعض ms0671 آبائهم وذرياتهم. (واجتبيناهم) مثل ~~اخترناهم واصطفيناهم، وهو مأخوذ من جبيت الشئ: إذا أخلصته لنفسك. وجبيت ~~الماء في الحوض: إذا جمعته فيه. فأما الصراط المستقيم، فهو التوحيد. # ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون (88) قوله تعالى: (ذلك هدى الله) قال ابن عباس: ذلك دين الله الذي ~~هم عليه (يهدي به من يشاء من عباده) (ولو أشركوا) يعني الأنبياء المذكورين ~~(لحبط) أي: لبطل وزال عملهم، لأنه لا يقبل عمل مشرك. # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) قوله تعالى: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب) ~~يعني الكتب التي أنزلها عليهم. والحكم: # الفقه، والعلم (فإن يكفر بها) يعني بآياتنا. # وفيمن أشير إليه ب‍ " هؤلاء " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة. ~~PageV03P055 # والثاني: أنهم قريش، قاله السدي. # والثالث: أمة النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن. # قوله تعالى: (فقد وكلنا بها) قال أبو عبيدة: فقد رزقناها قوما. وقال ~~الزجاج: وكلنا بالإيمان بها قوما. وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أهل المدينة من الأنصار، قاله ابن عباس، وابن المسيب، ~~وقتادة، والسدي. # والثاني: الأنبياء والصالحون، قاله الحسن. وقال قتادة: هم النبيون ~~الثمانية عشر، المذكورون في هذا المكان، وهذا اختيار الزجاج، وابن جرير. # والثالث: أنهم الملائكة، قاله أبو رجاء. # والرابع: أنهم المهاجرون والأنصار. # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين (90) قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله) يعني النبيين ~~المذكورين. # وفي قوله تعالى: (فبهداهم اقتده) قولان: # أحدهما: بشرائعهم وبسننهم فاعمل، قاله ابن السائب. # والثاني: اقتد بهم في صبرهم، قاله الزجاج. وكان ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم، يثبتون الهاء من قوله: " اقتده " في الوصل ساكنة. وكان حمزة، ~~والكسائي وخلف، ويعقوب، والكسائي عن أبي بكر، واليزيدي في اختياره، يحذفون ~~الهاء في الوصل. ولا خلاف في إثباتها في الوقف، وإسكانها فيه. # قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه ms0672 أجرا) يعني على القرآن. والذكرى: العظة. ~~والعالمون هاهنا: الجن والإنس. # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون (91) قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره) في سبب نزولها سبعة ~~أقوال: PageV03P056 # أحدها: أن مالك بن الصيف رأس اليهود، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم، فقال له رسول الله [صلى الله عليه وسلم] " أنشدك بالذي أنزل ~~التوراة على موسى، أتجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين "؟ قال: # نعم. قال: " فأنت الحبر السمين ". فغضب، ثم قال: (ما أنزل الله على بشر ~~من شئ) فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وكذلك قال سعيد بن ~~جبير، وعكرمة: نزلت في مالك بن الصيف. # والثاني: أن اليهود قالوا: يا محمد، أنزل الله عليك كتابا؟ قال: " نعم ". ~~قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فنزلت هذه الآية، رواه الوالبي ~~عن ابن عباس. # والثالث: أن اليهود قالوا: يا محمد، إن موسى جاء بألواح يحملها من عند ~~الله، فائتنا بآية كما جاء موسى، فنزل: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء)، إلى قوله: # (عظيما). فلما حدثهم بأعمالهم الخبيثة، قالوا: والله ما أنزل الله عليك ~~ولا على موسى وعيسى، ولا على بشر، من شئ، فنزلت هذه الآية، قاله محمد بن ~~كعب. # والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى، آتاهم الله علما، فلم ينتفعوا ~~به، قاله قتادة. # والخامس: أنها نزلت في فنحاص اليهودي، وهو الذي قال: (ما أنزل الله على ~~بشر من شئ) قاله السدي. # والسادس: أنها نزلت في مشركي قريش، قالوا: والله ما أنزل الله على بشر من ~~شئ، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والسابع: أن أولها، إلى قوله: (من شئ) في مشركي قريش. وقوله [تعالى]: (من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) في اليهود، رواه ms0673 ابن كثير عن مجاهد. وفي ~~معنى (وما قدروا الله حق قدره) ثلاثة أقوال: # أحدها: ما عظموا الله حق عظمته، قاله ابن عباس، والحسن، والفراء، وثعلب، ~~والزجاج. # والثاني: ما وصفوه حق صفته، قاله أبو العالية، واختاره الخليل. # والثالث: ما عرفوه حق معرفته، قاله أبو عبيدة. PageV03P057 # قوله تعالى: (يجعلونه قراطيس) معناه: يكتبونه في قراطيس. وقيل: إنما قال: ~~قراطيس، لأنهم كانوا يكتبونه في قراطيس مقطعة، حتى لا تكون مجموعة، ليخفوا ~~منها ما شاؤوا. # قوله تعالى: (يبدونها) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " يجعلونه قراطيس ~~يبدونها " و " يخفون " بالياء فيهن. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: بالتاء فيهن. فمن قرأ بالياء، فلأن القوم غيب، بدليل قوله ~~[تعالى]: (وما قدروا الله حق قدره). ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب، والمعنى: ~~تبدون منها ما تحبون، وتخفون كثيرا، مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية ~~الرجم، ونحو ذلك مما كتموه. # قوله تعالى: (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) في المخاطب بهذا ~~قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، قاله الجمهور. # والثاني: أنه خطاب للمسلمين، قاله مجاهد. فعلى الأول: علموا ما في ~~التوراة، وعلى الثاني: علموا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (قل الله) هذا جواب لقوله: (من أنزل الكتاب) وتقديره: فإن ~~أجابوك، وإلا فقل: الله أنزله. # قوله تعالى: (ثم ذرهم) تهديد. وخوضهم: باطلهم. وقيل: إن هذا أمر بالإعراض ~~عنهم، ثم نسخ بآية السيف. # قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه) يعني القرآن. قال الزجاج: والمبارك: ~~الذي يأتي من قبله الخير الكثير. والمعنى: أنزلناه للبركة والإنذار. # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ~~والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) قوله تعالى: ~~(مصدق الذي بين يديه) من الكتب. # قوله تعالى: (ولتنذر أم القرى) قرأ عاصم إلا حفصا: " ولينذر " بالياء، ~~فيكون الكتاب هو المنذر. وقرأ الباقون: بالتاء، على الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. فأما أم القرى، فهي مكة. قال الزجاج: # والمعنى: لتنذر أهل أم القرى. وفي تسميتها بأم القرى أربعة أقوال: ms0674 # أحدها: أنها سميت بذلك، لأن الأرض دحيت من تحتها، قاله ابن عباس. ~~PageV03P058 # والثاني: لأنها أقدمها، قاله ابن قتيبة. # والثالث: لأنها قبلة جميع الناس، يؤمونها. # والرابع: لأنها كانت أعظم القرى شأنا، ذكرهما الزجاج. # قوله تعالى: (ومن حولها) قال ابن عباس: يريد الأرض كلها. # قوله تعالى: (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. # والثاني: إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. والمعنى: من آمن بالآخرة ~~آمن به، ومن لم يؤمن به، فليس إيمانه بالآخرة حقيقة، ولا يعتد به، ألا ترى ~~إلى قوله: (وهم على صلاتهم يحافظون) فدل على أنه أراد المؤمنين الذين ~~يحافظون على الصلوات. # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن أولها، إلى قوله: (ولم يوح إليه شئ) نزل في مسيلمة الكذاب. # وقوله تعالى: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) نزل في عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح، كان قد تكلم بالإسلام، وكان يكتب لرسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] في بعض الأحايين، فإذا أملي عليه: " عزيز حكيم " كتب: " غفور رحيم " ~~فيقول رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: هذا وذاك سواء. فلما نزلت: (ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين) أملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله: (خلقا ~~آخر) عجب عبد الله بن سعد، فقال: (تبارك الله أحسن الخالقين) فقال رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم]: " كذا أنزلت علي، فاكتبها " فشك حينئذ، وقال: ~~لئن كان محمد صادقا، لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا، لقد قلت ~~كما قال، رواه أبو صالح عن ابن عباس قال عكرمة: ثم رجع ms0675 إلى الإسلام قبل فتح ~~مكة. PageV03P059 # والقول الثاني: أن جميع الآية في عبد الله بن سعد، قاله السدي. # والثالث: أنها نزلت في مسيلمة، والأسود العنسي، قاله قتادة. فإن قيل: كيف ~~أفرد قوله: # (أو قال أوحي إلي) من قوله: (ومن أظلم ممن افترى) وذاك مفتر أيضا؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أن الوصفين لرجل واحد، وصف بأمر بعد أمر ليدل على جرأته. # والثاني: أنه خص بقوله: (أو قال أوحي إلي) بعد أن عم بقوله: (افترى على ~~الله) لأنه ليس كل مفتر على الله يدعي أنه أوحي إليه، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: (سأنزل مثل ما أنزل الله) أي: سأقول. قال ابن عباس: يعنون ~~الشعر، وهم المستهزئون. وقيل: هو قول عبد الله بن سعد بن أبي سرح. قال ~~الزجاج: وهذا جواب لقولهم: # (لو نشاء لقلنا مثل هذا). # قوله تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون) فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم قوم كانوا مسلمين بمكة، فأخرجهم الكفار معهم إلى قتال بدر، ~~فلما أبصروا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا عن الإيمان، ~~فنزل فيهم هذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين قالوا: (ما أنزل الله على بشر من شئ) قاله أبو ~~سليمان. # والثالث: الموصوفون في هذه الآية، وهم المفترون والمدعون الوحي إليهم، ~~ومماثلة كلام الله. قال الزجاج: وجواب " لو " محذوف، والمعنى: لو تراهم في ~~غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما. ويقال لكل من كان في شئ كبير: قد غمر فلانا ~~ذلك. قال ابن عباس: غمرات الموت: # سكراته. قال ابن الأنباري: قال اللغويون: سميت غمرات، لأن أهوالها يغمرن ~~من يقعن به. # قوله تعالى: (والملائكة باسطوا أيديهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بالضرب، قاله ابن عباس. # والثاني: بالعذاب، قاله الحسن، والضحاك. # والثالث: باسطوها لقبض الأرواح من الأجساد، قاله الفراء وفي الوقت الذي ~~يكون هذا فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: عند الموت. قال ابن عباس: هذا عند الموت، الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم، وملك الموت يتوفاهم. PageV03P060 # والثاني: يوم القيامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: في النار، قاله الحسن. ms0676 # قوله تعالى: (أخرجوا أنفسكم) فيه إضمار " يقولون " وفي معناه قولان: # أحدهما: استسلموا لإخراج أنفسكم. # والثاني: أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم. # قوله تعالى: (تخرجون عذاب الهون) قال أبو عبيدة: الهون: مضموم، وهو ~~الهوان، وإذا فتحوا أوله، فهو الرفق والدعة. قال الزجاج: والمعنى: تجزون ~~العذاب الذي يقع به الهوان الشديد. # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون (94) قوله تعالى: (ولقد جئتمونا فرادى) سبب نزولها: أن ~~النضر قال: سوف تشفع لي اللات والعزى: فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. ومعنى ~~فرادى: وحدانا. وهذا إخبار من الله تعالى بما يوبخ به المشركين يوم ~~القيامة. قال أبو عبيدة: فرادى، أي: فرد فرد. وقال ابن قتيبة: فرادى: # جمع فرد. # وللمفسرين في معنى " فرادى " خمسة أقوال متقاربة المعنى: # أحدها: فرادى من الأهل والمال والولد، قاله ابن عباس. # والثاني: كل واحد على حدة، قاله الحسن. # والثالث: ليس معكم من الدنيا شئ، قاله مقاتل. # والرابع: كل واحد منفرد عن شريكه في الغي، وشقيقه، قاله الزجاج. # والخامس: فرادى من المعبودين، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: (كما خلقناكم أول مرة) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا مال ولا أهل ولا ولد. # والثاني: حفاة عراة غرلا. والغرل: القلف. # والثالث: أحياء. وخولناكم: بمعنى ملكناكم. (وراء ظهوركم) أي: في الدنيا. ~~والمعنى أن ما دأبتم في تحصيله في الدنيا فني، وبقي الندم على سوء ~~الاختيار. وفي شفعائهم، قولان: # أحدهما: أنها الأصنام. قال ابن عباس: شفعاؤكم، أي: آلهتكم الذين زعمتم ~~أنهم يشفعون PageV03P061 # لكم. و (زعمتم أنهم فيكم) أي: عندكم شركاء. وقال ابن قتيبة: زعمتم أنهم ~~لي في خلقكم شركاء. # والثاني: أنها الملائكة، كانوا يعتقدون شفاعتها، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (لقد تقطع بينكم) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: بالرفع. وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم: بنصب ~~النون على الظرف. قال الزجاج: الرفع أجود، ومعناه: لقد تقطع وصلكم، والنصب ~~جائز، ms0677 ومعناه: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم. وقال ابن الأنباري: ~~التقدير: لقد تقطع ما بينكم، فحذف " ما " لوضوح معناها. قال أبو علي: الذين ~~رفعوه، جعلوه اسما، فأسندوا الفعل الذي هو " تقطع " إليه، والمعنى: لقد ~~تقطع وصلكم. والذين نصبوا، أضمروا اسم الفاعل في الفعل، والمضمر هو الوصل، ~~فالتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم. وفي الذي كانوا يزعمون قولان: # أحدهما: شفاعة آلهتهم. # والثاني: عدم البعث والجزاء. # * إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنا تؤفكون (95) قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى) في معنى ~~الفلق قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الخلق، فالمعنى: خالق الحب والنوى، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل. # والثاني: أن الفلق بمعنى الشق. ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: أنه فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة، روى هذا المعنى ~~أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والسدي، وابن زيد. # والثاني: أنه الشقان اللذان في الحب والنوى، قاله مجاهد، وأبو مالك. قال ~~ابن السائب: # الحب: ما لم يكن له نوى، كالبر والشعير، والنوى: مثل نوى التمر. # قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) قد سبق تفسير في ~~(آل عمران). # قوله تعالى: (فأني تؤفكون) أي: كيف تصرفون عن الحق بعد هذا البيان. # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز ~~PageV03P062 # العليم (96) قوله تعالى: (فالق الإصباح) في معنى الفلق قولان قد سبقا. ~~فأما الإصباح، فقال الأخفش: # هو مصدر من أصبح. وقال الزجاج: الإصباح والصبح واحد. # وللمفسرين في الإصباح، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس: # والثاني: أنه إضاءة الفجر، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: فلق الإصباح من ~~الليل. # والثالث: أنه نور النهار، قاله الضحاك. وقرأ أنس بن مالك، والحسن، وأبو ~~مجلز، وأيوب، والجحدري: " فالق الأصباح " بفتح الهمزة. قال أبو عبيدة: ~~ومعناه جمع صبح. # قوله تعالى: (وجاعل الليل سكنا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ms0678 عمرو، وابن ~~عامر: " جاعل " بألف، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " وجعل " بغير ألف. " ~~الليل " نصبا. قال أبو علي: من قرأ: # " وجاعل " فلأجل " فالق " وهم يراعون المشاكلة. ومن قرأ: " جعل " فلأن " ~~فاعلا " هاهنا. بمعنى: # " فعل " بدليل قوله: (والشمس والقمر حسبانا) فأما السكن، فهو ما سكنت ~~إليه. والمعنى: أن الناس يسكنون فيه سكون راحة. وفي الحسبان قولان: # أحدهما: أنه الحساب، قاله الجمهور. قال ابن قتيبة: يقال: خذ من كل شئ ~~بحسبانه أي: بحسابه، وفي المراد بهذا الحساب، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهما يجريان إلى أجل جعل لهما، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: يجريان في منازلهما بحساب، ويرجعان إلى زيادة ونقصان، قاله ~~السدي. # والثالث: أن جريانهما سبب لمعرفة حساب الشهور، والأعوام، قاله مقاتل. # والقول الثاني: أن معنى الحسبان: الضياء، قاله قتادة. قال الماوردي، كأنه ~~أخذه من قوله تعالى: (ويرسل عليها حسبانا من السماء) أي: نارا. قال ابن ~~جرير: وليس هذا من ذاك في شئ. # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون (97) قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم) جعل، بمعنى ~~خلق. وإنما امتن عليهم بالنجوم، لأن سالكي القفار وراكبي البحار، إنما ~~يهتدون في الليل لمقاصدهم بها. PageV03P063 # وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم ~~يفقهون (98) قوله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) يعني آدم (فمستقر) ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، إلا رويسا: بكسر القاف. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: # بفتحها. قال الزجاج: من كسر، فالمعنى: " فمنكم مستقر " ومن نصب، فالمعنى: ~~" فلكم مستقر ". # فأما مستودع، فبالفتح، لا غير. ومعناه على فتح القاف: " ولكم مستودع " ~~وعلى كسرها و " منكم مستودع ". وللمفسرين في معني المستقر والمستودع تسعة ~~أقوال: # أحدها: فمستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والنخعي، وقتادة، والسدي، ~~وابن زيد. # والثاني: المستقر في الأرحام، والمستودع في القبر، قاله ابن مسعود. # والثالث: المستقر في الأرض، والمستودع في الأصلاب، ms0679 رواه ابن جبير عن ابن ~~عباس. # والرابع: المستقر والمستودع في الرحم، رواه قابوس عن أبيه عن ابن عباس. # والخامس: المستقر حيث يأوي، والمستودع حيث يموت، رواه مقسم عن ابن عباس. # والسادس: المستقر في الدنيا، والمستودع في القبر. # والسابع: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، وهو عكس الذي قبله، ~~رويا عن الحسن. # والثامن: المستقر في الدنيا، والمستودع عند الله تعالى، قاله مجاهد. # والتاسع: المستقر في الأصلاب، والمستودع في الأرحام، قاله ابن بحر، وهو ~~عكس الأول. # وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه أنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذالكم لآيات لقوم يؤمنون (99) قوله تعالى: (وهو الذي أنزل من السماء ماء) ~~يعني المطر (فأخرجنا به) أي: بالمطر. وفي قوله تعالى: (نبات كل شئ) قولان: # أحدهما: نبات كل شئ من الثمار، لأن كل ما ينبت، فنباته بالماء. # والثاني: رزق كل شئ وغذاؤه. وفي قوله تعالى: (فأخرجنا منه) قولان: # أحدهما: من الماء، أي: به. # والثاني: من النبات. قال الزجاج: الخضر بمعنى الأخضر، يقال: اخضر، فهو ~~أخضر، PageV03P064 # وخضر، مثل أعور، فهو أعور، وعور. # قوله تعالى: (نخرج منه) أي: من الخضر (حبا متراكبا) كالسنبل والشعير. ~~والمتراكب: الذي بعضه فوق بعض. # قوله تعالى: (ومن النخل من طلعها قنوان دانية) وروى الخفاف عن أبي عمرو: ~~" قنوان " بضم القاف، وروى هارون عنه بفتحها. قال الفراء: معناه: ومن النخل ~~ما قنوانه دانية، وأهل الحجاز يقولون: " قنوان " بكسر القاف، وقيس يضمونها، ~~وضبة، وتميم يقولون: " قنيان " أنشدني المفضل عنهم: # فأثت أعاليه وآدت أصوله * ومال بقنيان من البسر أحمرا ويجتمعون جميعا، ~~فيقولون: " قنو " و " قنو " ولا يقولون: " قني " ولا " قني " وكلب تقول: " ~~ومال بقينان ". قلت هذا البيت لامرئ القيس، رواه أبو سعيد السكري: " ومال ~~بقنوان " مكسورة القاف مع الواو، ففيه أربع لغات: قنوان، وقنوان، وقنيان، ~~وقنيان، و " أثت ": كثرت، ومنه، شعر أثيت. و " آدت ": اشتدت. وقال ms0680 ابن ~~قتيبة: القنوان: عذوق النخل، واحدها: قنو، جمع على لفظ تثنية، ومثله: صنو ~~وصنوان في التثنية، وصنوان في الجميع. وقال الزجاج: قنوان: جمع قنو، وإذا ~~ثنيته فهما قنوان، بكسر النون. ودانية، أي: قريبة المتناول، ولم يقل: " ~~ومنها قنوان بعيدة " لأن في الكلام دليلا أن البعيدة السحيقة، قد كانت غير ~~سحيقة، فاجتزئ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة، كقوله [تعالى]: (سرابيل تقيكم ~~الحر). وقال ابن عباس: القنوان الدانية: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. # قوله تعالى: (وجنات من أعناب) قال الزجاج: هو نسق على قوله: " خضرا " ~~(والزيتون والرمان) المعنى: وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان، وقد روى أبو ~~زيد عن المفضل: " وجنات " بالرفع. # قوله تعالى: (مشتبها وغير متشابه) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: مشتبها في المنظر وغير متشابه في الطعم، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: مشتبها ورقه، مختلفا ثمره، قاله قتادة، وهو في معنى الأول. # والثالث: منه ما يشبه بعضه بعضا، ومنه ما يخالف. قال الزجاج: وإنما قرن ~~الزيتون بالرمان، لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من ~~أوله إلى آخره. قال الشاعر. # بورك الميت الغريب كما بورك * نضح الرمان والزيتون ومعناه: أن البركة في ~~ورقه اشتماله على عوده كله. PageV03P065 # قوله تعالى: (انظروا إلى ثمره) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم: # (انظروا إلى ثمره)، و (كلوا من ثمره)، و (ليأكلوا من ثمره): بالفتح في ~~ذلك. وقرأ حمزة. # والكسائي، وخلف: بالضم فيهن. قال الزجاج: يقال: ثمرة، وثمر، وثمار، وثمر، ~~فمن قرأ: " إلى ثمر " بالضم أراد جمع الجمع. وقال أبو علي: يحتمل وجهين: # أحدهما: هذا، وهو أن يكون الثمر جمع ثمار، والثاني: أن تكون الثمر جمع ~~ثمرة، وكذلك: أكمة، وأكم، وخشبة وخشب. قال الفراء: # يقول: انظروا إليه أول ما يعقد، وانظروا إلى ينعه، وهو نضجه وبلوغه. وأهل ~~الحجاز يقولون: ينع، بفتح الياء، وبعض أهل نجد يضمونها. قال ابن قتيبة: ~~يقال: ينعت الثمر، وأينعت: إذا أدركت، وهو الينع والينع. وقرأ الحسن، ~~ومجاهد، وقتادة، والأعمش، وابن ميصن: " وينعه " بضم الياء. # قال الزجاج: ms0681 الينع: النضج. قال الشاعر: # في قباب حول دسكرة * حولها الزيتون قد ينعا وبين الله تعالى لهم بتصريف ~~ما خلق، ونقله من حال إلى حال لا يقدر عليه الخلق، أنه كذلك يبعثهم. # قوله تعالى: (إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) قال ابن عباس: يصدقون أن ~~الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى. وقال مقاتل يصدقون ~~بالتوحيد. # وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون (100) قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن) جعلوا، بمعنى ~~وصفوا. قال الزجاج: نصب " الجن " من وجهين: # أحدهما: أن يكون مفعولا، فيكون المعنى: وجعلوا لله الجن شركاء، ويكون ~~الجن مفعولا ثانيا، كقوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا). # والثاني: أن يكون الجن بدلا من شركاء، ومفسرا للشركاء. وقرأ أبو المتوكل، ~~وأبو عمران، وأبو حيوة، والجحدري: (شركاء الجن) " برفع النون، وقرأ ابن أبي ~~عبلة، ومعاذ القارئ: # " الجن " بخفض النون. وفي معنى جعلهم الجن شركاء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان، فجعلوهم شركاء لله، قاله ~~الحسن، والزجاج. PageV03P066 # والثاني: قالوا إن الملائكة بنات الله فهم شركاؤه، كقوله [تعالى]: وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا) فسمى الملائكة جنا لاجتنانهم، قاله قتادة والسدي، ~~وابن زيد. # والثالث: أن الزنادقة قالوا: الله خالق النور والماء والدواب والأنعام، ~~وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب، وفيهم نزلت هذه الآية. قاله ~~ابن السائب. # قوله تعالى: (وخلقهم) في الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الجاعلين له الشركاء، فيكون المعنى: وجعلوا للذي ~~خلقهم شركاء لا يخلقون. # والثاني: أنها ترجع إلى الجن، فيكون المعنى: والله خلق الجن، فكيف يكون ~~الشريك لله محدثا؟ ذكرهما الزجاج. # قوله تعالى: (وخرقوا له بنين وبنات) وقرأ نافع: " وخرقوا " بالتشديد، ~~للمبالغة والتكثير، لأن المشركين ادعوا الملائكة بنات الله، والنصارى ~~المسيح واليهود عزيرا. وقرأ ابن عباس، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: " وحرفوا " ~~بحاء غير معجمة وبتشديد الراء وبالفاء. وقرأ ابن السميفع، والجحدري: ~~(وخارقوا " بألف وخاء معجمة قال السدي: أما " البنون "، فقول اليهود، عزير ~~ابن الله، وقول النصارى: ms0682 المسيح ابن الله، وأما " البنات " فقول مشركي ~~العرب: الملائكة بنات الله. قال الفراء: خرقوا، واخترقوا، وخلقوا، ~~واختلقوا، بمعنى افتروا. وقال أبو عبيدة: خرقوا: جعلوا. قال الزجاج: ومعنى: ~~" بغير علم " أنهم لم يذكروه من علم، إنما ذكروه تكذبا بديع السماوات ~~والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم (101) ~~ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل (102) ~~قوله تعالى: (أنى يكون له ولد) قال الزجاج: أي: من أين يكون له ولد، والولد ~~لا يكون إلا من صاحبة؟! واحتج عليهم في نفي الولد بقوله [تعالى]: (وخلق كل ~~شئ) فليس مثل خالق الأشياء، فكيف يكون الولد لمن لا مثل له؟ فإذا نسب إليه ~~الولد، فقد جعل له مثل. # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) PageV03P067 # قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) في الإدراك قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الإحاطة. # والثاني: بمعنى الرؤية. وفي " الأبصار " قولان: # أحدهما: أنها العيون، قاله الجمهور. # والثاني: أنها العقول، رواه عبد الرحمن بن مهدي عن أبي حصين القارئ. ففي ~~معنى الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تحيط به الأبصار، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وعطاء. وقال الزجاج: معنى الآية: الإحاطة بحقيقته، وليس فيها دفع ~~للرؤية، لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرؤية، وهذا مذهب أهل ~~السنة والعلم والحديث. # والثاني: لا تدركه الأبصار إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس. # والثالث: لا تدركه الأبصار في الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، ومقاتل، ويدل على أن الآية مخصوصة بالدنيا، قوله تعالى: (وجوه ~~يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة) فقيد النظر إليه بالقيامة، وأطلق في هذه ~~الآية، والمطلق يحمل على المقيد. # وقوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) فيه القولان: قال الزجاج: وفي هذا ~~الإعلام دليل على أن خلقه لا يدركون الأبصار، أي: لا يعرفون حقيقة البصر، ~~وما الشئ الذي صار به الإنسان يبصر ms0683 من عينيه، دون أن يبصر من غيرهما من ~~أعضائه، فأعلم الله أن خلقا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه، ولا يحيطون ~~بعلمه، فكيف به عز وجل؟! فأما " اللطيف "، فقال أبو سليمان الخطابي: هو ~~البر بعباده، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا ~~يحتسبون. # قال ابن الاعرابي: اللطيف: الذي يوصل إليك أربك في رفق، ومنه قولهم: لطف ~~الله بك، ويقال: # هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية. وقد يكون اللطف بمعنى الدقة والغموض، ~~ويكون بمعنى الصغر في نعوت الأجسام، وذلك مما لا يليق بصفات الباري سبحانه. ~~وقال الأزهري: اللطيف من أسماء الله، معناه: الرفيق بعباده، والخبير: ~~العالم بكنه الشئ، المطلع على حقيقته. # قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم ~~بحفيظ (104) قوله تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم) البصائر: جمع بصيرة، وهي ~~الدلالة التي توجب البصر بالشئ والعلم به. قال الزجاج: والمعنى: قد جاءكم ~~القرآن الذي فيه البيان والبصائر (فمن PageV03P068 # أبصر فلنفسه) نفع ذلك (ومن عمي) فعلى نفسه ضرر ذلك، لأن الله عز وجل غني ~~عن خلقه (وما أنا عليكم بحفيظ) أي: لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ والوكيل، ~~وهذا قبل الأمر بالقتال. # فصل وذكر المفسرون أن هذه الآية نسخت بآية السيف. وقال بعضهم: معناها: ~~لست رقيبا عليكم، أحصي أعمالكم، فعلى هذا لا وجه للنسخ. # وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) قوله تعالى: ~~(وكذلك نصرف الآيات) قال الأخفش: (وكذلك) معناها: وهكذا. وقال الزجاج: ~~المعنى: ومثل ما بينا فيما تلي عليك، نبين الآيات قال ابن عباس: نصرف ~~الآيات، أي نبينها في كل وجه، ندعوهم بها مرة، ونخوفهم بها أخرى. ~~(وليقولوا) يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن " دارست " قال. ابن ~~الأنباري: معنى الآية: وكذلك نصرف الآيات، لنلزمهم الحجة، وليقولوا: دارست، ~~وإنما صرف الآيات ليسعد قوم بفهمها والعمل بها، ويشقى آخرون بالإعراض عنها، ~~فمن عمل بها سعد، ومن قال: دارست، شقي. قال الزجاج: وهذه اللام في " ~~ليقولوا " يسميها أهل اللغة ms0684 لام الصيرورة. والمعنى: ان السبب الذي أداهم ~~إلى أن يقولوا: دارست!، هو تلاوة الآيات، وهذا كقوله تعالى: [فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وهم لم يطلبوا بأخذه أن يعاديهم، ولكن كان ~~عاقبة الأمر أن صار لهم عدوا وحزنا. ومثله أن تقول كتبت فلان الكتاب لحتفه، ~~فهو لم يقصد أن يهلك نفسه بالكتاب. ولكن العاقبة كانت الهلاك. فأما " دارست ~~" فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " دارست " بالألف وسكون السين وفتح التاء، ~~ومعناها: ذاكرت أهل الكتاب. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " درست " بسكون ~~السين وفتح التاء، من غير ألف، على معنى: قرأت كتب أهل الكتاب. قال ~~المفسرون: معناها: تعلمت من جبر، ويسار. وسنبين هذا في قوله: (إنما يعلمه ~~بشر) إن شاء الله. وقرأ ابن عامر، ويعقوب: " درست " بفتح الراء والسين ~~وسكون التاء من غير ألف. والمعنى: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة قد ~~درست. أي: قد مضت وامحت. # وجميع من ذكرنا فتح الدال في قراءته. وقد روي عن نافع أنه قال: " درست " ~~برفع الدال وكسر الراء وتخفيف التاء، وهي قراءة ابن يعمر، ومعناها، قرئت. ~~وقرأ أبي بن كعب: " درست " بفتح الدال والسين وضم الراء وتسكين التاء. قال ~~الزجاج: وهي بمعنى: " درست " أي: امحت، إلا أن المضمومة الراء أشد مبالغة. ~~وقرأ معاذ القارئ، وأبو العالية، ومورق: " درست " برفع الدال، وكسر الراء ~~وتشديدها ساكنة السين. وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف: " درس " بفتح الراء ~~والسين بلا ألف ولا تاء. وروى عصمة عن الأعمش: " دارس " بألف. PageV03P069 # قوله تعالى: (ولنبينه) يعني: التصريف (لقوم يعلمون) ما تبين لهم من الحق ~~فيقبلوه. # أتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء ~~الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) قوله ~~تعالى: (وأعرض عن المشركين) قال المفسرون: نسخ بآية السيف. # قوله تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا) فيه ثلاثة أقوال حكاها الزجاج: # أحدها: لو شاء لجعلهم مؤمنين. # والثاني: لو شاء لأنزل آية تضطرهم إلى الإيمان. # والثالث: لو شاء لاستأصلهم، فقطع سبب ms0685 شركهم. قال ابن عباس: وباقي الآية ~~نسخ بآية السيف. # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) قوله ~~تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنه لما قال للمشركين: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) ~~قالوا: # لتنتهين يا محمد عن سب آلهتنا وعيبها، أو لنهجون إلاهك الذي تعبده، فنزلت ~~هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن المسلمين كانوا يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، ~~فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم قوما جهلة لا علم لهم بالله، قاله ~~قتادة. ومعنى " يدعون ": يعبدون، وهي الأصنام. (فيسبوا الله) أي: فيسبوا من ~~أمركم بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسبب الله ~~تعالى، لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم، وإن أشركوا به. # وقوله تعالى: (عدوا بغير علم) أي: ظلما بالجهل. وقرأ يعقوب: " عدوا "، ~~بضم العين والدال وتشديد الواو. والعرب تقول في الظلم: عدا فلان عدوا وعدوا ~~وعدوانا. وعدا، أي: ظلم. # قوله تعالى: (كذلك قبل زينا لكل أمة عملهم) أي: كما زينا لهؤلاء المشركين ~~عبادة الأصنام، وطاعة الشيطان، كذلك زينا لكل جماعة اجتمعت على حق أو باطل ~~عملهم من خير أو شر. قال PageV03P070 # المفسرون: وهذه الآية نسخت بتنبيه الخطاب في آية السيف. # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) قوله تعالى: (وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنه لما نزل في (الشعراء): (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) ~~قال المشركون: أنزلها علينا حتى والله نؤمن بها، فقال المسلمون: يا رسول ~~الله، أنزلها عليهم لكي يؤمنوا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن قريشا قالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها ~~الحجر، فينفجر منها اثنتا عشرة عينا، وأن عيسى كان ms0686 يحيي الموتى، وأن ثمود ~~كانت لهم ناقة، فائتنا بمثل هذه الآيات حتى نصدقك: فقال: " أي شئ تحبون؟ " ~~قالوا: أن تجعل لنا الصفا ذهبا. قال: " فإن فعلت تصدقوني؟ " فقالوا: نعم، ~~والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، ~~فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولكني لم أرسل آية فلم يصدق ~~بها، إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " اتركهم حتى يتوب تائبهم "، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ~~(يجهلون)، هذا قول محمد بن كعب القرظي. وقد ذكرنا معنى (جهد أيمانهم) في ~~(المائدة)، وإنما حلفوا على ما اقترحوا من الآيات، كقولهم: (لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا). # قوله تعالى: (قل إنما الآيات عند الله) أي: هو القادر على الإتيان بها ~~دوني ودون أحد من خلقه. (وما يشعركم أنها) أي: يدريكم أنها. قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وخلف في اختياره: بكسر الألف، فعلى هذه ~~القراءة يكون الخطاب بقوله " يشعركم " للمشركين، ويكون تمام الكلام عند ~~قوله تعالى: (وما يشعركم) ويكون المعنى: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت؟ ~~وتكون " إنها " مكسورة على الاستئناف والإخبار عن حالهم. وقال أبو علي: ~~التقدير: وما يشعركم إيمانهم؟ فحذف المفعول. والمعنى: لو جاءت الآية التي ~~اقترحوها، لم يؤمنوا. فعلى هذا يكون الخطاب للمؤمنين. قال سيبويه: سألت ~~الخليل عن قوله: (وما يشعركم إنها)، فقلت: # ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا ~~الموضع، إنما PageV03P071 # قال: (وما يشعركم) ثم ابتدأ فأوجب، فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) ولو ~~قال: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)، كان ذلك عذرا لهم. وقرأ نافع، ~~وحفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي: " أنها " بفتح الألف، فعلى هذا، المخاطب ~~بقوله: (وما يشعركم) رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه، ثم في معنى ~~الكلام قولان: # أحدهما: وما يدريكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وفي قراءة أبي: لعلها إذا ~~جاءت ms0687 لا يؤمنون. # والعرب تجعل " أن " بمعنى " لعل ". يقولون: ائت السوق أنك تشتري لنا ~~شيئا، أي: لعلك. # قال عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي * إلى ساعة في اليوم أو في ضحى غد أي: لعل ~~منيتي. وإلى هذا المعنى ذهب الخليل، والفراء في توجيه هذه القراءة. # والثاني: أن المعنى: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون، وتكون " لا " صلة، ~~كقوله [تعالى]: # (ما منعك أن لا تسجد) وقوله [تعالى]: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا ~~يرجعون) ذكره الفراء ورده الزجاج واختار الأول. والأكثرون على قراءة: " ~~يؤمنون " بالياء، منهم ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم، وقرأ ابن عامر، وحمزة: بالتاء، على الخطاب للمشركين. قال أبو علي: من ~~قرأ بالياء، فلأن الذين أقسموا أغيب، ومن قرأ بالتاء، فهو انصراف من الغيبة ~~إلى الخطاب. # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون (110) قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) التقليب: تحويل الشئ عن ~~وجهه. وفي معنى الكلام، أربعة أقوال: # أحدها: لو أتيناهم بآية كما سألوا، لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان ~~بها، وحلنا بينهم وبين الهدى، فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها، ~~عقوبة لهم على ذلك. وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. # والثاني: أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا، فالمعنى: لو ~~ردوا لحلنا بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا، ~~روى هذا المعنى ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: ونقلب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان بالآيات كما لم يؤمن ~~أوائلهم من الأمم PageV03P072 # الخالية بما رأوا من الآيات، قاله مقاتل. # والرابع: أن ذلك التقليب في النار، عقوبة لهم، ذكره الماوردي: وفي هاء " ~~به " أربعة أقوال. # أحدها: أنها كناية عن القرآن. # والثاني: عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثالث: عما ظهر من الآيات. # والرابع: عن التقليب. وفي المراد ب " أول مرة " ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المرة الأولى: دار الدنيا. # والثاني: أنها معجزات الأنبياء قبل محمد عليه السلام. # والثالث: أنها ms0688 صرف قلوبهم عن الإيمان قبل نزول الآيات أن لو نزلت، ~~والطغيان والعمه مذكوران في (البقرة). # * ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) قوله تعالى: ~~(ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) سبب نزولها: أن المستهزئين أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة، فقالوا له: ابعث لنا بعض موتانا حتى ~~نسألهم: أحق ما تقول، أم باطل؟ أو أرنا الملائكة يشهدون لك أنك رسول الله، ~~أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس ومعنى الآية: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة كما سألوا، وكلمهم ~~الموتى، فشهدوا لك بالنبوة (وحشرنا) أي: جمعنا: (عليهم كل شئ) في الدنيا ~~(قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)، فأخبر أن وقوع الإيمان بمشيئته، ~~لا كما ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا، ومتى شاؤوا لم يؤمنوا. فأما قوله ~~[تعالى]: " قبلا " فقرأ ابن عامر، ونافع: بكسر القاف وفتح الباء. قال ابن ~~قتيبة: # معناها: معاينة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة والكسائي: " ~~قبلا " بضم القاف والباء. # وفي معناها، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه جمع قبيل، وهو الصنف، فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شئ قبيلا ~~قبيلا، قاله مجاهد، واختاره أبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثاني: أنه جمع قبيل أيضا، إلا أنه: الكفيل، فالمعنى: وحشرنا عليهم كل ~~شئ، فكفل بصحة ما تقول، اختاره الفراء وعليه اعتراض، وهو أن يقال: إذا لم ~~يؤمنوا بإنزال الملائكة، وتكليم PageV03P073 # الموتى، فلأن لا يؤمنوا بالكفالة التي هي قول، أولى. فالجواب: أنه لو ~~كفلت الأشياء المحشورة، فنطق ما لم ينطق، كان ذلك آية بينة. # والثالث: أنه بمعنى المقابل، فيكون المعنى: وحشرنا عليهم كل شئ، فقابلهم، ~~قاله ابن زيد. قال أبو زيد: يقال: لقيت فلانا قبلا وقبلا وقبلا وقبيلا ~~[وقبليا] ومقابلة، وكله واحد، وهو المواجهة. قال أبو علي: فالمعنى في ~~القرآن - على ما قاله أبو زيد - واحد، وإن اختلفت الألفاظ. # قوله تعالى: (ولكن أكثرهم يجهلون) فيه قولان: # أحدهما: ms0689 يجهلون أن الأشياء لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى. # والثاني: أنهم يجهلون أنهم لو أوتوا بكل آية ما آمنوا. # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) قوله تعالى: ~~(وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا) أي: وكما جعلنا لك ولأمتك شياطين الإنس والجن ~~أعداء، كذلك جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء وأممهم، والمعنى: كما ابتليناك ~~بالأعداء، ابتلينا من قبلك، ليعظم الثواب عند الصبر على الأذى. قال الزجاج: ~~" وعدو ": في معنى أعداء، و " شياطين الإنس والجن ": منصوب على البدل من " ~~عدو "، ومفسر له، ويجوز أن يكون: " عدوا " منصوب على أنه مفعول ثان، ~~المعنى: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء لأممهم. وفي شياطين الإنس ~~والجن ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم مردة الإنس والجن، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: أن شياطين الإنس: الذين مع الإنس، وشياطين الجن: الذين مع الجن، ~~قاله عكرمة، والسدي. # والثالث: أن شياطين الإنس والجن: كفارهم، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (يوحى) أصل الوحي: الإعلام والدلالة بستر وإخفاء. وفي المراد ~~به هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: يأمر. # والثاني: يوسوس. # والثالث: يشير. # وأما (زخرف القول)، فهو ما زين منه، وحسن، وموه، وأصل الزخرف: الذهب. قال ~~أبو عبيدة: كل شئ حسنته وزينته وهو باطل، فهو زخرف. وقال الزجاج: " الزخرف ~~" في اللغة: PageV03P074 # الزينة، فالمعنى: أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة، و " غرورا " منصوب ~~على المصدر، وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى إيحاء الزخرف من ~~القول: معنى الغرور، فكأنه قال: # يغرون غرورا. وقال ابن عباس: (زخرف القول غرورا): الأماني بالباطل. قال ~~مقاتل: وكل إبليس بالإنس شياطين يضلونهم، فإذا التقى شيطان الإنس بشيطان ~~الجن، قال أحدهما لصاحبه: # إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحي بعضهم ~~إلى بعض. # وقال غيره: إن المؤمن إذا أعيا شيطانه، ذهب إلى متمرد من الإنس، وهو ~~شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه. وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن ~~من الإنس شياطين. وقال مالك بن ms0690 دينار: # إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، لأني إذ تعوذت من ذاك ذهب عني، ~~وهذا يجرني إلى المعاصي عيانا. # قوله تعالى: (ولو شاء ربك ما فعلوه) في هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الوسوسة. # والثاني: ترجع إلى الكفر. # والثالث: إلى الغرور، وأذى النبيين. # قوله تعالى: (فذرهم وما يفترون) قال مقاتل: يريد كفار مكة وما يفترون من ~~الكذب. وقال غيره: فذر المشركين وما يخاصمونك به مما يوحي إليهم أولياؤهم، ~~وما يختلقون من كذب، وهذا القدر من هذه الآية منسوخ بآية السيف. # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون (113) قوله تعالى: (ولتصغى إليه) أي: ولتميل، والهاء: كناية عن ~~الزخرف والغرور. والأفئدة: # جمع فؤاد، مثل غراب وأغربة. قال ابن الأنباري: فعلنا بهم ذلك لكي تصغي ~~إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، (وليرضوا) الباطل، (وليفترقوا) ~~أي: ليكتسبوا، وليعلموا ما هم عاملون. # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) قوله ~~تعالى: (أفغير الله أبتغي حكما) سبب نزولها: أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما، إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت ~~من أحبار النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت هذه الآية، ~~ذكره الماوردي، فأما الحكم، فهو بمعنى الحاكم، والمعنى: أفغير الله أطلب ~~قاضيا بيني وبينكم؟! و (الكتاب): القرآن، و " المفصل ": المبين الذي ~~PageV03P075 # بان فيه الحق من الباطل، والأمر من النهي، والحلال من الحرام. # (والذين آتيناهم الكتاب) فيهم قولان: # أحدهما: علماء أهل الكتابين، قاله الجمهور. # والثاني: رؤساء أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كأبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي، وأشباههم، قاله عطاء. # قوله تعالى: (يعلمون أنه منزل) قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: " منزل " ~~بالتشديد، وخففها الباقون. # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) قوله ~~تعالى: (وتمت كلمة ربك) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع: ms0691 " ~~كلمات " على الجمع، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، " كلمة " على ~~التوحيد، وقد ذكرت العرب الكلمة، وأرادت الكثرة، يقولون: قال قس في كلمته، ~~أي: في خطبته، وزهير في كلمته، أي: في قصيدته. وفي المراد بهذه الكلمات ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها القرآن، قاله قتادة. # والثاني: أقضيته وعداته. # والثالث: وعده ووعيده وثوابه وعقابه. وفي قوله [تعالى]: (صدقا وعدلا) ~~قولان: # أحدهما: صدقا فيما أخبر، وعدلا فيما قضى وقدر. # والثاني: صدقا فيما وعد وأوعد، وعدلا فيما أمر ونهى. وفي قوله: (لا مبدل ~~لكلماته) قولان: # أحدهما: لا يقدر المفترون على الزيادة فيها والنقصان منها. # والثاني: لا خلف لمواعيده، ولا مغير لحكمه. # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون (116) قوله تعالى: (وإن تطع أكثر من في الأرض) سبب نزولها: أن ~~الكفار قالوا للمسلمين: # أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فنزلت هذه الآية، ذكره الفراء ~~والمراد به (أكثر من PageV03P076 # في الأرض): الكفار، وفي ماذا يطيعهم فيه أربعة أقوال: # أحدها: في أكل الميتة. # والثاني: في أكل ما ذبحوا للأصنام. # والثالث: في عبادة الأوثان. # والرابع: في اتباع ملل الآباء، و (سبيل الله): دينه. قال ابن قتيبة: ~~ومعنى (يخرصون): # يحدسون ويوقعون، ومنه قيل للحازر: خارص. فإن قيل: كيف يجوز تعذيب من هو ~~على ظن من شركه، وليس على يقين من كفره؟! فالجواب: انهم لما تركوا التماس ~~الحجة، واتبعوا أهواءهم، واقتصروا على الظن والجهل، عذبوا، ذكره الزجاج. # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) قوله تعالى: ~~(إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله) قال الزجاج، موضع " من " رفع بالابتداء، ~~ولفظها لفظ الاستفهام، والمعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله. ~~وقرأ الحسن: # " من يضل " بضم الياء وكسر الضاد، وهي رواية ابن أبي شريح. قال أبو ~~سليمان: ومقصود الآية: # لا تلتفت إلى قسم من أقسم أنه يؤمن عند مجئ الآيات، فلن يؤمن إلا من سبق ~~له القدر بالإيمان. # فكلوا مما ذكر اسم الله ms0692 عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) قوله تعالى: ~~(فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) سبب نزولها: أن الله تعالى لما حرم الميتة، ~~قال المشركون للمؤمنين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله لكم ~~أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم، يريدون الميتة، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ~~ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين (119) قوله تعالى: (وما لكم ألا تأكلوا) قال الزجاج: المعنى: وأي ~~شئ يقع لكم في أن لا تأكلوا؟ وموضع " أن " نصب، لأن " في " سقطت، فوصل ~~المعنى إلى " أن " فنصبها. # قوله تعالى: (وقد فصل لكم) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: " فصل ~~لكم ما حرم PageV03P077 # عليكم " مرفوعتان، وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، ويعقوب، والقزاز عن عبد ~~الوارث: " فصل " بفتح الفاء، " ما حرم " بفتح الحاء، وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: " فصل " بفتح الفاء، " ما حرم " بضم الحاء. قال الزجاج: ~~أي: فصل لكم الحلال من الحرام، وأحل لكم في الاضطرار ما حرم. وقال سعيد بن ~~جبير: فصل لكم ما حرم عليكم، يعني: ما بين في (المائدة) من الميتة، والدم، ~~إلى آخر الآية. (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم) يعني: مشركي العرب يضلون في ~~أمر الذبائح وغيره، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " ليضلون "، وفي (يونس): ~~(ربنا ليضلوا) وفي (إبراهيم): (أندادا ليضلوا) وفي (الحج): (ثاني عطفه ~~ليضل) وفي (لقمان): (ليضل عن سبيل الله بغير علم) وفي (الزمر): (أندادا ~~ليضل) بفتح الياء في هذه المواضع الستة، وضمهن عاصم وحمزة، والكسائي، وقرأ ~~نافع، وابن عامر: " ليضلون بأهوائهم). وفي (يونس) (ليضلوا) بالفتح، وضما ~~الأربعة الباقية. فمن فتح، أراد: أنهم هم الذين ضلوا، ومن ضم، أراد: أنهم ~~أضلوا. غيرهم، وذلك أبلغ في الضلال، لأن كل مضل ضال؟ وليس كل ضال مضلا. # وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ~~(120) قوله تعالى: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ms0693 في الإثم هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الزنا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، فعلى هذا، في ظاهره وباطنه ~~قولان: # أحدهما: أن ظاهره: الإعلام به، وباطنه: الاستسرار به، قاله الضحاك، ~~والسدي. قال الضحاك: # وكانوا يرون الاستسرار بالزنا حلالا. # والثاني: أن ظاهره نكاح المحرمات، كالأمهات، والبنات، وما نكح الآباء. ~~وباطنه: الزنا، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: أنه عام في كل إثم. والمعنى: ذروا المعاصي، سرها وعلانيتها، ~~وهذا مذهب أبي العالية، ومجاهد، وقتادة، والزجاج. وقال ابن الأنباري: ~~المعنى: ذروا الإثم من جميع جهاته. # والثالث: أن الإثم: المعصية، إلا أن المراد به هاهنا أمر خاص. قال ابن ~~زيد: ظاهره هاهنا: نزع أثوابهم، إذ كانوا يطوفون بالبيت عراة، وباطنه: ~~الزنا. # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون (121) قوله تعالى: (ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) سبب نزولها: مجادلة المشركين ~~PageV03P078 # للمؤمنين في قولهم: أتأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله! على ما ~~ذكرنا في سبب قوله تعالى: # (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) هذا قول ابن عباس. وقال عكرمة: كتبت فارس ~~إلى قريش: إن محمدا وأصحابه لا يأكلون ما ذبحه الله، ويأكلون ما ذبحوا ~~لأنفسهم، فكتب المشركون إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فوقع في ~~أنفس ناس من المسلمين من ذلك شئ، فنزلت هذه الآية وفي المراد بما لم يذكر ~~اسم الله عليه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الميتة، رواه ابن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنه الميتة والمنخنقة، إلى قوله [تعالى]: (وما ذبح على النصب) ~~روي عن ابن عباس. # والثالث: أنها ذبائح كانت العرب تذبحها لأوثانها، قاله عطاء. # والرابع: أنه عام فيما لم يسم الله عند ذبحه، وإلى هذا المعنى ذهب عبد ~~الله بن يزيد الخطمي، ومحمد بن سيرين. # فصل فإن تعمد ترك التسمية، فهل يباح؟ فيه عن أحمد روايتان. وإن تركها ~~ناسيا أبيحت. وقال الشافعي: لا يحرم في الحالين جميعا. وقال شيخنا علي بن ~~عبيد الله: ms0694 فإذا قلنا. إن ترك التسمية عمدا يمنع الإباحة، فقد نسخ من هذه ~~الآية ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) ~~وعلى قول الشافعي: الآية محكمة. # قوله تعالى: (وإنه لفسق) يعني: وإن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله لفسق، ~~أي: خروج عن الحق والدين. وفي المراد بالشياطين هاهنا قولان: # أحدهما: قوم من أهل فارس، وقد ذكرناه عن عكرمة، فعلى الأول: وحيهم ~~الوسوسة، وعلى الثاني: وحيهم الرسالة. والمراد ب‍ " أوليائهم " الكفار ~~الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك أكل الميتة. ثم فيهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم مشركو قريش. # والثاني: اليهود، (وإن أطعمتموهم) في استحلال الميتة (إنكم لمشركون). # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات PageV03P079 # ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) قوله تعالى: (أو ~~من كان ميتا فأحييناه) اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وأبي جهل، وذلك أن أبا جهل رمى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، وحمزة لم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل ~~أبو جهل، فأقبل حتى علا أبا جهل بالقوس، فقال له: أما ترى ما جاء به؟ سفه ~~عقولنا، وسب آلهتنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم؟ # تعبدون الحجارة من دون الله؟! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال عكرمة. # والثالث: في عمر بن الخطاب، وأبي جهل، قاله زيد بن أسلم، والضحاك. # والرابع: في النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي جهل، قاله مقاتل. # والخامس: أنها عامة في كل مؤمن وكافر، قاله الحسن في آخرين. وفي قوله ~~[تعالى]: (وكان ميتا فأحييناه) قولان: # أحدهما: كان ضالا فهديناه، قاله مجاهد. # والثاني: كان جاهلا، فعلمناه، قاله الماوردي: وقرأ نافع: " ميتا " ~~بالتشديد قال أبو عبيدة: # الميتة، مخففة: من ميتة، والمعنى واحد. ms0695 وفي " النور " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الهدى، قاله ابن عباس. # والثاني: القرآن، قاله الحسن. # والثالث: العلم. وفي قوله [تعالى]: (يمشي به في الناس) ثلاثة أقوال: # أحدها: يهتدي به في الناس، قاله مقاتل. # والثاني: يمشي به بين الناس إلى الجنة. # والثالث: ينشر به دينه في الناس، فيصير كالماشي! ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: (كمن مثله) المثل: صلة، والمعنى: كمن هو في الظلمات. وقيل: ~~المعنى: # كمن لو شبه بشئ، كان شبيهه من في الظلمات. وقيل: المراد بالظلمات هاهنا: ~~الكفر. # قوله تعالى: (كذلك زين) أي: كما بقي هذا في ظلماته لا يتخلص منها، كذلك ~~زين PageV03P080 # (للكافرين ما كانوا يعملون) من الشرك والمعاصي. # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون (123) قوله تعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية) أي: وكما ~~زينا للكافرين عملهم، فكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، وقيل معناه: ~~وكما جعلنا فساق مكة أكابرها، فكذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها. وإنما جعل ~~الأكابر فساق كل قرية، لأنهم أقرب إلى الكفر بما أعطوا من الرياسة والسعة. ~~وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، " ~~وأكابر " لا ينصرف، وهم العظماء. # قوله تعالى: (ليمكروا فيها) قال أبو عبيدة: المكر: والخديعة، والحيلة، ~~والفجور، والغدر، والخلاف. قال ابن عباس: ليقولوا فيها الكذب. قال مجاهد: ~~أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة، ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، يقولون للناس: هذا شاعر، وكاهن. # قوله تعالى: (وما يمكرون إلا بأنفسهم) أي: ذلك المكر بهم يحيق. # وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون (124) قوله تعالى: وإذا جاءتهم آية) سبب نزولها: أن أبا جهل قال: ~~زاحمتنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي ~~يوحى إليه. والله لا نؤمن به ولا نتبعه أو أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت ms0696 ~~هذه الآية، قاله مقاتل. قال الزجاج: الهاء والميم تعود على الأكابر الذين ~~جرى ذكرهم. وقال أبو سليمان: تعود على المجادلين في تحريم الميتة، قال ~~مقاتل: والآية: # انشقاق القمر، والدخان، قال ابن عباس في قوله [تعالى]: (مثل ما أوتي رسل ~~الله) قال: حتى يوحى إلينا، ويأتينا جبريل، فيخبرنا أن محمدا صادق. قال ~~الضحاك: سأل كل واحد منهم أن يختص بالرسالة والوحي. # قوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: ~~" رسالته " بنصب التاء على التوحيد، والمعنى: أنهم ليسوا لها بأهل، وذلك أن ~~الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني ~~أكبر منك سنا، وأكثر منك مالا، فنزل قوله تعالى: # (الله أعلم حيث يجعل رسالاته). وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل ~~أن لا يكونوا قبل PageV03P081 # مبعثهم مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم، فيقال: إنما كانوا ~~رؤساء فاتبعوا، فكان الله اعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب، دون أبي ~~جهل والوليد، وأكابر مكة. # قوله تعالى: (سيصيب الذين أجرموا صغار) قال أبو عبيدة: الصغار: أشد الذل. ~~وقال الزجاج: المعنى: هم، وإن كانوا أكابر في الدنيا، فسيصبهم صغار عند ~~الله، أي: صغار ثابت لهم عند الله. وجائز أن يكون المعنى: سيصيبهم عند الله ~~صغار، وقال الفراء: معناه: صغار من عند الله، فحذفت " من ". وقال أبو روق: ~~صغار في الدنيا: وعذاب شديد في الآخرة. # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) ~~قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه) قال مقاتل: نزلت في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأبي جهل. # قوله تعالى: (يشرح صدره) قال ابن الأعرابي: الشرح: الفتح. قال ابن قتيبة: ~~ومنه يقال: # شرحت لك الأمر، وشرحت اللحم: إذا فتحته. وقال: ابن عباس: " يشرح صدره " ~~أي: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان. وقد روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قرأ: ms0697 " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، فقيل له: يا رسول ~~الله، وما هذا الشرح؟ قال: " نور يقذفه الله في القلب، فينفتح القلب ". ~~قالوا: فهل لذلك من أمارة؟ قال: " نعم ". قيل: وما هي؟ قال: " الإنابة إلى ~~دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله ". # قوله تعالى: (ضيقا) قرأ الأكثرون بالتشديد. وقرأ ابن كثير: " ضيقا "، وفي ~~(الفرقان): # (مكانا ضيقا) بتسكين الياء خفيفة. قال أبو علي: الضيق، والضيق: مثل ~~الميت، والميت. # قوله تعالى: (حرجا) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: (حرجا) بفتح الراء. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: بكسر الراء، ~~قال الفراء: وهما لغتان. وكذلك قال يونس بن حبيب النحوي: هما لغتان، إلا أن ~~الفتح أكثر من ألسنة العرب من الكسر، ومجراهما مجرى الدنف والدنف. وقال ~~الزجاج: الحرج في اللغة: أضيق الضيق. # قوله تعالى: (كأنما يصاعد) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: # " يصعد " بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير ألف. وقرأ أبو بكر عن ~~عاصم: " يصاعد " بتشديد الصاد وبعدها ألف. وقرأ ابن كثير: " يصعد " بتخفيف ~~الصاد والعين من غير ألف والصاد ساكنة، وقرأ PageV03P082 # ابن مسعود، وطلحة: " تصعد " بتاء من غير ألف. وقرأ أبي بن كعب: " يتصاعد ~~" بألف وتاء. قال الزجاج: قوله [تعالى]: (كأنما يصاعد في السماء). و " يصعد ~~"، أصله: " يتصاعد "، و " يتصعد "، إلا أن التاء تدغم في الصاد لقربها ~~منها، والمعنى كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق ~~صدره عنه. ويجوز أن يكون المعنى: كأن قلبه يصعد في السماء نبوا عن الإسلام ~~والحكمة. وقال الفراء: ضاق عليه المذهب، فلم يجد إلا أن يصعد في السماء، ~~وليس يقدر على ذلك. وقال أبو علي: " يصعد " و " يصاعد ": من المشقة، وصعوبة ~~الشئ، ومنه قول عمر: ما تصعدني شئ كما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي ~~شئ مشقتها. # قوله تعالى: (كذلك) أي: مثل ما قصصنا عليك. (يجعل الله الرجس) وفيه خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه الشيطان، رواه ابن أبي طلحة ms0698 عن ابن عباس. يعني: أن الله يسلطه ~~عليهم. # والثاني: أنه المأتم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه مالا خير فيه، قاله مجاهد. # والرابع: العذاب، قاله عطاء، وابن زيد، وأبو عبيدة. # والخامس: أنه اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، قاله الزجاج. وهذه ~~الآية تقطع كلام القدرية، إذ قد صرحت بأن الهداية والإضلال متعلقة بإرادة ~~الله تعالى. # وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) قوله تعالى: ~~(وهذا صراط ربك) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه القرآن، قاله ابن مسعود. # والثاني: التوحيد، قاله ابن عباس. # والثالث: ما هو عليه من الدين، قاله عطاء. ومعنى استقامته: أنه يؤدي ~~بسالكه إلى الفوز: # قال مكي بن أبي طالب: و " مستقيما ": نصب على الحال من " صراط "، وهذه ~~الحال يقال لها: # الحال المؤكدة، لأن صراط الله، لا يكون إلا مستقيما، ولم يؤت بها لتفرق ~~بين حالتين، إذ لا يتغير صراط الله عن الاستقامة أبدا، وليست هذه الحال ~~كحال من قولك: " هذا زيد راكبا "، لأن زيدا قد يخلو من الركوب. # ) لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) قوله تعالى: ~~(لهم دار السلام) يعني الجنة. وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال: # أحدها: أن السلام، هو الله، وهي داره، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة ~~والسدي. PageV03P083 # والثاني: أنها دار السلامة التي لا تنقطع، قاله الزجاج. # والثالث: أن تحية أهلها فيها السلام، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والرابع: أن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، ففي ابتداء دخولهم: (ادخلوها ~~بسلام)، وبعد استقرارهم (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم). ~~وقوله [تعالى]: (تحيتهم يوم قيلا سلاما سلاما) وعند لقاء الله (سلام قولا ~~من رب رحيم)، وقوله [تعالى]: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) ومعنى: (عند ربهم) ~~أي: مضمونة لهم عنده، (وهو وليهم) أي: متولي إيصال المنافع إليهم، ودفع ~~المضار عنهم (بما كانوا يعملون) من الطاعات. # ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها ms0699 إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) قوله تعالى: (ويوم ~~نحشرهم جميعا) يعني الجن والإنس. وقرأ حفص عن عاصم: # " يحشرهم " بالياء. قال أبو سليمان: يعني: المشركين وشياطينهم الذين ~~كانوا يوحون إليهم بالمجادلة لكم فيما حرمه الله من الميتة. # قوله تعالى: (يا معشر الجن) فيه إضمار، فيقال لهم: يا معشر، والمعشر: ~~الجماعة، أمرهم واحد، والجمع: المعاشر. # وقوله: (قد استكثرتم من الإنس) أي: من إغوائهم وإضلالهم. (وقال أولياؤهم ~~من الإنس) يعني الذين أضلهم الجن. (ربنا استمتع بعضنا ببعض) فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن استمتاع الإنس بالجن: أنهم كانوا إذا سافروا، فنزلوا واديا، ~~وأرادوا مبيتا، قال أحدهم: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر أهله، واستمتاع ~~الجن بالإنس: أنهم كانوا يفخرون على قومهم، ويقولون: قد سدنا الإنس حتى ~~صاروا يعوذون بنا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل، والفراء. # والثاني: أن استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يغرونهم به من الضلالة ~~والكفر والمعاصي. واستمتاع الإنس بالجن: أن الجن زينت لهم الأمور التي ~~يهوونها، وشهوها إلى إليهم حتى PageV03P084 # سهل عليهم فعلها، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وبه قال محمد بن كعب، ~~والزجاج. # والثالث: أن استمتاع الجن بالإنس: إغواؤهم إياهم. واستمتاع الإنس بالجن: ~~ما يتلقون منهم من السحر والكهانة ونحو ذلك. والمراد بالجن في هذه الآية: ~~الشياطين. # قوله تعالى: (وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا) فيه قولان: # أحدهما: الموت، قاله الحسن، والسدي. # والثاني: الحشر، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (قال النار مثواكم) قال الزجاج: المثوى: المقام، و " خالدين ~~" منصوب على الحال. المعنى: النار مقامكم في حال خلود دائم (إلا ما شاء ~~الله) هو استثناء من يوم القيامة، والمعنى: (خالدين فيها) مذ يبعثون (إلا ~~ما شاء الله) من مقدار حشرهم من قبورهم، ومدتهم في محاسبتهم. ويجوز أن تكون ~~(إلا ما شاء الله) أن يزيدهم من العذاب. وقال بعضهم: إلا ما شاء الله من ~~كونهم في الدنيا بغير عذاب، وقيل في هذا غير قول، ستجدها مشروحة في (هود) ~~إن شاء الله. # وكذلك نولي بعض الظالمين ms0700 بعضا بما كانوا يكسبون (129) قوله تعالى: (وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا) في معناه أربعة أقوال: # أحدها: نجعل بعضهم أولياء بعض، رواه سعيد عن قتادة. # والثاني: نتبع بعضهم بعضا في النار بأعمالهم من الموالاة، وهي المتابعة، ~~رواه معمر عن قتادة. # والثالث: نسلط بعضهم على بعض، قاله ابن زيد. # والرابع: نكل بعضهم إلى بعض ولا نعينهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (بما كانوا يكسبون) أي: من المعاصي. # يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم) قرأ الحسن، وقتادة: " تأتكم " بالتاء، (رسل منكم). واختلفوا في ~~الرسالة إلى الجن على أربعة أقوال: # أحدها: أن الرسل كانت تبعث إلى الإنس خاصة، وأن الله تعالى بعث محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إلى الإنس PageV03P085 # والجن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن رسل الجن، هم الذين سمعوا القرآن، فولوا إلى قومهم منذرين، ~~روي عن ابن عباس أيضا. وقال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن، وهم ~~قوم يسمعون كلام الرسل، فيبلغون الجن ما سمعوا. # والثالث: أن الله تعالى: بعث إليهم رسلا منهم، كما بعث إلى الإنس رسلا ~~منهم، قاله الضحاك، ومقاتل، وأبو سليمان، وهو ظاهر الكلام. # والرابع: أن الله تعالى لم يبعث إليهم رسلا منهم، وإنما جاءتهم رسل ~~الإنس، قاله ابن جريج، والفراء، والزجاج. قالوا: ولا يكون الجمع في قوله ~~[تعالى]: (ألم يأتكم رسل منكم) مانعا أن تكون الرسل من أحد الفريقين، كقوله ~~تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)، وإنما هو خارج من الملح وحده. # وفي دخول الجن الجنة إذا آمنوا قولان: # أحدهما: يدخلونها، ويأكلون ويشربون، قاله الضحاك. # والثاني: ثوابهم أن يجاروا من النار ويصيروا ترابا، رواه سفيان عن ليث. # قوله تعالى: (يقصون عليكم آياتي) أي: يقرؤون عليكم كتبي: (وينذرونكم) أي: # يخوفونكم بيوم القيامة. وفي قوله [تعالى]: (شهدنا على أنفسنا) قولان: # أحدهما: أقررنا على أنفسنا بانذار الرسل لنا. # والثاني: شهد ms0701 بعضنا على بعض بانذار الرسل إياهم. ثم أخبرنا الله تعالى ~~بحالهم، فقال: # (وغرتهم الحياة الدنيا) أي: بزينتها. وإمهالهم فيها. (وشهدوا على أنفسهم) ~~أي: أقروا أنهم كانوا في الدنيا كافرين. وقال مقاتل: ذلك حين شهدت عليهم ~~جوارحهم بالشرك والكفر. # ذلكم أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) قوله تعالى: ~~(ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) قال الزجاج: ذلك الذي قصصنا عليك من ~~أمر الرسل، وأمر عذاب من كذب، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، أي: لا ~~يهلكهم حتى يبعث إليهم رسولا. قال ابن عباس: " بظلم " أي: بشرك (وأهلها ~~غافلون) لم يأتهم رسول. # ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) قوله تعالى: (ولكل ~~درجات مما عملوا) أي: لكل عامل بطاعة الله أو بمعصيته درجات، أي: منازل ~~يبلغها بعمله، إن كان خيرا فخيرا، وإن كان شرا فشرا. وإنما سميت درجات ~~لتفاضلها PageV03P086 # في الارتفاع والانحطاط، كتفاضل الدرج. # قوله تعالى: (عما يعملون) قرأ الجمهور بالياء، وقرأ ابن عامر بالتاء على ~~الخطاب. # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) قوله ~~تعالى: (وربك الغني) يريد: الغني عن خلقه (ذو الرحمة) قال ابن عباس: ~~بأوليائه وأهل طاعته. وقال غيره: بالكل. ومن رحمته تأخير الانتقام من ~~المخالفين. (إن يشأ يذهبكم) بالهلاك، وقيل: هذا الوعيد لأهل مكة، (ويستخلف ~~من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم) أي: ابتدأكم (من ذرية قوم آخرين) يعني: ~~آباءهم الماضين. (إن ما توعدون) به من مجئ الساعة والحشر (لآت وما أنتم ~~بمعجزين) أي: بفائتين. قال أبو عبيدة: يقال: أعجزني كذا، أي: فاتني وسبقني. # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) قوله تعالى: (على مكانتكم) وقرأ أبو بكر ~~عن عاصم: " مكاناتكم " على الجمع. قال ابن قتيبة: أي: على موضعكم، يقال: ~~مكان ومكانة، ومنزل ومنزلة وقال الزجاج: اعملوا على تمكنكم. قال: ويجوز ms0702 أن ~~يكون المعنى: اعملوا على ما أنتم عليه. تقول للرجل إذا أمرته أن يثبت على ~~حال: كن على مكانتك. # قوله تعالى: (إني عامل) أي: عامل ما أمرني به ربي (فسوف تعلمون من تكون ~~له عاقبة الدار). قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: " ~~تكون " بالتاء. وقرأ ما حمزة، والكسائي: بالياء. وكذلك خلافهم في (القصص)، ~~ووجه التأنيث، اللفظ، ووجه التذكير، أنه ليس بتأنيث حقيقي. وعاقبة الدار: ~~الجنة. والظالمون هاهنا: المشركون. فإن قيل: ظاهر هذه الآية أمرهم بالإقامة ~~على ما هم عليه، وذلك لا يجوز. فالجواب: أن معنى هذا الأمر المبالغة في ~~الوعيد، فكأنه قال: أقيموا على ما أنتم عليه، إن رضيتم بالعذاب، قاله ~~الزجاج. # فصل وفي هذه الآية قولان: # أحدهما: أن المراد بها التهديد، فعلى هذا هي محكمة. # والثاني: أن المراد بها ترك القتال، فعلى هذا هي منسوخة بآية السيف. ~~PageV03P087 # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) قوله تعالى: (وجعلوا الله مما ذرأ) قال ابن ~~قتيبة: ذرأ، بمعنى خلق. (من الحرث) وهو الزرع. (والأنعام): الإبل والبقر ~~والغنم، وكانوا إذا زرعوا، خطوا خطا، فقالوا: هذا لله، وهذا لآلهتنا، فإذا ~~حصدوا ما جعلوه لله، فوقع منه شئ فيما جعلوه لآلهتهم، تركوه وقالوا: هي ~~إليه محتاجة، وإذا حصدوا ما جعلوه لآلهتهم، فوقع منه شئ فيما مال الله،، ~~أعادوه إلى موضعه. وكانوا يجعلون من الأنعام شيئا لله، فإذا ولدت إناثها ~~ميتا أكلوه، وإذا ولدت أنعام آلهتهم ميتا عظموه فلم يأكلوه. وقال الزجاج: ~~معنى الآية: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، وجعلوا لشركائهم ~~نصيبا، يدل عليه قوله [تعالى]: (فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا)، فدل ~~بالإشارة إلى النصيبين على نصيب الشركاء، وكانوا إذا زكا ما لله، ولم يزك ~~ما لشركائهم، ردوا الزاكي على أصنامهم، وقالوا: هذه أحوج، والله غني، وإذا ~~زكا ما للأصنام، ولم يزك ما لله، أقروه ms0703 على ما به. # قال المفسرون: وكانوا يصرفون ما جعلوا لله إلى الضيفان والمساكين. فمعنى ~~قوله (فلا يصل إلى الله) أي: إلى هؤلاء. ويصرفون نصيب آلهتهم في الزرع إلى ~~النفقة على خدامها. فأما نصيبها في الأنعام، ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان للنفقة عليها. أيضا. # والثاني: أنهم كانوا يتقربون به، فيذبحونه لها. # والثالث: أنه البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وقال الحسن: كان إذا ~~هلك ما لأوثانهم غرموه، وإذا هلك مالله لم يغرموه. وقال ابن زيد: كانوا لا ~~يأكلون ما جعلوه لله حتى يذكروا عليه اسم أوثانهم، ولا يذكرون الله على ما ~~جعلوه للأوثان. فأما قوله: " بزعمهم " فقرأ الجمهور: بفتح الزاي، وقرأ ~~الكسائي، والأعمش: بضمها. وفي الزعم ثلاث لغات: ضم الزاي، وفتحها، وكسرها ~~ومثله السقط، والسقط، والسقط، والفتك، والفتك، والفتك، والزعم، والزعم، ~~والزعم، قال الفراء: فتح الزاي في الزعم، لأهل الحجاز، وضمها لأسد، وكسرها ~~لبعض قيس فيما يحكي الكسائي. # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) قوله تعالى: (كذلك ~~زين) أي: ومثل ذلك الفعل القبيح فيما قسموا بالجهل زين. قال ابن ~~PageV03P088 # الأنباري: ويجوز أن يكون " وكذلك " مستأنفا، غير مشار به إلى ما قبله، ~~فيكون المعنى: وهكذا زين. وقرأ الجمهور: " زين " بفتح الزاي والياء، ونصب ~~اللام من " قتل " وكسر الدال من " أولادهم "، ورفع " الشركاء "، ووجه هذه ~~القراءة ظاهر. وقرأ ابن عامر: بضم زاي " زين "، ورفع اللام، ونصب الدال من ~~" أولادهم "، وخفض " الشركاء ". قال أبو علي: ومعناها: قتل شركائهم ~~أولادهم، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهذا قبيح، قليل في ~~الاستعمال. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن: " زين " بالرفع، " قتل " ~~بالرفع أيضا، " أولادهم " بالجر، " شركاؤهم " رفعا. قال الفراء: رفع القتل ~~إذ لم يسم فاعله، ورفع الشركاء بفعل نواه، كأنه قال: زينه لهم شركاؤهم. # وكذلك قال سيبويه في هذه القراءة، كأنه قيل: من زينه؟ فقال: شركاؤهم. قال ~~مكي بن أبي طالب: وقد روي عن ابن عامر أيضا أنه قرأ بضم الزاي، ورفع ms0704 اللام، ~~وخفض الأولاد والشركاء، فيصير الشركاء اسما للأولاد، لمشاركتهم للآباء في ~~النسب والميراث والدين. # وللمفسرين في المراد بشركائهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم الشياطين، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. # والثاني: شركاؤهم في الشرك، قاله قتادة. # والثالث: قوم كانوا يخدمون الأوثان، قاله الفراء، والزجاج. # والرابع: أنهم الغواة من الناس، ذكره الماوردي. وإنما أضيف الشركاء ~~إليهم، لأنهم هم الذين اختلقوا ذلك وزعموه. وفي الذي زينوه لهم من قتل ~~أولادهم قولان: # أحدهما: أنه وأد البنات أحياء خيفة الفقر، قاله مجاهد. # والثاني: أنه كان يحلف أحدهم أنه إن ولد له كذا وكذا غلاما أن ينحر ~~أحدهم، كما حلف عبد المطلب في نحر عبد الله، قاله ابن السائب، ومقاتل. # قوله تعالى: (ليردوهم) أي: ليهلكوهم. وفي هذه اللام قولان: # أحدهما: أنها لام " كي ". # والثاني: أنها لام العاقبة، كقوله [تعالى]: (ليكون لهم عدوا) أي: آل ~~أمرهم إلى الردى، لا أنهم قصدوا ذلك. # قوله تعالى: (وليلبسوا عليهم دينهم) أي: ليخلطوا. قال ابن عباس ليدخلوا ~~عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل، فرجعوا عنه بتزيين الشياطين. # قوله تعالى: (فذرهم وما يفترون) قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا ~~دفنوا بناتهم قالوا: # إن الله أمرنا بذلك، فقال: (فذرهم وما يفترون)، أي: يكذبون، وهذا تهديد ~~ووعيد، فهو محكم، وقال قوم: مقصوده ترك قتالهم، فهو منسوخ بآية السيف. ~~PageV03P089 # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) قوله تعالى: (وقالوا هذه أنعام وحرث وحجر) الحرث: الزرع، ~~والحجر: الحرام، والمعنى: أنهم حرموا أنعاما وحرثا جعلوه لأصنامهم. قال ابن ~~قتيبة: وإنما قيل للحرام: حجر، لأنه حجر على الناس أن يصيبوه. وقرأ الحسن، ~~وقتادة: " حجر " بضم الحاء. قال الفراء: يقال: حجر، وحجر، بكسر الحاء ~~وضمها، وهي في قراءة ابن مسعود: " حرج "، مثل: " جذب " و " جبذ " وفي هذه ~~الأنعام التي جعلوها للأصنام قولان: # أحدهما: أنها البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحام. # والثاني: أنها الذبائح للأوثان، وقد سبق ذكرهما. # قوله تعالى: (لا يطعمها ms0705 إلا من نشاء) هو كقوله: لا يذوقها إلا من نريد. # وفيمن أطلقوا له تناولها قولان: # أحدهما: أنهم منعوا منها النساء، وجعلوها للرجال قاله ابن السائب. # والثاني: عكسه، قاله ابن زيد. قال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن هذا ~~التحريم زعم منهم، لا حجة فيه ولا برهان. وفي قوله [تعالى]: (أنعام حرمت ~~ظهورها) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الحام، قاله ابن عباس. # والثاني: البحيرة، كانوا لا يحجون عليها، قاله أبو وائل. # والثالث: البحيرة، والسائبة، والحام، قاله السدي. # قوله تعالى: (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) هي قربان آلهتهم، يذكرون ~~عليها اسم الأوثان خاصة. وقال أبو وائل هي التي كانوا لا يحجون عليها وقد ~~ذكرنا هذا عنه في قوله [تعالى]: (حرمت ظهورها)، فعلى قوله الصفتان لموصوف ~~واحد. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شئ، لا ~~إن ركبوا، ولا إن حملوا، ولا إن حلبوا ولا إن نتجوا وفي قوله: (افتراء الله ~~قولان: # أحدهما: أن ذكر أسماء أوثانهم وترك ذكر الله هو الافتراء. # والثاني: أن إضافتهم ذلك إلى الله تعالى: هو الافتراء لأنهم كانوا يقولون ~~هو حرم ذلك. # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن لم ~~يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) PageV03P090 # قوله تعالى: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام) يعني بالأنعام: المحرمات ~~عندهم، من البحيرة، والسائبة، والوصيلة. وللمفسرين في المراد بما في بطونها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اللبن، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: الأجنة، قاله مجاهد. # والثالث: الولد واللبن، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: (خالصة لذكورنا) قرأ الجمهور: " خالصة " على لفظ التأنيث. ~~وفيها أربعة أوجه. # أحدها: أنه إنما أنثت، لأن الأنعام مؤنثة، وما في بطونها مثلها، قاله ~~الفراء. # والثاني: أن معنى " ما " التأنيث، لأنها في معنى الجماعة، فكأنه قال: ~~جماعة ما في بطون هذه الأنعام خالصة، قاله الزجاج. # والثالث: أن الهاء دخلت للمبالغة في الوصف، كما قالوا: " علامة " و " ~~نسابة ". # والرابع: أنه أجري مجرى المصادر التي تكون بلفظ التأنيث ms0706 عن الأسماء ~~المذكرة، كقولك: # عطاؤك عافية، والرخص نعمة، ذكرهما ابن الأنباري. وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~العالية، والضحاك، والأعمش، وابن أبي عبلة: " خالص " بالرفع، من غير هاء. ~~قال الفراء: وإنما ذكر لتذكير " ما ". # وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وعكرمة، وابن يعمر: " خالصه " برفع الصاد ~~والهاء على ضمير مذكر، قال الزجاج: والمعنى: ما خلص حيا. وقرأ قتادة: " ~~خالصة " بالنصب. فأما الذكور، فهم الرجال، والأزواج النساء. # قوله تعالى: (وإن يكن ميتة) قرأ الأكثرون: " يكن بالياء، " ميتة " ~~بالنصب، وذلك مردود على لفظ " ما ". والمعنى وإن يكن ما في بطون هذه ~~الأنعام ميتة. وقرأ ابن كثير: " يكن " بالياء، " ميتة " بالرفع. وافقه ابن ~~عامر في رفع الميتة، غير أنه قرأ: " تكن " بالتاء. والمعنى: وإن تحدث وتقع، ~~فجعل " كان ": تامة لا تحتاج إلى خبر. وقرأ أبو بكر عن عاصم: " تكن " ~~بالتاء، " ميتة " بالنصب. والمعنى وإن تكن الأنعام التي في البطون ميتة. # قوله تعالى: (فهم فيف شركاء) يعني الرجال والنساء. (سيجزيهم وصفهم) قال ~~الزجاج: # أراد جزاء وصفهم الذي هو كذب. # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) قوله تعالى: (قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم) وقرأ ابن كثير، وابن عامر: " قتلوا " بالتشديد. PageV03P091 # قال ابن عباس: نزلت في ربيعة، ومضر، والذين كانوا يدفنون بناتهم أحياء في ~~الجاهلية من العرب. # وقال قتادة: كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم بنته مخافة السبي والفاقة، ~~ويغذو كلبه. قال الزجاج: # وقوله: " سفها " منصوب على معنى اللام. تقديره: للسفه، تقول: فعلت ذلك ~~حذر الشر. وقرأ ابن السميفع، والجحدري، ومعاذ القارئ: " سفهاء " برفع السين ~~وفتح الفاء والهمزة وبالمد وبالنصب والهمز. # قوله تعالى: (بغير علم) أي: كانوا يفعلون ذلك للسفه من غير أن أتاهم علم ~~في ذلك، وحرموا ما رزقهم الله من الأنعام والحرث، وزعموا أن الله أمرهم ~~بذلك. # * وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا ms0707 إنه لا يحب المسرفين (141) قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ ~~جنات معروشات وغير معروشات) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن المعروشات ما انبسط على وجه الأرض، وانتشر مما يعرش، كالكرم، ~~والقرع، والبطيخ، وغير معروشات: ما قام على ساق، كالنخل، والزرع، وسائر ~~الأشجار. # والثاني: أن المعروشات: ما أنبته الناس، وغير معروشات: ما خرج في البراري ~~والجبال من الثمار، رويا عن ابن عباس. # والثالث: أن المعروشات، وغير المعروشات: الكرم، منه ما عرش، ومنه ما لم ~~يعرش، قاله الضحاك. # والرابع: أن المعروشات: الكروم التي قد عرش عنبها، وغير المعروشات: سائر ~~الشجر الذي لا يعرش، قاله أبو عبيدة. والأكل: الثمر. (والزيتون والرمان ~~متشابها) قد سبق تفسيره. # قوله تعالى: (كلوا من ثمره إذا أثمر) هذا أمر إباحة، وقيل: إنما قدم ~~الأكل لينهي عن فعل الجاهلية في زروعهم من تحريم بعضها. # قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قرأ ابن عامر، وعاصم وأبو عمرو: بفتح ~~الحاء، وهي PageV03P092 # لغة أهل نجد، وتميم. وقرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائي: بكسرها، وهي ~~لغة أهل الحجاز، ذكره الفراء. وفي المراد بهذا الحق قولان: # أحدهما: أنه الزكاة، روي عن أنس بن مالك، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ~~والحسن، وطاووس، وجابر بن زيد، وابن الحنفية، وقتادة في آخرين، فعلى هذا، ~~الآية محكمة. # والثاني: أنه حق غير الزكاة فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر، وترك ما ~~سقط من الزرع والثمر، قاله عطاء، ومجاهد. وهل نسخ ذلك، أم لا؟ إن قلنا: إنه ~~أمر وجوب، فهو منسوخ بالزكاة، وإن قلنا: إنه أمر استحباب، فهو باقي الحكم. # فإن قيل: هل يجب إيتاء الحق يوم الحصاد؟ فالجواب: إن قلنا: إنه إطعام من ~~حضر من الفقراء، فذلك يكون يوم الحصاد، وإن قلنا: إنه الزكاة، فقد ذكرت عنه ~~ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن الأمر بالإيتاء محمول على النخيل، لأن صدقتها تجب يوم الحصاد. ~~فأما الزروع، فالأمر بالإيتاء منها محمول على وجوب الإخراج، إلا أنه لا ~~يمكن ذلك عند الحصاد، فيؤخر إلى زمان التنقية، ذكره بعض السلف. # والثاني: أن اليوم ظرف للحق، لا ms0708 للايتاء، فكأنه قال: وآتوا حقه الذي وجب ~~يوم حصاده بعد التنقية. # والثالث: أن فائدة ذكر الحصاد ان الحق لا يجب فيه بنفس خروجه وبلوغه، ~~إنما يجب يوم حصوله في يد صاحبه. وقد كان يجوز أن يتوهم أن الحق يلزم بنفس ~~نباته قبل قطعه، فأفادت الآية أن الوجوب فيما يحصل في اليد، دون ما يتلف، ~~ذكر الجوابين القاضي أبو يعلى. وفي قوله [تعالى]: (ولا تسرفوا) ستة أقوال: # أحدها: أنه تجاوز المفروض في الزكاة إلى حد يجحف به، قاله أبو العالية، ~~وابن جريج. # وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة، ثم ~~قسمها في يوم واحد، فأمسى ولم يترك لأهله شيئا، فكره الله تعالى له ذلك، ~~فنزلت: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). # والثاني: أن الإسراف: يمنع الصدقة الواجبة! قاله سعيد بن المسيب. # والثالث: أنه الإنفاق في المعصية، قاله مجاهد، والزهري. # والرابع: أنه إشراك الآلهة في الحرث والأنعام، قاله عطية، وابن السائب. # والخامس: أنه خطاب للسلطان لئلا يأخذ فوق الواجب من الصدقة، قاله ابن ~~زيد. # والسادس أنه الإسراف في الأكل قبل أداء الزكاة، قاله ابن بحر. ~~PageV03P093 # ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (142) قوله تعالى: (ومن الأنعام حمولة) هذا نسق على ما ~~قبله، والمعنى: أنشأ جنات وأنشأ حمولة وفرشا. وفي ذلك خمسة أقوال: # أحدها: أن الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: صغارها، قاله ابن مسعود، ~~والحسن، ومجاهد، وابن قتيبة. # والثاني: أن الحموله: ما انتفعت بظهورها، والفرش: الراعية، رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. # والثالث: أن الحمولة الإبل: والخيل، والبغال، والحمير، وكل شئ يحمل عليه. ~~والفرش: # الغنم: رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: الحمولة: من الإبل، والفرش: من الغنم، قاله الضحاك. # والخامس: الحمولة: الإبل والبقر. والفرش: الغنم، وما لا يحمل عليه من ~~الإبل، قاله قتادة. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: " حمولة " بضم ~~الحاء. # قوله تعالى: (كلوا مما رزقكم الله) قال الزجاج: المعنى: لا تحرموا ما ms0709 ~~حرمتم مما جرى ذكره، (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) أي: طرقه. قال: وقوله ~~[تعالى]: (ثمانية أزواج) بدل من قوله [تعالى]: (حمولة وفرشا). والزوج، في ~~اللغة: الواحد الذي يكون معه آخر. قلت: وهذا كلام يفتقر إلى تمام، وهو أن ~~يقال: الزوج: ما كان معه آخر من جنسه، فحينئذ يقال لكل واحد منهما: زوج. # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل أالذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ~~ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل أالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) ~~قوله تعالى: (من الضأن اثنين) الضأن: ذوات الصوف من الغنم، والمعز: ذوات ~~الشعر PageV03P094 # منها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: من " المعز " بفتح العين. ~~وقرأ نافع، وحمزة، وعاصم، والكسائي: بتسكين العين. والمراد بالأنثيين الذكر ~~والأنثى. (قل أالذكرين) من الضأن والمعز حرم الله عليكم (أم الأنثيين) ~~منها؟ المعنى: فإن كان ما حرم الله عليكم الذكرين. فكل الذكور حرام، وإن ~~كان حرم الأنثيين، فكل الإناث حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين، فهي تشتمل على الذكور، وتشتمل على الإناث، وتشتمل على الذكور ~~والإناث، فيكون كل جنين حراما. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ألحقكم ~~التحريم من جهة الذكرين، أم من جهة الأنثيين؟ # فإن قالوا: من جهة الذكرين حرم عليهم كل ذكر، وإن قالوا: من جهة ~~الأنثيين، حرمت عليهم كل أنثى، وإن قالوا: من جهة الرحم، حرم عليهم الذكر ~~والأنثى. وقال ابن جرير الطبري: إن قالوا: # حرم الذكرين، أوجبوا تحريم كل ذكر من الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم ~~بعض الذكران منها وظهوره، وفي ذلك فساد دعواهم. وإن قالوا: حرم الأنثيين ~~أوجبوا تحريم لحوم كل أنثى من ولد الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم بعض ~~ذلك وظهوره. وإن قالوا: ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فقد كانوا يستمتعون ~~ببعض ذكورها ms0710 وإناثها. قال المفسرون: فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الآية ~~والتي بعدها، لأنهم كانوا يحرمون أجناسا من النعم، بعضها على الرجال ~~والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال. # وفي قوله [تعالى]: (الذكرين حرم أم الأنثيين)، إبطال لما حرموه من ~~البحيرة، والسائبة، والوصيلة والحام. # وفي قوله [تعالى]: (أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين)، إبطال قولهم: (ما ~~في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا). # قوله تعالى: (نبئنوني بعلم) قال الزجاج: المعنى: فسروا ما حرمتم بعلم، ~~أي: أنتم لا علم لكم، لأنكم لا تؤمنون بكتاب. (أم كنتم شهداء) أي: هل ~~شاهدتم الله قد حرم هذا، إذا كنتم لا تؤمنون برسول؟ # قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم) قال ~~ابن عباس: # يريد عمرو بن لحي، ومن جاء بعده. والظالمون هاهنا: المشركون. # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه) نبههم بهذا على أن PageV03P095 # التحريم والتحليل، إنما يثبت بالوحي، وقال طاووس، ومجاهد: معنى الآية: لا ~~أجد محرما مما كنتم تستحلون في الجاهلية إلا هذا. والمراد بالطاعم: الآكل. ~~(إلا أن يكون ميتة) أي: إلا أن يكون المأكول ميتة. قرأ ابن كثير، وحمزة: " ~~إلا أن يكون " بالياء، " ميتة " نصبا! وقرأ ابن عامر: " إلا أن تكون " ~~بالتاء، " ميتة " بالرفع، على معنى: إلا أن تقع ميتة، أو تحدث ميتة. (أو ~~دما مسفوحا) قال قتادة: إنما حرم المسفوح. فأما اللحم إذا خالطه دم، فلا ~~بأس به قال الزجاج: المسفوح: # المصبوب. وكانوا إذا ذكوا يأكلون الدم كما يأكلون اللحم. والرجس: اسم لما ~~يستقذر، وللعذاب. # (أو فسقا) المعنى: أو أن يكون المأكول فسقا. (أهل لغير الله به) أي: رفع ~~الصوت على ذبحه باسم غير الله فسمى ما ذكر عليه غير اسم الله فسقا، والفسق: ms0711 ~~الخروج من الدين. # فصل اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها محكمة. ولأرباب هذا القول في سبب إحكامها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ. # والثاني: أنها جاءت جوابا عن سؤال سألوه، فكان الجواب بقدر السؤال، ثم ~~حرم بعد ذلك ما حرم. # والثالث: أنه ليس في الحيوان محرم إلا ما ذكر فيها. # والقول الثاني: أنها منسوخة بما ذكر في (المائدة) من المنخنقة والموقوذة ~~وفي السنة من تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير. ~~وقيل: إن آية (المائدة) داخلة في هذه الآية، لأن تلك الأشياء كلها ميتة. # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) وقرأ الحسن، ~~والأعمش: " ظفر " بسكون الفاء، وهذا التحريم تحريم بلوى وعقوبة. وفي ذي ~~الظفر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ما ليس بمنفرج الأصابع، كالإبل، والنعام، والإوز، والبط، قاله ~~ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي. # والثاني: انه الإبل فقط، قاله ابن زيد. # والثالث: كل ذي حافر من الدواب، ومخلب من الطير، قاله ابن قتيبة. قال: ~~وسمي الحافر ظفرا PageV03P096 # على الاستعارة، والعرب تجعل الحافر والأظلاف موضع القدم، استعارة، ~~وأنشدوا: # سأمنعها أو سوف أجعل أمرها * إلى ملك أظلافه لم تشقق أراد قدميه، وإنما ~~الأظلاف للشاء والبقر. قال ابن الأنباري: الظفر هاهنا، يجري مجرى الظفر ~~للانسان. وفيه ثلاث لغات أعلاهن: ظفر، ويقال: ظفر، وأظفور. وقال الشاعر: # ألم تر أن الموت أدرك من مضى * فلم يبق منه ذا جناح وذا ظفر وقال الآخر: # لقد كنت ذا ناب وظفر على العدى * فأصبحت ما يخشون نابي ولا ظفري وقال ~~الآخر: # ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت * وبين أخرى تليها قيد أظفور وفي شحوم ~~البقر والغنم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إنما حرم من ذلك شحوم الثروب خاصة، قاله قتادة. # والثاني: شحوم الثروب والكلى، قاله السدي، ms0712 وابن زيد. # والثالث: كل شحم لم يكن مختلطا بعظم، ولا على عظم، قاله ابن جريج. وفي ~~قوله [تعالى]: (إلا ما حملت ظهورهما) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ما علق بالظهر من الشحوم، قاله ابن عباس. # والثاني: الألية، قاله أبو صالح، والسدي. # والثالث: ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما، قاله قتادة. فأما ~~الحوايا، فللمفسرين فيها أقوال تتقارب معانيها. قال ابن عباس، والحسن، وابن ~~جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة: هي المباعر. وقال ابن زيد: هي ~~بنات اللبن، وهي المرابض التي تكون فيها الأمعاء. # وقال الفراء: الحوايا: هي المباعر، وبنات اللبن، وقال الأصمعي: هي بنات ~~اللبن، واحدها: # حاوياء، وحاوية، وحوية. # قال الشاعر: # أقتلهم ولا أرى معاوية * الجاحظ العين العظيم الحاويه وقال الآخر: # كأن نقيق الحب في حاويائه * فحيح الأفاعي أو نقيق العقارب وقال أبو ~~عبيدة: الحوايا [اسم لجميع] ما تحوي من البطن، أي: ما استدار منها. وقال ~~PageV03P097 # الزجاج: الحوايا: اسم لجميع ما تحوي من الأمعاء، أي: استدار. وقال ابن ~~جرير الطبري: # الحوايا: ما تحوى من البطن. فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي ~~المباعر، وتسمى: # المرابض، وفيها الأمعاء. # قوله تعالى: (أو ما اختلط بعظم) فيه قولان: # أحدهما: أنه شحم البطن والألية، لأنهما على عظم، قاله السدي. # والثاني: كل شحم في القوائم، والجنب، والرأس. والعينين، والأذنين، فهو ~~مما اختلط بعظم، قاله ابن جريج. واتفقوا على أن ما حملت ظهورهما حلال، ~~بالاستثناء من التحريم. فأما ما حملت الحوايا، أو ما اختلط بعظم، ففيه ~~قولان: # أحدهما: أنه داخل في الاستثناء، فهو مباح، والمعنى: وأبيح لهم ما حملت ~~الحوايا من الشحم وما اختلط بعظم، وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أنه نسق على ما حرم، لا على الاستثناء، فالمعنى: حرمنا عليهم ~~شحومهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهور، فإنه غير ~~محرم، قاله الزجاج. فأما " أو " المذكورة هاهنا، فهي بمعنى الواو، كقوله ~~[تعالى] (آثما أو كفورا). # قوله تعالى: (ذلك جزيناهم) أي: ذلك التحريم عقوبة لهم على بغيهم. وفي ~~بغيهم قولان: # أحدهما: أنه قتلهم الأنبياء، وأكلهم الربا. ms0713 # والثاني: أنه تحريم ما أحل لهم. # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) ~~قوله تعالى: (فإن كذبوك) قال ابن عباس: لما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للمشركين: " هذا ما أوحي إلي أنه محرم على المسلمين وعلى اليهود "، ~~قالوا: فإنك لم تصب، فنزلت هذه الآية. وفي المكذبين قولان: # أحدهما: المشركون قاله ابن عباس. # والثاني: اليهود، قاله مجاهد، والمراد بذكر الرحمة الواسعة، أنه لا يعجل ~~بالعقوبة. والبأس: # العذاب. وفي المراد بالمجرمين قولان: # أحدهما: المشركون. # والثاني: المكذبون. # سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ ~~كذلك PageV03P098 # كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن ~~تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قوله تعالى: (سيقول الذين ~~أشركوا) أي: إذا لزمتهم الحجة، وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك وتحريم ما ~~لم يحرمه الله (لو شاء الله ما أشركنا)، فجعلوا هذا حجة لهم في إقامتهم على ~~الباطل، فكأنهم قالوا: لو لم يرض ما نحن عليه، لحال بيننا وبينه، وإنما ~~قالوا ذلك مستهزئين، ودافعين للاحتجاج عليهم، فيقال لهم: لم تقولون عن ~~مخالفيكم إنهم ضالون، وإنما هم على المشيئة أيضا؟ فلا حجة لهم، لأنهم ~~تعلقوا بالمشيئة، وتركوا الأمر، ومشيئة الله تعم جميع الكائنات، وأمره لا ~~يعم مراداته، فعلى العبد اتباع الأمر، وليس له أن يتعلل بالمشيئة بعد ورود ~~الأمر. # قوله تعالى: (كذلك كذب الذين من قبلهم) قال ابن عباس: أي: قالوا لرسلهم ~~مثلما قال هؤلاء لك، (حتى ذاقوا بأسنا) أي: عذابنا. (قل هل عندكم من علم) ~~أي: كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم (إن تتبعون إلا الظن) لا ~~اليقين، و " إن " بمعنى " ما ". و " تخرصون ": # تكذبون. # قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قوله تعالى: (قل فلله ~~الحجة البالغة) قال الزجاج: حجته البالغة: تبيينه انه الواحد، وإرساله ~~الأنبياء بالحجج المعجزة. قال السدي: (فلو شاء لهداكم أجمعين) يوم أخذ ~~الميثاق. # قل هلم شهداءكم ms0714 الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ~~ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون (150) قوله تعالى: (قل هلم شهداءكم) قال الزجاج: زعم سيبويه أن ~~(هلم) هاء ضمت إليها " لم "، وجعلتا كالكلمة الواحدة، فأكثر اللغات أن ~~يقال: " هلم ": للواحد والاثنين والجماعة، بذلك جاء القرآن. ومن العرب من ~~يثني ويجمع ويؤنث، فيقول للذكر: " هلم " وللمرأة: " هلمي "، وللاثنين " ~~هلما "، وللثنتين: " هلما "، وللجماعة: " هلموا "، وللنسوة: " هلممن ". ~~وقال ابن قتيبة: " هلم "، بمعنى: " تعال ". وأهل الحجاز لا يثنونها ولا ~~يجمعونها، وأهل نجد يجعلونها من " هلممت " فيثنون ويجمعون ويؤنثون، وتوصل ~~باللام، فيقال: " هلم لك "، " وهلم لكما ". قال: وقال الخليل: # أصلها " لم "، وزيدت الهاء في أولها. وخالفه الفراء فقال: أصلها " هل " ~~ضم إليها " أم "، والرفعة التي في اللام من همزة " أم " لما تركت انتقلت ~~إلى ما قبلها، وكذلك " اللهم " ترى أصلها: " يا الله PageV03P099 # أمنا بخير " فكثرت في الكلام، فاختلطت، وتركت الهمزة. وقال ابن الأنباري: ~~معنى " هلم ": أقبل، وأصله: " أم يا رجل "، أي: " اقصد "، فضموا " هل " إلى ~~" أم " وجعلوهما حرفا واحدا، وأزالوا " أم " عن التصرف، وحولوا ضمة همزة " ~~أم " إلى اللام، وأسقطوا الهمزة، فاتصلت الميم باللام. وإذا قال الرجل ~~للرجل، " هلم "، فأراد أن يقول: لا أفعل، قال: " لا أهلم " ولا أهلم ". قال ~~مجاهد: هذه الآية جواب قولهم: إن الله حرم البحيرة، والسائبة. قال مقاتل: ~~الذين يشهدون أن الله حرم هذا الحرث والأنعام، (فإن شهدوا) أن الله حرمه ~~(فلا تشهد معهم) أي: لا تصدق قولهم. # * قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ~~ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون (151) قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) " ما " ~~بمعنى " الذي ". وفي " لا " قولان: # أحدهما: أنها زائدة كقوله [تعالى]: " أن لا تسجد ". # والثاني: أنها ليست زائدة، وإنما هي باقية، فعلى هذا القول، ms0715 في تقدير ~~الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون قوله: " أن لا تشركوا "، محمولا على المعنى، فتقديره: أتل ~~عليكم أن لا تشركوا، أي أتل تحريم الشرك. # والثاني: أن يكون المعنى: أوصيكم أن لا تشركوا، لأن قوله [تعالى]: ~~(وبالوالدين إحسانا) محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانا، ذكرهما ~~الزجاج. # والثالث: أن الكلام تم عند قوله: (حرم ربكم). ثم في قوله: " عليكم " ~~قولان: # أحدهما: أنها إغراء، كقوله: (عليكم أنفسكم). فالتقدير: عليكم أن لا ~~تشركوا، ذكره ابن الأنباري. # والثاني: أن يكون بمعنى: فرض عليكم، ووجب عليكم أن لا تشركوا وفي هذا ~~الشرك قولان: # أحدهما: أنه ادعاء شريك مع الله عز وجل. # والثاني: أنه طاعة غيره في معصيته. # قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم) يريد دفن البنات أحياء و (من إملاق) ~~أي: من خوف فقر. # قوله تعالى: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) فيه خمسة أقوال: ~~PageV03P100 # أحدها: أن الفواحش: الزنا، وما ظهر منه: الإعلان به، وما بطن: الاستسرار ~~به، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي. # والثاني: أن ما ظهر: الخمر، ونكاح المحرمات. وما بطن: الزنا، قاله سعيد ~~بن جبير، ومجاهد. # والثالث: أن ما ظهر: الخمر، وما بطن: الزنا، قاله الضحاك. # والرابع: أنه عام في الفواحش. وظاهرها: علانيتها، وباطنها: سرها، قاله ~~قتادة. # والخامس: أن ما ظهر: أفعال الجوارح، وما بطن: اعتقاد القلوب، ذكره ~~الماوردي في تفسير هذا الموضع، وفي تفسير قوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه). # والنفس التي حرم الله: نفس مسلم أو معاهد. والمراد بالحق: إذن الشرع. # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) قوله تعالى: (ولا ~~تقربوا مال اليتيم) إنما خص مال اليتيم، لأن الطمع فيه، لقلة مراعيه وضعف ~~مالكه، أقوي. وفي قوله: (إلا بالتي هي أحسن) أشده إنما خص مال أربعة أقوال: # أحدها: أنه أكل الوصي المصلح للمال بالمعروف وقت حاجته، قاله ابن عباس، ~~وابن زيد. # والثاني: ms0716 التجارة فيه، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي. # والثالث: أنه حفظه له إلى وقت تسليمه إليه، قاله ابن السائب. # والرابع: أنه حفظه عليه، وتثميره له، قاله الزجاج. قال: و " حتى " محمولة ~~على المعنى، فالمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده، فادفعوه ~~إليه. فأما الأشد، فهو استحكام قوة الشباب والسن. قال ابن قتيبة: ومعنى ~~الآية: حتى يتناهى في النبات إلى حد الرجال. يقال: بلغ أشده: إذا انتهى ~~منتهاه قبل أن يأخذ في النقصان. وقال أبو عبيدة: الأشد لا واحد له منه، فإن ~~أكرهوا على ذلك، قالوا: شد، بمنزلة: ضب، والجمع: أضب. قاله ابن الأنباري: ~~وقال جماعة من البصريين: واحد الأشد: شد، بضم الشين. وقال بعض البصريين: ~~واحد الأشد: شدة، كقولهم: نعمة، وأنعم. وقال بعض أهل اللغة: الأشد: اسم لا ~~واحد له. وللمفسرين في الأشد ثمانية أقوال: PageV03P101 # أحدها: أنه ثلاث وثلاثون سنة، رواه ابن جبير عن ابن عباس. # والثاني: ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أربعون سنة، روي عن عائشة عليها السلام. # والرابع: ثماني عشرة سنة، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. # والخامس: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة. # والسادس أربعة وثلاثون سنة، قاله سفيان الثوري. # والسابع ثلاثون سنة، قاله السدي. وقال: ثم جاء بعد هذه الآية: (حتى إذا ~~بلغوا النكاح) فكأنه يشير إلى النسخ. # والثامن: بلوغ الحلم، قاله زيد بن أسلم، والشعبي، ويحيى بن يعمر، وربيعة، ~~ومالك بن أنس، وهو الصحيح. ولا أظن بالذين حكينا عنهم الأقوال التي قبله ~~فسروا هذه الآية بما ذكر عنهم، وإنما أظن أن الذين جمعوا التفاسير، نقلوا ~~هذه الأقوال من تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ أشده) إلى هذا المكان، وذلك ~~نهاية الأشد، وهذا ابتداء تمامه، وليس هذا مثل ذاك قال ابن جرير: وفي ~~الكلام محذوف، ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر عما حذف، لأن المعنى: حتى ~~يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده، وآنستم منه رشدا، فادفعوا إليه ماله. # وهذا الذي ذكره ابن جرير ليس بصحيح، لأن إيناس الرشد ms0717 استفيد من سورة ~~النساء وكذلك أولياء اليتامى، فحمل المطلق على التقييد. # قوله تعالى: (وأوفوا الكيل) أي: أتموه ولا تنقصوا منه. و (الميزان) أي: ~~وزن الميزان. # والقسط: العدل. (لا نكلف نفسا إلا وسعها) أي: ما يسعها. ولا تضيق عنه. ~~قال القاضي أبو يعلى: لما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما التحديد بأقل ~~القليل، كلفنا الاجتهاد في التحري، دون تحقيق الكيل والوزن. # قوله تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا) أي: إذا تكلمتم أو شهدتم، فقولوا الحق، ~~ولو كان المشهود له أو عليه ذا قرابة. وعهد الله يشتمل على ما عهده إلى ~~الخلق وأوصاهم به، وعلى ما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر وغيره. (دلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون) أي: لتذكروه وتأخذوا به. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: ~~" تذكرون " و " يذكرون " و " يذكر الإنسان " و " أن يذكر "، و " ليذكروا " ~~مشددا ذلك كله. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، وابن عامر كل ذلك بالتشديد، ~~إلا قوله [تعالى]: (أولا يذكر الإنسان) فإنهم خففوه. روى أبان، وحفص عن ~~عاصم: " يذكرون " خفيفة الذال في جميع القرآن. قرأ حمزة، والكسائي: " ~~يذكرون " مشددا إذا كان بالياء، ومخففا إذا كان بالتاء. PageV03P102 # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون (153) قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما) قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو: # " وأن " بفتح الألف مع تشديد النون. قال الفراء: إن شئت جعلت " أن " ~~مفتوحة بوقوع " أتل " عليها، وإن شئت جعلتها خفضا، على معنى: ذلكم وصاكم ~~به، وبأن هذا صراطي مستقيما. وقرأ ابن عامر بفتح الألف أيضا، إلا أنه خفف ~~النون، فجعلها مخففة من الثقيلة، وحكم إعرابها حكم تلك. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: بتشديد النون مع كسر الألف. قال الفراء: وكسر الألف على ~~الاستئناف. # وفي الصراط قولان: # أحدهما: أنه القرآن. # والثاني: الإسلام. وقد بينا إعراب قوله: " مستقيما ". فأما " السبل "، ~~فقال ابن عباس: هي الضلالات. وقال مجاهد: البدع والشبهات. وقال مقاتل: أراد ~~ما حرموا على أنفسهم من الأنعام والحرث. (فتفرق بكم عن سبيله) أي: فتضلكم ~~عن ms0718 دينه. # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب) قال ~~الزجاج: " ثم " هاهنا للعطف على معنى التلاوة، فالمعنى: أتل ما حرم ربكم، ~~ثم أتل عليكم ما آتاه الله موسى. وقال ابن الأنباري: الذي بعد " ثم " مقدم ~~على الذي قبلها في النية، والتقدير: ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل ~~إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (تماما على الذي أحسن) في قوله (تعالى]: (تماما) قولان: # أحدهما: أنها كلمة متصلة بما بعدها، تقول: أعطيتك كذا تماما على كذا، ~~وتماما لكذا، وهذا قول الجمهور. # والثاني: أن قوله: (تماما) كلمة قائمة بنفسها، غير متصلة بما بعدها، ~~والتقدير: آتينا موسى الكتاب تماما، أي: في دفعة واحدة، لم نفرق إنزاله كما ~~فرق إنزال القرآن، ذكره أبو سليمان الدمشقي. وفي المشار إليه بقوله: (أحسن) ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه الله عز وجل. ثم في معنى الكلام قولان: PageV03P103 # أحدهما: تماما على إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد. # والثاني: تماما على إحسان الله [تعالى] إلى موسى، وعلى هذين القولين، ~~يكون " الذي " بمعنى " ما ". # والقول الثاني: أنه إبراهيم الخليل [عليه السلام]، فالمعنى: تماما للنعمة ~~على إبراهيم الذي أحسن في طاعة الله، وكانت نبوة موسى نعمة على إبراهيم، ~~لأنه من ولده، ذكره الماوردي. # والقول الثالث: أنه كل محسن من الأنبياء، وغيرهم. وقال مجاهد: تماما على ~~المحسنين، أي: تماما لكل محسن. وعلى هذا القول، يكون " الذي " بمعنى " من ~~"، و " على " بمعنى لام الجر، ومن هذا قول العرب: أتم عليه، وأتم له. قال ~~الراعي: # رعته أشهرا وخلا عليها أي: لها. # قال ابن قتيبة: ومثل هذا أن تقول: أوصي بمالي للذي غزا وحج، تريد: ~~للغازين والحاجين. # والقول الرابع: أنه موسى. ثم في معنى: " أحسن " قولان: # أحدهما: أحسن في الدنيا بطاعة الله عز وجل. قال الحسن، وقتادة: تماما ~~لكرامته في الجنة إلى إحسانه في الدنيا. وقال الربيع: هو إحسان موسى ~~بطاعته. وقال ابن جرير: تماما لنعمنا ms0719 عنده على إحسانه في قيامه بأمرنا ~~ونهينا. # والثاني: أحسن في العلم وكتب الله القديمة، وكأنه زيد على ما أحسنه من ~~التوراة، ويكون " التمام " بمعنى الزيادة، ذكره ابن الأنباري. فعلى هذين ~~القولين، يكون " الذي " بمعنى: " ما ". # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، والحسن، وابن يعمر: " على الذي ~~أحسن "، بالرفع. # قال الزجاج: معناه: على الذي هو أحسن الأشياء. وقرأ عبد الله بن عمرو، ~~وأبو المتوكل، وأبو العالية: " على الذي أحسن " برفع الهمزة وكسر السين ~~وفتح النون، وهي تحتمل الإحسان، وتحتمل العلم. # قوله تعالى: (وتفصيلا لكل شئ) أي: تبيانا لكل شئ من أمر شريعتهم مما ~~يحتاجون إلى علمه، لكي يؤمنوا بالبعث والجزاء. # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) قوله تعالى: ~~(وهذا كتاب أنزلناه مبارك) يعني القرآن، (فاتبعوه واتقوا) أن تخالفوه ~~PageV03P104 # (لعلكم ترحمون). قال الزجاج: لتكونوا راجين للرحمة. # أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين (156) قوله تعالى: (أن تقولوا) سبب نزولها: أن كفار مكة قالوا: ~~قاتل الله اليهود والنصارى، كيف كذبوا أنبياءهم، فوالله لو جاءنا نذير ~~وكتاب، لكنا أهدى منهم، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. قال الفراء: " أن " ~~في موضع نصب في مكانين: # أحدهما: أنزلناه لئلا تقولوا. # والآخر: من قوله: واتقوا أن تقولوا. وذكر الزجاج عن البصريين، أن معناه: ~~أنزلناه، كراهة أن تقولوا، ولا يجيزون إضمار " لا ". فأما الخطاب بهذه ~~الآية، فهو لأهل مكة، والمراد إثبات الحجة عليهم بانزال القرآن كي لا ~~يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على اليهود والنصارى، وكنا ~~غافلين عما فيهما. و " دراستهم ": قراءتهم الكتب. قال الكسائي. (وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين) لا نعلم ما هي، لأن كتبهم لم تكن بلغتنا، فأنزل الله ~~كتابا بلغتهم لتنقطع حجتهم. # أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ~~ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون ~~عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) قوله تعالى: (لكنا أهدى منهم) ~~قال الزجاج: ms0720 إنما كانوا يقولون هذا، لأنهم مدلون بالأذهان والأفهام، وذلك ~~أنهم يحفظون أشعارهم وأخبارهم، وهم أميون لا يكتبون. (فقد جاءكم بينة) أي: ~~ما فيه البيان وقطع الشبهات. قال ابن عباس: (فقد جاءكم بينة) أي: حجة، وهو ~~النبي، والقرآن، والهدى، والبيان، والرحمة، والنعمة. (فمن أظلم) أي: أكفر. ~~(ممن كذب بآيات الله) يعني محمدا والقرآن. (وصدف عنها): أعرض فلم يؤمن بها. ~~وسوء العذاب: قبيحة. # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) PageV03P105 # قوله تعالى: (هل ينظرون) أي: ينتظرون (إلا أن تأتيهم الملائكة) قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: " تأتيهم " بالتاء. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: " يأتيهم " بالياء. وهذا الإتيان لقبض أرواحهم. وقال مقاتل: ~~المراد بالملائكة: ملك الموت وحده. # قوله تعالى: (أو يأتي ربك) قال الحسن: أو يأتي أمر ربك. وقال الزجاج: أو ~~يأتي إهلاكه وانتقامه، إما بعذاب عاجل، أو بالقيامة. # قوله تعالى: (أو يأتي بعض آيات ربك) وروى عبد الوارث إلا القزاز: بتسكين ~~ياء " أو يأتي "، وفتحها الباقون. وفي هذه الآية أربعة أقوال: # أحدها: أنه طلوع الشمس من مغربها، رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وبه قال ابن مسعود. وفي رواية زرارة بن أوفى عنه، وعبد ~~الله ابن عمرو، ومجاهد وقتادة، والسدي. وقد روى البخاري، ومسلم في " ~~الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا ~~تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس، آمن من ~~عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا ". وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا ~~طلعت، طبع على كل قلب بما فيه، [و] كفي الناس العمل ". # والثاني: أنه ms0721 طلوع الشمس والقمر من مغربهما، رواه مسروق عن ابن مسعود. # والثالث: أنه إحدى الآيات الثلاث، طلوع الشمس من مغربها، والدابة، وفتح ~~يأجوج ومأجوج، روى هذا المعنى القاسم عن ابن مسعود. # والرابع: أنه طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، قاله أبو ~~هريرة، والأول أصح. والمراد بالخير هاهنا: العمل الصالح، وإنما لم ينفع ~~الإيمان والعمل الصالح حينئذ، لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان. وقال ~~الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه، قبل منه، كما ~~يقبل منه قبل الآية. وقيل: إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها، أن الملحدة ~~والمنجمين، زعموا أن ذلك لا يكون، فيريهم الله [تعالى] قدرته، ويطلعها من ~~المغرب كما أطلعها من المشرق، ولتحقق عجز نمرود حين قال له إبراهيم: [فأت ~~بها من المغرب، فبهت). PageV03P106 # فصل وفي قوله: (قل انتظروا إنا منتظرون) قولان: # أحدهما: أن المراد به التهديد، فهو محكم. # والثاني: أنه أمر بالكف عن القتال، فهو منسوخ بآية السيف. # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم) قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو: " فرقوا " مشددة. وقرأ حمزة، والكسائي: " فارقوا " بألف. ~~" وكذلك قرؤوا في (الروم)، فمن قرأ: " فرقوا "، أراد: آمنوا ببعض، وكفروا ~~ببعض. ومن قرأ: " فارقوا "، أراد: باينوا. وفي المشار إليهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أهل الضلالة من هذه الأمة، قاله أبو هريرة. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والسدي. # والثالث: اليهود، قاله مجاهد. # والرابع: جميع المشركين، قاله الحسن. فعلى هذا القول، دينهم: الكفر الذي ~~يعتقدونه دينا، وعلى ما قبله، دينهم: الذي أمرهم الله به. والشيع: الفرق ~~والأحزاب. قال الزجاج: ومعنى " شيعت " في اللغة: اتبعت. والعرب تقول: شاعكم ~~السلام، وأشاعكم، أي: تبعكم. # قال الشاعر: # ألا يا نخلة من ذات عرق * برود الظل شاعكم السلام وتقول: أتيتك غدا، أو ~~شيعة، أي: أو اليوم الذي يتبعه. فمعنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضا، وليس ~~كلهم متفقين. # وفي قوله تعالى: ms0722 (لست منهم في شئ) قولان: # أحدهما: لست من قتالهم في شئ، ثم نسخ بآية السيف، وهذا مذهب السدي، ~~والثاني: لست منهم، أي: أنت برئ منهم، وهم منك برءاء، إنما أمرهم إلى الله ~~في جزائهم، فتكون الآية محكمة. # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم ~~لا يظلمون (160) PageV03P107 # قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وقرأ يعقوب، والقزاز عن ~~عبد الوارث: # " عشر " بالتنوين، " أمثالها " بالرفع. قال ابن عباس: يريد: من عملها، ~~كتبت له عشر حسنات. # (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا) جزاء (مثلها). وفي الحسنة والسيئة هاهنا ~~قولان: # أحدهما: أن الحسنة: قول لا إله إلا الله. والسيئة: الشرك، قاله ابن ~~مسعود، ومجاهد، والنخعي. # والثاني: أنه عام في كل حسنة وسيئة. روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي ~~ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر " فإن ~~قيل: إذا كانت الحسنة كلمة التوحيد، فأي مثل لها حتى يجعل جزاء قائلها عشر ~~أمثالها؟ فالجواب: أن جزءا الحسنة معلوم القدر عند الله، فهو يجازي فاعلها ~~بعشر أمثاله، وكذلك السيئة. وقد أشرنا إلى هذا في (المائدة) عند قوله: ~~(فكأنما قتل الناس جميعا) فإن قيل: المثل مذكر، فلم قال: (عشر أمثالها) ~~والهاء إنما تسقط في عدد المؤنث؟ فالجواب: أن الأمثال خلقت حسنات مؤنثة، ~~وتلخيص المعني: فله عشر حسنات أمثالها، فسقطت الهاء من عشر، لأنها عدد ~~مؤنث، كما تسقط عند قولك: عشر نعال، وعشر جباب. # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين (161) قوله تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) قال ~~الزجاج: أي: دلني على الدين الذي هو دين الحق. ثم فسر ذلك بقوله: (دينا ~~قيما) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " قيما " مفتوحة القاف، مشددة ~~الياء. والقيم: المستقيم. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " قيما " ~~بكسر القاف وتخفيف الياء. ms0723 قال الزجاج: وهو مصدر، كالصغر والكبر. وقال مكي ~~من خففه بناه على " فعل " وكان أصله أن يأتي بالواو، فيقول: " قوما " كما ~~قالوا: عوض، وحول، ولكنه شذ عن القياس. قال الزجاج: ونصب قوله: (دينا قيما) ~~محمول على المعنى، لأنه لما قال: # " هداني " دل على عرفني دينا، ويجوز أن يكون على البدل من قوله: (إلى ~~صراط مستقيم)، فالمعنى: هداني صراطا مستقيما دينا قيما. و " حنيفا " منصوب ~~على الحال من إبراهيم، والمعنى: # هداني ملة إبراهيم في حال حنيفيته. # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا أول المسلمين (163) PageV03P108 # قوله تعالى: (قل إن صلاتي) يريد: الصلاة المشروعة. والنسك: جمع نسيكة. ~~وفي النسك هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: أنها الذبائح، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن قتيبة. # والثاني: الدين، قاله الحسن. # والثالث: العبادة. # قال الزجاج: النسك كل ما تقرب به إلى الله عز وجل، إلا أن الغالب عليه ~~أمر الذبح. # والرابع: أنه الدين، والحجج، والذبائح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: (ومحياي ومماتي) الجمهور على تحريك ياء " محياي "، وتسكين ~~ياء " مماتي ". وقرأ نافع: بتسكين ياء " محياي "، ونصب ياء " مماتي "، ثم ~~للمفسرين في معناه قولان: # أحدهما: أن معناه: لا يملك حياتي ومماتي إلا الله. # والثاني: حياتي لله في طاعته، ومماتي لله في رجوعي إلى جزائه. ومقصود ~~الآية أنه أخبرهم أن أفعالي وأحوالي لله وحده، لا لغيره كما تشركون أنتم ~~به. # قوله تعالى: (وأنا أول المسلمين) قال الحسن، وقتادة: أول المسلمين من هذه ~~الأمة. # قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شئ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) ~~قوله تعالى: (قل أغير الله أبغي ربا) سبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر، ونحن لك الكفلاء بما أصابك من ~~تبعة، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) أي: لا ms0724 يؤخذ سواها بعملها. ~~وقيل: المعنى: # إلا عليها عقاب معصيتها، ولها ثواب طاعتها. # (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قال الزجاج: لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى. ~~والمعنى: لا يؤخذ أحد بذنب غيره. قال أبو سليمان: ولما ادعت كل فرقة من ~~اليهود والنصارى والمشركين أنهم أولى بالله من غيرهم. عرفهم أنه الحاكم ~~بينهم بقوله [تعالى]: (فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) ونظيره (إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة). PageV03P109 # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ~~آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) قوله تعالى: وهو الذي ~~جعلكم خلائف الأرض) قال أبو عبيدة: الخلائف: جمع خليفة. قال الشماخ: # تصيبهم وتخطئني المنايا * واخلف في ربوع عن ربوع وللمفسرين فيمن خلفوه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم خلفوا الجن الذين كانوا سكان الأرض، قاله ابن عباس. # والثاني: أن بعضهم يخلف بعضا، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أن أمة محمد خلفت سائر الأمم، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) أي: في الرزق، والعلم، والشرف، ~~والقوة، وغير ذلك (ليبلوكم) أي: ليختبركم، فيظهر منكم ما يكون عليه الثواب ~~والعقاب. # قوله تعالى: (إن ربك سريع العقاب) فيه قولان: # أحدهما: أنه سماه سريعا، لأنه آت، وكل آت قريب. # والثاني: أنه إذا شاء العقوبة، أسرع عقابه. PageV03P110 # (7) سورة الأعراف مكية وآياتها ست ومائتان فصل في نزولها روى العوفي، ~~وابن أبي طلحة، وأبو صالح عن ابن عباس، أن سورة الأعراف من المكي، وهذا قول ~~الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد، وقتادة. وروي عن ابن عباس، ~~وقتادة أنها مكية، إلا خمس آيات، أولها قوله تعالى: (واسألهم عن القرية). ~~وقال مقاتل: كلها مكية، إلا قوله: (واسألهم عن القرية) إلى قوله: (وإذا أخذ ~~ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم) فإنهن مدنيات. # بسم الله الرحمن الرحيم المص (1) فأما التفسير، فقوله تعالى: (المص) قد ~~ذكرنا في أول سورة (البقرة) كلاما مجملا في الحروف المقطعة أوائل السور، ~~فهو يعم هذه أيضا. فأما ما يختص بهذه الآية ففيه سبعة أقوال: # أحدها: أن ms0725 معناه: أنا الله أعلم وأفضل، رواه أبو الضحى عن ابن عباس. # والثاني: أنه أقسم أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنها اسم من أسماء الله تعالى، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أن الألف مفتاح اسمه " الله "، واللام مفتاح اسمه " لطيف "، ~~والميم مفتاح اسمه " مجيد "، قاله أبو العالية. # والخامس: أن (المص) اسم للسورة، قاله الحسن. # والسادس أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # والسابع: أنها بعض كلمة. ثم في تلك الكلمة قولان: PageV03P111 # أحدهما: المصور، قاله السدي. # والثاني: المصير إلى كتاب أنزل إليك، ذكره الماوردي. # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) ~~قوله تعالى: (كتاب أنزل إليك) قال الأخفش: رفع الكتاب بالابتداء. ومذهب ~~الفراء أن الله [تعالى] اكتفى في مفتتح السور ببعض حروف المعجم عن جميعها، ~~كما يقول القائل: " ا ب ت ث " ثمانية وعشرون حرفا، فالمعنى: حروف المعجم: ~~كتاب أنزلناه إليك. قال ابن الأنباري: # ويجوز أن يرتفع الكتاب باضمار: هذا الكتاب. وفي الحرج قولان: # أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. # والثاني: أنه الضيق، قاله الحسن، والزجاج. وفي هاء " منه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب، فعلى هذا، في معنى الكلام قولان: # أحدهما: لا يضيقن صدرك بالإبلاغ، ولا تخافن، قاله الزجاج. # والثاني: لا تشكن أنه من عند الله. # والقول الثاني أنها ترجع إلى مضمر، وقد دل عليه الإنذار، وهو التكذيب، ~~ذكره ابن الأنباري. قال الفراء: فمعنى الآية: لا يضيقن صدرك أن كذبوك. قال ~~الزجاج: وقوله تعالى: # (لتنذر به) مقدم، والمعنى: أنزل إليه لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فلا يكن ~~في صدرك حرج منه. # (وذكرى) يصلح أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض، فأما النصب، فعلى قوله: ~~أنزل إليك لتنذر به، وذكر للمؤمنين أي الرفع على: ولتذكر به ذكرى، لأن في ~~الإنذار معنى التذكير. ويجوز أن يكون: وهو ذكرى، كقولك: وهو ذكرى للمؤمنين. ~~فأما الخفض، فعلى معنى: لتنذر، لأن معنى " لتنذر ": لأن تنذر، وهو في موضع ms0726 ~~خفض، المعنى للإنذار والذكرى. # اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ~~(3) قوله تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) إن قيل: كيف خاطبه ~~بالإفراد في الآية الأولى، ثم جمع بقوله: " اتبعوا "؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه لما علم أن الخطاب له ولأمته، حسن الجمع لذلك المعنى. # والثاني: أن الخطاب الأول خاص له، والثاني محمول على الإنذار، والإنذار ~~في طريق القول، فكأنه قال: لتقول لهم منذرا: " اتبعوا "، ذكرهما ابن ~~الأنباري. PageV03P112 # والثالث: أن الخطاب الثاني للمشركين، ذكره جماعة من المفسرين، قالوا: ~~والذي أنزل إليهم القرآن. وقال الزجاج: الذي أنزل: القرآن وما أتى به عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه مما أنزل عليه، لقوله تعالى: (وما آتاكم ~~الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا) (ولا تتبعوا من دونه أولياء) أي: # لا تتولوا من عدل عن دين الحق، وكل من ارتضى مذهبا فهو ولي أهل المذهب. ~~وقوله تعالى: # (قليلا ما تذكرون) ما: زائدة مؤكدة، والمعنى: قليلا تتذكرون. قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: " تذكرون " مشددة الذال والكاف. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " تذكرون " خفيفة الذال مشددة الكاف. ~~قال أبو علي: من قرأ " تذكرون " بالتشديد، أراد " تتذكرون " فأدغم التاء في ~~الذال، وإدغامها فيها حسن، لأنها التاء مهموسة، والذال مجهورة، والمجهور ~~أزيد صوتا من المهموس وأقوى، فادغام الأنقص في الأزيد حسن. فأما حمزة ومن ~~وافقه، فإنهم حذفوا التاء التي أدغمها هؤلاء، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف ~~متقاربة. وقرأ ابن عامر: # " يتذكرون " بياء وتاء، على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: ~~قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب. # وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) قوله تعالى: ~~(وكم من قرية أهلكناها) و " كم " تدل على الكثرة، و " رب ": موضوعة للقلة. ~~قال الزجاج: المعنى: وكم من أهل قرية، فحذف الأهل، لأن في الكلام دليلا ~~عليه. # وقوله تعالى: (فجاءها) محمول على لفظ القرية، والمعنى: فجاءهم بأسنا غفلة ~~وهم غير متوقعين له، إما ms0727 ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون. قال ابن ~~قتيبة: بأسنا عذابنا وبياتا: ليلا. # وقائلون: من القائلة نصف النهار. فإن قيل: إنما أتاها البأس قبل الإهلاك، ~~فكيف يقدم الهلاك؟ # فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن الهلاك والبأس يقعان معا، كما تقول: أعطيتني فأحسنت، وليس ~~الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله، وإنما وقعا معا، قاله الفراء. # والثاني: أن الكون مضمر في الآية، تقديره: أهلكناها، وكان بأسنا قد ~~جاءها، فأضمر الكون، كما أضمر في قوله: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين)، أي: ~~ما كانت الشياطين تتلوه. وقوله تعالى: (إن يسرق)، أي: إن يكن سرق. # والثالث: أن في الآية تقديما وتأخيرا، تقديره: وكم من قرية جاءها بأسنا ~~بياتا، أو هم قائلون PageV03P113 # فأهلكناها، كقوله تعالى: (إني متوفيك ورافعك إلي) أي: رافعك ومتوفيك، ~~ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: (أو هم قائلون) قال الفراء: فيه واو مضمرة، والمعنى: فجاءها ~~بأسنا بياتا، أو وهم قائلون، فاستثقلوا نسقا على نسق. # فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) قوله ~~تعالى: (فما كان دعواهم) قال اللغويون: الدعوى هاهنا بمعنى الدعاء والقول. ~~والمعنى: ما كان قولهم وتداعيهم إذ جاءهم العذاب إلا الاعتراف بالظلم. قال ~~ابن الأنباري: وللدعوى في الكلام موضعان: # أحدهما: الادعاء. # والثاني: القول والدعاء. # قال الشاعر: # إذا مذلت رجلي دعوتك أشتفي * بدعواك من مذل بها فيهون فلنسئلن الذين أرسل ~~إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) قوله ~~تعالى: (فلنسألن الذين أرسل إليهم) يعني: الأمم يسألون: هل بلغكم الرسل، ~~وماذا أجبتم؟ ويسأل الرسل: هل بلغتم، وماذا أجبتم؟. (فلنقصن عليهم) أي: ~~فلنخبرنهم بما عملوا بعلم منا (وما كنا غائبين) عن الرسل والأمم. وقال ابن ~~عباس: يوضع الكتاب، فيتكلم بما كانوا يعملون. # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) قوله ~~تعالى: (والوزن يومئذ الحق) أي: العدل. وإنما قال: " موازينه " لأن " من " ~~في معنى جميع، يدل عليه قوله: (فأولئك). وفي معنى (يظلمون) قولان: # أحدهما: يجحدون. # والثاني: يكفرون. PageV03P114 # قال ms0728 الفراء: والمراد بموازينه، وزنه. والعرب تقول: هل لك في درهم بميزان ~~درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان دارك، ووزن دارك، ويريدون: حذاء ~~دارك. # قال الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكم مخاصم ميزانه يعني: مثل كلامه ~~ولفظه. # فصل والقول بالميزان مشهور في الحديث، وظاهر القرآن ينطق به. وأنكرت ~~المعتزلة ذلك، وقالوا: # الأعمال أعراض، فكيف توزن؟ فالجواب: أن الوزن يرجع إلى الصحائف، بدليل ~~حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن ~~الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الناس يوم القيامة، فينشر عليه ~~تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: # أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك ~~عذر أو حسنة؟ # فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ~~ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات ~~وثقلت البطاقة " أخرجه أحمد في " مسنده "، والترمذي وروى أبو هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب، فلا ~~يزن جناح بعوضة "، فعلى هذا يوزن الإنسان. قال ابن عباس: توزن الحسنات ~~والسيئات في ميزان، له لسان وكفتان. فأما المؤمن، فيؤتى بعمله في أحسن ~~صورة، فيوضع في كفة الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، وأما الكافر، فيؤتى ~~بعمله في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه. وقال الحسن: للميزان ~~لسان وكفتان. وجاء في الحديث: أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه ~~الميزان، فأراه إياه، فقال: يا إلهي، من يقدر أن يملأ كفتيه حسنات؟ فقال: ~~يا داود، إني إذا رضيت عن عبدي، ملأتها بتمرة. وقال حذيفة: جبريل صاحب ~~الميزان يوم القيامة يقول له ربه: زن بينهم، ورد من بعضهم على بعض، فيرد ~~على المظلوم من الظالم ما وجد له من حسنة. فإن لم تكن ms0729 له حسنة، أخذ من ~~سيئات المظلوم، فرد على سيئات الظالم، فيرجع وعليه مثل الجبل. # فإن قيل: أليس الله عز وجل يعلم مقادير الأعمال، فما الحكمة في وزنها؟ ~~فالجواب أن فيه PageV03P115 # خمسة حكم: # إحداها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا. # والثانية إظهار علامة السعادة والشقاوة في الأخرى. # والثالثة تعريف العباد ما لهم من خير وشر. # والرابعة: إقامة الحجة عليهم. # والخامسة: الإعلام بأن الله عادل لا يظلم. ونظير هذا أنه أثبت الأعمال في ~~كتاب، واستنسخها من غير جواز النسيان عليه. # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) قوله ~~تعالى: (ولقد مكناكم في الأرض) فيه قولان: # أحدهما: مكناكم إياها. # والثاني: سهلنا عليكم التصرف فيها. وفي المعايش قولان: # أحدهما: ما تعيشون به من المطاعم والمشارب. # والثاني: ما تتوصلون به إلى المعايش، من زراعة، وعمل، وكسب. وأكثر القراء ~~على ترك الهمز في " معايش " وقد رواها خارجة عن نافع مهموزة. قال الزجاج: ~~وجميع النحويين البصريين يزعمون أن همزها خطأ، لأن الهمز إنما يكون في ~~الياء الزائدة، نحو صحيفة وصحائف، فصحيفة من الصحف، والياء زائدة، فأما ~~معايش، فمن العيش، فالياء أصلية. # قوله تعالى: (قليلا ما تشكرون) أي: شكركم قليل. وقال ابن عباس: يريد أنكم ~~غير شاكرين. # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~لم يكن من الساجدين (11) قوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) فيه ثمانية ~~أقوال: # أحدها: ولقد خلقناكم في ظهر آدم، ثم صورناكم في الأرحام، رواه عبد الله ~~بن الحارث عن ابن عباس. # والثاني: ولقد خلقناكم في أصلاب الرجال، وصورناكم في أرحام النساء، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. PageV03P116 # والثالث: " ولقد خلقناكم "، يعني آدم، " ثم صورناكم "، يعني ذريته من ~~بعده، رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: " ولقد خلقناكم "، يعني آدم، " ثم صورناكم " في ظهره، قاله ~~مجاهد. # والخامس: " خلقناكم " نطفا في أصلاب الرجال، وترائب النساء، " ثم صورناكم ~~" عند اجتماع النطف في الأرحام، قاله ابن السائب. # والسادس: " خلقناكم " في بطون أمهاتكم، " ثم صورناكم " فيما بعد ms0730 الخلق ~~بشق السمع والبصر، قاله معمر. # والسابع: " خلقناكم "، يعني آدم خلقناه من تراب، " ثم صورناكم "، أي: ~~صورناه، قاله الزجاج، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: فجعل الخلق لهم إذ كانوا ~~منه، فمن قال: عني بقوله " خلقناكم " آدم، فمعناه: خلقنا أصلكم، ومن قال: ~~صورنا ذريته في ظهره، أراد إخراجهم يوم الميثاق كهيئة الذر. # والثامن: " ولقد خلقناكم " يعني الأرواح، " ثم صورناكم " يعني الأجساد، ~~حكاه القاضي أبو يعلى في " المعتمد ". وفي " ثم " المذكورة مرتين قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الواو، قاله الأخفش. # والثاني: أنها للترتيب، قاله الزجاج. # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين (12) قوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد) " ما " استفهام، ومعناها الإنكار. ~~قال الكسائي: # " لا " ها هنا زائدة. والمعنى: ما منعك أن تسجد؟. وقال الزجاج: موصع " ما ~~" رفع. # والمعنى أي شئ منعك من السجود؟ و " لا " زائدة مؤكدة، ومثله: (لئلا يعلم ~~أهل الكتاب) قال ابن قتيبة: وقد تزاد " لا " في الكلام. والمعنى: طرحها ~~لإباء في الكلام، أو جحد، كهذه الآية. وإنما زاد " لا " لأنه لم يسجد. ~~ومثله: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) على قراءة من فتح " أنها "، فزاد " لا " ~~لأنهم لم يؤمنوا، ومثله: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون). # وقال الفراء: " لا " ها هنا جحد محض، وليست بزائدة، والمنع راجع إلى ~~تأويل القول، والتأويل: من قال لك: لا تسجد، فأحل المنع محل القول، ودخلت ~~بعده " أن " ليدل على تأويل PageV03P117 # القول الذي لم يتصرح لفظه. وقال ابن جرير: في الكلام محذوف، تقديره: ما ~~منعك من السجود، فأحوجك أن لا تسجد؟. قال الزجاج: وسؤال الله تعالى لإبليس ~~" ما منعك " توبيخ له، وليظهر أنه معاند، ولذلك لم يتب، وأتى بشئ في معنى ~~الجواب، ولفظه غير جواب، لأن قوله: (أنا خير منه) إنما هو جواب، أيكما خير؟ ~~ولكن المعنى: منعني من السجود فضلي عليه. ومثله قولك للرجل: كيف كنت؟ ~~فيقول: أنا صالح، وإنما الجواب: كنت صالحا فيجيب بما يحتاج إليه وزيادة. ~~قال العلماء: وقع الخطأ من ms0731 إبليس حين قاس مع وجود النص، وخفي عليه فضل ~~الطين على النار، وفضله من وجوه. # أحدها: أن من طبع النار الطيش والالتهاب والعجلة، ومن طبع الطين الهدوء ~~والرزانة. # والثاني: أن الطين سبب الإنبات والإيجاد، والنار سبب الإعدام والإهلاك. # والثالث: أن الطين سبب جمع الأشياء، والنار سبب تفريقها. # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فأخرج إنك من الصاغرين (13) ~~قوله تعالى: (فاهبط منها) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى السماء، لأنه كان فيها، قاله الحسن. # والثاني: إلى الجنة، قاله السدي. # قوله تعالى: (فما يكون لك أن تتكبر فيها) إن قيل: فهل لأحد أن يتكبر في ~~غيرها؟ # فالجواب: أن المعنى: ما للمتكبر أن يكون فيها، وإنما المتكبر في غيرها. ~~وأما الصاغر، فهو الذليل. والصغار: الذل. قال الزجاج: استكبر إبليس بإبائه ~~السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك. # قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) قوله تعالى: ~~(قال أنظرني) أي أمهلني وأخرني (إلى يوم يبعثون)، فأراد أن يعبر فنظرة ~~الموت، وسأل الخلود، فلم يجبه إلى ذلك، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت ~~الخلق كلهم. # وقد بين مدة إمهاله في (الحجر) بقوله: (إلى يوم الوقت المعلوم). وفي ما ~~سأل الإمهال له قولان: # أحدهما: الموت. # والثاني: العقوبة. فإن قيل: كيف قيل له: (إنك من المنظرين) وليس أحد أنظر ~~سواه؟ PageV03P118 # فالجواب: أن الذين تقوم عليهم الساعة منظرون إلى ذلك الوقت بآجالهم، فهو ~~منهم. # قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) قوله تعالى: (فبما ~~أغويتني) في معنى هذا الإغواء قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الإضلال، قاله ابن عباس، والجمهور. # الثاني: أنه بمعنى الإهلاك، ومنه قوله: (فسوف يلقون غيا) أي: هلاكا، ذكره ~~ابن الأنباري. وفي معنى " فبما " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى القسم، أي: فباغوائك لي. # والثاني: أنها بمعنى الجزاء، أي: فبأنك أغويتني، ولأجل أنك أغويتني ~~(لأقعدن لهم صراطك). قال الفراء، والزجاج: أي: على صراطك. ومثله قولهم: ضرب ~~زيد الظهر والبطن. # وفي المراد بالصراط ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه طريق مكة، قاله ابن مسعود، ms0732 والحسن، وسعيد بن جبير، كأن المراد ~~صدهم عن الحج. # والثاني: أنه الإسلام، قاله جابر بن عبد الله، وابن الحنفية، ومقاتل. # والثالث: أنه الحق، قاله مجاهد. # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين (17) قوله تعالى: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم) فيه سبعة أقوال: # أحدها: " من بين أيديهم " أشككهم في آخرتهم، " ومن خلفهم " أرغبهم في ~~دنياهم، " وعن أيمانهم " أي: من قبل حسناتهم، " وعن شمائلهم " من قبل ~~سيئاتهم، قاله ابن عباس [قتادة]. # والثاني: مثله، إلا أنهم جعلوا " من بين أيديهم " الدنيا، " ومن خلفهم " ~~الآخرة، قاله النخعي، والحكم بن عتيبة. PageV03P119 # والثالث: مثل الثاني، إلا أنهم جعلوا " وعن أيمانهم " من قبل الحق أصدهم ~~عنه، " وعن شمائلهم) من قبل الباطل أردهم إليه، قاله مجاهد، والسدي. # والرابع: (من بين أيديهم) من سبيل الحق، (ومن خلفهم) من سبيل الباطل، ~~(وعن أيمانهم) من قبل آخرتهم، " وعن شمائلهم " من أمر الدنيا، قاله أبو ~~صالح. # والخامس: (من بين أيديهم) وعن أيمانهم " من حيث يبصرون، (ومن خلفهم) " ~~وعن شمائلهم " من حيث لا يبصرون، نقل عن مجاهد أيضا. # والسادس: أن المعنى: لأتصرفن لهم في الإضلال من جميع جهاتهم، قاله ~~الزجاج، وأبو سليمان الدمشقي. فعلى هذا، يكون ذكر هذه الجهات، للمبالغة في ~~التأكيد. # والسابع: (من بين أيديهم) فيما بقي من أعمارهم، فلا يقدمون فيه على طاعة، ~~" ومن خلفهم " فيما مضى من أعمارهم، فلا يتوبون فيه من معصية، (وعن ~~أيمانهم) من قبل الغنى، فلا ينفقونه في مشكور، " وعن شمائلهم " من قبل ~~الفقر، فلا يمتنعون فيه من محظور، قاله الماوردي. # قوله تعالى: (ولا تجد أكثرهم شاكرين) فيه قولان: # أحدهما: موحدين، قاله ابن عباس. # والثاني: شاكرين لنعمتك، قاله مقاتل. فإن قيل: من أين علم إبليس ذلك؟ فقد ~~أسلفنا الجواب عن هذا في سورة (النساء). # قال أخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) ~~ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين ms0733 (19) قوله تعالى: (قال اخرج منها مذؤوما) وقرأ الأعمش: ~~" مذوما " بضم الذال من غير همز. # قال الفراء: الذأم: الذم، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه ذأما، وذممته، أذمه ~~ذما، وذمته، أذيمه ذيما، ويقال: رجل مذؤوم، ومذموم، ومذيم، بمعنى. قال حسان ~~بن ثابت: # وأقاموا أبي حتى أبيروا جميعا * في مقام وكلهم مذؤوم قال ابن قتيبة: ~~المذؤوم: المذموم بأبلغ الذم. والمدحور: المقصى المبعد. وقال الزجاج: معنى ~~المذؤوم كمعنى المذموم، والمدحور: المبعد من رحمة الله. واللام من ~~PageV03P120 # " لأملأن ": لام القسم، والكلام بمعنى الشرط والجزاء، كأنه قيل له: من ~~تبعك، أعذبه، فدخلت اللام للمبالغة والتوكيد. فلام " لأملأن " هي لام ~~القسم، ولام " لمن تبعك " توطئة لها. # فأما قوله: " منهم " فقال ابن الأنباري: الهاء والميم عائدتان على ولد ~~آدم، لأنه حين قال: # (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) كان مخاطبا لولد آدم، فرجع إليهم، فقال: (لمن ~~تبعك منهم) فجعلهم غائبين، لأن مخاطبتهم في ذا الموضع توقع لبسا، والعرب ~~ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب. ومن قال: (ولقد خلقناكم ~~ثم صورناكم) خطاب لآدم، قال: # أعاد الهاء والميم على ولده، لأن ذكره يكفي من ذكرهم، والعرب تكتفي بذكر ~~الوالد من ذكر الأولاد إذا انكشف المعنى وزال اللبس. قال الشاعر: # أرى الخطفى بذ الفرزدق شعره * ولكن لا خيرا من كليب مجاشع أراد: أرى ابن ~~الخطفي، فاكتفى بالخطفي من ابنه. # قوله تعالى: (لأملأن جهنم منكم) يعني أولاد آدم المخالفين وقرناءهم من ~~الشياطين. # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) قوله ~~تعالى: (فوسوس لهما الشيطان) قيل: إن الوسوسة: إخفاء الصوت. قال ابن فارس: ~~الوسواس: صوت الحلي، ومنه وسواس الشيطان. و " لهما " بمعنى " إليهما "، ~~(ليبدي لهما) أي: ليظهر لهما (ما ووري عنهما) أي: ستر. وقيل: إن لام " ~~ليبدي " لام العاقبة، وذلك أن عاقبة الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، ولم تكن ~~الوسوسة لظهورها. # قوله تعالى: (إلا أن تكونا ملكين) قال الأخفش، والزجاج: معناه: ما نهاكما ~~إلا كراهة ms0734 أن تكونا ملكين. وقال ابن الأنباري: المعنى: إلا أن لا تكونا، ~~فاكتفى ب‍ " أن " من " لا " فأسقطها. فإن قيل: كيف انقاد آدم لإبليس، ~~مستشرفا إلى أن يكون ملكا، وقد شاهد الملائكة ساجدة له؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه عرف قربهم من الله، واجتماع أكثرهم حول عرشه، فاستشرف لذلك، ~~قاله ابن الأنباري. # والثاني: أن المعنى: إلا أن تكونا طويلي العمر مع الملائكة (أو تكونا من ~~الخالدين) لا تموتان أبدا، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد روى يعلى بن حكيم ~~عن ابن كثير: " أن تكونا PageV03P121 # ملكين " بكسر اللام، وهي قراءة الزهري. # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما ~~عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون (25) قوله تعالى: (وقاسمهما) قال الزجاج: حلف لهما، ~~فدلاهما في المعصية بأن غرهما. # قال ابن عباس: غرهما باليمين، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا. # قوله تعالى: (فلما ذاقا الشجرة) أي: فلما ذاقا ثمر الشجرة. قال الزجاج: ~~وهذا يدل على أنهما إنما ذاقاها ذواقا، ولم يبالغا في الأكل. والسوأة كناية ~~عن الفرج، لا أصل له في تسميته. ومعنى (طفقا) أخذا في الفعل، والأكثر: طفق ~~يطفق، وقد رويت: طفق يطفق، بكسر الفاء، ومعنى (يخصفان) يجعلان ورقة على ~~ورقة، ومنه قيل للذي يرقع النعل: # خصاف. # وفي الآية دليل على أن إظهار السوأة قبيح من لدن آدم، ألا ترى إلى قوله: ~~(ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما) فإنهما بادرا يستتران لقبح التكشف. ~~وقيل: إنما سميت السوأة سوأة، لأن كشفها يسوء صاحبها. قال وهب بن منبه: كان ~~لباسهما نورا على فروجهما، لا يرى أحدهما عورة الآخر، فلما أصابا الخطيئة، ~~بدت لهما سوءاتهما. وقرأ الحسن: " سوأتهما " على التوحيد، وكذلك قرأ " ~~يخصفان " بكسر ms0735 الياء والخاء مع تشديد الصاد. وقرأ الزهري: بضم الياء وفتح ~~الخاء مع تشديد الصاد. # وفي الورق قولان: # أحدهما: ورق التين، قاله ابن عباس. # والثاني: ورق الموز، ذكره المفسرون. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله: ~~(قال فيها تحيون) يعني الأرض. واختلف العلماء في تاء " تخرجون "، فقرأ ابن ~~كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو: بضم التاء وفتح الراء، ها هنا، وفي الروم: ~~(وكذلك تخرجون). وفي الزخرف: PageV03P122 # (كذلك تخرجون) وفي الجاثية: (لا يخرجون منها). وقرأهن حمزة، والكسائي: ~~بفتح التاء وضم الراء. وفتح ابن عامر التاء في (الأعراف) فقط. فأما التي في ~~(الروم) (إذا أنتم تخرجون)، وفي (سأل سائل) (يوم يخرجون) فمفتوحتان من غير ~~خلاف. # يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك ~~خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) قوله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا) سبب نزولها: أن ناسا من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، ~~فنزلت هذه الآية قاله مجاهد. وقيل: إنه لما ذكر عري آدم، من علينا باللباس. ~~وفي معنى (أنزلنا عليكم) ثلاثة أقوال: # أحدها: خلقنا لكم. # والثاني: ألهمناكم كيفية صنعه. # والثالث: أنزلنا المطر الذي هو سبب نبات ما يتخذ لباس. وأكثر القراء ~~قرؤوا: " وريشا ". # وقرأ ابن عباس، والحسن، وزر بن حبيش، وقتادة، والمفضل، وأبان عن عاصم: " ~~ورياشا " بألف. قال الفراء: يجوز أن تكون الرياش جمع الريش. ويجوز أن تكون ~~بمعنى الريش كما قالوا: لبس، ولباس. # فلما كشفن اللبس عنه مسحنه * بأطراف طفل زان غيلا موشما قال ابن عباس، ~~ومجاهد: " الرياش ": المال، وقال عطاء: المال والنعيم. وقال ابن زيد: ~~الريش: الجمال، وقال معبد الجهني: الريش: الرزق، وقال ابن قتيبة: الريش ~~والرياش: ما ظهر من اللباس. وقال الزجاج: الريش: اللباس وكل ما ستر الإنسان ~~في جسمه ومعيشته. يقال: تريش فلان، أي: صار له ما يعيش به. أنشد سيبويه: # رياشي منكم وهواي معكم * وإن كانت زيارتكم لماما وعلى قول الأكثرين: ~~الريش والرياش بمعنى. قال قطرب: الريش والرياش واحد. وقال سفيان الثوري: ~~الريش: المال، والرياش: الثياب. ms0736 # قوله تعالى: (ولباس التقوى) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة: " ~~ولباس التقوى " بالرفع. وقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي: بنصب اللباس. قال ~~الزجاج: من نصب PageV03P123 # اللباس، عطف به على الريش، ومن رفعه، فيجوز أن يكون مبتدأ، ويجوز أن يكون ~~مرفوعا باضمار: هو، المعنى: وهو لباس التقوى، أي: وستر العورة لباس ~~المتقين. وللمفسرين في لباس التقوى عشرة أقوال: # أحدها: أنه السمت الحسن، قاله عثمان بن عفان، ورواه الذيال بن عمرو عن ~~ابن عباس. # والثاني: العمل الصالح، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: الإيمان، قاله قتادة، وابن جريج، والسدي، فعلى هذا، سمي لباس ~~التقوى، لأنه يقي العذاب. # والرابع: خشية الله تعالى، قاله عروة بن الزبير. # والخامس: الحياء، قاله معبد الجهني، وابن الأنباري. # والسادس: ستر العورة للصلاة، قاله ابن زيد. # والسابع أنه الدرع، وسائر آلات الحرب، قاله زيد بن علي. # والثامن: العفاف، قاله ابن السائب. # والتاسع: أنه ما يتقى به الحر والبرد، قاله ابن بحر. # والعاشر: أن المعنى: ما يلبسه المتقون في الآخرة، خير ما يلبسه أهل ~~الدنيا، رواه عثمان ابن عطاء عن أبيه. # قوله تعالى: (ذلك خير) قال ابن قتيبة: المعنى: ولباس التقوى خير من ~~الثياب، لأن الفاجر، وإن كان حسن الثوب، فهو بادي العورة، و " ذلك " زائدة. # قال الشاعر في هذا المعنى: # إني كأني أرى من لا حياء له * ولا أمانة وسط القوم عريانا قال ابن ~~الأنباري: ويقال: لباس التقوى، هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما أخبر عنه ~~بأنه خير من التعري، إذ كانوا يتعبدون في الجاهلية بالتعري في الطواف. # قوله تعالى: (ذلك من آيات الله) قال مقاتل: يعني: الثياب والمال من آيات ~~الله وصنعه، لكي يذكروا فيعتبروا في صنعه. # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) PageV03P124 # قوله تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان) قال المفسرون: هذا الخطاب ~~للذين كانوا يطوفون عراة، والمعنى: لا يخدعنكم ولا ms0737 يضلنكم بغروره، فيزين ~~لكم كشف عوراتكم، كما أخرج أبويكم من الجنة بغروره. وأضيف الإخراج ونزع ~~اللباس إليه، لأنه السبب. وفي " لباسهما " أربعة أقوال: # أحدها: أنه النور، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وقد ذكرناه عن ابن منبه. # والثاني: أنه كان كالظفر، فلما أكلا، لم يبق عليهما منه إلا الظفر، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وابن زيد. # والثالث: أنه التقوى، قاله مجاهد. # والرابع: أنه كان من ثياب الجنة، ذكره القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: (ليريهما سوءاتهما) أي: ليري كل واحد منهما سوأة صاحبه. (إنه ~~يراكم هو وقبيله) قال مجاهد: قبيله: الجن والشياطين. قال ابن عباس: جعلهم ~~الله [تعالى] يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، فهم ~~يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم. # قوله تعالى: (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) قال الزجاج: ~~سلطناهم عليهم، يزيدون في غيهم. وقال أبو سليمان: جعلناهم موالين لهم. # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون (28) قوله تعالى: (وإذا ~~فعلوا فاحشة) فيمن عني بهذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة. والفاحشة: كشف العورة، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وزيد بن أسلم، والسدي. # والثاني: أنهم الذين جعلوا السائبة والوصيلة والحام وتلك الفاحشة، روى ~~هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم المشركون، والفاحشة: الشرك، قاله الحسن، وعطاء. قال ~~الزجاج: فأعلمهم عز وجل، أنه لا يأمر بالفحشاء، لأن حكمته تدل على أنه لا ~~يفعل إلا المستحسن. والقسط: العدل. # والعدل: ما استقر في النفوس أنه مستقيم لا ينكره مميز، فكيف يأمر ~~بالفحشاء، وهي ما عظم قبحه؟!. # قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما PageV03P125 # بدأكم تعودون (29) قوله تعالى: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) فيه أربعة ~~أقوال: # أحدها: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد، فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم: ~~أصلي ms0738 في مسجدي، قاله ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن قتيبة. # والثاني: توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قاله مجاهد، والسدي، ~~وابن زيد. # والثالث: اجعلوا سجودكم خالصا لله تعالى دون غيره، قاله الربيع بن أنس. # والرابع: اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة، أمرا بالجماعة لها، ذكره ~~الماوردي. وفي قوله: (وادعوه) قولان: # أحدهما: أنه العبادة. # والثاني: الدعاء. وفي قوله [تعالى]: (مخلصين له الدين) قولان: # أحدهما: مفردين له العبادة. # والثاني: موحدين غير مشركين. وفي قوله: (كما بدأكم تعودون) ثلاثة أقوال: # أحدها: كما بدأكم سعداء وأشقياء، كذلك تبعثون، روى هذا المعنى علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والقرظي، والسدي، ومقاتل، والفراء. # والثاني: كما خلقتم بقدرته، كذلك يعيدكم، روى هذا المعنى العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن، وابن زيد، والزجاج، وقال: هذا الكلام متصل بقوله: ~~(فيها تحيون وفيها تموتون). # والثالث: كما بدأكم لا تملكون شيئا، كذلك تعودون، ذكره الماوردي. # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) قوله تعالى: (فريقا هدى) قال الفراء: نصب ~~الفريق ب‍ " تعودون ". وقال ابن الأنباري: # نصب " فريقا " و " فريقا " على الحال من الضمير الذي في " تعودون "، ~~يريد: تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين، بعضكم سعداء، وبعضكم أشقياء. # قوله تعالى: (حق عليهم الضلالة) أي: بالكلمة القديمة، والإرادة السابقة. # * يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب PageV03P126 # المسرفين (31) قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم) سبب نزولها: أن ناسا ~~من الأعراب كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، ~~وكانت المرأة تعلق على فرجها سيورا، وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية قاله ابن ~~عباس. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: كانوا إذا حجوا، فأفاضوا من منى، لا ~~يصلح لأحد منهم في دينه الذي اشترعوا أن يطوف في ثوبيه، فيلقيهما حتى يقضي ~~طوافه، فنزلت هذه الآية وقال الزهري: كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا ~~الحمس، قريش ms0739 وأحلافها، فمن جاء من غيرهم، وضع ثيابه وطاف في ثوبي أحمس، فإن ~~لم يجد من يعيره من الحمس، ألقى ثيابه وطاف عريانا، فإن طاف في ثياب نفسه، ~~جعلها حراما عليه إذا قضى الطواف، فلذلك جاءت هذه الآية. وفي هذه الزينة ~~قولان: # أحدهما: الثياب. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ورد في ستر العورة في الطواف، قاله ابن عباس، والحسن في ~~جماعة. # والثاني: أنه ورد في ستر العورة في الصلاة، قاله مجاهد، والزجاج. # والثالث: أنه ورد في التزين بأجمل الثياب في الجمع والأعياد، ذكره ~~الماوردي. # والثاني: أن المراد بالزينة: المشط، قاله أبو رزين. # قوله تعالى: (وكلوا واشربوا) قال ابن السائب: كان أهل الجاهلية لا يأكلون ~~في أيام حجهم دسما، ولا ينالون من الطعام إلا قوتا، تعظيما لحجتهم، فنزل ~~قوله: (وكلوا واشربوا). وفي قوله: # (ولا تسرفوا) أربعة أقوال: # أحدها: لا تسرفوا بتحريم ما أحل لكم، قاله ابن عباس. # والثاني: لا تأكلوا حراما، فذلك الإسراف، قاله ابن زيد. # والثالث: لا تشركوا، فمعنى الإسراف هاهنا: الإشراك، قاله مقاتل. # والرابع: لا تأكلوا من الحلال فوق الحاجة، قاله الزجاج. # ونقل أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ~~ليس في كتابكم من علم الطب شئ، فقال علي: قد جمع الله تعالى الطب في نصف ~~آية من كتابنا. قال: PageV03P127 # ما هي؟ قال: قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا). قال النصراني: ولا ~~يؤثر عن نبيكم شئ من الطب، فقال: قد جمع رسولنا علم الطب في ألفاظ يسيرة. ~~قال: وما هي؟ قال: " المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل بدن ~~ما اعتاد ". فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. # قال المصنف: هكذا نقلت هذه الحكاية، إلا أن هذا الحديث المذكور فيها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يثبت. وقد جاءت عنه في الطب أحاديث قد ذكرتها ~~في كتاب " لقط المنافع في الطب ". # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ms0740 خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(32) قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المشركين عيروا المسلمين، إذ لبسوا الثياب في الطواف، وأكلوا ~~الطيبات، فنزلت، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم كانوا يحرمون أشياء أحلها الله، من الزروع وغيرها، فنزلت ~~هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: نزلت في طوافهم بالبيت عراة، قاله طاووس، وعطاء. وفي زينة الله ~~قولان: # أحدهما: أنها ستر العورة، فالمعنى: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما ~~يستركم؟. # والثاني: أنها زينة اللباس. وفي الطيبات قولان: # أحدهما: أنها الحلال. # والثاني: المستلذ. ثم في ما عني بها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها البحائر، والسوائب، والوصائل، والحوامي التي حرموها، قاله ~~ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنها السمن، والألبان، واللحم، وكانوا حرموه في الإحرام، قاله ~~ابن زيد. # والثالث: الحرث، والأنعام، والألبان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة) قال ابن ~~الأنباري: " خالصة " PageV03P128 # نصب على الحال من لام مضمرة، تقديرها: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة، فحذفت اللام لوضوح معناها، كما تحذف ~~العرب أشياء لا يلبس سقوطها. # قال الشاعر: # تقول ابنتي لما رأتني شاحبا * كأنك يحميك الطعام طبيب * تتابع أحداث تخر ~~من إخوتي * فشيبن رأسي، والخطوب تشيب أراد: فقلت لها: الذي أكسبني ما ترين، ~~تتابع أحداث، فحذف لانكشاف المعنى: قال المفسرون: إن المشركين شاركوا ~~المؤمنين في الطيبات، فأكلوا ولبسوا ونكحوا، ثم يخلص الله الطيبات في ~~الآخرة للمؤمنين، وليس للمشركين فيها شئ. وقيل: خالصة لهم من ضرر أو إثم. ~~وقرأ نافع: " خالصة " بالرفع. قال الزجاج: ورفعها على أنه خبر بعد خبر، كما ~~تقول: زيد عاقل لبيب، والمعنى: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الدنيا، خالصة ~~يوم القيامة. # قوله تعالى: (كذلك نفصل الآيات) أي: هكذا نبينها. # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ms0741 الله مالا تعلمون ~~(33) قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش) قرأ حمزة: (ربي الفواحش) ~~بإسكان الياء. # (ما ظهر منها وما بطن) فيه ستة أقوال: # أحدها: أن المراد بها الزنا، ما ظهر منه: علانيته، وما بطن: سره، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. # والثاني: أن ما ظهر: نكاح الأمهات، وما بطن: الزنا، رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس وبه قال علي بن الحسين. # والثالث: أن ما ظهر: نكاح الأبناء نساء الآباء، والجمع بين الأختين، وأن ~~تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وما بطن: الزنا روي عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أن ما ظهر: الزنا، وما بطن: العزل قاله شريح. # والخامس: أن ما ظهر: طواف الجاهلية عراة، وما بطن الزنا، قاله مجاهد. # والسادس أنه عام في جميع المعاصي. ثم في " ما ظهر منها وما بطن " قولان: # أحدهما: أن الظاهر: العلانية، والباطن: السر قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~PageV03P129 # والثاني: أن ما ظهر: أفعال الجوارح، والباطن: اعتقاد القلوب، قاله ~~الماوردي. وفي الإثم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الذنب الذي لا يوجب الحد، قاله ابن عباس، والضحاك، والفراء. # والثاني: المعاصي كلها، قاله مجاهد. # والثالث: أنه الخمر، قاله الحسن، وعطاء. قال ابن الأنباري: أنشدنا رجل في ~~مجلس ثعلب بحضرته، وزعم أن أبا عبيدة أنشده: # نشرب الإثم بالصواع جهارا * ونرى المتك بيننا مستعارا فقال أبو العباس: ~~لا أعرفه، ولا أعرف الإثم: الخمر، في كلام العرب. وأنشدنا رجل آخر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم تذهب بالعقول قال أبو بكر: وما هذا ~~البيت معروفا أيضا في شعر من يحتج بشعره، وما رأيت أحدا من أصحاب الغريب ~~أدخل الإثم في أسماء الخمر، ولا سمتها العرب بذلك في جاهلية وإسلام. # فإن قيل: إن الخمر تدخل تحت الإثم، فصواب، لا لأنه اسم لها. # فإن قيل: كيف فصل الإثم عن الفواحش، وفي كل الفواحش إثم؟ # فالجواب: أن كل فاحشة إثم، وليس كل إثم فاحشة، فكان الإثم كل فعل مذموم، ~~والفاحشة: # العظيمة. فأما البغي، فقال الفراء: هو ms0742 الاستطالة على الناس. # قوله تعالى: (وأن تشركوا) قال الزجاج: " أن " نصب، فالمعنى: حرم الفواحش، ~~وحرم الشرك. والسلطان: الحجة. # قوله تعالى: (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) عام في تحريم القول في ~~الدين من غير يقين. # ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) قوله ~~تعالى: (ولكل أمة أجل) سبب نزولها: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~العذاب، فأنزلت، قاله مقاتل. وفي الأجل قولان: # أحدهما: أنه أجل العذاب. # والثاني: أجل الحياة. قال الزجاج: الأجل: الوقت المؤقت. (فإذا جاء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة) المعنى: ولا أقل من ساعة. وإنما ذكر الساعة، لأنها أقل ~~أسماء الأوقات. PageV03P130 # يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا ~~أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين (37) قوله تعالى: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم) قال ~~الأخفش: أضمر: " فأطيعوهم ". # وقد سبق معنى " إما " في سورة (البقرة)، والباقي ظاهر إلى قوله: (ينال ~~نصيبهم من الكتاب) ففي معناه سبعة أقوال: # أحدها: ما قدر لهم من خير وشر، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والثاني: نصيبهم من الأعمال، فيجزون عليها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثالث: ما كتب عليهم من الضلالة والهدى، قاله الحسن. وقال مجاهد، وابن ~~جبير: من السعادة والشقاوة. # والرابع: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار والأعمال، قاله الربيع، ~~والقرظي، وابن زيد. # والخامس: ما كتب لهم من العذاب، قاله عكرمة، وأبو صالح، والسدي. # والسادس: ما أخبر الله تعالى في الكتب كلها: أنه من افترى على الله كذبا، ~~اسود وجهه، قاله مقاتل. # والسابع: ما أخبر في الكتاب من جزائهم، نحو قوله: (فأنذرتكم نارا تلظى)، ~~قاله الزجاج. فاذن في الكتاب خمسة أقوال: # أحدها: أنه ms0743 اللوح المحفوظ. # والثاني: كتب الله كلها. # والثالث: القرآن. # والرابع: كتاب أعمالهم. PageV03P131 # والخامس: القضاء. # قوله تعالى: (حتى إذا جاءتهم رسلنا) فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أعوان ملك الموت، قاله النخعي. # والثاني: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. # والثالث: ملائكة العذاب يوم القيامة. وفي قوله: " يتوفونهم " ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: يتوفونهم بالموت، قاله الأكثرون. # والثاني: يتوفونهم بالحشر إلى النار يوم القيامة، قاله الحسن. # والثالث: يتوفونهم عذابا، كما تقول: قتلت فلانا بالعذاب، وإن لم يمت، ~~قاله الزجاج. # قوله تعالى: (أين ما كنتم تدعون) أي: تعبدون (من دون الله)، وهذا سؤال ~~تبكيت وتقريع. قال مقاتل: المعنى: فليمنعوكم من النار. قال الزجاج: ومعنى ~~(ضلوا عنا): بطلوا وذهبوا، فيعترفون عند موتهم أنهم كانوا كافرين. وقال ~~غيره: ذلك الاعتراف يكون يوم القيامة. # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا بعد فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) ~~قوله تعالى: (قال ادخلوا) إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة الملائكة، لأن ~~الله تعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة. قال ابن قتيبة: و " في " بمعنى: " ~~مع ". # وفي قوله: (قد خلت من قبلكم) قولان: # أحدهما: مضت إلى العذاب. # والثاني: مضت في الزمان، يعني كفار الأمم الماضية. # قوله تعالى: (كلما دخلت أمة لعنت أختها) وهذه أخوة الدين والملة، لا أخوة ~~النسب. قال ابن عباس: يلعنون من كان قبلهم. قال مقاتل: كلما دخل أهل ملة، ~~لعنوا أهل ملتهم، فيلعن اليهود اليهود، والنصارى النصارى، والمشركون ~~المشركين، والأتباع القادة، ويقولون: أنتم ألقيتمونا هذا الملقى حين ~~أطعناكم. وقال الزجاج: إنما تلاعنوا، لأن بعضهم ضل باتباع بعض. # قوله تعالى: (حتى إذا اداركوا) قال ابن قتيبة: أي: تداركوا، فأدغمت التاء ~~في الدال، وأدخلت الألف ليسلم السكون لما بعدها، يريد: تتابعوا فيها ~~واجتمعوا. PageV03P132 # قوله تعالى: (قالت أخراهم لأولاهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: آخر أمة لأول أمة، قاله ابن عباس. # والثاني: آخر أهل الزمان لأوليهم ms0744 الذين شرعوا له ذلك الدين، قاله السدي. # والثالث: آخرهم دخولا إلى النار، وهم الأتباع، لأولهم دخولا، وهم القادة، ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: (هؤلاء أضلونا) قال ابن عباس: شرعوا لنا أن نتخذ من دونك ~~إلها. # قوله تعالى: (فآتهم عذابا ضعفا) قال الزجاج: أي: عذابا مضاعفا. # قوله تعالى: (قال لكل ضعف) أي: عذاب مضاعف ولكن لا تعلمون. قرأ أبو بكر، ~~والمفضل عن عاصم: " يعلمون "، بالياء. قال الزجاج: والمعنى: لا يعلم كل ~~فريق مقدار عذاب الفريق الآخر. وقرأ الباقون: " تعلمون " بالتاء، وفيها ~~وجهان ذكرهما الزجاج: # أحدهما: لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق من العذاب. # والثاني: لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك، وقيل: إنما طلب الأتباع ~~مضاعفة عذاب القادة، ليكون أحد العذابين على الكفر، والثاني على إغرائهم ~~به، فأجيبوا (لكل ضعف) أي: كما كان للقادة ذلك، فلكم عذاب بالكفر، وعذاب ~~بالاتباع. قوله: (فما كان لكم علينا من فضل) فيه قولان: # أحدهما: في الكفر، نحن وأنتم فيه سواء، قاله ابن عباس. # والثاني: في تخفيف العذاب، قاله مجاهد. # وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون (39) قوله تعالى: (بما كنتم تكسبون) قال مقاتل: من الشرك والتكذيب. # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) قوله ~~تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا) أي: بحججنا وأعلامنا التي تدل على توحيد ~~الله ونبوة الأنبياء، وتكبروا عن الإيمان بها (لا تفتح لهم أبواب السماء). ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم: وابن عامر: " تفتح "، بالتاء، وشددوا التاء ~~الثانية. وقرأ أبو عمرو: " لا تفتح " بالتاء خفيفة، ساكنة الفاء. وقرأ ~~حمزة، والكسائي: " لا يفتح " بالياء مضمومة خفيفة. وقرأ اليزيدي عن ~~اختياره: " لا تفتح " بتاء مفتوحة (أبواب السماء) بنصب الباء، فكأنه أشار ~~إلى أفعالهم. وقرأ PageV03P133 # الحسن: بياء مفتوحة، مع نصب الأبواب، كأنه يشير إلى الله عز وجل. وفي ~~معنى الكلام أربعة أقوال: # أحدها: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، ms0745 وهو قول ~~أبي موسى الأشعري، والسدي في آخرين، والأحاديث تشهد به. # والثاني: لا تفتح لأعمالهم، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم، رواه عطاء عن ابن عباس. # والرابع: لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم، قاله ابن جريج، ومقاتل. وفي ~~السماء قولان: # أحدهما: أنها السماء المعروفة، وهو المشهور. # والثاني: أن المعنى: لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها، لأن الجنة في ~~السماء، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) الجمل: هو الحيوان المعروف. # فإن قال قائل: كيف خص الجمل دون سائر الدواب، وفيها ما هو أعظم منه؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أن ضرب المثل بالجمل يحصل المقصود، والمقصود أنهم لا يدخلون ~~الجنة، كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة، ولو ذكر أكبر منه أو أصغر منه، ~~جاز، والناس يقولون: فلان لا يساوي درهما، وهذا لا يغني عنك فتيلا، وإن كنا ~~نجد أقل من الدرهم والفتيل. # والثاني: أن الجمل أكبر شأنا عند العرب من سائر الدواب، فإنهم يقدمونه في ~~القوة على غيره، لأنه يوقر بحمله فينهض به دون غيره من الدواب، ولهذا عجبهم ~~من خلق الإبل، فقال: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)، فآثر الله [تعالى] ~~ذكره على غيره لهذا المعنى. ذكر الجوابين ابن الأنباري. قال: وقد روى شهر ~~بن حوشب عن ابن عباس أنه قرأ: " حتى يلج الجمل " بضم الجيم وتشديد الميم، ~~وقال هو القلس الغليظ. # قلت: وهي قراءة أبي رزين، ومجاهد، وابن محيصن، وأبي مجلز، وابن يعمر، ~~وأبان عن عاصم. قال: وروى مجاهد عن ابن عباس: " حتى يلج الجمل " بضم الجيم ~~وفتح الميم وتخفيفها. PageV03P134 # قلت: وهي قراءة قتادة، وقد رويت عن سعيد بن جبير، وأنه قرأ: " حتى يلج ~~الجمل " بضم الجيم وتسكين الميم. قلت: وهي قراءة عكرمة. # قال ابن الأنباري: فالجمل يحتمل أمرين: يجوز أن يكون بمعنى الجمل، ويجوز ~~أن يكون بمعنى جملة من الجمال، قيل في جمعها: جمل، كما يقال: حجرة، وحجر، ~~وظلمة، وظلم. # وكذلك من قرأ: " الجمل " يسوغ له أن يقول: الجمل، بمعنى ms0746 الجمل، وأن يقول: ~~الجمل، جمع جملة، مثل بسرة، وبسر. وأصحاب هذه القراءات يقولون: الحبل ~~والحبال، أشبه بالإبرة والخيوط من الجمال. وروى عطاء بن يسار عن ابن عباس ~~أنه قرأ: " الجمل " بضم الجيم والميم، وبالتخفيف، وهي قراءة الضحاك، ~~والجحدري. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء: " الجمل " بفتح الجيم، وبسكون ~~الميم خفيفة. # قوله تعالى: (في سم الخياط) السم في اللغة: الثقب. وفيها ثلاث لغات: فتح ~~السين وبها قرأ الأكثرون، وضمها، وبه قرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وقتادة، ~~وابن محيصن، وطلحة بن مصرف، وكسرها، وبه قرأ أبو عمران الجوني، وأبو نهيك، ~~والأصمعي عن نافع. قال ابن القاسم: # والخياط: المخيط، بمنزلة اللحاف والملحف، والقرام والمقرم. وقد قرأ ابن ~~مسعود، وأبو رزين، وأبو مجلز: في " سم المخيط ". قال الزجاج: الخياط: ~~الإبرة، وسمها: ثقبها. والمعنى: أنهم لا يدخلون الجنة أبدا. قال ابن قتيبة: ~~هذا كما يقال: لا يكون ذلك حتى يشيب الغراب، ويبيض القار. # قوله تعالى: (وكذلك نجزي المجرمين) أي: مثل ذلك نجزي الكافرين أنهم لا ~~يدخلون الجنة. # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~(42) قوله تعالى: (لهم من جهنم مهاد) المهاد: الفراش. وفي المراد بالغواشي ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: اللحف، قاله ابن عباس، والقرظي، وابن زيد. # والثاني: ما يغشاهم من فوقهم من الدخان، قاله عكرمة. # والثالث: غاشية فوق غاشية من النار، قاله الزجاج قال ابن عباس: والظالمون ~~هاهنا: # الكافرون. # ونزعنا في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة PageV03P135 # أورثتموها بما كنتم تعملون (43) قوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل) ~~فيمن عني بهذه الآية أربعة أقوال: # أحدها: أهل بدر. روى الحسن عن علي عليه السلام أنه قال: فينا والله أهل ~~بدر نزلت: # (ونزعنا ما في صدورهم من غل). وروى عمرو بن الشريد عن علي أنه قال: إني ms0747 ~~لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير، من الذين قال الله: (ونزعنا ما ~~في صدورهم من غل). # والثاني: أنهم أهل الأحقاد من أهل الجاهلية حين أسلموا. روى كثير النواء ~~عن أبي جعفر قال: نزلت هذه الآية في علي، وأبي بكر، وعمر، قلت لأبي جعفر: ~~فأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية، كان بين بني هاشم وبني تيم وبني عدي في ~~الجاهلية شئ، فلما أسلم هؤلاء، تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي ~~يسخن يده ويكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. # والثالث: عشرة من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ~~وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود، ~~قاله أبو صالح. # والرابع: أنها في صفة أهل الجنة إذا دخلوها. روى أبو سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا ~~هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة. فوالذي نفسي بيده، لأحدهم أهدى بمنزله ~~في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ". وقال ابن عباس: أول ما يدخل أهل ~~الجنة الجنة، تعرض لهم عينان، فيشربون من إحدى العينين، فيذهب الله ما في ~~قلوبهم من غل وغيره مما كان في الدنيا، ثم يدخلون إلى العين الأخرى، ~~فيغتسلون منها، فتشرق ألوانهم، وتصفو وجوههم، وتجري عليهم نضرة النعيم. # فأما النزع، فهو قلع الشئ من مكانه. والغل: الحقد الكامن في الصدر. # وقال ابن قتيبة: الغل: الحسد والعداوة. # قوله تعالى: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) قال الزجاج: معناه: هدانا لما ~~صيرنا إلى هذا. # قال ابن عباس: يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته. وروى عاصم بن ~~ضمرة عن علي عليه السلام: قال تستقبلهم الولدان كأنهم لؤلؤ منثور، فيطوفون ~~بهم كإطافتهم بالحميم جاء من الغيبة، ويبشرونهم بما أعد الله لهم، ويذهبون ~~إلى أزواجهم فيبشرونهن، فيستخفهن الفرح، فيقمن على أسكفة الباب، فيقلن: أنت ~~رأيته، أنت رأيته؟ قال: فيجئ إلى منزله فينظر في أساسه فإذا صخر من ms0748 لؤلؤ، ~~ثم يرفع بصره، فلولا أن الله ذلله لذهب بصره، ثم ينظر أسفل من ذلك، فإذا هو ~~بالسرر PageV03P136 # الموضونة، والفرش المرفوعة، والزرابي المبثوثة، فعند ذلك قالوا: (الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) كلهم قرأ " وما ~~كنا " باثبات الواو، غير ابن عامر، فإنه قرأ " ما كنا لنهتدي " بغير واو، ~~وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. قال أبو علي: وجه الاستغناء عن الواو، أن ~~القصة ملتبسة بما قبلها، فأغنى التباسها به عن حرف العطف، ومثله (رابعهم ~~كلبهم). # قوله تعالى: (لقد جاءت رسل ربنا بالحق) هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما ~~وعدهم الرسل عيانا. (ونودوا أن تلكم الجنة) قال الزجاج: إنما قال " تلكم " ~~لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه تلكم التي وعدتم بها. وجائز ~~أن يكون هذا قيل لهم حين عاينوها قبل دخولهم إليها. # وقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر " أورثتموها " غير مدغمة. وقرأ ~~أبو عمرو، وحمزة، والكسائي " أورتموها " مدغمة، وكذلك قرؤوا في (الزخرف) ~~قال أبو علي: من ترك الادغام، فلتباين مخرج الحرفين، ومن أدغم، فلأن التاء ~~والثاء مهموستان متقاربتان. وفي معنى " أورثتموها " أربعة أقوال: # أحدها: ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من ~~أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما الكافر فإنه يرث المؤمن ~~منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة ". # فذلك قوله: (أورثتموها بما كنتم تعملون). وقال بعضهم: لما سمي الكفار ~~أمواتا بقوله: # (أموات غير أحياء). وسمى المؤمنين أحياء بقوله: (لتنذر من كان حيا) أورث ~~الأحياء الموتى. # والثاني: أنهم أورثوها عن الأعمال، لأنها جعلت جزاء لأعمالهم، وثوابا ~~عليها، إذ هي عواقبها، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: أن دخول الجنة برحمة الله، واقتسام الدرجات بالأعمال. فلما كان ~~يفسر نيلها لا عن عوض، سميت ميراثا. والميراث: ما أخذته عن غير عوض. # والرابع: أن معنى الميراث هاهنا: أن أمرهم يؤول إليها كما يؤول الميراث ~~إلى الوارث. # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن ms0749 قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) ~~PageV03P137 # قوله تعالى: (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) أي: من العذاب؟ وهذا سؤال تقرير ~~وتعيير. # (قالوا نعم). قرأ الجمهور بفتح العين في سائر القرآن، وكان الكسائي ~~يكسرها. قال الأخفش: # هما لغتان. # قوله تعالى: (فأذن مؤذن بينهم) أي: نادى مناد. (أن لعنة الله) قرأ ابن ~~كثير في رواية قنبل، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: " أن لعنة الله " خفيفة ~~النون ساكنة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: " أن " بالتشديد، " لعنة ~~الله " بالنصب. قال الأخفش: و " أن " في قوله: (أن تلكم الجنة) وقوله: (أن ~~لعنة الله)، وقوله: (أن الحمد لله)، و: (أن قد وجدنا)، هي " أن " الثقيلة ~~خففت. # قال الشاعر: # في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى وينتعل وأنشد أيضا: # أكاشره أنه وأعلم أن كلانا * على ما ساء صاحبه حريص ومعناه: أنه كلانا، ~~وتكون " أن قد وجدنا " في معنى: أي: قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: # الكافرون. # قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله) أي: أذن المؤذن أن لعنة الله على ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، وهو الإسلام. (ويبغونها عوجا) مفسر في ~~[سورة] آل عمران. (وهم بالآخرة) أي: وهم بكون الآخرة كافرون. # وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) قوله تعالى: (وبينهما حجاب) أي: ~~بين الجنة والنار حاجز، وهو السور الذي ذكره الله تعالى في قوله: (فضرب ~~بينهم بسور له باب)، فسمي هذا السور بالأعراف لارتفاعه. قال ابن عباس: ~~الأعراف هو السور الذي بين الجنة والنار له عرف كعرف الديك. وقال أبو ~~هريرة: # الأعراف: جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها، يعني: على ذراها، ~~خلقتها كخلقة عرف PageV03P138 # الديك. قال اللغويون: الأعراف عند العرب: كل ما ارتفع من الأرض وعلا، ~~يقال لكل عال: # عرف، وجمعه: أعراف. # قال الشاعر: # كل ms0750 كناز لحمه نياف * كالعلم الموفي على الأعراف وقال الآخر: # ورثت بناء آباء كرام * علوا بالمجد أعراف البناء وفي " أصحاب الأعراف " ~~قولان: # أحدهما: أنهم من بني آدم، قاله الجمهور. وزعم مقاتل أنهم من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم خاصة. وفي أعمالهم تسعة أقوال: # أحدها: أنهم قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنة ~~معصية آبائهم، ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله، وهذا مروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تبلغ بهم حسناتهم دخول ~~الجنة، ولا سيئاتهم دخول النار، قاله ابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو ~~هريرة، والشعبي، وقتادة. # والثالث: أنهم أولاد الزنا، رواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس. # والرابع: أنهم قوم صالحون فقهاء علماء، قاله الحسن، ومجاهد، فعلى هذا ~~يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة. # والخامس: أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم، أو أمهاتهم دون آبائهم، ~~رواه عبد الوهاب بن مجاهد عن إبراهيم. # والسادس: أنهم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم، قاله عبد العزيز ~~بن يحيى. # والسابع: أنهم أنبياء، حكاه ابن الأنباري. # والثامن: أنهم أولاد المشركين، ذكره المنجوفي في تفسيره. # والتاسع: أنهم قوم عملوا لله [تعالى]، لكنهم راءوا في عملهم، ذكره بعض ~~العلماء. # والقول الثاني: أنهم ملائكة، قاله أبو مجلز، واعترض عليه، فقيل: إنهم ~~رجال، فكيف تقول: ملائكة؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث. وقيل: معنى قوله ~~[تعالى]: (وعلى الأعراف رجال) أي: على معرفة أهل الجنة من أهل النار، ذكره ~~الزجاج، وابن الأنباري. وفيه بعد وخلاف للمفسرين. PageV03P139 # قوله تعالى: (يعرفون كلا بسيماهم) أي: يعرف أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل ~~النار. # وسيما أهل الجنة: بياض الوجوه، وسيما أهل النار: سواد الوجوه، وزرقة ~~العيون. ولا سيما: # العلامة. وإنما عرفوا الناس، لأنهم على مكان عال يشرفون فيه على أهل ~~الجنة والنار. (ونادوا) يعني: أصحاب الأعراف (أصحاب الجنة أن سلام عليكم). ~~وفي قوله: (لم يدخلوها وهم يطمعون) قولان: # أحدهما: أنه إخبار من الله تعالى لنا أن أصحاب الأعراف لم ms0751 يدخلوا الجنة ~~وهم يطمعون في دخولها، قاله الجمهور. # والثاني: أنه إخبار من الله تعالى لأهل الأعراف إذا رأوا زمرة يذهب بها ~~إلى الجنة أن هؤلاء لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها، هذا قول السدي. # * وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين (47) قوله تعالى: (وإذا صرفت أبصارهم) يعني أصحاب الأعراف. ~~والتلقاء: جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة. وقال أبو عبيدة: تلقاء أصحاب ~~النار، أي: حيالهم. # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ~~وما كنتم تستكبرون (48) قوله تعالى: (ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم ~~بسيماهم) روى أبو صالح عن ابن عباس قال: ينادون: يا وليد بن المغيرة، يا ~~أبا جهل بن هشام، يا عاص بن وائل، يا أمية بن خلف، يا أبي بن خلف، يا سائر ~~رؤساء الكفار، ما أغنى عنكم جمعكم في الدنيا المال والولد. # (وما كنتم تستكبرون) أي: تتعظمون عن الإيمان. # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون (49) قوله تعالى: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) ~~فيه قولان: # أحدهما أن أهل النار أقسموا أن أهل الأعراف داخلون النار معنا، وأن الله ~~لن يدخلهم الجنة، فيقول الله تعالى لأهل النار: (أهؤلاء) يعني أهل الأعراف ~~(الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة، ادخلوا الجنة) رواه وهب بن منبه عن ~~ابن عباس. قال حذيفة: بينا أصحاب الأعراف PageV03P140 # هنالك، اطلع عليهم ربهم فقال لهم: " ادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم ". # والثاني: أن أهل الأعراف يرون في الجنة الفقراء والمساكين الذين كان ~~الكفار يستهزئون بهم، كسلمان، وصهيب، وخباب، فينادون الكفار: (أهؤلاء الذين ~~أقسمتم) وأنتم في الدنيا (لا ينالهم الله برحمة) قاله ابن السائب. فعلى هذا ~~ينقطع كلام أهل الأعراف عند قوله: (برحمة)، ويكون الباقي من خطاب الله لأهل ~~الجنة. وقد ذكر المفسرون في قوله: (ادخلوا الجنة) ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون خطابا من الله لأهل الأعراف، وقد ذكرناه. # والثاني: أن يكون خطابا من الله لأهل الجنة. # والثالث: أن يكون ms0752 خطابا من أهل الأعراف لأهل الجنة، ذكرهما الزجاج. فعلى ~~هذا الوجه الأخير، يكون معنى قول أهل لأعراف لأهل الجنة: (ادخلوا الجنة): ~~اعلوا إلى القصور المشرفة، وارتفعوا إلى المنازل المنيفة، لأنهم قد رأوهم ~~في الجنة. وروى مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال: يؤتى بأصحاب الأعراف إلى ~~نهر يقال له: الحياة، عليه قضبان الذهب مكللة باللؤلؤ، فيغمسون فيه، ~~فيخرجون، فتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، ويقال لهم: تمنوا ما ~~شئتم، ولكم سبعون ضعفا، فهم مساكين أهل الجنة. # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) قوله تعالى: (ونادى أصحاب ~~النار أصحاب الجنة) قال ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، وطمع ~~أهل النار في الفرج بعد اليأس، فقالوا: يا رب، إن لنا قرابات من أهل الجنة، ~~فائذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فنظروا إليهم وإلى ما هم فيه من النعيم ~~فعرفوهم. ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم، قد اسودت ~~وجوههم وصاروا خلقا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم ~~بقراباتهم، فينادي الرجل أخاه: يا أخي قد احترقت فأغثني، فيقول: (إن الله ~~حرمهما على الكافرين). قال السدي: عني بقوله: (أو مما رزقكم الله) الطعام. ~~قال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب، وإن ~~كان معذبا. # الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما ~~نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) PageV03P141 # قوله تعالى: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا) قال ابن عباس: هم ~~المستهزئون. والمعنى: # أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم. وقال أبو روق: دينهم: عيدهم. وقال ~~قتادة: (لهوا ولعبا) أي: أكلا وشربا. وقال غيره: هو ما زينه الشيطان لهم من ~~تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، والمكاء، والتصدية، ونحو ذلك ~~من خصال الجاهلية. # قوله تعالى: (فاليوم ننساهم) قال الزجاج: أي: نتركهم في العذاب كما تركوا ~~العمل للقاء يومهم هذا. و " ما " نسق على " كما " في موضع ms0753 جر. والمعنى: ~~وكجحدهم. قال ابن الأنباري: # ويجوز أن يكون المعنى: فاليوم نتركهم في النار على علم منا ترك ناس غافل ~~كما استعملوا في الإعراض عن آياتنا وهم ذاكرون ما يستعمله من نسي وغفل. # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) قوله ~~تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب) يعني القرآن. (فصلناه) أي: بيناه بإيضاح الحق ~~من الباطل. وقيل: فصلناه فصولا مرة بتعريف الحلال، ومرة بتعريف الحرام، ~~ومرة بالوعد، ومرة بالوعيد، ومرة بحديث الأمم. وفي قوله [تعالى]: (على علم) ~~قولان: # أحدهما: على علم منا بما فصلناه. # والثاني: على علم منا بما يصلحكم مما أنزلناه فيه. وقرأ ابن السميفع، ~~وابن محيصن، وعاصم، والجحدري، ومعاذ القارئ: " فضلناه " بضاد معجمة. # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) قوله تعالى: (هل ~~ينظرون إلا تأويله) قال ابن عباس: تصديق ما وعدوا في القرآن. (يوم يأتي ~~تأويله) وهو يوم القيامة (يقول الذين نسوه) أي: تركوه (من قبل) في الدنيا ~~(قد جاءت رسل ربنا بالحق) أي: بالبعث بعد الموت. # قوله تعالى: (أو نرد) قال الزجاج: المعنى: أو هل نرد. وقوله. (فنعمل) ~~منصوب على جواب الفاء للاستفهام. # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشى PageV03P142 # الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام) اختلفوا أي يوم بدأ بالخلق على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه يوم السبت. روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي هريرة قال: أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: " خلق الله عز وجل التربة يوم ~~السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه ~~يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب ms0754 يوم الخميس، وخلق ~~آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين ~~العصر إلى الليل "، وهذا اختيار محمد بن إسحاق. وقال ابن الأنباري: وهذا ~~إجماع أهل العلم. # والثاني: يوم الأحد، قاله عبد الله بن سلام، وكعب، والضحاك، ومجاهد، ~~واختاره ابن جرير الطبري، وبه يقول أهل التوراة. # والثالث: يوم الاثنين، قاله ابن إسحاق، وبهذا يقول أهل الإنجيل. ومعنى ~~قوله: (في ستة أيام) أي: في مقدار ذلك، لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس ~~وغروبها، ولم تكن الشمس حينئذ. قال ابن عباس: مقدار كل يوم من تلك الأيام ~~ألف سنة، وبه قال كعب، ومجاهد، والضحاك، ولا نعلم خلافا في ذلك. ولو قال ~~قائل: إنها كأيام الدنيا، كان قوله بعيدا من وجهين: # أحدهما: خلاف الآثار. # والثاني: أن الذي يتوهمه المتوهم من الإبطاء في ستة آلاف سنة، يتوهمه في ~~ستة أيام عند تصفح قوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون). ~~فإن قيل: فهلا خلقها في لحظة، فإنه قادر؟ فعنه خمسة أجوبة: # أحدها: أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمرا تستعظمه الملائكة ومن يشاهده، ~~ذكره ابن الأنباري. # والثاني: أن التثبت في تمهيد ما خلق لآدم وذريته قبل وجوده، أبلغ في ~~تعظيمه عند الملائكة. # والثالث: أن التعجيل أبلغ في القدرة، والتثبيت أبلغ في الحكمة، فأراد ~~إظهار حكمته في PageV03P143 # ذلك، كما يظهر قدرته في قول: (كن فيكون). # والرابع: أنه علم عباده التثبت، فإذا تثبت من لا يزل، كان ذو الزلل أولى ~~بالتثبت. # والخامس: أن ذلك الإمهال في خلق شئ بعد شئ، أبعد من أن يظن أن ذلك وقع ~~بالطبع أو بالاتفاق. # قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير، ~~وكل سرير لملك يسمى عرشا، وقلما يجمع العرش إلا في اضطرار، واعلم أن ذكر ~~العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام. قال أمية بن أبي الصلت: # مجدوا الله فهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى ~~الذي سبق الناس * وسوى فوق السماء سريرا ms0755 شرجعا لا يناله ناظر العين * ترى ~~دونه الملائك صورا وقال كعب: إن السماوات في العرش كالقنديل معلق بين ~~السماء والأرض. وروى إسماعيل بن أبي خالد، عن سعد الطائي قال: العرش ياقوتة ~~حمراء. وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية. وقد شذ قوم ~~فقالوا: العرش بمعنى الملك. وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوز، مع مخالفة ~~الأثر، ألم يسمعوا قوله [عز وجل]: (وكان عروشه على الماء) أتراه كان الملك ~~على الماء؟ وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء؟ وبعضهم يقول: استوى بمعنى ~~استولى، ويحتج بقول الشاعر: # حتى استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق ويقول الشاعر أيضا: # هما استويا بفضلهما جميعا * على عرش الملوك بغير زور وهذا منكر عند ~~اللغويين. قال ابن الأعرابي: العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، ومن قال ~~ذلك فقد أعظم. قالوا: وإنما يقال: استولى فلان على كذا، إذا كان بعيدا عنه ~~غير متمكن منه، ثم تمكن منه، والله عز وجل لم يزل مستوليا على الأشياء، ~~والبيتان لا يعرف قائلهما، كذا قال ابن فارس اللغوي. ولو صحا، فلا حجة ~~فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة ~~وتشبيه المجسمة. # قوله تعالى: (يغشي الليل النهار) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: " يغشي " ساكنة الغين خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~" يغشي " مفتوحة الغين مشددة، PageV03P144 # وكذلك قرؤوا في [سورة] الرعد. قال الزجاج: المعنى: أن الليل يأتي على ~~النهار فيغطيه، وإنما لم يقل: ويغشي النهار الليل، لأن في الكلام دليلا ~~عليه، وقد قال في موضع آخر: (يكور الليل على النهار، ويكور النهار على ~~الليل). وقال أبو علي: إنما لم يقل: يغشي النهار الليل، لأنه معلوم من فحوى ~~الكلام، كقوله: (سرابيل تقيكم الحر)، وانتصب الليل والنهار، لأن كل واحد ~~منهما مفعول به. فأما الحثيث، فهو السريع. # قوله تعالى: (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) قرأ الأكثرون: بالنصب فيهن، ~~على معنى: خلق السماوات والشمس. وقرأ ابن عامر: " والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات " بالرفع فيهن ms0756 هاهنا وفي (النحل)، تابعه حفص في قوله تعالى: ~~(والنجوم مسخرات) في (النحل) فحسب. والرفع على الاستئناف. والمسخرات: ~~المذللات لما يراد منهن من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبر لهن. # قوله تعالى: (ألا له الخلق) لأنه خلقهم (والأمر) فله أن يأمر بما يشاء. ~~وقيل: الأمر: # القضاء. # قوله تعالى: (تبارك الله) فيه أربعة أقوال: # أحدها: تفاعل من البركة، رواه الضحاك عن ابن عباس، وكذلك قال القتيبي، ~~والزجاج. # وقال أبو مالك: افتعل من البركة. وقال الحسن: تجئ البركة من قبله. وقال ~~الفراء: تبارك: من البركة، وهو في العربية كقولك: تقدس ربنا. # والثاني: أن تبارك بمعنى تعالى، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وكذلك قال ~~أبو العباس: # تبارك: ارتفع، والمتبارك: المرتفع. # والثالث: أن المعنى: باسمه يتبرك في كل شئ، قاله ابن الأنباري. # والرابع: أن معنى " تبارك " تقدس، أي: تطهر، ذكره ابن الأنباري أيضا. # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) قوله تعالى: (ادعوا ~~ربكم تضرعا) التضرع: التذلل والخضوع. والخفية: خلاف العلانية. # قال الحسن: كانوا يجتهدون في الدعاء، ولا تسمع إلا همسا. ومن هذا حديث ~~أبي موسى: " أربعوا PageV03P145 # على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ". وفي الاعتداء المذكور هاهنا ~~قولان: # أحدهما: أنه الاعتداء في الدعاء. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يدعو على المؤمنين بالشر، كالخزي واللعنة، قاله سعيد بن جبير، ~~ومقاتل. # والثاني: أن يسأل مالا يستحقه من منازل الأنبياء، قاله أبو مجلز. # والثالث: أنه الجهر في الدعاء، قاله ابن السائب. # والثاني: أنه مجاوزة المأمور به، قاله الزجاج. # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين (56) قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) فيه ستة ~~أقوال: # أحدها: لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان. # والثاني: لا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل. # والثالث: لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة. # والرابع: لا تعصوا، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم بعد أن ~~أصلحها بالمطر والخصب. # والخامس: لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه. # والسادس: لا تفسدوها بتكذيب الرسل ms0757 بعد إصلاحها بالوحي. # وفي قوله (واعوه خوفا وطمعا) قولان: # أحدهما: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه. # والثاني: خوفا من الرد وطمعا في الإجابة. # قوله تعالى: (إن رحمة الله قريب من المحسنين) قال الفراء: رأيت العرب تؤن ~~القريبة في النسب، لا يختلفون في ذلك، فإذا قالوا: دارك منا قريب، أو فلانة ~~منا قريب، ومن القرب والبعد، ذكروا وأنثوا، وذلك أنهم جعلوا القريب خلفا من ~~المكان، كقوله: (وما هي من الظالمين ببعيد)، وقوله تعالى: (وما يدريك لعل ~~الساعة تكون قريبا)، ولو أنث ذلك لكان صوابا. PageV03P146 # قال عروة: # عشية لاعفراء منك قريبة * فتدنو ولا عفراء منك بعيد وقال الزجاج: إنما ~~قيل: " قريب " لأن الرحمة والغفران والعفو بمعنى واحد، وكذلك كل تأنيث ليس ~~بحقيقي. وقال الأخفش: جائز أن تكون الرحمة هاهنا في معنى المطر. # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح) قرأ أبو عمرو، ~~ونافع، وابن عامر، وعاصم: # " الرياح " على الجمع. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: " الريح " على ~~التوحيد. وقد يأتي لفظ التوحيد، ويراد به الكثرة، كقولهم: كثر الدرهم في ~~أيدي الناس، ومثله: (إن الإنسان لفي خسر). # قوله تعالى: (نشرا) قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع: " نشرا " بضم النون ~~والشين، أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب، تهب من كل ناحية وجانب. ~~قال أبو عبيدة: # النشر: المتفرقة من كل جانب. قال أبو علي: يحتمل أن تكون النشور بمعنى ~~المنشر، وبمعنى المنتشر، وبمعنى الناشر، يقال: أنشر الله الريح، مثل ~~أحياها، فنشرت، أي: حييت. والدليل على أن إنشار الربح إحياؤها قول الفقعسي: # وهبت له ريح الجنوب وأحييت * له ريدة يحيي المياه نسيمها ويدل على ذلك أن ~~الريح قد وصفت بالموت. # قال الشاعر: # إني لأرجو أن تموت الريح * وأقعد اليوم وأستريح والريدة والريدانة: ~~الريح. وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث، والحسن البصري: " نشرا " بالنون مضمومة ~~وسكون الشين، وهي في معنى ms0758 " نشرا ". يقال: كتب وكتب، ورسل ورسل. # وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل عن عاصم: " نشرا " بفتح النون وسكون ~~الشين. قال الفراء: النشر: الريح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب. وقال ابن ~~الأنباري: النشر: المنتشرة PageV03P147 # الواسعة الهبوب. وقال أبو علي: يحتمل النشر أن يكون خلاف الطي، كأنها ~~كانت بانقطاعها كالمطوية. ويحتمل أن يكون معناها ما قاله أبو عبيدة في ~~النشر: أنها المتفرقة في الوجوه، ويحتمل أن يكون من النشر الذي هو الحياة، ~~كقول الشاعر: يا بن عجبا للميت الناشر قال: وهذا هو الوجه. وقرأ أبو رجاء ~~العطاردي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، ومورق العجلي: " نشرا " بفتح النون ~~والشين. قال ابن القاسم: وفي النشر وجهان: # أحدهما: أن يكون جمعا، للنشور، كما قالوا: عمود وعمد، وإهاب وأهب. # والثاني: أن يكون جمعا، واحده ناشر، يجري مجرى قوله: غائب وغيب، وحافد ~~وحفد، وكل هؤلاء القراء نون الكلمة. وكذلك اختلافهم في (سورة الفرقان) و ~~(سورة النمل). # هذه قراءات من قرأ بالنون. وقد قرأ آخرون بالباء، فقرأ عاصم إلا المفضل: ~~" بشرى " بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فعلى. قال ابن الأنباري: وهي جمع ~~بشيرة، وهي التي تبشر بالمطر. والأصل ضم الشين، إلا أنهم استثقلوا الضمتين. ~~وقرأ ابن خثيم، وابن حذلم مثله، إلا أنهما نونا الراء. وقرأ أبو الجوزاء، ~~وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بضم الباء والشين، وهذا على أنها جمع بشيرة. ~~والرحمة ها هنا: المطر، سماه رحمة لأنه كان بالرحمة. و " أقلت " بمعنى ~~حملت. قال الزجاج: جمع سحابة. قال ابن فارس: سمي السحاب لانسحابه في ~~الهواء. # قوله تعالى: (ثقالا) أي: بالماء. وقوله تعالى: (سقناه) رد الكناية إلى ~~لفظ السحاب، ولفظه لفظ واحد. وفي قوله: " لبلد " قولان: # أحدهما: إلى بلد. والثاني: لإحياء بلد. والميت: الذي لا ينبت فيه، فهو ~~محتاج إلى المطر. وفي قوله تعالى: (فأنزلناه به) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الكناية ترجع إلى السحاب. # والثاني: إلى المطر، ذكرهما الزجاج. # والثالث: إلى البلد، ذكره ابن الأنباري. فأما هاء (فأخرجناه به) فتحتمل ~~الأقوال الثلاثة. # قوله تعالى: (كذلك نخرج الموتى) أي: كما أحيينا هذا البلد. ms0759 وقال مجاهد: ~~نحيي الموتى بالمطر كما أحيينا البلد الميت به. قال ابن عباس: يرسل الله ~~تعالى بين النفختين مطرا كمني الرجال، فينبت الناس به في قبورهم كما نبتوا ~~في بطون أمهاتهم. PageV03P148 # قوله تعالى: (لعلكم تذكرون) قال الزجاج: لعل: ترج. وإنما خوطب العباد على ~~ما يرجوه بعضهم من بعض والمعنى: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد ~~الله، وأنه يبعث الموتى. # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف ~~الآيات لقوم يشكرون (58) قوله تعالى: (والبلد الطيب) يعني الأرض الطيبة ~~التربة، (يخرج نباته) وقرأ ابن أبي عبلة: " يخرج " بضم الياء وكسر الراء، " ~~نباته " بنصب التاء، (والذي خبث لا يخرج) كذلك أيضا. وقد روى أبان عن عاصم: ~~" لا يخرج " بضم الياء وكسر الراء. والمراد بالذي خبث: الأرض السبخة. # قوله تعالى: (إلا نكدا) قرأ الجمهور: بفتح النون وكسر الكاف وقرأ أبو ~~جعفر: " نكدا " بفتح الكاف. وقرأ مجاهد، وقتادة، وابن محيصن: " نكدا " ~~بإسكان الكاف. قال أبو عبيدة: قليلا عسيرا في شدة، وأنشد: # لا تنجز الوعد إن وعدت وإن * أعطيت أعطيت تافها نكدا قال المفسرون: هذا ~~مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقله انتفع ~~به وبان أثره عليه، فشبه بالبلد الطيب الذي يمرع ويخصب ويحسن أثر المطر ~~عليه، وعكسه الكافر. # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ~~(60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون (62) قوله تعالى: (اعبدوا ~~الله) قال مقاتل: وحدوه، وكذلك في سائر القصص بعدها. # قوله تعالى: (مالكم من إله غيره) قرأ الكسائي: " غيره " بالخفض. قال أبو ~~علي: # جعل غيرا صفة ل‍ " آله " على اللفظ. # قوله تعالى: (أبلغكم) قرأ أبو عمرو: " أبلغكم " ساكنة الباء خفيفة اللام. ~~وقرأ الباقون: PageV03P149 # " أبلغكم " مفتوحة الباء مشددة اللام. # قوله تعالى: (وأنصح لكم) يقال: نصحته ms0760 ونصحت له، وشكرته وشكرت له. # قوله تعالى: (وأعلم من الله مالا تعلمون) أي: من مغفرته لمن تاب عليه ~~وعقوبته لمن أصر. وقال مقاتل: أعلم من نزول العذاب مالا تعلمونه، وذلك أن ~~قوم نوح لم يسمعوا بقوم عذبوا قبلهم. # أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) قوله تعالى: (أو عجبتم) قال الزجاج: هذه ~~واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام، فبقيت مفتوحة. وفي الذكر قولان: # أحدهما: الموعظة. # والثاني: البيان. # وفي قوله: (على رجل منكم) قولان: # أحدهما: أن " على " بمعنى: " مع "، قاله الفراء. # والثاني: أن المعنى: على لسان رجل منكم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (قوما عمين) قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته ~~وشدة بطشه. # * وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا ~~تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك ~~من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) ~~أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في ~~الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد الله ~~وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) ~~PageV03P150 # قوله تعالى: (وإلى عاد) المعنى: وأرسلنا إلى عاد (أخاهم هودا). قال ~~الزجاج: # وإنما قيل: أخوهم، لأنه بشر مثلها من ولد أبيهم آدم. ويجوز أن يكون أخاهم ~~لأنه من قومهم. # وقال أبو سليمان الدمشقي: وعاد قبيلة من ولد سام بن نوح، وإنما سماه ~~أخاهم، لأنه كان نسيبا لهم، وهو وهم من ولد عاد بن عوص بن إرم بن سام. # قوله تعالى: (إنا لنراك في سفاهة) قال ابن قتيبة: السفاهة: الجهل. وقال ~~الزجاج: # السفاهة: خفة الحلم والرأي، يقال: ثوب سفيه، إذا كان خفيفا. (وإنا ms0761 لنظنك ~~من الكاذبين) فكفروا به، ظانين، لا مستيقنين. (قال يا قوم ليس بي سفاهة) ~~هذا موضع أدب للخلق في حسن المخاطبة، فإنه دفع ما سبوه به من السفاهة بنفيه ~~فقط. # قوله تعالى: (وأنا لكم ناصح أمين) قال الضحاك: أمين على الرسالة. وقال ~~ابن السائب: كنت فيكم أمينا قبل اليوم. # قوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء) ذكرهم النعمة حيث أهلك من كان ~~قبلهم، وأسكنهم مساكنهم. (وزادكم في الخلق بسطة) أي: طولا وقوة. وقال ابن ~~عباس: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعا. قال الزجاج: وآلاء الله: ~~نعمه، واحدها: إلى. قال الشاعر: # أبيض لا يرهب الهزال ولا * يقطع رحما ولا يخون إلى ويجوز أن يكون واحدها ~~" إليا "، " وألى ". # قوله تعالى: (فائتنا بما تعدنا) أي: من نزول العذاب (إن كنت من الصادقين) ~~في أن العذاب نازل بنا. وقال عطاء: في نبوتك وإرسالك إلينا. # قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) ~~فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا ~~مؤمنين (72) قوله تعالى: (قال قد وقع) أي: وجب عليكم (من ربكم رجس وغضب) ~~قال ابن عباس: عذاب وسخط. وقال أبو عمرو بن العلاء: الرجز، والرجس: بمعنى ~~واحد، قلبت السين زايا. # قوله تعالى: (أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) يعني: الأصنام. ~~PageV03P151 # وفي تسميتهم لها قولان: # أحدهما: أنهم سموها آلهة. # والثاني: أنهم سموها بأسماء مختلفة. والسلطان: الحجة: (فانتظروا) نزول ~~العذاب (إني معكم من المنتظرين) الذي يأتيكم من العذاب في تكذيبكم إياي. # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) قوله تعالى: (وإلى ثمود) قال ms0762 أبو عمرو ~~بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها. قال ابن فارس: الثمد: الماء القليل الذي ~~لا مادة له. # قوله تعالى: (هذه ناقة الله) في إضافتها إليه قولان: # أحدهما: أن ذلك للتخصيص والتفضيل، كما يقال: بيت الله. # والثاني: لأنها كانت بتكوينه من غير سبب. # قوله تعالى: (لكم آية) أي: علامة تدل على قدرة الله، وإنما قال: " لكم " ~~لأنهم هم الذين اقترحوها، وإن كانت آية لهم ولغيرهم. وفي وجه كونها آية ~~قولان: # أحدهما: أنها خرجت من صخرة ملساء، فتمخضت بها تمخض الحامل، ثم انفلقت ~~عنها على الصفة التي طلبوها. # والثاني: أنها كانت تشرب ماء الوادي كله في يوم، وتسقيهم اللبن مكانه. # قوله تعالى: (فذروها تأكل في أرض الله) قال ابن الأنباري: ليس عليكم ~~مؤنتها وعلفها. # و " تأكل " مجزوم على جواب الشرط المقدر، أي: إن تذروها تأكل. # قوله تعالى: (ولا تمسوها بسوء)، أي: لا تصيبوها بعقر. # قوله تعالى: (وبوأكم في الأرض) أي: أنزلكم، يقال: تبوأ فلان منزلا: إذا ~~نزله. # وبوأته: أنزلته. قال الشاعر: PageV03P152 # وبوئت في صميم معشرها * فتم في قومها مبوؤها قوله تعالى: (تتخذون من ~~سهولها قصورا) السهل: ضد الحزن. والقصر: ما شيد وعلا من المنازل. قال ابن ~~عباس: اتخذوا القصور في سهول الأرض للصيف، ونقبوا في الجبال للشتاء. قال ~~وهب بن منبه: كان الرجل منهم يبني البنيان، فيمر عليه مائة سنة، فيخرب، ثم ~~يجدده، فيمر عليه مائة سنة، فيخرب ثم يجدده، فيمر عليه مائة سنة، فيخرب، ~~فأضجرهم ذلك، فاخذوا من الجبال بيوتا. # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون ~~أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) قوله تعالى: (قال الملأ الذين ~~استكبروا) وقرأ ابن عامر (وقال الملأ) بزيادة واو، وكذلك هي في مصاحفهم. ~~ومعنى الآية: تكبروا عن عبادة الله. (للذين استضعفوا) يريد: # المساكين. (لمن آمن منهم) بدل من قوله " للذين استضعفوا " لأنهم المؤمنون ~~(أتعلمون أن صالحا مرسل) هذا استفهام إنكار. # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ms0763 ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت ~~من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) قوله تعالى: ~~(فعقروا الناقة) أي: قتلوها. قال ابن قتيبة: والعقر يكون بمعنى: القتل، ~~ومنه قوله عليه السلام عند ذكر الشهداء: " من عقر جواده " وقال ابن إسحاق: ~~كمن لها قاتلها في أصل شجرة فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، ثم شد ~~عليها بالسيف فكسر عرقوبها، ثم نحرها قال الأزهري: العقر عند العرب: قطع ~~عرقوب البعير، ثم جعل العقر نحرا، لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره. # قوله تعالى: (وعتوا) قال الزجاج: جازوا المقدار في الكفر. قال أبو ~~سليمان: عتوا عن اتباع أمر ربهم. PageV03P153 # قوله تعالى: (بما تعدنا) أي: من العذاب. # قوله تعالى: (فأخذتهم الرجفة) قال الزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة. # قوله تعالى: (فأصبحوا في دارهم) أي: في مدينتهم. فإن قيل: كيف وحد الدار ~~ها هنا، وجمعها في موضع آخر، فقال: (في ديارهم) فعنه جوابان، ذكرهما ابن ~~الأنباري: # أحدهما: أنه أراد بالدار: المعسكر، أي: فأصبحوا في معسكرهم. وأراد بقوله: ~~في ديارهم: المنازل التي ينفرد كل واحد منها بمنزل. # والثاني: أنه أراد بالدار: الديار، فاكتفى بالواحد من الجميع، كقول ~~الشاعر: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا وشواهد هذا كثيرة في هذا الكتاب. # قوله تعالى: (جاثمين) قال الفراء: أصبحوا رمادا جاثما. وقال أبو عبيدة: ~~أي: بعضهم على بعض جثوم. والجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل. وقال ~~ابن قتيبة: الجثوم: البروك على الركب. وقال غيره: كأنهم أصبحوا موتى على ~~هذه الحال. وقال الزجاج: أصبحوا أجساما ملقاة في الأرض كالرماد الجاثم. قال ~~المفسرون: معنى " جاثمين ": بعضهم على بعض، أي: # إنهم سقط بعضهم على بعض عند نزول العذاب. # فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين (80) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ~~(81) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~(82) قوله تعالى: (فتولى ms0764 عنهم) يقول: انصرف صالح عنهم بعد عقر الناقة، لأن ~~الله تعالى أوحى إليه أن أخرج من بين أظهرهم، فإني مهلكهم. وقال قتادة: ذكر ~~لنا أن صالحا أسمع قومه كما أسمع نبيكم قومه، يعني: بعد موتهم. # قوله تعالى: (أتأتون الفاحشة) يعني إتيان الرجال. (ما سبقكم بها من أحد) ~~قال عمرو ابن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم لوط. وقال ~~بعض اللغويين: لوط: مشتق من لطت الحوض: إذا ملسته بالطين. قال الزجاج وهذا ~~غلط، لأنه اسم أعجمي كإسحاق، ولا يقال: إنه PageV03P154 # مشتق من السحق وهو البعد. # قوله تعالى: (إنكم لتأتون الرجال) هذا استفهام إنكار. والمسرف: المجاوز ~~ما أمر به. # وقوله تعالى: (أخرجوهم من قريتكم) يعني: لوطا وأتباعه المؤمنين (إنهم ~~أناس يتطهرون) قال ابن عباس: يتنزهون عن أدبار الرجال وأدبار النساء. # فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) قوله تعالى: (فأنجيناه وأهله) في أهله ~~قولان: # أحدهما: ابنتاه. # والثاني: المؤمنون به. (إلا امرأته كانت من الغابرين) أي: الباقين في ~~عذاب الله تعالى. # قال أبو عبيدة: وإنما قال: " من الغابرين " لأن صفة النساء مع صفة الرجال ~~تذكر إذا أشرك بينهما. # قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم مطرا) قال ابن عباس: يعني: الحجارة. قال ~~مجاهد: نزل جبريل، فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، ورفعها، ثم قلبها، فجعل ~~أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة. # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) قوله تعالى: ~~(وإلى مدين) قال قتادة: مدين: ماء كان عليه قوم شعيب، وكذلك قال الزجاج، ~~وقال: لا ينصرف، لأنه اسم البقعة. وقال مقاتل: مدين: هو ابن إبراهيم الخليل ~~لصلبه. وقال أبو سليمان الدمشقي: مدين: هو ابن مديان بن إبراهيم، والمعنى: ~~أرسلنا إلى ولد مدين، فعلى هذا: هو اسم قبيلة. وقال بعضهم: هو اسم للمدينة. ~~فالمعنى: وإلى ms0765 أهل مدين. # قال شيخنا أبو منصور اللغوي: مدين اسم أعجمي. فإن كان عربيا، فالياء ~~زائدة، من قولهم: # مدن بالمكان: إذا أقام به. # قوله تعالى: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) قال الزجاج: البخس: النقص ~~والقلة، يقال: PageV03P155 # بخست أبخس، بالسين، وبخصت عينه، بالصاد لا غير. (ولا تفسدوا في الأرض) ~~أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل، وإرسال ~~الرسل. # قوله تعالى: (إن كنتم مؤمنين) أي: مصدقين بما أخبرتكم عن الله. # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثرتم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) قوله ~~تعالى: (ولا تقعدوا بكل صراط) أي: بكل طريق (توعدون) من آمن بشعيب بالشر، ~~وتخوفونهم بالعذاب والقتل. فإن قيل: كيف أفرد الفعل، وأخلاه من المفعول، ~~فهلا قال: توعدون بكذا؟ فالجواب: أن العرب إذا أخلت هذا الفعل من المفعول، ~~لم يدل إلا على شر، يقولون: أوعدت فلانا. وكذلك إذا أفردوا: وعدت من مفعول، ~~لم يدل إلا على الخير. # قال الفراء: يقولون: وعدته خيرا، ووعدته شرا، فإذا أسقطوا الخير والشر، ~~قالوا: وعدته: في الخير، ووعدته: في الشر، فإذا جاؤوا بالباء، قالوا: وعدته ~~بالشر، وقال الراجز: # أوعدني بالسجن والأداهم قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، ~~قال: إذا أرادوا أن يذكروا ما تهددوا به مع أوعدت، جاؤوا بالباء، فقالوا: ~~أوعدته بالضرب، ولا يقولون: أوعدته الضرب. قال السدي: كانوا عشارين. وقال ~~أبو زيد: كانوا يقطعون الطريق. # قوله تعالى: (وتصدون عن سبيل الله) أي: تصرفون عن دين الله من آمن به. ~~(وتبغونها عوجا) مفسر في (آل عمران). # قوله تعالى: (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم) قال الزجاج: جائز أن يكون ~~المعنى: # جعلكم أغنياء بعد أن كنتم فقراء، وجائز أن يكون: كثر عددكم بعد أن كنتم ~~قليلا، وجائز أن يكونوا غير ذوي مقدرة وأقدار، فكثرهم. # وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~لنخرجنك يا ms0766 شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو ~~كنا كارهين (88) PageV03P156 # قوله تعالى: (وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا) ~~أي: إن اختلفتم في رسالتي، فصرتم فريقين، مصدقين ومكذبين (فاصبروا حتى يحكم ~~الله بيننا) بتعذيب المكذبين، وإنجاء المصدقين (وهو خير الحاكمين) لأنه ~~العدل الذي لا يجور. # قوله تعالى: (أو لتعودن في ملتنا) يعنون ديننا، وهو الشرك. قال الفراء: ~~جعل في قوله: # " لتعودن " لاما كجواب اليمين، وهو في معنى شرط، ومثله في الكلام: والله ~~لأضربنك أو تقر لي، فيكون معناه معنى: " إلا "، أو معنى: " حتى ". (قال أو ~~لو كنا كارهين) أي: # أو تجبروننا على ملتكم إن كرهناها؟! والألف للاستفهام. فإن قيل: كيف ~~قالوا: " لتعودن "، وشعيب لم يكن في كفر قط، فيعود إليه؟ ففيه جوابان: # أحدهما: أنهم لما جمعوا في الخطاب معه من كان كافرا، ثم آمن، خاطبوا ~~شعيبا بخطاب أتباعه، وغلبوا لفظهم على لفظه، لكثرتهم، وانفراده. # والثاني: أن المعنى: لتصيرن إلى ملتنا، فوقع العود على معنى الابتداء، ~~كما يقال: قد عاد علي من فلان مكروه، أي: قد لحقني منه ذلك، وإن لم يكن سبق ~~منه مكروه. قال الشاعر: # فإن تكن الأيام أحسن مرة * إلي عمر فقد عادت لهن ذنوب وقد شرحنا هذا في ~~قوله: (وإلى الله ترجع الأمور) في (سورة البقرة): وقد ذكر معنى الجوابين ~~الزجاج، وابن الأنباري. # قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله ~~توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) وقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ~~الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) PageV03P157 # قوله تعالى: (قد افترينا على الله ms0767 كذبا إن عدنا في ملتكم) وذلك أن القوم ~~كانوا يدعون أن الله أمرهم بما هم عليه، فلذلك سموه ملة. (وما يكون لنا أن ~~نعود فيها) أي: في الملة، (إلا أن يشاء الله) أي: إلا أن يكون قد سبق في ~~علم الله ومشيئته أن نعود فيها، (وسع ربنا كل شئ علما) قال ابن عباس: يعلم ~~ما يكون قبل أن يكون. # قوله تعالى: (على الله توكلنا) أي: فيما توعدتمونا به، وفي حراستنا عن ~~الضلال. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) قال أبو عبيدة: احكم بيننا، ~~وأنشد. # ألا أبلغ بني عصم رسولا * بأني عن فتاحتكم غني قال الفراء: وأهل عمان ~~يسمون القاضي: الفاتح والفتاح. قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى: أظهر ~~أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وينكشف، فجائز أن يكونوا سألوا بهذا نزول العذاب ~~بقومهم ليظهر أن الحق معهم. # قوله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها) فيه أربعة أقوال: # أحدها: كأن لم يعيشوا في دارهم، قاله ابن عباس، والأخفش. قال حاتم طيئ: # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى * فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر فما زادنا ~~بغيا على ذي قرابة * غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر قال الزجاج: معنى ~~غنينا: عشنا. والتصعلك: الفقر، والعرب تقول للفقير: الصعلوك. # والثاني: كأن لم يتنعموا فيها، قاله قتادة. # والثالث: كأن لم يكونوا فيها، قاله ابن زيد، ومقاتل. # والرابع: كأن لم ينزلوا فيها، قاله الزجاج. قال الأصمعي: المغاني: ~~المنازل، يقال: غنينا بمكان كذا، أي: نزلنا به. وقال ابن قتيبة: كأن لم ~~يقيموا فيها، ومعنى: غنينا بمكان كذا: أقمنا. # قال ابن الأنباري: وإنما كرر قوله: (والذين كذبوا شعيبا) للمبالغة في ~~ذمهم، كما تقول: أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا. # قوله تعالى: (فتولى عنهم) فيه قولان: # أحدهما: أعرض. # والثاني: انصرف (وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي) قال قتادة: أسمع ~~شعيب قومه، وأسمع صالح قومه، كما أسمع نبيكم قومه يوم بدر، يعني: أنه ~~خاطبهم بعد الهلاك. (فكيف آسى) أي: # أحزن. وقال أبو إسحاق: أصاب شعيبا على قومه حزن شديد، ثم عاتب نفسه، ~~فقال: كيف ms0768 آسى على PageV03P158 # قوم كافرين. # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون (94) قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية) قال الزجاج: يقال لكل مدينة: ~~قرية، لاجتماع الناس فيها. وقال غيره: في الآية اختصار، تقديره: فكذبوه. ~~(إلا أخذنا أهلها بالبأساء) وقد سبق تفسير البأساء والضراء في [سورة ~~الأنعام]، وتفسير التضرع في هذه السورة. ومقصود الآية: إعلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم بسنه الله في المكذبين، وتهديد قريش. # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء ~~والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ~~(96) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) قوله تعالى: ~~(ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) فيه قولان: # أحدها: أن السيئة: الشدة، والحسنة، الرخاء، قاله ابن عباس. # والثاني: السيئة: الشر، والحسنة: الخير، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (حتى عفوا) قال ابن عباس: كثروا، وكثرت أموالهم. (وقالوا قد ~~مس آباءنا الضراء والسراء) فنحن مثلهم، يصيبنا ما أصابهم، يعني: أنهم ~~أرادوا أن هذا دأب الدهر، وليس بعقوبة. (فأخذناهم بغتة) أي: فجأة بنزول ~~العذاب (وهم لا يشعرون) بنزوله، حتى أهلكهم. # قوله تعالى: (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) قال الزجاج: المعنى: ~~أتاهم الغيث من السماء، والنبات من الأرض، وجعل ذلك زاكيا كثيرا. # أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99) قوله تعالى: (أو أمن أهل القرى) ~~قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع: (أو أمن أهل) بإسكان الواو. وقرأ عاصم، ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (أو أمن) بتحريك الواو. وروى ورش عن نافع: (أو ~~امن) يدغم الهمزة، ويلقي حركتها على الساكن. PageV03P159 # أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك ms0769 يطبع الله ~~على قلوب الكافرين (101) قوله تعالى: (أو لم يهد للذين) وقرأ يعقوب: " نهد ~~" بالنون، وكذلك في (طه)، و السجدة) قال الزجاج: من قرأ بالياء، فالمعنى: ~~أو لم يبين الله لهم. ومن قرأ بالنون، فالمعنى: # أو لم نبين. وقوله تعالى: (ونطبع) ليس بمحمول على " أصبناهم "، لأنه لو ~~حمل على " أصبناهم " لكان: ولطبعنا. وإنما المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم. ~~ويجوز أن يكون محمولا على الماضي، ولفظه لفظ المستقبل، كما قال: (أن لو ~~نشاء)، والمعنى: لو شئنا. وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون معطوفا على: ~~أصبنا، إذ كان بمعنى نصيب، فوضع الماضي في موضع المستقبل عند وضوح معنى ~~الاستقبال، كما قال: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك) أي: إن يشأ، ~~يدل عليه قوله: (ويجعل لك قصورا) قال الشاعر: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * مني، وما سمعوا من صالح دفنوا أي: ~~يدفنوا: # قوله تعالى: (فهم لا يسمعون) أي: لا يقبلون، ومنه: " سمع الله لمن حمده ~~"، قال الشاعر: # دعوت الله حتى خفت أن لا * يكون الله يسمع ما أقول قوله تعالى: (فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) فيه خمسة أقوال: # أحدها: فما كانوا ليؤمنوا عند مجئ الرسل بما سبق في علم الله أنهم يكذبون ~~به يوم أقروا له بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم، هذا قول أبي بن كعب. # والثاني: فما كانوا ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ~~ميثاقهم حين أخرجهم من صلب آدم، فآمنوا كرها حيث أقروا بالألسن، وأضمروا ~~التكذيب، قاله ابن عباس، والسدي. # والثالث: فما كانوا لو رددناهم إلى الدنيا بعد موتهم ليؤمنوا بما كذبوا ~~به من قبل هلاكهم، هذا قول مجاهد. # والرابع: فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية، بل ~~شاركوهم في التكذيب، قاله يمان بن رباب. PageV03P160 # والخامس: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا قبل ~~رؤيتها. # وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) قوله تعالى: ~~(وما وجدنا لأكثرهم) قال مجاهد: يعني: القرون الماضية. (من عهد) ms0770 قال أبو ~~عبيدة: # أي: وفاء. قال ابن عباس: يريد الوفاء بالعهد الذي عاهدهم حين أخرجهم من ~~صلب آدم. وقال الحسن: العهد هاهنا: ما عهده إليهم مع الأنبياء أن لا يشركوا ~~به شيئا. # قوله تعالى: (وإن وجدنا) قال أبو عبيدة: وما وجدنا أكثرهم إلا الفاسقين. # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ~~(104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل ~~معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ~~(106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) قوله تعالى: (ثم بعثنا من ~~بعدهم) يعني: الأنبياء المذكورين. # قوله تعالى: (فظلموا بها) قال ابن عباس: فكذبوا بها. وقال غيره: فجحدوا ~~بها. # قوله تعالى: (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق) " على " بمعنى ~~الباء. قال الفراء: # العرب تجعل الباء في موضع " على "، تقول: رميت بالقوس، وعلى القوس، وجئت ~~بحال حسنة، وعلى حال حسنة. وقال أبو عبيدة: " حقيق " بمعنى: حريص. وقرأ ~~نافع، وأبان عن عاصم: # (حقيق علي) بتشديد الياء وفتحها، على الإضافة. والمعنى: واجب علي. # قوله تعالى: (قد جئتكم ببينة) قال ابن عباس: يعني العصا. (فأرسل معي بني ~~إسرائيل) أي: أطلق عنهم، وكان قد استخدمهم في الأعمال الشاقة. (فإذا هي ~~ثعبان مبين) قال أبو عبيدة: # أي: حية ظاهرة. قال الفراء: الثعبان: أعظم الحيات، وهو الذكر. وكذلك روى ~~الضحاك عن ابن عباس: الثعبان: الحية الذكر. # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا ~~لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه ~~وأرسل في المدائن حاشرين PageV03P161 # يأتوك بكل ساحر عليم (112) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا ~~نحن الغالبين (113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن ~~تلقي وإما أن نكون نحن المقلين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين ~~الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ms0771 (116) * وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا ~~هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب ~~العالمين (121) رب موسى وهارون (122) قوله تعالى: (ونزع يده) قال ابن عباس: ~~أدخل يده في جيبه، ثم أخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، لها شعاع غلب نور ~~الشمس، فخروا على وجوههم، ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت. قال مجاهد: بيضاء ~~من غير برص. # قوله تعالى: (فماذا تأمرون) قال ابن عباس: ما الذي تشيرون به علي؟ وهذا ~~يدل على أنه من قول فرعون، وأن كلام الملأ انقطع عند قوله: (من أرضكم). قال ~~الزجاج: يجوز أن يكون من قول الملأ، كأنهم خاطبوا فرعون ومن يخصه، أو ~~خاطبوه وحده، لأنه قد يقال للرئيس المطاع: ماذا ترون؟. # قوله تعالى: (أرجئه) قرأ ابن كثير " أرجهؤ " مهموز بواو بعد الهاء في ~~اللفظ. وقرأ ابن عمرو مثله، غير أنه يضم الهاء ضمة، من غير أن يبلغ بها ~~الواو، وكانا يهمزان: (مرجؤن) و (ترجئ) وقرأ قالون والمسيبي عن نافع " أرجه ~~" بكسر الهاء، ولا يبلغ بها الياء، ولا يهمز. وروى عنه ورش: # " أرجهي " يصلها بياء، ولا يهمز بين الجيم والهاء. وكذلك قال إسماعيل بن ~~جعفر عن نافع، وهي قراءة الكسائي. وقرأ حمزة: " أرجه " ساكنة الهاء غير ~~مهموز، وكذلك قرأ عاصم في غير رواية المفضل، وقد روى عنه المفضل كسر الهاء ~~من غير إشباع ولا همز، وهي قراءة أبي جعفر، وكذلك اختلافهم في سورة ~~(الشعراء). وقال ابن قتيبة: أرجه: أخره، وقد يهمز، يقال: أرجأت الشئ، ~~وأرجيته. ومنه قوله: (ترجي من تشاء منهن). قال الفراء: بنو أسد تقول: أرجيت ~~الأمر، بغير همز، وكذلك عامة قيس، وبعض بني تميم يقولون: أرجأت الأمر، ~~بالهمز، والقراء مولعون بهمزها، وترك الهمز أجود. # قوله تعالى: (وأرسل في المدائن) يعني مدائن مصر، (حاشرين) أي: من يحشر ~~السحرة إليك ويجمعهم. وقال ابن عباس: هم الشرط. PageV03P162 # قوله تعالى: (يأتوك بكل ساحر) قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: # (ساحر)، وفي (يونس): ms0772 (بكل ساحر)، وقرأ حمزة، والكسائي: (سحار) في ~~الموضعين، ولا خلاف في (الشعراء) أنها: (سحار). # قوله تعالى: (إن لنا لأجرا) قرأ ابن كثير، ونافع، وحفص عن عاصم (إن لنا ~~لأجرا) مكسورة الألف على الخبر، وفي (الشعراء): (أين) ممدودة مفتوحة الألف، ~~غير أن حفصا روى عن عاصم في (الشعراء): (أإن) بهمزتين. وقرأ أبو عمرو: (آين ~~لنا) ممدودة في السورتين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: بهمزتين في الموضعين. قال أبو علي: # الاستفهام أشبه بهذا الموضع، لأنهم لم يقطعوا على أن لهم الأجر، وإنما ~~استفهموا عنه. # قوله تعالى: (وإنكم لمن المقربين) أي: ولكم مع الأجر المنزلة الرفيعة ~~عندي. # قوله تعالى: (سحروا أعين الناس) قال أبو عبيدة: عشوا أعين الناس وأخذوها. # (واسترهبوهم) أي: خوفوهم. وقال الزجاج: استدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس. # قوله تعالى: (فإذا هي تلقف) وقرأ عاصم: (تلقف) ساكنة اللام، خفيفة القاف ~~هاهنا وفي (طه)، و (الشعراء). وروى البزي. وابن فليح عن ابن كثير: (تلقف) ~~بتشديد التاء. قال الفراء: # يقال: لقفت الشئ، فأنا ألقفه لقفا ولقفانا، والمعنى: تبتلع. # قوله تعالى: (ما يأفكون) أي: يكذبون، لأنهم زعموا أنها حيات. # قوله تعالى: (فوقع الحق) قال ابن عباس: استبان. (وبطل ما كانوا يعملون) ~~من السحر. # الإشارة إلى قصتهم اختلفوا في عدد السحرة على ثلاثة عشر قولا. # أحدها: اثنان وسبعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: اثنان وسبعون ألفا، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مقاتل. # والثالث: سبعون، روي عن ابن عباس أيضا. # والرابع: اثنا عشر ألفا، قاله كعب. # والخامس: سبعون ألفا، قاله عطاء، وكذلك قال وهب في رواية، ألا أنه قال: ~~فاختار منهم سبعة آلاف. # والسادس: سبعمائة. وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب أنه قال: كان ~~عدد السحرة الذين عارضوا موسى سبعين ألفا متخيرين من سبعمائة ألف، ثم إن ~~فرعون اختار من السبعين الألف سبعمائة. PageV03P163 # والسابع: خمسة وعشرون ألفا، قاله الحسن. # والثامن: تسعمائة، قاله عكرمة. # والتاسع: ثمانون ألفا، قاله محمد بن المنكدر. # والعاشر: بضعة وثلاثون ألفا، قاله السدي. ms0773 # والحادي عشر: خمسة عشر ألفا، قاله ابن إسحاق. # والثاني عشر: تسعة عشر ألفا، رواه أبو سليمان الدمشقي. # والثالث عشر: أربع مائة، حكاه الثعلبي، فأما أسماء رؤسائهم، فقال ابن ~~إسحاق: رؤوس السحرة ساتور، وعاذور، وحطحط، ومصفى، وهم الذين آمنوا، كذا ~~حكاه ابن ماكولا. ورأيت عن غير ابن إسحاق: سابورا، وعازورا. وقال مقاتل: ~~اسم أكبرهم. شمعون. قال ابن عباس: ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فكانت ~~ميلا في ميل، فألقى موسى عصاه، فإذا هي أعظم من حبالهم وعصيهم، قد سدت ~~الأفق، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، ~~وجعلت تأكل جميع ما قدرت عليه من صخرة أو شجرة، والناس ينظرون، وفرعون يضحك ~~تجلدا، فأقبلت الحية نحو فرعون، فصاح: يا موسى، يا موسى، فأخذها موسى، ~~وعرفت السحرة ان هذا من السماء، وليس هذا بسحر، فخروا سجدا، وقالوا آمنا ~~برب العالمين فقال فرعون: إياي تعنون؟ فقالوا: رب موسى وهارون، فأصبحوا ~~سحرة، وأمسوا شهداء. وقال وهب ابن منبه: لما صارت ثعبانا حملت على الناس ~~فانهزموا منها، فقتل بعضهم بعضا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا. وقال السدي: ~~لقي موسى أمير السحرة، فقال: أرأيت إن غلبتك غدا، أتؤمن بي؟ فقال الساحر: ~~لآتين غدا بسحر لا يغلبه السحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك. فإن قيل: كيف ~~جاز أن يأمرهم موسى بالإلقاء، وفعل السحر كفر؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن مضمون أمره: إن كنتم محقين فألقوا. # والثاني: ألقوا على ما يصح، لا على ما يفسد ويستحيل، ذكرهما الماوردي: # والثالث: إنما أمرهم بالإلقاء لتكون معجزته أظهر، لأنهم إذا ألقوا، ألقى ~~عصاه فابتلعت ذلك، ذكره الواحدي. فإن قيل: كيف قال: (وألقي السحرة ساجدين) ~~وإنما سجدوا باختيارهم؟ # فالجواب أنه لما زالت كل شبهة بما أظهر الله تعالى من أمره، اضطرهم عظيم ~~ما عاينوا إلى مبادرة السجود، فصاروا مفعولين في الإلقاء تصحيحا وتعظيما ~~لشأن ما رأوا من الآيات، ذكره ابن الأنباري. # قال ابن عباس: لما آمنت السحرة، اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل. # قال فرعون آمنتم به قبل أن ms0774 آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم PageV03P164 # أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) قوله تعالى: (آمنتم به) ~~قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو: " ءآمنتم به " بهمزة ومدة على الاستفهام. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " أآمنتم به " فاستفهموا بهمزتين، ~~الثانية ممدودة. وقرأ حفص عن عاصم: " آمنتم به " على الخبر. وروى ابن ~~الإخريط عن ابن كثير: " قال فرعون وآمنتم به " فقلب همزة الاستفهام واوا، ~~وجعل الثانية ملينة بين بين. وروى قنبل عن القواس مثل رواية ابن الإخريط، ~~غير أنه كان يهمز بعد الواو. وقال أبو علي: همز بعد الواو، لأن هذه الواو ~~منقلبة عن همزة الاستفهام، وبعد همزة الاستفهام " أفعلتم " فحققها ولم ~~يخففها. # قوله تعالى: (إن هذا لمكر مكرتموه) قال ابن السائب: لصنيع صنعتموه فيما ~~بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر ~~فتخرجوا منها أهلها (فسوف تعلمون) عاقبة ما صنعتم، (لأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلاف) وهو قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى. قال ابن عباس: أول من فعل ~~ذلك، وأول من صلب، فرعون. # وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين (126) وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ~~(127) قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء ~~من عباده والعاقبة للمتقين (128) قوله تعالى: (وما تنقم منا) أي: وما تكره ~~منا شيئا، ولا تعطن علينا إلا لأنا آمنا. (ربنا أفرغ علينا صبرا) قال ~~مجاهد: على القطع والصلب حتى لا نرجع كفارا (وتوفنا مسلمين) أي: # مخلصين على دين موسى. # قوله تعالى: (أتذر موسى وقومه) هذا إغراء من الملأ لفرعون. وفيما أرادوا ~~بالفساد في الأرض قولان: # أحدهما: قتل أبناء القبط، واستحياء نسائهم، كما فعلوا ببني إسرائيل، قاله ~~مقاتل. # والثاني: دعاؤهم الناس إلى مخالفة فرعون وترك عبادته. # قوله تعالى: (ويذرك) جمهور ms0775 القراء على نصب الراء، وقرأ الحسن برفعها. قال ~~الزجاج: # من نصب " ويذرك " نصبه على جواب الاستفهام بالواو، والمعنى: أيكون منك أن ~~تذر موسى وأن PageV03P165 # يذرك؟ ومن رفعه جعله مستأنفا، فيكون المعنى: أتذر موسى وقومه، وهو يذرك ~~وآلهتك، والأجود أن يكون معطوفا على " أتذر " فيكون المعنى: أتذر موسى، ~~وأيذرك موسى؟ أي: أتطلق له هذا؟. # قوله تعالى: (وآلهتك) قال ابن عباس: كان فرعون قد صنع لقومه أصناما ~~صغارا، وأمرهم بعبادتها، وقال أنا ربكم ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: (أنا ~~ربكم الأعلى). وقال غيره: كان قومه يتعبدون تلك الأصنام تقربا إليه. وقال ~~الحسن: كان يعبد تيسا في السر. وقيل: كان يعبد البقر سرا. وقيل: كان يجعل ~~في عنقه شيئا يعبده. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد ابن جبير، ~~ومجاهد، وأبو العالية، وابن محيصن: " وإلاهتك " بكسر الهمزة وقصرها وفتح ~~اللام وبألف بعدها. قال الزجاج: المعنى: ويذرك وربوبيتك وقال ابن الأنباري: ~~قال اللغويون: الإلاهة: العبادة، فالمعنى: ويذرك وعبادة الناس إياك. قال ~~ابن قتيبة: من قرأ: " وإلاهتك " أراد: ويذرك والشمس التي تعبد، وقد كان في ~~العرب قوم يعبدون الشمس ويسمونها آلهة. قال الأعشى: # فما أذكر الرهب حتى انقلبت * قبيل الإلهة منها قريبا يعني الشمس، والرهب: ~~ناقته. يقول: اشتغلت بهذه المرأة عن ناقتي إلى هذا الوقت. # قوله تعالى: (سنقتل أبناءهم) قرأ أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: # " سنقتل " و " يقتلون أبناءكم " بالتشديد، وخفضهما نافع. وقرأ ابن كثير: ~~" سنقتل " خفيفة، و " يقتلون " مشددة وإنما عدل عن قتل موسى إلى قتل ~~الأبناء لعلمه أنه لا يقدر عليه. (وإنا فوقهم قاهرون) أي: عالون بالملك ~~والسلطان. فشكا بنو إسرائيل إعادة القتل على أبنائهم، فقال موسى: (استعينوا ~~بالله واصبروا) على ما يفعل بكم (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده). ~~وقرأ الحسن، وهبيرة عن حفص عن عاصم: " يورثها " بالتشديد. فأطعمهم موسى أن ~~يعطيهم الله أرض فرعون وقومه بعد إهلاكهم. # قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين) فيها قولان: # أحدهما: الجنة. # والثاني: النصر والظفر. # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ms0776 جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) قوله تعالى: (قالوا أوذينا من ~~قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) في هذا الأذى ستة أقوال: PageV03P166 # أحدها: أن الأذى الأول والثاني أخذ الجزية، قاله الحسن. # والثاني: أن الأول ذبح الأبناء، والثاني إدراك فرعون يوم طلبهم، قاله ~~السدي. # والثالث: أن الأول أنهم كانوا يسخرون في الأعمال إلى نصف النهار، ويرسلون ~~في بقيته يكتسبون. والثاني تسخيرهم جميع النهار بلا طعام ولا شراب، قاله ~~جويبر. # والرابع: أن الأول تسخيرهم في ضرب اللبن، وكانوا يعطونهم التبن الذي يخلط ~~به الطين، والثاني أنهم كلفوا ضرب اللبن وجعل التبن عليهم، قاله ابن ~~السائب. # والخامس: أن الأول قتل الأبناء. واستحياء البنات، والثاني تكليف فرعون ~~إياهم مالا يطيفون، قاله مقاتل. # والسادس: أن الأول استخدامهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم، والثاني ~~إعادة ذلك العذاب. # وفي قوله [تعالى]: (من قبل أن تأتينا) قولان: # أحدهما: تأتينا بالرسالة، ومن بعد جئتنا بها، قاله ابن عباس. # والثاني: تأتينا بعهد الله أنه سيخلصنا، ومن بعد ما جئتنا به، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم) قال الزجاج: عسى: طمع وإشفاق، إلا ~~أن ما يطمع الله فيه فهو واجب. # قوله تعالى: (ويستخلفكم في الأرض) في هذا الاستخلاف قولان: # أحدهما: أنه استخلاف من فرعون وقومه. # والثاني: استخلاف عن الله تعالى، لأن المؤمنين خلفاء الله في أرضه وفي ~~الأرض قولان: # أحدهما: أرض مصر، قاله ابن عباس. # والثاني: أرض الشام، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (فينظر كيف تعملون) قال الزجاج: أي: يراه بوقوعه منكم، لأنه ~~إنما يجازيهم على ما وقع منهم، لا على ما علم أنه سيقع منهم. # قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) قال أبو عبيدة: مجازه: ~~ابتليناهم بالجدوب. # وآل فرعون: أهل دينه وقومه. وقال مقاتل: هم أهل مصر. قال الفراء: " ~~بالسنين " أي: بالقحط والجدوب عاما بعد عام. وقال الزجاج السنون في كلام ~~العرب: الجدوب، يقال: مستهم السنة، ومعناه: جدب السنة، وشدة ms0777 السنة. وإنما ~~أخذهم بالضراء، لأن أحوال الشدة، ترق القلب، وترغب فيما عند الله وفي ~~الرجوع إليه. قال قتادة: أما السنون، فكانت في بواديهم ومواشيهم، وأما نقص ~~الثمرات، فكان في أمصارهم وقراهم. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يبس لهم كل ~~شئ، وذهبت مواشيهم، حتى يبس نيل مصر، فاجتمعوا إلى فرعون فقالوا له: إن كنت ~~ربا كما PageV03P167 # تزعم، فاملأ لنا نيل مصر، فقال غدوة يصبحكم الماء، فلما خرجوا من عنده، ~~قال: أي شئ صنعت؟ أنا أقدر أن أجئ بالماء في نيل مصر غدوة أصبح، فيكذبوني؟! ~~فلما كان جوف الليل، اغتسل، ثم لبس مدرعة من صوف، ثم خرج حافيا حتى أتى بطن ~~نيل مصر فقام في بطنه، فقال: # اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر أن تملأ نيل مصر ماء، فاملأه، فما علم ~~إلا بخرير الماء لما أراد الله به من الهلكة. قلت: وهذا الحديث بعيد الصحة، ~~لأن الرجل كان دهريا لا يثبت إلها. ولو صح، كان إقراره بذلك كإقرار إبليس، ~~وتبقى مخالفته عنادا. # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) قوله تعالى: (فإذا ~~جاءتهم الحسنة) وهي الغيث والخصب وسعة الرزق والسلامة (قالوا لنا هذه) أي: ~~نحن مستحقوها على ما جرى لنا من العادة في سعة الرزق، ولم يعلموا أنه من ~~الله فيشكروا عليه. (وإن تصبهم سيئة) وهي القحط والجدب والبلاء (يطيروا ~~بموسى ومن معه) أي: # يتشاءموا بهم. وكانت العرب تزجر الطير، فتتشاءم بالبارح، وهو الذي يأتي ~~من جهة الشمال، وتتبرك بالسانح، وهو الذي يأتي من جهة اليمين. # قوله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله) قال أبو عبيدة: " ألا " تنبيه ~~وتوكيد ومجاز. " طائرهم " حظهم ونصيبهم وقال ابن عباس " ألا إنما طائرهم ~~عند الله " أي: إن الذي أصابهم من الله. وقال الزجاج: المعنى: ألا إن الشؤم ~~الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة، لا ما ينالهم في الدنيا. # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما ms0778 نحن لك بمؤمنين (132) ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) قوله تعالى: (وقالوا مهما) قال الزجاج: ~~زعم النحويون أن أصل " مهما " ماما، ولكن أبدل من الألف الأولى الهاء ~~ليختلف اللفظ، ف‍ " ما " الجزاء، و " ما " الثانية هي التي تزاد تأكيدا ~~للجزاء، ودليل النحويين على ذلك أنه ليس شئ من حروف الجزاء إلا و " ما " ~~تزاد فيه، قال الله [عز وجل] (فأما تثقفنهم) كقولك: إن تثقفنهم، وقال: ~~(وإما تعرضن عنهم)، وتكون " ما " الثانية للشرط والجزاء، والتفسير الأول هو ~~الكلام، وعليه استعمال الناس. قال ابن الأنباري: فعلى قول من PageV03P168 # قال: إن معنى " مه " الكف، يحسن الوقف على " مه "، والاختيار عندي أن لا ~~يوقف على مه دون " ما " لأنهما في المصحف حرف واحد. وفي الطوفان ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه الماء. قال ابن عباس: أرسل عليهم مطر دائم الليل والنهار ~~ثمانية أيام، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، وأبو ~~مالك، ومقاتل، واختاره الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أنه الموت، روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه قال ~~مجاهد، وعطاء، ووهب بن منبه. # وابن كثير. # والثالث: أنه الطاعون، نقل عن مجاهد، ووهب، أيضا. وفي القمل سبعة أقوال: # أحدها: أنه السوس الذي يقع في الحنطة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، ~~وقال به. # والثاني: أنه الدبى، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء. ~~وقال قتادة: # القمل: أولاد الجراد. وقال ابن فارس: الدبى: الجراد إذا تحرك قبل أن تنبت ~~أجنحته. # والثالث: أنه دواب سود صغار، قاله الحسن، وسعيد بن جبير. وقيل: هذه ~~الدواب هي السوس. # والرابع: أنه الجعلان، قاله حبيب بن ثابت. # والخامس: أنه القمل، ذكره عطاء الخراساني، وزيد بن أسلم. # والسادس: أنه البراغيث، حكاه ابن زيد. # والسابع: أنه الحمنان، واحدتها: حمنانة، وهي ضرب من القردان، قاله أبو ~~عبيدة. وقرأ الحسن، وعكرمة، وابن يعمر: " القمل " برفع القاف وسكون الميم. # وفي الدم قولان: # أحدهما: أن ماءهم صار دما، قاله الجمهور. # والثاني: أنه رعاف أصابهم، قاله ms0779 زيد بن أسلم. # الإشارة إلى شرح القصة قال ابن عباس: جاءهم الطوفان، فكان الرجل لا يقدر ~~ان يخرج إلى ضيعته، حتى خافوا الغرق، فقالوا: يا موسى ادع لنا يكشفه عنا، ~~ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا لهم، فكشفه الله عنهم، وأنبت لهم ~~شيئا لم ينبته قبل ذلك، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد ~~فأكل ما أنبتت الأرض، فقالوا: ادع لنا ربك، فدعا، فكشف عنهم، فأحرزوا ~~زروعهم في البيوت، فأرسل الله عليهم القمل، فكان الرجل يخرج بطحين عشرة ~~أجربة إلى الرحى، فلا يرى منها ثلاثة أقفزة، فسألوه، فدعا لهم، فلم يؤمنوا، ~~فأرسل الله عليهم الضفادع، ولم يكن شئ أشد PageV03P169 # منها، كانت تجئ إلى القدور وهي تغلي وتفور، فتلقي أنفسها فيها، فتفسد ~~طعامهم وتطفئ نيرانهم، وكانت الضفادع برية، فأورثها الله عز وجل برد الماء ~~والثرى إلى يوم القيامة، فسألوه، فدعا لهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم ~~الدم، فجرت أنهارهم وقلبهم دما، فلم يقدروا على الماء العذب، وبنو إسرائيل ~~في الماء العذب، فإذا دخل الرجل منهم يستقي من أنهار بني إسرائيل صار ما ~~دخل فيه دما، والماء من بين يديه ومن خلفه صاف عذب لا يقدر عليه، فقال ~~فرعون: أقسم بإلهي يا موسى لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن بك، ولنرسلن معك بني ~~إسرائيل، فدعا موسى، فذهب الدم وعذب ماؤهم، فقالوا: والله لا نؤمن بك ولا ~~نرسل معك بني إسرائيل. # قوله تعالى: (آيات مفصلات) قال ابن قتيبة: بين الآية والآية فصل. قال ~~المفسرون: كانت الآية تمكث من السبت إلى السبت، ثم يبقون عقيب رفعها شهرا ~~في عافية، ثم تأتي الآية الأخرى. # وقال وهب بن منبه: بين كل آيتين أربعون يوما. وروى عكرمة عن ابن عباس ~~قال: مكث موسى في آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات، ~~الجراد والقمل والضفادع والدم. # وفي قوله [تعالى]: " فاستكبروا " قولان: # أحدهما: عن الإيمان. # والثاني: عن الانزجار. # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز ms0780 لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما كشفنا عنهم الرجز ~~إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) قوله تعالى: (ولما وقع عليهم ~~الرجز) أي: نزل بهم العذاب. وفي هذا العذاب قولان: # أحدهما: أنه طاعون أهلك منهم سبعين ألفا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: أنه العذاب الذي سلطه الله عليهم من الجراد والقمل وغير ذلك، ~~قاله ابن زيد. قال الزجاج: " الرجز ": العذاب، أو العمل الذي يؤدي إلى ~~العذاب. ومعنى الرجز في العذاب: أنه المقلقل لشدته قلقلة شديدة متتابعة. ~~وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، فمن ذلك قولهم: # ناقة رجزاء، إذا كانت ترتعد قوائمها عند قيامها. ومنه رجز الشعر، لأنه ~~أقصر أبيات الشعر، والانتقال من بيت إلى بيت، سريع، نحو قوله: # يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع PageV03P170 # وزعم الخليل أن الرجز ليس بشعر، وإنما هو أنصاف أبيات وأثلاث. # قوله تعالى: (بما عهد عندك) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن معناه: بما أوصاك أن تدعوه به. # والثاني: بما تقدم به إليك أن تدعوه فيجيبك. # والثالث: بما عهد عندك في كشف العذاب عمن آمن. # والرابع: أن ذلك منهم على معنى القسم، كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن ~~يدعو لهم. # قوله تعالى: (إلى أجل هم بالغوه) أي: إلى وقت غرقهم. (إذا هم ينكثون) أي: ~~ينقضون العهد. # قوله تعالى: (فانتقمنا منهم) قال أبو سليمان الدمشقي: انتصرنا منهم ~~بإحلال نقمتنا بهم، وتلك النقمة تغريقنا إياهم في اليم. قال ابن قتيبة: ~~اليم: البحر بالسريانية. # قوله تعالى: (وكانوا عنها غافلين) فيه قولان: # أحدهما: عن الآيات، وغفلتهم: تركهم الاعتبار بها. # والثاني: عن النقمة. # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون ms0781 (138) قوله تعالى: (وأورثنا القوم) يعني بني إسرائيل. ~~(الذين كانوا يستضعفون) أي: يستذلون بذبح الأبناء، واستخدام النساء، وتسخير ~~الرجال. (مشارق الأرض ومغاربها) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: مشارق الشام ومغاربها، قاله الحسن. # والثاني: مشارق أرض الشام ومصر. # والثالث: أنه على إطلاق في شرق الأرض وغربها. # قوله تعالى: (التي باركنا فيها) قال ابن عباس: بالماء والشجر. # قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك الحسنى) وهي وعد الله لبني إسرائيل بإهلاك ~~عدوهم، واستخلافهم في الأرض، وذلك في قوله: (ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض)، PageV03P171 # وقد بينا علة تسمية ذلك كله في (آل عمران). # وقوله تعالى: (بما صبروا) فيه قولان: # أحدهما: على طاعة الله تعالى. # والثاني: على أذى فرعون. # قوله تعالى: (ودمرنا) أي: أهلكنا (ما كان يصنع فرعون وقومه) من العمارات ~~والمزارع، والدمار: الهلاك. (وما كانوا يعرشون) أي: يبنون. قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " يعرشون " بكسر الراء ~~هاهنا وفي (النحل). وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بضم الراء فيهما. ~~وقرأ ابن أبي عبلة: " يعرشون " بالتشديد قال الزجاج: يقال: عرش يعرش ويعرش: ~~إذا بنى. # قوله تعالى: (يعكفون) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر،: " يعكفون " بضم الكاف. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل: بكسر الكاف. ~~وقرأ ابن أبي عبلة: بضم الياء وتشديد الكاف. قال الزجاج: ومعنى (يعكفون على ~~أصنام لهم): يواظبون عليها ويلازمونها، يقال لكل من لزم شيئا وواظب عليه: ~~عكف يعكف ويعكف. قال قتادة: كان أولئك القوم نزولا بالرقة، وكانوا من لخم. ~~وقال غيره: كانت أصنامهم تماثيل البقر. وهذا إخبار عن عظيم جهلهم حيث ~~توهموا جواز عبادة غير الله بعدما رأوا الآيات. # إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) قوله تعالى: (إن ~~هؤلاء متبر ما هم فيه) قال ابن قتيبة: مهلك. والتبار: الهلاك. # قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) قوله تعالى: ~~(قال أغير الله أبغيكم إلها) أي: أطلب لكم، وهذا استفهام إنكار. قال ~~المفسرون، منهم ابن عباس، ومجاهد: والعالمون هاهنا: عالمو زمانهم. ms0782 # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذالكم بلاء من ربكم عظيم (141) قوله تعالى: (وإذا أنجيناكم) قرأ ~~ابن عامر: " وإذ أنجاكم " على لفظ الغائب المفرد. # * ووعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ~~وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) ~~PageV03P172 # قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) المعنى: وعدناه انقضاء ثلاثين ~~ليلة قال ابن عباس: قال موسى لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة، فلما فصل ~~إلى ربه زاده عشرا، فكانت فتنتهم في ذلك العشر. فإن قيل: لم زيد هذا العشر؟ ~~فالجواب: أن ابن عباس قال: صام تلك الثلاثين ليلهن ونهارهن، فلما انسلخ ~~الشهر، كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول شيئا من نبات الأرض ~~فمضغه، فأوحى الله تعالى إليه: لا كلمتك حتى يعود فوك على ما كان عليه، أما ~~علمت أن رائحة فم الصائم أحب إلي من ريح المسك؟ وأمره بصيام عشرة أيام. ~~وقال أبو العالية: مكث موسى على الطور أربعين ليلة، فبلغنا أنه لم يحدث حتى ~~هبط منه. # فإن قيل: ما معنى (فتم ميقات ربه أربعين ليلة) وقد علم ذلك عند انضمام ~~العشر إلى الثلاثين. # فالجواب من وجوه. # أحدها: أنه للتأكيد. # والثاني: ليدل أن العشر، ليال لا ساعات. # والثالث: لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن تكون من جملة الثلاثين، لأنه ~~يجوز أن يسبق إلى الوهم أنها كانت عشرين ليلة فأتمت بعشر. وقد بينا في ~~(البقرة) لماذا كان هذا الوعد. # قوله تعالى: (وأصلح) قال ابن عباس: مرهم بالإصلاح. وقال مقاتل: ارفق. # ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) ~~قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين (144) قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا) قال الزجاج، ms0783 أي: ~~للوقت الذي وقتنا له. (وكلمه ربه) أسمعه كلامه، ولم يكن بينه وبين الله عز ~~وجل فيما سمع أحد. (قال رب أرني أنظر إليك) أي: أرني نفسك. # قوله تعالى: (قال لن تراني) تعلق بهذا نفاة الرؤية وقالوا: " لن " لنفي ~~الأبد، وذلك غلط، لأنها قد وردت وليس لمراد بها الأبد في قوله: (ولن يتمنوه ~~أبدا بما قدمت أيديهم) ثم أخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله [تعالى]: (يا ~~مالك ليقض علينا ربك)، ولأن ابن عباس قال في تفسيرها: لن PageV03P173 # تراني في الدنيا. وقال غيره: هذا جواب لقول موسى: " أرني "، ولم يرد: ~~أرني في الآخرة، وإنما أراد في الدنيا، فأجيب عما سأل. وقال بعضهم: لن ~~تراني بسؤالك. وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية، لأن موسى مع علمه ~~بالله تعالى، سألها، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا ~~يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك، لأن معرفة الأنبياء لله ليس فيها نقص، ولأن ~~الله تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه ~~لقال: " لا أرى "، ألا ترى أن نوحا لما قال: # (إن ابني من أهلي) أنكر عليه بقوله: (إنه ليس من أهلك)، ومما يدل على ~~جواز الرؤية أنه علقها باستقرار الجبل، وذلك جائز غير مستحيل، فدل على أنها ~~جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علقه بمستحيل فقال: (حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط). # قوله تعالى: (فإن استقر مكانه) أي: ثبت ولم يتضعضع. # قوله تعالى: (فلما تجلى ربه) قال الزجاج: ظهر، وبان. (جعله دكا) قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " دكا " منونة مقصورة هاهنا وفي ~~(الكهف). وقرأ عاصم: " دكا " ها هنا منونة مقصورة، وفي (الكهف): " دكاء " ~~ممدودة غير منونة. وقرأ حمزة، والكسائي: " دكاء " ممدودة غير منونة في ~~الموضعين. قال أبو عبيدة: " جعله دكا " أي: مندكا والمندك: المستوي، ~~والمعنى: مستويا مع وجه الأرض، يقال: ناقة دكاء، أي: ذاهبة السنام مستو ~~ظهرها. قال ابن قتيبة: كأن سنامها دك، أي: التصق، قال: ويقال: إن أصل دككت: ms0784 ~~دققت فأبدلت القاف كافا لتقارب المخرجين. وقال أنس بن مالك في قوله: " جعله ~~دكا ": ساخ الجبل. قال ابن عباس: واسم الجبل: زبير، وهو أعظم جبل بمدين، ~~وإن الجبال تطاولت ليتجلى لها، وتواضع زبير فتجلى له. # قوله تعالى: (وخر موسى صعقا) فيه قولان: # أحدهما: مغشيا عليه، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. # والثاني: ميتا، قاله قتادة، ومقاتل، والأول أصح، لقوله [تعالى]: (فلما ~~أفاق) وذلك لا يقال للميت. وقيل: بقي في غشيته يوما وليلة. # قوله تعالى: (سبحانك تبت إليك) فيما تاب منه ثلاثة أقوال: # أحدها: سؤاله الرؤية، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها. # والثالث: اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا وفي قوله [تعالى]: (وأنا أول ~~المؤمنين) قولان: # أحدهما: أنك لن ترى في الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أول المؤمنين من بني إسرائيل، رواه عكرمة عن ابن عباس. # قوله تعالى: (إني اصطفيتك) فتح ياء " إني " ابن كثير، وأبو عمرو. وقرأ ~~ابن كثير، ونافع PageV03P174 # " برسالتي " قال الزجاج: المعنى: اتخذتك صفوة على الناس برسالاتي ~~وبكلامي، ولو كان إنما سمع كلام غير الله لما قال: " برسالاتي وبكلامي " ~~لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله. # وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين (145) قوله تعالى: (وكتبنا له في ~~الألواح من كل شئ) في ماهية الألواح سبعة أقوال: # أحدها: أنها زبرجد، قاله ابن عباس. # والثاني: ياقوت، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: زمرد أخضر، قاله مجاهد. # والرابع: برد، قاله أبو العالية. # والخامس: خشب، قاله الحسن. # والسادس: صخر، قاله وهب بن منبه. # والسابع: زمرد وياقوت، قاله مقاتل. وفي عددها أربعة أقوال: # أحدها: سبعة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: لوحان، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء. قال: وإنما ~~سماها الله تعالى ألواحا، على مذهب العرب في إيقاع الجمع على التثنية، ~~كقوله [تعالى]: (وكنا لحكمهم شاهدين) يريد داود، وسليمان، وقوله [تعالى]: ~~(فقد صغت قلوبكما). # والثالث: عشرة، قاله وهب. ms0785 # والرابع: تسعة، قاله مقاتل. وفي قوله تعالى: (من كل شئ) قولان: # أحدهما: من كل شئ يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام والواجب وغيره. # والثاني: من الحكم والعبر. # قوله تعالى: (موعظة) أي: نهيا عن الجهل. (وتفصيلا) أي: تبيينا لكل شئ من ~~الأمر والنهي والحدود والأحكام. # قوله تعالى: (فخذها بقوة) فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: بجد وحزم، قاله ابن عباس. # والثاني: بطاعة، قاله أبو العالية، والثالث: بشكر، قاله جويبر. # قوله تعالى: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) إن قيل: كأن فيها ما ليس بحسن؟ ~~فعنه جوابان. PageV03P175 # أحدهما: أن المعنى: يأخذوا بحسنها، وكلها حسن، قاله قطرب، وقال ابن ~~الأنباري: ناب " أحسن " عن " حسن " كما قال الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول أي: عزيزة طويلة. ~~وقال غيره: " الأحسن " هاهنا صلة، والمعنى أن يأخذوا بها. # والثاني: أن بعض ما فيها أحسن من بعض. ثم في ذلك خمسة أقوال: # أحدها: أنهم أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر، ففعل الخير هو الأحسن. # والثاني: أنها اشتملت على أشياء حسنة بعضها أحسن من بعض، كالقصاص والعفو ~~والانتصار والصبر، فأمروا أن يأخذوا بالأحسن، ذكر القولين الزجاج. فعلى هذا ~~القول، يكون المعنى: انهم يتبعون العزائم والفضائل، وعلى الذي قبله، يكون ~~المعنى: أنهم يتبعون الموصوف بالحسن وهو الطاعة، ويجتنبون الموصوف بالقبح ~~وهو المعصية. # والثالث: أحسنها، الفرائض والنوافل، وأدونها في الحسن: المباح. # والرابع: أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة، فتصرف إلى الأشبه بالحق. # والخامس: أن أحسنها: الجمع بين الفرائض والنوافل. # قوله تعالى: (سأريكم دار الفاسقين) فيها أربعة أقوال: # أحدها: أنها جهنم، قاله الحسن، ومجاهد. # والثاني: أنها دار فرعون وقومه، وهي مصر، قاله عطية العوفي. # والثالث: أنها منازل من هلك من الجبابرة والعمالقة، يريهم إياها عند ~~دخولهم الشام، قاله قتادة. # والرابع: أنها مصارع الفاسقين، قاله السدي. ومعنى الكلام: سأريكم عاقبة ~~من خالف أمري، وهذا تهديد للمخالف، وتحذير للموافق. # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ms0786 وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147) ~~قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) في هذه ~~الآية قولان: PageV03P176 # أحدهما: أنها خاصة لأهل مصر فيما رأوا من الآيات. # والثاني: أنها عامة، وهو أصح. وفي الآيات قولان: # أحدهما: أنها آيات الكتب المتلوة. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أمنعهم فهمها. # والثاني: أمنعهم من الإيمان بها. # والثالث: أصرفهم عن الاعتراض عليها بالإبطال. # والثاني: أنها آيات المخلوقات كالسماء والأرض والشمس والقمر وغيرها، ~~فيكون المعنى: # أصرفهم عن التفكر والاعتبار بما خلقت. وفي معنى يتكبرون قولان: # أحدهما: يتكبرون عن الإيمان واتباع الرسول. # والثاني: يحقرون الناس ويرون لهم الفضل عليهم. # قوله تعالى: (وإن يروا سبيل الرشد) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم: # " سبيل الرشد " بضم الراء خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي: " سبيل الرشد " ~~بفتح الراء والشين مثقلة. # قوله تعالى: (ذلك بأنهم) قال الزجاج: فعل الله بهم ذلك بأنهم (كذبوا ~~بآياتنا وكانوا عنها غافلين)، أي: كانوا في تركهم الإيمان بها والتدبر لها ~~بمنزلة الغافلين. ويجوز أن يكون المعنى: # وكانوا عن جزائها غافلين. # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) قوله تعالى: (واتخذ ~~قوم موسى من بعده) أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل للميقات. (من حليهم) قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: " من حليهم " بضم الحاء. ~~وقرأ حمزة، والكسائي: " حليهم " بكسر الحاء. وقرأ يعقوب: بفتحها وسكون ~~اللام وتخفيف الياء. # والحلي: جمع حلي، مثل ثدي وثدي، وهو اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة. ~~قال الزجاج: # ومن كسر الحاء من " حليهم " أتبع الحاء كسر اللام. والجسد: هو الذي لا ~~يعقل ولا يميز، إنما هو بمعنى الجثة فقط. قال ابن الأنباري: ذكر الجسد ~~دلالة على عدم الروح منه، وأن شخصه شخص مثال وصورة، غير منضم إليهما روح ms0787 ~~ولا نفس. فأما الخوار، فهو صوت البقرة، يقال: خارت البقرة تخور، وجأرت ~~تجأر، وقد نقل عن العرب أنهم يقولون في مثل صوت الإنسان من البهائم: رغا ~~البعير وجرجر وهدر وقبقب، وصهل الفرس وحمحم، وشهق الحمار ونهق، وشحج البغل، ~~وثغت الشاة ويعرت، وثأجت النعجة، وبغم الظبي ونزب، وزأر الأسد ونهت ونأت، ~~ووعوع الذئب، ونهم PageV03P177 # الفيل، وزقح القرد، وضبح الثعلب، وعوى الكلب ونبح، وماءت السنور، وصأت ~~الفأرة، ونغق الغراب معجمة الغين، وزقأ الديك وسقع، وصفر النسر، وهدر ~~الحمام وهدل، ونقضت الضفادع ونقت، وعزفت الجن. قال ابن عباس: كان العجل إذا ~~خار سجدوا وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. # وفي رواية أبي صالح عنه: أنه خار خورة واحدة ولم يتبعها مثلها، وبهذا قال ~~وهب، ومقاتل: وكان مجاهد يقول: خواره حفيف الريح فيه، وهذا يدل على أنه لم ~~يكن فيه روح. وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو مجلز: " له جوار " بجيم مرفوعة. # قوله تعالى: (ألم يروا أنه لا يكلمهم) أي: لا يستطيع كلامهم. (ولا يهديهم ~~سبيلا) أي: # لا يبين لهم طريقا إلى حجة. (اتخذوه) يعني اتخذوه إلها. (وكانوا ظالمين) ~~قال ابن عباس: # مشركين. # ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر ~~لنا لنكونن من الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما ~~خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ~~قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ~~وأنت أرحم الراحمين (151) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة ~~في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين (152) قوله تعالى: (ولما سقط في ~~أيديهم) أي: ندموا. قال الزجاج: يقال للرجل النادم على ما فعل، المتحسر على ~~ما فرط: قد سقط في يده وأسقط في يده. وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران الجوني: ~~" سقط " بفتح السين. قال الزجاج: والمعنى: ولما سقط الندم في أيديهم، يشبه ~~ما في القلب وفي النفس بما ms0788 يرى بالعين. قال المفسرون: هذا الندم منهم إنما ~~كان بعد رجوع موسى. # قوله تعالى: (لئن لم يرحمنا ربنا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم: # " يرحمنا ربنا " " ويغفر لنا " بالياء والرفع. وقرأ حمزة، والكسائي " " ~~ترحمنا " " وتغفر لنا " بالتاء، " ربنا " بالنصب. # قوله تعالى: (غضبان أسفا) في الأسف ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحزين، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي. PageV03P178 # والثاني: الجزع، قاله مجاهد. # والثالث: أنه الشديد الغضب، قاله ابن قتيبة، والزجاج. وقال أبو الدرداء: ~~الأسف: منزلة وراء الغضب أشد منه. # قوله تعالى: (قال) أي: لقومه (بئسما خلفتموني من بعدي) فتح ياء " بعدي " ~~أهل الحجاز، وأبو عمرو، والمعنى: بئس ما عملتم بعد فراقي من عبادة العجل. ~~(أعجلتم أمر ربكم) قال الفراء: يقال: عجلت الأمر والشئ: سبقته، ومنه هذه ~~الآية. وأعجلته: استحثثته. قال ابن عباس: # أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا؟! قال الحسن: يعني وعد الأربعين ليلة. # قوله تعالى: (وألقى الألواح) التي فيها التوراة. وفي سبب إلقائه إياها ~~قولان: # أحدهما: أنه الغضب حين رآهم قد عبدوا العجل، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه لما رأى فضائل غير أمته من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~اشتد عليه، فألقاها، قاله قتادة، وفيه بعد. قال ابن عباس لما: رمى بالألواح ~~فتحطمت، رفع منها ستة أسباع، وبقي سبع. # قوله تعالى: (وأخذ برأس أخيه) في ما أخذ به من رأسه ثلاثة أقوال: # أحدها: لحيته وذؤابته. # والثاني: شعر رأسه. # والثالث: أذنه. وقيل: إنما فعل به ذلك، لأنه توهم أنه عصى الله بمقامه ~~بينهم وترك اللحوق به، وتعريفه ما أحدثوا بعده ليرجع إليهم فيتلافاهم ~~ويردهم إلى الحق، وذلك قوله [تعالى]: (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا ~~تتبعن). # قوله تعالى: (يا ابن أم) قرأ ابن كثير: ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: ~~" قال ابن أم " نصبا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~بكسر الميم، وكذلك في (طه). # قال الزجاج: من فتح الميم، فلكثرة استعمال هذا الاسم، ومن كسر، اضافه إلى ~~نفسه بعد أن جعله اسما واحدا، ومن العرب ms0789 من يقول: " يا ابن أمي " بإثبات ~~الياء. قال الشاعر: # يا ابن أمي ويا شقيق نفسي * أنت خلفتني لدهر شديد قال: يحتمل أن يريد من ~~فتح: " يا ابن أم " أما، ويحذف الألف، ومن كسر: " ابن أمي " فيحذف الياء. ~~فإن قيل: لم قال: " يا ابن أم " ولم يقل: " يا ابن أب "؟ فالجواب أن ابن ~~عباس قال: # كان أخاه لأبيه وأمه، وإنما قال له ذلك ليرفقه عليه. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: والإنسان عند ذكر الوالدة أرق منه عند ذكر الوالد. وقيل: كان لأمه ~~دون أبيه، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: (إن القوم) يعني عبدة العجل. (استضعفوني) أي: استذلوني (فلا ~~تشمت بي PageV03P179 # الأعداء) قرأ ابن عباس، وابن محيصن وحميد: " فلا تشمت " بتاء مفتوحة مع ~~فتح الميم، " الأعداء " بالرفع، وقرأ مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وأبو ~~رجاء: " فلا تشمت " بفتح التاء وكسر الميم، " الأعداء " بالنصب. وقرأ أبو ~~الجوزاء، وابن أبي عبلة مثل ذلك، إلا أنهما رفعا " الأعداء ". ويعني ~~بالأعداء: عبدة العجل. (ولا تجعلني) في موجدتك وعقوبتك لي (مع القوم ~~الظالمين) وهم عبدة العجل. فلما تبين له عذر أخيه (قال رب اغفر لي). # قوله تعالى: (وذلة في الحياة الدنيا) فيها قولان: # أحدهما: أنها الجزية، قاله ابن عباس. # والثاني: ما أمروا به من قتل أنفسهم، قاله الزجاج. فعلى الأول يكون ما ~~أضيف إليهم من الجزية في حق أولادهم، لأن أولئك قتلوا ولم يؤدوا جزية. قال ~~عطية: وهذه الآية فيما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتوليهم ~~متخذي العجل ورضاهم به. # قوله تعالى: (وكذلك نجزي المفترين) قال ابن عباس: كذلك أعاقب من اتخذ ~~إلها دوني، وقال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذله، وقرأ ~~هذه الآية. وقال سفيان بن عيينة: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة ~~تغشاه، قال: وهي في كتاب الله تعالى: # قالوا: وأين هي؟ قال: أوما سمعتم قوله تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل ~~سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا) قالوا: يا أبا محمد، هذه ~~لأصحاب العجل خاصة، ms0790 قال: كلا، اتلوا ما بعدها. (وكذلك نجزي المفترين) فهي ~~لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة. # والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم (153) قوله تعالى: (والذين عملوا السيئات) فيها قولان: # أحدهما: أنها الشرك. # والثاني: الشرك وغيره من الذنوب. (ثم تابوا من بعدها) يعني السيئات. وفي ~~قوله [تعالى]: # (وآمنوا) قولان: # أحدهما: آمنوا بالله، وهو يخرج على قول من قال: هي الشرك. # والثاني: آمنوا بأن الله تعالى يقبل التوبة. (إن ربك من بعدها) يعني ~~السيئات. # ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون (154) قوله تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب) وقرأ ابن عباس، وأبو ~~عمران " سكت " بفتح PageV03P180 # السين وتشديد الكاف وبتاء بعدها، " الغضب " بالنصب. وقرأ سعيد بن جبير، ~~وابن يعمر، والجحدري " سكت " بضم السين وتشديد الكاف مع كسرها. وقرأ ابن ~~مسعود، وعكرمة، وطلحة " سكن " بنون. قال الزجاج " سكت " بمعنى سكن، يقال: ~~سكت يسكت سكتا: إذا سكن، وسكت يسكت سكتا وسكوتا: إذا قطع الكلام. قال: وقال ~~بعضهم: المعنى: ولما سكت موسى عن الغضب، على القلب، كما قالوا: أدخلت ~~القلنسوة في رأسي. والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة، والأول هو قول أهل ~~العربية. # قوله تعالى: (أخذ الألواح) يعني التي كان ألقاها. وفي قوله [تعالى]: (وفي ~~نسختها) قولان: # أحدهما: وفيما بقي منها، قاله ابن عباس. # والثاني: وفيما نسخ فيهما، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (للذين هم لربهم يرهبون) فيهم قولان: # أحدهما: أنه عام في الذين يخافون الله، وهو معنى قول قتادة. # والثاني: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهو معنى قول قتادة. # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ~~(155) قوله تعالى: (واختار موسى قومه) المعنى: اختار من قومه، فحذف " من " ~~تقول العرب: # اخترتك القوم، أي: اخترتك من ms0791 القوم، وأنشدوا: # منا الذي اختير الرجال سماحة * وجودا إذا هب الرياح الزعازع هذا قول ابن ~~قتيبة، والفراء، والزجاج. وفي هذا الميقات أربعة أقوال: # أحدها: أنه الميقات الذي وقته الله لموسى ليأخذ التوراة، أمر ان يأتي معه ~~بسبعين، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال نوف البكالي. # والثاني: أنه ميقات وقته الله تعالى لموسى، وأمره أن يختار من قومه سبعين ~~رجلا، ليدعوا ربهم، فدعوا فقالوا: اللهم أعطنا ما لم تعط أحدا قبلنا، ولا ~~تعطيه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك، وأخذتهم الرجفة، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والثالث: أنه ميقات وقته لموسى، لأن بني إسرائيل قالوا له: إن طائفة تزعم ~~أن الله لا يكلمك، فخذ معك طائفة منا ليسمعوا كلامه فيؤمنوا فتذهب التهمة، ~~فأوحى الله إليه ان اختر من PageV03P181 # خيارهم سبعين، ثم ارتق بهم على الجبل أنت وهارون، واستخلف يوشع بن نون، ~~ففعل ذلك، قاله وهب بن منبه. # والرابع: أنه ميقات وقته الله لموسى ليلقاه في ناس من بني إسرائيل، ~~فيعتذر إليه من فعل عبدة العجل، قاله السدي. وقال ابن السائب: كان موسى لا ~~يأتي إلا بإذن منه. # فأما الرجفة فهي الحركة الشديدة. وفي سبب أخذها إياهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه ادعاؤهم على موسى قتل هارون: قاله علي بن أبي طالب. # والثاني: اعتداؤهم في الدعاء، وقد ذكرناه في رواية ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنهم لم ينهوا عبدة العجل ولم يرضوا، نقل عن ابن عباس أيضا وقال ~~قتادة، وابن جريج: لم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم عن المنكر، ولم ~~يزايلوهم. # والرابع: أنهم طلبوا سماع الكلام من الله تعالى، فلما سمعوه قالوا: (لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)، قاله السدي وابن إسحاق. # قوله تعالى: (قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) قال السدي: قام موسى ~~يبكي ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم (لو ~~شئت أهلكتهم من قبل وإياي) وقال الزجاج: لو شئت أمتهم قبل أن تبتليهم بما ~~أوجب عليهم الرجفة. وقيل: ms0792 لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا وإياي، فكان بنو ~~إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني. # قوله تعالى: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) قال المبرد: هذا استفهام ~~استعطاف، أي: لا تهلكنا. وقال ابن الأنباري: هذا استفهام على تأويل الجحد، ~~إذا أراد لست تفعل ذلك. و " السفهاء " هاهنا: عبدة العجل. وقال الفراء: ظن ~~موسى أنهم أهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل. وإنما أهلكوا بقولهم: # (أرنا الله جهرة). # قوله تعالى: (إن هي إلا فتنتك) فيها قولان: # أحدهما: أنها الابتلاء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، وأبو العالية. # والثاني: العذاب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # قوله تعالى: (أنت ولينا) أي: ناصرنا وحافظنا. # * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب ~~به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم PageV03P182 # بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون (157) قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) قوله تعالى: (واكتب ~~لنا) أي: حقق لنا وأوجب (في هذه الدنيا حسنة) وهي الأعمال الصالحة (وفي ~~الآخرة) المغفرة والجنة (إنا هدنا إليك) أي: تبنا، قاله ابن عباس، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وأبو العالية، وقتادة، والضحاك، والسدي. وقال ابن قتيبة: ~~ومنه (الذين هادوا) كأنهم رجعوا من شئ إلى شئ. وقرأ أبو وجزة السعدي: " إنا ~~هدنا " بكسر الهاء. قال ابن الأنباري: المعنى: لا تتغير، يقال: هاد يهود ~~ويهيد. # قوله تعالى: (قال عذابي أصيب به من أشاء). وقرأ الحسن البصري، والأعمش، ~~وأبو العالية: " من أساء " بسين غير معجمة مع النصب. # قوله تعالى: (ورحمتي ms0793 وسعت كل شئ) في هذا الكلام أربعة أقوال: # أحدها: أن مخرجه عام ومعناه خاص، وتأويله: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة ~~محمد [صلى الله عليه وسلم]، لقوله [تعالى]: (فسأكتبها للذين يتقون)، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أن هذه الرحمة على العموم في الدنيا، والخصوص في الآخرة، ~~وتأويلها: ورحمتي وسعت كل شئ في الدنيا، البر والفاجر، وفي الآخرة هي ~~للمتقين خاصة، قاله الحسن، وقتادة. # فعلى هذا، معنى الرحمة في الدنيا للكافر أنه يرزق ويدفع عنه، كقوله في حق ~~قارون: (وأحسن كما أحسن الله إليك). # والثالث: أن الرحمة: التوبة، فهي على العموم، قاله ابن زيد. # والرابع: أن الرحمة تسع كل الخلق، إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر ~~دخولهم فيها لوسعتهم، قاله ابن الأنباري. قال الزجاج: وسعت كل شئ في الدنيا ~~(فسأكتبها للذين يتقون) في الآخرة. قال المفسرون: معنى " فسأكتبها ": ~~فسأوجبها. وفي الذين يتقون قولان: PageV03P183 # أحدهما: أنهم المتقون للشرك، قاله ابن عباس. # والثاني: للمعاصي، قاله قتادة. وفي قوله تعالى: (ويؤتون الزكاة) قولان: # أحدهما: أنها زكاة الأموال، قاله الجمهور. # والثاني: أن المراد بها طاعة الله ورسوله، قاله ابن عباس والحسن، ذهبا ~~إلى أنها العمل بما يزكي النفس ويطهرها. وقال ابن عباس، وقتادة: لما نزلت ~~(ورحمتي وسعت كل شئ) قال إبليس: أنا من ذلك الشئ، فنزعها الله من إبليس، ~~فقال: (فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآيتنا يؤمنون) فقالت ~~اليهود والنصارى: نحن نتقي، ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله ~~منهم، وجعلها لهذه الأمة، فقال: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي). وقال ~~نوف: # قال الله تعالى لموسى: أجعل لكم الأرض طهورا ومسجدا، وأجعل السكينة معكم ~~في بيوتكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم، ~~والمرأة، والحر، والعبد، والصغير، والكبير. فأخبر موسى قومه بذلك، فقالوا: ~~لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ولا أن تكون السكينة إلا في التابوت، ولا ~~أن نقرأ التوراة إلا نظرا، فقال الله تعالى: (فسأكتبها للذين يتقون) إلى ~~قوله: (المفلحون). وفي هؤلاء المذكورين في قوله: (للذين يتقون ويؤتون ~~الزكاة) إلى ms0794 قوله: (المفلحون) قولان: # أحدهما: أنهم كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتبعه، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي، وقتادة. وفي تسميته ~~بالأمي قولان: # أحدهما: لأنه لا يكتب. # والثاني: لأنه من أم القرى. # قوله تعالى: (الذي يجدونه مكتوبا عندهم) أي: يجدون نعته ونبوته. # قوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف) قال الزجاج: يجوز أن يكون مستأنفا، ويجوز ~~أن يكون " يجدونه مكتوبا عندهم " أنه يأمرهم بالمعروف. قال ابن عباس: ~~المعروف: مكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. والمنكر: عبادة الأوثان، وقطع ~~الأرحام. وقال مقاتل: المعروف: الإيمان، والمنكر: # الشرك. وقال غيره: المعروف: الحق، لأن العقول تعرف صحته، والمنكر: ~~الباطل، لأن العقول تنكر صحته. وفي الطيبات أربعة أقوال: # أحدها: أنها الحلال، والمعنى: يحل لهم الحلال. # والثاني: أنها ما كانت العرب تستطيبه. # والثالث: أنها الشحوم المحرمة على بني إسرائيل. PageV03P184 # والرابع: ما كانت العرب تحرمه من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. # وفي الخبائث ثلاثة أقوال أحدها: أنها الحرام، فالمعنى: ويحرم عليهم ~~الحرام. # والثاني: أنها ما كانت العرب تستخبثه ولا تأكله، كالحيات، والحشرات. # والثالث: ما كانوا يستحلونه من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. # قوله تعالى: (ويضع عنهم إصرهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي " إصرهم ". وقرأ ابن عامر " آصارهم " ممدودة الألف على ~~الجمع. وفي هذا الإصر قولان: # أحدهما: أنه العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل أن يعملوا بما في ~~التوراة قاله ابن عباس. # والثاني: التشديد الذي كان عليهم من تحريم السبت، والشحوم والعروق، وغير ~~ذلك من الأمور الشاقة، قاله قتادة. وقال مسروق: لقد كان الرجل من بني ~~إسرائيل يذنب الذنب، فيصبح وقد كتب على باب بيته: إن كفارته أن تنزع عينيك، ~~فينزعهما. # قوله تعالى: (والأغلال التي كانت عليهم) قال الزجاج: ذكر الأغلال تمثيل، ~~ألا ترى أنك تقول: جعلت هذا طوقا في عنقك، وليس هناك طوق، إنما جعلت لزومه ~~كالطوق. والأغلال: أنه كان عليهم أن لا يقبل منهم في القتل دية، وأن لا ~~يعملوا في السبت، وأن يقرضوا ما أصاب جلودهم من البول. # قوله ms0795 تعالى: (والذين آمنوا به) يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم (وعزروه) ~~وروى أبان " وعزروه " بتخفيف الزاي. وفي المعنى قولان: # أحدهما: نصروه وأعانوه، قاله مقاتل. # والثاني: عظموه، قاله ابن قتيبة. والنور الذي أنزل معه: القرآن، سماه ~~نورا، لأن بيانه في القلوب كبيان النور في العيون. وفي قوله " معه " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى " عليه ". # والثاني: بمعنى أنزل في زمانه. قال قتادة: أما نصره، فقد سبقتم إليه، ~~ولكن خيركم من آمن به واتبع النور الذي أنزل معه. # قوله تعالى: (الذي يؤمن بالله وكلماته) في الكلمات قولان: PageV03P185 # أحدهما: أنها القرآن، قاله ابن عباس. وقال قتادة: كلماته: آياته. # والثاني: أنها عيسى بن مريم، قاله مجاهد، والسدي. # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) قوله تعالى: (ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق) فيه قولان: # أحدهما: يدعون إلى الحق. # والثاني: يعملون به. # قوله تعالى: (وبه يعدلون) قال الزجاج: وبالحق يحكمون. وفي المشار إليهم ~~بهذا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام، قاله ابن عباس، ~~والسدي. # والثاني: أنهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ابن سلام وأصحابه، ~~قاله ابن السائب. # والثالث: أنهم الذين تمسكوا بالحق في زمن أنبيائهم، ذكره الماوردي. # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ~~وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيأتكم سنزيد ~~المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم ~~رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) قوله تعالى: (وقطعناهم) يعني قوم ~~موسى، يقول: فرقناهم (اثنتي عشرة أسباطا) يعني أولاد يعقوب، وكانوا اثنى ~~عشر ولدا. فولد كل واحد منهم سبطا. قال الفراء: وإنما قال " اثنتي عشرة " ~~والسبط ذكر، لأن بعده " أمما " فذهب بالتأنيث إلى الأمم، ولو كان " اثني ms0796 ~~عشر " لتذكير السبط، كان جائزا. وقال الزجاج: المعنى: وقطعناهم اثنتي عشرة ~~فرقة، " أسباطا " نعت " فرقة " كأنه يقول: جعلناهم أسباطا، وفرقناهم ~~أسباطا، فيكون " أسباطا " بدلا من " اثنتي عشرة " و " أمما " من نعت أسباط. ~~والأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل ليفصل بين ولد إسماعيل وبين ولد ~~PageV03P186 # إسحاق. وقال أبو عبيدة: الأسباط: قبائل بني إسرائيل، واحدهم: سبط. ويقال: ~~من أي سبط أنت؟ أي: من أي قبيلة وجنس؟ # قوله تعالى: (فانبجست منه) قال ابن قتيبة: انفجرت، يقال: تبجس الماء، كما ~~يقال: # تفجر، والقصة مذكورة في سورة (البقرة). # قوله تعالى: (نغفر لكم خطاياكم) قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: " ~~نغفر لكم خطيئاتكم " بالتاء مهموزة على الجمع. وقرأ أبو عمرو " نغفر لكم ~~خطاياكم " مثل: قضاياكم، ولا تاء فيها. وقرأ نافع " تغفر " بالتاء مضمومة " ~~خطيئاتكم " بالهمز وضم التاء، على الجمع، وافقه ابن عامر في " تغفر " ~~بالتاء المضمومة، لكنه قرأ " خطيئتكم " على التوحيد. # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) قوله تعالى: (واسألهم) يعني أسباط اليهود، وهذا سؤال تقرير ~~وتوبيخ يقررهم على قديم كفرهم، ومخالفة أسلافهم الأنبياء، ويخبرهم بما لا ~~يعلم إلا بوحي. وفي القرية خمسة أقوال: # أحدها: أنها أيلة، رواه مرة عن ابن مسعود، وأبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي. # والثاني: أنها مدين، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أنها ساحل مدين، روي عن قتادة. # والرابع: أنها طبرية، قاله الزهري. والخامس: أنها قرية يقال لها: مقنا، ~~بين مدين وعينونا، قاله ابن زيد. ومعنى (حاضرة البحر) مجاورة البحر وبقربه ~~وعلى شاطئه. (إذ يعدون) قال الزجاج: أي يظلمون، يقال: عدا فلان يعدو عدوانا ~~وعداء وعدوا وعدوا: إذا ظلم، وموضع " إذ " نصب، والمعنى: سلهم عن وقت عدوهم ~~في السبت. (إذ تأتيهم حيتانهم) في موضع نصب أيضا ب‍ " يعدون " والمعنى: ~~سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان. (شرعا) أي: ظاهرة. (كذلك نبلوهم) أي: مثل هذا ms0797 ~~الاختبار الشديد نختبرهم بفسقهم. ويحتمل على بعد أن يكون المعنى (ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم) كذلك، أي: # لا تأتيهم شرعا، ويكون (نبلوهم) مستأنفا. وقرأ الأعمش، وأبان، والمفضل عن ~~عاصم: # " يسبتون " بضم الياء. PageV03P187 # وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) قوله تعالى: (وإذ قالت أمة منهم) ~~قال المفسرون: افترق أهل القرية ثلاث فرق، فرقة صادت وأكلت، وفرقة نهت ~~وزجرت، وفرقة أمسكت عن الصيد، وقالت للفرقة الناهية: (لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم) لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين، فقالت الفرقة ~~الناهية: # (معذرة إلى ربكم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: " معذرة " رفعا، أي: موعظتنا إياهم معذرة، والمعنى أن الأمر ~~بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله. وقرأ حفص عن عاصم: ~~" معذرة " نصبا، وذلك على معنى نعتذر معذرة. (ولعلهم يتقون) أي: وجائز أن ~~ينتفعوا بالموعظة فيتركوا المعصية. # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين (166) وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) قوله تعالى: ~~(فلما نسوا ما ذكروا به) يعني: تركوا ما وعظوا به (أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء) وهم الناهون عن المنكر. والذين ظلموا هم المعتدون في السبت. # قوله تعالى: (بعذاب بئيس) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " ~~بئيس " على وزن فعيل، فالهمزة بين الباء والياء. وقرأ نافع: " بيس " بكسر ~~الباء من غير همز. وقرأ ابن عامر كذلك، إلا أنه همز. وروى خارجة عن نافع: " ~~بيس " بفتح الباء من غير همز، على وزن " فعل ". وروى أبو بكر عن عاصم: " ~~بيأس " على وزن " فيعل ". وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأيوب: " بيآس " على ~~وزن " فيعال ". وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ومعاذ القارئ: " بئس " بفتح ~~الباء وكسر الهمزة من غير ياء ms0798 على وزن " نعس ". وقرأ الضحاك، وعكرمة: " بيس ~~" بتشديد الياء مثل " قيم ". وقرأ أبو العالية، وأبو مجلز: " بئس " بفتح ~~الباء والسين وبهمزة مكسورة من غير ياء ولا ألف على وزن " فعل ". وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو رجال: " بائس " بألف ومدة بعد الباء وبهمزة مكسورة بوزن " ~~فاعل ". قال أبو عبيدة: البئيس: الشديد، وأنشد: PageV03P188 # حيفا علي وما ترى * لي فيهم أثرا بئيسا وقال الزجاج: يقال بئس يبأس بأسا، ~~والعاتي: الشديد الدخول في الفساد، المتمرد الذي لا يقبل موعظة. وقال ابن ~~جرير: " فلما عتوا " أي: تمردوا فيما نهوا عنه، وقد ذكرنا في سورة ~~(البقرة): قصة مسخهم. وكان الحسن البصري يقول: والله ما لحوم هذه الحيتان ~~بأعظم عند الله من دماء قوم مسلمين. # قوله تعالى: (وإذ تأذن ربك) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أعلم، قاله الحسن، وابن قتيبة، وقال: هو من آذنتك بالأمر. وقال ~~ابن الأنباري: # " تأذن " بمعنى آذن، كما يقال: تعلم أن فلانا قائم، أي: اعلم. وقال أبو ~~سليمان الدمشقي: أي: # أعلم أنبياء بني إسرائيل. # والثاني: حتم، قاله عطاء. # والثالث: وعد، قاله قطرب. # والرابع: تألى، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (ليبعثن عليهم) أي: على اليهود. وقال مجاهد: على اليهود ~~والنصارى بمعاصيهم. (من يسومهم) أي: يوليهم (سوء العذاب). وفي المبعوث ~~عليهم قولان: # أحدهما: أنه محمد [صلى الله عليه وسلم]، وأمته، قاله ابن عباس. # والثاني: العرب، كانوا يجبونهم الخراج، قاله سعيد بن جبير، قال: ولم يجب ~~الخراج نبي قط إلا موسى، جباه ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال السدي: بعث الله عليهم العرب يأخذون منهم الجزية ~~ويقتلونهم. وفي سوء العذاب أربعة أقوال: # أحدها: الجزية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: المسكنة والجزية، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: الخراج، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. # والرابع: أنه القتال حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية. # وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون (168) قوله تعالى: (وقطعناهم في الأرض أمما) قال أبو ~~عبيدة: فرقناهم ms0799 فرقا. قال ابن عباس: # هم اليهود، ليس من بلد إلا وفيه منهم طائفة. وقال مقاتل: هم بنو إسرائيل. ~~وقيل: معناه: شتات PageV03P189 # أمرهم وافتراق كلمتهم. (منهم الصالحون) وهم المؤمنون بعيسى ومحمد عليهما ~~السلام. (ومنهم دون ذلك) وهم الكفار. وقال ابن جرير: إنما كانوا على هذه ~~الصفة قبل أن يبعث عيسى، وقبل ارتدادهم. # قوله تعالى: (وبلوناهم) أي: اختبرناهم (بالحسنات) وهي الخير، والخصب، ~~والعافية، (والسيئات) وهي الجدب، والشر، والشدائد، فالحسنات والسيئات تحث ~~على الطاعة، أما النعم فطلب الازدياد منها، وخوف زوالها، والنقم فلكشفها، ~~والسلامة منها. (لعلهم يرجعون) أي: # لكي يتوبوا. # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ~~(169) قوله تعالى: (فخلف من بعدهم) أي: من بعد الذي وصفناهم. (خلف) وقرأ ~~الجوني، والجحدري: " خلف " بفتح اللام. قال أبو عبيدة: الخلف والخلف واحد، ~~وقوم يجعلون المحرك اللام، للصالح، والمسكن، لغير الصالح. وقال ابن قتيبة: ~~الخلف: الردئ من الناس ومن الكلام، يقال: هذا خلف من القول. وقال ابن ~~الأنباري: أكثر ما تستعمل العرب الخلف، بإسكان اللام، في الردئ المذموم، ~~وتفتح اللام في الفاضل الممدوح. وقد يوقع الخلف على الممدوح، والخلف على ~~المذموم، غير أن المختار ما ذكرناه. وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن زيد. # والثاني: النصارى. # والثالث: أن الخلف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والقولان عن مجاهد. # فإن قيل: الخلف واحد، فكيف قال: " يأخذون " وكذلك قال في (مريم) " أضاعوا ~~"؟ فقد ذكر ابن الأنباري عنه جوابين: # أحدهما: أن الخلف: جمع خالف، كما أن الركب: جمع راكب، والشرب: جمع شارب. # والثاني: أي الخلف مصدر يكون للاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث. # قوله تعالى: (ورثوا الكتاب) أي: انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى ~~خلف، فيخرج في الكتاب ثلاثة أقوال: PageV03P190 # أحدها: أنه التوراة. # والثاني: الإنجيل. # والثالث: القرآن. # قوله تعالى: (يأخذون ms0800 عرض هذا الأدنى) أي: هذه الدنيا، وهو ما يعرض لهم ~~منها. # وقيل: سماه عرضا، لقلة بقائه. قال ابن عباس: يأخذون ما أحبوا من حلال أو ~~حرام. وقيل: هو الرشوة في الحكم. وفي وصفه بالأدنى قولان: # أحدهما: أنه من الدنو. # والثاني: أنه من الدناءة. # قوله تعالى: (سيغفر لنا) فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: إنا لا نؤاخذ، تمنيا على الله الباطل. # والثاني: أنه ذنب يغفره الله لنا، تأميلا لرحمة الله تعالى. # وفي قوله تعالى: وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) قولان: # أحدهما: أن المعنى: لا يشبعهم شئ، فهم يأخذون لغير حاجة، قاله الحسن. # والثاني: أنهم أهل إصرار على الذنوب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق) قال ابن عباس: وكد الله عليهم في التوراة أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق، فقالوا الباطل، وهو ما أوجبوا على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا ~~يتوبون منها، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار. # قوله تعالى: (ودرسوا ما فيه) معطوف على " ورثوا ". ومعنى " درسوا ما فيه ~~": قرؤوه، فكأنه قال: خالفوا على علم. (والدار الآخرة) أي: ما فيها من ~~الثواب (خير للذين يتقون أفلا يعقلون) أن الباقي خير من الفاني. قال ابن ~~عامر، ونافع، وحفص عن عاصم: بالتاء، والباقون: # بالياء. # والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) ~~قوله تعالى: (والذين يمسكون بالكتاب) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم " يمسكون " مشددة، وقرؤوا (ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر) مخففة وقرأهما أبو عمرو بالتشديد. # وروى أبو بكر عن عاصم أنه خففهما. ويقال: مسكت بالشئ، وتمسكت به، ~~واستمسكت PageV03P191 # به، وامتسكت به، وهذه الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب الذين حفظوا حدوده ~~ولم يحرفوه، منهم: # ابن سلام وأصحابه. قال ابن الأنباري: وخبر " الذين ": " إنا " وما بعده، ~~وله ضمير مقدر بعد " المصلحين " تأويله: والذين يمسكون بالكتاب إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين منهم، ولهذه العلة وعدهم حفظ الأجر بشرط، إذ كان منهم من لم ~~يصلح. قال: وقال ms0801 بعض النحويين: المصلحون يرجعون على الذين، وتلخيص المعنى ~~عنده: والذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجرهم، فأظهرت ~~كنايتهم بالمصلحين، كما يقال: علي لقيت الكسائي، وأبو سعيد رويت عن الخدري، ~~يراد: لقيته ورويت عنه. قال الشاعر: # فيا رب ليلى أنت في كل موطن * وأنت الذي في رحمة الله أطمع أراد في ~~رحمته، فأظهر ضمير الهاء. # * وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم ~~بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) قوله تعالى: (إذ نتقنا الجبل فوقهم) ~~أي: واذكر لهم إذ نتقنا الجبل، أي: رفعناه. قال مجاهد: أخرج الجبل من ~~الأرض، ورفع فوقهم كالظلة، فقيل لهم: لتؤمنن أو ليقعن عليكم. وقال قتادة: ~~نزلوا في أصل جبل، فرفع فوقهم، فقال: لتأخذن أمري، أو لأرمينكم به. # قوله تعالى: (وظنوا أنه واقع بهم) فيه قولان: # أحدهما: أنه الظن المعروف. # والثاني: أنه بمعنى اليقين. وباقي الآية مفسر في (البقرة). # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) قوله ~~تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم) روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان "، فأخرج من صلبه كل ذرية ~~ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا، وقال (ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) ومعنى الآية: وإذا أخذ ~~ربكم من ظهور بني آدم. فقوله [تعالى]: (من ظهورهم) بدل من (بني PageV03P192 # آدم). وقيل: إنما قال: (من ظهورهم) ولم يقل: من ظهر آدم، لأنه أخرج بعضهم ~~من ظهور بعض، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لأنه قد علم أنهم بنوه، وقد أخرجوا من ~~ظهره. وقوله تعالى: # (ذرياتهم) قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي " ذريتهم " على التوحيد. ~~وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر " ذرياتهم " على الجمع. قال أبو علي: ~~الذرية تكون جمعا، وتكون واحدا. # وفي قوله [تعالى]: (وأشهدهم على ms0802 أنفسهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أشهدهم على أنفسهم بإقرارهم، قاله مقاتل. # والثاني: دلهم بخلقه على توحيده، قاله الزجاج. # والثالث: أنه أشهد بعضهم على بعض بإقرارهم بذلك، قاله ابن جرير. # قوله تعالى: (ألست بربكم) والمعنى: وقال لهم: ألست بربكم؟ وهذا سؤال ~~تقرير. # قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا. قال السدي: قوله " شهدنا " خبر من الله تعالى ~~عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. ويحسن الوقف على قوله " ~~بلى " لأن كلام الذرية قد انقطع. وزعم الكلبي أن الذرية لما قالت " بلى " ~~قال الله تعالى للملائكة " اشهدوا " فقالوا " شهدنا ". وروى أبو العالية عن ~~أبي بن كعب قال: جمعهم جميعا، فجعلهم أزواجا، ثم صورهم، ثم استنطقهم، ثم ~~قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) أنك إلهنا. قال: فإني أشهد عليكم ~~السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم (أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) لم نعلم بهذا. وقال السدي: أجابته طائفة ~~طائعين، وطائفة كارهين تقية. # قوله تعالى: (أن يقولوا) قرأ أبو عمرو " أن يقولوا "، " أو يقولوا " ~~بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. قال أبو علي: حجة أبي عمرو قوله: ~~" وإذ أخذ ربك " وقوله [تعالى] " قالوا بلى "، وحجة من قرأ بالتاء أنه قد ~~جرى في الكلام خطاب " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ". # ومعنى قوله: " يقولوا ": لئلا يقولوا، ومثله: (أن تميد بكم). وفي قوله ~~[تعالى] (إنا كنا عن هذا) قولان: # أحدهما: أنه إشارة إلى الميثاق والإقرار. # والثاني: أنه إشارة إلى معرفة أنه الخالق. قال المفسرون: وهذه الآية ~~تذكير من الله تعالى بما أخذ على جميع المكلفين من الميثاق، واحتجاج عليهم ~~لئلا يقول الكفار: إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين لم نذكره، ونسيانهم لا ~~يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى بذلك على لسان النبي صلى الله عليه ~~وسلم الصادق. وإذا ثبت هذا بقول الصادق، قام في النفوس مقام الذكر، ~~فالاحتجاج به قائم. PageV03P193 # أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) قوله تعالى: (أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا ms0803 من قبل وكنا ذرية ~~من بعدهم) فاتبعنا منهاجهم على جهل منا بآلهيتك (أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون) في دعواهم أن معك إلها، فقطع الله احتجاجهم بمثل هذا، إذ أذكرهم ~~أخذ الميثاق على كل واحد منهم. وجماعة أهل العلم على ما شرحنا من أنه ~~استنطق الذر، وركب فيهم عقولا وأفهاما عرفوا بها ما عرض عليهم. وقد ذكر ~~بعضهم أن معنى أخذ الذرية: إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفا، ومعنى ~~إشهادهم على أنفسهم: اضطرارهم إلى العلم بأنه خالقهم بما أظهر لهم من ~~الآيات والبراهين. ولما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق، ~~كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال: # (شاهدين على أنفسهم بالكفر) يريدهم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا: نحن ~~كفرة، كما يقول الرجل: قد شهدت جوارحي بصدقك، أي: قد عرفته. ومن هذا الباب ~~قوله [تعالى]: # (شهد الله) أي: بين وأعلم وقد حكى نحو هذا القول ابن الأنباري، والأول ~~أصح، لموافقة الآثار. # وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) قوله تعالى: (وكذلك نفصل الآيات) ~~أي: وكما بينا في أخذ الميثاق الآيات، ليتدبرها العباد فيعملوا بموجبها. ~~(ولعلهم يرجعون) أي: ولكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر إلى التوحيد. # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين (175) قوله تعالى: (واتل عليهم) قال الزجاج: هذا نسق على ما قبله، ~~والمعنى: أتل عليهم إذ أخذ ربك، (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) وفيه ~~ستة أقوال: # أحدها: أنه رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن أبر، قاله ابن مسعود. ~~وقال ابن عباس: بلعم بن باعوراء. وروي عنه: أنه بلعام بن باعور، وبه قال ~~مجاهد، وعكرمة، والسدي. وروى العوفي عن ابن عباس أن بلعما من أهل اليمن. ~~وروى عنه ابن أبي طلحة أنه من مدينة الجبارين. # والثاني: أنه أمية بن أبي الصلت، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد ~~بن المسيب، وأبو روق، وزيد بن أسلم، وكان أمية قد قرأ الكتب، وعلم أن الله ~~مرسل رسولا، ورجا أن يكون PageV03P194 # هو، ms0804 فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، حسده وكفر. # والثالث: أنه أبو عامر الراهب، روى الشعبي عن ابن عباس قال: الأنصار ~~تقول: هو الراهب الذي بني له مسجد الشقاق، وروي عن ابن المسيب نحوه. # والرابع: أنه رجل كان في بني إسرائيل، أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، ~~وكانت له امرأة له منها ولد، وكانت سمجة دميمة، فقالت: ادع الله أن يجعلني ~~أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله لها، فلما علمت أنه ليس في بني ~~إسرائيل مثلها، رغبت عن زوجها وأرادت غيره، فلما رغبت عنه، دعا الله أن ~~يجعلها كلبة نباحة، فذهبت منه فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس بنا على ~~هذا صبر أمنا كلبة نباحة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال ~~التي كانت عليها أولا، فدعا الله، فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات ~~الثلاث، رواه عكرمة عن ابن عباس، والذي روي لنا في هذا الحديث " وكانت سمجة ~~" بكسر الميم، وقد روى سيبويه عن العرب أنهم يقولون: رجل سمج: بتسكين ~~الميم، ولم يقولوا: سمج، بكسرها. # والخامس: أنه المنافق، قاله الحسن. # والسادس: أنه كل من انسلخ من الحق بعد أن أعطيه من اليهود والنصارى ~~والحنفاء، قاله عكرمة. وفي الآيات خمسة أقوال: # أحدها: أنه اسم الله الأعظم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~ابن جبير. # والثاني: أنها كتاب من كتب الله [عز وجل]. روى عكرمة عن ابن عباس قال: هو ~~بلعام، أوتي كتابا فانسلخ منه. # والثالث: أنه أوتي نبوة، فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل، وتركهم على ما هم ~~عليه، قاله مجاهد، وفيه بعد، لأن الله تعالى لا يصطفي لرسالته إلا معصوما ~~عن مثل هذه الحال. # والرابع: أنها حجج التوحيد، وفهم أدلته. # والخامس: أنها العلم بكتب الله عز وجل. والمشهور في التفسير أنه بلعام ~~وكان من أمره على ما ذكره المفسرون أن موسى عليه السلام غزا البلد الذي هو ~~فيه، وكانوا كفارا، وكان هو مجاب الدعوة، فقال ملكهم: ادع على موسى، فقال: ~~إنه من أهل ms0805 ديني، ولا ينبغي لي أن أدعو عليه، فأمر الملك أن تنحت خشبة ~~لصلبه، فلما رأى ذلك، خرج على أتان ليدعو على موسى، فلما عاين عسكرهم، وقفت ~~الأتان فضربها، فقالت: لم تضربني، وهذه نار تتوقد قد منعتني أن أمشي؟ ~~فارجع، فرجع إلى الملك فأخبره، فقال: إما أن تدعو عليهم، وإما أن أصلبك، ~~فدعا PageV03P195 # على موسى باسم الله الأعظم أن لا يدخل المدينة، فاستجاب الله له، فوقع ~~موسى وقومه في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب، بأي ذنب وقعنا في التيه؟ ~~فقال: بدعاء بلعم. فقال: يا رب، فكما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، ~~فدعا الله أن ينزع منه الاسم الأعظم، فنزع منه. # وقيل: إنه أمر قومه أن يزينوا النساء ويرسلوهن في العسكر ليفشوا الزنا ~~فيهم، فينصروا عليهم. # وقيل: إن موسى قتله بعد ذلك. وروى السدي عن أشياخه أن بلعم أتى إلى قومه ~~متبرعا، فقال: # لا ترهبوا بني إسرائيل، فإنكم إذا خرجتم لقتالهم، دعوت عليهم فهلكوا، ~~فكان فيما شاء عندهم من الدنيا، وذلك بعد مضي الأربعين سنة التي تاهوا ~~فيها، وكان نبيهم يوشع، لا موسى. # قوله تعالى: (فانسلخ منها) أي: خرج من العلم بها. # قوله تعالى: (فأتبعه الشيطان) قال ابن قتيبة: أدركه. يقال: اتبعت القوم: ~~إذا لحقتهم، وتبعتهم: سرت في أثرهم. وقرأ طلحة بن مصرف: " فاتبعه " ~~بالتشديد. وقال اليزيدي: أتبعه واتبعه: لغتان. وكأن " اتبعه " خفيفة بمعنى: ~~قفاه، و " اتبعه " مشددة: حذا حذوه. ولا يجوز أن تقول: أتبعناك، وأنت تريد: ~~اتبعناك، لأن معناها: اقتدينا بك. وقال الزجاج: يقال: تبع الرجل الشئ ~~واتبعه بمعنى واحد. قال الله تعالى: (فمن تبع هداي) وقال: (فأتبعهم فرعون). # قوله تعالى: (فكان من الغاوين) فيه قولان: # أحدهما: من الضالين، قاله مقاتل. # والثاني: من الهالكين الفاسدين، قاله الزجاج. # ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (176) قوله تعالى: (ولو شئنا لرفعناه بها) في هاء ~~الكناية في " رفعناه " قولان: ms0806 # أحدهما: أنها تعود إلى الإنسان المذكور، وهو قول الجمهور، فيكون المعنى: ~~ولو شئنا لرفعنا منزلة هذا الإنسان بما علمناه. # والثاني: أنها تعود إلى الكفر بالآيات، فيكون المعنى: لو شئنا لرفعنا عنه ~~الكفر بآياتنا، PageV03P196 # وهذا المعنى مروي عن مجاهد. وقال الزجاج: لو شئنا لحلنا بينه وبين ~~المعصية. # قوله تعالى: (ولكنه أخلد إلى الأرض) أي: ركن إلى الدنيا وسكن. قال ~~الزجاج: # يقال: أخلد وخلد، والأول أكثر في اللغة. والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا، ~~لأن الدنيا هي الأرض بما عليها. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: أنه ركن إلى أهل الدنيا، ويقال: إنه أرضى امرأته بذلك، لأنها ~~حملته عليه. # وقيل: أرضي بني عمه وقومه. # والثاني: أنه ركن إلى شهوات الدنيا، وقد بين ذلك بقوله [تعالى]: (واتبع ~~هواه) والمعنى أنه انقاد لما دعاه إليه الهوى. قال ابن زيد: كان هواه مع ~~قومه. وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذ مالوا عن العلم إلى ~~الهوى. # قوله تعالى: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) معناه: ~~أن هذا الكافر، إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء ~~كحالتي الكلب، فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا، وإن ترك وربض كان ~~أيضا لاهثا، والتشبيه بالكلب اللاهث خاصة، فالمعنى: فمثله كمثل الكلب ~~لاهثا، وإنما شبهه بالكلب اللاهث، لأنه أخس الأمثال على أخس الحالات ~~وأبشعها. وقال ابن قتيبة: كل لاهث إنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب، ~~فإنه يلهث في حال راحته وحال كلاله، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته، فقال: ~~إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث، ~~أو تركته على حاله رابضا لهث. قال المفسرون: زجر في منامه عن الدعاء على ~~بني إسرائيل فلم ينزجر، وخاطبته أتانه فلم ينته، فضرب له هذا المثل ولسائر ~~الكفار، فذلك قوله [تعالى]: (ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا) لأن ~~الكافر إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، وهو مع إرسال الرسل إليه كمن ~~لم ms0807 يأته رسول ولا بينة. # قولا تعالى: (فاقصص القصص) قال عطاء: قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم. # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد ~~الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) قوله تعالى: (ساء ~~مثلا) يقال: ساء الشئ يسوء: إذا قبح، والمعنى: ساء مثلا مثل القوم، فحذف ~~المضاف، فنصب " مثلا " على التمييز. # قوله تعالى: (وأنفسهم كانوا يظلمون) أي: يضرون بالمعصية. PageV03P197 # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون (179) قوله تعالى: (ولقد ذرأنا) أي: خلقنا قال ابن قتيبة: ومنه ~~ذرية الرجل، إنما هي الخلق منه، ولكن همزها يتركه أكثر العرب. # قوله تعالى: (لجهنم) هذه اللام يسميها بعض أهل المعاني لام العاقبة، ~~كقوله [تعالى]: (ليكون لهم عدوا وحزنا) ومثله قول الشاعر: # أموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها ودخل رجل على ~~عمر بن عبد العزيز يعزيه بموت ابنه، فقال: # تعز أمير المؤمنين فإنه * لما قد ترى يغذى الصغير ويولد وقد أخبر الله عز ~~وجل في هذه الآية بنفاذ علمه فيهم أنهم يصيرون إليها بسبب كفرهم. # قوله تعالى: (لهم قلوب لا يفقهون بها) لما أعرض القوم عن الحق والتفكر ~~فيه، كانوا بمنزلة من لم يفقه ولم يبصر ولم يسمع. وقال محمد بن القاسم ~~النحوي: أراد بهذا كله أمر الآخرة، فإنهم يعقلون أمر الدنيا. # قوله تعالى: (أولئك كالأنعام) شبههم بالأنعام لأنها تسمع وتبصر ولا ~~تعتبر، ثم قال: # (بل هم أضل) لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما تبصره، ~~وهؤلاء يعلم أكثرهم أنه معاند، فيقدم على النار، (أولئك هم الغافلون) عن ~~أمر الآخرة. # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما ~~كانوا يعملون (180) قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) سبب نزولها أن رجلا ~~دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه ~~أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ ms0808 فأنزل الله هذه الآية، ~~قاله مقاتل. فأما الحسنى، فهي تأنيث الأحسن. ومعنى الآية أن أسماء الله ~~حسنى، وليس المراد أن فيها ما ليس بحسن. وذكر الماوردي أن المراد بذلك ما ~~مالت إليه النفوس من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة. وقوله ~~[تعالى]: (فادعوه بها) أي: # نادوه بها، كقولك: يا الله، يا رحمن. # قوله تعالى: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، PageV03P198 # وعاصم، وابن عامر: " يلحدون " بضم الياء، وكذلك في سورة (النحل) و ~~(السجدة). وقرأ حمزة: " يلحدون " بفتح الحاء والياء فيهن، ووافقه الكسائي، ~~وخلف في [سورة] (النحل). قال الأخفش: ألحد ولحد: لغتان، فمن قرأ بهما أراد ~~الأخذ باللغتين، فكأن الإلحاد: العدول عن الاستقامة. وقال ابن قتيبة: ~~يجورون عن الحق ويعدلون، ومنه لحد القبر، لأنه في جانب. قال الزجاج: ولا ~~ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يسم به نفسه، فيقول: يا جواد، ولا يقول: يا ~~سخي، ويقول: يا قوي، ولا يقول: يا جلد، ويقول: يا رحيم، ولا يقول: يا رفيق، ~~لأنه لم يصف نفسه بذلك. قال أبو سليمان الخطابي: ودليل هذه الآية أن الغلط ~~في أسمائه والزيغ عنها إلحاد، ومما يسمع على ألسنة العامة قولهم: يا سبحان، ~~يا برهان، وهذا مهجور مستهجن لا قدوة فيه، وربما قال بعضهم: يا رب طه ويس. ~~وقد أنكر ابن عباس على رجل قال: يا رب القرآن. وروي ابن عباس أن إلحادهم في ~~أسمائه أنهم سموا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فاشتقوا اللات من ~~الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان. # فصل - والجمهور على أن هذه الآية محكمة، لأنها خارجة مخرج التهديد، كقوله ~~[تعالى]: # (ذرني ومن خلقت وحيدا)، وقد ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية القتال، لأن ~~قوله [تعالى]: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) يقتضي الإعراض عن الكفار، ~~وهذا قول ابن زيد. # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) قوله تعالى: (وممن خلقنا ~~أمة يهدون بالحق) أي: يعملون به، (وبه يعدلون) أي: # وبالعمل به يعدلون. وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال. # أحدها: ms0809 أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان من هذه الأمة، قاله ابن ~~عباس. وكان ابن جريج يقول: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هذه ~~أمتي، بالحق يأخذون ويعطون ويقضون). # وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تلا هذه الآية ~~قال: " هذه لكم وقد أعطي القوم مثلها " ثم يقرأ: (من قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون). PageV03P199 # والثاني: أنهم من جميع الخلق، قاله ابن السائب. # والثالث: أنهم الأنبياء. # والرابع: أنهم العلماء، ذكر القولين الماوردي. # والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن ~~كيدي متين (183) قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا) قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: هم أهل مكة. وقال مقاتل: نزلت في المستهزئين من قريش. # قوله تعالى: (سنستدرجهم) قال الخليل بن أحمد: سنطوي أعمارهم في اغترار ~~منهم. # وقال أبو عبيدة: الاستدراج: أن يتدرج إلى الشئ في خفية قليلا قليلا ولا ~~يهجم عليه، وأصله من الدرجة، وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مرقاة ~~مرقاة، ومنه: درج الكتاب: إذا طواه شيئا بعد شئ، ودرج القوم: إذا ماتوا ~~بعضهم في إثر بعض. وقال اليزيدي: الاستدراج: أن يأتي من حيث لا يعلم. وقال ~~ابن قتيبة: هو أن يذيقهم من بأسه قليلا قليلا من حيث لا يعلمون، ولا ~~يباغتهم به ولا يجاهرهم. وقال الأزهري: سنأخذهم قليلا قليلا من حيث لا ~~يحتسبون، وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعم ما يغتبطون به ويركنون ~~إليه، ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون. قال الضحاك: كلما جددوا لنا ~~معصية جددنا لهم نعمة. # وفي قوله [تعالى]: (من حيث لا يعلمون) قولان: # أحدهما: من حيث لا يعلمون بالاستدراج. # والثاني: بالهلكة. # قوله تعالى: (وأملي لهم) الإملاء: الإمهال والتأخير. # قوله تعالى: (إن كيدي متين) قال ابن عباس: إن مكري شديد. وقال ابن فارس: # الكيد: المكر، فكل شئ عالجته فأنت تكيده. قال المفسرون: مكر الله وكيده: ~~مجازاة أهل المكر والكيد على نحو ما بينا في (البقرة) و (آل عمران) من ذكر ~~الاستهزاء والخداع والمكر. # أولم ms0810 يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا ~~في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم فبأي PageV03P200 # حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم ~~يعمهون (186) قوله تعالى: (أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة) سبب نزولها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، علا على الصفا ليلة، ودعا قريشا فخذا فخذا: ~~يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، فحذرهم بأس الله وعقابه، فقال ~~قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت حتى الصباح، فنزلت هذه الآية، قاله ~~الحسن، وقتادة. ومعنى الآية: أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة، أي: # جنون، فحثهم على التفكر في أمره ليعلموا أنه برئ من الجنون قوله تعالى: ~~(إن هو) أي: ما هو (إلا نذير) أي: مخوف (مبين) يبين طريق الهدى. ثم حثهم ~~على النظر المؤدي إلى العلم فقال (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض) ~~ليستدلوا على أن لها صانعا مدبرا، وقد سبق بيان الملكوت في (الأنعام). # قوله تعالى: (وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) قرأ ~~ابن مسعود، وأبي، والجحدري: " آجالهم ". ومعنى الآية: أولم ينظروا في ~~الملكوت وفيما خلق [الله] من الأشياء كلها، وفي أن عسى أن تكون آجالهم قد ~~قربت فيهلكوا على الكفر، ويصيروا إلى النار (فبأي حديث بعده يؤمنون) يعني ~~القرآن وما فيه من البيان. ثم ذكر سبب إعراضهم عن الإيمان، فقال: (من يضلل ~~الله فلا هادي له ويذرهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: # [" ونذرهم "] بالنون والرفع. وقرأ أبو عمرو: بالياء وبالرفع. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: # " ويذرهم " بالياء مع الجزم خفيفة. فمن قرأ بالرفع، استأنف، ومن جزم " ~~ويذرهم " عطف على موضع الفاء. قال سيبويه: وموضعها جزم، فالمعنى: من يضلل ~~الله يذره، وقد سبق في سورة (البقرة): معنى الطغيان والعمه. # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا ms0811 بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها ~~قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) قوله تعالى: ~~(يسألونك عن الساعة) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن قوما من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا متى الساعة؟ فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. PageV03P201 # والثاني: أن قريشا قالت: يا محمد، بيننا وبينك قرابة، فبين لنا متى ~~الساعة؟ فنزلت هذه الآية، قاله قتادة وقال عروة: الذي سأله عن الساعة عتبة ~~بن ربيعة. والمراد بالساعة ها هنا التي يموت فيها الخلق. # قوله تعالى: (أيان مرساها) قال أبو عبيدة: أي: متى مرساها؟ أي: منتهاها. ~~ومرسى السفينة: حيث تنتهي. وقال ابن قتيبة: " أيان " بمعنى: متى، و " متى " ~~بمعنى: أي حين، ونرى أن أصلها: أي أوان، فحذفت الهمزة، وجعل الحرفان واحدا، ~~ومعنى الآية: متى ثبوتها؟ # يقال: رسا في الأرض، أي: ثبت، ومنه قيل للجبال: رواسي. قال الزجاج: ومعنى ~~الكلام: # متى وقوعها؟ # قوله تعالى: (قل إنما علمها عند ربي) أي: قد استأثر بعلمها (لا يجليها) ~~أي: لا يظهرها في وقتها (إلا هو). # قوله تعالى: (ثقلت في السماوات والأرض) فيه أربعة أقوال: # أحدها: ثقل وقوعها على أهل السماوات والأرض، قاله ابن عباس، ووجهه أن ~~الكل يخافونها، محسنهم ومسيئهم. # والثاني: عظم شأنها في السماوات والأرض، قاله عكرمة، ومجاهد، وابن جريج. # والثالث: خفي أمرها، فلم يعلم متى كونها، قاله السدي. # والرابع: أن " في " بمعنى " على فالمعنى: ثقلت على السماوات والأرض، قاله ~~قتادة. # قوله تعالى: (لا تأتيكم إلا بغتة) أي: فجأة. # قوله تعالى: (كأنك حفي عنها) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه من المقدم والمؤخر، فتقديره: يسألونك عنها كأنك حفي، أي: بر ~~بهم، كقوله تعالى: (إنه كان بي حفيا). قال العوفي عن ابن عباس، وأسباط عن ~~السدي: كأنك صديق لهم. # والثاني: كأنك حفي بسؤالهم، مجيب لهم. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~كأنك يعجبك سؤالهم. وقال خصيف عن مجاهد: كأنك تحب أن يسألوك عنها. وقال ~~الزجاج: كأنك فرح بسؤالهم. # والثالث: كأنك عالم بها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وهو قول ابن زيد، ~~والفراء. ms0812 # والرابع: كأنك استحفيت السؤال عنها حتى علمتها، قاله ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد. وقال PageV03P202 # عكرمة: كأنك مسؤول عنها. وقال ابن قتيبة: كأنك معني بطلب علمها. وقال ابن ~~الأنباري: فيه تقديم وتأخير، تقديره: يسألونك عنها كأنك حفي بها، والحفي في ~~كلام العرب: المعني. # قوله تعالى: (قل إنما علمها عند الله) أي: لا يعلمها إلا هو (ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون) قال مقاتل في آخرين: المراد بالناس ها هنا أهل مكة. وفي ~~قوله [تعالى]: " لا يعلمون " قولان: # أحدهما: لا يعلمون أنها كائنة، قاله مقاتل. # والثاني: لا يعلمون أن هذا مما استأثر الله بعلمه، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ~~قوله تعالى: (لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) سبب نزولها أن أهل مكة قالوا: يا ~~محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو، فتشتري فتربح، وبالأرض ~~التي تريد أن تجدب، فترتحل عنها إلى ما قد أخصب؟ فنزلت هذه الآية، روي عن ~~ابن عباس. وفي المراد بالنفع والضر قولان: # أحدهما: أنه عام في جميع ما ينفع ويضر، قاله الجمهور. # والثاني: أن النفع: الهدى، والضر: الضلالة، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: (إلا ما شاء الله) أي: إلا ما أراد أن أملكه بتمليكه إياي، ~~ومن هو على هذه الصفة فكيف يعلم علم الساعة؟. # قوله تعالى: (ولو كنت أعلم الغيب) فيه أربعة أقوال: # أحدها: لو كنت أعلم بجدب الأرض وقحط المطر قبل كون ذلك لهيأت لسنة الجدب ~~ما يكفيها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لو كنت أعلم ما أربح فيه إذا اشتريته لاستكثرت من الخير، قاله ~~الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح، قاله مجاهد. # والرابع: لو كنت أعلم ما أسأل عنه من الغيب لأجبت عنه. (وما مسني السوء) ~~أي: لم PageV03P203 # يلحقني تكذيب، قاله الزجاج. فأما الغيب، فهو كل ما غاب ms0813 عنك. ويخرج في ~~المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه العمل الصالح. # والثاني: المال. # والثالث: الرزق. # قوله تعالى: (وما مسني السوء) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الفقر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه كل ما يسوء، قاله ابن زيد. # والثالث: الجنون، قاله الحسن. # والرابع: التكذيب، قاله الزجاج. فعلى قول الحسن، يكون هذا الكلام مبتدأ، ~~والمعنى: # وما بي من جنون إنما أنا نذير، وعلى باقي الأقوال يكون متعلقا بما قبله. # * هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون (190) قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) ~~يعني بالنفس: آدم، وبزوجها: حواء. # ومعنى (ليسكن إليها): ليأنس بها ويأتي إليها. (فلما تغشاها) أي: جامعها. ~~قال الزجاج: # وهذا أحسن كناية عن الجماع. والحمل، بفتح الحاء: ما كان في بطن، أو ~~أخرجته شجرة. # والحمل، بكسر الحاء: ما يحمل. والمراد بالحمل الخفيف: الماء. # قوله تعالى: (فمرت به) أي: استمرت به، قعدت وقامت ولم يثقلها. وقرأ سعد ~~بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك: " فاستمرت به " وقرأ أبي بن ~~كعب، والجوني: # " فاستمارت به " بزيادة ألف. وقرأ عبد الله بن عمرو، والجحدري: " فمارت ~~به " بألف وتشديد الراء. وقرأ أبو العالية، وأيوب، ويحيى بن يعمر: " فمرت ~~به " خفيفة الراء، أي: شكت وتمارت أحملت، أم لا؟ (فلما أثقلت)، أي: صار ~~حملها ثقيلا. وقال الأخفش: صارت ذا ثقل. يقال: # أثمرنا، أي: صرنا ذوي ثمر. # قوله تعالى: (دعوا الله ربهما) يعني آدم وحواء (لئن آتيتنا صالحا) وفي ~~المراد بالصالح قولان: PageV03P204 # أحدهما: أنه الإنسان المشابه لهما، وخافا أن يكون بهيمة، هذا قول ~~الأكثرين. # والثاني: أنه الغلام، قاله الحسن، وقتادة. # شرح السبب في دعائهما ذكر أهل التفسير أن إبليس جاء حواء، فقال: ما يدريك ~~ما في بطنك، لعله كلب أو خنزير أو حمار، وما يدريك من أين يخرج، أيشق بطنك، ms0814 ~~أم يخرج من فيك، أو من منخريك؟ فأحزنها ذلك، فدعوا الله حينئذ، فجاء إبليس ~~فقال: كيف تجدينك؟ قالت: ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال: أفرأيت إن دعوت ~~الله، فجعله إنسانا مثلك ومثل آدم، أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم. فلما ولدته ~~سويا، جاءها إبليس فقال: لم لا تسمينه بي كما وعدتني؟ فقالت: وما اسمك؟ ~~قال: الحارث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فسمته: عبد الحارث، وقيل: ~~عبد شمس برضى آدم، فذلك قوله [تعالى]: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء). ~~قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " ~~شركاء " بضم الشين والمد، جمع شريك. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: " شركا " ~~مكسورة الشين على المصدر، لا على الجمع. قال أبو علي: # من قرأ " شركا "، حذف المضاف، كأنه أراد: جعلا له ذا شرك، وذوي شريك، ~~فيكون المعنى: # جعلا لغيره شركا، لأنه إذا كان التقدير: جعلا له ذوي شرك، فالمعنى: جعلا ~~لغيره شركا، وهذه القراءة في المعنى كقراءة من قرأ " شركاء ". وقال غيره: ~~معنى " شركاء ": شريكا، فأوقع الجمع موقع الواحد كقوله [تعالى]: (الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم). والمراد بالشريك: إبليس، لأنهما أطاعاه ~~في الاسم، فكان الشرك في الطاعة، لا في العبادة، ولم يقصدا أن الحارث ~~ربهما، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما، وقد يطلق العبد على من ليس بمملوك. ~~قال الشاعر: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا * وما في إلا تلك من شيمة العبد وقال ~~مجاهد: كان لا يعيش لآدم ولد، فقال الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد ~~الحارث، فأطاعاه في الاسم، فذلك قوله [تعالى]: (جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما)، هذا قول الجمهور، وفيه قول ثان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: ما أشرك آدم، إن أول الآية لشكر، وآخرها مثل ضربه الله لمن يعبده في ~~قوله عز وجل: (جعلا له شركاء فيما آتاهما). وروى قتادة عن الحسن، قال: هم ~~اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم. وروي عن الحسن، ~~وقتادة قالا: الضمير في ms0815 قوله: " جعلا له شركاء " عائد إلى النفس وزوجه من ~~ولد آدم، لا PageV03P205 # إلى آدم وحواء. وقيل: الضمير راجع إلى الولد الصالح، وهو السليم الخلق، ~~فالمعنى: جعل له ذلك الولد شركاء. وإنما قال: " جعلا " لأن حواء كانت تلد ~~في كل بطن ذكرا وأنثى. قال ابن الأنباري: الذين جعلوا له شركاء اليهود ~~والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء. # فتأويل الآية: فلما آتاهما صالحا، جعل أولادهما له شركاء، فحذف الأولاد ~~وأقامهما مقامهم كما قال: " واسأل القرية). وذهب السدي إلى أن قوله: ~~(فتعالى الله عما يشركون) في مشركي العرب خاصة، وأنها مفصولة عن قصة آدم ~~وحواء. # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) قوله تعالى: (أيشركون مالا ~~يخلق شيئا) قال ابن زيد: هذه لآدم وحواء حيث سميا ولدهما عبد شمس، والشمس ~~لا تخلق شيئا. وقال غيره: هذا راجع إلى الكفار حيث أشركوا بالله الأصنام، ~~وهي لا تخلق شيئا. وقوله تعالى: (وهم يخلقون) أي: وهي مخلوقة. قال ابن ~~الأنباري: وإنما قال: " ما " ثم قال: " وهم يخلقون " لأن " ما " تقع على ~~الواحد والاثنين والجميع، وإنما قال: # " وهم " وهو يعني الأصنام، لأن عابديها ادعوا أنها تعقل وتميز، فأجريت ~~مجرى الناس، فهو كقوله تعالى: (رأيتهم لي ساجدين)، وقوله تعالى: (يا أيها ~~النمل ادخلوا مساكنكم)، وقوله تعالى: (وكل في فلك يسبحون)، قال الشاعر: # تمززتها والديك يدعو صباحه * إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا وأنشد ثعلب ~~لعبدة بن الطبيب: # إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته * لدى الصباح وهم قوم معازيل لما جعله ~~يدعو، جعل الديكة قوما، وجعلهم معازيل، وهم الذين لا سلاح معهم، وجعلهم ~~أسرة، وأسرة الرجل: رهطه وقومه. # ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) قوله تعالى: (ولا ~~يستطيعون لهم نصرا) يقول: إن الأصنام لا تستطيع نصر من عبدها، ولا تمنع من ~~نفسها. # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعونكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ~~(193) PageV03P206 # قوله تعالى: (وإن تدعوهم) فيه قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الأصنام، فالمعنى: وإن دعوتم أيها المشركون ~~أصنامكم إلى سبيل رشاد لا ms0816 يتبعوكم، لأنهم لا يعقلون. # والثاني: أنها ترجع إلى الكفار، فالمعنى: وإن تدع يا محمد هؤلاء المشركين ~~إلى الهدى، لا يتبعوكم، فدعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سواء، لأنهم لا ينقادون ~~إلى الحق. وقرأ نافع " لا يتبعوكم " بسكون التاء. # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ~~صادقين ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها ~~أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون إن وليي الله ~~الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) قوله تعالى: (إن الذين تدعون من ~~دون الله) يعني الأصنام (عباد أمثالكم) في أنهم مسخرون مذللون لأمر الله. ~~وإنما قال " عباد " وقال (فادعوهم)، وإن كانت الأصنام جمادا، لما بينا عند ~~قوله تعالى: (وهم يخلقون). # قوله تعالى: (فليستجيبوا لكم) أي: فليجيبوكم (إن كنتم صادقين) أن لكم ~~عندهم نفعا وثوابا. (ألهم أرجل يمشون بها) في المصالح (أم لهم أيد يبطشون ~~بها) في دفع ما يؤذي. # وقرأ أبو جعفر " يبطشون " بضم الطاء هاهنا وفي (القصص) و (الدخان). (أم ~~لهم أعين يبصرون بها) المنافع من المضار (أم لهم آذان يسمعون بها) تضرعكم ~~ودعاءكم؟ وفي هذا تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين، وتوبيخ لهم حيث ~~عبدوا من هم أفضل منه. (قل ادعوا شركاءكم) قال الحسن: كانوا يخوفونه ~~بآلهتهم، فقال [الله] تعالى: (قل ادعوا شركاءكم، (ثم كيدوني) أنتم وهم (فلا ~~تنظرون) أي: لا تؤخروا ذلك. وكان ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي يقرؤون " ثم كيدون " بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أبو عمرو، ~~ونافع في رواية ابن حماد بالياء في الوصل. وروى ورش، وقالون، والمسيبي بغير ~~ياء في الوصل، ولا وقف. # فأما " تنظرون " فأثبت فيها الياء يعقوب في الوصل والوقف. (إن وليي الله) ~~أي: ناصري (الذي نزل الكتاب) وهو القرآن، أي: كما أيدني بإنزال الكتاب ~~ينصرني. # والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) ~~PageV03P207 # قوله تعالى: (والذين تدعون من دونه) يعني الأصنام (لا يستطيعون نصركم) ~~أي: لا يقدرون ms0817 على منعكم ممن أرادكم بسوء، ولا يمنعون أنفسهم من سوء أريد ~~بهم. # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) ~~قوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا) في المراد بهؤلاء قولان: # أحدهما: أنهم الأصنام. ثم في قوله [تعالى]: (وتراهم ينظرون إليك) قولان: # أحدهما: يواجهونك، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك، (وهم لا يبصرون) لأنه ~~ليس فيهم أرواح. # والثاني: وتراهم كأنهم ينظرون إليك، لأن لهم أعينا مصنوعة، فأسقط كاف ~~التشبيه، كقوله [تعالى]: (وترى الناس سكارى) أي: كأنهم سكارى، (وهم لا ~~يبصرون) في الحقيقة. # وإنما أخبر عنهم بالهاء والميم، لأنهم على هيئة بني آدم. # والقول الثاني: أنهم المشركون، فالمعنى: وتراهم ينظرون إليك بأعينهم ولا ~~يبصرون بقلوبهم. # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) قوله تعالى: (خذ العفو) ~~العفو: الميسور، وقد سبق شرحه في سورة البقرة. وفي الذي أمر بأخذ العفو منه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أخلاق الناس، قاله ابن الزبير، والحسن، ومجاهد فيكون المعنى: اقبل ~~الميسور من أخلاق الناس، ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء. # والثاني: أنه المال، وفيه قولان: # أحدهما: أن المراد بعفو المال: الزكاة، قاله مجاهد في رواية والضحاك. # والثاني: أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض الزكاة، ثم نسخت بالزكاة، روي عن ~~ابن عباس. # والثالث: أن المراد به: مساهلة المشركين والعفو عنهم، ثم نسخ بآية السيف، ~~قاله ابن زيد. # قوله تعالى: (وأمر بالعرف) أي: بالمعروف. # وفي قوله: (وأعرض عن الجاهلين) قولان: PageV03P208 # أحدهما: أنهم المشركون، أمر بالإعراض عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف. # والثاني: أنه عام فيمن جهل، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم، وإن ~~وجب عليه الإنكار عليهم. وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة، وعند بعضهم ~~أن وسطها محكم، وطرفيها منسوخان على ما بينا. # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) قوله تعالى: ~~(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) قال ابن زيد: لما نزلت " خذ العفو " قال ~~النبي صلى الله عليه ms0818 وسلم " يا رب كيف بالغضب "؟ فنزلت هذه الآية. فأما ~~قوله تعالى: (وإما) فقد سبق بيانه في (البقرة) في قوله: (فإما يأتينكم مني ~~هدى)، وقال أبو عبيدة: ومجاز الكلام: وإما تستخفنك منه خفة وغضب وعجلة. ~~وقال السدي: النزغ: الوسوسة وحديث النفس. قال الزجاج: النزغ: أدنى حركة ~~تكون، تقول: قد نزغته: إذا حركته. وقد سبق معنى الاستعاذة. # قوله تعالى: (إذا مسهم طيف) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: " طيف " ~~بغير ألف. # وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: " طائف " بألف ممدودا مهموزا. وقرأ ~~ابن عباس، وابن جبير، والجحدري، والضحاك: " طيف " بتشديد الياء من غير ألف. ~~وهل الطائف والطيف بمعنى واحد، أم يختلفان؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وهما ما كان كالخيال والشئ يلم بك، حكي عن ~~الفراء. وقال الأخفش: الطيف أكثر في كلام العرب من الطائف، قال الشاعر: # ألا يا لقوم لطيف الخيال * أرق من نازح ذي دلال والثاني: أن الطائف: ما ~~يطوف حول الشئ، والطيف: اللمة والوسوسة والخطرة، حكي عن أبي عمرو وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: الطائف: اللمة من الشيطان، والطيف: الغضب. وقال ابن ~~الأنباري: الطائف: الفاعل من الطيف، والطيف عند أهل اللغة: اللمم من ~~الشيطان، وزعم مجاهد أنه الغضب. # قوله تعالى: (تذكروا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: تذكروا الله إذا هموا بالمعاصي فتركوها، قاله مجاهد. PageV03P209 # والثاني: تفكروا فيما أوضح الله لهم من الحجة، قاله الزجاج. # والثالث: تذكروا غضب الله، والمعنى: إذا جرأهم الشيطان على مالا يحل، ~~تذكروا غضب الله، فأمسكوا، فإذا هم مبصرون لمواضع الخطأ بالتفكر. # وإخوانهم يمدونها في الغي ثم لا يقصرون (202) قوله تعالى: (وإخوانهم) في ~~هذه الهاء والميم قولان: # أحدهما: أنها عائدة على المشركين، فتكون هذه الآية مقدمة على التي قبلها، ~~والتقدير: # وأعرض عن الجاهلين، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين (يمدونهم في الغي) قرأ ~~نافع: # " يمدونهم " بضم الياء وكسر الميم. والباقون: بفتح الياء وضم الميم. قال ~~أبو علي: عامة ما جاء في التنزيل فيما يحمد ويستحب: أمددت، على أفعلت، ~~كقوله تعالى: (أتمدونني بمال) (أنما نمدهم به من مال) ms0819 (وأمددناهم بفاكهة)، ~~وما كان على خلافه يجئ على: مددت، كقوله تعالى: (ويمدهم في طغيانهم)، فهذا ~~يدل على أن الوجه فتح الياء، إلا أن وجه قراءة نافع بمنزلة (فبشرهم بعذاب ~~أليم). قال المفسرون: " يمدونهم في الغي " أي: يزينونه لهم، ويريدون منهم ~~لزومه، فيكون معنى الكلام: إن الذين اتقوا إذا جرهم الشيطان إلى خطيئة، ~~تابوا منها، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، يمدونهم في الغي، هذا قول ~~الأكثرين من العلماء. وقال بعضهم: الهاء والميم ترجع إلى الشياطين، وقد جرى ~~ذكرهم لقوله تعالى: " من الشيطان "، فالمعنى: وإخوان الشياطين يمدونهم. # والثاني: أن الهاء والميم ترجع إلى المتقين، فالمعنى: وإخوان المتقين من ~~المشركين، وقيل: # من الشياطين يمدونهم في الغي، أي: يريدون من المسلمين أن يدخلوا معهم في ~~الكفر، ذكر هذا القول جماعة منهم ابن الأنباري. فإن قيل: كيف قال: " ~~وإخوانهم " وليسوا على دينهم؟ # فالجواب: أنا إن قلنا: إنهم المشركون، فجائز أن يكونوا إخوانهم في النسب، ~~أو في كونهم من بني آدم، أو لكونهم يظهرون النصح كالإخوان، فإن قلنا: إنهم ~~الشياطين، فجائز أن يكونوا لكونهم مصاحبين لهم، والقول الأول أصح. # قوله تعالى: (ثم لا يقصرون) وقرأ الزهري، " يقصرون " بالتشديد. قال ~~الزجاج: يقال: # أقصر يقصر، وقصر يقصر. قال ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون من ~~السيئات، ولا الشياطين تقصر عنهم، فعلى هذا يكون قوله تعالى: (يقصرون) من ~~فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور، ويخرج على القول الثاني أن يكون هذا ~~وصفا للاخوان فقط. # وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ~~هذا PageV03P210 # بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) قوله تعالى: (وإذا لم تأتهم ~~بآية) يعني به المشركين. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: إذا لم تأتهم بآية، سألوها تعنتا، قاله ابن السائب. # والثاني: إذا لم تأتهم بآية لإبطاء الوحي، قاله مقاتل: # وفي قوله: (لولا اجتبيتها) قولان: # أحدهما: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ~~والسدي، وابن زيد، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين، وحكي عن الفراء ~~أنه قال: ms0820 العرب تقول: اجتبيت الكلام، واختلقته، وارتجلته، إذا افتعلته من ~~قبل نفسك. # والثاني: هلا طلبتها لنا قبل مسألتك؟ ذكره الماوردي، والأول أصح. # قوله تعالى: (قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي) أي: ليس الأمر لي. # قوله تعالى: (هذا بصائر من ربكم) يعني القرآن. قال أبو عبيدة: البصائر ~~بمعنى الحجج والبرهان والبيان أ واحدتها: بصيرة. وقال الزجاج: معنى ~~البصائر: ظهور الشئ وبيانه. # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) قوله تعالى: ~~(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له) اختلفوا في نزولها على خمسة أقوال: # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة، فقرأ ~~أصحابه وراءه رافعين أصواتهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن المشركين كانوا يأتون رسول الله إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض: ~~لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن المسيب. # والثالث: أن فتى من الأنصار كان كلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، ~~قرأ هو فنزلت هذه الآية، قاله الزهري. # والرابع: أنهم كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فرضت، فيجئ الرجل فيقول ~~لصاحبه: كم صليتم؟ فيقول: كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. ~~PageV03P211 # والخامس: أنها نزلت تأمر بالإنصات للامام في الخطبة يوم الجمعة، روي عن ~~عائشة، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار في آخرين. # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين (205) قوله تعالى: (واذكر ربك في نفسك) في هذا الذكر أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه القراءة في الصلاة، قاله ابن عباس، فعلى هذا، أمر أن يقرأ في ~~نفسه في صلاة الإسرار. # والثاني: أنه القراءة خلف الإمام سرا في نفسه، قاله قتادة. # والثالث: أنه ذكر الله باللسان. # والرابع: أنه ذكر الله باستدامة الفكر، لا يغفل عن الله تعالى، ذكر ~~القولين الماوردي. وفي المخاطب بهذا الذكر قولان: # أحدهما: أنه المستمع للقرآن، إما في الصلاة، وإما من الخطيب، قاله ابن ~~زيد. # والثاني: أنه خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه عام في ms0821 جميع ~~المكلفين. # قوله تعالى: (تضرعا وخيفة) التضرع: الخشوع في تواضع، والخيفة: الحذر من ~~عقابه. # قوله تعالى: (ودون الجهر من القول) الجهر: الإعلان بالشئ، ورجل جهير ~~الصوت: إذا كان صوته عاليا. وفي هذا نص على أنه الذكر باللسان، ويحتمل ~~وجهين. # أحدهما: قراءة القرآن. # والثاني: الدعاء وكلاهما مندوب إلى إخفائه، إلا أن صلاة الجهر قد بين ~~أدبها في قوله [تعالى]: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها). فأما الغدو فهو ~~جمع غدوة، والآصال جمع أصل، والأصل جمع أصيل، فالآصال جمع الجمع، والآصال: ~~العشيات. وقال أبو عبيدة: هي ما بين العصر إلى المغرب، وأنشد: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل وروي عن ابن عباس ~~أنه قال: يعني بالغدو: صلاة الفجر، والآصال: صلاة العصر. PageV03P212 # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) قوله ~~تعالى: (إن الذين عند ربك) يعني الملائكة. (لا يستكبرون) أي: لا يتكبرون ~~ويتعظمون (عن عبادته) وفي هذه العبادة قولان: # أحدهما: الطاعة. # الثاني: الصلاة والخضوع فيها. # وفي قوله [تعالى]: (ويسبحونه) قولان: # أحدهما: ينزهونه عن السوء. # والثاني: يقولون: سبحان الله. # قوله تعالى: (وله يسجدون) أي: يصلون. وقيل: سبب نزول هذه الآية أن كفار ~~مكة قالوا: أنسجد لما تأمرنا؟ فنزلت هذه الآية تخبر أن الملائكة وهم أكبر ~~شأنا، لا يتكبرون عن عبادة الله. وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: ~~يا ويله، أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ~~". PageV03P213 # بسم الله الرحمن (8) سورة الأنفال مدنية آياتها خمس وسبعون وهي مدنية ~~بإجماعهم. وحكى الماوردي عن ابن عباس أن فيها سبع آيات مكيات، أولها: (وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا) يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) قوله ~~تعالى: (يسألونك عن الأنفال) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: " من قتل قتيلا فله ms0822 ~~كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا "، فأما المشيخة، فثبتوا تحت ~~الرايات، وأما الشبان، فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقال المشيخة للشبان: ~~أشركونا معكم، فإنا كنا لكم ردءا، فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنزلت سورة (الأنفال)، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أن سعد بن أبي وقاص أصاب سيفا يوم بدر، فقال: يا رسول الله، هبه ~~لي، فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه. وفي رواية أخرى عن سعد ~~قال: قتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأتيت به رسول الله، فقال: " اذهب ~~فاطرحه في القبض " فرجعت، وبي مالا يعلمه إلا الله، فما جاوزت إلا قريبا ~~حتى نزلت سورة (الأنفال) فقال " اذهب فخذ سيفك ". وقال السدي: اختصم سعد ~~وناس آخرون في ذلك السيف، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه النبي ~~[صلى الله عليه وسلم منهم]، فنزلت هذه الآية. PageV03P214 # والثالث: أن الأنفال كانت خالصة لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ليس ~~لأحد منها شئ، فسألوه أن يعطيهم منها شيئا، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. وفي المراد بالأنفال ستة أقوال: # أحدها: أنها الغنائم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وأبو عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين. وواحد ~~الأنفال: نفل، قال لبيد: # إن تقوى ربنا خير نفل * وباذن الله ريثي وعجل والثاني: أنها ما نفله رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] القاتل من سلب قتيله. # والثالث: أنها ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابة بغير قتال، ~~قاله عطاء. وهذا والذي قبله مرويان عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أنه الخمس الذي أخذه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من ~~الغنائم، قاله مجاهد. # والخامس: أنه أنفال السرايا، قاله علي بن صالح بن حي. وحكي عن الحسن قال: ~~هي السرايا التي تتقدم أمام الجيوش. # والسادس: أنها زيادات يؤثر بها الإمام بعض الجيش لما يراه من المصلحة، ~~ذكره الماوردي. وفي " عن " قولان: # أحدهما: أنها زائدة، والمعنى: يسألونك ms0823 الأنفال، وكذلك قرأ سعد بن أبي ~~وقاص، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو العالية: " يسألونك الأنفال " بحذف " ~~عن ". # والثاني: أنها أصل، والمعنى: يسألونك عن الأنفال لمن هي؟ أو عن حكم ~~الأنفال، وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين. وذكر أنهم إنما سألوا ~~عن حكمها لأنها كانت حراما على الأمم قبلهم. # فصل واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال بعضهم: إنها ناسخة ~~من وجه، منسوخة PageV03P215 # من وجه، وذلك أن الغنائم كانت حراما في شرائع الأنبياء المتقدمين، فنسخ ~~الله ذلك بهذه الآية، وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه الرسول [صلى الله ~~عليه وسلم]، ثم نسخ ذلك بقوله [تعالى]: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله ~~خمسه). وقال آخرون: المراد بالأنفال شيئان. # أحدهما: ما يجعله الرسول صلى الله عليه وسلم لطائفة من شجعان العسكر ~~ومتقدميه، يستخرج به نصحهم، ويحرضهم على القتال. # والثاني: ما يفضل من الغنائم بعد قسمتها كما روي عن ابن عمر قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فغنمنا إبلا، فأصاب كل واحد منا ~~اثنا عشر بعيرا، ونفلنا بعيرا بعيرا، فعلى هذا هي محكمة، لأن هذا الحكم باق ~~إلى وقتنا هذا. # فصل ويجوز النفل قبل إحراز الغنيمة، وهو أن يقول الإمام: من أصاب شيئا ~~فهو له، وبه قال الجمهور. فأما بعد إحرازها، ففيه عن أحمد روايتان وهل ~~يستحق القاتل سلب المقتول إذا لم يشرطه له الإمام، فيه قولان: # أحدهما: يستحقه، وبه قال الأوزاعي، والليث، والشافعي. # والثاني: لا يستحقه، ويكون غنيمة للجيش، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وعن ~~أحمد روايتان كالقولين: # قوله تعالى: (قل الأنفال لله والرسول) أي يحكمان فيها ما أرادا، (فاتقوا ~~الله) بترك مخالفته (وأصلحوا ذات بينكم) قال الزجاج: معنى " ذات بينكم " ~~حقيقة وصلكم. والبين: # الوصل، كقوله [تعالى]: (لقد تقطع بينكم). # ثم في المراد بالكلام قولان: # أحدهما: أن يرد القوي على الضعيف، قاله عطاء. # والثاني: ترك المنازعة تسليما لله ورسوله. # قوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله) أي: أقبلوا ما أمرتم به في الغنائم ~~وغيرها. PageV03P216 # إنما ms0824 المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله) قال الزجاج: إذا ذكرت عظمته وقدرته وما خوف به من عصاه، فزعت ~~قلوبهم، قال الشاعر: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول يقال: وجل يوجل ~~وياجل وييجل وييجل، هذه أربع لغات حكاها سيبويه. وأجودها: يوجل. # وقال السدي: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فينزع عنها. # قوله تعالى: (وإذا تليت عليهم آياته) أي: آيات القرآن. # وفي قوله: (زادتهم إيمانا) ثلاثة أقوال: # أحدها: تصديقا، قاله ابن عباس. والمعنى: أنهم كلما جاءهم شئ عن الله ~~آمنوا به فيزدادوا إيمانا بزيادة الآيات. # والثاني: يقينا، قاله الضحاك. # والثالث: خشية الله، قاله الربيع بن أنس. وقد ذكرنا معنى التوكل في ~~[سورة] آل عمران: # الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) قوله تعالى: (الذين يقيمون ~~الصلاة) قال ابن عباس: يعني الصلوات الخمس. (ومما رزقناهم ينفقون) يعني ~~الزكاة. # أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) قوله ~~تعالى: (أولئك هم المؤمنون حقا) قال الزجاج: " حقا " منصوب بمعنى دلت عليه ~~الجملة، والجملة (أولئك هم المؤمنون)، فالمعنى: أحق ذلك حقا. وقال مقاتل: ~~المعنى: # أولئك هم المؤمنون لا شك في إيمانهم كشك المنافقين. # قوله تعالى: (لهم درجات عند ربهم) قال عطاء: درجات الجنة يرتقونها ~~بأعمالهم، والرزق الكريم: ما أعد لهم فيها. PageV03P217 # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك ~~في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) قوله تعالى: ~~(كما أخرجك ربك) في متعلق هذه الكاف خمسة أقوال: # أحدها: أنها متعلقة بالأنفال. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أن تأويله: امض لأمر الله في الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في ~~خروجك من بيتك وهم كارهون، قاله الفراء. # والثاني: أن الأنفال لله والرسول صلى الله عليه وسلم بالحق الواجب، كما ~~أخرجك ربك بالحق، وإن كرهوا ذلك، قاله الزجاج. # والثالث: أن المعنى: يسألوك عن الأنفال مجادلة، ms0825 كما جادلوك في خروجك، ~~حكاه جماعة من المفسرين. # والثاني: أنها متعلقة بقوله تعالى: (فاتقوا الله وأصلحوا)، والمعنى: إن ~~التقوى والإصلاح خير لكم، كما كان إخراج الله نبيه محمدا خيرا لكم وإن كرهه ~~بعضكم، هذا قول عكرمة. # والثالث: أنها متعلقة بقوله تعالى: (يجادلونك)، فالمعنى: مجادلتهم إياك ~~في الغنائم كإخراج الله إياك إلى بدر وهم كارهون، قاله الكسائي. # والرابع: أنها متعلقة بقوله تعالى: (أولئك هم المؤمنون)، والمعنى: وهم ~~المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ذكره بعض ناقلي التفسير. # والخامس: أن " كما " في موضع قسم، معناها: والذي أخرجك من بيتك، قاله أبو ~~عبيدة، واحتج بأن " ما " في موضع " الذي " ومنه قوله: (وما خلق الذكر ~~والأنثى) قال ابن الأنباري: # وفي هذا القول بعد، لأن الكاف ليست من حروف الأقسام. وفي هذا الخروج ~~قولان: # أحدهما: أنه خروجه إلى بدر، وكره ذلك طائفة من أصحابه، لأنهم علموا أنهم ~~لا يظفرون بالغنيمة إلا بالقتال. PageV03P218 # والثاني: أنه خروجه من مكة إلى المدينة للهجرة. # وفي معنى قوله: " بالحق " قولان: # أحدهما: أنك خرجت ومعك الحق. # والثاني: أنك خرجت بالحق الذي وجب عليك. # وفي قوله تعالى: (وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) قولان: # أحدهما: كارهون خروجك. # والثاني: كارهون صرف الغنيمة عنهم، وهذه كراهة الطبع لمشقة السفر ~~والقتال، وليست كراهة لأمر الله تعالى. # قوله تعالى: (يجادلونك في الحق) يعني في القتال يوم بدر، لأنهم خرجوا ~~بغير عدة، فقالوا: هلا أخبرتنا بالقتال لنأخذ العدة، فجادلوه طلبا للرخصة ~~في ترك القتال. وفي قوله تعالى: # (بعد ما تبين) ثلاثة أقوال: # أحدها: تبين لهم فرضه. # والثاني: تبين لهم صوابه. # والثالث: تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرت به. وفي " المجادلين " قولان: # أحدهما: أنهم طائفة من المسلمين، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنهم المشركون، قاله ابن زيد، فعلى هذا، يكون جدالهم في الحق ~~الذي هو التوحيد، لا في القتال. فعلى الأول، يكون معنى قوله تعالى: (كأنما ~~يساقون إلى الموت) أي: # في لقاء العدو (وهم ينظرون)، لأن أشد حال من يساق إلى الموت أن يكون ~~ناظرا ms0826 إليه، وعالما به. وعلى قول ابن زيد: كأنما يساقون إلى الموت حين ~~يدعون إلى الإسلام لكراهتهم إياه. # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ~~ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) قوله تعالى: (وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين) قال أهل التفسير: أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش، حتى ~~إذا دنا من بدر، نزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج في ~~جماعة من أصحابه يريدهم، فبلغهم ذلك فبعثوا عمرو بن ضمضم الغفاري إلى مكة ~~مستغيثا، فخرجت قريش PageV03P219 # للمنع عنها، ولحق أبو سفيان بساحل البحر، ففات رسول الله، ونزل جبريل ~~بهذه الآية: (وإذ يعدكم الله)، والمعنى: اذكروا إذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين: والطائفتان: أبو سفيان وما معه من المال، وأبو جهل ومن معه من ~~قريش، فلما سبق أبو سفيان بما معه، كتب إلى قريش: إن كنتم خرجتم لتحرزوا ~~ركائبكم، فقد أحرزتها لكم. فقال أبو جهل: والله لا نرجع. وسار رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] يريد القوم. فكره أصحابه ذلك وودوا أن لو نالوا ~~الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال، فذلك قوله: (وتودون أن غير ذات ~~الشوكة) أي: ذات السلاح. يقال: فلان شاكي السلاح، بالتخفيف، وشاك في ~~السلاح، بالتشديد، وشائك. قال أبو عبيدة: ومجاز الشوكة الحد، يقال: ما أشد ~~شوكة بني فلان، أي: حدهم. وقال الأخفش: إنما أنث " ذات الشوكة " لأنه يعني ~~الطائفة. # قوله تعالى: (ويريد الله أن يحق الحق) في المراد بالحق قولان: # أحدهما: أنه الإسلام، قاله ابن عباس في آخرين. # والثاني: أنه القرآن، والمعنى: يحق ما أنزل إليك من القرآن. # قوله تعالى: (بكلماته) أي: بعداته التي سبقت من إعزاز الدين، كقوله ~~تعالى: (ليظهره على الدين كله). # قوله تعالى: (ويقطع دابر الكافرين) أي: يجتث أصلهم، وقد بينا ذلك في ~~(الأنعام). # قوله تعالى: (ليحق الحق) المعنى: ويريد أن يقطع دابر الكافرين كيما يحق ~~الحق. وفي هذا الحق القولان المتقدمان. فأما الباطل، ms0827 فهو الشرك، والمجرمون ~~هاهنا: المشركون. # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) وما ~~جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله ~~عزيز حكيم (10) قوله تعالى: (إذ تستغيثون ربكم) سبب نزولها ما روى عمر بن ~~الخطاب [رضي الله عنه] قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة، فاستقبل ~~القبلة، ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: " اللهم أنجز ما وعدتني، ~~اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا " فما زال يستغيث ربه ~~ويدعوه، حتى سقط PageV03P220 # رداؤه، فأتاه أبو بكر الصديق فأخذ رداءه فرداه به، ثم التزمه من ورائه ~~وقال: يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: (إذ) قال ابن جرير: هي من صلة " يبطل ". وفي قوله تعالى: ~~(تستغيثون) قولان: # أحدهما: تستنصرون. # والثاني: تستجيرون. والفرق بينهما أن المستنصر يطلب الظفر، والمستجير ~~يطلب الخلاص. # وفي المستغيثين قولان: # أحدهما: أنه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] والمؤمنون، قاله الزهري. # والثاني: أنه رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قاله السدي. فأما الإمداد ~~فقد سبق في (آل عمران). وقوله [تعالى]: (بألف) قرأ الضحاك، وأبو رجاء: " ~~بآلاف " بهمزة ممدودة وبألف على الجمع. وقرأ أبو العالية، وأبو المتوكل: " ~~بألوف " برفع الهمزة واللام وبواو بعدها على الجمع. وقرأ ابن حذلم، ~~والجحدري: " بألف " بضم الألف واللام من غير واو ولا ألف، وقرأ أبو ~~الجوزاء، وأبو عمران: # " بيلف " عند بياء مفتوحة وسكون اللام من غير واو ولا ألف. فأما قوله: ~~(مردفين) فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " ~~مردفين " بكسر الدال. قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والفراء: ~~هم المتتابعون. وقال أبو علي: يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم، تقول: أردفت زيدا دابتي، فيكون المفعول ~~الثاني محذوفا في الآية. # والثاني: أن يكونوا جاؤوا بعدهم، تقول العرب: ms0828 بنو فلان مردوفونا، أي: هم ~~يجيؤون بعدنا. # قال أبو عبيدة: مردفين: جاؤوا بعد. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: " ~~مردفين " بفتح الدال. قال الفراء: أراد: فعل ذلك بهم، أي: إن الله أردف ~~المسلمين بهم. وقرأ معاذ القارئ، وأبو المتوكل الناجي، وأبو مجلز: " مردفين ~~" بفتح الراء والدال مع التشديد. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران: # " مردفين " برفع الراء وكسر الدال. وقال الزجاج: يقال: ردفت الرجل: إذا ~~ركبت خلفه، وأردفته: # إذا أركبته خلفي. ويقال: هذه دابة لا ترادف، ولا يقال: لا تردف. ويقال: ~~أردفت الرجل: إذا جئت بعده. فمعنى " مردفين " يأتون فرقة بعد فرقة. ويجوز ~~في اللغة: مردفين ومردفين ومردفين، فالدال مكسورة مشددة على كل حال، والراء ~~يجوز فيها الفتح والضم والكسر. قال سيبويه: الأصل PageV03P221 # مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال فصارت مردفين لأنك طرحت حركة التاء على ~~الراء، وإن شئت لم تطرح حركة التاء، وكسرت الراء لالتقاء الساكنين. والذين ~~ضموا الراء، جعلوها تابعة لضمة الميم. # وقد سبق في (آل عمران) تفسير قوله [تعالى]: (وما جعله الله إلا بشرى)، ~~وكان مجاهد يقول: ما أمد الله النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذه الألف ~~التي ذكرت في [سورة] الأنفال وما ذكر الثلاثة والخمسة إلا بشرى، ولم يمدوا ~~بها، والجمهور على خلافه، وقد ذكرنا اختلافهم في عدد الملائكة في [سورة] ~~(آل عمران). # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) قوله تعالى: (إذ ~~يغشاكم النعاس أمنة منه) قال الزجاج: " إذ " موضعها نصب على معنى: # وما جعله الله إلا بشرى، في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون المعنى: اذكروا إذ ~~يغشاكم النعاس. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " إذ يغشاكم " بفتح الياء وجزم الغين وفتح ~~الشين وألف " النعاس " بالرفع. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " ~~يغشيكم " بضم الياء وفتح الغين مشددة الشين مكسورة " النعاس " بالنصب. وقرأ ~~نافع: " يغشيكم " بضم الياء وجزم الغين وكسر الشين " النعاس " بالنصب. وقال ~~أبو سليمان الدمشقي: الكلام راجع على قوله ms0829 تعالى: (ولتطمئن به قلوبكم) إذ ~~يغشاكم النعاس. قال الزجاج: و " أمنة " منصوب: مفعول له، كقولك: فعلت ذلك ~~حذر الشر. يقال: أمنت آمن أمنا وأمانا وأمنة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ~~وأبو المتوكل، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن محيصن: " أمنة منه " بسكون ~~الميم. # قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء) قال ابن عباس: نزل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر، وبينه وبين الماء رملة، وغلبهم المشركون على ~~الماء، فأصاب المسلمين الظمأ، وجعلوا يصلون محدثين، وألقى الشيطان في ~~قلوبهم الوسوسة، يقول: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم ~~المشركون على الماء، وأنتم تصلون محدثين، فأنزل الله عليهم مطرا، فشربوا ~~وتطهروا، واشتد الرمل حين أصابه المطر، وأزال الله رجز الشيطان، وهو ~~وسواسه، حيث قال: قد غلبكم المشركون على الماء، وقال ابن زيد: رجز الشيطان: ~~كيده، حيث أوقع في قلوبهم أنه ليس لكم PageV03P222 # بهؤلاء القوم طاقة. وقال ابن الأنباري: ساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه، ~~فأرسل الله السماء، فزالت وسوسة الشيطان التي تكسب عذاب الله وغضبه، إذ ~~الرجز: العذاب. # قوله تعالى: (وليربط على قلوبك) الربط: الشد. و " على " في قول بعضهم ~~صلة، فالمعنى: وليربط قلوبكم. وفي الذي ربط به قلوبهم وقواها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه الإيمان، قاله مقاتل. # والثالث: أنه المطر الذي أرسله يثبت به قلوبهم بعد اضطرابها بالوسوسة ~~التي تقدم ذكرها. # قوله تعالى: (ويثبت به الأقدام) في هاء " به " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الماء، فإن الأرض كانت رملة، فاشتدت بالمطر، وثبتت ~~عليها الأقدام، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين. # والثاني: أنها ترجع إلى الربط، فالمعنى: ويثبت بالربط الأقدام، ذكره ~~الزجاج. # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) ~~ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) قوله تعالى: (إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة إني ms0830 معكم) قال الزجاج: " إذ " في موضع نصب، والمعنى: وليربط إذ ~~يوحي. ويجوز أن يكون المعنى: واذكروا إذ يوحي. قال ابن عباس: # وهذا الوحي إلهام. # قوله تعالى: (إلى الملائكة) وهم الذين أمد بهم المسلمين. (أني معكم) ~~بالعون والنصرة. (فثبتوا الذين آمنوا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: قاتلوا معهم، قاله الحسن. # والثاني: بشروهم بالنصر، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ~~ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم، قاله مقاتل. # والثالث: ثبتوهم بأشياء تلقونها في قلوبهم تقوى بها، ذكره الزجاج. ~~PageV03P223 # والرابع: صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد، ذكره الثعلبي. فأما الرعب، ~~فهو الخوف. # قال السائب بن يسار: كنا إذا سألنا يزيد بن عامر السوائي عن الرعب الذي ~~ألقاه الله في قلوب المشركين كيف؟ كان يأخذ الحصى فيرمي به الطست فيطن، ~~فيقول: كما نجد في أجوافنا مثل هذا. # قوله تعالى: (فاضربوا فوق الأعناق) في المخاطب بهذا قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة. قال ابن الأنباري: لم تعلم الملائكة أين تقصد ~~بالضرب من الناس، فعلمهم الله تعالى ذلك. # والثاني: أنهم المؤمنون، ذكره جماعة من المفسرين. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: فاضربوا الأعناق، و " فوق " صلة، وهذا قول عطية، والضحاك، ~~والأخفش، وابن قتيبة، وقال أبو عبيدة: " فوق " بمعنى " على "، تقول: ضربته ~~فوق الرأس، وضربته على الرأس. # والثاني: اضربوا الرؤوس لأنها فوق الأعناق، وبه قال عكرمة. # وفي المراد بالبنان ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الأطراف، قاله ابن عباس، والضحاك، وقال الفراء: علمهم الضرب، ~~فقال: # اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل. وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: البنان: ~~أطراف الأصابع. قال ابن الأنباري: واكتفى بهذا من جملة اليد والرجل. # والثاني: أنه كل مفصل، قاله عطية، والسدي. # والثالث: أنه الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء، والمعنى: أنه أباحهم قتلهم ~~بكل نوع، هذا قول الزجاج. قال: واشتقاق البنان من قولهم: أبن بالمكان: إذا ~~أقام به، فالبنان به يعتمل كل ما يكون للإقامة والحياة. # قوله تعالى: (ذلك بأنهم شاقوا الله) " ذلك " إشارة إلى الضرب، و " شاقوا ~~" بمعنى: # جانبوا، فصاروا في شق غير شق المؤمنين. # قوله تعالى: (دلكم فذوقوه) خطاب للمشركين، ms0831 والمعنى: ذوقوا هذا في عاجل ~~الدنيا. وفي فتح " أن " قولان: # أحدهما: بإضمار فعل، تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين. # والثاني: أن يكون المعنى: ذلك بأن للكافرين عذاب النار. فإذا ألقيت ~~الباء، نصبت. وإن شئت، جعلت " أن " في موضع رفع، يريد: ذلكم فذوقوه، وذلكم ~~أن للكافرين عذاب النار، هذا PageV03P224 # معنى قول الفراء. # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) قوله تعالى: (لقيتم الذين كفروا زحفا) ~~الزحف: جماعة يزحفون إلى عدوهم، قاله الليث. # والتزاحف: التداني والتقارب، قال الأعشى: # لمن الظعائن سيرهن تزحف قال الزجاج: ومعنى الكلام: إذا واقفتموهم للقتال ~~فلا تدبروا (ومن يولهم) يوم حربهم (دبره) إلا أن يتحرف ليقاتل، أو يتحيز ~~إلى فئة، ف‍ " متحرفا " و " متحيزا " منصوبان على الحال. ويجوز أن يكون ~~نصبهما على الاستثناء، فيكون المعنى: إلا رجلا متحرفا أو متحيزا. # وأصل متحيز: متحيوز، فأدغمت الياء في الواو. # قوله تعالى: (ومأواهم جهنم) أي: مرجعه إليها، ولا يدل ذلك على التخليد. # فصل اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هذه خاصة في أهل بدر، وهو ~~مروي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، والحسن، وابن جبير، وقتادة، والضحاك. ~~وقال آخرون: هي على عمومها في كل منهزم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. وقال ~~آخرون هي على عمومها، غير أنها نسخت بقوله [تعالى]: (فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين) فلس للمسلمين أن يفروا من مثليهم، وبه قال عطاء بن ~~أبي رباح. وروى أبو طالب عن أحمد أنه سئل عن الفراء من الزحف، فقال: لا يفر ~~رجل من رجلين، فإن كانوا ثلاثة، فلا بأس. وقد نقل نحو هذا عن ابن عباس، ~~وقال محمد بن الحسن: إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفا، فليس لهم أن يفروا من ~~عدوهم، وإن كثر عددهم. ونقل نحو هذا عن مالك، ووجهه ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: ms0832 " ما هزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفا من قلة " ~~إذا صبروا وصدقوا. PageV03P225 # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) ذلكم وأن الله موهن كيد ~~الكافرين (18) قوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) وقرأ ابن عامر، ~~وأهل الكوفة إلا عاصما " ولكن الله قتلهم " " ولكن الله رمى " بتخفيف النون ~~ورفع اسم الله فيهما. وسبب نزول هذا الكلام أن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما رجعوا عن بدر جعلوا يقولون: قتلنا وقتلنا، هذا معنى قول ~~مجاهد. # فأما قوله [تعالى]: (وما رميت إذ رميت) ففي سبب نزوله ثلاثة أقوال: # أحدها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: ناولني كفا من حصباء، ~~فناوله، فرمى به في وجوه القوم، فما بقي منهم أحد إلا وقعت في عينه حصاة ". ~~وقيل: أخذ قبضة من تراب، فرمى بها، وقال: # " شاهت الوجوه "، فما بقي مشرك إلا شغل بعينه يعالج التراب الذي فيها، ~~فنزلت (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وذلك يوم بدر، هذا قول الأكثرين. ~~وقال ابن الأنباري: وتأويل شاهت: # قبحت، يقال: شاه وجهه يشوه شوهد وشوهة، ويقال: رجل أشوه، وامرأة شوهاء: ~~إذا كانا قبيحين. # والثاني: أن أبي بن خلف أقبل يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يريده، فاعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فخلوا سبيله، وطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحربته، فسقط أبي عن فرسه، ~~ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور، فقالوا: إنما هو ~~خدش، فقال: والذي نفسي بيده، لو كان الذي بي بأهل الحجاز لماتوا أجمعون، ~~فمات قبل أن يقدم مكة، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن المسيب عن أبيه. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى يوم خيبر بسهم، فأقبل ~~السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه، فنزلت هذه الآية، ذكره ~~أبو سليمان الدمشقي في آخرين. # قوله تعالى: (ولكن ms0833 الله قتلهم) اختلفوا في معنى إضافة قتلهم إليه على ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه قتلهم بالملائكة الذين أرسلهم. # والثاني: أنه أضاف القتل إليه لأنه تولى نصرهم. # والثالث: لأنه ساقهم إلى المؤمنين، وأمكنهم منهم. PageV03P226 # والرابع: لأنه ألقى الرعب في قلوبهم، وفي قوله [تعالى]: (وما رميت إذ ~~رميت) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: وما ظفرت أنت ولا أصبت، ولكن الله أظفرك وأيدك، قاله ~~أبو عبيدة. # والثاني: وما بلغ رميك كفا من تراب أو حصى أن تملأ عيون ذلك الجيش ~~الكثير، إنما الله تولى ذلك، قاله الزجاج. # والثالث: وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب، ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: (وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا) أي: لينعم عليهم نعمة عظيمة ~~بالنصر والأجر. # (إن الله سميع) لدعائهم (عليم) بنياتهم. # قوله تعالى: (ذلكم) قال الزجاج: موضعه رفع، والمعنى: الأمر ذلكم. وقال ~~غيره: # " ذلكم " إشارة إلى القتل والرمي والبلاء الحسن. (وأن الله) أي: واعلموا ~~أن الله. والذي ذكرناه في فتح " أن " في قوله [تعالى]: (وأن للكافرين عذاب ~~النار) هو مذكور في فتح " أن " هذه. # قوله تعالى: (موهن) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر " موهن " بفتح الواو ~~وتشديد الهاء منونة " كيد " بالنصب. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر عن عاصم " موهن " ساكنة الواو " كيد " بالنصب. وروى حفص عن عاصم " موهن ~~كيد " مضاف. والموهن: المضعف، والكيد: المكر. # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) قوله تعالى: (إن ~~تستفتحوا) في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصروا الله وسألوه ~~الفتح، فنزلت هذه الآية، وهذا المعنى مروي عن أبي بن كعب، وعطاء الخراساني. # والثاني: أن أبا جهل قال: اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره ~~اليوم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. PageV03P227 # والثالث: أن المشركين أخذوا بأستار الكعبة قبل ms0834 خروجهم إلى بدر، وقالوا ~~اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم القبيلتين، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # والرابع: أن المشركين قالوا: اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح ~~بيننا وبينه بالحق، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # والخامس: أنهم قالوا بمكة: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء...)، فعذبوا يوم بدر، قاله ابن زيد فخرج من هذه ~~الأقوال أن في المخاطبين بقوله [تعالى]: " إن تستفتحوا " قولان: # أحدهما: أنهم المؤمنون. # والثاني: المشركون، وهو الأشهر. وفي الاستفتاح قولان: # أحدهما: أنه الاستنصار، قاله ابن عباس، والزجاج في آخرين. فإن قلنا: إنهم ~~المسلمون، كان المعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر بالملائكة، وإن قلنا: ~~هم المشركون، احتمل وجهين. أحدهما: إن تستنصروا فقد جاء النصر عليكم. # والثاني: إن تستنصروا لأحب الفريقين إلى الله، فقد جاءكم النصر لأحب ~~الفريقين. # والثاني: الاستفتاح: طلب الحكم، والمعنى: إن تسألوا الحكم بينكم وبين ~~المسلمين، فقد جاءكم الحكم، وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة، ومجاهد، وقتادة. ~~فأما قوله [تعالى]: # (وإن تنتهوا فهو خير لكم) فهو خطاب للمشركين على قول الجماعة. وفي معناه ~~قولان: # أحدهما: إن تنتهوا عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم، والكفر، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: إن تنتهوا عن استفتاحكم، فهو خير لكم، لأنه كان عليهم، لا لهم، ~~ذكره الماوردي. # وفي قوله [تعالى]: (وإن تعودوا نعد) قولان: # أحدهما: وإن تعودوا إلى القتال، نعد إلى هزيمتكم، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: وإن تعودوا إلى الاستفتاح، نعد إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، قاله السدي. # قوله تعالى: (ولن تغني عنكم فئتكم شيئا) أي: جماعتكم وإن كثرت، (وأن الله ~~مع المؤمنين) بالعون والنصر. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن ~~عاصم: " وإن PageV03P228 # الله " بكسر الألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " وأن " بفتح ~~الألف. فمن قرأ بكسر " أن " استأنف. قال الفراء: وهو أحب إلي من فتحها. ومن ~~فتحها، أراد: ولأن الله مع المؤمنين. # قوله تعالى: (ولا تولوا عنه) فيه قولان: ms0835 # أحدهما: لا تولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: لا تولوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنتم تسمعون) ~~ما نزل من القرآن، روي القولان عن ابن عباس. # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون (22) قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين قالوا ~~سمعنا) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصي، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: في اليهود، قريظة والنضير، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي، ومقاتل وفي معنى ~~الكلام قولان: # أحدهما: أنهم قالوا: سمعنا، ولم يتفكروا فيما سمعوا، فكانوا كمن لم يسمع، ~~قاله الزجاج. # والثاني: أنهم قالوا: سمعنا سماع من يقبل، وليسوا كذلك، حكي عن مقاتل. # قوله تعالى: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم) اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين: # أحدهما: أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصي، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي. والدواب: اسم كل حيوان ~~يدب، وقد بينا في سورة (البقرة) معنى الصم والبكم، ولم سماهم بذلك. # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) قوله ~~تعالى: (ولو علم الله فيهم خيرا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: ولو علم فيهم صدقا وإسلاما. PageV03P229 # والثاني: لو علم فيهم خيرا في سابق القضاء. # والثالث: لو علم أنهم يصلحون. # والرابع: لو علم أنهم يصغون. # وفي قوله: (لأسمعهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه، قاله الزجاج. # والثاني: لرزقهم الفهم، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: لأسمعهم كلام الموتى يشهدون بنبوتك، حكاه الماوردي. وفي قوله ~~[تعالى]: # (وهم معرضون) قولان: # أحدهما: مكذبون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: وهم معرضون عما أسمعهم لمعاندتهم، قاله الزجاج. # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) قوله تعالى: ~~(استجيبوا) أي: أجيبوا. ms0836 # قوله تعالى: (وإذا دعاكم) يعني الرسول (لما يحييكم) وفيه ستة أقوال: # أحدها: أن الذي يحييكم: كل ما يدعو الرسول إليه، وهو معنى قول أبي صالح ~~عن ابن عباس. وفي أفراد البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي ~~في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: ~~يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال " ألم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم؟ " قلت: بلى، ولا أعود إن شاء الله. # والثاني: أنه الحق، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثالث: أنه الإيمان، رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ~~السدي. # والرابع: أنه اتباع القرآن، قاله قتادة، وابن زيد. # والخامس: أنه الجهاد، قاله ابن إسحاق. وقال ابن قتيبة: هو الجهاد الذي ~~يحيي دينهم ويعليهم. # والسادس: أنه إحياء أمورهم، قاله الفراء. فيخرج في إحيائهم خمسة أقوال: # أحدها: أنه إصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة. PageV03P230 # والثاني: بقاء الذكر الجميل لهم في الدنيا، وحياة الأبد في الآخرة. # والثالث: أنه دوام نعيمهم في الآخرة. # والرابع: أنه كونهم مؤمنين، لأن الكافر كالميت. # والخامس: أنه يحييهم بعد موتهم، وهو على قول من قال: هو الجهاد، لأن ~~الشهداء أحياء، ولأن الجهاد يعزهم بعد ذلهم، فكأنهم صاروا به أحياء. # قوله تعالى: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) وفيه عشرة أقوال: # أحدها: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. # والثاني: يحول بين المؤمن وبين معصيته، وبين الكافر وبين طاعته، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك والفراء. # والثالث: يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل، قاله مجاهد. قال ابن ~~الأنباري: # المعنى يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال، فإنكم لا تأمنون زوال ~~العقول، فتحصلون على ما قدمتم. # والرابع: أن المعنى: هو قريب من المرء، لا يخفى عليه شئ من سره، كقوله: ~~(ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وهذا معنى قول قتادة. # والخامس: ms0837 يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع إيمانا ولا كفرا إلا بإذنه، ~~قاله السدي. # والسادس: يحول بين المرء وبين هواه، ذكره ابن قتيبة. # والسابع: يحول بين المرء وبين ما يتمنى بقلبه من طول العمر والنصر وغيره. # والثامن: يحول بين المر وقلبه بعلمه، فلا يضمر العبد شيئا في نفسه إلا ~~والله عالم به، لا يقدر على تغييبه عنه. # والعاشر: يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن، فيأمن بعد خوفه، ~~ويخاف بعد أمنه، ذكر معنى هذه الأقوال ابن الأنباري. # وحكى الزجاج أنهم لما فكروا في كثرة عدوهم وقلة عددهم، فدخل الخوف ~~قلوبهم، أعلمهم الله تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدله بالخوف ~~الأمن، ويبدل عدوه بالقوة الضعف، وقد أعلمت هذه الآية أن الله تعالى هو ~~المقلب للقلوب، المتصرف فيها. # قوله تعالى: (وأنه إليه تحشرون) أي: للجزاء على أعمالكم. PageV03P231 # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ~~(25) قوله تعالى: (واتقوا فتنة) اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله ابن ~~عباس، والضحاك. وقال الزبير ابن العوام: لقد قرأناها زمانا، وما نرى أنا من ~~أهلها، فإذا نحن المعنيون بها. # والثاني: أنها نزلت في رجلين من قريش، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ولم ~~يسمهما. # والثالث: أنها عامة، قال ابن أبي صالح عن ابن عباس: في هذه الآية، أمر ~~الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب. وقال ~~مجاهد: هذه الآية لكم أيضا. # والرابع: أنها نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، قاله الحسن. وقال ~~السدي: # نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل. # وفي الفتنة هاهنا سبعة أقوال: # أحدها: القتال. # والثاني: الضلالة. # والثالث: السكوت عن إنكار المنكر. # والرابع: الاختبار. # والخامس: الفتنة بالأموال والأولاد. # والسادس: البلاء. # والسابع: ظهور البدع. فأما قوله [تعالى]: (لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة) فقال الفراء: أمرهم، ثم نهاهم، وفيه طرف من الجزاء. وإن كان نهيا، ~~كقوله [تعالى]: (يا أيها النمل ms0838 ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان) أمرهم، ~~ثم نهاهم، وفيه تأويل الجزاء. وقال الأخفش: " لا تصيبن " ليس بجواب، وإنما ~~هو نهي بعد نهي، ولو كان جوابا ما دخلت النون. # وذكر ابن الأنباري فيها قولين: # أحدهما: أن الكلام تأويله تأويل الخبر، إذ كان المعنى: إن لا يتقوها، تصب ~~الذين ظلموا، أي: لا تقع بالظالمين دون غيرهم، لكنها تقع بالصالحين ~~والطالحين، فلما ظهر الفعل ظهور النهي، والنهي راجع إلى معنى الأمر، إذ ~~القائل يقول: لا تقم، يريد: دع القيام، ووقع مع هذا جوابا للأمر، أو ~~كالجواب له، فأكد له شبه النهي، فدخلت النون المعروف دخولها في PageV03P232 # النهي وما يضارعه. # والثاني: أنها نهي محض، معناه: لا يقصدن الظالمون هذه الفتنة، فيهلكوا، ~~فدخلت النون لتوكيد الاستقبال، كقوله [تعالى]: " لا يحطمنكم ". وللمفسرين ~~في معنى الكلام قولان: # أحدهما: لا تصيبن الفتنة الذين ظلموا. # والثاني: لا يصيبن عقاب الفتنة. فإن قيل: فما ذنب من لم يظلم؟ فالجواب: ~~أنه بموافقته للأشرار، أو بسكوته عن الإنكار، أو بتركه للفرار، استحق ~~العقوبة، وقد قرأ علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب " لتصيبن الذين ظلموا " ~~بغير ألف. # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) قوله تعالى: (واذكروا إذ ~~أنتم قليل) قال ابن عباس: نزلت في المهاجرين خاصة، كانت عدتهم قليلة، وهم ~~مقهورون في أرض مكة، يخافون أن يستلبهم المشركون. وفي المراد بالناس ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس. # والثاني: فارس والروم، قاله وهب بن منبه. # والثالث: أنهم المشركون الذين حضروا بدرا، والمسلمون قليلون يومئذ، قاله ~~قتادة. # قوله تعالى: (فآواكم) فيه قولان: # أحدهما: فآواكم إلى المدينة بالهجرة، قاله ابن عباس، والأكثرون. # والثاني: جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين، ذكره الماوردي. # وفي قوله [تعالى]: (وأيديكم بنصره) قولان: # أحدهما: قواكم بالملائكة يوم بدر، قاله الجمهور. # والثاني: عضدكم بنصره في بدر وغيرها، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي قوله ~~[تعالى] (ورزقكم من الطيبات) قولان: # أحدهما: أنها الغنائم التي أحلها لهم، قاله السدي. # والثاني: ms0839 أنها الخيرات التي مكنهم منها، ذكره الماوردي. # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون (27) PageV03P233 # قوله تعالى: (لا تخونوا الله والرسول) اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وذاك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لما حاصر قريظة سألوه أن يصالحهم على ما صالح عليه بني النضير، ~~على أن يسيروا إلى أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم ~~سعد بن معاذ، فأبوا، وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحا لهم، لأن ~~ولده وأهله كانوا عندهم، فبعثه إليهم، فقالوا: ما ترى، أننزل على حكم سعد ~~بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: إنه الذبح فلا تفعلوا، فأطاعوه، ~~فكانت تلك خيانته، قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ~~ورسوله، ونزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، والأكثرين. وروي أن أبا لبابة ~~ربط نفسه بعد نزول هذه الآية إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا ~~أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام كذلك، ثم ~~تاب الله عليه، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي يحلني، فجاء فحله بيده، فقال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن ~~أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " يجزئك الثلث ". # والثاني: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان ~~في مكان كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " اخرجوا إليه ~~واكتموا "، فكتب إليه رجل من المنافقين: إن محمدا يريدكم، فخذوا حذركم، ~~فنزلت هذه الآية، قاله جابر بن عبد الله. # والثالث: أنها نزلت في قتل عثمان بن عفان، قاله المغيرة بن شعبة. # والرابع: أن قوما كانوا يسمعون الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيفشونه حتى يبلغ المشركين، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. ms0840 وفي خيانة الله ~~قولان: # أحدهما: ترك فرائضه. # والثاني: معصية رسوله. وفي خيانة الرسول قولان: # أحدهما: مخالفته في السر بعد طاعته في الظاهر. # والثاني: ترك سنته. PageV03P234 # وفي المراد بالأمانات ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الفرائض، قاله ابن عباس. وفي خيانتها قولان: أحدهما: ~~تنقيصها. # والثاني: تركها والثاني: أنها الدين، قاله ابن زيد، فيكون المعنى: لا ~~تظهروا الإيمان وتبطنوا الكفر. # والثالث: أنها عامة في خيانة كل مؤتمن، ويؤكده نزولها في ما جرى لأبي ~~لبابة. # واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28) يا أيها ~~الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيأتكم ويغفر لكم ~~والله ذو الفضل العظيم (29) قوله تعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة) قال ابن عباس: هذا خطاب لأبي لبابة، لأنه كانت له أموال وأولاد عند ~~بني قريظة. فأما الفتنة، فالمراد بها: الابتلاء والامتحان الذي يظهر ما في ~~النفس من اتباع الهوى أو تجنبه (وأن الله عنده أجر عظيم) خير من الأموال ~~والأولاد. # قوله تعالى: (إن تتقوا الله) أي: بترك معصيته، واجتناب الخيانة لله ~~ورسوله. # قوله تعالى: (يجعل لكم فرقانا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه المخرج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والضحاك، وابن قتيبة، والمعنى: يجعل لكم مخرجا في الدين من الضلال. # والثاني: أنه النجاة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والسدي. # والثالث: أنه النصر، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الفراء. # والرابع: أنه هدى في قلوبهم يفرقون به بين الحق والباطل، قاله ابن زيد، ~~وابن إسحاق. # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين (30) قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) هذه الآية ~~متعلقة بقوله: (واذكروا إذ أنتم قليل) فالمعنى: أذكر المؤمنين ما من الله ~~به عليهم، واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا. PageV03P235 # الإشارة إلى كيفية مكرهم قال أهل التفسير: لما بويع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة العقبة، وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة، أشفقت قريش أن ~~يعلو أمره، ms0841 وقالوا: والله لكأنكم به، عليكم بالرجال، فاجتمع * جماعة من ~~أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا في أمره، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ ~~كبير، فقالوا: من أنت؟ # قال: أنا شيخ من أهل نجد، سمعت ما اجتمعتم له، فأردت أن أحضركم، ولن ~~تعدموا من رأيي نصحا، فقالوا: ادخل، فدخل معهم، فقالوا: انظروا في أمر هذا ~~الرجل، فقال بعضهم: # احبسوه في وثاق، وتربصوا به ريب المنون. فقال إبليس: ما هذا برأي، يوشك ~~أن يثب أصحابه فيأخذوه من أيديكم. فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم. فقال: ~~ما هذا برأي، يوشك أن يجمع عليكم ثم يسير إليكم. فقال أبو جهل: نأخذ من كل ~~قبيلة غلاما، ثم نعطي كل غلام سيفا فيضربوه به ضربة رجل واحد، فيفرق دمه في ~~القبائل، فما أظن هذا الحي من قريش يقوى على حرب قريش كلها، فيقبلون العقل ~~ونستريح. فقال إبليس: هذا والله الرأي. فتفرقوا عن ذلك. # وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه، ~~وأخبره بمكر القوم، فلم يبت في مضجعه تلك الليلة، وأمر عليا فبات في مكانه، ~~وبات المشركون يحرسونه، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن له ~~الله في الخروج إلى المدينة، وجاء المشركون لما أصبحوا، فرأوا عليا، ~~فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره حتى بلغوا الجبل، فمروا ~~بالغار، فرأوا نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت. ~~فأما قوله [تعالى]: (ليثبتوك) فقال ابن قتيبة: معناه: ليحبسوك. يقال: فلان ~~مثبت وجعا: إذا لم يقدر على الحركة. وللمفسرين فيه قولان: # أحدهما: ليثبتوك في الوثاق، قاله ابن عباس، والحسن في آخرين. # والثاني: ليثبتوك في الحبس، قاله عطاء، والسدي في آخرين. وكان القوم ~~أرادوا أن يحبسوه في بيت ويشدوا عليه بابه ويلقوا إليه الطعام والشراب، وقد ~~سبق بيان المكر في (آل عمران). # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا) ذكر أهل التفسير ~~أن هذه ms0842 الآية نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، وأنه لما سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يذكر قصص القرون الماضية، قال: لو شئت لقلت مثل ~~هذا. وفي قوله تعالى: (قد سمعنا) قولان: PageV03P236 # أحدهما: قد سمعنا منك ولا نطيعك. # والثاني: قد سمعنا قبل هذا مثله، وكان النضر يختلف إلى فارس تاجرا، فيسمع ~~العباد يقرؤون الإنجيل. وقد بين التحدي كذب من قال: (لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا). وقد سبق معنى الأساطير في (الأنعام). # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم (32) قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في النضر أيضا، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال سعيد ~~بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والسدي. # والثاني: أنها نزلت في أبي جهل، فهو القائل لهذا، قاله أنس بن مالك، وهو ~~مخرج في " الصحيحين ". # والثالث: أنها نزلت في قريش، قالوا هذا، ثم ندموا فقالوا: غفرانك اللهم، ~~فأنزل الله (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) رواه أبو معشر عن يزيد بن ~~رومان، ومحمد بن قيس. وفي المشار إليه بقوله [تعالى]: (إن كان هذا) ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه القرآن. # والثاني: كل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر بالتوحيد ~~وغيره. # والثالث: أنه إكرام محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة من بين قريش. # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) ~~قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) في المشار إليه قولان: # أحدهما: أهل مكة. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: وما كان الله ليعذبهم وأنت مقيم بين أظهرهم. قال ابن عباس: لم ~~تعذب قرية حتى يخرج نبيها والمؤمنون معه. PageV03P237 # والثاني: وما كان الله ليعذبهم وأنت حي، قاله أبو سليمان. # والثاني: أن المشار إليهم المؤمنون، والمعنى: وما كان الله ليعذب ~~المؤمنين بضرب من العذاب الذي أهلك به من قبلهم وأنت حي، ذكره أبو ms0843 سليمان ~~الدمشقي. # فصل قال الحسن، وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله [تعالى]: (وما لهم ألا ~~يعذبهم الله)، وفيه بعد، لأن النسخ لا يدخل على الأخبار. وقال ابن أبزى: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله عز وجل (وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم) فخرج إلى المدينة، فأنزل الله (وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون) وكان أولئك البقية من المسلمين بمكة يستغفرون! فلما خرجوا أنزل ~~الله (وما لهم ألا يعذبهم الله). وجميع أقوال المفسرين تدل على أن قوله: ~~[تعالى]: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)، كلام مبتدأ من إخبار الله عز ~~وجل. وقد روي عن محمد بن إسحاق أنه قال: هذه الآية من قول المشركين، قالوا: ~~والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر، فرد الله تعالى: عليهم ذلك بقوله: # (وما لهم ألا يعذبهم الله). # قوله تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) وفي معنى هذا الكلام ~~خمسة أقوال: # أحدها: وما كان الله معذب المشركين، وفيهم من قد سبق له أن يؤمن، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الزجاج. # والثاني: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون الله، فإنهم كانوا يلبون ~~ويقولون: غفرانك، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وفيه ضعف، لأن استغفار ~~المشرك لا أثر له في القبول. # والثالث: وما كان الله معذبهم، يعني المشركين، وهم - يعني المؤمنين الذين ~~بينهم - يستغفرون، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك، وأبو مالك. قال ~~ابن الأنباري: وصفوا بصفة بعضهم، لأن المؤمنين بين أظهرهم، فأوقع العموم ~~على الخصوص، كما يقال: قتل أهل المسجد رجلا، وأخذ أهل البصرة فلانا، ولعله ~~لم يفعل ذلك إلا رجل واحد. # والرابع: وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر [الله]، قاله مجاهد. ~~قال ابن الأنباري: # فيكون معنى تعذيبهم: إهلاكهم، فالمعنى: وما كان الله مهلكهم، وقد سبق في ~~علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ويستغفرونه، فوصفهم بصفة ذراريهم، ~~وغلبوا عليهم كما غلب بعضهم على كلهم في الجواب الذي قبله. # والخامس: أن المعنى لو استغفروا لما عذبهم الله، ms0844 ولكنهم لم يستغفروا ~~فاستحقوا العذاب، وهذا كما تقول العرب: ما كنت لأهينك وأنت تكرمني، يريدون: ~~ما كنت لأهينك لو أكرمتني، فأما إذ لست تكرمني، فإنك مستحق لإهانتي، وإلى ~~هذا القول ذهب قتادة والسدي. قال ابن الأنباري: PageV03P238 # وهو اختيار اللغويين. وذكر المفسرون في معنى هذا الاستغفار ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الاستغفار المعروف، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: أنه بمعنى الصلاة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومنصور عن ~~مجاهد، وبه قال الضحاك. # والثالث: أنه بمعنى الإسلام، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة. # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ~~إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) قوله تعالى: (وما لهم ~~ألا يعذبهم الله) هذه الآية أجازت تعذيبهم، والأولى نفت ذلك. # وهل المراد بهذا: العذاب الأول، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه هو الأول، إلا أن الأول امتنع بشيئين. # أحدهما: كون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم. # والثاني: كون المؤمنين المستغفرين بينهم، فلما وقع التمييز بالهجرة، وقع ~~العذاب بالباقين يوم بدر، وقيل: بل وقع بفتح مكة. # والثاني: أنهما مختلفان، وفي ذلك قولان: # أحدهما: أن العذاب الثاني قتل بعضهم يوم بدر، والأول استئصال الكل، فلم ~~يقع الأول لما قد علم من إيمان بعضهم، وإسلام بعض ذراريهم، ووقع الثاني. # والثاني: أن العذاب الأول عذاب الدنيا. # والثاني: أن العذاب الأول عذاب الدنيا. والثاني: عذاب الآخرة، قاله ابن ~~عباس، فيكون المعنى: وما كان الله معذب المشركين لاستغفارهم في الدنيا، وما ~~لهم ألا يعذبهم الله في الآخرة. # قوله تعالى: (وهم يصدون) قال الزجاج: المعنى وهم يصدون (عن المسجد ~~الحرام) أولياءه. وفي هاء الكناية في قوله [تعالى]: (وما كانوا أولياءه) ~~قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى " المسجد الحرام "، وهو قول الجمهور. قال الحسن: ~~إن المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بهذا. # والثاني: أنها تعود إلى الله عز وجل، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (إن أولياؤه) أي: ما أولياؤه (إلا المتقون) للشرك والمعاصي، ~~ولكن ms0845 أكثر أهل مكة لا يعلمون من الأولى ببيت الله. PageV03P239 # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(35) قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت) سبب نزولها أنهم كانوا يطوفون ~~بالبيت ويصفقون ويصفرون ويضعون خدودهم بالأرض، فنزلت هذه الآية قاله ابن ~~عمر فأما المكاء، ففيه قولان: # أحدهما: أنه الصفير، قاله ابن عمر، وابن عباس، وابن جبير، وقتادة، وأبو ~~عبيدة، والزجاج وابن قتيبة. قال ابن فارس: يقال مكا الطائر مكاء: إذا صفر، ~~ويقال: مكيت يده مكي، مقصور، أي: غلظت وخشنت، ويقال: تمكى: إذا توضأ. ~~وأنشدوا: # كالمتمكي بدم القتيل وسئل أبو سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء، فجمع كفيه، ~~وجعل يصفر فيهما.. # والثاني: أنه إدخال أصابعهم في أفواههم يخلطون به وبالتصدية على محمد صلى ~~الله عليه وسلم صلاته، قاله مجاهد، قال ابن الأنباري: أهل اللغة ينكرون أن ~~يكون المكاء إدخال الأصابع في الأفواه، وقالوا: # لا يكون إلا الصفير. وفي التصدية قولان: # أحدهما: أنها التصفيق، قاله ابن عمر، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، ~~والجمهور. قال ابن قتيبة: يقال صدى: إذا صفق بيديه. قال الراجز: # ضنت بخد وجلت عن خد * وأنا من غرو الهوى أصدي الغرو: العجب، يقال: لا غرو ~~من كذا، أي: لا عجب. # والثاني: أن التصدية: صدهم الناس عن البيت الحرام، قاله سعيد بن جبير: ~~وقال ابن زيد: # وهو صدهم عن سبيل الله ودينه، وزعم مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا صلى في المسجد الحرام، قام رجلان من المشركين من بني عبد الدار عن ~~يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره فيصفقان، فتختلط على النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلاته وقراءته، فقتلهم الله ببدر، فذلك قوله تعالى: (فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون) بتوحيد الله. # فإن قيل: كيف سمى المكاء والتصدية صلاة؟ # فعنه: جوابان ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: أنهم جعلوا ذلك مكان الصلاة، ومشهور في كلام العرب أن يقول ~~الرجل: زرت عبد الله، فجعل جفائي صلتي، أي: أقام الجفاء مقام الصلة، قال ~~الشاعر: PageV03P240 # قلت اطعمني عميم تمرا * فكان ms0846 تمري كهرة وزبرا أي: أقام الصياح علي مقام ~~التمر. # والثاني: أن من كان المكاء والتصدية صلاته، فلا صلاة له، كما تقول العرب: ~~ما لفلان عيب إلا السخاء، يريدون: من السخاء عيبه، فلا عيب له، قال الشاعر: # فتى كملت خيراته غير أنه * جواد فلا يبقى من المال باقيا إن الذين كفروا ~~ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم ~~يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) قوله تعالى: (إن الذين كفروا ~~ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في المطعمين ببدر، وكانوا اثني عشر رجلا يطعمون الناس ~~الطعام، كل رجل يطعم يوما، وهم: عتبة وشيبة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو ~~البختري، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وأخوه الحارث، وحكيم بن حزام وأبي بن ~~خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، هذا قول أبي صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أحد ألفين من ~~الأحابيش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب، قاله ~~سعيد بن جبير. وقال مجاهد: نزلت في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد. # والثالث: أنها نزلت في أهل بدر، وبه قال الضحاك. فأما سبيل الله، فهو دين ~~الله. # قوله تعالى: (ثم تكون عليهم حسرة) أي: تكون عاقبة نفقتهم ندامة، لأنهم لم ~~يظفروا. # ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) PageV03P241 # قوله تعالى: (ليميز الله الخبيث من الطيب) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وأبو عمرو، وابن عامر " ليميز " خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي " ليميز " ~~بالتشديد وهما لغتان: مزته وميزته وفي لام " ليميز " قولان: # أحدهما: أنها متعلقة بقوله تعالى: (فسينفقونها) قاله ابن الأنباري. # والثاني: أنها متعلقة بقوله: (إلى جهنم يحشرون) قاله ابن جرير الطبري. ~~وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: ليميز أهل السعادة من أهل الشقاء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~وقال السدي، ومقاتل: ms0847 يميز المؤمن من الكفار. # والثاني: ليميز العمل الطيب من العمل الخبيث، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: ليميز الإنفاق الطيب في سبيله، من الانفاق الخبيث في سبيل ~~الشيطان، قاله ابن زيد، والزجاج. # قوله تعالى: (ويجعل الخبيث بعضه على بعض) أي: يجمع بعضه فوق بعض، وهو ~~قوله تعالى: (فيركمه). قال الزجاج: الركم: أن يجعل بعض الشئ على بعض، يقال: ~~ركمت الشئ أركمه ركما، والركام: الاسم، فمن قال: المراد بالخبيث: الكفار، ~~فإنهم في النار بعضهم على بعض، ومن قال: أموالهم، فله في ذلك قولان: # أحدهما: أنها ألقيت في النار ليعذب بها أربابها، كما قال تعالى: (فتكوى ~~بها جباههم). # والثاني: أنهم لما عظموها في الدنيا، أراهم هوانها بإلقائها في النار كما ~~تلقى الشمس والقمر في النار، ليرى من عبدهما ذلهما. # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت ~~الأولين (38) قوله تعالى: (قل للذين كفروا) نزلت في أبي سفيان وأصحابه، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: إن ينتهوا عن المحاربة يغفر لهم ما قد سلف من حربهم، فلا يؤاخذون ~~به، وإن يعودوا إلى المحاربة، فقد مضت سنة الأولين في نصر الله أولياءه، ~~وقيل: في قتل من قتل يوم بدر وأسر. # والثاني: إن ينتهوا عن الكفر، يغفر لهم ما قد سلف من الإثم، وإن يعودوا ~~إليه، فقد مضت سنة الأولين من الأمم السالفة حين أخذوا بالعذاب المستأصل. ~~قال يحيى بن معاذ في هذه الآية: إن PageV03P242 # توحيدا لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير (39) قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي: شرك. وقال ~~الزجاج: حتى لا يفتن الناس فتنة كفر، ويدل عليه قوله تعالى: (ويكون الدين ~~كله لله). # قوله تعالى: (فإن انتهوا) أي: عن الكفر والقتال، (فإن الله بما يعملون ~~بصير) وقرأ يعقوب إلا روحا " بما تعملون ms0848 " بالتاء. # وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) قوله ~~تعالى: (وإن تولوا) أي: أعرضوا عن الإيمان وعادوا إلى القتال (فاعلموا أن ~~الله مولاكم) أي: وليكم وناصركم. قال ابن قتيبة: (نعم المولى) أي: نعم ~~الولي (ونعم النصير) أي: الناصر، مثل قدير وقادر، وسميع وسامع. # واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير (41) قوله تعالى: (واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ) اختلفوا، هل الغنيمة والفئ بمعنى واحد، أم يختلفان؟ على ~~قولين: # أحدهما: أنهما يختلفان، ثم في ذلك قولان: # أحدهما: أن الغنيمة ما طهر عليه من أموال المشركين، والفئ: ما ظهر عليه ~~من الأرضين، قاله عطاء بن السائب. # والثاني: أن الغنيمة ما أخذ عنوة، والفئ: ما أخذ عن صلح، قاله سفيان ~~الثوري. وقيل: بل الفئ: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، كالعشور والجزية، ~~وأموال المهادنة والصلح، وما هربوا عنه. # والثاني: أنهما واحد، وهما: كل ما نيل من المشركين، ذكره الماوردي: وقال ~~الزجاج: PageV03P243 # الأموال ثلاثة أصناف، فما صار إلى المسلمين من المشركين في حال الحرب، ~~فقد سماه الله تعالى: # أنفالا وغنائم، وما صار من المشركين من خراج أو جزية مما لم يؤخذ في ~~الحرب، فقد سماه: # فيئا، وما خرج من أموال المسلمين، كالزكاة، والنذر، والقرب، سماه: صدقة. ~~وأما قوله [تعالى]: # (من شئ) فالمراد به: كل ما وقع عليه اسم شئ. قال مجاهد: المخيط من الشئ. # قوله تعالى: (فإن لله خمسه) وروى عبد الوارث: " خمسه " بسكون الميم. وفي ~~المراد بالكلام قولان: # أحدهما: أن نصيب الله مستحق يصرف إلى بيته. قال أبو العالية: كان يجاء ~~بالغنيمة فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، فيقسم أربعة ~~بين الناس، ثم يجعل من السهم الخامس للكعبة، وهذا مما انفرد به أبو العالية ~~فيما يقال. # والثاني: أن ذكر الله هاهنا لأحد وجهين. # أحدهما: لأنه المتحكم فيه، والمالك له، والمعنى: ms0849 فإن للرسول خمسه ولذي ~~القربى، كقوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول). # والثاني: أن يكون المعنى: إن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى، ~~وهذا قول الجمهور. فعلى هذا تكون الواو زائدة، كقوله تعالى: (فلما أسلما ~~وتله للجبين وناديناه) المعنى: ناديناه، ومثله كثير. # فصل أجمع العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة لأهل الحرب خاصة، فأما ~~الخمس الخامس، فكيف يقسم؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يقسم منه لله وللرسول ولمن ذكر في الآية. وقد ذكرنا أن هذا مما ~~انفرد به أبو العالية، وهو يقتضي أن يقسم على ستة أسهم. # والثاني: أنه مقسوم على خمسة أسهم: سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم ~~لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، على ظاهر الآية، وبه قال ~~الجمهور. # والثالث: أنه يقسم على أربعة أسهم. فسهم الله عز وجل وسهم رسوله عائد على ~~ذوي القربى، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ منه شيئا، وهذا ~~المعنى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. PageV03P244 # فصل فأما سهم الرسول [صلى الله عليه وسلم]، فإنه كان يصنع فيه ما بينا. ~~وهل سقط بموته، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: لم يسقط بموته، وبه قال أحمد والشافعي في آخرين. وفيما يصنع به ~~قولان: # أحدهما: أنه للخليفة بعده، قاله قتادة. # والثاني: أنه يصرف في المصالح، وبه قال أحمد والشافعي. # والثاني: أنه يسقط بموته كما يسقط الصفي، فيرجع إلى جملة الغنيمة، وبه ~~قال أبو حنيفة، وأما ذوو القربى، ففيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم جميع قريش. قال ابن عباس: كنا نقول: نحن هم، فأبى علينا ~~قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. # والثاني: بنو هاشم، وبنو المطلب، وبه قال أحمد، والشافعي. # والثالث: أنهم بنو هاشم فقط، قاله أبو حنفية. وبماذا يستحقون؟ فيه قولان: # أحدهما: بالقرابة، وإن كانوا أغنياء، وبه قال أحمد، والشافعي. # والثاني: بالفقر، لا بالاسم، وبه قال أبو حنيفة. وقد سبق في (البقرة) ~~معنى اليتامى والمساكين وابن السبيل. وينبغي أن تعتبر في اليتيم أربعة ~~أوصاف: موت الأب، وإن كانت الأم ms0850 باقية. والصغر، لقوله [عليه السلام]: " لا ~~يتم بعد حلم " والإسلام، لأنه مال للمسلمين. والحاجة، لأنه معد للمصالح. # قوله تعالى: (وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان) هو يوم بدر، فرق فيه بين ~~الحق والباطل بنصر المؤمنين. والذي أنزل عليه يومئذ قوله [تعالى]: (يسألونك ~~عن الأنفال) نزلت حين اختلفوا فيها. فالمعنى: إن كنتم آمنتم بذلك، فاصدروا ~~عن أمر الرسول في هذا أيضا. # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى PageV03P245 # من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) قوله تعالى: (إذ أنتم بالعدوة ~~الدنيا) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " بالعدوة " و " العدوة " العين فيهما ~~مكسورة. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بضم العين فيهما. ~~قال الأخفش: لم يسمع من العرب إلا الكسر. وقال ثعلب: بل الضم أكثر اللغتين. ~~قال ابن السكيت: # عدوة الوادي وعدوته: جانبه، والجمع: عدى وعدى. والدنيا: تأنيث الأدنى، ~~وضدها: القصوى، وهي تأنيث الأقصى، وما كان من النعوت على " فعلى " من ذوات ~~الواو، فإن العرب تحوله إلى الياء، نحو: الدنيا، من: دنوت، والعلى، ا من: ~~علوت، لأنهم يستثقلون الواو مع ضم الأول، وليس في هذا اختلاف، إلا أن أهل ~~الحجاز قالوا: القصوى، فأظهروا الواو، وهو نادر، وغيرهم يقول: # القصيا. قال المفسرون: إذ أنتم بشفير الوادي الأدنى من المدينة، وعدوكم ~~بشفيره الأقصى إلى مكة، وكان الجمعان قد نزلا وادي بدر على هذه الصفة، ~~والركب: أبو سفيان وأصحابه. قال الزجاج: من نصب " أسفل " أراد: والركب ~~مكانا أسفل منكم، ويجوز الرفع على معنى: والركب أشد تسفلا منكم. قال قتادة ~~وكان المسلمون أعلى الوادي، والمشركون أسفله. # وفي قوله: (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد) قولان: # أحدهما: لو تواعدتم، ثم بلغكم كثرتهم، لتأخرتم عن الميعاد، قاله ابن ~~إسحاق.. # والثاني: لو تواعدتم على الاجتماع في المكان الذي اجتمعتم فيه من عدوتي ~~وادي بدر لاختلفتم في الميعاد، قاله أبو سليمان. وقال الماوردي: كانت تقع ~~الزيادة والنقصان، أو التقدم ms0851 والتأخر من غير قصد لذلك. # قوله تعالى: (ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا) وهو إعزاز الإسلام، ~~وإذلال الشرك. # قوله تعالى: (ليهلك من هلك عن بينة) وروى خلف عن يحيى: " ليهلك " بضم ~~الياء وفتح اللام. # قوله تعالى: (ويحيى من حي عن بينة) قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: " من حي " بياء واحدة مشددة، وهذه رواية حفص عن عاصم، وقنبل عن ~~ابن كثير. وروى شبل عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم: " حيي " بياءين الأولى ~~مكسورة، والثانية مفتوحة، وهي قراءة نافع. فمن قرأ بياءين، بين ولم يدغم. ~~ومن أدغم ياء " حيي " فلاجتماع حرفين من جنس واحد. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: ليقتل من قتل من المشركين عن حجة، ويبقى من بقي منهم عن حجة. # والثاني: ليكفر من كفر بعد حجة، ويؤمن من آمن عن حجة. PageV03P246 # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) قوله تعالى: (إذا يريكهم ~~الله في منامك قليلا) فيه قولان: # أحدهما: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى عسكر المشركين في المنام قبل ~~لقائهم في قلة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: لما أخبر أصحابه ~~بأنه رآهم في المنام قليلا، كان ذلك تثبيتا لهم. # قال أبو سليمان الدمشقي: والكلام متعلق. بما قبله، فالمعنى: وإن الله ~~لسميع لما يقوله أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ حدثتهم بما رأيت في منامك. # والثاني: إذ يريكهم الله بعينك التي تنام بها، قاله الحسن. قال الزجاج: ~~وكثير من النحويين يذهبون إلى هذا المذهب. ومعناه عندهم: إذ يريكهم الله في ~~موضع منامك، أي: # بعينك، ثم حذف الموضع، وأقام المنام مقامه. # قوله تعالى: (لفشلتم) أي: لجبنتم وتأخرتم عن حربهم. وقال مجاهد: لفشل ~~أصحابك، ولرأوا ذلك في وجهك. # قوله تعالى: (ولتنازعتم في الأمر) أي: لاختلفتم في حربهم، فكان ذلك من ~~دواعي هزيمتكم، (ولكن الله سلم) من المخالفة والفشل. # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله ~~أمرا كان ms0852 مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ ~~التقيتم في أعينكم قليلا) قال مقاتل: صدق الله رؤيا رسوله التي أخبر بها ~~المؤمنين عن قلة عدوهم قبل لقائهم، بأن قللهم وقت اللقاء في أعينهم. وقال ~~ابن مسعود: لقد قلوا في أعيننا، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أتراهم سبعين؟ ~~قال: أراهم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال: كنا ألفا. قال أبو ~~صالح عن ابن عباس: استقل المسلمون المشركين، والمشركون المسلمين، فاجترأ ~~بعضهم على بعض. # فإن قيل: ما فائدة تكرير الرؤية هاهنا. وقد ذكرت في قوله [تعالى]: (إذ ~~يريكهم الله)؟ فعنه جوابان: PageV03P247 # أحدهما: أن الأولى كانت في المنام، والثانية في اليقظة. # والثاني: أن الأولى للنبي [صلى الله عليه وسلم] خاصة، والثانية له ~~ولأصحابه، فإن قيل: تكثير المؤمنين في أعين الكافرين أولى، لمكان إعزازهم، ~~فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنهم لو كثروا في أعينهم، لم يقدموا عليهم، فلم يكن قتال، والقتال ~~سبب النصر، فقللهم لذلك. # والثاني: أنه قللهم لئلا يتأهب المشركون كل التأهب، فإذا تحقق القتال، ~~وجدهم المسلمون غير مستعدين، فظفروا بهم. # والثالث: أنه قللهم ليحمل الأعداء عليهم في كثرتهم، فيغلبهم المسلمون، ~~فيكون ذلك آية للمشركين ومنبها على نصرة الحق. # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ~~إن الله مع الصابرين (46) قوله تعالى: (إذا لقيتم فئة فاثبتوا) الفئة: ~~الجماعة. (واذكروا الله كثيرا) فيه قولان: # أحدهما: أنه الدعاء والنصر. # والثاني: ذكر الله على الإطلاق. # قوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا) قد سبق ذكر التنازع والفشل آنفا. # قوله تعالى: (وتذهب ريحكم) وروى أبان: " ويذهب " بالياء والجزم. وفيه ~~أربعة أقوال: # أحدها: تذهب شدتكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال السدي: حدتكم وجدكم. ~~وقال الزجاج: صولتكم وقوتكم. # والثاني: يذهب نصركم، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: تتقطع دولتكم، قاله أبو عبيدة. وقال ابن قتيبة: يقال: هبت له ~~ريح النصر: إذا كانت له الدولة. ويقال: له الريح اليوم، أي: الدولة. # والرابع: أنها ريح حقيقة، ms0853 ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله فتضرب ~~وجوه العدو، ومنه قوله عليه السلام: " نصرت بالصبا "، وأهلكت عاد بالدبور " ~~وهذا قول ابن زيد، ومقاتل. # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ~~والله PageV03P248 # بما يعملون محيط (47) قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ~~بطرا) قال المفسرون: هم أبو جهل ومن خرج معه من مكة، خرجوا ليدفعوا عن ~~عيرهم التي كانت مع أبي سفيان، ومعهم القيان والمعازف، وهم يشربون الخمور. ~~فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز ما معه، كتب إليهم: إني قد أحرزت أموالكم ~~فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نفعل حتى نرد بدرا فنقيم ثلاثا، وننحر ~~الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمور، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابونا. ~~فساروا إلى بدر، فكانت الوقعة، فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم ~~النوائح مكان القيان، فأما البطر، فهو الطغيان في النعم، وترك شكرها. ~~والرياء: العمل من أجل رؤية الناس. وسبيل الله هاهنا: دينه. # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني حار ~~لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى مالا ترون ~~إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) قوله تعالى: (وإذ زين لهم الشيطان ~~أعمالهم) قال عروة بن الزبير: لما أجمعت قريش المسير إلى بدر، ذكروا ما ~~بينهم وبين كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك ~~المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: (لا غالب لكم اليوم من الناس، ~~وإني جار لكم) من أن تأتيكم كنانة بشئ تكرهونه، فخرجوا سراعا. وفي المراد ~~بأعمالهم هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: شركهم. # والثاني: مسيرهم إلى بدر. # والثالث: قتالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (فلما تراءت الفئتان) أي: صارتا بحيث رأت إحداهما الأخرى. ~~وفي المراد بالفئتين قولان: # أحدهما: فئة المسلمين، وفئة المشركين، وهو قول الجمهور. # والثاني: فئة المسلمين، وفئة الملائكة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (نكص على عقبيه) قال أبو عبيدة: رجع من ms0854 حيث جاء. وقال ابن ~~قتيبة: رجع PageV03P249 # القهقري. قال ابن السائب: كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة، آخذا ~~بيد الحارث ابن هشام، فرأى الملائكة فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: ~~أفرارا من غير قتال؟ فقال: (إني أرى مالا ترون): فلما هزم المشركون، قالوا: ~~هزم الناس سراقة، فبلغه ذلك، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني ~~هزيمتكم. قال قتادة: صدق عدو الله في قوله: (إني أرى مالا ترون)، ذكر لنا ~~أنه رأى جبريل ومعه الملائكة، فعلم أنه لا يد له بالملائكة، وكذب عدو الله ~~في قوله: (إني أخاف الله)، والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ~~بهم. وقال عطاء: معناه: إني أخاف الله أن يهلكني. وقال ابن الأنباري: لما ~~رأى نزول الملائكة، خاف أن تكون القيامة، فيكون انتهاء إنظاره، فيقع به ~~العذاب. ومعنى " نكص " رجع هاربا بخزي وذل. # واختلفوا في قوله [تعالى]: (والله شديد العقاب) هل هو ابتداء كلام، أو ~~تمام الحكاية عن إبليس، على قولين. # إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم (49) قوله تعالى: (إذ يقول المنافقون) قال ابن ~~عباس: هم قوم من أهل المدينة من الأوس والخزرج. فأما الذين في قلوبهم مرض، ~~ففيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: انهم قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام، بمكة، فأخرجهم المشركون معهم ~~يوم بدر كرها، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين، ارتابوا ونافقوا، ~~وقالوا: (غر هؤلاء دينهم)، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وإليه ذهب الشعبي في ~~آخرين. وعدهم مقاتل، فقال: كانوا سبعة: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس ~~بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن ~~منبه بن الحجاج، والوليد بن الوليد بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة. # والثاني: أنهم المشركون، لما رأوا قلة المسلمين، قالوا: " غر هؤلاء دينهم ~~" رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # والثالث: أنهم قوم مرتابون، لم يظهروا عداوة النبي صلى الله عليه ms0855 وسلم، ~~ذكره الماوردي. والمرض هاهنا: # الشك، والإشارة بقوله [تعالى]: " هؤلاء " إلى المسلمين، وإنما قالوا هذا، ~~لأنهم رأوا قلة المسلمين، فلم يشكوا في أن قريشا تغلبهم. # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق (50) PageV03P250 # قوله تعالى: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة) قرأ الجمهور " ~~يتوفى " بالياء. وقرأ ابن عامر " تتوفى " بتاءين. قال المفسرون: نزلت في ~~الرهط الذين قالوا: " غر هؤلاء دينهم ". وفي المراد بالملائكة ثلاثة أقوال: # أحدها: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. # والثاني: ملائكة العذاب، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: الملائكة الذين قاتلوا يوم بدر، ذكره الماوردي. وفي قوله ~~[تعالى]: (يضربون وجوههم وأدبارهم) أربعة أقوال: # أحدها: يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا، وأدبارهم لما انهزموا. # والثاني: أنهم جاؤوهم من بين أيديهم ومن خلفهم، فالذين أمامهم ضربوا ~~وجوههم، والذين وراءهم ضربوا أدبارهم. # والثالث: يضربون وجوههم يوم القيامة إذا لقوهم، وأدبارهم إذا ساقوهم إلى ~~النار. # والرابع: أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت بسياط من نار. وهل ~~المراد نفس الوجوه والأدبار، أم المراد ما أقبل من أبدانهم وأدبر؟ فيه ~~قولان: # وفي قوله [تعالى] (وذوقوا عذاب الحريق) قولان: # أحدهما: أنه في الدنيا، وفيه إضمار " يقولون "، فالمعنى: يضربون ويقولون، ~~كقوله [تعالى]. (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا) أي: ~~ويقولان. قال النابغة: # كأنك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن والمعنى: كأنك جمل من جمال ~~بني أقيش، هذا قول الفراء وأبي عبيدة. # والثاني: أن الضرب لهم في الدنيا، فإذا وردوا يوم القيامة إلى النار، قال ~~خزنتها: ذوقوا عذاب الحريق، هذا قول مقاتل. # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) قوله تعالى: (وذلك ~~بما قدمت أيديكم) أي: بما كسبتم من قبائح أعمالكم. (وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد) لا يظلم عباده بعقوبتهم على الكفر، وإن كان كفرهم بقضائه، لأنه ~~مالك، فله التصرف في ملكه كما شاء فيستحيل نسبة الظلم إليه. # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن ~~الله قوي PageV03P251 # شديد العقاب (52) قوله تعالى: ms0856 (كدأب آل فرعون) أي: كعادتهم. والمعنى: كذب ~~هؤلاء كما كذب أولئك، فنزل بهم العذاب كما نزل بأولئك. قال ابن عباس: أيقن ~~آل فرعون أن موسى نبي الله وكذبوه، فكذلك هؤلاء في حق محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن ~~الله سميع عليم (53) قوله تعالى: (ذلك بأن الله) أي: ذلك الأخذ والعقاب بأن ~~الله (لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا) إلى بالكفران وترك ~~الشكر. قال مقاتل: والمراد بالقوم هاهنا أهل مكة، أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف، ثم بعث فيهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فلم يعرفوا المنعم عليهم، فغير ~~الله ما بهم. وقال السدي: كذبوا بمحمد، فنقله الله إلى الأنصار. قال أبو ~~سليمان الخطابي: والقوي يكون بمعنى القادر، فمن قوي على شئ فقد قدر عليه، ~~وقد يكون معناه: التام القوة الذي لا يستولي عليه العجز في حال، والمخلوق، ~~وإن وصف بالقوة، فقوته متناهية، وعن بعض الأمور قاصرة. # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) قوله تعالى: (كدأب آل فرعون والذين ~~من قبلهم) أي: كذب أهل مكة بمحمد والقرآن، كما كذب آل فرعون بموسى ~~والتوراة، وكذب من قبلهم بأنبيائهم. قال مكي بن أبي طالب: الكاف من " كدأب ~~" في موضع نصب، نعت لمحذوف تقديره: غيرنا بهم لما غيروا تغييرا مثل عادتنا ~~في آل فرعون، ومثلها الآية الأولى، إلا أن الأولى للعادة في العذاب، ~~تقديره: فعلنا بهم ذلك فعلا مثل عادتنا في آل فرعون. # قوله تعالى: (فأهلكناهم) يعني الأمم المتقدمة، بعضهم بالرجفة، وبعضهم ~~بالريح، فكذلك أهلكنا كفار مكة ببدر. وقال بعضهم: يعني بقوله: " فأهلكناهم ~~" الذين أهلكوا ببدر. # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) قوله تعالى: (إن ~~شر الدواب عند الله الذين كفروا) قال أبو صالح عن ابن عباس: نزلت ~~PageV03P252 # في بني قريظة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. # الذين عاهدت منهم ثم ms0857 ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) قوله ~~تعالى: (الذين عاهدت منهم) في " من " أربعة أقوال: # أحدها: أنها صلة، والمعنى: الذين عاهدتهم. # والثاني: أنها للتبعيض، فالمعنى: إن شر الدواب الكفار. وشرهم الذين عاهدت ~~ونقضوا والثالث: أنها بمعنى " مع "، والمعنى: عاهدت معهم. # والرابع: أنها دخلت، لأن العهد أخذ منهم. # قوله تعالى: (ثم ينقضون عهدهم في كل مرة) أي: كلما عاهدتهم نقضوا. وفي ~~قوله [تعالى]: (وهم لا يتقون) قولان: # أحدهما: لا يتقون نقض العهد. # والثاني: لا يتقون الله في نقض العهد. قال المفسرون: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد عاهد يهود قريظة أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه، فنقضوا ~~العهد وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح، ثم قالوا: # نسينا وأخطأنا، ثم عاهدوه الثانية، فنقضوا ومالؤوا الكفار يوم الخندق، ~~وكتب كعب بن الأشرف إلى مكة يوافقهم على مخالفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) قوله تعالى: ~~(فإما تثقفنهم) قال أبو عبيدة: مجازه: فإن تثقفنهم. فعلى قوله، تكون " ما " ~~زائدة. وقد سبق بيان " فإما " في (البقرة). قال ابن قتيبة: فمعنى " تثقفنهم ~~" تظفر بهم. (فشرد بهم من خلفهم) أي: افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل ~~يتفرق به من وراءهم من أعدائك. قال: # ويقال: شرد بهم، أي: سمع بهم، بلغة قريش. قال الشاعر: # أطوف في الأباطح كل يوم * مخافة أو أن يشرد بي حكيم وقال ابن عباس نكل ~~بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد، لعلهم يذكرون النكال فلا ينقضون ~~العهد. # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ~~(58) قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة) قال المفسرون: الخوف هاهنا ~~بمعنى العلم، والمعنى: إن علمت من قوم قد عاهدتهم خيانة، وهي نقض عهد. وقال ~~مجاهد: نزلت في بني قريظة. PageV03P253 # وفي قوله [تعالى]: (فانبذ إليهم على سواء) أربعة أقوال: # أحدها: فألق إليهم نقضك العهد لتكون وإياهم في العلم بالنقض سواء، هذا ~~قول الأكثرين، واختاره الفراء، وابن قتيبة، وأبو عبيدة. ms0858 # والثاني: فانبذ إليهم جهرا غير سر، ذكره الفراء أيضا في آخرين. # والثالث: فانبذ إليهم على مهل، قاله الوليد بن مسلم. # والرابع: فانبذ إليهم على عدل من غير حيف، وأنشدوا: # فاضرب وجوه الغدر الأعداء * حتى عبد يجيبوك إلى السواء ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. # ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) قوله تعالى: (ولا تحسبن ~~الذين كفروا سبقوا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم " ولا تحسبن " بالتاء وكسر السين، إلا أن عاصما فتح السين. وقرأ ابن ~~عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: بالياء وفتح السين، وفي الكافرين هاهنا قولان: # أحدهما: جميع الكفار، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين انهزموا يوم بدر، ذكره محمد بن القاسم النحوي وغيره. ~~و " سبقوا " بمعنى فاتوا. قال ابن الأنباري: وذلك أنهم أشفقوا من هلكة تنزل ~~بهم في بعض الأوقات، فلما سلموا منها، قيل: لا تحسبن أنهم فاتونا بسلامتهم ~~الآن، فإنهم لا يعجزونا، أي: لا يفوتونا فيما يستقبلون من الأوقات. # قوله تعالى: (إنهم لا يعجزون) قرأ الجمهور: بكسر الألف. وقرأ ابن عامر: ~~بفتحها، وعلى قراءته اعتراض. لقائل أن يقول: إذا كان قد قرأ " يحسبن " ~~بالياء، وقرأ " أنهم " بالفتح، فقد أقرهم على أنهم لا يعجزون، ومتى علموا ~~أنهم لا يعجزون لم يلاموا. فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: # المعنى: " لا يحسبن الذين كفروا سبقوا " لا يحسبن أنهم يعجزون، ولا زائدة ~~مؤكدة. وقال أبو علي: المعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا وآباءهم ~~سبقوا، لأنهم لا يفوتون، فهم يجزون على كفرهم. # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله ~~يوف إليكم وأنتم PageV03P254 # لا تظلمون (60) قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) في المراد ~~بالقوة أربعة أقوال: # أحدها: أنها الرمي، رواه عقبة بن عامر عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~وقال الحكم بن أبان: هي النبل. # والثاني: ذكور الخيل، قاله عكرمة. ms0859 # والثالث: السلاح، قاله السدي، وابن قتيبة. # والرابع: أنه كل ما يتقوى به على حرب العدو من آلة الجهاد. # قوله تعالى: (ومن رباط الخيل) يعني ربطها واقتناءها للغزو، وهو عام في ~~الذكور والإناث في قول الجمهور. وكان عكرمة يقول: المراد بقوله [تعالى]: " ~~ومن رباط الخيل " إناثها. # قوله تعالى: (ترهبون به) روى رويس، وعبد الوارث " ترهبون " بفتح الراء ~~وتشديد الهاء، أي: تخيفون وترعبون به عدو الله وعدوكم، وهم مشركو مكة وكفار ~~العرب. # قوله تعالى: (وآخرين من دونهم) أي: من دون كفار العرب. واختلفوا فيهم على ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنهم الجن. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هم ~~الجن، فإن الشيطان لا يخبل أحدا في داره فرس عتيق ". # والثاني: أنهم بنو قريظة، قاله مجاهد. # والثالث: أهل فارس، قاله السدي. # والرابع: المنافقون، قاله ابن زيد. # والخامس: اليهود، قاله مقاتل. # * وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) ~~قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم) قرأ أبو بكر عن عاصم " للسلم " بكسر السين. ~~قال الزجاج: السلم: الصلح والمسالمة. يقال: سلم وسلم وسلم في معنى واحد، ~~أي: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه. قال الفراء: إن شئت جعلت " لها " كناية ~~عن السلم لأنها تؤنث، وإن شئت جعلتها للفعلة، كقوله [تعالى]: (إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم). PageV03P255 # فإن قيل: لم قال " لها " ولم يقل: " إليها "؟ # فالجواب: أن " اللام " و " إلى " تنوب كل واحدة منهما عن الأخرى. وفيمن ~~أريد بهذه الآية قولان: # أحدهما: المشركون، وأنها نسخت بآية السيف. # والثاني: أهل الكتاب. # فإن قيل: إنها نزلت في ترك حربهم إذ بذلوا الجزية وقاموا بشرط الذمة، فهي ~~محكمة وإن قيل: نزلت في موادعتهم على غير جزية، توجه النسخ لها بآية ~~الجزية. # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) قوله تعالى: (وإن يريدوا) قال مقاتل: يعني ~~يهود قريظة (أن يخدعوك) ms0860 بالصلح لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب، ~~أعانوهم عليك (فإن حسبك الله). قال الزجاج: فإن الذي يتولى كفايتك الله (هو ~~الذي أيدك) أي: قواك. وقال مقاتل: قواك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم ~~بدر. # قوله تعالى: (وألف بين قلوبهم) يعني الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانت ~~بينهم عداوة في الجاهلية، فألف الله بينهم بالإسلام. وهذا من أعجب الآيات، ~~لأنهم كانوا ذوي أنفة شديدة، فلو أن رجلا لطم رجلا، لقاتلت عنه قبيلته حتى ~~تدرك ثأره، فآل بهم الإسلام إلى أن يقتل الرجل ابنه وأباه. # يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) قوله تعالى: (حسبك ~~الله ومن اتبعك) فيه قولان: # أحدهما: حسبك الله، وحسب من اتبعك، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال ابن زيد، ومقاتل، والأكثرون. # والثاني: حسبك الله ومتبعوك، قاله مجاهد. وعن الشعبي كالقولين. وأجاز ~~الفراء والزجاج الوجهين. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أسلم مع رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] تسعة وثلاثون، ثم أسلم عمر فصاروا أربعين، فنزلت ~~هذه الآية. قال أبو سليمان الدمشقي: وهذا لا يحفظ، والسورة مدنية باجماع، ~~والقول الأول أصح. PageV03P256 # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) ~~قوله تعالى: (حرص المؤمنين على القتال) قال الزجاج: تأويله: حثهم. وتأويل ~~التحريض في اللغة: أن يحث الإنسان على الشئ حثا يعلم معه أنه حارض إن تخلف ~~عنه. والحارض: # الذي قد قارب الهلاك. # قوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) لفظ هذا الكلام ~~لفظ الخبر، ومعناه الأمر، والمراد: يقاتلوا مائتين، وكان هذا فرضا في أول ~~الأمر، ثم نسخ بقوله [تعالى]: (الآن خفف الله عنكم) ففرض على الرجل أن يثبت ~~لرجلين، فإن زادوا جاز له الفرار. قال ms0861 مجاهد: وهذا التشديد كان في يوم بدر. ~~واتفق القراء على قوله (إن يكن منكم) فقرؤوا " يكن " بالياء واختلفوا في ~~قوله [تعالى]: (وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا)، وفي قوله [تعالى]: (فإن ~~تكن منكم مائة صابرة) فقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: بالتاء فيهما. ~~وقرأهما عاصم، وحمزة، والكسائي: بالياء. وقرأ أبو عمرو " يكن منكم مائة ~~يغلبوا " بالياء، " فإن تكن منكم صابرة " بالتاء. قال الزجاج: من أنث، ~~فللفظ المائة، ومن ذكر، فلأن المائة وقعت على عدد مذكر. وقال أبو علي: من ~~قرأ بالياء، فلأنه أريد منه المذكر، بدليل قوله [تعالى]: " يغلبوا "، وكذلك ~~المائة الصابرة هم رجال، فقرؤوها بالياء، لموضع التذكير. فأما أبو عمرو، ~~فإنه لما رأى صفة المائة مؤنثة بقوله [تعالى]: " صابرة " أنث الفعل، ولما ~~رأى " يغلبوا " مذكرا، ذكر. ومعنى الكلام: إن يكن منكم عشرون صابرون يثبتون ~~عند اللقاء، يغلبوا مائتين، لأن المؤمنين يحتسبون أفعالهم، وأهل الشرك ~~يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فإذا صدقهم المؤمنون القتال لم ~~يثبتوا، وذلك معنى قوله [تعالى]: (لا يفقهون). # قوله تعالى: (وعلم) وروى المفضل " وعلم " بضم العين " أن فيكم ضعفا " ~~[وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ابن عامر والكسائي] بضم الضاد. وقرأ عاصم، ~~وحمزة: بفتح الضاد. وكذلك خلافهم في (الروم). قال الفراء: الضم لغة قريش، ~~والفتح لغة تميم. قال الزجاج: والمعنى في القراءتين واحد، يقال: هو الضعف ~~والضعف، والمكث والمكث، والفقر والفقر، وفي اللغة كثير من باب فعل وفعل، ~~PageV03P257 # والمعنى واحد. وقرأ أبو جعفر " وعلم أن فيكم ضعفاء " على فعلاء. فأما ~~قوله [تعالى]: (بإذن الله) فهو إعلام بأن الغلبة لا تقع إلا بإرادته. # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) قوله تعالى: (ما كان لنبي أن تكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض) روى مسلم في أفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: ~~لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار النبي ~~صلى الله عليه وسلم أبا بكر ms0862 وعمر وعليا، فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء ~~بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا ~~منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول ~~الله " ما ترى يا ابن الخطاب "؟ قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن ~~أرى أن تمكنني من فلان، قريب لعمر، فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب ~~عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فلان فيضرب عنقه، حتى يعلم الله عز وجل أنه ليس ~~في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوي رسول الله ~~ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد، غدوت ~~إلى رسول الله، فإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان. فقلت: يا رسول ~~الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء ~~تباكيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أبكي للذي عرض علي أصحابك من ~~الفداء. لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة " لشجرة قريبة، فأنزل الله ~~" ما كان لنبي أن تكون له أسرى " إلى قوله " عظيم ". # وروي عن ابن عمر قال: لما أشار عمر بقتلهم، وفاداهم رسول الله، أنزل الله ~~تعالى " ما كان لنبي " إلى قوله " حلالا طيبا " فلقي النبي صلى الله عليه ~~وسلم عمر، فقال " كاد يصيبنا في خلافك بلاء ". # فأما الأسرى، فهو جمع أسير، وقد ذكرناه في [سورة] (البقرة). والجمهور ~~قرؤوا " أن يكون له بالياء، لأن الأسرى مذكر. وقرأ أبو عمرو " أن تكون "، ~~قال أبو علي: أنث على لفظ الأسرى، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير ~~والرجال فهو مؤنث اللفظ. والأكثرون قرؤوا PageV03P258 # " أسرى " وكذلك " لمن في أيديكم من الأسرى ". وقرأ أبو جعفر، والمفضل " ~~أسارى " في الموضعين، ووافقهما أبو عمرو، وأبان في الثاني. قال الزجاج: ~~والإثخان في كل شئ: قوة الشئ وشدته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتدت قوته ~~عليه. والمعنى: حتى يبالغ في قتل أعدائه. ويجوز أن يكون المعنى: حتى يتمكن ~~في ms0863 الأرض. قال المفسرون: معنى الآية. ما كان لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه ~~للفداء أو المن قبل الإثخان في الأرض. وكانت غزاة بدر أول قتال قاتله رسول ~~الله، ولم يكن قد أثخن في الأرض بعد. (تريدون عرض الدنيا) وهو المال. وكان ~~أصحاب رسول الله قد فادوا يومئذ بأربعة آلاف أربعة آلاف. وفي قوله [تعالى]: ~~(والله يريد الآخرة) قولان: # أحدهما: يريد لكم الجنة، قاله ابن عباس. # والثاني: يريد العمل بما يوجب ثواب الآخرة، ذكره الماوردي. # فصل وقد روي عن ابن عباس، ومجاهد في آخرين: أن هذه الآية منسوخة بقوله ~~[تعالى]: # (فإما منا بعد وإما فداء)، وليس للنسخ وجه، لأن غزاة بدر كانت وفي ~~المسلمين قلة، فلما كثروا واشتد سلطانهم، نزلت الآية الأخرى، ويبين هذا ~~قوله [تعالى]: (حتى يثخن في الأرض). # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) قوله تعالى: ~~(لولا كتاب من الله سبق) في معناه خمسة أقوال: # أحدها: لولا أن الله كتب في أم الكتاب أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم فيما ~~تعجلتم من المغانم والفداء يوم بدر قبل أن تؤمروا بذلك عذاب عظيم، روى هذا ~~المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. وقال أبو هريرة: تعجل ~~ناس من المسلمين فأصابوا الغنائم، فنزلت الآية. # والثاني: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب من أتى ذنبا على جهالة ~~لعوقبتم، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد. وقال ابن ~~إسحاق: سبق أن لا أعذب إلا بعد النهي، ولم يكن نهاهم. # والثالث: لولا ما سبق لأهل بدر أن الله لا يعذبهم، لعذبتم، قاله الحسن، ~~وابن جبير، وابن أبي نجيح عن مجاهد. PageV03P259 # والرابع: لولا كتاب من الله سبق من أنه يغفر لمن عمل الخطايا ثم علم ما ~~عليه فتاب، ذكره الزجاج. # والخامس: لولا القرآن الذي اقتضى غفران الصغائر، لعذبتم، ذكره الماوردي. ~~فيخرج في الكتاب قولان: # أحدهما: أنه كتاب مكتوب حقيقة. ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه ما كتبه الله في اللوح المحفوظ. # والثاني: أنه ms0864 القرآن. # والثاني: أنه بمعنى القضاء. # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) يا أيها ~~النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ~~مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) قوله تعالى: (فكلوا مما ~~غنمتم) قال الزجاج: الفاء للجزاء. والمعنى: قد أحللت لكم الفداء فكلوا. ~~والحلال منصوب على الحال. قال مقاتل: إن الله غفور لما أخذتم من الغنيمة ~~قبل حلها، رحيم بكم إذ أحلها لكم. فجعل رسول الله عمر بن الخطاب، وخباب بن ~~الأرت يوم بدر على القبض، وقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ~~وانطلق بالأسارى، فيهم العباس، وعقيل، ونوفل ابن الحارث بن عبد المطلب. ~~وكان مع العباس يومئذ عشرون أوقية من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، وكلف أن ~~يفدي ابني أخيه، فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " أضعفوا على العباس الفداء " فأخذوا منه ثمانين أوقية، وكان فداء كل ~~أسير أربعين أوقية. فقال العباس لرسول الله: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا ~~بكفي. فقال له: " أين الذهب الذي تركته عند أم الفضل "؟ فقال: أي الذهب؟ ~~فقال: " إنك قلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث، ~~فهو لك ولولدك " فقال: " ابن أخي، من أخبرك؟ فقال: " الله أخبرني "، فقال ~~العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قبل اليوم، وأمر ابني أخيه ~~فأسلما. # وفيهم نزلت: (قل لمن في أيديكم من الأسارى) الآية. وروى العوفي عن ابن ~~عباس أنها نزلت في جميع من أسر يوم بدر. وقال ابن زيد: لما بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أتاه رجال، فقالوا: لولا أنا نخاف هؤلاء القوم لأسلمنا، ~~ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فلما كان يوم بدر، قال ~~PageV03P260 # المشركون: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره واستحللنا ماله، فخرج أولئك ~~القوم، فقتلت طائفة منهم وأسرت طائفة. فأما الذين قتلوا، فهم الذين قال ~~الله فيهم: ms0865 (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم). وأما الذين أسروا ~~فقالوا: يا رسول الله أنت تعلم أنا كنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله، وإنما خرجنا مع هؤلاء خوفا منهم. فذلك قوله [تعالى]: (قل لمن في ~~أيديكم من الأسارى) إلى قوله [تعالى]: (عليم حكيم). فأما قوله: (إن يعلم ~~الله في قلوبكم خيرا) فمعناه إسلاما وصدقا (يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) من ~~الفداء. وفيه قولان: # أحدهما: أكثر مما أخذ منكم. # والثاني: أحل وأطيب. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن أبي عبلة: " مما ~~أخذ منكم " بفتح الخاء، يشيرون إلى الله تعالى. وفي قوله [تعالى]: ويغفر ~~لكم) قولان: # أحدهما: يغفر لكم كفركم وقتالكم رسول الله، قاله الزجاج. # والثاني: يغفر لكم خروجكم مع المشركين، قاله ابن زيد في تمام كلامه ~~الأول. # وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ~~(71) إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ~~ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72). # قوله تعالى: (وإن يريدوا خيانتك) يعني: إن أراد الأسراء خيانتك بالكفر ~~بعد الإسلام (فقد خانوا الله من قبل) إذ كفروا به قبل أسرهم. وقال ابن زيد: ~~فقد خانوا بخروجهم مع المشركين، وقد ذكرنا عنه أنها نزلت في قوم تكلموا ~~بالإسلام. وقال مقاتل: المعنى: إن خانوك أمكنتك منهم فقتلتهم وأسرتهم كما ~~أمكنتك ببدر. قال الزجاج: (والله عليم) بخيانة إن خانوها، (حكيم) في تدبيره ~~عليهم ومجازاته إياهم. # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله) يعني: # المهاجرين الذين هجروا ديارهم وأموالهم وقومهم في نصرة الدين PageV03P261 # (والذين آووا ونصروا) يعني: الأنصار، آووا رسول الله، وأسكنوا المهاجرين ~~ديارهم، ونصروهم على أعدائهم. (أولئك بعضهم أولياء بعض) فيه قولان: # أحدهما: في النصرة. # والثاني: في الميراث. # قال المفسرون: كانوا يتوارثون بالهجرة، وكان المؤمن الذي لم يهاجر لا يرث ~~قريبه ms0866 المهاجر، وهو معنى قوله [تعالى]: (مالكم من ولايتهم من شئ) قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، وعاصم، والكسائي: " ولايتهم " بفتح ~~الواو. وقرأ حمزة: بكسر الواو. قال الزجاج: المعنى: ليس بينكم وبينهم ميراث ~~حتى يهاجروا. ومن كسر واو الولاية، فهي بمنزلة الإمارة، وإذا فتحت، فهي من ~~النصرة، وقال يونس النحوي: الولاية، بالفتح، لله عز وجل، والولاية، بالكسر، ~~من وليت الأمر. وقال أبو عبيدة: الولاية، بالفتح، للخالق، والولاية، ~~للمخلوق. قال ابن الأنباري: الولاية، بالفتح، مصدر الولي، والولاية: مصدر ~~الوالي، يقال: # ولي بين الولاية، ووال بين الولاية، فهذا هو الاختيار، ثم يصلح في ذا ما ~~يصلح في ذا. وقال ابن فارس: الولاية، بالفتح: النصرة، وقد تكسر. والولاية: ~~بالكسر: السلطان. # فصل وذهب قوم إلى أن المراد بهذه الولاية موالاة النصر والمودة. قالوا: ~~ونسخ هذا الحكم بقوله [تعالى]: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) ~~فأما القائلون بأنها ولاية الميراث، فقالوا: نسخت بقوله [تعالى]:) وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض). # قوله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين) أي: إن استنصركم المؤمنون الذين لم ~~يهاجروا فانصروهم، إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا تغدروا ~~بأرباب العهد. وقال بعضهم: لم يكن على المهاجر أن ينصر من لم يهاجر إلا أن ~~يستنصره. # والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ~~(73) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك ~~هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74). # قوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) فيه قولان: PageV03P262 # أحدهما: في الميراث، قاله ابن عباس. # والثاني: في النصرة، قاله قتادة. # وفي قوله [تعالى]: (إلا تفعلوه) قولان: # أحدهما: أنه يرجع إلى الميراث، فالمعنى: إلا تأخذوا في الميراث بما ~~أمرتكم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه يرجع إلى التناصر. فالمعنى: إلا تتعاونوا وتتناصروا في ~~الدين، قاله ابن جريج. وبيانه: أنه إذا لم يتول المؤمن المؤمن توليا حقا، ~~ويتبرأ من الكافر جدا، أدى ذلك إلى الضلال والفساد في الدين. فإذا هجر ~~المسلم أقاربه الكفار، ونصر المسلمين، كان ذلك أدعى ms0867 لأقاربه الكفار إلى ~~الإسلام وترك الشرك. # قوله تعالى: (وفساد كبير) قرأ أبو هريرة، وابن سيرين، وابن السميفع: " ~~كثير " بالثاء. # قوله تعالى: (أولئك هم المؤمنون حقا) أي: هم الذين حققوا إيمانهم بما ~~يقتضيه من الهجرة والنصرة، بخلاف من أقام بدار الشرك. والرزق الكريم: هو ~~الحسن، وذلك في الجنة. # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم (75) قوله تعالى: ~~(والذين آمنوا من بعد) أي: من بعد المهاجرين الأولين. قال ابن عباس: # هم الذين هاجروا بعد الحديبية. # قوله تعالى: (وأولو الأرحام بعضهم أولى بعض) أي: في المواريث بالهجرة. ~~قال ابن عباس: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وكانوا يتوارثون ~~بذلك الإخاء حتى نزلت هذه الآية، فتوارثوا بالنسب. # قوله تعالى: (في كتاب الله) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اللوح المحفوظ. # والثاني: أنه القرآن - وقد بين لهم قسمة الميراث في سورة (النساء). # والثالث: أنه حكم الله، ذكره الزجاج. PageV03P263 # (9) سورة التوبة مدنية وآياتها تسع وعشرون ومائة براءة من الله ورسوله ~~إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فصل في نزولها هي مدنية باجماعهم، سوى ~~الآيتين اللتين في آخرها (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) فإنها نزلت بمكة. روى ~~البخاري في " صحيحه " من حديث البراء قال: آخر سورة نزلت براءة. وقد نقل عن ~~بعض العرب أنه سمع قارئا يقرأ هذه السورة، فقال الأعرابي: إني لأحسب هذه من ~~آخر ما نزل من القرآن. قيل له: ومن أين علمت؟ فقال: إني لأسمع عهودا تنبذ، ~~ووصايا تنفذ. # فصل واختلفوا في أول ما نزل من (براءة) على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن أول ما نزل منها قوله [تعالى]: (لقد نصركم الله في مواطن ~~كثيرة)، قاله مجاهد. # والثاني: (انفروا خفافا وثقالا) قاله أبو الضحى، وأبو مالك. # والثالث: (إلا تنصروه)، قاله مقاتل. وهذا الخلاف إنما هو في أول ما نزل ~~منها بالمدينة، فإنهم قد قالوا: نزلت الآيتان اللتان في آخرها بمكة. # فصل ولها تسعة أسماء: # أحدها: سورة التوبة. PageV03P264 # والثاني: براءة، وهذان ms0868 مشهوران بين الناس. # والثالث: سورة العذاب، قاله حذيفة. # والرابع: المقشقشة، قاله ابن عمر. # والخامس: سورة البحوث، لأنها بحثت عن سرائر المنافقين، قاله المقداد بن ~~الأسود. # والسادس: الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، قاله ابن عباس. # والسابع: المبعثرة، لأنها بعثرت أخبار الناس، وكشفت عن سرائرهم، قاله ~~الحارث بن يزيد، وابن إسحاق. # والثامن: المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم، قاله قتادة. # والتاسع: الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، قاله الزجاج. # فصل وفي سبب امتناعهم من كتابة التسمية في أولها ثلاثة أقوال: # أحدها: رواه ابن عباس، قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم ~~إلى (الأنفال) وهي من المثاني، وإلى (براءة) وهي من المئين، فقرنتم بينهما ~~ولم تكتبوا بينهما " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ فقال: كان رسول الله إذا ~~أنزل عليه الشئ يدعو بعض من يكتب، فيقول: " ضعوا هذا في السورة التي يذكر ~~فيها كذا وكذا "، وكانت (الأنفال) من أوائل ما نزل بالمدينة، و (براءة) من ~~آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها ~~منها، فظننا أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما: " بسم الله ~~الرحمن الرحيم " وذكر نحو هذا المعنى عن أبي بن كعب. قال الزجاج: والشبه ~~الذي بينهما، أن في (الأنفال) ذكر العهود، وفي (براءة) نقضها. وكان قتادة ~~يقول: هما سورة واحدة. # والثاني: رواه محمد ابن الحنفية، قال: قلت لأبي: لم لم تكتبوا في (براءة) ~~" بسم الله الرحمن الرحيم "؟ فقال: يا بني، إن (براءة) نزلت بالسيف، وإن " ~~بسم الله الرحمن الرحيم " أمان. وسئل سفيان بن عيينة عن هذا، فقال: لأن ~~التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كتب في صلح الحديبية " ~~بسم الله الرحمن الرحيم "، لم يقبلوها وردوها، فما ردها الله عليهم، قاله ~~عبد العزيز بن يحيى المكي. PageV03P265 # فصل فأما سبب نزولها، فقال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهودا بنتها مع ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فأمره الله تعالى بإلقاء عهودهم إليهم، ~~فأنزل (براءة) ms0869 في سنة تسع، فبعث رسول الله أبا بكر أميرا على الموسم ليقيم ~~للناس الحج في تلك السنة، وبعث معه صدرا من (براءة) ليقرأها على أهل ~~الموسم، فلما سار، دعا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عليا، فقال: " اخرج ~~بهذه القصة من صدر (براءة) وأذن في الناس بذلك " فخرج علي على ناقة رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] العضباء حتى أدرك أبا بكر، فرجع أبو بكر فقال: ~~يا رسول الله، أنزل في شأني شئ؟ قال: " لا، ولكن لا يبلغ عني إلا رجل مني، ~~أما ترضى أنك كنت صاحبي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض "؟ قال: بلى يا ~~رسول الله. فسار أبو بكر أميرا على الحج، وسار علي ليؤذن ب‍ (براءة). # فصل وفي عدد الآيات التي بعثها رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من أول ~~(براءة) خمسة أقوال: # أحدها: أربعون آية، قاله علي عليه السلام. # والثاني: ثلاثون آية، قاله أبو هريرة. # والثالث: عشر آيات، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: سبع آيات، رواه ابن جريج عن عطاء. # والخامس: تسع آيات، قاله مقاتل. # فصل فإن توهم متوهم أن في أخذ (براءة) من أبي بكر، وتسليمها إلى علي، ~~تفضيلا لعلي على أبي بكر، فقد جهل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجرى ~~العرب في ذلك على عادتهم. قال الزجاج: وقد جرت عادة العرب في عقد عهدها ~~ونقضها، أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها فكان. وجائز أن تقول العرب إذا ~~تلا عليها نقض العهد من ليس من رهط النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خلاف ما ~~نعرف فينا في نقض العهود، فأزاح النبي صلى الله عليه وسلم العلة بما فعل. ~~وقال عمرو بن بحر: ليس هذا بتفضيل لعلي على أبي بكر، وإنما عاملهم بعادتهم ~~المتعارفة في حل العقد، وكان لا يتولى ذلك إلا السيد منهم، أو رجل من رهطه ~~دنيا، كأخ، أو عم، وقد كان أبو بكر في تلك الحجة الإمام، وعلي يأتم به، ~~وأبو بكر الخطيب، وعلي يستمع. وقال أبو هريرة: بعثني ms0870 أبو بكر في تلك الحجة ~~مع المؤذنين الذين بعثهم يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف ~~بالبيت عريان، فأذن معنا علي ب‍ (براءة) وبذلك الكلام. وقال الشعبي: بعث ~~رسول الله عليا يؤذن بأربع كلمات: " ألا لا يحج بعد العام مشرك، ألا ولا ~~يطوف بالبيت عريان، ألا ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ألا ومن كانت بينه وبين ~~محمد مدة فأجله إلى مدته، والله برئ من المشركين ورسوله ". PageV03P266 # فصل فأما التفسير، فقوله تعالى: (براءة) قال الفراء: هي مرفوعة بإضمار " ~~هذه "، ومثله (سورة أنزلناها). وقال الزجاج: يقال: برئت من الرجل والدين ~~براءة، وبرئت من المرض، وبرأت أيضا أبرأ برءا، وقد رووا: برأت أبرؤ بروءا. ~~ولم نجد في ما لامه همزة: فعلت أفعل، إلا هذا الحرف. # ويقال: بريت القلم، وكل شئ نحته: أبريه بريا، غير مهموز. وقرأ أبو رجاء، ~~ومورق، وابن يعمر: # " براءة " بالنصب. قال المفسرون: والبراءة هاهنا: قطع الموالاة، وارتفاع ~~العصمة، وزوال الأمان. # والخطاب في قوله [تعالى]: (إلى الذين عاهدتم) لأصحاب رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم]، والمراد رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، لأنه هو الذي يتولى ~~المعاهدة، وأصحابه راضون، فكأنهم بالرضا عاهدوا أيضا، وهذا عام في كل من ~~عاهد رسول الله. وقال مقاتل: هم ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة، وبنو مدلج، ~~وبنو جذيمة. # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي ~~الكافرين (2) قوله تعالى: (فسيحوا في الأرض) أي: انطلقوا فيها آمنين لا يقع ~~بكم منا مكروه. # إن قال قائل: هذه مخاطبة شاهد، والآية الأولى إخبار عن غائب، فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أنه جائز عند العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب. قال عنترة: # شطت مزار العاشقين فأصبحت * عسرا علي طلابك ابنة مخرم هذا قول أبي عبيدة. # والثاني: أن في الكلام إضمارا، تقديره: فقل لهم: سيحوا في الأرض، أي ~~اذهبوا فيها، وأقبلوا، وأدبروا، وهذا قول الزجاج. # واختلفوا فيمن جعلت له هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال: # أحدها: أنها أمان لأصحاب العهد، فمن كان عهده أكثر منها، ms0871 حط إليها، ومن ~~كان عهده أقل منها، رفع إليها، ومن لم يكن له عهد، فأجله انسلاخ المحرم ~~خمسون ليلة، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أنها للمشركين كافة، من له عهد، ومن ليس له عهد، قاله مجاهد، ~~والزهري، والقرظي. PageV03P267 # والثالث: أنها أجل لمن كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قد آمنه أقل ~~من أربعة أشهر، أو كان أمانه غير محدود، فأما من لا أمان له، فهو حرب، قاله ~~ابن إسحاق. # والرابع: أنها أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهد، فأما أرباب العهود، فهم ~~على عهودهم إلى حين انقضاء مددهم، قاله ابن السائب. ويؤكده ما روي أن عليا ~~نادى يومئذ: ومن كان بينه وبين رسول الله عهد، فعهده إلى مدته. وفي بعض ~~الألفاظ: فأجله أربعة أشهر. واختلفوا في مدة هذه الأربعة الأشهر على أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها الأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أن أولها يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وآخرها العاشر من ~~ربيع الآخر، قاله مجاهد، والسدي، والقرظي. # والثالث: أنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأن هذه الآية نزلت ~~في شوال، قاله الزهري. قال أبو سليمان الدمشقي: وهذا أضعف الأقوال، لأنه لو ~~كان كذلك، لم يجز تأخير إعلامهم به إلى ذي الحجة، إذ كان لا يلزمهم الأمر ~~إلا بعد الإعلام. # والرابع: أن أولها العاشر من ذي القعدة، وآخرها العاشر من ربيع الأول، ~~لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم، ثم صار في السنة الثانية في العشر ~~من ذي الحجة، وفيها حج رسول الله وقال: " إن الزمان قد استدار "، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: (واعلموا أنكم غير معجزي الله) أي: وإن أجلتم هذه الأربعة ~~الأشهر فلن تفوتوا الله. # قوله تعالى: (وأن الله مخزي الكافرين) قال الزجاج: الأجود فتح " أن " على ~~معنى: # اعلموا أن، ويجوز كسرها على الاستئناف. وهذا ضمان من الله نصرة المؤمنين ~~على الكافرين. # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ~~ورسوله ms0872 فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر ~~الذين كفروا بعذاب أليم (3) PageV03P268 # قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله) أي: إعلام، ومنه أذان الصلاة. وقرأ ~~الضحاك، وأبو المتوكل، وعكرمة، والجحدري، وابن يعمر: " وإذن " بكسر الهمزة ~~وقصرها ساكنة الذال من غير ألف. # قوله تعالى: (إلى الناس) أي: للناس. يقال: هذا إعلام لك، وإليك. والناس ~~هاهنا عام في المؤمنين والمشركين. وفي يوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يوم عرفة، قاله عمر بن الخطاب، وابن الزبير، وأبو جحيفة، ~~وطاووس، وعطاء. # والثاني: يوم النحر، قاله أبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله ~~بن أبي أوفى، وابن المسيب، وابن جبير، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، والزهري، ~~وابن زيد، والسدي في آخرين. وعن علي، وابن عباس، كالقولين. # والثالث: أنه أيام الحج كلها، فعبر عن الأيام باليوم، قاله سفيان الثوري. ~~قال سفيان: كما يقال: يوم بعاث، ويوم الجمل، ويوم صفين يراد به: أيام ذلك، ~~لا كل حرب من هذه الحروب دامت أياما. وعن مجاهد، كالأقوال الثلاثة. # وفي تسميته بيوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سماه بذلك لأنه اتفق في سنة حج فيها المسلمون والمشركون، ~~ووافق ذلك عيد اليهود والنصارى، قاله الحسن. # والثاني: أن الحج الأكبر: هو الحج، والأصغر: هو العمرة، قاله عطاء، ~~والشعبي. # والثالث: أن الحج الأكبر: القران، والأصغر: الإفراد، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (أن الله برئ) وقرأ الحسن، ومجاهد، وابن يعمر: (إن الله) ~~بكسر الهمزة. (من المشركين) أي: من عهد المشركين، فحذف المضاف. (ورسوله) ~~رفع على الابتداء، وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضا برئ. وقرأ أبو رزين، ~~وأبو مجلز، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن يعمر، وزيد عن يعقوب: " ورسوله " ~~بالنصب. ثم رجع إلى خطاب المشركين بقوله [تعالى]: (فإن تبتم) أي: رجعتم عن ~~الشرك، (وإن توليتم) عن الإيمان. # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) قوله تعالى: (إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين) قال أبو صالح عن ابن عباس: ms0873 فلما قرأ PageV03P269 # علي (براءة)، قالت بنو ضمرة: ونحن مثلهم أيضا؟ قال: لا، لأن الله تعالى ~~قد استثناكم، ثم قرأ هذه الآية. وقال مجاهد: هم قوم كان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عهد ومدة، فأمر أن يفي لهم. # قال الزجاج: معنى الكلام: وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود، ~~إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوكم، فليسوا داخلين في البراءة ما لم ينقضوا ~~العهد. قال القاضي أبو يعلى: وفصل الخطاب في هذا الباب: أنه قد كان بين ~~رسول الله وبين جميع المشركين عهد عام، وهو أن لا يصد أحد عن البيت، ولا ~~يخاف أحد في الشهر الحرام، فجعل الله عهدهم أربعة أشهر، وكان بينه وبين ~~أقوام منهم عهود إلى آجال مسماة، فأمر بالوفاء لهم، وإتمام مدتهم إذا لم ~~يخش غدرهم. # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) فيها قولان: # أحدهما: أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون. # والثاني: أنها الأربعة الأشهر التي جعلت لهم فيها السياحة، قاله الحسن في ~~آخرين، فعلى هذا، سميت حرما لأن دماء المشركين حرمت فيها. # قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) أي: من لم يكن له عهد (حيث وجدتموهم) قال ~~ابن عباس: في الحل والحرم والأشهر الحرم. # قوله تعالى: (وخذوهم) أي: ائسروهم، والأخيذ: الأسير. (واحصروهم) أي: # احبسوهم، والحصر: الحبس. قال ابن عباس: إن تحصنوا فاحصروهم. # قوله تعالى: (واقعدوا لهم كل مرصد) قال الأخفش: أي على كل مرصد، فألقى " ~~على " وأعمل الفعل، قال الشاعر: # نغالي اللحم للأضياف نيئا * ونرخصه إذا نضج القدور المعنى: نغالي باللحم، ~~فحذف الباء كما حذف " على ". وقال الزجاج: " كل مرصد " ظرف، كقولك: ذهبت ~~مذهبا، فلست تحتاج أن تقول في هذه الآية إلا ما تقوله في الظروف، مثل: # خلف، وقدام. PageV03P270 # قوله تعالى: (فإن تابوا) أي: من شركهم. # في قوله [تعالى]: (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) قولان: # أحدهما: اعترفوا بذلك. # والثاني: ms0874 فعلوه. # فصل واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن حكم الأسارى كان وجوب قتلهم، ثم نسخ بقوله [تعالى]: (فأما منا ~~بعد وإما فداء)، قاله الحسن، وعطاء في آخرين. # والثاني: بالعكس، وأنه كان الحكم في الأسارى: أنه لا يجوز قتلهم صبرا، ~~وإنما يجوز المن أو الفداء بقوله (تعالى] (فأما منا بعد وإما فداء) ثم نسخ ~~بقوله [تعالى]: (فاقتلوا المشركين)، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: أن الآيتين محكمتان، والأسير إذا حصل في يد الإمام، فهو مخير، ~~إن شاء من عليه، وإن شاء فأداه، وإن شاء قتله صبرا، أي ذلك رأى فيه المصلحة ~~للمسلمين فعل، هذا قول جابر بن زيد، وعليه عامة الفقهاء وهو قول الإمام ~~أحمد. # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك) ~~قال المفسرون: وإن أحد من المشركين الذين أمرتك بقتلهم استأمنك يبتغي أن ~~يسمع القرآن وينظر فيما أمر به ونهي عنه، فأجره، ثم أبلغه الموضع الذي يأمن ~~فيه. # وفي قوله [تعالى]: (ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) قولان: # أحدهما: أن المعنى: ذلك الذي أمرناك به من أن يعرفوا ويجاروا لجهلهم ~~بالعلم. # والثاني: ذلك الذي أمرناك به من رده إلى مأمنه إذا امتنع من الإيمان، ~~لأنهم قوم جهلة بخطاب الله. # كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~PageV03P271 # الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) قوله ~~تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد) أي: لا يكون لهم ذلك، (إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام) وفيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم بنو ضمرة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم قريش، قاله ابن عباس أيضا. وقال قتادة: هم مشركو قريش ~~الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية، فنكثوا وظاهروا المشركين. # والثالث: أنهم خزاعة، قاله مجاهد. وذكر أهل العلم بالسير أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما صالح سهيل بن عمرو في غزوة الحديبية، كتب بينه ~~وبينه: " هذا ما ms0875 اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، اصطلحا على ~~وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ~~ولا إغلال، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده ~~فعل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمدا منهم بغير ~~إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمدا ~~يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا في قابل في أصحابه، فيقيم بها ~~ثلاثا لا يدخل علينا بسلاح، إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب " فوثبت ~~خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل ~~في عهد قريش وعقدها. ثم إن قريشا أعانت بني بكر على خزاعة بالرجال والسلاح ~~فبيتوا خزاعة ليلا، فقتلوا منهم عشرين رجلا. ثم إن قريشا ندمت على ما صنعت، ~~وعلموا أن هذا نقض للعهد والمدة التي بينهم وبين رسول الله، وخرج قوم من ~~خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصابهم، فخرج إليهم ~~وكانت غزاة الفتح. قال أبو عبيدة: الإسلال: السرقة، والإغلال: # الخيانة. قال ابن الأعرابي: وقوله: " وأن بيننا عيبة مكفوفة " مثل، أراد ~~إن صلحنا محكم مستوثق منه، كأنه عيبة مشرجة. وزعم بعض المفسرين أن قوله ~~[تعالى] (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) نسخ بقوله [تعالى]: (فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم). # كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم) قال الزجاج: ~~المعنى: كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم، فحذف ذلك، لأنه قد سبق، قال ~~الشاعر: PageV03P272 # وخبرتماني أنما الموت بالقرى * فكيف وهذي هضبة وقليب أي فكيف مات وليس ~~بقرية؟ ومثله قول الحطيئة: # فكيف ولم أعلمهم خذلوكم * على معظم ولا أديمكم قدوا أي: فكيف تلومونني ~~على مدح قوم؟ واستغني عن ذكر ذلك، لأنه قد جرى في القصيدة ما يدل على ما ~~أضمر. وقوله [تعالى]: (يظهروا) ms0876 يعني: يقدروا ويظفروا. # وفي قوله [تعالى]: (لا يرقبوا) ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يحفظوا، قاله ابن عباس. # والثاني: لا يخافوا، قاله السدي. # والثالث: لا يراعوا، قاله قطرب. وفي الإل خمسة أقوال: # أحدها: أنه القرابة، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والسدي، ~~ومقاتل، والفراء، وأنشدوا: # إن الوشاة كثير إن أطعتهم * لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما وقال الآخر: # لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام والثاني: أنه الجوار، ~~قاله الحسن. # والثالث: أنه الله عز وجل: رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة. # والرابع: أنه العهد، رواه خصيف عن مجاهد، وبه قال ابن زيد، وأبو عبيدة. # والخامس: أنه الحلف، قاله قتادة. وقرأ عبد الله بن عمرو، وعكرمة، وأبو ~~رجاء، وطلحة بن مصرف: " إيلا " بياء بعد الهمزة. وقرأ ابن السميفع، ~~والجحدري: " ألا " بفتح الهمزة وتشديد اللام. وفي المراد بالذمة ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها العهد، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك في ~~آخرين. # والثاني: التذمم ممن لا عهد له، قاله أبو عبيدة، وأنشد: # لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما * PageV03P273 # والثالث: الأمان، قاله اليزيدي، واستشهد بقوله: " ويسعى بذمتهم أدناهم ". # قوله تعالى: (يرضونكم بأفواههم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يرضونكم بأفواههم في الوفاء، وتأبى قلوبهم إلا الغدر. # والثاني: يرضونكم بأفواههم في العدة بالإيمان، وتأبى قلوبهم إلا الشرك. # والثالث: يرضونكم بأفواههم في الطاعة، وتأبى قلوبهم إلا المعصية، ذكرهن ~~الماوردي. # قوله تعالى: (وأكثرهم فاسقون) قال ابن عباس: خارجون عن الصدق، ناكثون ~~للعهد. # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ~~(9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(11) قوله تعالى: (اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا) في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم قوم من اليهود، قاله أبو صالح. فعلى الأول، آيات الله: ~~حججه. وعلى الثاني: هي آيات التوراة. والثمن القليل: ما ms0877 حصلوه بدلا من ~~الآيات. وفي وصفه بالقليل وجهان: # أحدهما: لأنه حرام، والحرام قليل. # والثاني: لأنه من عرض الدنيا الذي بقاؤه قليل. وفي قوله [تعالى]: (فصدوا ~~عن سبيله) ثلاثة أقوال: # أحدها: عن بيته، وذلك حين منعوا النبي بالحديبية دخول مكة. # والثاني: عن دينه بمنع الناس منه. # والثالث: عن طاعته في الوفاء بالعهد. # وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا PageV03P274 # إيمان لهم لعلهم ينتهون (12) قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم) قال ابن ~~عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة ~~بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد حين أعانوا بني بكر على ~~خزاعة حلفاء رسول الله، فأمر رسول الله أن يسير إليهم فينصر خزاعة، وهم ~~الذين هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم. فأما النكث، فمعناه: النقض. ~~والإيمان هاهنا: # العهود. والطعن في الدين: أن يعاب، وهذا يوجب قتل الذمي إذا طعن في ~~الإسلام، لأن المأخوذ عليه أن لا يطعن فيه. # قوله تعالى: (فقاتلوا أئمة الكفر) قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~" أئمة " بتحقيق الهمزتين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: بتحقيق الأولى ~~وتليين الثانية. والمراد بأئمة الكفر: رؤوس المشركين وقادتهم. (إنهم لا ~~أيمان لهم) أي: لا عهود لهم صادقة، هذا على قراءة من فتح الألف، وهم ~~الأكثرون. وقرأ ابن عامر " لا إيمان لهم " بالكسر، وفيها وجهان ذكرهما ~~الزجاج. # أحدهما: أنه وصف لهم بالكفر ونفي الإيمان. # والثاني: لا أمان لهم، تقول آمنته إيمانا، والمعنى: فقد بطل أمانكم لهم ~~بنقضهم. # وفي قوله [تعالى]: (لعلهم ينتهون) قولان: # أحدهما: عن الشرك. # والثاني: عن نقض العهود. وفي " لعل " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الترجي، المعنى: ليرجى منهم الانتهاء، قاله الزجاج. # والثاني: أنها بمعنى: " كي "، قاله أبو سليمان الدمشقي. # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ~~أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ~~ويتوب الله ms0878 على من يشاء والله عليم حكيم (15) PageV03P275 # قوله تعالى: (ألا تقاتلون قوما) قال الزجاج: هذا على وجه التوبيخ، ومعناه ~~الحض على قتالهم. قال المفسرون: وهذا نزل في نقض قريش عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذي عاهدهم بالحديبية حيث أعانوا على خزاعة. # وفي قوله [تعالى]: (وهموا بإخراج الرسول) قولان: # أحدهما: أنهم أبو سفيان في جماعة من قريش، كانوا فيمن هم بإخراج الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من مكة. # والثاني: أنهم قوم من اليهود، غدروا برسول الله، ونقضوا عهده وهموا ~~بمعاونة المنافقين على إخراجه من المدينة. # قوله تعالى: (وهم بدؤوكم أول مرة) فيه قولان: # أحدهما: بدؤوكم بإعانتهم على حلفائكم، قاله ابن عباس. # والثاني: بالقتال يوم بدر، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (أتخشونهم) قال الزجاج: أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه؟! ~~فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى إن كنتم مصدقين بعذابه وثوابه. # قوله تعالى: (ويشف صدور قوم مؤمنين) قال ابن عباس، ومجاهد: يعني خزاعة. # قوله تعالى: (ويذهب غيظ قلوبهم) أي: كربها ووجدها بمعونة قريش بني بكر ~~عليها. # قوله تعالى: (ويتوب الله على من يشاء) قال الزجاج: هو مستأنف، وليس بجواب ~~" قاتلوهم ". وفيمن عني به قولان: # أحدهما: بنو خزاعة، والمعنى: ويتوب الله على من يشاء من بني خزاعة، قاله ~~عكرمة. # والثاني: أنه عام في المشركين كما تاب على أبي سفيان، وعكرمة، وسهيل. ~~(والله عليم) بنيات المؤمنين، (حكيم) فيما قضى. # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) قوله تعالى: ~~(أم حسبتم أن تتركوا) في المخاطب بهذا قولان: # أحدهما: أنهم المؤمنون، خوطبوا بهذا حين شق على بعضهم القتال، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: أنهم قوم من المنافقين كانوا يسألون رسول الله الخروج معه إلى ~~الجهاد تعذيرا، قاله PageV03P276 # ابن عباس. وإنما دخلت الميم في الاستفهام، لأنه استفهام معترض في وسط ~~الكلام، فدخلت لتفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ. قال الفراء: ولو أريد به ~~الابتداء، لكان إما بالألف، أو ب‍ " هل "، ومعنى الكلام: أن ms0879 تتركوا بغير ~~امتحان يبين به الصادق من الكاذب. (ولما يعلم الله) أي: ولم تجاهدوا فيعلم ~~الله وجود ذلك منكم، وقد كان يعلم ذلك غيبا، فأراد إظهار ما علم ليجازي على ~~العمل. # فأما الوليجة، فقال ابن قتيبة: هي البطانة من غير المسلمين، وهو أن يتخذ ~~الرجل من المسلمين دخيلا من المشركين وخليطا ووادا، وأصله من الولوج. قال ~~أبو عبيدة: وكل شئ أدخلته في شئ ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم ~~وليس منهم فهو وليجة فيهم. # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك ~~حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين (18) قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد ~~الله) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " مسجد الله " على التوحيد، " إنما يعمر ~~مساجد الله " على الجمع. وقرأ عاصم، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي على ~~الجمع فيهما. وسبب نزولها أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر فيهم ~~العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله فعيروهم بالشرك، ~~وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله وقطيعة الرحم، فقال ~~العباس: مالكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ ~~قالوا: نعم، لنحن أفضل منكم أجرا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ~~ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل في جماعة. وفي ~~المراد بالعمارة قولان: # أحدهما: دخوله والجلوس فيه. # والثاني: البناء له وإصلاحه، فكلاهما محظور على الكافر. والمراد من قوله ~~[تعالى]: (ما كان للمشركين) أي: يجب على المسلمين منعهم من ذلك. قال ~~الزجاج: وقوله [تعالى]: # (شاهدين) حال. المعنى: ما كانت لهم عمارته في حال إقرارهم بالكفر، (أولئك ~~حبطت أعمالهم) لأن كفرهم أذهب ثوابها. PageV03P277 # فإن قيل: كيف يشهدون على أنفسهم بالكفر، وهم يعتقدون أنهم على الصواب، ~~فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه قول اليهودي: أنا يهودي، وقول النصراني: أنا نصراني، قاله ms0880 ~~السدي. # والثاني: أنهم ثبتوا على أنفسهم الكفر بعدولهم عن أمر النبي، وهو حق لا ~~يخفى على مميز، فكانوا بمنزلة من شهد على نفسه. # والثالث: أنهم آمنوا بأنبياء شهدوا لمحمد بالتصديق، وحرضوا على اتباعه، ~~فلما آمنوا بهم وكذبوه، دلوا على كفرهم، وجرى ذلك مجرى الشهادة على أنفسهم ~~بالكفر، لأن الشهادة هي تبيين وإظهار، ذكرهما ابن الأنباري. # فإن قيل: ما وجه قوله [تعالى]: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر) ولم يذكر الرسول، والإيمان لا يتم إلا به؟ فالجواب: أن فيه ~~دليلا على الرسول، لقوله: [تعالى]: # (وأقام الصلاة) أي: الصلاة التي جاء بها الرسول، قاله الزجاج. فإن قيل: ~~(فعسى) ترج، وفاعل هذه الخصال مهتد بلا شك. فالجواب، أن " عسى " من الله ~~واجبة، قاله ابن عباس. فإن قيل: قد يعمر مساجد الله من ليس فيه هذه الصفات. ~~فالجواب: أن المراد أنه من كان على هذه الصفات المذكورة، كان من أهل ~~عمارتها، وليس المراد أن من عمرها كان بهذه الصفة. # * أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها ~~نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) قوله تعالى: ~~(أجعلتم سقاية الحاج) في سبب نزولها ستة أقوال: # أحدها: رواه مسلم في " صحيحه " من حديث النعمان بن بشير قال: كنت عند ~~منبر رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا ~~بعد أن أسقي الحاج، وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر ~~المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، ~~وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وهو يوم ~~الجمعة، ولكني إذا PageV03P278 # صليت الجمعة دخلت واستفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه، فنزلت هذه ms0881 الآية. # والثاني: أن العباس بن عبد المطلب قال يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا ~~بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك ~~العاني فنزلت هذه الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله الحرام، والقيام على ~~السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله، ~~فنزلت هذه الآية، رواه عطية العوفي عن ابن عباس. # والرابع: أن عليا والعباس وطلحة - يعني سادن الكعبة - افتخروا، فقال ~~طلحة: أنا صاحب البيت، بيدي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: أنا ~~صاحب السقاية، والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد. وقال علي: ما أدري ما ~~تقولون، لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فنزلت هذه الآية، ~~قاله الحسن، والشعبي، والقرظي. # والخامس: أنهم لما أمروا بالهجرة قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: ~~أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مجاهد. # والسادس: أن عليا قال للعباس: ألا تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ~~ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله واعمر المسجد الحرام؟ ~~فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مرة الهمداني، وابن سيرين. قال الزجاج: ~~ومعنى الآية: أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله؟ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. قال الحسن: كان ينبذ زبيب، ~~فيسقون الحاج في الموسم. وقال ابن عباس: عمارة المسجد: تجميره، وتخليقه، ~~فأخبر الله أن أفعالهم تلك لا تنفعهم مع الشرك، وسماهم ظالمين لشركهم. # قوله تعالى: (أعظم درجة) قال الزجاج: هو منصوب على التمييز. والمعنى: ~~أعظم من غيرهم درجة. والفائز: الذي يظفر بأمنيته من الخير. فأما النعيم، ~~فهو لين العيش. والمقيم: # الدائم. PageV03P279 # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) قوله تعالى: (لا ~~تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء) في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أنه لما أمر المسلمون بالهجرة، جعل الرجل يقول لأهله: ms0882 إنا قد ~~أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك، ومنهم من يتعلق به عياله وزوجته ~~فيقولون: ننشدك الله أن تدعنا إلى غير شئ، فيرق قلبه فيجلس معهم، فنزلت هذه ~~الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه لما أمر الله المؤمنين بالهجرة، قال المسلمون: يا نبي الله، ~~إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، ~~وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: أنا أحجب ~~الكعبة فلا نهاجر، نزلت هذه الآية والتي قبلها، هذا قول قتادة، وقد ذكرناه ~~عن مجاهد. # والرابع: أن نفرا ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ولايتهم، ~~وأنزل هذه الآية، قاله مقاتل. # والخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالجهاز لنصرة خزاعة ~~على قريش، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، نعاونهم على قومنا؟ فنزلت هذه ~~الآية، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) قوله ~~تعالى: (قل إن كان آباؤكم..) الآية، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الذين تخلفوا مع عيالهم بمكة ولم يهاجروا، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن علي بن أبي طالب قدم مكة، فقال لقوم: ألا تهاجرون؟ فقالوا: ~~نقيم مع إخواننا PageV03P280 # وعشائرنا ومساكننا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن سيرين. # والثالث: أنه لما نزلت الآية التي قبلها، قالوا: يا رسول الله، إن نحن ~~اعتزلنا من خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ~~ديارنا، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض المفسرين في هذه الآية، وذكره بعضهم في ~~الآية الأولى كما حكيناه عن ابن عباس. فأما العشيرة، فهم الأقارب الأدنون. ~~وروى أبو بكر عن عاصم " وعشيراتكم " على الجمع. قال أبو علي: وجهه أن كل ~~واحد من المخاطبين له عشيرة، ms0883 فإذا جمعت قلت: عشيراتكم، وحجة من أفرد: أن ~~العشيرة واقعة على الجمع، فاستغنى بذلك عن جمعها. وقال الأخفش: لا تكاد ~~العرب تجمع عشيرة: # عشيرات، إنما يجمعونها على عشائر. والاقتراف بمعنى الاكتساب. والتربص: ~~الانتظار. # وفي قوله [تعالى]: (حتى يأتي الله بأمره) قولان: # أحدهما: أنه فتح مكة، قاله مجاهد والأكثرون، ومعنى الآية: إن كان المقام ~~في أهاليكم، وكانت الأموال التي اكتسبتموها (وتجارة تخشون كسادها) لفراقكم ~~بلدكم (ومساكن ترضونها أحب إليكم) من الهجرة، فأقيموا غير مثابين، حتى تفتح ~~مكة، فيسقط فرض الهجرة. # والثاني: أنه العقاب، قاله الحسن. # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) قوله تعالى: (لقد ~~نصركم الله في مواطن كثيرة) أي: في أماكن. قال الفراء: وكل جمع كانت فيه ~~ألف قبلها حرفان وبعدها حرفان لم يجر، مثل صوامع، ومساجد: وجرى " حنين " ~~لأنه اسم لمذكر، وهو واد بين مكة والطائف، وإذا سميت ماء أو واديا أو جبلا ~~باسم مذكر لا علة فيه، أجريته، من ذلك: حنين، وبدر، وحراء، وثبير، ودابق. ~~ومعنى الآية: أن الله عز وجل أعلمهم أنهم إنما يغلبون بنصر الله لا ~~بكثرتهم. وفي عددهم يوم حنين أربعة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا ستة عشر ألفا، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: عشرة آلاف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: كانوا اثني عشر ألفا، قاله قتادة، وابن زيد، وابن إسحاق، ~~والواقدي. # والرابع: أحد عشر ألفا وخمسمائة، قاله مقاتل. قال ابن عباس: فقال ذلك ~~اليوم سلمة بن سلامة بن وقش، وقد عجب لكثرة الناس: لن تغلب اليوم من قلة، ~~فساء رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كلامه، PageV03P281 # ووكلوا إلى كلمة الرجل، فذلك قوله [تعالى] (إذ أعجبتكم كثرتكم فلن تغن ~~عنكم شيئا). وقال سعيد بن المسيب: القائل لذلك أبو بكر الصديق. وحكى ابن ~~جرير أن القائل لذلك رسول الله [صلى الله عليه وسلم]. وقيل: بل العباس. ~~وقيل: رجل من بني بكر. # قوله تعالى: (وضاقت عليكم الأرض بما ms0884 رحبت) أي: برحبها. قال الفراء: ~~والباء هاهنا بمنزلة " في " كما تقول: ضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها. # الإشارة إلى القصة قال أهل العلم بالسيرة: لما فتح رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] مكة، تآمر عليه أشراف هوازن وثقيف، فجاؤوا حتى نزلوا أوطاس، ~~وأجمعوا المسير إليه، فخرج إليهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فلما ~~التقوا أعجبتهم كثرتهم فهزموا. # وقال البراء بن عازب: لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، ~~فأقبلوا بالسهام، فانكشف المسلمون عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم]. ~~وبعضهم يقول: ثبت مع النبي [صلى الله عليه وسلم] يومئذ جماعة من أصحابه ~~منهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث. # وبعضهم يقول: لم يبق معه سوى العباس وأبي سفيان، فجعل النبي يقول للعباس: ~~" ناد: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة " فنادى، ~~وكان صيتا، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها، يقولون: يا لبيك، ~~فنظر النبي [صلى الله عليه وسلم] إلى قتالهم، فقال: " الآن حمي الوطيس، أنا ~~النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " ثم قال للعباس: " ناولني حصيات " ~~فناوله، فقال: (شاهت الوجوه) ورمى بها، وقال: " انهزموا ورب الكعبة "، فقذف ~~الله في قلوبهم الرعب فانهزموا. وقيل: أخذ رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~كفا من تراب، فرماهم به فانهزموا. وكانوا يقولون: ما بقي منا أحد إلا ~~امتلأت عيناه بالتراب. PageV03P282 # ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ~~والله غفور رحيم (27) قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته) أي: بعد الهزيمة. ~~قال أبو عبيدة: هي فعلية من السكون، وأنشد: # لله قبر غالها ماذا يجن * لقد أجن سكينة ووقارا قوله تعالى: (وأنزل جنودا ~~لم تروها) قال ابن عباس: يعني الملائكة. وفي عددهم يومئذ ثلاثة أقوال: # أحدها: ستة عشر ألفا، قاله الحسن. # والثاني: خمسة آلاف، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: ثمانية، قاله مجاهد، يعني: ثمانية آلاف. وهل قاتلت الملائكة ms0885 ~~يومئذ، أم لا؟ فيه قولان: # وفي قوله [تعالى]: (وعذب الذين كفروا) أربعة أقوال: # أحدها: بالقتل، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: بالقتل والهزيمة، قاله ابن أبزى، ومقاتل. # والثالث: بالخوف والحذر، ذكره الماوردي. # والرابع: بالقتل، والأسر، وسبي الأولاد، وأخذ الأموال، ذكره بعض ناقلي ~~التفسير. # قوله تعالى: (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء) أي: يوفقه للتوبة من ~~الشرك. # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم (28) قوله تعالى: (إنما المشركون نجس) قال أبو عبيدة: معناه: قذر. قال ~~الزجاج: يقال لكل شئ مستقذر: نجس. وقال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نجس، ~~إلا وقبلها رجس، فإذا أفردوها قالوا: نجس. وفي المراد بكونهم نجسا ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنهم أنجاس الأبدان، كالكلب والخنزير، حكاه الماوردي عن الحسن، ~~وعمر بن عبد PageV03P283 # العزيز. وروى ابن جرير عن الحسن قال: من صافحهم فليتوضأ. # والثاني: أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجنابة، وإن لم تكن ~~أبدانهم أنجاسا، قاله قتادة. # والثالث: أنه لما كان علينا اجتنابهم كما تجتنب الأنجاس، صاروا بحكم ~~الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح. # قوله تعالى: (فلا يقربوا المسجد الحرام) قال أهل التفسير: يريد جميع ~~الحرم. (بعد عامهم هذا) وهو سنة تسع من الهجرة، وهي السنة التي حج فيها أبو ~~بكر الصديق وقرئت (براءة) وقد أخذ أحمد رضي الله عنه بظاهر الآية، وأنه ~~يحرم عليهم دخول الحرم، وهو قول مالك، والشافعي. واختلفت الرواية عنه في ~~دخولهم غير المسجد الحرام من المساجد، فروي عنه المنع أيضا إلا لحاجة، ~~كالحرم، وهو قول مالك. وروي عنه جواز ذلك، وهو قول الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: يجوز لهم دخول المسجد الحرام، وسائر المساجد. # قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة) وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، والشعبي، ~~وابن السميفع: " عايلة ". قال سعيد بن جبير: لما نزلت (إنما المشركون نجس ~~فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) شق على المسلمين، ms0886 وقالوا: من ~~يأتينا بطعامنا؟ وكانوا يقدمون عليهم بالتجارة، فنزلت (وإن خفتم عيلة..) ~~قال الأخفش: العيلة: الفقر. يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر. وأعال إعالة ~~فهو يعيل: إذا صار صاحب عيال. وقال أبو عبيدة: العيلة هاهنا مصدر عال فلان: ~~إذا افتقر، وأنشد: # وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل وللمفسرين في قوله: ~~" وإن " قولان: # أحدهما: أنها للشرط، وهو الأظهر. # والثاني: أنها بمعنى " وإذ "، قاله عمرو بن فايد. قالوا: وإنما خاف ~~المسلمون الفقر، لأن المشركين كانوا يحملون التجارات إليهم، ويجيئون ~~بالطعام وغيره. # وفي قوله [تعالى]: (فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أنزل عليهم المطر عند انقطاع المشركين عنهم، فكثر خيرهم، قاله ~~عكرمة. # والثاني: أنه أغناهم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب، قاله قتادة، ~~والضحاك. PageV03P284 # والثالث: أن أهل نجد، وجرش، وأهل صنعاء أسلموا، فحملوا الطعام إلى مكة ~~على الظهر، فأغناهم الله به، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (إن الله عليم) قال ابن عباس: عليم بما يصلحكم، (حكيم) فيما ~~حكم في المشركين. # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) قال المفسرون: ~~نزلت في اليهود والنصارى. قال الزجاج: ومعناها: لا يؤمنون بالله إيمان ~~الموحدين، لأنهم أقروا بأنه خالقهم وأنه له ولد، وكذلك إيمانهم بالبعث ~~لأنهم لا يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون. وقال الماوردي: إقرارهم ~~باليوم الآخر يوجب الإقرار بحقوقه، وهم لا يقرون بها، فكانوا كمن لا يقر ~~به. # قوله تعالى: (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) قال سعيد بن جبير: يعني ~~الخمر والخنزير. # قوله تعالى: (ولا يدينون دين الحق) في الحق قولان: # أحدهما: أنه اسم الله، فالمعنى: دين الله، قاله قتادة. # والثاني: أنه صفة للدين، والمعنى: ولا يدينون الدين الحق، فأضاف الاسم ~~إلى الصفة. وفي معنى " يدينون " قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، والمعنى: لا يطيعون الله طاعة حق، قاله ms0887 أبو ~~عبيدة. # والثاني: أنه من: دان الرجل يدين كذا: إذا التزمه. ثم في جملة الكلام ~~قولان: # أحدهما: أن المعنى: لا يدخلون في دين محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه ناسخ ~~لما قبله. # والثاني: لا يعملون بما في التوراة من اتباع محمد. # قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية) قال ابن الأنباري: الجزية: الخراج ~~المجعول عليهم، سميت جزية، لأنها قضاء لما عليهم، أخذ من قولهم: جزى يجزي: ~~إذا قضى، ومنه قوله تعالى: # (لا تجزى نفس عن نفس شيئا)، وقوله: " ولا تجزي عن أحد بعدك ". وفي قوله ~~PageV03P285 # [تعالى] (عن يد) ستة أقوال: # أحدها: عن قهر، قاله قتادة، والسدي. وقال الزجاج: عن قهر وذل. # والثاني: أنه النقد العاجل، قاله شريك، وعثمان بن مقسم. # والثالث: أنه إعطاء المبتدئ بالعطاء، لا إعطاء المكافئ، قاله ابن قتيبة. # والرابع: أن المعنى: عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. # والخامس: عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية منهم إنعام عليهم، حكاهما ~~الزجاج. # والسادس: يؤدونها بأيديهم، ولا ينفذونها مع رسلهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (وهم صاغرون) الصاغر: الذليل الحقير. # وفي ما يكلفونه من الفعل الذي يوجب صغارهم خمسة أقوال: # أحدها: أن يمشوا بها ملببين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن لا يحمدوا على إعطائهم، قاله سلمان الفارسي. # والثالث: أن يكونوا قياما والآخذ جالسا، قاله عكرمة. # والرابع: أن دفع الجزية هو الصغار. # والخامس: أن إجراء أحكام الإسلام عليهم هو الصغار. # فصل واختلف في الذين تؤخذ منهم الجزية من الكفار، فالمشهور عن أحمد: أنها ~~لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي. ونقل الحسن بن ~~ثواب عن أحمد: أنه من سبي من أهل الأديان من العرب والعجم، فالعرب إن ~~أسلموا، وإلا السيف، وأولئك إن أسلموا، وإلا الجزية، فظاهر هذا أن الجزية ~~تؤخذ من الكل، إلا من عابدي الأوثان من العرب فقط، وهو قول أبي حنيفة، ~~ومالك. # فصل فأما صفة الذين تؤخذ منهم الجزية، فهم أهل القتال. فأما الزمن، ~~والأعمى، والمفلوج، والشيخ الفاني، والنساء، والصبيان، والراهب الذي لا ~~يخالط الناس، ms0888 فلا تؤخذ منهم. # فصل فأما مقدارها، فقال أصحابنا: على الموسر: ثمانية وأربعون درهما، وعلى ~~المتوسط: أربعة وعشرون، وعلى الفقير المعتمل: اثنا عشر، وهو قول أبي حنيفة. ~~وقول مالك: على أهل الذهب PageV03P286 # أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهما، وسواء في ذلك الغني والفقير. ~~وقال الشافعي: على الغني والفقير دينار. وهل تجوز الزيادة والنقصان مما ~~يؤخذ منهم؟ نقل الأثرم عن أحمد أنها تزاد وتنقص على قدر طاقتهم، فظاهر هذا: ~~أنها على اجتهاد الإمام ورأيه. ونقل يعقوب بن بختان: # أنه لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد. # فصل ووقت وجوب الجزية: آخر الحول، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تجب ~~في أول الحول. فأما إذا دخلت سنة في سنة، فهل تسقط جزية السنة الماضية؟ ~~عندنا لا تسقط - وقال أبو حنيفة: تسقط. فأما إذا أسلم، فإنها تسقط ~~بالإسلام. فأما إن مات، فكان ابن حامد يقول: لا تسقط. وقال القاضي أبو ~~يعلى: يحتمل أن تسقط. # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) قوله تعالى: ~~(وقالت اليهود عزير ابن الله) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة: " عزير ابن الله " بغير تنوين. وقرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب، وعبد ~~الوارث عن أبي عمرو: منونا. قال مكي بن أبي طالب: من نون عزيرا رفعه على ~~الابتداء، و " ابن " خبره. ولا يحسن حذف التنوين على هذا من " عزير " ~~لالتقاء الساكنين. ولا تحذف ألف " ابن " من الخط، ويكسر التنوين لالتقاء ~~الساكنين. ومن لم ينون " عزيرا " جعله أيضا مبتدأ، و " ابن " صفة له، فيحذف ~~التنوين على هذا استخفافا لالتقاء الساكنين، ولأن الصفة مع الموصوف كالشئ ~~الواحد، وتحذف ألف " ابن " من الخط، والخبر مضمر تقديره: عزير بن الله ~~نبينا وصاحبنا. وسبب نزولها أن سلام بن مشكم، ونعمان بن ms0889 أوفى، وشاس بن قيس، ~~ومالك بن الصيف، أتوا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] PageV03P287 # فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزير ابن الله؟ ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال ابن عمر، وابن جريج: إن القائل لذلك ~~فنحاص. فأما عزير، فقال شيخنا أبو منصور اللغوي: هو اسم أعجمي معرب، وإن ~~وافق لفظ العربية، فهو عبراني، كذا قرأته عليه. وقال مكي ابن أبي طالب: ~~العزير عند كل النحويين: عربي مشتق من قوله: يعزروه. وقال ابن عباس: إنما ~~قالوا ذلك، لأنهم لما عملوا بغير الحق، أنساهم الله التوراة، ونسخها من ~~صدورهم، فدعا عزير الله تعالى، فعاد إليه الذي نسخ من صدروهم، ونزل نور من ~~السماء فدخل جوفه، فأذن في قومه فقال: # قد آتاني الله التوراة، فقالوا: ما أوتيها إلا لأنه ابن الله. وفي رواية ~~أخرى عن ابن عباس: أن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس، ~~وقتل من قرأ التوراة، كان عزير غلاما، فتركه. # فلما توفي عزير ببابل، ومكث مائة عام، ثم بعثه الله تعالى إلى بني ~~إسرائيل، فقال: أنا عزير، فكذبوه وقالوا: قد حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات ~~ببابل، فإن كنت عزيرا فأملل علينا التوراة، فكتبها لهم، فقالوا: هذا ابن ~~الله. # وفي الذين قالوا هذا عن عزير ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم جميع بني إسرائيل، روي عن ابن عباس. # والثاني: طائفة من سلفهم، قاله الماوردي. # والثالث: جماعة كانوا على عهد رسول الله، وفيهم قولان: # أحدهما: فنحاص وحده، وقد ذكرناه عن ابن عمر، وابن جريج. # والثاني: الذين ذكرناهم في أول الآية عن ابن عباس. # فإن قيل: إن كان قول بعضهم، فلم أضيف إلى جميعهم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن إيقاع اسم الجماعة على الواحد معروف في اللغة، تقول العرب: ~~جئت من البصرة على البغال، وإن كان لم يركب إلا بغلا واحدا. # والثاني: أن من لم يقله، لم ينكره. # قوله تعالى: (وقالت النصارى المسيح ابن الله) في سبب قولهم هذا قولان: # أحدهما: لكونه ولد من غير ذكر. # والثاني: لأنه ms0890 أحيى الموتى، وأبرأ الكمه والبرص، وقد شرحنا هذا المعنى في ~~(المائدة). # قوله تعالى: (ذلك قولهم بأفواههم) إن قال قائل: هذا معلوم، فما فائدته؟ ~~فالجواب: أن PageV03P288 # المعنى: إنه قول بالفم، لا بيان فيه، ولا برهان، ولا تحته معنى صحيح، ~~قاله الزجاج. # قوله تعالى: (يضاهون) قرأ الجمهور: من غير همز. وقرأ عاصم: " يضاهئون ". ~~قال ثعلب: لم يتابع عاصما أحد على الهمز. قال الفراء: وهي لغة. قال الزجاج: ~~" يضاهون يشابهون قول من تقدمهم من كفرتهم، فإنما قالوه اتباعا لمتقدميهم. ~~وأصل المضاهاة في اللغة: المشابهة، والأكثر ترك الهمز، واشتقاقه من قولهم: ~~امرأة ضهياء، وهي التي لا ينبت لها ثدي. وقيل: هي التي لا تحيض، والمعنى: ~~أنها قد أشبهت الرجال. قال ابن الأنباري: يقال: ضاهيت، وضاهأت: إذا شبهت. ~~وفي (الذين كفروا) هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم عبدة الأوثان، والمعنى: أن أولئك قالوا: الملائكة بنات الله، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم اليهود، فالمعنى: أن النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، ~~شابهوا اليهود في قولهم: عزير ابن الله، قاله قتادة، والسدي. # والثالث: أنهم أسلافهم، تابعوهم في أقوالهم تقليدا، قاله الزجاج، وابن ~~قتيبة. وفي قوله [تعالى]: (قاتلهم الله) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: لعنهم الله، قاله ابن عباس: # والثاني: قتلهم الله، قاله أبو عبيدة. # والثالث: عاداهم الله، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: (أنى يؤفكون) أي: من أين يصرفون عن الحق. # قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم) قد سبق في (المائدة) معنى الأحبار ~~والرهبان. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية، ~~فقال: " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا ~~استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه ". فعلى هذا المعنى: إنهم جعلوهم ~~كالأرباب وإن لم يقولوا: إنهم أرباب. # قوله تعالى: (والمسيح ابن مريم) قال ابن عباس: اتخذوه ربا. # يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) قوله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله) قال ابن عباس: ~~يخمدوا دين الله بتكذيبهم، PageV03P289 # يعني: أنهم يكذبون به ويعرضون عنه ms0891 يريدون إبطاله بذلك. وقال الحسن ~~وقتادة: نور الله: القرآن والإسلام. فأما تخصيص ذلك بالأفواه، فلما ذكرنا ~~في الآية قبلها. وقيل: إن الله تعالى لم يذكر قولا مقرونا بالأفواه والألسن ~~إلا وهو زور. # قوله تعالى: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) قال الفراء: إنما دخلت " إلا " ~~هاهنا، لأن في الإباء طرفا من الجحد، ألا ترى أن " أبيت " كقولك: " لم أفعل ~~"، فكأنه بمنزلة قولك: ما ذهب إلا زيد، قال الشاعر: # فهل لي أم غيرها إن تركتها * أبى الله إلا أن أكون لها ابنما وقال ~~الزجاج: المعنى: ويأبى الله كل شئ إلا إتمام نوره. قال مقاتل: " يتم نوره " ~~أي: # يظهر دينه. # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله) يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم (بالهدى) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التوحيد. # والثاني: القرآن. # والثالث: تبيان الفرائض. فأما دين الحق، فهو الإسلام. وفي قوله [تعالى]: ~~(ليظهره) قولان: # أحدهما: أن الهاء عائدة على رسول الله، فالمعنى: ليعلمه شرائع الدين ~~كلها، فلا يخفى عليه منها شئ، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها راجعة إلى الدين. ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: ليظهر هذا الدين على سائر الملل. ومتى يكون ذلك؟ فيه قولان: # أحدهما: عند نزول عيسى عليه السلام، فإنه يتبعه أهل كل دين، وتصير الملل ~~واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام أو أدوا الجزية، قاله أبو ~~هريرة، والضحاك. # والثاني: أنه عند خروج المهدي، قاله السدي. # والقول الثاني: أن إظهار الدين إنما هو بالحجج الواضحة، وإن لم يدخل ~~الناس فيه. # * يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل PageV03P290 # ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله فبشرهم بعذاب أليم (34) قوله تعالى: (إن كثيرا من الأحبار) الأحبار من ~~اليهود، والرهبان من النصارى. وفي الباطل أربعة أقوال: # أحدها: أنه الظلم، قاله ابن عباس. # والثاني: الرشا في الحكم، قاله الحسن. # والثالث: الكذب، قاله أبو سليمان. ms0892 # والرابع: أخذه من الجهة المحظورة، قاله القاضي أبو يعلى: والمراد: أخذ ~~الأموال، وإنما ذكر الأكل، لأنه معظم المقصود من المال. وفي المراد بسبيل ~~الله هاهنا قولان: # أحدهما: الإيمان برسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قاله ابن عباس، ~~والسدي. # والثاني: أنه الحق في الحكم. # قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت عامة في أهل الكتاب والمسلمين، قاله أبو ذر، والضحاك. # والثاني: أنها خاصة في أهل الكتاب، قاله معاوية بن أبي سفيان. # والثالث: أنها في المسلمين، قاله ابن عباس، والسدي. # وفي الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ما لم تؤد زكاته. قال ابن عمر: كل مال أديت زكاته وإن كان تحت ~~سبع أرضين فليس بكنز، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا على وجه ~~الأرض، وإلى هذا المعنى ذهب الجمهور. فعلى هذا، معنى الإنفاق: إخراج ~~الزكاة. # والثاني: أنه ما زاد على أربعة آلاف، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ~~أربعة آلاف نفقة، وما فوقها كنز. # والثالث: ما فضل عن الحاجة، وكان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام ثم ~~نسخ بالزكاة. PageV03P291 # فإن قيل: كيف قال: " ينفقونها " وقد ذكر شيئين؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن المعنى: يرجع إلى الكنوز والأموال. # والثاني: أنه يرجع إلى الفضة، وحذف الذهب، لأنه داخل في الفضة، قال ~~الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف يريد: نحن بما عندنا ~~راضون، وأنت بما عندك راض، ذكر القولين الزجاج. وقال الفراء: إن شئت اكتفيت ~~بأحد المذكورين، كقوله [تعالى]: (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا)، ~~وقوله [تعالى]: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها)، وأنشد: # إني ضمنت لمن أتاني ما جنى * وأبى وكان وكنت غير غدور ولم يقل: غدورين، ~~وإنما اكتفى بالواحد لاتفاق المعنى. قال أبو عبيدة: والعرب إذا أشركوا بين ~~اثنين قصروا، فخبروا عن أحدهما استغناء بذلك، وتحقيقا، لمعرفة السامع بأن ~~الآخر قد شاركه، ودخل معه في ذلك الخبر، وأنشد: ms0893 # فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب والنصب في " قيار " ~~أجود، وقد يكون الرفع. وقال حسان بن ثابت: # إن شرخ الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاص كان جنونا ولم يقل: يعاصيا. # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) قوله تعالى: (يوم يحمى عليها) ~~أي: على الأموال. قال ابن مسعود: والله ما من رجل يكوى بكنز، فيوضع دينار ~~على دينار ولا درهم على درهم، ولكن يوسع جلده، فيوضع كل دينار ودرهم على ~~حدته. وقال ابن عباس: هي حية تنطوي على جنبيه وجبهته، فتقول: أنا مالك الذي ~~بخلت به. PageV03P292 # قوله تعالى: (هذا ما كنزتم) فيه محذوف تقديره: ويقال لهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم (فذوقوا ما كنتم تكنزون) أي: عذاب ذلك. # فإن قيل: لم خص الجباه والجنوب والظهور من بقية البدن؟ # فالجواب: أن هذه المواضع مجوفة، فيصل الحر إلى أجوافها، بخلاف اليد ~~والرجل. وكان أبو ذر يقول: بشر الكنازين بكي في الجباه وكي في الجنوب وكي ~~في الظهور، حتى يلتقي الحر في أجوافهم. وجواب آخر: وهو أن الغني إذا رأى ~~الفقير، انقبض، وإذا ضمه وإياه مجلس، أزور عنه وولاه ظهره، قاله أبو بكر ~~الوراق. # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) قوله ~~تعالى: (إن عدة الشهور عند الله) قال المفسرون: نزلت هذه الآية من أجل ~~النسئ الذي كانت العرب تفعله، فربما وقع حجهم في رمضان، وربما وقع في شوال، ~~إلى غير ذلك، وكانوا يستحلوا المحرم عاما، ويحرمون مكانه صفر، وتارة يحرمون ~~المحرم ويستحلون صفر. قال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن عدد شهور المسلمين ~~التي تعبدوا بأن يجعلوه لسنتهم: اثنا عشر شهرا على منازل القمر، فجعل حجهم ~~وأعيادهم على هذا العدد، فتارة يكون الحج والصوم في الشتاء، وتارة في ~~الصيف، ms0894 بخلاف ما يعتمده أهل الكتاب، فإنهم يعملون على أن السنة ثلاثمائة ~~يوم وخمسة وستون يوما وبعض يوم. وجمهور القراء على فتح عين " اثنا عشر ". ~~وقرأ أبو جعفر: اثنا عشر، وأحد عشر، وتسعة عشر، بسكون العين فيهن. # قوله تعالى: (في كتاب الله) أي: في اللوح المحفوظ. قال ابن عباس: في ~~الإمام الذي عند الله، كتبه (يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم) ~~وفيها قولان: # أحدهما: أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون. وقال ~~القاضي أبو يعلى: إنما سماها حرما لمعنيين. # أحدهما: تحريم القتال فيها، وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك أيضا. ~~PageV03P293 # والثاني: لتعظيم انتهاك المحارم فيها أشد من تعظيمه في غيرها، وكذلك ~~تعظيم الطاعات فيها. # والثاني: أنها الأشهر التي أجل المشركون فيها للسياحة، ذكره ابن قتيبة. # قوله تعالى: (وذلك الدين القيم) فيه قولان: # أحدهما: ذلك القضاء المستقيم، قاله ابن عباس. # والثاني: ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) اختلفوا في كناية " فيهن " على ~~قولين: # أحدهما: أنها تعود على الاثني عشر شهرا، قاله ابن عباس. فعلى هذا يكون ~~المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالا، ولا حلالها حراما، كفعل أهل النسئ. # والثاني: أنها ترجع إلى الأربعة الحرم، وهو قول قتادة، والفراء، واحتج ~~بأن العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة: لثلاث خلون، وأيام خلون، فإذا ~~جزت العشرة قالوا: خلت ومضت، ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هن، ~~وهؤلاء، فإذا جزت العشرة، قالوا: هي، وهذه، إرادة أن تعرف سمة القليل من ~~الكثير. وقال ابن الأنباري: العرب تعيد الهاء والنون على القليل من العدد، ~~والهاء والألف على الكثير منه، والقلة: ما بين الثلاثة إلى العشرة، ~~والكثرة: ما جاوز العشرة. يقولون: وجهت إليك أكبشا فاذبحهن، وكباشا ~~فاذبحها، فلهذا قال: (منها أربعة حرم) وقال: (فلا تظلموا فيهن) لأنه يعني ~~بقوله [تعالى]: " فيهن " الأربعة. ومن قال من المفسرين: إنه يعني بقوله: ~~[تعالى] " فيهن " الاثني عشر، فإنه ممكن، لأن العرب ربما جعلت علامة القليل ~~للكثير، وعلامة الكثير للقليل. وعلى قول من ms0895 قال: ترجع " فيهن " إلى ~~الأربعة، يخرج في معنى الظلم فيهن أربعة أقوال: # أحدها: أنه المعاصي، فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر، أن شأن ~~المعاصي يعظم فيها أشد من تعظيمه في غيرها، وذلك لفضلها على ما سواها، ~~كقوله [تعالى]: (وجبريل وميكال) وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة، وقوله: ~~(فاكهة ونخل ورمان) وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة، وقوله [تعالى]: (فلا ~~رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وإن كان منهيا عنه في غير الحج، وكما أمر ~~بالمحافظة على الصلاة الوسطى وإن كان مأمورا بالمحافظة على غيرها، هذا قول ~~الأكثرين. # والثاني: أن المراد بالظلم فيهن فعل النسئ، وهو تحليل شهر محرم، وتحريم ~~شهر حلال، قاله ابن إسحاق. PageV03P294 # والثالث: أنه البداية بالقتال فيهن، فيكون المعنى: فلا تظلموا أنفسكم ~~بالقتال فيهن إلا أن تبدؤوا بالقتال، قاله مقاتل. # والرابع: أنه ترك القتال فيهن، فيكون المعنى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~بترك المحاربة لعدوكم، قاله ابن بحر، وهو عكس قول مقاتل. والسر في أن الله ~~تعالى عظم بعض الشهور على بعض، ليكون الكف عن الهوى فيها ذريعة إلى استدامة ~~الكف في غيرها تدريجا للنفس إلى فراق مألوفها المكروه شرعا. # إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا ~~يهدى القوم الكافرين (37) قوله تعالى: (إنما النسئ زيادة في الكفر) الجمهور ~~على همز النسئ ومده وكسر سينه. وروى شبل عن ابن كثير: " النس ء " على وزن ~~النسع. وفي رواية أخرى عن شبل: # " النسي " مشددة الياء من غير همز، وهي قراءة أبي جعفر، والمراد بالكلمة ~~التأخير. قال اللغويون: النسئ: تأخير الشئ. وكانت العرب تحرم الأشهر ~~الأربعة، وكان هذا مما تمسكت به من ملة إبراهيم، فربما احتاجوا إلى تحليل ~~المحرم للحرب تكون بينهم، فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، ثم يحتاجون إلى ~~تأخير صفر أيضا إلى الشهر الذي بعده، ثم تتدافع الشهور شهرا بعد شهر حتى ~~يستدير التحريم على السنة ms0896 كلها، فكأنهم يستنسئون الشهر الحرام ويستقرضونه، ~~فأعلم الله تعالى أن ذلك زيادة في كفرهم، لأنهم أحلوا الحرام، وحرموا ~~الحلال (ليواطئوا) أي: ليوافقوا (عدة ما حرم الله) فلا يخرجون من تحريم ~~أربعة، ويقولون: هذه بمنزلة الأربعة الحرم، ولا يبالون بتحليل الحرام، ~~وتحريم الحلال. وكان القوم لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب ~~للموسم، قال الفراء: كانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا الصدر عن منى، قام ~~رجل من بني كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، وكان رئيس الموسم، فيقول: # أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ولا يرد لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرا، ~~يريدون: أخر عنا حرمة المحرم، واجعلها في صفر، فيفعل ذلك. وإنما دعاهم إلى ~~ذلك توالي ثلاثة أشهر حرم لا يغيرون فيها، وإنما كان معاشهم من الإغارة، ~~فتستدير الشهور كما بينا. وقيل: إنما كانوا يستحلون المحرم عاما، فإذا كان ~~من قابل ردوه إلى تحريمه. قال أبو عبيد: والتفسير الأول أحب إلي، لأن هذا ~~القول ليس فيه استدارة. وقال مجاهد: كان أول من أظهر النسئ جنادة بن عوف ~~الكناني، فوافقت حجة أبي بكر ذا القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في ~~العام القابل في ذي الحجة، فذلك حين PageV03P295 # قال: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ". ~~وقال الكلبي: أول من فعل ذلك نعيم بن ثعلبة. # قوله تعالى: (يضل به الذين كفروا) وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم: " يضل " بفتح الياء وكسر الضاد، والمعنى: أنهم ~~يكتسبون الضلال به. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " يضل " بضم الياء ~~وفتح الضاد، على ما لم يسم فاعله. وقرأ الحسن البصري، ويعقوب إلا الوليد: " ~~يضل " بضم الياء وكسر الضاد، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: يضل الله به. # والثاني: يضل الشيطان به، ذكرهما ابن القاسم. # والثالث: يضل به الذين كفروا الناس، لأنهم الذين سنوه لهم. قال أبو علي: ~~التقدير: # يضل به الذين كفروا تابعيهم. وقال ابن القاسم: الهاء في " به " راجعة إلى ~~النسئ، وأصل ms0897 النسئ: المنسوء، أي: المؤخر، فينصرف عن " مفعول " إلى " فعيل " ~~كما قيل: مطبوخ وطبيخ، ومقدور وقدير، قال: وقيل: الهاء راجعة إلى الظلم، ~~لأن النسئ كشف تأويل الظلم، فجرى مجرى المظهر، والأول اختيارنا. # يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل (38) قوله تعالى: (مالكم إذا قيل لكم انفروا) قال المفسرون: لما ~~أمر رسول الله بغزوة تبوك، وكان في زمن عسرة وجدب وحر شديد، وقد طابت ~~الثمار، عظم ذلك على الناس وأحبوا المقام، فنزلت هذه الآية. وقوله [تعالى] ~~" مالكم " استفهام معناه التوبيخ. وقوله [تعالى]: # (انفروا) معناه: اخرجوا، وأصل النفر: مفارقة مكان إلى مكان آخر لأمر هاج ~~إلى ذلك. وقوله [تعالى]: (اثاقلتم) قال ابن قتيبة: أراد: تثاقلتم، فأدغم ~~التاء في الثاء، وأحدثت الألف ليسكن ما بعدها، وأراد: قعدتم. وفي قراءة ابن ~~مسعود، والأعمش: " تثاقلتم ". PageV03P296 # وفي معنى (إلى الأرض) ثلاثة أقوال: # أحدها: تثاقلتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمرها، قاله مجاهد. # والثاني: اطمأننتم إلى الدنيا، قاله الضحاك. # والثالث: تثاقلتم إلى الإقامة بأرضكم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (أرضيتم بالحياة الدنيا) أي: بنعيمها من نعيم الآخرة، فما ~~يتمتع به في الدنيا قليل بالإضافة إلى ما يتمتع به الأولياء في الجنة. # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله ~~على كل شئ قدير (39) قوله تعالى: (إلا تنفروا يعذبكم) سبب نزولها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما حثهم على غزو الروم تثاقلوا، فنزلت هذه الآية، ~~قاله ابن عباس. وقال قوم: هذه خاصة فيمن استنفره رسول الله فلم ينفر، قال ~~ابن عباس: استنفر رسول الله حيا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم ~~المطر فكان عذابهم. وفي قوله [تعالى]: (ويستبدل قوما غيركم) وعيد شديد في ~~التخلف عن الجهاد، وإعلام بأنه يستبدل لنصر نبيه قوما غير متثاقلين. ثم ~~أعلمهم أنهم إن تركوا نصره لم يضروه، كما لم يضرره ذلك إذ كان بمكة. وفي ~~هاء ms0898 " تضروه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله، والمعنى: لا تضروا الله بترك النفير، قاله ~~الحسن. # والثاني: أنها ترجع إلى رسول الله، فالمعنى: لا تضروه بترك نصره، قاله ~~الزجاج. # فصل وقد روي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، قالوا: نسخ قوله [تعالى]: (إلا ~~تنفروا يعذبكم عذابا أليما) بقوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) وقال ~~أبو سليمان الدمشقي: ليس هذا من المنسوخ، إذ لا تنافي بين الآيتين، وإنما ~~حكم كل آية قائم في موضعها. وذكر القاضي أبو يعلى عن بعض العلماء أنهم ~~قالوا: ليس هاهنا نسخ، ومتى لم يقاوم أهل الثغور العدو، ففرض على الناس ~~النفير إليهم، ومتى استغنوا عن إعانة من وراءهم، عذر القاعدون عنهم. وقال ~~قوم هذا في غزوة تبوك، ففرض على الناس النفير مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. PageV03P297 # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم (40) قوله تعالى: (إلا تنصروه) أي: بالنفير معه (فقد نصره الله) ~~إعانة على أعدائه، (إذ أخرجه الذين كفروا) حين قصدوا إهلاكه على ما شرحنا ~~في قوله [تعالى]: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) فأعلمهم أن نصره ليس بهم. # قوله تعالى: (ثاني اثنين) العرب تقول: هو ثاني اثنين، أي: أحد الاثنين، ~~وثالث ثلاثة، أي: أحد الثلاثة، قال الزجاج: وقوله [تعالى]: (ثاني اثنين) ~~منصوب على الحال، المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين، أي: نصره منفردا إلا من ~~أبي بكر، وهذا معنى قول الشعبي: # عاتب الله أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر. وقال ابن جرير: ~~المعنى: أخرجوه وهو أحد الاثنين، وهما رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأبو ~~بكر. فأما الغار، فهو ثقب في الجبل، وقال ابن فارس: # الغار: الكهف، والغار: نبت طيب الريح، والغار: الجماعة من الناس، ~~والغاران: البطن والفرج، وهما الأجوفان، يقال: إنما هو عبد غاريه. قال ms0899 ~~الشاعر: # ألم تر أن الدهر يوم وليلة * وأن الفتى يسعى لغاريه دائبا قال قتادة: ~~وهذا الغار في جبل بمكة يقال له: ثور. قال مجاهد: مكثا فيه ثلاثا. وقد ذكرت ~~حديث الهجرة في كتاب " الحدائق ". قال أنس بن مالك: أمر الله عز وجل شجرة ~~فنبتت في وجه رسول الله فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت في وجهه، وأمر حمامتين ~~وحشيتين فوقعتا في فم الغار، فلما دنوا من الغار، عجل بعضهم لينظر، فرأى ~~حمامتين، فرجع فقال: رأيت حمامتين على فم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد ~~وقال مقاتل: جاء القائف فنظر إلى الأقدام فقال: هذه قدم ابن أبي قحافة، ~~والأخرى لا أعرفها، إلا أنها تشبه القدم التي في المقام. وصاحبه في هذه ~~الآية أبو بكر، وكان أبو بكر قد بكى لما مر المشركون على باب الغار، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم " ما ظنك باثنين الله ثالثهما "؟ PageV03P298 # وفي السكينة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الرحمة، قاله ابن عباس. # والثاني: الوقار، قاله قتادة. # والثالث: السكون والطمأنينة، قاله ابن قتيبة، وهو أصح. # وفي هاء " عليه " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى أبي بكر، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، ~~وحبيب بن أبي ثابت. واحتج من نصر هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان مطمئنا. # والثاني: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. # والثالث: أن الهاء ها هنا في معنى تثنية، والتقدير: فأنزل الله سكينته ~~عليهما، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما، كقوله [تعالى]: ~~(والله ورسوله أحق أن يرضوه)، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: (وأيده) أي: قواه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. ~~(بجنود لم تروها) وهم الملائكة. ومتى كان ذلك؟ فيه قولان: # أحدهما: يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، قاله ابن عباس. # والثاني: لما كان في الغار، صرفت الملائكة وجوه الكفار وأبصارهم عن ~~رؤيته، قاله الزجاج. # فإن قيل: إذا وقع الاتفاق أن هاء الكناية في " أيده " ترجع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فكيف تفارقها ms0900 هاء " عليه " وهما متفقتان في نظم الكلام؟ # فالجواب: أن كل حرف يرد إلى الأليق به، والسكينة إنما يحتاج إليها ~~المنزعج، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم منزعجا. فأما التأييد ~~بالملائكة، فلم يكن إلا للنبي ونظير هذا قوله [تعالى]: (لتؤمنوا بالله ~~ورسوله وتعزروه وتوقروه) يعني النبي [صلى الله عليه وسلم]، (وتسبحوه) يعني ~~الله عز وجل. # قوله تعالى: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) فيها قولان: # أحدهما: أن كلمة الكافرين الشرك، جعلها [الله] السفلى لأنها مقهورة، ~~وكلمة الله وهي التوحيد، هي العليا، لأنها ظهرت، هذا قول الأكثرين. ~~PageV03P299 # والثاني: أن كلمة الكافرين ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه، وكلمة ~~الله أنه ناصره، رواه عطاء عن ابن عباس. وقرأ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ~~وقتادة، والضحاك، ويعقوب: # " وكلمة الله " بالنصب. # قوله تعالى: (والله عزيز) أي: في انتقامه من الكافرين (حكيم) في تدبيره. # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (41) قوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا) سبب نزولها أن ~~المقداد جاء إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، وكان عظيما سمينا، فشكا ~~إليه وسأله أن يأذن له، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. وفي معنى " خفافا ~~وثقالا " أحد عشر قولا: # أحدها: شيوخا وشبابا، رواه أنس عن أبي طلحة، وبه قال الحسن، والشعبي، ~~وعكرمة، ومجاهد، وأبو صالح، وشمر بن عطية، وابن زيد في آخرين. # والثاني: رجالة وركبانا، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الأوزاعي. # والثالث: نشاطا وغير نشاط، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~ومقاتل. # والرابع: أغنياء وفقراء، روي عن ابن عباس. ثم في معنى هذا الوجه قولان: # أحدهما: أن الخفاف: ذوو العسرة وقلة العيال، والثقال: ذوو العيال ~~والميسرة، قاله الفراء. # والثاني: أن الخفاف: أهل الميسرة، والثقال: أهل العسرة، حكي عن الزجاج. # والخامس: ذوي عيال، وغير عيال. قاله زيد بن أسلم. # والسادس ذوي ضياع، وغير ذوي ضياع، قاله ابن زيد. # والسابع: ذوي أشغال، وغير ذوي أشغال، قاله الحكم. # والثامن: أصحاء، ومرضى، قاله مرة الهمداني، وجويبر. # والتاسع: عزابا ms0901 ومتأهلين، قاله يمان بن رياب. # والعاشر: خفافا إلى الطاعة، وثقالا عن المخالفة، ذكره الماوردي. # والحادي عشر: خفافا من السلاح، وثقالا بالاستكثار منه، ذكره الثعلبي. ~~PageV03P300 # فصل روى عطاء الخراساني عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بقوله [تعالى]: ~~(وما كان المؤمنون لينفروا كافة). وقال السدي: نسخت بقوله [تعالى]: (ليس ~~على الضعفاء ولا على المرضى). # قوله تعالى: (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) قال القاضي أبو يعلى: أوجب ~~الجهاد بالمال والنفس جميعا، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا ~~يصلح للقتال، فعليه الجهاد بماله، بأن يعطيه غيره فيغزو به، كما يلزمه ~~الجهاد بنفسه إذا كان قويا. وإن كان له مال وقوة، فعليه الجهاد بالنفس ~~والمال. ومن كان معدما عاجزا، فعليه الجهاد بالنصح لله ورسوله، لقوله ~~[تعالى]: (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله). # قوله تعالى: (ذلكم خير لكم) فيه قولان: # أحدهما: ذلكم خير لكم من تركه والتثاقل عنه. # والثاني: ذلكم الجهاد خير حاصل لكم (إن كنتم تعلمون) مالكم من الثواب. # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) ~~قوله تعالى: (لو كان عرضا قريبا) قال المفسرون: نزلت في المنافقين الذين ~~تخلفوا عن غزوة تبوك. ومعنى الآية: لو كان ما دعوا إليه عرضا قريبا. ~~والعرض: كل ما عرض لك من منافع الدنيا، فالمعنى: لو كانت غنيمة قريبة، أو ~~كان سفرا قاصدا، أي: سهلا قريبا، لاتبعوك طمعا في المال (ولكن بعدت عليهم ~~الشقة) قال ابن قتيبة: الشقة: السفر، وقال الزجاج: الشقة: # الغاية التي تقصد، وقال ابن فارس: الشقة: مصير إلى أرض بعيدة، تقول: شق ~~شاقة. # قوله تعالى: (وسيحلفون بالله) يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم (لو ~~استطعنا) وقرأ زائدة عن الأعمش، والأصمعي عن نافع: " لو استطعنا " بضم ~~الواو، وكذا أين وقع، مثل (لو اطلعت عليهم)، كأنه لما احتيج إلى حركة ~~الواو، حركت بالضم لأنها أخت الواو، والمعنى: لو قدرنا وكان لنا سعة في ~~المال. ms0902 (يهلكون أنفسهم) بالكذب والنفاق (والله يعلم إنهم لكاذبون) لأنهم ~~كانوا أغنياء ولم يخرجوا. PageV03P301 # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) ~~قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) كان عليه السلام قد أذن لقوم من ~~المنافقين في التخلف لما خرج إلى تبوك، قال ابن عباس: ولم يكن يومئذ يعرف ~~المنافقين. قال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما رسول الله ولم يؤمر بهما: ~~إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون. قال ~~مورق: عاتبه ربه بهذا. وقال سفيان بن عيينة: انظر إلى هذا اللطف، بدأه ~~بالعفو قبل أن يعيره بالذنب. وقال ابن الأنباري: لم يخاطب بهذا لجرم أجرمه، ~~لكن الله وقره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله [تعالى]: (عفا الله ~~عنك) كما يقول الرجل لمخاطبة إذا كان كريما عليه: عفا الله عنك، ما صنعت في ~~حاجتي؟ ورضي الله عنك، هلا زرتني. # قوله تعالى: (حتى يتبين لك الذين صدقوا) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: حتى تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له. # والثاني: لو لم تأذن لهم لقعدوا وبان لك كذبهم في اعتذارهم. قال قتادة: ~~ثم إن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله [تعالى]: (فائذن لمن شئت منهم). # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) قوله تعالى: (لا يستأذنك الذين ~~يؤمنون بالله) قال ابن عباس: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود. ~~قال الزجاج: أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن علامة النفاق في ~~ذلك الوقت الاستئذان. # فصل وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله [تعالى]: (لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه..) إلى آخر الآية. قال أبو سليمان الدمشقي: وليس للنسخ هاهنا ~~مدخل، لإمكان العمل بالآيتين، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه ~~في القعود عن الجهاد من غير عذر، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم ms0903 من ~~حاجة، وكان المنافقون إذا كانوا معه فعرضت PageV03P302 # لهم حاجة، ذهبوا من غير استئذانه. # * ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) قوله ~~تعالى: (ولو أرادوا الخروج) يعني المستأذنين له في القعود. # وفي المراد بالعدة قولان: # أحدهما: النية، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: السلاح، والمركوب، وما يصلح للخروج، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والانبعاث: الانطلاق. والتثبط: ردك الإنسان عن الشئ يفعله. # قوله تعالى: (وقيل اقعدوا) في القائل لهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم ألهموا ذلك خذلانا لهم. قاله مقاتل. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله غضبا عليهم. # والثالث: أنه قول بعضهم لبعض، ذكرهما الماوردي. # وفي المراد بالقاعدين قولان: # أحدهما: أنهم القاعدون بغير عذر، قاله ابن السائب. # والثاني: أنهم القاعدون بعذر، كالنساء والصبيان، ذكره علي بن عيسى. قال ~~الزجاج: ثم أعلم الله عز وجل لم كره خروجهم، فقال: (لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا) والخبال: الفساد وذهاب الشئ. وقال ابن قتيبة: الخبال: ~~الشر. # فإن قيل: كأن الصحابة كان فيهم خبال حتى قيل: (ما زادوكم إلا خبالا)؟ # فالجواب: أنه من الاستثناء المنقطع، والمعنى: ما زادوكم قوة، لكن أوقعوا ~~بينكم خبالا، وقيل: سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~خرج، ضرب عسكره على ثنية الوداع، وخرج عبد الله بن أبي، فضرب عسكره على ~~أسفل من ذلك، فلما سار رسول الله، تخلف ابن أبي فيمن تخلف من المنافقين، ~~فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: (ولأوضعوا خلالكم) قال الفراء: الإيضاع: السير بين القوم. ~~وقال أبو عبيدة: PageV03P303 # لأسرعوا بينكم، وأصله من التخلل. قال الزجاج: يقال: أوضعت في السير: ~~أسرعت. # قوله تعالى: (يبغونكم الفتنة) قال الفراء: يبغونها لكم. وفي الفتنة ~~قولان: # أحدهما: الكفر، قاله الضحاك، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: تفريق الجماعة، وشتات الكلمة. قال الحسن: لأوضعوا خلالكم ~~بالنميمة لإفساد ذات بينكم. # قوله تعالى: (وفيكم سماعون لهم) ms0904 فيه قولان: # أحدهما: عيون ينقلون إليهم أخباركم، قاله مجاهد، وابن زيد. # والثاني: من يسمع كلامهم ويطيعهم، قاله قتادة، وابن إسحاق. # لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) قوله تعالى: (لقد ابتغوا الفتنة) في الفتنة قولان: # أحدهما: الشر، قاله ابن عباس. # والثاني: الشرك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (من قبل) أي: من قبل غزوة تبوك. # وفي قوله [تعالى]: (وقلبوا لك الأمور) خمسة أقوال: # أحدها: بغوا لك الغوائل، قاله ابن عباس. وقيل: إن اثني عشر رجلا من ~~المنافقين وقفوا على طريقه ليلا ليفتكوا به، فسلمه الله منهم. # والثاني: احتالوا في تشتت أمرك وإبطال دينك، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~قال ابن جرير: # وذلك كانصراف ابن أبي يوم أحد بأصحابه. # والثالث: أنه قولهم ما ليس في قلوبهم. # والرابع: أنه ميلهم إليك في الظاهر، وممالأة المشركين في الباطن. # والخامس: أنه حلفهم بالله (لو استطعنا لخرجنا معكم) ذكر هذه الأقوال ~~الثلاثة الماوردي. # قوله تعالى: (حتى جاء الحق) يعني النصر (وظهر أمر الله) يعني الإسلام. # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين (49) قوله تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لي) سبب نزولها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال للجد بن قيس: # " يا جد، هل لك في جلاد بني الأصفر، لعلك أن تغنم بعض بنات الأصفر "، ~~فقال: يا رسول الله، ائذن لي فأقيم، ولا تفتني ببنات الأصفر. فأعرض عنه، ~~وقال: " قد أذنت لك "، ونزلت هذه الآية، PageV03P304 # قاله أبو صالح عن ابن عباس. وهذه الآية وما بعدها إلى قوله [تعالى]: ~~(إنما الصدقات) في المنافقين. # قوله تعالى: (ومنهم) يعني المنافقين (من يقول ائذن لي) أي: في القعود عن ~~الجهاد، وهو الجد بن قيس. وفي قوله [تعالى]: (ولا تفتني) أربعة أقوال: # أحدها: لا تفتني بالنساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. # والثاني: لا تكسبني الإثم بأمرك إياي بالخروج وهو غير متيسر لي، فآثم ~~بالمخالفة، قاله الحسن، وقتادة، والزجاج. # والثالث: لا تكفرني بإلزامك إياي الخروج، ms0905 قاله الضحاك. # والرابع: لا تصرفني عن شغلي، قاله ابن بحر. # قوله تعالى: (ألا في الفتنة سقطوا) في هذه الفتنة أربعة أقوال: # أحدها: أنها الكفر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الحرج، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: الإثم، قاله قتادة، والزجاج. # والرابع: العذاب في جهنم، ذكره الماوردي. # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا ~~وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (51) قوله تعالى: (إن تصبك حسنة) أي: نصر وغنيمة. ~~والمصيبة: القتل والهزيمة. (يقولوا قد أخذنا أمرنا) أي: عملنا بالحزم فلم ~~نخرج. (ويتولوا وهم فرحون) بمصابك وسلامتهم. # قوله تعالى: (إلا ما كتب الله لنا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما قضى علينا، قاله ابن عباس. # والثاني: ما بين لنا في كتابه من أنا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا، أو نقتل ~~فتكون الشهادة حسنى لنا أيضا، قاله الزجاج. # والثالث: لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي ~~وعدنا، ذكره الماوردي. PageV03P305 # قوله تعالى: (هو مولانا) أي: ناصرنا. # قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52). # قوله تعالى: (قل هل تربصون بنا) أي: تنتظرون والحسنيان: النصر والشهادة. ~~(ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده) في هذا العذاب قولان: # أحدهما: الصواعق، قاله ابن عباس. # والثاني: الموت، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: (أو بأيدينا) يعني: القتل. # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) قوله ~~تعالى: (أنفقوا طوعا أو كرها) سبب نزولها أن الجد بن قيس قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم لما عرض عليه غزو الروم: إذا رأيت النساء افتتنت، ولكن هذا ~~مالي أعينك به فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. قال الزجاج: وهذا لفظ أمر، ~~ومعناه معنى الشرط والجزاء، المعنى: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل ~~منكم. ومثله في ms0906 الشعر قول كثير: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت لم يأمرها ~~بالإساءة، ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها. قال الفراء. # ومثله (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم). # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) قوله تعالى: (وما ~~منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: " تقبل " بالتاء: وقرأ حمزة، والكسائي: " يقبل " بالياء. وقال أبو ~~علي: من أنث، فلأن PageV03P306 # الفعل مسند إلى مؤنث في اللفظ، ومن قرأ بالياء. فلأنه ليس بتأنيث حقيقي، ~~فجاز تذكيره، كقوله [تعالى]: (فمن جاءه موعظة من ربه). وقرأ الجحدري: " أن ~~يقبل " بياء مفتوحة، " نفقاتهم " بكسر التاء. وقرأ الأعمش: " نفقتهم " بغير ~~ألف، مرفوعة التاء. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء: " أن يقبل " بالياء " نفقتهم ~~" بنصب التاء على التوحيد. # قوله تعالى: (ألا أنهم كفروا بالله) قال ابن الأنباري: " أن " هاهنا ~~مفتوحة، لأنها بتأويل المصدر مرتفعة ب‍ " منعهم " والتقدير: وما منعهم قبول ~~النفقة منهم إلا كفرهم بالله. # قوله تعالى: (إلا وهم كسالى) قد شرحناه في سورة (النساء). # قوله تعالى: (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) لأنهم يعدون الإنفاق مغرما. # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) قوله تعالى: (فلا تعجبك أموالهم) أي: ~~لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال والأولاد. # وفي معنى الآية أربعة أقوال: # أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن ~~قتيبة. فعلى هذا، في الآية تقديم وتأخير، ويكون تعذيبهم في الآخرة بما ~~صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها. # والثاني: أنها على نظمها، والمعنى: ليعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في ~~الأموال والأولاد، فهي لهم عذاب، وللمؤمنين أجر، قاله ابن زيد. # والثالث: أن المعنى: ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل ~~الله، قاله الحسن. # فعلى ms0907 هذا، ترجع الكناية إلى الأموال وحدها. # والرابع: ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم، ذكره الماوردي. فعلى هذا ~~تكون في المشركين. # قوله تعالى: (وتزهق أنفسهم) أي: تخرج، يقال: زهق السهم: إذا جاوز الهدف. # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم لكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ~~ملجأ PageV03P307 # أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) قوله تعالى: (ويحلفون ~~بالله إنهم لمنكم) أي: مؤمنون، و (يفرقون) بمعنى يخافون. فأما الملجأ، فقال ~~الزجاج: الملجأ واللجأ مقصور مهموز، وهو المكان الذي يتحصن فيه. والمغارات: # جمع مغارة، وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان، أي: يستتر فيه. وقرأ سعيد ~~بن جبير، وابن أبي عبلة: " أو مغارات " بضم الميم، لأنه يقال: أغرت وغرت: ~~إذا دخلت الغور. وأصل مدخل: # مدتخل، ولكن التاء تبدل بعد الدال دالا، لأن التاء مهموسة، والدال ~~مجهورة، والتاء والدال من مكان واحد، فكان الكلام من وجه واحد أخف. وقرأ ~~أبي، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: " أو متدخلا " برفع الميم، وبتاء ودال ~~مفتوحتين، مشددة الخاء. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: " مندخلا " بنون بعد ~~الميم المضمومة. وقرأ الحسن، وابن يعمر، ويعقوب: " مدخلا " بفتح الميم ~~وتخفيف الدال وسكونها. قال الزجاج: من قال: " مدخلا " فهو من دخل يدخل ~~مدخلا، ومن قال: " مدخلا " فهو من أدخلته مدخلا، قال الشاعر: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا * بالخير صبحنا ربي ومسانا ومعنى مدخل ومدخل: ~~أنهم لو وجدوا قوما يدخلون في جملتهم (لولوا) إليه، أي: إلى أحد هذه ~~الأشياء (وهم يجمحون) أي: يسرعون إسراعا لا يرد فيه وجوههم شئ. يقال: جمح ~~وطمح: # إذا أسرع ولم يرد وجهه شئ، ومنه قيل: فرس جموح للذي إذا حمل لم يرده ~~اللجام. # ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون (58) قوله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات) فيمن نزلت فيه قولان: # أحدهما: أنه ذو الخويصرة التميمي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوما: ~~اعدل يا رسول الله، فنزلت هذه الآية. ويقال: أبو الخواصر. ويقال: ابن ذي ~~الخويصرة. # والثاني: أنه ثعلبة بن حاطب، كان ms0908 يقول: إنما يعطي محمد من يشاء، فنزلت ~~هذه الآية. قال ابن قتيبة: " يلمزك " يعيبك ويطعن عليك. يقال: همزت فلانا ~~ولمزته: إذا اغتبته وعبته، والأكثرون على كسر ميم " يلمزك ". وقرأ يعقوب، ~~ونظيف عن قنبل، وأبان عن عاصم، والقزاز عن عبد الوارث: " يلمزون " و " ~~يلمزك " و " لا تلمزوا " بضم الميم فيهن. وقرأ ابن السميفع: " يلامزك " ~~مثل: # يفاعلك. وقد رواها حماد بن سلمة عن ابن كثير. قال أبو علي الفارسي: ~~وينبغي أن تكون فاعلت في هذا من واحد، نحو: طارقت النعل، وعافاه الله، لأن ~~هذا لا يكون من النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ PageV03P308 # الأعمش: " يلمزك " بتشديد الميم من غير ألف، مثل: يفعلك. قال الزجاج: ~~يقال: لمزت الرجل ألمزه وألمزه، بكسر الميم وضمها: إذا عبته، وكذلك: همزته ~~أهمزه، قال الشاعر: # إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة * وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه ولو أنهم رضوا ~~ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا ~~إلى الله راغبون (59) * إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من ~~الله والله عليم حكيم (60) قوله تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله) أي: قنعوا بما أعطوا. (إنا إلى الله راغبون) في الزيادة، أي: لكان ~~خيرا لهم. وهذا جواب " لو " وهو محذوف في اللفظ. # ثم بين المستحق للصدقات بقوله [تعالى]: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) ~~اختلفوا في صفة الفقير والمسكين على ستة أقوال: # أحدها: أن الفقير: المتعفف عن السؤال، والمسكين: الذي يسأل، وبه، قال ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد، وجابر بن زيد، والزهري، والحكم، وابن زيد، ومقاتل. # والثاني: أن الفقير: المحتاج الذي به زمانة، والمسكين: المحتاج الذي لا ~~زمانة به، قاله قتادة. # والثالث: الفقير: المهاجر، والمسكين: الذي لم يهاجر، قاله الضحاك بن ~~مزاحم، والنخعي. # والرابع: الفقير: فقير المسلمين، والمسكين: من أهل الكتاب، قاله عكرمة. # والخامس: أن الفقير: من له البلغة من الشئ، والمسكين: الذي ليس له شئ، ~~قاله أبو حنيفة، ويونس بن حبيب، ويعقوب بن السكيت، وابن قتيبة. ms0909 واحتجوا ~~بقول الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق علي العيال فلم يترك له سسد فسماه ~~فقيرا، وله حلوبة تكفيه وعياله. وقال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: ~~لا والله، بل مسكين، يريد: أنه أسوأ حالا من الفقير. # والسادس: أن الفقير أمس حاجة من المسكين، وهذا مذهب أحمد، لأن الفقير ~~مأخوذ من انكسار الفقار، والمسكنة مأخوذة من السكون والخشوع، وذلك أبلغ. ~~قال ابن الأنباري: ويروى PageV03P309 # عن الأصمعي أنه قال: المسكين أحسن حالا من الفقير. وقال أحمد بن عبيد: ~~المسكين أحسن حالا من الفقير، لأن الفقير أصله في اللغة: المفقود الذي نزعت ~~فقرة من فقر ظهره، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر، فصرف عن مفقور إلى فقير، ~~كما قيل: مجروح وجريح، ومطبوخ وطبيخ، قال الشاعر: # لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الأعزل قال: ومن الحجة ~~لهذا القول قوله [تعالى]: (وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) ~~فوصف بالمسكنة من له سفينة تساوي مالا، قال: وهو الصحيح عندنا. # قوله تعالى: (والعاملين عليها) وهم السعاة لجباية الصدقة، يعطون منها ~~بقدر أجور أمثالهم، وليس ما يأخذونه بزكاة. # قوله تعالى: (والمؤلفة قلوبهم) وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم، وكانوا ذوي شرف، وهم صنفان: مسلمون، ~~وكافرون. فأما المسلمون، فصنفان، صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة، ~~فتألفهم تقوية لنياتهم، كعيينة بن حصن، والأقرع، وصنف كانت نياتهم حسنة، ~~فأعطوا تألفا لعشائرهم من المشركين، مثل عدي بن حاتم. وأما المشركون، ~~فصنفان، صنف يقصدون المسلمين بالأذى، فتألفهم دفعا لأذاهم، مثل عامر بن ~~الطفيل، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام، تألفهم بالعطية ليؤمنوا، كصفوان بن ~~أمية. وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب " التلقيح ". وحكمهم باق عند أحمد في ~~رواية، وقال أبو حنيفة، والشافعي: حكمهم منسوخ. قال الزهري: لا اعلم شيئا ~~نسخ حكم المؤلفة قلوبهم. # قوله تعالى: (وفي الرقاب) قد ذكرناه في سورة (البقرة). # قوله تعالى: (والغارمين) وهم الذين لزمهم الدين ولا يجدون القضاء. قال ~~قتادة: هم ناس عليهم دين من غير ms0910 فساد ولا إسراف ولا تبذير، وإنما قال هذا، ~~لأنه لا يؤمن في حق المفسد إذا قضي دينه أن يعود إلى الاستدانة لذلك، ولا ~~خلاف في جواز قضاء دينه ودفع الزكاة إليه، ولكن قتادة قاله على وجه ~~الكراهية. # قوله تعالى: (وفي سبيل الله) يعني: الغزاة والمرابطين. ويجوز عندنا أن ~~يعطي الأغنياء منهم والفقراء، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يعطى ~~إلا الفقير منهم. وهل يجوز أن يصرف من الزكاة إلى الحج، أم لا؟ فيه عن أحمد ~~روايتان. PageV03P310 # قوله تعالى: (وابن السبيل) هو المسافر المنقطع به، وإن كان له مال في ~~بلده، قاله مجاهد، وقتادة، وأبو حنيفة، وأحمد فأما إذا أراد أن ينشئ سفرا، ~~فهل يجوز أن يعطى؟ قال الشافعي: يجوز، وعن أحمد نحوه، وقد ذكرنا في سورة ~~(البقرة) فيه أقوالا عن المفسرين. # قوله تعالى: (فريضة من الله) يعني أن الله افترض هذا. # فصل وحد الغني الذي يمنع أخذ الزكاة عند أصحابنا بأحد شيئين: أن يكون ~~مالكا لخمسين درهما، أو عدلها من الذهب، سواء كان ذلك يقوم بكفايته أو لا ~~يقوم، والثاني: # أن يكون له كفاية، إما بصنعة، أو أجرة عقار، أو عروض للتجارة يقوم ربحها ~~بكفايته. وقال أبو حنيفة الاعتبار في ذلك أن يكون مالكا لنصاب تجب عليه فيه ~~الزكاة. فأما ذوو القربى الذين تحرم عليهم الصدقة، فهم بنو هاشم، وبنو ~~المطلب. وقال أبو حنيفة: تحرم على ولد هاشم، ولا تحرم على ولد المطلب. ~~ويجوز أن يعمل على الصدقة من بني هاشم وبني المطلب ويأخذ عمالته منها، ~~خلافا لأبي حنيفة. فأما موالي بني هاشم وبني المطلب، فتحرم عليهم الصدقة، ~~خلافا لمالك. ولا يجوز أن يعطي صدقته من تلزمه نفقته، وبه قال مالك، ~~والثوري. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعطي والدا وإن علا، ولا ولدا وإن ~~سفل، ولا زوجة ويعطي من عداهم. # فأما الذمي، فالأكثرون على أنه لا يجوز إعطاؤه. وقال عبيد الله بن الحسن: ~~إذا لم يجد مسلما، أعطي الذمي. ولا يجب استيعاب الأصناف، ولا اعتبار عدد من ~~كل صنف، ms0911 وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وقال الشافعي: يجب الاستيعاب من كل صنف ~~ثلاثة. # فأما إذا أراد نقل الصدقة من بلد المال إلى موضع تقصر فيه الصلاة، فلا ~~يجوز له ذلك، فإن نقلها لم يجزئه، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~يكره نقلها، وتجزئه. قال أحمد: ولا يعطي الفقير أكثر من خمسين درهما. وقال ~~أبو حنيفة: أكره أن يعطي رجل واحد من الزكاة مائتي درهم، وإن أعطيته أجزأك. ~~فأما الشافعي، فاعتبر ما يدفع الحاجة من غير حد. فإن اعطى من يظنه فقيرا، ~~فبان أنه غني، فهل يجزئ، فيه عن أحمد روايتان. # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين PageV03P311 # ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61) قوله ~~تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن خذام بن خالد، والجلاس بن سويد، وعبيد بن هلال في آخرين، كانوا ~~يؤذون رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا، فانا ~~نخاف أن يبلغه فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا، فإنما محمد أذن ~~سامعة، ثم نأتيه فيصدقنا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، كان ينم حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما ~~محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه، نقول ما شئنا، ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا، ~~فنزلت هذه الآية، قاله محمد بن إسحاق. # والثالث: أن ناسا من المنافقين منهم جلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، ~~اجتمعوا، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وعندهم غلام من ~~الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه، فتكلموا وقالوا: # لئن كان ما يقوله محمد حقا، لنحن شر من الحمير، فغضب الغلام، وقال: والله ~~إن ما يقوله محمد حق، وإنكم لشر من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره، فدعاهم فسألهم، فحلفوا أن عامرا كاذب، ms0912 وحلف عامر أنهم كذبوا، ~~وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق، وكذب الكاذب، فنزلت هذه ~~الآية، ونزل قوله [تعالى]: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم)، قاله السدي. فأما ~~الأذى، فهو عيبه ونقل حديثه. ومعنى (أذن) يقبل كل ما قيل له: قال ابن ~~قتيبة: الأصل في هذا أن الأذن هي السامعة، فقيل لكل من صدق بكل خبر يسمعه: ~~أذن. وجمهور القراء يقرؤون (هو أذن قل أذن) بالتثقيل. وقرأ نافع " هو أذن ~~قل أذن خير " بإسكان الذال فيهما. ومعنى " أذن خير لكم " أي: # أذن خير، لا أذن شر، يسمع الخير فيعمل به، ولا يعمل بالشر إذا سمعه. وقرأ ~~ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن يعمر، وابن أبي عبلة " أذن " ~~بالتنوين " خير " بالرفع. والمعنى: إن كان كما قلتم، يسمع منكم ويصدقكم، ~~خير لكم من أن يكذبكم. قال أبو علي: يجوز أن تطلق الأذن على الجملة، كما ~~قال الخليل: إنما سميت الناب من الإبل لمكان الناب البازل، فسميت الجملة ~~كلها به، فأجروا على الجملة اسم الجارحة لإرادتهم كثرة استعماله لها في ~~الإصغاء بها. # ثم بين ممن يقبل، فقال (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) قال ابن قتيبة: الباء ~~واللام زائدتان، PageV03P312 # والمعنى: يصدق الله ويصدق المؤمنين. وقال الزجاج: يسمع ما ينزله الله ~~عليه، فيصدق به، ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به. (ورحمة) أي: وهو رحمة، ~~لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. # وقرأ حمزة " ورحمة " بالخفض. قال أبو علي: المعنى: أذن خير ورحمة. ~~والمعنى: مستمع خير ورحمة. # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ~~(62) قوله تعالى: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم) قال ابن السائب: نزلت في ~~جماعة من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع النبي [صلى الله عليه ~~وسلم]، أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم، ويحلفون ويعتلون. # وقال مقاتل: منهم عبد الله بن أبي، حلف لا يتخلف عن رسول الله وليكونن ~~معه على عدوه. # وقد ذكرنا في الآية التي قبلها أنهم حلفوا أنهم ما نطقوا بالعيب. وحكى ~~الزجاج عن بعض النحويين أنه قال: اللام في " ليرضوكم ms0913 " بمعنى القسم، ~~والمعنى: يحلفون بالله لكم لنرضينكم. قال: وهذا خطأ، لأنهم حلفوا أنهم ما ~~قالوا ما حكي عنهم ليرضوا باليمين، ولم يحلفوا أنهم يرضون في المستقبل. ~~قلت: وقول مقاتل يؤكد ما أنكره الزجاج، وقد مال إليه الأخفش. # قوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) فيه قولان: # أحدهما: بالتوبة والإنابة. # والثاني: بترك الطعن والعيب. # فإن قيل: لم قال: " يرضوه " ولم يقل: يرضوهما؟ فقد شرحنا هذا عند قوله ~~[تعالى]: (ولا ينفقونها في سبيل الله). # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك ~~الخزي العظيم (63) قوله تعالى: (ألم يعلموا) روى أبو زيد عن المفضل " ألم ~~تعلموا " بالتاء. (أنه من يحادد الله) فيه قولان: # أحدهما: من يخالف الله، قاله ابن عباس. PageV03P313 # والثاني: من يعادي الله، كقولك: من يجانب الله ورسوله، أي: يكون في حد، ~~والله ورسوله في حد. # قوله تعالى: (فأن له نار جهنم) قرأ الجمهور: " فأن " بفتح - الهمزة وقرأ ~~أبو رزين، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بكسرها، فمن كسر فعلى الاستئناف بعد ~~الفاء، كما تقول: فله نار جهنم. # ودخلت " إن " مؤكدة. ومن قال: " فإن له " فإنما أعاد " أن " الأولى ~~توكيدا، لأنه لما طال الكلام، كان إعادتها أوكد. # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن ~~الله مخرج ما تحذرون (64) قوله تعالى: (يحذر المنافقون) في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المنافقين كانوا يعيبون رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فيما ~~بينهم، ويقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # والثاني: أن بعض المنافقين قال: لوددت أني جلدت مائة جلدة، ولا ينزل فينا ~~شئ يفضحنا، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # والثالث: أن جماعة من المنافقين وقفوا للنبي [صلى الله عليه وسلم] في ~~ليلة مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به، فأخبره جبريل عليه السلام، ونزلت ~~هذه الآية، قاله ابن كيسان. # وفي قوله: [تعالى]: (يحذر المنافقون) قولان: # أحدهما: أنه إخبار من الله عز وجل عن حالهم، قاله الحسن، وقتادة واختاره ms0914 ~~ابن القاسم. # والثاني: أنه أمر من الله عز وجل لهم بالحذر، فتقديره: ليحذر المنافقون، ~~قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: والعرب ربما أخرجت الأمر على لفظ الخبر، ~~فيقولون: يرحم الله المؤمن، ويعذب الكافر، يريدون: ليرحم وليعذب، فيسقطون ~~اللام، ويجرونه مجرى الخبر في الرفع، وهم لا ينوون إلا الدعاء، والدعاء ~~مضارع للأمر. # قوله تعالى: (قل استهزئوا) هذا وعيد خرج مخرج الأمر تهديدا. وفي قوله ~~[تعالى]: (إن الله مخرج ما تحذرون) وجهان: PageV03P314 # أحدهما: مظهر ما تسرون. # والثاني: ناصر من تخذلون، ذكرهما الماوردي. # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب ~~طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) قوله تعالى: (ولئن سألتهم) في سبب نزولها ~~ستة أقوال: # أحدها: أن جد بن قيس، ووديعة بن خذام، والجهير بن خمير، كانوا يسيرون بين ~~يدي رسول الله مرجعه من تبوك، فجعل رجلان منهم يستهزئان برسول الله. ~~والثالث: يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشئ، فنزل جبريل فأخبره بما يستهزئون ~~به ويضحكون، فقال لعمار بن ياسر " اذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه، وقل ~~لهم: أحرقكم الله " فلما سألهم، وقال: أحرقكم الله، علموا أنه قد نزل فيهم ~~قرآن، فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله، وقال الجهير: والله ما تكلمت بشئ، ~~وإنما ضحكت تعجبا من قولهم، فنزل قوله [تعالى]: (لا تعتذروا) يعني جد بن ~~قيس، ووديعة (إن يعف عن طائفة منكم) يعني الجهير (نعذب طائفة) يعني الجد ~~ووديعة، هذا قول أبي صالج عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا من المنافقين قال: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، ولا أرغب ~~بطونا، ولا أكذب، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] وأصحابه، فقال له عوف بن مالك: كذبت، لكنك منافق، لأخبرن رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم]، فذهب ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل، ~~فقال: # يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، هذا قول ابن عمر، وزيد بن أسلم، ~~والقرظي. # والثالث: أن قوما من المنافقين ms0915 كانوا يسيرون مع رسول الله، فقالوا: إن ~~كان ما يقول هذا حقا، لنحن شر من الحمير، فأعلم الله نبيه ما قالوا، ونزلت ~~(ولئن سألتهم)، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أن رجلا من المنافقين قال: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا ~~وكذا، وما يدريه ما الغيب؟ فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. PageV03P315 # والخامس: أن ناسا من المنافقين قالوا: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام ~~وحصونها، هيهات، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبي الله: " احبسوا علي ~~الركب "، فأتاهم، فقال: " قلتم كذا وكذا "، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، ~~فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والسادس: أن عبد الله بن أبي، ورهطا معه، كانوا يقولون في رسول الله ~~وأصحابه مالا ينبغي، فإذا بلغ رسول الله قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، فقال ~~الله تعالى: (قل) لهم (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون)، قاله الضحاك. ~~فقوله [تعالى]: (ولئن سألتهم) أي: عما كانوا فيه من الاستهزاء (ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب) أي: نلهو بالحديث. وقوله [تعالى]: (قد كفرتم) أي: قد ظهر ~~كفركم بعد إظهاركم الإيمان، وهذا يدل على أن الجد واللعب في إظهار كلمة ~~الكفر سواء. # قوله تعالى: (إن يعف عن طائفة منكم) قرأ الأكثرون " إن يعف " بالياء، " ~~تعذب " بالتاء. وقرأ عاصم غير أبان " إن نعف "، " نعذب "، بالنون فيهما ~~ونصب " طائفة "، والمعنى: إن نعف عن طائفة منكم بالتوفيق للتوبة، نعذب ~~طائفة بترك التوبة. وقيل: الطائفتان هاهنا ثلاثة، فاستهزأ اثنان، وضحك ~~واحد. ثم أنكر عليهم بعض ما سمع. وقد ذكرنا عن ابن عباس أسماء الثلاثة، وأن ~~الضحاك اسمه الجهير، وقال غيره: هو مخشي بن خمير. وقال ابن عباس ومجاهد: ~~الطائفة: الواحد فما فوقه. وقال الزجاج: أصل الطائفة في اللغة: الجماعة، ~~ويجوز أن يقال للواحد: طائفة، يراد به: نفس طائفة. قال ابن الأنباري: إذا ~~أريد بالطائفة الواحد، كان أصلها طائفا، على مثال: قائم وقاعد، فتدخل الهاء ~~للمبالغة في الوصف، كما يقال: رواية، علامة، نسابة. قال عمر بن الخطاب: ما ~~فرغ من تنزيل (براءة) حتى ظننا أن لن يبقى منا ms0916 أحد إلا ينزل فيه شئ. # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) وعد الله ~~المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ~~ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا PageV03P316 # بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم ~~كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) ~~ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين ~~والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون (70) قوله تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) قاله ابن ~~عباس: بعضهم على دين بعض. وقال مقاتل: بعضهم أولياء بعض، (يأمرون بالمنكر) ~~وهو الكفر، (وينهون عن المعروف) وهو الإيمان. # وفي قوله [تعالى]: (ويقبضون أيديهم) أربعة أقوال: # أحدها: يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله، قاله ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد. # والثاني: عن كل خير، قاله قتادة. # والثالث: عن الجهاد في سبيل الله. # والرابع: عن رفعها في الدعاء إلى الله، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) قال الزجاج: تركوا أمره، فتركهم من رحمته ~~وتوفيقه. قال: # وقوله [تعالى]: (هي حسبهم) أي: هي كفاية ذنوبهم، كما تقول: عذبتك حسب ~~فعلك، وحسب فلان ما نزل به، أي: ذلك على قدر فعله. وموضع الكاف في قوله ~~[تعالى]: (كالذين من قبلكم) نصب، أي: وعدكم الله على الكفر به كما وعد ~~الذين من قبلكم. وقال غيره: رجع عن الخبر عنهم إلى مخاطبتهم، وشبههم في ~~العدول عن أمره بمن كان قبلهم من الأمم الماضية. # قوله تعالى: (فاستمتعوا بخلاقهم) قال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من ~~الآخرة في الدنيا. # وقال الزجاج: بحظهم من الدنيا. # قوله تعالى: (وخضتم) أي: في الطعن على الدين وتكذيب نبيكم كما خاضوا. ~~(أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا) لأنها لم تقبل منهم، وفي الآخرة، لأنهم لا ~~يثابون عليها، (وأولئك هم الخاسرون) بفوت الثواب وحصول العقاب. # قوله تعالى: (وقوم إبراهيم) قال ابن ms0917 عباس: يريد نمرود بن كنعان. (وأصحاب ~~مدين) يعني قوم شعيب. (والمؤتفكات) قرى لوط. قال الزجاج: وهم جمع مؤتفكة، ~~ائتفكت بهم الأرض، أي: انقلبت. قال: ويقال: إنهم جميع من أهلك، يقال ~~للهالك: انقلبت عليه الدنيا. # قوله تعالى: (أتتهم) يعني هذه الأمم (رسلهم بالبينات) فكذبوا بها، (فما ~~كان الله PageV03P317 # ليظلمهم) قال ابن عباس: ليهلكهم حتى يبعث فيهم نبيا ينذرهم، والمعنى أنهم ~~أهلكوا باستحقاقهم. # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو ~~الفوز العظيم (72) قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) أي: ~~بعضهم يوالي بعضا، فهم يد واحدة، يأمرون بالإيمان، وينهون عن الكفر. # قوله تعالى: (في جنات عدن) قال أبو عبيدة: في جنات خلد، يقال: عدن فلان ~~بأرض كذا، أي: أقام، ومنه: المعدن، وهو في معدن صدق، أي: في أصل ثابت *. ~~قال الأعشى: # وإن تستضيفوا إلى حلمه * تضافوا إلى راجح قد عدن أي: رزين لا يستخف. قال ~~ابن عباس: جنات عدن، هي بطنان الجنة، وبطنانها: وسطها، وهي أعلى درجة في ~~الجنة، وهي دار الرحمن عز وجل، وسقفها عرشه، خلقها بيده، وفيها عين ~~التسنيم، والجنان حولها محدقة بها. # قوله تعالى: (ورضوان من الله أكبر) قال ابن عباس: أكبر مما يوصف. وقال ~~الزجاج: أكبر مما هم فيه من النعيم. # فإن قيل: لم يكن الرضوان أكبر من النعيم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن سرور القلب برضى الرب نعيم يختص بالقلب، وذاك أكبر من نعيم ~~الأكل والشرب. وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" يقول الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ~~ومالنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: أفلا أعطيكم ~~أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شئ أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا ms0918 ~~أسخط عليكم أبدا ". PageV03P318 # والثاني: أن الموجب للنعيم الرضوان، والموجب ثمرة الموجب، فهو الأصل. # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) قوله تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين) أما جهاد الكفار، ~~فبالسيف. وفي جهاد المنافقين قولان: # أحدهما: أنه باللسان، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس. # والثاني: جهادهم بإقامة الحدود عليهم، روي عن الحسن، وقتادة. # فإن قيل: إذا كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قد أمر بجهادهم وهو ~~يعلم أعيانهم، فكيف تركهم بين أظهر أصحابه فلم يقتلهم؟. # فالجواب: أنه إنما أمر بقتال من أظهر كلمة الكفر وأقام عليها، فأما من ~~إذا أطلع على كفره، أنكر وحلف وقال: إني مسلم، فإنه أمر أن يأخذه بظاهر ~~أمره، ولا يبحث عن سره. # قوله تعالى: (واغلظ عليهم) قال ابن عباس: يريد شدة الانتهار لهم، والنظر ~~بالبغضة والمقت. وفي الهاء والميم من " عليهم " قولان: # أحدهما: أنه يرجع إلى الفريقين، قاله ابن عباس. # والثاني: إلى المنافقين، قاله مقاتل. # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ~~بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في ~~الأرض من ولي ولا نصير (74) قوله تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا) في سبب ~~نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ذكر المنافقين فعابهم، فقال ~~الجلاس بن سويد: إن كان ما يقول على إخواننا حقا، لنحن شر من الحمير. فقال ~~عامر بن قيس: والله إنه لصادق، ولأنتم شر من الحمير، وأخبر رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] بذلك، فأتى الجلاس فقال: ما قلت شيئا، فحلفا عند المنبر، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وذهب إلى نحوه الحسن، ومجاهد، ~~وابن سيرين. # والثاني: أن عبد الله بن أبي قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن ~~الأعز منها الأذل، PageV03P319 # فسمعه رجل من المسلمين، فأخبر رسول الله، فأرسل إليه، فجعل يحلف ms0919 بالله ما ~~قال، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والثالث: أن المنافقين كانوا إذا خلوا، سبوا رسول الله وأصحابه، وطعنوا ~~في الدين، فنقل حذيفة إلى رسول الله بعض ذلك، فحلفوا ما قالوا شيئا، فنزلت ~~هذه الآية، قاله الضحاك. فأما كلمة الكفر، فهي سبهم الرسول [صلى الله عليه ~~وسلم] وطعنهم في الدين. وفي سبب قوله [تعالى]: (وهموا بما لم ينالوا) أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في ابن أبي حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثاني: أنها نزلت فيهم حين هموا بقتل رسول الله، رواه مجاهد عن ابن ~~عباس، قال: # والذي هم رجل يقال له: الأسود. وقال مقاتل: هم خمسة عشر رجلا، هموا بقتله ~~ليلة العقبة. # والثالث: أنه لما قال بعض المنافقين: إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن شر ~~من الحمير، وقال له رجل من المؤمنين: لأنتم شر من الحمير، هم المنافق ~~بقتله، فذلك قوله [تعالى]: # (وهموا بما لم ينالوا)، هذا قول مجاهد. # والرابع: أنهم قالوا في غزوة تبوك: إذا قدمنا المدينة، عقدنا على رأس عبد ~~الله بن أبي تاجا نباهي به رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فلم ينالوا ما ~~هموا به. # قوله تعالى: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله) قال ابن قتيبة: أي: ليس ~~ينقمون شيئا، ولا يتعرفون من الله إلا الصنع، ومثله قول الشاعر: # ما نقم الناس من أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا وأنهم سادة الملوك ولا ~~* تصلح إلا عليهم العرب وكقول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب أي: ليس فيهم ~~عيب. قال ابن عباس: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ~~ضنك من معاشهم، فلما قدم عليهم، غنموا، وصارت لهم الأموال. فعلى هذا، يكون ~~الكلام عاما، وقال قتادة: هذا في عبد الله بن أبي. وقال عروة: هو الجلاس بن ~~سويد، قتل له مولى، فأمر له رسول الله بديته، فاستغنى، فلما نزلت (فإن ~~يتوبوا يك خيرا لهم) قال الجلاس: أنا ms0920 أتوب إلى الله. # قوله تعالى: (وإن يتولوا) أي: يعرضوا عن الإيمان. قال ابن عباس: كما تولى ~~عبد الله بن أبي، (يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا) بالقتل، وفي الآخرة ~~بالنار. PageV03P320 # * ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) ~~قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، ~~ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: " ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من ~~كثير لا تطيقه " قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: " أما ترضى أن تكون مثل نبي ~~الله؟ فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة، لسارت " ~~فقال: والذي بعثك بالحق، لئن دعوت الله أن يرزقني مالا، لأوتين كل ذي حق ~~حقه. فقال رسول الله: " اللهم ارزق ثعلبة مالا " فاتخذ غنما، فنمت، فضاقت ~~عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر ~~والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت، حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، ثم ~~نمت، فترك الجمعة. فسأل عنه رسول الله، فأخبر خبره، فقال: " يا ويح ثعلبة، ~~يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة " فأنزل الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) ~~وأنزل فرائض الصدقة، فبعث رسول الله رجلين على الصدقة، وكتب لهما كتابا ~~يأخذان الصدقة، وقال: " مرا بثعلبة، وبفلان " رجل من بني سليم، فخرجا حتى ~~أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله، فقال: ما هذا إلا جزية، ~~ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي. ~~فانطلقا، فأخبر السلمي، فاستقبلهما بخيار ماله، فقالا: لا يجب هذا عليك، ~~فقال: خذاه، فإن نفسي بذلك طيبة، فأخذا منه. فلما فرغا من صدقتهما، مرا ~~بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى ~~رأيي، فانطلقا، فأخبرا رسول الله بما كان، فنزلت هذه الآية إلى قوله ~~[تعالى]: (بما كانوا يكذبون)، وكان عند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة، فخرج ms0921 ~~إلى ثعلبة، فأخبره، فأتى رسول الله، وسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: " إن ~~الله قد منعني أن أقبل صدقتك "، فجعل يحثو التراب على رأسه. فقال: " هذا ~~عملك، قد أمرتك فلم تطعني ". فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله، ولم يقبل منه ~~شيئا، فلما ولي أبو بكر، سأله أن يقبل منه، فأبى، فلما ولي عمر، سأله أن ~~يقبل منه، فأبى، فلما ولي عثمان، سأله أن يقبلها، فقال: لم يقبلها رسول ~~الله ولا أبو بكر ولا عمر، فلم يقبلها، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان. # روى هذا الحديث القاسم عن أبي أمامة الباهلي وقال ابن عباس: مر ثعلبة على ~~مجلس، فأشهدهم على نفسه: لئن آتاني الله من فضله، آتيت كل ذي حق حقه، وفعلت ~~كذا وكذا. فآتاه الله PageV03P321 # من فضله، فأخلف ما وعد، فقص الله علينا شأنه. # والثاني: أن رجلا من بني عمرو بن عوف، كان له مال بالشام، فأبطأ عنه، ~~فجهد له جهدا شديدا، فحلف بالله لئن آتانا من فضله، أي: من ذلك المال، ~~لأصدقن منه، ولأصلن، فأتاه ذلك المال، فلم يفعل، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~السائب عن أبي صالح عن ابن عباس: قال ابن السائب: والرجل حاطب بن أبي ~~بلتعة. # والثالث: أن ثعلبة ومعتب بن قشير، خرجا على ملأ، فقالا: والله لئن رزقنا ~~الله لنصدقن. # فلما رزقهما، بخلا به، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، ومجاهد. والرابع: أن ~~نبتل بن الحارث، وجد بن قيس، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، قالوا: لئن ~~آتانا الله من فضله لنصدقن. فلما آتاهم من فضله بخلوا به فنزلت هذه الآية، ~~قاله الضحاك. # فأما التفسير، فقوله [تعالى]: (ومنهم) يعني المنافقين (من عاهد الله) أي: ~~قال: علي عهد الله (لنصدقن) الأصل: لنتصدقن، فأدغمت التاء في الصاد لقربها ~~منها. (ولنكونن من الصالحين) أي: لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من ~~صلة الرحم والإنفاق في الخير. وقد روى كهمس عن معبد بن ثابت أنه قال: إنما ~~هو شئ نووه في أنفسهم، ولم يتكلموا به، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ms0922 (ألم ~~يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم). # فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) قوله تعالى: (فلما ~~آتاهم من فضله) أي: ما طلبوا من المال (بخلوا به) ولم يفوا بما عاهدوا ~~(وتولوا وهم معرضون) عن عهدهم. # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام ~~الغيوب (78) قوله تعالى: (فأعقبهم) أي: صير عاقبة أمرهم النفاق. وفي الهاء ~~والميم قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: جازاهم الله بالنفاق، وهذا قول ابن ~~عباس ومجاهد. # والثاني: أنها ترجع إلى البخل، فالمعنى: اعقبهم بخلهم بما نذروا انفاقا، ~~قاله الحسن. # قوله تعالى: (ألم يعلموا) يعني المنافقين (أن الله يعلم سرهم) وهو ما في ~~نفوسهم PageV03P322 # (ونجواهم) حديثهم بينهم. # الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ~~فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) قوله تعالى: (الذين يلمزون ~~المطوعين) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنه لما نزلت آية الصدقة، جاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله ~~لغني عن صاع هذا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو مسعود. # والثاني: أن عبد الرحمن بن عوف جاء بأربعين أوقية من ذهب، وجاء رجل من ~~الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما ~~جاء به إلا رياء، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع، قاله ابن عباس. ~~وفي هذا الأنصاري قولان: # أحدهما: أنه أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك. # والثاني: أنه أبو عقيل. وفي اسم أبي عقيل ثلاثة أقوال: # أحدها: عبد الرحمن بن بيجان، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ويقال: ابن ~~بيحان، ويقال: # سيحان. وقال مقاتل: هو أبو عقيل بن قيس. # والثاني: أن اسمه الحبحاب، قاله قتادة. # والثالث: الحباب. قال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف، وجاء عاصم بن ~~عدي بن العجلان بمائة وسق من تمر. و (يلمزون) بمعنى يعيبون. و (المطوعين) ~~أي: المتطوعين، قال الفراء: أدغمت التاء في الطاء، فصارت طاء ms0923 مشددة. والجهد ~~لغة أهل الحجاز، ولغة غيرهم الجهد. قال أبو عبيدة: الجهد، بالفتح والضم ~~سواء، ومجازه: طاقتهم. وقال ابن قتيبة: الجهد: # الطاقة، والجهد: المشقة. قال المفسرون: عني بالمطوعين عبد الرحمن، وعاصم، ~~وبالذين لا يجدون إلا جهدهم:، أبو عقيل. وقوله [تعالى]: (سخر الله منهم) ~~أي: جازاهم على فعلهم، وقد سبق هذا المعنى. # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) ~~PageV03P323 # قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) سبب نزولها: أنه لما نزل وعيد ~~اللامزين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " سوف أستغفر لهم أكثر من سبعين، لعل الله يغفر لهم " ~~فنزل قوله [تعالى]: (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم). # قاله أبو صالح عن ابن عباس. وظاهر قوله: " استغفر لهم " الأمر، وليس ~~كذلك، إنما المعنى: إن استغفرت، وإن لم تستغفر، لا يغفر لهم، فهو كقوله ~~[تعالى]: (أنفقوا طوعا أو كرها)، وقد سبق شرح هذا المعنى هناك، هذا قول ~~المحققين. وذهب قوم إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين، رجي ~~لهم الغفران. ثم نسخت بقوله [تعالى]: (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم). # فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لهم، وقد أخبر بأنهم كفروا؟ # فالجواب: أنه إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يتحقق ~~خروجهم عن الإسلام، ولا يجوز أن يقال: علم كفرهم ثم استغفر. # فإن قيل: ما معنى حصر العدد بسبعين؟ # فالجواب: أن العرب تستكثر في الآحاد من سبعة، وفي العشرات من سبعين. # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون (81) قوله تعالى: (فرح المخلفون) يعني المنافقين الذين تخلفوا عن ~~رسول الله في غزوة تبوك. # والمخلف: المتروك خلف من مضى. " بمقعدهم " أي: بقعودهم. وفي قوله ~~[تعالى]: ms0924 (خلاف رسول الله) قولان: # أحدهما: أن معناه: بعد رسول الله، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أن معناه: مخالفة رسول الله، وهو منصوب، لأنه مفعول له، ~~فالمعنى: بأن قعدوا لمخالفة رسول الله، قاله الزجاج. وقرأ ابن مسعود، وابن ~~يعمر، والأعمش، وابن أبي عبلة: " خلف رسول الله "، ومعناها: أنهم تأخروا عن ~~الجهاد. وفي قوله [تعالى]: (لا تنفروا في الحر) قولان: # أحدهما: أنه قول بعضهم لبعض، قاله ابن إسحاق، ومقاتل. # والثاني: أنهم قالوه للمؤمنين، ذكره الماوردي. وإنما قالوا هذا، لأن ~~الزمان كان حينئذ شديد الحر. (قل نار جهنم أشد حرا) لمن خالف أمر الله. # وقوله [تعالى] (يفقهون) معناه: يعلمون. قال ابن فارس: الفقه: العلم ~~بالشئ. تقول: PageV03P324 # فقهت الحديث أفقهه، وكل علم بشئ: فقه. ثم اختص به علم الشريعة، فقيل لكل ~~عالم بها: # فقيه. قال المصنف. وقال شيخنا علي بن عبيد الله: الفقه في إطلاق اللغة ~~الفهم، وفي عرف الشريعة: عبارة عن معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال ~~المكلفين، بنحو التحليل، والتحريم، والإيجاب، والإجزاء، والصحة، والفساد، ~~والغرم، والضمان، وغير ذلك. وبعضهم يختار أن يقال: الفقه: فهم الشئ وبعضهم ~~يختار أن يقال: علم الشئ. # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) قوله تعالى: ~~(فليضحكوا قليلا) لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد. وفي قلة ضحكهم وجهان: # أحدهما: أن الضحك في الدنيا، لكثرة حزنها وهمومها، قليل، وضحكهم فيه أقل، ~~لما يتوجه إليهم من الوعيد. # والثاني: أنهم إنما يضحكون في الدنيا، وبقاؤها قليل. (وليبكوا كثيرا) في ~~الآخرة. قال أبو موسى الأشعري: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار، حتى ~~لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، ثم إنهم ليبكون الدم بعد الدموع، فلمثل ما ~~هم فيه فليبكى. # قوله تعالى: (جزاء بما كانوا يكسبون) أي: من النفاق والمعاصي. # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ~~قوله تعالى: (فإن رجعك الله) أي: ردك من غزوة تبوك إلى المدينة (إلى طائفة) ~~من المنافقين الذين تخلفوا بغير ms0925 عذر. وإنما قال: (إلى طائفة) لأنه ليس كل ~~من تخلف عن تبوك كان منافقا. (فاستأذنوك للخروج) معك إلى الغزو، (فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا) إلى غزاة، (إنكم رضيتم بالقعود) عني (أول مرة) حين لم ~~تخرجوا إلى تبوك. وذكر الماوردي في قوله [تعالى]: # (أول مرة) قولين: # أحدهما: أول مرة دعيتم. # والثاني: قبل استئذانكم. # وأما الخالفون، فقال أبو عبيدة: الخالف: الذي خلف بعد شاخص، فقعد في ~~رحله، وهو الذي يتخلف عن القوم. وفي المراد بالخالفين قولان: # أحدهما: أنهم الرجال الذين تخلفوا لأعذار، قاله ابن عباس. PageV03P325 # والثاني: أنهم النساء والصبيان، قاله الحسن، وقتادة. # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون (84) قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم) سبب نزولها: ~~أنه لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه إلى رسول الله، فقال: أعطني قميصك ~~حتى أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له. فأعطاه قميصه، فقال: آذني أصلي عليه، ~~فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر بن الخطاب، وقال: # أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: " أنا بين خيرتين ": ~~(استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) فصلى عليه، فنزلت هذه الآية، رواه نافع عن ~~ابن عمر. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله كان يقول: " ما يغني عنه قميصي من ~~عذاب الله تعالى، والله. إني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه ". # قال الزجاج: فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب ~~رسول الله، وأراد الصلاة عليه. فأما قوله [تعالى]: " منهم " فإنه يعني ~~المنافقين. وقوله [تعالى]: (ولا تقم على قبره) قال المفسرون: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، إذا دفن الميت، وقف على قبره ودعا له، فنهي عن ذلك في ~~حق المنافقين. وقال ابن جرير: معناه: لا تتول دفنه، وهو من قولك: قام فلان ~~بأمر فلان. # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله ms0926 وجاهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول والذين ~~آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم PageV03P326 # وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89) وقد تقدم تفسير قوله ~~تعالى (ولا تعجبك أموالهم). # قوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة) هذا عام في كل سورة. وقال مقاتل: المراد ~~بها سورة (براءة). # قوله تعالى: (أن آمنوا) أي: بأن آمنوا. وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: استديموا الإيمان. # والثاني: افعلوا فعل من آمن. # والثالث: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم، فعلى هذا يكون الخطاب ~~للمنافقين. # قوله تعالى: (استأذنك) أي: في التخلف: (أولو الطول) يعني الغني، وهم ~~الذين لا عذر لهم في التخلف. وفي " الخوالف " قولان: # أحدهما: أنهم النساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وشمر بن عطية، وابن ~~زيد، والفراء. وقال أبو عبيدة: يجوز أن تكون الخوالف هاهنا النساء، ولا ~~يكادون يجمعون الرجال على تقدير فواعل، غير أنهم قد قالوا: فارس، والجميع: ~~فوارس، وهالك هوالك. قال ابن الأنباري: # الخوالف لا يقع إلا على النساء، إذ العرب تجمع فاعلة: فواعل، فيقولون: ~~ضاربة، وضوارب، وشاتمة، وشواتم، ولا يجمعون فاعلا: فواعل، إلا في حرفين: ~~فوارس، وهوالك، فيجوز أن يكون مع الخوالف: المتخلفات في المنازل. ويجوز أن ~~يكون: مع المخالفات العاصيات. ويجوز أن يكون: مع النساء العجزة اللاتي لا ~~مدافعة عندهن. # والقول الثاني: أن الخوالف: خساس الناس وأدنياؤهم، يقال: فلان خالفة ~~أهله: إذا كان دونهم، ذكره ابن قتيبة، فأما " طبع "، فقال أبو عبيدة: ~~معناه: ختم. و " الخيرات " جمع خيرة. # وللمفسرين في المراد بالخيرات ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الفاضلات من كل شئ، قاله أبو عبيدة. # والثاني: الجواري الفاضلات، قاله المبرد. # والثالث: غنائم الدنيا ومنافع الجهاد، ذكره الماوردي. # وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب ~~الذين PageV03P327 # كفروا منهم عذاب أليم (90) قوله تعالى: (وجاء المعذرون) وقرأ ابن مسعود: ~~" المعتذرون ". وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن ms0927 يعمر، ويعقوب " ~~المعذرون " بسكون العين وتخفيف الذال. وقرأ ابن السميفع " المعاذرون " ~~بألف. قال أبو عبيدة: المعذرون من يعذر وليس بجاد وإنما يعرض بما لا يفعله، ~~أو يظهر غير ما في نفسه. وقال ابن قتيبة: يقال: عذرت في الأمر: إذا قصرت، ~~وأعذرت: جددت. # وقال الزجاج: من قرأ " المعذرون " بتشديد الذال، فتأويله: المعتذرون ~~الذين يعتذرون، كان لهم عذر، أو لم يكن، وهو هاهنا أشبه بأن يكون لهم عذر، ~~وأنشدوا: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر أي: فقد ~~جاء بعذر، ويجوز أن يكون " المعذرون " الذين يعذرون، يوهمون ان لهم عذرا، ~~ولا عذر لهم، ويجوز في النحو: المعذرون، بكسر العين، والمعذرون، بضم العين، ~~غير أنه لم يقرأ بهما، لأن اللفظ بهما يثقل. ومن قرأ " المعذرون " بتسكين ~~العين، فتأويله: الذين أعذروا وجاؤوا بعذر. وقال ابن الأنباري: المعذرون ~~هاهنا: المعتذرون بالعذر الصحيح. وأصل الكلمة عند أهل النحو: المعتذرون، ~~فحولت فتحة التاء إلى العين، وأبدلت الذال من التاء، وأدغمت في الذال التي ~~بعدها، فصارتا ذالا مشددة، ويقال في كلام العرب: اعتذر إذا جاء بعذر صحيح، ~~وإذا لم يأت بعذر. قال الله تعالى: (قل لا تعتذروا) فدل على فساد العذر، ~~وقال لبيد: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر أي: فقد جاء بعذر صحيح. وكان ابن عباس يقرأ ~~" المعذرون " ويقول: لعن الله المعذرين. # يريد: لعن الله المقصرين من المنافقين وغيرهم. والمعذرون: الذين يأتون ~~بالعذر الصحيح، فبان من هذا الكلام أن لهم عذرا على قراءة من خفف. وهل يثبت ~~لهم عذر على قراءة من شدد؟ فيه قولان: # قال المفسرون: جاء هؤلاء ليؤذن لهم في التخلف عن تبوك، فأذن لهم رسول ~~الله، وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة، وجرأة على الله تعالى. # ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا ~~على الذين إذا ما أتوك PageV03P328 # لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم ms0928 تفيض من الدمع حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون (92) * إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا ~~بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) قوله ~~تعالى: (ليس على الضعفاء) اختلفوا فيهن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في عائذ بن عمرو وغيره من أهل العذر، قاله قتادة. # والثاني: في ابن مكتوم، قاله الضحاك. # وفي المراد بالضعفاء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الزمنى والمشايخ الكبار، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم الصغار. # والثالث: المجانين، سموا ضعافا لضعف عقولهم، ذكر القولين الماوردي. ~~والصحيح انهم الذين يضعفون لزمانة، أو عمى، أو سن أو ضعف في الجسم. ~~والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال، (والذين لا يجدون) هم ~~المقلون، والحرج: الضيق في القعود عن الغزو بشرط النصح لله ولرسوله، وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أن المعنى: إذا برئوا من النفاق. # والثاني: إذا قاموا بحفظ الذراري والمنازل. # فإن قيل بالوجه الأول، فهو يعم جميع المذكورين. وإن قيل بالثاني. فهو يخص ~~المقلين. # وإنما شرط النصح، لأن من تخلف بقصد السعي بالفساد، فهو مذموم، ومن النصح ~~لله، حث المسلمين على الجهاد، والسعي في إصلاح ذات بينهم، وسائر ما يعود ~~باستقامة الدين. # قوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) أي: من طريق بالعقوبة، لأن المحسن ~~قد سد بإحسانه باب العقاب. # قوله تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) نزلت في البكائين، ~~واختلف في عددهم وأسمائهم، فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هم ستة: عبد ~~الله بن مغفل، وصخر بن سلمان، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلية بن زيد ~~الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عنمة، أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليحملهم، فقال: " لا أجد ما أحملكم عليه " فانصرفوا باكين. وقد ذكر ~~محمد بن PageV03P329 # سعد كاتب الواقدي مكان صخر بن سلمان: سلمة بن صخر، ومكان ثعلبة بن عنمة: ~~عمرو بن عنمة. قال: وقيل منهم معقل بن يسار، وروى أبو إسحاق عن أشياخ له أن ~~البكائين سبعة من الأنصار: سالم بن عمير، وعلية بن زيد، ms0929 وأبو ليلى عبد ~~الرحمن بن كعب، وعمرو بن الحمام بن الجموح، وعبد الله بن مغفل. وبعض الناس ~~يقول: بل، عبد الله بن عمرو والمزني، وعرباض بن سارية، وهرمي بن عبد الله ~~أخو بني واقف. وقال مجاهد: نزلت في بني مقرن، وهم سبعة، وقد ذكرهم محمد بن ~~سعد، فقال: النعمان بن عمرو بن مقرن. وقال أبو خيثمة: هو النعمان بن مقرن، ~~وسويد بن مقرن، ومعقل بن مقرن، وسنان بن مقرن، وعقيل بن مقرن، وعبد الرحمن ~~بن مقرن، وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن. وقال الحسن البصري: نزلت في أبي ~~موسى وأصحابه. # وفي الذي طلبوا من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن يحملهم عليه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه الدواب، قاله ابن عباس. # والثاني: الزاد، قاله أنس بن مالك. # والثالث: النعال، قاله الحسن. # يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) قوله تعالى: (يعتذرون إليكم) قال ابن عباس: ~~نزلت في المنافقين، يعتذرون إليكم إذا رجعتم من غزوة تبوك، فلا تعذروهم ~~فليس لهم عذر. فلما رجع رسول الله أتوه يعتذرون، فقال الله تعالى: (قل لا ~~تعتذروا) لن نصدقكم، قد أخبرنا الله أنه ليس لكم عذر (وسيرى الله عملكم ~~ورسوله) إن عملتم خيرا وتبتم من تخلفكم (ثم تردون) بعد الموت (إلى عالم ~~الغيب والشهادة) فيخبركم بما كنتم تعملون في السر والعلانية. # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) قوله تعالى: (سيحلفون بالله لكم) ~~قال مقاتل: حلف منهم بضعة وثمانون رجلا، منهم جد ابن قيس، ومعتب بن قشير. ~~PageV03P330 # قوله تعالى: (لتعرضوا عنهم) فيه قولان: # أحدهما: لتصفحوا عن ذنبهم. # والثاني: لأجل إعراضكم. وقد شرحنا في (المائدة) معنى الرجس. # يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين (96) قوله تعالى: (يحلفون لكم لترضوا عنهم) قال مقاتل: حلف عبد ~~الله ms0930 بن أبي للنبي صلى الله عليه وسلم لا أتخلف عنك، ولأكونن معك على عدوك، ~~وطلب منه أن يرضى عنه، وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعمر بن الخطاب، ~~وجعلوا يترضون النبي وأصحابه، وكان رسول الله قال لما قدم المدينة: " لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم ". # الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ~~والله عليم حكيم (97) قوله تعالى: (الأعراب أشد كفرا) قال ابن عباس: نزلت ~~في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حول المدينة، أخبر الله أن كفرهم ونفاقهم ~~أشد من كفر أهل المدينة، لأنهم أقسى وأجفى من أهل الحضر. # قوله تعالى: (وأجدر ألا يعلموا) قال الزجاج: " أن " في موضع نصب، لأن ~~الباء محذوفة من " أن "، المعنى: أجدر بترك العلم. تقول: جدير أن تفعل، ~~وجدير بأن تفعل، كما تقول: أنت خليق بأن تفعل، أي: هذا الفعل ميسر فيك، ~~فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب‍ " أن "، وإن أتيت بالباء، صلح ب‍ " أن " ~~وغيرها، فنقول: أنت جدير بأن تقوم وجدير بالقيام. فإذا قلت: أنت جدير ~~القيام، كان خطأ، وإنما صلح مع " أن " لأن " أن " تدل على الاستقبال، ~~فكأنها عوض من المحذوف. فأما قوله [تعالى]: # (حدود ما أنزل الله) فيعني به الحلال والحرام والفرائض. وقيل: المراد ~~بالآية أن الأعم في العرب هذا. # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء ~~والله سميع عليم (98) قوله تعالى: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق) إذا خرج ~~في الغزو، وقيل: ما يدفعه من الصدقة (مغرما) لأنه لا يرجو له ثوابا. قال ~~ابن قتيبة: المغرم: هو الغرم والخسر. وقال ابن فارس: PageV03P331 # الغرم: ما يلزم أداؤه، والغرام: اللازم، وسمي الغريم لإلحاحه. وقال غيره: ~~وفي الالتزام مالا يلزم. # قوله تعالى: (ويتربص) أي: وينتظر (بكم الدوائر) أي: دوائر الزمان ~~بالمكروه، بالموت، أو القتل، أو الهزيمة. وقيل: ينتظر موت الرسول وظهور ~~المشركين. # قوله تعالى: (عليهم دائرة السوء) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بضم السين. ~~وقرأ نافع، وعاصم وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " السوء ms0931 " بفتح السين، وكذلك ~~قرؤوا في سورة (الفتح)، والمعنى عليهم يعود ما ينتظرونه لك من البلاء. قال ~~الفراء: وفتح السين من السوء هو وجه الكلام. فمن فتح أراد المصدر من: سؤته ~~سوءا ومساءة ومن رفع السين، جعله اسما، كقولك: # عليهم دائرة البلاء والعذاب. لا يجوز ضم السين في قوله [تعالى]: (ما كان ~~أبوك امرأ سوء) ولا في قوله [تعالى]: (وظننتم ظن السوء) لأنه ضد لقولك: رجل ~~صدق. وليس للسوء هاهنا معنى في عذاب ولا بلاء، فيضم. # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ~~(99) قوله تعالى: (ومن الأعراب من يؤمن بالله) قال ابن عباس: وهم من أسلم ~~من الأعراب، مثل جهينة، وأسلم، وغفار. # وفي قوله [تعالى]: (ويتخذ ما ينفق) قولان: # أحدهما: في الجهاد. # والثاني: في الصدقة. فأما القربات، فجمع قربة، وهي: ما يقرب العبد من رضى ~~الله ومحبته. قال الزجاج: وفي القربات ثلاثة أوجه: ضم الراء، وفتحها، ~~وإسكانها. وفي المراد بصلوات الرسول قولان: # أحدهما: استغفاره، قاله ابن عباس. # والثاني: دعاؤه، قاله قتادة، وابن قتيبة، والزجاج، وأنشد الزجاج: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي * نوما، فإن لجنب المرء مضطجعا قال: إن شئت ~~قلت: مثل الذي، ومثل الذي، فالأول أمر لها بالدعاء، كأنه قال: ادعي لي مثل ~~الذي دعوت. والثاني بمعنى: عليك مثل هذا الدعاء. PageV03P332 # قوله تعالى: (ألا إنها قربة لهم) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: " قربة لهم " خفيفة. وروى ورش، وإسماعيل بن جعفر عن ~~نافع، وأبان، والمفضل عن عاصم: " قربة لهم " بضم الراء. # وفي المشار إليها وجهان: # أحدهما: أن الهاء ترجع إلى نفقتهم وإيمانهم. # والثاني: إلى صلوات الرسول. # قوله تعالى: (سيدخلهم الله في رحمته) قال ابن عباس: في جنته. # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم (100) قوله تعالى: (والسابقون الأولون) فيهم ms0932 ستة أقوال: # أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~قاله أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة. # والثاني: أنهم بايعوا رسول الله بيعة الرضوان، وهي الحديبية، قاله ~~الشعبي. # والثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء بن أبي رباح. # والرابع: أنهم جميع أصحاب رسول الله، حصل لهم السبق بصحبته. قال محمد بن ~~كعب القرظي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب ~~لهم الجنة محسنهم ومسيئهم في قوله [تعالى]: (والسابقون الأولون). # والخامس: أنهم السابقون بالموت والشهادة، سبقوا إلى ثواب الله تعالى. ~~ذكره الماوردي. # والسادس: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة، ذكره القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: (من المهاجرين والأنصار) قرأ يعقوب: " والأنصار " برفع ~~الراء. # قوله تعالى: (والذين اتبعوهم باحسان) من قال: إن السابقين جميع الصحابة، ~~جعل هؤلاء تابعي الصحابة، وهم الذين لم يصحبوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: والذين اتبعوهم باحسان إلى أن تقوم ~~الساعة. ومن قال: هم المتقدمون من الصحابة، قال: هؤلاء تبعوهم في طريقهم، ~~واقتدوا بهم في أفعالهم، ففضل أولئك بالسبق، وإن كانت الصحبة حاصلة للكل. ~~وقال عطاء: اتباعهم إياهم بإحسان: أنهم يذكرون محاسنهم ويترحمون عليهم. ~~PageV03P333 # قوله تعالى: (تجري تحتها الأنهار) قرأ ابن كثير: " من تحتها " فزاد " من ~~" وكسر التاء الثانية. # قوله تعالى: (رضي الله عنهم) يعم الكل، قال الزجاج: رضي الله أفعالهم، ~~ورضوا ما جازاهم به. # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) قوله تعالى: ~~(وممن حولكم من الأعراف منافقون) قال ابن عباس: مزينة، وجهينة، وأسلم، ~~وغفار، وأشجع، كان فيهم بعد إسلامهم منافقون. قال مقاتل: وكانت منازلهم حول ~~المدينة. # قوله تعالى: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) قال ابن عباس: مرنوا ~~عليه وثبتوا، منهم عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، والجلاس، ومعتب، ووحوح، ~~وأبو عامر الراهب. وقال أبو عبيدة: عتوا ومرنوا عليه، وهو من ms0933 قولهم: تمرد ~~فلان، ومنه: شيطان مريد. # فإن قيل: كيف قال: (ومن أهل المدينة مردوا)، وليس يجوز في الكلام: من ~~القوم قعدوا؟ # فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدهن: أن تكون " من " الثانية مردودة على الأولى، والتقدير: وممن حولكم ~~من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون، ثم استأنف " مردوا ". # والثاني: أن يكون في الكلام " من " مضمر، تقديره: ومن أهل المدينة من ~~مردوا، فاضمرت " من " لدلالة " من " عليها، كقوله [تعالى]: (وما منا إلا له ~~مقام معلوم) يريد: إلا من له مقام معلوم، وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله ~~[تعالى]: " منافقون ". # والثالث: أن " مردوا " متعلق بمنافقين، تقديره: ومن أهل المدينة منافقون ~~مردوا، ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري. # قوله تعالى: (لا تعلمهم) فيه وجهان: # أحدهما: لا تعلمهم أنت حتى نعلمك بهم. # والثاني: لا تعلم عواقبهم. # قوله تعالى: (سنعذبهم مرتين) فيه عشرة أقوال: # أحدها: أن العذاب الأول في الدنيا، وهو فضيحتهم بالنفاق. والعذاب. ~~PageV03P334 # والثاني: عذاب القبر، قاله ابن عباس. قال: وقام رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] يوم جمعة خطيبا، فقال " يا فلان اخرج فإنك منافق، ويا فلان اخرج " ~~ففضحهم. # والثاني: ان العذاب الأول: إقامة الحدود عليهم، والثاني: عذاب القبر، ~~وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن أحد العذابين: الزكاة التي تؤخذ منهم، والآخر: الجهاد الذي ~~يؤمرون به، قاله الحسن. # والرابع: الجوع، وعذاب القبر، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه ~~قال أبو مالك. # والخامس: الجوع والقتل، رواه سفيان عن أبي نجيح عن مجاهد. # والسادس: القتل والسبي، رواه معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال ابن ~~قتيبة: القتل والأسر. # والسابع: أنهم عذبوا بالجوع مرتين، رواه خصيف عن مجاهد. # والثامن أن عذابهم في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، وفي الآخرة ~~بالنار، قاله ابن زيد. # والتاسع: أن الأول: عند الموت، تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، والثاني: ~~في القبر بمنكر ونكير، قاله مقاتل بن سليمان. # والعاشر: أن الأول بالسيف، والثاني عند الموت، قاله مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: (ثم يردون إلى عذاب عظيم) يعني عذاب جهنم. # وآخرون اعترفوا بذنوبهم ms0934 خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) ~~اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنهم عشرة رهط تخلفوا عن النبي في غزوة تبوك فلما دنا رجوع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد. فلما رآهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال " من هؤلاء "؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب ~~له تخلفوا عنك، فأقسموا بالله لا يطلقون أنفسهم حتى تطلقهم أنت وتعذرهم، ~~فقال " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي ~~يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا PageV03P335 # عن الغزو مع المسلمين " فنزلت هذه الآية، فأرسل إليهم فأطلقهم وعذرهم، ~~رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وروى العوفي عن ابن عباس أن الذين ~~تخلفوا كانوا ستة، فأوثق أبو لبابة نفسه ورجلان معه، وبقي ثلاثة لم يوثقوا ~~أنفسهم فلما نزلت هذه الآية، أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم. # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة بن عبد المنذر، ~~وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن خذام الأنصاري. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وزيد ~~بن أسلم: كانوا ثمانية. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا سبعة. # والثاني: أنها نزلت في أبي لبابة وحده، واختلفوا في ذنبه على قولين: # أحدهما: أنه خان الله ورسوله بإشارته إلى بني قريظة حين شاوروه في النزول ~~على حكم سعد أنه الذبح، وهذا قول مجاهد، وقد شرحناه في [سورة] الأنفال. # والثاني: أنه تخلفه عن تبوك. قاله الزهري. فأما الاعتراف، فهو الاقرار ~~بالشئ عن معرفة. # والاعتراف بالذنب أدعى إلى صدق التوبة والقبول. # قوله تعالى: (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) قال ابن جرير: وضع الواو مكان ~~الباء، والمعنى: بآخر سئ، كما يقال: خلطت الماء واللبن. # وفي ذلك العمل قولان: # أحدهما: أن العمل الصالح: ما سبق من جهادهم، والسئ: التأخر عن الجهاد، ~~قاله السدي. # والثاني: أن العمل الصالح: توبتهم، والسئ: تخلفهم، ذكره الفراء. وفي قوله ~~[تعالى]: # (عسى الله) قولان: # أحدهما: أنه ms0935 واجب من الله تعالى، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ترديد لهم بين الطمع والإشفاق، وذلك يصد عن اللهو والإهمال. # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم (103) قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) قال المفسرون: لما تاب ~~الله [عز وجل] على أبي لبابة وأصحابه، قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا ~~فتصدق بها عنا، فقال " ما أمرت أن آخذ من أموالكم PageV03P336 # شيئا " فنزلت هذه الآية. " وفي هذه الصدقة " قولان: # أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها تطوعا، قاله ابن زيد، والجمهور. # والثاني: الزكاة، قاله عكرمة. # قوله تعالى: (تطهرهم) وقرأ الحسن " تطهرهم بها " بجزم الراء. قال الزجاج: ~~يصلح أن يكون قوله " تطهرهم " نعتا للصدقة كأنه قال: خذ من أموالهم صدقة ~~مطهرة. والأجود أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، المعنى: فإنك تطهرهم بها ~~ف‍ " تطهرهم " بالجزم، على جواب الأمر، المعنى: إن تأخذ من أموالهم، ~~تطهرهم. ولا يجوز في " تزكيهم " إلا إثبات الياء. اتباعا للمصحف. قال ابن ~~عباس: # " تطهرهم " من الذنوب، " وتزكيهم ": تصلحهم. وفي قوله [تعالى]: (وصل ~~عليهم) قولان: # أحدهما: استغفر لهم، قاله ابن عباس. # والثاني: ادع لهم، قاله السدي. # قوله تعالى: (إن صلواتك) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم " إن صلواتك " على الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم " إن صلاتك " على التوحيد. وفي قوله [تعالى]: (سكن لهم) خمسة أقوال: # أحدها: طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~وقال أبو عبيدة: # تثبيت وسكون. # والثاني: رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: قربة لهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: وقار لهم، قاله قتادة. # والخامس: تزكية لهم، حكاه الثعلبي. قال الحسن، وقتادة: وهؤلاء سوى ~~الثلاثة الذين خلفوا. # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) قوله تعالى: (ألم ms0936 ~~يعلموا أن الله هو يقبل التوبة) قرأ الجمهور " يعلموا " بالياء. وروى عبد ~~PageV03P337 # الوارث " تعلموا " بالتاء. وقوله [تعالى]: (يقبل التوبة عن عباده) قال ~~أبو عبيدة: أي: من عبيده، تقول: أخذته منك، وأخذته عنك. # قوله تعالى: (ويأخذ الصدقات) قال ابن قتيبة: أي: يقبلها. ومثله (خذ ~~العفو) أي: اقبله. # قوله تعالى: (وقل اعملوا) قال ابن زيد: هذا خطاب للذين تابوا. # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ~~(106) قوله تعالى: (وآخرون مرجؤن) وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي " مرجون " ~~بغير همز. # والآية نزلت في كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكانوا ~~فيمن تخلف عن تبوك من غير عذر، ثم لم يبالغوا في الاعتذار كما فعل أبو ~~لبابة وأصحابه، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فوقف رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] أمرهم، ونهى الناس عن كلامهم ومخالطتهم حتى نزل قوله [تعالى]: (وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا). قال الزجاج: " وآخرون " عطف على قوله: " ومن أهل ~~المدينة "، فالمعنى: منهم منافقون، ومنهم (آخرون مرجون) أي: مؤخرون، و " ~~إما " لوقوع أحد الشيئين، والله تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم، لكنه خاطب ~~العباد بما يعلمون، فالمعنى: ليكن أمرهم عندكم على الخوف والرجاء. # قوله تعالى: (والله عليم حكيم) أي: عليم بما يؤول إليه حالهم، حكيم بما ~~يفعله بهم. # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ~~(107) قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: " والذين " بواو، وكذلك هي في مصاحفهم. وقرأ نافع، وابن ~~عامر: " الذين " بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام. قال أبو ~~علي: من قرأ بالواو، فهو معطوف على ما قبله، نحو قوله [تعالى]: (ومنهم من ~~عاهد الله)، (ومنهم من يلمزك) (ومنهم الذين يؤذون النبي)، والمعنى: ومنهم ~~الذين اتخذوا مسجدا. ومن حذف الواو، فعلى وجهين: PageV03P338 # أحدهما: أن يضمر - ومنهم الذين اتخذوا - كقوله [تعالى]: أكفرتم، المعنى: ~~فيقال لهم: أكفرتم. # والثاني: أن يضمر الخبر ms0937 بعد، كما أضمر في قوله [تعالى]: (إن الذين كفروا ~~ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام) المعنى: ينتقم منهم ويعذبون. قال أهل ~~التفسير: لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء، وبعثوا إلى رسول الله، ~~فأتاهم، فصلى فيه، حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وكانوا من منافقي الأنصار، ~~فقالوا: نبني مسجدا، ونرسل إلى رسول الله فيصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامر ~~الراهب إذا قدم من الشام، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية وتنصر، فلما ~~قدم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] المدينة، عاداه، فخرج إلى الشام، وأرسل ~~إلى المنافقين أن أعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجدا، فإني ~~ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه، فبنوا هذا المسجد إلى ~~جنب مسجد قباء، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد ومن داره أخرج ~~المسجد، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، وثعلبة بن حاطب، ومعتب ابن قشير، ~~وعباد بن حنيف، ووديعة بن ثابت، وأبو حبيبة بن الأزعر، وجارية بن عامر، ~~وابناه يزيد ومجمع، وكان مجمع إمامهم فيه، ثم صلحت حاله، وبحزج جد عبد الله ~~بن حنيف، وهو الذي قال له رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: " ما أردت بما ~~أرى "؟ فقال: والله ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب. وقال مقاتل: الذي حلف ~~مجمع. وقيل: كانوا سبعة عشر، فلما فرغوا منه، أتوا رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] فقالوا: إنا قد ابتنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة ~~المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه، فدعا بقميصه ليلبسه، فنزل عليه ~~القرآن وأخبره الله خبرهم، فدعا معن بن عدي، ومالك بن الدخشم في آخرين، ~~وقال: " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرقوه "، وأمر به ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف. ومات أبو ~~عامر بالشام وحيدا غريبا. # فأما التفسير، فقال الزجاج: " الذين " في موضع رفع، المعنى: ومنهم الذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا. و " ضرارا " انتصب مفعولا له، المعنى: اتخذوه للضرار ~~والكفر والتفريق والإرصاد. فلما ms0938 حذفت اللام، أفضى الفعل فنصب. قال ~~المفسرون: والضرار بمعنى المضارة لمسجد قباء، (وكفرا) بالله ورسوله ~~(وتفريقا بين المؤمنين) لأنهم كانوا يصلون في مسجد قباء جميعا، فأرادوا ~~تفريق جماعتهم، والإرصاد: الانتظار، فانتظروا به مجئ أبي عامر، وهو الذي ~~PageV03P339 # حارب الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار. (وليحلفن إن أردنا) أي: ما ~~أردنا (إلا الحسنى) أي: ما أردنا بابتنائه إلا الحسنى، وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: طاعة الله. # والثاني: الجنة. # والثالث: فعل التي هي أحسن من إقامة الدين والاجتماع للصلاة. وقد ذكرنا ~~اسم الحالف. # لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين (108) قوله تعالى: (لا تقم فيه) ~~أي: لا تصل فيه أبدا. (لمسجد أسس على التقوى) أي: # بني على الطاعة، وبناه المتقون (من أول يوم) أي: منذ أول يوم. قال ~~الزجاج: " من " في الزمان، والأصل: منذ ومذ، وهو الأكثر في الاستعمال. ~~وجائز دخول " من " لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، ومثله قول زهير: # لمن الديار بقنة الحجر * أقوين من حجج ومن شهر أحدها: أنه مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة الذي فيه منبره وقبره. روى سهل بن سعد أن ~~رجلين اختلفا في عهد رسول الله في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال ~~أحدهما: هو مسجد الرسول، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فذكر ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال " هو مسجدي هذا " وبه قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، ~~وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب. # والثاني: أنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد ~~بن جبير، وقتادة، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، ومقاتل. # والثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة، قاله محمد بن كعب. # قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) سبب نزولها أن رجالا من أهل ~~قباء كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية، قاله الشعبي. قال ابن عباس: ~~لما نزلت هذه الآية، أتاهم PageV03P340 # رسول الله فقال ms0939 " ما الذي أثنى الله به عليكم " فقالوا: إنا نستنجي ~~بالماء. فعلى هذا، المراد به الطهارة بالماء. وقال أبو العالية: أن يتطهروا ~~من الذنوب. # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) قوله ~~تعالى: (أفمن أسس بنيانه) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي ~~" أسس " بفتح الألف في الحرفين جميعا وفتح النون فيهما. وقرأ نافع، وابن ~~عامر " أسس " بضم الألف " بنيانه " برفع النون. والبنيان مصدر يراد به ~~المبني. والتأسيس: إحكام أس البناء، وهو أصله، والمعنى: المؤسس بنيانه ~~متقيا يخاف الله ويرجو رضوانه خير، أم المؤسس بنيانه غير متق؟. قال الزجاج: ~~وشفا الشئ: حرفه وحده. والشفا مقصور، يكتب بالألف، ويثنى شفوان. # قوله تعالى: (جرف) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي " جرف " ~~مثقلا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: " جرف " ساكنة الراء. قال ~~أبو علي: فالضم الأصل، والإسكان تخفيف، ومثله: الشغل والشغل. قال ابن ~~قتيبة: المعنى: على حرف جرف هائر. # والجرف: ما يتجرف بالسيول من الأودية. والهائر: لأن الساقط. ومنه: تهور ~~البناء وانهار: إذا سقط. وقرأ ابن كثير: وحمزة " هار " بفتح الهاء. وأمال ~~الهاء نافع، وأبو عمرو. وعن عاصم كالقراءتين. # قوله تعالى: (فانهار به) أي: بالباني (في نار جهنم). قال الزجاج: وهذا ~~مثل، والمعنى: أن بناء هذا المسجد كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. ~~وقال قتادة: ذكر لنا أنهم حفروا فيه حفرة، فرؤي فيها الدخان. قال جابر: ~~رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان. # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم ~~حكيم (110) قوله تعالى: (لا يزال بنيانهم) يعني: مسجد الضرار (الذي بنوا ~~ريبة في قلوبهم) وفيها ثلاثة أقوال: PageV03P341 # أحدها: شكا ونفاقا، لأنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه، قاله ابن ~~عباس، وابن زيد. # والثاني: حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه، قاله ابن السائب ومقاتل. # والثالث: أن المعنى: لا يزال هدم بنيانهم ms0940 حزازة وغيظا في قلوبهم، قاله ~~السدي، والمبرد. # قوله تعالى: (إلا أن تقطع قلوبهم) قرأ الأكثرون: " إلا " وهو حرف ~~استثناء. وقرأ يعقوب " إلى أن " فجعله حرف جر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " تقطع " بضم التاء. وقرأ ابن عامر، ~~وحمزة، وحفص عن عاصم: " تقطع " بفتح التاء. ثم في المعنى قولان: # أحدهما: إلا أن يموتوا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في آخرين. # والثاني: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم، ~~ذكره الزجاج. # * إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ~~(111) قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) سبب نزولها أن ~~الأنصار لما بايعت رسول الله ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا، قال عبد الله ~~بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال " أشترط لربي أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم "، ~~قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فما لنا؟ قال: " الجنة " قالوا: ربح البيع، لا نقيل ~~ولا نستقيل، فنزلت (إن الله اشترى...) الآية، قاله محمد بن كعب القرظي. ~~فأما اشتراء النفس، فبالجهاد. # وفي اشتراء الأموال وجهان: # أحدها: بالإنفاق في الجهاد. # والثاني: بالصدقات. وذكر الشراء ها هنا مجاز، لأن المشتري حقيقة هو الذي ~~لا يملك PageV03P342 # المشترى، فهو كقوله [تعالى]: (من ذا الذي يقرض الله) والمراد من الكلام ~~أن الله أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم عن ذلك بالجنة، فعبر عنه ~~بالشراء لما تضمن من عوض ومعوض. وكان الحسن يقول: لا والله، إن في الدنيا ~~مؤمن إلا وقد أخذت بيعته. وقال قتادة: # ثامنهم والله فأغلى لهم. # قوله تعالى: (فيقتلون ويقتلون) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم " فيقتلون ويقتلون " فاعل ومفعول. وقرأ حمزة، والكسائي " ~~فيقتلون ويقتلون " مفعول وفاعل. قال أبو علي: القراءة الأولى بمعنى أنهم ~~يقتلون أولا ويقتلون، ms0941 والأخرى يجوز أن تكون في المعنى كالأولى، لأن المعطوف ~~بالواو يجوز أن يراد به التقديم، فإن لم يقدر فيه التقديم، فالمعنى: يقتل ~~من بقي منهم بعد قتل من قتل، كما أن قوله [تعالى]: (فما وهنوا لما أصابهم) ~~ما وهن من بقي بقتل من قتل. ومعنى الكلام: إن الجنة عوض عن جهادهم، قتلوا ~~أو قتلوا. (وعدا عليه قال الزجاج: نصب " وعدا " بالمعنى، لأن معنى قوله ~~(بأن لهم الجنة): (وعدا عليه حقا)، قال: وقوله [تعالى]: (في التوراة ~~والإنجيل) يدل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة. # قوله تعالى: (ومن أوفى) أي: لا أحد أوفى بما وعد (من الله). (فاستبشروا) ~~أي: # فافرحوا بهذا البيع. # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) قوله تعالى: ~~(التائبون) سبب نزولها: أنه لما نزلت التي قبلها، قال رجل: يا رسول الله، ~~وإن سرق وإن زنى وإن شرب الخمر؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. قال ~~الزجاج: # يصلح الرفع هاهنا على وجوه أحدها: المدح، كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو ~~هم التائبون. # ويجوز أن يكون على البدل، والمعنى: يقاتل التائبون، فهذا مذهب أهل اللغة، ~~والذي عندي أنه رفع بالابتداء، وخبره مضمر، المعنى: التائبون ومن ذكر معهم ~~لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذا لم يقصدوا ترك الجهاد ولا العناد، لأن ~~بعض المسلمين يجزئ عن بعض في الجهاد. # وللمفسرين في قوله [تعالى]: " التائبون " قولان: PageV03P343 # أحدهما: الراجعون عن الشرك والنفاق والمعاصي. # والثاني: الراجعون إلى الله في فعل ما أمر واجتناب ما حظر. # وفي قوله [تعالى]: (العابدون) ثلاثة أقوال: # أحدها: المطيعون لله بالعبادة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: المقيمون الصلاة، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: الموحدون، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: (الحامدون) قال قتادة: يحمدون الله تعالى على كل حال. # وفي السائحين أربعة أقوال: # أحدها: الصائمون، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~وقتادة في آخرين. قال الفراء: ويرى أهل النظر أن الصائم إنما سمي ms0942 سائحا ~~تشبيها بالسائح، لأن السائح لا زاد معه، والعرب تقول للفرس إذا كان قائما ~~لا علف بين يديه: صائم، وذلك أن له قوتين، غدوة وعشية، فشبه به صيام الآدمي ~~لتسحره وإفطاره. # والثاني: أنهم الغزاة، قاله عطاء. # والثالث: طلاب العلم، قاله عكرمة. # والرابع: المهاجرون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: (الراكعون الساجدون) يعني في الصلاة (الآمرون بالمعروف) وهو ~~طاعة الله. (والناهون عن المنكر) وهو معصية الله. # فإن قيل: ما وجه دخول الواو في قوله [تعالى]: (والناهون)؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن الواو إنما دخلت ها هنا لأنها الصفة الثامنة، والعرب تعطف ~~بالواو على السبعة، كقوله [تعالى]: (وثامنهم كلبهم) وقوله في صفة الجنة: ~~(وفتحت أبوابها)، ذكره جماعة من المفسرين. # والثاني: أن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الآمر بالمعروف ناه عن ~~المنكر في حال أمره، فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ينفرد ~~دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون ~~بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات. # قوله تعالى: (والحافظون لحدود الله) قال الحسن: القائمون بأمر الله. ~~PageV03P344 # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم ~~لأواه حليم (114) قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: " أي عم، قل معي: لا ~~إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله "، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا ~~طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شئ كلمهم ~~به: أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لأستغفرن لك ~~ما لم أنه عنك "، فنزلت (ما كان للنبي والذين آمنوا...) الآية، ms0943 ونزلت (إنك ~~لا تهدي من أحببت) أخرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث سعيد بن ~~المسيب عن أبيه. وقيل: إنه لما مات أبو طالب، جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستغفر له، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا، ~~وقد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه؟ فاستغفروا للمشركين، ~~فنزلت هذه الآية. قال أبو الحسين بن المنادي: هذا لا يصح، إنما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعمه " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " قبل أن يموت، وهو ~~في السياق، فأما أن يكون استغفر له بعد الموت، فلا، فانقلب ذلك على الرواة، ~~وبقي على انقلابه. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أمه آمنة، فتوضأ وصلى ~~ركعتين، ثم بكى فبكى الناس لبكائه، ثم انصرف إليهم، فقالوا: ما الذي أبكاك؟ ~~فقال: " مررت بقبر أمي فصليت ركعتين، ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، ~~فبكيت، ثم عدت فصليت ركعتين، واستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجرا، ~~فأبكاني "، ثم دعا براحلته فركبها، فما سار إلا هنيأة، حتى قامت الناقة ~~لثقل الوحي، فنزلت (ما كان للنبي والذين آمنوا) والآية التي بعدها، رواه ~~بريدة عن رسول الله. # والثالث: أن رجلا استغفر لأبويه، وكانا مشركين، فقال له علي بن أبي طالب: ~~أتستغفر PageV03P345 # لهما وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكر ذلك علي لرسول ~~الله، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه أبو الخليل عن علي عليه السلام. # والرابع: أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي ~~الله، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي ~~بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال: " بلى، والله لأستغفرن لأبي كما استغفر ~~إبراهيم لأبيه "، فنزلت هذه الآية، وبين عذر إبراهيم، قاله قتادة. # ومعنى قوله [تعالى]: (من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) أي: من بعد ~~ما بان أنهم ماتوا كفارا. # قوله تعالى: (إلا عن موعدة وعدها إياه) فيه قولان: # أحدهما: أن إبراهيم وعد أباه الاستغفار، وذلك قوله [تعالى]: ms0944 (سأستغفر لك ~~ربي)، وما كان يعلم أن الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره الله تعالى ~~بذلك. # والثاني: أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن، فلما تبين لإبراهيم عداوة ~~أبيه لله تعالى بموته على الكفر، ترك الدعاء له. فعلى الأول، تكون هاء ~~الكناية في " إياه " عائدة على آزر، وعلى الثاني، تعود على إبراهيم. وقرأ ~~ابن السميفع، ومعاذ القارئ، وأبو نهيك: " وعدها أباه " بالباء. # وفي الأواه ثمانية أقوال: # أحدها: أنه الخاشع الدعاء المتضرع، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه الدعاء، رواه زر عن عبد الله، وبه قال عبيد بن عمير. # والثالث: الرحيم، رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود، وبه قال ~~الحسن، وقتادة، وأبو ميسرة. # والرابع: أنه الموقن، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، ~~وعكرمة، والضحاك. # والخامس: أنه المؤمن، رواه العوفي، ومجاهد، وابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والسادس: أنه المسبح، رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة، وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وابن جبير. # والسابع: أنه المتأوه لذكر عذاب الله، قاله الشعبي. قال أبو عبيدة: مجاز ~~أواه مجاز فعال من التأوه، ومعناه: متضرع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربه، قال ~~المثقب: # إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوه آهة الرجل الحزين والثامن: أنه الفقيه، ~~رواه ابن جريج عن مجاهد. فأما الحليم، فهو الصفوح عن الذنوب. PageV03P346 # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شئ عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (116) قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما...) ~~الآية، سبب نزولها: أنه لما نزلت آية الفرائض، وجاء النسخ، وقد غاب قوم وهم ~~يعلمون بالأمر الأول مثل أمر القبلة والخمر، ومات أقوام على ذلك، سألوا ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. # وقال قوم: المعنى: أنه بين أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار ms0945 للمشركين قبل ~~تحريمه، فإذا حرمه ولم يمتنعوا عنه، فقد ضلوا. وقال ابن الأنباري: في الآية ~~حذف واختصار، والتأويل: حتى يتبين لهم ما يتقون، فلا يتقونه، فعند ذلك ~~يستحقون الضلال، فحذف ما حذف لبيان معناه، كما تقول العرب: # أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال، يريدون: فتجرت فكسبت. # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ~~من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم (117) ~~قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي) قال المفسرون: تاب عليه من إذنه ~~للمنافقين في التخلف. وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، وذلك أنه لما كان ~~سبب توبة التائبين ذكر معهم، كقوله [تعالى]: (فأن لله خمسه وللرسول). # قوله تعالى: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) قال الزجاج: هم الذين اتبعوه ~~في غزوة تبوك، والمراد بساعة العسرة: وقت العسرة، لأن الساعة تقع على كل ~~الزمان، وكان في ذلك الوقت حر شديد، والقوم في ضيقة شديدة، كان الجمل بين ~~جماعة يعتقبون عليه، وكانوا في فقر، فربما اقتسم التمرة اثنان، وربما مص ~~التمرة الجماعة ليشربوا عليها الماء، وربما نحروا الإبل فشربوا من ماء ~~كروشها من الحر. وقيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن ساعة العسرة، فقال: خرجنا ~~إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ~~ستقطع، حتى إن الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، ~~وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال ~~أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، PageV03P347 # فادع لنا. قال: " تحب ذلك "؟ قال: نعم. فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت ~~السماء، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. # قوله تعالى: (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) قرأ حمزة، وحفص عن ~~عاصم: " كاد يزيغ " بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. وفي معنى الكلام ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: تميل إلى التخلف عنه، وهم ناس من المسلمين هموا بذلك، ثم لحقوه، ms0946 ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن القلوب مالت إلى الرجوع للشدة التي لقوها، ولم تزغ عن ~~الإيمان، قاله الزجاج. # والثالث: أن القلوب كادت تزيغ تلفا بالجهد والشدة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (ثم تاب عليهم) كرر ذكر التوبة، لأنه ليس في ابتداء الآية ~~ذكر ذنبهم، فقدم ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبهم، ثم أعاد ذكر التوبة. # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) قوله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) وقرأ أبو ~~رزين، وأبو مجلز، والشعبي، وابن يعمر: " خالفوا " بألف. وقرأ معاذ القارئ، ~~وعكرمة، وحميد: " خلفوا " بفتح الخاء واللام المخففة. وقرأ أبو الجوزاء، ~~وأبو العالية: " خلفوا " بفتح الخاء واللام مع تشديدها. وهؤلاء هم المرادون ~~بقوله [تعالى]: (وآخرون مرجون) وقد تقدمت أسماؤهم. وفي معنى " خلفوا " ~~قولان: # أحدهما: خلفوا عن التوبة، قاله ابن عباس، ومجاهد. فيكون المعنى: خلفوا عن ~~توبة الله على أبي لبابة وأصحابه إذ لم يخضعوا كما خضع أولئك. # والثاني: خلفوا عن غزوة تبوك، قاله قتادة. وحديثهم مندرج في توبة كعب بن ~~مالك، وقد رويتها في كتاب " الحدائق ". # قوله تعالى: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) أي: ضاقت مع سعتها، ~~وذلك أن المسلمين منعوا من معاملتهم وكلامهم، وأمروا باعتزال أزواجهم، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم. PageV03P348 # (وضاقت عليهم أنفسهم) بالهم والغم. (وظنوا) أي: أيقنوا (أن لا ملجأ) أي: ~~لا معتصم من الله ومن عذابه إلا هو. (ثم تاب عليهم) أعاد التوبة تأكيدا، ~~(ليتوبوا) قال ابن عباس: ليستقيموا. وقال غيره: وفقهم للتوبة ليدوموا عليها ~~ولا يرجعوا إلى ما يبطلها. وسئل بعضهم عن التوبة النصوح، فقال: أن تضيق على ~~التائب الأرض، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب وصاحبيه. # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونا مع الصادقين (119) قوله تعالى: (يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنها نزلت ms0947 في قصة الثلاثة المتخلفين. # والثاني: أنها في أهل الكتاب. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ~~اتقوا الله في إيمانكم بمحمد وكونوا مع الصادقين. # وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال: # أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن عمر. # والثاني: أبو بكر وعمر، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. وقد قرأ ابن ~~السميفع، وأبو المتوكل، ومعاذ القارئ: " مع الصادقين " بفتح القاف وكسر ~~النون على التثنية. # والثالث: أنهم الثلاثة الذين خلفوا، صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~تأخرهم، قاله السدي. # والرابع: أنهم المهاجرون، لأنهم لم يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الجهاد، قاله ابن جريج. قال أبو سليمان الدمشقي: وقيل: إن أبا بكر ~~الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة، فقال: يا معشر الأنصار، إن الله يقول ~~في كتابه: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا) إلى قوله [تعالى]: # (أولئك هم الصادقون) من هم؟ قالت الأنصار: أنتم هم. قال: فإن الله تعالى ~~يقول: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا ~~أن نكون معكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء. # والخامس: أنه عام، قاله قتادة. و " مع " بمعنى: " من "، وكذلك هي في ~~قراءة ابن مسعود: # " وكونوا من الصادقين ". # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا PageV03P349 # يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ~~إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا ~~يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) قوله ~~تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب) قال ابن عباس: يعني: # مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، (أن يتخلفوا عن رسول الله) في غزوة ~~غزاها، (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة ورسول ~~الله في الحر والمشقة. # يقال: رغبت بنفسي عن الشئ: إذا ترفعت عنه. # قوله تعالى: ms0948 (ذلك) أي: ذلك النهي عن التخلف (بأنهم لا يصيبهم ظمأ) وهو ~~العطش (ولا نصب) وهو التعب (ولا مخمصة) وهي المجاعة (ولا ينالون من عدو ~~نيلا) أسرا أو قتلا أو هزيمة، فأعلمهم الله أنه يجازيهم على جميع ذلك. # قوله تعالى: (ولا ينفقون نفقة صغيرة) قال ابن عباس: تمرة فما فوقها. (ولا ~~يقطعون واديا) مقبلين أو مدبرين (إلا كتب لهم) أي: أثبت لهم أجر ذلك. ~~(ليجزيهم الله أحسن) أي: بأحسن (ما كانوا يعملون). # فصل قال شيخنا علي بن عبيد الله: اختلف المفسرون في هذه الآية، فقالت ~~طائفة: كان في أول الأمر لا يجوز التخلف عن رسول الله حيث كان الجهاد يلزم ~~الكل، ثم نسخ ذلك بقوله [تعالى]: # (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، وقالت طائفة: فرض الله تعالى على جميع ~~المؤمنين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ممن لا عذر له الخروج معه ~~لشيئين: # أحدهما: أنه من الواجب عليهم أن يقوه بأنفسهم. # والثاني: أنه إذا خرج الرسول فقد خرج الدين كله، فأمروا بالتظاهر لئلا ~~يقل العدد، وهذا الحكم باق إلى وقتنا، فلو خرج أمير المؤمنين إلى الجهاد، ~~وجب على عامة المسلمين متابعته لما ذكرنا. فعلى هذا، الآية محكمة. قال أبو ~~سليمان: لكل آية وجهها، وليس للنسخ على إحدى الآيتين طريق. # * وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين PageV03P350 # ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) قوله تعالى: (وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أنه لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك، قال ~~المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله ولا سرية أبدا. فلما ~~أرسل السرايا بعد تبوك، نفر المسلمون جميعا، وتركوا رسول الله وحده، فنزلت ~~هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لما دعا على مضر، أجدبت ~~بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها إلى المدينة من الجهد * وتظهر ~~الإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله ms0949 [صلى الله عليه وسلم] ~~فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن ناسا أسلموا، وخرجوا إلى البوادي يعلمون قومهم، فنزلت: (إلا ~~تنفروا يعذبكم)، فقال ناس من المنافقين: هلك من لم ينفر من أهل البوادي، ~~فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # والرابع: أن ناسا خرجوا إلى البوادي يعلمون الناس ويهدونهم، ويصيبون من ~~الحطب ما ينتفعون به، فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم ~~وجئتمونا، فأقبلوا من البادية كلهم، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. قال ~~الزجاج: ولفظ الآية لفظ الخبر، ومعناها الأمر، كقوله [تعالى]: (ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)، والمعنى: ينبغي أن ينفر بعضهم، ~~ويبقى البعض. قال الفراء: ينفر وينفر، بكسر الفاء وضمها، لغتان. واختلف ~~المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين: # أحدهما: أنه النفير إلى العدو، فالمعنى: ما كان لهم أن ينفروا بأجمعهم، ~~بل تنفر طائفة، وتبقى مع النبي [صلى الله عليه وسلم] طائفة. (ليفقهوا في ~~الدين) يعني الفرقة القاعدين. فإذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدهم قرآن أو ~~تجدد أمر، أعلموهم به وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا المعنى مروي عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنه النفير إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، بل تنفر منهم ~~طائفة ليتفقه هؤلاء الذين ينفرون، ولينذروا قومهم المتخلفين، هذا قول ~~الحسن، وهو أشبه بظاهر الآية. فعلى القول الأول، يكون نفير هذه الطائفة مع ~~رسول الله إن خرج إلى غزاة أو مع سراياه. وعلى القول الثاني، يكون نفير ~~الطائفة إلى رسول الله لاقتباس العلم. PageV03P351 # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا ~~يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) ~~قوله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) قد أمر بقتال الكفار ms0950 على ~~العموم، وإنما يبتدأ بالأقرب فالأقرب. وفي المراد بمن يليهم خمسة أقوال: # أحدها: أنهم الروم، قاله ابن عمر. # والثاني: قريظة، والنضير، وخيبر، وفدك، قاله ابن عباس. # والثالث: الديلم، قاله الحسن. # والرابع: العرب، قاله ابن زيد. # والخامس: أنه عام في قتال الأقرب فالأقرب، فالأقرب، قاله قتادة. وقال ~~الزجاج: وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي أن يقاتل أهل كل ثغر الذين ~~يلونهم. قال: وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما تخطى في حربه الذين ~~يلونه من الأعداء ليكون ذلك أهيب له، فأمر بقتال من يليه ليستن بذلك. وفي ~~الغلظة ثلاث لغات: غلظة، بكسر الغين، وبها قرأ الأكثرون. وغلظة، بفتح ~~الغين، رواها جبلة عن عاصم، وغلظة، بضم الغين، رواها المفضل عن عاصم، ~~ومثلها: جذوة وجذوة وجذوة، ووجنة ووجنة ووجنة، ورغوة ورغوة ورغوة، وربوة ~~وربوة وربوة، وقسوة وقسوة وقسوة، وإلوة وألوة وألوة، في اليمين. وشاة لجبة ~~ولجبة ولجبة: قد ولى لبنها. قال ابن عباس في قوله " غلظة ": شجاعة. وقال ~~مجاهد: شدة. # قوله تعالى: (فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا) هذا قول المنافقين ~~بعضهم لبعض استهزاء بقول الله تعالى. (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) ~~لأنهم إذا صدقوا بها وعملوا بما فيها، زادتهم إيمانا. (وهم يستبشرون) أي: ~~يفرحون بنزولها. (وأما الذين في قلوبهم مرض) أي: شك ونفاق. # وفي المراد بالرجس ثلاثة أقوال: # أحدها: الشك، قاله ابن عباس. # والثاني: الإثم، قاله مقاتل. # والثالث: الكفر، لأنهم كلما كفروا بسورة زاد كفرهم، قاله الزجاج. ~~PageV03P352 # قوله تعالى: (أولا يرون) يعني المنافقين. وقرأ حمزة: " أولا ترون " ~~بالتاء على الخطاب للمؤمنين. وفي معنى (يفتنون) ثمانية أقوال: # أحدها: يكذبون كذبة أو كذبتين يضلون بها، قاله حذيفة بن اليمان. # والثاني: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: يبتلون بالغزو في سبيل الله، قاله الحسن، وقتادة. # والرابع: يفتنون بالسنة والجوع، قاله مجاهد. # والخامس: بالأوجاع والأمراض، قاله عطية. # والسادس: ينقضون عهدهم مرة أو مرتين، قاله يمان. # والسابع: يكفرون، وذلك أنهم كانوا إذا أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ms0951 ~~بما تكلموا به إذ خلوا، علموا أنه نبي، ثم يأتيهم الشيطان فيقول: إنما بلغه ~~هذا عنكم، فيشركون، قاله مقاتل بن سليمان. # والثامن: يفضحون بإظهار نفاقهم، قاله مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: (ثم لا يتوبون) أي: من نفاقهم. (ولا هم يذكرون) أي: يعتبرون ~~ويتعظون. # وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) قوله تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة ~~نظر بعضهم إلى بعض) قال ابن عباس: كانت إذا أنزلت سورة فيها عيب المنافقين، ~~وخطبهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وعرض بهم في خطبته، شق ذلك عليهم، ~~ونظر بعضهم إلى بعض يريدون الهرب، يقولون: (هل يراكم من أحد) من المؤمنين ~~إن قمتم؟ # فإن لم يرهم أحد، خرجوا من المسجد. قال الزجاج: كأنهم يقولون ذلك إيماء ~~لئلا يعلم بهم أحد، (ثم انصرفوا) عن المكان، وجائز عن العمل بما يسمعون. ~~وقال الحسن: ثم انصرفوا على عزم التكذيب بمحمد [صلى الله عليه وسلم] وبما ~~جاء به. # قوله تعالى: (صرف الله قلوبهم) قال ابن عباس: عن الإيمان. وقال الزجاج: ~~أضلهم مجازاة على فعلهم. # لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف ~~رحيم (128) قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) قرأ الجمهور بضم الفاء. ~~وقرأ ابن عباس، وأبو العالية، والضحاك، وابن محيصن، ومحبوب عن أبي عمرو: ~~بفتحها. وفي المضمومة أربعة أقوال: PageV03P353 # أحدها: من جميع العرب، قاله ابن عباس، وقال: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ~~ولدت رسول الله [صلى الله عليه وسلم]. # والثاني: ممن تعرفون، قاله قتادة. # والثالث: من نكاح لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية، قاله جعفر الصادق. # والرابع: بشر مثلكم، فهو آكد للحجة، لأنكم تفقهون عمن هو مثلكم، قاله ~~الزجاج. وفي المفتوحة ثلاثة أقوال: # أحدها: أفضلكم خلقا. # والثاني: أشرفكم نسبا. # والثالث: أكثركم طاعة لله عز وجل. # قوله تعالى: (عزيز عليه ما عنتم) فيه قولان: # أحدهما: شديد عليه ما شق عليكم، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال الزجاج: ms0952 ~~شديد عليه عنتكم. والعنت: لقاء الشدة. # والثاني: شديد عليه ما آثمكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: (حريص عليكم) قال الحسن: حريص عليكم أن تؤمنوا. # قوله تعالى: (بالمؤمنين رؤوف رحيم) قال ابن عباس: سماه باسمين من أسمائه. ~~وقال أبو عبيدة: " رؤوف " فعول، من الرأفة، وهي أرق من الرحمة، ويقال: " ~~رؤوف "، وأنشد: # ترى للمؤمنين عليك حقا * كفعل الوالد الرؤف الرحيم وقيل رؤوف بالمطيعين، ~~رحيم بالمذنبين. # فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ~~(129) قوله تعالى: (فإن تولوا) أي: أعرضوا عن الإيمان (فقل حسبي الله) أي: ~~يكفيني (رب العرش العظيم). وقرأ ابن محيصن: " العظيم " برفع الميم. وإنما ~~خص العرش بالذكر، لأنه الأعظم، فيدخل فيه الأصغر. قال أبي بن كعب: آخر آية ~~أنزلت (لقد جاءكم رسول...) إلى آخر السورة. # تم بعون الله تعالى الجزء الثالث من زاد المسير ويليه الجزء الرابع ~~مبتدئا بتفسير سورة يونس PageV03P354 # زاد المسير في علم التفسير للإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن ~~علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه ~~محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن أستاذ بكلية الدراسات ~~الاسلامية بالأزهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء ~~الرابع من أول سورة يونس حتى نهاية سورة النخل دار الفكر للطباعة والنشر ~~والتوزيع PageV04P001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى جمادى الأولى 1407 ه‍ ~~- كانون الثاني 1987 م بيروت - لبنان المكاتب: البناية المركزية - هاتف: ~~244739 - ص ب: 7061 11 المطابع والمعمل: حارة حريك - شارع عبد النور - ~~هاتف: 390663 838202 - 837898 برقيا: فكسي - تلكس: 41392 فكر LE FIKR 41392 ~~PageV04P002 # بسم الله الرحمن الرحيم (10) سورة يونس مكية وآياتها تسع ومائة فصل في ~~نزولها روى عطية، وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية، وبه قال الحسن، ~~وعكرمة. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن فيها من المدني قوله: (ومنهم من يؤمن ~~به ومنهم من لا يؤمن به) [الآية] وفي ms0953 رواية عن ابن عباس: فيها ثلاث آيات من ~~المدني، أولها قوله: (فان كنت في شك) إلى رأس ثلاث آيات، وبه قال قتادة. # وقال مقاتل: هي مكية، غير آيتين، قوله: (فان كنت في شك) والتي تليها. # وقال بعضهم: هي مكية إلا آيتين، وهي قوله (تعالى): (قل بفضل الله ~~وبرحمته) (فبذلك فليفرحوا) والتي تليها. # * * * الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) فأما قوله (تعالى): (الر): قرأ ابن ~~كثير: (الر) بفتح الراء، وقرأ أبو عمرو وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (الر) ~~على الهجاء مكسورة. وقد ذكرنا في أول سورة (البقرة) ما يشتمل على بيان هذا ~~الجنس. # وقد خصت هذه الكلمة بستة أقوال: PageV04P003 # أحدها: أن معناها: أنا الله أرى، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنا الله الرحمن، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنه بعض اسم من أسماء الله. روى عكرمة عن ابن عباس قال: (الر) و ~~(حم) و (نون) حروف الرحمن. # والرابع: أنه قسم أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والخامس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، وقتادة. # والسادس: أنه اسم للسورة، قاله ابن زيد. # وفي قوله (تعالى): (تلك) قولان: # أحدهما: أنه بمعنى (هذه)، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره أبو عبيدة. # والثاني: أنه على أصله. # ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الإشارة إلى الكتب المتقدمة من التوراة والإنجيل. قاله مجاهد، ~~وقتادة: فيكون المعنى: هذه الأقاصيص التي تسمعونها، تلك الآيات التي وصفت ~~في التوراة والإنجيل. # والثاني: أن الإشارة إلى الآيات التي جرى ذكرها، من القرآن، قاله الزجاج. # والثالث: أن (تلك) إشارة إلى (الر) وأخواتها من حروف المعجم، أي: تلك ~~الحروف المفتتحة بها السور هي (آيات الكتاب) لأن الكتاب بها يتلى، وألفاظه ~~إليها ترجع، ذكره ابن الأنباري. # قال أبو عبيدة: (الحكيم) بمعنى المحكم المبين الموضح. والعرب قد تضع ~~فعيلا في معنى مفعل: قال الله تعالى: (ما لدى عتيد) أي: معد * * * أكان ~~للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم ms0954 قال الكافرون إن هذا لسحر مبين (2) إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر مامن ~~PageV04P004 # شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) قوله ~~تعالى: (أكان للناس عجبا): سبب نزولها: أن الله تعالى لما بعث محمدا (صلى ~~الله عليه وسلم) أنكرت الكفار ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله ~~بشرا مثل محمد. فنزلت هذه الآية. # والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة، والمراد بالرجل: محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # ومعنى (منهم): يعرفون نسبه، قاله ابن عباس. # فأما الألف فهي للتوبيخ والإنكار. قال ابن الأنباري: والاحتجاج عليهم في ~~كونهم عجبوا من إرسال محمد، محذوف هاهنا، وهو مبين في قوله: (نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم) أي: # فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة فلا تنكروا تفضيل الله من شاء ~~بالنبوة. وإنما حذفه هاهنا اعتمادا على ما بينه في موضع آخر. # قال: وقيل: إنا عجبوا من ذكر البعث والنشور لأن الإنذار والتبشير يتصلان ~~بهما، فكان جوابهم في مواضع كثيرة تدل على كون ذلك مثل قوله: (وهو أهون ~~عليه) وقوله: (يحيها الذي أنشأها أول مرة). # وفي المراد بقوله: (قدم صدق) سبعة أقوال: # أحدها: أنه الثواب الحسن بما قدموا من أعمالهم. رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وروى عنه أبو صالح قال: عمل صالح يقدمون عليه. # والثاني: أنه ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول، رواه ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس قال أبو عبيدة: سابقة صدق. # والثالث: شفيع صدق، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم يوم القيامة. ~~قاله الحسن. # والرابع: سلف صدق تقدموهم بالإيمان، قاله مجاهد، وقتادة. # والخامس: مقام صدق لا زوال عنه، قاله عطاء. # والسادس: أن قدم الصدق: المنزلة الرفيعة. قاله الزجاج. PageV04P005 # والسابع: أن القدم هاهنا: مصيبة المسلمين بنبيهم صلى الله عليه وسلم وما ~~يلحقهم من ثواب الله عند أسفهم على فقده ومحبتهم لمشاهدته، ذكره ابن ~~الأنباري. # فإن قيل: لم آثر القدم هاهنا على اليد، والعرب تستعمل اليد في موضع ~~الإحسان؟ # فالجواب: أن ms0955 القدم ذكرت هاهنا للتقدم، لأن العادة جارية بتقدم الساعي على ~~قدميه، والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر، قال ~~ذو الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها * مع الحسب العادي طمت على البحر فإن قيل: ما ~~وجه إضافة القدم إلى الصدق؟ # فالجواب: أن ذلك مدح للقدم، وكل شئ أضفته إلى الصدق، فقد مدحته، ومثله: # (أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) وقوله: (في مقعد صدق). # وفي الكلام محذوف تقديره: أن أوحينا إلى رجل منهم، فلما اتاهم الوحي (قال ~~الكافرون إن هذا لسحر مبين) قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (لسحار) ~~بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر: (لسحر) بغير ألف. قال أبو علي: قد ~~تقدم قوله تعالى: (أن أوحينا إلى رجل منهم) فمن قال: (ساحر)، أراد الرجل، ~~ومن قال: (سحر) أراد الذي أوحي سحر، أي: الذي تقولون أنتم فيه: إنه وحي: ~~سحر. # قال الزجاج: لما أنذرهم بالبعث والنشور، فقالوا: هذا سحر، أخبرهم أن الذي ~~خلق السماوات والأرض قادر على بعثهم بقوله تعالى: (إن ربكم الله) وقد سبق ~~تفسيره في سورة الأعراف. # قوله تعالى: (يدبر الأمر) قال مجاهد: يقضيه. وقال غيره: يأمر به ويمضيه. # قوله تعالى: (مامن شفيع إلى من بعد إذنه) فيه قولان: # أحدهما: لا يشفع أحد إلا أن يأذن له، قاله ابن عباس. قال الزجاج: لم يجر ~~للشفيع PageV04P006 # ذكر قبل هذا، ولكن الذين خوطبوا كانوا يقولون: الأصنام شفعاؤنا. # والثاني: أن المعنى: لا ثاني معه، مأخوذ من الشفع، لأنه لم يكن معه أحد، ~~ثم خلق الأشياء. فقوله (تعالى): (إلا من بعد إذنه) أي: من بعد أمره أن يكون ~~الخلق فكان. ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (فاعبدوه): قال مقاتل: وحدوه. وقال الزجاج: المعنى: فاعبدوه ~~وحده. # وقوله (تعالى): (تذكرون) معناه: تتعظون. # * * * إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون (4) قوله تعالى: (إليه مرجعكم) أي: مصيركم يوم ~~القيامة. (وعد الله ms0956 حقا) قال الزجاج: # (وعد الله) منصوب على معنى: وعدكم الله وعدا، لأن قوله: (إليه مرجعكم) ~~معناه: الوعد بالرجوع، و (حقا) منصوب على: أحق ذلك حقا. # قوله تعالى: (إنه يبدأ الخلق) قرأه الأكثرون بكسر الألف. وقرأت عائشة، ~~وأبو رزين، وعكرمة، وأبو العالية، والأعمش (أنه) بفتحها. قال الزجاج: من ~~كسر، فعلى الاستئناف ومن فتح، فالمعنى: إليه مرجعكم، لأنه يبدأ الخلق. قال ~~مقاتل: يبدأ الخلق ولم يكن شيئا، ثم يعيده بعد الموت. فأما (القسط) فهو ~~العدل. # فان قيل: كيف خص جزاء المؤمنين بالعدل، وهو في جزاء الكافرين عادل أيضا؟ # فالجواب: أنه لو جمع الفريقين في القسط، لم يتبين في حال اجتماعهما ما ~~يقع بالكافرين من العذاب الأليم والشرب من الحميم، ففصلهم من المؤمنين ~~ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل أيضا. ذكره ابن الأنباري. # فأما (الحميم) فهو الماء الحار، وقال أبو عبيدة: كل حار فهو حميم. ~~PageV04P007 # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن في ~~اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ~~(6) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات ~~النعيم (9) دعويهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعويهم أن ~~الحمد لله رب العالمين (10) قوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء) قرأ ~~الأكثرون (ضياء) بهمزة واحدة، وقرأ ابن كثير: (ضئاء) بهمزتين في كل القرآن، ~~أي: ذات ضياء. (والقمر نورا) أي: ذا نور. # (وقدره منازل) أي: قدر له، فحذف الجار، والمعنى: هيأ ويسر له منازل. قال ~~الزجاج: الهاء ترجع إلى (القمر): لأنه المقدر لعلم السنين والحساب. وقد ~~يجوز أن يعود إلى الشمس والقمر، فحذف أحدهما اختصارا. وقال الفراء: إن شئت ~~جعلت تقدير المنازل للقمر خاصة، لأن به تعلم الشهور، وإن شئت جعلت التقدير ~~لهما، فاكتفي ms0957 بذكر أحدهما من صاحبه كقوله (تعالى): (والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه). # قال ابن قتيبة: منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا من أول الشهر إلى ثماني ~~وعشرين ليلة، ثم يستسر. وهذه المنازل، هي النجوم التي كانت العرب تنسب ~~إليها الأنواء، وأسماؤها عندهم: # الشرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، ~~والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواءأ، والسماك، والغفر، ~~والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، ~~وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو ~~المؤخر، والرشاء وهو الحوت. # قوله تعالى: (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أي: للحق، من إظهار صنعه وقدرته ~~والدليل PageV04P008 # على وحدانيته. # (يفصل الآيات): قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (يفصل) بالياء. ~~وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي وأبو بكر عن عاصم: (نفصل الآيات) ~~بالنون، والمعنى: # نبينها. # (لقوم يعلمون) يستدلون بالأمارات على قدرته. # قوله تعالى: (لآيات لقوم يتقون): فيه قولان: # أحدهما: يتقون الشرك. # والثاني: عقوبة الله تعالى. فيكون المعنى: إن الآيات لمن لم يحمله هواه ~~على خلاف ما وضح له من الحق. # قوله تعالى: (لا يرجون لقاءنا): قال ابن عباس: لا يخافون البعث. (ورضوا ~~بالحياة الدنيا): اختاروا ما فيها على الآخرة. (واطمأنوا بها): آثروها. # وقال غيره: ركنوا إليها، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة. # (والذين هم عن آياتنا غافلون): فيها قولان: # أحدهما: أنها آيات القرآن ومحمد (صلى الله عليه وسلم)، قاله ابن عباس. # والثاني: ما ذكره في أول السورة من صنعه، قاله مقاتل. فأما قوله (تعالى): ~~(غافلون) فقال ابن عباس: مكذبون. وقال غيره: معرضون. قال ابن زيد: وهؤلاء ~~هم الكفار. # قوله تعالى: (بما كانوا يكسبون): قال مقاتل: من الكفر والتكذيب. # قوله تعالى: (يهديهم ربهم بأيمانهم) فيه أربعة أقوال: # أحدها: يهديهم إلى الجنة ثوابا بإيمانهم. # والثاني: يجعل لهم نورا يمشون به بإيمانهم. # والثالث: يزيدهم هدى بإيمانهم. # والرابع: يثيبهم بإيمانهم، فأما الهداية فقد سبقت لهم. # قوله تعالى: (تجري من تحتهم الأنهار) أي: تجري بين أيديهم وهم يرونها من ~~علو. # قوله تعالى: (دعواهم فيها) أي: دعاؤهم. وقد شرحنا ذلك في ms0958 أول الأعراف. ~~PageV04P009 # وفي المراد بهذا الدعاء قولان: # أحدهما: أنه استدعاؤهم ما يشتهون. قال ابن عباس: كلما اشتهى أهل الجنة ~~شيئا، قالوا: (سبحانك اللهم) فيأتيهم ما يشتهون، فإذا طعموا، قالوا: (الحمد ~~لله رب العالمين) فذلك آخر دعواهم. # وقال ابن جريج: إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: (سبحانك اللهم) فيأتيهم ~~الملك بما اشتهوا، فيسلم عليهم فيردون عليه: فذلك قوله: (وتحيتهم فيها ~~سلام). فإذا أكلوا، حمدوا ربهم فذلك قوله: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين). # والثاني: أنهم إذا أرادوا الرغبة إلى الله تعالى في دعاء يدعونه به، ~~قالوا (سبحانك اللهم). قاله قتادة: # قوله تعالى: (وتحيتهم فيها سلام): فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها تحية بعضهم لبعض وتحية الملائكة لهم، قاله ابن عباس. # والثاني: أن الله تعالى يحييهم بالسلام. # والثالث: أن التحية: الملك، فالمعنى: ملكهم فيها سالم، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: (وآخر دعواهم) أي: دعاؤهم. # وقولهم: (أن الحمد لله رب العالمين) قرأ أبو مجلز، وعكرمة، ومجاهد، وابن ~~يعمر، وقتادة، ويعقوب: (أن الحمد لله) بتشديد النون ونصب الدال. قال ~~الزجاج: أعلم الله أنهم يبتديون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره ~~والثناء عليه. وقال ابن كيسان: يفتتحون كلامهم بالتوحيد، ويختمونه ~~بالتوحيد. # * ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر ~~الذين PageV04P010 # لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) قوله تعالى: (ولو يعجل الله ~~للناس الشر): ذكر بعضهم أنها نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: (اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك) والتعجيل: تقديم الشئ قبل وقته، وفي المراد ~~بالآية قولان: # أحدهما: ولو يعجل الله للناس الشر إذا دعوا على أنفسهم عند الغضب وعلى ~~أهليهم، واستعجلوا به، كما يعجل لهم الخير، لهلكوا. هذا قول ابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة. # والثاني: ولو يعجل الله للكافرين العذاب على كفرهم كما عجل لهم خير ~~الدنيا من المال والولد، لعجل لهم قضاء آجالهم ليتعجلوا عذاب الآخرة. حكاه ~~الماوردي. ويقوي هذا تمام الآية وسبب نزولها. وقد قرأ الجمهور: (لقضي ~~إليهم) بضم القاف (أجلهم) بضم اللام. وقرأ ابن عامر: (لقضى) بفتح القاف ms0959 ~~(أجلهم) بنصب اللام. وقد ذكرنا في أول سورة (البقرة) معنى الطغيان والعمة. # * * * وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا ~~عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ~~(12) قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان الضر): اختلفوا فيمن نزلت على قولين: ~~أحدهما: أنها نزلت في أبي حذيفة، واسمه هاشم بن المغيرة بن عبد الله ~~المخزومي. قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت في عتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة. قاله عطاء. # و (الضر): الجهد والشدة. واللام في قوله: (لجنبه) بمعنى (على). # وفي معنى الآية قولان: أحدهما: إذا مسه الضر دعا على جنبه، أو دعا قاعدا، ~~أو دعا قائما، قاله ابن عباس. والثاني: إذا مسه الضر في هذه الأحوال، دعا، ~~ذكره الماوردي. PageV04P011 # قوله تعالى: (فلما كشفنا عنه ضره مر) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أعرض عن الدعاء، قاله مقاتل. والثاني: مر في العافية على ما كان ~~عليه قبل أن يبتلى، ولم يتعظ بما يناله، قاله الزجاج: والثالث: مر طاغيا ~~على ترك الشكر. # قوله تعالى: (كأن لم يدعنا) قال الزجاج: (كأن) هذه مخففة من الثقيلة، ~~المعنى: كأنه لم يدعنا، قالت الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يتقى * إذ الناس إذ ذاك من عز بزا قوله تعالى: (كذلك ~~زين للمسرفين) المعنى: كما زين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند ~~الرخاء، كذلك زين للمسرفين وهم المجاوزون الحد في الكفر والمعصية - عملهم. # * * * ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما ~~كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) قوله تعالى: (ولقد أهلكنا ~~القرون من قبلكم): قال مقاتل: هذا تخويف لكفار مكة. # والظلم هاهنا بمعنى الشرك. # وفي قوله: (وما كانوا ليؤمنوا): قولان: # أحدهما: أنه عائد على أهل مكة، قاله مقاتل. # والثاني: على القرون المتقدمة، قاله أبو سليمان. قال ابن الأنباري. ~~ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم الحق وإيثارهم الباطل. وقال الزجاج: ~~جائز أن يكون جعل جزاءهم الطبع على قلوبهم، وجائز أن يكون أعلم ما قد علم ~~منهم. # قوله ms0960 تعالى: (كذلك نجزي) أي: نعاقب ونهلك، (القوم المجرمين): يعني ~~المشركين من قومك. # * * * ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) ~~PageV04P012 # قوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف): قال ابن عباس: جعلناكم يا أمة محمد ~~خلائف، أي: استخلفناكم في الأرض. # وقال قتادة: ما جعلنا الله خلائف إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من ~~أعمالكم خيرا بالليل والنهار. # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي أن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا): اختلفوا فيمت نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في مشركي مكة، قاله مجاهد، وقتادة. # والمراد (بالآيات): آيات القرآن. و (يرجون) بمعنى: يخافون. # وفي علة طلبهم سوى هذا القرآن أو تبديله قولان: أحدهما: أنهم أرادوا ~~تغيير آية العذاب بالرحمة، وآية الرحمة بالعذاب، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم كرهوا منه ذكر البعث والنشور، لأنهم لا يؤمنون به، وكرهوا ~~عيب آلهتهم، فطلبوا ما يخلوا من ذلك، قاله الزجاج. # والفرق بين تبديله والإتيان بغيره، أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، ~~والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه. قوله تعالى: (ما يكون لي) حرك هذه ~~الياء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، (وأسكنها الباقون. # (من تلقاء نفسي) حركها نافع، وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. والمعنى: من ~~عند نفسي، فالمعنى: أن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله. # (إني أخاف) فتح هذه الياء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو. PageV04P013 # (إن عصيت ربي) أي: في تبديله أو تغييره، (عذاب يوم عظيم) يعني في ~~القيامة. # (فصل) وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ما بينا في ~~نظيرتها في (الأنعام)، ومقصود الآيتين تهديد المخالفين، وأضيف ذلك إلى ~~الرسول ليصعب الأمر فيه. # * * * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدريكم ms0961 به فقد لبثت فيكم عمرا ~~من قبله أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ~~إنه لا يفلح المجرمون (17) قوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم) ~~يعني القرآن. وذلك أنه كان لا ينزله علي فيأمرني بتلاوته عليكم (ولا أدراكم ~~به) أي: ولا أعلمكم الله به. # قرأ ابن كثير: (ولأدراكم) بلام التوكيد من غير ألف بعدها، يجعلها لاما ~~دخلت على (أدراكم). وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~(أدريكم) بالإمالة. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة، وشيبة بن نصاح: (ولا ~~أدرأتكم) بتاء بين الألف والكاف. # (فقد لبثت فيكم عمرا): وقرأ الحسن، والأعمش: (عمرا) بسكون الميم. قال أبو ~~عبيدة: وفي (العمر) ثلاث لغات: عمر، وعمر، وعمر. قال ابن عباس: أقمت فيكم ~~أربعين سنة لا أحدثكم بشئ من القرآن. # (أفلا تعقلون) أنه ليس من قبلي. # (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) يريد: إني لم أفتر على الله ولم أكذب ~~عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكا. # والمجرمون هاهنا: المشركون. # * * * ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه ~~وتعالى عما يشركون (18) PageV04P014 # قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله مالا يضرهم) أي: لا يضرهم إن لم ~~يعبدوه، ولا ينفعهم إن عبدوه. قاله مقاتل، والزجاج. # قوله تعالى: (ويقولون) - يعني المشركين - (هؤلاء) يعنون: الأصنام. قال ~~أبو عبيدة: # خرجت كنايتها على لفظ كناية الآدميين. وقد ذكرنا هذا المعنى في سورة ~~الأعراف عند قوله: (وهم يخلقون). # وفي قوله: (شفعاؤنا عند الله) قولان: # أحدهما: شفعاؤنا في الآخرة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: شفعاؤنا في إصلاح معايشنا في الدنيا، لأنهم لا يقرون بالبعث، ~~قاله الحسن. # قوله تعالى: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم) قال الضحاك: أتخبرون الله أن ~~له شريكا، ولا يعلم الله لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض. # * * * وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك ms0962 لقضي ~~بينهم فيما فيه يختلفون (19) قوله تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~فاختلفوا) قد شرحنا هذا في (سورة) البقرة وأحسن الأقوال أنهم كانوا على دين ~~واحد موحدين، فاختلفوا وعبدوا الأصنام، فكان أول من بعث إليهم نوح عليه ~~السلام. # قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ولولا كلمة سبقت بتأخير هذه الأمة أنه لا يهلكهم بالعذاب كما أهلك ~~الذين من قبلهم لقضي بينهم بنزول العذاب، فكان ذلك فصلا بينهم فيما فيه ~~يختلفون من الدين. # والثاني: أن الكلمة: أن لكل أمة أجلا، وللدنيا مدة لا يتقدم ذلك على ~~وقته. PageV04P015 # والثالث: أن الكلمة: أنه لا يأخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه. # وفي قوله: (لقضي بينهم) قولان: # أحدهما: لقضي بينهم بإقامة الساعة. # والثاني: بنزول العذاب على المكذبين. # * * * ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين. (20) قوله تعالى: (ويقولون) - يعني المشركين - ~~(لولا) - أي هلا - (أنزل عليه آية من ربه) مثل العصا واليد وآيات الأنبياء. # (فقل إنما الغيب لله) فيه قولان: # أحدهما: أن سؤالكم: (لم لم تنزل الآية) غيب، ولا يعلم علة امتناعها إلا ~~الله. # والثاني: أن (نزول الآية متى يكون؟) غيب، ولا يعلمه إلى الله. # قوله تعالى: (فانتظروا) فيه قولان: # أحدهما: انتظروا نزول الآية. # والثاني: قضاء الله بيننا باظهار المحق على المبطل. # وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) * * * قوله تعالى: (وإذا أذقنا ~~الناس رحمة) سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا على أهل مكة ~~بالجذب فقحطوا سبع سنين أتاه أبو سفيان فقال: (ادع لنا بالخصب، فإن أخصبنا ~~صدقناك). # فدعا لهم، فسقوا ولم يؤمنوا ذكره الماوردي. # قال المفسرون: المراد بالناس هاهنا: الكفار. # وفي المراد بالرحمة والضراء ثلاثة أقوال: PageV04P016 # أحدها: أن الرحمة: العافية والسرور، والضراء: الفقر والبلاء، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: الرحمة: الإسلام، والضراء: الكفر، وهذا في حق المنافقين، قاله ~~الحسن. # والثالث: أن الرحمة: ms0963 الخصب، والضراء: الجدب، قاله الضحاك. # وفي المراد بالمكر هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: أنه الاستهزاء والتكذيب، قاله مجاهد، ومقاتل. # والثاني: أنه الجحود والرد، قاله أبو عبيدة. # والثالث: أنه إضافة النعم إلى غير الله، فيقولون: سقينا بنوء كذا، قاله ~~مقاتل بن حيان. # والرابع: أن المكر: النفاق، لأنه إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: (قل الله أسرع مكرا) أي: جزاء على المكر (إن رسلنا) يعني ~~الحفظة (يكتبون ما تمكرون) أي: يحفظون ذلك لمجازاتكم عليه. وقرأ يعقوب إلا ~~رويسا وأبا حاتم، وأبان عن عاصم: (يمكرون) بالياء. # * * * هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم ~~أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ~~(23) فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم متع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم ~~تعملون (23) PageV04P017 # قوله تعالى: (هو الذي يسيركم) أي: الله هو أسرع مكرا، هو الذي يسيركم (في ~~البر) على الدواب، وفي البحر على السفن، فلو شاء انتقم منكم في البر أو في ~~البحر. # وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: (ينشركم) بالنون والشين من النشر، وهو في ~~المعنى مثل قوله: (وبث منهما رجالا كثيرا). والفلك: السفن. قال الفراء: ~~الفلك تذكر وتؤنث، وتكون واحدة وتكون جمعا، قال تعالى هاهنا: (جاءتها) ~~فأنث، وقال في يس (في الفلك المشحون) فذكر. # قوله تعالى: (وجرين بهم): عاد بعد المخاطبة لهم إلى الإخبار عنهم. قال ~~الزجاج: كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه جاز أن يرده إلى الغائب، قال ~~الشاعر: # شطت مزار العاشقين فأصبحت * عسرا علي طلابك ابنة مخرم قوله تعالى: (بريح ~~طيبة) أي: لينة. (وفرحوا بها) للينها. # (جاءتها) يعني الفلك. قال الفراء: وإن شئت جعلتها للريح، كأنك قلت: جاءت ~~الريح الطيبة ريح عاصف، والعرب تقول: عاصف وعاصفة، وقد عصفت الريح وأعصفت، ~~والألف لغة لبني أسد. قال ابن عباس: الريح ms0964 العاصف: الشديدة. قال الزجاج: ~~يقال: عصفت الريح، فهي عاصف وعاصفة، وأعصفت، فهي معصف ومعصفة. # (وجاءهم الموج من كل مكان) أي: من كل أمكنة الموج. # قوله تعالى: (وظنوا) فيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى اليقين. # والثاني: أنه التوهم. # وفي قوله (تعالى): (أحيط بهم) قولان: # أحدهما: دنوا من الهلكة. قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن العدو إذا أحاط ~~ببلد، فقد دنا أهله من الهلكة. وقال الزجاج: يقال لكل من وقع في بلاء: قد ~~أحيط بفلان، أي: أحاط به البلاء. # والثاني: أحاطت بهم الملائكة، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: (دعوا الله مخلصين له الدين) دون أوثانهم. قال ابن عباس: ~~تركوا الشرك، وأخلصوا لله الربوبية، وقالوا: (لئن أنجيتنا من هذه) الريح ~~العاصف (لنكونن من الشاكرين) أي: الموحدين. # قوله تعالى: (يبغون في الأرض) البغي: الترامي في الفساد. قال الأصمعي: ~~يقال: # بغى الجرح، إذا ترامى إلى فساد. قال ابن عباس: يبغون في الأرض بالدعاء ~~إلى عبادة الله PageV04P018 # والعمل بالمعاصي والفساد. # (يا أيها الناس) يعني أهل مكة. (إنما بغيكم على أنفسكم) أي: جناية ~~مظالمكم بينكم على أنفسكم. وقال الزجاج: عملكم بالظلم عليكم يرجع. # قوله تعالى: (متاع الحياة الدنيا) قرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد ~~الرحمن السلمي، والحسن، وحفص، وأبان عن عاصم: (متاع الحياة الدنيا) بنصب ~~المتاع. قال الزجاج: من رفع المتاع، فالمعنى أن ما تنالونه بهذا البغي إنما ~~تنتفعون به في الدنيا، ومن نصب المتاع، فعلى المصدر. فالمعنى: تمتعون متاع ~~الحياة (قال ابن عباس: متاع الحياة الدنيا أي منفعة في الدنيا) وقرأ أبو ~~المتوكل، واليزيدي عن اختياره، وهارون العتكي عن عاصم: (متاع الحياة الدنيا ~~بكسر العين. # * * * إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها ~~أنهم قادرون عليها آتها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) قوله تعالى: (إنما مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء) هذا مثل ضربه الله للدنيا الفانية، فشبهها ~~بمطر نزل ms0965 من السماء (فاختلط به نبات الأرض) يعني التف النبات بالمطر وكثر. # (مما يأكل الناس) من الحبوب وغيرها، (والأنعام) من المرعى. (حتى إذا أخذت ~~الأرض زخرفها). قال ابن قتيبة: زينتها بالنبات. وأصل الزخرف: الذهب، ثم ~~يقال للنقش والنور والزهر وكل شئ زين: زخرف. وقال الزجاج: الزخرف: كمال حسن ~~الشئ. # قوله تعالى: (وازينت) قرأه الجمهور (وازينت) بالتشديد. وقرأ سعد ابن أبي ~~وقاص، وأبو عبد الرحمن، والحسن، وابن يعمر: بفتح الهمزة وقطعها ساكنة ~~الزاي، على وزن: # وأفعلت. قال الزجاج: من قرأ (وازينت) بالتشديد، فالمعنى: وتزينت، فأدغمت ~~التاء في الزاي، وسكنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل: ومن قرأ (وأزينت) ~~بالتخفيف على أفعلت، فالمعنى: جاءت بالزينة. وقرأ أبي، وابن مسعود: ~~(وتزينت). PageV04P019 # قوله تعالى: (وظن أهلها) أي: أيقن أهل الأرض (أنهم قادرون عليها) أي: على ~~ما انبتته، فأخبر عن الأرض، والمراد النبات، لأن المعنى مفهوم. (أتاها ~~أمرنا) أي: قضاؤنا بإهلاكها (فجعلناها حصيدا) أي: محصودا لا شئ فيها. ~~والحصيد: المقطوع المستأصل. # (كأن لم تغن بالأمس) قال الزجاج: لم تعمر. والمغاني: المنازل التي يعمرها ~~الناس بالنزول فيها. يقال: غنينا بالمكان: إذا نزلوا به. وقرأ الحسن: (كأن ~~لم يغن) بالياء، يعني الحصيد. # قال بعض المفسرين: تأويل الآية: أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال ~~وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب، حتى إذا استتم ذلك عند صاحبه، وظن أنه ممتع ~~بذلك، سلب عنه بموته، أو بحادثة تهلكه، كما أن الماء سبب لالتفاف النبات ~~وكثرته، فإذا تزينت به الأرض، وظن الناس أنهم مستمتعون بذلك، أهلكه الله، ~~فعاد ما كان فيها كأن لم يكن. # * * * والله يدعوا إلى دار السلم ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) * ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحب الجنة ~~هم فيها خالدون (26) قوله تعالى: (والله يدعوا إلى دار السلام): يعني ~~الجنة. وقد ذكرنا معنى تسميتها بذلك عند قوله: (لهم دار السلام عند ربهم). ~~واعلم أن الله عم بالدعوة، وخص بالهداية من شاء، لأن الحكم له في خلقه. # وفي المراد بالصراط المستقيم أربعة أقوال: ms0966 # أحدها: كتاب الله، رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم. PageV04P020 # والثاني: الإسلام، رواه النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثالث: الحق، قاله مجاهد، وقتادة. # والرابع: المخرج من الضلالات والشبه، قاله أبو العالية. # قوله تعالى: (للذين أحسنوا): قال ابن عباس: قالوا: لا إله إلا الله. # قال ابن الأنباري: الحسنى: كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها، لأن العرب ~~توقعها على الخلة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها، فكان الذي تعلمه ~~العرب من أمرها يغني عن نعتها، فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرف ~~من جهتها، يدل على هذا قول امرئ القيس: # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت * هصرت بغصن ذي شماريخ ميال فصرنا فلا إلى ~~الحسنى ورق كلامنا * ورضت فذلت صعبة أي إذلال أي: إلى الأمر المحبوب. وهصرت ~~بمعنى: مددت. والغصن كناية عن المرأة. والباء مؤكدة للكلام كما تقول العرب: ~~(ألفي بيده إلى الهلاك)، يريدون: ألقى يده. والشماريخ: # كناية عن الذوائب. ورضت معناه: أذللت. ومن أجل هذا قال: أي إذلال، ولم ~~يقل: أي رياضة. # وللمفسرين في المراد بالحسنى خمسة أقوال: # أحدها: أنها الجنة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ~~الأكثرون. # والثاني: أنها الواحدة من الحسنات بواحدة، قاله ابن عباس. # والثالث: النصرة، قاله عبد الرحمن بن سابط. PageV04P021 # والرابع: الجزاء في الآخرة، قاله ابن زيد. والخامس: الأمنية، ذكره ابن ~~الأنباري. # وفي الزيادة ستة أقوال: # أحدها: أنها النظر إلى الله عز وجل. روى مسلم في (صحيحة) من حديث صهيب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل). ~~وبهذا القول قال أبو بكر الصديق، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، ~~وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أن الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، رواه الحكم ~~عن علي، ولا يصح. # والثالث: أن الزيادة: مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس، ~~والحسن. # والرابع: أن الزيادة: مغفرة ورضوان، قاله مجاهد. # والخامس: أن الزيادة: أن ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم ms0967 به في القيامة، ~~قاله ابن زيد. # والسادس: أن الزيادة: ما يشتهونه، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (ولا يرهق) أي: لا يغشى (وجوههم قتر) وقرأ الحسن، وقتادة، ~~والأعمش: (قتر) باسكان التاء، وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه السواد. قال ابن عباس: سواد الوجوه من الكآبة. وقال الزجاج: ~~القتر: الغبرة التي معها سواد. # والثاني: أنه دخان جهنم، قاله عطاء. # والثالث: الخزي، قاله مجاهد. # والرابع: الغبار، قاله أبو عبيدة. # وفي الذلة قولان: PageV04P022 # أحدهما: الكآبة، قاله ابن عباس. # والثاني: الهوان، قاله أبو سليمان. # * * * والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله ~~من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (27) قوله تعالى: (والذين كسبوا السيئات) قال ابن عباس: عملوا ~~الشرك. (جزاء سيئة بمثلها): في الآية محذوف، وفي تقديره قولان: # أحدهما: أن فيها إضمار (لهم)، المعنى: لهم جزاء سيئة بمثلها وأنشد ثعلب: # فإن سأل الواشون عنه فقل لهم * وذاك عطاء للوشاة جزيل ملم بليلى لمة ثم ~~إنه * لهاجر ليلى بعدها فمطيل أراد: هو ملم، وهذا قول الفراء. # والثاني: أن فيها إضمار (منهم)، المعنى: جزاء سيئة منهم بمثلها، تقول ~~العرب: رأيت القوم صائم وقائم، أي: منهم صائم وقائم، أنشد الفراء: # حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس * وغودر البقل ملوي ومحصود أي: منه ملوي، ~~وهذا قول ابن الأنباري. وقال بعضهم: الباء زائدة هاهنا، و (من) في قوله ~~(تعالى): (من عاصم) صلة، والعاصم: المانع. # (كأنما أغشيت وجوههم): أي: ألبست (قطعا) قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وأبو عمرو، وحمزة: (قطعا) مفتوحة الطاء، وهي جمع قطعة. وقرأ ابن كثير، ~~والكسائي، ويعقوب: (قطعا) بتسكين الطاء. قال ابن قتيبة: وهو اسم ما قطع. # قال ابن جرير: وإنما قال: (مظلما) ولم يقل: (مظلمة) لأن المعنى: قطعا من ~~الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام من (المظلم)، فلما صار نكره، وهو من ~~نعت الليل، نصب على القطع: وقوم يسمون ما كان كذلك حالا، وقوم قطعا. # * * * PageV04P023 # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ms0968 ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا): ~~قال ابن عباس: يجمع الكفار وآلهتهم، (ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم): أي: آلهتكم. قال الزجاج: (مكانكم) منصوب على الأمر، كأنهم قيل ~~لهم: انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم، والعرب تتوعد فتقول: مكانك، أي: انتظر ~~مكانك، فهي كلمة جرت على الوعيد. # قوله تعالى: (فزيلنا بينهم) وقرأ ابن أبي عبلة: (فزايلنا) بألف، قال ابن ~~عباس: فرقنا بينهم وبين آلهتهم. وقال ابن قتيبة: هو من زال يزول وأزلته. ~~وقال ابن جرير: إنما قال (فزيلنا) ولم يقل: (فزلنا) لا راده تكرير الفعل ~~وتكثيره. # فإن قيل: (كيف تقع الفرقة بينهم وهم معهم في النار، لقوله: (إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم)؟ # فالجواب: أن الفرقة وقعت بتبري كل معبود ممن عبده، وهو قوله: (وقال ~~شركاؤهم) قال ابن عباس: آلهتهم، ينطق الله الأوثان، فتقول: (ما كنتم إيانا ~~تعبدون) أي: لا نعلم بعبادتكم لنا، لأنه ما كان فينا روح، فيقول العابدون: ~~بلى قد عبدناكم! فتقول الآله: ة (فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين) لا نعلم بها. قال الزجاج: (إن كنا) معناه: ما كنا إلا ~~غافلين. # فإن قيل: ما وجه دخول الباء في قوله: (فكفى بالله شهيدا)؟ PageV04P024 # فعنه جوابان: # أحدهما، أنها دخلت للمبالغة في المدح كما قالوا: أظرف بعبد الله، وأنبل ~~بعبد الرحمن، وناهيك بأخينا، وحسبك بصديقنا، هذا قول الفراء وأصحابه. # والثاني: أنها دخلت توكيدا للكلام، إذ سقوطها ممكن، كما يقال: خذ ~~بالخطام، وخذ الخطام، قاله ابن الأنباري. # * * * هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون (30) قوله تعالى: (هنالك تبلو) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم، وابن عامر: # (تبلو) بالباء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وزيد عن يعقوب: (تتلو) ~~بالتاء. قال الزجاج: # (هنالك) ظرف. # والمعنى: في ذلك الوقت تبلو، وهو منصوب بتبلو، وقد إلا أنه غير متمكن، ~~والام زائدة، والأصل: هناك، وكسرت ms0969 اللام لسكونها وسكون الألف، والكاف ~~للمخاطبة. و (تبلو) تختبر، أي: تعلم. ومن قرأ (تتلو) بتاءين. فقد فسرها ~~الأخفش وغيره: تتلو من التلاوة، أي: تقرأ. # وفسروه أيضا: تتبع كل نفس ما أسلفت. ومثله قول الشاعر: # قد جعلت دلوي تستتليني أي: تستتبعني، أي: من ثقلها تستدعي اتباعي إياها. # قوله تعالى: (وردوا) أي: في الآخرة (إلى الله مولاهم الحق) الذي يملك ~~أمرهم حقا، لامن جعلوا معه من الشركاء. (وضل عنهم) أي: زال وبطل (ما كانوا ~~يفترون) من الآلهة. # * * * قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصر ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا ~~تتقون (31) قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء) المطر، ومن الأرض النبات، ~~(أم من يملك PageV04P025 # السمع) أي: خلق السمع والأبصار. وقد سبق معنى إخراج الحي من الميت، ~~والميت من الحي. # قوله تعالى: (ومن يدبر الأمر) أي: أمر الدنيا والآخرة (فسيقولون الله) ~~لأنهم خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا الله، فكان في ذلك دليل توحيده. # وفي قوله: (أفلا تتقون) قولان: # أحدهما: أفلا تتعظون، قاله ابن عباس. # والثاني: تتقون الشرك، قاله مقاتل. # * * * فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلل فأنى تصرفون (32) ~~قوله تعالى: (فذلكم الله ربكم الحق) قال الخطابي: الحق هو المتحقق وجوده، ~~وكل شئ صح وجوده وكونه، فهو حق. # قوله تعالى: (فأنى تصرفون) قال ابن عباس: كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة من ~~لا يرزق ولا يحيى ولا يميت؟ # * * * كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من ~~شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ~~(34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى ~~الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون (35) قوله ~~تعالى: (كذلك حقت كلمة ربك) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: (كلمة ربك)، وفى آخر السورة كذلك. وقرأ نافع، وابن عامر الحرفين ms0970 ~~(كلمات) على الجمع. # قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي: مثل أفعالهم جازاهم ربك، والمعنى: حق ~~PageV04P026 # عليهم أنهم لا يؤمنون، وقوله: (أنهم لا يؤمنون) بدل من (كلمة ربك). وجائز ~~أن تكون الكلمة حقت عليهم لأنهم لا يؤمنون، وتكون الكلمة ما وعدوا به من ~~العقاب. # وذكر ابن الأنباري في (كذلك) قولين: # أحدهما: أنها إشارة إلى مصدر (تصرفون)، والمعنى: مثل ذلك الصرف حقت كلمة ~~ربك. # والثاني: أنه بمعنى هكذا. # وفي معنى (حقت) قولان: # أحدهما: وجبت. # والثاني: سبقت. # وفي كلمته قولان: # أحدهما: أنها بمعنى وعده. # والثاني: بمعنى قضائه. ومن قرأ (كلمات) جعل كل واحدة من الكلم التي ~~توعدوا بها كلمة. وقد شرحنا معنى الكلمة في (الأعراف). # قوله تعالى: (قل الله يهدي للحق) أي: إلى الحق. # قوله تعالى: (أم من لا يهدي) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع: ~~(يهدي) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال الزجاج: الأصل يهتدي، فأدغمت ~~التاء في الدال فطرحت فتحتها على الهاء. وقرأ نافع إلا ورشا، وأبو عمرو: ~~(يهدي) بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال، غير أن أبا عمرو كان يشم ~~الهاء شيئا من الفتح. وقرأ حمزة، والكسائي: (يهدي) بفتح الياء وسكون الهاء ~~وتخفيف الدال. قال أبو علي: والمعنى: لا يهدي غيره إلا أن يهدى هو، ولو هدي ~~الصم لم يهتد، ولكن لما جعلوها كمن يعقل، أجريت مجراه. وروى يحيى بن آدم عن ~~أبي بكر عن عاصم: (يهدي) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وكذلك روى أبان ~~وجبلة عن المفضل وعبد الوارث، قال الزجاج: أتبعوا الكسرة الكسرة، وهي رديئة ~~لثقل الكسرة في الياء. وروى حفص عن عاصم، والكسائي عن أبي بكر عنه: (يهدي) ~~بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، قال الزجاج: وهذه في الجودة كالمفتوحة ~~الهاء، إلا أن الهاء كسرت لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن السميفع: (يهتدي) ~~بزيادة تاء. والمراد بقوله: (أم من لا يهدي) الصم (إلا أن يهدى). # وظاهر الكلام يدل على أن الأصنام إن هديت اهتدت، وليست كذلك، لأنها حجارة ~~لا تهتدى، إلا أنهم لما اتخذوها آلهة، عبر ms0971 عنها كما يعبر عمن يعقل، ووصفت ~~صفة من يعقل وإن لم تكن في PageV04P027 # الحقيقة كذلك: ولهذا المعنى قال في صفتها: (أمن) لأنهم جعلوها كمن يعقل. ~~ولما أعطاها حقها في أصل وضعها. قال: (يا أبت لم تعبد مالا يسمع). وقال ~~الفراء: (أمن لا يهدي) أي: أتعبدون مالا يقدر أن ينتقل من مكانه إلا أن ~~يحول؟ وقد صرف بعضهم الكلام إلى الرؤساء والمضلين، والأول أصح. # قوله تعالى: (فمالكم) قال الزجاج: هو كلام تام، كأنه قيل لهم: أي شئ لكم ~~في عبادة الأوثان؟ ثم قيل لهم: (كيف تحكمون) أي: على أي حال تحكمون؟ وقال ~~ابن عباس: # كيف تقضون لأنفسكم؟ وقال مقاتل: كيف تقضون بالجور؟ # * * * وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله ~~عليم بما يفعلون (36) قوله تعالى: (وما يتبع أكثرهم) أي: كلهم (إلا ظنا) ~~أي: ما يستيقنون أنها آلهة، بل يظنون شيئا فيتبعونه. (إن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا) أي: ليس هو كاليقين، ولا يقوم مقام الحق، وقال مقاتل: ظنهم ~~بأنها آلهة لا يدفع عنهم من العذاب شيئا، وقال غيره: ظنهم أنها تشفع لهم لا ~~يغني عنهم. # * * * وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) قوله تعالى: (وما كان هذا ~~القرآن أن يفترى من دون الله) قال الزجاج: هذا جواب قولهم: (ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله) وجواب قولهم: (افتراه). قال الفراء: ومعنى الآية: ما ينبغي ~~لمثل هذا القرآن أن يفترى (من دون الله) فجاءت (أن) على معنى ينبغي. # وقال ابن الأنباري: يجوز أن تكون (أن) مع (يفترى) مصدرا، وتقديره: وما ~~كان هذا القرآن افتراء. ويجوز أن تكون (كان) تامة، فيكون المعنى: ما نزل ~~هذا القرآن، وما ظهر هذا القرآن لأن يفترى، وبأن يفترى، فتنصب (أن) بفقد ~~الخافض في قول الفراء، وتخفض باضمار الخافض في قول الكسائي: وقال ابن ~~قتيبة: معنى (أن يفترى) أي: يضاف إلى غير الله، أو يختلق. PageV04P028 # قوله تعالى: ms0972 (ولكن تصديق الذي بين يديه) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تصديق الكتب المتقدمة، قاله ابن عباس. فعلى هذا، إنما قال: ~~(الذي) لأنه يريد الوحي. # والثاني: ما بين يديه من البعث والنشور، ذكره الزجاج. # والثالث: تصديق النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين يدي القرآن، لأنهم ~~شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه قبل سماعهم القرآن، ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: (وتفصيل الكتاب) أي: وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم والفرائض التي فرضها عليهم. # * * * أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين (38) قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) في (أم) قولان. ~~أحدهما: أنها بمعنى الواو، قاله أبو عبيدة. # والثاني: بمعنى بل، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (فأتوا بسورة مثله) قال الزجاج: المعنى: فأتوا بسورة مثل ~~سورة منه، فذكر المثل لأنه إنما التمس شبه الجنس (وادعوا من استطعتم) ممن ~~هو في التكذيب مثلكم (إن كنتم صادقين) أنه اختلقه. # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه) فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: بما لم يحيطوا بعلم ما فيه ذكر الجنة والنار والبعث ~~والجزاء. # والثاني: بما لم يحيطوا بعلم التكذيب به، لأنهم شاكون فيه. # وفي قوله: (ولما يأتهم تأويله) قولان: # أحدهما: تصديق ما وعدوا به من الوعيد. والتأويل: ما يؤول إليه الأمر. # والثاني: ولم يكن معهم علم تأويله، قاله الزجاج. PageV04P029 # قيل لسفيان بن عيينة: يقول الناس: كل إنسان عدو ما جهل، فقال: هذا في ~~كتاب الله. # قيل له: أين؟ فقال: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه). # وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن: من جهل شيئا عاداه؟ فقال: نعم، ~~في موضعين. قوله: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) وقوله: (إذ لم يهتدوا به ~~فسيقولون هذا إفك قديم). # ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) قوله ~~تعالى: (ومنهم ms0973 من يؤمن به) في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: قريش، قاله مقاتل بن سليمان. # وفي هاء (به) قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، قاله مقاتل. # والثاني: إلى القرآن، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وهذه الآية تضمنت الإخبار عما سبق في علم الله، فالمعنى: ومنهم من سيؤمن ~~به. وقال الزجاج: منهم من يعلم أنه حق فيصدق به ويعاند فيظهر الكفر. (ومنهم ~~من لا يؤمن به) أي: # يشك ولا يصدق. # قوله تعالى: (وربك أعلم بالمفسدين) قال عطاء: يريد المكذبين، وهذا تهديد ~~لهم. # * * * وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريؤن مما أعمل وأنا برئ ~~مما تعملون (41) قوله تعالى: (وإن كذبوك فقل لي عملي...) الآية. قال أبو ~~صالح عن ابن عباس: # نسختها آية السيف، وليس هذا بصحيح، لأنه لا تنافي بين الآيتين. # * * * ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ~~PageV04P030 # قوله تعالى: (ومنهم من يستمعون إليك) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: في يهود المدينة، كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويستمعون القرآن فيعجبون ويشتهونه ويغلب عليهم الشقاء، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنها نزلت في المستهزئين، كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم للاستهزاء والتكذيب، فلم ينتفعوا، فنزلت فيهم هذه الآية، ~~والقولان مرويان عن ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في مشركي قريش قاله مقاتل. قال الزجاج: ظاهرهم ظاهر ~~من يستمع، وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم. (ولو كانوا لا يعقلون) أي: ولو ~~كانوا مع ذلك جهالا، وقال ابن عباس: يريد أنهم شر من الصم، لأن الصم لهم ~~عقول وقلوب، وهؤلاء قد أصم الله قلوبهم. # * * * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) ~~قوله تعالى: (ومنهم من ينظر إليك) قال ابن عباس: يريد: متعجبين منك. (أفأنت ~~تهدي العمي) يريد أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون. وقال الزجاج: ومنهم من ~~يقبل عليك بالنظر، وهو من بغضه لك وكراهته لما يرى من آياتك كالأعمى. ms0974 وقال ~~ابن جرير: ومنهم من يستمع قولك وينظر إلى حججك على نبوتك، ولكن الله قد ~~سلبه التوفيق. وقال مقاتل: (ولو) في الآيتين بمعنى (إذا). # * * * إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) قوله ~~تعالى: (إن الله لا يظلم الناس شيئا) لما ذكر الذين سبق لقضاء عليهم ~~بالشقاوة، أخبر أن تقدير ذلك عليهم ليس بظلم، لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء، ~~وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم، لأن الفعل منسوب إليهم، وإن كان ~~بقضاء الله. # قوله (تعالى): (ولكن الناس) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ولكن الناس) ~~بتخفيف النون وكسرها، ورفع الاسم بعدها. # * * * PageV04P031 # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) قوله تعالى: (ويوم نحشرهم) ~~وقرأ حفص (يحشرهم) بالياء. قال أبو سليمان الدمشقي: هم المشركون. # قوله تعالى: (كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار) فيه قولان: # أحدهما: كأن لم يلبثوا في قبورهم، قاله ابن عباس. # والثاني: في الدنيا، قاله مقاتل. قال الضحاك: قصر عندهم مقدار الوقت الذي ~~بين موتهم وبعثهم، فصار كالساعة من النهار، لهول ما استقبلوا من القيامة. # قوله تعالى: (يتعارفون بينهم) قال ابن عباس: إذا بعثوا من القبور ~~تعارفوا، ثم تنقطع المعرفة. قال الزجاج: وفي معرفة بعضهم بعضا. وعلم بعضهم ~~باضلال بعض، التوبيخ لهم، وإثبات الحجة عليهم. وقيل: إذا تعارفوا وبخ بعضهم ~~بعضا، فيقول هذا لهذا: أنت أضللتني، وكسبتني دخول النار. # قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا) هو من قول الله عز وجل، لا من قولهم: ~~والمعنى خسروا ثواب الجنة إذ كذبوا بالبعث (وما كانوا مهتدين) من الضلالة. # * * * وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا مرجعهم ثم الله شهيد ~~على ما يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون (47) قوله تعالى: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم) قال المفسرون: كانت ~~وقعة بدر مما أراه الله في حياته من عذابهم. # (أو نتوفينك) قبل أن نريك (فإلينا مرجعهم) بعد الموت، والمعنى: إن لم ms0975 ~~ننتقم منهم عاجلا، انتقمنا آجلا. # قوله تعالى: (ثم الله شهيد على ما يفعلون) من الكفر والتكذيب. قال ~~الفراء: (ثم) ها PageV04P032 # هنا عطف، ولو قيل: معناها: هناك الله شهيد، كان جائزا. وقال غيره: (ثم) ~~هاهنا بمعنى الواو. وقرأ ابن أبي عبلة: (ثم الله شهيد) بفتح الثاء، يراد ~~به: هنالك الله شهيد. # قوله تعالى: (فإذا جاء رسولهم قضي بينهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: إذا جاء في الدنيا بعد الإذن له في دعائهم، قضي بينهم بتعجيل ~~الانتقام منهم، قاله الحسن. وقال غيره: إذا جاءهم في الدنيا، حكم عليهم عند ~~اتباعه وخلافه بالطاعة والمعصية. # والثاني: إذا جاء يوم القيامة، قاله مجاهد. وقال غيره: إذا جاء شاهدا ~~عليهم. # والثالث: إذا جاء في القيامة وقد كذبوه في الدنيا، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (قضي بينهم بالقسط) فيه قولان: # أحدهما: بين الأمة، فأثيب المحسن وعوقب المسئ. # والثاني: بينهم وبين نبيهم. # * * * ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قوله تعالى: (ويقولون ~~متى هذا الوعد) في القائلين هذا قولان: # أحدهما: الأمم المتقدمة، أخبر عنهم باستعجال العذاب لأنبيائهم، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنهم المشركون الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم، قاله أبو ~~سليمان. # وفي المراد بالوعد قولان: # أحدهما: العذاب، قاله ابن عباس. # والثاني: قيام الساعة. (إن كنتم صادقين) أنت وأتباعك. # * * * قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا ~~جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل أرءيتم إن أتاكم عذابه ~~بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) أثم إذا ما وقع امنتم به ~~الان وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل ~~تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) PageV04P033 # قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي ضرا...) الآية، قد ذكرت تفسيرها في آيتين ~~من الأعراف. # قوله تعالى: (إن أتاكم عذابه بياتا) قال الزجاج: البيات: كل ما كان بليل. ~~وقوله: # (ماذا) في موضع رفع من جهتين. إحداهما: أن يكون (ذا) بمعنى الذي، المعنى: ~~ما الذي يستعجل منه المجرمون؟ ويجوز أن يكون (ماذا) ms0976 اسما واحدا، فيكون ~~المعنى: أي شئ يستعجل منه المجرمون؟ والهاء في (منه) تعود على العذاب. ~~وجائز أن تعود على ذكر الله تعالى، فيكون المعنى: أي شئ يستعجل المجرمون من ~~الله تعالى؟ وعودها على العذاب أجود، لقوله: # (أثم إذا ما وقع آمنتم به). وذكر بعض المفسرين أن المراد بالمجرمين: ~~المشركون، وكانوا يقولون: نكذب بالعذاب ونستعجله، ثم إذا وقع العذاب آمنا ~~به: فقال الله تعالى موبخا لهم: # (أثم إذا ما وقع آمنتم به) أي: هنالك تؤمنون فلا يقبل منكم الإيمان، ~~ويقال لكم: الآن تؤمنون فأضمر: تؤمنون به مع (الآن وقد كنتم به تستعجلون) ~~مستهزئين، وهو قوله: (ثم قيل للذين ظلموا) أي: كفروا، عند نزول العذاب ~~(ذوقوا عذاب الخلد)، لأنه إذا نزل بهم العذاب، أفضوا منه إلى عذاب الآخرة ~~الدائم. # * * * ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) قوله ~~تعالى: (ويستنبؤنك) أي: ويستخبرونك (أحق هو) يعنون البعث والعذاب. # (قل إي) المعنى: نعم (وربي)، وفتح هذه الياء نافع، وأبو عمرو. وإنما أقسم ~~مع أخباره تأكيدا. وقال ابن قتيبة: (إي) بمعنى (بل) ولا تأتي إلا قبل ~~اليمين صلة لها. # قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين) قال ابن عباس: بسابقين. وقال الزجاج: ~~لستم ممن يعجز أن يجازى على كفره. # * * * ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في ~~السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ~~ويميت وإليه ترجعون (56) PageV04P034 # قوله تعالى: (ولو أن لكل نفس ظلمت) قال ابن عباس: أشركت. (لافتدت به) عند ~~نزول العذاب. (وأسروا الندامة) يعني: الرؤساء أخفوها من الأتباع. (وقضي ~~بينهم أي: # بين الفريقين. وقال آخرون منهم أبو عبيدة والمفضل: (أسروا الندامة) بمعنى ~~أظهروا لأنه ليس بيوم تصنع ولا تصبر، والإسرار من الأضداد: يقال: أسررت ~~الشئ، بمعنى: أخفيته. # وأسررته: أظهرته، قال الفرزدق: # ولما رأى الحجاج جرد سيفه * أسر الحروري الذي كان أضمرا يعني: أظهر. فعلى ~~هذا القول: أظهروا الندامة ms0977 عند إحراق النار لهم لأن النار ألهتهم عن التصنع ~~والكتمان. وعلى الأول: كتموها قبل إحراق النار إياهم. # وقوله تعالى: (ألا إن وعد الله حق) قال ابن عباس: ما وعد أولياءه من ~~الثواب، وأعداءه من العقاب. (ولكن أكثرهم) يعني المشركين (لا يعلمون). # * * * يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين (57) قوله تعالى (يا أيها الناس) قال ابن عباس: يعني قريشا. ~~(قد جاءتكم موعظة) يعني القرآن. (وشفاء لما في الصدور) أي: دواء لداء ~~الجهل. (وهدى) أي: بيان من الضلالة. # * * * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) قوله ~~تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته) فيه ثمانية أقوال: # أحدها: أن فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وبه قال قتادة: وهلال بن يساف. وروي عن الحسن، ومجاهد في بعض الرواية ~~عنهما، وهو اختيار ابن قتيبة. PageV04P035 # والثاني: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلهم من أهل القرآن، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال أبو سعيد الخدري، والحسن في رواية. # والثالث: أن فضل الله: العلم، ورحمته: محمد صلى الله عليه وسلم، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: أن فضل الله: الإسلام، ورحمته: تزيينه في القلوب، قاله ابن عمر. # والخامس: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: الإسلام، قاله الضحاك، وزيد بن ~~أسلم، وابنه، ومقاتل. # والسادس: أن فضل الله ورحمته: القرآن، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، ~~واختاره الزجاج. # والسابع: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: السنة، قاله خالد بن معدان. # والثامن: فضل الله: التوفيق، ورحمته: العصمة، قاله ابن عيينة. # قوله تعالى: (فبذلك فليفرحوا) وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وقتادة، وأبو ~~العالية، ورويس عن يعقوب: (فلتفرحوا) بالتاء. وقرأ الحسن، ومعاذ القارئ، ~~وأبو المتوكل مثل ذلك، إلا أنهم كسروا اللام. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: ~~(فبذلك فافرحوا). قال ابن عباس: بذلك الفضل والرحمة. (هو خير مما يجمعون) ~~أي: مما يجمع الكفار من الأموال. وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ورويس: ~~(تجمعون) بالتاء. وحكى ابن الأنباري أن ms0978 الباء في قوله: (بفضل الله) خبر ~~لاسم مضمر، تأويله: هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله وبرحمته، فبذلك ~~التطول من الله فليفرحوا. # * * * قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحللا قل الله ~~أذن لكم أم على الله تفترون (59) قوله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم ~~من رزق) قال المفسرون: هذا خطاب لكفار قريش، كانوا يحرمون ما شاؤوا، ويحلون ~~ما شاؤوا. و (أنزل) بمعنى خلق. وقد شرحنا بعض مذاهبهم فيما كانوا يفعلون من ~~البحيرة والسائبة وغير ذلك في سورة المائدة وسورة الأنعام. # قوله تعالى: (قل الله أذن لكم) أي: في هذا التحليل والتحريم. PageV04P036 # وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيمة إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) قوله تعالى: (وما ظن الذين يفترون على ~~الله الكذب) في الكلام محذوف، تقديره: ما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم ~~القيامة بكذبهم، (إن الله لذو فضل على الناس) حين لم يعجل عليهم بالعقوبة ~~(ولكن أكثرهم لا يشكرون) تأخير العذاب عنهم. # * * * وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ~~عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتب مبين (61) قوله تعالى: (وما ~~تكون في شأن) أي: في عمل من الأعمال، وجمعه: شؤون. # (وما تتلو منه) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى الشأن. قال الزجاج: معنى الآية: أي وقت تكون في ~~شأن من عبادة الله، وما تلوت من الشأن من قرآن. # والثاني: أنها تعود إلى الله تعالى، فالمعنى: وما تلوت من الله، أي: من ~~نازل منه من قرآن، ذكره جماعة من العلماء. والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته داخلون فيه، بدليل قوله: (ولا تعملون من عمل) قال ابن الأنباري: ~~جمع في هذا، ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين. # قوله تعالى: (إذ تفيضون فيه) الهاء عائدة على العمل. قال ابن ms0979 قتيبة: ~~تفيضون بمعنى تأخذون فيه. وقال الزجاج: تنتشرون فيه، يقال: أفاض القوم في ~~الحديث: إذا انتشروا فيه وخاضوا. (وما يعزب) معناه: وما يبعد. وقال ابن ~~قتيبة: ما يبعد ولا يغيب. وقرأ الكسائي (يعزب) بكسر الزاي هاهنا وفي (سبأ). ~~وقد بينا (مثقال ذرة) في سورة النساء: # قوله تعالى: (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) قرأ الجمهور بفتح الراء فيهما. ~~وقرأ حمزة، وخلف، ويعقوب، برفع الراء فيهما. قال الزجاج: من قرأ بالفتح، ~~فالمعنى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة، ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر، ~~والموضع موضع خفض، إلا أنه فتح لأنه PageV04P037 # لا ينصرف. ومن رفع، فالمعنى: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا ~~أكبر. ويجوز رفعه على الابتداء، فيكون المعنى: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ~~والموضع موضع خفض، إلا أنه فتح لأنه لا ينصرف. ومن رفع: فالمعنى: وما يعزب ~~عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر. ويجوز رفعه على الابتداء، فيكون ~~المعنى: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، (إلا في كتاب مبين) قال ابن عباس: هو ~~اللوح المحفوظ. # * * * ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمت ~~الله ذلك هو الفوز العظيم (64) قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله) روى ابن ~~عباس أن رجلا قال: يا رسول الله، من أولياء الله: (الذين إذا رؤوا ذكر ~~الله) وروى عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن من عباد ~~الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم ~~القيامة لمكانهم من الله عز وجل) قالوا: يا رسول الله، من هم، وما أعمالهم ~~لعلنا نحبهم؟ قال (هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال ~~يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا ~~خاف الناس (ولا يحزنون إذا حزن الناس)، ثم قرأ (ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم ms0980 يحزنون). # قوله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) فيها ثلاثة أقوال: ~~PageV04P038 # أحدها: أنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له، رواه عبادة ~~بن الصامت، وأبو الدرداء، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # والثاني: أنها بشارة الملائكة لهم عند الموت، قاله الضحاك، وقتادة، ~~والزهري. # والثالث: أنها ما بشر الله عز وجل به في كتابه من جنته وثوابه، كقوله: ~~(وبشر الذين آمنوا)، (وأبشروا بالجنة)، (يبشرهم ربهم)، وهذا قول الحسن، ~~واختاره الفراء، والزجاج، واستدلا بقوله: (لا تبديل لكلمات الله) قال ابن ~~عباس: لا خلف لمواعيده، وذلك أن مواعيده بكلماته، فإذا لم تبدل الكلمات، لم ~~تبدل المواعيد. # فأما بشراهم في الآخرة، ففيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الجنة، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم واختاره ~~ابن قتيبة. # والثاني: أنه عند خروج الروح تبشر برضوان الله، قاله ابن عباس. # والثالث: أنها عند الخروج من قبورهم، قاله مقاتل. # * * * ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) قوله ~~تعالى: (ولا يحزنك قولهم) قال ابن عباس: تكذيبهم. وقال غيره: تظاهرهم عليك ~~PageV04P039 # بالعداوة وإنكارهم وأذاهم. وتم الكلام هاهنا. ثم ابتدأ فقال: (إن العزة ~~لله جميعا) أي: # الغلبة له، فهو ناصرك وناصر دينك، (هو السميع) لقولهم (العليم) باضمارهم، ~~فيجازيهم على ذلك. # * * * ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من ~~دون الله شركاء أن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) قوله تعالى: ~~(ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض) قال الزجاج: (ألا) افتتاح كلام ~~وتنبيه، أي: فالذي هم له، يفعل فيهم وبهم ما يشاء. # قوله تعالى: (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) أي: ما يتبعون ~~شركاء على الحقيقة، لأنهم يعدونها شركاء لله شفعاء لهم، وليست على ما ~~يظنون. (إن يتبعون إلا الظن) في ذلك (وإن هم إلا يخرصون) قال ابن عباس: ~~يكذبون. وقال ابن قتيبة: يحدسون ويحزرون. # * * * هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك ms0981 لآيات ~~لقوم يسمعون (67) قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) المعنى: ~~إن ربكم الذي يجب أن تعتقدوا ربوبيته، هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، ~~فيزول تعب النهار وكلاله بالسكون في الليل، وجعل النهار مبصرا، أي: مضيئا ~~تبصرون فيه. وإنما أضاف الابصار إليه، لأنه قد فهم السامع المقصود، إذ ~~النهار لا يبصر، وإنما هو ظرف يفعل فيه غيره، كقوله: (عيشة راضية)، إنما هي ~~مرضية، وهذا كما يقال: ليل نائم، قال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم قوله تعالى ~~(إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) سماع اعتبار، فيعلمون أنه لا يقدر على ~~PageV04P040 # ذلك إلا الإله القادر. # * * * قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في ~~الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله مالا تعلمون (68) قل إن ~~الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ~~ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) قوله تعالى (قالوا اتخذ ~~الله ولدا) قال ابن عباس: يعني أهل مكة، جعلوا الملائكة بنات لله. # قوله تعالى: (سبحانه) تنزيه له عما قالوا. (هو الغني) عن الزوجة والولد. ~~(إن عندكم) أي: ما عندكم (من سلطان) أي: جحة بما تقولون. # قوله تعالى: (لا يفلحون) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يبقون في الدنيا. # والثاني: لا يسعدون في العاقبة. # والثالث: لا يفوزون. قال الزجاج: وهذا وقف التمام، وقوله (متاع في ~~الدنيا) مرفوع على معنى: ذلك متاع في الدنيا. # * * * * واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي ~~وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ ~~نوح) فيه دليل على نبوته، حيث أخبر عن قصص الأنبياء ولم يكن يقرأ الكتب، ~~وتحريض على الصبر، وموعظة لقومه بذكر قوم نوح وما حل بهم من العقوبة ~~بالتكذيب. # قوله تعالى: (إن كان كبر) أي: عظم وشق ms0982 (عليكم مقامي) أي: طول مكثي. وقرأ ~~PageV04P041 # أبو مجلز، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء (مقامي) برفع الميم. (وتذكيري) وعظي. ~~(فعلى الله توكلت) في نصرتي ودفع شركم عني. (فأجمعوا أمركم) قرأ الجمهور: ~~(فأجمعوا بالهمز وكسر الميم، من (أجمعت). وروى الأصمعي عن نافع: (فاجمعوا) ~~بفتح الميم، من (جمعت). ومعنى (أجمعوا أمركم): أحكموا أمركم واعزموا عليه. ~~قال المؤرج: (أجمعت الأمر) أفصح من (أجمعت عليه) وأنشد: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع فأما رواية ~~الأصمعي، فقال أبو علي: يجوز أن يكون معناها: اجمعوا ذوي الأمر منكم، أي: ~~رؤساءكم. ويجوز أن يكون جعل الأمر ما كانوا يجمعونه من كيدهم الذي يكيدونه، ~~فيكون كقوله: (فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا). # قوله تعالى: (وشركاءكم) قال الفراء وابن قتيبة: المعنى: وادعوا شركاءكم. ~~وقال الزجاج: الواو هاهنا بمعنى (مع)، فالمعنى: مع شركائكم. تقول: لو تركت ~~الناقة وفصيلها لرضعها، أي: مع فصيلها. وقرأ يعقوب (وشركاؤكم) بالرفع. # قوله تعالى: (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) فيه قولان: # أحدهما: لا يكن أمركم مكتوما، قاله ابن عباس. # والثاني: غما عليكم، كما تقول: كرب وكربة، قاله ابن قتيبة. وذكر الزجاج ~~القولين: وفي قوله: (ثم اقضوا إلي) قولان: # أحدهما: ثم أقضوا إلي ما في أنفسكم، قاله مجاهد. # والثاني: افعلوا ما تريدون، قاله الزجاج، وابن قتيبة. وقال ابن الأنباري: ~~معناه: اقضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به، كما تقول العرب: قد قضى فلان، ~~يريدون: مات ومضى. # * * * فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون ~~من المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عقبة المنذرين (73) PageV04P042 # قوله تعالى: (فإن توليتم) أي: أعرضتم عن الإيمان: (فما سألتكم من أجر) ~~أي: لم يكن دعائي إياكم طمعا في أموالكم. # قوله تعالى: (إن أجري) حرك هذه الياء ابن عامر، وأبو عمرو، ونافع، وحفص ~~عن عاصم، وأسكنها الباقون. # قوله تعالى: (وجعلناهم له خلائف) أي: جعلنا الذين نجوا مع نوح خلفا ممن ~~هلك. # * * * ثم بعثنا من بعده رسلا ms0983 إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) قوله تعالى: ~~(ثم بعثنا من بعده) أي: من بعد نوح (رسلا إلى قومهم) قال ابن عباس: # يريد: إبراهيم وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا. (فجاؤوهم بالبينات) أي: بأن ~~لهم أنهم رسل الله. (فما كانوا) أي: أولئك الأقوام (ليؤمنوا بما كذبوا) ~~يعني الذين قبلهم. والمراد: أن المتأخرين مضوا على سنن المتقدمين في ~~التكذيب. وقال مقاتل: فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من العذاب من قبل ~~نزوله. # قوله تعالى: (كذلك نطبع) أي: كما طبعنا على قلوب أولئك، (كذلك نطبع على ~~قلوب المعتدين) يعني المتجاوزين ما أمروا به. # * * * ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملأه بآياتنا فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين (75) قوله تعالى: (ثم بعثنا من بعدهم) يعني الرسل الذين ~~أرسلوا بعد نوح. # * * * فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى ~~أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قالوا أجئتنا ~~لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا PageV04P043 # وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) وقال فرعون ~~ائتوني بكل ساحر عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ~~ملقون (80) فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله ~~لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) ~~قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا) وهو ما جاء به موسى من الآيات. # قوله تعالى: (أسحر هذا) قال الزجاج: المعنى: أتقولون للحق لما جاءكم هذا ~~اللفظ، وهو قولهم: (إن هذا لسحر مبين). ثم قررهم فقال: (أسحر هذا)؟. قال ~~ابن الأنباري: # إنما أدخلوا الألف على جهة تفظيع الأمر، كما يقول الرجل إذا نظر إلى ~~الكسوة الفاخرة: أكسوة هذه؟ يريد بالاستفهام تعظيمها، وتأتي الرجل جائزة، ~~فيقول: أحق ما أرى؟ معظما لما ورد عليه. وقال غيره: تقدير الكلام: أتقولون ~~للحق لما جاءكم: هو سحر؟ أسحر هذا؟ فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام ~~عليه، كقوله: (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا ms0984 وجوهكم) المعنى: بعثناهم ~~ليسوؤوا وجوهكم. # قوله تعالى: (أجئتنا لتلفتنا) قال ابن قتيبة: لتصرفنا. يقال: لفت فلانا ~~عن كذا: إذا صرفته. ومنه الالتفات، وهو الانصراف عما كنت مقبلا عليه. # قوله تعالى: (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) وروى أبان، وزيد عن يعقوب ~~(ويكون لكما) بالياء. وفي المراد بالكبرياء ثلاثة أقوال: # أحدها: الملك والشرف، قاله ابن عباس. # والثاني: الطاعة، قاله الضحاك. # والثالث: العلو، قاله ابن زيد. قال ابن عباس: والأرض هاهنا: أرض مصر. # قوله تعالى: (بكل ساحر) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (بكل سحار) بتشديد ~~الحاء وتأخير الألف. # قوله تعالى: (ما جئتم به السحر) قرأ الأكثرون (السحر) بغير مد، على لفظ ~~الخبر، والمعنى: الذي جئتم به من الحبال والعصي، هو السحر، وهذا رد لقولهم ~~للحق: هذا سحر: # فتقديره: الذي جئتم به السحر، فدخلت الألف واللام، لأن النكرة إذا عادت، ~~عادت معرفة، كما تقول: رأيت رجلا، فقال لي الرجل. وقرأ مجاهد، وأبو عمرو، ~~وأبو جعفر، وابان عن عاصم، PageV04P044 # وأبو حاتم عن يعقوب: (آلسحر) بمد الألف، استفهاما. قال الزجاج: والمعنى: ~~أي شئ جئتم به؟ أسحر هو؟ على جهة التوبيخ لهم. وقال ابن الأنباري: هذا ~~الاستفهام معناه التعظيم للسحر، لا على سبيل الاستفهام عن الشئ الذي يجهل، ~~وذلك مثل قول الإنسان في الخطأ الذي يستعظمه من إنسان: أخطأ هذا؟ أي: هو ~~عظيم الشأن في الخطأ. والعرب تستفهم عما هو معلوم عندها. # قال امرؤ القيس: # أغرك مني أن حبك قاتلي * وأنك مهما تأمري القلب يفعل وقال قيس بن ذريح: # أراجعة يا لبن أيامنا الألى * بذي الطلح أم لا ما لهن رجوع فاستفهم وهو ~~يعلم أنهن لا يرجعن. # قوله تعالى: (إن الله سيبطله) أي: يهلكه، ويظهر فضيحتكم، (إن الله لا ~~يصلح عمل المفسدين) لا يجعل عملهم نافعا لهم. (ويحق الله الحق) أي: يظهره ~~ويمكنه، (بكلماته) بما سبق من وعده بذلك. # * * * فما امن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملأهم أن يفتنهم ~~وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يقوم إن كنتم ~~آمنتم بالله ms0985 فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا ~~لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) ~~وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبؤا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ~~زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت ~~دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) * وجاوزنا ببني ~~إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق ~~PageV04P045 # قال امنت أنه لا إله إلا الذي امنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين ~~(90) الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون ~~لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) قوله تعالى: (فما ~~آمن لموسى إلا ذرية) في المراد بالذرية هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد (بالذرية: القليل. قاله ابن عباس والثاني: أنه أولاد ~~الذين أرسل إليهم موسى) مات آباؤهم لطول الزمان، وآمنوا هم، قاله مجاهد. ~~وقال ابن زيد: هم الذين نشؤ وا مع موسى حين كف فرعون عن ذبح الغلمان. قال ~~ابن الأنباري: وإنما قيل لهؤلاء: (ذرية) لأنهم أولاد الذين بعث إليهم موسى، ~~وإن كانوا بالغين. # والثالث: أنهم قوم، أمهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط، قاله ~~مقاتل، واختاره الفراء. قال: وإنما سموا ذرية كما قيل لأولاد فارس: ~~الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. وفي هاء (قومه) قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى موسى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: إلى فرعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس فعلى القول الأول يكون ~~قوله: (على خوف من فرعون وملئهم) أي: وملأ فرعون. قال الفراء: إنما قال: ~~(وملئهم) بالجمع، وفرعون واحد، لأن الملك إذا ذكر ذهب الوهم إليه وإلى من ~~معه، تقول: قدم الخليفة فكثر الناس، تريد: بمن معه. وقد يجوز أن يريد ~~بفرعون: آل فرعون، كقوله (واسأل القرية). # وعلى القول الثاني: يرجع ذكر الملأ ms0986 إلى الذرية. قال ابن جرير: وهذا أصح، ~~لأنه كان في الذرية من أبوه قبطي وأمه إسرائيلية، فهو مع فرعون على موسى. # قوله تعالى: (أن يفتنهم) يعني فرعون، ولم يقل: يفتنوهم، لأن قومه كانوا ~~على من كان عليه. وفي هذه الفتنة قولان: # أحدهما: أنها القتل، قاله ابن عباس. # والثاني: التعذيب، قاله ابن جرير. PageV04P046 # قوله تعالى: (وإن فرعون لعال في الأرض) قال ابن عباس: متطاول في أرض مصر ~~(وإنه لمن المسرفين) حين كان عبدا فادعى الربوبية. # قوله تعالى: (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا) لما شكا بنوا إسرائيل ~~إلى موسى ما يهددهم به فرعون من ذبح أولادهم، واستحياء نسائهم، قال لهم ~~هذا. # وفي قوله: (لا تجعلنا فتنة) ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تهلكنا بعذاب على أيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من قبلك، فيقول ~~قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم. # والثاني: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، والقولان مرويان عن مجاهد. # والثالث: لا تسلطهم علينا فيفتتنون بنا، لظنهم أنهم على حق، قاله أبو ~~الضحى، وأبو مجلز. # قوله تعالى: (أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا) قال المفسرون: لما أرسل موسى، ~~أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من الصلاة، وكانوا لا ~~يصلون إلى في الكنائس: فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفا ~~من فرعون. و (تبوآ) معناه: اتخذا، وقد شرحناه في (سورة) الأعراف. وفي ~~المراد بمصر قولان: # أحدهما: أنه البلد المعروف بمصر، قاله الضحاك. # والثاني: أنه الإسكندرية، قاله مجاهد. وفي البيوت قولان: # أحدهما: أنها المساجد، قاله الضحاك، والثاني: القصور، قاله مجاهد. # وفي قوله: (واجعلوا بيوتكم قبلة) أربعة أقوال: # أحدها: اجعلوها مساجد، رواه مجاهد، وعكرمة، والضحاك عن ابن عباس، وبه قال ~~النخعي، وابن زيد. وقد ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم، فقيل لهم: اجعلوا ~~بيوتكم قبلة بدلا من المساجد. # والثاني: اجعلوها قبل القبلة، رواه العوفي عن ابن عباس. وروى الضحاك عن ~~ابن عباس، قال: قبل مكة. وقال مجاهد: أمروا أن يجعلوها مستقبلة الكعبة، وبه ~~قال مقاتل، وقتادة، والفراء. # والثالث: اجعلوها يقابل ms0987 بعضها بعضا، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ~~سعيد بن جبير. PageV04P047 # والرابع: واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة، فهي قبلة ~~اليهود إلى اليوم، قاله ابن بحر. # فإن قيل: البيوت جمع، فكيف قال (قبلة) على التوحيد؟ فقد أجاب عنه ابن ~~الأنباري، فقال: من قال: المراد بالقبلة الكعبة، قال: وحدت القبلة لتوحيد ~~الكعبة. قال: ويجوز أن يكون أراد: اجعلوا بيوتكم قبلا، فاكتفى بالواحد من ~~الجميع، كما قال العباس بن مرداس: # فقلنا أسلموا إنا أخوكم * فقد برئت من الإحن الصدور يريد: إنا إخوتكم. ~~ويجوز أن يكون وحد (قبلة) لأنه أجراها مجرى المصدر، فيكون المعنى: واجعلوا ~~بيوتكم إقبالا على الله، وقصدا لما كنتم تستعملونه في المساجد. ويجوز أن ~~يكون وحدها، والمعنى: واجعلوا بيوتكم شيئا قبلة، ومكانا قبلة، ومحلة قبلة. # قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) قال ابن عباس: أتموا الصلاة (وبشر ~~المؤمنين) أنت يا محمد. قال سعيد بن جبير: بشرهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة ~~في الآخرة. # قوله تعالى: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا) قال ابن عباس: كان ~~لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد ~~وياقوت. # قوله تعالى: (ليضلوا عن سبيلك) وفي لام (ليضلوا) أربعة أقوال: # أحدها: أنها لام (كي) والمعنى: إنك آتيتهم ذلك كي يضلوا وهذا قول الفراء. # والثاني: أنها لام العاقبة، والمعنى: إنك آتيتهم ذلك فأصارهم إلى الضلال، ~~ومثله قوله: # (ليكون لهم عدوا وحزنا) أي: آل أمرهم إلى أن صار لهم عدوا، لا أنهم قصدوا ~~ذلك، وهذا كما تقول للذي كسب مالا فأداه إلى الهلاك: إنما كسب فلان لحتفه، ~~وهو لم يكسب المال طلبا للحتف، وأنشدوا: # وللمنايا تربي كل مرضعة * وللخراب يجد الناس عمرانا وقال آخر: # وللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدور تبنى المساكن وقال آخر: # فإن يكن الموت أفناهم * فللموت ما تلد الوالدة أراد: عاقبة الأمر ومصيره ~~إلى ذلك، هذا قول الزجاج. PageV04P048 # والثالث: أنها لام الدعاء، والمعنى: ربنا ابتلاهم بالضلال عن سبيلك، ذكره ~~ابن الأنباري. # والرابع: أنها لام أجل، فالمعنى: ms0988 آتيتهم لأجل ضلالتهم عقوبة منك، ومثله ~~قوله: # (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) أي: لأجل إعراضكم، ~~حكاه بعض المفسرين. وقرأ أهل الكوفة إلا المفضل، وزيد، وأبو حاتم عن يعقوب: ~~(ليضلوا) بضم الياء، اي: ليضلوا غيرهم. # قوله تعالى: (ربنا اطمس) روى الحلبي عن عبد الوارث: (اطمس) بضم الميم، ~~(على أموالهم) وفيه قولان: # أحدهما: أنها جعلت حجارة، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والضحاك، وأبو صالح، والفراء. وقال القرظي: جعل سكرهم حجارة. وقال ابن زيد: ~~صار ذهبهم ودراهمهم الله وعدسهم وكل شئ لهم حجارة. وقال مجاهد: مسخ الله ~~النخل والثمار والأطعمة حجارة، فكانت إحدى الآيات التسع. وقال الزجاج: ~~تطميس الشئ: إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كان ~~عليها. # والثاني: أنها هلكت، فالمعنى: أهلك أموالهم، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ومنه يقال: طمست عينه، أي: ذهبت، ~~وطمس الطريق: إذا عفا ودرس. # وفي قوله: (واشدد على قلوبهم) أربعة أقوال: # أحدها: اطبع عليها، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مقاتل، والفراء، ~~والزجاج. # والثاني: أهلكهم كفارا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والثالث: اشدد عليها بالضلالة، قاله مجاهد. # والرابع: أن معناه: قس قلوبهم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (فلا يؤمنوا) فيه قولان: # أحدهما: أنه دعاء عليهم أيضا، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، قاله الفراء. ~~وأبو عبيدة، والزجاج. وقال ابن الأنباري: معناه: فلا آمنوا، قال الأعشى: # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى * ولا تلقني إلا وأنفك راغم معناه: لا ~~أنبسط، ولا لقيتني. # والثاني: أنه عطف على قوله: (ليضلوا عن سبيلك)، فالمعنى: أنك آتيتهم ~~ليضلوا فلا يؤمنوا، PageV04P049 # حكاه الزجاج عن المبرد. # قوله تعالى: (حتى يروا العذاب الأليم) قال ابن عباس: هو الغرق، وكان موسى ~~يدعو، وهارون يؤمن، فقال الله تعالى: (وقد أجيبت دعوتكما) وكان بين الدعاء ~~والإجابة أربعون سنة. # فإن قيل: كيف قال: (دعوتكما) وهما دعوتان؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دعوات وكلام يطول ms0989 كما بينا في سورة ~~الأعراف أن الكلمة تقع على كلمات، قال الشاعر: # وكان دعا دعوة قومه * هلم إلى أمركم قد صرم فأوقع (دعوة) على ألفاظ بينها ~~آخر بيته. # والثاني: أن يكون المعنى: قد أجيبت دعواتكما، فاكتفى بالواحد من ذكر ~~الجميع، ذكر الجوابين ابن الأنباري. وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه قرأ ~~(دعواتكما) بالألف وفتح العين. # والثالث: أن موسى هو الذي دعا، فالدعوة له، غير أنه لما أمن هارون، أشرك ~~بينهما في الدعوة، لأن التأمين على الدعوة منها. # وفي قوله: (فاستقيما) أربعة أقوال: # أحدها: فاستقيما على الرسالة وما أمرتكما به، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: فاستقيما على دعاء فرعون وقومه إلى طاعة الله، قاله ابن جرير. # والثالث: فاستقيما في دعائكما على فرعون وقومه. # والرابع: فاستقيما على ديني، ذكرهما أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (ولا تتبعان) قرأ الأكثرون بتشديد تاء (تتبعان). وقرأ ابن ~~عامر بتخفيفها مع الاتفاق على تشديد نون (تتبعان) (إلا أن النون الشديدة ~~دخلت للنهي مؤكدة، وكسرت لسكونها وسكون النون التي قبلها، واختير لها الكسر ~~لأنها بعد الألف، فشبهت بنون الاثنين. قال أبو علي: ومن خفض النون أمكن أن ~~يكون خفف النون الثقيلة، فإن شئت كان على لفظ الخبر، والمعنى الأمر، كقوله: ~~(يتضربن بأنفسهن) و (لا تضار والدة) أي: لا ينبغي ذلك، وإن شئت جعلته حالا ~~من قوله: (فاستقيما) تقديره: استقيما غير متبعين. وفي المراد بسبيل الذين ~~لا يعلمون قولان: PageV04P050 # أحدهما: أنهم فرعون وقومه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الذين يستعجلون القضاء قبل مجيئه، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # فإن قيل: كيف جاز أن يدعو موسى على قومه؟ # فالجواب: أن بعضهم يقول: كان ذلك بوحي، وهو قول صحيح، لأنه لا يظن بنبي ~~أن يقدم على مثل ذلك إلا عن إذن من الله عز وجل، لأن دعاءه سبب للانتقام. # قوله تعالى: (فأتبعهم فرعون وجنوده) قال أبو عبيدة: أتبعهم وتبعهم سواء. ~~وقال ابن قتيبة: أتبعهم: لحقهم. (بغيا وعدوا) أي: ظلما. وقرأ الحسن ~~(فأتبعهم) بالتشديد، وكذلك شددوا (عدوا) ms0990 مع ضم العين. # قوله تعالى: (إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وأبو عمرو، وابن عامر (أنه) بفتح الألف، والمعنى: آمنت بأنه، فلما حذف حرف ~~الجر، وصل الفعل إلى (أن) فنصب. وقرأ حمزة والكسائي (إنه) بكسر الألف، ~~فحملوه على القول المضمر، كأنه قال: آمنت، فقلت: إنه. قال ابن عباس: لم ~~يقبل الله إيمانه عند رؤية العذاب. قال ابن الأنباري: جنح فرعون إلى التوبة ~~حين أغلق بابها لحضور الموت ومعاينة الملائكة، فقيل له: # (آلآن) أي: الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها، وكنت من المفسدين ~~بالدعاء إلى عبادة غير الله تعالى؟ والمخاطب له بهذا كان جبريل عليه ~~السلام. وجاء في الحديث أن جبريل جعل يدس الطين في فم فرعون خشية أن يغفر ~~له. قال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس ~~عليه السلام كان عبدا صالحا، وكان يذكر الله، فلما وقع في بطن الحوت سأل ~~الله، فقال الله: (فلولا أنه من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) وإن ~~فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا لذكر الله (تعالى)، فلما أدركه الغرق قال: ~~آمنت، فقال الله: آلآن وقد عصيت قبل). # قوله تعالى: (فاليوم ننجيك) وقرأ يعقوب (ننجيك) مخففة. قال اللغويون، ~~منهم يونس وأبو عبيدة: نلقيك على نجوة من الأرض، أي: ارتفاع، ليصير علما ~~أنه قد غرق. وقرأ ابن السميفع (ننحيك) بحاء. وفي سبب إخراجه من البحر بعد ~~غرقه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن موسى وأصحابه لما خرجوا، قال من بقي من المدائن من قوم فرعون: ~~ما أغرق PageV04P051 # فرعون، ولكنه هو وأصحابه يتصيدون في جزائر البحر، فأوحى الله إلى البحر ~~أن الفظ فرعون عريانا، فكانت نجاة عبرة، وأوحى الله تعالى إلى البحر: أن ~~الفظ ما فيك، فلفظهم البحر بالساحل، ولم يكن يلفظ غريقا، إلى يوم القيامة، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أن أصحاب موسى قالوا: إنا نخاف أن يكون فرعون ما غرق، ولا نؤمن ~~بهلاكه، فدعا موسى ربه، فأخرجه حتى أيقنوا بهلاكه، رواه سعيد بن ms0991 جبير عن ~~ابن عباس، وإلى نحوه ذهب قيس بن عباد، وعبد الله بن شداد، والسدي، ومقاتل. ~~وقال السدي: لما قال بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون، دعا موسى، فخرج فرعون في ~~ستمائة الف وعشرين ألفا عليهم الحديد، فأخذته بنو إسرائيل يمثلون به. وذكر ~~غيره أنه إنما أخرج من البحر وحده دون أصحابه. وقال ابن جريج: كذب بعض بني ~~إسرائيل بغرقه، فرمى به البحر على ساحل البحر حتى رآه بنوا إسرائيل قصيرا ~~أحمر كأنه ثور. وقال أبو سليمان: عرفه بنوا إسرائيل بدرع كان له من لؤلؤ لم ~~يكن لأحد مثلها. فأما وجهه فقد غيره سخط الله تعالى. # والثالث: أنه كان يدعي أنه رب، وكان يعبده قوم، فبين الله تعالى أمره، ~~فأغرقه وأصحابه، ثم أخرجه من بينهم، قاله الزجاج. وفي قوله (تعالى): ~~(ببدنك) أربعة أقوال: # أحدها: بجسدك من غير روح، قاله مجاهد. وذكر البدن دليل على عدم الروح. # والثاني: بدرعك، قاله أبو صخر. وقد ذكرنا أنه كانت له درع من لؤلؤ، وقيل: ~~من ذهب، فعرف بدرعه. # والثالث: نلقيك عريانا، قاله الزجاج. # والرابع: ننجيك وحدك، قاله ابن قتيبة. # وفي قوله: (لتكون لمن خلفك آية) ثلاثة أقوال: # أحدها: لتكون لمن بعدك في النكال آية لئلا يقولوا مثل مقالتك، فإنك لو ~~كنت إلها ما غرقت، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: (خلفك) بمعنى ~~بعدك، والآية: # العلامة. # والثاني: لتكون لبني إسرائيل آية، قاله السدي. # والثالث: لمن تخلف من قومه، لأنهم أنكروا غرقه على ما ذكرنا في أول ~~الآية، فخرج في معنى الآية قولان: # أحدهما: عبرة للناس. # والثاني: علامة تدل على غرقه. وقال الزجاج: الآية أنه كان يدعي أنه رب، ~~فبان أمره، PageV04P052 # وأخرج من بين أصحابه لما غرقوا. وقرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء (لمن خلقك) بالقاف. # * * * ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا ~~حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~(93) فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك ms0992 لقد ~~جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا ~~بآيات الله فتكون من الخاسرين إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون (96) ~~ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97) قوله تعالى: (ولقد بوأنا ~~بني إسرائيل) أي: أنزلناهم منزل صدق، أي منزلا كريما. وفي المراد ببني ~~إسرائيل قولان: # أحدهما: أصحاب موسى. # والثاني: قريظة والنضير. وفي المراد بالنزل الذي أنزلوه خمسة أقوال: # أحدها: أنه الأردن، وفلسطين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الشام، وبيت المقدس، قاله الضحاك وقتادة. # والثالث: مصر، روي عن الضحاك أيضا. # والرابع: بيت المقدس، قاله مقاتل. # والخامس: ما بين المدينة والشام من أرض يثرب، ذكره علي بن أحمد ~~النيسابوري. والمراد بالطيبات: ما أحل لهم من الخيرات الطيبة. (فما ~~اختلفوا) يعني بني إسرائيل. قال ابن عباس: ما اختلفوا في محمد، لم يزالوا ~~به مصدقين، (حتى جاءهم العلم) يعني: القرآن، وروي عنه: حتى جاءهم العلم، ~~يعني محمدا. فعلى هذا يكون العلم هاهنا: عبارة عن المعلوم. وبيان هذا أنه ~~لما جاءهم، اختلفوا في تصديقه، وكفر به أكثرهم بغيا وحسدا بعد أن كانوا ~~مجتمعين على تصديقه قبل ظهوره. قوله تعالى: (فإن كنت في شك) في تأويل هذه ~~الآية ثلاثة أقوال: PageV04P053 # أحدها: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره من الشاكين، ~~بدليل قوله في آخر السورة: (إن كنتم في شك من ديني)، ومثله قوله (تعالى): ~~(يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما) ثم قال (تعالى): (بما تعملون خبيرا) ولم يقل: # بما تعمل، وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو المراد به. ثم في ~~المعنى قولان: # أحدهما: أنه خوطب بذلك وإن لم يكن في شك، لأنه من المستفيض في لغة العرب ~~أن يقول الرجل لولده: إن كنت أبني فبرني، ولعبده: إن كنت عبدي فأطعني، وهذا ~~اختيار الفراء. وقال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك، ~~ولا سأل. # والثاني: أن ms0993 تكون (إن) بمعنى (ما) فالمعنى: ما كنت في شك (فاسأل)، ~~المعنى: # لسنا نريد أن نأمرك أن تسأل لأنك شاك، ولكن لتزداد بصيرة، ذكره الزجاج. # والثالث: أن الخطاب للشاكين، فالمعنى: إن كنت أيها الإنسان في شك مما ~~أنزل إليك على لسان محمد، فسل، روي عن ابن قتيبة. # وفي الذي أنزل إليه قولان: # أحدهما: أنه أنزل إليه أنه رسول الله. # والثاني: أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. # قوله تعالى: (فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك) وهم اليهود والنصارى. ~~وفي الذين أمر بسؤالهم منهم قولان: # أحدهما: من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، قاله ابن عباس، ومجاهد في أخرى. ~~PageV04P054 # والثاني: أهل الصدق منهم، قاله الضحاك، وهو يرجع إلى الأول، لأنه لا يصدق ~~إلا من آمن. # قوله تعالى: (لقد جاءك الحق) هذا كلام مستأنف. # قوله تعالى: (إن الذين حقت) أي: وجبت (عليهم كلمة ربك) أي: قوله. وبماذا ~~حقت الكلمة عليهم؟ فيه أربعة أقوال: # أحدها: باللعنة. # والثاني: بنزول العذاب. # والثالث: بالسخط. والرابع: بالنقمة. # قوله تعالى: (ولو جاءتهم كل آية) قال الأخفش: إنما أنث فعل (كل) لأنه ~~أضافه إلى (آية) وهي مؤنثة. # * * * فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا ~~عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) قوله تعالى: ~~(فلولا كانت قرية (آمنت)) أي: أهل قرية. وفي (لولا) قولان: # أحدهما: أنه بمعنى: لم تكن قرية آمنت (فنفعها إيمانها) أي: قبل منها (إلا ~~قوم يونس)، قاله ابن عباس. وقال قتادة: لم يكن هذا لأمة آمنت عند نزول ~~العذاب، إلا لقوم يونس. # والثاني: أنها بمعنى: فهلا، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. قال ~~الزجاج: # والمعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعها إيمانها، إلا قوم يونس؟ و ~~(إلا) هاهنا استثناء ليس من الأول، كأنه قال: لكن قوم يونس. قال الفراء: ~~نصب القوم على الانقطاع مما قبله، ألا ترى أن (ما) بعد (إلا) في الجحد يتبع ~~ما قبلها؟ تقول: ما قام أحد إلا أخوك، فإذا قلت: ما فيها أحد إلا كلبا أو ~~حمارا، ms0994 نصبت، لانقطاعهم من الجنس، كذلك كان قوم يونس منقطعين من غيرهم من ~~أمم الأنبياء، ولو كان الاستثناء وقع على طائفة منهم لكان رفعا. وذكر ابن ~~الأنباري في قوله: (إلا) قولين آخرين. # أحدهما: أنها بمعنى الواو، والمعنى: وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا ~~وكذا، وهذا PageV04P055 # مروي عن أبي عبيدة، والفراء ينكره. # والثاني: أن الاستثناء من الآية التي قبل هذه، تقديره: حتى يروا العذاب ~~الأليم إلا قوم يونس، فالاستثناء على هذا متصل غير منقطع. # قوله تعالى: (كشفنا عنهم) أي: صرفنا عنهم (عذاب الخزي) أي: عذاب الهوان ~~والذل (ومتعناهم إلى حين) أي: إلى حين آجالهم. # الإشارة إلى شرح قصتهم ذكر أهل العلم بالسير والتفسير أن قوم يونس كانوا ~~ب‍ (نينوى) من أرض الموصل، فأرسل الله عز وجل إليهم يونس يدعوهم إلى الله ~~ويأمرهم بترك الأصنام، فأبوا، فأخبرهم أن العذاب مصبحهم بعد ثلاث، فلما ~~تغشاهم العذاب، قال ابن عباس، وأنس: لم يبق بين العذاب وبينهم إلا قدر ثلثي ~~ميل، وقال مقاتل: قدر ميل، وقال أبو صالح عن ابن عباس: وجدوا حر العذاب على ~~أكتافهم، وقال سعيد بن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، وقال ~~بعضهم: غامت السماء غيما أسود يظهر دخانا شديدا، فغشي مدينتهم، واسودت ~~سطوحهم، فلما أيقنوا بالهلاك لبسوا المسوح، وحثوا على رؤوسهم الرماد، ~~وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، وعجوا إلى الله (تعالى) ~~بالتوبة الصادقة، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، فاستجاب الله منهم. # قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم بينهم، حتى أن كان الرجل ~~ليأتي إلى الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه، فيرده. وقال أبو الجلد: ~~لما غشيهم العذاب، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا: ما ترى؟ قال: ~~قولوا: يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت، ~~فقالوها، فكشف العذاب عنهم. قال مقاتل: عجوا إلى الله أربعين ليلة، فكشف ~~العذاب عنهم. وكانت التوبة عليهم في يوم عاشوراء يوم الجمعة. قالوا: وكان ~~يونس قد خرج من ms0995 بين أظهرهم، فقيل له: ارجع إليهم، فقال كيف أرجع إليهم ~~فيجدوني كاذبا؟ وكان من يكذب بينهم ولا بينة له يقتل، فانصرف مغاضبا، ~~فالتقمه الحوت. وقال أبو صالح عن ابن عباس: أوحى (الله) إلى نبي من أنبياء ~~بني إسرائيل يقال له شعيا، فقيل له: ائت فلانا الملك، فقل له يبعث إلى بني ~~إسرائيل نبيا قويا أمينا، وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال الملك ~~ليونس: اذهب إليهم، فقال: ابعث غيري، فعزم عليه أن يذهب، فأتى بحر الروم، ~~فركب سفينة، فالتقمه الحوت، فلما خرج من بطنها أمر أن ينطلق إلى قومه نذيرا ~~لهم، فأبوا عليه، فوعدهم بالعذاب، وخرج، فلما تابوا رفع عنهم. والقول الأول ~~أثبت عند العلماء، وأنه إنما PageV04P056 # التقمه الحوت بعد إنذاره لهم وتوبتهم. وسيأتي شرح قصته في التقام الحوت ~~إياه في مكانه إنشاء الله تعالى. # فإن قيل: كيف كشف العذاب عن قوم يونس بعد إتيانه إليهم، ولم يكشف عن ~~فرعون حين آمن؟ # فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن ذلك كان خاصا لهم كما ذكرنا في أول الآية. # والثاني: أن فرعون باشره العذاب، وهؤلاء دنا منهم ولم يباشرهم، فكانوا ~~كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية، فأما الذي يعاين، فلا توبة له، ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أن الله تعالى علم منهم صدق النيات، بخلاف من تقدمهم من ~~الهالكين، ذكره ابن الأنباري. # * * * ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين (99) قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض) قال ابن ~~عباس: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حريصا على إيمان جميع الناس، ~~فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلى من سبقت له السعادة. # قال الأخفش: جاء بقوله: (جميعا) مع (كل) تأكيدا كقوله: (وقال الله لا ~~تتخذوا إلهين اثنين) قوله تعالى: (أفأنت تكره الناس) قال المفسرون منهم ~~مقاتل: (هذا منسوخ بآية السيف)، والصحيح أنه ليس هاهنا نسخ، لأن الإكراه ~~على الإيمان لا يصح، لأنه عمل القلب. # * * * وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين ms0996 لا ~~يعقلون (100) PageV04P057 # قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) فيه ستة أقوال: # أحدها: بقضاء الله وقدره. # والثاني: بأمر الله،؟ رويا عن ابن عباس. # والثالث: بمشيئة الله، قاله عطاء. # الرابع: إلا أن يأذن الله في ذلك، قاله مقاتل. # والخامس: بعلم الله. # والسادس: بتوفيق الله، ذكرهما الزجاج، وابن الأنباري. # قوله تعالى: (ويجعل الرجس) أي: ويجعل الله الرجس. وروى أبو بكر عن عاصم ~~(ونجعل الرجس) بالنون. # وفيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه السخط، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: الإثم والعدوان، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه مالا خير فيه، قاله مجاهد. # والرابع: العذاب، قاله الحسن، وأبو عبيدة، والزجاج. # والخامس: العذاب والغضب، قاله الفراء. # قوله تعالى: (غلى الذين لا يعقلون) أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه. ~~وقيل: لا يعقلون حججه ودلائل توحيده. # * * * قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم ~~لا يؤمنون (101) قوله تعالى: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) قال ~~المفسرون: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات على توحيد الله انظروا بالتفكر ~~والاعتبار ماذا في السماوات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته ~~ونفاذ قدرته كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل هذا يقتضي ~~خالقا مدبرا. (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) في علم الله. ~~PageV04P058 # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ~~(103) قوله تعالى: (فهل ينتظرون) قال ابن عباس: يعني كفار قريش. (إلا مثل ~~أيام الذين خلوا من قبلهم) قال ابن الأنباري: أي: مثل وقائع الله بمن سلف ~~قبلهم، والعرب تكني بالأيام عن الشرور والحروب، وقد تقصد بها أيام السرور ~~والأفراح إذا قام دليل بذلك. # قوله تعالى: (قل فانتظروا) هلاكي (إني معكم من المنتظرين) لنزول العذاب ~~بكم. # (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا) من العذاب إذا نزل، فلم يهلك قوم قط إلا ~~نجا نبيهم والذين آمنوا معه. # قوله تعالى: (كذلك حقا علينا ننجي ms0997 المؤمنين) وقرأ يعقوب، وحفص، والكسائي ~~في قراءته وروايته عن أبي بكر: (ننج المؤمنين) بالتخفيف. ثم في هذا الإنجاء ~~قولان: # أحدهما: ننجيهم من العذاب إذا نزل بالمكذبين، قاله الربيع بن أنس. # والثاني: ننجيهم في الآخرة من النار، قاله مقاتل. # * * * قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) وأن ~~أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من دون الله ~~مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) قوله تعالى: (قل ~~يا أيها الناس) قال ابن عباس: يعني أهل مكة (كنتم في شك من ديني) الإسلام ~~(فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله) وهي الأصنام (ولكن أعبد الله الذي) ~~يقدر أن يميتكم. وقال ابن جرير: معنى الآية: لا ينبغي لكم أن تشكوا في ~~ديني، لأني أعبد الله الذي يميت وينفع ويضر، ولا تستنكر عبادة من يفعل هذا، ~~وإنما ينبغي لكم أن تشكوا وتنكروا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا ~~تضر ولا تنفع. # فإن قيل: لم قال: (الذي يتوفاكم) ولم يقل: (الذي خلقكم)؟ # فالجواب: أن هذا يتضمن تهديدهم، لأن ميعاد عذابهم الوفاة. PageV04P059 # قوله تعالى: (وأن أقم وجهك) المعنى: وأمرت أن أقم وجهك، وفيه قولان: # أحدهما: أخلص عملك. # والثاني: استقم باقبالك على ما أمرت به بوجهك. وفي المراد بالحنيف ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه المتبع، قاله مجاهد. # والثاني: المخلص، قاله عطاء. # والثالث: المستقيم، قاله القرظي. # قوله تعالى: (ولا تدع من دون الله مالا ينفعك) إن دعوته (ولا يضرك) إن ~~تركت عبادته. و (الظالم) الذي يضع الشئ في غير موضعه. # * * * وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد ~~لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس ~~قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~وما أنا عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك ms0998 واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين (109) قوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر) أي: بشدة وبلاء (فلا ~~كاشف) لذلك (إلا هو) دون ما يعبده المشركون من الأصنام. وإن يصبك بخير، أي: ~~برخاء ونعمة وعافية، فلا يقدر أحد أن يمنعك إياه. (يصيب به) أي: بكل واحد ~~من الضر والخير. # قوله تعالى: (قد جاءكم الحق من ربكم) فيه قولان: # أحدهما: أنه القرآن. # والثاني: محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (ومن ضل فإنما يضل عليها) أي: فإنما يكون وبال ضلاله على ~~نفسه. # قوله تعالى: (وما أنا عليكم بوكيل) أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، ~~والمعنى: لست بحفيظ عليكم من الهلاك كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك. قال ~~ابن عباس: وهذه منسوخة بآية القتال، والتي بعدها أيضا، وهي قوله: (واصبر ~~حتى يحكم الله) لأن الله تعالى حكم بقتل المشركين، والجزية على أهل الكتاب، ~~والصحيح: أنه ليس هاهنا نسخ. أما الآية الأولى، فقد ذكرنا الكلام عليها في ~~نظيرتها في (الأنعام) وأما الثانية، فقد ذكرنا نظيرتها في سورة (البقرة) ~~قوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره). PageV04P060 # سورة هود مكية وآياتها ثلاث وعشرون ومائة فصل في نزولها روى ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس أنها مكية كلها، وبه قال الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وجابر بن زيد، ~~وقتادة. وروي عن ابن عباس أنه قال: هي مكية، إلا آية، وهي قوله (تعالى): # (أقم الصلاة طرفي النهار)، وعن قتادة نحوه. وقال مقاتل: هي مكية كلها، ~~إلا قوله: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) وقوله: (أوليك يؤمنون به) وقوله: ~~(إن الحسنات يذهبن السيئات). # روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، عجل إليك ~~الشيب، قال: # (شيبتني هود وأخواتها: الحاقة، والواقعة، وعم يتساءلون، وهل أتاك حديث ~~الغاشية). # بسم الله الرحمن الرحيم آلر كتب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ~~(1) فأما (آلر) فقد ذكرنا تفسيرها في سورة يونس. # قال الفراء: و (كتاب) مرفوع بالهجاء الذي قبله، كأنك قلت: حروف الهجاء ~~هذا القرآن، وإن شئت رفعته باضمار (هذا ms0999 كتاب)، والكتاب: القرآن. ~~PageV04P061 # وفي قوله: (أحكمت آياته) أربعة أقوال: # أحدها: أحكمت فما تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع، قاله ابن عباس، ~~واختاره ابن قتيبة. # والثاني: أحكمت بالأمر والنهي، قاله الحسن، وأبو العالية. # والثالث: أحكمت عن الباطل، أي: منعت، قاله قتادة، ومقاتل. # والرابع: أحكمت بمعنى جمعت، قاله ابن زيد. # فإن قيل: كيف عم الآيات هاهنا بالإحكام، وخص بعضها في قوله: (منه آيات ~~محكمات)؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن الإحكام الذي عم به هاهنا، غير الذي خص به هناك. # وفي معنى الإحكام العام خمسة أقوال، قد أسلفنا منها أربعة في قوله: ~~(أحكمت آياته). # والخامس: أنه إعجاز النظم والبلاغة وتضمين الحكم المعجزة. # ومعنى الإحكام الخاص: زوال اللبس، واستواء السامعين في معرفة معنى الآية. # والجواب الثاني: أن الإحكام في الموضعين بمعنى واحد. والمراد بقوله: ~~(أحكمت آياته): أحكم بعضها بالبيان الواضح ومنع الالتباس، فأوقع العموم على ~~معنى الخصوص، كما تقول العرب: قد أكلت طعام زيد، يعنون: بعض طعامه، ~~ويقولون: قتلنا ورب الكعبة يعنون: قتل بعضنا، ذكر ذلك ابن الأنباري. # وفي قوله: (ثم فصلت) ستة أقوال: # أحدها: فصلت بالحلال والحرام، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: فصلت بالثواب والعقاب، رواه جسر بن فرقد عن الحسن. # والثالث: فصلت بالوعد والوعيد، رواه أبو بكر الهذلي عن الحسن أيضا. # والرابع: فصلت بمعنى فسرت، قاله مجاهد. # الخامس: أنزلت شيئا بعد شئ، ولم تنزل جملة، ذكره ابن قتيبة. # والسادس: فصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على التوحيد، وتثبيت نبوة ~~الأنبياء، وإقامة الشرائع، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (من لدن حكيم) أي: من عنده. # * * * PageV04P062 # ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ قدير (4) ~~قوله تعالى: (ألا تعبدوا إلا الله) قال الفراء. المعنى: فصلت آياته بأن لا ~~تعبدوا إلا الله (وأن استغفروا). و (أن) في موضع النصب بالقائك الخافض. # وقال ms1000 الزجاج: المعنى: آمركم أن تعبدوا (إلها غيره) وأن استغفروا. # قال مقاتل: والمراد بهذه العبادة: التوحيد والخطاب لكفار مكة. # قوله تعالى: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) فيه قولان: # أحدهما: أن الاستغفار والتوبة هاهنا من الشرك، قاله مقاتل. # والثاني: استغفروه من الذنوب السالفة، ثم توبوا إليه من المستأنفة متى ~~وقعت. وذكر عن الفراء أنه قال: (ثم) هاهنا بمعنى الواو. # قوله تعالى: (يمتعكم متاعا حسنا) قال ابن عباس: يتفضل عليكم بالرزق ~~والسعة. وقال ابن قتيبة: يعمركم. وأصل الإمتاع: الإطالة، يقال: أمتع الله ~~بك، ومتع الله بك، إمتاعا ومتاعا، والشئ الطويل: ماتع، يقال: جبل ماتع، وقد ~~متع النهار: إذا تطاول. # وفي المراد بالأجل المسمى قولان: # أحدهما: أنه الموت، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. # والثاني: أنه يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: (ويؤت كل ذي فضل فضله) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: ويؤت كل ذي فضل من حسنة وخير فضله، وهو الجنة. # والثاني: يؤتيه فضله من الهداية إلى العمل الصالح. # والثاني: أنها ترجع إلى العبيد، فيكون المعنى: ويؤت كل من زاد في إحسانه ~~وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده، فيفضله في الدنيا بالمنزلة الرفيعة، وفي ~~الآخرة بالثواب الجزيل. # قوله تعالى: (وإن تولوا) أي: تعرضوا عما أمرتم به. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي، وأبو مجلز، وأبو رجاء: و (إن تولوا) بضم التاء. (فإني أخاف عليكم) ~~فيه إضمار (فقل). # واليوم الكبير: يوم القيامة. PageV04P063 # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) قوله تعالى: (ألا إنهم يثنون ~~صدورهم) في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يجالس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويحلف إنه ليحبه، ويضمر خلاف ما يظهر له، فنزلت فيه هذه الآية، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في ناس كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في ms1001 الخلاء ~~ومجامعة النساء، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه محمد بن عباد عن ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه لئلا يراه رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) قاله عبد الله ابن شداد والرابع: أن طائفة من المشركين ~~قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا ~~على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، كيف يعلم بنا؟ فأخبر الله عما كتموا، ~~ذكره الزجاج. # والخامس: أنها نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) إذا سمعوا منه القرآن حنوا صدورهم، ونكسوا رؤوسهم، وتغشوا ثيابهم ~~ليبعد عنهم صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل أسماعهم شئ من ~~القرآن، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: (يثنون صدورهم) يقال: ثنيت الشئ: إذا عطفته وطويته. وفي معنى ~~الكلام خمسة أقوال: # أحدها: يكتمون ما فيها من العداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: يثنون صدورهم على الكفر، قاله مجاهد. # والثالث: يحنونها لئلا يسمعوا كتاب الله، قاله قتادة. # والرابع: يثنونها إذا ناجى بعضهم بعضا في أمر رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم)، قاله ابن زيد. # والخامس: يثنونها حياء من الله تعالى، وهو يخرج على ما حكينا عن ابن ~~عباس. قال ابن الأنباري: وكان ابن عباس يقرؤها (ألا إنهم تثنوني صدورهم) ~~وفسرها أن ناسا كانوا يستحيون أن PageV04P064 # يفضوا إلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء. فتثنوني: تفعوعل، وهو فعل ~~للصدور، معناه: # المبالغة في تثني الصدور، كما تقول العرب: احلولى الشئ، يحلولي: إذا ~~بالغوا في وصفه بالحلاوة، قال عنترة: # ألا قاتل الله الطلول البواليا * وقاتل ذكراك السنين الخواليا وقولك للشئ ~~الذي لا تناله * إذا ما هو احلولي ألا ليت ذا ليا فعلى هذا القول، هو في حق ~~المؤمنين، وعلى بقية الأقوال: هو في حق المنافقين. وقد خرج من هذه الأقوال ~~في معنى (يثنون صدورهم) قولان: # أحدهما: أنه حقيقة في الصدور. # والثاني: أنه ms1002 كتمان ما فيها. # قوله تعالى: (ليستخفوا منه) في هاء (منه) قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. # والثاني: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (ألا حين يستغشون ثيابهم) قال أبو عبيدة: العرب تدخل (ألا) ~~توكيدا وإيجابا وتنبيها. قال ابن قتيبة: (يستغشون ثيابهم): أي: يتغشونها ~~ويستترون بها. قال قتادة: # أخفى ما يكون ابن آدم، إذا حنى ظهره، واشتغشى ثيابه، وأضمر همه في نفسه. ~~قال ابن الأنباري: أعلم الله أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهراتهم. # قوله تعالى: (إنه عليم بذات الصدور) قد شرحنا في (سورة) آل عمران. # * وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل ~~في كتب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفورا إن هذا إلا سحر مبين (7) قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض) ~~قال أبو عبيدة: (من) من حروف الزوائد، والمعنى: وما دابة، والدابة: اسم لكل ~~حيوان يدب. وقوله (تعالى) (إلا على الله رزقها) قال العلماء: فضلا منه، لا ~~وجوبا عليه. و (على) هاهنا بمعنى (من). وقد ذكرنا المستقر والمستودع في ~~سورة الأنعام. PageV04P065 # قوله تعالى: (كل في كتاب) أي: ذلك عند الله في اللوح المحفوظ، هذا قول ~~المفسرين. وقال الزجاج: المعنى: ذلك ثابت في علم الله عز وجل. # قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء) قال ابن عباس: عرشه: سريره، وكان ~~الماء إذ كان العرش عليه على الريح. قال قتادة: ذلك قبل أن يخلق السماوات ~~والأرض. # قوله تعالى: (ليبلوكم) أي: ليختبركم الاختبار الذي يجازي عليه، فيثيب ~~المعتبر بما يرى من آيات السماوات والأرض، ويعاقب أهل العناد. # قوله تعالى: (أيكم أحسن عملا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أيكم أحسن عقلا، وأورع من محارم الله عز وجل، وأسرع في طاعة الله، ~~رواه ابن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # والثاني: أيكم أعمل بطاعة الله، قاله ابن عباس. # والثالث: أيكم أتم عقلا، قاله قتادة. # والرابع: ms1003 أيكم أزهد في الدنيا، قاله الحسن وسفيان. # قوله تعالى: (إن هذا إلا سحر مبين) قال الزجاج: السحر باطل عندهم، فكأنهم ~~قالوا: # إن هذا إلا باطل بين، فأعلمهم الله تعالى أن القدرة على خلق السماوات ~~والأرض تدل على بعث الموتى. # * * * ولين أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون (8) PageV04P066 # قوله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب) قال المفسرون: هؤلاء كفار مكة، ~~والمراد بالأمة المعدودة: الأجل المعلوم، والمعنى: إلى مجئ أمة وانقراض ~~أخرى قبلها. (ليقولن ما يحبسه) وإنما قالوا ذلك تكذيبا واستهزاء. # قوله تعالى: (ألا يوم يأتيهم) وقال: (ليس مصروفا عنهم). وقال بعضهم: لا ~~يصرف عنهم العذاب إذا أتاهم. وقال آخرون: إذا أخذتهم سيوف رسول (الله صلى ~~الله عليه وسلم) لم تغمد عنهم حتى يباد أهل الكفر وتعلو كلمة الإخلاص. # قوله تعالى: (وحاق بهم) قال أبو عبيدة: نزل بهم وأصابهم. # وفي قوله: (ما كانوا به يستهزؤون) قولان: # أحدهما: انه الرسول (صلى الله عليه وسلم) والكتاب، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس، فيكون المعنى: # حاق بهم جزاء استهزائهم. # والثاني: أنه العذاب، كانوا يستهزئون بقولهم: (ما يحبسه)، وهذا قول ~~مقاتل. # * * * ولين أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) ~~قوله تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. قاله ابن عباس. # والثاني: في عبد الله بن أبي أمية المخزومي، ذكره الواحدي. # والثالث: أن الإنسان هاهنا اسم جنس، والمعنى: ولئن أذقنا الناس، قاله ~~الزجاج. # والمراد بالرحمة: النعمة، من العافية، والمال، والولد. واليؤوس: القنوط، ~~قال أبو عبيدة: هو فعول من يئست. قال مقاتل: إنه ليؤوس عند الشدة من الخير، ~~كفور لله في نعمه في الرخاء. # * * * ولين أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح ~~فخور (10) قوله تعالى: (ولئن أذقناه نعماء) قال ابن عباس: صحة وسعة في ~~الرزق. (بعد ضراء) بعد مرض وفقر. (ليقولن ذهب السيئات عني) يريد الضر ms1004 ~~والفقر. (إنه لفرح) أي: بطر. # (فخور) قال ابن عباس: يفاخر أوليائي بما أوسعت عليه. # فإن قيل: ما وجه عيب الإنسان في قوله: (ذهب السيئات عني)، وما وجه ذمه ~~على الفرح، وقد وصف الله الشهداء فقال (تعالى): (فرحين)؟ PageV04P067 # فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: إنما عابه بقوله: (ذهب السيئات عني) ~~لأنه لم يعترف بنعمة الله، ولم يحمده على ما صرف عنه. وإنما ذمه بهذا ~~الفرح، لأنه يرجع إلى معنى المرح والتكبر عن طاعة الله، قال الشاعر: # ولا ينسيني الحدثان عرضي * ولا ألقي من الفرح الإزارا يعني من المرح. ~~وفرح الشهداء فرح لا كبر فيه ولا خيلاء، بل هو مقرون بالشكر فهو مستحسن. # * * * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) ~~قوله تعالى: (إلا الذين صبروا) قال الفراء: هذا الاستثناء من الإنسان، لأنه ~~في معنى الناس، كقوله: (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا) وقال الزجاج: ~~هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن الذين صبروا. قال ابن عباس: الوصف ~~الأول للكافر، والذين صبروا أصحاب محمد عليه السلام. # * * * فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل ~~عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل (12) قوله ~~تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) سبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: (أئت بقرآن غير هذا أو بدله)، فهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن لا يسمعهم عيب آلهتهم رجاء أن يتبعوه، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: فلعلك تارك تبليغ بعض ما يوحى إليك من أمر الآلهة، وضائق بما ~~كلفته من ذلك صدرك، خشية أن يقولوا. لولا أنزل عليه كنز. # والثاني: فلعلك لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهم أنهم يزيلونك عن ~~بعض ما أنت عليه من أمر ربك. فأما الضائق، فهو بمعنى الضيق. قال الزجاج: ~~ومعنى (أن يقولوا): # كراهية أن يقولوا: وإنما عليك أن تنذرهم بما يوحى إليك، وليس عليك أن ~~تأتيهم ms1005 باقتراحهم من الآيات. # قوله تعالى: (والله على كل شئ وكيل) فيه قولان: PageV04P068 # أحدهما: أنه الحافظ. # والثاني: الشهيد، وقد ذكرناه في (سورة) آل عمران. # * * * أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) فالم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما ~~أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) قوله تعالى: (أم ~~يقولون افتراه) (أم) بمعنى (بل)، و (افتراه) أتى به من قبل نفسه. # (قل فأتوا) أنتم في معارضتي (بعشر سور مثله) في البلاغة (مفتريات) أي ~~بزعمكم ودعواكم (وادعوا من استطعتم من دون الله) إلى المعاونة على المعارضة ~~(إن كنتم صادقين) في قولكم: (افتراه). # (فإن لم يستجيبوا لكم) أي: يجيبوكم إلى المعارضة، فقد مات الحجة عليهم ~~لكم. # فإن قيل: كيف وحد القول في قوله: (قل فأتوا) ثم جمع في قوله: (فإن لم ~~يستجيبوا لكم)؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده في الموضعين، فيكون ~~الخطاب له بقوله: # لكم) تعظيما، لأن خطاب الواحد بلفظ الجميع تعظيم، هذا قول المفسرين. # والثاني: أنه وحد في الأول لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وجمع في ~~الثاني لمخاطبة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) فهي قولان: # أحدهما: أنزله وهو عالم بانزاله، وعالم بأنه حق من عنده. # والثاني: أنزله بما أخبر فيه من الغيب، ودل على ما سيكون وما سلف، ذكرهما ~~الزجاج. # قوله تعالى: (وأن لا إله إلا هو) أي: واعلموا ذلك: (فهل أنتم مسلمون) ~~استفهام بمعنى الأمر. وفيمن خوطب به قولان: # أحدهما: أهل مكة، ومعنى إسلامهم: إخلاصهم لله العبادة، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قاله مجاهد. ~~PageV04P069 # ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعملهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وبطل ما كانوا يعملون (16) قوله تعالى، (من كان يريد الحياة الدنيا ms1006 ~~وزينتها) اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها عامة في جميع الخلق، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنها في أهل القبلة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنها في اليهود والنصارى، قاله أنس. # والرابع: أنها في أهل الرياء، قاله مجاهد. وروى عطاء عن ابن عباس: من كان ~~يريد عاجل الدنيا ولا يؤمن بالبعث والجزاء. وقال غيره: إنما هي في الكافر، ~~لأن المؤمن يريد الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: (نوف إليهم أعمالهم) أي: أجور أعمالهم (فيها) قال سعيد بن ~~جبير: # أعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا. وقال مجاهد: من عمل عملا من صلة، ~~أو صدقة، لا يريد به وجه الله، أعطاه الله ثواب ذلك في الدنيا، ويدرأ به ~~عنه في الدنيا. # قوله تعالى: (وهم فيها) قال ابن عباس: أي في الدنيا. (لا يبخسون) أي: لا ~~ينقصون من أعمالهم في الدنيا شيئا. (أولئك الذين) عملوا لغير الله (ليس لهم ~~في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا) أي: ما عملوا في الدنيا من حسنة (وباطل ~~ما كانوا) لغير الله (سبحانه) (يعلمون). # فصل وذكر قوم من المفسرين، منهم مقاتل، أن هذه الآية اقتضت أن من أراد ~~الدنيا بعمله، أعطي فيها ثواب عمله من الرزق والخير، ثم نسخ ذلك بقوله: ~~(عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد)، وهذا لا يصح، لأنه لا يوفي إلا لمن ~~يريد. # * * * أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتب موسى إماما ~~ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا PageV04P070 # أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين (18) قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه) في ~~المراد أربعة أقوال: # أحدها: أنها الدين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الضحاك. # والثالث: القرآن، قاله ابن ms1007 زيد. # والرابع: البيان، قاله مقاتل. وفي المشار إليه ب‍ (من) قولان: # أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس والجمهور. # والثاني: أنهم المسلمون، وهو يخرج على قول الضحاك. # وفي قوله (تعالى): (ويتلوه) قولان: # أحدهما: يتبعه. # والثاني: يقرؤه. وفي هاء (يتلوه) قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: إلى القرآن، وقد سبق ذكره في قوله: (فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات). # وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال: # أحدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، ~~وإبراهيم في آخرين. # والثاني، أنه لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي كان يتلو القرآن، ~~قاله علي بن أبي طالب، والحسن، وقتادة في آخرين. # والثالث: أنه علي بن أبي طالب. و (يتلوه) بمعنى يتبعه، رواه جماعة عن علي ~~بن أبي طالب، وبه قال محمد بن علي، وزيد بن علي. # والرابع: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شاهد من الله عز وجل قاله ~~الحسين بن علي عليه السلام. # والخامس: أنه ملك يحفظه ويسدده، قاله مجاهد. # والسادس: أنه الإنجيل يتلو القرآن بالتصديق، وإن كان قد أنزل قبله، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بشرت به التوراة، قاله الفراء. # والسابع: أنه القرآن ونظمه وإعجازه، قاله الحسين بن الفضل. PageV04P071 # والثامن: أنه صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخايله، لأن كل ~~عاقل نظر إليه علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي هاء (منه) ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى. # والثاني: إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # والثالث: إلى البينة. # قوله تعالى: (ومن قبله) في هذه الهاء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. # والثاني: إلى القرآن، قاله ابن زيد. # والثالث: إلى الإنجيل، أي: ومن قبل الإنجيل (كتاب موسى) يتبع محمدا ~~بالتصديق له، ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: والمعنى: وكان من قبل هذا ~~كتاب موسى دليلا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون (كتاب موسى) عطفا ~~على قوله ms1008 (تعالى): (ويتلوه شاهد منه) أي: ويتلوه كتاب موسى (عليه السلام) ~~لأن موسى وعيسى (عليهما السلام) بشرا بالنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة ~~والإنجيل. ونصب (إماما) على الحال. # فإن قيل: كيف تتلوه التوراة، وهي قبله؟ # قيل: لما بشرت به، كانت كأنها تاليه له، لأنها تبعته بالتصديق له. # وقال ابن الأنباري: (كتاب موسى) مفعول في المعنى، لأن جبريل تلاه على ~~موسى (عليه السلام)، فارتفع الكتاب، وهو مفعول بمضمر بعده، تأويله: ومن ~~قبله كتاب موسى كذاك، أي: تلاه جبريل أيضا، كما تقول العرب: أكرمت أخاك ~~وأبوك، فيرفعون الأب، وهو مكرم على الاستئناف، بمعنى. وأبوك مكرم أيضا. ~~قال: وذهب قوم إلى أن كتاب موسى فاعل، لأنه تلا محمدا بالتصديق كما تلاه ~~الإنجيل. # فصل فتلخيص الآية: أفمن كان على بينة من ربه كمن لم يكن؟ قال الزجاج: ترك ~~المضاد له، لأن في ما بعده دليلا عليه، وهو قوله: (مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم). وقال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا، ~~جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟ ~~فاكتفى من الجواب بما تقدم، إذ كان فيه دليل عليه. وقال ابن الأنباري: إنما ~~حذف لانكشاف المعنى، والمحذوف المقدر كثير في القرآن والشعر، قال الشاعر: # فأقسم لو شئ أتانا رسوله * سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا PageV04P072 # فإن قلنا: إن المراد بمن كان على بينة ربه، رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم)، فمعنى الآية: ويتبع هذا النبي شاهد، وهو جبريل (عليه السلام) (منه) ~~أي: من الله. وقيل: (شاهد) هو علي بن أبي طالب عليه السلام، (منه) أي: من ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: (يتلوه) يعني القرآن، يتلوه جبريل، وهو ~~شاهد لمحمد صلى الله عليه وسلم أن الذي يتلوه جاء من عند الله تعالى. وقيل. ~~ويتلو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القرآن وهو شاهد من الله تعالى. ~~وقيل: ويتلو لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القرآن، فلسانه شاهد منه. # وقيل: ويتبع محمدا شاهد له بالتصديق، وهو الإنجيل ms1009 من الله تعالى. وقيل: ~~ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه، وهو سمته وهديه الدال على صدقه. وإن قلنا: ~~إن المراد بمن كان على بينة من ربه المسلمون، فالمعنى: أنهم يتبعون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو البينة، ويتبع هذا النبي شاهد له بصدقه. # قوله تعالى: (إماما ورحمة) إنما سماه إماما، لأنه كان يهتدى به، (ورحمة) ~~أي: وذا رحمة، وأراد بذلك التوراة، لأنها كانت إماما وسببا لرحمة من آمن ~~بها. # قوله تعالى: (أولئك) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إشارة إلى أصحاب موسى. # والثاني: إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # والثالث: إلى أهل الحق من أمة موسى وعيسى ومحمد. # وفي هاء (به) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى التوراة. # والثاني: إلى القرآن. # والثالث: إلى محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي المراد بالأحزاب هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: جميع الملل، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة. # والثالث: قريش، قاله السدي. # والرابع: بنو أمية، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل أبي طلحة بن ~~عبد العزي، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (فالنار موعده) أي: إليها مصيره، قال حسان بن ثابت: # أوردتموها حياض الموت ضاحية * فالنار موعدها والموت لاقيها قوله تعالى: ~~(فلا تك في مرية منه) قرأ الحسن، وقتادة (مرية) بضم الميم أين وقع. وفي ~~المكني عنه قولان: PageV04P073 # أحدهما: أنه الإخبار بمصير الكافر به، فالمعنى: فلا تك في شك أن موعد ~~المكذب به النار، وهذا قول ابن عباس. # والثاني: أنه القرآن، فالمعنى: فلا تك في شك من أن القرآن من الله تعالى، ~~قاله مقاتل. # قال ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة. # قوله تعالى: (أولئك يعرضون على ربهم) قال الزجاج: ذكر عرضهم توكيدا ~~لحالهم في الانتقام منهم، وإن كان غيرهم يعرض أيضا. # فأما (الأشهاد) ففيهم خمسة أقوال: # أحدها: أنهم الرسل، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الملائكة، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: الخلائق، روي عن قتادة أيضا. وقال مقاتل: (الأشهاد) الناس، كما ~~يقال: # على رؤوس الأشهاد، أي: على رؤوس الناس. # والرابع: الملائكة ms1010 والنبيون وأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) يشهدون على ~~الناس، والجوارح تشهد على ابن آدم، قاله ابن زيد. # والخامس: الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: وفائدة ~~إخبار الأشهاد بما يعلمه الله تعظيم بالأمر المشهود عليه، ودفع المجاحدة ~~فيه. # * * * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ~~(19) قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله) قد تقدم تفسيرها في (سورة) ~~الأعراف. # قوله تعالى: (وهم بالآخرة هم كافرون) قال الزجاج: ذكرت (هم) ثانية على ~~جهة التوكيد لشأنهم في الكفر. # * * * أوليك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من ~~أولياء يضعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) ~~أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) PageV04P074 # قوله تعالى: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) قال ابن عباس: لم يعجزوني ~~أن آمر الأرض فتخسف بهم. (وما كان لهم من دون الله من أولياء) أي: لا ولي ~~لهم ممن يعبدون يمنعهم مني. وقال ابن الأنباري: لما كانت عادة العرب جارية ~~بقولهم: لا وزر لك مني ولا نفق، يعنون بالوزر: الجبل، والنفق: السرب، ~~وكلاهما يلجأ إليه الخائف، أعلم الله تعالى أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه ~~هربا، ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من الأرض ويلجأ ~~إليه. قال: وقوله: (من أولياء) يقتضي محذوفا، تلخيصه: من أولياء يمنعونهم ~~من عذاب الله، فحذف هذا لشهرته. # قوله تعالى: (يضاعف لهم العذاب) يعني الرؤساء الصادين عن سبيل الله، وذلك ~~لإضلالهم أتباعهم واقتداء غيرهم بهم. وقال الزجاج: (لم يكونوا معجزين في ~~الأرض) أي: في دار الدنيا، ولا لهم ولي يمنع من انتقام الله، ثم استأنف ~~(يضاعف لهم العذاب) لعظم كفرهم بنبيه وبالبعث والنشور. # قوله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع) فيمن عني بهذا قولان. # أحدهما: أنهم الكفار. ثم في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم لم يقدروا على استماع الخير، وإبصار الحق، وفعل الطاعة، لأن ~~الله تعالى حال بينهم وبين ذلك، هذا معنى قول ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أن ms1011 المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا ~~يسمعونه، وبما كانوا يبصرون حجج الله ولا يعتبرون بها، فحذف الباء، كما ~~تقول العرب: لأجزينك ما عملت، وبما عملت، ذكره الفراء، وأنشد ابن الأنباري ~~في الاحتجاج له: # نغالي اللحم للأضياف نيئا * ونبذله إذا نضج القدور أراد: نغالي باللحم. # والثالث: أنهم من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا ~~يستطيعون ليفهموا ما يقول، قاله الزجاج. # والقول الثاني: أنهم الأصنام، فالمعنى ما كان للآلهة سمع ولا بصر، فلم ~~تستطع لذلك السمع، ولم تكن تبصر. فعلى هذا، يرجع قوله: (ما كانوا) إلى ~~أوليائهم، وهي الأصنام، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس أيضا. # * * * PageV04P075 # لاجرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين ~~كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) قوله ~~تعالى: (لا جرم) قال ابن عباس: يريد: حقا إنهم الأخسرون. وقال الفراء: (لا ~~جرم) كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك، وكثر ~~استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة (حقا)، ألا ترى أن العرب تقول: لا جرم ~~لآتينك، لا جرم لقد أحسنت، وأصلها من جرمت، أي: كسبت الذنب. قال الزجاج: ~~ومعنى (لا جرم): (لا) نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك ~~جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، أي: كسب لهم ذلك الفعل الخسران. وذكر ابن ~~الأنباري أن (لا) على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع الشر عنهم في الآخرة، ~~والمعنى: لا يندفع عنهم عذابي، ولا يجدون وليا يصرف عنهم نقمتي، ثم ابتدأ ~~مستأنفا (جرم)، قال: وفيها قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: كسب كفرهم وما قدروا من الباطل وقوع العذاب بهم. ف‍ ~~(جرم) فعل ماض، معناه: كسب، وفاعله مضمر فيه من ذكر الكفر وتقرير الباطل. # والثاني: أن معنى جرم: أحق وصحح، وهو فعل ماض، وفاعله مضمر فيه، والمعنى: # أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم، قال الشاعر: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة ms1012 بعدها أن يغضبوا أراد: حقت الطعنة ~~فزارة بالغضب. ومن العرب من يغير لفظ (جرم) مع (لا) خاصة، فيقول بعضهم: (لا ~~جرم) ويقول آخرون: (لاجر) باسقاط الميم، ويقال: (لاذا جرم) و (لاذا جر) ~~بغير ميم، و (لا إن ذا جرم) و (لا عن ذا جرم)، ومعنى اللغات كلها: حقا. # قوله تعالى: (وأخبتوا إلى ربهم) فيه سبعة أقوال: # أحدها: خافوا ربهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنابوا إلى ربهم، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: ثابوا إلى ربهم، قاله قتادة. # والرابع: اطمأنوا، قاله مجاهد. # والخامس: أخلصوا، قاله مقاتل. # والسادس: تخشعوا لربهم، قاله الفراء. PageV04P076 # والسابع: تواضعوا لربهم، قاله ابن قتيبة. # فإن قيل: لم أوثرت (إلى) على اللام في قوله: (وأخبتوا إلى ربهم) والعادة ~~جارية بأن يقال: أخبتوا لربهم؟ # فالجواب: أن المعنى: وجهوا خوفهم وخشوعهم وإخلاصهم إلى ربهم، واطمأنوا ~~إلى ربهم. قال الفراء: وربما جعلت العرب (إلى) في موضع اللام، كقوله ~~(تعالى): (بأن ربك أوحى لها)، وقوله (تعالى): (الذي هدانا لهذا). وقد يجوز ~~في العربية: فلان يخبت إلى الله، يريد: يفعل ذلك موجهه إلى الله. قال بعض ~~المفسرين: هذه الآية نازلة في أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)، وما قبلها ~~نازل في المشركين. ثم ضرب للفريقين مثلا، فقال (تعالى): (مثل الفريقين ~~كالأعمى والأصم) قال مجاهد: الفريقان: المؤمن والكافر. فأما الأعمى والأصم ~~فهو الكافر، وأما البصير والسميع فهو المؤمن. قال قتادة: الكافر عمي عن ~~الحق وصم عنه، والمؤمن أبصر الحق وسمعه ثم انتفع به. وقال أبو عبيدة: في ~~الكلام ضمير، تقديره: مثل الفريقين كمثل الأعمى. وقال الزجاج: مثل الفريقين ~~المسلمين كالبصير والسميع، ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم، لأنهم في ~~عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر. # قوله تعالى: (هل يستويان مثلا) أي: هل يستويان في المشابهة؟ # والمعنى: كما لا يستويان عندكم، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله ~~(عز وجل) وقال أبو عبيدة: (هل) هاهنا بمعنى الإيجاب، لا بمعنى الاستفهام، ~~والمعنى: لا يستويان. # قال الفراء: وإنما لم يقل: (يستوون) لأن ms1013 الأعمى والأصم من صفة واحد، ~~والسميع والبصير من صفة واحد، كقول القائل: مررت بالعاقل واللبيب، وهو يعني ~~واحدا، قال الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني فقال: أيهما. وإنما ذكر ~~الخير وحده، لأن المعنى يعرف، إذا لمبتغي للخير متق للشر. # وقال ابن الأنباري: الأعمى والأصم صفتان لكافر، والسميع والبصير صفتان ~~لمؤمن، فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة، كما تقول: العاقل ~~والعالم، والظالم والجاهل، حضرا مجلسي، فتثني الخبر بعد ذكرك أربعة، لأن ~~الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل، وكذلك المنعوت بالجهل هو المنعوت ~~بالظلم، فلما كان المنعوتان اثنين، رجع الخبر إليهما، ولم يلتفت إلى تفريق ~~الأوصاف، ألا ترى أنه يسوغ أن تقول: الأديب واللبيب والكريم والجميل قصدني، ~~فتوحد الفعل بعد أوصاف لعلة أن الموصوف بهن واحد، ولا يمتنع عطف النعوت على ~~PageV04P077 # النعوت بحروف العطف، والموصوف واحد، فقد قال تعالى: (التائبون العابدون) ~~ثم قال: # (الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر) فلم يقتض دخول الواو وقوع خلاف ~~بين الآمرين والناهين، وقد قيل: الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره، ~~وكان دخول الواو دلالة على الآمر بالمعروف، لأن الأمر بالمعروف لا ينفرد ~~دون النهي عن المنكر، كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون ~~بالسياحة دون الحامدين، ويدل أيضا على أن العرب تنسق النعت على النعت ~~والمنعوت واحد، كقول الشاعر يخاطب سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان: # يظن سعيد وابن عمرو بأنني * إذا سامني ذلا أكون به أرضى فنسق ابن عمرو ~~على سعيد، وهو سعيد. # * * * ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا ~~إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كذبين (27) قال يا قوم أرءيتم إن ~~كنت على بينة من ربي واتني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها ~~كارهون (28) ويقوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا ms1014 على الله وما أنا بطارد ~~الذين آمنوا إنهم ملقوا ربهم ولكني أريكم قوما تجهلون (29) قوله تعالى: ~~(ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي (أني) ~~بفتح الألف، والتقدير: أرسلناه بأني، وكأن الوجه بأنه لهم نذير، ولكنه على ~~الرجوع من الإخبار عن الغائب إلى خطاب نوح لقومه. وقرأ نافع، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة (إني) بكسر الألف، فحملوه على القول المضمر، والتقدير: فقال ~~لهم: إني لكم نذير. # قوله تعالى: (ما نراك إلا بشرا مثلنا) أي: إنسانا مثلنا، لا فضل لك ~~علينا. فأما الأراذل، فقال ابن عباس: هم السفلة. وقال ابن قتيبة: هم جمع ~~(أرذل)، يقال: رجل رذل، وقد رذل رذالة ورذولة. ومعنى الأراذل: الشرار. # قوله تعالى: (بادي الرأي) قرأ الأكثرون (بادي) بغير همز. وقرأ أبو عمرو ~~بالهمز بعد الدال. وكلهم همز (الرأي) غير أبي عمرو. وللعلماء في معنى ~~(بادي) إذا لم يهمز ثلاثة أقوال: PageV04P078 # أحدها: أن المعنى: ما نرى أتباعك إلى سفلتنا وأرذالنا في بادي الرأي لكل ~~ناظر، يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا، هذا مذهب ~~مقاتل في آخرين. # والثاني: أن المعنى: أن هؤلاء القوم اتبعوك في ظاهر ما يرى منهم، وطويتهم ~~على خلافك. # والثالث: أن المعنى: اتبعوك في ظاهر رأيهم، ولم يتدبروا ما قلت، ولو ~~رجعوا إلى التفكر لم يتبعوك، ذكر هذين القولين الزجاج. قال ابن الأنباري: ~~وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز، لأنه من بدا، يبدو: إذا ظهر. ~~فأما من همز (بادئ) فمعناه: ابتداء الرأي، أي: اتبعوك أول ما ابتدؤوا ~~ينظرون، ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك. # قوله تعالى: (وما نرى لكم علينا من فضل) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من فضل في الخلق، قاله ابن عباس. # والثاني: في الملك والمال ونحو ذلك، قاله مقاتل. # والثالث: ما فضلتم باتباعكم نوحا، ومخالفتكم لنا بفضيلة نتبعكم طلبا لها، ~~ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (بل نظنكم كاذبين) فيه قولان: # أحدهما: نتيقنكم، قاله الكلبي. # والثاني: نحسبكم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: ms1015 (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) أي: على يقين وبصيرة. قال ~~ابن الأنباري: وقوله: (إن كنت) شرط لا يوجب شكا يلحقه، لكن الشك يلحق ~~المخاطبين من أهل الزيغ، فتقديره: إن كنت على بينة من ربي عندكم. (وآتاني ~~رحمة من عنده) فيها قولان: # أحدهما: أنها النبوة، قاله ابن عباس. # والثاني: الهداية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (فعميت عليكم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: (فعميت) بتخفيف الميم وفتح العين. قال ابن قتيبة: ~~والمعنى: عميتم عنها، يقال: عمي علي هذا الأمر: إذا لم أفهمه، وعميت عنه ~~بمعنى. قال الفراء: وهذا مما حولت العرب الفعل إليه، وهو في الأصل لغيره، ~~كقولهم: دخل الخاتم في يدي، والخف في رجلي، وإنما الإصبع تدخل في الخاتم، ~~والرجل في الخف، واستجازوا ذلك إذ كان المعنى معروفا. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم: (فعميت) بضم العين وتشديد الميم. قال ابن الأنباري: ومعنى ~~ذلك: فعماها الله عليكم إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء. وكذلك قرأ أبي بن ~~كعب، والأعمش: (فعماها عليكم). PageV04P079 # وفي المشار إليها قولان: # أحدهما: البينة. # والثاني: الرحمة. # قوله تعالى: (أنلزمكموها) أي: أنلزمكم قبولها؟ وهذا استفهام معناه ~~الإنكار، يقول: لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا. قال قتادة: والله لو ~~استطاع نبي الله (صلى الله عليه وسلم) لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك. ~~وقيل: كان مراد نوح عليه السلام رد قولهم: (وما نرى لكم علينا من فضل) فبين ~~فضله وفضل من آمن به بأنه على بينة من ربه، وقد آتاه رحمة من عنده، وسلب ~~المكذبون ذلك. # قوله تعالى: (لا أسألكم عليه) أي: على نصحي ودعائي إياكم (مالا) لا ~~فتتهموني. # وقال ابن الأنباري: لما كانت الرحمة بمعنى الهدى والإيمان، جاز تذكيرها. # قوله تعالى: (وما أنا بطارد الذين آمنوا) قال ابن جريج: سألوه طردهم أنفة ~~منهم، فقال: # لا يجوز لي طردهم، إذ كانوا يلقون الله فيجزيهم بإيمانهم، ويأخذ لهم ممن ~~ظلمهم وصغر شؤونهم. # وفي قوله (تعالى): (ولكني أراكم قوما تجهلون) قولان: # أحدهما: تجهلون أن ms1016 هذا الأمر من الله تعالى، قاله ابن عباس. # والثاني: تجهلون لأمركم إياي بطرد المؤمنين، قاله أبو سليمان. # * * * ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم ~~عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين ~~(31) قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ~~ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ~~ترجعون (34) قوله تعالى: (ويا قوم من ينصرني) اي: من يمنعني من عذاب الله ~~إن طردتهم. PageV04P080 # قوله تعالى: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) قال ابن الأنباري: أراد ~~بالخزائن: علم الغيب المطوي عن الخلق، لأنهم قالوا له: إنما اتبعك هؤلاء في ~~الظاهر وليسوا معك، فقال لهم: ليس عندي خزائن غيوب الله فأعلم ما تنطوي ~~عليه الضمائر. وإنما قيل للغيوب: خزائن، لغموضها عن الناس واستتارها عنهم. ~~قال سفيان بن عيينة: إنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلت خزانة فاجتهد أن لا ~~تخرج منها حتى تعرف ما فيها. # قوله تعالى: (ولا أعلم الغيب) قيل: إنما قال لهم هذا، لأن أرضهم أجدبت، ~~فسألوه: # متى يجئ المطر؟ وقل: بل سألوه: متى يجئ العذاب؟ فقال: ولا أعلم الغيب، ~~وقوله (عز وجل): (ولا أقول إني ملك) جواب لقولهم: (ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا). (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) أي: تحتقر وتستصغر المؤمنين. قال ~~الزجاج: (تزدري) تستقل وتستخس، يقال: زريت على الرجل: إذا عبت عليه وخسست ~~فعله، وأزريت به: إذا قصرت به. وأصل تزدري: تزتري، إلا أن هذه التاء تبدل ~~بعد الزاي دالا، لأن التاء من حروف الهمس، وحروف الهمس خفية، فالتاء بعد ~~الزاي تخفى، فأبدلت منها الدال لجهرها. # قوله تعالى: (لن يؤتيهم الله خيرا) قال ابن عباس: إيمانا. ومعنى الكلام: ~~ليس لي أن أطلع على ما في نفوسهم فأقطع عليهم بشئ، ms1017 وليس لاحتقاركم إياهم ~~يبطل أجرهم. (إني إذا لمن الظالمين) إن قلت هذا الذي تقدم ذكره، وقيل: إن ~~طردتهم. # قوله تعالى: (قد جادلتنا) قال الزجاج: الجدال: هو المبالغة في الخصومة ~~والمناظرة، وهو مأخوذ من الجدل، وهو شدة الفتل، ويقال للصقر: أجدل، لأنه من ~~أشد الطير. ويقرأ (فأكثرت عن جدالنا). # قوله تعالى: (فائتنا بما تعدنا) قال ابن عباس: يعنون العذاب. (إن كنت من ~~الصادقين) أنه يأتينا. # قوله تعالى: (إن أردت أن أنصح لكم) أي: أنصحكم. وفي هذه الآية شرطان: ~~فجواب الأول: النصح، وجواب الثاني: النفع. # قوله تعالى: (إن كان الله يريد أن يغويكم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يضلكم، قاله ابن عباس. # والثاني: يهلككم، حكاه ابن الأنباري. وقال: هو قول مرغوب عنه. # الثالث: يضلكم ويهلككم، قاله الزجاج. PageV04P081 # قوله تعالى: (هو ربكم) أي: هو أولى بكم، يتصرف في ملكه كما يشاء (وإليه ~~ترجعون) بعد الموت. # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون (35) ~~قوله تعالى: (أم يقولون) قال الزجاج: المعنى: أيقولون: (افتراه)؟ قال ابن ~~قتيبة؟ # الافتراء: الاختلاق. (فعلي هذه إجرامي) أي: جرم ذلك الاختلاق إن كنت ~~فعلت. (وأنا برئ مما تجرمون) في التكذيب. وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: ~~(فعلي أجرامي) بفتح الهمزة. # * * * وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون (36) قوله تعالى: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن) قال المفسرون: لما أوحي إليه هذا، استجاز الدعاء عليهم، فقال (لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا). # قوله تعالى: (فلا تبتئس) قال ابن عباس، ومجاهد: لا تحزن. وقال الفراء، ~~والزجاج: # لا تستكن ولا تحزن. قال أبو صالح عن ابن عباس: فلا تحزن إذا نزل بهم ~~الغرق (بما كانوا يفعلون). # * * * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ~~(37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا ~~فانا نسخر منكم كما تسخرون (38) قوله تعالى: (واصنع الفلك) أي: واعمل ~~السفينة. # وفى ms1018 قوله: (بأعيننا) ثلاثة أقوال: # أحدها: بمرأى منا، قاله ابن عباس. # والثاني: بحفظنا، قاله الربيع. # والثالث: بعلمنا، قاله مقاتل. قال ابن الأنباري: إنما جمع على مذهب العرب ~~في إيقاعها الجمع على الواحد، تقول: خرجنا إلى البصرة في السفن، وإنما جمع، ~~لأن من عادة الملك أن يقول: أمرنا ونهينا. PageV04P082 # وفى قوله: (ووحينا) قولان: # أحدهما: وأمرنا لك أن تصنعها. # والثاني: وبتعليمنا إياك كيف تصنعها. # قوله تعالى: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) فيه قولان: # أحدهما: لا تسألني الصفح عنهم. # والثاني: لا تخاطبني قبل في إمهالهم. وإنما نهي عن الخطاب في ذلك صيانة ~~له عن سؤال لا يجاب فيه. # الإشارة إلى كيفية عمل السفينة روى الضحاك عن ابن عباس قال: كان نوح يضرب ~~ثم يلف في لبد فيلقى في بيته، يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم. حتى إذا ~~يئس من إيمان قومه، جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا بني، ~~انظر هذا الشيخ لا يغررك، قال: يا أبت أمكني من العصا، فأخذها فضربه ضربة ~~شجة موضحة، وسالت الدماء على وجهه، فقال: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك، فان ~~يكن لك فيهم حاجة فاهدهم، وإلا فصبرني إلى أن تحكم، فأوحى الله إليه (أنه ~~لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) إلى قوله (تعالى): (واصنع الفلك)، قال: يا ~~رب، وما الفلك؟ قال، بيت من خشب يجري على وجه الماء أنجي فيه أهل طاعتي، ~~وأغرق أهل معصيتي، قال: يا رب، وأين الماء؟ قال: إني على ما أشاء قدير، ~~قال: يا رب، وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر، فغرس الساج عشرين سنة، وكف عن ~~دعائهم، وكفوا عنه، إلا أنهم يستهزؤون به، فلما أدرك الشجر، أمره ربه، ~~فقطعه وجففه ولفقه، فقال: يا رب، كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاث ~~صور، رأسه كرأس الطاووس، وجؤجؤه كجؤجؤ الطائر، وذنبه كذنب الديك، واجعلها ~~مطبقة، وبعث الله إليه جبريل يعلمه وأوحى الله إليه أن عجل عمل السفينة فقد ~~اشتد غضبي على من عصاني، فاستأجر نجارين يعملون معه، ms1019 وسام، وحام، ويافث، ~~معه ينحتون السفينة، فجعل طولها ستمائة ذراع، وعرضها ثلاثمائة وثلاثين ~~ذراعا، وعلوها ثلاثا وثلاثين، وفجر الله له عين القار تغلي غليانا حتى ~~طلاها. وعن ابن عباس قال: جعل لها ثلاث بطون، فحمل في البطن الأول الوحوش ~~والسباع والهوام، وفي الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه البطن ~~الأعلى. وروي عن الحسن أنه قال: كانت سفينة نوح طولها ألف ذراع، ومائتا ~~ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وقال قتادة: كانت فيما ذكر لنا طولها ثلاثمائة ~~ذراع، وعرضها خمسمائة ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا. وقال ابن جريج: ~~كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ومائة ذراع، وطولها في السماء ~~ثلاثون ذراع، وكان في PageV04P083 # أعلاها الطير، وفي وسطها الناس، وفي أسفلها السباع. وزعم مقاتل أنه عمل ~~السفينة في أربعمائة سنة. # قوله تعالى: (وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه) فيه قولان: # أحدهما: أنهم رأوه يبني السفينة وما رأوا سفينة قط، فكانوا يسخرون ~~ويقولون: صرت بعد النبوة نجارا؟ وهذا قول ابن إسحاق. # والثاني: أنهم قالوا له: ما تصنع؟ فقال: أبني بيتا يمشي على الماء، ~~فسخروا من قوله، وهذا قول مقاتل. # وفي قوله: (إن تسخروا منا فانا نسخر منكم) خمسة أقوال: # أحدها: إن تسخروا من قولنا فانا نسخر من غفلتكم. # والثاني: إن تسخروا من فعلنا عند بناء السفينة، فانا نسخر منكم عند ~~الغرق، ذكره المفسرون. # والثالث: إن تسخروا منا في الدنيا، فانا نسخر منكم في الآخرة، قاله ابن ~~جرير والرابع: إن تستجهلونا، فانا نستجهلكم، قاله الزجاج. # والخامس: إن تسخروا منا، فانا نستنصر الله عليكم، فسمى هذا سخرية، ليتفق ~~اللفظان كما بينا في قوله (تعالى): (الله يستهزئ بهم) هذا قول ابن ~~الأنباري. قال ابن عباس: لم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر، فلذلك ~~سخروا منه، وإنما مياه البحار بقية الطوفان. # * * * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) قوله ~~تعالى: (فسوف تعلمون) هذا وعيد، ومعناه: فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية، ~~ومن هو أحمد عاقبه. # قوله تعالى: (من يأتيه عذاب ms1020 يخزيه) أي: يذله، وهو الغرق. (ويحل عليه) أي: # ويجب عليه (عذاب مقيم) في الآخرة. # * * * حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ~~وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) ~~PageV04P084 # قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا) فيه قولان: # أحدهما: جاء أمرنا بعذابهم وإهلاكهم. # والثاني: جاء عذابنا وهو الماء، ابتدأ بجنبات الأرض فدار حولها كالإكليل، ~~وجعل المطر ينزل من السماء كأفواه القرب، فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض ~~هربا من الماء حتى اجتمعن عند السفينة، فحينئذ حمل فيها من كل زوجين اثنين. # قوله تعالى: (وفار التنور) الفور: الغليان: والفوارة: ما يفور من القدر، ~~قاله ابن فارس. # قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال: التنور: ~~اسم فارسي معرب لا تعرف له العرب اسما غير هذا، فلذلك جاء في التنزيل، ~~لأنهم خوطبوا بما عرفوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: التنور، بكل لسان عربي ~~وعجمي. # وفي المراد بهذا التنور ستة أقوال: # أحدها: أنه اسم لوجه الأرض، رواه عكرمة عن علي عليه السلام. وروى الضحاك ~~عن ابن عباس: التنور: وجه الأرض، قال: قيل له: إذا رأيت الماء قد علا وجهه ~~الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة، والزهري. # والثاني: أنه تنوير الصبح، رواه أبو جحيفة عن علي رضي الله عنه. وقال ابن ~~قتيبة: التنوير عند الصلاة. # والثالث: أنه طلوع الفجر، روي عن علي أيضا، قال: (وفار التنور): طلع ~~الفجر. # والرابع: أنه طلوع الشمس، و هو منقول عن علي أيضا. # والخامس: أنه تنور أهله، روى العوفي عن ابن عباس قال: إذا رأيت تنور أهلك ~~يخرج منه الماء، فإنه هلاك قومك. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أنه تنور آدم ~~عليه السلام، وهبه الله لنوح، وقيل له: إذا فار الماء منه، فاحمل ما أمرت ~~به. وقال الحسن: كان تنورا من حجارة، وهذا قول مجاهد، والفراء، ومقاتل. # والسادس: أنه أعلى الأرض وأشرفها. PageV04P085 # قال ابن الأنباري: شبهت أعالي الأرض وأماكنها المرتفعة لعلوها، ~~بالتنانير. # واختلفوا ms1021 في المكان الذي فار منه التنور على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه فار من مسجد الكوفة، رواه حبة العرني عن علي عليه السلام. ~~وقال زر بن حبيش: فار التنور من زاوية مسجد الكوفة اليمنى. وقال مجاهد: نبع ~~الماء من التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك بناحية الكوفة. وكان ~~الشعبي يحلف بالله ما كان التنور إلا بناحية الكوفة. # والثاني: أنه فار بالهند، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أنه كان في أقصى دار نوح، وكانت بالشام في مكان يقال له: عين ~~وردة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (قلنا احمل فيها) أي: في السفينة (من كل زوجين اثنين). وروى ~~حفص عن عاصم: (من كل) بالتنوين. قال أبو علي: والمعنى: من كل شئ، ومن كل ~~زوج زوجين، فحذف المضاف. وانتصاب (اثنين) على أنهما صفة لزوجين، وقد علم أن ~~الزوجين اثنان، ولكنه توكيد. قال مجاهد: من كل صنف. ذكرا وأنثى. وقال ابن ~~قتيبة: الزوج يكون واحدا، ويكون اثنين، وهو هاهنا واحد، ومعنى الآية: احمل ~~من كل ذكر وأنثى اثنين. وقال الزجاج: المعنى: احمل زوجين اثنين من كل شئ، ~~والزوج في كلام العرب يجوز أن يكون معه واحد، والاثنان يقال لهما: زوجان، ~~يقال: عندي زوجان من الطير، إنما يريد ذكر أو أنثى فقط. # وقال ابن الأنباري: إنما قال (اثنين) فثنى الزوج، لأنه قصد قصد الذكر ~~والأنثى من الحيوان، وتقديره: من كل ذكر وأنثى. # قوله تعالى: (وأهلك) أي: وأحمل أهلك. قال المفسرون: أراد بأهله: عياله ~~وولده. # (إلا من سبق عليه القول) أي: سبق عليه القول من الله بالإهلاك. قال ~~الضحاك: وهم امرأته وابنه كنعان. # قوله تعالى: (ومن آمن) معناه: واحمل من آمن. (وما آمن معه إلا قليل) وفي ~~عددهم ثمانية أقوال: # أحدها: أنهم كانوا ثمانين رجلا معهم أهلوهم، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أن نوحا حمل معه ثمانين إنسانا، وبنيه الثلاثة، وثلاث نسوة ~~لبنيه، وامرأة نوح. # رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. # والثالث: كانوا ثمانين إنسانا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل ~~كانوا ms1022 وأربعين رجلا PageV04P086 # وأربعين امرأة. # والرابع: كانوا أربعين، ذكره ابن جريج عن ابن عباس. # والخامس: كانوا ثلاثين رجلا، رواه أبو نهيك عن ابن عباس. # والسادس: كانوا ثمانية، قال الحكم بن عتيبة: كان نوح وثلاثة بنيه وأربع ~~كنائنه. قال قتادة: ذكر لنا أنه لم ينج في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة ~~بنين له، ونساؤهم، فجماعتهم ثمانية، وهذا قول القرظي، وابن جريج. # والسابع: كانوا سبعة، نوح، وثلاث كنائن له وثلاثة بنين، قاله الأعمش. # والثامن: كانوا عشرة سوى نسائهم، قاله ابن إسحاق. وروي عنه أنه قال: ~~الذين نجوا مع نوح بنوه الثلاثة، ونساؤهم ثلاث، وستة ممن آمن به. # * * * * وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ~~(41) قوله تعالى: (وقال) يعني نوحا للذين أمر بحملهم (اركبوا) السفينة. قال ~~ابن عباس: # ركبوا فيها لعشر مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء. وقال ابن جريج: ~~دفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر مضين من رجب، فأتت موضع البيت فطافت به ~~أسبوعا، وكان البيت قد رفع في ذلك الوقت، ورست بباقردى على الجودي يوم ~~عاشوراء. وقال ابن عباس: قرض الفأر حبال السفينة، فشكا نوح ذلك، فأوحى الله ~~تعالى إليه، فمسح ذنب الأسد، فخرج سنوران، وكان في السفينة عذرة، فشكا ذلك ~~إلى ربه، فأوحى الله تعالى إليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج خنزيران فأكلا ذلك. # قوله تعالى: (بسم الله مجراها ومرساها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (مجراها) بضم الميم. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم: # (مجراها) بفتح الميم، وكسر الراء. وكلهم قرؤوا بضم الميم من (مرساها)، ~~إلا أن ابن كثير، وأبا عمرو، وابن عامر، وحفصا عن عاصم، كانوا يفتحون ~~السين. ونافع، وأبو بكر عن عاصم، كانا يقرآنها بين الكسر والتفخيم. وكان ~~حمزة، والكسائي، وخلف، يميلونها. وليس في هؤلاء أحد جعلها نعتا لله، وإنما ~~جعل الوصفين نعتا لله تعالى، الحسن، وقتادة، وحميد الأعرج، PageV04P087 # وإسماعيل بن مجالد عن عاصم، فقرؤوا (مجريها ومرسيها) بضم الميم، وبباءين ~~صحيحتين، مثل مبديها ومنشيها. وقرأ ابن مسعود: ms1023 (مجراها) بفتح الميم، وإمالة ~~الراء بعدها ألف، (ومرساها) برفع الميم، وإمالة السين بعدها ألف. وقرأ أبو ~~رزين، وأبو المتوكل: (مجراها) بفتح الميم والراء، وبألف بعدها، ومرساها، ~~برفع الميم وفتح السين، وبألف بعدها. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر: (مجراها ~~ومرساها) بفتح الميم فيهما جميعا، وفتح الراء والسين، وبألف بعدهما. وقرأ ~~يحيى بن وثاب بفتح الميمين، إلا أنه أمال الراء والسين فيهما. وقرأ أبو ~~عمران الجوني، وابن جبير، برفع الميم فيهما، وفتح الراء والسين، وبألف ~~بعدهما جميعا. فمن قرأ بضم الميمين، جعله من أجرى وأرسى. ومن فتحهما، جعله ~~مصدرا من جرى الشئ يجري مجرى، ورسى يرسي مرسى. قال الزجاج: قوله (تعالى): ~~(بسم الله) أي: بالله، والمعنى: أنه أمرهم أن يسموا في وقت جريها ووقت ~~استقرارها. # ومن قرأ بضم الميمين، فالمعنى: بالله إجراؤها، وبالله إرساؤها. ومن ~~فتحهما فالمعنى: # بالله يكون جريها، وبالله يقع إرساؤها، أي: إقرارها. وسمعت شيخنا أبا ~~منصور اللغوي يقول: # من ضم الميم في (مجراها) أراد: أجراها الله مجرى، ومن فتحها، أراد: جرت ~~مجرى. وقال الضحاك: كان إذا أراد أن تجري، قال: بسم الله، فجرت. وإذا أراد ~~أن ترسى، قال: بسم الله، فرست. # * * * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يبني ~~اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال ~~لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ~~(43) قوله تعالى: (وهي تجري بهم في موج كالجبال) شبهه في بالجبال في عظمه ~~وارتفاعه، ويقال: إن الماء أرتفع على أطول جبل في الأرض أربعين ذراعا، ~~ويروي خمس عشرة ذراعا. # وذكر بعض المفسرين أنه ارتفع نحو السماء سبعين فرسخا من الأرض. # قوله تعالى: (ونادى نوح ابنه) لا يختلفون أنه كان كافرا. وفي اسمه قولان: # أحدهما: كنعان، وهو قول الأكثرين. # والثاني: اسمه يام، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عبيد بن عمير، ~~وابن إسحاق. # قوله تعالى: (وكان في معزل) المعزل: المكان المنقطع. ومعنى العزل: ~~التنحية. PageV04P088 # وفي ms1024 معنى الكلام وجهان ذكرهما الزجاج: # أحدهما: في معزل من السفينة. # والثاني: في معزل من دين أبيه. # قوله تعالى: (يا بني اركب معنا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي (يا بني اركب) مضافة، بكسر الياء. وروى أبو بكر ~~عن عاصم (يا بني) مفتوحة الياء هاهنا، وباقي القرآن مكسورة. وروى حفص عنه ~~بالفتح في كل القرآن (يا بني) إذا كان واحدا. قال النحويون: الأصل في (بني) ~~ثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء بعدها هي لام الفعل، وياء بعد لام الفعل هي ~~ياء الإضافة. فمن قرأ (يا بني) أراد: يا بنيي، فحذف ياء الإضافة، وترك ~~الكسرة تدل عليها، كما يقال: يا غلام أقبل. ومن فتح الياء أبدل من كسرة لام ~~الفعل فتحة، استثقالا لاجتماع الياءات مع الكسرة، فانقلبت ياء الإضافة ~~ألفا، ثم حذفت الألف كما تحذف الياء، فبقيت الفتحة على حالها. وقيل: إن ~~المعنى: يا بني آمن واركب معنا. # قوله تعالى: (سآوي) أي: سأصير وأرجع (إلى جبل يعصمني) أي: يمنعني (من ~~الماء) أي: من تغريق الماء. # (قال لا عاصم اليوم) فيه قولان: # أحدهما: لا مانع اليوم من أمر الله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لا معصوم، ومثله ماء دافق، أي: مدفوق، وسر كاتم، وليل نائم، ~~قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (إلا من رحم) قال الزجاج: هذا استثناء ليس من الأول، ~~والمعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم. قال مقاتل: إلا من رحم فركب السفينة. # قوله تعالى: (وحال بينهما الموج) في المكني عنهما قولان: # أحدهما: أنهما ابن نوح والجبل الذي زعم أنه يعصمه، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: نوح وابنه، قاله مقاتل. # * * * وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر ~~واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ~~ابني من أهلي PageV04P089 # وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين (45) قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل ~~غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم ms1025 إني أعظك أن تكون من الجهلين (46) قال ~~رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين (47) قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) وقف قوم على ظاهر ~~الآية، وقالوا إنما ابتلعت ما نبع منها، ولم تبتلع ماء السماء، فصار ذلك ~~بحارا وأنهارا، وهو معنى قول ابن عباس. وذهب آخرون إلى أن المراد: ابلعي ~~ماءك الذي عليك، وهو ما نبع من الأرض ونزل من السماء، وذلك بعد أن غرق ما ~~على وجه الأرض. # قوله تعالى: (ويا سماء أقلعي) أي: أمسكي عن إنزال الماء. قال ابن ~~الأنباري: لما تقدم ذكر الماء، علم أن المعنى: أقلعي عن إنزال الماء. # قوله تعالى: (وغيض الماء) أي: نقص. قال الزجاج: يقال: غاض الماء يغيض: ~~إذا غاب في الأرض. ويجوز إشمام الضم في الغين. # قوله تعالى: (وقضي الأمر) قال ابن عباس: غرق من غرق، ونجا من نجا. وقال ~~مجاهد: (قضي الأمر): هلاك قوم نوح. وقال ابن قتيبة: (وقضي الأمر) أي: فرغ ~~منه. قال ابن الأنباري: والمعنى: أحكمت هلكة قوم نوح، فلما دلت القصة على ~~ما يبين هلكتهم، أغنى عن PageV04P090 # أحدهما: أنه لم يغرق، لأن الجبال تشامخت يومئذ وتطاولت، وتواضع هو فلم ~~يغرق، فأرست عليه، قاله مجاهد. # والثاني: أنه لما قل الماء أرست عليه، فكان استواؤها عليه دلالة على قلة ~~الماء. # قوله تعالى: (وقيل بعدا للقوم الظالمين) قال ابن عباس: بعدا من رحمة الله ~~للقوم الكافرين. # فإن قيل: ما ذنب من أغرق من البهائم والأطفال؟ # فالجواب: أن آجالهم حضرت، فأميتوا بالغرق، قاله الضحاك، وابن جريج. # قوله تعالى: (رب إن ابني من أهلي) إنما قال نوح هذا، لأن الله تعالى وعده ~~نجاة أهله، فقال [تعالى]: (وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) قال ابن ~~عباس: أعدل العادلين. # وقال ابن زيد: فأنت أحكم الحاكمين بالحق. # واختلفوا في هذا الذي سأل فيه نوح على قولين: # أحدهما: أنه ابن نوح لصلبه، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك، والجمهور. # والثاني: أنه ولد ms1026 على فراشه من لغير رشدة ولم يكن ابنه. روى ابن الأنباري ~~بإسناده عن الحسن أنه قال: لم يكن ابنه، إن امرأته فجرت. وعن الشعبي قال: ~~لم يكن ابنه، إن امرأته خانته، وعن مجاهد نحو ذلك. وقال ابن جريج: ناداه ~~نوح وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد على فراشه. فعلى القول الأول، يكون في ~~معنى قوله [تعالى]: (إنه ليس من أهلك) قولان: # أحدهما: ليس من أهل دينك. # والثاني: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. قال ابن عباس: ما بغت امرأة ~~نبي قط، وإنما المعنى: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. وعلى القول الآخر: ~~الكلام على ظاهره، والأول أصح، لموافقته ظاهر القرآن، ولاجتماع الأكثرين ~~عليه، وهو أولى من رمي زوجة نبي بفاحشة. # قوله تعالى: (إنه عمل غير صالح) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، PageV04P091 # وحمزة: " إنه عمل " رفع منون " غير صالح " برفع الراء، وفيه قولان: # أحدهما: أنه يرجع إلى السؤال فيه، فالمعنى: سؤالك إياي فيه عمل غير صالح، ~~قاله ابن عباس، وقتادة، وهذا ظاهر، لأنه قد تقدم السؤال فيه في قوله [عز ~~وجل]: " رب إن ابني من أهلي "، فرجعت الكناية إليه. # والثاني: أنه يرجع إلى المسؤول فيه. # وفي هذا المعنى قولان: # أحدهما: أنه لغير رشدة، قاله الحسن. # والثاني: أن المعنى: إنه ذو عمل غير صالح، قاله الزجاج. قال ابن ~~الأنباري: من قال: هو لغير رشدة، قال: المعنى: إن أصل ابنك الذي تظن أنه ~~ابنك عمل غير صالح. ومن قال: إنه ذو عمل غير صالح، قال: حذف المضاف، وأقام ~~العمل مقامه، كما تقول العرب: عبد الله إقبال وأدبار، أي: صاحب إقبال ~~وإدبار. وقرأ الكسائي: " عمل " بكسر الميم وفتح اللام " غير صالح " بفتح ~~الراء، يشير إلى أنه مشرك. # قوله تعالى: (فلا تسألن ما ليس لك به علم) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر: " فلا تسألن " بفتح اللام، وتشديد النون، غير أن نافعا، وابن عامر، ~~كسرا النون، وفتحها ابن كثير، وحذفوا الياء في الوصل والوقف. وقرأ عاصم، ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، بسكون اللام ms1027 وتخفيف النون، غير أن أبا عمرو، ~~وأبا جعفر، أثبتا الياء في الوصل، وحذفاها في الوقف، ووقف عليها يعقوب ~~بالياء، والباقون يحذفونها في الحالين. قال أبو علي: من كسر النون، فقد عدى ~~السؤال إلى مفعولين، أحدهما: اسم المتكلم، والآخر: الاسم الموصول، وحذفت ~~النون المتصلة بياء المتكلم لاجتماع النونات. وأما إثبات الياء في الوصل ~~فهو الأصل، وحذفها أخف، والكسرة تدل عليها، وتعلم أن المفعول مراد في ~~المعنى. # ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه نسبته إليه، وليس منه. # والثاني: في إدخاله إياه في جملة أهله الذين وعده نجاتهم. # والثالث: سؤاله في إنجاء كافر من العذاب. # قوله تعالى: (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن تكون من الجاهلين في سؤالك من ليس من حزبك. # والثاني: من الجاهلين بوعدي، لأني وعدت بإنجاء المؤمنين. # والثالث: من الجاهلين بنسبك، لأنه ليس من أهلك. PageV04P092 # قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم ~~يمسهم منا عذاب أليم (48) قوله تعالى: (يا نوح اهبط) قال ابن عباس: يريد: ~~من السفينة إلى الأرض. (بسلام منا) أي: بسلامة. # قوله تعالى: (وبركات عليك) قال المفسرون: البركات عليه: أنه صار أبا ~~للبشر جميعا، لأن جميع الخلق من نسله. (وعلى أمم ممن معك) قال ابن عباس: ~~يريد: من ولدك. قال ابن الأنباري: المعنى: من ذراري من معك، والمراد: ~~المؤمنون من ذريته. ثم ذكر الكفار، فقال [عز وجل]: (وأمم) أي: من الذرية ~~أيضا، والمعنى: وفيمن نصف لك أمم، وفيمن نقص عليك أمره أمم. (سنمتعهم) أي: ~~في الدنيا (ثم يمسهم منا عذاب أليم) في الآخرة. # قال محمد بن كعب القرظي: لم يبق مؤمن ولا مؤمنة في أصلاب الرجال وأرحام ~~النساء يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا وقد دخل في ذلك السلام والبركات، ولم ~~يبق كافر إلا دخل في ذلك المتاع والعذاب. # تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) وإلى عاد أخاهم هودا قال ms1028 يا قوم اعبدوا الله ~~مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن ~~أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ~~(52) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن ~~لك بمؤمنين (53) قوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب) في المشار إليه ب‍ " تلك ~~" قولان: # أحدهما: قصة نوح. # والثاني: آيات القرآن، والمعنى: تلك من أخبار ما غاب عنك وعن قومك. # فإن قيل: كيف قال ها هنا: " تلك "، وفي مكان آخر " ذلك "؟ PageV04P093 # فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: " تلك " إشارة إلى آيات القرآن، و " ~~ذلك " إشارة إلى الخبر والحديث، وكلاهما معروف في اللغة الفصيحة، يقول ~~الرجل: قد قدم فلان، فيقول سامع قوله: قد فرحت به، وقد سررت بها، فإذا ذكر، ~~عنى القدوم، وإذا أنث، ذهب إلى القدمة. # قوله تعالى: (من قبل هذا) يعني القرآن. (فاصبر) كما صبر نوح على أذى قومه ~~(إن العاقبة) أي: آخر الأمر بالظفر والتمكين (للمتقين) أي: لك ولقومك كما ~~كان لمؤمني قوم نوح. # قوله تعالى: (إن أنتم إلا مفترون) أي: ما أنتم إلا كاذبون في إشراككم مع ~~الله الأوثان. # وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله: (يرسل السماء عليكم مدرارا) وهذا ~~أيضا قد سبق تفسيره في سورة الأنعام والسبب في قولهم ذلك، أن الله حبس ~~المطر عنهم ثلاث سنين وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم إحياء بلادهم وبسط الرزق ~~لهم إن آمنوا. # قوله تعالى: (ويزدكم قوة إلى قوتكم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الولد وولد الولد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يزدكم شدة إلى شدتكم، قال مجاهد، وابن زيد. # والثالث: خصبا إلى خصبكم، قاله الضحاك. # قوله تعالى: (ولا تتولوا مجرمين) قال مقاتل: لا تعرضوا عن التوحيد ~~مشركين. # قوله تعالى: (ما جئتنا ببينة) أي: بحجة واضحة. (وما نحن بتاركي آلهتنا) ~~يعنون الأصنام. (عن قولك) أي: بقولك، و " الباء " و " عن ms1029 " يتعاقبان. # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله وأشهدوا أني برئ ~~مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ~~(56) PageV04P094 # قوله تعالى: (إن نقول) أي: ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض ~~آلهتنا أصابك بجنون لسبك إياها، فالذي تظهر من عيبها لما لحق عقلك من ~~التغيير. قال ابن قتيبة: يقال: # عراني كذا، واعتراني: إذا ألم بي. ومنه قيل لمن أتاك يطلب نائلك: عار، ~~ومنه قول النابغة: # أتيتك عاريا خلقا ثيابي * على خوف تظن بي الظنون قوله تعالى: (إني أشهد ~~الله...) إلى آخر الآية. حرك ياء " إني " نافع. ومعنى الآية: إن كنتم ~~تقولون: إن الآلهة عاقبتني لطعني عليها، فإني على يقين من عيبها والبراءة ~~منها، وها أنا ذا أزيد في الطعن عليها، (فكيدوني جميعا) أي: احتالوا أنتم ~~وأوثانكم في ضري، ثم لا تمهلون. قال الزجاج: وهذا من أعظم آيات الرسل، أن ~~يكون الرسول وحده وأمته متعاونة عليه، فيقول لهم: كيدوني، فلا يستطيع أحد ~~منهم ضره، وكذلك قال نوح لقومه: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم). وقال محمد صلى ~~الله عليه وسلم: (فإن كان لكم كيد فكيدون). # قوله تعالى: (إلا هو آخذ بناصيتها) قال أبو عبيدة: المعنى: أنها في قبضته ~~وملكه وسلطانه. # فإن قيل: لم خص الناصية؟ # فالجواب: أن الناصية هي شعر مقدم الرأس، فإذا أخذت بها من شخص، فقد ملكت ~~سائر بدنه، وذل لك. # قوله تعالى: (إن ربي على صراط مستقيم) قال مجاهد: على الحق. وقال غيره: ~~في الكلام إضمار، تقديره: إن ربي يدل على صراط مستقيم. # فإن قيل: ما وجه المناسبة بين قوله: (إلا هو اخذ بناصيتها) وبين كونه على ~~صراط مستقيم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه لما أخبر أنه آخذ بنواصي الخلق، كان معناه: أنهم لا يخرجون ~~عن قبضته، فأخبر أنه على طريق لا يعدل عنه هارب، ولا يخفي عليه مستتر. # والثاني: أن المعنى: أنه وإن كان قادرا عليهم، ms1030 فهو لا يظلمهم، ولا يريد ~~إلا العدل، ذكرهما ابن الأنباري. # فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~PageV04P095 # تضرونه شيئا إن ربي على كل شئ حفيظ (57) قوله تعالى: (فإن تولوا) فيه ~~قولان: # أحدهما: أنه فعل ماض، معناه: فإن أعرضوا: فعلى هذا، في الآية إضمار، ~~تلخيصه: # فإن أعرضوا فقل لهم: قد أبلغتكم، هذا مذهب مقاتل في آخرين. # والثاني: أنه خطاب للحاضرين، وتقديره: فإن تتولوا، فاستثقلوا الجمع بين ~~تاءين متحركتين، فاقتصر على إحداهما، وأسقطت الأخرى، كما قال النابغة: # المرء يهوى أن يعيش * وطول عيش قد يضره تفنى بشاشته ويبقى * بعد حلو ~~العيش مره وتصرف الأيام حتى * ما يرى شيئا يسره أراد: وتتصرف الأيام، فأسقط ~~إحدى التاءين، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: (ويستخلف ربي قوما غيركم) فيه وعيد لهم بالهلاك. (إن ربي على ~~كل شئ حفيظ) فيه قولان: # أحدهما: حفيظ على أعمال العباد حتى يجازيهم بها. # والثاني: أن " على " بمعنى اللام، فالمعنى: لكل شئ حافظ، فهو يحفظني من ~~أن تنالوني بسوء. # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب ~~غليظ (58) قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا) فيه قولان: # أحدهما: جاء عذابنا، قاله ابن عباس. # والثاني: جاء أمرنا بهلاكهم. # قوله تعالى: (نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا) فيه قولان: # أحدهما: نجيناهم من العذاب بنعمتنا. # والثاني: نجيناهم بأن هديناهم إلى الإيمان، وعصمناهم من الكفر، روي ~~القولان عن ابن عباس. # قوله تعالى: (ونجيناهم من عذاب غليظ) أي: شديد، وهو ما استحقه قوم هود من ~~عذاب الدنيا والآخرة. PageV04P096 # وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) ~~قوله تعالى: (وتلك عاد) يعني القبيلة. (وعصوا رسله) لقائل أن يقول: إنما ~~أرسل إليهم هود وحده، فكيف ذكر بلفظ الجمع؟ # فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه قد يذكر لفظ الجمع ويراد به الواحد، كقوله: (أم يحسدون الناس) ~~والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده. # والثاني: أن من كذب رسولا واحدا فقد كذب الكل. # والثالث: أن كل ms1031 مرة ينذرهم فيها هي رسالة مجددة وهو بها رسول. # قوله تعالى: (واتبعوا) أي: واتبع الأتباع أمر الرؤساء. # والجبار: الذي طال وفات اليد. # وللعلماء في الجبار أربعة أقوال: # أحدها: أنه الذي يقتل على الغضب ويعاقب على الغضب، قاله الكلبي. # والثاني: أنه الذي يجبر الناس على ما يريد، قاله الزجاج. # والثالث: أنه المسلط. # والرابع: أنه العظيم في نفسه، المتكبر على العباد، ذكرهما ابن الأنباري. ~~والذي ذكرناه يجمع هذه الأقوال، وقد زدنا هذا شرحا في (المائدة). # وأما العنيد: فهو الذي لا يقبل الحق. قال ابن قتيبة: العنود، والعنيد، ~~والعاند: المعارض لك بالخلاف عليك. # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة إلا إن عادا كفروا ربهم ألا ~~بعدا لعاد قوم هود (60) * وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ~~مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا ~~إليه إن ربي قريب مجيب (61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ~~أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) ~~قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن PageV04P097 # ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويا قوم هذه ناقة ~~الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ~~(64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما ~~جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو ~~القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (67) ~~كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) ولقد جاءت ~~رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) ~~قوله تعالى: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) أي: ألحقوا لعنة تنصرف معهم. ~~(ويوم القيامة) أي: وفي يوم القيامة لعنوا أيضا. (ألا إن عادا كفروا ربهم) ~~أي: بربهم، فحذف الباء، وأنشدوا: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به قال الزجاج: قوله: ms1032 " ألا " ابتداء وتنبيه، ~~و " بعدا " منصوب على معنى: أبعدهم الله فبعدوا بعدا، والمعنى: أبعدهم من ~~رحمته. # قوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض) فيه قولان: # أحدهما: خلقكم من آدم، وآدم خلق من الأرض. # والثاني: أنشأكم في الأرض. # وفي قوله: (واستعمركم فيها) ثلاثة أقوال: # أحدها: أعمركم فيها، أي: جعلكم ساكنيها مدة أعماركم، ومنه العمرى، وهذا ~~قول مجاهد. # والثاني: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ألف سنة إلى ثلاثمائة، قاله ~~الضحاك. # والثالث: جعلكم عمارها، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: (قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم، لأنه كان ذا حسب وثروة، ~~قاله كعب. # والثاني: أنه كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم، وكانوا يرجون رجوعه إلى ~~دينهم، فلما PageV04P098 # أظهر إنذارهم، انقطع رجاؤهم منه، وإلى نحو هذا ذهب مقاتل. # والثالث: أنهم كانوا يرجون خيره، فلما أنذرهم، زعموا أن رجاءهم لخيره قد ~~انقطع، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (وإننا لفي شك) إن قال قائل: لم قال ها هنا: " وإننا " وقال ~~في (إبراهيم): " وإنا "؟ # فالجواب: أنهما لغتان من لغات قريش السبع التي نزل القرآن عليها. قال ~~الفراء: من قال: # " إننا " أخرج الحرف على أصله، لأن كناية المتكلمين " نا " فاجتمعت ثلاث ~~نونات، نونا " إن " والنون المضمومة إلى الألف، ومن قال: " إنا " استثقل ~~الجمع بين ثلاث نونات، فأسقط الثالثة، وأبقى الأولتين، وكذلك يقال: إني ~~وإنني، ولعلي ولعلني، وليتي وليتني، قال الله تعالى في اللغة العليا: (لعلي ~~أبلغ الأسباب)، وقال الشاعر في اللغة الأخرى: # أريني جوادا مات هزلا لعلني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا وقال الله ~~تعالى: (يا ليتني كنت معهم)، وقال الشاعر: # كمنية جابر إذ قال ليتي * أصادقه وأتلف بعض مالي فأما المريب، فهو الموقع ~~للريبة والتهمة. والرحمة يراد بها هاهنا: النبوة. # قوله تعالى: (فما تزيدونني غير تخسير) التخسير: النقصان. # وفي معني الكلام قولان: # أحدهما: فما تزيدونني غير بصارة في خسارتكم، قاله ابن عباس. وقال الفراء: ~~المعنى: # فما تزيدونني غير تخسير لكم، أي: كلما اعتذرتم عندي بعذر فهو يزيدكم ~~تخسيرا. وقال ms1033 ابن الأعرابي: غير تخسير لكم، لا لي. وقال بعضهم: المعنى: فما ~~تزيدونني بما قلتم إلا نسبتي لكم إلى الخسارة. # والقول الثاني: فما تزيدونني غير الخسران إن رجعت إلى دينكم، وهذا معنى ~~قول مقاتل. # فإن قيل: فظاهر هذا أنه كان خاسرا، فزادوه خسارا، فقد أسلفنا الجواب في ~~قوله: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا). # قوله تعالى: (هذه ناقة الله) قد شرحناها في سورة الأعراف. # قوله تعالى: (تمتعوا في داركم) أي: استمتعوا بحياتكم، وعبر عن الحياة ~~بالتمتع، لأن الحي يكون متمتعا بالحواس. PageV04P099 # قوله تعالى: (ثلاثة أيام) قال المفسرون: لما عقرت الناقة صعد فصيلها إلى ~~الجبل، ورغا ثلاث مرات، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، ألا إن اليوم الأول ~~تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، فلما أصبحوا ~~في اليوم الأول، إذا وجوههم مصفرة، فصاحوا وضجوا، وبكوا، وعرفوا أنه ~~العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الثاني، إذا وجوههم محمرة، فضجوا، وبكوا، ~~فلما أصبحوا في اليوم الثالث، إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا ~~جميعا: ألا قد حضركم العذاب، فتكفنوا وألقوا أنفسهم بالأرض، لا يدرون من ~~أين يأتيهم العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الرابع، أتتهم صيحة من السماء ~~فيها صوت كل صاعقة، فتقطعت قلوبهم في صدورهم. وقال مقاتل: حفروا لأنفسهم ~~قبورا، فلما ارتفعت الشمس من اليوم الرابع، ولم يأتهم العذاب، ظنوا أن الله ~~قد رحمهم، فخرجوا من قبورهم يدعو بعضهم بعضا، إذ نزل جبريل، فقام فوق ~~المدينة فسد ضوء الشمس، فلما عاينوه، دخلوا قبورهم، فصاح بهم صيحة: موتوا، ~~عليكم لعنة الله، فخرجت أرواحهم، وتزلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم. # قوله تعالى: (ذلك وعد) أي: العذاب (غير مكذوب) أي: غير كذب. # قوله تعالى: (ومن خزي يومئذ) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر " يومئذ ~~" بكسر الميم. وقرأ الكسائي بفتحها مع الإضافة. قال مكي: من كسر الميم، ~~أعرب وخفض، لإضافة الخزي إلى اليوم، ولم يبنه، ومن فتح، بنى اليوم على ~~الفتح، لإضافته إلى غير متمكن، وهو " إذ ". وقرأ ابن مسعود " ومن خزي " ~~بالتنوين، " يومئذ " بفتح ms1034 الميم. قال ابن الأنباري: هذه الواو في قوله: " ~~ومن خزي " معطوفة على محذوف، تقديره: نجيناهم من العذاب ومن خزي يومئذ. ~~قال: ويجوز أن تكون دخلت لفعل مضمر، تأويله: نجينا صالحا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا، ونجيناهم من خزي يومئذ. قال: وإنما قال: " وأخذ " لأن الصيحة ~~محمولة على الصياح. # قوله تعالى: (ألا بعدا لثمود) اختلفوا في صرف " ثمود " وترك إجرائه في ~~خمسة مواضع: # في (هود:) (ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود)، وفي (الفرقان) ~~(وعادا وثمودا وأصحاب الرس)، وفي (العنكبوت) (وعادا وثمودا وقد تبين لكم)، ~~وفي (النجم) (وثمود فما أبقي) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر ~~بالتنوين في أربعة مواضع منها، وتركوا (ألا بعدا لثمود) فلم يصرفوه. وقرأ ~~حمزة بترك صرف هذه الخمسة الأحرف، وصرفهن الكسائي. واختلف عن عاصم، فروى ~~حسين الجعفي عن أبي بكر عنه أنه أجرى الأربعة الأحرف مثل أبي عمرو، وروى ~~يحيى بن آدم أنه أجرى ثلاثة، في (هود) (ألا إن ثمودا)، وفي PageV04P100 # (الفرقان) و (العنكبوت). وروى حفص عنه أنه لم يجر شيئا منها مثل حمزة. # واعلم أن ثمودا يراد به القبيلة تارة، ويراد به الحي تارة. فإذا أريد به ~~القبيلة، لم يصرف، وإذا أريد به الحي، صرف. وما أخللنا به، فقد سبق تفسيره ~~إلى قوله: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم). # والرسل ها هنا: الملائكة. وفي عددهم ستة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا ثلاثة، جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، قاله ابن عباس، ~~وسعيد بن جبير. وقال مقاتل: جبريل، وميكائيل، وملك الموت. # والثاني: أنهم كانوا اثني عشر، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: ثمانية، قاله محمد بن كعب. # والرابع: تسعة، قاله الضحاك. # والخامس: أحد عشر، قاله السدي. # والسادس: أربعة، حكاه الماوردي. # وفي هذه البشرى أربعة أقوال: # أحدها: أنها البشرى بالولد، قاله الحسن، ومقاتل. # والثاني: بهلاك قوم لوط، قاله قتادة. # والثالث: بنبوته، قاله عكرمة. # والرابع: بأن محمدا صلى الله عليه وسلم يخرج من صلبه، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (قالوا سلاما) قال ابن الأنباري: انتصب بالقول، لأنه حرف ~~مقول، والسلام الثاني مرفوع ms1035 باضمار " عليكم ". وقال الفراء: فيه وجهان: # أحدهما: أنه أضمر " عليكم " كما قال الشاعر: # فقلنا السلام فاتقت من أميرها * فما كان إلا ومؤها بالحواجب والعرب تقول: ~~التقينا فقلنا: سلام سلام. # والثاني: أن القوم سلموا، فقال حين أنكرهم هو: سلام، فمن أنتم؟ لإنكاره ~~إياهم. وقرأ حمزة، والكسائي: " قال سلم "، وهو بمعنى سلام، كما قالوا: حل ~~وحلال، وحرم وحرام، فعلى هذا، يكون معنى " سلم ": سلام عليكم. قال أبو علي: ~~فيكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلف اللفظان. وقال الزجاج: من قرأ " سلم ~~" فالمعنى: أمرنا سلم، أي: لا بأس علينا. # قوله تعالى: (فما لبث) أي: ما أقام حتى جاء بعجل حنيذ، لأنه ظنهم أضيافا، ~~وكانت الملائكة قد جاءته في صورة الغلمان الوضاء. PageV04P101 # وفي الحنيذ ستة أقوال: # أحدها: أنه النضيج، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه الذي يقطر ماؤه ودسمه وقد شوي، قاله شمر بن عطية. # والثالث: أنه ما حفرت الأرض ثم غممته، وهو من فعل أهل البادية، معروف، ~~وأصله: # محنوذ، فقيل: حنيذ، كما قيل: طبيخ للمطبوخ، وقتيل للمقتول. هذا قول ~~الفراء. # والرابع: أنه المشوي، قاله أبو عبيدة. # والخامس: المشوي بالحجارة المحماة، قاله مقاتل، وابن قتيبة. # والسادس: السميط، ذكره الزجاج، وقال: يقال: إنه المشوي فقط، ويقال: ~~المشوي الذي يقطر، ويقال: المشوي بالحجارة. # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط (70) قوله تعالى: (فلما رأى أيديهم) يعنى الملائكة (لا ~~تصل إليه) يعني العجل (نكرهم) أي: أنكرهم. قال أبو عبيدة: نكرهم وأنكرهم ~~واستنكرهم، سواء، قال الأعشى: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا قوله تعالى: ~~(وأوجس منهم خيفة) أي: أضمر في نفسه خوفا. قال الفراء: وكانت سنة في زمانهم ~~إذا ورد عليهم القوم فأتوهم بالطعام فلم يمسوه، ظنوا أنهم عدو أو لصوص، ~~فهنالك أوجس في نفسه خيفة، فرأوا ذلك في وجهه، فقالوا: (لا تخف). # قوله تعالى: (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) قال الزجاج: أي: أرسلنا بالعذاب ~~إليهم. قال ابن الأنباري: وإنما أضمر ذلك ها ms1036 هنا، لقيام الدليل عليه بذكر ~~الله تعالى له في سورة أخرى. # وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ~~ويلتا PageV04P102 # أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخنا إن هذا لشئ عجيب (72) قوله تعالى: ~~(وامرأته قائمة) واسمها سارة. واختلفوا أين كانت قائمة على ثلاثة أقوال: # أحدها: وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب. # والثاني: كانت قائمة تخدمهم، قاله مجاهد، والسدي. # والثالث: كانت قائمة تصلي، قاله محمد بن إسحاق. # وفي قوله: (فضحكت) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الضحك ها هنا بمعنى التعجب، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن معنى " ضحكت " حاضت. قال ابن الأنباري: أنكر الفراء، وأبو ~~عبيدة، وأبو عبيد، أن يكون " ضحكت " بمعنى حاضت وعرفه غيرهم. قال الشاعر: # تضحك الضبع لقتلى هذيل * وترى الذئب لها يستهل قال بعض أهل اللغة: معناه: ~~تحيض. # والثالث: أنه الضحك المعروف، وهو قول الأكثرين. # وفي سبب ضحكها ستة أقوال: # أحدها: أنها ضحكت من شدة خوف إبراهيم من أضيافه، وقالت: من ماذا يخاف ~~إبراهيم، وإنما هم ثلاثة، وهو في أهله وغلمانه؟! رواه الضحاك عن ابن عباس، ~~وبه قال مقاتل. # والثاني: أنها ضحكت من بشارة الملائكة لإبراهيم بالولد، وهذا مروي عن ابن ~~عباس أيضا، ووهب بن منبه، فعلى هذا، إنما ضحكت سرورا بالبشارة، ويكون في ~~الآية تقديم وتأخير، المعنى: وامرأته قائمة فبشرناها فضحكت، وهو اختيار ابن ~~قتيبة. # والثالث: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، قاله قتادة. # والرابع: ضحكت من إمساك الأضياف عن الأكل، وقالت: عجبا لأضيافنا، نخدمهم ~~بأنفسنا، وهم لا يأكلون طعامنا! قاله السدي. # والخامس: ضحكت سرورا بالأمن، لأنها خافت كخوف إبراهيم، قاله الفراء. # والسادس: أنها كانت قالت لإبراهيم: اضمم إليك ابن أخيك لوطا، فإنه سينزل ~~العذاب بقومه، فلما جاءت الملائكة بعذابهم، ضحكت سرورا بموافقتها للصواب، ~~ذكره ابن الأنباري. # قال المفسرون: قال جبريل لسارة: أبشري أيتها الضاحكة بولد اسمه إسحاق، ~~ومن وراء إسحاق يعقوب، فبشروها أنها تلد إسحاق، وأنها تعيش إلى أن ترى ولد ~~الولد. PageV04P103 # وفي معنى الوراء قولان: # أحدهما: أنه بمعنى " بعد "، قاله ms1037 أبو صالح عن ابن عباس، واختاره مقاتل، ~~وابن قتيبة. # والثاني: أن الوراء: ولد الولد، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الشعبي، ~~واختاره أبو عبيدة. # فإن قيل: كيف يكون يعقوب وراء إسحاق وهو ولده لصلبه، وإنما الوراء: ولد ~~الولد؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: المعنى: ومن وراء المنسوب إلى ~~إسحاق يعقوب، لأنه قد كان الوراء لإبراهيم من جهة إسحاق، فلو قال: ومن ~~الوراء يعقوب، لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق، أم إلى إسماعيل؟ فأضيف ~~إلى إسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس. قال: ويجوز أن ينسب ولد إبراهيم من ~~غير إسحاق إلى سارة على جهة المجاز، فكان تأويل الآية. من الوراء المنسوب ~~إلى سارة، وإلى إبراهيم من جهة إسحاق، يعقوب. ومن حمل الوراء على " بعد " ~~لزم ظاهر العربية. # واختلف القراء في " يعقوب "، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: (يعقوب) بالرفع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: ~~(يعقوب) بالنصب. # قال الزجاج: وفي رفع " يعقوب " وجهان: # أحدهما: على الابتداء المؤخر، معناه التقديم، والمعنى: ويعقوب يحدث لها ~~من وراء إسحاق. # والثاني: وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب. # ومن نصبه، حمله على المعنى، والمعنى: وهبنا لها إسحاق ووهبنا لها يعقوب. # قوله تعالى: (يا ويلتي أألد وأنا عجوز) هذه الكلمة تقال عند الإيذان ~~بورود الأمر العظيم. # ولم ترد بها الدعاء على نفسها، وإنما هي كلمة تخف على ألسنة النساء عند ~~الأمر العجيب وقولها: # (أألد) استفهام تعجب. قال الزجاج: و (شيخا) منصوب على الحال. قال ابن ~~الأنباري: # إنما أشارت بقولها هذا لتنبه على شيخوخيته. # واختلفوا في سن إبراهيم وسارة يومئذ على أربعة أقوال: PageV04P104 # أحدها: أنه كان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، وسارة بنت ثمان وتسعين قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه كان إبراهيم ابن مائة سنة، وسارة بنت تسع وتسعين، قاله ~~مجاهد. # والثالث: كان إبراهيم ابن تسعين، وسارة مثله، قاله قتادة. # والرابع: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسعين، قاله عبيد ~~بن عمير، وابن إسحاق. # قالوا ms1038 أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد (73) قوله تعالى: (قالوا أتعجبين من أمر الله) أي: من قضائه وقدرته، ~~وهو إيجاد ولد من بين كبيرين. قال السدي: قالت سارة لجبرئيل: ما آية ذلك؟ ~~فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر، فقالت: هو إذن لله ~~ذبيح. # قوله تعالى: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) فيه وجهان: # أحدهما: أنه من دعاء الملائكة لهم. # والثاني: أنه إخبار عن ثبوت ذلك لهم. # من تلك البركات وجود أكثر الأنبياء والأسباط من إبراهيم وسارة. # والحميد بمعنى المحمود. فأما المجيد، فقال ابن قتيبة: المجيد * بمعنى ~~الماجد، وهو الشريف. وقال أبو سليمان الخطابي، هو الواسع الكرم. وأصل المجد ~~في كلامهم: السعة، يقال: رجل ماجد: إذا كان سخيا واسع العطاء. وفي بعض: ~~الأمثال في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي: استكثرا منها. # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) ~~يعني الفزع الذي أصابه حين امتنعوا من الأكل. (يجادلنا) فيه إضمار أخذ ~~وأقبل يجادلنا، والمراد: يجادل رسلنا. PageV04P105 # قال المفسرون: لما قال قالوا له (إنا مهلكو أهل هذه القرية) قال: أتهلكون ~~قرية فيها مائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أتهلكون قرية فيها خمسون مؤمنا؟ ~~قالوا: لا. أربعون؟ قالوا: لا: فما زال ينقص حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا. ~~فقال حينئذ: (إن فيها لوطا، قالوا نحن أعلم بمن فيها)، هذا قول ابن إسحاق. ~~وقال غيره: قيل له: إن كان فيهم خمسة لم نعذبهم، فما كان فيهم سوى لوط ~~وابنتيه. وقال سعيد بن جبير: قال لهم: أتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ # قالوا: لا، وكان إبراهيم يعدهم أربعة عشر مع امرأة لوط، فسكت واطمأنت ~~نفسه، وإنما كانوا ثلاثة عشر فأهلكوا. # قوله تعالى: (إن إبراهيم لحليم أواه) قد فسرناه في (براءة). فعند ذلك ~~قالت الرسل لإبراهيم: (يا ms1039 إبراهيم أعرض عن هذا) يعنون الجدال. (إنه قد جاء ~~أمر ربك) بعذابهم. # وقيل: قد جاء عذاب ربك، فليس بمردود، لأن الله تعالى قد قضى به. # ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه ~~قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن ~~أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا لقد ~~علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة ~~أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر ~~بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ~~إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا) ~~قال المفسرون: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها عشاء. ~~وقال السدي عن أشياخه: أتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم، لقوا بنت ~~لوط تستقي الماء لأهلها، فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ قالت: نعم، ~~مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقا عليهم من قومها، فأتت أباها، فقالت: يا ~~أبتاه، أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لا ~~يأخذهم قومك فيفضحوهم، وقد كان قومه نهوه PageV04P106 # أن يضيف رجلا، فجاء بهم، ولم يعلم بهم أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته ~~فأخبرت قومها، فجاؤوا يهرعون إليه. # قوله تعالى: (سئ بهم) فيه قولان: # أحدهما: ساء ظنه بقومه، قاله ابن عباس. # والثاني: ساءه مجئ الرسل، لأنه لم يعرفهم، وأشفق عليهم من قومه، قاله ابن ~~جرير. # قال الزجاج: وأصل " سئ بهم " سوئ بهم، من السوء، إلا أن الواو أسكنت ~~ونقلت كسرتها إلى السين. # قوله تعالى: (وضاق بهم ذرعا) قال ابن عباس: ضاق ذرعا بأضيافه. قال ~~الفراء: الأصل فيه: وضاق ذرعه بهم، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط، ونصب ~~الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال: (واشتعل الرأس شيبا) ومعناه: اشتعل شيب ~~الرأس. ms1040 # قال الزجاج: يقال: ضاق فلان بأمره ذرعا: إذا لم يجد من المكروه في ذلك ~~الأمر مخلصا. # وذكر ابن الأنباري فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعه عن نفسه، فالذرع ~~كناية عن هذا المعنى. # والثاني: أن معناه: ضاق صبره وعظم المكروه عليه، وأصله من ذرع فلانا ~~القئ: إذا غلبه وسبقه. # والثالث: أن المعنى: ضاق بهم وسعه، فناب الذرع والذراع عن الوسع، لأن ~~الذراع من اليد، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون: ليس هذا في وسعي، ~~ويدل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع، فيقولون: ضقت بهذا ~~الأمر ذراعا، قال الشاعر: # إليك إليك ضاق بهم ذراعا فأما العصيب، فقال أبو عبيدة: العصيب: الشديد ~~الذي يعصب الناس بالشر، وأنشد: # يوم عصيب يعصب الأبطالا * عصب القوي السلم الطوالا وقال أبو عبيد: يقال: ~~يوم عصيب: إذا كان شديدا. # قوله تعالى: (يهرعون إليه) قال ابن عباس، ومجاهد: " يهرعون " يسرعون. ~~وقال الفراء، والكسائي: لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة. قال ابن ~~قتيبة: الإهراع شبيه بالرعدة، يقال: أهرع الرجل: إذا أسرع، على لفظ ما لم ~~يسم فاعله، كما يقال: أرعد. قال ابن PageV04P107 # الأنباري: الإهراع فعل واقع بالقوم وهو لهم في المعنى، كما قالت العرب: ~~قد أولع الرجل بالأمر، فجعلوه مفعولا، وهو صاحب الفعل، ومثله: أرعد زيد، ~~وسهي عمرو من السهو، كل واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدرا تقدير ~~المفعول، وهو صاحب الفعل لا يعرف له فاعل غيره. قال: وقال بعض النحويين: لا ~~يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولا، وهذه الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون، ~~وتأويل " أولع زيد ": أولعه طبعه وجبلته، و " أرعد الرجل ": أرعده غضبه، و ~~" سهي عمرو " جعله ساهيا ماله أو جهله، و " أهرع " معناه: أهرعه خوفه ~~ورعبه، فلهذه العلة خرج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به. قال: وقال بعض ~~اللغويين: لا يكون الإهراع إلا إسراع المذعور الخائف، لا يقال لكل مسرع: ~~مهرع حتى ينضم إلى إسراعه جزع وذعر. قال المفسرون: سبب إهراعهم، أن امرأة ~~لوط ms1041 أخبرتهم بالأضياف. # (ومن قبل) أي: ومن قبل مجيئهم إلى لوط (كانوا يعملون السيئات) يعني فعلهم ~~المنكر. # وفي قوله: (هؤلاء بناتي) قولان: # أحدهما: أنهن بناته لصلبه، قاله ابن عباس. # فإن قيل: كيف جمع، وإنما كن اثنتين؟ # فالجواب: أنه قد يقع الجمع على اثنين، كقوله: (وكنا لحكمهم شاهدين). # والثاني: أنه عنى نساء أمته، لأن كل نبي أبو أمته، والمعنى: أنه عرض ~~عليهم التزويج، أو أمرهم أن يكتفوا بنسائهم، وهذا مذهب مجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وقتادة، وابن جريج. # فإن قيل: كيف عرض تزويج المؤمنات على الكافرين؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه قد كان يجوز ذلك في شريعته، وكان جائزا في صدر الإسلام حتى ~~نسخ، قاله الحسن. # والثاني: أنه عرض ذلك عليهم بشرط إسلامهم، قاله الزجاج، ويؤكده أن عرضهن ~~عليهم موقوف على عقد النكاح، فجاز أن يقف على شرط آخر. # قوله تعالى: (هن أطهر لكم) قال مقاتل: هن أحل من إتيان الرجال. # قوله تعالى: (فاتقوا الله) فيه قولان: # أحدهما: اتقوا عقوبته. # والثاني: اتقوا معصيته. # قوله تعالى: (ولا تخزون في ضيفي) حرك ياء " ضيفي " أبو عمرو، ونافع. # وفي معنى هذا الخزي ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الفضيحة، قاله ابن عباس. # والثاني: الاستحياء، والمعنى: لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء ~~منه، لأن PageV04P108 # المضيف يلزمه الاستحياء من كل فعل يصل إلى ضيفه. والعرب تقول: قد خزي ~~الرجل يخزي خزاية: إذا استحيا، قال الشاعر: # من البيض لا تخزي إذا الريح ألصقت * بها مرطها أو زايل الحلي جيدها ~~والثالث: أنه بمعنى الهلاك، لأن المعرة التي تقع بالمضيف في هذه الحال ~~تلزمه هلكة، ذكرهما ابن الأنباري. # قال ابن قتيبة: والضيف هاهنا: بمعنى الأضياف، والواحد يدل على الجميع، ~~كما تقول: # هؤلاء رسولي ووكيلي. # قوله تعالى: (أليس منكم رجل رشيد) في المراد بالرشيد قولان: # أحدهما: المؤمن. # والثاني: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، رويا عن ابن عباس. # قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد، فيكون المعنى: أليس ~~منكم مرشد يعظكم ويعرفكم قبيح ما تأتون؟ فيكون الرشيد من صفة الفاعل، ~~كالعليم، والشهيد. # ويجوز أن ms1042 يكون الرشيد بمعنى المرشد، فيكون المعنى: أليس منكم رجل قد ~~أسعده الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن إتيان هذه المعرة؟ فيجري رشيد ~~مجرى مفعول، كالكتاب الحكيم بمعنى المحكم. # قوله تعالى: (مالنا في بناتك من حق) فيه قولان: # أحدهما: مالنا فيهن حاجة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لسن لنا بأزواج فنستحقهن، قاله ابن إسحاق، وابن قتيبة. # قوله تعالى: (وإنك لتعلم ما نريد) قال عطاء: وإنك لتعلم أنا نريد الرجال، ~~لا النساء. # قوله تعالى: (لو أن لي بكم قوة) أي: جماعة أقوى بهم عليكم. وقيل: أراد ~~بالقوة البطش. (أو آوي إلى ركن شديد) أي: أنضم إلى عشيرة وشيعة تمنعني. ~~وجواب " لو " محذوف على تقدير: لحلت بينكم وبين المعصية. قال أبو عبيدة: ~~قوله [تعالى]: " آوي " من قولهم: أويت إليك، فأنا آوي أويا، والمعنى: صرت ~~إليك وانضممت. ومجاز الركن ها هنا: # العشيرة العزيزة الكثيرة المنيعة، وأنشد: # يأوى إلى ركن من الأركان * في عدد طيس ومجد باني والطيس: الكثير، يقال: ~~أتانا لبن طيس، وشراب طيس، أي: كثير. # واختلفوا أي: وقت قال هذا لوط، فروي عن ابن عباس أن لوطا كان قد أغلق ~~بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم وراء الباب، وهم ~~يعالجون الباب ويرومون تسور الجدار، PageV04P109 # فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب، قالوا: يا لوط إنا رسل ربك، فافتح ~~الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب، فدخلوا، واستأذن جبريل ربه في عقوبتهم، ~~فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم، فانصرفوا يقولون: النجاء النجاء، فإن ~~في بيت لوط أسحر قوم في الأرض، وجعلوا يقولون: يا لوط، كما أنت حتى تصبح، ~~يوعدونه، فقال لهم لوط: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: # الصبح، قال: لو أهلكتموهم الآن، فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ وقال أبو صالح ~~عن ابن عباس: إنهم لما تواعدوه، قال في نفسه: ينطلق هؤلاء القوم غدا من ~~عندي، وأبقى مع هؤلاء فيهلكوني، فقال: لو أن لي بكم قوة. # قلت: وإنما يتوجه هذا إذا قلنا: إنه كان قبل علمه أنهم ملائكة. وقال قوم: ~~إنه إنما قال هذا ms1043 لما كسروا بابه وهجموا عليه. وقال آخرون: لما نهاهم عن ~~أضيافه فأبوا قال هذا. # وفي الجملة، ما أراد بالركن نصر الله وعونه، لأنه لم يخل من ذلك، وإنما ~~ذهب إلى العشيرة والأسرة. # وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رحم الله ~~لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من ~~قومه ". # قوله تعالى: (لن يصلوا إليك) قال مقاتل: فيه إضمار، تقديره: لن يصلوا ~~إليك بسوء، وذلك أنهم قالوا للوط: إنا نرى معك رجالا سحروا أبصارنا، فستعلم ~~غدا ما تلقى أنت وأهلك، فقال له جبريل: (إنا رسل ربك لن يصلوا إليك). # قوله تعالى: (فأسر بأهلك) قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي " فأسر " بإثبات الهمز في اللفظ من أسريت. وقرأ ابن كثير، ونافع " ~~فاسر بأهلك " بغير همز من سريت، وهما لغتان. قال الزجاج: يقال: سريت، ~~وأسريت: إذا سرت ليلا، قال الشاعر: # سريت بهم حتى تكل مطيهم * وحتى الجياد ما يقدن بأرسان وقال النابغة: # أسرت عليه من الجوزاء سارية * تزجي الشمال عليه جامد البرد وقد رووه: سرت ~~فأما أهله، فقال مقاتل: هم امرأته وابنتاه، واسم ابنتيه: ربثا وزعرثا. # وقال السدي: اسم الكبرى: رية، واسم الصغرى: عروبة، والمراد بأهله: ~~ابنتاه. فأما القطع، فهو بمعنى القطعة، يقال: مضى قطع من الليل، أي: قطعة. ~~قال ابن عباس: يريد به: آخر الليل. وقال ابن قتيبة: " بقطع " أي: ببقية ~~تبقي من آخره. وقال ابن الأنباري: ذكر القطع بمعنى القطعة مختص بالليل، ولا ~~يقال: عندي قطع من الثوب، بمعنى: عندي قطعة. PageV04P110 # قوله تعالى: (ولا يلتفت منكم أحد) فيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى: لا يتخلف منكم أحد، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ~~والثاني: أنه الالتفات المعروف، قاله مجاهد، ومقاتل. # قوله تعالى: (إلا امرأتك) قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~بنصب التاء. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن جماز عن أبي جعفر برفع التاء. ~~قال الزجاج: من قرأ بالنصب، فالمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك. ومن ms1044 قرأ ~~بالرفع، حمله على " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ". وإنما أمروا بترك ~~الالتفات لئلا يروا عظيم ما ينزل بهم من العذاب. قال ابن الأنباري: وعلى ~~قراءة الرفع، يكون الاستثناء منقطعا، معناه: لكن امرأتك، فإنها تلتفت ~~فيصيبها ما أصابهم، فإذا كان استثناء منقطعا، كان التفاتها معصية لربها، ~~لأنه ندب إلى ترك الالتفاف. قال قتادة: ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج ~~من القرية، فلما سمعت هدة العذاب، التفتت فقالت: وا قوماه، فأصابها حجر ~~فأهلكها، وهو قوله: (إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم) للعذاب (الصبح). # قوله تعالى: (أليس الصبح بقريب) قال المفسرون: قالت الملائكة: (إن موعدهم ~~الصبح) فقال: أريد أعجل من ذلك، فقالوا له: (أليس الصبح بقريب)؟ # فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ~~(82) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) قوله تعالى: (فلما جاء ~~أمرنا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أمر الله الملائكة بعذابهم. # والثاني: أن الأمر بمعنى العذاب. # والثالث: أنه بمعنى القضاء بعذابهم. # قوله تعالى: (جعلنا عاليها سافلها) الكناية تعود إلى المؤتفكات، وهي قرى ~~قوم لوط، وقد ذكرناها في [سورة] براءة، ونحن نشير إلى قصة هلاكهم ها هنا. ~~قال ابن عباس: أمر جبريل لوطا بالخروج، وقال: اخرج وأخرج غنمك وبقرك، فقال: ~~كيف لي بذلك وقد أغلقت أبواب المدينة؟ فبسط جناحه، فحمله وبنتيه ومالهم من ~~شئ، فأخرجهم من المدينة، وسأل جبريل ربه، فقال: يا رب ولني هلاك هؤلاء ~~القوم، فأوحى الله إليه أن تول هلاكهم، فلما أن بدا PageV04P111 # الصبح، غدا عليهم جبريل فاحتملها على جناحه، ثم صعد بها حتى خرج الطير في ~~الهواء لا يدري أين يذهب، ثم كفأها عليهم، وسمعوا وجبة شديدة، فالتفت امرأة ~~لوط، فرماها جبريل بحجر فقتلها، ثم صعد حتى أشرف على الأرض، فجعل يتبع ~~مسافرهم ورعاتهم ومن تحول عن القرية، فرماهم بالحجارة حتى قتلهم. وقال ~~السدي: اقتلع جبريل الأرض من سبع أرضين، فاحتملها حتى بلغ بها إلى أهل ~~السماء الدنيا، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها. # وقال غيره: ms1045 كانت خمس قرى، أعظمها سدوم، وكان القوم أربعة آلاف ألف. وقيل: ~~كان في كل قرية مائة ألف مقاتل، فلما رفعها إلى السماء، لم ينكسر لهم إناء ~~ولم يسقط حتى قلبها عليهم. # وقيل: نجت من الخمس واحدة لم تكن تعمل مثل عملهم. وانفرد سعيد بن جبير، ~~فقال: إن جبريل وميكائيل توليا قلبها. # قوله تعالى: (وأمطرنا عليها) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرى. # والثاني: إلى الأمة. # وفي * السجيل سبعة أقوال: # أحدها: أنها بالفارسية سنك وكل، السنك: الحجر، والكل: الطين، هذا قول ابن ~~عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وقال مجاهد: أولها حجر، وآخرها طين. وقال ~~الضحاك: # يعني الآجر. قال ابن قتيبة: من ذهب إلى هذا القول، اعتبره بقوله: (حجارة ~~من طين) يعنى الآجر. وحكى الفراء أنه طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الرحاء *. # والثاني: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض، ومنه نزلت الحجارة، ~~قاله عكرمة. # والثالث: أن السجيل: اسم السماء الدنيا، فالمعنى: حجارة من السماء ~~الدنيا، قاله ابن زيد. # والرابع: أنه الشديد من الحجارة الصلب، قاله أبو عبيدة، وأنشد لابن مقبل: # ضربا تواصت به الأبطال سجينا ورد هذا القول ابن قتيبة، فقال: هذا بالنون، ~~وذاك باللام، وإنما هو في هذا البيت فعيل PageV04P112 # من سجنت، أي: حبست، كأنه يثبت صاحبه. # والخامس: أن قوله: " من سجيل " كقولك: من سجل، أي: مما كتب لهم أن يعذبوا ~~به، وهذا اختيار الزجاج. # والسادس: أنه من أسجلته، أي: أرسلته، فكأنها مرسلة عليهم. # والسابع: أنه من أسجلت: إذا أعطيت، حكى القولين الزجاج. # وفي قوله: (منضود) ثلاثة أقوال: # أحدها: يتبع بعضه بعضا، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه مصفوف، قاله عكرمة، وقتادة. # والثالث: نضد بعضه على بعض، لأنه طين جمع فجعل حجارة، قاله الربيع بن ~~أنس. # قوله تعالى: (مسومة) قال الزجاج: أي معلمة، أخذ من السومة، وهي العلامة. # وفي علامتها ستة أقوال: # أحدها: بياض في حمرة، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # والثاني: أنها كانت مختومة، فالحجر أبيض وفيه نقطة سوداء، أو أسود وفيه ~~نقطة ms1046 بيضاء، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنها المخططة بالسواد والحمرة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: عليها نضح من حمرة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع، قاله عكرمة، ~~وقتادة. # والخامس: أنها كانت معلمة بعلامة يعرف بها أنها ليست من حجارة الدنيا، ~~قاله ابن جريج. # والسادس: أنه كان على كل حجر منها اسم صاحبه، قاله الربيع: وحكي عن بعض ~~من رأى تلك الحجارة أنه قال: كانت مثل رأس الإبل، ومثل مبارك الإبل، ومثل ~~قبضة الرجل. # وفي قوله: (عند ربك) أربعة أقوال: # أحدها: أن المعنى: جاءت من عند ربك، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: عند ربك معدة، قاله أبو بكر الهذلي. # والثالث: أن المعنى: هذا التسويم لزم هذه الحجارة عند الله إيذانا بنفاذ ~~قدرته وشدة عذابه، قاله ابن الأنباري. PageV04P113 # والرابع: أن معنى قوله تعالى: " عند ربك " في خزائنه التي لا يتصرف في شئ ~~منها إلا بإذنه. # قوله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد) في المراد بالظالمين ها هنا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد بالظالمين ها هنا: كفار قريش، خوفهم الله بها، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: أنه عام في كل ظالم، قال قتادة: والله ما أجار الله منها ظالما ~~بعد قوم لوط، فاتقوا الله وكونوا منه على حذر. # والثالث: أنهم قوم لوط، فالمعنى: وما هي من الظالمين، أي: من قوم لوط ~~ببعيد، والمعنى: لم تكن لتخطئهم، قاله الفراء. # * وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ~~(84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (85) قوله تعالى: (وإلى مدين) قد فسرناه في [سورة] ~~الأعراف. # قوله تعالى: (ولا تنقصوا المكيال والميزان) أي: لا تطففوا، وكانوا يطففون ~~مع كفرهم. # قوله تعالى: (إني أراكم بخير) فيه قولان: # أحدهما: أنه رخص الأسعار، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. # والثاني: سعة المال، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال قتادة، وابن ~~زيد. ms1047 وقال الفراء: أموالكم كثيرة، وأسعاركم رخيصة، فأي حاجة بكم إلى سوء ~~الكيل والوزن؟! # قوله تعالى: (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه غلاء السعر، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: القحط والجدب ~~والغلاء. # والثاني: العذاب في الدنيا، وهو الذي أصابهم، قاله مقاتل. # والثالث: عذاب النار في الآخرة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (أوفوا المكيال والميزان بالقسط) أي: أتموا ذلك بالعدل. ~~والإيفاء: # الإتمام. (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) بنقص المكيال والميزان. ~~PageV04P114 # بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يا ~~شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ~~إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا ~~الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويا ~~قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم ~~صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي ~~رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ~~ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز ~~عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ~~وارتقبوا إني معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم ~~يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) قوله تعالى: (بقية الله خير ~~لكم) فيه ثمانية أقوال: # أحدها: ما أبقى الله بكم الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، خير من البخس، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: رزق الله خير لكم، روى عن ابن عباس أيضا، وبه قال سفيان. # والثالث: طاعة الله خير لكم، قاله ms1048 مجاهد، والزجاج. # والرابع: حظكم من الله خير لكم، قاله قتادة. # والخامس: رحمة الله خير لكم، قال ابن زيد. PageV04P115 # والسادس: وصية الله خير لكم، قاله الربيع. # والسابع: ثواب الله في الآخرة خير لكم، قال مقاتل. # والثامن: مراقبة الله خير لكم، ذكره الفراء. # وقرأ الحسن البصري: " تقية الله خير لكم " بالتاء. # قوله تعالى: (إن كنتم مؤمنين) شرط الإيمان في كونه خيرا لهم، لأنهم إن ~~كانوا مؤمنين بالله عز وجل، عرفوا صحة ما يقول. # وفي قوله [عز وجل]: (وما أنا عليكم بحفيظ) ثلاثة أقوال: # أحدها: ما أمرت بقتالكم وإكراهكم على الإيمان. # والثاني: ما أمرت بمراقبتكم عند كيلكم لئلا تبخسوا. # والثالث: ما أحفظكم من عذاب الله إن نالكم. # قوله تعالى: (أصلواتك تأمرك) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: " أصلاتك ~~" على التوحيد. # وفي المراد بصلواته ثلاثة أقوال: # أحدها: دينه، قاله عطاء. # والثاني: قراءته، قاله الأعمش. # والثالث: أنها الصلوات المعروفة. وكان شعيب كثير الصلاة. # قوله تعالى: (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) قال الفراء: معنى الآية: ~~أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء؟ # وفي معنى الكلام على قراءة من قرأ بالنون قولان: # أحدهما: أن فعلهم في أموالهم هو البخس والتطفيف، قاله ابن عباس، فالمعنى: ~~قد تراضينا فيما بيننا بذلك. # والثاني: أنهم كانوا يقطعون الدراهم والدنانير، فنهاهم عن ذلك، قاله ابن ~~زيد. وقال القرظي: عذبوا في قطعهم الدراهم. قال ابن الأنباري: وقرأ الضحاك ~~بن قيس الفهري " ما تشاء " بالتاء، ونسق " أن تفعل " على " أن تترك "، ~~واستغنى عن الإضمار. قال سفيان الثوري: # في معنى هذه القراءة أنه أمرهم بالزكاة فامتنعوا. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي، والضحاك، وابن PageV04P116 # أبي عبلة: " أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء " بالتاء فيهما، ومعنى هذه ~~القراءة كمعنى قراءة الفهري. # وفي قوله [تعالى]: (إنك لأنت الحليم الرشيد) أربعة أقوال: # أحدها: أنهم قالوه استهزاء به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والفراء. # والثاني: أنهم قالوا له: إنك لأنت السفيه الجاهل، فكنى بهذا عن ms1049 ذلك، ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أنهم سبوه بأنه ليس بحليم ولا رشيد، فأثنى الله عز وجل عليه ~~فقال: بل إنك لأنت الحليم الرشيد، لا كما قال لك الكافرون، حكاه أبو سليمان ~~الدمشقي عن أبي الحسن المصيصي. # والرابع: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد حقيقة، وقالوا: أنت حليم رشيد، ~~فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ حكاه الماوردي، وذهب إلى نحوه ابن ~~كيسان. # قوله تعالى: (إن كنت على بينة من ربي) قد تقدم تفسيره. # وفي قوله [تعالى]: (ورزقني منه رزقا حسنا) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحلال، قال ابن عباس: وكان شعيب كثير المال. # والثاني: النبوة. # والثالث: العلم والمعرفة. # قال الزجاج: وجواب الشرط هاهنا متروك، والمعنى: إن كنت على بينة من ربي، ~~أتبع الضلال؟ فترك الجواب، لعلم المخاطبين بالمعنى، وقد مر مثل هذا. # قوله تعالى: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) قال قتادة: لم أكن ~~لأنهاكم عن أمر ثم ارتكبه. وقال الزجاج: ما أقصد بخلافكم القصد إلى ~~ارتكابه. # قوله تعالى: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) أي: ما أريد بما آمركم به ~~إلا إصلاح أموركم بقدر طاقتي. وقدر طاقتي: إبلاغكم لا إجباركم. # قوله تعالى: (وما توفيقي إلا بالله) فتح تاء " توفيقي " أهل المدينة، ~~وابن عامر. ومعنى الكلام: ما إصابتي الحق في محاولة صلاحكم إلى بالله. ~~(عليه توكلت) أي: فوضت أمري، وذلك أنهم تواعدوه بقولهم: (لنخرجنك يا شعيب) ~~(وإليه أنيب) أي: أرجع. # قوله تعالى: (لا يجرمنكم شقاقي) حرك هذه الياء ابن كثير، وأبو عمرو، ~~ونافع. قال PageV04P117 # الزجاج: لا تكسبنكم عداوتكم إياي أن تعذبوا. # قوله تعالى: (وما قوم لوط منكم ببعيد) فيه قولان: # أحدهما: أنهم كانوا قريبا من مساكنهم. # والثاني: أنهم كانوا حديثي عهد بعذاب قوم لوط. قال الزجاج: كان إهلاك قوم ~~لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها. قال ابن الأنباري: إنما وحد بعيدا، لأنه ~~أزاله عن صفة القوم، وجعله نعتا مكان محذوف، تقديره: وما قوم لوط منكم ~~بمكان بعيد. # قوله تعالى: (إن ربي رحيم ودود) قد سبق معنى الرحيم. # فأما الودود: فقال ابن ms1050 الأنباري: معناه: المحب لعباده، من قولهم: وددت ~~الرجل أوده ودا وودا، ويقال: وددت الرجل ودادا وودادة وودادة. وقال ~~الخطابي: هو اسم مأخوذ من الود، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون فعولا في محل مفعول، كما قيل: رجل هيوب، بمعنى مهيب، ~~وفرس ركوب، بمعنى مركوب، فالله سبحانه مودود في قلوب أوليائه لما يتعرفونه ~~من إحسانه إليهم. # والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الواد، أي: أنه يود عباده الصالحين، بمعنى ~~أنه يرضى عنهم بتقبل أعمالهم، ويكون معناه: أن يوددهم إلى خلقه، كقوله [عز ~~وجل]: (سيجعل لهم الرحمن ودا). # قوله تعالى: (ما نفقه كثيرا مما تقول) قال ابن الأنباري: معناه: ما نفقه ~~صحة كثير مما تقول، لأنهم كانوا يتدينون بغيره، ويجوز أن يكونوا لاستثقالهم ~~ذلك كأنهم لا يفقهونه. # قوله تعالى: (وإنا لنراك فينا ضعيفا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: ضريرا، قال ابن عباس، وابن جبير، وقتادة: كان أعمى. قال الزجاج: ~~ويقال: # إن حمير تسمي المكفوف ضعيفا. # والثاني: ذليلا، قاله الحسن، وأبو روق، ومقاتل. # وزعم أبو روق أن الله لم يبعث نبيا أعمى، ولا نبيا به زمانة. # والثالث: ضعيف البصر، قاله سفيان. # والرابع: عاجزا عن التصرف في المكاسب، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: (ولولا رهطك لرجمناك) قال الزجاج: لولا عشيرتك لقتلناك ~~بالرجم، والرجم PageV04P118 # من سئ القتلات، وكان رهطه من أهل ملتهم، فلذلك أظهروا الميل إليهم ~~والإكرام لهم. وذكر بعضهم أن الرجم هاهنا بمعنى الشتم والأذى. # قوله تعالى: (وما أنت علينا بعزيز) فيه قولان: # أحدهما: بكريم. # والثاني: بممتنع أن نقتلك. # قوله تعالى: (أرهطي أعز عليكم من الله) وأسكن ياء " رهطي " أهل الكوفة، ~~ويعقوب، والمعنى: أتراعون إذا رهطي في، ولا تراعون الله في؟ # قوله تعالى: (واتخذتموه وراءكم) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله الجمهور. قال الفراء: المعنى: ~~رميتم بأمر الله وراء ظهوركم. قال الزجاج: والعرب تقول لكل من لا يعبأ ~~بأمر: قد جعل فلان هذا الأمر بظهر، قال الشاعر: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي * بظهر فلا يعيا علي جوابها والثاني: أنها ~~كناية عما ms1051 جاء به شعيب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (إن ربي بما تعملون محيط) أي: عالم بأعمالكم، فهو يجازيكم ~~بها. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله: (سوف تعلمون). # فإن قال قائل: كيف قال هاهنا " سوف " وفي سورة أخرى " فسوف "؟. # فالجواب: أن كلا الأمرين حسن عند العرب، إن أدخلوا الفاء، دلوا على اتصال ~~ما بعد الكلام بما قبله، وإن أسقطوها، بنوا الكلام الأول على أنه قد تم، ~~وما بعده مستأنف، كقوله [تعالى]: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا ~~أتتخذنا هزوا) والمعنى: فقالوا: أتتخذنا، بالفاء، فحذفت الفاء لتمام ما ~~قبلها. قال امرؤ القيس: # فقالت يمين الله مالك حيلة * وما إن أرى عنك الغواية تنجلي خرجت بها أمشي ~~تجر وراءنا * على إثرنا أذيال مرط مرحل قال ابن الأنباري: أراد: فخرجت، ~~فأسقط الفاء لتمام ما قبلها. ويروى: فقمت بها أمشي. # قوله تعالى: (وارتقبوا إني معكم رقيب) قال ابن عباس: ارتقبوا العذاب، ~~فإني أرتقب الثواب. PageV04P119 # قوله تعالى: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة) قال المفسرون: صاح بهم جبريل ~~فماتوا في أمكنتهم. قال محمد بن كعب: عذب أهل مدين بثلاثة أصناف من العذاب، ~~أخذتهم رجفة في ديارهم، حتى خافوا أن تسقط عليهم، فخرجوا منها فأصابهم حر ~~شديد، فبعث الله الظلة، فتنادوا: هلم إلى الظل، فدخلوا جميعا في الظلة، ~~فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم. قال ابن عباس: لم تعذب أمتان قط بعذاب ~~واحد، إلا قوم شعيب وصالح، فأما قوم صالح، فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما ~~قوم شعيب، فأخذتهم من فوقهم، نشأت لهم سحابة كهيئة الظلة فيها ريح بعد أن ~~امتنعت الريح عنهم، فأتوها يستظلون تحتها فأحرقتهم. # قوله تعالى: (كما بعدت ثمود) أي: كما هلكت ثمود. # قال ابن قتيبة: يقال: بعد يبعد: إذا كان بعده هلكة، وبعد يبعد: إذا نأى. # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملأه فاتبعوا أمر ~~فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) ~~قال الزجاج: بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته (وسلطان مبين) أي: حجة بينة. # قوله تعالى: (فاتبعوا ms1052 أمر فرعون) وهو ما أمرهم به من عبادته واتخاذه ~~إلها. (وما أمر فرعون برشيد) أي: مرشد إلى خير. # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) قوله ~~تعالى: (يقدم قومه يوم القيامة) قال الزجاج: يقال: قدمت القوم أقدمهم، قدما ~~وقدوما: إذا تقدمتهم، والمعنى: يقدمهم إلى النار، ويدل عليه قوله [تعالى]: ~~(فأوردهم النار) قال ابن عباس: أوردهم بمعنى أدخلهم. وقال قتادة: يمضي بين ~~أيديهم حتى يهجم بهم على النار. # قوله تعالى: (وبئس الورد المورود) قال المفسرون: الورد: الموضع الذي ~~ترده. وقال ابن الأنباري: الورد: مصدر معناه: الورود، تجعله العرب بمعنى ~~الموضع المورود، فتلخيص PageV04P120 # الحرف: وبئس المدخل المدخول النار. # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) قوله تعالى: ~~(وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة). # في هذه اللعنة قولان: # أحدهما: أنها في الدنيا الغرق، وفي الآخرة عذاب النار، هذا قول الكلبي، ~~ومقاتل. # والثاني: أنها اللعنة في الدنيا من المؤمنين، وفي الآخرة من الملائكة، ~~ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (بئس الرفد المرفود) قال ابن قتيبة: الرفد: العطية، يقول: ~~اللعنة بئس العطية، يقال: رفدته أرفده: إذا أعطيته وأعنته. والمرفود: ~~المعطى. # ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) قوله تعالى: (ذلك من ~~أنباء القرى) يعني ما تقدم من الخبر عن القرى المهلكة. (تقصه عليك) أي: ~~نخبرك به (منها قائم وحصيد) قال قتادة: القائم: ما يرى مكانه، والحصيد: لا ~~يرى أثره. وقال ابن قتيبة: القائم: الظاهر العين، والحصيد: الذي قد أبيد ~~وحصد. وقال الزجاج: القائم: ما بقيت حيطانه، والحصيد: الذي خسف به وما قد ~~أمحى أثره. # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شئ لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) قوله تعالى: (وما ~~ظلمناهم) أي: بالعذاب والإهلاك. (ولكن ظلموا أنفسهم) بالكفر والمعاصي. (فما ~~أغنت عنهم آلهتهم) أي: فما نفعتهم ولا دفعت عنهم شيئا (لما جاء أمر ربك) ~~بالهلاك. (وما زادوهم) يعني الآلهة (غير تتبيب) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التخسير، رواه أبو صالح ms1053 عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، ~~واختاره ابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنه الشر، قاله ابن زيد. # والثالث: التدمير والإهلاك، قاله أبو عبيدة. PageV04P121 # فإن قيل: الآلهة جماد، فكيف قال: " زادوهم "؟ فعنه جوابان. # أحدهما: وما زادتهم عبادتها. # والثاني: أنها في القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا. # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ~~ذلك لأية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) ~~وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) قوله تعالى: (وكذلك أخذ ربك) أي: وكما ذكر ~~من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب أخذ ربك. (إذا أخذ القرى وهي ظالمة) وصف ~~القرى بالظلم، والمراد أهلها. وقال ابن عباس: # الظلم ها هنا: بمعنى الكفر. # قوله تعالى: (إن في ذلك لآية) يعني ما ذكر من عذاب الأمم وأخذهم. والآية: ~~العبرة والعظة. (ذلك يوم مجموع له الناس) لأن الخلق يحشرون فيه، ويشهده ~~البر والفاجر، وأهل السماء والأرض.. (وما نؤخره) وروى زيد عن يعقوب، وأبو ~~زيد عن المفضل " وما يؤخره بالياء " والمعنى: وما نؤخر ذلك اليوم إلا لوقت ~~معلوم لا يعلمه إلا الله [عز وجل]. # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) فأما الذين شقوا ~~ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) ~~قوله تعالى: (يوم يأت) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي: " يوم ~~يأتي " بياء في الوصل، وحذفوها في الوقف، غير أن ابن كثير كان يقف بالياء، ~~ويصل بالياء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة بغير ياء في الوصل والوقف. قال ~~الزجاج: الذي يختاره النحويون " يوم يأتي " PageV04P122 # بإثبات الياء، والذي في المصحف وعليه أكثر القراءات بكسر التاء، وهذيل ~~تستعمل حذف هذه الياءات كثيرا. وقد حكى الخليل، وسيبويه، أن العرب تقول: لا ~~أدر، فتحذف الياء، وتجتزئ بالكسرة، ويزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. ms1054 وقال ~~الفراء: كل ياء ساكنة وما قبلها مكسور، أو واو ساكنة وما قبلها مضموم، فإن ~~العرب تحذفهما وتجتزئ بالكسرة من الياء وبالضمة من الواو، وأنشدني بعضهم: # كفاك كف ما تليق درهما * جودا وأخرى تعط بالسيف الدما قال المفسرون: ~~وقوله [تعالى]: (يوم يأتي) يعني: يأتي ذلك اليوم، لا تكلم نفس إلا بإذن ~~الله، فكل الخلائق ساكتون، إلا من أذن الله له في الكلام. وقيل: المراد ~~بهذا الكلام الشفاعة. # قوله تعالى: (فمنهم شقي) قال ابن عباس: منهم من كتبت عليه الشقاوة، ومنهم ~~من كتبت له السعادة. # قوله تعالى: (لهم فيها زفير وشهيق) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الزفير كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، والشهيق كشهيق ~~الحمار في الحلق، وهو آخر ما يفرغ من نهيقه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال الضحاك، ومقاتل، والفراء. وقال الزجاج: الزفير: شديد الأنين ~~وقبيحه، والشهيق: الأنين الشديد المرتفع جدا، وهما من أصوات المكروبين. ~~وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار ~~في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته في النهيق. # والثاني: أن الزفير في الحلق، والشهيق في الصدور، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس، وبه قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ~~الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف. وقال ابن فارس: الشهيق ضد ~~الزفير، لأن الشهيق رد النفس، والزفير إخراج النفس. وقال غيره: الزفير: ~~الشديد، مأخوذ من الزفر، وهو الحمل على الظهر لشدته، والشهيق: النفس الطويل ~~الممتد، مأخوذ من قولهم: جبل شاهق، أي: طويل. # والثالث: أن الزفير زفير الحمار، والشهيق شهيق البغال، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) المعروف فيه قولان: # أحدهما: أنها السماوات المعروفة عندنا، والأرض المعروفة. قال ابن قتيبة، ~~وابن الأنباري: للعرب في معنى الأبد ألفاظ، تقول: لا أفعل ذلك ما اختلف ~~الليل والنهار، وما دامت السماوات والأرض، وما اختلفت الحرة والدرة، وما ~~أطت الإبل، في أشباه لهذا كثيرة، ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، ~~فخاطبهم الله ms1055 بما يستعملون في كلامهم. PageV04P123 # والثاني: أنها سماوات الجنة والنار وأرضهما. # قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك) في الاستثناء المذكور في حق أهل النار سبعة ~~أقوال: # أحدها: أن الاستثناء في حق الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة، قاله ابن ~~عباس، والضحاك. # والثاني: أنه استثناء لا يفعله، تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، ~~وعزيمتك على ضربه، ذكره الفراء، وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس: " إلا ~~ما شاء ربك " قال: فقد شاء أن يخلدوا فيها. قال الزجاج: وفائدة هذا، أنه لو ~~شاء أن يرحمهم لرحمهم، ولكنه أعلمنا أنهم خالدون أبدا. # والثالث: أن المعنى: خالدين فيها أبدا، غير أن الله تعالى يأمر النار ~~فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم، فيرجع الاستثناء إلى تلك الحال، قاله ابن ~~مسعود. # والرابع: أن " إلا " بمعنى " سوى " تقول: لو كان معنا رجل إلا زيد، أي: ~~سوى زيد، فالمعنى: خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض سوى ما شاء ربك ~~من الخلود والزيادة، وهذا اختيار الفراء. قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام ~~أن تقول: لأسكننك في هذه الدار حولا إلا ما شئت، تريد: سوى ما شئت أن ~~أزيدك. # والخامس: أنهم إذا حشروا وبعثوا، فهم في شروط القيامة، فالاستثناء واقع ~~في الخلود بمقدار موقفهم في الحساب، فالمعنى: خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا مقدار موقفهم للمحاسبة، ذكره الزجاج. وقال ابن كيسان: الاستثناء ~~يعود إلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب، قال ابن قتيبة: فالمعنى: ~~خالدين في النار وخالدين في الجنة دوام السماء والأرض إلا ما شاء ربك من ~~تعميرهم في الدنيا قبل ذلك، فكأنه جعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد على ~~ما كانت العرب تستعمل، وإن كانتا قد تتغيران. واستثنى المشيئة من دوامهما، ~~لأن أهل الجنة والنار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في ~~الدنيا، لا في الجنة، ولا في النار. # والسادس: أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيرا وشهيقا، إلا ما شاء ربك ~~من أنواع العذاب التي لم تذكر، وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر، ms1056 ولهم مما لم ~~يذكر ما شاء ربك، ذكره الزجاج أيضا. # والسابع: أن " إلا " بمعنى " كما "، ومنه قوله [تعالى]: (ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف)، ذكره الثعلبي. PageV04P124 # فأما الاستثناء في حق أهل الجنة، ففيه ستة أقوال: # أحدها: أنه استثناء لا يفعله. # والثاني: أن " إلا " بمعنى " سوى ". # والثالث: أنه يرجع إلى وقوفهم للحساب ولبثهم في القبور. # والرابع: أنه بمعنى: إلا ما شاء أن يزيدهم من النعيم الذي لم يذكر. # والخامس: أن " إلا " بمعني " كما " وهذه الأقوال قد سبق شرحها. # والسادس: أن الاستثناء يرجع إلى لبث من لبث في النار من الموحدين، ثم ~~أدخل الجنة، قاله ابن عباس، والضحاك، ومقاتل. قال ابن قتيبة: فيكون ~~الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار، فكأنه قال: إلا ~~ما شاء ربك من إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة إلا ما شاء ربك ~~من إدخال المذنبين النار مدة. # واختلف القراء في " سعدوا " فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: " سعدوا " بفتح السين. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: بضمها، وهما لغتان. # قوله تعالى: (عطاء غير مجذوذ) نصب عطاء بما دل عليه الكلام، كأنه قال: ~~أعطاهم النعيم عطاء. والمجذوذ: المقطوع، قال ابن قتيبة: يقال: جذذت، وجددت، ~~وجذفت، وجدفت: إذا قطعت. # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) قوله تعالى: (فلا تك في مرية) أي: فلا ~~تك يا محمد في شك (مما يعبد هؤلاء PageV04P125 # المشركون من الأصنام، أنه باطل وضلال، إنما يقلدون آباءهم، (وإنا لموفوهم ~~نصيبهم) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما قدر لهم من خير وشر، قاله ابن عباس. # والثاني: نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية. # والثالث: نصيبهم من العذاب، قاله ابن زيد. وقال بعضهم: لا ينقصهم من عذاب ~~آبائهم. # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (110) قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى ms1057 الكتاب) يعني ~~التوراة (فاختلف فيه) فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن. قال ~~المفسرون: وهذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك) قال ابن عباس: يريد: إني أخرت أمتك ~~إلى يوم القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك. وقال ابن قتيبة: لولا نظرة ~~لهم إلى يوم الدين لقضي بينهم في الدنيا. وقال ابن جرير: سبقت من ربك أنه ~~لا يعجل على خلقه بالعذاب، لقضي بين المصدق منهم والمكذب بإهلاك المكذب ~~وإنجاء المصدق. # قوله تعالى: (وإنهم لفي شك منه) أي: من القرآن (مريب) أي: موقع للريب. # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) قوله تعالى: ~~(وإن كلا) يشير إلى جميع من قص قصته في هذه السورة. وقال مقاتل: # يعني به كفار هذه الأمة. وقيل: المعنى: وإن كلا لخلق أو بشر (ليوفينهم). ~~قرأ أبو عمرو، والكسائي " وإن " مشددة النون، " لما " خفيفة. واللام في " ~~لما " لام التوكيد، دخلت على " ما " وهي خبر " إن ". واللام في " ليوفينهم ~~" اللام التي يتلقى بها القسم، والتقدير: والله ليوفينهم، ودخلت " ما " ~~للفصل بين اللامين. قال مكي بن أبي طالب: وقيل: إن " ما " زائدة، لكن دخلت ~~لتفصل بين اللامين اللذين يتلقيان القسم وكلاهما مفتوح، ففصل ب‍ " ما " ~~بينهما. وقرأ ابن كثير " وإن " بالتخفيف، وكذلك " لما ". قال سيبويه: حدثنا ~~من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: PageV04P126 # إن عمرا لمنطلق، فيخففون " إن " ويعملونها، وأنشد: # ووجه حسن النحر * كأن ثدييه حقان وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: " وإن " ~~خفيفة، " لما " مشددة، والمعنى: وما كلا إلا، وهذا كما تقول: سألتك لما ~~فعلت، وإلا فعلت، ومثله قوله: (إن كل نفس لما عليها حافظ) وقرأ حمزة، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: " وإن " بالتشديد، " لما " بالتشديد أيضا. قال أبو ~~علي: هذه قراءة مشكلة، لأنه كما لا يحسن: إن زيدا إلا منطلق، كذلك لا يحسن ~~تثقيل " إن " وتثقيل " لما ". وحكى عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه ~~التثقيل في " لما "، ولم يبعد فيما قال. وقال ms1058 مكي بن أبي طالب: الأصل فيها ~~" لمن ما " ثم أدغمت النون في الميم، فاجتمعت ثلاث ميمات في اللفظ، فحذفت ~~الميم المكسورة، والتقدير: وإن كلا لمن خلق ليوفينهم. قال: # وقيل: التقدير: " لمن ما " بفتح الميم في " من " فتكون " ما " زائدة، ~~وتحذف إحدى الميمات لتكرير الميم في اللفظ، والتقدير: لخلق ليوفينهم، ومعنى ~~الكلام: ليوفينهم جزاء أعمالهم. # فاستقيم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) قوله ~~تعالى: (فاستقم كما أمرت) قال ابن عيينة: استقم على القرآن. وقال ابن ~~قتيبة: # امض على ما أمرت به. # قوله تعالى: (ومن تاب معك) قال ابن عباس: من تاب معك من الشرك. # قوله تعالى: (ولا تطغوا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تطغوا في القرآن، فتحلوا وتحرموا ما لم آمركم به، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: لا تعصوا ربكم ولا تخالفوه، قاله ابن زيد. # والثالث: لا تخلطوا التوحيد بشك، قاله مقاتل. # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ~~ثم لا تنصرون (113) قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) روى عبد ~~الوارث عن أبي عمرو: " تركنوا " بفتح التاء وضم الكاف، وهي قراءة قتادة. ~~وروى هارون عن أبي عمرو " تركنوا " بفتح التاء وكسر الكاف. وروى محبوب عن ~~أبي عمرو: " تركنوا " بكسر التاء وفتح الكاف. وقرأ ابن أبي عبلة " تركنوا " ~~بضم التاء وفتح الكاف على ما لم يسم فاعله. وفي المراد بهذا الركون أربعة ~~أقوال. PageV04P127 # أحدها: لا تميلوا إلى المشركين، قاله ابن عباس. # والثاني: لا ترضوا أعمالهم، قاله أبو العالية. # والثالث: لا تلحقوا بالمشركين، قاله قتادة. # والرابع: لا تداهنوا الظلمة، قاله السدي، وابن زيد. # وفي قوله (فتمسكم النار) وجهان. أحدهما: فتصيبكم النار، قاله ابن عباس. # والثاني: فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما جاورها، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: (وما لكم من دون الله من أولياء) أي: ليس لكم أعوان يمنعونكم ~~من العذاب. # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين (114) قوله تعالى: (وأقم الصلاة ms1059 طرفي النهار) أما سبب ~~نزولها، فروى علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إني أخذت امرأة في البستان فقبلتها، وضممتها إلي، وباشرتها، وفعلت ~~بها كل شئ، غير أني لم أجامعها، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ~~تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار...) الآية، فدعا الرجل فقرأها عليه، فقال ~~عمر: أهي له خاصة، أم للناس كافة؟ قال: " لا، بل للناس كافة ". وفي رواية ~~أخرى عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله، فذكر ذلك ~~له، فنزلت هذه الآية، فقال الرجل: إلي هذه الآية؟ # فقال: " لمن عمل بها من أمتي ". وقال معاذ بن جبل: كنت قاعدا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل ~~أصاب من امرأة ما لا يحل له، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا أصابه ~~منها، غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " توضأ وضوءا ~~حسنا، ثم قم فصل "، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال معاذ: أهي له خاصة، ~~أم للمسلمين عامة؟ # فقال: " بل هي للمسلمين عامة ". واختلفوا في اسم هذا الرجل، فقال أبو ~~صالح عن ابن عباس: هو عمرو بن غزية الأنصاري، وفيه نزلت هذه الآية، كان ~~يبيع التمر، فأتته امرأة تبتاع منه تمرا، فأعجبته، فقال: إن في البيت تمرا ~~أجود من هذا، فانطلقي معي حتى أعطيك منه، فذكر PageV04P128 # نحو حديث معاذ. وقال مقاتل: هو أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري. وذكر أحمد ~~بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري. وذكر في ~~الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم، أله خاصة؟ ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أبو اليسر صاحب القصة. # والثاني: معاذ بن جبل. # والثالث: عمر بن الخطاب. # فأما التفسير، فقوله [عز وجل]: (وأقم الصلاة) أي: أتم ركوعها وسجودها. # فأما طرفا النهار، ففي الطرف الأول قولان: # أحدهما: أنه صلاة الفجر، قاله الجمهور. # والثاني: أنه الظهر، حكاه ابن ms1060 جرير. # وفي الطرف الثاني ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه صلاة المغرب، قاله ابن عباس، وابن زيد. # والثاني: العصر، قاله قتادة. وعن الحسن كالقولين. # والثالث: الظهر، والعصر، قاله مجاهد، والقرظي. وعن الضحاك كالأقوال ~~الثلاثة: # قوله تعالى: (وزلفا من الليل) وقرأ أبو جعفر، وشيبة " وزلفا " بضم اللام. ~~قال أبو عبيدة: الزلف: الساعات، واحدها: زلفة، أي: ساعة ومنزلة وقربة، ومنه ~~سميت المزدلفة، قال العجاج: # ناج طواه الأين مما أوجفا * طي الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى ~~احقوقفا قال ابن قتيبة: ومنه يقال: أزلفني كذا عندك، أي: أدناني، والمزالف: ~~المنازل والدرج، وكذلك الزلف. # وفيها للمفسرين قولان: # أحدهما: أنها صلاة العتمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعوف عن ~~الحسن، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ابن زيد. # والثاني: أنها صلاة المغرب والعشاء، روي عن ابن عباس أيضا، ورواه يونس عن ~~الحسن، ومنصور عن مجاهد، وبه قال قتادة، ومقاتل، والزجاج. # قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) في المراد بالحسنات قولان: ~~PageV04P129 # أحدهما: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، ~~ومسروق، ومجاهد، والقرظي، والضحاك، والمقاتلان: ابن سليمان، وابن حيان. # والثاني: أنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ~~رواه منصور عن مجاهد. والأول أصح، لأن الجمهور عليه، وفيه حديث مسند عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه توضأ، وقال: " من توضأ وضوئي هذا، ثم صلى الظهر، غفر له ما ~~كان بينها وبين صلاة الصبح، ومن صلى العصر، غفر له ما بينها وبين صلاة ~~الظهر، ومن صلى المغرب، غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء، ~~غفر له ما بينها وبين صلاة المغرب، ثم لعله أن يبيت ليلته يتمرغ، ثم إن قام ~~فتوضأ وصلى الصبح، غفر له ما بينه وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن ~~السيئات ". # فأما السيئات المذكورة ها هنا، فقال المفسرون: هي الصغائر من الذنوب. وقد ~~روى معاذ ابن جبل، قال: قلت: يا رسول الله، ms1061 أوصني، قال: " اتق الله حيثما ~~كنت "، قال: قلت: # زدني، قال: " أتبع السيئة الحسنة تمحها "، قلت: زدني، قال: " خالق الناس ~~بخلق حسن ". # قوله تعالى: (ذلك ذكرى للذاكرين) في المشار إليه ب‍ (ذلك) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه القرآن. # والثاني: إقام الصلاة. # والثالث: جميع ما تقدم من الوصية بالاستقامة، والنهي عن الطغيان، وترك ~~الميل إلى الظالمين، والقيام بالصلاة. # وفي المراد بالذكرى قولان: # أحدهما: أنه بمعنى التوبة. # والثاني: بمعنى العظة. # واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) قوله تعالى: (واصبر) فيما أمر ~~بالصبر عليه قولان: # أحدهما: لما يلقاه من أذى قومه. PageV04P130 # والثاني: الصلاة. # وفي المراد بالمحسنين ثلاثة أقوال: # أحدها: المصلون، قاله ابن عباس. # والثاني: المخلصون، قاله مقاتل. # والثالث: أنهم المحسنون في أعمالهم، قاله أبو سليمان. # فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) قوله تعالى: (فلولا كان من القرون) قال ابن عباس، والفراء: المعنى: ~~فلم يكن. وقال ابن قتيبة: المعنى: فهلا كان من القرون من قبلكم أولو بقية. ~~وروى ابن جماز عن أبي جعفر (أولو بقية) بكسر الباء وسكون القاف وتخفيف ~~الياء. # وفي معنى " أولو بقية " ثلاثة أقوال: # أحدها: أولو دين، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: يقال: قوم لهم بقية، ~~وفيهم بقية: إذا كانت بهم مسكة وفيهم خير. # والثاني: أولو تمييز. # والثالث: أولو طاعة، ذكرهما الزجاج، وقال: إذا قلت: فلان فيه بقية، ~~فمعناه: فيه فضل. # قوله تعالى: (إلا قليلا) استثناء منقطع، أي: لكن قليلا ممن أنجينا منهم ~~ممن نهى عن الفساد. قال مقاتل: لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي والشرك ~~إلا قليلا ممن أنجينا من العذاب مع الرسل. # قوله تعالى: (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه) أي: اتبعوا مع ظلمهم ما ~~أترفوا فيه مع استدامة نعيمهم، فلم يقبلوا ما ينقص من ترفهم. قال الفراء: ~~آثروا اللذات على أمر الآخرة. # قال: ويقال: اتبعوا ذنوبهم السيئة إلى النار. # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ms1062 مصلحون (117) PageV04P131 # قوله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم) فيه قولان: # أحدهما: بغير جرم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: بشرك، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان. وفي قوله: (وأهلها مصلحون) ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: ينتصف بعضهم من بعض، رواه قيس بن أبي حازم عن جرير. قال أبو جعفر ~~الطبري: فيكون المعنى: لا يهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين، وإنما ~~يهلكهم إذا تظالموا. # والثاني: مصلحون لأعمالهم، متمسكون بالطاعة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: مؤمنون، قاله مقاتل. # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) ~~قوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) قال ابن عباس: لو شاء أن ~~يجعلهم كلهم مسلمين لفعل. # قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين) في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم أهل الحق وأهل الباطل، رواه الضحاك عن ابن عباس، فيكون ~~المعنى: إن هؤلاء يخالفون هؤلاء. # والثاني: أنهم أهل الأهواء لا يزالون مختلفين، رواه عكرمة عن ابن عباس. # قوله تعالى: (إلا من رحم ربك) قال ابن عباس: هم أهل الحق، وقال الحسن: ~~أهل رحمة الله لا يختلفون. # قوله تعالى: (ولذلك خلقهم) في المشار إليه بذلك أربعة أقوال: # أحدها: أنه يرجع إلى ما هم عليه. قال ابن عباس: خلقهم فريقين، فريقا يرحم ~~فلا يختلف، وفريقا لا يرحم يختلف. # والثاني: أنه يرجع إلى الشقاء والسعادة، قاله ابن عباس أيضا، واختاره ~~الزجاج، قال: لأن اختلافهم مؤديهم إلى سعادة وشقاوة. قال ابن جرير: واللام ~~في قوله: " ولذلك " بمعنى " على ". PageV04P132 # والثالث: أنه يرجع إلى الاختلاف، رواه مبارك عن الحسن. # والرابع: أنه يرجع إلى الرحمة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~ومجاهد، والضحاك، وقتادة، فعلى هذا يكون المعنى: ولرحمته خلق الذين لا ~~يختلفون في دينهم. # قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك) قال ابن عباس: وجب قول ربك: (لأملأن جهنم) ~~من كفار الجنة، وكفار الناس. # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ms1063 وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) قوله تعالى: (وكلا نقص) قال الزجاج: " كلا " منصوب ب‍ ~~" نقص "، المعنى: كل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك. و " ما " ~~منصوبة بدلا من كل، المعنى: نقص عليك ما نثبت به فؤادك، ومعنى تثبيت الفؤاد ~~تسكين القلب ها هنا، ليس للشك، ولكن كلما كان البرهان والدلالة أكثر، كان ~~القلب أثبت. # قوله تعالى: (وجاءك في هذه الحق) في المشار إليه ب‍ " هذه " أربعة أقوال: # أحدها: أنها السورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير وأبو العالية، ~~ورواه شيبان عن قتادة. # والثاني: أنها الدنيا، فالمعنى: وجاءك في هذه الدنيا، رواه سعيد عن ~~قتادة، وعن الحسن كالقولين. # والثالث: أنها الأقاصيص المذكورة. # والرابع: أنها هذه الآية بعينها، ذكر القولين ابن الأنباري. # وفي المراد بالحق ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها البيان. # والثاني: صدق القصص والأنباء. # والثالث: النبوة. # فإن قيل: أليس قد جاءه الحق في كل القرآن، فلم خص هذه السورة؟ ~~PageV04P133 # فالجواب أنا إن قلنا: إن الحق النبوة، فالإشارة ب‍ " هذه " إلى الدنيا، ~~فيكون المعنى: # وجاءك في هذه الدنيا النبوة، فيرتفع الإشكال. وإن قلنا: إنها السورة، ~~فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أن المراد بالحق البيان، وهذه السورة جمعت من تبيين إهلاك الأمم، ~~وشرح مآلهم، ما لم يجمع غيرها، فبان أثر التخصيص، وهذا مذهب بعض المفسرين. # والثاني: أن بعض الحق أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا، ولهذا ~~يقول الناس: # فلان في الحق، إذا كان في الموت، وإن لم يكن قبله في باطل، ولكن لتعظيم ~~ما هو فيه، فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره، وهذا مذهب ~~الزجاج. # والثالث: أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها، وإن كان في غيرها حق أيضا، ~~فهو كقوله [عز وجل]: (والصلاة الوسطى)، وقوله [عز وجل]: (وجبريل وميكال)، ~~وهذا مذهب ابن الأنباري. # والرابع: أن المعنى: وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك من سائر السور، ~~قاله ابن جرير الطبري. # قوله تعالى: (وموعظة وذكرى للمؤمنين) أي: يتعظون إذا سمعوا هذه السورة ms1064 ~~وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم. # وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (121) وانتظروا إنا ~~منتظرون (122) قوله تعالى: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم) هذا ~~تهديد ووعيد، والمعنى: # اعملوا ما أنتم عاملون، فستعلمون عاقبة أمركم، (وانتظروا) ما يعدكم ~~الشيطان (إنا منتظرون) ما يعدنا ربنا. # فصل قال المفسرون: وهذه الآية اقتضت تركهم على أعمالهم، والاقتناع ~~بإنذارهم، وهي منسوخة بآية السيف. # واعلم أنه إذا قلنا: إن المراد بالآية التهديد، لم يتوجه نسخ. ~~PageV04P134 # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ~~ربك بغافل عما تعملون (123) قوله تعالى: (ولله غيب السماوات والأرض) أي: ~~علم ما غاب عن العباد فيهما. (وإليه يرجع الأمر كله) قرأ نافع، وحفص عن ~~عاصم " يرجع الأمر كله " بضم الياء. وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم " يرجع ~~" بفتح الياء، والمعنى: إن كل الأمور ترجع إليه في المعاد. (فاعبده) أي: ~~وحده. (وتوكل عليه) أي: ثق به. (وما ربك بغافل عما يعملون) قرأ نافع، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم " تعملون " بالتاء. وقرأ الباقون بالياء. قال أبو علي: ~~فمن قرأ بالتاء، فالمعنى: قل لهم: وما ربك بغافل عما يعملون. ومن قرأ ~~بالياء، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، ~~فهو أعم من التاء، وهذا وعيد، والمعنى: إنه يجزي المحسن بإحسانه، والمسئ ~~بإساءته. قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة " هود ". PageV04P135 # (12) سورة يوسف مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة بسم الله الرحمن الرحيم آلر ~~تلك آيات الكتاب المبين (1) فصل في نزولها هي مكية بالإجماع. وفي سبب ~~نزولها قولان: أما القول الأول، فروي عن سعد بن أبي وقاص قال: أنزل القرآن ~~على رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول ~~الله، لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: (آلر. تلك آيات الكتاب المبين) إلى ~~قوله [تعالى]: # (نحن نقص عليك أحسن القصص)، فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو ~~حدثتنا، فأنزل الله تعالى (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني) كل ~~ذلك يؤمرون بالقرآن. وقال عون بن ms1065 عبد الله: مل أصحاب رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] ملة، فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله تعالى: # (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني)، ثم إنهم ملوا ملة أخرى، ~~فقالوا: يا رسول الله، فوق الحديث، ودون القرآن، يعنون القصص، فأنزل الله: ~~(نحن نقص عليك أحسن القصص)، فأراد الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا ~~القصص، فدلهم على أحسن القصص. # والثاني: رواه الضحاك عن ابن عباس قال: سألت اليهود النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، فأنزل الله عز وجل: ~~(الر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربيا) وذلك أن التوراة ~~بالعبرانية، والإنجيل بالسريانية، وأنتم قوم عرب، ولو أنزلته بغير العربية ~~ما فهمتموه. وقد بينا تفسير أول هذه السورة في أول [سورة] يونس، إلا أنه قد ~~ذكر ابن الأنباري زيادة وجه في هذه السورة. فقال: لما لحق أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ملل وسآمة، فقالوا له: حدثنا PageV04P136 # بما يزيل عنا هذا الملل، فقال: تلك الأحاديث التي تقدرون الانتفاع بها ~~وانصراف الملل، هي آيات الكتاب المبين. # وفي معنى " المبين " خمسة أقوال: # أحدها: البين حلاله وحرامه، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: المبين للحروف التي تسقط عن ألسن الأعاجم، رواه خالد بن معدان ~~عن معاذ بن جبل. # والثالث: البين هداه ورشده، قاله قتادة. # والرابع: المبين للحق من الباطل. # والخامس: البين إعجازه فلا يعارض، ذكرهما الماوردي. # إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2) قوله تعالى: (إنا أنزلناه) في ~~هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله الجمهور. # والثاني: إلى خبر يوسف، ذكره الزجاج، وابن القاسم. # قوله تعالى: (قرآنا عربيا) قد ذكرنا معنى القرآن واشتقاقه في سورة ~~النساء. وقد اختلف الناس، هل في القرآن شئ بغير العربية، أم لا، فمذهب ~~أصحابنا أنه ليس فيه شئ بغير العربية. وقال أبو عبيدة: من زعم أن في القرآن ~~لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول، واحتج بقوله: (إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا) وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة أن ms1066 فيه من غير لسان العرب، ~~مثل " سجيل " و " المشكاة " و " اليم " و " الطور " و " أباريق " و " ~~إستبرق " وغير ذلك. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قال أبو عبيد: ~~وهؤلاء أعلم من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب، وذهب هو إلى غيره، ~~وكلاهما مصيب إن شاء الله، وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، ~~فقال: أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها فعربته فصار عربيا ~~بتعريبها إياه، فهي عربية في هذه الحالة، أعجمية الأصل، فهذا القول يصدق ~~الفريقين جميعا. # قوله تعالى: (لعلكم تعقلون) قال ابن عباس: لكي تفهموا. PageV04P137 # نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين (3) قوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص) قد ذكرنا سبب نزولها ~~في أول الكلام. # وقد خصت بسبب آخر، فروي عن سعيد بن جبير قال: اجتمع أصحاب محمد عليه ~~السلام إلى سلمان، فقالوا: حدثنا عن التوراة فإنها حسن ما فيها، فأنزل الله ~~تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص) يعني: قصص القرآن أحسن مما في التوراة. ~~قال الزجاج: والمعنى نحن نبين لك أحسن البيان، والقاص: الذي يأتي بالقصة ~~على حقيقتها قال: وقوله [تعالى]: (بما أوحينا إليك) أي: بوحينا إليك هذا ~~القرآن. # قال العلماء: وإنما سميت قصة يوسف أحسن القصص، لأنها جمعت ذكر الأنبياء، ~~والصالحين، والملائكة، والشياطين، والأنعام، وسير الملوك، والمماليك، ~~والتجار، والعلماء، والرجال، والنساء، وحيلهن، وذكر التوحيد، والفقه، ~~والسر، وتعبير الرؤيا، والسياسة، والمعاشرة، وتدبير المعاش، والصبر على ~~الأذى، والحلم، والعز، والحكم، إلى غير ذلك من العجائب. # قوله تعالى: (وإن كنت) في " إن " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى " قد ". # والثاني: بمعنى " ما " قوله تعالى: (من قبله) قال ابن عباس: من قبل نزول ~~القرآن (لمن الغافلين) عن علم خبر يوسف وما صنع به إخوته. # إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين (4) قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين (5) قوله تعالى: ms1067 (إذ قال يوسف لأبيه) في " إذ " ~~قولان: # أحدهما: أنها صلة للفعل المتقدم، والمعنى: نحن نقص عليك إذ قال يوسف. # والثاني: أنها صلة لفعل مضمر، تقديره: اذكر إذ قال يوسف، ذكرهما الزجاج، ~~وابن الأنباري. PageV04P138 # قوله تعالى: (يا أبت) قرأ أبو جعفر، وابن عامر بفتح التاء، ووقفا بالهاء، ~~وافقهما ابن كثير في الوقف بالهاء، وقرأ الباقون بكسر التاء. فمن فتح ~~التاء، أراد: يا أبتا، فحذف الألف كما تحذف الياء، فبقيت الفتحة دالة على ~~الألف، كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء. ومن وقف على الهاء، فلأن تاء ~~التأنيث تبدل منها الهاء في الوقف. وقرأ أبو جعفر أحد عشر، وتسعة عشر، ~~بسكون العين فيهما. # وفيما رآه يوسف قولان: # أحدهما: أنه رأى الشمس والقمر والكواكب، وهو قول الأكثرين. قال الفراء: ~~وإنما قال: # " رأيتهم " على جمع ما يعقل، لأن السجود فعل ما يعقل، كقوله [تعالى] (يا ~~أيها النمل ادخلوا مساكنكم). قال المفسرون: كانت الكواكب في التأويل إخوته، ~~والشمس أمه، والقمر أباه، فلما قصها على يعقوب أشفق من حسد إخوته. وقال ~~السدي: الشمس أبوه، والقمر خالته، لأن أمه كانت قد ماتت. # والثاني: أنه رأي أبويه وإخوته ساجدين له، فكنى عن ذكرهم، وهذا مروي عن ~~ابن عباس، وقتادة. فأما تكرار قوله [تعالى]: (رأيتهم) فقال الزجاج: إنما ~~كرره لما طال الكلام توكيدا. # وفي سن يوسف لما رأى هذا المنام ثلاثة أقوال: # أحدها: سبع سنين. # والثاني: اثنتا عشرة سنة. # والثالث: سبع عشرة سنة. # قال المفسرون: علم يعقوب أن إخوة يوسف يعلمون تأويل رؤياه، فقال: (لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا)، قال ابن قتيبة: يحتالوا لك حيلة ~~ويغتالوك. وقال غيره: # اللام صلة، والمعنى: فيكيدوك. والعدو المبين: الظاهر العداوة. # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) ~~قوله تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك) قال الزجاج، وابن الأنباري: ومثل ما رأيت ~~من الرفعة والحال الجليلة، يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك. وقد شرحنا في ms1068 ~~الأنعام معنى PageV04P139 # الاجتباء. وقال ابن عباس: يصطفيك بالنبوة. # قوله تعالى: (ويعلمك من تأويل الأحاديث) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تعبير الرؤيا، قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة، فعلى هذا سمي ~~تأويلا لأنه بيان ما يؤول أمر المنام إليه. # والثاني: أنه العلم والحكمة، قاله ابن زيد. # والثالث: تأويل أحاديث الأنبياء والأمم والكتب، ذكره الزجاج. قال مقاتل: ~~و " من " ها هنا صلة. # قوله تعالى: (ويتم نعمته عليك) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بالنبوة، قاله ابن عباس. # والثاني: بإعلاء الكلمة. # والثالث: بأن أحوج إخوته إليه حتى أنعم عليهم، ذكرهما الماوردي. وفي (آل ~~يعقوب) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم ولده، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يعقوب وامرأته وأولاده الأحد عشر، أتم عليهم نعمته بالسجود ~~ليوسف، قاله مقاتل. # والثالث: أهله، قاله أبو عبيدة، واحتج بأنك إذا صغرت الآل، قلت: أهيل. # قوله تعالى: (كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق) قال عكرمة: ~~فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار، ونعمته على إسحاق أن نجاه من الذبح. # قوله تعالى: (إن ربك عليم) أي: عليم حيث يضع النبوة (حكيم) في تدبير ~~خلقه. # * لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) قوله تعالى: (لقد كان في ~~يوسف وإخوته) أي: في خير يوسف وقصة إخوته آيات أي: # عبر لمن سأل عنهم، فكل حال من أحواله آية. وقرأ ابن كثير " آية ". قال ~~المفسرون: وكان اليهود قد سألوا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عن قصة ~~يوسف، فأخبرهم بها كما في التوراة، فعجبوا من ذلك. # وفي وجه هذه الآيات خمسة أقوال: # أحدها: الدلالة على صدق محمد عليه السلام حين أخبر أخبار قوم لم يشاهدهم، ~~ولا نظر في الكتب. PageV04P140 # والثاني: ما أظهر الله في قصة يوسف من عواقب البغي عليه. # والثالث: صدق رؤياه وصحة تأويله. # والرابع: ضبط نفسه وقهر شهوته حتى قام بحق الأمانة. # والخامس: حدوث السرور بعد اليأس. # فإن قيل: لم خص السائلين، ولغيرهم فيها آيات أيضا؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن المعنى: للسائلين، وغيرهم، فاكتفى بذكر السائلين من غيرهم، ~~كما اكتفى بذكر الحر ms1069 من البرد في قوله [تعالى]: (تقيكم الحر). # والثاني: أنه إذا كان للسائلين عن خبر يوسف آية، كان لغيرهم آية أيضا، ~~وإنما خص السائلين، لأن سؤالهم نتج الأعجوبة وكشف الخبر. # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال ~~مبين (8) قوله تعالى: (إذ قالوا) يعني إخوة يوسف. (ليوسف وأخوه) يعنون بن ~~يامين. وإنما قيل له: ابن يامين، لأن أمه ماتت نفساء. ويامين بمعنى الوجع، ~~وكان أخاه لأمه وأبيه. والباقون إخوته لأبيه دون أمه. # فأما العصبة، فقال الزجاج: هي في اللغة الجماعة الذين أمرهم واحد يتابع ~~بعضهم بعضا في الفعل، ويتعصب بعضهم لبعض. # وللمفسرين في العصبة ستة أقوال: # أحدها: أنها ما كان أكثر من عشرة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنها ما بين العشرة إلى الأربعين، روي عن ابن عباس أيضا، وبه ~~قال قتادة. # والثالث: أنها ستة أو سبعة، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أنها من عشرة إلى خمسة عشر، قاله مجاهد. # والخامس: الجماعة، قاله ابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. # والسادس: عشرة، قاله مقاتل. وقال الفراء: العصبة عشرة فما زاد. # قوله تعالى: (إن أبانا لفي ضلال مبين) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لفي خطأ من رأيه، قاله ابن زيد. # والثاني: في شقاء، قاله مقاتل، والمراد به عناء الدنيا. # والثالث: لفي ضلال عن طريق الصواب الذي يقتضي تعديل المحبة بيننا، لأن ~~نفعنا له PageV04P141 # أعم. قال الزجاج: ولو نسبوه إلى الضلال في الدين كانوا كفارا، إنما ~~أرادوا: إنه قدم ابنين صغيرين علينا في المحبة ونحن جماعة نفعنا أكثر. # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين (9) قوله تعالى: (اقتلوا يوسف) قال أبو علي: قرأ ابن كثير، ونافع، ~~والكسائي: " مبين اقتلوا " بضم التنوين، لأن تحريكه يلزم لالتقاء الساكنين، ~~فحركوه بالضم ليتبعوا الضمة الضمة، كما قالوا: " مد " " وظلمات ". وقرأ أبو ~~عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، بكسر التنوين، فلم يتبعوا الضمة كما قالوا: ~~" مد " " ظلمات ". قال المفسرون: وهذا قولهم بينهم (أو اطرحوه أرضا) قال ~~الزجاج: نصب ms1070 " أرضا " على إسقاط " في "، وإفضاء الفعل إليها، والمعنى: أو ~~اطرحوه أرضا يبعد بها عن أبيه. وقال غيره: أرضا تأكله فيها السباع. # قوله تعالى: (يخل لكم وجه أبيكم) أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف. (وتكونوا ~~من بعده) أي: من بعد يوسف. (قوما صالحين) فيه قولان: # أحدهما: صالحين بالتوبة من بعد قتله، قاله ابن عباس. # والثاني: يصلح حالكم عند أبيكم، قاله مقاتل. # وفي قصتهم نكتة عجيبة، وهو أنهم عزموا على التوبة قبل الذنب، وكذلك ~~المؤمن لا ينسى التوبة وإن كان مرتكبا للخطايا. # قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين (10) قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون (11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا ~~لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) قوله تعالى: (قال قائل ~~منهم) فيه ثلاثة أقوال: PageV04P142 # أحدها: أنه يهوذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، ~~والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه شمعون، قاله مجاهد. # والثالث: روبيل، قاله قتادة، وابن إسحاق. # فأما غيابة الجب، فقال أبو عبيدة: كل شئ غيب عنك شيئا فهو غيابة. # والجب: الركية التي لم تطو. وقال الزجاج: الغيابة: كل ما غاب عنك، أو غيب ~~شيئا عنك، قال المنخل: # فإن أنا يوما غيبتني غيابتي * فسيروا بسيري في العشيرة والأهل والجب: ~~البئر التي لم تطو، سميت جبا من أجل أنها قطعت قطعا، ولم يحدث فيها غير ~~القطع من طي وما أشبهه. وقال ابن عباس: " في غيابة الجب " أي: في ظلماته. ~~وقال الحسن: # في قعره. وقرأ نافع: " غيابات الجب " فجعل كل جزء منه غيابة. وروى خارجة ~~عن نافع: # " غيابات " بتشديد الياء. وقرأ الحسن، وقتادة، ومجاهد: " غيبة الجب " ~~بغير ألف مع إسكان الياء. وأين كان هذا الجب، فيه قولان: # أحدهما: بأرض الأردن، قاله وهب. وقال مقاتل: هو بأرض الأردن على ثلاث ~~فراسخ من منزل يعقوب. # والثاني: ببيت المقدس، قاله ms1071 قتادة. # قوله تعالى: (يلتقطه بعض السيارة) قال ابن عباس: يأخذه بعض من يسير. # (إن كنتم فاعلين) أي: إن أضمرتم له ما تريدون. وأكثر القراء قرؤوا " ~~يلتقطه " بالياء. وقرأ الحسن، وقتادة، وابن أبي عبلة بالتاء. قال الزجاج: ~~وجميع النحويين يجيزون ذلك، لأن بعض السيارة سيارة، فكأنه قال: تلتقطه ~~سيارة بعض السيارة. وقال ابن الأنباري: من قرأ بالتاء، فقد أنث فعل بعض، ~~وبعض مذكر، وإنما فعل ذلك حملا على المعنى، إذ التأويل: تلتقطه السيارة، ~~قال الشاعر: # رأت مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار من الهلال أراد: رأت السنين، ~~وقال الآخر: # طول الليالي أسرعت في نقضي * طوين طولي وطوين عرضي أراد: الليالي أسرعت، ~~وقال جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع PageV04P143 # أراد: تواضعت المدينة، وقال الآخر: # وتشرق بالقول الذي قد أذعته * كما شرقت صدر القناة من الدم أراد: كما ~~شرقت القناة. # قال المفسرون: فلما عزم القوم على كيد يوسف، قالوا لأبيه: (مالك لا ~~تأمنا) قرأ الجماعة " تأمنا " بفتح الميم وإدغام النون الأولى في الثانية ~~والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، قال مكي: لأن الأصل " تأمننا " ثم ~~أدغمت النون الأولى، وبقي الإشمام يدل على ضمه النون الأولى. والإشمام: هو ~~ضمك شفتيك من غير صوت يسمع، فهو بعد الإدغام وقبل فتحه النون الثانية. وابن ~~كيسان يسمي الإشمام الإشارة، ويسمى الروم إشماما، والروم: صوت ضعيف يسمع ~~خفيا. وقرأ أبو جعفر " تأمنا " بفتح النون من غير إشمام إلى إعراب المدغم. ~~وقرأ الحسن " مالك لا تأمنا " بضم الميم. وقرأ ابن مقسم " تأمننا " بنونين ~~على الأصل، والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف فترسله معنا، فإنه قد كبر ولا ~~يعلم شيئا من أمر المعاش (وإنا له لناصحون) فيما أشرنا به عليك، (أرسله ~~معنا غدا) إلى الصحراء. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم ~~قالوا له: أرسله معنا، فقال: إني ليحزنني أن تذهبوا به، فقالوا: مالك لا ~~تأمنا. # قوله تعالى: (نرتع ونلعب) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو " نرتع ~~ونلعب " بالنون فيهما، والعين ساكنة، وافقهم ms1072 زيد عن يعقوب في " نرتع " ~~فحسب. # وفي معنى " نرتع " ثلاثة أقوال: # أحدها: نله، قاله الضحاك. # والثاني: نسع، قاله قتادة. # والثالث: نأكل، يقال: رتعت الإبل: إذا رعت، وأرتعتها: إذا تركتها ترعى. ~~قال الشاعر: # وحبيب لي إذا لاقيته * وإذا يخلوا له لحمي رتع أي أكله، هذا قول ابن ~~الأنباري، وابن قتيبة. وقرأ عاصم، وحمزة والكسائي: " يرتع ويلعب " بالياء ~~فيهما وجزم العين والباء، يعنون " يوسف ". وقرأ نافع: " نرتع " بكسر العين ~~من " نرتع " من غير بلوغ إلى الياء. قال ابن قتيبة: ومعناها: نتحارس، ويرعى ~~بعضنا بعضا، أي: # يحفظ، ومنه يقال: رعاك الله، أي: حفظك. ورويت عن ابن كثير أيضا " نرتعي " ~~بإثبات ياء بعد العين في الوصل والوقف. وقرأ أنس، وأبو رجاء " نرتعى " ~~بإثبات ياء بعد العين في الوصل والوقف. وقرأ أنس، وأبو رجاء " نرتع " بنون ~~مرفوعة وكسر التاء وسكون العين، و " نلعب " بالنون. قال أبو عبيدة: أي: ~~نرتع إبلنا. PageV04P144 # فأما قوله [تعالى]: (ونلعب) فقال ابن عباس: نلهو. # فإن قيل: كيف لم ينكر عليهم يعقوب ذكر اللعب؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، قاله أبو عمرو بن العلاء. # والثاني: أنهم عنوا مباح اللعب، قاله الماوردي. # قوله تعالى: (إني ليحزنني أن تذهبوا به) أي: يحزنني ذهابكم به، لأنه ~~يفارقني فلا أراه. (وأخاف أن يأكله الذئب) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر، وحمزة: " الذئب " بالهمز في الثلاثة المواضع. وقرأ ~~الكسائي، وأبو جعفر، وشيبة بغير همز. قال أبو علي: " الذئب " مهموز في ~~الأصل. يقال: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل جهة كما يأتي الذئب. # وفي علة تخصيص الذئب بالذكر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه رأى في منامه أن الذئب شد على يوسف، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن أرضهم كانت كثيرة الذئاب، قاله مقاتل. # والثالث: أنه خافهم عليه فكنى بذكر الذئب، قاله الماوردي. # قوله تعالى: (وأنتم عنه غافلون) فيه قولان: # أحدهما: غافلون في اللعب. # والثاني: مشتغلون برعيتكم. # قوله تعالى: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) أي: جماعة نرى الذئب قد قصده ولا ms1073 ~~نرد عنه (إنا إذا لخاسرون) أي: عاجزون. قال ابن الأنباري: ومن قرأ " عصبة " ~~بالنصب، فتقديره: # ونحن نجتمع عصبة. # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) قوله تعالى: (فلما ذهبوا به) في الكلام ~~اختصار وإضمار، تقديره: فأرسله معهم فلما ذهبوا. (وأجمعوا) أي: عزموا على ~~أن يجعلوه في غيابة الجب. PageV04P145 # الإشارة إلى قصة ذهابهم به * قال المفسرون: قالوا ليوسف: أما تشتاق أن ~~تخرج معنا فتلعب وتتصيد؟ قال: بلى، قالوا: فسل أباك أن يرسلك معنا، قال: ~~أفعل، فدخلوا بجماعتهم على يعقوب، فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج ~~معنا، فقال: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا أبت، قد أرى من إخوتي اللين ~~واللطف، فأنا أحب أن تأذن لي، فأرسله معهم، فلما أصحروا، أظهروا له ما في ~~أنفسهم من العداوة، وأغلظوا له القول، وجعل يلجأ إلى هذا، فيضربه، وإلى ~~هذا، فيؤذيه، فلما فطن لما قد عزموا عليه، جعل ينادي: يا أبتاه، يا يعقوب، ~~لو رأيت يوسف وما ينزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك، يا أبتاه ما أسرع ما ~~نسوا عهدك، وضيعوا وصيتك، وجعل يبكي بكاء شديدا. قال الضحاك عن ابن عباس: ~~فأخذه روبيل فجلد به الأرض، ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: ~~مهلا يا أخي لا تقتلني، قال: يا ابن راحيل صاحب الأحلام، قل لرؤياك تخلصك ~~من أيدينا، ولوى عنقه ليكسرها، فنادى يوسف: يا يهوذا اتق الله في، وخل بيني ~~وبين من يريد قتلي، فأدركته له رحمة، فقال يهوذا: يا إخوتاه، ألا أدلكم على ~~أمر هو خير لكم وأرفق به؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: تلقونه في هذا الجب فيلتقطه ~~بعض السيارة، قالوا: نفعل، فانطلقوا به إلى الجب، فخلعوا قميصه، فقال: يا ~~إخوتاه، لم نزعتم قميصي؟ ردوه علي أستر به عورتي ويكون كفنا لي في مماتي، ~~فأخرج الله له حجرا في البئر مرتفعا من الماء، فاستقرت عليه قدماه. # وقال السدي: جعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفير البئر، فربطوا ms1074 يديه ~~ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه، ردوا علي قميصي أتوارى به، فقالوا: ادع ~~الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا، فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ~~إرادة أن يموت، فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام ~~عليها، فلما ألقوه في الجب جعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم ~~فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه ~~بالطعام. وقال كعب: جمعوا يديه إلى عنقه ونزعوا قميصه، فبعث الله إليه ~~ملكا، فحل عنه وأخرج له حجرا من الماء، فقعد عليه، وكان يعقوب قد أدرج قميص ~~إبراهيم الذي كساه الله إياه يوم ألقي في النار في قصبة، وجعلها في عنق ~~يوسف، فألبسه إياه الملك حينئذ، وأضاء له الجب. وقال الحسن: ألقي في الجب، ~~فعذب ماؤه، فكان يغنيه عن الطعام والشراب، ودخل عليه جبريل، فأنس به، فلما ~~أمسى نهض جبريل ليذهب، فقال له يوسف: إنك إذا خرجت عني استوحشت، فقال: إذا ~~رهبت شيئا فقل: # يا صريخ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين، قد ترى ~~مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شئ من أمري. فلما قالها حفته الملائكة، ~~فاستأنس في الجب ومكث فيه ثلاثة أيام، وكان إخوته يرعون حول الجب. وقال ~~محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجب، قال: يا شاهدا غير غائب، ويا ~~قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوب، اجعل لي فرجا مما PageV04P146 # أنا فيه، قال: فما بات فيه. # وفي مقدار سنه حين ألقي في الجب أربعة أقوال: # أحدها: اثنتا عشرة سنة، قاله الحسن. # والثاني: ست سنين، قاله الضحاك. # والثالث: سبع عشرة، قاله ابن السائب، وروي عن الحسن أيضا. # والرابع: ثمان عشرة. # قوله تعالى: (وأوحينا إليه) فيه قولان: # أحدهما: أنه إلهام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه وحي حقيقة. # قال المفسرون: أوحي إليه لتخبرن إخوتك بأمرهم، أي: بما صنعوا بك وأنت عال ~~عليهم. # وفي قوله [تعالى]: (وهم لا يشعرون) قولان: # أحدهما: لا يشعرون أنك يوسف وقت إخبارك لهم، قاله أبو ms1075 صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال مقاتل. # والثاني: لا يشعرون بالوحي، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. فعلى الأول ~~يكون الكلام من صلة " لتنبئنهم "، وعلى الثاني من صلة " وأوحينا إليه ". ~~قال حميد: قلت للحسن: أيحسد المؤمن المؤمن؟ قال: لا أبا لك، ما نساك بني ~~يعقوب؟ # وجاء أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف ~~عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) قوله تعالى: ~~(وجاؤوا أباهم عشاء يبكون) وقرأ أبو هريرة، والحسن، وابن السميفع، والأعمش: ~~" عشاء " بضم العين. # قال المفسرون: جاؤوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار ~~بالكذب، فلما سمع صوتهم فزع، وقال: مالكم يا بني، هل أصابكم في غنمكم شئ؟ ~~قالوا: لا، قال: فما أصابكم؟ وأين يوسف؟ (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق) ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ننتضل، قاله ابن عباس، وابن قتيبة، قال: والمعنى، يسابق بعضنا ~~بعضا في الرمي. PageV04P147 # والثاني: نشتد، قاله السدي. # والثالث: نتصيد، قاله مقاتل. فيكون المعنى على الأول: نستبق في الرمي ~~لننظر أينا أسبق سهما، وعلى الثاني: نستبق على الأقدام، وعلى الثالث: ~~للصيد. # قوله تعالى: (وتركنا يوسف عند متاعنا) أي: ثيابنا. (وما أنت بمؤمن لنا) ~~أي: # بمصدق. # وفي قوله [تعالى]: (ولو كنا صادقين) قولان: # أحدهما: أن المعنى: وإن كنا قد صدقنا، قاله ابن إسحاق. # والثاني: لو كنا عندك من أهل الصدق لا تهمتنا في يوسف لمحبتك إياه، وظننت ~~أنا قد كذبناك، قاله الزجاج. # وجاء وعلى قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون (18) قوله تعالى: (وجاؤوا على قميصه بدم كذب) قال ~~اللغويون: معناه: بدم مكذوب فيه، والعرب تجعل المصدر في كثير من الكلام ~~مفعولا، فيقولون للكذب مكذوب، وللعقل معقول، وللجلد مجلود، قال الشاعر: # حتى إذا لم يتركوا لعظامه * لحما ولا لفؤاده معقولا أراد: عقلا. وقال ~~الآخر: # قد والذي سمك السماء بقدرة * بلغ العزاء وأدرك المجلود يريد: أدرك الجلد. ~~ويقولون: ليس لفلان عقد رأي، ولا معقود رأي، ويقولون: هذا ماء سكب، ms1076 يريدون: ~~مسكوبا، وهذا شراب صب، يريدون: مصبوبا، وماء غور، يعنون: غائرا، ورجل صوم، ~~يريدون: صائما، وامرأة نوح، يريدون: نائحة، وهذا الكلام مجموع قول الفراء، ~~والأحفش، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين. # قال ابن عباس: أخذوا جديا فذبحوه، ثم غمسوا قميص يوسف في دمه، وأتوه به ~~وليس فيه خرق، فقال: كذبتم، لو كان أكله الذئب لخرق القميص. وقال قتادة: ~~كان دم ظبية. وقرأ ابن أبي عبلة: " بدم كذبا " بالنصب. وقرأ ابن عباس، ~~والحسن، وأبو العالية: " بدم كدب " بالدال غير معجمة، أي: بدم طري. ~~PageV04P148 # قوله تعالى: (بل سولت) أي: زينت (لكم أنفسكم أمرا) غير ما تصفون (فصبر ~~جميل) قال الخليل: المعنى: فشأني صبر جميل، والذي أعتقده صبر جميل. وقال ~~الفراء: # الصبر مرفوع، لأنه عزى نفسه وقال: ما هو إلا الصبر، ولو أمرهم بالصبر، ~~لكان نصبا. وقال قطرب: المعنى: فصبري صبر جميل. وقرأ ابن مسعود، وأبي، وأبو ~~المتوكل: " فصبرا جميلا " بالنصب. قال الزجاج: والصبر الجميل لا جزع فيه، ~~ولا شكوى إلى الناس. # قوله تعالى: (والله المستعان على ما تصفون) فيه قولان: # أحدهما: على ما تصفون من الكذب. # والثاني: على احتمال ما تصفون. # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه ~~بضاعة والله عليم بما يعملون (19) قوله تعالى: (وجاءت سيارة) أي: قوم ~~يسيرون (فأرسلوا واردهم) قال الأخفش: أنث السيارة وذكر الوارد، لأن السيارة ~~في المعنى للرجال. وقال الزجاج: الوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم. # وفي اسم هذا الوارد قولان: # أحدهما: مالك بن ذعر بن يؤيب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثاني: مجلث بن رعويل، قاله وهب بن منبه. # قوله تعالى: (فأدلى دلوه) أي: أرسلها. قال الزجاج: يقال: أدليت الدلو: ~~إذا أرسلتها لتملأها، ودلوتها: إذا أخرجتها. (قال يا بشراي) قرأه ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " يا بشراي " بفتح الياء وإثبات الألف. وروى ~~ورش عن نافع " بشراي " و " محياي " و " مثواي " بسكون الياء. وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي " يا بشرى " بألف بغير ياء. وعاصم بفتح ms1077 الراء، وحمزة، ~~والكسائي يميلانها. قال الزجاج: من قرأ " يا بشراي " فهذا النداء تنبيه ~~للمخاطبين، لأن البشرى لا تجيب ولا تعقل، فالمعنى: أبشروا، ويا أيها البشرى ~~هذا من أوانك، وكذلك إذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: اعجبوا، ويا أيها العجب ~~هذا من حينك، وقد شرحنا هذا المعنى. PageV04P149 # فأما قراءة من قرأ " يا بشرى " فيجوز أن يكون المعنى: يا من حضر، هذه ~~بشرى. ويجوز أن يكون المعنى: يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من تنبيه ~~الحاضرين. وذكر السدي أنه نادى بذاك أحدهم وكان اسمه بشرى. وقال ابن ~~الأنباري: يجوز فيه هذه الأقوال، ويجوز أن يكون اسم امرأة. وقرأ أبو رجاء، ~~وابن أبي عبلة: " يا بشري " بتشديد الياء وفتحها من غير ألف. قال ابن عباس: ~~لما أدلى دلوه، تعلق يوسف بالحبل فنظر إليه فإذا غلام أحسن ما يكون من ~~الغلمان، فقال لأصحابه: البشرى، فقالوا: ما وراءك؟ قال: هذا غلام في البئر، ~~فأقبلوا يسألونه الشركة فيه، واستخرجوه من الجب، فقال بعضهم لبعض: اكتموه ~~عن أصحابكم لئلا يسألونكم الشركة فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: ~~استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، فجاء إخوة يوسف فطلبوه فلم يجدوه في ~~البئر، فنظروا، فإذا هم بالقوم ومعهم يوسف، فقالوا لهم: هذا غلام أبق منا، ~~فقال مالك بن ذعر: فأنا أشتريه منكم، فباعوه بعشرين درهما وحلة ونعلين، ~~وأسره مالك بن ذعر من أصحابه، وقال: استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. # قوله تعالى: (وأسروه بضاعة) قال الزجاج: " بضاعة " منصوب على الحال، كأنه ~~قال: # وأسروه جاعليه بضاعة. وقال ابن قتيبة: أسروا في أنفسهم أنه بضاعة وتجارة. ~~وفي الفاعلين لذاك قولان: # أحدهما: أنهم واردوا الجب، أسروا ابتياعه عن باقي أصحابهم، وتواصوا أنه ~~بضاعة استبضعهم إياها أهل الماء، وقد ذكرنا هذا المعنى عن ابن عباس، وبه ~~قال مجاهد. # والثاني: أنهم إخوته، أسروا أمره، وباعوه، وقالوا: هو بضاعة لنا، وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: (والله عليم بما يعملون) يعم الباعة والمشترين. # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه ms1078 من الزاهدين (20) قوله تعالى: ~~(وشروه) هذا حرف من حروف الأضداد، تقول: شريت الشئ، بمعنى بعته، وشريته، ~~بمعنى اشتريته. فإن كان بمعنى باعوه، ففيهم قولان: # أحدهما: أنهم إخوته، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنهم السيارة، ولم يبعه إخوته، قاله الحسن، وقتادة. وإن كان ~~بمعنى اشتروه، فإنهم السيارة. PageV04P150 # قوله تعالى: (بثمن بخس) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحرام، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة في آخرين. # والثاني: أنه القليل، قاله عكرمة، والشعبي. قال ابن قتيبة: البخس: الخسيس ~~الذي بخس به البائع. # والثالث: الناقص، وكانت الدراهم عشرين درهما في العدد، وهي تنقص عن عشرين ~~في الميزان، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (دراهم معدودة) قال الفراء: إنما قيل: " معدودة " ليستدل بها ~~على القلة. # وقال ابن قتيبة: أي: يسيرة، سهل عددها لقلتها، فلو كانت كثيرة لثقل ~~عددها. وقال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان لا يزنون أقل من أربعين درهما، ~~وقيل: إنما لم يزنوها لزهدهم فيه. # وفي عدد تلك الدراهم خمسة أقوال: # أحدها: عشرون درهما، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، وعكرمة في ~~رواية، ونوف الشامي، ووهب بن منبه، والشعبي، وعطية، والسدي، ومقاتل في ~~آخرين. # والثاني: عشرون درهما وحلة، ونعلان، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: اثنان وعشرون درهما، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والرابع: أربعون درهما، قاله عكرمة في رواية، وابن إسحاق. # والخامس: ثلاثون درهما، ونعلان، وحلة، وكانوا قالوا له بالعبرانية: إما ~~أن تقر لنا بالعبودية، وإما أن نأخذك منهم فنقتلك، قال: بل أقر لكم ~~بالعبودية، ذكره إسحاق بن بشر عن بعض أشياخه. # قال المفسرون: اقتسموا ثمنه، فاشتروا به نعالا وخفافا. # وكان بعض الصالحين يقول: والله ما يوسف - وإن باعه أعداؤه - بأعجب منك في ~~بيعك نفسك بشهوة ساعة من معاصيك. # قوله تعالى: (وكانوا فيه من الزاهدين) الزهد: قلة الرغبة في الشئ. ~~PageV04P151 # وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم إخوته، قال ابن عباس، فعلى هذا، في هاء " فيه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى يوسف، لأنهم لم يعلموا مكانه من الله تعالى، قاله ms1079 ~~الضحاك، وابن جريج. # والثاني: أنها ترجع إلى الثمن. وفي علة زهدهم قولان: # أحدهما: رداءته. # والثاني: أنهم قصدوا بعد يوسف، لا الثمن. # والثاني: أنهم السيارة الذين اشتروه. # وفي علة زهدهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم ارتابوا لقلة ثمنه. # والثاني: أن إخوته وصفوه عندهم بالخيانة والإباق. # والثالث: لأنهم علموا أنه حر. # وقال الذين اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) قوله تعالى: (وقال الذي اشتراه من ~~مصر) قال وهب: لما ذهبت به السيارة إلى مصر، وقفوه في سوقها يعرضونه للبيع، ~~فتزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا، ووزنه ورقا، ووزنه حريرا، ~~فاشتراه بذلك الثمن رجل يقال له: قطفير، وكان أمين فرعون وخازنه، وكان ~~مؤمنا. وقال ابن عباس: إنما اشتراه قطفير من مالك بن ذعر بعشرين دينارا، ~~وزوجي نعل، وثوبين أبيضين، فلما رجع إلى منزله قال لامرأته: أكرمي مثواه. ~~وقال قوم: اسمه أطفير. # وفي اسم المرأة قولان: # أحدهما: راعيل بنت رعاييل، قاله ابن إسحاق. # والثاني: أزليخا بنت تمليخا، قاله مقاتل. قال ابن قتيبة: " أكرمي مثواه " ~~يعني منزله ومقامه عندك، من قولك: ثويت بالمكان: إذا أقمت به. وقال الزجاج: ~~أحسني إليه في طول مقامه عندنا. قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: العزيز ~~حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته: PageV04P152 # " أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا "، وابنة شعيب حين قالت: (يا أبت استأجره)، ~~وأبو بكر حين استخلف عمر. # وفي قوله [تعالى]: (عسى أن ينفعنا) قولان: # أحدهما: يكفينا إذا بلغ أمورنا. # والثاني: بالربح في ثمنه. # قوله تعالى: (أو نتخذه ولدا) قال ابن عباس: نتبناه. وقال غيره: لم يكن ~~لهما ولد، وكان العزيز لا يأتي النساء. # قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف) أي: وكما أنجيناه من إخوته وأخرجناه من ~~ظلمة الجب، مكنا له في الأرض، أي: ملكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها. ~~(ولنعلمه) قال ابن الأنباري: إنما دخلت الواو في " ولنعلمه " لفعل مضمر هو ~~المجتلب ms1080 للام، والمعنى: مكنا ليوسف في الأرض، واختصصناه بذلك لكي نعلمه من ~~تأويل الأحاديث. وقد سبق تفسير " تأويل الأحاديث ". # (والله غالب على أمره) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله [تعالى] فالمعنى: أنه غالب على ما أراد من ~~قضائه، وهذا معنى قول ابن عباس. # والثاني: أنها ترجع إلى يوسف، فالمعنى: غالب على أمر يوسف حتى يبلغه ما ~~أراده له، وهذا معنى قول مقاتل. وقال بعضهم: والله غالب على أمره حيث أمر ~~يعقوب يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته، فعلموا بها، ثم أراد يعقوب أن ~~يلتقطه بعض السيارة فيندرس أمره، فعلا أمره، ثم باعوه ليكون مملوكا، فغلب ~~أمره حتى ملك، وأرادوا أن يعطفوا أباهم، فأباهم، ثم أرادوا أن يغروا يعقوب ~~بالبكاء والدم الذي ألقوه على القميص، فلم يخف عليه، ثم أرادوا أن يكونوا ~~بعده قوما صالحين، فنسوا ذنبهم إلى أن أقروا به بعد سنين. فقالوا: (إنا كنا ~~خاطئين)، ثم أرادوا أن يمحوا محبته من قلب أبيه، فازدادت، ثم أرادت أزليخا ~~أن تلقي عليه التهمة بقولها: (ما جزاء من أراد بأهلك سوءا)، فغلب أمره، حتى ~~شهد شاهد من أهلها، وأراد يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي، فنسي الساقي ~~حتى لبث في السجن بضع سنين. # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) PageV04P153 # قوله تعالى: (ولما بلغ أشده) قد ذكرنا معنى الأشد في [سورة]، واختلف ~~العلماء في المراد به ها هنا على ثمانية أقوال: # أحدها: أنه ثلاث وثلاثون سنة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وبه قال ~~مجاهد، وقتادة. # والثاني: ثماني عشرة سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والثالث: أربعون سنة، قاله الحسن. # والرابع: بلوغ الحلم، قاله الشعبي، وربيعة، وزيد بن أسلم، وابنه. # والخامس: عشرون سنة، قاله الضحاك. # والسادس: أنه من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين، قاله الزجاج. # والسابع: أنه بلوغ ثمان وثلاثين سنة، حكاه ابن قتيبة. # والثامن: ثلاثون سنة، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: (آتيناه حكما) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه ms1081 الفقه والعقل، قاله مجاهد. # والثاني: النبوة، قاله ابن السائب. # والثالث: أنه جعل حكيما، قاله الزجاج، قال: وليس كل عالم حكيما، إنما ~~الحكيم: # العالم المستعمل علمه، الممتنع به من استعمال ما يجهل فيه. # والرابع: أنه الإصابة في القول: ذكره الثعلبي. قال اللغويون: الحكم عند ~~العرب ما يصرف عن الجهل والخطأ، ويمنع منهما، ويرد النفس عما يشينها ويعود ~~عليها بالضرر، ومنه: # حكمة الدابة. وأصل أحكمت في اللغة: منعت، وسمي الحاكم حاكما، لأنه يمنع ~~من الظلم والزيغ. # وفي المراد بالعلم ها هنا قولان: # أحدهما: الفقه. # والثاني: علم الرؤيا. # قوله تعالى: (وكذلك نجزي المحسنين) أي: ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف ~~وحراسته، نثيب من أحسن عمله، واجتنب المعاصي، فننجيه من الهلكة، ونستنقذه ~~من الضلالة ونجعله من أهل العلم والحكمة كما فعلنا بيوسف. PageV04P154 # وفي المراد بالمحسنين ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: الصابرون على النوائب. # والثاني: المهتدون، رويا عن ابن عباس. # والثالث: المؤمنون. قال محمد بن جرير: هذا، وإن كان مخرج ظاهره على كل ~~محسن، فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: كما فعلت بيوسف بعد ما ~~لقي من البلاء فمكنته في الأرض وآتيته العلم، كذلك أفعل بك وأنجيك من مشركي ~~قومك. # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) قوله تعالى: (وراودته ~~التي هو في بيتها عن نفسه) أي: طلبت منه المواقعة، وقد سبق اسمها. قال ~~الزجاج: المعنى: راودته عما أرادته مما يريد النساء من الرجال (وقالت هيت ~~لك) قرأ ابن كثير: " هيت لك " بفتح الهاء وتسكين الياء وضم التاء. وقرأ ~~نافع، وابن عامر: " هيت لك " بكسر الهاء وتسكين الياء وفتح التاء، وهي ~~مروية عن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] وروى الحلواني عن هشام عن ابن ~~عامر مثله، إلا أنه همزه. قال أبو علي الفارسي: هو خطأ. وروي عن ابن عامر: # " هئت لك " بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء، وهي قراءة ابن عباس، وأبي ~~الدرداء، وقتادة. قال ms1082 الزجاج: هو من الهيئة، كأنها قالت: تهيأت لك. وعن ابن ~~محيصن، وطلحة بن مصرف مثل قراءة ابن عباس، إلا أنها بغير همز. وعن ابن ~~محيصن بفتح الهاء وكسر التاء، وهي قراءة أبي رزين، وحميد. # وعن الوليد بن عتبة بكسر الهاء والتاء مع الهمز، وهي قراءة أبي العالية. ~~وقرأ ابن خثيم مثله، إلا أنه لم يهمز. وعن الوليد بن مسلم عن نافع بكسر ~~الهاء وفتح التاء مع الهمز. وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، وابن يعمر، ~~والجحدري: " هيئت لك " برفع الهاء والتاء وبياء مشددة مكسورة بعدها همزة ~~ساكنة. وقرأ أبي بن كعب: " ها أنا لك ". وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء ~~بغير همز. قال الزجاج: وهو أجود اللغات، PageV04P155 # وأكثرها في كلام العرب، ومعناها: هلم لك، أي: أقبل على ما أدعوك إليه، ~~وقال الشاعر: # أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله عنق إليك فهيت ~~هيتا أي: فأقبل وتعال. وقال ابن قتيبة: يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه ~~وصاح به، قال الشاعر: # قد رابني أن الكري أسكتا * لو كان معنيا بها لهيتا أي: صار ذا سكوت. ~~واختلف العلماء في قوله: " هيت لك " بأي لغة هي، على أربعة أقوال: # أحدها: أنها عربية، قاله مجاهد. وقال ابن الأنباري: وقد قيل: إنها من ~~كلام قريش، إلا أنها مما درس وقل في أفواههم آخرا، فأتى الله به، لأن أصله ~~من كلامهم، وهذه الكلمة لا مصدر لها، ولا تصرف، ولا تثنية، ولا جمع، ولا ~~تأنيث، يقال للاثنين: هيت لكما، وللجميع: هيت لكم، وللنسوة: هيت لكن. # والثاني: أنها بالسريانية، قاله الحسن. # والثالث: بالحورانية، قاله عكرمة، والكسائي. وقال الفراء: يقال: إنها لغة ~~لأهل حوران، سقطت إلى أهل مكة فتكلموا بها. # والرابع: أنها بالقبطية، قاله السدي. # قوله تعالى: (قال معاذ الله) قال الزجاج: هو مصدر، والمعنى: أعوذ بالله ~~أن أفعل هذا، يقال: عذت عياذا ومعاذا ومعاذة. (إنه ربي) أي: إن العزيز ~~صاحبي (أحسن مثواي)، قال: ويجوز أن يكون " إنه ربي " يعني الله عز وجل " ~~أحسن مثواي " أي: تولاني في طول ms1083 مقامي. # قوله تعالى: (إنه لا يفلح الظالمون) أي: إن فعلت هذا فخنته في أهله بعدما ~~أكرمني فأنا ظالم. وقيل: الظالمون ها هنا: الزناة. # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) قوله تعالى: (ولقد همت به) الهم ~~بالشئ في كلام العرب: حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يواقع. فأما هم ~~أزليخا، فقال المفسرون: دعته إلى نفسها واستلقت له. واختلفوا في همه ~~PageV04P156 # بها على خمسة أقوال: # أحدها: أنه كان من جنس همها، ولولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإلى هذا ~~المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وهو قول عامة المفسرين ~~المتقدمين، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير، وابن الأنباري. وقال ~~ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهم بي، وأنت تريد اختلاف ~~الهمين. واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء ~~الأكابر، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه. قالوا: ورجوعه عما ~~هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سئ الهم، ويوجب له علو المنازل، ~~ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ثلاثة ~~خرجوا فلجؤوا إلى غار، فانطبقت عليهم، فقالوا: # ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله. فقال أحدهم: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي ~~بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار، فلما أتيت بها وجلست منها ~~مجلس الرجل من المرأة أرعدت وقالت: إن هذا لعمل ما عملته قط، فقمت عنها ~~وأعطيتها المائة الدينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ~~عنا، فزال ثلث الحجر. والحديث معروف، وقد ذكرته في " الحدائق " فعلى هذا ~~نقول: إنما همت، فترقت همتها إلى العزيمة، فصارت مصرة على الزنا. # فأما هو، فعارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب، وحديث النفس، من غير ~~عزم، فلم يلزمه هذا الهم ذنبا، فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم ~~شرب الماء البارد، فإذا لم يشرب لم يؤاخذ ms1084 بما هجس في نفسه، وقد قال عليه ~~السلام " عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل " وقال عليه ~~السلام " هلك المصرون " وليس الإصرار إلا عزم القلب، فقد فرق بين حديث ~~النفس وعزم القلب. وسئل سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ فقال: إذا كانت ~~عزما، ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها ~~كتبتها عليه سيئة ". واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة ~~العزيمة، وإنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله: " قال معاذ الله إنه ربي " ~~وقوله: # (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) وكل ذلك إخبار ببراءة ساحته من العزيمة ~~على المعصية، [وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم] *. # فإن قيل: فقد سوى القرآن بين الهمتين، فلم فرقتم؟ PageV04P157 # فالجواب: أن الاستواء وقع في بداية الهمة، ثم ترقت همتها إلى العزيمة، ~~بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه، ولم تتعد همته مقامها، بدليل هربه ~~منها، وقوله: " معاذ الله " [وعلى] ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل ~~وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا، دل، على العزم، والأنبياء معصومون ~~من العزم على الزنا. # والقول الثاني: أنها همت به أن يفترشها، وهم بها، أي: تمناها أن تكون له ~~زوجة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والقول الثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: ولقد همت به، ولولا ~~أن رأى برهان ربه لهم بها فلما رأى البرهان، لم يقع منه الهم، فقدم جواب " ~~لولا " عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين، لولا أن فلانا خلصك لكنت من ~~الهالكين، ومنه قول الشاعر: # فلا يدعني قومي صريحا لحرة * لئن كنت مقتولا وتسلم عامر أراد: لئن كنت ~~مقتولا وتسلم عامر، فلا يدعني قومي، فقدم الجواب. وإلى هذا القول ذهب قطرب، ~~وأنكره قوم، منهم ابن الأنباري، وقالوا: تقديم جواب " لولا " عليها شاذ ~~مستكره، لا يوجد في فصيح كلام العرب، فأما البيت المستشهد به، فمن اضطرار ms1085 ~~الشعراء، لأن الشاعر يضيق الكلام به عند اهتمامه بتصحيح أجزاء شعره، فيضع ~~الكلمة في غير موضعها، ويقدم ما حكمه التأخير، ويؤخر ما حكمه التقديم، ~~ويعدل عن الاختيار إلى المستقبح للضرورة، قال الشاعر: # وجزى ربه عني عدي بن حاتم * بتركي وخذلاني جزاء موفرا تقديره: جزى عني ~~عدي بن حاتم ربه، فاضطر إلى تقديم الرب، وقال الآخر: # لما جفا إخوانه مصعبا * أدى بذاك البيع صاعا بصاع أراد: لما جفا مصعبا ~~إخوانه، وأنشد الفراء: # طلبا لعرفك يا ابن يحيى بعدما * تتقطعت بي دونك الأسباب فزاد تاء على تاء ~~" تقطعت " لا أصل لها ليصلح وزن شعره، وأنشد ثعلب: # إن شكلي وإن شكلك شتى * فالزمي الخفش وانعمي تبيضضي فزاد ضادا لا أصل لها ~~لتكمل أجزاء البيت، وقال الفرزدق: # هما تفلا في في من فمويهما * على النابح العاوي أشد لجاميا PageV04P158 # فزاد واوا بعد الميم ليصلح شعره. ومثل هذه الأشياء لا يحمل عليها كتاب ~~الله النازل بالفصاحة، لأنها من ضرورات الشعراء. # والقول الرابع: أنه هم أن يضربها ويدفعها عن نفسه، فكان البرهان الذي رآه ~~من ربه أن الله أوقع في نفسه أنه إن ضربها كان ضربه إياها حجة عليه، لأنها ~~تقول: راودني فمنعته فضربني، ذكره ابن الأنباري. # والقول الخامس: أنه هم بالفرار منها، حكاه الثعلبي، وهو قول مرذول، ~~أفتراه أراد الفرار منها، فلما رأى البرهان أقام عندها؟! قال بعض العلماء: ~~كان هم يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء، وإنما ابتلاهم بذلك ~~ليكونوا على خوف منه، وليعرفهم مواقع نعمته في الصفح عنهم، وليجعلهم أئمة ~~لأهل الذنوب في رجاء الرحمة. قال الحسن: إن الله [تعالى] لم يقصص عليكم ~~ذنوب الأنبياء تعييرا لهم، ولكن لئلا تقنطوا من رحمته. يعني الحسن أن الحجة ~~للأنبياء ألزم، فإذا قبل التوبة منهم، كان إلى قبولها منكم أسرع. وروي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من أحد يلقى الله [تعالى] إلا ~~وقد هم بخطيئة أو عملها، إلى يحيى بن زكريا، فإنه لم يهم ولم يعملها ". # قوله تعالى: (لولا أن رأى ms1086 برهان ربه) جواب " لولا " محذوف. قال الزجاج: ~~المعنى: # لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به. قال ابن الأنباري: لزنى، فلما رأى ~~البرهان كان سبب انصراف الزنا عنه. # وفي البرهان ستة أقوال: # أحدها: أنه مثل له يعقوب. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: نودي يا ~~يوسف، أتزني فتكون مثل الطائر الذي نتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع؟ فلم يعط ~~على النداء شيئا، فنودي الثانية، فلم يعط على النداء شيئا فتمثل له يعقوب ~~فضرب صدره، فقام، فخرجت شهوته من أنامله. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: رأى ~~صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضا على أنامله، فأدبر هاربا، وقال: وحقك يا ~~أبت لا أعود أبدا. وقال أبو صالح عن ابن عباس: رأى مثال يعقوب في الحائط ~~عاضا على شفتيه. وقال الحسن: مثل له جبريل في صورة يعقوب في سقف البيت عاضا ~~على إبهامه أو بعض أصابعه. وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وقتادة، وابن سيرين، والضحاك في آخرين. وقال عكرمة: كل ولد يعقوب، ~~قد ولد له اثنا عشر ولدا، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولدا، فنقص بتلك ~~الشهوة ولدا. # والثاني: أنه جبريل عليه السلام. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: مثل ~~له يعقوب PageV04P159 # فلم يزدجر، فنودي: أتزني فتكون مثل الطائر نتف ريشه؟! فلم يزدجر حتى ركضه ~~جبريل في ظهره، فوثب. # والثالث: أنها قامت إلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال لها يوسف: ~~أي شئ تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على هذه السوأة، فقال: ~~أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما ~~كسبت؟ فهو البرهان الذي رأى قاله علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، ~~والضحاك. # والرابع: أن الله [تعالى] بعث إليه ملكا، فكتب في وجه المرأة بالدم: (ولا ~~تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) قاله الضحاك عن ابن عباس. وروي عن ~~محمد بن كعب القرظي: # أنه رأى هذه ms1087 الآية مكتوبة بين عينيها، وفي رواية أخرى عنه، أنه رآها ~~مكتوبة في الحائط. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: بدت فيما بينهما كف ليس ~~فيها عضد ولا معصم، وفيها مكتوب (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء ~~سبيلا)، فقام هاربا، وقامت، فلما ذهب عنها الروع عادت وعاد، فلما قعد إذا ~~بكف قد بدت فيما بينهما فيها مكتوب (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله...)، ~~الآية، فقام هاربا، فلما عاد، قال الله تعالى لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن ~~يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عاضا على كفه أو أصبعه وهو يقول: يا يوسف، أتعمل ~~عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء؟!. وقال وهب بن منبه: ظهرت ~~تلك الكف وعليها مكتوب بالعبرانية (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت)، ~~فانصرفا، فلما عادا رجعت وعليها مكتوب (وإن عليكم لحافظين. كراما كاتبين)، ~~فلما عادا عادت وعليها مكتوب (ولا تقربوا الزنا...) الآية، فعاد، فعادت ~~الرابعة وعليها مكتوب (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله)، فولى يوسف هاربا. # والخامس: أنه سيده العزيز دنا من الباب، رواه ابن إسحاق عن بعض أهل ~~العلم. وقال ابن إسحاق: يقال: إن البرهان خيال سيده، رآه عند الباب فهرب. # والسادس: أن البرهان أنه علم ما أحل الله مما حرم الله، فرأى تحريم ~~الزنا، روي عن محمد بن كعب القرظي. قال ابن قتيبة: رأى حجة الله عليه، وهي ~~البرهان، وهذا هو القول الصحيح، وما تقدمه فليس بشئ، وإنما هي أحاديث من ~~أعمال القصاص، وقد أشرت إلى فسادها في كتاب " المغني في التفسير ". وكيف ~~يظن بنبي [لله] كريم أنه يخوف ويرعب ويضطر PageV04P160 # إلى ترك هذه المعصية وهو مصر؟! هذا غاية القبح. # قوله تعالى: (كذلك) أي: كذلك أريناه البرهان (لنصرف عنه السوء) وهو خيانة ~~صاحبه (والفحشاء) ركوب الفاحشة (إنه من عبادنا المخلصين) قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وابن عامر بكسر اللام، والمعنى: إنه من عبادنا الذين أخلصوا ~~دينهم. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح اللام، أرادوا: من الذين أخلصهم ~~الله من الأسواء والفواحش. وبعض المفسرين يقول: السوء: ms1088 # الزنى، والفحشاء: المعاصي. PageV04P161 # واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي ~~وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن ~~كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) قوله تعالى: (واستبقا ~~الباب) يعني يوسف والمرأة، تبادرا إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق ~~صاحبه، وأراد يوسف أن يسبق ليفتح الباب ويخرج، وأرادت هي إن سبقت إمساك ~~الباب لئلا يخرج، فأدركته فتعلقت بقميصه من ورائه، فجذبته إليها، فقدت ~~قميصه من دبر، أي: قطعته من خلفه، لأنه كان هو الهارب وهي الطالبة له. قال ~~المفسرون: قطعت قميصه نصفين، فلما خرجا، ألفيا سيدها، أي: صادفا زوجها عند ~~الباب، فحضرها في ذلك الوقت PageV04P162 # كيد، فقالت سابقة بالقول مبرئة لنفسها من الأمر (ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا) قال ابن عباس: # تريد الزنى (إلا أن يسجن) أي: ما جزاؤه إلا السجن (أو عذاب أليم) تعني ~~الضرب بالسياط، فغضب يوسف حينئذ وقال: (هي راودتني عن نفسي) * وقال وهب بن ~~منبه: قال له العزيز حينئذ: أخنتني يا يوسف في أهلي، وغدرت بي، وغررتني بما ~~كنت أرى من صلاحك! فقال حينئذ: # (هي راودتني عن نفسي). # قوله تعالى: (وشهد شاهد من أهلها) وذلك أنه لما تعارض قولاهما، احتاجا ~~إلى شاهد يعلم به قول الصادق. # وفي ذلك الشاهد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان صبيا في المهد، رواه عكرمة عن ابن عباس، وشهر بن حوشب عن ~~أبي هريرة، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، وهلال بن يساف في آخرين. # والثاني: [أنه كان من خاصة الملك. رواه ابن مليكة عن ابن عباس] وقال أبو ~~صالح عن ابن عباس: كان ابن عم لها، وكان رجلا حكيما، فقال: قد سمعنا ~~الاشتداد والجلبة من وراء الباب، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة ~~وهو كاذب، وإن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة، وقال بعضهم: # كان ms1089 ابن خالة المرأة. # والثالث: أنه شق القميص، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وفيه ضعف، لقوله: " ~~من أهلها ". # فإن قيل: كيف وقعت شهادة الشاهد ها هنا معلقة بشرط، والشارط غير عالم بما ~~يشرطه؟ # فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه، فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا، ~~فعلم، غير أنه أوقع في شهادته شرطا ليلزم المخاطبين قبول شهادته من جهة ~~العقل والتمييز، فكأنه قال: # هو الصادق عندي، فإن تدبرتم ما أشترطه لكم، عقلتم قولي، ومثل هذا قول ~~الحكماء: إن كان القدر حقا، فالحرص باطل، وإن كان الموت يقينا، فالطمأنينة ~~إلى الدنيا حمق. # والجواب الثاني أن الشاهد لم يقطع بالقول، ولم يعلم حقيقة ما جرى، وإنما ~~قال ما قال على جهة إظهار ما يسنح له من الرأي، فكأن معنى قوله: " وشهد ~~شاهد ": أعلم وبين. فقال: # الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقف على الخائن. فهذان الجوابان ~~يدلان على أن المتكلم رجل. فإن قلنا: إنه صبي في المهد، كان دخول الشرط ~~مصححا لبراءة يوسف، لأن كلام مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شك. ~~PageV04P163 # فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) قوله ~~تعالى: (فلما رأى قميصه) في هذا الرائي والقائل: (إنه من كيدكن) قولان: # أحدهما: أنه الزوج. # والثاني: الشاهد. # وفي هاء الكناية في قوله: " إنه من كيدكن " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى تمزيق القميص، قاله مقاتل. # والثاني: إلى قولها: " ما جزاء من أراد بأهلك سوءا "، فالمعنى: قولك هذا ~~من كيدكن، قاله الزجاج. # والثالث: إلى السوء الذي دعته إليه، ذكره الماوردي. قال ابن عباس: " إن ~~كيدكن " أي: # عملكن " عظيم " تخلطن البرئ والسقيم. # يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) * وقال نسوة ~~في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ~~ضلال مبين (30) قوله تعالى: (يوسف أعرض عن هذا) المعنى: يا يوسف أعرض. # وفي القائل له هذا قولان: # أحدهما: أنه ابن عمها وهو الشاهد، قاله ms1090 ابن عباس. # والثاني: أنه الزوج، ذكره جماعة من المفسرين. قال ابن عباس: أعرض عن هذا ~~الأمر فلا تذكره لأحد، واكتمه عليها. وروى الحلبي عن عبد الوراث: " يوسف ~~أعرض عن هذا " بفتح الراء على الخبر. # قوله تعالى: (واستغفري لذنبك) فيه قولان: # أحدهما: استعفي زوجك لئلا يعاقبك، قاله ابن عباس. # والثاني: توبي من ذنبك فإنك قد أثمت. # وفي القائل لهذا قولان: # أحدهما: ابن عمها. # والثاني: الزوج. PageV04P164 # قوله تعالى: (إنك كنت من الخاطئين) يعني: من المذنبين. قال المفسرون: ثم ~~شاع ذلك الحديث في مصر حتى تحدث بذلك النساء، وهو قوله: (وقال نسوة في ~~المدينة)، وفي عددهن قولان: # أحدهما: أنهن كن أربعا: امرأة ساقي الملك، وامرأة صاحب دواته، وامرأة ~~خبازه، وامرأة صاحب سجنه، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهن خمس: امرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة السجان، وامرأة ~~صاحب الدواة، وامرأة الآذن، قاله مقاتل. # وأما العزيز، فهو بلغتهم الملك، والفتى بمعنى العبد. قال الزجاج: كانوا ~~يسمون المملوك فتى. وإنما تكلم النسوة في حقها، طعنا فيها، وتحقيقا لبراءة ~~يوسف. # قوله تعالى: (قد شغفها حبا) أي: بلغ حبه شغاف قلبها. # وفي الشغاف أربعة أقوال: # أحدها: أنه جلدة بين القلب والفؤاد، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أنه غلاف القلب، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: ولم يرد ~~الغلاف، إنما أراد القلب، يقال: شغفت فلانا: إذا أصبت شغافه، كما يقال: ~~كبدته: إذا أصبت كبده، وبطنته: إذا أصبت بطنه. # والثالث: أنه حبة القلب وسويداؤه. # والرابع: أنه داء يكون في الجوف في الشراسيف، وأنشدوا: # وقد حال هم دون ذلك داخل * دخول الشغاف تبتغيه الأصابع ذكر القولين ~~الزجاج. وقال الأصمعي: الشغاف عند العرب: داء يكون تحت الشراسيف في الجانب ~~الأيمن من البطن، والشراسيف: مقاط رؤوس الأضلاع، واحدها: شرسوف. # وقرأ عبد الله بن عمرو، وعلي بن الحسين، والحسن البصري، ومجاهد، وابن ~~محيصن، وابن أبي عبلة " قد شعفها " بالعين، قال الفراء: كأنه ذهب بها كل ~~مذهب، والشعف: رؤوس الجبال. # قوله تعالى: (إنا لنراها في ضلال مبين) أي: عن طريق الرشد، لحبها إياه. ~~والمبين: # الظاهر. ms1091 # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن ~~PageV04P165 # سكينا وقالت أخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما ~~هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته ~~عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) ~~قوله تعالى: (فلما سمعت) يعني: امرأة العزيز، (بمكرهن) وفيه قولان: # أحدهما: أنه قولهن وعيبهن لها، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن ~~قتيبة. قال الزجاج: وإنما سمي هذا القول مكرا، لأنها كانت أطلعتهن على ~~أمرها، واستكتمتهن، فمكرن وأفشين سرها. # والثاني: أنه مكر حقيقة، وإنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف، قاله ابن ~~إسحاق. # قوله تعالى: (واعتدت) قال الزجاج: أفعلت من العتاد، وكل ما اتخذته عدة ~~لشئ فهو عتاد، والعتاد: الشئ الثابت اللازم. فأما المتكأ، ففيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه المجلس، فالمعنى: هيأت لهن مجلسا، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنه الوسائد اللائي يتكئن عليها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~وقال الزجاج: # المتكأ: ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث. # والثالث: أنه الطعام، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة. قال ابن قتيبة: يقال: ~~اتكأنا عند فلان: إذا طعمنا، قال جميل بن معمر: # فظللنا في نعمة واتكأنا * وشربنا الحلال من قلله والأصل في هذا أن من ~~دعوته ليطعم، أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة، فسمي الطعام متكأ على ~~الاستعارة. قال الأزهري: إنما قيل للطعام: متكأ، لأن القوم إذا قعدوا على ~~الطعام اتكؤوا، ونهيت هذه الأمة عن ذلك. وقرأ مجاهد " متكا " بإسكان التاء ~~خفيفة، وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الأترج، قاله ابن عباس، ومجاهد، ويحيى بن يعمر في آخرين، ومنه ~~قول الشاعر: # وترى المتك بيننا مستعارا يريد: الأترج. PageV04P166 # والثاني: أنه الطعام أيضا، قاله عكرمة. # والثالث: كل شئ يحز بالسكاكين، قاله الضحاك. # والرابع: أنه الزماورد، روي عن الضحاك أيضا. وقد روي عن جماعة أنهم فسروا ~~المتكأ بما فسروا به المتك، فروي عن ابن جريج أنه قال: المتكأ: الأترج، وكل ~~ما يحز بالسكاكين. # وعن الضحاك ms1092 قال: المتكأ: كل ما يحز السكاكين. وفرق آخرون بين القراءتين، ~~فقال مجاهد: # من قرأ " متكأ " بالتثقيل، فهو الطعام، ومن قرأ بالتخفيف، فهو الأترج. ~~قال ابن قتيبة: من قرأ " متكا " فإنه يريد الأترج، ويقال: الزماورد. وأيا ~~ما كان، فإني لا أحسبه سمي متكا إلا بالقطع، كأنه مأخوذ من البتك، فأبدلت ~~الميم منه باء، كما يقال: سمد رأسه وسبده: إذا استأصله، وشر لازم، ولازب، ~~والميم تبدل من الباء كثيرا، لقرب مخرجيهما. # قوله تعالى: (وآتت كل واحدة منهن سكينا) إنما فعلت ذلك، لأن الطعام الذي ~~قدمت لهن يحتاج إلى السكاكين. وقيل: كان مقصودها افتضاحهن بتقطيع أيديهن ~~كما فضحنها. قال وهب بن منبه: ناولت كل واحدة منهن أترجة وسكينا، وقالت ~~لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن، ثم قالت ليوسف: اخرج عليهن. قال ~~الزجاج: إن شئت ضممت التاء من قوله: # " وقالت "، وإن شئت كسرت، والكسر الأصل لسكون التاء والخاء، ومن ضم ~~التاء، فلثقل الضمة بعد الكسرة. ولم يمكنه أن لا يخرج، لأنه بمنزلة العبد ~~لها. وذكر بعض أهل العلم أنها إنما قالت: " اخرج " وأضمرت في نفسها " عليهن ~~"، فأخبر الحق عما في النفس كأن اللسان قد نطق به، ومثله (إنما نطعمكم لوجه ~~الله..) الآية لم يقولوا ذلك، إنما أضمروه، ويدل على صحة هذا أنها لو قالت ~~له وهو شاب مستحسن: اخرج على نسوة من طبعهن الفتنة، ما فعل. # وفي قوله (أكبرنه) قولان: # أحدهما: أعظمنه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه ~~قال قتادة، وابن زيد. # والثاني: حضن، رواه الضحاك عن ابن عباس. وروى علي بن عبد الله بن عباس عن ~~أبيه قال: حضن [من الفرح]، قال: وفي ذلك يقول الشاعر: # نأتي النساء لدى أطهارهن ولا * نأتي النساء إذا أكثرن إكبارا وقد روى هذا ~~المعنى ليث عن مجاهد، واختاره ابن الأنباري، ورده بعض اللغويين، فروي عن ~~أبي عبيدة أنه قال: ليس في كلام العرب " أكبرن " بمعنى " حضن "، ولكن عسى ~~أن يكن من PageV04P167 # شدة ما أعظمنه حضن، وكذلك روي عن الزجاج أنه ms1093 أنكره. # قوله تعالى: (وقطعن أيديهن) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: حززن أيديهن، وكن يحسبن أنهن يقطعن طعاما، قاله ابن عباس، وابن ~~زيد. # والثاني: قطعن أيديهن حتى ألقينها، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: كلمن الأكف وابن الأنامل، قاله وهب بن منبه. # قوله تعالى: (وقلن حاشا لله) قرأ أبو عمرو " حاشا " بألف في الوصل في ~~الموضعين، واتفقوا على حذف الألف في الوقف، وأبو عمرو جاء به على التمام ~~والأصل، والباقون حذفوا. # وهذه الكلمة تستعمل في موضعين. # أحدهما: الاستثناء. # والثاني: التبرئة من الشر. والأصل " حاشا " وهي مشتقة من قولك: كنت في ~~حشا فلان، أي: في ناحيته، والحشا: الناحية، وأنشدوا: # بأي الحشا أمسى الخليط المباين أي: بأي النواحي، والمعنى: صار يوسف في ~~حشا من أن يكون بشرا، لفرط جماله. # وقيل: صار في حشا مما قرفته به امرأة العزيز. وقال ابن عباس، ومجاهد: " ~~حاش لله " بمعنى: # معاذ الله. قال الفراء: و " بشرا " منصوب، لأن الباء قد استعملت فيه، فلا ~~يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر ~~فيما خرجت منه، فنصبوا على ذلك، وكذلك قوله: (ما هن أمهاتهم)، وأما أهل نجد ~~فيتكلمون بالباء وبغير الباء، فإذا أسقطوها، رفعوا، وهو أقوى الوجهين في ~~العربية. قال الزجاج: قوله: الرفع أقوى الوجهين، غلط، لأن كتاب الله أقوى ~~اللغات، ولم يقرأ بالرفع أحد. وزعم الخليل. وسيبويه، وجميع النحويين ~~القدماء أن " بشرا " منصوب، لأنه خبر " ما " و " ما " بمنزلة " ليس ". قلت: ~~وقد قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، وعكرمة، ومعاذ القارئ في آخرين: " ما هذا ~~بشر " بالرفع. وقرأ أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو السوار: " ما هذا بشرى ~~" بكسر الباء والشين مقصورا منونا. قال الفراء: أي: ما هذا بمشترى. وقرأ ~~ابن مسعود: " بشراء " بالمد والهمز مخفوضا منونا. # قوله تعالى: (إن هذا إلا ملك كريم) قرأ أبي، وأبو رزين، وعكرمة، وأبو ~~حيوة، والجحدري: " ملك " بكسر اللام. # قوله تعالى: (فذلكن الذي لمتنني فيه) قال المفسرون: لما ذهلت عقولهن ~~فقطعن أيديهن، قالت لهن ذلك. PageV04P168 # فإن قيل: كيف أشارت إليه وهو حاضر ms1094 بقولها: " فذلكن "؟ فعنه جوابان ذكرهما ~~ابن الأنباري. # أحدهما: أنها أشارت ب‍ " ذلكن " إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس. # والثاني: أن في الكلام إضمار " هذا " تقديره: فهذا ذلكن. ومعنى " لمتنني ~~فيه " أي: في حبه. ثم أقرت عندهن، فقالت: (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) ~~أي: امتنع. # قوله تعالى: (وليكونن من الصاغرين) قال الزجاج: القراءة الجيدة تخفيف " ~~وليكونن " والوقوف عليها بالألف، لأن النون الخفيفة تبدل منهما في الوقف ~~الألف، تقول: اضربا زيدا، وإذا وقفت قلت: اضربا. وقد قرئت " وليكونن " ~~بتشديد النون، وأكرهها، لخلاف المصحف، لأن الشديدة لا يبدل منها شئ. ~~والصاغرون: المذلون. # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ~~(34) قوله تعالى: (قال رب السجن أحب إلي) قال وهب بن منبه: لما قالت: " ~~فذلكن الذي لمتنني فيه " قلن: لا لوم عليك، قالت: فأطلبن إلى يوسف أن ~~يسعفني بحاجتي، فقلن: يا يوسف افعل، فقالت: لئن لم يفعل لأخلدنه السجن، ~~فعند ذلك قال: (رب السجن أحب إلي). وقرأ يعقوب: " السجن " بفتح السين ها ~~هنا فحسب. قال الزجاج: من كسر سين " السجن " فعلى اسم المكان، فيكون ~~المعنى: نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية، ومن فتح، فعلى المصدر، ~~المعنى: أن أسجن أحب إلي. (وإلا تصرف عني كيدهن) أي: إلا تعصمني (أصب ~~إليهن) أي: أمل إليهن. يقال: صبا إلى اللهو يصبو صبوا وصبوا وصباء: إذا مال ~~إليه. وقال ابن الأنباري: ومعنى هذا الكلام: اللهم اصرف عني كيدهن، ولذلك ~~قال: # (فاستجاب له ربه). # قال: فإن قيل: إنما كادته امرأة العزيز وحدها، فكيف قال: " كيدهن "؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن العرب توقع الجمع على الواحد، فيقول قائلهم: خرجت إلى البصرة ~~في السفن، وهو لم يخرج إلا في سفينة واحدة. PageV04P169 # والثاني: أن المكني عنه امرأة العزيز والنسوة اللاتي عاضدنها على أمرها. # والثالث: أنه عنى امرأة العزيز وغيرها من نساء العالمين اللاتي لهن مثل ~~كيدها. # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ms1095 الآيات ليسجننه حتى حين (35) قوله تعالى: (ثم ~~بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) في المراد بالآيات ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها شق القميص، وقضاء ابن عمها عليها، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنها قد القميص، وشهادة الشاهد، وقطع الأيدي، وإعظام النساء ~~إياه، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والثالث: جماله وعفته، ذكره الماوردي. قال وهب بن منبه: فأشار النسوة ~~عليها بسجنه رجاء أن يستهوينه حين يخلو لهن في السجن، وقلن: متى سجنتيه قطع ~~ذلك عنك قالة الناس التي قد شاعت، ورأوا أنك تبغضينه، ويذله السجن لك، فلما ~~انصرفن عادت إلى مراودته فلم يزدد إلا بعدا عنها، فلما يئست، قالت لسيدها: ~~إن هذا العبد قد فضحني، وقد أبغضت رؤيته، فائذن لي في سجنه، فأذن لها، ~~فسجنته وأضرت به. وقال السدي: قالت: إما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر بعذري، ~~وإما أن تحبسه كما حبستني، فظهر للعزيز وأصحابه من الرأي حبس يوسف. قال ~~الزجاج: كان العزيز أمر بالإعراض فقط، ثم تغير رأيه عن ذلك. قال ابن ~~الأنباري: وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: " ثم بدا لهم " أي: ظهر لهم بالقول والرأي والفكر سجنه. # والثاني: ثم بدا لهم في يوسف بداء، فقالوا: والله لنسجننه، فاللام جواب ~~يمين مستمرة فأما الحين، فهو يقع على قصير الزمان وطويله. وفي المراد به ها ~~هنا للمفسرين خمسة أقوال: # أحدها: خمس سنين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: سنة، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: سبع سنين، قاله عكرمة. # والرابع: إلى انقطاع القالة، قاله عطاء. # والخامس: أنه زمان غير محدود، ذكره الماوردي، وهذا هو الصحيح، لأنهم لم ~~يعزموا على حبسه مدة معلومة، وإنما ذكر المفسرون قدر ما لبث. # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~PageV04P170 # أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين (36) قوله تعالى: (ودخل معه السجن فتيان) قال الزجاج: فيه دليل ~~على أنه حبس، وإن لم يذكر ذلك. و " فتيان " جائز أن يكونا حدثين ms1096 أو شيخين، ~~لأنهم يسمون المملوك فتى. قال ابن الأنباري: إنما قال: " فتيان " لأنهما ~~كانا مملوكين، والعرب تسمي المملوك فتى، شابا كان أو شيخا. قال المفسرون: ~~عمر ملك مصر فملوه، فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه، فبلغه ذلك ~~فحبسهما، فكان يوسف قال لأهل السجن: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين: ~~هلم فلنجرب هذا العبد العبراني. واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة، أم لا؟ ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها كانت كذبا، وإنما سألاه تجريبا، قاله ابن مسعود، والسدي. # والثاني: أنها كانت صدقا، قاله مجاهد، وابن إسحاق. # والثالث: أن الذي صلب منهما كان كاذبا، وكان الآخر صادقا، قاله أبو مجلز. # قوله تعالى: (قال أحدهما:) يعني الساقي (إني أراني) أي: في النوم (أعصر ~~خمرا) أي: عنبا. وفي تسمية العنب خمرا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سماه باسم ما يؤول إليه، لأن المعنى لا يلتبس، كما يقال: فلان ~~يطبخ الآجر ويعمل الدبس، وإنما يطبخ اللبن ويصنع التمر، وهذا قول أكثر ~~المفسرين. قال ابن الأنباري: # وإنما كان كذلك، لأن العرب توقع بالفرع ما هو واقع بالأصل. كقولهم: فلان ~~يطبخ آجرا. # والثاني: أن الخمر في لغة أهل عمان اسم للعنب، قاله الضحاك، والزجاج. قال ~~ابن القاسم: وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها. # والثالث: أن المعنى: أعصر عنب خمر، وأصل خمر، وسبب خمر، فحذف المضاف، ~~وخلفه المضاف إليه، كقوله [تعالى]: (واسأل القرية) قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: رأى يوسف ذات يوم الخباز والساقي مهمومين، فقال: ما شأنكما؟ قالا: ~~رأينا رؤيا، قال: قصاها علي، فقال الساقي: إني رأيت كأني دخلت كرما فجنيت ~~ثلاثة عناقيد عنب، فعصرتهن في الكأس، ثم أتيت به الملك فشربه، وقال الخباز: ~~رأيت أني خرجت من مطبخ الملك أحمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز، فوقع طير على ~~أعلاهن فأكل منها، (نبئنا بتأويله) أي: أخبرنا بتفسيره. وفي قوله [تعالى]: ~~(إنا نراك من المحسنين) خمسة أقوال: # أحدها: أنه كان يعود المرضى ويداويهم ويعزي الحزين، رواه مجاهد عن ابن ~~عباس. # والثاني: إنا نراك محسنا إن أنبأتنا بتأويله، قاله ms1097 ابن إسحاق. # والثالث: إنا نراك من العالمين قد أحسنت العلم، قاله الفراء. قال ابن ~~الأنباري: فعلى PageV04P171 # هذا يكون مفعول الإحسان محذوفا، كما حذف في قوله: (وفيه يعصرون) يعني ~~العنب والسمسم. وإنما علموا أنه عالم، لنشره العلم بينهم. # والرابع: إنا نراك ممن يحسن التأويل، ذكره الزجاج. # والخامس: إنا نراك محسنا إلى نفسك بلزومك طاعة الله، ذكره ابن الأنباري. # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ~~(37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يا ~~صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) قوله تعالى: ~~(قال لا يأتيكما طعام ترزقانه) في معنى الكلام قولان: # أحدهما: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة إلا أخبرتكما به قبل أن يصل ~~إليكما، لأنه كان يخبر بما غاب كعيسى عليه السلام، وهو قول الحسن. # والثاني: لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما في اليقظة، هذا قول السدي. قال ابن عباس: فقالا له: وكيف تعلم ذلك، ~~ولست بساحر، ولا عراف، ولا صاحب نجوم، فقال: (ذلكما مما علمني ربي). # فإن قيل: هذا كله ليس بجواب سؤالهما، فأين جواب سؤالهما؟ فعنه أربعة ~~أجوبة: # أحدها: أنه لما علم أن أحدهما مقتول، دعاهما إلى نصيبهما من الآخرة، قاله ~~قتادة. # والثاني: أنه عدل عن الجواب لما فيه من المكروه لأحدهما، قاله ابن جريج. # والثالث: أنه ابتدأ بدعائهما إلى الإيمان قبل جواب السؤال، قاله الزجاج. # والرابع: أنه ظنهما كاذبين في رؤياهما، فعدل عن جوابهما ليعرضا عن ~~مطالبته بالجواب، فلما ألحا أجابهما، ذكره ابن الأنباري. فأما الملة فهي ~~الدين. وتكرير قوله: (هم) للتوكيد. # قوله تعالى: (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ) قال ابن عباس: يريد: أن ~~الله عصمنا من الشرك (ذلك من فضل الله علينا) أي: اتباعنا الإيمان بتوفيق ~~الله. ms1098 (وعلى الناس) يعني PageV04P172 # المؤمنين بأن دلهم على دينه. وقال ابن عباس: " ذلك من فضل الله علينا " ~~أن جعلنا أنبياء " وعلى الناس " أن بعثنا إليهم، (ولكن أكثر الناس) من أهل ~~مصر (لا يشكرون) نعم الله فيوحدونه. # قوله تعالى: (أأرباب متفرقون) يعني: الأصنام من صغير وكبير (خير) أي: ~~أعظم صفة في المدح (أم الله الواحد القهار) يعني أنه أحق بالإلهية من ~~الأصنام؟. فأما الواحد، فقال الخطابي: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل: هو ~~المنقطع القرين، المعدوم الشريك والنظير، وليس كسائر الآحاد من الأجسام ~~المؤلفة، فإن كل شئ سواه يدعى واحدا من جهة، غير واحد من جهات، والواحد لا ~~يثنى من لفظه، لا يقال: واحدان. والقهار: الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه ~~بالعقوبة، وقهر الخلق كلهم بالموت. وقال غيره: القهار: الذي قهر كل شئ ~~فذلله، فاستسلم وذل له. # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الآخر ~~فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) قوله تعالى: ~~(ما تعبدون من دونه) إنما جمع في الخطاب لهما، لأنه أراد جميع من شاركهما ~~في شركهما. وقوله: " من دونه " أي: من دون الله (إلا أسماء) يعني: الأرباب ~~والآلهة، ولا يصح معاني تلك الأسماء للأصنام، فكأنهما أسماء فارغة، فكأنهم ~~يعبدون الأسماء، لأنها لا تصح معانيها. (ما أنزل الله بها من سلطان) أي: من ~~حجة بعبادتها. (إن الحكم إلا لله) أي: ما القضاء والأمر والنهي إلا له. ~~(ذلك الدين القيم) أي: المستقيم، يشير إلى التوحيد. # (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فيه قولان: # أحدهما: أنه لا يجوز عبادة غيره. # والثاني: لا يعلمون ما للمطيعين من الثواب وللعاصين من العقاب. # قوله تعالى: (أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) الرب ها هنا: السيد. قال ابن ~~السائب: لما قص الساقي رؤياه على يوسف، قال له: ما أحسن ms1099 ما رأيت! أما ~~الأغصان الثلاثة، فثلاثة أيام، يبعث إليك الملك عند انقضائها، فيردك إلى ~~عملك، فتعود كأحسن ما كنت فيه، وقال للخباز: PageV04P173 # بئس ما رأيت، السلال الثلاث، ثلاثة أيام، ثم يبعث إليك الملك عند ~~انقضائهن، فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئا، فقال: ~~(قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) أي: فرغ منه، وسيقع بكما، صدقتما أو كذبتما. # فإن قيل: لم حتم على وقوع التأويل، وربما صدق تأويل الرؤيا وكذب؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أنه حتم ذلك لوحي أتاه من الله، وسبيل المنام المكذوب فيه أن لا ~~يقع تأويله، فلما قال: " قضي الأمر "، دل على أنه بوحي. # والثاني: أنه لم يحتم، بدليل قوله: " وقال للذي ظن أنه ناج منهما "، قال ~~أصحاب هذا الجواب: معنى " قضي الأمر ": قطع الجواب الذي التمستماه من جهتي، ~~ولم يعن أن الأمر واقع بكما. وقال أصحاب الجواب الأول: الظن ها هنا بمعنى ~~العلم. # وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث ~~في السجن بضع سنين (42) قوله تعالى: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما) يعني ~~الساقي. وفي هذا الظن قولان: # أحدهما: أنه بمعنى العلم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الظن الذي يخالف اليقين، قاله قتادة. # قوله تعالى: (اذكرني عند ربك) أي: عند صاحبك، وهو الملك، وقل له: إن في ~~السجن غلاما حبس ظلما. واسم الملك: الوليد بن الريان. # قوله تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربه) فيه قولان: # أحدهما: فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف لربه، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال ابن إسحاق. # والثاني: فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربه، وأمره بذكر الملك ابتغاء الفرج من ~~عنده، قاله مجاهد، ومقاتل، والزجاج، وهذا نسيان عمد، لا نسيان سهو، وعكسه ~~القول الذي قبله. # قوله تعالى: (فلبث في السجن بضع سنين) أي: غير ما كان قد لبث قبل ذلك، ~~عقوبة له على تعلقه بمخلوق. وفي البضع تسعة أقوال: # أحدها: ما بين السبع والتسع، روى ابن عباس أن أبا بكر لما ناحب قريشا عند ~~نزول (آلم ms1100 غلبت الروم)، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا احتطت، ~~فإن البضع ما بين السبع إلى PageV04P174 # التسع ". # والثاني: اثنتا عشرة سنة، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: سبع سنين، قاله عكرمة. # والرابع: أنه ما بين الخمس إلى السبع، قاله الحسن. # والخامس: أنه ما بين الأربع إلى التسع، قاله مجاهد. # والسادس: ما بين الثلاث إلى التسع، قاله الأصمعي، والزجاج. # والسابع: أن البضع يكون بين الثلاث والتسع والعشر، قاله قتادة. # والثامن: أنه ما دون العشرة، قاله الفراء، وقال الأخفش: البضع: من واحد ~~إلى عشرة. # والتاسع: أنه ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: ~~يعني ما بين الواحد إلى الأربعة. وروى الأثرم عن أبي عبيدة: البضع: ما بين ~~ثلاث وخمس. وفي جملة ما لبث في السجن ثلاثة أقوال: # أحدها: اثنتا عشرة سنة، قاله ابن عباس. # والثاني: أربع عشرة، قاله الضحاك. # والثالث: سبع سنين، قاله قتادة. # قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي " اذكرني عند ربك "، قيل له: يا ~~يوسف، أتخذت من دوني وكيلا؟ لأطيلن حبسك، فبكى، وقال: يا رب، أنسى قلبي ~~كثرة البلوى، فقلت كلمة، فويل لإخوتي. # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون (43) قوله ~~تعالى: (وقال الملك) يعني ملك مصر الأكبر (إني أرى) يعني في المنام، ولم ~~يقل: رأيت، وهذا جائز في اللغة أن يقول القائل: أرى، بمعنى رأيت. قال وهب ~~بن منبه: لما انقضت المدة التي وقتها الله تعالى ليوسف في حبسه، دخل عليه ~~جبريل إلى السجن، فبشره بالخروج وملك مصر ولقاء أبيه، فلما أمسى الملك من ~~ليلتئذ، رأى سبع بقرات سمان خرجن من البحر في آثارهن سبع عجاف، فأقبلت ~~العجاف على السمان، فأخذن بأذنابهن فأكلنهن إلى PageV04P175 # القرنين، ولم يزد في العجاف شئ، ورأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع ~~يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن، ولم يزدد في اليابسات شئ، فدعا أشراف قومه ~~فقصها ms1101 عليهم، فقالوا: (أضغاث أحلام). قال الزجاج: والعجاف: التي قد بلغت في ~~الهزال الغاية: والملأ: # الذين يرجع إليهم في الأمور ويقتدى برأيهم، واللام في قوله (للرؤيا) دخلت ~~على المفعول للتبيين، المعنى: إن كنتم تعبرون. ثم بين باللام فقال. " ~~للرؤيا ". ومعنى عبرت الرؤيا وعبرتها: أخبرت بآخر ما يؤول إليه أمرها، ~~واشتقاقه من عبر النهر، وهو شاطئ النهر، فتأويل عبرت النهر: بلغت إلى عبره، ~~أي: إلى شطه، وهو آخر عرضه. وذكر ابن الأنباري في اللام قولين: # أحدهما: أنها للتوكيد. # والثاني: أنها أفادت معنى " إلى " والمعنى: إن كنتم توجهون العبارة إلى ~~الرؤيا. # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) قوله تعالى: ~~(قالوا أضغاث أحلام) قال أبو عبيدة: واحدها ضغث، مكسورة، وهي ما لا تأويل ~~له من الرؤيا تراه جماعات، تجمع من الرؤيا كما يجمع الحشيش، فيقال: ضغث، أي ~~ملء كف منه، وقال الكسائي: الأضغاث: الرؤيا المختلطة. وقال ابن قتيبة: " ~~أضغاث أحلام " أي: أخلاط مثل أضغاث النبات يجمعها الرجل، فيكون فيها ضروب ~~مختلفة. وقال الزجاج: # الضغث في اللغة: الحزمة والباقة من الشئ، كالبقل وما أشبهه، فقالوا له: ~~رؤياك أخلاط أضغاث، أي: حزم أخلاط، ليست برؤيا، وما نحن بتأويل الأحلام ~~العالمين) أي: ليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل. وقال غيره: وما نحن بتأويل ~~الأحلام الذي هذا وصفها بعالمين. # والأحلام: جمع حلم، وهو ما يراه الإنسان في نومه مما يصح ومما يبطل. # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف ~~أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا ~~فما حصدتم فذروه في سنبله إلى قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك ~~سبع شداد يأكلن ما PageV04P176 # قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) قوله تعالى (وقال الذي نجا منهما) ~~يعني الذي تخلص من القتل من الفتيين، وهو الساقي، (وادكر) أي: تذكر شأن ~~يوسف وما وصاه به. قال الزجاج: وأصل ادكر: ادتكر، ولكن التاء أبدلت منها ~~الدال، ms1102 وأدغمت الذال في الدال. وقرأ الحسن: " وادكر " بالدال المشددة. ~~وقوله تعالى: (بعد أمة) أي: بعد حين، وهو الزمان الذي لبثه يوسف بعده في ~~السجن، وقد سبق بيانه. وقرأ ابن عباس، والحسن " بعد أمة " أراد: بعد نسيان. # فإن قيل: هذا يدل على أن الناسي في قوله: " فأنساه الشيطان ذكر ربه " هو ~~الساقي، ولا شك أن من قال: إن الناسي يوسف يقول: لم ينس الساقي. # فالجواب: أن من قال: إن يوسف نسي، يقول: معنى قوله: " وادكر " ذكر، كما ~~تقول العرب: احتلب بمعنى حلب، واغتدى بمعنى غدا، فلا يدل إذا على نسيان ~~سبقه. وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف ~~للملك حتى احتاج الملك إلى تأويل رؤياه، خوفا من أن يكون ذكره ليوسف سببا ~~لذكره الذنب الذي من أجله حبس، ذكر هذا الجواب ابن الأنباري. # قوله تعالى: (أنا أنبئكم بتأويله) أي: من جهة يوسف (فأرسلون) أثبت الياء ~~فيها وفي (ولا تقربون) (أن تفندون) يعقوب في الحالين، فخاطب الملك وحده ~~بخطاب الجميع، تعظيما، وقيل: خاطبه وخاطب أتباعه. وفي الكلام اختصار، ~~المعنى: فأرسلوه فأتى يوسف فقال: يا يوسف يا أيها الصديق. والصديق: الكثير ~~الصدق، كما يقال: فسيق، وسكير، وقد سبق بيانه. # قوله تعالى: (لعلي أرجع إلى الناس) يعني الملك وأصحابه والعلماء الذين ~~جمعهم لتعبير رؤياه. وفي قوله: (لعلهم يعلمون) قولان: # أحدهما: يعلمون تأويل رؤيا الملك. # والثاني: يعلمون بمكانك فيكون سبب خلاصك. وذكر ابن الأنباري في تكرير " ~~لعلي " قولين. # أحدهما: أن " لعل " الأولى متعلقة بالإفتاء، والثانية: مبنية على الرجوع، ~~وكلتاهما بمعنى " كي ". # والثاني: أن الأولى بمعنى " عسى "، والثانية بمعنى " كي " فأعيدت لاختلاف ~~المعنيين، PageV04P177 # وهذا هو الجواب عن قوله: (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم ~~يرجعون. قال المفسرون: كان سيده العزيز قد مات، واشتغلت عنه امرأته. وقال ~~بعضهم: لم يكن العزيز قد مات، فقال يوسف للساقي: قل للملك: هذه سبع سنين ~~مخصبات، ومن بعدهن سبع سنين شداد، إلا أن يحتال لهن، فانطلق الرسول إلى ~~الملك فأخبره، فقال له ms1103 الملك: ارجع إليه فقل له: كيف يصنع؟ فقال: (تزرعون ~~سبع سنين دأبا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم " دأبا " ساكنة الهمزة، إلا أن أبا عمرو كان ~~إذا أدرج القراءة لم يهمزها. وروى حفص عن عاصم " دأبا " بفتح الهمزة. قال ~~أبو علي: الأكثر في " دأب " الإسكان، ولعل الفتح لغة، ومعنى " دأبا " أي: ~~زراعة متوالية على عادتكم، والمعنى: # تزرعون دائبين. فناب " دأب " عن " دائبين ". وقال الزجاج: المعنى: تدأبون ~~دأبا، ودل على تدأبون " تزرعون " والدأب: الملازمة للشئ والعادة. # فإن قيل: كيف حكم بعلم الغيب، فقال: " تزرعون " ولم يقل: إن شاء الله؟ ~~فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أنه كان بوحي من الله [عز وجل]. # والثاني: أنه بنى على علم ما علمه الله من التأويل الحق، فلم يشك. # والثالث: أنه أضمر " إن شاء الله " كما أضمر إخوته في قولهم: (ونمير ~~أهلنا ونحفظ أخانا)، فأضمروا الاستثناء في نياتهم، لأنهم على غير ثقة مما ~~وعدوا، ذكره ابن الأنباري. # والرابع: أنه كالآمر لهم، فكأنه قال: ازرعوا. # قوله تعالى: (فذروه في سنبله) فإنه أبقى له، وأبعد من الفساد. والشداد: ~~المجدبات التي تشتد على الناس. (يأكلن) أي: يذهبن ما قدمتم لهن في السنين ~~المخصبة، فوصف السنين بالأكل، وإنما يؤكل فيها، كما يقال: ليله نائم. # قوله تعالى: (إلا قليلا مما تحصنون) أي: تحرزون وتدخرون. # ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) قوله تعالى: (ثم ~~يأتي من بعد ذلك عام) إن قيل: لم أشار إلى السنين وهي مؤنثة ب‍ " ذلك "؟ ~~فعنه جوابان: ذكرهما ابن القاسم. PageV04P178 # أحدهما: أن السبع مؤنثه، ولا علامة للتأنيث في لفظها، فأشبهت المذكر، ~~كقوله [تعالى]: (السماء منفطر به) فذكر منفطرا لما لم يكن في السماء علم ~~التأنيث، قال الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها فذكر " أبقل " لما وصفنا. # والثاني: أن " ذلك " إشارة إلى الجدب، وهذا قول مقاتل، والأول قول ~~الكلبي. قال قتادة: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه. # قوله تعالى: (فيه يغاث الناس) فيه ms1104 قولان: # أحدهما: يصيبهم الغيث، قاله ابن عباس. # والثاني: يغاثون بالخصب. ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (وفيه يعصرون) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وعاصم: # " يعصرون " بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي بالتاء، فوجها الخطاب إلى ~~المستفتين. وفي قوله: # " يعصرون " خمسة أقوال: # أحدها: يعصرون العنب والزيت والثمرات، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والجمهور. # والثاني: " يعصرون " بمعنى يحتلبون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وروى ~~ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد قال: تفسير " يعصرون " يحتلبون ~~الألبان لسعة خيرهم واتساع خصبهم، واحتج بقول الشاعر: # فما عصمة الأعراب إن لم يكن لهم * طعام ولا در من المال يعصر أي: يحلب. # والثالث: ينجون، وهو من العصر، والعصر: النجاء، والعصرة: المنجاة. ويقال: ~~فلان في عصرة: إذا كان في حصن لا يقدر عليه، قال الشاعر: # صاديا يستغيث غير مغاث * ولقد كان عصرة المنجود أي: غياثا للمغلوب ~~المقهور، وقال عدي: # [لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري هذا قول أبي ~~عبيدة. # والرابع: يصيبون ما يحبون، روي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال: المعتصر: الذي ~~يصيب الشئ ويأخذه، ومنه هذه الآية. ومنه قول ابن أحمر:] PageV04P179 # فإنما العيش بريانه * وأنت من أفنانه معتصر والخامس: يعطون ويفضلون لسعة ~~عيشهم، رواه ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة. وقرأ سعيد بن جبير: " يعصرون " ~~بضم الياء وفتح الصاد. وقال الزجاج: أراد: يمطرون من قوله: # (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا). # وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال ~~النسوة التي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ راودتن ~~يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن ~~حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) قوله تعالى: (وقال ~~الملك ائتوني به) قال المفسرون: لما رجع الساقي إلى الملك وأخبره بتأويل ~~رؤياه، وقع في نفسه صحة ما قال، فقال: ائتوني بالذي عبر رؤياي، فجاءه ~~الرسول، فقال: أجب الملك، فأبى أن يخرج حتى تبين ms1105 براءته مما قرف به، فقال: ~~(ارجع إلى ربك) يعني الملك (فاسأله ما بال النسوة) وقرأ ابن أبي عبلة: " ~~النسوة " بضم النون، والمعنى: فاسأل الملك أن يتعرف ما شأن تلك النسوة ~~وحالهن ليعلم صحة براءتي، وإنما أشفق أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره أو ~~متهم بفاحشة، وأحب أن يراه بعد استقرار براءته عنده. وظاهر قوله: (إن ربي ~~بكيدهن عليم) أنه يعني الله عز وجل، وحكى ابن جرير الطبري أنه أراد به سيده ~~العزيز، والمعنى: أنه يعلم براءتي. وقد روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أنه استحسن حزم يوسف وصبره عن التسرع إلى الخروج، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~" إن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، لو ~~لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبت " وفي ذكره للنسوة دون ~~امرأة العزيز أربعة أقوال: # أحدها: أنه خلطها بالنسوة، لحسن عشرة فيه وأدب، قاله الزجاج. # والثاني: لأنها زوجة ملك، فصانها. # والثالث: لأن النسوة شاهدات عليها له. # والرابع: لأن في ذكره لها نوع تهمة، ذكر الأقوال الثلاثة الماوردي. قال ~~المفسرون: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك النسوة وفيهن ~~امرأة العزيز، فقال: (ما خطبكن) PageV04P180 # أي: ما شأنكن وقصتكن (إذ راودتن يوسف). فإن قيل: إنما راودته واحدة، فلم ~~جمعهن؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه جمعهن في السؤال ليعلم عين المراودة. # والثاني: أن أزليخا راودته على نفسه، وراوده باقي النسوة على القبول ~~منها. # والثالث: أنه جمعهن في الخطاب، والمعنى لواحدة منهن، لأنه قد يوقع على ~~النوع وصف الجنس إذا أمن من اللبس، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~للنساء: " إنكن أكثر أهل النار " فجمعهن في الخطاب والمعنى لبعضهن، ذكره ~~ابن الأنباري. # قوله تعالى: (قلن حاش لله) قال الزجاج: قرأ الحسن [حاش] بتسكين الشين، ~~ولا اختلاف بين النحويين أن الإسكان غير جائز، لأن الجمع بين ساكنين لا ~~يجوز، ولا هو من كلام العرب. فأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء، ~~فقالت امرأة العزيز: (الآن حصحص ms1106 الحق) أي: برز وتبين، واشتقاقه في اللغة من ~~الحصة، أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل. وقال ابن القاسم: " حصحص " ~~بمعنى وضح وانكشف، تقول العرب: حصحص البعير في بروكة: إذا تمكن، وأثر في ~~الأرض، وفرق الحصى. وللمفسرين في ابتداء أزليخا بالإقرار قولان: # أحدهما: أنها لما رأت النسوة قد برأنه، قالت: لم يبق إلا أن يقبلن علي ~~بالتقرير، فأقرت، قاله الفراء. # والثاني: أنها أظهرت التوبة وحققت صدق يوسف، قاله الماوردي. # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) قوله ~~تعالى: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) قال مقاتل: " ذلك " بمعنى هذا. وقال ~~ابن الأنباري: قال اللغويون: هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع وأشباهه، لقرب ~~الخبر من أصحابه، فصار كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا، ولما كان متقضيا أمكن ~~أن يشار إليه بذلك، لأن المقتضي كالغائب. واختلفوا في القائل لهذا على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يوسف، وهو من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي عن شخص شيئا ثم ~~تصله بالحكاية عن آخر، ونظير هذا قوله: (يريد أن يخرجكم من أرضكم) هذا قول ~~الملأ (فماذا PageV04P181 # تأمرون) قول فرعون. ومثله (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) هذا قول بلقيس (وكذلك ~~يفعلون) قول الله عز وجل. ومثله (من بعثنا من مرقدنا) هذا قول الكفار، ~~فقالت الملائكة: (هذا ما وعد الرحمن) وإنما يجوز مثل هذا في الكلام، لظهور ~~الدلالة على المعنى. واختلفوا، أين قال يوسف هذا؟ على قولين: # أحدهما: أنه لما رجع الساقي إلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة ~~العزيز والنسوة للملك، قال حينئذ: " ذلك ليعلم "، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال ابن جريج. # والثاني: أنه قاله بعد حضوره مجلس الملك، رواه عطاء عن ابن عباس. # قوله تعالى: (ذلك ليعلم) أي: ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك، ليعلم. # واختلفوا في المشار إليه بقوله: " ليعلم " وقوله تعالى: (لم أخنه) على ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه العزيز، والمعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته ~~(بالغيب) أي: إذا غاب عني، رواه ms1107 أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~ومجاهد، وقتادة، والجمهور. # والثاني: أن المشار إليه بقوله: " ليعلم " الملك، والمشار إليه بقوله: " ~~لم أخنه " العزيز، والمعنى: ليعلم الملك أني لم أخن العزيز في أهله بالغيب، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أن المشار إليه بالشيئين، الملك، فالمعنى: ليعلم الملك أني لم ~~أخنه، يعني الملك أيضا، بالغيب. وفي وجه خيانة الملك في ذلك قولان: # أحدهما: لكون العزيز وزيره، فالمعنى: لم أخنه في امرأة وزيره، قاله ابن ~~الأنباري. # والثاني: لم أخنه في بنت أخته، وكانت أزليخا بنت أخت الملك، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # والثالث: أن المشار إليه بقوله: " ليعلم " الله عز وجل، فالمعنى: ليعلم ~~الله أني لم أخنه، روي عن مجاهد، قال ابن الأنباري: نسب العلم إلى الله في ~~الظاهر، وهو في المعنى للمخلوقين، كقوله: (حتى نعلم المجاهدين منكم). # فإن قيل: إن كان يوسف قال هذا في مجلس الملك، فكيف قال: " ليعلم " ولم ~~يقل: # لتعلم، وهو يخاطبه؟ # فالجواب: أنا إن قلنا: إنه كان حاضرا عند الملك، فإنما آثر الخطاب بالياء ~~توقيرا للملك، PageV04P182 # كما يقول الرجل للوزير: إن رأى الوزير أن يوقع في قصتي. وإن قلنا: إنه ~~كان غائبا، فلا وجه لدخول التاء، وكذلك إن قلنا: إنه عني العزيز، والعزيز ~~غائب عن مجلس الملك حينئذ. # والقول الثاني: أنه قول امرأة العزيز، فعلى هذا يتصل بما قبله، والمعنى: ~~ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته الآن بالكذب عليه. # والثالث: أنه قول العزيز، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، فلم ~~أغفل عن مجازاته على أمانته، حكى القولين الماوردي. # قوله تعالى: (وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) قال ابن عباس: لا يصوب عمل ~~الزناة، وقال غيره: لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته. # * وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ~~(53) وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين (54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض ms1108 يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر ~~المحسنين (56) قوله تعالى: (وما أبرئ) في القائل لهذا ثلاثة أقوال: وهي ~~تقدمت في الآية قبلها. # فالذين قالوا: هو يوسف، اختلفوا في سبب قوله لذلك على خمسة أقوال: # أحدها: أنه لما قال: " ليعلم أني لم أخنه بالغيب " غمزه جبريل عليه ~~السلام، فقال: ولا حين هممت؟ فقال: " وما أبرئ نفسي "، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وبه قال الأكثرون. # والثاني: أن يوسف لما قال: " لم أخنه " ذكر أنه قد هم بها، فقال: " وما ~~أبرئ نفسي " رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما قال ذلك، خاف أن يكون قد زكى نفسه، فقال: " وما أبرئ ~~نفسي "، قاله الحسن. # والرابع: أنه لما قاله، قال له الملك الذي معه: اذكر ما هممت به، فقال: " ~~وما أبرئ نفسي "، قاله قتادة. # والخامس: أنه لما قاله، قالت امرأة العزيز: ولا يوم حللت سراويلك؟ فقال: ~~" وما أبرئ نفسي "، قاله السدي. والذين قالوا: هذا قول امرأة العزيز، ~~فالمعنى: وما أبرئ نفسي من PageV04P183 # سوء الظن بيوسف، لأنه قد خطر لي. # قوله تعالى: (لأمارة بالسوء) قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، ويعقوب إلا ~~رويسا: " بالسوء إلا " بتحقيق الهمزتين. وقرأ أبو عمرو، وابن شنبوذ عن قنبل ~~بتحقيق الثانية وحذف الأولى. وروى نظيف عن قنبل بتحقيق الأولى وقلب الثانية ~~ياء. وقرأ أبو جعفر، وورش، ورويس بتحقيق الأولى وتليين الثانية بين بين، ~~مثل: " السوء علا ". وروى ابن فليح بتحقيق الثانية وقلب الأولى واوا، ~~وأدغمها في الواو التي قبلها، فتصير واوا مكسورة مشددة قبل همزة " إلا ". # قوله تعالى: (إلا ما رحم ربي) قال ابن الأنباري: قال اللغويون: هذا ~~استثناء منقطع، والمعنى: إلا أن رحمة ربي عليها المعتمد. قال أبو صالح عن ~~ابن عباس: المعنى: إلا من قول امرأة العزيز، فالمعنى: إلا من رحم ربي في ~~قهره لشهوته، أو في نزعها عنه. ومن قال: هو قول العزيز، فالمعنى: إلا من ~~رحم ربي بأن يكفيه سوء الظن، أو يثبته، فلا يعجل. قال ابن الأنباري: والقول ~~بأن هذا قول يوسف ms1109 أصح الوجهين: # أحدهما: لأن العلماء عليه. # والثاني: لأن المرأة كانت عابدة وثن، وما تضمنته الآية أليق أن يكون قول ~~يوسف من قول من لا يعرف الله تعالى. وقال المفسرون: فلما تبين الملك عذر ~~يوسف وعلم أمانته، قال: # (أئتوني به أستخلصه لنفسي) أي: أجعله خالصا لي، لا يشركني فيه أحد. # فإن قيل: فقد رويتم في بعض ما مضى أن يوسف قال في مجلس الملك: " ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب "، فكيف قال الملك: " ائتوني به " وهو حاضر ~~عنده؟! # فالجواب: أن أرباب هذا القول يقولون: أمر الملك بإحضاره ليقلده الأعمال ~~في غير المجلس الذي استحضره فيه لتعبير الرؤيا. قال وهب: لما دخل يوسف على ~~الملك، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا، كان كلما كلمة بلسان، أجابه يوسف ~~بذلك اللسان، فعجب الملك، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فقال إني أسمع ~~رؤياي منك شفاها، فذكرها له، قال: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع ~~زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وتجمع الطعام، فيأتيك الناس فيمتارون، ~~وتجمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد، فقال الملك: ومن لي بهذا؟ فقال ~~يوسف: " اجعلني على خزائن الأرض ". قال ابن عباس: ويريد بقوله: (مكين أمين) ~~أي: قد مكنتك في ملكي وائتمنتك فيه. وقال مقاتل: المكين: الوجيه، والأمين: ~~الحافظ. # قوله تعالى: (اجعلني على خزائن الأرض) أي: خزائن أرضك. وفي المراد ~~بالخزائن قولان: PageV04P184 # أحدهما: خزائن الأموال، قاله الضحاك، والزجاج. # والثاني: خزائن الطعام فحسب، قاله ابن السائب. قال الزجاج: وإنما سأل ~~ذلك، لأن الأنبياء بعثوا بالعدل، فعلم أنه لا أحد أقوم بذلك منه، وفي قوله ~~تعالى: (إني حفيظ عليم) ثلاثة أقوال: # أحدها: حفيظ لما وليتني، عليم بالمجاعة متى تكون، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: حفيظ لما استودعتني، عليم بهذه السنين، قاله الحسن. # والثالث: حفيظ للحساب، عليم بالألسن، قاله السدي، وذلك أن الناس كانوا ~~يردون على الملك من كل ناحية فيتكلمون بلغات مختلفة. # واختلفوا، هل ولاه الملك يومئذ، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ولاه بعد سنة، روى ms1110 الضحاك عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ~~ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة ". وذكر مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله، لملك من وقته ". قال مجاهد: ~~أسلم الملك على يد يوسف. وقال أهل السير: أقام في بيت الملك سنة، فلما ~~انصرمت، دعاه الملك، فتوجه، ورداه بسيفه، وأمر له بسرير من ذهب، وضرب عليه ~~كلة من إستبرق، فجلس على السرير كالقمر، ودانت له الملوك، ولزم الملك بيته، ~~وفوض أمره إليه، وعزل قطفير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه، ثم إن قطفير ~~هلك في تلك الليالي، فزوج الملك يوسف بامرأة قطفير، فلما دخل عليها، قال: ~~أليس هذا خيرا مما تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة ~~حسناء في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، فغلبتني نفسي، فلما بنى ~~بها يوسف وجدها عذراء، فولدت له ابنين، إفراييم، وميشا، واستوسق له ملك ~~مصر. # والقول الثاني: أنه ملكه بعد سنة ونصف، حكاه مقاتل عن ابن عباس. # والثالث: أنه سلم إليه الأمر من وقته، قاله وهب، وابن السائب. فإن قيل: ~~كيف قال يوسف: (إني حفيظ عليم) ولم يقل: إن شاء الله؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخر تمليكه، على ما ذكرنا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه أضمر الاستثناء، كما أضمروه في قولهم: (ونمير أهلنا). # والثالث: أنه أراد أن حفظي وعلمي يزيدان على حفظ غيري وعلمه، فلم يحتج ~~هذا إلى الاستثناء، لعدم الشك فيه، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. فإن قيل: ~~كيف مدح نفسه بهذا القول، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟ PageV04P185 # فالجواب: أنه لما خلا مدحه لنفسه من بغي وتكبر، وكان مراده به الوصول إلى ~~حق يقيمه وعدل يحييه وجور يبطله، كان ذلك جميلا جائزا، وقد قال نبينا [عليه ~~السلام]: " أنا أكرم ولد آدم على ربه "، وقال ms1111 علي بن أبي طالب عليه السلام: ~~والله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت، أم بنهار. وقال ابن مسعود: لو ~~أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته. فهذه الأشياء، خرجت ~~مخرج الشكر لله، وتعريف المستفيد ما عند المفيد، ذكر هذا محمد بن القاسم. ~~قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للانسان أن يصف نفسه ~~بالفضل عند من لا يعرفه، وأنه ليس من المحظور في قوله: (فلا تزكوا أنفسكم). # قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف) في الكلام محذوف، تقديره: اجعلني على ~~خزائن الأرض، قال: قد فعلت، فحذف ذلك، لأن قوله: " وكذلك مكنا ليوسف " يدل ~~عليه، والمعنى: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في دفع المكروه عنه، ~~وتخليصه من السجن، وتقريبه من قلب الملك، أقدرناه على ما يريد في أرض مصر ~~(يتبوأ منها حيث يشاء) قال ابن عباس: ينزل حيث أراد. وقرأ ابن كثير، ~~والمفضل: " حيث نشاء " بالنون. # [قوله تعالى]: (نصيب برحمتنا) أي: نختص بنعمتنا من النبوة والنجاة (من ~~نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) يعني المؤمنين. يقال: إن يوسف باع أهل مصر ~~الطعام بأموالهم، وحليهم، ومواشيهم، وعقارهم، وعبيدهم، ثم بأولادهم، ثم ~~برقابهم، ثم قال للملك: كيف ترى صنع ربي؟ فقال الملك: إنما نحن لك تبع، ~~قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر ورددت عليهم أملاكهم. ~~وكان يوسف لا يشبع في تلك الأيام، ويقول: إني أخاف أن أنسى الجائع. # ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) قوله تعالى: (ولأجر ~~الآخرة خير) المعنى: ما نعطي يوسف في الآخرة، خير مما أعطيناه في الدنيا، ~~وكذلك غيره من المؤمنين ممن سلك طريقه في الصبر. # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) قوله تعالى: (وجاء ~~إخوة يوسف) روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما فوض الملك إلى يوسف أمر مصر، ~~تلطف يوسف للناس، ولم يزل يدعوهم إلى الإسلام، فآمنوا وأحبوه، فلما ~~PageV04P186 # أصاب الناس القحط، نزل ذلك بأرض كنعان، فأرسل يعقوب ولده للميرة، وذاع ~~أمر يوسف في ms1112 الآفاق، وانتشر عدله ورحمته ورأفته، فقال يعقوب: يا بني، إنه ~~قد بلغني أن بمصر ملكا صالحا، فانطلقوا إليه وأقرئوه مني السلام، وانتسبوا ~~له لعله يعرفكم، فانطلقوا فدخلوا عليه، فعرفهم وأنكروه، فقال: من أين ~~أقبلتم؟ قالوا: من أرض كنعان، ولنا شيخ يقال له: يعقوب، وهو يقرئك السلام، ~~فبكى وعصر عينيه وقال: لعلكم جواسيس جئتم تنظرون عورة بلدي، فقالوا: # لا والله، ولكنا من كنعان، أصابنا الجهد، فأمرنا أبونا أن نأتيك، فقد ~~بلغه عنك خير، قال: # فكم أنتم؟ قالوا: أحد عشر أخا، وكنا اثنى عشر فأكل أحدنا الذئب، قال: فمن ~~يعلم صدقكم؟ # ائتوني بأخيكم الذي من أبيكم. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: لما دخلوا ~~عليه كلموه بالعبرانية، فأمر الترجمان فكلمهم ليشبه عليهم، فقال للترجمان: ~~قل لهم: أنتم عيون، بعثكم ملككم لتنظروا إلى أهل مصر فتخبرونه فيأتينا ~~بالجنود، فقالوا: لا، ولكنا قوم لنا أب شيخ كبير، وكنا اثنى عشر، فهلك منا ~~واحد في الغنم، وقد خلفنا عند أبينا أخا له من أمه، فقال: إن كنتم صادقين، ~~فخلفوا عندي بعضكم رهنا، وائتوني بأخيكم، فحبس عنده شمعون. # واختلفوا بماذا عرفهم يوسف على قولين: # أحدهما: أنه عرفهم برؤيتهم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ما عرفهم حتى تعرفوا إليه، قاله الحسن. # قوله تعالى: (وهم له منكرون) قال مقاتل: لا يعرفونه. وفي علة كونهم لم ~~يعرفوه قولان: # أحدهما: أنهم جاؤوه مقدرين أنه ملك كافر، فلم يتأملوا منه ما يزول به ~~عنهم الشك. # والثاني: أنهم عاينوا من زيه وحليته ما كان سببا لإنكارهم. وقد روى أبو ~~صالح عن ابن عباس أنه كان لا بسا ثياب حرير، وفي عنقه طوق من ذهب. # فإن قيل: كيف يخفى من قد أعطي نصف الحسن، وكيف يشتبه بغيره؟ # فالجواب: أنهم فارقوه طفلا ورأوه كبيرا، والأحوال تتغير، وما توهموا أنه ~~ينال هذه المرتبة. # وقال ابن قتيبة: معنى كونه أعطي نصف الحسن، أن الله تعالى جعل للحسن غاية ~~وحدا، وجعله لمن شاء من خلقه، إما للملائكة، أو للحور، فجعل ليوسف نصف ذلك ~~الحسن، فكأنه كان ms1113 حسنا مقاربا لتلك الوجوه الحسنة، وليس كما يزعم الناس من ~~أنه أعطي هذا الحسن، وأعطي الناس كلهم نصف الحسن. PageV04P187 # ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) ~~قوله تعالى: (ولما جهزهم بجهازهم) يقال: جهزت القوم تجهيزا: إذا هيأت لهم ~~ما يصلحهم، وجهاز البيت: متاعه. قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيرا، ~~وقال: (ألا ترون أني أوفي الكيل) أي: # أتمه ولا أبخسه، (وأنا خير المنزلين) يعني: المضيفين، وذلك أنه أحسن ~~ضيافتهم. ثم أوعدهم على ترك الإتيان بأخيهم، فقال: (فإن لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي) وفيه قولان: # أحدهما: أنه يعني به: فيما بعد، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنه منعهم الكيل في الحال، قاله وهب بن منبه. # قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) قوله تعالى: (قالوا سنراود عنه ~~أباه) أي: نطلبه منه، والمراودة: الاجتهاد في الطلب. # وفي قوله تعالى: (وإنا لفاعلون) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: وإنا لجاؤوك به، وضامنون لك المجئ به، هذا مذهب ~~الكلبي. # والثاني: أنه توكيد، قاله الزجاج، فعلى هذا، يكون الفعل الذي ضمنوه عائدا ~~إلى المراودة، فيصح معنى التوكيد. # والثالث: وإنا لمديمون المطالبة به لأبينا، ومتابعون المشورة عليه ~~بتوجيهه، وهذا غير المراودة، ذكره ابن الأنباري. # فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يطلب أخاه، وهو يعلم ما في ذلك من إدخال الحزن ~~على أبيه؟ فعنه خمسة أجوبة: # أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك بأمر عن الله تعالى زيادة لبلاء يعقوب ليعظم ~~ثوابه، وهذا الأظهر. # والثاني: أنه طلبه لا ليحبسه، فلما عرفه قال: لا أفارقك يا يوسف، قال: لا ~~يمكنني حبسك إلا أن أنسبك إلى أمر فظيع، قال: أفعل ما بدا لك، قاله كعب. # والثالث: أن يكون قصد تنبيه يعقوب بذلك على حال يوسف. PageV04P188 # والرابع: ليتضاعف سرور يعقوب برجوع ولديه. # والخامس: ليعجل سرور أخيه باجتماعه به قبل إخوته. وكل هذه الأجوبة ~~مدخولة، إلا الأول، فإنه الصحيح. ويدل عليه ما روينا ms1114 عن وهب بن منبه، قال: ~~لما جمع الله بين يوسف ويعقوب، قال له يعقوب: بيني وبينك هذه المسافة ~~القريبة، ولم تكتب إلى تعرفني؟! فقال: إن جبريل أمرني أن لا أعرفك، فقال ~~له: سل جبريل، فسأله، فقال: إن الله أمرني بذلك، فقال: # سل ربك، فسأله، فقال: قل ليعقوب: خفت عليه الذئب، ولم تؤمني؟ # وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون (62) قوله تعالى: (وقال لفتيته) قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: # " لفتيته ". وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " لفتيانه ". قال أبو ~~علي: الفتية جمع فتى في العدد القليل، والفتيان في الكثير. والمعنى: قال ~~لغلمانه: (اجعلوا بضاعتهم) وهي التي اشتروا بها الطعام) (في رحالهم)، ~~والرحل: كل شئ يعد للرحيل. (لعلهم يعرفونها) أي: ليعرفوها (إذا انقلبوا) ~~أي: رجعوا (إلى أهلهم، لعلهم يرجعون) أي: لكي يرجعوا. وفي مقصوده بذلك خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه تخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى، ~~فجعل دراهمهم في رحالهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه أراد أنهم إذا عرفوها، لم يستحلوا إمساكها حتى يردوها، قاله ~~الضحاك. # والثالث: أنه استقبح أخذ الثمن من والده وإخوته مع حاجتهم إليه، فرده ~~عليهم من حيث لا يعلمون سبب رده تكرما وتفضلا، ذكره ابن جرير الطبري، وأبو ~~سليمان الدمشقي. # والرابع: ليعلموا أن طلبه لعودهم لم يكن طمعا في أموالهم، ذكره الماوردي. # والخامس: أنه أراهم كرمه وبره ليكون ادعى إلى عودهم. # فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا ~~نكتل وإنا له الحافظون (63) قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من ~~قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64) PageV04P189 # قوله تعالى: (فلما رجعوا إلى أبيهم) قال المفسرون: لما عادوا إلى يعقوب، ~~قالوا: يا أبانا: قدمنا على خير رجل، أنزلنا، وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من ~~ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته. # وفي قوله تعالى: (منع منا الكيل) قولان قد تقدما في قوله: ms1115 (فلا كيل لكم ~~عندي). # فإن قلنا: إنه لم يكل لهم، فلفظ " منع " بين. وإن قلنا: إنه خوفهم منع ~~الكيل، ففي المعنى قولان: # أحدهما: حكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت، كما تقول للرجل: دخلت والله ~~النار بما فعلت. # والثاني: أن المعنى: يا أبانا يمنع منا الكيل إن لم ترسله معنا، فناب " ~~منع " عن " يمنع " كقوله تعالى: (يحسب أن ماله أخلده) أي: يخلده، وقوله: ~~(ونادى أصحاب النار)، (وإذ قال الله يا عيسى) أي: وإذ يقول، ذكرهما ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: (فأرسل معنا أخانا نكتل) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر: " نكتل " بالنون. وقرأ حمزة، والكسائي: " يكتل " بالياء. ~~والمعنى: إن أرسلته معنا اكتلنا، وإلا فقد منعنا الكيل. # قوله تعالى: (هل آمنكم عليه) [أي لا آمنكم عليه] إلا كأمني على يوسف، ~~يريد أنه لم ينفعه ذلك الأمن إذ خانوه. (فالله خير حفظا) قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " حفظا "، والمعنى: خير ~~حفظا من حفظكم، وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: # " خير حافظا " بألف. قال أبو علي: ونصبه على التمييز دون الحال. # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ~~(65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط ~~بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال يا بني لا ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم PageV04P190 # من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ~~ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في ~~نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68) ~~قوله تعالى: (ولما فتحوا متاعهم) يعني أوعية الطعام (وجدوا بضاعتهم) التي ~~حملوها ثمنا للطعام (ردت) قال الزجاج: الأصل " رددت "، فأدغمت الدال الأولى ~~في الثانية، وبقيت ms1116 الراء مضمومة. ومن قرأ بكسر الراء جعل كسرتها منقولة من ~~الدال، كما فعل ذلك في: قيل، وبيع، ليدل على أن أصل الدال الكسر. # قوله تعالى: (ما نبغي) في " ما " قولان: # أحدهما: أنها استفهام، المعنى: أي شئ نبغي وقد ردت بضاعتنا إلينا؟ # والثاني: أنها نافية، المعنى: ما نبغي شيئا، أي: لسنا نطلب منك دراهم ~~نرجع بها إليه، بل تكفينا هذه في الرجوع إليه، وأرادوا بذلك تطييب قلبه ~~ليأذن لهم بالعود. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، والجحدري، وأبو حيوة " ما ~~تبغي " بالتاء، على الخطاب ليعقوب. # قوله تعالى: (ونمير أهلنا) أي: نجلب لهم الطعام. قال ابن قتيبة: يقال: ~~مار أهله يميرهم ميرا، وهو مائر لأهله: إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده. # قوله تعالى: (ونحفظ أخانا) فيه قولان: # أحدهما: نحفظ أخانا ابن يامين الذي ترسله معنا، قاله الأكثرون. # والثاني: ونحفظ أخانا شمعون الذي أخذه رهينة عنده، قاله الضحاك عن ابن ~~عباس. # قوله تعالى: (ونزداد كيل بعير) أي: وقر بعير، يعنون بذلك نصيب أخيهم، لأن ~~يوسف كان لا يعطي الواحد أكثر من حمل بعير. # قوله تعالى: (ذلك كيل يسير) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ذلك كيل سريع، لا حبس فيه، يعنون: إذا جاء معنا، عجل الملك لنا ~~الكيل، قاله مقاتل. # والثاني: ذلك كيل سهل على الذي نمضي إليه، قاله الزجاج. # والثالث: ذلك الذي جئناك به كيل يسير لا يقنعنا، قاله الماوردي. # قوله تعالى: (حتى تؤتون موثقا من الله) أي: تعطوني عهدا أثق به، والمعنى: ~~حتى تحلفوا لي بالله (لتأتنني به) أي: لتردنه إلي. قال ابن الأنباري: وهذه ~~اللام جواب لمضمر، PageV04P191 # تلخيصه: وتقولوا: والله لتأتنني به. # قوله تعالى: (إلا أن يحاط بكم) فيه قولان: # أحدهما: أن يهلك جميعكم، قاله مجاهد. # والثاني: أن يحال بينكم وبينه فلا تقدرون على الإتيان به، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (فلما آتوه موثقهم) أي: أعطوه العهد، وفيه قولان: # أحدهما: أنهم حلفوا له بحق محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلته من ربه، قاله ~~الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنهم حلفوا بالله تعالى، قاله ms1117 السدي. # قوله تعالى: (قال الله على ما نقول وكيل) فيه قولان: # أحدهما: أنه الشهيد. # والثاني: كفيل بالوفاء، رويا عن ابن عباس. # قوله تعالى: (لا تدخلوا من باب واحد) قال المفسرون: لما تجهزوا للرحيل، ~~قال لهم يعقوب: " لا تدخلوا " يعني مصر " من باب واحد ". وفي المراد بهذا ~~الباب قولان: # أحدهما: أنه أراد بابا من أبواب مصر، وكان لمصر أربعة أبواب، قاله ~~الجمهور. # والثاني: أنه أراد الطريق لا الأبواب، قاله السدي، وروى نحوه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # وفي ما أراد بذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه خاف عليهم العين، وكانوا أولي جمال وقوة، وهذا قول ابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه خاف أن يغتالوا لما ظهر لهم في أرض مصر من التهمة، قاله وهب ~~بن منبه. # والثالث: أنه أحب أن يلقوا يوسف في خلوة، قاله إبراهيم النخعي. # قوله تعالى: (وما أغني عنكم من الله من شئ) أي: لن أدفع عنكم شيئا قضاه ~~الله، فإنه إن شاء أهلككم متفرقين، ومصداقه في الآية التي بعدها (ما كان ~~يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) وهي إرادته أن يكون ~~دخولهم كذلك شفقة عليهم. قال الزجاج: # " إلا حاجة " استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها. قال ابن عباس: " قضاها " أي: أبداها وتكلم بها. # قوله تعالى: (وإنه لذو علم لما علمناه) فيه سبعة أقوال: # أحدها: إنه حافظ لما علمناه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. PageV04P192 # والثاني: وإنه لذو علم أن دخلوهم من أبواب متفرقة لا يغني عنهم من الله ~~شيئا، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: وإنه لعامل بما علم، قاله قتادة. وقال ابن الأنباري: سمي العمل ~~علما، لأن العلم أول أسباب العمل. # والرابع: وإنه لمتيقن لوعدنا، قاله الضحاك. # والخامس: وإنه لحافظ لوصيتنا، قاله ابن السائب. # والسادس: وإنه لعالم بما علمناه أنه لا يصيب بنيه إلا ما قضاه الله، قاله ~~مقاتل. # والسابع: وإنه لذو علم لتعليمنا إياه، قاله الفراء. # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني ms1118 أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون (69) قوله تعالى: (ولما دخلوا على يوسف) يعني إخوته (آوى إليه أخاه) ~~يعني بنيامين، وكان أخاه لأبيه وأمه، قاله قتادة، وضمه إليه وأنزله معه. ~~قال ابن قتيبة: يقال: آويت فلانا إلي، بمد الألف: إذا ضممته إليك، وأويت ~~إلى بني فلان، بقصر الألف: إذا لجأت إليهم. وفي قوله: (قال إني أنا أخوك) ~~قولان: # أحدهما: أنهم لما دخلوا عليه حبسهم بالباب، وأدخل أخاه، فقال له: ما ~~اسمك؟ فقال: # بنيامين، قال: فما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوي، فوثب إليه فاعتنقه، ~~فقال: " إني أنا أخوك "، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وكذلك قال ابن إسحاق: ~~أخبره أنه يوسف. # والثاني: أنه لم يعترف له بذلك، وإنما قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك، ~~قاله وهب بن منبه. وقيل: إنه أجلسهم كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين ~~وحيدا يبكي، وقال: لو كان أخي حيا لأجلسني معه، فضمه يوسف إليه وقال: إني ~~أرى هذا وحيدا، فأجسله معه على مائدته، فلما جاء الليل، نام كل اثنين على ~~منام، فبقي وحيدا، فقال يوسف: هذا ينام معي. فلما خلا به، قال: هل لك أخ من ~~أمك؟ قال: كان لي أخ من أمي فهلك، فقال: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك ~~الهالك؟ فقال: أيها الملك، ومن يجد أخا مثلك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا ~~راحيل، فبكى يوسف، وقام إليه فاعتنقه، وقال: (إني أنا أخوك) يوسف (فلا ~~تبتئس) قال قتادة: لا تأس ولا تحزن، وقال الزجاج: لا تحزن ولا تستكن. قال ~~ابن الأنباري: " تبتئس ": # تفتعل، من البؤس، وهو الضر والشدة، أي: لا يلحقنك بؤس بالذي فعلوا. # قوله تعالى: (بما كانوا يعملون) فيه ثلاثة أقوال: PageV04P193 # أحدها: أنهم كانوا يعيرون يوسف وأخاه بعبادة جدهما أبي أمهما للأصنام، ~~فقال: لا تبتئس بما كانوا يعملون من التعيير لنا، روى هذا المعنى أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثاني: لا تحزن بما سيعملون بعد هذا الوقت حين يسرقونك، فتكون " كانوا ~~" بمعنى " يكونون " قال الشاعر: # فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع * لمن ms1119 كان بعدي في القصائد مصنعا وقال ~~آخر: # وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخا دم وذبائح أراد: فقد كان، وهذا ~~مذهب مقاتل. # والثالث: لا تحزن بما عملوا من حسدنا، وحرصوا على صرف وجه أبينا عنا، ~~وإلى هذا المعنى ذهب ابن إسحاق. # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع ~~الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قوله تعالى: (فلما جهزهم ~~بجهازهم) قال المفسرون: أوفى لهم الكيل، وحمل ل‍ " لابن يامين " بعيرا ~~باسمه كما حمل لهم، وجعل السقاية في رحل أخيه، وهي الصواع، فهما اسمان ~~واقعان على شئ واحد، كالبر والحنطة، والمائدة والخوان. وقال بعضهم: الاسم ~~الحقيقي: # الصواع، والسقاية وصف، كما يقال: كوز، وإناء، فالاسم الخاص: الكوز. قال ~~المفسرون: # جعل يوسف ذلك الصاع مكيالا لئلا يكال بغيره. وقيل: كال لإخوته بذلك، ~~إكراما لهم. قالوا: # ولما ارتحل إخوة يوسف وأمعنوا، أرسل الطلب في أثرهم، فأدركوا وحبسوا، (ثم ~~أذن مؤذن) قال الزجاج: أكثرت الإعلام بالشئ، يعني: أنه إعلام بعد إعلام. ~~(أيتها العير) يريد: أهل العير: فأنث لأنه جعلها للعير. قال الفراء: لا ~~يقال: عير، إلا لأصحاب الإبل. وقال أبو عبيدة: # العير: الإبل المرحولة المركوبة. وقال ابن قتيبة: العير: القوم على ~~الإبل. # فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يسرق من لم يسرق؟ فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: إنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه في ~~الجب، قاله الزجاج. PageV04P194 # والثاني: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف أمر بوضع السقاية في رحل ~~أخيه، فكان غير كاذب في قوله، قاله ابن جرير. # والثالث: أن المنادي نادى بالتسريق لهم بغير أمر يوسف. # والرابع: أن المعنى: إنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة أخباركم، ~~كقوله: # (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي: عند نفسك، لا عندنا، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " كذب إبراهيم ثلاث كذبات " أي: قال قولا يشبه الكذب، وليس به. # قوله تعالى: (قالوا) يعني: إخوة ms1120 يوسف (وأقبلوا عليهم) فيه قولان: # أحدهما: على المؤذن وأصحابه. # والثاني: أقبل المنادي ومن معه على إخوة يوسف بالدعوى. (ماذا تفقدون) ما ~~الذي ضل عنكم؟ (قالوا نفقد صواع الملك) قال الزجاج: الصواع هو الصاع بعينه، ~~وهو يذكر ويؤنث، وكذلك الصاع يذكر ويؤنث، وقد قرئ: " صياع " بياء، وقرئ: " ~~صوغ " بغين معجمة، وقرئ: " صوع " بعين غير معجمة مع فتح الصاد، وضمها، وقرأ ~~أبو هريرة: " صاع الملك " وكل هذه لغات ترجع إلى معنى واحد، إلا أن الصوغ، ~~بالغين المعجمة، مصدر صغت، وصف الإناء به، لأنه كان مصوغا من ذهب. واختلفوا ~~في جنسه على خمسة أقوال: # أحدها: أنه كان قدحا من زبرجد. # والثاني: أنه كان من نحاس، رويا عن ابن عباس. # والثالث: أنه كان شربة من فضة مرصعة بالجوهر، قاله عكرمة. # والرابع: كان كأسا من ذهب، قاله ابن زيد. # والخامس: كان من مس، حكاه الزجاج. وفي صفته قولان: # أحدهما: أنه كان مستطيلا يشبه المكوك. # والثاني: أنه كان يشبه الطاس. # قوله تعالى: (ولمن جاء به) يعني الصواع (حمل بعير) من الطعام (وأنا به ~~زعيم) أي: كفيل لمن رده بالحمل، يقوله المؤذن. # قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا ~~فما جزاؤه إن كنتم PageV04P195 # كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين ~~(75) قوله تعالى: (قالوا تالله) قال الزجاج: " تالله " بمعنى: والله، إلا ~~أن التاء لا يقسم بها إلى في الله عز وجل. ولا يجوز: تالرحمن لأفعلن، ولا: ~~تربي لأفعلن. والتاء تبدل من الواو، كما قالوا في وراث: تراث، وقالوا: ~~يتزن، وأصله: يوتزن، من الوزن. قال ابن الأنباري: أبدلت التاء من الواو، ~~كما أبدلت في التخمة والتراث والتجاه، وأصلهن من الوخمة والوراث والوجاه، ~~لأنهن من الوخامة والوراثة والوجه. ولا تقول العرب: تالرحمن، كما قالوا: ~~تالله، لأن الاستعمال في الإقسام كثر بالله، ولم يكن بالرحمن، فجاءت التاء ~~بدلا من الواو في الموضع الذي يكثر استعماله. # قوله تعالى: (لقد علمتم) يعنون يوسف (ما جئنا لنفسد في الأرض) أي: لنظلم ~~أحدا أو ms1121 نسرق. فإن قيل: كيف حلفوا على علم قوم لا يعرفونهم؟ فالجواب من ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنهم قالوا ذلك، لأنهم رددوا الدراهم ولا يستحلوها، فالمعنى: لقد ~~علمتم أنا رددنا عليكم دراهمكم وهي أكثر من ثمن الصاع، فكيف نستحل صاعكم، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # والثاني: لأنهم لما دخلوا مصر كعموا أفواه إبلهم وحميرهم حتى لا تتناول ~~شيئا، وكان غيرهم لا يفعل ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أن أهل مصر كانوا قد عرفوهم أنهم لا يظلمون أحدا. # قوله تعالى: (فما جزاؤه) المعنى: قال المنادي وأصحابه: فما جزاؤه. قال ~~الأخفش: # إن شئت رددت الكناية إلى السارق، وإن شئت رددتها إلى السرق. # قوله تعالى: (إن كنتم كاذبين) أي: في قولكم، (وما كنا سارقين). (قالوا) ~~يعني: # إخوة يوسف (جزاؤه من وجد في رحلة فهو جزاؤه) أي: يستعبد بذلك. قال ابن ~~عباس: وهذه كانت سنة آل يعقوب. # فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ~~ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق ~~كل ذي علم عليم (76) PageV04P196 # قوله تعالى: (فبدأ بأوعيتهم) قال المفسرون: انصرف بهم المؤذن إلى يوسف، ~~وقال: لا بد من تفتيش أمتعتكم، (فبدأ) يوسف (بأوعيتهم قبل وعاء أخيه) ~~لإزالة التهمة، فلما وصل إلى وعاء أخيه، قال: ما أظن هذا أخذ شيئا، فقالوا: ~~والله لا نبرح حتى تنظر في رحله، فهو أطيب لنفسك. فلما فتحوا متاعه وجدوا ~~الصاع، فذلك قوله: (ثم استخرجها). وفي هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى السرقة، قاله الفراء. # والثاني: إلى السقاية، قاله الزجاج. # والثالث: إلى الصاع على لغة من يؤنثه، ذكره ابن الأنباري. قال المفسرون: ~~فأقبلوا على ابن يامين، وقالوا: أي شئ صنعت؟! فضحتنا وأزريت بأبيك الصديق، ~~فقال: وضع هذا في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم، وقد كان يوسف أخبر أخاه ~~بما يريد أن يصنع به. # قوله تعالى: (كذلك كدنا ليوسف) فيه أربعة أقوال: # أحدها: كذلك صنعنا له، قاله ms1122 الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: احتلنا له، والكيد: الحيلة، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أردنا ليوسف، ذكره ابن القاسم. # والرابع: دبرنا له بأن ألهمناه ما فعل بأخيه ليتوصل إلى حبسه. قال ابن ~~الأنباري: لما دبر الله ليوسف ما دبر من ارتفاع المنزلة وكمال النعمة على ~~غير ما ظن إخوته، شبه بالكيد من المخلوقين، لأنهم يسترون ما يكيدون به عمن ~~يكيدونه. # قوله تعالى: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) في المراد بالدين ها هنا ~~قولان: # أحدهما: أنه السلطان، فالمعنى: في سلطان الملك، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه القضاء، فالمعنى: في قضاء الملك، لأن قضاء الملك أن من سرق ~~إنما يضرب ويغرم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وبيانه أنه لو أجرى أخاه على ~~حكم الملك ما أمكنه حبسه، لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب، فأجرى الله على ~~ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان ذلك مما كاد الله ليوسف لطفا ~~حتى أظفره بمراده بمشيئة الله، فذلك معنى قوله [تعالى]: (إلا أن يشاء ~~الله). وقيل: إلا أن يشاء الله إظهار علة يستحق بها أخاه. # قوله تعالى: (نرفع درجات من نشاء) وقرأ يعقوب " يرفع درجات من يشاء ". ~~بالياء فيهما. # وقرأ أهل الكوفة " درجات " بالتنوين، والمعنى: نرفع الدرجات بصنوف ~~العطاء، وأنواع الكرامات، وأبواب العلوم، وقهر الهوى، والتوفيق للهدى، كما ~~رفعنا يوسف. (وفوق كل ذي علم عليم) أي: فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من ~~هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله PageV04P197 # تعالى، والكمال في العلم معدوم من غيره. وفي مقصود هذا الكلام ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن المعنى: يوسف أعلم من إخوته، وفوقه من هو أعلم منه. # والثاني: أنه نبه على تعظيم العلم، وبين أنه أكثر من أن يحاط به. # والثالث: أنه تعليم للعالم التواضع لئلا يعجب. # * قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له ~~أبا شيخا كبيرا فخذ ms1123 أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78) قال معاذ الله ~~أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) قوله تعالى: ~~(قالوا) يعني: إخوة يوسف (إن يسرق) يعنون ابن يامين (فقد سرق أخ له من قبل) ~~يعنون يوسف. قال المفسرون: عوقب يوسف ثلاث مرات، قال للساقي: " اذكرني عند ~~ربك " فلبث في السجن بضع سنين، وقال للعزيز: " ليعلم أني لم أخنه بالغيب "، ~~فقال له جبريل: ولا حين هممت؟ فقال: " وما أبرئ نفسي "، وقال لإخوته: " ~~إنكم لسارقون "، فقالوا: " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ". وفي ما عنوا ~~بهذه السرقة سبعة أقوال: # أحدها: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه في سني المجاعة، فيطعمه ~~للمساكين، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنه سرق مكحلة لخالته، رواه أبو مالك عن ابن عباس. # والثالث: أنه سرق صنما لجده أبي أمه، فكسره وألقاه في الطريق، فعيره ~~إخوته بذلك، قاله سعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وقتادة. # والرابع: أن عمة يوسف - وكانت أكبر ولد إسحاق - كانت تحضن يوسف وتحبه حبا ~~شديدا، فلما ترعرع، طلبه يعقوب، فقالت: ما أقدر أن يغيب عني، فقال: والله ~~ما أنا بتاركه، فعمدت إلى منطقة إسحاق، فربطتها على يوسف تحت ثيابه، ثم ~~قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من أخذها، فوجدوها مع يوسف، فأخبرت ~~يعقوب بذلك، وقالت: والله إنه لي أصنع فيه ما شئت، فقال: أنت وذاك، فما قدر ~~عليه يعقوب حتى ماتت، فذاك الذي عيره به إخوته، رواه ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد. PageV04P198 # والخامس: أنه جاءه سائل يوما، فسرق شيئا، فأعطاه السائل، فعيروه بذلك. ~~وفي ذلك الشئ ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه كان بيضة، قاله مجاهد. # والثاني: أنه شاة، قاله كعب. # والثالث: دجاجة، قاله سفيان بن عيينة. # والسادس: أن بني يعقوب كانوا على طعام، فنظر يوسف إلى عرق، فخبأه، فعيروه ~~بذلك، قاله عطية العوفي، وإدريس الأودي. قال ابن الأنباري: وليس في هذه ~~الأفعال كلها ما يوجب السرقة، لكنها تشبه السرقة، فعيره إخوته بذلك عند ~~الغضب. # والسابع أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه ms1124 إليه، قاله الحسن. وقرأ أبو رزين، ~~وابن أبي عبلة: # " فقد سرق " بضم السين وكسر الراء وتشديدها. # قوله تعالى: (فأسرها يوسف في نفسه) في هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الكلمة التي ذكرت بعد هذا، وهي قوله [تعالى]: (أنتم ~~شر مكانا)، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها ترجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: " فقد سرق ~~أخ له من قبل "، وهذا معنى قول أبي صالح عن ابن عباس، فعلى هذا يكون ~~المعنى: أسر جواب الكلمة فلم يجبهم عليها. # والثالث: أنها ترجع إلى الحجة، المعنى: فأسر الاحتجاج عليهم في ادعائهم ~~عليه السرقة، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: (أنتم شر مكانا) فيه قولان: # أحدهما: شر صنيعا من يوسف لما قدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: شر منزلة عند الله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (والله أعلم بما تصفون) فيه قولان: # أحدهما: تقولون، قاله مجاهد. # والثاني: بما تكذبون، قاله قتادة. قال الزجاج: المعنى: والله أعلم أسرق ~~أخ له أم لا. # وذكر بعض المفسرين أنه لما استخرج الصواع من رحل أخيه، نقر الصواع، ثم ~~أدناه من أذنه، فقال: إن صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا، وأنكم ~~انطلقتم بأخ لكم فبعتموه، فقال ابن يامين: أيها الملك، سل صواعك عن أخي، ~~أحي هو؟ فنقره، ثم قال: هو حي، وسوف PageV04P199 # تراه، فقال: سل صواعك، من جعله في رحلي؟ فنقره، وقال: إن صواعي هذا ~~غضبان، وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت؟ فغضب روبيل، ~~وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، فإذا مس أحدهم الآخر ذهب غضبه، فقال: ~~والله أيها الملك لتتركنا، أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا ~~ألقت ما في بطنها، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فامسسه، ففعل الغلام، ~~فذهب غضبه، فقال روبيل: ما هذا؟! إن في هذا البلد من ذرية يعقوب؟ قال يوسف: ~~ومن يعقوب؟ فقال: أيها الملك، لا تذكر يعقوب، فإنه إسرائيل الله ابن ms1125 ذبيح ~~الله ابن خليل الله. فلما لم يجدوا إلى خلاص أخيهم سبيلا، سألوه أن يأخذ ~~منهم بديلا به، فذلك قوله [تعالى]: (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا) ~~أي: في سنه، وقيل: في قدره، (فخذ أحدنا مكانه) أي: تستعبده بدلا عنه (إنا ~~نراك من المحسنين) فيه قولان: # أحدهما: فيما مضى. # والثاني: إن فعلت. (قال معاذ الله) قد سبق تفسيره، والمعنى: أعوذ بالله ~~أن نأخذ بريئا بسقيم. # فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا ~~أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) قوله ~~تعالى: (فلما استيأسوا منه) أي: يئسوا. وفي هاء " منه " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى يوسف، فالمعنى: يئسوا من يوسف أن يخلي سبيل أخيهم. # والثاني: إلى أخيهم، فالمعنى: يئسوا من أخيهم. # قوله تعالى: (خلصوا نجيا) أي: اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم، يتناجون ~~ويتناظرون ويتشاورون، يقال: قوم نجي، والجمع أنجية، قال الشاعر: # إني إذا ما القوم كانوا أنجيه * واضطربت أعناقهم كالأرشيه وإنما وحد " ~~نجيا " لأنه يجري مجرى المصدر الذي يكون للاثنين، والجمع والمؤنث بلفظ ~~واحد. وقال الزجاج: انفردوا متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم وليس ~~معهم أخوهم. PageV04P200 # قوله تعالى: (قال كبيرهم) فيه قولان: # أحدهما: أنه كبيرهم في العقل، ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه يهوذا، ولم يكن أكبرهم سنا، وإنما كان أكبرهم سنا روبيل، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل. # والثاني: أنه شمعون، قاله مجاهد. # والثاني: أنه كبيرهم في السن وهو روبيل، قاله قتادة، والسدي. # قوله تعالى: (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثق من الله) في حفظ ~~أخيكم ورده إليه (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) قال الفراء: " ما " في موضع ~~رفع، كأنه قال: ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف، وإن شئت جعلتها ms1126 نصبا، المعنى: ~~ألم تعلموا هذا، وتعلموا من قبل تفريطكم في يوسف. وإن شئت جعلت " ما " صلة، ~~كأنه قال: ومن قبل فرطتم في يوسف. قال الزجاج: وهذا أجود الوجوه، أن تكون " ~~ما " لغوا. # قوله تعالى: (فلن أبرح الأرض) أي: لن أخرج من أرض مصر، يقال: برح الرجل ~~براحا: إذا تنحى عن موضعه. (حتى يأذن لي) قال ابن عباس: حتى يبعث إلي أن ~~آتيه (أو يحكم الله لي) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أو يحكم الله لي، فيرد أخي علي. # والثاني: يحكم الله لي بالسيف، فأحارب من حبس أخي. # والثالث: يقضي في أمري شيئا، (وهو خير الحاكمين) أي: أعدلهم وأفضلهم. # قوله تعالى: (إن ابنك سرق) وقرأ ابن عباس، والضحاك، وابن أبي سريج عن ~~الكسائي: " سرق " بضم السين وتشديد الراء وكسرها. # قوله تعالى: (وما شهدنا إلا بما علمنا) فيه قولان: # أحدهما: وما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمنا، لأنا رأينا المسروق في ~~رحله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا من ~~دينك، قاله ابن زيد. وفي قوله: (وما كنا للغيب حافظين) ثمانية أقوال: # أحدها: أن الغيب هو الليل، والمعنى: لم نعلم ما صنع بالليل، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس، وهذا يدل على أن التهمة وقعت به ليلا. # والثاني: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ~~عكرمة، PageV04P201 # وقتادة، ومكحول. قال ابن قتيبة: فالمعنى: لم نعلم الغيب حين أعطيناك ~~الموثق لنأتينك به أنه يسرق فيؤخذ. # والثالث: لم نستطع أن نحفظه فلا يسرق، رواه عبد الوهاب عن مجاهد. # والرابع: لم نعلم أنه سرق للملك شيئا، ولذلك حكمنا باسترقاق السارق، قاله ~~ابن زيد. # والخامس: أن المعنى: قد رأينا السرقة قد أخذت من رحله، ولا علم لنا ~~بالغيب فلعلهم سرقوه، قاله ابن إسحاق. # والسادس: ما كنا لغيب ابنك حافظين، إنما نقدر على حفظه في محضره، فإذا ~~غاب عنا، خفيت عنا أموره. # والسابع: لو علمنا من الغيب أن هذه البلية تقع ms1127 بابنك ما سافرنا به، ~~ذكرهما ابن الأنباري. # والثامن: لم نعلم أنك تصاب به كما أصبت بيوسف، ولو علمنا لم نذهب به، ~~قاله ابن كيسان. # وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) ~~قوله تعالى: (واسأل القرية) المعنى: قولوا لأبيكم: سل أهل القرية (التي كنا ~~فيها) يعنون مصر (والعير التي أقبلنا فيها) وأهل العير، وكان قد صحبهم قوم ~~من الكنعانيين. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: وسل القرية والعير ~~فإنها تعقل لأنك نبي والأنبياء قد تخاطبهم الأحجار والبهائم، فعلى هذا تسلم ~~الآية من إضمار. # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه ~~هو العليم الحكيم (83) قوله تعالى: (قال بل سولت لكم أنفسكم) في الكلام ~~اختصار، والمعنى: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ذلك، فقال لهم هذا، وقد ~~شرحناه في أول السورة. # واختلفوا لأي علة قال لهم هذا القول، على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ظن أن الذي تخلف منهم، إنما تخلف حيلة ومكرا ليصدقهم، قاله ~~وهب بن منبه. # والثاني: أن المعنى: سولت لكم أنفسكم أن خروجكم بأخيكم يجلب نفعا، فجر ~~ضررا، PageV04P202 # قاله ابن الأنباري. # والثالث: سولت لكم أنه سرق، وما سرق. # قوله تعالى: (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) يعني: يوسف وابن يامين ~~وأخاهما المقيم بمصر. وقال مقاتل: أقام بمصر يهوذا وشمعون، فأراد بقوله: " ~~أن يأتيني بهم ". يعني: الأربعة. # قوله تعالى: (إنه هو العليم) أي: بشدة حزني، وقيل: بمكانهم (الحكيم) فيما ~~حكم علي. # وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) ~~قوله تعالى: (وتولى عنهم) أي: أعرض عن ولده أن يطيل معهم الخطب، وانفرد ~~بحزنه، وهيج عليه ذكر يوسف (وقال يا أسفى على يوسف) قال ابن عباس: يا طول ~~حزني على يوسف. قال ابن قتيبة: الأسف: أشد الحسرة. قال سعيد بن جبير: لقد ~~أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم (إنا لله وإنا إليه ~~راجعون)، ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب، إذ يقول: " يا أسفى ms1128 على يوسف ~~". فإن قيل: هذا لفظ الشكوى، فأين الصبر؟ فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه شكا إلى الله تعالى، لا منه. # والثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى يا رب ارحم أسفي على يوسف. وذكر ~~ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب الأسف في اللفظ من ~~المجاز الذي يعني به غير المظهر في اللفظ، وتلخيصه: يا إلهي ارحم أسفي، أو ~~أنت راء أسفي، وهذا أسفي، فنادى الأسف في اللفظ، والمنادى في المعنى سواه، ~~كما قال: " يا حسرتنا " والمعنى: يا هؤلاء تنبهوا على حسرتنا، قال: والحزن ~~ونفور النفس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان ~~بكلام مؤثم ولم يشك إلا إلى ربه، فلما كان قوله: " يا أسفى " شكوى إلى ربه، ~~كان غير ملوم. # وقد روي عن الحسن أن أخاه مات، فجزع الحسن جزعا شديدا، فعوتب في ذلك، ~~فقال: ما وجدت الله عاب على يعقوب الحزن حيث قال: يا أسفى على يوسف ". # قوله تعالى: (وابيضت عيناه من الحزن) أي: انقلبت إلى حال البياض. وهل ذهب ~~بصره أم لا؟ فيه قولان: PageV04P203 # أحدهما: أنه ذهب بصره، قاله مجاهد. # والثاني: ضعف بصره لبياض تغشاه من كثرة البكاء، ذكره الماوردي. وقال ~~مقاتل: لم يبصر بعينيه ست سنين. # قال ابن عباس: وقوله: " من الحزن) أي: من البكاء، يريد أن عينيه ابيضتا ~~لكثرة بكائه، فلما كان الحزن سببا للبكاء، سمي البكاء حزنا. وقال ثابت ~~البناني: دخل جبريل على يوسف، فقال: أيها الملك الكريم على ربه، هل لك علم ~~بيعقوب؟ قال: نعم. قال: ما فعل، قال: # ابيضت عيناه، قال: ما بلغ حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فهل له على ~~ذلك من أجر؟ # قال: أجر مائة شهيد. # وقال الحسن البصري: ما فارق يعقوب الحزن ثمانين سنة، وما جفت عينه، وما ~~أحد يومئذ أكرم على الله منه حين ذهب بصره. # قوله تعالى: (فهو كظيم) الكظيم بمعنى الكاظم، وهو الممسك على حزنه فلا ~~يظهره، قاله ابن قتيبة، وقد شرحنا هذا عند قوله: (والكاظمين الغيظ). # قالوا تالله ms1129 تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال ~~إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون (86) يا بني ~~اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون (87) قوله تعالى: (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف) ~~قال ابن الأنباري: معناه: والله، وجواب هذا القسم " لا " المضمرة التي ~~تأويلها: تالله لا تفتأ، فلما كان موضعها معلوما خفف الكلام بسقوطها من ~~ظاهره، كما تقول العرب: والله أقصدك أبدا، يعنون: لا أقصدك، قال امرؤ ~~القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي يريد: لا أبرح، ~~وقالت الخنساء: # فأقسمت آسى على هالك * أو اسأل نائحة مالها PageV04P204 # أرادت: لا آسى، وقال الآخر: # لم يشعر النعش ما عليه من * العرف ولا الحاملون ما حملوا تالله أنسى ~~مصيبتي أبدا * ما أسمعتني حنينها الإبل وقرأ أبو عمران، وابن محيصن، وأبو ~~حيوة: " قالوا بالله " بالباء، وكذلك كل قسم في القرآن. وأما قوله: " تفتأ ~~" فقال المفسرون وأهل اللغة: معنى " تفتأ " تزال، فمعنى الكلام: لا تزال ~~تذكر يوسف، وأنشد أبو عبيدة: # فما فتئت خيل تثوب وتدعي * ويلحق منها لا حق وتقطع وأنشد ابن القاسم. # فما فتئت منا رعال كأنها * رعال القطا حتى احتوين وقد بني صخر قوله ~~تعالى: (حتى تكون حرضا). # فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الدنف، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: يقال: ~~أحرضه الحزن، أي: أدنفه. قال أبو عبيدة: الحرض: الذي قد أذابه الحزن أو ~~الحب، وهي في موضع محرض. وأنشد. # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني * حتى بليت وحتى شفني السقم أي: أذابني. وقال ~~الزجاج: الحرض: الفاسد في جسمه، والمعنى: حتى تكون مدنفا مريضا. # والثاني: أنه الذاهب العقل، قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال ابن إسحاق: ~~الفاسد العقل. قال الزجاج: وقد يكون الحرض: الفاسد في أخلاقه. # والثالث: أنه الفاسد في جسمه وعقله، يقال: رجل حارض وحرض، فحارض يثني ~~ويجمع ويؤنث، وحرض لا يجمع ولا يثنى، لأنه مصدر، قاله ms1130 الفراء. # والرابع: أنه الهرم، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد. # قوله تعالى: (أو تكون من الهالكين) يعنون: الموتى. فإن قيل: كيف حلفوا ~~على شئ يجوز أن يتغير؟ فالجواب: أن في الكلام إضمارا، تقديره: إن هذا في ~~تقديرنا وظننا. # قوله تعالى: (إنما أشكو بثي) قال ابن قتيبة: البث: أشد الحزن، سمي بذلك، ~~لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه. PageV04P205 # قوله تعالى: (إلى الله) المعنى: إني لا أشكو إليكم، وذلك لما عنفوه بما ~~تقدم ذكره. # وروى الحاكم أبو عبد الله في " صحيحه " من حديث أنس بن مالك عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان ليعقوب أخ مؤاخ، فقال له ذات يوم: يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرك؟ ~~وما الذي قوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف، وأما الذي ~~قوس ظهري، فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل، فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك ~~السلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكو إلى غيري؟ فقال: إنما أشكو بثي وحزني ~~إلى الله، فقال جبريل: الله أعلم بما تشكو، ثم قال يعقوب: أي رب، أما ترحم ~~الشيخ الكبير؟ أذهبت بصري، وقوست ظهري، فاردد علي ريحاني أشمه شمة قبل ~~الموت، ثم اصنع بي يا رب ما شئت، فأتاه جبريل، فقال: يا يعقوب، إن الله ~~يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر، فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك، اصنع ~~طعاما للمساكين، فإن أحب عبادي إلي المساكين، وتدري لم أذهبت بصرك، وقوست ~~ظهرك، وصنع إخوة يوسف بيوسف ما صنعوا؟ لأنكم ذبحتم شاة، فأتاكم فلان ~~المسكين وهو صائم، فلم تطعموه منها. فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء ~~أمر مناديا فنادى: ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب، وإذا ~~كان صائما أمر مناديا فنادى: من كان صائما فليفطر مع يعقوب. وقال وهب بن ~~منبه: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين ~~سنة؟ # قال: لا، قال: لأنك شويت عناقا وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه. وذكر ~~بعضهم أن السبب في ذلك أن يعقوب ms1131 ذبح عجل بقرة بين يديها، وهي تخور، فلم ~~يرحمها. # فإن قيل: كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكا؟ فقد ذكر المفسرون عنه ~~ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى، وهو الأظهر. # والثاني: لئلا يظن الملك بتعجيل استدعائه أهله، شدة فاقتهم. # والثالث: أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرج نفسه إلى كمال السرور. ~~والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى، ليرفع درجة يعقوب بالصبر على ~~البلاء. وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيما، ولا يقدر على دفع ~~سببه. # قوله تعالى: (وأعلم من الله مالا تعلمون) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأنا سنسجد له، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أعلم من سلامة يوسف مالا تعلمون. قال ابن السائب: وذلك أن ملك ~~الموت أتاه، فقال له يعقوب: هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا. # والثالث: أعلم من رحمة الله وقدرته مالا تعلمون، قاله عطاء. PageV04P206 # والرابع: أنه لما أخبره بنوه بسيرة العزيز، طمع أن يكون هو يوسف، قاله ~~السدي، قال: # ولذلك قال لهم: (اذهبوا فتحسسوا). وقال وهب بن منبه: لما قال له ملك ~~الموت: ما قبضت روح يوسف، تباشر عند ذلك، ثم أصبح، فقال لبنيه: (اذهبوا ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه). # قال أبو عبيدة: " تحسسوا " أي: تخبروا والتمسوا في المظان. # فإن قيل: كيف قال: " من يوسف " والغالب أن يقال: تحسست عن كذا؟ فعنه ~~جوابان ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: أن المعنى: عن يوسف، ولكن نابت عنها " من " كما تقول العرب: ~~حدثني فلان من فلان، يعنون عنه. # والثاني: أن " من " أوثرت للتبعيض، والمعنى: تحسسوا خبرا من أخبار يوسف. # قوله تعالى: (ولا تيأسوا من روح الله) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من رحمة الله، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثاني: من فرج الله، قاله ابن زيد. # والثالث: من توسعة الله، حكاه ابن القاسم. قال الأصمعي: الروح: الاستراحة ~~من غم القلب. وقال أهل المعاني: لا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله، ~~(إنه لا ييأس ms1132 من روح الله إلا القوم الكافرون) لأن المؤمن يرجوا الله في ~~الشدائد. # فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) قال هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك لأنت يوسف قال ~~أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال ~~لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) اذهبوا بقميصي ~~هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93) قوله تعالى: ~~(فلما دخلوا عليه) في الكلام محذوف، تقديره: فخرجوا إلى مصر، PageV04P207 # فدخلوا على يوسف، ف‍ (قالوا: يا أيها العزيز) وكانوا يسمون ملكهم بذلك، ~~(مسنا وأهلنا الضر) يعنون الفقر والحاجة (وجئنا ببضاعة مزجاة). وفي ماهية ~~تلك البضاعة سبعة أقوال: # أحدها: أنها كانت دراهم، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها كانت متاعا رثا كالحبل والغرارة، رواه ابن أبي مليكة عن ~~ابن عباس. # والثالث: كانت أقطا قاله الحسن. # والرابع: كانت نعالا وأدما، رواه جويبر عن الضحاك. # والخامس: كانت سويق المقل، روي عن الضحاك أيضا. # والسادس: حبة الخضراء وصنوبر، قاله أبو صالح. # والسابع: كانت صوفا وشيئا من سمن، قاله عبد الله بن الحارث. وفي المزجاة ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنها القليلة. روى العوفي عن ابن عباس قال: دراهم غير طائلة، وبه ~~قال مجاهد، وابن إسحاق، وابن قتيبة. قال الزجاج: تأويله في اللغة أن ~~التزجية: الشئ الذي يدافع به، يقال: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ~~ويكتفي به، فالمعنى: جئنا ببضاعة إنما ندافع بها ونتقوت، وليست مما يتسع ~~به، قال الشاعر: # الواهب المائة الهجان وعبدها * عوذا تزجي خلفها أطفالها أي: تدفع ~~أطفالها. # والثاني: أنها الرديئة، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: إنما ~~قيل للرديئة: # مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: وهي من الإزجاء، ~~والإزجاء عند العرب: السوق والدفع، وأنشد: # ليبك ms1133 على ملحان ضيف مدفع * وأرملة تزجي مع الليل أرملا أي: تسوقه. # والثالث: الكاسدة، رواه الضحاك أيضا عن ابن عباس. # والرابع: الرثة، وهي المتاع الخلق، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. # والخامس: الناقصة، رواه أبو حصين عن عكرمة. # قوله تعالى: (فأوف لنا الكيل) أي: أتمه لنا ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا. # قوله تعالى: (وتصدق علينا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: تصدق علينا بما بين سعر الجياد والرديئة، قاله سعيد بن جبير، ~~والسدي. قال ابن PageV04P208 # الأنباري: كان الذي سألوه من المسامحة يشبه التصدق، وليس به. # والثاني: برد أخينا، قاله ابن جريج، قال: وذلك أنهم كانوا أنبياء، ~~والصدقة لا تحل للأنبياء. # والثالث: وتصدق علينا بالزيادة على حقنا، قاله ابن عيينة، وذهب إلى أن ~~الصدقة قد كانت تحل للأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، حكاه أبو ~~سليمان الدمشقي، وأبو الحسن الماوردي، وأبو يعلى بن الفراء. # قوله تعالى: (إن الله يجزي المتصدقين) أي: بالثواب. قال الضحاك: لم ~~يقولوا: إن الله يجزيك إن تصدقت علينا، لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن. # قوله تعالى: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) في سبب قوله لهم هذا، ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه أخرج إليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من مالك ~~بن ذعر، وفي آخر الكتاب: " وكتب يهوذا " فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا بصحته ~~وقالوا: هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبد كان لنا، فقال يوسف عند ~~ذلك: إنكم تستحقون العقوبة، وأمر بهم ليقتلوا، فقالوا: إن كنت فاعلا، فاذهب ~~بأمتعتنا إلى يعقوب، ثم أقبل يهوذا على بعض إخوته، وقال: قد كان أبونا متصل ~~الحزن لفقد واحد من ولده، فكيف به إذا أخبر بهلكنا أجمعين؟ فرق يوسف عند ~~ذلك وكشف لهم أمره، وقال لهم هذا القول، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم لما قالوا: " مسنا وأهلنا الضر " أدركته الرحمة، فقال لهم ~~هذا، قاله ابن إسحاق. # والثالث: أن يعقوب كتب إليه كتابا: إن رددت ولدي، وإلا دعوت عليك دعوة ~~تدرك السابع من ولدك، فبكى، وقال لهم هذا. وفي " هل ms1134 " قولان: # أحدهما: أنها استفهام لتعظيم القصة لا يراد به نفس الاستفهام. قال ابن ~~الأنباري: # والمعنى: ما أعظم ما ارتكبتم، وما أسمج ما آثرتم من قطيعة الرحم وتضييع ~~الحق، وهذا مثل قول العربي: أتدري من عصيت؟ هل تعرف من عاديت؟ لا يرد بذلك ~~الاستفهام، ولكن يريد تفظيع الأمر، قال الشاعر: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي لم يرد الاستفهام، إنما أراد أن هذا غير ~~مرجو عندهم. قال: ويجوز أن يكون المعنى: هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه من تسليم الله لهما من المكروه؟ وهذه الآية تصديق قوله: # (لتنبئنهم بأمرهم). PageV04P209 # والثاني: أن " هل " بمعنى " قد " ذكره بعض أهل التفسير. # فإن قيل: فالذي فعلوا بيوسف معلوم، فما الذي فعلوا بأخيه، وما سعوا في ~~حبسه ولا أرادوه؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنهم فرقوا بينه وبين يوسف، فنغصوا عيشه بذلك. # والثاني: أنهم آذوه بعد فقد يوسف. # والثالث: أنهم سبوه لما قذف بسرقة الصاع. وفي قوله: (إذ أنتم جاهلون) ~~أربعة أقوال: # أحدها: إذ أنتم صبيان، قاله ابن عباس. # والثاني: مذنبون، قاله مقاتل. # والثالث: جاهلون بعقوق الأب، وقطع الرحم، وموافقة الهوى. # والرابع: جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: (ائنك لأنت يوسف) قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وابن محيصن: " ~~إنك " على الخبر، وقرأه آخرون بهمزتين محققتين، وأدخل بعضهم بينهما ألفا ~~واختلف المفسرون، هل عرفوه، أم شبهوه؟ على قولين: # أحدهما: أنهم شبهوه بيوسف، قاله ابن عباس في رواية. # والثاني: أنهم عرفوه، قاله ابن إسحاق. وفي سبب معرفتهم له ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تبسم، فشبهوا ثناياه بثنايا يوسف، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنه كانت له علامة كالشامة في قرنه، وكان ليعقوب مثلها، ولإسحاق ~~مثلها، ولسارة، فلما وضع التاج عن رأسه، عرفوه، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنه كشف الحجاب، فعرفوه، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: (قال أنا يوسف) قال ابن الأنباري: إنما أظهر الاسم، ولم يقل: ~~أنا هو، تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته، فكأنه قال: أنا المظلوم المستحل ~~منه، المراد ms1135 قتله، فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني، ولهذا قال: (وهذا أخي) ~~وهم يعرفونه، وإنما قصد: وهذا المظلوم كظلمي. # قوله تعالى: (وقد من الله علينا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بخير الدنيا والآخرة. # والثاني: بالجمع بعد الفرقة. PageV04P210 # والثالث: بالسلامة ثم بالكرامة. # قوله تعالى: (إنه من يتق ويصبر) قرأ ابن كثير في رواية قنبل: " من يتقي ~~ويصبر " بياء في الوصل والوقف، وقرأ الباقون بغير ياء في الحالين. وفي معنى ~~الكلام أربعة أقوال: # أحدها: من يتق الزنى ويصبر على البلاء. # والثاني: من يتق الزنى ويصبر على العزوبة. # والثالث: من يتق الله ويصبر على المصائب، رويت هذه الأقوال عن ابن عباس. # والرابع: يتق معصية الله ويصبر على السجن، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) أي: أجر من كان هذا حاله. # قوله تعالى: (لقد آثرك الله علينا) أي: اختارك وفضلك. وبماذا عنوا أنه ~~فضله فيه؟ أربعة أقوال: # أحدها: بالملك، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: بالصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: بالحلم والصفح عنا، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والرابع: بالعلم والعقل والحسن وسائر الفضائل التي أعطاه. # قوله تعالى: (وإن كنا لخاطئين) قال ابن عباس: لمذنبين آثمين في أمرك. قال ~~ابن الأنباري: ولهذا اختير " خاطئين " على " مخطئين "، وإن كان " أخطأ " ~~على ألسن الناس أكثر من " خطئ يخطأ " لأن معنى خطئ يخطأ، فهو خاطئ: أثم، ~~ومعنى أخطأ يخطئ، فهو مخطئ: ترك الصواب ولم يأثم، قال الشاعر: # عبادك يخطأون وأنت رب * بكفيك المنايا والحتوم أراد: يأثمون. قال: ويجوز ~~أن يكون آثر " خاطئين " على " مخطئين " لموافقة رؤوس الآيات، لأن " خاطئين ~~" أشبه بما قبلها. وذكر الفراء في معنى " إن " قولين: # أحدهما: وقد كنا خاطئين. # والثاني: وما كنا إلا خاطئين. # قوله تعالى: (لا تثريب عليكم اليوم) قال أبو صالح عن ابن عباس: لا أعيركم ~~بعد اليوم بهذا أبدا. قال ابن الأنباري: إنما أشار إلى ذلك اليوم، لأنه أول ~~أوقات العفو، وسبيل العافي في مثله أن لا يراجع عقوبة. وقال ثعلب: قد ثرب ~~فلان على فلان: إذا ms1136 عدد عليه ذنوبه. وقال ابن قتيبة: لا تعيير عليكم بعد ~~هذا اليوم بما صنعتم، وأصل التثريب: الإفساد، يقال: ثرب علينا: PageV04P211 # إذا أفسد، وفي الحديث: " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرب " ~~أي: لا يعيرها بالزنى. قال ابن عباس: جعلهم في حل، وسأل الله المغفرة لهم. ~~وقال السدي: لما عرفهم نفسه، سألهم عن أبيه، فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم ~~قميصه، وقال: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي) وهذا القميص كان في ~~قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف لما ألقي في الجب، وكان من الجنة، وقد سبق ~~ذكره. # قوله تعالى: (يأت بصيرا) قال أبو عبيدة: يعود مبصرا. # فإن قيل: من أين قطع على الغيب؟ فالجواب: أن ذلك كان بالوحي إليه، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: (وائتوني بأهلكم أجمعين) قال الكلبي: كان أهله نحوا من سبعين ~~إنسانا. # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) قوله ~~تعالى: (ولما فصلت العير) أي: خرجت من مصر متوجهة إلى كنعان. وكان الذي حمل ~~القميص يهوذا. قال السدي: قال يهوذا ليوسف: أنا الذي حملت القميص إلى يعقوب ~~بدم كذب فأحزنته، وأنا الآن أحمل قميصك لأسره، فحمله، قال ابن عباس: فخرج ~~حافيا حاسرا يعدو، ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها. # قوله تعالى: (قال أبوهم) يعني يعقوب لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده ~~((إني لأجد ريح يوسف) ومعنى أجد: أشم، قال الشاعر: # وليس صرير النعش ما تسمعونه * ولكنها أصلاب قوم تقصف وليس فتيق المسك ما ~~تجدونه * ولكنه ذاك الثناء المخلف فإن قيل: كيف وجد يعقوب ريحه وهو بمصر، ~~ولم يجد ريحه من الجب وبعد خروجه منه، والمسافة هناك أقرب؟ # فعنه جوابان: # أحدهما: أن الله أخفى أمر يوسف على يعقوب في بداية الأمر لتقع البلية ~~التي يتكامل بها الأجر، وأوجده ريحه من المكان النازح عند تقضي البلاء ومجئ ~~الفرج. PageV04P212 # والثاني: أن هذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف على ما سبق ~~بيانه، فلما نشره فاحت روائح الجنان في الدنيا فاتصلت ms1137 بيعقوب، فعلم أن ~~الرائحة من جهة ذلك القميص. قال مجاهد: هبت ريح فضربت القميص، ففاحت روائح ~~الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة، فعلم أنه ليس في الدنيا من ~~ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال: (إني لأجد ريح يوسف). ~~وقيل: إن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل البشير ~~فأذن لها، فلذلك يستروح كل محزون إلى ريح الصبا، ويجد المكروبون لها روحا، ~~وهي ريح لينة تأتي من ناحية المشرق، قال أبو صخر الهذلي: # إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني * نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر قال ابن ~~عباس: وجد ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ثمانين فرسخا. # قوله تعالى: (لولا أن تفندون) فيه خمسة أقوال: # أحدها: تجهلون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # والثاني: تسفهون، رواه عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس، وبه قال ~~عطاء، وقتادة، ومجاهد في رواية. وقال في رواية أخرى: لولا أن تقولوا: ذهب ~~عقلك. # والثالث: تكذبون، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ~~والضحاك. # والرابع: تهرمون، قاله الحسن، ومجاهد في رواية. قال ابن فارس: الفند: ~~إنكار العقل من هرم. # والخامس: تعجزون قاله ابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: تسفهون وتعجزون ~~وتلومون، وأنشد: # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي * فليس ما فات من أمر بمردود قال ابن جرير: ~~وأصل التفنيد: الإفساد، وأقوال المفسرين تتقارب معانيها، وسمعت الشيخ أبا ~~محمد بن الخشاب يقول: قوله: " لولا أن تفندون فيه إضمار، تقديره: لأخبرتكم ~~أنه حي. # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) قوله تعالى: (قالوا تالله إنك لفي ~~ضلالك القديم) قال ابن عباس: بنو بنيه خاطبوه بهذا، وكذلك قال السدي: هذا ~~قول بني بنيه، لأن بنيه كانوا بمصر. وفي معنى هذا الضلال ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى الخطأ، قاله ابن عباس، وابن زيد. # والثاني: أنه الجنون، قاله سعيد بن جبير. PageV04P213 # والثالث: الشقاء والعناء، قاله مقاتل، يريد بذلك شقاء الدنيا. # فلما أن جاء البشير ms1138 ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم ~~من الله مالا تعلمون (96) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ~~(97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) قوله تعالى: (فلما ~~أن جاء البشير) فيه قولان: # أحدهما: أنه يهوذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، ~~والسدي، والجمهور. # والثاني: أنه سمعون، قاله الضحاك. # فإن قيل: ما الفرق بين قوله ها هنا: (فلما أن جاء) وقال في موضع: (فلما ~~جاءهم). # فالجواب: أنهما لغتان لقريش خاطبهم الله بهما جميعا، فدخول " أن " لتوكيد ~~مضي الفعل، وسقوطها للاعتماد على إيضاح الماضي بنفسه، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: (ألقاه) يعني القميص (على وجهه) يعني يعقوب (فارتد بصيرا)، ~~الارتداد: رجوع الشئ إلى حال قد كان عليها. قال ابن الأنباري: إنما قال: ~~ارتد، ولم يقل: # رد، لأن هذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين، كقولهم: طالت النخلة، ~~والله حركها. قال الضحاك: رجع إليه بصره بعد العمى، وقوته بعد الضعف، ~~وشبابه بعد الهرم، وسروره بعد الحزن. # وروى يحيى بن يمان عن سفيان قال: لما جاء البشير يعقوب، قال: على أي دين ~~تركت يوسف؟ قال: على الإسلام، قال: الآن تمت النعمة. # قوله تعالى: (ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون) فيه أقوال قد ~~سبق ذكرها قبل هذا بقليل. # قوله تعالى: (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا) سألوه أن يستغفر لهم ما أتوا، ~~لأنه نبي مجاب الدعوة. (قال سوف أستغفر لكم ربي) في سبب تأخيره لذلك ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه أخرهم لانتظار الوقت الذي هو مظنة الإجابة، ثم فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه أخرهم إلى ليلة الجمعة، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قال وهب: كان PageV04P214 # يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. # والثاني: إلى وقت السحر من ليلة الجمعة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال ~~طاوس: # فوافق ذلك ليلة عاشوراء. # والثالث: إلى وقت السحر، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، ms1139 ~~وابن عمر، وقتادة، والسدي، ومقاتل. قال الزجاج: إنما أراد الوقت الذي هو ~~أخلق لإجابة الدعاء، لا أنه ضن عليهم بالاستغفار، وهذا أشبه بأخلاق ~~الأنبياء عليهم السلام. # والقول الثاني: أنه دفعهم عن التعجيل بالوعد. قال عطاء الخراساني: طلب ~~الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف: " لا ~~تثريب عليكم اليوم " وإلى قول يعقوب: " سوف أستغفر لكم ربي ". # والثالث: أنه أخرهم ليسأل يوسف، فإن عفا عنهم، استغفر لهم، قاله الشعبي. ~~وروي عن أنس بن مالك أنهم قالوا: يا أبانا إن عفا الله عنا، وإلا فلا قرة ~~عين لنا في الدنيا، فدعا يعقوب وأمن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة، ثم جاء ~~جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعفا عما صنعوا به، واعتقد ~~مواثيقهم من بعد على النبوة. قال المفسرون: وكان يوسف قد بعث مع البشير إلى ~~يعقوب جهازا ومائتي راحلة، وسأله أن يأتيه بأهله وولده. فلما ارتحل يعقوب ~~ودنا من مصر، استأذن يوسف الملك الذي فوقه في تلقي يعقوب، فأذن له، وأمر ~~الملأ من أصحابه بالركوب معه، فخرج في أربعة آلاف من الجند، وخرج معهم أهل ~~مصر. # وقيل: إن الملك خرج معهم أيضا. فلما التقى يعقوب ويوسف، بكيا جميعا، فقال ~~يوسف: يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك، أما علمت أن القيامة تجمعني وإياك؟ ~~قال: أي: # بني، خشيت أن تسلب دينك فلا نجتمع. # وقيل: إن يعقوب ابتدأه بالسلام، فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان. # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~(99) قوله تعالى: (فلما دخلوا على يوسف) يعني: يعقوب وولده. وفي هذا الدخول ~~قولان: # أحدهما: أنه دخول أرض مصر، ثم قال لهم: (ادخلوا مصر) يعني البلد. # والثاني: أنه دخول مصر، ثم قال لهم: " ادخلوا مصر " أي: استوطنوها. وفي ~~قوله: # (آوى إليه أبويه) قولان: PageV04P215 # أحدهما: أبوه وخالته، لأن أمه كانت قد ماتت، قاله ابن عباس والجمهور. # والثاني: أبوه وأمه، قاله الحسن، وابن إسحاق. وفي قوله: (إن شاء الله ~~آمنين) ms1140 أربعة أقوال: # أحدها: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، فالمعنى: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء ~~الله، إنه هو الغفور الرحيم، هذا قول ابن جريج. # والثاني: أن الاستثناء يعود إلى الأمن. ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم. # والثاني: أن الناس كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، فلا يدخلون إلا ~~بجوارهم.. # والثالث: أنه يعود إلى دخول مصر، لأنه قال لهم هذا حين تلقاهم قبل ~~دخولهم، على ما سبق بيانه. # والرابع: أن " إن " بمعنى: " إذ ": (إن أردن تحصنا) قال ابن عباس: دخلوا ~~مصر يومئذ وهم نيف وسبعون بين ذكر وأنثى. وقال ابن مسعود: دخلوا وهم ثلاثة ~~وتسعون، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا. # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ~~قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ~~(100) * رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات ~~والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) ~~قوله تعالى: (ورفع أبويه على العرش) في " أبويه " قولان: في الآية التي ~~قبلها. # والعرش ها هنا: سرير المملكة، أجلس أبويه عليه (وخروا له) يعني: أبويه ~~وإخوته. وفي هاء " له " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى يوسف، قاله الجمهور. قال أبو صالح عن ابن عباس: ~~كان سجودهم كهيئة الركوع كما يفعل الأعاجم. وقال الحسن: أمرهم الله بالسجود ~~لتأويل الرؤيا. قال ابن الأنباري: سجدوا له على جهة التحية، لا على معنى ~~العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحيى PageV04P216 # بعضهم بعضا بالسجود والانحناء، فحظره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى ~~أنس بن مالك قال: " قال رجل: # يا رسول الله! أحدنا يلقى صديقه، أينحني له؟ قال: لا ". # والثاني: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: وخروا لله سجدا، رواه عطاء، ~~والضحاك عن ابن عباس، فيكون المعنى: أنهم سجدوا شكرا لله إذ جمع بينهم ms1141 وبين ~~يوسف. # قوله تعالى: (هذا تأويل رؤياي) أي: تصديق ما رأيت، وكان قد رآهم في ~~المنام يسجدون له، فأراه الله ذلك في اليقظة. واختلفوا فيما بين رؤياه ~~وتأويلها على سبعة أقوال: # أحدها: أربعون سنة، قاله سلمان الفارسي، وعبد الله بن شداد بن الهاد، ~~ومقاتل. # والثاني: اثنتان وعشرون سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: ثمانون سنة، قاله الحسن، والفضيل بن عياض. # والرابع: ست وثلاثون سنة، قاله سعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي. # والخامس: خمس وثلاثون سنة، قاله قتادة. # والسادس: سبعون سنة، قاله عبد الله بن شوذب. # والسابع: ثماني عشرة سنة، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: (وقد أحسن بي) أي: إلي. والبدو: البسط من الأرض. وقال ابن ~~عباس: # البدو: البادية، وكانوا أهل عمود وماشية. # قوله تعالى: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي: أفسد بيننا. ~~قال أبو عبيدة: يقال: نزغ بينهم ينزغ، أي: أفسد وهيج، وبعضهم يكسر زاي ~~ينزغ. (إن ربي لطيف لما يشاء) أي: عالم بدقائق الأمور. وقد شرحنا معنى " ~~اللطيف " في سورة (الأنعام). # فإن قيل: قد توالت على يوسف نعم جمة، فما السر في اقتصاره على ذكر السجن، ~~وهلا ذكر الجب، وهو أصعب؟ فالجواب من وجوه. # أحدها: أنه ترك ذكر الجب تكرما، لئلا يذكر إخوته صنيعهم، وقد قال: " لا ~~تثريب عليكم اليوم ". # والثاني: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فكانت هذه ~~النعمة أوفى. # والثالث: أن طول لبثه في السجن كان عقوبة له، بخلاف الجب، فشكر الله على ~~عفوه. # قال العلماء بالسير: أقام يعقوب بعد قدومه مصر أربعا وعشرين سنة. وقال ~~بعضهم: سبع PageV04P217 # عشرة سنة في أهنأ عيش، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يحمل إلى ~~الشام حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل به ذلك، وكان عمره مائة وسبعا ~~وأربعين سنة، ثم إن يوسف تاق إلى الجنة، وعلم أن الدنيا لا تدوم فتمنى ~~الموت، قال ابن عباس، وقتادة: ولم يتمن الموت نبي قبله، فقال: # (رب قد آتيتني من الملك) يعني: ملك مصر (وعلمتني ms1142 من تأويل الأحاديث) وقد ~~سبق تفسيرها وفي " من " قولان: # أحدهما: أنها صلة، قاله مقاتل. # والثاني: أنها للتبعيض، لأنه لم يؤت كل الملك، ولا كل تأويل الأحاديث. # قوله تعالى: (فاطر السماوات والأرض) قد شرحناه في (الأنعام) (أنت وليي) ~~أي: # الذي تلي أمري (توفني مسلما) قال ابن عباس: يريد: لا تسلبني الإسلام حتى ~~تتوفاني عليه. # وكان ابن عقيل يقول: لم يتمن يوسف الموت، وإنما سأل أن يموت على صفة، ~~والمعنى: توفني إذا توفيتني مسلما، وهذا الصحيح. # قوله تعالى: (وألحقني بالصالحين) والمعنى: ألحقني بدرجاتهم، وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم أهل الجنة، قاله عكرمة. # والثاني: آباؤه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، قاله الضحاك، قالوا: فلما احتضر ~~يوسف، أوصى إلى يهوذا، ومات، فتشاح الناس في دفنه، كل يحب أن يدفن في محلته ~~رجاء البركة، فاجتمعوا على دفنه في النيل ليمر الماء عليه ويصل إلى الجميع، ~~فدفنوه في صندوق من رخام، فكان هنا لك إلى أن حمله موسى حين خرج من مصر ~~ودفنه بأرض كنعان. قال الحسن: مات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة. وذكر ~~مقاتل أنه مات بعد يعقوب بسنتين. # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ~~(102) قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب) أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر ~~يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك، فأنزلته عليك دليلا على ~~نبوتك. (وما كنت لديهم) أي: عند إخوة يوسف (إذ أجمعوا أمرهم) أي: عزموا على ~~إلقائه في الجب (وهم يمكرون) بيوسف، وفي هذا احتجاج على صحة نبوة نبينا ~~عليه السلام، لأنه لم يشاهد تلك القصة، ولا كان يقرأ الكتاب، وقد أخبر عنها ~~بهذا الكلام المعجز، فدل على أنه أخبر بوحي. # وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ~~ذكر PageV04P218 # للعالمين (104) قوله تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) قال ابن ~~الأنباري: إن قريشا واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف ~~وإخوته، فشرحها شرحا شافيا، وهو يؤمل أن يكون ذلك سببا ms1143 لإسلامهم، فخالفوا ~~ظنه، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعزاه الله تعالى بهذه الآية. قال ~~الزجاج: # ومعناها: وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم. (وما تسألهم ~~عليه) أي: على القرآن وتلاوته وهدايتك إياهم (من أجر، إن هو) أي: ما هو إلا ~~تذكرة لهم لما فيه صلاحهم ونجاتهم. # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) قوله ~~تعالى: (وكأين) أي: وكم (من آية) أي: علامة ودلالة تدلهم على توحيد الله، ~~من أمر السماوات والأرض، (يمرون عليها) أي: يتجاوزونها غير مفكرين ولا ~~معتبرين. # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) قوله تعالى: (وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم المشركون، ثم في معناها المتعلق بهم قولان: # أحدهما: أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وقتادة. # والثاني: أنها نزلت في تلبية مشركي العرب، كانوا يقولون: لبيك اللهم ~~لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، رواه الضحاك عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنهم النصارى، يؤمنون بأنه خالقهم ورازقهم، ومع ذلك يشركون به، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنهم المنافقون، يؤمنون في الظاهر رئاء الناس، وهم في الباطن ~~مشركون، قاله الحسن. # فإن قيل: كيف وصف المشرك بالإيمان؟ فالجواب: أنه ليس المراد به حقيقة ~~الإيمان، وإنما المعنى: أن أكثرهم، مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم، مشركون. ~~PageV04P219 # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون (107) قوله تعالى: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) قال ابن ~~قتيبة: الغاشية: المجللة تغشاهم. وقال الزجاج: المعنى: يأتيهم ما يغمرهم من ~~العذاب. والبغتة: الفجأة من حيث لم تتوقع. # قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين (108) قوله تعالى: (قل هذه سبيلي) المعنى: قل يا محمد ~~للمشركين: هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها، سبيلي، ~~أي: سنتي ومنهاجي. ms1144 والسبيل تذكر وتؤنث، وقد ذكرنا ذلك في (آل عمران). ~~(ادعوا إلى الله على بصيرة) أي: على يقين. قال ابن الأنباري: وكل مسلم لا ~~يخلو من الدعاء إلى الله [عز وجل]، لأنه إذا تلا القرآن، فقد دعا إلى الله ~~بما فيه. # ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: (إلى الله)، ثم ابتدأ فقال: (على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني). # قوله تعالى: (وسبحان الله) المعنى: وقل: سبحان الله تنزيها له عما ~~أشركوا. # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون (109) قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) هذا نزل من ~~أجل قولهم: هلا بعث الله ملكا، فالمعنى: كيف تعجبوا من إرسالنا إياك، وسائر ~~الرسل كانوا على مثل حالك (يوحي إليهم)؟ وقرأ حفص عن عاصم: " نوحي " ~~بالنون. والمراد بالقرى: المدائن. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل ~~البادية، ولا من الجن، ولا من النساء، قال قتادة: لأن أهل القرى أعلم وأحلم ~~من أهل العمود. # قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض) يعني: المشركين المنكرين نبوتك ~~(فينظروا) إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بذلك. (ولدار الآخرة) يعني: ~~الجنة (خير) من الدنيا PageV04P220 # (للذين اتقوا) الشرك. قال الفراء: أضيفت الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة، ~~لأن العرب قد تضيف الشئ إلى نفسه إذا اختلف لفظه، كقوله: (لهو حق اليقين) ~~والحق: هو اليقين، وقولهم: أتيتك عام الأول، ويوم الخميس. # قوله تعالى: (أفلا يعقلون) قرأ أهل المدينة، وابن عامر، وحفص، والمفضل، ~~ويعقوب: " تعقلون " بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، والمعنى: أفلا يعقلون هذا ~~فيؤمنوا. # حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) قوله تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل) ~~المعنى متعلق بالآية الأولى، فتقديره: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا، فدعوا ~~قومهم، فكذبوهم، وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا استيأس الرسل، ~~وفيه قولان: # أحدهما: استيأسوا من تصديق قومهم، قاله ابن عباس. ms1145 # والثاني: من أن نعذب قومهم، قاله مجاهد. (وظنوا أنهم قد كذبوا) قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " كذبوا " مشددة الذال مضمومة الكاف، ~~والمعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم، فيكون الظن ها هنا بمعنى اليقين، ~~هذا قول الحسن، وعطاء، وقتادة. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " كذبوا " ~~خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر، لأن ~~الرسل لا يظنون ذلك. وقرأ أبو رزين، ومجاهد، والضحاك: " كذبوا " بفتح الكاف ~~والذال خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أيضا أنهم قد كذبوا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (جاءهم نصرنا) يعني: الرسل (فننجي من نشاء) قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " فننجي " بنونين، الأولى مضمومة ~~والثانية ساكنة والياء ساكنة. # وقرأ ابن عامر، وأبو بكر، وحفص، جميعا عن عاصم، ويعقوب: " فنجي " مشدده ~~الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة، يعني: المؤمنين، نجوا عند نزول العذاب. # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) PageV04P221 # قوله تعالى: (لقد كان في قصصهم) أي: في خبر يوسف وإخوته. وروى عبد الوارث ~~كسر القاف، وهي قراءة قتادة، وأبي الجوزاء. (عبرة) أي: عظة (لأولي الألباب) ~~أي: لذوي العقول السليمة، وذلك من وجهين: # أحدهما: ما جرى ليوسف من إعزازه وتمليكه بعد استعباده، فإن من فعل ذلك به ~~قادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وتعلية كلمته. # والثاني: أن من تفكر، علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم مع كونه أميا، لم ~~يأت بهذه القصة على موافقة ما في التوراة من قبل نفسه، فاستدل بذلك على صحة ~~نبوته. # قوله تعالى: (ما كان حديثا يفترى) في المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة. # والثاني: ما تقدم من القصص، قاله ابن إسحاق، فعلى القول الأول، يكون معنى ~~قوله: # (ولكن تصديق الذي بين يديه): ولكن كان تصديقا لما بين يديه من الكتب ~~(وتفصيل كل شئ) يحتاج إليه من أمور الدين (وهدى) بيانا (ورحمة لقوم يؤمنون) ~~أي: يصدقون ms1146 بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى القول الثاني: وتفصيل ~~كل شئ من نبأ يوسف وإخوته. PageV04P222 # (13) سورة الرعد مدنية وآياتها ثلاث وأربعون فصل اختلفوا في نزولها على ~~قولين: # أحدهما: أنها مكية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وسعيد بن جبير، وعطاء، وقتادة. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية، إلا ~~آيتين منها، قوله [تعالى]: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة...) إلى آخر الآية، وقوله: # (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء الخراساني ~~عن ابن عباس، وبه قال جابر بن زيد. وروي عن ابن عباس أنها مدنية، إلا آيتين ~~نزلتا بمكة، وهما قوله [تعالى]: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال...) إلى ~~آخرها. وقال بعضهم: المدني منها قوله تعالى: (هو الذي يريكم البرق إلى قوله ~~[تعالى]: (له دعوة الحق). # بسم الله الرحمن الرحيم المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك ~~الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ~~ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر ~~يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) PageV04P223 # قوله تعالى: (آلمر) قد ذكرنا في سورة (البقرة) جملة من الكلام في معاني ~~هذه الحروف. وقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الكلمة ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناها: أنا الله أعلم وأرى، رواه أبو الضحى عنه. # والثاني: أنا الله أرى، رواه سعيد بن جبير عنه. # والثالث: أنا الله الملك الرحمن، رواه عطاء عنه. # قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب) في " تلك " قولان، وفي " الكتاب " قولان: ~~قد تقدمت في أول (يونس). # قوله تعالى: (والذي أنزل إليك من ربك الحق) يعني: القرآن وغيره من الوحي ~~(ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) قال ابن عباس: يعني أهل مكة. قال الزجاج: لما ~~ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال [عز وجل]: ~~(الله الذي رفع السماوات بغير عمد) قال أبو عبيدة: العمد: متحرك الحروف ~~بالفتحة وبعضهم يحركها ms1147 بالضمة، لأنها جمع عمود، وهو القياس، لأن كل كلمة ~~هجاؤها أربعة أحرف الثالث منها ألف أو ياء أو واو، فجميعه مضموم الحروف، ~~نحو رسول، والجمع: رسل، وحمار، والجمع: حمر، غير أنه قد جاءت أسامي ~~استعملوا جميعها بالحركة والفتحة، نحو عمود، وأديم، وإهاب، قالوا: أدم، ~~وأهب. # ومعنى " عمد ": سوار، ودعائم، وما يعمد البناء. وقرأ أبو حيوة: " بغير ~~عمد " بضم العين والميم. # وفي قوله (ترونها) قولان: # أحدهما: أن هاء الكناية ترجع إلى السماوات، فالمعنى: ترونها بغير عمد، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، والجمهور. وقال ابن ~~الأنباري: " ترونها " خبر مستأنف، والمعنى: رفع السماوات بلا دعامة تمسكها، ~~ثم قال: " ترونها " أي: ما تشاهدون من هذا الأمر العظيم، يغنيكم عن إقامة ~~الدلائل عليه. # والثاني: أنها ترجع إلى العمد، فالمعنى: إنها بعمد لا ترونها، رواه عطاء، ~~والضحاك عن ابن عباس، وقال: لها عمد على قاف، ولكنكم لا ترون العمد، وإلى ~~هذا القول ذهب مجاهد، وعكرمة، والأول أصح. # قوله تعالى: (وسخر الشمس والقمر) أي: ذللهما لما يراد منهما (كل يجري ~~لأجل مسمى) أي: # إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا. (يدبر الأمر) أي: يصرفه بحكمته. (يفصل ~~الآيات) أي: يبين الآيات التي تدل أنه قادر على البعث لكي توقنوا بذلك. ~~وقرأ أبو رزين، وقتادة، والنخعي: " ندبر الأمر نفصل PageV04P224 # الآيات " بالنون فيهما. # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) قوله ~~تعالى: (وهو الذي مد الأرض) قال ابن عباس: بسطها على الماء. # قوله تعالى: (وجعل فيها رواسي) قال الزجاج: أي جبالا ثوابت، يقال: رسا ~~الشئ يرسو رسوا، فهو راس: إذا ثبت. (وجعل فيها زوجين اثنين) أي: نوعين. ~~والزوج: # الواحد الذي له قرين من جنسه. قال المفسرون: ويعني بالزوجين: الحلو ~~والحامض، والعذب والملح، والأبيض والأسود. # قوله تعالى: (يغشى الليل النهار) قد شرحناه في سورة الأعراف. # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ms1148 ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) ~~قوله تعالى: (وفي الأرض قطع متجاورات) فيها قولان: # أحدهما: أنها الأرض السبخة، والأرض العذبة، تنبت هذه، وهذه إلى جنبها لا ~~تنبت، هذا قول ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: أنها القرى المتجاورات، قاله قتادة، وابن قتيبة، وهو يرجع إلى ~~معنى الأول. # قوله تعالى: (وزرع ونخيل) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان) رفعا في الكل. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان " خفضا في ~~الكل. قال أبو علي: من رفع، فالمعنى: وفي الأرض قطع وجنات، وفي الأرض زرع، ~~ومن خفض حمله على الأعناب، فالمعنى: جنات من أعناب، ومن زرع، ومن نخيل. # قوله تعالى: (صنوان وغير صنوان) هذا من صفة النخيل. قال الزجاج: الصنوان: ~~جمع صنو وصنو، ومعناه: أن يكون الأصل واحدا وفيه النخلتان والثلاث والأربع. ~~وكذلك قال PageV04P225 # المفسرون: الصنوان: النخل المجتمع وأصله واحد، وغير صنوان: المتفرق. وقرأ ~~أبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، وابن جبير، وقتادة: " صنوان " بضم ~~الصاد. قال الفراء: لغة أهل الحجاز " صنوان " بكسر الصاد، وتميم وقيس يضمون ~~الصاد. # قوله تعالى: (تسقى بماء واحد) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو " تسقى " ~~بالتاء، " ونفضل " بالنون. وقرأ حمزة، والكسائي " تسقى " بالتاء أيضا، ~~لكنهما أمالا القاف. وقرأ الحسن " ويفضل " بالياء. وقرأ عاصم، وابن عامر " ~~يسقى " بالياء، " ونفضل " بالنون، وكلهم كسر الضاد. وروى الحلبي عن عبد ~~الوارث ضم الياء من " يفضل " وفتح الضاد، " بعضها " برفع الضاد. وقال ~~الفراء: من قرأ " تسقى " بالتاء ذهب إلى تأنيث الزرع، والجنات، والنخيل، ~~ومن ذهب إلى النبت، وذلك كله يسقى بماء واحد، وأكله مختلف حامض وحلو، ففي ~~هذا آية. قال المفسرون: الماء الواحد: ماء المطر، والأكل: الثمر، بعضه أكبر ~~من بعض، وبعضه أفضل من بعض، وبعضه حامض وبعضه حلو، إلى غير ذلك، وفي هذا ~~دليل على بطلان قول الطبائعيين، لأنه لو كان حدوث الثمر من طبع الأرض ~~والهواء، والماء، وجب ms1149 أن يتفق ما يحدث لاتفاق ما أوجب الحدوث، فلما وقع ~~الاختلاف، دل على مدبر قادر، (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) أنه لا تجوز ~~العبادة إلا لمن يقدر على هذا. # * وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين ~~كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(5) قوله تعالى: (وإن تعجب) أي: من تكذيبهم وعبادتهم مالا ينفع ولا يضر ~~بعدما رأوا من تأثير قدرة الله عز وجل في خلق الأشياء، فإنكارهم البعث موضع ~~عجب. وقيل: المعنى: وإن تعجب بما وقفت عليه من القطع المتجاورات وقدرة ربك ~~في ذلك، فعجب جحدهم البعث، لأنه قد بان لهم من خلق السماوات والأرض ما يدل ~~على أن البعث أسهل في القدرة. # قوله تعالى: (أإذا كنا ترابا) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو " آيذا كنا ترابا ~~آينا " جميعا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ~~ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. وقرأ نافع " آيذا ~~" مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ " إنا لفي خلق " مكسورة على ~~الخبر. وقرأ عاصم، وحمزة " أإذا كنا " " أإنا " بهمزتين فيهما. وقرأ ابن ~~عامر " إذا كنا ترابا " مكسورة الألف من غير استفهام، " أإنا " يهمز ثم يمد ~~ثم يهمز على وزن: فاعنا. وروي عن ابن عامر أيضا " أإذا " بهمزتين لا ألف ~~بينهما. PageV04P226 # والأغلال جمع غل، وفيها قولان: # أحدهما: أنها أغلال يوم القيامة، قاله الأكثرون. # والثاني: أنها الأعمال التي هي أغلال، قاله الزجاج. # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار (8) عالم الغيب ~~والشهادة الكبير المتعال (9) قوله تعالى: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) ~~اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في كفار مكة، سألوا ms1150 رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يأتيهم بالعذاب، استهزاء منهم بذلك، قاله ابن عباس. # والثاني: في مشركي العرب، قاله قتادة. # والثالث: في النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، ~~قاله مقاتل. وفي السيئة والحسنة قولان: # أحدهما: بالعذاب قبل العافية، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: بالشر قبل الخير، قاله قتادة. # فأما (المثلات) فقرأ الجمهور بفتح الميم. وقرأ عثمان، وأبو رزين، وأبو ~~مجلز، وسعيد ابن جبير، وقتادة، والحسن، وابن أبي عبلة برفع الميم. ثم في ~~معناها قولان: # أحدهما: أنها العقوبات، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المعنى: قد تقدم من ~~العذاب ما هو مثله وما فيه نكال، لو أنهم اتعظوا. وقال ابن الأنباري: ~~المثلة: العقوبة التي تبقي في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه، من قولهم: مثل ~~فلان بفلان، إذا شان خلقه بقطع أنفه أو أذنه، أو سمل عينيه ونحو ذلك. # والثاني: أن المثلات: الأمثال التي ضربها الله تعالى لهم، قاله مجاهد، ~~وأبو عبيدة. # قوله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) قال ابن عباس: لذو ~~تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، وإنه لشديد العقاب للمصرين على الشرك. وقال ~~مقاتل: لذو تجاوز عن PageV04P227 # شركهم في تأخير العذاب، وإنه لشديد العقاب إذا عذب. # فصل وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: (إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به)، والمحققون على أنها محكمة. # قوله تعالى: (لولا أنزل عليه آية من ربه) " لولا " بمعنى هلا، والآية ~~التي طلبوها، مثل عصا موسى وناقة صالح. ولم يقنعوا بما رأوا، فقال الله ~~تعالى: (إنما أنت منذر) أي: مخوف عذاب الله، وليس لك من الآيات شئ. وفي ~~قوله تعالى: (ولكل قوم هاد) ستة أقوال: # أحدها: أن المراد بالهادي: الله عز وجل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، والنخعي. # والثاني: أن الهادي: الداعي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن الهادي: النبي [صلى الله عليه وسلم]، قاله الحسن، وعطاء، ~~وقتادة، وابن زيد، فالمعنى: ms1151 ولكل قوم نبي ينذرهم. # والرابع: أن الهادي: رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا، قاله عكرمة، ~~وأبو الضحى، والمعنى: أنت منذر، وأنت هاد. # والخامس: أن الهادي: العمل، قاله أبو العالية. # والسادس: أن الهادي: القائد إلى الخير أو إلى الشر، قاله أبو صالح. # وقد روى المفسرون من طرق ليس فيها ما يثبت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: لما نزلت هذه الآية، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره، ~~فقال: # " أنا المنذر "، وأومأ بيده إلى منكب علي، فقال: " أنت الهادي يا علي بك ~~يهتدى من بعدي ". قال المصنف: وهذا من موضوعات الرافضة. # ثم إن الله تعالى أخبرهم عن قدرته، ردا على منكري البعث، فقال: (الله ~~يعلم ما تحمل كل أنثى) أي: من علقة أو مضغة، أو زائد أو ناقص، أو ذكر أو ~~أنثى، أو واحد أو اثنين أو أكثر، (وما تغيض الأرحام) أي: وما تنقص، (وما ~~تزداد) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: ما تغيض: بالوضع لأقل من تسعة أشهر، وما تزداد: بالوضع لأكثر من ~~تسعة أشهر، PageV04P228 # رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، ومقاتل، وابن ~~قتيبة، والزجاج. # والثاني: وما تغيض: بالسقط الناقص، وما تزداد: بالولد التام، رواه العوفي ~~عن ابن عباس، وعن الحسن كالقولين. # والثالث: وما تغيض: بإراقة الدم في الحمل حتى يتضاءل الولد، وما تزداد: ~~إذا أمسكت الدم فيعظم الولد، قاله مجاهد. # والرابع: " ما تغيض الأرحام " من ولدته من قبل، " وما تزداد " من تلده من ~~بعد، روي عن قتادة، والسدي. # قوله تعالى: (وكل شئ عنده بمقدار) أي: بقدر. قال أبو عبيدة: هو مفعال من ~~القدر. # قال ابن عباس: علم كل شئ فقدره تقديرا. # قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة) قد شرحنا ذلك في (الأنعام). و ~~(الكبير) بمعنى: العظيم. ومعناه: يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، ~~فهو أكبر من كل كبير، لأن كل كبير يصغر بالإضافة إلى عظمته. ويقال: " ~~الكبير " الذي كبر عن مشابهة المخلوقين. # فأما (المتعال) فقرأ ابن كثير " المتعالي " بياء في ms1152 الوصل والوقف، وكذلك ~~روى عبد الوارث عن أبي عمرو، وأثبتها في الوقف دون الوصل ابن شنبوذ عن ~~قنبل، والباقون بغير ياء في الحالين. والمتعالي هو المتنزه عن صفات ~~المخلوقين، قال الخطابي: وقد يكون بمعنى العالي فوق خلقه وروي عن الحسن أنه ~~قال: المتعالي عما يقول المشركون. # سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ~~(10) قوله تعالى: (سواء منكم) قال ابن الأنباري: ناب " سواء " عن مستو، ~~والمعنى: مستو منكم (من أسر القول) أي أخفاه وكتمه (ومن جهر به) أعلنه ~~وأظهره، والمعنى: أن السر والجهر سواء عنده. # قوله تعالى: (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) فيه قولان: # أحدهما: أن المستخفي: هو المستتر المتواري في ظلمة لليل، والسارب ~~بالنهار: الظاهر المتصرف في حوائجه. يقال: سربت الإبل تسرب: إذا مضت في ~~الأرض ظاهرة، وأنشدوا: # أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهم * ونحن خلعنا قيده فهو سارب أي: ذاهب. ومعنى ~~الكلام: أن الظاهر والخفي عنده سواء، هذا قول الأكثرين. وروى PageV04P229 # العوفي عن ابن عباس: " ومن هو مستخف " قال: صاحب ريبة بالليل، فإذا خرج ~~بالنهار أرى الناس أنه برئ من الإثم. # والثاني: أن المستخفي بالليل: الظاهر، والسارب بالنهار: المستتر، يقال: ~~انسرب الوحش: إذا دخل في كناسه، وهذا قول الأخفش، وذكره قطرب أيضا واحتج له ~~ابن جرير بقولهم: خفيت الشئ: إذا أظهرته، ومنه (أكاد أخفيها) بفتح الألف، ~~أي: أظهرها، قال: # وإنما قيل للمتواري: سارب، لأنه صار في السرب مستخفيا. # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال (11) قوله تعالى: (له معقبات) في هاء " له " أربعة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو الجوزاء عن ~~ابن عباس. # والثاني: إلى الملك من ملوك الدنيا، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: إلى الإنسان، قاله الزجاج. # والرابع: إلى الله تعالى، ذكره ms1153 ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. وفي ~~المعقبات قولان: # أحدهما: أنها الملائكة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والحسن، ~~وقتادة في آخرين. قال الزجاج: والمعنى: للإنسان ملائكة يعتقبون، يأتي بعضهم ~~بعقب بعض. وقال أكثر المفسرين: هم الحفظة، اثنان بالنهار واثنان بالليل، ~~إذا مضى فريق، خلف بعده فريق، ويجتمعون عند صلاة المغرب والفجر. وقال قوم، ~~منهم ابن زيد: هذه الآية خاصة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، عزم عامر ~~بن الطفيل وأربد بن قيس على قتله، فمنعه الله منهما، وأنزل هذه الآية. # والقول الثاني: أن المعقبات حراس الملوك الذين يتعاقبون الحرس، وهذا مروي ~~عن ابن عباس، وعكرمة. وقال الضحاك: هم السلاطين المشركون المحترسون من الله ~~[تعالى]: # وفي قوله [تعالى]: (يحفظونه من أمر الله) سبعة أقوال: # أحدها: يحرسونه من أمر الله ولا يقدرون، هذا على قول من قال: هي في ~~المشركين PageV04P230 # المحترسين من أمر الله. # والثاني: أن المعنى: حفظهم له من أمر الله، قاله ابن عباس، وابن جبير، ~~فيكون تقدير الكلام: هذا الحفظ مما أمرهم الله به. # والثالث: يحفظونه بأمر الله، قاله الحسن، ومجاهد، وعكرمة. قال اللغويون: ~~والباء تقوم مقام " من "، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. # والرابع: يحفظونه من الجن، قاله مجاهد، والنخعي. وقال كعب: لولا أن الله ~~تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، إذن لتخطفتكم ~~الجن. وقال مجاهد: # ما من عبد إلا وملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس ~~والهوام، فإذا أراده شئ، قال: وراءك وراءك، إلا شئ قد قضي له أن يصيبه. ~~وقال أبو مجلز: جاء رجل من مراد إلى علي عليه السلام، فقال: احترس، فإن ~~ناسا من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، ~~فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة. # والخامس: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والمعنى: له معقبات من أمر الله ~~يحفظونه، قاله أبو صالح، والفراء. # والسادس: يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له، ذكره ms1154 أبو ~~سليمان الدمشقي، واستدل بما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: يحفظونه من أمر ~~الله، حتى إذا جاء القدر خلوا عنه، وقال عكرمة: يحفظونه لأمر الله. # والسابع: يحفظون عليه الحسنات والسيئات، قاله ابن جريج. قال الأخفش: ~~وإنما أنث المعقبات لكثرة ذلك منها، نحو النسابة، والعلامة ثم ذكر في قوله: ~~" يحفظونه " لأن المعنى مذكر. # قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم) أي: لا يسلبهم نعمه (حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم) فيعملوا بمعاصيه. قال مقاتل: ويعني بذلك كفار مكة. # قوله تعالى: (وإذا أراد الله بقوم سوءا) فيه قولان: # أحدهما: أنه العذاب. # والثاني: البلاء. # قوله تعالى: (فلا مرد له) أي: لا يرده شئ ولا تنفعه المعقبات. (وما لهم ~~من دونه) يعني: من دون الله (من وال) أي: من ولي يدفع عنهم العذاب والبلاء. ~~PageV04P231 # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) قوله تعالى: ~~(هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: خوفا للمسافر وطمعا للمقيم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال ~~قتادة: فالمسافر خاف أذاه ومشقته والمقيم يرجو منفعته. # والثاني: خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن. # والثالث: خوفا للبلد الذي يخاف ضرر المطر وطمعا لمن يرجو الانتفاع به، ~~ذكره الزجاج. # والرابع: خوفا من العقاب وطمعا في الثواب، ذكره الماوردي. وكان ابن ~~الزبير إذا سمع صوت الرعد يقول إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض. # قوله تعالى: (وينشئ السحاب الثقال) أي: ويخلق السحاب الثقال بالماء. قال ~~الفراء: السحاب، وإن كان لفظه واحدا، فإنه جمع واحدته سحابة، جعل نعته على ~~الجمع، كما قال (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) ولم يقل: أخضر، ولا حسن. # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ~~وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) قوله تعالى: (ويسبح الرعد بحمده) ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه اسم الملك الذي يزجر السحاب، وصوته: تسبيحه، قاله مقاتل. # والثاني: أنه الصوت المسموع. وإنما خص الرعد بالتسبيح، لأنه من أعظم ~~الأصوات. ms1155 قال ابن الأنباري: وإخباره عن الصوت بالتسبيح مجاز، كما يقول ~~القائل: قد غمني كلامك. # قوله تعالى: (والملائكة من خيفته) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله [عز وجل]، وهو الأظهر. قال ابن عباس: يخافون ~~الله، وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، ولا ~~يشغله عن عبادة الله شئ. # والثاني: أنها ترجع إلى الرعد، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أربد بن قيس، وعامر بن الطفيل، أتيا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يريدان PageV04P232 # الفتك به، فقال: " اللهم اكفنيهما بما شئت "، فأما أربد فأرسل الله عليه ~~صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وأما عامر فأصابته غدة فهلك، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، هذا قول الأكثرين، منهم ابن جريج، وأربد هو أخو لبيد بن ~~ربيعة لأمه. # والثاني: أنها نزلت في رجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~حدثني يا محمد عن إلهك، أياقوت هو؟ أذهب هو؟ فنزلت على السائل صاعقة ~~فأحرقته، ونزلت هذه الآية، قاله علي بن أبي طالب عليه السلام. قال مجاهد: ~~وكان يهوديا. وقال أنس بن مالك: بعث رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى ~~بعض فراعنة العرب يدعوه إلى الله تعالى، فقال للرسول: وما الله، أمن ذهب ~~هو، أم من فضة، أم من نحاس؟ فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فقال: " ارجع إليه فادعه "، فرجع، فأعاد عليه الكلام، إلى أن رجع إليه ~~ثالثة، فبينما هما يتراجعان الكلام، إذ بعث الله سحابة حيال رأسه، فرعدت ~~ووقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية. # والثالث: أنها في رجل أنكر القرآن وكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته ونزلت هذه الآية، قاله قتادة. # قوله تعالى: (وهم يجادلون في الله) فيه قولان: # أحدهما: يكذبون بعظمة الله، قاله ابن عباس. # والثاني: يخاصمون في الله، حيث قال قائلهم أهو من ذهب، ms1156 أم من فضة؟ على ما ~~تقدم بيانه. # قوله تعالى: (وهو شديد المحال) فيه خمسة أقوال: # أحدها: شديد الأخذ، قاله علي عليه السلام. # والثاني: شديد المكر، شديد العداوة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: شديد العقوبة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وقال مجاهد في رواية ~~عنه: شديد الانتقام. وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة والمكر والنكال، وأنشد ~~للأعشى: # فرع نبع يهتز في غصن المجد * غزير الندى، شديد المحال إن يعاقب يكن غراما ~~وإن يغط * جزيلا فإنه لا يبالي وقال ابن قتيبة: شديد المكر واليد، وأصل ~~المحال: الحيلة. # والرابع: شديد القوة، قاله مجاهد. قال الزجاج: يقال: ما حلته محالا: إذا ~~قاويته حتى تبين له أيكما الأشد، والمحل في اللغة: الشدة. # والخامس: شديد الحقد، قاله الحسن البصري فيما سمعناه من طرق وقد رواه عنه ~~جماعة من المفسرين منهم ابن الأنباري، والنقاش، ولا يجوز هذا في صفات الله ~~عز وجل. قال PageV04P233 # النقاش: هذا قول منكر عند أهل الخبر والنظر في اللغة لا يجوز أن تكون هذه ~~صفة من صفات الله تعالى. والذي اختاره في هذا ما قاله علي عليه السلام: ~~شديد الأخذ، يعني: أنه إذا أخذ الكافر والظالم لم يفلته من عقوباته. # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) ~~قوله تعالى: (له دعوة الحق) فيه قولان: # أحدهما: أنها كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله، قاله علي، وابن عباس، ~~والجمهور، فالمعنى له من خلقه الدعوة الحق، فأضيفت الدعوة إلى الحق، ~~لاختلاف اللفظين. # والثاني: أن الله [عز وجل] هو الحق، فمن دعاه دعا الحق، قاله الحسن. # قوله تعالى: (والذين يدعون من دونه) يعني الأصنام آلهة. قال أبو عبيدة: ~~المعنى: # والذين يدعون غيره من دونه. # قوله تعالى: (لا يستجيبون لهم) أي: لا يجيبونهم. # قوله تعالى: (إلا كباسط كفيه إلى الماء) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ببالغه، ms1157 ~~قاله علي عليه السلام، وعطاء. # والثاني: أنه الرجل العطشان قد وضع كفيه في الماء وهو لا يرفعهما، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه العطشان يرى خياله في الماء من بعيد، فهو يريد أن يتناوله ~~فلا يقدر عليه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: أنه الرجل يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا، ~~قاله مجاهد. # والخامس: أنه الباسط كفيه ليقبض على ماء حتى يؤديه إلى فيه، لا يتم له ~~ذلك، والعرب تقول: من طلب ما لا يجد فهو القابض على الماء، وأنشدوا: # وإني وإياكم وشوقا إليكم * كقابض ماء لم تسقه أنامله أي: لم تحمله، ~~والوسق: الحمل، وقال آخر: # فأصبحت مما كان بيني وبينها * من الود مثل القابض الماء باليد ~~PageV04P234 # هذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة. # قوله تعالى: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) فيه قولان: # أحدهما: وما دعاء الكافرين ربهم إلى في ضلال، لأن أصواتهم محجوبة عن الله ~~عز وجل، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: وما عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسران وباطل، قاله مقاتل. # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) ~~قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات) أي: من الملائكة، ومن في الأرض من ~~المؤمنين (طوعا وكرها). وفي معنى سجود الساجدين كرها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سجود من دخل في الإسلام بالسيف، قاله ابن زيد. # والثاني: أنه سجود ظل الكافر، قاله مقاتل. # والثالث: أن سجود الكاره تذلله وانقياده لما يريده الله عز وجل منه من ~~عافية ومرض وغنى وفقر. # قوله تعالى: (وظلالهم) أي: وتسجد ظلال الساجدين طوعا وكرها، وسجودها: ~~تمايلها من جانب إلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطول والقصر. قال ابن ~~الأنباري: قال اللغويون: الظل ما كان بالغدوات قبل انبساط الشمس، والفئ ما ~~كان بعد انصراف الشمس، وإنما سمي فيئا، لأنه فاء، أي: رجع إلى الحال التي ~~كان عليها قبل أن تنبسط الشمس، وما كان سوى ذلك فهو ظل، نحو ظل الإنسان، ~~وظل الجدار، وظل الثوب، وظل الشجرة، قال حميد ms1158 بن ثور: # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه * ولا الفئ من برد العشي تذوق وقال لبيد: # بينما الظل ظليل مونق * طلعت شمس عليه فاضمحل وقال آخر: # أيا أثلات القاع من بطن توضح * حنيني إلى أظلالكن طويل وقيل: إن الكافر ~~يسجد لغير الله، وظله يسجد لله. وقد شرحنا معنى الغدو والآصال في ~~(الأعراف). # قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا ~~PageV04P235 # يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شئ وهو الواحد القهار (16) قوله تعالى: (قل من رب السماوات والأرض ~~قل الله) إنما جاء السؤال والجواب من جهة، لأن المشركين لا ينكرون أن الله ~~خالق كل شئ، فلما لم ينكروا، كان كأنهم أجابوا. ثم ألزمهم الحجة بقوله: (قل ~~أفاتخذتم من دونه أولياء) يعني: الأصنام توليتموهم فعبدتموهم وهم لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فكيف لغيرهم؟! ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام والذي ~~يعبد الله بقوله: (قل هل يستوي الأعمى والبصير) يعني المشرك والمؤمن (أم هل ~~تستوي الظلمات والنور) وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص ~~عن عاصم: " تستوي " بالتاء. # وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " يستوي " بالياء. قال أبو علي: ~~التأنيث حسن، لأنه فعل مؤنث، والتذكير سائغ، لأنه تأنيث غير حقيقي. ويعني ~~بالظلمات والنور: الشرك والإيمان. (أم جعلوا لله شركاء) قال ابن الأنباري: ~~معناه: اجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء؟ وهذا ~~استفهام إنكار، والمعنى: ليس الأمر على هذا، بل إذا فكروا علموا أن الله هو ~~المنفرد بالخلق، وغيره لا يخلق شيئا. # قوله تعالى: (قل الله خالق كل شئ) قال الزجاج: قل ذلك وبينه بما أخبرت به ~~من الدلالة في هذه السورة مما يدل على أنه خالق كل شئ، وقد ذكرنا في (يوسف) ~~معنى الواحد القهار. # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه ms1159 في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له ~~لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ~~ومأواهم جهنم وبئس المهاد (18) PageV04P236 # قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء) يعني: المطر (فسالت أودية) وهي جمع ~~واد، وهو كل منفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر فيسيل (بقدرها) أي: ~~بمبلغ ما تحمل، فإن صغر الوادي، قل الماء، وإن هو اتسع، كثر. وقرأ الحسن، ~~وابن جبير، وأبو العالية، وأيوب، وابن يعمر، وأبو حاتم عن يعقوب: " بقدرها ~~" بإسكان الدال. وقوله تعالى: " فسالت أودية " توسع في الكلام، والمعنى: ~~سالت مياهها، فحذف المضاف، وكذلك قوله: " بقدرها " أي: بقدر مياهها. ~~(فاحتمل السيل زبدا رابيا) أي: عاليا فوق الماء، فهذا مثل ضربه الله عز ~~وجل. ثم ضرب مثلا آخر، فقال: (ومما توقدون عليه في النار) قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " توقدون عليه " بالتاء. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بالياء. قال أبو علي: من قرأ بالتاء، ~~فلما قبله من الخطاب، وهو قوله: " أفاتخذتم "، ويجوز أن يكون خطابا عاما ~~للكافة، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله: " أم جعلوا لله ~~شركاء ". # ويعني بقوله: (ومما توقدون عليه) ما يدخل إلى النار فيذاب من الجواهر ~~(ابتغاء حلية) يعني: الذهب والفضة (أو متاع) يعني: الحديد والصفر والنحاس ~~والرصاص تتخذ منه الأواني والأشياء التي ينتفع بها، (زبد مثله) أي: له زبد ~~إذا أذيب مثل زبد السيل، فهذا مثل آخر. # وفيما ضرب له هذان المثلان ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه القرآن، شبه نزوله من السماء بالماء، وشبه قلوب العباد ~~بالأودية تحمل منه على قدر اليقين والشك، والعقل والجهل، فيستكن فيها، ~~فينتفع المؤمن بما في قلبه كانتفاع الأرض التي يستقر فيها المطر، ولا ينتفع ~~الكافر بالقرآن لمكان شكه وكفره، فيكون ما حصل عنده ms1160 من القرآن كالزبد وكخبث ~~الحديد لا ينتفع به. # والثاني: أنه الحق والباطل، فالحق شبه بالماء الباقي الصافي، والباطل ~~مشبه بالزبد الذاهب، فهو وإن علا على الماء فإنه سيمحق، كذلك الباطل، وإن ~~ظهر على الحق في بعض الأحوال، فان الله سيبطله. # والثالث: أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فمثل المؤمن واعتقاده وعمله ~~كالماء المنتفع به، ومثل الكافر واعتقاده وعمله كالزبد. # قوله تعالى: (وكذلك) أي: كما ذكر هذا، يضرب الله مثل الحق والباطل. وقال ~~أبو عبيدة: كذلك يمثل الله الحق ويمثل الباطل. PageV04P237 # فأما الجفاء، فقال ابن قتيبة: هو ما رمى به الوادي إلى جنباته، يقال: ~~أجفأت القدر بزبدها: إذا ألقته عنها. قال ابن فارس: الجفاء: ما نفاه السيل، ~~ومنه اشتقاق الجفاء، وقال ابن الأنباري: " جفاء " أي: باليا متفرقا. قال ~~ابن عباس: إذا مس الزبد لم يكن شيئا. # قوله تعالى: (وأما ما ينفع الناس) من الماء والجواهر التي زال زبدها ~~(فيمكث في الأرض) فينتفع به (كذلك) يبقى الحق لأهله. # قوله تعالى: (للذين استجابوا لربهم) يعني: المؤمنين، (والذين لم يستجيبوا ~~له) يعني: الكفار. قال أبو عبيدة: استجبت لك واستجبتك سواء، وهو بمعنى: ~~أجبت. وفي الحسنى ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الجنة، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنها الحياة والرزق، قاله مجاهد. # والثالث: كل خير من الجنة فما دونها، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: (لافتدوا به) أي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب، ولا يقبل ~~منهم. وفي سوء الحساب ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها المناقشة بالأعمال، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. وقال ~~النخعي: هو أن يحاسب بذنبه كله، فلا يغفر له منه شئ. # والثاني: أن لا تقبل منهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة. # والثالث: أنه التوبيخ والتقريع عند الحساب. # * أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا ~~الألباب (19) قوله تعالى: (أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى) قال ابن عباس: # نزلت في حمزة، وأبي جهل. (إنما يتذكر) أي: إنما يتعظ ذوو العقول. ~~والتذكر: الاتعاظ. # الذين ms1161 يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر الله ~~به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21) PageV04P238 # قوله تعالى: (الذين يوفون بعهد الله) في هذا العهد قولان: # أحدهما: أنه ما عاهدهم عليه حين استخرجهم من ظهر آدم. # والثاني: ما أمرهم به وفرضه عليهم. وفي الذي أمر الله به، [عز وجل]، أن ~~يوصل، ثلاثة أقوال قد نسبناها إلى قائلها في أول سورة (البقرة)، وقد ذكرنا ~~سوء الحساب آنفا. # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) قوله تعالى: ~~(والذين صبروا) أي: على ما أمروا به (ابتغاء وجه ربهم) أي: طلبا لرضاه ~~(وأقاموا الصلاة) أتموها (وأنفقوا مما رزقناهم) من الأموال في طاعة الله. ~~قال ابن عباس: يريد بالصلاة: الصلوات الخمس، وبالإنفاق: الزكاة. # قوله تعالى: (ويدرؤون) أي: يدفعون (بالحسنة السيئة). وفي المراد بهما ~~خمسة أقوال: # أحدها: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل، قاله ابن عباس. # والثاني: يدفعون بالمعروف المنكر، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: بالعفو الظلم، قاله جويبر. # والرابع: بالحلم السفه، كأنهم إذا سفه عليهم حلموا، قاله ابن قتيبة. # والخامس: بالتوبة الذنب، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: (أولئك لهم عقبى الدار) قال ابن عباس: يريد: عقباهم الجنة، ~~أي: تصير الجنة آخر أمرهم. # قوله تعالى: (ومن صلح) وقرأ ابن أبي عبلة: " صلح " بضم اللام. ومعنى " ~~صلح ": # آمن، وذلك أن الله تعالى ألحق المؤمن أهله المؤمنين إكراما له، لتقر عينه ~~بهم. (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) قال ابن عباس: بالتحية من الله ~~والتحفة والهدايا. # قوله تعالى: (سلام عليكم) قال الزجاج: أضمر القول ها هنا، لأن في الكلام ~~دليلا PageV04P239 # عليه. وفي هذا السلام قولان: # أحدهما: أنه التحية المعروفة، يدخل الملك فيسلم وينصرف. قال ابن ~~الأنباري: وفي قول المسلم: سلام عليكم، قولان: # أحدهما: أن السلام: الله عز وجل، والمعنى: الله عليكم، ms1162 أي: على حفظكم. # والثاني: أن المعنى: السلامة عليكم، فالسلام جمع سلامة. # والثاني: أن معناه: إنما سلمكم الله تعالى من أهوال القيامة وشرها بصبركم ~~في الدنيا. # وفيما صبروا عليه خمسة أقوال: # أحدها: أنه أمر الله، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: فضول الدنيا، قاله الحسن. # والثالث: الدين. # والرابع: الفقر، رويا عن أبي عمران الجوني. # والخامس: أنه فقد المحبوب، قاله ابن زيد. # والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) قوله تعالى: ~~(والذين ينقضون عهد الله) قد سبق تفسيره في سورة (البقرة). وقال مقاتل: ~~نزلت في كفار أهل الكتاب. # قوله تعالى: (أولئك لهم اللعنة) أي: عليهم. # الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع (26) قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء) أي: يوسع ~~على من يشاء (ويقدر) أي: # يضيق. (وفرحوا بالحياة الدنيا) قال ابن عباس: يريد مشركي مكة، فرحوا بما ~~نالوا من الدنيا فطغوا وكذبوا الرسل. # قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا في الآخرة) أي: بالقياس إليها (إلا متاع) ~~أي: كالشئ PageV04P240 # الذي يتمتع به، ثم يفنى. # ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب (27) قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا) نزلت في مشركي ~~مكة حين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل آيات الأنبياء. (قل إن ~~الله يضل من يشاء) أي: يرده عن الهدى كما ردكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم ~~الاستدلال بها، (ويهدي إليه من أناب) أي: رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى ~~الحق من شاء الله رجوعه، فكأنه قال: ويهدي من يشاء. # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) قوله تعالى: (الذين ~~آمنوا) هذا بدل من قوله: (أناب)، والمعنى: يهدي الذين آمنوا، ا (وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله) في هذا الذكر قولان: # أحدهما: أنه القرآن. # والثاني: ms1163 ذكر الله على الإطلاق. وفي معنى هذه الطمأنينة قولان: # أحدهما: أنها الحب له والأنس به. # والثاني: السكون إليه من غير شك، بخلاف الذين إذا ذكر الله اشمأزت ~~قلوبهم. # قوله تعالى: (ألا بذكر الله) قال الزجاج: " ألا " حرف تنبيه وابتداء، ~~والمعنى: تطمئن القلوب التي هي قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب. # قوله تعالى: (طوبى لهم) فيه ثمانية أقوال: # قوله تعالى: (طوبى لهم) فيه ثمانية أقوال: # أحدها: أنه اسم شجرة في الجنة. روى أبو سعيد الخدري " عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن رجلا قال: يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة ~~مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها "، وقال أبو هريرة: طوبى: ~~شجرة في الجنة، يقول الله عز وجل لها: تفتقي لعبدي PageV04P241 # عما شاء، فتتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما ~~شاء من الكسوة. # وقال شهر بن حوشب: طوبى: شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها أغصانها، من ~~وراء سور الجنة، وهذا مذهب عطية، وشمر بن عطية، ومغيث بن سمي، وأبي صالح. # والثاني: أنه اسم الجنة بالحبشية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال ~~المصنف: # وقرأت على شيخنا أبي منصور عن سعيد بن مسجوح قال: طوبى: اسم الجنة ~~بالهندية، وممن ذهب إلى أنه اسم الجنة عكرمة، وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: أن معنى طوبى لهم: فرح وقرة عين لهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والرابع: أن معناه: نعمى لهم، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. # والسادس: أن معناه: خير لهم، قاله النخعي في رواية، وفي أخرى عنه قال: ~~الخير والكرامة اللذان أعطاهم الله. وروى معمر عن قتادة قال: يقول الرجل ~~للرجل: طوبى لك، أي: # أصبت خيرا، وهي كلمة عربية. # والسابع حسنى لهم، رواه سعيد عن قتادة عن الحسن. # والثامن: أن المعنى: العيش الطيب لهم. و " طوبى " عند النحويين: فعلى من ~~الطيب، هذا قول الزجاج. وقال ابن الأنباري: تأويلها: الحال المستطابة، ~~والخلة المستلذة، وأصلها: # " طيبي " فصارت الياء واوا لسكونها وانضمام ما ms1164 قبلها كما صارت في " موقن ~~" والأصل فيه " ميقن " لأنه مأخوذ من اليقين، فغلبت الضمة فيه الياء ~~فجعلتها واوا. # قوله تعالى: (وحسن مآب) المآب: المرجع والمنقلب. # كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) ~~قوله تعالى: (كذلك أرسلناك) أي: كما أرسلنا الأنبياء قبلك. # قوله تعالى: (وهم يكفرون بالرحمن) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: ~~PageV04P242 # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لكفار قريش: اسجدوا للرحمن، ~~قالوا: وما الرحمن؟ فنزلت هذه الآية، وقيل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم هو ~~ربي، هذا قول الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنهم لما أرادوا كتاب الصلح يوم الحديبية، كتب علي عليه السلام: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة، ~~فنزلت هذه الآية، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما في الحجر يدعو، وأبو ~~جهل يستمع إليه وهو يقول: يا رحمن، فولى مدبرا إلى المشركين فقال: إن محمدا ~~كان ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين! # فنزلت هذه الآية، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله تعالى: (وإليه متاب) قال أبو عبيدة: هو مصدر تبت إليه. # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت ~~للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) قوله تعالى: (ولو أن قرآنا سيرت ~~به الجبال) سبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو ~~وسعت لنا أودية مكة بالقرآن، وسيرت جبالها فاحترثناها، وأحييت من مات منا، ~~فنزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال الزبير بن ms1165 العوام: قالت ~~قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ~~ويفجر لنا الأرض أنهارا فنزرع، أو يحيى لنا موتانا فنكلمهم، أو يصير هذه ~~الصخرة ذهبا فتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فقد كان للأنبياء آيات، فنزلت ~~هذه الآية، ونزل قوله: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون). ومعنى قوله: (أو قطعت به الأرض) أي: شققت فجعلت أنهارا، (أو كلم ~~به الموتى) أي: أحيوا حتى كلموا. PageV04P243 # واختلفوا في جواب " لو " على قولين: # أحدهما: أنه محذوف. وفي تقدير الكلام قولان: # أحدهما: أن تقديره: لكان هذا القرآن، ذكره الفراء، وابن قتيبة. قال ~~قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم. # والثاني: أن تقديره: لو كان هذا كله لما آمنوا. ودليله قوله تعالى: (ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة...) إلى آخر الآية، قاله الزجاج. # والثاني: أن جواب " لو " مقدم، والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أنزلنا ~~عليهم ما سألوا، ذكره الفراء أيضا. # قوله تعالى: (بل لله الأمر جميعا) أي: لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم ~~يشأ، لم ينفع ما اقترحوا من الآيات. ثم أكد ذلك بقوله: (أفلم ييأس الذين ~~آمنوا) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أفلم يتبين، رواه العوفي عن ابن عباس، وروى عنه عكرمة أنه كان ~~يقرؤها كذلك، ويقول: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، ~~وأبي مالك، ومقاتل. # والثاني: أفلم يعلم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، وابن زيد. وقال ابن قتيبة: ويقال: هي لغة للنخع " ييأس " بمعنى " ~~يعلم "، قال الشاعر: # أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني * ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم وإنما وقع ~~اليأس في مكان العلم، لأن في علمك الشئ وتيقنك به يأسك من غيره. # والثالث: أن المعنى: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا واحدا، ولو شاء الله ~~لهدى الناس جميعا، قاله أبو العالية. # والرابع: أفلم ييأس الذين آمنوا أن يؤمن هؤلاء المشركون، قاله الكسائي. ~~وقال الزجاج: # المعنى عندي: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء ms1166 الذين وصفهم الله ~~بأنهم لا يؤمنون، لأنه لو شاء لهدى الناس جميعا. # قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم جميع الكفار، قاله ابن السائب. # والثاني: كفار مكة، قاله مقاتل. # فأما القارعة، فقال الزجاج: هي في اللغة: النازلة الشديدة تنزل بأمر ~~عظيم. وفي المراد بها ها هنا قولان: # أحدهما: أنها عذاب من السماء، رواه العوفي عن ابن عباس. PageV04P244 # والثاني: السرايا والطلائع التي كان ينفذها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قاله عكرمة. وفي قوله: (أو تحل قريبا من دارهم) قولان: # أحدهما: أنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم فالمعنى: أو تحل أنت يا محمد، ~~رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة. # والثاني: أنها القارعة، قاله الحسن. وفي قوله: (حتى يأتي وعد الله) ~~قولان: # أحدهما: فتح مكة، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: القيامة، قاله الحسن. # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن ~~السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) قوله تعالى: (أفمن هو قائم على كل ~~نفس بما كسبت) يعني: نفسه عز وجل. ومعنى القيام هاهنا: التولي لأمور خلقه، ~~والتدبير لأرزاقهم وآجالهم، وإحصاء أعمالهم للجزاء، والمعنى: أفمن هو مجازي ~~كل نفس بما كسبت، يثيبها إذا أحسنت، ويأخذها بما جنت، كمن ليس بهذه الصفة ~~من الأصنام؟ قال الفراء: فترك جوابه، لأن المعنى معلوم، وقد بينه بعد هذا ~~بقوله: (وجعلوا لله شركاء) كأنه قيل: كشركائهم. # قوله تعالى: (قل سموهم) أي: بما يستحقونه من الصفات وإضافة الأفعال إليهم ~~إن كانوا شركاء لله كما يسمى الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، ولو ~~سموهم بشئ من هذا لكذبوا. # قوله تعالى: (أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض) هذا استفهام منقطع مما ~~قبله، والمعنى: # فإن سموهم بصفات الله، فقل لهم: أتنبئونه، أي: أتخبرونه بشريك له في ~~الأرض وهو لا يعلم لنفسه شريكا، ولو كان لعلمه؟ # قوله ms1167 تعالى: (أم بظاهر من القول) فيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: أم بظن من القول، قاله مجاهد. # والثاني: بباطل، قاله قتادة. PageV04P245 # والثالث: بكلام لا أصل له ولا حقيقة. # قوله تعالى: (بل زين للذين كفروا مكرهم) قال ابن عباس: زين لهم الشيطان ~~الكفر. # قوله تعالى: (وصدوا عن السبيل) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: # " وصدوا " بفتح الصاد، ومثله في (حم المؤمن). وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: # " وصدوا " بالضم فيهما. فمن فتح، أراد: صدوا المسلمين، إما عن الإيمان، ~~أو عن البيت الحرام. ومن ضم، أراد: صدهم الله عن سبيل الهدى. # لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ~~(34) قوله تعالى: (لهم عذاب في الحياة الدنيا) وهو القتل، والأسر، والسقم، ~~فهو لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمنين كفارة، (ولعذاب الآخرة أشق) أي: أشد ~~(وما لهم من الله من واق) أي: مانع يقيهم عذابه. # * مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها ~~تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) قوله تعالى: (مثل الجنة) ~~أي: صفتها أن الأنهار تجري من تحتها، هذا قول الجمهور. # وقال ثعلب: خبر المثل مضمر قبله، والمعنى: فيما نصف لكم مثل الجنة، وفيما ~~نقصه عليكم خبر الجنة (أكلها دائم) قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع ~~كثمار الدنيا (وظلها) لأنه لا يزول ولا تنسخه الشمس. # قوله تعالى: (تلك عقبى الذين اتقوا) أي: عاقبة أمرهم المصير إليها. # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل ~~إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه ادعوا وإليه مآب (36) قوله تعالى: ~~(والذين آتيناهم الكتاب) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم مسلمو اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: هم ~~عبد الله بن PageV04P246 # سلام وأصحابه. # والثاني: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة. # والثالث: مؤمنو أهل الكتابين من اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. والذي ~~أنزل إليه: # القرآن، فرح به المسلمون وصدقوه، وفرح به مؤمنو أهل الكتاب، لأنه صدق ما ms1168 ~~عندهم. وقيل: إن عبد الله بن سلام ومن آمن معه من أهل الكتاب، ساءهم قلة ~~ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما نزل ذكره فرحوا، وكفر ~~المشركون به، فنزلت هذه الآية. # فأما الأحزاب، فهم الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمعاداة، وفيهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود والنصارى، قاله قتادة. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله ابن زيد. # والثالث: بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة بن عبد العزى، قاله مقاتل. # والرابع: كفار قريش، ذكره الماوردي. وفي بعضه الذي أنكروه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ذكر الرحمن والبعث ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. # والثاني: أنهم عرفوا بعثة الرسول في كتبهم وأنكروا نبوته. # والثالث: أنهم عرفوا صدقه، وأنكروا تصديقه، ذكرهما الماوردي. # وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك ~~من الله من ولي ولا واق (37) قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه) أي: وكما أنزلنا ~~الكتب على الأنبياء بلغاتهم، أنزلنا عليك القرآن (حكما عربيا) قال ابن ~~عباس: يريد ما فيه من الفرائض. وقال أبو عبيدة: دينا عربيا. # قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم) فيه قولان: # أحدهما: في صلاتك إلى بيت المقدس (بعد ما جاءك من العلم) أن قبلتك ~~الكعبة، قاله ابن السائب. # والثاني: في قبول ما دعوك إليه من ملة آبائك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (مالك من الله من ولي) أي: مالك من عذاب الله من قريب ينفعك ~~(ولا PageV04P247 # واق) يقيك. # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك...) الآية، سبب نزولها أن اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكثرة التزويج، وقالوا: لو كان نبيا كما يزعم، شغلته النبوة عن تزويج ~~النساء، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الآية: أن ~~الرسل قبلك كانوا بشرا لهم أزواج، يعني النساء، وذرية، يعني: الأولاد. (وما ~~كان لرسول أن يأتي ms1169 بآية إلا بإذن الله) أي: بأمره، وهذا جواب للذين اقترحوا ~~عليه الآيات. # قوله تعالى: (لكل أجل كتاب) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لكل أجل من آجال الخلق كتاب عند الله، قاله الحسن. # والثاني: أنه من المقدم والمؤخر، والمعنى: لكل كتاب ينزل من السماء أجل، ~~قاله الضحاك والفراء. # والثالث: لكل أجل قدره الله [عز وجل]، ولكل أمر قضاه، كتاب أثبت فيه، ولا ~~تكون آية ولا غيرها إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، هذا معنى قول ابن جرير. # يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) قوله تعالى: (يمحو الله ~~ما يشاء ويثبت) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم: " ويثبت " ساكنة الثاء ~~خفيفة الباء. وقرأ ابن عامر: وحمزة، والكسائي: " ويثبت " مشددة الباء ~~مفتوحة الثاء. قال أبو علي: المعنى: ويثبته، فاستغنى بتعدية الأول من ~~الفعلين عن تعدية الثاني. # واختلف المفسرون في المراد بالذي يمحو ويثبت على ثمانية أقوال: ~~PageV04P248 # إحداها: أنه عام، في الرزق، والأجل، والسعادة. والشقاوة، وهذا مذهب عمر، ~~وابن مسعود، وأبي وائل، والضحاك، وابن جريج. # والثاني: أنه الناسخ والمنسوخ، فيمحو المنسوخ، ويثبت الناسخ، روى هذا ~~المعنى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، ~~والقرظي، وابن زيد. وقال ابن قتيبة: " يمحو الله ما يشاء " أي: ينسخ من ~~القرآن ما يشاء " ويثبت " أي: يدعه ثابتا لا ينسخه، وهو المحكم. # والثالث: أنه يمحو ما يشاء، ويثبت، إلا الشقاوة والسعادة، والحياة ~~والموت، رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس، ودليل هذا القول، ما روى مسلم في ~~" صحيحه " من حديث حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة، يقول الملك الموكل: أذكر أم ~~أنثى؟ فيقضي الله عز وجل، ويكتب الملك، فيقول: أشقي، أم سعيد؟ فيقضي الله، ~~ويكتب الملك، فيقول: عمله وأجله؟ فيقضي الله، ويكتب الملك، ثم تطوى ~~الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها ". # والرابع: يمحو ما يشاء ويثبت، إلا الشقاوة والسعادة لا يغيران، قاله ~~مجاهد. # والخامس: يمحو من جاء ms1170 أجله، ويثبت من لم يجئ أجله، قاله الحسن. # والسادس: يمحو من ذنوب عباده ما يشاء فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها، ~~روي عن سعيد بن جبير. # والسابع: يمحو ما يشاء بالتوبة، ويثبت مكانها حسنات، قاله عكرمة. # والثامن: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه ~~ثواب وعقاب، قاله الضحاك، وأبو صالح. وقال ابن السائب: القول كله يكتب، حتى ~~إذا كان في يوم الخميس، طرح منه كل شئ ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: ~~أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحوه، وهو صادق، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب. # قوله تعالى: (وعنده أم الكتاب) [قال الزجاج أصل الكتاب] قال المفسرون: ~~وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث. وروى أبو الدرداء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله سبحانه في PageV04P249 # ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، ~~فيمحو ما يشاء ويثبت ". # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان، كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما ~~يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب لا يغير منه شئ. # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~(40) قوله تعالى: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم) أي: من العذاب وأنت حي (أو ~~نتوفينك) قبل أن نريك ذلك، فليس عليك إلا أن تبلغ، (وعلينا الحساب) قال ~~مقاتل: يعني الجزاء. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: " فإنما عليك ~~البلاغ " نسخ بآية السيف وفرض الجهاد، وبه قال قتادة. # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو سريع الحساب (41) قوله تعالى: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه ما يفتح الله على نبيه من الأرض، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال الحسن، والضحاك. قال مقاتل: " أولم يروا " يعني: كفار مكة " أنا ~~نأتي الأرض " يعني: أرض مكة " ننقصها من أطرافها " يعني: ما حولها. # والثاني: أنها القرية تخرب ms1171 حتى تبقى الأبيات في ناحيتها، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والثالث: أنه نقص أهلها وبركتها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال ~~الشعبي: # نقص الأنفس والثمرات. # والرابع: أنه ذهاب فقهائها وخيار أهلها، رواه عطاء عن ابن عباس. # والخامس: أنه موت أهلها، قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة. # قوله تعالى: (والله يحكم لا معقب لحكمه) قال ابن قتيبة: لا يتعقبه أحد ~~بتغيير ولا PageV04P250 # نقص. وقد شرحنا معنى سرعة الحساب في سورة (البقرة). # وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار (42) قوله تعالى: (وقد مكر الذين من قبلهم) يعني: ~~كفار الأمم الخالية، مكروا بأنبيائهم يقصدون قتلهم، كما مكرت قريش برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه. (فلله المكر جميعا) يعني: أن مكر ~~الماكرين مخلوق له، ولا يضر إلا بإرادته، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتسكين له. (يعلم ما تكسب كل نفس) من خير وشر، ولا يقع ضرر ~~إلا بإذنه. (وسيعلم الكافر) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " وسيعلم ~~الكافر ". قال ابن عباس: يعني أبا جهل. وقال الزجاج: الكافر ها هنا: اسم ~~جنس وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " الكفار " على الجمع. # قوله تعالى: (لمن عقبى الدار) أي: لمن الجنة آخر الأمر. # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب (43) قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم اليهود والنصارى. # والثاني: كفار قريش. (قل كفى بالله شهيدا) أي: شاهدا (بيني وبينكم) بما ~~أظهر من الآيات، وأبان من الدلالات على نبوتي. # قوله تعالى: (ومن عنده علم الكتاب) فيه سبعة أقوال: # أحدها: أنهم علماء اليهود والنصارى، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه عبد الله بن سلام، قاله الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وابن زيد، ~~وابن السائب، ومقاتل. PageV04P251 # والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحق، منهم عبد الله بن ~~سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري، قاله قتادة. # والرابع: أنه جبريل عليه السلام، ms1172 قاله سعيد بن جبير. # والخامس: أنه علي بن أبي طالب، قاله ابن الحنفية. # والسادس: أنه ابن يامين، قاله شمر. # والسابع: أنه الله عز وجل، روي عن الحسن، ومجاهد، واختاره الزجاج واحتج ~~له بقراءة من قرأ: " ومن عنده علم الكتاب " وهي قراءة ابن السميفع، وابن ~~أبي عبلة، ومجاهد، وأبي حيوة. ورواية ابن أبي سريج عن الكسائي: " ومن " ~~بكسر الميم " عنده " بكسر الدال " علم " بضم الميم وكسر اللام وفتح الميم " ~~الكتاب " بالرفع. وقرأ الحسن " ومن " بكسر الميم " عنده " بكسر الدال " علم ~~" بكسر العين وضم الميم " الكتاب " مضاف، كأنه قال: أنزل من علم الله عز ~~وجل. PageV04P252 # (14) سورة إبراهيم مكية وآياتها ثنتان وخمسون وهي مكية من غير خلاف ~~علمناه بينهم، إلا ما روي عن ابن عباس، وقتادة أنهما قالا: # سوى آيتين منها، وهما قوله: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) ~~والتي بعدها. # بسم الله الرحمن الرحيم آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد (2) قوله تعالى: (آلر) ~~قد سبق بيانه. وقوله: (كتاب) قال الزجاج: المعنى: هذا كتاب، والكتاب: ~~القرآن. وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الظلمات: الكفر. والنور: الإيمان، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أن الظلمات: الضلالة. والنور: الهدى، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: أن الظلمات: الشك. والنور: اليقين، ذكره الماوردي. وفي قوله: ~~(بإذن ربهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: بأمر ربهم، قاله مقاتل. # والثاني: بتوفيق ربهم، قاله أبو سليمان. # والثالث: أنه الإذن نفسه، فالمعنى: بما أذن لك من تعليمهم، قاله الزجاج، ~~قال: ثم بين ما النور، فقال: (إلى صراط العزيز الحميد) قال ابن الأنباري: ~~وهذا مثل قول العرب: # جلست إلى زيد، إلى العاقل الفاضل، وإنما تعاد " إلى " بمعنى التعظيم ~~للأمر، قال الشاعر: PageV04P253 # إذا خدرت رجلي تذكرت من لها * فناديت لبني باسمها ودعوت دعوت التي لو أن ~~نفسي تطيعني * لألقيتها من حبها وقضيت فأعاد " دعوت " لتفخيم الأمر. # قوله تعالى: (الله ms1173 الذي له ما في السماوات) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي: " الحميد الله " على البدل. وقرأ نافع، وابن عامر، ~~وأبان، والمفضل: # " الحميد. الله " رفعا على الاستئناف، وقد سبق بيان ألفاظ الآية. # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) قوله تعالى: (الذين يستحبون الحياة الدنيا) ~~أي: يؤثرونها (على الآخرة) قال ابن عباس: يأخذون ما تعجل لهم منها تهاونا ~~بأمر الآخرة. # قوله تعالى: (ويصدون عن سبيل) أي: يمنعون الناس من الدخول في دينه، ~~(ويبغونها عوجا) قد شرحناه في (آل عمران). # قوله تعالى: (أولئك في ضلال) أي: في ذهاب عن الحق (بعيد) من الصواب. # قوله تعالى: (إلا بلسان قومه) أي: بلغتهم. قال ابن الأنباري: ومعنى اللغة ~~عند العرب: الكلام المنطوق به، وهو مأخوذ من قولهم: لغا الطائر يلغو: إذا ~~صوت في الغلس. وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، والجحدري: " إلا بلسان قومه " ~~برفع اللام والسين من غير ألف. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران: " بلسان قومه ~~" بكسر اللام وسكون السين من غير ألف. PageV04P254 # قوله تعالى: (ليبين لهم) أي: الذي أرسل به فيفهمونه عنه. وهذا نزل، لأن ~~قريشا قالوا: ما بال الكتب كلها أعجمية، وهذا عربي! # قوله تعالى: (أن أخرج قومك) قال الزجاج: " أن " مفسر، والمعنى: قلنا له: ~~أخرج قومك، وقد سبق بيان الظلمات والنور. وفي قوله: (وذكرهم بأيام الله) ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نعم الله، رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه ~~قال مجاهد، وقتادة، وابن قتيبة. # والثاني: أنها وقائع الله في الأمم قبلهم، ms1174 قاله ابن زيد، وابن السائب، ~~ومقاتل. # والثالث: أنها أيام نعم الله عليهم وأيام نقمه ممن كفر من قوم نوح وعاد ~~ثمود، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (إن في ذلك) يعني: التذكير (لآيات لكل صبار) على طاعة الله ~~وعن معصيته (شكور) لأنعمه. والصبار: الكثير الصبر، والشكور: الكثير الشكر، ~~وإنما خصه بالآيات، لانتفاعه بها. وما بعد هذا مشروح في (البقرة). # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) وقال ~~موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ألم يأتكم ~~نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما ~~أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) * قالت رسلهم أفي الله شك ~~فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ~~قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما PageV04P255 # كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر ~~مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان ~~إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله ~~وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) ~~وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ~~ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي ~~وخاف وعيد (14) قوله تعالى: (وإذ تأذن ربكم) مذكور في (الأعراف). وفي قوله ~~(لئن شكرتم لأزيدنكم) ثلاثة أقوال: # أحدها: لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي، قاله الحسن. # والثاني: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي، قاله الربيع. # والثالث: لئن وحدتموني لأزيدنكم خيرا في الدنيا، قاله مقاتل. وفي قوله: ~~(ولئن كفرتم) قولان: # أحدهما: أنه كفر بالتوحيد. # والثاني: كفران النعم. # قوله تعالى: (فإن الله لغني حميد) أي: غني عن خلقه، محمود في أفعاله، ~~لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل. # قوله تعالى: (لا يعلمهم إلا ms1175 الله) قال ابن الأنباري: أي: لا يحصي عددهم ~~إلا هو، على أن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، ~~وعفت آثارهم، فليس يعلمهم أحد إلا الله. # قوله تعالى: (فردوا أيديهم في أفواههم) فيه سبعة أقوال: # أحدها: أنهم عضوا أصابعهم غيظا، قاله ابن مسعود، وابن زيد. وقال ابن ~~قتيبة: " في " ها هنا بمعنى: " إلى "، ومعنى الكلام: عضوا عليها حنقا ~~وغيظا، كما قال الشاعر: # يردون في فيه عشر الحسود يعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه ~~العشر، ونحوه قول الهذلي: # قد افنى أنامله أزمه * فأضحى يعض علي الوظيفا PageV04P256 # يقول: قد أكل أصابعه حتى أفناها بالعض، فأضحى يعض علي وظيف الذراع. # والثاني: أنهم كانوا إذا جاءهم الرسول فقال: إني رسول، قالوا له: اسكت، ~~وأشاروا بأصابعهم إلى أفواه أنفسهم، ردا عليه وتكذيبا، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثالث: أنهم لما سمعوا كتاب الله، عجوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل. ردا لقولهم، قاله الحسن. # والخامس: أنهم كذبوهم بأفواههم، وردوا عليهم قولهم، قاله مجاهد، وقتادة. # والسادس: أنه مثل، ومعناه: أنهم كفوا عما أمروا بقبوله من الحق، ولم ~~يؤمنوا به، يقال: # رد فلان يده إلى فمه، أي: أمسك فلم يجب، قاله أبو عبيدة. # والسابع: ردوا ما لو قبلوه لكان نعما وأيادي من الله، فتكون الأيدي ~~بمعنى: الأيادي، و " في " بمعنى: الباء، والمعنى: ردوا الأيادي بأفواههم، ~~ذكره الفراء، وقال: قد وجدنا من العرب من يجعل " في " موضع الباء، فيقول: ~~أدخلك الله بالجنة، يريد: في الجنة، وأنشدني بعضهم: # وأرغب فيها عن لقيط ورهطه * ولكنني عن سنبس لست أرغب فقال، أرغب فيها، ~~يعني: بنتا له، يريد: أرغب بها، وسنبس: قبيلة. # قوله تعالى: (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) أي: على زعمكم أنكم ~~أرسلتم، لا أنهم أقروا بإرسالهم. وباقي الآية قد سبق. (قالت رسلهم أفي الله ~~شك) هذا استفهام إنكار، والمعنى: لا شك في الله، أي: في توحيده (يدعوكم) ~~بالرسل والكتب (ليغفر لكم من ذنوبكم) قال ms1176 أبو عبيدة: " من " زائدة، كقوله: ~~(فما منكم من أحد عنه حاجزين)، قال أبو ذؤيب: # جزيتك ضعف الحب لما شكوته * وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي أي: أحد. ~~وقوله [تعالى]: (ويؤخركم إلى أجل مسمى) وهو الموت، والمعنى: لا يعاجلكم ~~بالعذاب. (قالوا) للرسل (إن أنتم) أي: ما أنتم (إلا بشر مثلنا) أي: ليس لكم ~~علينا فضل، والسلطان: الحجة. قالت الرسل: (إن نحن إلا بشر مثلكم) فاعترفوا ~~لهم بذلك، (ولكن الله يمن على من يشاء) يعنون: بالنبوة والرسالة، (وما كان ~~لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله) أي: ليس ذلك من قبل أنفسنا. ~~PageV04P257 # قوله تعالى: (وقد هدانا سبلنا) فيه قولان: # أحدهما: بين لنا رشدنا. # والثاني: عرفنا طريق التوكل. وإنما نص هذا وأمثاله على نبينا صلى الله ~~عليه وسلم ليقتدي بمن قبله في الصبر وليعلم ما جرى لهم. # قوله تعالى: (لنهلكن الظالمين) يعني: الكافرين بالرسل. وقوله: (من بعدهم) ~~أي: # بعد هلاكهم. (ذلك) الإسكان (لمن خاف مقامي) قال ابن عباس: خاف مقامه بين ~~يدي. # قال الفراء: العرب قد تضيف أفعالها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، ~~فتقول: قد ندمت على ضربي إياك، وندمت على ضربك، فهذا من ذاك، ومثله ~~(وتجعلون رزقكم) أي: رزقي إياكم. # قوله تعالى: (وخاف وعيد) أثبت ياء " وعيدي " في الحالين يعقوب، وتابعه ~~ورش في الوصل. # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) ~~يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب ~~غليظ (17) قوله تعالى: (واستفتحوا) يعني: استنصروا. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، ~~وعكرمة، وحميد، وابن محيصن: " واستفتحوا " بكسر التاء على الأمر. وفي ~~المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم الرسل، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنهم الكفار، واستفتاحهم: سؤالهم العذاب، كقولهم: (ربنا عجل لنا ~~قطنا) وقولهم: (إن كان هذا هو الحق من عندك...) الآية، هذا قول ابن زيد. # قوله تعالى: (وخاب كل جبار) قال ابن السائب: خسر عند الدعاء، وقال مقاتل: ~~خسر عند نزول العذاب، وقال أبو سليمان الدمشقي: يئس من الإجابة. ms1177 وقد شرحنا ~~معنى الجبار والعنيد في [سورة] (هود). # قوله تعالى: (من ورائه جهنم) فيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى القدام، قال ابن عباس، يريد: أمامه جهنم. وقال أبو ~~عبيدة: " من PageV04P258 # ورائه " أي: قدامة وأمامه، يقال: الموت من ورائك، وأنشد: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا والثاني: أنها ~~بمعنى: " بعد "، قال ابن الأنباري: " من ورائه " أي: من بعد يأسه، فدل " ~~خاب " على اليأس، فكنى عنه، وحملت " وراء " على معنى: " بعد " كما قال ~~النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب أراد: ليس بعد ~~الله مذهب. قال الزجاج: والوراء يكون بمعنى الخلف والقدام، لأن ما بين يديك ~~وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك، قال الشاعر: # أليس ورائي إن تراخت منيتي * لزوم العصا تحنى عليها الأصابع قال: وليس ~~الوراء من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة. وسئل ثعلب: لم قيل: الوراء ~~للأمام؟ فقال: الوراء: اسم لما توارى عن عينك، سواء أكان أمامك أو خلفك. ~~وقال الفراء: إنما يجوز هذا في المواقيت من الأيام والليالي والدهر، تقول: ~~وراءك برد شديد، وبين يديك برد شديد. ولا يجوز أن تقول للرجل وهو بين يديك: ~~هو وراءك، ولا للرجل: وراءك: هو بين يديك. # قوله تعالى: (ويسقى من ماء صديد) قال عكرمة، ومجاهد، واللغويون: الصديد: # القيح والدم، قاله قتادة، وهو ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه. وقال ~~القرظي: هو غسالة أهل النار، وذلك ما يسيل من فروج الزناة. وقال ابن قتيبة: ~~المعنى: يسقى الصديد مكان الماء، قال: ويجوز أن يكون على التشبيه، أي: ما ~~يسقى ماء صديد. # قوله تعالى: (يتجرعه) والتجرع: تناول المشروب جرعة جرعة، لا في مرة ~~واحدة، وذلك لشدة كراهته له، وإنما يكره على شربه. # قوله تعالى: (ولا يكاد يسيغه) قال الزجاج: لا يقدر على ابتلاعه، تقول: ~~ساغ لي الشئ، وأسغته. وروى أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا ~~شربه قطع أمعاءه ms1178 حتى يخرج من دبره ". # قوله تعالى: (ويأتيه الموت) أي: هم الموت وكربه وألمه (من كل مكان) وفيه ~~ثلاثة أقوال: PageV04P259 # أحدها: من كل شعرة في جسده، رواه عطاء عن ابن عباس. وقال سفيان الثوري: ~~من كل عرق. وقال ابن جريج: تتعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فتموت، ~~ولا ترجع إلى مكانها فتجد راحة. # والثاني: من كل جهة، من فوقه وتحته، وعن يمينه وشماله، وخلفه وقدامة، ~~قاله ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتا، قاله ~~الأخفش. # قوله تعالى: (وما هو بميت) أي: موتا تنقطع معه الحياة. (ومن ورائه) أي: ~~من بعد هذا العذاب. قال ابن السائب: من بعد الصديد (عذاب غليظ). وقال ~~إبراهيم التيمي: بعد الخلود في النار. والغليظ: الشديد. # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد (18) قوله تعالى: (مثل الذين ~~كفروا بربهم أعمالهم كرماد) قال الفراء: أضاف المثل إليهم، وإنما المثل ~~للأعمال، فالمعنى: مثل أعمال الذين كفروا. ومثله: (ويوم القيامة ترى الذين ~~كذبوا على الله وجوههم مسودة) أي: ترى وجوههم. وجعل العصوف تابعا لليوم في ~~إعرابه، وإنما العصوف للريح، وذلك جائز على جهتين: # إحداهما: أن العصوف، وإن كان للريح، فإن اليوم يوصف به، لأن الريح فيه ~~تكون، فجاز أن تقول: يوم عاصف، كما تقول: يوم بارد، ويوم حار. والوجه ~~الآخر: أن تريد: في يوم عاصف الريح، فتحذف الريح، لأنها قد ذكرت في أول ~~الكلام، قال الشاعر: # وتضحك عرفان الدروع جلودنا * إذا كان يوم مظلم الشمس كاسف يريد: كاسف ~~الشمس. وروي عن سيبويه أنه قال: في هذه الآية إضمار، والمعنى: ومما نقص ~~عليك مثل الذين كفروا، ثم ابتدأ فقال: " أعمالهم كرماد ". وقرأ النخعي، ~~وابن يعمر، والجحدري: " في يوم عاصف " بغير تنوين اليوم. قال المفسرون: ~~ومعنى الآية: أن كل ما يتقرب به المشركون يحبط ولا ينتفعون به، كالرماد ~~الذي سفته الريح فلا يقدر على شئ منه، فهم لا يقدرون مما ms1179 كسبوا في الدنيا ~~على شئ في الآخرة، أي: لا يجدون ثوابه، (ذلك هو الضلال البعيد) من النجاة. ~~PageV04P260 # ألم ترى أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ~~(19) وما ذلك على الله بعزيز (20) قوله تعالى: (ألم ترى) فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: ألم تخبر، قاله ابن السائب. # والثاني: ألم تعلم، قاله مقاتل، وأبو عبيدة. # قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق) قال المفسرون: أي: لم يخلقهن ~~عبثا، وإنما خلقهن لأمر عظيم. (إن يشأ يذهبكم) قال ابن عباس: يريد: يميتكم ~~يا معشر الكفار ويخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع، وهذا خطاب لأهل مكة. # قوله تعالى: (وما ذلك على الله بعزيز) أي: بممتنع متعذر. # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) قوله تعالى: (وبرزوا لله جميعا) لفظه ~~لفظ الماضي، ومعناه المستقبل، والمعنى: خرجوا من قبورهم يوم البعث، واجتمع ~~التابع والمتبوع، (فقال الضعفاء) وهم الأتباع (للذين استكبروا) وهم ~~المتبوعون: (إنا كنا لكم تبعا) قال الزجاج: هو جمع تابع، يقال: تابع وتبع، ~~مثل: غائب وغيب، والمعنى: تبعناكم فيما دعوتمونا إليه. # قوله تعالى: (فهل أنتم مغنون عنا) أي: دافعون عنا (من عذاب الله من شئ). ~~قال القادة: (لو هدانا الله) أي: لو أرشدنا في الدنيا لأرشدناكم، يريدون: ~~أن الله أضلنا فدعوناكم إلى الضلال، (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) قال ابن ~~زيد: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا نبكي ونتضرع، فإنما أدرك أهل ~~الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم، ~~قالوا: تعالوا نصبر، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، فصبروا صبرا لم ير ~~مثله قط، فلم ينفعهم ذلك، فعندها قالوا: " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما ~~لنا من محيص ". وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم قال: جزعوا مائة سنة، ~~وصبروا مائة سنة. وقال مقاتل: جزعوا خمسمائة عام، PageV04P261 # وصبروا خمسمائة عام. ms1180 وقد شرحنا معنى المحيص في سورة النساء. # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) قوله تعالى: ~~(وقال الشيطان) قال المفسرون: يعني به إبليس، (لما قضي الأمر) أي: # فرغ منه، فدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فحينئذ يجتمع أهل ~~النار باللوم على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا ويقول: (إن الله وعدكم وعد ~~الحق) أي: وعدكم كون هذا اليوم فصدقكم (ووعدتكم) أنه لا يكون (فأخلفتكم) ~~الوعد (وما كان لي عليكم من سلطان) أي: ما أظهرت لكم حجة على ما ادعيت. ~~وقال بعضهم: ما كنت أملككم فأكرهكم (إلا أن دعوتكم) وهذا من الاستثناء ~~المنقطع، والمعنى: لكن دعوتكم (فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) حيث ~~أجبتموني من غير برهان، (ما أنا بمصرخكم) أي: بمغيثكم (وما أنتم بمصرخي) ~~أي: بمغيثي. # قرأ حمزة " بمصرخي " فحرك الياء إلى الكسر، وحركها الباقون إلى الفتح. ~~قال قطرب: هي لغة في بني يربوع، يعني: قراءة حمزة. قال اللغويون: يقال: ~~استصرخني فلان فأصرخته، أي: # استغاثني فأغثته. (إني كفرت) اليوم بإشراككم إياي في الدنيا مع الله في ~~الطاعة، (إن الظالمين) يعني: المشركين. # قوله تعالى: (بإذن ربهم) أي: بأمر ربهم. وقوله: (تحيتهم فيها سلام) قد ~~ذكرناه في [سورة] (يونس). # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء (24) PageV04P262 # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ~~(25) قوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا)، أي: بين شبها، (كلمة طيبة) ~~قال ابن عباس: هي شهادة أن لا إله إلا الله. (كشجرة طيبة) أي: طيبة الثمرة، ~~فترك ذكر الثمرة اكتفاء بدلالة الكلام عليه. وفي هذه الشجرة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ms1181 النخلة، وهو في " الصحيحين " من حديث ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، ~~وأنس بن مالك، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك في آخرين. # والثاني: أنها شجرة في الجنة، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. # والثالث: أنها المؤمن، وأصله الثابت أنه يعمل في الأرض ويبلغ عمله ~~السماء. وقوله [عز وجل]: (تؤتي أكلها كل حين) فالمؤمن يذكر الله كل ساعة من ~~النهار، رواه عطية عن ابن عباس. # قوله تعالى: (أصلها ثابت) أي: في الأرض، (وفرعها) أعلاها عال (في السماء) ~~أي: نحو السماء، وأكلها: ثمرها. وفي الحين ها هنا ستة أقوال: # أحدها: أنه ثمانية أشهر، قال علي عليه السلام. # والثاني: ستة أشهر، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وعكرمة، وقتادة. # والثالث: أنه بكرة وعشية، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. # والرابع: أنه السنة، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مجاهد، وابن زيد. # والخامس: أنه شهران، قاله سعيد بن المسيب. # والسادس: أنه غدوة وعشية وكل ساعة، قاله ابن جرير. PageV04P263 # فمن قال: ثمانية أشهر، أشار إلى مدة حملها باطنا وظاهرا، ومن قال: ستة ~~أشهر، فهي مدة حملها إلى حين صرامها، ومن قال: بكرة وعشية، أشار إلى ~~الاجتناء منها، ومن قال: سنة، أشار إلى أنها لا تحمل في السنة إلا مرة، ومن ~~قال: شهران، فهو مدة صلاحها. قال ابن المسيب: لا يكون في النخلة أكلها إلا ~~شهرين. ومن قال: كل ساعة، أشار إلى أن ثمرتها تؤكل دائما. قال قتادة: تؤكل ~~ثمرتها في الشتاء والصيف. وقال ابن جرير: الطلع في الشتاء من أكلها، والبلح ~~والبسر والرطب والتمر في الصيف. # فأما الحكمة في تمثيل الإيمان بالنخلة، فمن أوجه: # أحدها: أنها شديدة الثبوت، فشبه ثبات الإيمان في قلب المؤمن بثباتها. # والثاني: أنها شديدة الارتفاع، فشبه ارتفاع عمل المؤمن بارتفاع فروعها. # والثالث: أن ثمرتها تأتي في كل حين، فشبه ما يكسب المؤمن من بركة الإيمان ~~وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين ms1182 على اختلاف صنوفها، فالمؤمن ~~كلما قال: لا إله إلا الله، صعدت إلى السماء، ثم جاءه خيرها ومنفعتها. # والرابع: أنها أشبه الشجر بالإنسان، فإن كل شجرة يقطع رأسها تتشعب غصونها ~~من جوانبها، إلا هي، إذا قطع رأسها يبست، ولأنها لا تحمل حتى تلقح، ولأنها ~~فضلة تربة آدم عليه السلام فيما يروى. # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) ~~قوله تعالى: (ومثل كلمة خبيثة) قال ابن عباس: هي الشرك. # وقوله: (كشجرة خبيثة) فيها خمسة أقوال: # أحدها: أنها الحنظلة، رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه ~~قال أنس، ومجاهد. # والثاني: أنها الكافر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وروى العوفي عنه ~~أنه قال: الكافر لا يقبل عمله، ولا يصعد إلى الله تعالى، فليس له أصل في ~~الأرض ثابت، ولا فرع في السماء. # والثالث: أنها الكشوثى، رواه الضحاك عن ابن عباس. PageV04P264 # والرابع: أنه مثل، وليست بشجرة مخلوقة، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. # والخامس: أنها الثوم، روي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: (اجتثت) قال ابن قتيبة: استؤصلت وقطعت. قال الزجاج: ومعنى ~~اجتثت الشئ في اللغة: أخذت جثته بكمالها. وفي قوله [تعالى]: (مالها من ~~قرار) قولان: # أحدهما: مالها من أصل، لم تضرب في الأرض عرقا. # والثاني: ما لها من ثبات. # ومعنى تشبيه الكافر بهذه الشجرة أنه لا يصعد للكافر عمل صالح، ولا قول ~~طيب، ولا لقوله أصل ثابت. # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) قوله تعالى: (يثبت الله الذين ~~آمنوا) أي: يثبتهم على الحق بالقول الثابت، وهو شهادة أن لا إله إلا الله. # قوله تعالى: (في الحياة الدنيا وفي الآخرة) فيه قولان: # أحدهما: أن الحياة الدنيا: زمان الحياة على وجه الأرض، والآخرة: زمان ~~المسألة في القبر، وإلى هذا المعنى ذهب البراء بن عازب، وفيه أحاديث تعضده. # والثاني: أن الحياة الدنيا: زمن السؤال في القبر، والآخرة: السؤال في ~~القيامة، وإلى هذا المعنى ms1183 ذهب طاوس، وقتادة. قال المفسرون: هذه الآية وردت ~~في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله تعالى للمؤمنين كلمة الحق عند ~~السؤال، وتثبيته إياهم على الحق. (ويضل الله الظالمين) يعنى: المشركين، ~~يضلهم عن هذه الكلمة، (ويفعل الله ما يشاء) من هداية المؤمن وإضلال الكافر. ~~PageV04P265 # * ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) ~~جهنم يصلونها وبئس القرار (29) قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا) في المشار إليهم سبعة أقوال: # أحدها: أنهم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، روي عن عمر بن ~~الخطاب، وعلي بن أبي طالب. # والثاني: أنهم منافقو قريش، رواه أبو الطفيل عن علي. # والثالث: بنو أمية، وبنو المغيرة، ورؤساء أهل بدر الذين ساقوا أهل بدر ~~إلى بدر، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أهل مكة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والخامس: المشركون من أهل بدر، قاله مجاهد، وابن زيد. # والسادس: أنهم الذين قتلوا ببدر من كفار قريش، قاله سعيد بن جبير، وأبو ~~مالك. # والسابع: أنها عامة في جميع المشركين، قاله الحسن. قال المفسرون: ~~وتبديلهم نعمة الله كفرا، أن الله أنعم عليهم برسوله، وأسكنهم حرمه، فكفروا ~~بالله وبرسوله، ودعوا قومهم إلى الكفر به، فذلك قوله [عز وجل]: (وأحلوا ~~قومهم دار البوار) أي: الهلاك. ثم فسر الدار بقوله تعالى: (جهنم يصلونها) ~~أي: يقاسون حرها (وبئس القرار) أي: بئس المقر هي. # وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) ~~قوله تعالى: وجعلوا لله أندادا) قد بيناه في [سورة] البقرة، واللام في " ~~ليضلوا " لام العاقبة، وقد سبق شرحها، ومن قرأ " ليضلوا " بضم الياء، أراد: ~~ليضلوا الناس عن دين الله. # قوله تعالى: (قل تمتعوا) أي: في حياتكم الدنيا، وهذا وعيد لهم. قال ابن ~~عباس: لو كان الكافر مريضا لا ينام، جائعا لا يأكل ولا يشرب، لكان هذا ~~نعيما يتمتع به بالقياس إلى ما يصير إليه من العذاب، ولو كان المؤمن في ~~أنعم عيش، لكان بؤسا عندما يصير إليه من ms1184 نعيم الآخرة. PageV04P266 # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) الله الذي خلق السماوات والأرض ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في ~~البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم ~~الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~إن الإنسان لظلوم كفار (34) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني ~~فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) قوله تعالى: (قل لعبادي الذين ~~آمنوا) أسكن ابن عامر، وحمزة، والكسائي ياء " عبادي ". # قوله تعالى: (يقيموا الصلاة) قاله ابن الأنباري: معناه: قل لعبادي: ~~أقيموا الصلاة وأنفقوا، يقيموا وينفقوا، فحذف الأمران، وترك الجوابان، قال ~~الشاعر: # فأي امرئ أنت أي امرئ * إذا قيل في الحرب من يقدم أراد: إذا قيل: من يقدم ~~تقدم. ويجوز أن يكون المعنى: قل لعبادي أقيموا الصلاة، وأنفقوا، فصرف عن ~~لفظ الأمر إلى لفظ الخبر. ويجوز أن يكون المعنى: قل لهم ليقيموا الصلاة، ~~ولينفقوا، فحذف لام الأمر، لدلالة " قل " عليها. قال ابن قتيبة: والخلال ~~مصدر خاللت فلانا خلالا ومخالة، والاسم الخلة، وهي الصداقة. # قوله تعالى: (وسخر لكم الأنهار) أي: ذللها، تجري حيث تريدون، وتركبون ~~فيها حيث تشاؤون. (وسخر لكم الشمس والقمر) لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما ~~(دائبين) في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران. ومعنى الدؤوب: ~~مرور الشئ في العمل على عادة جارية فيه. (وسخر لكم الليل) لتسكنوا فيه، ~~راحة لأبدانكم، (والنهار) لتنتفعوا بمعاشكم، (وآتاكم من كل ما سألتموه) فيه ~~خمسة أقوال: # أحدها: أن المعنى: من كل الذي سألتموه، قاله الحسن، وعكرمة. # والثاني: من كل ما سألتموه، لو سألتموه، قاله الفراء. # والثالث: وآتاكم من كل شئ سألتموه شيئا، فأضمر الشئ، كقوله [تعالى]: ~~(وأوتيت من PageV04P267 # كل شئ) أي، من كل شئ في زمانها شيئا، قاله الأخفش. # والرابع: من ms1185 كل ما سألتموه وما لم تسألوه، لأنكم لم تسألوا شمسا ولا قمرا ~~ولا كثيرا من النعم التي ابتدأكم بها، فاكتفي بالأول من الثاني، كقوله [عز ~~وجل]: (سرابيل تقيكم الحر)، قاله ابن الأنباري. # والخامس: على قراءة ابن مسعود، وأبي رزين، والحسن، وعكرمة، وقتادة، وأبان ~~عن عاصم، وأبي حاتم عن يعقوب: " من كل ما " بالتنوين من غير إضافة، ~~فالمعنى: آتاكم من كل ما لم تسألوه، قاله قتادة، والضحاك. # قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله) أي: إنعامه (لا تحصوها) لا تطيقوا ~~الإتيان على جميعها بالعد لكثرتها. (إن الإنسان) قال ابن عباس: يريد أبا ~~جهل. وقال الزجاج: الإنسان اسم للجنس يقصد به الكافر خاصة. # قوله تعالى: (لظلوم كفار) الظلوم ها هنا: الشاكر غير من أنعم عليه، ~~والكفار: الجحود لنعم الله تعالى. # قوله تعالى: (اجعل هذا البلد آمنا) قد سبق تفسيره في سورة البقرة. # قوله تعالى: (واجنبني وبني) أي: جنبني وإياهم، والمعنى: ثبتني على اجتناب ~~عبادتها. # (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس) يعني: الأصنام، وهي لا توصف بالإضلال ولا ~~بالفعل، ولكنهم لما ضلوا بسببها، كانت كأنها أضلتهم. (فمن تبعني) أي: على ~~ديني التوحيد (فإنه مني) أي: فهو على ملتي، (ومن عصاني فإنك غفور رحيم) فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: ومن عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم، قاله السدي. # والثاني: من عصاني فيما دون الشرك، قاله مقاتل بن حيان. # والثالث: ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم أن تتوب عليه فتهديه إلى ~~التوحيد، قاله مقاتل بن سليمان. وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون دعا بهذا ~~قبل أن يعلمه الله تعالى أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه. # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ~~(37) PageV04P268 # قوله تعالى: (ربنا إني أسكنت من ذريتي) في " من " قولان: # أحدهما: أنها للتبعيض، قاله الأخفش، والفراء. # والثاني: أنها للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: (بواد غير ذي زرع) يعني: مكة، ولم يكن ms1186 فيها حرث ولا ماء. عند ~~(بيتك المحرم) إنما سمي محرما، لأنه يحرم استحلال حرماته والاستخفاف بحقه ~~فإن قيل: ما وجه قوله: # (عند بيتك المحرم) ولم يكن هناك بيت حينئذ، إنما بناه إبراهيم بعد ذلك ~~بمدة؟ فالجواب من ثلاثة وجوه: # أحدها: أن الله تعالى حرم موضع البيت منذ خلق السماوات والأرض، قاله ابن ~~السائب. # والثاني: عند بيتك الذي كان قبل أن يرفع أيام الطوفان. # والثالث: عند بيتك الذي قد جرى في سابق علمك أنه يحدث ها هنا، ذكرهما ابن ~~جرير. # وكان أبو سليمان الدمشقي يقول: ظاهر الكلام يدل على أن هذا الدعاء إنما ~~كان بعد أن بني البيت وصارت مكة بلدا. والمفسرون على خلاف ما قال. وروى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد أن إبراهيم خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر ~~ومعه جبريل حتى قدم مكة وبها ناس يقال لهم: # العماليق، خارجا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فقال إبراهيم لجبريل: ~~أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فأنزلهما في مكان من الحجر، وأمر هاجر أن ~~تتخذ فيه عريشا، ثم قال: # (ربنا إني أسكنت من ذريتي..) الآية وفتح أهل الحجاز، وأبو عمرو ياء " إني ~~أسكنت ". # قوله تعالى: (ليقيموا الصلاة) في متعلق هذه اللام قولان: # أحدهما: أنها تتعلق بقوله [تعالى]: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ~~فالمعنى: جنبهم الأصنام ليقيموا الصلاة، هذا قول مقاتل. # والثاني: أنها تتعلق بقوله [تعالى]: (أسكنت)، فالمعنى: أسكنتهم عند بيتك ~~ليقيموا الصلاة، لأن البيت قبلة الصلوات، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (فاجعل أفئدة من الناس) [فيه قولان: # أحدهما: أنها القلوب. قاله الأكثرون]. # قال ابن الأنباري: وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة، لقرب القلب من الفؤاد ~~ومجاورته، قال امرؤ القيس: PageV04P269 # رمتني بسهم أصاب الفؤاد * غداة الرحيل فلم أنتصر وقال آخر: # كأن فؤادي كلما مر راكب * جناح غراب رام نهضا إلى وكر وقال آخر: # وإن فؤادا قادني لصبابة * إليك على طول الهوى لصبور يعنون بالفؤاد: ~~القلب. # [والقول الثاني: أن المراد بالأفئدة الجماعة من الناس. قاله الزجاج]. # قوله تعالى: (تهوي إليهم) قال ابن عباس: ms1187 تحن إليهم. وقال قتادة: تنزع ~~إليهم. وقال الفراء: تريدهم، كما تقول: رأيت فلانا يهوي نحوك، أي: يريدك. ~~وقرأ بعضهم: " تهوى إليهم " بمعنى: تهواهم، كقوله: (ردف لكم)، أي: ردفكم. و ~~" إلى " توكيد للكلام. وقال ابن الأنباري: " تهوي إليهم ": تنحط إليهم ~~وتنحدر. وفي معنى هذا الميل قولان: # أحدهما: أنه الميل إلى الحج، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه حب سكنى مكة، رواه عطية عن ابن عباس. وروى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس قال: لو كان إبراهيم قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، لحجه ~~اليهود والنصارى، ولكنه قال: من الناس. # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفي على الله من شئ في الأرض ولا في ~~السماء (38) قوله تعالى: (ربنا إنك تعلم ما نخفي) قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: ما نخفي من الوجد بمفارقة إسماعيل، وما نعلن من الحب له. قال ~~المفسرون: إنما قال هذا لما نزل إسماعيل الحرم، وأراد فراقه. # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ~~(39) PageV04P270 # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) قوله تعالى: ~~(الحمد لله الذي وهب لي على الكبر) أي: بعد الكبر (إسماعيل وإسحاق) قال ابن ~~عباس: ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين، وولد له إسحاق وهو ابن مائة ~~واثنتي عشرة سنة. # قوله تعالى: (ربنا وتقبل دعائي) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وهبيرة ~~عن حفص عن عاصم: " وتقبل دعائي ربنا " بياء في الوصل. وقال البزي عن ابن ~~كثير: يصل ويقف بياء. وقال قنبل عن ابن كثير: يشم الياء في الوصل، ولا ~~يثبتها، ويقف عليها بالألف. الباقون " دعاء " بغير ياء. قال أبو علي: الوقف ~~والوصل بياء هو القياس، والإشمام جائز، لدلالة الكسرة على الياء. # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) قوله تعالى: (ربنا ~~اغفر لي ولوالدي) قال ابن الأنباري: استغفر لأبويه وهما حيان، طمعا في أن ~~يهديا إلى الإسلام. وقيل: أراد بوالديه: آدم، وحواء. وقرأ ابن مسعود، وأبي، ~~والنخعي، والزهري: " ولولدي " يعني: إسماعيل وإسحاق، يدل عليه ms1188 ذكرهما قبل ~~ذلك. وقرأ مجاهد: # " ولوالدي " على التوحيد. وقرأ عاصم الجحدري: " ولولدي " بضم الواو. وقرأ ~~يحي بن يعمر، والجوني: " ولولدي " بفتح الواو وكسر الدال على التوحيد. (يوم ~~يقوم الحساب) أي: يظهر الجزاء على الأعمال. وقيل: معناه: يوم يقوم الناس ~~للحساب، فاكتفي بذكر الحساب من ذكر الناس إذ كان المعنى مفهوما. # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار (42) مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) ~~قوله تعالى: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) قال ابن عباس: هذا ~~وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم. # قوله تعالى: (إنما يؤخرهم) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، ~~وقتادة: # " نؤخرهم " بالنون، أي: يؤخر جزاءهم (ليوم تشخص فيه الأبصار) أي: تشخص ~~أبصار الخلائق لظهور الأحوال فلا تغتمض. PageV04P271 # قوله تعالى: (مهطعين) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الإهطاع: النظر من غير أن يطرف الناظر، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، وأبو الضحى. # والثاني: أنه الإسراع، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأبو عبيدة. ~~وقال ابن قتيبة: # يقال: أهطع البعير في سيره، واستهطع: إذا أسرع. وفي ما أسرعوا إليه ~~قولان: # أحدهما: إلى الداعي، قاله قتادة. # والثاني: إلى النار، قاله مقاتل. # والثالث: أن المهطع: الذي لا يرفع رأسه، قاله ابن زيد. وفي قوله: (مقنعي ~~رؤوسهم) قولان: # أحدهما: رافعي رؤوسهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وقتادة، وأبو عبيدة، وأنشد أبو عبيدة. # أنغض نحوي رأسه وأقنعا * كأنما أبصر شيئا أطمعا وقال ابن قتيبة: المقنع ~~رأسه: الذي رفعه وأقبل بطرفه على ما بين يديه. وقال الزجاج: رافعي رؤوسهم، ~~ملتصقة بأعناقهم. و " مهطعين مقنعي رؤوسهم " نصب على الحال، المعنى: ليوم ~~تشخص فيه أبصارهم مهطعين. # والثاني: ناكسي رؤوسهم، حكاه الماوردي عن المؤرج. # قوله تعالى: (لا يرتد إليهم طرفهم) أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة ~~النظر، فهي شاخصة، قال ابن قتيبة: والمعنى: أن نظرهم إلى شئ واحد، وقال ~~الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد إلى ms1189 أحد. # قوله تعالى: (وأفئدتهم هواء) الأفئدة: مساكن القلوب. وفي معنى الكلام ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن القلوب خرجت من مواضعها فصارت في الحناجر، رواه عطاء عن ابن ~~عباس. # وقال قتادة: خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم، فأفئدتهم هواء ليس فيها شئ. # والثاني: وأفئدتهم ليس فيها شئ من الخير، فهي كالخربة، رواه العوفي عن ~~ابن عباس. PageV04P272 # والثالث: وأفئدتهم منخرقة لا تعي شيئا، قاله مرة بن شراحيل. وقال الزجاج: ~~متخرقة لا تعي شيئا من الخوف. # والرابع: وأفئدتهم جوف لا عقول لها، قاله أبو عبيدة، وأنشد لحسان: # ألا أبلغ أبا سفيان عني * فأنت مجوف نخب هواء فعلى هذا يكون المعنى: أن ~~قلوبهم خلت عن العقول، لما رأوا من الهول. والعرب تسمي كل أجوف خاو هواء. ~~قال ابن قتيبة: ويقال: أفئدتهم منخوبة من الخوف والجبن. # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال (44) ~~قوله تعالى: (وأنذر الناس) أي: خوفهم (يوم يأتيهم العذاب) يعني به يوم ~~القيامة، وإنما خصه بذكر العذاب، وإن كان فيه ثواب، لأن الكلام خرج مخرج ~~التهديد للعصاة. قال ابن عباس: يريد بالناس هاهنا: أهل مكة. # قوله تعالى: (فيقول الذين ظلموا) أي: أشركوا (ربنا أخرنا إلى أجل قريب) ~~أي: # أمهلنا مدة يسيرة. وقال مقاتل: سألوا الرجوع إلى الدنيا، لأن الخروج من ~~الدنيا قريب. (نجب دعوتك) يعني: التوحيد، فيقال لهم: (أولم تكونوا أقسمتم ~~من قبل) أي: حلفتم في الدنيا أنكم لا تبعثون ولا تنتقلون من الدنيا إلى ~~الآخرة. # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) قوله تعالى: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) أي: نزلتم ~~في أماكنهم وقراهم، كالحجر ومدين، والقرى التي عذب أهلها. ومعنى " ظلموا ~~أنفسهم " ضروها بالكفر والمعصية. # (وتبين لكم) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل الناجي " وتبين " ~~بضم التاء. (كيف فعلنا بهم) يعني: كيف عذبناهم، يقول: فكان ينبغي لكم أن ~~تنزجروا عن المخالفة اعتبارا بمساكنهم ms1190 بعدما علمتم فعلنا بهم، (وضربنا لكم ~~الأمثال) قال ابن عباس: يريد الأمثال التي في القرآن. PageV04P273 # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) ~~فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) قوله تعالى: ~~(وقد مكروا مكرهم) في المشار إليهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى ~~السماء، فأمر بفرخي نسر فربيا حتى سمنا واستعلجا، ثم أمر بتابوت فنحت، ثم ~~جعل في وسطه خشبة، وجعل على رأس الخشبة لحما شديد الحمرة، ثم جوعهما وربط ~~أرجلهما بأوتاد إلى قوائم التابوت. ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق ~~بابه، ثم أرسلهما، فجعلا يريدان اللحم، فصعدا في السماء ما شاء الله، ثم ~~قال لصاحبه: افتح وانظر ماذا ترى؟ ففتح، فقال: أرى الأرض كأنها الدخان، ~~فقال له: أغلق، ثم صعد ما شاء الله، ثم قال: افتح فانظر، ففتح، فقال: ما ~~أرى إلا السماء، وما نزداد منها إلا بعدا، قال: فصوب خشبتك، فصوبها، فانقضت ~~النسور تريد اللحم، فسمعت الجبال هدتها، فكادت تزول عن مراتبها. هذا قول ~~علي بن أبي طالب عليه السلام وفي رواية عنه: كانت النسور أربعة. وروى السدي ~~عن أشياخه: أنه ما زال يصعد إلى أن رأى الأرض يحيط بها بحر، فكأنها فلكة في ~~ماء، ثم صعد حتى وقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع، فصوب ~~اللحم، فانقضت النسور، فلما نزل أخذ في بناء الصرح. وروى عن ابن عباس أنه ~~بني الصرح، ثم صعد منه مع النسور، فلما لم يقدر على السماء، اتخذه حصنا، ~~فأتى الله بنيانه من القواعد. وقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل ~~القوس والنشاب، فرمى بسهم فعاد إليه ملطخا بالدم، فقال: كفيت إله السماء، ~~وذلك من دم سمكة في بحر معلق في الهواء، فلما هاله الارتفاع، قال لصاحبه: ~~صوب الخشبة، فصوبها، فانحطت النسور، فظنت الجبال أنه أمر نزل من السماء ~~فزالت عن مواضعها. وقال غيره: لما رأت ms1191 الجبال ذلك، ظنت أنه قيام الساعة، ~~فكادت تزول، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير، وأبو مالك. # والقول الثاني: أنه يخت نصر، وأن هذه القصة له جرت، وأن النسور لما ~~ارتفعت تطلب اللحم إلى حيث شاء الله، نودي: يا أيها الطاغية، أين تريد؟ ~~ففرق، ثم سمع الصوت فوقه، فنزل، فلما رأت الجبال ذلك، ظنت أنه قيام الساعة ~~فكادت تزول، وهذا قول مجاهد. # والثالث: أن المشار إليهم الأمم المتقدمة. قال ابن عباس، وعكرمة: مكرهم: ~~شركهم. # والرابع: أنهم الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم حين هموا بقتله ~~وإخراجه. # وفي قوله [تعالى]: (وعند الله مكرهم) قولان: PageV04P274 # أحدهما: أنه محفوظ عنده حتى يجازيهم به، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: وعند الله جزاء مكرهم. # قوله تعالى: (وإن كان مكرهم) وقرأ أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ~~وأبي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية: " وإن كاد مكرهم " بالدال. (لتزول ~~منه الجبال). وقرأ الأكثرون " لتزول " بكسر اللام الأولى من " لتزول " وفتح ~~الثانية. أراد: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي: هو أضعف وأوهن، كذلك ~~فسرها الحسن البصري. وقرأ الكسائي " لتزول " بفتح اللام الأولى وضم ~~الثانية، أراد: قد كادت الجبال تزول من مكرهم، كذلك فسرها ابن الأنباري. ~~وفي المراد بالجبال قولان: # أحدهما: أنها الجبال المعروفة، قاله الجمهور. # والثاني: أنها ضربت مثلا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وثبوت دينه ~~كثبوت الجبال الراسية، والمعنى: لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبال، لما زال ~~أمر الإسلام، قاله الزجاج. قال أبو علي: ويدل على صحة هذا قوله [عز وجل]: ~~(فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) أي: فقد وعدك الظهور عليهم قال ابن عباس: # يريد بوعده: النصر والفتح وإظهار الدين. (إن الله عزيز) أي: منيع (ذو ~~انتقام) من الكافرين، وهو أن يجازيهم بالعقوبة على كفرهم. # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) قوله ~~تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض) وروى أبان " يوم نبدل " بالنون وكسر ~~الدال " الأرض " بالنصب، " والسماوات " بخفض التاء، ولا خلاف في نصب " غير ~~". وفي معنى تبديل الأرض ms1192 قولان: # أحدهما: أنها تلك الأرض، وإنما يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها ~~وجبالها وأوديتها وشجرها، وتمد مد الأديم، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن ~~عباس. وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض) قال: " يبسطها ويمدها مد الأديم ". PageV04P275 # والثاني: أنها تبدل بغيرها. ثم فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة، رواه ~~عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وعطاء عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: أنها تبدل نارا، قاله أبي بن كعب. # والثالث: أنها تبدل بأرض من فضة، قاله أنس بن مالك. # والرابع: تبدل بخبزة بيضاء، فيأكل المؤمن من تحت قدميه، قاله أبو هريرة، ~~وسعيد بن جبير، والقرظي. وقال غيرهم: يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغ من ~~حسابهم. فأما تبديل السماوات، فيه ستة أقوال: # أحدها: أنها تجعل من ذهب، قاله علي عليه السلام. # والثاني: أنها تصير جنانا، قاله أبي بن كعب. # والثالث: أن تبديلها: تكوير شمسها وتناثر نجومها، قاله ابن عباس. # والرابع: أن تبديلها: اختلاف أحوالها، فمرة كالمهل، ومرة تكون كالدهان، ~~قاله ابن الأنباري. # والخامس: أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتاب. والسادس: أن تنشق فلا ~~تظل، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: (وبرزوا لله الواحد القهار) أي: خرجوا من القبور. # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) ~~قوله تعالى: (وترى المجرمين) يعني: الكفار (مقرنين) يقال: قرنت الشئ إلى ~~الشئ: إذا وصلته به. وفي معنى " مقرنين " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم يقرنون مع الشياطين، قاله ابن عباس. PageV04P276 # والثاني: أن أيديهم وأرجلهم قرنت إلى رقابهم، قاله ابن زيد. # والثالث: يقرن بعضهم إلى بعض، قاله ابن قتيبة. وفي الأصفاد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الأغلال، قاله ابن عباس، وابن زيد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ~~والزجاج، وابن الأنباري. # والثاني: القيود والأغلال، قاله قتادة. # والثالث: القيود، قاله أبو سليمان الدمشقي. # فأما السرابيل، فقال أبو عبيدة: هي القمص، واحدها ms1193 سربال. وقال الزجاج: ~~السربال: كل ما لبس. وفي القطران ثلاث لغات: فتح القاف وكسر الطاء، وفتح ~~القاف مع تسكين الطاء، وكسر القاف مع تسكين الطاء وفي معناه قولان: # أحدهما: أنه النحاس المذاب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنه قطران الإبل، قاله الحسن، وهو شئ يتحلب من شجر تهنأ به ~~الإبل. قال الزجاج: وإنما جعل لهم القطران، لأنه يبالغ في اشتعال النار في ~~الجلود، ولو أراد الله تعالى المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر، ولكنه ~~حذرهم ما يعرفون حقيقته. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو مجلز، وعكرمة، ~~وقتادة، وابن أبي عبلة، وأبو حاتم عن يعقوب: " من قطر " بكسر القاف وسكون ~~الطاء والتنوين " آن " بقطع الهمزة وفتحها ومدها. والقطر: النحاس، وآن: قد ~~انتهى حره. # قوله تعالى: (وتغشى وجوهم النار): أي تعلوها. واللام في (ليجزي) متعلقة ~~بقوله: # (وبرزوا). # هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا ~~الألباب (52) قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس) في المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه القرآن. # والثاني: الإنذار. والبلاغ: الكفاية. قال مقاتل: والمراد بالناس: أهل ~~مكة. # قوله تعالى: (ولينذروا به) أي: أنزل لينذروا به، وليعملوا بما فيه من ~~الحجج (أنما هو إله واحد، وليذكر) أي: وليتعظ (أولو الألباب). PageV04P277 # (15) سورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون وهي مكية كلها من غير خلاف ~~نعلمه. # بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) قوله تعالى: ~~(آلر تلك آيات الكتاب) قد سبق بيانه. # قوله تعالى: (وقرآن مبين) فيه قولان: # أحدهما: أن القرآن: هو الكتاب، جمع له بين الاسمين. # والثاني: أن الكتاب: هو التوراة والإنجيل، والقرآن: كتابنا. وقد ذكرنا في ~~أول [سورة] يوسف معنى المبين. # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) قوله تعالى: (ربما) وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي " ربما " مشددة. وقرأ نافع، ~~وعاصم، وعبد الوارث " ربما " بالتخفيف. قال الفراء: أسد وتميم يقولون: # " ربما " بالتشديد، وأهل الحجاز وكثير من قيس يقولون: " ربما " بالتخفيف. ~~وتيم الرباب يقولون: # " ربما " بفتح الراء. وقيل: إنما قرئت ms1194 بالتخفيف، لما فيها من التضعيف، ~~والحروف المضاعفة قد تحذف، نحو " إن " و " لكن " فإنهم قد خففوها. قال ~~الزجاج: يقولون: رب رجل جاءني، ورب رجل جاءني، وأنشد: PageV04P278 # أزهير إن يشب القذال فإنني * رب هيضل مرس لففت بهيضل و " رب " كلمة ~~موضوعة للتقليل، كما أن " كم " للتكثير، وإنما زيدت " ما " مع " رب " ~~ليليها الفعل، تقول: رب رجل جاءني، وربما جاءني زيد. وقال الأخفش: أدخل مع ~~" رب " ما، ليتكلم بالفعل بعدها، وإن شئت جعلت " ما " بمنزلة " شئ "، فكأنك ~~قلت: رب شئ، أي: رب ود يوده الذين كفروا. وقال أبو سليمان الدمشقي: " ما " ~~ها هنا بمعنى " حين "، فالمعنى: رب حين يودون فيه. واختلف المفسرون متى يقع ~~هذا من الكفار، على قولين: # أحدهما: أنه في الآخرة. ومتى يكون ذلك؟ فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل ~~القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما ~~أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا ~~بها، فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، ~~فلما رأى ذلك الكفار، قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما أخرجوا، رواه ~~أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب إليه ابن عباس في ~~رواية وأنس بن مالك، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، وإبراهيم. # والثاني: أنه ما يزال الله يرحم ويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين ~~فليدخل الجنة، فذلك حين يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، رواه مجاهد عن ~~ابن عباس. # والثالث: أن الكفار إذا عاينوا القيامة، ودوا لو كانوا مسلمين، ذكره ~~الزجاج. # والرابع: أنه كلما رأى أهل الكفر حالا من أحوال القيامة يعذب فيها الكافر ~~ويسلم من مكروهها المؤمن، ودوا ذلك، ذكره ابن الأنباري. # والقول الثاني: أنه في الدنيا، إذا عاينوا وتبين لهم الضلال من الهدى ~~وعلموا مصيرهم، ودوا ذلك، قاله الضحاك. # فإن قيل: إذا قلتم: إن " رب " للتقليل، وهذه الآية خارجة مخرج الوعيد، ~~فإنما يناسب الوعيد ms1195 تكثير ما يتواعد به؟ فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن ~~الأنباري. # أحدها: أن " ربما " تقع على التقليل والتكثير، كما يقع الناهل على ~~العطشان والريان، والجون على الأسود والأبيض. # والثاني: أن أهوال القيامة وما يقع بهم من الأهوال تكثر عليهم، فإذا عادت ~~إليهم عقولهم، ودوا ذلك. PageV04P279 # والثالث: أن هذا الذي خوفوا به، لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال ~~العذاب، أو كان الإنسان يخاف الندم إذا حصل فيه ولا يتيقنه، لوجب عليه ~~اجتنابه. # فإن قيل: كيف جاء بعد " ربما " مستقبل، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي، ~~تقول: ربما لقيت عبد الله؟ # فالجواب: أن ما وعد الله حق، فمستقبله بمنزلة الماضي، يدل عليه قوله ~~[تعالى]: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم) وقوله: (ونادى أصحاب الجنة) (ولو ~~ترى إذ فزعوا فلا فوت)، على أن الكسائي والفراء حكيا عن العرب أنهم يقولون: ~~ربما يندم فلان، قال الشاعر: # ربما تجزع النفوس من الأمر * له فرجة كحل العقال ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) قوله تعالى: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) أي: دع ~~الكفار يأخذوا حظوظهم في الدنيا، (ويلههم الأمل) أي: ويشغلهم ما يأملون في ~~الدنيا عن أخذ حظهم من الإيمان والطاعة (فسوف يعلمون) إذا وردوا القيامة ~~وبال ما صنعوا، وهذا وعيد وتهديد، وهذه الآية عند المفسرين منسوخه بآية ~~السيف. # وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون (5) قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية) أي: ما عذبنا من أهل قرية ~~(إلا ولها كتاب معلوم) أي أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر عنه. (ما تسبق من ~~أمة أجلها) " من " صلة، والمعنى: ما تتقدم وقتها الذي قدر لها بلوغه، ولا ~~تستأخر عنه. قال الفراء: إنما قال: " أجلها " لأن الأمة لفظها مؤنث، وإنما ~~قال: " يستأخرون " إخراجا له على معنى الرجال. # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا ~~بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا ~~إذا منظرين (8) PageV04P280 # قوله تعالى: (وقالوا يا أيها الذي ms1196 نزل عليه الذكر) قال مقاتل: نزلت في ~~عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن ~~المغيرة. قال ابن عباس: والذكر، القرآن. # وإنما قالوا هذا استهزاء، لو أيقنوا أنه نزل عليه الذكر، ما قالوا: (إنك ~~لمجنون). قال أبو علي الفارسي: وجواب هذه الآية في سورة أخرى في قوله ~~[تعالى]: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون). # قوله تعالى: (لو ما تأتينا) قال الفراء: " لو ما و " لولا " لغتان ~~معناهما: هلا، وكذلك قال أبو عبيدة: هما بمعنى واحد، وأنشد لابن مقبل: # لوما الحياء ولوما الدين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري قال ~~المفسرون: إنما سألوا الملائكة ليشهدوا له بصدقه، وأن الله أرسله، فأجابهم ~~الله تعالى بقوله: (ما تنزل الملائكة إلا بالحق) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر " ما تنزل " بالتاء المفتوحة " الملائكة " بالرفع. وروى ~~أبو بكر عن عاصم " ما تنزل " بضم التاء على ما لم يسم فاعله. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف " ما ننزل " بالنون والزاي مشددة " الملائكة ~~" نصبا. وفي المراد بالحق أربعة أقوال: # أحدها: أنه العذاب إن لم يؤمنوا، قال الحسن. # والثاني: الرسالة، قاله مجاهد. # والثالث: قبض الأرواح عند الموت، قاله ابن السائب. # والرابع: أنه القرآن، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (وما كانوا) يعني: المشركين (إذا منظرين) أي: عند نزول ~~الملائكة إذا نزلت. # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا ~~الذكر) من عادة الملوك إذا فعلوا شيئا، قال أحدهم: نحن فعلنا، يريد نفسه ~~وأتباعه، ثم صار هذا عادة للملك في خطابه، وإن انفرد بفعل الشئ، فخوطبت ~~العرب بما تعقل من كلامها. والذكر: القرآن في قول جميع المفسرين. وفي هاء " ~~له " قولان: PageV04P281 # أحدهما: أنها ترجع إلى الذكر، قاله الأكثرون. قال قتادة: أنزله الله ثم ~~حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا، ولا ينقص منه حقا. # والثاني: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: (وإنا له ~~لحافظون) من الشياطين والأعداء، لقولهم: " إنك لمجنون "، هذا قول ابن ~~السائب، ومقاتل. ms1197 # ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من ~~قبلك) يعني: رسلا، فحذف المفعول، لدلالة الإرسال عليه. والشيع: الفرق، وحكي ~~عن الفراء أنه قال: الشيعة: الأمة المتابعة بعضها بعضا فيما يجتمعون عليه ~~من أمر. # وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون (11) قوله تعالى: (وما يأتيهم ~~من رسول إلا كانوا به يستهزئون) هذا تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمعنى: # إن كل نبي قبلك كان مبتلى بقومه كما ابتليت. # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) ~~قوله تعالى: (كذلك نسلكه) في المشار إليه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الشرك، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. # والثاني: أنه الاستهزاء، قاله قتادة. # والثالث: التكذيب، قاله ابن جريج، والفراء. # ومعنى الآية: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين، ندخل في قلوب هؤلاء ~~التكذيب فلا يؤمنوا. ثم أخبر عن هؤلاء المشركين، فقال [تعالى]: (لا يؤمنون ~~به). وفي المشار إليه ثلاثة أقوال: PageV04P282 # أحدها: أنه الرسول. # والثاني: القرآن. # والثالث: العذاب. # قوله تعالى: وقد خلت سنة الأولين) فيه قولان: # أحدهما: مضت سنة الله في إهلاك المكذبين. # والثاني: مضت سنتهم بتكذيب الأنبياء. # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) قوله تعالى: (ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء) يعني: كفار مكة (فظلوا فيه يعرجون) أي: يصعدون، يقال: ظل يفعل كذا: ~~إذا فعله بالنهار. وفي المشار إليهم بهذا الصعود قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة، قاله ابن عباس، والضحاك، فالمعنى: لو كشف عن ~~أبصار هؤلاء فرأوا بابا مفتوحا في السماء والملائكة تصعد فيه، لما آمنوا ~~به. # والثاني: أنهم المشركون، قاله الحسن، وقتادة، فيكون المعنى: لو وصلناهم ~~إلى صعود السماء، لم يستشعروا إلا الكفر، لعنادهم. # قوله تعالى: (لقالوا إنما سكرت أبصارنا) قرأ الأكثرون بتشديد الكاف. وقرأ ~~ابن كثير، وعبد الوارث بتخفيفها. قال الفراء: ومعنى القراءتين متقارب، ~~والمعنى: حبست، من قولهم: سكرت الريح: إذا سكنت وركدت. وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: معنى " سكرت " بالتخفيف، مأخوذ من سكر ms1198 الشراب، يعني: أن الأبصار ~~حارت، ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل. ~~قال ابن الأنباري: إذا كان هذا معنى الوصف، فسكرت، بالتشديد، يراد به وقوع ~~هذا الأمر مرة بعد مرة. وقال أبو عبيدة: " سكرت " بالتشديد، من السكور التي ~~تمنع الماء الجرية، فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء ~~من الجري. وقال الزجاج: " سكرت " بالتشديد، فسروها: أغشيت، و " سكرت " ~~بالتخفيف: تحيرت وسكنت عن أن تنظر، والعرب تقول: سكرت الريح تسكر: إذا ~~سكنت. وروى العوفي عن ابن عباس: " إنما سكرت أبصارنا " PageV04P283 # قال: أخذ بأبصارنا وشبه علينا، وإنما سحرنا. وقال مجاهد: " سكرت " سدت ~~بالسحر، فيتماثل لأبصارنا غير ما ترى. # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) قوله تعالى: (ولقد ~~جعلنا في السماء بروجا) في البروج ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بروج الشمس والقمر، أي: منازلهما، قاله ابن عباس، وأبو عبيدة ~~في آخرين. # قال ابن قتيبة: وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، ~~والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. # والثاني: أنها قصور، روي عن ابن عباس أيضا. وقال عطية: هي قصور في السماء ~~فيها الحرس. وقال ابن قتيبة: أصل البروج: الحصون. # والثالث: أنها الكواكب، قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل. قال أبو صالح: هي ~~النجوم العظام. # قال قتادة: سميت بروجا، لظهورها. # قوله تعالى: (وزيناها) أي: حسناها بالكواكب. وفي المراد بالناظرين قولان: # أحدهما: أنهم المبصرون. # والثاني: المعتبرون. # قوله تعالى: وحفظناها من كل شيطان رجيم) أي: حفظناها أن يصل إليها شيطان ~~أو يعلم من أمرها شيئا إلا استراقا، ثم يتبعه الشهاب. والرجيم مشروح في ~~[سورة] آل عمران. # واختلف العلماء: هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنها لم ترم حتى بعث صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى: مذكور في ~~رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد أخرج في الصحيحين من حديث سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس ms1199 قال: " انطلق رسول PageV04P284 # الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد ~~حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب "، وظاهر هذا الحديث ~~أنها لم تكن قبل ذلك. قال الزجاج: ويدل على أنها إنما كانت بعد مولد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن شعراء العرب الذين يمثلون بالبرق والأشياء ~~المسرعة، لم يوجد في أشعارها ذكر الكواكب المنقضة، فلما حدثت بعد مولد ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، استعملت الشعراء ذكرها، فقال ذو الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية * مسوم في سواد الليل منقضب والثاني: أنه قد كان ~~ذلك قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فروى مسلم في صحيحه من حديث علي بن ~~الحسين عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من ~~أصحابه، إذ رمي بنجم، فاستنار، فقال: " ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في ~~الجاهلية "؟ قالوا: كنا نقول: يموت عظيم، أو يولد عظيم، قال: # " فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرا، سبح ~~حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه ~~السماء، ثم يستخبر أهل كل سماء أهل سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ~~وتخطف الجن ويرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ~~ويزيدون ". وروي عن ابن عباس أن الشياطين كانت لا تحجب عن السماوات، فلما ~~ولد عيسى، منعت من ثلاث سماوات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~منعوا من السماوات كلها. وقال الزهري: قد كان يرمى بالنجوم قبل مبعث رسول ~~الله، ولكنها غلظت حين بعث صلى الله عليه وسلم، وهذا مذهب ابن قتيبة، قال: ~~وعلى هذا وجدنا الشعر القديم، قال بشر بن أبي خازم، وهو جاهلي: # والعير يرهقها الغبار وجحشها * ينقض خلفهما انقضاض الكوكب وقال أوس بن ~~حجر، وهو جاهلي: # فانقض كالدرئ يتبعه * نقع يثور تخاله طنبا قوله تعالى: (إلا من استرق ~~السمع) أي: اختطف ما سمعه من كلام ms1200 الملائكة. قال ابن فارس: استرق السمع: ~~إذا تسمع * مستخفيا. (فأتبعه) أي: لحقه (شهاب مبين) قال ابن قتيبة: # كوكب مضئ. وقيل: " مبين " بمعنى: ظاهر يراه أهل الأرض. وإنما يسترق ~~الشيطان ما يكون من أخبار الأرض، فأما وحي الله عز وجل، فقد صانه عنهم. ~~واختلفوا هل يقتل الشهاب، أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنه يحرق ويخبل ولا يقتل، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنه يقتل، قاله الحسن. فعلى هذا القول، هل يقتل الشيطان قبل أن ~~يخبر بما سمع، فيه قولان: PageV04P285 # أحدهما: أنه يقتل قبل ذلك، فعلى هذا، لا تصل أخبار السماء إلى غير ~~الأنبياء. قال ابن عباس: ولذلك انقطعت الكهانة. # والثاني: أنه يقتل بعد إلقائه ما سمع إلى غيره من الجن، ولذلك يعودون إلى ~~الاستراق، ولو لم يصل لقطعوا الاستراق. # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون (19) ~~وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) قوله تعالى: (والأرض ~~مددناها) أي: بسطناها على وجه الماء (وألقينا فيها رواسي) وهي الجبال ~~الثوابت (وأنبتنا فيها) في المشار إليها قولان: # أحدهما: أنها الأرض، قاله الأكثرون. # والثاني: الجبال، قاله الفراء. # وفي قوله (ومن كل شئ موزون) قولان: # أحدهما: أن الموزون: المعلوم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، والضحاك. وقال مجاهد، وعكرمة في آخرين: الموزون: المقدور. فعلى هذا ~~يكون المعنى: معلوم القدر كأنه قد وزن، لأن أهل الدنيا لما كانوا يعلمون ~~قدر الشئ بوزنه، أخبر الله تعالى عن هذا أنه معلوم القدر عنده بأنه موزون. ~~وقال الزجاج: المعنى: أنه جرى على وزن من قدر الله تعالى، لا يجاوز ما قدره ~~الله تعالى عليه، ولا يستطيع خلق زيادة فيه ولا نقصانا. # والثاني: أنه عنى به الشئ الذي يوزن كالذهب، والفضة، والرصاص، والحديد، ~~والكحل، ونحو ذلك، وهذا المعنى مروي عن الحسن، وعكرمة، وابن زيد، وابن ~~السائب، واختاره الفراء. # قوله تعالى: (وجعلنا لكم فيها معايش) في المشار إليها قولان: # أحدهما: أنها الأرض. # والثاني: أنها الأشياء التي أنبتت. # والمعايش جمع معيشة. والمعنى: جعلنا لكم ms1201 فيها أرزاقا تعيشون بها. ~~PageV04P286 # وفي قوله تعالى: (ومن لستم له برازقين) أربعة أقوال: # أحدها: أنه الدواب والأنعام، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثاني: الوحوش، رواه منصور عن مجاهد. وقال ابن قتيبة: الوحش، والطير، ~~والسباع، وأشباه ذلك مما لا يرزقه ابن آدم. # والثالث: العبيد والإماء، قاله الفراء. # والرابع: العبيد، والأنعام، والدواب، قاله الزجاج. قال الفراء: و " من " ~~في موضع نصب، فالمعنى: جعلنا لكم فيها المعايش، والعبيد، والإماء. ويقال: ~~إنها في موضع خفض، فالمعنى: جعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له برازقين. ~~وقال الزجاج: المعنى: جعلنا لكم الدواب، والعبيد، وكفيتم مؤونة أرزاقها. # فإن قيل: كيف قلتم: إن " من " ها هنا للوحوش والدواب، وإنما تكون لمن ~~يعقل؟ # فالجواب: أنه لما وصفت الوحوش وغيرها بالمعاش الذي الغالب عليه أن يوصف ~~به الناس، فيقال: للآدمي معاش، ولا يقال: للفرس معاش، جرت مجرى الناس، كما ~~قال: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم)، وقال: (رأيتهم لي ساجدين)، وقال: (كل ~~في فلك يسبحون)، وإن قلنا: أريد به العبيد، والوحوش، فإنه إذا اجتمع الناس ~~وغيرهم، غلب الناس على غيرهم، لفضيلة العقل والتمييز. # وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) قوله تعالى: ~~(وإن من شئ) أي: وما من شئ (إلا عندنا خزائنه) وهذا الكلام عام في كل شئ. ~~وذهب قوم من المفسرين إلى أن المراد به المطر خاصة، فالمعنى عندهم: وما من ~~شئ من المطر إلا عندنا خزائنه، أي: في حكمنا وتدبيرنا (وما ننزله) كل عام ~~(إلا بقدر معلوم) لا PageV04P287 # يزيد ولا ينقص، فما من عام أكثر مطرا من عام، غير أن الله تعالى يصرفه ~~إلى من يشاء، ويمنعه من يشاء. # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين (22) وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) قوله تعالى: ~~(وأرسلنا الرياح لواقح) وقرأ حمزة، وخلف: " الريح ". وكان أبو عبيدة يذهب ~~إلى أن " لواقح " بمعنى ملاقح، فسقطت الميم منه، قال الشاعر: # ليبك يزيد بائس لضراعة * وأشعث ممن طوحته الطوائح أراد: المطاوح، فحذف ~~الميم، فمعنى الآية ms1202 عنده: وأرسلنا الرياح ملقحة، فيكون ها هنا فاعل، بمعنى ~~مفعل، كما أتى فاعل بمعنى مفعول، كقوله تعالى: (ماء دافق) أي: مدفوق، و ~~(عيشة راضية) أي: مرضية، وكقولهم: ليل نائم، أي: منوم فيه، ويقولون: أبقل ~~النبت، فهو بأقل، أي: مبقل. قال ابن قتيبة: يريد أبو عبيدة أنها تلقح ~~الشجر، وتلقح السحاب كأنها تنتجه. # ولست أدري ما اضطره إلى هذا التفسير بهذا الاستكراه وهو يجد العرب تسمي ~~الرياح لواقح، والريح لاقحا، قال الطرماح، وذكر بردا مده على أصحابه في ~~الشمس يستظلون به: # قلق لأفنان الرياح * للاقح منها وحائل فاللاقح: الجنوب، والحائل: الشمال، ~~ويسمون الشمال أيضا: عقيما، والعقيم: التي لا تحمل، كما سموا الجنوب لا ~~قحا، قال كثير: # ومر بسفساف التراب عقيمها يعني: الشمال. وإنما جعلوا الريح لاقحا، أي: ~~حاملا، لأنها تحمل السحاب وتقلبه وتصرفه، ثم تحله فينزل، فهي على هذا حامل، ~~ويدل على هذا قوله [تعالى]: (حتى إذا أقلت سحابا) أي: حملت، قال ابن ~~الأنباري: شبه ما تحمله الريح من الماء وغيره، بالولد الذي تشتمل عليه ~~الناقة، وكذلك يقولون: حرب لاقح، لما تشتمل عليه من الشر، فعلى قول أبي ~~عبيدة، يكون معنى " لواقح ": أنها ملقحة لغيرها، وعلى قول ابن قتيبة: أنها ~~لاقحة نفسها، وأكثر الأحاديث تدل على القول الأول. قال عبد الله بن مسعود: ~~يبعث الله الرياح لتلقح السحاب، فتحمل الماء، PageV04P288 # فتمجه في السحاب ثم تمريه *، فيدر كما تدر اللقحة. وقال الضحاك: يبعث ~~الله الرياح على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء. قال النخعي: تلقح السحاب ولا ~~تلقح الشجر. وقال الحسن في آخرين: تلقح السحاب والشجر، يعنون أنها تلقح ~~السحاب حتى يمطر والشجر حتى يثمر. # قوله تعالى: (فأنزلنا من السماء) يعني السحاب (ماء) يعني المطر ~~(فأسقيناكموه) أي: # جعلناه سقيا لكم. قال الفراء: العرب مجتمعون على أن يقولوا: سقيت الرجل، ~~فأنا أسقيه: إذا سقيته لشفته، فإذا أجروا للرجل نهرا قالوا: أسقيته وسقيته، ~~وكذلك السقيا من الغيث، قالوا فيها: # سقيت وأسقيت، وقال أبو عبيدة: كل ما كان من السماء، ففيه لغتان: أسقاه ~~الله، وسقاه الله، قال ms1203 لبيد: # سقى قومي بني مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال فجاء باللغتين. وتقول: ~~سقيت الرجل ماء وشرابا من لبن وغيره، وليس فيه إلا لغة واحدة بغير ألف، إذا ~~كان في الشفة، وإذا جعلت له شربا، فهو: أسقيته، وأسقيت أرضه، وإبله، ولا ~~يكون غير هذا، وكذلك إذا استسقيت له، كقول ذي الرمة: # وقفت على رسم لمية ناقتي * فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما ~~أبثه * تكلمني أحجاره وملاعبه فإذا وهبت له إهابا ليجعله سقاء، فقد أسقيته ~~إياه. # قوله تعالى: (وما أنتم له) يعني: الماء المنزل (بخازنين) وفيه قولان: # أحدهما: بحافظين، أي: ليست خزائنه بأيديكم، قاله مقاتل. # والثاني: بمانعين، قاله سفيان الثوري. # قوله تعالى: (ونحن الوارثون) يعني: أنه الباقي بعد فناء الخلق. # ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) وإن ربك هو ~~يحشرهم إنه حكيم عليم (25) قوله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين) يقال: ~~استقدم الرجل، بمعنى: تقدم، واستأخر، بمعنى: تأخر، وفي سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكان بعضهم يستقدم حتى يكون PageV04P289 # في أول صف لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في آخر صف، فإذا ركع نظر من ~~تحت إبطه، فنزلت هذه الآية، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرض على الصف الأول، فازدحموا ~~عليه، وقال قوم بيوتهم قاصية عن المدينة: لنبيعن دورنا، ولنشترين دورا ~~قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المتقدم، فنزلت هذه الآية، ومعناها: إنما ~~تجزون على النيات، فاطمأنوا وسكنوا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # وللمفسرين في معنى المستقدمين والمستأخرين ثمانية أقوال: # أحدها: التقدم في الصف الأول، والتأخر عنه، وهذا على القولين المذكورين ~~في سبب نزولها، فعلى الأول: هو التقدم للتقوى، والتأخر للخيانة بالنظر، ~~وعلى الثاني: هو التقدم لطلب الفضيلة، والتأخر للعذر. # والثاني: أن المستقدمين: من مات، والمستأخرين: من هو حي لم يمت، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وخصيف عن مجاهد، وبه قال عطاء، والضحاك، والقرظي. # والثالث: أن المستقدمين: من خرج ms1204 من الخلق فكان. والمستأخرين: الذين في ~~أصلاب الرجال، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والرابع: أن المستقدمين: من مضى من الأمم، والمستأخرين: أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، رواه ابن نجيح عن مجاهد. # والخامس: أن المستقدمين: المتقدمون في الخير، والمستأخرين، المثبطون عنه، ~~قاله الحسن، وقتادة. # والسادس: أن المستقدمين في صفوف القتال، والمستأخرين عنها، قاله الضحاك. # والسابع: أن المستقدمين: من قتل في الجهاد، والمستأخرين: من لم يقتل، ~~قاله القرظي. # والثامن: أن المستقدمين: أول الخلق، والمستأخرين: آخر الخلق، قاله ~~الشعبي. PageV04P290 # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون (26) والجان خلقناه من قبل من ~~نار السموم (27) وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) قوله تعالى: (ولقد ~~خلقنا الإنسان) يعني آدم (من صلصال) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صل، فسمعت له ~~صلصلة، قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثاني: أنه الطين المنتن، قاله مجاهد، والكسائي، وأبو عبيد. ويقال: صل ~~اللحم: إذا تغيرت رائحته. # والثالث: أنه طين خلط برمل، فصار له صوت عند نقره، قاله الفراء. # فأما الحمأ، فقال أبو عبيدة: هو جمع حمأة، وهو الطين المتغير. وقال ابن ~~الأنباري: لا خلاف أن الحمأ: الطين الأسود المتغير الريح، وروى السدي عن ~~أشياخه قال: بل التراب حتى صار طينا. ثم ترك حتى أنتن وتغير، وفي المسنون ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه المنتن أيضا، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة ~~في آخرين. # قال ابن قتيبة: المسنون: المتغير الرائحة. # والثاني: أنه الطين الرطب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه المصبوب، قاله أبو عمرو بن العلاء، وأبو عبيد. # والرابع: أنه المحكوك، ذكره ابن الأنباري، قال: فمن قال: المسنون: ~~المنتن، قال: هو من قولهم: قد تسنى الشئ: إذا أنتن، ومنه قوله تعالى: (لم ~~يتسنه)، وإنما قيل له: مسنون، لتقادم السنين عليه، ومن قال: الطين الرطب، ~~قال: سمي مسنونا، لأنه ms1205 يسيل وينبسط، فيكون كالماء المسنون المصبوب. ومن ~~قال: المصبوب، احتج بقول العرب: قد سننت علي الماء: إذا صببته. ويجوز أن ~~يكون المصبوب على صورة ومثال، من قوله: رأيت سنة وجهه، أي: صورة وجهه. قال ~~الشاعر: # تريك سنة وجهه غير مقرفة * ملساء ليس بها خال ولا ندب ومن قال: المحكوك، ~~احتج بقول العرب: سننت الحجر على الحجر، إذا حككته عليه. PageV04P291 # وسمي المسن مسنا، لأن الحديد يحك عليه. قال: وإنما كررت " من " لأن ~~الأولى متعلقة ب‍ " خلقنا "، والثانية متعلقة بالصلصال، تقديره: ولقد خلقنا ~~الإنسان من الصلصال الذي هو من حمأ مسنون. # قوله تعالى: (والجان) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه مسيخ الجن، كما أن القردة والخنازير مسيخ الإنس، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنه أبو الجن، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وروى عنه الضحاك أنه ~~قال: الجان أبو الجن، وليسوا بشياطين، والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا ~~مع إبليس والجن يموتون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر. # والثالث: أنه إبليس، قاله الحسن، وعطاء، وقتادة، ومقاتل. # فإن قيل أليس أبو الجن هو إبليس؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه هو، فيكون هذا القول هو الذي قبله. # والثاني: أن الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، فبينهما إذا فرق على ~~ما ذكرنا عن ابن عباس، قال العلماء: وإنما سمي جانا، لتواريه عن العيون. # قوله تعالى: (من قبل) يعني قبل خلق آدم (من نار السموم) وقال ابن مسعود: ~~من نار الريح الحارة، وهي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. والسموم في ~~اللغة: الريح الحارة وفيها نار، قال ابن السائب: وهي نار لا دخان لها. # فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) ~~قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته ~~من صلصال من حمأ مسنون (33) قال فأخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة ~~إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من ~~المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب بما أغويتني لأزينن لهم ~~في الأرض ولأغوينهم ms1206 أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) قال هذا صراط ~~على مستقيم (41) PageV04P292 # قوله تعالى: (فإذا سويته) أي: عدلت صورته، وأتممت خلقته (ونفخت فيه من ~~روحي) هذه الروح هي التي يحيا بها الإنسان، ولا تعلم ماهيتها، وإنما أضافها ~~إليه، تشريفا لآدم، وهذه إضافة ملك. وإنما سمي إجراء الروح فيه نفخا، لأنها ~~جرت في بدنه على مثل جري الريح فيه. # قوله تعالى: (فقعوا) أمر من الوقوع. وقوله [تعالى]: (كلهم أجمعون) قال ~~فيه سيبويه والخليل: هو توكيد بعد توكيد. وقال المبرد: " أجمعون " يدل على ~~اجتماعهم في السجود، فالمعنى: سجدوا كلهم في حالة واحدة. قال ابن الأنباري: ~~وهذا، لأن " كلا " تدل على اجتماع القوم في الفعل، ولا تدل على اجتماعهم في ~~الزمان. قال الزجاج: وقول سيبويه أجود، لأن " أجمعين " معرفة، ولا تكون ~~حالا. # قوله تعالى: (وإن عليك اللعنة) قال المفسرون: معناه: يلعنك أهل السماء ~~والأرض إلى يوم الحساب. قال ابن الأنباري: وإنما قال: (إلى يوم الدين) لأنه ~~يوم له أول وليس له آخر، فجرى مجرى الأبد الذي لا يفنى، والمعنى: عليك ~~اللعنة أبدا. # قوله تعالى: (إلى يوم الوقت المعلوم) يعني: المعلوم بموت الخلائق فيه، ~~فأراد أن يذيقه ألم الموت قبل أن يذيقه العذاب الدائم في جهنم. # قوله تعالى: (لأزينن لهم في الأرض) مفعول التزيين محذوف، والمعنى: لأزينن ~~لهم الباطل حتى يقعوا فيه. (ولأغوينهم) أي: ولأضلنهم. والمخلصون: الذين ~~أخلصوا دينهم لله عن كل شائبة تناقض الإخلاص. وما أخللنا به من الكلمات ~~هاهنا، فقد سبق تفسيرها في [سورة] الأعراف وغيرها. # قوله تعالى: (قال هذا صراط علي مستقيم) اختلفوا في معنى هذا الكلام على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يعني بقوله هذا: الإخلاص، فالمعنى: إن الإخلاص طريق إلي ~~مستقيم، و " علي " بمعنى " إلي ". # والثاني: هذا طريق علي جوازه، لأني بالمرصاد، فأجازيهم بأعمالهم، وهو ~~خارج مخرج الوعيد، كما تقول للرجل تخاصمه: طريقك علي، فهو كقوله: (إن ربك ~~لبالمرصاد). # والثالث: هذا صراط علي استقامته، أي: أنا ضامن لاستقامته بالبيان ~~والبرهان. وقرأ قتادة، ويعقوب: " هذا صراط علي " بكسر اللام ورفع الياء ~~وتنوينها، أي: ms1207 رفيع. # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم ~~PageV04P293 # لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) قوله ~~تعالى: (إن عبادي) فيهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم المؤمنون. # والثاني: المعصومون، رويا عن قتادة. # والثالث: المخلصون، قاله مقاتل. # والرابع: المطيعون، قاله ابن جرير. فعلى هذه الأقوال، تكون الآية من ~~العام الذي أريد به الخاص، وفي المراد بالسلطان قولان: # أحدهما: أنه الحجة، قاله ابن جرير، فيكون المعنى: ليس لك حجة في إغوائهم. # والثاني: أنه القهر والغلبة، إنما له أن يغر ويزين، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية، فقال: ليس لك عليهم سلطان أن ~~تلقيهم في ذنب يضيق عفوي عنه. # قوله تعالى: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين) يعني: الذين اتبعوه. # قوله تعالى: (لها سبعة أبواب) وهي دركاتها بعضها فوق بعض، قال علي عليه ~~السلام: # أبواب جهنم ليست كأبوابكم هذه، ولكنها هكذا وهكذا وهكذا بعضها فوق بعض، ~~ووصف الراوي عنه بيده وفتح أصابعه. قال ابن جرير: لها سبعة أبواب، أولها ~~جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقال ~~الضحاك: هي سبعة أدراك بعضها فوق بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على ~~قدر ذنوبهم ثم يخرجون، والثاني فيه النصارى، والثالث فيه اليهود، والرابع ~~فيه الصابئون، والخامس فيه المجوس، والسادس فيه مشركو العرب، والسابع فيه ~~المنافقون. قال ابن الأنباري: لما اتصل العذاب بالباب، وكان الباب من سببه، ~~سمي باسمه للمجاورة، كتسميتهم الحدث غائطا. # قوله تعالى: (لكل باب منهم) أي: من أتباع إبليس (جزء مقسوم) والجزء: بعض ~~الشئ. # إن المتقين في جناب وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين (48) PageV04P294 # قوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون) قد شرحنا في سورة (البقرة) معنى ~~التقوى والجنات. فأما العيون، فهي عيون الماء، والخمر، والسلسبيل، ~~والتسنيم، وغير ذلك مما ذكر أنه من شراب الجنة. # قوله تعالى: (ادخلوها بسلام) المعنى: يقال ms1208 لهم: ادخلوها بسلام، وفيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: بسلامة من النار. # والثاني: بسلامة من كل آفة. # والثالث: بتحية من الله [تعالى]، وفي قوله: (آمنين) أربعة أقوال: # أحدها: آمنين من عذاب الله. # والثاني: من الخروج. # والثالث: من الموت. # والرابع: من الخوف والمرض. # قوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل) قد ذكرنا تفسيرها في سورة ~~الأعراف فإن المفسرين ذكروا ما هناك هاهنا من تفسير وسبب نزول. # قوله تعالى: (إخوانا) منصوب على الحال، والمعنى: أنهم متوادون. # فإن قيل: كيف نصب " إخوانا " على الحال، فأوجب ذلك أن التآخي وقع مع نزع ~~الغل وقد كان التآخي بينهم في الدنيا؟ # فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: ما مضى من التآخي قد كان تشويه ضغائن ~~وشحناء، وهذا التآخي بينهم الموجود عند نزع الغل هو تآخي المصافاة ~~والإخلاص، ويجوز أن ينتصب على المدح، المعنى: اذكر إخوانا. فأما السرر، ~~فجمع سرير، قال ابن عباس: على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، ~~السرير مثل ما بين عدن إلى أيلة، (متقابلين) لا يرى بعضهم قفا بعض، حيثما ~~التفت رأى وجها يحبه يقابله. # قوله تعالى: (لا يمسهم فيها نصب) أي: لا يصيبهم في الجنة إعياء وتعب. # * نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) ~~ونبئهم PageV04P295 # عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (52) ~~قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قوله تعالى: (نبئ عبادي أني أنا ~~الغفور الرحيم) سبب نزولها ما روى ابن المبارك بإسناد له عن رجل من أصحاب ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، ونحن نضحك، فقال: " ألا أراكم ~~تضحكون؟ " ثم أدبر، حتى إذا كان عند الحجر، رجع إلينا القهقرى، فقال: " إني ~~لما خرجت، جاء جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد، يقول الله [تعالى]: لم ~~تقنط عبادي؟ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ". وقرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو بتحريك ياء " عبادي " وياء " أني أنا " وأسكنها ms1209 الباقون. # قوله تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) قد شرحنا القصة في (هود) وبينا ~~هنالك معنى الضيف والسبب في خوفه منهم، وذكرنا معنى الوجل في (الأنفال). # قوله تعالى: (بغلام عليم) أي: إنه يبلغ ويعلم. # قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا ~~تكن من القانطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما ~~خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط ~~إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) فلما جاء ~~آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك بما كانوا ~~فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) فأسر بأهلك بقطع من الليل ~~واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا PageV04P296 # حيث تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) ~~قوله تعالى: (قال أبشرتموني) أي: بالولد (على أن مسني الكبر) أي: على حالة ~~الكبر والهرم (فبم تبشرون) قرأ أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: " تبشرون " بفتح النون. وقرأ نافع بكسر النون، ووافقه ابن كثير ~~في كسرها، لكنه شددها. وهذا استفهام تعجب، كأنه عجب من الولد على كبره. ~~(قالوا بشرناك بالحق) أي: بما قضى الله أنه كائن (فلا تكن من القانطين) ~~يعني: الآيسين. (قال ومن يقنط) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة: # " ومن يقنط " بفتح النون في جميع القرآن. وقرأ أبو عمرو، والكسائي: " ~~يقنط " بكسر النون. # وكلهم قرؤوا (من بعد ما قنطوا) بفتح النون، وروى خارجة عن أبي عمرو " ومن ~~يقنط " بضم النون. قال الزجاج: يقال: قنط، وقنط يقنط، والقنوط بمعنى اليأس، ~~ولم يكن إبراهيم قانطا، ولكنه استبعد وجود الولد. (قال فما خطبكم) أي: ما ~~أمركم؟ (قالوا إنا أرسلنا) أي: بالعذاب. وقوله [تعالى]: (إلا آل لوط) ~~استثناء ليس من الأول، فأما آل لوط، فهم أتباعه المؤمنون. # قوله تعالى: (إنا لمنجوهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: # " لمنجوهم " مشددة الجيم. وقرأ حمزة والكسائي " لمنجوهم " خفيفة. # قوله تعالى: (إلا امرأته) المعنى: إنا لمنجوهم إلا امرأته ms1210 (قدرنا) وروى ~~أبو بكر عن عاصم " قدرنا " بالتخفيف، والمعنى واحد، يقال: قدرت وقدرت، ~~والمعنى: قضينا (إنها لمن الغابرين) يعني: الباقين في العذاب. # قوله تعالى: (إنكم قوم منكرون) يعني: لا أعرفكم، (قالوا بل جئناك بما ~~كانوا فيه يمترون) يعنون: العذاب، كانوا يشكون في نزوله. (وأتيناك بالحق) ~~أي: بالأمر الذي لا شك فيه من عذاب قومك. # قوله تعالى: (واتبع أدبارهم) أي: سر خلفهم (وامضوا حيث تؤمرون) أي: حيث ~~يأمركم جبريل، وفي المكان الذي أمروا إليه قولان: # أحدهما: أنه الشام، قاله ابن عباس. # والثاني: قرية من قرى لوط، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الأمر) أي: أوحينا إليه ذلك الأمر، أي: ~~الأمر بهلاك قومه. # قال الزجاج: فسر: ما الأمر بباقي الآية، والمعنى: وقضينا إليه أن دابر ~~هؤلاء مقطوع مصبحين. فأما الدابر، فقد سبق تفسيره، والمعنى: إن آخر من يبقى ~~منكم يهلك وقت الصبح. PageV04P297 # وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) ~~واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قال هؤلاء ~~بناتي إن كنتم فاعلين (71) قوله تعالى: (وجاء أهل المدينة) وهي قرية * لوط، ~~واسمها سدوم، (يستبشرون) بأضياف لوط، طمعا في ركوب الفاحشة، فقال لهم لوط: ~~(إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون) أي: # بقصدكم إياهم بالسوء، يقال: فضحه يفضحه: إذا أبان من أمره ما يلزمه به ~~العار. وقد أثبت يعقوب ياء " تفضحون "، وياء " تخزون " في الوصل والوقف. # قوله تعالى: (أولم ننهك عن العالمين) أي: عن ضيافة العالمين. # قوله تعالى: (بناتي إن كنتم) حرك ياء " بناتي " نافع، وأبو جعفر. # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين ~~(75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) قوله تعالى: ~~(لعمرك) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: وحياتك يا محمد، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. # والثاني: لعيشك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الأخفش، وهو ~~يرجع إلى معنى الأول. # والثالث: أن معناه: وحقك على أمتك، تقول العرب: ms1211 لعمر الله لا أقوم، ~~يعنون: وحق الله، ذكره ابن الأنباري، قال: وفي العمر ثلاث لغات: عمر وعمر، ~~وعمر، وهو عند العرب: البقاء. # وحكى الزجاج أن الخليل وسيبويه وجميع أهل اللغة قالوا: العمر والعمر في ~~معنى واحد، فإذا استعمل في القسم، فتح لا غير، وإنما آثروا الفتح في القسم، ~~لأن الفتح أخف عليهم، وهم يؤثرون القسم " لعمري " و " لعمرك " فلما كثر ~~استعمالهم إياه، لزموا الأخف عليهم، قال: وقال PageV04P298 # النحويون: ارتفع " لعمرك " بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: لعمرك ~~قسمي، ولعمرك ما أقسم به، وحذف الخبر، لأن في الكلام دليلا عليه. المعنى: ~~أقسم (إنهم لفي سكرتهم يعمهون) وفي المراد بهذه السكرة قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الضلالة، قاله قتادة. # والثاني: بمعنى الغفلة، قاله الأعمش، وقد شرحنا معنى العمة في سورة ~~البقرة. وفي المشار إليهم بهذا قولان: # أحدهما: أنهم قوم لوط، قاله الأكثرون. # والثاني: قوم نبينا صلى الله عليه وسلم قاله عطاء. # قوله تعالى: (فأخذتهم الصيحة) يعني: صيحة العذاب، وهي صيحة جبريل عليه ~~السلام. # (مشرقين) قال الزجاج: يقال: أشرقنا، فنحن مشرقون: إذا صادفوا شروق الشمس ~~وهو طلوعها، كما يقال: أصبحنا: إذا صادفوا الصبح، يقال: شرقت الشمس: إذا ~~طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت، هذا أكثر اللغة، وقد قيل: شرقت وأشرقت في ~~معنى واحد، إلا أن " مشرقين " في معنى مصادفين لطلوع الشمس. # قوله تعالى: (فجعلنا عاليها سافلها) قد فسرنا الآية في سورة (هود) وفي ~~المتوسمين أربعة أقوال: # أحدها: أنهم المتفرسون، روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ثم قرأ (إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين) قال: المتفرسين، وبهذا قال مجاهد، وابن قتيبة. قال ابن ~~قتيبة: يقال: توسمت في فلان الخير، أي: تبينته. وقال الزجاج: # المتوسمون، في اللغة: النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة ~~الشئ، يقال: توسمت في فلان كذا، أي: عرفت وسم ذلك فيه. وقال غيره: المتوسم: ~~الناظر في السمة الدالة على الشئ. # والثاني: المعتبرون، قاله قتادة. # والثالث: الناظرون، قاله الضحاك. PageV04P299 # والرابع: المتفكرون، قاله ابن ms1212 زيد، والفراء. # قوله تعالى: (وإنها) يعني: قرية قوم لوط (لبسبيل مقيم) فيه قولان: # أحدهما: لبطريق واضح، رواه نهشل عن الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والزجاج. # وقال ابن زيد: لبطريق مبين. # والثاني: لبهلاك. رواه أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس، والمعنى: إنها ~~بحال هلاكها لم تعمر حتى الآن! فالاعتبار بها ممكن، وهي على طريق قريش إذا ~~سافروا إلى الشام. # وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ~~(79) قوله تعالى: (وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين) قال الزجاج: معنى " إن " ~~واللام: التوكيد، والأيك: الشجر الملتف، فالفصل بين واحده وجمعه، الهاء. ~~فالمعنى: أصحاب الشجرة. قال المفسرون: هم قوم شعيب، كان مكانهم ذا شجر، ~~فكذبوا شعيبا فأهلكوا بالحر كما بينا في سورة (هود). # قوله تعالى: (وإنهما) في المكنى عنهما قولان: # أحدهما: أنهما الأيكة ومدينة قوم لوط، قاله الأكثرون. # والثاني: لوط وشعيب، ذكره ابن الأنباري. وفي قوله: (لبإمام مبين) قولان: # أحدهما: لبطريق ظاهر، قاله ابن عباس، قال ابن قتيبة: وقيل للطريق: إمام، ~~لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. # والثاني: لفي كتاب مستبين، قاله السدي. قال ابن الأنباري: " وإنهما " ~~يعني: لوطا وشعيبا لبطريق من الحق يؤتم به. # ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ~~(81) قوله تعالى: (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين) يعني بهم ثمود. قال ابن ~~عباس: كانت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام، وفي الحجر قولان: ~~PageV04P300 # أحدهما: أنه اسم الوادي الذي كانوا به، قاله قتادة، والزجاج. # والثاني: اسم مدينتهم، قاله الزهري، ومقاتل. # قال المفسرون: والمراد بالمرسلين: صالح وحده، لأن من كذب نبيا فقد كذب ~~الكل. # والمراد بالآيات: الناقة، قال ابن عباس: كان فيها آيات: خروجها من ~~الصخرة، ودنو نتاجها عند خروجها، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها ~~حتى كان يكفيهم جميعا، (فكانوا عنها معرضين) لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا ~~بها. # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وإن ms1213 الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق ~~العليم (86) قوله تعالى: (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا) قد شرحناه في ~~(الأعراف) وفي قوله: (آمنين) ثلاثة أقوال: # أحدها: آمنين أن تقع عليهم. # والثاني: آمنين من خرابها. # والثالث: من عذاب الله عز وجل، وفي قوله: (ما كانوا يكسبون) قولان: # أحدهما ما كانوا يعملون من نحت الجبال. # والثاني: ما كانوا يكسبون من الأموال والأنعام. # قولة تعالي (إلا بالحق) أي: للحق ولإظهار الحق، وهو ثواب المصدق وعقاب ~~المكذب. # (وإن الساعة لآتية) أي: وإن القيامة لتأتي، فيجازى المشركون بأعمالهم، ~~(فاصفح الصفح الجميل) عنهم، وهو الإعراض الخالي من جزع وفحش، قال المفسرون: ~~وهذا منسوخ بآية السيف. # فأما (الخلاق) فهو خالق كل شئ. و (العليم) قد سبق شرحه في سورة [البقرة]. ~~PageV04P301 # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني ~~أنا النذير المبين (89) قوله تعالى: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) سبب ~~نزولها أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم ~~واحد، فيها أنواع من البز والطيب والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه ~~الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وقال: أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل، ويدل على ~~صحة هذا قوله: (لا تمدن عينيك..) الآية، قاله الحسين بن الفضل وفي المراد ~~بالسبع المثاني أربعة أقوال: # أحدها: أنها فاتحة الكتاب، قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن ~~مسعود في رواية، وابن عباس في رواية الأكثرين عنه، وأبو هريرة، والحسن، ~~وسعيد بن جبير في رواية، ومجاهد في رواية، وعطاء، وقتادة في آخرين. فعلى ~~هذا، إنما سميت بالسبع، لأنها سبع آيات. # وفي تسميتها بالمثاني سبعة أقوال: # أحدها: لأن الله تعالى استثناها لأمة محمد [صلى الله عليه وسلم]، فلم ~~يعطها أمة قبلهم، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: لأنها تثنى في كل ركعة، رواه أبو صالح عن ابن ms1214 عباس. قال ابن ~~الأنباري: # والمعنى: آتيناك السبع الآيات التي تثنى في كل ركعة، وإنما دخلت " من " ~~للتوكيد، كقوله [تعالى]: (ولهم فيها من كل الثمرات). وقال ابن قتيبة: سمي " ~~الحمد " مثاني، لأنها تثنى في كل صلاة. # والثالث: لأنها ما أثنى به على الله تعالى، لأن فيها حمد الله وتوحيده ~~وذكر مملكته، ذكره الزجاج. # والرابع: لأن فيها " الرحمن الرحيم " مرتين، ذكره أبو سليمان الدمشقي عن ~~بعض اللغويين، وهذا على قول من يرى التسمية منها. PageV04P302 # والخامس: لأنها مقسومة بين الله تعالى وبين عبده، ويدل عليه حديث أبي ~~هريرة " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ". # والسادس: لأنها نزلت مرتين، ذكره الحسين بن الفضل. # والسابع: لأن كلماتها مثناة، مثل: الرحمن الرحيم، إياك إياك، الصراط ~~صراط، عليهم عليهم، غير غير، ذكره بعض المفسرين، ومن أعظم فضائلها أن الله ~~تعالى جعلها في حيز، والقرآن كله في حيز، وامتن عليه بها كما امتن عليه ~~بالقرآن كله. # والقول الثاني: أنها السبع الطول، قاله ابن مسعود في رواية، وابن عباس في ~~رواية، وسعيد بن جبير في رواية، ومجاهد في رواية، والضحاك. فالسبع الطول ~~هي: (البقرة)، و (آل عمران)، و (النساء)، و (المائدة)، و (الأنعام)، و ~~(الأعراف)، وفي السابعة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها (يونس)، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: (براءة) قاله أبو مالك. # والثالث: (الأنفال) و (براءة) جميعا، رواه سفيان عن مسعر عن بعض أهل ~~العلم، قال ابن قتيبة: وكانوا يرون (الأنفال) و (براءة) سورة واحدة، ولذلك ~~لم يفصلوا بينهما. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: هي الطول بضم الطاء، ولا ~~تقلها بالكسر، فعلى هذا، في تسميتها بالمثاني قولان: # أحدهما: لأن الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها، قاله ابن عباس. # والثاني: لأنها تجاوز المائة الأولى إلى المائة الثانية، ذكره الماوردي. # والقول الثالث: أن السبع المثاني سبع معان أنزلت في القرآن: أمر، ونهي، ~~وبشارة، وإنذار، وضرب الأمثال وتعداد النعم، وأخبار الأمم، قاله زياد بن ~~أبي مريم. # والقول الرابع: أن المثاني: القرآن كله، قاله طاوس، والضحاك، وأبو مالك، ~~فعلى هذا، في تسمية القرآن بالمثاني أربعة أقوال: ms1215 # أحدها: لأن بعض الآيات يتلو بعضا، فتثنى الآخرة على الأولى، ولها مقاطع ~~تفصل الآية بعد PageV04P303 # الآية حتى تنقضي السورة، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أنه سمي بالمثاني لما يتردد فيه من الثناء على الله عز وجل. # والثالث: لما يتردد فيه من ذكر الجنة، والنار، والثواب، والعقاب. # والرابع: لأن الأقاصيص، والأخبار، والمواعظ، والآداب، ثنيت فيه، ذكرهن ~~ابن الأنباري. # وقال ابن قتيبة: قد يكون المثاني سور القرآن كله، قصارها وطوالها، وإنما ~~سمي مثاني، لأن الأنباء والقصص تثنى فيه، فعلى هذا القول، المراد بالسبع: ~~سبعة أسباع القرآن، ويكون في الكلام إضمار، تقديره: وهي القرآن العظيم، ~~فأما قوله [تعالى] (من المثاني) ففي " من " قولان: # أحدهما: أنها للتبعيض، فيكون المعنى: آتيناك سبعا من جملة الآيات التي ~~يثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن. # والثاني: أنها للصفة، فيكون السبع هي المثاني، ومنه قوله [تعالى]: ~~(فاجتنبوا الرجس من الأوثان) لا أن بعضها رجس، ذكر الوجهين الزجاج، وقد ~~ذكرنا عن ابن الأنباري قريبا من هذا المعنى. # قوله تعالى: (والقرآن العظيم) يعني: العظيم القدر، لأنه كلام الله ~~[تعالى]، ووحيه، وفي المراد به هاهنا قولان: # أحدهما: أنه جميع القرآن. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: أنه الفاتحة أيضا، قاله أبو هريرة، وقد روينا فيه حديثا في أول ~~تفسير (الفاتحة). قال ابن الأنباري: فعلى القول الأول، يكون قد نسق الكل ~~على البعض، كما يقول العربي: رأيت جدار الدار والدار، وإنما يصلح هذا، لأن ~~الزيادة التي في الثاني من كثرة العدد أشبه بها ما يغاير الأول، فجوز ذلك ~~عطفه عليه. وعلى القول الثاني، نسق الشئ على نفسه لما زيد عليه معنى المدح ~~والثناء، كما قالوا: روي ذلك عن عمر، وابن الخطاب، يعنون بابن الخطاب: ~~الفاضل العالم الرفيع المنزلة، فلما دخلته زيادة، أشبه ما يغاير الأول، ~~فعطف عليه. # ولما ذكر الله تعالى منته عليه بالقرآن، نهاه عن النظر إلى الدنيا ~~ليستغني بما آتاه من القرآن عن الدنيا، فقال: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا ~~به أزواجا منهم) أي: أصنافا من اليهود والمشركين، ms1216 والمعنى: أنه نهاه عن ~~الرغبة في الدنيا، وفي قوله: (ولا تحزن عليهم) قولان: # أحدهما: لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا. PageV04P304 # والثاني: لا تحزن بما أنعمت عليهم في الدنيا. # قوله تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين) أي: ألن جانبك لهم، وخفض الجناح: ~~عبارة عن السكون وترك التصعب والإباء، قال ابن عباس: ارفق بهم ولا تغلظ ~~عليهم. # قوله تعالى: (وقل إني أنا النذير المبين) حرك ياء " إني " ابن كثير، وأبو ~~عمرو، ونافع. وذكر بعض المفسرين أن معناها منسوخ بآية السيف. # كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن عضين (91) فوربك ~~لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) قوله تعالى: (كما أنزلنا على ~~المقتسمين) في هذه الكاف قولان: # أحدهما: أنها متعلقة بقوله [تعالى]: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) ثم في ~~معنى الكلام قولان: # أحدهما: أن المعنى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني، كما أنزلنا الكتب على ~~المقتسمين، قاله مقاتل. # والثاني: أن المعنى: ولقد شرفناك وكرمناك بالسبع المثاني، كما شرفناك ~~وأكرمناك بالذي أنزلناه على المقتسمين من العذاب، والكاف بمعنى " مثل " و " ~~ما " بمعنى " الذي " ذكره ابن الأنباري. # والثاني: أنها متعلقة بقوله: (إني أنا النذير)، والمعنى: إني أنا النذير، ~~أنذرتكم مثل الذي أنزل على المقتسمين من العذاب، وهذا معنى قول الفراء. ~~فخرج في معنى " أنزلنا " قولان: # أحدهما: أنزلنا الكتب، فيه على قول مقاتل. # والثاني: العذاب، على قول الفراء، وفي " المقتسمين " ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~ومجاهد. # فعلى هذا، في تسميتهم بالمقتسمين ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم آمنوا ببعض القرآن، وكفروا ببعضه، رواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنهم اقتسموا القرآن، فقال بعضهم: هذه السورة لي، وقال آخر: هذه ~~السورة لي، PageV04P305 # استهزاء به، قاله عكرمة،. # والثالث: أنهم اقتسموا كتبهم، فآمن بعضهم ببعضها وكفر ببعضها، وآمن آخرون ~~بما كفر به غيرهم، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم مشركو قريش، قاله قتادة، وابن السائب، فعلى هذا في تسميتهم ~~بالمقتسمين قولان: # أحدهما: أن أقوالهم تقسمت في القرآن، فقال بعضهم: إنه سحر، وزعم بعضهم ~~أنه كهانة، وزعم بعضهم ms1217 أنه أساطير الأولين، منهم الأسود بن عبد يغوث، ~~والوليد بن المغيرة، وعدي بن قيس السهمي، والعاص بن وائل، قاله قتادة. # والثاني: أنهم اقتسموا على عقاب مكة، قال ابن السائب: هم رهط من أهل مكة ~~اقتسموا على عقاب مكة حين حضر الموسم، قال لهم الوليد بن المغيرة: انطلقوا ~~فتفرقوا على عقاب مكة حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عنه، يعني: رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم: ساحر، وبعضكم: شاعر، ~~وبعضكم: غاو، فإذا انتهوا إلي صدقتكم، ومنهم حنظلة بن أبي سفيان، وعتبة ~~وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاص بن هشام، وأبو قيس ~~بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أمية، وهلال بن عبد اسود، والسائب ~~بن صيفي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الحجاج، وأمية ~~بن خلف، وأوس بن المغيرة. # والثالث: أنهم قوم صالح الذين تقاسموا بالله: (لنبيتنه وأهله) فكفاه الله ~~شرهم، قاله عبد الرحمن بن زيد فعلى هذا هو من القسم، لا من القسمة. # قوله تعالى: (الذين جعلوا القرآن عضين) في المراد بالقرآن قولان: # أحدهما: أنه كتابنا، وهو الأظهر، وعليه الجمهور. # والثاني: أن المراد به: كتب المتقدمين قبلنا وفي " عضين " قولان: # أحدهما: أنه مأخوذ من الأعضاء. قال الكسائي، وأبو عبيدة: اقتسموا بالقرآن ~~وجعلوه أعضاء. # ثم فيما فعلوا فيه قولان: # أحدهما: أنهم عضوه أعضاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، والمعضي: المفرق، ~~والتعضية: تجزئة الذبيحة أعضاء، قال علي عليه السلام: لا تعضية في ميراث، ~~أراد: تفريق ما يوجب تفريقه ضررا على الورثة كالسيف، ونحوه وقال رؤبة: # وليس دين الله بالمعضى PageV04P306 # وهذا المعنى في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنهم عضوا القول فيه، أي: فرقوا، فقالوا: شعر، وقالوا: سحر، ~~وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين، وهذا المعنى في رواية ابن جريج عن ~~مجاهد، وبه قال قتادة، وابن زيد. # والثاني: أنه مأخوذ من العضه، والعضه، بلسان قريش: السحر، ويقولون ~~للساحرة: عاضهة. # وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن العاضهة ms1218 والمستعضهة، ~~فيكون المعنى: جعلوه سحرا، وهذا المعنى في رواية عكرمة عن ابن عباس، وبه ~~قال عكرمة، والفراء. # قوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) هذا سؤال توبيخ، ~~يسألون عن ما عملوا في ما أمروا به من التوحيد والإيمان، فيقال لهم: لم ~~عصيتهم وتركتم الإيمان؟ فتظهر فضيحتهم عند تعذر الجواب. قال أبو العالية: ~~يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا ~~المرسلين. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين قوله: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه ~~إنس ولا جان) فعنه جوابان: # أحدهما: أنه لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم، وإنما يقول: لم عملتم ~~كذا؟ رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنهم يسألون في بعض مواطن القيامة، ولا يسألون في بعضها، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: فامض لما تؤمر، قاله ابن عباس. # والثاني: أظهر أمرك، رواه ليث عن مجاهد، قال ابن قتيبة: " فاصدع بما تؤمر ~~" أي: أظهر ذلك. وأصله: الفرق والفتح، يريد: اصدع الباطل بحقك. وقال ~~الزجاج: اظهر بما تؤمر به، أخذ PageV04P307 # ذلك من الصديع، وهو الصبح، قال الشاعر: # كأن بياض غرته صديع وقال الفراء: إنما لم يقل: بما تؤمر به، لأنه أراد: ~~فاصدع بالأمر. وذكر ابن الأنباري أن " به " مضمرة، كما تقول: مررت بالذي ~~مررت. # والثالث: أن المراد به: الجهر بالقرآن في الصلاة، رواه ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد. قال موسى بن عبيدة: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا ~~حتى نزلت هذه الآية، فخرج هو وأصحابه. وفي قوله: (وأعرض عن المشركين) ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: اكفف عن حربهم. # والثاني: لا تبال بهم، ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار أمرك. # والثالث: أعرض عن الاهتمام باستهزائهم. وأكثر المفسرين على أن هذا القدر ~~من الآية منسوخ بآية السيف. # إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ~~(96) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك ms1219 وكن من ~~الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) قوله تعالى: (إنا كفيناك ~~المستهزئين) المعنى: فاصدع بأمري كما كفيتك المستهزئين، وهم قوم كانوا ~~يستهزئون به وبالقرآن، وفي عددهم قولان: # أحدهما: أنهم كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، وأبو زمعة، والأسود بن عبد ~~يغوث، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، قاله ابن عباس، واسم أبي زمعة: ~~الأسود بن المطلب. # وكذلك ذكرهم سعيد بن جبير، إلا أنه قال مكان الحارث بن قيس: الحارث بن ~~غيطلة، قال الزهري: غيطلة أمه، وقيس أبوه، فهو واحد، وإنما ذكرت ذلك، لئلا ~~يظن أنه غيره، وقد ذكرت في كتاب " التلقيح " من ينسب إلى أمه من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم، وسميت آباءهم ليعرفوا إلى أي الأبوين نسبوا. وفي ~~رواية عن ابن عباس مكان الحارث بن قيس: عدي بن قيس. PageV04P308 # والثاني: أنهم كانوا سبعة، قاله الشعبي، وابن أبي بزة، وعدهم ابن أبي ~~بزة، فقال: # العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، والحارث بن عدي، والأسود بن المطلب، ~~والأسود بن عبد يغوث، وأصرم وبعكك ابنا عبد الحارث بن السباق. وكذلك عدهم ~~مقاتل، إلا أنه قال مكان الحارث بن عدي: الحارث بن قيس السهمي، وقال: أصرم ~~وبعكك ابنا الحجاج بن السباق. # ذكر ما أهلكهم الله به فكفى رسوله صلى الله عليه وسلم أمرهم قال ~~المفسرون: أتى جبريل رسول الله، والمستهزئون يطوفون بالبيت، فمر الوليد بن ~~المغيرة، فقال جبريل: يا محمد، كيف تجد هذا؟ فقال: " بئس عبد الله "، قال: ~~قد كفيت، وأومأ إلى ساق الوليد، فمر الوليد برجل يريش نبلا له، فتعلقت شظية ~~من نبل بإزاره، فمنعه الكبر أن يطامن لينزعها، وجعلت تضرب ساقه، فمرض ومات. ~~وقيل: تعلق سهم بثوبه فأصاب أكحله فقطعه، فمات. ومر العاص بن وائل، فقال ~~جبريل: كيف تجد هذا يا محمد، فقال: " بئس عبد الله " فأشار إلى أخمص رجله، ~~وقال: قد كفيت، فدخلت شوكة في أخمصه، فانتفخت رجله ومات. ومر الأسود بن ~~المطلب، فقال: كيف تجد هذا؟ قال: " عبد سوء " فأشار بيده إلى عينيه، فعمي ~~وهلك. وقيل: جعل ينطح برأسه الشجر ms1220 ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه، ~~فقال: لا أرى أحدا يصنع بك هذا غير نفسك، فمات وهو يقول: قتلني رب محمد. ~~ومر الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ فقال: " بئس عبد الله "، ~~فقال: قد كفيت، وأشار إلى بطنه، فسقى بطنه، فمات. وقيل: أصاب عينه شوك، ~~فسالت حدقتاه، وقيل: خرج عن أهله فأصابه السموم، فاسود حتى عاد حبشيا، فلما ~~أتى أهله لم يعرفوه، فأغلقوا دونه الأبواب حتى مات. ومر به الحارث بن قيس، ~~فقال: كيف تجد هذا؟ قال: " عبد سوء " فأومأ إلى رأسه، وقال: قد كفيت، ~~فانتفخ رأسه فمات، وقيل: أصابه العطش، فلم يزل يشرب الماء حتى انقد بطنه، ~~وأما أصرم وبعكك، فقال مقاتل: أخذت أحدهما الدبيلة والآخر ذات الجنب، فماتا ~~جميعا قال عكرمة: # هلك المستهزئون قبل بدر. وقال ابن السائب: أهلكوا جميعا في يوم وليلة. # قوله تعالى: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) فيه قولان: # أحدهما: أنه التكذيب. # والثاني: الاستهزاء. # قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك) فيه قولان: # أحدهما: قل سبحان الله وبحمده، قاله الضحاك. PageV04P309 # والثاني: فصل بأمر ربك، قاله مقاتل وفي قوله: (وكن من الساجدين) قولان: # أحدهما: من المصلين. # والثاني: من المتواضعين رويا عن ابن عباس. # قوله تعالى: (حتى يأتيك اليقين) فيه قولان: # أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. وسمي يقينا، لأنه ~~موقن به. # وقال الزجاج: معنى الآية: اعبد ربك أبدا، ولو قيل: اعبد ربك، بغير توقيت، ~~لجاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعا، فلما قال: (حتى يأتيك اليقين) أمر ~~بالإقامة على العبادة ما دام حيا. # والثاني: أنه الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك، حكاه الماوردي. # [آخر الجزء الثاني من كتاب زاد المسير في علم التفسير يتلوه في [الجزء] ~~الثالث إن شاء الله تعالى سورة النحل وهذه منقولة من خط المصنف رضوان الله ~~عليه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، الحاج إدريس بن ~~عبد الله بن عبد الخالق الصوفي في المحرم من شهور سنة ست ms1221 وثمانين وستماية ~~من الهجرة حامدا لله ومصليا على رسوله محمد النبي وآله الطاهرين وصحبه ~~الكرام المنتجبين وسلم تسليما كثيرا]. PageV04P310 # (16) سورة النخل مكية وآياتها ثمان وعشرون ومائة فصل في نزولها روى ~~مجاهد، وعطية، وابن أبي طلحة عن ابن عباس: أنها مكية، وكذلك روي عن الحسن، ~~وعكرمة، وعطاء: أنها مكية [كلها] وقال ابن عباس في رواية: إنه نزل منها بعد ~~قتل حمزة: # (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقال في رواية: هي مكية إلا ثلاث ~~آيات نزلن بالمدينة، وهي قوله: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) إلى ~~قوله: (يعملون). وقال الشعبي: كلها مكية إلا قوله: (وإن عاقبتم...) إلى آخر ~~الآيات. وقال قتادة: هي مكية إلا خمس آيات: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا ~~قليلا...) الآيتين، ومن قوله: (وإن عاقبتم...) إلى آخرها. # وقال ابن السائب: هي مكية إلا خمس آيات: (والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا...) الآية، وقوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا...) ~~الآية وقوله: (وإن عاقبتم..) إلى آخرها. وقال مقاتل: مكية إلا سبع آيات، ~~قوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا...) الآية، وقوله: # (من كفر بالله من بعد إيمانه...) الآية، وقوله: (والذين هاجروا في ~~الله...) الآية، وقوله: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة...) الآية، وقوله: (وإن عاقبتم) إلى آخرها ~~قال جابر بن زيد: أنزل من أول النحل أربعون آية بمكة وبقيتها بالمدينة. ~~وروى حماد عن علي بن زيد قال: كان يقال لسورة النحل: سورة النعم يريد لكثرة ~~تعداد النعم فيها. # بسم الله الرحمن الرحيم أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (1) ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا ~~أنه لا إله إلا أنا PageV04P311 # خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) قوله تعالى: (أتى أمر ~~الله) قرأ حمزة، والكسائي بالإمالة. # سبب نزولها: أنه لما نزل قوله تعالى: (اقتربت الساعة)، فقال الكفار بعضهم ~~لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون ~~حتى ننظر، فلما رأوا أنه ms1222 لا ينزل شئ، قالوا: ما نرى شيئا، فأنزل الله ~~تعالى: (اقترب للناس حسابهم) فأشفقوا، وانتظروا قرب الساعة، فلما امتدت ~~الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به، فأنزل الله تعالى: # (أتى أمر الله)، فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفع الناس رؤوسهم، ~~فنزل: (فلا تستعجلوه) فاطمأنوا، قاله ابن عباس. # وفي قوله: (أتى) ثلاثة أقوال: # أحدها: أتى بمعنى: يأتي، كما يقال: أتاك الخير فأبشر، أي: سيأتيك، قاله ~~ابن قتيبة، وشاهده: (ونادى أصحاب الجنة)، (وإذ قال الله يا عيسى) ونحو ذلك. # والثاني: أتى بمعنى: قرب، قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن ذلك في قربه ~~بمنزلة ما قد أتى. # والثالث: أن " أتى " للماضي، والمعنى: أتى بعض عذاب الله، وهو: الجدب ~~الذي نزل بهم، والجوع. (فلا تستعجلوه) فينزل بكم مستقبلا كما نزل ماضيا، ~~قاله ابن الأنباري. # وفي المراد ب‍ " أمر الله " خمسة أقوال: # أحدها: أنها الساعة، وقد يخرج على قول ابن عباس الذي قدمناه، وبه قال ابن ~~قتيبة. # والثاني: خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس، ~~يعني: أن خروجه من أمارات الساعة. # وقال ابن الأنباري: أتى أمر الله من أشراط الساعة، فلا تستعجلوا قيام ~~الساعة. # والثالث: أنه الأحكام والفرائض، قاله الضحاك. # والرابع: عذاب الله، ذكره ابن الأنباري. # والخامس: وعيد المشركين، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (فلا تستعجلوه) أي: لا تطلبوه قبل حينه، (سبحانه) أي: تنزيه ~~له وبراءة من السوء عما يشركون به من الأصنام. PageV04P312 # قوله تعالى: (ينزل الملائكة) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ينزل) بإسكان ~~النون وتخفيف الزاي. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (ينزل) ~~بالتشديد، وروى الكسائي عن أبي بكر عن عاصم: (تنزل) بالتاء مضمومة، وفتح ~~الزاي مشددة. (الملائكة) رفع. قال ابن عباس: يريد بالملائكة جبريل عليه ~~السلام وحده. وفي المراد بالروح ستة أقوال: # أحدها: الوحي، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنه النبوة، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أن المعنى تنزل الملائكة بأمره، رواه العوفي عن ابن عباس. فعلى ~~هذا يكون ms1223 المعنى: أن أمر الله كله روح. قال الزجاج: الروح ما كان فيه من ~~أمر الله حياة النفوس بالإرشاد. # والرابع: أنه الرحمة، قاله الحسن، وقتادة. # والخامس: أنه أرواح الخلق: لا ينزل ملك إلا ومعه روح، قاله مجاهد. # والسادس: أنه القرآن، قاله ابن زيد. فعلى هذا سماه روحا، لأن الدين يحيا ~~به، كما أن الروح تحيي البدن. وقال بعضهم: الباء في قوله: (بالروح) بمعنى: ~~مع، فالتقدير: مع الروح، (من أمره) أي: بأمره، (على من يشاء من عباده) ~~يعني: الأنبياء، (أن أنذروا) قال الزجاج: # والمعنى: أنذروا أهل الكفر والمعاصي (أنه لا إله إلا أنا) أي: مروهم ~~بتوحيدي، وقال غيره: # أنذروا بأنه لا إله إلا أنا، أي: مروهم بالتوحيد مع تخويفهم إن لم يقروا. # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) قوله تعالى: (خلق الإنسان من ~~نطفة) قال المفسرون: أخذ أبي بن خلف عظما رميما، فجعل يفته ويقول: يا محمد ~~كيف يبعث الله هذا بعدما رم؟ فنزلت فيه هذه الآية. والخصيم: # المخاصم، والمبين: الظاهر الخصومة. # والمعنى: أنه مخلوق من نطفة، وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث، أفلا يستدل ~~بأوله على آخره، وأن من قدر على إيجاده أولا، يقدر على إعادته ثانيا؟! وفيه ~~تنبيه علي إنعام الله عليه حين نقله من حال ضعف النطفة إلى القوة التي ~~أمكنه معها الخصام. # والأنعام خلقها لكم فيها دف ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم PageV04P313 # لرؤف رحيم (7) قوله تعالى: (والأنعام خلقها لكم) الأنعام: الإبل، والبقر، ~~والغنم. # قوله تعالى: (لكم فيها دف ء) فيه قولان: # أحدهما: أنه ما استدفئ به من أوبارها تتخذ ثيابا، وأخبية، وغير ذلك. روى ~~العوفي عن ابن عباس أنه قال: يعني بالدف ء: اللباس، وإلى هذا المعنى ذهب ~~الأكثرون. # والثاني: أنه نسلها. روى عكرمة عن ابن عباس: (فيها دف ء) قال: الدف ء: ~~نسل كل دابة وذكر ابن السائب قال: يقال: الدف ء أولادها، ومن لا يحمل من ~~الصغار، ms1224 وحكى ابن فارس اللغوي عن الأموي، قال: الدف ء عند العرب: نتاج ~~الإبل وألبانها. # قوله تعالى: (ومنافع) أي: سوى الدف ء من الجلود، والألبان، والنسل، ~~والركوب، والعمل عليها، إلى غير ذلك، (ومنها تأكلون) يعني: من لحوم ~~الأنعام. # قوله تعالى: (ولكم فيها جمال) أي: زينة، (حين تريحون) أي: حين تردونها ~~إلى مراحلها، وهو المكان الذي تأوي إليه، فترجع عظام الضروع والأسنمة، ~~فيقال: هذا مال فلان، (حين تسرحون): ترسلونها بالغداة إلى مراعيها. # فإن قيل: لم قدم الرواح وهو مؤخر؟ # فالجواب: أنها في حال الرواح تكون أجمل، لأنها قد رعت، وامتلأت ضروعها، ~~وامتدت أسنمتها. # قوله تعالى: (وتحمل أثقالكم) الإشارة بهذا إلى ما يطيق الحمل منها، ~~والأثقال: جمع ثقل، وهو متاع المسافر. وفي قوله تعالى: (إلى بلد) قولان: # أحدهما: أنه عام في كل بلد يقصده المسافر، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أن المراد به: مكة، قاله عكرمة، والأول أصح، والمعنى: أنها ~~تحملكم إلى كل بلد تكلفتم أنتم بلوغه لم تبلغوه إلا بشق الأنفس. وفي معنى " ~~شق الأنفس " قولان: # أحدهما: أنه المشقة، قاله الأكثرون. قال ابن قتيبة: يقال: نحن بشق من ~~العيش، أي: # بجهد، وفي حديث أم زرع: " وجدني في أهل غنيمة بشق ". PageV04P314 # والثاني: أن الشق: النصف، فكان الجهد ينقص من قوة الرجل ونفسه كأنه قد ~~ذهب نصفه، ذكره الفراء. # قوله تعالى: (إن ربكم لرؤوف رحيم) أي: حين من عليكم بالنعم التي فيها هذه ~~المرافق. # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون (8) قوله ~~تعالى: (والخيل) أي: وخلق الخيل (والبغال والحمير لتركبوها وزينة) قال ~~الزجاج: # المعنى: وخلقها زينة. # فصل ويجوز أكل لحم الخيل، وإنما لم يذكر في الآية، لأنه ليس هو المقصود، ~~وإنما معظم المقصود بها الركوب والزينة، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك: لا تؤكل لحوم الخيل. # قوله تعالى: (ويخلق مالا تعلمون) ذكر قوم من المفسرين: أن المراد به ~~عجائب المخلوقات في السماوات والأرض التي لم يطلع عليها، مثل ما يروى: أن ~~لله ملكا من صفته كذا، وتحت العرش نهر من صفته كذا. وقال ms1225 قوم. هو ما أعد ~~الله لأهل الجنة فيها، ولأهل النار. وقال أبو سليمان الدمشقي: في الناس من ~~كره تفسير هذا الحرف. وقال الشعبي: هذا الحرف من أسرار القرآن. # وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) هو الذي أنزل ~~من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ~~(11) قوله تعالى: (وعلى الله قصد السبيل) القصد: استقامة الطريق، يقال: ~~طريق قصد وقاصد: # إذا قصد بك ما تريد. قال الزجاج: المعنى: وعلى الله تبيين الطريق ~~المستقيم، والدعاء إليه بالحجج والبرهان. # قوله تعالى: (ومنها جائر) قال أبو عبيدة: السبيل لفظه لفظ الواحد، وهو في ~~موضع الجميع، فكأنه قال: ومن السبل سبيل جائر. قال ابن الأنباري: لما ذكر ~~السبيل، دل على السبل، فلذلك PageV04P315 # قال: (ومنها جائر) كما دل الحدثان على الحوادث في قول العبدي: # ولا يبقى على الحدثان حي * فهل يبقى عليهن السلام أراد: فهل يبقى على ~~الحوادث، والسلام: الصخور، قال: ويجوز أن يكون إنما قال: (ومنها) لأن ~~السبيل تؤنث وتذكر، فالمعنى: من السبيل جائر. وقال ابن قتيبة: المعنى: ومن ~~الطرق جائر لا يهتدون فيه، والجائر: العادل عن القصد، قال ابن عباس: (ومنها ~~جائر) الأهواء المختلفة. وقال ابن المبارك: الأهواء والبدع. # قوله تعالى: (هو الذي أنزل من السماء ماء) يعني: المطر (لكم منه شراب) ~~وهو ما تشربونه، (ومنه شجر) ذكر ابن الأنباري في معناه قولين. # أحدهما: ومنه سقي شجر، وشرب شجر، فخلف المضاف إليه المضاف، كقوله: ~~(وأشربوا في قلوبهم العجل). # والثاني: أن المعنى: ومن جهة الماء شجر، ومن سقيه شجر، ومن ناحيته شجر، ~~فحذف الأول، وخلفه الثاني، قال زهير: # لمن الديار بقنة الحجر * أقوين من حجج ومن شهر أي: من ممر حجج. قال ابن ~~قتيبة: والمراد بهذه الشجر: المرعى. وقال الزجاج: كل ما نبت على الأرض فهو ~~شجر، قال الشاعر يصف الخيل: # يعلفها اللحم إذا عز الشجر * والخيل في إطعامها اللحم ضرر يعني: أنهم ~~يسقون ms1226 الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض. و (تسيمون) بمعنى: ترعون، يقال: # سامت الإبل فهي سائمة: إذا رعت، وإنما أخذ ذلك من السومة، وهي: العلامة، ~~وتأويلها: أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات. # قوله تعالى: (ينبت لكم به الزرع) وروى أبو بكر عن عاصم: " ننبت " بالنون. ~~قال ابن عباس: يريد الحبوب، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: (والنجوم ~~مسخرات بأمره) قال الأخفش: المعنى: وجعل النجوم مسخرات، فجاز إضمار فعل غير ~~الأول، لأن هذا المضمر في المعنى مثل المظهر، وقد تفعل العرب أشد من هذا، ~~قال الراجز: # تسمع في أجوافهن صردا * وفي اليدين جسأة وبددا PageV04P316 # المعنى: وترى في اليدين. والجسأة: اليبس. والبدد: السعة. وقال غيره: قوله ~~تعالى: # (مسخرات) حال مؤكدة، لأن تسخيرها قد عرف بقوله تعالى: (وسخر) وقرأ ابن ~~عامر: والشمس والقمر والنجوم مسخرات، رفعا كله، وروى حفص عن عاصم: بالنصب، ~~كالجمهور، إلا قوله تعالى: (والنجوم مسخرات) فإنه رفعها. # وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية ~~لقوم يذكرون (13) وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) ~~وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلامات ~~وبالنجم هم يهتدون (16) قوله تعالى: (وما ذرأ لكم) أي: وسخر ما ذرأ لكم. ~~وذرأ بمعنى: خلق. و (سخر البحر) أي: ذلله للركوب والغوص فيه (لتأكلوا منه ~~لحما طريا) يعني: السمك (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) يعني: الدر، ~~واللؤلؤ، والمرجان، وفي هذا دلالة على أن حالفا لو حلف: لا يلبس حليا، فلبس ~~لؤلؤا، أنه يحنث، وقال أبو حنيفة: لا يحنث. # قوله تعالى: (وترى الفلك) يعني: السفن. وفي معنى (مواخر) قولان: # أحدهما: جواري، قاله ابن عباس. قال اللغويون: يقال: مخرت السفينة مخرا: ~~إذا شقت الماء في جريانها. # والثاني: المواخر، يعني: المملوءة، قاله الحسن. وفي قوله تعالى: ~~(ولتبتغوا من فضله) قولان: # أحدهما: بالركوب فيه للتجارة ابتغاء الربح ms1227 من فضل الله؟! # والثاني: بما تستخرجون من حليته، وتصيدون من حيتانه، قال ابن الأنباري: ~~وفي دخول الواو في قوله تعالى: (ولتبتغوا من فضله) وجهان: PageV04P317 # أحدهما: أنها معطوفة على لام محذوفة تقديره: وترى الفلك مواخر فيه ~~لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا. # والثاني: أنها دخلت لفعل مضمر، تقديره: وفعل ذلك لكي تبتغوا. # قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي) أي: نصب فيها جبالا ثوابت (أن تميد) ~~أي: لئلا تميد، وقال الزجاج: كراهة أن تميد، يقال: ماد الرجل يميد ميدا: ~~إذا أدير به، وقال ابن قتيبة: # الميد: الحركة والميل، يقال: فلان يميد في مشيته، أي: يتكفأ. # قوله تعالى: (وأنهارا) قال الزجاج: المعنى: وجعل فيها سبلا، لأن معنى " ~~ألقى ": " جعل "، فأما السبل، فهي الطرق، (ولعلكم تهتدون) أي: لكي تهتدوا ~~إلى مقاصدكم. # قوله تعالى: (وعلامات) فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها معالم الطرف بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنها النجوم أيضا، منها ما يكون علامة لا يهتدى به، ومنها ما ~~يهتدى به، قاله مجاهد، وقتادة، والنخعي. # والثالث: الجبال، قاله ابن السائب، ومقاتل وفي المراد بالنجم أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدي، قاله السدي. # والثاني: أنه الجدي، والفرقدان، قاله ابن السائب. # والثالث: أنه الجدي وحده، لأنه أثبت النجوم كلها في مركزه، ذكره ~~الماوردي. # والرابع: أنه اسم جنس، والمراد جميع النجوم، قاله الزجاج. وقرأ الحسن، ~~والضحاك، وأبو المتوكل، ويحيى بن وثاب: " وبالنجم " بضم النون وإسكان ~~الجيم، وقرأ الجحدري: # " وبالنجم " بضم النون والجيم، وقرأ مجاهد: " وبالنجوم " بواو على الجمع. ~~وفي المراد بهذا الاهتداء قولان: # أحدهما: الاهتداء إلى القبلة. # والثاني: إلى الطريق في السفر. # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) قوله تعالى: ~~(أفمن يخلق كمن لا يخلق) يعني: الأوثان، وإنما عبر عنها ب‍ " من " لأنهم ~~نحلوها العقل والتمييز، (أفلا تذكرون) يعني: المشركين، يقول: أفلا تتعظون ~~كما اتعظ المؤمنون؟ PageV04P318 # قال الفراء: وإنما جاز أن يقول: (كمن لا يخلق)، ms1228 لأنه ذكر مع الخالق، ~~كقوله: (فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين)، والعرب تقول: ~~اشتبه علي الراكب وجمله، فما أدري من ذا من ذا، لأنهم لما جمعوا بين ~~الإنسان وغيره، صلحت " من " فيهما جميعا. # قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) قد فسرناه في [سورة] ~~إبراهيم. # قوله تعالى: (إن الله لغفور) أي: لما كان منكم من تقصيركم في شكر نعمه ~~(رحيم) بكم إذا لم يقطعها عنكم بتقصيركم. # قوله تعالى: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون) روى عبد الوارث، إلا ~~القزاز " يسرون " و " يعلنون " بالياء. # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) قوله تعالى: (والذين تدعون من دون الله) ~~قرأ عاصم: يدعون، بالياء. # قوله تعالى: (أموات غير أحياء) يعني: الأصنام. قال الفراء: ومعنى الأموات ~~هاهنا: أنها لا روح فيها. قال الأخفش: وقوله: (غير أحياء) توكيد.. # قوله تعالى: (وما يشعرون أيان يبعثون) " أيان " بمعنى: " متى ". وفي ~~المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنها الأصنام، عبر عنها كما يعبر عن الآدميين. قال ابن عباس: ~~وذلك أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها، فيتبرؤون من ~~عبادتهم، ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار. # الثاني: أنهم الكفار، لا يعلمون متى بعثهم، قاله مقاتل. # إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) ~~لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) وإذا ~~قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم كاملة ~~يوم القيامة ومن أوزار الذين PageV04P319 # يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون (26) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركاءي الذين كنتم تشاقون ~~فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) قوله ~~تعالى: (إلهكم إله واحد) قد ذكرناه في سورة (البقرة). # قوله تعالى: (فالذين لا يؤمنون بالآخرة) أي: ms1229 بالبعث والجزاء (قلوبهم ~~منكرة) أي: جاحدة لا تعرف التوحيد (وهم مستكبرون) أي: ممتنعون من قبول ~~الحق. # قوله تعالى: (لا جرم) قد فسرناه في (هود)، ومعنى الآية: أنه يجازيهم ~~بسرهم وعلنهم، لأنه يعلمه، والمستكبرون: المتكبرون عن التوحيد والإيمان. ~~وقال مقاتل: " ما يسرون " حين بعثوا في كل طريق من يصد الناس عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، " وما يعلنون " حين أظهروا العداوة لرسول الله. # قوله تعالى: (وإذا قيل لهم) يعني: المستكبرين (ماذا أنزل ربكم) على محمد ~~صلى الله عليه وسلم؟ قال الزجاج: " ماذا " بمعنى " ما الذي ". و (أساطير ~~الأولين) مرفوعة على الجواب، كأنهم قالوا: الذي أنزل: أساطير الأولين، أي: ~~الذي تذكرون أنتم أنه منزل أساطير الأولين. وقد شرحنا معنى الأساطير في ~~[سورة] الأنعام. قال مقاتل: الذين بعثهم الوليد بن المغيرة في طرق مكة ~~يصدون الناس عن الإيمان، ويقول بعضهم: إن محمدا ساحر، ويقول بعضهم: شاعر، ~~وقد شرحنا هذا المعنى في الحجر: في ذكر المقتسمين. # قوله تعالى: (ليحملوا أوزارهم) هذه لام العاقبة، وقد شرحناها في غير ~~موضع، والأوزار: # الآثام، وإنما قال: كاملة، لأنه لم يكفر منها شئ بما يصيبهم من نكبة، أو ~~بلية، كما يكفر عن المؤمن، (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) أي: أنهم ~~أضلوهم بغير دليل، وإنما حملوا من أوزار الأتباع، لأنهم كانوا رؤساء يقتدى ~~بهم في الضلالة، وقد ذكر ابن الأنباري في " من " وجهين. # أحدهما: أنها للتبعيض، فهم يحملون ما شركوهم فيه، فأما ما ركبه أولئك ~~باختيارهم من غير تزيين هؤلاء، فلا يحملونه، فيصح معنى التبعيض. # والثاني: أن " من " مؤكدة، والمعنى: وأوزار الذين يضلونهم. (ألا ساء ما ~~يزرون) أي: بئس PageV04P320 # ما حملوا على ظهورهم. # قوله تعالى: (قد مكر الذين من قبلهم) قال المفسرون: يعني به: النمرود بن ~~كنعان، وذلك أنه بنى صرحا طويلا، واختلفوا في طوله، فقال ابن عباس: خمسة ~~آلاف ذراع، وقال مقاتل: كان طوله فرسخين، قالوا: ورام أن يصعد إلى السماء ~~ليقاتل أهلها بزعمه. ومعنى " المكر " هاهنا: # التدبير الفاسد: وفي الهاء والميم من " قبلهم " قولان: # أحدهما: أنها ms1230 للمقتسمين على عقاب مكة، قاله ابن السائب. # والثاني: لكفار مكة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (فأتى الله بنيانهم من القواعد) أي: من الأساس. قال ~~المفسرون: أرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر، وخر عليهم الباقي. # قال السدي: لما سقط الصرح، تبلبلت ألسن الناس من الفزع، فتكلموا بثلاثة ~~وسبعين لسانا، فلذلك سميت " بابل " وإنما كان لسان الناس قبل ذلك ~~بالسريانية، وهذا قول مردود، لأن التبلبل يوجب الاختلاط والتكلم بشئ غير ~~مستقيم، فأما ان يوجب إحداث لغة مضبوطة الحواشي، فباطل، وإنما اللغات تعليم ~~من الله تعالى. # فإن قيل: إذا كان الماكر واحدا، فكيف قال: " الذين " ولم يقل: " الذي "؟ ~~فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه كان الماكر ملكا له أتباع، فأدخلوا معه في الوصف. # والثاني: أن العرب توقع الجمع على الواحد، فيقول قائلهم: خرجت إلى البصرة ~~على البغال، وإنما خرج على بغل واحد. # والثالث: أن " الذين " غير موقع على واحد معين، لكنه يراد به: قد مكر ~~الجبارون الذين من قبلهم، فكان عاقبة مكرهم رجوع البلاء عليهم، ذكر هذه ~~الأجوبة ابن الأنباري. قال: وذكر بعض العلماء: أنه إنما قال: " من فوقهم " ~~لينبه على أنهم كانوا تحته، إذ لو لم يقل ذلك، لاحتمل أنهم لم يكونوا تحته، ~~لأن العرب تقول: سقط علينا البيت، وخر علينا الحانوت، وتداعت علينا الدار، ~~وليسوا تحت ذلك. # قوله تعالى: (وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) أي: من حيث ظنوا أنهم ~~آمنوا فيه. قال السدي: أخذوا من مأمنهم، وروى عطية عن ابن عباس قال: خر ~~عليهم عذاب من السماء وعامة المفسرين على ما حكيناه من أنه بنيان سقط. وقال ~~ابن قتيبة: هذا مثل، والمعنى: أهلكهم الله، PageV04P321 # كما هلك من هدم مسكنه من أسفله، فخر عليه. # قوله تعالى: (ثم يوم القيامة يخزيهم) أي: يذلهم بالعذاب. (ويقول أين ~~شركائي) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، " شركائي ~~الذين " بهمزة وفتح الياء، وقال البزي عن ابن كثير: " شركاي " مثل: هداي، ~~والمعنى: أين شركائي على زعمكم؟ هلا دفعوا عنكم!. (الذين كنتم تشاقون فيهم) ~~أي: ms1231 تخالفون المسلمين فتعبدونهم وهم يعبدون الله، وقرأ نافع: " تشاقون " ~~بكسر النون، أراد: تشاقونني، فحذف النون الثانية، وأبقى الكسرة تدل عليها، ~~والمعنى: كنتم تنازعونني فيهم، وتخالفون أمري لأجلهم. # قوله تعالى: (قال الذين أوتوا العلم) فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الملائكة، قاله ابن عباس. # والثاني: الحفظة من الملائكة، قاله مقاتل. # والثالث: أنهم المؤمنون. # فأما " الخزي " فقد شرحناه في مواضع و " السوء " هاهنا: العذاب. # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ~~بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فلبئس مثوى المتكبرين (29) قوله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم) قال عكرمة: هؤلاء قوم كانوا بمكة أقروا بالإسلام ولم يهاجروا، ~~فأخرجهم المشركون كرها إلى بدر، فقتل بعضهم، وقد شرحنا هذا في سورة ~~(النساء). # قوله تعالى: (فألقوا السلم) قال ابن قتيبة: انقادوا واستسلموا، والسلم: ~~الاستسلام. قال المفسرون: وهذا عند الموت يتبرؤون من الشرك، وهم قولهم: (ما ~~كنا نعمل من سوء) وهو الشرك، فترد عليهم الملائكة فتقول: " بلى ". وقيل: ~~هذا رد خزنة جهنم عليهم (بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون) من الشرك ~~والتكذيب. ثم يقال لهم: ادخلوا أبواب جهنم، وقد سبق تفسير ألفاظ الآية. ~~PageV04P322 # * وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات عدن يدخلونها ~~تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين (31) ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون (32) قوله تعالى: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم) روى أبو صالح ~~عن ابن عباس أن مشركي قريش بعثوا ستة عشر رجلا إلى عقاب مكة أيام الحج على ~~طريق الناس، ففرقوهم على كل عقبة أربعة رجال، ليصدوا الناس عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا لهم: من أتاكم من الناس يسألكم عن محمد فليقل ~~بعضكم: شاعر، وبعضكم: كاهن، وبعضكم: مجنون، وألا تروه ولا يراكم خير لكم، ~~فإذا انتهوا إلينا، صدقناكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى ms1232 الله عليه وسلم، فبعث ~~إلى كل أربعة منهم أربعة من المسلمين، فيهم عبد الله بن مسعود، فأمروا أن ~~يكذبوهم، فكان الناس إذا مروا على المشركين، فقالوا ما قالوا، رد عليهم ~~المسلمون، وقالوا: كذبوا، بل يدعو إلى الحق، ويأمر بالمعروف، وينهى عن ~~المنكر، ويدعو إلى الخير، فيقولون: وما هذا الخير الذي يدعوا إليه؟ ~~فيقولون: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة). # قوله تعالى: (قالوا خيرا) أي: أنزل خيرا، ثم فسر ذلك الخير فقال: (للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا) قالوا: لا إله إلا الله، وأحسنوا العمل (حسنة) أي: ~~كرامة من الله تعالى في الآخرة، وهي الجنة، وقيل: " للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة " في الدنيا وهي ما رزقهم من خيرها وطاعته فيها، (ولدار ~~الآخرة) يعني: الجنة (خير) من الدنيا. وفي قوله تعالى: (ولنعم دار المتقين) ~~قولان: # أحدهما: أنها الجنة، قاله الجمهور. قال ابن الأنباري: في الكلام محذوف، ~~تقديره: ولنعم دار المتقين الآخرة، غير أنه لما ذكرت أولا، عرف معناها ~~آخرا، ويجوز أن يكون المعنى: ولنعم دار المتقين جنات عدن. # والثاني: أنها الدنيا. قال الحسن: ولنعم دار المتقين الدنيا، لأنهم نالوا ~~بالعمل فيها ثواب الآخرة. # قوله تعالى: (جنات عدن) قد شرحناه في (براءة). # قوله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة) وقرأ حمزة " يتوفاهم " بياء مع ~~الإمالة. وفي معنى PageV04P323 # " طيبين " خمسة أقوال: # أحدها: مؤمنين. # والثاني: طاهرين من الشرك. # والثالث: زاكية أفعالهم وأقوالهم. # والرابع: طيبة وفاتهم سهل خروج أرواحهم. # والخامسة طيبة أنفسهم بالموت، ثقة بالثواب. # قوله تعالى: (يقولون) يعني الملائكة (سلام عليكم) وفي أي: وقت يكون هذا ~~السلام؟ فيه قولان: # أحدهما: عند الموت. قال البراء بن عازب: يسلم عليه ملك الموت إذا دخل ~~عليه. وقال القرظي: ويقول له: الله عز وجل يقرأ عليك السلام، ويبشره ~~بالجنة. # والثاني: عند دخول الجنة. قال مقاتل: هذا قول خزنة الجنة لهم في الآخرة. ~~يقولون: سلام عليكم. # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما ~~عملوا ms1233 وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (34) قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة) وقرأ حمزة، والكسائي " يأتيهم " بالياء، وهذا تهديد ~~للمشركين، وقد شرحناه في [سورة] البقرة: وآخر سورة الأنعام: وفي قوله ~~تعالى: (أو يأتي أمر ربك) قولان: # أحدهما: أمر الله فيهم، قاله ابن عباس. # والثاني: العذاب في الدنيا، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (كذلك فعل الذين من قبلهم) يريد: كفار الأمم الماضية، كذبوا ~~كما كذب هؤلاء. (وما ظلمهم الله) بإهلاكهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)، ~~بالشرك (فأصابهم سيئات ما PageV04P324 # عملوا) أي: جزاؤها، قال ابن عباس: جزاء ما عملوا من الشرك، (وحاق بهم) قد ~~بيناه في [سورة] الأنعام، والمعنى: أحاط بهم (ما كانوا به يستهزئون) من ~~العذاب. # وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلى البلاغ ~~المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين (36) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما ~~لهم من ناصرين (37) قوله تعالى: (وقال الذين أشركوا) يعني: كفار مكة (ولو ~~شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ) يعني: الأصنام، أي: لو شاء ما أشركنا ولا ~~حرمنا من دونه من شئ من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، والحرث، وذلك ~~أنه لما نزل (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) قالوا هذا، على سبيل الاستهزاء، ~~لا على سبيل الاعتقاد، وقيل: معنى كلامهم: لو لم يأمرنا بهذا ويرده منا، لم ~~نأته. # قوله تعالى: (كذلك فعل الذين من قبلهم) أي: من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل ~~الله، (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) يعني: ليس عليهم إلا التبليغ، ~~فأما الهداية، فهي إلى الله تعالى، وبين ذلك بقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا) أي: كما بعثناك في هؤلاء (أن اعبدوا الله) أي: وحدوه (واجتنبوا ~~الطاغوت) وهو الشيطان ms1234 (فمنهم من هدى الله) أي: أرشده (ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة) أي: وجبت في سابق علم الله، فأعلم الله عز وجل أنه إنما بعث الرسل ~~بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية، (فسيروا في الأرض) أي: ~~معتبرين بآثار الأمم المكذبة، ثم أكد ان من حقت عليه الضلالة لا يهتدي، ~~فقال: (إن تحرص على هداهم) أي: # [إن] تطلب هداهم بجهدك (فإن الله لا يهدي من يضل) قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، ونافع، وابن عامر، " لا يهدى " برفع الياء وفتح الدال، والمعنى: من ~~أضله، فلا هادي له، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " يهدي " بفتح الياء وكسر ~~الدال، ولم يختلفوا في " يضل " أنها بضم الياء وكسر الضاد، PageV04P325 # وهذه القراءة تحتمل معنيين، ذكرهما ابن الأنباري. # إحداهما: لا يهدي من طبعه ضالا، وخلقه شقيا. # والثاني: لا يهدي، أي: لا يهتدي من أضله، أي: من أضله الله لا يهتدي، ~~فيكون معنى يهدي، يهتدي، تقول العرب: قد هدى فلان الطريق، يريدون: اهتدى. # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا ~~أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~(40) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) قوله ~~تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) سبب نزولها أن رجلا من المسلمين كان له ~~على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه ~~بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت؟! فأقسم بالله (لا ~~يبعث الله من يموت)، فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. # و (جهد أيمانهم) مفسر في المائدة. وقوله: (بلى) رد عليهم، قال الفراء: ~~والمعنى: # (بلى) ليبعثنهم (وعدا عليه حقا). # قوله تعالى: (ليبين لهم الذي يختلفون فيه) قال الزجاج: يجوز أن يكون ~~متعلقا بالبعث، فيكون المعنى: بلى يبعثهم فيبين لهم، ويجوز أن يكون متعلقا ~~بقوله تعالى: ms1235 (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) ليبين لهم. # وللمفسرين في قوله (ليبين لهم) قولان: # أحدهما: أنهم جميع الناس، قاله قتادة. # والثاني أنهم المشركون، يبين لهم بالبعث ما خالفوا المؤمنين فيه. # قوله تعالى: (أنهم كانوا كاذبين) أي: فيما أقسموا عليه من نفي البعث. ثم ~~أخبر بقدرته PageV04P326 # على البعث بقوله: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة " فيكون " رفعا، وكذلك في كل ~~القرآن. وقرأ ابن عامر، والكسائي " فيكون " نصبا. قال مكي بن إبراهيم: من ~~رفع، قطعه عما قبله، والمعنى: فهو يكون، ومن نصب، عطفه على " يقول "، وهذا ~~مثل قوله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)، وقد فسرناه في البقرة. # فإن قيل: كيف سمي الشئ قبل وجوده شيئا؟. # فالجواب: أن الشئ وقع على المعلوم عند الله قبل الخلق، لأنه بمنزلة ما قد ~~عوين وشوهد. # قوله تعالى: (والذين هاجروا في الله) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلال، ~~وعمار، وصهيب، وخباب بن الأرت، وعايش وجبر موليان لقريش، أخذهم أهل مكة ~~فجعلوا يعذبونهم، ليردوهم عن الإسلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو، قاله داود بن أبي هند. # والثالث: أنهم جميع المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قاله قتادة. ومعنى " هاجروا في الله "، أي: في طلب رضاه وثوابه (من بعد ما ~~ظلموا) بما نال المشركون منهم، (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) وفيها خمسة ~~أقوال: # أحدها: لننزلنهم المدينة، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، والشعبي، وقتادة، فيكون المعنى: لنبوئنهم دارا حسنة وبلدة حسنة. # والثاني: لنرزقنهم في الدنيا الرزق الحسن، قاله مجاهد. # والثالث: النصر على العدو، قاله الضحاك. # والرابع: أنه ما بقي بعدهم من الثناء الحسن، وصار لأولادهم من الشرف، ~~ذكره الماوردي، وقد روي معناه عن مجاهد، فروى عنه ابن أبي نجيح أنه قال: ~~(لنبوئنهم ms1236 في الدنيا حسنة) قال: # لسان صادق. # والخامس: أن المعنى: لنحسنن إليهم في الدنيا، قال بعض أهل المعاني: فتكون ~~على هذه الأقوال " لنبوئنهم "، على سبيل الاستعارة، إلا على القول الأول. # قوله تعالى: (ولأجر الآخرة أكبر) قال ابن عباس: يعني: الجنة، (لو كانوا ~~يعلمون) يعني: # أهل مكة. PageV04P327 # ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان إذا أعطى الرجل من ~~المهاجرين عطاءه، قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، ~~وما ذخر لك في الآخرة أفضل، ثم يتلو هذه الآية. # ثم إن الله أثنى عليهم ومدحهم بالصبر فقال: (الذين صبروا) أي: على دينهم، ~~لم يتركوه لأذى نالهم، وهم في ذلك واثقون بربهم. # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون (44) قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) قال ~~المفسرون: لما أنكر مشركو قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله ~~أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا! فنزلت هذه الآية، ~~والمعنى: أن الرسل كانوا مثلك آدميين، إلا أنهم يوحى إليهم، وقرأ حفص عن ~~عاصم: " نوحي " بالنون وكسر الحاء. (فاسألوا) يا معشر المشركين (أهل الذكر) ~~وفيهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أهل التوراة والإنجيل، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أهل التوراة، قاله مجاهد. # والثالث: أهل القرآن، قاله ابن زيد. # والرابع: العلماء بأخبار من سلف، ذكره الماوردي. وفي قوله تعالى: (إن ~~كنتم لا تعلمون) قولان: # أحدهما: لا تعلمون أن الله تعالى بعث رسولا من البشر. # والثاني: لا تعلمون أن محمدا رسول الله، فعلى القول الأول، جائز أن يسأل ~~من آمن برسول الله ومن كفر، لأن أهل الكتاب والعلم بالسير متفقون على أن ~~الأنبياء كلهم من البشر، وعلى الثاني إنما يسأل من آمن من أهل الكتاب، وقد ~~روي عن مجاهد (فاسألوا أهل الذكر) قال: عبد الله بن سلام، وعن قتادة، قال: ~~سليمان الفارسي. # قوله تعالى: ms1237 (بالبينات والزبر) في هذه " الباء " قولان: # أحدهما: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا أرسلناهم بالبينات. والزبر: الكتب. وقد شرحنا هذا في آل عمران. ~~PageV04P328 # قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر) وهو القرآن بإجماع المفسرين (لتبين ~~للناس ما نزل إليهم) [فيه] من حلال وحرام، ووعد ووعيد (ولعلهم يتفكرون) في ~~ذلك فيعتبرون. # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على ~~تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (47) قوله تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات) قال ~~المفسرون: أراد مشركي مكة. ومكرهم السيئات: شركهم وتكذيبهم، وسمي ذلك مكرا، ~~لأن المكر في اللغة: السعي بالفساد، وهذا استفهام إنكار، ومعناه: ينبغي أن ~~لا يأمنوا العقوبة، وكان مجاهد يقول: عنى بهذا الكلام نمرود بن كنعان. # قوله تعالى: (أو يأخذهم في تقلبهم) فيه أربعة أقوال: # أحدها: في أسفارهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثاني: في منامهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: في ليلهم ونهارهم، قاله الضحاك، وابن جريج، ومقاتل. # والرابع: أنه جميع ما يتقلبون فيه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (أو يأخذهم على تخوف) فيه قولان: # أحدهما: على تنقص، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. قال ابن قتيبة: ~~التخوف: # التنقص، ومثله التخون. يقال: تخوفته الدهور وتخونته: إذا نقصته وأخذت من ~~ماله وجسمه. وقال الهيثم بن عدي: التخوف: التنقص، بلغة أزد شنوءة. # ثم في هذا التنقص ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تنقص من أعمالهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أخذ واحد بعد واحد، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: تنقص أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم، قاله الزجاج. PageV04P329 # والثاني: أنه التخوف نفسه، ثم فيه قولان: # أحدهما: يأخذهم على خوف أن يعاقب أو يتجاوز، قاله قتادة. # والثاني: أنه يأخذ قرية لتخاف القرية الأخرى، قاله الضحاك. وقال الزجاج: ~~يأخذهم بعد أن يخيفهم بأن يهلك قرية فتخاف التي التي تليها، فعلى هذا خوفهم ~~قبل هلاكهم، فلم يتوبوا، فاستحقوا العذاب. # قوله تعالى: (فإن ربكم ms1238 لرؤوف رحيم) إذ لم يعجل بالعقوبة، وأمهل للتوبة. # أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيئ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا ~~لله وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(50) قوله تعالى: (أولم يروا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~" أولم يروا " بالياء وقرأ حمزة، والكسائي: " تروا " بالتاء، واختلف عن ~~عاصم. # قوله تعالى: (إلى ما خلق الله من شئ) أراد من شئ له ظل، من جبل، أو شجر، ~~أو جسم قائم (يتفيأ) قرأ الجماعة بالياء، وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتاء ~~(ضلاله) وهو جمع ظل، وإنما جمع وهو مضاف إلى واحد، لأنه واحد يراد به ~~الكثرة، كقوله تعالى: (لتستووا على ظهوره) قال ابن قتيبة: ومعنى يتفيأ ~~ظلاله: يدور ويرجع من جانب إلى جانب، والفئ: الرجوع، ومنه قيل للظل بالعشي: ~~فئ، لأنه فاء عن المغرب إلى المشرق، قال المفسرون: إذا طلعت الشمس وأنت ~~متوجه إلى القبلة، كان الظل قدامك، فإذا ارتفعت كان عن يمينك، فإذا كان بعد ~~ذلك كان خلفك، وإذا دنت للغروب كان على يسارك، وإنما وحد اليمين، والمراد ~~به: الجمع، ايجازا في اللفظ، كقوله تعالى: (ويولون الدبر)، ودلت " الشمائل ~~" على أن المراد به الجميع، وقال الفراء: إنما وحد اليمين، وجمع الشمائل، ~~ولم يقل: الشمال، لأن كل ذلك جائز في اللغة، وأنشد: # الواردون وتيم في ذرى سبأ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس PageV04P330 # ولم يقل: جلود، ومثله: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا * فإن زمانكم زمن خميص وإنما جاز التوحيد، لأن ~~أكثر الكلام يواجه به الواحد. # وقال غيره: اليمين راجعة إلى لفظ ما، وهو واحد، والشمائل راجعة إلى ~~المعنى. # قوله تعالى: (سجدا لله) قال ابن قتيبة: مستسلمة، منقادة، وقد شرحنا هذا ~~المعنى عند قوله تعالى: (وظلالهم بالغدو والآصال) وفي قوله تعالى: (وهم ~~داخرون) قولان: # أحدهما: والكفار صاغرون. # والثاني: وهذه الأشياء داخرة مجبولة على الطاعة، قال الأخفش: إنما ذكر من ~~ليس من الإنس، لأنه لما وصفهم ms1239 بالطاعة أشبهوا الإنس في الفعل. # قوله تعالى: (ولله يسجد ما في السماوات..) الآية. الساجدون على ضربين. # أحدهما: من يعقل، فسجوده عبادة. # والثاني: من لا يعقل، فسجوده بيان أثر الصنعة فيه، والخضوع الذي يدل على ~~أنه مخلوق، هذا قول جماعة من العلماء، واحتجوا في ذلك بقول الشاعر: # بجيش تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافر قال ابن قتيبة: ~~حجراته، أي: جوانبه، يريد أن حوافر الخيل قد قلعت الأكم ووطئتها حتى خشعت ~~وانخفضت. فأما الشمس والقمر والنجوم، فألحقها جماعة بمن يعقل، فقال أبو ~~العالية: # سجودها حقيقة، ما منها غارب إلا خر ساجدا بين يدي الله عز وجل، ثم لا ~~ينصرف حتى يؤذن له، ويشهد لقول أبي العالية، حديث أبي ذر قال: كنت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين وجبت الشمس، فقال: " يا أبا ذر! ~~تدري أين ذهبت الشمس " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها تذهب حتى تسجد ~~بين يدي ربها عز وجل، فتستأذن في الرجوع، فيؤذن لها، فكأنها قد قيل لها: ~~ارجعي من حيث جئت، فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها، ثم قرأ: (والشمس تجري ~~لمستقر لها) أخرجه البخاري ومسلم. وأما النبات والشجر، فلا يخلو سجوده من ~~أربعة أشياء. # أحدها: أن يكون سجودا لا نعلمه وهذا إذا قلنا: إن الله يودعه فهما. # والثاني: أنه تفيؤ ظلاله. # والثالث: بيان الصنعة فيه. PageV04P331 # والرابع: الانقياد لما سخر له. # قوله تعالى: (والملائكة) إنما أخرج الملائكة من الدواب، لخروجهم بالأجنحة ~~عن صفة الدبيب. وفي قوله: (وهم لا يستكبرون. يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ~~ما يؤمرون) قولان: # أحدهما: أنه من صفة الملائكة خاصة، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنه عام في جميع المذكورات، قاله أبو سليمان الدمشقي. # في قوله: (من فوقهم) قولان: ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: أنه ثناء على الله تعالى، وتعظيم لشأنه، وتلخيصه: يخافون ربهم ~~عاليا رفيعا عظيما. # والثاني: أنه حال، وتلخيصه: يخافون ربهم معظمين له عالمين بعظيم سلطانه. # * وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) ~~وله ms1240 ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) قوله ~~تعالى: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين) سبب نزولها: أن رجلا من المسلمين ~~دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد ~~وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فنزلت هذه ~~الآية، قاله مقاتل، قال الزجاج: ذكر الاثنين توكيد، كما قال تعالى: (إنما ~~هو إله واحد). # قوله تعالى: (وله الدين واصبا) في المراد بالدين أربعة أقوال: # أحدها: أنه الإخلاص، قاله مجاهد. # والثاني: العبادة، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الحدود، والفرائض، قاله ~~عكرمة. # والرابع: الطاعة، قاله ابن قتيبة. وفي معنى " واصبا " أربعة أقوال: # أحدها: دائما، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعكرمة، ~~ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، والثوري، واللغويون. قال أبو الأسود ~~الدؤلي: # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه * يوما بذم الدهر أجمع واصبا قال ابن قتيبة: ~~معنى الكلام: أنه ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو ~~PageV04P332 # هلكة، غير الله عز وجل، فإن الطاعة تدوم له. # والثاني: واجبا، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: خالصا، قاله الربيع بن أنس. # والرابع: وله الدين موصبا، أي: متعبا، لأن الحق ثقيل، وهو كما تقول ~~العرب: هم ناصب، أي: منصب، قال النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطئ الكواكب ذكره ابن الأنباري. ~~قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: له الدين، والطاعة، رضي العبد بما يؤمر ~~به وسهل عليه، أو لم يسهل، فله الدين وإن كان فيه الوصب. والوصب: شدة ~~التعب. # وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) ثم إذا كشف ~~الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا ~~فسوف تعلمون (55) قوله تعالى: (وما بكم من نعمة) قال الزجاج: المعنى: ما حل ~~بكم من نعمة، من صحة في جسم، أو سعة في رزق، أو متاع من مال وولد (فمن ~~الله) وقرأ ابن ms1241 أبي عبلة: " فمن الله " بتشديد النون. # قوله تعالى: (ثم إذا مسكم الضر) قال ابن عباس: يريد الأسقام، والأمراض، ~~والحاجة. # قوله تعالى: (فإليه تجأرون) قال الزجاج: " تجأرون ": ترفعون أصواتكم إليه ~~بالاستغاثة، يقال: جأر يجأر جؤارا، والأصوات مبنية على " فعال " و " فعيل ~~"، فأما " فعال " فنحو " الصراخ " و " الخوار "، وأما " الفعيل " فنحو " ~~العويل " و " الزئير "، والفعال أكثر. # قوله تعالى: (إذا فريق منكم) قال ابن عباس: يريد أهل النفاق. قال ابن ~~السائب: يعني الكفار. # قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم) قال الزجاج: المعنى: ليكفروا بأنا ~~أنعمنا عليهم، فجعلوا نعمنا سببا إلى الكفر، وهو كقوله تعالى: (ربنا إنك ~~آتيت فرعون) إلى قوله: (ليضلوا عن PageV04P333 # سبيلك)، ويجوز أن يكون " ليكفروا "، أي: ليجحدوا نعمة الله في ذلك. # قوله تعالى: (فتمتعوا) تهدد، (فسوف تعلمون) عاقبة أمركم. # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ~~(56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) قوله تعالى: ~~(ويجعلون لما لا يعلمون) يعني: الأوثان. وفي الذين لا يعلمون قولان: # أحدهما: أنهم الجاعلون، وهم المشركون، والمعنى: لما لا يعلمون لها ضرا ~~ولا نفعا، فمفعول العلم محذوف، وتقديره: ما قلنا، هذا قول مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها الأصنام التي لا تعلم شيئا، وليس لها حس ولا معرفة، وإنما ~~قال: يعلمون، لأنهم لما نحلوها الفهم، أجراها مجرى من يعقل على زعمهم، قاله ~~جماعة من أهل المعاني، قال المفسرون،: وهؤلاء مشركو العرب جعلوا لأوثانهم ~~جزءا من أموالهم، كالبحيرة والسائبة وغير ذلك مما شرحناه في الأنعام. # قوله تعالى: (تالله لتسألن) رجع عن الإخبار عنهم إلى الخطاب لهم، وهذا ~~سؤال توبيخ. # قوله تعالى: (ويجعلون لله البنات) قال المفسرون: يعني: خزاعة وكنانة، ~~زعموا أن الملائكة بنات الله (سبحانه) أي: تنزه عما زعموا. (ولهم ما ~~يشتهون) يعني: البنين. قال أبو سليمان: المعنى: ويتمنون لأنفسهم الذكور. # قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى) ms1242 أي: أخبر بأنه قد ولد له بنت (ظل ~~وجهه مسودا) قال الزجاج: أي: متغيرا تغير مغتم، يقال لكل من لقي مكروها: قد ~~اسود وجهه غما وحزنا. # قوله تعالى: (وهو كظيم) أي: يكظم شدة وجده، فلا يظهره، وقد شرحناه في ~~سورة يوسف: # قوله تعالى: (يتوارى من القوم) قال المفسرون: وهذا صنيع مشركي العرب، كان ~~أحدهم PageV04P334 # إذا ضرب امرأته المخاض، توارى إلى أن يعلم ما يولد له، فإن كان ذكرا، سر ~~به، وإن كانت أنثى، لم يظهر أياما يدبر كيف يصنع في أمرها، وهو قوله: ~~(أيمسكه على هون) فالهاء ترجع إلى ما في قوله: (ما بشر به)، والهون في كلام ~~العرب: الهوان. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة، والجحدري: " على هوان "، ~~والدس: إخفاء الشئ في الشئ، وكانوا يدفنون البنت وهي حية (ألا ساء ما ~~يحكمون) إذ جعلوا لله البنات اللاتي محلهن منهم هذا، ونسبوه إلى الولد، ~~وجعلوا لأنفسهم البنين. # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~(60) قوله تعالى: (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) أي: صفة السوء من ~~احتياجهم إلى الولد، وكراهتهم للإناث، خوف الفقر والعار (ولله المثل ~~الأعلى) أي: الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد. # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) قوله تعالى: (ولو ~~يؤاخذ الله الناس بظلمهم) أي: بشركهم ومعاصيهم، كلما وجد شئ منهم أو خذوا ~~به (ما ترك على ظهرها) يعني: الأرض، وهذه كناية عن غير مذكور، غير أنه ~~مفهوم، لأن الدواب إنما هي على الأرض. وفي قوله: (من دابة) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه عنى جميع ما يدب على وجه الأرض، قاله ابن مسعود. قال قتادة: ~~وقد فعل ذلك في زمن نوح عليه السلام، وقال السدي: المعنى: لأقحط المطر فلم ~~تبق دابة إلا هلكت، وإلى نحوه ذهب مقاتل. # والثاني: أنه المراد من الناس خاصة، قاله ابن جريج. # والثالث: من الإنس والجن، قاله ابن السائب، وهو اختيار ms1243 الزجاج. # قوله تعالى: (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) وهو منتهى آجالهم، وباقي الآية ~~قد تقدم. PageV04P335 # ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم ~~النار وأنهم مفرطون (62) قوله تعالى: (ويجعلون لله ما يكرهون) المعنى: ~~ويحكمون له بما يكرهونه لأنفسهم، وهو البنات، (وتصف ألسنتهم الكذب) أي: ~~تقول الكذب، وقرأ أبو العالية، والنخعي، وابن أبي عبلة: " الكذب " بضم ~~الكاف والذال. ثم فسر ذلك الكذب بقوله: (أن لهم الحسنى) وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها البنون، قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أنها الجزاء الحسن من الله تعالى، قاله الزجاج. # والثالث: [أنها] الجنة، وذلك أنه لما وعد الله المؤمنين الجنة، قال ~~المشركون: إن كان ما تقولونه حقا، لندخلنها قبلكم، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. # قوله تعالى: (لا جرم) قد شرحناها فيما مضى. وقال الزجاج: " لا " رد ~~لقولهم، والمعنى: ليس ذلك كما وصفوا " جرم " أن لهم النار، المعنى: جرم ~~فعلهم، أي: كسب فعلهم هذا (أن لهم النار وأنهم مفرطون) وفيه أربعة أوجه، ~~قرأ الأكثرون: " مفرطون " بسكون الفاء وتخفيف الراء وفتحها، وفي معناها ~~قولان: # أحدهما: متركون، قاله ابن عباس. وقال الفراء: منسيون في النار. # والثاني: معجلون، قاله ابن عباس أيضا. وقال ابن قتيبة: معجلون إلى النار. ~~قال الزجاج: # معنى " الفرط " في اللغة: المتقدم، فمعنى " مفرطون " مقدمون إلى النار، ~~ومن فسرها " متركون " فهو كذلك [أيضا]، أي: قد جعلوا مقدمين إلى العذاب ~~أبدا، متروكين فيه. وقرأ نافع، ومحبوب عن أبي عمرو، وقتيبة عن الكسائي " ~~مفرطون " بسكون الفاء وكسر الراء وتخفيفها، قال الزجاج: ومعناها: # أنهم أفرطوا في معصية الله. وقرأ أبو جعفر وابن أبي عبلة " مفرطون " بفتح ~~الفاء وتشديد الراء وكسرها، قال الزجاج: ومعناها: أنهم فرطوا في الدنيا فلم ~~يعملوا فيها للآخرة، وتصديق هذه القراءة (يا حسرتي على ما فرطت في جنب ~~الله) وروى الوليد بن مسلم عن ابن عامر " مفرطون " بفتح الفاء والراء ~~وتشديدها، قال الزجاج: وتفسيرها كتفسير القراءة الأولى، فالمفرط والمفرط ~~بمعنى واحد. PageV04P336 # تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ms1244 فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) قوله تعالى: (تالله لقد أرسلنا ~~إلى أمم من قبلك) قال المفسرون: هذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم (فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم) الخبيثة حتى عصوا وكذبوا، (فهو وليهم اليوم) فيه ~~قولان: # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله ابن السائب، ومقاتل، كأنهما أرادا: فهو ~~وليهم يوم تكون لهم النار. # والثاني: أنه الدنيا، فالمعنى: فهو مواليهم في الدنيا (ولهم عذاب أليم) ~~في الآخرة، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (إلا لتبين لهم) يعني: الكفار (الذي اختلفوا فيه) أي: ما ~~خالفوا فيه المؤمنين من التوحيد والبعث والجزاء، فالمعنى: أنزلناه بيانا ~~لما وقع فيه الاختلاف. # والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) قوله تعالى: (والله أنزل من ~~السماء ماء) يعني: المطر (فأحيا به الأرض بعد موتها) أي: # بعد يبسها (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) أي: يعتبرون. # قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم) قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ~~وحمزة، والكسائي: " نسقيكم " بضم النون، ومثله في المؤمنين وقرأ نافع، وابن ~~عامر وأبو بكر عن عاصم: # " نسقيكم " بفتح النون فيهما. وقرأ أبو جعفر: " نسقيكم " بتاء مفتوحة، ~~وكذلك في المؤمنين وقد PageV04P337 # سبق بيان الأنعام، وذكرنا معنى " العبرة " في آل عمران والفرق بين " سقى ~~" و " أسقى " في الحجر. # فأما قوله: (مما في بطونه) فقال الفراء: النعم والأنعام شئ واحد، وهما ~~جمعان، فرجع التذكير إلى معنى " النعم " إذ كان يؤدي عن الأنعام، أنشدني ~~بعضهم. # وطاب ألبان اللقاح وبرد فرجع إلى اللبن، لأن اللبن والألبان في معنى، ~~قال: وقال الكسائي: أراد: نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا، وهو صواب، أنشدني ~~بعضهم: # مثل الفراخ نتفت حواصله وقال المبرد: هذا ms1245 فاش في القرآن، كقوله للشمس: ~~(هذا ربي) يعني: هذا الشئ الطالع، وكذلك (وإني مرسلة إليهم بهدية) ثم قال: ~~(فلما جاء سليمان) ولم يقل: " جاءت " لأن المعنى: جاء الشئ الذي ذكرنا، ~~وقال أبو عبيدة: الهاء في " بطونه " للبعض، والمعنى: # نسقيكم مما في بطون البعض الذي له لبن، لأنه ليس لكل الأنعام لبن، وقال ~~ابن قتيبة: ذهب بقوله: " مما في بطونه " إلى النعم، والنعم تذكر وتؤنث، ~~والفرث: ما في الكرش، والمعنى: أن اللبن كان طعاما، فخلص من ذلك الطعام دم، ~~وبقي فرث في الكرش، وخلص من ذلك الدم (لبنا خالصا سائغا للشاربين) أي: سهلا ~~في الشرب لا يشجى به شاربه، ولا يغص. وقال بعضهم: # سائغا، أي: لا تعافه النفس وإن كان قد خرج من بين فرث ودم، وروى أبو صالح ~~عن ابن عباس قال: إذا استقر العلف في الكرش طحنه فصار أسفله فرثا، وأعلاه ~~دما، وأوسطه لبنا، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة، فيجري الدم في ~~العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش. # قوله تعالى: (ومن ثمرات النخيل والأعناب) تقدير الكلام: ولكم من ثمرات ~~النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا. والعرب تضمر " ما " كقوله: (وإذا رأيت ~~ثم) أي: ما ثم. # والكناية في " منه " عائدة على " ما " المضمرة. وقال الأخفش: إنما لم ~~يقل: منهما، لأنه أضمر الشئ، كأنه قال: ومنها شئ تتخذون منه سكرا. وفي ~~المراد بالسكر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الخمر، قاله ابن مسعود، وابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، PageV04P338 # وإبراهيم بن أبي ليلى، والزجاج، وابن قتيبة. وروى عمرو بن سفيان عن ابن ~~عباس قال: السكر: # ما حرم من ثمرتها، وقال هؤلاء المفسرون: وهذه الآية نزلت إذ كانت الخمرة ~~مباحة، ثم نسخ [ذلك] بقوله: (فاجتنبوه) وممن ذكر أنها منسوخة، سعيد بن ~~جبير، ومجاهد، والشعبي، والنخعي. # والثاني: أن السكر: الخل، بلغة الحبشة، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال ~~الضحاك: هو الخل، بلغة اليمن. # والثالث: " أن السكر " الطعم، يقال: هذا له سكر، أي: طعم، وأنشدوا: # جعلت عيب الأكرمين سكرا قاله أبو عبيدة: ms1246 فعلى هذين القولين، الآية محكمة، ~~فأما الرزق الحسن، فهو ما أحل منهما، كالتمر، والعنب، والزبيب، والخل، ونحو ~~ذلك. # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ~~(68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) قوله تعالى: ~~(وأوحى ربك إلى النحل) في هذا الوحي قولان: # أحدهما: أنه إلهام، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، ~~ومقاتل. # والثاني: أنه أمر، رواه العوفي عن ابن عباس. وروى ابن مجاهد عن أبيه قال: ~~أرسل إليها. # والنحل: زنابير العسل، واحدتها نحلة، و " يعرشون " يجعلونه عريشا، وقرأ ~~ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم " يعرشون " بضم الراء، وهما لغتان، يقال: " ~~يعرش " و " يعرش " مثل " يعكف " و " يعكف " ثم فيه قولان: # أحدهما: ما يعرشون من الكروم، قاله ابن زيد. # والثاني: أنها سقوف البيوت، قاله الفراء، وقال ابن قتيبة: كل شئ عرش، من ~~كرم، أو نبات، أو سقف، فهو عرش، ومعروش. وقيل: المراد ب‍ " مما يعرشون ": ~~مما يبنون لهم من الأماكن التي تلقي فيها العسل، ولولا التسخير، ما كانت ~~تأوي إليها. PageV04P339 # قوله تعالى: (ثم كلي من كل الثمرات) قال ابن قتيبة: أي: من الثمرات، و " ~~كل " هاهنا ليست على العموم، ومثله قوله: (تدمر كل شئ). قال الزجاج: فهي ~~تأكل الحامض، والمر، وما لا يوصف طعمه، فيحيل الله عز وجل من ذلك عسلا. # قوله تعالى: (فاسلكي سبل ربك) السبل: الطرق، وهي التي يطلب فيها الرعي. و ~~" الذلل " جمع ذلول. وفي الموصوف بها قولان: # أحدهما: أنها السبل، فالمعنى: اسلكي السبل مذللة لك، فلا يتوعر عليها ~~مكان سلكته، وهذا قول مجاهد، واختيار الزجاج. # والثاني: أنها النحل، فالمعنى، إنك مذللة بالتسخير لبني آدم، وهذا قول ~~قتادة، واختيار ابن قتيبة. # قوله تعالى: (يخرج من بطونها شراب) يعني: العسل (مختلف ألوانه) قال ابن ~~عباس: منه أحمر، وأبيض، وأصفر. قال الزجاج: [يخرج] من بطونها، إلا أنها ~~تلقيه من أفواهها، وإنما قال: # من بطونها، ms1247 لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن، فيخرج كالريق ~~الدائم الذي يخرج من فم ابن آدم. # قوله تعالى: (فيه شفاء للناس) في هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى العسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~مسعود، واختلفوا، هل الشفاء الذي فيه يختص بمرض دون غيره، أم لا؟ على ~~قولين: # أحدهما: أنه عام في كل مرض. قال ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء. وقال ~~قتادة: فيه شفاء للناس من الأدواء، وقد روى أبو سعيد الخدري قال: جاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: " اسقه ~~عسلا " فسقاه، ثم اتى فقال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، قال: " اسقه، ~~عسلا "، فذكر الحديث.. إلى أن قال: فشفي، إما في الثالثة، وإما في الرابعة. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق الله وكذب بطن أخيك " أخرجه ~~البخاري، ومسلم. # ويعني بقوله " صدق الله ": هذه الآية. # والثاني: فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه، قاله السدي. والصحيح أن ذلك ~~خرج مخرج PageV04P340 # الغالب. قال ابن الأنباري: الغالب على العسل أنه يعمل في الأدواء، ويدخل ~~في الأدوية، فإذا لم يوافق آحاد المرضى، فقد وافق الأكثرين، وهذا كقول ~~العرب: الماء حياة كل شئ، وقد نرى من يقتله الماء، وإنما الكلام على ~~الأغلب. # والثاني: أن الهاء ترجع إلى الاعتبار. والشفاء: بمعنى الهدى، قاله ~~الضحاك. # والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله مجاهد. # والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم ~~شيئا إن الله عليم قدير (70) قوله تعالى: (والله خلقكم) أي: أو جدكم ولم ~~تكونوا شيئا (ثم يتوفاكم) عند انقضاء آجالكم، (ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر) وهو أردؤه، وأدونه، وهي حالة الهرم. وفي مقداره من السنين ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: خمس وسبعون سنة، قاله علي عليه السلام. # والثاني: تسعون سنة، قاله قتادة. # والثالث: ثمانون سنة، قاله قطرب. # قوله تعالى: (لكي لا يعلم بعد علم شيئا) قال الفراء: لكي لا يعقل من بعد ms1248 ~~عقله الأول شيئا. وقال ابن قتيبة: أي: حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئا، ~~لشدة هرمه. وقال الزجاج: # المعنى: أن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفا، فيصير بعد أن كان عالما ~~جاهلا، ليريكم من قدرته، كما قدر على إماتته وإحيائه، أنه قادر على نقله من ~~العلم إلى الجهل. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ليس هذا في المسلمين، ~~المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله، وعقلا، ومعرفة. ~~وقال عكرمة: من قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر. # والله فضل بعضكم على بعض في الزرق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) قوله تعالى: (والله ~~فضل بعضكم على بعض في الرزق) يعني: فضل السادة على المماليك (فما الذين ~~فضلوا) يعني: السادة (برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) فعبرت PageV04P341 # " ما " عن " من " لأنه موضع إبهام، تقول: ما في الدار؟ فيقول المخاطب: ~~رجلان أو ثلاثة، ومعنى الآية: أن المولى لا يرد على ما ملكت يمينه من ماله ~~حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء، وهو مثل ضربه الله تعالى للمشركين ~~الذين جعلوا الأصنام شركاء له، والأصنام ملكا له، يقول: إذا لم يكن عبيدكم ~~معكم في الملك سواء، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء، وترضون لي ما تأنفون ~~لأنفسكم منه؟! وروى العوفي عن ابن عباس، قال: لم يكونوا أشركوا عبيدهم في ~~أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ # وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن ~~الله تعالى. # قوله تعالى: (أفبنعمة الله يجحدون) قرأ أبو بكر عن عاصم: " تجحدون " ~~بالتاء. وفي هذه النعمة قولان: # أحدهما: حجته وهدايته. # والثاني: فضله ورزقه. # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم ~~من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون ~~الله مالا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا ~~تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم ms1249 لا تعلمون (74) قوله تعالى: (والله ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا) يعني النساء وفي معنى " من أنفسكم " قولان: # أحدهما: أنه خلق آدم، ثم خلق زوجته منه، قاله قتادة. # والثاني: " من أنفسكم "، أي: من جنسكم من بني آدم، قاله ابن زيد. وفي ~~الحفدة خمسة أقوال: # أحدها: أنهم الأصهار، أختان الرجل على بناته، قاله ابن مسعود، وابن عباس ~~في رواية، ومجاهد في رواية، وسعيد بن جبير، والنخعي، وأنشدوا من ذلك: # ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت * لها حفد مما يعد كثير PageV04P342 # ولكنها نفس علي أبية * عيوف لأصهار اللئام قذور والثاني: أنهم الخدم، ~~رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية الحسن، وطاوس وعكرمة في ~~رواية الضحاك، وهذا القول يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه يراد بالخدم: الأولاد، فيكون المعنى: أن الأولاد يخدمون. قال ~~ابن قتيبة: # الحفدة: الخدم والأعوان، فالمعنى: هم بنون، وهم خدم. وأصل الحفد: مداركة ~~الخطو والإسراع في المشي، وإنما يفعل الخدم هذا، فقيل لهم: حفدة. ومنه يقال ~~في دعاء الوتر: # " وإليك نسعى ونحفد ". # والثاني: أن يراد بالخدم: المماليك، فيكون معنى الآية: وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين، وجعل لكم حفدة من غير الأزواج، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: أنهم بنو امرأة الرجل من غيره، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال الضحاك. # والرابع: [أنهم] ولد الولد، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والخامس: أنهم: كبار الأولاد، والبنون: صغارهم، قاله ابن السائب، ومقاتل. ~~قال مقاتل: وكانوا في الجاهلية تخدمهم أولادهم. قال الزجاج: وحقيقة هذا ~~الكلام أن الله تعالى جعل من الأزواج بنين، ومن يعاون على ما يحتاج إليه ~~بسرعة وطاعة. # قوله تعالى: (ورزقكم من الطيبات) قال ابن عباس: يريد: من أنواع الثمار ~~والحبوب والحيوان. # قوله تعالى: (فبالباطل يؤمنون) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الأصنام، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الشريك والصاحبة والولد، فالمعنى: يصدقون أن لله ذلك؟! قاله ~~عطاء. # والثالث: أنه الشيطان، أمرهم بتحريم البحيرة والسائبة، فصدقوا. وفي ~~المراد ب‍ " نعمة الله " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها التوحيد، قاله ابن عباس. # والثاني: القرآن، والرسول. # والثالث: الحلال الذي ms1250 أحله الله لهم. # قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا) وفي المشار إليه ~~قولان: # أحدهما: أنها الأصنام، قاله قتادة. # والثاني: الملائكة، قاله مقاتل. PageV04P343 # قوله تعالى: (من السماوات) يعني: المطر، (و) من (الأرض) النبات، والثمر. # قوله تعالى: (شيئا) قال الأخفش: جعل " شيئا " بدلا من الرزق، والمعنى: لا ~~يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا، (ولا يستطيعون) أي: لا يقدرون على شئ. قال ~~الفراء: وإنما قال في أول الكلام: " يملك " وفي آخره: " يستطيعون "، لأن " ~~ما " في مذهب: جمع لآلهتهم، فوحد " يملك " على لفظ " ما " وتوحيدها، وجمع ~~في " يستطيعون " على المعنى، كقوله: (ومنهم من يستمعون إليك). # قوله تعالى: (فلا تضربوا لله الأمثال) أي: لا تشبهوه بخلقه، لأنه لا يشبه ~~شيئا، ولا يشبهه شئ، فالمعنى: لا تجعلوا له شريكا. وفي قوله: (إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون) أربعة أقوال: # أحدها: يعلم ضرب المثل، وأنتم لا تعلمون ذلك، قاله ابن السائب. # والثاني: يعلم أنه ليس له شريك، وأنتم لا تعلمون أنه ليس له شريك، قاله ~~مقاتل. # والثالث: يعلم خطأ ما تضربون من الأمثال، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من ~~خطئه. # والرابع: يعلم ما كان ويكون، وأنتم لا تعلمون قدر عظمته حين أشركتم به ~~ونسبتموه إلى العجز عن بعث خلقه. # * ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا ~~فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه أينما يوجهه ~~لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) قوله ~~تعالى: (ضرب الله مثلا) أي: بين شبها فيه بيان المقصود، وفيه قولان: # أحدهما: أنه مثل للمؤمن والكافر. فالذي (لا يقدر على شئ) هو الكافر، لأنه ~~لا خير عنده، وصاحب الرزق هو المؤمن، لما عنده من الخير هذا قول عباس، ~~وقتادة. # والثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللأوثان، لأنه مالك كل شئ، وهي ~~لا تملك شيئا، هذا ms1251 قول مجاهد، والسدي. وذكر في التفسير أن هذا المثل ضرب ~~بقوم كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم قولان: PageV04P344 # أحدهما: أن المملوك: أبو الجوار، وصاحب الرزق الحسن: سيده هشام بن عمرو، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال مقاتل: المملوك: أبو الحواجر. # والثاني: أن المملوك: أبو جهل بن هشام، وصاحب الرزق الحسن: أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه، قاله ابن جريج. فأما قوله: (هل يستوون) ولم يقل: ~~يستويان، لأن المراد: # الجنس. وقال ابن الأنباري: لفظ " من " لفظ توحيد، ومعناها معنى الجمع، ~~ولم يقع المثل بعبد معين، ومالك معين، لكن عني بهما جماعة عبيد، وقوم ~~مالكون، فلما فارق من تأويل الجمع، جمع عائدها لذلك. # وقوله تعالى: (الحمد لله) أي: هو المستحق للحمد، لأنه المنعم، ولا نعمة ~~للأصنام، (بل أكثرهم) يعني المشركين (لا يعلمون) أن الحمد الله. قال ~~العلماء: وصف أكثرهم بذلك، والمراد: جميعهم. # قوله تعالى: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم) قد فسرنا " البكم " في ~~[سورة] (البقرة). ومعنى (لا يقدر على شئ) أي: من الكلام، لأنه لا يفهم ولا ~~يفهم عنه. (وهو كل على مولاه) قال ابن قتيبة: أي: ثقل على وليه وقرابته. ~~وفيمن أريد بهذا المثل أربعة أقوال: # أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالكافر هو الأبكم، ~~والذي يأمر بالعدل [هو] المؤمن، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان، هو الذي يأمر بالعدل، وفي مولى له ~~كان يكره الإسلام وينهى عثمان عن النفقة في سبيل الله، وهو الأبكم، رواه ~~إبراهيم بن يعلى بن منية عن ابن عباس. # والثالث: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه، وللوثن. فالوثن: هو الأبكم، ~~والله تعالى: هو الآمر بالعدل، وهذا قول مجاهد، وقتادة، وابن السائب، ~~ومقاتل. # والرابع: أن المراد بالأبكم: أبي بن خلف، وبالذي يأمر بالعدل: حمزة، ~~وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، قاله عطاء. فيخرج على هذه الأقوال في ~~معنى مولاه " قولان: # أحدهما: أنه مولى حقيقة، إذا قلنا: إنه رجل من الناس. PageV04P345 # والثاني: أنه بمعنى الولي، ms1252 إذا قلنا: إنه الصنم، فالمعنى: وهو ثقل على ~~وليه الذي يخدمه ويزينه. ويخرج في معنى " أينما يوجهه " قولان: إن قلنا: ~~إنه رجل، فالمعنى: أينما يرسله. # والتوجيه: الإرسال في وجه من الطريق. وإن قلنا: إنه الصنم، ففي معنى ~~الكلام قولان: # أحدهما: أينما يدعوه، لا يجيبه، قاله مقاتل. # والثاني: أينما توجه تأميله إياه ورجاه له، لا يأته ذلك بخير، فحذف ~~التأميل، وخلفه الصنم، كقوله: (ما وعدتنا على رسلك) أي: على ألسنة رسلك. ~~وقرأ البزي عن ابن محيصن " أينما توجهه " بالتاء على الخطاب. فأما قوله: ~~(لا يأت بخير) فإن قلنا: هو رجل، فإنما كان كذلك، لأنه لا يفهم ما يقال له، ~~ولا يفهم عنه، إما لكفره وجحوده، أو لبكم به. وإن قلنا: إنه الصنم، فلكونه ~~جمادا. (هل يستوي هو) أي: هذا الأبكم (ومن يأمر بالعدل) أي: # ومن هو قادر على التكلم، ناطق بالحق. # ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شئ قدير (77) قوله تعالى: (ولله غيب السماوات والأرض) قد ~~ذكرناه في آخر (هود) وسبب نزول هذه الآية أن كفار مكة سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: متى الساعة؟ فنزلت هذه، قاله مقاتل. وقال ابن السائب: # المراد بالغيب ها هنا: قيام الساعة. # قوله تعالى: (وما أمر الساعة) يعني: القيامة (إلا كلمح البصر) واللمح: ~~النظر بسرعة، والمعنى: إن القيامة في سرعة قيامها وبعث الخلائق، كلمح ~~العين، لأن الله تعالى يقول: (كن فيكون) أو هو أقرب) قال مقاتل: بل هو ~~أسرع. وقال الزجاج: ليس المراد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنه ~~يصف سرعة القدرة على الإتيان بها متى شاء. # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون (78) PageV04P346 # قوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم) قرأ حمزة " أمهاتكم " بكسر ~~الألف والميم، وقرأ الكسائي بكسر الألف وفتح الميم، والباقون بضم الألف ~~وفتح الميم، وكذلك في النور والزمر والنجم ولا خلاف بينهم في الابتداء بضم ~~الهمزة. # قوله تعالى: ms1253 (وجعل لكم السمع) لفظه لفظ الواحد، والمراد به الجميع، وقد ~~بينا علة ذلك في أول البقرة والأفئدة: جمع فؤاد. قال الزجاج: مثل: غراب ~~وأغربة، ولم يجمع " فؤاد " على أكثر العدد، لم يقل فيه: " فئدان " مثل غراب ~~وغربان. وقال أبو عبيدة: وإنما جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة قبل أن ~~يخرجهم، غير أن العرب تقدم وتؤخر، وأنشد: # ضخم تعلق أشناق الديات به * إذا المئون أمرت فوقه حملا [الشنق: ما بين ~~الفريضتين]. والمئون أعظم من الشنق، فبدأ بالأقل قبل الأعظم. قال المفسرون: ~~ومقصود الآية: أن الله تعالى أبان نعمه عليهم حيث أخرجهم جهالا بالأشياء، ~~وخلق لهم الآلات التي يتوصلون بها إلى العلم. # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (79) قوله تعالى: (مسخرات في جو السماء) قال الزجاج: هو ~~الهواء البعيد من الأرض. # قوله تعالى: (ما يمسكهن إلا الله) فيه قولان: # أحدهما: ما يمسكهن عند قبض أجنحتهن وبسطها أن يقعن على الأرض إلا الله، ~~قاله الأكثرون. # والثاني: ما يمسكهن أن يرسلن الحجارة على شرار هذه الأمة، كما فعل ~~بغيرهم، إلا الله، قاله ابن السائب. # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم PageV04P347 # ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ~~(80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ~~(81) فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ~~ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) قوله تعالى: (والله جعل لكم من بيوتكم ~~سكنا) أي: موضعا تسكنون فيه، وفي المساكن المتخذة من الحجر والمدر تستر ~~العورات والحرم، وذلك أن الله تعالى خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن ~~بناء البيت وتسقيفه، (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا) وهي القباب والخيم ~~المتخذة من الأدم (تستخفونها) أي: يخف عليكم حملها (يوم ظعنكم) قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو " ظعنكم " بفتح العين. وقرأ عاصم، وحمزة، ms1254 والكسائي ~~بتسكين العين، وهما لغتان، كالشعر والشعر، والنهر والنهر، والمعنى: إذا ~~سافرتم، (ويوم إقامتكم) أي: لا تثقل عليكم في الحالين (ومن أصوافها) يعني: ~~الضأن (وأوبارها) يعني: الإبل (وأشعارها) يعني: # المعز (أثاثا) قال الفراء: الأثاث: المتاع، لا واحد له، كما أن المتاع لا ~~واحد له. والعرب تقول: جمع المتاع أمتعة، ولو جمعت الأثاث، لقلت: ثلاثة ~~أإثة، وأثث: مثل أعثة وعثث لا غير. وقال ابن قتيبة: الأثاث: متاع البيت من ~~الفرش والأكسية. قال أبو زيد: واحد الأثاث: # أثاثة. وقال الزجاج: يقال: قد أث يأث أثا: إذا صار ذا أثاث. وروي عن ~~الخليل أنه قال: # أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض، ومنه: شعر أثيث. # فأما قوله: (ومتاعا) فقيل: إنما جمع بينه وبين الأثاث، لاختلاف اللفظين. ~~وفي قوله: # (إلى حين) قولان: # أحدهما: أنه الموت، والمعنى: ينتفعون به إلى حين الموت، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. # والثاني: أنه إلى حين البلى، فالمعنى: إلى أن يبلى ذلك الشئ، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) أي: مال يقيكم حر الشمس، وفيه ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنه ظلال الغمام، قاله ابن عباس. # والثاني: ظلال البيوت، [قاله ابن السائب. # والثالث: ظلال الشجر، قاله قتادة، والزجاج. PageV04P348 # والرابع: ظلال الشجر والجبال]، قاله ابن قتيبة: # والخامس: أنه كل شئ له ظل من حائط، وسقف، وشجر، وجبل، وغير ذلك، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (وجعل لكم من الجبال أكنانا) أي: ما يكنكم من الحر والبرد، ~~وهي الغيران والأسراب. وواحد الأكنان " كن " وكل شئ وقى شيئا وستره فهو " ~~كن ". (وجعل لكم سرابيل) وهي القمص (تقيكم الحر) ولم يقل: البرد، لأن ما ~~وقى من الحر، وقى من البرد، وأنشد: # وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني وقال الزجاج: إنما خص ~~الحر، لأنهم كانوا في مكاناتهم أكثر معاناة له من البرد، وهذا مذهب عطاء ~~الخراساني. # قوله تعالى: (وسرابيل تقيكم بأسكم) يريد الدروع التي يتقون بها شدة الطعن ~~والضرب في الحرب. # قوله تعالى: (كذلك يتم نعمته عليكم) أي: مثلما أنعم ms1255 الله عليكم بهذه ~~الأشياء، يتم نعمته عليكم في الدنيا (لعلكم تسلمون) والخطاب لأهل مكة، وكان ~~أكثرهم حينئذ كفارا، ولو قيل: إنه خطاب للمسلمين، فالمعنى: لعلكم تدومون ~~على الإسلام، وتقومون بحقه. وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو ~~رجاء: " لعلكم تسلمون " بفتح التاء واللام، على معنى: لعلكم إذا لبستم ~~الدروع تسلمون من الجراح في الحرب. # قوله تعالى: (فإن تولوا) أعرضوا عن الإيمان (فإنما عليك البلاغ المبين) ~~وهذه عند المفسرين منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) وفي هذه النعمة قولان: # أحدهما: أنها [المساكن] نعم الله عز وجل عليهم في الدنيا. وفي إنكارها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم يقولون: هذه ورثناها عن آبائنا. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~قال: # نعم الله المساكن، والأنعام، وسرابيل الثياب، والحديد، يعرفه كفار قريش، ~~ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم، وهذا عن مجاهد. # والثاني: أنهم يقولون: لولا فلان، لكان كذا، فهذا إنكارهم، قال عون بن ~~عبد الله. # والثالث: يعرفون أن النعم من الله، ولكن يقولون: هذه بشفاعة آلهتنا، قاله ~~ابن السائب، والفراء، وابن قتيبة. PageV04P349 # والثاني: أن المراد بالنعمة ها هنا: محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون أنه ~~نبي ثم يكذبونه، وهذا مروي عن مجاهد، والسدي، والزجاج. # قوله تعالى: (وأكثرهم الكافرون) قال الحسن: وجميعهم كفار، فذكر الأكثر، ~~والمراد به الجميع. # ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) ~~وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون (87) قوله تعالى: (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) يعني: ~~يوم القيامة، وشاهد كل أمة نبيها يشهد عليها بتصديقها وتكذيبها، (ثم لا ~~يؤذن للذين كفروا) في الاعتذار (ولا هم يستعتبون) أي: لا يطلب منهم أن ~~يرجعوا إلى ما أمر الله به لأن الآخرة ليست بدار تكليف. # قوله تعالى: ms1256 (وإذا رأى الذين ظلموا) أي: أشركوا (العذاب) يعني: النار ~~(فلا يخفف عنهم) العذاب (ولا هم ينظرون) لا يؤخرون، ولا يمهلون. (وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم) يعني: الأصنام التي جعلوها شركاء لله في العبادة، ~~وذلك أن الله يبعث كل معبود من دونه، فيقول المشركون: (ربنا هؤلاء شركاؤنا ~~الذين كنا ندعو) أي: نعبد من دونك. # فإن قيل: فهذا معلوم عند الله تعالى، فما فائدة قولهم: " هؤلاء شركاؤنا ~~"؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنهم لما كتموا الشرك في قولهم: والله ما كنا مشركين، عاقبهم ~~الله تعالى بإصمات ألسنتهم، وإنطاق جوارحهم، فقالوا عند معاينة آلهتهم: ~~(ربنا هؤلاء شركاؤنا) أي: قد أقررنا بعد الجحد، وصدقنا بعد الكذب، التماسا ~~للرحمة، وفرارا من الغضب، وكأن هذا القول منهم على وجه الاعتراف بالذنب، لا ~~على وجه إعلام من لا يعلم. # والثاني: أنهم لما عاينوا عظم غضب الله تعالى قالوا: هؤلاء شركاؤنا، ~~تقدير أن يعود عليهم من هذا القول روح، وأن تلزم الأصنام إجرامهم، أو بعض ~~ذنوبهم إذ كانوا يدعون لها العقل والتمييز، فأجابتهم الأصنام بما حسم ~~طمعهم. PageV04P350 # قوله تعالى: (فألقوا إليهم القول) أي: أجابوهم وقالوا لهم (إنكم لكاذبون) ~~قال الفراء: # ردت عليهم آلهتهم قولهم. وقال أبو عبيدة: " فألقوا "، أي: قالوا لهم. ~~يقال: ألقيت إلى فلان كذا، أي: قلت له. قال العلماء: كذبوهم في عبادتهم ~~إياهم، وذلك أن الأصنام كانت جمادا لا تعرف عابديها فظهرت فضيحتهم يومئذ إذ ~~عبدوا من لم يعلم بعبادتهم وذلك كقوله: [سيكفرون بعبادتهم). # قوله تعالى: (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) المعنى: أنهم استسلموا له. ~~وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم المشركون، قاله الأكثرون. ثم في معنى استسلامهم قولان: # أحدهما: أنهم استسلموا له بالإقرار بتوحيده وربوبيته. # والثاني: أنهم استسلموا لعذابه. # والثاني: أنهم المشركون والأصنام كلهم. قال الكلبي: والمعنى: أنهم ~~استسلموا لله منقادين لحكمه. # قوله تعالى: (وضل عنهم ما كانوا يفترون) فهي قولان: # أحدهما: بطل قولهم أنها تشفع لهم. # والثاني: ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان أن لله شريكا وولدا. # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق ms1257 العذاب بما كانوا ~~يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) ~~قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) قال ابن عباس: منعوا الناس ~~من طاعة الله والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (زدناهم عذابا فوق العذاب) إنما نكر العذاب [الأول]، لأنه ~~نوع خاص لقوم بأعيانهم، وعرف العذاب الثاني، لأنه العذاب الذي يعذب به أكثر ~~أهل النار، فكأن في شهرته بمنزلة النار في قول القائل: نعوذ بالله من ~~النار، وقد قيل: إنما زيدوا هذا العذاب على ما يستحقونه من عذابهم، بصدهم ~~عن سبيل الله. وفي صفة هذا العذاب الذي زيدوا أربعة أقوال: PageV04P351 # أحدها: أنها عقارب كأمثال النخل الطوال، رواه مسروق عن ابن مسعود. # والثاني: أنها حيات كأمثال الفيلة، وعقارب كأمثال البغال، رواه زر عن ابن ~~مسعود. # والثالث: أنها خمسة أنهار من صفر مذاب تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ~~ثلاثة على مقدار الليل، واثنان على مقدار النهار، قاله ابن عباس. # والرابع: أنه الزمهرير، ذكره ابن الأنباري. # قال الزجاج: يخرجون من حر المزمهر، فيتبادرون من شدة برده إلى النار. # قوله تعالى: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم قومه، قال ابن عباس. # والثاني: أمته قاله مقاتل. وتم الكلام ها هنا. ثم قال: (ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا) قال الزجاج: التبيان: اسم في معنى البيان. # فأما قوله تعالى: (لكل شئ) فقال العلماء بالمعاني: يعني: لكل شئ من أمور ~~الدين، إما بالنص عليه، أو بالإحالة على ما يوجب العلم، مثل بيان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين. # * إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما ~~تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم أن تكون ms1258 أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم ~~يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ~~يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) قوله تعالى: إن ~~الله يأمر بالعدل) فيه أربعة أقوال: PageV04P352 # أحدها: أنه شهادة أن لا إله إلا الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنه الحق، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه استواء السريرة والعلانية في العمل لله تعالى، قاله سفيان ~~بن عيينة. # والرابع: أنه القضاء بالحق، ذكره الماوردي. قال أبو سليمان: العدل في ~~كلام العرب: الإنصاف، وأعظم الإنصاف: الاعتراف للمنعم بنعمته. # وفي المراد بالإحسان خمسة أقوال: # أحدها: أنه أداء الفرائض، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: العفو، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: الإخلاص، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أن تعبد الله كأنك تراه، رواه عطاء عن ابن عباس. # والخامس: أن تكون السريرة أحسن من العلانية، قاله سفيان بن عيينة. # فأما قوله تعالى: (وإيتاء ذي القربى) فالمراد به: صلة الأرحام. وفي ~~الفحشاء قولان: # أحدهما: أنها الزنا، قاله ابن عباس. # والثاني: المعاصي، قاله مقاتل وفي (المنكر) أربعة أقوال: # أحدها: أنه الشرك، قاله مقاتل. # والثاني: أنه ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. # والثالث: أنه ما وعد الله عليه النار، ذكرهما ابن السائب. # والرابع: أن تكون علانية الإنسان أحسن من سريرته، قاله سفيان بن عيينة. # فأما (البغي) فقال ابن عباس: هو الظلم، وقد سبق شرحه في مواضع. # قوله تعالى: (يعظكم) قال ابن عباس: يؤدبكم، وقد ذكرنا معنى الوعظ في سورة ~~النساء. و (تذكرون) بمعنى: تتعظون. قال ابن مسعود: هذه الآية أجمع آية في ~~القرآن لخير أو لشر. وقال الحسن: والله ما ترك العدل والإحسان شيئا من طاعة ~~الله إلا جمعاه، ولا تركت الفحشاء والمنكر والبغي شيئا من معصية الله إلا ~~جمعوه. # قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله) اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في حلف أهل الجاهلية، قاله مجاهد، وقتادة. ms1259 PageV04P353 # والثاني: أنها نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ~~المفسرون: العهد الذي يجب الوفاء به، هو الذي يحسن فعله، فإذا عاهد العبد ~~عليه، وجب الوفاء به، والوعد من العهد (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) ~~أي: بعد تغليظها وتشديدها بالعزم والعقد على اليمين، بخلاف لغو اليمين، ~~ووكدت الشئ توكيدا، لغة أهل الحجاز. فأما أهل نجد، فيقولون: أكدته تأكيدا. ~~وقال الزجاج: يقال: وكدت الأمر، وأكدت، لغتان جيدتان، والأصل الواو، ~~والهمزة بدل منها. # قوله تعالى: (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) أي: بالوفاء، وذلك أن من حلف ~~بالله، فكأنه أكفل الله بالوفاء بما حلف عليه. وللمفسرين في معنى " كفيلا " ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: شهيدا، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: وكيلا، قاله مجاهد. # والثالث: حفيظا مراعيا لعقدكم، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها) قال مجاهد: هذا فعل نساء أهل ~~نجد، تنقض إحداهن حبلها، ثم تنقشه، ثم تخلطه بالصوف فتغزله. وقال مقاتل: هي ~~امرأة من قريش تسمى " ريطة " بنت عمرو بن كعب، كانت إذا غزلت، نقضته. وقال ~~ابن السائب: اسمها " رائطة " وقال ابن الأنباري: اسمها " ريطة " بنت عمرو ~~المرية، ولقبها الجعراء، وهي من أهل مكة، وكانت معروفة عند المخاطبين، ~~فعرفوها بوصفها، ولم يكن لها نظير في فعلها ذلك، كانت متناهية الحمق، تغزل ~~الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه، ثم تأمر جاريتها بتقطيعه. وقال بعضهم: ~~كانت تغزل هي وجواريها، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن، فضربها الله مثلا لنا ~~قضي العهد. و " نقضت "، بمعنى: تنقض، كقوله: (ونادى أصحاب الجنة) بمعنى: ~~وينادي. # وفي المراد بالغزل قولان: # أحدهما: أنه الغزل المعروف، سواء كان من قطن أو صوف أو شعر، وهو قول ~~الأكثرين. # والثاني: أنه الحبل، قاله مجاهد. وقوله: (من بعد قوة) قال قتادة: من بعد ~~إبرام، وقوله: # (أنكاثا) أي: أنقاضا. قال ابن قتيبة: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر ~~وغيره. وواحدها: نكث. # يقول: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا فيه، ~~فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت، ثم نقضت ذلك ms1260 النسج، فجعلته أنكاثا. # قوله تعالى: (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) أي: دغلا، ومكرا، وخديعة، وكل ~~شئ دخله عيب، فهو مدخول، وفيه دخل. PageV04P354 # قوله تعالى: (أن تكون أمة) قال ابن قتيبة: لأن تكون أمة، (هي أربى) أي: ~~هي أغنى (من أمة) وقال الزجاج: المعنى: بأن تكون أمة هي أكثر، يقال: ربا ~~الشئ يربو: إذا كثر. قال ابن الأنباري: قال اللغويون: " أربى ": أزيد عددا. ~~قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف ~~هؤلاء ويحالفون أولئك، فنهوا عن ذلك! وقال الفراء: المعنى: لا تغدروا بقوم ~~لقلتهم وكثرتكم، أو قلتكم وكثرتهم وقد غررتموهم بالأيمان. # قوله تعالى: (إنما يبلوكم الله به) في هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الكثرة، قاله سعيد بن جبير، وابن السائب، ومقاتل، ~~فيكون المعنى: إنما يختبركم الله بالكثرة، فإذا كان بين قومين عهد فكثر ~~أحدهما، فلا ينبغي أن يفسخ الذي بينه وبين الأقل. فإن قيل: إذا كنى عن ~~الكثرة، فهلا قيل بها؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري. بأن الكثرة ليس تأنيثها ~~حقيقيا، فحملت على معنى التذكير، كما حملت الصيحة على معنى الصباح. # والثاني: أنها ترجع إلى العهد، فإنه لدلالة الأيمان عليه، يجرى مجرى ~~المظهر، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: أنها ترجع إلى الأمر بالوفاء، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: (ولو شاء لجعلكم أمة واحدة) قد فسرناه في آخر هود. # قوله تعالى: (ولكن يضل من يشاء) صريح في تكذيب القدرية، حيث أضاف الإضلال ~~والهداية إليه، وعلقهما بمشيئته. # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ~~إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) قوله تعالى: ~~(ولا تتخذوا أيمانكم دخلا) هذا استئناف للنهي عن أيمان الخديعة. (فتزل قدم ~~بعد ثبوتها) قال أبو عبيدة: هذا مثل يقال لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقط في ~~ورطة بعد سلامة: زلت ms1261 به قدمه. قال مقاتل: ناقض العهد يزل في دينه كما تزل ~~قدم الرجل بعد الاستقامة. PageV04P355 # قال المفسرون: وهذا نهي للذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الإسلام ونصرة الدين عن نقض العهد، ويدل عليه قوله تعالى: (وتذوقوا السوء) ~~يعني: العقوبة (بما صددتم عن سبيل الله) يريد أنهم إذا نقضوا عهدهم مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، صدوا الناس عن الإسلام، فاستحقوا العذاب. # وقوله تعالى: (ولكم عذاب عظيم) يعني: في الآخرة. ثم أكد ذلك بقوله: (ولا ~~تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) قال أبو صالح عن ابن عباس: نزلت في رجلين ~~اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، يقال لأحدهما: " عيدان بن ~~أشوع " وهو صاحب الأرض، وللآخر: " امرؤ القيس " وهو المدعى عليه، فهم امرؤ ~~القيس أن يحلف، فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وذكر ~~أبو بكر الخطيب أن اسم صاحب الأرض " ربيعة بن عبدان "، وقيل: " عيدان "، ~~بفتح العين وياء معجمة باثنتين. ومعنى الآية: لا تنقضوا عهودكم، تطلبون ~~بنقضها عرضا يسيرا من الدنيا، إن ما عند الله من الثواب على الوفاء هو خير ~~لكم من العاجل. (ما عندكم ينفذ) أي: يفنى (وما عند الله) في الآخرة (باق) ~~وقف بالياء ابن كثير في رواية عنه، ولا خلاف في حذفها في الوصل. (ولنجزين ~~الذين صبروا) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " وليجزين ~~" بالياء. وقرأ ابن كثير، وعاصم " ولنجزين " بالنون. ولم يختلفوا في ~~(ولنجزينهم أجرهم) أنها بالنون، ومعنى هذه الآية: وليجزين الذين صبروا على ~~أمره أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون في الدنيا، ويتجاوز عن سيئاتهم. # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) قوله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن امرأ القيس المتقدم ذكره أقر بالحق الذي كان هم أن يحلف عليه، ~~فنزلت فيه: # (من عمل صالحا)، وهو إقراره بالحق، قاله أبو صالح عن ms1262 ابن عباس. # والثاني: أن ناسا من أهل التوراة، وأهل الإنجيل، وأهل الأوثان، جلسوا، ~~فتفاضلوا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح. # قوله تعالى: (فلنحيينه حياة طيبة) اختلفوا أين تكون هذه الحياة الطيبة ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها في الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس. ثم فيها للمفسرين تسعة ~~أقوال: PageV04P356 # أحدها: أنها القناعة، قاله علي عليه السلام، وابن عباس في رواية، والحسن ~~في رواية، ووهب بن منبه. # والثاني: أنها الرزق الحلال، رواه أبو مالك عن ابن عباس. وقال الضحاك: ~~يأكل حلالا ويلبس حلالا. والثالث: أنها السعادة، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والرابع: أنها الطاعة، قاله عكرمة. # والخامس: أنها رزق يوم بيوم، قاله قتادة. # والسادس: أنها الرزق الطيب، والعمل الصالح، قاله إسماعيل بن أبي خالد. # والسابع: أنها حلاوة الطاعة، قاله أبو بكر الوراق. # والثامن: العافية والكفاية. # والتاسع: الرضى بالقضاء، ذكرهما الماوردي. # والثاني: أنها في الآخرة، قاله الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، ~~وابن زيد، وذلك إنما يكون في الجنة. # والثالث: أنها في القبر، رواه أبو غسان عن شريك. # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا ~~إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ~~ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) قوله تعالى: (فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: فإذا أردت القراءة فاستعذ، ومثله (إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم) وقوله: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) ~~وقوله: (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة). PageV04P357 # ومثله في الكلام: إذا أكلت، فقل بسم الله، هذا قول عامة العلماء ~~واللغويين. # والثاني: أنه على ظاهره، وأن الاستعاذة بعد القراءة. روي عن أبي هريرة، ~~وداود. # والثالث: أنه من المقدم والمؤخر، فالمعنى: فإذا استعذت بالله فاقرأ، قاله ~~أبو حاتم السجستاني، والأول أصح. # (فصل) والاستعاذة ms1263 عند القراءة سنة في الصلاة وغيرها. وفي صفتها عن أحمد ~~روايتان. # إحداهما: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، رواها ~~أبو بكر المروزي. # والثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، إن الله هو ~~السميع العليم، رواها حنبل. وقد بينا معنى " أعوذ " في أول الكتاب، وشرحنا ~~اشتقاق الشيطان في البقرة، والرجيم في آل عمران. # قوله تعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا) في المراد بالسلطان ~~قولان: # أحدهما: أنه التسلط. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ليس له عليهم سلطان بحال، لأن الله صرف سلطانه عنهم بقوله: (إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين). # والثاني: ليس له عليهم سلطان، لاستعاذتهم منه. # والثالث: ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. # والثاني: أنه الحجة. فالمعنى: ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي، ~~قاله مجاهد. # فأما قوله: (يتولونه) معناه: يطيعونه. وفي هاء الكناية في قوله: (والذين ~~هم به مشركون) قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله مجاهد، والضحاك. # والثاني: أنها ترجع إلى الشيطان، فالمعنى: الذين هم من أجله مشركون ~~بالله، وهذا كما PageV04P358 # يقال: صار فلان بك عالما، أي: من أجلك، هذا قول ابن قتيبة. وقال ابن ~~الأنباري: المعنى: # والذين هم بإشراكهم إبليس في العبادة، مشركون بالله تعالى. # قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية) سبب نزولها أن الله تعالى كان ~~ينزل الآية، فيعمل بها مدة، ثم ينسخها، فقال كفار قريش: والله ما محمد إلا ~~يسخر من أصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، ويأتيهم غدا بما هو أهون عليهم منه، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والمعنى: إذا نسخنا آية بآية، إما نسخ الحكم والتلاوة، أو نسخ الحكم مع ~~بقاء التلاوة (والله أعلم بما ينزل) من ناسخ ومنسوخ، وتشديد وتخفيف، فهو ~~عليم بالمصلحة في ذلك (قالوا إنما أنت مفتر) أي: كاذب (بل أكثرهم لا ~~يعلمون) فيه قولان: # أحدهما: لا يعلمون أن الله أنزله. # والثاني: لا يعلمون فائدة النسخ. # قوله تعالى: (قل ms1264 نزله) يعني: القرآن (روح القدس) يعني: جبريل. وقد شرحنا ~~هذا الاسم في البقرة. # قوله تعالى: (من ربك) أي: من كلامه (بالحق) أي: بالأمر الصحيح (ليثبت ~~الذين آمنوا) بما فيه من البينات فيزدادوا يقينا. # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم ~~عذاب أليم (104) إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون (105) قوله تعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون) يعني: قريشا (إنما ~~يعلمه بشر) أي: آدمي، وما هو من عند الله. وفيمن أرادوا بهذا البشر تسعة ~~أقوال: # أحدها: أنه كان لبني المغيرة غلام يقال له " يعيش " يقرأ التوراة، ~~فقالوا: منه يتعلم محمد، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال ~~عكرمة في رواية: كان هذا الغلام لبني عامر بن لؤي، وكان روميا. PageV04P359 # والثاني: أنه فتى كان بمكة يسمى " بلعام " وكان نصرانيا أعجميا، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه، فلما رأى المشركون دخوله إليه وخروجه، ~~قالوا ذلك، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنه نزلت في كاتب كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيملي عليه " سميع عليم " فيكتب هو " عزيز حكيم " أو نحو هذا، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أي ذلك كتبت فهو كذلك "، فافتتن، وقال: إن ~~محمدا يكل ذلك إلي فأكتب ما شئت، روي عن سعيد بن المسيب. # والرابع: أنه غلام أعجمي لامرأة من قريش يقال له: " جابر "، وكان جابر ~~يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه، فقال المشركون: إنما يتعلم ~~محمد من هذا، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: أنهم عنوا سلمان الفارسي، قاله الضحاك، وفيه بعد من جهة أن ~~سلمان أسلم بالمدينة، وهذه مكية. # والسادس: أنه عنوا به رجلا حدادا كان يقال " بحنس " النصراني، قاله ابن ~~زيد. # والسابع: أنهم عنوا به غلاما لعامر بن الحضرمي، وكان يهوديا أعجميا، ~~واسمه " يسار "، ويكنى " أبا فكيهة "، قاله مقاتل. وقد روي عن سعيد بن ms1265 جبير ~~نحو هذا، إلا أنه لم يقل: إنه كان يهوديا. # والثامن: أنهم عنوا غلاما أعجميا اسمه " عايش "، وكان مملوكا لحويطب، ~~وكان قد أسلم قاله الفراء، والزجاج. # والتاسع: أنهما رجلان، قال عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا عبدان من ~~أهل عين التمر، يقال لأحدهما: " يسار " وللآخر " جبر " وكانا يصنعان السيوف ~~بمكة، ويقرآن الإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن، ~~فيقف يستمع، فقال المشركون: إنما يتعلم منهما. قال ابن الأنباري، فعلى هذا ~~القول، يكون البشر واقعا على اثنين، والبشر من أسماء الأجناس، يعبر عن ~~اثنين، كما يعبر " أحد " عن الاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث. # قوله تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وعاصم: " يلحدون " بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ حمزة، ~~والكسائي: " يلحدون " بفتح الياء والحاء. فأما القراءة الأولى، فقال ابن ~~قتيبة: " يلحدون " أي: يميلون إليه، ويزعمون أنه يعلمه، وأصل الإلحاد ~~الميل. وقال الفراء: " يلحدون " بضم الياء: يعترضون، ومنه قول: " ومن يرد ~~فيه بإلحاد بظلم) أي: باعتراض، و " يلحدون " بفتح الياء: يميلون. وقال ~~الزجاج: يلحدون إليه، PageV04P360 # أي: يميلون القول فيه أنه أعجمي. قال ابن قتيبة: لا يكاد عوام الناس ~~يفرقون بين العجمي والأعجمي، والعربي والأعرابي، فالأعجمي: الذي لا يفصح ~~وإن كان نازلا بالبادية، والعجمي: # منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا، والأعرابي: هو البدوي، والعربي: منسوب ~~إلى العرب وإن لم يكن بدويا. # قوله تعالى: (وهذا لسان) يعني: القرآن، (عربي) قال الزجاج: أي: أن صاحبه ~~يتكلم بالعربية. # قوله تعالى: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي: الذين ~~إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله، كذبوا بها، (وأولئك هم ~~الكاذبون) أي: أن الكذب نعت لازم لهم، وعادة من عاداتهم، وهذا رد عليهم إذ ~~قالوا: (إنما أنت مفتر). وهذه الآية من أبلغ الزجر عن الكذب، لأنه خص به من ~~لا يؤمن. # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ms1266 ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما ~~فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) * يوم تأتي كل ~~نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) قوله تعالى: ~~(من كفر بالله من بعد إيمانه) قال مقاتل: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح القرشي، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أنس بن خطل، وطعمة بن أبيرق، ~~وقيس بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الفاكه المخزومي. فأما قوله تعالى: ~~(إلا من أكره) فاختلفوا فيمن نزل على أربعة أقوال: PageV04P361 # أحدها: أنه نزل في عمار بن ياسر، أخذه المشركون فعذبوه، فأعطاهم ما ~~أرادوا بلسانه، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثاني: أنه لما نزل قوله: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم..) ~~إلى آخر الآيتين اللتين في سورة النساء كتب بها المسلمون الذين بالمدينة ~~إلى من كان بمكة، فخرج ناس ممن أقر بالإسلام، فاتبعهم المشركون، فأدركوهم، ~~فأكرهوهم حتى أعطوا الفتنة، فنزل (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثالث: أنه نزل في عياش بن أبي ربيعة، كان قد هاجر فحلفت أمه ألا تستظل ~~ولا تشبع من طعام حتى يرجع، فرجع إليها، فأكرهه المشركون حتى أعطاهم بعض ما ~~يريدون، قاله ابن سيرين. # والرابع: أنه نزل في جبر، غلام ابن الحضرمي، كان يهوديا فأسلم، فضربه ~~سيده حتى رجع إلى اليهودية، قاله مقاتل. وأما قوله: (ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا) فقال مقاتل: هم النفر المسمون في أول الآية. # فأما التفسير، فاختلف النحاة في قوله: (من كفر) وقوله: (ولكن من شرح) ~~فقال الكوفيون: جوابهما جميعا في قوله: (فعليهم غضب)، فقال البصريون: بل ~~قوله: (من كفر) مرفوع بالرد على (الذين لا يؤمنون). قال ابن الأنباري: ~~ويجوز أن ms1267 يكون خبر (من كفر) محذوفا، لوضوح معناه، تقديره: من كفر بالله، ~~فالله عليه غضبان. # قوله تعالى: (وقلبه مطمئن بالإيمان) أي: ساكن إليه راض به. (ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا) قال قتادة: من أتاه بإيثار واختيار. وقال ابن قتيبة: من فتح ~~له صدره بالقبول. وقال أبو عبيدة: المعنى: من تابعته نفسه، وانبسط إلى ذلك، ~~يقال: ما ينشرح صدري بذلك، أي: ما يطيب. وجاء قوله: (فعليهم غضب) على معنى ~~الجميع، لأن " من " تقع على الجميع. # فصل الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها. وفي الإكراه المبيح لذلك عن ~~أحمد روايتان: # إحداهما: أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر ~~به. # والثانية: أن التخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب. وإذ ثبت جواز " ~~التقية " فالأفضل ألا يفعل، نص عليه أحمد، في أسير خير بين القتل وشرب ~~الخمر، فقال: إن صبر على القتل فله PageV04P362 # الشرف، وإن لم يصبر، فله الرخصة، فظاهر هذا، الجواز. وروى عنه الأثرم أنه ~~سئل عن التقية في شرب الخمر فقال: إنما التقية في القول. فظاهر هذا أنه لا ~~يجوز له ذلك. فأما إذا أكره على الزنا، لم يجز له الفعل، ولم يصح إكراهه، ~~نص عليه أحمد. فإن أكره على الطلاق، لم يقع طلاقه، نص عليه أحمد، وهو قول ~~مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يقع. # قوله تعالى: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا) في المشار إليه بذلك ~~قولان: # أحدهما: أنه الغضب والعذب، قاله مقاتل. # والثاني: أنه شرح الصدر للكفر. و " استحبوا " بمعنى: أحبوا الدنيا ~~واختاروها على الآخرة. # قوله تعالى: (وأن الله) أي: وبأن الله لا يريد هدايتهم. وما بعد هذا قد ~~سبق شرحه إلى قوله: (وأولئك هم الغافلون) ففيه قولان. # أحدهما: الغافلون عما يراد بهم، قاله ابن عباس. # والثاني: عن الآخرة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (لا جرم) قد شرحناها في هود. # قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) اختلفوا فيمن نزلت ~~على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت فيمن كان يفتن بمكة من ms1268 أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن قوما من المسلمين خرجوا للهجرة، فلحقهم المشركون فأعطوهم ~~الفتنة، فنزل فيهم (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل ~~فتنة الناس كعذاب الله)، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا، وأدركهم ~~المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل، فنزلت فيهم هذه الآية، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان الشيطان قد أزله ~~حتى لحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، ~~فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مروي ~~عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وفيه بعد، له لأن المشار إليه وإن كان قد عاد ~~إلى الإسلام، فإن الهجرة انقطعت بالفتح. PageV04P363 # والرابع: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو، ~~وعبد الله بن أسيد الثقفي، قاله مقاتل. # فأما قوله تعالى: (من بعد ما فتنوا) فقرأ الأكثرون: " فتنوا " بضم الفاء ~~وكسر التاء، على معنى: من بعد ما فتنهم المشركون عن دينهم. قال ابن عباس: ~~فتنوا بمعنى: عذبوا. وقرأ عبد الله بن عامر: " فتنوا " بفتح الفاء والتاء، ~~على معنى: من بعد ما فتنوا الناس عن دين الله، يشير إلى من أسلم من ~~المشركين. وقال أبو علي: من بعد ما فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا للتقية، ~~لأن الرخصة لم تكن نزلت بعد. # قوله تعالى: (ثم جاهدوا) أي: قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(وصبروا) على الدين والجهاد. # (إن ربك من بعدها) في المكني عنها أربعة أقوال: # أحدها: الفتنة، وهو مذهب مقاتل. # والثاني: الفعلة التي فعلوها، قاله الزجاج. # والثالث: المجاهدة، والمهاجرة، والصبر. # والرابع: المهاجرة. ذكرهما واللذين قبلهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: (يوم تأتي) قال الزجاج: هو منصوب على أحد شيئين، إما على ~~معنى: إن ربك لغفور يوم تأتي، وإما على معنى: اذكر يوم تأتي. ومعنى (تجادل ~~عن ms1269 نفسها) أي: عنها. # والمراد: أن كل إنسان يجادل عن نفسه. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال ~~لكعب الأحبار: يا كعب خوفنا، فقال: إن لجهنم زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ليدلي بالخلة ~~فيقول: " يا رب أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك إلا نفسي "، وإن تصديق ذلك في ~~كتاب الله (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها). وقد شرحنا معنى " الجدال " في ~~هود. # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ~~PageV04P364 # قوله تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة) في هذه القرية قولان: # أحدهما: أنها مكة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور، وهو الصحيح. # والثاني: أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز، فبعث ~~الله عليهم الجوع حتى كانوا يأكلون ما يقعدون، قاله الحسن. فأما ما يروى عن ~~حفصة أنها قالت: هي المدينة، فذلك على سبيل التمثيل، لا على وجه التفسير، ~~وبيانه: ما روى سليم بن عنز، قال: صدرنا من الحج مع حفصة، وعثمان محصور ~~بالمدينة، فرأت راكبين فسألتهما عنه، فقالا: قتل، فقالت: والذي نفسي بيده ~~إنها للقرية، تعني المدينة التي قال الله تعالى في كتابه: (وضرب الله مثلا ~~قرية كانت آمنة مطمئنة)، تعني حفصة: أنها كانت على قانون الاستقامة في أيام ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، (فكفرت بأنعم ~~الله) عند قتل عثمان رضي الله عنه. ومعنى (كانت آمنة) أي: ذات أمن يأمن ~~فيها أهلها أن يغار عليهم، (مطمئنة) أي: ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى ~~الانتقال عنها لخوف أو ضيق. وقد شرحنا معنى الرغد في البقرة. # وقوله: (من كل مكان) أي: يجلب إليها من كل بلد، وذلك كله بدعوة إبراهيم ~~عليه السلام، (فكفرت بأنعم الله) بتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وفي واحد الأنعم قولان: # أحدهما: أن واحدها " نعم " قاله أبو عبيدة، وابن ms1270 قتيبة. # والثاني: " نعمة " قاله الزجاج. قال ابن قتيبة: ليس قول من قال: هو جمع " ~~نعمة " بشئ، لأن " فعلة " لا تجمع على " أفعل "، وإنما هو جمع " نعم "، ~~يقال: يوم نعم، ويوم بؤس، ويجمع " أنعما "، و " أبؤسا ". # قوله تعالى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) وروى عبيد بن عقيل، وعبد ~~الوارث عن أبي عمرو: " والخوف " بنصب الفاء. وأصل الذوق إنما هو بالفم، ~~وهذا استعارة منه، وقد شرحنا هذا المعنى في آل عمران. وإنما ذكر اللباس ~~هاهنا تجوزا، لما يظهر عليهم من أثر الجوع والخوف، فهو كقوله: (ولباس ~~التقوى) وذلك لما يظهر على المتقي من أثر التقوى. قال المفسرون: عذبهم الله ~~بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحترقة. فأما الخوف، فهو خوفهم ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سراياه التي كان يبعثها حولهم. ~~والكلام في هذه الآية خرج على القرية، والمراد أهلها، ولذلك قال: (بما ~~كانوا يصنعون) يعني به: بتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإخراجهم ~~إياه وما هموا به من قتله. PageV04P365 # ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) قوله تعالى: ~~(ولقد جاءهم) يعني أهل مكة (رسول منهم) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ~~(فكذبوه فأخذهم العذاب) وفيه قولان: # أحدهما: أنه الجوع، قاله ابن عباس. # والثاني: القتل ببدر، قاله مجاهد. قال ابن السائب: (وهم ظالمون) أي: ~~كافرون. # فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ~~(114) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) قوله تعالى: (فكلوا مما ~~رزقكم الله) في المخاطبين بهذا قولان: # أحدهما: أنهم المسلمون، وهو قول الجمهور. # والثاني: أنهم أهل مكة المشركون، لما اشتدت مجاعتهم، كلم رؤساؤهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت عاديت الرجال، فما بال النساء ~~والضبيان؟! فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أن يحملوا الطعام ~~إليهم، حكاه الثعلبي، وذكر نحوه الفراء، وهذه الآية والتي تليها مفسرتان في ~~البقرة. # ولا ms1271 تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم (117) قوله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب) قال ابن ~~الأنباري: اللام في " لما " بمعنى من أجل، وتلخيص الكلام: ولا تقولوا: هذه ~~الميتة حلال، وهذه البحيرة حرام، من أجل كذبكم، وإقدامكم على الوصف، ~~والتخرص لما لا أصل له، فجرت اللام هاهنا مجراها في قوله: # (وإنه لحب الخير لشديد) أي: وإنه من أجل حب الخير لبخيل، و " ما " بمعنى ~~المصدر، والكذب منصوب ب‍ " تصف "، والتلخيص: لا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب. ~~وقرأ ابن أبي PageV04P366 # عبلة: " الكذب "، قال ابن القاسم: هو نعت الألسنة، وهو جمع كذوب. قال ~~المفسرون: # والمعنى: أن تحليلكم وتحريمكم ليس له معنى إلا الكذب. والإشارة بقوله: ~~(هذا حلال وهذا حرام) إلى ما كانوا يحلون ويحرمون، (لتفتروا على الله ~~الكذب) وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى، ~~ويقولون: هو أمرنا بهذا. # وقوله: (متاع قليل) أي: متاعهم بهذا الذي فعلوه قليل. # وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) قوله تعالى: (وعلى الذين ~~هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل) يعني به ما ذكر في الأنعام وهو قوله: ~~(وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) (وما ظلمناهم) بتحريمنا ما حرمنا ~~عليهم، (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بالبغي والمعاصي. # قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة) قد شرحناه في سورة ~~النساء، وشرحنا في البقرة التوبة والاصلاح، وذكرنا معنى قوله: (من بعدها) ~~آنفا. # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا ~~لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين (122) قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة) قال ابن ~~الأنباري: هذا مثل قول العرب: فلان رحمة، وفلان علامة، ونسابة، ms1272 ويقصدون ~~بهذا التأنيث قصد التناهي في المعنى الذي يصفونه، والعرب قد توقع الأسماء ~~المبهمة على الجماعة، وعلى الواحد، كقوله: (فنادته الملائكة)، وإنما ناداه ~~PageV04P367 # جبريل وحده. وللمفسرين في المراد بالأمة هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الأمة: الذي يعلم الخير، قاله ابن مسعود، والفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أنه المؤمن وحده في زمانه، روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد. # والثالث: أنه الإمام الذي يقتدى به، قاله قتادة، ومقاتل، وأبو عبيدة، وهو ~~في معنى القول الأول. فأما القانت فقال ابن مسعود: هو المطيع. وقد شرحنا " ~~القنوت " في البقرة وكذلك الحنيف. # قوله تعالى: (ولم يك) قال الزجاج: أصلها: لم يكن، وإنما حذفت النون عند ~~سيبويه، لكثرة استعمال هذا الحرف، وذكر الجلة من البصريين أنها إنما احتملت ~~الحذف، لأنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال، وأنها عبارة عن كل ما يمضي من ~~الأفعال وما يستأنف، وأنها قد أشبهت حروف اللين، وأنها تكون علامة كما تكون ~~حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف، فلذلك احتملت الحذف. # قوله تعالى: (شاكرا لأنعمه) انتصب بدلا من قوله: (أمة قانتا) وقد ذكرنا ~~واحد الأنعم آنفا، وشرحنا معنى " الاجتباء " في (الأنعام) قال مقاتل: ~~والمراد بالصراط المستقيم هاهنا: # الإسلام. # قوله تعالى: (وآتيناه في الدنيا حسنة) فيها ستة أقوال: # أحدها: أنه الذكر الحسن، قاله ابن عباس. والثاني: النبوة، قاله الحسن. # والثالث: لسان صدق، قاله مجاهد. # والرابع: اجتماع الملل على ولايته، فكلهم يتولونه ويرضونه، قاله قتادة. # والخامس: أنها الصلاة عليه مقرونة بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قاله مقاتل بن حيان. # والسادس: الأولاد الأبرار على الكبر، حكاه الثعلبي. وباقي الآية مفسر في ~~البقرة. # ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) ~~PageV04P368 # قوله تعالى، (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) ملته: دينه. # وفيما أمر باتباعه من ذلك قولان: # أحدهما: أنه أمر باتباعه في جميع ملته، إلا ما أمر بتركه، وهذا هو ~~الظاهر. # [والثاني: اتباعه في التبرؤ من الأوثان، والتدين بالإسلام، قاله أبو جعفر ~~الطبري]. وفي هذه الآية ms1273 دليل على جواز اتباع المفضول، لأن رسولنا أفضل ~~الرسل، وإنما أمر باتباعه، لسبقه إلى القول بالحق. # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون (124) قوله تعالى: (إنما جعل السبت) أي: إنما فرض ~~تعظيمه وتحريمه، وقرأ الحسن، وأبو حيوة: " إنما جعل " بفتح الجيم والعين " ~~السبت " بنصب التاء (على الذين اختلفوا فيه) والهاء ترجع إلى السبت. وفي ~~معنى اختلافهم فيه قولان: # أحدهما: أن موسى قال لهم: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما، فاعبدوه في ~~يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه شيئا من صنيعكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك، وقالوا: ~~لا نبتغي إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق، وهو يوم السبت، فجعل ذلك عليهم، ~~وشدد عليهم فيه، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # وقال مقاتل: لما أمرهم موسى بيوم الجمعة، قالوا: نتفرغ يوم السبت، فإن ~~الله لم يخلق فيه شيئا، فقال: إنما أمرت بيوم الجمعة، فقال أحبارهم: انتهوا ~~إلى أمر نبيكم، فأبوا فذلك اختلافهم، فلما رأى موسى حرصهم على السبت، أمرهم ~~به، فاستحلوا فيه المعاصي. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: رأى موسى ~~رجلا يحمل قصبا يوم السبت، فضرب عنقه، وعكفت عليه الطير أربعين صباحا. وذكر ~~ابن قتيبة في " مختلف الحديث ": أن الله تعالى بعث موسى بالسبت، ونسخ السبت ~~بالمسيح. # والثاني: أن بعضهم استحله، وبعضهم حرمه، قاله قتادة. # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) PageV04P369 # قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك) قال ابن عباس: نزلت مع الآية التي بعدها، ~~وسنذكر هناك السبب. فأما السبيل، فقال مقاتل: هو دين الإسلام. وفي المراد ~~(بالحكمة) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها القرآن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الفقه، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: النبوة، ذكره الزجاج. وفي (الموعظة الحسنة) قولان: # أحدهما: مواعظ القرآن، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الأدب الجميل الذي يعرفونه، قاله الضحاك عن ابن عباس. ms1274 # قوله تعالى: (وجادلهم) في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم أهل مكة، قاله أبو صالح. # والثاني: أهل الكتاب، قاله مقاتل. وفي قوله: (بالتي هي أحسن) ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: جادلهم بالقرآن. # والثاني: ب‍ " لا إله إلا الله "، روي القولان عن ابن عباس. # والثالث: جادلهم غير فظ ولا غليظ، وألن لهم جانبك، قاله الزجاج. وقال بعض ~~علماء التفسير: وهذا منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم) المعنى: هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك ~~فيهما بما فيه الصلاح. # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) ~~واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) ~~إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) قوله تعالى: (وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على حمزة، فرآه صريعا، فلم ~~ير شيئا كان أوجع لقلبه منه، فقال: " والله لأمثلن بسبعين منهم "، فنزل ~~جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف، بقوله: (وإن عاقبتم...) إلى أخرها، ~~فصبر رسول الله وكفر عن يمينه، قاله أبو هريرة. وقال ابن عباس: رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم PageV04P370 # حمزة قد شق بطنه، وجدعت أذناه، فقال: " لولا أن تحزن النساء، أو تكون سنة ~~بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير، ولأقتلن مكانه سبعين ~~رجلا منهم "، فنزل قوله: (ادع إلى سبيل ربك) إلى قوله: (وما صبرك إلا ~~بالله). وروى الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~يومئذ: " لئن ظفرت بقاتل حمزة لأمثلن به مثلة تتحدث بها العرب "، وكانت هند ~~وآخرون معها قد مثلوا به، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة ~~منهم حمزة، ومثلوا بقتلاهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما من الدهر، ~~لنزيدن على عدتهم مرتين، فنزلت هذه الآية، قاله أبي بن كعب. وروى أبو صالح ~~عن ابن عباس أن المسلمين قالوا: لئن أمكننا الله ms1275 منهم لنمثلن بالأحياء فضلا ~~عن الأموات، فنزلت هذه الآية، يقول: إن كنتم فاعلين، فمثلوا بالأموات، كما ~~مثلوا بأمواتكم. قال ابن الأنباري: وإنما سمى فعل المشركين معاقبة وهم ~~ابتدؤوا بالمثلة، ليزدوج اللفظان، فيخف على اللسان، كقوله: (وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها). # فصل واختلف العلماء، هل هذه [الآية] منسوخة، أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنها نزلت قبل (براءة) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقاتل من قاتله، ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك، وأمر بالجهاد، قاله ابن ~~عباس، والضحاك، فعلى هذا يكون المعنى: (ولئن صبرتم) عن القتال، ثم نسخ هذا ~~بقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم). # والثاني: أنها محكمة، وإنما نزلت فيمن ظلم ظلامة، فلا يحل له أن ينال من ~~ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه، قاله مجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن ~~سيرين، والثوري، وعلى هذا يكون المعنى: ولئن صبرتم عن المثلة، لا عن ~~القتال. # قوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله) أي: بتوفيقه ومعونته. وهذا أمر ~~بالعزيمة. وفي قوله: (ولا تحزن عليهم) قولان: # أحدهما: على كفار مكة إن لم يسلموا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: ولا تحزن على قتلى أحد، فإنهم أفضوا إلى رحمة الله، ذكره علي بن ~~أحمد النيسابوري. # قوله تعالى: (ولا تك في ضيق) قرأ الأكثرون بنصب الضاد، وقرأ ابن كثير: " ~~في ضيق " PageV04P371 # بكسر الضاد ها هنا وفي النمل. قال الفراء: الضيق بفتح الضاد: ما ضاق عنه ~~صدرك، والضيق: # ما يكون في الذي يضيق ويتسع، مثل الدار والثوب وأشباه ذلك. وقال ابن ~~قتيبة: الضيق: تخفيف ضيق، مثل: هين ولين. وهو، إذا كان على هذا التأويل: ~~صفة، كأنه قال: لا تك في أمر ضيق من مكرهم. قال: ويقال: مكان ضيق وضيق، ~~بمعنى واحد، كما يقال: رطل ورطل، وهذا أعجب إلي. فأما مكرهم المذكور ها ~~هنا، فقال أبو صالح عن ابن عباس: فعلهم وعملهم. # قوله تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا) ما نهاهم عنه، وأحسنوا فيما أمرهم ~~به، بالعون والنصر. # تم - بعون الله تعالى وتوفيقه - الجزء الرابع من كتاب " زاد ms1276 المسير في ~~عليم التفسير " للحافظ ابن الجوزي ويليه الجزء الخامس، وأوله: تفسير سورة " ~~بني إسرائيل " * * * PageV04P372 # زاد المسير في علم التفسير للإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن ~~علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه ~~محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن أستاذ بكلية الدراسات ~~الإسلامية بالأزهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء ~~الخامس سورة الإسراء - سورة النور دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ~~PageV05P001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى جمادى الأولى 1407 ه‍ ~~- كانون الثاني 1987 م PageV05P002 # (17) سورة الإسراء مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة فصل في نزولها هي مكية ~~في قول الجماعة، إلا أن بعضهم يقول: فيها مدني، فروي عن ابن عباس أنه قال: ~~هي مكية إلا ثمان آيات: من قوله [تعالى]: * (وإن كادوا ليفتنونك) * إلى ~~قوله [تعالى]: # * (نصيرا) *، وهذا قول قتادة. وقال مقاتل: فيها من المدني: * (وقل رب ~~أدخلني مدخل صدق) * وقوله [تعالى]: * (إن الذين أوتوا العلم من قبله) * ~~وقوله [تعالى]: * (إن ربك أحاط بالناس) * وقوله [تعالى]: * (وإن كادوا ~~ليفتنونك) * وقوله [تعالى]: * (وإن كادوا ليستفزونك) * وقوله [تعالى]: * ~~(ولولا أن ثبتناك) * والتي تليها. # بسم الله الرحمن الرحيم سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير " 1 ~~" PageV05P003 # قوله تعالى: * (سبحان) * روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ~~تفسير " سبحان الله "، فقال: # " تنزيه الله عن كل سوء "، وقد ذكرنا هذا المعنى في البقرة قال الزجاج: و ~~" أسري ": # بمعنى: سير عبده، يقال: أسريت وسريت: إذا سرت ليلا. وقد جاءت اللغتان في ~~البقرة، قال الله تعالى: * (والليل إذا يسر) *. # وفي معنى التسبيح ها هنا قولان: # أحدهما: أن العرب تسبح عند الأمر المعجب، فكأن الله تعالى عجب العباد مما ~~أسدى إلى رسوله من النعمة. # والثاني: أن يكون خرج مخرج الرد عليهم، لأنه لما حدثهم بالاسراء، كذبوه، ~~فيكون المعنى: تنزه الله أن يتخذ رسولا كذابا. ولا ms1277 خلاف أن المراد بعبده ~~هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي قوله تعالى: * (من المسجد الحرام) * قولان: # أحدهما: أنه أسري به من نفس المسجد، قاله الحسن، وقتادة، ويسنده حديث ~~مالك بن صعصعة، وهو في " الصحيحين " " بينما أنا في الحطيم " وربما قال بعض ~~الرواة: في " الحجر ". # والثاني: أنه أسري به من بيت أم هانئ، وهو قول أكثر المفسرين، فعلى هذا ~~يعني بالمسجد الحرام. والحرم كله مسجد، ذكره القاضي أبو يعلى وغيره. # فأما * (المسجد الأقصى) * فهو بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لبعد المسافة ~~بين المسجدين. ومعنى * (باركنا حوله) *: أن الله أجرى حوله الأنهار، وأنبت ~~الثمار. وقيل: لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة. # واختلف العلماء، هل دخل بيت المقدس، أم لا؟ فروى أبو هريرة أنه دخل بيت ~~المقدس، وصلى فيه بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماء. وقال حذيفة بن اليمان: ~~لم يدخل بيت المقدس ولم يصل فيه، ولا نزل عن البراق حتى عرج به. # فإن قيل: ما معنى قوله [تعالى]: * (إلى المسجد الأقصى) * وأنتم تقولون: ~~صعد إلى السماء؟ # فالجواب: أن الإسراء كان إلى هنالك، والمعراج كان من هنالك. # وقيل: إن الحكمة في ذكر ذلك، أنه لو أخبر بصعوده إلى السماء في بدء ~~الحديث، لاشتد PageV05P004 # إنكارهم، فلما أخبر ببيت المقدس، وبان لهم صدقه فيما أخبرهم به من ~~العلامات الصادقة، أخبر بمعراجه. # قوله تعالى: * (لنريه من آياتنا) * يعني: ما رأى تلك الليلة من العجائب ~~التي أخبر بها الناس. * (إنه هو السميع) * لمقالة قريش، * (البصير) * بها. ~~وقد ذكرنا في كتابنا المسمى ب‍ " الحدائق " أحاديث المعراج، وكرهنا الإطالة ~~هاهنا. # وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا " ~~2 " ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا " 3 " قوله تعالى: * (وآتينا ~~موسى الكتاب) * لما ذكر في الآية الأولى إكرام محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ذكر في هذه كرامة موسى. و * (الكتاب) *: التوراة. * (وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل) * أي: دللناهم به على الهدى. * (ألا تتخذوا) * قرأ أبو عمرو: " ~~يتخذوا " بالياء، والمعنى: هديناهم لئلا يتخذوا وقرأ الباقون ms1278 بالتاء، قال ~~أبو علي: وهو على الانصراف إلى الخطاب بعد الغيبة، مثل * (الحمد لله) * ثم ~~قال * (إياك نعبد) *. # قوله تعالى: * (وكيلا) * قال مجاهد: شريكا. وقال الزجاج: ربا. قال ابن ~~الأنباري: وإنما قيل للرب: وكيل، لكفايته وقيامه بشأن عباده، من أجل أن ~~الوكيل عند الناس قد علم أنه يقوم بشؤون أصحابه، وتفقد أمورهم، فكان الرب ~~وكيلا من هذه الجهة، لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل. # قوله تعالى: * (ذرية من حملنا) * قال مجاهد: هو نداء: يا ذرية من حملنا. ~~قال ابن الأنباري: من قرأ: " ألا تتخذوا " بالتاء، فإنه يقول: بعد الذرية ~~مضمر حذف اعتمادا على دلالة ما سبق، تلخيصه: يا ذرية من حملنا مع نوح لا ~~تتخذوا وكيلا، ويجوز أن يستغني عن الإضمار بقوله [تعالى]: * (إنه كان عبدا ~~شكورا) * لأنه بمعنى: اشكروني كشكره. ومن قرأ: " ألا يتخذوا " بالياء، جعل ~~النداء متصلا بالخطاب، و " الذرية " تنتصب بالنداء، ويجوز نصبها بالاتخاذ ~~على أنها مفعول ثان، تلخيص الكلام: ألا يتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلا. ~~قال قتادة: # الناس كلهم ذرية من أنجى الله في تلك السفينة. PageV05P005 # لله " وإذا شرب قال: " الحمد لله ". وقال غيره: كان إذا لبس ثوبا قال: " ~~الحمد لله " فسماه الله عبدا شكورا. # وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبير " 4 " فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ~~فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا " 5 " ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا " 6 " قوله تعالى: * (وقضينا ~~إلى بني إسرائيل) * فيه قولان: # أحدهما: أخبرناهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: قضينا عليهم، رواه العوفي عن ابن عباس. وبه قال قتادة، فعلى ~~الأول: تكون * (إلى) * على أصلها، ويكون الكتاب: التوراة، وعلى الثاني: ~~تكون * (إلى) * بمعنى " على "، ويكون * (الكتاب) *: الذكر الأول. # قوله تعالى: * (لتفسدون في الأرض) * يعني: أرض مصر * (مرتين) * بالمعاصي ~~ومخالفة التوراة. # وفيمن قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان: # أحدهما: زكريا، قاله السدي عن أشياخه. PageV05P006 # والثاني: ms1279 شعيا، قاله ابن إسحاق. فأما المقتول من الأنبياء في الفساد ~~الثاني:، فهو يحيى ابن زكريا. قال مقاتل: كان بين الفسادين مائتا سنة وعشر ~~سنين. فأما السبب في قتلهم زكريا، فإنهم اتهموه بمريم، وقالوا: منه حملت، ~~فهرب منهم، فانفتحت له شجرة فدخل فيها وبقي من ردائه هدب، فجاءهم الشيطان ~~فدلهم عليه، فقطعوا الشجرة بالمنشار وهو فيها. وأما السبب في قتلهم " شعيا ~~"، فهو أنه قام فيهم برسالة من الله ينهاهم عن المعاصي. وقيل: هو الذي هرب ~~منهم فدخل في الشجرة حتى قطعوه بالمنشار، وأن زكريا مات حتف أنفه. فأما ~~السبب في قتلهم يحيى بن زكريا، ففيه قولان: # أحدهما: أن ملكهم أراد نكاح امرأة لا تحل له، فنهاه عنها يحيى. # ثم فيها أربعة أقوال: # أحدها: أنها ابنة أخيه، قاله ابن عباس. # والثاني: ابنته، قاله عبد الله بن الزبير. # والثالث: أنها امرأة أخيه، وكان ذلك لا يصلح عندهم، قاله الحسين بن علي ~~عليهما السلام. # والرابع: ابنة امرأته، قاله السدي عن أشياخه، وذكر أن السبب في ذلك: أن ~~ملك بني إسرائيل هوي بنت امرأته، فسأل يحيى عن نكاحها، فنهاه، فحنقت أمها ~~على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها، وعمدت إلى ابنتها فزينتها وأرسلتها إلى ~~الملك حين جلس على شرابه، وأمرتها أن تسقيه، وأن تعرض له، فإن أرادها على ~~نفسها، أبت حتى يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست، ففعلت ذلك، فقال: ويحك ~~سليني غير هذا، فقالت: ما أريد إلا هذا، فأمر، فأتي برأسه والرأس يتكلم ~~ويقول: لا تحل لك، لا تحل لك. # والقول الثاني: أن امرأة الملك رأت يحيى عليه السلام وكان قد أعطي حسنا ~~وجمالا، فأرادته على نفسه، فأبى، فقالت لابنتها: سلي أباك رأس يحيى، ~~فأعطاها ما سألت، قاله الربيع ابن أنس. قال العلماء بالسير: ما زال دم يحيى ~~يغلي حتى قتل عليه من بني إسرائيل سبعون ألفا، فسكن، وقيل: لم يسكن حتى جاء ~~قاتله، فقال: أنا قتلته، فقتل، فسكن. # قوله تعالى: * (ولتعلن علوا كبيرا) * أي: لتعظمن عن الطاعة ولتبغن. # قوله تعالى: * (فإذا جاء ms1280 وعد أولاهما) * أي: عقوبة أولى المرتين (بعثنا) ~~أي: أرسلنا * (عليكم عبادا لنا) * وفيهم خمسة أقوال: PageV05P007 # أحدها: أنهم جالوت وجنوده، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: " بختنصر "، قاله سعيد بن المسيب، واختاره الفراء، والزجاج. # والثالث: العمالقة، وكانوا كفارا، قاله الحسن. # والرابع: سنحاريب، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: قوم من أهل فارس، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: سلط الله عليهم ~~سابور ذا الأكتاف من ملوك فارس. # قوله تعالى: * (أولي بأس شديد) * أي: ذوي عدد وقوة في القتال. # وفي قوله: * (فجاسوا خلال الديار) * ثلاثة أقوال: # أحدها: مشوا بين منازلهم، قاله ابن أبي طلحة. وقال الزجاج: طافوا خلال ~~الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه؟ و " الجوس ": طلب الشئ باستقصاء. # والثاني: قتلوهم بين بيوتهم، قاله الفراء، وأبو عبيدة. # والثالث: عاثوا وأفسدوا، يقال: جاسوا وحاسوا، فهم يجوسون ويحوسون إذا ~~فعلوا ذلك، قاله ابن قتيبة. # فأما الخلال: فهي جمع خلل، وهو الانفراج بين الشيئين. وقرأ أبو رزين، ~~والحسن، وابن جبير، وأبو المتوكل: " خلل الديار " بفتح الخاء واللام من غير ~~ألف. * (وكان وعدا مفعولا) * أي: لا بد من كونه. # قوله تعالى: * (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) * أي: أظفرناكم بهم. والكرة، ~~معناها: الرجعة والدولة، وذلك حين قتل داود جالوت وعاد ملكهم إليهم. وحكى ~~الفراء أن رجلا دعى على " بختنصر "; فقتله الله، وعاد ملكهم إليهم. وقيل: ~~غزوا ملك بابل فأخذوا ما كان في يده من المال والأسرى. # قوله تعالى: * (وجعلناكم أكثر نفيرا) * أي: أكثر عددا وأنصارا منهم. قال ~~ابن قتيبة: النفير والنافر واحد، كما يقال: قدير وقادر، وأصله: من ينفر مع ~~الرجل من عشيرته وأهل بيته. PageV05P008 # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسئوا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا " 7 " ~~عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " 8 " قوله ~~تعالى: * (إن أحسنتم) * أي: وقلنا لكم إن أحسنتم فأطعتم الله * (أحسنتم ~~لأنفسكم) * أي: عاقبة الطاعة لكم * (وإن أسأتم) * بالفساد والمعاصي * ~~(فلها) * وفيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى: فإليها. ms1281 # والثاني: فعليها. # * (فإذا جاء وعد الآخرة) * جواب " فإذا " محذوف، تقديره: فإذا جاء وعد ~~عقوبة المرة الآخرة من إفسادكم، بعثناهم ليسوءوا وجوهكم، وهذا الفساد ~~الثاني، هو قتلهم يحيى بن زكريا، وقصدهم قتل " عيسى " فرفع، وسلط الله ~~عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبوهم، فذلك قوله [تعالى]: * (ليسوءوا ~~وجوهكم) *. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: # " ليسوؤوا " بالياء على الجميع والهمز بين الواوين، والإشارة إلى ~~المبعوثين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: " ليسوء وجوهكم " على ~~التوحيد; قال أبو علي: فيه وجهان. # أحدهما: ليسوء الله عز وجل. والثاني: ليسوء البعث. وقرأ الكسائي: " لنسوء ~~" بالنون، وذلك راجع إلى الله تعالى. # وفيمن بعث عليهم في المرة الثانية قولان: # أحدهما: بختنصر، قاله مجاهد، وقتادة. وكثير من الرواة يأبى هذا القول، ~~ويقولون: كان بين تخريب " بختنصر " بيت المقدس، وبين مولد يحيى بن زكريا ~~زمان طويل. # والثاني: انطياخوس الرومي قاله مقاتل. ومعنى * (ليسوءوا وجوهكم) * أي: ~~ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم، وخصت المساءة بالوجوه، ~~والمراد: أصحاب الوجوه، لما يبدو عليها من أثر الحزن والكآبة. # قوله تعالى: * (وليدخلوا المسجد) * يعني: بيت المقدس * (كما دخلوه) * في ~~المرة الأولى * (وليتبروا) * أي: ليدمروا ويخربوا. قال الزجاج: يقال لكل شئ ~~ينكسر من الزجاج والحديد والذهب: تبر. ومعنى * (ما علوا) * أي: ليدمروا في ~~حال علوهم عليكم. # قوله تعالى: * (عسى ربكم أن يرحمكم) * هذا مما وعدوا، به في التوراة، و " ~~عسى " من الله واجبة فرحمهم الله بعد انتقامه منهم، وعمر بلادهم، وأعاد ~~نعمهم بعد سبعين سنة. * (وإن PageV05P009 # عدتم) * إلى معصيتنا * (عدنا) * إلى عقوبتكم. قال المفسرون: ثم إنهم ~~عادوا إلى المعصية، فبعث الله عليهم ملوكا من ملوك فارس والروم. قال قتادة: ~~ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فهم في عذاب ~~إلى يوم القيامة، فيعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. # قوله تعالى: * (وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) * فيه قولان: # أحدهما: سجنا، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة. وقال مجاهد: يحصرون فيها. # وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: محبسا، ms1282 وقال الزجاج: " حصيرا ": حبسا، أخذ ~~من قولك: # حصرت الرجل، إذا حبسته، فهو محصور، وهذا حصيره، أي: محبسه، والحصير: # المنسوج، سمي حصيرا، لأنه حصرت طاقاته بعضها مع بعض، ويقال للجنب: حصير، ~~لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض. وقال ابن الأنباري: حصيرا: بمعنى: حاصرة، ~~فصرف من حاصرة إلى حصير، كما صرف " مؤلم " إلى أليم. # والثاني: فراشا ومهادا، قاله الحسن. قال أبو عبيدة: ويجوز أن تكون جهنم ~~لهم مهادا بمنزلة الحصير، والحصير: البساط الصغير. # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ~~أن لهم أجرا كبيرا " 9 " وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا ~~أليما " 10 " قوله تعالى: * (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) * قال ابن ~~الأنباري: " التي " وصف للجمع، والمعنى: يهدي إلى الخصال التي هي أقوم ~~الخصال. قال المفسرون: وهي توحيد الله والإيمان به وبرسله والعمل بطاعته، * ~~(ويبشر المؤمنين أن لهم) * أي: بأن لهم * (أجرا) * وهو الجنة، * (وأن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة) * أي: ويبشرهم بالعذاب، لأعدائهم، وذلك أن المؤمنين ~~كانوا في أذى من المشركين، فعجل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين. ~~PageV05P010 # ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا " 11 " قوله تعالى: ~~* (ويدعو الإنسان بالشر) * وذلك أن الإنسان يدعو في حال الضجر والغضب على ~~نفسه وأهله بما لا يحب أن يستجاب له كما يدعو لنفسه بالخير. * (وكان ~~الإنسان عجولا) * يعجل بالدعاء بالشر عند الغضب والضجر عجلته بالدعاء ~~بالخير. # وفي المراد بالإنسان ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اسم جنس يراد به الناس، قال الزجاج وغيره. # والثاني: آدم، فاكتفى بذكره من ذكر ولده، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: أنه النضر بن الحارث حين قال: * (فأمطر مع علينا حجارة من ~~السماء) *، قاله مقاتل. وقال سلمان الفارسي: أول ما خلق الله من آدم رأسه، ~~فجعل ينظر إلى جسده كيف يخلق، قال: فبقيت رجلاه، فقال: يا رب عجل، فذلك ~~قوله: * (وكان الإنسان عجولا) *. # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ms1283 السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا " ~~12 " قوله تعالى: * (وجعلنا الليل والنهار آيتين) * أي: علامتين يدلان على ~~قدرة خالقهما. # * (فمحونا آية الليل) * فيه قولان: # أحدهما: أن آية الليل: القمر، ومحوها: ما في بعض القمر من الاسوداد. وإلى ~~هذا المعنى ذهب علي [رضي الله عنه]، وابن عباس في آخرين. # والثاني: آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمة لليل; فنسب المحو إلى ~~الظلمة إذ كانت تمحو الأنوار وتبطلها، ذكره ابن الأنباري. ويروى أن الشمس ~~والقمر كانا في النور والضوء سواء، فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه ~~القمر وطمس عنه الضوء. # قوله تعالى: * (وجعلنا آية النهار) * يعني: الشمس * (مبصرة) * فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: منيرة، قاله قتادة. قال ابن الأنباري: وإنما صلح وصف الآية ~~بالإبصار على جهة المجاز، كما يقال: لعب الدهر ببني فلان. # والثاني: أن معنى * (مبصرة) *: مبصرا بها، قاله ابن قتيبة. PageV05P011 # والثالث: أن معنى * (مبصرة) * مبصرة، فجرى " مفعل "، مجرى " مفعل "، ~~والمعنى: أنها تبصر الناس، أي: تريهم الأشياء، قاله ابن الأنباري. ومعاني ~~الأقوال تتقارب. # قوله تعالى: * (لتبتغوا فضلا من ربكم) * أي: لتبصروا كيف تتصرفون في ~~أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار * (ولتعلموا عدد السنين والحساب) * بمحو آية ~~الليل، ولولا ذلك، لم يعرف الليل من النهار، ولم يتبين العدد. * (وكل شئ) * ~~أي: ما يحتاج إليه، * (فصلناه تفصيلا) * بيناه تبيينا لا يلتبس معه بغيره. # وكل إنسان ألزمنا طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ~~" 13 " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " 14 " قوله تعالى: * (وكل ~~إنسان) * وقرأ ابن أبي عبلة " وكل " برفع وقرأ ابن مسعود، وأبي، والحسن * ~~(ألزمناه طيره) * بياء ساكنة من غير ألف. # وفي الطائر أربعة أقوال: # أحدها: شقاوته وسعادته، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: ما من ~~مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي، أو سعيد. # والثاني: عمله، قاله الفراء، وعن الحسن كالقولين. # والثالث: أنه ما يصيبه، قاله خصيف. وقال أبو عبيدة: حظه. # قال ابن قتيبة: والمعنى فيما أرى - والله أعلم -: أن لكل امرئ حظا من ms1284 ~~الخير والشر قد قضاه الله، فهو لازم عنقه، والعرب تقول لكل ما لزم الإنسان: ~~قد لزم عنقه، وهذا لك علي وفي عنقي حتى أخرج منه، وإنما قيل للحظ من الخير ~~والشر: " طائر "، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر ~~بكذا من الشر، على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم ~~أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر، هو الذي يلزمه أعناقهم. # وقال الأزهري: الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم، علم المطيع من ~~ذريته، والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعا، ~~وشقاوة من علمه عاصيا، فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه، ~~فذلك قوله: * (ألزمناه طائره في عنقه) *. # والرابع: أنه ما يتطير من مثله من شئ عمله، وذكر العنق عبارة عن اللزوم ~~له، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس، هذا قول الزجاج. وقال ابن ~~الأنباري: الأصل في تسميتهم العمل طائرا، PageV05P012 # أنهم كانوا يتطيرون من بعض الأعمال. # قوله تعالى: * (ونخرج له) * قرأ أبو جعفر: " ويخرج " بياء مضمومة وفتح ~~الراء. وقرأ يعقوب. # وعبد الوارث: بالياء مفتوحة وضم الراء. وقرأ قتادة، وأبو المتوكل: " ~~ويخرج " بياء مرفوعة وكسر الراء. # وقرأ أبو الجوزاء، والأعرج: " وتخرج " بتاء مفتوحة ورفع الراء، * (يوم ~~القيامة كتابا) * وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: " كتاب " بالرفع، وقرأ ~~ابن عامر، وأبو جعفر " يلقاه " بضم الياء وتشديد القاف. # وأمال حمزة، والكسائي القاف. قال المفسرون: هذا كتابه الذي فيه ما عمل. ~~وكان أبو السوار العدوي إذا قرأ هذه الآية قال: نشرتان وطية، أما ما حييت ~~يا ابن آدم، فصحيفتك منشورة، فأمل فيها ما شئت، فإذا مت، طويت، ثم إذا ~~بعثت، نشرت. # قوله تعالى: * (اقرأ كتابك) *. قال الحسن: يقرؤه أميا كان أو غير أمي، ~~ولقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. # وفي معنى * (حسيبا) * ثلاثة أقوال: # أحدها: محاسبا. # والثاني: شاهدا. # والثالث: كافيا، والمعنى: أن الإنسان يفوض إليه حسابه، ليعلم عدل الله ~~بين العباد، ويرى وجوب حجة الله عليه، واستحقاقه العقوبة، ويعلم أنه ms1285 إن دخل ~~الجنة، فبفضل الله، لا بعمله، وإن دخل النار، فبذنبه. قال ابن الأنباري: ~~وإنما قال: * (حسيبا) * والنفس مؤنثة، لأنه يعني بالنفس: # الشخص، أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس، فشبهت بالسماء والأرض، ~~قال الله تعالى: # * (السماء منفطر به) *، قال الشاعر: # ولا أرض أبقل إبقالها من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " 15 " قوله تعالى: ~~* (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) * أي: له ثواب اهتدائه، وعليه عقاب ضلاله. # قوله تعالى: * (ولا تزر وازرة) * أي: نفس وازرة * (وزر أخرى) * قال ابن ~~عباس: إن الوليد بن PageV05P013 # المغيرة قال: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم، فقال الله تعالى: * (ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى) *، قال أبو عبيدة: والمعنى: ولا تأثم آثمة إثم أخرى. قال ~~الزجاج: يقال: وزر، يزر، فهو وازر، وزرا، ووزرا، ووزرة، ومعناه: أثم إثما. # وفي تأويل هذه الآية وجهان: # أحدهما: أن الآثم لا يؤخذ بذنب غيره. # والثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم، لأن غيره عمله، كما قال ~~الكفار: * (إنا وجدنا آباءنا على أمة) * ومعنى * (حتى نبعث رسولا) * أي: ~~حتى نبين ما به نعذب، وما من أجله ندخل الجنة. # فصل قال القاضي أبو يعلى: في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلا، ~~وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك، لم يقطع ~~عليه بالنار. قال: وقيل معناه: أنه لا يعذب في ما طريقه السمع إلا بقيام ~~حجة السمع من جهة الرسول، ولهذا قالوا: لو أسلم بعض أهل الحرب في دار الحرب ~~ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها، لم يلزمه قضاء شئ منها، لأنها لم تلزمه ~~إلا بعد قيام حجة السمع، والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا إلى الكعبة ~~ولم يستأنفوا، ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة، فالواجب عليه ~~القضاء، لأنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة، وذلك دعاء ~~إليها. # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ms1286 فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا " 16 " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا " 17 " قوله تعالى: * (وإذا أردنا أن نهلك قرية) * في ~~سبب إرادته لذلك قولان: # أحدهما: ما سبق لهم في قضائه من الشقاء. # والثاني: عنادهم الأنبياء وتكذيبهم إياهم. # قوله تعالى: * (أمرنا مترفيها) * قرأ الأكثرون: " أمرنا " مخففة، على وزن ~~" فعلنا "، وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه من الأمر، وفي الكلام إضمار، تقديره: أمرنا مترفيها بالطاعة، ~~ففسقوا، هذا PageV05P014 # مذهب سعيد بن جبير. قال الزجاج: ومثله في الكلام: أمرتك فعصيتني، فقد علم ~~أن المعصية مخالفة الأمر. # والثاني: يقال: أمرت الشئ وآمرته، أي: كثرته، ومنه قولهم: مهرة مأمورة، ~~أي: كثيرة النتاج، يقال: أمر بنو فلان يأمرون أمرا: إذا كثروا، هذا قول أبي ~~عبيدة، وابن قتيبة. # والثالث: أن معنى " أمرنا ": أمرنا، يقال: أمرت الرجل، بمعنى: أمرته، ~~والمعنى: سلطنا مترفيها بالإمارة، ذكره ابن الأنباري. وروى خارجة عن نافع: ~~" آمرنا " ممدودة، مثل " آمنا "، وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير، وهي ~~قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي رزين، والحسن، والضحاك، ويعقوب. قال ~~ابن قتيبة: وهي اللغة العالية المشهورة، ومعناه: كثرنا، أيضا. وروى ابن ~~مجاهد أن أبا عمرو قرأ: " أمرنا " مشددة الميم، وهي رواية أبان عن عاصم، ~~وهي قراءة أبي العالية، والنخعي، والجحدري. قال ابن قتيبة: المعنى: جعلناهم ~~أمراء، وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن يعمر: " أمرنا " بفتح الهمزة ~~مكسورة الميم مخففة. فأما المترفون، فهم المتنعمون الذين أبطرتهم النعمة ~~وسعة العيش، والمفسرون يقولون: هم الجبارون والمسلطون والملوك، وإنما خص ~~المترفين بالذكر، لأنهم الرؤساء، ومن عداهم تبع لهم. # قوله تعالى: * (ففسقوا فيها) * أي: تمردوا في كفرهم، لأن الفسق في الكفر: ~~الخروج إلى أفحشه. وقد شرحنا معنى " الفسق " في البقرة. # قوله تعالى: * (فحق عليها القول) * قال مقاتل: وجب عليها العذاب. وقد ~~ذكرنا معنى " التدمير " في الأعراف. # قوله تعالى: * (وكم أهلكنا من القرون) * وهي جمع قرن. وقد ذكرنا اختلاف ~~الناس فيه في الأنعام وشرحنا معنى " الخبير " و " البصير " في سورة ~~(البقرة) قال مقاتل: وهذه ms1287 الآية تخويف لكفارة مكة. # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا " 18 " ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا " 19 " PageV05P015 # قوله تعالى: * (من كان يريد العاجلة) * يعني: من كان يريد بعمله الدنيا، ~~فعبر بالنعت عن الاسم، * (عجلنا له فيها ما نشاء) * من عرض الدنيا، وقيل: ~~من البسط والتقتير، * (لمن نريد) * فيه قولان: # أحدهما: لمن نريد هلكته، قاله أبو إسحاق الفزاري. # والثاني: لمن نريد أن نعجل له شيئا وفي هذا ذم لمن أراد بعمله الدنيا، ~~وبيان أنه لا ينال ما يقصده منها إلا ما قدر له، ثم يدخل النار في الآخرة. ~~وقال ابن جرير: هذه الآية لمن لا يوقن بالمعاد. وقد ذكرنا معنى " جنهم " في ~~البقرة، ومعنى * (يصلاها) * في سورة النساء، ومعنى * (مذموما مدحورا) * في ~~الأعراف. # قوله تعالى: * (ومن أراد الآخرة) * يعني: الجنة * (وسعى لها سعيها) * أي: ~~عمل لها العمل الذي يصلح لها، وإنما قال: * (وهو مؤمن) * لأن الإيمان شرط ~~في صحة الأعمال، * (فأولئك كان سعيهم مشكورا) * أي: مقبولا. وشكر الله عز ~~وجل لهم: ثوابه إياهم، وثناؤه عليهم. # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا " 20 " انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا " 21 " لا تجعل ~~مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا " 22 " قوله تعالى: * (كلا نمد ~~هؤلاء) * قال الزجاج: " كلا " منصوب ب‍ " نمد "، " هؤلاء " بدل من " كل " ~~والمعنى: نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، قال المفسرون: كلا نعطي من الدنيا، ~~البر والفاجر، والعطاء هاهنا: الرزق، والمحظور: الممنوع، والمعنى: أن الرزق ~~يعم المؤمن والكافر، PageV05P016 # والآخرة للمتقين خاصة. * (انظر) * يا محمد * (كيف فضلنا بعضهم على بعض) * ~~وفيما وفضلوا فيه قولان: # أحدهما: الرزق، منهم مقل، ومنهم مكثر. # والثاني: الرزق والعمل، فمنهم موفق لعمل صالح، ومنهم ممنوع من ذلك. # قوله تعالى: * (لا تجعل مع الله إلها آخر) * الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، والمعنى عام لجميع المكلفين. والمخذول: ms1288 الذي لا ناصر له، والخذلان: ~~ترك العون. قال مقاتل: نزلت حين دعوا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى ~~ملة آبائه. # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما " 23 " ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " 24 " ~~ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا " 25 " ~~قوله تعالى: * (وقضى ربك) * روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمر ربك. ~~ونقل عنه الضحاك أنه قال: إنما هي " ووصى ربك " فالتصقت إحدى الواوين ب‍ " ~~الصاد "، وكذلك قرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وسعيد بن جبير: " ووصى "، ~~وهذا على خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه. وقرأ أبو عمران، ~~وعاصم الجحدري، ومعاذ القارئ: " وقضاء ربك " بقاف وضاد بالمد والهمز والرفع ~~وخفض اسم الرب. قال ابن الأنباري: هذا القضاء ليس من باب الحتم والوجوب، ~~لكنه من باب الأمر والفرض، وأصل القضاء في اللغة: قطع الشئ بإحكام وإتقان، ~~قال الشاعر يرثي عمر: # - قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * بوائق في أكمامها لم تفتق - أراد: قطعتها ~~محكما لها. PageV05P017 # قوله تعالى: * (وبالوالدين إحسانا) * وهو البر والإكرام، وقد ذكرنا هذا ~~في البقرة. # قوله تعالى: * (إما يبلغن) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وعاصم، وابن ~~عامر: " يبلغن " على التوحيد. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " يبلغان " على ~~التثنية. قال الفراء: جعلت " يبلغن " فعلا لأحدهما وكرت عليهما " كلاهما " ~~ومن قرأ " يبلغان " فإنه ثنى لأن الوالدين قد ذكرا قبل هذا، فصار الفعل على ~~عددهما، ثم قال: * (أحدهما أو كلاهما) * على الاستئناف، كقوله [تعالى]: * ~~(فعموا وصموا) * ثم استأنف فقال: * (كثير منهم) *. # قوله تعالى: * (فلا تقل لهما أف) * قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر عن عاصم: # " أف " بالكسر من غير تنوين، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، والمفضل: ~~" أف " بالفتح من غير تنوين. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم: * (أف) * بالكسر ~~والتنوين. وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر: ms1289 # " أف " بالرفع والتنوين وتشديد الفاء. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم، الجحدري، ~~وحميد بن قيس: # " أفا " مثل " تعسا ". وقرأ أبو عمران الجوني، وأبو السماك العدوي: " أف ~~" بالرفع من غير تنوين مع تشديد الفاء، وهي رواية الأصمعي عن أبي عمرو. ~~وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، و أبو رجاء، وأبو الجوزاء: " أف " بإسكان الفاء ~~وتخفيفها; قال الأخفش: وهذا لأن بعض العرب يقول: أف لك، على الحكاية، ~~والرفع قبيح، لأنه لم يجئ بعده بلام. [وقرأ أبو العالية، وأبو حصين الأسدي: # " أفي " بتشديد الفاء وبياء] وروى ابن الأنباري أن بعضهم قرأها: " إف " ~~بكسر الهمزة. وقال الزجاج: فيها سبع لغات: الكسر بلا تنوين، وبتنوين، والضم ~~بلا تنوين، وبتنوين والفتح بلا تنوين، وبتنوين، واللغة السابعة لا تجوز في ~~القراءة: " أفي " بالياء، هكذا قال الزجاج. وقال ابن الأنباري: # في " أف " عشرة أوجه: " أف " بفتح الفاء، و " أف " بكسرها، و " أف "، و " ~~أفا " لك بالنصب والتنوين على مذهب الدعاء كما تقول: " ويلا " للكافرين، و ~~" أف " لك، بالرفع والتنوين، وهو رفع باللام، كقوله تعالى: * (ويل ~~للمطففين) *، و * (أف) * لك، بالخفض والتنوين، تشبيها بالأصوات، كقولك: " ~~صه " و " مه "، و " أفها " لك، على مذهب الدعاء أيضا، و " أفي " لك، على ~~الإضافة إلى النفس، و " أف " لك، بسكون الفاء تشبيها بالأدوات، مثل: " كم " ~~و " هل " و " بل "، و " إف " لك، بكسر الألف، وقرأت على شيخنا أبي منصور ~~اللغوي، قال: وتقول: " أف " منه، و " أف "، و " أف "، و " أف "، و " أفا "، ~~و " أف "، و " أفي " مضاف، و " أفها " و " أفا " بالألف، ولا تقل: " أفي " ~~بالياء فإنه خطأ. # فأما معنى * (أف) * ففيه خمسة أقوال: PageV05P018 # أحدها: أنه وسخ الظفر، قاله الخليل. # والثاني: وسخ الأذن، قاله الأصمعي. # والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب. # والرابع: أن " الأف " الاحتقار والاستصغار، من " الأفف "، والأفف عند ~~العرب: القلة، ذكره ابن الأنباري. # والخامس: أن " الأف " ما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، حكاه ابن فارس ~~اللغوي. # وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: معنى " الأف ": النتن، والتضجر، وأصلها: ~~نفخك الشئ يسقط عليك من تراب ورماد، ms1290 وللمكان تريد إماطة الأذى عنه، فقيلت ~~لكل مستثقل، قلت: وأما قولهم: " تف "، فقد جعلها قوم بمعنى " أف "، فروي عن ~~أبي عبيد أنه قال: أصل " الأف " و " التف ": الوسخ على الأصابع إذا فتلته. ~~وحكى ابن الأنباري فرقا، فقال: قال اللغويون: أصل " الأف " في اللغة: وسخ ~~الأذن، و " التف ": وسخ الأظفار، فاستعملتهما العرب فيما يكره ويستقذر ~~ويضجر منه. وحكى الزجاج فرقا آخر، فقال: قد قيل: إن " أف ": وسخ الأظفار، و ~~" التف ": # الشئ الحقير، نحو وسخ الأذن، أو الشظية تؤخذ من الأرض، ومعنى " أف ": ~~النتن، ومعنى الآية: # لا تقل لهما كلاما تتبرم فيه بهما إذا كبرا وأسنا، فينبغي أن تتولى من ~~خدمتهما مثل الذي توليا من القيام بشأنك وخدمتك، * (ولا تنهرهما) * أي: لا ~~تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما. وقال عطاء ابن أبي رباح: لا تنفض يدك ~~عليهما، يقال: نهرته أنهره نهرا، وانتهرته انتهارا، بمعنى واحد، وقال ابن ~~فارس: نهرت الرجل وانتهرته مثل: زجرته. قال المفسرون: وإنما نهى عن أذاهما ~~في الكبر، وإن كان منهيا عنه على كل حال، لأن حالة الكبر يظهر فيها منهما ~~ما يضجر ويؤذي، وتكثر خدمتهما. # قوله تعالى: * (وقل لهما قولا كريما) * أي: لينا لطيفا أحسن ما تجد. وقال ~~سعيد بن المسيب: # قول العبد المذنب للسيد الفظ. # قوله تعالى: * (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) * أي: ألن لهما جانبك ~~متذللا لهما من رحمتك إياهما. وخفض الجناح قد شرحناه في الحجر. قال عطاء: ~~جناحك: يداك، فلا ترفعهما على والديك. والجمهور يضمون الذال من " الذل " ~~وقرأ أبو رزين، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعاصم الجحدري، وابن أبي ~~عبلة: بكسر الذال. قال الفراء الذل: أن تتذلل لهما، من الذل والذل، أن ~~تتذلل ولست بذليل في الخلق والذل والذلة: مصدر الذليل، والذل بالكسر: # مصدر الذلول، مثل الدابة والأرض. قال ابن الأنباري: من قرأ " الذل " بكسر ~~الذال، جعله بمعنى PageV05P019 # الذل، بضم الذال، والذي عليه كبراء أهل اللغة أن الذل من الرجل الذليل، ~~والذل من الدابة الذلول. # قوله تعالى: * (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) * أي: ms1291 مثل رحمتهما إياي ~~في صغري حتى ربياني، وقد ذهب قوم إلى أن هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء ~~لأهل الشرك بقوله تعالى: # * (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) *، وهذا المعنى ~~منقول عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومقاتل. ولا أرى هذا نسخا عند الفقهاء، ~~لأنه عام دخله التخصيص، وقد ذكر قريبا مما قلته ابن جرير. # قوله تعالى: * (ربكم أعلم بما في نفوسكم) * أي: بما تضمرون من البر ~~والعقوق، فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر العقوق، غفر له ذلك، وهو قوله ~~تعالى: * (إن تكونوا صالحين) * أي: طائعين لله، وقيل بارين، وقيل: توابين، ~~* (فإنه كان للأوابين غفورا) * في الأواب عشرة أقوال: # أحدها: أنه المسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: [أنه التواب، رواه أبو صالح عن ابن عباس]، وبه قال مجاهد، وسعيد ~~بن جبير، والضحاك، وأبو عبيدة، وقال ابن قتيبة: هو التائب مرة بعد مرة. ~~وقال الزجاج: هو التواب المقلع عن جميع ما نهاه الله عنه، يقال: قد آب يؤوب ~~أوبا: إذا رجع. # والثالث: أنه المسبح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والرابع: أنه المطيع لله تعالى، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والخامس: أنه الذي يذكر ذنبه في الخلاء، فيستغفر الله منه، قاله عبيد بن ~~عمير. # والسادس: أنه المقبل إلى الله [تعالى] بقلبه وعمله، قاله الحسن. # والسابع: المصلي، قاله قتادة. # والثامن: هو الذي يصلي بين المغرب والعشاء، قاله ابن المنكدر. # والتاسع: الذي يصلي صلاة الضحى، قاله عون العقيلي. # والعاشر: انه الذي يذنب سرا ويتوب سرا، قاله السدي. PageV05P020 # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا " 26 " إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا " 27 " وإما تعرضن ~~عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا " 28 " قوله تعالى: * ~~(وآت ذا القربى حقه) * فيه قولان: # أحدهما: أنه قرابة الرجل من قبل أبيه وأمه،، قاله ابن عباس، والحسن، فعلى ~~هذا في حقهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد به: برهم وصلتهم. # والثاني: النفقة الواجبة ms1292 لهم وقت الحاجة. # والثالث: الوصية لهم عند الوفاة. # والثاني: أنهم قرابة الرسول، قال علي بن الحسين [عليهما السلام] والسدي. ~~فعلى هذا، يكون حقهم: إعطاؤهم من الخمس، ويكون الخطاب للولاة. # قوله تعالى: * (والمسكين وابن السبيل) * قال القاضي أبو يعلى: يجوز أن ~~يكون المراد: # الصدقات الواجبة، يعني، الزكاة، ويجوز أن يكون الحق الذي يلزمه إعطاؤه ~~عند الضرورة إليه. # وقيل: حق المسكين، من الصدقة، وابن السبيل، من الضيافة. # قوله تعالى: * (ولا تبذر تبذيرا) * في التبذير قولان: # أحدهما: أنه إنفاق المال في غير حق، قاله ابن مسعود، وابن عباس. وقال ~~مجاهد: لو أنفق الرجل ماله كله في حق، ما كان مبذرا، وأنفق مدا في غير حق، ~~كان مبذرا. قال الزجاج: التبذير: # النفقة في غير طاعة الله، وكانت الجاهلية تنحر الإبل وتبذر الأموال تطلب ~~بذلك الفخر والسمعة، فأمر الله [عز وجل] بالنفقة في وجهها فيما يقرب منه. # والثاني: أنه الإسراف المتلف للمال، ذكره الماوردي. وقال أبو عبيدة: ~~المبذر: هو المسرف المفسد العائث. # قوله تعالى: * (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) * لأنهم يوافقونهم ~~فيما يدعونهم إليه، ويشاكلونهم في معصية الله تعالى: * (وكان الشيطان لربه ~~كفورا) * أي: جاحدا لنعمه. وهذا يتضمن أن المسرف كفور للنعم. # قوله تعالى: * (وإما تعرضن عنهم) * في المشار إليهم أربعة أقوال: ~~PageV05P021 # أحدها: انهم الذين تقدم ذكرهم من الأقارب والمساكين وأبناء السبيل، قاله ~~الأكثرون، فعلى هذا في علة هذا الإعراض قولان: # أحدهما: الإعسار، قاله الجمهور. # والثاني: خوف إنفاقهم ذلك في معصية الله، قاله ابن زيد. وعلى هذا في ~~الرحمة قولان: # أحدهما: الرزق، قاله الأكثرون. # والثاني: انه الصلاح والتوبة. هذا على قول ابن زيد. # والثاني: أنهم المشركون، فالمعنى: وإما تعرضن عنهم لتكذيبهم، قاله سعيد ~~بن جبير. # فتحتمل إذا الرحمة وجهين: # أحدهما: انتظار النصر عليهم. # والثاني: الهداة لهم. # والثالث: أنهم ناس من مزينة جاؤوا يستحملون رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، فقال: " لا أجد من أحملكم عليه "، فبكوا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~عطاء الخراساني. # والربع: انها نزلت في خباب، وبلال، وعمار، ومهجع، من الفقراء، كانوا ~~يسألون رسول ms1293 الله [صلى الله عليه وسلم] فلا يجد ما يعطيهم، فيعرض عنهم ~~ويسكت، قاله مقاتل، فعلى هذا القول والذي قبله تكون الرحمة بمعنى الرزق. # قوله تعالى: * (فقل لهم قولا ميسورا) * قال أبو عبيدة: لينا هينا، وهو من ~~اليسر. وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه العدة الحسنة، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. # والثاني: انه القول الجميل، مثل أن يقول: رزقنا الله وإياك، قاله ابن ~~زيد; وهذا على ما تقدم من قوله. # والثالث: أنه المداراة لهم باللسان، على قول من قال: هم المشركون، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي، وعلى هذا القول، تحتمل الآية النسخ. # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " ~~29 " إن PageV05P022 # ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " 30 " ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا " 31 ~~" قوله تعالى: * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) * سبب نزولها: أن غلام جاء ~~إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقال، إن أمي تسألك كذا وكذا، قال: " ~~ما عندنا اليوم شئ "، قال: فتقول لك: اكسني قميصك، قال: فخلع قميصه فدفعه ~~إليه، وجلس في البيت حاسرا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود. وروى جابر بن ~~عبد الله نحو هذا، فزاد فيه، فأذن بلال للصلاة، وانتظروه فلم يخرج، فشغل ~~قلوب الصحابة، فدخل عليه بعضهم، فرأوه عريانا، فنزلت هذه الآية، والمعنى: ~~لا تمسك يدك عن البذل كل الإمساك حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك، * (ولا تبسطها ~~كل البسط) * في الإعطاء والنفقة * (فتقعد ملوما) * تلوم نفسك ويلومك الناس، ~~* (محسورا) * قال ابن قتيبة: تحسرك العطية وتقطعك كما يحسر السفر البعير ~~فيبقى منقطعا به. قال الزجاج: المحسور: الذي قد بلغ الغاية في التعب ~~والإعياء، فالمعنى: فتقعد وقد بالغت في الحمل على نفسك وحالك حتى صرت ~~بمنزلة من قد حسر. قال القاضي أبو يعلى: وهذا الخطاب أريد به غير رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] لأنه لم يكن يدخر شيئا لغد، وكان يجوع حتى يشد الحجر ~~على ms1294 بطنه، وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ينفقون جميع ما يملكون، فلم ينههم ~~الله، لصحة يقينهم، وإنما نهى من خيف عليه التحسر على ما خرج من يده، فأما ~~من وثق بوعد الله تعالى، فهو غير مراد بالآية. # قوله تعالى: * (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) * أي: يوسع على من ~~يشاء ويضيق، * (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) * حيث أجرى أرزاقهم على ما علم ~~فيه صلاحهم. # قوله تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) * قد فسرناه في [سورة] ~~الأنعام. # قوله تعالى: * (كان خطءا كبيرا) * قرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: # " خطءا " مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة مقصورة. وقرأ ابن كثير،: " خطأ ~~" مكسورة الخاء ممدودة مهموزة. وقرأ ابن عامر: " خطأ " بنصب الخاء والطاء ~~وبالهمز من غير مد. وقرأ أبو رزين كذلك، إلا أنه مد وقرأ الحسن، وقتادة، " ~~خطءا " بفتح الخاء وسكون الطاء مهموز مقصورا، وقرأ الزهري، وحميد بن قيس: " ~~خطا " بكسر الخاء وتنوين الطاء من غير همز ولا مد. قال الفراء: # الخطء: الإثم، وقد يكون في معنى " خطأ " كما قالوا: " قتب " و " قتب " و ~~" حذر " و " حذر " و " نجس " و " نجس "، والخط، والخطاء، والخطاء، ممدود: ~~لغات. وقال أبو عبيده: خطئت وأخطأت، لغتان. # وقال أبو علي: قراءة ابن كثير " خطأ "، يجوز أن تكون مصدر " خاطأ " وإن ~~لم يسمع " خاطأ " ولكن قد جاء ما يدل عليه، أنشد أبو عبيدة: PageV05P023 # تخاطأت إليك أحشاؤه وقال الأخفش: خطىء يخطأ بمعنى " أذنب " وليس بمعنى " ~~أخطأ "، لأن " أخطأ ": فيما لم يصنعه عمدا. وتقول فيما أتيته عمدا، " خطئت ~~"، وفيما لم تتعمده: " أخطأت ". وقال ابن الأنباري: " الخطء ": الإثم، ~~يقال: قد خطىء يخطأ: إذا أثم، وأخطأ يخطئ: إذا فارق الصواب. وقد شرحنا هذا ~~في [سورة] يوسف عند قوله: * (وإن كنا لخاطئين) *. # ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا " 32 " ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في ~~القتل إنه كان منصورا " 33 " قوله تعالى: * (ولا تقربوا الزنا) * وقرأ أبو ~~رزين، وأبو ms1295 الجوزاء، والحسن: بالمد. وقال أبو عبيدة: # وقد يمد " الزنا " في كلام أهل نجد، قال الفرزدق: # - أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه * ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا - وقال آخر: # - أخضبت فعلك للزناء ولم تكن * يوم اللقاء لتخضب الأبطالا - وقال آخر: # - كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم - قوله تعالى: * (ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله) * قد ذكرناه في [سورة] الأنعام. # قوله تعالى: * (فقد جعلنا) * قال الزجاج: الأجود إدغام الدال مع الجيم، ~~والإظهار جيد بالغ، إلا أن الجيم من وسط اللسان، والدال من طرف اللسان، ~~والإدغام جائز، لأن حروف وسط اللسان تقرب من حروف طرف اللسان. ووليه: الذي ~~بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولي، فالسلطان وليه. # وللمفسرين في السلطان قولان: # أحدهما: أنه الحجة، قاله ابن عباس. PageV05P024 # والثاني: أنه الوالي، والمعنى: * (فقد جعلنا لوليه سلطانا) * ينصره ~~وينصفه في حقه، قاله ابن زيد: # قوله تعالى: * (فلا يسرف في القتل) * قرأ ابن كثير، نافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم: * (فلا يسرف) * بالياء. وقرأ ابن عامر، وحمزة والكسائي: بالتاء. # وفي المشار إليه في الآية قولان: # أحدهما: أنه ولي المقتول. وفي المراد بإسرافه خمسة أقوال: # أحدها: أن يقتل غير القاتل، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أن يقتل اثنين بواحد، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: أن يقتل أشرف من الذي قتل، قاله ابن زيد. # والرابع: أن يمثل، قاله قتادة. # والخامس:: أن يتولى هو قتل القاتل دون السلطان، ذكره الزجاج. # والثاني: أن الإشارة إلى القاتل الأول، والمعنى: فلا يسرف القاتل بالقتل ~~تعديا وظلما، قاله مجاهد. # قوله تعالى: * (إن كان منصورا) * أي: معانا عليه. # وفي هاء الكناية أربعة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الولي، فالمعنى: أنه كان منصورا بتمكينه من القود، ~~قاله قتادة، والجمهور. # والثاني: أنها ترجع إلى المقتول، فالمعنى: أنه كان منصورا بقتل قاتله، ~~قاله مجاهد. # والثالث: أنها ترجع إلى الدم، فالمعنى: أن دم المقتول كان منصورا، أي: ~~مطلوبا به. # والرابع: أنها ترجع إلى القتل، ذكر القولين الفراء. # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ms1296 هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤولا " 34 " وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ~~ذلك خير وأحسن تأويلا " 35 " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " 36 " PageV05P025 # قوله تعالى: * (ولا تقربوا مال اليتيم) * قد شرحناه في [سورة] الأنعام. # قوله تعالى: * (وأوفوا بالعهد) * وهو عام فيما بين العبد وبين ربه، وفيما ~~بينه وبين الناس. قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد. # قوله تعالى: * (كان مسؤولا) * قال ابن قتيبة: أي: مسؤولا عنه. # قوله تعالى: * (وأوفوا الكيل) * أي: أتموه ولا تبخسوا منه. # قوله تعالى: * (وزنوا بالقسطاس) * فيه خمس لغات: # إحداها. " قسطاس "، بضم القاف وسينين، وهذه قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي ~~عمرو، وابن عامر، وأبي بكر عن عاصم هاهنا وفي [سورة] الشعراء. # والثانية: كذلك; إلا أن القاف مكسورة، وهذه قراءة حمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم. قال الفراء: هما لغتان: # والثالثة: " قصطاص "، بصادين. # والرابعة: " قصطاس "، بصاد قبل الطاء وسين بعدها، وهاتان مرويتان عن ~~حمزة. # والخامسة: " قسطان "، بالنون. قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن ~~دريد قال: # القسطاس: الميزان، رومي معرب، " قسطاس " و " قسطاس ". # قوله تعالى: * (ذلك خير) * أي: ذلك الوفاء خير عند الله وأقرب إليه، * ~~(وأحسن تأويلا) * أي: # عاقبة في الجزاء. # قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * قال الفراء: أصل " تقف " من ~~القيافة، وهي: # تتبع الأثر، وفيه لغتان: قفا يقفو، وقاف يقوف وأكثر القراء يجعلونها من " ~~قفوت " فيحرك الفاء إلى الواو ويجزم القاف كما تقول: لا تدع وقرأ معاذ ~~القارئ: " لا تقف "، مثل: تقل; والعرب تقول: # قفت أثره، وقفوت، ومثله: عاث وعثا، وقاع الجمل الناقة، وقعاها: إذا ~~ركبها. قال الزجاج: من قرأ بإسكان الفاء وضم القاف من: قاف يقوف، فكأنه ~~مقلوب من قفا يقفو، والمعنى واحد، تقول: # قفوت الشئ أقفوه قفوا: إذا تبعت أثره. وقال ابن قتيبة: " لا تقف "، أي: ~~لا تتبعه الظنون والحدس، وهو من القفاء مأخوذ، كأنك تقفو الأمور، أي: ms1297 تكون ~~في أقفائها وأواخرها تتعقبها، والقائف: الذي يعرف الآثار ويتبعها فكأنه ~~مقلوب عن القافي. # وللمفسرين في المراد به أربعة أقوال: # أحدها: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم، رواه العوفي عن ابن عباس: # والثاني: لا تقل: رأيت، ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع. رواه عثمان بن عطاء ~~عن أبيه عن PageV05P026 # ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثالث: لا تشرك بالله شيئا، رواه عطاء أيضا عن ابن عباس. # والربع: لا تشهد بالزور، قاله محمد بن الحنفية. # قوله تعالى: * (كل أولئك) * قال الزجاج: إنما قال: * (كل) *، ثم قال: * ~~(كان) *، لأن كلا في لفظ الواحد، وإنما قال: * (أولئك) * لغير الناس، لأن ~~كل جمع أشرت إليه من الناس وغيرهم من الموات، تشير إليه بلفظ " أولئك " قال ~~جرير: # - ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام - قال المفسرون: ~~الإشارة إلى الجوارح المذكورة، يسأل العبد يوم القيامة فيما إذا استعملها، ~~وفي هذا زجر عن النظر إلى ما لا يحل، والاستماع إلى ما يحرم، والعزم على ~~مالا يجوز. # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " 37 " كل ~~ذلك كان سيئه عند ربك مكروها " 38 " ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا " 39 " قوله تعالى: * ~~(ولا تمش في الأرض مرحا) * وقرأ الضحاك، وابن يعمر: " مرحا " بكسر الراء، ~~قال الأخفش: والكسر أجود، لأن " مرحا " اسم الفاعل; قال الزجاج: كلاهما في ~~الجودة سواء، غير أن المصدر أوكد في الاستعمال، تقول: جاء زيد ركضا، وجاء ~~زيد راكضا، ف‍ " ركضا " أوكد في الاستعمال، لأنه يدل على توكيد الفعل، ~~وتأويل الآية: لا تمش في الأرض مختالا فخورا، والمرح: # الأشر والبطر. وقال ابن فارس: المرح: شدة الفرح. # قوله تعالى: * (إنك لن تخرق الأرض) * فيه قولان: # أحدهما: لن تقطعها إلى آخرها. # والثاني: لن تنفذها وتنقبها. قال ابن عباس: لن تخرق الأرض بكبرك، ولن ~~تبلغ الجبال طولا بعظمتك. قال ابن قتيبة: والمعنى: لا ينبغي للعاجز أن يبذخ ~~ويستكبر. ms1298 # قوله تعالى: * (كل ذلك كان سيئه) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " ~~سيئه " منونا غير مضاف، على معنى: كان خطيئة، فعلى هذا يكون قوله تعالى: * ~~(كل ذلك) * إشارة إلى المنهي، عنه من المذكور فقط. وقرأ عاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: " سيئه " مضافا مذكرا، فتكون PageV05P027 # لفظة " كل " يشار بها إلى سائر ما تقدم ذكره. وكان أبو عمرو لا يرى هذه ~~القراءة. قال الزجاج: وهذا غلط من أبي عمرو، لأن في هذه الأقاصيص سيئا ~~وحسنا، وذلك أن فيها الأمر ببر الوالدين، وإيتاء ذي القربى، والوفاء ~~بالعهد، ونحو ذلك، فهذه القراءة أحسن من قراءة من نصب السيئة، وكذلك قال ~~أبو عبيدة: تدبرت الآيات من قوله [تعالى]: * (وقضى ربك...) * فوجدت فيها ~~أمورا حسنة. # وقال أبو علي: من قرأ " سيئة " رأى أن الكلام انقطع عند قوله [تعالى]: * ~~(وأحسن تأويلا) *، وأن قوله: * (ولا تقف) * لا حسن فيه. # قوله تعالى: * (ذلك مما أوحى إليك ربك) * يشير إلى ما تقدم من الفرائض ~~والسنن، * (من الحكمة) *، أي: من الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل خير. ~~وقد سبق معنى " المدحور " أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ~~إنكم لتقولون قولا عظيما " 40 " قوله تعالى: * (أفأصفاكم ربكم بالبنين) * ~~قال مقاتل: نزلت في مشركي العرب الذين قالوا: # الملائكة بنات الرحمن. وقال أبو عبيدة: ومعنى * (أفأصفاكم) *: اختصكم. ~~وقال المفضل: # أخلصكم. وقال الزجاج: اختار لكم صفوة الشئ، وهذا توبيخ للكفار، والمعنى: ~~اختار لكم البنين دونه، وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه، فاختصكم بالأعلى ~~وجعل لنفسه الأدون؟! # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا " 41 " قوله ~~تعالى: * (ولقد صرفنا) * معنى التصريف هاهنا: التبيين، وذلك أنه إنما يصرف ~~القول ليبين. وقال ابن قتيبة: " صرفنا " بمعنى: وجهنا، وهو من قولك: صرفت ~~إليك كذا، أي: عدلت به إليك، وشدد للتكثير، كما تقول: فتحت الأبواب. # قوله تعالى: * (ليذكروا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم وابن ~~عامر: " ليذكروا " مشددا. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " ليذكروا " مخففا، ~~وكذلك قرؤوا في الفرقان: # والتذكر: الاتعاظ والتدبر. * (وما يزيدهم) * تصريفنا وتذكيرنا * (إلا ~~نفورا) ms1299 * قال ابن عباس: ينفرون من الحق، ويتبعون الباطل. PageV05P028 # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا " 42 " ~~سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا " 43 " تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما ~~غفورا " 44 " قوله تعالى: * (كما تقولون) * قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " تقولون " بالتاء. وقرأ ابن ~~كثير، وحفص عن عاصم: " يقولون " بالياء. # قوله تعالى: * (إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) * فيه قولان: # أحدهما: لابتغوا سبيلا إلى ممانعته وإزالة ملكه، قاله الحسن، وسعيد بن ~~جبير. # والثاني: لابتغوا سبيلا إلى رضاه، لأنهم دونه، قاله قتادة. # قوله تعالى: * (عما يقولون) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر، وحفص عن عاصم: " يقولون " بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي: ~~بالتاء.. # قوله تعالى: * (تسبح له السماوات) * قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم: # " تسبح " بالتاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " ~~يسبح " بالياء. قال الفراء: # وإنما حسنت " الياء " هاهنا، لأنه عدد قليل، وإذا قل العدد من المؤنث ~~والمذكر، كانت الياء فيه أحسن من التاء، قال عز وجل في المؤنث القليل: * ~~(وقال نسوة) * وقال في المذكر: * (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) *. قال ~~العلماء: والمراد بهذا التسبيح: الدلالة على أنه الخالق القادر. # قوله تعالى: * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) * * (إن) * بمعنى " ما ". وهل ~~هذا على إطلاقه، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه على إطلاقه، فكل شئ يسبحه حتى الثوب والطعام وصرير الباب، ~~قاله إبراهيم النخعي. # والثاني: أنه عام يراد به الخاص. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كل شئ فيه الروح، قاله الحسن، وقتادة والضحاك. # والثاني: أنه كل ذي روح، وكل نام من شجر أو نبات; قال عكرمة: الشجرة ~~تسبح، والأسطوانة لا تسبح وجلس الحسن على طعام فقدموا الخوان، فقيل له: ~~أيسبح هذا الخوان؟، فقال: قد كان يسبح مرة. # والثالث: أنه كل شئ لم يغير عن حاله، ms1300 فإذا تغير انقطع تسبيحه، روى خالد ~~بن معدان عن PageV05P029 # المقدام بن معد يكرب قال: إن التراب ليسبح ما لم يبتل، فإذا ابتل ترك ~~التسبيح، وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة، فإذا سقطت تركت التسبيح، وإن ~~الثوب ليسبح ما دام جديدا، فإذا توسخ ترك التسبيح. # فأما تسبيح الحيوان الناطق، فمعلوم، وتسبيح الحيوان غير الناطق، فجائز أن ~~يكون بصوته، وجائز أن يكون بدلالته على صانعه. # وفي تسبيح الجمادات ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تسبيح لا يعلمه إلا الله. # والثاني: أنه خضوعه وخشوعه لله. # والثالث: دلالته على صانعه، فيوجب ذلك تسبيح مبصره. فإن قلنا: إنه تسبيح ~~حقيقة، كان قوله [تعالى]: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * لجميع الخلق; وإن ~~قلنا: إنه دلالته على صانعه، كان الخطاب للكفار، لأنهم لا يستدلون، ولا ~~يعتبرون. وقد شرحنا معنى " الحليم " و " الغفور " في [سورة] البقرة. # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ~~" 45 " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا " 46 " نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا " 47 ~~" أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " 48 " وقالوا أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا " 49 " * قل كونوا حجارة أو ~~حديدا " 50 " أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم ~~أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا " 51 " ~~يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا " 52 " PageV05P030 # قوله تعالى: * (حجابا مستورا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الحجاب: هو الأكنة على قلوبهم، قاله قتادة. # والثاني: أنه حجاب يستره فلا يرونه; وقيل: إنها نزلت في قوم كانوا يؤذون ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا قرأ القرآن; قال الكلبي: وهم أبو ~~سفيان، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وأم جميل امرأة أبي لهب، فحجب الله ~~رسوله عن أبصارهم عند ms1301 قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به، ولا يرونه. # والثالث: أنه منع الله عز وجل إياهم عن أذاه، حكاه الزجاج. # وفي معنى * (مستورا) * قولان: # أحدهما: انه بمعنى ساتر; قال الزجاج: وهذا قول أهل اللغة. قال الأخفش: ~~وقد يكون الفاعل في لفظ المفعول، كما تقول: إنك مشؤوم علينا، وميمون علينا، ~~وإنما هو شائم ويامن، لأنه من " شأمهم " و " يمنهم ". # والثاني: أن المعنى: حجابا مستورا عنكم لا ترونه، ذكره الماوردي. وقال ~~ابن الأنباري: إذا قيل: الحجاب هو الطبع على قلوبهم، فهو مستور عن الأبصار، ~~فيكون " مستورا " باقيا على لفظه. # قوله تعالى: * (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه) * قد شرحناه في [سورة] ~~الأنعام. # قوله تعالى: * (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده) * يعني: قلت: لا إله إلا ~~الله، وأنت تتلو القرآن * (ولوا على أدبارهم) * قال أبو عبيدة: أي على ~~أعقابهم، * (نفورا) * وهو: جمع نافر، بمنزلة قاعد وقعود، وجالس وجلوس. وقال ~~الزجاج: تحتمل مذهبين: # أحدهما: المصدر، فيكون المعنى: ولوا نافرين نفورا. # والثاني: أن يكون " نفورا " جمع نافر. # وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم الشياطين، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم المشركون، وهذا مذهب ابن زيد. # قوله تعالى: * (نحن أعلم بما يستمعون) * قال المفسرون: أمر رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] عليا [رضي الله عنه] أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف ~~قريش من المشركين، ففعل ذلك، ودخل عليهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى التوحيد، وكانوا يستمعون ويقولون فيما ~~بينهم: # هو ساحر، هو مسحور، فنزلت هذه الآية: * (نحن أعلم بما يستمعون به) *، أي: # يستمعونه، والباء زائدة. * (إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى) * قال أبو ~~عبيدة: هي مصدر من PageV05P031 # " ناجيت " واسم منها، فوصف القوم بها، والعرب تفعل ذلك، كقولهم: إنما هو ~~عذاب، وأنتم غم، فجاءت في موضع " متناجين ". وقال الزجاج: والمعنى: وإذ هم ~~ذوو نجوى، وكانوا يستمعون من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ويقولون ~~بينهم: هو ساحر، وهو مسحور، وما أشبه ذلك من القول. # قوله تعالى: * (إذ يقول الظالمون) * يعني: أولئك المشركون * (إن ms1302 تتبعون) ~~* أي: ما تتبعون * (إلا رجلا مسحورا) * وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الذي سحر فذهب بعقله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: مخدوعا مغرورا، قاله مجاهد. # والثالث: له سحر، أي: رئة; وكل دابة أو طائر أو بشر يأكل فهو: مسحور ~~ومسحر، لأن له سحرا، قال لبيد: # - فأن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر - وقال امرؤ ~~القيس: # - أرانا مرصدين لأمر غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب - أي: نغذى، لأن أهل ~~السماء لا يأكلون، فأراد أن يكون ملكا. فعلى هذا يكون المعنى: إن تتبعون ~~إلا رجلا به سحر، خلقه الله كخلقكم، وليس بملك، وهذا قول أبي عبيدة. # قال ابن قتيبة: والقول قول مجاهد، لأن السحر حيلة وخديعة; ومعنى قول لبيد ~~" المسحر ": # المعلل، وقول امرئ القيس: " ونسحر " أي: نعلل، وكأنا نخدع، والناس ~~يقولون: سحرتني بكلامك، أي: خدعتني، ويدل عليه قوله [تعالى]: * (انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال) *، لأنهم لو أرادوا رجلا ذا رئة، لم يكن في ذلك مثل ~~ضربوه، فلما أرادوا مخدوعا - كأنه بالخديعة سحر - كان مثلا ضربوه، وكأنهم ~~ذهبوا إلى أن قوما يعلمونه ويخدعونه. قال المفسرون: ومعنى * (ضربوا لك ~~الأمثال) * بينوا لك الأشباه، حتى شبهوك بالساحر والشاعر والمجنون * ~~(فضلوا) * عن الحق، * (فلا يستطيعون سبيلا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يجدون سبيلا إلى تصحيح ما يعيبونك به. # والثاني: لا يستطيعون سبيلا إلى الهدى، لأنا طبعنا على قلوبهم. # والثالث: لا يأتون سبيل الحق، لثقله عليهم; ومثله قولهم: لا أستطيع أن ~~أنظر إلى فلان، يعنون; أنا مبغض له، فنظري إليه يثقل، ذكرهن ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (أئذا كنا عظاما) * قرأ ابن كثير: * (أيذا) * بهمزة ثم ~~يأتي بياء ساكنة من غير مد، * (أينا) *، مثله وكذلك في كل القرآن. وكذلك ~~روى قالون عن نافع، إلا أن نافعا كان لا يستفهم في * (أينا) *، كان يجعل ~~الثاني خبرا في كل القرآن، وكذلك مذهب الكسائي، غير أنه يهمز الأولى ~~PageV05P032 # همزتين. وقرأ عاصم، وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعا. وقرأ ابن عامر: " ~~إذا كنا " بغير استفهام بهمزة واحدة " آئنا " بهمزتين يمد ms1303 بينهما مدة. # قوله تعالى: * (ورفاتا) * فيه قولان: # أحدهما: أنه التراب ولا واحد له، فهو بمنزلة الدقاق والحطام، قاله ~~الفراء، وهو مذهب مجاهد. # والثاني: أنه العظام ما لم تتحطم، والرفات: الحطام، قاله أبو عبيدة. وقال ~~الزجاج: الرفات: # التراب. والرفات: كل شئ حطم وكسر، و * (خلقا جديدا) * في معنى مجددا. # قوله تعالى: * (أو خلقا مما يكبر في صدوركم) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الموت، قاله ابن عمر، وابن عباس والحسن، والأكثرون. # والثاني: أنه السماء والأرض والجبال، قاله مجاهد. # والثالث: أنه ما يكبر في صدوركم، من كل ما استعظموه من خلق الله تعالى، ~~قاله قتادة. # فإن قيل: كيف قيل لهم: * (كونوا حجارة أو حديدا) * وهم لا يقدرون على ~~ذلك؟ فعنه جوابان: # أحدهما: إن قدرتم على تغير حالاتكم، فكونوا حجارة أو أشد منها، فإنا ~~نميتكم، وننفذ أحكامنا فيكم، ومثل هذا قولك للرجل: اصعد إلى السماء فإني ~~لاحقك. # والثاني: تصوروا أنفسكم حجارة أو أصلب منها، فإنا سنبيدكم، قال الأحوص: # - إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا * فكن حجرا من يابس الصخر جامدا معناه: ~~فتصور نفسك حجرا، وهؤلاء قوم اعترفوا أن الله خالقهم، وجحدوا البعث، ~~فأعلموا أن الذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم. # قوله تعالى: * (فسينغضون إليك رؤوسهم) * قال قتادة: يحركونها تكذيبا ~~واستهزاء. قال الفراء: يحركونها، كما يحرك الآيس من الشئ والمستبعد له ~~رأسه، يقال: نغضت سنه: إذا تحركت. # قوله تعالى: * (ويقولون متى هو؟) * يعنون البعث * (قل عسى أن يكون قريبا) ~~* أي: هو قريب. # ثم بين متى يكون فقال: * (يوم يدعوكم) * يعني: من القبور بالنداء الذي ~~يسمعكم، وهو النفخة PageV05P033 # الأخيرة * (فتستجيبون) * أي: تجيبون. قال مقاتل: يقوم إسرافيل على صخرة ~~بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن، فيقول: أيتها العظام البالية، وأيتها ~~اللحوم المتمزقة، وأيتها الشعور المتفرقة، وأيتها العروق المتقطعة، اخرجوا ~~إلى فصل القضاء لتجزوا بأعمالكم، فيسمعون الصوت، فيسعون إليه. # وفي معنى: * (بحمده) * أربعة أقوال: # أحدها: بأمره، قاله ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد. # والثاني: يخرجون من القبور وهم يقولون: سبحانك وبحمدك، قاله سعيد بن ~~جبير. # والثالث: أن ms1304 معنى * (بحمده) *: بمعرفته، وطاعته، قاله قتادة، قال الزجاج: ~~تستجيبون مقرين أنه خالقكم. # والرابع: تجيبون بحمد الله لا بحمد أنفسكم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: * (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) * في هذا الظن قولان: # أحدهما: أنه بمعنى اليقين. # والثاني: أنه على أصله. وأين يظنون أنهم لبثوا قليلا؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بين النفختين ومقداره أربعون سنة، ينقطع في ذلك العذاب عنهم، ~~فيرون لبثهم في زمان الراحة قليلا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: في الدنيا، لعلمهم بطول اللبث في الآخرة، قاله الحسن. # والثالث: في القبور، قاله مقاتل. فعلى هذا إنما قصر اللبث في القبور ~~عندهم، لأنهم خرجوا إلى ما هو أعظم عذابا من عذاب القبور. وقد ذهب بعض ~~المفسرين إلى أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، لأنهم يجيبون المنادي يحمدون ~~الله على إحسانه إليهم، ويستقلون مدة اللبث في القبور، لأنهم كانوا غير ~~معذبين. # وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا " 53 " قوله تعالى: * (وقل عبادي يقولوا التي هي أحسن) ~~* في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~بمكة، بالقول والفعل، فشكوا PageV05P034 # ذلك إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فنزلت هذه الآية. قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا من الكفار شتم عمر بن الخطاب، فهم به عمر [رضي الله ~~عنه]، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل، والمعنى: وقل لعبادي المؤمنين يقولوا ~~الكلمة التي هي أحسن. واختلفوا فيمن تقال له هذه الكلمة على قولين: # أحدهما: أنهم المشركون، قال الحسن: تقول له: يهديك الله، وما ذكرنا من ~~سبب نزول الآية يؤيد هذا القول. وذهب بعضهم إلى أنهم أمروا بهذه الآية ~~بتحسين خطاب المشركين قبل الأمر بقتالهم، ثم نسخت هذه الآية بآية السيف. # والثاني: أنهم المسلمون، قاله ابن جرير. المعنى: وقل لعبادي يقول بعضهم ~~لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقد روى مبارك عن الحسن قال: " ~~التي هي أحسن " أن يقول له مثل قوله، ولكن ms1305 يقول له: يرحمك الله، ويغفر الله ~~لك. قال الأخفش: وقوله * (يقولوا) * مثل قوله: * (يقيموا الصلاة) *، وقد ~~شرحنا ذلك في سورة إبراهيم. # قوله تعالى: * (إن الشيطان ينزغ بينهم) * أي: يفسد ما بينهم، والعدو ~~المبين: الظاهر العداوة. # ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا " ~~54 " قوله تعالى: * (ربكم أعلم بكم) * فيمن خوطب بهذا قولان: # أحدهما: أنهم المؤمنون. ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: * (إن يشأ يرحمكم) * فينجيكم من أهل مكة، * (وإن يشأ يعذبكم) * ~~فيسلطهم عليكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: إن يشأ يرحمكم بالتوبة، أو يعذبكم بالإقامة على الذنوب، قاله ~~الحسن. # والثاني: أنهم المشركون. ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: إن يشأ يرحكم، فيهديكم للإيمان، أو إن يشأ يعذبكم، فيميتكم على ~~الكفر، قاله مقاتل. # والثاني: أنه لما نزل القحط بالمشركين فقالوا: * (ربنا اكشف عنا العذاب ~~إنا مؤمنون) *، قال الله تعالى: * (ربكم أعلم بكم) * من الذي يؤمن، ولا ~~يؤمن * (إن يشأ يرحمكم) * فيكشف القحط عنكم * (أو إن يشأ يعذبكم) * فيتركه ~~عليكم، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قال ابن الأنباري: PageV05P035 # و " أو " هاهنا دخلت لسعة الأمرين عند الله [تعالى]، وانه لا يرد عنهما، ~~فكانت ملحقة ب‍ " أو " المبيحة في قولهم: جالس الحسن، أو ابن سيرين، يعنون: ~~قد وسعنا لك الأمر. # قوله تعالى: * (وما أرسلناك عليهم وكيلا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: كفيلا تؤخذ بهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: حافظا وربا، قاله الفراء. # والثالث: كفيلا بهدايتهم وقادرا على إصلاح قلوبهم، ذكره ابن الأنباري. ~~وذهب بعض المفسرين إلى أن هذا منسوخ بآية السيف. # وربك أعلم بمن السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داود زبورا " 55 " قوله تعالى: * (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض) * ~~لأنه خالقهم، فهدى من شاء، وأضل من شاء، وكذلك فضل بعض النبيين على بعض، ~~وذلك عن حكمة منه وعلم، فخلق آدم بيده، ورفع إدريس، وجعل الذرية لنوح، ~~واتخذ إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وجعل عيسى روحا، وأعطى سليمان ملكا ~~جسيما، ورفع ms1306 محمدا [صلى الله عليه وسلم] فوق السماوات، وغفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر. ويجوز أن يكون المفضلون أصحاب الكتب، لأنه ختم الكلام بقوله ~~[تعالى]: * (وآتينا داود زبورا) *. وقد شرحنا معنى " الزبور " في سورة ~~النساء. # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا " 56 ~~" أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا " 57 " قوله تعالى: * (قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه) * في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجن والنفر ~~من العرب لا يشعرون، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، روي عن ابن مسعود. # والثاني: أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هي تشفع لنا عند ~~الله، فلما ابتلوا PageV05P036 # بالقحط سبع سنين، قيل لهم: " ادعوا الذين زعمتم "، قاله مقاتل، والمعنى: ~~قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة، * (فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) ~~* له إلى غيركم. # قوله تعالى: * (أولئك الذين يدعون) * في المشار إليهم ب‍ * (أولئك) * ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الجن الذين أسلموا. # والثاني: الملائكة، وقد سبق بيان القولين. # والثالث: أنهم المسيح، وعزير، والملائكة! والشمس، والقمر، قاله ابن عباس. ~~وفى معنى " يدعون " قولان: # أحدهما: يعبدون، أي: يدعونهم آلهة، وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أنه بمعنى يتضرعون إلى الله في طلب الوسيلة. وعلى هذا يكون قوله ~~[تعالى]: # " يدعون " راجعا إلى " أولئك "، ويكون قوله: " يبتغون " تماما للكلام. ~~وعلى القول الأول: يكون " يدعون " راجعا إلى المشركين، ويكون قوله: " ~~يبتغون " وصفا ل‍ " أولئك " مستأنفا. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد ~~الرحمن: " تدعون " بالتاء. قال ابن الأنباري: فعلى هذا، الفعل مردود إلى ~~قوله [تعالى]: * (فلا يملكون كشف الضر عنكم) * ومن قرأ " يدعون " بالياء، ~~قال: العرب تنصرف من الخطاب إلى الغيبة إذا أمن اللبس. ومعنى " يدعون ": ~~يدعونهم آلهة. وقد فسرنا معنى " الوسيلة " في المائدة. # وفي قوله [تعالى]: * (أيهم أقرب) * قولان: ذكرهما الزجاج. # أحدهما: أن يكون " أيهم " مرفوعا بالابتداء، وخبره أقرب إليه فيتوسلون ~~إلى الله ms1307 به. # والثاني: أن يكون " أيهم أقرب " بدلا من الواو في " يبتغون "، فيكون ~~المعنى: يبتغي أيهم هو أقرب الوسيلة إلى الله، أي: يتقرب إليه بالعمل ~~الصالح. # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا " 58 " قوله تعالى: * (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها) ~~* " إن " بمعنى " ما "، والقرية الصالحة هلاكها بالموت، والعاصية بالعذاب، ~~والكتاب: اللوح المحفوظ، والمسطور: المكتوب. PageV05P037 # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا " 59 " قوله تعالى: * (وما ~~منعنا أن نرسل بالآيات) * في سبب نزولها فيه قولان: # أحدهما: أن أهل مكة سألوا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن يجعل لهم ~~الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم ~~لعلنا نجتبي منهم، وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك ~~من كان قبلهم، قال: " لا، بل أستأني "، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس. # والثاني: قد ذكرناه عن الزبير في قوله تعالى * (ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال) *، ومعنى الآية: وما منعنا إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب ~~الأولين، يعني أن هؤلاء سألوا الآيات التي استوجب بتكذيبها الأولون العذاب، ~~فلم يرسلها لئلا يكذب بها هؤلاء، فيهلكوا كما هلك أولئك، وسنة الله في ~~الأمم أنهم إذا سألوا الآيات ثم كذبوا بها عذبهم. # قوله تعالى: * (وآتينا ثمود الناقة مبصرة) * قال ابن قتيبة: أي: بينة، ~~يريد: مبصرا بها. قال ابن الأنباري: ويجوز أن تكون مبصرة، ويصلح أن يكون ~~المعنى: مبصر مشاهدوها، فنسب إليها فعل غيرها تجوزا، كما يقال: لا أرينك ~~هاهنا، فأدخل حرف النهي على غير المنهي عنه، إذ المعنى: لا تحضر هاهنا، حتى ~~إذا جئت لم أرك فيه. ومن قرأ " مبصرة " بفتح الميم والصاد، فمعناه: ~~المبالغة في وصف الناقة بالتبيان، كقولهم: " الولد مجبنة ". # قوله تعالى: * (فظلموا بها) * قال ابن عباس: فجحدوا بها. وقال الأخفش: ~~بها كان ظلمهم. # قوله ms1308 تعالى: * (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) * أي: نخوف العباد ليتعظوا. # وللمفسرين في المراد بهذه الآيات أربعة أقوال: # أحدها: أنها الموت الذريع، قاله الحسن. # والثاني: معجزات الرسل جعلها الله تعالى تخويفا للمكذبين. # والثالث: آيات الانتقام تخويفا من المعاصي. # والرابع: تقلب أحوال الإنسان من صغر إلى شباب، ثم إلى كهولة، ثم إلى ~~مشيب، ليعتبر بتقلب أحواله فيخاف عاقبة أمره، ذكر هذه الأقوال الثلاثة ~~الماوردي، ونسب الأخير منها إلى إمامنا أحمد رضي الله عنه. PageV05P038 # وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " ~~60 " قوله تعالى: * (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أحاط علمه بالناس، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الربيع بن ~~أنس. وقال مقاتل: أحاط علمه بالناس، يعني: أهل مكة، أن يفتحها لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم. # والثاني: أحاطت قدرته بالناس، فهم في قبضته، قاله مجاهد. # والثالث: حال بينك وبين الناس أن يقتلوك، لتبلغ رسالته، قاله الحسن، ~~وقتادة. # قوله تعالى: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) * في هذه ~~الرؤيا قولان: # أحدهما: أنها رؤيا عين، وهي ما رأى ليلة أسري به من العجائب والآيات. روى ~~عكرمة عن ابن عباس قال: هي رؤيا ليلة أسري به، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، ومسروق، والنخعي، وقتادة، وأبو مالك، وأبو ~~صالح، وابن جريج، وابن زيد في آخرين. فعلى هذا يكون معنى الفتنة: الاختبار، ~~فإن قوما آمنوا بما قال، وقوما كفروا. قال ابن الأنباري: المختار في هذه ~~الرؤية أن تكون يقظة، ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانا رؤية، ورأيته ~~رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في ~~المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين. # والثاني: أنها رؤيا منام. ثم فيها قولان: # أحدهما: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان قد أرى أنه يدخل مكة، هو ~~وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فعجل ms1309 قبل الأجل، فرده المشركون، فقال أناس: ~~قد رد، وكان حدثنا أنه سيدخلها، فكان رجوعهم فتنتهم، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. وهذا لا ينافي حديث المعراج، لأن هذا كان بالمدينة، والمعراج كان ~~بمكة: قال أبو سليمان الدمشقي: وإنما ذكره ابن عباس على وجه الزيادة في ~~الإخبار لنا أن المشركين بمكة افتتنوا برؤيا عينه، والمنافقين بالمدينة ~~افتتنوا برؤيا نومه. # والثاني: أنه أري بني أمية على المنابر، فساءه ذلك، فقيل له: إنها الدنيا ~~يعطونها، فسري عنه. فالفتنة هاهنا: البلاء، رواه علي بن زيد بن جدعان عن ~~سعيد بن المسيب، وإن كان مثل هذا لا يصح، ولكن قد ذكره عامة المفسرين. ~~PageV05P039 # وروى ابن الأنباري أن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] قوما على منابر، فشق ذلك عليه، وفيه نزل: * (والشجرة الملعونة في ~~القرآن) *، قال: ومعنى قوله: * (إلا فتنة للناس) *: # إلا بلاء للناس. قال ابن الأنباري: فمن ذهب إلى أن الشجرة رجال رآهم ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] في منامه يصعدون على المنابر، احتج بأن الشجرة ~~يكنى بها عن المرأة لتأنيثها، وعن الجماعة لاجتماع أغصانها. # قالوا: ووقعت اللعنة بهؤلاء الذين كنى عنهم بالشجرة. قال المفسرون: وفي ~~الآية تقديم و تأخير، تقديره: وما جعلنا الرؤيا والشجرة إلا فتنة للناس. # وفي هذه الشجرة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها شجرة الزقوم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد ~~بن جبير، وعكرمة، ومسروق، والنخعي، والجمهور. وقال مقاتل: لما ذكر الله ~~تعالى شجرة الزقوم، قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا يخوفكم بشجرة ~~الزقوم، ألستم تعلمون أن النار تحرق الشجر، ومحمد يزعم أن النار تنبت ~~الشجر، فهل تدرون ما الزقوم، فقال عبد الله بن الزبعرى: إن الزقوم بلسان ~~بربر: التمر والزبد، فقال أبو جهل: يا جارية ابغينا تمرا وزبدا، فجاءته به، ~~فقال لمن حوله: تزقموا من هذا الذي يخوفكم به محمد، فأنزل الله عز وجل: * ~~(ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا) *: قال ابن قتيبة: كانت فتنتهم ~~بالرؤيا قولهم: كيف يذهب إلى بيت المقدس، ms1310 ويرجع في ليلة؟! وبالشجرة قولهم: ~~كيف يكون في النار شجرة؟! # وللعلماء في معنى " الملعونة " ثلاثة أقوال: # أحدها: المذمومة، قاله ابن عباس. # والثاني: الملعون آكلها، ذكره الزجاج، وقال: إن لم يكن في القرآن ذكر ~~لعنها، ففيه لعن آكليها; قال: والعرب تقول لكل طعام مكروه وضار: ملعون; ~~فأما قوله [تعالى]: * (في القرآن) * فالمعنى: التي ذكرت في القرآن، وهي ~~مذكورة في قوله: * (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) *. # والثالث: أن معنى " الملعونة ": المبعدة عن منازل أهل الفضل، ذكره ابن ~~الأنباري. # والقول الثاني: أن الشجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر، يعني: ~~الكشوثى، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن الشجرة كناية عن الرجال على ما ذكرنا عن سعيد بن المسيب. # قوله تعالى; * (ونخوفهم) * قال ابن الأنباري: مفعول " نخوفهم " محذوف، ~~تقديره: PageV05P040 # ونخوفهم العذاب، * (فما يزيدهم) * أي: فما يزيدهم التخويف * (إلا طغيانا) ~~*; وقد ذكرنا معنى الطغيان في سورة البقرة، وذكرنا هناك تفسير قوله ~~[تعالى]: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا) *. # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ~~" 61 " قال أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتن يكون إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا " 62 " قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ~~جزاء موفورا " 63 " واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ~~وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " 64 " إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا " 65 " قوله تعالى: * (آسجد) * ~~قرأه الكوفيون: بهمزتين. وقرأه الباقون: بهمزة مطولة; وهذا استفهام إنكار، ~~يعني به: لم أكن لأفعل. # قوله تعالى: * (لمن خلقت طينا) * قال الزجاج: " طينا " منصوب على وجهين. # أحدهما: التمييز، المعنى: لمن خلقته من طين. # والثاني: على الحال، المعنى: أنشأته في حال كونه من طين. ولفظ * (قال ~~أرأيتك) * جاء هاهنا بغير حرف عطف، لأن المعنى: قال آسجد لمن خلقت طينا، ~~وأرأيتك، وهي: في معنى: # أخبرني، والكاف ذكرت في المخاطبة توكيدا، والجواب محذوف، والمعنى: أخبرني ~~عن هذا الذي كرمت علي، لم كرمته علي ms1311 وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟! ~~فحذف هذا، لأن في الكلام دليلا عليه. # قوله تعالى: * (لئن أخرتن إلى يوم القيامة) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمر: " أخرتني " بياء في الوصل. ووقف أبن كثير بالياء. وقرأ ابن عامر، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي بغير ياء في وصول ولا في وقف. PageV05P041 # قوله تعالى: * (لأحتنكن ذريته) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لأستولين عليهم، قاله ابن عباس، والفراء. # والثاني: لأضلنهم، قاله ابن زيد. # والثالث: لأستأصلنهم; يقال: احتنك الجراد ما على الأرض: إذا أكله; واحتنك ~~فلان ما عند فلان من العلم: إذا استقصاه، فالمعنى: لأقودنهم كيف شئت، هذا ~~قول ابن قتيبة. # فإن قيل: من أين علم الغيب. فقد أجبنا عنه في سورة النساء. # قوله تعالى: * (إلا قليلا) * قال ابن عباس: هم أولياء الله الذين عصمهم. # قوله تعالى: * (قال اذهب) * هذا اللفظ يتضمن إنظاره; * (فمن تبعك) *، أي: ~~تبع أمرك منهم، يعني: ذرية آدم. والموفور: الموفر. قال ابن قتيبة: يقال: ~~وفرت ماله عليه، ووفرته، بالتخفيف والتشديد. # قوله تعالى: * (واستفزز من استطعت منهم) * قال ابن قتيبة: استخف، ومنه ~~تقول: استفزني فلان. # وفي المراد بصوته قولان: # أحدهما: أنه كل داع دعا إلى معصية الله، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الغناء والمزامير، قاله مجاهد. # وقوله تعالى: * (وأجلب عليهم) * أي: صح * (بخيلك ورجلك) * واحثثهم عليهم ~~بالإغراء; يقال: أجلب القوم وجلبوا: إذا صاحوا. وقال الزجاج: المعنى: اجمع ~~عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك; فعلى هذا تكون الباء زائدة. قال ابن ~~قتيبة: والرجل: الرجالة; يقال: راجل ورجل، مثل تاجر وتجر، وصاحب وصحب. قال ~~ابن عباس: كل خيل تسير في معصية الله، وكل رجل يسير في معصية الله. وقال ~~قتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس. وروى حفص عن عاصم: " بخيلك ورجلك ~~" بكسر الجيم، وهي قراءة ابن عباس، وأبي رزين، وأبي عبد الرحمن السلمي. قال ~~أبو زيد: يقال: رجل رجل: للرجل، ويقال: جاءنا حافيا رجلا. وقرأ ابن ~~السميفع، والجحدري: # " بخيلك ورجالك " برفع الراء وتشديد الجيم مفتوحة وبألف بعدها. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو الجوزاء، وعكرمة: ms1312 " ورجالك " بكسر الراء وتخفيف الجيم مع ~~ألف. # قوله تعالى: * (وشاركهم في الأموال) * فيه أربعة أقوال: PageV05P042 # أحدها: أنها ما كانوا يحرمونه من أنعامهم، رواه عطية عن ابن عباس. # والثاني: الأموال التي أصيبت من حرام، قاله مجاهد. والثالث: التي أنفقوها ~~في معاصي. # الله، قال الحسن. # والرابع: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، قاله الضحاك. # فأما مشاركته إياهم في الأولاد، ففيها أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أولاد الزنا، رواه عطية عن ابن عباس، به قال سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك. # والثاني: الموؤودة من أولادهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه تسمية أولادهم عبيدا لأوثانهم كعبد شمس، وعبد العزى، وعبد ~~مناف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: ما مجسوا وهودوا ونصروا، وصبغوا من أولادهم غير صبغة الإسلام، ~~قاله الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: * (وعدهم) * قد ذكرناه في قوله [تعالى]: * (يعدهم ويمنيهم..) ~~* إلى آخر الآية. وهذه الآية لفظها لفظ الأمر، ومعناها التهديد، ومثلها في ~~الكلام أن تقول للإنسان: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك. قال الزجاج: إذا تقدم ~~الأمر نهي عما يؤمر به، فمعناه التهديد والوعيد، تقول للرجل: لا تدخلن هذه ~~الدار; فإذا حاول أن يدخلها قلت: ادخلها وأنت رجل، فلست تأمره بدخولها، ~~ولكنك توعده وتهدده، ومثله: * (اعملوا ما شئتم) * وقد نهوا أن يعملوا ~~بالمعاصي. # وقال ابن الأنباري: هذا أمر معناه التهديد، تقديره: إن فعلت هذا عاقبناك ~~وعذبناك، فنقل إلى لفظ الأمر عن الشرط، كقوله: * (فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر) *. # قوله تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) * قد شرحناه في الحجر. # قوله تعالى: * (وكفى بربك وكيلا) * قال الزجاج: كفى به وكيلا لأوليائه ~~يعصمهم من القبول من إبليس. # ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما " ~~66 " وإذا PageV05P043 # مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم قد إلى البر أعرضتم ~~وكان الإنسان كفورا " 67 " أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم ~~حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا " 68 " أم أمنتم أن يعيدكم ms1313 فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا " 69 " * ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " 70 " قوله تعالى: * (ربكم ~~الذي يزجي لكم الفلك) * أي: يسيرها. قال الزجاج: يقال: زجيت الشئ، أي: ~~قدمته. # قوله تعالى: * (لتبتغوا من فضله) * أي: في طلب التجارة. # وفي " من " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها زائدة. # والثاني: أنها للتبعيض. # والثالث: أن المفعول محذوف، والتقدير: لتبتغوا من فضله الرزق والخير، ~~ذكرهن ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (إنه كان بكم رحيما) * هذا الخطاب خاص للمؤمنين، ثم خاطب ~~المشركين فقال: # * (وإذا مسكم الضر في البحر) * يعني: خوف الغرق * (ضل من تدعون) * أي: ~~يضل من يدعون من الآلهة، إلا الله تعالى. ويقال: ضل بمعنى غاب، يقال: ضل ~~الماء في اللبن: إذا غاب، والمعنى: أنكم أخلصتم الدعاء لله، ونسيتم ~~الأنداد. وقرأ مجاهد، وأبو المتوكل: " ضل من يدعون " بالياء. * (فلما نجاكم ~~إلى البر أعرضتم) * عن الإيمان والإخلاص * (وكان الإنسان) * يعني الكافر * ~~(كفورا) * بنعمة ربه. * (أفأمنتم) * إذا خرجتم من البحر * (أن يخسف بكم) * ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " نخسف بكم " " أو نرسل " " أن نعيدكم " " فنرسل ~~" " فنغرقكم " بالنون في الكل. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، بالياء في الكل. وقرأ نافع، عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، ~~بالياء في الكل. ومعنى * (نخسف بكم جانب البر) *، أي: نغيبكم ونذهبكم في ~~ناحية البر، والمعنى: إن حكمي نافذ في البر نفوذه في البحر، * (أو نرسل ~~عليكم حاصبا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الحاصب: حجارة من السماء، قاله قتادة. PageV05P044 # والثاني: أنه الريح العاصف تحصب، قاله أبو عبيدة، وأنشد للفرزدق: # - مستقبلين شمال الريح تضربهم * بحاصب منه كنديف القطن منثور - وقال ابن ~~قتيبة: الحاصب: الريح، سميت بذلك لأنها تحصب، أي: ترمي بالحصباء، وهي الحصى ~~الصغار. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الحاصب: الريح التي فيها الحصى. ~~وإنما قال في الريح: * (حاصبا) * ولم يقل: " حاصبة " لأنه وصف لزم الريح ~~ولم يكن لها مذكر تنتقل ms1314 إليه في حال، فكان بمنزلة قولهم: " حائض " للمرأة، ~~حين لم يقل: رجل حائض. قال: وفيه جواب آخر، وهو أن نعت الريح عري من علامة ~~التأنيث، فأشبهت بذلك أسماء المذكر، كما قالوا: السماء أمطر، والأرض أنبت. # والثالث: أن الحاصب: التراب الذي فيه حصباء، قاله الزجاج. # قوله تعالى: * (ثم لا تجدوا لكم وكيلا) * أي: مانعا وناصرا. # قوله تعالى: * (أم أمنتم أن يعيدكم فيه) * أي: في البحر * (تارة أخرى) * ~~أي: مرة أخرى، والجمع: تارات. * (فيرسل عليكم قاصفا من الريح) * قال أبو ~~عبيدة: هي التي تقصف كل شئ. # قال ابن قتيبة: القاصف: الريح التي تقصف الشجر، أي: تكسره. # قوله تعالى: * (فيغرقكم) * وقرأ أبو المتوكل، وأبو جعفر، وشيبة، ورويس: " ~~فتغرقكم " بالتاء، وسكون الغين، وتخفيف الراء. وقرا أبو الجوزاء، وأيوب: " ~~فيغرقكم " بالياء، وفتح الغين، وتشديدها. وقرأ أبو رجاء مثله، إلا أنه ~~بالتاء * (بما كفرتم) * أي: بكفركم حيث نجوتم في المرة الأولى، * (ثم لا ~~تجدوا لكم علينا به تبيعا) * قال ابن قتيبة: أي: من يتبع بدمائكم، أي: ~~يطالبنا. # قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ريح العذاب أربع، اثنتان في البر، ~~واثنتان في البحر، فاللتان في البر: الصرصر، والعقيم، واللتان في البحر: ~~العاصف، والقاصف. # قوله تعالى: * (ولقد كرمنا بني آدم) * أي: فضلناهم. قال أبو عبيدة: و " ~~كرمنا " أشد مبالغة من " أكرمنا ". # وللمفسرين فيما فضلوا به أحد عشر قولا: # أحدها: أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة: جبريل، ~~وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وأشباههم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~فعلى هذا يكون المراد: # المؤمنين منهم، ويكون تفضيلهم بالإيمان. # والثاني: أن سائر الحيوان يأكل بفيه، إلا ابن آدم فإنه يأكل بيده، رواه ~~ميمون بن مهران PageV05P045 # عن ابن عباس. وقال بعض المفسرين: المراد بهذا التفضيل: أكلهم بأيديهم، و ~~نظافة ما يقتاتونه، إذ الجن يقتاتون العظام والروث. # والثالث: فضلوا بالعقل، روي عن ابن عباس. # والرابع: بالنطق والتمييز، قاله الضحاك. # والخامس: بتعديل القامة وامتدادها، قاله عطاء. # والسادس: بأن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم، قاله محمد بن كعب. ms1315 # والسابع: فضلوا بالمطاعم واللذات في الدنيا، قاله زيد بن أسلم. # والثامن: بحسن الصورة، قاله يمان. # والتاسع: بتسليطهم على غيرهم من الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم، قاله محمد ~~بن جرير. # والعاشر: بالأمر والنهي، ذكره الماوردي. # والحادي عشر: بأن جعلت اللحى للرجال، والذوائب للنساء، ذكره الثعلبي. # فإن قيل: كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر المهان؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرم بالنعم الوافرة. # والثاني: أنه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصفة على جماعتهم، ~~كقوله [تعالى]: * (كنتم خيرة أمة أخرجت للناس) *. # قوله تعالى: * (وحملناهم في البر) * على أكباد رطبة، وهي: الإبل، والخيل، ~~والبغال، والحمير، * (و) * في * (البحر) * على أعواد يابسة، وهي: السفن. * ~~(ورزقناهم من الطيبات) * فيه قولان: # أحدهما: الحلال. والثاني: المستطاب في الذوق. # قوله تعالى: * (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) * فيه قولان: # أحدهما: أنه على لفظه، وأنهم لم يفضلوا على سائر المخلوقات. وقد ذكرنا عن ~~ابن عباس أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة. وقال غيره: بل ~~الملائكة أفضل. # والثاني: أن معناه: وفضلناهم على جميع من خلقنا. والعرب تضع الأكثر ~~والكثير في موضع الجمع، كقوله تعالى: * (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) *. ~~وقد روى أبو هريرة عن رسول الله PageV05P046 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المؤمن أكرم على الله عز وجل من الملائكة ~~الذين عنده ". # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ~~ولا يظلمون فتيلا " 71 " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا " 72 " قوله تعالى * (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) * والمراد به: يوم ~~القيامة. وقرأ الحسن البصري: # " يوم يدعو " بالياء (كل) بالنصب. وقرأ أبو عمران الجوني: " يوم يدعى " ~~بياء مرفوعة، وفتح العين، وبعدها ألف، " كل " بالرفع. # وفي المراد بإمامهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه رئيسهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وروى عنه سعيد بن جبير ~~أنه قال: # إمام هدى، أو إمام ضلالة. # والثاني: عملهم، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وأبو العالية. ms1316 # والثالث: نبيهم، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد في ~~رواية. # والرابع: كتابهم، قاله عكرمة، ومجاهد في رواية. ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه كتابهم الذي فيه أعمالهم، قاله قتادة، ومقاتل. # والثاني: كتابهم الذي أنزل عليهم، قاله الضحاك، وابن زيد. فعلى القول ~~الأول يقال: يا متبعي موسى، يا متبعي عيسى، يا متبعي محمد; ويقال: يا متبعي ~~رؤساء الضلالة. # وعلى الثاني: يا من عمل كذا وكذا. # وعلى الثالث: يا أمة موسى، يا أمة عيسى، يا أمة محمد. # وعلى الرابع: يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل القرآن. أو يا صاحب ~~الكتاب الذي فيه عمل كذا وكذا. # قوله تعالى: * (فأولئك يقرؤون كتابهم) * معناه: يقرؤون حسابهم، لأنهم ~~أخذوا كتبهم بأيمانهم. # قوله تعالى: * (ولا يظلمون فتيلا) * أي: لا ينقصون من ثوابهم بقدر ~~الفتيل، وقد بيناه في سورة النساء. PageV05P047 # قوله تعالى: * (ومن كان في هذه أعمى) * قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~" أعمى فهو في الآخرة أعمى " مفتوحتي الميم، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر ~~عن عاصم بكسر الميمين. # وقرأ أبو عمرو: " في هذه أعمى " بكسر الميم، " فهو في الآخرة أعمى " ~~بفتحها. # المشار إليها ب‍ * (هذه) * قولان: # أحدهما: أنها الدنيا، قاله مجاهد. ثم في معنى الكلام خمسة أقوال: # أحدها: من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة الله في خلق الأشياء، فهو ~~عما وصف له في الآخرة أعمى، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: من كان في الدنيا أعمى بالكفر، فهو في الآخرة أعمى، لأنه في ~~الدنيا تقبل توبته، وفي الآخرة لا تقبل، قاله الحسن. # والثالث: من عمي عن آيات الله في الدنيا، فهو عن الذي غيب عنه من أمور ~~الآخرة أشد عمى. # والرابع: من عمي عن نعم الله التي بينها في قوله [تعالى]: * (ربكم الذي ~~يزجي لكم الفلك في البحر) * إلى قوله: * (تفضيلا) * فهو في الآخرة أعمى عن ~~رشاده وصلاحه، ذكرهما ابن الأنباري. # والخامس: من كان فيها أعمى عن الحجة، فهو في الآخرة أعمى عن الجنة، قاله ~~أبو بكر الوراق. # والثاني: أنها النعم. ms1317 ثم في الكلام قولان: # أحدهما: من كان أعمى عن النعم التي ترى وتشاهد، فهو في الآخرة التي لم تر ~~أعمى، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: من كان أعمى عن معرفة حق الله في ~~هذه النعم المذكورة في قوله تعالى: * (ولقد كرمنا بني آدم) * ولم يؤد ~~شكرها، فهو فيما بينه وبين الله مما يتقرب به إليه أعمى * (وأضل سبيلا) *، ~~قاله السدي. قال أبو علي الفارسي: ومعنى قوله: * (في الآخرة أعمى) * أي: ~~أشد عمى، لأنه كان في الدنيا يمكنه الخروج عن عماه بالاستدلال، ولا سبيل له ~~في الآخرة إلى الخروج من عماه. وقيل: معنى العمى في الآخرة. أنه لا يهتدي ~~إلى طريق الثواب، وهذا كله من عمى القلب. # فإن قيل: لم قال: * (فهو في الآخرة أعمى) * ولم يقل: أشد عمى، لأن العمى ~~خلقة بمنزلة الحمرة، والزرقة، والعرب تقول: ما أشد سواد زيد، وما أبين زرقة ~~عمرو وقلما يقولون: # ما أسود زيدا، وما أزرق عمرا؟ PageV05P048 # فالجواب: أن المراد بهذا العمى عمى القلب، وذلك يتزايد ويحدث منه شئ بعد ~~شئ، فيخالف الخلق اللازمة التي لا تزيد، نحو عمى العين، والبياض، والحمرة، ~~ذكره ابن الأنباري. # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا " 73 " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " 74 " إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا " 75 " وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا " 76 " ~~سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا " 77 " قوله تعالى: ~~* (وإن كادوا ليفتنونك) * في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: متعنا ~~باللات سنة، وحرم وادينا كما حرمت مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يكثرون مسألتهم، ~~وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فان خشيت أن يقول العرب: ~~أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك; فأمسك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنهم ودخلهم الطمع، ms1318 فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وروى ~~عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجلنا سنة، ثم نسلم ونكسر أصنامنا، فهم أن ~~يؤجلهم، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نكف عنك إلا ~~بأن تلم بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره "؟ فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن ~~جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يظن برسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ولا ما ~~ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة، وكل ذلك مخالف في حقه. # والثالث: أن قريشا خلوا برسول الله ليلة إلى الصباح يكلمونه ويفخمونه; ~~ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما ~~يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والرابع: أنهم قالوا لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]: اطرد عنك سقاط ~~الناس، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتها رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا ~~يلبسون الصوف، حتى نجالسك ونسمع منك، فهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم، فنزلت هذه الآيات، حكاه الزجاج; قال: ~~PageV05P049 # ومعنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت " إن " واللام للتوكيد. قال ~~المفسرون: وإنما قال: # " ليفتنونك "، لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن. # قوله تعالى: * (لتفتري) * أي: لتختلق * (علينا غيره) * وهو قولهم: قل ~~الله أمرني بذلك، * (وإذا) * لو فعلت ذلك * (لاتخذوك خليلا) * أي: والوك ~~وصافوك. # قوله تعالى: * (ولولا أن ثبتناك) * على الحق، لعصمتنا إياك * (لقد كدت ~~تركن إليهم) * أي: هممت وقاربت أن تميل إلى مرادهم * (شيئا قليلا) * قال ~~ابن عباس: وذلك حين سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته. وقال ابن الأنباري: ~~الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الباطن للمشركين، وتقديره: ~~لقد كادوا يركنونك إليهم، وينسبون إليك ما يشتهونه مما تكرهه، فنسب الفعل ~~إلى غير فاعله عند أمن اللبس، كما يقول الرجل للرجل: كدت تقتل نفسك اليوم، ~~يريد: # كدت تفعل فعلا ms1319 يقتلك غيرك من أجله; فهذا المجاز والاتساع وشبيه بهذا قوله ~~[تعالى]: * (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) *، وقول القائل: لا أرينك في هذا ~~الموضع. # قوله تعالى: * (إذا لأذقناك) * المعنى: لو فعلت ذلك الشئ القليل * ~~(لأذقناك ضعف الحياة) * أي: ضعف عذاب الحياة * (وضعف) * عذاب * (الممات) *، ~~ومثله قول الشاعر: # واستب بعدك يا كليب المجلس أي: أهل المجلس. وقال ابن عباس: ضعف عذاب ~~الدنيا والآخرة. وكان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] معصوما، ولكنه تخويف ~~لأمته، لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شئ من أحكام الله ~~وشرائعه. # قوله تعالى: * (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض) * في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لما قدم المدينة، حسدته ~~اليهود على مقامه بالمدينة، وكرهوا قربه، فأتوه، فقالوا: يا محمد أنبي أنت؟ ~~قال: نعم، قالوا: فوالله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، وأن أرض الأنبياء ~~الشام، فإن كنت نبيا فائت الشام، فنزلت هذه الآية، قاله أبو PageV05P050 # صالح عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: هم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غنم: لما قالت له ~~اليهود هذا، صدق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ ~~تبوك، نزلت هذه الآية. # والثاني: أنهم المشركون أهل مكة هموا بإخراج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا به، ~~قاله الحسن، ومجاهد. وقال قتادة: هم أهل مكة بإخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ~~ما نوظروا، ولكن الله كفهم عن إخراجه حتى أمره بالخروج. وقيل: ما لبثوا بعد ~~ذلك حتى بعث الله عليهم القتل ببدر. # فعلى القول الأول، المشار إليهم: اليهود، والأرض: المدينة. # وعلى الثاني: هم المشركون، والأرض: مكة، وقد ذكرنا معنى " الاستفزاز " ~~آنفا، وقيل: المراد به هاهنا: القتل، ليخرجوه من الأرض كلها، روي عن الحسن. # قوله تعالى: * (وإذا لا يلبثون خلفك) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وأبو بكر عن ms1320 عاصم: " خلفك ". وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: " خلافك ". قال الأخفش " خلافك " في معنى خلفك، والمعنى: لا يلبثون ~~بعد خروجك * (إلا قليلا) * أي: لو أخرجوك لاستأصلناهم علي بعد خروجك بقليل، ~~وقد جازاهم الله على ما هموا به، فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من ~~اليهود بني قريظة، وأجلى النضير. وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: # لا يلبثون على خلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض. وقرأ أبو رزين، وأبو ~~المتوكل: # " خلافك " بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع الفاء. # قوله تعالى: * (سنة من قد أرسلنا) * قال الفراء: نصب السنة على العذاب ~~يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا. وقال الأخفش: المعنى: سنها سنة. وقال الزجاج: ~~المضمر، أي: انتصب بمعنى " لا يلبثون " وتأويله: إنا سننا هذه السنة فيمن ~~أرسلنا قبلك أنهم إذا أخرجوا نبيهم أو قتلوه، لم يلبث العذاب أن ينزل بهم. # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~PageV05P051 # مشهودا " 78 " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا " 79 " وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا " 80 " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " 81 " ~~قوله تعالى: * (أقم الصلاة) * أي: أدها * (لدلوك الشمس) * أي: عند دلوكها. ~~وذكر ابن الأنباري في " اللام " قولين: # أحدهما: أنها بمعنى " في ". # والثاني: أنها مؤكدة، كقوله تعالى: * (ردف لكم) *. وقال أبو عبيدة: ~~دلوكها: من عند زوالها إلى أن تغيب. وقال الزجاج: ميلها وقت الظهيرة دلوك، ~~وميلها للغروب دلوك. وقال الأزهري: معنى " الدلوك " في كلام العرب: الزوال، ~~ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دالكة، وإذا أفلت: دالكة، لأنها في ~~الحالين زائلة. # وللمفسرين في المراد بالدلوك هاهنا قولان: # أحدهما: أنه زوالها نصف النهار. روى جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين ~~زالت الشمس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " اخرج يا أبا بكر ~~فهذا حيث دلكت الشمس "; وهذا قول ms1321 ابن عمر، وأبي برزة، وأبي هريرة، والحسن، ~~والشعبي، وسعيد ابن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعبيد بن عمير، ~~وقتادة، والضحاك، ومقاتل، وهو اختيار الأزهري. قال الأزهري: لتكون الآية ~~جامعة للصلوات الخمس، فيكون المعنى: أقم الصلاة من وقت زوال الشمس إلى غسق ~~الليل، فيدخل فيها الأولى، والعصر، وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم ~~قال: * (وقرآن الفجر) *، فهذه خمس صلوات. # والثاني: أنه غروبها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وابن زيد، وعن ابن عباس ~~كالقولين، قال الفراء: ورأيت العرب تذهب في الدلوك إلى غيبوبة الشمس، وهذا ~~اختيار ابن قتيبة، قال: # لأن العرب تقول: دلك النجم: إذا غاب; قال ذو الرمة: # - مصابيح ليست باللواتي تقودها * نجوم ولا بالآفلات الدوالك - وتقول في ~~الشمس: دلكت براح، يريدون: غربت، والناظر قد وضع كفه على حاجبه ينظر ~~PageV05P052 # إليها، قال الشاعر: # - والشمس قد كادت تكون دنفا * أدفعها وإن بالراح كي تزحلفا - فشبهها ~~بالمريض الدنف، لأنها قد همت بالغروب كما قارب الدنف الموت، وإنما ينظر ~~إليها من تحت الكف ليعلم كم بقي لها إلى أن تغيب، ويتوقى الشعاع بكفه. فعلى ~~هذا، المراد بهذه الصلاة: المغرب. فأما غسق الليل فهو فظلامه. # وفي المراد بالصلاة المتعلقة بغسق الليل ثلاثة أقوال: # أحدها: العشاء، قاله ابن مسعود. # والثاني: المغرب، قاله ابن عباس. قال القاضي أبو يعلى: فيحتمل أن يكون ~~المراد بيان وقت المغرب، أنه من غروب الشمس إلى غسق الليل. # والثالث: المغرب والعشاء، قاله الحسن. # قوله تعالى: * (وقرآن الفجر) * المعنى: وأقم قراءة الفجر. قال المفسرون: ~~المراد به: # صلاة الفجر. قال الزجاج: وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون ~~إلا بقراءة، حين سميت الصلاة قرآنا. # قوله تعالى: * (إن قرآن الفجر كان مشهودا) * روى أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار ". # قوله تعالى: * (ومن الليل فتهجد به) * قال ابن عباس: فصل بالقرآن. قال ~~مجاهد، وعلقمة، والأسود: التهجد بعد النوم. قال ابن قتيبة: تهجدت: سهرت، ~~وهجدت: نمت. # وقال ابن الأنباري: التهجد هاهنا بمعنى: التيقظ والسهر، واللغويون ~~يقولون: هو ms1322 من حروف الأضداد; يقال للنائم: هاجد ومتهجد، وكذلك للساهر، قال ~~النابغة: # - ولو أنها عرضت لأشمط راهب * عبد الإله صرورة متهجد - - لرنا فيه ~~لبهجتها وحسن حديثها * ولخاله رشدا وإن لم يرشد - يعني بالمجتهد: الساهر، ~~وقال لبيد: # قال هجدنا فقد طال السرى أي: نومنا. وقال الأزهري: المتهجد: القائم إلى ~~الصلاة من النوم: وقيل له: متهجد، PageV05P053 # لإلقائه الهجود عن نفسه، كما يقال: تحرج وتأثم. # قوله تعالى: * (نافلة لك) * النافلة في اللغة: ما كان زائدا على الأصل. # وفي معنى هذه الزيادة في حقه قولان: # أحدهما: أنها زائدة فيما فرض عليه، فيكون المعنى: فريضة عليك، وكان قد ~~فرض عليه قيام الليل، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: أنها زائدة على الفرض، وليست فرضا; فالمعنى: تطوعا وفضيلة. قال ~~أبو أمامة، والحسن، ومجاهد: إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. ~~قال مجاهد: وذلك أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما زاد على فرضه ~~فهو نافلة له وفضيلة، وهو لغيره كفارة. وذكر بعض أهل العلم: أن صلاة الليل ~~كانت فرضا عليه في الابتداء، ثم رخص له في تركها، فصارت نافلة. وذكر ابن ~~الأنباري في هذا قولين: # أحدهما: يقارب ما قاله مجاهد، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا تنفل لا يقدر له أن يكون بذلك ماحيا للذنوب، لأنه قد غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر، وغيره إذا تنفل كان راجيا، ومقدرا محو السيئات عنه بالتنفل، ~~فالنافلة لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] زيادة على الحاجة، وهي لغيره ~~مفتقر إليها، ومأمول بها دفع المكروه. # والثاني: أن النافلة للنبي [صلى الله عليه وسلم] وأمته، والمعنى: ومن ~~الليل فتهجدوا به نافلة لكم، فخوطب النبي [صلى الله عليه وسلم] بخطاب أمته. # قوله تعالى: * (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) * " عسى " من الله واجبة، ~~ومعنى يبعثك " يقيمك * (مقاما محمودا) * وهو الذي يحمده لأجله جميع أهل ~~الموقف. وفيه قولان: # أحدهما: أنه الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله ابن مسعود، وحذيفة بن ~~اليمان، وابن عمر، ms1323 وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والحسن، وهي رواية ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثاني: يجلسه على العرش يوم القيامة. روى أبو وائل عن عبد الله أنه قرأ ~~هذه الآية، وقال: يقعده على العرش، وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس، وليث عن ~~مجاهد. # قوله تعالى: * (وقل رب أدخلني مدخل صدق) * وقرأ الحسن، وعكرمة، والضحاك، ~~وحميد بن قيس، وقتادة، وابن أبي عبلة بفتح الميم في " مدخل " و " مخرج ". ~~قال الزجاج: # المدخل، بضم الميم: مصدر أدخلته مدخلا، ومن قال: مدخل صدق، فهو على ~~أدخلته، فدخل مدخل صدق، وكذلك شرح " مخرج " مثله. PageV05P054 # وللمفسرين في المراد بهذا المدخل والمخرج أحد عشر قولا. # أحدها: أدخلني المدينة مدخل صدق، وأخرجني من مكة مخرج صدق. روى أبو ظبيان ~~عن ابن عباس قال: كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بمكة، ثم أمر ~~بالهجرة، فنزلت عليه هذه الآية. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن في رواية سعيد ~~بن جبير، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أدخلني القبر مدخل صدق، وأخرجني منه مخرج صدق، رواه العوفي عن ~~ابن عباس. # والثالث: أدخلني المدينة، وأخرجني إلى مكة، يعني: لفتحها، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والرابع: أدخلني مكة مدخل صدق، وأخرجني منها مخرج صدق، فخرج منها آمنا من ~~المشركين، ودخلها ظاهرا عليها يوم الفتح، قاله الضحاك. # والخامس: أدخلني مدخل صدق الجنة، وأخرجني مخرج صدق من مكة إلى المدينة، ~~رواه قتادة عن الحسن. # والسادس: أدخلني في النبوة والرسالة، وأخرجني منها مخرج صدق، قاله مجاهد، ~~يعني: # أخرجني مما يجب علي فيها. # والسابع: أدخلني في الإسلام، وأخرجني منه، قاله أبو صالح; يعني من أداء ~~ما وجب علي فيه إذا جاء الموت. # والثامن: أدخلني في طاعتك، وأخرجني منها، أي، سالما غير مقصر في أدائها، ~~قاله عطاء. # والتاسع: أدخلني الغار، وأخرجني منه، قاله محمد بن المنكدر. # والعاشر: أدخلني في الدين، وأخرجني من الدنيا وأنا على الحق، ذكره ~~الزجاج. # والحادي عشر: أدخلني مكة، وأخرجني إلى حنين، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # وأما إضافة الصدق إلى المدخل والمخرج، فهو مدح لهما. وقد ms1324 شرحنا هذا ~~المعنى في سورة يونس. PageV05P055 # قوله تعالى: * (واجعل لي من لدنك) * أي: من عندك * (سلطانا) * وفيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه التسلط على الكافرين بالسيف، وعلى المنافقين بإقامة الحدود، ~~قاله الحسن. # والثاني: أنه الحجة البينة، قاله مجاهد. # والثالث: الملك العزيز الذي يقهر به العصاة، قاله قتادة. وقال ابن ~~الأنباري: وقوله [تعالى]: * (نصيرا) * يجوز أن يكون بمعنى منصرا، ويصلح أن ~~يكون تأويله ناصرا. # قوله تعالى: * (وقل جاء الحق وزهق الباطل) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن الحق: الإسلام، والباطل: الشرك، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن الحق: القرآن، والباطل: الشيطان، قاله قتادة. # والثالث: أن الحق: الجهاد، والباطل: الشرك، قاله ابن جريج. # والرابع: الحق: عبادة الله، والباطل: عبادة الأصنام، قاله مقاتل. ومعنى " ~~زهق ": بطل واضمحل. وكل شئ هلك وبطل فقد زهق، وزهقت نفسه: تلفت. # وروى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وحول البيت ~~ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول: " * (جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا) * ". # فإن قيل: كيف قلتم: إن * (زهق) * بمعنى بطل، والباطل موجود معمول عليه ~~عند أهله؟ # فالجواب: أن المراد من بطلانه وهلكته: وضوح عيبه، فيكون هالكا عند ~~المتدبر الناظر. # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~" 82 " قوله تعالى: * (وننزل من القرآن ما هو شفاء) * " من " هاهنا لبيان ~~الجنس، فجميع القرآن شفاء. وفي هذا الشفاء ثلاثة أقوال: # أحدها: شفاء من الضلال، لما فيه من الهدى. # والثاني: شفاء من السقم، لما فيه من البركة. # والثالث: شفاء من البيان للفرائض والأحكام. # وفي " الرحمة " قولان: # أحدهما: النعمة. PageV05P056 # والثاني: سبب الرحمة. # قوله تعالى: * (ولا يزيد الظالمين) * يعني المشركين * (إلا خسارا) * ~~لأنهم يكفرون به، ولا ينتفعون بمواعظه، فيزيد خسرانهم. # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذ مسه الشر كان يئوسا " 83 " ~~قل كل يعمل على شا كلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا " 84 " قوله تعالى: * ~~(وإذا أنعمنا على الإنسان) * قال ابن عباس: الإنسان هاهنا: الكافر، والمراد ~~به الوليد ms1325 بن المغيرة. قال المفسرون: وهذا الإنعام: سعة الرزق، وكشف ~~البلاء. * (ونأى بجانبه) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: ~~" ونأى " على وزن " نعى " بفتح النون والهمزة. # وقرأ ابن عامر: " ناء " مثل " باع ". وقرأ الكسائي، وخلف عن سليم عن ~~حمزة: " وناء " بإماله النون والهمزة. وروى خلاد عن سليم: " نئي " بفتح ~~النون، وكسر الهمزة، والمعنى: تباعد عن القيام بحقوق النعم، وقيل: تعظم ~~وتكبر. * (وإذا مسه الشر) * أي: نزل به البلاء والفقر * (كان يؤوسا) * أي: ~~قنوطا شديد اليأس، لا يرجو فضل الله. # قوله تعالى: * (قل كل يعمل على شاكلته) * فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: على ناحيته، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. قال الفراء: الشاكلة: ~~الناحية، والجديلة، والطريقة، سمعت بعض العرب يقول: وعبد الملك إذ ذاك على ~~جديلته، وابن الزبير على جديلته، يريد: على ناحيته. وقال أبو عبيدة: على ~~ناحيته وخليقته. وقال ابن قتيبة: على خليقته وطبيعته، وهو من الشكل. يقال: ~~لست على شكلي، ولا شاكلتي. وقال الزجاج: على طريقته، وعلى مذهبه. # والثاني: على نيته; قاله الحسن، ومعاوية بن قرة. وقال الليث: الشاكلة من ~~الأمور: ما وافق فاعله. # والثالث: على دينه، قاله ابن زيد. وتحرير المعنى: أن كل واحد يعمل على ~~طريقته التي تشاكل أخلاقه، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند ~~النعم واليأس عند الشدة، والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء ~~والصبر عند البلاء، والله يجازي الفريقين. وذكر أبو صالح عن ابن عباس: أن ~~هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) *، وليس ~~بشئ. PageV05P057 # ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " ~~85 " قوله تعالى: * (ويسألونك عن الروح) * في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بناس من اليهود، فقالوا: ~~سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه، فيستقبلكم بما تكرهون. فأتاه نفر ~~منهم، فقالوا: يا أبا القاسم: ما تقول في الروح؟ # فسكت، ونزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود. # والثاني: أن اليهود قالت لقريش: سلوا محمدا ms1326 عن ثلاث، فإن أخبركم عن ~~اثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نبي; سلوه عن فتية فقدوا، وسلوه عن ذي ~~القرنين، وسلوه عن الروح. فسألوه عنها، ففسر لهم أمر الفتية في الكهف، وفسر ~~لهم قصة ذي القرنين، وأمسك عن قصة الروح، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ~~ابن عباس. # وفي المراد بالروح هاهنا ستة أقوال: # أحدها: أنه الروح الذي يحيا به البدن، روى هذا المعنى العوفي عن ابن ~~عباس. وقد اختلف الناس في ماهية الروح، ثم اختلفوا هل الروح النفس، أم هما ~~شيئان فلا يحتاج إلى ذكر اختلافهم لأنه لا برهان على شئ من ذلك وإنما هو شئ ~~أخذوه عن الطب والفلاسفة؟ فأما السلف، فإنهم أمسكوا عن ذلك، لقوله تعالى: * ~~(قل الروح من أمر ربي) *، فلما رأوا أن القوم سألوا عن الروح فلم يجابوا، ~~والوحي ينزل، والرسول حي، علموا أن السكوت عما لم يحط بحقيقة علمه أولى. # والثاني: أن المراد بهذا الروح; ملك من الملائكة على خلقه هائلة، روي عن ~~علي عليه السلام، وابن عباس، ومقاتل. # والثالث: أن الروح: خلق من خلق الله عز وجل صورهم على صور بني آدم، رواه ~~مجاهد عن ابن عباس. # والرابع: أنه جبريل عليه السلام، قاله الحسن، وقتادة. # والخامس: أنه القرآن، روي عن الحسن أيضا. # والسادس: أنه عيسى ابن مريم، حكاه الماوردي. قال أبو سليمان الدمشقي: قد ~~ذكر الله تعالى الروح في مواضع من القرآن، فغالب ظني أن الناقلين نقلوا ~~تفسيره من موضعه إلى موضع لا يليق به، وظنوه مثله، وإنما هو الروح الذي ~~يحيى به ابن آدم. وقوله تعالى: * (من أمر ربي) * أي: # من عمله الذي منع أن يعرفه أحد. # قوله تعالى: * (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) * في المخاطبين بهذا ~~قولان: PageV05P058 # أحدهما: أنها اليهود، قاله الأكثرون. # والثاني: أنهم جميع الخلق، علمهم قليل بالإضافة إلى علم الله عز وجل، ~~ذكره الماوردي. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: * (ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا) *؟ # فالجواب: أن ما أوتيه الناس من العلم، وإن ms1327 كان كثيرا، فهو بالإضافة إلى ~~علم الله قليل. # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا " 86 " ~~إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا " 87 " قوله تعالى: * (ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك) * قال الزجاج: المعنى: لو شئنا لمحوناه من ~~القلوب والكتب، حتى لا يوجد له أثر، * (ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) * أي ~~لا تجد من يتوكل عليه في رد شئ منه، * (إلا رحمة من ربك) * هذا استثناء ليس ~~من الأول، والمعنى: لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين. وقال ~~ابن الأنباري: المعنى: لكن رحمة من ربك تمنع من أن تسلب القرآن، وكان ~~المشركون قد خاطبوا نساءهم من المسلمين في الرجوع إلى دين آبائهم، فهددهم ~~الله عز وجل بسلب النعمة، فكان ظاهر الخطاب للرسول، ومعنى التهدد للأمة. # وقال أبو سليمان: " ثم لا تجد لك به " أي: بما نفعله بك، من إذهاب ما ~~عندك " وكيلا " يدفعنا عما نريده بك. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ~~يسرى على القرآن في ليلة واحدة، فيجئ جبريل من جوف الليل، فيذهب به من ~~صدورهم ومن بيوتهم، فيصبحون لا يقرؤون آية، ولا يحسنونها. ورد أبو سليمان ~~الدمشقي صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله لا يقبض ~~العلم انتزاعا " وحديث ابن مسعود مروي من طرق حسان، فيحتمل أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم أراد بالعلم ما سوى القرآن، فإن العلم ما يزال ينقرض ~~حتى يكون رفع القرآن آخر الأمر. # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " 88 " PageV05P059 # قوله تعالى: * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن) * قال المفسرون: هذا تكذيب ~~للنضر بن الحارث حين قال: " لو شئنا لقلنا مثل هذا ". والمثل الذي طلب ~~منهم: كلام له نظم كنظم القرآن، في أعلى طبقات البلاغة. والظهير: المعين. # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا " ~~89 " وقالوا ms1328 لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " 90 " أو تكون لك ~~جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا " 91 " أو تسقط السماء كما ~~زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا " 92 " أو يكون لك بيت من ~~زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا " 93 " قوله تعالى: * (ولقد صرفنا للناس ~~في هذا القرآن) * قد فسرناه في هذه السورة، والمعني: # من كل مثل من الأمثال التي يكون بها الاعتبار * (فأبى أكثر الناس) * يعني ~~أهل مكة * (إلا كفورا) * أي: جحودا للحق وإنكارا. # قوله تعالى: * (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) * سبب ~~نزول هذه الآية وما يتبعها، أن رؤساء قريش، كعتبة، وشيبة، وأبي جهل، وعبد ~~الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث في آخرين، اجتمعوا عند الكعبة، فقال ~~بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: ~~إن أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك، فجاءهم سريعا، وكان حريصا على رشدهم، ~~فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت ~~على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فإن ~~كنت إنما جئت بهذا لتطلب مالا، جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثر مالا، ~~وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سودناك علينا، وإن كان هذا الرئي الذي يأتيك ~~قد غلب عليك، بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن تقبلوا منى ما جئتكم به، فهو حظكم ~~في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني ~~وبينكم ". قالوا يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا، فقد علمت أنه ليس ~~من الناس أحد أضيق بلادا ولا أشد عيشا منا، سل لنا ربك يسير لنا هذه الجبال ~~التي ضيقت علينا، ويجري لنا أنهارا، ويبعث من مضى من ms1329 آبائنا، PageV05P060 # وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما ~~تقول: أحق هو؟ # فإن فعلت صدقناك، فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: " ما بهذا بعثت، ~~وقد أبلغتكم ما أرسلت به "; قالوا: # فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك، وسله أن يجعل لك جنانا، وكنوزا، وقصورا من ~~ذهب وفضة تغنيك; قال: " ما أنا بالذي يسأل ربه هذا "; قالوا: فأسقط السماء ~~علينا كما زعمت بأن ربك إن شاء فعل; فقال: " ذلك إلى الله عز وجل "; فقال ~~قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا، وقال عبد الله بن ~~أبي أمية: لا أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، وترقى فيه وأنا أنظر، ~~وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك فانصرف رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] حزينا لما رأى من مباعدتهم إياه، فأنزل الله تعالى: * ~~(وقالوا لن نؤمن لك...) * الآيات، رواه عكرمة عن ابن عباس. # قوله تعالى: * (حتى تفجر) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~" حتى تفجر " بضم التاء، وفتح الفاء، وتشديد الجيم مع الكسرة. وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي: " حتى تفجر " بفتح التاء، وتسكين الفاء، وضم الجيم مع ~~التخفيف. فمن ثقل، أراد كثرة الانفجار من الينبوع، ومن خفف، فلأن الينبوع ~~واحد. فأما الينبوع: فهو عين ينبع الماء منها; قال أبو عبيدة: وهو يفعول، ~~من نبع الماء، أي: ظهر وفار. # قوله تعالى: * (أو تكون لك جنة) * أي: بستان * (فتفجر الأنهار) * أي: ~~تفتحها وتجريها * (خلالها) * أي: وسط تلك الجنة. # قوله تعالى: * (أو تسقط السماء) * وقرأ مجاهد، وأبو مجلز، وأبو رجاء، ~~وحميد، والجحدري: " أو تسقط " بفتح التاء، ورفع القاف " السماء " بالرفع. # قوله تعالى: * (كسفا) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " ~~كسفا " بتسكين السين في جميع القرآن إلا في (الروم) فإنهم حركوا السين. ~~وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم بتحريك السين في الموضعين، وفي باقي القرآن ~~بالتسكين. وقرأ ابن عامر هاهنا بفتح السين، وفي باقي القرآن بتسكينها. قال ~~الزجاج: من قرأ " كسفا " بفتح السين، ms1330 جعلها جمع كسفة، وهي: # القطعة، ومن قرأ " كسفا " بتسكين السين، فكأنهم قالوا: أسقطها طبقا ~~علينا; واشتقاقه من كسفت الشئ: إذا غطيته، يعنون: أسقطها علينا قطعة واحدة. ~~وقال ابن الأنباري: من سكن قال: تأويله: # سترا وتغطية، من قولهم: قد انكسفت الشمس: إذا غطاها ما يحول بين الناظرين ~~إليها وبين أنوارها. # قوله تعالى: * (أو تأتي بالله والملائكة قبيلا) * فيه ثلاثة أقوال: ~~PageV05P061 # أحدها: عيانا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة، وابن جريج، ~~ومقاتل. وقال أبو عبيدة: معناه: مقابلة، أي: معاينة، وأنشد الأعشى: # - نصالحكم حتى تبوؤوا بمثلها * كصرخة حبلى يسرتها قبيلها - أي: قابلتها. ~~ويروى: وجهتها. # والثاني: كفيلا أنك رسول الله، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره ~~الفراء، قال: القبيل، والكفيل، والزعيم، سواء; تقول: قبلت، وكفلت، وزعمت. # والثالث: قبيلة قبيلة، كل قبيلة على حدتها، قاله الحسن، ومجاهد. فأما ~~الزخرف، فالمراد به الذهب، وقد شرحنا أصل هذه الكلمة في [سورة] يونس، و * ~~(ترقى) *: بمعنى " تصعد "; يقال: # رقيت أرقي رقيا. # قوله تعالى: * (حتى تنزل علينا كتابا) * قال ابن عباس: كتابا من رب ~~العالمين إلى فلان بن فلان يصبح عند كل واحد منا يقرؤه. # قوله تعالى: * (قل سبحان ربي) * قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: # " قل ". وقرأ ابن كثير، وابن عامر: " قال "، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة ~~والشام، * (هل كنت إلا بشرا رسولا) *، أي: أن هذه الأشياء ليست في قوى ~~البشر. # فإن قيل: لم اقتصر على حكاية " قالوا " من غير إيضاح الرد؟ # فالجواب: أنه لما خصهم بقوله تعالى: * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن) * فلم يكن في وسعهم، عجزهم، فكأنه يقول: قد أوضحت ~~لكم بما سبق من الآيات ما يدل على نبوتي، ومن ذلك التحدي بمثل هذا القرآن، ~~فأما عنتكم فليس في وسعي، ولأنهم ألحوا عليه في هذه الأشياء، ولم يسألوه أن ~~يسأل ربه، فرد قولهم بكونه بشرا، فكفى ذلك في الرد. # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا " 94 ms1331 " قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا " 95 " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا " 96 " PageV05P062 # قوله تعالى: * (وما منع الناس أن يؤمنوا) * قال ابن عباس: يريد أهل مكة. ~~قال المفسرون: # ومعنى الآية: وما منعهم من الإيمان * (إذ جاءهم الهدى) * وهو البيان ~~والإرشاد في القرآن * (إلا أن قالوا) * قولهم في التعجب والإنكار: * (أبعث ~~الله بشرا رسولا) *؟ وفي الآية اختصار، تقديره: هلا بعث الله ملكا رسولا، ~~فأجيبوا على ذلك بقوله [تعالى]: قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين) ~~* أي: مستوطنين الأرض. ومعنى الطمأنينة: السكون; والمراد من الكلام أن رسول ~~كل جنس ينبغي أن يكون منهم. # قوله تعالى: * (قل كفى بالله شهيدا) * قد فسرناه في الرعد * (إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا) * قال مقاتل: حين اختص الله محمدا بالرسالة. # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ~~" 97 " ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا " 98 " * أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ~~قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا ~~" 99 " قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان ~~الإنسان قتورا " 100 " قوله تعالى: * (من يهدي الله فهو المهتدي) * قرأ ~~نافع، وأبو عمرو بالياء في الوصل، وحذفاها في الوقف. وأثبتها يعقوب في ~~الوقف، وحذفها الأكثرون في الحالتين. قال ابن عباس: من يرد الله هداه * ~~(فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه) * يهدونهم. # قوله تعالى: * (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يمشيهم على وجوههم، وشاهده ما روى البخاري ومسلم في " ~~صحيحيهما " من حديث أنس بن مالك أن رجلا سأل رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ # قال: " إن الذي ms1332 أمشاه على رجليه في الدنيا، قادر على أن يمشيه على وجهه ~~يوم القيامة ". PageV05P063 # والثاني: أن المعنى: ونحشرهم مسحوبين على وجوههم، قاله ابن عباس. # والثالث: نحشرهم مسرعين مبادرين، فعبر بقوله [تعالى]: " على وجوههم " عن ~~الإسراع، كما تقول العرب: قد مر القوم على وجوههم: إذا أسرعوا، قاله ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: * (عميا وبكما وصما) * فيه قولان: # أحدهما: عميا لا يرون شيئا يسرهم، وبكما لا ينطقون بحجة، وصما لا يسمعون ~~شيئا يسرهم، قاله ابن عباس. وقال في رواية: عميا عن النظر إلى ما جعل الله ~~تعالى لأوليائه، وبكما عن مخاطبة الله تعالى، وصما عما مدح به أولياءه، ~~وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أن هذا الحشر في بعض أحوال القيامة بعد الحشر الأول. قال مقاتل: ~~هذا يكون حين يقال لهم: * (اخسؤوا فيها) * فيصيرون عميا بكما صما لا يرون ~~ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك. # قوله تعالى: * (كلما خبت) * قال ابن عباس: أي: سكنت. قال المفسرون: وذلك ~~أنهم تأكلهم، فإذا لم تبق منهم شيئا وصاروا فحما ولم تجد شيئا تأكله، سكنت، ~~فيعادون خلقا جديدا، فتعود لهم. وقال ابن قتيبة: يقال: خبت النار: إذا سكن ~~لهبها. فاللهب يسكن، والجمر يعمل، فإن سكن اللهب، ولم يطفأ الجمر، قيل: ~~خمدت تخمد خمودا، فإن طفئت ولم يبق منها شئ، قيل: # همدت تهمد همودا. ومعنى * (زدناهم سعيرا) *: نارا تتسعر، أي: تتلهب. وما ~~بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله تعالى: * (قادر على أن يخلق مثلهم) * أي: ~~على أن يخلقهم مرة ثانية، وأراد ب‍ " مثلهم " إياهم، وذلك أن مثل الشئ مساو ~~له، فجاز أن يعبر به عن نفس الشئ يقال: مثلك لا يفعل هذا، أي: أنت، ومثله ~~قوله تعالى: * (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) * وقدتم الكلام عند قوله ~~تعالى: * (مثلهم) *، ثم قال: * (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) * يعني: أجل ~~البعث * (فأبى الظالمون إلا كفورا) * أي: جحودا بذلك الأجل قوله تعالى: * ~~(قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي) * قال الزجاج: المعنى: لو تملكون أنتم، ~~قال المتلمس: # - ولغير أخوالي أرادوا نقيصتي * نصبت ms1333 لهم فوق العرانين ميسما - المعني: ~~لو أراد غير أخوالي. # وفي هذه الخزائن قولان: PageV05P064 # أحدهما: خزائن الأرزاق. # والثاني: خزائن النعم، فيخرج في الرحمة قولان: # أحدهما: الرزق. # والثاني: النعمة. وتحرير الكلام: لو ملكتم ما يملكه الله عز وجل لأمسكتم ~~عن الإنفاق خشية الفاقة. * (وكان الإنسان) * يعني: الكافر * (قتورا) * أي: ~~بخيلا ممسكا; يقال: قتر يقتر، وقتر يقتر: # إذا قصر في الإنفاق. وقال الماوردي: لو ملك أحد من المخلوقين من خزائن ~~الله تعالى، لما جاد كجود الله تعالى، لأمرين. # أحدهما: أنه لا بد أن يمسك منه لنفقته ومنفعته. # والثاني: أنه يخاف الفقر، والله تعالى منزه في جوده عن الحالين. # ثم إن الله تعالى ذكر إنكار فرعون آيات موسى، تشبيها بحال هؤلاء ~~المشركين، فقال: * (ولقد آتينا موسى تسع آيات) * وفيها قولان: # أحدهما: أنها بمعنى المعجزات والدلالات، ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع ~~آيات منها، وهي: يده والعصاة، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ~~واختلفوا في الآيتين الآخرتين على ثمانية أقوال: # أحدها: أنهما لسانه والبحر الذي فلق له، رواه العوفي عن ابن عباس; يعني ~~بلسانه: أنه كان فيه عقدة فحلها الله تعالى له. # والثاني: البحر والجبل الذي نتق فوقهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: السنون ونقص الثمرات، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والشعبي، وعكرمة، وقتادة. وقال الحسن: السنون ونقص الثمرات آية واحدة. # والرابع: البحر والموت أرسل عليهم، قاله الحسن، ووهب. # والخامس: الحجر والبحر، قاله سعيد بن جبير. # والسادس: لسانه وإلقاء العصا مرتين عند فرعون، قاله الضحاك. # والسابع: البحر والسنون، قاله محمد بن كعب. # والثامن: ذكره محمد بن كعب أيضا، فذكر السبع الآيات الأولى، إلا أنه جعل ~~مكان يده البحر، وزاد الطمسة والحجر، يعني قوله تعالى: * (اطمس على ~~أموالهم) *. # والثاني: أنها آيات الكتاب، روى أبو داود السجستاني من حديث صفوان بن ~~عسال، أن يهوديا قال لصاحبه: تعالى حتى نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا ~~تقل: إنه نبي، فإنه لو سمع ذلك، PageV05P065 # صارت له أربعة أعين; فأتياه، فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال: " لا ~~تشركوا ms1334 بالله شيئا، وتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا ~~تسرقوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا بالبرئ إلى السلطان ليقتله، ولا ~~تسحروا، ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة يهود ألا ~~تعدوا في السبت "، قال: فقبلا يده، وقالا: نشهد أنك نبي. # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون ~~إني لأظنك يا موسى مسحورا " 101 " قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا " 102 " فأراد أن ~~يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا " 103 " وقلنا من بعده لبني ~~إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا " 104 " قوله ~~تعالى: * (فاسأل بني إسرائيل) * قرأ الجمهور: " فاسأل " على معنى الأمر ~~لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]. وإنما أمر أن يسأل من آمن منهم عما أخبر ~~عنهم، ليكون حجة على من لم يؤمن منهم. # وقرأ ابن عباس: " فسأل بني إسرائيل "، الخبر عن موسى أنه سأل فرعون أن ~~يرسل معه بني إسرائيل. * (فقال له فرعون إني لأظنك) * أي: لأحسبك * (يا ~~موسى مسحورا) * وفيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: مخدوعا، قاله ابن عباس. # والثاني: مسحورا قد سحرت، قاله ابن السائب. # والثالث: ساحرا، فوضع مفعولا في موضع فاعل، هذا مروي عن الفراء، وأبي ~~عبيدة. فقال موسى: * (لقد علمت) * قرأ الجمهور بفتح التاء. وقرأ علي عليه ~~السلام بضمها، وقال: والله ما علم عدو الله، ولكن موسى هو الذي علم، فبلغ ~~ذلك ابن عباس، فاحتج بقوله تعالى: * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) *. ~~واختار الكسائي وثعلب قراءة علي [عليه السلام]، وقد رويت عن ابن عباس، وأبي ~~رزين، وسعيد بن جبير، وابن يعمر. واحتج من نصرها بأنه لما نسب موسى إلى أنه ~~مسحور، أعلمه بصحة عقله بقوله تعالى: " لقد علمت "، والقراءة الأولى أصح، ~~لاختيار الجمهور، ولأنه قد أبان موسى من المعجزات ما أوجب علم فرعون بصدقه، ~~فلم يرد عليه إلا PageV05P066 # بالتعلل والمدافعة، فكأنه قال: لقد علمت بالدليل والحجة " ما أنزل هؤلاء ~~" يعني الآيات. ms1335 وقد شرحنا معنى " البصائر " في [سورة] الأعراف. # قوله تعالى: * (وإني لأظنك) * قال أكثر المفسرين: الظن هاهنا بمعنى ~~العلم، على خلاف ظن فرعون في موسى، وسوى بينهما بعضهم، فجعل الأول بمعنى ~~العلم أيضا. # وفي المثبور ستة أقوال: # أحدها: أنه الملعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والثاني: المغلوب، رواه العفوي عن ابن عباس. # والثالث: الناقص العقل، رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس. # والرابع: المهلك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة، ~~وابن قتيبة. قال الزجاج: يقال: ثبر الرجل، فهو مثبور; إذا أهلك. # والخامس: الهالك، قاله مجاهد. # والسادس: الممنوع من الخير; تقول العرب: ما ثبرك عن هذا، أي: ما منعك، ~~قاله الفراء. # قوله تعالى: * (فأراد أن يستفزهم من الأرض) * يعني: فرعون أراد أن يستفز ~~بني إسرائيل من أرض مصر. وفي معنى * (يستفزهم) * قولان: # أحدهما: يستأصلهم، قاله ابن عباس. # والثاني: يستخفهم حتى يخرجوا، قاله ابن قتيبة. وقال الزجاج: جائز أن يكون ~~استفزازهم إخراجهم منها بالقتل أو بالتنحية. قال العلماء: وفي هذه الآية ~~تنبيه على نصرة رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، لأنه لما خرج موسى فطلبه ~~فرعون، هلك فرعون وملك موسى، فكذلك أظهر الله نبيه بعد خروجه من مكة حتى ~~رجع إليها ظاهرا عليها. # قوله تعالى: * (وقلن من بعده) * أي: من بعد هلاك فرعون * (لبني إسرائيل ~~اسكنوا الأرض) * وفيها ثلاث أقوال: # أحدها: فلسطين والأردن، قاله ابن عباس. # والثاني: أرض وراء الصين، قاله مقاتل. # والثالث: أرض مصر والشام. PageV05P067 # قوله تعالى: * (فإذا جاء وعد الآخرة) * يعني: القيامة * (جئنا بكم لفيفا) ~~* أي: جميعا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن قتيبة. وقال الفراء: لفيفا، أي: ~~من هاهنا ومن هاهنا. وقال الزجاج: # اللفيف: الجماعات من قبائل شتى. # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا " 105 " وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا " 106 " قل آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا " ~~107 " ويقولون سبحان ربنا إن كان ms1336 وعد ربنا لمفعولا " 108 " ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا " 109 " قوله تعالى: * (وبالحق أنزلناه) * الهاء كناية ~~عن القرآن، والمعنى: أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين المستقيم، فهو حق، ~~ونزوله حق، وما تضمنه حق. وقال أبو سليمان الدمشقي: " وبالحق أنزلناه " أي: ~~بالتوحيد، " وبالحق نزل " يعني: بالوعد والوعيد، والأمر والنهي. # قوله تعالى: * (وقرآنا فرقناه) * قرأ علي عليه السلام، وسعد بن أبي وقاص، ~~و أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، ~~والأعرج، وأبو رجاء، وابن محيصن: " فرقناه " بالتشديد. وقرأ الجمهور ~~بالتخفيف. # فأما قراءة التخفيف، ففي معناها ثلاثة أقوال: # أحدها: بينا حلاله وحرامه، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: فرقنا فيه بين الحق والباطل، قاله الحسن. # والثالث: أحكمناه، وفصلناه، كقوله تعالى: * (فيها يفرق كل أمر حكيم) *، ~~قاله الفراء. وأما المشددة، فمعناها: أنه أنزل متفرقا، ولم ينزل جملة ~~واحدة. وقد بينا في أول كتابنا هذا مقدار المدة التي نزل فيها. # قوله تعالى: * (لتقرأه على الناس على مكث) * قرأ أنس، والشعبي، والضحاك، ~~وقتادة، أبو رجاء، وأبان عن عاصم، وابن محيصن: بفتح الميم; والمعنى: على ~~تؤدة وترسل ليتدبروا معناه. # قوله تعالى: * (قل آمنوا به أولا تؤمنوا) * هذا تهديد لكفار مكة، والهاء ~~كناية عن القرآن. * (إن الذين أوتوا العلم) * وفيهم ثلاثة أقوال: ~~PageV05P068 # أحدها: أنهم ناس من أهل الكتاب، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم الأنبياء عليهم السلام، قاله ابن زيد. # والثالث: طلاب الدين، كأبي ذر، وسلمان، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو، ~~قاله الواحدي. # وفي هاء الكناية في قوله تعالى: * (من قبله) * قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن، والمعنى: من قبل نزوله. # والثاني: ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد. فعلى ~~الأول * (إذا يتلى عليهم) * القرآن. # وعلى قول ابن زيد * (إذا يتلى عليهم) * ما أنزل إليهم من عند الله. # قوله تعالى: * (يخرون للأذقان) * اللام هاهنا بمعنى " على ". قال ابن ~~عباس: قوله " للأذقان " أي: للوجوه. قال الزجاج: الذي يخر وهو قائم، إنما ~~يخر لوجهه، والذقن: مجتمع اللحيين. وهو عضو من أعضاء الوجه، فإذا ms1337 ابتدأ ~~يخر، فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن. # وقال ابن الأنباري: أول ما يلقى الأرض من الذي يخر قبل أن يصوب جبهته ~~ذقنه، فلذلك قال: # " للأذقان " ويجوز أن يكون المعنى: يخرون للوجوه، فاكتفى بالذقن من الوجه ~~كما يكتفى بالبعض من الكل، وبالنوع من الجنس. # قوله تعالى: * (ويقولون سبحان ربنا) * نزهوا الله تعالى عن تكذيب ~~المكذبين بالقرآن، وقالوا: # * (إن كان وعد ربنا) * بإنزال القرآن وبعث محمد صلى الله عليه وسلم * ~~(لمفعولا) * واللام دخلت للتوكيد. وهؤلاء قوم كانوا يسمعون أن الله باعث ~~نبيا من العرب، ومنزل عليه كتابا، فلما عاينوا ذلك حمدوا الله تعالى على ~~إنجاز الوعد، * (ويخرون للأذقان) * كرر القول ليدل على تكرار الفعل منهم. * ~~(ويزيدهم خشوعا) * أي: يزيدهم القرآن تواضعا. وكان عبد الأعلى التيمي يقول: ~~من أوتي من العلم مالا يبكيه، لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله ~~تعالى نعت العلماء فقال: " إن الذين أوتوا العلم... " إلى قوله تعالى: " ~~يبكون ". # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا " 110 " وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا " ~~111 " قوله تعالى: * (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن...) * الآية. هذه ~~الآية نزلت على سببين، نزل أولها PageV05P069 # إلى قوله تعالى: * (الحسنى) * على سبب، وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهجد ذات ليلة بمكة، فجعل يقول ~~في سجوده: " يا رحمن، يا رحيم "، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلها واحدا، ~~فهو الآن يدعو إلهين اثنين: الله والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا رحمن ~~اليمامة، يعنون: مسيلمة، فأنزل الله هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه كان يكتب في أول ما أوحي إليه: ~~باسمك اللهم، حتى نزل: * (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) * ~~فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا الرحيم نعرفه، فما ~~الرحمن؟ ms1338 فنزلت هذه الآية، قاله ميمون بن مهران. # والثالث: أن أهل الكتاب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتقل ~~ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فنزلت هذه الآية، قاله ~~الضحاك. # فأما قوله تعالى: * (ولا تجهر بصلاتك) * أي: بقراء تك، فيسمع المشركون ~~فيسبوا القرآن، * (ولا تخافت بها) * عن أصحابك، فلا يسمعون، قاله ابن عباس ~~[أولا]. # والثاني: أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول عائشة. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة عند الصفا، فجهر ~~بالقرآن في صلاة الغداة، فقال أبو جهل: لا تفتر على الله، فخفض النبي صلى ~~الله عليه وسلم صوته، فقال أبو جهل للمشركين: ألا ترون ما فعلت بابن أبي ~~كبشة؟! رددته عن قراءته، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # فأما التفسير، فقوله تعالى: * (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) * المعنى: ~~إن شئتم فقولوا: يا الله، وإن شئتم فقولوا: يا رحمن، فإنهما يرجعان إلى ~~واحد، * (أياما تدعوا) * المعنى: أي أسماء الله تدعوا; قال الفراء: و " ما ~~" قد تكون صلة، كقوله تعالى: * (عما قليل ليصبحن نادمين) *، وتكون في معنى: ~~" أي معادة لما اختلف لفظهما. # قوله تعالى: * (ولا تجهر بصلاتك) * فيه قولان: # أحدهما: أنها الصلاة الشرعية. ثم في المراد بالكلام ستة أقوال: ~~PageV05P070 # أحدها: لا تجهر بقراءتك، ولا تخافت بها، فكأنه نهي عن شدة الجهر وشدة ~~المخافتة، قاله ابن عباس. فعلى هذا في تسمية القراءة بالصلاة قولان: ذكرهما ~~ابن الأنباري. أحدهما: أن يكون المعنى: فلا تجهر بقراءة صلاتك. والثاني: أن ~~القراءة بعض الصلاة، فنابت عنها، كما قيل لعيسى: # كلمة الله، لأنه بالكلمة كان. # والثاني: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس، قاله ابن عباس ~~أيضا. # والثالث: لا تجهر بالتشهد في صلاتك، روي عن عائشة في رواية، وبه قال ابن ~~سيرين. # والرابع: لا تجهر بفعل صلاتك ظاهرا ولا تخافت بها شديد الاستتار، قاله ~~عكرمة. # والخامس: لا تحسن علانيتها، وتسئ سريرتها، قاله الحسن. # والسادس: لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت ms1339 بجميعها، فاجهر في صلاة الليل، ~~وخافت في صلاة النهار، على ما أمرناك به، ذكره القاضي أبو يعلى. # والقول الثاني: أن المراد بالصلاة. الدعاء، وهو قول عائشة، وأبي هريرة، ~~ومجاهد. # قوله تعالى: * (ولا تخافت بها) * المخافتة: الإخفاء، يقال: صوت خفيت. * ~~(وابتغ بين ذلك سبيلا) * أي: اسلك بين الجهر والمخافتة طريقا. وقد روي عن ~~ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: * (واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخفية، ودون الجهر من القول) *، وقال ابن السائب: نسخت بقوله تعالى: * ~~(فاصدع بما تؤمر) *; وعلى التحقيق، وجود النسخ هاهنا بعيد. # قوله تعالى: * (ولم يكن له شريك في الملك) * وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وطلحة بن مصرف: " في الملك " بكسر الميم. * (ولم يكن له ولي من ~~الذل) * قال مجاهد: لم يحالف أحدا، ولم يبتغ نصر أحد; والمعنى: أنه لا ~~يحتاج إلى موالاة أحد لذل يلحقه، فهو مستغن عن الولي والنصير. * (وكبره ~~تكبيرا) * أي: عظمه تعظيما تاما. # والله أعلم بالصواب. PageV05P071 # (18) سورة الكهف مكية وآياتها عشر ومائة فصل في نزولها روى أبو صالح عن ~~ابن عباس أن سورة (الكهف) مكية، وكذلك قال الحسن، ومجاهد وقتادة. وهذا ~~إجماع المفسرين من غير خلاف نعلمه، إلا أنه قد روي عن ابن عباس، وقتادة أن ~~منها آية " مدنية " وهي قوله: * (واصبر نفسك) *. وقال مقاتل: من أولها إلى ~~قوله تعالى: * (صعيدا جرزا) * مدني، وقوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) * الآيتان مدنية، وباقيها مكي. وروى أبو الدرداء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من حفظ عشر آيات من أول [سورة] (الكهف) ثم ~~أدرك الدجال لم يضره، ومن حفظ خواتيم [سورة] (الكهف) كانت له نورا يوم ~~القيامة ". # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له ~~عوجا " 1! قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا " 2 " ماكثين فيه أبدا " 3 " وينذر الذين قالوا ~~اتخذ الله ولدا " 4 " مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم ms1340 إن يقولون إلا كذبا " 5 " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا " 6 " قوله تعالى: * (الحمد لله) * قد شرحناه في أول " ~~الفاتحة ". والمراد بعبده هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب: ~~القرآن، تمدح بإنزاله، لأنه إنعام على الرسول خاصة، وعلى الناس عامة. قال ~~العلماء PageV05P072 # باللغة والتفسير: في هذه الآية تقديم وتأخير، تقديرها: أنزل على عبده ~~الكتاب * (قيما) * أي: # مستقيما عدلا. وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن يعمر، ~~والنخعي، والأعمش: # " قيما " بكسر القاف، وفتح الياء، وقد فسرناه في الأنعام. # قوله تعالى: * (ولم يجعل له عوجا) * أي: لم يجعل فيه اختلافا، وقد سبق ~~بيان العوج في [سورة] آل عمران. # قوله تعالى: * (لينذر بأسا) * أي: عذابا شديدا، * (من لدنه) * أي: من ~~عنده، ومن قبله، والمعنى: لينذر الكافرين * (ويبشر المؤمنين) * أي: بأن لهم ~~* (أجرا حسنا) * وهو الجنة. * (ماكثين) * أي: مقيمين، وهو منصوب على الحال. ~~* (وينذر) * بعذاب الله * (الذين قالوا اتخذ الله ولدا) * وهم اليهود حين ~~قالوا: عزير ابن الله، والنصارى حين قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون حين ~~قالوا: # الملائكة بنات الله، * (ما لهم به) * أي. بذلك القول * (من علم) * لأنهم ~~قالوا افترء على الله، * (ولا لآبائهم) * الذين قالوا ذلك، * (كبرت) * أي: ~~عظمت * (كلمة) * الجمهور على النصب. وقرأ ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وأبو ~~رزين، وأبو رجاء، ويحيى بن يعمر، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: " كلمة " ~~بالرفع. قال الفراء: من نصب، أضمر: كبرت تلك الكلمة كلمة، ومن رفع، لم يضمر ~~شيئا، كما تقول: عظم قولك. وقال الزجاج: من نصب، فالمعنى: كبرت مقالتهم: ~~اتخذ الله ولدا كلمة، و " كلمة " منصوب على التمييز. ومن رفع، فالمعنى: ~~عظمت كلمة هي قولهم: اتخذ الله ولدا. # قوله تعالى: * (تخرج من أفواههم) * أي: إنها قول بالفم لا صحة لها، ولا ~~دليل عليها، * (إن يقولون) * أي: ما يقولون * (إلا كذبا) * ثم عاتبه على ~~حزنه لفوت ما كان يرجو من إسلامهم، فقال: # * (فلعلك بأخ نفسك) * وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وقتادة: " باخع ~~نفسك " بكسر السين، على الإضافة. ms1341 قال المفسرون واللغويون. فلعلك مهلك نفسك، ~~وقاتل نفسك، وأنشد أبو عبيدة لذي الرمة: # - ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه * لشئ نحته عن يديه المقادر - أي: تحته. # فإن قيل: كيف قال: * (فلعلك) * والغالب عليها الشك، والله عالم بالأشياء ~~قبل كونها؟ # فالجواب: أنها ليست بشك، إنما هي مقدرة تقدير الاستفهام الذي يعني به ~~التقرير، فالمعنى: PageV05P073 # هل أنت قاتل نفسك؟! لا ينبغي أن يطول أساك على إعراضهم، فإن من حكمنا ~~عليه بالشقوة لا تجدي عليه الحسرة، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (على آثارهم) * أي: من بعد توليهم عنك * (إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث) * يعني القرآن * (أسفا) * وفيه أربعة أقوال: # أحدها: حزنا، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: جزعا، قاله مجاهد. # والثالث: غضبا، قاله قتادة. # والرابع: ندما، قاله السدي. وقال أبو عبيدة: ندما وتلهفا وأسى. قال ~~الزجاج: الأسف: # المبالغة في الحزن، أو الغضب، يقال: قد أسف الرجل، فهو أسيف، قال الشاعر: # - أرى رجلا منهم أسيفا كأنهما * يضم إلى كشحيه كفا مخضبا - وهذه الآية ~~يشير بها إلى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الحرص على إيمان ~~قومه لئلا يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف. # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " 7 " وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " 8 " قوله تعالى: * (إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنهم الرجال، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: العلماء، رواه مجاهد عن ابن عباس. فعلى هذين القولين تكون " ما ~~" في موضع " من " لأنها في موضع إبهام، قاله ابن الأنباري. # والثالث: أنه ما عليها من شئ، قاله مجاهد. # والرابع: النبات والشجر، قاله مقاتل. وقول مجاهد أعم، يدخل فيه النبات، ~~والماء، والمعادن، وغير ذلك. # فإن قيل: قد نرى بعض ما على الأرض سمجا وليس بزينة. # فالجواب: أنا إن قلنا: إن المراد به شئ مخصوص، فالمعنى: إنا جعلنا بعض ما ~~على PageV05P074 # الأرض زينة لها، فخرج مخرج العموم، ومعناه الخصوص. فإن قلنا: هم الرجال ~~أو العلماء، فلعبادتهم أو لدلالتهم ms1342 على خالقهم. وإن قلنا: النبات والشجر، ~~فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية. وإن قلنا: إنه عام في كل ما ~~عليها، فلكونه دالا على خالقه، فكأنه زينة الأرض من هذه الجهة. # قوله تعالى: * (لنبلوهم) * أي: لنختبر الخلق، والمعنى: لنعاملهم معاملة ~~المبتلى. قال ابن الأنباري: من قال إن ما على الأرض يعني به النبات، قال: ~~الهاء والميم ترجع إلى سكان الأرض المشاهدين للزينة، ومن قال: " ما على ~~الأرض " الرجال، رد الهاء والميم على " ما على " لأنها بتأويل الجميع، ~~ومعنى الآية: لنبلوهم فنرى أيهم أحسن عملا، هذا، أم هذا. قال الحسن: أيهم ~~أزهد في الدنيا. وقد ذكرنا في هذه الآية أربعة أقوال في سورة هود. ثم أعلم ~~الخلق أنه يفني جميع ذلك، فقال [تعالى]: * (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا) * ~~قال الزجاج: الصعيد: الطريق الذي لا نبات فيه. وقال ابن الأنباري: قال ~~اللغويون: الصعيد: التراب، ووجه الأرض. فأما الجرز، فقال الفراء: أهل ~~الحجاز يقولون: أرض " جرز "، وأسد تقول: " جرز " وجرز، وتميم تقول: أرض " ~~جرز " وجرز " وبالتخفيف، وقال أبو عبيدة: الصعيد الجرز: الغليظ الذي لا ~~ينبت شيئا. ويقال للسنة المجدبة: جرز، " وسنون أجراز " لجدوبتها، وقلة ~~مطرها، وأنشد: # قد جرفتهن السنون الأجراز وقال الزجاج: الجرز: الأرض التي لا ينبت فيها ~~شئ، كأنها تأكل النبت أكلا. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الجرز: التي ~~لا يبقى بها نبات، تحرق كل نبات يكون بها. وقال المفسرون: وهذا يكون يوم ~~القيامة، يجعل الله الأرض مستوية لا نبات فيها ولا ماء. # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " 9 " إذ أوى ~~الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا " ~~10 " فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا " 11 " ثم بعثناهم لنعلم أي ~~الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا " 12 " قوله تعالى: * (أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~والرقيم) * نزلت على سبب قد ذكرناه عند قوله تعالى: * (ويسألونك عن الروح) ~~* قال ابن قتيبة: ومعنى " أم حسبت ": أحسبت. فأما " الكهف " PageV05P075 # فقال المفسرون: هو المغارة في ms1343 الجبل، إلا أنه واسع، فإذا صغر، فهو غار. ~~قال ابن الأنباري: قال اللغويون: الكهف بمنزلة الغار في الجبل. # فأما الرقيم، ففيه ستة أقوال: # أحدها: أنه لوح من رصاص كانت فيه أسماء الفتية مكتوبة ليعلم من اطلع ~~عليهم يوما من الدهر ما قصتهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن ~~منبه، وسعيد بن جبير في رواية. # وقال السدي: الرقيم: صخرة كتب فيها أسماء الفتية، وجعلت في سور المدينة. ~~وقال مقاتل: # الرقيم: كتاب كتبه رجلان صالحان، وكانا يكتمان إيمانهما من الملك الذي فر ~~منه الفتية، كتبا أمر الفتية في لوح من رصاص، ثم جعلاه في تابوت من نحاس، ~~ثم جعلاه في البناء الذي سدوا به باب الكهف، فقالا: لعل الله أن يطلع على ~~هؤلاء الفتية، فيعلمون أمرهم إذا قرؤوا الكتاب. # وقال الفراء: كتب في اللوح أسماؤهم، وأنسابهم، ودينهم، وممن كانوا، قال ~~أبو عبيدة، وابن قتيبة: # الرقيم: الكتاب، وهو فعيل بمعنى مفعول، ومنه: كتاب مرقوم، أي: مكتوب. # والثاني: أنه اسم القرية التي خرجوا منها، قاله كعب. # والثالث: اسم الجبل، قاله الحسن، وعطية. # والرابع: أن الرقيم: الدواة، بلسان الروم، قاله عكرمة ومجاهد في رواية. # والخامس: اسم الكلب، قاله سعيد بن جبير. # والسادس: اسم الوادي الذي فيه الكهف، قاله قتادة: والضحاك. # قوله تعالى: * (كانوا من آياتنا عجبا) * قال المفسرون: ومعنى الكلام: ~~أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا؟! قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم، فإن خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم. وقال ابن عباس: الذي آتيتك من ~~الكتاب والسنة والعلم، أفضل من شأنهم. # قوله تعالى: * (إذ أوى الفتية) * قال الزجاج: معنى: أووا إليه، وجعلوه ~~مأواهم. # والفتية: جمع فتى، مثل غلام وغلمة، وصبي وصبية. و " فعلة " من أسماء ~~الجمع، وليس ببناء يقاس عليه; لا يجوز غراب وغربة، ولا غني وغنية، وقال بعض ~~المفسرين: الفتية: بمعنى الشبان. # وقد ذكرنا عن القتيبي أن الفتى: بمعنى الكامل من الرجال، وبيناه في قوله ~~[تعالى]: * (من فتياتكم المؤمنات) *. PageV05P076 # قوله تعالى: * (فقالوا ربنا آتنا من لدنك) * أي: ms1344 من عندك * (رحمة) * أي: ~~رزقا * (وهيئ لنا) * أي: أصلح لنا * (من أمرنا رشدا) * أي: أرشدنا إلى ما ~~يقربنا منك. والمعنى: هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد. والرشد والرشد، ~~والرشاد: نقيض الضلالة. # تلخيص قصة أصحاب الكهف اختلف العلماء في بدو أمرهم، وسبب مصيرهم إلى ~~الكهف، على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم هربوا ليلا من ملكهم حين دعاهم إلى عبادة الأصنام، فمروا ~~براع له كلب، فتبعهم على دينهم، فأووا إلى الكهف يتعبدون، ورجل منهم يبتاع ~~لهم أرزاقهم من المدينة، إلى أن جاءهم يوما فأخبرهم أنهم قد ذكروا، فبكوا ~~وتعوذوا بالله تعالى من الفتنة، فضرب الله [تعالى] على آذانهم، وأمر الملك ~~فسد عليهم الكهف، وهو يظنهم أيقاظا، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، ~~وكلبهم قد غشيه ما غشيهم. ثم إن الرجلين مؤمنين يكتمان إيمانهما كتبا ~~أسماءهم وأنسابهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس في ~~البنيان، وقالا: لعل الله يطلع عليهم قوما مؤمنين، فيعلمون خبرهم، هذا قول ~~ابن عباس. وقال عبيد بن عمير: فقدهم قومهم فطلبوهم، فعمى الله عليهم أمرهم، ~~فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر ~~كذا، في سنة كذا، في مملكة فلان، ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ~~ليكونن لهذا شأن. # والثاني: أن أحد الحواريين جاء إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، ~~فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له، فكره أن يدخلها، ~~فأتى حماما قريبا من المدينة، فكان يعمل فيه بالأجر، وعلقه فتية من أهل ~~المدينة، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض، وخبر الآخرة، فآمنوا به ~~وصدقوه، حتى جاء ابن الملك يوما بامرأة، فدخل معها الحمام، فأنكر عليه ~~الحواري ذلك، فسبه ودخل، فمات وماتت المرأة في الحمام، فأتى الملك، فقيل ~~له: إن صاحب الحمام قتل ابنك، فالتمس فهرب، فقال: من كان يصحبه؟ فسمي له ~~الفتية، فالتمسوا فخرجوا من المدينة، فمروا على صاحب لهم في زرع، وهو على ~~مثل أمرهم، فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل ms1345 إلى الكهف، فدخلوه ~~فقالوا: نبيت هاهنا، ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم، فضرب الله على ~~آذانهم فناموا; وخرج الملك، وأصحابه يتبعونهم، فوجدوهم قد دخلوا الكهف، ~~فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف أرعب، فقال قائل للملك: أليس قلت: إن قدرت ~~عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، فابن عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشا، ~~ففعل، هذا قول وهب بن منبه. # والثالث: أنهم كانوا أبناء عظماء المدينة وأشرافهم، خرجوا فاجتمعوا وراء ~~المدينة على غير ميعاد، فقال رجل منهم: هو أسنهم: إني لأجد في نفسي شيئا ما ~~أظن أحدا يجده، فقالوا: ما تجد؟ PageV05P077 # قال: أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض، فقاموا جميعا فقالوا: ربنا ~~رب السماوات والأرض، فأجمعوا أن يدخلوا الكهف، فدخلوا، فلبثوا ما شاء الله، ~~هذا قول مجاهد. وقال قتادة: كانوا أبناء ملوك الروم، فتفردوا بدينهم في ~~الكهف، فضرب الله على آذانهم. # فصل فأما سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم، فقال عكرمة: جاءت أمة مسلمة، ~~وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح ~~والجسد. وقال قائل: يبعث الروح وحده، والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئا، ~~فشق اختلافهم على الملك، فانطلق فلبس المسوح، وقعد على الرماد، ودعا الله ~~أن يبعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف. # قال وهب ابن منبه: جاء راع قد أدركه المطر إلى الكهف، فقال: لو فتحت هذا ~~الكهف، وأدخلته غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتحه، ورد الله إليهم ~~أرواحهم حين أصبحوا من الغد. وقال ابن السائب: احتاج صاحب الأرض التي فيها ~~الكهف أن يبني حظيرة لغنمه، فهدم ذلك السد، فبنى به، فانفتح باب الكهف. ~~وقال ابن إسحاق: ألقى الله في نفس رجل من أهل البلد أن يهدم البنيان فيبني ~~به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين ينزعان تلك الحجارة، فنزعاها، وفتحا باب ~~الكهف، فجلسوا فرحين، فسلم بعضهم على بعض لا يرون في وجوههم ولا أجسادهم ~~شيئا يكرهونه، إنما هم كهيئتهم حيث رقدوا وهم يرون أن ملكهم في طلبهم، ~~فصلوا، وقالوا ليمليخا صاحب نفقتهم: ms1346 # انطلق فاستمع، ما نذكر به، وابتع لنا طعاما، فوضع ثيابه، وأخذ الثياب ~~التي كان يتنكر فيها، وخرج فرأى الحجارة قد نزعت عن باب الكهف، فعجب، ثم مر ~~مستخفيا متخوفا أن يراه أحد فيذهب به إلى الملك، فلما رأى باب المدينة رأى ~~عليه علامة تكون لأهل الإيمان، وخيل إليه أنها ليست بالمدينة التي يعرف، ~~ورأى ناسا لا يعرفهم، فجعل يتعجب ويقول: لعلي نائم; فلما دخلها رأى قوما ~~يحلفون باسم عيسى، فقام مسندا ظهره إلى جدار، وقال في نفسه: والله ما أدري ~~ما هذا، عشية أمس لم يكن على الأرض من يذكر عيسى إلا قتل، واليوم أسمعهم ~~يذكرونه، لعل هذه ليست المدينة التي اعرف، والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا ~~فقام كالحيران، وأخرج ورقا فأعطاه رجلا وقال: بعني طعاما، فنظر الرجل إلى ~~نقشه فعجب، ثم ألقاه إلى آخر، فجعلوا يتطارحونه بينهم، ويتعجبون، ~~ويتشاورون، وقالوا: إن هذا قد أصاب كنزا، ففرق منهم، وظنهم قد عرفوه، فقال: ~~أمسكوا طعامكم فلا حاجة بي إليه، فقالوا له: من أنت يا فتى؟ والله لقد وجدت ~~كنزا وأنت تريد أن تخفيه، شاركنا فيه وإلا أتينا بك إلى السلطان فيقتلك، ~~فلم يدر ما يقول، فطرحوا كساءه في عنقه وهو يبكي ويقول: فرق بيني وبين ~~إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت، فأتوا به إلى رجلين كانا يدبران أمر ~~المدينة، فقالا: أين الكنز الذي وجدت؟ قال: ما وجدت كنزا، ولكن هذه ورق ~~آبائي، PageV05P078 # ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، ولا ما أقول لكم، ~~قال مجاهد: كان ورق أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل، فقالوا: من أنت، وما اسم ~~أبيك؟ فأخبرهم، فلم يجدوا من يعرفه، فقال له أحدهما: أتظن أنك تسخر منا ~~وخزائن هذه البلدة بأيدينا، وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار؟! إني ~~سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ثم قال أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز، فقال ~~يمليخا: أنبئوني عن شئ أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم، قالوا: سل، قال ما ~~فعل الملك دقيانوس؟ قالوا: لا نعرف اليوم على ms1347 وجه الأرض ملكا يسمى دقيانوس، ~~وإنما هذا ملك كان منذ زمان طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة، فقال: والله ما ~~يصدقني أحد بما أقوله، لقد كنا فتية، وأكرهنا الملك على عبادة الأوثان ~~والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا، فلما انتبهنا خرجت أشتري ~~لأصحابي طعاما، فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي، ~~فانطلقوا معه وسائر أهل المدينة، وكان أصحابه قد ظنوا لإبطائه عليهم أنه قد ~~أخذ، فبينما هم يتخوفون ذلك، إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل، فظنوا أنهم رسل ~~دقيانوس، فقاموا إلى الصلاة، وسلم بعضهم على بعض، فسبق يمليخا إليهم وهو ~~يبكي، فبكوا معه، وسألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقص عليهم النبأ كله، ~~فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله تعالى، وأنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، ~~وتصديقا للبعث، ونظر الناس إلى المسطور الذي فيه أسماؤهم وقصتهم، فعجبوا، ~~وأرسلوا إلى ملكهم فجاء، واعتنق القوم، وبكى، فقالوا له: نستودعك الله ~~ونقرأ عليك السلام، حفظك الله، وحفظ ملكك، فبينا الملك قائم رجعوا إلى ~~مضاجعهم، وتوفى الله عز وجل أنفسهم، فأمر الملك أن يجعل لكل واحد منهم ~~تابوت من ذهب، فلما أمسوا رآهم في المنام، فقالوا: إنا لم نخلق من ذهب ~~وفضة، ولكن خلقنا من تراب، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا ~~الله عز وجل منه، وحجبهم الله عز وجل حين خرجوا من عندهم بالذهب، فلم يقدر ~~أحد أن يدخل عليهم، وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجد يصلى فيه، وجعل لهم ~~عيدا عظيما يؤتى كل سنة، وقيل: إنه لما جاء يمليخا ومعه الناس، قال: دعوني ~~أدخل على أصحابي فأبشرهم، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم، فدخل فبشرهم، وقبض ~~الله روحه وأرواحهم، فدخل الناس، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا، غير أنها ~~لا أرواح فيها، فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. # قوله تعالى: * (فضربنا على آذانهم) * قال الزجاج: المعنى: أنمناهم ~~ومنعناهم السمع، لأن النائم إذا سمع انتبه. و * (عددا) * منصوب على ضربين: # أحدها: على المصدر، المعنى: تعد عددا. # والثاني: أن يكون ms1348 نعتا للسنين، المعنى: سنين ذات عدد، والفائدة في ذكر ~~العدد في الشئ PageV05P079 # المعدود، توكيد كثرة الشئ، لأنه إذا قل فهم مقداره، وإذا كثر احتيج إلى ~~أن يعد العدد الكثير. # * (ثم بعثناهم) * من نومهم، يقال كل من خرج من الموت إلى الحياة، أو من ~~النوم إلى الانتباه: # مبعوث، لأنه قد زال عنه ما كان يحبسه عن التصرف والانبعاث. وقيل: معنى * ~~(سنين عددا) *: أنه لم يكن فيها شهور ولا أيام، إنما هي كاملة، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: * (لنعلم أي الحزبين) * قال المفسرون: أي: لنرى. وقال بعضهم: ~~المعنى: # لتعلموا أنتم أي الحزبين. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران، والنخعي: " ~~ليعلم " بضم الياء، على ما لم يسم فاعله ويعني بالحزبين: المؤمنين ~~والكافرين من قول أصحاب الكهف. # * (أحصى لما لبثوا) * أي: لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أو هؤلاء، فكأنه وقع ~~بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بينهم، فبعثهم الله ليبين ~~ذلك ويظهر. قال قتادة: لم يكن للفريقين علم بلبثهم، لا لمؤمنيهم، ولا ~~لكافريهم، قال مقاتل: لما بعثوا زال الشك وعرفت حقيقة اللبث. وقال القاضي ~~أبو يعلى: معنى الكلام: بعثناهم ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة ~~لبثهم، لما في ذلك من العبرة. # نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " 13 " ~~وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " 14 " هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا ~~يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا " 15 " قوله ~~تعالى: * (نحن نقص عليك نبأهم) * أي: خبر الفتية * (بالحق) * أي: بالصدق ~~قوله تعالى: * (وزدناهم هدى) * أي: ثبتناهم على الإيمان، * (وربطنا على ~~قلوبهم) * أي: # ألهمناها الصبر * (إذ قاموا) * بين يدي ملكهم دقيانوس * (فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض) * وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، فعصم الله ~~هؤلاء حتى عصوا ملكهم. وقال الحسن: قاموا في قومهم فدعوهم إلى التوحيد. ~~وقيل: هذا قولهم بينهم لما اجتمعوا خارج المدينة على ما ذكرنا ms1349 في أول ~~القصة. فأما الشطط، فهو الجور. قال الزجاج: يقال: شط الرجل، وأشط: إذا جار. ~~ثم قال الفتية: * (هؤلاء قومنا) * يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس * ~~(اتخذوا من دونه آلهة) * أي: عبدوا الأصنام * (لولا) * أي: هلا * (يأتون ~~عليهم) * أي: على عبادة الأصنام * (بسلطان بين) * أي: بحجة PageV05P080 # وإنما قال: عليهم والأصنام مؤنثة، لأن الكفار نحلوها العقل والتمييز، ~~فجرت مجرى المذكرين من الناس. # قوله تعالى: * (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) * فزعم أن له شريكا؟! # وإذ اعتزلوهم وما يعبدون إلا الله فأوا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ~~ويهيئ لكم من أمركم مرفقا " 16 " * وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات ~~اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من ~~يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا " 17 " قوله تعالى: * ~~(وإذ اعتزلتموهم) * قال ابن عباس: هذا قول يمليخا، وهو رئيس أصحاب الكهف، ~~قال لهم: وإذ اعتزلتموهم، أي: فارقتموهم، يريد: عبدة الأصنام، * (وما ~~يعبدون إلا الله) * فيه قولان: # أحدهما: واعتزلتم ما يعبدون، إلا الله، فإن القوم كانوا يعبدون الله ~~ويعبدون معه آلهة، فاعتزل الفتية عبادة الآلهة، ولم يعتزلوا عبادة الله، ~~هذا قول عطاء الخراساني، والفراء. # والثاني: وما يعبدون غير الله; قال قتادة: هي في مصحف، عبد الله: " وما ~~يعبدون من دون الله "، وهذا تفسيرها. # قوله تعالى: * (فأووا إلى الكهف) * أي: اجعلوه مأواكم، * (ينشر لكم ربكم ~~من رحمته) * أي: # يبسط عليكم من رزقه، * (ويهيئ لكم من أمركم مرفقا) * قرأ ابن كثير، وأبو ~~عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: " مرفقا " بكسر الميم، وفتح الفاء، وقرأ ~~نافع، وابن عامر: " مرفقا " بفتح الميم وكسر الفاء، في كل مرفق ارتفقت به، ~~ويكسرون مرفق الإنسان، والعرب بعد يكسرون الميم منهما جميعا. قال ابن ~~الأنباري: معنى الآية: ويهيئ لكم من أمركم الصعب مرفقا، قال الشاعر: # - فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان - معناه: فليت لنا ~~بدلا من ماء زمزم. قال ابن عباس: " ويهيئ لكم ": يسهل عليكم ms1350 ما تخافون من ~~الملك وظلمه ويأتكم باليسر والرفق واللطف. PageV05P081 # قوله تعالى: * (وترى الشمس إذا طلعت) * المعنى: لو رأيتها لرأيت ما ~~وصفنا. * (تزاور) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " تزاور " بتشديد ~~الزاي. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: # " تزاور " خفيفة. وقرأ ابن عامر: " تزور " مثل: " تحمر ". وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو مجلز، وأبو رجاء، والجحدري: " تزوار " بإسكان الزاي، وبألف ~~ممدودة بعد الواو من غير همزة، مشددة الراء. وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل، ~~وابن السميفع: " تزوئر " بهمزة قبل الراء، مثل: # " تزوعر ". وقرأ أبو الجوزاء، وأبو السماك: " تزور " بفتح التاء والزاي ~~وتشديد الواو المفتوحة. # خفيفة الراء، مثل: " تكور " والمعنى: تميل أو تعدل. قال الزجاج: " تزاور ~~": تتزاور، فأدغمت التاء في الزاي، و (تقرضهم) أي: تعدل عنهم وتتركهم، وقال ~~ذو الرمة: # - إلى طغن لو يقرضن أجواز مشرف * شمالا وعن أيمانهن الفوارس - يقرضن: ~~يتركن. وأصل القرض: القطع والتفرقة بين الأشياء، ومنه: أقرضني درهما، أي: ~~اقطع لي من مالك درهما. قال المفسرون: كان كهفهم بإزاء بنات نعش في أرض ~~الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها ~~وتغير ألوانهم. ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح، ~~ونسيم الهواء، فقال: * (وهم في فجوة منه) * قال أبو عبيدة: أي: في متسع، ~~والجميع: فجوات، وفجاء، بكسر الفاء. وقال الزجاج: # إنما صرف الشمس عنهم آية من الآيات، ولم يرض قول من قال: كان كهفهم بإزاء ~~بنات نعش. # قوله تعالى: * (ذلك من آيات الله) * يشير إلى ما صنعه بهم من اللطف في ~~هدايتهم، وصرف أذى الشمس عنهم، والرعب الذي ألقى عليهم حتى لم يقدر الملك ~~الظالم ولا غيره على أذاهم. " من آيات الله " أي: من دلائله على قدرته ~~ولطفه. * (من يهد الله فهو المهتد) * هذا بيان أنه هو الذي تولى هداية ~~القوم، ولولا ذلك لم يهتدوا. # وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا " 18 " ~~قوله تعالى: * (وتحسبهم أيقاظا) * أي: لو ms1351 رأيتهم لحسبتهم بكر أيقاظا. قال ~~الزجاج: # الأيقاظ: المنتبهون، واحدهم: يقظ، ويقظان، والجميع: أيقاظ; والرقود: ~~النيام. وقال الفراء: واحد الأيقاظ: يقظ، ويقظ. قال ابن السائب: وإنما ~~يحسبون أيقاظا، لأن أعينهم مفتحة وهم نيام. وقيل: لتقلبهم قد يمينا وشمالا. ~~وذكر بعض أهل العلم: أن وجه الحكمة في فتح أعينهم، أنه لو دام طبقها لذابت. ~~PageV05P082 # قوله تعالى: * (ونقلبهم) * وقرأ الحسن وأبو رجاء: " وتقلبهم " بتاء ~~مفتوحة، وسكون القاف، وتخفيف اللام المكسورة. وقرأ أبو الجوزاء، وعكرمة: " ~~ونقلبهم " مثلها، إلا أنه بالنون. * (ذات اليمين) * أي: على أيمانهم وعلى ~~شمائلهم. قال ابن عباس: كانوا يقلبون في كل عام مرتين، ستة أشهر على هذا ~~الجنب، وستة أشهر على هذا الجنب، لئلا تأكل الأرض لحومهم. وقال مجاهد: ~~كانوا ثلاثمائة عام على شق واحد، ثم قلبوا تسع سنين. # قوله تعالى: * (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) * أخبر أن الكلب كان على مثل ~~حالهم في النوم، وهو في رأي العين منتبه. وفي الوصيد أربعة أقوال: # أحدها: أنه الفناء فناء الكهف، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والفراء. قال الفراء: يقال: الوصيد ~~والأصيد لغتان، مثل الإكفاف والوكاف. وأرخت الكتاب وورخت، ووكدت الأمر ~~وأكدت; وأهل الحجاز يقولون: # الوصيد، وأهل نجد يقولون: الأصيد، وهو: الحظيرة والفناء. # والثاني: أنه الباب، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال السدي، قال ابن ~~قتيبة: # فيكون المعنى: وكلبهم باسط ذراعيه بالباب، قال الشاعر: # - بأرض فضاء لا يسد وصيدها * على ومعروفي بها غير منكر - والثالث: أنه ~~الصعيد، وهو التراب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ~~ومجاهد في رواية عنهما. # والرابع: أنه عتبة الباب، قاله عطاء. قال ابن قتيبة: وهذا أعجب إلي، ~~لأنهم يقولون: # أوصد بابك، أي: أغلقه، ومنه قوله تعالى: * (إنها عليهم مؤصدة) *، أي: ~~مطبقة مغلقة، وأصله أن يلصق الباب بالعتبة، إذا جعلت الكلب بالفناء، كان ~~خارجا من الكهف، وإن جعلته بعتبة الباب، أمكن أن يكون داخل الكهف، والكهف ~~وإن لم يكن له باب وعتبة، فإنما أراد أن الكلب ms1352 بموضع العتبة من البيت، ~~فاستعير. # قوله تعالى: * (لو اطلعت عليهم) * وقرأ الأعمش، وأبو حصين: لو اطلعت بضم ~~الواو [أي لو أشرفت عليهم] * (لوليت منهم فرارا) * رهبة لهم * (ولملئات) * ~~قرأ عاصم، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " ولملئت " خفيفة ~~مهموزة. وقرأ ابن كثير، ونافع: " ولملئت " مشددة مهموزة، * (رعبا) *: أي ~~فزعا وخوفا، وذلك أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يدخل إليهم PageV05P083 # أحد. وقيل: إنهم طالت شعورهم وأظفارهم جدا، فلذلك كان الرائي لهم لو رآهم ~~هرب مرعوبا، حكاه الزجاج. # وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم ~~أحدا " 19 " إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا ~~إذا أبدا " 20 " قوله تعالى: * (وكذلك بعثناهم) * أي: وكما فعلنا بهم ما ~~ذكرنا، بعثناهم من تلك النومة * (ليتساءلوا) * أي: ليكون بينهم تساؤل ~~وتنازع واختلاف في مدة لبثهم، فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم. * ~~(قال قائل منهم كم لبثتم) * أي: كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف قالوا؟ * ~~(قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) * وذلك أنهم دخلوا غدوة، وبعثهم الله في آخر ~~النهار، فلذلك قالوا: # " يوما "، فلما رأوا الشمس قالوا: " أبو بعض يوم " * (قالوا ربكم أعلم ~~بما لبثتم) * قال ابن عباس: # القائل لهذا يمليخا رئيسهم، رد علم ذلك إلى الله تعالى. وقال في رواية ~~أخرى: إنما قاله مكسلمينا، وهو أكبرهم. قال أبو سليمان: وهذا يوجب أن يكون ~~نفوسهم قد حدثتهم أنهم قد لبثوا أكثر مما ذكروا. وقيل: إنما قالوا ذلك، ~~لأنهم رأوا أظفارهم وأشعارهم قد طالت جدا. # قوله تعالى: * (فابعثوا أحدكم) * قال ابن الأنباري: إنما قال: " أحدكم " ~~ولم يقل: # واحدكم، لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم، فإن العرب تقول; رأيت أحد ~~القوم، ولا يقولون: رأيت واحد القوم، إلا إذا أرادوا المعظم، فأراد بأحدهم: ~~بعضهم، ولم يرد شريفهم. # قوله تعالى: * (بورقكم) * قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، ms1353 ~~وحفص عن عاصم: " بورقكم " الراء مكسورة خفيفة. وقرا أبو عمرو، وحمزة، وأبو ~~بكر عن عاصم ساكنة الراء. وعن أبي عمرو: " بورقكم " مدغمة يشمها شيئا من ~~التثقيل; قال الزجاج: تصير كافا خالصة. قال الفراء: الورق لغة أهل الحجاز، ~~وتيم يقولون: الورق، وبعض العرب يكسرون الواو، فيقولون: الورق. قال ابن ~~قتيبة. الورق: الفضة، دراهم كانت أو غير دراهم، يدلك على ذلك حديث عرفجة ~~أنه اتخذ أنفا من ورق. # قوله تعالى: * (إلى المدينة) * يعنون التي خرجوا منها، واسمها دقسوس، ~~ويقال: هي اليوم طرسوس. PageV05P084 # قوله تعالى: * (فلينظر أيها) * قال الزجاج: المعنى: أي أهلها (أزكى ~~طعاما) وللمفسرين في معناه ستة أقوال: # أحدها: أحل ذبيحة، قاله ابن عباس، وعطاء، وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا ~~كفارا، فكانوا يذبحون للطواغيت، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم. # والثاني: أحل طعاما، قاله سعيد بن جبير; قال الضحاك: وكان أكثر أموالهم ~~غصوبا. وقال مجاهد: قالوا لصاحبهم: لا تبتع طعاما فيه ظلم ولا غصب. # والثالث: أكثر، قاله عكرمة. # والرابع: خير، أي: أجود، قاله قتادة. # والخامس: أطيب، قاله ابن السائب، ومقاتل، والسادس: أرخص، قاله يمان بن ~~رياب. # قال ابن قتيبة: وأصل الزكاء: النماء والزيادة. # قوله تعالى: * (فليأتكم برزق منه) * أي: بما تأكلونه. * (وليتلطف) * أي: ~~ليدقق النظر فيه، وليحتل لئلا يطلع عليه. * (ولا يشعرن بكم) * أي: ولا ~~يخبرن أحدا بمكانكم. * (إنهم إن يظهروا) * أي: يطلعوا ويشرفوا عليكم، * ~~(يرجموكم) * وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يقتلوكم، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: يقتلوكم بالرجم. # والثاني: يرجموكم بأيديهم، استنكارا لكم، قاله الحسن. # والثالث: بألسنتهم شتما لكم، قاله مجاهد، وابن جريج. # قوله تعالى: * (أو يعيدوكم في ملتهم) * أي يردوكم في دينهم، * (ولن ~~تفلحوا إذا أبدا) * أي: إن رجعتم في دينهم، لم تسعدوا في الدنيا ولا في ~~الآخرة. # وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق و أن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا " 21 " قوله تعالى: * (وكذلك أعثرنا ~~عليهم) * أي: وكما أنمناهم وبعثناهم، ms1354 أطلعنا وأظهرنا عليهم. قال ابن قتيبة: ~~وأصل هذا أن من عثر بشئ وهو غافل، نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير PageV05P085 # العثار مكان التبين والظهور، ومنه قول الناس: ما عثرت على فلان بسوء قط، ~~أي: ما ظهرت على ذلك منه. # قوله تعالى: * (ليعلموا) * في المشار إليهم بهذا العلم قولان: # أحدهما: أنهم أهل بلدهم حين اختصموا في البعث، فبعث الله أهل الكهف ~~ليعلموا (أن وعد الله) بالبعث والجزاء (حق) وأن القيامة لا شك فيها، هذا ~~قول الأكثرين. # والثاني: أنهم أهل الكهف، بعثناهم ليروا بعد علمهم أن وعد الله حق، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: * (إذ يتنازعون) * يعني: أهل ذلك الزمان. قال ابن الأنباري: ~~المعنى: إذ كانوا يتنازعون، ويجوز أن يكون المعنى: إذ تنازعوا. # وفي ما تنازعوا فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنهم تنازعوا في البنيان، والمسجد. فقال المسلمون: نبني عليهم ~~مسجدا، لأنهم على ديننا; وقال المشركون: نبني عليهم بنيانا، لأنهم من أهل ~~سنتنا، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم تنازعوا في البعث، فقال المسلمون: تبعث الأجساد والأرواح، ~~وقال بعضهم: تبث الأرواح دون الأجساد، فأراهم الله تعالى بعث الأرواح ~~والأجساد ببعثه أهل الكهف، قاله عكرمة. والثالث: أنهم تنازعوا ما يصنعون ~~بالفتية، قاله مقاتل. والرابع: أنهم تنازعوا في قدر مكثهم. # والخامس: تنازعوا في عددهم، ذكرهما الثعلبي. # قوله تعالى: * (ابنوا عليهم بنيانا) * أي: استروهم من الناس بأن تجعلوهم ~~وراء ذلك البنيان. وفي القائلين لهذا قولان: # أحدهما: أنهم مشركو ذلك الزمان، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين أسلموا حين رأوا أهل الكهف، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: * (قال الذين غلبوا على أمرهم) * قال ابن قتيبة: يعني ~~المطاعين والرؤساء، قال المفسرون: وهم الملك وأصحابه المؤمنون اتخذوا عليهم ~~مسجدا. قال سعيد بن جبير: بني عليهم الملك بيعه. # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون PageV05P086 # سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم ~~إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا " 22 " ولا تقولون لشئ إني فاعل ~~ذلك غدا " 23 " إلا ms1355 أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي ~~لأقرب من هذا رشدا " 24 " قوله تعالى: * (سيقولون ثلاثة) * قال الزجاج: * ~~(ثلاثة) * مرفوعة بخبر الابتداء، المعنى: # سيقول الذين تنازعون في أمرهم هم ثلاثة. وفي هؤلاء القائلين قولان: # أحدهما: أنهم نصارى نجران، ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة ~~أهل الكهف، فقالت الملكية: هم ثلاثة رابعهم كلبهم، وقالت اليعقوبية: هم ~~خمسة سادسهم كلبهم، وقالت النسطورية: هم سبعة وثامنهم كلهم، فنزلت هذه ~~الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنهم أهل مدينتهم قبل ظهورهم عليهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: * (رجما بالغيب) * أي: ظنا غير يقين، قال زهير: # - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث المرجم - فأما ~~دخول الواو في قوله: * (وثامنهم كلبهم) * ولم تدخل فيما قبل هذا، ففيه ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن دخولها وخروجها واحد، قاله الزجاج. # والثاني: أن ظهور الواو في الجملة الثامنة دلالة على أنها مرادة في ~~الجملتين المتقدمتين، فأعلم بذكرها هاهنا أنها مرادة فيما قبل، وإنما حذفت ~~تخفيفا، ذكره أبو نصر المناشر في شرح " اللمع ". # والثالث: أن دخولها يدل على انقطاع القصة، وأن الكلام قد تم، ذكره الزجاج ~~أيضا، وهو مذهب مقاتل بسليمان، وإن الواو تدل على تمام الكلام قبلها، ~~واستئناف ما بعدها; قال الثعلبي: فهذه واو الحكم والتحقيق، كأن الله تعالى ~~حكى اختلافهم، فتم الكلام عند قوله: # * (ويقولون سبعة) *، ثم حكم أن ثامنهم كلبهم. وجاء في بعض التفسير أن ~~المسلمين قالوا عند اختلاف النصارى: هم سبعة، فحقق الله قول المسلمين. # والرابع: أن العرب تعطف بالواو على السبعة، فيقولون: ستة، سبعة، وثمانية، ~~لأن العقد عندهم سبعة، كقوله: * (التائبون العابدون...) * إلى أن قال في ~~الصفة الثامنة: * (والناهون عن PageV05P087 # المنكر) *، وقوله في صفة الجنة: * (وفتحت أبوابها) * وفي صفة النار: * ~~(فتحت أبوابها) *، لأن أبواب النار سبعة، وأبواب الجنة ثمانية، ذكر هذا ~~المعنى أبو إسحاق الثعلبي. # وقد اختلف العلماء في عددهم على قولين: # أحدهما: أنهم كانوا سبعة، قاله ابن عباس. # والثاني: ثمانية، قاله ابن جريج، وابن ms1356 إسحاق. وقال ابن الأنباري: وقيل: ~~معنى قوله: # * (وثامنهم كلبهم) *: صاحب كلبهم، كما يقال: السخاء حاتم، والشعر زهير، ~~أي: السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير. فأما أسماؤهم، فقال هشيم: ~~مكسلمينا، ويمليخا، وطرينوس، وسدينوس، وسرينوس، ونواسس، ويرانوس، وفي ~~التفسير خلاف في أسمائهم فلم أطل به. # واختلفوا في كلبهم لمن كان على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان لراع مروا به فتبعهم الراعي والكلب، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه كان لهم يتصيدون عليه، قاله عبيد بن عمير: # والثالث: أنهم مروا بكلب فتبعهم، فطردوه، فعاد، ففعلوا ذلك به مرارا، ~~فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟! لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله تعالى، ~~فناموا حتى أحرسكم، قاله كعب الأحبار. # وفي اسم كلبهم أربعة أقوال: # أحدها: قطمير، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن اسمه الرقيم، وقد ذكرناه عن سعيد بن جبير. # والثالث: قطمور، قاله عبد الله بن كثير. # والرابع: حمران، قاله شعيب الجبائي. # وفي صفته ثلاثة أقوال: # أحدها: أحمر، حكاه الثوري. # والثاني: أصفر، حكاه ابن إسحاق. # والثالث: أحمر الرأس، أسود الظهر، أبيض البطن، أبلق الذنب، ذكره ابن ~~السائب. # قوله تعالى * (ربي أعلم بعدتهم) * حرك الياء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وأسكنها الباقون. PageV05P088 # قوله تعالى: * (ما يعلمهم إلا قليل) * أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من ~~الناس. قال عطاء يعني بالقليل: هم سبعة، إن الله عدهم حتى انتهى إلى ~~السبعة. # قوله تعالى: * (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) * قال ابن عباس، وقتادة: ~~لا تمار أحدا، حسبك ما قصصت عليك من أمرهم. وقال ابن زيد: لا تمار في عدتهم ~~إلا مراء ظاهرا أن تقول لهم: ليس كما تقولون، كما تعلمون. وقيل: " إلا مراء ~~ظاهرا " بحجة واضحة، حكاه الماوردي. والمراء في اللغة: الجدال; يقال: مارى ~~يماري مماراة ومراء، أي: جادل. قال ابن الأنباري: معنى الآية: لا تجادل إلا ~~جدال متيقن عالم بحقيقة الخبر، إذ الله تعالى ألقى إليك مالا يشوبه باطل. ~~وتفسير المراء في اللغة: استخراج غضب المجادل، من قولهم: مريت الشاة: # إذا استخرجت لبنها. # قوله تعالى: ms1357 * (ولا تستفت فيهم) * أي: في أصحاب الكهف، (منهم) قال ابن ~~عباس: # يعني: من أهل الكتاب. قال الفراء: أتاه فريقان من النصارى، نسطوري، ~~ويعقوبي، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن عددهم، فنهي عن ذلك. # قوله تعالى: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) * سبب ~~نزولها أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، وعن الروح، ~~وعن أصحاب الكهف، فقال: غدا أخبركم بذلك، ولم يقل: إن شاء الله، فأبطأ عليه ~~جبريل خمسة عشر يوما لتركه الاستثناء، فشق ذلك عليه، ثم نزلت هذه الآية، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الكلام: ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا، ~~إلا أن تقول: إن شاء الله، فحذف القول. # قوله تعالى: * (واذكر ربك إذا نسيت) * قال ابن الأنباري: معناه: واذكر ~~ربك بعد تفضي النسيان، كما تقول: أذكر لعبد الله - إذا صلى - حاجتك، أي: ~~بعد انقضاء الصلاة. # وللمفسرين في معنى الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت، فقل: إن شاء الله، ولو ~~كان بعد يوم أو شهر أو سنة، قاله سعيد بن جبير، والجمهور. # والثاني: أن معنى " إذا نسيت ": إذا غضبت، قاله عكرمة، قال ابن الأنباري: ~~وليس ببعيد، لأن الغضب ينتج النسيان. # والثالث: إذا نسيت الشئ فاذكر الله ليذكرك إياه، حكاه الماوردي. ~~PageV05P089 # فصل وفائدة الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب إذا لم يفعل حلف عليه، ~~كقوله تعالى في قصة موسى: * (ستجدني إن شاء الله صابرا) *، ولم يصبر، فسلم ~~من الكذب لوجود الاستثناء في حقه. ولا تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصح ~~الاستثناء في الطلاق والعتاق، وأنه إذا قال: # أنت طالق أن شاء الله، وأنت حر إن شاء الله، أن ذلك يقع، وهو قول مالك; ~~وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقع شئ من ذلك. وأما اليمين بالله تعالى، فإن ~~الاستثناء فيها يصح، بخلاف الطلاق، وكذلك الاستثناء في كل ما يكفر، ~~كالظهار، والنذر، لأن الطلاق والعتاق لفظه لفظ إيقاع، وإذا علق به المشيئة، ~~علمنا وجودها، ms1358 لوجود لفظ الإيقاع من جهته، بخلاف سائر الأيمان، لأنها ليست ~~بموجبات للحكم، وإنما تتعلق بأفعال مستقبلة. # وقد اختلف في الوقت الذي يصح فيه الاستثناء على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يصح الاستثناء إلا موصولا بالكلام، وقد روي عن أحمد نحو ~~هذا، وبه قال أكثر الفقهاء. # والثاني: أنه يصح ما دام في المجلس قاله الحسن وطاووس، وعن أحمد نحوه. # والثالث: أنه لو استثنى بعد سنة، جاز، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وأبو العالية، وقال ابن جرير الطبري: الصواب للإنسان أن يستثني ولو ~~بعد حنثه في يمينه، فيقول: # إن شاء الله، ليخرج بذلك مما ألزمه الله في هذه الآية، فيسقط عنه الحرج، ~~فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن يكون الاستثناء موصولا بيمينه، ومن ~~قال: له ثنياه ولو بعد سنة، أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاستثناء دون ~~الكفارة. # قوله تعالى: * (وقل عسى أن يهديني ربي) * قرأ نافع، وأبو عمرو: " يهديني ~~ربي " بياء في الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير بياء في الحالين. وقرأ ابن ~~عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي بغير ياء في الحالين. # وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب ~~في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف، ففعل الله له ذلك، وآتاه من علم غيوب ~~PageV05P090 # المرسلين ما هو أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف، هذا ~~قول الزجاج. # والثاني: أن قريشا لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم خبر ~~أصحاب الكهف، قال: " غدا أخبركم " كما شرحنا في سبب نزول الآية، فقال الله ~~تعالى له: * (وقل عسى أن يهديني ربي) * أي: # عسى أن يعرفني جواب مسائلكم قبل الوقت الذي حددته لكم، ويعجل لي من جهته ~~الرشاد، هذا قول ابن الأنباري. # ولبثوا في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسعا " 25 " قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولي ولا يشرك ~~في حكمه أحدا " 26 " قوله تعالى: ms1359 * (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين) * قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم وابن عامر: " ثلاثمائة سنين " منون وقرأ ~~حمزة والكسائي: " ثلاثمائة سنين " مضافا غير منون. قال أبو علي: العدد ~~المضاف إلى الآحاد قد جاء مضافا إلى الجميع، قال الشاعر: # - وما زودوني غير سحق عمامة * وخمسميء وإن منها قسي وزائف - وفي هذا ~~الكلام قولان: # أحدهما: أنه حكاية عما قال الناس في حقهم، وليس بمقدار لبثهم قاله ابن ~~عباس، واستدل عليه فقال: لو كانوا لبثوا ذلك، لما قال: * (الله أعلم بما ~~لبثوا) * وكذلك قال قتادة، وهذا قول أهل الكتاب. # والثاني: أنه مقدار ما لبثوا، قاله عبيد بن عمير، ومجاهد، والضحاك، وابن ~~زيد; والمعنى: لبثوا هذا القدر من يوم دخلوه إلى أن بعثهم الله وأطلع الخلق ~~عليهم. # قوله تعالى: * (سنين) * قال الفراء، وأبو عبيدة، والكسائي، والزجاج: ~~التقدير: سنين PageV05P091 # ثلاثمائة. قال ابن قتيبة: المعنى: أنها لم تكن شهورا ولا أياما، إنما ~~كانت سنين. وقال أبو علي الفارسي: " سنين " بدل من قوله: " ثلاثمائة ". قال ~~الضحاك: نزلت: * (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة) * فقالوا: أياما، أو شهورا، أو ~~سنين؟ فنزلت: " سنين " فلذلك قال: " سنين "، ولم يقل: سنة. # قوله تعالى: * (وازدادوا تسعا) * يعني: تسع سنين، فاستغنى عن ذكر السنين ~~بما تقدم من ذكرها. ثم أعلم أنه أعلم بقدر مدة لبثهم من أهل الكتاب ~~المختلفين فيها، فقال: * (قل الله أعلم بما لبثوا) * قال ابن السائب: قالت ~~نصارى نجران: أما الثلاثمائة، فقد عرفناها، وأما التسع، فلا علم لنا بها، ~~فنزل قوله تعالى: * (قل الله أعلم بما لبثوا) * وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: ~~إن للفتية منذ دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد عليهم ~~ذلك، وقال: # * (قل الله أعلم بما لبثوا) * بعد أن قبض أرواحهم إلى يومكم هذا، لا يعلم ~~بذلك غير الله وقيل: إنما زاد التسع، لأنه تفاوت ما بين السنين الشمسية ~~والسنين القمرية، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: * (أبصر به وأسمع) * فيه قولان: # أحدهما: أنه على مذهب التعجب، فالمعنى: ما أسمع الله وأبصره، أي: هو عالم ~~بقصة أصحاب الكهف ms1360 وغيرهم، هذا قول الزجاج، وذكر أنه إجماع العلماء. # والثاني: أنه في معنى الأمر، فالمعنى: أبصر بدين الله وأسمع، أي: أبصر ~~بهدى الله وسمع، فترجع الهاء إما على الهدى، وإما على الله عز وجل، ذكره ~~ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (ما لهم من دونه) * أي: ليس لأهل السماوات والأرض من دون ~~الله من ناصر، * (ولا يشرك في حكمه أحدا) * ولا يجوز أن يحكم حاكم بغير ما ~~حكم به، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكا لله [عز وجل] في حكمه. ~~وقرأ ابن عامر: * (ولا تشرك) * جزما بالتاء، والمعنى: لا تشرك أيها ~~الإنسان. # واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا " ~~27 " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا " 28 " PageV05P092 # قوله تعالى: * (واتل ما أوحي إليك) * في هذه التلاوة قولان: # أحدهما: أنها بمعنى القراءة. # والثاني: بمعنى الاتباع. فيكون المعنى على الأول: اقرأ القرآن، وعلى ~~الثاني: اتبعه واعمل به. وقد شرحنا في [سورة] الأنعام معنى (لا مبدل ~~لكلماته) قوله تعالى: * (ولن تجد من دونه ملتحدا) * قال مجاهد، والفراء: ~~ملجأ. وقال الزجاج: # معدلا عن أمره ونهيه. وقال غيرهم: موضعا تميل إليه في الالتجاء. # قوله تعالى: * (واصبر نفسك) * سبب نزولها أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وذووهم، فقالوا: يا رسول الله: أنك لو ~~جلست في صدر المجلس، ونحيت هؤلاء عنا، - يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء ~~المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف - جلسنا إليك، وأخذنا عنك، فنزلت هذه ~~الآية إلى قوله: * (إنا اعتدنا للظالمين نارا) *، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يلتمسهم، حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، قال: " ~~الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم ~~المحيا ومعكم الممات " هذا قول سلمان الفارسي. ومعنى ms1361 قوله: * (واصبر نفسك ~~مع الذين يدعون ربهم) * أي: احبسها معهم على أداء الصلوات * (بالغداة ~~والعشي) *. وقد فسرنا هذه الآية في [سورة] الأنعام إلى قوله تعالى: # * (ولا تعد عيناك عنهم) * أي: لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى ~~والشرف; وكان عليه السلام حريصا على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم، ولم يكن ~~مريدا لزينة الدنيا قط، فأمر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين. # قوله تعالى: * (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) * سبب نزولها أن أمية ~~بن خلف الجمحي، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طرد الفقراء عنه، ~~وتقريب صناديد أهل مكة، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. وفي ~~رواية أخرى عنه أنه قال: هو عيينة وأشباهه. ومعنى " أغفلنا قلبه ": جعلناه ~~غافلا. وقرأ أبو مجلز: " من أغفلنا " بفتح اللام "، ورفع باء القلب. " عن ~~ذكرنا ": # أي عن التوحيد والقرآن والإسلام، * (واتبع هواه) * في الشرك. * (وكان ~~أمره فرطا) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه أفرط في قوله، لأنه قال: إنا رؤوس مضر، وإن نسلم يسلم الناس ~~بعدنا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: ضياعا، قاله مجاهد. وقال أبو عبيدة: سرفا وتضييعا. PageV05P093 # والثالث: ندما، حكاه ابن قتيبة عن أبي عبيدة. # والرابع: كان أمره التفريط، والتفريط: تقديم العجز، قاله الزجاج. # وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا " 29 " قوله تعالى: * (وقل الحق من ربكم) * قال ~~الزجاج: المعنى: وقل الذي أتيتكم به، الحق من ربكم. # قوله تعالى: * (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فمن شاء الله فليؤمن، روي عن ابن عباس. # والثاني: أنه وعيد وإنذار، وليس بأمر، قاله الزجاج. # والثالث: أن معناه: لا تنفعون الله بايمانكم، ولا تضرونه بكفركم، قاله ~~الماوردي. وقال بعضهم: هذا إظهار للغنى، لا إطلاق في الكفر. # قوله تعالى: * (إنا أعتدنا) * أي: هيأنا، وأعددنا، وقد شرحناه في قوله: * ~~(وأعتدت لهن متكأ) * فأما الظالمون، فقال المفسرون: ms1362 هم الكافرون. وأما ~~السرادق، فقال الزجاج: # السرادق: كل ما أحاط بشئ، نحو الشقة في المضرب، أو الحائط المشتمل على ~~الشئ. وقال ابن قتيبة: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط. وقرأت على ~~شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: السرادق فارسي معرب، وأصله بالفارسية سرادار، ~~وهو الدهليز، قال الفرزدق: # - تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم * تركت لهم قبل الضراب السرادقا - وفي ~~المراد بهذا السرادق قولان: # أحدهما: أنه سرادق من نار، قاله ابن عباس. روى أبو سعيد الخدري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لسرادق النار أربعة جدر كثف، كل جدار ~~منها مسيرة أربعين سنة ". وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس، قال: السرادق: ~~لسان من النار، يخرج من النار فيحيط بهم حتى يفرغ من حسابهم. PageV05P094 # والثاني: أنه دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو ثلاث شعب الذي ~~ذكره الله تعالى في المرسلات، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: * (وإن يستغيثوا) * أي: مما هم فيه من العذاب وشدة العطش * ~~(يغاثوا بماء كالمهل) * وفيه سبعة أقوال: # أحدها: أنه ماء غليظ كدردي الزيت، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه كل شئ أذيب حتى انماع، قاله ابن مسعود، وقال أبو عبيدة، ~~والزجاج: كل شئ أذبته من نحاس أو رصاص أو نحو ذلك، فهول مهل. # والثالث: قيح ودم أسود كعكر الزيت، قاله مجاهد. # والرابع: أنه الفضة والرصاص يذابان، روي عن مجاهد أيضا. # والخامس: أنه الذي انتهى حره، قاله سعيد بن جبير. # والساس: أنه الصديد، ذكره ابن الأنباري. قال مغيب بن سمي: هذا الماء هو ~~ما يسيل من عرق أهل الموقف في الآخرة وبكائهم، وما يجري منهم من دم وقيح، ~~يسيل ذلك إلى واد في جهنم، فتطبخه جهنم، فيكون أول ما يغاث به أهل النار. # والسابع: أنه الرماد الذي ينفذ عن الخبزة إذا خرجت من التنور، حكاه ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: * (يشوي الوجوه) * قال المفسرون: إذا قربه إليه سقطت فروة ~~وجهه فيه. ثم ذمه، فقال بئس الشراب وساءت النار * (مرتفقا) * وفيه خمسة ~~أقوال: # أحدها: منزلا، قاله ms1363 ابن عباس. # والثاني: مجتمعا، قاله مجاهد. # والثالث: متكأ، قاله أبو عبيدة، وأنشد لأبي ذؤيب: # - إني أرقت فبت الليل مرتفقا * كأن عيني فيها الصاب مذبوح - وذبحه: ~~انفجاره; قال الزجاج: " مرتفقا " منصوب على التمييز. أي: متكأ على المرفق. # والرابع: ساءت مجلسا; قاله ابن قتيبة. # والخامس: ساءت مطلبا للرفق، لأن من طلب رفقا من جهتها، عدمه، ذكره ابن ~~الأنباري. # ومعاني هذه الأقوال تتقارب. وأصل المرفق في اللغة: ما يرتفق به. ~~PageV05P095 # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا " 30 " ~~أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب ~~وحسنت مرتفقا " 31 " قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) * قال ~~الزجاج: خبر " إن " ها هنا على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون على إضمار: * (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) * منهم، ولم ~~يحتج إلى ذكر " منهم " لأن الله تعالى قد أعلمنا أنه محبط عمل غير ~~المؤمنين. # والثاني: أن يكون خبر " إن ": * (أولئك لهم جنات عدن) *، ويكون قوله: * ~~(إنا لا نضيع) * قد فصل به بين الاسم وخبره، لأنه يحتوي على معنى الكلام ~~الأول، لأن من أحسن عملا بمنزلة الذين آمنوا. # والثالث: أن يكون الخبر: * (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) * بمعنى: إنا ~~لا نضيع أجرهم. # قال المفسرون: ومعنى * (لا نضيع أجر من أحسن عملا) * أي: لا نترك أعماله ~~تذهب ضياعا، بل نجازيه عليها بالثواب. # فأما الأساور، فقال الفراء: في الواحد منها ثلاث لغات: إسوار، وسوار، ~~وسوار; فمن قال: إسوار، جمعه أساور، ومن قال: سوار أو سوار، جمعه أسورة، ~~وقد يجوز أن يكون واحد أساورة وأساور: سوار; وقال الزجاج: الأساور جمع ~~أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: سوار اليد، بالكسرة، وقد حكي: سوار. قال ~~المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور في اليد والتيجان على ~~الرؤوس، جعل الله تعالى ذلك لأهل الجنة. قال سعيد بن جبير: يحلى كل واحد ~~منهم بثلاثة من الأساور، واحد ms1364 من فضة، وواحد من ذهب، وواحد من لؤلؤ ~~ويواقيت. # فأما " السندس " و " الإستبرق "، فقال ابن قتيبة: السندس: رقيق الديباج، ~~والإستبرق ثخينه. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: السندس: رقيق ~~الديباج، لم يختلف أهل اللغة في أنه معرب، قال الراجز: # - وليلة من الليالي حندس * لون حواشيها كلون السندس - والاستبرق: غليظ ~~الديباج، فارسي معرب، وأصله إستفره. وقال ابن دريد: إستروه، PageV05P096 # ونقل من العجمية إلى العربية، فلوا حقر " إستبرق "، أو كسر، لكان في ~~التحقير " أبيرق "، وفي التكسير " أبارق " بحذف السين، والتاء جميعا. # قوله تعالى: * (متكئين فيها) * الاتكاء: التحامل على الشئ. قال أبو ~~عبيدة: والأرائك: # الفرش فالحجال، ولا تكون الأريكة إلا بحجلة وسرير. وقال ابن قتيبة: ~~الأرائك: السرر في الحجال، واحدها: أريكة. وقال ثعلب: لا تكون الأريكة إلا ~~سريرا في قبة عليه شوراه ومتاعه; قال ابن قتيبة: الشوار، مفتوح الشين، وهو ~~متاع البيت. وقال الزجاج: الأرائك: الفرش في الحجال. قال: وقيل: إنها ~~الفرش، وقيل إنها الأسرة، وهي على الحقيقة: الفرش كانت في حجال لهم. # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا " 32 " كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ~~وفجرنا خلالهما نهرا " 33 " وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا " 34 " ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد ~~هذه أبدا " 35 " وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا " 36 " قوله تعالى: * (واضرب لهم مثلا رجلين) * روى عطاء عن ابن ~~عباس، قال: هما ابنا ملك كان في بني إسرائيل توفي وتركهما، فاتخذ أحدهما ~~الجنان والقصور، وكان الآخر زاهدا في الدنيا فكان إذا عمل أخوه شيئا من ~~زينة الدنيا، أخذ مثل ذلك فقدمه لآخرته، حتى نفد ماله، فضربهما الله عز وجل ~~مثلا للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة. وروى أبو صالح عن ابن عباس: # أن المسلم لما احتاج، تعرض لأخيه الكافر، فقال الكافر: أين ما ورثت عن ~~أبيك؟ فقال: أنفقته في سبيل الله، فقال ms1365 الكافر: لكني ابتعت منه جنانا ~~وغنما، وبقرا، والله لا أعطيتك شيئا أبدا حتى تتبع ديني، ثم أخذ بيد المسلم ~~فأدخله جنانه يطوف به فيها، ويرغبه في دينه. وقال مقاتل: اسم المؤمن ~~يمليخا، واسم الكافر فرطس، وقيل: فطرس، وقيل: هذا المثل ضرب لعيينة بن حصن ~~وأصحابه، ولسلمان وأصحابه. # قوله تعالى: * (وحففناهما بنخل) * الحف: الإحاطة بالشيء، ومنه قول: * ~~(حافين PageV05P097 # من حول العرش) * والمعنى: جعلنا النخل مطيفا. وقوله: * (وجعلنا بينهما ~~زرعا) * إعلام أن عمارتهما كاملة. # قوله تعالى: * (كلتا الجنتين آتت أكلها) * قال الفراء: لم يقل تعالى: ~~آتتا، لأن " كلتا " ثنتان لا تفرد واحدتهما، وأصله: " كل "، كما تقول ~~للثلاثة: " كل "، فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع، وجاز توحيده ~~على مذهب " كل "، وتأنيثه جائز للتأنيث الذي، ظهر في " كلتا "، وكذلك فافعل ~~ب‍ " كلا " و " كلتا " و " كل "، إذا أضفتهن إلى معرفة وجاء الفعل بعدهن ~~فوحد واجمع، فمن التوحيد قوله تعالى: * (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) *، ~~ومن الجمع: # * (وكل أتوه داخرين) *، والعرب قد تفعل أيضا في " أي " فيؤنثون ويذكرون، ~~قال الله تعالى: * (وما تدري نفس بأي أرض تموت) *، ويجوز في الكلام " بأية ~~أرض "، وكذلك * (في أي صورة ما شاء ركبك) *، ويجوز في الكلام " في أية "، ~~قال الشاعر: # - بأي به بلاء أم بأية نعمة * تقدم قبلي مسلم والمهلب - ثم ابن الأنباري: ~~" كلتا " وإن كان واقعا في المعنى على اثنتين، فإن لفظه لفظ واحدة مؤنثة، ~~فغلب اللفظ، ولم يستعمل المعنى ثقة بمعرفة المخاطب به; ومن العرب من يؤثر ~~المعنى على اللفظ، فيقول: " كلتا الجنتين آتتا أكلها "، ويقول آخرون: " ~~كلتا الجنتين آتي أكله "، لأن " كلتا " تفيد معنى " كل "، قال الشاعر: # - وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي * فلا الموت أهواه ولا العيش أروح - يعني: ~~وكلهما قد خط لي، وقد قالت العرب: كلكم ذاهب، وكلكم ذاهبون. فوحدوا للفظ " ~~كل " وجمعوا لتأويلها. وقال الزجاج: إنما لم يقل " آتتا، لأن لفظ " كلتا " ~~لفظ واحدة، والمعنى: كل واحدة منهما آتت أكلها * (ولم تظلم) * أي: لم تنقص ~~* (منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا) * فأعلمنا ms1366 أن شربهما كان من ماء نهر، وهو ~~من أغزر الشرب. وقال الفراء: إنما قال: # " فجرنا " بالتشديد، وهو نهر واحد، لأن النهر يمتد، فكان التفجر فيه كله. ~~قرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو العالية، وابن يعم، وابن أبي عبلة: " وفجرنا ~~" بالتخفيف. وقرأ أبو مجلز، وأبو المتوكل: " خللهما ". وقرأ أبو العالية، ~~وأبو عمران: " نهرا " بسكون الهاء. # قوله تعالى: * (وكان له) * يعني: للأخ الكافر (ثمر) قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وابن عامر، PageV05P098 # وحمزة، والكسائي: " وكان له ثمر "، " وأحيط بثمره " بضمتين. وقرأ عاصم: " ~~وكان لهم ثمر "، " وأحيط بثمره " بفتح التاء والميم فيهما. وقرأ أبو عمرو: ~~" ثمر " و " ثمره " بضمة واحدة وسكون الميم. قال الفراء: الثمر، بفتح الثاء ~~والميم: المأكول، وبضمها: المال. وقال ابن الأنباري. # الثمر، بالفتح: الجمع الأول، والثمر، بالضم: جمع الثمر، يقال: ثمر، وثمر، ~~كما يقال: # أسد، وأسد، ويصلح أن يكون الثمر جمع الثمار، كما يقال: حمار وحمر، وكتاب ~~وكتب; فمن ضم، قال: الثمر أعم، لأنها تحتمل الثمار المأكولة، والأموال ~~المجموعة. قال أبو على الفارسي: وقراءة أبي عمرو: " ثمر " يجوز أن تكون جمع ~~ثمار، ككتاب، وكتب، فتخفف، فيقال: كتب، ويجوز أن يكون " ثمر " جمع ثمرة، ~~كبدنة وبدن، وخشبة، وخشب. ويجوز أن يكون (ثمر) واحدا، كعنق، وطنب. # وقد ذكر المفسرون في قراءة من ضم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه المال الكثير من صنوف الأموال، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الذهب، والفضة، قاله مجاهد. # والثالث: أنه جمع ثمرة، قال الزجاج: يقال: ثمرة، وثمار، وثمر. فإن قيل: ~~ما الفائدة في ذكر الثمر بعد ذكر الجنتين، وقد علم أن صاحب الجنة لا يخلو ~~من ثمر؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه لم يكن أصل الأرض ملكا له، وإنما كانت له الثمار، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أن ذكر الثمر دليل على كثرة ما يملك من الثمار في الجنتين ~~وغيرهما، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: قد ذكرنا أن المراد بالثمر الأموال من الأنواع وذكرنا أنها ~~الذهب، والفضة، وذلك يخالف الثمر المأكول; قال أبو علي الفارسي: من قال: هو ~~الذهب، والورق، فإنما قيل لذلك: ms1367 # ثمر على التفاؤل، لأن الثمر نماء في ذي الثمر، وكونه هاهنا بالجنى أشبه ~~بالذهب والفضة. ويقوي ذلك: * (وأحيط بثمرة فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق ~~فيها) * والإنفاق من الورق، لا من الشجر. # قوله تعالى: * (فقال) * يعني الكافر * (لصاحبه) * المؤمن * (وهو يحاوره) ~~* أي: يراجعه الكلام ويجاوبه. # وفي ما تحاورا فيه قولان: # أحدهما: أنه الإيمان والكفر. # والثاني: طلب الدنيا، وطلب الآخرة. فأما " النفر " فهم الجماعة، ومثلهم: ~~القوم والرهط ولا واحد لهذه الألفاظ من لفظها. وقال ابن فارس اللغوي: ~~النفر: عدة رجال من ثلاثة إلى العشرة. PageV05P099 # وفيمن أراد بنفره ثلاثة أقوال: # أحدها: عبيده، قاله ابن عباس. # والثاني: ولده، قاله مقاتل. # والثالث: عشيرته ورهطه، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: * (ودخل جنته) * يعني: الكافر * (وهو ظالم لنفسه) * بالكفر; ~~وكان قد أخذ بيد أخيه فأدخله معه: * (قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا) * أنكر ~~فناء الدنيا، وفناء جنته، وأنكر البعث والجزاء بقوله تعالى: * (وما أظن ~~الساعة قائمة) * وهذا شك منه في البعث، ثم قال: * (ولئن رددت إلى ربي) * ~~أي: كما تزعم أنت. قال ابن عباس: يقول إن كان البعث حقا * (لأجدن خيرا ~~منها) * قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: " خير منها "، وكذلك هي في ~~مصاحف أهل البصرة والكوفة. # وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: " خيرا منهما " بزيادة ميم على ~~التثنية، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة والمدينة والشام. قال أبو علي: الإفراد ~~أولى، لأنه أقرب إلى الجنة المفردة في قوله: # * (ودخل جنته) *، والتثنية لا تمتنع، لتقدم ذكر الجنتين. # قوله تعالى: * (منقلبا) * أي: كما أعطاني هذا في الدنيا، سيعطيني في ~~الآخرة أفضل منه. # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا " 37 " لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا " 38 " ولولا إذ دخلت ~~جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا " 39 ~~" فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح ~~صعيدا زلقا " 40 " أو يصبح ms1368 ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا " 41 " قوله ~~تعالى: * (قال له صاحبه) * يعني: المؤمن * (وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من ~~تراب) * يعني: خلق أباك آدم * (ثم من نطفة) * يعني: ما أنشئ هو منه، فلما ~~شك في البعث كان كافرا. # قوله تعالى: * (لكنا هو الله ربي) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي، وقالون عن نافع: * (لكن هو الله ربي) *، بإسقاط الألف في ~~الوصل، وإثباتها في الوقف. وقرأ نافع في رواية المسيبي بإثبات الألف وصلا ~~ووقفا. وأثبت الألف ابن عامر في الحالين. وقرأ أبو رجاء: PageV05P100 # " لكن " بإسكان النون خفيفة من غير ألف في الحالين. وقرأ ابن يعمر بتشديد ~~النون من غير ألف في الحالين. وقرأ الحسن: * (لكن أنا هو الله ربي) * ~~باسكان نون " لكن " وإثبات " أنا ". قال: # الفراء: فيها ثلاث لغات: لكنا، ولكن، ولكنه بالهاء، أنشدني أبو ثروان: # - وترمينني بالطرف أي أنت مذنب * وتقلينني لكن إياك لا أقلي - وقال أبو ~~عبيدة: مجازه: لكن أنا هو الله ربي، ثم حذفت الألف الأولى، وأدغمت إحدى ~~النونين في الأخرى فشددت. قال الزجاج: وهذه الألف تحذف في الوصل، وتثبت في ~~الوقف، فأما من أثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف، فهو على لغة من يقول: ~~أنا قمت، فأثبت الألف، قال الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني وهذه القراءة جيدة، لأن الهمزة قد حذفت من " ~~أنا "، فصار إثبات الألف عوضا من الهمزة. # قوله تعالى: * (ولولا إذ دخلت جنتك) * أي: وهلا; ومعنى الكلام التوبيخ. ~~قال الفراء: * (ما شاء الله) * في موضع رفع، إن شئت رفعته بإضمار هو، يريد: ~~هو ما شاء الله; و إن شئت أضمرت فيه: ما شاء الله كان; وجاز طرح جواب ~~الجزاء، كما جاز في قوله: * (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض) * ليس له ~~جواب، لأنه معروف، قال الزجاج: وقوله: * (لا قوة إلا بالله) * الاختيار ~~النصب بغير تنوين على النفي، كقوله: * (لا ريب فيها) *; ويجوز: " لا قوة ~~إلا بالله " على الرفع بالابتداء، والخبر " بالله "; المعنى: لا يقوى أحد ~~في بدنه ولا في ملك ms1369 يده إلا الله تعالى، ولا يكون له إلا ما شاء الله. # قوله تعالى: * (إن ترني) * قرأ ابن كثير: " إن ترني أنا " و " يؤتيني ~~خيرا " بياء في الوصل والوقف. # وقرأ نافع، وأبو عمرو بياء في الوصل. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة بحذف ~~الياء فيهما وصلا ووقفا. * (أنا أقل) * وقرأ ابن أبي عبلة: " أنا أقل " ~~برفع اللام. قال الفراء: " أنا " هاهنا عماد إن نصبت " أقل "، واسم إذا ~~رفعت " أقل "، والقراءة بهما جائز. # قوله تعالى: * (فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك) * أي: في الآخرة، * ~~(ويرسل عليها حسبانا) * وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه العذاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والضحاك، ~~وقال أبو صالح عن ابن عباس: نارا من السماء. PageV05P101 # والثاني: قضاء من الله يقضيه، قاله ابن زيد. # والثالث: مرامي من السماء، واحدها: حسبانة، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. ~~قال النضر بن شميل: الحسبان: سهام يرمي: بها الرجل في جوف قصبة ينزع " في ~~القوس، ثم يرمي بعشرين منها دفعة، فعلى هذا القول يكون المعنى: ويرسل عليها ~~مرامي من عذابه، إما حجارة أو بردا أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب. # والرابع: أن الحسبان: الحساب، كقوله: * (الشمس والقمر بحسبان) * أي: ~~بحساب، فيكون المعنى: ويرسل عليها عذاب حساب ما كسبت يداه، هذه قول الزجاج. # قوله تعالى: * (فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا) * قال ابن قتيبة: ~~الصعيد الأملس المستوى، والزلق: الذي تزل عنه الأقدام، والغور: الغائر، ~~فجعل المصدر صفة، يقال: ماء غور، ومياه غور، ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، ~~كما يقال: رجل نوم، ورجل صوم، ورجل فطر، ورجال نوم، ونساء نوم، ويقال ~~للنساء إذا نحن: نوح، والمعنى: يذهب ماؤها غائرا في الأرض، أي: ذاهبا فيها. ~~* (فلن تسطيع له طلبا) * فلا يبقى له أثر تطلبه به، ولا تناله الأيدي ولا ~~الأرشية. # وقال ابن الأنباري: " غورا " إذا غور، فسقط المضاف، وخلفه المضاف إليه، ~~والمراد بالطلب هاهنا: # الوصول، فقام الطلب مقامه لأنه سببه. وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء: " ~~غؤورا " برفع الغين والواو جميعا. # وأحيط بثمره ms1370 فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ~~ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا " 42 " ولم تكن له فئة ينصرونه من دون ~~الله وما كان منتصرا " 43 " هنا لك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير ~~عقبا " 44 " قوله تعالى: * (وأحيط بثمره) * أي: أحاط الله العذاب بثمره، ~~وقد سبق معنى الثمر. * (فأصبح يقلب كفيه) * أي: يضرب بيد على يد، وهذا فعل ~~النادم، * (على ما أنفق فيها) * أي: في جنته، و " في " هاهنا بمعنى " على ~~". * (وهي خاوية) * أي: خالية ساقطة * (على عروشها) * والعروش: # السقوف; والمعنى: أن حيطانها قائمة والسقوف قد تهدمت فصارت في قرارها، ~~فصارت الحيطان كأنها على السقوف. * (ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا) * ~~فأخبر الله تعالى أنه لما سلبه ما أنعم به عليه، وحقق ما أنذره به أخوه في ~~الدنيا، ندم على شركه حين لا تنفعه الندامة. وقيل: إنما يقول هذا في ~~القيامة. * (ولم تكن له فئة) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: " ~~ولم تكن " بالتاء. PageV05P102 # وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " ولم يكن " بالياء. والفئة: الجماعة * ~~(ينصرونه) * أي: يمنعونه من عذاب الله. # قوله تعالى: * (هنالك الولاية) * قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم: ~~" الولاية " بفتح الواو و * (لله الحق) * خفضا. وقرأ حمزة: " الولاية " ~~بكسر الواو، و " الحق " بكسر القاف أيضا. وقرأ أبو عمرو بفتح الواو، ورفع " ~~الحق "، ووافقه الكسائي في رفع القاف، لكنه كسر " الولاية "، قال الزجاج: ~~معنى الآية في مثل تلك الحال: تبيين نصرة ولي الله. وقال غيره: هذا الكلام ~~عائد إلى ما قبل قصة الرجلين. فأما من فتح واو " الولاية " فإنه أراد ~~الموالاة والنصرة، ومن كسر، أراد السلطان والملك على ما شرحنا في آخر ~~الأنفال. فعلى قراءة الفتح، في معنى الكلام قولان: # أحدهما: أنهم يتولون الله تعالى في القيامة، ويؤمنون به، ويتبرؤون مما ~~كانوا يعبدون، قاله ابن قتيبة. # والثاني: هنا لك يتولى الله أمر الخلائق، فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين. ~~وعلى قراءة الكسر، يكون المعنى: هنا لك السلطان لله. قال أبو علي: من ms1371 كسر ~~قاف " الحق "، جعله من وصف الله عز وجل، ومن رفعه جعله صفة للولاية. # فإن قيل: لم نعتت الولاية وهي مؤنثة بالحق وهو مصدر؟ فعنه جوابان ذكرهما ~~ابن الأنباري: # أحدهما: أن تأنيثها ليس حقيقيا، فحملت على معنى النصر; والتقدير: هنا لك ~~النصر لله الحق، كما حملت الصيحة على معنى الصياح في قوله: * (وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة) *. # والثاني: أن الحق مصدر يستوي في لفظه المذكر المؤنث الاثنان والجمع، ~~فيقال: قولك حق، وكلمتك حق، وأقوالكم حق. ويجوز ارتفاع الحق على المدح ~~للولاية، وعلى المدح لله تعالى بإضمار " هو ". # قوله تعالى: * (هو خير ثوابا) * أي: هو أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه، وهذا ~~على تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل. # قوله تعالى: * (وخير عقبا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر ~~والكسائي: " عقبا " مضمومة القاف. وقرأ عاصم، وحمزة: " عقبا " ساكنة القاف. ~~قال أبو علي: ما كان على " فعل " جاز تخفيفه، كالعنق، والطنب. قال أبو ~~عبيدة: العقب، والعقب، والعقبى، بمعنى، وهي الآخرة، والمعنى عاقبة طاعة ~~الله خير من عاقبة طاعة غيره. PageV05P103 # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح و كان الله على كل شئ مقتدرا " 45 " قوله ~~تعالى: * (اضرب لهم مثل الحياة الدنيا) * أي: في سرعة نفادها وذهابها، ~~وقيل: في تصرف أحوالها، إذ مع كل فرحة ترحة، وهذا مفسر في سورة (يونس) إلى ~~قوله: * (فأصبح هشيما) *. # قال الفراء: الهشيم: كل شئ كان رطبا فيبس. وقال الزجاج: الهشيم: النبات ~~الجاف. وقال ابن قتيبة: الهشيم من النبت: المتفتت، وأصله من هشمت الشئ: إذا ~~كسرته، ومنه سمي الرجل هاشما. * (وتذروه الرياح) * تنسفه. وقرأ أبي، وابن ~~عباس، وابن أبي عبلة: " تذريه " برفع التاء وكسر الراء بعدها ياء ساكنة ~~وهاء مكسورة. وقرأ ابن مسعود كذلك، إلا أنه فتح التاء. والمقتدر: مفتعل، من ~~قدرت. قال المفسرون: * (وكان الله على كل شئ) * من الإنشاء والإفناء * ~~(مقتدرا) *. # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير ms1372 أملا " 46 " قوله تعالى: * (المال البنون زينة الحياة الدنيا) * هذا ~~رد على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى ~~أن ذلك مما يتزين به في الدنيا، لا مما ينفع في الآخرة. # قوله تعالى: * (والباقيات الصالحات) * فيها خمسة أقوال: # أحدها: أنها " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر "; ~~روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " إن عجزتم عن ~~الليل، أن تكابدوه، وعن العدو أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: # " سبحان الله " والحمد الله " ولا إله إلا الله، والله أكبر، فقولوها، ~~فإنهن الباقيات الصالحات "، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وبه قال ~~مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك. وسئل عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات، ~~فقال هذه الكلمات، وزاد فيها: " ولا حول ولا قوة إلا بالله ". وقال سعيد ~~ابن المسيب، ومحمد بن كعب القرظي مثله سواء. # والثاني: " أنها لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله; ولا قوة إلا ~~بالله " رواه علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثالث: الصلوات الخمس، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~مسعود، ومسروق، وإبراهيم. # والرابع: الكلام الطيب، رواه العوفي عن ابن عباس. # والخامس: هي جميع أعمال الحسنات، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، PageV05P104 # وابن زيد. # قوله تعالى: * (خير عند ربك ثوابا) * أي: أفضل جزاء * (وخير أملا) * أي: ~~خير مما تؤملون، لأن آمالكم كواذب، وهذا أمل لا يكذب. # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " 47 " ~~وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم ~~موعدا " 48 " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا وليتنا ~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا " 49 " وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ms1373 وهم لكم عدو ~~بئس للظالمين بدلا " 50 " * ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ~~وما كنت متخذ المضلين عضدا " 51 " قوله تعالى: * (ويوم تسير الجبال) * قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: " ويوم تسير " بالتاء " الجبال " رفعا. ~~وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: " نسير " بالنون " الجبال " نصبا. وقرأ ~~ابن محيصن: " ويوم تسير " بفتح التاء وكسر السين وتسكين الياء " الجبال " ~~بالرفع. قال الزجاج: " ويوم " منصوب على معنى أذكر، ويجوز أن يكون منصوبا ~~على: والباقيات الصالحات خير يوم تسير الجبال. قال ابن عباس: تسير الجبال ~~عن وجه الأرض، كما يسير السحاب في الدنيا، ثم تكسر فتكون في الأرض كما خرجت ~~منها. PageV05P105 # قوله تعالى: * (وترى الأرض بارزة) * وقرأ عمرو بن العاص، وابن السميفع، ~~وأبو العالية: # " وترى الأرض " برفع التاء والضاد. وقرأ أبو رجاء العطاردي كذلك، إلا أنه ~~فتح ضاد " الأرض ". # وفي معنى " بارزة " قولان: # أحدهما: ظاهرة فليس عليها شئ من جبل أو شجر أو بناء، قاله الأكثرون. # والثاني: بارزا أهلها من بطنها، قاله الفراء. # قوله تعالى: * (وحشرناهم) * يعني المؤمنين والكافرين * (فلم نغادر) * قال ~~ابن قتيبة: أي: فلم نخلف، يقال: غادرت كذا: إذا خلفته، ومنه سمي الغدير، ~~لأنه ماء تخلفه السيول. وروى أبان: # " فلم تغادر " بالتاء. # قوله تعالى: * (وعرضوا على ربك صفا) * إن قيل: هذا أمر مستقبل، فكيف عبر ~~بالماضي؟ # فالجواب: أن ما قد علم الله وقوعه، يجري مجرى المعاين، كقوله [تعالى]: * ~~(ونادى أصحاب الجنة) *. # وفي معنى قوله: * (صفا) * أربعة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى جميعا، كقوله: * (ثم أئتوا صفا) * قاله مقاتل. # والثاني: أن المعنى: وعرضوا على ربك مصفوفين، هذا مذهب البصريين. # والثالث: أن المعنى: وعرضوا على ربك صفوفا، فناب الواحد عن الجميع، ~~كقوله: * (ثم نخرجكم طفلا) *. # والرابع: أنه لم يغب عن الله منهم أحد، فكانوا كالصف الذي تسهل الإحاطة ~~بجملته، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري، وقد قيل: إن كل أمة وزمرة صف. # قوله تعالى: * (لقد جئتمونا) * فيه إضمار " فقال لهم ". # وفي المخاطبين بهذا قولان: # أحدهما: أنهم الكل. # والثاني: الكفار، فيكون اللفظ عاما، والمعنى خاصا. ms1374 وقوله: * (كما خلقناكم ~~أول مرة) * مفسر في الأنعام وقوله: * (بل زعمتم) * خطاب للكفار خاصة، ~~والمعنى: زعمتم في الدنيا * (أن لن نجعل لكم موعدا) * للبعث، والجزاء. # قوله تعالى: * (ووضع الكتاب) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الكتاب الذي سطر فيه ما تعمل الخلائق قبل وجودهم، قاله ابن ~~عباس. PageV05P106 # والثاني: انه الحساب، قاله ابن السائب. # والثالث: كتاب الأعمال، قاله مقاتل. وقال ابن جرير: وضع كتاب أعمال ~~العباد في أيديهم، فعلى هذا، الكتاب اسم جنس. # قوله تعالى: * (فترى المجرمين) * قال مجاهد: الكافرون.، فالمراد به: ~~الكافر قوله تعالى: * (مشفقين) * أي: خائفين * (مما فيه) * من الأعمال ~~السيئة * (ويقولون يا ويلتنا) * هذا قول كل واقع في هلكة. وقد شرحنا هذا ~~المعنى في قوله: * (يا حسرتنا) * قوله تعالى: * (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها) * هذا على ظاهره في صغير الأمور وكبيرها; وقد روى عكرمة عن ابن ~~عباس، قال: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: القهقهة، وقد يتوهم أن المراد بذلك ~~صغائر الذنوب وكبائرها، وليس كذلك، إذ ليس الضحك والتبسم، بمجردهما من ~~الذنوب، وإنما المراد أن التبسم من صغار الأفعال، والضحك فعل كبير، وقد روى ~~الضحاك عن ابن عباس، قال: الصغيرة: التبسم والاستهزاء بالمؤمنين، والكبيرة: ~~القهقهة بذلك; فعلى هذا يكون ذنبا من الذنوب لمقصود فاعله، لا لنفسه. ومعنى ~~" أحصاها ": عدها وأثبتها، والمعنى: وجدت محصاة. * (ووجدوا ما عملوا حاضرا) ~~* أي: مكتوبا مثبتا في الكتاب، وقيل: رأوا جزاءه حاضرا. # وقال أبو سليمان: الصحيح عند المحققين أن صغائر المؤمنين الذين وعدوا ~~العفو عنها إذا اجتنبوا الكبائر، إنما يعفى عنها في الآخرة بعد أن يراها ~~صاحبها. # قوله تعالى: * (ولا يظلم ربك أحدا) * قال أبو سليمان: لا تنقص حسنات ~~المؤمن، ولا يزاد في سيئات الكافر. وقيل: إن كان للكافر فعل خير، كعتق ~~رقبة، وصدقة، خفف عنه به من عذابه، وإن ظلمة مسلم، أخذ الله من المسلم، ~~فصار الحق لله. # ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر هؤلاء المتكبرين ~~عن مجالسة الفقراء قصة إبليس وما أورثه الكبر، فقال: * (وإذ قلنا) * أي: ~~أذكر ms1375 ذلك. # وفي قوله: * (كان من الجن) * قولان: # أحدهما: أنه من الجن حقيقة، لهذا النص; واحتج قائلو هذا بأن له ذرية - ~~وليس للملائكة ذرية - وأنه كفر، والملائكة رسل الله، فهم معصومون من الكفر. # والثاني: انه كان من الملائكة، وإنما قيل: " من الجن "، لأنه كان من قبيل ~~من الملائكة يقال لهم: الجن، قاله ابن عباس; وقد شرحنا هذا في البقرة. # قوله تعالى: * (ففسق عن أمر ربه) * فيه ثلاثة أقوال. PageV05P107 # أحدها: خرج عن طاعة ربه، تقول العرب: فسقت الرطبة من قشرها: إذا خرجت ~~منه، قاله الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أتاه الفسق لما أمر فعصى، فكان سبب فسقه عن أمر ربه، قال ~~الزجاج: وهذا مذهب الخليل وسيبويه، وهو الحق عندنا. # والثالث: ففسق عن رد أمر ربه، حكاه الزجاج عن قطرب. # قوله تعالى: * (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) * أي: توالونهم ~~بالاستجابة لهم؟! قال الحسن، وقتادة: ذريته: أولاده، وهم يتوالدون كما ~~يتوالد بنو آدم. قال مجاهد: ذريته الشياطين، ومن ذريته زلنبور صاحب راية ~~إبليس بكل سوق، وثبر، وهو صاحب المصائب، والأعور صاحب الرياء، ومسوط صاحب ~~الأخبار يأتي بها فيطرحها على أفواه الناس، فلا يوجد لها أصل، وداسم صاحب ~~الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله، فهو يأكل معه إذا أكل. ~~قال بعض أهل العلم: إذا كانت خطيئة الإنسان في كبر فلا ترجه، وإن كانت في ~~شهوة فارجه، فإن معصية إبليس كانت بالكبر، ومعصية آدم بالشهوة. # قوله تعالى: * (بئس للظالمين بدلا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بئس الاتخاذ للظالمين بدلا. # والثاني: بئس الشيطان. # والثالث: بئس الشيطان والذرية، ذكرهن ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض) * وقرأ أبو جعفر، وشيبة: ~~" ما أشهدناهم " بالنون والألف. # وفي المشار إليهم أربعة أقوال: # أحدها: إبليس وذريته. # والثاني: الملائكة. # والثالث: جميع الكفار. # والرابع: جميع الخلق; والمعنى: أني لم أشاورهم في خلقهن; وفي هذا بيان ~~للغناء عن الأعوان، وإظهار كمال القدرة. # قوله تعالى: * (ولا خلق أنفسهم) * أي: ما أشهدت بعضهم خلق بعض، ولا ~~استعنت ببعضهم على إيجاد بعض. # قوله تعالى: ms1376 * (وما كنت متخذ المضلين) * يعني: الشياطين * (عضدا) * أي: ~~أنصارا وأعوانا. # والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون، لأنه قوام اليد، قال الزجاج: ~~والاعتضاد: التقوي وطلب PageV05P108 # المعونة، يقال: اعتضدت بفلان، أي: استعنت به. # وفي ما نفى اتخاذهم عضدا فيه قولان: # أحدهما: أنه الولايات، فالمعنى: ما كنت لأولي المضلين، قاله مجاهد. # والثاني: أنه خلق السماوات والأرض، قاله مقاتل. وقرأ الحسن، والجحدري، ~~وأبو جعفر: # " وما كنت " بفتح التاء. # ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا ~~بينهم موبقا " 52 " ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا ~~عنها مصرفا " 53 " قوله تعالى: * (ويوم يقول) * وقرأ حمزة: " نقول " ~~بالنون، يعني: يوم القيامة * (نادوا شركائي) * أضاف الشركاء إليه على ~~زعمهم، والمراد: نادوهم لدفع العذاب عنكم، أو الشفاعة لكم، * (الذين زعمتم) ~~* أي: زعمتموهم شركاء * (فدعوهم فلم يستجيبوا لهم) * أي: لم يجيبوهم، * ~~(وجعلنا بينهم) * في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم المشركون والشركاء. # والثاني: أهل الهدى وأهل الضلالة. # وفي معنى * (موبقا) * ستة أقوال: # أحدها: مهلكا، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وقال ابن قتيبة: مهلكا ~~بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال: أوبقته ذنوبه، وقال الزجاج: المعنى: ~~جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي: يهلكهم، فالموبق: المهلك، يقال: وبق، ~~ييبق، ويابق، وبقا، ووبق، يبق، وبوقا، فهو وابق; وقال الفراء: جعلنا ~~تواصلهم في الدنيا موبقا، أي: مهلكا لهم في الآخرة، فالبين، على هذا القول; ~~بمعنى التواصل، كقوله تعالى: * (لقد تقطع بينكم) * على قراءة من ضم النون. # والثاني: أن الموبق: واد عميق يفرق به بين أهل الضلالة وأهل الهدى، قاله ~~عبد الله بن عمرو. # والثالث: أنه واد في جهنم، قاله انس بن مالك; ومجاهد. # والربع: أن معنى الموبق: العدواة، قاله الحسن. # والخامس: أنه المحبس، قاله الربيع بن أنس. # والسادس: أنه الموعد، قاله أبو عبيدة. PageV05P109 # قال ابن الأنباري: إن قيل: لم قال: " موبقا " ولم يقل: " موبقا "، بضم ~~الميم، إذ كان معناه عذابا موبقا؟ # فالجواب: أنه اسم موضوع لمحبس في النار، والأسماء لا تؤخذ بالقياس، فيعلم ~~ان " موبقا ": # مفعل، من أوبقه ms1377 الله: إذا أهلكه، فتفتح [ميمه] كما تنفتح في موعد ومولد ~~ومحتد إذا سميت الشخوص بهن. # قوله تعالى: * (ورأى المجرمون النار) * أي: عاينوها وهي تتغيظ حنقا ~~عليهم. والمراد بالمجرمين: الكفار. * (فظنوا) * أي: أيقنوا * (أنهم ~~مواقعوها) * أي: داخلوها. ومعنى المواقعة: # ملابسة الشئ بشدة * (ولم يجدوا عنها مصرفا) * أي: معدلا; والمصرف: الموضع ~~الذي يصرف إليه، وذلك أنها أحاطت بهم من كل جانب، فلم يقدروا على الهرب. # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شئ جدلا " ~~54 " وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا " 55 " قوله تعالى: * (ولقد صرفنا في ~~هذا القرآن) * قد فسرناه في [سورة] بني إسرائيل. # قوله تعالى: * (وكان الإنسان أكثر شئ جدلا) * فيمن نزلت قولان: # أحدهما: أنه النضر بن الحارث، وكان جداله في القرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: أبي بن خلف، وكان جداله في البعث حين أتى بعظم قد رم، فقال: ~~أيقدر الله على إعادة هذا؟! قاله ابن السائب. قال الزجاج: كل ما يعقل من ~~الملائكة والجن يجادل، والإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا. # قوله تعالى: * (وما منع الناس يؤمنوا) * قال المفسرون: يعني: أهل مكة * ~~(إذ جاءهم الهدى) * وهو: محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، والإسلام * ~~(إلا تأتيهم سنة الأولين) * وهو: أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: ما منعهم من الإيمان إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين، قاله الرجاج. ~~PageV05P110 # والثاني: وما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا إلا لأن تأتيهم سنة الأولين، ~~أي: منعهم رشدهم لكي يقع العذاب بهم، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: ما منعهم إلا أني قد قدرت عليهم العذاب. وهذه الآية فيمن قتل ~~ببدر واحد من المشركين، قاله الواحدي. # قوله تعالى: * (أو يأتيهم العذاب) * ذكر ابن الأنباري في * (أو) * ها هنا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى الواو. # الثاني: أنها لوقوع أحد الشيئين، إذ لا فائدة في بيانه. # والثالث: أنها دخلت للتبعيض، أي: أن بعضهم يقع به هذا [وبعضهم يقع ms1378 به ~~هذا] وهذه الأقوال الثلاثة قد أسلفنا بيانها في قوله تعالى: * (أو كصيب من ~~السماء) *. # قوله تعالى: * (قبلا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " ~~قبلا " بكسر القاف وفتح الباء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " قبلا " بضم ~~القاف والباء. وقد بينا علة القراءتين في [سورة] الأنعام. وقرأ أبي بن كعب ~~وابن مسعود. " قبيلا " بوزن فعيل. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو المتوكل " قبلا " ~~بفتح القاف من غير ياء، قال ابن قتيبة: أراد استئنافا. # فإن قيل: إذا كان المراد بسنة الأولين العذاب، فما فائدة التكرار بقوله: ~~* (أو يأتيهم العذاب؟. # فالجواب: أن سنة الأولين أفادت عذابا مبهما يمكن أن يتراخى وقته، وتخلف ~~أنواعه، وإتيان العذاب قبلا أفاد القتل يوم بدر. قال مقاتل: " سنة الأولين ~~": عذاب الأمم السالفة، " أو يأتيهم العذاب قبلا "، أي: عيانا قتلا بالسيف ~~يوم بدر. # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا " 56 " ومن أظلم ممن ذكر ~~بآيات ربه فأعرض عنها نسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا " 57 " ~~وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بم كسبوا PageV05P111 # لعجل لهم العذاب لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا " 58 " وتلك القرى ~~أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا " 59 " قوله تعالى: * (ويجادل ~~الذين كفروا بالباطل) * قال ابن عباس: يريد: المستهزئين والمقتسمين ~~وأتباعهم. وجدالهم بالباطل: أنهم ألزموه أن يأتي بالآيات على أهوائهم * ~~(ليدحضوا به الحق) * أي: # ليبطلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: جدالهم: قولهم: * (أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا) *; * (أإذا ضللنا في الأرض) * ونحو ذلك ليبطلوا به ما ~~جاء في القرآن من ذكر البعث والجزاء. قال أبو عبيدة: ومعنى " ليدحضوا " ~~ليزيلوا ويذهبوا يقال مكان دحض أي: مزل لا يثبت فيه قدم ولا حافر. # قوله تعالى: * (واتخذوا آياتي) * يعني القرآن * (وما أنذروا) * أي: خوفوا ~~به من النار والقيامة * (هزوا) * أي مهزوءا [به]. # قوله تعالى: * (ومن أظلم) * قد ms1379 شرحنا هذه الكلمة في البقرة و * (ذكر) * ~~بمعنى: وعظ. # وآيات ربه: القرآن، وأعراضه عنها: تهاونه بها. * (ونسي ما قدمت يداه) * ~~أي: ما سلف من ذنوبه؛ وقد شرحنا ما بعد هذا في الأنعام إلى قوله: * (وإن ~~تدعهم إلى الهدى) * وهو: الإيمان والقرآن * (فلن يهتدوا) * هذا اخبار عن ~~علمه فيهم. # قوله تعالى: * (وربك الغفور ذو الرحمة) * إذ لم يعاجلهم بالعقوبة * (بل ~~لهم موعد) * للبعث والجزاء * (لن يجدوا من دونه موئلا) * قال الفراء: ~~الموئل: المنجى، وهو الملجأ في المعنى، لأن المنجي ملجأ، والعرب تقول: إنه ~~ليوائل إلى موضعه، أي: يذهب إلى موضعه قال الشاعر: # لا واءلت الرحمن نفسك خليتها * للعامريين، ولم تكلم يريد: لا نجت نفسك، ~~وأنشد أبو عبيدة للأعشى: # وقد أخالس رب البيت غفلته * وقد يحاذر مني ثم ما يئل أي: ما ينجو. وقال ~~ابن قتيبة: الموئل: الملجأ يقال: وأل فلان إلى كذا: إذا لجأ. # فان قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي أن تأخير العذاب عن الكفار برحمة الله، ~~ومعلوم أنه لا نصيب لهم في رحمته. # فعنه جوابان: # أحدهما: أن الرحمة هاهنا بمعنى النعمة ونعمة الله لا يخلو منها مؤمن ولا ~~كافر. فأما PageV05P112 # الرحمة التي هي الغفران والرضى، فليس للكافر فيها نصيب. # والثاني: أن رحمة الله محظورة على الكفار يوم القيامة، فأما في الدنيا، ~~فإنهم ينالون منها العافية والرزق. # قوله تعالى: * (وتلك القرى) * يريد: التي قصصنا عليكم ذكرها، والمراد: ~~أهلها ولذلك قال: # * (أهلكناهم) * والمراد: قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب. قال الفراء: ~~وقوله: * (لما ظلموا) * معناه: بعدما ظلموا. # قوله تعالى: * (وجعلنا لمهلكهم) * قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح اللام؛ ~~قال الزجاج: وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مصدرا، فيكون المعنى: وجعلنا لإهلاكهم. # والثاني: أن يكون وقتا، فالمعنى: لوقت هلاكهم. # وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام، وهو مصدر مثل الهلاك. وقرأ حفص ~~عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام، ومعناه: لوقت اهلاكهم. # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا " 60 " ~~فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر ms1380 سربا " 61 " فلما ~~جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " 62 " قال أرأيت ~~إذ أوينا إلى الصخرة فاني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا " 63 " قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما ~~قصصا " 64 " فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما " 65 " قوله تعالى: * (وإذ قال موسى لفتاه...) *، الآية، سبب خروج ~~موسى عليه السلام في هذا السفر، ما روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل ، فسئل: ~~أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله [تعالى] عليه إذ لم يرد العلم إليه، ~~فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف ~~لي به قال تأخذ PageV05P113 # معك حوتا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فانطلق معه فتاه ~~يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب [أي الحوت] ~~في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله ~~عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق. # فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، ~~حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا ~~نصبا، قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال ~~فتاه: * (أرأيت إذ أوينا) * إلى قوله: * (عجبا) *، قال: وكان للحوت سربا، ~~ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى: * (ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما ~~قصصا) * قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى، فإذا هو مسجى بثوب، فسلم ~~عليه موسى، فقال الخضر: # وأنى بأرضك السلام! من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: ~~نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال: إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى، ~~إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه، وأنت على علم من ms1381 علم الله علمكه ~~لا أعلمه; فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا; فقال له ~~الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا; فانطلقا يمشيان ~~على الساحل، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول; ~~فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة ~~بالقدوم، فقال له موسى: قوم قد حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ~~لتغرق أهلها.... إلى قوله: # * (عسرا) *؟! قال: # وقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: " كانت الأولى من موسى نسيانا " ~~[قال] وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له ~~الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله [عز وجل] إلا مثل ما نقص هذا العصفور من ~~هذا البحر، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر ~~الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه [بيده] فاقتلعه فقتله، فقال ~~له موسى: * (أقتلت نفسا زاكية) * إلى قوله: * (يريد أن ينقض) * فقال الخضر ~~بيده، فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا * (لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا) *! * (قال هذا فراق بيني وبينك...) * الآية ". هذا حديث ~~صحيح أخرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين "، وقد ذكرنا إسناده في كتاب " ~~الحدائق " فآثرنا الاختصار هاهنا. # فأما التفسير، فقوله تعالى: * (وإذ قال موسى) * المعنى: واذكر ذلك. وفي ~~موسى قولان: # أحدهما: أنه موسى بن عمران، قاله الأكثرون. ويدل عليه ما روي في " ~~الصحيحين " من حديث سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم ~~أن موسى بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر، قال: كذب عدو الله، أخبرني ~~أبي بن كعب.. فذكر الحديث الذي قدمناه آنفا. PageV05P114 # والثاني: أنه موسى بن ميشا، قاله ابن إسحاق، وليس بشئ، للحديث الصحيح ~~الذي ذكرناه فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف. وإنما سمي فتاه، لأنه ~~كان يلازمه، ويأخذ عنه العلم، ويخدمه. # ومعنا لا أبرح: لا أزال. وليس المراد به: لا أزول، لأنه إذا لم ms1382 يزل لم ~~يقطع أرضا، فهو مثل قولك: ما برحت أناظر عبد الله أي: ما زلت، قال الشاعر: # - إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة * وتحمل أخرى أفرحتك الودائع - أي: أثقلتك، ~~والمعنى: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، أي: ملتقاهما، وهو الموضع ~~الذي وعده الله بلقاء الخضر فيه، قال قتادة: بحر فارس، وبحر الروم، فبحر ~~الروم نحو المغرب، وبحر فارس نحو المشرق. # وفي اسم البلد الذي بمجمع البحرين قولان: # أحدهما: [أنه] إفريقية، قاله أبي بن كعب. # والثاني: طنجة، قاله محمد بن كعب القرظي. # وقوله تعالى: * (أو أمضي حقبا) * وقرأ أبو رزين، والحسن، وأبو مجلز، ~~وقتادة، والجحدري، وابن يعمر: " حقبا " باسكان الكاف. قال ابن قتيبة: ~~الحقب: الدهر، والحقب: السنون، واحدتها حقبة، ويقال: حقب وحقب كما يقال: ~~قفل وقفل، وهزؤ وهزؤ، وكفؤ وكفؤ، وأكل وأكل، وسحت وسحت، ورعب ورعب، ونكر ~~ونكر، وأذن وأذن، وسحق وسحق، وبعد وبعد، وشغل وشغل، وثلث وثلث، وعذر وعذر، ~~ونذر ونذر، وعمر وعمر. # وللمفسرين في المراد بالحقب هاهنا ثمانية أقوال: # أحدها: أنه الدهر، قاله ابن عباس. # والثاني: ثمانون سنة، قاله عبد الله بن عمرو، وأبو هريرة. # والثالث: سبعون ألف سنة، قاله الحسن. # والرابع: سبعون سنة، قاله مجاهد. # والخامس: سبعة عشر ألف سنة، قاله مقاتل بن حيان. # والسادس: أنه ثمانون سنة، كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا. # والسابع: أنه سنة بلغة قيس، ذكرهما الفراء. # والثامن: الحقب عند العرب وقت غير محدود، قاله أبو عبيدة. ومعنى الكلام: ~~لا أزال PageV05P115 # أسير، ولو احتجت ان أسير حقبا: # قوله تعالى: * (فلما بلغا) * يعني: موسى وفتاه * (مجمع بينهما) * يعني: ~~البحرين * (نسيا حوتهما) * وكانا قد تزودا حوتا مالحا في زبيل فكانا يصيبان ~~منه عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه ~~المكتل، فأصاب الحوت بلل البحر. وقيل: توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح على ~~الحوت الماء، فعاش، فتحرك في المكتل، فانسرب في البحر، وقد كان قيل لموسى: ~~تزود حوتا مالحا، فإذا فقدته وجدت الرجل. وكان موسى حين ذهب الحوت في البحر ms1383 ~~قد مضى لحاجة فعزم فتاه ان يخبره بما جرى ونسي وإنما قيل: " نسيا حوتهما " ~~توسعا في الكلام، لأنهما جميعا تزوداه، كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما ~~نسيه أحدهم. قال الفراء: ومثله قوله: * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) * ~~وإنما يخرج ذلك من المالح، لا من العذب. وقيل: نسي يوشع أن يحمل الحوت، ~~ونسي موسى أن يأمره فيه بشئ، فلذلك أضيف النسيان، إليهما. # قوله تعالى: * (فاتخذ سبيله في البحر سربا) * أي: مسلكا ومذهبا. قال ابن ~~عباس: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة. وقال قتادة: ~~جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا. وقد ذكرنا في حديث أبي بن كعب ان ~~الماء صار مثل الطاق على الحوت. # قوله تعالى: * (فلما جاوزا) * ذلك المكان الذي ذهب فيه الحوت، أصابهما ما ~~يصيب المسافر من النصب، فدعا موسى بالطعام، فقال: * (آتنا غداءنا) * وهو ~~الطعام الذي يؤكل بالغداة. والنصب. # الإعياء. وهذا يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من ~~الأذى والتعب، ولا يكون ذلك شكوى. * (قال) * يوشع لموسى * (أرأيت إذ أوينا ~~إلى الصخرة) * أي: حين نزلنا هناك * (فإني نسيت الحوت) * فيه قولان: # أحدهما: نسيت أن أخبرك خبر الحوت. # والثاني: نسيت حمل الحوت. # قوله تعالى: * (وما أنسانيه) * قرأ الكسائي: " أنسانيه " بإمالة السين ~~[مع كسر الهاء]. وقرأ ابن كثير: " أنسانيهي " بإثبات ياء في الوصل بعد ~~الهاء وروى حفص عن عاصم: " أنسانيه إلا " بضم الهاء قوله تعالى: * (واتخذ ~~سبيله في البحر عجبا) * الهاء في السبيل ترجع إلى الحوت. وفي المتخذ قولان: # أحدهما: أنه الحوت، ثم في المخبر عنه قولان: # أحدهما: أنه الله عز وجل، ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: فاتخذ سبيله في البحر يرى عجبا، ويحدث عجبا. PageV05P116 # والثاني: أنه لما قال الله تعالى: * (واتخذ سبيله في البحر) *، قال: ~~اعجبوا لذلك عجبا، وتنبهوا لهذه الآية. # والثالث: أن إخبار الله تعالى انقطع عند قوله: " في البحر " فقال موسى: ~~عجبا، لما شوهد من الحوت. ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. # والثاني: أن المخبر عن ms1384 الحوت يوشع، وصف لموسى ما فعل الحوت. # والقول الثاني: أن المتخذ موسى، اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا، فدخل في ~~المكان الذي مر فيه الحوت، فرأى الخضر. وروى عطية عن ابن عباس قال: رجع ~~موسى إلى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، حتى ~~انتهى به إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر. # قوله تعالى: (قال) يعني: موسى * (ذلك ما كنا نبغي) * أي: ذلك الذي نطلب ~~من العلامة الدالة على مطلوبنا. قرأ ابن كثير; " نبغي " بياء في الوصل ~~والوقف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، والكسائي، بياء في الوقف. وقرأ ابن عامر، ~~وعاصم، وحمزة، بحذف الياء في الحالين. # قوله تعالى: * (فارتدا على آثارهما) * قال الزجاج: أي: رجعا في الطريق ~~الذي سلكاه، يقصان الأثر. والقصص: اتباع الأثر. # قوله تعالى: * (فوجدا عبدا من عبادنا) * يعني: الخضر. # وفي اسمه أربعة أقوال: # أحدها: اليسع، قاله وهب، ومقاتل. # والثاني: الخضر بن عاميا. # والثالث: أرميا بن حلقيا، ذكرهما ابن المنادي: # والرابع: يلياء بن ملكان، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # فأما تسميته بالخضر، ففيه قولان: # أحدهما: أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرت، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والفروة: # الأرض اليابسة. # والثاني: أنه كان إذا جلس اخضر ما حوله، قاله عكرمة. وقال مجاهد: كان إذا ~~صلى أخضر ما حوله. وهل كان الخضر نبيا، أم لا؟ فيه قولان: ذكرهما أبو بكر ~~بن الأنباري، وقال: كثير من PageV05P117 # الناس يذهب إلى أنه كان نبيا، وبعضهم يقول: كان عبدا صالحا. واختلف ~~العلماء هل هو باق إلى يومنا هذا، على قولين حكاهما الماوردي، وكان الحسن ~~يذهب إلى أنه مات، وكذلك كان ابن المنادي من أصحابنا يقول، ويقبح قول من ~~يرى بقاءه، ويقول: لا يثبت حديث في بقائه. وروى أبو بكر النقاش أن محمد بن ~~إسماعيل البخاري سئل عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال: # كيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يبقى على رأس مائة ~~سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض ms1385 أحد "؟!. # قوله تعالى: * (آتينا رحمة من عندنا) * في هذه الرحمة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها النبوة، قاله مقاتل. # والثاني: الرقة والحنو على من يستحقه، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: النعمة، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: * (وعلمناه من لدنا) * أي: من عندنا * (علما) * قال ابن ~~عباس: أعطاه علما من علم الغيب. # قاله موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا " 66 " قال إنك لن تستطيع ~~معي صبرا " 67 " وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " 68 " قال ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصي لك أمرا " 69 " قوله تعالى: * (أن تعلمني) * قرأ ابن ~~كثير: " تعلمني مما " بإثبات الياء في الوصل والوقف. # وقرأ نافع، وأبو عمرو بياء في الوصل. وقرأ ابن عامر، وعاصم بحذف الياء في ~~الحالين. # قوله تعالى: * (مما علمت رشدا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: # " رشدا " بضم الراء، خفيفة. وقرأ أبو عمرو: " رشدا " بفتح الراء والشين. ~~وعن ابن عامر بضمهما. والرشد، والرشد: لغتان، كالنخل والبخل، والعجم ~~والعجم، والعرب والعرب، والمعنى: أن تعلمني علما ذا رشد. وهذه القصة قد ~~حرضت على الرحلة في طلب العلم، واتباع المفضول للفاضل طلبا للفضل، وحثت على ~~الأدب والتواضع للمصحوب. # قوله تعالى: * (إنك لن تستطيع معي صبرا) * قال ابن عباس: لن تصبر على ~~صنعي، لأني علمت من غيب علم ربي. PageV05P118 # وفي هذا الصبر وجهان: # أحدهما: على الإنكار. والثاني: عن السؤال. # قوله تعالى: * (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) * الخبر: علمك بالشيء; ~~والمعنى: # كيف تصبر على أمر ظاهره منكر، وأنت لا تعلم باطنه؟! # قوله تعالى: * (ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا) * قال ابن ~~الأنباري: نفي العصيان منسوق على الصبر. والمعنى: ستجدني صابرا ولا أعصي إن ~~شاء الله. # قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا " 70 " فانطلقا ~~حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ~~" 71 " قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا " 72 " قال لا تؤاخذني بما ms1386 نسيت ~~ولا ترهقني من أمري عسرا " 73 " فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا " 74 " قال ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا " 75 " قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من ~~لدني عذرا " 76 " فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ~~" 77 " قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا " 78 ~~" قوله تعالى: * (فلا تسألني) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: " فلا تسألني " ساكنة اللام. وقرأ نافع: " تسألني " مفتوحة اللام ~~مشددة النون. وقرأ ابن عامر في رواية الداجوني: " فلا تسألن عن شئ " بتحريك ~~اللام من غير ياء، والنون مكسورة. والمعنى: لا تسألني عن شئ مما أفعله * ~~(حتى أحدث لك منه ذكرا) * أي: حتى أكون أنا الذي أبينه لك، لأن علمه قد غاب ~~عنك. # قوله تعالى: * (خرقها) * أي: شقها. قال المفسرون: قلع منها لوحا، وقيل: ~~لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه وأنكر عليه ما فعل بقوله: * ~~(أخرقتها لتغرق أهلها) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: لتغرق بالتاء أهلها بالنصب. وقرأ حمزة، والكسائي: PageV05P119 # ليغرق أهلها برفع اللام. # [قوله]: * (لقد جئت شيئا إمرا) * وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: منكرا، قاله مجاهد. وقال الزجاج: عظيما من المنكر. # والثاني: عجبا، قاله قتادة، وابن قتيبة. # والثالث: داهية، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: * (لا تؤاخذني بما نسيت) * في هذا النسيان ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه على حقيقته، وأنه نسي، روى ابن عباس عن رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] " أن الأولى كانت نسيانا من موسى ". # والثاني: أنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، قاله أبي بن كعب، وابن ~~عباس. # والثالث: أنه بمعنى الترك. فالمعنى: لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك ~~عليه، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (ولا ترهقني) * قال الفراء: لا تعجلني. وقال أبو عبيدة، ~~وابن قتيبة، والزجاج: ms1387 # لا تغشني. قال أبو زيد: يقال: أرهقته عسرا: إذا كلفته ذلك. قال الزجاج: ~~والمعنى: عاملني باليسر، لا بالعسر. # قوله تعالى: * (فانطلقا) * يعني: موسى والخضر. قال الماوردي: يحتمل أن ~~يوشع تأخر عنهما، لأن الإخبار عن اثنين، ويحتمل أن يكون معهما ولم يذكر ~~لأنه تبع لموسى، فاقتصر على حكم المتبوع. # قوله تعالى: * (حتى إذا لقيا غلاما) * اختلفوا في هذا الغلام هل كان ~~بالغا أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنه لم يكن بالغا، قاله ابن عباس، ومجاهد، والأكثرون. # والثاني: أنه كان شبابا قد قبض على لحيته، حكاه الماوردي عن ابن عباس ~~أيضا، واحتج بأن غير البالغ لم يجر عليه قلم، فلا يستحب القتل. وقد يسمى ~~الرجل غلاما، قالت ليلي الأخيلية تمدح الحجاج: # شفاها من الداء العضال الذي بها وفي صفة قتله له ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اقتلع رأسه، وقد ذكرناه في حديث أبي. # والثاني: كسر عنقه، قاله ابن عباس. PageV05P120 # والثالث: أضجعه وذبحه بالسكين، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: * (أقتلت نفسا زاكية) * قرأ الكوفيون، وابن عامر: " زكية " ~~بغير ألف، والياء مشددة. وقرأ الباقون بالألف من غير تشديد. قال الكسائي: ~~هما لغتان بمعنى واحد، وهما بمنزلة القاسية، والقسية. # وللمفسرين فيها ستة أقوال: # أحدها: أنها التائبة، روي عن ابن عباس أنه قال: الزكية: التائبة، وبه قال ~~الضحاك. # والثاني: أنها المسلمة، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها الزكية التي لم تبلغ الخطايا، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أنها الزكية النامية، قاله قتادة. وقال ابن الأنباري: القويمة ~~في تزكيتها. # والخامس: أن الزكية: المطهرة، قاله أبو عبيدة. # والسادس: أن الزكية: البريئة التي لم يظهر ما يوجب قتلها، قاله الزجاج. # وقد فرق بعضهم بين الزاكية، والزكية، فروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه ~~قال: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثم تابت. وروي عن أبي ~~عبيدة أنه قال: الزاكية في البدن، والزكية في الدين. # قوله تعالى: * (بغير نفس) * أي: بغير قتل نفس * (لقد جئت شيئا نكرا) * ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: نكرا خفيفة في ms1388 كل القرآن، إلا ~~قوله: * (إلى شئ نكر) * وخفف ابن كثير أيضا " إلى شئ نكر ". وقرأ ابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: " نكرا " و " إلى شئ نكر ". # مثقل. والمخفف إنما هو من المثقل، كالعنق، والعنق، النكر، والنكر. قال ~~الزجاج: والمعنى 6 لقد أتيت شيئا نكرا. ويجوز أن يكون معناه: جئت بشئ نكر، ~~فلما حذف الباء، أفضى الفعل فنصب نكرا، أقل منكرا من قوله: " إمرا " لأن ~~تغريق من في السفينة كان عنده أنكر من قتل نفس واحدة. # قوله تعالى: * (قال ألم أقل لك) *. # إن قيل: لم ذكر * (لك) * هاهنا، واحترز له من الموضع الذي قبله؟ # فالجواب: أن إثباته للتوكيد، واحترز له لوضوح المعنى، وكلاهما معروف عند ~~الفصحاء. # تقول العرب: قد قلت لك: اتق الله. وقد قلت لك: يا فلان اتق الله، وأنشد ~~ثعلب: # - قد كنت حذرتك آل المصطلق * وقلت: يا هذا أطعني وانطلق - PageV05P121 # فقوله: يا هذا، توكيد لا يختل الكلام بسقوطه. وسمعت الشيخ أبا محمد ~~الخشاب يقول: # وقره في الأول، فلم يواجهه بكاف الخطاب، فلما خالف في الثاني، واجهه بها. # قوله تعالى: * (إن سألتك عن شئ) * أي: سؤال توبيخ وإنكار * (بعدها) * أي: ~~بعد هذه المسألة * (فلا تصاحبني) * وقرأ كذلك معاذ القارئ، وأبو نهيك، وأبو ~~المتوكل، والأعرج، إلا أنهم شددوا النون. قال الزجاج: ومعناه: إن طلبت ~~صحبتك فلا تتابعني على ذلك. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة، ويعقوب: " لا ~~تصحبني " بفتح التاء من غير ألف. وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، والأعمش ~~كذلك، إلا أنهم شددوا النون. وقرأ أبو رجاء، وأبو عثمان النهدي، والنخعي، ~~والجحدري: " تصحبني " بضم التاء، وكسر الحاء، وسكون الصاد والباء. قال ~~الزجاج: فيهما وجهان: # أحدهما: لا تتابعني في شئ ألتمسه منك. يقال: قد أصحب المهر: إذا انقاد. # والثاني: لا تصحبني علما من علمك. # * (قد بلغت من لدني) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: " من لدني " مثقل. وقرأ نافع: " من لدني " بضم الدال مع تخفيف ~~النون. وروى أبو بكر عن عاصم: # " من لدني " بفتح اللام مع تسكين الدال. ms1389 وفي رواية أخرى عن عاصم: " لدني ~~" بضم اللام وتسكين الدال. قال الزجاج: وأجودها تشديد النون، لأن أصل " لدن ~~" الإسكان، فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نونا، ليسلم سكون النون الأولى، تقول: ~~من لدن زيد، فتسكن النون ثم تضيف إلى نفسك، فتقول: من لدني، كما تقول: عن ~~زيد وعني. فأما إسكان دال " لدني " فإنهم أسكنوها، كما تقول في عضد: عضد، ~~فيحذفون الضم. قال ابن عباس: يريد: إنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، يعني: ~~أنك قد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا. # قوله تعالى: * (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية) * فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها أنطاكية، قاله ابن عباس. # والثاني: الأبلة، قاله ابن سيرين. # والثالث: باجروان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: * (استطعما أهلها) * أي: سألاهم الضيافة * (فأبوا أن ~~يضيفوهما) * روى المفضل عن عاصم: " يضيفوهما " بضم الياء الأولى وكسر الضاد ~~وتخفيف الياء الثانية. وقرأ أبو الجوزاء كذلك، إلا أنه فتح الياء الأولى ~~وقرأ الباقون: " يضيفوها " بفتح الضاد وتشديد الياء الثانية وكسرها. # قال أبو عبيدة: ومعنى يضيفوهما: ينزلوهما منزل الأضياف، يقال: ضفت أنا، ~~وأضافني الذي PageV05P122 # ينزلني. وقال الزجاج: يقال: ضفت الرجل: إذا نزلت عليه، وأضفته: إذا ~~أنزلته وقريته. وقال ابن قتيبة: يقال: ضيفت الرجل: إذا أنزلته منزلة ~~الأضياف، ومنه هذه الآية، وأضفته: أنزلته، وضفته: # نزلت عليه. وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~كانوا أهل قرية لئاما ". # قوله تعالى: * (فوجدا فيها جدارا) * أي: حائطا. قال ابن فارس: وجمعه جدر، ~~والجدر: # أصل الحائط. ومنه حديث الزبير: " ثم دع الماء يرجع إلى الجدر "، والجيدر: ~~القصير. # قوله تعالى: * (يريد أن ينقض) * وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء: " ينقاض " ~~بألف ممدودة، وضاد معجمة; وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وأبو عثمان ~~النهدي: " ينقاص " بألف ومدة وصاد غير معجمة، وكله بلا تشديد. قال الزجاج: ~~فمعنى: ينقض: يسقط بسرعة، وينقاص، غير معجمة: # ينشق طولا، يقال: انقاصت سنة: إذا انشقت. قال ابن مقسم: انقاصت سنه، ~~وانقاضت - بالصاد، والضاد - على معنى واحد. # فإن قيل: كيف نسبت الإرادة إلى مالا يعقل؟ ms1390 # فالجواب: أن هذا على وجه المجاز تشبيها بمن يعقل، ويريد: لأن هيئته في ~~التهيؤ للوقوع قد ظهرت كما يظهر من أفعال المريدين القاصدين، فوصف بالإرادة ~~إذ كانت الصورتان واحدة، وقد أضافت العرب الأفعال إلى مالا يعقل تجوزا، قال ~~الله عز وجل: * (ولما سكت عن موسى الغضب) * والغضب لا يسكت، وإنما يسكت ~~صاحبه، وقال: * (فإذا عزم الأمر) *. # وأنشدوا من ذلك: # - إن دهرا يلف شملي بجمل * لزمان يهم بالإحسان - قال آخر: # - ضحكوا والدهر عنهم ساكت * ثم أبكاهم دما لما نطق - وقال آخر: # - يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل - وقال آخر: # يشكو إلي جملي طول السرى وهذا كثير في أشعارهم. PageV05P123 # قوله تعالى: * (فأقامه) * أي: سواه، لأنه وجده مائلا. # وفي كيفية ما فعل قولان: # أحدهما: أنه دفعه بيده فقام. # والثاني: هدمه ثم قعد يبنيه، روي القولان عن ابن عباس. # قوله تعالى: * (لو شئت لتخذت عليه أجرا) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " ~~لتخذت " بكسر الخاء، غير أن أبا عمرو كان يدغم الذال، ابن كثير يظهرها. ~~وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " لاتخذت " وكلهم أدغموا، ~~إلا حفصا عن عاصم، فإنه لم يدغم مثل ابن كثير. قال الزجاج: يقال: تخذ يتخذ ~~في معنى: اتخذ يتخذ. وإنما قال له هذا، لأنهم لم يضيفوهما. # قوله تعالى: * (قال) * يعني: الخضر * (هذا) * يعني: الإنكار علي * (فراق ~~بيني وبينك) * أي: هو المفرق بيننا. قال الزجاج: المعنى: هذا فراق بيننا، ~~أي: فراق اتصالنا، وكرر " بين " توكيدا، ومثله في الكلام: أخزى الله الكاذب ~~مني ومنك. وقرأ أبو رزين، وابن السميفع، وأبو العالية، وابن أبي عبلة: " ~~هذا فراق " بالتنوين " بيني وبينك " بنصب النون. قال ابن عباس: كان قول ~~موسى في السفينة والغلام، لربه، وكان قوله في الجدار، لنفسه، لطلب شئ من ~~الدنيا. # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا " 79 " وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا " 80 " فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب ~~رحما ms1391 " 81 " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز ~~لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ~~ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " 82 " قوله تعالى: ~~* (فكانت لمساكين) * في المراد بمسكنتهم قولان: # أحدهما: أنهم كانوا ضعفاء في أكسابهم. # والثاني: في أبدانهم. وقال كعب: كانت لعشرة إخوة، خمسة زمني، وخمسة ~~يعلمون في البحر. PageV05P124 # قوله تعالى: * (فأردت أن أعيبها) * أي: أجعلها ذات عيب، يعني بخرقها، * ~~(وكان وراءهم) * فيه قولان: # أحدهما: أمامهم، قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. وقرأ ~~أبي بن كعب، وابن مسعود: " وكان أمامهم ملك ". # والثاني: خلفهم; قال الزجاج: وهو أجود الوجهين. فيجوز أن يكون رجوعهم في ~~طريقهم كان عليه، ولم يعلموا بخبره، فأعلم الله تعالى الخضر خبره. # قوله تعالى: * (يأخذ كل سفينة غصبا) * أي: كل سفينة صالحة. وفي قراءة أبي ~~بن كعب: # " كل سفينة صحيحة " قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها منخرقة ~~تركها ورقعها أهلها فانتفعوا بها. # قوله تعالى: * (وأما الغلام) * روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: " وأما ~~الغلام فكان كافرا ". # وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الغلام ~~الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا ". قال ~~الربيع بن أنس: كان الغلام على الطريق لا يمر به أحد إلا قتله أو غصبه، ~~فيدعو ذلك عليه وعلى أبويه. وقال ابن السائب: كان الغلام لصا، فإذا جاء من ~~يطلبه حلف أبواه أنه لم يفعل. # قوله تعالى: * (فخشينا) * في القائل لهذا قولان 6 أحدهما: الله عز وجل. ~~ثم في معنى الخشية المضافة إليه قولان: أحدهما: أنها بمعنى: العلم. # قال الفراء: معناه: فعلمنا. والثاني: الكراهة، قاله الأخفش، والزجاج، ~~وقال ابن عقيل: المعني: فعلنا فعل الخاشي. # والثاني: أنه الخضر، فتكون الخشية بمعنى الخوف للأمر المتوهم، قاله ابن ~~الأنباري. وقد استدل بعضهم على أنه من كلام الخضر بقوله: * (فأردنا أن ~~يبدلهما ربهما) *. قال الزجاج: # المعنى: فأراد الله، ms1392 لأن لفظ الخبر عن الله تعالى هكذا أكثر من أن يحصى. ~~ومعنى * (يرهقهما) *: # يحملهما على الرهق، وهو الجهل. قال أبو عبيدة: " يرهقهما ": يغشيهما. قال ~~سعيد بن جبير: # خشينا أن يحملهما حبه على أن يدخلا في دينه. وقال الزجاج: فرحا به حين ~~ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فرضي امرؤ بقضاء الله، ~~فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره، خير له من قضائه. # قوله تعالى: * (فأردنا أن يبدلهما ربهما) * قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن ~~عاصم: " أن يبدلهما " PageV05P125 # بالتخفيف. وقرأ نافع، وأبو عمرو بالتشديد. # قوله تعالى: * (خيرا منه زكاة) * فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: دينا، قاله ابن عباس. # والثاني: عملا، قاله مقاتل. # والثالث: صلاحا، قاله الفراء. # قوله تعالى: * (وأقرب رحما) * قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: " رحما " ساكنة الحاء، وقرأ ابن عامر: " رحما " مثقلة. وعن أبي ~~عمرو كالقراءتين. وقرأ ابن عباس، وابن جبير، وأبو رجاء: " رحما " بفتح ~~الراء، وكسر الحاء. # وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: أوصل للرحم وأبر للوالدين، قاله ابن عباس، وقتادة. وقال الزجاج: ~~أقرب عطفا وأمس بالقرابة. ومعنى الرحم والرحم في اللغة: العطف والرحمة، قال ~~الشاعر: # - وكيف بظلم جارية * ومنها اللين والرحم - والثاني: أقرب أن يرحما به، ~~قاله الفراء. وفيما بدلا به قولان: # أحدهما: جارية، قاله الأكثرون. وروى عطاء عن ابن عباس، قال: أبدلهما به ~~جارية ولدت سبعين نبيا. # والثاني: غلام مسلم، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: * (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة) * يعني: ~~القرية المذكورة في قوله تعالى: * (أتيا أهل قرية) *، قال مقاتل: واسمهما: ~~أصرم، وصريم. # قوله تعالى: * (وكان تحته كنز لهما) * فيه ثلاثة أقوال 6 أحدها: أنه كان ~~ذهبا وفضة، رواه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن، ~~وعكرمة، وقتادة: كان مالا. # والثاني: أنه كان لوحا من ذهب، فيه مكتوب: عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ~~ينصب، عجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبا لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبا ~~لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن يؤمن بالحساب ms1393 كيف يغفل، عجبا لمن رأى ~~الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، أنا الله الذي لا إله إلا أنا، ~~محمد عبدي ورسولي; وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك ~~لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل ~~PageV05P126 # لمن خلقته للشر وأجريته على يديه، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن ~~الأنباري: فسمي كنزا من جهة الذهب، وجعل اسمه هو المغلب. # والثالث: كنز علم، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد: صحف فيها علم ~~وبه قال سعيد بن جبير، والسدي. قال ابن الأنباري: فيكون المعنى على هذا ~~القول: كان تحته مثل الكنز، لأنه يتعجل من نفعه أفضل مما ينال من الأموال. ~~قال الزجاج: والمعروف في اللغة: أن الكنز إذا أفرد، فمعناه: المال المدفون ~~المدخر، فإذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز هاهنا ~~بالمال أشبه، وجائز أن يكون الكنز كان مالا، مكتوب فيه علم، على ما روي، ~~فهو مال وعلم عظيم. # قوله تعالى: * (وكان أبوهما صالحا) * قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ~~ولم يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح ~~سبعة آباء. وقال مقاتل: كان أبوهما ذا أمانة. # قوله تعالى: * (فأراد ربك) * قال ابن الأنباري: لما كان قوله: " فأردت " ~~" وأردنا " كل واحد منهما يصلح أن يكون خبرا عن الله عز وجل، وعن الخضر، ~~أتبعهما بما يحصر الإرادة عليه، ويزيلها عن غيره، ويكشف البغية من اللفظتين ~~الأولين. وإنما قال: " فأردت " " فأردنا " " فأراد ربك "، لأن العرب تؤثر ~~اختلاف الكلام على اتفاقه مع تساوي المعاني، لأنه أعذب على الألسن، وأحسن ~~موقعا في الأسماع، فيقول الرجل: قال لي فلان كذا، وأنبأني بما كان، وخبرني ~~بما نال. فأما " الأشد " فقد سبق ذكره في مواضع. ولو أن الخضر لم يقل ~~الحائط لنقض وأخذ ذلك الكنز قبل بلوغهما. # قوله تعالى: * (رحمة من ربك) * أي: رحمهما الله بذلك. * (وما فعلته عن ~~أمري) * قال قتادة: كان عبدا مأمورا. # فأما قوله: * (تسطع) * فان ms1394 " استطاع " و " اسطاع " بمعنى واحد ويسئلونك ~~عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا " 83 " إنا مكنا له في الأرض ~~وآتيناه من كل شئ سببا " 84 " فأتبع سببا " 85 " حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا " 86 " قال PageV05P127 # أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا " 87 " وأما من ~~آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا " 88 " قوله ~~تعالى: * (ويسألونك عن ذي القرنين) * قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله تعالى: # * (ويسألونك عن الروح) *. # واختلفوا في اسم ذي القرنين على أربعة أقوال: # أحدها: عبد الله، قاله علي رضي الله عنه، وروي عن ابن عباس أنه عبد الله ~~بن الضحاك. # والثاني: الإسكندر، قاله وهب. # والثالث: عياش، قاله محمد بن علي بن الحسين. # والرابع: الصعب بن جابر بن القلمس، ذكره ابن أبي خيثمة. # وفي علة تسميته بذي القرنين عشرة أقوال: # أحدها: أنه دعا قومه إلى الله تعالى، فضربوه على قرنه فهلك، فغبر زمانا، ~~ثم بعثه الله فدعاهم إلى الله فضربوه على قرنه الآخر فهلك، فذانك قرناه، ~~قاله علي رضي الله عنه. # والثاني: أنه سمي بذي القرنين، لأنه سار إلى مغرب الشمس وإلى مطلعها، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس. # والرابع: لأنه رأى في المنام كأنه امتد من السماء إلى الأرض وأخذ بقرني ~~الشمس، فقص ذلك على قومه، فسمي بذي القرنين. # الخامس: لأنه ملك الروم وفارس. # والسادس: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب ~~بن منبه. # والسابع: لأنه كانت له غديرتان من شعر، قاله الحسن. قال ابن الأنباري: ~~والعرب تسمي الضفيرتين من الشعر غديرتين، وجميرتين، وقرنين; قال: ومن قال: ~~سمي بذلك لأنه ملك فارس والروم، قال: لأنهما عاليان على جانبين من الأرض ~~يقال لهما: قرنان. # والثامن: لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت ذوي شرف. # والتاسع: ms1395 لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس، وهو حي. # والعاشر: لأنه سلك الظلمة والنور، ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو إسحاق ~~الثعلبي. PageV05P128 # واختلفوا هل كان نبيا، أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنه كان نبيا، قاله عبد الله بن عمرو، والضحاك بن مزاحم. # والثاني: أنه كان عبدا صالحا، ولم يكن نبيا، ولا ملكا، قاله على رضي الله ~~تعالى عنه. وقال وهب: كان ملكا، ولم يوح إليه. # وفي زمان كونه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه من القرون الأول من ولد يافث بن نوح، قاله علي رضي الله تعالى ~~عنه. # والثاني: أنه كان بعد ثمود، قاله الحسن. ويقال: كان عمره ألفا وستمائة ~~سنة. # والثالث: [أنه] كان في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، قاله ~~وهب. # قوله تعالى: * (سأتلو عليكم منه ذكرا) * أي: خبرا يتضمن ذكره. * (إنا ~~مكنا له في الأرض) * أي: سهلنا عليه السير فيها. قال علي رضي الله عنه: إنه ~~أطاع الله، فسخر له السحاب فحمله عليه، ومد له في الأسباب، وبسط له النور، ~~فكان الليل والنهار عليه سواء، وقال مجاهد: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، ~~وكافران; فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين; والكافران: النمرود، ~~وبخت نصر. # قوله تعالى: * (وآتيناه من كل شئ سببا) * قال ابن عباس: علما يتسبب به ~~إلى ما يريد. # وقيل: هو العلم بالطرق والمسالك. # قوله تعالى: * (فاتبع سببا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " فاتبع ~~سببا " " ثم اتبع سببا " " ثم اتبع سببا " مشددات التاء. وقرأ عاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: " " فأتبع سببا " " ثم أتبع سببا " مقطوعات. قال ~~ابن الأنباري: من قرأ " فاتبع سببا " فمعناه: قفا الأثر، ومن قرأ " فأتبع " ~~فمعناه: لحق; يقال: اتبعني فلان، أي: تبعني، كما يقال: ألحقني، بمعنى: ~~لحقني. وقال أبو علي: " أتبع " تقديره: أتبع سببا سببا، فأتبع ما هو عليه ~~سببا، والسبب: الطريق، والمعنى: تبع طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس. وكان إذا ~~ظهر على قوم أخذ منهم جيشا فسار بهم إلى غيرهم. # قوله تعالى: * (وجدها تغرب في عين حمئة) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وحفص ms1396 عن عاصم: " حمئة "، وهي قراءة ابن عباس. وقرأ ابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " حامية "، وهي قراءة عمرو، وعلي، وابن مسعود، ~~وابن الزبير، ومعاوية، وأبي عبد الرحمن، والحسن، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، ~~وأبي جعفر، وشيبة، وابن محيصن، والأعمش، كلهم لم يهمز. قال الزجاج: فمن ~~قرأ: " حمئة " أراد في عين ذات حمأة. يقال: # حمأت البئر: إذا أخرجت حمأتها; وأحمأتها: إذا ألقيت فيها الحمأة. وحمئت ~~فهي حمئة: إذا PageV05P129 # صارت فيها الحمأة. ومن قرأ: " حامية " بغير همز; أراد: حارة. وقد تكون ~~حارة ذات حمأة. # وروى قتادة عن الحسن، قال: وجدها تغرب في ماء يغلي كغليان القدور * (ووجد ~~عندها قوما) * لباسهم جلود السباع، وليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس من ~~الدواب إذا غربت نحوها، وما لفظت العين من الحيتان إذا وقعت فيها الشمس. ~~وقال ابن السائب: وجد عندها قوما مؤمنين وكافرين، يعني عند العين. وربما ~~توهم متوهم أن هذه الشمس على عظم قدرها تغوص بذاتها في عين ماء، وليس كذلك. ~~فإنها أكبر من الدنيا مرارا، فكيف يسعها عين وإنما وجدها تغرب في العين كما ~~يرى راكب البحر الذي لا يرى طرفه أن الشمس تغيب في الماء، وذلك لأن ذا ~~القرنين انتهى إلى آخر البنيان فوجد عينا حمئة ليس بعدها أحد. # قوله تعالى: * (قلنا يا ذا القرنين) * فمن قال: إنه نبي، قال: هذا القول ~~وحي; ومن قال: # ليس بنبي، قال: هذا إلهام. # قوله تعالى: * (إما أن تعذب) * قال المفسرون: إما أن تقتلهم إن أبوا ما ~~تدعوهم إليهم، وإما أن تأسرهم، فتبصرهم الرشد. * (قال أما من ظلم) * أي: ~~أشرك * (فسوف نعذبه) * بالقتل إذا لم يرجع عن الشرك. وقال الحسن: كان ~~يطبخهم في القدور، * (ثم يرد إلى ربه) * بعد العذاب * (فيعذبه عذابا نكرا) ~~*. # قوله تعالى: * (فله جزاء الحسنى) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم: " جزاء الحسنى " برفع مضاف. قال الفراء: " الحسنى ~~" الجنة، وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كقوله: * (إنه لحق اليقين) * * ~~(ودين القيمة) * * (ولدار الآخرة) * قال أبو علي الفارسي: ms1397 المعنى: فله جزاء ~~الخلال الحسنى، لأن الإيمان والعمل الصالح خلال. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم، وخلف، ويعقوب: " جزاء " بالنصب والتنوين; قال الزجاج: وهو مصدر ~~منصوب على الحال، المعنى: فله الحسنى مجزيا بها جزاء. قال ابن الأنباري: ~~وقد يكون الجزاء غير الحسنى إذا تأول الجزاء بأنه الثواب; والحسنى: الحسنة ~~المكتسبة في الدنيا، فيكون المعنى: فله ثواب ما قدم من الحسنات. # قوله تعالى: * (وسنقول له من أمرنا يسرا) * أي: نقول له قولا جميلا. # ثم اتبع سببا " 89 " حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل ~~لهم PageV05P130 # من دونها سترا " 90 " كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا " 91 " قوله تعالى: * ~~(ثم اتبع سببا) * أي: طريقا آخر يوصله إلى المشرق. قال قتادة: مضى يفتح ~~المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلا من آمن حتى أتى مطلع الشمس فأصاب ~~قوما في أسراب عراة، ليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس إذا طلعت، فإذا توسطت ~~السماء خرجوا من أسرابهم في طلب معايشهم مما أحرقته الشمس. وبلغنا أنهم ~~كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان، فيقال: # إنهم الزنج. وقال الحسن: إذا غربت الشمس خرجوا يتراعون كما يتراعى الوحش. ~~وقرأ الحسن، ومجاهد، وأبو مجلز، وأبو رجاء، وابن محيصن: " مطلع الشمس " ~~بفتح اللام. قال ابن الأنباري: ولا خلاف بين أهل العربية في أن المطلع، ~~والمطلع كلاهما يعنى بهما المكان الذي تطلع منه الشمس. ويقولون: ما كان على ~~فعل يفعل، فالمصدر واسم الموضع يأتيان على المفعل، كقولهم: المدخل، للدخول، ~~والموضع الذي يدخل منه، إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها الموضع، ~~وهي: المطلع، والمسكن، والمنسك، والمشرق، والمغرب، والمسجد، والمنبت، ~~والمجزر، والمفرق، والمسقط، الموضع الذي تضع فيه الناقة; وخمسة من هؤلاء ~~الأحد عشر حرفا سمع فيهن الكسر والفتح: المطلع، والمطلع. # المنسك، والمنسك. والمجزر، والمجزر. والمسكن، والمسكن. والمنبت، والمنبت; ~~فقرا الحسن على الأصل من احتمال المفعل الوجهين الموصوفين، وقراءة العامة ~~على اختيار العرب وما كثر على ألسنتها، وخصت الموضع بالكسر، وآثرت المصدر ~~بالفتح. قال أبو عمرو: المطلع، ms1398 بالكسر: الموضع الذي تطلع فيه; والمطلع، ~~بالفتح: الطلوع; قال ابن الأنباري: هذا هو الأصل، ثم إن العرب تتسع فتجعل ~~الاسم نائبا عن المصدر، فيقرؤون: * (حتى مطلع الفجر) * بالكسر وهم يعنون ~~الطلوع; ويقرأ من قرأ * (مطلع الشمس) * بالفتح على أنه موضع بمنزلة المدخل ~~الذي هو اسم للموضع الذي يدخل منه. # قوله تعالى: * (كذلك) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها. # والثاني: أتبع سببا كما أتبع سببا. # والثالث: كما وجد أولئك عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد هؤلاء عند ~~مطلعها وحكم فيهم. # والرابع: أن المعنى: كذلك أمرهم كما قصصنا عليك; ثم استأنف فقال: * (وقد ~~أحطنا PageV05P131 # بما لديه) * أي: بما عنده ومعه من الجيوش والعدد. وحكى أبو سليمان ~~الدمشقي: " بما لديه " أي: بما عند مطلع الشمس. وقد سبق معنى الخبر. # ثم أتبع سببا " 92 " حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا ~~يكادون يفقهون قولا " 93 " قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في ~~الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا " 94 " قال ما مكني ~~فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجمل بينكم وبينهم ردما " 95 " آتوني زبر الحديد ~~حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ ~~عليه قطرا " 96 " فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " 97 " قال ~~هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا " 98 " قوله ~~تعالى: * (ثم أتبع سببا) * أي: طريقا ثالثا بين المشرق والمغرب * (حتى إذا ~~بلغ بين السدين) * قال وهب بن منبه: هما جبلان منيفان في السماء، من ~~ورائهما البحر، ومن أمامهما البلدان، وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد ~~أرمينية. وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: الجبلان من قبل أرمينية ~~وأذربيجان. واختلف القراء في " السدين " فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن ~~عاصم بفتح السين. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة، والكسائي ~~بضمها. # وهل المعنى واحد، أم لا؟ فيه ms1399 قولان: # أحدهما: أنه واحد. قال ابن الأعرابي: كل ما قابلك فسد ما وراءه، فهو سد، ~~وسد، نحو: # الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال الكسائي، وثعلب: السد والسد لغتان ~~بمعنى واحد، وهذا مذهب الزجاج. # والثاني: أنهما يختلفان. # وفي الفرق بينهما قولان. # أحدهما: أن ما هو من فعل الله تعالى فهو مضموم، وما هو ما من فعل ~~الآدميين فهو مفتوح، قاله PageV05P132 # ابن عباس، وعكرمة، وأبو عبيدة. قال الفراء: وعلى هذا رأيت المشيخة وأهل ~~العلم من النحويين. # والثاني: أن السد، بفتح السين: الحاجز بين الشيئين، والسد، بضمها: ~~الغشاوة في العين، قاله أبو عمرو بن العلاء. # قوله تعالى; * (وجد من دونهما) * يعني: أمام السد * (قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: " ~~يفقهون " بفتح الياء، أي: لا يكادون يفهمونه. قال ابن الأنباري: كقوله ~~تعالى: * (وما كادوا يفعلون) *. قال المفسرون: وإن كانوا كذلك لأنهم لا ~~يعرفون غير لغتهم وقرأ حمزة، والكسائي: " يفقهون " بضم الياء، أراد: يفهمون ~~غيرهم. وقيل: كلم ذا القرنين عنهم مترجمون ترجموا. # قوله تعالى: * (إن يأجوج ومأجوج) * هما: اسمان أعجميان، وقد همزهما عاصم. ~~قال الليث: الهمز لغة رديئة. قال ابن عباس: يأجوج رجل، ومأجوج رجل، وهما ~~ابنا يافث بن نوح عليه السلام، فيأجوج ومأجوج عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم ~~جزء، وهم شبر وشبران وثلاثة أشبار. وقال علي رضي الله عنه: منهم من طوله ~~شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول، ولهم من الشعر ما يواريهم من الحر والبرد. ~~وقال الضحاك: هم جيل من الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج ~~خرجت تغير، فجاء ذو القرنين فضرب السد، فبقيت خارجة. وروى شقيق عن حذيفة، ~~قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال: " يأجوج ~~أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ~~ألف ذكر بين يديه من صلبه كل قد حمل السلاح " قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، ~~قال: " هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز "; قلت: يا رسول ms1400 الله: وما ~~الأرز؟ قال: " شجر بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء; وصنف ~~منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا ~~حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه، ويلتحف بالأخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ~~ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام، وساقهم ~~بخراسان، يشربون أنهار المشرق و بحيرة طبرية ". # قوله تعالى: * (مفسدون في الأرض) * في هذا الفساد أربعة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا يفعلون فعل قوم لوط، قاله وهب بن منبه. # والثاني: أنهم كانوا يأكلون الناس، قاله سعيد بن عبد العزيز. # والثالث: يخرجون إلى الأرض الذين شكوا منهم أيام الربيع، فلا يدعون شيئا ~~أخضر إلا PageV05P133 # أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه إلى أرضهم، قاله ابن السائب. # والرابع: كانوا يقتلون الناس، قاله مقاتل. # قوله تعالى: * (فهل نجعل لك خرجا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وعاصم: " خرجا " بغير ألف. وقرأ حمزة، والكسائي: " خراجا " ~~بألف. وهل بينهما فرق؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهما لغتان بمعنى واحد، قاله أبو عبيدة، والليث. # والثاني: أن الخرج: ما تبرعت به، والخراج: ما لزمك أداؤه، قاله أبو عمرو ~~بن العلاء. قال المفسرون: المعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ # قوله تعالى: * (ما مكني) * وقرأ ابن كثير: " مكنني " بنونين، وكذلك هي في ~~مصاحف مكة. # قال الزجاج: من قرأ: " مكني " بالتشديد، أدغم النون في النون لاجتماع ~~النونين. ومن قرأ: # " مكنني " أظهر النونين، لأنهما من كلمتين، الأولى من الفعل، والثانية ~~تدخل مع الاسم المضمر. # وفي الذي أراد بتمكينه منه قولان: # أحدهما: أنه العلم بالله; وطلب ثوابه. # والثاني: ما ملك من الدنيا. والمعنى: الذي أعطاني الله خير مما تبذلون ~~لي. # قوله تعالى: * (فأعينوني بقوة) * فيها قولان: # أحدهما: أنها الرجال، قاله مجاهد، ومقاتل. # والثاني: الآلة، قاله ابن السائب. فأما الردم، فهو: الحاجز; قال الزجاج: ~~والردم في اللغة أكبر من السد، لأن الردم، ما جعل بعضه على بعض، يقال: ثوب ~~مردم: إذا كان قد رقع رقعة فوق رقعة. # قوله تعالى: ms1401 * (آتوني زبر الحديد) * قرأ الجمهور: " ردما آتوني " أي: ~~أعطوني. وروى أبو بكر عن عاصم: " ردم أيتوني " بكسر التنوين، أي: جيئوني ~~بها. قال ابن عباس: احملوها إلي. # وقال مقاتل: أعطوني. وقال الفراء: المعنى: إيتوني بها، فلما ألقيت الياء ~~زيدت ألف. فأما الزبر، فهي: القطع، واحدتها: زبرة; والمعنى: فأتوه بها ~~فبناه، * (حتى إذا ساوى) * ورى أبان " إذا سوى " بتشديد الواو من غير ألف. ~~قال الفراء: ساوى وسوى سواء. واختلف القراء في * (الصدفين) * فقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: " الصدفين " بضم الصاد والدال، وهي: لغة حمير. ~~وروى أبو بكر والمفضل عن عاصم: " الصدفين " بضم الصاد وتسكين الدال. وقرأ ~~نافع، PageV05P134 # وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف، بفتح الصاد والدال جميعا، وهي لغة ~~تميم، واختارها ثعلب. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء; وابن يعمر: " الصدفين " ~~بفتح الصاد ورفع الدال. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران، والزهري، والجحدري ~~برفع الصاد وفتح الدال. قال ابن الأنباري: # ويقال: صدف، على مثال نغر، وكل هذه لغات في الكلمة. قال أبو عبيدة: ~~الصدفان: جنبا الجبل. # قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل: صدفان، إذا تحاذيا، لتصادفهما، أي: ~~لتلاقيهما. قال المفسرون: حشا ما بين الجبلين بالحديد، ونسج بين طبقات ~~الحديد الحطب والفحم، ووضع عليها المنافيخ، ثم * (قال انفخوا) * فنفخوا * ~~(حتى إذا جعله) * يعني: الحديد، وقيل: الهاء ترجع إلى ما بين الصدفين * ~~(نارا) * أي: كالنار، لأن الحديد إذا أحمي بالفحم والمنافيخ صار كالنار، * ~~(قال آتوني) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: " ~~آتوني " ممدودة، والمعنى: # أعطوني، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: " إيتوني " مقصورة; والمعنى: ~~جيئوني به أفرغه عليه. # وفي القطر أربعة أقوال: # أحدها: أنه النحاس، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والفراء، والزجاج. # والثاني: أنه الحديد الذائب، قاله أبو عبيدة. # والثالث: الصفر المذاب، قاله مقاتل. # والرابع: الرصاص، حكاه ابن الأنباري. قال المفسرون: أذاب القطر ثم صبه ~~عليه، فاختلط والتصق بعضه ببعض حتى صار جبلا صلدا من حديد وقطر. قال قتادة: ~~فهو كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة حمراء. # قوله تعالى: * (فما اسطاعوا) * أصله: فما ms1402 " استطاعوا " فلما كانت التاء ~~والطاء من مخرج واحد أحبوا التخفيف فحذفوا. قال ابن الأنباري: إنما تقول ~~العرب: اسطاع، تخفيفا، كما قالوا: # سوف يقوم، أو سو يقوم، فأسقطوا الفاء. # قوله تعالى: * (أن يظهروه) * أي: يعلوه; يقال: ظهر فلان فوق البيت: إذا ~~علاه، والمعنى: # ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه واملاسه * (وما استطاعوا له نقبا) * من ~~أسفله، لشدته وصلابته. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع ~~الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا، فيعدون إليه، فيرونه كأشد ~~ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله عز وجل أن يبعثهم على الناس، ~~حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه ~~غدا إن شاء الله، ويستثني، فيعودون إليه وهو PageV05P135 # كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس " وذكر باقي الحديث; وقد ~~ذكرت هذا الحديث بطوله وأشباهه في كتاب " الحدائق " فكرهت التطويل هاهنا. # قوله تعالى: * (قال هذا رحمة من ربي) * لما فرغ ذو القرنين من بنيانه قال ~~هذا. وفيما أشار إليه قولان: # أحدهما: أنه الردم، قاله مقاتل; قال: فالمعنى: هذا نعمة من ربي على ~~المسلمين لئلا يخرجوا إليهم. # والثاني: أنه التمكين الذي أدرك به عمل السد، قاله [الزجاج]. # قوله تعالى: * (فإذا جاء وعد ربي) * فيه قولان: # أحدهما: القيامة. # والثاني: وعده لخروج يأجوج ومأجوج. # قوله تعالى: * (جعله دكا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~" دكا " منونا غير مهموز ولا ممدود. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " دكاء ~~ممدودة " مهموزة بلا تنوين. وقد شرحنا معنى الكلمة في [سورة] الأعراف. # قوله تعالى: * (وكان وعد ربي حقا) * أي: بالثواب والعقاب. # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا " 99 " ~~وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا " 100 " الذين كانت أعينهم في غطاء عن ~~ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا " 101 " قوله تعالى: * (وتركنا بعضهم يومئذ ~~يموج في بعض) * في المشار إليهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم يأجوج ومأجوج. ثم في المراد ب‍ ms1403 " يومئذ " قولان: # أحدهما: أنه يوم انقضى أمر السد، تركوا يموج بعضهم في بعض من ورائه ~~مختلطين لكثرتهم; وقيل: ماجوا متعجبين من السد. والثاني: أنه يوم يخرجون من ~~السد تركوا يموج بعضهم في بعض. PageV05P136 # والثاني: أنهم الكفار. # والثالث: أنهم جميع الخلائق: الجن والإنس يموجون حيارى. فعلى هذين ~~القولين، المراد باليوم المذكور يوم القيامة. # قوله تعالى: * (ونفخ في الصور) * هذه نفخة البعث. وقد شرحنا معنى " الصور ~~" في [سورة] الأنعام. # قوله تعالى: * (وعرضنا جهنم) * أي: أظهرناها لهم حتى شاهدوها. # قوله تعالى: * (الذين كانت أعينهم) * يعني: أعين قلوبهم * (في غطاء) * ~~أي: في غفلة * (عن ذكري) * أي: عن توحيدي والإيمان بي وبكتابي * (وكانوا ~~يستطيعون سمعا) * هذا لعداوتهم وعنادهم وكراهتهم ما ينذرون به، كما تقول ~~لمن يكره قولك: ما تقدر أن تسمع كلامي. # أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا " 102 " قوله تعالى: * (أفحسب الذين كفروا) * أي: أفظن ~~المشركون * (أن يتخذوا عبادي) * في هؤلاء العباد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الشياطين، قاله ابن عباس. # والثاني: الأصنام، قاله مقاتل. # والثالث: الملائكة والمسيح وعزير وسائر المعبودات من دونه، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: * (من دوني) * فتح هذه الياء نافع، وأبو عمرو. وجواب ~~الاستفهام في هذه الآية محذوف، وفي تقديره قولان: # أحدهما: أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء، كلا بل هم أعداء لهم يتبرؤون منهم. # والثاني: أن يتخذوهم أولياء ولا أغضب ولا أعاقبهم. وروى أبان عن عاصم، ~~وزيد عن يعقوب: " أفحسب " بتسكين السين وضم الباء، وهي قراءة علي، وابن ~~عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وابن يعمر، وابن محيصن; ومعناها: ~~أفيكفيهم أن يتخذوهم أولياء؟ PageV05P137 # فأما النزل فقيه قولان: # أحدهما: أنه ما يهيأ للضيف والعسكر، قاله ابن قتيبة. # والثاني: أنه المنزل، قاله الزجاج. # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " 103 " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " 104 " أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " 105 " ذلك جزاؤهم جهنم بما ~~كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ms1404 " 106 " قوله تعالى: * (قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا) * فيهم قولان: # أحدهما: أنهم القسيسون والرهبان، قاله علي، والضحاك. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله سعد بن أبي وقاص. # قوله تعالى: * (أعمالا) * منصوب على التمييز، لأنه لما قال: " بالأخسرين ~~" كان ذلك مبهما لا يدل على ما خسروه، فبين ذلك في أي نوع وقع. # قوله تعالى: * (الذين ضل سعيهم) * أي: بطل عملهم واجتهادهم في الدنيا، ~~وهم يظنون أنهم محسنون بأفعالهم، فرؤساؤهم يعلمون الصحيح، ويؤثرون الباطل ~~لبقاء رئاستهم، وأتباعهم مقلدون بغير دليل. * (أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم) * جحدوا دلائل توحيده، وكفروا بالبعث والجزاء، وذلك أنهم بكفرهم ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء * ~~(فحبطت أعمالهم) * أي: بطل اجتهادهم، لأنه خلا عن الإيمان * (فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا) * وقرأ ابن مسعود، والجحدري: " فلا يقيم " بالياء. # وفي معناه ثلاثة أقوال 6 أحدها: أنه إنما يثقل الميزان بالطاعة، وإنما ~~توزن الحسنات والسيئات، والكافر لا طاعة له. # والثاني: أن المعنى: لا نقيم لهم قدرا. قال ابن الأعرابي في تفسير هذه ~~الآية: يقال: ما لفلان عندنا وزن، أي: قدر، لخسته. فالمعنى: أنهم لا يعتد ~~بهم، ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزلة. وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن ~~PageV05P138 # جناح بعوضة، اقرؤوا إن شئتم: * (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) * ". # والثالث: أنه قال: " فلا نقيم لهم " لأن الوزن عليهم لا لهم، ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: * (ذلك جزاؤهم) * أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من بطلان عملهم ~~وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: * (جزاؤهم جهنم) *، وقيل: المعنى: ذلك التصغير ~~لهم، وجزاؤهم جهنم، فأضمرت واو الحال. # قوله تعالى: * (بما كفروا) * أي: بكفرهم واتخاذهم * (آياتي) * التي ~~أنزلتها * (ورسلي هزوا) * أي: مهزوءا به. # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا " 107 " ~~خالدين فيها لا يبغون عنهم حولا " 108 " قوله تعالى: * (كانت لهم جنات ~~الفردوس) * قال ابن الأنباري: كانت لهم في علم الله قبل أن يخلقوا. ms1405 وروى ~~البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " جنان الفردوس أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيها، وثنتان من ~~فضة حليتهما وآنيتهما وما فيها وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا ~~رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ". # وروى عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الجنة ~~مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها، ومنها ~~تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس ". # قال أبو أمامة: الفردوس سره الجنة. قال مجاهد: الفردوس: البستان ~~بالرومية. وقال كعب 7 والضحاك: " جنات الفردوس ": جنات الأعناب. قال ~~الكلبي، والفراء: الفردوس: البستان الذي PageV05P139 # فيه الكرم. وقال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب: الشجر المتلف، ~~الأغلب عليه العنب. وقال ثعلب: كل بستان يحوط عليه فهو فردوس، قال عبد الله ~~بن رواحة: # في جنات الفردوس ليس يخافون * خروجا عنها ولا تحويلا وقرأت على شيخنا أبي ~~منصور اللغوي قال: قال الزجاج: الفردوس أصله رومي أعرب، وهو البستان، كذلك ~~جاء في التفسير، وقد قيل: الفردوس تعرفه العرب، وتسمي الموضع الذي فيه كرم: # فردوسا. وقال أهل اللغة: الفردوس مذكر، وإنما أنث في قوله تعالى: * ~~(يرثون الفردوس هم فيها خالدون) *. لأنه عنى به الجنة. وقال الزجاج: وقيل: ~~الفردوس: الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، وقيل: هو بالرومية منقول إلى ~~لفظ العربية، قال: والفردوس أيضا بالسريانية كذا لفظه: # فردوس، قال: ولم نجده في أشعار العرب إلا في شعر حسان، وحقيقته أنه ~~البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين، لأنه عند أهل كل لغة كذلك، وبيت ~~حسان: # - فإن ثواب الله كل موحد * جنان من الفردوس فيها يخلد - وقال ابن الكلبي ~~بإسناده: الفردوس: البستان بلغة الروم، وقال الفراء: وهو عربي أيضا، والعرب ~~تسمي البستان الذي فيه الكرم فردوسا. وقال السدي: الفردوس أصله بالنبطية " ~~فرداسا ". # وقال عبد الله بن الحارث: الفردوس: الأعناب. وقد شرحنا معنى قوله: " نزلا ~~" آنفا. # قوله تعالى: ms1406 * (لا يبغون عنها حولا) * قال الزجاج: لا يريدون عنها تحولا، ~~يقال: قد حال من مكانه حولا، كما قالوا في المصادر: صغر صغرا، وعظم عظما، ~~وعادني حبها عودا; قال: وقد قيل أيضا: إن الحول: الحيلة، فيكون المعنى: لا ~~يحتالون منزلا غيرها. # فإن قيل: قد علم أن الجنة كثيرة الخير، فما وجه مدحها بأنهم لا يبغون ~~عنها حولا؟ # فالجواب: أن الإنسان قد يجد في الدار الأنيقة معنى لا يوافقه، فيحب أن ~~ينتقل إلى دار أخرى، وقد يمل، والجنة على خلاف ذلك. # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو ~~جئنا بمثله مددا " 109 " PageV05P140 # قوله تعالى: * (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) * سبب نزولها أنه لما ~~نزل قوله تعالى: * (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) * قالت اليهود: كيف وقد ~~أوتينا التوراة وفيها علم كل شئ؟ # فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. ومعنى الآية: لو كان ماء البحر مدادا ~~يكتب به.. قال مجاهد: # والمعنى: لو كان البحر مدادا للقلم، والقلم يكتب. وقال ابن الأنباري: سمي ~~المداد مدادا لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة ومجئ الشئ بعد الشئ. وقرأ ~~الحسن، والأعمش: " مددا لكلمات ربي " بغير ألف. # قوله تعالى: * (قبل أن تنفد كلمات ربي) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم: # " تنفد " بالتاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: " ينفد " بالياء. قال ~~أبو علي: التأنيث أحسن، لأن المسند إليه الفعل مؤنث، والتذكير حسن، لأن ~~التأنيث ليس بحقيقي، وإنما لم تنفد كلمات الله، لأن كلامه صفة من صفات ~~ذاته، ولا يتطرق على صفاته النفاد، * (ولو جئنا بمثله) * أي: بمثل البحر * ~~(مددا) * أي: زيادة; والمدد: كل شئ زاد في شئ. # فإن قيل: لم قال في أول الآية: " مدادا " وفي آخرها: " مددا " وكلاهما ~~بمعنى واحد، اشتقاقهما غير مختلف؟ # فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: لما كان الثاني آخر آية، وأواخر الآيات ~~هاهنا أتت على الفعل، والفعل، كقوله تعالى: " نزلا " " هزوا " " حولا " كان ~~قوله: " مددا " أشبه بهؤلاء الألفاظ من المداد، واتفاق المقاطع عند أواخر ms1407 ~~الآي، وانقضاء الآيات، وتمام السجع والنثر، أخف على الألسن، وأحلى موقعا في ~~الأسماع، فاختلفت اللفظتان لهذه العلة. وقد قرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وأبو رجاء، وقتادة، وابن محيصن: " ولو جئنا بمثله مدادا " فحملوها ~~على الأولى، ولم ينظروا إلى المقاطع. وقراءة الأولين أبين حجة، وأوضح ~~منهاجا. # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " 110 " قوله تعالى: * (قل ~~إنما أنا بشر مثلكم) * قال ابن عباس: علم الله تعالى رسوله التواضع لئلا ~~يزهى على خلقه، فأمره أن يقر على نفسه بأنه آدمي كغير، إلا أنه أكرم ~~بالوحي. # قوله تعالى: * (فمن كان يرجو لقاء ربه) * سبب نزولها أن جندب بن زهير ~~العامري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أعمل العمل فإذا اطلع عليه ~~سرني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله طيب لا يقبل إلا ~~PageV05P141 # الطيب، ولا يقبل ما روئي فيه " فنزلت فيه هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال ~~طاووس: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب الجهاد ~~وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: جاء رجل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: إني أتصدق، وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، ~~فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. # وفي قوله: * (فمن كان يرجو) * قولان: # أحدهما: يخاف، قاله ابن قتيبة. # والثاني: يأمل، وهو اختيار الزجاج. وقال ابن الأنباري: المعنى: فمن كان ~~يرجو لقاء ثواب ربه. قال المفسرون: وذلك يوم البعث والجزاء. * (فليعمل عملا ~~صالحا) * لا يرائي به * (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) * قال سعيد بن جبير: لا ~~يرائي. قال معاوية بن أبي سفيان: هذه آخر آية نزلت من القرآن. PageV05P142 # (19) سورة مريم مكية وآياتها ثمان وتسعون وهي مكية باجماعهم من غير خلاف ~~علمناه. وقال مقاتل: هي مكية غير سجدتها، فإنها ms1408 مدنية. وقال هبة الله ~~المفسر: هي مكية غير آيتين منها، قوله: * (فخلف من بعدهم خلف) * والتي ~~تليها. # بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص " 1 " ذكر رحمت ربك عبده زكريا " 2 " إذ ~~نادى ربه نداء خفيا " 3 " قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم ~~أكن بدعائك رب شقيا " 4 " وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا ~~فهب لي من لدنك وليا " 5 " يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " 6 " ~~قوله تعالى: * (كهيعص) * قرأ ابن كثير: * (كهيعص ذكر) * بفتح الهاء والياء ~~وتبيين الدال التي في هجاء " صاد ". وقرأ أبو عمرو: " كهيعص " بكسر الهاء ~~وفتح الياء ويدغم الدال في الذال، وكان نافع يلفظ بالهاء والياء بين الكسر ~~والفتح، ولا يدغم الدال التي في هجاء " صاد " في الذال من " ذكر ". وقرأ ~~أبو بكر عن عاصم، والكسائي، بكسر الهاء والياء. إلا أن الكسائي لا يبين ~~الدال، وعاصم يبينها. وقرأ ابن عامر، وحمزة، بفتح الهاء وكسر الياء ~~ويدغمان. وقرأ أبي بن كعب: # " كهيعص " برفع الهاء وفتح الياء. وقد ذكرنا في أول " البقرة " ما يشتمل ~~على بيان هذا الجنس. # وقد خص المفسرون هذه الحروف المذكورة هاهنا بأربعة أقوال: PageV05P143 # أحدها: أنها حروف من أسماء الله عز وجل، قاله الأكثرون. ثم اختلف هؤلاء ~~في الكاف من أي اسم هو، على أربعة أقوال. أحدها: أنه من اسم الله الكبير. # والثاني: من الكريم. # والثالث: من الكافي، روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والرابع: أنه من الملك، قاله محمد بن كعب. فأما الهاء، فكلهم قالوا: هي ~~من اسمه الهادي، إلا القرظي فإنه قال: من اسمه الله. وأما الياء، ففيها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها; أنها من حكيم. # والثاني: من رحيم. # والثالث: من أمين روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس. ~~فأما العين، ففيها أربعة أقوال: # أحدها: أنها من عليم. # والثاني: من عالم. # والثالث: من عزيز، رواها أيضا سعيد عن ابن عباس. # والرابع: أنها من عدل، قاله الضحاك. وأما الصاد، ففيها ثلاثة أقوال: ms1409 # أحدها: أنها من صادق. # والثاني: من صدوق، رواهما سعيد أيضا عن ابن عباس. # والثالث: أنها من الصمد، قاله محمد بن كعب. # والقول الثاني: أن " كهيعص " قسم أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه، ~~رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هو ~~اسم من أسماء الله تعالى. وروي عنه أنه كان يقول: يا كهيعص اغفر لي. قال ~~الزجاج: والقسم بهذا والدعاء لا يدل على أنه اسم واحد، لأن الداعي إذا علم ~~أن الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات الله تعالى فدعا بها، فكأنه قال: يا ~~كافي، يا هادي، يا عالم، يا صادق، وإذا أقسم بها، فكأنه قال: والكافي ~~الهادي العالم الصادق، وأسكنت هذه الحروف لأنها حروف تهج، النية فيها ~~الوقف. # والثالث: أنه اسم للسورة، قاله الحسن، ومجاهد. # والرابع: اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # فإن قيل: لم قالوا: هايا، ولم يقولوا في الكاف: كا، وفي العين: عا، وفي ~~الصاد: صا، لتتفق المباني كما اتفقت العلل؟ PageV05P144 # فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى ~~الرسالة والخطبة، فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ واستواء الأوزان، كما ~~يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم، فيغيرون بعض الكلم ليختلف الوزن وتتغير ~~المباني، فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الأسماع. # قوله تعالى: * (ذكر رحمة ربك) * قال الزجاج: الذكر مرفوع بالمضمر، ~~المعنى: هذا الذي نتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده. قال الفراء: وفي الكلام ~~تقديم وتأخير; المعنى: ذكر ربك عبده بالرحمة، و " زكريا " في موضع نصب. # قوله تعالى: * (إذ نادى ربه) * النداء هاهنا بمعنى الدعاء. # وفي علة إخفائه لذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: ليبعد عن الرياء، قاله ابن جريج. # والثاني: لئلا يقول الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد على الكبر، ~~قاله مقاتل. # والثالث: لئلا يعاديه بنو عمه، ويظنوا أنه كره أن يلوا مكانه بعده، ذكره ~~أبو سليمان الدمشقي. # وهذه القصة تدل على أن المستحب إسرار الدعاء، ومنه الحديث: " إنكم لا ~~تدعون أصم ". # قوله تعالى: * (رب إني وهن ms1410 العظم مني) * وقرأ معاذ القارئ، والضحاك: " ~~وهن " بضم الهاء، أي: ضعف. قال الفراء وغيره: وهن العظم، ووهن، بفتح الهاء ~~وكسرها; والمستقبل على الحالين كليهما: يهن. وأراد أن قوة عظامه قد ذهبت ~~لكبره; وإنما خص العظم، لأنه الأصل في التركيب. # وقال قتادة: شكا ذهاب أضراسه. # قوله تعالى: * (واشتعل الرأس شيبا) * يعني: انتشر الشيب فيه، كما ينتشر ~~شعاع النار في الحطب وهذا من أحسن الاستعارات. * (ولم أكن بدعائك) * أي: ~~بدعائي إياك * (رب شقيا) * أي: لم أكن لأتعب بالدعاء ثم أخيب، لأنك قد ~~عودتني الإجابة; يقال: شقي فلان بكذا: إذا تعب بسببه، ولم ينل مراده. # قوله تعالى: * (وإني خفت الموالي) * يعني: الذين يلونه في النسب، وهم بنو ~~العم والعصبة * (من ورائي) * أي: من بعد موتي. # وفي ما خافهم عليه قولان: # أحدهما: أنه خاف أن يرثوه، قاله ابن عباس. # فإن اعترض عليه معترض، فقال: كيف يجوز لنبي أن ينفس على قراباته بالحقوق ~~المفروضة PageV05P145 # لهم بعد موته؟ جوابان: # أحدهما: أنه لما كان نبيا، والنبي لا يورث، خاف أن يرثوا ماله فيأخذوا ~~مالا يجوز لهم. # والثاني: أنه غلب عليه طبع البشر، فأحب أن يتولى ماله ولده، ذكرهما ابن ~~الأنباري. # قلت: وبيان هذا أنه لا بد أن يتولى ماله وإن ولم يكن ميراثا، فأحب أن ~~يتولاه ولده. # والقول الثاني: أنه خاف تضييعهم للدين ونبذهم إياه، ذكره جماعة من ~~المفسرين. # وقرأ عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وابن جبير، ومجاهد، ~~وابن أبي سرح عن الكسائي: " خفت " بفتح الخاء وتشديد الفاء على معنى " قلت ~~"; فعلى هذا يكون إنما خاف على علمه ونبوته ألا يورثا فيموت العلم. وأسكن ~~ابن شهاب الزهري ياء " الموالي ". # قوله تعالى: * (من ورائي) * أسكن الجمهور هذه الياء، وفتحها ابن كثير في ~~رواية قنبل. # وروى عنه شبل: " وراي " مثل " عصاي ". # قوله تعالى: * (فهب لي من لدنك) * أي: من عندك * (وليا) * أي: ولدا صالحا ~~يتولاني. # قوله تعالى: * (يرثني ويرث من آل يعقوب) * قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة: " يرثني ويرث " برفعهما. وقرا أبو ms1411 عمرو، والكسائي: " ~~يرثني ويرث " بالجزم فيهما. قال أبو عبيدة: من قرأ بالرفع، فهو على الصفة ~~للولي; فالمعنى: هب لي وليا وارثا، ومن جزم، فعلى الشرط والجزاء، كقولك: إن ~~وهبته إن وهبته لي ورثني. # وفي: المراد بهذا الميراث أربعة أقوال: # أحدها: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، رواه عكرمة عن ابن عباس، ~~وبه قال أبو صالح. # والثاني: يرثني العلم، ويرث من آل يعقوب الملك، فأجابه الله تعالى إلى ~~وراثة العلم دون الملك، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: يرثني نبوتي وعلمي، ويرث من آل يعقوب النبوة أيضا، قاله الحسن. # والرابع: يرثني النبوة، ويرث من آل يعقوب الأخلاق، قاله عطاء. قال مجاهد: ~~كان زكريا PageV05P146 # من ذرية يعقوب. وزعم الكلبي أن آل يعقوب كانوا أخواله، وأنه ليس بيعقوب ~~أبي يوسف. وقال مقاتل: هو يعقوب بن ماثان، وكان يعقوب هذا وعمران - أبو ~~مريم - أخوين. # والصحيح: أنه لم يرد ميراث المال لوجوه: # أحدها: أنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ". # والثاني: أنه لا يجوز أن يتأسف نبي الله على مصير ماله بعد موته إذا وصل ~~إلى وراثه المستحق له شرعا. # والثالث: أنه لم يكن ذا مال. وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن زكريا كان نجارا. # قوله تعالى: * (واجعله رب رضيا) * قال اللغويون: أي: مرضيا، فصرف عن ~~مفعول إلى فعيل، كما قالوا: مقتول وقتيل. # يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا " 7 " قال رب ~~أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا " 8 " قال ~~كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " 9 " قال رب اجعل ~~لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا " 10 " فخرج علي قومه من ~~المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " 11 " قوله تعالى: * (يا زكريا ~~إنا نبشرك) * في الكلام إضمار، تقديره: فاستجاب ms1412 الله له فقال " يا زكريا ~~إنا نبشرك ". وقرأ حمزة: " نبشرك " بالتخفيف. وقد شرحنا هذا في [سورة] آل ~~عمران. # قوله تعالى: * (لم نجعل له من قبل سميا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لم يسم يحيى قبله، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~وقتادة، وابن PageV05P147 # زيد، والأكثرون. # فإن اعترض معترض، فقال: ما وجه المدحة باسم ليسم به أحد قبله، ونرى كثيرا ~~من الأسماء لم يسبق إليها؟ فالجواب: أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولى ~~تسميته، ولم يكل ذلك إلى أبويه، فسماه باسم لم يسبق إليه. # والثاني: لم تلد العواقر مثله ولدا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. فعلى ~~هذا يكون المعنى: لم نجعل له نظيرا. # والثالث: لم نجعل له من قبل مثلا وشبها، قاله مجاهد. فعلى هذا يكون عدم ~~الشبه من حيث إنه لم يعص ولم يهم بمعصية. وما بعد هذا مفسر في آل عمران إلى ~~قوله * (وكانت امرأتي عاقرا) * وفي معنى " كانت " قولان: # أحدهما: أنه توكيد للكلام، فالمعنى: وهي عاقر، كقوله: * (كنتم خير أمة) * ~~أي: أنتم والثاني: أنها كانت منذ كانت عاقرا، لم يحدث ذلك بها، ذكرهما ابن ~~الأنباري، واختار الأول. # قوله تعالى: * (وقد بلغت من الكبر عتيا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " عتيا " و " بكيا " و " صليا " بضم ~~أوائلها. وقرأ حمزة، والكسائي، بكسر أوائلها، وافقهما حفص عن عاصم، إلا في ~~قوله: " بكيا " فإنه ضم أوله. وقرأ ابن عباس، ومجاهد: " عسيا " بالسين قال ~~مجاهد: " عتيا " هو قحول العظم. وقال ابن قتيبة: أي: يبسا; يقال: عتا وعسا ~~بمعنى واحد. قال الزجاج: كل شئ انتهى، فقد عتا يعتو عتيا، وعتوا، وعسوا، ~~وعسيا. # قوله تعالى: * (قال كذلك) * أي: الأمر كما قيل لك من هبة الولد على الكبر ~~* (قال ربك هو علي هين) * أي: خلق يحيى علي سهل. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم ~~الجحدري: " هين " بإسكان الياء. * (وقد خلقتك من قبل) * أي: أوجدتك. قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: " خلقتك ". وقرأ حمزة، ~~والكسائي: ms1413 " خلقناك " بالنون والألف. * (ولم تك شيئا) * المعنى: ~~PageV05P148 # فخلق الولد، كخلقك. وما بعد هذا مفسر في [سورة] آل عمران إلى قوله: * ~~(ثلاث ليال سويا) * قال الزجاج: " سويا " منصور على الحال، والمعنى: تمنع ~~عن الكلام وأنت سوي. قال ابن قتيبة: أي: # سليما غير أخرس. # قوله تعالى: * (فخرج على قومه) * وهذا في صبيحة الليلة التي حملت فيها ~~امرأته * (من المحراب) * أي: من مصلاه، وقد ذكرناه في [سورة] آل عمران. # قوله تعالى: * (فأوحى إليهم) * فيه قولان: # أحدهما: أنه كتب إليهم في كتاب، قاله ابن عباس. # والثاني: أومأ برأسه ويديه، قاله مجاهد. # قوله تعالى: * (أن سبحوا) * أي: صلوا * (بكرة وعشيا) * قد شرحناه في آل ~~عمران، والمعنى: أنه كان يخرج إلى قومه فيأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا، فلما ~~حملت امرأته أمرهم بالصلاة إشارة. # يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا " 12 " وحنانا من لدنا وزكاة ~~وكان تقيا " 13 " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " 14 " وسلام عليه يوم ~~ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا " 15 " قوله تعالى: * (يا يحيى) * قال الزجاج: ~~المعنى: فوهبنا له يحيى، وقلنا له: يا يحيى * (خذ الكتاب) * يعني: التوراة، ~~وكان مأمورا بالتمسك بها. وقال ابن الأنباري: # المعنى: أقبل كتب الله كلها إيمانا بها واستعمالا لأحكامها. وقد شرحنا في ~~[سورة] البقرة: معنى قوله: * (بقوة) *. # قوله تعالى: * (وآتيناه الحكم) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الفهم، قاله مجاهد. # والثاني: اللب، قاله الحسن، وعكرمة. # والثالث: العلم، قاله ابن السائب. # والرابع: حفظ التوراة وعلمها، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد زدنا هذا ~~شرحا في سورة PageV05P149 # يوسف. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن من قبل أن ~~يحتلم، فهو ممن أوتي الحكم صبيا. # فأما قوله: * (صبيا) * ففي سنه يوم أوتي الحكم قولان: # أحدهما: أنه سبع سنين، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: ابن ثلاث سنين، قاله قتادة، ومقاتل. # قوله تعالى: * (وحنانا من لدنا) * قال الزجاج: أي: وآتيناه حنانا. وقال ~~ابن الأنباري: # المعنى: وجعلناه حنانا لأهل زمانه. # وفي الحنان ستة أقوال: ms1414 # أحدها: أنه الرحمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والفراء، وأبو عبيدة، وأنشد: # - تحنن علي هداك المليك * فإن لكل مقام مقالا - قال: وعامة ما يستعمل في ~~المنطق على لفظ الاثنين، قال طرفة: # - أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض - قال ابن ~~قتيبة: ومنه يقال: تحنن علي، وأصله من حنين الناقة على ولدها. وقال ابن ~~الأنباري: لم يختلف اللغويون أن الحنان: الرحمة، والمعنى: فعلنا ذلك رحمة ~~لأبويه، وتزكية له. # والثاني: أنه التعطف من ربه عليه، قاله مجاهد. والثالث: أنه اللين، قاله ~~سعيد بن جبير. والرابع: # البركة، وروي عن ابن جبير أيضا. والخامس: المحبة، قاله عكرمة، وابن زيد. ~~والسادس: # التعظيم، قاله عطاء بن أبي رباح. # وفي قوله: * (وزكاة) * أربعة أقوال: # أحدها: أنها العمل الصالح، قاله الضحاك، وقتادة. # والثاني: أن معنى الزكاة: الصدقة، فالتقدير: إن الله تعالى جعله صدقة ~~تصدق بها على أبويه، قاله ابن السائب. # والثالث: أن الزكاة: التطهير، قاله الزجاج. PageV05P150 # والرابع: أن الزكاة الزيادة، فالمعنى: وآتيناه زيادة في الخير على ما وصف ~~وذكر، قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (وكان تقيا) * قال ابن عباس: جعلته يتقيني، لا يعدل بي ~~غيري. # قوله تعالى: * (وبرا بوالديه) * أي: وجعلناه برا بوالديه، والبر بمعنى: ~~البار; والمعنى: لطيفا بهما، محسنا إليهما. والعصي بمعنى: العاصي. وقد ~~شرحنا معنى الجبار في [سورة] هود. # قوله تعالى: * (وسلام عليه) * فيه قولان: # أحدهما: أنه السلام المعروف من الله تعالى، قال عطاء: سلام عليه مني في ~~هذه الأيام; وهذا اختيار أبي سليمان. # والثاني: أنه بمعنى: السلامة، قاله ابن السائب. # فإن قيل: كيف خص التسليم عليه بالأيام وقد يجوز أن يولد ليلا ويموت ليلا؟ # فالجواب: أن المراد باليوم الحين والوقت، على ما بينا في قوله: * (اليوم ~~أكملت لكم دينكم) *. قال ابن عباس: وسلام عليه حين ولد. وقال الحسن البصري: ~~التقى يحيى وعيسى، فقال يحيى لعيسى: أنت خير مني، فقال عيسى ليحيى: بل أنت ~~خير مني، سلم الله عليك، وأنا سلمت على نفسي. وقال ms1415 سعيد بن جبير مثله، إلا ~~أنه قال: أثنى الله عليك، وأنا أثنيت على نفسي. # وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن، يوم يولد ~~فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم ~~يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره، فخص الله تعالى يحيى فيها بالكرامة ~~والسلامة في المواطن الثلاثة. # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا " 16 " فاتخذت من ~~دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا " 17 " قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا " 18 " قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ~~" 19 " قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا " 20 " قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين ولنجعله PageV05P151 # آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا " 21 " قوله تعالى: * (واذكر في ~~الكتاب) * يعني: القرآن * (مريم إذ انتبذت) * قال أبو عبيدة: تنحت واعتزلت ~~* (مكانا شرقيا) * مما يلي المشرق، وهو عند العرب خير من الغربي. # قوله تعالى: * (فاتخذت من دونهم) * يعني: أهلها * (حجابا) * أي: سترا ~~وحاجزا وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ضربت سترا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن الشمس أظلتها، فلم يرها أحد منهم، وذلك مما سترها الله به، ~~وهذا المعنى عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها اتخذت حجابا من الجدران، قاله السدي عن أشياخه وفي سبب ~~انفرادها عنهم قولان: # أحدهما: أنها انفردت لتطهر من الحيض وتمتشط، قاله ابن عباس. # والثاني: لتفلي رأسها، قاله عطاء. # قوله تعالى: * (فأرسلنا إليها روحنا) * وهو جبريل في قول الجمهور. وقال ~~ابن الأنباري: # صاحب روحنا، وهو جبريل. والروح بمعنى: الروح والفرح، ثم تضم الراء لتحقيق ~~مذهب الاسم، وإبطال طريق المصدر، ويجوز أن يراد بالروح هاهنا: الوحي وجبريل ~~صاحب الوحي. # وفي وقت مجيئه إليها ثلاثة أقوال: # أحدها: وهي تغتسل. # والثاني: بعد فراغها، ولبسها الثياب. # والثالث: بعد دخولها بيتها. وقد قيل: المراد بالروح هاهنا: الروح الذي ~~خلق منه عيسى، حكاه الزجاج، والماوردي، وهو مضمون كلام ms1416 أبي بن كعب فيما ~~سنذكره عند قوله: * (فحملته) * قال ابن الأنباري: وفيه بعد، لقوله: * ~~(فتمثل لها بشرا سويا) * والمعنى: تصور لها في صورة البشر التام الخلقة. ~~وقال ابن عباس: جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعد قطط حين طر شاربه. وقرأ ~~أبو نهيك وأبو حيوة: " فأرسلنا إليها روحنا " بفتح الراء. # قوله تعالى: * (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) * المعنى: إن كنت ~~تتقي الله، PageV05P152 # فستنتهي بتعوذي منك، هذا هو القول عند المحققين، وحكي عن ابن عباس أنه ~~كان في زمانها رجل اسمه تقي، وكان فاجرا، فظنته إياه، ذكره ابن الأنباري، ~~والماوردي. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وابن مسعود، وأبي رجاء: " إلا أن ~~تكون تقيا ". # قوله تعالى: * (قال إنما أنا رسول ربك) * أي: فلا تخافي * (ليهب) * قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " لأهب لك " بالهمز. ~~وقرأ أبو عمرو، وورش عن نافع: # " ليهب لك " بغير همز. قال الزجاج: من قرأ " ليهب " فالمعنى: أرسلني ليهب ~~لك، وقال ابن الأنباري المعنى: أرسلني يقول لك: أرسلت رسولي إليك لأهب لك. # قوله تعالى: * (غلاما زكيا) * أي: طاهرا من الذنوب. والبغي: الفاجرة ~~والزانية. قال ابن الأنباري: وإنما لم يقل: " بغية " لأنه وصف يغلب على ~~النساء، فقلما تقول العرب: رجل بغي، فيجري مجرى حائض، وعاقر. وقال غيره: ~~إنما لم يقل: " بغية " لأنه مصروف عن وجهه، فهو " فعيل " بمعنى: " فاعل ". ~~ومعنى الآية: ليس لي زوج، ولست بزانية، وإنما يكون الولد من هاتين الجهتين. ~~* (قال كذلك قال ربك) * قد شرحناه في قصة زكريا، والمعنى: أنه يسير علي أن ~~أهب لك غلاما من غير أب. * (ولنجعله آية للناس) * أي: دلالة على قدرتنا ~~كونه من غير أب. قال ابن الأنباري: إنما دخلت الواو في قوله: * (ولنجعله) * ~~لأنها عاطفة لما بعدها على كلام مضمر محذوف، تقديره: قال ربك خلقه علي هين ~~لننفعك به، ولنجعله عبرة. # قوله تعالى: * (ورحمة منا) * أي: لمن تبعه وآمن به * (وكان أمرا مقضيا) * ~~أي: وكان خلق أمرا محكوما به، مفروغا عنه، سابقا في علم ms1417 الله تعالى كونه. # * فحملته فانتبذت به مكانا قصيا " 22 " فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ~~قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " 23 " فنادها من تحتها ألا ~~تحزني قد جعل ربك تحتك سريا " 24 " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا ~~جنيا " 25 " فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا " 26 " قوله تعالى: * (فحملته) * يعني: ~~عيسى. PageV05P153 # وفي كيفية حملها له قولان: # أحدهما: أن جبريل نفخ في جيب درعها، فاستمر بها حملها، رواه سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس. قال السدي: نفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها، فدخلت ~~النفخة في صدرها فحملت من وقتها. # والثاني: أن الذي خاطبها هو الذي حملته، ودخل من فيها، قاله أبي بن كعب. # وفي مقدار حملها سبعة أقوال: # أحدها: أنها حين حملت وضعت، قاله ابن عباس، والمعنى: أنه ما طال حملها، ~~وليس المراد أنها وضعته في الحال، لأن الله تعالى يقول: * (فحملته فانتبذت ~~به) *، وهذا يدل على أن بين الحمل والوضع وقتا يحتمل الانتباذ به. # والثاني: أنها حملته تسع ساعات، ووضعت من يومها، قاله الحسن. # والثالث: تسعة أشهر قاله سعيد بن جبير، وابن السائب. # والرابع: ثلاث ساعات، حملته في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، قاله ~~مقاتل ابن سليمان. # والخامس: ثمانية أشهر، فعاش، ولم يعش مولود قط لثمانية أشهر، فكان في هذا ~~آية، حكاه الزجاج. # والسادس: في ستة أشهر، حكاه الماوردي. # والسابع: في ساعة واحدة، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: * (فانتبذت به) * يعني بالحمل * (مكانا قصيا) * أي: بعيدا. ~~وقرأ ابن مسعود. وابن أبي عبلة: " قاصيا ". قال ابن إسحاق: مشت ستة أميال. ~~قال الفراء: القصي والقاصي بمعنى واحد. وقال غير الفراء: القصي والقاصي ~~بمنزلة الشهيد والشاهد. وإنما بعدت، فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من ~~غير زوج. # قوله تعالى: * (فأجاءها المخاض) * وقرأ عكرمة، وإبراهيم النخعي، وعاصم ~~الجحدري: # " المخاص " بكسر الميم. قال الفراء: المعنى: فجاء بها المخاص، فلما القيت ~~الباء، جعلت في الفعل ألفا، ms1418 ومثله: * (آتنا غداءنا) * أي: ومثله: * (آتوني ~~زبر الحديد) * أي: بزبر الحديد. # قال أبو عبيدة: أفعلها من جاءت هي فأجاءها غيرها. وقال ابن قتيبة: ~~المعنى: جاء بها، وألجأها، وهو من حيث يقال: جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني ~~الحاجة إليك، والمخاض: الحمل. وقال PageV05P154 # غيره: المخاض: وجع الولادة. * (إلى جذع النخلة) * وهو ساق النخلة، وكانت ~~نخلة يابسة في الصحراء، ليس لها رأس ولا سعف. * (قالت يا ليتني مت قبل هذا) ~~* اليوم، أو هذا الأمر، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: " مت " ~~بكسر الميم. # وفي سبب قولها هذا قولان: # أحدهما: أنها قالته حياء من الناس. # والثاني: لئلا يأثموا بقذفها. # قوله تعالى: * (وكنت نسيا منسيا) * قرا ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، بكسر النون، وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: " ~~نسيا " بفتح النون، قال الفراء: وأصحاب عبد الله يقرؤون: " نسيا " بفتح ~~النون وسائر العرب بكسرها، وهما لغتان، مثل الجسر والجسر، والوتر والوتر، ~~والفتح أحب إلي، قال أبو علي الفارسي: الكسر على اللغتين. وقال ابن ~~الأنباري: من كسر النون قال النسي: اسم لما ينسى، بمنزلة البغض اسم لما ~~يبغض، والسب اسم لما يسب. والنسي بفتح النون: اسم لما ينسى أيضا على أنه ~~مصدر ناب عن الاسم، كما يقال: # الرجل دنف، ودنف، فالمكسور: هو الوصف الصحيح، والمفتوح: مصدر سد مسد ~~الوصف. # ويمكن أن يكون النسي والنسي اسمين لمعنى، كما يقال: الرطل والرطل. # وللمفسرين في قوله تعالى: * (نسيا منسيا) * خمسة أقوال: # أحدها: يا ليتني لما أكن شيئا، قاله الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ~~وابن زيد. # والثاني: " وكنت نسيا منسيا " أي: دم حيضة ملقاة، قاله مجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وعكرمة. # قال الفراء: النسي: ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها. وقال ابن الأنباري: ~~هي خرق الحيض تلقيها المرأة فلا تطلبها ولا تذكرها. # والثالث: أنه من السقط، قاله أبو العالية، والربيع. # والرابع: أن المعنى: ليتني لا يدري، من أنا، قاله قتادة. # والخامس: أنه الشئ التافه يرتحل عنه القوم، فيهون عليهم فلا يرجعون إليه، ~~قاله ms1419 ابن السائب، وقال أبو عبيدة: النسي، والمنسي: ما ينسى من إداوة وعصا. ~~يعني أنه ينسى في المنزل، فلا يرجع إليه لاحتقار صاحبه إياه. وقال الكسائي: ~~معنى الآية: ليتني كنت ما إذا ذكر لم يطلب. # قوله تعالى: * (فناداها من تحتها) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: # " من تحتها " بفتح الميم، والتاء. قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: " من تحتها " بكسر الميم والتاء، فمن قرأ بكسر الميم، ففيه وجهان. ~~PageV05P155 # أحدهما: ناداها الملك من تحت النخلة. وقيل: كانت على نشز، فناداها الملك ~~أسفل منها. # والثاني: ناداها عيسى لما خرج من بطنها. قال ابن عباس: كل ما رفعت إليه ~~طرفك، فهو فوقك، وكل ما خفضت إليه طرفك، فهو تحتك. ومن قرأ من تحتها بفتح ~~الميم، ففيه الوجهان المذكوران، وكان الفراء يقول: ما خاطبها إلا الملك على ~~القراءتين جميعا. # قوله تعالى: * (قد جعل ربك تحتك سريا) * فيه قولان: # أحدهما: أنه النهر الصغير، قاله جمهور المفسرين، واللغويون، قال أبو ~~صالح، وابن جريج: # هو الجدول بالسريانية. # والثاني: أنه عيسى كان سريا من الرجال، قاله الحسن، وعكرمة، وابن زيد، ~~قال ابن الأنباري: # وقد رجع الحسن عن هذا القول إلى القول الأول، ولو كان وصفا لعيسى، كان ~~غلاما سريا أو سريا من الغلمان، وقلما تقول العرب: رأيت عندك نبيلا، حتى ~~يقولوا: رجلا نبيلا. # فإن قيل: كيف ناسب تسليتها أن قيل: لا تحزني، فهذا نهر يجري؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنها حزنت لجدب مكانها الذي ولدت فيه، وعدم الطعام والشراب ~~والماء الذي يتطهر به، فقيل: لا تحزني قد أجرينا لك نهرا، وأطلعنا لك رطبا، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها حزنت لما جرى عليها من ولادة ولد عن غير زوج، فأجرى الله ~~تعالى لها نهرا، فجاءها من الأردن، وأخرج لها الرطب من الشجرة اليابسة، ~~فكان ذلك آية تدل على قدرة الله عز وجل في إيجاد عيسى، قاله مقاتل. # قوله تعالى: * (وهزي إليك) * الهز: التحريك. # والباء في قوله تعالى: * (بجذع النخلة) * فيها قولان: ms1420 # أحدهما: أنها زائدة، كقوله تعالى: * (فليمدد بسبب إلى السماء) * قال ~~الفراء: معناه: فليمدد سببا. والعرب تقول: هزه، وهز به، وخذ الخطام وخذ ~~بالخطام، وتعلق زيدا وتعلق به. # والثاني: أنها مؤكدة كقول الشاعر: # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج هذا مذهب أبي عبيدة. # والثالث: أنها دخلت على الجذع لتلصقه بالهز، فهي مفيدة للالصاق، قاله ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: * (تساقط) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " تساقط " بالتاء مشددة السين، وقرأ حمزة، ~~وعبد الوارث: " تساقط " بالتاء مفتوحة مخففة PageV05P156 # السين، وقرأ حفص عن عاصم: " تساقط " بضم التاء وكسر القاف مخففة السين، ~~وقرأ يعقوب، وأبو زيد عن المفضل: " يساقط " [بالياء] مفتوحة وتشديد السين ~~وفتح القاف. فهذه القراءات المشاهير. وقرأ أبي بن كعب، وأبو حيوة: " يسقط " ~~بفتح التاء وسكون السين ورفع القاف. وقرأ عبد الله بن عمرو، وعائشة، ~~والحسن: " يساقط " بألف وتخفيف السين ورفع الياء وكسر القاف. وقرأ الضحاك، ~~عمرو بن دينار: " يسقط " برفع الياء وكسر القاف مع سكون السين وعدم الألف. ~~وقرأ عاصم الجحدري، وأبو عمران الجوني مثله، إلا أنه بالتاء. وقرأ معاذ ~~القارئ، وابن يعمر مثله، إلا أنه بالنون. وقرأ أبو زرين العقيلي، وابن أبي ~~عبلة: " يسقط " [بالتاء] مفتوحة مع سكون السين ورفع القاف. وقرأ أبو السماك ~~العدوي، وابن حذلم: " تتساقط " بتاءين مفتوحين وبألف. وقال الزجاج: من قرأ ~~" يساقط " فالمعنى: يتساقط، فأدغمت التاء في السين. ومن قرأ " تساقط " ~~فكذلك بالتاء والتخفيف فإنه حذف من تتساقط اجتماع يؤنث ومن قرأ تساقط ~~بالتاء أيضا، وأنث لأن لفظ النخلة مؤنث. ومن قرأ " تساقط " بالتاء ~~والتخفيف، فإنه حذف من " تتساقط " اجتماع التاءين. ومن قرأ " يساقط " ذهب ~~إلى معنى: يساقط الجذع عليك. ومن قرأ " نساقط " بالنون، فالمعنى: نحن نساقط ~~عليك، فنجعله لك آية، والنحويون يقولون: إن " رطبا " منصوب على التمييز إذا ~~قلت: يساقط أو يتساقط، المعنى: يتساقط الجزع رطبا. وإذا قلت تساقط بالتاء، ~~فالمعنى: تتساقط النخلة رطبا. # قوله تعالى: * (جنيا) * قال الفراء: الجني: المجتنى، وقال ابن الأنباري: ~~هو الطري، والأصل: مجنو، صرف من ms1421 مفعول إلى فعيل، كما يقال: قديد، وطبيخ، ~~وقال غيره: هو الطري بغباره; ولم يكن لتلك النخلة رأس، فأنبته الله تعالى، ~~فلما وضعت يدها عليه، سقط الرطب رطبا وكان السلف يستحبون للنفساء الرطب من ~~أجل مريم عليها السلام. # قوله تعالى: * (فكلي) * أي: من الرطب * (واشربي) * من النهر * (وقري ~~عينا) * بولادة عيسى عليه السلام. قال الزجاج: يقال: قررت به عينا أقر، ~~بفتح القاف، " وعينا " منصوب على التمييز. # وروى ابن الأنباري عن الأصمعي أنه قال: معنى " وقري عينا "; ولتبرد ~~دمعتك، لأن دمعة الفرح باردة، ودمعة الحزن حارة. واشتقاق " قري " من ~~القرور، وهو الماء البارد. وقال لنا أحمد بن يحيى: تفسير " قري عينا " بلغت ~~غاية أملك حتى تقر عينك من الاستشراف إلى غيره، واحتج بقول عمرو بن كلثوم: # - بيوم كريهة ضربا وطعنا * أقر به مواليك العيونا - أي: ظفروا وبلغوا ~~منتهى أمنيتهم، فقرت أعينهم من تطلع إلى غيره. # قوله تعالى: * (فأما ترين) * وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، وابن السميفع، ~~والضحاك، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: " ترئن " بهمزة مكسورة من غير ياء. ~~أي: إن رأيت من البشر أحدا PageV05P157 # فقولي، وفيه إضمار تقديره: فسألك عن أمر ولدك. * (فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما) * فيه قولان: # أحدهما: صمتا، قاله ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو رزين العقيلي: " صمتا " ~~مكان قوله: # " صوما " وقرأ ابن عباس: صياما. # والثاني: صوما عن الطعام والشراب والكلام، قاله قتادة. وقال ابن زيد: كان ~~المجتهد من بني إسرائيل يصوم عن الكلام كما يصوم عن الطعام، إلا من ذكر ~~الله عز وجل. قال السدي: فأذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم تسكت. قال ابن ~~مسعود: أمرت بالصمت، لأنها لم تكن لها حجة عند الناس، فأمرت بالكف عن ~~الكلام ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ به ساحتها. وقيل: كانت تكلم الملائكة ~~ولا تكلم الإنس. قال ابن الأنباري: الصوم في لغة العرب على أربعة معان، ~~يقال: صوم لترك الطعام والشراب وصوم للصمت، وصوم لضرب من الشجر، وصوم لذرق ~~النعام. # واختلف العلماء في مقدار سن مريم يوم ولادتها على ثلاثة أقوال: # أحدها: ms1422 أنها ولدت وهي بنت خمس عشرة سنة، قاله وهب بن منبه. # والثاني: بنت اثنتي عشرة، قاله زيد بن أسلم. # والثالث: بنت ثلاث عشرة سنة، قاله مقاتل. # فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا " 27 " يا أخت ~~هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا " 28 " فأشارت إليه قالوا ~~كيف نكلم من كان في المهد صبيا " 29 " قال إني عبد الله آتاني الكتاب ~~وجعلني نبيا " 30 " وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما ~~دمت حيا " 31 " وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا " 32 " والسلام علي يوم ~~ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا " 33 " قوله تعالى: * (فأتت به قومها تحمله) ~~* قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أتتهم به بعد أربعين يوما حين طهرت من ~~نفاسها. وقال في رواية الضحاك: انطلق قومها يطلبونها، فلما رأتهم حملت عيسى ~~فتلقتهم به، فذلك قوله عز وجل: * (فأتت به قومها تحمله) *. # فإن قيل: " أتت به " يغني عن " تحمله " فما فائدة التكرير؟ # فالجواب: أنه لما ظهرت منه آيات، جاز أن يتوهم السامع " فأتت به " أن ~~يكون ساعيا على PageV05P158 # قدميه، فيكون سعية آية كنطقه، فقطع ذلك التوهم، وأعلم أنه كسائر الأطفال، ~~وهذا مثل قول العرب: نظرت إلى فلان بعيني، فنفوا بذلك نظر العطف; والرحمة، ~~وأثبتوا أنه نظر عين. وقال ابن السائب: لما دخلت على قومها بكوا، وكانوا ~~قوما صالحين; و * (قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا) * وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: شيئا عظيما، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. قال الفراء: الفري: ~~العظيم، والعرب تقول: تركته يفري الفري، إذا عمل فأجاد العمل ففضل الناس، ~~قيل هذا فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فما رأيت عبقريا يفري فري ~~عمر ". # والثاني: عجبا فائقا، قاله أبو عبيدة. # والثالث: شيئا مصنوعا، ومنه يقال: فريت الكذب، وافتريته، قاله اليزيدي. # قوله تعالى: * (يا أخت هارون) * في المراد بهارون هذا خمسة أقوال: # أحدها: أنه أخ لها من أمها، وكان من أمثل فتى في بني إسرائيل، قاله أبو ms1423 ~~صالح عن ابن عباس. وقال الضحاك: كان من أبيها وأمها. # والثاني: أنها كانت من بني هارون، قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال السدي: ~~كانت من بني هارون أخي موسى عليهما السلام، فنسبت إليه، لأنها من ولده. # والثالث: أنه رجل صالح كان في بني إسرائيل، فشبهوها به في الصلاح، وهذا ~~مروي عن ابن عباس أيضا، وقتادة، ويدل عليه ما روى المغيرة بن شعبة قال: ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا: ألستم تقرؤون: ~~" يا أخت هارون " وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ فلم أدر ما أجيبهم، ~~فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ألا أخبرتهم أنهم كانوا ~~يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ". # والربع: أن قوم هارون كان فيهم فساق وزناه، فنسبوها إليهم، قاله سعيد بن ~~جبير. # والخامس: أنه رجل من فساق بني إسرائيل شبهوها به، قاله وهب بن منبه. # فعلى هذا يخرج في معنى " الأخت " قولان: # أحدهما: أنها الأخت حقيقة. # والثاني: المشابهة، لا المناسبة، كقوله تعالى: * (وما نريهم من آية إلا ~~هي أكبر من أختها) *. # قوله تعالى: * (ما كان أبوك) * يعنون: عمران * (امرأ سوء) * أي: زانيا * ~~(وما كانت أمك) * حنة * (بغيا) * أي: زانية، فمن أين لك هذا الولد؟! # قوله تعالى: * (فأشارت) * أي: أومأت * (إليه) * أي: إلى عيسى فتكلم، وقيل ~~المعنى: أشارت PageV05P159 # إليه أن كلموه. وكان عيسى قد كلمها حين أتت به قومها وقال: يا أماه أبشري ~~فإني عبد الله ومسيحه، فلما أشارت أن كلموه، تعجبوا من ذلك، و * (قالوا كيف ~~نكلم من كان) * وفيها أربعة أقوال: # أحدها: أنها زائدة، فالمعنى: كيف نكلم صبيا في المهد؟! # والثاني: أنها في معنى: وقع، وحدث. # والثالث: أنها في معنى الشرط والجزاء، فالمعنى: من يكن في المهد صبيا، ~~فكيف نكلمه؟! # حكاها الزجاج واختار الأخير منها، قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: كيف ~~أعظ من كان لا يقبل موعظتي؟! أي: من يكن لا يقبل، والماضي يكون بمعنى ~~المستقبل في الجزاء. # والرابع: أن " كان " بمعنى صار، قاله قطرب. # وفي المراد بالمهد قولان: ms1424 # أحدهما: حجرها، قال نوف، وقتادة، والكلبي. # والثاني: سرير الصبي المعروف، حكاه الكلبي أيضا. # قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم، لم يزد على أن ترك الرضاع، وأقبل عليهم ~~بوجهه، فقال: إني عبد الله، قال المفسرون: إنما قدم ذكر العبودية، ليبطل ~~قول من ادعى فيه الربوبية. # وفي قوله: * (آتاني الكتاب) * أسكن هذه الياء حمزة. وفي معنى الآية ~~قولان: # أحدهما: أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~وقيل: علم التوراة والإنجيل وهو في بطن أمه. # والثاني: قضى أن يؤتيني الكتاب، قاله عكرمة. # وفي " الكتاب " قولان. # أحدهما: أنه التوراة. # والثاني: الإنجيل. # قوله تعالى: * (وجعلني نبيا) * هذا وما بعده إخبار عما قضى الله له وحكم ~~له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون. قيل: المعنى: يؤتيني الكتاب ويجعلني ~~نبيا إذا بلغت; فحل الماضي محل المستقبل، كقوله تعالى: * (وإذ قال الله يا ~~عيسى) *. # وفي وقت تكليمه لهم قولان: # أحدهما: أنه كلمهم بعد أربعين يوما. # والثاني: في يومه. وهو مبني على ما ذكرنا من الزمان الذي غابت عنهم فيه ~~مريم. PageV05P160 # قوله تعالى: * (وجعلني مباركا أينما كنت) * روى أبو هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: " نفاعا حيثما توجهت " وقال مجاهد: ~~معلما للخير. # وفي المراد " بالزكاة " قولان: # أحدهما: زكاة الأموال، قاله ابن السائب. # والثاني: الطهارة: قاله الزجاج. # قوله تعالى: * (وبرا بوالدتي) * قال ابن عباس: لما قال هذا، ولم يقل: " ~~بوالدي " علموا أنه ولد من غير بشر. # قوله تعالى: * (ولم يجعلني جبارا) * أي: متعظما * (شقيا) * عاصيا لربه * ~~(والسلام علي يوم ولدت) * قال المفسرون: السلامة علي من الله يوم ولدت حتى ~~لم يضرني شيطان. وقد سبق تفسير الآية. # فإن قيل: لم ذكر هاهنا " السلام " بألف ولام، وذكره في قصة يحيى بلا ألف ~~ولام؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه لما جرى ذكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام، كان ~~الأحسن أن يرد ثانية بألف ولام، هذا قول الزجاج. # وقد اعترض على هذا القول، فقيل: كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول ms1425 عيسى، على ~~الأول وهو قول الله عز وجل؟! # وقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: عيسى إنما يتعلم من ربه، فيجوز أن يكون ~~سمع قول الله في يحيى، فبنى عليه وألصقه بنفسه، ويجوز أن يكون الله عز وجل ~~عرف السلام الثاني لأنه أتى بعد سلام قد ذكره، وأجراه عليه غير قاصد به ~~اتباع اللفظ المحكي، لأن المتكلم، له أن يغير بعض الكلام الذي يحكيه، ~~فيقول: قال عبد الله: أنا رجل منصف، يريد: قال لي عبد الله: أنت رجل منصف. # والجواب الثاني: أن سلاما والسلام لغتان بمعنى واحد، ذكره ابن الأنباري. # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون " 34 " ما كان لله أن يتخذ ~~من ولد سبحانه PageV05P161 # إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " 35 " وإن الله ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم " 36 " قوله تعالى: * (ذلك عيسى بن مريم) * قال الزجاج: ~~أي، ذلك الذي قال: إني عبد الله، هو ابن مريم، لا ما تقول النصارى: إنه ابن ~~الله، وإنه إله. # قوله تعالى: * (قول الحق) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، ~~والكسائي: " قول الحق " برفع اللام. وقرأ عاصم، وابن عامر، ويعقوب: بنصب ~~اللام. قال الزجاج: من رفع " قول الحق " فالمعنى: هو قول الحق، يعني هذا ~~الكلام; ومن نصب، فالمعنى: أقول قول الحق. وذكر ابن الأنباري في الآية ~~وجهين: # أحدهما: أنه لما وصف بالكلمة جاز أن ينعت بالقول. # والثاني: أن في الكلام إضمارا، تقديره: ذلك نبأ عيسى، ذلك النبأ قول ~~الحق. # قوله تعالى: * (الذي فيه يمترون) أي: يشكون. قال قتادة: امترت اليهود فيه ~~والنصارى، فزعم اليهود أنه ساحر، وزعم النصارى انه ابن الله وثالث ثلاثة. ~~قرأ أبو مجلز، ومعاذ القارئ، وابن يعمر، وأبو رجاء: " تمترون " بالتاء. # قوله تعالى: * (ما كان لله أن يتخذ من ولد) * قال الزجاج: المعنى: أن ~~يتخذ ولدا. و " من " مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة، أن للقائل أن ~~يقول: ما اتخذت فرسا، يريد: اتخذت أكثر من ذلك، وله أن يقول: ما اتخذت ~~فرسين ولا أكثر، ms1426 يريد: اتخذت فرسا واحدا; فإذا قال: ما اتخذت من فرس، فقد ~~دل على نفي الواحد والجميع. # قوله تعالى: * (كن فيكون) * وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة: " ~~فيكون " بالنصب، وقد ذكرنا وجهه في [سورة] البقرة. # قوله تعالى: * (وإن الله ربي وربكم) * قرأ ابن كثير، ونافع; وأبو عمرو: " ~~وأن الله " بنصب الألف، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " وإن الله ~~" بكسر الألف. وهذا من قول عيسى; فمن فتح، عطفه على قوله: * (وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة) * وبأن الله ربي; ومن كسر، ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكون معطوفا على قوله: * (إني عبد الله) *. # والثاني: أن يكون مستأنفا. PageV05P162 # فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم " 37 " أسمع ~~بهم وأبصر بوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين " 38 " وأنذرهم يوم ~~الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون " 39 " إنا نحن نرث الأرض ~~ومن عليها وإلينا يرجعون " 40 " قوله تعالى: * (فاختلف الأحزاب من بينهم) * ~~قال المفسرون: " من " زائدة، والمعنى: اختلفوا بينهم. وقال ابن الأنباري: ~~لما تمسك المؤمنون بالحق، كان اختلاف الأحزاب بين المؤمنين مقصورا عليهم. # وفي الأحزاب قولان: # أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، فكانت اليهود تقول: إنه لغير رشدة، ~~والنصارى تدعي فيه ما لا يليق به. # والثاني: أنهم فرق النصارى، قال بعضهم [- يعني اليعقوبية] هو الله، وقال ~~بعضهم: # [- يعني النسطورية] ابن الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة. # قوله تعالى: * (فويل للذين كفروا) * بقولهم في المسيح * (من مشهد يوم ~~عظيم) * أي: من حضورهم ذلك اليوم للجزاء. # قوله تعالى: * (أسمع بهم وأبصر) * فيه قولان: # أحدهما: أن لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر; فالمعنى: ما أسمعهم وأبصرهم ~~حين لم ينفعهم ذلك لأنهم شاهدوا من أمر الله ما لا يحتاجون معه إلى نظر ~~وفكر فعلموا الهدى وأطاعوا، هذا قول الأكثرين. # والثاني: أسمع بحديثهم اليوم، وأبصر كيف يصنع بهم * (يوم يأتوننا) *، ~~قاله أبو العالية. # قوله تعالى: * (لكن الظالمون) * يعني: المشركين والكفار * (اليوم) * ~~يعني: في الدنيا * (في ضلال مبين) *. # قوله تعالى: * (وأنذرهم) * أي: خوف كفار مكة * (يوم الحسرة) ms1427 * يعني: يوم ~~القيامة يتحسر المسئ إذ لم يحسن، والمقصر إذ لم يزدد من الخير. PageV05P163 # وموجبات الحسرة يوم القيامة كثيرة، فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل ~~النار النار، قيل: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، وقيل: يا أهل النار، ~~فيشرئبون وينظرون، فيجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ ~~فيقولون: هذا الموت، فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل ~~النار خلود فلا موت; ثم قرأ رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: * (وأنذرهم ~~يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) * " قال المفسرون: ~~فهذه هي الحسرة إذا ذبح الموت، فلو مات أحد فرحا مات أهل الجنة، ولو مات ~~أحد حزنا مات أهل النار ومن موجبات الحسرة: روى عدي بن حاتم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى يوم القيامة بناس إلى الجنة، حتى إذا ~~دنوا منها واستنشقوا ريحها ونظروا إلى قصورها، نودوا: أن اصرفوهم عنها، لا ~~نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها. فيقولون: يا ربنا لو ~~أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا; قال: ذلك أردت بكم، ~~كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتوهم مخبتين، ~~تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، وأجللتم ~~الناس ولم تجلوني، تركتم للناس ولم تتركوا لي، فاليوم أذيقكم العذاب مع ما ~~حرمتكم من الثواب. # ومن موجبات الحسرة ما روي عن ابن مسعود قال: ليس من نفس يوم القيامة إلا ~~وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، ثم يقال: يعني لهؤلاء: لو ~~عملتم، ولأهل الجنة، لولا أن من الله عليكم. # ومن موجبات الحسرة: قطع الرجاء عند إطباق النار على أهلها. # قوله تعالى: * (إذ قضي الأمر) * قال ابن الأنباري: " قضي " في اللغة ~~بمعنى: أتقن وأحكم، وإنما سمي الحاكم قاضيا، لإتقانه، وإحكامه ما ينفذ. وفي ~~الآية اختصار، والمعنى: إذ ms1428 قضي الأمر الذي فيه هلاكهم. # وللمفسرين في الأمر قولان: # أحدهما: أنه ذبح الموت، قاله ابن جريج، والسدي. # والثاني: أن المعنى: قضي العذاب لهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: * (وهم في غفلة) * عما يصنع بهم ذلك اليوم * (وهم لا يؤمنون) ~~* بما يكون في الآخرة. PageV05P164 # قوله تعالى: * (إنا نحن نرث الأرض) * أي: نميت سكانها فنرثها * (ومن ~~عليها وإلينا يرجعون) * بعد الموت. # فإن قيل: ما الفائدة في " نحن " وقد كفت عنها " إنا "؟. # فالجواب: أنه لما جاز في قول المعظم: " إنا نفعل " أن يوهم أن أتباعه ~~فعلوا، وأبانت " نحن " بأن الفعل مضاف إليه حقيقة. # فإن قيل: فلم قال: " ومن عليها " وهو يرث الآدميين وغيرهم؟! # فالجواب: أن " من " تختص أهل التمييز، وغير المميزين يدخلون في معنى ~~الأرض ويجرون مجراها، ذكر الجوابين عن السؤالين ابن الأنباري. # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا " 41 " إذ قال لأبيه يا أبت ~~لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا " 42 " يا أبت إني قد جاءني ~~من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا " 43 " يا أبت لا تعبد ~~الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا " 44 " يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب ~~من الرحمن فتكون للشيطان وليا " 45 " قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ~~لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا " 46 " قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه ~~كان بي حفيا " 47 " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا ~~أكون بدعاء ربي شقيا " 48 " فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له ~~إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا " 49 " ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان ~~صدق عليا " 50 " قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب إبراهيم) * أي: أذكر لقومك ~~قصته. وقد سبق معنى الصديق. # قوله تعالى: * (ولا يغني عنك شيئا) * أي: لا يدفع عنك ضرا. # قوله تعالى: * (إني قد جاءني من العلم) * بالله والمعرفة * (ما لم يأتك) ~~*. # قوله تعالى: * (لا تعبد الشيطان) * أي: لا تطعه فيما يأمر به من الكفر ~~والمعاصي. وقد ms1429 شرحنا PageV05P165 # معنى " كان " آنفا. و * (عصيا) * أي: عاصيا، فهو " فعيل " بمعنى " فاعل ~~". # قوله تعالى: * (إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن) * قال مقاتل: في ~~الآخرة; وقال غيره: في الدنيا، * (فتكون للشيطان وليا) * أي: قريبا في عذاب ~~الله، فجرت المقارنة مجرى الموالاة. وقيل: إنما طمع إبراهيم في إيمان أبيه، ~~لأنه حين خرج من النار قاله له: نعم الإله إلهك يا إبراهيم، فحينئذ أقبل ~~يعظه، فأجابه أبوه: * (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) *! أي: أتارك ~~عبادتها أنت؟! * (لئن لم تنته) * عن عيبها وشتمها * (لأرجمنك) * وفيه ~~قولان: # أحدهما: بالشتم والقول، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: بالحجارة حتى تتباعد عني، قاله الحسن. # قوله تعالى: * (واهجرني مليا) * فيه قولان: # أحدهما: اهجرني طويلا، رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~والفراء، والأكثرون. قال ابن قتيبة: اهجرني حينا طويلا، ومنه يقال: تمليت ~~حبيبك. # والثاني: اجتنبني سالما قبل أن تصيبك عقوبتي، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال قتادة، والضحاك; فعلى هذا يكون من قولهم: فلام ملي بكذا وكذا: إذا ~~كان مضطلعا به، فالمعنى: اهجرني وعرضك وافر، وأنت سليم من أذاي، قاله ابن ~~جرير. # قوله تعالى: * (قال سلام عليك) * أي: سلمت من أن أصيبك بمكروه، وذلك أنه ~~لم يؤمر بقتاله على كفره، * (سأستغفر لك ربي) * فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته. # والثاني: أنه وعده الاستغفار وهو لا يعلم أن ذلك محظور في حق المصرين على ~~الكفر، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (إنه كان بي حفيا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لطيفا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد، والزجاج. # والثاني: رحيما، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: بارا عودني منه الإجابة إذا دعوته، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: * (وأعتزلكم) * أي: وأتنحى منه عنكم، * (و) * أعتزل * (ما ~~تدعون من دون الله) * يعني الأصنام. # وفي معنى " تدعون " قولان: # أحدهما: تعبدون. # والثاني: أن المعنى: وما تدعونه ربا، * (وأدعو ربي) * أي: وأعبده * (عسى ~~ألا أكون بدعاء PageV05P166 # ربي شقيا) * أي: أرجو ms1430 أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام، ~~لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم * (فلما اعتزلهم) * قال المفسرون: هاجر ~~عنهم إلى أرض الشام، فوهب الله له إسحاق ويعقوب، فآنس الله وحشته عن فراق ~~قومه بأولاد كرام. قال أبو سليمان: وإنما وهب له إسحاق ويعقوب بعد إسماعيل. # قوله تعالى: * (وكلا) * أي: وكلا من هذين. وقال مقاتل: * (وكلا) * يعني: ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب * (جعلناه نبيا) *. # قوله تعالى: * (ووهبنا لهم من رحمتنا) * قال المفسرون: المال والولد ~~والعلم والعمل، * (وجعلنا لهم لسان صدق عليا) *: أي: ذكرا حسنا في الناس ~~مرتفعا، فجميع أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم، فوضع ~~اللسان مكان القول، لأن القول يكون باللسان. # واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا " 51 " وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا " 52 " ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون ~~نبيا " 53 " قوله تعالى: * (إنه كان مخلصا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، والمفضل عن عاصم: " مخلصا " بكسر اللام. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم بفتح اللام. قال الزجاج: المخلص، بكسر اللام: الذي ~~وحد الله، وجعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسة، والمخلص، بفتح اللام: ~~الذي أخلصه الله، وجعله مختارا خالصا من الدنس. # قوله تعالى: * (وكان رسولا) * قال ابن الأنباري: إنما أعاد * (كان) * ~~لتفخيم النبي المذكور. # قوله تعالى: * (وناديناه من جانب الطور) * أي: من ناحية الطور، وهو جبل ~~بين مصر ومدين اسمه زبير. قال ابن الأنباري: خاطب الله العرب بما يستعملون ~~في لغتهم، ومن كلامهم: عن يمين القبلة وشمالها، يعنون: مما يلي يمين ~~المستقبل لها وشماله، فنقلوا الوصف إلى ذلك اتساعا عند انكشاف المعنى، لأن ~~الوادي لا يد له فيكون له يمين. وقال المفسرون: جاء النداء عن يمين موسى، ~~فلهذا قال: " الأيمن "; ولم يرد به يمين الجبل. # قوله تعالى: * (وقربناه نجيا) * قال ابن الأنباري: معناه: مناجيا، فعبر " ~~فعيل " عن مفاعل، كما قالوا: فلان خليطي وعشيري: يعنون: مخالطي ومعاشري. ~~وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: " وقربناه " قال: حتى ms1431 سمع صريف ~~القلم حين كتب له في الألواح. PageV05P167 # قوله تعالى: * (ووهبنا له من رحمتنا) * أي: من نعمتنا عليه إذ أجبنا ~~دعاءه حين سأل أن نجعل معه أخاه وزيرا له. # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا " 54 " وكان ~~يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا " 55 " واذكر في الكتاب ~~إدريس إنه كان صديقا نبيا " 56 " ورفعناه مكانا عليا " 57 " قوله تعالى: * ~~(إنه كان صادق الوعد) * هذا عام فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين ~~الناس، وقال مجاهد: لم يعد ربه بوعد قط إلا وفي له به. # فإن قيل: كيف خص بصدق الوعد إسماعيل، وليس في الأنبياء من ليس كذلك؟ # فالجواب: أن إسماعيل عانى في الوفاء بالوعد ما لم يعانه غيره من ~~الأنبياء، فأثني عليه بذلك. وذكر المفسرون: أنه كان بينه وبين رجل ميعاد، ~~فأقام ينتظره مدة فيها لهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أقام حولا، قاله ابن عباس. # والثاني: اثنين وعشرين يوما، قاله الرقاشي. # والثالث: ثلاثة أيام، قاله مقاتل. # قوله تعالى: * (وكان رسولا) * إلى قومه، وهم جرهم. * (وكان يأمر أهله) * ~~قال مقاتل: يعني: # قومه. وقال الزجاج: أهله جميع أمته. فأما الصلاة والزكاة، فهما العبادتان ~~المعروفتان. # قوله تعالى: * (ورفعناه مكانا عليا) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه في السماء الرابعة، روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من ~~حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: أنه ~~رأى إدريس في السماء الرابعة، وبهذا قال أبو سعيد الخدري، ومجاهد، وأبو ~~العالية. # والثاني: أنه في السماء السادسة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~الضحاك. # والثالث: أنه في الجنة، قاله زيد بن أسلم، وهذا يرجع إلى الأول، لأنه قد ~~روي أن الجنة في السماء الرابعة. # والرابع: أنه في السماء السابعة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # وفي سبب صعوده إلى السماء ثلاثة أقوال: PageV05P168 # أحدها: أنه كان يصعد له من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم; فأحبه ملك ~~الموت، فاستأذن الله في خلته، فأذن له، فهبط إليه ms1432 في صورة آدمي، يقول ~~يصحبه، فلما عرفه، قال: إني أسألك حاجة، قال: ما هي؟ قال: تذيقني الموت، ~~فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا; فأوحى الله إليه أن اقبض روحة ~~ساعة ثم أرسله، ففعل، ثم قال: كيف رأيت؟ قال: كان أشد مما بلغني عنه، وإني ~~أحب أن تريني النار، قال: فحمله، فأراه إياها; قال: إني أحب أن تريني ~~الجنة، فأراه إياها، فلما دخلها وطاف فيها، قال له ملك الموت: اخرج، فقال: ~~والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يخرجني; فبعث الله ملكا فحكم بينهما، ~~فقال: ما تقول يا ملك الموت؟ فقص عليه ما جرى; فقال: ما تقول يا إدريس؟ ~~قال: إن الله تعالى قال: * (كل نفس ذائقة الموت) * وقد ذقته، وقال: * (وإن ~~منكم إلا واردها) * وقد وردتها، وقال لأهل الجنة: * (وما هم منها بمخرجين) ~~*، فوالله لا أخرج حتى يكون الله يخرجني; فسمع هاتفا من فوقه يقول: بإذني ~~دخل، وبأمري فعل، فخل سبيله; هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # فإن سأل سائل فقال: من أين لإدريس هذه الآيات، وهي في كتابنا؟! فقد ذكر ~~ابن الأنباري عن بعض العلماء، قال: كان الله تعالى قد أعلم إدريس بما ذكر ~~في القرآن من وجوب الورود، وامتناع الخروج من الجنة، وغير ذلك; فقال ما ~~قاله بعلم. # والثاني: أن ملكا من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إلى إدريس، فأذن له، ~~فلما عرفه إدريس، قال: هل بينك وبين ملك الموت قرابة؟ قال: ذاك أخي من ~~الملائكة، قال: هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت؟ قال: سأكلمه فيك، فيرفق ~~بك، اركب بين جناحي، فركب إدريس، فصعد به إلى السماء فلقي ملك الموت، فقال: ~~إن لي إليك حاجة، قال; أعلم ما حاجتك، تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من ~~الصحيفة ولم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين؟! فمات إدريس بين جناحي الملك، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال أبو صالح عن ابن عباس: فقبض ملك الموت روح ~~إدريس في ms1433 السماء السادسة. # والثالث: أن إدريس مشى يوما في الشمس، فأصابه وهجها، فقال: اللهم خفف ~~ثقلها عمن يحملها، يعني به الملك الموكل بالشمس، فلما أصبح الملك وجد من ~~خفة الشمس وحرها مالا يعرف، فسأل الله تعالى عن ذلك، فقال: إن عبدي إدريس ~~سألني أن أخفف عنك حملها وحرها، فأجبته، فقال: يا رب اجمع بيني وبينه، ~~واجعل بيننا خلة، فأذن له، فأتاه، فكان فيما قاله إدريس: # اشفع لي إلى ملك الموت ليؤخر أجلي، فقال: إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء ~~أجلها، ولكن أكلمه فيك، فما كان مستطيعا أن يفعل بأحد من بني آدم فعل بك ثم ~~حمله الملك على جناحه، فرفعه PageV05P169 # إلى السماء، فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال: إن لي إليك ~~حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، قال: ليس ذاك إلي، ولكن ~~إن أحببت أعلمته متى يموت، فنظر في ديوانه، فقال: إنك كلمتني في إنسان ما ~~أراه يموت أبدا، ولا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: إني أتيتك وتركته ~~هناك، قال: انطلق، فما أراك تجده إلا ميتا، فوالله ما بقي من أجله شئ، فرجع ~~الملك فرآه ميتا. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وكعب في آخرين. فهذا القول ~~والذي قبله يدلان على أنه ميت، والقول الأول يدل على أنه حي. # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا " 58 " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا " 59 " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون شيئا " 60 " جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده ~~مأتيا " 61 " لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " ~~62 " تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا " 63 " وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما ms1434 بين ذلك وما كان ربك نسيا " 64 " رب ~~السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا " 65 " ~~قوله تعالى: * (أولئك) * يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة * (من ~~ذرية آدم) * يعني إدريس * (وممن حملنا مع نوح) * يعني إبراهيم، لأنه من ولد ~~سام بن نوح * (ومن ذرية إبراهيم) * يريد: # إسماعيل وإسحاق ويعقوب * (وإسرائيل) * وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى ~~وعيسى. # قوله تعالى: * (وممن هدينا) * أي: وهؤلاء كانوا ممن أرشدنا، * (واجتبينا) ~~* أي: واصطفينا. # قوله تعالى: * (خروا سجدا) * قال الزجاج: " سجدا " حال مقدرة، المعنى: ~~خروا مقدرين السجود، لأن الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا، ف‍ " سجدا " ~~منصوب على الحال، وهو جمع ساجد * (وبكيا) * معطوف عليه، وهو جمع باك فقد ~~بين الله تعالى أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا من خشية ~~الله. PageV05P170 # قوله تعالى: * (فخلف من بعدهم خلف) * قد شرحناه في [سورة] الأعراف. # وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي. # والثالث: أنهم من هذه الأمة، يأتون عند ذهاب صالحي أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم يتبارون بالزنا، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زناة، قاله مجاهد، ~~وقتادة. # قوله تعالى: * (أضاعوا الصلاة) * وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين العقيلي، ~~والحسن البصري: # " الصلوات " على الجمع. # وفي المراد بإضاعتهم حتى إياها قولان: # أحدهما: أنهم أخروها عن وقتها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وعمر بن عبد ~~العزيز، والقاسم ابن مخيمرة. # والثاني: تركوها، قاله القرظي، واختاره الزجاج. # قوله تعالى: * (واتبعوا الشهوات) * قال أبو سليمان الدمشقي: وذلك مثل ~~استماع الغناء، وشرب الخمر، والزنا، واللهو، وما شاكل ذلك مما يقطع عن أداء ~~فرائض الله عز وجل. # قوله تعالى: * (فسوف يلقون غيا) * ليس معنى هذا اللقاء مجرد الرؤية، ~~وإنما المراد به الاجتماع والملابسة مع الرؤية. # وفي المراد بهذا الغي ستة أقوال: # أحدها: أنه واد في جهنم، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وبه قال كعب. # والثاني: أنه نهر في جهنم، قاله ms1435 ابن مسعود. # والثالث: أنه الخسران، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: أنه العذاب، قاله مجاهد. # والخامس: أنه الشر، قاله ابن زيد، وابن السائب. # والسادس: أن المعنى: فسوف يلقون مجازاة الغي، كقوله: * (يلق أثاما) * أي: ~~مجازاة الآثام، قاله الزجاج. # قوله تعالى: * (إلا من تاب وآمن) * فيه قولان: # أحدهما: تاب من الشرك، وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. ~~PageV05P171 # والثاني: تاب من التقصير في الصلاة، وآمن من اليهود والنصارى. # قوله تعالى: * (جنات عدن) * وقرأ أبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن يعمر، ~~وابن أبي عبلة: # " جنات " برفع التاء. وقرأ الحسن البصري، والشعبي، وابن السميفع: " جنة ~~عدن " على التوحيد مع رفع التاء. وقرأ أبو مجلز، وأبو المتوكل الناجي: " ~~جنة عدن " على التوحيد مع نصب التاء. وقوله. # * (التي وعد الرحمن عبادة بالغيب) * أي: وعدهم بها، ولم يروها، فهي غائبة ~~عنهم قوله تعالى: * (إنه كان وعده مأتيا) * فيه قولان: # أحدهما: آتيا، قال ابن قتيبة: وهو " مفعول " في معنى " فاعل " وهو قليل ~~أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به. وقال الفراء: إنما لم يقل: آتيا، لأن ~~كل ما أتاك، فأنت تأتيه; ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة، وأتت على ~~خمسون. # والثاني: مبلوغا إليه، قاله ابن الأنباري. وقال ابن جريج: " وعده " ~~هاهنا: موعوده، وهو الجنة، و " مأتيا ": يأتيه أولياؤه. # قوله تعالى: * (لا يسمعون فيها لغوا) * فيه قولان: # أحدهما: أنه التخالف عند شرب الخمر، قاله مقاتل. # والثاني: ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: ~~اللغو في العربية: # الفاسد المطرح. # قوله تعالى: * (إلا سلاما) * قال أبو عبيدة: السلام ليس من اللغو، والعرب ~~تستثني الشئ بعد الشئ وليس منه، وذلك أنها تضمر فيه، فالمعنى: إلا أنها ~~يسمعون فيها سلاما. وقال ابن الأنباري: استثنى السلام من غير جنسه، وفي ذلك ~~توكيد للمعنى المقصود، لأنهم إذ لم يسمعوا من اللغو إلا السلام، فليس ~~يسمعون لغوا البتة، وكذلك قوله: * (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) *. # إذا لم يخرج من عداوتهم لي غير رب العالمين، فكلهم عدو. ms1436 # وفي معنى هذا السلام قولان: # أحدهما: أنه تسليم الملائكة عليهم، قاله مقاتل. # والثاني: أنهم لا يسمعون إلا ما يسلمهم، ولا يسمعون ما يؤثمهم، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: * (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) * قال المفسرون: ليس في ~~الجنة بكرة ولا عشية، ولكنهم يؤتون برزقهم - على مقدار ما كانوا يعرفون - ~~في الغداة والعشي. قال الحسن: كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من ~~الغداء والعشاء، فذكر الله لهم ذلك. وقال قتادة: كانت العرب PageV05P172 # إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجب به، فأخبر الله أن لهم في الجنة ~~رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك الوقت، وليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ~~ونور. وروى الوليد بن مسلم، قال: سألت زهير بن محمد عن قوله تعالى: * (بكرة ~~وعشيا) * فقال: ليس في الجنة ليل ولا نهار، هم في نور أبدا، ولهم مقدار ~~الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون ~~مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب. # قوله تعالى: * (تلك الجنة) * الإشارة إلى قوله * (فأولئك يدخلون الجنة) ~~*. # قوله تعالى: * (نورث) * وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والشعبي، ~~وقتادة، وابن أبي عبلة: بفتح الواو وتشديد الراء. قال المفسرون: ومعنى " ~~نورث " نعطي، فيكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك مستأنف. وقد شرحنا هذا ~~في [سورة] الأعراف. # قوله تعالى: * (وما نتنزل إلا بأمر ربك) * وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر: ~~" وما يتنزل " بياء مفتوحة. # وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلو قال: " يا جبريل ما يمنعك أن ~~تزورنا "، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن الملك أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه، قال: ~~" قد فعلت "، قال: وما لي لا أفعل، وأنتم لا تتسوكون، ولا تقصون أظفاركم، ~~ولا تنقون براجمكم، فنزلت الآية، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: البراجم ~~عند العرب: الفصوص التي في ظهور الأصابع، تبدو إذا جمعت، وتغمض إذا بسطت. ~~والرواجب: ما بين البراجم، بين كل برجمتين راجبة. # والثالث: أن جبريل احتبس ms1437 عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن ~~قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، فلم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه ~~جبريل بجواب، فأبطأ عليه، فشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة ~~شديدة، فلما نزل جبريل قال له: " أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك " ~~فقال جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست ~~احتبست، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة، وقتادة، والضحاك. # وفي سبب احتباس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولان: # أحدهما: لامتناع أصحابه من كمال النظافة، كما ذكرنا في حديث مجاهد. ~~PageV05P173 # والثاني: لأنهم سألوه عن قصة أصحاب الكهف، فقال: " غدا أخبركم "، ولم ~~يقل: إن شاء الله; وقد سبق هذا في سورة * (الكهف) * وفي مقدار احتباسه عنه ~~خمسة أقوال: # أحدها: خمسة عشر يوما; وقد ذكرناه في * (الكهف) * عن ابن عباس. # والثاني: أربعون يوما، قاله عكرمة، ومقاتل. # والثالث: اثنتا عشرة ليلة، قاله مجاهد. # والرابع: ثلاثة أيام، حكاه مقاتل. # والخامس: خمسة وعشرون يوما، حكاه الثعلبي. وقيل: إن سورة * (الضحى) * ~~نزلت في هذا السبب. والمفسرون على أن قوله: * (وما نتنزل إلا بأمر ربك) * ~~قول جبريل. وحكى الماوردي: أنه قول أهل الجنة إذا دخلوها، فالمعنى: ما ننزل ~~هذه الجنان إلا بأمر الله. وقيل: ما ننزل موضعا من الجنة إلا بأمر الله. # وفي قوله * (ما بين أيدينا وما خلفنا) * قولان: # أحدهما: ما بين أيدينا: الآخرة، وما خلفنا: الدنيا، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: ما بين أيدينا: ما مضى من الدنيا، وما خلفنا من الآخرة، فهو عكس ~~ما بين أيدينا: # قبل أن نخلق، وما خلفنا بعد الفناء. # وفي قوله تعالى: * (وما بين ذلك) * ثلاثة أقوال: # أحدها: ما بين الدنيا والآخرة، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: ما بين النفختين، قاله مجاهد، وعكرمة، وأبو العالية. # والثاني: حين كوننا، قاله الأخفش. قال ابن الأنباري: وإنما وحد ذلك، ~~والإشارة إلى شيئين: # أحدهما: " ما بين أيدينا ". # والثاني: " ما خلفنا "، لأن العرب توقع ms1438 ذلك على الاثنين والجمع. # قوله تعالى: * (وما كان ربك نسيا) * النسي، بمعنى الناسي. # وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: ما كان تاركا لك منذ أبطأ الوحي عنك، قاله ابن عباس. قال مقاتل: ~~ما نسيك عند انقطاع الوحي عنك. PageV05P174 # والثاني: أنه عالم بما كان ويكون، لا ينسى شيئا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: * (فاعبده) * أي: وحده، لأن عبادته بالشرك ليست عبادة، * ~~(واصطبر لعبادته) * أي: اصبر على توحيده وأمره ونهيه. # قوله تعالى: * (هل تعلم له سميا) * روى هارون عن أبي عمرو أنه كان يدغم " ~~هل تعلم "، ووجهه أن سيبويه يجيز إدغام اللام في التاء والثاء والدال ~~والزاي والسين والصاد والطاء، لأن آخر مخرج من اللام قريب من مخارجهن، قال ~~أبو عبيدة: إذا كان بعد " هل " تاء، ففيه لغتان وبعضهم يبين لام " هل "، ~~وبعضهم يدغمها. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: مثلا وشبها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: هل تعلم أحدا يسمى " الله " غيره، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: هل تعلم أحدا يستحق أن يقال له: خالق وقادر، إلا هو، قاله ~~الزجاج. # ويقول الإنسان إذا ما مت لسوف أخرج حيا " 66 " أو لا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا " 67 " فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم ~~حول جهنم جثيا " 68 " ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا " 69 ~~" ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا " 70 " وإن منكم إلا واردها كان ~~على ربك حتما مقضيا " 71 " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " ~~72 " قوله تعالى: * (ويقول الإنسان) * سبب نزولها أن أبي بن خلف أخذ عظما ~~بالياء، فجعل يفته بيده ويذريه في الريح ويقول: زعم لكم محمد أن الله ~~يبعثنا بعد أن نكون مثل هذا العظم البالي، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. وروى عطاء عن ابن عباس: أنه الوليد بن المغيرة. # قوله تعالى: * (لسوف أخرج حيا) * إن قيل: ظاهره ظاهر سؤال، فأين جوابه؟ ms1439 ~~فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري: PageV05P175 # أحدها: أن ظاهر الكلام استفهام، ومعناه معنى جحد وإنكار، تلخيصه: لست ~~مبعوثا بعد الموت. # والثاني: أنه لما استفهم بهذا الكلام عن البعث، أجابه الله عز وجل بقوله: ~~* (أولا يذكر الإنسان) *، فهو مشتمل على معنى: نعم، وأنت مبعوث. # والثالث: أن جواب سؤال هذا الكافر في يس عند قوله عز وجل: * (وضرب لنا ~~مثلا) *، ولا ينكر بعد الجواب، لأن القرآن كله بمنزلة الرسالة الواحدة، ~~والسورتان مكيتان. # قوله تعالى: * (أولا يذكر الإنسان) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: بفتح الذال مشددة الكاف. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: " يذكر " ~~ساكنة الذال خفيفة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل الناجي: بياء وتاء. وقرأ ~~ابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن: " يذكر " بياء من ~~غير تاء ساكنة الذال مخففة مرفوعة الكاف، والمعنى: أولا يتذكر هذا الجاحد ~~أول خلقه، فيستدل بالابتداء على الإعادة؟! * (فوربك لنحشرنهم) * يعني: ~~المكذبين بالبعث * (والشياطين) * أي: مع الشياطين، وذلك أن كل كافر يحشر مع ~~شيطانه في سلسلة، * (ثم لنحضرنهم حول جهنم) * قال مقاتل: أي: في جهنم، وذلك ~~أن حول الشئ يجوز أن يكون داخله، تقول: جلس القوم حول البيت: إذا جلسوا ~~داخله مطيفين به. وقيل: يجثون حولها قبل أن يدخلوها. # فأما قوله: * (جثيا) * فقال الزجاج: هو جمع جاث، مثل قاعد وقعود، وهو ~~منصوب على الحال، والأصل ضم الجيم، وجاء كسرها اتباعا لكسرة الثاء. # وللمفسرين في معناه خمسة أقوال: # أحدها: قعودا، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: جماعات جماعات، وروي عن ابن عباس أيضا. فعلى هذا هو جمع جثوة ~~وهي المجموع من التراب والحجارة. # والثالث: جثيا على الركب، قاله الحسن، ومجاهد والزجاج. # والرابع: قياما، قاله أبو مالك. # والخامس: قياما على ركبهم، قاله السدي، وذلك لضيق المكان بهم. # قوله تعالى: * (لننزعن من كل شيعة) * أي: لنأخذن من كل فرقة وأمة وأهل ~~دين * (أيهم أشد PageV05P176 # على الرحمن عتيا) * أي: أعظمهم له معصية، والمعنى: أنه يبدأ بتعذيب ~~الأعتى فالأعتى، وبالأكابر جرما، والرؤوس القادة في الشر. قال الزجاج: وفي ms1440 ~~رفع " أيهم " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه على الاستئناف، ولم تعمل: " لننزعن " شيئا، هذا قول يونس. # والثاني: أنه على معنى الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن عتيا؟ قاله ~~الخليل، واختاره الزجاج، وقال: التأويل: لننزعن الذي من أجل عتوه يقال: أي ~~هؤلاء أشد عتيا؟ وأنشد: # - ولقد أبيت عن الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم - أي: أبيت بمنزلة ~~الذي يقال له: لا هو حرج ولا محرم. # والثالث: أن " أيهم " مبنية على الضم، لأنه خالفت أخواتها، فالمعنى: أيهم ~~هو أفضل. # وبيان خلافها لأخواتها انك تقول: اضرب أيهم أفضل. ولا يحسن: اضرب من ~~أفضل، حتى تقول: من هو أفضل، ولا يحسن: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ~~ولا خذ ما أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، فلما خالفت " ما " و " من " و " ~~الذي " بنيت على الضم، قاله سيبويه. # قوله تعالى: * (هم أولى بها صليا) * يعني: أن الأولى بها صليا الذين هم ~~أشد عتيا فيبتدأ بهم قبل أتباعهم. و " صليا " منصوب على التفسير، يقال: صلي ~~النار يصلاها: إذا دخلها وقاسى حرها. # قوله تعالى: * (وإن منكم إلا واردها) * في الكلام إضمار تقديره: وما منكم ~~أحد إلا وهو واردها. # وفيمن عني بهذا الخطاب قولان: # أحدهما: أنه عام في حق المؤمن والكافر، هذا قول الأكثرين. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: هذه الآية للكفار. وأكثر الروايات عنه كالقول الأول. قال ابن ~~الأنباري; ووجه هذا أنه لما قال: " لنحضرنهم " وقال " أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا " كان التقدير; وإن منهم، فأبدلت الكاف من الهاء، كما فعل في قوله: * ~~(إن هذا كان لكم جزاء) * المعنى: كان لهم، لأنه مردود على قوله: * (وسقاهم ~~ربهم) *، وقال الشاعر: # - شطت مزار العاشقين فأصبحت * عسرا علي طلابك ابنة مخرم - أراد: طلابها. ~~وفي هذا الورود خمسة أقوال: # أحدها: أنه الدخول. روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " الورود: الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخله، فتكون على ~~المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن ms1441 PageV05P177 # للنار - أو قال: لجهنم - ضجيجا من بردهم ". وروي عن ابن عباس أنه سأله ~~نافع بن الأزرق عن هذه الآية، فقال له: " أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر ~~أيخرجنا الله عز وجل منها، أم لا؟ فاحتج بقوله تعالى * (فأوردهم النار) * ~~وبقوله تعالى: * (أنتم لها واردون) *. وكان عبد الله بن رواحة يبكي ويقول: ~~أنبئت أني وارد، ولم أنبأ أني صادر. وحكى الحسن البصري: أن رجلا قال لأخيه: ~~يا أخي هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم; قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ ~~قال: لا; قال: ففيم الضحك؟! وقال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة، ~~قالوا: ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ # فيقال لهم: بلى، ولكن مررتم بها وهي خامدة. # وممن ذهب إلى أنه الدخول: الحسن في رواية، وأبو مالك. وقد اعترض على ~~أرباب هذا القول بأشياء. فقال الزجاج: العرب تقول: وردت بلد كذا، ووردت ماء ~~كذا: إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا، ومنه قوله تعالى: * (ولما ورد ماء ~~مدين) * والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى: # * (أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها) *، وقال زهير: # - فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصي الحاضر المتخيم - أي: لما بلغن ~~الماء قمن عليه. # قلت: وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج، فقال: أما الآية الأولى، فإن موسى لما ~~أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم، كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل، وأما الآية ~~الأخرى; فإنها تضمنت الإخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها، وحينئذ لا ~~يسمعون حسيسها. وقد روينا آنفا عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها، ولا ~~يعلمون. # والثاني: أن الورود: الممر عليها، قاله عبد الله بن مسعود، وقتادة. وقال ~~ابن مسعود: يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ~~ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كشد الرحل، ثم كمشية. # والثالث: أو ورودها: حضورها، قاله عبيد بن عمير. # والرابع: أو ورود المسلمين: المرور على الجسر، وورود المشركين: دخولها. ~~قاله ابن زيد. # والخامس: أن ورود المؤمن إليها: ما يصيبه من الحمى في الدنيا، روى عثمان ~~بن ms1442 الأسود عن مجاهد أنه قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: * (وإن ~~منكم إلا واردها) * فعلى هذا PageV05P178 # من حم من المسلمين، فقد وردها. # قوله تعالى: * (كان على ربك) * يعني: الورود حتما والحتم: ايجاب القضاء، ~~والقطع بالأمر. والمقضي: الذي قضاه الله تعالى، والمعنى: إنه حتم ذلك وقضاه ~~على الخلق. # قوله تعالى: * (ثم ننجي الذين اتقوا) * وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، وابن ~~يعمر، وابن أبي ليلى، وعاصم الجحدري: " ثم " بفتح الثاء. وقرأ الكسائي، ~~ويعقوب: " ننجي " مخففة. # وقرأت عائشة، وأبو بحرية، وأبو الجوزاء الربعي: " ثم ينجي " بياء مرفوعة ~~قبل النون خفيفة الجيم مكسورة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وابن السميفع، ~~وأبو رجاء: " ننحي " بحاء غير معجمة مشددة. وهذه الآية يحتج بها القائلون ~~بدخول جميع الخلق، لأن النجاة: تخليص الواقع في الشئ، ويؤكده قوله تعالى: * ~~(ونذر الظالمين فيها) * ولم يقل: وندخلهم; وإنما يقال: نذر وترك لمن قد حصل ~~في مكانه. ومن قال: إن الورود للكفار خاصة، قال: معنى هذا الكلام: # نخرج المتقين من جملة من يدخل النار. والمراد بالمتقين: الذين اتقوا ~~الشرك، وبالظالمين: # الكفار، وقد سبق معنى قوله عز وجل: * (جثيا) * وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا " 73 ~~" وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا " 74 " قوله تعالى: * (وإذا ~~تتلى عليهم) * يعني: المشركين (آياتنا) يعني: القرآن * (قال الذين كفرا) * ~~يعني: مشركي قريش * (للذين آمنوا) * أي: لفقراء المؤمنين * (أي الفريقين ~~خير مقاما) * قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، ~~وحفص عن عاصم مقاما بفتح الميم وقرأ ابن كثير بضم الميم. قال أبو علي ~~الفارسي: المقام: اسم المثوى، إن فتحت الميم أو ضمت. # قوله تعالى: * (وأحسن نديا) * والندي والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم. وقال ~~الفراء: # الندي والنادي، لغتان. ومعنى الكلام: أنحن خير، أم أنتم؟ فافتخروا عليهم ~~بالمساكن والمجالس، فأجابهم الله تعالى فقال: * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) ~~* وقد بينا معنى القرن في PageV05P179 # الأنعام وشرحنا الأثاث في النحل. # فأما قوله ms1443 تعالى: * (ورئيا) * فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: # " ورئيا " بهمزة بين الراء والياء في وزن: " رعيا "; قال الزجاج: ~~ومعناها: منظرا، من " رأيت ". # وقرأ نافع، وابن عامر: " ريا " بياء مشددة من غير همز، قال الزجاج: لها ~~تفسيران. # أحدهما: أنها بمعنى الأولى. والثاني: أنها من الري، فالمعنى: منظرهم مرتو ~~ولا من النعمة، كأن النعيم بين فيهم. # وقرأ ابن عباس، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي سريج عن الكسائي: " ~~زيا " بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز. قال الزجاج: ومعناها: حسن ~~هيئتهم. # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا " 75 " ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا " 76 " ~~قوله تعالى: * (قل من كان في الضلالة) * أي: في الكفر والعمى عن التوحيد * ~~(فليمدد له الرحمن) * قال الزجاج: وهذا لفظ أمر، ومعناه الخبر، والمعنى: أن ~~الله تعالى جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها. قال ابن الأنباري: خاطب الله ~~العرب بلسانها، وهي تقصد التوكيد للخبر بذكر الأمر، يقول أحدهم: إن زارنا ~~عبد الله فلنكرمه، يقصد التوكيد، وينبه على أني ألزم نفسي إكرامه; ويجوز أن ~~تكون اللام لام الدعاء على معنى: قل يا محمد: من كان في الضلالة فاللهم مد ~~له في العمر مدا. قال المفسرون: ومعنى مد الله تعالى له: إمهاله في الغي. * ~~(حتى إذا رأوا) * يعني الذين مدهم في الضلالة. وإنما أخبر عن الجماعة، لأن ~~لفظ " من " يصلح للجماعة. # ثم ذكر ما يوعدون فقال: * (إما العذاب) * يعني: القتل، والأسر * (وإما ~~الساعة) * يعني: القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار * (فسيعلمون من ~~هو شر مكانا) * في الآخرة، أهم، أم المؤمنون؟ لأن مكان هؤلاء الجنة، ومكان ~~هؤلاء النار، * (و) * يعلمون بالنصر والقتل من (أضعف جندا) جندهم، أم جند ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]. وهذا رد عليهم في قولهم: * (أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا) *. PageV05P180 # قوله تعالى: * (ويزيد الله ms1444 الذين اهتدوا هدى) * فيه خمسة أقوال: # أحدهما: ويزيد الله الذين اهتدوا بالتوحيد إيمانا. # والثاني: يزيدهم له بصيرة في دينهم. # والثالث: يزيدهم بزيادة الوحي إيمانا، فكلما نزلت سورة زاد إيمانهم. # والرابع: يزيدهم إيمانا بالناسخ والمنسوخ. # والخامس: يزيد الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ. قال الزجاج: المعنى: ~~إن الله تعالى يجعل جزاءهم أن يزيدهم يقينا، كما جعل جزاء الكافر أن يمده ~~في ضلالته. # قوله تعالى: * (والباقيات الصالحات) * قد ذكرناها في [سورة] الكهف. # قوله تعالى: * (وخير مردا) * المرد هاهنا مصدر مثل الرد، والمعنى: وخير ~~ردا للثواب على عامليها، فليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت. # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا " 77 " أطلع الغيب أم ~~اتخذ عند الرحمن عهدا " 78 " كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا " 79 ~~" ونرثه ما يقول ويأتينا فردا " 80 " قوله تعالى: * (أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا) * في سبب نزولها قولان: # أحدهما: ما روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث مسروق عن خباب ~~قال: # كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا ~~والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم حتى تموت، ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال ~~وولد، فأعطيتك، فنزلت فيه هذه الآية، إلى قوله عز وجل: # * (فردا) *. # والثاني: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وهذا مروي عن الحسن. والمفسرون ~~على الأول. # قوله تعالى: * (لأوتين مالا وولدا) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، ~~وعاصم، وابن عامر: بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي: بضم الواو. وقال ~~الفراء: وهما لغتان، كالعدم، PageV05P181 # والعدم، وليس يجمع، وقيس تجعل الولد جمعا، والولد، بفتح الواو، واحدا. # وأين زعم هذا الكافر أن يؤتى المال والولد؟ فيه قولان. أحدهما: أنه أراد ~~في الجنة على زعمكم. والثاني: في الدنيا. قال ابن الأنباري: وتقدير الآية ~~أرأيته مصيبا؟! # قوله تعالى: * (أطلع الغيب) * قال ابن عباس في رواية: أعلم ما غاب عنه ~~حتى يعلم أفي الجنة هو، أم لا؟! وقال ms1445 في رواية أخرى: أنظر في اللوح ~~المحفوظ؟! # قوله تعالى: * (أم أتخذ عند الرحمن عهدا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أم قال: لا إله إلا الله، فأرحمه بها؟ قاله ابن عباس. # والثاني: أم قدم عملا صالحا، فهو يرجوه؟! قاله قتادة. # والثالث: أم عهد إليه أنه يدخله الجنة؟! قاله ابن السائب. # قوله تعالى: * (كلا) * أي: ليس الأمر على ما قال من أنه يؤتى المال ~~والولد. ويجوز أن يكون معنى " كلا " أي: إنه لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند ~~الله عهدا. * (سنكتب ما يقول) * أي: # سنأمر الحفظة بإثبات قوله عليه لنجازيه به، * (ونمد له من العذاب مدا) * ~~أي: نجعل بعض العذاب على إثر بعض. وقرأ أبو العالية الرياحي، وأبو رجاء ~~العطاردي: " سيكتب " " ويرثه " بياء مفتوحة. # قوله تعالى: * (ونرثه ما يقول) * فيه قولان: # أحدهما: نرثه ما يقول أنه له في الجنة، فنجعله لغيره من المسلمين، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء. # والثاني: نرث ما عنده من المال، والولد، بإهلاكنا إياه، وإبطال ملكه، وهو ~~مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال قتادة. قال الزجاج: المعنى: سنسلبه المال ~~والولد، ونجعله لغيره. # قوله تعالى: * (ويأتينا فردا) * أي: بلا مال ولا ولد. # واتخذ من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا " 81 " كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا " 82 " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ~~أزا " 83 " فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا " 84 " PageV05P182 # قوله تعالى: * (واتخذوا من دون الله آلهة) * يعني: المشركين عابدي ~~الأصنام * (ليكونوا لهم عزا) * قال الفراء: ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة. # قوله تعالى: * (كلا) * أي: ليس الأمر كما قدروا، * (سيكفرون) * يعني ~~الأصنام بجحد عبادة المشركين، كقوله عز وجل: * (كانوا إيانا يعبدون) * ~~لأنها كانت جمادا لا تعقل العبادة، * (ويكونون) * يعني: الأصنام * (عليهم) ~~* يعني: المشركين * (ضدا) * أي: أعوانا عليهم في القيامة، يكذبونهم ~~ويلعنونهم. # قوله تعالى: * (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين) * قال الزجاج: في معنى هذا ~~الإرسال وجهان: # أحدهما: خلينا بين الشياطين وبين الكافرين فلم نعصمهم من القبول منهم. # والثاني: وهو المختار: سلطانهم عليهم، ms1446 وقيضناهم لهم بكفرهم. * (تؤزهم ~~أزا) * أي: # تزعجهم إزعاجا حتى يركبوا المعاصي. وقال الفراء: تزعجهم إلى المعاصي، ~~وتغريهم بها. قال ابن فارس: يقال: أزه على كذا: إذا أغراه به، وأزت القدر: ~~غلت قوله تعالى: * (فلا تعجل عليهم) * أي: لا تعجل بطلب عذابهم. وزعم بعضهم ~~أن هذا منسوخ بآية السيف، وليس بصحيح، * (إنما نعد لهم عدا) * في هذا ~~المعدود ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أنفاسهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال طاووس، ~~ومقاتل. # والثاني: الأيام، والليالي، والشهور، والسنون، والساعات، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنها أعمالهم، قاله قطرب. # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا " 85 " ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا " ~~86 " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " 87 " قوله تعالى: * ~~(يوم نحشر المتقين) * قال بعضهم: هذا متعلق بقوله تعالى: * (ويكونون عليهم ~~ضدا، يوم نحشر المتقين) * وقال بعضهم: تقديره: أذكر لهم يوم نحشر المتقين، ~~وهم الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معصيته. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران ~~الجوني: " يوم يحشر " بياء مفتوحة ورفع الشين " ويسوق " بياء مفتوحة ورفع ~~السين. وقرأ أبي بن كعب، والحسن البصري، ومعاذ القارئ، وأبو المتوكل ~~الناجي: " يوم يحشر " بياء مرفوعة وفتح الشين " المتقون " رفعا " ويساق " ~~بألف وياء مرفوعة " المجرمون " بالواو على الرفع. والوفد: جمع PageV05P183 # وافد، مثل: ركب، وراكب، وصحب، وصاحب. قال ابن عباس، وعكرمة، والفراء: # الوفد الركبان. قال ابن الأنباري: الركبان عند العرب: ركاب الإبل. # وفي زمان هذا الحشر قولان: # أحدهما: أنه من قبورهم إلى الرحمن، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # والثاني: أنه بعد الحساب، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: * (ونسوق المجرمين) * يعني: الكافرين * (إلى جهنم وردا) * ~~قال ابن عباس، وأبو هريرة، والحسن: عطاشا. قال أبو عبيدة: الورد: مصدر ~~الورود. وقال ابن قتيبة: الورد: # جماعة يردون الماء، يعني: أنهم عطاش، لأنه لا يرد الماء إلا العطشان. ~~وقال ابن الأنباري: # معنى قوله: " وردا ": واردين. # قوله تعالى: * (لا يملكون الشفاعة) * أي: لا يشفعون، ولا يشفع لهم. # قوله تعالى: * (إلا من اتخذ ms1447 عند الرحمن عهدا) * قال الزجاج: جائز أن يكون ~~" من " في موضع رفع على البدل من الواو والنون، فيكون المعنى: لا يملك ~~الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا; وجائز أن يكون في موضع نصب على ~~استثناء ليس من الأول، فالمعنى: لا يملك الشفاعة المجرمون، ثم قال: " إلا " ~~على معنى " لكن " * (من اتخذ عند الرحمن عهدا) * فإنه يملك الشفاعة. والعهد ~~هاهنا: توحيد الله والإيمان به. وقال ابن الأنباري: تفسير العهد في اللغة: ~~تقدمة أمر يعلم ويحفظ، من قولك: عهدت فلانا في المكان، أي: عرفته، وشهدته. # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا " 88 " لقد جئتم شيئا إدا " 89 " تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا " 90 " أن دعوا للرحمن ولدا " 91 " ~~وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا " 92 " إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا " 93 " لقد أحصاهم وعدهم عدا " 94 " وكلهم آتية يوم القيامة ~~فردا " 95 " قوله تعالى: * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) * يعني: اليهود، ~~والنصارى، ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله * (لقد جئتم شيئا ~~إدا) * أي: شيئا عظيما من الكفر. قال أبو عبيدة: الإد، والنكر: الأمر ~~المتناهي العظم. # قوله تعالى: * (تكاد السماوات يتفطرن) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة، PageV05P184 # وأبو بكر عن عاصم: " تكاد " بالتاء. وقرأ نافع، والكسائي: " يكاد " ~~بالياء. وقرءا جميعا: # " يتفطرن " بالياء والتاء مشددة الطاء، وافقهما ابن كثير، وحفص عن عاصم ~~في " يتفطرن " وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: " ينفطرن " بالنون وهذا ~~خلافهم في عسق. وقرأ حمزة، وابن عامر في [سورة] مريم مثل أبي عمرو، وفي عسق ~~مثل أبن كثير. ومعنى " يتفطرن منه " يقاربن الانشقاق من قولكم. قال ابن ~~قتيبة: وقوله تعالى: " هدا " أي: سقوطا. # قوله تعالى: * (أن دعوا) * قال الفراء: من أن دعوا، ولأن دعوا. وقال أبو ~~عبيدة: معناه: # أن جعلوا، وليس هو من دعاء الصوت، وأنشد: # - ألا رب من تدعو نصيحا وإن تغب * تجده بغيب غير منتصح الصدر - قوله ~~تعالى: * (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) * أي: ما يصلح ms1448 له، ولا يليق به ~~اتخاذ الولد، لأن الولد يقتضي مجانسة، وكل متخذ ولدا يتخذه من جنسه، والله ~~تعالى منزه عن أن يجانس شيئا، أو يجانسه، فمحال في حقه اتخاذ الولد، * (إن ~~كل) * أي: ما كل * (من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن) * يوم القيامة * ~~(عبد) * ذليلا خاضعا. والمعنى: أن عيسى وعزيرا والملائكة عبيد له. قال ~~القاضي أبو يعلى: وفي هذا دلالة على أن الوالد إذا اشترى ولده، لم يبق ملكه ~~عليه، وإنما يعتق بنفس الشراء، لأن الله تعالى نفى البنوة لأجل العبودية، ~~فدل على أنه لا يجتمع بنوة ورق. # قوله تعالى: * (لقد أحصاهم) * أي: علم عددهم * (وعدهم عدا) * فلا يخفى ~~عليه مبلغ جميعهم من كثرتهم * (وكلهم آتية يوم القيامة فردا) * بلا مال، ~~ولا نصير يمنعه. # فإن قيل: لأية علة وحد في " الرحمن " و " آتية " وجمع في العائد في " ~~أحصاهم، وعدهم ". # فالجواب: أن لكل لفظ توحيدا، وتأويل جمع، فالتوحيد محمول على اللفظ، ~~والجمع مصروف إلى التأويل. # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " 96 " فإنما ~~يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا " 97 " وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هل تحس منهم من أحد PageV05P185 # أو تسمع لهم ركزا " 98 " قوله تعالى: * (سيجعل لهم الرحمن ودا) * قال ابن ~~عباس: نزلت في علي رضي الله عنه، وقال معناه: يحبهم، ويحببهم المؤمنين. قال ~~قتادة: يجعل لهم ودا في قلوب المؤمنين. ومن هذا حديث أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أحب الله عبدا قال: يا جبريل، إني أحب ~~فلانا فأحبوه، فيلقى حبه على أهل الأرض فيحب "، وذكر في البغض مثل ذلك. ~~وقال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله عز ~~وجل بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. # قوله تعالى: * (فإنما يسرناه بلسانك) * يعني: القرآن. قال ابن قتيبة: أي، ~~سهلناه، وأنزلناه بلغتك واللد: جمع ألد، وهو الخصم الجدل. # قوله تعالى: * (وكم أهلكنا قبلهم) * هذا تخويف لكفار مكة * (هل تحس) ms1449 * ~~قال الزجاج: # أي: هل ترى، يقال: هل أحسست صاحبك، أي: هل رأيته؟ والركز: الصوت الخفي; ~~وقال ابن قتيبة: الصوت الذي لا يفهم، وقال أبو صالح: حركة، والله تعالى ~~أعلم. PageV05P186 # (20) سورة طه مكية وآياتها خمس وثلاثون ومائة بسم الله الرحمن الرحيم طه ~~" 1 " ما أنزلناه عليك القرآن لتشقى " 2 " إلا تذكرة لمن يخشى " 3 " تنزيلا ~~ممن خلق الأرض والسماوات العلى " 4 " الرحمن على العرش استوى " 5 " له ما ~~في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى " 6 " وإن تجهر بالقول ~~فإنه يعلم السر وأخفى " 7 " الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى " 8 " ~~وهي مكية كلها بإجماعهم. وفي سبب نزول * (طه) * ثلاث أقوال: # أحدها: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان يراوح بين قدميه، يقوم على ~~رجل، حتى نزلت هذه الآية، قاله علي رضي الله عنه. # والثاني: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لما نزل عليه القرآن صلى هو ~~و أصحابه فأطال القيام، فقالت قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ~~ليشقى، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. # والثالث: أن أبا جهل، والنضر بن الحارث، والمطعم بن عدي، قالوا يا رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم]: # إنك لتشقى بترك ديننا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي " طه " قراءات. قرأ ابن كثير، وابن عامر: " طه " بفتح الطاء والهاء. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بكسر الطاء والهاء. وقرأ نافع: " ~~طه " بين الفتح والكسر، وهو إلى الفتح أقرب; كذلك قال خلف عن المسيبي. وقرأ ~~أبو عمرو: بفتح الطاء وكسر الهاء وروى عنه عباس مثل حمزة. وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو رزين العقيلي، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية: بكسر PageV05P187 # الطاء وفتح الهاء. وقرأ الضحاك، ومورق العجلي: " طه " بكسر الطاء وسكون ~~الهاء. # واختلفوا في معناها على أربعة أقوال: # أحدها: أن معناها: يا رجل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة; واختلف هؤلاء بأي لغة هي، على أربعة ~~أقوال: # أحدها: بالنبطية، رواه عكرمة عن ms1450 ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير في ~~رواية، والضحاك. # والثاني: بلسان عك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: بالسريانية، قاله عكرمة في رواية، وسعيد بن جبير في رواية، ~~وقتادة. # والرابع: بالحبشية، قاله عكرمة في رواية. قال ابن الأنباري: ولغة قريش ~~وافقت هذه اللغة في المعنى. # والثاني: أنها حروف من أسماء. ثم فيها قولان: # أحدهما: أنها من أسماء الله تعالى. ثم فيها قولان: # أحدهما: أن الطاء من اللطيف، والهاء من الهادي، قاله ابن مسعود، وأبو ~~العالية، والثاني: # أن الطاء افتتاح اسمه " طاهر " و " طيب " والهاء افتتاح اسمه " هادي " ~~قاله سعيد بن جبير. والقول الثاني: أنها من غير أسماء الله تعالى. ثم فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الطاء من طابة وهي مدينة رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~والهاء من مكة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # والثاني: أن الطاء: طرب أهل الجنة، والهاء: هو أن أهل النار. # والثالث: أن الطاء: في حساب الجمل تسعة، والهاء خمسة، فتكون أربعة عشر. ~~فالمعنى: يا أيها البدر ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، حكى القولين الثعلبي. # والثالث: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # وقد شرحناه معنى كونه اسما في فاتحة (مريم). وقال القرظي: أقسم الله ~~بطوله وهدايته; وهذا القول قريب المعنى من الذي قبله. # والرابع: أن معناه: طأ الأرض بقدميك، قاله مقاتل بن حيان. ومعنى قوله ~~تعالى * (لتشقى) *: # لتتعب وتبلغ من الجهد ما قد بلغت، وذلك أنه اجتهد في العبادة وبالغ، حتى ~~إنه كان يراوح بين قدميه لطول القيام، فأمر بالتخفيف. # قوله تعالى: * (إلا تذكرة) * قال الأخفش: هو بدل من قوله تعالى: * ~~(لتشقى) * ما أنزلناه إلا PageV05P188 # تذكرة، أي: عظة. # قوله تعالى: * (تنزيلا) * قال الزجاج: المعنى: أنزلناه تنزيلا، و * ~~(العلى) * جمع العليا، تقول: # سماء عليه، وسماوات على، مثل الكبرى، والكبر، فأما " الثرى " فهو التراب ~~الندي، والمفسرون يقولون: أراد الثرى الذي تحت الأرض السابعة. # قوله تعالى: * (وإن تجهر بالقول) * أي: ترفع صوتك * (فإنه يعلم السر) * ~~والمعنى: لا تجهد ms1451 نفسك برفع الصوت، فإن الله يعلم السر. # وفي المراد ب‍ " السر وأخفى " خمسة أقوال: # أحدها: أن السر: ما أسره الإنسان في نفسه، وأخفى: ما لم يكن بعد وسيكون، ~~رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والثاني: أن السر: ما حدثت به نفسك، وأخفى: ما لم تلفظ به، قاله سعيد بن ~~جبير. # والثالث: أن السر: العمل الذي يسره الإنسان من الناس، وأخفى منه: ~~الوسوسة، قاله مجاهد. # والرابع: أن معنى الكلام: يعلم إسرار عباده; وقد أخفى سره عنهم فلا يعلم، ~~قاله زيد بن أسلم، وابنه. # والخامس: يعلم ما أسره الإنسان إلى غيره، وما أخفاه في نفسه، قاله ~~الفراء. # قوله تعالى: * (له الأسماء الحسنى) * قد شرحناه في [سورة] الأعراف. # وهل أتاك حديث موسى " 9 " إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى " 10 " فلما أتاها نودي يا موسى ~~" 11 " إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى " 12 " وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى " 13 " PageV05P189 # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " 14 " إن ~~الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى " 15 " فلا يصدنك عنها من ~~لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى " 16 " قوله تعالى: * (وهل أتاك حديث موسى) * ~~هذا استفهام تقرير، ومعناه: قد أتاك. قال ابن الأنباري: وهذا معروف عند ~~اللغويين أن تأتي " هل " معبرة عن " قد "، فقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو أفصح العرب: " اللهم هل بلغت "، يريد: قد بلغت. # قال وهب بن منبه: استأذن موسى شعيبا [عليهما السلام] في الرجوع إلى ~~والدته، فإذن له، فخرج بأهله، فولد له في الطريق في ليلة شاتية، فقدح فلم ~~يرو الزناد، فبينا هو في مزاولته ذلك، أبصرا نارا من بعيد عن يسار الطريق; ~~وقد ذكرنا هذا الحديث بطولة في كتاب " الحدائق " فكر هنا إطالة التفسير ~~بالقصص، لأن غرضنا الاقتصار على التفسير ليسهل حفظه، قال المفسرون: # رأى نورا، ولكن أخبر بما كان في ظن موسى. ms1452 * (فقال لأهله) * يعنى: امرأته ~~* (امكثوا) * بضم الهاء هاهنا وفي القصص * (إني آنست نارا) * قال الفراء: ~~إني وجدت، يقال: هل آنست أحدا، أي: # وجدت؟ وقال ابن قتيبة: " آنست " بمعنى أبصرت. فأما القبس، فقال الزجاج: ~~هو ما أخذته من النار في رأس عود أو في رأس فتيلة. # قوله تعالى: * (أو أجد على النار هدى) * قال الفراء: أراد: هاديا، فذكره ~~بلفظ المصدر، قال ابن الأنباري: يجوز أن تكون " على " هاهنا بمعنى " عند "، ~~وبمعنى " مع "، وبمعنى الباء. وذكر أهل التفسير أنه كان قد ضل الطريق، فعلم ~~أن النار لا تخلو من موقد. وحكى الزجاج: أنه ضل عن الماء، فرجا أن يجد من ~~يهديه الطريق أو يدله على الماء. # قوله تعالى: * (فلما أتاها) * يعني: النار * (نودي يا موسى إني أنا ربك) ~~* إنما كرر الكناية، لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإزالة الشبهة، ومثله * ~~(إني أنا النذير المبين) *. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: " أني " ~~بفتح الألف والياء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: # " إني " بكسر الألف، إلا أن نافعا فتح الياء، قال الزجاج: من قرأ: " أني ~~أنا " بالفتح، PageV05P190 # فالمعنى: نودي بأني أنا ربك، ومن قرأ بالكسر، فالمعنى: نودي يا موسى، ~~فقال الله: إني أنا ربك. # قوله تعالى: * (فاخلع نعليك) * في سبب أمره بخلعهما قولان: # أحدهما: أنهما كانا من جلد حمار ميت، رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبه قال علي بن أبي طالب، وعكرمة. # والثاني: أنهما كانا من جلد بقرة ذكية، ولكنه أمر بخلعهما ليباشر تراب ~~الأرض المقدسة، فتناله بركتها، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. # قوله تعالى: * (إنك بالواد المقدس) * فيه قولان قد ذكرناهما في [سورة] ~~المائدة عند قوله تعالى: * (الأرض المقدسة) *. # قوله تعالى: * (طوى) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: * (طوى وأنا) * ~~غير مجراة. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " طوى " مجراة; وكلهم ~~ضم الطاء، وقرأ الحسن وأبو حيوة: # " طوى " بكسر الطاء مع التنوين، وقرأ علي بن نصر عن أبي عمرو: " طوى " ~~بكسر الطاء من غير تنوين. قال الزجاج: ms1453 في " طوى " أربعة أوجه. طوى، بضم ~~أوله من غير تنوين وبتنوين. فمن نونه، فهو اسم للوادي. وهو مذكر سمي بمذكر ~~على فعل نحو حطم وصرد، ومن لم ينونه ترك صرفه من جهتين: # إحداهما: أن يكون معدولا عن طاو، فيصير مثل " عمر " المعدول عن عامر، فلا ~~ينصرف كما لا ينصرف " عمر ". # والجهة الثانية: أن يكون اسما للبقعة، كقوله: * (في البقعة المباركة) *، ~~وإذا كسر ونون فهو مثل معي. والمعنى: المقدس مرة بعد مرة كما قال عدي بن ~~زيد: # - أعاذل، إن اللوم في غير كنهه * علي طوى من غيك المتردد - أي: اللوم ~~المكرر علي; ومن لم ينون جعله اسما للبقعة. # وللمفسرين في معنى " طوى " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اسم الوادي، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أن معنى " طوى " طأ الوادي، رواه عكرمة عن ابن عباس، وعن مجاهد ~~كالقولين PageV05P191 # والثالث: أنه قدس مرتين، قاله الحسن وقتادة. # قوله تعالى: * (وأنا اخترتك) * أي: اصطفيتك، وقرأ حمزة، والمفضل: " وأنا ~~" بالنون المشددة " اخترناك " بألف. * (فاستمع لما يوحى) * أي: للذي يوحى، ~~قال ابن الأنباري: الاستماع هاهنا محمول على الإنصات. المعنى: فأنصت لوحيي، ~~والوحي هاهنا قوله: * (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) * أي: وحدني، ~~* (وأقم الصلاة لذكري) * فيه قولان: # أحدهما: أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، سواء كنت في وقتها أو لم تكن، ~~هذا قول الأكثرين. ورى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من ~~نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها غير ذلك، وقرأ: * (أقم الصلاة ~~لذكري) * ". # والثاني: أقم الصلاة لتذكرني فيها، قاله مجاهد: وقيل: إن الكلام مردود ~~على قوله: # * (فاستمع) *، فيكون المعنى: فاستمع لما يوحى، واستمع لذكري. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبي بن كعب، وابن السميفع: " وأقم الصلاة للذكرى " بلامين وتشديد ~~الذال. # قوله تعالى: * (أكاد أخفيها) * أكثر القراء على ضم الألف. # ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أكاد أخفيها من نفسي، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد في ~~آخرين. وقرأ ابن سعود، وأبي كعب، ومحمد بن علي: ms1454 أكاد أخفيها من نفسي، قال ~~الفراء: المعنى: فكيف أظهركم عليها؟ قال المبرد: وهذا على عادة العرب، ~~فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشئ: # كتمته حتى من نفسي، أي: لم أطلع عليه أحدا. # والثاني: أن الكلام تم عند قوله: " أكاد "، وبعده مضمر تقديره: أكاد آتي ~~بها والابتداء: # أخفيها، قال ضابئ البرجمي: # هممت ولم أفعل وكدت أراد: كدت أفعل. # والثالث: أن معنى " أكاد ": أريد، قال الشاعر: # - كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من لهو الصبابة ما مضى - معناه: ~~أرادت وأردت، ذكرهما ابن الأنباري. # فإن قيل: فما فائدة هذا الاخفاء الشديد؟ # فالجواب: أنه للتحذير والتخويف، ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوه كان أشد ~~حذرا. وقرأ PageV05P192 # سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبو رجاء العطاردي، وحميد بن قيس: " ~~أخفيها " بفتح الألف، قال الزجاج: ومعناه: أكاد أظهرها، قال امرؤ القيس: # - وإن تدفنوا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد - أي: إن تدفنوا ~~الداء لا نظهره. قال: وهذه القراءة أبين في المعنى، لأن معنى " أكاد أظهرها ~~" قد أخفيتها يحيى وكدت أظهرها. * (لتجزى كل نفس بما تسعى) * أي: بما تعمل. ~~و * (لتجزى) * متعلق بقوله: * (إن الساعة آتية) * لتجزى، ويجوز أن يكون على ~~" أقم الصلاة لذكري " لتجزى. # قوله تعالى: * (فلا يصدنك عنها) * أي: عن الإيمان بها * (من لا يؤمن بها) ~~* أي: من لا يؤمن بكونها; والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لجميع ~~أمته، * (واتبع هواه) * أي: مراده وخالف أمر الله عز وجل، * (فتردى) * أي: ~~فتهلك; قال الزجاج: يقال: ردي يردى ردى: إذا هلك. # وما تلك بيمينك يا موسى " 17 " قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على ~~غنمي ولى فيها مآرب أخرى " 18 " قال ألقها يا موسى " 19 " فألقها فإذا هي ~~حية تسعى " 20 " قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى " 21 " واضمم يدك ~~إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى " 22 " لنريك من آياتنا الكبرى " ~~23 " قوله تعالى: * (وما تلك بيمينك) * قال الزجاج: " تلك " اسم مبهم يجري ~~مجرى " التي "، والمعنى: ما ms1455 التي بيمينك؟ # قوله تعالى: * (أتوكأ عليه) * التوكؤ: التحامل على الشئ واليابس * (وأهش ~~بها) * قال الفراء: # أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه غنمي، قال الزجاج: واشتقاقه من ~~أني أحيل الشئ إلى الهشاشة والإمكان. والمآرب: الحاجات، واحدها: مأربة، ~~ومأربة، وروى قتيبة، وورش: " مآرب " بإمالة الهمزة. # فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الله تعالى له: " وما تلك بيمينك " وهو ~~يعلم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن لفظه لفظ الاستفهام، ومجراه مجرى السؤال، ليجيب المخاطب ~~بالإقرار به، فتثبت عليه الحجة باعترافه فلا يمكنه الجحد، ومثله في الكلام ~~أن تقول لمن تخاطبه وعندك ماء: ما هذا؟ فيقول: ماء، فتضع عليه شيئا من ~~الصبغ، فإن قال: لم يزل هكذا، قلت له: ألست قد PageV05P193 # اعترفت بأنه ماء؟ فتثبت عليه الحجة، هذا قول الزجاج. فعلى هذا تكون ~~الفائدة أنه قرر موسى أنها عصا لما أراد أن يريه من قدرته في انقلابها حية، ~~فوقع المعجز بها بعد التثبت في أمرها. # والثاني: أنه لما اطلع الله تعالى على ما في قلب موسى من الهيبة والإجلال ~~حين التكليم، أراد أن يؤانسه ويخفف عن ثقل ما كان فيه من الخوف، فأجرى هذا ~~الكلام للاستئناس، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # فإن قيل: قد كان يكفي في الجواب أن يقول: " هي عصاي " فما الفائدة في ~~قوله: " أتوكأ عليها " إلى آخر الكلام، وإنما يشرح هذا لمن لا يعلم ~~فوائدها؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه أجاب بقوله: " هي عصاي " فقيل له: ما تصنع بها؟ فذكر باقي ~~الكلام جوابا عن سؤال ثان، قاله ابن عباس، ووهب. # والثاني: أنه إنما أظهر فوائدها، وبين حاجته إليها، خوفا أن يأمره ~~بإلقائها كالنعلين، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: أنه بين منافعها لئلا يكون عابثا بحملها، قاله الماوردي. # فإن قيل: فلم اقتصر على ذكر بعض منافعها ولم يطل الشرح؟ فعنه ثلاثة ~~أجوبة: # أحدها: أنه كره ان يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها. # والثاني: أنه استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد. # والثالث: أنه اقتصر على اللازم دون العارض. # وقيل: كانت تضيء له بالليل، وتدفع ms1456 عنه الهوام، وتثمر له إذا اشتهى ~~الثمار. # وفي جنسها قولان: # أحدهما: أنها كانت من آس الجنة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها كانت من عوسج. # فإن قيل: المآرب جمع، فكيف قال: " أخرى " ولم يقل: " أخر "؟ # فالجواب: أن المآرب في معنى جماعة، فكأنه قال: جماعة من الحاجات أخرى، ~~قاله الزجاج. # قوله تعالى: * (قال ألقها يا موسى) * قال المفسرون: ألقاها، ظنا منه أنه ~~قد أمر برفضها، فسمع حسا فالتفت فإذا هي كأعظم ثعبان تمر بالصخرة العظيمة ~~فتبتلعها، فهرب منها. # وفي وجه الفائدة في إظهار هذه الآية ليلة المخاطبة قولان: # أحدهما: لئلا يخاف منها إذا ألقاها بين يدي فرعون. PageV05P194 # والثاني: ليريه أن الذي أبعثك إليه دون ما أريتك، فكما ذللت لك الأعظم ~~وهو الحية، أذلل لك الأدنى. # ثم إن الله تعالى أمره بأخذها وهي على حالها حية، فوضع يده عليها فعادت ~~عصا، فذلك قوله: * (سنعيدها سيرتها الأولى) * قال الفراء: طريقتها، يقول: ~~تردها عصى كما كانت، قال الزجاج: " وسيرتها " منصوبة على اسقاط الخافض ~~وإفضاء الفعل إليها، المعنى: سنعيدها إلى سيرتها. # فإن قيل: إنما كانت العصا واحدة، وكان إلقاؤها مرة، فما وجه اختلاف ~~الأخبار عنها، فإنه يقول في الأعراف * (فإذا هي ثعبان مبين) *، وهاهنا: " ~~حية " وفي مكان آخر: * (كأنها جان) * ليست بالعظيمة، والثعبان أعظم الحيات؟ # فالجواب: أن صفتها بالجان عبارة عن ابتداء حالها، وبالثعبان إخبار عن ~~انتهاء حالها، والحية اسم يقع على الصغير والكبير والذكر والأنثى. وقال ~~الزجاج: خلقها خلق الثعبان العظيم، واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز ~~الجان. # قوله تعالى: * (واضمم لأنه يدك إلى جناحك) * قال الفراء: الجناح من أسفل ~~العضد إلى الإبط. # وقال أبو عبيدة: الجناح ناحية الجنب، وانشد: # أضمه للصدر والجناح قوله تعالى: * (تخرج بيضاء من غير سوء) * أي: من غير ~~برص * (آية أخرى) * أي: دلالة على صدقك سوى العصا. قال الزجاج: ونصب " آية ~~" على معنى: آتيناك آية، أو نؤتيك. # قوله تعالى: * (لنريك من آياتنا الكبرى) *. # إن قيل: لم لم يقل: " الكبر "؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه كقوله: * (مآرب أخرى) * وقد شرحناه، هذا قول الفراء. ms1457 # والثاني: أن فيه إضمارا تقديره: لنريك من آياتنا الآية الكبرى. وقال أبو ~~عبيدة: فيه تقديم وتأخير، تقديره: لنريك الكبرى من آياتنا. # والثالث: أنه إنما كان ذلك لوفاق رأس الآي، حكى القولين الثعلبي. ~~PageV05P195 # اذهب إلى فرعون إنه طغى " 24 " قال رب اشرح لي صدري " 25 " ويسر لي أمري ~~" 26 " واحلل عقدة من لساني " 27 " يفقهوا قولي " 28 " واجعل لي وزيرا من ~~أهلي " 29 " هارون أخي " 30 " أشدد به أزري " 31 " وأشركه في أمري " 32 " ~~كي نسبحك كثيرا " 33 " ونذكرك كثيرا " 34 " إنك كنت بنا بصيرا " 35 " قوله ~~تعالى: * (إنه طغى) * أي: جاوز الحد في العصيان. # قوله تعالى: * (اشرح لي صدري) * قال المفسرون: ضاق موسى صدرا بما كلف من ~~مقاومة فرعون وجنوده، فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى لا يخاف فرعون ~~وجنود. ومعنى قوله: # * (يسر لي أمري) *: سهل علي ما بعثتني له. * (واحلل عقدة من لساني) * قال ~~ابن قتيبة: كانت فيه رتة قال المفسرون: كان فرعون قد وضع موسى في حجره وهو ~~صغير، فجر لحية فرعون بيده، فهم بقتله، فقالت له آسية: إنه لا يعقل، وسأريك ~~بيان ذلك، قدم إليه جمرتين ولؤلؤتين، فإن اجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل، ~~فأخذ موسى جمرة فوضعها في فيه فأحرقت لسانه وصار فيه عقدة، فسأل حلها ~~ليفهموا كلامه. # وأما، الوزير فقال ابن قتيبة: أصل الوزارة من الوزر وهو الحمل، كان ~~الوزير قد حمل عن السلطان الثقل، وقال الزجاج. اشتقاقه من الوزر، والوزر: ~~الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلكة، وكذلك وزير الخليفة، معناه: الذي ~~يعتمد عليه في أموره ويلتجئ إلى رأيه. ونصب " هارون " من جهتين. إحداهما: ~~أن تكون " اجعل " تتعدى إلى مفعولين، فيكون المعنى: # اجعل هارون أخي وزيري، فينتصب " وزيرا " على أنه مفعول ثان. ويجوز أن ~~يكون " هارون " بدلا من قوله: * (وزيرا) *، فيكون المعنى: اجعل لي وزيرا من ~~أهلي، ثم أبدل هارون من وزير; والأول أجود. قال الماوردي: وإنما سأل الله ~~تعالى أن يجعل له وزيرا، لأنه لم يرد أن يكون مقصورا على الوزارة حتى ms1458 يكون ~~شريكا في النبوة، ولولا ذلك لجاز أن يستوزر من غير مسألة. وحرك ابن كثير، ~~وأبو عمرو بفتح ياء " أخي ". # قوله تعالى: * (أشدد به أزري) * قال الفراء: هذا دعاء من موسى، والمعنى: ~~أشدد به يا رب أزري، وأشركه يا رب في أمري. وقرأ ابن عامر: " أشدد " بالألف ~~مقطوعة مفتوحة، " وأشركه " بضم الألف، وكذلك يبتدئ بالألفين. قال أبو علي: ~~هذه القراءة على الجواب والمجازاة، والوجه الدعاء دون الإخبار، لأن ما قبله ~~دعاء، ولأن الإشراك في النبوة لا يكون إلا من الله عز وجل. قال ابن قتيبة: ~~والأزر: الظهر، يقال: آزرت فلانا على الأمر، أي: قويته عليه PageV05P196 # وكنت له فيه ظهرا قوله تعالى: * (وأشركه في أمري) * أي: في النبوة معي * ~~(كي نسبحك) * أي: نصلي لك * (ونذكرك) * بألسنتنا حامدين لك على ما أوليتنا ~~من نعمك * (إنك كنت بنا بصيرا) * أي: عالما إذ خصصتنا بهذه النعم، قال قد ~~أوتيت سؤلك يا موسى " 36 " ولقد مننا عليك مرة أخرى " 37 " إذ أوحينا إلى ~~أمك ما يوحى " 38 " أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني " 39 " ~~إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ~~ثم جئت على قدر يا موسى " 40 " واصطنعتك لنفسي " 41 " اذهب أنت وأخوك ~~بآياتي ولا تنيا في ذكري " 42 " قوله تعالى: * (قال قد أوتيت سؤلك) * قال ~~ابن قتيبة: أي: طلبتك، وهو " فعل " من " سألت "، أي: أعطيت ما سألت. # قوله تعالى: * (ولقد مننا عليك) * أي: أنعمنا عليك * (مرة أخرى) * قبل ~~هذه المرة. ثم بين متى كانت بقوله: * (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) * أي: ~~ألهمناها ما يلهم مما كان سببا لنجاتك، ثم فسر ذلك بقوله: * (أن اقذفيه في ~~التابوت) * وقذف الشئ: الرمي به. # فإن قيل: ما فائدة قوله: * (ما يوحى) * وقد علم ذلك؟ فقد ذكر عنه ابن ms1459 ~~الأنباري جوابين: # أحدهما: أن المعنى: أوحينا إليها الشئ الذي يجوز أن يوحى إليها، إذ ليس ~~كل الأمور يصلح وحيه إليها، لأنها ليست بنبي، وذلك أنها ألهمت. # والثاني: أن * (ما يوحى) * أفاد توكيدا، كقوله: * (فغشاها ما غشى) *. # قوله تعالى: * (فليلقه اليم) * قال ابن الأنباري: ظاهر هذا الأمر، ومعناه ~~معنى الخبر، PageV05P197 # تأويله: يلقيه اليم، ويجوز أن يكون البحر مأمورا بآلة ركبها الله تعالى ~~فيه، فسمع وعقل، كما فعل ذلك بالحجارة والأشجار. فأما الساحل، فهو: شط ~~البحر. * (يأخذه عدو لي وعدو له) * يعني: فرعون. قال المفسرون: اتخذت أمه ~~تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى وأحكمت بالقار شقوق التابوت، ~~ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس ~~على رأس البركة مع امرأته آسية، إذا بالتابوت، فأمر الغلمان والجواري ~~بأخذه، فلما فتحوه رأوا صبيا من أصبح الناس وجها; فلما رآه فرعون أحبه حبا ~~شديدا، فذلك قوله: * (وألقيت عليك محبة مني) *، قال أبو عبيدة: ومعنى " ~~ألقيت عليك " أي: جعلت لك محبة مني. قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه، ~~فلا يلقاه أحد إلا أحبه من مؤمن وكافر. وقال قتادة: كانت في عينيه ملاحة، ~~فما رآه أحد إلا أحبه. # قوله تعالى: * (ولتصنع على عيني) * وقرأ أبو جعفر: " ولتصنع " بسكون ~~اللام والعين والإدغام. قال أبو عبيدة: على ما أريد وأحب. قال ابن ~~الأنباري: هو من قول العرب: غذي فلان على عيني، أي: على المحبة مني. وقال ~~غيره: # لتربى وتغذى بمرأى مني، يقال: صنع الرجل جاريته: إذا رباها; وصنع فرسه: ~~إذا داوم على علفه ومراعاته، والمعنى: ولتصنع على عيني، قدرنا مشي أختك ~~وقولها: * (هل أدلكم على من يكفله) * لأن هذا كان من أسباب تربيته على ما ~~أراد الله تعالى. فأما أخته، فقال مقاتل: اسمها مريم. قال الفراء: وإنما ~~اقتصر على ذكر المشي، ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت على آل فرعون فدلتهم على ~~الظئر، لأن العرب تجتزئ بحذف كثير من الكلام، وبقليله، إذا كان المعنى ~~معروفا، ومثله قوله: # * (أنا أنبئكم ms1460 بتأويله فأرسلون) *، ولم يقل: فأرسل حتى دخل على يوسف. # قال المفسرون: سبب مشي أخته أن أمه قالت لها: قصيه، فاتبعت موسى على أثر ~~الماء، فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة، فقالت لهم أخته: " هل ~~أدلكم على من يكفله " أي: يرضعه ويضمه إليه، فقيل لها: ومن هي؟ فقالت: أمي، ~~قالوا: وهل لها لبن؟ قالت: # لبن أخي هارون، وكان هارون أسن من موسى بثلاث سنين، فأرسلوها، فجاءت ~~بالأم فقبل ثديها، فذلك قوله [تعالى]: * (فرجعناك إلى أمك) * أي: رددناك ~~إليها * (كي تقر عينها) * بك وبرؤيتك. * (وقتلت نفسا) * يعني: القبطي الذي ~~وكزه فقضى عليه، وسيأتي ذكره إن شاء الله [تعالى] * (فنجيناك من الغم) * ~~وكان مغموما مخافة أن يقتل به، فنجاه الله بأن هرب إلى مدين، * (وفتناك ~~فتونا) * فيه ثلاث أقوال: PageV05P198 # أحدها: اختبرناك اختبارا، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أخلصناك إخلاصا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثالث: ابتليناك ابتلاء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # وقال الفراء: ابتليناك بغم القتيل ابتلاء. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: الفتون: # وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة ~~التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر، ثم منعه الرضاع إلا ~~من ثدي أمه، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ~~ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين خائفا; وكان ابن عباس يقص هذه القصص على ~~سعيد بن جبير، ويقول له عند كل بلية: وهذا من الفتون يا ابن جبير; فعلى هذا ~~يكون معنى " فتناك " خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من ~~كل خبث. والفتون: مصدر. # قوله تعالى: * (فلبثت سنين) * تقدير الكلام: فخرجت إلى أهل مدين. ومدين: ~~بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر، فهرب إليه موسى. وقيل: مدين: اسم ~~رجل، وقد سبق هذا. # وفي قدر لبثه هناك قولان: # أحدهما: عشر سنين، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: ms1461 ثمان وعشرون سنة، عشر منهن مهر امرأته، وثمان عشرة أقام حتى ولد ~~له، قاله وهب. # قوله تعالى: * (ثم جئت على قدر) * أي: جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك، ~~وكان ذلك على رأس أربعين سنة، وهو الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، هذا ~~قول الأكثرين. وقال الفراء: " على قدر " أي: على ما أراد الله به من ~~تكليمه. # قوله تعالى: * (واصطنعتك لنفسي) * أي: اصطفيتك واختصصتك، والاصطناع: ~~اتخاذ الصنيعة، وهو الخير تسديه إلى إنسان. وقال ابن عباس: اصطفيتك لرسالتي ~~ووحيي * (اذهب أنت وأخوك بآياتي) * وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها العصا واليد. وقد يذكر الاثنان بلفظ الجمع. PageV05P199 # والثاني: العصا واليد وحل العقدة التي ما زال فرعون وقومه يعرفونها، ذكره ~~ابن الأنباري. # والثالث: الآيات التسع. والأول أصح. # قوله تعالى: * (ولا تنيا) * قال ابن قتيبة: لا تضعفا ولا تفترا; يقال: ~~ونى يني في الأمر; وفيه لغة أخرى: وني، يونى. # وفي المراد بالذكر هاهنا قولان: # أحدهما: أنه الرسالة إلى فرعون. # والثاني: أنه القيام بالفرائض والتسبيح والتهليل. # اذهبا إلى فرعون إنه طغى " 43 " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " ~~44 " قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى " 45 " قال لا تخافا ~~إنني معكما أسمع وأرى " 46 " فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني ~~إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى " 47 " ~~إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى " 48 " قوله تعالى: * (اذهبا ~~إلى فرعون) * فائدة تكرار الأمر بالذهاب، التوكيد. وقد فسرناه قوله * (إنه ~~طغى) *. # قوله تعالى: * (فقولا له قولا لينا) * وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم ~~الجحدري: " لينا " باسكان الياء، أي: لطيفا رفيقا. # وللمفسرين فيه خمسة أقوال: # أحدها: قولا له: قل: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له "، رواه خالد بن ~~معدان عن معاذ، والضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنه قوله: * (هل لك إلى أن تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى) *، قاله ~~أبو PageV05P200 # صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # والثالث: كنياه، رواه عكرمة ms1462 عن ابن عباس، وبه قال السدي. فأما اسمه، فقد ~~ذكرناه في البقرة. وفي كنيته أربعة أقوال. أحدها: أبو مرة، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس. والثاني: أبو مصعب، ذكره أبو سليمان الدمشقي. والثالث: أبو ~~العباس. والرابع: أبو الوليد، حكاهما الثعلبي. # والقول الرابع: قولا له: إن لك ربا، وإن لك معادا، وإن بين يديك جنة ~~ونارا، قاله الحسن. # والخامس: أن القول اللين: أن موسى أتاه، فقال له: تؤمن بما جئت به وتعبد ~~رب العالمين، على أن لك شبابك فلا تهرم، وتكون ملكا لا ينزع منك حتى تموت، ~~فإذا مت دخلت الجنة، فأعجبه ذلك; فلما جاء هامان، أخبره بما قال موسى، ~~فقال: قد كنت أرى أن لك رأيا، أنت رب أردت أن تكون مربوبا؟! فقلبه عن رأيه، ~~قاله السدي. وحكي عن يحيى بن معاذ أنه قرأ هذه الآية، فقال: إلهي هذا رفقك ~~بمن يقول: أنا إله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت إله. # قوله تعالى: * (لعله يتذكر أو يخشى) * قال الزجاج: " لعل " في اللغة: ترج ~~وطمع، تقول: لعلي أصير إلى خير، فخاطب الله تعالى العباد بما يعقلون. ~~والمعنى عند سيبويه: اذهبا على رجائكما وطمعكما. والعلم من الله تعالى من ~~وراء ما يكون، وقد علم أنه لا يتذكر ولا يخشى، إلا أن الحجة إنما تجب عليه ~~بالآية والبرهان، وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري أيقبل منها، ~~أم لا، وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم، ومعنى " لعل " متصور في أنفسهم، ~~وعلى تصور ذلك تقوم الحجة. قال ابن الأنباري: ومذهب الفراء في هذا: كي ~~يتذكر. # وروى خالد بن معدان عن معاذ قال: والله ما كان فرعون ليخرج من الدنيا حتى ~~يتذكر أو يخشى، لهذه الآية، وإنه تذكر وخشي لما أدركه الغرق. وقال كعب: ~~والذي يحلف به كعب، إنه لمكتوب في التوراة: فقولا له قولا لينا، وسأقسي ~~قلبه فلا يؤمن. قال المفسرون: كان هارون يومئذ غائبا بمصر، فأوحى الله ~~تعالى إلى هارون أن يتلقى موسى، فتلقاه على مرحلة، فقال له موسى: إن الله ~~تعالى أمرني ms1463 أن آتي فرعون، فسألته أن يجعلك معي; فعلى هذا يحتمل أن يكونا ~~حين التقيا قالا: ربنا إننا نخاف. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون القائل ~~لذلك موسى وحده، وأخبر الله عنه بالتثنية لما ضم إليه هارون، فإن العرب قد ~~توقع التثنية على الواحد، فتقول: يا زيد قوما، يا حرسي اضربا عنقه. ~~PageV05P201 # قوله تعالى: * (أن يفرط علينا) * وقرأ عبد الله بن عمرو، وابن السميفع، ~~وابن يعمر، وأبو العالية: " أن يفرط " برفع الياء وكسر الراء. وقرأ عكرمة، ~~وإبراهيم النخعي: " أن يفرط " بفتح الياء والراء. وقرأ أبو رجاء العطاردي، ~~وابن محيصن: " أن يفرط " بضم الياء و فتح الراء. قال الزجاج: المعنى، أن ~~يبادر بعقوبتنا، يقال: قد فرط منه أمر، أي: قد بدر; وقد أفرط في الشئ: إذا ~~اشتط فيه; وفرط في الشئ: إذا قصر; ومعناه كله: التقدم في الشئ، لأن الفرط ~~في اللغة: المتقدم، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: " أنا فرطكم على الحوض ~~". # قوله تعالى: * (أو أن يطغى) * فيه قولان: # أحدهما: يستعصي، قاله مقاتل. والثاني: يجاوز الحد في الإساءة إلينا. قال ~~ابن زيد: # نخاف أن يعجل علينا قبل أن نبلغه كلامك وأمرك. # قوله تعالى: * (إنني معكما) * أي: بالنصرة والعون * (أسمع) * أقوالكم * ~~(وأرى) * أفعالكم. قال الكلبي: أسمع جوابه لكما، وأرى ما يفعل بكما. # قوله تعالى: * (فأرسل معنا بني إسرائيل) * أي: خل عنهم (ولا تعذبهم) وكان ~~يستعملهم في الأعمال الشاقة، * (قد جئناك بآية من ربك) * قال ابن عباس: هي ~~العصا. قال مقاتل: أظهر اليد في مقام، والعصا في مقام. # قوله تعالى: * (والسلام على من اتبع الهدى) * قال مقاتل: على من آمن ~~بالله. قال الزجاج: وليس يعني به التحية، وإنما معناه: أن من اتبع الهدى، ~~سلم من عذاب الله وسخطه، والدليل على أنه ليس بسلام، أنه ليس بابتداء لقاء ~~وخطاب. # قوله تعالى: * (على من كذب) * أي: بما جئنا به وأعرض عنه. # قال فمن ربكما يا موسى " 49 " قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " 50 ~~" قال فما بال القرون الأولى " 51 " قال علمها عند ms1464 ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى " 52 " الذي جعل PageV05P202 # لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~أزواجا من نبات شتى " 53 " كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهي " 54 " * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " 55 " ~~قوله تعالى: * (قال فمن ربكما) * في الكلام محذوف معناه معلوم، وتقديره: ~~فأتياه فأديا الرسالة. قال الزجاج: وإنما لم يقل: فأتياه، لأن في الكلام ~~دليلا على ذلك، لأن قوله: " فمن ربكما " يدل على أنهما أتياه وقالا له. # قوله تعالى: * (أعطي كل شئ خلقه) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: أعطى كل شئ صورته، فخلق كل جنس من الحيوان على غير صورة جنسه، ~~فصوره ابن آدم لا كصورة البهائم، وصورة البعير لا كصورة الفرس، روى هذا ~~المعنى الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير. # والثاني: أعطى كل ذكر زوجه مثله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~السدي، فيكون المعنى: أعطى كل حيوان ما يشاكله. # والثالث: أعطى كل شئ ما يصلحه، قاله قتادة. # وفي قوله: * (ثم هدى) * ثلاثة أقوال: # أحدها: هدى كيف يأتي الذكر الأنثى، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~جبير. # والثاني: هدى للمنكح والمطعم والمسكن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: هدى كل شئ إلى معيشته، قاله مجاهد. وقرأ عمر بن الخطاب، وابن ~~عباس، والأعمش، وابن السميفع، ونصير عن الكسائي: " أعطى كل شئ خلقه " بفتح ~~اللام. # فإن قيل: ما وجه الاحتجاج على فرعون من هذا؟ # فالجواب: أنه قد ثبت وجود خلق وهداية، فلا بد من خالق وهاد. # قوله تعالى: * (قال فما بال القرون الأولى) * اختلفوا فيما سأل عنه من ~~حال القرون الأولى على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سأله عن أخبارها وأحاديثها، ولم يكن له بذلك علم، إذ التوراة ~~إنما نزلت عليه بعد هلاك فرعون، فقال: * (علمها عند ربي) *، هذا مذهب ~~مقاتل. وقال غيره: أراد: إني رسول، وأخبار الأمم علم غيب، فلا علم لي ~~بالغيب. PageV05P203 # والثاني: ms1465 أن مراده من السؤال عنها: لم عبدت الأصنام، ولم لم يعبد الله إن ~~كان الحق ما وصفت؟! # والثالث: أن مراده: ما لها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى؟! فقال: علمها ~~عند الله، أي: علم أعمالها. وقيل: الهاء في " علمها " كناية عن القيامة، ~~لأنه سأله عن بعث الأمم، فأجابه بذلك. # وقوله: * (في كتاب) * أراد: اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: * (لا يضل ربي ولا ينسى) * وقرأ عبد الله بن عمرو، وعاصم ~~الجحدري، وقتادة، وابن محيصن: " لا يضل " بضم الياء، وكسر الضاد، أي: لا ~~يضل وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: " لا يضل " بضم الياء وفتح الضاد. وفي ~~هذه الآية توكيد للجزاء على الأعمال، والمعنى: لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان ~~من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم. وقيل: أراد: لم يجعل ذلك في كتاب لأنه يضل ~~وينسى. # قوله تعالى: * (الذي جعل لكم الأرض مهادا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: " مهادا ". وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " مهدا " بغير ~~ألف. والمهاد: الفراش، والمهد: الفرش. * (وسلك لكم) * أي: أدخل لأجلكم في ~~الأرض طرقا تسلكونها، * (وأنزل من السماء ماء) * يعني: المطر. وهذا آخر ~~الإخبار عن موسى. ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله: # * (فأخرجنا به) * يعني: بالماء * (أزواجا من نبات شتى) * أي: أصنافا ~~مختلفة في الألوان والطعوم، كل صنف منها زوج. و " شتى " لا واحد له من ~~لفظه. * (كلوا) * أي: مما أخرجنا لكم من الثمار * (وارعوا أنعامكم) * يقال: ~~رعى الماشية، يرعاها: إذا سرحها في المرعى. ومعنى هذا الأمر: التذكير ~~بالنعم، * (إن في ذلك لآيات) * أي: لعبرا في اختلاف الألوان والطعوم (لأولي ~~النهى) قال الفراء: لذوي العقول، يقال للرجل: إنه لذو نهية: إذا كان ذا ~~عقل. قال الزجاج: # واحد النهى: نهية، يقال: فلان ذو نهية، أي: ذو عقل ينتهي به عن المقابح، ~~ويدخل به في المحاسن; قال: وقال بعض أهل اللغة: ذو النهية: الذي ينتهى إلى ~~رأيه وعقله، وهذا حسن أيضا. # قوله تعالى: * (منها خلقناكم) * يعني: الأرض المذكورة في قوله: " جعل لكم ~~الأرض مهادا ". والإشارة بقوله: " خلقناكم " إلى ms1466 آدم، والبشر كلهم منه. * ~~(وفيها نعيدكم) * بعد الموت * (ومنها نخرجكم تارة) * أي: مرة (أخرى) بعد ~~البعث، يعني: كما أخرجناكم منها أولا عند خلق آدم من الأرض. PageV05P204 # ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى " 56 " قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك يا موسى " 57 " فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا أنت مكانا سوى " 58 " قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى " ~~59 " فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى " 60 " قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا ~~على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى " 61 " فتنازعوا أمرهم بينهم ~~وأسروا النجوى " 62 " قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى " 63 " فأجمعوا كيدكم ثم أئتوا صفا وقد ~~أفلح اليوم من استعلى " 64 " قوله تعالى: * (ولقد أريناه) * يعني: فرعون * ~~(آياتنا كلها) * يعني: التسع الآيات، ولم ير كل آية لله، لأنها لا تحصى، * ~~(فكذب) * إذ نسب الآيات إلى الكذب، وقال: هذا سحر * (وأبى) * أن يؤمن * ~~(قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) * يعني: مصر * (بسحرك) * أي: تريد أن تغلب ~~على ديارنا بسحرك فتملكها وتخرجنا منها * (فلنأتينك بسحر مثله) * أي: ~~فلنقابلن ما جئت به من السحر بمثله * (فاجعل بيننا وبينك موعدا) * أي: اضرب ~~بيننا وبينك أجلا وميقاتا * (لا نخلفه) * أي: لا نجاوزه * (نحن ولا أنت ~~مكانا) * وقيل: المعنى: أجعل بيننا وبينك موعدا مكانا نتواعد لحضورنا ذلك ~~المكان، ولا يقع منا خلاف في حضوره. * (سوى) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو والكسائي بكسر السين. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وخلف، ويعقوب: " ~~سوى " بضمها. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وابن أبي عبلة: " مكانا سواء ~~" بالمد والهمز والنصب و التنوين وفتح السين. # وقرأ ابن مسعود مثله، إلا أنه كسر السين. قال أبو عبيدة: هو اسم للمكان ~~النصف فيما بين الفريقين، والمعنى: مكانا تستوي مسافته على الفريقين، فتكون ~~مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر. * (قال موعدكم يوم الزينة) * قرأ ~~الجمهور برفع الميم. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن أبي عبلة، ms1467 وهبيرة عن ~~حفص بنصب الميم. وفي هذا " اليوم " أربعة أقوال: # أحدها: يوم عيد لهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس، والسدي عن أشياخه، وبه ~~قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: يوم عاشوراء، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. PageV05P205 # والثالث: يوم النيروز، ووافق ذلك يوم السبت أول يوم من السنة، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: يوم سوق لهم، قاله سعيد بن جبير. # وأما رفع اليوم، فقال البصريون: التقدير: وقت موعدكم يوم الزينة، فناب ~~الموعد، عن الوقت، وارتفع به ما كان يرتفع بالوقت إذا ظهر. فأما نصبه، فقال ~~الزجاج: المعنى: موعدكم يقع يوم الزينة، * (وأن يحشر الناس) * موضع " أن " ~~رفع، المعنى: موعدكم حشر الناس * (ضحى) * أي: إذا رأيتم الناس قد حشروا ~~ضحى. ويجوز أن تكون " أن " في موضع خفض عطفا على الزينة، المعنى: موعدكم ~~يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: ~~" وأن تحشر " بتاء مفتوحة ورفع الشين ونصب " الناس ". وعن ابن مسعود، ~~والنخعي: " وأن يحشر " بالياء المفتوحة ورفع الشين ونصب " الناس ". # قال المفسرون: أراد بالناس: أهل مصر، وبالضحى: ضحى اليوم، وإنما علقه ~~بالضحى، ليتكامل ضوء الشمس واجتماع الناس، فيكون أبلغ في الحجة وأبعد من ~~الريبة. # قوله تعالى: * (فتولى فرعون) * فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: تولى عن الحق الذي أمر به. # والثاني: أنه انصرف إلى منزله لاستعداد ما يلقى به موسى، أي: مكره وحيلته ~~* (ثم أتى) * أي: حضر الموعد. وقد ذكرنا عددهم في الأعراف. # قوله تعالى: * (ويلكم) * قال الزجاج: هو منصوب على " ألزمكم الله ويلا " ~~ويجوز أن يكون على النداء، كقوله [تعالى]: * (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) ~~* قوله تعالى: * (لا تفتروا على الله كذبا) * قال ابن عباس: لا تشركوا معه ~~أحدا. # قوله تعالى: * (فيسحتكم) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: " فيسحتكم " بفتح الياء، من " سحت ". وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: " فيسحتكم " بضم الياء، من " أسحت ". قال الفراء: ~~ويسحت أكثر، وهو الاستئصال، والعرب تقول: سحته الله، وأسحته، قال ms1468 الفرزدق: # - وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف - ~~PageV05P206 # هكذا أنشد البيت الفراء، والزجاج. ورواه أبو عبيدة: " إلا مسحت أو مجلف " ~~بالرفع. # قوله تعالى: * (فتنازعوا أمرهم بينهم) * يعني: السحرة تناظروا فيما بينها ~~في أمر موسى، وتشاوروا * (وأسروا النجوى) * أي: أخفوا كلامهم من فرعون ~~وقومه. وقيل: من موسى وهارون. # وقيل: " أسروا " هاهنا بمعنى " أظهروا ". # وفي ذلك الكلام الذي جرى بينهم ثلاثة أقوال: # أحدها: إن كان هذا ساحرا، فإنا سنغلبه، وإن يكن من السماء كما زعمتم، فله ~~أمره، قاله قتادة. # والثاني: أنهم لما سمعوا كلام موسى قالوا: ما هذا بقول ساحر، ولكن هذا ~~كلام الرب الأعلى، فعرفوا الحق، ثم نظروا إلى فرعون وسلطانه، وإلى موسى ~~وعصاه، فنكسوا على رؤوسهم، وقالوا إن هذان لساحران، قاله الضحاك، ومقاتل. # والثالث * (قالوا إن هذان لساحران...) * الآيات، قاله السدي. # واختلف القراء في قوله [تعالى]: * (إن هذان لساحران) * فقرأ أبو عمرو بن ~~العلاء: " إن هذين " على إعمال " إن " وقال: إني لأستحيي من الله أن أقرأ " ~~إن هذان ". وقرأ وقرأ ابن كثير: # " إن " خفيفة " هذان " بتشديد النون. وقرأ عاصم في رواية حفص: " إن " ~~خفيفة " هذان " خفيفة أيضا. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " إن " ~~بالتشديد " هاذان " بألف ونون خفيفة. # فأما قراءة أبي عمرو، فاحتجاجه في مخالفة المصحف بما روى عن عثمان ~~وعائشة، أن هذا من غلط الكاتب على ما حكيناه في قوله تعالى: * (والمقيمين ~~الصلاة) * في سورة النساء. وأما قراءة عاصم، فمعناها: ما هذان إلا ساحران، ~~كقوله تعالى: * (وإن نظنك لمن الكاذبين) * أي: # ما نظنك إلا من الكاذبين، وأنشدوا في ذلك: # - ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما * حلت عليه عقوبة المتعمد - أي: ما قتلت إلا ~~مسلما. قال الزجاج: ويشهد لهذه القراءة، ما روي عن أبي بن كعب أنه قرأ " ما ~~هذان إلا ساحران " وروي عنه، " إن هذان " بالتخفيف، والإجماع على أنه لم ~~يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل. فأما قراءة الأكثرين بتشديد " إن " وإثبات ~~الألف في قوله: " هاذان " فروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ms1469 هي لغة بلحارث بن ~~كعب وقال ابن الأنباري: هي لغة لبني الحارث بن كعب، وافقتها لغة قريش. قال ~~الزجاج: وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب، وهو رأس من رؤوس الرواة: أنها لغة ~~لكنانة، يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: ~~أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، وأنشدوا: PageV05P207 # - فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى * مساغا لناباه الشجاع لصمما - ويقول ~~هؤلاء: ضربته بين أذناه وقال النحويون القدماء: هاهنا هاء مضمرة، المعنى: ~~إنه هذان لساحران. وقالوا أيضا: إن معنى " إن ": نعم " هذان لساحران "، ~~وينشدون: # - ويقلن شيب قد علا * ك وقد كبرت فقلت إنه - قال الزجاج: والذي عندي، ~~وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد، وعلى إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن ~~زيد، فقبلاه، وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا، وهو أن " إن " قد وقعت موقع ~~" نعم "، والمعنى: نعم هذان لهما الساحران، ويلي هذا في الجودة مذهب بني ~~كنانة. # وأستحسن هذه القراءة، لأنها مذهب أكثر القراء، وبها يقرأ. وأستحسن قراءة ~~عاصم، والخليل. # لأنهما إمامان، ولأنهما وافقا أبي بن كعب في المعنى. ولا أجيز قراءة أبي ~~عمرو لخلاف المصحف. وحكى ابن الأنباري عن الفراء قال: " الف " " هذان " هي ~~ألف " هذا " والنون فرقت بين الواحد والتثنية، كما فرقت نون " الذين " بين ~~الواحد والجمع. # قوله تعالى: * (ويذهبا بطريقتكم) * وقرأ أبان عن عاصم: " ويذهبا " بضم ~~الياء وكسر الهاء. # وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو، وأبو رجاء العطاردي: " ~~ويذهبا بالطريقة " بألف ولام، مع حذف الكاف والميم. # وفي الطريقة قولان: # أحدهما: بدينكم المستقيم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقال أبو عبيدة: ~~بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه، يقال: فلا حسن الطريقة. # والثاني: بأمثلكم، وهو رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: بأولي ~~العقل، والأشراف، والأسنان. وقال الشعبي: يصرفان وجوه الناس إليهما. قال ~~الفراء: الطريقة: الرجال الأشراف، تقول العرب للقوم الأشراف: هؤلاء طريقة ~~قومهم، وطرائق قومهم. # فأما " المثلى " فقال أبو عبيدة: هي تأنيث الأمثل. تقول في الإناث: خذ ~~المثلى منهما، وفي الذكور: ms1470 خذ الأمثل. وقال الزجاج: ومعنى المثلى والأمثل: ~~ذو الفضل الذي به يستحق أن يقال هذا أمثل قومه; قال: والذي عندي أن في ~~الكلام محذوفا، والمعنى: يذهبا بأهل طريقتكم المثلى، وقول العرب: هذا طريقة ~~قومه، أي: صاحب طريقتهم. # قوله تعالى: * (فأجمعوا كيدكم) * قرأ الأكثرون: " فأجمعوا " بقطع الألف ~~من " أجمعت ". # والمعنى: ليكن عزمكم مجمعا عليه، لا تختلفوا فيختل أمركم. قال الفراء: ~~والإجماع: الإحكام PageV05P208 # والعزيمة على الشئ، تقول: أجمعت على الخروج، وأجمعت الخروج، تريد: أزمعت، ~~قال الشاعر: # - يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع - يريد: قد ~~أحكم وعزم عليه. وقرأ أبو عمرو: " فاجمعوا " بفتح الميم من " جمعت "، يريد: ~~لا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به. فأما كيدهم، فالمراد به: سحرهم، ~~ومكرهم. # قوله تعالى: * (ثم ائتوا صفا) * أي: مصطفين مجتمعين، ليكون أنظم لأموركم، ~~وأشد لهيبتكم. قال أبو عبيدة: " صفا " أي: صفوفا. وقال ابن قتيبة: " صفا " ~~بمعنى: جمعا. قال الحسن: كانوا خمسة وعشرين صفا، كل ألف ساحر صف. # قوله تعالى: * (وقد أفلح من استعلى) * قال ابن عباس: فاز من غلب. # قالوا يا موسى إما أن تلقي وأما أن نكون أول من ألقى " 65 " قال بل ألقوا ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " 66 " فأوجس في نفسه ~~خيفة موسى " 67 " قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى " 68 " وألق ما في يمينك تلقف ~~ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى " 69 " فألقي السحرة ~~سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى " 70 " قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى " 71 " قالوا لن نؤثرك على ما ~~جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ~~" 72 " إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله ~~خير وأبقى " 72 " قوله تعالى: * (بل ألقوا) * قال ابن الأنباري: دخلت * ~~(بل) * لمعنى: جحد في الآية ms1471 الأولى، لأن الآية إذا تؤملت وجدت مشتملة على: ~~إما أن تلقي، وإما أن لا تلقي. # قوله تعالى: * (وعصيهم) * قرأ الحسن، وأبو رجاء العطاردي، وأبو عمران ~~الجوني، وأبو PageV05P209 # الجوزاء: " وعصيهم " برفع العين. # قوله تعالى: * (يخيل إليه) * وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والحسن، وقتادة، والزهري، وابن أبي عبلة: " تخيل " بالتاء، " إليه ~~" أي: إلى موسى. يقال: خيل إليه: إذا شبه له. وقد استدل قوم بهذه الآية على ~~أن السحر ليس بشئ. قالوا إنما خيل إلى موسى، فالجواب: أنا لا ننكر أن يكون ~~ما رآه موسى تخييلا، وليس بحقيقة، فإنه من الجائز أن يكونوا تركوا الزئبق ~~في سلوخ الحيات حتى جرت، وليس ذلك بحيات. # فأما السحر، فإنه يؤثر، وهو أنواع. وقد سحر رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] حتى أثر فيه، ولعن العاضهة، وهي الساحرة. # قوله تعالى: * (فأوجس في نفسه خيفة) * قال ابن قتيبة: أضمر في نفسه خوفا. # وقال الزجاج: أصلها " خوفه " ولكن الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها: # وفي خوفه قولان: # أحدهما: أنه خوف الطبع البشري. # والثاني: أنه لما رأى سحرهم من جنس ما أراهم في العصى، خاف أن يلتبس على ~~الناس أمره، ولا يؤمنوا، فقيل له: * (لا تخف إنك أنت الأعلى) * عليهم ~~بالظفر والغلبة. وهذا أصح من الأول. # قوله تعالى: * (وألق ما في يمينك) * يعني: العصا * (تلقف) * وقرأ ابن ~~عامر: " تلقف ما " برفع الفاء وتشديد القاف. وروى حفص عن عاصم: " تلقف " ~~خفيفة. وكان ابن كثير يشدد التاء من " تلقف " يريد: " تتلقف. وقرأ بن ~~مسعود، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء: # " تلقم " بالميم. وقد شرحناها في [سورة] الأعراف، * (إنما صنعوا كيد ~~ساحر) * قرأ حمزة، إن الذي صنعوا كيد السحر، أي: عمل ساحر. وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو عمران الجوني: " إنما صنعوا كيد " بنصب الدال. * (ولا يفلح الساحر) * ~~قال ابن عباس: لا يسعد حيثما كان. وقيل: لا يفوز. وروى جندب بن عبد الله ~~البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أخذتم الساحر فاقتلوه، ~~ثم قرأ * (ولا يفلح ms1472 الساحر حيث أتى) * قال: " لا يأمن حيث وجد ". # قوله تعالى: * (قال آمنتم له) * قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، وورش عن ~~نافع: " آمنتم له " على لفظ الخبر. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، " ~~آمنتم له " بهمزة ممدودة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " أآمنتم ~~له " بهمزتين الثانية ممدودة. # قوله تعالى: * (إنه لكبيركم) * قال ابن عباس: معلمكم. قال الكسائي: الصبي ~~بالحجاز إذا PageV05P210 # جاء من عند معلمه، قال: جئت من عند كبيري. # قوله تعالى: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) * " في " بمعنى " على "، ومثله: ~~* (أم لهم سلم يستمعون فيه) *. * (ولتعلمن) * أيها السحرة * (أينا أشد ~~عذابا) * لكم * (وأبقى) * أي: أدوم، أنا على إيمانكم، أو رب موسى على ترككم ~~الإيمان به؟ * (قالوا لن نؤثرك) * أي: لن نختارك * (على ما جاءنا من ~~البينات) * يعنون اليد والعصا. # فإن قيل: لم نسبوا الآيات إلى أنفسهم بقولهم: " جاءنا " وإنما جاءت عامة ~~لهم ولغيرهم. # فالجواب أنهم لما كانوا بأبواب السحر ومذاهب الاحتيال أعرف من غيرهم، وقد ~~علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر، كان ذلك في حق غيرهم أبين وأوضح، وكانوا ~~هم لمعرفته أخص. # قوله تعالى: * (والذي فطرنا) * وجهان ذكرهما الفراء، والزجاج. # أحدهما: أن المعنى: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، وعلى الذي فطرنا. # والثاني: أنه قسم، تقديره: وحق الذي فطرنا. # قوله تعالى: * (فاقض ما أنت قاض) * أي: فاصنع ما أنت صانع. وأصل القضاء: ~~عمل بإحكام * (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) * قال الفراء: " إنما " حرف ~~واحد، فلهذا نصب: " الحياة الدنيا ". ولو قرأ قارئ برفع " الحياة " لجاز، ~~على أن يجعل " ما " في مذهب " الذي "، كقولك: إن الذي تقضي هذه الحياة ~~الدنيا. وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو المتوكل: " إنما تقضى " بضم التاء على ما ~~لم يسم فاعله، " الحياة " برفع التاء. قال المفسرون: والمعنى إنما سلطانك ~~وملكك في هذه الدنيا، لا في الآخرة. # قوله تعالى: * (ليغفر لنا) * يعنون الشرك * (وما أكرهتنا عليه) * أي: ~~والذي أكرهتنا عليه، أي: ويغفر لنا إكراهك إيانا على السحر. # فإن قيل: كيف قالوا: أكرهتنا، وقد قالوا: * (إن ms1473 لنا لأجرا) * وفي هذا ~~دليل على أنهم فعلوا السحر غير مكرهين؟ فعنه أربعة أجوبة: # أحدهما: أن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر، قال ابن عباس. قال ابن ~~الأنباري: # كان يطالب بعض أهل مملكته بأن يعلموا أولادهم السحر وهم لذلك كارهون، ~~وذلك لشغفه بالسحر، ولما خامر قلبه من خوف موسى، فالإكراه على السحر، هو ~~الإكراه على تعلمه في أول الأمر. # والثاني: أن السحرة لما شاهدوا موسى بعد قولهم: " أئن لنا لأجرا " ورأوا ~~ذكره الله تعالى وسلوكه منهاج المتقين، جزعوا من ملاقاته بالسحر، وحذروا أن ~~يظهر عليهم فيطلع على ضعف PageV05P211 # صناعتهم، فتفسد معيشتهم، فلم يقنع فرعون منهم إلا بمعارضة موسى، فكان هذا ~~هو الإكراه على السحر. # والثالث: أنهم خافوا أن يغلبوا في ذلك الجمع، فيقدح ذلك في صنعتهم عند ~~الملوك والسوق. # والرابع: أن فرعون أكرههم على مفارقة أوطانهم، وكان سبب ذلك السحر، ذكر ~~هذه الأقوال ابن الأنباري. # قوله تعالى: * (والله خير) * أي: خير منك ثوابا إذا أطبع * (وأبقى) * ~~عقابا إذا عصي، وهذا جواب قوله: " ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى "; وهذا ~~آخر الإخبار عن السحرة. # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى " 74 " ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى " 75 " جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيه وذلك جزاء من تزكى " 76 " قوله تعالى: * (إنه من ~~يأت ربه مجرما) * يعني: مشركا * (فإن له جهنم لا يموت فيها) * فيستريح * ~~(ولا يحيى) * حياة تنفعه. # قوله تعالى: * (قد عمل الصالحات) * قال ابن عباس: قد أدى الفرائض، * ~~(فأولئك لهم الدرجات العلى) * يعني: درجات الجنة، وبعضها أعلى من بعض. ~~والعلى، جمع العليا، وهو تأنيث الأعلى. قال ابن الأنباري: وإنما قال: " ~~فأولئك "، لأن " من " تقع بلفظ التوحيد على تأويل الجمع. فإذا غلب لفظها، ~~وحد الراجع إليها، وذلك يبين تأويلها، جمع المصروف إليها. # قوله تعالى: * (وذلك) * يعني الثواب * (جزاء من تزكى) * أي: تطهر من ~~الكفر والمعاصي. # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر ms1474 يبسا تخاف ~~دركا ولا تخشى " 77 " فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم " 78 " ~~وأضل فرعون قومه وما هدى " 79 " يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن PageV05P212 # ونزلنا عليكم المن والسلوى " 80 " كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا ~~فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى " 81 " وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " 82 " قوله تعالى: * (أن أسر بعبادي) * أي: سر ~~بهم ليلا من أرض مصر * (فاضرب لهم طريقا) * أي: # اجعل لهم طريقا * (في البحر يبسا) * قرأ أبو المتوكل، والحسن، والنخعي: " ~~يبسا " بإسكان الباء. # وقرأ الشعبي، وأبو رجاء، وابن السميفع: " يابسا " بألف. قال أبو عبيدة: ~~اليبس، متحرك الحروف، بمعنى اليابس، يقال: شاة يبس، أي: يابسة ليس لها لبن. ~~وقال ابن قتيبة: يقال لليابس: يبس، ويبس. # قوله تعالى: * (لا تخاف) * قرأ الأكثرون بألف. وقرأ أبان، وحمزة عن عاصم: ~~" لا تخف " قال الزجاج " من قرأ " لا تخاف " فالمعنى: لست تخاف، ومن قرأ " ~~لا تخف " فهو نهي عن الخوف. # قال الفراء: قرأ حمزة: " لا تخف " بالجزم، ورفع " ولا تخشى " على ~~الاستئناف، كقوله تعالى: # * (يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) * استأنف ب‍ " ثم " فهذا مثله، ولو نوى ~~حمزة بقوله: " ولا تخش " الجزم وإن كانت فيه الياء كان صوابا قال ابن قتيبة ~~ومعنى دركا لحاقا قال المفسرون: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا ~~البحر بين أيدينا، فأنزل الله على موسى * (لا تخاف دركا) * أي: من فرعون. # قوله تعالى: * (فأتبعهم فرعون) * قال ابن قتيبة: لحقهم. وروى هارون عن ~~أبي عمرو: # " فاتبعهم " بالتشديد. وقال الزجاج: تبع الرجل الشئ، وأتبعه. بمعنى واحد، ~~ومن قرأ فاتبعهم بالتشديد، ففيه دليل على أنه اتبعهم ومعه الجنود. ومن قرأ ~~" فأتبعهم " فمعناه: ألحق جنوده بهم، وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ، ~~وجائز أن لا يكون إلا أنه قد كان معهم * (فغشيهم من اليم ما غشيهم) * من ~~ماء البحر ما غرقهم، وقال ابن الأنباري: ويعني بقوله: " ما غشيهم " البعض ~~الذي غشيهم، ms1475 لأنه لم يغشهم كل مائه. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، وأبو رجاء، ~~والأعمش: " فغشاهم من اليم ما غشاهم " بألف فيهما مع تشديد الشين وحذف ~~الياء. # قوله تعالى: * (وأضل فرعون قومه) * أي: دعاهم إلى عبادته * (وما هدى) * ~~أي: ما أرشدهم حين أوردهم موارد الهلكة. وهذا تكذيب له في قوله: * (وما ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد) *. # قوله تعالى: * (وواعدناكم جانب الطور الأيمن) * لأخذ التوراة. وقد ذكرناه ~~في مريم معنى PageV05P213 # " الأيمن " وذكرناه في البقرة " المن والسلوى ". # قوله تعالى: * (كلوا) * أي: وقلنا لهم: كلوا. # قوله تعالى: * (ولا تطغوا) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تبطروا في نعمي فتظلموا. # والثاني: لا تجحدوا نعمي فتكونوا طاغين. # والثالث: لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة. # قوله تعالى: * (فيحل عليكم غضبي) * أي: فتحب لكم عقوبتي. والجمهور قرؤوا ~~" فيحل " بكسر الحاء * (ومن يحلل) * بكسر اللام. وقرأ الكسائي: " فيحل " ~~بضم الحاء * (ومن يحلل) * بضم اللام. قال الفراء: والكسر أحب إلي، لأن الضم ~~من الحلول، ومعناه: الوقوع، و " يحل " بالكسر، يجب، وجاء التفسير بالوجوب، ~~لا بالوقوع. # قوله تعالى: * (فقد هوى) * أي: هلك. # قوله تعالى: * (وإني لغفار) * الغفار: الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد ~~أخرى، فكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته، وأصل الغفر: الستر، وبه سمي زئبر ~~الثوب: غفرا، لأنه يستر سداه. # فالغفار: الستار لذنوب عبادة، المسبل عليهم ثوب عطفه. # قوله تعالى: * (لمن تاب) * قال ابن عباس: لمن تاب من الشرك * (وآمن) * ~~أي: وحد الله وصدقه، * (وعمل صالحا) * أدى الفرائض. # وفي قوله تعالى: * (ثم اهتدى) * ثمانية أقوال: # أحدها: علم أن لعمله هذا ثوابا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لم يشكك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: علم أن ذلك توفيق من الله له، رواه عطاء عن ابن عباس. # والرابع: لزم السنة والجماعة، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: استقام، قاله الضحاك. # والسادس: لزم الإسلام حتى يموت عليه، قاله قتادة. # والسابع: اهتدى كيف يعمل، قاله زيد بن أسلم. # والثامن: اهتدى إلى ولاية بيت النبي صلى الله عليه وسلم قاله ثابت ~~البناني. PageV05P214 # وما أعجلك عن ms1476 قومك يا موسى " 83 " قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب ~~لترضى " 84 " قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري " 85 " فرجع ~~موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم ~~العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي " 86 " قالوا ما ~~أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى ~~السامري " 87 " فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ~~فنسي " 88 " أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا و لا يملك لهم ضرا ولا نفعا " ~~89 " قوله تعالى: * (وما أعجلك عن قومك يا موسى) * قال المفسرون: لما نجى ~~الله تعالى بني إسرائيل وأغرق فرعون، قالوا: يا موسى، لو أتيتنا بكتاب من ~~عند، الله فيه الحلال والحرام والفرائض، فأوحى الله تعالى إليه يعده أنه ~~ينزل عليه ذلك في الموضع الذي كلمه فيه، فاختار سبعين، فذهبوا معه إلى ~~الطور لأخذ التوراة، فعجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه، وأمرهم بلحاقه، فقال ~~الله تعالى له: ما الذي حملك على العجلة عن قومك، * (قال هم أولاء) * أي: ~~هؤلاء * (على أثري) *، وقرأ أبو رزين العقيلي، وعاصم الجحدري: " على إثري " ~~بكسر الهمزة وسكون الثاء. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وابن يعمر، برفع ~~الهمزة وسكون الثاء. وقرأ أبو رجاء، وأبو العالية: بفتح الهمزة وسكون ~~الثاء. والمعنى: هم بالقرب مني يأتون بعدي * (وعجلت إليك رب لترضى) * أي: # لتزداد رضى، * (قال فإنا قد فتنا قومك) * قال الزجاج: ألقيناهم في فتنة ~~ومحنة، واختبرناهم. # قوله تعالى: * (من بعدك) * أي: من بعد انطلاقك من بينهم * (وأضلهم ~~السامري) * أي: كان سببا لإضلالهم، وقرأ معاذ القارئ، وأبو المتوكل، وعاصم ~~الجحدري، وابن السميفع: " وأضلهم " برفع اللام. وقد شرحناه في البقرة سبب ~~اتخاذ السامري العجل، وشرحنا في [سورة] الأعراف معنى قوله تعالى: * (غضبان) ~~* أسفا. # قوله تعالى: * (ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) * أي: صدقا، وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: إعطاء التوراة. # والثاني: قوله: * (لئن أقمتم الصلاة) * إلى قوله: * (لأكفرن عنكم ms1477 ~~سيأتكم...) * الآية وقوله PageV05P215 # تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب) * والثالث: النصر والظفر. # قوله تعالى: * (أفطال عليكم العهد) * أي: مدة مفارقتي إياكم * (أم أردتم) ~~* أن تصنعوا صنيعا يكون سبب لغضب ربكم * (فأخلفتم موعدي) * أي: عهدي، ~~وكانوا قد عاهدوه أنه إن فكهم الله من ملكة آل فرعون، أن يعبدوا لله ولا ~~يشركوا به، ويقيموا الصلاة، وينصروا الله ورسله. * (قالوا ما أخلفنا موعدك ~~بملكنا) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: بكسر الميم، وقرأ نافع، ~~وعاصم: # بفتح الميم. وقرا حمزة، والكسائي: بضم الميم. قال أبو علي: وهذه لغات. ~~وقال الزجاج: الملك بالضم: السلطان والقدرة. والملك، بالكسر: ما حوته اليد. ~~والملك، بالفتح: المصدر، يقال: # ملكت الشئ أملكه ملكا. # وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال: # أحدها: ما كنا نملك الذي اتخذ منه العجل ولكنها كانت زينة آل فرعون، ~~فقذفناها، قاله ابن عباس. # والثاني: بطاقتنا قاله قتادة، والسدي. # والثالث: لم نملك أنفسنا عند الوقوع في البلية، قال ابن زيد. # والرابع: لم يملك مؤمنونا سفهاءنا، ذكره الماوردي. # فيخرج فيمن قال هذا لموسى قولان: # أحدهما: أنهم الذين لم يعبدوا العجل. والثاني: عابدوه. # قوله تعالى: * (ولكنا حملنا أوزارا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~وحفص عن عاصم: # " حملنا " بضم الحاء وتشديد الميم. وقرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي وأبو ~~بكر عن عاصم: " حملنا " خفيفة. والأوزار: الأثقال. والمراد بها: حلي آل ~~فرعون الذي كانوا استعاروه منهم قبل خروجهم من مصر. فمن قرأ " حملنا " ~~بالتشديد فالمعنى: حملناها موسى، أمرنا باستعارتها من آل فرعون، * ~~(فقذفناها) * أي: طرحناها في الحفيرة. وقد ذكرنا سبب قذفهم إياها في سورة ~~البقرة. # قوله تعالى: * (فكذلك ألقى السامري) * فيه قولان: # أحدهما: أنه ألقى حليا كما ألقوا. # والثاني: ألقى ما كان من تراب حافر فرس جبريل. وقد سبق شرح القصة في ~~البقرة وذكرناه في الأعراف معنى قوله [تعالى]: * (عجلا جسدا له خوار) *. ~~PageV05P216 # قوله تعالى: * (فقالوا هذا إلهكم) * هذا قول السامري ومن وافقه من الذين ~~افتتنوا. # قوله تعالى: * (فنسي) * في المشار إليه بالنسيان قولان: # أحدهما: أنه موسى. ثم في المعنى ثلاثة أقوال: ms1478 # أحدها: هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى أن يخبركم أن هذا إلهه، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس. # والثاني: فنسي موسى الطريق إلى ربه، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: فنسي موسى إلهه عندكم، وخالفه في طريق آخر، قاله قتادة. # والثاني: أنه السامري، والمعنى: فنسي السامري إيمانه وإسلامه، قاله ابن ~~عباس. # وقال مكحول: فنسي، أي: فترك السامري ما كان عليه من الدين. فنسي ان العجل ~~لا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. فعلى هذا القول، يكون قوله ~~[تعالى]: * (فنسي) * من إخبار الله عز وجل عن السامري. وعلى ما قبله، فيمن ~~قاله قولان: # أحدهما: أنه السامري. والثاني: بنو إسرائيل. # قوله تعالى: * (أفلا يرون ألا يرجع) * قال الزجاج: المعنى: أفلا يرون أنه ~~لا يرجع * (إليهم قولا) *. # ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري " 90 " قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا ~~موسى " 91 " قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا " 92 " ألا تتبعن أفعصيت ~~أمري " 93 " قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين ~~بني إسرائيل ولم ترقب قولي " 94 " قوله تعالى: * (ولقد قال لهم هارون من ~~قبل) * أي: من قبل أن يأتي موسى * (يا قوم إنما فتنتم به) * أي: ابتليتم * ~~(وإن ربكم الرحمن) * لا العجل، * (قالوا لن نبرح عليه عاكفين) * أي: لن ~~نزال مقيمين على عبادة العجل * (حتى يرجع إلينا موسى) * فلما رجع موسى * ~~(قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا) * بعبادة العجل * (أن ألا تتبعني) * ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " ألا تتبعني " بياء في الوصل ساكنة، ويقف ابن ~~كثير بالياء، وأبو عمرو بغير ياء. وروى إسماعيل بن جعفر عن نافع: " ألا ~~تتبعني أفعصيت " بياء منصوبة. وروى قالون عن نافع مثل أبي عمرو سواء. وقرأ ~~عاصم، وابن PageV05P217 # عامر، وحمزة والكسائي: بغير ياء في الوصل، والوقف. والمعنى: ما منعك من ~~اتباعي " ولا " كلمة زائدة. # وفي المعنى ثلاثة أقوال: # أحدها: تسير ورائي بمن ms1479 معك من المؤمنين، وتفارقهم. رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. # والثاني: أن تناجزهم القتال، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: في الإنكار عليهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * وهو قوله في وصيته إياه " أخلفني في قومي ~~وأصلح ". قال المفسرون: ثم أخذ برأس أخيه ولحيته غضبا منه عليه. وهذا وإن ~~لم يذكر هاهنا، فقد ذكر في الأعراف فاكتفي بذلك، وقد شرحناه هناك معنى " يا ~~ابن أم " واختلاف القراء فيها. # قوله تعالى: * (ولا برأسي) * أي: بشعر رأسي. وهذا الغضب كان لله عز وجل ~~لا لنفسه، لأنه وقع في نفسه، أن هارون عصى الله بترك اتباع موسى. # قوله تعالى: * (إني خشيت) * أي: إن فارقتهم واتبعتك * (أن تقول فرقت بين ~~بني إسرائيل) * وفيه قولان: # أحدهما: باتباعي إياك ومن معي من المؤمنين. # والثاني: بقتالي لبعضهم ببعض. # وفي قوله تعالى: * (ولم ترقب قولي) * قولان: # أحدهما: لم ترقب قولي لك: " اخلفني في قومي وأصلح ". # والثاني: لم تنتظر أمري فيهم. # قال فما خطبك يا سامري " 95 " قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من ~~أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي " 96 " قال فاذهب فإن لك في الحياة ~~أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا " 97 " إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا ~~هو وسع كل شئ علما " 98 " PageV05P218 # قوله تعالى: * (فما خطب يا سامري) * أي: ما أمرك وشأنك الذي دعاك إلى ما ~~صنعت؟ # قال ابن الأنباري: وبعض اللغويين يقول: الخطب مشتق من الخطاب. المعنى: ما ~~أمرك الذي تخاطب فيه؟! # واختلفوا في اسم السامري على قولين: # أحدهما: موسى أيضا، قاله وهب بن منبه [والثاني]: ميخا، قاله ابن السائب. # وهل كان من بني إسرائيل، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: لم يكن منهم، قاله ابن عباس. # والثاني: كان من عظمائهم، وكان من قبيلة تسمى " سامرة "، قاله قتادة. وفي ~~بلده قولان: # أحدهما: كرمان، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: باجرما، قاله وهب. # قوله ms1480 تعالى: * (بصرت بما لم يبصروا به) * وقرأ حمزة والكسائي: " تبصروا " ~~بالتاء، فعلى قراءة الجمهور أشار إلى بني إسرائيل، وعلى هذه القراءة خاطب ~~الجميع. قال أبو عبيدة: علمت ما لم يعلموا. قال: وقوم يقولون: بصرت، وأبصرت ~~سواء، بمنزلة أسرعت، وسرعت. وقال الزجاج: # يقال: بصر الرجل يبصر: إذا صار عليما بالشيء، وأبصر يبصر: إذا نظر. قال ~~المفسرون: فقال له موسى: وما ذاك؟ قال: رأيت جبريل على فرس، فألقي في نفسي: ~~أن اقبض من أثرها * (فقبضت قبضة) *، وقرأ أبي بن كعب، والحسن، ومعاذ ~~القارئ: " قبصة " بالصاد. وقال الفراء: والقبضة بالكف كلها. والقبصة - ~~بالصاد - بأطراف الأصابع. # قال ابن قتيبة: ومثل هذا: الخضم بالفم كله، والقضم بأطراف الأسنان. ~~والنضخ أكثر من النضح، والرجز: العذاب والرجس: النتن، والهلاس في البدن، ~~والسلاس في العقل، والغلط في الكلام، والغلت في الحساب، والخصر: الذي يجد ~~البرد، والخرص: الذي يجد البرد والجوع، والنار الخامدة: التي قد سكن لهبها ~~ولم يطفأ جمرها، والهامدة: التي طفئت فذهبت البتة، والشكد: PageV05P219 # العطاء ابتداء، فإن كان جزاء فهو شكم، والمائح: الذي يدخل البئر فيملأ ~~الدلو، والماتح: الذي ينزعها. # قوله تعالى: * (فنبذتها) * أي: فقذفتها في العجل. وقرأ أبو عمرو وحمزة، ~~والكسائي، وخلف: # " فنبذتها " بالإدغام * (وكذلك) * أي: وكما حدثتك * (سولت لي نفسي) * أي: ~~زينت لي * (قال) * موسى * (اذهب) * أي: من بيننا * (فإن لك في الحياة) * ~~أي: ما دمت حيا * (أن تقول لا مساس) * أي: لا أمس ولا أمس، فصار السامري ~~يهيم في البرية مع الوحش والسباع، لا يمس أحدا، ولا يمسه أحد، عاقبه الله ~~بذلك، وألهمه أن يقول: " لا مساس " وكان إذا لقي أحدا يقول: لا مساس، أي: ~~لا تقربني، ولا تمسني، وصار بذلك عقوبة لولده، حتى بقاياهم اليوم، فيما ذكر ~~أهل التفسير، بأرض الشام يقولون ذلك. وحكي أنه إن مس واحد من غيرهم واحدا ~~منهم، أخذتهما الحمى في الحال. # قوله تعالى: * (وإن لك موعدا) * أي: لعذابك يوم القيامة * (لن تخلفه) * ~~أي: لن يتأخر عنك. # ومن كسر لام " تخلف " أراد: لن تغيب عنه. # قوله تعالى: * (وانظر إلى ms1481 إلهك) * يعني: العجل * (الذي ظلت) * قال ابن ~~عباس: معناه: أقمت وقال الفراء: معنى " ظلت ": فعلته نهارا. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو الجوزاء، وابن يعمر: " ظلت " برفع الظاء. وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~رجاء، والأعمش، وابن أبي عبلة: " ظلت " بكسر الظاء. وقال الزجاج: " ظلت " و ~~" ظلت " بفتح الظاء وكسرها، فمن فتح، فالأصل فيه: " ظللت " ولكن اللام حذفت ~~لثقل التضعيف والكسر، وبقيت الظاء على فتحها، ومن قرأ " ظلت " بالكسر، حول ~~كسرة اللام على الظاء. ومعنى * (عاكفا) * مقيما، * (لنحرقنه) * قرأ الجمهور ~~* (لنحرقنه) * بضم النون وفتح الحاء وتشديد الراء وقرأ علي بن أبي طالب، ~~وأبو رزين، وابن يعمر: " لنحرقنه " بفتح النون وسكون الحاء ورفع الراء ~~مخففة. وقرأ أبو هريرة، والحسن، وقتادة: " لنحرقنه " برفع النون وإسكان ~~الحاء وكسر الراء مخففة. قال الزجاج: إذا شدد فالمعنى: نحرقه مرة بعد مرة ~~وتأويل " لنحرقنه ": # لنبردنه، يقال: حرقت أحرق وأحرق: إذا بردت الشئ والنسف: التذرية. وجاء في ~~التفسير: أن موسى أخذ العجل فذبحه، فسال منه دم، لأنه كان قد صار لحما ~~ودما، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في البحر، ثم أخبرهم موسى عن إلههم، فقال: ~~* (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو) * أي: هو الذي يستحق العبادة، لا ~~العجل، * (وسع كل شئ علما) * أي: وسع علمه كل شئ. # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا " 99 " من ~~أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا " 100 " خالدين فيه وساء لهم يوم ~~القيامة حملا " 101 " يوم PageV05P220 # ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا " 102 " يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا " 103 " نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم ~~إلا يوما " 104 " قوله تعالى: * (كذلك نقص عليك) * أي: كما قصصنا عليك يا ~~محمد من نبأ موسى وقومه، نقص عليك * (من أنباء ما قد سبق) * أي: من أخبار ~~من مضى، والذكر هاهنا: القرآن * (من أعرض عنه) * فلم يؤمن ولم يعمل بما فيه ~~* (فإنه يحمل يوم القيامة) * وقرأ عكرمة وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري: " ~~يحمل " برفع ms1482 الياء وفتح الحاء وتشديد الميم، * (وزرا) * أي: إثما * (خالدين ~~فيه) * أي: في عذاب ذلك الوزر * (وساء لهم) * قال الزجاج: المعنى: وساء ~~الوزر لهم يوم القيامة * (حملا) * و " حملا " منصوب على التمييز. # قوله تعالى: * (يوم ينفخ في الصور) * قرأ أبو عمرو: " ننفخ " بالنون. ~~وقرأ الباقون من السبعة: # " ينفخ " بالياء، على ما لم يسم فاعله. وقرأ أبو عمران الجوني: " يوم ~~ينفخ " بياء مفتوحة ورفع الفاء وقد سبق ذكر الصور. * (ونحشر المجرمين) * ~~وقرأ أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وطلحة بن مصرف: # " ويحشر " بياء مفتوحة ورفع الشين. وقرأ ابن مسعود، والحسن، وأبو عمران: ~~" ويحشر " بياء مرفوعة وفتح الشين، " المجرمون " بالواو. قال المفسرون: ~~والمراد بالمجرمين: المشركون * (يومئذ زرقا) * وفيه قولان: # أحدهما: عميا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ابن قتيبة: بيض العيون من ~~العمى، قد ذهب السواد، والناظر. # والثاني: زرق العيون من شدة العطش، قاله الزهري. والمراد: أنه يشوه خلقهم ~~بسواد الوجوه، وزرق العيون. # قوله تعالى: * (يتخافتون بينهم) * أي: يسار بعضهم بعضا * (إن لبثتم) * ~~أي: ما لبثتم إلا عشر ليال. وهذا على طريق التقليل، لا على وجه التحديد. # وفي مرادهم بمكان هذا اللبث قولان: # أحدهما: القبور. ثم فيه قولان. أحدهما: أنهم عنوا طول ما لبثوا فيها، روى ~~أبو صالح عن ابن عباس: إن لبثتم بعد الموت إلا عشرا. والثاني: ما بين ~~النفختين، وهو أربعون سنة، فإنه يخفف عنهم العذاب حينئذ، فيستقلون مدة ~~لبثهم لهول ما يعاينون، حكاه علي بن أحمد النيسابوري. PageV05P221 # والقول الثاني: أنهم عنوا لبثهم في الدنيا، قاله الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: * (إذ يقول أمثلهم طريقة) * أي: أعقلهم، وأعدلهم قولا * (إن ~~لبثتم إلا يوما) * فنسي القوم مقدار لبثهم لهول ما عاينوا. # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا " 105 " فيذرها قاعا صفصفا " 106 ~~" لا ترى فيها عوجا وأمتا " 107 " يومئذ يتبعون الداعي لاعوج له وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا " 108 " يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من ~~أذن له الرحمن ورضي له قولا " 109 " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون ms1483 به علما " 110 " * وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما " ~~111 " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما " 112 " وكذلك ~~أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا " ~~113 " فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه ~~وقل رب زدني علما " 114 " قوله تعالى: * (ويسألونك عن الجبال) * سبب نزولها ~~أن رجالا من ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا محمد: كيف ~~تكون الجبال يوم القيامة؟ فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: * (فينسفها ربي نسفا) * قال المفسرون: النسف: التذرية. ~~والمعنى: # يصيرها رمالا تسيل سيلا، ثم يصيرها كالصوف المنفوش، تطيرها الرياح ~~فتستأصلها * (فيذرها) * أي: يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها * (قاعا) * قال ~~ابن قتيبة القاع من الأرض: المستوي الذي يعلوه الماء، والصفصف: المستوي ~~أيضا، يريد: أنه لا نبت فيها. # قوله تعالى: * (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) * في ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد بالعوج: الأودية، وبالأمت: الروابي، رواه ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس، وكذلك قال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع، وهذا ~~مذهب الحسن. وقال ابن قتيبة: # الأمت: النبك. PageV05P222 # والثاني: أن العوج: الميل، والأمت: الأثر مثل الشراك، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثالث: أن العوج: الصدع، والأمت: الأكمة. # قوله تعالى: * (يومئذ يتبعون الداعي) * قال الفراء: أي: يتبعون صوت ~~الداعي للحشر، لا عوج لهم عن دعائه: لا يقدرون أن لا يتبعوا. # قوله تعالى: * (وخشعت الأصوات) * أي: سكنت وخفيت * (فلا تسمع إلا همسا) * ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: وطء الأقدام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن ~~جبير، وعكرمة ومجاهد في رواية، واختاره الفراء، والزجاج. # والثاني: تحريك الشفاه بغير نطق، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: الكلام الخفي، روى عن مجاهد. وقال أبو عبيدة: الصوت الخفي. # قوله تعالى: * (يومئذ لا تنفع الشفاعة) * يعني: لا تنفع أحدا * (إلا من ~~أذن له الرحمن) * أي: # إلا شفاعة من ms1484 أذن له الرحمن، أي: أذن أن يشفع له، * (ورضي له قولا) * أي: ~~ورضي للمشفوع فيه قولا، وهو الذي كان في الدنيا من أهل " لا إله إلا الله ~~". * (يعلم ما بين أيديهم) * الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي. وقد ~~شرحنا هذه الآية في سورة البقرة. # وفي هاء " به " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله مقاتل. # والثاني: إلى " ما بين أيديهم وما خلفهم "، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: * (وعنت الوجوه) * قال الزجاج: " عنت " في اللغة: خضعت، ~~يقال: عنا يعنو: إذا خضع، ومنه قيل: أخذت البلاد عنوة: إذا أخذت غلبة، ~~وأخذت بخضوع من أهلها. # والمفسرون: على أن هذا في يوم القيامة، إلا ما روي عن طلق بن حبيب: هو ~~وضع الجبهة والأنف والكفين والركبتين وأطراف القدمين على الأرض للسجود. وقد ~~شرحنا في آية الكرسي معنى " الحي القيوم ". # قوله تعالى: * (وقد خاب من حمل ظلما) * قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله. # قوله تعالى: * (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) * " من " هاهنا للجنس. ~~وإنما شرط PageV05P223 # الإيمان، لأن غير المؤمن لا يقبل عمله، ولا يكون صالحا، * (فلا يخاف) * ~~أي: فهو لا يخاف. وقرأ ابن كثير: " " فلا يخف " على النهي. # قوله تعالى: * (ظلما ولا هضما) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته، ولا أن يهضم من حسناته، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: لا يخاف أن يظلم فيزاد من ذنب غيره، ولا أن يهضم من حسناته، ~~قاله قتادة. # والثالث: لا يخاف أن يؤاخذ بما لم يعمل، ولا ينتقص من عمله الصالح، قاله ~~الضحاك والرابع: لا يخاف أن لا يجزى بعمله، ولا أن ينقص من حقه، قاله ابن ~~زيد. قال زيد. قال اللغويون: # الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لك من حقي، أي: حططت، ومنه: فلان هضيم ~~الكشحين، أي: ضامر الجنبين، ويقال: هذا شئ يهضم الطعام، أي: ينقص ثقله. ~~وفرق بعض المفسرين بين الظلم والهضم، فقال: الظلم: منع الحق كله، والهضم: ~~منع البعض، وإن كان ظلما أيضا. # قوله تعالى; * (وكذلك ms1485 أنزلناه) * أي: وكما بينا في هذه السورة، أنزلناه، ~~أي: أنزلناه هذا الكتاب * (قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد) * أي: بينا ~~فيه ضروب الوعيد. قال قتادة: يعني: وقائعه في الأمم المكذبة. # قوله تعالى: * (لعلهم يتقون) * أي: ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ ~~بمن قبلهم * (أو يحدث لهم) * أي: يجدد لهم القرآن، وقيل: الوعيد * (ذكرا) * ~~أي: اعتبارا، فيتذكروا به عقاب الأمم، فيعتبروا. وقرأ ابن مسعود، وعاصم ~~الجحدري: " أو نحدث " بنون مرفوعة. # قوله تعالى: * (فتعالى الله) * أي: جل عن إلحاد الملحدين وقول المشركين ~~في صفاته، * (الملك) * الذي بيده كل شئ، * (الحق) * وقد ذكرناه في [سورة] ~~يونس. # قوله تعالى: * (ولا تعجل بالقرآن) * في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالسورة الآي ~~فيتلوها عليه، فلا يفرغ جبريل من آخرها حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا لطم امرأته، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تطلب القصاص، فجعل رسول PageV05P224 # الله صلى الله عليه وسلم القصاص، فنزلت هذه الآية، فوقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) *، قاله ~~الحسن البصري. # قوله تعالى: * (من قبل أن يقضى إليك وحيه) * وقرأ ابن مسعود، والحسن، ~~ويعقوب: # " نقضي " بالنون وكسر الضاد وفتح الياء " وحيه " بنصب الياء. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من تلاوته تخاف نسيانه، هذا ~~على القول الأول. # والثاني: لا تقرئ أصحابك حتى نبين لك معاينة، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: لا تسأل إنزاله قبل أن يأتيك الوحي، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: * (وقل رب زدني علما) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: زدني قرآنا، قاله مقاتل. والثاني: فهما. والثالث: حفظا، ذكرهما ~~الثعلبي. # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " 115 " وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى " 116 " فقلنا يا آدم إن هذا ~~عدو لك ولزوجك فلا ms1486 يخرجنكما من الجنة فتشقى " 117 " إن لك ألا تجوع فيها ~~ولا تعرى " 118 " وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى " 119 " فوسوس إليه الشيطان ~~قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " 120 " فأكلا منها فبدت ~~لهم سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى " 121 " ~~ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " 122 " قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى " 123 " ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى " 124 " قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا " 125 " قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~PageV05P225 # تنسى " 126 " وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد ~~وأبقى " 27 " قوله تعالى: * (ولقد عهدنا إلى آدم) * أي: أمرناه وأوصيناه أن ~~لا يأكل من الشجرة * (من قبل) * أي: من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا ~~الإيمان بي، وهم الذين ذكرهم في قوله: # * (لعلهم يتقون) *، والمعنى: أنهم إن نقضوا العهد، فإن آدم قد عهدنا إليه ~~* (فنسي) *. # وفي هذا النسيان قولان: # أحدهما: أنه الترك، قاله ان عباس، ومجاهد، والمعنى: ترك ما أمر به. # والثاني: أنه من النسيان الذي يخالف الذكر، حكاه الماوردي. وقرأ معاذ ~~القارئ، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: " فنسي " بفتح النون وتشديد السين. # قوله تعالى: * (ولم نجد له عزما) * العزم في اللغة: توطين النفس على ~~الفعل. # وفي المعنى أربعة أقوال: # أحدهما: لم نجد له حفظا، رواه العوفي عن ابن عباس، والمعنى: لم يحفظ ما ~~أمر به. # والثاني: صبرا، قاله قتادة، ومقاتل، والمعنى: لم يصبر عما نهي عنه. # والثالث: حزما، قاله ابن السائب. قال ابن الأنباري: وهذا لا يخرج آدم من ~~أولي العزم، وإنما لم يكن له عزم في الأكل فحسب. # والرابع: عزما في العود إلى الذنب، ذكره الماوردي. وما بعد هذا قد تقدم ~~تفسيره البقرة إلى قوله تعالى: * (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) * قال ~~المفسرون: المراد به نصب الدنيا وتعبها من ms1487 تكلف الحرث والزرع والعجن والخبز ~~وغير ذلك. قال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يعتمل عليه ويمسح ~~العرق عن جبينه، فذلك شقاؤه. قال العلماء: والمعنى: فتشقيا; وإنما لم يقل: # فتشقيا، لوجهين: # أحدهما: أن آدم هو المخاطب، فاكتفى به، مثله: * (عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد) *، قاله الفراء. # والثاني: أنه لما كان آدم هو الكاسب، كان التعب في حقه أكثر، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: * (ألا تجوع فيها) * قرأ أبي بن كعب: " لا تجاع ولا تعرى " ~~بالتاء المضمومة PageV05P226 # والألف. * (وأنك لا تظمأ) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: " وأنك " مفتوحة الألف. وقرأ نافع، وأبو بكر عن ~~عاصم: " وإنك " بكسر الألف. قال أبو علي: من فتح، حمله على أن لك أن لا ~~تجوع وأن لك أن لا تظمأ، ومن كسر، استأنف. # قوله تعالى: * (لا تظمأ فيها) * أي: لا تعطش. يقال: ظمئ الرجل يظمأ ظمأ، ~~فهو ظمآن، أي: # عطشان. ومعنى * (لا تضحى) * لا تبرز للشمس فيصيبك حرها، لأنه ليس في ~~الجنة شمس. # قوله تعالى: * (هل أدلك عل شجرة الخلد) * أي: على شجرة من أكل منها لم ~~يمت * (وملك لا يبلى) * جديده ولا يفنى. وما بعد هذا مفسر في الأعراف. # وفي قوله تعالى: * (فغوى) * قولان: # أحدهما: ضل طريق الخلود حيث أراده من قبل المعصية. # والثاني: فسد عليه عيشه، لأن معنى الغي: الفساد. قال ابن الأنباري: وقد ~~غلط بعض المفسرين، فقال: معنى " غوى ": أكثر مما أكل من الشجرة حتى بشم، ~~كما يقال: غوى الفصيل إذا أكثر من لبن أمه فبشم وكاد يهلك، وهذا خطأ من ~~وجهين: # أحدهما: أنه لا يقال من البشم: غوى يغوي، وإنما يقال: غوي يغوى. # والثاني: أن قوله تعالى: * (فلما ذاقا الشجرة) * يدل على أنهما لم يكثرا، ~~ولم تتأخر عنهما العقوبة حتى يصلا إلى الإكثار. قال ابن قتيبة: فنحن نقول ~~في حق آدم: عصى وغوى كما قال الله عز وجل، ولا نقول: آدم عاص وغاو، كما ~~تقول لرجل قطع ثوبه وخاطه: قد قطعه وخاطه، ولا ms1488 تقول: هذا خياط، حتى يكون ~~معاودا لذلك الفعل، معروفا به. # قوله تعالى: * (ثم اجتباه ربه) * قد بينا الاجتباء في الأنعام. * (فتاب ~~عليه وهدى) * أي: # هداه للتوبة. * (قال اهبطا) * في المشار إليهما قولان: # أحدهما: آدم وإبليس، قاله مقاتل. # والثاني: آدم وحواء، قاله أبو سليمان الدمشقي. ومعنى قوله عز وجل: * ~~(بعضكم لبعض عدو) * آدم وذريته، وإبليس وذريته، والحية أيضا; وقد شرحنا هذا ~~في البقرة. # قوله تعالى: * (فمن اتبع هداي) * أي: رسولي وكتابي * (فلا يضل ولا يشقى) ~~* قال ابن عباس: PageV05P227 # من قرأ القرآن واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه سوء الحساب، ~~ولقد ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم ~~قرأ هذه الآية. # قوله تعالى: * (ومن أعرض عن ذكري) * قال عطاء: عن موعظتي. وقال ابن ~~السائب: عن القرآن ولم يؤمن به ولم يتبعه. # قوله تعالى: * (فإن له معيشة ضنكا) * قال أبو عبيدة: معناه: معيشة ضيقة، ~~والضنك يوصف به الأنثى والذكر بغير هاء، وكل عيش أو مكان أو منزل ضيق، فهو ~~ضنك، وأنشد: # وإن نزلوا بضنك فانزل وقال الزجاج: الضنك أصله في اللغة: الضيق والشدة. # وللمفسرين في المراد بهذه المعيشة خمسة أقوال: # أحدها. أنها عذاب القبر، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أتدرون ما المعيشة الضنك؟ # قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ~~ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم ~~القيامة ". وممن ذهب إلى أنه عذاب القبر ابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، ~~والسدي. # والثاني: أنه ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه فيه، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: شدة عيشه في النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، وابن زيد. قال ابن السائب: وتلك المعيشة من الضريع والزقوم. # والرابع: أن المعيشة الضنك: كسب الحرام، روى الضحاك عن ابن عباس قال: ~~المعيشة الضنك: أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدى لشئ منها، وله معيشة ~~حرام يركض فيها. قال الضحاك: ms1489 فهذه المعيشة هي الكسب الخبيث، وبه قال عكرمة. # والخامس: أن المعيشة الضنك: المال الذي لا يتقي الله صاحبه فيه، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. # فخرج في مكان المعيشة ثلاثة أقوال: # أحدها: القبر. # والثاني: الدنيا. # والثالث: جهنم. PageV05P228 # وفي قوله تعالى: * (ونحشره يوم القيامة أعمى) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ~~وابن عامر، وحفص عن عاصم: " أعمى " " حشرتني أعمى " بفتح الميمين. وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم بكسرهما. وقرأ نافع بين الكسر والفتح. ثم ~~في هذا المعنى للمفسرين قولان: # أحدهما: أعمى البصر، روى أبو صالح عن ابن عباس قال: إذا أخرج من القبر ~~خرج بصيرا، فإذا سيق إلى المحشر عمي. # والثاني: أعمى عن الحجة، قاله مجاهد، وأبو صالح. قال الزجاج: معناه: فلا ~~حجة له يهتدي بها، لأنه ليس للناس على الله حجة بعد الرسل. # قوله تعالى: * (كذلك) * أي: الأمر كذلك كما ترى * (أتتك آياتنا فنسيتها) ~~* أي: فتركتها ولم تؤمن بها، وكما تركتها في الدنيا تترك اليوم في النار. * ~~(وكذلك) * أي: وكما ذكرنا * (نجزي من أسرف) * أي: أشرك، * (ولعذاب الآخرة ~~أشد) * من عذاب الدنيا ومن عذاب القبر * (وأبقى) * لأنه يدوم. # أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهي " 128 " ولولا كلمة هذه من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " ~~129 " فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ~~آنائ الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى " 130 " قوله تعالى: * (أفلم يهد ~~لهم) * أي: أفلم يتبين لكفار مكة إذا نظروا آثار من أهلكنا من الأمم; وكانت ~~قريش تتجر وترى مساكن عاد وثمود وفيها علامات الهلاك، فذلك قوله تعالى: # * (يمشون في مساكنهم) *. وروى زيد عن يعقوب: " أفلم نهد " بالنون. # قوله تعالى: * (ولولا كلمة سبقت من ربك) * في تأخير العذاب عن هؤلاء ~~الكفار إلى يوم القيامة، وقيل: إلى يوم بدر، وقيل إلى انقضاء آجالهم * ~~(لكان لزاما) * أي: لكان العذاب لزاما، أي: لازما لهم. واللزام: مصدر وصف ~~به العذاب. قال الفراء وابن قتيبة: في هذه ms1490 الآية تقديم وتأخير، والمعنى: ~~ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما. # قوله تعالى: * (فاصبر على ما يقولون) * أمر الله تعالى نبيه بالصبر على ~~ما يسمع من أذاهم PageV05P229 # إلى أن يحكم الله فيهم، ثم حكم فيهم بالقتل، ونسخ بآية السيف إطلاق ~~الصبر. # قوله تعالى: * (وسبح بحمد ربك) * أي: صل له بالحمد له والثناء عليه * ~~(قبل طلوع الشمس) * يريد الفجر * (وقبل غروبها) * يعني: العصر * (ومن آناء ~~الليل) * الآناء: الساعات، وقد بيناها في آل عمران، * (فسبح) * أي: فصل. # وفي المراد بهذه الصلاة أربعة أقوال: # أحدها: المغرب والعشاء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثاني: جوف الليل، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: العشاء، قاله مجاهد، وابن زيد. # والرابع: أول الليل وأوسطه وآخره، قاله الحسن. # قوله تعالى: * (وأطراف النهار) * المعنى: وسبح أطراف النهار. قال الفراء: ~~إنما هما طرفان، فخرجا مخرج الجمع، كقوله تعالى: * (إن تتوبا إلى الله فقد ~~صغت قلوبكما) *. # وللمفسرين في المراد بهذه الصلاة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الظهر، قاله قتادة; فعلى هذا، إنما قيل لصلاة الظهر: أطراف ~~النهار، لأن وقتها عند الزوال، فهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني. # والثاني: أنها صلاة المغرب وصلاة الصبح، قاله ابن زيد; وهذا على أن الفجر ~~في ابتداء الطرف الأول، والمغرب عند انتهاء الطرف الثاني. # والثالث: أنها الفجر والظهر والعصر; فعلى هذا يكون الفجر من الطرف الأول، ~~والظهر والعصر من الطرف الثاني، حكاه الفراء. # قوله تعالى: * (لعلك ترضى) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، وحفص عن عاصم: " ترضى " بفتح التاء. وقرأ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم ~~بضمها. فمن فتح، فالمعنى: لعلك ترضى ثواب الله الذي يعطيك. ومن ضمها، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لعلك ترضى بما تعطى. # والثاني: لعل الله أن يرضاك. PageV05P230 # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى " 131 " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى " 132 " قوله تعالى: * (ولا تمدن عينيك) * ~~سبب نزولها، ما روى ms1491 أبو رافع مولى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قال: ~~نزل ضيف برسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فدعاني فأرسلني إلى رجل من ~~اليهود يبيع طعاما، فقال: قل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقول]: ~~" بعني كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب " فأتيته فقلت له ذلك، ~~فقال اليهودي: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: " والله لو باعني أو أسلفني لقضيته، وإني ~~لأمين في السماء أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه "، فنزلت هذه الآية ~~تعزية له في الدنيا. قال أبي بن كعب: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه ~~حسرات على الدنيا. وقد مضى تفسير هذه الآية في آخر [سورة] الحجر. # قوله تعالى: * (زهرة الحياة الدنيا) * وقرأ ابن مسعود، والحسن، والزهري، ~~ويعقوب: # " زهرة " بفتح الهاء. قال الزجاج: وهو منصوب بمعنى " متعنا "، لأن معنى " ~~متعنا ": جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة، * (لنفتنهم فيه) * أي: لنجعل ذلك ~~فتنة لهم. وقال ابن قتيبة: لنختبرهم. قال المفسرون: زهرة الدنيا: بهجتها ~~وغضارتها وما يروق الناظر منها عند رؤيته، وهو من زهرة النبات وحسنه. # قوله تعالى: * (ورزق ربك خير وأبقى) * فيه قولان: # أحدهما: أنه ثوابه في الآخرة. # والثاني: القناعة. # قوله تعالى: * (وأمر أهلك بالصلاة) * قال المفسرون: المراد بأهله: قومه ~~ومن كان على دينه، ويدخل في هذا أهل بيته. # قوله تعالى: * (واصطبر عليها) * أي: واصبر على الصلاة * (لا نسألك رزقا) ~~* أي: لا نكلفك رزقا لنفسك ولا لخلقنا، إنما نأمرك بالعبادة ورزقك علينا، * ~~(والعاقبة للتقوى) * أي: وحسن العاقبة لأهل التقوى. وكان بكر بن عبد الله ~~المزني إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا، ثم يقول: # بهذا أمر الله تعالى ورسوله، ويتلو هذه الآية. PageV05P231 # وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى " ~~133 " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى " 134 " قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من ~~أصحاب ms1492 الصراط السوي ومن اهتدى " 135 " قوله تعالى: * (وقالوا) * يعني: ~~المشركين * (لولا) * أي: هلا * (يأتينا) * محمد * (بآية من ربه) * أي: ~~كآيات الأنبياء، نحو الناقة والعصا، * (أو لم يأتهم) * قرأ نافع، وأبو ~~عمرو، وحفص عن عاصم: " تأتهم " بالتاء. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: # " يأتهم " بالياء. # قوله تعالى: * (بينه ما في الصحف الأولى) * أي: أولم يأتهم في القرآن ~~بيان وما في الكتب من أخبار الأمم التي أهلكناها لما سألوا الآيات ثم كفروا ~~بها، فما يؤمنهم أن تكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك؟! * (ولو أنا ~~أهلكناهم) * يعني: مشركي مكة * (بعذاب من قبله) * في الهاء قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله مقاتل. # والثاني: إلى الرسول، قاله الفراء. # قوله تعالى: * (لقالوا) * يوم القيامة * (ربنا لولا) * أي: هلا * (أرسلت ~~إلينا رسولا) * يدعونا إلى طاعتك * (فنتبع آياتك) * أي: نعمل بمقتضاها * ~~(من قبل أن نذل) * بالعذاب * (ونخزى) * في جهنم. وقرأ ابن عباس، وابن ~~السميفع، وأبو حاتم عن يعقوب: " نذل " و " نخزى " برفع النون فيهما، وفتح ~~الذال. * (قل) * لهم يا محمد: * (كل) * منا ومنكم * (متربص) * أي: نحن ~~نتربص بكم العذاب في الدنيا، وأنتم تتربصون بنا الدوائر * (فتربصوا) * أي: ~~فانتظروا * (فستعلمون) * إذا جاء أمر الله * (من أصحاب الصراط السوي) * أي: ~~الدين المستقيم * (ومن اهتدى) * من الضلالة، أنحن، أم أنتم؟ وقيل: هذه ~~منسوخة بآية السيف، وليس بشئ. PageV05P232 # (21) سورة الأنبياء مكية وآياتها اثنتا عشرة ومائة بسم الله الرحمن ~~الرحيم اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون " 1 " ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون " 2 " لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون " 3 " قال ربي يعلم ~~القول في السماء والأرض وهو السميع العليم " 4 " بل قالوا أضغاث أحلام بل ~~افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون " 5 " ما آمنت قبلهم من ~~قرية أهلكناها أفهم يؤمنون " 6 " وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " 7 ms1493 " وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام وما كانوا خالدين " 8 " ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء ~~وأهلكنا المسرفين " 9 " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون " 10 ~~" وهي مكية بإجماعهم من غير خلاف نعلمه. # قوله عز وجل: * (اقترب) * افتعل، من القرب، يقال: قرب الشئ، واقترب. وهذه ~~الآية نزلت في كفار مكة. وقال الزجاج: اقترب للناس وقت حسابهم. وقيل: اللام ~~في قوله: * (للناس) * بمعنى: " من ". والمراد بالحساب: محاسبة الله لهم على ~~أعمالهم. # وفي معنى قربه قولان: PageV05P233 # أحدهما: أنه آت، وكل آت قريب. # والثاني: لأن الزمان - لكثرة ما مضى وقلة ما بقي - قريب. # قوله تعالى: * (وهم في غفلة) * أي: عما يفعل الله بهم ذلك اليوم * ~~(معرضون) * عن التأهب له. وقيل: " اقترب للناس " عام، والغفلة والإعراض خاص ~~في الكفار، بدلالة قوله [تعالى]: # * (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) *، وفي هذا الذكر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه القرآن، قاله ابن عباس; فعلى هذا تكون الإشارة بقوله: * ~~(محدث) * إلى إنزاله له، لأنه أنزل شيئا بعد شئ. # والثاني: أنه ذكر من الأذكار، وليس بالقرآن، حكاه أبو سليمان الدمشقي. ~~وقال النقاش: هو ذكر من رسول الله، وليس بالقرآن. # والثالث: أنه رسول الله، بدليل قوله في سياق الآية: * (هل هذا إلا بشر ~~مثلكم) *، قاله الحسن بن الفضل. # قوله تعالى: * (إلا استمعوه وهم يلعبون) * قال ابن عباس: يستمعون القرآن ~~مستهزئين. # قوله تعالى: * (لاهية قلوبهم) * أي: غافلة عما يراد بهم. قال الزجاج: ~~المعنى: إلا استمعوه لاعبين لاهية قلوبهم; ويجوز أن يكون منصوبا بقوله: # " ويلعبون ". وقرأ عكرمة، وسعيد بن جبير، وابن أبي عبلة: " لاهية " ~~بالرفع. # قوله تعالى: * (وأسروا النجوى) * أي: تناجوا فيما بينهم، يعني المشركين. ~~ثم بين من هم فقال: * (الذين ظلموا) * أي: أشركوا بالله. و " الذين " في ~~موضع رفع على البدل من الضمير في " وأسروا " ثم بين سرهم الذي تناجوا به ~~فقال: * (هل هذا إلا بشر مثلكم) * أي: آدمي، فليس بملك، وهذا إنكار لنبوته. ~~وبعضهم يقول: " أسروا " هاهنا بمعنى: أظهروا، لأنه من الأضداد. # قوله تعالى: * (أفتأتون السحر) * أي: أفتقبلون ms1494 السحر * (وأنتم تعلمون) * ~~أنه سحر؟! يعنون أن متابعة محمد [صلى الله عليه وسلم] متابعة السحر. * (قل ~~ربي) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " قل ~~ربي ". وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " قال ربي "، وكذلك هي في مصاحف ~~الكوفيين، وهذا على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يعلم القول، ~~أي: لا يخفى عليه شئ يقال في السماء والأرض، فهو عالم بما أسررتم. * (بل ~~قالوا) *، قال الفراء: رد ب‍ * (بل) * على معنى تكذيبهم، وإن لم يظهر قبله ~~الكلام بجحودهم، لأن معناه الإخبار عن الجاحدين، PageV05P234 # وأعلم أن المشركين كانوا قد تحيروا في أمر رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، فاختلفت أقوالهم فيه، فبعضهم يقول: هذا الذي يأتي به سحر، وبعضهم ~~يقول: أضغاث أحلام، وهي الأشياء المختلطة ترى في المنام; وقد شرحناها في ~~يوسف، وبعضهم يقول: افتراه، أي: اختلقه، وبعضهم يقول: هو شاعر فليأتنا بآية ~~كالناقة والعصا، فاقترحوا الآيات التي لا إمهال بعدها. # قوله تعالى: * (ما آمنت قبلهم) * يعني: مشركي مكة * (من قرية) * وصف ~~القرية، والمراد أهلها، والمعنى: أن الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات، لم ~~يؤمنوا بالآيات لما أتتهم، فكيف يؤمن هؤلاء؟! وهذه إشارة إلى أن الآية لا ~~تكون سببا للإيمان، إلا أن يشاء الله. # قوله تعالى: * (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا) * هذا جواب قولهم: " هل هذا ~~إلا بشر مثلكم ". # قوله تعالى: * (نوحي إليهم) * قرأ الأكثرون: " يوحى " بالياء. وروى حفص ~~عن عاصم: # " نوحي " بالنون. وقد شرحناه هذه الآية في النحل. # قوله تعالى: * (وما جعلناهم) * يعني: الرسل * (جسدا) * قال الفراء: لم ~~يقل: أجسادا، لأنه اسم الجنس. قال مجاهد: وما جعلناهم جسدا ليس فيهم روح. ~~قال ابن قتيبة: ما جعلنا الأنبياء قبله أجسادا لا تأكل الطعام ولا تموت ~~فنجعله كذلك. قال المبرد وثعلب جميعا: العرب إذا جاءت بين الكلام بجحدين، ~~كان الكلام إخبارا، فمعنى الآية: إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطعام. قال ~~قتادة: # المعنى: وما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام. # قوله تعالى: * (ثم صدقناهم الوعد) * يعني: الأنبياء أنجزنا وعدهم ms1495 الذي ~~وعدناهم بإنجائهم وإهلاك مكذبيهم * (فأنجيناهم ومن نشاء) * وهم الذين ~~صدقوهم * (وأهلكنا المسرفين) * يعني: أهل الشرك; وهذا تخويف لأهل مكة. ثم ~~ذكر منته عليهم بالقرآن فقال: * (لقد أنزلناه إليكم كتابا فيه ذكركم) *، ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فيه شرفكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: فيه دينكم، قاله الحسن، يعني: فيه تحتاجون إليه من أمر دينكم. # والثالث: فيه تذكرة لكم لما تلقونه من رجعة أو عذاب، قاله الزجاج. # قوله تعالى: * (أفلا تعقلون) * ما فضلتكم به على غيركم. # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين " 11 " فلما ~~أحسوا PageV05P235 # بأسنا إذا هم منها يركضون " 12 " لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسئلون " 13 " قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين " 14 " فما ~~زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " 15 " ثم خوفهم فقال: * (وكما ~~قصمنا) * قال المفسرون واللغويون: معناه: وكم أهلكنا، وأصل القصم: الكسر. ~~قوله تعالى: * (كانت ظالمة) *; أي: كافرة، والمراد: أهلها. * (فلما أحسوا ~~بأسنا) * أي: رأوا عذابنا بحاسة البصر * (إذا هم منها يركضون) * أي: يعدون، ~~وأصل الركض: # تحريك الرجلين، يقال: ركضت الفرس: إذا أعديته بتحريك رجليك فعدا. # قوله تعالى: * (لا تركضوا) * قال المفسرون: هذا قول الملائكة لهم: * ~~(وارجعوا إلى ما أترفتم فيه) *، أي: إلى نعمكم التي أترفتكم، وهذا توبيخ ~~لهم. # وفي قوله: * (لعلكم تسألون) * قولان: # أحدهما: تسألون من دنياكم شيئا، استهزاء بهم، قاله قتادة. # والثاني: تسألون عن قتل نبيكم، قاله ابن السائب. فلما أيقنوا بالعذاب * ~~(قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) * بكفرنا، * (فما زالت تلك دعواهم) * أي: ~~ما زالت تلك الكلمة التي هي " يا ويلنا إنا كنا ظالمين " قولهم يرددونها. * ~~(حتى جعلناهم حصيدا) * بالعذاب، وقيل: بالسيوف * (خامدين) *، أي: ميتين ~~كخمود النار إذا طفئت. # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين " 16 " لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين " 17 " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ~~فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون " 18 " وله من في السماوات والأرض ومن ~~عنده لا يستكبرون ms1496 عن عبادته ولا يستحسرون " 19 " يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون " 20 " أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون " 21 " لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون " 22 " لا يسئل عما يفعل ~~وهم يسئلون " 23 " أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا PageV05P236 # برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم ~~معرضون " 24 " قوله تعالى: * (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) ~~* أي: لم نخلق ذلك عبثا، إنما خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا ليعتبر ~~الناس بخلقه، فيعلموا أن العبادة لا تصلح إلا لخالقه، لنجازي أولياءنا، ~~ونعذب أعداءنا. # قوله تعالى: * (لو أردنا أن نتخذ لهوا) * في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن المشركين لما قالوا: الملائكة بنات الله والآلهة بناته، نزلت ~~هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن نصارى نجران قالوا: إن عيسى ابن الله، فنزلت هذه الآية، ~~مقاتل. # وفي المراد باللهو ثلاثة أقوال: # أحدها: الولد، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال السدي. قال الزجاج: ~~المعنى: لو أردنا أن نتخذ ولدا ذا لهو نلهى به. # والثاني: المرأة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. # والثالث: اللعب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: * (لاتخذناه من لدنا) * قال ابن جريج: لاتخذنا نساء وولدا من ~~أهل السماء، لا من أهل الأرض. قال ابن قتيبة: وأصل اللهو: الجماع، فكني عنه ~~باللهو، كما كني عنه بالسر، والمعنى: لو فعلنا ذلك لاتخذناه من عندنا، ~~لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده، لا عند غيره. # وفي قوله تعالى: * (إن كنا فاعلين) * قولان: # أحدهما: أن * (إن) * بمعنى " ما "، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. ~~PageV05P237 # والثاني: أنها بمعنى الشرط. قال الزجاج: والمعنى: إن كنا نفعل ذلك، ولسنا ~~ممن يفعله; قال: والقول الأول قول المفسرين، والثاني: قول النحويين، وهم ~~يستجيدون القول الأول أيضا، لأن " إن " تكون في موضع النفي، إلا أن أكثر ما ~~تأتي مع اللام، تقول: إن كنت لصالحا، معناه: ما ms1497 كنت إلا صالحا. # قوله تعالى: * (بل) * أي: دع ذاك الذي قالوا، فإنه باطل * (نقذف بالحق) * ~~أي: نسلط الحق وهو القرآن * (على الباطل) * وهو كذبهم * (فيدمغه) * قال ابن ~~قتيبة: أي: يكسره، وأصل هذا إصابة الدماغ بالضرب، وهو مقتل * (فإذا هو ~~زاهق) * أي: زائل ذاهب. قال المفسرون: والمعنى: إنا نبطل كذبهم بما نبين من ~~الحق حتى يضمحل * (ولكم الويل مما تصفون) * أي: من وصفكم الله بما لا يجوز ~~* (وله من في السماوات والأرض) * يعني: هم عبيده وملكه * (ومن عنده) * ~~يعني: # الملائكة. # وفي قوله: * (ولا يستحسرون) * ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يرجعون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: لا ينقطعون، قاله مجاهد. وقال ابن قتيبة: لا يعيون، والحسر: ~~المنقطع الواقف إعياء وكلالا. # والثالث: لا يملون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: * (لا يفترون) * قال قتادة: لا يسأمون. وسئل كعب: أما يشغلهم ~~حاجة؟ فقال للسائل: يا ابن أخي، جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، ألست ~~تأكل وتشرب وتقوم وتجلس وتجئ وتذهب وتتكلم وأنت تتنفس؟! فكذلك جعل لهم ~~التسبيح. ثم إن الله تعالى عاد إلى توبيخ المشركين فقال: * (أم اتخذوا آلهة ~~من الأرض) * لأن أصنامهم من الأرض هي، سواء كانت من ذهب أو فضة أو خشب أو ~~حجارة * (هم) * يعني: الآلهة * (ينشرون) * أي: يحيون الموتى. وقرأ الحسن: # " ينشرون " بفتح الياء وضم الشين. وهذا استفهام بمعنى الجحد، والمعنى: ما ~~اتخذوا آلهة تنشر ميتا. * (لو كان فيهما) * يعني: السماء والأرض * (آلهة) * ~~يعني: معبودين * (إلا الله) * قال الفراء: سوى الله. وقال الزجاج: غير ~~الله. # قوله تعالى: * (لفسدتا) * أي: لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما، لوجود ~~التمانع بين الآلهة، فلا يجري امر العالم على النظام، لأن كل أمر صدر عن ~~اثنين فصاعدا لم يسلم من الخلاف. # قوله تعالى: * (لا يسأل عما يفعل) * أي: عما يحكم في عباده من هدي ~~وإضلال، وإعزاز PageV05P238 # وإذلال، لأنه المالك للخلق، والخلق يسألون عن أعمالهم، لأنهم عبيد يجب ~~عليهم امتثال امر مولاهم. ولما أبطل عز وجل أن يكون إله سواه من حيث العقل ~~بقوله: * (لفسدتا) ms1498 *، أبطل ذلك من حيث الأمر فقال: * (أم اتخذوا من دونه ~~آلهة) * وهذا استفهام إنكار وتوبيخ * (قل برهانكم) * على ما تقولون، * (هذا ~~ذكر من معي) * يعني: القرآن خبر من معي على ديني ممن يتبعني إلى يوم ~~القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية * (وذكر من ~~قبلي) * يعني: الكتب المنزلة، والمعنى: هذا القرآن، وهذه الكتب التي أنزلت ~~قبله، فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه؟ فبطل بهذا ~~البيان جواز اتخاذ معبود غيره من حيث الأمر به قال الزجاج: قيل لهم: هاتوا ~~برهانكم بأن رسولا من الرسل أخبر أمته بأن لهم إلها غير الله!. # قوله تعالى: * (بل أكثرهم) * يعني: كفار مكة * (لا يعلمون الحق) * وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: التوحيد، قاله مقاتل * (فهم معرضون) * عن التفكر والتأمل وما ~~يجب عليهم من الإيمان. # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " ~~25 " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون " 26 " لا يسبقون ~~بالقول وهم بأمره يعملون " 27 " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " 28 " * ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " 29 " قوله تعالى: * (من رسول إلا ~~يوحي) * قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " إلا نوحي " بالنون; والباقون ~~بالياء. # قوله تعالى: * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) * في القائلين لهذا قولان: # أحدهما: أنهم مشركو قريش، قاله ابن عباس. وقال ابن إسحاق: القائل لهذا ~~النضر بن الحارث. PageV05P239 # والثاني: انهم اليهود قالوا: إن الله صاهر الجن فكانت منهم الملائكة، ~~قاله قتادة. فعلى القولين، المراد بالولد: الملائكة، وكذلك المراد بقوله: * ~~(بل عباد مكرمون) *، والمعنى: بل عباد أكرمهم الله واصطفاهم، * (لا يسبقونه ~~بالقول) *، أي: لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وقال ابن قتيبة: # لا يقولون حتى يقول، ثم يقولون عنه، ولا يعملون حتى يأمرهم. # قوله تعالى: * (يعلم ما بين أيديهم) * أي: ما قدموا من الأعمال * (وما ms1499 ~~خلفهم) * ما هم عاملون، ولا يشفعون يوم القيامة، وقيل: لا يستغفرون في ~~الدنيا * (إلا لمن ارتضى) * أي: لمن رضي عنه، * (وهم من خشيته) * أي: من ~~خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى المفعول، * (مشفقون) * أي: # خائفون. وقال الحسن: يرتعدون. * (ومن يقل منهم) * أي: من الملائكة. قال ~~الضحاك في آخرين: # هذه خاصة لإبليس، لم يدع أحد من الملائكة إلى عبادة نفسه سواه; قال أبو ~~سليمان الدمشقي: وهذا قول من قال: إنه من الملائكة، فإن إبليس قال ذلك ~~للملائكة الذين هبطوا معه إلى الأرض، ومن قال: إنه ليس من الملائكة، قال: ~~هذا على وجه التهديد، وما قال أحد من الملائكة ذلك. # أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون " 30 " وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ~~وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون " 31 " وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم ~~عن آياتها معرضون " 32 " وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في ~~فلك يسبحون " 33 " قوله تعالى: * (أولم ير الذين كفروا) * أي: أولم يعلموا. ~~وقرأ ابن كثير: " ألم ير الذين كفروا " بغير واو بين الألف واللام، وكذلك ~~هي في مصاحف أهل مكة، * (أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) * قال ~~أبو عبيدة: السماوات جمع; والأرض واحدة، فخرجت صفة لفظ الجمع على لفظ صفة ~~الواحد والعرب تفعل هذا إذا أشركوا بين جمع وبين واحد; والرتق مصدر يوصف به ~~الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث سواء، ومعنى الرتق: الذي ليس فيه ~~ثقب. قال الزجاج: المعنى: # كانتا ذواتي رتق، فجعلناهما ذوات فتق، وإنما لم يقل: " رتقين " لأن الرتق ~~مصدر. # وللمفسرين في المراد به ثلاثة أقوال: # أحدهما: أن السماوات كانت رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق ~~هذه بالمطر، PageV05P240 # وهذه بالنبات، رواه عبد الله بن دينار عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ~~وعكرمة، ومجاهد في رواية، والضحاك في آخرين. # والثاني: أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتين، ففتقهما الله تعالى، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد ms1500 بن جبير، وقتادة. # والثالث: أنه فتق من الأرض ست أرضين فصارت سبعا، ومن السماء ست سماوات ~~فصارت سبعا، رواه السدي عن أشياخه، وابن أبي نجيح عن مجاهد. # قوله تعالى: * (وجعلنا من الماء كل شئ حي) * وقرأ معاذ القارئ، وابن أبي ~~عبلة، وحميد ابن قيس: " كل شئ حيا " بالنصب. # وفي هذا الماء قولان: # أحدهما: أنه الماء المعروف، والمعنى: جعلنا الماء سببا لحياة كل حي، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: أنه النطفة، قاله أبو العالية. PageV05P241 # قوله تعالى: * (وجعلنا في الأرض رواسي) * قد فسرناه في [سورة] النحل. # قوله تعالى: * (وجعلنا فيها) * أي: في الرواسي * (فجاجا) * قال أبو ~~عبيدة: هي المسالك. # قال الزجاج: الفجاج جمع فج، وهو كل منخرق بين جبلين، ومعنى * (سبلا) * ~~طرقا. قال ابن عباس: جعلنا من الجبال طرقا كي تهتدوا إلى مقاصدكم في ~~الأسفار. قال المفسرون: وقوله: # * (سبلا) * تفسير للفجاج، وبيان أن تلك الفجاج نافذة مسلوكة، فقد يكون ~~الفج غير نافذ. * (وجعلنا السماء سقفا) * أي: هي الأرض كالسقف. # وفي معنى * (محفوظا) * قولان: # أحدهما: بالنجوم من الشياطين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: محفوظا من الوقوع إلا بإذن الله، قاله الزجاج. # قوله تعالى: * (وهم) * يعني: كفار مكة * (عن آياتها) * أي: شمسها وقمرها ~~ونجومها، قال الفراء: وقرا مجاهد: " عن آيتها " فوحده، فجعل السماء بما ~~فيها آية; وكل صواب. # قوله تعالى: * (كل) * يعني: الطوالع * (في فلك) * قال ابن قتيبة: الفلك: ~~مدار النجوم الذي يضمها، وسماه فلكا، لاستدارته، ومنه قيل: فلكه المغزل، ~~وقد فلك ثدي المرأة. قال أبو سليمان: # وقيل: إن الفلك - كهيئة الساقية من ماء - مستديرة دون السماء وتحت الأرض، ~~فالأرض وسطها والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار يجرون في الفلك، وليس ~~الفلك يديرها. ومعنى " يسبحون ": يجرون. قال الفراء: لما كانت السباحة من ~~أفعال الآدميين، ذكرت بالنون، كقوله: # * (رأيتهم لي ساجدين) * لأن السجود من أفعال الآدميين. # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون " 34 " كل نفس ذائقة ~~الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون " 35 " وإذا رآك الذين ~~كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ms1501 أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم ~~كافرون " 36 " قوله تعالى: * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) * سبب نزولها ~~أن ناسا قالوا: إن محمدا لا يموت، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى ~~الآية ما خلدنا قبلك أحدا من بني آدم; والخلد: # البقاء الدائم. * (أفإن مت فهم الخالدون) * يعني: مشركي مكة، لأنهم ~~قالوا: * (نتربص به ريب المنون) *. PageV05P242 # قوله تعالى: * (ونبلوكم بالشر والخير) * قال ابن زيد: نختبركم بما تحبون ~~لننظر كيف شكركم، وبما تكرهون لننظر كيف صبركم. # قوله تعالى: * (وإلينا يرجعون) * قرأ ابن عامر: " ترجعون " بتاء مفتوحة. ~~وروى ابن عباس عن أبي عمرو: " يرجعون " بياء مضمومة. وقرأ الباقون بتاء ~~مضمومة. # قوله تعالى: * (وإذا رآك الذين كفروا) * قال ابن عباس: يعني المستهزئين، ~~وقال السدي: نزلت - في أبي جهل، مر به رسول الله، فضحك وقال: هذا نبي بني ~~عبد مناف. و * (إن) * بمعنى " ما " ومعنى * (هزوا) * مهزوءا به * (أهذا ~~الذي يذكر آلهتكم) * أي: يعيب أصنامكم، وفيه إضمار " يقولون "، * (وهم بذكر ~~الرحمن هم كافرون) * وذلك أنهم قالوا: ما نعرف الرحمن، فكفروا بالرحمن. # خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون " 37 " ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين " 38 " لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم ~~النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون " 39 " بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا ~~يستطيعون ردها ولا هم ينظرون " 40 " ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون " 41 " قوله تعالى: * (خلق الإنسان من ~~عجل) * وقرأ أبو رزين العقيلي، ومجاهد، والضحاك; " خلق الإنسان " بفتح ~~الخاء واللام ونصب النون. وهذه الآية نزلت حين استعجلت قريش بالعذاب. # وفي المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: النضر بن الحارث، وهو الذي قال: * (اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك...) * رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: آدم عليه السلام، قاله سعيد بن جبير، والسدي في آخرين. # والثالث: أنه اسم جنس، قاله علي بن أحمد النيسابوري; فعلى هذا يدخل النضر ~~بن الحارث وغيره في هذا وإن كانت ms1502 الآية نزلت فيه. PageV05P243 # فأما من قال: أريد به آدم، ففي معنى الكلام قولان: # أحدهما: أنه خلق عجولا، قاله الأكثرون. فعلى هذا يقول: لما طبع آدم على ~~هذا المعنى، وجد في أولاده، وأورثهم العجل. # والثاني: خلق بعجل، استعجل بخلقه قبل غروب الشمس من يوم الجمعة، وهو آخر ~~الأيام الستة، قاله مجاهد. # فأما من قال: هو اسم جنس، ففي معنى الكلام قولان: # أحدهما: خلق عجولا; قال الزجاج: خوطبت العرب بما تعقل، بعد تقول للذي ~~يكثر منه اللعب: إنما خلقت من لعب، يريدون المبالغة في وصفه بذلك. # والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والمعنى: خلقت العجلة في الإنسان، ~~قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: * (سأريكم آياتي) * فيه قولان: # أحدهما: ما أصاب الأمم المتقدمة; والمعنى: أنكم تسافرون فترون آثار ~~الهلاك في الماضين، قاله ابن السائب. # والثاني: أنها القتل ببدر، قاله مقاتل. # قوله تعالى: * (فلا تستعجلون) * أثبت الياء في الحالين يعقوب قوله تعالى: ~~* (ويقولون متى هذا الوعد) * يعنون: القيامة. * (لم يعلم الذين كفروا) * ~~جوابه محذوف، والمعنى: لو علموا صدق الوعد ما استعجلوا، * (حين لا يكفون) * ~~أي: لا يدفعون * (عن وجوههم النار) * إذا دخلوا * (ولا عن ظهورهم) * ~~لإحاطتها بهم * (ولا هم ينصرون) * أي: يمنعون مما نزل بهم، * (بل تأتيهم) * ~~يعني: الساعة * (بغتة) * فجأة * (فتبهتهم) * تحيرهم; وقد شرحنا هذا عند ~~قوله: * (فبهت الذي كفر) * * (فلا يستطيعون ردها) * أي: صرفها عنهم، ولا هم ~~يمهلون لتوبة أو معذرة. ثم عزى نبيه، فقال: * (ولقد استهزئ برسل من قبلك) * ~~أي: كما فعل بك قومك * (فحاق) * أي نزل * (بالذين سخروا منهم) * أي: من ~~الرسل * (ما كانوا به يستهزئون) * يعني: العذاب الذي كانوا استهزؤوا به. # قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون " 42 " ~~أم لهم PageV05P244 # آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون " 43 " ~~بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون " 44 " قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع ~~الصم الدعاء إذا ما ينذرون ms1503 " 45 " قوله تعالى: * (قل من يكلؤكم) * المعنى: ~~قل لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: من يحفظكم من بأس الرحمن إن أراد إنزاله ~~بكم؟ وهذا استفهام إنكار، أي: لا أحد يفعل ذلك، * (بل هم عن ذكر ربهم) * ~~أي: عن كلامه ومواعظه * (معرضون) * لا يتفكرون ولا يعتبرون. * (أم لهم آلهة ~~تمنعهم من دوننا) * فيه تقديم وتأخير، وتقديره: أم لهم آلهة من دوننا ~~تمنعهم؟ وهاهنا تم الكلام. ثم وصف آلهتهم بالضعف، فقال: * (لا يستطيعون نصر ~~أنفسهم) * والمعنى: من لا يقدر على نصر نفسه عما يراد به، فكيف ينصر غيره؟! # قوله تعالى: * (ولا هم) * في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم الكفار، وهو قول ابن عباس. # والثاني: أنهم الأصنام، قاله قتادة. # وفي معنى * (يصحبون) * أربعة أقوال: # أحدها: يجارون، رواه العوفي عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: والمعنى: لا ~~يجيرهم منا أحد، لأن المجير صاحب لجاره. # والثاني: يمنعون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: ينصرون، قاله مجاهد. # والرابع: لا يصحبون بخير، قاله قتادة. # ثم بين اغترارهم بالإهمال، فقال: * (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) * يعني: أهل ~~مكة * (حتى طال عليهم العمر) * فاغتروا بذلك، * (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها) * قد شرحناه في الرعد * (أفهم الغالبون) * أي: مع هذه ~~الحال، وهو نقص الأرض، والمعنى: ليسوا بغالبين، ولكنهم المغلوبون. * (قل ~~إنما أنذركم) * أي: أخوفكم * (بالوحي) * أي: بالقرآن، والمعنى: إنني ما جئت ~~به من تلقاء نفسي، إنما أمرت فبلغت. * (ولا يسمع الصم الدعاء) * وقرأ ابن ~~عامر: " ولا تسمع " بالتاء مضمومة " الصم " نصبا. وقرأ ابن يعمر، والحسن: " ~~ولا يسمع " بضم الياء وفتح الميم " الصم " بضم الميم. شبه الكفار بالصم ~~الذين لا يسمعون نداء مناديهم; ووجه التشبيه أن هؤلاء لم PageV05P245 # ينتفعوا بما سمعوا، كالصم لا يفيدهم صوت مناديهم. * (ولئن مستهم) * أي: ~~أصابتهم * (نفحة) * قال ابن عباس: طرف. وقال الزجاج: المراد أدنى شئ من ~~العذاب، * (ليقولن يا ويلنا) * والويل ينادي به كل من وقع في هلكة. # ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين " 46 " ونضع ~~الموازين القسط ليوم ms1504 القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل ~~أتينا بها وكفى بنا حاسبين " 47 " قوله تعالى: * (ونضع الموازين القسط) * ~~قال الزجاج: المعنى: ونضع الموازين ذوات القسط، والقسط: العدل، وهو مصدر ~~يوصف به، يقال: ميزان قسط، وميزانا قسط، وموازين قسط. قال الفراء: القسط من ~~صفة الموازين وإن كان موحدا، كما تقول: أنتم عدل، وأنتم رضي. وقوله تعالى: # * (ليوم القيامة) * و " في يوم القيامة " سواء. وقد ذكرنا الكلام في ~~الميزان في أول الأعراف. # فإن قيل: إذا كان الميزان واحدا، فما المعنى بذكر الموازين؟ # فالجواب: أنه لما كانت أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة، سميت موازين. # قوله تعالى: * (فلا تظلم نفس شيئا) * أي: لا ينقص محسن من إحسانه، ولا ~~يزاد مسيء على إساءته * (وإن كان مثقال حبة) * أي: وزن حبة. وقرأ نافع: " ~~مثقال " برفع اللام. قال الزجاج: ونصب " مثقال " على معنى: وإن كان العمل ~~مثقال حبة. وقال أبو علي الفارسي: وإن كان الظلامة مثقال حبة، لقوله ~~[تعالى]: " فلا تظلم نفس شيئا ". قال: ومن رفع، أسند الفعل إلى المثقال، ~~كما أسند في قوله [تعالى]: * (وإن كان ذو عسرة) *. # قوله تعالى: * (أتينا بها) * أي: جئنا بها. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، ~~وحميد: " آتينا بها " ممدودة، أي: جازينا بها. # قوله تعالى: * (وكفى بنا حاسبين) * قال الزجاج: هو منصوب على وجهين ~~أحدهما: التمييز; والثاني: الحال. PageV05P246 # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين " 48 " الذين يخشون ~~ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون " 49 " وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له ~~منكرون " 50 " قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان) * فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: التوراة التي فرق بها الحلال والحرام، قاله مجاهد، وقتادة. # والثاني: البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون، قاله ابن زيد. # والثالث: النصر والنجاة لموسى، وإهلاك فرعون، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: * (وضياء) * روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يرى الواو زائدة; ~~قال الزجاج: # وكذلك قال بعض النحويين أن المعنى: الفرقان ضياء، وعند البصريين: أن ~~الواو لا تزاد ولا تأتي إلا ms1505 بمعنى العطف، فهي هاهنا مثل قوله [تعالى]: * ~~(فيها هدى ونور) * قال المفسرون: والمعنى أنهم استضاؤوا بالتوراة حتى ~~اهتدوا بها في دينهم. ومعنى قوله [تعالى]: * (وذكرا للمتقين) * أنهم ~~يذكرونه ويعملون بما فيه. * (الذين يخشون ربهم بالغيب) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: يخافونه ولم يروه، قاله الجمهور. # والثاني: يخشون عذابه ولم يروه، قاله مقاتل. # والثالث: يخافونه من حيث لا يراهم أحد، قاله الزجاج. # والرابع: يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس كخوفهم له إذا كانوا بين ~~الناس، قاله أبو سليمان الدمشقي. ثم عاد إلى ذكر القرآن، فقال: * (وهذا) * ~~يعني: القرآن * (ذكر) * لمن تذكر به، وعظه لمن اتعظ * (مبارك) * أي: كثير ~~الخير * (أفأنتم) * يا أهل مكة * (له منكرون) * أي: جاحدون؟ وهذا استفهام ~~توبيخ. # ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين " 51 " إذ قال لأبيه ~~وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون " 52 " قالوا وجدنا آباءنا لها ~~عابدين " 53 " قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين " 54 " قالوا أجئتنا ~~بالحق أم أنت من اللاعبين " 55 " قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي ~~فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين " 56 " وتالله PageV05P247 # لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " 57 " فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم ~~لعلهم إليه يرجعون " 58 " قوله تعالى * (ولقد آتينا إبراهيم رشده) * أي: ~~هداه * (من قبل) * وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من قبل بلوغه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: آتيناه ذلك في العلم السابق، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: من قبل موسى وهارون، قاله الضحاك. وقد أشرنا إلى قصة إبراهيم في ~~الأنعام. # قوله تعالى: * (وكنا به عالمين) * أي: علمنا أنه موضع لإيتاء الرشد. ثم ~~بين متى آتاه فقال: # * (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل) * يعني: الأصنام: والتمثال: اسم ~~للشيء المصنوع مشبها بخلق من خلق الله تعالى، وأصله من مثلث الشئ بالشيء ~~إذا شبهته به وفي قوله تعالى: * (التي أنتم لها) * أي: على عبادتها * ~~(عاكفون) * أي: مقيمون، فأجابوه أنهم رأوا آباءهم في ضلال مبين، * (قالوا ~~أجئتنا بالحق) *. يعنون: أجاد أنت، ms1506 أم لاعب؟! # قوله تعالى: * (لأكيدن أصنامكم) * الكيد: احتيال الكائد في ضر المكيد. ~~والمفسرون يقولون: لأكيدنها بالكسر * (بعد أن تولوا) * أي: تذهبوا عنها، ~~وكان لهم عيد في كل سنة يخرجون إليه ولا يخلفون بالمدينة أحدا، فقالوا ~~لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض ~~الطريق، قال: إني سقيم، وألقى نفسه، وقال سرا منهم: " وتالله لأكيدن ~~أصنامكم "، فسمعه رجل منهم، فأفشاه عليه، فرجع إلى بيت الأصنام، وكانت - ~~فيما ذكره مقاتل ابن سليمان - اثنين وسبعين صنما من ذهب وفضة ونحاس وحديد ~~وخشب، فكسرها، ثم وضع الفأس في عنق الصنم الكبير، فذلك قوله: * (فجعلهم ~~جذاذا) * قرأ الأكثرون: " جذاذا " بضم الجيم. وقرأ أبو بكر الصديق، وابن ~~مسعود، وأبو رزين، وقتادة، وابن محيصن، والأعمش، والكسائي: " جذاذا " بكسر ~~الجيم. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وأيوب السختياني، وعاصم الجحدري: " جذاذا " ~~بفتح الجيم. وقرأ الضحاك، وابن يعمر: " جذذا " بفتح الجيم من غير ألف. # مستأصلين، قال جرير. # - بني المهلب جذ الله دابرهم * أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف - أي: لم يبق ~~منهم شئ ولفظ " جذاذ " يقع على الواحد والاثنين والجميع من المذكر ~~PageV05P248 # والمؤنث. وقال ابن قتيبة " جذاذا " أي: فتاتا، وكل شئ كسرته فقد جذذته، ~~ومنه قيل للسويق: # الجذيذ: وقرأ الكسائي: جذاذا " بكسر الجيم على أنه جمع جذيذ، مثل ثقيل ~~وثقال، وخفيف وخفاف. والجذيذ بمعنى: المجذوذ، وهو المكسور. * (إلا كبيرا ~~لهم) * أي: كسر الأصنام إلا أكبرها. قال الزجاج: جائز أن يكون أكبرها في ~~ذاته، وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إياه، * (لعلهم إليه يرجعون) ~~*، في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الصنم، ثم فيه قولان: # أحدهما: لعلهم يرجعون إليه فيشاهدونه، إلا هذا قول مقاتل. # والثاني: لعلهم يرجعون إليه بالتهمة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # والثاني: أنها ترجع إلى إبراهيم. والمعنى: لعلهم يرجعون إلى دين إبراهيم ~~بوجوب الحجة عليهم، قاله الزجاج. # قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين " 59 " قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم " 60 " قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ~~" 61 ms1507 " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم " 62 " قال بل فعله كبيرهم ~~هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون " 63 " فلما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم ~~* (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) * أي: # قد فعل ما لم يكن له فعله، فقال الذي سمع إبراهيم يقول: " لأكيدن أصنامكم ~~": * (سمعنا فتى يذكرهم) * قال الفراء: أي يعيبهم; نقول للرجل: لئن ذكرتني ~~لتندمن، تريد: بسوء. # قوله تعالى: * (فأتوا به على أعين الناس) * أي: بمرأى منهم، لا تأتوا به ~~خفية. قال أبو عبيدة: تقول العرب إذا أظهر الأمر وشهر: كان ذلك على أعين ~~الناس. # قوله تعالى: * (لعلهم يشهدون) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يشهدون أنه قال لآلهتنا ما قال، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، وقتادة. # والثاني: يشهدون أنه فعل ذلك، قاله السدي. # والثالث: يشهدون عقابه وما يصنع به، قاله محمد بن إسحاق. PageV05P249 # قال المفسرون: فانطلقوا به إلى نمرود، فقال له: * (أأنت فعلت هذا بآلهتنا ~~يا إبراهيم؟ قال بل فعله كبيرهم هذا) * غضب أن تعبد معه الصغار، فكسرها، * ~~(فاسألوهم إن كانوا ينطقون) * من فعله بهم؟! وهذا إلزام للحجة عليهم بأنهم ~~جماد لا يقدرون على النطق. # واختلف العلماء في وجه هذا القول من إبراهيم عليه السلام على قولين: # أحدهما: وإنه وإن كان في صورة الكذب، إلا أن المراد به التنبيه على أن من ~~لا قدرة له، لا يصلح أن يكون إلها. ومثله قول الملكين لدواد: " إن هذا أخي ~~". له تسع وتسعون نعجة "، ولم يكن له شئ، فجرى هذا مجرى التنبيه لداود على ~~ما فعل، أنه هو المراد بالفعل والمثل المضروب; ومثل هذا لا تسميه العرب ~~كذبا. # والثاني: أنه من معاريض الكلام; فروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله ~~[تعالى]: * (بل فعله) * ويقول معناه: فعله مفعله، ثم يبتدئ * (كبيرهم هذا) ~~*. قال الفراء: وقرأ بعضهم: " بل فعله " بتشديد اللام، يريد: بل فعله ~~كبيرهم هذا. وقال ابن قتيبة: هذا من المعاريض، ومعناه: # إن كانوا ينطقون، فقد فعله كبيرهم، وكذلك قوله: * (إني سقيم) * أي: ~~سأسقم، ومثله ms1508 * (إنك ميت) * أي: ستموت، وقوله: * (لا تؤاخذني بما نسيت) * ~~قال ابن عباس: لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، والمعنى: لا تؤاخذني ~~بنسياني، ومن هذا قصة الخصمين إذ تسوروا المحراب " ومثله * (وإنا أو إياكم ~~لعلى هدى) *، والعرب تستعمل التعريض في كلامها كثيرا، فتبلغ إرادتها بوجه ~~هو ألطف من الكشف وأحسن من التصريح. وروي أن قوما من الأعراب خرجوا ~~يمتارون، فلما صدروا، خالف رجل في بعض الليل إلى عكم صاحبه، فأخذ منه برا ~~وجعله في عكمه، فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان، رأى عكمه يشول، وعكم ~~صاحبه يثقل، فأنشأ يقول: PageV05P250 # - عكم تغشى بعض أعكام القوم * لم أر عكما سارقا قبل اليوم - فخون صاحبه ~~بوجه هو ألطف من التصريح. قال ابن الأنباري: كلام إبراهيم كان صدقا عند ~~البحث، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " كذب إبراهيم ثلاث كذبات ": ~~قال قولا يشبه الكذب في الظاهر، وليس بكذب، قال المصنف: وقد ذهب جماعة من ~~العلماء إلى هذا الوجه، وأنه من المعاريض، والمعاريض لا تذم، خصوصا إذا ~~احتيج إليها روى عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب "، وقال عمر بن الخطاب [رضي الله عنه]: ما ~~يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي، وقال النخعي، لهم ~~كلام يتكلمون به إذا خشوا من شئ يدرؤون به عن أنفسهم. وقال ابن سيرين: ~~الكلام أوسع من أن يكذب ظريف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجوز: ~~" إن الجنة لا يدخلها العجائز "، أراد قوله تعالى: * (إنا أنشأناهن إنشاء) ~~* وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح بلالا، فيقول: " ما أخت خالك ~~منك "؟، وقال لامرأة: " من زوجك "؟ فسمته له، فقال: " الذي في عينيه بياض ~~"؟، وقال لرجل: " إنا حاملوك على ولد ناقة "، وقال له العباس: ما ترجو لأبي ~~طالب؟ فقال: " كل خير أرجوه من ربي "، وكان أبو بكر حين خرج من الغار مع ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا سأله أحد: من هذا بين يديك؟ ms1509 يقول: " ~~هاد يهديني ". وكانت امرأة ابن رواحة قد رأته مع جارية له، فقالت له: وعلى ~~فراشي أيضا؟! فجحد، فقالت له: فاقرأ القرآن، فقال: # - وفينا رسول الله يتلو كتابه * إذا انشق مشهور من الصبح طالع - - يبيت ~~يجافي جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالكافرين المضاجع - فقالت: آمنت بالله، ~~وكذبت بصري، فأتى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فأخبره، فضحك وأعجبه ما ~~صنع. # وعرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري: كيف لبنها؟ قال: احلب في أي ~~إناء شئت، قال: كيف الوطاء؟ قال: افرش ونم، قال: كيف نجاؤها؟ قال: إذا ~~رأيتها في الإبل عرفت مكانها، علق سوطك وسر، قال: كيف قوتها؟ قال. احمل على ~~الحائط ما شئت; فاشتراها فلم ير شيئا مما وصف، فرجع إليه، فقال: لم أر فيها ~~شيئا مما وصفتها به، قال: ما كذبتك، قال: أقلني، قال: نعم، وخرج شريح من ~~عند زياد وهو مريض، فقيل له: كيف وجدت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهى، فقيل ~~له: ما معنى يأمر وينهى؟ قال: يأمر بالوصية، وينهى عن النوح. وأخذ محمد بن ~~يوسف حجرا المدري فقال: العن عليا، فقال: إن الأمير امرني أن ألعن عليا ~~محمد بن يوسف، فالعنوه، لعنه الله. وأمر بعض الأمراء صعصعة بن صوحان بلعن ~~علي، فقال: لعن الله من لعن الله PageV05P251 # ولعن علي، ثم قال: إن هذا الأمير قد أبى إلا أن ألعن عليا، فالعنوه، لعنه ~~الله. وامتحنت الخوارج رجلا من الشيعة، فجعل يقول: أنا من علي ومن عثمان ~~برئ. وخطب رجل امرأة وتحته أخرى، فقالوا: لا نزوجك حتى تطلق امرأتك! فقال: ~~اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا، فزوجوه، فأقام مع المرأة الأولى، فادعوا أنه قد ~~طلق، فقال: أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة فطلقتها، ثم فلانة فطلقتها؟ # قالوا: بلى، قال: فقد طلقت ثلاثا - وحكي أن رجلا عثر به الطائف ليلة، ~~فقال له: من أنت؟ فقال: # - أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره * وإن نزلت يوما فسوف تعود - - ترى ~~الناس أفواجا إلى ضوء ناره * فمنهم قيام حولها وقعود - فظن الطائف أنه ابن ms1510 ~~بعض الأشراف البصرة، فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو ابن باقلائي. # ومثل هذا كثير. # فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون " 64 " ثم نكسوا على رؤوسهم ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " 65 " قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم ~~شيئا ولا يضركم " 66 " أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون " 67 " ~~قوله تعالى: * (فرجعوا إلى أنفسهم) * فيه قولان: # أحدهما: رجع بعضهم إلى بعض. # والثاني: رجع كل منهم إلى نفسه متفكرا. # قوله تعالى: * (فقالوا إنكم أنتم الظالمون) * فيه خمسة أقوال: # أحدها: حين عبدتم من لا يتكلم، قاله ابن عباس. # والثاني: حين تتركون آلهتكم وحدها، وتذهبون، قاله وهب بن منبه. # والثالث: في عبادة هذه الأصاغر مع هذا الكبير، روي عن وهب أيضا. # والرابع: لإبراهيم حين اتهمتموه والفأس في يد كبير الأصنام، قاله ابن ~~إسحاق، ومقاتل. # والخامس: أنتم ظالمون لإبراهيم حين سألتموه، وهذه أصنامكم حاضرة، ~~فاسألوها، ذكره ابن جرير. # قوله تعالى: * (ثم نكسوا على رؤوسهم) * وقرأ أبو رزين العقيلي، وابن أبي ~~عبلة، وأبو حيوة: # " نكسوا " برفع النون وكسر الكاف مشددة. وقرأ سعيد بن جبير، وابن يعمر، ~~وعاصم الجحدري: PageV05P252 # " نكسوا " بفتح النون والكاف مخففة. قال أبو عبيدة: " نكسوا ": قلبوا، ~~تقول: نكست فلانا على رأسه; إذا قهرته وعلوته. # ثم في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال. # أحدها: أدركتهم حيرة، فقالوا: * (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) *، قاله ~~قتادة. # والثاني: رجعوا إلى أول ما كانوا يعرفونها به من أنها لا تنطق، قاله ابن ~~قتيبة. # والثالث: انقلبوا على إبراهيم يحتجون عليه بعد أن أقروا به ولاموا أنفسهم ~~في تهمته، قاله أبو سليمان. وفي قوله تعالى: * (لقد علمت) * إضمار " قالوا ~~"، وفي هذا إقرار منهم بعجز ما يعبدونه عن النطق، فحينئذ توجهت لإبراهيم ~~الحجة، فقال موبخا لهم: * (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم) * أي: لا ~~يرزقكم ولا يعطيكم شيئا * (ولا يضركم) * إذا لم تعبدوه، وفي هذا حث لهم على ~~عبادة من يملك النفع والضر، * (أف لكم) * قال الزجاج: معناه: النتن لكم; ~~فلما ألزمهم الحجة غضبوا، فقالوا: * (حرقوه) *. وذكر ms1511 في التفسير ان نمرود ~~استشارهم، بأي عذاب أعذبه، فقال رجل: # حرقوه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين " 68 " قلنا يا نار كوني بردا ~~وسلاما على إبراهيم " 69 " وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " 70 " ~~ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين " 71 " ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين " 73 " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا ~~إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين " 74 " ~~قوله تعالى: * (وانصروا آلهتكم) * أي: بتحريقه، لأنه يعيبها * (إن كنتم ~~فاعلين) * أي: # ناصريها. # الإشارة إلى القصة ذكر أهل التفسير أنهم حبسوا إبراهيم عليه السلام في ~~بيت ثم بنوا له حيرا طول جداره ستون ذراعا إلى سفح جبل منيف، ونادى منادي ~~الملك: أيها الناس احتطبوا لإبراهيم، ولا يتخلفن عن ذلك صغير ولا كبير، فمن ~~تخلف ألقي في تلك النار، ففعلوا ذلك أربعين ليلة، حتى إن كانت PageV05P253 # المرأة لتقول: إن ظفرت بكذا لأحتطبن لنار إبراهيم، حتى إذا كان الحطب ~~يساوي رأس الجدار سدوا أبواب الحير وقذفوا فيه النار، فارتفع لهبها، حتى إن ~~كان الطائر ليمر بها فيحترق من شدة حرها، ، ثم بنوا بنيانا شامخا، وبنوا ~~فوقه منجنيقا، ثم رفعوا إبراهيم على رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى ~~السماء، فقال: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في ~~الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل; فقالت السماء والأرض والجبال ~~والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك، فائذن لنا في نصرته; فقال: أنا أعلم به، ~~وإن دعاكم فأغيثوه; فقذفوه في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وقيل: ست وعشرين، ~~فقال: " حسبي الله ونعم الوكيل " فاستقبله جبريل، فقال: # يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك، فلا، قال: جبريل فسل ربك، فقال: " ~~حسبي من سؤالي علمه بحالي "، فقال الله عز وجل: * (يا نار كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم) *، فلم تبق نار على وجه الأرض يومئذ إلا طفئت وظنت انها عنيت. ~~وزعم السدي أن جبريل هو الذي ms1512 ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها ~~سلاما لمات إبراهيم من بردها. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم ~~فأجلسوه على الأرض، فإذا عين من ماء عذب، وورد أحمر، ونرجس، قال كعب ووهب: # فما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه، وأقام في ذلك الموضع سبعة أيام، ~~وقال غيرهما: أربعين أو خمسين يوما، فنزل جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من ~~الجنة، فألبسه القميص، وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه. وإن آزر أتى ~~نمرود فقال: أئذن لي أن أخرج عظام إبراهيم فأدفنها، فانطلق نمرود ومعه ~~الناس، فأمر بالحائط فنقب، فإذا إبراهيم في روضة يهتز وثيابه تندى، وعليه ~~القميص وتحته الطنفسة والملك إلى جنبه، فناداه نمرود: يا إبراهيم إن إلهك ~~الذي بلغت قدرته هذا لكبير، هل تستطيع أن تخرج؟ قال: نعم، فقام إبراهيم ~~يمشي حتى خرج، فقال: من الذي رأيت معك؟ قال: ملك أرسله إلى ربي ليؤنسني، ~~فقال نمرود: إني مقرب لإلهك قربانا لما رأيت من قدرته، فقال: إذن لا يقبل ~~الله منك ما كنت على دينك، فقال: يا إبراهيم، لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف ~~أذبح له، فذبح القربان وكف عن إبراهيم. # قال المفسرون: ومعنى: " كوني بردا " أي: ذات برد، " وسلاما " أي " سلامة. ~~* (وأرادوا به كيدا) * وهو التحريق بالنار * (فجعلناهم الأخسرين) * وهو أن ~~الله تعالى سلط البعوض عليهم حتى أكل لحومهم وشرب دماءهم، ودخلت واحدة في ~~دماغ لا نمرود حتى أهلكته، والمعنى: أنهم كادوه بسوء. # فانقلب السوء عليهم. # قوله تعالى: * (ونجيناه) * أي: من نمرود وكيده * (ولوطا) * وهو ابن أخي ~~إبراهيم، وهو لوط بن هاران بن تارح، وكان قد آمن به، فهاجرا من أرض العراق ~~إلى الشام. وكانت سارة مع إبراهيم في PageV05P254 # قول وهب. وقال السدي: إنما هي ابنة ملك حران، لقيها إبراهيم فتزوجها على ~~أن لا يغيرها، وكانت قد طعنت على قومها في دينهم. # قوله تعالى: * (إلى الأرض التي باركنا فيها) *، ففيها قولان: # أحدهما: أنها أرض الشام، وهذا قول الأكثرين. وبركتها: أن الله تعالى بعث ~~أكثر الأنبياء منها، وأكثر فيها الخصب والثمار ms1513 والأنهار. # والثاني: أنها مكة، رواه العوفي عن ابن عباس. والأول أصح. # قوله تعالى: * (ووهبنا له) * يعني: إبراهيم * (إسحاق ويعقوب نافلة) *. # وفي معنى النافلة قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الزيادة، والمراد بها: يعقوب خاصة، فكأنه سأل واحدا، ~~فأعطي اثنين، وهذا مذهب ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والفراء. # والثاني: أن النافلة بمعنى العطية، والمراد بها: إسحاق ويعقوب، وهذا مذهب ~~مجاهد، وعطاء. # قوله تعالى: * (وكلا جعلناه صالحين) * يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال ~~أبو عبيدة: " كل " يقع خبره على لفظ الواحد، لأن لفظه لفظ الواحد، ويقع ~~خبره على لفظ الجميع، لأن معناه معنى الجميع. # قوله تعالى: * (وجعلناهم أئمة) * أي: رؤوسا يقتدى بهم في الخير * (يهدون ~~بأمرنا) * أي: # يدعون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بذلك * (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) ~~* قال ابن عباس: شرائع النبوة. وقال مقاتل: الأعمال الصالحة، * (وإقام ~~الصلاة) * قال الزجاج: حذف الهاء من " إقامة الصلاة " قليل في اللغة، تقول: ~~أقام إقامة، والحذف جائز، لأن الإضافة عوض من الهاء. # ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين " 74 " وأدخلناه على في رحمتنا إنه من الصالحين " 75 ~~" قوله تعالى: * (ولوطا آتيناه حكما) * قال الزجاج: انتصب " لوط " بفعل ~~مضمر، لأن قبله فعلا، فالمعنى: وأوحينا إليهم وآتينا لوطا. وذكر بعض ~~النحويين أنه منصوب على " واذكر لوطا "، وهذا جائز لأن ذكر إبراهيم قد جرى، ~~فحمل لوط على معنى: واذكر. PageV05P255 # قال المفسرون: لما هاجر لوط مع إبراهيم، نزل إبراهيم أرض فلسطين ونزل لوط ~~بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة أو نحو ذلك من إبراهيم، فبعثه الله نبيا. # فأما " الحكم " ففيه قولان: # أحدهما: أنه النبوة، قاله ابن عباس. # والثاني: الفهم والعقل، قاله مقاتل، وقد ذكرنا فيه أقوالا في سورة يوسف. ~~وأما " القرية " هاهنا، فهي سدوم، والمراد أهلها، والخبائث: أفعالهم ~~المنكرة، فمنها إتيان الذكور، وقطع السبيل، إلى غير ذلك مما قد ذكره الله ~~عز وجل عنهم في مواضع. # قوله تعالى: * (وأدخلناه في رحمتنا) * أي: بإنجائه من بينهم. # ونوحا إذا نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه ms1514 وأهله من الكرب العظيم " 76 " ~~ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ~~" 77 " قوله تعالى: * (ونوحا) * المعنى: واذكر نوحا، وكذلك ما يأتيك من ذكر ~~الأنبياء * (إذ نادى) * أي: دعا على قومه * (من قبل) * أي: من قبل إبراهيم ~~ولوط. فأما الكرب العظيم! فقال ابن عباس: # هو الغرق وتكذيب قومه. # قوله تعالى: * (ونصرناه من القوم) * أي: منعناه منهم أن يصلوا إليه بسوء، ~~وقيل: " من " بمعنى " على ". # وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين " 78 " ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود ~~الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين " 79 " وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم فهل أنتم شاكرون " 80 " ولسليمان من الريح عاصفة تجري بأمره إلى ~~الأرض التي باركنا فيها وكنا PageV05P256 # بكل شئ عالمين " 81 " ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك ~~وكنا لهم حافظين " 82 " قوله تعالى: * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) ~~* وفيه قولان: # أحدهما: أنه كان عنبا، قاله ابن مسعود، ومسروق، وشريح. # والثاني: كان زرعا، قاله قتادة. # * (إذ نفشت فيه غنم القوم) * قال ابن قتيبة: أي: رعت ليلا، يقال: نفشت ~~الغنم بالليل، وهي إبل نفش ونفاش ونفاش، والواحد: نافش، وسرحت وسربت ~~بالنهار. قال قتادة: النفش بالليل، والهمل بالنهار. وقال ابن السكيت: النفش ~~أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع. # الإشارة إلى القصة ذكر أهل التفسير أن رجلين كانا على عهد داود عليه ~~السلام، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فتفلتت الغنم فوقعت في الحرث ~~فلم تبق منه شيئا، فاختصما إلى داود، فقال لصاحب الحرث: لك رقاب الغنم، ~~فقال سليمان: أو غير ذلك؟ قال: ما هو؟ قال: ينطلق أصحاب الحرث بالغنم ~~فيصيبون من ألبانها ومنافعها، ويقبل أصحاب الغنم على الكرم، حتى إذا كان ~~كليلة نفشت فيه الغنم، دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء ~~كرمهم، فقال داود: قد أصبت القضاء، ثم حكم بذلك، فذلك قوله: (وكنا لحكمهم) ~~وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: داود ms1515 وسليمان، فذكرهما بلفظ الجمع، لأن الاثنين جمع، هذا قول ~~الفراء. # والثاني: أنهم داود وسليمان والخصوم، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة: " وكنا لحكمهما " على التثنية. ومعنى " ~~شاهدين ": أنه لم يغب عنا من أمرهم شئ. (ففهمناها سليمان) يعني: القضية ~~والحكومة. وإنما كنى عنها، لأنه قد سبق ما يدل عليها من ذكر الحكم، * (وكلا ~~منهما آتينا حكما) * وقد سبق بيانه. قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن ~~القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان لصوابه، وعذر داود باجتهاده. # فصل قال أبو سليمان الدمشقي: كان قضاء داود وسليمان جميعا من طريق ~~الاجتهاد، ولم يكن PageV05P257 # نصا، إذ لو كان نصا ما اختلفا. قال القاضي أبو يعلى: وقد اختلف الناس في ~~الغنم إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته، فمذهب أصحابنا أن عليه الضمان، ~~وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ضمان عليه ليلا ونهارا، إلا ~~أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها، فظاهر الآية يدل على قول أصحابنا، لأن داود ~~حكم بالضمان، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. فإن قيل: فقد ثبت نسخ ~~هذا الحكم، لأن داود حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث، وحكم سليمان له ~~بأولادها وأصوافها ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشت غنمه في حرث رجل شئ من ~~ذلك; قيل: الآية تضمنت أحكاما، منها وجوب الضمان وكيفيته، فالنسخ حصل على ~~كيفيته، ولم يحصل على أصله، فوجب التعلق به، وقد روى حرام بن محيصة عن ~~أبيه: أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت، فقضى رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. # قوله تعالى: * (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن) * تقديره الكلام: وسخرنا ~~الجبال يسبحن مع داود. قال أبو هريرة: كان إذا سبح أجابته الجبال والطير ~~بالتسبيح والذكر، وقال غيره: كان إذا وجد فترة، أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق ~~هو فيسبح. # قوله تعالى: * (وكنا فاعلين) * أي: لذلك. قال الزجاج: المعنى: وكنا نقدر ~~على ما نريده. ms1516 # قوله تعالى: * (وعلمناه صنعة لبوس لكم) * في المراد باللبوس قولان. # أحدهما: الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح، وكان داود أول من صنع هذه الحلق ~~وسرد، قاله قتادة. # والثاني: أن اللبوس: السلاح كله من درع إلى رمح، قاله أبو عبيدة. وقرأ ~~أبو المتوكل، وابن السميفع: " لبوس " بضم اللام. # قوله تعالى: * (ليحصنكم) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: # " ليحصنكم " بالياء. وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: " لتحصنكم " بالتاء. ~~وروى أبو بكر عن عاصم: " لنحصنكم " بالنون خفيفة. وقرأ أبو الدرداء، وأبو ~~عمران الجوني، وأبو حيوة: # " لتحصنكم " بتاء مرفوعة وفتح الهاء وتشديد الصاد. وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~الجوزاء، وحميد بن قيس: " لتحصنكم " بتاء مفتوحة مع فتح الحاء وتشديد الصاد ~~مع ضمها. وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو المتوكل، ومجاهد: " لنحصنكم " بنون ~~مرفوعة وفتح الحاء وكسر الصاد مع تشديدها. وقرأ PageV05P258 # معاذ القارئ، وعكرمة، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: " ليحصنكم ~~" بياء مرفوعة وسكون الحاء وكسر الصاد مشددة النون. # فمن قرأ بالياء، ففيه أربعة أوجه: قال أبو علي الفارسي: أن يكون اللباس، ~~لأن اللبوس بمعنى اللباس من حيث كان ضربا منه، ويجوز أن يكون داود، ويجوز ~~أن يكون التعليم، وقد دل عليه " علمناه ". # ومن قرأ بالتاء، حمله على المعنى، لأنه الدرع. # ومن قرأ بالنون، فلتقدم قوله: " وعلمناه ". # ومعنى " لتحصنكم ": لتحرزكم وتمنعكم (من بأسكم) يعني: الحرب. # قوله تعالى: * (ولسليمان الريح) * وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~عمران الجوني، وأبو حيوة الحضرمي: " الرياح " بألف مع رفع الحاء. وقرأ ~~الحسن، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: # بالألف ونصب الحاء، والمعنى: وسخرنا لسليمان الريح (عاصفة) أي: شديدة ~~الهبوب (تجري بأمره) يعني: بأمر سليمان (إلى الأرض التي باركنا فيها) وهي ~~أرض الشام، وقد مر بيان بركتها في هذه السورة والمعنى: أنها كانت تسير به ~~إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام. # قوله تعالى: * (وكنا بكل شئ عالمين) * علمنا أن ما نعطي سليمان يدعوه إلى ~~الخضوع لربه. # قوله تعالى: * (ومن الشياطين من يغوصون له) * قال أبو عبيدة: " من " تقع ~~على الواحد والاثنين ms1517 والجمع من المذكر والمؤنث. قال المفسرون: كانوا يغوصون ~~في البحر، فيستخرجون الجواهر، * (ويعملون عملا دون ذلك) * قال الزجاج: ~~معناه: سوى ذلك: * (وكنا لهم حافظين) * أن يفسدوا ما عملوا. وقال غيره: أن ~~يخرجوا عن أمره. # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " 83 " فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ~~" 84 " وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين " 85 " وأدخلناهم في ~~رحمتنا إنهم من الصالحين " 86 " PageV05P259 # قوله تعالى: * (وأيوب إذ نادى ربه أني) * وقرأ أبو عمران الجوني: " إني ~~بكسر " الهمزة، * (مسني الضر) * وقرأ حمزة: " مسني " بتسكين الياء، أي: ~~أصابني الجهد، * (وأنت أرحم الراحمين) * أي: أكثرهم رحمة، وهذا تعريض منه ~~بسؤال الرحمة إذ أثنى عليه بأنه الأرحم وسكت. # الإشارة إلى قصته ذكر أهل التفسير أن أيوب عليه السلام كان أغنى أهل ~~زمانه، وكان كير الإحسان. فقال إبليس: يا رب سلطني على ماله وولده - وكان ~~له ثلاثة عشر ولدا - فإن فعلت رأيته كيف يطيعني ويعصيك، فقيل له: قد سلطتك ~~على ماله وولده، فرجع إبليس فجمع شياطينه ومردته، فبعث بعضهم إلى دوابه ~~ورعاته، فاحتملوها حتى قذفوها في البحر، وجاء إبليس في صورة قيمه، فقال: # يا أيوب ألا أراك تصلي وقد أقبلت ريح عاصف فاحتملت دوابك ورعاتها حتى ~~قذفتها في البحر؟ # فلم يرد عليه شيئا حتى فرغ من صلاته، ثم قال: الحمد لله الذي رزقني ثم ~~قبله مني، فانصرف خائبا، ثم أرسل بعض الشياطين إلى جنانه وزروعه، فأحرقوها، ~~وجاء فأخبره، فقال مثل ذلك، فأرسل بعض الشياطين فزلزلوا منازل أيوب وفيها ~~ولده وخدمه، فأهلكوهم، وجاء فأخبره، فحمد الله، وقال لإبليس وهو يظنه قيمه ~~في ماله: لو كان فيك خير لقبضك معهم، فانصرف خائبا، فقيل له: كيف رأيت عبدي ~~أيوب؟ قال: يا رب سلطني على جسده فسوف ترى، قيل له قد سلطتك على جسده فجاء ~~فنفخ في إبهام قدميه، فاشتعل فيه مثل النار، ولم يكن في زمانه أكثر بكاء ~~منه خوفا من الله تعالى، فلما ms1518 نزل به البلاء لم يبك مخافة الجزع، وبقي ~~لسانه للذكر، وقلبه للمعرفة والشكر، وكان يرى أمعاءه وعروقه وعظامه، وكان ~~مرضه أنه خرج في جميع جسده حكة لا يملكها، فحك بأظفاره حتى سقطت، ثم ~~بالمسوح، ثم بالحجارة، فأنتن جسمه وتقطع، وأخرجه أهل القرية فجعلوا له ~~عريشا على كناسة، ورفضه الخلق سوى زوجته، واسمها رحمة بنت إفراييم بن يوسف ~~ين يعقوب، فكانت تختلف إليه بما يصلحه. وروى أبو بكر القرشي عن الليث بن ~~سعد، PageV05P260 # قال: كان ملك يظلم الناس، فكلمه في ذلك جماعة من الأنبياء، وسكت عنه أيوب ~~لأجل خيل كانت له في سلطانه، فأوحى الله إليه: تركت كلامه من أجل خيلك؟! ~~لأطيلن بلاءك. # واختلفوا في مدة لبثه في البلاء على أربعة أقوال: # أحدها: ثماني عشرة سنة، رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: سبع سنين، قاله ابن عباس، وكعب، ويحيى بن أبي كثير. # والثالث: سبع سنين وأشهر، قاله الحسن. # والرابع: ثلاث سنين، قاله وهب. # وفي سبب سؤاله العافية ستة أقوال: # أحدها: أنه اشتهى إداما، فلم تصبه امرأته حتى باعت قرنا من شعرها، فلما: ~~" مسني الضر "، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أن الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره الله، فلما انتهى أجل ~~البلاء، يسر الله له الدعاء، فاستجاب له، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أن نفرا من بني إسرائيل مروا به، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه هذا ~~إلا بذنب عظيم، فعند ذلك قال: " مسني الضر "، قاله نوف البكالي. فقال عبد ~~الله بن عبيد بن عمير: # كان له أخوان، فأتياه يوما فوجدا ريحا، فقالا: لو كان الله علم منه خيرا ~~ما بلغ بكل هذا، فما سمع شيئا أشد عليه من ذلك، فقال: اللهم إن كنت تعلم ~~أني لم أبت ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق وهما يسمعان، ثم ~~قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصا وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق ~~وهما يسمعان، فخر ساجدا، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى ms1519 تكشف ما بي، فكشف ~~الله عز وجل ما به. # والرابع: أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلة، فقال: ليذبح أيوب هذه لي وقد ~~برأ، فجاءت فأخبرته، فقال: لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، أمرتني أن ~~أذبح لغير الله؟! ثم طردها عنه، فذهبت، فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ~~ولا صديق، خر ساجدا وقال: " مسني الضر "، قاله الحسن. # والخامس: أن الله تعالى أوحى إليه وهو في عنفوان شبابه: أني مبتليك، قال: ~~يا رب، وأين يكون قلبي؟ قال: عندي، فصب عليه من البلاء ما سمعتم، حتى إذا ~~بلغ البلاء منتهاه، أوحى إليه أن معافيك، قال: يا رب، وأين يكون قلبي؟ قال: ~~عندك، قال: " مسني الضر "، قاله إبراهيم بن شيبان القرميسي فيما به عنه. ~~PageV05P261 # والسادس: أن الوحي انقطع عنه أربعين يوما، فخاف هجران ربه، فقال: " مسني ~~الضر "، ذكره الماوردي. # فإن قيل: أين الصبر، وهذا لفظ الشكوى؟ # فالجواب: أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما المذموم الشكوى إلى ~~الخلق، ألم تسمع قول يعقوب: " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ". قال سفيان ~~بن عيينة: وكذلك من شكا إلى الناس، وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ~~ذلك جزعا، ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل في مرضه: " ~~أجدني مغموما " و " أجدني مكروبا "، وقوله: " بل أنا وا رأساه ". # قوله تعالى: * (وآتيناه أهله) * يعني: أولاده * (ومثلهم معهم) * فيه ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم، وآتاه مثلهم معهم في ~~الدنيا، قاله ابن مسعود، والحسن، وقتادة. وروى أبو صالح عن ابن عباس: كانت ~~امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات، فنشروا له، وولدت له امرأته سبعة بنين ~~وسبع بنات. # والثاني: أنهم كانوا قد غيبوا عنه ولم يموتوا، فآتاه في الدنيا ومثلهم ~~معهم في الآخرة، رواه هشام عن الحسن. # والثالث: آتاه الله أجور أهله في الآخرة، وآتاه مثلهم في الدنيا، قاله ~~نوف، ومجاهد. # والرابع: آتاه أهله ومثلهم معهم في الآخرة، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: * (رحمة من عندنا وذكرى) * أي عظة ms1520 * (للعابدين) * قال محمد ~~بن كعب: من أصابه بلاء فليذكر ما أصاب أيوب، فليقل: إنه قد أصاب من هو خير ~~مني. # قوله تعالى: * (وذا الكفل) * اختلفوا هل كان نبيا، أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنه لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا، قاله أبو موسى الأشعري، ~~ومجاهد. # ثم اختلف أرباب هذا القول في علة تسميته بذي الكفل على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رجلا كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي، فكفل بصلاته، فسمي: ذا ~~الكفل، قاله أبو موسى الأشعري. # والثاني: أنه تكفل للنبي بقومه أن يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل ~~ففعل، فسمي: # ذا الكفل، قاله مجاهد. # والثالث: أن ملكا قتل ثلاثمائة، وفر منه مائة نبي، فكفلهم ذو الكفل، قاله ~~ابن السائب. PageV05P262 # والقول الثاني: أنه كان نبيا، قاله الحسن، وعطاء. قال عطاء: أوحى الله ~~تعالى إلى نبي من الأنبياء: إني أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بني ~~إسرائيل، فمن تكفل لك بأنه يصلي الليل لا يفتر، ويصوم النهار لا يفطر، ~~ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه، ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا ~~أتكفل لك بهذا، فتكفل به، فوفى فشكر الله له ذلك، ونبأه، وسمي: ذا الكفل. ~~وقد ذكر الثعلبي حديث ابن عمر عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في الكفل: ~~" أنه كان رجلا لا ينزع عن ذنب، وأنه خلا بامرأة ليفجر بها، فبكت، وقالت: ~~ما فعلت هذا قط، فقام عنها تائبا، ومات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: ~~قد غفر الله للكفل ": والحديث معروف، وقد ذكرته في " الحدائق "، فجعله ~~الثعلبي أحد الوجوه في بيان ذي الكفل، وهذا غلط، لأن ذلك اسمه الكفل، ~~والمذكور في القرآن: ذو الكفل، ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها، فلم ~~يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا. وإذا قلنا: إنه نبي، فإن ~~الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال. وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر، ~~فوافقني، وقال: ليس هذا بذاك. # قوله تعالى: * (كل من الصابرين) * أي: على طاعة الله وترك ms1521 معصيته، * ~~(وأدخلناهم في رحمتنا) * في هذه الرحمة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الجنة، قاله ابن عباس. # والثاني: النبوة، قاله مقاتل. # والثالث: النعمة والموالاة، حكاها أبو سليمان الدمشقي. # وذا النون إذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " 87 " فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين " 88 " قوله تعالى: * (وذا النون) * يعني: يونس بن ~~متى. والنون: السمكة; أضيف إليها لابتلاعها إياه. # قوله تعالى: * (إذ ذهب مغاضبا) * قال ابن قتيبة: المغاضبة: مفاعلة، وأكثر ~~المفاعلة من اثنين، كالمناظرة والمجادلة والمخاصمة، وربما تكون من واحد، ~~كقولك: سافرت، وشارفت الأمر، وهي هاهنا من هذا الباب. وقرأ أبو المتوكل، ~~وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: " مغضبا " بإسكان الغين وفتح ~~الضاد من غير ألف. # واختلفوا في مغاضبته بكر لمن كانت؟ على قولين: PageV05P263 # أحدهما: أنه غضب على قومه، قاله أبن عباس، والضحاك. وفي سبب غضبه عليهم ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الله تعالى أوحى إلى نبي نبي يقال له: شعيا: أن ائت فلانا ~~الملك، فقل له يبعث نبيا أمينا إلى بني إسرائيل، وكان قد غزا بني إسرائيل ~~ملك، وسبا منهم الكثير، فأراد النبي والملك أن يبعثا يونس إلى ذلك الملك ~~ليكلمه حتى يرسلهم، فقال يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجي قد؟ # قال: لا، قال: فهل سماني لك؟ قال: لا، قال: فها هنا غيري من الأنبياء، ~~فألحوا عليه، فخرج مغاضبا للنبي والملك ولقومه، هذا مروي عن ابن عباس; وقد ~~زدناه شرخا في [سورة] يونس. # والثاني: أنه عانى من قومه أمرا صعبا من الأذى والتكذيب، فخرج عنهم قبل ~~أن يؤمنوا ضجرا، وما ظن أن هذا الفعل يوجب عليه ما جرى من العقوبة، ذكره ~~ابن الأنباري. وقد روي عن وهب بن منبه، قال: لما حملت عليه أثقال النبوة، ~~ضاق بها ذرعا ولم يصبر، فقذفها من يده وخرج هاربا. # والثالث: أنه لما أوعدهم العذاب، فتابوا ورفع عنهم، قيل له: ارجع إليهم، ~~فقال: كيف أرجع فيجدوني كاذبا؟ فانصرف مغاضبا لقومه، عاتبا على ms1522 ربه. وقد ~~ذكرنا هذا في [سورة] يونس. # والثاني: أنه خرج مغاضبا لربه، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، ~~وعروة، وقال: # المعنى: مغاضبا من أجل ربه، وإنما غضب لأجل تمردهم وعصيانهم. وقال ابن ~~قتيبة: كان مغيظا عليهم لطول ما عاناه من تكذيبهم، مشتهيا أن ينزل العذاب ~~لهم فعاقبه الله على كراهيته العفو عن قومه. # قوله تعالى: * (فظن أن لن نقدر عليه) * وقرأ يعقوب: " يقدر عليه " بضم ~~الياء وتشديد الدال وفتحها. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وابن أبي ~~ليلى: " يقدر " بياء مرفوعة مع سكون القاف وتخفيف الدال وفتحها. وقرأ أبو ~~عمران الجوني: " يقدر " بياء مفتوحة وسكون القاف وكسر الدال خفيفة. وقرأ ~~الزهري، وابن يعمر، وحميد بن قيس: " نقدر " بنون مرفوعة وفتح القاف وكسر ~~الدال وتشديدها. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن لن نقض عليه بالعقوبة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد، وقتادة، والضحاك. قال الفراء: معنى الآية. فظن أن لن نقدر عليه ما ~~قدرنا من العقوبة، والعرب تقول: # قدر، بمعنى: قدر، قال أبو صخر: PageV05P264 # - ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يكن ولك الشكر - أراد: ~~ما تقدر، وهذا مذهب الزجاج. # والثاني: فلا فظن أن لن نضيق عليه، ومقدر عليه، ومقتر عليه، ومنه قوله ~~تعالى: * (فقدر عليه رزقه) * أي: ضيق عليه الخروج، فكأنه ظن أن الله تعالى ~~قد وسع عليه، إن شاء أن يقيم، وإن شاء أن يخرج، ولم يؤذن له في الخروج. # والثالث: أن المعنى: أفظن أنه يعجز ربه، فلا يقدر عليه، رواه عوف عن ~~الحسن. وقال ابن زيد، وسليمان التيمي: المعنى: أفظن أن لن نقدر عليه; فعلى ~~هذا الوجه يكون استفهاما قد حذفت ألفه; وهذا الوجه يدل على أنه من القدرة، ~~ولا يتصور إلا مع تقدير الاستفهام، ولا أعلم له وجها إلا أن يكون استفهام ~~إنكار، تقديره: ما ظن عجزنا، فأين يهرب منا؟! # قوله تعالى: * (فنادى في الظلمات) * فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، قاله سعيد بن ~~جبير، وقتادة، والأكثرون. ms1523 # والثاني: أن حوتا جاء فابتلع الحوت الذي هو في بطنه، فنادى في ظلمة حوت، ~~ثم في ظلمة حوت، ثم في ظلمة البحر، قاله سال بن أبي الجعد. # والثالث: أنها ظلمة الماء، وظلمة معاء السمكة، وظلمة بطنها، قاله ابن ~~السائب. وقد روى سعد بن أبي وقاص عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أنه ~~قال: " إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس ~~فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ". # قال الحسن: وهذا اعتراف من يونس بذنبه وتوبة من خطيئته. # قوله تعالى: * (فاستجبنا له) * أي: أجبناه * (ونجيناه من الغم) * أي: من ~~الظلمات * (وكذلك ننجي المؤمنين) * إذا دعونا. وروى أبو بكر عن عاصم أنه ~~قرأ: " نجي المؤمنين " بنون واحدة مشددة الجيم; قال الزجاج: وهذا لحن لا ~~وجه له، وقال أبو علي الفارسي: غلط الراوي عن عاصم، ويدل على هذا إسكانه ~~الياء من " نجي " ونصب " المؤمنين " ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن ~~الياء، ولرفع " المؤمنين ". PageV05P265 # وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين " 89 " فاستجبنا ~~له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين " 90 " والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من ~~روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين " 91 " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاعبدون " 92 " قوله تعالى: * (لا تذرني فردا) * أي: وحيدا بلا ولد * ~~(وأنت خير الوارثين) * أي: أفضل من بقي حيا بعد ميت. # قوله تعالى: * (وأصلحنا له زوجه) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أصلحت للولد بعد أن كانت عقيما، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وقتادة. # والثاني: أنه كان في لسانها طول، وهو: البذاء، فأصلحت، قاله عطاء وقال ~~السدي: كانت سليطة فكف عنه لسانها. # والثالث: أنه كان خلقها سيئا، قاله محمد بن كعب. # قوله تعالى: * (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) * أي: يبادرون في طاعة ~~الله. # وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: زكريا، وامرأته، ويحيى. # والثاني: جميع الأنبياء ms1524 المذكورون في هذه السورة. # قوله تعالى: * (ويدعوننا) * وقرأ ابن مسعود، وابن محيصن: " ويدعونا " ~~بنون واحدة. # قوله تعالى: * (رغبا ورهبا) * أي: رغبا فيما عندنا، ورهبا منا; وقرأ ~~الأعمش: " رغبا ورهبا " بضم الراءين وجزم الغين والهاء، وهما لغتان مثل ~~النحل، والنحل، والسقم، والسقم * (وكانوا لنا خاشعين) * أي: متواضعين. # قوله تعالى: * (والتي أحصنت فرجها) * فيه قولان: PageV05P266 # أحدهما: أنه مخرج الولد، والمعنى منعته مما لا يحل. وإنما وصفت بالعفاف ~~لأنها قذفت بالزنا. # والثاني: أنه جيب درعها. ومعنى الفرج في اللغة: كل فرجة بين شيئين، وموضع ~~جيب درع المرأة مشقوق، فهو يسمى فرجا. وهذا أبلغ في الثناء عليها، لأنها ~~إذا منعت جيب درعها، فهي لنفسها أمنع. # قوله تعالى: * (فنفخنا فيها) * أي: أمرنا جبريل، فنفخ في درعها، فأجرينا ~~فيها روح عيسى كما تجري الريح بالنفخ. وأضاف الروح إليه إضافة الملك، ~~للتشريف والتخصيص * (وجعلناها وابنها آية) * قال الزجاج: لما كان شأنهما ~~واحدا، كانت الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل. # وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: " آيتين " على التثنية. # قوله تعالى: * (إن هذه أمتكم) * قال ابن عباس: المراد بالأمة هاهنا: ~~الدين وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو معنى قول مقاتل. # والثاني: أنهم الأنبياء عليهم السلام، قاله أبو سليمان الدمشقي. ثم ذكر ~~أهل الكتاب، فذمهم بالاختلاف، فقال [تعالى]: * (وتقطعوا أمرهم بينهم) * أي: ~~اختلفوا في الدين، * (فمن يعمل من الصالحات) * أي: شيئا من الفرائض وأعمال ~~البر * (فلا كفران لسعيه) * أي: لا نجحد ما عمل، قاله ابن قتيبة، والمعنى: ~~أنه يقبل منه، ويثاب عليه * (وإنا له كاتبون) * ذلك، بأمر الحفظة أن يكتبوه ~~ليجازيه به. # وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون " 93 " فمن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون " 94 " وحرام على قرية أهلكناها أنهم ~~لا يرجعون " 95 " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون " 96 " ~~واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل ms1525 كنا ظالمين " 97 " إنكم وما PageV05P267 # تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " 98 " لو كان هؤلاء آلهة ~~ما وردوها وكل فيها خالدون " 99 " لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون " 100 ~~" قوله تعالى: * (وحرام على قرية) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر وحفص عن عاصم: " وحرام " بألف. وقرأ حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~" وحرم " بكسر الحاء من غير ألف، وهما لغتان. يقال: حرم وحرام. وقرأ معاذ ~~القارئ، وأبو المتوكل، وأبو عمران الجوني: # " حرم " بفتح الحاء وسكون الراء من غير ألف والميم مرفوعة منونة. وقرأ ~~سعيد بن جبير: " وحرم " بفتح الحاء وسكون الراء ونصب الميم من غير تنوين ~~ولا ألف. وقرأ أبو الجوزاء، وعكرمة، والضحاك: " وحرم " بفتح الحاء والميم ~~وكسر الراء من غير تنوين ولا ألف. وقرأ سعيد بن المسيب، وأبو مجلز وأبو ~~رجاء: " وحرم " بفتح الحاء وضم الراء ونصب الميم من غير ألف. # وفي معنى قوله تعالى: * (وحرام) * قولان: # أحدهما: واجب، قاله ابن عباس، وأنشدوا في معناه: # - فإن حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوه إلا بكيت على عمرو - أي: ~~واجب. # والثاني: أنه بمعنى العزم، قاله سعيد بن جبير. وقال عطاء: حتم من الله، ~~والمراد بالقرية: # أهلها. # ثم في معنى الآية أربعة أقوال: # أحدها: واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يتوبون، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها، هذا قول قتادة; ~~وقد روي عن ابن عباس نحوه. # والثالث: أن " لا " زائدة; والمعنى: حرام على قرية مهلكة أنهم يرجعون إلى ~~الدنيا، قاله ابن جريح، وابن قتيبة في آخرين. # والرابع: أن الكلام متعلق بما قبله، لأنه لما قال: " فلا كفران لسعيه " ~~أعلمنا أنه قد حرم قبول أعمال الكفار; فمعنى الآية: وحرام على قرية ~~أهلكناها أن يتقبل منهم عمل، لأنهم لا يتوبون، هذا قول الزجاج. # فإن قيل: كيف يصح أن يحرم على الإنسان ما ليس من فعله، ورجوعهم بعد الموت ~~ليس إليهم؟ PageV05P268 # فالجواب: أن المعنى: منعوا من ذلك فلا يقدرون ms1526 عليه] كما يمنع الإنسان من ~~الحرام وإن قدر عليه، فكان التشبيه بالتحريم للحالتين من حيث المنع. # قوله تعالى: * (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) * وقرأ ابن عامر: " فتحت " ~~بالتشديد، والمعنى: فتح الردم عنهم * (وهم من كل حدب) * قال ابن قتيبة: من ~~كل نشر من الأرض وأكمة * (ينسلون) * من النسلان: وهو مقاربة الخطو مع ~~الإسراع كمشي الذئب إذا بادر، والعسلان مثله. # وقال الزجاج: الذي: كل أكمة، و " ينسلون " يسرعون. وقرأ أبو رجاء ~~العطاردي، وعاصم الجحدري: " ينسلون " بضم السين. # وفي قوله تعالى: * (وهم) * قولان: # أحدهما: أنه إشارة إلى يأجوج ومأجوج، قاله الجمهور. # والثاني: إلى جميع الناس، فالمعنى: وهم يحشرون إلى الموقف، قاله مجاهد. ~~والأول أصح. # فإن قيل: أين جواب " حتى "؟ ففيه قولان: # أحدهما: أنه قوله تعالى: * (واقترب الوعد الحق) * والواو في قوله ~~[تعالى]: " واقترب " زائدة، قاله الفراء. قال: ومثله " حتى ذا جاؤوها وفتحت ~~أبوابها " وقوله تعالى: * (فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه) * المعنى: ~~نادينا. وقال عبد الله بن مسعود: الساعة من الناس بعد يأجوج ومأجوج، ~~كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلا أو نهارا. # والثاني: أنه قول محذوف في قوله: * (يا ويلنا) *، فالمعنى: حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج واقترب الوعد، قالوا: يا ويلنا. قال الزجاج: هذا قول ~~البصريين. فأما * (الوعد الحق) * فهو القيامة. # قوله تعالى: * (فإذا هي) * في " هي " أربعة أقوال: # أحدها: أن " هي " كناية عن الأبصار، والأبصار تفسير لها، كقول الشاعر: # - لعمرو أبيها لا تقول ظعينتي * ألا فر عني علي مالك بن أبي كعب - فذكر ~~الظعينة، وقد كنى عنها في " لعمرو أبيها ". # والثاني: أن " هي " عماد، ويصلح في موضعها " هو "، ومثله قوله: * (إنه ~~أنا الله) * وقوله * (فإنها لا تعمى الأبصار) *، وأنشدوا: PageV05P269 # - بثوب ودينار وشاه ودرهم * فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس - ذكرهما الفراء. # والثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله: " هي " على معنى: فإذا هي بارزة ~~واقفة، يعني: من قربها، كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال: * (شاخصة،) * ~~ذكره الثعلبي. # والرابع: أن " هي " كناية عن القصة، والمعنى: القصة أن أبصارهم شاخصة في ms1527 ~~ذلك اليوم، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. قال المفسرون: تشخص أبصار الكفار ~~من هول يوم القيامة، ويقولون: * (يا ويلنا قد كنا) * أي: في الدنيا * (في ~~غفلة من هذا) * أي: عن هذا * (بل كنا ظالمين) * أنفسنا بكفرنا ومعاصينا. ثم ~~خاطب أهل مكة، فقال: * (إنكم وما تعبدون من دون الله) * يعني: # الأصنام * (حصب جهنم) * وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو العالية، وعمر بن عبد ~~العزيز: " حطب " بالطاء. وقرأ ابن عباس، وعائشة وابن السميفع: " حضب " ~~بالضاد المعجمة المفتوحة. وقرأ عروة، وعكرمة، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: " ~~حضب جهنم " باسكان الضاد المعجمة. وقرأ أبو المتوكل، وأبو حيوة، ومعاذ ~~القارئ " حضب " بكسر الحاء مع تسكين الضاد المعجمة. وقرأ أبو مجلز، وأبو ~~رجاء، وابن محيصن: " حصب " بفتح الحاء وبصاد غير معجمة ساكنة. قال الزجاج: ~~من قرأ " حصب جهنم " فمعناه: كل ما يرمى به فيها، ومن قرأ " حطب " فمعناه: ~~ما يوقد به، ومن قرأ بالضاد المعجمة، فمعناه: ما تهيج به النار وتذكى به، ~~قال ابن قتيبة: الحصب: ما ألقي فيها، وأصله من الحصباء، وهو: الحصى، يقال: ~~حصبت فلانا; إذا رميته حصبا، بتسكين الصاد، وما رميت به فهو حصب، بفتح ~~الصاد. # قوله تعالى: * (أنتم) * يعني: العابدين والمعبودين * (لها واردون) * أي: ~~داخلون. * (لو كان هؤلاء) * يعني: الأصنام * (آلهة) * على الحقيقة * (ما ~~وردوها) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إشارة إلى الأصنام، والمعنى: لو كانوا آلهة ما دخلوا النار. # والثاني: أنه إشارة إلى عابديها، فالمعنى: لو كانت الأصنام آلهة، منعت ~~عابديها دخول النار. # والثالث: أنه إشارة إلى الآلهة وعابديها، بدليل قوله تعالى: * (وكل فيها ~~خالدون) * يعني: # العابد والمعبود. # قوله تعالى: * (لهم فيه زفير) * قد شرحنا معنى الزفير في [سورة] هود وفي ~~علة كونهم لا يسمعون ثلاثة أقوال: PageV05P270 # أحدها: أنه يوضع في مسامعهم مسامير من نار، ثم يقذفون في توابيت من نار ~~مقفلة عليهم، رواه أبو أمامة عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في حديث ~~طويل. وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من ~~نار، ms1528 هو جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحدهم ~~أن في النار أحدا يعذب غيره. # والثاني: أن السماع أنس، والله لا يحب ان يؤنسهم، قاله عون بن عمارة. # والثالث: إنما لم يسمعوا لشدة غليان جهنم، قاله أبو سليمان الدمشقي. # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " 101 " لا يسمعون ~~حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون " 102 " لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون " 103 " يوم نطوي السماء كطي ~~السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " 104 " ~~ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " 105 " ~~إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين " 106 " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " 107 ~~" قوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) * سبب نزولها انه لما نزلت ~~" إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " شق ذلك على قريش، وقالوا: شتم ~~آلهتنا، فجاء ابن الزبعري، فقال: ما لكم؟ قالوا: شتم آلهتنا، قال: وما قال؟ ~~فأخبروه، فقال: ادعوه لي، فلما دعي رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قال: ~~يا محمد، هذا شئ لآلهتنا خاصة، أو لكل من عبد من دون الله؟ قال: " لا، بل ~~لكل من عبد من دون الله "، فقال ابن الزبعري: خصمت ورب هذه البيت، ألست ~~تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيرا عبد صالح، ~~فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد ~~عزيرا، فضج أهل مكة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال الحسين بن ~~الفضل: إنما أراد بقوله: * (وما تعبدون) * الأصنام دون غيرها، PageV05P271 # لأنه لو أراد الملائكة والناس، لقال: " ومن " وقيل: " إن " بمعنى: " إلا ~~"، فتقديره: إلا الذين سبقت لهم منه الحسنى، وهي قراءة ابن مسعود، وأبي ~~نهيك، فإنهما قرا: " إلا الذين ". وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ هذه ~~الآية، فقال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعود، ~~وعبد الرحمن. # وفي المراد ms1529 " بالحسنى " قولان: أحدهما: الجنة، قاله ابن عباس، وعكرمة. ~~والثاني: السعادة، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: * (أولئك عنها) * أي: عن جهنم، وقد تقدم ذكرها * (مبعدون) * ~~والبعد: طول المسافة، والحسيس: الصوت تسمعه من الشئ إذا مر قريبا منك، قال ~~ابن عباس: لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم من الجنة. # قوله تعالى: * (لا يحزنهم الفزع الأكبر) * وقرأ أبو رزين وقتادة، وابن ~~أبي عبلة، وابن محيصن، وأبو جعفر الشيزري عن الكسائي: " لا يحزنهم " بضم ~~الياء وكسر الزاي. # وفي الفزع الأكبر أربعة أقوال: # أحدها: أنه النفخة الآخرة، رواه العوفي عن ابن عباس; وبهذه النفخة يقوم ~~الناس من قبورهم، ويدل على صحة هذا الوجه قوله تعالى: * (وتتلقاهم ~~الملائكة) *. # والثاني: أنه إطباق النار على أهلها، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ~~وبه قال الضحاك. # والثالث: ذبح الموت بين الجنة والنار، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه ~~قال ابن جريج. # والرابع: أنه حين يؤمر بالعبد إلى النار، قاله الحسن البصري. # وفي مكان تلقي الملائكة لهم قولان: # أحدهما: إذا قاموا من قبورهم، قاله مقاتل. # والثاني: على أبواب الجنة، قاله ابن السائب. # قوله [تعالى]: * (هذا يومكم) * فيه إضمار: " يقولون " هذا يومكم * (الذي ~~كنتم توعدون) * فيه الجنة. # قوله تعالى: * (يوم نطوي السماء) * وقرأ أبو العالية، وابن أبي عبلة، ~~وأبو جعفر: " تطوى " بتاء مضمومة " السماء " بالرفع; وذلك بمحو رسومها، ~~وتكدير نجومها، وتكوير شمسها، * (كطي السجل للكتاب) * قرأ الجمهور: " السجل ~~" بكسر السين والجيم وتشديد اللام. وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، PageV05P272 # وأبو الجوزاء، ومحبوب عن أبي عمرو: " السجل " بكسر السين وإسكان الجيم ~~خفيفة. وقرأ أبو السماك كذلك، إلا أنه فتح الجيم. # قوله تعالى: * (للكتاب) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " ~~للكتاب ". وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " للكتب " على الجمع. # وفي السجل أربعة أقوال: # أحدها: أنه ملك، قاله علي بن أبي طالب، وابن عمر، والسدي. # والثاني: أنه كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو الجوزاء ~~عن ابن عباس. # والثالث: أن السجل بمعنى: الرجل، روى ms1530 أبو الجوزاء عن ابن عباس، قال: ~~السجل: هو الرجل. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: وقد قيل: " السجل " بلغة ~~الحبشة: الرجل. # والرابع: أنه الصحيفة. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والفراء وابن قتيبة. وقرأت على شيخنا أبي منصور، قال: قال أبو بكر، يعني - ~~ابن دريد -: السجل: الكتاب، والله أعلم; ولا ألتفت إلى قولهم: إنه فارسي ~~معرب، والمعنى: كما يطوي السجل على ما فيه من كتاب. و " اللام " بمعنى " ~~على ". وقال بعض العلماء: المراد بالكتاب: المكتوب، فلما كان المكتوب ينطوي ~~بانطواء الصحيفة، جعل السجل كأنه يطوي. # ثم استأنف، فقال تعالى: * (كما بدأنا أول خلق نعيده) * الخلق هاهنا مصدر، ~~وليس بمعنى المخلوق. # وفي معنى الكلام أربعة أقوال: # أحدها: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا، كذلك نعيدهم يوم ~~القيامة; روي عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: " قال ~~يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلا كما خلقوا، ثم قال: كما بدأنا أول ~~خل نعيده "; وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد. # والثاني: أن المعنى: إنا نهلك كل شئ كما كان أول مرة، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثالث: أن السماء تمطر أربعين يوما كمني الرجال، فينبتون بالمطر في ~~قبورهم، كما ينبتون في بطون أمهاتهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أن المعنى: قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: * (وعدا) * قال الزجاج: هو منصوب على المصدر، لأن قوله ~~تعالى: " نعيده " بمعنى: وعدنا هذا وعدا، * (إنا كنا فاعلين) * أي: قادرين ~~على فعل ما نشاء. وقال غيره: إنا كنا فاعلين ما وعدنا. PageV05P273 # قوله تعالى: * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن الزبور جميع الكتب المنزلة من السماء، و " الذكر ": أم الكتاب ~~الذي عند الله، قاله سعيد بن جبير في رواية، ومجاهد، وابن زيد، وهذا معنى ~~قول ابن عباس في رواية ابن جبير، فإنه قال: الزبور: التوراة والإنجيل ~~والقرآن، والذكر: الذي في السماء. # والثاني: أن الزبور: الكتب، والذكر: التوراة، رواه ms1531 العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أن الزبور: القرآن، والذكر: التوراة والإنجيل، قاله سعيد بن ~~جبير في رواية. # والرابع: أن الزبور: زبور داود، والذكر: ذكر موسى، قاله الشعبي. # وفي الأرض المذكورة هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أرض الجنة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الأكثرون. # والثاني: أرض الدنيا، وهو منقول عن ابن عباس أيضا. # والثالث: الأرض المقدسة، قاله ابن السائب. # وفي قوله تعالى: * (يرثها عبادي الصالحون) * ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. وفي رواية: ترث أمة محمد أرض الدنيا بالفتوح. # والثاني: بنو إسرائيل، قاله ابن السائب. # والثالث: أنه عام في كل صالح، قاله بعض فقهاء المفسرين. # قوله تعالى: * (إن في هذا) * يعني: القرآن * (لبلاغا) * أي: لكفاية; ~~والمعنى: أن من اتبع القرآن وعمل به، كان القرآن بلاغة إلى الجنة. # وقوله تعالى: * (لقوم عابدين) * قال كعب: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان. # قوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * قال ابن عباس: هذا عام ~~للبر والفاجر، فمن آمن به تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن كفر به ~~صرفت عنه العقوبة إلى الموت والقيامة. # وقال ابن زيد: هو رحمة بمن آمن به خاصة. # قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون " 108 " فإن تولوا ~~فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون " 109 " إنه يعلم ~~الجهر من القول ويعلم ما PageV05P274 # تكتمون " 110 " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " 111 " قال رب ~~احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون " 112 " قوله تعالى: * (فهل ~~أنتم مسلمون) * قال ابن عباس: فهل أنتم مخلصون له العبادة؟ قال أهل ~~المعاني: هذا استفهام بمعنى الأمر. # قوله تعالى: * (فان تولوا) * أي: اعرضوا ولم يؤمنوا * (فقل آذنتكم على ~~سواء) * في معنى الكلام قولان: # أحدهما: نابذتكم وعاديتكم وأعلمتكم ذلك، فصرت أنا وأنتم على سواء قد ~~استوينا في العلم بذلك، وهذا من ms1532 الكلام المختصر، قاله ابن قتيبة. # والثاني: أعلمتكم بالوحي إلي لتستووا في الإيمان به، قال الزجاج. # قوله تعالى: * (وإن أدري) * أي: وما أدري * (أقريب أم بعيد ما توعدون) * ~~بنزول العذاب بكم. * (إنه يعلم الجهر) * وهو ما يقولونه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم " * (متى هذا الوعد) *، و * (ما تكتمون) * إسرارهم أن العذاب لا ~~يكون. # قوله تعالى: * (لعله فتنة لكم) * في هاء " لعله " قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى ما آذنهم به، قاله الزجاج. # والثاني: إلى العذاب; فالمعنى: لعل تأخير العذاب عنكم فتنة، قاله ابن ~~جرير، وأبو سليمان الدمشقي. ومعنى الفتنة هاهنا: الاختبار، * (ومتاع إلى ~~حين) * أي: تستمعون إلى انقضاء آجالكم. * (قل رب) * وروى حفص عن عاصم: " ~~قال رب " * (احكم) * قرأ أبو جعفر: " رب احكم " بضم الباء. وروى زيد عن ~~يعقوب: " ربي " بفتح الياء " أحكم " بقطع الهمزة وفتح الكاف ورفع الميم. ~~ومعنى " احكم بالحق " أي: بعذاب كفار قومي الذي نزوله حق، فحكم عليهم ~~بالقتل في يوم بدر وفيما بعده من الأيام; والمعنى على هذا: افصل بيني وبين ~~المشركين بما يظهر به الحق. ومعنى * (على ما تصفون) أي: من كذبكم وباطلكم. ~~وقرأ ابن عامر، والمفضل عن عاصم: " يصفون " بالياء. # فإن قيل: فهل يجوز على الله أن يحكم بغير الحق؟ # فالجواب: أن المعنى: احكم بحكمك الحق، كأنه استعجل النصر. عليهم والله ~~أعلم بالصواب. PageV05P275 # (22) سورة الحج مدنية وآياتها ثمان وسبعون بسم الله الرحمن الرحيم يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم " 1 " يوم ترونها تذهل كل ~~مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد " 2 " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل ~~شيطان مريد " 3 " كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ~~" 4 " فصل في نزولها روى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية كلها، غير آيتين ~~نزلتا بالمدينة: قوله سبحانه وتعالى: # * (ومن الناس من يعبد الله على حرف) *، والتي تليها وفي رواية أخرى عن ~~ابن عباس ms1533 أنها مدنية إلا أربع آيات نزلت بمكة، وهي قوله تعالى: * (وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول...) * إلى آخر الأربع. وقال عطاء بن السائب: نزلت ~~بمكة إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة: * (هذان خصمان) * واللتان بعدها ~~وقال أبو سليمان الدمشقي: أولها مدني إلى قوله تعالى: * (وبشر المحسنين) * ~~وسائرها مكي. وقال الثعلبي: هي مكية غير ست آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله ~~[تعالى]: * (هذان خصمان) * إلى قوله تعالى: * (الحميد) *. وقال هبة الله بن ~~سلامة: هي من PageV05P276 # أعاجيب سور القرآن، لأن فيها مكيا، ومدنيا، وحضريا، وسفريا، وحربيا، ~~وسلميا، وليليا، ونهاريا، وناسخا، ومنسوخا. # فأما المكي، فمن رأس الثلاثين منها إلى آخرها. # وأما المدني، فمن رأس خمس وعشرين إلى رأس ثلاثين. # وأما الليلي، فمن أولها إلى آخر خمس آيات. # وأما النهاري، فمن رأس خمس آيات إلى رأس تسع. # وأما السفري، فمن رأس تسع إلى اثنتي عشرة. # وأما الحضري، فإلى رأس العشرين، نسب إلى المدينة، لقرب مدته. # قوله تعالى: * (اتقوا ربكم) * أي: احذروا عقابه * (إن زلزلة الساعة) * ~~الزلزلة: الحركة على الحالة الهائلة. # وفي وقت هذه الزلزلة قولان: # أحدهما: أنها يوم القيامة بعد النشور. روى عمران بن حصين عن رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] أنه قرأ: # " إن زلزلة الساعة شئ عظيم " وقال: تدرون أي يوم ذلك؟ فأنه يوم ينادي ~~الرب عز وجل آدم عليه السلام: ابعث بعثا إلى النار، فذكر الحديث. وروى أبو ~~سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: قم، فابعث بعث النار، فيقول: يا رب، ~~وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، فحينئذ ~~يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل حملها "، وقرأ الآية. وقال ابن عباس: زلزلة ~~الساعة: قيامها، يعني أنها تقارب قيام الساعة، وتكون معها. # وقال الحسن، والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة. # والثاني: أنها تكون في الدنيا قبل القيامة، وهي من أشراط الساعة، قاله ~~علقمة، والشعبي، وابن جريج. وروى أبو العالية عن أبي بن كعب، قال: ست آيات ~~قبل القيامة، ms1534 بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ ~~تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت، ~~واضطربت، ففزع الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب، والطير، ~~والوحش، فماج بعضهم في بعض، فقالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا ~~إلى البحور، فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض ~~السابعة، والسماء إلى السماء السابعة، فينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح ~~فماتوا. وقال مقاتل: هذه الزلزلة قبل النفخة الأولى، وذلك أن مناديا ينادي ~~من السماء: يا أيها الناس أتى أمر الله فيفزعون فزعا شديدا فيشيب الصغير، ~~وتضع الحوامل. PageV05P277 # قوله تعالى: * (شئ عظيم) * أي: لا يوصف لعظمه. # قوله تعالى: * (يوم ترونها) * يعني: الزلزلة * (تذهل) * فيه قولان: # أحدهما: تسلو عن ولدها، وتتركه، قاله ابن قتيبة. # والثاني: تشغل عنه، قاله قطرب، ومنه قول ابن رواحة: # ويذهل الخليل عن خليله وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة: " تذهل " ~~برفع التاء وكسر الهاء " كل " بنصب اللام. قال الأخفش: وإنما قال: " مرضعة ~~"، لأنه أراد - والله أعلم - الفعل، ولو أراد الصفة فيما نرى، لقال: " مرضع ~~". قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها ~~لغير تمام، وهذا يدل على أن الزلزلة تكون في الدنيا، لأن بعد البعث لا تكون ~~حبلى. # قوله تعالى: * (وترى الناس سكارى) * وقرأ عكرمة، والضحاك، وابن يعمر، " ~~وترى " بضم التاء. ومعنى " سكارى ": من شدة الخوف * (وما هم بسكارى) * من ~~الشراب، والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم، لشدة ما يمر بهم، ~~يضطربون اضطراب السكران من الشراب. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " سكرى وما ~~هم بسكرى " وهي قراءة ابن مسعود. قال الفراء: وهو وجه جيد، لأنه بمنزله ~~الهلكى والجرحى. وقرأ عكرمة، والضحاك، وابن السميفع: # " سكارى وما هم بسكارى " بفتح السين والراء وإثبات الألف، * (ولكن عذاب ~~الله شديد) * فيه دليل على أن سكرهم من خوف عذابه. # قوله تعالى: * (ومن الناس من يجادل في الله) * قال المفسرون: نزلت في ~~النضر بن الحارث. ms1535 وفيما جادل فيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه كان كلما نزل شئ من القرآن كذب به، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه زعم أن الملائكة بنات الله، قاله مقاتل. # والثالث: أنه قال: لا يقدر الله على إحياء الموتى، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. # قوله تعالى: * (بغير عل) * أي: إنما يقوله بإغواء الشيطان، لا بعلم * ~~(ويتبع) * ما يسول له * (كل شيطان مريد) * وقد ذكرنا معنى " المريد " في ~~سورة (النساء). # قوله تعالى: * (كتب عليه أنه من تولاه) * " كتب " بمعنى: قضي. والهاء في ~~" عليه " وفي " تولاه " كناية عن الشيطان. ومعنى الآية: قضي على الشيطان ~~أنه يضل من اتبعه. وقرأ أبو عمران PageV05P278 # الجوني: " كتب " بفتح الكاف " أنه " بفتح الهمزة " فإنه " بكسر الهمزة ~~وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وابن أبي ليلى، والضحاك، وابن يعمر: " إنه " ~~فإنه " بكسر الهمزة فيهما. وقد بينا معنى " السعير " في سورة النساء. # أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم ~~من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج " 5 " ذلك بأن الله هو الحق ~~وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شئ قدير " 6 " وأن الساعة آتية لا ريب فيها ~~وأن الله يبعث من في القبور " 7 " قوله تعالى: * (يا أيها الناس) * يعني: ~~أهل مكة * (إن كنتم في ريب من البعث) * أي: في شك من القيامة * (فإنا ~~خلقناكم من تراب) * يعني: خلق آدم * (ثم من نطفة) * يعني: خلق ولده، ~~والمعنى: إن شككتم في بعثكم فتدبروا أمر خلقكم وابتدائكم، فإنكم لا تجدون ~~في القدرة فرقا بين الابتداء والإعادة. فأما النطفة، فهي المني. والعلقة: ~~دم عبيط جامد. وقيل: سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت ~~فليست علقة. والمضغة: لحمة صغيرة. قال ابن ms1536 قتيبة: # وسميت بذلك، لأنه بقدر ما يمضغ، كما قيل: غرفة لقدر ما يغرف. # قوله تعالى: * (مخلقة وغير مخلقة) * فيه خمسة أقوال: # أحدها: أن المخلقة: ما خلق سويا، وغير المخلقة: ما ألقته الأرحام من ~~النطف، وهو دم قبل أن يكون خلقا، قاله ابن مسعود. # والثاني: أن المخلقة: ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، وهو الذي يولد حيا ~~لتمام، وغير المخلقة: ما سقط غير حي لم يكمل خلقه بنفخ الروح فيه، هذا معنى ~~قول ابن عباس. # والثالث: أن المخلقة: المصورة، وغير المخلقة: غير مصورة، قاله الحسن. ~~PageV05P279 # والرابع: أن المخلقة وغير المخلقة: السقط، تارة يسقط نطفة وعلقة، وتارة ~~قد صور بعضه، وتارة قد صور كله، قاله السدي. # والخامس: أن المخلقة: التامة، وغير المخلقة: السقط، قاله الفراء، وابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: * (لنبين لكم) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: خلقناكم لنبين لكم ما تأتون وما تذرون. # والثالث: لنبين لكم كمال حكمتنا وقدرتنا في تقليب أحوال خلقكم. # والرابع: لنبين لكم أن البعث حق. # وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة: " ليبين لكم " بالياء. # قوله [تعالى]: * (ونقر في الأرحام) * وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء: " ويقر ~~" بباء مرفوعة وفتح القاف ورفع الراء. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو إسحاق ~~السبيعي: " ويقر " بياء مرفوعة وبكسر القاف ونصب الراء. والذي يقر في ~~الأرحام، هو الذي لا يكون سقطا، * (إلى أجل مسمى) * وهو أجل الولادة * (هم ~~نخرجكم طفلا) * قال أبو عبيدة: هو في موضع " أطفال "، والعرب قد تضع لفظ ~~الواحد في معنى الجميع، قال الله تعالى: * (والملائكة بعد ذلك ظهير) * أي: ~~ظهراء، وأنشد: # - فقلنا أسلموا إنا أخوكم * فقد برئت من الإحن الصدور - وأنشد أيضا: # في حلقكم عظم وقد شجينا وقال غيره: إنما قال: " طفلا " فوحد، لأن الميم ~~في قوله تعالى: * (نخرجكم) * قد دلت على الجميع، فلم يحتج إلى أن يقول: ~~أطفالا. # قوله تعالى: * (ثم لتبلغوا) * فيه إضمار، تقديره: ثم نعمركم لتبلغوا ~~أشدكم، وقد سبق معنى " الأشد "، * (ومنكم من يتوفى) * من قبل بلوغ الأشد * ~~(ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) * وقد شرحناه في النحل. ثم ms1537 إن الله تعالى ~~دلهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض، فقال تعالى: # * (وترى الأرض هامدة) * قال ابن قتيبة: أي: ميتة يابسة، ومثله: همدت ~~النار: إذا طفئت فذهبت. # قوله تعالى: * (فإذا أنزلنا عليها الماء) * يعني: المطر * (اهتزت) * أي: ~~تحركت للنبات، PageV05P280 # وذلك أنها ترتفع عن النبات إذا ظهر، فهو معنى قوله تعالى * (وربت) * أي ~~ارتفعت وزادت. # وقال المبرد: أراد: اهتز نباتها وربا، فحذف المضاف. قال الفراء: وقرأ أبو ~~جعفر المدني: # " وربأت " بهمزة مفتوحة بعد الباء. فإن كان ذهب إلى الربيئة الذي يحرس ~~القوم، أي: أنه يرتفع، وإلا، فهو غلط. # قوله تعالى: * (وأنبتت من كل زوج بهيج) * قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن ~~يبهج، أي: # يسر، وهو فعيل في معنى فاعل. # قوله تعالى: * (ذلك) * قال الزجاج: المعنى: الأمر ذلك كما وصف لكم. ~~والأجود أن يكون موضع " ذلك " رفعا، ويجوز أن يكون نصبا على معنى: فعل الله ~~ذلك بأنه هو الحق. # قوله تعالى: * (وأن الساعة) * أي: ولتعلموا أن الساعة * (آتية) *. # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى وكتاب منير " 8 " ثاني عطفه ~~ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيام عذاب الحريق " 9 " ~~ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد " 10 " قوله تعالى: * (ومن ~~الناس من يجادل) * قد سبق بيانه. وهذا مما نزل في النضر أيضا. # * (والهدى) *: البيان والبرهان. # قوله تعالى: * (ثاني عطفه) * العطف: الجانب. وعطفا الرجل: جانباه عن يمين ~~وشمال، وهذا الموضع الذي يعطفه الإنسان ويلويه عند إعراضه عن المشي. قال ~~الزجاج: " ثاني " منصوب على الحال، ومعناه: التنوين، معناه: ثانيا عطفه. ~~وجاء في التفسير: أن معناه: لاويا عنقه، وهذا يوصف به المتكبر، والمعنى: ~~ومن الناس من يجادل بغير علم متكبرا. # قوله تعالى: * (ليضل) * أي: ليصير أمره إلى الضلال، فكأنه وإن لم يقدر ~~أنه يضل، فإن أمره يصير إلى ذلك، * (له في الدنيا خزي) * وهو ما أصابه يوم ~~بدر، وذلك أنه قتل. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله [تعالى]: * (ومن ~~الناس من يعبد الله ms1538 على حرف) * وفي سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما: أن ناسا من العرب كان يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيقولون: نحن على دينك، فإن أصابوا معيشة، ونتجت خيلهم، وولدت نساؤهم، ~~الغلمان اطمأنوا وقال: هذا دين حق، وإن لم يجر PageV05P281 # الأمر على ذلك قالوا: هذا دين سوء، فينقلبون عن دينهم، فنزلت هذه الآية، ~~هذا معنى قول ابن عباس، و به قال الأكثرون. # والثاني: أن رجلا من اليهود أسلم فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم ~~بالإسلام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " إن الإسلام لا يقال ~~". فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا، أذهب بصري ومالي وولدي، فقال: " يا ~~يهودي: إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب "، ~~فنزلت هذه الآية، رواه عطية عن أبي سعيد الخدري. # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين " 11 " يدعوا من ~~دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد " 12 " يدعوا لمن ضره ~~أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير " 13 " إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد " 14 " ~~قوله تعالى: * (على حرف) * قال مجاهد، وقتادة: " على شك "، قال أبو عبيدة: ~~كل شاك في شئ فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم. وبيان هذا أن القائم على حرف ~~الشئ غير متمكن منه فشبه به الشاك، لأنه قلق في دينه على غير ثبات، ويوضحه ~~قوله تعالى: * (فإن أصابه خير) * أي: # رخاء وعافية * (اطمأن به) * على عبادة الله * (وإن أصابته فتنة) * اختبار ~~بجدب وقلة مال * (انقلب على وجهه) * أي: رجع عن دينه إلى الكفر. والمعنى: ~~انصرف إلى وجهه الذي توجه منه، وهو الكفر، * (خسر الدنيا) * حيث لم يظفر ~~بما أراد منها، * (و) * خسر * (الآخرة) * بارتداده عن الدين. # وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو مجلز، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، وابن أبي ~~عبلة، وزيد ms1539 عن يعقوب: " خاسر الدنيا " بألف قبل السين، وبنصب الراء " ~~والآخرة " بخفض التاء. * (يدعو) * هذا المرتد، أي: يعبد * (مالا يضره) * إن ~~لم يعبده * (ولا ينفعه) * إن أطاعه * (ذلك) * الذي فعل * (هو الضلال ~~البعيد) * عن الحق * (يدعو لمن ضره) * قال بعضهم: اللام صلة، والمعنى: يدعو ~~من ضره. وحكى الزجاج عن البصريين والكوفيين أن اللام معناها التأخير، ~~والمعنى: يدعو من لضره * (أقرب من نفعه) *، قال: وشرح هذا أن اللام لليمين ~~والتوكيد، فحقها أن تكون أول الكلام، فقدمت لتجعل في حقها. قال السدي: ضره ~~في الآخرة بعبادته إياه أقرب من نفعه. PageV05P282 # فإن قيل: فهل للنفع من عبادة الصنم وجه؟ # فالجواب: أنه لا نفع من قبله أصلا، غير أنه جاء على لغة العرب، وهم ~~يقولون في الشئ الذي لا يكون: هذا بعيد. # قوله تعالى: * (لبئس المولى ولبئس العشير) * قال ابن قتيبة: المولى: ~~الولي. والعشير: الصاحب، والخليل. # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ~~ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ " 15 " وكذلك أنزلناه آيات بينات ~~وأن الله يهدي من يريد " 16 " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على كل شئ شهيد " 17 " قوله تعالى; * (من كان يظن أن لن ينصره الله) * قال ~~مقاتل: نزلت في نفر من أسد، وغطفان، قالوا: إنا نخاف أن لا ينصر محمد، ~~فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود، وإلى نحو هذا ذهب أبو حمزة ~~الثمالي، والسدي. وحكى أبو سليمان الدمشقي أن الإشارة بهذه الآية إلى الذين ~~انصرفوا عن الإسلام لأن أرزاقهم ما اتسعت، وقد شرحنا القصة في قوله [تعالى] ~~* (ومن الناس من يعبد الله على حرف) *. # وفي هاء " ينصره " قولان: # أحدهما: أنها ترجع على " من "، والنصر: بمعنى الرزق، هذا معنى قول ابن ~~عباس في رواية عطاء، وبه قال مجاهد. قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني ~~بكر، فقال من: ينصرني نصره الله، أي: من يعطيني أعطاه الله، ويقال: نصر ms1540 ~~المطر أرض كذا، أي: جادها، وأحياها، قال الراعي: # وانصري أرض عامر والثاني: أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فالمعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، رواه التميمي عن ابن عباس، وبه ~~قال عطاء، وقتادة. قال ابن قتيبة: وهذه كناية عن غير مذكور، وكان قوم من ~~المسلمين لشدة حنقهم أو على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر، ~~وآخرون من PageV05P283 # المشركين، يريدون اتباعه، ويخشون أن لا يتم أمره، فقال هذه الآية ~~للفريقين. ثم في معنى هذا النصر قولان: # أحدهما: أنه الغلبة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنه الرزق، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: * (فليمدد بسبب إلى السماء) * في المراد بالسماء قولان: # أحدهما: سقف بيته، والمعنى: فليشدد حبلا في سقف بيته، فليختنق به * (ثم ~~ليقطع) * الحبل ليموت مختنقا، هذا قول الأكثرين. ومعنى الآية: ليصور هذا ~~الأمر في نفسه لا أنه يفعله، لأنه إذا اختنق لا يمكنه النظر والعلم. # والثاني: أنها السماء المعروفة، والمعنى: فليقطع الوحي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن قدر، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: * (ثم ليقطع) * قرأ أبو عمرو، وابن عامر: " ثم ليقطع " " ثم ~~ليقضوا " بكسر اللام. زاد ابن عامر " وليوفوا " " وليطوفوا " بكسر اللام ~~أيضا. وكسر ابن كثير لام " ثم ليقضوا " فحسب. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ~~بسكون هذه اللامات، وكذلك في كل القرآن إذا كان قبلها واو أو فاء أو ثم، ~~قال الفراء: من سكن فقد خفف، وكل لام أمر وصلت بواو أو فاء، فأكثر كلام ~~العرب تسكينها، وقد كسرها بعضهم. قال أبو علي: الأصل الكسر، لأنك إذا ~~ابتدأت قلت: ليقم زيد. # قوله تعالى: * (هل يذهبن كيده) * قال ابن قتيبة: المعنى: هل تذهبن حيلته ~~غيظه، والمعنى: # ليجهد جهده. # قوله تعالى: * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك الذي تقدم من آيات القرآن ~~(أنزلناه) يعني: القرآن. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: * (إن الله يفصل ~~بينهم) * أي: يقضي * (يوم القيامة) * بينهم بإدخال المؤمنين الجنة، ~~والآخرين النار * (إن الله على كل ms1541 شئ) * من أعمالهم * (شهيد) *. # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال PageV05P284 # والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له ~~من مكرم إن الله يفعل ما يشاء " 18 " قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يسجد ~~له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب) * أي: ألم تعلم. وقد بينا في سورة (النحل) معنى السجود في حق من ~~يعقل، ومن لا يعقل. # قوله تعالى: * (وكثير من الناس) * يعني: المؤمنين الذين يسجدون لله. # وفي قوله تعالى: * (وكثير حق عليه العذاب) * قولان: # أحدهما: أنهم الكفار، وهم يسجدون، وسجودهم سجود ظلهم، قاله مقاتل. # والثاني: أنهم لا يسجدون; والمعنى: وكثير من الناس أبى السجود، فحق عليه ~~العذاب، لتركه السجود، هذا قول الفراء. # قوله تعالى: * (ومن يهن الله) * أي: من يشقه الله فما له من مسعد، * (إن ~~الله يفعل ما يشاء) * في خلقه من الكرامة والإهانة. # هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤوسهم الحميم " 19 " يصهر به ما في بطونهم والجلود " 20 " ولهم مقامع ~~من حديد " 21 " كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب ~~الحريق " 22 " قوله تعالى: * (هذان خصمان) * اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في النفر الذين تبارزوا للقتال يوم بدر، حمزة، وعلي، ~~وعبيد بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، هذا قول أبي ~~ذر. # والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله، ~~وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا ~~بمحمد، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من PageV05P285 # كتاب، وأنتم تعرفون، ثم كفرتم به حسدا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، ~~وقتادة. # والثالث: أنها في جميع المؤمنين، والكفار، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ~~وعطاء، ومجاهد. # والرابع: أنها نزلت في اختصام الجنة والنار، فقالت النار: خلقني الله ~~لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني الله ms1542 لرحمته، قاله عكرمة. # فأما قوله تعالى: * (هذان) * وقرأ ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وعكرمة، ~~وابن كثير: # " هاذان " بتشديد النون " خصمان "، فمعناه: جمعان، وليسا برجلين، ولهذا ~~قال تعالى: # * (اختصموا) * ولم يقل: اختصما; على أنه قرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: " ~~اختصما ". # وفي خصومتهم ثلاثة أقوال: # أحدها: في دين ربهم، وهذا على القولين الأوليين. # والثاني: في البعث، قاله مجاهد. والثالث: أنه خصام مفاخرة، على قول ~~عكرمة. # قوله تعالى: * (قطعت لهم ثياب) * أي: سويت وجعلت لباسا. قال ابن عباس: ~~قمص من نار، وقال سعيد بن جبير: المراد بالنار هاهنا: النحاس. فأما " ~~الحميم " فهو الماء الحار * (يصهر به) * قال الفراء: يذاب به، يقال صهرت ~~الشحم بالنار. قال المفسرون: يذاب بالماء الحار * (ما في بطونهم) * من شحم ~~أو معي حتى يخرج من أدبارهم، وتنضج الجلود فتتساقط من حره، * (ولهم مقامع) ~~* قال الضحاك: هي المطارق. وقال الحسن: إن النار ترميهم بلهبها، حتى إذا ~~كانوا في أعلاها، ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى ~~أسفلها، ضربهم زفير لهبها، فلا يستقرون ساعة. قال مقاتل: إذا جاشت جهنم، ~~ألقتهم في أعلاها، فيريدون الخروج، فتتلقاهم خزنة جهنم بالمقامع، ~~فيضربونهم، فيهوي أحدهم من تلك الضربة إلى قعرها. وقال غيره: إذا دفعتهم ~~النار، ظنوا أنها ستقذفهم خارجا منها، فتعيدهم الزبانية بمقامع الحديد. # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير " 23 " وهدوا إلى ~~الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد " 24 " قوله تعالى: * (ولؤلؤ) * قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " ولؤلؤ " PageV05P286 # بالخفض. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: " ولؤلؤا " بالنصب. قال أبو علي: ~~من خفض، فالمعنى: يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ; ومن نصب قال: ويحلون لؤلؤا ~~قال الزجاج: واللؤلؤ اسم جامع للحب الذي يخرج من البحر. # قوله تعالى: * (وهدوا) * أي: أرشدوا في الدنيا * (إلى الطيب من القول) * ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه " لا إله إلا الله، والحمد لله " قاله ابن عباس. وزاد ابن ~~زيد: ms1543 " والله أكبر ". # والثاني: القرآن، قاله السدي. # والثالث: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حكاه الماوردي. # فأما " صراط الحميد " فقال ابن عباس: هو طريق الإسلام. # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس ~~سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم " 25 " ~~قوله تعالى: * (ويصدون عن سبيل الله) * أي: يمنعون الناس من الدخول في ~~الإسلام. قال الزجاج: ولفظ " يصدون " لفظ مستقبل عطف به على لفظ الماضي، ~~لأن معنى " الذين كفروا ": # الذين هم كافرون، فكأنه قال: إن الكافرين والصادين; فأما خبر " إن " ~~فمحذوف، فيكون المعنى: إن الذين هذه صفتهم هلكوا. # وفي " المسجد الحرام " قولان: # أحدهما: جميع الحرم. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كانوا يرون ~~الحرم كله مسجدا. # والثاني: نفس المسجد، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: * (الذي جعلناه للناس) * هذا وقف التمام. # وفي معناه قولان: # أحدهما: جعلناه للناس كلهم، لم نخص به بعضهم دون بعض، هذا على أنه جميع ~~الحرم. PageV05P287 # والثاني: جعلناه قبلة لصلاتهم، ومنسكا لحجهم، وهذا على أنه نفس المسجد. ~~وقرأ إبراهيم النخعي، وابن أبي عبلة، وحفص عن عاصم: " سواء " بالنصب، ~~فيتوجه الوقف على " سواء "، وقد وقف بعض القراء كذلك. قال أبو علي الفارسي: ~~أبدل العاكف والبادي من الناس من حيث كانا كالشامل لهم، فصار المعنى: الذي ~~جعلناه للعاكف والبادي سواء. فأما العاكف: # فهو المقيم، والبادي: الذي يأتيه من غير أهله، وهذا من قولهم: بدا القوم: ~~إذا خرجوا عن الحضر إلى الصحراء. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " البادي " ~~بالياء، غير أن ابن كثير، وقف بياء، وأبو عمرو بغير ياء. وقرأ عاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، والمسيبي عن نافع بغير باء في الحالتين. # ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: أن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما ~~أحق بالمنزل من الآخر، غير أنه لا يخرج أحد من بيته، هذا قول ابن عباس، ~~وسعيد بن جبير، وقتادة; وإلى نحو هذا ذهب أبو حنيفة، وأحمد; ومذهب هؤلاء أن ~~كراء دور مكة ms1544 وبيعها حرام، هذا على أن المسجد: الحرم كله. # والثاني: أنهما يستويان في تفضيله وحرمته وإقامة المناسك به، هذا قول ~~الحسن، ومجاهد. # ومنهم من أجاز بيع دور مكة، وإليه يذهب الشافعي. وعلى هذا يجوز أن يراد ~~بالمسجد الحرم، ويجوز أن يراد نفس المسجد. # قوله تعالى: * (ومن يرد فيه بإلحاد) * الإلحاد في اللغة: العدول عن ~~القصد، والباء زائدة، كقوله تعالى: * (تنبت بالدهن) *، وأنشدوا: # - بواد يمان ينبت الشت صدروه * وأسفله بالمرخ والشبهان - المعنى: وأسفله ~~ينبت المرخ; وقال آخر: # - هن الحرائر لا ربات أخمرة * سود المحاجر لا يقرأن بالسور - وقال آخر: # - نحن بنوا جعدة أرباب الفلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج - هذا قول جمهور ~~اللغويين. قال ابن قتيبة: والباء قد تزاد في الكلام، كهذه الآية، وكقوله ~~تعالى: * (اقرأ باسم ربك) * * (وهزي إليك بجذع النخلة) * * (بأيكم المفتون) ~~* * (تلقون PageV05P288 # إليهم بالمودة) * * (عينا يشرب بها) * أي: يشربها; وقد تزاد " من "، ~~كقوله تعالى: * (ما أريد منهم من رزق) *، وتزاد " اللام " كقوله تعالى: * ~~(الذين هم لربهم يرهبون) *، والكاف، كقوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) *، و " ~~عن "، كقوله تعالى: * (يخالفون عن أمره) *، و " إن "، كقوله تعالى * (فإنه ~~ملاقيكم) * و " إن الخفيفة، كقوله تعالى: * (فيما إن مكناكم فيه) *، و " ما ~~"، كقوله تعالى: * (عما قليل ليصبحن نادمين) *، و " الواو "، كقوله تعالى: ~~* (وتله للجبين، وناديناه) *. # وفي المراد بهذا الإلحاد خمسة أقوال: # أحدها: أنه الظلم، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد: هو عمل سيئة; ~~فعلى هذا تدخل فيه جميع المعاصي، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا ~~تحتكروا الطعام بمكة، فان احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم. # والثاني: أنه الشرك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وقتادة. # والثالث: الشرك والقتل، قاله عطاء. # والرابع: أنه استحلال محظورات الإحرام، وهذا المعنى محكي عن عطاء أيضا. # والخامس: استحلال الحرام تعمدا، قاله ابن جريج. # فإن قيل: هل يؤاخذ الإنسان إن أراد الظلم بمكة، ولم يفعله؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه إذا هم بذلك في الحرم خاصة، عوقب، هذا مذهب ابن مسعود، فإنه ~~قال: # لو ms1545 أن رجلا هم بخطيئة، لم تكتب عليه ما لم يعملها، ولو أن رجلا هم بقتل ~~مؤمن عند البيت، وهو ب‍ " عدن أبين "، أذاقه الله في الدنيا من عذاب أليم. ~~وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه ولم ~~يعملها. وقال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة، كما تضاعف الحسنات. وسئل الإمام ~~أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال: # لا، إلا بمكة لتعظيم البلد. وأحمد على هذا يرى فضيلة المجاورة بها; وقد ~~جاور جابر بن عبد الله، وكان ابن عمر يقيم بها. # والثاني: أن معنى: " ومن يرد " من يعمل. قال أبو سليمان الدمشقي. هذا قول ~~سائر من حفظنا عنه. PageV05P289 # وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود " 26 " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق " 27 " ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس ~~الفقير " 28 " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " 29 ~~" قوله تعالى: * (وإذ بوأنا) * قال ابن عباس: جعلنا. وقال مقاتل: دللناه ~~عليه، وقال ثعلب: # وإنما أدخل اللام، على أن " بوأنا " في معنى: جعلنا، فيكون بمعنى " ردف ~~لكم " أي: # ردفكم. وقد شرحنا كيفية بناء البيت في [سورة] البقرة. # قوله تعالى: * (أن لا تشرك بي شيئا) * المعنى: وأوحينا إليه ذلك * (وطهر ~~بيتي) * حرك هذه الياء، نافع وحفص عن عاصم. وقد شرحنا الآية في البقرة. # وفي المراد ب‍ " القائمين " قولان: أحدهما: القائمون في الصلاة، قاله ~~عطاء، والجمهور. # والثاني: المقيمون بمكة، حكي عن قتادة. # قوله تعالى: * (وأذن في الناس بالحج) * قال المفسرون: لما فرغ إبراهيم من ~~بناء البيت، أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا رب، ~~وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن، وعلي البلاغ، فعلا على جبل أبي قبيس، وقال: يا ~~أيها الناس: إن ربكم قد بنى بيتا، فحجوه، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام ~~النساء ممن سبق ms1546 في علم الله أن يحج، فأجابوه: لبيك اللهم لبيك. والأذان ~~بمعنى النداء والإعلام، والمأمور بهذا الأذان، إبراهيم في قول الجمهور، إلا ~~ما روي عن الحسن أنه قال: المأمور به محمد صلى الله عليه وسلم والناس ها ~~هنا: اسم يعم جميع بني آدم عند الجمهور، إلا ما روى العوفي عن ابن عباس أنه ~~قال: عنى بالناس أهل القبلة. # واعلم أن من أتى البيت الذي دعا إليه إبراهيم، فكأنه قد أتى إبراهيم لأنه ~~أجاب نداءه. # وواحد الرجال هاهنا: راجل، مثل صاحب، وصحاب، والمعنى: يأتوك مشاة. وقد ~~روي أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين، وحج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ~~ماشيا من المدينة إلى مكة، والنجائب تقاد معه، وحج الإمام أحمد ماشيا مرتين ~~أو ثلاثا. PageV05P290 # قوله تعالى: * (وعلى كل ضامر) * أي: ركبانا على ضمر من طول السفر. قال ~~الفراء: # و " يأتين " فعل للنوق. وقال الزجاج: " يأتين " على معنى الإبل. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن أبي عبلة: " يأتون " بالواو. # قوله تعالى: * (من كل فج عميق) * أي: طريق بعيد. وقد ذكرنا تفسير الفج ~~عند قوله تعالى: * (وجعلنا فيها فجاجا) *. # قوله تعالى: * (ليشهدوا) * أي: ليحضروا * (منافع لهم) * وفيها ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: التجارة، قاله ابن عباس، والسدي. # والثالث: منافع الدارين جميعا، قاله مجاهد. وهو أصح، لأنه لا يكون القصد ~~للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج; والتجارة تبع. # وفي الأيام المعلومات ستة أقوال: # أحدها: أنها أيام العشر، رواه مجاهد عن ابن عمر، وسعيد بن جبير عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، وعكرمة ومجاهد، وقتادة والشافعي. # والثاني: تسعة أيام من العشر، قاله أبو موسى الأشعري. # والثالث: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، رواه نافع عن ابن عمر، ومقسم عن ~~ابن عباس. # والرابع: أنها أيام التشريق، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء ~~الخراساني، والنخعي، والضحاك. # والخامس: أنها خمسة أيام، أولها يوم التروية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والسادس: ثلاثة أيام، أولها يوم عرفة، قاله مالك بن أنس. وقيل: إنما قال: ~~" معلومات " ليحرص على علمها بحسابها من أجل وقت ms1547 الحج في آخرها. قال ~~الزجاج: والذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر، لقوله تعالى: * (على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام) *; قال القاضي أبو يعلى: # ويحتمل ان يكون الذكر المذكور هاهنا: هو الذكر على الهدايا الواجبة، ~~كالدم الواجب لأجل التمتع والقران، ويحتمل ان يكون الذكر المفعول عند رمي ~~الجمار وتكبير التشريق، لأن الآية عامة في ذلك. # قوله تعالى: * (فكلوا منها) * يعني: الأنعام التي تنحر; وهذا أمر إباحة. ~~وكان أهل الجاهلية لا PageV05P291 # يستحلون أكل ذبائحهم، فأعلم الله عز وجل أن ذلك جائز، غير أن هذا إنما ~~يكون في الهدي المتطوع به، فأما دم التمتع والقران فعندنا أنه يجوز أن يأكل ~~منه، وقال الشافعي: لا يجوز، وقد روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: من كل ~~الهدي يؤكل، إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر. فأما " البائس " فهو ذو ~~البؤس، وهو شدة الفقر. # قوله تعالى: * (ثم ليقضوا تفثهم) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: حلق الرأس، وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، ~~والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والوقوف بعرفة، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: مناسك الحج، رواه عكرمة عن ابن عباس، وهو قول ابن عمر. # والثالث: حلق الرأس، قاله مجاهد. # والرابع: الشعر، والظفر، قاله عكرمة. # والقول الأول أصح، لأن التفث: الوسخ، والقذارة: من طول الشعر والأظفار ~~والشعث. # وقضاؤه: نقضه، وإذهابه. والحاج مغبر شعث لم يدهن، ولم ويستحد، فإذا قضى ~~نسكه، وخرج من إحرامه بالحلق، والقلم، وقص الأظفار، ولبس الثياب، ونحو ذلك، ~~فهذا قضاء تفثه. قال الزجاج: # وأهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير، وكأنه الخروج من الإحرام إلى ~~الإحلال. # قوله تعالى: * (وليوفوا نذورهم) * وروى أبو بكر عن عاصم: " وليوفوا " ~~بتسكين اللام وتشديد الفاء. وقال ابن عباس: هو نحر ما نذروا من البدن، وقال ~~غيره: ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج، فإن الإنسان ربما نذر أن يتصدق ~~إن رزقه الله رؤية الكعبة، وقد يكون عليه نذور مطلقة، فالأفضل أن يؤديها ~~بمكة. # قوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * هذا ms1548 هو الطواف الواجب، لأنه ~~أمر به بعد الذبح، إنما يكون في يوم النحر، فدل على أنه الطواف المفروض. # وفي تسمية البيت عتيقا أربعة أقوال. # أحدها: لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة. روى عبد الله بن الزبير، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما سمى الله البيت: العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر ~~عليه جبار قط " وهذا قول مجاهد، وقتادة. # والثاني: أن معنى العتيق: القديم، قاله الحسن، وابن زيد. # والثالث: لأنه لم يملك قط، قاله مجاهد في رواية، وسفيان بن عيينة. # والرابع: لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان، قاله ابن السائب وقد تكلمنا ~~في هذه السورة PageV05P292 # في " ليقضوا " و " ليوفوا " و " ليطوفوا ". # ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور " 30 " حنفاء لله ~~غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به ~~الريح في مكان سحيق " 31 " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب " ~~32 " لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق " 33 " قوله ~~تعالى: * (ذلك) * أي: الأمر ذلك، يعني: ما ذكر من أعمال الحج * (ومن يعظم ~~حرمات الله) * فيجتنب ما حرم الله عليه في الإحرام تعظيما لأمر الله. قال ~~الليث: الحرمة: مالا يحل انتهاكه. وقال الزجاج: الحرمة: ما وجب القيام به، ~~وحرم التفريط فيه. # قوله تعالى: * (فهو) * يعني: التعظيم * (خير له عند ربه) * في الآخرة * ~~(وأحلت لكم الأنعام) * وقد سبق بيانها * (إلا ما يتلى عليكم) * تحريمه، ~~يعني به: ما ذكر في [سورة] المائدة من حال إحرامكم، إلا ما يتلى عليكم في ~~الصيد، فإنه حرام. # قوله تعالى: * (فاجتنبوا الرجس) * أي: دعوه جانبا، قال الزجاج: " ومن " ~~هاهنا، لتخليص جنس من الأجناس، المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن. وقد ~~شرحنا معنى الرجس في المائدة. # وفي المراد بقول الزور أربعة أقوال: # أحدها: شهادة الزور، قاله ابن مسعود. # والثاني: الكذب، قاله مجاهد. # والثالث: ms1549 الشرك، قاله أبو مالك. # والرابع: أنه قول المشركين في الأنعام: هذا حلال، وهذا حرام، قاله ~~الزجاج، قال: وقوله تعالى: * (حنفاء لله) * منصوب على الحال، وتأويله: ~~مسلمين لا ينسبون إلى دين غير الإسلام. ثم ضرب الله مثلا للمشرك، فقال: * ~~(ومن يشرك بالله) * إلى قوله تعالى: * (سحيق) *، والسحيق: # البعيد. PageV05P293 # واختلفوا في قراءة " فتخطفه " فقرأ الجمهور: " فتخطفه " بسكون الخاء من ~~غير تشديد الطاء. # وقرأ نافع: بتشديد الطاء، وقرأ أبو المتوكل، ومعاذ القارئ: بفتح التاء ~~والخاء وتشديد الطاء ونصب الفاء. وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، وأبو عمران ~~الجوني: بكسر التاء والخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء. وقرأ الحسن، والأعمش: ~~بفتح التاء وكسر وتشديد الطاء ورفع الفاء. وكلهم فتح الطاء. # وفي المراد بهذا المثل قولان: # أحدهما: أنه شبه المشرك بالله في بعده عن الهدى وهلاكه، بالذي يخر من ~~السماء، قاله قتادة. # والثاني: أنه شبه حال المشرك في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا دفع ضر يوم ~~القيامة، بحال الهاوي من السماء، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: * (ذلك) * أي: الأمر ذلك الذي ذكرناه * (ومن يعظم شعائر ~~الله) * قد شرحنا معنى الشعائر في البقرة. # وفي المراد بها هاهنا قولان: # أحدهما: أنها البدن. وتعظيمها: استحسانها: واستسمانها * (لكم فيها منافع) ~~* قبل أن يسميها صاحبها هديا، أو يشعرها ويوجبها، فإذا فعل ذلك، لم يكن له ~~من منافعها شئ، روى هذا المعنى مقسم عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، ~~والضحاك. وقال عطاء بن أبي رباح: لكم في هذه الهدايا منافع بعد إيجابها ~~وتسميتها هدايا إذا احتجتم إلى شئ من ذلك أو اضطررتم إلى شرب ألبانها * ~~(إلى أجل مسمى) * وهو أن تنحر. # والثاني: أن الشعائر: المناسك ومشاهد مكة; والمعنى: لكم فيها منافع ~~بالتجارة إلى أجل مسمى، وهو الخروج من مكة، رواه أبو رزين عن ابن عباس. ~~وقيل: لكم فيها منافع من الأجر، والثواب في قضاء المناسك إلى أجل مسمى، وهو ~~انقضاء أيام الحج. # قوله تعالى: * (فإنها) * يعني الأفعال المذكورة، من اجتناب الرجس وقول ~~الزور، وتعظيم الشعائر. وقال الفراء: " فإنها " يعني الفعلة * (من تقوى ms1550 ~~القلوب) *، وإنما أضاف التقوى إلى القلوب، لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب. # قوله تعالى: * (ثم محلها) * أي: حيث يحل نحرها * (إلى البيت) * يعني: عند ~~البيت، والمراد PageV05P294 # به: الحرم كله، لأنا نعلم أنها لا تذبح عند البيت، ولا في المسجد، هذا ~~على القول الأول، وعلى الثاني، يكون المعنى: ثم محل الناس من إحرامهم إلى ~~البيت، وهو أن يطوفوا به بعد قضاء المناسك. # ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين " 34 " الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون " 35 ~~" قوله تعالى: * (ولكل أمة جعلنا منسكا) * قرأ حمزة، والكسائي، وبعض أصحاب ~~أبي عمرو بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها: فمن فتح أراد المصدر، من نسك ~~ينسك، ومن كسر أراد مكان النسك كالمجلس والمطلع. ومعنى الآية: لكل جماعة ~~مؤمنة من الأمم السالفة جعلنا ذبح القرابين * (ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام) *، وإنما خص بهيمة الأنعام، لأنها المشروعة في ~~القرب. والمراد من الآية: أن الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة، وأن التسمية ~~عليها كانت مشروعة قبل هذه الأمة. # قوله تعالى: * (فإلهكم واحد) *: لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم سواه * ~~(فله أسلموا) * أي: # انقادوا واخضعوا. وقد ذكرنا معنى الإخبات في [سورة] هود. وكذلك ألفاظ ~~الآية التي تلي هذه. # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم ~~لعلكم تشكرون " 36 " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى ~~منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا والله على ما هداكم وبشر المحسنين " 37 " قوله ~~تعالى: * (والبدن) * وقرأ الحسن، وابن يعمر برفع الدال. قال الفراء: يقال: ~~بد وبدن، والتخفيف أجود وأكثر، لأن كل جمع كان واحده على " فعلة " ثم ضم ~~أول جمعه، خفف، مثل أكمة PageV05P295 # وأكم وأجمة وأجم، وخشبة وخشب. وقال الزجاج: " البدن " منصوبة بفعل مضمر ~~يفسره الذي ظهر، والمعنى: وجعلنا ms1551 البدن; وإن شئت رفعتها على الاستئناف، ~~والنصب أحسن; ويقال: بدن وبدن وبدنة، مثل قولك: ثمر وثمر وثمرة; وإنما سميت ~~بدنة، لأنها تبدن، أي: تسمن. # وللمفسرين في البدن قولان: # أحدهما: أنها الإبل والبقر، قاله عطاء. # والرابع: الإبل خاصة، حكاه الزجاج، وقال: الأول قول أكثر فقهاء الأمصار. ~~قال القاضي أبو يعلى: البدنة: اسم يختص الإبل في اللغة، والبقرة تقوم ~~مقامها في الحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة ~~عن سبعة. # قوله تعالى: * (و جعلناها لكم من شعائر الله) * أي: جعلنا لكم فيها عبادة ~~لله، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها، * ~~(لكم فيها خير) * وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة، * (فاذكروا اسم ~~الله عليها) * أي: على نحرها، * (صواف) * وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، ~~وقتادة: " صوافن " بالنون. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو العالية، والضحاك، ~~وابن يعمر: # " صوافي " بالياء. قال الزجاج: " صواف " منصوبة على الحال، ولكنها لا ~~تنون لأنها لا تنصرف; أي: قد صفت قوائمها، والمعنى: اذكروا اسم الله عليها ~~في حال نحرها; والبعير ينحر قائما، وهذه الآية تدل على ذلك. ومن قرأ: " ~~صوافن " فالصافن: التي تقوم على ثلاث، والبعير إذا أرادوا نحره، تعقل إحدى ~~يديه، فهو الصافن، والجميع: صوافن. هذا ومن قرأ: " صوافي " بالياء وبالفتح ~~بغير تنوين، فتفسيره: خوالص، أي: خالصه لله لا تشركوا به في التسمية على ~~نحرها أحدا. * (فإذا وجبت جنوبها) * أي: إذا سقطت إلى الأرض، يقال: وجب ~~الحائط وجبة، إذا سقط. ووجب القلب وجيبا: إذا تحرك من فزع. واعلم أن نحرها ~~قياما سنة، والمراد بوقوعها على جنوبها: موتها، والأمر بالأكل منها أمر ~~إباحة، وهذا في الأضاحي. # قوله تعالى: * (وأطعموا القانع والمعتر) * وقرأ الحسن: " والمعتر " بكسر ~~الراء خفيفة. وفيهما ستة أقوال: # أحدهما: أن القانع: الذي يسأل، والمعتر السائل الذي يتعرض ولا يسأل، رواه ~~بكر بن عبد الله عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، واختاره الفراء. # والثاني: أن القانع: المتعفف، والمعتز: السائل، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس، PageV05P296 # وبه قال ms1552 قتادة، والنخعي. وعن الحسن كالقولين. # والثالث: أن القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته; والمعتر: الذي ~~يتعرض لك ويلم بك ولا يسأل، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد: القانع: ~~جارك الذي يقنع بما أعطيته، والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل، وهذا مذهب ~~القرظي. فعلى هذا يكون معنى القانع: أن يقنع بما أعطي. ومن قال: هو ~~المتعفف، قال: هو القانع بما عنده. # والرابع: القانع: أهل مكة، والمعتر: الذي يعتر بهم من غير أهل مكة، رواه ~~خصيف عن مجاهد. # والخامس: القانع: الجار وإن كان غنيا، والمعتر الذي يعتر بك، رواه ليث عن ~~مجاهد. # والسادس: القانع: المسكين السائل، والمعتر: الصديق الزائر، قاله زيد بن ~~أسلم. قال ابن قتيبة: يقال: قنع يقنع قنوعا: إذا سأل، وقنع يقنع قناعة: إذ ~~رضي، ويقال في المعتر: اعترني واعتراني وعراني. وقال الزجاج: مذهب أهل ~~اللغة أن القانع: السائل، يقال: قنع يقنع قنوعا: إذا - لما المرء يصلحه ~~فيغني * مفاقره أعف من القنوع - أي: من السؤال; ويقال: قنع قناعة: إذا رضي، ~~فهو قنع، والمعتر والمعتري واحد قوله تعالى: * (كذلك) * أي: مثل ما وصفنا ~~من نحرها قائمة * (سخرناها لكم) * نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على ~~الوجه المسنون * (لعلكم تشكرون) * أي: لكي تشكروا. # قوله تعالى: * (لن تنال الله لحومها) * وقرأ عاصم الجحدري، وابن يعمر، ~~وابن أبي عبلة، ويعقوب:: " لن تنال الله لحومها " بالتاء * (ولكن تناله ~~التقوى) * بالتاء أيضا. # سبب نزولها أن المشركين كانوا إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء ينضحون ~~بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. قال المفسرون: PageV05P297 # ومعنى الآية: لن ترفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، وإنما يرفع إليه ~~التقوى،; وهو ما أريد به وجهه منكم، فمن قرأ " يناله " بالتاء، فلأن التقوى ~~والتقى واحد. والإشارة بهذه الآية إلى أنه لا يقبل اللحوم والدماء إذا لم ~~تكن صادرة عن تقوى الله، وإنما يتقبل ما يتقونه به، وهذا تنبيه على امتناع ~~قبول الأعمال إذا عريت عن نية صحيحة. # قوله تعالى: * (كذلك سخرها) ms1553 * قد سبق تفسيره * (لتكبروا الله على ما ~~هداكم) * أي: على ما بين لكم وأرشدكم إلى معالم دينه ومناسك حجه، فذلك أن ~~تقول: الله أكبر على ما هدانا، * (وبشر المحسنين) * قال ابن عباس: يعني: ~~الموحدين. # إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور " 38 " أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " 39 " الذين أخرجوا ~~من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيه اسم الله كثيرا ولينصرن الله ~~من ينصره إن الله لقوي عزيز " 40 " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " 41 " ~~قوله تعالى: * (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: ~~" يدافع " وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " إن الله يدافع " بألف ~~" ولولا دفع " بغير ألف، وهذا على مصدر " دافع " والمعنى: يدفع عن الذين ~~آمنوا غائلة المشركين بمنعهم منهم ونصرهم عليهم. قال الزجاج: والمعنى: إذا ~~فعلتم هذا وخالفتم الجاهلية فيما يفعلونه من نحرهم وإشراكهم، فإن الله يدفع ~~عن حزبه، وال‍ " خوان " فعال من الخيانة، والمعنى: أن من ذكر غير اسم الله، ~~وتقرب إلى الأصنام بذبيحته، فهو خوان. # قوله تعالى: * (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) * قرأ ابن كثير، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: " أذن " بفتح الألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو ~~بكر، وحفص عن عاصم: " أذن " بضمها. # قوله تعالى: * (للذين يقاتلون) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن PageV05P298 # عاصم: بكسر التاء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: بفتحها وقال ابن ~~عباس: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ~~لهم: " اصبروا، فإني لم أومر بالقتال " حتى هاجر رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، فأنزل الله هذه الآية، وهي أول آية أنزلت في القتال. وقال مجاهد: هم ~~ناس خرجوا من مكة مهاجرين، فأدركهم كفار قريش، فأذن لهم في قتالهم ms1554 قال ~~الزجاج: معنى الآية: # أذن للذين يقاتلون أن يقاتلوا. * (بأنهم ظلموا) * أي: بسبب ما ظلموا. ثم ~~وعدهم النصر بقوله: # * (وإن الله على نصرهم لقدير) * ولا يجوز أن تقرأ بفتح " إن " هذه من غير ~~خلاف بين أهل اللغة، لئن " إن " إذا كانت معها اللام، ثم تفتح أبدا، وقوله: ~~* (إلا أن يقولوا ربنا الله) * معناه: اخرجوا لتوحيدهم. # قوله تعالى: * (ولولا دفع الله الناس) * قد فسرناه في [سورة] البقرة. # قوله تعالى: * (لهدمت) * قرأ ابن كثير، ونافع: " لهدمت " خفيفة، والباقون ~~بتشديد الدال. # فأما الصوامع، ففيها قولان: # أحدهما: أنها صوامع الرهبان، قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وابن ~~زيد. # والثاني: أنها صوامع الصابئين، قاله قتادة، وابن قتيبة. # فأما البيع، فهي جمع بيعة، وهي بيع النصارى. # وفي المراد بالصلوات قولان: # أحدهما: مواضع الصلوات. ثم فيها قولان. # أحدهما: أنها كنائس اليهود، قاله قتادة، والضحاك، وقرأت على شيخنا أبي ~~منصور اللغوي، قال: قوله تعالى: * (وصلوات) * هي كنائس اليهود، وهي ~~بالعبرانية " صلوثا ". # والثاني: أنها مساجد الصابئين، قاله أبو العالية. # والقول الثاني: أنها الصلوات حقيقة، والمعنى: لولا دفع الله عن المسلمين ~~بالمجاهدين; لانقطعت الصلوات في المساجد، قاله ابن زيد. # فأما المساجد، فقال ابن عباس: هي مساجد المسلمين. وقال الزجاج: معنى ~~الآية: لولا دفع بعض الناس ببعض لهدمت في زمان موسى الكنائس، وفي زمان عيسى ~~الصوامع والبيع، وفي زمان محمد المساجد. # وفي قوله تعالى: * (يذكر فيها) * قولان: جميع الأماكن المذكورات، قاله ~~الضحاك. # والثاني: إلى المساجد خاصة، لأن جميع المواضع المذكورة الغالب فيها ~~الشرك، قاله أبو PageV05P299 # سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: * (ولينصرن الله من ينصره) * أي: من ينصر دينه وشرعه. # قوله تعالى: * (الذين إن مكناهم في الأرض) * قال الزجاج: هذه صفة ناصريه. ~~قال المفسرون: التمكين في الأرض: نصرهم على عدوهم، والمعروف: لا إله إلا ~~الله، والمنكر: # الشرك. قال الأكثرون: وهؤلاء أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وقال ~~القرظي: هم الولاة. # قوله تعالى: * (ولله عاقبة الأمور) * أي: إليه مرجعها، لأن كل ملك يبطل ~~سوى ملكه. # وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ms1555 وثمود " 42 " وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط " 43 " وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~" 44 " فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة ~~وقصر مشيد " 45 " قوله تعالى: * (ثم أخذتهم) * أي: بالعذاب * (فكيف كان ~~نكير) * أثبت الياء في " نكير " يعقوب في الحالين، ووافقه ورش في إثباتها ~~في الوصل، والمعنى: كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإهلاك؟! ~~والمعنى: إني أنكرت عليهم أبلغ إنكار، وهذا استفهام معناه التقرير. # قوله تعالى: * (أهلكتها) * قرأ أبو عمرو: " أهلكتها " بالتاء، والباقون: ~~" أهلكناها " بالنون. # قوله تعالى: * (وبئر معطلة) * قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عمرو، وحمزة، والكسائي: " وبئر " مهموز، وروى ورش عن نافع بغير همز، ~~والمعنى: وكم بئر معطلة، أي: متروكة * (وقصر مشيد) * فيه قولان: # أحدهما: مجصص، قاله ابن عباس، وعكرمة. قال الزجاج: أصل الشيد الجص ~~والنورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مشيد. # والثاني: طويل، قاله الضحاك، ومقاتل. وفي الكلام إضمار، تقديره: وقصر ~~مشيد معطل أيضا ليس فيه ساكن. PageV05P300 # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " 46 " ويستعجلونك ~~بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون " 47 " ~~وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير " 48 " قوله ~~تعالى: * (أفلم يسيروا) * قال المفسرون: أفلم يسر قومك في أرض اليمن والشام ~~* (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) * إذا نظروا آثار من هلك * (أو آذان يسمعون ~~بها) * أخبار الأمم المكذبة * (فإنها لا تعمى الأبصار) * قال الفراء: الهاء ~~في قوله: " فإنها " عماد، والمعنى: أن أبصارهم لم تعم، وإنما عميت قلوبهم. ~~فأما قوله تعالى: * (التي في الصدور) * فهو توكيد، لأن القلب لا يكون إلا ~~في الصدر، ومثله: * (تلك عشرة كاملة) * * (يطير بجناحيه) *، * (يقولون ~~بأفواههم آل عمران) *. # قوله تعالى: * (ويستعجلونك بالعذاب) * قال مقاتل: نزلت في النضر بن ~~الحارث القرشي. # وقال غيره: هو قولهم له: * (متى هذا الوعد) * ونحوه ms1556 من استعجالهم، ولن ~~يخلف الله وعده) * في إنزال العذاب بهم في الدنيا، فأنزله بهم يوم بدر، * ~~(وإن يوما عند ربك) * أي: من أيام الآخرة * (كألف سنة مم تعدون) * من أيام ~~الدنيا، قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: " تعدون " بالتاء. # وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: " يعدون " بالياء. # فإن قيل: كيف انصرف الكلام من ذكر العذاب إلى قوله: " وإن يوما عند ربك ~~"؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا، فقيل لهم: لن يخلف الله وعده في ~~إنزال العذاب بكم في الدنيا. وإن يوما من أيام عذابكم الآخرة كألف سنة من ~~سني الدنيا، فكيف تستعجلون بالعذاب؟! فقد تضمنت الآية وعدهم بعذاب الدنيا ~~والآخرة، هذا قول الفراء. # والثاني: وإن يوما عند الله وألف سنة سواء في قدرته على عذابهم، فلا فرق ~~بين وقوع ما يستعجلونه وبين تأخيره في القدرة، إلا أن الله تفضل عليهم ~~بالإمهال، هذا قول الزجاج. # قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين " 49 " فالذين آمنوا وعلموا ~~الصالحات لهم PageV05P301 # مغفرة ورزق كريم " 50 " والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب ~~الجحيم " 51 " قوله تعالى: * (ورزق كريم) * يعني به الحسن في الجنة. # قوله تعالى: * (والذين سعوا في آياتنا) * أي: عملوا في إبطالها * ~~(معاجزين) * قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " معجزين " بغير ألف. ~~وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " معاجزين " قال الزجاج: " معاجزين " أي: ظانين ~~أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنوا أنهم لا يبعثون وأنه لا جنة ونار. # قال: وقيل في التفسير: معاجزين: معاندين، وليس هو بخارج عن القول الأول; ~~و " معجزين " تأويلها: أنهم كانوا يعجزون من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويثبطونهم عنه. # وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم " 52 " ~~ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد " 53 " وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ~~فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن ms1557 الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم " ~~54 " ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم ~~عذاب يوم عقيم " 55 " قوله تعالى: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول) * الآية. ~~قال المفسرون: سبب نزولها ان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لما نزلت عليه ~~سورة * (النجم) * قرأها حتى بلغ قوله: * (أفرأيتم اللات والعزى، ومناة ~~الثلاثة الأخرى) * فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن ~~شفاعتهن لترتجي; فلما سمعت قريش بذلك فرحوا، فأتاه جبريل، فقال: ماذا صنعت؟ ~~تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~حزنا شديدا، فنزلت هذه الآية تطييبا لقلبه، وإعلاما له أن الأنبياء قد جرى ~~لهم مثل هذا. قال العلماء المحققون: وهذا لا يصح، لأن رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] معصوم عن مثل هذا، ولو صح، كان المعنى أن بعض شياطين الإنس قال ~~تلك الكلمات، فإنهم كانوا إذا تلا لغطوا، كما قال الله عز وجل: * (لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) *. قال: وفي معنى " تمنى " قولان: ~~PageV05P302 # أحدهما: تلا، قاله الأكثرون، وأنشدوا: # - تمنى كتاب الله أول ليله * وآخره لاقى حمام المقادر - وقال آخر: # - تمنى كتاب الله آخر ليله * تمني داود الزبور على رسل - والثاني: أنه من ~~الأمنية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمنى يوما أن لا يأتيه من ~~الله شئ ينفر عنه به قومه، فألقى الشيطان على لسانه لما كان قد تمناه، قاله ~~محمد بن كعب القرظي. # قوله تعالى: * (فينسخ ما يلق الشيطان) * أي: يبطله ويذهبه * (ثم يحكم ~~الله آياته) * قال مقاتل: # يحكمها من الباطل. # قوله تعالى: * (ليجعل) * اللام متعلقة بقوله: " ألقى الشيطان "، والفتنة ~~هاهنا بمعنى البلية والمحنة. والمرض: الشك والنفاق. * (والقاسية قلوبهم) * ~~يعني: الجافية عن الإيمان. ثم أعلمهم أنهم ظالمون وأنهم في شقاق دائم، ~~والشقاق: غاية العداوة. # قوله تعالى: * (وليعلم الذين أوتوا العلم) * وهو التوحيد والقرآن، وهم ~~المؤمنون. وقال السدي: التصديق بنسخ الله. # قوله تعالى: * (أنه الحق) * إشارة إلى نسخ ما يلقي ms1558 الشيطان; فالمعنى: ~~ليعلموا أن نسخ ذلك وإبطاله حق من الله * (فيؤمنوا) * بالنسخ * (فتخبت له ~~قلوبهم) * أي: تخضع وتذل. ثم بين بباقي الآية أن هذا الإيمان والإخبات إنما ~~هو بلطف الله وهدايته.. # قوله تعالى: * (في مرية منه) * أي: في شك. وفي هاء " منه " أربعة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى قوله: تلك الغرانيق العلى. # والثاني: أنها ترجع إلى سجوده في سورة * (النجم) *. والقولان عن سعيد بن ~~جبير، فيكون المعنى: إنهم يقولون: ما باله ذكر آلهتنا ثم رجع عن ذكرها؟! # والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله ابن جريج. # والرابع: أنها ترجع إلى الدين، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: * (حتى تأتيهم الساعة) * وفيها قولان: # أحدهما: القيامة تأتي من تقوم عليه من المشركين، قاله الحسن. # والثاني: ساعة موتهم، ذكره الواحدي. # قوله تعالى: * (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) * فيه قولان: # أحدهما: أنه يوم بدر، روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي. ~~PageV05P303 # والثاني: أنه يوم القيامة، قاله عكرمة، والضحاك. وأصل العقم في الولادة، ~~يقال: امرأة عقيم لا تلد، ورجل عقيم لا يولد له; وأنشدوا: # - عقم النساء فلا يلدن شبيهه * إن النساء بمثله عقم - وسميت الريح العقيم ~~بهذا الاسم، لأنها لا تأتي بالسحاب الممطر، فقيل لهذا اليوم: عقيم، لأنه لم ~~يأت بخير. # فعلى قول من قال: هو يوم بدر في تسميته بالعقيم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لم يكن فيه للكفار بركة ولا خير، قاله الضحاك. # والثاني: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء، قاله ابن ~~جريج. # والثالث: لأنه لا مثل له في عظم أمره، لقتال الملائكة فيه، قاله يحيى بن ~~سلام. # وعلى قول من قال: هو يوم القيامة، في تسميته بذلك قولان: # أحدهما: لأنه لا ليلة له، قاله عكرمة. # والثاني: لأنه لا يأتي المشركين بخير ولا فرج، ذكره بعض المفسرين. # الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ~~" 56 " والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين " 57 " والذين ~~هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن ms1559 الله ~~لهو خير الرازقين " 58 " ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم " 59 " ~~قوله تعالى: * (الملك يومئذ) * أي: يوم القيامة * (لله) * من غير منازع ولا ~~مدع * (يحكم بينهم) * أي: بين المسلمين والمشركين; وحكمه بينهم بما ذكره في ~~تمام الآية وما بعدها. ثم ذكر فضل المهاجرين فقال: * (والذين هاجروا في ~~سبيل الله) * أي: من مكة إلى المدينة. # وفي الرزق الحسن قولان: # أحدهما: أنه الحلال، قاله ابن عباس. # والثاني: رزق الجنة، قاله السدي. PageV05P304 # قوله تعالى: * (ثم قتلوا) * وقرأ ابن عامر: " قتلوا " بالتشديد قوله ~~تعالى: * (ليدخلنهم مدخلا) * وقرأ نافع بفتح الميم * (يرضونه) * يعني: ~~الجنة. والمدخل يجوز أن يكون مصدرا، فيكون المعنى: # ليدخلنهم إدخالا يكرمون فيرضونه; ويجوز أن يكون بمعنى المكان. و " مدخلا ~~" بفتح الميم على تقدير: فيدخلون مدخلا. * (وإن الله لعليم) * بنياتهم * ~~(حليم) * عنهم. # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور " 60 " ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن ~~الله سميع بصير " 61 " ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل وأن الله هو العلى الكبير " 62 " قوله تعالى: * (ذلك) * قال الزجاج: ~~المعنى: الأمر ذلك، أي: الأمر ما قصصنا عليكم * (ومن عاقب بمثل ما عوقب به) ~~* والعقوبة: الجزاء; والأول ليس بعقوبة، ولكنه سمي عقوبة، لاستواء الفعلين ~~في جنس المكروه، كقوله: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * لما كانت المجازاة ~~إساءة بالمفعول به سميت سيئة، ومثله * (الله يستهزئ بهم) * قاله الحسن، ~~ومعنى الآية: من قاتل المشركين كما قاتلوه * (ثم بغي عليه) * أي: ظلم ~~بإخراجه عن منزله. وزعم مقاتل أن سبب نزول هذه الآية أن مشركي مكة لقوا ~~المسلمين لليلة بقيت من المحرم، فقاتلوهم، فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوا ~~في الشهر الحرام، فأبوا إلا القتال، فثبت المسلمون، ونصرهم الله على ~~المشركين، ووقع في نفوس المسلمين من القتال في الشهر الحرام، فنزلت هذه ~~الآية، وقال: * (إن الله لعفو) * عنهم * (غفور) * لقتالهم في الشهر الحرام. # قوله تعالى: * (يولج الليل في النهار، ms1560 ويولج النهار في الليل وأن الله ~~سميع) * لدعاء المؤمنين * (بصير) * بهم حيث جعل فيهم الإيمان والتقوى، * ~~(ذلك) * الذي فعل من نصر المؤمنين * (بإذن الله هو الحق) * أي: هو الإله ~~الحق * (وأن ما يدعون) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم: " يدعون " بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: ~~بالتاء، والمعنى: # وأن ما يعبدون * (من دونه هو الباطل) *. PageV05P305 # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ~~" 63 " له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد " 64 " ~~قوله تعالى: * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) * يعني: المطر * (فتصبح ~~الأرض مخضرة) * بالنبات. وحكى الزجاج عن الخليل أنه قال: معنى الكلام ~~التنبيه، كأنه كذي وكذا. وقال ثعلب: معنى الآية عند الفراء خبر، كأنه قال: ~~اعلم أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح، ولو كان استفهاما والفاء شرطا ~~لنصبه. # قوله تعالى: * (إنه لطيف) * أي: باستخراج النبات من الأرض رزقا لعباده * ~~(خبير) * بما في قلوبهم عند تأخير المطر. وقد سبق معنى الغني الحميد في ~~[سورة] البقرة. # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم " 65 " وهو ~~الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور " 66 " قوله تعالى: * ~~(ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) * يريد البهائم التي تركب * (ويمسك ~~السماء أن تقع) * قال الزجاج: كراهة أن تقع. وقال غيره: لئلا تقع * (إن ~~الله بالناس لرؤوف رحيم) * فيما سخر لهم وفيما حبس عنهم من وقوع السماء ~~عليهم. * (وهو الذي أحياكم) * بعد أن كنتم نطفا ميتة * (ثم يميتكم) * عند ~~آجالكم * (ثم يحييكم) * للبعث والحساب * (إن الإنسان) * يعني: المشرك * ~~(لكفور) * لنعم الله إذ لم يوحده. # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم " 67 " وإن جادلوك فقل الله أعلم بما ms1561 تعملون " 68 " الله ~~يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون " 69 " ألم تعلم أن الله ~~يعلم ما في السماء والأرض إن PageV05P306 # ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير " 70 " قوله تعالى: * (لكل أمة جعلنا ~~منسكا) * قد سبق بيانه في هذه السورة * (فلا ينازعنك في الأمر) * أي: في ~~الذبائح، وذلك أن كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~في أمر الذبيحة، فقالوا: # كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟! يعنون: الميتة. # فإن قيل: إذا كانوا هم المنازعين له، فكيف قيل: " فلا ينازعنك في الأمر ~~"؟ # فقد أجاب عنه الزجاج، فقال المراد: النهي له عن منازعتهم، فالمعنى: لا ~~تنازعنهم، كما تقول للرجل: لا يخاصمنك فلان في هذا أبدا، وهذا جائز في ~~الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين، لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا ~~باثنين، فإذا قلت: لا يجادلنك فلان، فهو بمنزلة: لا تجادلنه، ولا يجوز هذا ~~في قولك: لا يضربنك فلان وأنت تريد: لا تضربنه، ولكن لو قلت: لا يضاربنك ~~فلان، لكان كقولك: لا تضاربن، ويدل على هذا الجواب قوله: * (وإن جادلوك) *. # قوله تعالى: * (وادع إلى ربك) * أي: إلى دينه والإيمان به. و " جادلوك " ~~بمعنى: خاصموك في أمر الذبائح، * (فقل الله أعلم بما تعملون) * من التكذيب، ~~فهو يجازيكم به. * (الله يحكم بينكم يوم القيامة) * أي: يقضي بينكم * (فيما ~~كنتم فيه تختلفون) * من الدين، أي: تذهبون إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون ~~وهذا أدب حسن علمه الله عباده ليردوا به من جادل على سبيل التعنت، ولا ~~يجيبوه، ولا يناظروه. # فصل قال أكثر المفسرين: هذا نزل قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. ~~وقال بعضهم: هذا نزل في حق المنافقين، كانت تظهر من أقوالهم وأفعالهم فلتات ~~تدل على شركهم، ثم يجادلون على ذلك، فوكل أمرهم إلى الله تعالى، فالآية على ~~هذا محكمة. # قوله تعالى: * (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء الأرض) * هذا استفهام ~~يراد به التقرير; والمعنى: قد علمت ذلك * (إن ذلك) * يعني ما يجري ms1562 في ~~السماوات والأرض * (في كتاب) * يعني: # اللوح المحفوظ، * (إن ذلك) * أي: علم الله بجميع ذلك * (على الله يسير) * ~~سهل لا يتعذر عليه العلم به. # ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما ~~للظالمين من نصير " 71 " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين ~~كفروا المنكر PageV05P307 # يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ~~وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير " 72 " قوله تعالى: * (ويعبدون) * ~~يعني: كفار مكة * (ما لم ينزل به سلطانا) * أي: حجة * (وما ليس لهم به علم) ~~* أنه إله، * (وما للظالمين) *، يعني: المشركين * (من نصير) * أي: مانع من ~~العذاب. * (وإذا تتلى عليهم آياتنا) * يعني القرآن; والمنكر هاهنا بمعنى ~~الإنكار، فالمعنى: أثر الإنكار من الكراهة، وتعبيس الوجوه، معروف عندهم. * ~~(يكادون يسطون) * أي: يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القرآن من شدة الغيظ، ~~يقال: سطا عليه، وسطا به: إذا تناوله بالعنف والشدة. * (قل) * لهم يا محمد: ~~* (أفأنبئكم بشر من ذلكم) * أي: بأشد عليكم وأكره إليكم من سماع القرآن، ثم ~~ذكر ذلك فقال: * (النار) * أي: هو النار. # يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب " 73 " ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز " 74 " قوله ~~تعالى: * (يا أيها الناس ضرب مثل) * قال الأخفش: إن قيل: أين المثل؟ # فالجواب: أنه ليس هاهنا مثل، وإنما المعنى: يا أيها الناس ضرب مثل، أي: ~~شبهت بي الأوثان * (فاستمعوا) * لهذا المثل. وتأويل الآية: جعل المشركون ~~الأصنام شركائي فعبدوها معي فاستمعوا حالها; ثم بين ذلك بقوله: * (إن الذين ~~تدعون) * أي: تعبدون * (من دون الله) *، وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وابن ~~أبي عبلة: " يدعون " بالياء المفتوحة. وقرأ ابن السميفع، وأبو رجاء وعاصم ~~الجحدري: " يدعون " بضم الياء وفتح العين، يعني: الأصنام، * (لن يخلقوا ~~ذبابا) * والذباب واحد، والجمع القليل: أذبة، والكثير: الذبان، مثل: غراب ~~وأغربة وغربان; ms1563 وقيل: إنما خص الذباب لمهانته واستقذاره وكثرته. * (ولو ~~اجتمعوا) * يعني: الأصنام; قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران ~~فيجف، فيأتي الذباب فيختلسه. وقال ابن جريج: كانوا إذا طيبوا أصنامهم عجنوا ~~طيبهم بشئ من الحلواء، كالعسل ونحوه، فيقع عليه الذباب فيسلبها إياه، فلا ~~تستطيع الآلهة ولا من عبدها أن يمنعه ذلك. وقال السدي: كانوا يجعلون للآلهة ~~طعاما، فيقع الذباب عليه فيأكل منه قال ثعلب: وإنما قال: * (لا يستنقذوه ~~منه) * فجعل أفعال الآلهة كأفعال الآدميين، إذ كانوا يعظمونها ويذبحون لها ~~وتخاطب، كقوله: * (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) * لما خاطبهم جعلهم ~~PageV05P308 # كالآدميين، ومثله: * (رأيتهم لي ساجدين) *، وقد بينا هذا المعنى في ~~الأعراف عند قوله تعالى: # * (وهم يخلقون) *. # قوله تعالى: * (ضعف الطالب والمطلوب) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: الطالب: الذباب يطلب ما يسلبه من الطيب الذي على الصنم، ~~والمطلوب: الصنم يطلب الذباب منه سلب ما عليه، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: الطالب: عابد الصنم يطلب التقرب بعبادته، والمطلوب: الصنم، هذا ~~معنى قول الضحاك، والسدي. # قوله تعالى: * (ما قدروا الله حق قدره) * أي: ما عظموه حق عظمته، إذ ~~جعلوا هذه الأصنام شركاء له * (إن الله لقوي) * لا يقهر * (عزيز) * لا ~~يرام. # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير " 75 " يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور " 76 " قوله تعالى: * (الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا) * كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، * (ومن ~~الناس) * الأنبياء المرسلين، * (إن الله سميع) * لمقالة العباد * (بصير) * ~~بمن يتخذه رسولا. وزعم مقاتل أن هذه الآية نزلت حين قالوا: * (أأنزل عليه ~~الذكر من بيننا) *. # قوله تعالى: * (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) * الإشارة إلى الذين ~~اصطفاهم; وقد بينا معنى ذلك في آية الكرسي. # يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ~~تفلحون " 77 " وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج ملة أبيكم PageV05P309 # إبراهيم هو سماكم المسلمين ms1564 من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو ~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " 78 " قوله تعالى: * (اركعوا واسجدوا) * ~~قال المفسرون: المراد: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، * ~~(واعبدوا ربكم) * أي: وحدوه * (وافعلوا الخير) * يريد: أبواب المعروف * ~~(لعلكم تفلحون) * أي: لكي تسعدوا وتبقوا في الجنة. # فصل لم يختلف أهل العلم في السجدة الأولى من (الحج) واختلفوا في هذه ~~السجدة الأخيرة; فروي عن عمر، وابن عمر، وعمار، وأبي الدرداء، وأبي موسى، ~~وابن عباس، أنهم قالوا: في الحج سجدتان، وقالوا: فضلت هذه السورة على غيرها ~~بسجدتين، وبهذا قال أصحابنا، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: في الحج سجدة، وبهذا قال الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن ~~جبير، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك; ويدل على الأول ~~ما روى عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله في (الحج) سجدتان؟ قال: " ~~نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما ". # فصل واختلف العلماء في عدد سجود القرآن، فروي عن أحمد روايتان، إحداهما: ~~أنها أربع عشرة سجدة. وبه قال الشافعي، والثانية: أنها خمس عشرة، فزاد سجدة ~~ص. وقال أبو حنيفة: # هي أربع عشرة، فأخرج التي في آخر (الحج) وأبدل منها سجدة ص. # فصل وسجود التلاوة سنة، وقال أبو حنيفة: واجب. ولا يصح سجود التلاوة إلا ~~بتكبيرة الإحرام والسلام، خلافا لأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. ولا ~~يجزئ الركوع عن سجود التلاوة، وقال أبو حنيفة: يجزئ. ولا يسجد المستمع إذا ~~لم يسجد التالي، نص عليه أحمد رضي الله عنه. وتكره قراءة السجدة في صلاة ~~الإخفات، خلافا للشافعي. # قوله تعالى: * (وجاهدوا في الله) * في هذا الجهاد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه فعل جميع الطاعات، هذا قول الأكثرين. PageV05P310 # والثاني: أنه جهاد الكفار، قاله الضحاك. # والثالث: أنه جهاد النفس والهوى، قاله عبد الله بن المبارك. # فأما حق الجهاد، ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الجد في المجاهدة، واستيفاء الإمكان فيها. # والثاني: أنه إخلاص ms1565 النية لله عز وجل. # والثالث: أنه فعل ما فيه وفاء لحق الله عز وجل. # فصل وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة، واختلفوا في ناسخها على قولين: # أحدهما: قوله: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) *. # والثاني: قوله: * (فاتقوا الله ما استطعتم) * وقال آخرون: بل هي محكمة، ~~ويؤكده القولان الأولان في تفسير حق الجهاد، وهو الأصح، لأن الله تعالى لا ~~يكلف نفسا إلا وسعها. # قوله تعالى: * (هو اجتباكم) * أي: اختاركم واصطفاكم لدينه. والحرج: ~~الضيق، فما من شئ وقع الإنسان فيه إلا وجد له في الشرع مخرجا بتوبة أو ~~كفارة أو انتقال إلى رخصة ونحو ذلك. # وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج: ما كان على بني إسرائيل من الإصر ~~والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة. # قوله تعالى: * (ملة أبيكم) * قال الفراء: المعنى: وسع عليكم كملة أبيكم، ~~فإذا ألقيت الكاف نصبت، ويجوز النصب على معنى الأمر بها، لأن أول الكلام ~~أمر، وهو قوله تعالى: # * (اركعوا واسجدوا) * والزموا ملة أبيكم. # فإن قيل: هذا الخطاب للمسلمين، وليس إبراهيم أبا لكلهم. # فالجواب: أنه إن كان خطابا عاما للمسلمين، فهو كالأب لهم، لأن حرمته وحقه ~~عليكم كحق الوالد، وإن كان خطاب للعرب خاصة، فإبراهيم أبو العرب قاطبة، هذا ~~قول المفسرين. # والذي يقع لي أن الخطاب لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]، لأن إبراهيم ~~أبوه، وأمة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] داخلة فيما خوطب به رسول الله. ~~PageV05P311 # قوله تعالى: * (هو سماكم المسلمين) * في المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه الله عز وجل، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور; فعلى هذا في ~~قوله: # * (من قبل) * قولان. أحدهما: من قبل القرآن سماكم بهذا في الكتب التي ~~أنزلها. والثاني: " من قبل " أي: في أم الكتاب، وقوله تعالى: * (وفي هذا) * ~~أي: في القرآن. # والثاني: أنه إبراهيم عليه السلام حين قال: * (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) ~~*; فالمعنى: # من قبل هذا الوقت، حين قال: * (ومن ذريتنا أمة مسلمة) *، هذا قول ابن ~~زيد. # قوله تعالى: * (ليكون الرسول) * المعنى: اجتباكم وسماكم ليكون الرسول ~~يعني محمدا صلى ms1566 الله عليه وسلم * (شهيدا عليكم) * يوم القيامة أنه قد ~~بلغكم; وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة إلى قوله: * (وآتوا الزكاة) *. # قوله تعالى: * (واعتصموا بالله) * قال ابن عباس: سلوه أن يعصمكم من كل ما ~~يسخط ويكره. وقال الحسن: تمسكوا بدين الله. وما بعد هذا مشروح في الأنفال. ~~PageV05P312 # (23) سورة المؤمنون مكية وآياتها ثماني عشرة ومائة بسم الله الرحمن ~~الرحيم قد أفلح المؤمنون " 1 " الذين هم في صلاتهم خاشعون " 2 " والذين هم ~~عن اللغو معرضون " 3 " والذين هم للزكوة فاعلون " 4 " والذين هم لفروجهم ~~حافظون " 5 " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين " 6 " ~~فمن ابتغى ورآه ذلك فأولئك هم العادون " 7 " والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون " 8 " والذين هم على صلواتهم يحافظون " 9 " أولئك هم الوارثون " 10 " ~~الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون " 11 " سورة المؤمنين مكية في قول ~~الجميع; روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " لقد أنزلت علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ: * (قد ~~أفلح المؤمنون) * إلى عشر آيات "، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه. # وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن ~~الله تعالى حاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرس غرسها بيده فقال ~~لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال لها: طوبى لك منزل الملوك ". ~~قال الفراء: " قد " هاهنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين، ويجوز أن ~~تكون تقريبا للماضي من الحال، لأن " قد " تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه ~~بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، قبل حال قيامها، فيكون معنى ~~الآية: إن الفلاح قد حصل لهم وإنهم عليه في الحال. وقرأ أبي بن كعب، ~~وعكرمة، وعاصم الجحدري، PageV05P313 # وطلحة بن مصرف: " قد أفلح " بضم الألف وكسر اللام وفتح الحاء، على ما لم ~~يسم فاعله. قال الزجاج: ومعنى الآية: قد نال المؤمنون البقاء الدائم في ~~الخير. ومن قرأ: " قد أفلح " بضم الألف، كان ms1567 معناه: قد أصيروا إلى الفلاح. ~~وأصل الخشوع في اللغة: الخضوع والتواضع. وفي المراد بالخشوع في الصلاة ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه النظر إلى موضع السجود. روى أبو هريرة قال: كان رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: " الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون " فنكس رأسه. وإلى هذا المعنى ذهب مسلم بن يسار، وقتادة. # والثاني: أنه ترك الالتفات في الصلاة، وأن تلين كنفك للرجل المسلم، قاله ~~علي بن أبي طالب. # والثالث: أنه السكون في الصلاة، قاله مجاهد، وإبراهيم، والزهري. # والرابع: أنه الخوف، قاله الحسن. # وفي المراد باللغو هاهنا خمسة أقوال: # أحدها: الشرك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الباطل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: المعاصي، قاله الحسن. # والرابع: الكذب، قاله السدي. # والخامس: الشتم والأذى الذي كانوا يسمعونه من الكفار، قاله مقاتل. قال ~~الزجاج: # واللغو: كل لعب ولهو، وكل معصية فهي مطرحة ملغاة. فالمعنى: شغلهم الجد ~~فيما أمرهم الله به عن اللغو. # قوله تعالى: * (للزكاة فاعلون) * أي: مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل، ~~لأنه فعل. # قوله تعالى: * (إلا على أزواجهم) * قال الفراء: " على " بمعنى " من ". ~~وقال الزجاج: # المعنى: أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم وأمروا بحفظه، إلا على ~~أزواجهم * (أو ما ملكت أيمانهم) * فإنهم لا يلامون. # قوله تعالى: * (فمن ابتغى) * أي: طلب * (وراء ذلك) * أي: سوى الأزواج ~~والمملوكات * (فأولئك هم العادون) * يعني الجائرين الظالمين، لأنهم قد ~~تجاوزوا إلى ما لا يحل، * (والذين PageV05P314 # هم لأماناتهم) * قرأ ابن كثير: " لأمانتهم " وهو اسم جنس، والمعنى: ~~للأمانات التي ائتمنوا عليها، فتارة تكون الأمانة بين العبد وبين ربه، ~~وتارة تكون بينه وبين جنسه، فعليه مراعاة الكل. # وكذلك العهد. ومعنى * (راعون) *: حافظون. قال الزجاج: وأصل الرعي في ~~اللغة: القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي من كل شئ. # قوله تعالى: * (على صلواتهم) * قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: # " صلواتهم " على الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي: " صلاتهم " على التوحيد، ~~وهو اسم جنس. # والمحافظة على الصلوات: أداؤها في أوقاتها. # قوله تعالى: * (أولئك ms1568 هم الوارثون) * ذكر السدي عن أشياخه أن الله تعالى ~~يرفع للكفار الجنة، فينظرون إلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا، ثم تقسم بين ~~المؤمنين فيرثونهم، فذلك قوله: # " أولئك هم الوارثون ". وقد شرحنا هذا في الأعراف عند قوله: * ~~(أورثتموها) *، وشرحنا معنى الفردوس في الكهف. # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " 12 " ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~" 13 " ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين " 14 " ~~ثم إنكم بعد ذلك لميتون " 15 " ثم إنكم يوم القيامة تبعثون " 16 " قوله ~~تعالى: * (ولقد خلقنا الإنسان) * فيه قولان: # أحدهما: أنه آدم عليه السلام. وإنما قيل: " من سلالة " لأنه استل من كل ~~الأرض، هذا مذهب سلمان الفارسي، وابن عباس في رواية، وقتادة. # والثاني: أنه ابن آدم، والسلالة: النطفة استلت من الطين، والطين: آدم ~~عليه السلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: والسلالة: فعالة، وهي ~~القليل مما ينسل، وكل مبني على " فعالة " يراد به القليل، من ذلك: الفضالة، ~~والنخالة، والقلامة. # قوله تعالى: * (ثم جعلناه) * يعني: ابن آدم * (نطفة في قرار) * وهو الرحم ~~* (مكين) * أي: PageV05P315 # حريز، قد هيئ لاستقراره فيه. وقد شرحنا في سورة (الحج) معنى النطفة ~~والعلقة والمضغة. # قوله تعالى: * (فخلقنا المضغة عظاما) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " عظاما فكسونا العظام " على الجمع. وقرأ ~~ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " عظما فكسونا العظم " على التوحيد. # قوله تعالى: * (ثم أنشأناه خلقا آخر) * وهذه الحالة السابعة. قال علي رضي ~~الله عنه لا تكون موءودة حتى تمر على التارات السبع. # وفي محل هذا الإنشاء قولان: # أحدهما: أنه بطن الأم. ثم في صفة الإنشاء قولان: # أحدهما: أنه نفخ الروح فيه، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، ~~والشعبي، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك في آخرين. والثاني: أنه جعله ذكرا أو ~~أنثى، قاله الحسن. # والقول الثاني: أنه بعد خروجه من بطن أمه. ثم في صفة هذا الإنشاء أربعة ~~أقوال: ms1569 # أحدها: أن ابتداء ذلك الإنشاء أنه استهل، ثم دل على الثدي، وعلم كيف يبسط ~~رجليه إلى أن قعد، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، إلى أن ~~بلغ الحلم، إلى أن تقلب في البلاد، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه استواء الشباب، قاله ابن عمر، ومجاهد. # والثالث: أنه خروج الأسنان والشعر، قاله الضحاك، فقيل له: أليس يولد وعلى ~~رأسه الشعر؟ فقال: وأين العانة والإبط؟. # والرابع: أنه إعطاء العقل والفهم، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: * (فتبارك الله) * أي: استحق التعظيم والثناء. وقد شرحنا ~~معنى " تبارك " في (الأعراف) * (أحسن الخالقين) * أي: المصورين والمقدرين. ~~والخلق في اللغة: التقدير. وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرأ هذه الآية وعنده عمر، إلى قوله تعالى: * (خلقا آخر) *، فقال عمر: ~~فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد ختمت ~~بما تكلمت به يا ابن الخطاب ". # فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: * (أحسن الخالقين) * وقوله: * (هل من خالق ~~غير الله) *. PageV05P316 # فالجواب: أن الخلق يكون بمعنى الإيجاد، ولا موجد سوى الله، ويكون بمعنى ~~التقدير، كقول زهير: # وبعض القوم يخلق ثم لا يفري فهذا المراد ها هنا، أن بني آدم قد يصورون ~~ويقدرون ويصنعون الشئ، فالله خير المصورين والمقدرين. وقال الأخفش: ~~الخالقون هاهنا هم الصانعون، فالله خير الخالقين. # قوله تعالى: * (ثم إنكم بعد ذلك) * أي: بعد ما ذكر من تمام الخلق * ~~(لميتون) * عند انقضاء آجالكم. وقرأ أبو رزين العقيلي، وعكرمة، وابن أبي ~~عبلة: " لمائتون " بألف. قال الفراء: # والعرب تقول لمن لم يمت: إنك مائت عن قليل، وميت، ولا يقولون للميت الذي ~~قد مات: هذا مائت، إنما يقال في الاستقبال فقط، وكذلك يقال: هذا سيد قومه ~~اليوم، فإذا أخبرت أنه يسودهم عن قليل، قلت: هذا سائد قومه عن قومه، وكذلك ~~هذا شريف القوم، وهذا شارف عن قليل; وهذا الباب كله في العربية على ما وصفت ~~لك. # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين " 17 " وأنزلنا من ms1570 ~~السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون " 18 " فأنشأنا ~~لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون " 19 " ~~وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " 20 " قوله تعالى: * ~~(ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) * يعني: السماوات السبع، قال الزجاج: كل ~~واحدة طريقة. وقال ابن قتيبة: إنما سميت " طرائق " بالتطارق، لأن بعضها فوق ~~بعض، يقال: # طارقت الشئ: إذا جعلت بعضه فوق بعض. # قوله تعالى: * (وما كنا عن الخلق غافلين) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما غفلنا عنهم إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر ~~والكواكب. # والثاني: ما كنا تاركين لهم بغير رزق، فأنزلنا المطر. # والثالث: لم نغفل عن حفظهم من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم. # قوله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء بقدر) * يعلمه الله، وقال مقاتل: ~~بقدر ما يكفيهم للمعيشة. PageV05P317 # قوله تعالى: * (وشجرة) * هي معطوفة على قوله: * (جنات) *. وقرأ أبو مجلز، ~~وابن يعمر، وإبراهيم النخعي: " وشجرة " بالرفع. والمراد بهذه الشجرة: شجرة ~~الزيتون. # فإن قيل: لماذا خص هذه الشجرة من بين الشجر؟ # فالجواب من أربعة أوجه: # أحدها: لكثرة انتفاعهم بها، فذكرهم من نعمه ما يعرفون، وكذلك خص النخيل ~~والأعناب في الآية الأولى، لأنهما كانا جل ثمار الحجاز وما والاها، وكانت ~~النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف. # والثاني: لأنهم لا يكادون يتعاهدونها بالسقي، وهي تخرج الثمرة التي يكون ~~منها الدهن. # والثالث: أنها تنبت بالماء الذي هو ضد النار، وفي ثمرتها حياة للنار ~~ومادة لها. # والرابع: لأن أول زيتونة نبتت بذلك المكان فيما زعم مقاتل. # قوله تعالى: * (طور سيناء) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " طور ~~سيناء " مكسورة السين، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، مفتوحة ~~السين، وكلهم مدها. قال الفراء: العرب تقول: سيناء، بفتح السين في جميع ~~اللغات، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين. قال أبو علي: # ولا تنصرف هذه الكلمة، لأنها جعلت اسما لبقعة أو أرض، وكذلك " سينين " ~~ولو جعلت اسما للمنزل أو للمكان أو نحو ذلك من الأسماء المذكرة لصرفت، لأنك ~~كنت ms1571 قد سميت مذكرا بمذكر. # والطور: الجبل. # وفي معنى " سيناء " خمسة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى الحسن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال الضحاك: " ~~الطور ": الجبل بالسريانية، و " سيناء ": الحسن بالنبطية. وقال عطاء: يريد: ~~الجبل الحسن. # والثاني: أنه المبارك، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه اسم حجارة بعينها، أضيف الجبل إليها لوجودها عنده، قاله ~~مجاهد. # والرابع: أن طور سيناء: الجبل المشجر، قاله ابن السائب. # والخامس: أن سيناء: اسم المكان الذي به هذا الجبل، قاله الزجاج; قال ~~الواحدي: وهو أصح الأقوال; قال ابن زيد: وهذا هو الجبل الذي نودي منه موسى، ~~وهو بين مصر وأيلة. # قوله تعالى: * (تنبت بالدهن) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " تنبت " برفع ~~التاء وكسر الباء. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بفتح ~~التاء وضم الباء. قال الفراء: وهما لغتان: # نبتت، وأنبتت، وكذلك قال الزجاج: يقال: نبت الشجر وأنبت في معنى واحد، ~~قال زهير: PageV05P318 # - رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل - قال: ~~ومعنى " تنبت بالدهن ": تنبت ومعها دهن، كما تقول: جاءني زيد بالسيف، أي: # جاءني ومعه السيف. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: تنبت الدهن والباء، زائدة ~~كقوله: * (ومن يرد فيه بالحاد بظلم) * وقد بينا هذا المعنى هناك. # قوله تعالى: * (وصبغ) * وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، إبراهيم النخعي، ~~والأعمش: # " وصبغا " بالنصب. وقرأ ابن السميفع: " وصباغ " بألف مع الخفض. قال ابن ~~قتيبة: الصبغ مثل الصباغ، كما يقال: دبغ ودباغ، ولبس ولباس. وقال المفسرون: ~~والمراد بالصبغ هاهنا: الزيت، لأنه يلون الخبز إذا غمس فيه، والمراد أنه ~~إدام يصبغ به. # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون " 21 " وعليها وعلى الفلك تحملون " 22 " قوله تعالى: * (وإن ~~لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم) * وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " ~~نسقيكم " بفتح النون. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: بضمها. وقد شرحناه هذا في النحل إلى قوله تعالى: * (ولكم فيها منافع ~~كثيرة) * يعني: في ظهورها وألبانها ms1572 وأولادها وأصوافها وأشعارها * (ومنها ~~تأكلون) * من لحومها وأولادها والكسب عليها. # قوله تعالى: * (وعليها) * يعني: الإبل خاصة * (وعلى الفلك تحملون) * ~~فالإبل تحمل في البر والسفن تحمل في البحر. # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون " 23 " فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم ~~يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا ~~الأولين " 24 " إن هو إلا رجل به PageV05P319 # جنة فتربصوا به حتى حين " 25 " قال رب انصرني بما كذبون " 26 " فأوحينا ~~إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها ~~من كل زوجين اثنين استويت إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون " 27 " فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله ~~الذي نجنا من القوم الظالمين " 28 " وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير ~~المنزلين " 29 " إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين " 30 " ثم أنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين " 31 " فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من ~~إله غيره أفلا تتقون " 32 " وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء ~~الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ~~منه ويشرب مما تشربون " 33 " ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون " 34 ~~" أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون " 35 " * هيهات ~~هيهات لما توعدون " 36 " إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين " 37 " إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين " ~~38 " قال رب انصرني بما كذبون " 39 " قال عما قليل ليصبحن نادمين " 40 " ~~فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين " 41 " ثم أنشأنا ~~من بعدهم قرونا آخرين " 42 " ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون " 43 " ثم ~~أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم ~~أحاديث ms1573 فبعدا لقوم لا يؤمنون " 44 " قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه) * قال المفسرون: هذا تعزية لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] بذكر هذا ~~الرسول الصابر ليتأسى به في صبره، وليعلم أن الرسل قبله قد كذبوا. # قوله تعالى: * (يريد أن يتفضل عليكم) * أي: يعلوكم بالفضيلة، فيصير ~~متبوعا، * (ولو شاء الله) * أن لا يعبد شئ سواه * (لأنزل ملائكة) * تبلغ ~~عنه أمره، لم يرسل بشرا * (ما سمعنا بهذا) * الذي PageV05P320 # يدعونا إليه نوح من التوحيد * (في آبائنا الأولين) *. فأما الجنة ~~فمعناها: الجنون. # وفي قوله: * (حتى حين) * قولان: # أحدهما: أن الموت، فتقديره: انتظروا موته. # والثاني: أنه وقت منكر. # قوله تعالى: * (قال رب انصرني) * وقرأ عكرمة، وابن محيصن: " قال رب " بضم ~~الباء، وفي القصة الأخرى. # قوله تعالى: * (بما كذبون) * وقرأ يعقوب: " كذبوني " بياء، وفي القصة ~~التي تليها أيضا: # " فاتقوني " " أن يحضروني " " رب ارجعوني " " ولا * (تكلموني) * أثبتهن ~~في الحالين يعقوب، والمعنى: انصرني بتكذيبهم، أي: انصرني باهلاكهم جزاء لهم ~~بتكذيبهم. * (فأوحينا إليه) * قد شرحناه في هود إلى قوله: * (فاسلك فيها) * ~~أي: أدخل في سفينتك * (من كل زوجين اثنين) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " من كل " بكسر اللام ~~من غير تنوين. وقرأ حفص عن عاصم: " من كل " بالتنوين. قال أبو علي: قراءة ~~الجمهور إضافة " كل " إلى " زوجين " وقراءة حفص تؤول إلى زوجين، لأن ~~المعنى: من كل الأزواج زوجين. # قوله تعالى: * (وقل رب أنزلني منزلا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: " منزلا " بضم الميم. وروى أبو ~~بكر عن عاصم فتحها. والمنزل، بفتح الميم: اسم لكل ما نزلت به، والمنزل، ~~بضمها: المصدر: بمعنى الإنزال، تقول: أنزلته إنزالا ومنزلا. # وفي الوقت الذي قال فيه نوح ذاك قولان: # أحدهما: عند نزوله في السفينة. # والثاني: عند نزوله من السفينة. # قوله تعالى: * (إن في ذلك) * أي: في قصة نوح وقومه * (لآيات وإن كنا) * ~~أي: وما كنا * (لمبتلين) * أي: لمختبرين إياهم بإرسال نوح إليهم. * (ثم ~~أنشأنا من بعدهم قرنا ms1574 آخرين) * يعني عادا * (فأرسلنا فيهم رسولا منهم) * ~~وهو هود، هذا قول الأكثرين; وقال أبو سليمان الدمشقي: هم ثمود، والرسول ~~صالح. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: * (أيعدكم أنكم) * قال الزجاج: موضع " ~~أنكم " نصب PageV05P321 # على معنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم فلما طال الكلام أعيد ذكر " أن " ~~كقوله: * (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم) *. # قوله تعالى: * (هيهات هيهات) * قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " هيهات هيهات " بفتح التاء فيهما في الوصل، ~~وإسكانها في الوقف. وقرأ أبي ابن كعب، وأبو مجلز، وهارون عن أبي عمرو: " ~~هيهاتا هيهاتا " بالنصب والتنوين. وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري، وأبو ~~حيوة الحضرمي، وابن السميفع: " هيهات هيهات " بالرفع والتنوين. وقرأ أبو ~~العالية، وقتادة: " هيهات هيهات " بالخفض والتنوين. وقرأ أبو جعفر: " هيهات ~~هيهات " بالخفض من غير تنوين، وكان يقف بالهاء. وقرأ أبو المتوكل ناجي، ~~وسعيد بن جبير، وعكرمة: # " هيهات هيهات " بالرفع من غير تنوين، وقرأ معاذ القارئ، وابن يعمر، وأبو ~~رجاء وخارجة عن أبي عمرو: " هيهات هيهات " بإسكان التاء فيهما. وفي " هيهات ~~" عشر لغات قد ذكرنا منها سبعة عن القراء، والثامنة: " إيهات "، والتاسعة: ~~" إيهان " بالنون، والعاشرة: " إيها " بغير نون، ذكرهن ابن القاسم; وأنشد ~~الأحوص في الجمع بين لغتين منهن: # - تذكر أياما مضين من الصبا * وهيهات هيهاتا إليك رجوعها - قال الزجاج: ~~فأما الفتح، فالوقف فيه بالهاء، تقول: " هيهاه " إذا فتحت ووقفت بعد الفتح، ~~فإذا كسرت ووقفت على التاء كنت ممن ينون في الوصل، أو كنت ممن لا ينون. ~~وتأويل " هيهات ": البعد لما توعدون. وإذا قلت " هيهات ما قلت " فمعناه: ~~بعيد ما قلت. وإذا قلت: # " هيهات لما قلت "، فمعناه: البعد لما قلت. ويقال: " أيهات " في معنى " ~~هيهات "، وأنشدوا: # - وأيهات أيهات العقيق ومن به * وأيهات وصل بالعقيق نواصله - قال أبو ~~عمرو بن العلاء: إذا وقفت على " هيهات " فقل: " هيهاه " وقال الفراء: ~~الكسائي يختار الوقف بالهاء، وأنا أختار التاء. # قوله تعالى: * (لما توعدون) * قرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: " ما توعدون ~~" بغير لام. ms1575 قال المفسرون: استبعد القوم بعثهم بعد الموت إغفالا منهم ~~للتفكر في بدو أمرهم وقدرة الله على إيجادهم، وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه ~~لا يكون أبدا، * (إن هي إلا حياتنا الدنيا) * يعنون: ما الحياة إلا ما نحن ~~فيه، وليس بعد الموت حياة. # فإن قيل: كيف قالوا: * (نموت ونحيا) * وهم لا يقرون بالبعث؟ # فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها الزجاج: # أحدها: نموت ويحيا أولادنا، فكأنهم قالوا: يموت قوم ويحيا قوم. ~~PageV05P322 # والثاني: نحيا ونموت، لأن الواو للجمع، لا للترتيب. # والثالث: ابتداؤنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا، ثم نموت. # قوله تعالى: * (إن هو) * يعنون الرسول. وقد سبق تفسير ما بعد هذا إلى ~~قوله: * (قال عما قليل) * قال الزجاج: معناه: عن قليل، و " ما " زائدة ~~بمعنى التوكيد. # قوله تعالى: * (ليصبحن نادمين) * أي: على كفرهم، * (فأخذتهم الصيحة ~~بالحق) * أي: # باستحقاقهم العذاب بكفرهم. قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة رجفت لها ~~الأرض من تحتهم، فصاروا لشدتها غثاء. قال أبو عبيدة: الغثاء: ما أشبه الزبد ~~وما ارتفع على السيل ونحو ذلك مما لا ينتفع به في شئ. وقال ابن قتيبة: ~~المعنى: فجعلناهم هلكى كالغثاء، وهو ما علا السيل من الزبد والقمش، لأنه ~~يذهب ويتفرق. وقال الزجاج: الغثاء: الهالك والبالي من ورق الشجر الذي إذا ~~جرى السيل رأيته مخالطا زبده. وما بعد هذا قد سبق شرحه إلى قوله تعالى: * ~~(ثم أرسلنا رسلنا تترى) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: " تترى كلما ~~" منونة والوقف بالألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: بلا ~~تنوين، والوقف عند نافع وابن عامر، بألف. وروى هبيرة، وحفص عن عاصم، أنه ~~يقف بالياء; قال أبو علي: يعني بقوله: يقف بالياء، أي: بألف ممالة. قال ~~الفراء: أكثر العرب على ترك التنوين، ومنهم من نون، قال ابن قتيبة: ~~والمعنى: نتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: وترى، فقبلت ~~الواو تاء كما قلبوها في التقوى والتخمة. وحكى الزجاج عن الأصمعي أنه قال: ~~معنى واترت الخبر: اتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين هنية. وقرأت على شيخنا ~~أبي منصور اللغوي ms1576 قال: ومما تضعه العامة غير موضعه قولهم: تواترت كتبي ~~إليك، يعنون: اتصلت من غير انقطاع، فيضعون التواتر في موضع الاتصال، وذلك ~~غلط، إنما التواتر مجئ الشئ ثم انقطاعة ثم مجيئه، وهو التفاعل من الوتر، ~~وهو الفرد، يقال: واترت الخبر، أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين هنيهة قال ~~الله تعالى: * (ثم أرسلنا رسلنا تترى) * أصلها " وترى " من المواترة فأبدلت ~~التاء من الواو، ومعناه: منقطعة متفاوتة، لأن بين كل نبيين دهرا طويلا، ~~وقال أبو هريرة: لا بأس بقضاء رمضان تترى، أي: منقطعا، فإذا قيل: واتر فلان ~~كتبه، فالمعنى: تابعها، وبين كل كتابين فترة. # قوله تعالى: * (فأتبعنا بعضهم بعضا) * أي: أهلكنا الأمم بعضهم في إثر بعض ~~* (وجعلناهم أحاديث) * قال أبو عبيدة: أي: يتمثل بهم في الشر، ولا يقال في ~~الخير: جعلته حديثا. PageV05P323 # ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين " 45 " إلى فرعون وملئه ~~فاستكبروا وكانوا قوما عالين " 46 " فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون " 47 " فكذبوهما فكانوا من المهلكين " 48 " قوله تعالى: * ~~(فاستكبروا) * أي: عن الإيمان بالله وعبادته * (وكانوا قوما عالين) * أي: ~~قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم. # قوله تعالى: * (وقومهما لنا عابدون) * أي: مطيعون. قال أبو عبيدة: كل من ~~دان لملك فهو عابد له. # ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون " 49 " وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " 50 " قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى ~~الكتاب) * يعني: التوراة، أعطيها جملة واحدة بعد غرق فرعون * (لعلهم) * ~~يعني: بني إسرائيل، والمعنى: لكي يهتدوا. # قوله تعالى: * (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) * وقرأ ابن مسعود، وابن أبي ~~عبلة: " آيتين " على التثنية، وهذا كقوله: * (وجعلناها وابنها آية) * وقد ~~سبق شرحه. # قوله تعالى: * (وآويناهما) * أي: جعلناهما يأويان * (إلى ربوة) * قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " ربوة " بضم الراء، وقرأ عاصم، ~~وابن عامر: بفتحها. وقد شرحنا معنى الربوة في البقرة، * (ذات قرار) * أي: ~~مستوية يستقر عليها ساكنوها، والمعنى: ذات موضع قرار. وقال الزجاج: أي: ذات ~~مستقر * (ومعين) * وهو الماء الجاري من العيون. وقال ابن ms1577 قتيبة: " ذات قرار ~~" أي: يستقر بها للعمارة " ومعين " هو الماء الظاهر، ويقال: هو مفعول من ~~العين، كأن أصله معيون، كما يقال: ثوب مخيط، وبر مكيل. # واختلف المفسرون في موضع هذه الربوة الموصوفة على أربعة أقوال: # أحدها: أنها دمشق، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال عبد الله بن سلام، ~~وسعيد بن المسيب. PageV05P324 # والثاني: أنها بيت المقدس، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال قتادة. وعن ~~الحسن كالقولين. # والثالث: أنها الرملة من أرض فلسطين، قاله أبو هريرة. # والرابع: مصر، قاله وهب بن منبه، وابن زيد، وابن السائب. # فأما السبب الذي لأجله أويا إلى الربوة، فقال أبو صالح عن ابن عباس: فرت ~~مريم بابنها عيسى من ملكهم، ثم رجعت إلى أهلها بعد اثنتي عشرة سنة. قال وهب ~~بن منبه: وكان الملك أراد قتل عيسى. # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم " 51 " ~~وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " 52 " فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون " 53 " فذرهم في غمرتهم حتى حين " 54 " أيحسبون ~~أنما نمدهم به من مال وبنين " 55 " نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " 56 ~~" قوله تعالى: * (يا أيها الرسل) * قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة ~~في آخرين: يعني بالرسل هاهنا محمدا صلى الله عليه وسلم وحده، وهو مذهب ~~العرب في مخاطبة الواحد خطاب الجميع، ويتضمن هذا أن الرسل جميعا كذا أمروا، ~~وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة، والزجاج، والمراد بالطيبات: # الحلال. قال عمرو بن شرحبيل: كان عيسى عليه السلام يأكل من غزل أمه. # قوله تعالى: * (وأن هذه أمتكم) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " وأن ~~" بالفتح وتشديد النون. وافق ابن عامر في فتح الألف، لكنه سكن النون. وقرأ ~~عاصم، وحمزة، والكسائي: " وإن " بكسر الألف وتشديد النون. قال الفراء: من ~~فتح، عطف على قوله: " إني بما تعملون عليم " وبأن هذه أمتكم، فموضعها خفض ~~لأنها مردودة على " ما "، وإن شئت كانت منصوبة بفعل مضمر، كأنك قلت: ~~واعلموا هذا; ومن كسر ms1578 استأنف. قال أبو علي الفارسي: وأما ابن عامر، فإنه ~~خفف النون المشددة، وإذا خففت تعلق بها ما يتعلق بالمشددة. وقد شرحنا معنى ~~الآية والتي بعدها في الأنبياء إلى قوله: * (زبرا) * وقرأ ابن عباس، وأبو ~~عمران الجوني: " زبرا " برفع الزاي وفتح الباء. وقرأ أبو PageV05P325 # الجوزاء، وابن السميفع: " زبرا " برفع الزاي وإسكان الباء. قال الزجاج: ~~من قرأ " زبرا " بضم الباء، فتأويله: جعلوا دينهم كتبا مختلفة، جمع زبور. ~~ومن قرأ " زبرا " بفتح الباء، أراد قطعا. # قوله تعالى: * (كل حزب بما لديهم فرحون) * أي: بما عندهم من الدين الذي ~~ابتدعوه معجبون، يرون أنهم على الحق. # وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم أهل الكتاب، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم أهل الكتاب ومشركو العرب، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: * (فذرهم في غمرتهم) * وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب: " في ~~غمراتهم " على الجمع. قال الزجاج: في عمايتهم وحيرتهم * (حتى حين) * أي: ~~إلى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب. قال مقاتل: يعني كفار مكة. # فصل وهل هذه الآية منسوخة، أم لا؟ فيها قولان: # أحدهما: أنها منسوخة بآية السيف. # والثاني: أن معناها التهديد، فهي محكمة. # قوله تعالى: * (أيحسبون أنما نمدهم به) * وقرأ عكرمة، وأبو الجوزاء: " ~~يمدهم " بالياء المرفوعة وكسر الميم. وقرأ أبو عمران الجوني: " نمدهم " ~~بنون مفتوحة ورفع الميم. قال الزجاج: # المعنى: أيحسبون أن الذي نمدهم به * (من مال وبنين) * مجازاة لهم؟! إنما ~~هو استدراج، * (نسارع لهم في الخيرات) * أي: نسارع لهم به في الخيرات. وقرأ ~~ابن عباس، وعكرمة، وأيوب السختياني: # " يسارع " بياء مرفوعة وكسر الراء. وقرأ معاذ القارئ، وأبو المتوكل مثله، ~~إلا أنهما فتحا الراء وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: ~~" يسرع " بياء مرفوعة وسكون السين ونصب الراء من غير ألف. # قوله تعالى: * (بل لا يشعرون) * أي: لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم. # أن الذين هم من خشية ربهم مشفقون " 57 " والذين هم بآيات ربهم يؤمنون " ~~58 " والذين هم بربهم لا يشركون " 59 " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ~~أنهم إلى ربهم راجعون " 60 " أولئك يسارعون ms1579 في الخيرات وهم لها سابقون " 61 ~~" PageV05P326 # ثم ذكر المؤمنين فقال: * (إن الذين هم خشية ربهم مشفقون) * وقد شرحنا هذا ~~المعنى في قوله: * (وهم من خشيته مشفقون) *. # قوله تعالى: * (والذين يؤتون ما آتوا) * وقرأ عاصم الجحدري: " يأتون ما ~~أتوا " بقصر همزة " أتوا ". وسألت عائشة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عن ~~هذه الآية فقالت: يا رسول الله، أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: " لا، ~~بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون، ويتصدقون وهم مشفقون أن ~~لا يتقبل منهم ". قال الزجاج: فمعنى: " يؤتون ": يعطون ما أعطوا وهم يخافون ~~أن لا يتقبل منهم، * (أنهم إلى ربهم راجعون) * أي: لأنهم يوقنون أنهم ~~يرجعون. # ومعنى " يأتون ": يعملون الخيرات وقلوبهم خائفة أن يكونوا مع اجتهادهم ~~مقصرين، * (أولئك يسارعون في الخيرات) * وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: " ~~يسرعون " برفع الياء وإسكان السين وكسر الراء من غير ألف. قال الزجاج: ~~يقال: أسرعت وسارعت في معنى واحد، إلا أن " سارعت " أبلغ من " أسرعت "، * ~~(وهم لها) * أي: من أجلها، وهذا كما تقول: أنا أكرم فلانا لك، أي: من أجلك. ~~وقال بعض أهل العلم: الوجل المذكور هاهنا واقع على مضمر. # ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم يظلمون " 62 " في ~~غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون " 63 " حتى إذا أخذنا ~~مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون " 64 " لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ~~" 65 " قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون " 66 " مستكبرين ~~به سامرا تهجرون " 67 " قوله تعالى: * (ولدينا كتاب) * يعني: اللوح المحفوظ ~~* (ينطق بالحق) * قد أثبت فيه أعمال الخلق، فهو ينطق بما يعملون * (وهم لا ~~يظلمون) * أي: لا ينقصون من ثواب أعمالهم. ثم عاد إلى الكفار، فقال: * (بل ~~قلوبهم في غمرة من هذا) * قال مقاتل: في غفلة عن الإيمان بالقرآن. وقال ابن ~~جرير: في عمى عن هذا القرآن. قال الزجاج: يجوز أن يكون إشارة إلى ما وصف من ~~أعمال البر في قوله: * (أولئك يسارعون في الخيرات) *، فيكون المعنى: ms1580 بل ~~قلوب هؤلاء في عماية من هذا; ويجوز أن يكون إشارة إلى الكتاب، فيكون ~~المعنى: بل قلوبهم في غمرة من الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم محصاة فيه. # فخرج في المشار إليه ب‍ " هذا " ثلاثة أقوال. # أحدها: القرآن. PageV05P327 # والثاني: أعمال البر. # والثالث: اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: * (ولهم أعمال من دون ذلك) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: أعمال سيئة دون الشرك، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: خطايا من دون ذلك الحق، قاله مجاهد. وقال ابن جرير: من دون ~~أعمال المؤمنين وأهل التقوى والخشية. # والثالث: أعمال غير الأعمال التي ذكروا بها سيعملونها، قاله الزجاج. # والرابع: أعمال - من قبل الحين الذي قدر الله تعالى أنه يعذبهم عند مجيئه ~~- من المعاصي، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: * (هم لها عاملون) * إخبار بما سيعملونه قد من أعمالهم ~~الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم من عملها. # قوله تعالى: * (حتى إذا أخذنا مترفيهم) * أي: أغنياءهم ورؤساءهم، ~~والإشارة إلى قريش. # وفي المراد " بالعذاب " قولان: # أحدهما: ضرب السيوف يوم بدر، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: الجوع الذي عذبوا به سبع سنين، قاله ابن السائب. و * (يجأرون) * ~~بمعنى: # يصيحون. * (لا تجأروا اليوم) * أي: لا تستغيثوا من العذاب *) (إنكم منا ~~لا تنصرون) * أي: لا تمنعون من عذابنا. * (قد كانت آياتي تتلى عليكم) * ~~يعني: القرآن * (فكنتم على أعقابكم تنكصون) * أي: ترجعون وتتأخرون عن ~~الإيمان بها، * (مستكبرين) * منصوب على الحال. وقوله: # * (به) * الكناية عن البيت الحرم، وهي كناية عن غير مذكور; والمعنى: إنكم ~~تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرام، لأمنكم فيه مع خوف سائر الناس في ~~مواطنهم. تقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف أحدا، ونحن أهل بيت الله وولاته، ~~هذا مذهب ابن عباس وغيره. قال الزجاج: ويجوز أن تكون الهاء في " به " ~~للكتاب، فيكون المعنى: تحدث لكم تلاوته عليكم استكبارا. # قوله تعالى: * (سامرا) * قال أبو عبيدة: معناه: تهجرون سمارا، والسامر ~~بمعنى السمار، بمنزلة طفل في موضع أطفال، وهو من سمر الليل. وقال ابن ~~قتيبة: " سامرا " أي: متحدثين ليلا، والسمر: حديث الليل. وقرأ أبي بن ms1581 كعب، ~~وأبو العالية، وابن محيصن: " سمرا " بضم السين وتشديد الميم وفتحها، جمع ~~سامر. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري: " سمارا " برفع السين ~~وتشديد الميم وألف بعدها. PageV05P328 # قوله تعالى: * (تهجرون) * قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: " تهجرون " بفتح التاء وضم الجيم. وفي معناها أربعة ~~أقوال: # أحدها: تهجرون ذكر الله والحق، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: تهجرون كتاب الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن. # والثالث: تهجرون البيت، قاله أبو صالح. وقال سعيد بن جبير: كانت قريش ~~تسمر حول البيت، وتفتخر به ولا تطوف به. # والرابع: تقولون هجرا من القول، وهو اللغو والهذيان، قاله ابن قتيبة. قال ~~الفراء: يقال: قد هجر الرجل في منامه: إذا هذى، والمعنى: إنكم تقولون في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه ومالا يضره. # وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن محيصن، ونافع: " تهجرون " ~~بضم التاء وكسر الجيم. قال ابن قتيبة: وهذا من الهجر، وهو السب والإفحاش من ~~المنطق، يريد سبهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه. وقرأ أبو العالية، ~~وعكرمة، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: " تهجرون " بتشديد الجيم ورفع التاء; ~~قال ابن الأنباري: ومعناها معنى قراءة ابن عباس. # أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين " 68 " أم لم ~~يعرفوا رسولهم فهم له منكرون " 69 " أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون " 70 " قوله تعالى: * (أفلم يدبروا القول) * يعني: ~~القرآن، فيعرفوا ما فيه من الدلالات والعبر على صدق رسولهم * (أم جاءهم ما ~~لم يأت آباءهم الأولين) * المعنى: أليس قد أرسل الأنبياء إلى أممهم كما ~~أرسل محمد صلى الله عليه وسلم؟! * (أم لم يعرفوا رسولهم) * هذا توبيخ لهم، ~~لأنهم عرفوا نسبه وصدقه وأمانته صغيرا وكبيرا ثم أعرضوا عنه. والجنة: ~~الجنون، * (بل جاءهم بالحق) * يعني القرآن. # ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون " 71 " أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ms1582 ~~" 72 " PageV05P329 # وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم " 73 " قوله تعالى: * (ولو اتبع الحق ~~أهواءهم) * في المراد بالحق قولان: # أحدهما: أنه الله عز وجل، قاله مجاهد، وابن جريج، والسدي في آخرين. # والثاني: أنه القرآن، ذكره الفراء، والزجاج. فعلى القول الأول يكون ~~المعنى: لو جعل الله لنفسه شريكا كما يحبون. وعلى الثاني: لو نزل القرآن ~~بما يحبون من جعل شريك لله * (لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم ~~بذكرهم) * أي: بما فيه شرفهم وفخرهم، وهو القرآن * (فهم عن ذكرهم معرضون) * ~~أي: قد تولوا عما جاءهم من شرف الدنيا والآخرة. وقرأ ابن مسعود، وأبي ابن ~~كعب، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: " بل أتيناهم بذكراهم فهم عن ذكراهم معرضون ~~" بألف فيهما. # * (أم تسألهم) * عما جئتهم به * (خرجا) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم: " خرجا " بغير ألف " فخراج بألف. وقرأ ابن عامر: " خرجا فخرج ~~" بغير ألف في الحرفين. وقرأ حمزة، والكسائي: " خراجا " بألف " فخراج " ~~بألف في الحرفين. ومع " نخرجا ": أجرا ومالا، * (فخراج ربك) * أي: فما ~~يعطيك ربك من أجره وثوابه * (خير وهو خير الرازقين) * أي: أفضل من أعطى; ~~وهذا على سبيل التنبيه لهم أنه لم يسألهم أجرا، لا أنه قد سألهم. والناكب: ~~فلا العادل; يقال: نكب عن الطريق، أي: عدل عنه. # وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون " 74 " * ولو رحمناهم ~~وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون " 75 " ولقد أخذناهم بالعذاب ~~فما استكانوا لربهم وما يتضرعون " 76 " حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد إذا هم فيه مبلسون " 77 " قوله تعالى: * (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم ~~من ضر) * قال ابن عباس: الضر هاهنا: الجوع الذي نزل بأهل مكة حين دعا عليهم ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقال: " اللهم أعني على قريش بسنين كسني ~~يوسف "، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فشكا إليه ~~الضر، وأنهم قد أكلوا القد والعظام، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، وهو ~~العذاب المذكور في قوله: * (ولقد أخذناهم بالعذاب) *. # قوله تعالى: * (حتى إذا فتحنا ms1583 عليهم بابا ذا عذاب شديد) * فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه يوم بدر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنه الجوع الذي أصابهم، قاله مقاتل. PageV05P330 # والثالث: باب من عذاب جهنم في الآخرة، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: * (إذا هم فيه مبلسون) * وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~المتوكل، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ: " مبلسون " بفتح اللام. وقد شرحنا معنى ~~المبلس في [سورة] الأنعام. # وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون " 78 " وهو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون " 79 " وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف ~~الليل والنهار أفلا تعقلون " 80 " بل قالوا مثل ما قال الأولون " 81 " ~~قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون " 82 " لقد وعدنا نحن ~~وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين " 83 " قل لمن الأرض ومن ~~فيها إن كنتم تعلمون " 84 " سيقولون الله قل أفلا تذكرون " 85 " قوله ~~تعالى: * (ذرأكم في الأرض) * أي: خلقكم من الأرض. # قوله تعالى: * (وله اختلاف الليل والنهار) * أي: هو الذي جعلهما مختلفين ~~يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض * (أفلا تعقلون) * ما ترون من صنعه؟! ~~وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: * (قل لمن الأرض) * أي: قل لأهل مكة المكذبين ~~بالبعث: لمن الأرض * (ومن فيها) * من الخلق * (إن كنتم تعلمون) * بحالها، * ~~(سيقولون لله) * قرأ أبو عمرو: " لله " بغير ألف هاهنا، وفي اللذين بعدها ~~بألف. # وقرأ الباقون: " لله " في المواضع الثلاثة. وقراءة أبي عمرو على القياس. ~~قال الزجاج: ومن قرأ: # " سيقولون الله " فهو جواب السؤال، ومن قرأ " لله " فجيد أيضا، لأنك إذا ~~قلت; من صاحب هذه الدار؟ فقيل: لزيد، جاز، لأن معنى " من صاحب هذه الدار؟ ~~": لمن هي وقال أبو علي الفارسي: من قرأ " لله " في الموضعين الآخرين، فقد ~~أجاب على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ. # وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: " سيقولون الله " " الله ~~" بألف فيهن كلهن. قال أبو علي الأهوازي: وهو في مصاحف أهل البصرة بألف ~~فيهن. # قوله تعالى: * (قل أفلا تذكرون) * فتعلمون أن من قدر ms1584 على خلق ذلك ابتداء، ~~أقدر على إحياء الأموات؟! # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم " 86 " سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون " 87 " PageV05P331 # قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون " 88 " ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون " 89 " قوله تعالى: * (أفلا تتقون) * فيه ~~قولان. # أحدهما: تتقون عبادة غيره. # والثاني: تخشون عذابه. فأما الملكوت، فقد شرحناه في [سورة] الأنعام. # قوله تعالى: * (وهو يجير ولا يجار عليه) * أي: يمنع من السوء من شاء، ولا ~~يمنع منه من أراده بسوء، يقال: أجرت فلانا: أي: حميته، وأجرت عليه: أي: ~~حميت عنه. # قوله تعالى: * (فأنى تسحرون) * قال ابن قتيبة: أنى تخدعون وتصرفون عن ~~هذا؟!. # بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون " 90 " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه ~~من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ~~" 91 " عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون " 92 " قوله تعالى: * (بل ~~أتيناهم بالحق) * أي: بالتوحيد والقرآن * (وإنهم لكاذبون) * فيما يضيفون ~~إلى الله من الولد والشريك; ثم نفاهما عنه بما بعد هذا إلى قوله: * (إذا ~~لذهب كل إله بما خلق) * أي: لا نفرد بخلقه ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه ~~إلى غيره، ولمنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق * (ولعلا بعضهم على ~~بعض) * أي: غلب بعضهم بعضا. # قوله تعالى: * (عالم الغيب) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص ~~عن عاصم: # " عالم " بالخفض. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " عالم ~~" بالرفع. قال الأخفش: الجر أجود، ليكون الكلام من وجه واحد، والرفع، على ~~أن يكون خبر ابتداء محذوف. # ويقويه أن الكلام الأول قد انقطع. # قل رب إما تريني ما يوعدون " 93 " رب فلا تجعلني في القوم الظالمين " 94 ~~" وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون " 95 " إدفع بالتي هي أحسن السيئة نحن ~~أعلم بما يصفون " 96 " وقل PageV05P332 # رب أعوذ بك من همزات الشياطين " 97 " وأعوذ بك رب أن يحضرون " 98 " قوله ~~تعالى: * (إما تريني) ms1585 * وقرأ أبو عمران الجوني، والضحاك: " ترئني " بالهمز ~~بين الراء والنون من غير ياء. والمعنى: إن أريتني ما يوعدون من القتل ~~والعذاب، فاجعلني خارجا عنهم ولا تهلكني بهلاكهم; فأراه الله تعالى ما ~~وعدهم ببدر وغيرها، ونجاه ومن معه. # قوله تعالى: * (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: ادفع إساءة المسئ بالصفح، قاله الحسن. # والثاني: أدفع الفحش بالسلام، قاله عطاء، والضحاك. # والثالث: ادفع الشرك بالتوحيد، قاله ابن السائب. # والرابع: ادفع المنكر بالموعظة، حكاه الماوردي. وذكر بعض المفسرين أن هذا ~~منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: * (نحن أعلم بما يصفون) * أي: بما يقولون من الشرك والتكذيب; ~~والمعنى: إنا نجازيهم على ذلك. * (وقل رب أعوذ) * أي: ألجأ وأمتنع * (بك من ~~همزات الشياطين) * قال ابن قتيبة: هو نخسها وطعنها، ومنه قيل للغائب: همزة، ~~كأنه يطعن وينخس إذا عاب. وقال ابن فارس: # الهمز كالعصر، يقال: همزت الشئ في كفي، ومنه الهمز في الكلام، لأنه كأنه ~~يضغط الحرف، وقال غيره: الهمز اللغة: الدفع، وهمزات الشياطين: دفعهم ~~بالإغواء إلى المعاصي. # قوله تعالى: * (أن يحضرون) * أي: أن يشهدون; والمعنى: أن يصيبوني بسوء، ~~لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم إلا بسوء. ثم أخبر أن هؤلاء الكفار المنكرين ~~للبعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند الموت بالآية التي تلي هذه، وقيل: هذا ~~السؤال منهم للملائكة الذين يقبضون أرواحهم. # فإن قيل: كيف قال: " ارجعون " وهو يريد: " ارجعني "؟ # فالجواب: أن هذا اللفظ تعرفه العرب للعظيم الشأن، وذلك أنه يخبل عن نفسه ~~فيه بما تخبر به الجماعة، كقوله: * (إنا نحن نحيي ونميت) *، فجاء خطابه ~~كإخباره عن نفسه، هذا قول الزجاج. # حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون " 99 " لعلي أعمل صالحا فيما تركت ~~كلا PageV05P333 # إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " 100 " فإذا نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " 101 " فمن ثقلت موازينه فأولئك ~~هم المفلحون " 102 " ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم ~~خالدون " 103 " تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون " 104 " قوله تعالى: ms1586 * ~~(لعلي أعمل صالحا فيما تركت) * قال ابن عباس: فيما مضى من عمري; وقال ~~مقاتل: فيما تركت من العمل الصالح. # قوله تعالى: * (كلا) * أي: لا يرجع إلى الدنيا * (إنها) * يعني: مسألته ~~الرجعة * (كلمة هو قائلها) * أي: هو كلام لا فائدة له فيه * (ومن ورائهم) * ~~أي: أمامهم وبين أيديهم * (برزخ) * قال ابن قتيبة: البرزخ: ما بين الدنيا ~~والآخرة، وكل شئ بين شيئين فهو برزخ. وقال الزجاج: البرزخ في اللغة: ~~الحاجز، وهو هاهنا: ما بين موت الميت وبعثه. # قوله تعالى: * (فإذا نفخ في الصور) * في هذه النفخة قولان: # أحدهما: أنها النفخة الأولى، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنها الثانية، رواه عطاء عن ابن عباس. # قوله تعالى: * (فلا أنساب بينهم) * في الكلام محذوف، تقديره: لا أنساب ~~بينهم يومئذ يتفاخرون بها أو يتقاطعون بها، لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ، ~~إنما يرفع التواصل والتفاخر بها. # وفي قوله: * (ولا يتساءلون) * ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يتساءلون بالأنساب أن يترك بعضهم لبعض حقه. # والثاني: لا يسأل بعضهم بعضا عن شأنه، لاشتغال كل واحد بنفسه. # والثالث: لا يسأل بعضهم بعضا من أي قبيل أنت، كما تفعل العرب لتعرف النسب ~~فتعرف قدر الرجل. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله: * (تلفح وجوههم ~~النار) * قال الزجاج: تلفح وتنفح بمعنى واحد، ة إلا أن اللفح أعظم تأثيرا، ~~والكالح: الذي قد تشمرت شفته عن أسنانه، نحو ما ترى من رؤوس الغنم إذا برزت ~~الأسنان وتشمرت الشفاه. وقال ابن مسعود: قد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم ~~كالرأس المشيط بالنار. وروى أبو عبد الله الحاكم في " صحيحه " من حديث أبي ~~سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: " ~~تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى ~~تبلغ سرته ". PageV05P334 # ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون " 105 " قالوا ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " 106 " ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظالمون " 107 " قال اخسئوا فيها ولا تكلمون " 108 " إنه كان ms1587 فريق من عبادي ~~يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا حتى وأنت خير الراحمين " 109 " فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون " 110 " إني جزيتهم اليوم بما ~~صبروا أنهم هم الفائزون " 111 " قوله تعالى: * (ألم تكن) * المعنى: ويقال ~~لهم: ألم تكن * (آياتي تتلى عليكم) * يعني: # القرآن. * (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا) * قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر: # " شقوتنا " بكسر الشين من غير ألف، وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين ~~العقيلي، وأبو رجاء العطاردي كذلك، إلا أنه بفتح الشين. وقرأ ابن مسعود، ~~وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والأعمش، وحمزة، والكسائي: " ~~شقاوتنا " بألف مع فتح الشين والقاف; وعن الحسن، وقتادة كذلك، إلا أن الشين ~~مكسورة. قال المفسرون: أقر القوم بأن ما كتب عليهم من الشقاء منعهم الهدى. # قوله تعالى: * (ربنا أخرجنا منها) * أي: من النار. قال ابن عباس: طلبوا ~~الرجوع إلى الدنيا * (فإن عدنا) * أي: إلى الكفر والمعاصي. # قوله تعالى: * (اخسؤوا) * قال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط، يقال: خسأت ~~الكلب اخسؤه: # إذا زجرته ليتباعد. # قوله تعالى: * (ولا تكلمون) * أي: في رفع العذاب عنكم. قال عبد الله بن ~~عمرو: إن أهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما، فلا يجيبهم، ثم يقول: * (إنكم ~~ماكثون) *، ثم ينادون ربهم * (ربنا أخرجنا منها) * فيدعهم مثل عمر الدنيا، ~~ثم يقول: * (إنكم ماكثون) * ثم ينادون ربهم * (ربنا أخرجنا منها) * فيدعهم ~~مثل عمر الدنيا، ثم يرد عليهم * (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) * فما ينبس القوم ~~بعد ذلك بكلمة إن كان، إلا الزفير والشهيق. # ثم بين الذي لأجله أخسأهم بقوله: * (إنه) * وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران ~~الجوني، وعاصم الجحدري: " أنه " بفتح الهمزة * (كان فريق من عبادي) * قال ~~ابن عباس: يريد المهاجرين. PageV05P335 # قوله تعالى: * (فاتخذتموهم) * قال الزجاج: الأجود إدغام الذال في التاء ~~لقرب المخرجين، وإن شئت أظهرت، لأن الذال من كلمة والتاء من كلمة، وبين ~~الذال والتاء في المخرج شئ من التباعد. # قوله تعالى: * (سخريا) * قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو حاتم عن يعقوب: ~~" سخريا " بضم السين هاهنا وفي [سورة ص]، تابعهم ms1588 المفضل في (ص). وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: بكسر السين في السورتين. ولم يختلف فضم ~~السين في الحرف الذي في (الزخرف). واختار الفراء الضم، والزجاج الكسر. وهل ~~هما بمعنى؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهما لغتان ومعناهما واحد، قاله الخليل، وسيبويه، ومثله قول ~~العرب، بحر لجي ولجي، وكوكب دري ودري. # والثاني: أن الكسر بمعنى الهمز، والضم بمعنى والاستعباد، قاله أبو عبيدة، ~~وحكاه الفراء، وهو مروي عن الحسن، وقتادة. # قال أبو علي: قراءة من كسر أرجح من قراءة من ضم، لأنه من الهمز، والأكثر ~~في الهمز كسر السين. قال مقاتل: كان رؤوس كفار قريش كأبي جهل وعقبة والوليد ~~قد اتخذوا فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعمار وبلال وخباب ~~وصهيب سخريا يستهزئون بهم ويضحكون منهم. # قوله تعالى: * (حتى أنسوكم ذكري) * أي: أنساكم الاشتغال بالاستهزاء بهم ~~ذكري، فنسب الفعل إلى المؤمنين وإن لم يفعلوه، لأنهم كانوا السبب في وجوده، ~~كقوله: * (إنهن أضللن كثيرا من الناس) *. # قوله تعالى: * (إني جزيتهم اليوم بما صبروا) * أي: على أذاكم واستهزائكم ~~* (أنهم) * قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: " أنهم " ~~بفتح الألف. وقرأ حمزة، والكسائي: # " إنهم " بكسرها. فمن فتح " أنهم " فالمعنى: جزيتهم بصبرهم الفوز، ومن ~~كسر " إنهم " استأنف. # قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين " 112 " قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل ~~العادين " 113 " قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون " 114 " ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا PageV05P336 # ترجعون " 115 " فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم " ~~116 " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا ~~يفلح الكافرون " 117 " وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين " 118 " قوله ~~تعالى: * (قال كم لبثتم) * قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: " قال ~~كم لبثتم " وهذا سؤال الله تعالى للكافرين. وفي وقته قولان: # أحدهما: أنه يسألهم يوم البعث. # والثاني: بعد حصولهم في النار. # وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: " قل ms1589 كم لبثتم " وفيها قولان: # أحدهما: أنه خطاب لكل واحد منهم، والمعنى: قل يا أيها الكافر. # والثاني: أن المعنى: قولوا، فأخرجه مخرج الأمر للواحد، والمراد الجماعة، ~~لأن المعنى مفهوم. وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي يدغمون ثاء " لبثتم "، ~~والباقون لا يدغمونها; فمن أدغم، فلتقارب مخرج الثاء والتاء، ومن لم يدغم، ~~فلتباين المخرجين. # وفي المراد بالأرض قولان: # أحدهما: أنها القبور. # والثاني: الدنيا. فاحتقر القوم ما لبثوا لما عاينوا من الأهوال والعذاب ~~فقالوا: * (لبثنا يوما أو بعض يوم) * قال الفراء: والمعنى: لا ندري كم ~~لبثنا. # وفي المراد بالعادين قولان: # أحدهما: الملائكة، قاله مجاهد. # والثاني: الحساب، قاله قتادة. وقرأ الحسن، والزهري، وأبو عمران الجوني، ~~وابن يعمر: # " العادين " بتخفيف الدال. # قوله تعالى: * (قال إن لبثتم) * قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: " قال إن لبثتم ". وقرأ حمزة، والكسائي: " قل إن لبثتم " على ~~معنى: قل أيها السائل عن لبثهم. وزعموا أن في مصحف أهل الكوفة " قل " ~~فالموضعين، فقرأهما حمزة، والكسائي على ما في مصاحفهم، أي: ما لبثتم في ~~الأرض * (إلا قليلا) * لأن مكثهم في الأرض وإن طال، فإنه متناه ومكثهم في ~~النار لا يتناهى. PageV05P337 # وفي قوله: * (لو أنكم كنتم تعلمون) * قولان: # أحدهما: لو علمتم قدر لبثكم في الأرض. # والثاني: لم علمتم أنكم إلى الله ترجعون، فعملتم لذلك. # قوله تعالى: * (أفحسبتم) * أي: أفظننتم * (أنما خلقناكم عبثا) * أي: ~~العبث; والبعث في اللغة: اللعب، وقيل: هو الفعل لا لغرض صحيح، * (وأنكم ~~إلينا لا ترجعون) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم: " لا ترجعون " بضم ~~التاء. وقرأ حمزة، والكسائي بفتحها. * (فتعالى الله) * عما يصفه به ~~الجاهلون من الشرك والولد، * (الملك) * قال الخطابي: هو التام الملك الجامع ~~فيه لأصناف المملوكات. وأما المالك: فهو الخالص الملك. وقد ذكرنا معنى " ~~الحق " في [سورة] يونس. # قوله تعالى: * (رب العرش الكريم) * والكريم في صفة الجماد بمعنى: الحسن. ~~وقرأ ابن محيصن: " الكريم " برفع الميم، يعني الله عز وجل. # قوله تعالى: * (لا برهان له به) * أي: لا حجة له به ولا دليل; وقال ~~بعضهم: معناه: فلا برهان له ms1590 به. # قوله تعالى: * (فإنما حسابه عند ربه) * أي: جزاؤه عند ربه. PageV05P338 # (24) سورة النور مدنية وآياتها أربع وستون بسم الله الرحمن الرحيم سورة ~~أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون " 1 " الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " 2 " ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين " 3 " وهي مدينة كلها بإجماعهم روى أبو عبد الله ~~الحاكم في " صحيحه " من حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة النور ~~"، يعني: النساء. PageV05P339 # قوله تعالى: * (سورة) * قرأ الجمهور بالرفع. وقرأ أبو رزين العقيلي، وابن ~~أبي عبلة، ومحبوب عن أبي عمرو: " سورة " بالنصب. قال أبو عبيدة: من رفع، ~~فعلى الابتداء. وقال الزجاج: هذا قبيح، لأنها نكرة، و * (أنزلناها) * صفة ~~لها، وإنما الرفع على إضمار: هذه سورة، والنصب على وجهين: أحدهما على معنى: ~~أنزلنا سورة [والثاني] على معنى: أتل سورة. # قوله تعالى: * (وفرضناها) * قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتشديد. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وعكرمة، والضحاك، والزهري، ونافع، ~~وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وابن يعمر، والأعمش، وابن ~~أبي عبلة بالتخفيف. قال الزجاج: من قرأ بالتشديد، فعلى وجهين: # أحدهما: على معنى التكثير، أي: إننا فرضنا فيها فروضا. # والثاني: على معنى: بينا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام; ومن قرأ ~~بالتخفيف، فمعناه: # ألزمناكم العمل بما فرض فيها. وقال غيره: من شدد، أراد: فصلنا فرائضها، ~~ومن خفف، فمعناه: # فرضنا ما فيها. # قوله تعالى: * (الزانية والزاني) * القراءة المشهورة بالرفع. وقرأ أبو ~~رزين العقيلي، وأبو الجوزا، وابن أبي عبلة، وعيسى بن عمر: " الزانية " ~~بالنصب. واختار الخليل وسيبويه والرفع اختيار الأكثرين. قال الزجاج: والرفع ~~أقوى في العربية، لأن معناه: من زنى فاجلدوه، فتأويله الابتداء، ويجوز ~~النصب على معنى: اجلدوا الزانية. فأما الجلد، فهو ضرب ms1591 الجلد، يقال: جلده: # إذا ضرب جلده، كما يقال: بطنه إذا ضرب بطنه. # قال المفسرون: ومعنى الآية: الزانية والزاني إذا كانا حرين بالغين بكرين، ~~* (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) *. # فصل قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية تقتضي وجوب الجلد على البكر ~~والثيب. وقد روي عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في حق البكر زيادة على ~~الجلد بتغريب عام، وفي حق الثيب زيادة على الجلد بالرجم بالحجارة. فروى ~~عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " البكر بالبكر ~~جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ". وممن قال ~~بوجوب النفي في حق البكر PageV05P340 # أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وممن بعدهم عطاء، وطاوس، وسفيان، ~~ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وممن قال بالجمع بين الجلد ~~والرجم في حق الثيب علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والحسن بن صالح، ~~وأحمد، وإسحاق. قال: وذهب قوم من العلماء إلى أن المراد بالجلد المذكور في ~~هذه الآية: البكر، فأما الثيب، فلا يجب عليه الجلد، وإنما يجب الرجم، روي ~~عن عمر، وبه قال النخعي والزهري والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك، وروي ~~عن أحمد رواية مثل قول هؤلاء. # قوله تعالى: * (ولا تأخذكم) * وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، ~~والضحاك، وابن يعمر، والأعمش: " يأخذكم " بالياء * (بهما رأفة) * قرأ نافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: " رأفة " بإسكان الهمزة. ~~وقرأ أبو المتوكل، ومجاهد، وأبو عمران الجوني، وابن كثير: بفتح الهمزة ~~وقصرها على وزن رعفة. وقرأ سعيد بن جبير، والضحاك، وأبو رجاء العطاردي: # " رآفة " مثل سآمة وكآبة، وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: لا تأخذكم بهما رأفة، فتخففوا الضرب، ولكن أوجعوهما، قاله سعيد ~~بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة. # والثاني: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، قاله مجاهد، ~~والشعبي، وابن زيد في آخرين. # فصل واختلف العلماء في شدة الضرب في الحدود، فقال الحسن البصري: ضرب ~~الزنا أشد من القذف، والقذف أشد من الشرب، ويضرب الشارب أشد من ms1592 ضرب ~~التعزير، وعلى هذا مذهب أصحابنا، وقال أبو حنيفة: التعزير أشد الضرب، وضرب ~~الزني أشد من ضرب الشارب، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف. وقال مالك: الضرب ~~في الحدود كلها سواء غير مبرح. # فصل فأما ما يضرب من الأعضاء، فنقل الميموني عن أحمد في جلد الزاني، قال: ~~يجرد، ويعطى كل عضو حقه، ولا يضرب وجهه ولا رأسه. ونقل يعقوب ابن بختان: لا ~~يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير، وهو قول أبي حنيفة وقال مالك: لا يضرب ~~إلا في الظهر. وقال الشافعي: يتقى الفرج والوجه. # قوله تعالى: * (في دين الله) * فيه قولان: # أحدهما: في حكمه، قاله ابن عباس. PageV05P341 # والثاني: في طاعة الله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: * (وليشهد عذابهما) * قال الزجاج: القراءة بإسكان اللام، ~~ويجوز كسرها، والمراد بعذابهما ضربهما، المراد بالطائفة هاهنا خمسة أقوال: # أحدها: الرجل فما فوقه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. ~~وقال النخعي: الواحد طائفة. # والثاني: الاثنان فصاعدا، قاله سعيد بن جبير، وعطاء; وعن عكرمة كالقولين. ~~قال الزجاج: # والقول الأول على غير ما عند أهل اللغة، لأن الطائفة في معنى جماعة، وأقل ~~الجماعة اثنان. # والثالث: ثلاثة فصاعدا، قاله الزهري. # والرابع: أربعة، قاله ابن زيد. # والخامس: عشرة، قاله الحسن البصري. # قوله تعالى: * (الراني لا ينكح إلا زانية) * قال عبد الله بن عمرو: كانت ~~امرأة تسافح، وتشترط للذي يتزوجها أن تكفيه النفقة فأراد رجل من المسلمين ~~أن يتزوجها، فذكر ذلك لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فنزلت هذه الآية. ~~وقال عكرمة: نزلت في بغايا، كن بمكة، ومنهن تسع صواحب رايات، وكانت بيوتهن ~~تسمى في الجاهلية: المواخير، ولا يدخل عليهن إلا زان من أهل القبلة، أو ~~مشرك من أهل الأوثان، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، فنزلت هذه الآية. قال ~~المفسرون: ومعنى الآية: الزاني من المسلمين لا يتزوج من أولئك البغايا إلا ~~زانية * (أو مشركة) * لأنهن كذلك كن * (والزانية) * منهن * (لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك) *، ومذهب أصحابنا أنه إذا زنى بامرأة، لم يجز له أن يتزوجها ~~إلا بعد ms1593 التوبة منهما. # قوله تعالى: * (وحرم ذلك) * وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء: " وحرم الله ذلك " بزيادة اسم الله [تعالى] مع فتح حروف " حرم ". ~~وقرأ زيد بن علي: " وحرم ذلك " بفتح الحاء وضم الراء مخففة. ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه نكاح الزواني، قاله مقاتل. # والثاني: الزنا، قاله الفراء. # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبد وأولئك هم الفاسقون " 4 " إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا PageV05P342 # فإن الله غفور رحيم " 5 " قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات) * شرائط ~~الإحصان عندنا أربعة: البلوغ، والحرية، والعقل، والوطء في نكاح صحيح. فأما ~~الإسلام، فليس بشرط في الإحصان، خلافا لأبي حنيفة، ومالك ومعنى الآية: ~~يرمون المحصنات بالزنا، فاكتفى بذكره المتقدم عن إعادته * (ثم لم يأتوا) * ~~على ما رموهن به * (بأربعة شهداء) * عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك * ~~(فاجلدوهم) * يعني القاذفين. # فصل وقد أفادت هذه الآية أن على القاذف إذا لم يقم البينة الحد ورد ~~الشهادة وثبوت الفسق، واختلفوا هل يحكم بفسقه ورد شهادته بنفس القذف، أم ~~بالحد؟ فعلى قول أصحابنا: إنه يحكم بفسقه ورد شهادته إذا لم يقم البينة، ~~وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يحكم بفسقه، وتقبل شهادته ما لم ~~يقم الحد عليه. # فصل والتعريض بالقذف - كقوله لمن يخاصمه: ما أنت بزان، ولا أمك زانية - ~~يوجب الحد في المشهور من مذهبنا. وقال أبو حنيفة: لا يوجب الحد. وحد العبد ~~في القذف نصف حد الحر، وهو أربعون، قاله الجماعة، إلا الأوزاعي فإنه قال: ~~ثمانون. فأما قاذف المجنون، فقال الجماعة: لا يحد. وقال الليث: يحد. فأما ~~الصبي، فإن كان مثله يجامع أو كانت صبية مثلها يجامع، فعلى القاذف الحد. ~~وقال مالك: يحد قاذف الصبية التي يجامع مثلها، ولا يحد قذف الصبي. وقال أبو ~~حنيفة، والشافعي: لا يحد قاذفهما. فإن قذف رجل جماعة بكلمة واحدة، فعليه حد ~~واحد، وإن أفرد كل واحد بكلمة، فعليه لكل واحد حد، وهو قول الشعبي، وابن ~~أبي ليلى; وقال أبو ms1594 حنيفة وأصحابه: عليه حد واحد، سواء قذفهم بكلمة أو ~~بكلمات. # فصل وحد القذف حق لآدمي، يصح ان يبرئ منه، ويعفو عنه، وقال أبو حنيفة: هو ~~حق الله [عز وجل] وعندنا أنه لا يستوفي إلا بمطالبة المقذوف، وهو قول ~~الأكثرين. وقال ابن أبي ليلى: يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف. # قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا) * أي: من القذف * (وأصلحوا) * قال ابن ~~عباس: أظهروا التوبة; وقال غيره: لم يعودوا إلى قذف المحصنات، وفي هذا ~~الاستثناء قولان: PageV05P343 # أحدهما: أنه نسخ [حد] القذف وإسقاط الشهادة معا، وهذا قول عكرمة، ~~والشعبي، وطاووس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، والزهري، والشافعي، وأحمد. # والثاني: أنه يعود إلى الفسق فقط، وأما الشهادة، فلا تقبل أبدا، قاله ~~الحسن، وشريح، وإبراهيم، وقتادة. فعلى هذا القول انقطع الكلام عند قوله: " ~~أبدا "; وعلى القول الأول وقع الاستثناء على جميع الكلام، وهذا أصح، لأن ~~المتكلم بالفاحشة لا يكون أعظم جرما من راكبها، فإذا قبلت شهادة المقذوف ~~بعد ثبوته، فالرامي أيسر جرما، وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فإنه إذا ~~أسلم قبلت شهادته. # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين " 6 " والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين " 7 " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين " 8 " والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " 9 " ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم " 10 " قوله تعالى: * (والذين ~~يرمون أزواجهم) * سبب نزولها أن هلال بن أمية وجد عند أهله رجلا، فرأى ~~بعينه وسمع بأذنه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، فقال: يا رسول الله: # إني جئت أهلي، فوجدت عندها رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] ما جاء به، واشتد عليه، فقال سعد بن عبادة: الآن ~~يضرب رسول الله هلالا ويبطل شهادته، فقال هلال: # والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا، فوالله إن رسول الله ms1595 [صلى ~~الله عليه وسلم] يريد أن يأمر بضربه نزل عليه الوحي، فنزلت هذه الآية، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. وفي حديث آخر أن الرجل الذي قذفها به شريك بن سحماء، ~~وأن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال لهلال حين قذفها: " ائتني بأربعة ~~شهداء، وإلا فحد في ظهرك "، فنزلت هذه الآية، فنسخ حكم الجلد في حق الزوج ~~القاذف. PageV05P344 # فصل في بيان حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، لزمه الحد، وله ~~التخلص منه بإقامة البينة، أو باللعان فإن أقام البينة لزمها الحد، وإن ~~لاعنها، فقد حقق عليها الزنا، ولها التخلص منه باللعان فإن نكل الزوج عن ~~اللعان، فعليه حد القذف، وإن نكلت الزوجة، لم تحد، وحبست حتى تلاعن أو نقر ~~بالزنا في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: يخلى سبيلها، وقال أبو حنيفة: لا ~~يحد واحد منهما، ويحبس حتى يلاعن. وقال مالك، والشافعي: يجب الحد على ~~الناكل منهما. # فصل ولا تصح الملاعنة إلا بحضرة الحاكم. فإن كانت المرأة خفرة، بعث ~~الحاكم من يلاعن بينهما. وصفة اللعان أن يبدأ الزوج فيقول: أشهد بالله إني ~~لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: ~~ولعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقول الزوجة أربع مرات: أشهد بالله ~~لقد كذب فيما رماني به من الزنا، ثم نقول: وغضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين. والسنة أن يتلاعنا قياما، ويقال للزوج إذا بلغ اللعنة: اتق الله ~~فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكذلك يقال للزوجة إذا ~~بلغت إلى الغضب. فإن كان بينهما ولد، افتقر نفيه عن الأب إلى ذكره في ~~اللعان، فيزيد في الشهادة: وما هذا الولد ولدي، وتزيد هي: وإن هذا الولد ~~ولده. # فصل واختلف الفقهاء في الزوجين اللذين يجري بينهما اللعان، فالمشهور عن ~~أحمد أن كل زوج صح قذفه صح لعانه، فيدخل تحت هذا المسلم والكافر والحر ~~والعبد، وكذلك المرأة، وهذا قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ~~اللعان بين الحر والأمة، ولا بين العبد والحرة، ms1596 ولا بين الذميين، أو إذا ~~كان أحدهما ذميا; ونقل حرب عن أحمد نحو هذا، والمذهب هو الأول. ولا تختلف ~~الرواية عن أحمد أن فرقة اللعان لا تقع بلعان الزوج وحده واختلف هل تقع ~~بلعانهما من غير فرقة الحاكم على روايتين. وتحريم اللعان مؤبد، فإن أكذب ~~الملاعن نفسه لم تحل له زوجته أيضا، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وعن ~~أحمد روايتان، أصحهما: هذا، والثانية: يجتمعان بعد التكذيب، وهو قول أبي ~~حنيفة. # قوله تعالى: * (يكن لهم شهداء) * وقرأ أبو حنيفة و أبو المتوكل. وابن ~~يعمر، والنخعي: # " تكن " بالتاء. PageV05P345 # قوله تعالى: * (فشهادة أحدهم أربع شهادات) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " أربع " بفتح العين. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: برفع العين. قال الزجاج: من رفع " أربع " فالمعنى: ~~فشهادة أحدهم التي تدر حد القذف أربع; ومن نصب، فالمعنى: فعليهم أن يشهد ~~أحدهم أربع. # قوله تعالى: * (والخامسة) * قرأ حفص عن عاصم: " والخامسة " نصبا، حملا ~~على نصب " أربع شهادات ". # قوله تعالى: * (لعنة الله عليه) * قرأ نافع، ويعقوب، والمفضل: " أن لعنة ~~الله " و " أن غضب الله " بتخفيف النون فيهما وسكونهما ورفع الهاء من " ~~لعنة " والباء من " غضب "، إلا أن نافعا كسر الضاد من " غضب " وفتح الباء. # قوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) * أي: ستره ونعمته. قال ~~الزجاج: وجواب " لولا " هاهنا عذاب عظيم، وقال غيره: لولا فضل الله لبين ~~الكاذب من الزوجين فأقيم عليه الحد، * (وأن الله تواب) * يعود على من رجع ~~عن المعاصي بالرحمة * (حكيم) * فيما فرض من الحدود. # إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل ~~امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " 11 " ~~لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين " ~~12 " لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله ~~هم الكاذبون " 13 " ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم ~~في ما أفضتم ms1597 فيه عذاب عظيم " 14 " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ~~ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم " 15 " ولولا إذ سمعتموه ~~قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم " 16 " يعظكم ~~PageV05P346 # الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين " 17 " ويبين الله لكم الآيات ~~والله عليم حكيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون " 19 " ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم " 20 " قوله تعالى: * (إن الذين جاؤوا ~~بالإفك) * أجمع المفسرون; أن هذه الآية وما يتعلق بها بعدها نزلت في قصة ~~عائشة رضي الله عنهما، وفي حديث الإفك أن هذه الآية إلى عشر آيات نزلت في ~~قصة عائشة. وقد ذكرنا حديث الإفك في كتاب " الحدائق " وفي كتاب " المغني في ~~التفسير " فلم نطل بذكره، لأن غرضنا اختصار هذا الكتاب ليحفظ. فأما الإفك، ~~فهو الكذب، والعصبة: الجماعة: # ومعنى قوله تعالى: * (منكم) * أي: من المؤمنين. وروى عروة عن عائشة أنها ~~قالت: هم أربعة: # حسان بن ثابت، وعبد الله بن أبي، ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وكذلك ~~عدهم مقاتل. # قوله تعالى: * (لا تحسبوه شرا لكم) * قال المفسرون: هذا خطاب لعائشة ~~وصفوان بن المعطل، وقيل: لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأبي بكر وعائشة; ~~والمعنى: إنكم تؤجرون فيه، * (لكل امرئ منهم) * يعني: من العصبة الكاذبة * ~~(ما اكتسب من الإثم) * أي: جزاء ما اجترح من الذنب على قدر خوضه فيه، * ~~(والذي تولى كبره) * وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وعكرمة، ومجاهد وابن أبي ~~عبلة، والحسن، ومحبوب عن أبي عمرو، ويعقوب: " كبره " بضم الكاف. قال ~~الكسائي: وهما لغتان. # وقال ابن قتيبة: كبر الشئ: معظمه، ومنه هذه الآية. قال قيس بن الخطيم ~~يذكر امرأة: # - تنام عن كبر شأنها فإذ * قامت رويدا تكاد تنعرف - وفي المتولي لذلك ~~قولان: # أحدهما: أنه عبد الله بن أبي، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وعروة عن ~~عائشة، وبه قال مجاهد، والسدي، ومقاتل. ms1598 قال المفسرون: هو الذي أشاع الحديث، ~~فله عذاب عظيم بالنار. وقال PageV05P347 # الضحاك: هو الذي بدأ بذلك. # والثاني: أنه حسان; روى الشعبي أن عائشة قالت: ما سمعت أحسن من شعر حسان، ~~وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة; فقيل: يا أم المؤمنين، أليس الله يقول: * ~~(والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) *، فقالت: أليس قد ذهب بصره؟ وروى ~~عنها مسروق أنها قالت: وأي عذاب أشد من العمى، ولعل الله يجعل ذلك العذاب ~~العظيم، ذهاب بصره، تعني: حسان بن ثابت. # ثم إن الله عز وجل أنكر على الخائضين في الإفك بقوله تعالى: * (لولا إذ ~~سمعتموه) * أي: # هلا إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة * (ظن المؤمنون) * من ~~العصبة الكاذبة، وهم حسان ومسطح * (والمؤمنات) * وهي: حمنة بنت جحش * ~~(بأنفسهم) * وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: بأمهاتهم. # والثاني: بأخواتهم. # والثالث: بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة، * (وقالوا هذا إفك مبين) ~~* أي: كذب بين. # وجاء في التفسير أن أبا أيوب الأنصاري قالت له أمه: ألا تسمع ما يقول ~~الناس في أمر عائشة؟! # فقال: هذا إفك مبين، أكنت يا أماه فاعلته؟ فقالت: معاذ الله، قال: فعائشة ~~والله خير منك; فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: * (جاؤوا) * أي: هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة * ~~(بأربعة شهداء) * وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: " بأربعة " منونة; والمعنى: ~~يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به * (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله) * أي: في حكمه * (هم الكاذبون) *. ثم ذكر القاذفين فقال: * (ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته) * أي: لولا ما من به عليكم، * (لمسكم) * أي: ~~لأصابكم * (فيما أفضتم) * أي: أخذتم وخضتم * (فيه) * من الكذب والقذف * ~~(عذاب عظيم) * في الدنيا والآخرة. ثم ذكر الوقت الذي لولا فضله لأصابهم فيه ~~العذاب فقال: * (إذ تلقونه) * وكان الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني ~~كذا، فيتلقاه بعضهم من بعض. وقرأ عمر بن الخطاب: " إذ تلقونه " بتاء واحدة ~~خفيفة مرفوعة وإسكان اللام وقاف منقوطة بنقطتين مرفوعة خفيفة; وقرأ معاوية، ~~وابن السميفع مثله، إلا أنهما فتحا التاء والقاف. وقرأ ابن مسعود: " ~~تتلقونه " بتاءين ms1599 مفتوحتين مع نصب اللام وتشديد القاف. وقرأ أبي بن كعب، ~~وعائشة، ومجاهد، وأبو حيوة: " تلقونه " بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ~~ورفع القاف. وقال الزجاج: " تلقونه ": يلقيه بعضكم إلى بعض وتلقونه; ~~ومعناه: # إذ تسرعون بالكذب، يقال: قد ولق يلق: إذا أسرع في الكذب وغيره، قال ~~الشاعر: # جاءت به عنس من الشام تلق PageV05P348 # أي: تسرع. وقال ابن قتيبة: " تلقونه " أي: تقبلونه، ومن قرأ: " تلقونه " ~~أخذه من الولق، وهو الكذب. # قوله تعالى: * (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم) * أي: من غير أن ~~تعلموا أنه حق * (وتحسبونه) * يعني: ذلك القذف * (هينا) * أي: سهلا لا إثم ~~فيه * (وهو عند الله عظيم) * في الوزر. # ثم زاد عليهم في الإنكار وقال: * (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا) * ~~أي: ما يحل وما ينبغي لنا * (أن نتكلم بهذا سبحانك) * وهو يحتمل التنزيه ~~والتعجب. وروت عائشة أن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له: ألم تسمع ما ~~يتحدث الناس؟! فقال " ما يكون لنا أن نتكلم بهذا.. " الآية، فنزلت الآية، ~~وقد روينا آنفا أن أمه ذكرت له ذلك، فنزلت الآية المتقدمة، وروي عن سعيد بن ~~جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ذلك قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فقيل للناس: ~~هلا قلتم كما قال سعد؟! # قوله تعالى: * (الله) * أي: ينهاكم الله * (أن تعودوا لمثله) * أي: إلى ~~مثله * (إن كنتم مؤمنين) * لأن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة. * (ويبين ~~الله لكم الآيات) * في الأمر والنهى. # ثم هدد القاذفين بقوله تعالى: * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة) * أي: ~~يحبون أن يفشو القذف بالفاحشة، وهو الزنا * (في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ~~في الدنيا) * يعني: الجلد * (والآخرة) * عذاب النار. وروت عمرة عن عائشة ~~قالت: لما نزل عذري قام رسول الله [صلى الله عليه وسلم] على المنبر، فذكر ~~ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدهم. وروى أبو صالح ~~عن ابن عباس أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] جلد عبد الله بن أبي، ومسطح ~~بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة، ms1600 فأما الثلاثة فتابوا، وأما عبد الله فمات ~~منافقا; وبعض العلماء ينكر صحة هذا، ويقول: لم يضرب أحدا. # قوله تعالى: * (والله يعلم) * شر ما خضتم فيه وما يتضمن من سخط الله * ~~(وأنتم لا تعلمون) * ذلك، * (ولولا فضل الله عليكم) * جوابه محذوف، تقديره: ~~لعاقبكم فيما قلتم لعائشة. قال ابن عباس: يريد: مسطحا، وحسان، وحمنة. # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم " 21 " PageV05P349 # قوله تعالى: * (لا تتبعوا خطوات الشيطان) * أي: تزيينه لكم قذف عائشة وقد ~~سبق شرح " خطوات الشيطان " وبيان الفحشاء والمنكر ". # قوله تعالى: * (ما زكى منكم) * وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة: " ما زكى " ~~بتشديد الكاف. # وفيمن خوطب بهذا قولان: # أحدهما: أنه عام في الخلق. # والثاني: أنه خاص للمتكلمين في الإفك. ثم في معناه أربعة أقوال: # أحدها: ما اهتدى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: ما أسلم، قاله ابن زبد. # والثالث: ما أصلح، قاله مقاتل. # والرابع: ما ظهر، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: * (ولكن الله يزكي من يشاء) * أي: يطهر من يشاء من الإثم ~~بالتوبة والغفران; فالمعنى: وقد شئت أن أتوب عليكم * (والله سميع عليم) * ~~علم ما في نفوسكم من التوبة والندامة. # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم " 22 " قوله تعالى: * (ولا يأتل) * وقرأ الحسن، وأبو ~~العالية، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة: " ولا يتأل " بهمزة مفتوحة بين التاء ~~واللام وتشديد اللام على وزن يتعل. قال المفسرون: سبب نزولها أن أبا بكر ~~الصديق كان ينفق على مسطح لقرابته وفقره، فلما خاض في أمر عائشة قال أبو ~~بكر: والله لا أنفق عليه أبدا، فنزلت هذه الآية. فأما الفضل، فقال أبو ~~عبيدة: هو التفضل والسعة: الجدة. قال المفسرون: والمراد به: أبو بكر. # قوله تعالى: * (أن يؤتوا) * قال ms1601 ابن قتيبة: معناه: أن لا يؤتوا، فحذف " ~~لا " فأما قوله تعالى: # * (أولي القربى) * فإنه يعنى مسطحا، وكان أبن خالة أبي بكر، وكان مسكينا، ~~وكان مهاجر. قال المفسرون: فلما سمع أبو بكر * (ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم) * قال بلى يا رب، وأعاد نفقته على مسطح. PageV05P350 # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم ~~عذاب عظيم " 23 " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~" 24 " يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين " 25 ~~" قوله تعالى: * (إن الذين يرمون المحصنات) * يعني: العفائف * (الغافلات) * ~~عن الفواحش، * (لعنوا في الدنيا) * أي: عذبوا بالجلد، وفي الآخرة بالنار. # وأختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في عائشة خاصة. قال خصيف: سألت سعيد بن جبير عن هذه ~~الآية، فقلت: من قذف محصنة لعنة الله؟ قال. لا، إنما أنزلت هذه الآية في ~~عائشة خاصة. # والثاني: أنها في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك. # والثالث: أنها في المهاجرات. قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن المرأة كانت ~~إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة، قذفها المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنما ~~خرجت تفجر، فنزلت هذه الآية. # والرابع: أنها عامة في أزواج النبي [صلى الله عليه وسلم] وغيرهن، وبه قال ~~قتادة، وابن زيد. # فإن قيل: لم اقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال؟ # فالجواب: أن من رمى مؤمنة فلا بد أن يرمي معها مؤمنا، فاستغني عن ذكر ~~المؤمنين، ومثله: # * (سرابيل تقيكم الحر) * أراد: والبرد، قاله الزجاج. # قوله تعالى: * (يوم تشهد عليهم ألسنتهم) * وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " ~~يشهد " بالياء; وهو إقرارها بما تكلموا به من الفرية. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم. وقال ابن جرير: المعنى: أن ~~ألسنة بعضهم تشهد على بعض. # قوله تعالى: * (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) * أي: حسابهم العدل، وقيل: ~~جزاءهم الواجب. وقرأ مجاهد، وأبو الجوزاء، وحميد بن قيس، والأعمش: " دينهم ~~الحق " برفع القاف * (ويعلمون أن الله هو الحق المبين) * قال ms1602 ابن عباس: ~~وذلك أن عبد الله بن أبي كان يشك في الدين، فإذا كانت القيامة علم حيث لا ~~ينفعه. # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك PageV05P351 # مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " 26 " قوله تعالى: * (الخبيثات ~~للخبيثين) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: الكلمات الخبيثات لا يتكلم بها إلا الخبيث من الرجال والنساء، ~~والكلمات الطيبات لا يتكلم بها إلا الطيبون من الرجال والنساء. # والثاني: الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيثين من الرجال والنساء، فأما ~~الطيبات والطيبون، فلا يصلح أن يقال في حقهم إلا الطيبات. # والثالث: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والطيبات من النساء ~~للطيبين من الرجال. # والرابع: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس ~~للخبيثات من الأعمال، وكذلك الطيبات قوله تعالى: * (أولئك) * يعني: عائشة ~~وصفوان * (مبرؤون) * أي: منزهون * (مما يقولون) * من الفرية * (لهم مغفرة) ~~* لذنوبهم * (ورزق كريم) * في الجنة. # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون " 27 " فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما ~~تعملون عليم " 28 " ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع ~~لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون " 29 " قوله تعالى: * (لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم) * ذكر أهل التفسير أن سبب نزولها أن امرأة من الأنصار جاءت إلى ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي ~~على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، فلا يزال يدخل علي رجل من أهلي، فنزلت ~~هذه الآية; فقال أبو بكر بعد نزولها: يا رسول الله، أفرأيت الخانات ~~والمساكن التي ليس فيها ساكن، فنزل قوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن ~~تدخلوا بيوتا غير مسكونة..) * الآية. ومعنى قوله تعالى: * (لا تدخلوا بيوتا ~~غير PageV05P352 # بيوتكم) * أي: بيوتا ليست لكم. واختلف القراء في باء البيوت، فقرأ بعضهم ~~بضمها، وبعضهم بكسرها. وقد بينا ذلك في [سورة] البقرة. # قوله ms1603 تعالى: * (حتى تستأنسوا) * قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، ~~تقديره: حتى تسلموا وتستأنسوا. قال الزجاج: و " تستأنسوا " في اللغة، بمعنى ~~تستأذنوا، وكذلك في هو في التفسير، والاستئذان: الاستعلام، تقول: آذنته ~~بكذا، أي: أعلمته، وآنست منه كذا، أي: علمت منه، ومثله: * (فإن آنستم منهم ~~رشدا) * أي: علمتم. فمعنى الآية: حتى تستعلموا، يريد أهلها أن تدخلوا، أم ~~لا؟ قال المفسرون: وصفة الاستعلام أن تقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ولا يجوز ~~أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان، لهذه الآية، * (ذلكم خير لكم) * من أن ~~تدخلوا بغير إذن * (لعلكم تذكرون) * أن الاستئذان خير فتأخذون به، قال ~~عطاء: قلت لابن عباس: أستأذن على أمي وأختي ونحن في بيت واحد؟ قال: أيسرك ~~أن ترى منهن عورة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن. # قوله تعالى: * (فإن لم تجدوا فيها أحدا) * أي: إن وجدتموها خالية * (فلا ~~تدخلوا وإن قيل لكم ارجعوا) * أي: إن ردوكم فلا تقفوا على أبوابهم ~~وتلازموها، * (ولا هو أزكى لكم) * يعني: الرجوع خير لكم وأفضل * (والله بما ~~تعملون) * من الدخول بإذن وغير إذن * (عليم) *. # فصل وهل هذه الآية منسوخة، أم لا؟ فيها قولان: # أحدهما: أن حكمها عام في جميع البيوت، ثم نسخت منها البيوت التي ليس لها ~~أهل يستأذنون بقوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة) ~~*، هذا مروي عن الحسن، وعكرمة. # والثاني: أن الآيتين محكمتان، فالاستئذان شرط في الأولى إذا كان للدار ~~أهل، والثانية وردت في بيوت لا ساكن لها، والإذن لا يتصور من غير آذن، فإذا ~~بطل الاستئذان، لم تكن البيوت الخالية داخلة في الأولى، وهذا أصح. # قوله تعالى: * (أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة) * فيها خمسة أقوال: # أحدها: أنها الخانات والبيوت المبينة للسابلة ليأووا إليها، ويؤووا ~~أمتعتهم، قاله قتادة. # والثاني: أنها البيوت الخربة، والمتاع: قضاء الحاجة فيها من الغائط ~~والبول، قاله عطاء. # والثالث: أنها بيوت مكة، قاله محمد بن الحنفية. # والرابع: حوانيت التجار التي بالأسواق، قاله ابن زيد. # والخامس: أنها جميع البيوت التي لا ساكن لها، لأن الاستئذان إنما جعل ~~لأجل الساكن، PageV05P353 # قاله ابن ms1604 جريج. فيخرج في معنى " المتاع " ثلاثة أقوال: # أحدهما: الأمتعة التي تباع وتشترى. # والثاني: إلقاء الأذى من الغائط والبول. # والثالث: الانتفاع بالبيوت لاتقاء الحر والبرد. # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون " 30 " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيه المؤمنون لعلكم تفلحون " 31 " PageV05P354 # قوله تعالى: * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) * في " من " قولان: # أحدهما: أنها صلة. # والثاني: أنها أصل،، لأنهم لم يؤمروا بالغض مطلقا، وإنما أمروا بالغض عما ~~لا يحل. # وفي قوله تعالى: * (ويحفظوا فروجهم) * قولان: # أحدهما: عما لا يحل لهم، قاله الجمهور. # والثاني: عن أن ترى، فهو أمر لهم بالاستتار، قاله أبو العالية، وابن زيد. # قوله تعالى: * (ذلك) * إشارة إلى الغض وحفظ الفروج * (أزكى لهم) * أي: ~~خير وأفضل * (إن الله خبير بما يصنعون) * في الأبصار والفروج. ثم أمر ~~النساء بما أمر به الرجال. # قوله تعالى: * (ولا يبدين زينتهن) * أي: لا يظهرنها لغير محرم. وزينتهن ~~على ضربين: خفيفة كالسوارين والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك، وظاهر وهي ~~المشار إليها بقوله [تعالى]: * (إلا ما ظهر منها) * وفيه سبعة أقوال: # أحدها: أنها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود; وفي لفظ آخر قال: هو ~~الرداء. # والثاني: أنها الكف والخاتم والوجه. # والثالث: الكحل والخاتم، رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والرابع: القلبان، وهما السواران والخاتم والكحل، قاله المسور بن مخرمة. ~~والخامس: الكحل والخاتم والخضاب، قاله مجاهد. # والسادس: الخاتم والسوار، قاله الحسن. # والسابع: الوجه والكفان، قاله الضحاك. قال القاضي أبو يعلى: والقول الأول ~~أشبه، وقد PageV05P355 # نص عليه أحمد، ms1605 فقال: الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شئ منها عورة حتى ~~الظفر، ويفيد هذا تحريم النظر إلى شئ من الأجنبيات لغير عذر، أن يريد أن ~~يتزوجها أو يشهد عليها، فإنه ينظر في الحالين إلى وجهها; خاصة فأما النظر ~~إليها بغير عذر، فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها، وسواء في ذلك الوجه والكفان ~~وغيرهما من البدن. فإن قيل: فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها؟! فالجواب: # أن في تغطيته مشقة، فعفي عنه. # قوله تعالى: * (وليضربن بخمرهن) * وهي جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة ~~رأسها، والمعنى: وليلقين مقانعهن * (على جيوبهن) * ليسترن بذلك شعورهن ~~وقرطهن وأعناقهن. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم النخعي، والأعمش: ~~" على جيوبهن " بكسر الجيم، * (ولا يبدين زينتهن) * يعني: الخفية، وقد سبق ~~بيانها * (إلا لبعولتهن) * قال ابن عباس: لا يضعن الجلباب والخمار إلا ~~لأزواجهن. # قوله تعالى: * (أو نسائهن) * يعني: المسلمات. قال أحمد: لا يحل للمسلمة ~~أن تكشف رأسها عند نساء أهل الذمة، واليهودية والنصرانية لا تقبلان ~~المسلمة. # قوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانهن) * قال أصحابنا: المراد به: الإماء ~~دون العبيد. وقال أصحاب الشافعي: يدخل فيه العبيد، يجوز للمرأة عندهم أن ~~تظهر لمملوكها ما تظهر لمحارمها، لأن مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه محرم ~~لها وعندنا أنه ليس بمحرم، ولا يجوز أن ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقد نص ~~أحمد على أنه لا يجوز أن ينظر إلى شعر مولاته. قال القاضي أبو يعلى: وإنما ~~ذكر الإماء في الآية، لأنه قد يظن الظان أنه لا يجوز أن تبدي زينتها ~~للاماء، لأن الذين تقدم ذكرهم أحرار، فلما ذكر الإماء زال الإشكال. # قوله تعالى: * (أو التابعين) * وهم الذين يتبعون القوم ويكونون معهم ~~لإرفاقهم إياهم، أو لأنهم نشأوا فيهم. وللمفسرين في هذا التابع ستة أقوال: # أحدها: أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل، قاله ~~قتادة، وكذلك قال مجاهد: هو الأبلة الذي يريد الطعام ولا يريد النساء. # والثاني: أنه العنين، قاله عكرمة. # والثالث: المخنث كان يتبع الرجل يخدمه بطعامه، ولا يستطيع غشيان النساء ~~ولا ms1606 يشتهيهن، قاله الحسن. # والرابع: أنه الشيخ الفاني. # والخامس: أنه الخادم، قالهما ابن السائب. # والسادس: أنه الذي لا يكترث بالنساء، إما لكبر أو لهرم أو لصغر، ذكره ابن ~~المنادي من PageV05P356 # أصحابنا. قال الزجاج: " غير " صفة للتابعين. وفيه دليل على أن قوله: * ~~(أو ما ملكت أيمانهن) * معناه: * (غير أولي الأربعة من الرجال) * والمعنى: ~~ولا يبدين زينتهن لمماليكهن، ولا لتباعهن، إلا أن يكونوا غير أولي الإربة، ~~والإربة: الحاجة، ومعناه: غير ذوي الحاجات إلى النساء. # قوله تعالى: * (أو الطفل) * قال ابن قتيبة: يريد الأطفال، بدليل قوله ~~تعالى: * (لم يظهروا على عورات النساء) * أي: لم يعرفوها. # قوله تعالى: * (ولا يضربن بأرجلهن) * أي: بإحدى الرجلين على الأخرى ليضرب ~~الخلخال الخلخال فيعلم أن عليها خلخالين. # وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله والله واسع عليم " 32 " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى ~~يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتيانكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم " 33 " ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من ~~الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين " 34 " [قوله تعالى]: * (وأنكحوا ~~الأيامى) * وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: # رجل أيم وامرأة أيم، ورجل أرمل وامرأة أرملة، ورجل بكر وامرأة بكر: إذا ~~لم يتزوجا، وامرأة ثيب ورجل ثيب: إذا كانا قد تزوجا، * (والصالحين من ~~عبادكم) * أي: من عبيدكم، يقال: عبد وعباد وعبيد، كما يقال: كلب وكلاب ~~وكليب. وقرأ الحسن، ومعاذ القارئ: " من عبيدكم ". # قال المفسرون: والمراد بالآية الندب. ومعنى الصلاح هاهنا: الإيمان. ~~والمراد بالعباد: # المملوكون، فالمعنى: زوجوا المؤمنين من عبيدكم وولائدكم. ثم رجع إلى ~~الأحرار فقال: * (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) * فأخبرهم أن النكاح ~~سبب لنفي الفقر. # قوله تعالى: * (وليستعفف الذين لا يجحدون نكاحا) * أي: وليطلب العفة عن ~~الزنا والحرام من لا يجد ما ينكح ms1607 به من صداق ونفقة. وقد روى ابن مسعود عن ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أنه قال: " يا PageV05P357 # معشر الشباب عليكم بالباءة، فمن لم يجد فعليه بالصيام فإنه له وجاء ". # قوله تعالى: * (والذين يبتغون الكتاب) * أي: يطلبون المكاتبة من العبيد ~~والإماء على أنفسهم، * (فكاتبوهم) * فيه قولان: # أحدهما: أنه مندوب إليه، قاله الجمهور. # والثاني: أنه واجب، قاله عطاء، وعمرو بن دينار. وذكر المفسرون: أنها نزلت ~~في غلام لحويطب بن عبد العزي يقال له: صبيح، سأل مولاه الكتابة فأبى عليه، ~~فنزلت هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا. # قوله تعالى: * (إن علمتم فيهم خيرا) * فيه ستة أقوال: # أحدها: إن علمتم لهم مالا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وعطاء، والضحاك. # والثاني: إن علمتم لهم حيلة، يعني: الكسب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثالث: إن علمتم فيهم دينا، قاله الحسن. # والرابع: إن علمتم أنهم يريدون بذلك الخير، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: إن أقاموا الصلاة، قاله عبيدة السلماني. # والسادس: إن علمتم لهم صدقا ووفاء، قاله إبراهيم. # قوله تعالى: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * فيه قولان: # أحدهما: أنه خطاب للأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة، أمروا أن يعطوا ~~المكاتبين من سهم الرقاب، روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: هو سهم ~~الرقاب يعطى منه المكاتبون. # والثاني: أنه خطاب للسادة، أمروا أن يعطوا مكاتبيهم من كتابتهم شيئا. قال ~~أحمد والشافعي: الإيتاء واجب، وقدره أحمد بربع مال الكتابة. وقال الشافعي: ~~ليس بمقدر. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب الإيتاء. وقد روي عن عمر بن ~~الخطاب أنه كاتب غلاما له يقال له: أبو أمية، فجاءه بنجمه حين حل; فقال ~~اذهب يا أبا أمية فاستعن به في مكاتبتك، قال: يا أمير المؤمنين لو أخرته ~~حتى يكون في آخر النجوم، فقال: يا أبا أمية: إني أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم ~~قرأ: # " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم "، قال عكرمة: وكان ذلك أول نجم أدي في ~~الإسلام. PageV05P358 # قوله ms1608 تعالى: * (ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء) * روى مسلم في " صحيحه " ~~من حديث أبي سفيان عن جابر، قال: كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له: ~~اذهبي فابغينا شيئا، فنزلت هذه الآية. قال المفسرون: وكان له جاريتان، ~~معاذة ومسيكة، فكان يكرههما على الزنا، ويأخذ منهما الضريبة، وكذلك كانوا ~~يفعلون في الجاهلية، يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: ~~إن هذا الأمر الذي نحن فيه إن كان خيرا فقد استكثرنا منه، وإن كان شرا فقد ~~آن لنا أن ندعه، فنزلت هذه الآية. وزعم مقاتل أنها نزلت في ست جوار كن لعبد ~~الله بن أبي، معاذة، ومسيكة، وأميمة، وقتيلة، وعمرة، وأروى. فأما الفتيات، ~~فهن الإماء. والبغاء: الزنا. # والتحصن: التعفف. واختلفوا في معنى * (إن أردن تحصنا) * على أربعة أقوال: # أحدها: أن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكرناه، فخرج النهي عن صفة ~~السبب، وإن لم يكن شرطا فيه. # والثاني: إنه إنما شرط إرادة التحصن، لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة ~~التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن، فإنها تبغي بالطبع. # والثالث: أن " إن " بمعنى " إذ " ومثله: * (وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين) * * (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) *. # والرابع: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: " وأنكحوا الأيامي " إلى ~~قوله: # " وإمائكم " " إن أردن تحصنا " ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء * (لتبتغوا ~~عرض الحياة الدنيا) * وهو كسبهن وبيع أولادهن * (ومن يكرههن فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم) * وللمكرهات * (رحيم) * وقرأ ابن عباس، وأبو عمران ~~الجوني، وجعفر بن محمد: " من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ". # قوله تعالى: * (آيات مبينات) * قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة غير أبي بكر، ~~وأبان: " مبينات " بكسر الياء في الموضعين في هذه السورة وآخر سورة الطلاق. # قوله تعالى: * (ومثلا من الذين خلوا) * أي: شبها من حالهم بحالكم أيها ~~المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق المكذبين قبلهم. # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~PageV05P359 # الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ms1609 ولا غربية ~~يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم " 35 " قوله تعالى: * (الله ~~نور السماوات والأرض) * فيه قولان: # أحدهما: هادي أهل السماوات والأرض، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه ~~قال أنس بن مالك، وبيان هذا أن النور في اللغة: الضياء، وهو الذي تصل به ~~الأبصار إلى مبصراتها، فورد النور مضافا إلى الله تعالى، لأنه هو الذي يهدي ~~المؤمنين ويبين لهم ما يهتدون به. فالخلائق بنوره يهتدون. # والثاني: مدبر السماوات والأرض، قاله مجاهد، والزجاج. وقرأ أبي ابن كعب، ~~وأبو المتوكل، وابن السميفع: " الله نور " بفتح النون والواو وتشديدها ونصب ~~الراء " السماوات " بالخفض " والأرض " بالنصب. # قوله تعالى: * (مثل نوره) * في هاء الكناية أربعة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الله عز وجل، قال ابن عباس: مثل هداه في قلب ~~المؤمن. # والثاني: أنها ترجع إلى المؤمن، فتقديره: مثل نور المؤمن، قاله أبي ابن ~~كعب. وكان أبي وابن مسعود يقرآن: " مثل نور المؤمنين ". # والثالث: أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قاله كعب. # والرابع: أنها ترجع إلى القرآن، قاله سفيان. فأما المشكاة، ففيها ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها في موضع الفتيلة الذي هو كالأنبوب، والمصباح: الضوء، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أنها القنديل، والمصباح: الفتيلة، قاله مجاهد. # والثالث: أنها الكوة التي لا منفذ لها، والمصباح: السراج، قاله كعب، ~~وكذلك قال الفراء: المشكاة: الكوة التي ليست بنافذة. وقال ابن قتيبة: ~~المشكاة: الكوة بلسان الحبشة. # وقال الزجاج: هي من كلام العرب، والمصباح: السراج. وإنما ذكر الزجاجة، ~~لأن النور في الزجاج أشد ضوءا منه في غيره. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وابن ~~أبي عبلة: " في زجاجة الزجاجة " بفتح الزاء فيهما. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم ~~الجحدري، وابن يعمر: بكسر الزاء فيهما. وقال بعض أهل المعاني: معنى الآية: ~~كمثل مصباح في مشكاة، فهو من المقلوب. PageV05P360 # فأما الدري، فقرأ أبو عمرو، والكسائي، وأبان عن عاصم " دري " بكسر الدال ~~وتخفيف الياء ممدودا مهموزا. قال ابن قتيبة: ms1610 المعنى على هذا: إنه من ~~الكواكب الدراريء، وهي اللاتي يدرأن عليك، أي: يطلعن. وقال الزجاج: هذا ~~مأخوذ من درأ يدرأ: إذا اندفع منقضا فتضاعف نوره، يقال: تدارأ الرجلان: إذا ~~تدافعا. وروى المفضل عن عاصم كسر الدال وتشديد الياء من غير همز ولا مد، ~~وهي قراءة عبد الله بن عمرو، والزهري. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~بضم الدال وكسر الراء وتشديد الياء من غير مد ولا همز، وقرأ عثمان بن عفان، ~~وابن عباس، وعاصم الجحدري: " دريء " بفتح الدال وكسر الراء ممدودا مهموزا. ~~وقرأ أبي بن كعب، وسعيد بن المسيب، وقتادة: بفتح الدال وتشديد الراء والياء ~~من غير مد ولا همز. وقرأ ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وابن ~~يعمر: بفتح الدال وكسر الراء مهموزا مقصورا. قال الزجاج: الدريء: منسوب إلى ~~أنه كالدر في صفائه وحسنه. وقال الكسائي: # الدريء: يشبه الدر، والدريء: جار، والدرء: يلتمع، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن ~~عاصم، والوليد بن عتبة عن ابن عامر: بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات ~~الهمزة والمد، قال الزجاج: # والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا; وقال الفراء: ليس هذا بجائز في ~~العربية، لأنه ليس في الكلام " فعيل " إلا أعجمي، مثل مريق، وما أشبهه. ~~وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: # المريق: العصفر، أعجمي معرب، وليس في كلامهم اسم على زنة فعيل. قال أبو ~~علي: وقد حكى سيبويه عن أبي الخطاب: كوكب دريء: من الصفات، ومن الأسماء: ~~المريق: العصفر. # قوله تعالى: * (توقد) * قرأ ابن كثير. وأبو عمرو: بالتاء المفتوحة وتشديد ~~القاف ونصب الدال، يريدان المصباح، لأنه هو الذي يوقد. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: # " يوقد " بالياء مضمومة مع ضم الدال، يريدون المصباح أيضا. وقرأ حمزة ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " توقد " بضم التاء والدال، يريدون الزجاجة، ~~قال الزجاج: والمقصود: مصباح الزجاجة، فحذف المضاف. # قوله تعالى: * (من شجرة) * أي: من زيت شجرة، فحذف المضاف، يدلك على ذلك ~~قوله تعالى: * (يكاد زيتها يضيء) *; والمراد بالشجرة هاهنا: شجرة الزيتون، ~~وبركتها من وجوه، فإنها تجمع ms1611 الأدم والدهن والوقود، فيوقد بحطب الزيتون، ~~ويغسل برماده الإبريسم، ويستخرج دهنه أسهل استخراج، ويورق غصنه من أوله إلى ~~آخره. وإنما خصت بالذكر هاهنا دون غيرها، لأن دهنها أصفى وأضوأ. # قوله تعالى: * (لا شرقية ولا غربية) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بين الشجر، فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس، قاله أبي بن ~~كعب، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. PageV05P361 # والثاني: أنها في الصحراء لا يظلها جبل ولا كهف، ولا يواريها شئ، فهي ~~أجود لزيتها، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والزجاج. # والثالث: أنها من شجر الجنة، لا من شجرة الدنيا، قاله الحسن. # قوله تعالى: * (يكاد زيتها يضيء) * أي: يكاد من صفائه يضيء قبل أن تصيبه ~~النار بأن يوقد به. * (نور على نور) * قال مجاهد: النار على الزيت. وقال ~~ابن السائب: المصباح نور، والزجاجة نور. وقال أبو سليمان الدمشقي: نور ~~النار، ونور الزيت، ونور الزجاجة، * (يهدي الله لنوره) * فيه أربعة أقوال: # أحدها: لنور القرآن. # والثاني: لنور الإيمان. # والثالث: لنور محمد صلى الله عليه وسلم. # والرابع: لدينه الإسلام. # فصل فأما وجه هذا المثل، ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه شبه نور محمد صلى الله عليه وسلم بالمصباح النير; فالمشكاة ~~جوف رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، والمصباح النور الذي في قلبه، ~~والزجاجة قلبه، فهو من شجرة مباركة، وهو إبراهيم عليه السلام، سماه شجرة ~~مباركة، لأن أكثر الأنبياء من صلبه " لا شرقية ولا غربية " لا يهودي ولا ~~نصراني، يكاد محمد [صلى الله عليه وسلم] يتبين للناس أنه نبي ولو لم يتكلم. ~~وقال القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: # إسماعيل، والمصباح: محمد، صلوات الله عليهم أجمعين. وقال الضحاك: شبه عبد ~~المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، ومحمدا صلى الله عليه وسلم بالمصباح. ~~PageV05P362 # والثاني: أنه شبه نور الإيمان في قلب المؤمن بالمصباح، فالمشكاة: قلبه، ~~والمصباح: # نور الإيمان فيه. وقيل: المشكاة: صدره، والمصباح: القرآن والإيمان اللذان ~~في صدره، والزجاجة: قلبه، فكأنه مما فيه من القرآن والإيمان كوكب مضيء توقد ~~من شجرة، وهي الإخلاص، فمثل الإخلاص عنده كشجرة لا ms1612 تصيبها الشمس، فكذلك هذا ~~المؤمن قد احترس من أن تصيبه الفتن، فإن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن قال ~~صدق، وإن حكم عدل، فقلب المؤمن يعم بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه ~~العلم ازداد هدى على هدى كما يكاد هذا الزيت يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا ~~مسته اشتد نوره، فالمؤمن كلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ~~ومصيره إلى نور يوم القيامة. # والثالث: أنه شبه القرآن بالمصباح يستضاء به ولا ينقص، والزجاجة: قلب ~~المؤمن، والمشكاة: لسانه وفمه، والشجرة المباركة: شجرة الوحي، تكاد حجج ~~القرآن تتضح وإن لم نقرأ. وقيل: تكاد حجج الله تضيء لمن فكر فيها وتدبرها ~~ولو لم ينزل القرآن، " نور على نور " أي: القرآن نور من الله لخلقه مع ما ~~قد قام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن. # قوله تعالى: * (ويضرب الله الأمثال) * أي: ويبين الله الأشباء للناس ~~تقريبا إلى الأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك. # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال " ~~36 " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار " 37 " ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب " 38 " قوله تعالى: * (في ~~بيوت) * قال الزجاج: * (في) * من صلة قوله: " كمشكاة "، فالمعنى: ~~PageV05P363 # كمشكاة في بيوت; ويجوز أن تكون متصلة بقوله: " يسبح له فيها " فتكون فيها ~~تكريرا على التوكيد; والمعنى: يسبح لله رجال في بيوت. # فإن قيل: المشكاة إنما تكون في بيت واحد، فكيف قال: " في بيوت "؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أنه من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع، كقوله ~~تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) *. # والثاني: أنه راجع إلى كل واحد من البيوت، فالمعنى: في كل بيت مشكاة. ~~وللمفسرين في المراد بالبيوت ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها المساجد، [قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. # والثالث: بيت المقدس، قاله الحسن. ms1613 # فأما * (أذن) * فمعنا: أمر. وفي معنى * (أن ترفع) * قولان: # أحدهما: أن تعظم، قاله الحسن، والضحاك. # والثاني: أن تبنى، قاله مجاهد، وقتادة. وفي قوله تعالى: * (ويذكر فيها ~~اسمه) * قولان: # أحدهما: توحيده; رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يتلى فيها كتابه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: * (يسبح) * قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: " يسبح " بكسر الباء; وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بفتحها. ~~وقرأ معاذ القارئ، وأبو حيوة: " تسبح " بتاء مرفوعة وكسر الباء ورفع الحاء. ~~وفي قوله تعالى: * (يسبح له فيها) * قولان: # أحدهما: أنه الصلاة. ثم في صلاة الغدو قولان: أحدهما: أنها صلاة الفجر، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: صلاة الضحى، روى ابن أبي مليكة عن ~~ابن عباس قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله، وما يغوص عليها إلا غواص، أن ~~ثم قرأ " يسبح له فيها بالغدو والآصال ". وفي صلاة الآصال قولان: # أحدهما: أنها صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قاله ابن السائب. # والثاني: صلاة العصر، قاله أبو سليمان الدمشقي. PageV05P364 # والقول الثاني: أنه التسبيح المعروف، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: * (رجال لا تلهيهم) * أي: لا تشغلهم * (تجارة ولا بيع) * قال ~~ابن السائب: # التجار: الجلابون، والباعة: المقيمون. وقال الواقدي: التجارة هاهنا بمعنى ~~الشراء. وفي المراد بذكر الله ثلاثة أقوال: # أحدها: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس، وعطاء. وروى سالم عن ابن عمر أنه ~~كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن ~~عمر: فيهم نزلت " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ". # والثاني: عن القيام بحق الله، قاله قتادة. # والثالث: عن ذكر الله باللسان، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: * (وإقام الصلاة) * أي: أداؤها لوقتها وإتمامها. فإن قيل: ~~إذا كان المراد بذكر الله الصلاة، فما معنى إعادتها؟ فالجواب: أنه بين أنهم ~~يقيمونها بأدائها في وقتها. # قوله تعالى: * (تتقلب فيه القلوب والأبصار) * في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن من كان قلبه مؤمنا بالبعث والنشور، ازداد بصيرة برؤية ما وعد ~~به; ms1614 ومن كان قلبه على غير ذلك، رأى ما يوقن معه بأمر القيامة، قاله الزجاج. # والثاني: أن القلوب تتقلب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، ~~والأبصار تتقلب، تنظر من أين يؤتون كتبهم، أمن قبل اليمين، أم من قبل ~~الشمال؟ وأي ناحية يؤخذ بهم، أذات اليمين، أم ذات الشمال؟ قاله ابن جرير. # والثالث: تتقلب القلوب فتبلغ إلى الحناجر، وتتقلب الأبصار إلى الزرق بعد ~~الكحل والعمى بعد النظر. # قوله تعالى: * (ليجزيهم) * المعنى: يسبحون الله ليجزيهم * (أحسن ما ~~عملوا) * أي: # ليجزيهم بحسناتهم. فأما مساوئهم فلا يجزيهم بها * (ويزيدهم من فضله) * ما ~~لم يستحقوه بأعمالهم * (والله يرزق من يشاء بغير حساب) * قد شرحناه في (آل ~~عمران). PageV05P365 # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب " 39 " أو كظلمات في ~~بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج ~~يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور " 40 " ثم ضرب ~~الله مثلا للكفار فقال: * (والذين كفروا أعمالهم كسراب) * قال ابن قتيبة: # السراب: ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار، والآل: ما رأيته في أول ~~النهار وآخره، وهو يرفع كل شئ، والقيعة والقاع واحد. وقرأ أبي بن كعب، ~~وعاصم الجحدري، وابن السميفع: # " بقيعات ". وقال الزجاج: القيعة جمع قاع، مثل جار وجيرة، والقيعة ~~والقاع: ما انبسط من الأرض ولم يكن فيه نبات، فالذي يسير فيه يرى كأن فيه ~~ماء يجري، وذلك هو السراب، والآل مثل السراب، إلا أنه يرتفع وقت الضحى - ~~كالماء - بين السماء والأرض يحسبه الظمآن - وهو الشديد العطش - ماء، حتى ~~إذا جاء إلى موضع السراب رأى أرضا لا ماء فيها، فأعلم الله أن الكافر الذي ~~يظن أن عمله قد نفعه عند الله - كظن الذي يظن السراب ماء - وعمله قد حبط. # قوله تعالى: * (ووجد الله عنده) * أي: قدم على الله * (فوفاه حسابه) * ~~أي: جازاه بعمله; وهذا في الظاهر خبر عن ms1615 الظمآن، والمراد به الخبر عن ~~الكافر. # قوله تعالى: * (والله سريع الحساب) * مفسر [سورة] في البقرة: # قوله تعالى: * (أو كظلمات) * في هذا المثل قولان: # أحدهما: أنه لعمل الكافر، قاله الجمهور، واختاره الزجاج. # والثاني: أنه مثل لقلب الكافر في أنه لا يعقل ولا يبصر، قاله الفراء. ~~فأما اللجي، فهو العظيم اللجة، وهو العميق * (يغشاه) * أي: يعلو ذلك البحر ~~* (موج من فوقه) * أي: من فوق الموج موج، والمعنى: يتبع الموج موج، حتى كأن ~~بعضه فوق بعض، * (من فوقه) * أي: من فوق ذلك الموج * (سحاب) *. # ثم ابتدأ فقال: * (ظلمات) * يعني: ظلمة البحر، وظلمة الموج الأول، وظلمة ~~الموج الذي فوق الموج، وظلمة السحاب. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن: " سحاب ~~ظلمات " مضافا. * (إذا أخرج يده) * يعني: إذا أخرجها مخرج، * (لم يكد ~~يراها) * فيه قولان: PageV05P366 # أحدهما: أنه لم يرها، قاله الحسن، واختاره الزجاج. قال: لأن في دون هذه ~~الظلمات لا يرى الكف; وكذلك قال ابن الأنباري: معناه: لم يرها البتة، لأنه ~~قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمات على أن الرؤية معدومة، فبان بهذا ~~الكلام أن " يكد " زائدة للتوكيد، بمنزلة " ما " في قوله تعالى: * (عما ~~قليل ليصبحن نادمين) *. # والثاني: أنه لم يرها إلا بعد الجهد، قاله المبرد. قال الفراء: وهذا كما ~~تقول: ما كدت أبلغ إليك، وقد بلغت، قال الفراء: وهذا وجه العربية. # فصل وأما وجه المثل، فقال المفسرون: لما ضرب الله للمؤمن مثلا بالنور، ~~ضرب للكافر هذا المثل بالظلمات; والمعنى: أن الكافر في حيرة لا يهتدي لرشد. ~~وقيل: الظلمات: ظلمة الشرك وظلمة المعاصي. وقال بعضهم: ضرب الظلمات مثلا ~~لعمله، والبحر اللجي لقلبه، والموج لما يغشى قلبه من الشرك والجهل والحيرة، ~~والسحاب للرين والختم على قلبه، فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ~~ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة. # قوله تعالى: * (لم يجعل الله له نورا) * فيه قولان: # أحدهما: دينا وإيمانا، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: هداية، قاله الزجاج. # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله ms1616 عليم بما يفعلون " 41 " ولله ملك السماوات والأرض وإلى ~~الله المصير " 42 " قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ~~والأرض) * قد تقدم تفسيره. # قوله تعالى: * (والطير) * أي: وتسبح له الطير * (صافات) * أي: باسطات ~~أجنحتها في الهواء. وإنما خص الطير بالذكر، لأنها تكون بين السماء والأرض ~~إذا طارت، فهي خارجة عن جملة من في السماوات والأرض. # قوله تعالى: * (كل) * أي: من الجملة التي ذكرها * (قد علم صلاته وتسبيحه) ~~* قال المفسرون: الصلاة، لبني آدم، والتسبيح، لغيرهم من الخلق. وفي المشار ~~إليه بقوله: " قد PageV05P367 # علم " قولان: # أحدهما: أنه الله تعالى، والمعنى: قد علم الله صلاة المصلي وتسبيحه، قاله ~~الزجاج. # والثاني: أنه المصلي والمسبح. ثم فيه قولان: أحدهما: قد علم المصلي ~~والمسبح صلاة نفسه وتسبيحه، أي: قد عرف ما كلف من ذلك. والثاني: قد علم ~~المصلي صلاة الله وتسبيحه، أي: علم أن ذلك لله تعالى وحده. # وقرأ قتادة، وعاصم الجحدري، وابن يعمر: " كل قد علم " برفع العين وكسر ~~اللام " صلاته وتسبيحه " بالرفع فيهما. # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج ~~من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن ~~من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " 43 " يقلب الله الليل والنهار إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار " 44 " قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يزجي سحابا) ~~* أي: يسوقه * (ثم يؤلف بينه) * أي: يضم بعضه إلى بعض، فيجعل القطع ~~المتفرقة قطعة واحدة. والسحاب لفظه لفظ الواحد، ومعناه الجمع، فلهذا قال: * ~~(يؤلف بينه ثم يجعله ركاما) * أي: يجعل بعض السحاب فوق بعض * (فترى الودق) ~~* وهو المطر. قال الليث: الودق: المطر كله شديده وهينه. # قوله تعالى: * (من خلاله) * وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ~~ومجاهد، والضحاك: " من خلله ". والخلال: جمع خلل، مثل: جبال وجبل. * (وينزل ~~من السماء) * مفعول الإنزال محذوف، تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها ~~من برد بردا، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه. و ms1617 " من " الأولى، ~~لابتداء الغاية، لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية، للتبعيض، لأن ~~الذي ينزله الله بعض تلك الجبال، والثالثة، لتبيين الجنس، لأن جنس تلك ~~الجبال جنس البرد; قال المفسرون: وهي جبال في السماء مخلوقة من برد. وقال ~~الزجاج: معنى الكلام: وينزل من السماء من جبال برد فيها، كما تقول: هذا ~~خاتم في يدي من حديد، المعنى: هذا خاتم حديد في يدي. # قوله تعالى: * (فيصيب به) * أي البرد * (من يشاء) * فيضره في زرعه وثمره. ~~والسنا: الضوء، * (يذهب) * PageV05P368 # وقرأ مجاهد، وأبو جعفر: " يذهب " بضم الياء وكسر الهاء. * (يقلب الله ~~الليل والنهار) * أي: # يأتي بهذا، ويذهب بهذا * (إن في ذلك) * التقلب * (لعبرة لأولي الأبصار) * ~~أي: دلالة لأهل البصائر والعقول على وحدانية الله وقدرته. # والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير " ~~45 " قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة) * وقرأ حمزة، والكسائي: " والله ~~خالق كل دابة من ماء) * وفي الماء قولان: # أحدهما: أن الماء أصل كل دابة. # والثاني: أنه النطفة، والمراد به: جميع الحيوان المشاهد في الدنيا. وإنما ~~قال: " فمنهم " تغليبا لما يعقل. وإنما لم يذكر الذي يمشي على أكثر من ~~أربع، لأنه في رأي العين كالذي يمشي على أربع، وقيل: لأنه يعتمد في المشي ~~على أربع. وإنما سمي السائر على بطنه ماشيا، لأن كل سائر ومستمر يقال له: ~~ماش وإن لم يكن حيوانا، حتى إنه يقال: قد مشى هذا الأمر، هذا قول الزجاج. ~~وقال أبو عبيدة: إنما هذا على سبيل التشبيه بالماشي، لأن المشي لا يكون على ~~البطن، إنما يكون لمن له قوائم، فإذا خلطوا ماله قوائم بما لا قوائم له، ~~جاز ذلك، كما يقولون: أكلت خبزا ولبنا، ولا يقال: أكلت لبنا. # لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم " 46 " ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين " 47 ms1618 " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق ~~منهم معرضون " 48 " وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين " 49 " أفي قلوبهم ~~مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ~~" 50 " إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون " 51 " ومن يطع PageV05P369 # الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " 52 " قوله تعالى: * ~~(ويقولون آمنا بالله) * قال المفسرون: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: # بشر كان بينه وبين يهودي حكومة، فدعا اليهودي المنافق إلى رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] ليحكم بينهما، فقال المنافق لليهودي: إن محمدا يحيف علينا، ~~ولكن بيني وبينك كعب بن الأشرف، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: * (ثم يتولى فريق منهم) * يعني: المنافقين * (من بعد ذلك) * ~~أي: من بعد قولهم: آمنا * (وما أولئك) * يعني: المعرضين عن حكم الله ورسوله ~~* (بالمؤمنين. وإذا دعوا إلى الله) * أي: إلى كتابه * (ورسوله ليحكم بينهم) ~~* الرسول * (إذا فريق منهم معرضون) * ومعنى الكلام: أنهم كانوا يعرضون عن ~~حكم الرسول عليهم، لعلمهم أنه يحكم بالحق; وإن كان الحق لهم على غيرهم، ~~أسرعوا إلى حكمه مذعنين، لثقتهم أنه يحكم لهم بالحق. قال الزجاج: # والإذعان في اللغة: الإسراع مع الطاعة، تقول: قد أذعن، أي: قد طاوعني لما ~~كنت ألتمسه منه. # قوله تعالى: * (أفي قلوبهم مرض) * أي: كفر * (أم ارتابوا) * أي: شكوا في ~~القرآن؟ وهذا استفهام ذم وتوبيخ، والمعنى: إنهم كذلك، وإنما ذكره بلفظ ~~الاستفهام ليكون أبلغ في ذمهم، كما قال جرير في المدح. # ألستم خير من ركب المطايا أي: أنتم كذلك. فأما الحيف، فهو: الميل في ~~الحكم; يقال: حاف في قضيته، أي: # جار، * (بل أولئك هم الظالمون) * أي: لا يظلم الله ورسوله أحدا، بل هم ~~الظالمون لأنفسهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول. # ثم نعت المؤمنين، فقال: * (إنما كان قول المؤمنين) * قال الفراء: ليس هذا ~~بخبر ماض، وإنما المعنى: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا أن ~~يقولوا ms1619 سمعنا. وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء: " إنما كان قول المؤمنين " بضم ~~اللام. وقرأ أبو جعفر، وعاصم الجحدري، وابن أبي عبلة: " ليحكم بينهم " برفع ~~الياء وفتح الكاف. قال المفسرون: والمعني: سمعنا قول رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] وأطعنا أمره، وإن كان ذلك فيما يكرهونه. # قوله تعالى: * (ويخش الله) * أي: فيما مضى من ذنوبه * (ويتقه) * فيما بعد ~~أن يعصيه. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وورش عن نافع: " ويتقهي " قال ~~موصولة بياء. وروى قالون عن نافع: " ويتقه فأولئك " بكسر الهاء لا يبلغ بها ~~الياء. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن PageV05P370 # عاصم: " ويتقه " جزما. # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة ~~إن الله خبير بما تعملون " 53 " قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا ~~فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين " 54 " قوله تعالى: * (وأقسموا بالله) * قال المفسرون: لما ~~نزل في هؤلاء المنافقين ما نزل من بيان كراهتهم لحكم الله، قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا ~~لخرجنا، فكيف لا نرضى حكمك؟! فنزلت هذه الآية وقد بينا معنى * (جهد ~~أيمانهم) *، * (لئن أمرتهم ليخرجن) * من أموالهم وديارهم، وقيل: ليخرجن إلى ~~الجهاد * (قل لا تقسموا) * هذا تمام الكلام; ثم قال: * (طاعة معروفة) * قال ~~الزجاج: المعنى: أمثل من قسمكم الذي لا تصدقون فيه طاعة معروفة. قال ابن ~~قتيبة: وبعض النحويين يقول: الضمير فيها: لتكن منكم طاعة معروفة، أي: صحيحة ~~لا نفاق فيها. # قوله تعالى: * (فان تولوا) * هذا خطاب لهم، والمعنى: فان تتولوا، فحذف ~~إحدى التاءين، ومعنى التولي: الإعراض عن طاعة الله ورسوله، * (فإنما عليه) ~~* يعني: الرسول * (ما حمل) * من التبليغ * (وعليكم ما حملتم) * من الطاعة; ~~وذكر بعض المفسرين أن هذا منسوخ بآية السيف، وليس بصحيح. # قوله تعالى: * (وإن تطيعوه) * يعني: رسول الله [صلى الله عليه وسلم] * ~~(تهتدوا) *، وكان بعض السلف يقول: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق ~~بالحكمة، ومن أمر البدعة ms1620 الهوى على نفسه قولا وفعلا، نطق بالبدعة، لقوله ~~تعالى: * (وإن تطيعوه تهتدوا) *. # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني PageV05P371 # لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " 55 " وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون " 56 " قوله تعالى: * ~~(وعد الله الذين آمنوا منكم) * روى أبو عبد الله الحاكم في " صحيحه " من ~~حديث أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا في ~~السلاح، ولا يصبحون إلا في لأمتهم، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين ~~مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل؟! فنزلت هذه الآية. قال أبو العالية: # لما أظهر الله عز وجل رسوله على جزيرة العرب، وضعوا السلاح وأمنوا، ثم ~~قبض الله نبيه، فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، حتى ~~وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة، فأدخل الله عز وجل عليهم الخوف، فغير ~~الله تعالى ما بهم. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذا الوعد وعده الله أمة ~~محمد في التوراة والإنجيل. وزعم مقاتل أن كفار مكة لما صدوا رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] والمسلمين عن العمرة عام الحديبية، قال المسلمون. لو أن ~~الله تعالى فتح علينا مكة، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: * (ليستخلفنهم) * أي: ليجعلنهم يخلفون من قبلهم، والمعنى: ~~ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها. ~~وعلى قول مقاتل: المراد بالأرض مكة. # قوله تعالى: * (كما استخلف الذين من قبلهم) * وقرأ أبو بكر عن عاصم: " ~~كما استخلف " بضم التاء وكسر اللام; يعني: بني إسرائيل، وذلك أنه لما هلكت ~~الجبابرة بمصر، أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم. # قوله تعالى: * (وليمكنن لهم دينهم) * وهو الإسلام، وتمكينه: إظهاره على ~~كل دين، * (وليبدلنهم) * وقرأ ابن كثير، وأبو بكر، وأبان، ويعقوب: " ~~وليبدلنهم " بسكون الباء وتخفيف الدال * (من ms1621 بعد خوفهم أمنا) * لأنهم كانوا ~~مظلومين مقهورين، * (من بعد خوفهم أمنا) * لأنهم كانوا مظلومين مقهورين، * ~~(يعبدونني) * هذا استئناف كلام في الثناء عليهم، * (ومن كفر بعد ذلك) * ~~بهذه النعم، أي: من جحد حقها. قال المفسرون: وأول من كفر بهذه النعم قتله ~~عثمان. # لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير " 57 " ~~قوله تعالى: * (لا تحسبن الذين كفروا) * قرأ ابن عامر، وحمزة وحفص عن عاصم: ~~" لا PageV05P372 # يحسبن " بالياء وفتح السين. وقرأ الباقون: بالتاء وكسر السين. # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم " 58 " ~~وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا كما استئذن الذين من قبلهم كذلك ~~يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم " 59 " والقواعد من النساء اللاتي لا ~~يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن ~~خير لهن والله سميع عليم " 60 " قوله تعالى: * (ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم) * في سبب نزولها قولان: # أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه غلاما من الأنصار يقال له: ~~مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر على ~~حالة كره عمر رؤيته عليها، فقال: يا رسول الله، وددت له لو أن الله [تعالى] ~~أمرنا ونهانا في حال الاستئذان، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن أسماء بنت مرثد كان لها غلام، فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في ~~حالة نكرهها، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل، ومعنى الآية: ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمانكم; وفيهم قولان: # أحدهما: أنه أراد الذكور دون الإناث، قاله ابن عمر. # والثاني: الذكور والإناث، رواه أبو حصين عن أبي عبد الرحمن. ومعنى ~~الكلام: # ليستأذنكم مماليككم ms1622 في الدخول عليكم. قال القاضي أبو يعلى: والأظهر أن ~~يكون المراد: العبيد الصغار والإماء الصغار، لأن العبد البالغ بمنزلة الحر ~~البالغ في تحريم النظر إلى مولاته، فكيف يضاف إلى الصبيان الذين هم غير ~~مكلفين؟! # قوله تعالى: * (والذين لم يبلغوا الحلم) * وقرأ عبد الوارث: " الحلم " ~~بإسكان اللام PageV05P373 # * (منكم) * أي: من أحراركم من الرجال والنساء * (ثلاث مرات) * أي: ثلاثة ~~أوقات; ثم بينها فقال: * (من قبل صلاة الفجر) * وذلك لأن الإنسان قد يبيت ~~عريانا، أو على حالة لا يحب أن يطلع عليه فيها * (وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة) * أي: القائلة * (ومن بعد صلاة العشاء) * حين يأوي الرجل إلى ~~زوجته، * (ثلاث عورات) * قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص ~~عن عاصم: " ثلاث عورات " برفع الثاء من " ثلاث "، والمعنى: هذه الأوقات هي ~~ثلاث عورات، لأن الإنسان يضع فيها ثيابه، فربما بدت عورته. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: # " ثلاث عورات " بنصب الثاء; قال أبو علي: وجعلوه بدلا من قوله: " ثلاث ~~مرات " والأوقات ليست عورات، ولكن المعنى: أنها أوقات ثلاث عورات، فلما حذف ~~المضاف أعرب [بإعرابه]. وقرأ أبو عبد الرحمن سلمي، وسعيد بن جبير، والأعمش: ~~" عورات " بفتح الواو، * (ليس عليكم) * يعني: المؤمنين الأحرار * (ولا ~~عليهم) * يعني: الخدم والغلمان * (جناح) * أي: # حرج * (بعدهن) * أي: بعد مضي هذه الأوقات أن لا يستأذنوا، فرفع الحرج عن ~~الفريقين، * (طوافون عليكم) * أي: هم، يطوف * (بعضكم على بعض) * أي: يطوف ~~بعضكم وهم المماليك على بعض وهم الأحرار. # فصل وأكثر علماء المفسرين على أن هذه الآية محكمة، وممن روي عنه ذلك ابن ~~عباس، والقاسم ابن محمد، وجابر بن زيد، والشعبي. وحكي عن سعيد بن المسيب ~~أنها منسوخة بقوله: * (وإذا بلغ الأطفال منكم) * أو من الأحرار الحلم، ~~فليستأذنوا، أي: في جميع الأوقات في الدخول عليكم * (كما استأذن الذين من ~~قبلهم) * يعني: كما استأذن الأحرار الكبار، الذين هم قبلهم في الوجود، وهم ~~الذين أمروا بالاستئذان على كل حال; فالبالغ يستأذن في كل وقت، والطفل ~~والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث. # قوله تعالى: * (والقواعد ms1623 من النساء) * قال ابن قتيبة: يعني: العجز، ~~واحدها: قاعد، ويقال: إنما قيل لها: قاعد، لقعودها عن الحيض والولد، وقد ~~تقعد عن الحيض والولد ومثلها يرجو النكاح، ولا أراها سميت قاعدا إلا ~~بالقعود، لأنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة، وأطالت القعود، فقيل ~~لها: " قاعد " بلا هاء، ليدل حذف الهاء على أنه قعود كبر، كما قالوا: " ~~امرأة حامل "، ليدلوا بحذف الهاء على أنه حمل حبل، وقالوا في غير ذلك: ~~قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. # قوله تعالى: * (أن يضعن ثيابهن) * أي: عند الرجال; ويعني بالثياب: ~~الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار، هذا المراد بالثياب، لا جميع ~~الثياب، * (غير متبرجات بزينة) * أي: # من غير أن يردن بوضع الجلباب أن ترى زينتهن; والتبرج: إظهار المرأة ~~محاسنها، * (وأن PageV05P374 # يستعففن) * فلا يضعن تلك الثياب * (خير لهن) *، قال ابن قتيبة: والعرب ~~تقول: امرأة واضع: # إذا كبرت فوضعت الخمار، ولا يكن هذا إلا في الهرمة. قال القاضي أبو يعلى: ~~وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال، ~~وأما شعرها، فيحرم النظر إليه كشعر الشابة. # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون " 61 " قوله تعالى: * ~~(ليس على الأعمى حرج) * في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أنه لما نزل قوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * ~~تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمني والعمي والعرج، وقالوا: الطعام ~~أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر ~~موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفي الطعام، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: ms1624 أن ناسا كانوا إذا خرجوا مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا ~~يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا، فكانوا يتقون أن يأكلوا ~~منها، ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فنزلت هذه الآية، قاله ~~سعيد بن المسيب. # والثالث: أن العرجان والعميان كانوا يمتنعون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن ~~الناس يتقذرونهم، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. # والرابع: أن قوما من أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كانوا إذا لم ~~يكن عندهم ما يطعمون المريض PageV05P375 # والزمن، ذهبوا به إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم وبعض من سمى الله عز وجل في ~~هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير ~~مالكه، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # والخامس: أنها نزلت في إسقاط الجهاد عن أهل الزمانة المذكورين في الآية، ~~قاله الحسن، وابن يزيد. # فعلى القول الأول يكون معنى الآية: ليس عليكم في الأعمى حرج أن تأكلوا ~~معه، ولا في الأعرج، وتكون " على " بمعنى " في "، ذكره ابن جرير. وكذلك ~~يخرج معنى الآية على كل قول بما يليق به. وقد كان جماعة من المفسرين يذهبون ~~إلى أن آخر الكلام " ولا على المريض حرج " وأن ما بعده مستأنف لا تعلق له ~~به، وهو يقوي قول الحسن، وابن زيد. # قوله تعالى: * (أن تأكلوا من بيوتكم) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بيوت الأولاد. # والثاني: البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم، فيكون الخطاب لأهل ~~الرجل وولده وخادمه ومن يشتمل عليه منزله، ونسبا إليهم لأنهم سكانها. # والثالث: أنها بيوتهم، والمراد أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم، لأن بيت ~~المرأة كبيت الرجل. # وإنما أباح الأكل من بيوت القرابات المذكورين، لجريان العادة ببذل طعامهم ~~لهم; فإن كان الطعام وراء حرز، لم يجز هتك الحرز. # قوله تعالى: * (أو ما ملكتم مفاتحه) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الوكيل، لا بأس أن يأكل اليسير، وهو معنى قول ابن عباس. ~~وقرأها سعيد بن جبير، وأبو العالية: " ما ملكتم ms1625 " بضم الميم وتشديد اللام ~~مع كسرها على ما لم يسم فاعله، وفسرها سعيد فقال: يعني القهرمان الذي بيده ~~المفاتيح. وقرأ أنس بن مالك، وقتادة، وابن يعمر: " مفتاحه " بكسر الميم على ~~التوحيد. # والثاني: بيت الإنسان الذي يملكه، وهو معنى قول قتادة. # والثالث: بيوت العبيد، قاله الضحاك. # قوله تعالى: * (أو صديقكم) * قال ابن عباس: نزلت هذه في الحارث بن عمرو، ~~خرج مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] غازيا، وخلف مالك بن زيد على أهله، ~~فلما رجع وجده مجهودا، فقال: # تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك، فنزلت هذه الآية. وكان الحسن وقتادة ~~يريان الأكل من طعام الصديق بغير استئذان جائزا. PageV05P376 # قوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا) * في سبب نزول هذا ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن حيا من بني كنانة يقال لهم: بنو ليث كانوا يتحرجون أن يأكل ~~الرجل الطعام وحده، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى ~~الرواح، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة والضحاك. # والثاني: أن قوما من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ~~ضيفهم، فنزلت هذه الآية، ورخص لهم أن يأكلوا جميعا أو أشتاتا، قاله عكرمة. # والثالث: أن المسلمين كانوا يتحرجون من مؤاكلة أهل الضر خوفا من أن ~~يستأثروا عليهم، ومن الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في مأكلهم وزيادة ~~بعضهم على بعض، فوسع عليهم، وقيل: " ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا " أي: ~~مجتمعين " أو أشتاتا " أي: متفرقين، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: * (فإذا دخلتم بيوتا) * فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بيوت أنفسكم، فسلموا على أهاليكم وعيالكم، قاله جابر بن عبد ~~الله، وطاووس، وقتادة. # والثاني: أنها المساجد، فسلموا على من فيها، قاله ابن عباس. # والثالث: بيوت الغير، فالمعنى: إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم، قاله ~~الحسن. # قوله تعالى: * (تحية) * قال الزجاج: هي منصوبة على المصدر، لأن قوله: * ~~(فسلموا) * بمعنى: تحيوا أو يحيي بعضكم بعضا تحية، * (من عند الله) * قال ~~مقاتل * (مباركة) * بالأجر، * (طيبة) * أي: حسنة. # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ms1626 على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~رحيم " 62 " قوله تعالى: * (وإذا كانوا معه) * يعني: مع رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] * (على أمر جامع) * أي: # على أمر طاعة يجتمعون عليها، نحو الجهاد والجمعة والعيد ونحو ذلك * (لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه) * قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، ~~لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حيث يراه، فيعرف ~~أنه PageV05P377 # إنما قام ليستأذن، فيأذن لمن شاء منهم، فالأمر إليه في ذلك. قال مجاهد: ~~وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده. # قوله تعالى: * (واستغفر لهم الله) * أي: لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم ~~عذرا. # لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم " 63 " ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ~~ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم " 64 " قوله تعالى: ~~* (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم) * فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه نهي عن التعرض لإسخاط يكون رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~فإنه إذا دعا على شخص فدعوته موجبة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم أمروا أن يقولوا: يا رسول الله، ونهوا أن يقولوا: يا محمد، ~~قاله سعيد بن جبير، وعلقمة، والأسود، وعكرمة، ومجاهد. # والثالث: أنه نهي لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم، حكاه ~~الماوردي. # وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وأبو المتوكل، ومعاذ القارئ: " دعاء الرسول نبيكم ~~" بياء مشددة ونون قبل الباء. # قوله تعالى: * (قد يعلم الله الذين يتسللون) * التسلل: الخروج في خفية. ~~واللواذ: أن يستتر بشئ مخافة من يراه. والمراد بقوله " قد يعلم " التهديد ~~بالمجازاة. قال الفراء: كان المنافقون يشهدون الجمعة فيذكرهم رسول ms1627 الله ~~[صلى الله عليه وسلم] ويعيبهم بالآيات التي أنزلت فيهم، فإن خفي لأحدهم ~~القيام قام، فذلك قوله: * (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا) * أي: ~~يلوذ هذا بهذا، أي: يستتر ذا بذا. وإنما يقال: " لواذا " لأنها مصدر " ~~لاوذت "، ولكان مصدرا ل‍ " لذت " لقلت: لذت لياذا، كما يقال: قمت قياما. ~~وكذلك قال ثعلب: وقع البناء على لاوذ ملاوذة، ولو بني على لاذ يلوذ، لقيل: ~~لياذا. وقيل: هذا كان في حفر الخندق، كان المنافقون ينصرفون عن غير أمر ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] مختفين. # قوله تعالى: * (فليحذر الذي يخالفون عن أمره) * في هاء الكناية قولان: ~~PageV05P378 # أحدهما: أنها ترجع إلى الله عز وجل، قال مجاهد. # والثاني: إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قال قتادة. وفي " عن " ~~قولان: # أحدهما: أنها زائدة، قال الأخفش. # والثاني: أن معنى " يخالفون ": يعرضون عن أمره. وفي الفتنة هاهنا ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: الضلالة، قاله ابن عباس. # والثاني: بلاء في الدنيا، قاله مجاهد. # والثالث: كفر، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: * (أو يصيبهم عذاب أليم) * فيه قولان: # أحدهما: القتل في الدنيا. # والثاني: عذاب جهنم في الآخرة. # قوله تعالى: * (قد يعلم ما أنتم عليه) * أي: ما في أنفسكم، وما تنطوي ~~عليه ضمائركم من الإيمان والنفاق; وهذا تنبيه على الجزاء على ذلك. # والله أعلم بالصواب * * * انتهى الجزء الخامس من زاد المسير من علم ~~التفسير للإمام ابن الجوزي ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السادس مبتدئا ب‍ ~~سورة الفرقان PageV05P379 # زاد المسير في علم التفسير للإمام أبى الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن ~~علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه ~~محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن أستاذ بكلية الدراسات ~~الاسلامية بالأزهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء ~~السادس سورة الفرقان - سورة ص دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ~~PageV06P001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى جمادى الأولى 1407 ه‍ ~~- كانون الثاني 1987 م دار الفكر بيروت لبنان المكاتب: اللبنانية المركزية ~~- هاتف: ms1628 244739 - ص ب: 7061 / 11 المطابع والمعمل: حارة حريك - شارع عبد ~~النور - هاتف: 390663 - 838202 - 837898 برقيا: فكسى. تلكس: 41392 فكرا LE ~~FIKR 41392 PageV06P002 # (25) سورة الفرقان وآياتها سبع وسبعون بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي ~~نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) الذي له ملك السماوات ~~والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره تقديرا ~~(2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ~~ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا (3) قال ابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة في آخرين: هي مكية. وحكي عن ابن عباس ~~وقتادة أنهما قالا: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: ~~(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) إلى قوله تعالى: (غفورا رحيما). # قوله تعالى: (تبارك) قد شرحناه في [سورة] الأعراف والفرقان: القرآن، سمي ~~فرقانا، لأنه فرق به بين الحق والباطل. والمراد بعبده: محمد صلى الله عليه ~~و آله وسلم، (ليكون) فيه قولان: # أحدهما: أنه كناية عن عبده، قاله الجمهور. # والثاني: عن القرآن، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (للعالمين) يعني الجن والإنس (نذيرا) أي: مخوفا من عذاب ~~الله. # قوله تعالى: (فقدره تقديرا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: سواه وهيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. PageV06P003 # والثاني: قدر له ما يصلحه ويقيمه. # والثالث: قدر له تقديرا من الأجل والرزق. # ثم ذكر ما صنعه المشركون، فقال: (واتخذوا من دونه آلهة) يعني: الأصنام ~~(لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) أي: وهي مخلوقة (ولا يملكون لأنفسهم ضرا) أي: ~~دفع ضر، ولا جر نفع، لأنها جماد لا قدرة لها (ولا يملكونها موتا) أي: لا ~~تملك ان تميت أحدا، ولا أن تحيي أحدا، ولا أن تبعث أحدا من الأموات، ~~والمعنى: كيف يعبدون ما هذه صفته، ويتركون عبادة من يقدر على ذلك كله؟! # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ~~ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ~~(5) قل ms1629 أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) ~~قوله تعالى: (وقال الذين كفروا) يعني: مشركي قريش، وقال مقاتل: هو قول ~~النضر بن الحارث من بني عبد الدار (إن هذا) أي: ما هذا، يعنون القرآن (إلا ~~إفك) أي: كذب (افتراه) أي: اختلقه من تلقاء نفسه (وأعانه عليه قوم آخرون) ~~قال مجاهد: يعنون اليهود: # وقال مقاتل: أشاروا إلى عداس مولى حويطب، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، ~~وجبر مولى لعامر أيضا، وكان الثلاثة من أهل الكتاب. # قال تعالى: (فقد جاؤوا ظلما وزورا). قال الزجاج: المعنى فقد جاؤوا بظلم ~~وزور فلما سقطت الباء، أفضى الفعل فنصب، والزور: الكذب. (وقالوا أساطير ~~الأولين) وقد بينا ذلك في الأنعام. قال المفسرون: والذي قال هذا هو النضر ~~بن الحارث. ومعنى (اكتتبها) أمر أن تكتب له. وقرأ ابن مسعود، وإبراهيم ~~النخعي، وطلحة بن مصرف: " اكتتبها " برفع التاء الأولى وكسر الثانية، ~~والابتداء على قراءتهم برفع الهمزة، (فهي تملى) أي: تقرأ عليه ليحفظها لا ~~ليكتبها، لأنه لم يكن كاتبا، (بكرة وأصيلا) أي: غدوة وعشيا. (قل) لهم يا ~~محمد: (أنزله) يعني: القرآن (الذي يعلم السر) أي: لا يخفي عليه شئ (في ~~السماوات والأرض). PageV06P004 # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا (9) قوله تعالى: (وقالوا) يعني المشركين (ما لهذا ~~الرسول يأكل الطعام) ويمشي في الطرق كما يمشي سائر الناس يطلب المعيشة، ~~والمعنى: أنه ليس بملك ولا ملك، لأن الملائكة لا تأكل، والملوك لا تتبذل في ~~الأسواق، فعجبوا أن يكون مساويا للبشر لا يتميز عليهم بشئ، وإنما جعله الله ~~بشرا ليكون مجانسا للذين أرسل إليهم، ولم يجعله ملكا يمتنع من المشي في ~~الأسواق، لأن ذلك من فعل الجبابرة، ولأنه أمر بدعائهم، فاحتاج أن يمشي ~~بينهم. # قوله تعالى: (لولا أنزل إليه ملك) وذلك أنهم قالوا له: سل ربك ms1630 أن يبعث ~~معك ملكا يصدقك ويجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا، فذلك قوله تعالى: (أو يلقى ~~إليه كنز) أي: ينزل إليه كنز من السماء (أو تكون له جنة) أي: بستان يأكل من ~~ثمارها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: " يأكل منها " بالياء، ~~يعنون النبي صلى الله عليه و آله وسلم. وقرأ حمزة، والكسائي: " نأكل " ~~بالنون، قال أبو علي: المعنى: يكون له علينا مزية في الفضل بأكلنا من جنته. ~~وباقي الآية مفسر في بني إسرائيل. # قوله تعالى: (انظر) يا محمد (كيف ضربوا لك الأمثال) حين مثلوك بالمسحور، ~~وبالكاهن والمجنون والشاعر (فضلوا) بهذا عن الهدى (فلا يستطيعون سبيلا) فيه ~~قولان: # أحدهما: لا يستطيعون مخرجا من الأمثال التي ضربوها، قاله مجاهد، والمعنى ~~أنهم كذبوا ولم يجدوا على قولهم حجة وبرهانا. وقال الفراء: لا يستطيعون في ~~أمرك حيلة. # والثاني: سبيلا إلى الطاعة، قاله السدي. # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا (10) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا ~~رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ~~ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا PageV06P005 # اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) ثم أخبر أنه لو شاء لأعطاه ~~خيرا مما قالوا في الدنيا، وهو قوله: (خيرا من ذلك) يعني: لو شئت لأعطيتك ~~في الدنيا خيرا مما قالوا، لأنه قد شاء أن يعطيه ذلك في الآخرة. (ويجعل لك ~~قصورا) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " ويجعل لك " برفع ~~اللام. وقرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " ويجعل " ~~بجزم اللام. فمن قرأ بالجزم، كان المعنى: إن يشأ يجعل لك جنات ويجعل لك ~~قصورا. ومن رفع، فعلى الاستئناف المعنى: وسيجعل لك قصورا في الآخرة. وقد ~~سبق معنى " اعتدنا " ومعنى " السعير ". # قوله تعالى: (إذ رأتهم من مكان بعيد) قال السدي عن أشياخه: من مسيرة مائة ~~عام. # فإن قيل: السعير مذكر، فكيف قال: " إذا رأتهم "؟ فالجواب: أنه أراد ~~بالسعير النار. ms1631 # قوله تعالى: (سمعوا لها تغيظا) فيه قولان: # أحدهما: غليان تغيظ، قاله الزجاج. قال المفسرون: والمعنى أنها تتغيظ ~~عليهم، فيسمعون صوت تغيظها وزفيرها كالغضبان إذا غلا صدره من الغيظ. # و الثاني: يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم، حكاه ابن قتيبة. # قوله تعالى: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين) قال المفسرون: تضيق ~~عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وهم قد قرنوا مع الشياطين. والثبور: ~~الهلكة. وقرأ عاصم الجحدري، وابن السميفع: " ثبورا " بفتح الثاء. # قوله تعالى: (وادعوا ثبورا كثيرا) قال الزجاج: الثبور مصدر، فهو للقليل ~~والكثير على لفظ الواحد، كما تقول: ضربته ضربا كثيرا، والمعنى: هلاكهم أكثر ~~من أن تدعوا مرة واحدة. وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~و آله وسلم: " أول من يكسى من أهل النار يوم القيامة إبليس، يكسى حلة من ~~النار فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته خلفه وهو يقول: وا ثبوراه، ~~وهم ينادون: يا ثبورهم، حتى يقفوا على النار، فينادي: يا ثبوراه، وينادون: ~~يا ثبورهم، فيقول الله عز وجل: (لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا). # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) ~~لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) PageV06P006 # قوله تعالى: (قل أذلك) يعني: السعير (خير أم جنة الخلد) وهذا تنبيه على ~~تفاوت ما بين المنزلتين، لا على أن في السعير خيرا. وقال الزجاج: قد وقع ~~التساوي بين الجنة والنار في أنهما منزلان، فلذلك وقع التفضيل بينهما. # قوله تعالى: (كانت لهم جزاء) أي: ثوابا (ومصيرا) أي: مرجعا. # قوله تعالى: (كان على ربك) المشار إليه، إما الدخول، وإما الخلود (وعدا) ~~وعدهم الله إياه على ألسنة الرسل. و في معنى " مسؤولا " قولان: # أحدهما: مطلوبا. وفي الطالب له قولان. # أحدهما: أنهم المؤمنون، سألوا الله في الدنيا إنجاز ما وعدهم به. # والثاني: أن الملائكة سألته ذلك لهم، وهو قوله: (ربنا وأدخلهم جنات عدن). # والثاني: أن معنى المسؤول: الواجب. # و يوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ms1632 أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم ~~هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد ~~كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) قوله تعالى: ~~(ويوم يحشرهم) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: " يحشرهم " " فيقول " بالياء ~~فيهما. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " نحشرهم ~~" بالنون " فيقول " بالياء. وقرأ ابن عامر: " نحشرهم " " فنقول " بالنون ~~فيهما جميعا، ويعني: # المشركين، (وما يعبدون) قال مجاهد: يعني عيسى وعزيرا والملائكة. وقال ~~عكرمة، والضحاك: يعني الأصنام، فيأذن الله للأصنام في الكلام، ويخاطبها ~~(فيقول أأنتم أضللتم عبادي) أي: أمرتموهم بعبادتكم (أم هم ضلوا السبيل) أي: ~~أخطأوا الطريق. (قالوا) يعني PageV06P007 # الأصنام (سبحانك) نزهوا الله تعالى أن يعبد غيره (ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من دونك من أولياء) نواليهم، والمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد نحن ~~غيرك، فكيف ندعو إلى عبادتنا؟! فدل هذا الجواب على أنهم لم يأمروا ~~بعبادتهم. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وابن جبير، والحسن، وقتادة، وأبو ~~جعفر، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: " أن نتخذ " برفع النون وفتح الخاء. ثم ~~ذكروا سبب تركهم للإيمان، فقالوا: (ولكن متعتهم) أي: أطلت لهم العمر و ~~أوسعت لهم الرزق (حتى نسوا الذكر) أي: تركوا الإيمان بالقرآن والاتعاظ به ~~(وكانوا قوما بورا) قال ابن عباس: هلكى. وقال في رواية أخرى، البور: في لغة ~~أزد عمان: الفاسد. قال ابن قتيبة: هو من بار يبور: إذا هلك وبطل، يقال: بار ~~الطعام: إذا كسد، وبارت الأيم: إذا لم يرغب فيها، وكان رسول الله [صلى الله ~~عليه و آله وسلم] يتعوذ من بوار الأيم، قال: وقال أبو عبيدة: يقال: رجل ~~بور، وقوم بور، لا يجمع ولا يثنى، واحتج بقول الشاعر: # يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذا أنا ms1633 بور قال: و قد سمعنا ب‍ ~~" رجل بائر "، ورأيناهم ربما جمعوا " فاعلا " على " فعل "، نحو عائذ وعوذ، ~~وشارف وشرف. قال المفسرون: فيقال للكفار حينئذ (فقد كذبوكم) أي: فقد كذبكم ~~المعبودون في قولكم: إنهم آلهة. وقرأ سعيد بن جبير، ومجاهد، ومعاذ القارئ، ~~وابن شنبوذ عن قنبل: " بما يقولون " بالياء، والمعنى: كذبوكم بقولهم: ~~(سبحانك ما كان ينبغي لنا...) الآية، هذا قول الأكثرين. وقال ابن زيد: ~~الخطاب للمؤمنين، فالمعنى: فقد كذبكم المشركون بما تقولون: إن محمدا رسول ~~الله [صلى الله عليه و آله وسلم]. # قوله تعالى: (فما يستطيعون) قرأ الأكثرون بالياء. وفيه وجهان: # أحدهما: فما يستطيع المعبودون صرفا للعذاب عنكم ولا نصرا لكم. # والثاني: فما يستطيع الكفار صرفا لعذاب الله عنهم ولا نصرا لأنفسهم. وقرأ ~~حفص عن عاصم: " تستطيعون " بالتاء، والخطاب للكفار. وحكى ابن قتيبة عن يونس ~~البصري أنه قال: # الصرف: الحيلة من قولهم: إنه ليتصرف. # قوله تعالى: (ومن يظلم منكم) أي: بالشرك (نذقه) في الآخرة. وقرأ عاصم ~~الجحدري، والضحاك، وأبو الجوزاء وقتادة: " يذقه " بالياء (عذابا كبيرا) أي: ~~شديدا. (وما أرسلنا قبلك من المرسلين) قال الزجاج: في الآية محذوف، تقديره: ~~وما أرسلنا قبلك رسلا من المرسلين، فحذفت لأن قوله: (من المرسلين) يدل ~~عليها. # قوله تعالى: (إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) أي: إنهم كانوا ~~على مثل حالك، فكيف تكون بدعا منهم؟! PageV06P008 # فإن قيل: لم كسرت " إنهم " هاهنا، وفتحت في براءة في قوله تعالى: (أن ~~تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم) فقد بينا علة فتح تلك، فأما كسر هذه فذكر ابن ~~الأنباري فيه وجهين: # أحدهما: أن تكون فيها واو للحال مضمرة، فكسرت بعدها " إن " للاستئناف، ~~فيكون التقدير: إلا وإنهم ليأكلون الطعام، فأضمرت الواو ها هنا كما أضمرت ~~في قوله تعالى: (أو هم قائلون)، و التأويل، أو وهم قائلون. # و الثاني: أن تكون كسرت لإضمار " من " قبلها، فيكون التقدير: وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا من إنهم ليأكلون، قال الشاعر: # فظلوا ومنهم دمعة سابق له * وآخر يثني دمعة العين بالمهل أردا: من دمعه. # قوله تعالى: ms1634 (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) الفتنة: الابتلاء والاختبار. و في ~~معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه افتتان الفقير بالغني، يقول: لو شاء لجعلني غنيا، والأعمى ~~بالبصير، والسقيم بالصحيح، قاله الحسن. # والثاني: ابتلاء الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى، فإذا أراد الشريف أن ~~يسلم فرأى الوضيع قد سبقه بالإسلام أنف فأقام على كفره، قاله ابن السائب. # والثالث: أن المستهزئين من قريش كانوا إذا رأوا فقراء المؤمنين، قالوا: ~~انظروا إلى أتباع محمد من موالينا ورذالتنا، قاله مقاتل. # فعلى الأول: يكون الخطاب بقوله: (أتصبرون) لأهل البلاء. وعلى الثاني: ~~للرؤساء، فيكون المعنى: أتصبرون على سبق الموالي والأتباع. وعلى الثالث: ~~للفقراء، والمعنى: # أتصبرون على أذى الكفار واستهزائهم، فالمعنى: قد علمتم ما وعد الصابرون، ~~(وكان ربك بصيرا) بمن يصبر وبمن يجزع. # * وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين ويقولون حجرا PageV06P009 # محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون ~~لقاءنا) أي: لا يخافون البعث (لولا) أي: هلا (أنزل علينا الملائكة) فكانوا ~~رسلا إلينا وأخبرونا بصدقك، (أو نرى ربنا) فيخبرنا أنك رسوله، (لقد ~~استكبروا في أنفسهم) أي: تكبروا حين سألوا هذه الآيات (وعتوا عتوا كبيرا) ~~قال الزجاج: العتو في اللغة: مجاوزة القدر في الظلم. # قوله تعالى: (يوم يرون الملائكة) فيه قولان: # أحدهما: عند الموت. # والثاني: يوم القيامة. # قال الزجاج: وانتصب اليوم على معنى: لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة، ~~و " يومئذ " مؤكد ل‍ " يوم يرون الملائكة "، والمعنى أنهم يمنعون البشرى في ~~ذلك اليوم، ويجوز أن يكون " يوم " منصوبا على معنى: أذكر يوم يرون ~~الملائكة، ثم أخبر فقال: (لا بشرى)، والمجرمون هاهنا: الكفار. # قوله تعالى: (ويقولون حجرا محجورا) وقرأ قتادة، والضحاك، ومعاذ القارئ: # " حجرا " بضم الحاء. قال الزجاج: وأصل الحجر في اللغة: ما حجرت عليه، أي: ~~منعت من أن يوصل إليه، ومنه حجر القضاة على الأيتام. و في ms1635 القائلين لهذا ~~قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة يقولون للكفار: حجرا محجورا، أي: حراما محرما. ~~وفيما حرموه عليهم قولان: # أحدهما: البشرى، فالمعنى: حرام محرم أن تكون لكم البشرى، قاله الضحاك، ~~والفراء وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أن تدخلوا الجنة، قاله مجاهد. # والثاني: أنه قول المشركين إذا عاينوا العذاب، ومعناه الاستعاذة من ~~الملائكة، روي عن مجاهد أيضا. وقال ابن فارس: كان الرجل إذا لقي من يخافه ~~في الشهر الحرام، قال: حجرا محجورا أي: حرام عليك أذاي، فإذا رأى المشركون ~~الملائكة يوم القيامة، قالوا: حجرا محجورا، يظنون أنه ينفعهم كما كان ~~ينفعهم في الدنيا. # قوله تعالى: (وقدمنا) قال ابن قتيبة: أي: قصدنا وعمدنا، والأصل أن من ~~أراد القدوم إلى موضع عمد له وقصده. # قوله تعالى: (إلى ما عملوا من عمل) أي من أعمال الخير (فجعلناه هباء) لأن ~~العمل لا PageV06P010 # يتقبل مع الشرك، و في الهباء خمسة أقوال: # أحدها: أنه ما رأيته يتطاير في الشمس التي تدخل من الكوة مثل الغبار، ~~قاله علي [رضي الله عنه]، والحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ~~واللغويون، والمعنى أن الله أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء. # والثاني: أنه الماء المهراق، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه ما تنسفه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر، رواه عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس. # والرابع: أنه الشرر الذي يطير من النار إذا أضرمت، فإذا وقع لم يكن شيئا، ~~رواه عطية عن ابن عباس. # والخامس: أنه ما يسطع من حوافر الدواب، قاله مقاتل. والمنثور: المتفرق. # قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ) أي: يوم القيامة، (خير مستقرا) أفضل ~~منزلا من المشركين (وأحسن مقيلا) قال الزجاج: المقيل: المقام وقت القائلة، ~~وهو النوم نصف النهار. # وقال الأزهري: القيلولة عند العرب: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر ~~وإن لم يكن مع ذلك نوم. وقال ابن مسعود، وابن عباس: لا ينتصف النهار من يوم ~~القيامة حتى يقبل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. # ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وكان يوما ms1636 على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول ~~يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ~~(28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) ~~قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء) هذا معطوف على قوله: (يوم يرون الملائكة)، ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: " تشقق " بالتشديد، فأدغموا التاء في ~~الشين، لأن الأصل: # تتشقق. قال الفراء: المعنى: تتشقق السماء عن الغمام، وتنزل فيه الملائكة، ~~و " على " و " عن " و " الباء " في هذا الموضع بمعنى واحد. لأن العرب تقول: ~~رميت عن القوس، وبالقوس، وعلى القوس، والمعنى واحد. وقال أبو علي الفارسي: ~~المعنى: تتشقق السماء وعليها غمام، كما تقول: ركب الأمير بسلاحه، وخرج ~~بثيابه، وإنما تتشقق السماء لنزول الملائكة. قال ابن عباس: تتشقق السماء عن ~~الغمام، وهو الغيم الأبيض، وتنزل الملائكة في PageV06P011 # الغمام. وقال مقاتل: المراد بالسماء: السماوات، تتشقق عن الغمام، وهو ~~غمام أبيض كهيئة الضباب، فتنزل الملائكة عند انشقاقها. وقرأ ابن كثير: " ~~وننزل " بنونين، الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، واللام مضمومة، و " ~~الملائكة " نصبا. وقرأ عاصم الجحدري، وأبو عمران الجوني: " ونزل " بنون ~~واحدة مفتوحة ونصب الزاي وتشديدها وفتح اللام ونصب " الملائكة ". وقرأ ابن ~~يعمر: " ونزل " بفتح النون واللام والزاي والتخفيف " الملائكة " بالرفع. # قوله تعالى: (الملك يومئذ الحق للرحمن) قال الزجاج: المعنى: الملك الذي ~~هو الملك حقا للرحمن. فأما العسير، فهو العصب الشديد يشتد على الكفار، ~~ويهون على المؤمنين فيكون كمقدار صلاة مكتوبة. # قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن أبي بن خلف كان يحضر رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ~~ويجالسه من غير أن يؤمن به، فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك، فنزلت هذه ~~الآية، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس. # والثاني: أن عقبة دعا قوما فيهم رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] ~~لطعام فأكلوا، وأبى رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] أن يأكل، وقال: " ~~لا آكل حتى تشهد أن لا إله ms1637 إلا الله وأني رسول الله "، فشهد بذلك عقبة، ~~فبلغ ذلك أبي بن خلف، وكان خليلا له، فقال: صبوت يا عقبة؟ فقال: لا والله، ~~ولكنه أبى أن يأكل حتى قلت ذلك، وليس من نفسي، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مجاهد. # والثالث: أن عقبة كان خليلا لأمية بن خلف، فأسلم عقبة، فقال أمية: وجهي ~~من وجهك حرام إن تابعت محمدا، فكفر وارتد لرضى أمية، فنزلت هذه الآية، قاله ~~الشعبي فأما الظالم المذكور هاهنا، فهو الكافر، وفيه قولان: # أحدهما: أنه أبي بن خلف، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: عقبة بن أبي معيط، قاله مجاهد وسعيد بن جبير، وقتادة. و قال ~~عطاء: يأكل يديه حتى تذهبا إلى المرفقين، ثم تنبتان: فلا يزال هكذا كلما ~~نبتت يده أكلها ندامة على ما فعل. # قوله تعالى: (يا ليتني اتخذت) الأكثرون يسكنون " يا ليتني "، وأبو عمرو ~~يحركها، قال أبو علي: والأصل التحريك، لأنها بإزاء الكاف التي للمخاطب، إلا ~~أن حرف اللين تكره فيه الحركة، PageV06P012 # ولذلك أسكن من أسكن، والمعنى: ليتني اتبعته فاتخذت معه طريقا إلى الهدى. # قوله تعالى: (يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) في المشار إليه أربعة أقوال: # أحدها: أنه عنى أبي بن خلف، قاله ابن عباس. # والثاني: عقبة بن أبي معيط، قاله أبو مالك. # والثالث: الشيطان، قاله مجاهد. # والرابع: أمية بن خلف، قاله السدي. # فإن قيل: إنما يكنى من يخاف المبادأة أو يحتاج إلى المداجاة، فما وجه ~~الكناية؟ # فالجواب: أنه أراد بالظالم: كل ظالم، وأراد بفلان: كل من أطيع في معصية ~~الله وأرضي بسخط الله، وإن كانت الآية نزلت في شخص، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر) أي: صرفني عن القرآن والإيمان به (بعد ~~إذ جاءني) مع الرسول، وهاهنا تم الكلام. ثم قال الله تعالى: (وكان الشيطان ~~للإنسان) يعني: الكافر (خذولا) يتبرأ منه في الآخرة. # وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) قوله تعالى: (وقال ~~الرسول) يعني محمدا صلى ms1638 الله عليه و آله وسلم، وهذا عند كثير من العلماء ~~أنه يقوله يوم القيامة، فالمعنى: ويقول الرسول يومئذ. وذهب آخرون، منهم ~~مقاتل، إلى أن الرسول قال ذلك شاكيا من قومه إلى الله تعالى حين كذبوه. ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " إن قومي اتخذوا " بتحريك الياء، ~~وأسكنها عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي. # وفى المراد بقوله: (مهجورا) قولان: # أحدهما: متروكا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون به، وهذا معنى قول ابن عباس، ~~ومقاتل. # والثاني: هجروا فيه، أي: جعلوه كالهذيان، ومنه يقال: فلان يهجر في منامه، ~~أي: يهذي، قاله ابن قتيبة. وقال الزجاج: الهجر: ما لا ينتفع به من القول: ~~قال المفسرون: فعزا الله عز وجل، فقال: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا) أي: كما ~~جعلنا لك أعداء من مشركي قومك، جعلنا لكل نبي عدوا من كفار قومه، والمعنى: ~~لا يكبرن هذا عليك، فلك بالأنبياء أسوة، (وكفى بربك هاديا) PageV06P013 # لك (و نصيرا) يمنعك من عدوك. قال الزجاج: والباء في قوله: (بربك) زائدة، ~~فالمعنى: كفى ربك هاديا ونصيرا. # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) ~~الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) قوله ~~تعالى: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) أي: كما أنزلت التوراة والإنجيل ~~والزبور، فقال الله عز وجل: (كذلك) أي: أنزلناه كذلك متفرقا، لأن معنى ما ~~قالوا: لم نزل عليه متفرقا؟ # فقيل: إنما أنزلناه كذلك (لنثبت به فؤادك) أي: لنقوي به قلبك فتزداد ~~بصيرة، وذلك أنه كان يأتيه الوحي في كل أمر وحادثة، فكان أقوى لقلبه وأنور ~~لبصيرته وأبعد لاستيحاشه، (ورتلناه ترتيلا) أي: # أنزلناه على الترتيل، وهو التمكث الذي يضاد العجلة. # قوله تعالى: (ولا يأتونك) يعني المشركين (بمثل) يضربونه لك في مخاصمتك ~~وإبطال أمرك (إلا جئناك بالحق) أي: بالذي هو الحق لنرد به كيدهم (وأحسن ~~تفسيرا) من مثلهم، والتفسير: البيان والكشف. # قال مقاتل: ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة، فقال: (الذين يحشرون على وجوههم) ms1639 ~~وذلك أن كفار مكة قالوا: إن محمدا وأصحابه شر خلق الله، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: (أولئك شر مكانا) أي: منزلا ومصيرا (وأضل سبيلا) دينا وطريقا ~~من المؤمنين. # ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) ~~وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثال ~~وكلا تبرنا تتبيرا (39) PageV06P014 # قوله تعالى: (اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا). # إن قيل: إنما عاينوا العذاب يوم القيامة، فكيف يقع التكذيب منهم قبل وجود ~~الآيات؟ # فالجواب: أنهم كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه المتقدمة، ومن كذب نبيا ~~فقد كذب سائر الأنبياء، ولهذا قال: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل)، وقال ~~الزجاج: يجوز أن يكون المراد به نوح وحده، وقد ذكر بلفظ الجنس، كما يقال: ~~فلان يركب الدواب، وإن لم يركب إلا دابة واحدة، وقد شرحنا هذا في [سورة] ~~هود عند قوله: (وعصوا رسله). وقد سبق معنى التدمير. # فوله تعالى: (وأصحاب الرس) في الرس ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بئر كانت تسمى الرس، قاله ابن عباس في رواية العوفي. وقال في ~~رواية عكرمة: هي بئر بآذربيجان. وزعم ابن السائب أنها بئر دون اليمامة. ~~وقال السدي: بئر بأنطاكية. # والثاني: أن الرس قرية من قرى اليمامة، قاله قتادة. # والثالث: أنها المعدن، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة، و في تسميتها بالرس ~~قولان: # أحدهما: أنهم رسوا نبيهم في البئر، قاله عكرمة. قال الزجاج: رسوه، أي: ~~دسوه فيها. # والثاني: أن كل ركية لم تطو فهي رس، قاله ابن قتيبة، و اختلفوا في أصحاب ~~الرس على خمسة أقوال: # أحدها: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة، فبعث الله إليهم نبيا من ولد يهوذا ~~بن يعقوب، فحفروا له بئرا وألقوه فيها، فهلكوا، قاله علي بن أبي طالب. # والثاني: أنهم قوم كان لهم نبي يقال له: حنظلة بن صفوان، فقتلوا نبيهم ~~فأهلكهم الله، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: أنهم كانوا أهل بئر ينزلون ms1640 عليها، وكانت لهم مواش، وكانوا ~~يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم شعيبا، فتمادوا في طغيانهم، فانهارت ~~البئر، فخسف بهم وبمنازلهم، قاله وهب بن منبه. # والرابع: أنهم الذين قتلوا حبيبا النجار، قتلوه في بئر لهم، وهو الذي ~~قال: (يا قوم اتبعوا المرسلين)، قاله السدي. # والخامس: أنهم قوم قتلوا نبيهم وأكلوه، وأول من عمل السحر نساؤهم، قاله ~~ابن السائب. PageV06P015 # قوله تعالى: (وقرونا) المعنى: وأهلكنا قرونا (بين ذلك) أي: بين عاد ~~وأصحاب الرس. # وقد سبق بيان القرون وفي هذه القصص تهديد لقريش. # قوله تعالى: (وكلا ضربنا له الأمثال) أي: أعذرنا إليه بالموعظة وإقامة ~~الحجة (وكلا تبرنا) قال الزجاج: التتبير: التدمير، وكل شئ كسرته وفتته فقد ~~تبرته، وكسارته: التبر، ومن هذا قيل لمكسور الزجاج: التبر، وكذلك تبر ~~الذهب. # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا ~~لا يرجون نشورا (40) وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله ~~رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه ~~وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا (44) قوله تعالى: (ولقد أتوا) يعني كفار مكة (على القرية التي ~~أمطرت مطر السوء) يعني قرية قوم لوط التي رميت بالحجارة (أفلم يكونوا ~~يرونها) في أسفارهم فيعتبروا؟! ثم أخبر بالذي جرأهم على التكذيب، فقال: (بل ~~كانوا لا يرجون نشورا) أي: لا يخافون بعثا، هذا قول المفسرين. # وقال الزجاج: الذي عليه أهل اللغة أن الرجاء ليس بمعنى الخوف، وإنما ~~المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب عمل الخير، فركبوا المعاصي. # قوله تعالى: (وإذا رأوك الذي إن يتخذونك) أي: ما يتخذونك (إلا هزوا) أي: ~~مهزوءا به، ثم ذكر ما يقولون من الاستهزاء: (أهذا الذي بعث الله رسولا إن ~~كاد ليضلنا) أي: ليصرفنا عن عبادة آلهتنا (لولا أن صبرنا عليها) أي: على ~~عبادتها، قال الله تعالى: (وسوف يعلمون حين يرون العذاب) في الآخرة (من ms1641 ~~أضل) أي: من أخطأ طريقا عن الهدى، أهم، أم المؤمنون. # ثم عجب نبيه من جهلهم حين عبدوا ما دعاهم إليه الهوى، فقال: (أرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه) قال ابن عباس: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن ~~منه رمى به وعبد الآخر. # وقال قتادة: هو الكافر لا يهوى شيئا إلا ركبه. وقال ابن قتيبة: المعنى: ~~يتبع هواه ويدع الحق، فهو PageV06P016 # له كالإله. # قوله تعالى: (أفأنت تكون عليه وكيلا) أي: حفيظا يحفظه من اتباع هواه. ~~وزعم الكلبي أن هذه الآية منسوخة بآية القتال. # قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون) يعني أهل مكة، والمراد: يسمعون ~~سماع طالب الإفهام (أو يعقلون) ما يعاينون من الحجج والأعلام (إن هم إلا ~~كالأنعام) وفي وجه تشبيههم بالأنعام قولان: # أحدهما: أن الأنعام تسمع الصوت ولا تفقه القول. # والثاني: أنه ليس لها هم إلا المأكل والمشرب. # قوله تعالى: (بل هم أضل سبيلا) لأن البهائم تهتدي لمراعيها وتنقاد ~~لأربابها وتقبل على المحسن إليها، وهم على خلاف ذلك. # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا ~~أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا (50) ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين ~~وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك) أي: إلى فعل ~~ربك. وقال الزجاج: معناه: ألم تعلم، فهو من رؤية القلب، ويجوز أن يكون من ~~رؤية العين، فالمعنى: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك؟ # والظل من وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس (ولو شاء لجعله ساكنا) أي: ~~ثابتا دائما لا يزول (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا) فالشمس دليل على الظل، ~~فلولا الشمس ما عرف أنه شئ، كما أنه لولا النور ما ms1642 عرفت الظلمة، فكل ~~الأشياء تعرف بأضدادها. # قوله تعالى: (ثم قبضناه إلينا) يعني: الظل (قبضا يسيرا) وفيه قولان: # أحدهما: سريعا، قاله ابن عباس. PageV06P017 # والثاني: خفيا، قاله مجاهد. # وفى وقت قبض الظل قولان: # أحدهما: عند طلوع الشمس عليه حتى تنسخه شيئا فشيئا. # والثاني: عند غروب الشمس تقبض أجزاء الظل بعد غروبها، ويخلف كل جزء منه ~~جزءا من الظلام. # قوله تعالى: (و هو الذي جعل لكم الليل لباسا) أي: ساترا بظلمته، لأن ~~ظلمته تغشى الأشخاص وتشتمل عليها اشتمال اللباس على لابسه (والنوم سباتا) ~~قال ابن قتيبة: أي: راحة، ومنه يوم السبت، لأن الخلق اجتمع يوم الجمعة، ~~وكان الفراغ منه في يوم السبت، فقيل لبني إسرائيل: # استريحوا في هذا اليوم ولا تعملوا فيه شيئا، فسمي يوم السبت، أي: يوم ~~الراحة، وأصل السبت: # التمدد، ومن تمدد استراح. وقال ابن الأنباري: أصل السبت، القطع، فالمعنى: ~~وجعلنا النوم قطعا لأعمالكم. # قوله تعالى: (و جعل النهار نشورا) فيه قولان: # أحدهما: تنتشرون فيه لابتغاء الرزق، قاله ابن عباس. # والثاني: تنشر الروح باليقظة كما تنشر بالبعث، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح) قد شرحناه في الأعراف إلى قوله ~~تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) يعني: المطر. قال الأزهري: الطهور في ~~اللغة: الطاهر المطهر. والطهور ما يتطهر به، كالوضوء الذي يتوضأ به، ~~والفطور الذي يفطر عليه. # قوله تعالى: (لنحيي به بلدة ميتا) وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو ~~جعفر: " ميتا " بالتشديد. قال الزجاج: لفظ البلدة مؤنث، وإنما قيل: " ميتا ~~" لأن معنى البلدة والبلد سواء. وقال غيره: إنما قال: " ميتا " لأنه أراد ~~بالبلدة المكان. وقد سبق معنى صفة البلدة بالموت ومعنى: # " ونسقيه " وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، والضحاك، والأعمش، وابن أبي عبلة: ~~" ونسقيه " بفتح النون. فأما الأناسي فقال الزجاج: هو جمع إنسي، مثل كرسي ~~وكراسي، ويجوز أن يكون جمع إنسان، وتكون الباء بدلا من النون، الأصل: ~~أناسين مثل سراحين. وقرأ أبو مجلز، والضحاك، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: ~~" وأناسي " بتخفيف الياء. PageV06P018 # قوله تعالى: (ولقد صرفناه) يعني المطر (بينهم) مرة لهذه البلدة، ms1643 ومرة ~~لهذه (ليذكروا) أي: ليتفكروا في نعم الله عليهم فيه فيحمدوه. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: " ليذكروا " خفيفة الذال. # قال أبو علي: يذكر في معنى يتذكر، (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) وهم الذين ~~يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، كفروا بنعمة الله. (ولو شئنا لبعثنا في كل ~~قرية نذيرا) المعنى: إنا بعثناك إلى جميع القرى لعظم كرامتك، (فلا تطع ~~الكافرين)، وذلك أن كفار مكة دعوه إلى دين آبائهم، (وجاهدهم به) أي بالقرآن ~~(جهادا كبيرا) أي: تاما شديدا. # * وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا ~~وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك ~~قديرا (54) ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ~~ظهيرا (55) قوله تعالى: (هو الذي مرج البحرين) قال الزجاج: أي: خلى بينهما، ~~تقول: مرجت الدابة وأمرجتها: إذا خليتها ترعى، ومنه الحديث: " مرجت عهودهم ~~وأماناتهم " أي: اختلطت. قال المفسرون: والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما، ~~فهما يلتقيان، ولا يختلط الملح بالعذب، ولا العذب بالملح، وهو قوله تعالى: ~~(هذا) يعني: أحد البحرين (عذب) أي: طيب، يقال: عذب الماء يعذب عذوبة، فهو ~~عذب. قال الزجاج: والفرات صفة للعذب، وهو أشد الماء عذوبة، والأجاج صفة ~~للملح، وهو: المر الشديد المرارة. وقال ابن قتيبة: هو أشد الماء ملوحة، ~~وقيل: هو الذي يخالطه مرارة، ويقال ماء ملح، ولا يقال مالح، والبرزخ: ~~الحاجز: وفي هذا الحاجز قولان: # أحدهما: أنه مانع من قدرة الله تعالى، قاله الأكثرون، قال الزجاج: فهما ~~في مرأى العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان لا يختلط أحدهما بالآخر. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: ورأيت عند عبدان من سواد البصرة الماء العذب ينحدر في ~~دجلة نحو البحر، ويأتي المد من البحر، فيلتقيان، فلا يختلط أحد الماءين ~~بالآخر، يرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة، و ماء دجلة عذبا لا يخالطه شئ، ~~وإلى جانبه ماء البحر في مكان واحد. # والثاني: أن الحاجز: الأرض واليابس، وهو قول الحسن، والأول أصح. # قوله تعالى: (وحجرا محجورا) قال الفراء، أي: ms1644 حراما محرما أن يغلب أحدهما ~~صاحبه. # قوله تعالى: (هو الذي خلق من الماء بشرا) أي: إنسانا (فجعله نسبا وصهرا) ~~أي: ذا نسب وصهر. قال علي [رضي الله عنه]: النسب: ما لا يحل نكاحه، والصهر: ~~ما يحل نكاحه. PageV06P019 # وقال الضحاك: النسب سبع، وهو قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم..) إلى قوله ~~تعالى: (وبنات الأخت)، والصهر خمس، وهو قوله (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم..) ~~إلى قوله: (من أصلابكم) وقال طاوس الرضاعة من الصهر. وقال ابن قتيبة: " ~~نسبا " أي: قرابة النسب، " وصهرا " أي: قرابة النكاح. وكل شئ من قبل الزوج، ~~مثل الأب والأخ، فهم الأحماء، واحدهم حما، مثل: قفا، وحمو مثل أبو، وحمؤ ~~مهموز ساكن الميم، وحم مثل أب. وحماة المرأة: أم زوجها، لا لغة فيها غير ~~هذه وكل شئ من قبل المرأة، فهم الأختان. والصهر يجمع ذلك كله. # وحكى ابن فارس عن الخليل، أنه قال: لا يقال لأهل بيت الرجل إلا أختان، ~~ولأهل بيت المرأة إلا أصهار. ومن العرب من يجعلهم أصهارا كلهم. والصهر: ~~إذابة الشئ. وذكر الماوردي أن المناكح سميت صهرا، لاختلاط الناس بها كما ~~يختلط الشئ إذا صهر. # قوله تعالى: (وكان الكافر على ربه ظهيرا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: معينا للشيطان على ربه، لأن عبادته للأصنام معاونة للشيطان. # والثاني: معينا للمشركين على أن لا يوحدوا الله تعالى. # والثالث: معينا على أولياء ربه. # والرابع: وكان الكافر على ربه هينا ذليلا، من قولك: ظهرت بفلان: إذا ~~جعلته وراء ظهرك ولم تلتفت إليه. قالوا: والمراد بالكافر هاهنا أبو جهل. # وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى ~~به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) PageV06P020 # قوله تعالى: (ما أسألكم عليه) أي: على القرآن وتبليغ الوحي (من أجر) وهذا ~~توكيد لصدقه، لأنه ms1645 لو سألهم شيئا من أموالهم لاتهموه، (إلا من شاء) معناه: ~~لكن من شاء (أن يتخذ إلى ربه سبيلا) بإنفاق ماله في مرضاة الله، فعل ذلك، ~~فكأنه قال: لا أسألكم لنفسي. وقد سبق تفسير الكلمات التي تلي هذه. إلى قوله ~~تعالى: (فاسأل به خبيرا)، و " به " بمعنى: " عنه "، قال ابن احمر. # فإن تسألوني بالنساء فإنني * بصير بأدواء النساء طبيب وفى هاء " به " ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى. # والثاني: إلى اسمه الرحمن، لأنهم قالوا: لا نعرف الرحمن. # والثالث: إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض وغير ذلك، و في " الخبير " ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الله تعالى، والمعنى: سلني فأنا الخبير، قاله مجاهد. # والثالث: القرآن، قاله شمر. # والرابع: مسلمة أهل الكتاب، قاله أبو سليمان، وهذا يخرج على قولهم: لا ~~نعرف الرحمن، فقيل: سلوا مسلمة أهل الكتاب، فإن الله [تعالى] خاطب موسى في ~~التوراة باسمه الرحمن، فعلى هذا، الخطاب للنبي [صلى الله عليه و آله وسلم] ~~والمراد سواه. # قوله تعالى: (وإذا قيل لهم) يعني كفار مكة (اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن) قال المفسرون: إنهم قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، ~~فأنكروا أن يكون من أسماء الله تعالى، (أنسجد لما تأمرنا) وقرأ حمزة، ~~والكسائي: " يأمرنا " بالياء، أي: لما يأمرنا به محمد، وهذا استفهام إنكار، ~~ومعناها: لا نسجد للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له، (وزادهم) ذكر الرحمن ~~(نفورا) أي: تباعدا من الإيمان. # تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) قوله ~~تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا) و قد شرحناه في الحجر: والمراد ~~بالسراج: PageV06P021 # الشمس. وقرأ حمزة، والكسائي: " سرجا " بضم السين والراء وإسقاط الألف. ~~قال الزجاج: أراد: # الشمس والكواكب العظام، ويجوز " سرجا " بتسكين الراء، مثل رسل ورسل. قال ~~الماوردي: لما اقترن بضوء الشمس وهج حرها، جعلها لأجل الحرارة سراجا، ولما ~~عدم ذلك في القمر جعله نورا. # قوله تعالى: (و هو ms1646 الذي جعل الليل والنهار خلفة) فيه قولان: # أحدهما: أن كل واحد منهما يخالف الآخر في اللون، فهذا أبيض، وهذا أسود، ~~روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ~~قتادة. # والثاني: أن كل واحد منهما يخلف صاحبه، رواه عمرو بن قيس الملائي عن ~~مجاهد، وبه قال ابن زيد وأهل اللغة، وأنشدوا قول زهير: # بها العين والآرام يمشين خلفة * وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم أي: إذا ذهبت ~~طائفة جاءت طائفة. # قوله تعالى: (لمن أراد أن يذكر) أي: يتعظ ويعتبر باختلافهما. وقرأ حمزة: ~~" يذكر " خفيفة الذال مضمومة الكاف، وهي في معنى: يتذكر، (أو أراد) شكر ~~الله تعالى فيهما. # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف ~~عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) قوله ~~تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون) وقرأ علي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وابن ~~السميفع: " يمشون " برفع الياء وفتح الميم والشين وبالتشديد، قال ابن ~~قتيبة: إنما نسبهم إليه لاصطفائه إياهم، كقوله تعالى: (ناقة الله)، ومعنى " ~~هونا " مشيا رويدا. ومنه يقال: أحبب حبيبك هونا ما. وقال مجاهد: يمشون ~~بالوقار والسكينة. (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) أي: سدادا. وقال ~~الحسن: لا يجهلون على أحد، وإن جهل عليهم حلموا. وقال مقاتل بن حيان: ~~PageV06P022 # " قالوا سلاما " أي: قولا: يسلمون فيه من الإثم. وهذه الآية محكمة عند ~~الأكثرين. وزعم قوم أن المراد بها أنهم يقولون للكفار: ليس بيننا وبينكم ~~غير السلام، ثم نسخت بآية السيف. # قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم) قال الزجاج: كل من أدركه الليل فقد ~~بات، نام أولم ينم، يقال: بات فلان قلقا، إنما المبيت إدراك الليل. # قوله تعالى: (كان غراما) فيه خمسة أقوال متقارب معانيها: # أحدها: دائما، رواه أبو سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه و آله ~~وسلم. # والثاني: موجعا، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: ملحا، ms1647 قاله ابن السائب، وقال ابن جريج: لا يفارق. # والرابع: هلاكا، قاله أبو عبيدة: # والخامس: أن الغرام في اللغة: أشد العذاب، قال الشاعر: # ويوم النسار ويوم الجفار * كانا عذبا وكانا غراما قاله الزجاج: # قوله تعالى: (ساءت مستقرا) أي: بئس موضع الاستقرار وموضع الإقامة هي. # قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) وقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو: " يقتروا " مفتوحة الياء مكسورة التاء. وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: " يقتروا " بفتح الياء وضم التاء. وقرأ نافع، وابن عامر: " ~~يقتروا " بضم الياء وكسر التاء. و في معنى الكلام قولان: # أحدها: أن الإسراف: مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار: التقصير عن ما لا ~~بد منه، ويدل على هذا قول عمر بن الخطاب: كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما ~~اشتهى. # والثاني: أن الإسراف: الإنفاق في معصية الله وإن قل، والإقتار: منع حق ~~الله [تعالى]، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج في آخرين. # قوله تعالى: (وكان) يعني الإنفاق (بين ذلك) أي: بين الإسراف والإقتار ~~(قواما) أي: عدلا، قال ثعلب: القوام، بفتح القاف: الاستقامة والعدل، ~~وبكسرها: ما يدوم عليه الأمر ويستقر. # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه PageV06P023 # مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود، قال: سألت رسول الله ~~[صلى الله عليه و آله وسلم] أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك "، قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك "، قلت: ثم أي؟ ~~قال: " أن تزاني حليلة جارك "، فأنزل الله تعالى تصديقها: (والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر...) الآية. # والثاني: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا ~~رسول الله [صلى الله ms1648 عليه و آله وسلم] فقالوا: # إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه ~~الآية، إلى قوله [تعالى]: (غفورا رحيما)، أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس. # والثالث: أن وحشيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أتيتك ~~مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله، فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: ~~قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذا أتيتني مستجيرا فأنت في جواري ~~حتى تسمع كلام الله، قال: فإني أشركت بالله وقتلت التي حرم الله وزينت، فهل ~~يقبل الله مني توبة؟ حتى نزلت هذه الآية، فتلاها عليه، فقال: أرى شرطا، ~~فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزل: (إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فدعاه فتلاها عليه، فقال: ~~ولعلي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: (يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله...) الآية، فقال: نعم، ~~الآن لا أرى شرطا، فأسلم، رواه عطاء عن ابن عباس، وهذا وحشي هو قاتل حمزة، ~~وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر، وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير ~~هذا، وأنه قدم مع رسل الطائف فأسلم من غير اشتراط. قوله تعالى: (يدعون) ~~معناه: يعبدون. وقد سبق بيان قتل النفس بالحق في الأنعام: # قوله تعالى: (يلق أثاما) وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل: " يلق " برفع ~~الياء وفتح اللام وتشديد القاف مفتوحة. قال ابن عباس: يلق جزاء. وقال ~~مجاهد، وعكرمة: هو واد في جهنم. وقال ابن قتيبة: يلق عقوبة، وأنشدوا: # جزى الله ابن عروة حيث أمسى * عقوقا والعقوق له أثام PageV06P024 # قال الزجاج: وقوله تعالى: (يلق أثاما) جزم على الجزاء. قال أبو عمرو ~~الشيباني: يقال: قد لقي أثام ذلك، أي: جزاء ذلك، وسيبويه والخليل يذهبان ~~إلى أن معناه: يلقى جزاء الأثام. قال سيبويه: وإنما جزم " يضاعف له العذاب ~~" لأن مضاعفة العذاب لقي الآثام، فلذلك جزمت، كما ms1649 قال الشاعر: # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا لان الإتيان ~~هو الإلمام، فجزم " تلمم " لأنه بمعنى " تأتي. وقرأ الحسن: " يضعف "، وهو ~~جيد بالغ، تقول: ضاعفت الشئ وضعفته. وقرأ عاصم: " يضاعف " بالرفع على تفسير ~~" يلق أثاما " كأن قائلا قال: ما لقي الأثام؟ فقيل: يضاعف للآثم العذاب. ~~وقرأ أبو المتوكل، وقتادة، وأبو حيوة: " يضعف " برفع الياء وسكون الضاد ~~وفتح العين خفيفة من غير ألف. وقرأ أبو حصين الأسدي، والعمري عن أبي جعفر ~~مثله، إلا أن العين مكسورة، و " العذاب " بالنصب. # قوله تعالى: (ويخلد) وقرأ أبو حيوة، وقتادة، والأعمش: " ويخلد " برفع ~~الياء وسكون الخاء وفتح اللام مخففة. وقرأ عاصم الجحدري، وابن يعمر، وأبو ~~المتوكل مثله، إلا أنهم شددوا اللام. # فصل ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية قولان: # أحدهما: أنها منسوخة، وفي ناسخها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قوله تعالى: (و ~~من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم)، قاله ابن عباس. وكان يقول: هذه مكية، ~~والتي في " النساء " مدنية. # والثاني: أنها نسخت بقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به...) الآية. ~~والثالث: أن الأولى نسخت بالثانية، وهي: (إلا من تاب). # والقول الثاني: أنها محكمة، والخلود إنما كان لانضمام الشرك إلى القتل ~~والزنا. وفساد القول الأول ظاهر، لأن القتل لا يوجب تخليدا عند الأكثرين، ~~وقد بيناه في سورة النساء، والشرك لا يغفر إذا مات المشرك عليه، والاستثناء ~~ليس بنسخ. # قوله تعالى: (إلا من تاب) قال ابن عباس: قرأنا على عهد رسول الله سنتين: ~~(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) ثم نزلت (إلا من تاب) فما رأيت رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] فرح بشئ فرحه PageV06P025 # بها، وب‍ (إنا فتحنا لك فتحا مبينا). # قوله تعالى: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) اختلفوا في كيفية هذا ~~التبديل وفي زمان كونه، فقال ابن عباس: يبدل الله شركهم إيمانا، وقتلهم ~~إمساكا، وزناهم إحصانا، وهذا يدل: # أولا: على أنه يكون في الدنيا، وممن ذهب إلى هذا المعنى سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. # والثاني: أن ms1650 هذا يكون في الآخرة، قاله سلمان رضي الله عنه، وسعيد بن ~~المسيب، وعلي بن الحسين. وقال عمرو بن ميمون: يبدل الله سيئات المؤمن إذا ~~غفرها له حسنات، حتى إن العبد يتمنى أن تكون سيئاته أكثر مما هي. وعن الحسن ~~كالقولين. وروي عن الحسن أنه قال: ود قوم يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا ~~استكثروا من الذنوب، فقيل: من هم؟ قال: هم الذين قال الله تعالى فيهم: ~~(فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)، ويؤكد هذا القول حديث أبي ذر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فتعرض عليه ~~صغار ذنوبه وتنحى عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا، كذا، وهو مقر لا ينكر، ~~وهو مشفق من الكبار، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة "، أخرجه مسلم ~~في " صحيحه ". # ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون ~~الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) قوله تعالى: (ومن تاب) ظاهر ~~هذه التوبة أنها عن الذنوب المذكورة. وقال ابن عباس: # يعني: ممن لم يقتل ولم يزن، (وعمل صالحا) فإني قد قدمتهم وفضلتهم على من ~~قاتل نبيي واستحل محارمي. # قوله تعالى: (فإنه يتوب إلى الله متابا) قال ابن الأنباري: معناه: من ~~أراد التوبة وقصد حقيقتها، فينبغي له أن يريد الله بها ولا يخلط بها ما ~~يفسدها، وهذا كما يقول الرجل: من تجر فإنه يتجر في البز، ومن ناظر فإنه ~~يناظر في النحو، أي: من أراد ذلك، فينبغي أن يقصد هذا الفن، قال: # ويجوز أن يكون معنى الآية: ومن تاب وعمل صالحا، فإن ثوابه وجزاءه يعظمان ~~له عند ربه الذي أراد بتوبته، فلما كان قوله: " فإنه يتوب إلى الله متابا " ~~يؤدي عن هذا المعنى، كفى منه، وهذا كما يقول الرجل للرجل: إذا تكلمت فاعلم ~~أنك تكلم من يعرف كلامك ويجازيك، ومثله قوله تعالى: (إن ms1651 كان كبر عليكم ~~مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت)، أي: فإني أتوكل على ~~PageV06P026 # من ينصرني ولا يسلمني. وقال قوم: معنى الآية: فإنه يرجع إلى الله مرجعا ~~يقبله منه. # قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) فيه ثمانية أقوال: # أحدها: أنه الصنم. روى الضحاك عن ابن عباس أن الزور صنم كان للمشركين. # والثاني: أنه الغناء، قاله محمد ابن الحنفية، ومكحول، وروى ليث عن مجاهد ~~قال: لا يسمعون الغناء. # والثالث: الشرك، قاله الضحاك، وأبو مالك. # والرابع: لعب كان لهم في الجاهلية، قاله عكرمة. # والخامس: الكافر، قاله قتادة، وابن جريج. # والسادس: شهادة الزور، قاله علي بن أبي طالب. # والسابع: أعياد المشركين، قاله الربيع بن أنس. # والثامن: أنه الخنا، قاله عمرو بن قيس. و في المراد باللغو هاهنا خمسة ~~أقوال: # أحدها: المعاصي، قاله الحسن. # والثاني: أذى المشركين إياهم، قاله مجاهد. # والثالث: الباطل، قاله قتادة. # والرابع: الشرك، قاله الضحاك. # والخامس: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد. وقال محمد بن علي: إذا ~~ذكروا الفروج كنوا عنها. # قوله [تعالى]: (مروا كراما) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: مروا حلماء، قاله ابن السائب. # والثاني: مروا معرضين عنه، قاله مقاتل. # والثالث: أن المعنى: إذا مروا باللغو جاوزوه، قاله الفراء. # قوله تعالى: (و الذين إذا ذكروا) أي: وعظوا (بآيات ربهم) وهي القرآن (لم ~~يخروا عليها صما وعميانا) قال ابن قتيبة: لم يتغافلوا عنها فكأنهم صم لم ~~يسمعوها، عمي لم يروها. # وقال غيره من أهل اللغة: لم يثبتوا على حالتهم الأولى كأنهم لم يسمعوا ~~ولم يروا، وإن لم يكونوا خروا حقيقة، تقول العرب: شتمت فلانا فقام يبكي، ~~وقعد يندب، وأقبل يعتذر، وظل يتحير، وإن لم يكن قام ولا قعد. # قوله تعالى: (هب لنا من أزواجنا وذرياتنا) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وحفص عن PageV06P027 # عاصم: " وذرياتنا " على الجمع. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر، عن عاصم: # " وذرياتنا " على التوحيد، (قرة أعين) وقرأ ابن مسعود، وأبو حيوة: " قرأت ~~أعين " يعنون: من يعمل بطاعتك فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة. وسئل ~~الحسن عن ms1652 قوله: " قرة أعين " في الدنيا، أم في الآخرة؟ قال: لا، بل في ~~الدنيا، وأي شئ أقر بعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده يطيعون الله، والله ~~ما طلب القوم إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم. قال الفراء: إنما قال: " قرة " ~~لأنها فعل، والفعل لا يكاد يجمع، ألا ترى إلى قوله: (وادعوا ثبورا كثيرا) ~~فلم يجمعه، والقرة مصدر، تقول: قرت عينه قرة، ولو قيل: قرة عين أو قرأت ~~أعين كان صوابا. وقال غيره: أصل القرة من البرد، لأن العرب تتأذى بالحر، ~~وتستروح إلى البرد. # قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما) فيه قولان: # أحدهما: اجعلنا أئمة يقتدى بنا، قاله ابن عباس. وقال غيره: هذا من الواحد ~~الذي يراد به الجمع، كقوله: (إنا رسول رب العالمين)، وقوله: (فإنهم عدر ~~لي). # والثاني: اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم، قاله مجاهد، فعلى هذا يكون ~~الكلام من المقلوب، فالمعنى: واجعل المتقين لنا إماما. # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها ~~حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف ~~يكون لزاما (77) قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة) قال ابن عباس: يعني ~~الجنة. وقال غيره: الغرفة: كل بناء عال مرتفع، والمراد غرف الجنة، وهي من ~~الزبرجد والدر والياقوت، (بما صبروا) على دينهم وعلى أذى المشركين. # قوله تعالى: (ويلقون فيها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن ~~عاصم: # " ويلقون " بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف. وقرأ ابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " ويلقون " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف ~~القاف، (تحية وسلاما) قال ابن عباس: PageV06P028 # يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ويرسل إليهم الرب عز وجل بالسلام. وقال مقاتل: ~~" تحية " يعني السلام، " وسلاما " أي: سلم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم. # قوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما يصنع بكم! قاله ابن عباس. # والثاني: أي وزن يكون لكم عنده، تقول: ما عبأت بفلان، أي: ما كان له عندي ~~وزن ولا قدر، قاله الزجاج. # والثالث: ما يعبأ بعذابكم، قاله ابن ms1653 قتيبة. # وفي قوله تعالى: (لولا دعاؤكم) أربعة أقوال: # أحدها: لولا إيمانكم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: لولا عبادتكم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، قاله مجاهد، والمراد نفع الخلق، لأن ~~الله تعالى غير محتاج. # والرابع: لولا توحيدكم، حكاه الزجاج. وعلى قول الأكثرين ليس في الآية ~~إضمار، وقال ابن قتيبة: فيها إضمار تقديره: ما يعبأ بعذابكم لولا ما تدعونه ~~من الشريك والولد، ويوضح ذلك قوله تعالى: (فسوف يكون لزاما) يعني: العذاب، ~~ومثله قول الشاعر: # من شاء دلى النفس في هوة * ضنك ولكن من له بالمضيق أي: بالخروج من ~~المضيق. وهل هذا خطاب للمؤمنين، أو للكفار؟ فيه قولان: أما قوله تعالى: ~~(فقد كذبتم) فهو خطاب لأهل مكة حين كذبوا رسول الله [صلى الله عليه و آله ~~وسلم]، (فسوف يكون) يعني: تكذيبكم (لزاما) أي: عذابا لازما لكم، وفيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه قتلهم يوم بدر، فقتلوا يومئذ، واتصل بهم عذاب الآخرة لازما ~~لهم، وهذا مذهب ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومجاهد في آخرين. # والثاني: أنه الموت، قاله ابن عباس. # والثالث: أن اللزام: القتال، قاله ابن زيد. # و الله أعلم بالصواب PageV06P029 # (26) سورة الشعراء مكية و آياتها سبع و عشرون و مائتان و هي مكية كلها، ~~إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة، من قوله تعالى: (و الشعراء يتبعهم ~~الغاوون) إلى آخرها، قاله ابن عباس، وقتادة. # بسم الله الرحمن الرحيم طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد ~~كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (6) أو لم يروا إلى الأرض كم ~~أنبئنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) قوله تعالى: (طسم) قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر: " طسم " بفتح الطاء وإدغام النون من هجاء " سين " ~~عند الميم. وقرأ حمزة، ms1654 والكسائي، وخلف، وأبان، والمفضل: # " طسم " و " طس " بإمالة الطاء فيهما. وأظهر النون من هجاء " سين " عند ~~الميم حمزة هاهنا وفي القصص وفي معنى " طسم " أربعة أقوال: # أحدها: أنها حروف من كلمات، ثم فيها ثلاثة أقوال: أحدها: رواه علي بن أبي ~~طالب [رضي الله عنه ] قال: لما نزلت " طسم " قال رسول الله [صلى الله عليه ~~و آله وسلم]: " الطاء: طور سيناء، والسين: PageV06P030 # الإسكندرية، والميم: مكة " والثاني: أن الطاء: طيبة، وسين: بيت المقدس، ~~وميم: مكة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: الطاء: شجرة طوبى، والسين: ~~سدرة المنتهى، والميم: # محمد صلى الله عليه و آله وسلم، قاله جعفر الصادق. # والثاني: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. وقد بينا كيف يكون مثل هذا من أسماء الله تعالى في فاتحة ~~مريم. وقال القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه وملكه. # والثالث: أنه اسم للسورة، قاله مجاهد. # والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة، وأبو روق. وما بعد هذا قد ~~سبق تفسيره إلى قوله: (ألا يكونوا مؤمنين) والمعنى: لعلك قاتل نفسك لتركهم ~~الإيمان. # ثم أخبر أنه لو أراد أن ينزل عليهم ما يضطرهم إلى الإيمان لفعل، فقال: ~~(إن نشاء ننزل) وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل: " إن يشأ ينزل " بالياء ~~فيهما، (عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) جعل الفعل أولا ~~للأعناق، ثم جعل " خاضعين " للرجال، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون. ~~وقيل: لما وصف الأعناق بالخضوع، وهو من صفات بني آدم، أخرج الفعل مخرج ~~الآدميين كما بينا في قوله [تعالى]: (والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، ~~وهذا اختيار أبي عبيدة. وقال الزجاج: قوله: " فظلت " معناه: فتظل، لأن ~~الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل، كقولك: إن تأتني أكرمتك، ~~معناه: أكرمك، وإنما قال: " خاضعين " لأن خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها، ~~وذلك أن الخضوع لما لم يكن إلا بخضوع الأعناق، جاز أن يخبر عن المضاف إليه، ~~كما قال الشاعر: # رأت مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار ms1655 من الهلال فلما كانت السنون لا ~~تكون إلا بمر، أخبر عن السنين، وإن كان أضاف إليها المرور. قال: # وجاء في التفسير أنه يعني بالأعناق كبراءهم ورؤساءهم. وجاء في اللغة أن ~~أعناقهم جماعاتهم، يقال: # جاءني عنق من الناس، أي: جماعة. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله: ~~(أولم يروا إلى الأرض) يعني المكذبين بالبعث (كم أنبتنا فيها) بعد أن لم ~~يكن فيها نبات (من كل زوج كريم) قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن. وقال ~~الزجاج: الزوج: النوع، والكريم: المحمود. # قوله تعالى: (إن في ذلك) الإنبات (لآية) تدل على وحدانية الله وقدرته ~~(وما كان أكثرهم مؤمنين) أي: ما كان أكثرهم يؤمن في علم الله، (وإن ربك لهو ~~العزيز) المنتقم من PageV06P031 # أعدائه (الرحيم) بأوليائه. # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) ~~قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى ~~هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا ~~معكم مستمعون (15) فأتيا فقولا إنا رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني ~~إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت ~~فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ~~(20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21) وتلك ~~نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) قوله تعالى: (و إذ نادى) المعنى: ~~واتل هذه القصة على قومك. # قوله تعالى: (أن يكذبون) ياء " يكذبون " محذوفة، ومثلها (أن يقتلون) " ~~سيهدين " " فهو يهدين " " ويسقين " " فهو يشفين " " ثم يحيين " " كذبون " " ~~وأطيعون " فهذه ثماني آيات أثبتهن في الحالين يعقوب. # قوله تعالى: (ويضيق صدري) أي بتكذيبهم إياي (ولا ينطلق لساني) للعقدة ~~التي كانت بلسانه. وقرأ يعقوب: " ويضيق " " ولا ينطلق " بنصب القاف فيهما، ~~(فأرسل إلى هارون) المعنى: ليعينني، فحذف، لأن في الكلام دليلا عليه. (ولهم ~~علي ذنب) وهو القتيل الذي وكزه فقضى عليه، فلهم علي دعوى ذنب (فأخاف أن ~~يقتلون) به (قال كلا) وهو ردع وزجر عن الإقامة ms1656 على هذا الظن، والمعنى: لن ~~يقتلوك لأني لا أسلطهم عليك، (فاذهبا) يعني: أنت وأخوك (بآياتنا) وهي: ما ~~أعطاهما من المعجزة (إنا) يعني نفسه عز وجل (معكم) فأجراهما مجرى الجماعة ~~(مستمعون) نسمع ما تقولان وما يجيبونكما به. PageV06P032 # قوله تعالى: (إنا رسول رب العالمين) قال ابن قتيبة: الرسول يكون بمعنى ~~الجميع، كقوله: (هؤلاء ضيفي) وقوله: (ثم نخرجكم طفلا). وقال الزجاج: ~~المعنى: إنا رسالة رب العالمين، أي: ذوو رسالة رب العالمين، قال الشاعر: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول قوله تعالى: (أن ~~أرسل) المعنى: بأن أرسل (معنا بني إسرائيل) أي: أطلقهم من الاستعباد، ~~فأتياه فبلغاه الرسالة، ف‍ (قال ألم نر بك فينا وليدا) أي: صبيا صغيرا ~~(ولبثت فينا من عمرك سنين) وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: ثماني عشرة سنة، قاله ابن عباس. # والثاني: أربعون سنة، قاله ابن السائب. # والثالث: ثلاثون سنة، قاله مقاتل، والمعنى: فجازيتنا على أن ربيناك أن ~~كفرت نعمتنا، وقتلت منا نفسا، وهو قوله: (وفعلت فعلتك) وهي قتل النفس. قال ~~الفراء: وإنما نصبت الفاء، لأنها مرة واحدة، ولو أريد بها مثل الجلسة ~~والمشية جاز كسرها. # وفي قوله: (وأنت من الكافرين) قولان: # أحدهما: من الكافرين لنعمتي، قاله ابن عباس، و سعيد بن جبير، و عطاء، و ~~الضحاك و ابن زيد. # والثاني: من الكافرين بإلهك، كنت معنا على ديننا الذي تعيب، قاله الحسن، ~~والسدي. # فعلى الأول، وأنت من الكافرين الآن. وعلى الثاني: وكنت. و في قوله: (و ~~أنا من الضالين) ثلاثة أقوال: # أحدها: من الجاهلين، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة. وقال ~~بعض المفسرين: المعنى: إني كنت جاهلا لم يأتني من الله شئ. # والثاني: من الخاطئين، والمعنى: إني قتلت النفس خطأ، قاله ابن زيد. # والثالث: من الناسين، ومثله: (أن تضل إحداهما)، قاله أبو عبيدة. ~~PageV06P033 # قوله تعالى: (ففررت منكم) أي: ذهبت من بينكم (لما خفتكم) على نفسي إلى ~~مدين، وقرأ عاصم الجحدري، والضحاك، وابن يعمر: (لما) بكسر اللام وتخفيف ~~الميم، (فوهب لي ربي حكما) وفيه قولان: # أحدهما: النبوة، قاله ms1657 ابن السائب. # والثاني: العلم والفهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (و تلك نعمة تمنها علي) يعني التربية (أن عبدت بني إسرائيل) ~~أي: # اتخذتهم عبيدا، يقال: عبدت فلانا وأعبدته واستعبدته: إذا اتخذته عبدا. و ~~في " أن " وجهان: # أحدهما: أن تكون في موضع رفع على البدل من " نعمة ". # والثاني: أن تكون في موضع نصب بنزع الخافض، تقديره: لأن عبدت، أو ~~لتعبيدك. # واختلف العلماء في تفسير الآية، ففسرها قوم على الإنكار، وقوم على ~~الإقرار، فمن فسرها على الإنكار قال معنى الكلام: أو تلك نعمة؟! على طريق ~~الاستفهام، ومثله (هذا ربي)، وقوله: (فهم الخالدون)، وأنشدوا: # لم أنس يوم الرحيل وقفتها * وجفنها من دموعها شرق وقولها والركاب سائرة * ~~تتركنا هكذا وتنطلق وهذا قول جماعة منهم. ثم لهم في معنى الكلام ووجهه ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن فرعون أخذ أموال بني إسرائيل واستعبدهم وأنفق على موسى منها، ~~فأبطل موسى النعمة لأنها أموال بني إسرائيل، قاله الحسن. # و الثاني: أن المعنى: إنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكفلني أهلي، ~~وكانت أمي تستغني عن قذفي في اليم، فكأنك تمن علي بما كان بلاؤك سببا له، ~~وهذا قول المبرد، والزجاج، والأزهري. # والثالث: أن المعنى: تمن علي بإحسانك إلي خاصة، وتنسى إساءتك بتعبيدك بني ~~إسرائيل؟! قاله مقاتل. # والرابع: أن المعنى: كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي؟! ومن أهين ~~قومه فقد ذل، فقد حبط إحسانك إلي بتعبيدك قومي، حكاه الثعلبي. # فأما من فسرها على الإقرار، فإنه قال: عدها موسى نعمة حيث رباه ولم يقتله ~~ولا استعبده. PageV06P034 # فالمعنى: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل، " ~~فإن " تدل على المحذوف، ومثله في الكلام - أن تضرب بعض عبيدك وتترك الآخر، ~~فيقول المتروك -: هذه نعمة علي أن ضربت فلانا وتركتني، ثم تحذف " وتركتني " ~~لأن المعنى معروف، هذا قول الفراء. # قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال ms1658 رب المشرق ~~والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قوله تعالى: (قال فرعون وما رب ~~العالمين) سأله عن ماهية من لا ماهية له، فأجابه بما يدل عليه من مصنوعاته. ~~و في قوله [تعالى]: (إن كنتم موقنين) قولان: # أحدهما: أنه خلق السماوات والأرض. # والثاني: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه، فكذلك، فأيقنوا ~~أنه رب السماوات PageV06P035 # والأرض. قوله تعالى: (قال) يعني: فرعون (لمن حوله) من أشراف قومه (ألا ~~تستمعون) معجبا لهم. فإن قيل: فأين جوابهم؟ # فالجواب: أنه أراد: ألا تستمعون قول موسى؟ فرد موسى، لأنه المراد ~~بالجواب، ثم زاد في البيان بقوله [تعالى]: (ربكم ورب آبائكم الأولين)، ~~فأعرض فرعون عن جوابه ونسبه إلى الجنون، فلم يحفل موسى بقول فرعون، واشتغل ~~بتأكيد الحجة (فقال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) أي: إن ~~كنتم ذوي عقول، لم يخف عليكم ما أقول. # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال أو لو جئتك بشئ ~~مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) قال للملأ حوله إن هذا ~~لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا ~~أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع ~~السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع ~~السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال ~~لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون (44) فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي ~~السحرة ساجدين (46) قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قوله ~~تعالى: (أو لو جئتك بشئ مبين) أي: بأمر ظاهر يعرف به صدقي أتسجنني؟! وما ~~بعد هذا مفسر في الأعراف إلى قوله: (فجمع السحرة لميقات يوم معلوم) وهو يوم ~~الزينة، وكان PageV06P036 # عيدا لهم، (وقيل للناس) يعني أهل مصر. وذهب ابن زيد إلى ms1659 أن اجتماعهم كان ~~بالإسكندرية. # قوله تعالى: (لعلنا نتبع السحرة) قال الأكثرون: أرادوا سحرة فرعون، ~~فالمعنى: لعلنا نتبعهم على أمرهم. وقال بعضهم: أرادوا موسى وهارون، وإنما ~~قالوا ذلك استهزاء. قال ابن جرير: # و " لعل " هاهنا بمعنى " كي ". وقوله تعالى: (بعزة فرعون) أي: بعظمته. # قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ~~ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين ~~(51) قوله تعالى: (فلسوف تعلمون) قال الزجاج: اللام دخل للتوكيد. # قوله تعالى: (لا ضير) أي: لا ضرر. قال ابن قتيبة: هو من ضاره يضوره ~~ويضيره، بمعنى: ضره. والمعنى: لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا، لأنا ~~ننقلب إلى ربنا في الآخرة مؤملين غفرانه. # قوله تعالى: (أن كنا أول المؤمنين) بآيات موسى في هذه الحال. # وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا ~~لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك ~~وأورثناها بني إسرائيل (59) قوله تعالى: (إنكم متبعون) أي: يتبعكم فرعون ~~وقومه. # قوله تعالى: (إن هؤلاء) المعنى: وقال فرعون إن هؤلاء، يعني بني إسرائيل ~~(لشرذمة) قال ابن قتيبة: أي: طائفة. قال الزجاج: والشرذمة في كلام العرب: ~~القليل. قال المفسرون: وكانوا ستمائة ألف، وإنما استقلهم بالإضافة إلى ~~جنده، وكان جنده لا يحصى. PageV06P037 # قوله تعالى: (وإنهم لنا لغائظون) تقول: غاظني الشئ، إذا أغضبك قال ابن ~~جرير: # وذكر أن غيظهم كان لقتل الملائكة من قتلت من أبكارهم. قال: ويحتمل أن ~~غيظهم لذهابهم بالعواري التي استعاروها من حليهم، ويحتمل أن يكون لفراقهم ~~إياهم وخروجهم من أرضهم على كره منهم. # قوله تعالى: (وإنا لجميع حذرون) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " حذرون ~~" بغير ألف. و قرأ الباقون: " حاذرون " بألف. وهل بينهما فرق؟ فيه قولان: # أحدهما: الحاذر، المستعد، والحذر: المتيقظ. وجاء في التفسير أن معنى ~~حاذرين: مؤدون، أي: ذوو أداة، وهي السلاح، ms1660 لأنها أداة الحرب. # والثاني: أنهما لغتان معناهما واحد، قال أبو عبيدة: يقال: رجل حذر وحذر ~~وحاذر. والمقام الكريم: المنزل الحسن. و في قوله: (كذلك) قولان: # أحدهما: كذلك أفعل بمن عصاني، قاله ابن السائب. # والثاني: الأمر كذلك، أي: كما وصفنا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (و أورثناها بني إسرائيل) وذلك أن الله تعالى ردهم إلى مصر ~~بعد غرق فرعون، وأعطاهم ما كان لفرعون وقومه من المساكن والأموال. وقال ابن ~~جرير الطبري: إنما جعل ديار آل فرعون ملكا لبني إسرائيل ولم يرددهم إليها ~~لكنه جعل مساكنهم الشام. # فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) ~~قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا ~~موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) قوله تعالى: (فأتبعوهم) ~~قال ابن قتيبة: لحقوهم (مشرقين) أي: حين شرقت الشمس، PageV06P038 # أي: طلعت، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أمسينا وأصبحنا. ~~وقرأ الحسن، وأيوب السختياني: " فأتبعوهم " بالتشديد. # قوله تعالى: (فلما تراءى الجمعان) و قرأ أبو رجاء، والنخعي، والأعمش: " ~~تراأى " بكسر الراء وفتح الهمزة، أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه. # قوله تعالى: (كلا) أي: لن يدركونا (إن معي ربي سيهدين) أي: سيدلني على ~~طريق النجاة. # قوله تعالى: (فانفلق) فيه إضمار " فضرب فانفلق "، أي: انشق الماء اثني ~~عشر طريقا (فكان كل فرق) أي: كل جزء انفرق منه. وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وعاصم الجحدري: # " كل فلق " باللام، (كالطود) وهو الجبل. # قوله تعالى: (وأزلفنا ثم الآخرين) أي: قربنا الآخرين من الغرق، وهم أصحاب ~~فرعون. # وقال أبو عبيدة: " أزلفنا " أي: جمعنا. قال الزجاج: وكلا القولين حسن، ~~لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض، وأصل الزلفى في كلام العرب: القربى. وقرأ ~~ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو رجاء، والضحاك، وابن يعمر: " أزلقنا " بقاف، ~~وكذلك قرأوا: " أزلقت الجنة " بقاف أيضا. # قوله تعالى: (إن في ذلك لآية) يعني: ms1661 في إهلاك فرعون وقومه عبرة لمن بعدهم ~~(وما كان أكثرهم) أي: لم يكن أكثر أهل مصر مؤمنين، إنما آمنت آسية، وخربيل ~~مؤمن آل فرعون، وفنة الماشطة، ومريم - امرأة دلت موسى على عظام يوسف -، هذا ~~قول مقاتل. وما أخللنا به من تفسير كلمات في قصة موسى، فقد سبق بيانها، ~~وكذلك ما تفقد ذكره في مكان، فهو إما أن يكون قد سبق، وإما أن يكون ظاهرا، ~~فتنبه لهذا. # واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ~~ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا ~~رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) و الذي PageV06P039 # هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين ~~(81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) قوله تعالى: (هل ~~يسمعونكم) والمعنى: هل يسمعون دعاءكم. وقرأ سعيد بن جبير، وابن يعمر، وعاصم ~~الجحدري: " هل يسمعونكم " بضم الياء وكسر الميم، (إذ تدعون) قال الزجاج: # إن شئت بينت الذال، وإن شئت أدغمتها في التاء وهو أجود في العربية، لقرب ~~الذال من التاء. # قوله تعالى: (أو ينفعونكم) أي: إن عبدتموهم (أو يضرون) إن لم تعبدوهم؟ ~~فأخبروا عن تقليد آبائهم. قوله تعالى: (فإنهم عدو لي) فيه وجهان: # أحدهما: أن لفظه لفظ الواحد والمراد به الجميع، فالمعنى: فإنهم أعداء لي. # والثاني: فإن كل معبود لكم عدو لي. فإن قيل: ما وجه وصف الجماد بالعدواة؟ # فالجواب: من وجهين. # أحدهما: أن معناه: فإنهم عدو لي يوم القيامة إن عبدتهم. # والثاني: أنه من المقلوب، والمعنى: فإني عدو لهم، لأن من عاديته عاداك، ~~قاله ابن قتيبة. # وفي قوله: تعالى: (إلا رب العالمين) قولان: # أحدهما: أنه استثناء من الجنس، لأنه علم أنهم كانوا يعبدون الله مع ~~آلهتهم، قاله ابن زيد. # و الثاني: أنه من غير الجنس، فالمعنى: و لكن رب العالمين، قاله أكثر ~~النحويين. # قوله تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين) أي: ms1662 إلى الرشد، لا ما تعبدون، (والذي ~~هو يطعمني ويسقين) أي: هو رازقي الطعام والشراب. # فإن قيل: لم قال: " مرضت "، ولم يقل: " أمرضني "؟ # فالجواب: أنه أراد الثناء على ربه فأضاف إليه الخير المحض، لأنه لو قال: ~~" أمرضني " لعد قومه ذلك عيبا، فاستعمل حسن الأدب، ونظير قصة الخضر حين قال ~~في العيب: " فأردت "، وفي الخير المحض: " فأراد ربك " فإن قيل: فهذا يرده ~~قوله: (و الذي يميتني). # فالجواب: أن القوم كانوا لا ينكرون الموت، وإنما يجعلون له سببا سوى ~~تقدير الله عز وجل، فأضافه إبراهيم إلى الله تعالى، وقوله [تعالى]: (ثم ~~يحيين) يعني البعث، [وهو] أمر لا يقرون PageV06P040 # به، وإنما قاله استدلالا عليهم، والمعنى: أن ما وافقتموني عليه موجب لصحة ~~قولي فيما خالفتموني فيه. # قوله تعالى: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي) يعني: ما يجري على مثلي من ~~الزلل، والمفسرون يقولون: إنما عنى الكلمات الثلاث التي ذكرناها في ~~الأنبياء، (يوم الدين) يعني: # يوم الحشر والحساب، وهذا احتجاج على قومه أنه لا تصلح الإلهية إلا لمن ~~فعل هذه الأفعال. # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا ~~تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب ~~سليم (89) قوله تعالى: (هب لي حكما) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: النبوة، قاله أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: اللب، قاله عكرمة. # والثالث: الفهم والعلم، قاله مقاتل، وقد بينا قوله: (وألحقني بالصالحين) ~~في سورة يوسف، وبينا معنى (لسان صدق) في مريم والمراد بالآخرين: الذين ~~يأتون بعده إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: (واغفر لأبي) قال الحسن: بلغني أن أمه كانت مسلمة على دينه، ~~فلذلك لم يذكرها. # فإن قيل: فقد قال: (اغفر لي ولوالدي). # قيل: أكثر الذكر إنما جرى لأبيه، فيجوز أن يسأل الغفران لأمه وهي مؤمنة، ~~فأما أبوه فلا شك في كفره. وقد بينا سبب استغفاره لأبيه في براءة، وذكرنا ~~معنى الخزي في آل عمران. # قوله تعالى: (يوم يبعثون) ms1663 يعني: الخلائق. PageV06P041 # قوله تعالى: (إلا من أتى الله بقلب سليم) فيه ستة أقوال: # أحدها: سليم من الشرك، قاله الحسن، وابن زيد. # والثاني: سليم من الشك، قاله مجاهد. # والثالث: سليم، أي: صحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، ~~قاله سعيد بن المسيب. # والرابع: أن السليم في اللغة: اللديغ، فالمعنى: كاللديغ من خوف الله عز ~~وجل، قاله الجنيد. # والخامس: سليم من آفات المال والبنين، قاله الحسين بن الفضل. # والسادس: سليم من البدعة، مطمئن على السنة، حكاه الثعلبي. # وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما ~~كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم ~~والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله ~~إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا ~~المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة ~~فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم (104) قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين) أي: قربت ~~إليهم حتى نظروا إليها، (وبرزت الجحيم) أي: أظهرت (للغاوين) وهم الضالون، ~~(وقيل لهم) على وجه التوبيخ (أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم) ~~أي: يمنعونكم من العذاب، أو يمتنعون منه. # قوله تعالى: (فكبكبوا) قال السدي: هم المشركون. قال ابن قتيبة: ألقوا على ~~رؤوسهم، وأصل الحرف " كببوا " من قولك: كببت الإناء، فأبدل من الباء الوسطى ~~كافا، استثقالا لاجتماع ثلاث باءات، كما قالوا: " كمكموا " من " الكمة "، ~~والأصل: " كمموا ". وقال الزجاج: معناه: # طرح بعضهم على بعض، وحقيقة ذلك في اللغة تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ~~ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر فيها. و في الغاوين ثلاثة أقوال: PageV06P042 # أحدها: المشركون، قاله ابن عباس. # والثاني: الشياطين، قاله قتادة، ومقاتل. # والثالث: الآلهة، قاله السدي. (و جنود إبليس) أتباعه من الجن والإنس. ~~(قالوا وهم فيها يختصمون) يعني: هم وآلهتهم، (تالله إن كنا) قال الفراء: ~~لقد كنا. وقال الزجاج: ما كنا إلا في ضلال. # قوله تعالى: (إذ نسويكم) أي: نعدلكم بالله ms1664 في العبادة، (وما أضلنا إلا ~~المجرمون) فيهم قولان: # أحدهما: الشياطين. # والثاني: أولوهم الذين اقتدوا بهم، قال عكرمة: إبليس وابن آدم القاتل. # قوله تعالى: (فما لنا من شافعين) هذا قولهم إذا شفع الأنبياء والمؤمنون. ~~وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال: " إن ~~الرجل يقول في الجنة: ما فعل صديقي فلان؟ # وصديقه في الجحيم، فيقول الله عز وجل: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول ~~من بقي: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم "؟. والحميم: القريب الذي توده ~~ويودك والمعنى: ما لنا من ذي قرابة يهمه أمرنا، (فلو أن لنا كرة) أي: رجعة ~~إلى الدنيا (فنكون من المؤمنين) لتحل لنا الشفاعة كما حلت للموحدين. # كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني ~~لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قوله تعالى: ~~(كذبت قوم نوح) قال الزجاج: القوم مذكرون، فالمعنى: كذبت جماعة قوم نوح. # قوله تعالى: (إذ قال لهم أخوهم نوح) كانت الأخوة من جهة النسب، لا من جهة ~~الدين، (ألا تتقون) عذاب الله بتوحيده وطاعته، (إني لكم رسول أمين) على ~~الرسالة فيما بيني وبين ربكم. (وما أسألكم عليه) أي: على الدعاء إلى ~~التوحيد. PageV06P043 # قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمني بما كانوا يعملون ~~(112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) ~~إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ~~(116) قوله تعالى: (واتبعك الأرذلون) وقرأ يعقوب: " وأتباعك الأرذلون "، ~~وفيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: الحاكة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: الحاكة والأساكفة، قاله عكرمة. # والثالث: المساكين الذين ليس لهم مال ولا عز، قاله عطاء. وهذا جهل منهم، ~~لأن الصناعة لا تضر في باب الديانات. # قوله تعالى: (وما علمي بما كانوا يعملون) أي: لم أعلم أعمالهم وصنائعهم، ~~ولم أكلف ذلك، إنما كلفت أن أدعوهم، (إن حسابهم) فيما يعملون (إلا على ربي ms1665 ~~لو تشعرون) بذلك ما عبتموهم في صنائعهم، (وما أنا بطارد المؤمنين) أي: ما ~~أنا بالذي لا أقبل إيمانهم لزعمكم أنهم الأرذلون. # و في قوله تعالى: (لتكونن من المرجومين) ثلاثة أقوال: # أحدها: من المشتومين، قاله الضحاك. # والثاني: من المضروبين بالحجارة، قاله قتادة. # والثالث: من المقتولين بالرجم، قاله مقاتل. # قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد ~~الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (122) قوله تعالى: (فافتح بيني وبينهم) أي: اقض بيني وبينهم ~~قضاء، يعني: بالعذاب (ونجني ومن معي) من ذلك العذاب. والفلك قد تقدم بيانه. ~~والمشحون: المملوء، يقال: شحنت الإناء: # إذا ملأته، وكانت سفينة نوح قد ملئت من الناس والطير والحيوان كله، (ثم ~~أغرقنا بعد) نجاة نوح ومن معه (الباقين). PageV06P044 # كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم ~~رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون ~~(131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات ~~وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قوله تعالى: (أتبنون بكل ~~ريع آية) وقرأ عاصم الجحدري، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: # " بكل ريع " بفتح الراء. قال الفراء: هما لغتان. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه المكان المرتفع، روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: بكل شرف. ~~قال الزجاج: هو في اللغة: الموضع المرتفع من الأرض. # والثاني: أنه الطريق، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثالث: الفج بين الجبلين، قاله مجاهد. والآية: العلامة. # وفيما أراد بهذا البناء ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أراد: تبنون مالا تسكنون، رواه عطاء عن ابن عباس، والمعنى أنه ~~جعل بناءهم ما يستغنون عنه عبثا. # والثاني: بروج الحمام، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. # والثالث: أنهم كانوا يبنون في المواضع المرتفعة ليشرفوا ms1666 على المارة ~~فيسخروا منهم ويعبثوا بهم، وهو معنى قول الضحاك. # قوله تعالى: (وتتخذون مصانع) فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: قصور مشيدة، قاله مجاهد. # والثاني: مصانع للماء تحت الأرض، قاله قتادة. # والثالث: بروج الحمام، قاله السدي. و في قوله تعالى: (لعلكم تخلدون) ~~قولان: # أحدهما: كأنكم تخلدون، قاله ابن عباس، وأبو مالك. # والثاني: كيما تخلدوا، قاله الفراء، وابن قتيبة، وقرأ عكرمة، والنخعي، ~~وقتادة، وابن يعمر: PageV06P045 # " تخلدون " برفع التاء وتسكين الخاء وفتح اللام مخففة. وقرأ عاصم ~~الجحدري، وأبو حصين: # " تخلدون " بفتح الخاء وتشديد اللام. # قوله تعالى: (و إذا بطشتم بطشتم جبارين) المعنى: إذا ضربتم ضربتم بالسياط ~~ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم، وإنما أنكر عليهم ذلك، فإنه صدر عن ظلم، ~~إذ لو ضربوا بالسيف أو بالسوط في حق ما ليموا. # قالوا سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق ~~الأولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود ~~المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين ~~(143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين (145) قوله تعالى: (إن هذا إلا خلق الأولين) قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، والكسائي: " خلق " بفتح الخاء وتسكين اللام، قال ابن قتيبة: ~~أرادوا اختلاقهم وكذبهم، يقال: خلقت الحديث واختلقته، أي: افتعلته، قال ~~الفراء: والعرب تقول للخرافات: أحاديث الخلق. وقرأ عاصم، و نافع وابن عامر، ~~وحمزة، " خلق الأولين " بضم الخاء واللام. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وعاصم ~~الجحدري: " خلق " برفع الخاء وتسكين اللام، والمعنى: عادتهم وشأنهم. قال ~~قتادة: قالوا له: # هكذا الناس يعيشون ثم يموتون، ولا بعث لهم ولا حساب. # قوله تعالى: (وما نحن بمعذبين) أي: على ما نفعله في الدنيا. # أتتركون في ما ههنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها ~~هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون ~~(150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ~~(152) PageV06P046 # قوله تعالى: (أتتركون فيما هاهنا) أي: ms1667 فيما أعطاكم الله في الدنيا ~~(آمنين) من الموت والعذاب. # قوله تعالى: (طلعها هضيم) الطلع: الثمر. وفي الهضيم سبعة أقوال: # أحدها: أنه الذي قد أينع وبلغ، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه الذي يتهشم تهشما، قاله مجاهد. # والثالث: أنه الذي ليس له نوى، قاله الحسن. # والرابع: أنه المذنب من الرطب، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: اللين، قاله قتادة، والفراء. # والسادس: أنه الحمل الكثير الذي يركب بعضه بعضا، قاله الضحاك. # والسابع: أنه الطلع قبل أن ينشق عنه القشر وينفتح، يريد أنه منضم مكتنز، ~~ومنه قيل: رجل أهضم الكشحين، إذا كان منضمهما، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (و تنحتون من الجبال بيوتا فرهين) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو: # " فرهين ". وقرأ الباقون: " فارهين " بألف. قال ابن قتيبة: " فرهين ": ~~أشرين بطرين، ويقال: # الهاء فيه مبدلة من حاء، أي: فرحين، و " الفرح " قد يكون السرور، وقد ~~يكون الأشر، ومنه قوله تعالى: (إن الله لا يحب الفرحين) أي: الأشرين، ومن ~~قرأ: " فارهين " فهي لغة أخرى، يقال: فره وفاره، كما يقال: فرح وفارح، ~~ويقال: " فارهين " أي: حاذقين، قال عكرمة: حاذقين بنحتها. # قوله تعالى: (ولا تطيعوا أمر المسرفين) قال ابن عباس: يعني: المشركين. ~~وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة. # قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت ~~من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) ~~فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (159) كذبت قوم لوط PageV06P047 # المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين ~~(162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين (164) قوله تعالى: (إنما أنت من المسحرين) قال الزجاج: أي: ممن ~~له سحر، والسحر: الرئة، والمعنى: أنت بشر مثلنا. وجائز أن يكون من المفعلين ~~من السحر، والمعنى: ممن قد سحر مرة بعد مرة. # قوله تعالى: (لها شرب) أي: حظ ms1668 من الماء. و قال ابن عباس: لها شرب معروف ~~لا تحضروه معها، ولكم شرب لا تحضر معكم، فكانت إذا كان يومهم حضروا الماء ~~فاقتسموه، وإذا كان يومها شربت الماء كله. وقال قتادة: كانت إذا كان يوم ~~شربها، شربت ماءهم أول النهار، وسقتهم اللبن آخر النهار. وقرأ أبي بن كعب، ~~وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي عبلة: " لها شرب " بضم الشين. # قوله تعالى: (فأصبحوا نادمين) قال ابن عباس: ندموا حين رأوا العذاب، على ~~عقرها، وعذابهم كان بالصيحة. # أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل ~~أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) ~~قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه ~~وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) ~~وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) قوله تعالى: (أتأتون ~~الذكران) وهو جمع ذكر (من العالمين) أي: من بني آدم، (وتذرون ما خلق لكم ~~ربكم من أزواجكم) قال الزجاج: وقرأ ابن مسعود: " ما أصلح لكم ربكم من ~~أزواجكم " يعني به الفروج. وقال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى أدبار ~~الرجال. # قوله تعالى: (بل أنتم قوم عادون) أي: ظالمون معتدون. (قالوا لئن لم تنته) ~~أي: لئن لم تسكت عن نهينا (لتكونن من المخرجين) من بلدنا. (قال إني لعملكم) ~~يعني: إتيان الرجال (من PageV06P048 # القالين) قال ابن قتيبة: أي: من المبغضين، يقال: قليت الرجل: إذا أبغضته. # قوله تعالى: (رب نجني وأهلي مما يعملون) أي: من عقوبة عملهم، (فنجيناه ~~وأهله) وقد ذكرناهم في هود، (إلا عجوزا) يعني: امرأته (في الغابرين) أي: ~~الباقين في العذاب. (ثم دمرنا الآخرين) أهلكناهم بالخسف والحصب، وهو قوله ~~تعالى: (وأمطرنا عليهم مطرا) يعني الحجارة. # كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني ~~لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (180) قوله تعالى: (كذب أصحاب الأيكة) قرأ ابن ms1669 ~~كثير، ونافع، وابن عامر: " أصحاب ليكة " هاهنا، وفي صاد بغير همز والتاء ~~مفتوحة، وقرأ الباقون: " الأيكة " بالهمزة فيهما والألف. وقد سبق هذا ~~الحرف. (إذ قال لهم شعيب) إن قيل: لم لم يقل: أخوهم، كما قال في الأعراف؟ # فالجواب: أن شعيبا لم يكن من نسل أصحاب الأيكة، فلذلك لم يقل: أخوهم، ~~وإنما أرسل إليهم بعد أن أرسل إلى مدين، وهو من نسل مدين، فلذلك قال هناك: ~~أخوهم، هذا قول مقاتل بن سليمان. وقد ذكرنا في سورة هود عن محمد بن كعب ~~القرظي، أن أهل مدين عذبوا بعذاب الظلة، فإن كانوا غير أصحاب الأيكة كما ~~زعم مقاتل، فقد تساووا في العذاب، وإن كان أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، وهو ~~مذهب ابن جرير الطبري كان حذف ذكر الأخ تخفيفا، والله أعلم. # وأوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (182) وزنوا بالقسطاس المستقيم ~~(182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا ~~الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) قوله تعالى: (و لا تكونوا من المخسرين) ~~أي: من الناقصين للكيل، يقال: أخسرت الكيل والوزن: إذا نقصته. وقد ذكرنا ~~القسطاس في بني إسرائيل. PageV06P049 # قوله تعالى: (واتقوا الذي خلقكم والجبلة) أي: وخلق الجبلة. وقيل: المعنى: ~~واذكروا ما نزل بالجبلة (الأولين). وقرا الحسن، وأبو مجلز، وأبو رجاء، وابن ~~يعمر، وابن أبي عبلة: " الجبلة " برفع الجيم والباء جميعا مشددة اللام. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وعاصم الجحدري: بكسر الجيم وتسكين ~~الباء وتخفيف اللام. قال ابن قتيبة: الجبلة: الخلق، يقال: جبل فلان على ~~كذا، أي: خلق، قال الشاعر: # وكان أعظم حادث * مما يمر على الجبلة قالوا إنما أنت من المسحرين (185) ~~وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه ~~فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) قوله تعالى: (فأسقط ~~علينا كسفا) قال ابن قتيبة: أي قطعة (من السماء)، و " كسف " جمع " كسفة، ms1670 ~~كما يقال: قطع وقطعة. # قوله تعالى: (ربي أعلم بما تعملون) أي: من نقصان الكيل والميزان، ~~والمعنى: إنه يجازيكم إن شاء، وليس عذابكم بيدي، (فكذبوه فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة) قال المفسرون: بعث الله عليهم حرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من ~~البيوت هربا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة أظلتهم من الشمس، فوجدوا ~~لها بردا، ونادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها، أرسل الله عليهم نارا، ~~فكان ذلك من أعظم العذاب، والظلة: السحابة التي أظلتهم. # وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون ~~من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196) أولم ~~يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض الأعجمين ~~(198) فقرأه عليهم ما PageV06P050 # كانوا به مؤمنين (199) قوله تعالى: (وإنه) يعني القرآن (لتنزيل رب ~~العالمين، نزل به الروح) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: " ~~نزل به " خفيفا " الروح الأمين " بالرفع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: " نزل " مشددة الزاي " الروح الأمين " بالنصب. والمراد ~~بالروح الأمين جبريل، وهو أمين على وحي الله تعالى إلى أنبيائه، (على قلبك) ~~قال الزجاج: معناه: نزل عليك فوعاه قلبك، فثبت، فلا تنساه أبدا. # قوله تعالى: (لتكون من المنذرين) أي: ممن أنذر بآيات الله المكذبين، ~~(بلسان عربي مبين) قال ابن عباس: بلسان قريش ليفهموا ما فيه. # قوله تعالى: (وإنه لفي زبر الأولين) وقرأ الأعمش: " زبر " بتسكين الباء. ~~وفي هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن، والمعنى: وإن ذكر القرآن وخبره، هذا قول ~~الأكثرين. # والثاني: أنها تعود إلى رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم]، قاله ~~مقاتل. والزبر: الكتب قوله تعالى: (أو لم يكن لهم آية) قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: " أو لم يكن " بالياء " آية " ~~بالنصب. وقرأ ابن عامر، وابن أبي عبلة: " تكن " بالتاء " آية " بالرفع. ~~وقرأ أبو عمران الجوني، وقتادة: " تكن " بالتاء " آية " بالنصب قال الزجاج: ~~إذا قلت: " يكن " بالياء، فالاختيار نصب " آية " وتكون " أن " اسم كان، ~~وتكون ms1671 " آية " خبر كان، المعنى: أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أن ~~النبي صلى الله عليه و آله وسلم حق، وأن نبوته حق؟! " آية ": علامة موضحة، ~~لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل وجدوا ذكر النبي [صلى الله عليه و ~~آله وسلم] مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. ومن قرأ " أو لم تكن " بالتاء ~~آية جعل " آية " هي الاسم، و " أن يعلمه " خبر " تكن ". ويجوز أيضا " أو لم ~~تكن " بالتاء " آية " بالنصب، كقوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم) وقرأ ~~الشعبي، والضحاك، وعاصم الجحدري: # " أن تعلمه " بالتاء. # وقال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد ~~صلى الله عليه و آله وسلم، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة ~~صفته، فكان ذلك آية لهم على صدقه. # قوله تعالى: (على بعض الأعجميين) قال الزجاج: هو جمع أعجم، والأنثى ~~عجماء، PageV06P051 # والأعجم: الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي، فأما العجمي: فالذي من جنس العجم، ~~أفصح أو لم يفصح. # قوله تعالى: (ما كانوا به مؤمنين) أي: لو قرأه عليهم أعجمي لقالوا: لا ~~نفقه هذا، فلم يؤمنوا. # كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ~~(201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) ~~أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا ~~لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) قوله تعالى: (كذلك سلكناه) قد ~~شرحناه في الحجر. والمجرمون هاهنا: المشركون. # قوله تعالى: (لا يؤمنون به) قال الفراء: المعنى: كي لا يؤمنوا. فأما ~~العذاب الأليم، فهو عند الموت. (فيقولوا) عند نزول العذاب (هل نحن منظرون) ~~أي: مؤخرون لنؤمن ونصدق. قال مقاتل: فلما أوعدهم رسول الله [صلى الله عليه ~~و آله وسلم] بالعذاب، قالوا: فمتى هو؟ تكذيبا به، فقال الله تعالى: # (أفبعذابنا يستعجلون). # قال تعالى: (أفرأيت إن متعناهم سنين) قال عكرمة: عمر الدنيا. # قوله تعالى: (ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) أي: من العذاب. (وما أهلكنا من ~~قرية) ms1672 بالعذاب في الدنيا (إلا لها منذرون) يعني: رسلا تنذرهم العذاب. ~~(ذكرى) أي: موعظة وتذكيرا. # وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن ~~السمع لمعزولون (212) قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين) سبب نزولها أن ~~قريشا قالت: إنما تجيء بالقرآن الشياطين فتلقيه على لسان محمد، فنزلت هذه ~~الآية، قاله مقاتل. PageV06P052 # قوله تعالى: (وما ينبغي لهم) أي: أن ينزلوا بالقرآن (وما يستطيعون) أن ~~يأتوا به من السماء، لأنهم قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب. ~~(إنهم عن السمع) أي: عن الاستماع للوحي من السماء (لمعزولون) فكيف ينزلون ~~به؟! وقال عطاء: عن سماع القرآن لمحجوبون، لأنهم يرجمون بالنجوم. # فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الأقربين ~~(214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني برئ مما ~~تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) ~~وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) قوله تعالى: (فلا تدع ~~مع الله إلها آخر) قال ابن عباس: يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي، ~~ولو اتخذت من دوني إلها لعذبتك. # قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) روى البخاري ومسلم من حديث أبي ~~هريرة قال: قام رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] حين أنزل الله ~~[تعالى] " وأنذر عشيرتك الأقربين " فقال: " يا معشر قريش: اشتروا أنفسكم من ~~الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله ~~شيئا، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول ~~الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت ما أغني ~~عنك من الله شيئا " وفي بعض الألفاظ: # " سلوني من مالي ما شئتم " - وفي لفظ: " غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ~~" ومعنى قوله تعالى: (و انذر عشيرتك الأقربين): رهطك الأدنين. (فإن عصوك) ~~يعني: # العشيرة (فقل إني بريء مما تعملون) من الكفر. و (و توكل على العزيز) أي: ~~ثق به وفوض أمرك إليه، فهو عزيز في ms1673 نقمته، رحيم لم يعجل بالعقوبة. وقرأ ~~نافع، وابن عامر: " فتوكل " بالفاء، وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام. ~~(الذي يراك حين تقوم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: حين تقوم إلى الصلاة، قاله ابن عباس، ومقاتل. PageV06P053 # والثاني: حين تقوم من مقامك، قاله أبو الجوزاء. # والثالث: حين تخلو، قاله الحسن. # قوله تعالى: (وتقلبك) أي: ونرى تقلبك (في الساجدين) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: وتقلبك في أصلاب الأنبياء حتى أخرجك، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: تقلبك في الركوع والسجود والقيام مع المصلين في الجماعة، ~~والمعنى: يراك وحدك ويراك في الجماعة، وهذا قول الأكثرين منهم قتادة. # والثالث: وتصرفك في ذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، قاله الحسن. # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون (223) قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين) ~~هذا رد عليهم حين قالوا: إنما يأتيه بالقرآن الشياطين. فأما الأفاك فهو ~~الكذاب، والأثيم: الفاجر، قال قتادة: وهم الكهنة. # قوله تعالى: (يلقون السمع) أي: يلقون ما سمعوه من السماء إلى الكهنة. # وفي قوله تعالى: (وأكثرهم كاذبون) قولان: # أحدهما: أنهم الشياطين. # والثاني: الكهنة. # والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) ~~قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) وقرأ نافع: " يتبعهم " بسكون التاء ~~والوجهان حسنان، يقال: تبعت واتبعت، مثل حفرت واحتفرت. وروى العوفي عن ابن ~~عباس، قال: كان رجلان على عهد رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] قد ~~تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه، فقال الله " والشعراء يتبعهم ~~الغاوون ". وفي رواية أخرى عن ابن عباس، قال: هم شعراء المشركين قال مقاتل: # منهم عبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان بن حرب، وهبيرة بن أبي وهب ~~المخزومي، في آخرين، قالوا: نحن نقول مثل قول محمد، وقالوا الشعر، فاجتمع ~~إليهم غواة من قومهم يسمعون أشعارهم PageV06P054 # ويروون عنهم. و في الغاوين ثلاثة أقوال: ms1674 # أحدها: الشياطين، قاله مجاهد، وقتادة. # والثاني: السفهاء، قاله الضحاك. # والثالث: المشركون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) هذا مثل بمن يهيم في ~~الأودية، والمعنى أنهم يأخذون في كل فن من لغو وكذب وغير ذلك، فيمدحون ~~بباطل ويذمون بباطل، ويقولون: فعلنا، ولم يفعلوا. # قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا) قال ابن عباس: لما نزل ذم الشعراء، جاء ~~كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، فقالوا: يا رسول الله، ~~أنزل الله هذا وهو يعلم أنا شعراء، فنزلت هذه الآية. و قال المفسرون: وهذا ~~الاستثناء لشعراء المسلمين الذين مدحوا رسول الله [صلى الله عليه و آله ~~وسلم] وذموا من هجاه، (وذكروا الله كثيرا) أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ~~ولم يجعلوا الشعر همهم. # قال ابن زيد: وذكروا الله في شعرهم. وقيل: المراد بالذكر: الشعر في طاعة ~~الله عز وجل. # قوله تعالى: (وانتصروا) أي: من المشركين (من بعد ما ظلموا) لأن المشركين ~~بدؤوا بالهجاء. ثم أوعد شعراء المشركين، فقال: (وسيعلم الذين ظلموا): ~~أشركوا وهجوا رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] والمؤمنين (أي منقلب ~~ينقلبون) قال الزجاج: " أي " منصوبة بقوله: " ينقلبون " لا بقوله: # " سيعلم "، لأن " أيا " وسائر الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها. ومعنى ~~الكلام: إنهم ينقلبون إلى نار يخلدون فيها. # وقرأ ابن مسعود، ومجاهد عن ابن عباس وأبو المتوكل، وأبو رجاء: " أي متقلب ~~يتقلبون " بتاءين مفتوحتين وبقافين على كل واحدة منهما نقطتان وتشديد اللام ~~فيهما. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، وأبو العالية، وأبو مجلز، وأبو عمران، ~~وعاصم الجحدري: " أي منفلت ينفلتون " بالفاء فيهما وبنونين ساكنين. وكان ~~شريح يقول: سيعلم الظالمون حظ من نقصوا، إن الظالم ينتظر العقاب، وإن ~~المظلوم ينتظر النصر.. والله أعلم. PageV06P055 # سورة النمل مكية و آياتها ثلاث و تسعون و هي مكية كلها باجماعهم. # بسم الله الرحمن الرحيم طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى ~~للمؤمنين (2) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) ~~إن الذين لا يؤمنون ms1675 بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين ~~لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى القرآن من لدن ~~حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين (8) قوله تعالى: (طس) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. وفي رواية أخرى عنه، قال: هو اسم الله الأعظم. # والثاني: اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # والثالث: الطاء من اللطيف، والسين من السميع، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: (وكتاب مبين) وقرأ أبو المتوكل، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: ~~" وكتاب مبين " بالرفع فيهما. # قوله تعالى: (وبشرى) أي: بشرى بما فيه من الثواب للمصدقين. PageV06P056 # قوله تعالى: (زينا لهم أعمالهم) أي: حببنا إليهم قبيح فعلهم. وقد بينا ~~حقيقة التزيين والعمه في سورة البقرة. و سوء العذاب: شديده. # قوله تعالى: (هم الأخسرون) لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار. # قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن) قال ابن قتيبة: أي: يلقى عليك فتلقاه ~~أنت، أي: # تأخذه. (إذ قال موسى) المعنى: أذكر إذ قال. # قوله تعالى: (بشهاب قبس) قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب إلا زيدا: " ~~بشهاب " بالتنوين. وقرأ الباقون على الإضافة غير منون. قال الزجاج: من نون ~~الشهاب. جعل القبس من صفة الشهاب، وكل أبيض ذي نور، فهو شهاب. فأما من ~~أضاف، فقال الفراء: هذا مما يضاف إلى نفسه إذا اختلفت الأسماء، كقوله ~~تعالى: (ولدار الآخرة). قال ابن قتيبة: الشهاب: النار، والقبس: النار تقبس، ~~يقال: قبست النار قبسا، واسم ما قبست: قبس.. # قوله تعالى: (تصطلون) أي: تستدفئون، وكان الزمان شتاء. # قوله تعالى: (فلما جاءها) أي: جاء موسى النار، وإنما كان نورا فاعتقده ~~نارا، (نودي أن بورك من في النار) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: قدس من في النار، وهو الله عز وجل، قاله ابن عباس، ~~والحسن، والمعنى، قدس من نادى من النار، ms1676 لا أن الله عز وجل يحل في شئ. # والثاني: أن " من " زائدة، فالمعنى: بوركت النار، قاله مجاهد. # والثالث: أن المعنى: بورك على من في النار، أو فيمن في النار، قال ~~الفراء: والعرب تقول: # بارك الله، وبارك عليه، وبارك فيه، بمعنى واحد، والتقدير، بورك في من طلب ~~النار، وهو موسى، فحذف المضاف. وهذه تحية من الله تعالى لموسى بالبركة، كما ~~حيا إبراهيم بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه، فقالوا: (رحمة ~~الله وبركاته عليكم أهل البيت). فخرج في قوله تعالى: (بورك) قولان: # أحدهما: قدس. # والثاني: من البركة. # وفي قوله تعالى: (ومن حولها) ثلاثة أقوال: # أحدها: الملائكة، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: موسى والملائكة، قاله محمد بن كعب. PageV06P057 # والثالث: موسى، فالمعنى: بورك فيمن يطلبها وهو قريب منها. # يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها ~~جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) ~~فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14) قوله تعالى: (إنه أنا ~~الله) الهاء عماد في قول أهل اللغة، وعلى قول السدي: هي كناية عن المنادي، ~~لأن موسى قال: من هذا الذي يناديني؟ فقيل: " إنه أنا الله ". # قوله تعالى: (وألق عصاك) في الآية محذوف، تقديره: فألقاها فصارت حية، ~~(فلما رآها تهتز كأنها جان) قال الفراء: الجان: الحية التي ليست بالعظيمة ~~ولا بالصغيرة. # قوله تعالى: (ولم يعقب) فيه قولان: # أحدهما: لم يلتفت، قاله قتادة. # والثاني: لم يرجع، قاله ابن قتيبة، والزجاج قال ابن قتيبة: وأهل النظر ~~يرون أنه مأخوذ من العقب.. # قوله تعالى: (إني لا يخاف لدي المرسلون) أي: لا يخافون عندي. وقيل: أراد: ~~في الموضع الذي يوحي إليهم فيه، فكأنه نبهه على أن من آمنه الله بالنبوة ms1677 من ~~عذابه لا ينبغي أن يخاف من حية. و في قوله تعالى: (إلا من ظلم) ثلاثة ~~أقوال: # و في قوله تعالى: (إلا من ظلم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه استثناء صحيح، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل، والمعنى: إلا من ~~ظلم منهم فإنه يخاف. قال ابن قتيبة: علم الله تعالى أن موسى مستشعر خيفة من ~~ذنبه في الرجل الذي وكزه، فقال: " إلا من ظلم ثم بدل حسنا " أي: توبة ~~وندما، فإنه يخاف، وإني غفور رحيم. # والثاني: أنه استثناء منقطع، والمعنى: لكن من ظلم فإنه يخاف، قاله ابن ~~السائب، والزجاج. # وقال الفراء: " من " مستثناة من الذين تركوا في الكلام، كأنه قال: لا ~~يخاف لدي المرسلون، إنما PageV06P058 # الخوف على غيرهم، إلا من ظلم، فتكون " من " مستثناة. وقال ابن جرير: في ~~الآية محذوف، تقديره: إلا من ظلم، فمن ظلم ثم بدل حسنا. # والثالث: أن " إلا " بمعنى الواو، فهو كقوله [تعالى]: (لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم)، حكاه الفراء عن بعض النحويين، ولم يرضه. # وقرأ أبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعاصم الجحدري، وابن يعمر: " ~~ألا من ظلم " بفتح الهمزة وتخفيف اللام. و للمفسرين في المراد بالظلم هاهنا ~~قولان: # أحدهما: المعاصي. # والثاني: الشرك. ومعنى " حسنا " توبة وندما. # وقرأ ابن مسعود، والضحاك، وأبو رجاء، والأعمش، وابن السميفع، وعبد الوارث ~~عن أبي عمرو: " حسنا " بفتح الحاء والسين (بعد سوء) أي: بعد إساءة وقيل: ~~الإشارة بهذا إلى أن موسى وإن كان قد ظلم نفسه بقتل القبطي، فإن الله يغفر ~~له، لأنه ندم على ذلك وتاب. # قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك) الجيب حيث جيب من القميص، أي: قطع. قال ~~ابن جرير: إنما أمر بادخاله يده في جيبه، لأنه كان عليه حينئذ مدرعة من صوف ~~ليس لها كم. والسوء: # البرص. # قوله تعالى: (في تسع آيات) قال الزجاج: " في " من صلة قوله: " وألق عصاك ~~" " وأدخل يدك "، فالتأويل: أظهر هاتين الآيتين في تسع آيات. و " في " ~~بمعنى " من "، فتأويله: من تسع آيات، تقول: خذ لي عشرا من الإبل فيها ms1678 ~~فحلان، أي: منها فحلان. وقد شرحنا الآيات في بني إسرائيل قوله تعالى: (إلى ~~فرعون) أي: مرسلا إلى فرعون وقومه، فحذف ذلك لأنه معروف. (فلما جاءتهم ~~آياتنا مبصرة) أي: بينة واضحة، وهو كقوله [تعالى]: (وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة) وقد شرحناه. # قوله تعالى: (قالوا هذا) أي: هذا الذي نراه عيانا (سحر مبين). (وجحدوا ~~بها) أي: # أنكروها (واستيقنتها أنفسهم) أنها من عند الله، (ظلما) أي: شركا وعلوا) ~~أي: تكبرا. و قال الزجاج: المعنى: وجحدوا بها ظلما وعلوا، أي: ترفعا عن أن ~~يؤمنوا بما جاء به موسى وهم يعلمون أنها من عند الله. # ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده PageV06P059 # المؤمنين (15) وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من الجن ~~والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا ~~أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) ~~فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) قوله ~~تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علما) قال المفسرون: علما بالقضاء وبكلام ~~الطير والدواب وتسبيح الجبال (وقالا الحمد لله الذي فضلنا) بالنبوة والكتاب ~~وإلانة الحديد وتسخير الشياطين والجن والإنس (على كثير من عباده المؤمنين) ~~قال مقاتل: كان داود أشد تعبدا من سليمان، وكان سليمان أعظم ملكا منه ~~وأفطن. # قوله تعالى: (وورث سليمان داود) أي: ورث نبوته وعلمه وملكه، وكان لداود ~~تسعة عشر ذكرا، فخص سليمان بذلك، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيها ~~سواء. # قوله تعالى: (وقال) يعني سليمان لبني إسرائيل (يا أيها الناس علمنا منطق ~~الطير) قرأ أبي بن كعب: " علمنا " بفتح العين واللام. قال الفراء: " منطق ~~الطير ": كلام الطير كالمنطق إذا، قال الشاعر: # عجبت لها أني يكون غناؤها * فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما ومعنى الآية: ~~فهمنا ما تقول الطير. قال قتادة: ms1679 والنمل من الطير. (وأوتينا من كل شئ) قال ~~الزجاج: أي: من كل شئ يجوز أن يؤتاه الأنبياء والناس. وقال مقاتل: أعطينا ~~الملك والنبوة والكتاب والرياح ومنطق الطير، وسخرت لنا الجن والشياطين. # وروى جعفر بن محمد عن أبيه، قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، ~~فملك سبعمائة سنة وستة أشهر، وملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس ~~والشياطين والدواب والطير والسباع، وأعطي علم كل شئ ومنطق كل شئ، وفي زمانه ~~صنعت الصنائع المعجبة، فذلك قوله: (علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ). # قوله تعالى: (إن هذا) يعني: الذي أعطينا (لهو الفضل المبين) أي: الزيادة ~~الظاهرة على PageV06P060 # ما أعطي غيرنا. (وحشر لسليمان جنوده) أي: جمع له كل صنف من جنده على حدة، ~~وهذا كان في مسير له، (فهم يوزعون) قال مجاهد: يحبس أولهم على آخرهم. قال ~~ابن قتيبة: وأصل الوزع: الكف والمنع. يقال: وزعت الرجل، أي: كففته، ووازع ~~الجيش: الذي يكفهم عن التفرق، ويرد من شذ منهم. # قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على) أي: أشرفوا (على وادي النمل) وفي موضعه ~~قولان: # أحدهما: أنه بالطائف، قاله كعب. # والثاني: بالشام، قاله قتادة. # قوله تعالى: (قالت نملة) وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء وعاصم الجحدري، وطلحة ~~بن مصرف: # " نملة " بضم الميم، أي: صاحت بصوت، فلما كان ذلك الصوت مفهوما عبر عنه ~~بالقول، ولما نطق النمل كما ينطق بنو آدم، أجري مجرى الآدميين، فقيل: ~~(ادخلوا)، وألهم الله تلك النملة معرفة سليمان معجزا له، وقد ألهم الله ~~النمل كثيرا من مصالحها تزيد به على الحيوانات، فمن ذلك أنها تكسر كل حبة ~~تدخرها قطعتين لئلا تنبت، إلا الكزبرة فإنها تكسرها أربع قطع، لأنها تنبت ~~إذا كسرت قطعتين، فسبحان من ألهمها هذا! و في صفة تلك النملة قولان: # أحدهما: أنها كانت كهيئة النعجة، قال نوف الشامي: كان النمل في زمن ~~سليمان بن داود كأمثال الذئاب. # والثاني: كانت نملة صغيرة. # (ادخلوا مساكنكم) وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري: " ~~مسكنكم " على التوحيد. # قوله تعالى: (لا يحطمنكم). وقرأ أبي بن كعب، ms1680 وأبو رجاء: " ليحطمنكم " ~~بغير ألف بعد اللام. وقرأ ابن مسعود: " لا يحطمكم " بفتح الياء وسكون الحاء ~~وتخفيف الطاء وسكون الميم وحذف النون. وقرأ عمرو بن العاص، وأبان: " ~~يحطمنكم " بفتح الياء وسكون الحاء والنون ساكنة أيضا والطاء خفيفة. وقرأ ~~أبو المتوكل، وأبو مجلز: " لا يحطمنكم " بفتح الياء وكسر الحاء وتشديد ~~الطاء والنون جميعا. وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: " ~~يحطمنكم " برفع الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وتشديد النون. والحطم: ~~الكسر، والحطام: ما تحطم. قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. و ~~في قوله: (وهم لا يشعرون) قولان: # أحدهما: وأصحاب سليمان لم يشعروا بكلام النملة، قاله ابن عباس. # والثاني: وأصحاب سليمان لا يشعرون بمكانكم، لأنها علمت أنه ملك لا بغي ~~فيه، وأنهم لو علموا بالنمل ما توطؤوهم، قاله مقاتل. PageV06P061 # قوله تعالى: (فتبسم ضاحكا) قال الزجاج: " ضاحكا " منصوب، حال مؤكدة، لأن ~~" تبسم " بمعنى " ضحك ". قال المفسرون: تبسم تعجبا مما قالت، وقيل: من ~~ثنائها عليه. وقال بعض العلماء: هذه الآية من عجائب القرآن، لأنها بلفظة " ~~يا " نادت " أيها " نبهت " النمل " عينت " ادخلوا " أمرت " سليمان " خصت " ~~وجنوده " عمت " وهم لا يشعرون " عذرت. # قوله تعالى: (وقال رب أوزعني) قال ابن قتيبة: ألهمني، أصل الإيزاع: ~~الإغراء بالشيء، يقال: أوزعته بكذا، أي: أغريته به، وهو موزع بكذا، ومولع ~~بكذا. وقال الزجاج. تأويله في اللغة: كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك، ~~والمعنى: كفني عما يباعد منك، (وأن أعمل) أي: وألهمني أن أعمل (صالحا ~~ترضاه) قال المفسرون: إنما شكر الله تعالى لأن الريح أبلغت إليه صوتها ففهم ~~ذلك. # وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه ~~عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال ~~أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم ~~وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا ~~يسجدوا لله الذي يخرج الخب ms1681 ء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ~~(25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) قوله تعالى: (وتفقد الطير) ~~التفقد: طلب ما غاب عنك، والمعنى أنه طلب ما فقد من الطير، و الطير اسم ~~جامع للجنس، وكانت الطير تصحب سليمان في سفره تظله بأجنحتها (فقال ما لي لا ~~أرى الهدهد) قرأ ابن كثير، وعاصم، والكسائي: " مالي لا أرى الهدهد " بفتح ~~الياء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة بالسكون، والمعنى: ما ~~للهدهد لا أراه؟! تقول العرب: مالي أراك كئيبا، أي: مالك؟ فهذا من المقلوب ~~الذي معناه معلوم. قال المفسرون: لما فصل سليمان عن وادي النمل، وقع في قفر ~~من الأرض، فعطش الجيش فسألوه الماء، وكان الهدهد يدله على الماء، فإذا قال ~~له: هاهنا الماء، شققت الشياطين الصخرة وفجرت العيون قبل ان يضربوا ~~أبنيتهم، وكان الهدهد يرى الماء في الأرض كما يرى الماء في الزجاجة، فطلبه ~~يومئذ فلم يجده. وقال بعضهم: إنما طلبه لأن الطير كانت تظلهم من الشمس، ~~فأخل الهدهد بمكانه، فطلعت الشمس PageV06P062 # عليهم من الخلل. # قوله تعالى: (أم كان) قال الزجاج: معناه: بل كان. # قوله تعالى: (لأعذبنه عذابا شديدا) فيه ستة أقوال: # أحدها: نتف ريشه، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: نتفه وتشميسه، قاله عبد الله بن شداد. # والثالث: شد رجله وتشميسه، قاله الضحاك. # والرابع: أن يطليه بالقطران ويشمسه، قاله مقاتل بن حيان. # والخامس: أن يودعه القفص. # والسادس: أن يفرق بينه وبين إلفه، حكاهما الثعلبي. # قوله تعالى: (أو ليأتيني) و قرأ ابن كثير: " ليأتيني، " بنونين، و كذلك ~~هي في مصاحفهم. فأما السلطان، فهو الحجة، وقيل: العذر. # وجاء في التفسير أن سليمان لما نزل في بعض مسيره، قال الهدهد: إنه قد ~~اشتغل بالنزول فأرتفع أنا إلى السماء فأنظر إلي طول الدنيا وعرضها، فارتفع ~~فرأى بستانا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد قد لقيه، ~~فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الشام مع صاحبي سليمان وأنت فمن أين؟ قال: من ~~هذه البلاد، وملكها امرأة يقال لها: بلقيس، فهل ms1682 أنت منطلق معي حتى ترى ~~ملكها؟ قال: أخاف ان يتفقدني بعد سليمان وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، ~~قال: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه، فنظر إلى بلقيس ~~وملكها، (فمكث غير بعيد) قرأ الجمهور بضم الكاف، وقرأ عاصم بفتحها، وقرأ ~~ابن مسعود: " فتمكث " بزيادة تاء، والمعنى: لم يلبث إلا يسيرا حتى جاء، ~~فقال سليمان: ما الذي أبطأ بك؟ (فقال أحطت بما لم تحط به) أي: علمت شيئا من ~~جميع جهاته مما لم تعلم (وجئتك من سبأ) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " سبأ " ~~نصبا غير مصروف، وقرأ الباقون خفضا منونا. وجاء في الحديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه و آله و سلم أن سبأ رجل من العرب، وقال قتادة: هي أرض باليمن ~~يقال لها: مأرب. وقال أبو الحسن الأخفش: إن شئت صرفت " سبأ " فجعلته اسم ~~أبيهم، أو اسم الحي، وإن شئت لم تصرف فجعلته اسم القبيلة، أو اسم الأرض. ~~قال الزجاج: وقد ذكر قوم من النحويين أنه اسم رجل. وقال آخرون: # الاسم إذا لم يدر ما هو لم يصرف، وكلا القولين خطأ، لأن الأسماء حقها ~~الصرف، وإذا لم يعلم هل الاسم للمذكر أم للمؤنث، فحقه الصرف حتى يعلم أنه ~~لا ينصرف، لأن أصل الأسماء الصرف. # وقول الذين قالوا: هو اسم رجل، غلط، لأن سبأ هي مدينة تعرف بمأرب من ~~اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فمن لم يصرفه جعله اسم مدينة، ~~ومن صرفه فلأنه اسم البلد، فيكون مذكرا سمي بمذكر. PageV06P063 # قوله تعالى: (بنبأ يقين) أي: بخبر صادق، (إني وجدت امرأة تملكهم) يعني ~~بلقيس (وأوتيت من كل شئ) قال الزجاج: معناه: من كل شئ يعطاه الملوك ويؤتاه ~~الناس. والعرش: # سرير الملك. قال قتادة: كان عرشها من ذهب، قوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ، ~~وكان أحد أبويها من الجن، وكان مؤخر أحد قدميها مثل حافر الدابة، وقال ~~مجاهد: كان قدماها كحافر الحمار. وقال ابن السائب: لم يكن بقدميها شئ، إنما ~~وقع الجن فيها عند سليمان بهذا القول، فلما ms1683 جعل لها الصرح بان له كذبهم. ~~قال مقاتل: كان ارتفاع عرشها ثمانين ذراعا في عرض ثمانين، وكانت أمها من ~~الجن. قال ابن جرير: وانما صار هذا الخبر عذرا للهدهد، لأن سليمان كان لا ~~يرى لأحد في الأرض مملكة سواه، وكان مع ذلك يحب الجهاد، فلما دله الهدهد ~~على مملكة لغيره، وعلى قوم كفرة يجاهدهم، صار ذلك عذرا. # قوله تعالى: (ألا يسجدوا) قرأ الأكثرون: " ألا " بالتشديد قال الزجاج: ~~والمعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا، أي: فصدهم لئلا يسجدوا. وقرأ ابن ~~عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والزهري وقتادة، وأبو العالية، ~~وحميد الأعرج، والأعمش، وابن أبي عبلة، والكسائي: " ألا يسجدوا " مخففة، ~~على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيكون في الكلام إضمار " هؤلاء " ويكتفى ~~منها ب‍ " يا "، ويكون الوقف " ألا يا " والابتداء " اسجدوا "، قال الفراء، ~~فعلى هذه القراءة هي سجدة، وعلى قراءة من شدد لا ينبغي لها أن تكون سجدة. ~~وقال أبو عبيدة: هذا أمر من الله مستأنف، يعني: ألا يا أيها الناس اسجدوا. ~~وقرأ ابن مسعود، وأبي: " هلا يسجدوا " بهاء. # قوله تعالى: (الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض) قال ابن قتيبة: أي: ~~المستتر فيهما، وهو من خبأت الشئ: إذا أخفيته، ويقال: خبء السماوات: المطر، ~~وخبء الأرض: # النبات. وقال الزجاج: كل ما خبأته فهو خبء، فالخبء: كل ما غاب، فالمعنى: ~~يعلم الغيب في السماوات والأرض. وقال ابن جرير: " في " بمعنى " من " ~~فتقديره: يخرج الخبء من السماوات. # قوله تعالى: (يعلم ما تخفون وما تعلنون) قرأ حفص عن عاصم، والكسائي، ~~بالتاء فيهما. # وقرأ الباقون بالياء. قال ابن زيد: من قوله: (أحطت) إلى قوله: (العظيم) ~~كلام الهدهد. وقرأ الضحاك، وابن محيصن: " العظيم " برفع الميم. # قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم ~~تول عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت (28) يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب ~~كريم (29) إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي ~~وأتوني مسلمين (31) PageV06P064 # فلما فرغ الهدهد من كلامه (قال سننظر) فيما أخبرتنا به (أصدقت) فيما ms1684 قلت ~~(أم كنت من الكاذبين) وإنما شك في خبره، لأنه أنكر أن يكون لغيره في الأرض ~~سلطان. ثم كتب كتابا وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد وقال: (اذهب بكتابي هذا ~~فألقه إليهم) قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي: " فألقهي " موصولة بياء. ~~وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر، وحمزة: " فألقه " بسكون الهاء، وروى ~~قالون عن نافع: كسر الهاء من غير إشباع، ويعني إلى أهل سبأ، (ثم تول عنهم) ~~فيه قولان: # أحدهما: أعرض. # والثاني: انصرف، (فانظر ماذا يرجعون) أي: ماذا يردون من الجواب. # فإن قيل: إذا تولى عنهم فكيف يعلم جوابهم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن المعنى: ثم تول عنهم مستترا من حيث لا يرونك، فانظر ماذا ~~يردون من الجواب، وهذا قول وهب بن منبه. # والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: فانظر ماذا يرجعون ثم تول ~~عنهم، وهذا مذهب ابن زيد. # قال قتادة: أتاها الهدهد وهي نائمة فألقى الكتاب على نحرها فقرأته وأخبرت ~~قومها. وقال مقاتل: حمله بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة، فرفرف ساعة ~~والناس ينظرون، فرفعت رأسها فألقي الكتاب في حجرها، فلما رأت الخاتم أرعدت ~~وخضعت وخضع من معها من الجنود. # واختلفوا لأي علة سمته كريما على سبعة أقوال: # أحدها: لأنه كان مختوما، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضا. # والثاني، لأنها ظنته من عند الله عز وجل، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن معنى قولها: " كريم " حسن ما فيه، قاله قتادة، والزجاج. # والرابع: لكلام صاحبه، فإنه كان ملكا، ذكره ابن جرير. # والخامس: لأنه كان مهيبا، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والسادس: لتسخير الهدهد لحمله، حكاه الماوردي. # والسابع: لأنها رأت في صدره " بسم الله الرحمن الرحيم "، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: (إنه من سليمان) أي: إن الكتاب من عنده (وإنه) أي: وإن ~~المكتوب (بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا علي) أي: لا تتكبروا. وقرأ ابن ~~عباس: " تغلوا " بغين معجمة و أتوني (مسلمين): منقادين طائعين. ثم استشارت ~~قومها، ف‍ (قالت يا أيها الملأ) يعني الأشراف، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر ~~قائدا، كل رجل ms1685 منهم على عشرة آلاف. وقال ابن عباس: كان معها مائة ~~PageV06P065 # ألف قيل، مع كل قيل مائة ألف. وقيل: كانت جنودها ألف ألف ومائتي ألف. # قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) ~~قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) ~~قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) قوله ~~تعالى: (أفتوني في أمري) أي: بينوا لي ما أفعل، وأشيروا علي. قال الفراء: ~~جعلت المشورة فتيا، وذلك جائز لسعة اللغة. # قوله تعالى: (ما كنت قاطعة أمرا) أي: فاعلته (حتى تشهدون) أي: تحضرون: ~~والمعنى: # إلا بحضوركم ومشورتكم. (قالوا نحن أولوا قوة) فيه قولان: # أحدهما: أنهم أرادوا القوة في الأبدان. # والثاني: كثرة العدد والبأس والشجاعة في الحرب. # وفيما أرادوا بذلك القول قولان: # أحدهما: تفويض الأمر إلى رأيها. # والثاني: تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم. # ثم قالوا: (والأمر إليك) أي: في القتال وتركه. (قالت إن الملوك إذا دخلوا ~~قرية) قال الزجاج: المعنى: إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة. # قوله تعالى: (أفسدوها) أي: خربوها (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) أي: أهانوا ~~أشرافها ليستقيم لهم الأمر. ومعنى الكلام: أنها حذرتهم مسير سليمان إليهم ~~ودخوله بلادها. # قوله تعالى: (وكذلك يفعلون) فيه قولان: # أحدهما: أنه من تصديق الله تعالى لقولها، قاله الزجاج. # والثاني: من تمام كلامها، والمعنى: وكذلك يفعل سليمان وأصحابه إذا دخلوا ~~بلادنا، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية) قال ابن عباس: إنما أرسلت الهدية ~~لتعلم أنه إن كان نبيا لم يرد الدنيا، وإن كان ملكا فسيرضى بالحمل بالملك ~~وأنها بعثت ثلاث لبنات من ذهب في كل PageV06P066 # لبنة مائة رطل، وياقوتة حمراء طولها شبر مثقوبة، وثلاثين وصيفا وثلاثين ~~وصيفة، وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف الذكر من الأنثى، ثم كتبت: إني قد ~~بعثت إليك بهدية فاقبلها، وبعثت إليك بياقوتة طولها شبر، فأدخل فيها خيطا ~~واختم على طرفي الخيط بخاتمك، وقد بعثت إليك ثلاثين وصيفا وثلاثين ms1686 وصيفة، ~~فميز بين الجواري والغلمان، فجاء أمير الشياطين فأخبره بما بعثت إليه، فقال ~~له: انطلق فافرش على طريق القوم من باب مجلسي ثمانية أميال في ثمانية أميال ~~لبنا من الذهب، فانطلق، فبعث الشياطين، فقطعوا اللبن من الجبال وطلوه ~~بالذهب وفرشوه، ونصبوا في الطريق أساطين الياقوت الأحمر، فلما جاء الرسل، ~~قال بعضهم لبعض: كيف تدخلون على هذا الرجل بثلاث لبنات، وعنده ما رأيتم؟! ~~فقال رئيسهم: إنما نحن رسل، فدخلوا عليه، فوضعوا اللبن بين يديه، فقال: ~~أتمدونني بمال؟ ثم دعا ذرة فربط فيها خيطا وأدخلها في ثقب الياقوتة حتى ~~خرجت من طرفها الآخر، ثم جمع بين طرفي الخيط فختم عليه ودفعها إليهم، ثم ~~ميز بين الغلمان والجواري هذا كله مروي عن ابن عباس. وقال مجاهد: جعلت لباس ~~الغلمان للجواري ولباس الجواري للغلمان، فميزهم ولم يقبل هديتها. وفي عدد ~~الوصائف والوصفاء خمسة أقوال: # أحدها: ثلاثون وصيفا وثلاثون وصيفة، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، قاله وهب. # والثالث: مائتا غلام ومائتا جارية، قاله مجاهد. # والرابع: عشرة غلمان وعشر جوار، قاله ابن السائب. # والخامس: مائة وصيف ومائة وصيفة، قاله مقاتل، و فيما ميزهم به ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه أمرهم بالوضوء، فبدأ الغلام من مرفقه إلى كفه، وبدأت الجارية ~~من كفها إلى مرفقها، فميزهم بذلك، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: أن الغلمان بدؤوا بغسل ظهور السواعد قبل بطونها، والجواري على ~~العكس، قاله قتادة. # والثالث: أن الغلام اغترف بيده، والجارية اغترفت على يدها، قاله السدي. ~~وجاء في التفسير أنها أمرت الجواري أن يكلمن سليمان بكلام الرجال، وأمرت ~~الرجال أن يكلموه كلام النساء، وأرسلت قدحا أن يملأه ماء ليس من السماء ولا ~~من ماء الأرض، فجرى الخيل وملأ من عرقها. # قوله تعالى: (فناظرة بم يرجع المرسلون) أي: بقبول أم برد. قال ابن جرير: ~~وأصل " بم ": PageV06P067 # بما، وإنما أسقطت الألف لأن العرب إذا كانت بمعنى " أي " ثم وصلوها بحرف ~~خافض، أسقطوا ألفها، تفريقا بين الاستفهام والخبر، كقوله تعالى: (عم ~~يتساءلون) و (قالوا فيم كنتم؟)، وربما ms1687 أثبتوا فيها الألف كما قال الشاعر: # على ما قام يشتمنا لئيم * كخنزير كما تمرغ في رماد؟ # فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم ~~منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ~~وإني عليه لقوي أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم ~~أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) قوله تعالى: ~~(فلما جاء سليمان) قال الزجاج: لما جاء رسولها، ويجوز: فلما جاءها برها. # قوله تعالى: (أتمدونني بمال) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " أتمدونني ~~" بنونين وياء في الوصل وروى المسيبي عن نافع: " أتمدوني " بنون واحدة ~~خفيفة وياء في الوصل والوقف. وقرأ عاصم، وابن عامر، والكسائي: " أتمدنن " ~~بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ حمزة: " أتمدوني بمال " بنون واحدة مشددة ~~ووقف على الياء. # قوله تعالى: (فما آتاني الله) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: " فما آتان " بكسر النون من غير ياء. وقرأ يعقوب، ونافع، ~~وحفص عن عاصم: " آتاني الله " بفتح الياء. وكلهم فتح التاء غير الكسائي، ~~فإنه أمالها من " أتاني الله " و أمال حمزة: " أنا آتيك به " أشم النون ~~شيئا من الكسر، والمعنى: فما آتاني الله، أي: من النبوة والملك (خير مما ~~آتاكم) من المال (بل أنتم بهديتكم تفرحون) يعني إذا أهدى بعضكم إلى بعض ~~فرح، فأما أنا PageV06P068 # فلا، ثم قال للرسول: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل) أي: لا طاقة ~~(لهم بها ولنخرجنهم منها) يعني بلدتهم. فلما رجعت رسلها إليها بالخبر، ~~قالت: قد علمت أنه ليس بملك وما لنا به طاقة، فبعثت إليه، إني قادمة عليك ~~بملوك قومي لأنظر ما تدعو إليه، ثم أمرت بعرشها ms1688 فجعل وراء سبعة أبواب، ~~ووكلت به حرسا يحفظونه، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف ملك، تحت يدي كل ~~ملك ألوف. وكان سليمان مهيبا لا يبتدء بشئ حتى يسأل عنه، فجلس يوما على ~~سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت بهذا ~~المكان، وكان قدر فرسخ، وقد كان بلغه أنها احتاطت على عرشها قبل خروجها، ~~(فقال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها) وفي سبب طلبه له خمسة أقوال: # أحدها: ليعلم صدق الهدهد، قاله ابن عباس. # والثاني: ليجعل ذلك دليلا على صدق نبوته، لأنها خلفته في دارها واحتاطت ~~عليه، فوجدته قد تقدمها، قاله وهب بن منبه. # والثالث: ليختبر عقلها وفطنتها، أتعرفه أم تنكره، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: لأن صفته أعجبته، فخشي أن تسلم فيحرم عليه مالها، فأراد أخذه ~~قبل ذلك، قاله قتادة. # والخامس: ليريها قدرة الله تعالى وعظم سلطانه، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: (قال عفريت من الجن) قال أبو عبيدة: العفريت من كل جن أو ~~إنس: الفائق المبالغ الرئيس. وقال ابن قتيبة: العفريت: الوثيق. وقال ~~الزجاج: العفريت: النافذ في الأمر، المبالغ فيه مع خبث ودهاء. # وقرأ أبي بن كعب، والضحاك، وأبو العالية، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: " ~~قال عفريت " بفتح العين وكسر الراء، وروى ابن أبي شريح عن الكسائي: " عفرية ~~" بفتح الياء وتخفيفها، وروي عنه أيضا تشديدها وتنوين الهاء على التأنيث. ~~وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع: " عفراة " بكسر PageV06P069 # العين وفتح الراء وبألف من غير ياء. # قوله تعالى: (قبل أن تقوم من مقامك) أي: من مجلسك، ومثله " في مقام أمين ~~". # وكان سليمان يجلس للقضاء بين الناس من وقت الفجر إلى طلوع الشمس، و قيل: ~~إلى نصف النهار. (وإني عليه) أي: على حمله (لقوي). # وفى قوله تعالى: (أمين) قولان: # أحدهما: أمين على ما فيه من الجوهر والدر وغير ذلك، قاله ابن السائب. # والثاني: أمين أن لا آتيك بغيره بدلا منه، قاله ابن زيد. # قال سليمان: أريد أسرع من ذلك. (قال الذي عنده علم من الكتاب) وهل هو ~~إنسي ms1689 أم ملك؟ فيه قولان: # أحدهما: إنسي، قاله ابن عباس، والضحاك، وأبو صالح، ثم فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه رجل من بني إسرائيل، واسمه آصف بن برخياء، قاله مقاتل. قال ~~ابن عباس: دعا آصف - وكان آصف يقوم على رأس سليمان بالسيف - فبعث الله ~~الملائكة فحملوا السرير تحت الأرض يخدون الأرض خدا، حتى انخرقت الأرض ~~بالسرير بين يدي سليمان. # والثاني: أنه سليمان عليه السلام، وإنما قال له رجل: أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك، فقال: هات، قال: أنت النبي ابن النبي، فإن دعوت الله جاءك، ~~فدعا الله فجاءه، قاله محمد بن المنكدر. # والثالث: أنه الخضر، قاله ابن لهيعة. # والرابع: أنه عابد خرج يومئذ من جزيرة في البحر فوجد سليمان فدعا فأتي ~~بالعرش، قاله ابن زيد. # والقول الثاني: أنه من الملائكة، فيه قولان: # أحدهما: أنه جبريل عليه السلام. # والثاني: ملك من الملائكة أيد الله تعالى به سليمان، حكاهما الثعلبي، و ~~في العلم الذي عنده من الملائكة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اسم الله الأعظم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. # والثاني: أنه علم كتاب سليمان إلى بلقيس. # والثالث: علم ما كتب الله لبني آدم، وهذا على أنه ملك، حكى القولين ~~الماوردي. PageV06P070 # وفي قوله تعالى: (قبل أن يرتد إليك طرفك) أربعة أقوال: # أحدها: قبل أن يأتيك أقصى ما تنظر إليه، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: قبل أن ينتهي طرفك إذا مددته إلى مداه، قاله وهب. # والثالث: قبل أن يرتد طرفك حسيرا إذا أمدت النظر، قاله مجاهد. # والرابع: بمقدار ما تفتح عينك ثم تطرف، قاله الزجاج: قال مجاهد: دعا ~~فقال: يا ذا الجلال والإكرام، وقال ابن السائب: إنما قال: يا حي يا قيوم. # قوله تعالى: (فلما رآه) في الكلام محذوف، تقديره: فدعا الله فأتي به، ~~فلما رآه، يعني: # سليمان (مستقرا عنده) أي: ثابتا بين يديه (قال هذا) يعني: التمكن من حصول ~~المراد. # قوله تعالى: (أأشكر أم أكفر) فيه قولان: # أحدهما: أأشكر على السرير إذ أتيت به، أم أكفر إذا رأيت من هو دوني في ms1690 ~~الدنيا أعلم مني، قاله ابن عباس. # والثاني: أأشكر ذلك من فضل الله علي، أم أكفر نعمته بترك الشكر له، قاله ~~ابن جرير. # قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما ~~جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) ~~وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ~~ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمن لله رب العالمين (44) قوله ~~تعالى: (قال نكروا لها عرشها) قال المفسرون: خافت الشياطين أن يتزوج سليمان ~~بلقيس فتفشي إليه أسرار الجن، لأن أمها كانت جنية، فلا ينفكون من تسخير ~~سليمان وذريته بعده، فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إن في عقلها شيئا، وإن ~~رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى ~~قدميها ببناء الصرح. قال ابن قتيبة: ومعنى " نكروا ": غيروا، PageV06P071 # يقال: نكرت الشئ فتنكر، أي: غيرته فتغير. وللمفسرين في كيفية تغييره ستة ~~أقوال: # أحدها: أنه زيد فيه ونقص منه، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنهم جعلوا صفائح الذهب التي كانت عليه مكان صفائح الفضة، ~~وصفائح الفضة مكان صفائح الذهب، والياقوت مكان الزبرجد، والدر مكان اللؤلؤ، ~~وقائمتي الزبرجد مكان قائمتي الياقوت، قاله ابن عباس أيضا. # والثالث: أنهم نزعوا ما عليه من فصوصه وجواهره، روي عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أنهم جعلوا ما كان منه أحمر أخضر، وما كان أخضر أحمر، قاله ~~مجاهد. # والخامس: أنهم جعلوا أسفله أعلاه، ومقدمه مؤخره، وزادوا فيه، ونقصوا منه، ~~قاله قتادة. # والسادس: أنهم جعلوا فيه تماثيل السمك، قاله أبو صالح. # وفى قوله تعالى: (كأنه هو) قولان: # أحدهما: أنها لما رأته جعلت تعرف وتنكر، ثم قالت في نفسها: من أين يخلص ~~إلى ذلك وهو في سبعة أبيات والحرس حوله؟! ثم قالت: كأنه هو، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس. وقال قتادة: شبهته بعرشها. وقال السدي: وجدت فيه ما تعرفه فلم ms1691 ~~تنكر، ووجدت فيه ما تنكره فلم تثبت، فلذلك قالت: كأنه هو. # والثاني: أنها عرفته، ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، فلو أنهم ~~قالوا: هذا عرشك، لقالت: نعم، قاله مقاتل. قال المفسرون: فقيل لها: فإنه ~~عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب؟! # وفى قوله تعالى: (وأوتينا العلم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سليمان، قاله مجاهد، ثم في معناه قولان: # أحدهما: وأوتينا العلم بالله وقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة. # والثاني: أوتينا العلم باسلامها ومجيئها وكنا مسلمين لله. # والقول الثاني: أنه من قول بلقيس، فإنها لما رأت عرشها، قالت: قد عرفت ~~هذه الآية، وأوتينا العلم بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة، تعني أمر ~~الهدهد والرسل التي بعثت من قبل هذه الآية، وكنا مسلمين منقادين لأمرك قبل ~~أن نجئ. # والثالث: أنه من قول قوم سليمان، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (وصدها ما كانت تعبد) قال الفراء: معنى الكلام: هي عاقلة، ~~إنما صدها عن عبادة الله عبادتها الشمس والقمر، وكان عادة من دين آبائها، ~~والمعنى: وصدها أن تعبد الله ما كانت تعبد، قال: وقد قيل: صدها سليمان، أي: ~~منعها ما كانت تعبد. قال الزجاج: المعنى: صدها عن PageV06P072 # الإيمان العادة التي كانت عليها، لأنها نشأت ولم تعرف إلا قوما يعبدون ~~الشمس، وبين عبادتها بقوله: (إنها كانت من قوم كافرين) وقرأ سعيد بن جبير، ~~وابن أبي عبلة: " أنها كانت " بفتح الهمزة. # قوله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح) قال المفسرون: أمر الشياطين فبنوا له ~~صرحا كهيئة السطح من زجاج. و في سبب أمره بذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أراد أن يريها ملكا هو أعز من ملكها، قاله وهب بن منبه. # والثاني: أنه أراد أن ينظر إلى قدمها من غير أن يسألها كشفها، لأنه قيل ~~له: إن رجلها كحافر الحمار، فأمر أن يهيأ لها بيت من قوارير فوق الماء، ~~ووضع سرير سليمان في صدر البيت، هذا قول محمد بن كعب القرظي. # والثالث: أنه فعل ذلك ليختبرها كما اختبرته بالوصائف والوصفاء، ذكره ابن ~~جرير. فأما الصرح، فقال ابن قتيبة: هو القصر، ms1692 وجمعه: صروح، ومنه قول ~~الهذلي: # تحسب أعلامهن الصروحا قال: و يقال: الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير، وجعل ~~تحتها ماء وسمك، قال مجاهد: كانت بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير. ~~وقال مقاتل: كان قصرا من قوارير بني على الماء وتحته السمك. # قوله تعالى: (حسبته لجة) وهي: معظم الماء (و كشفت عن ساقيها) لدخول ~~الماء، فناداها سليمان (إنه صرح ممرد) أي: مملس (من قوارير) أي: من زجاج، ~~فعلمت حينئذ أن ملك سليمان من الله تعالى، (فقالت رب إني ظلمت نفسي) أي: ~~بعبادة غيرك. وقيل: ظنت في سليمان أنه يريد تغريقها في الماء، فلما علمت ~~أنه صرح ممرد قالت: رب إني ظلمت نفسي بذلك الظن، وأسلمت مع سليمان، ثم ~~تزوجها سليمان. وقيل: إنه ردها إلى مملكتها وكان يزورها في كل شهر مرة ~~ويقيم عندها ثلاثة أيام، وأنها ولدت منه. وقيل: إنه زوجها ببعض الملوك ولم ~~يتزوجها هو. # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~(45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون (47) PageV06P073 # قوله تعالى: (فإذا هم فريقان) مؤمن وكافر (يختصمون) وفيه قولان: # أحدهما: أنه قولهم: (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه...) الآيات. # والثاني: أنه قول كل فريق منهم: الحق معي. # قوله تعالى: (لم تستعجلون بالسيئة) وذلك حين قالوا: إن كان ما أتيتنا به ~~حقا فائتنا بالعذاب. # وفي السيئة والحسنة قولان: # أحدهما: أن السيئة: العذاب، والحسنة: الرحمة، قاله مجاهد. # والثاني: أن السيئة: البلاء، والحسنة، العافية، قاله السدي. # قوله تعالى: (لولا) أي: هلا (تستغفرون الله) من الشرك (لعلكم ترحمون) فلا ~~تعذبون. # (قالوا اطيرنا) قال ابن قتيبة: المعنى: تطيرنا وتشاءمنا (بك)، فأدغمت ~~التاء في الطاء، وأثبتت الألف، ليسلم السكون لما بعدها. وقال الزجاج: ~~الأصل: تطيرنا، فأدغمت التاء في الطاء، واجتلبت الألف لسكون الطاء، فإذا ~~ابتدأت قلت: اطيرنا، وإذا وصلت لم تذكر الألف وتسقط لأنها ألف وصل، وإنما ~~تطيروا به، لأنهم ms1693 قحطوا وجاعوا، ف‍ (قال) لهم (طائركم عند الله) وقد شرحنا ~~هذا المعنى في الأعراف. # وفى قوله [تعالى]: (تفتنون) ثلاثة أقوال: # أحدها: تختبرون بالخير والشر، قاله ابن عباس. # والثاني: تصرفون عن دينكم، قاله الحسن. # والثالث: تبتلون بالطاعة والمعصية، قاله قتادة. # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا ~~بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ~~ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا ~~دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعلمون (53) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) قوله تعالى: (وكان ~~في المدينة) وهي الحجر التي نزلها صالح (تسعة رهط يفسدون في PageV06P074 # الأرض) يريد: في أرض الحجر، وفسادهم: كفرهم ومعاصيهم، وكانوا يسفكون ~~الدماء ويثبتون على الأموال والفروج، وهم الذين عملوا في قتل الناقة. وروي ~~عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح قالا: كان فسادهم كسر الدراهم ~~والدنانير، (قالوا) فيما بينهم (تقاسموا بالله) أي: احلفوا بالله (لنبيتنه) ~~أي: لنقتلن و قرأ حمزة، و الكسائي: " لتبيتنه وأهله ثم لتقولن " بالتاء ~~فيهما. وقرأ مجاهد، وأبو رجاء، وحميد بن قيس: " ليبيتنه " بياء وتاء ~~مرفوعتين " ثم ليقولن " بياء مفتوحة وقاف مرفوعة وواو ساكنة ولام مرفوعة ~~(لوليه) أي: لولي دمه إن سألنا عنه (ما شهدنا) أي: ما حضرنا (مهلك أهله) ~~قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح اللام، والمهلك يجوز أن يكون مصدرا بمعنى ~~الإهلاك، ويجوز أن يكون الموضع. وروى أبو بكر، وأبان عن عاصم: بفتح الميم ~~واللام، يريد الهلاك، يقال: هلك يهلك مهلكا. وروى عنه حفص، والمفضل: بفتح ~~الميم وكسر اللام، وهو اسم المكان، على معنى: ما شهدنا موضع هلاكهم، فهذا ~~كان مكرهم، فجازاهم الله عليه فأهلكهم. و في صفة إهلاكهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أتوا دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة ~~فقتلتهم، قاله ابن عباس. # والثاني: رماهم الله بصخرة فقتلهم، قاله قتادة. # والثالث: أنهم دخلوا غارا ينتظرون مجيء صالح، فبعث الله صخرة سدت باب ~~الغار، قاله ابن ms1694 زيد. # والرابع: أنهم نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم ~~عليهم الجبل فأهلكهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (أنا دمرناهم) قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " أنا دمرناهم " ~~بفتح الألف. # وقرأ الباقون بكسرها. فمن كسر استأنف، ومن فتح، فقال أبو علي، فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون بدلا من (عاقبة مكرهم). # والثاني: أن يكون محمولا على مبتدأ مضمر، كأنه قال: هو أنا دمرناهم. # قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية) قال الزجاج: هي منصوبة على الحال، ~~المعنى: فانظر إلى بيوتهم خاوية. # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا أخرجوا PageV06P075 # آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته ~~قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) قوله ~~تعالى: (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) فيه قولان: # أحدهما: وأنتم تعلمون أنها فاحشة. # والثاني: وبعضكم يبصر بعضا. # قوله تعالى: (بل أنتم قوم تجهلون) قال ابن عباس: تجهلون القيامة وعاقبة ~~العصيان. # قوله تعالى: (قدرناها من الغابرين) أي: جعلناها بتقديرنا وقضائنا عليها ~~من الباقين في العذاب. وقرأ أبو بكر عن عاصم: " قدرناها " خفيفة، وهي في ~~معنى المشددة. وباقي القصة قد تقدم تفسيره. # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون (59) أمن ~~خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما ~~كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض ~~قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع ~~الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) قوله تعالى: (قل الحمد لله) هذا خطاب لرسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] أمر أن يحمد الله على هلاك الأمم الكافرة، وقيل: ~~على جميع نعمه، (وسلام على عباده، الذين اصطفى) فيهم أربعة أقوال: # أحدها: الرسل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وروى عنه عكرمة، قال: اصطفى ~~إبراهيم بالخلة، وموسى بالكلام، ومحمدا بالرؤية. # والثاني: أنهم ms1695 أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رواه أبو مالك عن ابن ~~عباس، وبه قال السدي. # والثالث: أنهم الذين وحدوه وآمنوا به، رواه عطاء عن ابن عباس. # والرابع: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (الله خير أما يشركون) قال أبو عبيدة: مجازه: أو ما تشركون، ~~وهذا خطاب PageV06P076 # للمشركين، والمعنى: الله خير لمن عبده، أم الأصنام لعابديها؟! ومعنى ~~الكلام: أنه لما قص عليهم قصص الأمم الخالية، أخبرهم أنه نجى عابديه، ولم ~~تغن الأصنام عنهم. # قوله تعالى: (أمن خلق السماوات) تقديره: أما يشركون خير، أمن خلق ~~السماوات (والأرض) فأما الحدائق، فقال ابن قتيبة: هي البساتين، واحدها: ~~حديقة، سميت بذلك لأنه يحدق عليها، أي: يحظر، والبهجة: الحسن. # قوله تعالى: (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) أي: ما ينبغي لكم ذلك لأنكم لا ~~تقدرون عليه. # ثم قال مستفهما منكرا عليهم: (أإله مع الله؟!) أي: ليس معه إله (بل هم) ~~يعني: كفار مكة (قوم يعدلون) وقد شرحناه في فاتحة (الأنعام) (أمن جعل الأرض ~~قرارا) أي: مستقرا لا تميد بأهلها (وجعل خلالها) أي: فيما بينها (أنهارا ~~وجعل لها رواسي) أي؟ جبالا ثوابت (وجعل بين البحرين حاجزا) أي: مانعا من ~~قدرته بين العذاب والملح أن يختلطا، (بل أكثرهم لا يعلمون) قدر عظمة الله ~~[عز وجل]. # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ~~قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم ~~إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما ~~يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادراك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم ~~منها عمون (66) وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) ~~لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا ~~في الأرض ms1696 فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ~~ضيق مما يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى ان ~~يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما PageV06P077 # تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب ~~مبين (75) قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر) وهو: المكروب المجهود، (ويكشف ~~السوء) يعني الضر (ويجعلكم خلفاء الأرض) أي: يهلك قرنا وينشئ آخرين، و ~~(تذكرون) بمعنى تتعظون. # وقرأها أبو عمرو بالياء، والباقون بالتاء (أمن يهديكم) أي: يرشدكم إلى ~~مقاصدكم إذا سافرتم (في ظلمات البر والبحر) وقد بيناها في الأنعام وشرحنا ~~ما يليها من الكلمات فيما مضى إلى قوله: # (وما يشعرون) يعني من في السماوات والأرض (أيان يبعثون) أي: متى يبعثون ~~بعد موتهم. # قوله تعالى: (بل أدرك علمهم في الآخرة) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " بل ~~أدرك " قال مجاهد: " بل " بمعنى " أم " والمعنى: لم يدرك علمهم، وقال ~~الفراء: المعنى: هل أدرك علمهم علم الآخرة؟ فعلى هذا يكون المعنى: إنهم لا ~~يقفون في الدنيا على حقيقة العلم. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: " بل ادارك " على معنى: بل تدارك، أي: تتابع وتلاحق، فأدغمت ~~التاء في الدال. ثم في معناها قولان: # أحدهما: بل تكامل علمهم يوم القيامة لأنهم مبعوثون، قاله الزجاج: وقال ~~ابن عباس: ما جهلوه في الدنيا، علموه في الآخرة. # والثاني: بل تدارك ظنهم وحدسهم في الحكم على الآخرة، فتارة يقولون: إنها ~~كائنة، وتارة يقولون: لا تكون، قاله ابن قتيبة. وروى أبو بكر عن عاصم: " بل ~~أدرك " على وزن من أدركت. # قوله تعالى: (بل هم في شك منها) أي: بل هم اليوم في شك من القيامة (بل هم ~~منها عمون) قال ابن قتيبة: أي: من علمها. وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى ~~قوله: (متى هذا الوعد) يعنون: العذاب الذي تعدنا. (قل عسى أن يكون ردف لكم) ~~قال ابن عباس: قرب لكم. وقال ابن قتيبة: تبعكم، ms1697 واللام زائدة، كأنه قال: ~~ردفكم. و في ما تبعهم مما استعجلوه قولان: # أحدهما: يوم بدر. # والثاني: عذاب القبر. # قوله تعالى: (وإن ربك لذو فضل على الناس) قال مقاتل: على أهل مكة حين لا ~~يعجل عليهم العذاب. # قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) أي: ما تخفيه (وما يعلنون) ~~بألسنتهم من PageV06P078 # عداوتك وخلافك، والمعنى أنه يجازيهم عليه. (وما من غائبة) أي: وما من ~~جملة غائبة، (إلا في كتاب) يعني اللوح المحفوظ، والمعنى: إن علم ما ~~يستعجلونه من العذاب بين عند الله وإن غاب عن الخلق. # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) وإنه ~~لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) ~~فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم ~~الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهدى العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من ~~يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من ~~الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) (إن هذا القرآن يقص ~~على بني إسرائيل) وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا ~~يطعن بعضهم على بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، فلو أخذوا به ~~لسلموا. (إن ربك يقضي بينهم) يعني بين بني إسرائيل (بحكمه) وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: " بحكمه " بكسر الحاء وفتح ~~الكاف. # قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى) قال المفسرون: هذا مثل ضربه للكفار ~~فشبههم بالموتى. # قوله تعالى: (ولا تسمع الصم الدعاء) وقرأ ابن كثير: " يسمع الصم " بفتح ~~ميم " يسمع " وضم ميم " الصم ". # قوله تعالى: (إذا ولوا مدبرين) أي: أن الصم إذا أدبروا عنك ثم ناديتهم و ~~لم يسمعوا، فكذلك الكافر. (وما أنت بهاد العمي) أي: بمرشد من أعماه الله عن ~~الهدى، (إن تسمع) سماع إفهام (إلا من يؤمن بآياتنا). # قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم) " وقع " بمعنى " وجب " و في المراد ~~بالقول ثلاثة أقوال: PageV06P079 # أحدها: العذاب، قاله ابن عباس. # والثاني: الغضب، قاله ms1698 قتادة. # والثالث: الحجة، قاله ابن قتيبة. ومتى ذلك؟ فيه قولان: # أحدهما: إذا لم يأمروا بمعروف، ولم ينهوا عن منكر، قاله ابن عمر، وأبو ~~سعيد الخدري. # والثاني: إذا لم يرج صلاحهم، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وهو معنى قول أبي ~~العالية. # والإشارة بقوله: (عليهم) إلى الكفار الذين تخرج الدابة عليهم. و للمفسرين ~~في صفة الدابة أربعة أقوال: # أحدها: أنها ذات وبر وريش، رواه حذيفة بن اليمان عن النبي رسول الله صلى ~~الله عليه و آله وسلم. وقال ابن عباس: ذات زغب وريش لها أربع قوائم. # والثاني: أن رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها ~~قرن إيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة كبش، و قوائمها ~~قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، رواه ابن جريج عن أبي الزبير. # والثالث: أن وجهها وجه رجل، وسائر خلقها كخلق الطير، قاله وهب. # والرابع: أن لها أربع قوائم وزغبا وريشا وجناحين، قاله مقاتل. و في ~~المكان الذي تخرج منه خمسة أقوال: # أحدها: من الصفا. روى حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم ~~أنه قال: " بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون، تضطرب الأرض تحتهم، ~~وينشق الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو منها ~~رأسها، ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب، ولن يفوتها هارب ". وفي حديث ~~آخر عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال: " طولها ستون ذراعا "، ~~وكذلك قال ابن مسعود: تخرج من الصفا. وقال ابن عمر: تخرج من صدع في الصفا ~~كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها. وقال عبد الله بن عمر: تخرج الدابة ~~فيمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا. # والثاني: أنها تخرج من شعب أجياد، روي عن النبي صلى الله عليه و آله ~~وسلم، وعن ابن عمر مثله. # والثالث: يخرج من بعض أودية تهامة، قاله ابن عباس. PageV06P080 # والرابع: من بحر سدوم، قاله وهب بن منبه. # والخامس: أنها تخرج بتهامة بين الصفا والمروة، حكاه الزجاج، وقد ms1699 روى أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تخرج الدابة معها خاتم ~~سليمان، وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى ~~إن أهل البيت ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر ". وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تسم المؤمن بين عينيه: مؤمن، و تسم ~~الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه: كافر، وتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين ~~الخافقين ". وقال حذيفة بن أسيد: # إن للدابة ثلاث خرجات: خرجة في بعض البوادي ثم تنكتم، وخرجة في بعض القرى ~~ثم تنكتم، فبينما الناس عند أشرف المساجد - يعني المسجد الحرام - إذ ارتفعت ~~الأرض، فانطلق الناس هرابا، فلا يفوتونها، حتى إنها لتأتي الرجل وهو يصلي، ~~فتقول: أتتعوذ بالصلاة، والله ما كنت من أهل الصلاة، فتخطمه، وتجلو وجه ~~المؤمن. وقال عبد الله بن عمرو: إنها تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء فتفشو ~~في وجهه فيسود وجهه، وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتى ~~يبيض وجهه، فيعرف الناس المؤمن والكافر، ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من ~~الحاج. # قوله تعالى: (تكلمهم) قرأ الأكثرون بتشديد اللام، فهو من الكلام. و فيما ~~تكلمهم به ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها تقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، قاله قتادة. # والثاني: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام، قاله السدي. # والثالث: تقول: هذا مؤمن، وهذا كافر، حكاه الماوردي. # وقرأ ابن أبي عبلة، والجحدري: بتسكين الكاف وكسر اللام فهو من الكلم، قال ~~ثعلب: # والمعنى: تجرحهم. وسئل ابن عباس عن القراءتين، فقال: كل ذلك والله تفعله ~~تكلم المؤمن، وتكلم الفاجر والكافر، أي: تجرحه. # قوله تعالى: (أن الناس) قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح الهمزة، وكسرها ~~الباقون، فمن فتح أراد: تكلمهم بأن الناس، وهكذا قرأ ابن مسعود، وأبو عمران ~~الجوني: " تكلمهم بأن الناس " بزيادة باء مع فتح الهمزة، ومن كسر، فلأن ~~معنى " تكلمهم " تقول لهم: إن الناس، والكلام قول. # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى ms1700 إذا جاء ~~PageV06P081 # وقال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون (84) ووقع ~~القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) قوله تعالى: ~~(ويوم نحشر من كل أمة فوجا) الفوج: الجماعة من الناس كالزمرة، والمراد به: # الرؤساء والمتبوعون في الكفر، حشروا وأقيمت الحجة عليهم. وقد سبق معنى ~~(يوزعون) (حتى إذا جاؤوا) إلى موقف لحساب (قال) الله تعالى لهم: (أكذبتم ~~بآياتي؟!) هذا استفهام إنكار عليهم ووعيد لهم (ولم تحيطوا بها علما) فيه ~~قولان: # أحدهما: لم تعرفوها حق معرفتها. # و الثاني: لم تحيطوا علما ببطلانها. والمعنى: إنكم لم تتفكروا في صحتها، ~~(أم ماذا كنتم تعملون) في الدنيا فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه؟! # قوله تعالى: (ووقع القول عليهم) قد شرحناه آنفا (بما ظلموا) أي: بما ~~أشركوا (فهم لا ينطقون) بحجة عن أنفسهم. ثم احتج عليهم بالآية التي تلي ~~هذه. ومعنى قوله تعالى: # (والنهار) يبصر فيه لابتغاء الرزق. # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~وكل أتوه داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله ~~الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم ~~من فزع يومئذ آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون (90) قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور) قال ابن عباس: ~~هذه النفخة الأولى. # قوله تعالى: (ففزع من في السماوات) قال المفسرون: المعنى: فيفزع من في ~~السماوات ومن في الأرض، والمراد أنهم ماتوا، بلغ بهم الفزع إلى الموت. ~~PageV06P082 # و في قوله تعالى: (إلا من شاء الله) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الشهداء، قاله أبو هريرة، وابن عباس، وسعيد بن جبير. # و الثاني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم إن الله تعالى يميتهم ~~بعد ذلك، قاله مقاتل. # والثالث: أنهم الذين في الجنة من الحور وغيرهن، وكذلك من في النار، لأنهم ~~خلقوا للبقاء، ذكره أبو إسحاق ms1701 بن شاقلا من أصحابنا. # قوله تعالى: (وكل) من الأحياء الذين ماتوا ثم أحيوا (آتوه) وقرأ حمزة، ~~وحفص عن عاصم: " أتوه " بفتح التاء مقصورة، أي: يأتون الله يوم القيامة ~~(داخرين) قال أبو عبيدة: " كل " لفظه لفظ الواحد، ومعناه الجميع، فهذه ~~الآية في موضع جمع. # قوله تعالى: (وترى الجبال) قال ابن قتيبة: هذا يكون إذا نفخ في الصور، ~~تجمع الجبال وتسير فهي لكثرتها تحسب (جامدة) أي: واقفة (وهي تمر) أي: تسير ~~سير السحاب، وكذلك كل جيش عظيم يحسبه الناظر من بعيد واقفا وهو يسير، ~~لكثرته، قال الجعدي يصف جيشا: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج قوله تعالى: (صنع ~~الله) قال الزجاج: هو منصوب على المصدر، لأن قوله تعالى: (وترى الجبال ~~تحسبها جامدة) دليل على الصنعة، فكأنه قال: صنع الله ذلك صنعا، ويجوز الرفع ~~على معنى: ذلك صنع الله. فأما الإتقان، فهو في اللغة: إحكام الشئ. # قوله تعالى: (إنه خبير بما تفعلون) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~" يفعلون " بالياء. # وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي بالتاء. # قوله تعالى: (من جاء بالحسنة) قد شرحنا الحسنة والسيئة في آخر الأنعام. # وفي قوله تعالى: (فله خير منها) قولان: # أحدهما: فله خير يصل إليه منها، وهو الثواب، قاله ابن عباس، والحسن، ~~وعكرمة. # والثاني: فله أفضل منها، لأنه يأتي بحسنة فيعطى عشر أمثالها، قاله زيد بن ~~أسلم. # قوله تعالى: (وهم من فزع يومئذ) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: " من فزع يومئذ " مضافا. وقرأ عاصم. وحمزة، والكسائي: " من فزع " ~~بالتنوين " يومئذ " بفتح الميم. وقال PageV06P083 # الفراء: الإضافة أعجب إلي في العربية، لأنه فزع معلوم، ألا ترى إلى قوله: ~~(لا يحزنهم الفزع الأكبر) فصيره معرفة، فإذا أضفت مكان المعرفة. كان أحب ~~إلي واختار أبو عبيدة قراءة التنوين وقال: هي أعم التأويلين، فيكون الأمن ~~من جميع فزع ذلك اليوم. قال أبو علي الفارسي: إذا نون جاز أن يعنى به فزع ~~واحد، وجاز أن يعنى به الكثرة، لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة وإن ~~كانت مفردة ms1702 الألفاظ، كقوله: (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) وكذلك إذا أضيف ~~جاز أن يعنى به فزع واحد، وجاز أن يعنى به الكثرة، وعلى هذا القول، ~~القراءتان سواء، فإن أريد به الكثرة، فهو شامل لكل فزع يكون يوم القيامة، ~~وإن أريد به الواحد، فهو المشار إليه بقوله: (لا يحزنهم الفزع الأكبر). ~~وقال ابن السائب: إذا أطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها، ~~وأهل الجنة آمنون من ذلك الفزع. # قوله تعالى: (ومن جاء بالسيئة) قال المفسرون: هي الشرك (فكبت وجوههم) ~~يقال: كببت الرجل: إذا ألقيته لوجهه، وتقول لهم خزنة جهنم: (هل تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون) أي: إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك. # إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك ~~بغافل عما تعملون (93) قوله تعالى: (إنما أمرت) المعنى: قل للمشركين: إنما ~~أمرت (أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها) وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران ~~الجوني: " التي حرمها " وهي مكة، وتحريمها: تعظيم حرمتها بالمنع من القتل ~~فيها والسبي والكف عن صيدها وشجرها، (وله كل شئ) لأنه خالقه ومالكه، (وأمرت ~~أن أكون من المسلمين) أي: المخلصين لله بالتوحيد، (وأن أتلو القرآن) عليكم ~~(فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) أي: فله ثواب اهتدائه (ومن ضل) أي: أخطأ ~~طريق الهدى (فقل إنما أنا من المنذرين) أي: ليس علي إلا البلاغ، وذكر ~~المفسرون أن هذا منسوخ بآية السيف. (وقل الحمد لله) أي: قل لمن ضل: الحمد ~~لله الذي وفقنا لقبول ما امتنعتم منه (سيريكم آياته) و متى يريهم؟ فيه ~~قولان: PageV06P084 # أحدهما: في الدنيا. ثم فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن منها الدخان وانشقاق ~~القمر، وقد أراهم ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: سيريكم آياته ~~فتعرفونها في السماء، وفي أنفسكم، وفي الرزق، قاله مجاهد، والثالث: القتل ~~ببدر، قاله مقاتل. # والثاني: سيريكم ms1703 آياته في الآخرة فتعرفونها على ما قال في الدنيا، قاله ~~الحسن. # قوله تعالى: (و ما ربك بغافل عما تعملون) وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم: # " تعلمون " بالتاء، على معنى: قل لهم. وقرأ الباقون بالياء، على أنه وعيد ~~لهم بالجزاء على أعمالهم. # و الله أعلم بالصواب. PageV06P085 # سورة القصص مكية و آياتها ثمان و ثمانون وهي مكية كلها غير آية منها، وهي ~~قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن) فإنها نزلت عليه وهو بالجحفة في وقت ~~خروجه للهجرة، هذا قول ابن عباس. وروي عن الحسن، وعطاء، وعكرمة: أنها مكية ~~كلها. وزعم مقاتل: أن فيها من المدني (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون) إلى قوله تعالى: (لا نبتغي الجاهلين) وفيها آية ليست بمكية ولا ~~مدنية وهي قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن) نزلت بالجحفة. # بسم الله الرحمن الرحيم طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك ~~من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) أن فرعون علا في الأرض وجعل ~~أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من ~~المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ~~ما كانوا يحذرون (6) PageV06P086 # قوله تعالى: (طسم) قد سبق تفسيره. # قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض) أي: طغى وتجبر في أرض مصر (وجعل ~~أهلها شيعا) أي: فرقا وأصنافا في خدمته (يستضعف طائفة منهم) وهم بنو ~~إسرائيل، واستضعافه إياهم: # استعبادهم، (إنه كان من المفسدين) بالقتل والعمل بالمعاصي. (يذبح ~~أبناءهم) وقرأ أبو رزين، والزهري، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: " يذبح " ~~بفتح الياء وسكون الذال خفيفة. # قوله تعالى: (ونريد أن نمن) أي: ننعم (على الذين استضعفوا) وهم بنو ~~إسرائيل، (ونجعلهم أئمة) يقتدى بهم في الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكا ~~(ونجعلهم الوارثين) لملك فرعون بعد غرقه. # قوله تعالى: (ويري فرعون) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " ويرى " بياء ~~مفتوحة وإمالة الألف التي بعد الراء " فرعون وهامان وجنودهما " بالرفع. ~~ومعنى الآية: أنهم أخبروا أن ms1704 هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا ~~على وجل منهم، فأراهم الله ما كانوا يحذرون. # وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8) وقالت امرأة ~~فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ~~(9) قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إلهام، قاله ابن عباس. # والثاني: أن جبريل أتاها بذلك، قاله مقاتل. PageV06P087 # والثالث: أنه كان رؤيا منام، حكاه الماوردي. قال مقاتل: واسم أم موسى " ~~يوخابذ ". # قوله تعالى: (أن أرضعيه) قال المفسرون: كانت امرأة من القوابل مصافية لأم ~~موسى، فلما وضعته تولت أمرها ثم خرجت فرآها بعض العيون فجاؤوا ليدخلوا على ~~أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفت موسى في خرقة ووضعته ~~في التنور وهو يسجر، فدخلوا ثم خرجوا، فقالت لأخته: أين الصبي، قالت: لا ~~أدري، فسمعت بكاءه من التنور فاطلعت بعد ولادته ثلاثة أشهر، وقيل: أربعة ~~أشهر، فلما خافت عليه صنعت له التابوت و في قوله: (فإذا خفت عليه) قولان: # أحدهما: إذا خفت عليه القتل، قاله مقاتل. # والثاني: إذا خفت عليه أن يصيح أو يبكي فيسمع صوته، قاله ابن السائب. # وفى قوله تعالى: (ولا تخافي) قولان: # أحدهما: أن يغرق، قاله ابن السائب. # والثاني: أن يضيع، قاله مقاتل. # قال الأصمعي: قلت لأعرابية: ما أفصحك! فقالت: أو بعد هذه الآية فصاحة وهي ~~قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى) جمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين ~~وبشارتين؟! # قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون) الالتقاط: إصابة الشئ من غير طلب. ~~والمراد بآل فرعون: الذين تولوا أخذ التابوت من البحر. و في الذين التقطوه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: جواري امرأة فرعون، قاله السدي. # والثاني: ابنة فرعون، قاله محمد بن قيس. # والثالث: أعوان فرعون، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: (ليكون لهم عدوا) أي: ليصير بهم الأمر إلى ms1705 ذلك، لا أنهم ~~أخذوه لهذا، وهذه اللام تسمى لام العاقبة، وقد شرحناه في يوسف و للمفسرين ~~في معنى الكلام قولان: # أحدهما: ليكون لهم عدوا في دينهم وحزنا لما يصنعه بهم. # والثاني: عدوا لرجالهم وحزنا على نسائهم، فقتل الرجال بالغرق، واستعبد ~~النساء. (وقالت امرأة فرعون) وهي آسية بنت مزاحم، وكانت من بني إسرائيل ~~تزوجها فرعون: (قرة عين) قال الزجاج: رفع " قرة عين " على إضمار " هو ". ~~قال المفسرون: كان فرعون لا يولد له إلا البنات، فقالت: (عسى أن ينفعنا) ~~فنصيب منه خيرا (أو نتخذه ولدا)، (وهم لا يشعرون) فيه أربعة أقوال: # أحدها: لا يشعرون أنه عدو لهم، قاله مجاهد. PageV06P088 # والثاني: أن هلاكهم على يديه، قاله قتادة. # والثالث: لا يشعر بنو إسرائيل أنا التقطناه، قاله محمد بن قيس. # والرابع: لا يشعرون أني أفعل ما أريد لا ما يريدون، قاله محمد بن إسحاق. # و أصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ~~لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ~~(11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ~~وهم له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد ~~الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى ~~فارغا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: فارغا من كل شئ إلا من ذكر موسى، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أصبح فؤادها فزعا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وهي قراءة أبي ~~رزين، وأبي العالية، والضحاك، وقتادة، وعاصم الجحدري، فإنهم قرؤوا: " فزعا ~~" بزاي معجمة. # والثالث: فارغا من وحينا بنسيانه، قاله الحسن، وابن زيد. # والرابع: فارغا من الحزن، لعلمها أنه لم يقتل، قاله أبو عبيدة. قال ابن ~~قتيبة: وهذا من أعجب التفسير، كيف يكون كذلك والله يقول: (لولا أن ربطنا ~~على قلبها)؟! وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟! # قوله تعالى: (إن كادت لتبدي به) في هذه الهاء قولان: ms1706 # أحدهما: أنها ترجع إلى موسى. ومتى أرادت هذا؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنه حين فارقته، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كادت تقول: يا ~~بنياه. قال قتادة: وذلك من شدة وجدها: والثاني: حين حملت لرضاعه كادت تقول: ~~هو ابني، قاله السدي. والثالث: أنه لما كبر وسمعت الناس يقولون: موسى بن ~~فرعون، كادت تقول: لا بل هو ابني، قاله ابن السائب. # والقول الثاني: أنها ترجع إلى الوحي، والمعنى: إن كادت لتبدي بالوحي، ~~حكاه ابن جرير. PageV06P089 # قوله تعالى: (لولا أن ربطنا على قلبها) قال الزجاج: المعنى: لولا ربطنا ~~على قلبها، والربط: إلهام الصبر وتشديد القلب وتقويته. # قوله تعالى: (لتكون من المؤمنين) أي: من المصدقين بوعد الله. (وقالت ~~لأخته قصيه) قال ابن عباس: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا، أحي هو، أو ~~قد أكلته الدواب؟ # ونسيت الذي وعدها الله فيه. وقال وهب: إنما قالت لأخته: قصيه، لأنها سمعت ~~أن فرعون قد أصاب صبيا في تابوت. قال مقاتل: واسم أخته: مريم. قال ابن ~~قتيبة: ومعنى " قصيه ": قصي أثره واتبعيه (فبصرت به عن جنب) أي: عن بعد ~~منها عنه وإعراض، لئلا يفطنوا، والمجانبة من هذا. # وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز: " عن جناب " بفتح الجيم والنون وبألف ~~بعدهما. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران الجوني: " عن جانب " بفتح الجيم وكسر ~~النون وبينهما ألف. وقرأ قتادة، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: " عن جنب " ~~بفتح الجيم وإسكان النون من غير ألف. # قوله تعالى: (وهم لا يشعرون) فيه قولان: # أحدهما: وهم لا يشعرون أنه عدو لهم، قاله مجاهد. # والثاني: لا يشعرون أنها أخته، قاله السدي. # قوله تعالى: (و رحمنا عليه المراضع) وهي جمع مرضع (من قبل) أي: من قبل أن ~~نرده على أمه، وهذا تحريم منع، لا تحريم شرع. قال المفسرون: بقي ثمانية ~~أيام ولياليهن، كلما أتي بمرضع لم يقبل ثديها، فأهمهم ذلك واشتد عليهم ~~(فقالت) لهم أخته: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم) فقالوا لها: نعم، من ~~تلك؟ فقالت: أمي، قالوا: و هل لها ms1707 لبن؟ قالت: لبن هارون. فلما جاءت قبل ~~ثديها. و قيل: إنها لما قالت: (و هم له ناصحون) قالوا: لعلك تعرفين أهله، ~~قالت: لا، ولكني إنما قلت: وهم للملك ناصحون. # قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه) قد شرحناه في طه. # قوله تعالى: (ولتعلم أن وعد الله) برد ولدها (حق) وهذا علم عيان ومشاهدة ~~(ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن الله وعدها أن يرده إليها. # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل ~~المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا ~~من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال ~~هذا من PageV06P090 # عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر ~~له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين (17) (ولما بلغ أشده) قد فسرنا هذه الآية في سورة يوسف، فكلام ~~المفسرين في لفظ الآيتين متقارب، إلا أنهم فرقوا بين بلوغ الأشد وبين ~~الاستواء. و في مدة الاستواء لهم قولان: # أحدهما: أنه أربعون سنة، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: ستون سنة، ذكره ابن جرير. قال المفسرون: مكث عند أمه حتى فطمته، ~~ثم ردته إليهم، فنشأ في حجر فرعون وامرأته واتخذاه ولدا. # قوله تعالى: (ودخل المدينة) فيها قولان: # أحدهما: أنها مصر. # والثاني: مدينة بالقرب من مصر. # قال السدي: ركب فرعون يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى ركب في إثره ~~فأدركه المقيل في تلك المدينة. وقال غيره: لما توهم فرعون في موسى أنه عدوه ~~أمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل إلا بعد أن كبر، فدخلها يوما (على حين ~~غفلة من أهلها). في ذلك الوقت أربعة أقوال: # أحدها: أنه كان يوم عيد لهم، وكانوا قد اشتغلوا فيه بلهوهم، قاله علي ~~عليه السلام. # والثاني: أنه دخل نصف النهار، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير. # والثالث: بين المغرب والعشاء، قاله وهب بن منبه. # والرابع: أنهم لما أخرجوه لم ms1708 يدخل عليهم حتى كبر، فدخل على حين غفلة عن ~~ذكره، لأنه قد نسي أمره، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: (هذا من شيعته) أي: من أصحابه من بني إسرائيل (وهذا من عدوه) ~~أي: # من أعدائه من القبط، والعدو يذكر للواحد وللجميع. قال الزجاج: وإنما قيل ~~في الغائب: " هذا " و " هذا "، على جهة الحكاية للحضرة، والمعنى: أنه إذا ~~نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته، وهذا من عدوه. قال المفسرون: و كان ~~القبطي كان قد سخر الإسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون (فاستغاثه) أي: ~~فاستنصره، (فوكزه) قال الزجاج: الوكز: أن يضربه بجمع كفه. وقال ابن قتيبة: ~~" فوكزه " أي: لكزه، يقال: وكزته ولكزته ولهزته: إذا دفعته، (فقضى عليه) ~~أي: قتله، وكل شئ فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه. وللمفسرين فيما وكزه به ~~قولان: PageV06P091 # أحدهما: كفه، قاله مجاهد. # والثاني: عصاه، قاله قتادة. # فلما مات القبطي ندم موسى لأنه لم يرد قتله، و (قال هذا من عمل الشيطان) ~~أي: هو الذي هيج غضبي حتى ضربت هذا، (إنه عدو) لابن آدم (مضل) (مبين) ~~عداوته. ثم استغفر (فقال رب إني ظلمت نفسي) أي: بقتل هذا، ولا ينبغي لنبي ~~أن يقتل حتى يؤمر. (قال رب بما أنعمت علي) بالمغفرة (فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين) قال ابن عباس: عونا للكافرين. # وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا. # فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا ~~موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى ~~قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) ~~قوله تعالى: (فأصبح في المدينة) وهي التي قتل بها القبطي (خائفا) على نفسه ~~(يترقب) أي: ينتظر سوءا يناله منهم ويخاف أن يقتل به (فإذا الذي استنصره ~~بالأمس) وهو الإسرائيلي (يستصرخه) أي: يستغيث ms1709 به على قبطي آخر أراد أن ~~يسخره أيضا (قال له موسى) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القبطي. # الثاني: إلى الإسرائيلي، وهو أصح. # فعلى الأول يكون المعنى: (إنك لغوي) بتسخيرك وظلمك. و على الثاني فيه ~~قولان: # أحدهما: أن يكون الغوي بمعنى المغوي، كالأليم والوجيع، والمعنى: إنك لمضل ~~حين قتلت بالأمس رجلا بسببك، وتدعوني اليوم إلى آخر. # والثاني: أن يكون الغوي بمعنى الغاوي، والمعنى، إنك غاو في قتالك من لا ~~تطيق دفع شره عنك. PageV06P092 # قوله تعالى: (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما) أي: بالقبطي (قال ~~يا موسى) هذا قول الإسرائيلي من غير خلاف علمناه بين المفسرين، قالوا: لما ~~رأى الإسرائيلي غضب موسى عليه حين قال له: " إنك لغوي مبين " ورآه قد هم أن ~~يبطش بالفرعوني، ظن أنه يريده فخاف على نفسه (فقال يا موسى أتريد أن ~~تقتلني) وكان قوم فرعون لم يعلموا من قاتل القبطي، إلا أنهم أتوا إلى فرعون ~~فقالوا: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا فخذ لنا بحقنا، فقال: ابغوني قاتله ~~ومن يشهد عليه لآخذ لكم حقكم، فبينا هم يطوفون ولا يدرون من القاتل، وقعت ~~هذه الخصومة بين الإسرائيلي والقبطي فلما قال الإسرائيلي لموسى: " أتريد أن ~~تقتلني " انطلق القبطي إلى فرعون فأخبره أن موسى هو الذي قتل الرجل، فأمر ~~بقتل موسى، فعلم بذلك رجل من شيعة موسى فأتاه فأخبره، فذلك قوله تعالى: ~~(وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى). فأما الجبار، فقال السدي: هو القتال، وقد ~~شرحناه في هود، وأقصى المدينة: آخرها وأبعدها، ويسعى، بمعنى يسرع. قال ابن ~~عباس: وهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون، وسيأتي الخلاف في اسمه في سورة المؤمن. ~~فأما الملأ، فهم الوجوه من الناس والأشراف. و في قوله: (يأتمرون بك) ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: يتشاورون فيك ليقتلوك، قاله أبو عبيدة. # والثاني: يهمون بك، قاله ابن قتيبة. # والثالث: يأمر بعضهم بعضا بقتلك، قاله الزجاج. # فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه ~~تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني ms1710 سواء السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد ~~عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا ~~لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ~~فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) فجاءته إحداهما تمشي على ~~استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه ~~القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) قالت إحداهما يا أبت ~~استأجرته إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) PageV06P093 # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ~~(27) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما ~~نقول وكيل (28) قوله تعالى: (فخرج منها) أي: من مصر (خائفا) وقد مضى ~~تفسيره. # قوله تعالى: (نجني من القوم الظالمين) يعني المشركين أهل مصر. # (ولما توجه تلقاء مدين) قال ابن قتيبة: أي: تجاه مدين ونحوها، وأصله: ~~اللقاء، وزيدت فيه التاء، قال الشاعر: # فاليوم قصر عن تلقائك الأمل أي: عن لقائك. # قال المفسرون: خرج خائفا بغير زاد ولا ظهر، وكان بين مصر ومدين مسيرة ~~ثمانية أيام، ولم يكن له بالطريق علم، (فقال عسى ربي أن يهديني سواء ~~السبيل) أي: قصده. قال ابن عباس: # لم يكن له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه. وقال السدي: بعث الله [تعالى] ~~له ملكا فدله، قالوا: # ولم يكن له في طريقه طعام إلا ورق الشجر، فورد ماء مدين وخضرة البقل ~~تتراءى في بطنه من الهزال، والأمة، الجماعة، وهم الرعاة، (يسقون) مواشيهم ~~(ووجد من دونهم) أي: من سوى الأمة (امرأتين) وهما ابنتا شعيب، قال مقاتل: ~~واسم الكبرى: صبورا والصغرى: عبرا (تذودان) قال ابن قتيبة: أي: تكفان ~~غنمهما، فحذف الغنم اختصارا. قال المفسرون: إنما فعلتا ذلك ليفرغ الناس ~~وتخلو لهما البئر، قال موسى: (ما خطبكما) أي: ما شأنكما لا تسقيان؟! (قالتا ~~لا نسقي) وقرأ ابن مسعود، ms1711 وأبو الجوزاء، وابن يعمر، وابن السميفع: " لا ~~نسقي " برفع النون (حتى يصدر الرعاء) وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر: ~~" يصدر " بفتح الياء وضم الدال، أي: حتى يرجع الرعاء. وقرأ الباقون: " يصدر ~~" بضم الياء وكسر الدال، أرادوا: حتى يرد الرعاء غنمهم عن الماء. والرعاء: ~~جمع راع، كما يقال: صاحب وصحاب. وقرأ عكرمة، وسعيد بن جبير، وابن يعمر، ~~وعاصم الجحدري: " الرعاء " بضم الراء، والمعنى: نحن امرأتان لا نستطيع أن ~~نزاحم الرجال (وأبونا شيخ كبير) لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر، فلذلك ~~احتجنا نحن إلى أن نسقي، وكان على تلك البئر صخرة عظيمة، فإذا فرغ الرعاء ~~من سقيهم أعادوا الصخرة، فتأتي PageV06P094 # المرأتان إلى فضول حياض الرعاء فتسقيان غنمهما. (فسقى) موسى لهما. و في ~~صفة ما صنع قولان: # أحدهما: أنه ذهب إلى بئر أخرى عليها صخرة لا يقتلعها إلا جماعة من الناس، ~~فاقتلعها وسقى لهما، قاله عمر بن الخطاب، وشريح. # والثاني: أنه زاحم القوم على الماء، وسقى لهما، قاله ابن إسحاق، والمعنى: ~~سقى غنمهما لأجلهما. # (ثم تولى) أي: انصرف (إلى الظل) و هو ظل شجرة (فقال رب إني لما) اللام ~~بمعنى إلى، فتقديره: إني إلى ما (أنزلت إلي من خير فقير) وأراد بالخير: ~~الطعام. وحكى ابن جرير أنه أسمع المرأتين هذا الكلام تعريضا أن تطعماه. ~~(فجاءته إحداهما) المعنى: فلما شربت غنمهما رجعتا إلى أبيهما فأخبرتاه خبر ~~موسى، فبعث إحداهما تدعو موسى. وفيها قولان:. # أحدهما: الصغرى. # والثاني: الكبرى. فجاءته (تمشي على استحياء) قد سترت وجهها بكم درعها. و ~~في سبب استحيائها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان من صفتها الحياء، فهي تمشي مشي من لم يعتد الخروج ~~والدخول. # والثاني: لأنها دعته لتكافئه، وكان الأجمل عندها أن تدعوه من غير مكافأة. # والثالث: لأنها رسول أبيها. # قوله تعالى: (ليجزيك أجر ما سقيت لنا) قال المفسرون: لما سمع موسى هذا ~~القول كرهه وأراد أن لا يتبعها، فلم يجد بدا للجهد الذي به من اتباعها، ~~فتبعها، فكانت الريح تضرب ثوبها فيصف بعض جسدها، فناداها: يا أمة الله، ~~كوني ms1712 خلفي ودليني الطريق (فلما جاءه) أي: جاء موسى شعيبا (و قص عليه القصص) ~~أي: أخبره بأمره من حين ولد والسبب الذي أخرجه من أرضه (قال لا تخف نجوت من ~~القوم الظالمين) أي: لا سلطان لفرعون بأرضنا ولسنا في مملكته. # (قالت إحداهما) و هي الكبرى: (يا أبت استأجره) أي: اتخذه أجيرا (إن خير ~~من استأجرت القوي الأمين) أي: خير من استعملت على عملك من قوي على عملك ~~وأدى الأمانة، وإنما سمته قويا، لرفعه الحجر عن رأس البئر، وقيل: لأنه ~~استقى بدلو لا يقلها إلا العدد الكثير من الرجال، وسمته أمينا، لأنه أمرها ~~أن تمشي خلفه. وقال السدي: قال لها شعيب: قد رأيت قوته، فما يدريك بأمانته؟ ~~فحدثته. قال المفسرون: فرغب فيه شعيب، فقال له: (إني أريد أن أنكحك) أي: ~~PageV06P095 # أزواجك (إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) قال الفراء: تأجرني ~~وتأجرني، بضم الجيم وكسرها، لغتان. قال الزجاج: والمعنى: تكون أجيرا لي ~~ثماني سنين (فإن أتممت عشرا فمن عندك) أي: فذلك بفضل منك، وليس بواجب عليك. # قوله تعالى: (و ما أريد أن أشق عليك) أي: في العشر (ستجدني إن شاء الله ~~من الصالحين) أي: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت. (قال) له موسى (ذلك بيني ~~وبينك) أي: ذلك الذي وصفت وشرطت علي فلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما ~~فلي، فالأمر كذلك بيننا. وتم الكلام هاهنا. ثم قال: (أيما الأجلين) يعني: ~~الثماني والعشر. قال أبو عبيدة: " ما " زائدة. # قوله تعالى: (قضيت) أي: أتممت (فلا عدوان علي) أي: لا سبيل علي، والمعنى: ~~لا تعتد علي بأن تلزمني أكثر منه (والله على ما نقول وكيل) قال الزجاج: أي: ~~والله شاهدنا على ما عقد بعضنا على بعض. واختلف العلماء في هذا الرجل الذي ~~استأجر موسى على أربعة أقوال: # أحدها: أنه شعيب نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا أكثر التفسير، ~~وفيه أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل عليه، وبه قال وهب، ومقاتل. # والثاني: أنه صاحب مدين، واسمه يثربي، قاله ابن عباس. ms1713 # والثالث: رجل من قوم شعيب، قاله الحسن. # والرابع: أنه يثرون ابن أخي شعيب، رواه عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد ~~الله بن مسعود، وبه قال ابن السائب. و اختلفوا في التي تزوجها موسى من ~~الابنتين على قولين: # أحدهما: الصغرى، روي عن ابن عباس. # والثاني: الكبرى، قاله مقاتل. وفي اسم التي تزوجها ثلاثة أقوال: # أحدها: صفوريا، حكاه أبو عمران الجوني. # والثاني: صفورة، قاله شعيب الجبائي. # الثالث: صبورا، قاله مقاتل. # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) ~~PageV06P096 # فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ~~يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها ~~جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) أسلك يدك ~~في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ~~ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم ~~نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا ~~يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا ~~يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) قوله تعالى: (فلما ~~قضى موسى الأجل) روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أنه ~~سئل: أي الأجلين قضى موسى، قال: " أوفاهما وأطيبهما ". قال مجاهد: مكث بعد ~~قضاء الأجل عندهم عشرا أخر. وقال وهب بن منبه: أقام عندهم بعد أن أدخل عليه ~~امرأته سنين، وقد سبق تفسير هذه الآية إلى قوله [تعالى]: (أو جذرة) وقرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: " جذوة " بكسر الجيم. ~~وقرأ عاصم بفتحها. وقرأ حمزة، وخلف، والوليد عن ابن عامر بضمها، وكلها ~~لغات. قال ابن عباس: الجذوة: قطعة حطب فيها نار، وقال أبو عبيدة: قطعة ~~غليظة من الحطب ليس فيها ms1714 لهب، وهي مثل الجذمة من أصل الشجر، قال ابن مقبل: # باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذا غير خوار ولا دعر والداعر: الذي قد ~~نخر، ومنه رجل داعر. # قوله تعالى: (نودي من شاطئ الواد) وهو: جانبه (الأيمن) وهو الذي عن يمين ~~موسى (في البقعة) وهي القطعة من الأرض (المباركة) بتكليم الله موسى فيها ~~(من الشجرة) أي: # من ناحيتها. وفي تلك الشجرة قولان: # أحدهما: أنها شجرة العناب، قاله ابن عباس. PageV06P097 # والثاني: عوسجة، قاله قتادة، وابن السائب، ومقاتل. # وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله [تعالى]: (إنك من الآمنين) أي: من أن ~~ينالك مكروه. # قوله تعالى: (أسلك يدك) أي: أدخلها، (واضمم إليك جناحك) قد فسرنا الجناح ~~في طه إلا أن بعض المفسرين خالف بين تفسير اللفظين، فشرحناه. وقال ابن زيد: ~~جناحه: الذراع والعضد والكف. وقال الزجاج: الجناح هاهنا: العضد، ويقال لليد ~~كلها: جناح. وحكى ابن الأنباري عن الفراء أنه قال: الجناح: العصا. قال ابن ~~الأنباري: الجناح للإنسان مشبه للطائر، ففي حال تشبه العرب رجلي الإنسان ~~بجناحي الطائر، فيقولون: قد مضى فلان طائرا في حاجته، يعنون ساعيا على ~~قدميه، وفي حال يجعلون العضد منه بمنزلة جناحي الطائر، كقوله: " و اضمم يدك ~~إلى جناحك "، وفي حال يجعلون العصا بمنزلة الجناح، لأن الإنسان يدفع بها عن ~~نفسه كدفع الطائر عن نفسه بجناحه، كقوله [تعالى]: (واضمم إليك جناحك من ~~الرهب)، وإنما يوقع الجناح على هذه الأشياء تشبيها واستعارة، كما يقال: قد ~~قض جناح الإنسان، وقد قطعت يده ورجله: إذا وقعت به جائحه أبطلت تصرفه، ~~ويقول الرجل للرجل: أنت يدي ورجلي، أي: أنت من به أصل إلى محابي، قال جرير: # سأشكر أن رددت إلي ريشي * وأنبت القوادم في جناحي وقالت امرأة من العرب ~~ترثي زوجها الأغر: # يا عصمتي في النائبات ويا * ركني الأغر ويا يدي اليمنى لا صنت وجها كنت ~~صائنه * أبدا ووجهك في الثرى يبلى وأما الرهب، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو: " من الرهب " بفتح الراء والهاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: ms1715 " من الرهب " بضم الراء وسكون الهاء. و هي قراءة ابن مسعود، وابن ~~السميفع. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وقتادة: بضم الراء و الهاء. قال الزجاج: ~~الرهب، والرهب بمعنى واحد، مثل الرشد، والرشد. وقال أبو عبيدة: الرهب ~~والرهبة بمعنى الخوف والفرق. # وقال ابن الأنباري: الرهب، والرهب، والرهب، مثل الشغل، والشغل، والشغل، ~~والبخل، والبخل، والبخل، وتلك لغات ترجع إلى معنى الخوف والفرق. وللمفسرين ~~في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لما هرب من الحية أمره الله [تعالى] أن يضم إليه جناحه ليذهب ~~عنه الفزع. قال PageV06P098 # ابن عباس: المعنى: اضمم يدك إلى صدرك من الخوف ولا خوف عليك. وقال مجاهد: ~~كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع. # و الثاني: أنه لما هاله بياض يده وشعاعها، أمر أن يدخلها في جيبه، فعادت ~~إلى حالتها الأولى. # والثالث: أن معنى الكلام: سكن روعك، وثبت جأشك. قال أبو علي: ليس يراد به ~~الضم بين الشيئين، إنما أمر بالعزم على ما أمر به والجد فيه، ومثله: اشدد ~~حيازيمك للموت. # قوله تعالى: (فذانك) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " فذانك " بالتشديد. و قرأ ~~الباقون: # " فذانك " بالتخفيف. قال الزجاج: التشديد تثنية " ذلك "، و التخفيف تثنية ~~" ذاك "، فجعل اللام في " ذلك " بدلا من تشديد النون في " ذانك "، ~~(برهانان) أي: بيانان اثنان. قال المفسرون: # " فذانك " يعني العصا واليد، حجتان من الله [تعالى] لموسى على صدقه، (إلى ~~فرعون) أي: # أرسلنا بهاتين الآيتين إلى فرعون. وقد سبق تفسير ما بعد هذا إلى قوله ~~تعالى: (هو أفصح مني لسانا) أي: أحسن بيانا، لأن موسى كان في لسانه أثر ~~الجمرة التي تناولها، (فأرسله معي ردءا) قرأ الأكثرون: " ردءا " بسكون ~~الدال وبعدها همزة. وقرأ أبو جعفر: " ردا " بفتح الدال وألف بعدها من غير ~~همز و لا تنوين، وقرأ نافع كذلك إلا أنه نون. قال الزجاج: الردء: العون، ~~يقال: ردأته أردؤه ردءا: إذا أعنته. # قوله تعالى: (يصدقني) قرأ عاصم، و حمزة: " يصدقني " بضم القاف. وقرأ ~~الباقون بسكون القاف. قال الزجاج: من جزم " يصدقني " فعلى جواب المسألة: ms1716 ~~أرسله يصدقني، ومن رفع، فالمعنى: ردءا مصدقا لي. وأكثر المفسرين على أنه ~~أشار بقوله [تعالى]: (يصدقني) إلى هارون، وقال مقاتل بن سليمان: لكي يصدقني ~~فرعون. # قوله تعالى: (سنشد عضدك بأخيك) قال الزجاج: المعنى: سنعينك بأخيك، ولفظ ~~العضد على جهة المثل، لأن اليد قوامها عضدها، وكل معين فهو عضد، (ونجعل ~~لكما سلطانا) أي: # حجة بينة. وقيل للزيت: السليط، لأنه يستضاء به، فالسلطان: أبين الحجج. # قوله تعالى: (فلا يصلون إليكما) أي: بقتل ولا أذى. وفي قوله تعالى: ~~(بآياتنا) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: تمتنعان منهم بآياتنا وحججنا فلا يصلون إليكما. ~~PageV06P099 # و الثاني: أنه متعلق بما بعده، فالمعنى: بآياتنا أنتما و من اتبعكما ~~الغالبون، أي: تغلبون بآياتنا. # والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: ونجعل لكما سلطانا ~~بآياتنا فلا يصلون إليكما. # فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) قوله تعالى: (ما هذا ~~إلا سحر مفترى) أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قبل نفسك ولم ~~تبعث به (و ما سمعنا بهذا) الذي تدعونا إليه (في آبائنا الأولين)، (وقال ~~موسى ربي أعلم) وقرأ ابن كثير: " قال موسى " بلا واو، وكذلك هي في مصاحفهم ~~(بمن جاء بالهدى) أي: هو أعلم بالمحق منا، (ومن تكون له عاقبة الدار) وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل: " يكون " بالياء، والباقون بالتاء. # وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على ~~الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) ~~واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في ~~هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) قوله تعالى: (فأوقد لي ~~يا هامان على الطين) ms1717 قال ابن قتيبة: المعنى: اصنع لي الآجر (فاجعل لي صرحا) ~~أي: قصرا عاليا. وقال الزجاج: الصرح: كل بناء متسع مرتفع. وجاء في التفسير ~~أنه لما أمر هامان - وهو وزيره - ببناء الصرح، جمع العمال والفعلة حتى ~~اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع، فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم ~~يبلغه بنيان أحد قط، فلما تم ارتقى فرعون PageV06P100 # فوقه، وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء، فردت وهي متلطخة بالدم، فقال: قد ~~قتلت إله موسى، فبعث الله تعالى جبريل فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت ~~قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة أخرى في البحر، وأخرى ~~في المغرب. # قوله تعالى: (لعلي أطلع إلى إله موسى) أي: أصعد إليه وأشرف عليه (وإني ~~لأظنه) يعني موسى (من الكاذبين) في ادعائه إلها غيري. وقال ابن جرير: ~~المعنى: أظن موسى كاذبا في ادعائه أن في السماء ربا أرسله. (واستكبر هو ~~وجنوده في الأرض) يعني أرض مصر (بغير الحق) أي: بالباطل والظلم (وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون) بالبعث للجزاء. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: " يرجعون " برفع الياء، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: بفتحها. # قوله تعالى: (وجعلناهم) أي: في الدنيا (أئمة) أي: قادة في الكفر يأتم بهم ~~العتاة (يدعون إلى النار) لأن من أطاعهم دخلها، و " ينصرون " بمعنى: يمنعون ~~من العذاب. وما بعد هذا مفسر في هود. # قوله تعالى: (من المقبوحين) أي: من المبعدين الملعونين، قال أبو زيد: ~~يقال: قبح الله فلانا، أي: أبعده من كل خير. وقال ابن جريج: معنى الآية: ~~وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة لعنة أخرى، ثم استقبل الكلام، ~~فقال: هم من المقبوحين. # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ~~وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ~~ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ms1718 لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) PageV06P101 # قوله تعالى: (من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) يعني قوم نوح وعاد وثمود ~~وغيرهم (بصائر للناس) أي: ليتبصروا به ويهتدوا. # قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي) قال الزجاج: أي: وما كنت بجانب الجبل ~~الغربي. # قوله تعالى: (إذ قضينا إلى موسى الأمر) أي: أحكمنا الأمر معه بإرساله إلى ~~فرعون وقومه (وما كنت من الشاهدين) لذلك الأمر، وفي هذا بيان لصحة نبوة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، لأنهم يعلمون أنه لم يقرأ الكتب، ولم يشاهد ما ~~جرى، فلولا أنه أوحي إليه ذلك، ما علم. # قوله تعالى: (و لكنا أنشأنا قرونا) أي: خلقنا أمما من بعد موسى (فتطاول ~~عليهم العمر) أي: طال إمهالهم فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وهذا يدل على ~~أنه قد عهد إلى موسى وقومه عهود في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأمروا ~~بالإيمان به، فلما طال إمهالهم، أعرضوا عن مراعاة العهود، (وما كنت ثاويا) ~~أي: مقيما (في أهل مدين) فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل ~~مكة وأخبرناك خبر المتقدمين، ولولا ذلك ما علمته. (وما كنت بجانب الطور) ~~أي: بناحية الجبل الذي كلم عليه موسى (إذ نادينا) موسى وكلمناه، هذا قول ~~الأكثرين، وقال أبو هريرة: كان هذا النداء: يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن ~~تسألوني، وأستجيب لكم قبل أن تدعوني. # قوله تعالى: (ولكن رحمة من ربك) قال الزجاج: المعنى: لم تشاهد قصص ~~الأنبياء، ولكنا أوحينا إليك وقصصناها عليك، رحمة من ربك. # (ولولا أن تصيبهم مصيبة) جواب " لولا " محذوف، تقديره: لولا أنهم يحتجون ~~بترك الإرسال ومؤاثرة الاحتجاج. # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا ~~بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا ms1719 لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون (51) الذين آتيناهم PageV06P102 # الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه ~~الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو ~~أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ~~(55) قوله تعالى: (فلما جاءهم) يعني أهل مكة (الحق من عندنا) وهو محمد ~~[عليه السلام] والقرآن [قالوا لولا] أي: هلا (أوتي) محمد من الآيات (مثل ما ~~أوتي موسى) كالعصا واليد. قال المفسرون: أمرت اليهود قريشا أن تسأل محمدا ~~[صلى الله عليه و سلم] مثل ما أوتي موسى، فقال الله تعالى: (أو لم يكفروا ~~بما أوتي موسى) أي: فقد كفروا بآيات موسى، و (قالوا) في المشار إليهم ~~قولان: # أحدهما: اليهود. # والثاني: قريش. (سحران) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " ~~ساحران ". # (تظاهرا) أي: تعاونا. وروى العباس الأنصاري عن أبي عمرو: " تظاهرا " ~~بتشديد الظاء. و فيمن عنوا ثلاثة أقوال: # أحدها: موسى ومحمد، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، فعلى هذا هو ~~من قول مشركي العرب. # والثاني: موسى وهارون، قاله مجاهد، فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ~~ابتداء الرسالة. # والثالث: محمد وعيسى [عليهما السلام]، قاله قتادة، فعلى هذا هو من قول ~~اليهود الذين لم يؤمنوا بنبينا. و قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " سحران " ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: التوراة والفرقان، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: الإنجيل والقرآن، قاله قتادة. # والثالث: التوراة والإنجيل، قاله أبو مجلز، وإسماعيل بن أبي خالد. ومعنى ~~الكلام: كل سحر منهما يقوي الآخر، فنسب التظاهر إلى السحرين توسعا في ~~الكلام، (وقالوا إنا بكل كافرون) يعنون ما تقدم ذكره على اختلاف الأقوال، ~~فقال الله تعالى لنبيه (قل) لكفار مكة (فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما) أي: من التوراة والقرآن، (إن كنتم صادقين) ms1720 أنهما ساحران. (فإن لم ~~يستجيبوا لك) أي: فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن، (فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم) أي: أن ما ركبوه من الكفر لم يحملهم عليه حجة، وإنما آثروا فيه ~~الهوى (و من أضل) PageV06P103 # أي: ولا أحد أضل (ممن اتبع هواه بغير هدى) أي: بغير رشاد ولا بيان جاء ~~(من الله). # (ولقد وصلنا لهم القول) وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وابن يعمر: " وصلنا " ~~بتخفيف الصاد. # وفى المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم قريش، قاله الأكثرون، منهم مجاهد. # والثاني: اليهود، قاله رفاعة القرظي. # والمعنى: أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا، ويخبر عن الأمم الخالية كيف ~~عذبوا لعلهم يتعظون. (الذين آتيناهم الكتاب) وفيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم مؤمنو أهل الكتاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: مسلمو أهل الإنجيل، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أربعين من ~~أصحاب النجاشي قدموا على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فشهدوا معه أحدا، ~~فنزلت فيهم هذه الآية. # والثالث: مسلمو اليهود، كعبد الله بن سلام وغيره، قاله السدي. # قوله تعالى: (من قبله) أي: من قبل القرآن (هم به) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ذكره كان مكتوبا ~~عندهم في كتبهم، فآمنوا به. # والثاني: إلى القرآن. # قوله تعالى: (و إذ يتلى عليهم) يعني القرآن (قالوا آمنا به)، (إنا كنا): ~~من قبل نزول القرآن (مسلمين) أي: مخلصين لله [تعالى] مصدقين لمحمد، وذلك ~~لأن ذكره كان في كتبهم فآمنوا به (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) في المشار ~~إليهم قولان: # أحدهما: أنهم مؤمنو أهل الكتاب، وهذا قول الجمهور، وهو الظاهر، وفيما ~~صبروا عليه قولان: أحدهما: أنهم صبروا على الكتاب الأول، صبروا على اتباعهم ~~محمدا [صلى الله عليه و آله و سلم]، قاله قتادة، وابن زيد. # والثاني: أنهم صبروا على الإيمان بمحمد [صلى الله عليه و آله و سلم] قبل ~~أن يبعث، ثم على اتباعه حين بعث، قاله الضحاك. # والقول الثاني: أنهم قوم من المشركين أسلموا، فكان قومهم يؤذونهم، فصبروا ~~على الأذى، ms1721 قاله مجاهد. # قوله تعالى: (و يدرؤون بالحسنة السيئة) فيه أقوال قد شرحناها في الرعد. # قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو) فيه ثلاثة أقوال: PageV06P104 # أحدها: الأذى والسب، قاله مجاهد. # والثاني: الشرك، قاله الضحاك. # والثالث: أنهم قوم من اليهود آمنوا، فكانوا يسمعون ما غير اليهود من صفة ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فيكرهون ذلك ويعرضون عنه، قاله ابن زيد. ~~وهل هذا منسوخ، أم لا؟ فيه قولان: # وفى قوله تعالى: (وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) قولان: # أحدهما: لنا ديننا ولكم دينكم. # والثاني: لنا حلمنا ولكم سفهكم. # (سلام عليكم) قال الزجاج: لم يريدوا التحية، وإنما أرادوا: بيننا وبينكم ~~المتاركة، وهذا قبل ان يؤمر المسلمون بالقتال. وذكر أهل التفسير أن هذا ~~منسوخ بآية السيف. و في قوله تعالى: # (لا نبتغي الجاهلين) ثلاثة أقوال: # أحدها: لا نبتغي دين الجاهلين. # والثاني: لا نطلب مجاورتهم. # والثالث: لا نريد أن نكون جهالا. # والله أعلم إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم ~~حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) ~~وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ~~وكنا نحن الوارثين (58) قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) قد ذكرنا سبب ~~نزولها عند قوله [تعالى]: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين)، وقد روى مسلم فيما انفرد به عن البخاري من حديث أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: لعمه: " قل: لا إله إلا الله أشهد لك ~~بها يوم القيامة "، فقال: لولا أن تعيرني نساء قريش، يقلن: إنما حمله على ~~ذلك الجزع، لأقررت بها PageV06P105 # عينك، فأنزل الله عز وجل: (إنك لا تهدي من أحببت). قال الزجاج: أجمع ~~المفسرون أنها نزلت في أبي طالب. # وفي قوله تعالى: (من أحببت) قولان: # أحدهما: من أحببت هدايته. # والثاني: من أحببته لقرابته. # (ولكن الله يهدي من يشاء) أي: يرشد لدينه من ms1722 يشاء (و هو أعلم بالمهتدين) ~~أي: بمن قدر له الهدى. # قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك) قال ابن عباس في رواية العوفي: ~~هم ناس من قريش قالوا ذلك. وقال في رواية ابن أبي مليكة: إن الحارث بن عامر ~~بن نوفل قال ذلك. وذكر مقاتل أن الحارث بن عامر قال لرسوله الله [صلى الله ~~عليه و آله وسلم]: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى ~~معك مخافة أن تتخطفنا العرب لمخالفتنا إياها. والتخطف: الانتزاع بسرعة، فرد ~~الله عليهم قولهم، فقال [تعالى]: (أو لم نمكن لهم حرما) أي: أو لم نسكنهم ~~حرما ونجعله مكانا لهم، ومعنى (آمنا): ذو أمن يأمن فيه الناس، وذلك أن ~~العرب كانت يغير بعضها على بعض، وأهل مكة آمنون في الحرم من القتل والسبي ~~والغارة، أي: فكيف يخافون إذا أسلموا وهم في حرم آمن؟! (يجبى) قرأ نافع: " ~~تجبى " بالتاء، أي: تجمع إليه وتحمل من كل النواحي الثمرات، (رزقا من لدنا) ~~أي: من عندنا (و لكن أكثرهم يعني أهل مكة (لا يعلمون) أن الله [تعالى] هو ~~الذي فعل بهم ذلك فيشكرونه. ومعنى الآية: إذا كنتم آمنين في حرمي تأكلون ~~رزقي وتعبدون غيري، فكيف تخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي؟! ثم خوفهم عذاب ~~الأمم الخالية فقال [تعالى]: # (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) قال الزجاج: " معيشتها " منصوبة ~~باسقاط " في "، والمعنى: بطرت في معيشتها، والبطر: الطغيان في النعمة. قال ~~عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام. PageV06P106 # قوله تعالى: (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) قال ابن عباس: لم ~~يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق يوما أو ساعة، والمعنى: لم تسكن من بعدهم ~~إلا سكنى قليلة (وكنا نحن الوارثين) أي: لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم في ~~منازلهم، فبقيت خرابا غير مسكونة. # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا ms1723 تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا ~~حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين (61) (وما كان ربك مهلك القرى) يعني القرى الكافر أهلها (حتى يبعث ~~في أمها) أي: في أعظمها (رسولا)، وإنما خص الأعظم ببعثة الرسول، لأن الرسول ~~إنما يبعث إلى الأشراف، وأشراف القوم ملوكهم، وإنما يسكنون المواضع التي هي ~~أم ما حولها. وقال قتادة: أم القرى: مكة، والرسول: محمد [صلى الله عليه و ~~آله و سلم] قوله تعالى: (يتلوا عليهم آياتنا) قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن ~~العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا. # قوله تعالى: (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) أي: بظلمهم أهلكهم. ~~وظلمهم: # شركهم. (وما أوتيتم من شئ) أي: ما أعطيتم من مال وخير (فمتاع الحياة ~~الدنيا) تتمتعون به أيام حياتكم ثم يفنى وينقضي، (وما عند الله) من الثواب ~~(خير وأبقى) أفضل وأدوم لأهله (أفلا تعقلون) أن الباقي أفضل من الفاني؟! # قوله تعالى: (أفمن وعدناه وعدا حسنا) اختلف فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] وأبي جهل. # والثاني: في علي وحمزة [رضي الله عنهما]، وأبي جهل. والقولان مرويان عن ~~مجاهد. # والثالث: في المؤمن والكافر، قاله قتادة. # والرابع: في عمار والوليد بن المغيرة، قاله السدي. # وفي الوعد الحسن قولان: PageV06P107 # أحدهما: الجنة. # والثاني: النصر. # قوله تعالى: (فهو لاقيه) أي: مصيبه ومدركه (كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا) أي: كمن هو ممتع بشئ يفنى ويزول عن قريب (ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين) فيه قولان: # أحدهما: من المحضرين في عذاب الله [تعالى]، قاله قتادة. # والثاني: من المحضرين للجزاء، حكاه الماوردي. # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ~~(65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) فأما من تاب وآمن ms1724 ~~وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) قوله تعالى: (و يوم يناديهم) أي: ~~ينادي الله تعالى المشركين يوم القيامة (فيقول أين شركائي) هذا على وجه ~~حكاية قولهم، والمعنى: أين شركائي في قولكم؟! (قال الذين حق عليهم القول) ~~أي: وجب عليهم العذاب، وهم رؤساء الضلالة، وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم رؤوس المشركين. # والثاني: أنهم الشياطين (ربنا هؤلاء الذين أغوينا) يعنون الأتباع ~~(أغويناهم كما غوينا) أي: أضللناهم كما ضللنا (تبرأنا إليك) أي: تبرأنا ~~منهم، والمعنى أنهم يتبرأ بعضهم من بعض ويصيرون أعداء. (وقيل) لكفار بني ~~آدم (ادعوا شركاءكم) أي: استغيثوا بآلهتكم لتخلصكم من العذاب (فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم) أي: فلم يجيبوهم إلى نصرهم (و رأوا العذاب لو أنهم كانوا ~~يهتدون) قال الزجاج: جواب " لو " محذوف، والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لما ~~اتبعوهم ولما رأوا العذاب. # قوله تعالى: (ويوم يناديهم) أي: ينادي الله الكفار ويسألهم (فيقول ماذا ~~أجبتم المرسلين). (فعميت عليهم الأنباء) وقرأ أبو رزين العقيلي، وقتادة، ~~وأبو العالية، وأبو المتوكل، PageV06P108 # وعاصم الجحدري: " فعميت " برفع العين وتشديد الميم، قال المفسرون: خفيت ~~عليهم الحجج، وسميت أنباء، لأنها أخبار يخبر بها. قال ابن قتيبة: المعنى: ~~عموا عنها - من شدة الهول - فلم يجيبوا، و " الأنباء " الحجج. # قوله تعالى: (فهم لا يتساءلون) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجة، قاله الضحاك. # والثاني: أن المعنى: سكتوا فلا يتساءلون في تلك الساعة، قاله الفراء. # والثالث: لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه شيئا من ذنوبه، حكاه الماوردي. # (فأما من تاب) من الشرك (وآمن) أي: صدق بتوحيد الله [عز وجل] (و عمل ~~صالحا) أدى الفرائض (فعسى أن يكون من المفلحين) و " عسى " من الله [عز وجل] ~~واجب. # وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا ~~هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) قوله تعالى: ~~(وربك يخلق ما يشاء ويختار) روى العوفي عن ابن عباس في قوله [تعالى]: ms1725 # (وربك يخلق ما يشاء ويختار) قال: كانوا يجعلون لآلهتهم خير أموالهم في ~~الجاهلية. وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة حين قال: " لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم " والمعنى أنه لا تبعث الرسل باختيارهم. ~~قال الزجاج: والوقف الجيد على قوله [تعالى]: " ويختار " وتكون " ما " نفيا، ~~والمعنى: ليس لهم أن يختاروا على الله [تعالى]: ويجوز أن تكون " ما " بمعنى ~~" الذي "، فيكون المعنى: ويختار الذي لهم فيه الخيرة مما يتعبدهم به ~~ويدعوهم إليه، قال الفراء: والعرب تقول لما تختاره: أعطني الخيرة والخيرة ~~والخيرة، قال ثعلب: # كلها لغات. # قوله تعالى: (ما تكن صدورهم) أي: ما تخفي من الكفر والعداوة (وما يعلنون) ~~بألسنتهم. PageV06P109 # قوله تعالى: (له الحمد في الأولى والآخرة أي: يحمده أولياؤه في الدنيا ~~ويحمدونه في الجنة (وله الحكم) وهو الفصل بين الخلائق. والسرمد: الدائم. # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ~~(72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (75) قوله تعالى: (أفلا تسمعون) أي: سماع فهم وقبول فتستدلوا بذلك ~~على وحدانية الله تعالى؟! ومعنى (تسكنون فيه): تستريحون من الحركة والنصب ~~(أفلا تبصرون) ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة؟! ثم أخبر أن الليل والنهار ~~رحمة منه. وقوله تعالى: (لتسكنوا فيه) يعني في الليل (و لتبتغوا من فضله) ~~أي: لتلتمسوا من رزقه بالمعاش في النهار (و لعلكم تشكرون) الذي أنعم عليكم ~~بهما. # قوله تعالى: (و نزعنا من كل أمة شهيدا) أي: أخرجنا من كل أمة رسولها الذي ~~يشهد عليها بالتبليغ (فقلنا هاتوا برهانكم) أي: حجتكم على ما كنتم تعبدون ~~من دوني (فعلموا أن الحق لله) أي: علموا أنه ms1726 لا إله إلا هو (وضل عنهم) أي: ~~بطل في الآخرة (ما كانوا يفترون) في الدنيا من الشركاء. # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~(76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك PageV06P110 # ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قوله تعالى: (إن ~~قارون كان من قوم موسى) أي: من عشيرته، وفي نسبه إلى موسى ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان ابن عمه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عبد ~~الله بن الحارث، وإبراهيم، وابن جريج. # والثاني: ابن خالته، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنه كان عم موسى، قاله ابن إسحاق. # قال الزجاج: " قارون " اسم أعجمي لا ينصرف، ولو كان " فاعولا " من ~~العربية من " قرنت الشئ " لانصرف. # قوله تعالى: (فبغى عليهم) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه جعل لبغي جعلا على أن تقذف موسى بنفسها، ففعلت، فاستحلفها ~~موسى على ما قالت، فأخبرته بقصتها، فكان هذا بغيه، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه بغى بالكفر بالله تعالى، قاله الضحاك. # والثالث: بالكبر، قاله قتادة. # والرابع: أنه زاد في طول ثيابه شبرا، قاله عطاء الخراساني، وشهر بن حوشب. # والخامس: أنه كان يخدم فرعون فتعدى على بني إسرائيل وظلمهم، حكاه ~~الماوردي. وفي المراد بمفاتحه قولان: # أحدهما: أنها مفاتيح الخزائن التي تفتح بها الأبواب، قاله مجاهد، وقتادة. ~~وروى الأعمش عن خيثمة قال: كانت مفاتيح قارون وقر ستين بغلا، وكانت من ~~جلود، كل مفتاح مثل الأصبع. # والثاني: أنها خزائنه، قاله السدي، وأبو صالح، والضحاك. قال الزجاج: وهذا ~~الأشبه أن تكون مفاتحه خزائن ماله، وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة. قال أبو ~~صالح: كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا. # قوله تعالى: (لتنوء بالعصبة) أي: تثقلهم وتميلهم. ومعنى الكلام: لتنيء ~~العصبة، فلما دخلت الباء في " العصبة " انفتحت التاء، كما تقول: هذا يذهب ~~بالأبصار، وهذا يذهب ms1727 الأبصار، وهذا اختيار الفراء، وابن قتيبة والزجاج في ~~آخرين. وقال بعضهم: هذا من المقلوب، وتقريره: ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه، ~~كما يقال: إنها لتنوء بها عجيزتها، أي: هي تنوء بعجيزتها، وأنشدوا: ~~PageV06P111 # فديت بنفسه نفسي ومالي * وما آلوك إلا ما أطيق أي: فديت بنفسي وبمالي ~~نفسه، وهذا اختيار أبي عبيدة، والأخفش. وقد بينا معنى العصبة في سورة يوسف، ~~وفي المراد هاهنا ستة أقوال: # أحدها: أربعون رجلا، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: ما بين الثلاثة إلى العشرة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: خمسة عشر، قاله مجاهد. # والرابع: فوق العشرة إلى الأربعين، قاله قتادة. # والخامس: سبعون رجلا، قاله أبو صالح. # والسادس: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: (إذ قال له قومه) في القائل له قولان: # أحدهما: أنهم المؤمنون من قومه، قاله السدي. # والثاني: أنه قول موسى له، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (لا تفرح) قال ابن قتيبة: المعنى: لا تأشر ولا تبطش، و لا ~~تبطر، قال الشاعر: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني * ولا جازع من صرفه المتحول أي: لست بأشر، ~~فأما السرور، فليس بمكروه: (إن الله لا يحب الفرحين) وقرأ أبو رجاء، وأبو ~~حيوة، وعاصم الجحدري، وابن أبي عبلة: " الفارحين " بألف. # قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله) أي: اطلب فيما أعطاك الله من ~~الأموال. وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: " واتبع " بتشديد التاء وكسر ~~الباء وعين ساكنة غير معجمة (الدار الآخرة) وهي: الجنة، وذلك يكون بانفاقه ~~في رضى الله [تعالى] وشكر المنعم (ولا تنس نصيبك من الدنيا) فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن يعمل في الدنيا للآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. # والثاني: أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه، قاله الحسن. # والثالث: أن يستغني بالحلال عن الحرام، قاله قتادة. و في معنى (و أحسن ~~كما أحسن الله إليك) ثلاثة أقوال: PageV06P112 # أحدها: أعط فضل مالك كما زادك على قدر حاجتك. # والثاني: أحسن فيما افترض عليك كما أحسن في إنعامه إليك. # والثالث: أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الإحلال. # قوله ms1728 تعالى: (ولا تبغ الفساد في الأرض) فتعمل فيها بالمعاصي. # قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) ~~قوله تعالى: (إنما أوتيته) يعني المال (على علم عندي) فيه خمسة أقوال: # أحدها: على علم عندي بصنعة الذهب، رواه أبو صالح عن ابن عباس، قال ~~الزجاج: وهذا لا أصل له، لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له. # والثاني: برضى الله عني، قاله ابن زيد. # والثالث: على خير علمه الله [تعالى] عندي، قاله مقاتل. # والرابع: إنما أعطيته لفضل علمي، قاله الفراء. قال الزجاج: ادعى أنه أعطي ~~المال لعلمه بالتوراة. # والخامس: على علم عندي بوجوه المكاسب، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (أولم يعلم) يعني قارون (أن الله قد أهلك) بالعذاب (من قبله ~~من القرون) في الدنيا حين كذبوا رسلهم (من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا) ~~للأموال. # وفي قوله تعالى: (و لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يسألون ليعلم ذلك من قبلهم وإن سئلوا سؤال توبيخ، قاله الحسن. # والثاني: أن الملائكة تعرفهم بسيماهم فلا تسألهم عن ذنوبهم، قاله مجاهد. # والثالث: يدخلون النار بغير حساب، قاله قتادة. وقال السدي: يعذبون ولا ~~يسألون عن ذنوبهم. # فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ~~ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب ~~الله خير لمن آمن وعمل PageV06P113 # صالحا ولا يلقها إلا الصابرون (80) قوله تعالى: (فخرج على قومه في زينته) ~~قال الحسن: في ثياب حمر وصفر، و عكرمة: في ثياب معصفرة. وقال وهب بن منبه: ~~خرج على بغلة شهباء عليها سرج أحمر من أرجوان، ومعه أربعة آلاف مقاتل، ~~وثلاثمائة وصيفة عليهن الحلي والزينة على بغال بيض. قال الزجاج: الأرجوان ~~في اللغة: صبغ أحمر. # قوله تعالى: (لذو حظ) أي: لذو نصيب وافر من الدنيا. # (وقال الذين أوتوا العلم) قال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل. ~~وقال ms1729 مقاتل: # الذين أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة قالوا للذين تمنوا ما أوتي ~~(ويلكم ثواب الله) أي: ما عنده من الجزاء (خير لمن آمن) مما أعطي قارون. # قوله تعالى: (و لا يلقاها) قال أبو عبيدة: لا يوفق لها ويرزقها. وقرأ أبي ~~بن كعب، وابن أبي عبلة: " و لا يلقاها " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف ~~القاف. وفي المشار إليها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الأعمال الصالحة، قاله مقاتل. # والثاني: أنها الجنة، والمعنى: لا يعطاها في الآخرة إلا الصابرون على أمر ~~الله تعالى، قاله ابن السائب. # والثالث: أنها الكلمة التي قالوها، وفي قولهم: " ثواب الله خير "، قاله ~~الفراء. # فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا ~~يفلح الكافرون (82) قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض) لما أمر قارون ~~البغي بقذف موسى على ما سبق شرحه غضب موسى فدعا عليه، فأوحى الله تعالى ~~إليه: إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها، فقال موسى: يا أرض خذيه، فأخذته ~~حتى غيبت سريره، فلما رأى ذلك ناشده بالرحم، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى ~~غيبت قدميه، فما زال يقول: خذيه، حتى غيبته، فأوحى الله تعالى إليه: # يا موسى ما أفظك، وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته. قال ابن عباس: فخسفت ~~به الأرض إلى PageV06P114 # الأرض السفلى. وقال سمرة بن جندب: إنه يخسف به كل يوم قامة، فتبلغ به ~~الأرض السفلى يوم القيامة. قال مقاتل: فلما هلك قارون قال بنو إسرائيل: ~~إنما أهلكه موسى ليأخذ ماله وداره، فخسف الله [تعالى] بداره وماله بعده ~~بثلاثة أيام. # قوله تعالى: (ينصرونه من دون الله) أي: يمنعونه من الله [تعالى]: (وما ~~كان من المنتصرين) أي: الممتنعين مما نزل به. ثم أعلمنا أن المتمنين مكانه ~~ندموا على ذلك التمني بالآية التي تلي هذه. # وقوله تعالى: (لخسف بنا) الأكثرون على ضم الخاء ms1730 وكسر السين. وقرأ يعقوب، ~~والوليد عن ابن عامر، وحفص، وأبان عن عاصم: بفتح الخاء والسين. # فأما قوله تعالى: (ويك) فقال ابن عباس: معناه: ألم تر، وكذلك قال أبو ~~عبيدة، والكسائي. وقال الفراء: " ويك أن " في كلام العرب تقرير، كقول ~~الرجل: أما ترى إلى صنع الله تعالى وإحسانه، أنشدني بعضهم: # ويك أن من يكن له نشب يحبب * ومن يفتقر يعش عيش ضر وقال ابن الأنباري: في ~~قوله: (ويك أنه) ثلاثة أوجه: # [الأول]: إن شئت قلت: " ويك " حرف، و " أنه " حرف، والمعنى: ألم تر أنه، ~~والدليل على هذا قول الشاعر: # سألتاني الطلاق أن رأتاني * قل مالي قد جئتماني بنكر ويك أن من يكن له ~~نشب يحبب * ومن يفتقر يعش عيش ضر والثاني: أن يكون " ويك " حرفا، " وأنه " ~~حرفا. والمعنى: ويلك اعلم أنه، فحذفت اللام، كما قالوا: قم لا أباك، ~~يريدون: لا أبالك، وأنشدوا: # أبالموت الذي لا بد أني * ملاق حتى لا أباك تخوفيني أراد: لا أبالك، فحذف ~~اللام. # والثالث: أن يكون " وي " حرفا، و " كأنه " حرفا، فيكون المعنى " وي " ~~التعجب، كما تقول: وي لم فعلت كذا و كذا، ويكون معنى " كأنه ": أظنه ~~وأعلمه، كما تقول في الكلام: كأنك بالفرج قد أقبل، فمعناه: أظن الفرج ~~مقبلا. وإنما وصلوا الياء بالكاف في قوله [تعالى]: # (ويكأنه) لأن الكلام بهما يكثر، كما جعلوا " يا ابن أم " في المصحف حرفا ~~واحدا، وهما PageV06P115 # حرفان. وكان جماعة منهم يعقوب، يقفون على " ويك " في الحرفين، ويبتدئون " ~~أن " و " أنه " في الموضعين. وذكر الزجاج عن الخليل أنه قال: " وي " مفصولة ~~من " كأن " وذلك أن القوم تندموا فقالوا: " وي " متندمين على ما سلف منهم، ~~وكل من ندم فأظهر ندامته قال: وي. وحكى ابن قتيبة عن بعض العلماء أنه قال: ~~معنى " ويكأن ": رحمة لك، بلغة حمير. # قوله تعالى: (لولا أن من الله علينا) أي: بالرحمة والمعافاة والإيمان ~~(لخسف بنا). # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا ms1731 ~~يجزي الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) قوله تعالى: (تلك الدار ~~الآخرة) يعني الجنة (نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض) وفيه خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه البغي، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: الشرف والعز، قاله الحسن. # والثالث: الظلم، قاله الضحاك. # والرابع: الشرك، قاله يحيى بن سلام. # والخامس: الاستكبار عن الإيمان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (ولا فسادا) فيه قولان: # أحدهما: العمل بالمعاصي، قاله عكرمة. # والثاني: الدعاء إلى غير عبادة الله [تعالى]، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين) أي: العاقبة المحمودة لهم. # قوله تعالى: (من جاء بالحسنة) قد فسرناه في سورة النمل. # قوله تعالى: (فلا يجزي الذين عملوا السيئات) قال ابن عباس: يريد الذين ~~أشركوا (إلا ما كانوا يعملون) أي: إلا جزاء عملهم من الشرك، وجزاؤه النار. ~~PageV06P116 # إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن ~~هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ~~فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ~~وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله ~~إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) قوله تعالى: (إن ~~الذي فرض عليك القرآن) قال مقاتل: خرج رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ~~من الغار ليلا، فمضى من وجهه إلى المدينة فسار في غير الطريق مخافة الطلب، ~~فلما أمن رجع إلى الطريق فنزل الجحفة بين مكة والمدينة، فعرف الطريق إلى ~~مكة، فاشتاق إليها، وذكر مولده، فأتاه جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ ~~قال: نعم، قال: فإن الله تعالى يقول: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد)، فنزلت هذه الآية بالجحفة. # وفى معنى (فرض عليك القرآن) ثلاثة أقوال: # أحدها: فرض عليك العمل بالقرآن، قاله عطاء بن أبي رباح، وابن قتيبة. # والثاني: أعطاك القرآن، قاله مجاهد. # والثالث: أنزل عليك القرآن، قاله مقاتل، والفراء، وأبو عبيدة. # وفي قوله تعالى: (لرادك ms1732 إلى معاد) ثلاثة أقوال: # أحدها: إلى مكة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية، ~~والضحاك. قال ابن قتيبة: معاد الرجل: بلده، لأنه يتصرف ثم يعود إلى بلده. # والثاني: إلى معادك من الجنة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~والزهري. فإن اعترض على هذا فقيل: الرد يقتضي أنه قد كان فيما رد إليه، ~~فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه لما كان أبوه آدم في الجنة ثم أخرج، كان كأن ولده أخرج منها، ~~فإذا دخلها فكأنه أعيد. # والثاني: أنه دخلها ليلة المعراج، فإذا دخلها يوم القيامة رد إليها، ~~ذكرهما ابن جرير. # والثالث: أن العرب تقول: رجع الأمر إلى كذا، وإن لم يكن له كون فيه قط، ~~وأنشدوا: # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وقد شرحنا هذا في قوله (و إلى الله ترجع ~~الأمور) عن ابن عباس، وبه قال أبو سعيد الخدري. PageV06P117 # والثالث: لرادك إلى القيامة بالبعث، قاله الحسن، والزهري، ومجاهد في ~~رواية، والزجاج. # ثم ابتدأ كلاما يرد به على الكفار حين نسبوا النبي [صلى الله عليه و آله ~~و سلم] إلى الضلال، فقال: (قل ربي أعلم من جاء بالهدى)، و المعنى: قد علم ~~أني جئت بالهدى، وأنكم في ضلال مبين. ثم ذكره نعمه، فقال: (و ما كنت ترجو ~~أن يلقى إليك الكتاب) أي: أن تكون نبيا وأن يوحى إليك القرآن (إلا رحمة من ~~ربك) قال الفراء: هذا استثناء منقطع، والمعنى: إلا أن ربك رحمك فأنزله عليك ~~(فلا تكونن ظهيرا للكافرين) أي: عونا لهم على دينهم، وذلك أنهم دعوه إلى ~~دين آبائه فأمر بالاحتراز منهم، والخطاب بهذا وأمثاله له، والمراد أهل دينه ~~لئلا يظاهروا الكفار ولا يوافقوهم. # قوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) فيه قولان: # أحدهما: إلا ما أريد به وجهه، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الثوري. # والثاني: إلا هو، قاله الضحاك، وأبو عبيدة. # قوله تعالى: (له الحكم) أي: الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره (وإليه ~~ترجعون). PageV06P118 # (29) سورة العنكبوت مكية وآياتها تسع و ستون فصل ms1733 في نزولها روي العوفي عن ~~ابن عباس أنها مكية، وبه قال الحسن، وعطاء، و قتادة، وجابر بن زيد، ومقاتل. ~~وفي رواية عن ابن عباس أنها مدنية. وقال هبة الله بن سلامة المفسر: نزلت من ~~أولها إلى رأس العشر بمكة، وباقيها بالمدينة. وقال غيره عكس هذا: نزل العشر ~~بالمدينة، وباقيها بمكة. # بسم الله الرحمن الرحيم ألم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ~~لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين (3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) ~~قوله تعالى: (ألم. أحسب الناس أن يتركوا) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لما أمر بالهجرة، كتب المسلمون إلى إخوانهم بمكة أنه لا يقبل ~~منكم إسلامكم PageV06P119 # حتى تهاجروا، فخرجوا نحو المدينة فأدركهم المشركون فردوهم، فأنزل الله ~~تعالى من أول هذه السورة عشر آيات، فكتبوا إليهم يخبرونهم بما نزل فيهم، ~~فقالوا: نخرج، فان اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، ~~فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله تعالى فيهم: # (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا)، هذا قول الحسن، والشعبي. # والثاني: أنها نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله عز وجل، قاله ~~عبد الله بن عبيد ابن عمير. # والثالث: أنها نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب حين قتل ببدر، فجزع عليه ~~أبواه وامرأته، فأنزل الله تعالى في أبويه وامرأته هذه الآية. # قوله تعالى: (أحسب الناس) قال ابن عباس: يريد بالناس: الذين آمنوا بمكة، ~~كعياش ابن أبي ربيعة، وعمار بن ياسر، وسلمة بن هشام، وغيرهم. # قال الزجاج: لفظ الآية استخبار، ومعناها معنى التقرير والتوبيخ، والمعنى: ~~أحسب الناس أن يتركوا بأن يقولوا: آمنا، ولأن يقولوا: آمنا، أي: أحسبوا أن ~~يقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون، فقط، ولا يمتحنون بما يبين حقيقة ~~إيمانهم، (وهم لا يفتنون) أي: لا يختبرون بما يعلم به صدق إيمانهم من كذبه. ~~و للمفسرين فيه قولان: # أحدهما: لا يفتنون في أنفسهم بالقتل والتعذيب، قاله مجاهد. # والثاني: ms1734 لا يبتلون بالأوامر والنواهي. # قوله تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم) أي: ابتليناهم واختبرناهم، ~~(فليعلمن الله) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فليرين الله [عز وجل] الذين صدقوا في إيمانهم عند البلاء إذا ~~صبروا لقضائه، وليرين الكاذبين في إيمانهم إذا شكوا عند البلاء، قاله ~~مقاتل. # والثاني: فليميزن، لأنه قد علم ذلك من قبل، قاله أبو عبيدة. # و الثالث: فليظهرن ذلك حتى يوجد معلومه، حكاه الثعلبي. # وقرأ علي بن أبي طالب [عليه السلام]، وجعفر بن محمد: " فليعلمن الله " " ~~وليعلمن الكاذبين " " وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين " بضم ~~الياء وكسر اللام. # قوله تعالى: (أم حسب) أي: أحسب (الذين يعملون السيئات) يعني الشرك (إن ~~PageV06P120 # يسبقونا) أي: يفوتونا ويعجزونا (ساء ما يحكمون) أي: بئس ما حكموا لأنفسهم ~~حين ظنوا ذلك. قال ابن عباس: عنى بهم الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والعاص ~~بن هشام، وغيرهم. # من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) قوله ~~تعالى: (من كان يرجو لقاء الله) قد شرحناه في آخر الكهف (فان أجل الله لآت) ~~يعني الأجل المضروب للبعث، والمعنى: فليعمل لذلك اليوم (و هو السميع) لما ~~يقول (العليم) بما يعمل. (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) أي: إن ثوابه إليه ~~يرجع. # قوله تعالى: (لنكفرن عنهم سيئاتهم) أي: لنبطلنها حتى تصير بمنزلة ما لم ~~يعمل (ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) أي: بأحسن أعمالهم، وهو الطاعة، ~~ولا نجزيهم بمساوئ أعمالهم. # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس به علم فلا ~~تطعهما إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه ~~حسنا) وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز: وعاصم الجحدري: " إحسانا " بألف. وقرأ ~~ابن مسعود، وأبو رجاء: " حسنا " بفتح الحاء والسين. # و روى أبو عثمان النهدي عن سعد بن أبي وقاص، قال: في أنزلت هذه الآية، ~~كنت رجلا ms1735 برا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد! ما هذا الدين الذي قد أحدثت، ~~لتدعن دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه، ~~قلت: لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع ديني هذا لشئ، قال: فمكثت يوما وليلة لا ~~تأكل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوما آخر وليلة لا تأكل، فلما رأيت ذلك قلت: ~~تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما PageV06P121 # تركت ديني هذا لشئ، فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت فأنزلت ~~هذه الآية. وقيل: # أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وقد جرى له مع أمه نحو هذا. ذكر بعض ~~المفسرين أن هذه الآية، التي في لقمان وفي الأحقاف: نزلن في قصة سعد. # قال الزجاج: من قرأ: " حسنا " فمعناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما ~~يحسن، ومن قرأ: " إحسانا " فمعناه: ووصينا الإنسان أن يحسن إلى والديه، ~~وكان " حسنا " أعم في البر. # (وإن جاهداك) قال أبو عبيدة: مجاز هذا الكلام مجاز المختصر الذي فيه ~~ضمير، والمعنى: وقلنا له: وإن جاهداك. # قوله تعالى: (لتشرك بي) معناه: لتشرك بي شريكا لا تعلمه لي وليس لأحد ~~بذلك علم، (فلا تطعهما). # قوله تعالى: (لندخلنهم في الصالحين) أي: في زمرة الصالحين في الجنة. وقال ~~مقاتل: " في " بمعنى " مع ". # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) قوله ~~تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون إلى بدر فارتدوا، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: نزلت في قوم كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله ~~[تعالى] أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، قاله مجاهد. PageV06P122 # والثالث: نزلت في ناس من المنافقين بمكة، كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا أو ~~أصابهم بلاء ms1736 من المشركين رجعوا إلى الشرك، قاله الضحاك. # والرابع: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، كان أسلم، فخاف على نفسه من ~~أهله وقومه، فخرج من مكة هاربا إلى المدينة، وذلك قبل قدوم رسول الله [صلى ~~الله عليه و آله و سلم] إلى المدينة، فجزعت أمه فقالت لأخويه أبي جهل ~~والحارث ابني هشام - وهما أخواه لأمه -: والله لا آوي بيتا ولا آكل طعاما ~~ولا أشرب شرابا حتى تأتياني به، فخرجا في طلبه فظفرا به، فلم يزالا به حتى ~~تابعهما وجاءا به إليها، فقيدته، وقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر ~~بمحمد، ثم أقبلت تجلده وتعذبه حتى كفر بمحمد عليه السلام جزعا من الضرب، ~~فنزلت فيه هذه الآية، ثم هاجر بعد وحسن إسلامه، هذا قول ابن السائب، ~~ومقاتل. وفي رواية عن مقاتل أنهما جلداه في الطريق مائتي جلدة، فتبرأ من ~~دين محمد، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: (فإذا أوذي في الله) أي: ناله أذى أو عذاب بسبب إيمانه (جعل ~~فتنة الناس) أي: ما يصيبه من عذابهم في الدنيا (كعذاب الله) في الآخرة، ~~وإنما ينبغي أن يصبر على الأذى في الله تعالى لما يرجو من ثوابه (ولئن جاء ~~نصر من ربك) يعني دولة للمؤمنين (ليقولن) يعني المنافقين للمؤمنين (إنا كنا ~~معكم) على دينكم، فكذبهم الله تعالى وقال: # (أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) من الإيمان والنفاق. وقد فسرنا ~~الآية التي تلي هذه في أول السورة. # وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) قوله تعالى: (اتبعوا ~~سبيلنا) يعنون: ديننا. قال مجاهد: هذا قول كفار قريش لمن آمن من أهل مكة، ~~قالوا لهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، فإن كان عليكم شئ فهو علينا. # قوله تعالى: (و لنحمل خطاياكم) قال الزجاج: هو أمر في تأويل الشرط ~~والجزاء، يعني إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم. وقال الأخفش: كأنهم أمروا ~~أنفسهم بذلك. ms1737 وقرأ الحسن: " ولنحمل " بكسر اللام. قال ابن قتيبة: الواو ~~زائدة، والمعنى: لنحمل خطاياكم. PageV06P123 # قوله تعالى: (إنهم لكاذبون) أي: فيما ضمنوا من حمل خطاياهم. # قوله تعالى: (و ليحملن أثقالهم) أي: أوزار أنفسهم (وأثقالا مع أثقالهم) ~~أي: أوزارا مع أوزارهم، وهي أوزار الذين أضلوهم، وهذا كقوله [تعالى]: ~~(ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) ~~(وليسألن يوم القيامة) سؤال توبيخ وتقريع (عما كانوا يفترون) من الكذب على ~~الله عز وجل، وقال مقاتل: عن قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله ~~تعالى. # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ~~(15) قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) و في هذه القصة تسلية للنبي ~~صلى الله عليه و آله و سلم حيث أعلم أن الأنبياء قد ابتلوا قبله، وفيها ~~وعيد شديد لمن أقام على الشرك، فإنهم وإن أمهلوا، فقد أمهل قوم نوح أكثر ثم ~~أخذوا. # قوله تعالى: (فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) اختلفوا في عمر نوح على خمسة ~~أقوال: # أحدها: بعث بعد أربعين سنة، وعاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم، ~~وعاش بعد الطوفان ستين سنة، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. # والثاني: أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد ذلك سبعين عاما، ~~فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين سنة، قاله كعب الأحبار. # والثالث: أنه بعث وهو ابن خمسين وثلاثمائة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة، قاله عون بن أبي شداد. # والرابع: أنه لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، و لبث بعد الطوفان ~~ثلاثمائة و خمسين سنة، قاله قتادة. وقال وهب بن منبه: بعث لخمسين سنة. # والخامس: أن هذه الآية بينت مقدار عمره كله، حكاه الماوردي. فإن قيل: ما ~~فائدة قوله [تعالى]: " إلا خمسين عاما "، فهلا قال: تسعمائة وخمسين؟ ~~فالجواب: أن المراد به تكثير العدد، وذكر الألف أفخم في PageV06P124 # اللفظ، وأعظم ms1738 للعدد. # وقال الزجاج: تأويل الاستثناء في كلام العرب: التوكيد، تقول: جاءني إخوتك ~~إلا زيدا، فتؤكد أن الجماعة جاؤوا، وتنقص زيدا. واستثناء نصف الشئ قبيح جدا ~~لا تتكلم به العرب، وإنما يتكلم بالاستثناء كما يتكلم بالنقصان، تقول: عندي ~~درهم ينقص قيراطا، فلو قلت: ينقص نصفه، كان الأولى أن تقول: عندي نصف درهم، ~~ولم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا قليل من كثير. # قوله تعالى: (فأخذهم الطوفان) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: الموت، روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في قوله ~~[تعالى]: " فأخذهم الطوفان " قال: " الموت ". # والثاني: المطر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة. قال ابن قتيبة: ~~هو المطر الشديد. # والثالث: الغرق، قاله الضحاك. # قال الزجاج: الطوفان من كل شئ: ما كان كثيرا مطيفا بالجماعة كلها، فالغرق ~~الذي يشتمل على المدن الكثيرة: طوفان، وكذلك القتل الذريع، والموت الجارف: ~~طوفان. # قوله تعالى: (و هم ظالمون) قال ابن عباس: كافرون. # قوله تعالى: (و جعلناها) يعني السفينة، قال قتادة: أبقاها الله تعالى آية ~~للناس بأعلى الجودي. قال أبو سليمان الدمشقي: وجاز أن يكون أراد: الفعلة ~~التي فعلها بهم من الغرق (آية)، أي عبرة (للعالمين) بعدهم. # وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين (18) قوله تعالى: (وإبراهيم) قال الزجاج: هو معطوف على نوح، ~~والمعنى: أرسلنا إبراهيم. PageV06P125 # قوله تعالى: (ذلكم) يعني عبادة الله (خير لكم) من عبادة الأوثان، (إن ~~كنتم تعلمون) ما هو خير لكم مما هو شر لكم، والمعنى: ولكنكم لا تعلمون. ~~(إنما تعبدون من دون الله أوثانا) قال الفراء: " إنما " في هذا الموضع حرف ~~واحد، وليست على معنى " الذي "، وقوله [تعالى]: (وتخلقون إفكا) مردود على " ~~إنما "، كقولك: إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا. وقال ms1739 مقاتل: الأوثان: ~~الأصنام. قال ابن قتيبة: واحدها وثن، وهو ما كان من حجارة أو جص. # قوله تعالى: (وتخلقون إفكا) وقرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل: " وتختلقون ~~" بزيادة تاء. ثم فيه قولان: # أحدهما: تختلقون كذبا في زعمكم أنها آلهة. # والثاني: تصنعون الأصنام، فالمعنى: تعبدون أصناما أنتم تصنعونها. ثم بين ~~عجزهم بقوله [تعالى]: (لا يملكون لكم رزقا) أي: لا يقدرون على أن يرزقوكم ~~(فابتغوا عند الله الرزق) أي: فاطلبوا من الله [تعالى]، فإنه القادر على ~~ذلك. # قوله تعالى: (وإن تكذبوا) هذا تهديد لقريش (فقد كذب أمم من قبلكم) ~~والمعنى: # فأهلكوا. # أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله ~~على كل شئ قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما ~~أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ~~(22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب ~~أليم (23) (أولم يروا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " يروا ~~" بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي: بالتاء. وعن عاصم كالقراءتين وعنى بالكلام ~~كفار مكة (كيف يبدئ الله الخلق) أي: كيف يخلقهم ابتداء من نطفة، ثم من مضغة ~~إلى أن يتم الخلق (ثم يعيده) أي: ثم هو يعبده في الآخرة عند البعث. وقال ~~أبو عبيدة: مجازه: أولم يروا كيف استأنف الله الخلق الأول ثم يعيده. وفيه ~~لغتان: أبدأ وأعاد، وكان مبدئا ومعيدا، وبدأ وعاد، وكان بادئا وعائدا. ~~PageV06P126 # قوله تعالى: (إن ذلك) يعني الخلق الأول والخلق الثاني. # قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي: انظروا إلى المخلوقات التي في ~~الأرض، وابحثوا عنها هل تجدون لها خالقا غير الله [عز وجل]، فإذا علموا أنه ~~لا خالق سواه، لزمتهم الحجة في الإعادة، وهو قوله [تعالى]: (ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة) أي: ثم الله [تعالى] ينشئهم عند البعث نشأة أخرى. وأكثر ~~القراء قرؤوا: " النشأة " بتسكين الشين وترك المد. ms1740 وقرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: " النشاءة " بالمد. # قوله تعالى: (يعذب من يشاء) فيه قولان: # أحدهما: أنه في الآخرة بعد إنشائهم. # والثاني: أنه في الدنيا. ثم فيه خمسة أقوال حكاها الماوردي: أحدها: يعذب ~~من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة. والثاني: يعذب بسوء الخلق ويرحم ~~بحسن الخلق. والثالث: # يعذب بمتابعة البدعة، ويرحم بملازمة السنة. والرابع: يعذب بالانقطاع إلى ~~الدنيا، ويرحم بالإعراض عنها. والخامس: يعذب من يشاء ببغض الناس له، ويرحم ~~من يشاء بحب الناس له. # قوله تعالى: (و إليه تقلبون) أي: تردون. (و ما أنتم بمعجزين في الأرض) ~~فيه قولان حكاهما الزجاج: # أحدهما: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا أهل السماء بمعجزين في السماء. # والثاني: و ما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا لو كنتم في السماء. وقال قطرب: ~~هذا كقولك: ما يفوتني فلان لا هاهنا ولا بالبصرة، أي: ولا بالبصرة لو صار ~~إليها. قال مقاتل: # والخطاب لكفار مكة، والمعنى: لا تسبقون الله حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة، ~~(ومالكم من دون الله من ولي) أي: قريب ينفعكم (ولا نصير) يمنعكم من الله ~~تعالى. # قوله تعالى: (و الذين كفروا بآيات الله ولقائه) أي: بالقرآن والبعث ~~(أولئك يئسوا من رحمتي) في الرحمة قولان: # أحدهما: الجنة، قاله مقاتل. # والثاني: العفو والمغفرة، قاله أبو سليمان. قال ابن جرير: وذلك في الآخرة ~~عند رؤية العذاب. # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا PageV06P127 # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم ~~من ناصرين (25) ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم، وهو قوله تعالى: (فما كان ~~جواب قومه) أي: حين دعاهم إلى الله تعالى ونهاهم عن الأصنام (إلا أن قالوا ~~اقتلوه أو حرقوه) وهذا بيان لسفه أحلامهم حين قابلوا احتجاجه عليهم بهذا. # قوله تعالى: (فأنجاه الله) المعنى: فحرقوه فأنجاه الله (من النار). # قوله تعالى: (إن في ذلك) يشير إلى إنجائه إبراهيم. ms1741 # قوله تعالى: (وقال) يعني إبراهيم (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " مودة بينكم " بالرفع والإضافة. قال ~~الزجاج: (مودة " مرفوعة باضمار " هي " كأنه: تلك مودة بينكم، أي: ألفتكم ~~واجتماعكم على الأصنام مودة بينكم، والمعنى: إنما اتخذتم هذه الأوثان ~~لتتوادوا بها في الحياة الدنيا. ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي. # وقرأ ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وابن أبي عبلة: " مودة " بالرفع ~~" بينكم " بالنصب. # وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " مودة بينكم " قال أبو علي: ~~المعنى: # اتخذتم الأصنام للمودة، و " بينكم " نصب على الظرف، والعامل فيه المودة. # وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: " مودة بينكم " بنصب " مودة " مع الإضافة، وهذا ~~على الاتساع في جعل الظرف اسما لما أضيف إليه. # قال المفسرون: معنى الكلام: إنما اتخذتموها لتتصل المودة بينكم واللقاء ~~والاجتماع عندها، وأنتم تعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، (ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض) أي: يتبرأ القادة من الأتباع (ويلعن بعضكم بعضا) يلعن الأتباع ~~القادة لأنهم زينوا لهم الكفر. # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من PageV06P128 # العالمين (28) أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم ~~المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين (29) قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) قوله تعالى: (فآمن له ~~لوط) أي: صدق بإبراهيم (و قال) يعني إبراهيم (إني مهاجر إلى ربي) فيه ~~قولان: # أحدهما: إلى رضى ربي. # والثاني: إلى حيث أمرني ربي، فهاجر من سواد العراق إلى الشام وهجر قومه ~~المشركين. # (ووهبنا له إسحاق) بعد إسماعيل (ويعقوب) من إسحاق (وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب) وذلك أن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه ~~(وآتيناه أجره في الدنيا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: الذكر الحسن، رواه ms1742 ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: الثناء الحسن والولد الصالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: العافية والعمل الحسن والثناء، فلست تلقى أحدا من أهل الملل إلا ~~يتولاه، قاله قتادة. # والرابع: أنه أري مكانه من الجنة، قاله السدي. # قوله تعالى: (و إنه في الآخرة لمن الصالحين) قال ابن جرير: له هناك جزاء ~~الصالحين غير منقوص من الآخرة بما أعطي في الدنيا من الأجر. وما بعد هذا قد ~~سبق بيانه إلى قوله تعالى: (وتقطعون السبيل) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا يعترضون من مر بهم لعملهم الخبيث، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنهم كانوا إذا جلسوا في مجالسهم يرمون ابن السبيل بالحجارة، ~~فيقطعون سبيل المسافر، قاله مقاتل. # والثالث: أنه قطع النسل للعدول عن النساء إلى الرجال، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (و تأتون في ناديكم المنكر) قال ابن قتيبة: النادي: المجلس، ~~والمنكر يجمع الفواحش من القول والفعل. و للمفسرين في المراد بهذا المنكر ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، فذلك المنكر، روته أم ~~هانئ بنت PageV06P129 # أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال عكرمة، والسدي: ~~كانوا يحذفون كل من مر بهم. # والثاني: لف القميص على اليد، وجر الإزار، وحل الأزرار، والحذف والرمي ~~بالبندق، ولعب الحمام، والصفير، في خصال أخر رواها ميمون بن مهران عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنه الضراط، رواه عروة عن عائشة، وكذلك فسره القاسم بن محمد. # والرابع: أنه إتيان الرجال في مجالسهم، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. # وهذه الآية تدل على أنه لا ينبغي للمجتمعين أن يتعاشروا إلا على ما يقرب ~~من الله عز وجل، ولا ينبغي أن يجتمعوا على الهزء واللعب. # قوله تعالى: (رب انصرني) أي: بتصديق قولي في العذاب. # ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم ms1743 ~~وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين (33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون (34) ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) قوله تعالى: (إنا ~~مهلكو أهل هذه القرية) يعنون قرية لوط. # قوله تعالى: (لننجينه) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: " لننجينه ~~" و " إنا منجوك " بتشديد الحرفين، وخففهما حمزة، والكسائي. وروى أبو بكر ~~عن عاصم: " لننجينه " مشددة، و " إنا منجوك " مخففة ساكنة النون. وقد سبق ~~شرح ما أخللنا بذكره إلى قوله [تعالى]: # (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا) وهو الحصب والخسف. # قوله تعالى: (و لقد تركنا منها) في المكني عنها قولان: # أحدهما: أنها الفعلة التي فعل بهم، فعلى هذا في الآية ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها الحجارة التي أدركت أوائل هذه الأمة، قاله قتادة. والثاني: ~~الماء الأسود على وجه الأرض، قاله مجاهد. PageV06P130 # والثالث: الخبر عما صنع بهم. # والثاني: أنها القرية، فعلى هذا في المراد بالآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها آثار منازلهم الخربة، قاله ابن عباس. # والثاني: أن الآية في قريتهم إلى الآن أن أساسها أعلاها وسقوفها أسفلها، ~~حكاه أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: أن المعنى: تركناها آية، تقول: إن في السماء لآية، تريد أنها هي ~~الآية، قاله الفراء. # وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم أعبدوا الله وأرجوا اليوم الآخر ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~(37) قوله تعالى: (وارجوا اليوم الآخر) قال المفسرون: أخشوا البعث الذي فيه ~~جزاء الأعمال. # وعاد وثمودا وقد تبين لكم من مساكنكم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم ~~من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) قوله تعالى: ~~(وعادا) قال الزجاج: وأهلكنا عادا وثمودا، لأن قبل هذا (فأخذتهم الرجفة). # قوله تعالى: ms1744 (و قد تبين لكم من مساكنهم) أي: ظهر لكم يا أهل مكة من ~~منازلهم بالحجاز واليمن آية في هلاكهم، (و كانوا مستبصرين) قال الفراء: أي: ~~ذوي بصائر. وقال الزجاج: أتوا ما أتوه وقد تبين لهم أن عاقبته عذابهم. وقال ~~غيره: كانوا عند أنفسهم مستبصرين يظنون أنهم على حق. # قوله تعالى: (وما كانوا سابقين) أي: ما كانوا يفوتون الله [تعالى] أن ~~يفعل بهم ما يريد. PageV06P131 # قوله تعالى: (فكلا أخذنا بذنبه) أي: عاقبنا بتكذيبه (فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا) يعني قوم لوط (و منهم من أخذته الصيحة) يعني ثمودا وقوم شعيب ~~(و منهم من خسفنا به الأرض) يعني قارون وأصحابه (ومنهم من أغرقنا) يعني قوم ~~نوح وفرعون (وما كان الله ليظلمهم) فيعذبهم على غير ذنب (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون) بالإقامة على المعاصي. # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شئ وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون (43) قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء) يعني ~~الأصنام يتخذها المشركون أولياء يرجون نفعها ونصرها، فمثلهم في ضعف ~~احتيالهم (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) قال ثعلب: # والعنكبوت أنثى، وقد يذكرها بعض العرب، قال الشاعر: # كأن العنكبوت هو ابتناها قوله تعالى: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من ~~شئ) أي: هو عالم بما عبدوه من دونه، لا يخفى عليه ذلك، والمعنى أنه يجازيهم ~~على كفرهم. (وتلك الأمثال) يعني أمثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار، ~~وقيل: إن " تلك " بمعنى " هذه "، و (العالمون) الذين يعقلون عن الله عز ~~وجل. # خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) أتل ما ~~أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) (خلق الله السماوات والأرض بالحق) أي: ~~للحق، ولإظهار الحق. # قوله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) في المراد بالصلاة ~~قولان: ms1745 PageV06P132 # أحدهما: أنها الصلاة المعروفة، قاله الأكثرون. وروى أنس بن مالك عن رسول ~~الله صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء ~~والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا ". # والثاني: أن المراد بالصلاة: القرآن، قاله ابن عمر، ويدل على هذا قوله ~~تعالى: (و لا تجهر بصلاتك) وقد شرحنا معنى الفحشاء والمنكر فيما سبق. # في معنى هذه الآية للعلماء ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الإنسان إذا أدى الصلاة كما ينبغي وتدبر ما يتلو فيها، نهته عن ~~الفحشاء والمنكر، هذا مقتضاها وموجبها. # والثاني: أنها تنهاه ما دام فيها. # والثالث: أن المعنى: ينبغي أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر. # قوله تعالى: (و لذكر الله أكبر) فيه أربعة أقوال: # أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، رواه ابن عمر عن رسول [الله ~~صلى الله عليه و آله و سلم]، وبه قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد في آخرين. # والثاني: ولذكر الله [تعالى] أفضل من كل شئ سواه، وهذا مذهب أبي الدرداء، ~~وسليمان، وقتادة. # والثالث: ولذكر الله [تعالى] في الصلاة أكبر مما نهاك عنه من الفحشاء ~~والمنكر، قاله عبد الله بن عون. # والرابع: ولذكر الله [تعالى] العبد - ما كان في صلاته - أكبر من ذكر ~~العبد لله [تعالى] قاله ابن قتيبة. # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) ~~قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) في التي هي أحسن ~~ثلاثة أقوال: PageV06P133 # أحدها: أنها لا إله إلا الله، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: الكف عنهم إذا بذلوا الجزية، فإن أبوا قوتلوا، قاله مجاهد. # والثالث: أنها القرآن والدعاء إلى الله [تعالى] بالآيات والحجج. # قوله تعالى: (إلا الذين ظلموا منهم) وهم الذين نصبوا الحرب وأبوا أن ~~يؤدوا الجزية، فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية (وقولوا) ~~لمن أدى الجزية منهم إذا أخبركم بشئ مما في كتبهم (آمنا بالذي ms1746 أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم...) الآية. وقد روى أبو هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون ~~التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله [صلى ~~الله عليه و آله وسلم] " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم (و قولوا آمنا ~~بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم..) " الآية. # فصل واختلف في نسخ هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها نسخت بقوله [تعالى]: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله...) إلى ~~قوله [تعالى]: (وهم صاغرون) قاله قتادة، والكلبي. # والثاني: أنها ثابتة الحكم، وهو مذهب ابن زيد. # وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) قوله تعالى: (وكذلك) أي: ~~وكما أنزلنا الكتاب عليهم (أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب ~~يؤمنون به) يعني مؤمني أهل الكتاب (ومن هؤلاء) يعني أهل مكة (من يؤمن به) ~~وهم الذين أسلموا (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) قال قتادة: إنما يكون ~~الجحد بعد المعرفة. قال مقاتل: وهم اليهود. PageV06P134 # قوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب) قال أبو عبيدة: مجازه: ما ~~كنت تقرأ قبله كتابا، و " من " زائدة. فأما الهاء في " قبله " فهي عائدة ~~إلى القرآن. والمعنى: ما كنت قارئا قبل الوحي ولا كاتبا، وهكذا كانت صفته ~~في التوراة والإنجيل أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا يدل على أن الذي جاء ~~به، من عند الله تعالى. # قوله تعالى: (إذا لارتاب المبطلون) أي: لو كنت قارئا كاتبا لشك اليهود ~~فيك، ولقالوا: # ليست هذه صفته في كتابنا. والمبطلون: الذين يأتون بالباطل، وفيهم هاهنا ~~قولان: # أحدهما: كفار قريش، قاله مجاهد. # والثاني: كفار اليهود، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (بل هو آيات بينات) في المكني عنه قولان: # أحدهما: أنه النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم، ثم في معنى الكلام ~~قولان: أحدهما: أن المعنى: بل وجدان أهل الكتاب ms1747 في كتبهم أن محمدا [صلى ~~الله عليه و آله و سلم] لا يكتب ولا يقرأ، وأنه أمي، آيات بينات في صدورهم، ~~وهذا مذهب ابن عباس، والضحاك، وابن جريج. والثاني: أن المعنى: بل محمد ~~[عليه السلام] ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، ~~لأنهم يجدونه بنعته وصفته، قاله قتادة. # والثاني: أنه القرآن، والذين أوتوا العلم: المؤمنون الذين حملوا القرآن ~~على عهد رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] وحملوه بعده. وإنما أعطي ~~الحفظ هذه الأمة، وكان من قبلهم لا يقرؤون كتابهم إلا نظرا، فإذا أطبقوه لم ~~يحفظوا ما فيه سوى الأنبياء، وهذا قول الحسن، و في المراد بالظالمين هاهنا ~~قولان: # أحدهما: المشركون، قاله ابن عباس. # والثاني: كفار اليهود، قاله مقاتل. # وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا ~~نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في ~~السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ~~PageV06P135 # قوله تعالى: (وقالوا) يعني كفار مكة (لولا أنزل عليه آيات من ربه) قرأ ~~نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " آيات " على الجمع. وقرأ ابن ~~كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " آية " على التوحيد. وإنما ~~أرادوا: كآيات الأنبياء (قل إنما الآيات عند الله) أي: # هو القادر على إرسالها، وليست بيدي. وزعم بعض علماء أن قوله تعالى: ~~(وإنما أنا نذير مبين) منسوخ بآية السيف. # ثم بين الله عز وجل أن القرآن يكفي من الآيات التي سألوها بقوله [تعالى]: ~~(أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب)؟! وذكر يحيى بن جعدة أن ناسا من ~~المسلمين أتوا رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] بكتب قد كتبوها، فيها ~~بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: " كفى " فنزلت: " أو لم ~~يكفهم " إلى آخر الآية. # قوله تعالى: (قل كفى بالله) قال المفسرون: لما كذبوا بالقرآن ms1748 نزلت: (قل ~~كفى بالله بيني وبينكم شهيدا) يشهد لي أني رسوله، ويشهد عليكم بالتكذيب، ~~وشهادة الله له: إثبات المعجزة له بانزال الكتاب عليه، (والذين آمنوا ~~بالباطل) قال ابن عباس: بغير الله [تعالى]. وقال مقاتل: # بعبادة الشيطان. # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم ~~قوله العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) قوله ~~تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب) قال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث حين قال " ~~فأمطر علينا حجارة من السماء ". و في الأجل المسمى أربعة أقوال: # أحدها: أنه يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: أجل الحياة إلى حين الموت، وأجل الموت إلى حين البعث، قاله ~~قتادة. # والثالث: مدة أعمارهم، قاله الضحاك. # والرابع: يوم بدر، حكاه الثعلبي. PageV06P136 # قوله تعالى: (وليأتينهم) يعني العذاب. وقرأ معاذ القارئ، وأبو نهيك، وابن ~~أبي عبلة: # " ولتأتينهم " بالتاء (بغتة وهم لا يشعرون) بإتيانه. # قوله تعالى: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي: جامعة لهم. # قوله تعالى: (ويقول ذوقوا) قرأ ابن كثير: بالنون. وقرأ نافع: بالياء. فمن ~~قرأ بالياء، أراد الملك الموكل بعذابهم، ومن قرأ بالنون، فلأن ذلك لما كان ~~بأمر الله تعالى جاز أن ينسب إليه. # ومعنى (ما كنتم تعملون) أي: جزاء ما عملتم من الكفر والتكذيب. # يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة ~~الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من ~~الجنة غرقا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم وهو السميع العليم (60) قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا) قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: " يا عبادي " بتحريك الياء. وقرأ أبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: بإسكانها. # قوله تعالى: (إن أرضي واسعة) وقرأ ابن عامر وحده: " أرضي " بفتح الياء ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه خطاب لمن آمن من أهل مكة، قيل لهم: " إن أرضي " يعني المدينة ~~" واسعة "، فلا تجاوروا ms1749 الظلمة في أرض مكة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ~~وكذلك قال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار ~~الإيمان، فأرض المدينة واسعة. # والثاني: أن المعنى: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرجوا منها، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء. # والثالث: إن رزقي لكم واسع، قاله مطرف بن عبد الله. # قوله تعالى: (فإياي فاعبدون) أثبت فيها الياء يعقوب في الحالين، وحذفها ~~الباقون. قال الزجاج: أمرهم بالهجرة من الموضع الذي لا تمكنهم فيه عبادة ~~الله إلى حيث تتهيأ لهم العبادة، ثم خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة، ~~فقال: (كل نفس ذائقة الموت) المعنى: فلا تقيموا في دار الشرك خوفا من الموت ~~(ثم إلينا ترجعون) بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم، والأكثرون قرؤوا: ~~PageV06P137 # " ترجعون " بالتاء على الخطاب، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء. # قوله تعالى: (لنبوئنهم) قرأ ابن كثير، و نافع، وعاصم، وأبو بكر، و ابن ~~عامر: " لنبوئنهم " بالباء، أي: لننزلنهم. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " ~~لنثوينهم " بالثاء وهو من: ثويت بالمكان: إذا أقمت به، قال الزجاج: يقال: ~~ثوى الرجل: إذا أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلا يقيم فيه. # قوله تعالى: (وكأين من دابة) قال ابن عباس: لما أمرهم رسول الله [صلى ~~الله عليه و آله و سلم] بالخروج إلى المدينة، قالوا: يا رسول الله، نخرج ~~إلى المدينة وليس لنا بها عقار ولا مال؟! فمن يؤوينا ويطعمنا؟ # فنزلت هذه الآية. قال ابن قتيبة: ومعنى الآية: كم من دابة لا ترفع شيئا ~~لغد، قال ابن عيينة: ليس شئ يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة. # قال المفسرون وقوله: (الله يرزقها) أي: حيث ما توجهت (و إياكم) أي: ~~ويرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة (وهو السميع) لقولكم: لا نجد ما ننفق ~~بالمدينة (العليم) بما في قلوبكم. # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شئ ~~عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض ms1750 من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) قوله تعالى: (ولئن ~~سألتهم) يعني كفار مكة، وكانوا يقرون بأنه الخالق والرازق، وإنما أمره أن ~~يقول: (الحمد لله) على إقرارهم، لأن ذلك يلزمهم الحجة فيوجب عليهم التوحيد ~~(بل أكثرهم لا يعقلون) توحيد الله مع إقرارهم بأنه الخالق. والمراد ~~بالأكثر: الجميع. # وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو ~~كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف ~~يعلمون (66) PageV06P138 # قوله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) والمعنى: وما الحياة ~~في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي عن قليل (وإن الدار الآخرة) يعني الجنة (لهي ~~الحيوان) قال أبو عبيدة: اللام في " لهي " زائدة للتوكيد، والحيوان والحياة ~~واحد، والمعنى: لهي دار الحياة التي لا موت فيها، ولا تنغيص يشوبها كما ~~يشوب الحياة في الدنيا (لو كانوا يعلمون) أي: لو علموا لرغبوا عن الفاني في ~~الباقي، ولكنهم لا يعلمون. # قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك) يعني المشركين (دعوا الله مخلصين له ~~الدين) أي: # أفردوه بالدعاء. قال مقاتل: والدين بمعنى التوحيد، والمعنى أنهم لا يدعون ~~من يدعونه شريكا له (فلما نجاهم) أي: خلصهم من أهوال البحر، وأفضوا (إلى ~~البر إذا هم يشركون) في البر، وهذا إخبار عن عنادهم (ليكفروا بما آتيناهم) ~~هذه لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله تعالى: # (اعملوا ما شئتم) و المعنى: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم ~~(وليتمتعوا) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي بإسكان اللام على معنى الأمر، ~~والمعنى: ليتمتعوا بباقي أعمارهم (فسوف يعلمون) عاقبة كفرهم. وقرأ الباقون ~~بكسر اللام في " ليتمتعوا "، فجعلوا اللامين بمعنى " كي "، فتقديره: لكي ~~يكفروا، ولكي يتمتعوا، فيكون معنى الكلام: إذا هم يشركون ليكفروا ~~وليتمتعوا، أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به ~~في العاجلة من غير نصيب لهم في الآخرة. # أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ms1751 أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق ~~لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) قوله تعالى: (أو لم يروا) يعني كفار مكة ~~(أنا جعلنا حرما آمنا) يعني مكة، وقد شرحنا هذا المعنى في [سورة] القصص ~~(ويتخطف الناس من حولهم) أي: أن العرب يسبي بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون ~~(أفبالباطل) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: الشرك، قاله قتادة. # والثاني: الأصنام، قاله ابن السائب. PageV06P139 # والثالث: الشيطان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (يؤمنون) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وعاصم الجحدري: " ~~تؤمنون وبنعمة الله تكفرون " بالتاء فيهما. # قوله تعالى: (وبنعمة الله) يعني: محمدا والإسلام، وقيل: بإنعام الله ~~عليهم حين أطعمهم وآمنهم (يكفرون)، (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي: ~~زعم أن له شريكا وأنه أمر بالفواحش (و كذب بالحق لما جاءه) يعني محمدا ~~والقرآن (أليس في جهنم مثوى للكافرين)؟! # وهذا استفهام بمعنى التقرير، كقول جرير: # ألستم خير من ركب المطايا (والذين جاهدوا فينا) أي: قاتلوا أعداءنا ~~لأجلنا (لنهدينهم سبلنا) أي: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وقيل: ~~لنزيدنهم هداية (وإن الله لمع المحسنين) بالنصرة والعون. قال ابن عباس: ~~يريد بالمحسنين: الموحدين، وقال غيره: يريد المجاهدين. وقال ابن المبارك: ~~من اعتاصت عليه مسألة، فليسأل أهل الثغور عنها، لقوله [تعالى]: (لنهدينهم ~~سبلنا). # و الله أعلم بالصواب PageV06P140 # (30) سورة الروم مكية وآياتها ستون وهي مكية كلها باجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم ألم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون (2) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ~~(4) ينصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) قوله تعالى: (غلبت ~~الروم) ذكر أهل التفسير في سبب نزولها أنه كان بين فارس والروم حرب فغلبت ~~فارس الروم، فبلغ ذلك رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] وأصحابه، فشق ~~ذلك عليهم، وفرح المشركون بذلك، لأن فارس لم يكن لهم كتاب وكانوا يجحدون ~~البعث ويعبدون الأصنام، والروم أصحاب كتاب، ms1752 فقال المشركون لأصحاب رسول الله ~~[صلى الله عليه و آله و سلم]: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن ~~أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، فإن قاتلتمونا ~~لنظهرن عليكم، فنزلت هذه الآية، فخرج بها أبو بكر الصديق إلى المشركين، ~~فقالوا: هذا كلام صاحبك، فقال: الله أنزل هذا، فقالوا لأبي بكر: نراهنك على ~~أن الروم لا تغلب فارس، فقال أبو بكر: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، ~~فقالوا: الوسط من ذلك ست، فوضعوا الرهان، وذلك قبل أن يحرم الرهان، فرجع ~~أبو بكر إلى أصحابه فأخبرهم، فلاموه وقالوا: هلا أقررتها كما أقرها الله ~~[تعالى]؟! # لو شاء أن يقول: ستا، لقالوا! فلما كانت سنة ست، لم تظهر الروم على فارس، ~~فأخذوا الرهان، PageV06P141 # فلما كانت سنة سبع ظهرت الروم على فارس وروى ابن عباس قال: لما نزلت: ~~(ألم. غلبت الروم) ناصب أبو بكر قريشا، فقال له رسول الله [صلى الله عليه و ~~آله و سلم]: " ألا احتطت، فإن البضع ما بين السبع والتسع " وذكر بعضهم أنهم ~~ضربوا الأجل خمس سنين، وقال بعضهم: ثلاث سنين، فقال رسول الله [صلى الله ~~عليه و آله و سلم]: " إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع " فخرج أبو بكر ~~فقال لهم: أزايدكم في الخطر وأمد في الأجل إلى تسع سنين، ففعلوا، فقهرهم ~~أبو بكر، وأخذ رهانهم. و في الذي تولى وضع الرهان من المشركين قولان: # أحدهما: أبي بن خلف، قال قتادة. # والثاني: أبو سفيان بن حرب، قاله السدي. # قوله تعالى: (في أدنى الأرض) وقرأ أبي بن كعب، والضحاك، وأبو رجاء، وابن ~~السميفع: # " في أداني الأرض " بألف مفتوحة الدال، أقرب الأرض أرض الروم إلى فارس. ~~قال ابن عباس: # وهي طرف الشام. و في اسم هذا المكان ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، قاله مجاهد. # والثاني: أذرعات وكسكر، قاله عكرمة. # والثالث: الأردن وفلسطين، قاله السدي. # قوله تعالى: (و هم) يعني الروم (من بعد غلبهم) وقرأ أبو الدرداء، وأبو ~~رجاء، وعكرمة، والأعمش: ms1753 " غلبهم " بتسكين اللام، أي: من بعد غلبة فارس ~~إياهم، والغلب والغلبة لغتان، (سيغلبون في بضع سنين) في البضع تسعة أقوال ~~قد ذكرناها في يوسف قال المفسرون: وهي هاهنا سبع سنين، وهذا من علم الغيب ~~الذي يدل على أن القرآن حق، (لله الأمر من قبل) أي: # من قبل أن تغلب الروم ومن بعد ما غلبت، والمعنى أن غلبة الغالب وخذلان ~~المغلوب، بأمر الله [عز وجل] وقضائه (و يومئذ) يعني يوم غلبت الروم فارس ~~(يفرح المؤمنون بنصر الله) للروم. وكان التقاء الفريقين في السنة السابعة ~~من غلبة فارس إياهم، فغلبتهم الروم، وجاء جبريل يخبر بنصر الروم على فارس، ~~فوافق ذلك يوم بدر، وقيل: يوم الحديبية. PageV06P142 # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) أو لم يتفكروا في أنفسهم ما ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من ~~الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) قوله تعالى: (وعد الله) أي: وعد الله ذلك ~~وعدا (لا يخلف الله وعده) أن الروم يظهرون على فارس (ولكن أكثر الناس) يعني ~~كفار مكة (لا يعلمون) أن الله [تعالى] لا يخلف وعده في ذلك. # ثم وصف كفار مكة، فقال: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) قال عكرمة: هي ~~المعايش. # وقال الضحاك: يعلمون بنيان قصورها وتشقيق أنهارها. وقال الحسن: يعلمون ~~متى زرعهم ومتى حصادهم، ولقد بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر ~~الدرهم بظفره فيخبرك بوزنه ولا يحسن يصلي. # قوله تعالى: (وهم عن الآخرة هم غافلون) لأنهم لا يؤمنون بها. قال الزجاج: ~~وذكرهم ثانية يجري مجرى التوكيد، كما يقول: زيد هو عالم، وهو أوكد من قولك: ~~زيد عالم. # قوله تعالى: (أو لم يتفكروا في أنفسهم) قال الزجاج: معناه: أو لم يتفكروا ~~فيعلموا فحذف " فيعلموا " لأن في الكلام دليلا عليه. ومعنى (بالحق): إلا ~~للحق، أي: لإقامة الحق (وأجل مسمى) وهو وقت الجزاء (وإن كثيرا من الناس ~~بلقاء ربهم لكافرون) المعنى: لكافرون بلقاء ربهم، فقدمت الباء، ms1754 لأنها متصلة ~~ب‍ " كافرون "، وما اتصل بخبر " إن " جاز أن يقدم قبل اللام، ولا يجوز أن ~~تدخل اللام بعد مضي الخبر من غير خلاف بين النحويين، لا يجوز أن تقول: إن ~~زيدا كافر لبالله، لأن اللام حقها أن تدخل على الابتداء و الخبر، لأنها ~~تؤكد الجملة. وقال مقاتل في قوله [تعالى]: (وأجل مسمى) للسماوات والأرض أجل ~~ينتهيان إليه، وهو يوم القيامة، (وإن كثيرا من الناس) يعني كفار مكة (بلقاء ~~ربهم) أي: بالبعث (لكافرون). # أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كان الله ليظلمهم PageV06P143 # ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا ~~بآيات الله وكانوا بها يستهزئون (10) الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ~~ترجعون (11) قوله تعالى: (أو لم يسيروا في الأرض) أي: أو لم يسافروا ~~فينظروا مصارع الأمم قبلهم كيف أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا. # قوله تعالى: (وأثاروا الأرض) أي: قلبوها للزراعة، ومنه قيل للبقرة: ~~مثيرة. وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارئ، وأبو حيوة: " وآثروا الأرض " بمد ~~الهمزة وفتح الثاء مرفوعة الراء، (و عمروها أكثر مما عمروها) أي: أكثر من ~~عمارة أهل مكة، لطول أعمار أولئك وشدة قوتهم (و جاءتهم رسلهم بالبينات) أي: ~~بالدلالات (فما كان الله ليظلمهم) بتعذيبهم على غير ذنب (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون) بالكفر والتكذيب، ودل هذا على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا. # ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى) يعني الخلة ~~السيئة، وفيها قولان: # أحدهما: أنها العذاب، قاله الحسن. # والثاني: جهنم، قاله السدي. # قوله تعالى: (أن كذبوا) قال الفراء: لأن كذبوا، فلما ألقيت اللام كان ~~نصبا، وقال الزجاج: # لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم. وقيل: السوأى مصدر بمنزلة الإساءة، ~~فالمعنى: ثم كان التكذيب آخر أمرهم، أي: ماتوا على ذلك، كأن الله تعالى ~~جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب عقوبة لهم. ~~وقال مكي بن أبي طالب النحوي: " عاقبة " اسم كان، ms1755 و " السوأى " خبرها، و " ~~أن كذبوا " مفعول من أجله، ويجوز أن يكون " السوأى " مفعولة ب‍ " أساؤوا "، ~~و " أن كذبوا " خبر كان، ومن نصب " عاقبة " جعلها خبر " كان "، و " السوأى ~~" اسمها، ويجوز أن تكون " أن كذبوا " اسمها. وقرأ الأعمش: " أساؤوا السوء " ~~برفع السوء ". # قوله تعالى: (الله يبدأ الخلق) أي: يخلقهم أولا، ثم يعيدهم بعد الموت ~~أحياء كما كانوا، (ثم إليه ترجعون) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص: " ترجعون " بالتاء، فعلى هذا يكون الكلام عائدا من الخبر ~~إلى الخطاب، وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: # بالياء، لأن المتقدم ذكره غيبة، والمراد بذكر الرجوع: الجزاء على ~~الأعمال، والخلق بمعنى المخلوقين، وإنما قال: " يعيده " على لفظ الخلق. ~~PageV06P144 # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ~~وكانوا بشركائهم كافرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) قوله تعالى: ~~(يبلس المجرمون) قد شرحنا الإبلاس في [سورة] الأنعام. # قوله تعالى: (و لم يكن لهم من شركائهم) أي: [من] أوثانهم التي عبدوها ~~(شفعاء) في القيامة (و كانوا بشركائهم كافرين) يتبرؤون منها وتتبرأ منهم. # قوله تعالى: (يومئذ يتفرقون) وذلك بعد الحساب ينصرف قوم إلى الجنة، وقوم ~~إلى النار. # قوله تعالى: (فهم في روضة) الروضة: المكان المخضر من الأرض، وإنما خص ~~الروضة، لأنها كانت أعجب الأشياء إلى العرب، قال أبو عبيدة: ليس شئ عند ~~العرب أحسن من الرياض المعشبة ولا أطيب ريحا، قال الأعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل يوما بأطيب منها ~~نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل قال المفسرون: والمراد بالروضة: ~~رياض الجنة و في معنى " يحبرون " أربعة أقوال: # أحدها: يكرمون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: ينعمون، قاله مجاهد، وقتادة. و قال الزجاج: والحبرة في اللغة: ~~كل نغمة حسنة. # والثالث: يفرحون، قاله السدي. وقال ابن قتيبة: " يحبرون " يسرون، ~~والحبرة، السرور. # والرابع: أن الحبر: ms1756 السماع في الجنة، فإذ أخذ أهل الجنة في السماع، لم ~~تبق شجرة إلا وردت، قاله يحيى بن أبي كثير. وسئل يحيى بن معاذ: أي الأصوات ~~أحسن؟ فقال: مزامير أنس، في PageV06P145 # مقاصير قدس، بألحان تحميد، في رياض تمجيد " في مقعد صدق عند مليك مقتدر ~~". # قوله تعالى: (فأولئك في العذاب محضرون) أي: هم حاضرون العذاب أبدا لا ~~يخفف عنهم. # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي ~~الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ثم ذكر ما تدرك به الجنة ويتباعد به من ~~النار فقال: (فسبحان الله حين تمسون) قال المفسرون: المعنى: فصلوا لله [عز ~~وجل] حين تمسون، أي: حين تدخلون في المساء (و حين تصبحون) أي: تدخلون في ~~الصباح، و (تظهرون) تدخلون في الظهيرة، و هي وقت الزوال، (وعشيا) أي: ~~وسبحوه عشيا. وهذه الآية قد جمعت الصلوات الخمس، فقوله [تعالى]: " حين ~~تمسون " يعني صلاة المغرب والعشاء، " وحين تصبحون " يعني به صلاة الفجر، " ~~وعشيا " و " حين تظهرون " الظهر. # قوله تعالى: (وله الحمد في السماوات والأرض) قال ابن عباس: يحمده أهل ~~السماوات وأهل الأرض ويصلون له. # قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت) فيه أقوال قد ذكرناها في [سورة] آل ~~عمران. # قوله تعالى: (ويحيي الأرض بعد موتها) أي: يجعلها منبتة بعد أن كانت لا ~~تنبت، وتلك حياتها (وكذلك تخرجون) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: " تخرجون " بضم التاء، وفتحها حمزة والكسائي، والمراد: تخرجون ~~يوم القيامة من الأرض، أي: كما أحيا الأرض بالنبات يحييكم بالبعث. ~~PageV06P146 # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن آياته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق ~~خوفا وطمعا ms1757 وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة ~~من الأرض إذا أنتم تخرجون (25) وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(26) وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ~~ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم ~~بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين (29) قوله تعالى: (ومن ~~آياته) أي: من دلائل قدرته (أن خلقكم من تراب) يعني آدم، لأنه أصل البشر ~~(ثم إذا أنتم بشر) من لحم ودم، يعني ذريته (تنتشرون) يعني: تنبسطون في ~~الأرض. # قوله تعالى: (أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا) فيه قولان: # أحدهما: أنه يعني بذلك آدم، خلق حواء من ضلعه، وهو معنى قول قتادة. # والثاني: أن المعنى: جعل لكم آدميات مثلكم، ولم يجعلهن من غير جنسكم، ~~قاله الكلبي. # قوله تعالى: (لتسكنوا إليها) أي: لتأووا هذه إلى الأزواج (وجعل بينكم ~~مودة ورحمة) وذلك أن الزوجين يتوادان ويتراحمان من غير رحم بينهما (إن في ~~ذلك) الذي ذكره من صنعه (لآيات لقوم PageV06P147 # يتفكرون) في قدرة الله [عز وجل] وعظمته. # قوله تعالى: (واختلاف ألسنتكم و ألوانكم) لأن الخلق بين أسود وأبيض ~~وأحمر، وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة. وقيل: المراد باختلاف الألسنة: ~~اختلاف النغمات والأصوات، حتى إنه لا يشتبه صوت أخوين من أب وأم. والمراد ~~باختلاف الألوان: اختلاف الصور، فلا تشتبه صورتان مع التشاكل (إن في ذلك ~~لآيات للعالمين) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " للعالمين " بفتح اللام. وقرأ حفص عن عاصم: " ~~للعالمين " بكسر اللام. # قوله تعالى: (ومن آياته منامكم بالليل) أي: نومكم. قال أبو عبيدة: المنام ~~من مصادر النوم، بمنزلة قام يقوم قياما ومقاما، وقال ms1758 يقول مقالا، قال ~~المفسرون: وتقدير الآية: منامكم بالليل (وابتغاؤكم من فضله) وهو طلب الرزق ~~بالنهار (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) سماع اعتبار وتذكر (و من آياته ~~يريكم البرق) قال اللغويون: إنما حذف " أن " لدلالة الكلام عليه، وأنشدوا: # وما الدهر إلا تارتان فتارة * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح ومعناه: فتارة ~~أموت فيها، وقال طرفة: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى أراد: أن أحضر. وقد شرحنا معنى الخوف ~~والطمع في رواية البرق في سورة الرعد. # قوله تعالى: (أن تقوم السماء والأرض) أي: تدوما قائمتين (بأمره) (ثم إذا ~~دعاكم دعوة) وهي نفحة إسرافيل الأخيرة في الصور بأمر الله [عز وجل] (من ~~الأرض) أي: من قبوركم (إذا أنتم تخرجون) منها وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى ~~قوله [تعالى]: (و هو أهون عليه) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أن الإعادة أهون عليه من البداية، وكل هين عليه، قاله مجاهد، وأبو ~~العالية. # والثاني: أن " أهون " بمعنى " هين " عليه، وقد يوضع " أفعل " في موضع " ~~فاعل "، ومثله قولهم في الأذان: الله أكبر، قال الفرزدق: PageV06P148 # إن الذي سمك السماء بني لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول وقال معن بن أوس ~~المزني: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تغدو المنية أول أي: وإني لوجل، ~~وقال غيره: # أصبحت أمنحك الصدود وإنني * قسما إليك مع الصدود لأميل وأنشدوا أيضا: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي: بواحد، هذا ~~قول أبي عبيدة، وهو مروي عن الحسن، وقتادة و قرأ أبي بن كعب، وأبو عمران ~~الجوني، وجعفر بن محمد: " وهو هين عليه ". # والثالث: أنه خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم ~~البعث أسهل من الابتداء في تقديرهم وحكمهم، فمن قدر على الإنشاء كان البعث ~~أهون عليه، هذا اختيار الفراء، والمبرد، والزجاج، وهو قول مقاتل. وعلى هذه ~~الأقوال الثلاثة تكون الهاء في " عليه " عائدة إلى الله عز وجل. # والرابع: أن الهاء تعود على المخلوق، لأنه خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة، ~~ويوم القيامة يقول له كن فيكون، ms1759 رواه أبو صالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وهو اختيار قطرب. # قوله تعالى: (و له المثل الأعلى) قال المفسرون: أي: له الصفة العليا (في ~~السماوات والأرض) وهي أنه لا إله غيره. # قوله تعالى: (ضرب لكم مثلا) سبب نزولها أن أهل الجاهلية كانوا يلبون ~~فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فنزلت هذه الآية، ~~قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. # ومعنى الآية: بين لكم أيها المشركون شبها، وذلك الشبه (من أنفسكم) ثم ~~بينه فقال: (هل لكم مما ملكت أيمانكم) أي: من عبيدكم في أموالكم (فأنتم فيه ~~سواء) أي: أنتم وشركاؤكم من عبيدكم سواء (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) أي: كما ~~تخافون أمثالكم من الأحرار، وأقرباءكم كالآباء والأبناء؟ قال ابن عباس: ~~تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا؟ وقال غيره: تخافونهم أن يقاسموكم ~~أموالكم كما يفعل الشركاء؟ والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ~~PageV06P149 # ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر ~~يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء، الأحرار؟. فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، ~~فلم عدلتم بي من خلقي هو مملوك لي؟! (كذلك) أي: كما بينا هذا المثل (نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون) عن الله [تعالى] ثم بين أنهم إنما اتبعوا الهوى في ~~إشراكهم، فقال: (بل اتبع الذين ظلموا) أي: أشركوا بالله (أهواءهم بغير علم ~~يهدي من أضل الله) وهذا يدل على أنهم إنما أشركوا بإضلال الله إياهم (وما ~~لهم من ناصرين) أي: مانعين من عذاب الله [تعالى]. # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ~~ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما ~~آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم ms1760 بما ~~كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37) فئات ذا القربى حقه والمسكين وابن ~~السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) قوله تعالى: ~~(فأقم وجهك) قال مقاتل: أخلص دينك الإسلام (للدين) أي: للتوحيد. # وقال أبو سليمان الدمشقي: استقم بدينك نحو الجهة التي وجهك الله [تعالى] ~~إليها. وقال غيره: # سدد عملك. والوجه: ما يتوجه إليه، وعمل الإنسان ودينه: ما يتوجه إليه ~~لتسديده و إقامته. # قوله تعالى: (حنيفا) قال الزجاج: الحنيف: الذي يميل إلى الشئ ولا يرجع ~~عنه، كالحنف PageV06P150 # في الرجل، وهو ميلها إلى خارجها خلقة، لا يقدر الأحنف أن يرد حنفه، ~~وقوله: (فطرة الله) منصوب، بمعنى: اتبع فطرة الله لأن معنى " فأقم وجهك ": ~~اتبع الدين القيم، واتبع فطرة الله [تعالى]: أي: دين الله [تعالى] والفطرة: ~~الخلقة التي خلق الله عليها البشر. وكذلك قوله عليه السلام: " كل مولود ~~يولد على الفطرة "!، أي: على الإيمان بالله [تعالى]، وقال مجاهد في قوله ~~[تعالى]: (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال: الإسلام، وكذلك قال قتادة. ~~والذي أشار إليه الزجاج أصح، وإليه ذهب ابن قتيبة، فقال: فرق ما بيننا وبين ~~أهل القدر في هذا الحديث، أن الفطرة عندهم: الإسلام، والفطرة عندنا: ~~الإقرار بالله [عز و جل] والمعرفة به، لا الإسلام ومعنى الفطرة: # ابتداء الخلقة، فالكل أقروا حين قوله [تعالى]: (ألست بربكم؟ قالوا بلى) ~~ولست واجدا أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا وإن عبد شيئا دونه وسماه ~~بغير اسمه، فمعنى الحديث: إن كل مولود في العالم على ذلك العهد وذلك ~~الإقرار الأول، وهو الفطرة، ثم يهود اليهود أبناءهم، أي: # يعلمونهم ذلك، وليس الاقرار الأول مما يقع به حكم ولا ثواب، وقد ذكر نحو ~~هذا أبو بكر الأثرم، واستدل عليه بأن الناس أجمعوا على أنه لا يرث المسلم ~~الكافر، ولا الكافر المسلم، ثم أجمعوا على أن اليهودي ms1761 إذا مات له ولد صغير ~~ورثه، وكذلك النصراني، والمجوسي، ولو كان معنى الفطرة الإسلام، ما ورثه إلا ~~المسلمون، ولا دفن إلا معهم، وإنما أراد بقوله عليه السلام: " كل مولود ~~يولد على الفطرة " أي: على تلك البداية التي أقروا له فيها بالوحدانية حين ~~أخذهم من صلب آدم، فمنهم من جحد ذلك بعد إقراره، ومثل هذا الحديث حديث عياض ~~بن حمار عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: # " قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء "، وذلك أنه لم يدعهم يوم ~~الميثاق إلا إلى حرف واحد، فأجابوه. # قوله تعالى: (لا تبديل لخلق الله) لفظه لفظ النفي، ومعناه النهي، ~~والتقدير: لا تبدلوا خلق الله [عز وجل] وفيه قولان: # أحدهما: أنه إخصاء البهائم، قاله عمر بن الخطاب [رضي الله عنه]. # والثاني: دين الله [عز و جل] قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي ~~و آخرين، وعن ابن عباس وعكرمة كالقولين. # قوله تعالى: (ذلك الدين القيم) يعني التوحيد المستقيم (ولكن أكثر الناس) ~~يعني كفار مكة (لا يعلمون) توحيد الله [عز و جل]. PageV06P151 # قوله تعالى: (منيبين إليه) قال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معنى هذا: ~~فأقيموا وجوهكم منيبين، لأن مخاطبة النبي صلى الله عليه و آله و سلم تدخل ~~معه فيها الأمة ومعنى " منيبين ": راجعين إليه في كل ما أمر، فلا يخرجون عن ~~شئ من أمره. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله [تعالى]: (وإذا مس الناس ~~ضر) وفيه قولان: # أحدهما: أنه القحط، والرحمة: المطر. # والثاني: أنه البلاء، والرحمة: العافية، (إذا فريق منهم) وهم المشركون. ~~والمعنى: إن الكل يلتجئون إليه في شدائدهم، ولا يلتفت المشركون حينئذ إلى ~~أوثانهم. # قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم) قد شرحناه في آخر العنكبوت وقوله ~~تعالى: (فتمتعوا) خطاب لهم بعد الإخبار عنهم. # قوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم) أي: على هؤلاء المشركين (سلطانا) أي: حجه ~~وكتابا من السماء (فهو يتكلم بما كانوا يشركون) أي: يأمرهم بالشرك؟! وهذا ~~استفهام إنكار، و معناه: ليس الأمر كذلك. # قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس) ms1762 قال مقاتل: يعني كفار مكة (رحمة) وهي ~~المطر. والسيئة: # المصيبة. قال المفسرون: وهذا الفرح المذكور هاهنا، هو فرح البطر الذي لا ~~شكر فيه. والقنوط: # اليأس من فضل الله عز و جل، وهو خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر عند النعمة، ~~ويرجو عند الشدة، وقد شرحناه في بني إسرائيل: إلى قوله [تعالى]: (ذلك) يعني ~~إعطاء الحق (خير) أي: # أفضل من الإمساك (للذين يريدون وجه الله) أي: يطلبون بأعمالهم ثواب الله. # وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (40) PageV06P152 # قوله تعالى: (و ما آتيتم من ربا) في هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الربا هاهنا: أن يهدي الرجل للرجل الشئ يقصد أن يثيبه عليه ~~أكثر من ذلك، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس، والضحاك، ~~وقتادة، والقرظي، قال الضحاك: فهذا ليس فيه أجر ولا وزر، وقال قتادة: ذلك ~~الذي لا يقبله الله [عز و جل] ولا يجزي به، وليس فيه وزر. # والثاني: أنه الربا المحرم، قاله الحسن البصري. # والثالث: أنه الرجل يعطي من يخدمه لأجل خدمته، لا لأجل الله تعالى، قاله ~~الشعبي. # قوله تعالى: (ليربو في أموال الناس) و قرأ نافع، ويعقوب: " لتربو " ~~بالتاء وسكون الواو، أي: في اجتلاب أموال الناس، واجتذابها (فلا تربو عند ~~الله) أي: لا تزكو ولا تضاعف، لأنكم قصدتم زيادة العوض، ولم تقصدوا القربة. # (وما آتيتم من زكاة) أي: ما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة، إنما ~~تريدون بها ما عند الله، [تعالى]: (فأولئك هم المضعفون) قال ابن قتيبة: ~~الذين يجدون التضعيف والزيادة. # وقال الزجاج: أي ذووا الأضعاف من الحسنات، كما يقال: رجل مقو، أي: صاحب ~~قوة، وموسر: # صاحب يسار. # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ~~لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا ms1763 كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد ~~له من الله يومئذ يصدعون (43) قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر) في ~~هذا الفساد أربعة أقوال: # أحدها: نقصان البركة، قاله ابن عباس. # والثاني: ارتكاب المعاصي، قاله أبو العالية. # والثالث: الشرك، قاله قتادة، والسدي: PageV06P153 # والرابع: قحط المطر، قاله عطية. # فأما البر. فقال ابن عباس: البر: البرية التي ليس عندها نهر، و في البحر ~~قولان: # أحدهما: ما كان من المدائن والقرى على شط نهر، قاله ابن عباس. وقال ~~عكرمة: لا أقول، بحركم هذا، ولكن كل قرية عامرة. وقال قتادة: المراد بالبر: ~~أهل البوادي، وبالبحر: أهل القرى. # وقال الزجاج: المراد بالبحر: مدن البحر التي على الأنهار، وكل ذي ماء فهو ~~بحر. # والثاني: أن البحر: الماء المعروف. قال مجاهد: ظهور الفساد في البر: قتل ~~ابن آدم أخاه، وفي البحر: ملك جائر يأخذ كل سفينة غصبا. وقيل لعطية: أي ~~فساد في البحر؟ فقال: إذا قل المطر قل الغوص. # قوله تعالى: (بما كسبت أيدي الناس) أي: بما عملوا من المعاصي (ليذيقهم) ~~وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، وقتادة، وابن محيصن، وروح عن يعقوب، ~~وقنبل عن ابن كثير: # " لنذيقهم " بالنون (بعض الذي عملوا) أي: جزاء بعض أعمالهم، فالقحط جزاء، ~~ونقصان البركة جزاء، ووقوع المعصية منهم جزاء معجل لمعاصيهم أيضا. # قوله تعالى: (لعلهم يرجعون) في المشار إليهم قولان: قاله الحسن. # أحدهما: أنهم الذين أذيقوا الجزاء. ثم في معنى رجوعهم قولان: # أحدهما: يرجعون عن المعاصي، قاله أبو العالية. # والثاني: يرجعون إلى الحق، قاله إبراهيم. # والثاني: أنهم الذين يأتون بعدهم، فالمعنى: لعله يرجع من بعدهم قاله ~~الحسن. # قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي: سافروا (فانظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبل) أي: الذين كانوا قبلكم، والمعنى: انظروا إلى مساكنهم وآثارهم ~~(كان أكثرهم مشركين) المعنى: # فأهلكوا بشركهم. # (فأقم وجهك للدين) أي: أقم قصدك لأتباع الدين (القيم) وهو الإسلام ~~المستقيم (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له) يعني القيامة ms1764 لا يقدر أحد على رد ~~ذلك اليوم، لأن الله [تعالى]: قد قضى كونه (يومئذ يصدعون) أي: يتفرقون إلى ~~الجنة والنار. # من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا ~~PageV06P154 # وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) (من كفر فعليه كفره) ~~أي: جزاء كفره (ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) أي: # يوطئون. وقال مجاهد: يسوون المضاجع في القبور، قال أبو عبيدة: " من " تقع ~~على الواحد والاثنين والجمع من المذكر والمؤنث، ومجازها هاهنا مجاز الجميع، ~~و " يمهد " بمعنى يكتسب ويعمل ويستعد. # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ~~(47) قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) تبشر بالمطر (وليذيقكم ~~من رحمته) وهو الغيث والخصب (و لتجري الفلك) في البحر بتلك الرياح (بأمره) ~~(ولتبتغوا) بالتجارة في البحر (من فضله) وهو الرزق، وكل هذا بالرياح. # قوله تعالى: ((فجاؤوهم بالبينات) أي: بالدلالات على صدقهم (فانتقمنا من ~~الذين أجرموا) أي: عذبنا الذين كذبوهم (وكان حقا علينا) أي: واجبا هو أوجبه ~~على نفسه (نصر المؤمنين) إنجاؤهم مع الرسل من عذاب المكذبين. # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر ~~إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على ~~كل شئ قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) ~~فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم PageV06P155 # الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهد العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا ~~من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ms1765 (54) ~~ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) ~~وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ~~فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا ~~معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) قوله تعالى: (يرسل الرياح) وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو رجاء، والنخعي، وطلحة بن مصرف، والأعمش: " يرسل الريح " بغير ألف. # قوله تعالى: ((فتثير سحابا) أي: تزعجه (فيبسطه) الله (في السماء كيف ~~يشاء) إن شاء بسطة مسيرة يوم أو يومين أو أقل أو أكثر (ويجعله كسفا) أي: ~~قطعا متفرقة. والأكثرون فتحوا سين " كسفا "، وقرأ أبو رزين، وقتادة، وابن ~~عامر، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة: بتسكينها، قال أبو علي: يمكن ان يكون مثل ~~سدرة وسدر، فيكون معنى القراءتين واحدا (فترى الودق يخرج من خلاله) وقرأ ~~ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية: " من خلله "، وقد شرحناه في ~~النور: # (فإذا أصاب به) أي: بالودق، ومعنى (يستبشرون) يفرحون بالمطر، (و إن كانوا ~~من قبل أن ينزل عليهم) المطر (من قبله) وفي هذا التكرير ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه للتأكيد، كقوله [تعالى]: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) قاله ~~الأخفش في آخرين. # والثاني: أن " قبل " الأولى للتنزيل، والثانية للمطر، قاله قطرب. قال ابن ~~الأنباري: والمعنى: # من قبل نزول المطر، من قبل المطر، وهذا مثل ما يقول القائل: آتيك من قبل ~~أن تتكلم، من قبل أن تطمئن في مجلسك، فلا تنكر الإعادة، لاختلاف الشيئين. # والثالث: أن الهاء في قوله [تعالى]: " من قبله " ترجع إلى الهدى وإن لم ~~يتقدم له ذكر، فيكون المعنى: كانوا يقطنون من قبل نزول المطر، من قبل ~~الهدى، فلما جاء الهدى والإسلام زال القنوط، PageV06P156 # ذكره ابن الأنباري عن أبي عمر الدريري وأبي جعفر بن قادم. والمبلسون: ~~الآيسون و قد سبق الكلام في هذا. # (فانظر إلى آثار رحمة الله) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن ~~عاصم: " إلى أثر ". وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " إلى ~~آثار " على الجمع. والمراد بالرحمة هاهنا: المطر، وأثرها: ms1766 النبت والمنبت، و ~~المعنى: انظر إلى حسن تأثيره في الأرض (كيف يحيي الأرض) أي: كيف يجعلها ~~تنبت بعد أن لم يكن فيها نبت. وقرأ عثمان بن عفان، وأبو رجاء، وأبو عمران، ~~وسليمان التيمي، " كيف تحيي " بتاء مرفوعة مكسورة الياء " الأرض " بفتح ~~الضاد. # قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحا) أي: ريحا باردة مضرة، والريح إذا أتت على ~~لفظ الواحد أريد بها العذاب، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه و آله و ~~سلم يقول عند هبوب الريح: " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " (فرأوه) ~~يعني النبت، والهاء عائدة إلى الأثر. قال الزجاج: المعنى: فرأوا النبت قد ~~اصفر وجف (لظلوا من بعده يكفرون) ومعناه: ليظلن، لأن معنى الكلام الشرط ~~والجزاء، فهم يستبشرون بالغيث، ويكفرون إذا انقطع عنهم الغيث وجف النبت. ~~وقال غيره: المراد برحمة الله: # المطر. و " ظلوا " بمعنى صاروا " من بعده " أي: من بعد اصفرار النبت ~~يجحدون ما سلف من النعمة. وما بعد هذا مفسر في سورة النمل إلى قوله ~~[تعالى]: (الله الذي خلقكم من ضعف) وقد ذكرنا الكلام فيه في الأنفال، قال ~~المفسرون: المعنى: خلقكم من ماء ذي ضعف، وهو المني (ثم جعل من بعد ضعف) ~~يعني ضعف الطفولة قوة الشباب، ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الكبر، و شيبة، ~~(يخلق ما يشاء) أي: من ضعف وقوة وشباب وشيبة (وهو العليم) بتدبير خلقه ~~(القدير) على ما يشاء. # (ويوم تقوم الساعة) قال الزجاج: الساعة في القرآن على معنى الساعة التي ~~تقوم فيها القيامة، فلذلك لم تعرف أي ساعة هي. # قوله تعالى: (يقسم المجرمون) أي: يحلف المشركون (ما لبثوا) في القبور ~~(غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون) قال ابن قتيبة: يقال: أفك الرجل: إذا عدل به ~~عن الصدق، فالمعنى أنهم قد كذبوه في هذا الوقت كما كذبوه في الدنيا. وقال ~~غيره: أراد الله تعالى أن يفضحهم يوم القيامة بين PageV06P157 # المؤمنين، فحلفوا على شئ تبين للمؤمنين كذبهم فيه، ويستدلون على كذبهم في ~~الدنيا. # ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم بقوله [تعالى]: (وقال الذين أوتوا العلم ms1767 ~~والإيمان) وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة. والثاني: المؤمنون. # قوله تعالى: (لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث) فيه قولان: # أحدهما: أن فيه تقديما وتأخيرا، تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب ~~الله والإيمان بالله [عز وجل]، قاله ابن جريج في جماعة من المفسرين. # والثاني: أنه على نظمه. ثم في معناه قولان: # أحدهما: لقد لبثتم في علم الله، [عز وجل]، قاله الفراء. # والثاني: لقد لبثتم في خبر الكتاب، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (فهذا يوم البعث) أي: اليوم الذي كنتم تنكرونه (و لكنكم كنتم ~~لا تعلمون) في الدنيا أنه يكون. (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم) قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " لا تنفع " بالتاء. وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي: بالياء، لأن التأنيث غير حقيقي. قاله ابن عباس: لا يقبل ~~من الذين أشركوا عذر ولا توبة. # قوله تعالى: (ولا هم يستعتبون) أي: لا يطلب منهم العتبى والرجوع في ~~الآخرة. # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ~~(59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) قوله تعالى: ~~(ولئن جئتهم بآية) أي: كعصا موسى ويده (ليقولن الذين كفروا إن أنتم) أي: # ما أنتم يا محمد وأصحابك (إلا مبطلون) أي: أصحاب أباطيل، وهذا بيان ~~لعنادهم. (كذلك) أي: كما طبع على قلوبهم حتى لا يصدقون الآيات (يطبع الله ~~على قلوب الذين لا يعلمون) توحيد الله [عز وجل]، فالسبب في امتناع الكفار ~~من التوحيد، الطبع على قلوبهم. # قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله) بنصرك وإظهارك على عدوك (حق). # (ولا يستخفنك) وقرأ يعقوب إلا روحا وزيدا: " يستخفنك " بسكون النون. قال ~~الزجاج: لا يستفزنك عن دينك (الذين لا يوقنون) أي: هم ضلال شاكون. وقال ~~غيره: لا يوقنون بالبعث والجزاء. وزعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة. و ~~الله أعلم. PageV06P158 # (31) سورة لقمان مكية وآياتها أربع و ثلاثون وهي مكية في قول الأكثرين. ~~وروي عن عطاء أنه ms1768 قال: هي مكية سوى آيتين منها نزلنا بالمدينة، وهما قوله ~~تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) والتي بعدها، وروي الحسن أنه ~~قال: إلا آية نزلت بالمدينة، وهي قوله [تعالى]: (الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة)، لأن الصلاة والزكاة مدنيتان. # بسم الله الرحمن الرحيم ألم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة ~~للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) و ~~إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرأ فبشره ~~بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين ~~فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ترونها ~~وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة PageV06P159 # وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله ~~فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) ولقد آتينا ~~لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني ~~حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم (13) قوله تعالى: (هدى ورحمة) وقرأ حمزة وحده: [ورحمة بالرفع]. ~~قال الزجاج: القراءة بالنصب على الحال، والمعنى: تلك آيات الكتاب في حال ~~الهداية والرحمة، ويجوز الرفع على إضمار " هو هدى ورحمة " وعلى معنى: " تلك ~~هدى ورحمة ". وقد سبق تفسير مفتتح هذه السورة إلى قوله [تعالى]: (ومن الناس ~~من يشتري لهو الحديث) قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية ~~مغنية. وقال مجاهد: نزلت في شراء القيان والمغنيات. وقال ابن السائب ~~ومقاتل: # نزلت في النضر بن الحارث، وذلك أنه كان تاجرا إلى فارس، فكان يشتري أخبار ~~الأعاجم فيحدث بها قريشا ويقول لهم: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا ~~أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة، ms1769 فيستملحون حديثه ويتركون ~~استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية. و في المراد بلهو الحديث أربعة أقوال: # أحدها: الغناء، كان ابن مسعود يقول: هو الغناء والذي لا إله إلا هو، ~~يرددها ثلاث مرات، وبهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ~~وقتادة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: اللهو: الطبل. # والثاني: أنه ما ألهى عن الله [تعالى]: قاله الحسن، وعنه مثل القول ~~الأول. # والثالث: أنه الشرك، قاله الضحاك. # والرابع: الباطل، قاله عطاء. و في معنى " يشتري " قولان: # أحدهما: يشتري بماله، وحديث النضر يعضده. # والثاني: يختار ويستحب، قاله قتادة، ومطر. # وإنما قيل لهذه الأشياء: لهو الحديث، لأنها تلهي عن ذكر الله [تعالى]:. # قوله تعالى: (ليضل) المعنى: ليصير أمره إلى الضلال، وقد بينا هذا الحرف ~~في الحج. PageV06P160 # وقرأ أبو رزين، والحسن، وطلحة بن مصرف، والأعمش، وأبو جعفر: " ليضل " بضم ~~الياء، والمعنى: ليضل غيره، وإذا أضل غيره فقد ضل هو أيضا. # قوله تعالى: (ويتخذها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم: " ويتخذها " برفع الذال. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ~~بنصب الذال. قال أبو علي: من نصب عطف على " ليضل " " ويتخذ " ومن رفع عطفه ~~على " من يشتري " " ويتخذ ". و في المشار إليه بقوله [تعالى]: (ويتخذها) ~~قولان: # أحدهما: أنها الآيات. # والثاني: السبيل. # وما بعد هذا مفسر في مواضع قد تقدمت إلى قوله [تعالى]: (ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة) وفيها قولان: # أحدهما: الفهم والعقل، قاله الأكثرون. # والثاني: النبوة. وقد اختلف في نبوته على قولين: # أحدهما: أنه كان حكيما ولم يكن نبيا، قاله سعيد بن المسيب، ومجاهد ~~وقتادة. # والثاني: أنه كان نبيا، قاله الشعبي، وعكرمة، والسدي. هكذا حكاه عنهم ~~الواحدي، ولا يعرف، إلا ان هذا مما انفرد به عكرمة، والقول الأول أصح. و في ~~صناعته ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان خياطا، قاله سعيد بن المسيب. # والثاني: راعيا، قاله ابن زيد. # والثالث: نجارا، قاله خالد الربعي. # فأما صفته، فقال ابن عباس، كان عبدا حبشيا. وقال سعيد بن المسيب: كان ~~لقمان أسود من ms1770 سودان مصر. وقال مجاهد: كان غليظ الشفتين مشقق القدمين، وكان ~~قاضيا على بني إسرائيل. # قوله تعالى: (أن اشكر) المعنى: وقلنا له: أن أشكر لله على ما أعطاك من ~~الحكمة (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) أي: إنما يفعل لنفسه (ومن كفر) النعمة، ~~فإن الله لغني عن عبادة خلقه. # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر ~~لي ولوالديك إلى المصير (14) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في PageV06P161 # الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون (15) يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور (17) قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) قال مقاتل: نزلت في سعد ~~بن أبي وقاص، وقد شرحنا ذلك في العنكبوت. # قوله تعالى: (حملته أمه وهنا على وهن) و قرأ الضحاك، و عاصم الجحدري: " ~~وهنا على وهن " بفتح الهاء فيهما، قال الزجاج: أي: ضعفا على ضعف. والمعنى ~~لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة بعد مرة. وموضع " أن " نصب " بوصينا "، ~~المعنى: ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك، أي: وصيناه بشكرنا وشكر ~~والديه. # قوله تعالى: (و فصاله في عامين) أي: فطامه يقع في انقضاء عامين. وقرأ ~~إبراهيم النخعي، وأبو عمران، والأعمش، " وفصاله " بفتح الفاء. وقرأ أبي بن ~~كعب، والحسن، وأبو رجاء، وطلحة بن مصرف، وعاصم الجحدري، وقتادة، " وفصله " ~~بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف والمراد: # التنبيه على مشقة الوالدة بالرضاع بعد الحمل. # قوله تعالى: (وإن جاهداك) قد فسرنا ذلك في سورة العنكبوت إلى قوله ~~[تعالى]: # (وصاحبهما في الدنيا معروفا) قال الزجاج: أي: مصاحبا معروفا، تقول صاحبه ~~مصاحبا ومصاحبة، والمعروف: ما يستحسن من الأفعال. # قوله تعالى: (واتبع سبيل من أناب إلي) أي: من رجع إلي، وأهل التفسير ~~يقولون: هذه ms1771 الآية نزلت في سعد، فهو المخاطب بها. ففي المراد بمن أناب ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أبو بكر الصديق، قيل لسعد: اتبع سبيله في الإيمان، هذا معنى ~~قول ابن عباس في رواية عطاء. وقال ابن إسحاق: أسلم على يدي أبي بكر الصديق: ~~عثمان بن عفان، وطلحة، PageV06P162 # والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. # والثاني: أنه رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] قاله ابن السائب. # والثالث: من سلك طريق محمد وأصحابه، ذكره الثعلبي. # ثم رجع إلى الخبر عن لقمان فقال: (يا بني). وقال ابن جرير: وجه اعتراض ~~هذه الآيات بين الخبرين عن وصية لقمان أن هذا مما أوصى به لقمان ابنه. # قوله تعالى: (إنها أن تك مثقال حبة) وقرأ نافع وحده " مثقال حبة " برفع ~~اللام. و في سبب قول لقمان لابنه هذا قولان: # أحدهما: أن ابن لقمان قال لأبيه: أرأيت لو كانت حبة في قعر البحر أكان ~~الله [تعالى]: # يعلمها؟ فأجابه بهذه الآية، قاله السدي. # والثاني: أنه قال: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمها ~~الله؟ فأجابه بهذا، قاله مقاتل. # قال الزجاج: من قرأ برفع المثقال مع تأنيث " تك " فلأن " مثقال حبة من ~~خردل " راجع إلى معنى: خردلة، فهي بمنزلة: إن تك حبة من خردل، ومن قرأ: " ~~مثقال حبة " فعلى معنى: إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة، وعلى معنى: ~~إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله [عز وجل] وقد بينا معنى " مثقال حبة ~~من خردل " في الأنبياء. # قوله تعالى: (فتكن في صخرة) قال قتادة: في جبل. وقال السدي: هي الصخرة ~~التي تحت الأرض السابعة، ليست في السماوات ولا في الأرض. # وفي قوله تعالى: (يأت بها الله) ثلاثة أقوال: # أحدها: يعلمها الله [تعالى]:. قاله أبو مالك. # والثاني: يظهرها، قاله ابن قتيبة. # والثالث: يأت بها الله في الآخرة للجزاء عليها. # (إن الله لطيف) قال الزجاج: لطيف باستخراجها (خبير) بمكانها. وهذا مثل ~~لأعمال العباد، والمراد أن الله تعالى يأتي بأعمالهم يوم القيامة، من ms1772 يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. # قوله تعالى: (واصبر على ما أصابك) أي: في المعروف والنهي عن المنكر من ~~الأذى. # وباقي الآية مفسر في آل عمران. PageV06P163 # ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ~~(18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) قوله ~~تعالى: (ولا تصعر خدك للناس) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ~~ويعقوب: " تصعر " بتشديد العين من غير ألف. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: ~~بألف من غير تشديد. قال الفراء: هما لغتان، ومعناهما الإعراض من الكبر. ~~وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء وابن السميفع، وعاصم الجحدري: " ولا تصعر " ~~بإسكان الصاد وتخفيف العين من غير ألف. وقال الزجاج: معناه: لا تعرض عن ~~الناس تكبرا، يقال: أصاب البعير صعر: إذا أصابه داء يلوي منه عنقه. وقال ~~ابن عباس: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر. وقال أبو العالية: ~~ليكن الغني والفقير عندك في العلم سواء. وقال مجاهد: و هو الرجل يكون بينه ~~وبين أخيه الحنة، فيراه فيعرض عنه. وباقي الآية بعضه مفسر في بني إسرائيل ~~وبعضه في سورة النساء. # قوله تعالى: (واقصد في مشيك) أي: ليكن مشيك قصدا، لا تخيلا ولا إسراعا. ~~قال عطاء: امش بالوقار والسكينة. # قوله تعالى: (واغضض من صوتك) أي: انقص منه. قال الزجاج: ومنه: غضضت بصري، ~~وفلان يغص من فلان، أي: يقصر به. # (إن أنكر الأصوات) وقرأ أبو المتوكل، وابن أبي عبلة: " أن أنكر الأصوات " ~~بفتح الهمزة. ومعنى " أنكر ": أقبح، تقول: أتانا فلان بوجه منكر، أي: قبيح. ~~وقال المبرد: تأويله: أن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وأنه داخل في باب الصوت ~~المنكر، وقال ابن قتيبة: عرفه قبح رفع الأصوات في المخاطبة والملاحاة بقبح ~~أصوات الحمير، لأنها عالية. قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرا، ما جعله ~~الله [عز وجل] للحمير. وقال سفيان الثوري: صياح كل شئ تسبيح لله عز وجل، ~~إلا الحمار، فإنه ينهق بلا فائدة. # فإن قيل: ms1773 كيف قال: " لصوت " ولم يقل: " لأصوات الحمير "؟ # فالجواب: أن لكل جنس صوتا، فكأنه قال: إن أنكر أصوات الأجناس صوت هذا ~~الجنس. PageV06P164 # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمة ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبائنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) قوله تعالى: (و أسبغ عليكم) ~~أي: أوسع وأكمل (نعمة) قرأ نافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: " نعمه "، ~~أرادوا جميع ما أنعم به. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر عن عاصم: " نعمة " على التوحيد. قال الزجاج: هو ما أعطاهم من توحيده. ~~وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: سألت رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] ~~فقلت: يا رسول الله! ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ # فقال: " أما ما ظهر: فالإسلام، وما سوى الله من خلقك، وما أفضل عليك من ~~الرزق. وأما ما بطن. # فستر مساوئ عملك، ولم يفضحك " وقال الضحاك: الباطنة: المعرفة، والظاهرة: ~~حسن الصوت، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء. # قوله تعالى: (أو لو كان الشيطان يدعوهم) هو متروك الجواب، تقديره ~~فيتبعونه؟. # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله ~~عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ~~إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم (27) قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه) وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي، وأبو العالية، وقتادة: " ومن PageV06P165 # يسلم " بتشديد اللام. وذكر المفسرون أن قوله [تعالى]: (ومن كفر فلا يحزنك ~~كفره) منسوخ بآية السيف، ولا يصح، ms1774 لأنه تسلية عن الحزن، وذلك لا ينافي ~~الأمر بالقتال. وما بعد هذا قد تقدم تفسير ألفاظه في مواضع إلى قوله ~~[تعالى]: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) وفي سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: ~~أرأيت قول الله [تعالى]: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " إيانا تريد، أم ~~قومك؟ فقال: " كلا "، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة ~~فيها تبيان كل شئ؟ فقال: " إنها في علم الله قليل "، فنزلت هذه الآية، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن المشركين قالوا في القرآن: إنما هو كلام يوشك أن ينفد ~~وينقطع، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # ومعنى الآية: لو كانت شجر الأرض أقلاما، وكان البحر ومعه سبعة أبحر مدادا ~~- وفي الكلام محذوف تقديره: فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات الله [عز ~~وجل] - لتكسرت الأقلام ونفذت البحور، ولم تنفذ كلمات الله، أي: لم تنقطع. # فأما قوله [تعالى]: (والبحر) فقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: " والبحر " بالرفع، ونصبه أبو عمرو. وقال الزجاج: من قرأ: ~~" والبحر " بالنصب، فهو عطف على " ما "، المعنى: ولو أن ما في الأرض، ولو ~~أن البحر، والرفع حسن على معنى والبحر هذه حاله. قال اليزيدي: ومعنى " يمده ~~من بعده ": يزيد فيه، يقال: مد قدرك، أي: زد في مائها، وكذلك قال ابن ~~قتيبة: " يمده " من المداد، لا من الإمداد، يقال: مددت دواتي بالمداد، ~~وأمددته بالمال والرجال. # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن ~~الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما PageV06P166 # تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن ~~الله هو العلي الكبير (30) ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ~~ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل ~~دعوا الله ms1775 مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد ~~بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) قوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة) سبب نزولها أن أبي بن خلف في آخرين من قريش قالوا للنبي صلى الله ~~عليه و آله و سلم: إن الله [عز وجل] خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظاما ~~لحما، ثم تزعم أنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة؟! فنزلت هذه الآية ~~ومعناها: ما خلقكم أيها الناس جميعا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ولا ~~بعثكم جميعا في القدرة إلا كبعث نفس واحدة، قاله مقاتل. # وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله [تعالى]: (ألم تر أن الفلك) تجري في ~~البحر بنعمة الله) قال ابن عباس: من نعمه جريان الفلك (ليريكم من آياته) ~~أي: ليريكم من صنعه عجائبه في البحر، وابتغاء الرزق (إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار) قال مقاتل: أي: لكل صبور على أمر الله [عز وجل]: (شكور) في نعمه. # و قوله تعالى: (و إذا غشيهم) يعني الكفار، وقال بعضهم: هو عام في الكفار ~~والمسلمين (موج كالظل) قال ابن قتيبة: وهي جمع ظلة، يراد أن بعضه فوق بعض، ~~فله سواد من كثرته. # قوله تعالى: (دعوا الله مخلصين له الدين) وقد سبق شرح هذا المعنى فإنهم ~~يذكرون الله وحده. وجاء في الحديث أن عكرمة بن أبي جهل لما هرب يوم الفتح ~~من رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، ~~فقال أهل السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال ~~عكرمة: ما هذا الذي تقولون، فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله ~~[تعالى]: فقال: هذا إله محمد الذي كان يدعونا إليه، لئن لم ينجني في البحر ~~إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، ارجعوا بنا، فرجع فأسلم. # قوله تعالى: (فمنهم مقتصد) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: مؤمن، قاله الحسن. PageV06P167 # والثاني: مقتصد في قوله، وهو كافر، قاله مجاهد. يعني أنه يعترف بأن الله ~~[تعالى] وحده القادر على ms1776 إنجائه وإن كان مضمرا للشرك. # والثالث: أنه العادل في الوفاء بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد، ~~قال مقاتل. # فأما " الختار " فقال الحسن: هو الغدار. قال ابن قتيبة: الختر: أقبح ~~الغدر وأشده. # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير (34) قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) قال المفسرون: هذا ~~خطاب لكفار مكة. وقوله [تعالى]: (لا يجزي والد عن ولده) أي: لا يقضي عنه ~~شيئا من جنايته ومظالمه. قال مقاتل: وهذا يعني به الكفار. وقد شرحنا هذا في ~~البقرة قال الزجاج: وقوله [تعالى]: (هو جاز) جاءت في المصاحف بغير ياء، ~~والأصل " جازي " بضمة وتنوين. وذكر سيبويه والخليل أن الاختيار في الوقف هو ~~" جاز " بغير ياء، هكذا وقف الفصحاء من العرب ليعلموا أن هذه الياء تسقط في ~~الوصل. وزعم يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقف بياء، ولكن الاختيار اتباع ~~المصحف. # قوله تعالى: (إن وعد الله حق) أي: بالبعث والجزاء (فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا) بزينتها عن الإسلام والتزود للآخرة (ولا يغرنكم بالله) أي: بحلمه ~~وإمهاله (الغرور) يعني: الشيطان، وهو الذي من شأنه أن يغر. # قال الزجاج: " الغرور " على وزن الفعول، وفعول من أسماء المبالغة، يقال: ~~فلان أكول: إذا كان كثير الأكل، وضروب: إذا كان كثير الضرب، فقيل للشيطان: ~~غرور، لأنه يغر كثيرا، وقال ابن قتيبة: الغرور بفتح الغين: # الشيطان، وبضمها: الباطل. # قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة) سبب نزولها أن رجلا من أهل ~~البادية جاء إلى PageV06P168 # النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني ماذا ~~تلد؟ وبلدنا مجدب، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ # وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. ms1777 # ومعنى الآية: " إن الله " [عز وجل] " عنده علم الساعة " متى تقوم، لا ~~يعلم سواه ذلك (وينزل الغيث) وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: " وينزل " ~~بالتشديد، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، أليلا أم نهارا (ويعلم ما في ~~الأرحام) لا يعلم سواه ما فيها، أذكرا أم أنثى، أبيض أو أسود (وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا) أخيرا أم شرا (و ما تدري نفس بأي أرض تموت) أي: بأي مكان. ~~وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن أبي عبلة: " بأية أرض " بتاء مكسورة. ~~والمعنى: ليس أحد يعلم أين مضجعه من الأرض حتى يموت، أفي بر أو بحر أو سهل ~~أو جبل. وقال أبو عبيدة: يقال: بأي أرض كنت، وبأية أرض كنت، لغتان، وقال ~~الفراء: # من قال: بأي أرض، اجتزأ بتأنيث الأرض من أن يظهر في " أي " تأنيثا آخر. ~~قال ابن عباس: هذه الخمس لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل مصطفى. قال ~~الزجاج: فمن أدعى أنه يعلم شيئا من هذه كفر بالقرآن لأنه خالفه. ~~PageV06P169 # (32) سورة السجدة مكية وآياتها ثلاثون وتسمى سورة المضاجع، وهي مكية ~~باجماعهم وقال الكلبي: فيها من المدني ثلاث آيات، أولها قوله [تعالى]: ~~(أفمن كان مؤمنا...) وقال مقاتل: فيها آية مدنية، وهي قوله تعالى: (تتجافى ~~جنوبهم...) الآية. وقال غيرهما: # فيها خمس آيات مدنيات، أولها (تتجافى جنوبهم...). # بسم الله الرحمن الرحيم ألم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ~~(2) أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من ~~قبلك لعلهم يهتدون (3) الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) ~~قوله تعالى: (تنزيل الكتاب لا ريب فيه) قال مقاتل: لا شك فيه أنه تنزيل (من ~~رب العالمين). PageV06P170 # (أم يقولون) بل يقولون، يعني المشركين (افتراه) محمد [عليه السلام] من ~~تلقاء نفسه، (بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) يعني ~~العرب الذين أدركوا رسول الله صلى ms1778 الله عليه و سلم لم يأتهم نذير من قبل ~~محمد عليه السلام. وما بعده قد سبق تفسيره إلى قوله [تعالى]: # (ما لكم من دونه من ولي) يعني الكفار، يقول: ليس لكم من دونه عذابه من ~~ولي، أي: قريب يمنعكم فيرد عذابه عنكم (و لا شفيع) يشفع لكم (أفلا تتذكرون) ~~فتؤمنون. # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شئ ~~خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(9) قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) في معنى الآية قولان: # أحدهما: يقضي القضاء من السماء فينزله مع الملائكة إلى الأرض (ثم يعرج) ~~الملك (إليه في يوم) من أيام الدنيا، فيكون الملك قد قطع في يوم واحد من ~~أيام الدنيا في نزوله وصعوده مسافة ألف سنة من مسيرة الآدمي. # والثاني: يدبر أمر الدنيا مدة أيام الدنيا، فينزل القضاء والقدر من ~~السماء إلى الأرض " ثم يعرج إليه " أي: يعود إليه الأمر والتدبير حين ينقطع ~~أمر الأمراء وأحكام الحكام وينفرد الله تعالى بالأمر (في يوم كان مقداره ~~ألف سنة) وذلك في يوم القيامة، لأن كل يوم من أيام الآخرة كألف سنة.. # و قال مجاهد: يقضي أمر ألف سنة في يوم واحد، ثم يلقيه إلى الملائكة فإذا ~~مضت قضى لألف سنة آخري، ثم كذلك أبدا. و للمفسرين في المراد بالأمر ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه الوحي: قاله السدي. # والثاني: القضاء، قاله مقاتل. # والثالث: أمر الدنيا. PageV06P171 # و " يعرج " بمعنى يصعد. قال الزجاج: يقال: عرجت في السلم أعرج، وعرج ~~الرجل يعرج: إذا صار أعرج. # وقرأ معاذ القارئ، وابن السميفع، وابن أبي عبلة: " ثم يعرج إليه " بياء ~~مفتوحة وكسر الراء وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: " ثم تعرج " بتاء ~~مفتوحة ورفع الراء. # قوله تعالى: (الذي أحسن كل شئ خلقه) فيه خمسة ms1779 أقوال: # أحدها: جعله حسنا. # والثاني: أحكم كل شئ، رويا عن ابن عباس، وبالأول قال قتادة، وبالثاني قال ~~مجاهد. # والثالث: أحسنه، ولم يتعلمه من أحد، كما يقال: فلان يحسن كذا: إذا علمه، ~~قاله السدي، ومقاتل. # والرابع: أن المعنى ألهم خلقه كل ما يحتاجون إليه، كأنه أعلمهم كل ذلك ~~وأحسنهم، قاله الفراء. # والخامس: أحسن إلى كل شئ خلقه، حكاه الماوردي. # وفي قوله تعالى: " خلقه " قراءتان. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~" خلقه " ساكنة اللام. وقرأ الباقون بتحريك اللام. وقال الزجاج: فتحها على ~~الفعل الماضي، وتسكينها على البدل، فيكون المعنى: أحسن خلق كل شئ خلقه. و ~~قال أبو عبيدة: المعنى: أحسن خلق كل شئ، و العرب تفعل مثل هذا، يقدمون ~~ويؤخرون. # قوله تعالى: (وبدأ خلق الإنسان) يعني آدم، (ثم جعل نسله) أي: ذريته ~~وولده، وقد سبق شرح الآية. # ثم رجع إلى آدم فقال: (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) وقد سبق بيان ذلك. ثم ~~عاد إلى ذريته فقال: (وجعل لكم السمع والأبصار) أي: بعد كونكم نطفا. # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ~~(10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى ~~إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون (12) PageV06P172 # قوله تعالى: (وقالوا) يعني منكري البعث (أإذا ضللنا في الأرض) وقرأ علي ~~بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وجعفر بن محمد، وأبو رجاء، وأبو مجلز، وحميد، ~~وطلحة: " ضللنا " بضاد معجمة وكسر اللام الأولى. قال الفراء: ضللنا وضللنا ~~لغتان، و المعنى: إذا صارت عظامنا ولحومنا ترابا كالأرض، تقول: ضل الماء في ~~اللبن، وضل الشئ في الشئ: إذا أخفاه وغلب عليه. # وقرأ أبو نهيك، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: " ~~ضللنا " بضم المعجمة وتشديد اللام الأولى وكسرها. وقرأ الحسن، وقتادة، ~~ومعاذ القارئ: " صللنا " بصاد غير معجمة مفتوحة، وذكر لها الزجاج معنيين: # أحدهما: أنتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا، يقال: صل اللحم وأصل: أنتن وتغير. # والثاني: صرنا ms1780 من جنس الصلة، وهي الأرض اليابسة. # قوله تعالى: (أإنا لفي خلق جديد)؟! هذا استفهام إنكار. # قوله تعالى: (الذي وكل بكم) أي: بقبض أرواحكم (ثم إلى ربكم ترجعون) يوم ~~الجزاء. # ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم) ~~أي: # مطأطئوها حياء وندما، (ربنا) فيه إضمار " يقولون ربنا " (أبصرنا وسمعنا) ~~أي: علمنا صحة ما كنا به مكذبين (فارجعنا) إلى الدنيا، وجواب " لو " متروك، ~~تقديره: لو رأيت حالهم لرأيت ما يعتبر به، ولشاهدت العجب. # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا ~~عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها ~~خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع ~~يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ~~من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) قوله تعالى: (ولكن حق القول مني) ~~أي: وجب وسبق، والقول هو قوله [تعالى] لإبليس (لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين). # قوله تعالى: (لأملأن جهنم من الجنة والناس) أي: من كفار الفريقين. ~~(فذوقوا) قال مقاتل: إذا دخلوا قالت لهم الخزنة: فذوقوا العذاب. وقال غيره: ~~إذا اصطرخوا فيها قيل لهم: PageV06P173 # (فذوقوا) قال مقاتل: إذا دخلوا قالت لهم الخزنة فذوقوا العذاب. و قال ~~غيره: إذا اصطرخوا فيها قيل لهم: ذوقوا بما نسيتم، أي بما تركتم العمل ~~للقاء يومكم هذا، (إنا نسيناكم) أي: تركناكم من الرحمة. # قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها) أي: وعظوا بها ~~(خروا سجدا) أي: سقطوا على وجوههم ساجدين. وقيل: المعنى: إنما يؤمن ~~بفرائضنا من الصلوات الخمس الذين إذا ذكروا بها بالأذان والإقامة خروا ~~سجدا. # قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم) اختلفوا فيمن نزلت وفي الصلاة التي تتجافى ~~لها جنوبهم على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في المتهجدين بالليل، روى معاذ بن جبل عن رسول الله صلى ~~الله عليه و سلم في قوله: # " تتجافى ms1781 جنوبهم " قال: " قيام العبد من الليل " وفي لفظ آخر أنه قال ~~لمعاذ: " إن شئت أنبأتك بأبواب الخير "، قال: قلت أجل يا رسول الله، قال: " ~~الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله ~~"، ثم قرأ: " تتجافى جنوبهم عن المضاجع ". # وكذلك قال الحسن، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، وقتادة، وابن زيد أنها في ~~قيام الليل. و قد روى العوفي عن ابن عباس قال: تتجافى جنوبهم لذكر الله ~~[تعالى]، كلما استيقظوا ذكروا الله [تعالى]، إما في الصلاة، وإما في قيام، ~~أو في قعود، أو على جنوبهم، فهم لا يزالون يذكرون الله [عز وجل]. # والثاني: أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله [صلى الله عليه و آله و ~~سلم] كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك. # والثالث: أنها نزلت في صلاة العشاء كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و ~~آله و سلم لا ينامون حتى يصلوها، قاله ابن عباس. # و الرابع: أنها صلاة العشاء والصبح في جماعة، قاله أبو الدرداء، والضحاك. # ومعنى " تتجافى ": ترتفع. والمضاجع جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضطجع ~~عليه. # (يدعون ربهم خوفا) من عذابه (وطمعا) في رحمته وثوابه (ومما رزقناهم ~~ينفقون) في الواجب والتطوع. PageV06P174 # (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم) وأسكن ياء " أخفي " حمزة، ويعقوب. قال الزجاج ~~في: # هذا الآية دليل على أن المراد بالآية التي قبلها: الصلاة في جوف الليل، ~~لأنه عمل يستسر الإنسان به فجعل لفظ ما يجازي به " أخفي لهم "، وإذا فتحت ~~الياء من أخفي، فعلى تأويل الفعل الماضي، وإذا أسكنتها، فالمعنى: ما أخفي ~~لهم، إخبار عن الله تعالى، وكذلك قال الحسن البصري: أخفي لهم، بالخفية ~~خفية، وبالعلانية علانية. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و آله ~~و سلم " يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم). # (من قرة أعين) وقرأ أبو الدرداء، وأبو هريرة، وأبو عبد ms1782 الرحمن السلمي، ~~والشعبي، وقتادة: " من قرأت أعين " بألف على الجمع. # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون (18) أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا ~~فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب ~~النار الذي كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من ~~المجرمين منتقمون (22) قوله تعالى: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) في سبب ~~نزولها قولان: # أحدهما: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال لعلي بن أبي طالب [عليه ~~السلام]: أنا أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، فقال له ~~علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية، فعنى بالمؤمن عليا، وبالفاسق ~~الوليد، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن يسار، وعبد الرحمن ~~بن أبي ليلى، ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل، قاله شريك. # قوله تعالى: (لا يستوون) قال الزجاج: لا يستوي المؤمنون والكافرون، ويجوز ~~أن تكون لاثنين، لأن معنى الاثنين جماعة، وقد شهد الله [عز وجل] بهذا ~~الكلام لعلي [عليه السلام] PageV06P175 # بالإيمان وأنه في الجنة، لقوله تعالى: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم جنات المأوى). وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف: " جنة المأوى " على ~~التوحيد. # قوله تعالى: (نزلا) قرأ الحسن، والنخعي، والأعمش، وابن أبي عبلة: " نزلا ~~" بتسكين الزاي. وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله تعالى: (ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى) وفيه ستة أقوال: # أحدها: أنه ما أصابهم يوم بدر، رواه مسروق عن ابن مسعود، وبه قال قتادة، ~~والسدي. # والثاني: سنون أخذوا بها، رواه أبو عبيدة عن ابن مسعود، وبه قال النخعي. ~~وقال مقاتل: # أخذوا بالجوع سبع سنين. # والثالث: مصائب الدنيا، قاله أبي بن كعب، وابن عباس في رواية ابن أبي ~~طلحة، وأبو العالية، والحسن، وقتادة، والضحاك. # والرابع: الحدود، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والخامس: عذاب القبر، قاله البراء. ms1783 # والسادس: القتل والجوع، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (دون العذاب الأكبر) أي: قبل العذاب الأكبر، وفيه قولان: # أحدهما: أنه عذاب يوم القيامة، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنه القتل ببدر، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (لعلهم يرجعون) قال أبو العالية: لعلهم يتوبون. وقال ابن ~~مسعود: لعل من بقي منهم يتوب. وقال مقاتل: لكي يرجعوا عن الكفر إلى ~~الإيمان. # قوله تعالى: (ومن أظلم) قد فسرناه في الكهف. # قوله تعالى: (إنا من المجرمين منتقمون) قال يزيد بن رفيع: هم أصحاب ~~القدر. وقال مقاتل: هم كفار مكة انتقم الله منهم بالقتل ببدر، وضربت ~~الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجل أرواحهم إلى النار. # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون (24) PageV06P176 # إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أو لم يهد ~~لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا ~~يسمعون (26) أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل ~~منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم ~~صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) ~~فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) قوله تعالى: (و لقد آتينا موسى ~~الكتاب) يعني التوراة (فلا تكن في مرية من لقائه) فيه أربعة أقوال: # أحدها: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه، رواه ابن عباس عن رسول الله ~~[صلى الله عليه و آله و سلم]. # و الثاني: من لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله أبو العالية، ومجاهد، وقتادة، ~~وابن السائب. # والثالث: فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى، قاله الحسن. # والرابع: لا تكن في مرية من تلقى موسى كتاب الله [عز و جل] بالرضى ~~والقبول، قاله السدي. # قال الزجاج: وقد قيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، فتكون الهاء ~~للكتاب. وقال أبو علي الفارسي: المعنى: من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر ~~إلى ms1784 ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح على امتثاله ما أمر به، وتنبيه على الأخذ ~~بمثل هذا الفعل. وفي قوله: (و جعلناه هدى) قولان: # أحدهما: الكتاب، قاله الحسن. # والثاني: موسى، قاله قتادة. # (وجعلنا منهم) أي: من بني إسرائيل (أئمة) أي: قادة في الخير (يهدون ~~بأمرنا) أي: يدعون الناس إلى طاعة الله (لما صبروا) و قرأ ابن كثير، وعاصم، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " لما صبروا " بفتح اللام وتشديد الميم. وقرأ ~~حمزة، والكسائي: " لما " بكسر اللام خفيفة. وقرأ ابن مسعود: " بما " بباء ~~مكان اللام، والمراد: صبرهم على دينهم وأذى عدوهم (وكانوا بآياتنا يوقنون) ~~أنها من الله عز وجل، وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم الأنبياء. # والثاني: أنهم قوم صالحون سوى الأنبياء. وفي هذا تنبيه لقريش أنكم إن ~~أطعتم جعلت منكم أئمة. # قوله تعالى: (إن ربك هو يفصل بينهم) أي: يقضي ويحكم، وفي المشار إليهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم الأنبياء وأممهم. PageV06P177 # والثاني: المؤمنون والمشركون. # ثم خوف كفار مكة بقوله [تعالى]: (أو لم يهد لهم) وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي: # " نهد " بالنون. وقد سبق تفسيره. # (أو لم يروا أنا نسوق الماء) يعني المطر والسيل (إلى الأرض الجرز) وهي ~~التي لا تنبت - وقد ذكرناها في أول الكهف - فإذا جاء الماء أنبت فيها ما ~~يأكل الناس والأنعام. # (ويقولون) يعني كفار مكة (متى هذا الفتح) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه ما فتح يوم بدر، روى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: يوم ~~بدر فتح للنبي صلى الله عليه و آله و سلم، فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم ~~بعد الموت. # والثاني: أنه يوم القيامة، وهو يوم الحكم بالثواب والعقاب، قاله مجاهد. # والثالث: أنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا، قاله السدي. # والرابع: فتح مكة، قاله ابن السائب، والفراء، وابن قتيبة، وقد اعترض على ~~هذا القول، فقيل: كيف لا ينفع الكفار إيمانهم يوم الفتح، وقد أسلم جماعة ~~وقبل إسلامهم يومئذ؟! ففيه جوابان: # أحدهما: لا ينفع من قتل من الكفار يومئذ إيمانهم بعد الموت، وقد ذكرناه ~~عن ابن عباس. # وقد ذكر ms1785 أهل السير أن خالدا دخل يوم الفتح من غير الطريق التي دخل منها ~~رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم]، فلقيه صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو ~~في آخرين فقاتلوه، فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم، فقتل أربعة وعشرين من ~~قريش، وأربعة من هذيل، وانهزموا: فلما ظهر رسول الله [صلى الله عليه و آله ~~و سلم] قال: " ألم أنه عن القتال "؟ فقيل: إن خالدا قوتل فقاتل. # والثاني: لا ينفع الكفار ما أعطوا من الأمان، لأن النبي صلى الله عليه و ~~آله و سلم قال: " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". ~~قال الزجاج: يقال: آمنت فلانا، فعلى هذا يكون المعنى: لا يدفع هذا الأمان ~~عنهم عذاب الله [عز و جل]. وهذا القول الذي قد دافعنا عنه ليس بالمختار، ~~وإنما بينا وجهه لأنه قد قيل. # وقد خرج بما ذكرنا في الفتح قولان: # أحدهما: أنه الحكم والقضاء، وهو الذي تختاره. # والثاني: فتح البلد. # قوله تعالى: (فأعرض عنهم وانتظر) أي: انتظر عذابهم (إنهم منتظرون) بك ~~حوادث الدهر. قال المفسرون: وهذه الآية منسوخة بأية السيف. والله أعلم ~~بالصواب. PageV06P178 # (33) سورة الأحزاب مدنية و آياتها ثلاث و سبعون وهي مدنية بإجماعهم بسم ~~الله الرحمن الرحيم يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن ~~الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللاءي تظهرون منهن أمهاتكم وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) ~~قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله) سبب نزولها أن أبا سفيان بن حرب، ~~وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، قدموا على رسول الله [صلى الله ~~عليه و آله و سلم] في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على عبد الله بن ~~أبي، ومتعب بن قشير، والجد بن قيس، فتكلموا فيما بينهم، وأتوا رسول الله ms1786 ~~[صلى الله عليه و آله و سلم] فدعوه إلى أمرهم وعرضوا عليه أشياء كرهها، ~~فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال مقاتل: سألوا رسول الله ~~[صلى الله عليه و آله و سلم] أن يرفض ذكر اللات والعزى ويقول: إن لها ~~شفاعة، فكره ذلك، ونزلت الآية. وقال ابن جرير: (ولا تطع الكافرين) الذين ~~يقولون: اطرد عنا أتباعك من ضعفاء المسلمين (والمنافقين) فلا تقبل منهم ~~رأيا. فإن قيل: ما الفائدة في أمر الله PageV06P179 # تعالى رسوله بالتقوى، وهو سيد المتقين؟! فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو عليه. # والثاني: الإكثار مما هو فيه. # والثالث: أنه خطاب ووجه به، والمراد أمته. # قال المفسرون: وأراد بالكافرين في هذه الآية: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا ~~الأعور، وبالمنافقين: عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة ~~بن أبيرق. وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه) وفي سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن المنافقين كانوا يقولون: لمحمد قلبان، قلب معنا، وقلب مع ~~أصحابه، فأكذبهم الله تعالى، ونزلت هذه الآية، قاله ابن عباس و والثاني: ~~أنها نزلت في جميل بن معمر الفهري - كذا نسبه جماعة من المفسرين. وقال ~~الفراء: جميل بن أسد، ويكنى: أبا معمر. وقال مقاتل: أبو معمر بن أنس الفهري ~~- وكان لبيبا حافظا لما سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان ~~في جوفه، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، ~~فلما كان يوم بدر وهزم المشركون ومنهم يومئذ جميل بن معمر، تلقاه أبو سفيان ~~وهو معلق إحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: ما حال الناس؟ قال: ~~انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت ~~إلا أنهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده، ~~وهذا قول جماعة من المفسرين. وقد قال الزهري في هذا قولا عجيبا، ms1787 قال: بلغنا ~~أن ذلك في زيد بن حارثة ضرب له مثل يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك. قال ~~الأخفش: " من " زائدة في قوله [تعالى]: " من قلبين ". # قال الزجاج: أكذب الله عز وجل هذا الرجل الذي قال: لي قلبان، ثم قرر بهذا ~~الكلام ما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال: (وما جعل أزواجكم ~~اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) فأعلم الله تعالى أن الزوجة لا تكون أما، ~~وكانت الجاهلية تطلق بهذا الكلام: وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، ~~وكذلك قوله تعالى: (و ما جعل أدعياءكم أبناءكم) أي: ما جعل من تدعونه ابنا ~~- وليس بولد في الحقيقة - ابنا (ذلكم قولكم بأفواهكم) أي: نسب من لا ~~PageV06P180 # حقيقة لنسبه قول بالفم لا حقيقة (و الله يقول الحق) أي: لا يجعل غير ~~الابن ابنا (وهو يهدي السبيل) أي: السبيل المستقيم. # وذكر المفسرون أن قوله تعالى: " وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن " ~~نزلت في أوس بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة. # ومعنى الكلام: ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن كأمهاتكم في التحريم، ~~إنما قولكم معصية، وفيه كفارة، وأزواجكم حلال لكم، وسنشرح هذا في سورة ~~المجادلة إن شاء الله. # وذكروا أن قوله [تعالى]: وما جعل أدعياءكم أبناءكم نزل في زيد بن حارثة، ~~أعتقه رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج ~~رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] زينب بنت جحش قال اليهود ~~والمنافقون: # تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فنزلت هذه الآية. # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما (5) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) قوله تعالى: ~~(ادعوهم لآبائهم) قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد ms1788 بن محمد، ~~حتى نزلت " أدعوهم لآبائهم ". # قوله تعالى: (هو أقسط) أي: أعدل، (فإن لم تعلموا آباءهم) أي: إن لم ~~تعرفوا آباءهم (فإخوانكم) أي: فهم إخوانكم، فليقل أحدكم: يا أخي، ~~(ومواليكم) قال الزجاج: # أي بنو عمكم. ويجوز أن يكون " مواليكم " أولياءكم في الدين. (و ليس عليكم ~~جناح فيما أخطأتم به) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فيما أخطأتم به قبل النهي، قاله مجاهد. # والثاني: في دعائكم من تدعونه إلى غير أبيه وأنتم ترونه كذلك، قاله ~~قتادة. PageV06P181 # والثالث: فيما سهوتم فيه، قاله حبيب بن أبي ثابت. # فعلى الأول يكون معنى قوله [تعالى]: (ولكن ما تعمدت قلوبكم) أي: بعد ~~النهي. وعلى الثاني والثالث. ما تعمدت في دعاء الرجل إلى غير أبيه. # قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي: أحق، فله أن يحكم فيهم ~~بما يشاء، قال ابن عباس: إذا دعاهم إلى شئ، ودعتهم أنفسهم إلى شئ، كانت ~~طاعته أولى من طاعة أنفسهم، وهذا صحيح، فإن أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه ~~هلاكهم، والرسول [عليه السلام] يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. # قوله تعالى: (و أزواجه أمهاتهم) أي: في تحريم نكاحهن على التأبيد، ووجوب ~~إجلالهن وتعظيمهن، ولا تجري عليهن أحكام الأمهات في كل شئ، إذ لو كان كذلك ~~لما جاز لأحد أن يتزوج بناتهن، ولورثن المسلمين، ولجازت الخلوة بهن. وقد ~~روى مسروق عن عائشة أن امرأة قالت: يا أماه، فقالت: لست لك بأم، إنما أنا ~~أم رجالكم، فبان بهذا الحديث أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. وقال ~~مجاهد: " وأزواجه أمهاتهم " وهو أب لهم. وما بعد هذا مفسر في آخر الأنفال ~~إلى قوله [تعالى]: (من المؤمنين والمهاجرين) والمعنى أن ذوي القرابات بعضهم ~~أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة كما كانوا يفعلون قبل النسخ ~~(إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) وهذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: ~~لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز، وذلك أن الله تعالى لما نسخ التوارث ~~بالحلف والهجرة، أباح الوصية للمعاقدين، فللانسان أن يوصي لمن يتولاه بما ~~أحب من ثلثه. فالمعروف ها هنا: الوصية. ms1789 # قوله تعالى: (كان ذلك) يعني نسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي الأرحام ~~(في الكتاب) يعني اللوح المحفوظ (مسطورا) أي: مكتوبا. # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين ~~عذابا أليما (8) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) ~~PageV06P182 # قوله تعالى: (وإذ أخذنا) المعنى: واذكر إذا أخذنا (من النبيين ميثاقهم) ~~أي: # عهدهم، وفيه قولان: # أحدهما: أخذ ميثاق النبيين: أن يصدق بعضهم بعضا، قاله قتادة. # والثاني: أن يعبدوا الله [تعالى] ويدعوا إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضا، ~~وأن ينصحوا لقومهم، قاله مقاتل. # وهذا الميثاق أخذ منهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذر. قال أبي بن كعب: لما ~~أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق آخر. # فإن قيل: لم خص الأنبياء الخمسة بالذكر دون غيرهم من الأنبياء؟ فالجواب: ~~أنه نبه بذلك على فضلهم، لأنهم أصحاب الكتب والشرائع، وقدم نبينا صلى الله ~~عليه و آله و سلم بيانا لفضله عليهم. قال قتادة: كان نبينا أول النبيين في ~~الخلق. و قوله: (ميثاقا غليظا) أي: شديدا على الوفاء بما حملوا. وذكر ~~المفسرون أن ذلك العهد الشديد: اليمين بالله عز وجل (ليسأل الصادقين) يقول: ~~أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين، وهم الأنبياء (عن صدقهم) في تبليغهم. ~~ومعنى سؤال الأنبياء - وهو يعلم صدقهم - تبكيت مكذبيهم. وهاهنا تم الكلام. ~~ثم أخبر بعد ذلك عما أعد للكافرين بالرسل. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم ~~جنود) وهم الذين تحزبوا على رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] أيام ~~الخندق. # الإشارة إلى القصة ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه و ~~آله وسلم لما أجلي بني النضير، ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم إلى ~~مكة فألبوا قريشا ودعوهم إلى الخروج لقتاله، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان ~~وسليم، ففارقوهم على مثل ذلك. وتجهزت قريش ومن ms1790 تبعهم من العرب، فكانوا ~~أربعة آلاف، وخرجوا يقودهم أبو سفيان، ووافتهم بنو سليم ب‍ " مر الظهران "، ~~وخرجت بنو أسد، وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، فكان جميع من وافى الخندق من ~~القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب، فلما بلغ رسول الله [صلى الله عليه و آله ~~وسلم] خروجهم من مكة، أخبر الناس خبرهم، وشاورهم، فأشار سلمان بالخندق، ~~فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] إلى ~~سفح " سلع "، وجعل سلعا خلف ظهره، ودس أبو سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى ~~بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله [صلى الله ~~عليه و آله وسلم] ويكونوا معهم عليه، فأجابوا، واشتد الخوف، وعظم البلاء، ~~ثم جرت بينهم مناوشة وقتال، وحصر رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] و ~~أصحابه بضع عشرة ليلة حتى PageV06P183 # خلص إليهم الكرب، وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم، فمشى بين قريش ~~وقريظة وغطفان فخذل بينهم، فاستوحش كل منهم من صاحبه، واعتلت قريظة بالسبت ~~فقالوا: لا يقاتل فيه، وهبت ليلة السبت ريح شديدة، فقال أبو سفيان: يا معشر ~~قريش، إنكم والله لستم بدار مقام، لقد هلك الخف والحافر، وأجدب الجناب، ~~وأخلفتنا قريظة، ولقينا من الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، فأصبحت ~~العساكر قد أقشعت كلها، قال مجاهد: والريح التي أرسلت عليهم هي الصبا، حتى ~~أكفأت قدورهم، " ونزعت فساطيطهم. والجنود: الملائكة، ولم تقاتل يومئذ. # وقيل: إن الملائكة جعلت تقلع أوتادهم وتطفئ نيرانهم وتكبر في جوانب ~~عسكرهم، فاشتدت عليهم، فانهزموا من غير قتال. # قوله تعالى: (لم تروها) وقرأ النخعي، والجحدري، والجوني، وابن السميفع: " ~~لم يروها " بالياء (و كان الله بما تعملون بصيرا) وقرأ أبو عمرو: " يعملون ~~" بالياء. # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) ~~وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ~~(12) قوله تعالى: (إذ جاؤوكم من فوقكم) أي: من فوق الوادي ومن ms1791 أسفله (وإذا ~~زاغت الأبصار) أي: مالت وعدلت، فلم تنظر إلى شئ إلا إلى عدوها مقبلا من كل ~~جانب (وبلغت القلوب الحناجر) وهي جمع حنجرة. والحنجرة: جوف الحلقوم. قال ~~قتادة: شخصت عن مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت. قال ~~غيره: المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ ~~رئته فيرتفع حينئذ القلب إلى الحنجرة، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس ~~والفراء. وذهب ابن قتيبة إلى أن المعنى: كادت القلوب تبلغ الحلوق من الخوف ~~وقال ابن الأنباري: " كاد " لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم ينطق به. # قوله تعالى: (وتظنون بالله الظنونا) قال الحسن: اختلفت ظنونهم، و ظن ~~المنافقون أن محمدا [عليه السلام] وأصحابه يستأصلون، وظن المؤمنون أنه ~~ينصر. PageV06P184 # قرأ ابن كثير، والكسائي، وحفص عن عاصم: " الظنونا " و " الرسولا " و " ~~السبيلا " بألف إذا وقفوا عليهن، وبطرحها في الوصل. وقال هبيرة عن حفص عن ~~عاصم: وصل أو وقف بألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بالألف ~~فيهن وصلا ووقفا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بغير ألف في وصل ولا ~~وقف. قال الزجاج: والذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السنة من قرائهم أن ~~يقرؤوا: " الظنونا " ويقفون على الألف ولا يصلون، وإنما فعلوا ذلك، لأن ~~أواخر الآيات عندهم فواصل يثبتون في آخرها الألف في الوقف. # قوله تعالى: (هنالك) أي: عند ذلك (ابتلى المؤمنون) أي: اختبروا بالقتال ~~والحصر ليتبين المخلص من المنافق (وزلزلوا) أي: أزعجوا وحركوا بالخوف، فلم ~~يوجدوا إلا صابرين. وقال الفراء: حركوا إلى الفتنة تحريكا، فعصموا. # قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) فيه قولان: # أحدهما: أنه الشرك، قاله الحسن. # والثاني: النفاق، قاله قتادة، (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) قال ~~المفسرون: قالوا يومئذ: إن محمدا يعدنا أن نفتح مدائن كسرى وقيصر وأحدنا لا ~~يستطيع أن يجاوز رحله! هذا والله الغرور. وزعم ابن السائب أن قائل هذا معتب ~~بن قشير. # وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم ms1792 ~~النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو ~~دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ~~(14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا ~~(15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) PageV06P185 # قوله تعالى: (و إذ قالت طائفة منهم) يعني من المنافقين. وفي القائلين ~~لهذا منهم قولان: # أحدهما: عبد الله بن أبي وأصحابه، قاله السدي. # والثاني: بنو سالم من المنافقين، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (يا أهل يثرب) قال أبو عبيدة: يثرب: اسم أرض، ومدينة النبي ~~صلى الله عليه و آله وسلم في ناحية منها. # قوله تعالى: (لا مقام لكم) وقرأ حفص عن عاصم: " لا مقام " بضم الميم. قال ~~الزجاج: من ضم الميم، فالمعنى: لا إقامة لكم، ومن فتحها، فالمعنى: لا مكان ~~لكم تقيمون فيه. وهؤلاء كانوا يثبطون المؤمنين عن النبي صلى الله عليه و ~~آله وسلم. # قوله تعالى: (فارجعوا) أي: إلى المدينة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~و آله وسلم خرج بالمسلمين حتى عسكروا ب‍ " سلع "، وجعلوا الخندق بينهم وبين ~~القوم، فقال المنافقون للناس: ليس لكم هاهنا مقام، لكثرة العدو، هذا قول ~~الجمهور. وحكى الماوردي قولين آخرين. # أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب، قاله ~~الحسن. # والثاني: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى طلب الأمان، قاله الكلبي. # قوله تعالى: (ويستأذن فريق منهم النبي) فيه قولان: # أحدهما: أنهم بنو حارثة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: بنو حارثة بن الحارث ~~بن الخزرج. وقال السدي: إنما استأذنه رجلان من بني حارثة. # والثاني: بنو حارثة، وبنو سلمة بن جشم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (إن بيوتنا عورة) قال ابن قتيبة: أي: خالية، فقد أمكن من ~~أراد دخولها، وأصل العورة: ما ذهب ms1793 عنه الستر والحفظ، فكأن الرجال ستر وحفظ ~~للبيوت، فإذا ذهبوا عورت البيوت، تقول العرب: أعور منزلك: إذا ذهب ستره، أو ~~سقط جداره، وأعور: إذا بان منه موضع خلل للضرب والطعن، يقول الله [تعالى] ~~(وما هي بعورة) لأن الله [تعالى] يحفظها، ولكن يريدون الفرار. وقال الحسن، ~~ومجاهد قالوا: بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق. و قال قتادة: قالوا: بيوتنا ~~مما يلي العدو، ولا نأمن على أهلنا، فكذبهم الله [تعالى] وأعلم أن قصدهم ~~الفرار. # قوله تعالى (ولو دخلت عليهم من أقطارها) يعني المدينة، والأقطار: النواحي ~~والجوانب، واحدها: قطر، (ثم سئلوا الفتنة) وقرأ علي بن أبي طالب [رضي الله ~~عنه]، والضحاك، والزهري، وأبو عمران وأبو جعفر، وشيبة: " ثم سيلوا " برفع ~~السين وكسر الياء من غير همز. PageV06P186 # وقرأ أبي بن كعب، ومجاهد وأبو الجوزاء: ثم سوءلوا " برفع السين ومد الواو ~~بهمزة مكسورة بعدها. # وقرأ الحسن، وأبو الأشهب: " ثم سولوا " برفع السين وسكون الواو من غير مد ~~ولا همز. وقرأ الأعمش، وعاصم الجحدري: " ثم سيلوا " بكسر السين ساكنة الياء ~~من غير همز ولا واو. ومعنى: # " سئلوا الفتنة "، سئلوا فعلها، والفتنة: الشرك، (لآتوها) قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر: # " لآتوها " بالقصر، أي: لقصدوها، ولفعلوها. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: # " لآتوها " بالمد، لأعطوها. قال ابن عباس في معنى الآية لو أن الأحزاب ~~دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا. # قوله تعالى: (وما تلبثوا بها إلا يسيرا) فيه قولان: # أحدهما: وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا، قاله قتادة. # والثاني: وما تلبثوا بالمدينة بعد الإجابة إلا يسيرا حتى يعذبوا، قاله ~~السدي، وحكى أبو سليمان الدمشقي في الآية قولا عجيبا، وهو أن الفتنة هاهنا: ~~الحرب، والمعنى: ولو دخلت المدينة على أهلها من أقطارها، ثم سئل هؤلاء ~~المنافقون الحرب لأتوها مبادرين، وما تلبثوا - يعني الجيوش الداخلة عليهم ~~بها - إلا قليلا حتى يخرجوهم منها، وإنما منعهم من القتال معك ما قد ~~تداخلهم من الشك في دينك، قال وهذا المعنى حفظته من كتاب الواقدي. # قوله تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل) ms1794 في وقت معاهدتهم ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنهم ناس غابوا عن وقعة بدر، فلما علموا ما أعطى الله [عز وجل] ~~أهل بدر من الكرامة قالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن، قاله قتادة. # والثاني: أنهم أهل العقبة، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] على طاعة الله [تعالى] ونصرة رسوله، قاله مقاتل. # والثالث: أنه لما نزل بالمسلمين يوم أحد ما نزل، عاهد الله [تعالى] معتب ~~بن قشير وثعلبة ابن حاطب: لا نولي دبرا قط، فلما كان يوم الأحزاب نافقا، ~~قاله الواقدي، واختاره أبو سليمان الدمشقي، وهو أليق مما قبله. وإذا كان ~~الكلام في حق المنافقين، فكيف يطلق القول على أهل العقبة كلهم! # قوله تعالى: (وكان عهد الله مسؤولا) أي: يسألون عنه في الآخرة. # ثم أخبر أن الفرار لا يزيد في آجالهم، فقال: (قل لن ينفعك الفرار إن ~~فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون) بعد الفرار في الدنيا (إلا قليلا) ~~وهو باقي آجالكم. PageV06P187 # ثم أخبر أن ما قدره عليهم لا يدفع بقوله [تعالى]: (من ذا الذي يعصمكم من ~~الله) أي: يجيركم ويمنعكم منه (إن أراد بكم سوءا) وهو الإهلاك والهزيمة ~~والبلاء (أو أراد بكم رحمة) وهي النصر والعافية والسلامة (ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا) أي: لا يجدون مواليا ولا ناصرا يمنعهم من مراد ~~الله [عز و جل] فيهم. # قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة ~~على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ~~(19) يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بأدون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا (21) ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا ms1795 الله ورسوله وصدق ~~الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) قوله تعالى: (قد يعلم الله ~~المعوقين منكم) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن رجلا انصرف من عند رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يوم ~~الأحزاب، فوجد أخاه لأبيه و أمه وعنده شواء ونبيذ، فقال له: أنت هاهنا ~~ورسول الله بين الرماح والسيوف؟! فقال: هلم إلي، لقد أحيط بك وبصاحبك، ~~والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا، فقال له: كذبت، والذي يحلف به، أما ~~والله لأخبرن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بأمرك، فذهب إلى رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] ليخبره، فوجده قد نزل جبريل بهذه الآية إلى قوله ~~[تعالى]: (يسيرا)، هذا قول ابن زيد. # والثاني: أن عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والمنافقين الذين رجعوا من ~~الخندق إلى المدينة، كانوا إذا جاءهم منافق قالوا له: ويحك اجلس فلا تخرج، ~~ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين في العسكر أن ائتونا بالمدينة فانا ننتظركم ~~- يثبطونهم عن القتال - وكانوا لا يأتون العسكر إلا PageV06P188 # أن لا يجدوا بدا، فيأتون ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم عادوا إلى ~~المدينة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. # والمعوق: المثبط، تقول: عاقني فلان، واعتاقني، وعوقني: إذا منعك عن الوجه ~~الذي تريده. وكان المنافقون يعوقون عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~نصاره. # قوله تعالى: (والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه المنافق الذي قال لأخيه ما ذكرناه في قول ابن زيد. # والثاني: أنهم اليهود دعوا إخوانهم من المنافقين إلى ترك القتال، قاله ~~مقاتل. # والثالث: أنهم المنافقون دعوا المسلمين إليهم عن رسول الله [صلى الله ~~عليه و آله و سلم]، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (و لا يأتون البأس) أي: لا يحضرون القتال في سبيل الله [عز ~~وجل] (إلا قليلا) للرياء والسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك الله [عز وجل] ~~لكان كثيرا. # قوله تعالى: (أشحة عليكم) قال الزجاج: هو منصوب على الحال. المعنى: لا ~~يأتون الحرب إلا تعذيرا، بخلاء عليكم. # وللمفسرين فيما شحوا به أربعة أقوال: ms1796 # أحدها: أشحة بالخير، قاله مجاهد. # والثاني: بالنفقة في سبيل الله [عز و جل]. # والثالث: بالغنيمة، رويا عن قتادة. وقال الزجاج: بالظفر والغنيمة. # والرابع: بالقتال معكم، حكاه الماوردي. # ثم أخبر عن جبنهم فقال: (فإذا جاء الخوف) أي: إذا حضر القتال (رأيتهم ~~ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه) من الموت أي: كدوران عين الذي ~~يغشى عليه من الموت، وهو الذي دنا موته وغشيته أسبابه، فإنه يخاف ويذهل ~~عقله ويشخص بصره فلا يطرف، فكذلك هؤلاء، لأنهم يخافون القتل. # (فإذا ذهب الخوف سلقوكم) قال الفراء: يقول آذوكم بالكلام في الأمن ~~(بألسنة حداد) سليطة ذربة، والعرب تقول: صلقوكم، بالصاد، ولا يجوز في ~~القراءة، هذا قول الفراء. وقد قرأ بالصاد أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو ~~عمران الجوني، وابن أبي عبلة في آخرين وقال الزجاج: معنى " سلقوكم ": ~~خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة، يقال: خطيب مسلاق: # إذا كان بليغا في خطبته (أشحة على الخير) أي: خاطبوكم وهم أشحة على المال ~~والغنيمة. قال قتادة: إذا كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، ~~يقولون: أعطونا فلستم أحق بها منا، PageV06P189 # فأما عند البأس، فأجبن قوم وأخذله للحق، وأما عند الغنيمة، فأشح قوم. # وفى المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الغنيمة. # والثاني: على المال أن ينفقوه في سبيل الله [تعالى]. # والثالث: على رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] بظفره. # قوله تعالى: (أولئك لم يؤمنوا) أي: هم وإن أظهروا الإيمان فليسوا ~~بمؤمنين، لنفاقهم (فأحبط الله أعمالهم) قال مقاتل أي: أبطل جهادهم، لأنه لم ~~يكن في إيمان (وكان ذلك) الإحباط (على الله يسيرا). # ثم أخبر عنهم بما يدل على جبنهم، فقال: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) أي: ~~يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم ~~يذهبوا، (وإن يأت الأحزاب) أي: يرجعوا إليهم كرة ثانية للقتال (يودوا لو ~~أنهم بأدون في الأعراب) أي: يتمنوا لو كانوا في بادية الأعراب من خوفهم، ~~(يسألون عن أنبائكم) أي: ودوا لو أنهم بالبعد منكم يسألون عن أخباركم، ~~فيقولون: ما ms1797 فعل محمد وأصحابه، ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة، ~~فرقا وجبنا، وقيل: بل يسألون شماتة بالمسلمين وفرحا بنكباتهم (ولو كانوا ~~فيكم) أي: لو كانوا يشهدون القتال معكم (ما قاتلوا إلا قليلا) فيه قولان: # أحدهما: إلا رميا بالحجارة، قاله ابن السائب. # والثاني: إلا رياء من غير احتساب، قاله مقاتل. # ثم عاب من تخلف بالمدينة بقوله [تعالى]: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة) أي: قدوة صالحة. والمعنى: لقد كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به في ~~الصبر معه كما صبر يوم أحد حتى كسرت رباعيته وشج جبينه وقتل عمه، وواساكم ~~مع ذلك بنفسه. # وقرأ عاصم: " أسوة " بضم الألف، والباقون بكسر الألف، وهما لغتان. قال ~~الفراء: أهل الحجاز وأسد يقولون: " إسوة " بالكسر، وتميم وبعض قيس يقولون: ~~" أسوة " بالضم. وخص الله [تعالى] بهذه الأسوة المؤمنين، فقال: (لمن كان ~~يرجو الله واليوم الآخر) والمعنى أن الأسوة برسول الله [صلى الله عليه و ~~آله و سلم] إنما كانت لمن كان يرجو الله وفيه قولان: # أحدهما: يرجو ما عنده من الثواب والنعيم، قاله ابن عباس. # والثاني: يخشى الله [عز و جل] ويخشى البعث، قاله مقاتل. PageV06P190 # قوله تعالى: (و ذكر الله كثيرا) أي: ذكرا كثيرا، لأن ذاكر الله [تعالى] ~~متبع لأوامره، بخلاف الغافل عنه. # ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب، فقال: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله) وفي ذلك الوعد قولان: # أحدهما: أنه قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين ~~خلوا من قبلكم...) الآية: فلما عاينوا البلاء يومئذ قالوا: هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين. # والثاني: أن رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] وعدهم النصر والظهور ~~على مدائن كسرى وقصور الحيرة، ذكره الماوردي وغيره. # قوله تعالى: (و ما زادهم) يعني ما رأوه (إلا إيمانا) بوعد الله [تعالى] ~~(و تسليما) لأمره. # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي الله ms1798 الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ~~إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ~~(25) وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطئوها وكان الله على كل شئ قديرا (27) قوله تعالى: (من المؤمنين رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه) اختلفوا فيمن نزلت على قولين: PageV06P191 # أحدهما: أنها نزلت في أنس بن النضر، قاله أنس بن مالك. وقد أخرج البخاري ~~ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فلما ~~قدم قال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ~~المشركين، لئن اشهدني الله عز وجل قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم ~~أحد انكشف الناس، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني ~~المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، ثم مشى بسيفه، فلقيه ~~سعد بن معاذ، فقال: # أي سعد، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة. ~~قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدناه بين القتلى به ~~بضع وثمانون جراحة، من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به، ~~قال: فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه، قال أنس: فكنا نقول: أنزلت هذه ~~الآية " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " فيه وفي أصحابه. # والثاني: أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله. روى النزال بن سبرة عن علي ~~[عليه السلام] أنهم قالوا له: حدثنا عن طلحة، قال: ذاك امرؤ نزلت فيه آية ~~من كتاب الله تعالى: " فمنهم من قضى نحبه " لا حساب عليه فيما يستقبل. وقد ~~جعل بعض المفسرين هذا القدر من الآية في طلحة، وأولها في أنس. قال ابن ~~جرير: ومعنى الآية: وفوا لله بما عاهدوه عليه. وفي ذلك أربعة أقوال. # أحدها: أنهم عاهدوا ms1799 ليلة العقبة على الإسلام والنصرة. # والثاني: أنهم قوم لم يشهدوا بدرا، فعاهدوا الله [عز وجل] أن لا يتأخروا ~~بعدها. # والثالث: أنهم عاهدوا أن لا يفروا إذا لاقوا، فصدقوا. # والرابع: أنهم عاهدوا على البأساء والضراء وحين البأس. PageV06P192 # قوله تعالى: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فمنهم من مات، ومنهم من ينتظر الموت، قاله ابن عباس و والثاني: ~~فمنهم من قضى عهده قتل أو عاش. ومنهم من ينتظر أن يقضيه بقتال أو لقاء، ~~قاله مجاهد. # والثالث: فمنهم من قضى نذره الذي كان نذر، قاله أبو عبيدة. فيكون النحب ~~على القول الأول: الأجل، وعلى الثاني: العهد، وعلى الثالث: النذر. وقال ابن ~~قتيبة: " قضى نحبه " أي: قتل، وأصل النحب: النذر، كأن قوما نذورا أنهم إن ~~لقوا العدو قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله عليهم، فقتلوا، فقيل: فلان قضى ~~نحبه، أي: قتل فاستعير النحب مكان الأجل، لأن الأجل وقع بالنحب، وكان النحب ~~سببا له، ومنه قيل: للعطية: " من "، لأن من أعطى فقد من. # قال ابن عباس: ممن قضى نحبه: حمزة بن عبد المطلب، وأنس بن النضر وأصحابه. ~~وقال ابن إسحاق: " فمنهم من قضى نحبه " من استشهد يوم بدر وأحد، " ومنهم من ~~ينتظر " ما وعد الله من نصره، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابه (وما ~~بدلوا) أي: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم عليه كما غير المنافقون. # قوله تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) وهم المؤمنون الذين صدقوا فيما ~~عاهدوا الله تعالى عليه (ويعذب المنافقين) بنقض العهد (إن شاء) وهو أن ~~يميتهم على نفاقهم (أو يتوب عليهم) في الدنيا، فيخرجهم من النفاق إلى ~~الإيمان، فيغفر لهم. # (ورد الله الذين كفروا) يعني الأحزاب، صدهم ومنعهم عن الظفر بالمسلمين ~~(بغيظهم) أي: لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا (لم ينالوا خيرا) أي: لم يظفروا ~~بالمسلمين، وكان ذلك عندهم خيرا، فخوطبوا على استعمالهم (وكفى الله ~~المؤمنين القتال) بالريح والملائكة، (وأنزل الذين ظاهروهم) أي: عاونوا ~~الأحزاب، وهم بنو قريظة، وذلك أنهم نقضوا ما بينهم وبين رسول ms1800 الله [صلى ~~الله عليه وسلم] من العهد، وصاروا مع المشركين يدا واحدة. # وهذه الإشارة إلى قصتهم ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما انصرف من الخندق وضع عنه اللأمة واغتسل، فتبدى له جبريل، ~~فقال: ألا أراك وضعت اللأمة، وما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة؟! # إن الله [عز وجل] يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل ~~بهم حصونهم، فدعا عليا [رضي الله عنه] فدفع لواءه إليه، وبعث بلالا فنادى ~~في الناس: إن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يأمركم أن PageV06P193 # لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة، ثم سار إليهم فحاصرهم خمسة عشر يوما أشد ~~الحصار، و قيل: # عشرين ليلة، فأرسلوا إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: أرسل إلينا أبا ~~لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم، فشاوروه في أمرهم، فأشار إليهم بيده: ~~إنه الذبح، ثم ندم فقال: خنت الله [تعالى] ورسوله، فانصرف فارتبط في المسجد ~~حتى أنزل الله [تعالى] توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، فأمر بهم رسول الله محمد بن مسلمة، فكتفوا، ونحوا ناحية، وجعل ~~النساء والذرية ناحية. وكلمت أوس رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن يهبهم ~~لهم، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] الحكم فيهم إلى ~~سعد بن معاذ، هكذا ذكر محمد بن سعد. وحكى غيره: أنهم نزلوا أولا على حكم ~~سعد بن معاذ، وكان بينهم وبين قومه حلف، فرجوا أن تأخذه فيهم هوادة، فحكم ~~فيهم أن يقتل كل من جرت عليه المواسي، وتسبى النساء والذراري، وتقسم ~~الأموال. فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: " لقد حكمت بحكم الله ~~[تعالى] من فوق سبعة أرقعة "، وانصرف رسول الله [صلى الله عليه و آله ~~وسلم]، وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود في السوق، وجلس رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما ~~بين ستمائة إلى السبعمائة. # قوله تعالى: (من صياصيهم) قال ابن عباس وقتادة: من حصونهم، ms1801 قال ابن ~~قتيبة: وأصل الصياصي: قرون البقر، لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها، فقيل ~~للحصون: الصياصي، لأنها تمنع، وقال الزجاج: كل قرن صيصية، وصيصية الديك: ~~شوكة يتحصن بها. # قوله تعالى: (و قذف في قلوبهم الرعب) أي: ألقى فيها الخوف (فريقا تقتلون) ~~وهم المقاتلة (وتأسرون) وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة: " وتأسرون " برفع ~~السين (فريقا) وهم النساء والذراري، (وأورثكم أرضهم وديارهم) يعني منازلهم ~~و نخيلهم (و أموالهم) من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء (وأرضا لم ~~تطؤوها) بأقدامكم بعد، وهي مما سنفتحها عليكم وفيها أربعة أقوال: # أحدها: أنها فارس والروم، قاله الحسن. # والثاني: ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة، قاله عكرمة. # والثالث: مكة، قاله قتادة. # والرابع: خيبر، قاله ابن زيد، وابن السائب، وابن إسحاق، ومقاتل. # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن PageV06P194 # وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن ~~الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن ~~لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا ~~نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في ~~قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) اذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) قوله تعالى: (يا أيها النبي قل ~~لأزواجك...) الآية، ذكر أهل التفسير أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن ~~على بعض، فآلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] شهرا، وصعد إلى غرفة له فمكث ~~فيها، فنزلت هذه الآية، وكن أزواجه يومئذ تسعا: # عائشة، وحفصة، وأم حبيبة: وسودة، وأم سلمة، وصفية الخيبرية، وميمونة ~~الهلالية، وزينب ms1802 بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، فنزل رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] فعرض الآية عليهن، فبدأ بعائشة، فاختارت الله ورسوله، ثم قالت: ~~يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك، فقال، " إن الله بعثني مبلغا ولم ~~يبعثني متعنتا ". وقد ذكرت حديث التخيير في كتاب " الحدائق " وفي " المغنى ~~" بطوله. # وفي ما خيرهن فيه قولان: # أحدهما: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، هذا قول عائشة رضي الله عنها. # والثاني: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، أو اختيار الآخرة ~~فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن، وقتادة. و في سبب تخييره إياهن ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهن سألنه زيادة النفقة. # والثاني: أنهن آذينه بالغيرة. والقولان مشهوران في التفسير. # والثالث: أنه لما خير بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة، أمر ~~بتخيير نسائه ليكن على PageV06P195 # مثل حاله، حكاه أبو القاسم الصيمري. # والمراد بقوله [تعالى]: (أمتعكن): متعة الطلاق. والمراد بالسراح: الطلاق، ~~وقد ذكرنا ذلك في البقرة. والمراد بالدار الآخرة. الجنة. والمحسنات: ~~المؤثرات للآخرة. # قال المفسرون: فلما اخترنه أثابهن الله عز وجل ثلاثة أشياء: # أحدها: التفضيل على سائر النساء بقوله [تعالى]: (لستن كأحد من النساء). # والثاني: أن جعلهن أمهات المؤمنين. # والثالث: أن حظر عليه طلاقهن والاستبدال بهن بقوله [تعالى]: (لا يحل لك ~~النساء من بعد). وهل أبيح له بعد ذلك التزويج عليهن، فيه قولان سيأتي ~~ذكرهما إن شاء الله [تعالى]. # قوله تعالى: (من يأت منكن بفاحشة مبينة) أي: بمعصية ظاهرة. قال ابن عباس: ~~يعني النشوز وسوء الخلق (يضاعف لها العذاب ضعفين) أي: يجعل عذاب جرمها في ~~الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين. وإنما ضوعف ~~عقابهن، لأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة مالا يشاهد غيرهن، فإذا لم يمتنعن ~~استحققن تضعيف العذاب، ولأن في معصيتهن أذى لرسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، وجرم من آذى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أكبر من جرم غيره. # قوله تعالى: (وكان ذلك على الله يسيرا) أي: وكان عذابها على الله [عز ~~وجل] هينا. # (ومن يقنت) أي: تطع، و (أعتدنا) ms1803 قد سبق بيانه، والرزق الكريم: الحسن، وهو ~~الجنة. # ثم أظهر فضيلتهن على النساء بقوله [تعالى]: (لستن كأحد من النساء) قال ~~الزجاج: لم يقل: كواحدة من النساء، لأن " أحدا " نفي عام للمذكر والمؤنث ~~والواحد والجماعة. قال ابن عباس: يريد: ليس قدركن أن عندي مثل قدر غيركن من ~~النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، وثوابكن أعظم (إن اتقيتن)، فشرط عليهن ~~التقوى بيانا ان فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهن برسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم]. # قوله تعالى: (فلا تخضعن بالقول) أي: لا تلن بالكلام (فيطمع الذي في قلبه ~~مرض) أي: فيجوز، والمعنى: لا تقلن قولا يجد به منافق أو فاجر سبيلا إلى ~~موافقتكن له، والمرأة مندوبة PageV06P196 # إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في ~~الريبة. # (وقلن قولا معروفا) أي: صحيحا عفيفا لا يطمع فاجرا. # (وقرن في بيوتكن) قرأ نافع، وعاصم إلا أبان، وهبيرة، والوليد بن مسلم عن ~~ابن عامر: # " وقرن " بفتح القاف، وقرأ الباقون بكسرها. قال الفراء: من قرأ بالفتح، ~~فهو من قررت في المكان، فخففت، كما قال: (ظلت عليه عاكفا)، ومن قرأ بالكسر، ~~فمن الوقار، يقال: قر في منزلك، وقال ابن قتيبة: من قرأ بالكسر، فهو من ~~الوقار، يقال: وقر في منزله يقر وقورا. ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار. ~~وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل: " واقررن بإسكان القاف وبراءين الأولى ~~مفتوحة والثانية ساكنة. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة مثله، إلا أنهما ~~كسرا الراء الأولى. # قال المفسرون: ومعنى الآية: الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وأن لا ~~يخرجن. # قوله تعالى: (ولا تبرجن) قال أبو عبيدة: التبرج: أن يبرزن محاسنهن. وقال ~~الزجاج: # التبرج: إظهار الزينة وما تستدعى به شهوة الرجل، و في (الجاهلية الأولى) ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنها كانت بين إدريس ونوح، وكانت ألف سنة، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. # و الثاني: أنها كانت على عهد إبراهيم عليه السلام، وهو قول عائشة رضي ~~الله عنها. # والثالث: بين نوح وآدم، قاله الحكم. # والرابع: ما بين عيسى ms1804 ومحمد عليهما السلام، قاله الشعبي. قال الزجاج: ~~وإنما قيل: # " الأولى "، لأن كل متقدم أول، وكل متقدمة أولى، فتأويله: أنهم تقدموا ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم و في صفة تبرج الجاهلية الأولى ستة أقوال: # أحدها: أن المرأة كانت تخرج فتمشي بين الرجال، فهو التبرج، قاله مجاهد. # والثاني: أنها مشية فيها تكسر وتغنج، قاله قتادة. # والثالث: أنه التبختر، قاله أبن أبي نجيح. # والرابع: أن المرأة منهن كانت تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط ~~الطريق ليس عليها غيره، وذلك في زمن إبراهيم عليه السلام، قاله الكلبي. # والخامس: أنها كانت تلقي عن رأسها ولا تشده، فيرى قرطها وقلائدها، قاله ~~مقاتل. # والسادس: أنها كانت تلبس الثياب تبلغ المال، لا تواري جسدها، حكاه ~~الفراء. PageV06P197 # قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) و في للمفسرين خمسة ~~أقوال: # أحدها: الشرك، قاله الحسن. # والثاني: الإثم، قاله السدي. # والثالث: الشيطان، قاله ابن زيد. # والرابع: الشك. # والخامس: المعاصي، حكاهما الماوردي. قال الزجاج: الرجس: كل مستقذر من ~~مأكول أو عمل أو فاحشة. # ونصب " أهل البيت " على وجهين: # أحدهما: على معنى: أعني أهل البيت. # والثاني: على النداء، فالمعنى: يا أهل البيت. و في المراد بأهل البيت ~~هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهن في بيته، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وابن السائب، ومقاتل. ويؤكد هذا ~~القول أن ما قبله وبعده متعلق وبعده متعلق بأزواج رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]. وعلى أرباب هذا القول اعتراض، وهو أن جمع المؤنث بالنون، فكيف قيل: ~~" عنكم " " ويطهركم "؟ فالجواب أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فيهن، ~~فغلب المذكر. # والثاني: أنه خاص في رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وعلي وفاطمة والحسن ~~والحسين [رضوان الله عليهم]، قاله أبو سعيد الخدري. وروي عن أنس وعائشة وأم ~~سلمة نحو ذلك. # والثالث: أنهم أهل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأزواجه، قاله الضحاك. ~~وحكى الزجاج أنهم نساء النبي [صلى الله عليه وسلم] والرجال الذين هم ms1805 آله، ~~قال: واللغة تدل على أنها للنساء والرجال جميعا، لقوله [تعالى]: (عنكم) ~~بالميم، ولو كانت للنساء، لم يجز إلا " عنكن " ويطهركن ". # قوله تعالى: (ويطهركم تطهيرا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من الشرك، قاله مجاهد. # والثاني: من السوء، قاله قتادة. # والثالث: من الإثم، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: (واذكرن) فيه قولان: # أحدهما: أنه تذكير لهن بالنعم. PageV06P198 # والثاني: أنه أمر لهن بحفظ ذلك. فمعنى " واذكرن ": واحفظن (ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله) يعني القرآن. وفي الحكمة قولان: # أحدهما: أنها السنة، قاله قتادة. # والثاني: الأمر والنهي، قاله قتادة. # قوله تعالى: (إن الله كان لطيفا) أي: ذا لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي ~~تتلى فيها آياته (خبيرا) بكن إذ اختاركن لرسوله. # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) قوله تعالى: (إن ~~المسلمين والمسلمات) في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن نساء رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قلن: ما له ليس يذكر إلا ~~المؤمنون، ولا يذكر المؤمنات بشئ؟! فنزلت هذه الآية، رواه أبو ظبيان عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر! فنزلت هذه ~~الآية، ونزل قوله تعالى: (لا أضيع عمل عامل منكم)، قاله مجاهد. # والثالث: أن أم عمارة الأنصارية قالت: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي ما ~~بال الرجال يذكرون، ولا تذكر النساء؟! فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. وذكر ~~مقاتل بن سليمان أن أم سلمة وأم عمارة قالتا ذلك، فنزلت الآية في قولهما. ~~PageV06P199 # والرابع: أن الله تعالى لما ذكر أزواج رسوله دخل النساء المسلمات عليهن ~~فقلن: ذكرتن ولم نذكر، ولو كان فينا خير ذكرنا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~قتادة. # والخامس: أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة دخلت على نساء رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] فقالت: هل نزل فينا شئ من القرآن؟ قلن: لا، فأتت رسول ~~الله [صلى الله عليه ms1806 وسلم]، فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار، ~~قال: " ومم ذاك "؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فنزلت هذه ~~الآية، ذكره مقاتل بن حيان. # وقد سبق تفسير ألفاظ الآية في مواضع. # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر ~~الله مفعولا (37) قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة...) الآية، في سبب ~~نزولها قولان: # أحدهما: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] انطلق يخطب زينب بنت جحش لزيد ~~بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، ولست بناكحته، فقال رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]: " بلى فانكحيه، فإني قد رضيته لك "، فأبت. فنزلت هذه الآية. وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. وذكر بعض المفسرين أن ~~عبد الله بن جحش أخا زينب كره ذلك كما كرهته زينب، فلما نزلت الآية رضيا ~~وسلما. قال مقاتل: والمراد بالمؤمن: عبد الله بن جحش، والمؤمنة: زينب بنت ~~جحش. PageV06P200 # و الثاني: أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول امرأة ~~هاجرت، فوهبت نفسها لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فقال: " قد قبلتك "، ~~وزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله، ~~فزوجها عبده؟! فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد. والأول عند المفسرين أصح. # قوله تعالى: (إذا قضى الله ورسوله أمرا) أي: حكما بذلك (أن تكون) وقرأ ~~أهل الكوفة: " أن يكون " بالياء (لهم الخيرة) وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء: " ~~الخيرة " باسكان الياء، فجمع في الكناية في قوله [تعالى]: " هم "، لأن ~~المراد جميع المؤمنين والمؤمنات، والخيرة: # الاختيار، فأعلم الله عز وجل أنه لا اختيار على ما ms1807 قضاه الله ورسوله. ~~فلما زوجها رسول الله [صلى الله عليه وسلم] زيدا مكثت عنده حينا، ثم إن ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أتى منزل زيد فنظر إليها وكانت بيضاء جميلة ~~من أتم نساء قريش، فوقعت في قلبه، فقال: " سبحان الله مقلب القلوب "، وفطن ~~زيد، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، وقال بعضهم: أتى رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] منزل زيد، فرأى زينب، فقال: " سبحان مقلب القلوب "، ~~فسمعت ذلك زينب، فلما جاء زيد ذكرت له ذلك، فعلم أنها قد وقعت في نفسه، ~~فأتاه فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها. وقال ابن زيد: جاء رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] إلى باب زيد - وعلى الباب ستر من شعر - فرفعت الريح ~~الستر، فرأى زينب، فلما وقعت في قلبه كرهت إلى الآخر، فجاء فقال: يا رسول ~~الله أريد فراقها، فقال: " اتق الله ". وقال مقاتل: لما فطن زيد لتسبيح ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن ~~فيها كبرا، فهي تعظم علي وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي [صلى الله عليه ~~وسلم]: " أمسك عليك زوجك واتق الله ". ثم إن زيدا طلقها بعد ذلك، فأنزل ~~الله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) بالإسلام (وأنعمت عليه) ~~بالعتق. # قوله تعالى: (و اتق الله) أي: في أمرها فلا تطلقها (و تخفي في نفسك) أي: ~~تسر وتضمر في قلبك (ما الله مبديه) أي: مظهره، وفيه أربعة أقوال: # أحدها: حبها، قاله ابن عباس. # و الثاني: عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة، فلما أتى زيد ~~يشكوها، قال له: # " أمسك عليك زوجك واتق الله "، وأخفى في نفسه ما الله مبديه، قاله علي بن ~~الحسين. # والثالث: إيثاره لطلاقها، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل. # والرابع: أن الذي أخفاه: إن طلقها زيد تزوجتها، قاله ابن زيد. ~~PageV06P201 # قوله تعالى: (و تخشى الناس) فيه قولان: # أحدهما: أنه خشي اليهود أن يقولوا: تزوج محمد امرأة ابنه، رواه عطاء عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنه ms1808 خشي لوم الناس أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها. # قوله تعالى: (والله أحق أن تخشاه) أي: أولى أن تخشى في كل الأحوال. وليس ~~المراد أنه لم يخش الله [تعالى] في هذه الحال، ولكن لما كان لخشيته بالخلق ~~نوع تعلق، قيل له: الله أحق أن تخشى منهم. قالت عائشة: ما نزلت على رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولو كتم شيئا من ~~الوحي لكتمها. # فصل وقد ذهب بعض العلماء إلى تنزيه رسول الله [صلى الله عليه و آله و ~~سلم] من حبها وإيثاره طلاقها. وإن كان ذلك شائعا في التفسير. قالوا: وإنما ~~عوتب في هذه القصة على شيئين: # أحدهما: أنه أخبر بأنها ستكون زوجة له، فقال لزيد: " أمسك عليك زوجك " ~~وكتم ما أخبره الله [تعالى] به من أمرها حياء من زيد أن يقول له: إن زوجتك ~~ستكون امرأتي، وهذا يخرج على ما ذكرنا عن علي بن الحسين، وقد نصره الثعلبي، ~~والواحدي. # والثاني: أنه لما رأى اتصال الخصومة بين زيد وزينب، ظن أنهما لا يتفقان ~~وأنه سيفارقها، وأضمر أنه إن طلقها تزوجها صلة لرحمها، وإشفاقا عليها، ~~لأنها كانت بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، فعاتبه الله تعالى على إضمار ~~ذلك وإخفاؤه حين قال لزيد: " أمسك عليك زوجك "، وأراد منه أن يكون ظاهره ~~وباطنه عند الناس سواء كما قيل له في قصة رجل أراد قتله: هلا أومأت إلينا ~~بقتله؟ فقال: " ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين "، ذكر هذا القول ~~القاضي أبو يعلى رحمة الله عليه. # قوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرا) قال الزجاج: الوطر كل حاجة لك فيها ~~همة، فإذا بلغها البالغ، و قد قضى وطره. وقال غيره: قضاء الوطر في اللغة: ~~بلوغ منتهى ما في النفس من الشئ، ثم صار عبارة عن الطلاق، لأن الرجل إنما ~~يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. # والمعنى: لما قضى زيد حاجته من نكاحها (زوجناكها)، وإنما ذكر قضاء الوطر ~~هاهنا ليبين أن امرأة ms1809 المتبني تحل وإن وطئها، وهو قوله [تعالى]: (لكيلا ~~يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم)، والمعنى: زوجناك زينب - وهي ~~امرأة زيد الذي تبنيته - لكيلا يظن أن امرأة المتبني لا يحل نكاحها. وروى ~~مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال: لما انقضت عدة زينب قال ~~PageV06P202 # رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لزيد: " اذهب فاذكرها علي "، قال زيد: ~~فانطلقت، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، لأن رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا ~~زينب، أرسلني رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة ~~شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] فدخل عليها بغير إذن. # وذكر أهل العلم أن من خصائص رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أنه أجيز له ~~التزويج بغير مهر ليخلص قصد زوجاته لله [عز و جل] دون العوض، وليخفف عنه، ~~وأجيز له التزويج بغير ولي، لأنه مقطوع بكفاءته، وكذلك هو مستغن في نكاحه ~~عن الشهود. وكانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: # زوجكن أهلوكن، وزوجني في الله عز وجل. # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ~~ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما (40) قوله تعالى: (ما ~~كان على النبي من حرج فيما فرض الله له) قال قتادة: فيما أحل الله [عز وجل] ~~له من النساء. # قوله تعالى: (سنة الله) هي منصوبة على المصدر، لأن معنى " ما كان على ~~النبي من حرج ": سن الله [عز و جل] سنة واسعة لا حرج فيها. والذين خلوا: هم ~~النبيون، فالمعنى: أن سنة الله [عز و جل] في التوسعة على محمد فيما فرض له، ~~كسنته الله [تعالى] ms1810 في الأنبياء الماضين. قال ابن السائب: هكذا سنة الله في ~~الأنبياء، كداود، فإنه كان له مائة امرأة، وسليمان كان له سبعمائة امرأة ~~وثلاثمائة سرية، (و كان أمر الله قدرا مقدورا) أي: قضاء مقضيا. وقال ابن ~~قتيبة: # " سنة الله في الذين خلوا " معناه: لا حرج على أحد فيما لم يحرم عليه. # ثم اثنى الله [تعالى] على الأنبياء بقوله [تعالى]: (الذين يبلغون رسالات ~~الله ويخشونه ولا PageV06P203 # يخشون أحدا إلا الله) أي: لا يخافون لائمة الناس وقولهم فيما أحل لهم. ~~وباقي الآية قد تقدم بيانه. # قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) قال المفسرون: لما تزوج ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] زينب، قال الناس: إن محمدا قد تزوج امرأة ~~ابنه، فنزلت هذه الآية، والمعنى: ليس بأب لزيد فتحرم عليه زوجته (ولكن رسول ~~الله) قال الزجاج: من نصبه، فالمعنى: ولكن كان رسول الله [عليه السلام]، ~~وكان خاتم النبيين، ومن رفعه، فالمعنى: ولكن هو رسول الله [عليه السلام]، ~~ومن قرأ: " خاتم " بكسر التاء، فمعناه: وختم النبيين، ومن فتحها، فالمعنى: ~~آخر النبيين. قال ابن عباس: يريد: لو لم أختم به النبيين، لجعلت له ولدا ~~يكون بعده نبيا. # يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا ~~(42) هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) قال ~~تعالى: (اذكروا الله ذكرا كثيرا) قال مجاهد: هو أن لا تنساه أبدا. وقال ابن ~~السائب: # يقال: " ذكرا كثيرا " بالصلوات الخمس. وقال مقاتل بن حيان: هو التسبيح ~~والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال: وقد روى أبو هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول ربكم: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي ~~شفتاه ". # قوله تعالى: (و سبحوه بكرة وأصيلا) قال أبو عبيدة: الأصيل: ما بين العصر ~~إلى الليل. # وللمفسرين في هذا التسبيح قولان: # أحدهما: أنه الصلاة، واتفق أرباب هذا القول على أن المراد بالتسبيح بكرة: ~~صلاة الفجر. # واختلفوا في صلاة الأصيل ms1811 على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها صلاة العصر، قاله أبو العالية، وقتادة. # والثاني: أنها الظهر والعصر، قاله مقاتل. PageV06P204 # والقول الثاني: أنه التسبيح باللسان، وهو قوله: " سبحان الله، والحمد ~~لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله "، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) في صلاة الله [تعالى] علينا ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنها رحمته، قاله الحسن. # والثاني: مغفرته، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: ثناؤه، قاله أبو العالية. # والرابع: كرامته، قاله سفيان. # والخامس: بركته، قاله أبو عبيدة. # وفي صلاة الملائكة قولان: # أحدهما: أنها دعاؤهم، قاله أبو العالية. # والثاني: استغفارهم، قاله مقاتل. # وفى الظلمات والنور ههنا ثلاثة أقوال: # أحدها: الضلالة والهدى، قاله ابن زيد. # والثاني: الإيمان والكفر، قاله مقاتل. # والثالث: الجنة والنار، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (تحيتهم) الهاء والميم كناية عن المؤمنين. # فأما الهاء في قوله [تعالى]: (يلقونه) ففيها قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى: ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه ~~تحيتهم من الله يوم يلقونه سلام. وروى صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الله [تعالى] يسلم على أهل الجنة. والثاني: تحيتهم من الملائكة يوم يلقون ~~الله [تعالى]: سلام، قاله مقاتل. وقال أبو حمزة الثمالي: تسلم عليهم ~~الملائكة يوم القيامة، وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم. والثالث: تحيتهم ~~بينهم يوم يلقون ربهم: # سلام، وهو أن يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # و القول الثاني: أن الهاء ترجع إلى ملك الموت، وقد سبق ذكره في ذكر ~~الملائكة. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال له: ربك ~~يقرئك السلام. وقال البراء بن عازب: في قوله تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه) ~~قال: ملك الموت ليس مؤمن يقبض روحه إلا PageV06P205 # سلم عليه. فأما الأجر الكريم، فهو الحسن في الجنة. # يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ms1812 ~~(48) قوله تعالى تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا) أي: على أمتك ~~بالبلاغ (ومبشرا) بالجنة لمن صدقك (ونذيرا) أي: منذرا بالنار لمن كذبك، ~~(وداعيا إلى الله) أي: إلى توحيده وطاعته (بإذنه) أي: بأمره، لا أنك فعلته ~~من تلقاء نفسك (وسراجا منيرا) أي: أنت لمن اتبعك " سراجا "، أي: كالسراج ~~المضئ في الظلمة يهتدي به. # قوله تعالى: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) وهو الجنة. قال ~~جابر بن عبد الله: لما أنزل قوله [تعالى]: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا...) ~~الآيات قالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: (ولا تطع الكافرين) قد سبق في أول السورة. # قوله تعالى: (ودع أذاهم) قال العلماء: معناه: لا تجازهم عليه (وتوكل على ~~الله) في كفاية شرهم، وهذا منسوخ بآية السيف. # يا أيها الذين آمنوا إذ نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) قوله تعالى: ~~(إذا نكحتم المؤمنات) قال الزجاج: معنى " نكحتم " تزوجتم. ومعنى " تمسوهن " ~~تقربوهن. وقرأ حمزة، والكسائي: " تماسوهن " بألف. # قوله تعالى: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) أجمع العلماء أنه إذا كان ~~الطلاق قبل PageV06P206 # المسيس والخلوة فلا عدة، وعندنا أن الخلوة توجب العدة وتقرر الصداق، ~~خلافا للشافعي عنه. # قوله تعالى: (فمتعوهن) المراد به من لم يسم لها مهرا، لقوله [تعالى] في: ~~(أو تفرضوا لهن فريضة) وقد بينا المتعة هنالك. وكان سعيد بن المسيب وقتادة ~~يقولان: هذه الآية منسوخة بقوله [تعالى]: (فنصف ما فرضتم). # قوله تعالى: (وسرحوهن سراحا جميلا) أي: من غير إضرار. وقال قتادة: هو ~~طلاقها طاهرا من غير جماع. وقال القاضي أبو يعلي: الأظهر أن هذا التسريح ~~ليس بطلاق، لأنه قد ذكر الطلاق، وإنما هو بيان أنه لا سبيل له عليها، وأن ~~عليه تخليتها من يده وجباله. # فصل واختلف العلماء فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم تزوجها، ~~فعندنا أنها لا تطلق، وهو قول ابن عباس، وعائشة، والشافعي، واستدل أصحابنا ~~بهذه الآية، وأنه جعل ms1813 الطلاق بعد النكاح. وقال سماك بن الفضل: النكاح عقدة، ~~والطلاق يحلها، فكيف يحل عقدة لم تعقد؟! فجعل بهذه الكلمة قاضيا على " ~~صنعاء ". وقال أبو حنيفة: ينعقد الطلاق، فإذا وجد النكاح وقع. و قال مالك: ~~ينعقد ذلك في خصوص النساء، وهو إذا كان في امرأة بعينها، ولا ينعقد في ~~عمومهن. فأما إذا قال: إن ملكت فلانا فهو حر، ففيه عن أحمد روايتان. # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) ترجى من تشاء منهن ~~وتؤي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن ويرضين بما PageV06P207 # آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل ~~لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت ~~يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا (52) قوله تعالى: (إنا أحللنا لك أزواجك) ~~ذكر الله تعالى أنواع الأنكحة التي أحلها له، فقال: # (أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) أي: مهورهن، وهن اللواتي تزوجتهن بصداق (و ~~ما ملكت يمينك) يعني الجواري (مما أفاء الله عليك) أي: رده عليك من الكفار، ~~كصفية وجويرية، فإنه أعتقهما وتزوجهما (وبنات عمك وبنات عماتك) يعني نساء ~~قريش (وبنات خالك وبنات خالاتك) يعني نساء بني زهرة (اللاتي هاجرن معك) إلى ~~المدينة. قال القاضي أبو يعلى: # وظاهر هذا يدل على من لم يهاجر معه من النساء لم يحل له نكاحها. وقالت أم ~~هانئ: خطبني رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فاعتذرت إليه بعذر، ثم أنزل ~~الله تعالى: (إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله تعالى: (اللاتي هاجرن معك)، ~~قالت: فلم أكن لأحل له، لأني لم ms1814 أهاجر معه، كنت من الطلقاء، وهذا يدل من ~~مذهبها أن تخصيصه بالمهاجرات قد أوجب حظر من لم تهاجر. # وذكر بعض المفسرين: أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه. ~~وحكى الماوردي في ذلك قولين: # أحدهما: أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على الإطلاق. # والثاني: أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون الأجنبيات. # قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة) أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة (إن وهبت نفسها) ~~لك، (إن أراد النبي أن يستنكحها) أي: إن آثر نكاحها (خالصة لك) أي: خاصة. ~~قال الزجاج: وإنما قال: " إن وهبت نفسها للنبي "، ولم يقل: " لك " لأنه لو ~~قال: " لك "، جاز أن يتوهم أن ذلك يجوز لغير رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] كما جاز في بنات العم وبنات العمات. و " خالصة " منصوب على الحال. و ~~للمفسرين في معنى " خالصة " ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المرأة إذا وهبت له نفسها، لم يلزمه صداقها دون غيره من ~~المؤمنين، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب. # والثاني: أن له أن ينكحها بلا ولي ولا مهر دون غيره، قاله قتادة. ~~PageV06P208 # والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، وهذا قول ~~الشافعي، وأحمد. # وفى المرأة التي وهبت له نفسها أقوال: # أحدها: أم شريك. # والثاني: خولة بنت حكيم. ولم يدخل بواحدة منهما. وذكروا أن ليلى بنت ~~الخطيم وهبت نفسها له فلم يقبلها. قال ابن عباس: لم يكن عند رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] امرأة وهبت نفسها له. وقد حكي عن ابن عباس أن التي وهبت ~~نفسها له ميمونة بنت الحارث، وعن الشعبي: أنها زينب بنت خزيمة. والأول: ~~أصح. # قوله تعالى: (قد علمنا ما فرضنا عليهم) أي: على المؤمنين غيرك (في ~~أزواجهم) وفيه قولان: # أحدهما: أن لا يجاوز الرجل أربع نسوة، قاله مجاهد. # والثاني: أن لا يتزوج الرجل المرأة ألا بولي وشاهدين وصداق، قاله قتادة. # قوله تعالى: (وما ملكت أيمانهم) أي: وما أبحنا لهم من ملك اليمين مع ~~الأربع الحرائر من غير عدد محصور. # قوله تعالى: ms1815 (لكيلا يكون عليك حرج) هذا فيه تقديم، المعنى: أحللنا لك ~~أزواجك، إلى قوله [تعالى]: (خالصة لك من دون المؤمنين) (لكيلا يكون عليك ~~حرج). # قوله تعالى: (ترجي من تشاء منهن) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: " ترجئ " مهموزا، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: بغير همز. وسبب نزولها أنه لما نزلت آية التخيير المتقدمة، أشفقن أن ~~يطلقن، فقلن: يا نبي الله، اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على ~~حالنا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو رزين. و في معنى الآية أربعة أقوال: # أحدها: تطلق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء من نسائك، قاله ابن عباس. # والثاني: تترك نكاح من تشاء، وتنكح من نساء أمتك من تشاء، قاله الحسن. # والثالث: تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها بغير طلاق، وتأتي من تشاء فلا ~~تعزلها. قاله مجاهد. PageV06P209 # والرابع: تقبل من تشاء من المؤمنات اللواتي يهبن أنفسهن، وتترك من تشاء، ~~قاله الشعبي، وعكرمة. # وأكثر العلماء على أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] مصاحبة نسائه كيف شاء من غير إيجاب القسمة عليه والتسوية بينهن. و ~~قال الزهري: ما علمنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أرجأ منهن أحدا، ولقد ~~آواهن كلهن حتى مات. وقال أبو رزين: آوى عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب، ~~وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء. وأرجأ سودة، وجويرية، وصفية، وأم ~~حبيبة، وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء. وكان أراد فراقهن فقلن: أقسم لنا ما ~~شئت، ودعنا على حالنا. وقال قوم: إنه أرجأ سودة وحدها لأنها وهبت يومها ~~لعائشة، فتوفي وهو يقسم لثمان. # قوله تعالى: (و تؤوي) أي: تضم، (و من ابتغيت ممن عزلت) أي: إذا أردت أن ~~تؤوي إليك امرأة ممن عزلت من القسمة (فلا جناح عليك) أي: لا ميل عليك بلوم ~~ولا عتب (ذلك أدنى) أي: ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن. ~~والمعنى: إنهن إذا علمن أن هذا أمر من الله [تعالى]، كان أطيب ms1816 لأنفسهن. ~~وقرأ ابن محيصن، وأبو عمران الجوني: # " أن تقر " بضم التاء وكسر القاف " أعينهن " بنصب النون. # (ويرضين بما آتيتهن كلهن) أي: بما أعطيتهن من تقريب وتأخير (والله يعلم ~~ما في قلوبكم) من الميل إلى بعضهن. والمعنى: إنما خيرناك تسهيلا عليك. # قوله تعالى: (لا يحل لك النساء) كلهم قرأ: " لا يحل " بالياء، غير أبي ~~عمرو، فإنه قرأ بالتاء، والتأنيث ليس بحقيقي، إنما هو تأنيث الجمع، ~~فالقراءتان حسنتان. و في قوله تعالى: (من بعد) ثلاثة أقوال: # أحدها: من بعد نسائك اللواتي خيرتهن فاخترن الله [تعالى] ورسوله، قاله ~~ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين، وهن التسع، فصار مقصورا عليهن ممنوعا ~~من غيرهن. وذكر أهل العلم أن طلاقه لحفصة وعزمه على طلاق سودة كان قبل ~~التخيير. # والثاني: من بعد الذي أحللنا لك، فكانت الإباحة بعد نسائه مقصورة على ~~المذكور في قوله تعالى: " إنا أحللنا لك أزواجك " إلى قوله [تعالى]: (خالصة ~~لك)، قاله أبي بن كعب، والضحاك. # والثالث: لا تحل لك النساء غير المسلمات كاليهوديات والنصرانيات ~~والمشركات، وتحل لك المسلمات، قاله مجاهد. PageV06P210 # قوله تعالى: (ولا أن تبدل بهن) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن تطلق زوجاتك وتستبدل بهن سواهن، قاله الضحاك. # والثاني: أن تبدل بالمسلمات المشركات، قاله مجاهد في آخرين. # والثالث: أن تعطي الرجل زوجتك وتأخذ زوجته، وهذه كانت عادة للجاهلية، ~~قاله أبو هريرة، وابن زيد. # قوله تعالى: (إلا ما ملكت يمينك) يعني الإماء. في معنى الكلام ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: إلا أن تملك بالسبي، فيحل لك وطؤها وإن كانت من غير الصنف الذي ~~أحللته لك، وإلى هذا أومأ أبي بن كعب في آخرين. # والثاني: إلا أن تصيب يهودية أو نصرانية فتطأها بملك اليمين، قاله ابن ~~عباس. # والثالث: إلا أن تبدل أمتك بأمة غيرك، قاله ابن زيد. # قال أبو سليمان الدمشقي: وهذه الأقوال جائزة، إلا أنا لا نعلم أن رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] نكح يهودية ولا نصرانية بتزويج ولا ملك يمين، ~~ولقد سبى ريحانة القرظية فلم يدن منها حتى أسلمت. # فصل واختلف علماء الناسخ والمنسوخ ms1817 في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها منسوخة بقوله [تعالى]: (إنا أحللنا لك أزواجك)، وهذا مروي ~~عن علي، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وعلي بن الحسين، والضحاك. وقالت ~~عائشة: ما مات رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حتى أحل له النساء، قال أبو ~~سليمان الدمشقي: يعني نساء جميع القبائل من المهاجرات وغير المهاجرات. # والقول الثاني: أنها محكمة، ثم فيها قولان: # أحدهما: أن الله تعالى أثاب نساءه حين اخترنه بأن قصره عليهن، فلم يحل له ~~غيرهن، ولم ينسخ هذا، قاله الحسن، وابن سيرين، وأبو أمامة بن سهل، وأبو بكر ~~بن عبد الرحمن بن الحارث. # والثاني: أن المراد بالنساء هاهنا: الكافرات، ولم يجز له أن يتزوج كافرة، ~~قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد. PageV06P211 # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما (53) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي...) الآية. في سبب نزولها ستة أقوال: # الأول: أخرجاه في " الصحيحين " من حديث أنس بن مالك، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش دعا القوم، فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، ~~فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من القوم من ~~قام، وقعد ثلاثة، فجاء رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فدخل فإذا القوم ~~جلوس، فرجع، وإنهم قاموا فانطلقوا، وجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل ~~الله [تعالى] هذه الآية. # والثاني: أن ناسا من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام ms1818 إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون، فكان ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يتأذى بهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. # والثالث: أن عمر بن الخطاب قال: قلت يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن ~~البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، أخرجه البخاري من ~~حديث أنس، وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر، كلاهما عن عمر. # والرابع: أن عمر أمر نساء رسول الله [صلى الله عليه و آله وسلم] بالحجاب، ~~فقالت زينب: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟! فنزلت ~~الآية، قاله ابن مسعود. # والخامس: أن عمر كان يقول لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]: احجب نساءك، ~~فلا يفعل، فخرجت سودة ليلة، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة - حرصا على أن ~~ينزل الحجاب - فنزل الحجاب، رواه عكرمة عن عائشة. PageV06P212 # والسادس: أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان يطعم معه بعض أصحابه، ~~فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك، فنزلت آية الحجاب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (إلا أن يؤذن لكم إلى طعام) أي: أن تدعوا إليه (غير ناظرين) ~~أي: # منتظرين (إناه). قال الزجاج: موضع " أن " نصب، والمعنى: إلا بأن يؤذن و ~~لأن يؤذن، و " غير " منصوبة على الحال، المعنى: إلا أن يؤذن لكم غير ~~منتظرين. و " إناه ": نضجه وبلوغه. # قوله تعالى: (فانتشروا) أي: فاخرجوا. # قوله تعالى: (ولا مستأنسين لحديث) المعنى: ولا تدخلوا مستأنسين، أي: ~~طالبي الأنس لحديث، وذلك أنهم كانوا يجلسون بعد الأكل فيتحدثون طويلا، وكان ~~ذلك يؤذيه، ويستحيي أن يقول لهم: قوموا، فعلمهم الله [تعالى] الأدب، فذلك ~~قوله [تعالى]: (و الله لا يستحيي من الحق) أي: لا يترك أن يبين لكم ما هو ~~الحق (و إذا سألتموهن متاعا) أي: شيئا يستمتع به وينتفع به من آلة المنزل ~~(فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر) أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب ~~أطهر (لقلوبكم وقلوبهن) من الريبة. # قوله تعالى: (و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) ms1819 أي: ما كان لكم أذاه في ~~شئ من الأشياء. قال أبو عبيدة: " كان " من حروف الزوائد. والمعنى: ما لكم ~~أن تؤذوا رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] (ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا). روى عطاء عن ابن عباس، قال: كان رجل من أصحاب رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] قال: لو توفي رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] تزوجت ~~عائشة، فأنزل الله [تعالى] ما أنزل. # وزعم مقاتل أن ذلك الرجل طلحة بن عبيد الله. # قوله تعالى: (إن ذلكم) يعني نكاح أزواج رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~(كان عند الله عظيما) أي: # ذنبا عظيم العقوبة. # إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما (54) لا جناح عليهن في ~~آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا ~~نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا (55) ~~PageV06P213 # قوله تعالى: (إن تبدوا شيئا أو تخفوه) قيل: إنها نزلت فيما أبداه القائل: ~~لئن مات رسول الله [صلى الله عليه و آله و سلم] لأتزوجن عائشة. # قوله تعالى: (لا جناح عليهن في آبائهن) قال المفسرون: لما نزلت آية ~~الحجاب، قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]: ~~ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى: (لا جناح عليهن في ~~آبائهن) أي: في أن يروهن ولا يحتجبن عنهم، إلى قوله [تعالى]: # (ولا نسائهن) قال ابن عباس: يعني نساء المؤمنين، لأن نساء اليهود ~~والنصارى يصفن لأزواجهن نساء رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إن رأينهن. # فإن قيل: ما بال العم والخال لم يذكرا؟ فعنه جوابان: # أحدهما: لأن المرأة تحل لأبنائهما، فكره أن تضع خمارها عند عمها وخالها، ~~لأنهما ينعتانها لأبنائهما، هذا قول الشعبي وعكرمة. # والثاني: لأنهما يجريان مجرى الوالدين فلم يذكرا، قاله الزجاج. # قوله [تعالى]: (و ما ملكت أيمانهن) ففيه قولان: # أحدهما: أنه أراد الإماء دون العبيد، قاله سعيد بن المسيب. # والثاني: أنه عام في العبيد ms1820 والإماء. قال ابن زيد: كن أزواج رسول الله ~~[صلى الله عليه وسلم] لا يحتجبن من المماليك. وقد سبق بيان هذا في سورة ~~النور. # قوله تعالى: (و اتقين الله) أي: أن يراكن غير هؤلاء (إن الله كان على كل ~~شئ شهيدا) أي: لم يغب عنه شئ. # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد ~~لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي) في صلاة الله وصلاة الملائكة أقوال قد تقدمت في هذه السورة. ~~PageV06P214 # قوله تعالى: (صلوا عليه) قال كعب بن عجرة: قلنا: يا رسول الله قد عرفنا ~~التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك، فقال: قولوا: " اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد، كما صليت على [آل] إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل ~~محمد، كما باركت على [آل] إبراهيم، إنك حميد مجيد "، أخرجه البخاري ومسلم. ~~ومعنى قوله قد علمنا التسليم عليك: ما يقال في التشهد: " السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته ". وذهب ابن السائب إلى أن معنى التسليم: سلموا ~~لما يأمركم به. # قوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: في الذين طعنوا على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حين اتخذ صفية ~~بنت حيي، قاله ابن عباس. # والثاني: نزلت في المصورين، قاله عكرمة. # و الثالث: في المشركين واليهود والنصارى، وصفوا الله [تعالى] بالولد ~~وكذبوا رسوله وشجوا وجهه وكسروا رباعيته وقالوا: مجنون شاعر ساحر كذاب. ~~ومعنى أذى الله: وصفه بما هو منزه عنه. # وعصيانه، ولعنهم في الدنيا: بالقتل والجلاء، وفي الآخرة: بالنار. # قوله تعالى: (و الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات) في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن عمر بن الخطاب رأى جارية متبرجة فضربها، وكف ما رأى من زينتها، ~~فذهبت إلى أهلها تشكو، فخرجوا إليه فآذوه، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ms1821 ~~ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون ~~النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيرون المرأة فيدنون منها ~~فيغمزونها، وإنما كانوا يؤذون الإماء، غير أنه لم تكن الأمة تعرف من الحرة، ~~فشكون ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فنزلت ~~هذه الآية، قاله السدي. # والثالث: أنها نزلت فيمن تكلم في عائشة وصفوان بن المعطل بالإفك، قاله ~~الضحاك. # والرابع: أن ناسا من المنافقين آذوا علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]، ~~فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قال المفسرون: ومعنى الآية: يرمونهم بما ليس فيهم. PageV06P215 # يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ~~(61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) قوله ~~تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك...) الآية، سبب نزولها أن الفساق كانوا ~~يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: ~~هذه حرة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة، فآذوها، فنزلت هذه الآية، قاله ~~السدي. # قوله تعالى: (يدنين عليهن من جلابيبهن) قال ابن قتيبة: يلبسن الأردية. ~~وقال غيره: يغطين رؤوسهن ووجوههن ليعلم أنهن حرائر (ذلك أدنى) أي: أحرى ~~وأقرب (أن يعرفن) أنهن حرائر (فلا يؤذين). # قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون) أي: عن نفاقهم (و الذين في قلوبهم ~~مرض) أي: # فجور، وهم الزناة (والمرجفون في المدينة) بالكذب والباطل، يقولون: أتاكم ~~العدو، وقتلت سراياكم وهزمت (لنغرينك بهم) أي: لنسلطنك عليهم بأن نأمرك ~~بقتالهم. قال المفسرون: وقد أغري بهم، فقيل له: (جاهد الكفار والمنافقين) ~~وقال يوم جمعة " اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق، قم يا فلان فإنك منافق ~~" (ثم لا يجاورونك فيها) أي: في المدينة (إلا قليلا) حتى يهلكوا، (ملعونين) ~~منصوب على الحال، أي: لا ms1822 يجاورونك إلا وهم ملعونون (أينما ثقفوا) أي: # وجدوا وأدركوا (و أخذوا وقتلوا تقتيلا) معنى الكلام: الأمر، أي: هذا ~~الحكم فيهم، (سنة الله) أي: سن في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن ~~يفعل بهم هذا. # يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون ~~PageV06P216 # قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا ~~لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ~~فأضلونا السبيلا (67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) ~~قوله تعالى: (يسألك الناس عن الساعة) قال عروة: الذي سأله عنها عتبة بن ~~ربيعة. # قوله تعالى: (و ما يدريك) أي: أي شئ يعلمك أمر الساعة ومتى تكون؟ ~~والمعنى: أنت لا تعرف ذلك، ثم قال: (لعل الساعة تكون قريبا). فإن قيل: هلا ~~قال: قريبة؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه أراد الظرف، ولو أراد صفة الساعة بعينها، لقال: قريبة، هذا ~~قول أبي عبيدة. # والثاني: أن المعنى راجع إلى البعث، أو إلى مجيء الساعة. # والثالث: أن تأنيث الساعة غير حقيقي، ذكرهما الزجاج. وما بعد هذا قد سبق ~~بيان ألفاظه. # فأما قوله تعالى: (و أطعنا الرسول) فقال الزجاج: الاختيار الوقف بألف، ~~لأن أواخر الآي وفواصلها تجري مجرى أواخر الأبيات، وإنما خوطبوا بما ~~يعقلونه من الكلام المؤلف ليدل بالوقف بزيادة الحرف أن الكلام قد تم، وقد ~~أشرنا إلى هذا في قوله [تعالى]: " الظنونا ". # قوله تعالى: (أطعنا سادتنا وكبراءنا) أي: أشرافنا وعظماءنا. قال مقاتل هم ~~المطعمون في غزوة بدر، وكلهم قرأوا: " سادتنا " على التوحيد، غير ابن عامر، ~~فإنه قرأ: " سادتنا " على الجمع مع كسر التاء، ووافقه المفضل، ويعقوب، إلا ~~أبا حاتم (فأضلونا السبيل) أي: عن سبيل الهدى، (آتهم) يعنون السادة (ضعفين) ~~أي: ضعفي عذابنا، (والعنهم لعنا كبيرا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: " كثيرا " بالثاء. وقرأ عاصم، وابن عمر: " كبيرا ". # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما ms1823 قالوا ~~وكان عند الله PageV06P217 # وجيها (69) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح ~~لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) ~~قوله تعالى: (لا تكونوا كالذين آذوا موسى) أي: لا تؤذوا محمدا كما آذى بنو ~~إسرائيل موسى فينزل بكم ما نزل بهم، وفي ما آذوا به أربعة أقوال: # أحدها: أنهم قالوا: هو آدر، فذهب يوما يغتسل، ووضع ثوبه على حجر، ففر ~~الحجر بثوبه، فخرج في طلبه، فرأوه فقالوا: والله ما به من بأس. والحديث ~~مشهور في الصحاح كلها من حديث أبي هريرة عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~وقد ذكرته بإسناده في " المغني " و " الحدائق ". قال ابن قتيبة: # والآدر: عظيم الخصيتين. # والثاني: أن موسى صعد الجبل ومعه هارون، فمات هارون، فقال بنو إسرائيل: ~~أنت قتلته فآذوه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى مرت به على بني ~~إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات، فبرأه الله ~~[تعالى] من ذلك، قاله علي [عليه السلام]. # والثالث: أن قارون استأجر بغيا لتقذف موسى بنفسها على ملأ من بني إسرائيل ~~فعصمها الله [تعالى] وبرأ موسى من ذلك، قاله أبو العالية. # والرابع: أنهم رموه بالسحر والجنون، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (و كان عند الله وجيها) قال ابن عباس: كان عند الله [تعالى] ~~حظيا لا يسأله شيئا إلا أعطاه. وقد بينا معنى الوجيه في [سورة] آل عمران. ~~وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وأبو حيوة: " وكان عبد الله " بالتنوين والباء، ~~وكسر اللام. # قوله تعالى: (وقولوا قولا سديدا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: صوابا، قاله ابن عباس. # والثاني: صادقا، قاله الحسن. # والثالث: عدلا، قاله السدي. # والرابع: قصدا، قاله ابن قتيبة. ثم في المراد بهذا القول ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه " لا إله إلا الله " قاله ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: أنه العدل في جميع الأقوال، والأعمال، قاله قتادة. PageV06P218 # والثالث: في شأن زينب وزيد، ولا تنسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~ما لا يصلح، قاله مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: ms1824 (يصلح لكم أعمالكم) فيه قولان: # أحدهما: يتقبل حسناتكم، قاله ابن عباس. # والثاني: يزكي أعمالكم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (فقد فاز فوزا عظيما) أي: نال الخير وظفر به. # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان ~~الله غفورا رحيما (73) قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة) فيها قولان: # أحدهما: أنها الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، إن أدتها ~~أثابها، وإن ضيعتها عذبها، فكرهت ذلك، وعرضها على آدم فقبلها بما فيها، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذلك قال سعيد بن جبير: عرضت الأمانة على ~~آدم فقيل له: تأخذها بما فيها، إن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، فقال: ~~قبلت، فما كان إلا كما بين صلاة العصر إلى أن غربت الشمس حتى أصاب الذنب. ~~وممن ذهب إلى أنها الفرائض قتادة، والضحاك، والجمهور. # والثاني: أنها الأمانة التي يأتمن الناس بعضهم بعضا عليها. روى السدي عن ~~أشياخه أن آدم لما أراد الحج قال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال ~~للأرض، فأبت، وقال للجبال، فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وتجئ وتجد ~~أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم قتل قابيل هابيل، فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل ~~أخاه، فذلك حيث يقول الله عز وجل: (إنا عرضنا الأمانة) إلى قوله: (و حملها ~~الإنسان) وهو ابن آدم، فما قام بها. # وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أن آدم لما حضرته الوفاة قال: يا رب، من ~~استخلف من PageV06P219 # بعدي؟ فقيل له: اعرض خلافتك على جميع الخلق، فعرضها، فكل أباها غير ولده. ~~و للمفسرين في المراد بعرض الأمانة على السماوات والأرض قولان: # أحدهما: أن الله تعالى ركب العقل في هذه الأعيان، وأفهمهن خطابه، وأنطقهن ~~بالجواب حين عرضها عليهن، ولم يرد بقوله: " أبين " المخالفة، ولكن أبين ~~للخشية والمخافة، لأن العرض كان تخييرا لا إلزاما، و " أشفقن " بمعنى خفن ~~منها أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب، هذا قول الأكثرين. # والثاني: ms1825 أن المراد بالآية: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل ~~الأرض وأهل الجبال من الملائكة، قاله الحسن. و في المراد بالإنسان أربعة ~~أقوال: # أحدها: آدم في قول الجمهور. والثاني: قابيل في قول السدي. # والثالث: الكافر والمنافق، قاله الحسن. والرابع: جميع الناس، قاله ثعلب. # قوله تعالى: (إنه كان ظلوما جهولا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ظلوما لنفسه، غرا بأمر ربه، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثاني: ظلوما لنفسه، جهولا بعاقبة أمره، قاله مجاهد. # والثالث: ظلوما بمعصية ربه، جهولا بعقاب الأمانة، قاله ابن السائب. # و ذكر الزجاج في الآية وجها يخالف أكثر الأقوال، وذكر أنه موافق للتفسير ~~فقال: إن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمن ~~السماوات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له، فأما السماوات والأرض ~~فقالتا: (أتينا طائعين) وأعلمنا أن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وأن ~~الشمس والقمر والنجوم والجبال والملائكة يسجدون لله، فعرفنا الله تعالى أن ~~السماوات والأرض لم تحتمل الأمانة، لأنها أدتها، وأداؤها: طاعة الله وترك ~~معصيته، وكل من خان الأمانة فقد احتملها، وكذلك كل من أثم فقد احتمل الإثم، ~~وكذلك قال الحسن: " وحملها الإنسان " أي: الكافر والمنافق حملاها، أي: خانا ~~ولم يطيعا، فأما من أطاع، فلا يقال: كان ظلوما جهولا. # قوله تعالى: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب ~~الله على المؤمنين والمؤمنات) قال ابن قتيبة: المعنى: عرضنا ذلك ليظهر نفاق ~~المنافق وشرك المشرك فيعذبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم، ~~أي: يعود عليهم بالرحمة والمغفرة إن وقع منهم تقصير في الطاعات. ~~PageV06P220 # (34) سورة سبأ مكية و آياتها أربع و خمسون وهي مكية باجماعهم وقال ~~الضحاك، وابن السائب، ومقاتل: فيها آية مدنية، وهي قوله تعالى: (ويرى الذين ~~أوتوا العلم). # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج ~~منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا ms1826 الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ~~(3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة PageV06P221 # ورزق كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم ~~(5) ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد (6) قوله تعالى: (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض) ملكا وخلقا (و له الحمد في الآخرة) يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة، ~~فيقولون: (الحمد لله الذي صدقنا وعده) (الحمد لله الذي هدانا لهذا) (الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن). # (يعلم ما يلج في الأرض) من بذر أو مطر أو كنز أو غير ذلك (وما يخرج منها) ~~من زرع ونبات وغير ذلك (وما ينزل من السماء) من مطر أو رزق أو ملك (وما ~~يعرج فيها) من ملك أو عمل أو دعاء. # (وقال الذين كفروا) يعني منكري البعث (لا تأتينا الساعة) أي: لا نبعث. # قوله تعالى: (عالم الغيب) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: " عالم الغيب ~~" بكسر الميم، وقرأ نافع، وابن عامر: برفعها. وقرأ حمزة والكسائي: " علام ~~الغيب " بالكسر ولام قبل الألف. قال أبو علي: من كسر، فعلى معنى: الحمد لله ~~عالم الغيب، ومن رفع، جاز أن يكون " عالم الغيب " خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ~~هو عالم الغيب، ويجوز أن يكون ابتداء خبره (لا يعزب عنه)، و " علام " أبلغ ~~من " عالم ". وقرأ الكسائي وحده: " لا يعزب " بكسر الزاي، وهما لغتان. # قوله تعالى: (ولا أصغر من ذلك) وقرأ ابن السميفع، والنخعي، والأعمش: " ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر " بالنصب فيهما. # قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا) قال الزجاج: المعنى: بلى وربي لنأتينكم ~~المجازاة، وقال ابن جرير: المعنى: أثبت مثقال الذرة وأصغر منه في كتاب ~~مبين، ليجزي الذين آمنوا، وليري الذين أوتوا العلم. # قوله تعالى: (من رجز أليم) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ويعقوب، والمفضل: ~~PageV06P222 # " من رجز أليم " رفعا، ms1827 والباقون بالخفض فيهما. و في (الذين أوتوا العلم) ~~قولان: # أحدهما: أنهم مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة. # قوله تعالى: (الذي أنزل إليك من ربك) يعني القرآن (هو الحق) قال الفراء: ~~" هو " عماد، للذي فكذلك انتصب الحق. وما أخللنا به فقد سبق في مواضع. # وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في ~~العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من ~~السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ~~ذلك لآية لكل عبد منيب (9) قوله تعالى: (و قال الذين كفروا) وهم منكروا ~~البعث، قال بعضهم لبعض: (هل ندلكم على رجل ينبئكم) أي: يقول لكم: إنكم (إذا ~~مزقتم كل ممزق) أي: فرقتم كل فريق، والممزق هاهنا مصدر بمعنى التمزيق (إنكم ~~لفي خلق جديد) أي: يجدد خلقكم للبعث. ثم أجاب بعضهم فقالوا: (أفترى على ~~الله كذبا) حين زعم أنا نبعث؟! وألف " أفترى " ألف استفهام، وهو استفهام ~~تعجب وإنكار، (أم به جنة) أي: جنون؟! فرد الله [تعالى] عليهم فقال: (بل) ~~أي: ليس الأمر كما تقولون من الافتراء والجنون، بل (الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة) وهم الذين يجحدون البعث (في العذاب) إذا بعثوا في الآخرة (والضلال ~~البعيد) من الحق في الدنيا. # ثم وعظهم فقال: (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض) وذلك أن الإنسان حيثما نظر رأى السماء والأرض قدماه وخلفه وعن ~~يمينه وعن شماله، فالمعنى أنهم أين كانوا فأرضي وسمائي محيطة بهم، وأنا ~~القادر عليهم، إن شئت خسفت بهم الأرض، وإن شئت أسقطت PageV06P223 # عليهم قطعة من السماء، (إن في ذلك) أي: فيما يرون من السماء والأرض ~~(لآية) تدل على قدرة الله [تعالى] على بعثهم والخسف بهم (لكل عبد منيب) أي: ~~راجع إلى طاعة ms1828 الله، متأمل لما يرى. # ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) ~~أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) قوله ~~تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلا) وهو النبوة والزبور وتسخير الجبال ~~والطير، إلى غير ذلك مما أنعم الله به عليه (يا جبال أوبي معه) وروى الحلبي ~~عن عبد الوارث: " أوبي " بضم الهمزة وتخفيف الواو. قال الزجاج: المعنى: ~~وقلنا: يا جبال أوبي معه، أي: ارجعي معه. # والمعنى: سبحي معه ورجعي التسبيح. ومن قرأ: " أوبي " معناه: عودي في ~~التسبيح معه كلما عاد. # وقال ابن قتيبة: " أوبي " أي: سبحي، وأصل التأويب في السير، وهو أن يسير ~~النهار كله، وينزل ليلا، فكأنه أراد: ادأبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل. # قوله تعالى: (والطير) وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~العالية، وابن أبي عبلة، " والطير " بالرفع. فأما قراءة النصب، فقال أبو ~~عمرو بن العلاء: هو عطف على قوله عز وجل: (ولقد آتينا داود منا فضلا) ~~(والطير) أي: وسخرنا له الطير. قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصبا على النداء، ~~كأنه قال: دعونا الجبال والطير، فالطير معطوف على موضع الجبال، وكل منادى ~~عند البصريين فهو في موضع نصب، قال: وأما الرفع، فمن جهتين: # إحداهما: أن يكون نسقا على ما في " أوبي " فالمعنى يا جبال رجعي التسبيح ~~معه أنت والطير. # والثانية: على النداء، المعنى: يا جبال ويا أيها الطير أوبي معه. # قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إذا سبح، وكان إذا قرأ لم تبق دابة ~~إلا استمعت لقراءته وبكت لبكائه. وقال وهب بن منبه: كان يقول للجبال: سبحي. ~~وللطير: أجيبي، ثم يأخذ هو في تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن، فلا يرى ~~الناس منظرا أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئا أطيب منه. # قوله تعالى: (و ألنا له الحديد) أي: جعلناه لينا. قال قتادة: سخر الله له ~~الحديد بغير نار، PageV06P224 # فكان يسويه بيده، لا يدخله النار، ولا يضربه بحديدة، وكان أول من صنع ~~الدروع، وكانت قبل ذلك ms1829 صفائح. # قوله تعالى: (أن اعمل) قال الزجاج: معناه: وقلنا له: اعمل، ويكون في معنى ~~" لأن يعمل " (سابغات) أي: دروعا سابغات، فذكر الصفة لأنها تدل على ~~الموصوف. # قال المفسرون: كان يأخذ الحديد بيده فيصير كأنه عجين يعمل به ما يشاء، ~~فيعمل الدرع في بعض يوم فيبيعه بمال كثير، فيأكل ويتصدق. والسابغات: الدروع ~~الكوامل التي تغطي لابسها حتى تفضل عنه فيجرها على الأرض. # (وقدر في السرد) أي: اجعله على قدر الحاجة. قال ابن قتيبة: السرد: النسج، ~~ومنه يقال لصانع الدروع: سراد وزراد، تبدل من السين الزاي، كما يقال: سراط ~~وزراط. وقال الزجاج: # السرد في اللغة: تقدمة الشئ إلى الشئ تأتي به متسقا بعضه في إثر بعض ~~متتابعا، ومنه قولهم: # سرد فلان الحديث. و في معنى الكلام قولان: # أحدهما: عدل المسمار في الحلقة ولا تصغره فيقلق، ولا تعظمه فتنفصم ~~الحلقة، قاله مجاهد. # والثاني: لا تجعل حلقه واسعة فلا تقي صاحبها، قاله قتادة. # قوله تعالى: (و اعملوا صالحا) خطاب لداود وآله. # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على ~~موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) PageV06P225 # قوله تعالى: (و لسليمان الريح) قرأ الأكثرون بنصب الريح على معنى: وسخرنا ~~لسليمان الريح. وروى أبو بكر، والمفضل عن عاصم: " الريح " رفعا، أي: له ~~تسخير الريح. وقرأ أبو جعفر: # " الرياح " على الجمع. # (غدوها شهر) قال قتادة: تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، وتروح مسيرة شهر ~~إلى آخر النهار، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين. قال الحسن: لما ~~شغلت نبي الله سليمان الخيل عن الصلاة فعقرها، أبدله الله خيرا منها وأسرع ~~وهي الريح، فكان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما ms1830 مسيرة شهر للمسرع، ثم ~~يروح من إصطخر فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للمسرع. # قوله تعالى: (و أسلنا له عين القطر) قال الزجاج: القطر: النحاس، وهو ~~الصفر، أذيب مذ ذاك وكان قبل سليمان لا يذوب. # قال المفسرون: أجرى الله تعالى: لسليمان عين الصفر حتى صنع منها ما أراد ~~من غير نار، كما ألين لداود الحديد بغير نار، فبقيت تجري ثلاثة أيام ~~ولياليهن كجري الماء، وإنما يعمل الناس اليوم مما أعطي سليمان. # قوله تعالى: (ومن الجن) المعنى: وسخرنا له من الجن (من يعمل بين يديه ~~بإذن ربه) أي: بأمره، سخرهم الله له، وأمرهم بطاعته، والكلام يدل على أن ~~منهم من لم يسخر له (و من يزغ منهم) أي: يعدل (عن أمرنا) له بطاعة سليمان ~~(نذقه من عذاب السعير)، وهل هذا في الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه قولان: # أحدهما: في الآخرة، قاله الضحاك. # والثاني: في الدنيا، قاله مقاتل. وقيل: إنه كان مع سليمان ملك بيده سوط ~~من نار، فمن زاغ من الجن ضربه الملك بذلك السوط. # (يعملون له ما يشاء من محاريب) وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها المساجد، قاله مجاهد، وابن قتيبة. # والثاني: القصور، قاله عطية. # والثالث: المساجد والقصور، قاله قتادة. وأما التماثيل، فهي الصور، قال ~~الحسن: ولم تكن يومئذ محرمة، ثم فيها قولان: # أحدهما: أنها كانت كالطواويس والعقبان والنسور على كرسيه ودرجات سريره ~~لكي يهابها من أراد الدنو منه، قاله الضحاك. # و الثاني: أنها كانت صور النبيين والملائكة لكي يراهم الناس مصورين، ~~فيعبدوا مثل عبادتهم ويتشبهوا بهم، قاله ابن السائب. PageV06P226 # وفي ما كانوا يعملونها منه قولان: # أحدهما: من النحاس، قاله مجاهد. # والثاني: من الرخام والشبه، قاله قتادة. # قوله تعالى: (و جفان كالجوابي) الجفان: جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة، ~~والجوابي، جمع جابية، وهي الحوض الكبير يجبي فيه الماء، أي: يجمع. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " كالجوابي " بياء، إلا أن ابن كثير يثبت الياء ~~في الوصل والوقف، وأبو عمرو يثبتها في الوصل دون الوقف. قال الزجاج: وأكثر ~~القراء على الوقف بغير ياء، وكان الأصل ms1831 الوقف بالياء، إلا أن الكسرة تنوب ~~عنها. # قال المفسرون: كانوا يصنعون له القصاع كحياض الإبل، يجتمع على القصعة ~~الواحدة ألف رجل يأكلون منها. # قوله تعالى: (وقدور راسيات) أي: ثوابت، يقال: رسا يرسو، إذا ثبت. # وفي علة ثبوتها في مكانها قولان: # أحدهما: أن أثافيها منها، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها لا تنزل لعظمها، قاله ابن قتيبة. # قال المفسرون: وكانت القدور كالجبال لا تحرك من أماكنها، يأكل من القدر ~~ألف رجل. # قوله تعالى: (و اعملوا آل داود شكرا) المعنى: و قلنا: اعملوا بطاعة الله ~~[تعالى]: شكرا له على ما آتاكم. # قوله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت) يعني على سليمان. # قال المفسرون: كانت الإنس تقول: إن الجن تعلم الغيب الذي يكون في غد، ~~فوقف سليمان في محرابه يصلي متوكئا على عصاه، فمات، فمكث كذلك حولا والجن ~~تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم بموته حتى أكلت الأرض عصا سليمان، فخر ~~فعلموا بموته، وعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب. # وقيل: إن سليمان سأل الله تعالى أن يعمي على الجن موته، فأخفاه الله عنهم ~~حولا. و في سبب سؤاله قولان: # أحدهما: لأن الجن كانوا يقولون للإنس: إننا نعلم الغيب، فأراد تكذيبهم. # والثاني: لأنه كان قد بقي من عمارة بيت المقدس بقية. PageV06P227 # فأما (دابة الأرض) فهي: الأرضة. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعاصم ~~الجحدري: # " دابة الأرض " بفتح الراء. # والمنسأة: العصا. قال الزجاج: وإنما سميت منسأة، لأنه ينسأ بها، أي: يطرد ~~ويزجر. قال الفراء: أهل الحجاز لا يهمزون المنسأة، وتميم وفصحاء قيس ~~يهمزونها. # قوله تعالى: (فلما خر) أي: سقط (تبينت الجن) أي: ظهرت، وانكشف للناس أنهم ~~لا يعلمون الغيب، ولو علموا (ما لبثوا في العذاب المهين) أي: ما عملوا ~~مسخرين وهو ميت وهم يظنونه حيا. وقيل: تبينت الجن، أي: علمت، لأنها كانت ~~تتوهم باستراقها السمع أنها تعلم الغيب، فعلمت حينئذ خطأها في ظنها. وروى ~~رويس عن يعقوب: " تبينت " برفع التاء والباء وكسر الياء. # لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ms1832 ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل (16) ذلك ~~جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ~~(18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم ~~كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم ~~من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ (21) قوله تعالى: ~~(لقد كان لسبأ في مساكنهم آية) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: " في مساكنهم ". وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: " مسكنهم " ~~بفتح الكاف من PageV06P228 # غير ألف. وقرأ الكسائي، وخلف: " مسكنهم " بكسر الكاف، وهي لغة. # قال المفسرون: المراد بسبأ هاهنا: القبيلة التي هم من أولاد سبأ بن يشجب ~~بن يعرب بن قحطان، وقد ذكرنا في سورة النمل، الخلاف في هذا، وأن قوما ~~يقولون: هو اسم بلد، وليس باسم رجل. وذكر الزجاج في هذا المكان أن من قرأ: ~~" لسبأ " بالفتح وترك الصرف، جعله اسما للقبيلة، ومن صرف وكسر ونون، جعله ~~اسما للحي واسما لرجل، وكل جائز حسن. و (آية) رفع، اسم " كان " و (جنتان) ~~رفع على نوعين. # أحدهما: أنه بدل من " آية ". # والثاني: على إضمار، كأنه لما قيل: " آية " قيل: الآية جنتان. # الإشارة إلى قصتهم ذكر العلماء بالتفسير والسير أن بلقيس لما ملكت قومها ~~جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم، فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها، فتركت ملكها ~~وانطلقت إلى قصرها فنزلته، فلما كثر الشر بينهم وندموا، أتوها فأرادوها على ~~أن ترجع إلى ملكها، فأبت، فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك، فقالت: إنكم لا ~~تطيعونني وليست لكم عقول، فقالوا: فإنا نطيعك، فجاءت إلى واديهم - وكانوا ~~إذا مطروا أتاه السيل من مسيرة أيام - فأمرت به، فسد ما بين الجبلين ~~بمسناة، وحبست الماء من ms1833 وراء السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض، وبنت من ~~دونه بركة وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم، فكان الماء يخرج ~~بينهم بالسوية، إلى أن كان من شأنها مع سليمان ما سبق ذكره وبقوا بعدها على ~~حالهم، وقيل: إنما بنوا ذلك البنيان لئلا يغشى السيل أموالهم فيهلكها، ~~فكانوا يفتحون من أبواب السد ما يريدون، فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه، ~~وكانت لهم جنتان عن يمين واديهم وعن شماله، فأخصبت أرضهم، وكثرت فواكههم، ~~وإن كانت المرأة لتمر بين الجنتين والمكتل على رأسها، فترجع وقد امتلأ من ~~الثمر ولا تمس بيدها شيئا منه، ولم يكن ترى في بلدهم حية ولا عقرب، ولا ~~بعوضة ولا ذباب ولا برغوث، ويمر الغريب ببلدتهم وفي ثيابه القمل، فيموت ~~القمل لطيب هوائها. وقيل لهم: (كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة) أي: # هذه بلدة طيبة، أو بلدتكم بلدة طيبة، ولم تكن سبخة ولا فيها ما يؤذي (ورب ~~غفور) أي: والله رب غفور، وكانت ثلاث عشرة قرية، فبعث الله إليهم ثلاثة عشر ~~نبيا، فكذبوا الرسل، ولم يقروا PageV06P229 # بنعم الله، فذلك قوله تعالى: (فأعرضوا) أي: عن الحق، وكذبوا أنبياءهم ~~(فأرسلنا عليهم سيل العرم) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أن العرم: الشديد، رواه علي بن أبي طالب عن ابن عباس. وقال ابن ~~الأعرابي: # العرم: السيل الذي لا يطاق. # والثاني: أنه اسم الوادي، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والضحاك، ومقاتل. # والثالث: أنه المسناة، قاله مجاهد، وأبو ميسرة، والفراء، وابن قتيبة. ~~وقال أبو عبيدة: # العرم: جمع عرمة، وهي: السكر والمسناة. # والرابع: أن العرم: الجرذ الذي نقب عليهم السكر، حكاه الزجاج. و في صفة ~~إرسال هذا السيل عليهم قولان: # أحدهما: أن الله تعالى بعث على سكرهم دابة من الأرض فنقبت فيه نقبا، فسال ~~ذلك الماء إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. وقال قتادة والضحاك في آخرين: بعث الله عليهم جرذا يسمى الخلد - ~~والخلد: الفأر الأعمى - فنقبه من أسفله، فأغرق الله به ms1834 جناتهم، وخرب به ~~أرضهم. # والثاني: أنه أرسل عليهم ماء أحمر، أرسله في السد فنسفه وهدمه وحفر ~~الوادي، ولم يكن الماء أحمر من السد، وإنما كان سيلا أرسل عليهم، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: (و بدلناهم بجنتيهم) يعني اللتين تطعمان الفواكه (جنتين ~~ذواتي أكل خمط قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " ~~أكل " بالتنوين. وقرأ أبو عمرو: # " أكل " بالإضافة. وخفف الكاف ابن كثير ونافع، وثقلها الباقون. أما ~~الأكل، فهو الثمر. و في المراد بالخمط ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الأراك، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور، فعلى هذا، ~~أكله: # ثمره، ويسمى ثمر الأراك: البرير. # والثاني: كل شجرة ذات شوك، قاله أبو عبيدة. # والثالث: أنه كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله، قاله ~~المبرد والزجاج. # فعلى هذا القول، الخمط: اسم للمأكول، فيحسن على هذا قراءة من نون الأكل، ~~وعلى ما قبله، هو اسم شجرة، والأكل ثمرها، فيحسن قراءة من أضاف. # فأما الأثل، ففيه ثلاثة أقوال: PageV06P230 # أحدها: أنه الطرفاء، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه السمر، حكاه ابن جرير. # والثالث: أنه شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه. # قوله تعالى: (و شئ من سدر) ففيه تقديم، تقديره: وشئ قليل من سدر قال ~~قتادة: بينما شجرهم من خير الشجر، إذا صيره الله [تعالى] من شر الشجر. # قوله تعالى: (ذلك جزيناهم) أي: ذلك التبديل جزيناهم (بكفرهم وهل نجازي ~~إلا الكفور). # فإن قيل: قد يجازي المؤمن والكافر، فما معنى هذا التخصيص؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن المؤمن يجزى ولا يجازى، فيقال في أفصح اللغة: جزى الله ~~المؤمن، ولا يقال: جازاه، بمعنى كافأه، فالكافر يجازى بسيئته مثلها، مكافأة ~~له، والمؤمن يزاد في الثواب ويتفضل عليه، هذا قول الفراء. # والثاني: أن الكافر ليست له حسنة تكفر ذنوبه، فهو يجازي بجميع الذنوب، ~~والمؤمن قد أحبطت حسناته سيئاته، هذا قول الزجاج. وقال طاوس: الكافر يجازى ~~ولا يغفر له، والمؤمن لا يناقش الحساب. # قوله تعالى: (و جعلنا بينهم) هذا معطوف على قوله تعالى: (لقد كان لسبأ)، ~~والمعنى: # كان من ms1835 قصصهم أنا جعلنا بينهم (وبين القرى التي باركنا فيها) وهي: قرى ~~الشام، وقد سبق بيان معنى البركة فيها، هذا قول الجمهور. وحكى ابن السائب ~~أن الله تعالى لما أهلك جنتيهم قالوا للرسل: قد عرفنا نعمة الله علينا، ~~فلئن رد إلينا ما كنا عليه لنعبدنه عبادة شديدة، فرد عليهم النعمة، وجعل ~~لهم قرى ظاهرة، فعادوا إلى الفساد وقالوا: باعد بين أسفارنا، فمزقوا. # قوله تعالى: (قرى ظاهرة) أي: متواصلة ينظر بعضها إلى بعض (وقدرنا فيها ~~السير) فيه قولان: # أحدهما: أنهم كانوا يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، ~~قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: أنه جعل ما بين القرية والقرية مقدارا واحدا، قاله ابن قتيبة. ~~PageV06P231 # قوله تعالى: (سيروا فيها) والمعنى: وقلنا لهم: سيروا فيها (ليالي وأياما) ~~أي: ليلا ونهارا (آمنين) من مخاوف السفر من جوع أو عطش أو سبع أو تعب. ~~وكانوا يسيرون أربعة أشهر في أمان، فبطروا النعمة وملوها كما مل بنو ~~إسرائيل المن والسلوى (فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا) قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: " بعد " بتشديد العين وكسرها. وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة: " باعد " ~~بألف وكسر العين. وعن ابن عباس كالقراءتين. قال ابن عباس: إنهم قالوا: لو ~~كانت جناتنا أبعد مما هي، كان أجدر أن يشتهى جناها. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: لما ذكرتهم الرسل نعم الله، أنكروا أن يكون ما هم فيه نعمة، ~~وسألوا الله أن يباعد بين أسفارهم. وقرأ يعقوب: " ربنا " برفع الباء " باعد ~~" بفتح العين والدال، جعله فعلا ماضيا على طريق الإخبار للناس بما أنزله ~~الله [عز وجل] بهم. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~رجاء، وابن السميفع، وابن أبي عبلة: " بعد " برفع العين وتخفيفها وفتح ~~الدال من غير ألف، على طريق الشكاية إلى الله عز وجل. وقرأ عاصم الجحدري، ~~وأبو عمران الجوني: " بوعد " برفع الباء وبواو ساكنة مع كسر العين. # قوله تعالى: (وظلموا أنفسهم) فيه قولان: # أحدهما: بالكفر وتكذيب الرسل. # والثاني: بقولهم: " بعد بين أسفارنا ". # (فجعلناهم أحاديث) لمن بعدهم يتحدثون بما فعل بهم (ومزقناهم كل ms1836 ممزق) أي: ~~فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، لأن الله لما غرق مكانهم وأذهب ~~جنتيهم تبددوا في البلاد، فصارت العرب تتمثل في الفرقة بسبأ (إن في ذلك) ~~أي: فيما فعل بهم (لآيات) أي: لعبرا (لكل صبار) عن معاصي الله (شكور) ~~لنعمه. # قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) " عليهم " بمعنى " فيهم "، وصدقه ~~في ظنه أنه ظن بهم أنهم يتبعونه إذ أغواهم، فوجدهم كذلك. وإنما قال: ~~(ولأضلنهم ولأمنينهم) بالظن، لا بالعلم، فمن قرأ: " صدق " بتشديد الدال، ~~فالمعنى: حقق ما ظنه فيهم بما فعل بهم، ومن قرأ بالتخفيف، فالمعنى: صدق ~~عليهم في ظنه بهم. و في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم أهل سبأ. # والثاني: سائر المطيعين لإبليس. # قوله تعالى: (وما كان له عليهم من سلطان) قد شرحناه في قوله [تعالى]: ~~(ليس لك عليهم سلطان). قال الحسن: والله ما ضربهم بعصا ولا قهرهم على شئ، ~~إلا أنه دعاهم إلى الأماني والغرور. PageV06P232 # قوله تعالى: (إلا لنعلم) أي: ما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من ~~الشاكين. وقرأ الزهري: " إلا ليعلم " بياء مرفوعة على ما لم يسم فاعله. ~~وقرأ ابن يعمر: " ليعلم " بفتح الياء. # وفي المراد بعلمه هاهنا ثلاثة أقوال: قد شرحناه في أول (العنكبوت:). # (وربك على كل شئ) من الشك و الإيمان (حفيظ)، وقال ابن قتيبة: والحفيظ ~~بمعنى الحافظ. قال الخطابي: وهو فعيل بمعنى فاعل، كالقدير، والعليم، فهو ~~يحفظ السماوات والأرض بما فيها لتبقى مدة بقائها، ويحفظ عباده من المهالك، ~~ويحفظ عليهم أعمالهم، ويعلم نياتهم، ويحفظ أولياءه عن مواقعة الذنوب، ~~ويحرسهم من مكايد الشيطان. # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يعلمون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ~~وهو العلي الكبير (23) قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم) المعنى: قل ~~للكفار: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لينعموا عليكم بنعمة، أو يكشفوا عنكم ms1837 ~~بلية. ثم أخبر عنهم فقال: (لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض) ~~أي: من خير وشر ونفع وضر (و ما لهم فيهما من شرك) لم يشاركونا في شئ من ~~خلقهما، (و ماله) أي: وما لله (منهم) أي: من الآلهة (من ظهير) أي: من معين ~~على شئ. # (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~" أذن له " بفتح الألف. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: " أذن له " ~~برفع الألف وعن عاصم كالقراءتين. # أي: لا تنفع شفاعة ملك ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، وقيل: حتى يؤذن ~~له فيمن يشفع. وفي هذا رد عليهم حين قالوا: إن هذه الآلهة تشفع لنا. # (حتى إذا فزع عن قلوبهم) قرأ الأكثرون: " فزع " بضم الفاء وكسر الزاي، ~~قال ابن قتيبة: # خفف عنها الفزع. وقال الزجاج: معناه: كشف الفزع عن قلوبهم. وقرأ ابن ~~عامر، ويعقوب، وأبان: PageV06P233 # " فزع " بفتح الفاء والزاي، والفعل لله عز وجل. وقرأ الحسن، وقتادة، وابن ~~يعمر: " فرغ " بالراء غير معجمة، وبالغين، وهو بمعنى الأول، لأنها فرغت من ~~الفزع. وقال غيره بل فرغت من الشك والشرك. و في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة. وقد دل الكلام على أنهم يفزعون لأمر يطرأ عليهم ~~من أمر الله، ولم يذكره في الآية، لأن إخراج الفزع يدل على حصوله وفي سبب ~~فزعهم قولان: # أحدهما: أنهم يفزعون لسماع كلام الله تعالى. و روى عبد الله بن مسعود عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء ~~صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، ~~فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل: ماذا قال ربك؟ قال: ~~فيقول: الحق، فينادون: الحق الحق ". وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " إذا قضى الله عز وجل الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا ~~لقوله [تعالى]:، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ~~ربكم، قالوا: ms1838 للذي قال الحق (وهو العلي الكبير) ". # والثاني: أنهم يفزعون من قيام الساعة. وفي السبب الذي ظنوه بدنو الساعة ~~ففزعوا، قولان: # أحدهما: أنه لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ~~ثم بعث الله محمدا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل ظنت الملائكة أنه نزل ~~بشئ من أمر الساعة، فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ~~ويخبرهم أنه الوحي، قاله قتادة، ومقاتل، وابن السائب. وقيل: لما علموا ~~بالإيحاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فزعوا، لعلمهم أن ظهوره من أشراط ~~الساعة. # والثاني: أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض ويكتبون ~~أعمالهم إذا أرسلهم الله تعالى فانحدروا، يسمع لهم صوت شديد، فيحسب الذين ~~هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجدا، ويصعقون حتى ~~يعلموا أنه ليس من أمر الساعة، وهذا كلما مروا عليهم، رواه الضحاك عن ابن ~~مسعود. # والقول الثاني: أن الذي أشير إليهم المشركون، ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: أن المعنى: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند الموت - ~~إقامة للحجة عليهم - قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: ~~الحق، فأقروا حين لم ينفعهم الإقرار، قاله الحسن، وابن زيد. PageV06P234 # والثاني: حتى إذا كشف الغطاء عن قلوبهم يوم القيامة، قيل لهم: ماذا قال ~~ربكم؟ قاله مجاهد. # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين (24) قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) قل يجمع ~~بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ~~ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) قوله تعالى: (قل من ~~يرزقكم من السماوات) يعني المطر (و الأرض) يعني النبات والثمر. # وإنما أمر أن يسأل الكفار، عن هذا، احتجاجا عليهم بأن الذي يرزق هو ~~المستحق للعبادة، وهم لا يثبتون رازقا سواه، ولهذا قيل له: (قل الله) لأنهم ~~لا يجيبون بغير هذا، وهاهنا تم الكلام. ثم أمره أن يقول لهم: (وإنا ms1839 أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) مذهب المفسرين أن " أو " هاهنا بمعنى ~~الواو. وقال أبو عبيدة: معنى الكلام: وإنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين. ~~وقال الفراء: # معنى " أو " عند المفسرين معنى الواو، وكذلك هو في المعنى، غير أن ~~العربية على غير ذلك، لا تكون " أو " بمنزلة الواو، ولكنها تكون في الأمر ~~المفوض، كما تقول: إن شئت فخذ درهما أو اثنين، فله أن يأخذ واحدا أو اثنين، ~~وليس له أن يأخذ ثلاثة، وإنما معنى الآية: وإنا لضالون أو مهتدون، وإنكم ~~أيضا لضالون أو مهتدون، وهو يعلم أن رسوله المهتدي، وأن غيره الضال، كما ~~تقول للرجل تكذبه: والله إن أحدنا لكاذب - وأنت تعنيه - فكذبته تكذيبا غير ~~مكشوف، ويقول الرجل: والله لقد قدم فلان، فيقول له من يعلم كذبه: قل: إن ~~شاء الله، فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب، ومن كلام العرب أن يقولوا: قاتله ~~الله، ثم يستقبحونها، فيقول: قاتعه الله، ويقول بعضهم: كاتعه الله، ~~ويقولون: جوعا، دعاء على الرجل، ثم يستقبحونها فيقولون: جودا، وبعضهم يقول: ~~جوسا، ومن ذلك قولهم: ويحك وويسك، وإنما هي في معنى " ويلك " إلا أنها ~~دونها. # قوله تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا) أي: لا تؤاخذون به (ولا نسأل عما ~~تعملون) من الكفر والتكذيب، والمعنى إظهار التبري منهم. وهذه الآية عند ~~أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف، ولا وجه لذلك. PageV06P235 # قوله تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا) يعني عند البعث في الآخرة (ثم يفتح ~~بيننا) أي يقضي (بالحق) أي: بالعدل (وهو الفتاح) القاضي (العليم) بما يقضي ~~(قل) للكفار (أروني الذين ألحقتم به شركاء) أي: أعلموني من أي وجه ~~ألحقتموهم وهم لا يخلقون ولا يرزقون (كلا) ردع وتنبيه، والمعنى: ارتدعوا عن ~~هذا القول، وتنبهوا عن ضلالتكم، فليس الأمر على ما أنتم عليه. # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون (30) قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) أي: ~~عامة ms1840 لجميع الخلائق. وفي الكلام تقديم، تقديره: وما أرسلناك إلا للناس ~~كافة. وقيل: معنى " كافة للناس ": تكفهم عما هم عليه من الكفر، والهاء فيه ~~للمبالغة. # (ويقولون متى هذا الوعد) يعنون العذاب الذي يعدهم به في يوم القيامة، ~~وإنما قالوا هذا، لأنهم ينكرون البعث، (قل لكم ميعاد يوم) وفيه قولان: # أحدهما: أنه يوم الموت عند النزع والسياق، قاله الضحاك. # والثاني: يوم القيامة، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا PageV06P236 # العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون (33) قوله تعالى: (وقال الذين كفروا) يعني مشركي مكة (لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه) يعنون التوراة والإنجيل، وذلك أن مؤمني أهل ~~الكتاب قالوا: إن صفة محمد في كتابنا، فكفر أهل مكة بكتابهم. # ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال: (ولو ترى إذ الظالمون) يعني مشركي مكة ~~(موقوفون عند ربهم) في الآخرة (يرجع بعضهم إلى بعض القول) أي: يرد بعضهم ~~على بعض في الجدال واللوم (يقول الذين استضعفوا) وهم الأتباع (للذين ~~استكبروا) وهم الأشراف والقادة: (لولا أنتم لكنا مؤمنين) أي: مصدقين بتوحيد ~~الله، والمعنى: أنتم منعتمونا عن الإيمان، فأجابهم المتبوعون فقالوا: (أنحن ~~صددناكم عن الهدى) أي: منعناكم عن الإيمان (بعد إذ جاءكم) به الرسول؟ (بل ~~كنتم مجرمين) بترك الإيمان - وفي هذا تنبيه للكفار على أن طاعة بعضهم لبعض ~~في الدنيا تصير سببا للعداوة في الآخرة - فرد عليهم الأتباع فقالوا: (بل ~~مكر الليل والنهار) أي: بل مكركم بنا في الليل والنهار. قال الفراء: وهذا ~~مما تتوسع فيه العرب لوضوح معناه، كما يقولون: ليله قائم، ونهاره ms1841 صائم، ~~فتضيف الفعل إلى غير الآدميين، والمعنى لهم: وقال الأخفش: وهذا كقوله ~~[تعالى]: (من قريتك التي أخرجتك) قال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السري * ونمت وما ليل المطي بنائم وقرا سعيد بن ~~جبير، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري: " بل مكر " بفتح الكاف والراء " الليل ~~والنهار " برفعهما. وقرأ ابن يعمر: " بل مكر " باسكان الكاف ورفع الراء ~~وتنوينها " الليل والنهار " بنصبهما. # قوله تعالى: (إذ تأمروننا أن نكفر بالله) وذلك أنهم كانوا يقولون لهم: إن ~~ديننا حق ومحمد كذاب، (و أسروا الندامة) وقد سبق بيانه في يونس. # قوله تعالى: (و جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا) إذا دخلوا جهنم غلت ~~أيديهم إلى أعناقهم، وقالت لهم خزنة جهنم: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون في ~~الدنيا. قال أبو عبيدة: مجاز " هل " هاهنا مجاز الإيجاب، وليس باستفهام، ~~والمعنى: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون. PageV06P237 # وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ~~(34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ربي يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء ~~الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون في آياتنا معاجزين ~~أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) (وما أرسلنا في قرية ~~من نذير) أي: نبي ينذر (إلا قال مترفوها) وهم أغنياؤها ورؤساؤها. # قوله تعالى: (و قالوا نحن أكثر أموالا وأولادا). في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم المترفون من كل أمة. # والثاني: مشركو مكة، فظنوا من جهلهم أن الله خولهم المال والولد لكرامتهم ~~عليه، فقالوا: # (وما نحن بمعذبين) لأن الله أحسن إلينا بما أعطانا فلا يعذبنا، فأخبر أنه ~~(يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)، والمعنى أن بسط الرزق وتضييقه ابتلاء ~~وامتحان، لا أن البسط يدل على رضى الله، ولا التضييق يدل على ms1842 سخطه (و لكن ~~أكثر الناس لا يعلمون) ذلك. ثم صرح بهذا المعنى بقوله [تعالى]: (و ما ~~أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) قال الفراء: يصلح أن تقع " ~~التي " على الأموال والأولاد جميعا، لأن الأموال جمع والأولاد جمع، وإن شئت ~~وجهت " التي " إلى الأموال، واكتفيت بها من ذكر الأولاد، وأنشد لمرار ~~الأسدي: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقد شرحنا هذا في قوله ~~[تعالى]: (ولا ينفقونها في سبيل الله) وقال الزجاج: المعنى: وما أموالكم ~~بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم، فحذف اختصارا. وقرأ أبي بن ~~كعب، والحسن، وأبو الجوزاء: " باللاتي تقربكم ". قال الأخفش: و " زلفى " ~~هاهنا اسم مصدر، كأنه قال: # تقربكم عندنا ازدلافا. وقال ابن قتيبة: " زلفى " أي: قربى ومنزلة عندنا. ~~PageV06P238 # قوله تعالى: (إلا من آمن) قال الزجاج: المعنى: ما تقرب الأموال إلا من ~~آمن وعمل بها في طاعة الله، (فأولئك لهم جزاء الضعف) والمراد به هاهنا عشر ~~حسنات، تأويله: لهم جزاء الضعف الذي قد أعلمتكم مقداره. وقال ابن قتيبة: لم ~~يرد فيما يرى أهل النظر - والله أعلم - أنهم يجازون بواحد مثله، ولا اثنين، ~~ولكنه أراد جزاء التضعيف، وهو مثل يضم إلى مثل ما بلغ، وكأن الضعف الزيادة، ~~فالمعنى: لهم جزاء الزيادة، وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، ورويس، وزيد ~~عن يعقوب: " لهم جزاء " بالنصب والتنوين وكسر التنوين وصلا " الضعف " ~~بالرفع. وقرأ أبو الجوزاء، وقتادة، وأبو عمران الجوني: " لهم جزاء " بالرفع ~~والتنوين " الضعف " بالرفع. # قوله تعالى: (و هم في الغرفات) يعني غرف الجنة، وهي البيوت فوق الأبنية. ~~وقرأ حمزة: # " في الغرفة " على التوحيد، أراد اسم الجنس. وقرأ الحسن، وأبو المتوكل: " ~~في الغرفات " بضم الغين وسكون الراء مع الألف. وقرأ أبو الجوزاء، وابن ~~يعمر: بضم الغين وفتح الراء مع الألف (آمنون) من الموت والغير. وما بعد هذا ~~قد تقدم تفسيره إلى قوله [تعالى]: (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه) أي: يأتي ~~ببدله، يقال: أخلف الله له وعليه: إذا أبدل ما ذهب عنه. وفي معنى الكلام ~~أربعة أقوال: # أحدها: ms1843 ما أنفقتم من غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: ما أنفقتم في طاعته، فهو يخلفه في الآخرة بالأجر، قاله السدي. # والثالث: ما أنفقتم في الخير والبر فهو يخلفه، إما أن يعجله في الدنيا، ~~أو يدخره لكم في الآخرة، قاله ابن السائب. # والرابع: أن الإنسان قد ينفق ماله في الآخرة ولا يرى له خلفا أبدا، وإنما ~~معنى الآية: ما كان من خلف فهو منه، ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: (وهو خير الرازقين) لما دار على الألسن أن السلطان يرزق ~~الجند، وفلان يرزق عياله، أي: يعطيهم، أخبر أنه خير المعطين. # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) ~~قالوا سبحانك PageV06P239 # أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) فاليوم ~~لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي ~~كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل ~~يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين ~~كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما آتيناهم من كتب ~~يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما ~~بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45) قوله تعالى: (ويوم ~~يحشرهم جميعا) يعني المشركين، وقال مقاتل: يعني الملائكة ومن عبدها (ثم ~~يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) وهذا استفهام تقرير وتوبيخ ~~للعابدين، فنزهت الملائكة ربها عن الشرك ف‍ (قالوا سبحانك) أي: تنزيها لك ~~مما أضافوه إليك من الشركاء (أنت ولينا من دونهم) أي: نحن نتبرأ إليك منهم، ~~ما تولينا ولا اتخذناهم عابدين، ولسنا نريد وليا غيرك (بل كانوا يعبدون ~~الجن) أي: يطيعون الشياطين في عبادتهم إيانا (أكثرهم بهم) أي: # بالشياطين (مؤمنون) أي: مصدقون لهم فيما يخبرونهم من الكذب أن الملائكة ~~بنات الله، فيقول الله تعالى: (فاليوم) يعني في الآخرة (لا يملك بعضكم ~~لبعض) يعني العابدين والمعبودين (نفعا) بالشفاعة (ولا ضرا) بالتعذيب (ونقول ~~للذين ظلموا) فعبدوا ms1844 غير الله (ذوقوا عذاب النار...) الآية. # ثم أخبر أنهم يكذبون محمدا والقرآن بالآية التي تلي هذه، وتفسيرها ظاهر. # ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدا عن يقين، ولم ~~يأتهم قبله كتاب ولا نبي يخبرهم بفساد أمره، فقال: (وما آتيناهم من كتب ~~يدرسونها) قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن ولا بعث ~~إليهم نبيا قبل محمد، وهذا محمول على الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه و ~~آله وسلم، وقد كان إسماعيل نذيرا للعرب. # ثم أخبر عن عاقبة المكذبين قبلهم مخوفا لهم، فقال: (وكذب الذين من قبلهم) ~~يعني الأمم الكافرة (و ما بلغوا معشار ما آتيناهم) و فيه ثلاثة أقوال: ~~PageV06P240 # أحدها: ما بلغ كفار مكة معشار ما آتينا الأمم التي كانت قبلهم من القوة ~~والمال وطول العمر، قاله الجمهور. # والثاني: ما بلغ الذين من قبلهم معشار ما أعطينا هؤلاء من الحجة ~~والبرهان. # والثالث: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، حكاهما الماوردي. ~~و المعشار: # العشر. والنكير: اسم بمعنى الإنكار. قال الزجاج: والمعنى: فكيف كان ~~نكيري، وإنما حذفت الياء لأنه آخر آية. # قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم ~~من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من أجر فهو ~~لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شئ شهيد (47) قل إن ربي يقذف بالحق ~~علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل إن ضللت ~~فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50) قوله ~~تعالى: (قل إنما أعظكم) أي: آمركم وأوصيكم (بواحدة) و فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها " لا إله إلا الله "، رواه ليث عن مجاهد.. # والثاني: طاعة الله، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثالث: أنها قوله [تعالى]: أن تقوموا لله مثنى وفرادى)، قاله قتادة. ~~والمعنى: أن التي أعظكم بها، قيامكم وتشميركم لطلب الحق، وليس بالقيام على ~~الأقدام. والمراد بقوله [تعالى]: # " مثنى ms1845 " يجتمع اثنان فيتناظران في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~والمراد ب‍ " فرادى " أن يتفكر الرجل وحده، ومعنى الكلام: ليتفكر الإنسان ~~وحده، وليخل بغيره، وليناظر، وليستشر، فيستدل بالمصنوعات على صانعها، ويصدق ~~الرسول على اتباعه، وليقل الرجل لصاحبه: هلم فلنتصادق هل رأينا بهذا الرجل ~~جنة قط، أو جربنا عليه كذبا قط. وتم الكلام عند قوله: (ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة)، وفيه اختصار تقديره: ثم تتفكروا لتعلموا صحة ما أمرتكم به ~~وأن الرسول ليس بمجنون، (إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد) في الآخرة. ~~PageV06P241 # قوله تعالى: (قل ما سألتكم من أجر) على تبليغ الرسالة (فهو لكم) والمعنى: ~~ما أسألكم شيئا، ومثله قول القائل: ما لي في هذا فقد وهبته لك، يريد: ليس ~~لي فيه شئ. # قوله تعالى: (قل إن ربي يقذف بالحق) (علام الغيوب) وقرأ أبو رجاء: " علام ~~" بنصب الميم. و في المراد بالباطل ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الشيطان، لا يخلق أحدا ولا يبعثه، قاله قتادة. # والثاني: أنه الأصنام، لا تبدئ خلقا ولا تحيي، قاله الضحاك. وقال أبو ~~سليمان: لا يبتدئ الصنم من عنده كلاما فيجاب، ولا يرد ما جاء من الحق بحجة. # والثالث: أنه الباطل الذي يضاد الحق، فالمعنى: ذهب الباطل بمجيء الحق، ~~فلم تبق منه بقية يقبل بها أو يبدئ أو يعيد، ذكره جماعة من المفسرين. # قوله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) أي: إثم ضلالتي على نفسي، ~~وذلك أن كفار مكة زعموا أنه قد ضل حين ترك دين آبائه (وإن اهتديت فبما يوحي ~~إلي ربي) من الحكمة والبيان. # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا به وأنى ~~لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان ~~بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا ~~في شك مريب (54) قوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا) في زمان هذا الفزع قولان: # أحدهما: أنه حين البعث من القبور، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه ms1846 عند ظهور العذاب في الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال قتادة. وقال سعيد بن جبير: هو الجيش الذي يخسف به بالبيداء، يبقى منهم ~~رجل فيخبر الناس بما لقوا، وهذا حديث مشروح في التفسير، وأن هذا الجيش يؤم ~~البيت الحرام لتخريبه، فيخسف بهم. وقال PageV06P242 # الضحاك وزيد بن أسلم: هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من المشركين. # قوله تعالى: (فلا فوت) المعنى: فلا فوت لهم، أي: لا يمكنهم أن يفوتونا (و ~~أخذوا من مكان قريب) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من مكانهم يوم بدر، قاله زيد بن أسلم. # والثاني: من تحت أقدامهم بالخسف، قاله مقاتل. # والثالث: من القبور، قاله ابن قتيبة. وأين كانوا، فهم من الله قريب. # قوله تعالى: (و قالوا) أي: حين عاينوا العذاب (آمنا به) في هاء الكناية ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنها تعود إلى الله عز وجل، قاله مجاهد. # والثاني: إلى البعث، قاله الحسن. # والثالث: إلى الرسول، قاله قتادة. # والرابع: إلى القرآن، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (و أنى لهم التناوش) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص ~~عن عاصم: # " التناوش " غير مهموز. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، والمفضل عن ~~عاصم: بالهمز. قال الفراء: من همز جعله من " نأشت "، ومن لم يهمز، جعله من ~~" نشت "، وهما متقاربان، والمعنى: # تناولت الشئ، بمنزلة: ذمت الشئ وذأمته: إذا عبته، وقد تناوش القوم في ~~القتال: إذا تناول بعضهم بعضا بالرماح، ولم يتدانوا كل التداني، وقد يجوز ~~همز " التناؤش " وهي من " نشت " لانضمام الواو، مثل قوله تعالى: (وإذا ~~الرسل أقتت). وقال الزجاج: من همز " التناؤش " فلأن واو التناوش مضمومة، ~~وكل واو مضمونة ضمتها لازمة، إن شئت أبدلت منها همزة، وإن شئت لم تبدل نحو: # أدؤر. وقال ابن قتيبة: معنى الآية: وأنى لهم التناوش لما أرادوا بلوغه ~~وإدراك ما طلبوا من التوبة (من مكان بعيد) وهو الموضع الذي تقبل فيه ~~التوبة. وكذلك قال المفسرون: أنى لهم بتناول الإيمان والتوبة وقد تركوا ذلك ~~في الدنيا والدنيا قد ذهبت؟! # قوله تعالى: (وقد كفروا به) في هاء الكناية أربعة ms1847 أقوال قد تقدمت في قوله ~~تعالى: (آمنا به) ومعنى (من قبل) أي: في الدنيا من قبل معاينة أهوال الآخرة ~~(ويقذفون بالغيب) أي: # يرمون بالظن (من مكان بعيد) وهو بعدهم عن العلم بما يقولون. # وفي المراد بمقالتهم هذه ثلاثة أقوال: PageV06P243 # أحدها: أنهم يظنون أنهم يردون إلى الدنيا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه قولهم في الدنيا: لا بعث لنا ولا جنة ولا نار، قاله الحسن، ~~وقتادة. # والثالث: أنه قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو ساحر، هو كاهن، ~~هو شاعر، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (و حيل بينهم وبين ما يشتهون) أي: منع هؤلاء الكفار مما ~~يشتهون، وفيه ستة أقوال: # أحدها: أنه الرجوع إلى الدنيا، قاله ابن عباس. # والثاني: الأهل والمال والولد، قاله مجاهد. # والثالث: الإيمان، قاله الحسن. # والرابع: طاعة الله، قاله قتادة. # والخامس: التوبة. قاله السدي. # والسادس: حيل بين الجيش الذي خرج لتخريب الكعبة وبين ذلك بأن خسف بهم، ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: (كما فعل) وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو عمران: " كما ~~فعل " بفتح الفاء والعين (بأشياعهم من قبل) قال الزجاج: أي: بمن كان مذهبه ~~مذهبهم. قال المفسرون: # والمعنى: كما فعل بنظرائهم من الكفار، من قبل هؤلاء، فإنهم حيل بينهم ~~وبين ما يشتهون. وقال الضحاك. هم أصحاب الفيل حين أرادوا خراب الكعبة (إنهم ~~كانوا في شك) من البعث ونزول العذاب بهم (مريب) أي: موقع للريبة والتهمة. # والله أعلم بالصواب. PageV06P244 # (35) سورة فاطر مكية وآياتها خمس و أربعون وتسمى سورة الملائكة، وهي مكية ~~باجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل ~~الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله ~~على كل شئ قدير (1) ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم (2) قوله تعالى: (الحمد لله فاطر ~~السماوات والأرض) أي: خالقهما مبتدئا على غير مثال. قال ابن عباس: ما كنت ~~أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى اختصم أعرابيان ms1848 في بئر، فقال أحدهما: # أنا فطرتها، أي: ابتدأتها. # قوله تعالى: (جاعل الملائكة) وروى الحلبي والقزاز عن عبد الوارث: " جاعل ~~" بالرفع والتنوين " الملائكة " بالنصب (رسلا) يرسلهم إلى الأنبياء وإلى ما ~~شاء من الأمور (أولي أجنحة) أي: أصحاب أجنحة (مثنى وثلاث ورباع) فبعضهم له ~~جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له PageV06P245 # أربعة، و (يزيد في الخلق ما يشاء) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه زاد في خلق الملائكة الأجنحة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يزيد في الأجنحة ما يشاء، رواه عباد بن منصور عن الحسن، وبه قال ~~مقاتل. # والثالث: أنه الخلق الحسن، رواه عوف عن الحسن. # والرابع: أنه حسن الصوت، قاله الزهري: وابن جريج. # والخامس: الملاحة في العينين، قاله قتادة. # قوله تعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة) أي: من خير ورزق. وقيل: أراد ~~بها المطر (فلا ممسك لها) وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: " فلا ممسك له ~~". وفي الآية تنبيه على أنه لا إله إلا هو، إذ لا يستطيع أحد إمساك ما فتح ~~وفتح ما أمسك. # يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء و الأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب ~~شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) قوله تعالى: ~~(يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم) قال المفسرون: الخطاب لأهل مكة، و ~~" اذكروا " بمعنى احفظوا، ونعمة الله عليهم: إسكانهم الحرم ومنع الغارات ~~عنهم. # (هل من خالق غير الله) وقرأ حمزة والكسائي: " غير الله " بخفض الراء، قال ~~أبو علي: # جعلاه صفة على اللفظ، وذلك حسن لإتباع الجر. وهذا استفهام تقرير وتوبيخ، ~~والمعنى: لا خالق سواه (يرزقكم من السماء) المطر (و) من (الأرض) النبات ن. ~~وما بعد هذا ms1849 قد سبق بيانه إلى PageV06P246 # قوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو) أي: إنه يريد هلاككم (فاتخذوه عدوا) ~~أي: أنزلوه من أنفسكم منزلة الأعداء، وتجنبوا طاعته (إنما يدعو حزبه) أي: ~~شيعته إلى الكفر (ليكونوا من أصحاب السعير). # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) والله الذي أرسل الرياح ~~فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ~~(9) قوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أبي جهل ومشركي مكة، قاله ابن عباس. # والثاني: في أصحاب الأهواء والملل التي خالفت الهدى، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله أبو قلابة. فإن قيل: أين ~~جواب " أفمن زين له "؟. فالجواب من وجهين: ذكرهما الزجاج. # أحدهما: أن الجواب محذوف، والمعنى: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ ~~ويدل على هذا قوله تعالى: (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء). # والثاني: أن المعنى: أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليهم ~~حسرات؟! # ويدل على هذا قوله تعالى: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات). # وقرأ أبو جعفر: " فلا تذهب " بضم التاء وكسر الهاء " نفسك " بنصب السين. # وقال ابن عباس: لا تغتم ولا تهلك نفسك حسرة على تركهم الإيمان. # قوله تعالى: (فتثير سحابا) أي: تزعجه من مكانه، وقال أبو عبيدة: تجمعه ~~وتجئ به، و " سقناه " بمعنى " نسوقه "، والعرب قد تضع " فعلنا " في موضع " ~~نفعل "، وأنشدوا: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا مني وما سمعوا من صالح دفنوا المعنى: ~~يطيروا ويدفنوا. # قوله تعالى: (و كذلك النشور) وهو الحياة، وفي معنى الكلام قولان: ~~PageV06P247 # أحدهما: كما أحيا الله الأرض بعد موتها يحيي الموتى يوم البعث. روى أبو ~~رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك ~~في خلقه؟ فقال: " هل مررت بوادي أهلك محلا، ثم مررت به يهتز خضرا؟ " قلت: ms1850 ~~نعم، قال: " فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه ". # والثاني: كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء، كذلك يحيي الله الموتى ~~بالماء. قال ابن مسعود: يرسل الله تعالى ماء من تحت العرش كمني الرجال، ~~قال: فتنبت لحمانهم وجسمانهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من الثرى، ثم ~~قرأ هذه الآية. وقد ذكرنا في الأعراف نحو هذا الشرح. # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) قوله ~~تعالى: (من كان يريد العزة) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من كان يريد العزة بعبادة الأوثان (فلله العزة جميعا)، قاله ~~مجاهد. # والثاني: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله، قاله قتادة. وقد روى أنس ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن ربكم يقول كل يوم: أنا ~~العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز ". # والثالث: من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنها لله جميعا، قاله الفراء. # قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب) وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والنخعي، والجحدري، والشيزري عن الكسائي: " يصعد الكلام الطيب " ~~وهو توحيده وذكره (والعمل الصالح يرفعه) قال علي بن المديني: الكلم الطيب: ~~لا إله إلا الله، والعمل الصالح: # أداء الفرائض واجتناب المحارم. و في هاء الكناية في قوله تعالى: (يرفعه) ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الكلم الطيب، فالمعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم ~~الطيب، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك. وكان الحسن ~~يقول: يعرض القول على PageV06P248 # الفعل، فإن وافق القول الفعل قبل، وإن خالف رد. # والثاني: أنها ترجع إلى العمل الصالح، فالمعنى: والعمل الصالح يرفعه ~~الكلم الطيب، فهو عكس القول الأول، وبه قال أبو صالح، وشهر بن حوشب. فإذا ~~قلنا: إن الكلم الطيب هو التوحيد، كانت فائدة هذا القول أنه لا يقبل عمل ~~صالح إلا من موحد. # والثالث: أنها ترجع إلى الله عز وجل، فالمعنى: والعمل الصالح يرفعه الله ~~إليه، أي: يقبله. # قاله قتادة. # قوله تعالى: ms1851 (والذين يمكرون السيئات) قال أبو عبيدة: يمكرون: بمعنى ~~يكتسبون ويجترحون. ثم في المشار إليهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم الذين مكروا برسول الله [صلى الله عليه وسلم] في دار الندوة، ~~قاله أبو العالية. # والثاني: أنهم أصحاب الرياء، قاله مجاهد، وشهر بن حوشب. # والثالث: أنهم الذين يعملون السيئات، قاله قتادة، وابن السائب. # والرابع: أنهم قائلو الشرك، قاله مقاتل. و في معنى (يبور) قولان: # أحدهما: يبطل، قاله ابن قتيبة. # والثاني: يفسد، قاله الزجاج. # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ~~ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر ~~لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو ~~سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا PageV06P249 # ينبئك مثل خبير (14) قوله تعالى: (و الله خلقكم من تراب) يعني آدم (ثم من ~~نطفة) يعني نسله (ثم جعلكم أزواجا) أي: أصنافا، ذكورا وإناثا، قال قتادة: ~~زوج بعضهم ببعض. # قوله تعالى: (وما يعمر من معمر) أي: ما يطول عمر أحد (ولا ينقص) وقرأ ~~الحسن، ويعقوب: " ينقص " بفتح الياء وضم القاف (من عمره) في هذه الهاء ~~قولان: # أحدهما: أنها كناية عن آخر، فالمعنى: ولا ينقص من عمر آخر، وهذا المعنى ~~في رواية العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في آخرين. قال الفراء: وإنما ~~كني عنه كأنه الأول، لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول، كأنه قال: ولا ينقص ~~من عمر معمر، ومثله في الكلام: عندي درهم ونصفه، والمعنى: ونصف آخر. # والثاني: أنها ترجع إلى المعمر المذكور، فالمعنى: ما يذهب من عمر هذا ~~المعمر يوم أو ms1852 ليلة إلا وذلك مكتوب، قال سعيد بن جبير: مكتوب في أول ~~الكتاب: عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل من ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، ذهبت ~~ثلاثة، إلى أن ينقطع عمره، وهذا المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس، وبه ~~قال عكرمة وأبو مالك في آخرين. # فأما الكتاب، فهو اللوح المحفوظ. و في قوله تعالى (إن ذلك على الله يسير) ~~قولان: # أحدهما: أنه يرجع إلى كتابة الآجال. # والثاني: إلى زيادة العمر ونقصانه. # قوله تعالى: (وما يستوي البحران) يعني العذب والملح، وهذه الآية وما ~~بعدها قد سبق بيانه إلى قوله: (ما يملكون من قطمير) قال ابن عباس: هو القشر ~~الذي يكون على ظهر النواة. # قوله تعالى: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) لأنهم جماد (ولو سمعوا) بأن ~~يخلق الله لهم أسماعا (ما استجابوا لكم) أي: لم يكن عندهم إجابة (ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم) أي: يتبرؤون من عبادتكم (ولا ينبئك) يا محمد (مثل ~~خبير) أي: عالم بالأشياء، يعني نفسه عز وجل، والمعنى أنه لا أخبر منه عز ~~وجل بما أخبر أنه سيكون. PageV06P250 # أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى ~~الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور ~~(20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع ~~من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا نذير (23) إنا أرسلناك ~~بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن يكذبوك فقد كذب ~~الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير (25) ثم ~~أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى ~~الله) أي: المحتاجون إليه (والله هو الغني) عن عبادتكم (الحميد) عند خلقه ~~بإحسانه إليهم. وما ms1853 بعد هذا قد تقدم بيانه إلى قوله تعالى: (و إن تدع ~~مثقلة) أي: نفس مثقلة بالذنوب (إلى حملها) الذي حملت من الخطايا (لا يحمل ~~منه شئ ولو كان) الذي تدعوه (ذا قربى) ذا قرابة (إنما تنذر الذين يخشون ~~ربهم بالغيب) أي: # يخشونه ولم يروه، والمعنى: إنما تنفع بإنذارك أهل الخشية، فكأنك تنذرهم ~~دون غيرهم لمكان اختصاصهم بالانتفاع، (ومن تزكى) أي: تطهر من الشرك ~~والفواحش، وفعل الخير (فإنما يتزكى لنفسه) أي: فصلاحه لنفسه (وإلى الله ~~المصير) فيجزي بالأعمال. # (وما يستوي الأعمى والبصير) يعني المؤمن والمشرك، (ولا الظلمات) يعني ~~الشرك والضلالات (ولا النور) الهدى والإيمان، (ولا الظل ولا الحرور) فيه ~~قولان: # أحدهما: ظل الليل وسموم النهار، قاله عطاء. PageV06P251 # والثاني: الظل: الجنة، والحرور: النار، قاله مجاهد. قال الفراء: الحرور ~~بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة. والحرور تكون بالنهار وبالليل، والسموم ~~لا تكون إلا بالنهار. وقال أبو عبيدة: الحرور تكون بالنهار مع الشمس، وكان ~~رؤبة يقول: الحرور بالليل، والسموم بالنهار. # قوله تعالى: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) فيهم قولان: # أحدهما: أن الأحياء: المؤمنون، والأموات: الكفار. # والثاني: أن الأحياء، العقلاء: والأموات: الجهال. وفي " لا " المذكورة في ~~هذه الآية قولان: # أحدهما: أنها زائدة مؤكدة. # والثاني: أنها نافية لاستواء أحد المذكورين مع الآخر. # قال قتادة: هذه أمثال ضربها الله تعالى للمؤمن والكافر، يقول: كما لا ~~تستوي هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. # (إن الله يسمع من يشاء) أي: يفهم من يريد إفهامه (وما أنت بمسمع من في ~~القبور) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والجحدري: " بمسمع من " على ~~الإضافة، يعني الكفار، شبههم بالموتى، (إن أنت إلا نذير) قال بعض المفسرين: ~~نسخ معناها بآية السيف. # قوله تعالى: (و إن من أمة إلا خلا فيها نذير) أي: ما من أمة إلا قد جاءها ~~رسول. وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله تعالى: (فكيف كان نكير) أثبت فيها ~~الياء في الحالين يعقوب، وافقه في الوصل ورش. # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ms1854 ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب ~~والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز ~~غفور (28) قوله تعالى: (ومن الجبال جدد بيض) أي: ومما خلقنا من الجبال جدد. ~~قال ابن قتيبة: # الجدد: الخطوط والطرائق تكون في الجبال، فبعضها بيض، وبعضها حمر، وبعضها ~~غرابيب سود، والغرابيب جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب، ~~وتمام الكلام عند PageV06P252 # قوله: " كذلك "، يقول: من الجبال مختلف ألوانه، (و من الناس والدواب ~~والأنعام مختلف ألوانه كذلك) أي: كاختلاف الثمرات. قال الفراء: وفي الكلام ~~تقديم وتأخير، تقديره: وسود غرابيب، لأنه يقال: أسود غربيب، وقلما يقال: ~~غربيب أسود. وقال الزجاج: المعنى: ومن الجبال غرابيب سود، وهي ذوات الصخر ~~الأسود. وقال ابن دريد: الغربيب: الأسود، أحسب أن اشتقاقه من الغراب. و ~~للمفسرين في المراد بالغرابيب ثلاثة أقوال: # أحدها: الطرائق السود، قاله ابن عباس. # والثاني: الأودية السود، قاله قتادة. # والثالث: الجبال السود، قاله السدي. # ثم ابتدأ فقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) يعني العلماء بالله عز ~~وجل. قال ابن عباس: يريد: إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي ~~وسلطاني. وقال مجاهد والشعبي: # العالم من خاف الله. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم. # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور ~~شكور (30) والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله ~~بعباده لخبير بصير (31) قوله تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله) يعني قراء ~~القرآن، فأثنى عليهم بقراءة القرآن، وكان مطرف يقول: هذه آية القراء. # وفي قوله: (يتلون) قولان: # أحدهما: يقرؤون. # والثاني: يتبعون. # قال أبو عبيدة: (وأقاموا الصلاة) بمعنى ويقيمون، وهو إدامتها لمواقيتها ~~وحدودها. # قوله تعالى: (يرجون تجارة) قال الفراء: هذا جواب قوله [تعالى]: (إن الذين ~~PageV06P253 # يتلون). قال المفسرون: والمعنى: يرجون بفعلهم هذا تجارة لن تفسد ولن تهلك ~~ولن تكسد (ليوفيهم أجورهم) أي: جزاء أعمالهم (ويزيدهم ms1855 من فضله) قال ابن ~~عباس: سوى الثواب ما لم تر عين ولم تسمع أذن. # فأما الشكور، فقال الخطابي: هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، فيثيب عليه ~~الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، ويرضي باليسير من الشكر، ومعنى ~~الشكر المضاف إليه: # الرضى بيسير الطاعة من العبد، والقبول له، وإعظام الثواب عليه، وقد يحتمل ~~أن يكون معنى الثناء على الله بالشكور ترغيب الخلق في الطاعة قلت أو كثرت، ~~لئلا يستقلوا القليل من العمل، ولا يتركوا اليسير منه. # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات عدن يدخلونها ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) قوله تعالى: (ثم ~~أورثنا الكتاب) في " ثم " وجهان: # أحدهما: أنها بمعنى الواو. # والثاني: أنها للترتيب. والمعنى: أنزلنا الكتب المتقدمة، ثم أورثنا ~~الكتاب (الذين اصطفينا) وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم الأنبياء وأتباعهم، قاله الحسن. وفي الكتاب قولان: # أحدهما: أنه اسم جنس، والمراد به الكتب التي أنزلها الله عز وجل، وهذا ~~يخرج على القولين. فإن قلنا: الذين اصطفوا أمة محمد، فقد قال ابن عباس: إن ~~الله أورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم كل كتاب أنزله. وقال ابن جرير ~~الطبري: ومعنى ذلك: أورثهم الإيمان بالكتب كلها - وجميع الكتب تأمر باتباع ~~القرآن - فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها، واستدل على صحة هذا القول بأن ~~الله تعالى قال في الآية التي قبل هذه: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو ~~الحق) وأتبعه بقوله [تعالى]: (ثم أورثنا الكتاب) فعلمنا أنهم أمة محمد، إذ ~~كان معنى الميراث: انتقال شئ من PageV06P254 # قوم إلى قوم، ولم تكن أمة على عهد نبينا انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا ~~قبلهم غير أمته. فإن قلنا: هم الأنبياء وأتباعهم، كان المعنى: أورثنا كل ~~كتاب أنزل على نبي ذلك النبي وأتباعه. # و القول الثاني: أن المراد بالكتاب القرآن. و في معنى " أورثنا " قولان: # أحدهما: أعطينا، ms1856 لأن الميراث عطاء، قاله مجاهد. # والثاني: أخرنا، ومنه الميراث، لأنه تأخر عن الميت، فالمعنى: أخرنا ~~القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناه هذه الأمة، إكراما لها، ذكره بعض أهل ~~المعاني. # قوله تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه صاحب الصغائر، روى عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له ". وروى أبو ~~سعيد الخدري عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في هذه الآية، قال: " كلهم ~~في الجنة ". # والثاني: أنه الذي مات على كبيرة ولم يتب منها. رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنه الكافر، رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس، وقد رواه ابن عمر ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا يكون الاصطفاء لجملة من ~~أنزل عليه الكتاب، كما قال: (وإنه لذكر لك ولقومك) أي: لشرف لكم، وكم من ~~مكرم لم يقبل الكرامة! # والرابع: أنه المنافق، حكي عن الحسن. وقد روي عن الحسن أنه قال: الظالم: ~~الذي ترجح سيئاته، والمقتصد: الذي قد استوت حسناته وسيئاته، والسابق: من ~~رجحت حسناته. # وروي عن عثمان بن عفان أنه تلا هذه الآية، فقال: سابقنا أهل جهادنا، ~~ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا. # قوله تعالى: (و منهم سابق) (بالخيرات) أي: بالأعمال الصالحة إلى الجنة، ~~أو إلى الرحمة (بإذن الله) أي: بإرادته وأمره (ذلك هو الفضل الكبير) يعني ~~إيراثهم الكتاب. # ثم أخبر بثوابهم، فجمعهم في دخول الجنة فقال: (جنات عدن يدخلونها) قرأ ~~أبو عمرو وحده: " يدخلونها " بضم الياء، وفتحها الباقون، وقرأ نافع، وأبو ~~بكر عن عاصم: (ولؤلؤا) PageV06P255 # بالنصب. وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان يهمز الواو الثانية ولا يهمز ~~الأولى، وفي رواية أخرى أنه كان يهمز الأولى ولا يهمز الثانية. والآية ~~مفسرة في سورة الحج. قال كعب: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل ~~بأعمالهم. # و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ms1857 (35) ~~والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ~~كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي ~~كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما ~~للظالمين من نصير (37) إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات ~~الصدور (38) هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) ~~ثم أخبر عما يقولون عند دخولها، وهو قوله [تعالى]: (الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن) الحزن و الحزن واحد، كالبخل والبخل. # وفي المراد بهذا الحزن خمسة أقوال: # أحدها: أنه الحزن لطول المقام في المحشر. روى أبو الدرداء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أما السابق "، فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد، فيحاسب حسابا ~~يسيرا، وأما الظالم لنفسه، فإنه حزين في ذلك المقام "، فهو الحزن والغم، ~~وذلك قوله تعالى: " الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ". # والثاني: أنه الجوع، رواه أبو الدرداء أيضا عن رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، ولا يصح، وبه قال شمر بن عطية. وفي لفظ عن شمر أنه قال: الحزن: هم ~~الخبز، وكذلك روي عن سعيد بن جبير PageV06P256 # أنه قال: الحزن: هم الخبز في الدنيا. # والثالث: أنه حزن النار، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. # والرابع: حزنهم في الدنيا على ذنوب سلفت منهم، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والخامس: حزن الموت، قاله عطية. # والآية عامة في هذه الأقوال وغيرها، ومن القبيح تخصيص هذا الحزن بالخبز ~~وما يشبهه، وإنما حزنوا على ذنوبهم وما يوجبه الخوف. # قوله تعالى: (الذي أحلنا) أي: أنزلنا (دار المقامة) قال الفراء: المقامة ~~هي الإقامة، والمقامة: المجلس، بالفتح لا غير، قال الشاعر: # يومان يوم مقامات وأندية * ويوم سير إلى الأعداء تأويب قوله تعالى: (من ~~فضله) قال الزجاج: أي: بتفضله، لا بأعمالنا. والنصب: التعب. # واللغوب: الإعياء من التعب. ومعنى " لغوب ": شئ يلغب، أي: لا نتكلف شيئا ~~نعنى ms1858 منه. # قوله تعالى: (لا يقضى عليهم فيموتوا) أي: لا يهلكون فيستريحوا مما هم ~~فيه، ومثله: # (فوكزه موسى فقضى عليه). # قوله تعالى: (كذلك نجزي كل كفور) وقرأ أبو عمرو: " يجزي " بالياء " كل " ~~برفع اللام. وقرأ الباقون: " نجزي " بالنون " كل " بنصب اللام. # قوله تعالى: (وهم يصطرخون فيها) وهو افتعال من الصراخ: والمعنى: ~~يستغيثون، فيقولون: (ربنا أخرجنا نعمل صالحا) أي: نوحدك ونطيعك (غير الذي ~~كنا نعمل) من الشرك والمعاصي، فوبخهم الله تعالى بقوله: (أو لم نعمركم) قال ~~أبو عبيدة: معناه التقرير، وليس باستفهام، والمعنى: أو لم نعمركم عمرا ~~يتذكر فيه من تذكر؟! و في مقدار هذا التعمير أربعة أقوال: # أحدها: أنه سبعون سنة، قال ابن عمر: هذه الآية تعبير لأبناء السبعين. # والثاني: أربعون سنة. # والثالث: ستون سنة، رواهما مجاهد عن ابن عباس، وبالأول منهما قال الحسن، ~~وابن السائب. PageV06P257 # والرابع: ثماني عشرة سنة، قاله عطاء، ووهب بن منبه، وأبو العالية، ~~وقتادة. # قوله تعالى: (و جاءكم النذير) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الشيب، قاله ابن عمر، وعكرمة، وسفيان بن عيينة، والمعنى: أو ~~لم نعمركم حتى شبتم؟! # والثاني: النبي صلى الله عليه و آله وسلم، قاله قتادة، وابن زيد، وابن ~~السائب، ومقاتل. # والثالث: موت الأهل والأقارب. # والرابع: الحمى، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: (فذوقوا) يعني: العذاب (فما للظالمين من نصير) أي: من مانع ~~يمنع عنهم. وما بعد هذا قد تقدم بيانه إلى قوله تعالى: (خلائف في الأرض) ~~وهي الأمة التي خلفت من قبلها ورأت فيمن تقدمها ما ينبغي أن تعتبر به (فمن ~~كفر فعليه كفره) أي: جزاء كفره. # قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم ~~لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا إلا غرورا (40) إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) قوله تعالى: ~~(أرأيتم شركاءكم) المعنى: أخبروني عن الذين عبدتم من دون الله واتخذتموهم ~~يحيى شركاء بزعمكم، بأي ms1859 شئ أوجبتم لهم الشركة في العبادة؟! أبشئ خلقوه من ~~الأرض، أم شاركوا خالق السماوات في خلقها؟! ثم عاد إلى الكفار فقال: (أم ~~آتيناهم كتابا) يأمرهم بما يفعلون (فهم على بينة منه؟!) قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم: " على بينة " على التوحيد. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: # " بينات " جمعا. والمراد: البيان بأن مع الله شريكا (بل إن يعد الظالمون) ~~يعني المشركين يعد (بعضهم بعضا) أن الأصنام تشفع لهم، وأنه لا حساب عليهم ~~ولا عقاب. وقال مقاتل: ما يعد الشيطان الكفار من شفاعة الآلهة إلا باطلا. ~~PageV06P258 # قوله تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) أي: يمنعهما من ~~الزوال والذهاب والوقوع. قال الفراء (ولئن) بمعنى " ولو " و " إن " بمعنى " ~~ما "، فالتقدير: ولو زالتا ما أمسكهما من أحد. وقال الزجاج: لما قالت ~~النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، كادت السماوات ~~يتفطرن والجبال أن تزول والأرض أن تنشق، فأمسكها الله عز وجل، وإنما وحد " ~~الأرض " مع جمع " السماوات "، لأن الأرض تدل على الأرضين. (ولئن زالتا) ~~تحتمل وجهين. # أحدهما: زوالهما يوم القيامة. # والثاني: أن يقال تقديرا: وإن لم تزولا، وهذا مكان يدل على القدرة، غير ~~أنه ذلك الحلم فيه، لأنه لما أمسكهما عند قولهم: (اتخذ الرحمن ولدا)، حلم ~~فلم يعجل لهم العقوبة. # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) إستكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم) يعني كفار مكة حلفوا بالله قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم ~~(لئن جاءهم نذير) أي: رسول الله (ليكونن أهدى) أي: أصوب دينا (من إحدى ~~الأمم) يعني: # اليهود والنصارى الصابئين (فلما جاءهم نذير) وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~(ما زادهم) مجيئه (إلا نفورا) أي: تباعدا عن الهدى، (استكبارا في الأرض) ~~أي: ms1860 عتوا على الله وتكبرا عن الإيمان به. قال الأخفش: نصب " استكبارا " على ~~البدل من النفور. قال الفراء: المعنى: فعلوا ذلك استكبارا (ومكر السيء)، ~~فأضيف المكر إلى السيء، كقوله: (وإنه لحق اليقين)، وتصديقه في قراءة عبد ~~الله: " ومكرا سيئا "، والهمزة في " السيء " مخفوضة، وقد جزمها الأعمش ~~وحمزة، لكثرة الحركات، قال الزجاج: وهذا عند النحويين الحذاق لحن، إنما ~~يجوز في الشعر اضطرارا. # وقال أبو جعفر النحاس: كان الأعمش يقف على " مكر السيء " فيترك الحركة، ~~وهو وقف حسن PageV06P259 # تام، فغلط الراوي، فروى أنه كان يحذف الإعراب في الوصل، فتابع حمزة ~~الغلط، فقرأ في الإدراج بترك الحركة. # وللمفسرين في المراد ب‍ " مكر السيء " قولان: # أحدهما: أنه الشرك. قال ابن عباس: عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك. # و الثاني: أنه المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (فهل ينظرون) أي: ينتظرون (إلا سنة الأولين) أي: إلا أن ينزل ~~العذاب بهم كما نزل بالأمم المكذبة قبلهم (فلن تجد لسنة الله) في العذاب ~~(تبديلا) و إن تأخر (ولن تجد لسنة الله تحويلا) أي: لا يقدر أحد أن يحول ~~العذاب عنهم إلى غيرهم. # أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شئ في السماوات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فان الله كان بعباده بصيرا (45) ~~قوله تعالى: (و لن يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) هذا عام، وبعضهم يقول: أراد ~~بالناس المشركين. والمعنى: لو واخذهم بأفعالهم لعجل لهم العقوبة. وقد شرحنا ~~هذه الآية في النحل. وما أخللنا به فقد سبق بيانه. # قوله تعالى: (فإن الله كان بعباده بصيرا) قال ابن جرير: بصيرا بمن يستحق ~~العقوبة ومن يستوجب الكرامة. PageV06P260 # (36) سورة يس مكية وآياتها ثلاث و ثلاثون وفيها قولان: # أحدهما: أنها مكية، قاله ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والجمهور. ~~وروي عن ابن ms1861 عباس وقتادة أنهما قالا: إنها مكية إلا آية منها، وهي قوله ~~تعالى: (و إذا قيل لهم أنفقوا). # والثاني: أنها مدنية، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وقال: ليس بالمشهور. # بسم الله الرحمن الرحيم يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) ~~على صراط مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ~~فهم غافلون (6) وفي قوله: (يس) خمسة أقوال: # أحدها: أن معناها: يا إنسان، بالحبشية، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومقاتل. # والثاني: أنها قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والثالث: أن معناها: يا محمد، قاله ابن الحنفية، والضحاك. # والرابع: أن معناها: يا رجل، قاله الحسن. # والخامس: اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. PageV06P261 # وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء: " يس " بفتح الياء وكسر النون. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو رجاء، وابن أبي عبلة: بفتح الياء والنون جميعا. وقرأ أبو ~~حصين الأسدي: بكسر الياء وإظهار النون. قال الزجاج: والذي عند أهل العربية ~~أن هذا بمنزلة افتتاح السور، وبعض العرب يقول: " يسن والقرآن " بفتح النون، ~~وهذا جائز في العربية لوجهين: # أحدهما: أن " يس " اسم للسورة، فكأنه قال: أتل يس، وهو على وزن هابيل ~~وقابيل لا ينصرف. # والثاني: أنه فتح لالتقاء الساكنين، والتسكين أجود، لأنه حرف هجاء. # قوله تعالى: (و القرآن الحكيم) هذا قسم، وقد سبق معنى " الحكيم "، قال ~~الزجاج: # وجوابه: (إنك لمن المرسلين)، وأحسن ما جاء في العربية أن يكون " لمن ~~المرسلين " خبر " إن "، ويكون قوله تعالى: (على صراط مستقيم) خبرا ثانيا، ~~فيكون المعنى: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم. ويجوز أن يكون " على ~~صراط " من صلة " المرسلين "، فيكون المعنى: إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا ~~على طريقة مستقيمة. # قوله تعالى: (تنزيل العزيز) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " تنزيل " ~~برفع اللام. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: " تنزيل " بنصب اللام. وعن ~~عاصم كالقراءتين. قال الزجاج: من قرأ بالنصب، فعلى المصدر، على معنى: نزل ~~الله ذلك تنزيلا، ومن قرأ بالرفع، فعلى معنى: الذي أنزل إليك ms1862 تنزيل العزيز. ~~وقال الفراء: من نصب، أراد: إنك لمن المرسلين تنزيلا حقا منزلا ويكون الرفع ~~على الاستئناف، كقوله تعالى: ذلك تنزيل العزيز. وقرأ أبي بن كعب، وأبو ~~رزين، وأبو العالية، والحسن، والجحدري: " تنزيل " بكسر اللام. وقال مقاتل: ~~هذا القرآن تنزيل العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه. # قوله تعالى: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) في " ما " قولان: # أحدهما: أنها نفي، وهو قول قتادة والزجاج في الأكثرين. # والثاني: أنها بمعنى " كما "، قاله مقاتل. وقيل: هي بمعنى " الذي ". # قوله تعالى: (فهم غافلون) أي: عن حجج التوحيد وأدلة البعث. # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ~~فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~PageV06P262 # فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون (10) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر ~~كريم (11) إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في ~~إمام مبين (12) (لقد حق القول) فيه قولان: # أحدهما: وجب العذاب. # والثاني: سبق القول بكفرهم. # قوله تعالى: (على أكثرهم) يعني أهل مكة، وهذه إشارة إلى إرادة الله تعالى ~~السابقة لكفرهم (فهم لا يؤمنون) لما سبق من القدر بذلك. # (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها مثل، وليس هناك غل على حقيقة، قاله أكثر المحققين، ثم لهم ~~فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها مثل لمنعهم عن كل خير، قاله قتادة. والثاني: ~~لحبسهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال، قاله الفراء، وابن قتيبة. ~~والثالث. لمنعهم من الإيمان بالله، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أنها موانع حسية منعت كما يمنع الغل، قال مقاتل بن ~~سليمان: حلف أبو جهل لئن رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ليدمغنه، فجاءه ~~وهو يصلي، فرفع حجرا فيبست يده والتصق الحجر بيده، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم ~~الخبر، فقام رجل منهم فأخذ الحجر، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طمس الله على بصره فلم يره، فرجع إلى ms1863 أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، ~~فنزل في أبي جهل: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا...) الآية. # والقول الثالث: أنه على حقيقته، إلا أنه وصف لما سينزله الله تعالى بهم ~~في النار، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (فهي إلى الأذقان) قال الفراء: " فهي " كناية عن الأيمان، ~~ولم تذكر، لأن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق جامعا لهما، فاكتفي بذكر ~~أحدهما عن صاحبه. وقال الزجاج: # " هي " كناية عن الأيدي، ولم يذكرها إيجازا، لأن الغل يتضمن اليد والعنق، ~~وأنشد: # وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني PageV06P263 # وإنما قال: أيهما، لأنه قد علم أن الخير والشر معرضان للإنسان. قال ~~الفراء: والذقن: أسفل اللحيين، والمقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. قال أبو ~~عبيدة: كل رافع رأسه فهو مقامح وقامح، والجمع: قماح، فإن فعل ذلك بإنسان ~~فهو مقمح، ومنه هذه الآية. وقال ابن قتيبة: يقال: # بعير قامح، وإبل قماح: إذا رويت من الماء فقمحت، قال الشاعر - وذكر سفينة ~~-: # ونحن على جوانبها قعود * نغض الطرف كالإبل القماح وقال الأزهري: المراد ~~أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم، رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم، فهم مرفوعو ~~الرؤوس برفع الأغلال إياها. # قوله تعالى: (و جعلنا من بين أيديهم سدا) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: # بفتح السين، والباقون: بضمها، وقد تكلمنا على الفرق في [سورة] الكهف. وفي ~~معنى الآية قولان: # أحدهما: منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم لا يستطيعون الخروج عن الكفر. # والثاني: حجبناهم عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظلمة لما قصدوه ~~بالأذى. # قوله تعالى: (فأغشيناهم) قال ابن قتيبة: أغشينا عيونهم وأعميناهم عن ~~الهدى. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ويحيى بن ~~يعمر: " فأغشيناهم " بعين غير معجمة. ثم ذكر أن الإنذار لا ينفعهم لإضلاله ~~إياهم بالآية التي بعد هذه. ثم أخبر عمن ينفعه الإنذار بقوله تعالى: (إنما ~~تنذر) أي: إنما ينفع إنذارك (من اتبع الذكر) وهو القرآن، فعمل به (و خشي ~~الرحمن بالغيب) وقد شرحناه في الأنبياء، والأجر الكريم: الحسن، وهو الجنة. ~~(إنا نحن نحيي الموتى) ms1864 للبعث (و نكتب ما قدموا) من خير وشر في دنياهم. وقرأ ~~النخعي، والجحدري: " ويكتب " بياء مرفوعة وفتح التاء " وآثارهم " برفع ~~الراء. وفي آثارهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها خطاهم بأرجلهم، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة. قال أبو سعيد ~~الخدري: # شكت بنو سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعد منازلهم من المسجد، ~~فأنزل الله تعالى: (و نكتب ما قدموا وآثارهم)، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " عليكم منازلكم، فإنما يكتب آثاركم "، وقال قتادة وعمر بن عبد ~~العزيز: لو كان الله مغفلا شيئا، لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدم ابن آدم. # والثاني: أنها الخطأ إلى الجمعة، قاله أنس بن مالك. PageV06P264 # والثالث: ما أثروا من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم، قاله ابن عباس، ~~وسعيد بن جبير، واختاره الفراء، وابن قتيبة، والزجاج. # قوله تعالى: (و كل شئ) وقرأ ابن السميفع، وابن أبي عبلة: " وكل " برفع ~~اللام، أي: # من الأعمال (أحصيناه) أي: حفظناه (في إمام مبين) وهو اللوح المحفوظ. # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا ~~يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) قالوا إنا ~~تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا ~~طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) قوله تعالى: (و اضرب لهم ~~مثلا) المعنى: صف لأهل مكة مثلا، أي: شبها. وقال الزجاج: المعنى: مثل لهم ~~مثلا (أصحاب القرية) وهو بدل من مثل، كأنه قال: أذكر لهم أصحاب القرية. ~~وقال عكرمة، وقتادة: هذه القرية هي أنطاكية. # (إذ أرسلنا إليهم اثنين) وفي أسميهما ثلاثة أقوال: # أحدها: صادق وصدوق، قاله ابن عباس، وكعب. # والثاني: يوحنا وبولس، قاله وهب بن منبه. # والثالث: تومان وبولس، قاله مقاتل. PageV06P265 # قوله تعالى: (فعززنا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: " فعززنا " بتشديد الزاي، قال ابن قتيبة: ms1865 المعنى: ~~قوينا وشددنا، يقال: تعزز لحم الناقة: إذا صلب. وقرأ أبو بكر، والمفضل عن ~~عاصم: " فعززنا " خفيفة، قال أبو علي: أراد: # فغلبنا. قال مقاتل: واسم هذا الثالث شمعون، وكان من الحواريين، وهو وصي ~~عيسى عليه السلام قال وهب: وأوحى الله إلى شمعون يخبره خبر الاثنين ويأمره ~~بنصرتهما، فانطلق يؤمهما. وذكر الفراء أن هذا الثالث كان قد أرسل قبلهما، ~~قال: ونراه في التنزيل كأنه بعدهما، وإنما المعنى: فعززنا بالثالث الذي ~~قبلهما، والمفسرون على أنه إنما أرسل لنصرتهما، ثم إن الثالث إنما يكون بعد ~~ثان، فأما إذا سبق الاثنين فهو أول، وإني لأتعجب من قول الفراء. # واختلف المفسرون فيمن أرسل هؤلاء الرسل على قولين. # أحدهما: أن الله تعالى أرسلهم، وهو ظاهر القرآن، وهو مروي عن ابن عباس، ~~وكعب، ووهب. # والثاني: أن عيسى أرسلهم، وجاز أن يضاف ذلك إلى الله تعالى لأنهم رسل ~~رسوله، قاله قتادة، وابن جريج. # قوله تعالى: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) أي: مالكم علينا فضل في شئ (و ~~ما أنزل الرحمن من شئ) أي: لم ينزل كتابا ولم يرسل رسولا. وما بعده ظاهر ~~إلى قوله: (قالوا إنا تطيرنا بكم) وذلك أن المطر حبس عنهم، فقالوا: إنما ~~أصابنا هذا من قبلكم (لئن لم تنتهوا) أي: تسكتوا عنا (لنرجمنكم) أي: ~~لنقتلنكم. # (قالوا طائركم معكم) أي: شؤمكم معكم بكفركم، لا بنا (أئن ذكرتم) قرأ ابن ~~كثير: # " أين ذكرتم " بهمزة واحدة بعدها ياء، وافقه أبو عمرو، إلا أنه كان يمد. ~~قال الأخفش: معناه: # حيث ذكرتم، أي: وعظتم وخوفتم، وهذا استفهام جوابه محذوف، تقديره: أئن ~~ذكرتم تطيرتم بنا؟! # وقيل: أئن ذكرتم قلتم هذا القول؟ والمسرفون هاهنا: المشركون. # وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا ~~من لا PageV06P266 # يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) ~~أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ~~(23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل ~~الجنة قال يا ليت قومي ms1866 يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) ~~وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن كانت ~~إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) قوله تعالى: (و جاء من أقصى المدينة ~~رجل يسعى) واسمه حبيب البخاري: وكان مجذوما، وكان قد آمن بالرسل لما وردوا ~~القرية، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب القرية، فلما بلغه أن قومه قد ~~كذبوا الرسل وهموا بقتلهم، جاء يسعى، فقال ما قصه الله علينا إلى قوله ~~تعالى: (و هم مهتدون) يعني الرسل، فأخذوه ورفعوه إلى الملك، فقال له الملك، ~~أفأنت تتبعهم؟ فقال: # (وما لي) أسكن هذه الياء حمزة، وخلف، ويعقوب (لا أعبد الذي فطرني) أي: ~~وأي شئ لي إذا لم أعبد خالقي (و إليه ترجعون) عند البعث، فيجزيكم بكفركم؟! # فإن قيل: لم أضاف الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم وهو يعلم أن الله قد ~~فطرهم جميعا كما يبعثهم جميعا؟ # فالجواب: أن إيجاد الله تعالى نعمة يوجب الشكر، والبعث في القيامة وعيد ~~يوجب الزجر، فكانت إضافة النعمة إلى نفسه أظهر في الشكر، وإضافة البعث إلى ~~الكافر أبلغ في الزجر. # ثم أنكر عبادة الأصنام بقوله تعالى: (أأتخذ من دونه آلهة). # قوله تعالى: (لا تغن عني شفاعتهم) يعني أنه لا شفاعة لهم فتغني، (و لا ~~ينقذون) أثبت هاهنا الياء في الحالين يعقوب، وورش، والمعنى: لا يخلصوني من ~~ذلك المكروه. (إني إذا) فتح هذه الياء نافع، وأبو عمرو. # [قوله تعالى]: (إني آمنت بربكم) فتح هذه الياء أهل الحجاز وأبو عمرو. ~~وفيمن خاطبهم بإيمانه قولان: # أحدهما: أنه خاطب قومه بذلك، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنه خاطب الرسل. # ومعنى (فاسمعون): اشهدوا لي بذلك، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: المعنى: ~~فاسمعوا PageV06P267 # مني. وأثبت ياء " فاسمعوني " في الحالين يعقوب. قال ابن مسعود: لما خاطب ~~قومه بذلك، وطئوه بأرجلهم. وقال السدي: رموه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد ~~قومي. # قوله تعالى: (قيل ادخل الجنة) لما قتلوه فلقي الله عز وجل، قيل له: " ~~ادخل الجنة "، فلما دخلها (قال يا ليت قومي يعلمون، ms1867 بما غفر لي ربي)، وفي " ~~ما " قولان: # أحدهما: أنها مع " غفر " في موضع مصدر، والمعنى: بغفران الله لي. # والثاني: أنها بمعنى " الذي "، فالمعنى: ليتهم يعلمون بالذي غفر لي [به] ~~ربي فيؤمنون، فنصحهم حيا وميتا. # فلما قتلوه عجل الله لهم العذاب، فذلك قوله تعالى: (و ما أنزلنا على ~~قومه) يعني قوم حبيب (من بعده) أي: من بعد قتله (من جند من السماء) يعني ~~الملائكة، أي: لم ينتصر منهم بجند من السماء (و ما كنا) ننزلهم على الأمم ~~إذا أهلكناهم. وقيل: المعنى: ما بعثنا إليهم بعده نبيا، ولا أنزلنا عليهم ~~رسالة. # (إن كانت إلا صيحة واحدة) قال المفسرون: أخذ جبريل [عليه السلام] بعضادتي ~~باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة واحدة. فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حس، كالنار ~~إذا طفئت، وهو قوله تعالى: (فإذا هم خامدون) أي: ساكنون كهيئة الرماد ~~الخامد. # يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) ألم ~~يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون (32) وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون (33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ~~ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذي خلق الأزواج ~~كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) PageV06P268 # قوله تعالى: (يا حسرة على العباد) قال الفراء: المعنى: يا لها حسرة على ~~العباد. وقال الزجاج: الحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم مالا نهاية له ~~حتى يبقى قلبه حسيرا. وفي المتحسر على العباد قولان: # أحدهما: أنهم يتحسرون على أنفسهم، قال مجاهد والزجاج: استهزاؤهم بالرسل ~~كان حسرة عليهم في الآخرة. وقال أبو العالية: لما عاينوا العذاب، قالوا: يا ~~حسرتنا على المرسلين، كيف لنا بهم الآن حتى نؤمن. # والثاني: أنه تحسر الملائكة على العباد في تكذيبهم الرسل، قاله الضحاك. # ثم خوف كفار مكة فقال: (ألم يروا) أي: ألم يعلموا (كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون) فيعتبروا ويخافوا أن نعجل لهم الهلاك كما عجل ms1868 لمن أهلك قبلهم ولم ~~يرجعوا إلى الدنيا؟!. قال الفراء: وألف (أنهم) مفتوحة، لأن المعنى: ألم ~~يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وقد كسرها الحسن، كأنه لم يوقع الرؤية على " كم ~~"، فلم يقعها على " أن " وإن استأنفتها كسرتها. # قوله تعالى: (و إن كل لما) وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة: " لما " ~~بالتشديد، (جميع لدينا محضرون) أي: إن الأمم يحضرون يوم القيامة، فيجازون ~~بأعمالهم. قال الزجاج: من قرأ " لما " بالتخفيف، ف‍ " ما " زائدة مؤكدة، ~~والمعنى: وإن كل لجميع، ومعناه: وما كل إلا جميع لدينا محضرون. ومن قرأ " ~~لما " بالتشديد، فهو بمعنى " إلا "، تقول: " سألتك لما فعلت " و " إلا فعلت ~~". # " و آية لهم الأرض الميتة) وقرأ نافع: " الميتة " بالتشديد، وهو الأصل، ~~والتخفيف أكثر، وكلاهما جائز، و " آية " مرفوعة بالابتداء، وخبرها " لهم "، ~~ويجوز أن يكون خبرها " الأرض الميتة "، والمعنى: وعلامة تدلهم على التوحيد ~~وأن الله يبعث الموتى، أحياء الأرض الميتة. # قوله تعالى: (فمنه يأكلون) يعنى ما يقتات من الحبوب. # قوله تعالى: (و جعلنا فيها) وقوله تعالى (و فجرنا فيها) يعني في الأرض. # قوله تعالى: (ليأكلوا من ثمره) يعني النخيل، وهو في اللفظ مذكر. ~~PageV06P269 # (و ما عملته أيديهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم: # " عملته " بهاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " عملت " بغير ~~هاء. والهاء مثبتة في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة، ومحذوفة من مصاحف ~~أهل الكوفة. قال الزجاج: موضع " ما " خفض، والمعنى: ليأكلوا من ثمره ومما ~~عملته أيديهم، ويجوز أن يكون " ما " نفيا، المعنى: # ولم تعمله أيديهم، وهذا على قراءة من أثبت الهاء، فإذا حذفت الهاء، ~~فالاختيار أن تكون " ما " في موضع خفض، وتكون بمعنى " الذي "، فيحسن حذف ~~الهاء، وكذلك ذكر المفسرون القولين، فمن قال بالأول، قال: ليأكلوا مما عملت ~~أيديهم، وهو الغروس والحروث التي تعبوا فيها، ومن قال بالثاني، قال: ~~ليأكلوا ما ليس من صنعهم، ولكنه من فعل الحق عز وجل (أفلا يشكرون) الله ~~تعالى فيوحدوه؟!. # ثم نزه نفسه بقوله تعالى: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها) يعني الأجناس ms1869 ~~كلها (مما تنبت الأرض) من الفواكه والحبوب وغير ذلك (و من أنفسهم) وهم ~~الذكور والإناث (ومما لا يعلمون) من دواب البر والبحر وغير ذلك مما لم ~~يقفوا على علمه. # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر ~~لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النار وكل في ~~فلك يسبحون (40) قوله تعالى: (و آية لهم الليل نسلخ منه النهار) أي: وعلامة ~~لهم تدل على توحيدنا وقدرتنا الليل نسلخ منه النهار، قال الفراء: نرمي ~~بالنهار عنه، و " منه " بمعنى " عنه ". وقال أبو عبيدة: # نخرج منه النهار ونميزه منه فتجيء الظلمة، قال الماوردي: وذلك أن ضوء ~~النهار يتداخل في الهواء فيضيء، فإذا خرج منه أظلم. وقوله تعالى: (فإذا هم ~~مظلمون) أي: داخلون في الظلام. # (والشمس) أي: وآية لهم الشمس (تجري لمستقر لها) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: إلى موضع قرارها، روى أبو ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه و ~~آله وسلم عن قوله: " لمستقر لها " قال: " مستقرها تحت العرش "، وقال: " ~~إنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الطلوع، فيؤذن لها ". ~~PageV06P270 # والثاني: أن مستقرها مغربها لا تجاوزه ولا تقتصر عنه، قاله مجاهد. # والثالث: لوقت واحد لا تعدوه، قاله قتادة. وقال مقاتل: لوقت لها إلى يوم ~~القيامة. # والرابع: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع ~~إلى أول منازلها، قاله ابن السائب. وقال ابن قتيبة: إلى مستقر لها، ~~ومستقرها: أقصى منازلها في الغروب، لأنها لا تزال تتقدم إلى أقصى مغاربها، ~~ثم ترجع. # وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، وعلي بن الحسين، والشيزري عن الكسائي: " لا ~~مستقر لها " والمعنى أنها تجري أبدا، لا تثبت في مكان واحد. # قوله تعالى: (ذلك) الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس و القمر (تقدير ~~العزيز) في ملكه (العليم) بما يقدر. # قوله تعالى: (و القمر) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " والقمر " ~~بالرفع. وقرأ عاصم، وابن عامر، ms1870 وحمزة، والكسائي: " والقمر " بالنصب. قال ~~الزجاج: من قرأ بالنصب. فالمعنى: # وقدرنا القمر قدرناه منازل، ومن قرأ بالرفع، فالمعنى: وآية لهم القمر ~~قدرناه، ويجوز أن يكون على الابتداء، و " قدرناه " الخبر. # قال المفسرون: ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا ينزلها من أول الشهر إلى ~~آخره، وقد سميناها في سورة يونس، فإذا صار إلى آخر منازله، دق فعاد ~~كالعرجون، وهو عود العذق الذي تركته الشماريخ، فإذا جف وقدم يشبه الهلال. ~~قال ابن قتيبة: و " القديم " هاهنا: الذي قد أتى عليه حول، شبه القمر آخر ~~ليلة يطلع به. قال الزجاج: وتقدير " عرجون ": فعلون، من الانعراج. # وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، والضحاك، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: " ~~كالعرجون "، بكسر العين. # قوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهما إذا اجتمعا في السماء، كان أحدهما بين يدي الآخر، فلا ~~يشتركان في المنازل، قاله ابن عباس. # والثاني: لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، قاله مجاهد. # والثالث: لا يجتمع ضوء أحدهما مع الآخر، فإذا جاء سلطان أحدهما ذهب سلطان ~~الآخر، PageV06P271 # قال قتادة، فيكون وجه الحكمة في ذلك أنه لو اتصل الضوء، لم يعرف الليل. # قوله تعالى: (و لا الليل سابق النهار) وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، ~~وأبو عمران، وعاصم الجحدري: " سابق " بالتنوين " النهار " بالنصب، وفيه ~~قولان: # أحدهما: لا يتقدم الليل قبل استكمال النهار. # والثاني: لا يأتي ليل من غير نهار فاصل بينهما. وباقي الآية مفسر في سورة ~~الأنبياء. # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ~~ومتاعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ~~ترحمون (45) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) ~~قوله تعالى: (و آية لهم أنا حملنا ذريتهم) قرأ نافع، وابن عامر: " ذرياتهم ~~" على الجمع، وقرأ الباقون من السبعة: " ذريتهم " على التوحيد. قال ~~المفسرون: أراد: في سفينة نوح، فنسب الذرية إلى المخاطبين، لأنهم من ms1871 جنسهم، ~~كأنه قال: ذرية الناس. وقال الفراء: أي: ذرية من هو منهم، فجعلها ذرية لهم، ~~وقد سبقتهم. وقال غيره: هو حمل الأنبياء في أصلاب الآباء حين ركبوا ~~السفينة، ومنه قول العباس: # بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق قال المفضل بن سلمة: ~~الذرية: النسل، لأنهم من ذرأهم الله منهم، والذرية أيضا: الآباء لأن الذر ~~وقع منهم، فهو من الأضداء، ومنه هذه الآية، وقد شرحنا هذا في قوله تعالى: ~~(ذرية بعضها من بعض) والمشحون: المملوء. # قوله تعالى: (خلقنا لهم من مثله) فيه قولان: PageV06P272 # أحدهما: مثل سفينة نوح، وهي السفن، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس، وبه قال الضحاك، وأبو مالك، وأبو صالح، والمراد بهذا ذكر منته بأن ~~خلق الخشب الذي تعمل منه السفن. # والثاني: أنها الإبل، خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في ~~البحر، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وعن الحسن وقتادة ~~كالقولين. # قوله تعالى: (فلا صريخ لهم) أي: لا مغيث ولا مجير (و لا هم ينقذون) أي: ~~ينجون من الغرق، يقال: أنقذه واستنقذه: إذا خلصه، من المكروه، (إلا رحمة ~~منا) المعنى: إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم. # قوله تعالى: (و إذا قيل لهم) يعني الكفار (اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم) فيه أربعة أقوال: # أحدها: " ما بين أيديكم ": ما مضى من الذنوب، " و ما خلفكم ": ما يأتي من ~~الذنوب، قاله مجاهد. # والثاني: ما تقدم من عذاب الله للأمم، " و ما خلفكم " من أمر الساعة، ~~قاله قتادة. # والثالث: " ما بين أيديكم " من الدنيا، " وما خلفكم " من عذاب الآخرة، ~~قاله سفيان. # والرابع: " ما بين أيديكم " من أمر الآخرة، " وما خلفكم " من أمر الدنيا ~~فلا تغتروا بها. # (لعلكم ترحمون) أي: لتكونوا على رجاء الرحمة من الله. وجواب " إذا " ~~محذوف، تقديره: إذا قيل لهم هذا، أعرضوا، ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى ~~(و ما تأتيهم من آية) أي: من دلالة تدل على صدق الرسول. # وإذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم الله قال الذين ms1872 كفروا للذين آمنوا أنطعم ~~من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ~~(49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) ونفخ في الصور فإذا هم ~~من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا هذا ~~ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) PageV06P273 # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم ~~نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون (56) لهم فيها فاكهة ~~ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم (58) قوله تعالى: (و إذا قيل لهم ~~أنفقوا) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # أحدها: في اليهود، قاله الحسن. # والثاني: في الزنادقة، قاله قتادة. # والثالث: في مشركي قريش، قاله مقاتل، وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: ~~أنفقوا على المساكين النصيب الذي زعمتم أنه لله من الحرث والأنعام، فقالوا: ~~(أنطعم من لو يشاء الله أطعمه). وقال ابن السائب: كان العاص بن وائل إذا ~~سأله مسكين، قال: اذهب إلى ربك فهو يرزقهم، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم فلا ~~نطعمهم، وهذا خطأ منهم، لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضا، ليبلو ~~الغني بالفقير فيما فرض له في ماله من الزكاة، والمؤمن لا يعترض على ~~المشيئة، وإنما يوافق الأمر. وقيل: إنما قالوا هذا على سبيل الاستهزاء. # وفي قوله تعالى: (إن أنتم إلا في ضلال مبين) قولان: # أحدهما: أنه من قول الكفار للمؤمنين، يعنون: إنكم في خطأ من اتباع محمد. # والثاني: أنه من قول الله للكفار لما ردوه من جوانب المؤمنين. # قوله تعالى: (متى هذا الوعد؟) يعنون القيامة، والمعنى: متى إنجاز هذا ~~الوعد (إن كنتم صادقين)؟ يعنون محمدا وأصحابه. # (ما ينظرون) أي: ما ينتظرون (إلا صيحة واحدة) وهي النفخة الأولى. و ~~(يخصمون) بمعنى يختصمون، فأدغمت التاء في الصاد كذلك قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: " يخصمون " بفتح الياء و الخاء ms1873 و تشديد الصاد. و قرأ حمزة بسكون ~~الخاء و تخفيف الصاد، أي: يخصم بعضهم بعضا. و قرأ أبي بن كعب: " يختصمون " ~~بزيادة تاء، والمعنى أن الساعة تأتيهم أغفل ما كانوا عنها وهم يتشاغلون في ~~متصرفاتهم وبيعهم وشرائهم، (فلا يستطيعون توصية) قال مقاتل: أعجلوا عن ~~الوصية فماتوا، (و لا إلى أهلهم يرجعون) أي: لا يعودون من الأسواق إلى ~~منازلهم، فهذا وصف ما يلقون في النفخة الأولى. ثم ذكر ما يلقون في النفخة ~~الثانية قال: (و نفخ في الصور فإذا هم من الأجداث) يعني القبور، (إلى ربهم ~~ينسلون) أي: يخرجون بسرعة، وقد شرحنا هذا المعنى في PageV06P274 # سورة الأنبياء. (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) وقرأ علي بن أبي ~~طالب، وأبو رزين، والضحاك، وعاصم الجحدري: " من بعثنا " بكسر الميم والثاء ~~وسكون العين. قال المفسرون: إنما قالوا هذا، لأن الله تعالى رفع عنهم ~~العذاب فيما بين النفختين. قال أبي بن كعب: ينامون نومة قبل البعث، فإذا ~~بعثوا قالوا هذا. # قوله تعالى: (هذا ما وعد الرحمن) في قائلي هذا الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قول المؤمنين، قاله مجاهد، وقتادة، وابن أبي ليلى. قال قتادة: ~~أول الآية للكافرين، وآخرها للمؤمنين. # والثاني: أنه قول الملائكة لهم، قاله الحسن. # والثالث: أنه قول الكافرين، يقول بعضهم لبعض: هذا الذي أخبرنا به ~~المرسلون أننا نبعث ونجازى، قاله ابن زيد. # قال الزجاج: " من مرقدنا " هو وقف التمام، ويجوز أن يكون " هذا " من نعت ~~" مرقدنا " على معنى: من بعثنا من مرقدنا هذا الذي كنا راقدين فيه؟ ويكون ~~في قوله تعالى: (ما وعد الرحمن) أحد إضمارين، إما " هذا "، وإما " حق "، ~~فيكون المعنى: حق ما وعد الرحمن. # ثم ذكر النفخة الثانية، فقال: (إن كانت إلا صيحة واحدة)، وما بعد هذا ~~ظاهر إلى قوله: # (إن أصحاب الجنة اليوم) يعني في الآخرة (في شغل) قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو: " في شغل " بإسكان الغين. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: " في شغل " بضم الشين والغين. وقرأ أبو هريرة، وأبو رجاء، وأيوب ~~السختياني: " في شغل " بفتح ms1874 الشين والغين. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، ~~وعكرمة، والضحاك، والنخعي، وابن يعمر، والجحدري: " في شغل " بفتح الشين ~~وسكون الغين، وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن شغلهم افتضاض العذارى، رواه شقيق عن ابن مسعود، ومجاهد عن ابن ~~عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، وقتادة، والضحاك. # والثاني: ضرب الأوتار، رواه عكرمة عن ابن عباس، وعن عكرمة كالقولين، ولا ~~يثبت هذا القول. # والثالث: النعمة، قاله مجاهد. وقال الحسن: شغلهم: نعيمهم عما فيه أهل ~~النار من العذاب. PageV06P275 # قوله تعالى: (فاكهون) وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~المتوكل، وقتادة، وأبو الجوزاء، والنخعي: وأبو جعفر: " فكهون ". وهل بينهما ~~فرق؟ فيه قولان: # أحدهما: أن بينهما فرقا. # فأما " فاكهون " ففيه أربعة أقوال: # أحدها: فرحون، قاله ابن عباس. # والثاني: معجبون، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: ناعمون، قاله أبو مالك، ومقاتل. # والرابع: ذوو فاكهة، كما يقال: فلان لابن تأمر، قاله أبو عبيدة، وابن ~~قتيبة. # وأما " فكهون " ففيه قولان: # أحدهما: أن الفكه: الذي يتفكه، تقول العرب للرجل إذا كان يتفكه بالطعام ~~أو بالفاكهة أو بأعراض الناس: إن فلانا لفكه بكذا، ومنه يقال للمزاح: ~~فكاهة، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أن فكهين بمعنى فرحين، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أن فاكهين وفكهين بمعنى واحد، كما يقال: حاذر وحذر، قاله ~~الفراء. وقال الزجاج: فاكهون وفكهون بمعنى فرحين. وقال أبو زيد: الفكه: ~~الطيب النفس الضحوك، يقال: # رجل فاكه وفكه. # قوله تعالى: (هم وأزواجهم) يعنى حلائلهم (في ظلال) وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وخلف: " في ظلل ". قال الفراء: الظلال جمع ظل والظلل جمع ظلة أيضا، كما ~~يقال: خلة وخلل، فإذا كثرت فهي الخلال والحلال والقلال. قال مقاتل: ~~والظلال: أكنان القصور. قال أبو عبيدة: والمعنى أنهم لا يضحون. فأما ~~الأرائك، فقد بيناها في سورة الكهف. # قوله تعالى: (و لهم ما يدعون) قال ابن قتيبة: ما يتمنون، ومنه يقول ~~الناس: هو في خير ما ادعى، أي: ما تمنى، والعرب تقول: ادع ما شئت، أي: تمن ~~ما شئت. وقال الزجاج: و هو مأخوذ من الدعاء، والمعنى: كل ما يدعو به ms1875 أهل ~~الجنة يأتيهم. وقوله: (سلام) بدل من " ما "، المعنى: لهم ما يتمنون سلام، ~~أي: هذا منى أهل الجنة أن يسلم الله عليهم. و (قولا) منصوب على معنى: سلام ~~يقوله الله قولا. و قال أبو عبيدة: " سلام " رفع على " لهم "، فالمعنى: لهم ~~فيها فاكهة ولهم فيها سلام. وقال الفراء: معنى الكلام: لهم ما يدعون مسلم ~~خالص، ونصب القول، PageV06P276 # كأنك قلت: قاله قولا، وإن شئت جعلته نصبا من قوله تعالى: ولهم ما يدعون ~~قولا، كقولك: عدة من الله. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، والجحدري: " سلاما ~~قولا " بنصبهما جميعا. # وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) ~~ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم ~~توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) قوله تعالى: (و امتازوا ~~اليوم) قال ابن قتيبة: أي: انقطعوا عن المؤمنين وتميزوا منهم، يقال: # مزت الشئ من الشئ: إذا عزلته عنه، فانماز وامتاز، وميزته فتميز. # قال المفسرون: إذا اختلط الإنس والجن في الآخرة، قيل: " وامتازوا اليوم ~~أيها المجرمون "، فيقال للمجرمين: (ألم أعهد إليكم؟) أي: ألم آمركم، ألم ~~أوصكم؟ و " تعبدوا " بمعنى تطيعوا، والشيطان هو إبليس، زين لهم الشرك ~~فأطاعوه، (إنه لكم عدو مبين) ظاهر العداوة، أخرج أبويكم من الجنة. # (وأن اعبدوني) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي: " وأن اعبدوني ~~" بضم النون. # وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة: " وأن اعبدوني " بكسر النون، والمعنى: ~~وحدوني (هذا صراط مستقيم) يعني التوحيد. # (ولقد أضل منكم جبلا) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: " جبلا " بضم ~~الجيم والباء وتخفيف اللام، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر: " جبلا " بضم الجيم ~~وتسكين الباء مع تخفيف اللام. وقرأ نافع، وعاصم: " جبلا " بكسر الجيم ~~والباء مع تشديد اللام. وقرأ علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والزهري، والأعمش: " جبلا " بضم الجيم والباء مع تشديد اللام. وقرأ ~~عبد الله بن عمرو، وابن السميفع: " جبلا " بكسر الجيم و سكون الباء وتخفيف ms1876 ~~اللام. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، ومعاذ القارئ: " جبلا " برفع ~~الجيم وفتح الباء وتخفيف اللام. وقرأ أبو العالية: وابن يعمر: " جبلا " ~~بكسر الجيم وفتح الباء وتخفيف اللام. وقرأ أبو عمران الجوني، وعمرو بن ~~دينار، " جبالا " مكسورة الجيم مفتوحة الباء وبألف. ومعنى الكلمة كيف تصرفت ~~في هذه اللغات: الخلق والجماعة، فالمعنى: ولقد أضل منكم خلقا كثيرا (أفلم ~~PageV06P277 # تكونوا تعقلون؟)، فالمعنى: قد رأيتم آثار الهالكين قبلكم بطاعة الشيطان، ~~أفلم تعقلوا ذلك؟! وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~رجاء، ومجاهد، وابن يعمر: " أفلم يكونوا يعقلون " بالياء فيهما، فإذا أدنوا ~~إلى جهنم قيل لهم: (هذه جهنم التي كنتم توعدون) بها في الدنيا (اصلوها) أي: ~~قاسوا حرها. # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ~~(65) ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو ~~نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ~~ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) قوله تعالى: (اليوم نختم على أفواهم) وقرأ ~~أبو المتوكل، وأبو الجوزاء: " يختم " بياء مضمومة وفتح التاء (و تكلمنا) ~~قرأ ابن مسعود: " ولتكلمنا " بزيادة لام مكسورة وفتح الميم وواو قبل اللام. ~~وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: " لتكلمنا " بلام مكسورة من غير واو قبلها ~~وبنصب الميم، وقرأوا جميعا: " و لتشهد أرجلهم " بلام مكسورة وبنصب الدال. # ومعنى " نختم ": نطبع عليها، وقيل: منعها من الكلام هو الختم عليها، وفي ~~سبب ذلك أربعة أقوال: # أحدها: أنهم لما قالوا: (و الله ربنا ما كنا مشركين) ختم الله على ~~أفواههم ونطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري. # والثاني: ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعوانا لهم على المعاصي صارت ~~شهودا عليهم. # والثالث: ليعرفهم أهل الموقف، فتميزوا منهم بذلك. # والرابع: لأن إقرار الجوارح أبلغ في الإقرار من نطق اللسان، ذكرهن ~~الماوردي. # فإن قيل: ما الحكمة في تسمية نطق اليد كلاما ونطق الرجل شهادة؟ # فالجواب: أن اليد كانت مباشرة والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة ~~بما رأى، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما فعل. ms1877 PageV06P278 # قوله تعالى: (و لو نشاء لطمسنا على أعينهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ولو نشاء لأذهبنا أعينهم حتى لا يبدو لها شق ولا جفن. والمطموس: ~~الذي لا يكون بين جفنيه شق، (فاستبقوا الصراط) أي: فتبادروا إلى الطريق ~~(فأنى يبصرون) أي: فكيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم؟! وقرأ أبو بكر الصديق، ~~وعروة بن الزبير، وأبو رجاء: " فاستبقوا " بكسر الباء " فأنى تبصرون " ~~بالتاء. وهذا تهديد لأهل مكة، وهو قول الأكثرين. # والثاني: ولو نشاء لأضللناهم وأعميناهم عن الهدى، فأنى يبصرون الحق؟ رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم وأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم ~~من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم، فأنى يبصرون ولم أفعل ذلك بهم؟! حكى ~~عن جماعتهم مقاتل. # قوله تعالى: (و لو نشاء لمسخناهم على مكانتهم) روى أبو بكر، عن عاصم " ~~على مكاناتهم " وقد سبق بيان هذا وفي المراد بقوله: " لمسخناهم " أربعة ~~أقوال: # أحدها: لأهلكناهم، قاله ابن عباس. # والثاني: لأقعدناهم على أرجلهم، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: لجعلناهم حجارة، قاله أبو صالح، ومقاتل. # والرابع: لجعلناهم قردة وخنازير لا أرواح فيها، قاله ابن السائب. # وفي قوله: (فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون) ثلاثة أقوال: # أحدها: فما استطاعوا أن يتقدموا ولا أن يتأخروا، قاله قتادة. # والثاني: فما استطاعوا مضيا عن العذاب، ولا رجوعا إلى الخلقة. الأولى بعد ~~المسخ، قاله الضحاك. # والثالث: مضيا من الدنيا ولا رجوعا إليها، قاله أبو صالح. # قوله تعالى: (و من نعمره ننكسه في الخلق) قرأ حمزة: " ننكسه " مشددة مع ~~ضم النون الأولى وفتح الثانية، والباقون: بفتح النون الأولى وتسكين الثانية ~~من غير تشديد، وعن عاصم كالقراءتين. ومعنى الكلام: من نطل عمره ننكس خلقه، ~~فنجعل مكان القوة الضعف، وبدل الشباب الهرم، فنرده إلى أرذل العمر. (أفلا ~~يعقلون) قرأ نافع، وأبو عمرو: " أفلا يعقلون " بالياء، والباقون بالتاء. ~~والمعنى: أفلا يعقلون أن من فعل هذا قادر على البعث؟ PageV06P279 # و ما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) لينذر من ~~كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) قوله تعالى: ms1878 (و ما علمناه الشعر) قال ~~المفسرون: إن كفار مكة قالوا: إن القرآن شعر وإن محمدا شاعر، فقال الله ~~تعالى: (و ما علمناه الشعر) (وما ينبغي له) أي: ما يتسهل له ذلك. # قال المفسرون: ما كان يتزن له بيت شعر، حتى إنه روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه تمثل يوما فقال: # فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنما قال الشاعر: # " كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا " أشهد أنك رسول الله، ما علمك الله ~~الشعر، وما ينبغي لك. ودعا يوما بعباس بن مرادس فقال: " أنت القائل: # أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة "؟ # فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي، لم يقل كذلك، فأنشده أبو بكر، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لا يضرك بأيهما بدأت "، فقال أبو بكر: والله ما ~~أنت بشاعر، ولا ينبغي لك الشعر. وتمثل يوما، فقال: # " ويأتيك من لم تزوده بالأخبار " فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله، ~~فقال: " إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي ". و إنما منع من قول الشعر، لئلا ~~تدخل الشبهة على قوم فيما أتى به من القرآن فيقولون: قوي على ذلك بما في ~~طبعه من الفطنة للشعر. # قوله تعالى: (إن هو) يعني القرآن (إلا ذكر) إلا موعظة (و قرآن مبين) فيه ~~الفرائض والأحكام. # قوله تعالى: (لتنذر) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " ~~لينذر " بالياء، يعنون القرآن. وقرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب: " لتنذر " ~~بالتاء، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، أي: # لتنذر يا محمد بما في القرآن. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن ~~السميفع: " لينذر " بياء مرفوعة وفتح الذال والراء جميعا. # قوله تعالى: (من كان حيا) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: حي القلب حي البصر، قاله قتادة. # والثاني: من كان عاقلا، قاله الضحاك. قال الزجاج: من كان يعقل ما يخاطب ~~به، فإن الكافر كالميت في ترك النذير. PageV06P280 # والثالث: مهتديا في علم الله. # والرابع: من كان مؤمنا، قاله يحيى بن سلام، وهذا على المعنى الذي قد سبق ~~في قوله تعالى: (إنما تنذر الذين يخشون ms1879 ربهم)، ويجوز أن يريد: إنما ينفع ~~إنذارك من كان مؤمنا في علم الله. # قوله تعالى: (و يحق) معناه: يجب. وفي المراد بالقول قولان: # أحدهما: أنه العذاب. # والثاني: الحجة. # أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا ~~يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم ~~وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ~~(76) ثم ذكرهم قدرته فقال: (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما) قال ابن قتيبة: # يجوز أن يكون المعنى: مما عملناه بقوتنا وقدرتنا، وفي اليد القدرة والقوة ~~على العمل، فتستعار اليد فتوضع موضعها، هذا مجاز للعرب يحتمله هذا الحرف، ~~والله أعلم بما أراد. وقال غيره: ذكر الأيدي هاهنا يدل على انفراده بما ~~خلق، والمعنى: لم يشاركنا أحد في إنشائنا، والواحد منا إذا قال: عملت هذا ~~بيدي، دل ذلك على انفراده بعمله. وقال أبو سليمان الدمشقي: معنى الآية: مما ~~أوجدناه بقدرتنا وقوتنا، وهذا إجماع أنه لم يرد هاهنا إلا ما ذكرنا. # قوله تعالى: (فهم لها مالكون) فيه قولان: # أحدهما: ضابطون، قاله قتادة، ومقاتل. قال الزجاج: ومثله في الشعر: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا أي: لا أضبط رأس ~~البعير. PageV06P281 # والثاني: قادرون عليها بالتسخير لهم، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (و ذللناها لهم) أي: سخرناها، فهي ذليلة لهم (فمنها ركوبهم) ~~قال ابن قتيبة: الركوب: ما يركبون، والحلوب: ما يحلبون. قال الفراء: ولو ~~قرأ قارئ: " فمنها ركوبهم "، كان وجها، كما تقول: منها أكلهم وشربهم ~~وركوبهم. وقد قرأ بضم الراء الحسن، وأبو العالية، والأعمش، وابن يعمر في ~~آخرين. وقرأ أبي بن كعب، وعائشة: " ركوبتهم " بفتح الراء والباء وزيادة تاء ~~مرفوعة. قال المفسرون: يركبون من الأنعام الإبل، ويأكلون الغنم، (و لهم ~~فيها منافع) من الأصواف والأوبار والأشعار والنسل (و مشارب) من ألبانها، ~~(أفلا يشكرون) رب هذه النعم فيوحدونه؟!. # ثم ذكر جهلهم فقال: (و ms1880 اتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) أي: ~~لتمنعهم من عذاب الله، ثم أخبر أن ذلك لا يكون بقوله: (لا يستطيعون نصرهم) ~~أي: لا تقدر الأصنام على منعهم من أمر أراده الله بهم (وهم) يعني الكفار و ~~(لهم) يعني الأصنام (جند محضرون) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: جند في الدنيا محضرون في النار، قاله الحسن. # والثاني: محضرون عند الحساب، قاله مجاهد. # والثالث: المشركون جند للأصنام، يغضبون لها في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم ~~خيرا ولا تدفع عنهم شرا، قاله قتادة. وقال مقاتل: الكفار يغضبون للآلهة ~~ويحضرونها في الدنيا. وقال الزجاج: هم للأصنام ينتصرون، وهي لا تستطيع ~~نصرهم. # والرابع: هم جند محضرون عند الأصنام يعبدونها، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (فلا يحزنك قولهم) يعني قول كفار مكة في تكذيبك (إنا نعلم ما ~~يسرون) في ضمائرهم من تكذيبك (و ما يعلنون) بألسنتهم من ذلك، والمعنى: إنا ~~نثيبك و نجازيهم. # أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي أنشأها ~~أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا ~~أنتم منه PageV06P282 # توقدون (80) أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~(82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون (83) قوله تعالى: (أو لم ~~ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة) اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية والتي بعدها ~~على خمسة أقوال: # أحدها: أنه العاص بن وائل السهمي، أخذ عظما من البطحاء ففته بيده، ثم قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا بعدما أرم؟ فقال: " نعم، ~~يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم "، فنزلت هذه الآيات، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنه عبد الله بن أبي ابن سلول، جرى له نحو هذه القصة، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه أبو جهل ms1881 بن هشام، وأن هذه القصة جرت له، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. # والرابع: أنه أمية بن خلف، قاله الحسن. # والخامس: أنه أبي بن خلف الجمحي، وهذه القصة جرت له، قاله مجاهد، وعليه ~~المفسرون. # ومعنى الكلام: التعجب من جهل هذا المخاصم في إنكاره البعث، والمعنى: ألا ~~يعلم أنه مخلوق فيتفكر في بدء خلقه فيترك خصومته؟! وقيل: هذا تنبيه له على ~~نعمة الله عليه حيث أنشأه من نطفة فصار مجادلا. # (وضرب لنا مثلا) في إنكار البعث بالعظم البالي حين فته بيده، وتعجب ممن ~~يقول: إن الله يحييه (و نشي خلقه) أي: نسي خلقنا له، أي: ترك النظر في خلق ~~نفسه إذ خلق من نطفة (قال من يحيي العظام وهي رميم؟!) أي: بالية، يقال: رم ~~العظم، إذا بلي، فهو رميم، لأنه معدول عن فاعله، وكل معدول عن وجهه ووزنه ~~فهو مصروف عن إعرابه كقوله: (و ما كانت أمه بغيا) فأسقط الهاء لأنها ~~مصروفة، عن " باغية "، فقاس هذا الكافر قدرة الله تعالى بقدرة الخلق، فأنكر ~~إحياء العظم البالي لأن ذلك. PageV06P283 # ليس في مقدور الخلق. (قل يحييها الذي أنشأها) أي: ابتدأ خلقها (أول مرة ~~وهو بكل خلق) من الابتداء والإعادة (عليم). # (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا) قال ابن قتيبة: أراد الزنود التي ~~توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفار. # فإن قيل: لم قال: (الشجر الأخضر). # فالجواب: أن الشجر جمع، وهو يؤنث ويذكر، قال الله تعالى: (فمالئون منها ~~البطون)، وقال: (فإذا أنتم منه توقدون). # ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان. فقال: (أو ليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر) و قرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري: " يقدر " بياء من غير ~~ألف (على أن يخلق مثلهم؟!) وهذا استفهام تقرير، والمعنى: من قدر على ذلك ~~العظيم، قدر على هذا اليسير. وقد فسرنا معنى " أن يخلق مثلهم " في بني ~~إسرائيل، ثم أجاب هذا الاستفهام فقال: (بلى وهو الخلاق) يخلق خلقا بعد خلق. ~~وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وعاصم الجحدري: " وهو الخالق " (العليم) بجميع ~~المعلومات. والملكوت والملك ms1882 واحد. وباقي السورة قد تقدم شرحه. # والله أعلم بالصواب. PageV06P284 # (37) سورة الصافات مكية و آياتها ثنتان و ثمانون و مائة و هي مكية كلها ~~باجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) ~~فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد (4) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق (5) قوله تعالى: (و الصافات صفا) فيها قولان: # أحدهما: أنها الملائكة، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. قال ابن عباس: هم الملائكة صفوف في ~~السماء، لا يعرف ملك منهم من إلى جانبه، لم يلتفت منذ خلقه الله عز وجل. ~~وقيل: هي الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة إلى أن يأمرها [الله تعالى] ~~بما يشاء. # والثاني: أنها الطير، كقوله تعالى: (و الطير صافات) حكاه الثعلبي. ~~PageV06P285 # وفي الزاجرات قولان: # أحدهما: أنها الملائكة التي تزجر السحاب، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنها زواجر القرآن وكل ما ينهى ويزجر عن القبيح، قاله قتادة. ~~وفي التاليات ذكرا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الملائكة تقرأ كتب الله تعالى، قاله ابن مسعود، والحسن، ~~والجمهور. # والثاني: أنهم الرسل، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: ما يتلى في القرآن من أخبار الأمم، قاله قتادة. # وهذا قسم بهذه الأشياء، وجوابه: (إن إلهكم لواحد). وقيل: معناه: ورب هذه ~~الأشياء إنه واحد. # قوله تعالى: (و رب المشارق) قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا، ~~والمغارب مثلها، على عدد أيام السنة. # فإن قيل، لم ترك ذكر المغارب؟ # فالجواب: أن المشارق تدل على المغارب، لأن الشروق قبل الغروب. # إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا ~~يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) ~~إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) قوله تعالى: (إنا زينا السماء ~~الدنيا) يعني التي تلي الأرض، وهي أدنى السماوات إلى الأرض (بزينة الكواكب) ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو، والكسائي: " بزينة الكواكب " ~~مضافا، أي: بحسنها وضوئها. وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: " بزينة " منونة وخفض ~~" الكواكب " فجعل " الكواكب " بدلا من الزينة لأنها هي، ms1883 كما تقول: مررت ~~بأبي عبد الله زيد، فالمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب. وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم: " بزينة " بالتنوين وبنصب " الكواكب "، والمعنى: زينا السماء ~~الدنيا بأن زينا الكواكب فيها حين ألقيناها في منازلها وجعلناها ذات نور. ~~قال الزجاج: ويجوز أن يكون " الكواكب " في النصب بدلا من قوله: " بزينة " ~~لأن قوله: PageV06P286 # " بزينة " في موضع نصب. وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارئ، وأبو نهيك، وأبو ~~حصين الأسدي في آخرين: " بزينة " بالتنوين " الكواكب " برفع الباء، قال ~~الزجاج: والمعنى، إنا زينا السماء الدنيا بأن زينتها الكواكب وبأن زينت ~~الكواكب. (وحفظا) أي: وحفظناها حفظا. فأما المارد، فهو العاتي، وقد شرحنا ~~هذا في قوله تعالى: (شيطانا مريدا). # قوله تعالى: (لا يسمعون) قال الفراء: " لا " هاهنا كقوله تعالى: (كذلك ~~سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به)، ويصلح في " لا " على هذا المعنى ~~الجزم، و العرب تقول: ربطت فرسي لا ينفلت. وقال غيره: لكي لا يسمعوا إلى ~~الملأ الأعلى، وهم الملائكة الذين في السماء. # وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " لا يسمعون " بتشديد السين، وأصله: ~~يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وإنما قال: (إلى الملأ الأعلى) لأن العرب ~~تقول: سمعت فلانا، وسمعت من فلان، وإلى فلان. # (ويقذفون من كل جانب) بالشهب (دحورا) قال قتادة: أي قذفا بالشهب. وقال ~~ابن قتيبة: # أي: طردا، يقال: دحرته دحرا ودحورا، أي: دفعته. وقرأ علي بن أبي طالب، ~~وأبو رجاء، وأبو عبد الرحمن، والضحاك، وأيوب السختياني، وابن أبي عبلة: " ~~دحورا " بفتح الدال، وفي " الواصب " قولان: # أحدهما: أنه الدائم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والفراء، ~~وابن قتيبة. # والثاني: أنه الموجع، قاله أبو صالح، والسدي. وفي زمان هذا العذاب قولان: # أحدهما: أنه في الآخرة. # والثاني: [أنه] في الدنيا، فهم يخرجون بالشهب ويخلون إلى النفخة الأولى ~~في الصور. # قوله تعالى: (إلا من خطف الخطفة) قرأ ابن السميفع: " خطف " بفتح الخاء ~~وكسر الطاء وتشديدها. وقرأ أبو رجاء، والجحدري: بكسر الخاء والطاء جميعا ~~وبالتخفيف. و قال الزجاج: # خطف وخطف، بفتح الطاء وكسرها، يقال: خطفت أخطف، وخطفت أخطف: ms1884 إذا أخذت ~~الشئ بسرعة، ويجوز " إلا من خطف " بفتح الخاء وتشديد الطاء، ويجوز " خطف " ~~بكسر الخاء و فتح الطاء، والمعنى: اختطف، فأدغمت التاء في الطاء، وسقطت ~~الألف لحركة الخاء، فمن فتح الخاء، ألقى عليها فتحة التاء التي كانت في " ~~اختطف "، ومن كسر الخاء، فلسكونها وسكون الطاء. فأما من روى " خطف " بكسر ~~الخاء والطاء، فلا وجه لها إلا وجها ضعيفا جدا، وهو أن يكون على ~~PageV06P287 # اتباع الطاء كسرة الخاء. قال المفسرون: والمعنى: إلا من اختلس الكلمة من ~~كلام الملائكة مسارقة (فأتبعه) أي لحقه (شهاب ثاقب) قال ابن قتيبة: أي كوكب ~~مضيء، يقال: أثقب نارك، أي: أضئها، والثقوب: ما تذكى به النار. # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) بل عجبت ~~ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) ~~وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون (16) أو آباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي ~~زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يا ولينا هذا يوم الدين (20) هذا ~~يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون (23) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسؤولون ~~(24) مالكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) قوله تعالى: ~~(فاستفتهم) أي: فسلهم سؤال تقرير (أهم أشد خلقا) صنعة (أم من خلقنا) فيه ~~قولان: # أحدهما: أن المعنى: أم من عددنا خلقه من الملائكة والشياطين والسماوات ~~والأرض، قاله ابن جرير. # والثاني: أم من خلقنا قبلهم من الأمم السالفة، والمعنى: إنهم ليسوا بأقوى ~~من أولئك وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمن هؤلاء؟ # ثم ذكر خلق الناس فقال: (إنا خلقناهم من طين لازب) قال الفراء، وابن ~~قتيبة: أي: لاصق لازم، والباء تبدل من الميم لقرب مخرجيهما. قال ابن عباس: ~~هو الطين الحر الجيد اللزق. وقال غيره: هو الطين الذي ينشف عنه الماء وتبقى ~~رطوبته في باطنه فيلصق باليد كالشمع. وهذا إخبار عن PageV06P288 # تساوي الأصل في خلقهم وخلق من قبلهم، فمن قدر على إهلاك الأقوياء، ms1885 قدر ~~على إهلاك الضعفاء. # قوله تعالى: (بل عجبت) " بل " معناه: ترك الكلام في الأول والأخذ في ~~الكلام الآخر، كأنه قال: دع يا محمد ما مضى. # وفي " عجبت " قراءتان قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~" بل عجبت " بفتح التاء. وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، وقتادة، وأبو مجلز، والنخعي، وطلحة بن ~~مصرف، والأعمش، وابن أبي ليلى، وحمزة، والكسائي في آخرين: " بل عجبت " بضم ~~التاء، واختارها الفراء. فمن فتح أراد: بل عجبت يا محمد، (و يسخرون) هم. ~~قال ابن السائب: أنت تعجب منهم، وهم يسخرون منك. وفي ما عجب منه قولان: # أحدهما: من الكفار إذ لم يؤمنوا بالقرآن. # والثاني: إذ كفروا بالبعث. ومن ضم، أراد الإخبار عن الله عز وجل أنه عجب، ~~وقد أنكر هذه القراءة قوم، منهم شريح القاضي، قال: إن الله لا يعجب، إنما ~~يعجب من لا يعلم، قال الزجاج: # وإنكار هذه القراءة غلط، لأن العجب من الله خلاف العجب من الآدمين، وهذا ~~كقوله تعالى: # (ويمكر الله) وقوله: (سخر الله منهم)، وأصل العجب في اللغة: أن الإنسان ~~إذا رأى ما ينكره ويقل مثله، قال: قد عجبت من كذا، وكذلك إذا فعل الآدميون ~~ما ينكره الله عز وجل، جاز أن يقول عجبت، والله قد علم الشئ قبل كونه. وقال ~~ابن الأنباري: المعنى: جازيتهم على عجبهم من الحق، فسمى الجزاء على الشئ ~~باسم الشئ الذي له الجزاء، فسمى فعله عجبا وليس بعجب في الحقيقة، لأن ~~المتعجب يدهش ويتحير، والله عز وجل قد جل عن ذلك، وكذلك سمي تعظيم الثواب ~~عجبا، لأنه إنما يتعجب من الشئ إذا كان في النهاية، والعرب تسمي الفعل باسم ~~الفعل إذا داناه من بعض وجوهه وإن كان مخالفا له في أكثر معانيه، قال عدي: # ثم أضحوا لعب الدهر بهم فجعل إهلاك الدهر وإفساده لعبا، قال ابن جرير: من ~~ضم التاء، فالمعنى: بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكا وتكذيبهم بتنزيلي. ~~وقال غيره: إضافة العجب إلى الله عز ms1886 وجل على ضربين: PageV06P289 # أحدهما: بمعنى الإنكار والذم، كهذه الآية. # والثاني: بمعنى الاستحسان والإخبار عن تمام الرضا، كقوله عليه السلام: " ~~عجب ربك من شاب ليست له صبوة ". # قوله تعالى: (و إذا ذكروا) أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يذكرون ولا يتعظون. ~~وقرأ سعيد بن جبير، والضحاك، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري، وأبو عمران: " ~~ذكروا " بتخفيف الكاف. # (وإذا رأوا آية) قال ابن عباس: يعني انشقاق القمر (يستخسرون) قال أبو ~~عبيدة: # يستسخرون ويسخرون سواء. قال ابن قتيبة: يقال: سخر واستسخر، كما يقال: قر ~~واستقر، وعجب واستعجب، ويجوز أن يكون: يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا ~~من رسول الله، كما يقال: # استعتبته، أي: سألته العتبى، واستوهبته، أي: سألته الهبة، واستعفيته: ~~سألته العفو. # (وقالوا إن هذا) يعنون انشقاق القمر (إلا سحر مبين) أي: بين لمن تأمله ~~أنه سحر. # (إذا متنا) قد سبق بيان هذه الآية. # (أو آباؤنا) هذه ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف، كقوله: (أو أمن أهل ~~القرى). وقرأ نافع، وابن عامر: " أو آباؤنا الأولون " بسكون الواو هاهنا و ~~في الواقعة. # (قل نعم) تبعثون (و أنتم داخرون) أي: صاغرون. # (فإنما هي زجرة واحدة) أي: فإنما قصة البعث صيحة واحدة من إسرافيل، وهي ~~نفخة البعث، وسميت زجرة، لأن مقصودها الزجر (فإذا هم ينظرون) قال الزجاج: ~~أي: يحيون ويبعثون بصراء ينظرون، فإذا عاينوا بعثهم، ذكروا إخبار الرسل عن ~~البعث، (فقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين) أي: يوم الحساب والجزاء، فتقول ~~الملائكة: (هذا يوم الفصل) أي: يوم القضاء الذي يفصل فيه بين المحسن ~~والمسئ، ويقول الله عز وجل يومئذ للملائكة: (احشروا) أي: اجمعوا (الذين ~~ظلموا) من حيث هم، وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم المشركون. # والثاني: أنه عام في كل ظالم. وفي أزواجهم أربعة أقوال: # أحدها: أمثالهم وأشباههم، وهو قول عمر وابن عباس، والنعمان بن بشير، ~~ومجاهد في آخرين. وروي عن عمر قال: يحشر صاحب الربا مع صاحب الربا وصاحب ~~الزنا مع صاحب الزنا وصاحب الخمر مع صاحب الخمر. PageV06P290 # والثاني: أن أزواجهم: المشركات، قاله الحسن. # والثالث: أشياعهم، قاله قتادة. # والرابع: قرناؤهم ms1887 من الشياطين الذين أضلوهم، قاله مقاتل. # وفي قوله تعالى: (و ما كانوا يعبدون) ثلاثة أقوال: # أحدها: الأصنام، قاله عكرمة، وقتادة. # والثاني: إبليس وحده، قاله مقاتل. # والثالث: الشياطين، ذكره الماوردي وغيره. # قوله تعالى: (فاهدوهم) أي: دلوهم على طريقها، والمعنى: اذهبوا بهم إليها. ~~قال الزجاج: # يقال: هديت الرجل: إذا دللته، وهديت العروس إلى زوجها، وأهديت الهداية، ~~فإذا جعلت العروس كالهدية، قلت: أهديتها. # قوله تعالى: (وقفوهم) أي: احبسوهم (إنهم مسؤولون) وقرأ ابن السميفع: " ~~أنهم " بفتح الهمزة. قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط، ~~لأن السؤال هناك. وفي هذا السؤال ستة أقوال: # أحدها: أنهم سئلوا عن أعمالهم وأقوالهم في الدنيا. # و الثاني: عن " لا إله إلا الله "، رويا جميعا عن ابن عباس. # والثالث: عن خطاياهم، قاله الضحاك. # والرابع: سألهم خزنة جهنم (ألم يأتكم نذير) ونحو هذا، قاله مقاتل. # والخامس: أنهم يسألون عما كانوا يعملون، ذكره ابن جرير. # والسادس: أن سؤالهم قوله تعالى: (ما لكم لا تناصرون)، ذكره الماوردي، قال ~~المفسرون: المعنى: مالكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا؟! وهذا ~~جواب أبي جهل حين قال يوم بدر: (نحن جميع منتصر)، فقيل لهم ذلك يومئذ ~~توبيخا. والمستسلم: المنقاد الذليل، والمعنى أنهم منقادون لا حيلة لهم. # واقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~(28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم ~~قوما طاغين (30) فحق PageV06P291 # علينا قول ربنا إنما لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم ~~يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر ~~مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب الأليم ~~(38) وما تجزون إلا ما كنتم تعلمون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك ~~لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر ~~متقابلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) لا ~~فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض ~~مكنون (49) قوله تعالى: ms1888 (و أقبل بعضهم على بعض) فيهم قولان: # أحدهما: الإنس على الشياطين. # والثاني: الأتباع على الرؤساء (يتساءلون) تساءل توبيخ وتأنيب ولوم فيقول ~~الأتباع للرؤساء: # لم غرتمونا؟ ويقول الرؤساء: لم قبلتم منا؟ فذلك قوله تعالى: (قالوا) يعنى ~~الأتباع للمتبوعين (إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: كنتم تقهروننا بقدرتكم علينا، لأنكم كنتم أعز منا، رواه الضحاك. # والثاني: من قبل الدين فتضلونا عنه، قاله الضحاك وقال الزجاج: تأتوننا من ~~قبل الدين فتخدعونا بأقوى الأسباب. # والثالث: كنتم توثقون ما كنتم تقولون بأيمانكم، فتأتوننا من قبل الأيمان ~~التي تحلفونها، حكاه علي بن أحمد النيسابوري. فيقول المتبوع لهم: (بل لم ~~تكونوا مؤمنين) أي: لم تكونوا على حق فنضلكم عنه، إنما الكفر من قبلكم. (و ~~ما كان عليكم من سلطان) فيه قولان: # أحدهما: أنه القهر. # والثاني: الحجة. فيكون المعنى على الأول: وما كان لنا عليكم من قوة ~~نقهركم بها ونكرهكم PageV06P292 # على متابعتنا، وعلى الثاني: لم نأتكم بحجة على ما دعوناكم إليه كما أتت ~~الرسل. # قوله تعالى: (فحق علينا قول ربنا) أي: فوجبت علينا كلمة العذاب، وهي قوله ~~تعالى: # (لأملئن جهنم) (إنا لذائقون) العذاب جميعا نحن وأنتم، (فأغويناكم) أي: ~~أضللناكم عن الهدى بدعائكم إلى ما نحن عليه، وهو قوله تعالى: (إنا كنا ~~غاوين). # ثم أخبر عن الأتباع والمتبوعين بقوله تعالى: (فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون)، والمجرمون هاهنا: المشركون، (إنهم كانوا) في الدنيا (إذا قيل لهم ~~لا إله إلا الله) أي: قولوا هذه الكلمة (يستكبرون) أي: يتعظمون عن قولها، ~~(و يقولون أئنا لتاركو آلهتنا) المعنى: أنترك عبادة آلهتنا (لشاعر) أي: ~~لاتباع شاعر؟! يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد الله تعالى عليهم ~~فقال: (بل) أي: ليس الأمر على ما قالوا، (جاء بالحق) وهو التوحيد والقرآن: ~~(و صدق المرسلين) الذين كانوا قبله، والمعنى أنه أتى بما أتوا به. ثم خاطب ~~المشركين بما بعد هذا إلى قوله تعالى: (إلا عباد الله المخلصين) يعني ~~الموحدين. قال أبو عبيدة: والعرب تقول: إنكم لذاهبون إلا زيدا. وفي ما ~~استثناهم منه قولان: ms1889 # أحدهما: من الجزاء على الأعمال، فالمعنى: إنا لا نؤاخذهم بسوء أعمالهم، ~~بل نغفر لهم، قاله ابن زيد. # والثاني: من دون العذاب، فالمعنى: فإنهم لا يذوقون العذاب، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (أولئك لهم رزق معلوم) فيه قولان: # أحدهما: أنه الجنة، قاله قتادة. # والثاني: أنه الرزق في الجنة، قاله السدي، فعلى هذا، في معنى " معلوم " ~~قولان: # أحدهما: أنه بمقدار الغداة والعشي، قاله ابن سائب. # والثاني: أنهم حين يشتهونه يؤتون به، قاله مقاتل. # ثم بين الرزق فقال: (فواكه) وهي جمع فاكهة وهي الثمار كلها، رطبها ~~ويابسها (و هم مكرمون) بما أعطاهم الله. وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى ~~قوله تعالى: (يطاف عليهم بكأس من معين) قال الضحاك: كل كأس ذكرت في القرآن، ~~فإنما عني بها الخمر، قال أبو عبيدة: # الكأس: الإناء بما فيه، والمعين: الماء الطاهر الجاري. قال الزجاج: ~~الكأس: الإناء الذي فيه الخمر، وتقع الكأس على كل إناء مع شرابه، فإن كان ~~فارغا فليس بكأس. والمعين: الخمر PageV06P293 # يجري كما يجري الماء على وجه الأرض من العيون. # قوله تعالى: (و بيضاء) قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، قال أبو ~~سليمان الدمشقي: ويدل على أنه أراد بالكأس الخمر، أنه قال: " بيضاء " فأنث ~~ولو أراد الإناء على انفراده، أو الإناء والخمر، لقال: أبيض. وقال ابن ~~جرير: إنما أراد بقوله: " بيضاء " الكأس، ولتأنيث الكأس أنثت البيضاء. # قوله تعالى: (لذة) قال ابن قتيبة: أي: لذيذة، يقال: شراب لذاذ: إذا كان ~~طيبا وقال الزجاج: # أي: ذات لذة. # (لا فيها غول) فيه سبعة أقوال: # أحدها: ليس فيها صداع، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: ليس فيها وجع بطن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وابن زيد. # والثالث: ليس فيها وجع و لا صداع رأس، قاله قتادة. # والرابع: ليس فيها أذى ولا مكروه، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: لا تغتال عقولهم، قاله السدي. وقال الزجاج فالمعنى لا تغتال ~~عقولهم فتذهب بها ولا يصيبهم منها وجع. # والسادس: ليس فيها إثم، حكاه ابن جرير. # والسابع: ms1890 ليس فيها شئ من هذه الآفات، لأن كل من ناله شئ من هذه الآفات، ~~قيل: قد غالته غول، فالصواب أن يكون نفي الغول عنها يعم جميع هذه الأشياء، ~~هذا اختيار ابن جرير. # قوله تعالى: (و لا هم عنها ينزفون) قرأ حمزة، والكسائي: بكسر الزاي هاهنا ~~وفيه الواقعة وفتح عاصم الزاي هاهنا، وكسرها في الواقعة وقرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، بفتح الزاي في السورتين، قال الفراء: فمن ~~فتح، فالمعنى: لا تذهب عقولهم بشربها. يقال للسكران: # نزيف ومنزوف، ومن كسر، ففيه وجهان: # أحدهما: لا ينفدون شرابهم، أي: هو دائم أبدا. # والثاني: لا يسكرون، قال الشاعر: # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم لبئس الندامى كنتم آل أبجرا قوله تعالى: (و ~~عندهم قاصرات الطرف) فيه قولان: PageV06P294 # أحدهما: أنهن النساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم. ~~وأصل القصر: # الحبس، قال ابن زيد: إن المرأة منهن لتقول لزوجها: وعزة ربى ما أرى في ~~الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي. # والثاني: أنهن قد قصرن طرف الأزواج عن غيرهن، لكمال حسنهن، سمعته من ~~الشيخ أبي محمد بن الخشاب النحوي. # وفي العين ثلاثة أقوال: # أحدها: حسان العيون، قاله مجاهد. # والثاني: عظام الأعين، قاله السدي. وابن زيد. # والثالث: كبار العيون حسانها، وواحدتهن عيناء، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (كأنهن بيض مكنون) في المراد بالبيض هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اللؤلؤ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال أبو ~~عبيدة. # والثاني: بيض النعام، قاله الحسن، وابن زيد، والزجاج. قال جماعة من أهل ~~اللغة: والعرب تشبه المرأة الحسناء في بياضها وحسن لونها بيضة النعامة، وهو ~~أحسن ألوان النساء، وهو أن تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة. # والثالث: أنه البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي، قاله السدي وإلى هذا ~~المعنى ذهب سعيد بن جبير، وقتادة، وابن جرير. # فأما المكنون، فهو المصون. فعلى القول الأول: هو مكنون في صدفه، وعلى ~~الثاني: هو مكنون بريش النعام، وعلى الثالث: هو مكنون بقشره. # فأقبل بعضهم ms1891 على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) ~~يقول إنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) ~~قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت ~~لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) ~~إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل ~~هذا فليعمل العاملون (61) PageV06P295 # قوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض) يعني أهل الجنة (يتساءلون) عن أحوال ~~كانت في الدنيا. # (قال قائل منهم إني كان لي قرين) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الصاحب في الدنيا. # والثاني: أنه الشريك، رويا عن ابن عباس. # والثالث: أنه الشيطان، قاله مجاهد. # والرابع: أنه الأخ، قال مقاتل: وهما الأخوان المذكوران في سورة الكهف في ~~قوله تعالى: # (واضرب لهم مثلا رجلين)، والمعنى، كان لي صاحب أو أخ ينكر البعث، (يقول ~~أئنك لمن المصدقين) قال الزجاج: هي مخففة الصاد، من صدق يصدق فهو مصدق، ولا ~~يجوز هاهنا تشديد الصاد، قال المفسرون: والمعنى: أئنك لمن المصدقين بالبعث؟ ~~وقرأ بكر بن عبد الرحمن القاضي عن حمزة: " المصدقين " بتشديد الصاد. # قوله تعالى: (أئنا لمدينون) أي: مجزيون بأعمالنا، يقال: دنته بما صنع، ~~أي: جازيته. # فأحب المؤمن أن يرى قرينة الكافر، فقال لأهل الجنة: (هل أنتم مطلعون) أي: ~~هل تحبون الاطلاع إلى النار لتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهلها؟ وقرأ ابن ~~عباس، والضحاك، وأبو عمران، وابن يعمر: " هل أنتم مطلعون " بإسكان الطاء ~~وتخفيفها (فأطلع) بهمزة مرفوعة وسكون الطاء. # وقرأ أبو رزين وابن أبي عبلة: " مطلعون " بكسر النون قال ابن مسعود: اطلع ~~ثم التفت إلى أصحابه فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي، قال ابن عباس: وذلك ~~أن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار. # قوله تعالى: (فرآه) يعني قرينة الكافر (في سواء الجحيم) أي: في وسطها. ~~وقيل: إنما سمي الوسط سواء، لاستواء المسافة منه إلى الجوانب. قال خليد ~~العصري: والله لولا أن الله عرفه إياه، ما عرفه، لقد تغير حبره وسبره. فعند ~~ذلك (قال تالله إن كدت لتردين) ms1892 قال المفسرون: معناه: # والله ما كدت إلا تهلكني، يقال: أرديت فلانا، أي: أهلكته. (و لولا نعمة ~~ربي) أي: إنعامه علي بالإسلام (لكنت من المحضرين) معك في النار. # قوله تعالى: (أفما نحن بميتين) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إذا ذبح الموت، قال أهل الجنة: " أفما نحن بميتين، إلا موتتنا ~~الأولى " التي كانت في الدنيا (و ما نحن بمعذبين) فيقال لهم: لا، فعند ذلك ~~قالوا: (إن هذا لهو الفوز العظيم) فيقول الله تعالى: (لمثل هذا فليعمل ~~العاملون)، قاله ابن السائب. وقيل: يقول ذلك للملائكة. PageV06P296 # والثاني: أنه قوله المؤمن لأصحابه، فقالوا له: إنك لا تموت، فقال: " إن ~~هذا لهو الفوز العظيم "، قاله مقاتل. وقال أبو سليمان الدمشقي: إنما خاطب ~~المؤمن أهل الجنة بهذا على طريق الفرح بدوام النعيم، لا على طريق ~~الاستفهام، لأنه قد علم أنهم ليسوا بميتين، ولكن أعاد الكلام ليزداد ~~بتكراره على سمعه سرورا. # والثالث: أنه قول المؤمن لقرينه الكافر على جهة التوبيخ بما كان ينكره، ~~ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: (لمثل هذا) يعنى النعيم الذي ذكره في قوله: (أولئك لهم رزق ~~معلوم) (فليعمل العاملون)، وهذا ترغيب في طلب ثواب الله [عز وجل]. بطاعته ~~أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤوس الشياطين (65) فإنهم لآكلون ~~منها فمالئون منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن ~~مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم ~~يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) (أذلك خير) ~~يشير إلى ما وصف لأهل الجنة (نزلا) قال ابن قتيبة: أي: رزقا، ومنه: إقامة ~~الأنزال، وأنزال الجنود: أرزاقها، وقال الزجاج: النزل هاهنا: الريع والفضل ~~تقول: هذا طعام نزل ونزل، بتسكين الزاي وضمها، والمعنى: أذلك خير في باب ~~الأنزال التي تتقوت ويمكن معها الإقامة، أم نزل أهل النار؟! وهو قوله ~~تعالى: (أم شجرة الزقوم)؟ # واختلف العلماء هل هذه الشجرة في الدنيا، أم لا؟ ms1893 # فقال قطرب: هي شجرة مرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: ~~الزقوم: ثمرة شجرة كريهة الطعم. وقيل: إنها لا تعرف في شجر الدنيا، وإنما ~~هي في النار، يكره أهل النار على تناولها. PageV06P297 # قوله تعالى: (إنا جعلناها فتنة للظالمين) يعني للكافرين، وفي المراد ~~بالفتنة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لما ذكر أنها في النار، افتتنوا وكذبوا، فقالوا: كيف يكون في ~~النار شجرة، والنار تأكل الشجر؟، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة، وقال السدي: ~~فتنة لأبي جهل وأصحابه. # والثاني: أن الفتنة بمعنى العذاب، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أن الفتنة بمعنى الاختبار، اختبروا بها فكذبوا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (تخرج في أصل الجحيم) أي: في قعر النار. قال الحسن: أصلها في ~~قعر النار، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. (طلعها) أي: ثمرها، وسمي طلعا، ~~لطلوعه (كأنه رؤوس الشياطين). فإن قيل: كيف شبهها بشئ لم يشاهد؟ فعنه ثلاثة ~~أجوبة: # أحدها: أنه قد استقر في النفوس قبح الشياطين - وإن لم تشاهد - فجاز ~~تشبيهها بما قد علم قبحه، قال امرؤ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال قال الزجاج: هو لم ~~ير الغول ولا أنيابها، ولكن التمثيل بما يستقبح أبلغ في باب المذكر أن يمثل ~~بالشياطين، وفي باب المؤنث أن يشبه بالغول. # والثاني: أن بين مكة واليمن شجر يسمى: رؤوس الشياطين، فشبهها بها، قاله ~~ابن السائب. # والثالث: أنه أراد بالشياطين: حيات لها رؤوس ولها أعراف، فشبه طلعها ~~برؤوس الحيات، ذكره الزجاج. قال الفراء: والعرب تسمي بعض الحيات شيطانا، ~~وهو حية ذو عرف قبيح الوجه. # قوله تعالى: (فإنهم لآكلون منها) أي: من ثمرها (فمالئون منها البطون) ~~وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم. # (ثم إن لهم عليها لشوبها من حميم) قال ابن قتيبة: أي: لخلطا من الماء ~~الحار يشربونه عليها. قال أبو عبيدة: تقول العرب: كل شئ خلطته بغيره فهو ~~مشوب. قال المفسرون: إذا أكلوا الزقوم ثم شربوا عليه الحميم، شاب الحميم ~~الزقوم في بطونهم فصار شوبا له. # (ثم إن مرجعهم) أي: بعد أكل الزقوم وشرب الحميم ms1894 (لإلى الجحيم) وذلك أن ~~الحميم خارج من الجحيم، فهم يوردونه كما تورد الإبل الماء، ثم يردون إلى ~~الجحيم، ويدل على هذا قوله: (يطوفون بينها وبين حميم آن) و (ألفوا) بمعنى ~~وجدوا. و (يهرعون) PageV06P298 # ومشروح في (هود)، والمعنى أنهم يتبعون آباءهم في سرعة. (و لقد ضل قبلهم) ~~أي: # قبل هؤلاء المشركين (أكثر الأولين) من الأمم الخالية. # قوله تعالى: (إلا عباد الله المخلصين) يعنى الموحدين، فإنهم نجوا من ~~العذاب. قال ابن جرير: وإنما حسن الاستثناء، لأن المعنى: فانظر كيف أهلكنا ~~المنذرين إلا عباد الله. # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في ~~العالمين (79) إنا كذلك نجزى المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم ~~أغرقنا الآخرين (83) (ولقد نادانا نوح) أي: دعانا. وفي دعائه قولان: # أحدهما: أنه دعا مستنصرا على قومه. # والثاني: أن ينجيه من الغرق (فلنعلم المجيبون) نحن، والمعنى: إنا أنجيناه ~~وأهلكنا قومه. # وفي (الكرب العظيم) قولان: # أحدهما: [أنه] الغرق. # والثاني: أذى قومه. (و جعلنا ذريته هم الباقين) وذلك أن نسل أهل السفينة ~~انقرضوا غير نسل ولده، فالناس كلهم من ولد نوح، (و تركنا عليه) أي: تركنا ~~عليه ذكرا جميلا (في الآخرين) وهم الذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة. قال ~~الزجاج: وذلك الذكر الجميل قوله تعالى: (سلام على نوح في العالمين) ~~والمعنى: تركنا عليه أن يصلى عليه في الآخرين إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين) قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه ~~الثناء الحسن في العالمين. # وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه ~~وقومه ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (80) فما ظنكم برب ~~العالمين (87) PageV06P299 # فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين (90) ~~فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) مالكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ~~ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) ~~والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) ~~فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) وقال إني ذاهب ms1895 إلى ربى سيهدين (99) ~~رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه بغلام حليم (101) قوله تعالى: (و إن من ~~شيعته لإبراهيم) أي: من أهل دينه وملته. والهاء في " شيعته " عائدة على نوح ~~في قول الأكثرين، وقال ابن السائب: تعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ~~واختاره الفراء. # فإن قيل: كيف يكون من شيعته، وهو قبله؟ فالجواب: أنه مثل قوله تعالى: # (حملنا ذريتهم)، فجعلها ذريتهم وقد سبقتهم، وقد شرحنا هذا فيما مضى. # قوله تعالى: (إذا جاء ربه) أي: صدق الله وآمن به (بقلب سليم) من الشرك ~~وكل دنس، وفيه أقوال ذكرناها في الشعراء. # قوله تعالى: (ماذا تعبدون؟) هذا استفهام توبيخ، كأنه وبخهم على عبادة غير ~~الله. # (أإفكا؟!) أي: أتأفكون إفكا و تعبدون آلهة سوى الله؟! (فما ظنكم برب ~~العالمين) ألقيتموه وقد عبدتم غيره؟! كأنه قال: فما ظنكم أن يصنع بكم؟ ~~(فنظر نظرة في النجوم) فيه قولان: # أحدهما: أنه نظر في علم النجوم، وكان القوم يتعاطون علم النجوم، فعاملهم ~~من حيث هم، وأراهم أني أعلم من ذلك ما تعلمون، لئلا ينكروا عليه ذلك. قال ~~ابن المسيب: رأى نجما طالعا، فقال: إني مريض غدا. # والثاني: أنه نظر إلى النجوم، لا في علمها. # فإن قيل: فما كان مقصوده؟ فالجواب أنه كان لهم عيد، فأراد التخلف عنهم ~~ليكيد أصنامهم، فاعتل بهذا القول. # قوله تعالى: (إني سقيم) من معاريض الكلام. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: سأسقم، قاله الضحاك. قال ابن الأنباري: أعلمه الله [عز ~~وجل] أنه يمتحنه بالسقم إذا طلع نجم يعرفه، فلما رأى النجم، علم أنه سيسقم. ~~PageV06P300 # والثاني: أني سقيم القلب عليكم إذ تكهنتم بنجوم لا تضر ولا تنفع، ذكره ~~ابن الأنباري. # والثالث: أنه سقم لعلة عرضت له، حكاه الماوردي. وذكر السدي أنه خرج معهم ~~إلى يوم عيدهم، فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي ~~رجلي، (فتولوا عنه مدبرين، فراغ إلى آلهتم) أي: مال إليها - وكانوا قد ~~جعلوا بين يديها طعاما لتبارك فيه على زعمهم - (فقال) إبراهيم استهزاء بها ~~(ألا تأكلون؟). # وقوله تعالى: ms1896 (ضربا باليمين) في اليمين ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها اليد اليمنى، قاله الضحاك. # والثاني: بالقوة والقدرة، قاله السدي، والفراء. # والثالث: باليمين التي سبقت منه، وهي قوله: (تالله لأكيدن أصنامكم). حكاه ~~الماوردي. # قال الزجاج: " ضربا " مصدر، والمعنى: فمال على الأصنام يضربها ضربا ~~باليمين، وإنما قال: " عليهم "، وهي أصنام، لأنهم جعلوها بمنزلة ما يميز. # (فأقبلوا إليه يزفون) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~والكسائي: " يزفون " بفتح الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء. وقرأ حمزة، ~~والمفضل عن عاصم: # " يزفون " برفع الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء. وقرأ ابن أبي عبلة، و أبو ~~نهيك: " يزفون " بفتح الياء و سكون الزاي وتخفيف الفاء. قال الزجاج: أعرب ~~القراءات فتح الياء وتشديد الفاء، وأصله من زفيف النعام، وهو ابتداء عدو ~~النعام، يقال: زف النعام يزف، وأما ضم الياء، فمعناه: # يصيرون إلى الزفيف، وأنشدوا: # فأضحى حصين قد أذل وأقهر أي: صار إلى القهر. وأما كسر الزاي مع تخفيف ~~الفاء، فهو من: وزف يزف، بمعنى أسرع يسرع، ولم يعرفه الكسائي ولا الفراء، ~~وعرفه غيرهما. # قال المفسرون: بلغهم ما صنع إبراهيم، فأسرعوا، فلما انتهوا إليه، قال لهم ~~محتجا عليهم. (أتعبدون ما تنحتون) بأيديكم (و الله خلقكم وما تعملون؟!)، ~~قال ابن جرير: في " ما " وجهان: # أحدهما: أن تكون بمعنى المصدر، فيكون المعنى: والله خلقكم وعملكم. # والثاني: أن تكون بمعنى " الذي "، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي ~~تعملونه PageV06P301 # بأيديكم من الأصنام، وفي هذه الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله ~~سبحانه. # فلما لزمتهم الحجة (قالوا ابنوا له بنيانا) وقد شرحنا قصته في سورة ~~الأنبياء، و بينا معنى الجحيم في (البقرة)، والكيد الذي أرادوا به: إحراقه. # ومعنى قوله تعالى: (فجعلناهم الأسفلين) أن إبراهيم علاهم بالحجة حيث سلمه ~~الله من كيدهم وحل الهلاك بهم. # (وقال) يعني إبراهيم (إني ذاهب إلى ربي) في هذا الذهاب قولان: # أحدهما: أنه ذاهب حقيقة، ثم في وقت قوله هذا قولان: # أحدهما: أنه حين أراد هجرة قومه، فالمعنى: إني ذاهب إلى حيث أمرني ربي عز ~~وجل إلى (سيهديني) إلى ms1897 حيث أمرني، وهو الشام، قاله الأكثرون. # والثاني: حين ألقي في النار، قاله سليمان بن صرد، فعلى هذا، و في المعنى ~~قولان: # أحدهما: ذاهب إلى الله بالموت، سيهدين إلى الجنة. # والثاني: ذاهب إلى ما قضى به ربي، سيهدين إلى الخلاص من النار. # والقول الثاني: إني ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي، قاله قتادة. # فلما قدم الأرض المقدسة، سأل ربه الولد فقال: (رب هب لي من الصالحين) أي: ~~ولدا صالحا من الصالحين، فاجتزأ بما ذكر عما ترك، ومثله: (و كانوا فيه من ~~الزاهدين) فاستجاب له، وهو قوله تعالى: # (فبشرناه بغلام حليم) وفيه قولان: # أحدهما: أنه إسحاق. # والثاني: أنه إسماعيل. قال الزجاج. هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ~~ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن ويوصف بالحلم. # فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ~~ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) فلما ~~أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا ~~كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا PageV06P302 # لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الآخرين ~~(108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين (110) إنه من عبادنا ~~المؤمنين (111) وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين (112) وباركنا عليه وعلى ~~إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) قوله تعالى: (فلما بلغ معه ~~السعي) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد بالسعي هاهنا: العمل، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه المشي، والمعنى: مشى مع أبيه، قاله قتادة. قال ابن قتيبة: ~~بلغ أن ينصرف معه ويعينه. قال ابن السائب: كان ابن ثلاث عشرة سنة. # والثالث: أن المراد بالسعي: العبادة، قاله ابن زيد، فعلى هذا، يكون قد ~~بلغ. # قوله تعالى: (إني أرى في المنام أني أذبحك) أكثر العلماء على أنه لم ير ~~أنه ذبحه في المنام، وإنما المعنى أنه أمر في المنام بذبحه، ويدل عليه قوله ~~تعالى (أفعل ما تؤمر). وذهب بعضهم إلى أنه رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير ~~إراقة الدم. قال قتادة: ورؤيا الأنبياء حق، ms1898 إذا رأوا شيئا، فعلوه. وذكر ~~السدي عن أشياخه أنه لما بشر جبريل سارة بالولد، قال إبراهيم: هو إذا لله ~~ذبيح، فلما فرغ من بنيان البيت، أتي في المنام، فقيل له: أوف بنذرك. ~~واختلفوا في الذبيح على قولين: # أحدهما: أنه إسحاق، قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والعباس ابن ~~عبد المطلب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأنس، وكعب ~~الأحبار، ووهب بن منبه، ومسروق، وعبيد بن عمير، والقاسم ابن أبي بزة، ~~ومقاتل بن سليمان، واختاره ابن جرير. وهؤلاء يقولون: كانت هذه القصة ~~بالشام. وقيل: طويت له الأرض حتى حمله إلى المنحر بمنى في ساعة. # والثاني: أنه إسماعيل، قاله ابن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن البصري، ~~وسعيد بن المسيب، والشعبي، ومجاهد، ويوسف بن مهران، وأبو صالح، ومحمد بن ~~كعب القرظي، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن سابط. واختلفت الرواية عن ابن ~~عباس، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وروى عنه عطاء، ومجاهد، والشعبي، وأبو ~~الجوزاء، ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، وروى عنه سعيد بن جبير كالقولين. وعن ~~سعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والسدي PageV06P303 # روايتان. وكذلك عن أحمد [رضي الله] عنه روايتان. ولكل قوم حجة ليس هذا ~~موضعها، وأصحابنا ينصرون القول الأول. # (الإشارة إلى قصة الذبح) ذكر أهل العلم السير والتفسير أن إبراهيم لما ~~أراد ذبح ولده، قال له: انطلق فنقرب قربنا إلى الله عز وجل، فأخذ سكينا ~~وحبلا، ثم انطلق، حتى إذا ذهبا بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين ~~قربانك؟ قال: يا بني إني رأيت في المنام أني أذبحك، فقال له: اشدد رباطي ~~حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليك من دمي فتراه أمي فتحزن، ~~وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت أمي فاقرأ عليها ~~السلام مني، فأقبل عليه إبراهيم يقبله ويبكي ويقول: نعم العون أنت يا بني ~~على أمر الله عز وجل، ثم إنه أمر السكين على حلقه فلم يحك شيئا. وقال ~~مجاهد: لما أمرها على حلقه انقلبت، ms1899 فقال: مالك؟ قال: # انقلبت، قال: اطعن بها طعنا. وقال السدي: ضرب الله على حلقه صفيحة من ~~نحاس، وهذا لا يحتاج إليه، بل منعها بالقدرة أبلغ. قالوا: فلما طعن بها، ~~نبت، وعلم الله منهما الصدق في التسليم، فنودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، ~~هذا فداء ابنك، فنظر إبراهيم، فإذا جبريل معه كبش أملح. # قوله تعالى: (فانظر ماذا ترى) لم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر ~~الله عز وجل، ولكن أراد أن ينظر ما عنده من الرأي. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وخلف: " ماذا تري " بضم التاء وكسر الراء، فيها قولان: # أحدهما: ماذا تريني من صبرك أو جزعك، قاله الفراء. # والثاني: ماذا تبين، قاله الزجاج. وقال غيره: ماذا تشير. # قوله تعالى: (افعل ما تؤمر) قال ابن عباس: افعل ما أوحي إليك من ذبحي ~~(ستجدني إن شاء الله من الصابرين) على البلاء. # قوله تعالى: (فلما أسلما) أي: استسلما لأمر الله عز وجل وأطاعا ورضيا ~~وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~والأعمش وابن أبي عبلة: # " فلما سلما " بتشديد اللام من غير همز قبل السين، والمعنى: سلما لأمر ~~الله عز وجل. وفي جواب قوله: " فلما أسلما " قولان: # أحدهما: أن جوابه: " وناديناه "، والواو زائدة، قاله الفراء. # والثاني: أن الجواب محذوف لأن في الكلام دليلا عليه، والمعنى: فلما فعل ~~ذلك، سعد PageV06P304 # وأجزل ثوابه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (و تله للجبين) قال ابن قتيبة: أي: صرعه على جبينه فصار أحد ~~جبينيه على الأرض، وهما جبينان، والجبهة بينهما، وهي ما أصاب الأرض في ~~السجود، و الناس لا يكادون يفرقون بين الجبين والجبهة، فالجبهة مسجد الرجل ~~الذي يصيبه ندب السجود، والجبينان يكتنفانها، من كل جانب جبين. # قوله تعالى: (و ناديناه) قال المفسرون: نودي من الجبل: (يا إبراهيم قد ~~صدقت) الرؤيا) وفيه قولان: # أحدهما: قد عملت ما أمرت، وذلك أنه قصد الذبح بما أمكنه، وطاوعه الابن ~~بالتمكين من الذبح، إلا أن الله [تعالى] صرف ذلك كما شاء، فصار كأنه قد ذبح ~~وإن لم يتحقق ms1900 الذبح. # والثاني: أنه رأى في المنام معالجة الذبح، ولم ير إراقة الدم، فلما فعل ~~في اليقظة ما رأى في المنام، قيل له: " قد صدقت الرؤيا ". # وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو عمران، والجحدري: " قد صدقت الرؤيا ~~" بتخفيف الدال، وهاهنا تم الكلام. ثم قال تعالى: (إنا كذلك) أي: كما ذكرنا ~~من العفو من ذبح ولده (نجزى المحسنين). # (إن هذا لهو البلاء المبين) فيه قولان: # أحدهما: النعمة البينة، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: الاختبار العظيم، قاله ابن زيد، وابن قتيبة. فعلى الأول، يكون ~~قوله هذا إشارة إلى العفو عن الذبح. وعلى الثاني، يكون إشارة إلى امتحانه ~~بذبح ولده. # قوله تعالى: (و فديناه) يعني: الذبيح (بذبح) وهو بكسر الذال: اسم ما ذبح، ~~وبفتح الذال: مصدر ذبحت، قاله ابن قتيبة. ومعنى الآية: خلصناه هذا من الذبح ~~بأن جعلنا الذبح فداء له. # وفي هذا الذبح ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان كبشا أقرن قد رعى في الجنة قبل ذلك أربعين عاما، قاله ابن ~~عباس في رواية مجاهد، وقال في رواية سعيد بن جبير: هو الكبش الذي قربه ابن ~~آدم فتقبل منه، كان في الجنة حتى فدي به. # والثاني: أن إبراهيم فدى ابنه بكبشين أبيضين أعينين أقرنين، رواه أبو ~~الطفيل عن ابن عباس. PageV06P305 # والثالث: أنه ما فدي إلا بتيس من الأورى، ثم أهبط عليه من ثبير، قاله ~~الحسن. وفي معنى (عظيم) أربعة أقوال: # أحدها: لأنه كان قد رعى في الجنة، قاله ابن عباس، و سعيد بن جبير. # والثاني: لأنه ذبح على دين إبراهيم وسنته، قاله الحسن. # والثالث: لأنه متقبل، قاله مجاهد. وقال أبو سليمان الدمشقي: لما قر به ~~ابن آدم، رفع حيا، فرعى في الجنة، ثم جعل فداء الذبيح، فقبل مرتين. # والرابع: لأنه عظيم الشخص والبركة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (و تركنا عليه ن) قد فسرناه في هذه السورة. # قوله تعالى: (و بشرناه بإسحاق) من قال: إن إسحاق الذبيح، قال: بشر ~~إبراهيم بنبوة إسحاق، وأثيب إسحاق بصبره النبوة، وهذا قول ابن عباس في ~~رواية عكرمة، وبه قال ms1901 قتادة، والسدي. ومن قال: الذبيح إسماعيل، قال: بشر ~~الله إبراهيم بولد يكون نبيا بعد هذه القصة، جزاء لطاعته وصبره، وهذا قول ~~سعيد بن المسيب. # قوله تعالى: (و باركنا عليه وعلى إسحاق) يعني بكثرة ذريتهما، وهم الأسباط ~~كلهم (ومن ذريتهما محسن) أي: مطيع لله (و ظالم) وهو العاصي له. وقيل: ~~المحسن: # المؤمن، والظالم: الكافر. # ولقد مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ~~(115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) ~~وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على ~~موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين ~~(122) وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون ~~بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) ~~فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا عليه في ~~الآخرين (129) سلام على آل ياسين (130) إنا كذلك PageV06P306 # نجزي المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) قوله تعالى: (و لقد ~~مننا على موسى وهارون) أي: أنعمنا عليهما بالنبوة. وفي (الكرب العظيم) ~~قولان: # أحدهما: استعباد فرعون وبلاؤه، وهو معنى قول قتادة. # والثاني: الغرق، قاله السدي. # قوله تعالى: (و نصرناهم) فيه قولان: # أحدهما: أنه يرجع إلى موسى وهارون وقومهما. # والثاني: أنه يرجع إليهما فقط، فجمعا، لأن العرب تذهب بالرئيس إلى الجمع، ~~لجنوده وأتباعه، ذكرهما ابن جرير. وما بعد هذا قد تقدم بيانه. إلى قوله: (و ~~إن إلياس لمن المرسلين) فيه قولان: # أحدهما: أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه إدريس، قاله ابن مسعود، وقتادة، وكذلك كان يقرأ ابن مسعود، ~~وأبو العالية، وأبو عثمان النهدي: " وإن إدريس " مكان " إلياس ". # قوله تعالى: (إذ قال لقومه ألا تتقون) أي: ألا تخافون الله فتوحدونه ~~وتعبدونه؟! # (اتدعون بعلا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى الرب، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. ~~وقال الضحاك: كان ابن عباس قد أعياه هذا الحرف، فبينا هو جالس، إذ مر ~~أعرابي قد ضلت ناقته وهو يقول: من وجد ناقة أنا بعلها؟ فتبعه الصبيان ~~يصيحون به: يا زوج الناقة، يا زوج الناقة، فدعاه ms1902 ابن عباس فقال: ويحك، ما ~~عنيت ببعلها؟ قال: أنا ربها، فقال ابن عباس: صدق الله " أتدعون بعلا ": ~~ربا. وقال قتادة: هذه لغة يمانية. # والثاني: أنه اسم صنم كان لهم، قاله الضحاك، وابن زيد. وحكى ابن جرير أنه ~~به سميت " بعلبك ". # والثالث: أنها امرأة كانوا يعبدونها، حكاه محمد بن إسحاق. # قوله تعالى: (الله ربكم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: " الله ربكم " بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم، وخلف، ويعقوب: " الله " بالنصب. PageV06P307 # قوله تعالى: (فكذبوه فإنهم لمحضرون) النار (إلا عباد الله المخلصين) ~~الذين لم يكذبوه، فإنهم لا يحضرون النار. # (الإشارة إلى القصة) ذكر أهل العلم بالتفسير والسير أنه لما كثرت الأحداث ~~بعد قبض حزقيل، و عبدت الأوثان، بعث الله تعالى إلياس. قال ابن إسحاق: وهو ~~إلياس بن تشبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون ابن عمران، فجعل يدعوهم فلا ~~يسمعون منه، فدعا عليهم بحبس المطر، فجهدوا جهدا شديدا، واستخفى إلياس خوفا ~~منهم على نفسه. ثم إنه قال لهم يوما: إنكم قد هلكتم جهدا، وهلكت البهائم ~~والشجر بخطاياكم، فاخرجوا بأصنامكم وادعوها، فإن استجابت لكم، فالأمر كما ~~تقولون، وإن لم تفعل، علمتم أنكم على باطل فنزعتم عنه، ودعوت الله ففرج ~~عنكم، فقالوا: أنصفت، فخرجوا بأوثانهم، فدعوا فلم تستجب لهم، فعرفوا ~~ضلالهم، فقالوا: ادع الله لنا، فدعا لهم، فأرسل المطر وعاشت بلادهم، فلم ~~ينزعوا عما كانوا عليه، فدعا إلياس ربه أن يقبضه إليه ويريحه منهم، فقيل ~~له: اخرج يوم كذا إلى مكان كذا، فما جاءك من شئ فاركبه ولا تهبه، فخرج، ~~فأقبل فرس من نار، فوثب عليه، فانطلق به، وكساه الله الريش وألبسه النور ~~وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار في الملائكة، فكان إنسيا ملكيا، أرضيا ~~سماويا. # قوله تعالى: (سلام على إلياسين) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: # " إلياسين " موصولة مكسورة الألف ساكنة اللام، فجعلوها كلمة واحدة، وقرأ ~~الحسن مثلهم، إلا أنه فتح الهمزة، وقرأ نافع، وابن عامر، وعبد الوارث، ~~ويعقوب إلا زيدا: " إل ياسين ms1903 " مقطوعة، فجعلوها كلمتين. وفي قراءة الوصل ~~قولان: # أحدهما: أنه جمع لهذا النبي وأمته المؤمنين، به، وكذلك يجمع ما ينسب إلى ~~الشئ، فتقول: رأيت المهالبة، تريد: بني المهلب، والمسامعة، تريد: بني مسمع. # والثاني: أنه اسم النبي وحده، وهو اسم عبراني، والعجمي من الأسماء قد ~~يفعل به هذا، كما يقال ميكال وميكائيل، ذكر القولين الفراء والزجاج. فأما ~~قراءة من قرأ: " إل ياسين " مفصولة، ففيها قولان: # أحدهما: أنهم آل هذا النبي المذكور، وهو يدخل فيهم، كقوله صلى الله عليه ~~و آله و سلم: " اللهم صلى على آل أبي أوفى "، فهو داخل فيهم، لأنه هو ~~المراد بالدعاء. # والثاني: أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الكلبي. وكان عبد الله ~~بن مسعود يقرأ: " سلام على إدراسين " وقد بينا مذهبه في أن إلياس هو إدريس. ~~PageV06P308 # فإن قيل: كيف قال: " إدراسين " وإنما الواحد إدريس، والمجموع إدريسي، لا ~~إدراس ولا إدراسي؟. # فالجواب: أنه يجوز أن يكون لغة، كإبراهيم و إبراهام، ومثله: # قدني من نصر الخبيبين قدي وقرأ أبي بن كعب، وأبو نهيك: " سلام على ياسين ~~" بحذف الهمزة واللام. # وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في ~~الغابرين (135) ثم دمرنا الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) ~~وبالليل أفلا تعقلون (138) قوله تعالى: (إذ نجيناه) " إذ " هاهنا لا يتعلق ~~بما قبله، لأنه لم يرسل إذ نجي، ولكنه يتعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد ~~إذ نجيناه. وقد تقدم تفسير ما بعد هذا إلى قوله تعالى: # (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين) هذا خطاب لأهل مكة، كانوا إذا ذهبوا إلى ~~الشام وجاؤوا، مروا على قرى قوم لوط صباحا ومساء، (أفلا تعقلون) فتعتبرون؟! # وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان ~~من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين ~~(143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) ~~فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) قوله تعالى: (إذ أبق) قال المبرد: تأويل " ~~أبق ": تباعد، وقال أبو عبيدة: فزع، ms1904 وقال الزجاج هرب، وقال بعض أهل ~~المعاني: خرج ولم يؤذن له، فكان بذلك كالهارب من مولاه. قال الزجاج: # والفلك: السفينة، والمشحون: المملوء، وساهم بمعنى قارع، (من المدحضين) ~~أي: # المغلوبين، قال ابن قتيبة: يقال: أدحض الله حجته، فدحضت، أي: أزالها ~~فزالت، وأصل الدحض: الزلق. PageV06P309 # الإشارة إلى قصته قد شرحنا بعض قصته في آخر (يونس) وفي (الأنبياء) على ~~قدر ما تحتمله الآيات، ونحن نذكر هاهنا ما تحتمله. قال عبد الله بن مسعود: ~~لما وعد يونس قومه بالعذاب بعد ثلاث، جأروا إلى الله [عز وجل] واستغفروا، ~~فكف عنهم العذاب، فانطلق مغاضبا حتى انتهى إلى قوم في سفينة، فعرفوه ~~فحملوه، فلما ركب السفينة وقفت، فقال: ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري، قال: ~~لكني أدري، فيها عبد آبق من ربه، و إنها والله لا تسير حتى تلقوه، فقالوا: ~~أما أنت يا نبي الله فوالله لا نلقيك، قال: فاقترعوا، فمن قرع فليقع، ~~فاقترعوا، فقرع يونس، فأبوا أن يمكنوه من الوقوع، فعادوا إلى القرعة حتى ~~قرع يونس ثلاث مرات. وقال طاووس: إن صاحب السفينة هو الذي قال: إنما يمنعها ~~أن تسير أن فيكم رجلا مشؤوما، فاقترعوا لنلقي أحدنا، فاقترعوا، فقرع يونس ~~ثلاث مرات. # قال المفسرون: وكل الله به حوتا، فلما ألقى نفسه في الماء التقمه، وأمر ~~أن لا يضره ولا يكلمه، وسارت السفينة حينئذ. ومعنى التقمه: ابتلعه. # (وهو مليم) قال ابن قتيبة: أي: مذنب، يقال: ألام الرجل: إذا أتى ذنبا ~~يلام عليه، قال الشاعر: # و من يخذل أخاه فقد ألاما قوله تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين) فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: من المصلين، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: من العابدين، قاله مجاهد، ووهب، بن منبه. # والثالث: قول (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) قاله الحسن: ~~وروى عمران القطان عن الحسن قال: والله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن ~~الحوت، فعلى هذا القول، يكون تسبيحه في بطن الحوت. وجمهور العلماء على أنه ~~أراد: لولا ما تقدم له قبل التقام الحوت إياه من التسبيح، ms1905 (للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون) قال قتادة: لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم القيامة، ولكنه ~~كان كثير الصلاة في الرخاء، فنجاه الله تعالى بذلك. # وفي قدر مكثه في بطن الحوت خمسة أقوال: # أحدها: أربعون يوما، قاله أنس بن مالك، وكعب، وأبو مالك، وابن جريج، ~~والسدي. # والثاني: سبعة أيام، قاله سعيد بن جبير، وعطاء. # والثالث: ثلاثة أيام، قاله مجاهد، وقتادة. PageV06P310 # والرابع: عشرون يوما، قاله الضحاك. # والخامس: بعض يوم، التقمه ضحى، ونبذه قبل غروب الشمس، قاله الشعبي. # قوله تعالى: (فنبذناه) قال ابن قتيبة: أي ألقيناه (بالعراء) وهي الأرض ~~التي لا يتوارى فيها بشجر ولا غيره، فكأنه من عري الشئ. # قوله تعالى: (و هو سقيم) أي: مريض، قال ابن مسعود: كهيأة الفرخ الممعوط ~~الذي ليس له ريش. وقال سعيد بن جبير: أوحى الله تعالى إلى الحوت أن ألقه في ~~البر، فألقاه لا شعر عليه ولا جلد ولا ظفر. # قوله تعالى: (و أنبتنا عليه شجرة من يقطين) قال ابن عباس: هو القرع، وقد ~~قال أمية بن الصلت قبل الإسلام: # فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله ألفي ضاحيا قال الزجاج: كل ~~شجرة لا تنبت على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض نحو القرع والبطيخ والحنظل، ~~فهي يقطين، واشتقاقه من: قطن بالمكان: إذا أقام، فهذا الشجر ورقه كله على ~~وجه الأرض، فلذلك قيل له: يقطين. قال ابن مسعود: كان يستظل بها ويصيب منها ~~فيبست فبكى عليها، فأوحى الله إليه: أتبكي على شجرة أن يبست، ولا تبكي على ~~مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟ و قال زيد بن عبد الله بن قسيط: قيض ~~الله له أروية من الوحش تروح عليه بكرة وعشيا فيشرب من لبنها حتى نبت لحمه. # فإن قيل: ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين عليه دون غيرها؟ # فالجواب: أنه خرج كالفرخ على ما وصفنا، وجلده قد ذاب، فأدنى شئ يمر به ~~يؤذيه، وفي ورق اليقطين خاصية، وهو أنه إذا ترك على شئ، لم يقربه ذباب، ~~فأنبته الله عليه ليغطيه ورقها ms1906 ويمنع الذباب ريحه أن يسقط عليه فيؤذيه. # قوله تعالى: (و أرسلناه إلى مائة ألف) اختلفوا، هل كانت رسالته قبل ~~التقام الحوت إياه، أم بعد ذلك؟ على قولين: # أحدهما: أنها كانت بعد نبذ الحوت إياه، على ما ذكرنا في [سورة] يونس، وهو ~~مروي عن ابن عباس. # والثاني: أنها كانت قبل التقام الحوت له، وهو قول الأكثرين، منهم الحسن، ~~ومجاهد، وهو الأصح، والمعنى: وكنا أرسلناه إلى مائة ألف، فلما خرج من بطن ~~الحوت، أمر أن يرجع إلى قومه الذين أرسل إليهم. وفي قوله: (أو) ثلاثة ~~أقوال: PageV06P311 # أحدها: أنها بمعنى " بل " قاله ابن عباس، والفراء. # والثاني: أنها بمعنى الواو، قاله ابن قتيبة، وقد قرأ أبي بن كعب، ومعاذ ~~القارئ، وأبو المتوكل، وأبو عمران: " ويزيدون " من غير ألف.. # والثالث: أنها على أصلها، والمعنى: أو يزيدون في تقديركم، إذا رآهم ~~الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. # وفي زيادتهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا مائة ألف يزيدون عشرون ألفا، رواه أبي بن كعب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنهم كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا. # والثالث: مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفا، رويا عن ابن عباس. # والرابع: أنهم كانوا يزيدون سبعين ألفا، قاله سعيد بن جبير، ونوف. # قوله تعالى: (فآمنوا) في وقت إيمانهم قولان: # أحدهما: عند معاينة العذاب. # والثاني: حين أرسل إليهم يونس (فمتعناهم إلى حين) إلى منتهى آجالهم. # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون ~~(152) أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون ~~(155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) و جعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان الله عما ~~يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم ~~عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) قوله تعالى: (فاستفهم) أي: ~~سل أهل مكة سؤال توبيخ وتقرير، لأنهم زعموا أن الملائكة بنات الله (وهم ~~شاهدون) أي: حاضرون. (ألا إنهم من إفكهم) أي: ms1907 كذبهم (ليقولون، ولد الله) ~~حين زعموا أن الملائكة بناته.. # قوله تعالى: (أصطفى البنات) قال الفراء: هذا استفهام فيه توبيخ لهم، وقد ~~تطرح ألف الاستفهام من التوبيخ، ومثله: (أذهبتم طيباتكم) و " أذهبتم " ~~يستفهم بها ولا يستفهم، ومعناهما PageV06P312 # واحد. وقرأ أبو هريرة، وابن المسيب، والزهري، وابن جماز عن نافع، وأبو ~~جعفر، وشيبة: " لكاذبون اصطفى " بالوصل غير مهموز ولا ممدود، و قال أبو ~~علي: وهو على وجه الخبر، كأنه قال: # اصطفى البنات فيما يقولون، كقوله: (ذق انك أنت العزيز الكريم). # قوله تعالى: (ما لم كيف تحكمون) لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين؟! (أم لكم ~~سلطان مبين) أي: حجة بينة على ما تقولون، (فأتوا بكتابكم) الذي فيه حجتكم. # (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم قالوا: هو وإبليس أخوانا، رواه العوفي عن ابن عباس، قال ~~الماوردي: وهو قول الزنادقة والذين يقولون: الخير من الله، والشر من إبليس. # والثاني: أن كفار قريش قالوا: الملائكة بنات الله، والجنة صنف من ~~الملائكة يقال لهم: # الجنة، قاله مجاهد. # والثالث: أن اليهود قالت: إن الله تعالى تزوج إلى الجن فخرجت من بينهم ~~الملائكة، قاله قتادة، وابن السائب. # فخرج في معنى الجنة قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة. # والثاني: الجن. فعلى الأول، يكون معنى قوله تعالى: (و لقد علمت الجنة) ~~أي: علمت الملائكة (إنهم) أي: إن هؤلاء المشركين (لمحضرون) النار. # وعلى الثاني: " ولقد علمت الجنة إنهم " أي: إن الجن أنفسها " لمحضرون " ~~الحساب. # قوله تعالى: (إلا عباد الله المخلصين) يعني الموحدين. وفيما استثنوا منه ~~قولان: # أحدهما: أنهم استثنوا من حضور النار، قاله مقاتل. # والثاني: مما يصف أولئك، وهو معنى قول ابن السائب. # قوله تعالى: (فإنكم) يعني المشركين (و ما تعبدون) من دون الله، (ما أنتم ~~عليه) أي: # على ما تعبدون (بفاتنين) أي: بمضلين أحدا، (إلا من هو صال الجحيم) أي: من ~~سبق له في علم الله أنه يدخل النار. # وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن ~~المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) ~~لكنا عباد ms1908 الله المخلصين (169) PageV06P313 # فكفروا به فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) ~~إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) فتول عنهم حتى حين ~~(174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل ~~بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) و أبصر فسوف ~~يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) ~~والحمد لله رب العالمين (182) ثم أخبر عن الملائكة بقوله تعالى: (و ما منا) ~~ملك (إلا له مقام معلوم) أي: مكان في السماوات مخصوص يعبد الله فيه (و إنا ~~لنحن الصافون) قال قتادة: صفوف في السماء. وقال السدي: هو الصلاة. وقال ابن ~~السائب: صفوفهم في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض. # قوله تعالى: (و إنا لنحن المسبحون) فيه قولان: # أحدهما: المصلون. # والثاني: المنزهون لله [عز وجل] عن السوء. وكان عمر بن الخطاب إذا أقيمت ~~الصلاة أقبل على الناس بوجهه وقال: يا أيها الناس استووا، فإنما يريد الله ~~بكم هدي الملائكة، وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون. # ثم عاد إلى الإخبار عن المشركين، فقال: (و إن كانوا ليقولون) اللام في " ~~ليقولون " لام توكيد، والمعنى: وقد كان كفار قريش يقولون قبل بعثة النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (لو أن عندنا ذكرا) أي: كتابا (من الأولين) أي: مثل ~~كتب الأولين، وهم اليهود والنصارى، (لكنا عباد الله المخلصين) أي: # لأخلصنا العبادة لله [عز وجل]. # (فكفروا به) فيه اختصار، تقديره: فلما آتاهم ما طلبوا، كفروا به، (فسوف ~~يعلمون) عاقبة كفرهم، وهذا تهديد لهم. # (ولقد سبقت كلمتنا) أي: تقدم وعدنا للمرسلين بنصرهم والكلمة قوله تعالى: ~~(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)، (إنهم لهم المنصورون) بالحجة، (و إن جندنا) ~~يعني حزبنا المؤمنين (لهم الغالبون) بالحجة أيضا والظفر. (فتول عنهم) أي: ~~أعرض عن كفار مكة (حتى حين) أي: حتى تنقضي مدة إمهالهم. وقال مجاهد: حتى ~~نأمرك بالقتال، فعلى هذا، الآية محكمة. وقال PageV06P314 # في رواية. حتى الموت، وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: حتى القيامة، فعلى ~~هذا، يتطرق نسخها. # وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية السيف. # قوله تعالى: (و أبصرهم) أي: ms1909 انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب. قال مقاتل بن ~~سليمان، هو العذاب ببدر، وقيل: أبصر حالهم بقلبك (فسوف يبصرون) ما أنكروا، ~~وكانوا يستعجلون بالعذاب تكذيبا به، فقيل: (أفبعذابنا يستعجلون؟!). # (فإذا نزل) يعني العذاب. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران، والجحدري، وابن ~~يعمر: # " فإذا نزل " برفع النون وكسر الزاي وتشديدها (بساحتهم) أي: بفنائهم ~~وناحيتهم. والساحة: فناء الدار. قال الفراء: العرب تكتفي بالساحة والعقوة ~~من القوم، فيقولون: نزل بك العذاب، وبساحتك. # قال الزجاج: فكان عذاب هؤلاء القتل (فساء صباح المنذرين) أي: بئس صباح ~~الذين أنذروا بالعذاب. # ثم كرر ما تقدم توكيدا لوعده بالعذاب، فقال: (و تول عنهم...) الآيتين. # ثم نزه نفسه عن قولهم بقوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة) قال مقاتل. يعني ~~عزة من يتعزز من ملوك الدنيا. # قوله تعالى: (عما يصفون) أي: من اتخاذ النساء والأولاد. # (وسلام على المرسلين) فيه وجهان: # أحدهما: تسليمه عليهم إكراما لهم. # والثاني: إخباره بسلامتهم. # (والحمد لله رب العالمين) على هلاك المشركين ونصرة الأنبياء و المؤمنين. # والله أعلم بالصواب PageV06P315 # (38) سورة ص مكية و آياتها ثمان و ثمانون ويقال لها: سورة داود، وهي مكية ~~كلها بإجماعهم. # فأما سبب نزولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ ~~فقال: " يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية ~~بها العجم "، قال: كلمة؟ قال: " كلمة واحدة "، قال: ما هي؟ قال: " لا إله ~~إلا الله "، فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا، فنزلت فيهم: (ص والقرآن) إلى ~~قوله تعالى: (إن هذا إلا اختلاق). # بسم الله الرحمن الرحيم ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق (2) كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) واختلفوا في ~~معنى " ص " على سبعة أقوال: # أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. PageV06P316 # والثاني: أنه بمعنى: صدق محمد صلى الله عليه و آله و ms1910 سلم، رواه عطاء عن ~~ابن عباس. # والثالث: صدق الله، قاله الضحاك، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: معناه: ~~صادق فيما وعد. وقال الزجاج: معناه: الصادق الله تعالى. # والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، أقسم الله به، قاله قتادة. # والخامس: أنه اسم حية رأسها تحت العرش وذنبها تحت الأرض السفلى، حكاه أبو ~~سليمان الدمشقي، وقال: أظنه عن عكرمة. # والسادس: أنه بمعنى: حادث القرآن، أي: انظر فيه، قاله الحسن، وهذا على ~~قراءة من كسروا، منهم ابن عباس، والحسن، وابن أبي عبلة، قال ابن جرير: ~~فيكون المعنى: صاد بعملك القرآن، أي عارضه. وقيل: اعرضه على عملك، فانظر ~~أين هو منه. # والسابع: أنه بمعنى: صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به وأحبوه، ~~حكاه الثعلبي، وهذا على قراءة من فتح، وهي قراءة أبي رجاء، وأبي الجوزاء، ~~وحميد، ومحبوب عن أبي عمرو، قال الزجاج: والقراءة " صاد " بتسكين الدال، ~~لأنها من حروف التهجي. وقد قرئت بالفتح وبالكسر، فمن فتحها، فعلى ضربين:. # أحدهما: لالتقاء الساكنين. # والثاني: على معنى: أتل " صاد " وتكون [صاد] اسما للسورة لا ينصرف، ومن ~~كسر، فعلى ضربين: # أحدهما: لالتقاء الساكنين أيضا. # والثاني: على معنى: صاد القرآن بعملك، من قولك: صادى يصادي: إذا قابل ~~وعادل، يقال: صاديته: إذا قابلته. # قوله تعالى: (ذي الذكر) في المراد بالذكر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الشرف، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. # والثاني: البيان، قاله قتادة. # والثالث: التذكير، قاله الضحاك. # فإن قيل: أين جواب القسم بقوله: " ص والقرآن ذي الذكر "؟ فعنه خمسة ~~أجوبة: # أحدها: أن " ص " جواب لقوله: " والقرآن "، ف " ص " في معناها، كقولك: وجب ~~والله، نزل والله، حق والله، قاله الفراء، وثعلب. # والثاني: أن جواب " ص " قوله تعالى (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) ومعناه: ~~لكم، فلما طال الكلام، حذفت اللام، ومثله: (و الشمس وضحاها) (قد أفلح)، فإن ~~المعنى: لقد أفلح، PageV06P317 # غير أنه لما اعترض بينهما كلام، تبعه قوله تعالى: (قد أفلح)، حكاه ~~الفراء، وثعلب أيضا. # والثالث: أنه قوله: (إن كل إلا كذب الرسل)، حكاه الأخفش. # والرابع: ms1911 أنه قوله: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) قاله الكسائي، وقال ~~الفراء: لا نجده مستقيما في العربية، لتأخره جدا عن قوله تعالى: (والقرآن). # والخامس: أن جوابه محذوف، تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول ~~الكفار، ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: (بل الذين كفروا في عزة وشقاق)، ~~ذكره جماعة من المفسرين، وإلى نحوه ذهب قتادة. والعزة: الحمية والتكبر عن ~~الحق. وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، ومحبوب عن ~~أبي عمرو: " في غرة " بغين معجمة وراء غير معجمة. # والشقاق: الخلاف والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق بيان ~~الكلمتين مشروحا. # ثم خوفهم بقوله تعالى: (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) يعنى الأمم الخالية ~~(فنادوا) عند وقوع الهلاك بهم. وفي هذا النداء قولان: # أحدهما: أنه الدعاء. # والثاني: الاستغاثة. # قوله تعالى: (ولات حين مناص) وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري، ~~وابن يعمر: " ولات حين " بفتح التاء ورفع النون. قال ابن عاصم: ليس حين ~~يروه فرار. وقال عطاء: في لغة أهل اليمن " لات " بمعنى " ليس ". وقال وهب ~~بن منبه: هي بالسريانية. وقال الفراء: " لات " بمعنى " ليس "، فالمعنى: ليس ~~بحين فرار. ومن القراء من يخفض " لات "، والوجه النصب، لأنها في معنى " ليس ~~"، أنشدني المفضل: # تذكر حب ليلى لات حينا * وأضحى يكون الشيب قد قطع القرينا قال ابن ~~الأنباري: كان الفراء والكسائي والخليل وسيبويه والأخفش وأبو عبيدة يذهبون ~~إلى أن التاء في قوله تعالى: " ولات " منقطعة من " حين "، قال: وقال أبو ~~عبيدة: الوقف عندي على هذا الحرف " ولا "، والابتداء " تحين " لثلاث حجج: # إحداهن: أن تفسير ابن عباس يشهد لها، لأنه قال: ليس حين يروه فرار، فقد ~~علم أن " ليس " هي أخت " لا " و بمعناها. # والحجة الثانية: أنا لا نجد في شئ من كلام العرب " ولات "، إنما المعروفة ~~" لا ". PageV06P318 # والحجة الثالثة: أن هذه التاء، إنما وجدناها تلحق مع " حين " ومع " الآن ~~" ومع ال‍ " أوان "، فيقولون: كان هذا تحين كان ذلك، وكذلك: " تأوان "، ~~ويقال: اذهب تلان، ومنه قول أبي وجزة السعدي: ms1912 # العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم وذكر ابن قتيبة عن ~~ابن الأعرابي أن معنى هذا البيت: " العاطفونه " بالهاء، ثم تبتدئ: " حين ما ~~من عاطف "، قال ابن الأنباري: وهذا غلط، لأن الهاء إنما تقحم على النون في ~~مواضع القطع والسكون، فأما مع الاتصال، فإنه غير موجود، وقال علي بن أحمد ~~النيسابوري: النحويون يقولون في قوله تعالى: # " ولات ": هي " لا " زيدت فيها التاء كما قالوا: ثم وثمت، ورب وربت، ~~وأصلها هاء وصلت ب‍ " لا "، فقالوا: " لاه " فلما وصلوها، جعلوها تاء، ~~والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وأبي علي، وعند الكسائي بالهاء، وعند أبي ~~عبيد الوقف على " لا ". # فأما المناص، فهو الفرار. قال الفراء: النوص في كلام العرب: التأخر، ~~والبوص: التقدم: قال امرؤ القيس: # أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص فتقصر عنها خطوة وتبوص وقال أبو عبيدة: ~~المناص: مصدر ناص ينوص، وهو المنجى والفوز. # وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم إن هذا لشئ يراد (6) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق (7) أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا ~~عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السماوات ~~والأرض وما بينهما فليرتقوا في PageV06P319 # الأسباب (10) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) قوله تعالى: (و عجبوا) ~~يعني الكفار (أن جاءهم منذر منهم) يعني رسولا من أنفسهم ينذرهم النار. # (اجعل الآلهة إلها واحدا) لأنه دعاهم إلى الله وحده وأبطل عبادة آلتهم، ~~وهذا قولهم لما اجتمعوا عند أبي طالب، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " أتعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وهي " لا إله ~~إلا الله "، فقاموا يقولون: " أجعل الآلهة إلها واحدا " ونزلت هذه الآية ~~فيهم. (إن هذا) الذي يقول محمد من أن الآلهة إله واحدا (لشئ عجاب) أي: لأمر ~~عجب. # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ms1913 العالية، وابن يعمر، وابن السميفع: " ~~عجاب " بتشديد الجيم. # قال اللغويون: العجاب والعجاب والعجيب بمعنى واحد، كما يقال: كبير وكبار، ~~وكريم وكرام، وطويل وطوال وطوال، وأنشد الفراء: # جاؤوا بصيد عجب من العجب * أزيرق العينين طوال الذنب قال قتادة: عجب ~~المشركون أن دعي الله وحده، وقالوا: أيسمع لحاجتنا جميعا إله واحد؟! # قوله تعالى: (و انطلق الملأ منهم) قال المفسرون: لما اجتمع أشراف قريش ~~عند أبي طالب وشكوا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سبق بيانه، ~~نفروا من قول: " لا إله إلا الله "، وخرجوا من عند أبي طالب، فذلك قوله ~~تعالى: (وانطلق الملأ منهم). و الانطلاق: الذهاب بسهولة، ومنه طلاقة الوجه. ~~والملأ: أشراف قريش. فخرجوا يقول بعضهم لبعض: (امشوا) و (أن) بمعنى " أي "، ~~فالمعنى: أي: امشوا. قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: انطلقوا بأن امشوا، ~~أي: انطلقوا بهذا القول. وقال بعضهم: المعنى: انطلقوا يقولون: امشوا إلى ~~أبي طالب فاشكوا إليه ابن أخيه، (واصبروا على آلهتكم) أي: أثبتوا على ~~عبادتها (إن هذا) الذي نراه من زيادة أصحاب محمد (لشئ يراد) أي: لأمر يراد ~~بنا. # (ما سمعنا بهذا) الذي جاء به محمد من التوحيد (في الملة الآخرة) وفيها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: النصرانية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وإبراهيم بن المهاجر ~~عن مجاهد، وبه قال محمد بن كعب القرظي، ومقاتل. # والثاني: أنها ملة قريش، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال قتادة. # والثالث: اليهودية والنصرانية، قاله الفراء، والزجاج، والمعنى أن اليهود ~~أشركت بعزير، والنصارى، قالت: ثالث ثلاثة، فلهذا أنكرت التوحيد. # (إن هذا) الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم (إلا اختلاق) أي: كذب. ~~(أأنزل عليه الذكر) يعنون PageV06P320 # القرآن. " عليه " يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، (من بيننا) أي: ~~كيف خص بهذا دوننا وليس بأعلانا نسبا ولا أعظمنا شرفا؟! قال الله تعالى: ~~(بل هم في شك من ذكري) أي: من القرآن، والمعنى أنهم ليسوا على يقين مما ~~يقولون، إنما هم شاكون (بل لما) قال مقاتل: " لما " بمعنى " لم " كقوله ms1914 ~~تعالى: # (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم). وقال غيره: هذا تهديد لهم، والمعنى أنه ~~لو نزل بهم العذاب، علموا أن ما قاله محمد حق. وأثبت ياء (عذابي) في ~~الحالين يعقوب قال الزجاج: ولما دل قولهم: " أأنزل عليه الذكر " على حسدهم ~~له، أعلم الله عز وجل أن الملك والرسالة إليه، فقال: (أم عندهم خزائن رحمة ~~ربك)؟! قال المفسرون: ومعنى الآية: # أبأيديهم مفاتيح النبوة فيضعونها حيث شاؤوا؟! والمعنى: ليست بأيديهم، ولا ~~ملك السماوات والأرض لهم، فإن ادعوا شيئا من ذلك (فليرتقوا في الأسباب) قال ~~سعيد بن جبير: أي: في أبواب السماء. وقال الزجاج: فليصعدوا في الأسباب التي ~~توصلهم إلى السماء. # قوله تعالى: (جند) أي: هم جند. والجند: الأتباع، فكأنه قال: هم اتباع ~~مقلدون ليس فيهم عالم راشد. و (ما) زائدة، و (هنالك) إشارة إلى بدر. ~~والأحزاب: جميع من تقدمهم من الكفار الذين تحزبوا على الأنبياء. قال قتادة: ~~أخبر الله نبيه وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. # كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) و ثمود وقوم لوط وأصحاب ~~الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر ~~هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق (15) قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح) ~~قال أبو عبيدة: قوم من العرب يؤنثون، و قوم يذكرون، فإن احتج عليهم بهذه ~~الآية، قالوا: وقع المعنى على العشيرة، واحتجوا بقوله تعالى: # (كلا إنها تذكرة)، قالوا: والمضمر مذكر. # قوله تعالى: (و فرعون ذو الأوتاد) فيه ستة أقوال: # أحدها: أنه كان يعذب الناس بأربعة أوتاد يشدهم فيها، ثم يرفع صخرة فتلقى ~~على الإنسان فتشدخه، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وكذلك قال الحسن، ومجاهد: ~~كان يعذب الناس بأوتاد يوتدها في أيديهم وأرجلهم. # والثاني: أنه ذو البناء المحكم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك، ~~والقرظي، PageV06P321 # واختاره ابن قتيبة، قال: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت ~~الأوتاد، يريدون أنه دائم شديد، وأصل هذا، أن البيت [من بيوتهم] يثبت ~~بأوتاد، قال الأسود بن يعفر: ms1915 # في ظل ملك ثابت الأوتاد والثالث: أن المراد بالأوتاد: الجنود، رواه عطية ~~عن ابن عباس، وذلك أنهم كانوا يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوي الوتد الشئ. # والرابع: أنه كان له أربع أسطوانات، فيأخذ الرجل فيمد كل قائمة إلى ~~أسطوانة فيعذبه، روي القولان عن سعيد بن جبير. # والسادس: أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها، قاله عطاء، ~~وقتادة. # ولما ذكر المكذبين، قال: (أولئك الأحزاب) فأعلمنا أن مشركي قريش من ~~هؤلاء، وقد عذبوا وأهلكوا، (فحق عقاب). أثبت الياء في الحالين يعقوب. (و ما ~~ينظر) أي: وما ينتظر (هؤلاء) يعني كفار مكة (إلا صيحة واحدة) وفيها قولان: # أحدهما: أنها النفخة الأولى، قاله مقاتل. # والثاني: النفخة الأخيرة، قاله ابن السائب. # وفي الفواق قراءتان. قرأ حمزة، وخلف، والكسائي: بضم الفاء. وقرأ الباقون: ~~بفتحها. وهل بينهما فرق، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهما لغتان بمعنى واحد، وهو معنى قول الفراء، وابن قتيبة، ~~والزجاج. قال الفراء: والمعنى: مالها من راحة ولا إفاقة، وأصله من الإفاقة ~~في الرضاع إذا ارتضعت البهيمة أمها ثم تركتها حتى تنزل شيئا من للبن، فتلك ~~الإفاقة. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " العيادة قدر فواق ~~ناقة ". ومن يفتح الفاء، فيه لغة جيدة عالية. وقال ابن قتيبة: الفواق ~~والفواق واحد، وهو أن تحلب الناقة وتترك ساعة حتى تنزل شيئا من اللبن، ثم ~~تحلب، فما بين الحلبتين فواق. فاستعير الفواق في موضع المكث والانتظار. ~~وقال الزجاج: الفواق: ما بين حلبتي الناقة، وهو مشتق من الرجوع، لأنه يعود ~~اللبن إلى الضرع بين الحلبتين، يقال: أفاق من مرضه، أي: رجع إلى الصحة. # والثاني: أن من فتحها، أراد: مالها من راحة، ومن ضمها، أراد: فواق ~~الناقة، قاله أبو عبيدة. # وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال: # أحدها: مالها من رجعة، ثم فيه قولان: # أحدهما: مالها من ترداد، قاله ابن عباس، والمعنى أن تلك الصيحة لا تكرر. # والثاني: مالها من رجوع إلى الدنيا، قاله الحسن، وقتادة، والمعنى أنهم لا ~~يعودون بعدها إلى الدنيا. PageV06P322 # والثاني: ما ms1916 لهم منها من إفاقة، بل تهلكهم، قاله ابن زيد. # والثالث: مالها من فتور ولا انقطاع، قاله ابن جرير. # والرابع: مالها من راحة، حكاه جماعة من المفسرين. # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون واذكر ~~عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة ~~وفصل الخطاب (20) قوله تعالى: (و قالوا ربنا عجل لنا قطنا) في سبب قولهم ~~هذا قولان: # أحدهما: أنه لما ذكر لهم ما في الجنة، قالوا هذا، قاله سعيد بن جبير، ~~والسدي:. # والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه...) ~~الآيات، قالت قريش: # زعمت يا محمد أنا نؤتى كتبنا بشمائلنا؟! فعجل لنا قطنا، يقولون ذلك ~~تكذيبا، قاله أبو العالية، ومقاتل. وفي المراد بالقط أربعة أقوال: # أحدها: أنه الصحيفة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال الفراء: القط في ~~كلام العرب: # الصك. وقال أبو عبيدة: القط: الكتاب، والقطوط: الكتب بالجوائز، وإلى هذا ~~المعنى ذهب الحسن، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: أن القط: الحساب، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه القضاء، قاله عطاء الخراساني، والمعنى أنهم لما وعدوا ~~بالقضاء بينهم، سألوا ذلك. # الرابع: أنه النصيب، قاله سعيد بن جبير. قال الزجاج: القط: النصيب، ~~وأصله: الصحيفة يكتب للانسان فيها شئ يصل إليه، واشتقاق القط من قططت، أي: ~~قطعت، فالنصيب: هو القطعة من الشئ. ثم في هذا القول للمفسرين قولان: # أحدهما: أنهم سألوه نصيبهم من الجنة، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: سألوه نصيبهم من العذاب، قاله قتادة. وعلى جميع الأقوال، إنما ~~سألوا ذلك استهزاء، لتكذيبهم بالقيامة. PageV06P323 # (اصبر على ما يقولون) أي: من تكذيبهم وأذاهم، وفي هذا قولان أحدهما: أنه ~~أمر بالصبر، سلوكا لطريق أولي العزم، وهذا محكم. # والثاني: أنه منسوخ بآية السيف فيما زعم الكلبي. # قوله تعالى: (و أذكر عبدنا داود) في وجه المناسبة بين قوله: " اصبر " ~~وبين قوله: " واذكر عبدنا داود " قولان: # أحدهما: أنه أمر أن يتقوى على الصبر بذكر قوة ms1917 داود على العبادة والطاعة. # والثاني: أن المعنى: عرفهم أن الأنبياء [عليهم السلام] - مع طاعتهم - ~~كانوا خائفين مني، هذا داود مع قوته على العبادة، لم يزل باكيا مستغفرا، ~~فكيف حالهم مع أفعالهم؟! # فأما قوله: (ذا الأيد) فقال ابن عباس: هي القوة في العبادة. وفي " ~~الصحيحين " من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " أحب الصيام إلى صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة ~~إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ". # وفي الأواب أقوال قد ذكرناها في (بني إسرائيل). # (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن) قد ذكرنا تسبيح الجبال معه في سورة ~~الأنبياء، وذكرنا معنى العشي في مواضع مما تقدم، وذكرنا معنى الإشراق في ~~الحجر عند قوله تعالى (مشرقين). # قال الزجاج: الإشراق: طلوع الشمس وإضاءتها. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~طلبت صلاة الضحى، فلم أجدها إلا في هذه الآية. وقد ذكرنا عنه أن صلاة الضحى ~~مذكورة في النور في قوله تعالى: (بالغدو والآصال). # قوله تعالى: (و الطير محشورة) وقرأ عكرمة، وأبو الجوزاء، والضحاك، وابن ~~أبي عبلة: # " والطير محشورة " قرأ أبو عكرمة و أبو الجوزاء بالرفع فيهما، أي: مجموعة ~~إليه، تسبح الله معه (كل له) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: ترجع إلى داود، أي: كل لداود (أواب) أي: رجاع إلى طاعته وأمره، ~~والمعنى: # كل له مطيع بالتسبيح معه، هذا قول الجمهور. # والثاني: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: كل مسبح لله، قاله السدي. # قوله تعالى: (و شددنا ملكه) أي: قويناه. وفي ما شد به ملكه قولان: ~~PageV06P324 # أحدهما: أنه الحرس والجنود، قال ابن عباس: كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ~~ألف رجل. # والثاني: أنه هيبة ألقيت له في قلوب الناس، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس ~~أيضا. # قوله تعالى: (و آتيناه الحكمة) وفيها أربعة أقوال: أحدها: أنها الفهم، ~~قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. والثاني: الصواب، قاله مجاهد. والثالث: ~~السنة، قاله قتادة. والرابع: # النبوة، قاله السدي. # وفي فصل الخطاب أربعة ms1918 أقوال: # أحدها: علم القضاء والعدل، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: بيان الكلام، روي عن ابن عباس أيضا. وذكر الماوردي أنه البيان ~~الكافي في كل غرض مقصود. # والثالث: قوله: " أما بعد "، وهو أول من تكلم بها، قاله أبو موسى ~~الأشعري، والشعبي. # والرابع: تكليف المدعي البينة، والمدعى عليه اليمين، قاله شريح، وقتادة، ~~وهو قول حسن، لأن الخصومة إنما تفصل بهذا. # وهل آتك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا ~~إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال ~~أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن ~~كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا ~~له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) قوله تعالى: (و ~~هل أتاك نبأ الخصم) قال أبو سليمان: المعنى: قفد أتاك فاستمع له نقصص عليك. ~~PageV06P325 # واختلف العلماء في السبب الذي امتحن لأجله داود [عليه السلام] بما امتحن ~~به على خمسة أقوال: # أحدها: أنه قال: يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لو ~~وددت أنك أعطيتني مثله، فقال الله تعالى: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، ~~فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به وأعطيتك كما أعطيتهم؟ قال: نعم، ~~فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها فطارت، فذهب ~~ليأخذها، فرأى امرأة تغتسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال السدي. # والثاني: أنه ما زال يجتهد في العبادة حتى برز له قرناؤه من الملائكة ~~وكانوا يصلون معه ويسعدونه بالبكاء، فلما استأنس بهم، قال: أخبروني بأي شئ ~~أنتم موكلون؟ قالوا: ms1919 ما نكتب عليك ذنبا، بل نكتب صالح عملك ونثبتك ونوفقك ~~ونصرف عنك السوء، فقال في نفسه: ليت شعري، كيف أكون لو خلوني ونفسي، وتمنى ~~أن يخلى بينه وبين نفسه ليعلم كيف يكون، فأمر الله تعالى قرناءه أن يعتزلوه ~~ليعلم أنه لا غناء به عن الله [تعالى] عز وجل، فلما فقدهم، جد واجتهد ضعف ~~عبادته إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه، فأراد الله تعالى] أن يعرفه ضعفه، فأرسل ~~إليه طائرا من طيور الجنة، فسقط في محرابه، فقطع صلاته ومد يده إليه، فتنحى ~~عن مكانه، فأتبعه بصره، فإذا امرأة أوريا، هذا قول وهب بن منبه. # والثالث: أنه تذاكر هو وبنو إسرائيل، فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا ~~يصيب فيه ذنبا؟ # فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان يوم عبادته، أغلق أبوابه ~~وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكب على قراءه الزبور، فإذا حمامة من ذهب، فأهوى ~~إليها فطارت، فتبعها فرأى المرأة، رواه مطر عن الحسن. # والرابع: أنه قال لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، ولم يستثن، ~~فابتلي، رواه قتادة عن الحسن. # والخامس: أنه أعجبه كثرة عمله، فابتلي، قاله أبو بكر الوراق. # الإشارة إلى قصة ابتلائه وذكر جماعة من المفسرين أن داود لما نظر إلى ~~المرأة، سأل عنها، وبعث زوجها إلى الغزاة مرة بعد مرة إلى أن قتل، فتزوجها، ~~وروى، مثل هذا عن ابن عباس، ووهب، والحسن في PageV06P326 # جماعة. و هذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى، لأن ~~الأنبياء منزهون عنه. # وقد اختلف المحققون في ذنبه الذي عوتب عليه على أربعة أقوال: # أحدها: أنه لما هويها، قال لزوجها: تحول لي عنها، فعوتب على ذلك. وقد روى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما زاد داود على أن قال لصاحب المرأة: ~~أكفلنيها وتحول لي عنها، ونحو ذلك روي عن ابن مسعود. وقد حكى أبو سليمان ~~الدمشقي أنه بعث إلى أوريا فأقدمه من غزاته، فأدناه وأكرمه جدا، إلى أن قال ~~له يوما: انزل لي عن ms1920 امرأتك، وانظر أي امرأة شئت في بني إسرائيل أزوجكها، ~~أو أي أمة شئت أبتاعها لك، فقال: لا أريد بامرأتي بديلا، فلما لم يجبه إلى ~~ما سأل، أمره PageV06P327 # أن يرجع إلى غزاته. # والثاني: أنه تمنى تلك المرأة حلالا، وحدث نفسه بذلك، فاتفق غزو أوريا من ~~غير أن يسعى في سبب قتله ولا في تعريضه للهلاك، فلما بلغة قتله، لم يجزع ~~عليه كما جزع على غيره من جنده، ثم تزوج امرأته، فعوتب على ذلك. وذنوب ~~الأنبياء عليهم السلام وإن صغرت، فهي عظيمة عند الله [عز وجل]. # والثالث: أنه لما وقع بصره عليها، أشبع النظر إليها حتى علقت بقلبه. # والرابع: أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة، فخطبها داود مع علمه بأن أوريا ~~قد خطبها، فتزوجها، فاغتم أوريا، وعاتب الله تعالى داود إذ لم يتركها ~~لخاطبها الأول، واختار القاضي أبو يعلى هذا القول، واستدل عليه بقوله ~~تعالى: (و عزني في الخطاب)، قال: فدل هذا على أن الكلام إنما كان بينهما في ~~الخطبة، ولم يكن قد تقدم تزوج الآخر، فعوتب داود عليه السلام لشيئين ينبغي ~~للأنبياء التنزه عنهما: # أحدهما: خطبته على خطبته غيره. # والثاني: إظهار الحرص على التزويج مع كثرة نسائه، ولم يعتقد ذلك معصية، ~~فعاتبه الله تعالى عليها، قال: فأما ما روي أنه نظر إلى المرأة فهويها وقدم ~~زوجها للقتل، فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء، لأن الأنبياء لا يأتون ~~المعاصي مع العلم بها. # قال الزجاج: إنما قال: " الخصم " بلفظ الواحد، وقال: " تسوروا " بلفظ ~~الجماعة، لأن قولك: خصم، يصلح للواحد والاثنين والجماعة والذكر والأنثى، ~~تقول، هذا خصم، وهي خصم، وهما خصم، وهم خصم، وإنما يصلح لجميع ذلك لأنه ~~مصدر، تقول: خصمته أخصمه خصما. # والمحراب هاهنا كالغرفة، قال الشاعر: # ربة محراب إذا جئتها * لم ألقها أو أرتقي سلما و " تسوروا " يدل على علو. # قال المفسرون: كانا ملكين، وقيل: هما جبريل وميكائيل [عليهما السلام] ~~أتياه لينبهاه على التوبة وإنما قال: " تسوروا " وهما اثنان، لأن معنى ~~الجمع ضم شئ إلى شئ، والاثنان فما فوقهما جماعة. # قوله ms1921 تعالى: (إذ دخلوا على داود) قال الفراء: يجوز أن يكون معنى " تسوروا ~~": دخلوا، فيكون تكرارا، ويجوز أن يكون بمعنى " لما "، فيكون المعنى: إذ ~~تسوروا المحراب لما دخلوا، ولما تسوروا إذ دخلوا. # قوله تعالى: (ففزع منهم) وذلك أنهما أتيا على غير صفة مجيء الخصوم، وفي ~~غير PageV06P328 # الحكومة، ودخلا تسورا من غير إذن. وقال أبو الأحوص: دخلا عليه وكل واحد ~~منهما آخذ برأس صاحبه. و (خصمان) مرفوع بإضمار " نحن "، قال ابن الأنباري: ~~المعنى: نحن كخصمين، ومثل خصمين، فسقطت الكاف، وقام الخصمان مقامها، كما ~~تقول العرب: عبد الله القمر حسنا وهم يريدون: مثل القمر، قالت هند بنت عتبة ~~ترثي أباها وعمها: # من حس لي الأخوين * كالغصنين أو من رآهما أسدين في غيل يحيد * القوم عن ~~عرواهما صقرين لا يتذللان * ولا يباح حماهما رمحين خطيين في * كبد السماء ~~تراهما أرادت: مثل أسدين، ومثل صقرين، فأسقطت مثلا وأقامت الذي بعده مقامه. ~~ثم صرف الله عز وجل النون والألف في " بعضنا " إلى " نحن " المضمر، كما ~~تقول العرب: نحن قوم شرف أبونا، ونحن قوم شرف أبوهم، والمعنى واحد. والحق ~~هاهنا: العدل. # (ولا تشطط) أي: لا تجر، يقال: شط وأشط: إذا جار. قال الفراء: وبعض العرب ~~يقول: شططت علي في السوم، وأكثر الكلام " أشططت " بالألف، وشطت الدار: ~~تباعدت. # قوله تعالى: (و اهدنا إلى سواء الصراط) أي: إلى قصد الطريق، والمعنى: ~~احملنا على الحق. فقال داود: تكلما، فقال أحدهما: (إن هذا أخي) قال ابن ~~الأنباري: المعنى: قال أحد الخصمين اللذين شبه الملكان بهما: إن هذا أخي، ~~فأضمر القول لوضوح معناه (له تسع وتسعون نعجة) قال الزجاج: كني عن المرأة ~~بالنعجة. وقال غيره: العرب تشبه النساء بالنعاج، وتوري عنها بالشاء والبقر. ~~قال ابن قتيبة: ورى عن ذكر النساء بذكر النعاج، كما قال عنترة: # يا شاة ما قنص لمن حلت له * حرمت علي وليتها لم تحرم يعرض بجارية، يقول: ~~أي صيد أنت لمن حل له أن يصيدك! فأما أنا، فإن حرمة الجوار قد حرمتك علي. ~~وإنما ذكر الملك هذا العدد لأنه ms1922 عدد نساء داود. # قوله تعالى: (ولي نعجة) فتح الياء حفص عن عاصم، وأسكنها الباقون. # (فقال أكفلنيها) قال ابن قتيبة: أي: ضمها إلي واجعلني كافلها. وقال ~~الزجاج: أنزل أنت عنها واجعلني أنا أكفلها. # قوله تعالى: (و عزني في الخطاب) أي: غلبني في القول. وقرأ عمر بن الخطاب، ~~وأبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: " وعازني " بألف، ~~أي: غالبني. PageV06P329 # قال ابن مسعود، وابن عباس في قوله " وعزني في الخطاب ": ما زاد على أن ~~قال: انزل لي عنها. وروى العوفي عن ابن عباس قال: إن دعوت ودعا كان أكثر، ~~وإن بطشت وبطش كان أشد مني. # فطن قيل: كيف قال الملكان هذا، وليس شئ منه موجودا عندهما؟ # فالجواب: أن العلماء قالوا: إنما هذا على سبيل المثل والتشبيه بقصة داود، ~~وتقدير كلامهما: ما تقول إن جاءك خصمان فقالا كذا وكذا؟ وكان داود لا يرى ~~أن عليه تبعة فيما فعل، فنبهه الله بالملكين. وقال ابن قتيبة: هذا مثل ضربه ~~الله له ونبهه على خطيئته. وقد ذكرنا آنفا أن المعنى: نحن كخصمين. # قوله تعالى: (قال) يعني داود (لقد ظلمك بسؤال نعجتك) قال الفراء: أي: ~~بسؤاله نعجتك، فإذا ألقيت الهاء من السؤال، أضفت الفعل إلى النعجة، ومثله: ~~(لا يسأم الإنسان من دعاء الخير)، أي: من دعائه بالخير، فلما ألقى الهاء، ~~أضاف الفعل إلى الخير، وألقى من الخير الباء، وأنشدوا: # فلست مسلما ما دمت حيا * على زيد بتسليم الأمير أي: بتسليم على الأمير. # قوله تعالى: (إلى نعاجه) أي: ليضمها إلى نعاجه. قال ابن قتيبة: المعنى: ~~بسؤال نعجتك مضمومة إلى نعاجه، فاختصر. قال: ويقال " إلى " بمعنى " مع ". # فإن قيل: كيف حكم داود قبل أن يسمع كلام الآخر؟ # فالجواب: أن الخصم الآخر اعترف، فحكم عليه باعترافه، وحذف ذكر الاعتراف ~~اكتفاء بفهم السامع، والعرب تقول: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال، أي: ~~فاتجرت فكسبت، ويدل عليه قول السدي: إن داود قال للخصم الآخر: ما تقول؟ ~~قال: نعم، أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي وهو كاره، قال: إذا لا ندعك، ~~وإن رمت ms1923 هذا ضربنا منك هذا - ويشير إلى أنفه وجبهته - فقال: أنت يا داود ~~أحق أن يضرب هذا منك حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأوريا إلا واحدة، ~~فنظر داود فلم ير أحدا، فعرف ما وقع فيه. # قوله تعالى: (و إن كثيرا من الخلطاء) يعني الشركاء، واحدهم: خليط، وهو ~~المخالط في المال وإنما قال هذا، لأنه ظنهما شريكين، (إلا الذين آمنوا) أي: ~~فإنهم لا يظلمون أحدا، (وقليل ما هم) " ما " زائدة، والمعنى: وقليل هم، ~~وقيل: المعنى: هم قليل، يعني PageV06P330 # الصالحين الذين لا يظلمون. # قوله تعالى: (و ظن داود) أي: أيقن وعلم (أنما فتناه) فيه قولان: # أحدهما: اختبرناه. # والثاني: ابتليناه بما جرى له من نظره إلى المرأة وافتتانه بها. وقرأ عمر ~~بن الخطاب: " أنما فتناه " بتشديد التاء والنون جميعا. وقرأ أنس بن مالك، ~~وأبو رزين، والحسن، وقتادة، وعلي بن نصر عن أبي عمرو: " أنما فتناه " ~~بتخفيف التاء والنون جميعا، يعني الملكين، قال أبو علي الفارسي: يريد: صمدا ~~له. وفي سبب علمه وتنبيهه على ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الملكين أفصحا له بذلك، على ما ذكرناه عن السدي. # والثاني: أنهما عرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، فعلم أنه عني ~~بذلك، قاله وهب. # والثالث: أنه لما حكم بينهما، نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك، ثم صعدا إلى ~~السماء وهو ينظر، فعلم أن الله [تعالى] ابتلاه بذلك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (فاستغفر ربه) قال المفسرون: لما فطن داود بذنبه خر راكعا، ~~قال ابن عباس: أي: ساجدا، وعبر عن السجود بالركوع، لأنهما بمعنى الانحناء. ~~وقال بعضهم: # المعنى: فخر بعد أن كان راكعا. # فصل واختلف العلماء هل هذه من عزائم السجود؟ على قولين: # أحدهما: ليست من عزائم السجود، و قاله الشافعي. # والثاني: أنها من عزائم السجود، قاله أبو حنيفة. وعن أحمد روايتان. قال ~~المفسرون: # فبقي في سجوده أربعين ليلة، لا يرفع رأسه إلا لوقت صلاة مكتوبة أو حاجة ~~لا بد منها، ولا يأكل ولا يشرب، فأكلت الأرض من جبينه، ونبت العشب من ~~دموعه، ويقول في سجوده: رب ms1924 داود، زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب. ~~و قال مجاهد: نبت البقل من دموعه حتى غطى رأسه، ثم نادى: رب قرح الجبين ~~وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته شئ، فنودي: أجائع فتطعم، أم مريض ~~فتشفى، أم مظلوم فينتصر لك؟ فنحب نحيبا هاج كل شئ نبت، فعند ذلك غفر له. ~~وقال ثابت البناني: اتخذ داود سبع حشايا من شعر وحشاهن من الرماد، ثم بكى ~~حتى أنفذها دموعا، ولم يشرب شرابا إلا ممزوجا بدموع عينيه. وقال وهب بن ~~منبه: نودي: يا داود ارفع رأسك فإنا قد غفرنا لك، فرفع رأسه وقد زمن وصار ~~مرعشا. PageV06P331 # فأما قوله: (و أناب) فمعناه: رجع من ذنبه تائبا إلى ربه، (فغفرنا له ذلك) ~~يعني الذنب (وإن له عندنا لزلفى) قال ابن قتيبة: أي: تقدم وقربة. # قوله تعالى: (و حسن مآب) قال مقاتل: حسن مرجع، وهو ما أعد الله له في ~~الجنة. # قوله تعالى: (يا داود) المعنى: وقلنا له يا داود (إنا جعلناك) أي: صيرناك ~~(خليفة في الأرض) أي: تدبر أمر العباد من قبلنا بأمرنا، فكأنك خليفة عنا ~~(فاحكم بين الناس بالحق) أي: بالعدل (و لا تتبع الهوى) أي: لا تمل مع ما ~~تشتهي إذا خالف أمر الله عز وجل (فيضلك عن سبيل الله) أي: عن دينه (إن ~~الذين يضلون) وقرأ أبو نهيك، وأبو حيوة، وابن يعمر: # " يضلون " بضم الياء. # قوله تعالى: (بما نسوا يوم الحساب) فيه قولان: # أحدهما: بما تركوا العمل ليوم الحساب، قاله السدي. قال الزجاج: لما تركوا ~~العمل لذلك اليوم، صاروا بمنزلة الناسين. # والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: لهم عذاب شديد يوم الحساب ~~بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل، وهو قول عكرمة. # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب (29) قوله تعالى: (و ما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما ms1925 باطلا) أي: عبثا (ذلك ظن الذين كفروا) أن ذلك خلق لغير شئ، وإنما ~~خلق للثواب والعقاب. # (أم نجعل الذين آمنوا) قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في ~~الآخرة مثل ما تعطون، فنزلت هذه الآية. وقال ابن السائب: نزلت في الستة ~~الذين تبارزوا يوم بدر، علي [رضي الله عنه]، وحمزة [رضي الله عنه]، وعبيدة ~~بن الحارث [رضي الله عنه]، وعتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، فذكر أولئك ~~بالفساد في الأرض لعملهم فيها بالمعاصي، وسمى المؤمنين بالمتقين لاتقائهم ~~الشرك، وحكم الآية عام. PageV06P332 # قوله تعالى: (كتاب) أي: هذا كتاب، يعني القرآن، وقد بينا معنى بركته في ~~سورة الأنعام. # (ليدبروا آياته) وقرأ عاصم في رواية: " لتدبروا آياته " بالتاء خفيفة ~~الدال، أي: ليتفكروا فيها فيتقرر عندهم صحتها (و ليتذكر) بما فيه من ~~المواعظ (أولوا الألباب)، وقد سبق بيان هذا. # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث ~~أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) ~~واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) أركض برجلك ~~هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى ~~لأولي الألباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد إنه أواب (44) قوله تعالى: (نعم العبد) يعني به سليمان. # وفي الأواب أقوال قد تقدمت في بني إسرائيل أليقها بهذا المكان أنه رجاع ~~بالتوبة إلى الله تعالى مما يقع منه من السهو والغفلة. # قوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي) وهو ما بعد الزوال (الصافنات) وهي ~~الخيل. PageV06P333 # وفي معنى الصافنات قولان: # أحدهما: أنها القائمة على ms1926 ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر ~~من يد أو رجل، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وابن زيد، واختاره الزجاج، وقال ~~هذا أكثر قيام الخيل إذا وقفت كأنها تراوح بين قوائمها، قال الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسيرا والثاني: أنها ~~القائمة، سواء كانت على ثلاث أو غير ثلاث، قال الفراء: على هذا رأيت العرب، ~~وأشعارهم تدل على أنه القيام خاصة. وقال ابن قتيبة: الصافن في كلام العرب: ~~الواقف من الخيل وغيرها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " من سره أن يقوم ~~له الرجال صفونا، فليتبوأ مقعده من النار "، أي: يديمون القيام له. # فأما الجياد، فهي السراع في الجري. وفي سبب عرضها عليه أربعة أقوال: # أحدها: أنه عرضها لأنه أراد جهاد عدو له، قاله علي. # والثاني: أنها كانت من دواب البحر. قال الحسن: بلغني أنها كانت خيلا خرجت ~~من البحر لها أجنحة. وقال إبراهيم التيمي: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. وقال ~~ابن زيد: أخرجتها له الشياطين من البحر. # والثالث: أنه ورثها من أبيه داود، فعرضت عليه، قاله وهب بن منبه، ومقاتل. # والرابع: أنه غزا جيشا، فظفر به وغنمها، فدعا بها فعرضت عليه، قاله ابن ~~السائب. # وفي عددها أربعة أقوال: # أحدها: ثلاثة عشر ألفا، قاله وهب. # والثاني: عشرون ألفا، قاله سعيد بن مسروق. # والثالث: ألف فرس، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والرابع: عشرون فرسا، وقد ذكرناه عن إبراهيم التيمي. # قال المفسرون: ولم تزل تعرض عليه إلى أن غابت الشمس، ففاتته صلاة العصر، ~~وكان مهيبا لا يبتدئه أحد بشئ، فلم يذكروه، ونسي هو، فلما غابت الشمس ذكر ~~الصلاة، (فقال إني أحببت) فتح الياء أهل الحجاز وأبو عمرو (حب الخير) وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنه المال، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. # والثاني: حب الخيل، قاله قتادة، والسدي. والقولان يرجعان إلى معنى واحد، ~~لأنه أراد بالخير الخيل، وهي مال. وقال الفراء: العرب تسمي الخيل: الخير. ~~قال الزجاج: وقد سمى PageV06P334 # رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخيل: زيد الخير، ومعنى " أحببت ms1927 ": ~~آثرت حب الخير على ذكر ربي، وكذلك قال غير الزجاج: " عن " بمعنى " على ". ~~وقال بعضهم: يحتمل المعنى: فشغلني عن ذكر ربي. و قال أبو عبيدة: معنى ~~[الكلام]: أحببت حبا، ثم أضاف الحب إلى الخير. وقال ابن قتيبة: سمى الخيل ~~خيرا، لما فيها من الخير. والمفسرون على أن المراد بذكر ربه: صلاة العصر، ~~قاله علي، وابن مسعود، وقتادة في آخرين. وقال الزجاج: لا أدري هل كانت صلاة ~~العصر مفروضة، أم لا!، إلا أن اعتراضه الخيل شغله عن وقت كان يذكر الله فيه ~~(حتى توارت بالحجاب) وأهل اللغة يقولون: يعني الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولا ~~أحسبهم أعطوا في هذا الفكر حقه، لأن في الآية دليلا على الشمس، وهو قوله: " ~~بالعشي " ومعناه: عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب، ولا ~~يجوز الإضمار إلا أن يجري ذكر، أو دليل ذكر فيكون بمنزلة الذكر، وأما ~~الحجاب، فهو ما يحجبها عن الأبصار. # قوله تعالى: (ردوها علي) قال المفسرون: لما شغله عرض الخيل عليه عن ~~الصلاة، فصلاها بعد خروج وقتها، اغتم وغضب، وقال: " ردوها علي "، يعني: ~~أعيدوا الخيل علي (فطفق) قال ابن قتيبة: أي أقبل (مسحا) قال الأخفش: أي: ~~يمسح مسحا. # فأما السوق، فجمع ساق، مثل دور ودار. وهمز السؤق ابن كثير، قال أبو علي: ~~وغير الهمز أحسن منه. وقرأ أبو عمران الجوني، وابن محيصن: " بالسؤوق " مثل ~~الرؤوس. وفي المراد بالمسح هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ضربها بالسيف. روى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: " فطفق مسحا بالسوق والأعناق " قال: " بالسيف ". وروى مجاهد ~~عن ابن عباس قال: مسح أعناقها وسوقها بالسيف. وقال الحسن، وقتادة، وابن ~~السائب: قطع أعناقها وسوقها، وهذا اختيار السدي، ومقاتل، والفراء، وأبي ~~عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة، وأبي سليمان الدمشقي، والجمهور. # والثاني: أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها، رواه علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: مسحها بيده، وهذا اختيار ابن جرير، والقاضي ~~أبي يعلى. # والثالث: أنه كوى سوقها وأعناقها وحبسها في ms1928 سبيل الله تعالى، حكاه ~~الثعلبي. # والمفسرون على القول الأول، وقد اعترضوا القول الثاني، وقالوا: أي مناسبة ~~بين شغلها إياه عن الصلاة وبين مسح أعرافها حبا لها؟! ولا أعلم قوله: " حبا ~~لها " يثبت عن ابن عباس. وحملوا قول مجاهد " مسحها بيده " أي: تولى ضرب ~~أعناقها. # فان قيل: فالقول الأول يفسد بأنه لا ذنب للحيوان، فكيف وجه العقوبة إليه ~~وقصد التشفي PageV06P335 # بقتله، وهذا يشبه فعل الجبارين، لا فعل الأنبياء؟ # فالجواب: أنه لم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أبيح له، وجائز أن يباح له ما ~~يمنع منه في شرعنا، على أنه إذا ذبحها كانت قربانا، وأكل لحمها جائز، فما ~~وقع تفريط. قال وهب بن منبه: # لما ضرب سوقها وأعناقها، شكر الله تعالى له ذلك، فسخر له الريح مكانها، ~~وهي أحسن في المنظر، وأسرع في السير، وأعجب في الأحدوثة. # قوله تعالى: (و لقد فتنا سليمان) أي: ابتليناه وامتحناه بسلب ملكه (و ~~ألقينا على كرسيه) أي: على سريره (جسدا) وفيه قولان: # أحدهما: أنه شيطان، قاله ابن عباس، والجمهور. وفي اسم ذلك الشيطان ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: صخر، رواه العوفي عن ابن عباس. وذكر العلماء أنه كان شيطانا مريدا ~~لم يسخر لسليمان. # والثاني: آصف، قاله مجاهد، إلا أنه ليس بالمؤمن الذي عنده الاسم الأعظم، ~~إلا أن بعض ناقلي التفسير حكى أنه آصف الذي عنده علم من الكتاب، وأنه لما ~~فتن سليمان سقط الخاتم من يده فلم يثبت، فقال آصف: أنا أقوم مقامك إلى أن ~~يتوب الله عليك، فقام في مقامه، وسار بالسيرة الجميلة، و هذا لا يصح، ولا ~~ذكره من يوثق به. # والثالث: حبقيق، قاله السدي، والمعنى: أجلسنا على كرسيه في ملكه شيطانا. ~~(ثم أناب) أي: PageV06P336 # رجع. وفيما رجع إليه قولان: # و المعنى: أجلسنا على كرسيه في ملكه شيطانا. (ثم أناب) أي: رجع. و فيما ~~رجع إليه قولان: # أحدهما: تاب من ذنبه، قاله قتادة. # والثاني: رجع إلى ملكه، قاله الضحاك. # وفي سبب ابتلاء سليمان بهذا خمسة أقوال: # أحدها: أنه كانت له امرأة يقال لها: جرادة، فكان بين ms1929 بعض أهلها وبين قوم ~~خصومة، فقضى بينهم بالحق، إلا أنه ود أن الحق كان لأهلها، فعوقب حين لم يكن ~~هواه فيهم واحدا، وأوحى الله تعالى إليه أنه سيصيبك بلاء، فكان لا يدري ~~أيأتيه من السماء، أو من الأرض، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن زوجته جرادة كانت آثر النساء عنده، فقالت له يوما: إن أخي ~~بينه وبين فلان خصومة، وإني أحب أن تقضي له، فقال: نعم، ولم يفعل، فابتلي ~~لأجل ما قال، قاله السدي. # والثالث: أن زوجته جرادة كان قد سباها في غزاة له، وكانت بنت ملك فأسلمت، ~~وكانت تبكي عنده بالليل والنهار، فسألها عن حالها، فقالت: أذكر أبي وما كنت ~~فيه، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري فأتسلى بها، ففعل، فكانت ~~إذا خرج سليمان، تسجد له هي و ولائدها أربعين صباحا، فلما علم سليمان، كسر ~~تلك الصورة، وعاقب المرأة وولائدها ثم تضرع إلى الله تعالى مستغفرا مما كان ~~في داره، فسلط الشيطان على خاتمه، هذا قول وهب بن منبه. # والرابع: أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه: يا ~~سليمان، احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي ولم تنصف ~~مظلوما من ظالم؟! فسلط الشيطان على خاتمه، قاله سعيد بن المسيب. # والخامس: أنه قارب امرأة من نسائه في الحيض أو غيره، قاله الحسن. # والقول الثاني: أن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه: أنه ولد له ولد ~~فاجتمعت الشياطين، فقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد، لم ننفك من البلاء، ~~فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم بذلك سليمان، فأمر السحاب فحمله، وعدا ~~ابنه في السحاب خوفا من الشياطين، فعاتبه الحق تعالى على تخوفه من ~~الشياطين، ومات الولد، فألقي على كرسيه ميتا جسدا، قاله الشعبي والمفسرون ~~على القول الأول. ونحن نذكر قصة ابتلائه على قول الجمهور. PageV06P337 # الإشارة إلى ذلك اختلف العلماء في كيفية ذهاب خاتم سليمان على قولين: # أحدهما: أنه كان جالسا على شاطئ البحر، فوقع منه في البحر، قاله علي: ms1930 رضي ~~الله عنه. # والثاني: أن شيطانا أخذه، وفي كيفية ذلك أربعة أقوال: # أحدها: أنه دخل ذات يوم الحمام ووضع الخاتم تحت فراشه، فجاء الشيطان ~~فأخذه وألقاه في البحر، وجعل الشيطان يقول: أنا نبي الله، قاله سعيد بن ~~المسيب. # والثاني: أن سليمان قال للشيطان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك ~~أخبرك، فأعطاه إياه، فنبذه في البحر، فذهب ملك سليمان، وقعد الشيطان على ~~كرسيه، قاله مجاهد. # والثالث: أنه دخل الحمام، ووضع خاتمه عند أوثق نسائه في نفسه، فأتاها ~~الشيطان فتمثل لها في صورة سليمان وأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان، طلبه ~~منها، فقالت: قد دفعته إليك، فهرب سليمان وجاء الشيطان فجلس على ملكه. قاله ~~سعيد بن جبير. # والرابع: أنه دخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه الشيطان في البحر ~~فذهب ملك سليمان. # وألقي على الشيطان شبهه قاله قتادة. # فأما قصة الشيطان، فذكر أكثر المفسرين أنه لما أخذ الخاتم رمى به في ~~البحر، وألقي عليه شبه سليمان، فجلس على كرسيه، وتحكم في سلطانه. وقال ~~السدي: لم يلقه في البحر حتى فر من مكان سليمان. وهل كان يأتي نساء سليمان؟ ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه لم يقدر عليهن، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: أنه كان يأتيهن في زمن الحيض، فأنكرنه، قاله سعيد بن المسيب، ~~والأول أصح. # قالوا: وكان يقضي بقضايا فاسدة، ويحكم بما لا يجوز، فأنكره بنو إسرائيل، ~~فقال بعضهم لبعض: # إما أن تكونوا قد هلكتم أنتم، وإما أن يكون ملككم قد هلك، فاذهبوا إلى ~~نسائه فاسألوهن، فذهبوا، فقلن: إنا والله قد أنكرناه، فلم يزل على حاله إلى ~~أن انقضى زمن البلاء. # وفي كيفية بعد الشيطان عن مكان سليمان أربعة أقوال: # أحدها: أن سليمان وجد خاتمه فتختم به، ثم جاء فأخذ بناصية الشيطان، قاله ~~سعيد بن المسيب. # والثاني: أن سليمان لما رجع إلى ملكه وجاءته الريح والطير والشياطين، فر ~~الشيطان حتى دخل البحر، قاله مجاهد. # والثالث: أنه لما مضى أربعون يوما، طار الشيطان من مجلسه، قاله وهب. # والرابع: أن بني إسرائيل لما أنكروه، أتوه فأحدقوا به، ثم ms1931 نشروا التوراة ~~فقرؤوا فطار من بين PageV06P338 # أيديهم حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت، قاله ~~السدي. # وفي قدر مكث الشيطان قولان: # أحدهما: أربعون يوما، قاله الأكثرون. # والثاني: أربعة عشر يوما، حكاه الثعلبي. # وأما قصة سليمان عليه السلام، فإنه لما سلب خاتمه، ذهب ملكه، فانطلق ~~هاربا في الأرض، قال مجاهد: كان يستطعم فلا يطعم، فيقول: لو عرفتموني ~~أعطيتموني، أنا سليمان، فيطردونه، حتى أعطته امرأة حوتا، فوجد خاتمه في بطن ~~الحوت. وقال سعيد بن جبير: انطلق سليمان حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيادين ~~قد صادوا سمكا كثيرا وقد أنتن عليهم بعضه، فأتاهم يستطعم، فقالوا: # اذهب إلى تلك الحيتان فخذ منها، فقال: لا، أطعموني من هذا، فأبوا عليه، ~~فقال: أطعموني، فإني سليمان، فوثب إليه رجل منهم فضربه بالعصا غضبا ~~لسليمان، فأتى تلك الحيتان فأخذ منها شيئا، فشق بطن حوت، فإذا هو بالخاتم. ~~وقال الحسن: ذكر لي أنه لم يؤوه أحد من الناس، ولم يعرف أربعين ليلة، وكان ~~يأوي إلى امرأة مسكينة، فبينا هو يوما على شط نهر، وجد سمكة، فأتى بها ~~المرأة فشقتها فإذا بالخاتم. وقال الضحاك: اشترى سمكة من امرأة فشق بطنها ~~فوجد خاتمه وفي المدة التي سلب فيها الملك قولان: # أحدهما: أربعون ليلة، كما ذكرنا عن الحسن. # والثاني: خمسون ليلة، قاله سعيد بن جبير. قال المفسرون: فلما جعل الخاتم ~~في يده، رد الله عليه بهاءه وملكه، فأظلته الطير، وأقبل لا يستقبله جني ولا ~~طائر ولا حجر ولا شجر إلا سجد له، حتى انتهى إلى منزله قال السدي: ثم أرسل ~~إلى الشيطان، فجيء به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وأقفل، ~~وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر، فهو فيه إلى أن تقوم الساعة. ~~وقال وهب: جاب صخرة فأدخله فيها، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم قذفه في ~~البحر. # قوله تعالى: (وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) فتح الياء نافع، وأبو ~~عمرو، وفيه قولان: # أحدهما: لا يكون لأحد بعدي، قاله مقاتل، ms1932 وأبو عبيدة. وقد أخرج البخاري ~~ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله ~~منه، فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه ~~كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: (ذهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من PageV06P339 # بعدي) فرددته خاسئا ". # والثاني: لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان الذي جلس ~~على كرسيه، قاله الحسن، وقتادة. وإنما طلب هذا الملك، ليعلم أنه قد غفر له، ~~ويعرف منزلته بإجابة دعوته، قاله الضحاك. ولم يكن في ملكه حين دعا بهذا ~~الريح ولا الشياطين (فسخرنا له الريح) وقرأ أبو الجوزاء، وأبو جعفر، وأبو ~~المتوكل: " الرياح " على الجمع. # قوله تعالى: (رخاء) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: مطيعة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والضحاك. # والثاني: أنها الطيبة، قاله مجاهد. # والثالث: اللينة، مأخوذ من الرخاوة، قاله اللغويون. # فإن قيل: كيف وصفها بهذا بعد أن وصفها في سورة الأنبياء بأنها عاصفة؟ # فالجواب: أن المفسرين قالوا: كان يأمر العاصف تارة ويأمر الرخاء أخرى. ~~وقال إن قتيبة: # كأنها كانت تشتد إذا أراد. # قوله تعالى: (حيث أصاب) أي: حيث قصد وأراد. قال الأصمعي: تقول العرب: ~~أصاب فلان الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب. # قوله تعالى: (و الشياطين) أي: وسخرنا له الشياطين (كل بناء) يبنون له ما ~~يشاء (وغواص) يغوصون له في البحار فيستخرجون الدر، (و آخرين) أي: وسخرنا له ~~آخرين، وهم مردة الشياطين، سخرهم له حتى قرنهم في الأصفاد لكفرهم، قال ~~مقاتل: أوثقهم في الحديد. وقد شرحنا معنى (مقرنين في الأصفاد) في سورة [نبي ~~الله] إبراهيم [عليه السلام] (هذا عطاؤنا) المعنى: قلنا له: هذا عطاؤنا. ~~وفي المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه جميع ما أعطي، (فامنن أو أمسك) أي: أعط من شئت من المال، ~~وامنع من شئت، والمن: الإحسان إلى من لا يطلب ثوابه. # والثاني: أنه إشارة إلى الشياطين المسخرين له، فالمعنى: فامنن على من شئت ms1933 ~~باطلاقه، وأمسك من شئت منهم. وقد روي معنى القولين عن ابن عباس. # قوله تعالى: (بغير حساب) قال الحسن: لا تبعة عليك في الدنيا ولا في ~~الآخرة. وقال سعيد بن جبير: ليس عليك حساب يوم القيامة. وقيل: في الكلام ~~تقديم وتأخير، تقديره: هذا PageV06P340 # عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك بغير حساب. # وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله: (مسني الشيطان) وذلك أن الشيطان سلط ~~عليه، فأضاف ما أصابه إليه. # قوله تعالى: (بنصب) قرأ الأكثرون بضم النون وسكون الصاد، وقرأ الحسن، ~~وابن أبي عبلة، وابن السميفع، والجحدري، ويعقوب: بفتحهما، وهل بينهما فرق؟ ~~فيه قولان: # أحدهما: أنهما سواء، قال الفراء: هما كالرشد والرشد والعدم، والعدم، ~~والحزن والحزن، وكذلك قال ابن قتيبة، والزجاج. و قال المفسرون: والمراد ~~بالنصب: الضر الذي أصابه. # والثاني: أن النصب بتسكين الصاد: الشر. وبتحريكها: الإعياء، قاله أبو ~~عبيدة. # وقرأت عائشة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو جعفر، وشيبة، وأبو عمارة عن حفص: ~~" بنصب " بضم النون والصاد جميعا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~الجوزاء، وهبيرة بن حفص: # " بنصب " بفتح النون وسكون الصاد. وفي المراد بالعذاب قولان: # أحدهما: أنه العذاب الذي أصاب جسده. # والثاني: أنه أخذ ماله وولده و أهله. # قوله تعالى: (أركض) أي: اضرب الأرض (برجلك)، ومنه: ركضت الفرس، فركض ~~فنبعت عين ماء، فذلك قوله [تعالى]: (هذا مغتسل) قال ابن قتيبة: المغتسل: ~~الماء، وهو الغسول أيضا. قال الحسن: ركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها، ثم ~~مشى نحوا من أربعين ذراعا، ثم ركض برجله فنبعت عين فشرب منها، وعلى هذا ~~جمهور العلماء أنه ركض ركضتين فنبعت له عينان، فاغتسل من واحدة، وشرب من ~~الأخرى. # قوله تعالى: (و خذ بيدك ضغثا) كان قد حلف لئن شفاه الله ليجلدن زوجته ~~مائة جلدة. وفي سبب هذه اليمين ثلاثة أقوال: # أحدها: أن إبليس جلس في طريق زوجة أيوب كأنه طبيب، فقالت له: يا عبد ~~الله: إن هاهنا إنسانا مبتلى، فهل لك أن تداويه قال: نعم، إن شاء شفيته، ~~على أن يقول إذا برأ: أنت شفيتني، فجاءت ms1934 فأخبرته، فقال: ذاك الشيطان، لله ~~علي إن شفاني أن أجلدك مائة جلدة، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. # والثاني: أن إبليس لقيها فقال: إني أنا الذي فعلت بأيوب ما به، وأنا إله ~~الأرض، وما أخذته منه فهو بيدي، فانطلقي أريك، فمشى بها غير بعيد، ثم سحر ~~بصرها، فأراها واديا عميقا فيه أهلها PageV06P341 # وولدها ومالها، فأنت أيوب فأخبرته، فقال: ذاك الشيطان، ويحك كيف وعى قوله ~~سمعك، والله لئن شفاني الله عز وجل لأجلدنك مائة، قاله وهب بن منبه. # والثالث: أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلة، فقال: ليذبح لي هذه وقد برأ، ~~فأخبرته، فحلف ليجلدنها، وقد ذكرنا هذا القول في سورة (الأنبياء) عن الحسن. # فأما الضغث، فقال الفراء: هو كل ما جمعته كل من شئ مثل الحزمة الرطبة، ~~قال: وما قام على ساق واستطال ثم جمعته، فهو ضغث. وقال ابن قتيبة: هو ~~الحزمة من الخلال والعيدان. قال الزجاج: هو الحزمة من الحشيش والريحان وما ~~أشبهه. قال المفسرون: جزى الله زوجته بحسن صبرها أن أفتاه في ضربها فسهل ~~الأمر، فجمع لها مائة عود، وقيل: مائة سنبلة، وقيل: كانت أسلا، وقيل: من ~~الإذخر، وقيل: كانت شماريخ، فضربها بها ضربة واحدة ولم يحنث في يمنيه. وهل ~~ذلك خاص له، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه عام وبه قال ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح. # والثاني: أنه خاص لأيوب، قاله مجاهد. # فصل وقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلها ~~وضربه بها ضربة واحدة، فقال مالك، والليث بن سعد: لا يبر، وبه قال أصحابنا. ~~وقال أبو حنيفة والشافعي إذا أصابه في الضربة الواحدة كل واحد منها، فقد بر ~~واحتجوا بعموم قصة أيوب [عليه الصلاة والسلام]. # قوله تعالى: (إنا وجدناه صابرا) أي: على البلاء الذي ابتليناه به. # واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) ~~واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين ~~لحسن مآب (46) جنات عدن مفتحة ms1935 لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها ~~بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب (53) إن PageV06P342 # هذا لرزقنا ماله من نفاد (54) قوله تعالى: (و أذكر عبادنا) وقرأ ابن ~~عباس، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن، وابن كثير: # " عبدنا " إشارة إلى إبراهيم، وجعلوا إسحاق ويعقوب عطفا عليه، لأنه الأصل ~~وهما ولداه، والمعنى: أذكر صبرهم، فإبراهيم ألقي في النار، وإسحاق أضجع ~~للذبح، ويعقوب صبر على ذهاب بصره وابتلي بفقد ولده، ولم يذكر إسماعيل معهم، ~~لأنه لم يبتل كما ابتلوا. # (أولى الأيدي) يعني القوة في الطاعة (و الأبصار) البصائر في الدين ~~والعلم. قال ابن جرير: # وذكر الأيدي مثل، وذلك لأن باليد البطش، وبالبطش تعرف قوة القوي فلذلك ~~قيل للقوي: ذو يد، وعني بالبصر: بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء. وقرأ ~~ابن مسعود، والأعمش، وابن أبي عبلة: # " أولي الأيد " بغير ياء في الحالين. قال الفراء: ولها وجهان: # أحدهما: أن يكون القارئ لهذا أراد الأيدي، فحذف الياء، وهو صواب، مثل ~~الجوار والمناد. # والثاني: أن يكون من القوة والتأييد، من قوله تعالى: (و أيدناه بروح ~~القدس). # قوله تعالى: (إنا أخلصناهم) أي: اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين، ~~فأفردناهم بمفردة من خصال الخير، ثم أبان عنها بقوله تعالى: (ذكرى الدار). ~~و في المراد بالدار هاهنا قولان: # أحدهما: الآخرة. # والثانية: الجنة. # وفي الذكرى قولان: # أحدهما: أنها من الذكر، فعلى هذا يكون المعنى: أخلصناهم بذكر الآخرة، ~~فليس لهم ذكر غيرها، قاله مجاهد، وعطاء، والسدي. وكان الفضيل بن عياض يقول: ~~هو الخوف الدائم في القلب. # والثاني: أنها التذكير، فالمعنى أنهم يدعون الناس إلى الآخرة وإلى عبادة ~~الله تعالى، قاله قتادة. # وقرأ نافع: " بخالصة ذكرى الدار " فأضاف " خالصة " إلى " ذكرى الدار " ~~قال أبو علي: # تحتمل قراءة من نون وجهين: PageV06P343 # أحدهما: أن تكون " ذكرى " بدلا من " خالصة "، والتقدير: أخلصناهم بذكر ~~الدار. # والثاني: أن يكون المعنى: أخلصناهم بأن يذكروا الدار بالتأهب للآخرة ~~والزهد في الدنيا. # ومن أضاف، فالمعنى: أخلصناهم باخلاصهم ذكرى الدار بالخوف منها. وقال ابن ~~زيد: أخلصناهم بأفضل ما في الجنة. # قوله تعالى: ms1936 (و إنهم عندنا لمن المصطفين) أي: من الذين اتخذهم الله صفوة ~~فصفاهم من الأدناس (الأخيار) الذين اختارهم. # (واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل) أي: أذكرهم بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم ~~واليسع نبي، واسمه أعجمي معرب، وقد ذكرناه في [سورة] الأنعام، و شرحنا في ~~سورة الأنبياء قصة ذي الكفل، وتكلمنا في [سورة] البقرة في اسم إسماعيل. # قوله تعالى: (هذا ذكر) أي: شرف وثناء جميل يذكرون به أبدا (و إن للمتقين ~~لحسن مآب) أي: حسن مرجع يرجعون إليه في الآخرة. # ثم بين ذلك المرجع، فقال: (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) قال الفراء: إنما ~~رفعت " الأبواب " لأن المعنى: مفتحة لهم أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام ~~خلفا من الإضافة، فيقولون: مررت على رجل حسن العين، قبيح الأنف، والمعنى: ~~حسنة عينة، قبيح أنفه، ومنه قوله تعالى: (فإن الجحيم هي المأوى) والمعنى: ~~مأواه. وقال الزجاج: المعنى: مفتحة لهم الأبواب منها، فالألف واللام ~~للتعريف، لا للبدل. قال ابن جرير: والفائدة في ذكر تفتيح الأبواب، أن الله ~~تعالى أخبر عنها أن أبوابها تفتح لهم بغير فتح سكانها لها بيد، ولكن ~~بالأمر، قال الحسن: هي أبواب تكلم، فتكلم: انفتحي، انغلقي. # قوله تعالى: (و عندهم قاصرات الطرف) قد مضى بيانه في [سورة] الصافات قال ~~الزجاج: والأتراب: اللواتي أسنانهن واحدة في غاية الشباب والحسن. # قوله تعالى: (هذا ما توعدون) قرأ أبو عمرو، وابن كثير بالياء، والباقون ~~بالتاء. # قوله تعالى: (ليوم الحساب) اللام بمعنى " في ". والنفاد: الانقطاع. قال ~~السدي: كلما أخذ من رزق الجنة شئ، عاد مثله. PageV06P344 # هذا وإن للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق (57) وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا ~~مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه ~~لنا فبئس القرار (60) قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار ~~(61) وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) اتخذناهم سخريا ~~أم زاغت عنهم الأبصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا ~~منذر وما من إله ms1937 إلا الله الواحد القهار (65) رب السماوات والأرض وما ~~بينهما العزيز الغفار (66) قوله تعالى: (هذا) المعنى: هذا الذي ذكرناه (و ~~إن للطاغين) يعني الكافرين (لشر مآب)، ثم بين ذلك بقوله تعالى: (جهنم) ~~والمهاد: الفراش. (هذا فليذوقوه) قال الفراء: في الآية تقديم وتأخير، ~~تقديرها: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وإن شئت جعلت الحميم مستأنفا، كأنك قلت: ~~هذا فليذوقوه، ثم قلت: منه حميم، ومنه غساق، كقول الشاعر: # حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس * وغودر البقل ملوي ومحصود فأما الحميم، ~~فهو الماء الحار. وأما الغساق، ففيه لغتان، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ~~وحفص: بالتشديد، وكذلك في (عم يتساءلون)، تابعهم المفضل في (عم يتساءلون) ~~وقرأ الباقون بالتخفيف، وفي الغساق أربعة أقوال: # أحدها: أنه الزمهرير، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: الغساق ~~لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. # والثاني: أنه ما يجري من صديد أهل النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه ~~قال عطية، وقتادة، وابن زيد. # والثالث: أن الغساق: عين في جهنم تسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو ~~عقرب أو غيرها، فيستنقع، فيؤتي بالآدمي فيغمس فيها غمسة، فيخرج وقد سقط ~~جلده ولحمه عن العظام، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه، قاله كعب. # والرابع: أنه ما يسيل من دموعهم، قاله السدي. قال أبو عبيدة: الغساق: ما ~~سال، يقال: PageV06P345 # غسقت العين والجرح. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن قتيبة قال: ~~لم يكن أبو عبيدة يذهب إلى أن في القرآن شيئا من غير لغة العرب، وكان يقول: ~~هو اتفاق يقع بين اللغتين، وكان غيره يزعم أن الغساق: البارد المنتن بلسان ~~الترك. وقيل: فعال، من غسق يغسق، فعلى هذا يكون عربيا، وقيل في معناه: إنه ~~الشديد البرد، يحرق من برده. وقيل: هو ما يسيل من جلود أهل النار من ~~الصديد. # قوله تعالى: (و آخر) قرأ أبو عمرو، والمفضل: " وأخر " بضم الهمزة من غير ~~مد، فجمعا لأجل نعته بالأزواج، وهي جمع. وقرأ الباقون بفتح الألف ومده على ~~التوحيد، واحتجوا بأن العرب تنعت الاسم إذا ms1938 كان فعلا بالقليل والكثير، قال ~~الفراء: تقول: عذاب فلان ضروب شتى، وضربان مختلفان، وإن شئت جعلت الأزواج ~~نعتا للحميم والغساق والآخر، فهن ثلاثة، والأشبه أن تجعله صفة لواحد. وقال ~~الزجاج: من قرأ " وآخر " بالمد فالمعنى: وعذاب آخر (من شكله) أي: مثل ~~الأول. ومن قرأ: " وأخر " فالمعنى: وأنواع أخر، لأن قوله: (أزواج) بمعنى ~~أنواع. فقال ابن قتيبة: " من شكله " أي: من نحوه، " أزواج " أي: أصناف. ~~وقال ابن جرير: " من شكله " أي: # من نحو الحميم. قال ابن مسعود في قوله: " وآخر من شكله ": هو الزمهرير. ~~وقال الحسن: لما ذكر الله تعالى العذاب الذي يكون في الدنيا، قال: " وآخر ~~من شكله " أي: وآخر لم ير في الدنيا. # قوله تعالى: (هذا فوج) هذا قول الزبانية للقادة المتقدمين في الكفر إذا ~~جاؤوهم بالأتباع. # وقيل: بل هو قول الملائكة لأهل النار كلما جاؤوهم بأمة بعد أمة. والفوج: ~~الجماعة من الناس وجمعه: أفواج. والمقتحم: الداخل في الشئ رميا بنفسه. قال ~~ابن السائب: إنهم يضربون بالمقامع، فيلقون أنفسهم في النار ويثبون فيها ~~خوفا من تلك المقامع. فلما قالت الملائكة ذلك لأهل النار، قالوا: لا مرحبا ~~بهم، فاتصل الكلام كأنه قول واحد، وإنما الأول من قول الملائكة، والثاني من ~~قول أهل النار، وقد بينا مثل هذا في قوله: (ليعلم إني لم أخنه بالغيب) ~~والرحب والرحب: السعة. والمعنى: لا اتسعت بهم مساكنهم. قال أبو عبيدة: تقول ~~العرب للرجل: لا مرحبا [بك] أي: لا رحبت عليك الأرض. وقال ابن قتيبة: معنى ~~قولهم: " مرحبا وأهلا " أي: أتيت الأرض. أي: سعة، و أهلا، أي: أتيت أهلا لا ~~غرباء فائنس و لا تستوحش، و سهلا، أي: أتيت سهلا لا حزنا، وهو في مذهب ~~الدعاء، كما تقول: لقيت خيرا. قال الزجاج: و " مرحبا " منصوب بقوله: رحبت ~~بلادك مرحبا، وصادفت مرحبا، فأدخلت " لا " على ذلك المعنى. # قوله تعالى: (إنهم صالوا النار) أي: داخلوها كما دخلناها ومقاسون حرها. ~~فأجابهم القوم، ف‍ (قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا) إن قلنا: ~~إنه قول الأمة المتأخرة للأمة ms1939 المتقدمة، فالمعنى: أنتم شرعتم لنا الكفر و ~~بدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا (فبئس القرار) أي: بئس PageV06P346 # المستقر والمنزل. # (قالوا ربنا من قدم لنا هذا) أي: من سنة وشرعه (فزده عذابا ضعفا في ~~النار) وقد شرحناه في الأعراف وفي القائلين لهذا قولان: # أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. # والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل. # قوله تعالى: (و قالوا) يعني أهل النار (ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار) قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يروا من كان يخالفهم من ~~المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار. أين صهيب، أين ~~عمار، أين خباب، أين بلال؟! # قوله تعالى: (اتخذناهم سخريا) قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " من ~~الأشرار اتخذناهم " بالوصل على الخبر، أي: [إنا] اتخذناهم، وهؤلاء يبتدئون ~~بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء ~~يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ، ~~والمعنى أنهم يوبخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و " سخريا " يقرأ بضم ~~السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة [سورة] المؤمنين (أم زاغت عنهم ~~الأبصار) أي: وهم معنا في النار ولا نراهم؟! وقال أبو عبيدة: " أم " هاهنا ~~بمعنى " بل ". # قوله تعالى: (إن ذلك لحق) قال الزجاج: أي: إن الذي وصفناه عنهم لحق، ثم ~~بين ما هو، فقال: هو (تخاصم أهل النار) وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، ~~وأبو عمران، وابن أبي عبلة: # " تخاصم " برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من " أهل " وقرأ أبو مجلز، ~~وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: " تخاصم أهل " بفتح الصاد ~~والميم ورفع اللام. # قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملأ ~~الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70) إذ قال ~~ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر ~~وكان من الكافرين (74) قال PageV06P347 # يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ms1940 بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (75) ~~قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها فإنك ~~رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فانظرني إلى يوم ~~يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) قال ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) قال فالحق والحق ~~أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) قل ما أسئلكم عليه ~~من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن ~~نبأه بعد حين (88) قوله تعالى: (قل هو نبأ عظيم) النبأ: الخبر. وفي المشار ~~إليه قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. # والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة (أنتم عنه معرضون) أي: لا ~~تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي، وأن ما جئت به من الأخبار عن قصص ~~الماضين لم أعلمه إلا بوحي من الله ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: (ما ~~كان لي من علم بالملأ الأعلى) يعني الملائكة (إذ يختصمون) في شأن آدم حين ~~قال الله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) والمعنى: إني ما علمت هذا إلا ~~بوحي يوحى، (إن يوحى إلي) أي: ما يوحى إلي (إلا أنما أنا نذير) أي: إلا أني ~~نبي أنذركم وأبين لكم ما تأتونه وتجتنبونه. # (إذ قال ربك) هذا متصل بقوله: " يختصمون " وإنما اعترضت تلك الآية ~~بينهما. قال ابن عباس: اختصموا حين شووروا في خلق آدم، فقال الله تعالى ~~لهم: (إني جاعل في الأرض خليفة)، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مناظرة ~~بينهم. وفي مناظرتهم قولان: # أحدهما: أنه قولهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها)، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم قالوا: لن يخلق الله خلقا إلا كنا أكرم منه وأعلم، قاله ~~الحسن، هذا قول الأكثر المفسرين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " رأيت ربي عز وجل، فقال لي: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت أعلم ~~يا رب، قال: في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات، فإسباغ الوضوء ~~PageV06P348 # في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار ms1941 الصلاة بعد الصلاة. وأما ~~الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام ". # قوله تعالى: (أستكبرت) أي: استكبرت بنفسك حين أبيت السجود (أم كنت من ~~العالين) أي: من قوم يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك من قوم يتكبرون؟! # قوله تعالى: (فإنك رجيم) أي: مرجوم بالذم واللعن. # قوله تعالى: (إلى يوم الوقت المعلوم) و هو وقت النفخة الأولى، وهو حين ~~موت الخلائق. # وقوله: (فبعزتك) يمين بمعنى: فوعزتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو ~~مذكور في الأعراف والحجر وغيرهما مما تقدم. # قوله تعالى: (قال فالحق والحق أقول) قرأ عاصم إلا حسنون عن هبيرة، وحمزة، ~~وخلف، وزيد عن يعقوب: " فالحق " بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ~~ابن عباس. ومجاهد، قال ابن عباس في معناه: فأنا الحق وأقول الحق، وقال ~~غيره: خبر الحق محذوف، تقديره: الحق مني. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع ~~فيهما، قال الزجاج: من رفعهما جميعا، كان المعنى: فأنا الحق والحق أقول. ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال ~~الفراء: وهو على معنى قولك: حقا لآتينك، ووجود الألف واللام وطرحهما سواء، ~~وهو بمنزلة قولك: حمدا لله، وقال مكي بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على ~~الإغراء، أي: اتبعوا الحق واسمعوا والزموا الحق. وقيل: هو نصب على القسم، ~~كما تقول: الله لأفعلن، فتنصب حين حذفت الجار، لأن تقديره و بالحق، و أما ~~الحق الثاني، فيجوز أن يكون الأول، وكرره توكيدا، ويجوز أن يكون منصوبا ب‍ ~~" أقول " كأنه قال: وأقول الحق. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ~~ومعاذ القارئ، [والأعمش]: " فالحق " بكسر القاف " والحق " بنصبها. وقرأ أبو ~~عمران بكسر القافين جميعا. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: " ~~فالحق " بالنصب " والحق " بالرفع. # قوله تعالى: (لأملأن جهنم منك) أي: من نفسك وذريتك. # (قل ما أسألكم عليه من أجر) أي: على تبليغ الوحي (و ما أنا من المتكلفين) ~~أي: لم أتكلف إتيانكم من قبل نفسي، إنما أمرت أن آتيكم، ولم أقل القرآن من ~~تلقاء نفسي، إنما أوحي ms1942 إلي. # (إن هو) أي: ما هو، يعني القرآن (إلا ذكر) أي: موعظة (للعالمين) (و ~~لتعلمن) يا PageV06P349 # معاشر الكفار (نبأه) أي: خبر صدق القرآن (بعد حين) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بعد الموت. # والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني ~~يقول عكرمة. # والثالث: يوم بدر، قاله السدي، ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إلى أن ~~ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ومن مات علمه بعد الموت. ~~وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا وجه لذلك. # * * * انتهى الجزء السادس من كتاب زاد المسير ويليه الجزء السابع مبتدئا ~~بسورة الزمر PageV06P350 # زاد المسير في علم التفسير للإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن ~~علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه ~~محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن أستاذ بكلية الدراسات ~~الإسلامية بالأزهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء ~~السابع سورة الزمر - سورة الحشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ~~PageV07P001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى جمادى الأولى 1407 ه‍ ~~- كانون الثاني 1987 م PageV07P002 # (39) سورة الزمر مكية وآياتها خمس وسبعون وتسمى سورة الغرف فصل في نزولها ~~روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وعكرمة، وقتادة، وجابر بن زيد. وروي عن ابن عباس أنه قال: فيها آيتان نزلتا ~~بالمدينة: قوله: (الله نزل أحسن الحديث) وقوله: (يا عبادي الذين أسرفوا) ~~وقال مقاتل: فيها من المدني (قل يا عبادي الذين أسرفوا...) وقوله: (للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) وفي رواية أخرى عنه قال: فيها آيتان مدنيتان ~~(يا عبادي الذين أسرفوا) وقوله: (يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم) وقال ~~بعض السلف: فيها ثلاث آيات مدنيات (قل يا عبادي الذين أسرفوا) إلى قوله: # (وأنتم لا تشعرون). # بسم الله الرحمن الرحيم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله ms1943 الدين ~~الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ~~(3) لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله ~~الواحد القهار (4) PageV07P003 # قوله تعالى: (تنزيل الكتاب) قال الزجاج: الكتاب هاهنا القرآن، ورفع " ~~تنزيل " من وجهين: # أحدهما: الابتداء، ويكون الخبر (من الله)، فالمعنى: نزل من عند الله. # والثاني: على إضمار: هذا تنزيل الكتاب، و (مخلصا) منصوب على الحال، ~~فالمعنى: # فاعبد الله موحدا لا تشرك به شيئا. # قوله تعالى: (ألا لله الدين الخالص) يعني: الخالص من الشرك، وما سواه ليس ~~بدين الله الذي أمر به، وقيل: المعنى: لا يستحق الدين الخالص إلا لله. # (والذين اتخذوا من دونه أولياء) يعني آلهة، ويدخل في هؤلاء اليهود حين ~~قالوا: (عزيز ابن الله) والنصارى لقولهم: (المسيح ابن الله) وجميع عباد ~~الأصنام، ويدل عليه قوله بعد ذلك: # (لو أراد الله أن يتخذ ولدا). # قوله تعالى: (ما نعبدهم) أي: يقولون: ما نعبدهم (إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى) أي: إلا ليشفعوا لنا إلى الله. والزلفى: القربى، وهو اسم أقيم مقام ~~المصدر، فكأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبا. # (إن الله يحكم بينهم) أي: بين أهل الأديان فيما كانوا يختلفون فيه من أمر ~~الدين. وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا وجه لذلك. # قوله تعالى: (إن الله لا يهدي) أي: لا يرشد (ممن هو كاذب) في قوله: إن ~~الآلهة تشفع (كفار) أي: كافر باتخاذها آلهة، وهذا إخبار عمن سبق عليه ~~القضاء بحرمان الهداية. # (لو أراد الله أن يتخذ ولدا) أي: على ما يزعم من ينسب ذلك إلى الله ~~(لاصطفى) أي: # لاختار مما يخلق. قال مقاتل: أي: من الملائكة. # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) قوله تعالى: ~~(خلق السماوات والأرض بالحق) أي: لم يخلقهما لغير شيء. ms1944 PageV07P004 # [قوله تعالى]: (يكور الليل على النهار) قال أبو عبيدة: يدخل هذا على هذا. ~~قال ابن قتيبة: وأصل التكوير: اللف، ومنه كور العمامة. وقال غيره. التكوير: ~~طرح الشيء بعضه على بعض. # [قوله تعالى]: (وسخر الشمس والقمر) أي: ذللهما للسير على ما أراد (كل ~~يجري لأجل مسمى) أي: إلى الأجل الذي وقت الله للدنيا. وقد شرحنا معنى ~~العزيز في البقرة ومعنى الغفار في طه. # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) ~~يعني آدم (ثم جعل منها زوجها) أي: قبل خلقكم جعل منها زوجها، لأن حواء خلقت ~~قبل الذرية، ومثله في الكلام أن تقول: قد أعطيتك اليوم شيئا، ثم الذي ~~أعطيتك أمس أكثر، هذا اختيار الفراء. وقال غيره: ثم أخبركم أنه خلق منها ~~زوجها (وأنزل لكم من الأنعام) أي: خلق (ثمانية أزواج)، وقد بيناها في سورة ~~الأنعام. # [قوله تعالى]: (خلقا من بعد خلق) أي: نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظما ثم ~~لحما ثم أنبت الشعر، إلى غير ذلك من تقلب الأحوال إلى إخراج الأطفال، هذا ~~قول الجمهور. وقال ابن زيد: خلقا في البطون من بعد خلقكم في ظهر آدم. # قوله تعالى: (في ظلمات ثلاث) ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، ~~قاله الجمهور، وابن زيد معهم. وقال أبو عبيدة: إنها ظلمة صلب الأب، وظلمة ~~بطن المرأة، وظلمة الرحم. # قوله تعالى: (فأنى تصرفون) أي: من أين تصرفون عن طريق الحق بعد هذا ~~البيان؟! PageV07P005 # إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعلمون إنه ~~عليم بذات الصدور (7) [قوله تعالى] (إن تكفروا فان الله غني عنكم) أي: عن ~~إيمانكم وعبادتكم (ولا يرضى لعباده الكفر) فيه قولان. # أحدهما: لا يرضاه للمؤمنين، قاله ابن عباس. ms1945 # والثاني: لا يرضاه لأحد وإن وقع بإرادته، وفرق بين الإرادة والرضى، وقد ~~أشرنا إلى هذا في البقرة عند قوله: (والله لا يحب الفساد). # (وإن تشكروا يرضه لكم) أي: يرضى ذلك الشكر لكم، (إنه عليم بذات الصدور) ~~أي: بما في القلوب. # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار (8) قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر) اختلفوا فيمن نزلت ~~على قولين. # أحدهما: في عتبة بن ربيعة، قاله عطاء. # والثاني: في أبي حذيفة بن المغيرة، قاله مقاتل. والضر: البلاء والشدة. # (منيبا إليه) أي: راجعا إليه من شركه. (ثم إذا خولة) أي: أعطاه وملكه ~~(نعمة منه) بعد البلاء الذي أصابه، كالصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر ~~(نسي) أي: ترك ما كان يدعو إليه، وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله تعالى. # والثاني: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه. # والثالث: نسي الله الذي كان يتضرع إليه. قال الزجاج: وقد تدل " ما " على ~~الله عز وجل PageV07P006 # كقوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) وقال الفراء: ترك ما كان يدعو إليه. ~~وقد سبق معنى الأنداد ومعنى (ليضل عن سبيل الله). # قوله تعالى: (قل تمتع بكفرك) لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد، ومثله: ~~(فتمتعوا فسوف تعلمون). # أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9) قل يا ~~عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله ~~واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) قوله تعالى: (أمن هو قانت) ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، وأبو جعفر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب: " ~~أمن " بالتخفيف، وقرأ الباقون: بالتشديد. فأما المشددة، فمعناها: أهذا الذي ~~ذكرنا خير، أمن هو قانت؟ والأصل في " أمن ": أم من، فأدغمت الميم في الميم. ~~وأما المخففة، ففي ms1946 تقديرها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بمعنى النداء. قال الفراء: فسرها الذين قرؤوا بها فقالوا: ~~يامن هو قانت، وهو وجه حسن، والعرب تدعو بالألف كما تدعوا بياء، فيقولون: ~~يا زيد أقبل، و: أزيد أقبل، فيكون المعنى: أنه ذكر الناسي الكافر، ثم قص ~~قصة الصالح بالنداء، كما تقول: فلان لا يصوم ولا يصلي، فيا من يصوم أبشر. # والثاني: أن تقديرها: أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟! # والثالث: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادا؟! # وقد ذكرنا معنى القنوت في البقرة ومعنى (آناء الليل) في [سورة] آل عمران. # (قوله تعالى: (ساجدا وقائما) يعني في الصلاة. وفيمن نزلت فيه هذه الآية ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنه أبو بكر الصديق، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: عثمان بن عفان، قاله ابن عمر. PageV07P007 # والثالث: عمار بن ياسر، قاله مقاتل. # والرابع: ابن مسعود، وعمار، وصهيب، وأبو ذر، قاله ابن السائب. # والخامس: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه يحيى بن سلام. # قوله تعالى: (يحذر الآخرة) أي: عذاب الآخرة. وقد قرأ ابن مسعود، وأبي بن ~~كعب وابن عباس، وعروة، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء، وأبو عمران: " يحذر عذاب ~~الآخرة " بزيادة " عذاب ". # (ويرجو رحمة ربه) فيها قولان: # أحدهما: أنها المغفرة، قاله ابن السائب. # والثاني: الجنة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (هل يستوي الذي يعلمون) أن ما وعد الله من الثواب والعقاب حق ~~(والذين لا يعلمون) وباقي الآية قد تقدم في الرعد، وكذلك قوله: (للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) قد تقدم في النحل. # وفي قوله: (وأرض الله واسعة) قولان. # أحدهما: أنه حث لهم على الهجرة من مكة إلى حيث يأمنون. # والثاني: أنها أرض الجنة رغبهم فيها. # (إنما يوفى الصابرون) الذين صبروا لأجل الله تعالى على ما نالهم (بغير ~~حساب) أي: يعطون عطاء كثيرا أوسع من أن يحسب وأعظم من أن يحاط به، لا على ~~قدر أعمالهم. # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل ms1947 الله أعبد ~~مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ~~ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16) ~~والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد ~~(17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين PageV07P008 # هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب (18) قوله تعالى: (قل إني أمرت) قال ~~مقاتل: وذلك أن كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك ~~على الذي أتيتنا به؟! ألا تنظر إلى ملة آبائك فتأخذ بها؟! فنزلت هذه الآية، ~~والمعنى: # (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) أي: أمرت أن أعبده على ~~التوحيد والإخلاص السالم من الشرك، (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) من هذه ~~الأمة. # (قل إني أخاف إن عصيت ربي) بالرجوع إلى دين آبائي (عذاب يوم عظيم) وقد ~~اختلفوا في نسخ هذه الآية كما بينا في نظيرتها في الأنعام. # (قل الله أعبد مخلصا له ديني) بالتوحيد، (فاعبدوا ما شئتم)، وهذا تهديد، ~~وبعضهم يقول: هو منسوخ بآية السيف، وهذا باطل، لأنه لو كان أمرا، كان ~~منسوخا، فأما أن يكون بمعنى الوعيد، فلا وجه لنسخه. # (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم) بأن صاروا إلى النار (و) خسروا ~~(أهليهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم خسروا الحور العين اللواتي أعددن ما لهم في الجنة لو أطاعوا، ~~قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: خسروا الأهل في النار، إذ لا أهل لهم فيها، قاله مجاهد، وابن ~~زيد. # والثالث: خسروا أهليهم الذين كانوا في الدنيا، إذ صاروا إلى النار ~~بكفرهم، وصار أهلوهم إلى الجنة بإيمانهم، قاله الماوردي. # قوله تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من النار) وهي الأطباق من النار. وإنما ~~قال: (ومن تحتهم ظلل) لأنها ظلل لمن تحتهم (ذلك) الذي وصف الله من العذاب ~~(يخوف الله به عباده) المؤمنين. # قوله تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت) روى ابن زيد عن أبيه أن هذه الآية ~~والتي بعدها نزلت ms1948 في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله تعالى: زيد ~~بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، PageV07P009 # وسلمان الفارسي، رضي الله عنهم، قال: (أولئك الذين هداهم الله) بغير كتاب ~~ولا نبي. # وفي المراد بالطاغوت هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: الشياطين، قاله مجاهد. # والثاني: الكهنة، قاله ابن السائب. # والثالث: الأوثان، قاله مقاتل، فعلى قول مقاتل هذا: إنما قال: " يعبدوها ~~" لأنها مؤنثة. # وقال الأخفش: إنما قال: " يعبدوها " لأن الطاغوت في معنى جماعة، وإن شئت ~~جعلته واحدا مؤنثا. # قوله تعالى: (وأنابوا إلى الله) أي: رجعوا إليه بالطاعة (لهم البشرى) ~~بالجنة (فبشر عبادي) بباء، وحرك الياء أبو عمرو. # ثم نعتهم فقال: (الذين يستمعون القول) وفيه قولان: # أحدها: أنه القرآن، قاله الجمهور. فعلى هذا، في معنى (فيتبعون أحسنه) ~~أقوال قد شرحناها في [سورة] الأعراف عند قوله: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها). # والثاني: أنه جميع الكلام. ثم في المعنى قولان. أحدهما: أنه الرجل يجلس ~~مع القوم فيسمع كلامهم، فيعمل بالمحاسن ويحدث بها، ويكف عن المساوئ، ولا ~~يظهرها، قاله ابن السائب. والثاني: أنه لما ادعى مسيلمة أنه قد أتى بقرآن، ~~وأتت الكهنة بالكلام المزخرف في الأباطيل، فرق المؤمنون بين ذلك وبين كلام ~~الله، فاتبعوا كلام الله، ورفضوا أباطيل أولئك، قاله أبو سليمان الدمشقي. # أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) لكن الذين اتقوا ~~ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف ~~الله الميعاد (20) قوله تعالى: (أفمن حق عليه كلمة العذاب) قال ابن عباس: ~~سبق في علم الله أنه في النار. # فإن قيل: كيف اجتمع في هذه الآية استفهامان بلا جواب؟ # قيل: أما الفراء، فإنه يقول: هذا مما يراد به استفهام واحد، فسبق ~~الاستفهام إلى غير PageV07P010 # موضعه فرد إلى موضعه الذي هو له، فيكون المعنى: أفأنت تنقذ من في النار ~~من حقت عليه كلمة العذاب؟ ومثله: (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون) فد " أنكم مرتين، والمعنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم؟ ~~ومثله: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا) ms1949 ثم قال: (فلا تحسبنهم) فرد " ~~تحسبن " مرتين، والمعنى: لا تحسبن الذين يفرحون بمفازة من العذاب. وقال ~~الزجاج: يجوز أن يكون في الكلام محذوف، تقديره: أفمن حق عليه كلمة العذاب ~~فيتخلص منه أو ينجو، أفأنت تنقذه؟ قال المفسرون: أفأنت تخلصه مما قدر له ~~فتجعله مؤمنا؟ والمعنى: ما تقدر على ذلك. قال عطاء: يريد بهذه الآية أبا ~~لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. # قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا) وقرأ أبو المتوكل، وأبو جعفر " لكن " ~~بتشديد النون وفتحها. قال الزجاج: والغرف: هي المنازل الرفيعة في الجنة، ~~(من فوقها غرف) أي: # منازل أرفع منها. # (وعد الله) منصوب على المصدر، فالمعنى: وعدهم الله غرفا وعدا. ومن قرأ: " ~~وعد الله " بالرفع، المعنى: ذلك وعد الله. # ألم تر أن الله من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا ~~مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي ~~الألباب (21) قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء) قال الشعبي: كل ما في الأرض ~~فمن السماء ينزل (فسلكه ينابيع) قال ابن قتيبة: أي: أدخله فجعله ينابيع، ~~أي: عيونا تنبع، (ثم يهيج) أي: ييبس. قال الأصمعي: يقال للنبت إذا تم ~~جفافه: قد هاج يهيج هيجا. # فأما الحطام، فقال أبو عبيدة: هو ما يبس فتحات من النبات، ومثله الرفات. ~~قال مقاتل: # هذا مثل ضرب للدنيا، بينا ترى النبت أخضر، إذ تغير فيبس ثم هلك، وكذلك ~~الدنيا وزينتها. # وقال غيره: هذا البيان للدلالة على قدرة الله عز وجل. # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر PageV07P011 # الله أولئك في ضلال مبين (22) قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره) قال ~~الزجاج: جوابه متروك، لأن الكلام دال عليه. # تقديره: أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد؟ ويدل على ~~هذا قوله: (فويل للقاسية قلوبهم)، وقد روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تلا هذه الآية، فقلنا: يا رسول الله ms1950 وما هذا الشرح؟ فذكر حديثا ~~قد ذكرناه في قوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام). # قوله تعالى: (فهو على نور) فيه أربعة أقوال. # أحدها: اليقين، قاله ابن عباس. # والثاني: كتاب الله يأخذ به وينتهي إليه، قاله قتادة. # والثالث: البيان، قاله ابن السائب. # والرابع: الهدى، قاله مقاتل. # وفيمن نزلت هذه الآية؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أبي بكر الصديق، وأبي بن خلف، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس والثاني: في علي وحمزة وأبي لهب وولده، قاله عطاء. # والثالث: في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) قد بينا معنى القساوة في ~~البقرة. # فإن قيل: كيف يقسو القلب من ذكر الله عز وجل؟ # فالجواب: أنه كلما تلي عليهم ذكر الله الذي يكذبون به، قست قلوبهم عن ~~الإيمان به وذهب مقاتل في آخرين إلى أن " من " هاهنا بمعنى " عن "، قال ~~الفراء: كما تقول، أتخمت عن طعام أكلته، ومن طعام أكلته، وإنما قست قلوبهم ~~من ذكر الله، لأنهم جعلوه كذبا فأقسى قلوبهم، ومن قال: قست قلوبهم عنه، ~~أراد: أعرضت عنه. وقد قرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة، وأبو عمران: " قلوبهم ~~عن ذكر الله " مكان قوله: " من ". # نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ~~PageV07P012 # ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن ~~يضلل الله فما له من هاد (23) قوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث) يعني ~~القرآن، وقد ذكرنا سبب نزولها في أول [سورة] (يوسف). # قوله تعالى: (كتابا متشابها) فيه قولان: # أحدهما: أن بعضه يشبه بعضا في الآي والحروف، فالآية تشبه الآية، والكلمة ~~تشبه الكلمة، والحرف يشبه الحرف. # والثاني: أن بعضه يصدق بعضا، فليس فيه اختلاف ولا تناقض. # وإنما قيل له: (مثاني) لأنه كررت فيه القصص والفرائض والحدود والثواب ~~والعقاب. # فإن قيل: ما الحكمة في تكرار القصص، والواحدة قد كانت تكفي؟ # فالجواب: أن وفود العرب كانت ترد على ms1951 رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن، فيكون ذلك كافيا لهم، وكان يبعث إلى ~~القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة مكررة، ~~لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، فأراد الله ~~تعالى أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها إلى كل سمع. فأما فائدة ~~تكرار الكلام من جنس واحد، كقوله [تعالى]: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ~~[الرحمن]، وقوله: (لا أعبد ما تعبدون)، وقوله [تعالى]: (أولى لك فأولى) ~~(وما أدارك ما يوم الدين) فسنذكرها في سورة (الرحمن) عز وجل. # قوله تعالى: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) أي: تأخذهم قشعريرة، وهو ~~تغير يحدث في جلد الإنسان من الوجل. وروى العباس بن عبد المطلب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله، تحاتت ذنوبه كما يتحات عن الشجرة ~~اليابسة ورقها ". # وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: PageV07P013 # أحدها: تقشعر من وعيده، وتلين عند وعده، قاله السدي. # والثاني: تقشعر من الخوف، وتلين من الرجاء. # والثالث: تقشعر الجلود لإعظامه، وتلين عند تلاوته، ذكرهما الماوردي. # وقال بعض أهل المعاني: مفعول الذكر في قوله [تعالى]: (إلى ذكر الله) ~~محذوف، لأنه معلوم، والمعنى: تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله الجنة والثواب. قال ~~قتادة: هذا نعت أولياء الله، تقشعر جلودهم وتلين قلوبهم، ولم ينعتهم بذهاب ~~عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان. وقد روى ~~أبو حازم، قال: مر ابن عمر برجل ساقط من أهل العراق، فقال: ما شأنه؟ ~~فقالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا، قال: إنا لنخشى الله عز وجل، ~~وما نسقط. وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: جئت أبي، فقال لي: أين كنت؟ ~~فقلت: # وجدت قوما، ما رأيت خيرا منهم قط، يذكرون الله عز وجل فيرعد واحدهم حتى ~~يغشى عليه من خشية الله عز وجل، فقعدت معهم، فقال: لا تقعد معهم بعدها ~~أبدا، قال: فرآني كأني لم يأخذ ذلك في، فقال: رأيت ms1952 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا من ~~خشية الله تعالى، أفترى أنهم أخشى لله من أبي بكر وعمر؟ قال: فرأيت ذلك ~~كذلك. # وقال عكرمة: سئلت أسماء بنت أبي بكر: هل كان أحد من السلف يغشى عليه من ~~الخوف؟ # قالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون. وقال عبد الله بن عروة بن الزبير: قلت ~~لجدتي أسماء بنت أبي بكر، كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى، تدمع ~~أعينهم وتقشعر جلودهم. فقلت لها: إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن، خر ~~أحدهم مغشيا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكان جواب يرعد ~~عند الذكر، فقال له إبراهيم النخعي: إن كنت تملكه، فما أبالي أن لا أعتد ~~بك، وإن كنت لا تملكه، فقد خالفت من كان قبلك. # قوله تعالى: (ذلك هدى الله) في المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله مقاتل. # والثاني: أنه ما ينزل بالمؤمنين عند تلاوة القرآن من اقشعرار الجلود عند ~~الوعيد، ولينها عند الوعد، قاله ابن الأنباري. # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون (24) PageV07P014 # كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) فأذاقهم الله ~~الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26) ولقد ~~ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا غير ~~ذي عوج لعلهم يتقون (28) قوله تعالى: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب) أي: ~~شدته. قال الزجاج: جوابه محذوف تقديره: كمن يدخل الجنة؟ وجاء في التفسير أن ~~الكافر يلقى في النار مغلولا، ولا يتهيأ له أن يتقيها إلا بوجه. # ثم أخبر عما يقول الخزنة للكفار بقوله [تعالى]: (وقيل للظالمين) يعني ~~الكافرين (ذوقوا ما كنتم تكسبون) أي: جزاء كسبكم. # قوله تعالى: (كذب الذين من قبلهم) أي: من قبل كفار مكة (فأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون) أي: وهم آمنون غافلون عن العذاب، (فأذاقهم الله ms1953 الخزي) يعني ~~الهوان والعذاب، (ولعذاب الآخرة أكبر) مما أصابهم في الدنيا (لو كانوا ~~يعلمون)، ولكنهم لا يعلمون ذلك. # (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن) أي: وصفنا لهم (من كل مثل) أي: من كل ~~شبه يشبه أحوالهم. # قوله تعالى: (قرآنا عربيا) قال الزجاج: " عربيا " منصوب على الحال، ~~المعنى: ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه، فذكر " قرآنا " ~~توكيدا، كما تقول. جاءني زيد رجلا صالحا، وجاءني عمرو إنسانا عاقلا، فذكر ~~رجلا وإنسانا توكيدا. # قوله تعالى: (غير ذي عوج) روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: غير مخلوق. ~~وقال غيره: مستقيم غير مختلف. # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون (31) قوله تعالى: (ضرب الله مثلا) ثم بينه فقال: ~~(رجلا فيه شركاء متشاكسون) قال ابن قتيبة: # أي: مختلفون، يتنازعون ويتشاحون فيه، يقال: رجل شكس. وقال اليزيدي: الشكس ~~من PageV07P015 # الرجال: الضيق الخلق. # قال المفسرون: وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فإن الكافر يعبد آلهة ~~شتى، فمثله بعبد يملكه جماعة يتنافسون في خدمته، ولا يقدر أن يبلغ رضاهم ~~أجمعين، والمؤمن يعبد الله وحده، فمثله بعبد لرجل واحد، قد علم مقاصده وعرف ~~الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاكس الخلطاء فيه، فذلك قوله تعالى: ~~(سالما لرجل) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو إلا عبد الوارث في غير رواية القزاز، ~~وأبان عن عاصم: " ورجلا سلما " بألف وكسر اللام وبالنصب والتنوين فيهما، ~~والمعنى: ورجلا خالصا لرجل قد سلم له من غير منازع. ورواه عبد الوارث إلا ~~القزاز كذلك، إلا أنه رفع الاسمين، فقال: " ورجل سالم لرجل " وقرأ ابن أبي ~~عبلة: " سلم لرجل " بكسر السين ورفع الميم. وقرأ الباقون: " ورجلا سلما " ~~بفتح السين واللام. فيهما والتنوين. والسلم، بفتح السين واللام، معناه ~~الصلح، والسلم، بكسر السين مثله. قال الزجاج: من قرأ: " سلما " و " سلما " ~~فهما مصدران وصف بهما فالمعنى، ورجلا ذا سلم لرجل وذا سلم ms1954 لرجل، فالمعنى: ~~ذا سلم، والسلم: # الصلح، والسلم، بكسر السين مثله. وقال ابن قتيبة: " سلما لرجل " أراد: ~~سلم إليه فهو سلم له. # وقال أبو عبيدة: السلم والسلم الصلح. # قوله تعالى: (هل يستويان مثلا) هذا استفهام معناه الإنكار، أي: لا ~~يستويان، لأن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ما لا يستحقه صاحب ~~الشركاء المتشاكسين. وقيل: لا يستويان في باب الراحة، لأنه هذا قد عرف ~~الطريق إلى رضى مالكه، وذاك متحير بين الشركاء. قال ثعلب: وإنما قال: " هل ~~يستويان مثلا " ولم يقل: مثلين، لأنهما جميعا ضربا مثلا واحدا، ومثله: # (وجعلنا ابن مريم وأمه آية)، ولم يقل: آيتين، لأن شأنهما واحد. وتم ~~الكلام هاهنا، ثم قال: # (الحمد لله) أي: له الحمد دون غيره من المعبودين (بل أكثرهم لا يعلمون) ~~والمراد بالأكثر الكل. # ثم أخبر نبيه بما بعد هذا الكلام أنه يموت، وأن الذين يكذبونه يموتون، ~~وأنهم يجتمعون للخصومة عند الله عز وجل، المحق والمبطل، والمظلوم والظالم. ~~وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية وما ندري ما تفسيرها، وما نرى أنها نزلت إلا ~~فينا وفي أهل الكتابين، حتى قتل عثمان، فعرفت أنها فينا نزلت وفي لفظ آخر: ~~حتى وقعت الفتنة بين علي ومعاوية. # فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~PageV07P016 # للكافرين، والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاؤن ~~عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذين كانوا يعملون (35) قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على ~~الله) بأن دعا له ولدا وشريكا (وكذب بالصدق إذ جاءه) وهو التوحيد والقرآن ~~(أليس في جهنم مثوى للكافرين) أي: مقام للجاحدين؟! وهذا استفهام بمعنى ~~التقرير، يعني: إنه كذلك. # قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله علي بن أبي طالب، وابن ~~عباس، وقتادة، وابن زيد. ثم في الصدق الذي جاء به قولان: # أحدهما: أنه " لا إله إلا الله "، رواه ابن أبي طلحة عن ms1955 ابن عباس، وبه ~~قال ابن جبير. # والثاني: القرآن، قاله قتادة. # وفي الذي صدق به ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا، هو جاء بالصدق، وهو صدق ~~به، قاله ابن عباس، والشعبي. # والثاني: أنه أبو بكر، قاله علي بن أبي طالب. # والثالث: أنهم المؤمنون، قاله قتادة والضحاك، وابن زيد. # والقول الثاني: الذي جاء بالصدق: أهل القرآن، وهو الصدق الذي يجيبون به ~~يوم القيامة، وقد أدوا حقه، فهم الذين صدقوا به، قاله مجاهد. # والثالث: أن الذي جاء بالصدق الأنبياء، قاله الربيع، فعلى هذا، يكون الذي ~~صدق به: # المؤمنون. # والرابع: أن الذي جاء بالصدق: جبريل، وصدق به: محمد، قاله السدي. # قوله تعالى: (أولئك هم المتقون) أي: الذين اتقوا الشرك، وإنما قيل: " هم ~~"، لأن معنى " الذي " معنى الجمع، كذلك قال اللغويون، وأنشد أبو عبيدة، ~~والزجاج: # فإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم، كل القوم، يا أم خالد قوله تعالى: ~~(ليكفر الله عنهم) المعنى: أعطاهم ما شاؤوا ليكفر عنهم (أسوأ الذي عملوا)، ~~أي: ليستر ذلك بالمغفرة (ويجزيهم أجرهم) بمحاسن أعمالهم، لا بمساوئها. ~~PageV07P017 # أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من ~~هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات ~~رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قوله تعالى: (أليس الله بكاف ~~عبده) ذكر المفسرون أن مشركي مكة قالوا: يا محمد، ما تزال تذكر آلهتنا ~~وتعيبها، فاتق أن تصيبك بسوء، فنزلت هذه الآية. والمراد بعبده هاهنا: # محمد صلى الله عليه وسلم. # وقرأ حمزة، والكسائي: " عباده " على الجمع، وهم الأنبياء، لأن الأمم ~~قصدتهم بالسوء، فالمعنى أنه كما كفى الأنبياء قبلك يكفيك، وقرأ سعد بن أبي ~~وقاص، وأبو عمران الجوني: # " بكافي " مثبتة الياء " عبده " بكسر الدال والهاء من غير ألف. وقرأ أبي ~~بن كعب، وأبو ms1956 العالية، وأبو الجوزاء، والشعبي مثله، إلا أنهم أثبتوا الألف ~~في " عباده " وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش: " ~~بكاف " بالتنوين، " عبادة " على الجمع. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء ~~العطاردي: " يكافي " بياء مرفوعة قبل الكاف وياء ساكنة بعد الفاء " عباده " ~~على الجمع. # (ويخوفونك بالذين من دونه) أي: بالذين يعبدون من دونه، وهم الأصنام. # ثم أعلم بما بعد هذا أن الإضلال والهداية إليه تعالى، وأنه منتقم ممن ~~عصاه. ثم أخبر أنهم مع عبادتهم، يقرون أنه الخالق. ثم أمر أن يحتج عليهم ~~بأن ما يعبدون لا يملك كشف ضر ولا جلب خير. # وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: " كاشفات ضره " و " ممسكات رحمته " ~~منونا. والباقون: # " كاشفات ضره " و " ممسكات رحمته " على الإضافة. # يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن ~~اهتدى PageV07P018 # فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) قوله تعالى: (قل ~~يا قوم اعملوا) ذكر بعض المفسرين أنها والآية التي تليها نسخت بآية السيف. # قوله تعالى: (إنا أنزلنا عليك الكتاب) يعني القرآن (للناس) أي: لجميع ~~الخلق (بالحق) ليس فيه باطل. وتمام الآية مفسر في آخر (يونس)، وذكروا أنه ~~منسوخ بآية السيف. # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) ~~قوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) أي: يقبض الأرواح حين موت ~~أجسادها (والتي لم تمت) أي: ويتوفى التي لم تمت (في منامها). # (فيمسك) أي: عن الجسد (التي قضى عليها الموت) وقرأ حمزة، والكسائي: " قضي ~~" بضم القاف وفتح الياء، " الموت " بالرفع. # (ويرسل الأخرى) إلى الجسد (إلى أجل مسمى) وهو انقضاء العمر (إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون) في أمر البعث. وروى ابن جبير عن ابن عباس قال: تلتقي ~~أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام، فيتعارفون ويتساءلون، ثم ترد ~~أرواح الأحياء إلى أجسادها، فلا يخطأ ms1957 بشيء منها، فذلك قوله: " إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون " وقال ابن عباس في رواية أخرى: في ابن آدم نفس وروح، ~~فبالنفس العقل والتمييز، وبالروح النفس والتحريك، فإذا نام العبد، قبض الله ~~نفسه ولم يقبض روحه وقال ابن جريج: في الإنسان روح ونفس، بينهما حاجز، فهو ~~تعالى يقبض النفس عند النوم يردها إلى الجسد عند الانتباه، فإذا أراد إماتة ~~العبد في نومه، لم يرد النفس وقبض الروح. # وقد اختلف العلماء، هل بين النفس والروح فرق؟ على قولين: قد ذكرتهما في " ~~الوجوه والنظائر "، وزدت هذه الآية شرحا في باب التوفي في كتاب " النظائر ~~". وذهب بعض العلماء إلى أن التوفي المذكور في حق النائم هو نومه. وهذا ~~اختيار الفراء وابن الأنباري: فعلى هذا، يكون معنى توفي النائم: قبض نفسه ~~عن التصرف، وإرسالها: إطلاقها باليقظة للتصرف. PageV07P019 # أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~(43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) ~~قوله تعالى: (أم اتخذوا) يعني كفار مكة. # وفي المراد بالشفعاء قولان: # أحدهما: أنها أصنام، زعموا أنها تشفع لهم في حاجاتهم، قاله الأكثرون. # والثاني: الملائكة، قاله مقاتل. # (قل أولو كانوا لا يملكون شيئا) من الشفاعة (ولا يعقلون) أنكم تعبدونهم؟! ~~وجواب هذا الاستفهام محذوف، تقديره: أولو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم؟!. # (قل لله الشفاعة جميعا) أي: لا يملكها أحد إلا بتمليكه، ولا يشفع عنده ~~أحد إلا بإذنه. # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالأخرة وإذا ذكر الذين ~~من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن للذين ~~ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ~~وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزؤون (48) قوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت ~~قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: انقبضت ms1958 عن التوحيد، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: استكبرت، قاله قتادة. # والثالث: نفرت، قاله أبو عبيدة، والزجاج. # قوله تعالى: (وإذا ذكر الذين من دونه) يعني الأصنام (إذا هم يستبشرون) ~~يفرحون. وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما ~~لم يكونوا يحتسبون). قال السدي: PageV07P020 # ظنوا أن أعمالهم حسنات، فبدت لهم سيئات. وقال غيره: عملوا أعمالا ظنوا ~~أنها تنفعهم، فلم تنفع مع شركهم. قال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم ~~يحتسبوا أنه نازل بهم، فهذا القول يحتمل وجهين. # أحدهما: أنهم كانوا يرجون القرب من الله بعبادة الأصنام، فلما عوقبوا ~~عليها، بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون. # والثاني: أن البعث والجزاء لم يكن في حسابهم. وروي عن محمد بن المنكدر ~~أنه جزع عند الموت وقال: أخشى هذه الآية أن يبدو لي مالا أحتسب. # قوله تعالى: (وحاق بهم) أي: نزل بهم (ما كانوا به يستهزؤون) أي: ما كانوا ~~ينكرونه ويكذبون به. # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على ~~علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من ~~هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) قوله تعالى: ~~(فإذا مس الإنسان ضر دعانا) قال مقاتل: هو أبو حذيفة بن المغيرة، وقد سبق ~~في هذه السورة نظيرها. وإنما كنى عن النعمة بقوله [تعالى]: (أوتيته)، لأن ~~المراد بالنعمة: # الإنعام. # (على علم) عندي، أي: على خير علمه الله عندي وقيل: على علم من الله بأني ~~له أهل، قال الله تعالى: (بل هي) يعني النعمة التي أنعم الله عليه بها ~~(فتنة) أي: بلوى يبتلى بها العبد ليشكر أو يكفر، (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ~~أن ذلك استدراج لهم وامتحان. وقيل: " بل هي " أي: المقالة التي قالها " ~~فتنة ". # (قد قالها) يعني تلك الكلمة، وهي قوله عز ms1959 وجل: " إنما أوتيته على علم " ~~(الذين من PageV07P021 # قبلهم) وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم الأمم الماضية، قاله السدي. # والثاني: قارون، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (فما أغنى عنهم) أي: ما دفع عنهم العذاب (ما كانوا يكسبون) ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من الكفر. # والثاني: من عبادة الأصنام. # والثالث: من الأموال. # (فأصابهم سيئات ما كسبوا) أي: جزاء سيئاتهم، وهو العذاب. # ثم أوعد كفار مكة، فقال: (والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا ~~وما هم بمعجزين) أي: إنهم لا يعجزون الله ولا يفوتونه. # قال مقاتل: ثم وعظهم ليعلموا وحدانيته حين مطروا بعد سبع سنين، فقال: ~~(أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك) أي: في بسط ~~الرزق وتقتيره (لآيات لقوم يؤمنون). # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ~~من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) قوله تعالى: (قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) في سبب نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن ناسا من المشركين كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو ~~تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس. PageV07P022 # والثاني: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من ~~المسلمين كانوا قد أسلموا، ثم عذبوا فافتتنوا، فكان أصحاب رسول الله ~~يقولون: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا، قوم تركوا دينهم بعذاب ~~عذبوه، فنزلت هذه الآية، فكتبها عمر إلى عياش والوليد وأولئك النفر، ~~فأسلموا وهاجروا، وهذا قول ابن عمر. # والثالث: أنها نزلت في وحشي، وهذا القول ذكرناه مشروحا في آخر الفرقان عن ~~ابن عباس. # والرابع: أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي ~~حرم الله ms1960 لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد فعلنا ذلك؟! فنزلت هذه الآية، ~~وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # ومعنى (أسرفوا على أنفسهم) ارتكبوا الكبائر، والقنوط بمعنى اليأس. ~~(وأنيبوا) بمعنى ارجعوا إلى الله من الشرك والذنوب، (وأسلموا له) أي: ~~أخلصوا له التوحيد. و " تنصرون " بمعنى تمنعون. # (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم) قد بيناه في قوله عز وجل: (يأخذوا ~~بأحسنها). # أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) ~~أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو ~~أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت ~~وكنت من الكافرين (59) قوله تعالى: (أن تقول نفس) قال المبرد: المعنى: ~~بادروا قبل أن تقول نفس، وحذرا من أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا ~~إلى حال تقولون فيها هذا القول ومعنى (يا حسرتا) يا ندامتا ويا حزنا. ~~والتحسر: الاغتمام على ما فات. والألف في " يا حسرتا " هي ياء المتكلم، ~~والمعنى: يا حسرتي، على الإضافة. قال الفراء: والعرب تحول الياء إلى الألف ~~في كل كلام معناه PageV07P023 # الاستغاثة ويخرج على لفظ الدعاء، وربما أدخلت العرب الهاء بعد هذه الألف، ~~فيخفضونها مرة، ويرفعونها أخرى. وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو عمران، ~~وأبو الجوزاء: " يا حسرتي " بكسر التاء، على الإضافة إلى النفس. وقرأ معاذ ~~القارئ، وأبو جعفر: " يا حسرتاي "، بألف بعد التاء وياء مفتوحة، قال ~~الزجاج: وزعم الفراء أنه يجوز " يا حسرتاه على كذا " بفتح الهاء، و " يا ~~حسرتاه " بالضم والكسر، والنحويون أجمعون لا يجيزون أن تثبت هذه الهاء مع ~~الوصل. # قوله تعالى: (في جنب الله) فيه خمسة أقوال: # أحدها: في طاعة الله تعالى، قاله الحسن. # والثاني: في حق الله، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: في أمر الله، قاله مجاهد، والزجاج. # والرابع: في ذكر الله، قاله عكرمة، والضحاك. # والخامس: في قرب الله، روي عن الفراء أنه قال: الجنب: القرب، أي: في قرب ~~الله وجواره، يقال: فلان يعيش في جنب فلان، أي: في ms1961 قربة وجواره، فعلى هذا ~~يكون المعنى: ما فرطت في طلب قرب الله تعالى، وهو الجنة. # قوله تعالى: (وإن كنت لمن الساخرين) أي: وما كنت إلا من المستهزئين ~~بالقرآن وبالمؤمنين في الدنيا. # (أو تقول لو أن الله هداني) أي: أرشدني إلى دينه (لكنت من المتقين) ~~الشرك، فيقال لهذا القائل: (بلى قد جاءتك آياتي) قال الزجاج: و " بلى " ~~جواب النفي، وليس في الكلام لفظ النفي، غير أن معنى " لو أن الله هداني ": ~~ما هديت، فقيل: " بلى قد جاءتك آياتي ". وروى ابن أبي سريج عن الكسائي: " ~~جاءتك "، " فكذبت "، " واستكبرت "، " وكنت "، بكسر التاء فيهن، مخاطبة ~~للنفس ومعنى " استكبرت ". تكبرت عن الإيمان بها. # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين (60) وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يسمهم السوء ولاهم ~~يحزنون (61) قوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله) فزعموا ~~أن له ولدا وشريكا (وجوههم مسودة). وقال الحسن: هم الذين يقولون: إن شئنا ~~فعلنا، وإن شئنا لم نفعل. وباقي الآية قد ذكرناه آنفا. # قوله تعالى: (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم) وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: " بمفازاتهم ". قال الفراء: وهو كما قد تقول: قد تبين ~~أمر القوم وأمورهم، وارتفع الصوت والأصوات، والمعنى واحد. وفيها للمفسرين ~~ثلاثة أقوال: PageV07P024 # أحدها: بفضائلهم، قاله السدي. # والثاني: بأعمالهم، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثالث: بفوزهم من النار. # قال المبرد: المفازة: مفعلة من الفوز، وإن جمع فحسن، كقولك: السعادة ~~والسعادات، والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم، أي: بنجاتهم من النار وفوزهم ~~بالجنة. # الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض ~~والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) قوله تعالى: (له مقاليد ~~السماوات والأرض) قال ابن قتيبة: أي: مفاتيحها وخزائنها، لأن مالك المفاتيح ~~مالك الخزائن، واحدها: إقليد، وجمع على غير واحد، كما قالوا: مذاكير جمع ~~ذكر، ويقال: هو فارسي معرب. # لم يؤذها الديك بصوت تغريد * ولم تعالج غلقا بإقليد والمقليد: لغة في ~~الإقليد، والجمع: مقاليد. # وللمفسرين في المقاليد قولان: # أحدهما: المفاتيح، قاله ms1962 ابن عباس. # والثاني: الخزائن، قاله الضحاك. وقال الزجاج: تفسيره أن كل شيء في ~~السماوات والأرض، فهو خالقه وفاتح بابه. قال المفسرون: مفاتيح السماوات: ~~المطر، ومفاتيح الأرض: النبات قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ~~(64) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) قوله تعالى: (أفغير الله ~~تأمروني أعبد) قرأ نافع، وابن عامر: " تأمروني أعبد " مخففة، غير أن نافعا ~~فتح الياء، ولم يفتحها ابن عامر. وقرأ ابن كثير: " تأمروني " بتشديد النون ~~وفتح الياء، وقرأ الباقون بسكون الياء. وذلك حين دعوه إلى دين آبائه (أيها ~~الجاهلون) أي: فيما تأمرون. # قوله تعالى: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك) فيه تقديم وتأخير، ~~تقديره: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وكذلك أوحي إلى الذين من ~~قبلك. قال أبو عبيدة: ومجازها مجاز الأمرين اللذين يخبر عن أحدهما ويكف عن ~~الآخر. قال ابن عباس: هذا أدب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتهديد لغيره، لأن الله عز وجل قد عصمه من الشرك. وقال غيره: إنما خاطبه ~~بذلك، PageV07P025 # ليعرف من دونه أن الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها ولو وقع من نبي. وقرأ ~~أبو عمران، وابن السميفع، ويعقوب: " لنحبطن " بالنون، " عملك "، بالنصب. ~~(بل الله فاعبد) أي: وحد. # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) قوله تعالى: (وما قدروا الله حق ~~قدره) سبب نزولها أن رجلا من أهل الكتاب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا أبا القاسم، بلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع والأرضين ~~على إصبع والشجر على إصبع والثرى على إصبع؟! فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى بدت نواجذه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله ابن مسعود. وقد ~~فسرنا أول هذه الآية في الأنعام قال ابن عباس: هذه الآية في الكفار، فأما ~~من آمن بأنه على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره. # ثم ذكر ms1963 عظمته بقوله تعالى: (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمنه) وقد أخرج البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوى ~~السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ "، وأخرجا من حديث ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يطوي الله عز وجل السماوات ~~يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون، ~~أين المتكبرون؟ " قال ابن عباس: الأرض والسماوات كلها بيمينه. وقال سعيد بن ~~جبير: السماوات قبضة والأرضون قبضة. # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه PageV07P026 # أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجاء ~~بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما ~~عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق) وقرأ ابن ~~السميفع، وابن يعمر، والجحدري: # " فصعق " بضم الصاد (من في السماوات ومن في الأرض) أي: ماتوا من الفزع ~~وشدة الصوت. وقد بينا هذه الآية والخلاف في الذين استثنوا في سورة النمل. # (ثم نفخ فيه أخرى) وهي نفخة البعث (فإذا هم) يعني الخلائق (قيام ينظرون) ~~قوله تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها) أي: أضاءت. والمراد بالأرض: عرصات ~~القيامة. # قوله تعالى: (ووضع الكتاب) فيه قولان: # أحدهما: كتاب الأعمال، قاله قتادة، ومقاتل. # والثاني: الحساب، قاله السدي. وفي الشهداء قولان: # أحدهما: أنهم الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، قاله الجمهور. ثم فيهم ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنهم المرسلون من الأنبياء - والثاني: أمة محمد يشهدون للرسل ~~بتبليغ الرسالة وتكذيب الأمم إياهم، رويا عن ابن عباس رضي الله عنه. ~~والثالث: الحفظة، قاله عطاء. الرابع: النبيون والملائكة وأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم والجوارح، قاله ابن زيد. # والثاني: انهم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، قاله قتادة، والأول ~~أصح. (ووفيت كل نفس ما علمت) أي: جزاء عملها (وهو أعلم بما يفعلون) أي: لا ~~يحتاج إلى كاتب ولا ms1964 شاهد. # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة ~~زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت PageV07P027 # أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) وقالوا ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر ~~العاملين (74) وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75) قوله تعالى: (وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم زمرا) قال أبو عبيدة: الزمر: جماعات في تفرقة بعضهم على إثر ~~بعض، واحدها: زمرة. # قوله تعالى: (رسل منكم) أي: أنفسكم. و (كلمة العذاب) هي قوله تعالى: ~~(لأملأن جهنم). # قوله تعالى: (فتحت أبوابها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~" فتحت " " وفتحت " مشددتين، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: بالتخفيف. وفي ~~هذه الواو ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها زائدة، روي عن جماعة من اللغويين منهم الفراء. # والثاني: أنها واو الحال، فالمعنى: جاؤوها وقد فتحت أبوابها، فدخلت الواو ~~لبيان أن الأبواب كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفت من قصة أهل النار لبيان ~~أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، ووجه الحكمة في ذلك من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن أهل الجنة جاؤوها وقد فتحت أبوابها ليستعجلوا السرور والفرح ~~إذا رأوا الأبواب مفتحة، وأهل النار يأتونها وأبوابها مغلقة ليكون أشد ~~لحرها، ذكره أبو إسحاق ابن شاقلا من أصحابنا. # والثاني: أن الوقوف على الباب المغلق نوع ذل، فصين أهل الجنة عنه، وجعل ~~في حق أهل النار، ذكره لي بعض مشايخنا. # والثالث: أنه لو وجد أهل الجنة بابها مغلقا لأثر انتظار فتحه في كمال ~~الكرم، ومن كمال الكرم غلق باب النار إلى حين مجيء أهلها، لأن الكريم يعجل ~~المثوبة، ويؤخر العقوبة، وقد قال عز وجل: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم)، قال المصنف: هذا وجه خطر ms1965 لي. # والقول الثالث: أن الواو زيدت، لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار ~~سبعة، والعرب PageV07P028 # تعطف في العدد بالواو على ما فوق السبعة على ما ذكرناه في قوله تعالى: ~~(ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم)، حكى هذا القول والذي قبله الثعلبي. واختلف ~~العلماء أين جواب هذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الجواب محذوف، قاله أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج في آخرين. وفي ~~تقدير هذا المحذوف قولان: # أحدهما: أن تقديره: (حتى إذا جاؤوها...) إلى آخر الآية... سعدوا، قاله ~~المبرد. # والثاني: (حتى إذا جاؤوها...) إلى قوله تعالى: (فأدخلوا خالدين)... ~~دخلوها وإنما حذف، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا اختيار الزجاج. # والقول الثاني: أن الجواب: قال لهم خزنتها، والواو زائدة، ذكره الأخفش، ~~قال: ومثله في الشعر. # فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن * إلا كلمة حالم بخيال أي: فإذا ذلك. # والثالث: الجواب: حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها، والواو زائدة، حكاه ~~الزجاج عن قوم من أهل اللغة. # أحدها: أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ~~ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فلا يبقى في بطونهم أذى ولا قذى إلا خرج، ~~ويغتسلون من الأخرى، فلا تغبر جلودهم ولا تشعث أشعارهم أبدا. حتى إذا ~~انتهوا إلى باب الجنة قال لهم عند ذلك خزنتها: " سلام عليكم طبتم "، رواه ~~عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه وقد ذكرنا في الأعراف نحوه عن ابن عباس. # والثاني: طاب لكم المقام، قاله ابن عباس. # والثالث: طبتم بطاعة الله، قاله مجاهد. # والرابع: أنهم طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة، واقتص من بعضهم لبعض، فلما ~~هذبوا قالت لهم الخزنة: طبتم، قاله قتادة. # والخامس: كنتم طيبين في الدنيا، قاله الزجاج. # فلما دخلوها قالوا: (الحمد لله الذي صدقنا وعده) بالجنة (وأورثنا الأرض) ~~أي أرض الجنة (نتبوأ منها حيث نشاء) أي: نتخذ فيها من المنازل ما نشاء. ~~وحكى أبو سليمان الدمشقي أن PageV07P029 # أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة قبل الأمم، فينزلون منها حيث ~~شاؤوا، ثم تنزل الأمم بعدهم فيها، فلذلك قالوا: " نتبوأ من ms1966 الجنة حيث نشاء ~~"، يقول الله عز وجل: (فنعم أجر العاملين) أي: نعم ثواب المطيعين في الدنيا ~~الجنة. # قوله تعالى: (وترى الملائكة حافين من حول العرش): أي محدقين به، يقال: حف ~~القوم بفلان: إذا أحدقوا به، ودخلت " من " للتوكيد، كقولك: ما جاءني من ~~أحد. # (يسبحون بحمد ربهم) قال السدي، ومقاتل: بأمر ربهم، وقال بعضهم: يسبحون ~~بالحمد له حيث دخل الموحدون الجنة. وقال ابن جرير: التسبيح هاهنا بمعنى ~~الصلاة. # قوله تعالى: (وقضي بينهم) أي: بين الخلائق (بالحق) أي: بالعدل (وقيل ~~الحمد لله رب العالمين) هذا قول أهل الجنة شكرا لله تعالى على إنعامه. # قال المفسرون: ابتدأ الله ذكر الخلق بالحمد فقال: (الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض) وختم غاية الأمر - وهو استقرار الفريقين في منازلهم - ~~بالحمد لله بهذه الآية، فنبه على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته. ~~PageV07P030 # (40) سورة غافر مكية (1) وآياتها خمس وثمانون قال أبو سليمان الدمشقي: ~~ويقال لها: سورة الطول. وهي مكية! قاله ابن عباس، والحسن: # ومجاهد، وعكرمة، وقتادة. وحكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آيتين نزلتا ~~بالمدينة: قوله: (الذين يجادلون في آيات الله) والتي بعدها. قال الزجاج: ~~وذكر أن الحواميم كلها نزلت بمكة. قال ابن قتيبة: يقال: إن " حم " اسم من ~~أسماء الله أضيفت هذه السورة إليه. كأنه قيل: سورة الله، لشرفها وفضلها، ~~فقيل: آل حاميم، وإن كان القرآن كله سور الله، وإن هذا كما يقال: بيت الله، ~~وحرم الله، وناقة الله، قال الكميت: # وجدنا لكم في آل حاميم آية * تأولها منا تقي ومعرب PageV07P031 # وقد تجعل " حم " اسما للسورة، ويدخل الإعراب ولا يصرف، ومن قال هذا في ~~الجميع: # الحواميم، كما يقال: " طس " والطواسين. وقال محمد بن القاسم الأنباري: ~~العرب تقول: وقع في الحواميم، وفي آل حميم، أنشد أبو عبيدة: # حلفت بالسبع اللواتي طولت * وبمئين بعدها قد أمئيت وبمثان ثنيت فكررت * ~~وبالطواسين اللواتي ثلثت وبالحواميم اللواتي سبعت فمن قال: وقع في آل ~~حاميم، جعل حاميم اسما لكلهن، ومن قال: وقع في الحواميم، جعل " حم " كأنه ~~حرف واحد بمنزلة قابيل وهابيل. ms1967 وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: من ~~الخطأ أن تقول: قرأت الحواميم، وليس من كلام العرب، والصواب أن تقول: قرأت ~~آل حاميم. # وفي حديث ابن مسعود " إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات "، وقال ~~الكميت: # وجدنا لكم في آل حاميم آية بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا ~~إله إلا هو إليه المصير (3) وفي (حم) أربعة أقوال: # أحدها: قسم أقسم الله به وهو من أسمائه عز وجل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس: قال أبو سليمان. وقد قيل: إن جواب القسم قوله تعالى: (إن الذين كفروا ~~ينادون). # والثاني: أنها حروف من أسماء الله عز وجل، ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~" آلر " و " حم " و " نون " حروف الرحمن، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: ~~أن الحاء مفتاح اسمه " حميد "، والميم مفتاح اسمه " مجيد "، قاله أبو ~~العالية. والثالث: أن الحاء مفتاح كل اسم لله ابتداؤه حاء، مثل " حكيم "، و ~~" حليم "، و " حي "، والميم مفتاح كل اسم له، ابتداؤه ميم مثل " ملك "، و " ~~متكبر "، و " مجيد "، حكاه أبو سليمان الدمشقي. وروي نحوه عن عطاء ~~الخراساني. # والثالث: أن معنى " حم ": قضي ما هو كائن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~وروي عن PageV07P032 # الضحاك والكسائي مثل هذا كأنهما أرادا الإشارة إلى حم، بضم الحاء وتشديد ~~الميم. قال الزجاج: # وقد قيل في " حم ": حم الأمر. # والرابع: أن " حم " اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. وقرأ ابن كثير: " ~~حم " بفتح الحاء: # وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: بكسرها، واختلف عن الباقين. قال الزجاج: ~~أما الميم، فساكنة في قراءة القراء ابن كلهم إلا عيسى بن عمر، فإنه، فتحها ~~وفتحها على ضربين. أحدهما: أن يجعل " حم " اسما للسورة، فينصبه ولا ينونه، ~~لأنه على لفظ الأسماء الأعجمية نحو هابيل وقابيل. # والثاني: على معنى: أتل حم، والأجود أن يكون فتح لالتقاء الساكنين حيث ~~جعله اسما للسورة، ويكون حكاية حروف الهجاء. # قوله تعالى: (تنزيل الكتاب) ms1968 أي: هذا تنزيل الكتاب. والتوب: جمع توبة، ~~وجائز أن يكون مصدرا من تاب يتوب توبا. والطول: الفضل. قال أبو عبيدة: يقال ~~فلان ذو طول على قومه، أي: # ذو فضل. وقال ابن قتيبة: يقال: طل علي يرحمك الله، أي: تفضل. قال ~~الخطابي: ذو: حرف النسبة في كلامهم على ثلاثة أوجه: بالياء، كقولهم: أسدي، ~~وبكري. والثاني: على الجمع، كقولهم: المهالبة، والمسامعة، والأزارقة ~~والثالث: ب " ذي " و " ذات "، كقولهم: رجل مال، أي: # ذو مال، وكبش صاف، أي: ذو صوف، وناقة ضامر، أي: ذات ضمر، فقوله: ذو ~~الطول، معناه: # أهل الطول والفضل. # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) ~~كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمت ربك على ~~الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) قوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله) أي: ~~ما يخاصم فيها بالتكذيب لها ودفعها بالباطل (إلا الذين كفروا) وباقي الآية ~~في آل عمران، والمعنى: إن عاقبة امرهم إلى العذاب كعاقبة من قبلهم. # قوله تعالى: (كل أمة برسولهم ليأخذوه) فيه قولان: PageV07P033 # أحدهما: ليقتلوه، قاله ابن عباس: وقتادة. # والثاني: ليحبسوه ويعذبوه، ويقال للأسير: أخيذ، حكاه ابن قتيبة. قال ~~الأخفش: وإنما قال: # " ليأخذوه " فجمع على الكل، لأن الكل مذكر ومعناه معنى الجماعة. وما بعد ~~هذا مفسر في الكهف إلى قوله تعالى: (فأخذتهم) أي: عاقبتهم وأهلكتهم (فكيف ~~كان عقاب) استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم (وكذلك) أي: مثل الذي حق على ~~الأمم المكذبة (حقت كلمة ربك) بالعذاب، وهي قوله عز وجل: (لأملأن جهنم) على ~~الذين كفروا من قومك. وقرأ نافع، وابن عامر: (حقت كلمات ربك)، (أنهم) قال ~~الأخفش: لأنهم أو بأنهم (أصحاب النار). # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم إنك ms1969 أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) ثم أخبر بفضل المؤمنين فقال: ~~(الذين يحملون العرش) وهم أربعة أملاك، فإذا كان يوم القيامة جعلوا ثمانية ~~(ومن حوله) قال وهب بن منبه. حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون ~~به، ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة ليس فيهم أحد إلا وهو يسبح بما ~~لا يسبحه الآخر. وقال غيره: الذين حول العرش هم الكروبيون وهم سادة ~~الملائكة. وقد ذكرنا في السورة المتقدمة معنى قوله تعالى: (يسبحون بحمد ~~ربهم). # قوله تعالى: (ربنا) أي يقولون: ربنا (وسعت كل شيء رحمة وعلما) قال ~~الزجاج: هو منصوب على التمييز. وقال غيره: المعنى: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء ~~(فاغفر للذين تابوا) من الشرك (واتبعوا سبيلك) وهو دين الإسلام. وما بعد ~~هذا ظاهر إلى قوله عز وجل: (وقهم السيئات) قال قتادة: يعني العذاب. ~~PageV07P034 # إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ~~ينادون لمقت الله) قال المفسرون: لما رأوا أعمالهم وأدخلوا النار مقتوا ~~أنفسهم لسوء فعلهم، فناداهم مناد: لمقت الله إياكم في الدنيا (تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون) أكبر من مقتكم أنفسكم. # ثم أخبر عما يقولون في النار بقوله [تعالى]: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين) وهذا مثل قوله [تعالى]: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم) وقد فسرناه هنالك. # قوله تعالى: (فهل إلى خروج) أي: من النار إلى الدنيا لنعمل بالطاعة (من ~~سبيل) وفي؟ # الكلام اختصار، تقديره: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك، وقيل لهم: (ذلكم) ~~يعني العذاب الذي نزل بهم (بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم) أي: إذا قيل " لا ~~إله إلا الله " أنكرتم، وإن جعل سله شريك آمنتم، (فالحكم لله) فهو الذي حكم ~~على المشركين بالنار، وقد بينا ms1970 في سورة معنى العلي، وفي الرعد معنى الكبير. # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ~~(13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ~~(16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17) ~~PageV07P035 # (هو الذي يريكم آياته) أي: مصنوعاته التي تدل على وحدانيته وقدرته والرزق ~~هاهنا: # المطر، سمي رزقا، لأنه سبب الأرزاق. و " يتذكر " بمعنى يتعظ، و " ينيب " ~~بمعنى يرجع إلى الطاعة. # ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال: (فادعوا الله مخلصين له الدين) أي: ~~موحدين. # قوله تعالى: (رفيع الدرجات) قال ابن عباس: يعني رافع السماوات، وحكى ~~الماوردي عن بعض المفسرين. قال: معناه: عظيم الصفات. # قوله تعالى: (ذو العرش) أي: خالقه ومالكه. # قوله تعالى: (يلقي الروح) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه القرآن. # والثاني: النبوة. والقولان مرويان عن ابن عباس. وبالأول قال ابن زيد، ~~وبالثاني قال السدي. # والثالث: الوحي، قاله قتادة، وإنما سمي القرآن والوحي روحا، لأن الدين به ~~كما أن قوام البدن بالروح. # والرابع: جبريل، قاله الضحاك. # والخامس: الرحمة، حكاه إبراهيم الحربي. # قوله تعالى: (من أمره) فيه ثلاثة أقوال. أحدها: من قضائه، قاله ابن عباس ~~والثاني: # بأمره، قاله مقاتل. والثالث: من قوله تعالى، ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: (على من يشاء من عباده) يعني الأنبياء. # (لينذر) في المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه الله عز وجل. # والثاني: النبي الذي يوحى إليه. # والمراد ب (يوم التلاق): يوم القيامة. وأثبت ياء (التلاقي) في الحالين ~~ابن كثير ويعقوب، وأبو جعفر وافقهما في الوصل، والباقون بغير ياء في ~~الحالين. وفي سبب تسميته بذلك خمسة أقوال: # أحدها: أنه يلتقي فيه أهل السماء والأرض، رواه يوسف بن مهران عن ابن ~~عباس. # والثاني: يلتقي فيه الأولون والآخرون، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: يلتقي فيه الخلق والخالق، قاله قتادة ومقاتل. ms1971 # والرابع: يلتقي المظلوم والظالم، قاله ميمون بن مهران. # والخامس: يلتقي المرء بعمله، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: (يوم هم بارزون) أي: ظاهرون من قبورهم (لا يخفى على الله ~~منهم شيء). # فإن قيل: فهل يخفى عليه منهم اليوم شيء؟. PageV07P036 # فالجواب: أن لا، غير أن معنى الكلام التهديد بالجزاء، وللمفسرين فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يخفى عليه مما عملوا شيء، قاله ابن عباس. # والثاني: لا يستترون منه بجبل ولا مدر، قاله قتادة. # والثالث: أن المعنى: أبرزهم جميعا، لأنه لا يخفى عليه منهم شيء، حكاه ~~الماوردي. # قوله تعالى: (لمن الملك اليوم) اتفقوا على أن هذا يقوله الله عز وجل بعد ~~فناء الخلائق. # واختلفوا في وقت قوله عز وجل له على قولين: # أحدهما: يقوله عند فناء الخلائق إذا لم يبق مجيب. فيرد هو على نفسه ~~فيقول: (لله الواحد القهار)، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه يقوله يوم القيامة. # وفيمن يجيبه حينئذ قولان: # أحدهما: أنه يجيب نفسه وقد سكت الخلائق لقوله تعالى: قاله عطاء، والثاني: ~~أن الخلائق كلهم يجيبونه فيقولون: " لله الواحد القهار "، قاله ابن جريج. # وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كظمين ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) قوله تعالى: ~~(وأنذرهم يوم الآزفة) فيه قولان: # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله الجمهور. قال ابن قتيبة: وسميت القيامة ~~بذلك لقربها، يقال: # أزف شخوص فلان، أي: قرب. # والثاني: أنه يوم حضور المنية، قاله قطرب. # قوله تعالى: (إذ القلوب لدى الحناجر) وذلك أنها ترتقي إلى الحناجر فلا ~~تخرج ولا تعود، هذا على القول الأول، وعلى الثاني: القلوب هي النفوس تبلغ ~~الحناجر عند حضور المنية، قال الزجاج: و (كاظمين) منصوب على الحال، والحال ~~محمولة على المعنى، لأن القلوب لا يقال لها: # كاظمين، وإنما الكاظمون أصحاب القلوب، فالمعنى: إذ قلوب الناس لدى ~~الحناجر في حال كظمهم. قال المفسرون: " كاظمين " أي: مغمومين ممتلئين خوفا ~~وحزنا، والكاظم: الممسك للشيء على ما فيه، وقد أشرنا إلى هذا عند قوله ~~[تعالى]: (والكاظمين الغيظ). PageV07P037 # (ما للظالمين) يعني الكافرين (من حميم) ms1972 أي: قريب ينفعهم (ولا شفيع يطاع) ~~فيهم فتقبل شفاعته. # (يعلم خائنة الأعين) قال ابن قتيبة: الخائنة والخيانة واحد. وللمفسرين ~~فيها أربعة أقوال: # أحدها: أنه الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فيريهم أنه يغض بصره، ~~فإذا رأى منهم غفلة لحظ إليها، فإن خاف أن يفطنوا له غض بصره، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه نظر العين إلى ما نهي عنه، قاله مجاهد. # والثالث: الغمز بالعين، قاله الضحاك والسدي. قال قتادة: هو الغمز بالعين ~~فيما لا يحبه الله ولا يرضاه. # والرابع: النظرة بعد النظرة، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (وما تخفي الصدور) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما تضمره من الفعل أن لو قدرت على ما نظرت إليه، قاله ابن عباس. # والثاني: الوسوسة، قاله السدي. # والثالث: ما يسره القلب من أمانة أو خيانة، حكاه المارودي. # والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع ~~البصير (20) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين (22) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق ~~من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد ~~الكافرين إلا في ضلال (25) قوله تعالى: (والله يقضي بالحق) أي: يحكم به ~~فيجزي بالحسنة والسيئة (والذين يدعون من دونه) من الآلهة. وقرأ نافع، وابن ~~عامر: " تدعون " بالتاء، على معنى: قل لهم: # (لا يقضون بشيء) أي: لا يحكمون بشيء ولا يجازون به، وقد نبه الله عز وجل ~~بهذا PageV07P038 # على أنه حي، لأنه إنما يأمر ويقضي من كان حيا، وأيد ذلك بذكر السمع ~~والبصر، لأنهما إنما يثبتان لحي، قاله أبو سليمان الدمشقي. وما بعد هذا قد ~~تقدم بعضه وبعضه ظاهر إلى قوله تعالى: # (كانوا هم أشد منهم قوة) وقرأ ابن عامر: " أشد منكم " بالكاف، ms1973 وكذلك هو ~~في مصاحفهم، وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، (وما كان لهم من الله) ~~أي: من عذاب الله (من واق) بقي العذاب عنهم. # (ذلك) أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم (بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات...) إلى آخر الآية. # ثم ذكر قصة موسى وفرعون ليعتبروا. وأراد بقوله تعالى: (اقتلوا أبناء ~~الذين آمنوا معه أعيدوا القتل عليهم كما كان أولا، قاله ابن عباس. وقال ~~قتادة: كان فرعون قد كف عن قتل الولدان، فلما بعث الله موسى، أعاد عليهم ~~القتل ليصدهم بذلك عن متابعة موسى. # قوله تعالى: (وما كيد الكافرين إلا في ضلال) أي: إنه يذهب باطلا ويحيق ~~بهم ما يريده الله عز وجل. # وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) يا قوم ~~لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال ~~فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي آمن ~~يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وثمود والذين ~~من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) PageV07P039 # ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين مالكم من الله ~~من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ~~فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ~~كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) (وقال فرعون ذروني أقتل موسى) وإنما ~~قال هذا: لأنه كان في خاصة فرعون من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك (وليدع ~~ربه) الذي يزعم ms1974 أنه أرسله فليمنعه من القتل (إني أخاف أن يبدل دينكم) أي: ~~عبادتكم إياي (وأن يظهر في الأرض الفساد) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: " وأن " بغير ألف. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: " أو أن " بألف ~~قبل الواو على معنى: إن لم يبدل دينكم أوقع الفساد، إلا أن نافعا وأبا عمرو ~~قرآ: " يظهر " بضم الياء " الفساد " بالنصب. وقرأ الباقون: " يظهر " بفتح ~~الياء " الفساد " بالرفع، والمعنى: يظهر الفساد بتغيير أحكامنا، فجعل ذلك ~~فسادا بزعمه، وقيل: يقتل أبناءكم كما تفعلون بهم. # فلما قال فرعون هذا، استعاذ موسى بربه فقال: (أني عذت بربي وربكم) قرأ ~~ابن كثير، وعاصم، وابن عامر: " عذت " مبينة الذال، وأدغمها أبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف (من كل متكبر) أي: متعظم عن الإيمان فقصد ~~فرعون قتل موسى: فقال: حينئذ (رجل مؤمن من آل فرعون...) وفي الآل هاهنا ~~قولان: # أحدهما: بمعنى الأهل والنسب، قال السدي ومقاتل: كان ابن عم فرعون، وهو ~~المراد بقوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) والثاني: أنه بمعنى ~~القبيلة والعشيرة، قال قتادة ومقاتل: كان قبطيا. وقال قوم: كان إسرائيليا، ~~وإنما المعنى: قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وفي اسمه خمسة أقوال: # أحدها: حزبيل، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: حبيب، قاله كعب. والثالث: سمعون، بالسين المهملة، قاله شعيب ~~الجبائي. # والرابع: جبريل. والخامس: شمعان، بالشين المعجمة، رويا عن ابن إسحاق، ~~وكذلك حكى الزجاج " شمعان " بالشين، وذكره ابن ماكولا بالشين المعجمة أيضا. ~~والأكثرون على أنه آمن بموسى لما جاء. وقال الحسن: كان مؤمنا قبل مجيء ~~موسى. وكذلك امرأة فرعون، قال مقاتل: كتم إيمانه PageV07P040 # من فرعون مائة سنة. # قوله تعالى: (أتقتلون رجلا أن يقول) أي: لأن يقول (ربي الله) وهذا ~~استفهام إنكار (وقد جاءكم بالبينات) أي: بما يدل على صدقه، (وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه) أي: لا يضركم ذلك (وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) من ~~العذاب. وفي " بعض " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى " كل "، قاله أبو عبيدة، وأنشد للبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها ms1975 أو يعتلق بعض النفوس حمامها أراد: كل النفوس. # والثاني: أنها صلة، والمعنى: يصبكم الذي يعدكم، حكي عن الليث. # والثالث: أنها على أصلها، ثم في ذلك قولان: أحدهما: أنه وعدهم النجاة إن ~~آمنوا، والهلاك إن كفروا، فدخل ذكر البعض لأنهم على أحد الحالين. والثاني: ~~أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، فصار هلاكهم في ~~الدنيا بعض الوعد، ذكرهما الماوردي. # قال الزجاج: هذا باب من النظر يذهب فيه المناظر إلى إلزام الحجة بأيسر ما ~~في الأمر، وليس في هذا نفي إصابة الكل، ومثله قول الشاعر: # قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون من المستعجل الزلل وإنما ذكر البعض ~~ليوجب الكل، لأن البعض من الكل، ولكن القائل إذا قال: أقل ما يكون للمتأني ~~إدراك بعض الحاجة، وأقل ما يكون للمستعجل الزلل، فقد أبان فضل المتأني على ~~المستعجل، بما لا يقدر الخصم أن يدفعه، فكأن المؤمن قال لهم: أقل ما يكون ~~في صدقة أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم، قال: وأما بيت لبيد: ~~فإنه أراد ببعض النفوس: نفسه وحدها. # قوله تعالى: (إن الله لا يهدي) أي: لا يوفق للصواب (من هو مسرف) عمرو ~~وفيه قولان: # أحدهما: أنه المشرك، قاله قتادة. # والثاني: أنه السفاك الدم، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (ظاهرين في الأرض) أي: عالين في أرض مصر (فمن ينصرنا) أي: من ~~يمنعنا (من بأس الله) أي: من عذابه، والمعنى: لا تتعرضوا للعذاب بالتكذيب ~~وقتل النبي، فقال فرعون عند ذلك: (ما أريكم) من الرأي والنصيحة (إلا ما ~~أرى) لنفسي (وما أهديكم) أي: PageV07P041 # أدعوكم إلا إلى طريق الهدى في تكذيب موسى والإيمان بي، وهذا يدل على أنه ~~انقطع عن جواب المؤمن. # (وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب) قال الزجاج: أي: ~~مثل يوم حزب حزب، والمعنى: أخاف أن تقيموا على كفركم فينزل بكم من العذاب ~~مثل ما نزل بالأمم المكذبة رسلهم. # قوله تعالى: (يوم التناد) قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: " التناد " بغير ياء. وأثبت ms1976 الياء في الوصل والوقف ابن كثير، ~~ويعقوب، وافقهم أبو جعفر في الوصل. وقرأ أبو بكر الصديق، وابن عباس، وسعيد ~~بن المسيب، وابن جبير، وأبو العالية، والضحاك: " التناد " بتشديد الدال. ~~قال الزجاج: أما إثبات الياء فهو الأصل، وحذفها حسن جميل، لأن الكسرة تدل ~~على الياء وهو رأس آية، وأواخر هذه الآيات على الدال، ومن قرأ بالتشديد، ~~فهو من قولهم: ند فلان، وند البعير: إذا هرب على وجهه، ويدل على هذا قوله: ~~" يوم تولون مدبرين " وقوله تعالى: # (يوم يفر المرء من أخيه)، قال أبو علي: معنى الكلام: إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم التناد. قال الضحاك: إذا سمع الناس زفير جهنم وشهيقها ندوا فرارا منها ~~في الأرض، فلا يتوجهون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة، فيرجعون من ~~حيث جاؤوا. وقال غيره: يؤمر بهم إلى النار فيفرون ولا عاصم لهم. فأما قراءة ~~التخفيف، فهي من النداء، وفيها للمفسرين بين أربعة أقوال: # أحدها: أنه عند نفخة الفزع ينادي الناس بعضهم بعضا، روى أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة ~~الأولى فيقول: أنفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء ~~الله، فتسير الجبال، وترج الأرض، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويولي الناس ~~مدبرين ينادي بعضهم بعضا: " يوم التناد ". # والثاني: أنه نداء أهل الجنة والنار بعضهم بعضا كما ذكر في الأعراف وهذا ~~قول قتادة. # والثالث: أنه قولهم: يا حسرتنا يا ويلتنا، قاله ابن جريج. # والرابع: أنه ينادى فيه كل أناس بإمامهم بسعادة السعداء وشقاوة الأشقياء. # قوله تعالى: (يوم تولون مدبرين) فيه قولان: # أحدهما: هربا من النار. PageV07P042 # والثاني: أنه انصرافهم إلى النار. # قوله تعالى: (مالكم من الله من عاصم) أي: من مانع. # قوله تعالى: (ولقد جاءكم يوسف) وهو يوسف بن يعقوب، ويقال: إنه ليس به، ~~وليس بشيء. # قوله تعالى: (من قبل) أي: من قبل موسى (بالبينات) وهي الدلالات على ~~التوحيد، كقوله تعالى: (أأرباب متفرقون خير...) الآية، وقال ابن السائب: ~~البينات: تعبير الرؤيا وشق القميص، وقيل: بل بعثه ms1977 الله تعالى بعد موت ملك ~~مصر إلى القبط. # قوله تعالى: (فما زلتم في شك مما جاءكم به) أي: من عبادة الله وحده (حتى ~~إذا هلك) أي: مات (قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) أي: إنكم أقمتم على ~~كفركم وظننتم أن الله لا يجدد إيجاب الحجة عليكم (كذلك) أي: مثل هذا الضلال ~~(يضل الله من هو مسرف) أي: # مشرك (مرتاب) أي: شاك في التوحيد وصدق الرسل. # الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان آتهم كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يا ~~هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد ~~فرعون إلا في تباب (37) قوله تعالى: (الذين يجادلون) قال الزجاج: هذا تفسير ~~المسرف المرتاب، والمعنى: هم الذين يجادلون في آيات الله. قال المفسرون: ~~يجادلون في إبطالها والتكذيب بها بغير سلطان، أي: # بغير حجة أتتهم من الله. # (كبر مقتا) أي: كبر جدالهم مقتا عند الله وعند الذين آمنوا، والمعنى: ~~يمقتهم الله ويمقتهم المؤمنون بذلك الجدال. # (كذلك) أي: كما طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا وجادلوا بالباطل، يطبع ~~(على كل قلب متكبر) عن عبادة الله وتوحيده. وقد سبق بيان معنى الجبار في ~~هود. وقرأ أبو عمرو: " على كل PageV07P043 # قلب " بالتنوين، وغيره من القراء السبعة يضيفه. وقال أبو علي: المعنى: ~~يطبع على جملة القلب من المتكبر. واختار قراءة الإضافة الزجاج، قال: لأن ~~المتكبر هو الإنسان، لا القلب. # فإن قيل: لو كانت هذه القراءة أصوب لتقدم القلب على الكل؟ # فالجواب: أن هذا جائز عند العرب، قال الفراء: تقدم هذا وتأخره واحد، سمعت ~~بعض العرب يقول: هو يرجل شعره يوم كل جمعة، يريد كل يوم جمعة، والمعنى ~~واحد. وقد قرأ ابن مسعود، وأبو عمران الجوني: " على قلب كل متكبر " بتقديم ~~القلب. # قال المفسرون: فلما وعظ المؤمن فرعون وزجره عن قتل موسى، قال فرعون ~~لوزيره: (يا هامان ابن ms1978 لي صرحا) وقد ذكرناه في القصص. # قوله تعالى: (لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات) قال ابن عباس وقتادة: ~~يعني أبوابها. # وقال أبو صالح: طرقها. وقال غيره: المعنى: لعلي أبلغ الطرق من سماء إلى ~~سماء. وقال الزجاج: # لعلي أبلغ ما يؤديني إلى السماوات. وما بعد هذا المفسر في القصص إلى قوله ~~تعالى: (وكذلك) أي: ومثل ما وصفنا (زين لفرعون سوء عمله وصد) عن سبيل ~~الهدى. قرأ عاصم، وحمزة والكسائي: " وصد " بضم الصاد، والباقون بفتحها، ~~(وما كيد فرعون) في إبطال آيات موسى (إلا في تباب) أي: في بطلان وخسران. # وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب (40) ثم عاد الكلام إلى نصيحة المؤمن لقومه، وهو ~~قوله: (اتبعون أهدكم سبيل الرشاد) أي: # طريق الهدى، (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع) يعني الحياة في هذه ~~الدار متاع يتمتع بها أياما ثم تنقطع (وإن الآخرة هي دار القرار) التي لا ~~زوال لها. # (من عمل سيئة) فيها قولان: # أحدهما: أنها الشرك، ومثلها جهنم، قاله الأكثرون. # والثاني: المعاصي، ومثلها: العقوبة بمقدارها، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~فعلى الأول، العمل الصالح: التوحيد، وعلى الثاني، هو على الإطلاق. # قوله تعالى: (فأولئك يدخلون الجنة) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " يدخلون " ~~بضم الياء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بالفتح، وعن عاصم ~~كالقراءتين. PageV07P044 # وفي قوله: (بغير حساب) قولان: # أحدهما: أنهم لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة، قاله مقاتل. # والثاني: أنه يصب عليهم الرزق صبا بغير تقتير، قاله أبو سليمان الدمشقي. # ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجوة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) لاجرم ~~أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله ~~وأن المسرفين هم أصحاب النار ms1979 (42) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى ~~الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا عند وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ~~ادخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) قوله تعالى: (ويا قوم مالي أدعوكم) أي: ~~مالكم كما تقول: ما لي أراك حزينا، معناه: # مالك، ومعنى الآية: أخبروني كيف هذه الحال، أدعوكم (إلى النجاة) من النار ~~بالإيمان: # (وتدعونني إلى النار) أي: إلى الشرك الذي يوجب النار؟! ثم فسر الدعوتين ~~بما بعد هذا. # ومعنى (ليس لي به علم) أي: لا أعلم هذا الذي ادعوه شريكا له. وقد سبق ~~بيان ما بعد هذا إلى قوله تعالى: (ليس له دعوة) وفيه قولان: # أحدهما: ليس له استجابة دعوة، قاله السدي. # والثاني: ليس له شفاعة، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (وأن مردنا إلى الله) أي: مرجعنا، والمعنى أنه يجازينا ~~بأعمالنا. وفي المسرفين قولان قد ذكرناهما عند قوله عز وجل: (مسرف كذاب). # قوله تعالى: (فستذكرون ما أقول لكم) وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وأبو ~~عمران الجوني، وأبو رجاء: " فستذكرون " بفتح الذال وتخفيفها وتشديد الكاف ~~وفتحها، وقرأ أبي بن كعب، وأيوب السختياني: بفتح الذال والكاف وتشديدهما ~~جميعا. أي: إذا نزل العذاب بكم، ما أقول لكم في الدنيا من النصيحة؟! ~~PageV07P045 # (وأفوض أمري إلى الله) أي: أرده، وذلك أنهم تواعدوه لمخالفته دينهم (إن ~~الله بصير بالعباد) أي: بأوليائه وأعدائه. # ثم خرج المؤمن عنهم، فطلبوه فلم يقدروا عليه، ونجا مع موسى لما عبر ~~البحر، فذلك قوله [تعالى]: (فوقاه الله سيئات ما مكروا) أي: ما أرادوا به ~~من الشر (وحاق بآل فرعون) لما لجوا في البحر (سوء العذاب) قال المفسرون: هو ~~الغرق. # قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) قال ابن مسعود وابن عباس: ~~إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين فيقال: ~~يا آل فرعون هذه داركم. # وروى ابن جرير قال: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: حدثنا حماد بن ~~محمد البلخي قال: # سمعت الأوزاعي، وسأله ms1980 رجل، فقال: رأينا طيورا تخرج من البحر فتأخذ ناحية ~~الغرب بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشي رجع مثلها ~~سودا، قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: # نعم، قال: إن تلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا ~~وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداء، فينبت عليها من ~~الليل رياش بيض، وتتناثر السود، ثم تغدو ويعرضون على النار غدوا وعشيا، ~~فذلك دأبها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل: (أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب). وقد روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده ~~بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار ~~فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ". # وهذه الآية تدل على عذاب القبر، لأنه بين ما لهم في الآخرة فقال: (ويوم ~~تقوم الساعة ادخلوا) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر وأبان عن عاصم: " ~~الساعة ادخلوا " بالضم وضم الخاء على معنى الأمر لهم بالدخول، والابتداء ~~على قراءة هؤلاء بضم الألف. وقرأ الباقون: بالقطع مع كسر الخاء على جهة ~~الأمر للملائكة بإدخالهم، وهؤلاء يبتدئون بفتح الألف. # وإذا يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ~~فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن ~~الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا ~~بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (50) PageV07P046 # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) ~~يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) قوله تعالى: ~~(وإذ يتحاجون في النار) المعنى: واذكر لقومك يا محمد إذ يختصمون، يعني أهل ~~النار، والآية مفسرة في إبراهيم والذين استكبروا هم القادة. ومعنى ms1981 (إنا كل ~~فيها) أي: نحن وأنتم، (إن الله قد حكم بين العباد) أي: قضى هذا علينا ~~وعليكم. ومعنى قول الخزنة لهم: # (فادعوا) أي: نحن لا ندعو لكم (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي: إن ~~ذلك يبطل ولا ينفع. (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ذلك بإثبات حججهم. # والثاني: بإهلاك عدوهم. # والثالث: بأن العاقبة تكون لهم. وفصل الخطاب: أن نصرهم حاصل لابد منه، ~~فتارة يكون بإعلاء أمرهم كما أعطى داود وسليمان من الملك ما قهرا به كل ~~كافر، وأظهر محمدا صلى الله عليه وسلم على مكذبيه، وتارة يكون بالانتقام من ~~مكذبيهم بإنجاء الرسل وإهلاك أعدائهم، كما فعل بنوح وقومه وموسى وقومه، ~~وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاة الرسل، كتسليطه بختنصر على قتلة ~~يحيى بن زكريا. وأما نصرهم يوم يقوم الأشهاد، فإن الله منجيهم من العذاب، ~~وواحد الأشهاد شاهد، كما أن واحد الأصحاب صاحب. وفي الأشهاد ثلاثة أقوال: # أحدها: الملائكة، شهدوا للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب، قاله ~~مجاهد، والسدي. # قال مقاتل: وهم الحفظة من الملائكة. # والثاني: الملائكة والأنبياء، قاله قتادة. # والثالث: أنهم أربعة: الأنبياء والملائكة والمؤمنون والجوارح قاله ابن ~~زيد. # قوله تعالى: (يوم لا ينفع) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " تنفع " بالتاء، ~~والباقون بالياء، لأن المعذرة والاعتذار بمعنى (الظالمين معذرتهم) أي: لا ~~يقبل منهم إن اعتذروا (ولهم اللعنة) أي: # البعد من الرحمة. وقد بينا في الرعد أن " لهم " بمعنى " عليهم "، و (سوء ~~الدار): النار. # ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولى ~~PageV07P047 # الألباب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار (55) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) وما ~~يستوى الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما ~~تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن ms1982 أكثر الناس لا (59) وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ~~(60) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل ~~على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا ~~إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) ~~الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من ~~الطيبات ذلك الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحي لا إله إلا هو ~~فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) * قل إني نهيت أن أعبد ~~الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب ~~العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ~~ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا ~~مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي يحي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون (68) (ولقد آتينا موسى الهدى) من الضلالة، يعني التوراة (وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب) بعد موسى، وهو التوراة أيضا في قول الأكثرين، وقال ابن ~~السائب: التوراة والإنجيل والزبور، والذكرى بمعنى التذكير. PageV07P048 # (فاصبر) على أذاهم (إن وعد الله حق) في نصرك، وهذه الآية في هذه السورة ~~في موضعين وقد ذكروا أنها منسوخة بآية السيف. ومعنى " سبح ": صل وفي المراد ~~بصلاة العشي والإبكار ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس. # والثاني: صلاة الغداة وصلاة العصر، قاله قتادة. # والثالث: أنها صلاة كانت قبل أن تفرض الصلوات، ركعتان غدوة، وركعتان ~~عشية، قاله الحسن. # وما بعد هذا قد تقدم آنفا إلى قوله: (إن في صدورهم إلا كبر...) الآية ~~نزلت في قريش، والمعنى: ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من التكبر ~~عليك، وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر، لأن الله تعالى مذلهم، (فاستعذ ~~بالله) من شرهم، ثم نبه على قدرته بقوله: (لخلق السماوات والأرض أكبر من ~~خلق الناس) أي: من إعادتهم، وذلك ms1983 لكثرة أجزائها وعظم جرمها، فنبههم على ~~قدرته على إعادة الخلق. (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يعني الكفار حين لا ~~يستدلون بذلك على التوحيد. وقال مقاتل: عظمت اليهود الدجال وقالوا: إن ~~صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان، فقال الله: (إن الذين يجادلون في ~~آيات الله) لأن الدجال من آياته، (بغير سلطان) أي: بغير حجة، فاستعذ بالله ~~من فتنة الدجال. قال: والمراد ب‍ " خلق الناس ": # الدجال، وإلى نحو هذا ذهب أبو العالية، والأول أصح. # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: (ادعوني أستجب لكم) فيه قولان: # أحدهما: وحدوني واعبدوني أثبكم، قاله ابن عباس. # والثاني: سلوني أعطكم، قاله السدي. # (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) فيه قولان: # أحدهما: عن توحيدي. # والثاني: عن دعائي ومسألتي (سيدخلون جهنم) قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن ~~عاصم، وعباس بن الفضل عن أبي عمرو: " سيدخلون " بضم الياء، والباقون ~~بفتحها. والداخر: # الصاغر. # وما بعد هذا قد سبق في مواضع متفرقة إلى قوله: (ولتبلغوا أجلا مسمى) وهو ~~أجل الحياة إلى الموت (ولعلكم تعقلون) توحيد الله وقدرته. PageV07P049 # ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما ~~كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ~~كذلك يضل الله الكافرين (74) (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله) يعني ~~القرآن، يقولون: ليس من عند الله، (أنى يصرفون) أي: كيف صرفوا عن الحق إلى ~~الباطل؟! وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم مشركون، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم القدرية، ذكرة جماعة من المفسرين، وكان ابن سيرين يقول: إن ~~لم تكن نزلت في القديرة فلا أدري فيمن نزلت. # وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، وأبو مجلز، والضحاك، وابن يعمر، ~~وابن أبي عبلة: " والسلاسل يسحبون " بفتح اللام والياء. وقال ابن عباس: إذا ~~سحبوها كان أشد عليهم. # قوله تعالى: (يسجرون) قال مجاهد: توقد بهم النار فصاروا ms1984 وقودها. # قوله تعالى: (أين ما كنتم تشركون) مفسر في الأعراف وفي قوله: (لم نكن ~~ندعو من قبل شيئا) قولان: # أحدهما: أنهم أرادوا أن الأصنام لم تكن شيئا، لأنها لم تكن تضر ولا تنفع، ~~وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنهم قالوه على وجه الجحود، قاله أبو سليمان الدمشقي، (كذلك) ~~أي: كما أضل الله هؤلاء يضل الكافرين. # ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) أدخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله PageV07P050 # قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ~~منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ~~وعليها وعلى الفلك تحملون (80) ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر ~~منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزؤون (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون (85) (ذلكم) العذاب الذي نزل بكم (بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق) أي: بالباطل (وبما كنتم تمرحون) وقد شرحنا ~~المرح في بني إسرائيل وما بعد هذا قد تقدم بتمامه إلى قوله: (وما كان لرسول ~~أن يأتي بآية إلا بإذن الله) وذلك لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات (فإذا ~~جاء أمر الله) وهو قضاؤه بين الأنبياء وأممهم، و (المبطلون): أصحاب الباطل. # قوله تعالى: (ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) أي: حوائجكم في البلاد. # قوله تعالى: (فأي آيات الله تنكرون) استفهام توبيخ. # قوله تعالى: (فما أغنى عنهم) في " ما ms1985 " قولان: # أحدهما: أنها النفي. # والثاني: أنها للاستفهام، ذكرهما ابن جرير. # قوله تعالى: (فرحوا بما عندهم من العلم) في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم الأمم المكذبة، قاله الجمهور، ثم في معنى الكلام قولان: ~~أحدهما: أنهم قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نحاسب، قاله مجاهد. # والثاني: فرحوا بما كان عندهم أنه علم، قاله السدي. PageV07P051 # والقول الثاني: أنهم الرسل، والمعنى: فرح الرسل لما هلك المكذبون ونجوا ~~بما عندهم من العلم بالله إذ جاء تصديقه، حكاه أبو سليمان وغيره. # قوله تعالى: (وحاق بهم) يعني بالمكذبين العذاب الذي كانوا به يستهزئون. ~~والبأس: # العذاب. ومعنى (سنة الله): أنه سن هذه السنة في الأمم، أي: أن إيمانهم لا ~~ينفعهم إذا رأوا العذاب، (وخسر هنالك الكافرون). # فإن قيل: كأنهم لم يكونوا خاسرين قبل ذلك فعنه جوابان. # أحدهما: أن " خسر " بمعنى " هلك "، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه إنما بين لهم خسرانهم عند نزول العذاب، قاله الزجاج. ~~PageV07P052 # (41) سورة فصلت مكية (1) وآياتها 54 نزلت بعد غافر مكية [كلها] بإجماعهم، ~~ويقال لها: سجدة المؤمن، ويقال لها: المصابيح بسم الله الرحمن الرحيم حم ~~(1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ~~(3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) وقالوا قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ~~(5) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالأخرة هم كافرون ~~(7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8) PageV07P053 # قوله تعالى: (تنزيل) قال الفراء: يجوز أن يرتفع " تنزيل " ب‍ (حم)، ويجوز ~~أن يرتفع بإضمار " هذا ". وقال الزجاج: " تنزيل " مبتدأ، وخبره " كتاب فصلت ~~آياته " هذا مذهب البصريين، و (قرآنا) منصوب على الحال، المعنى: بينت آياته ~~في حال جمعه، (لقوم يعلمون) أي: لمن يعلم. # قوله تعالى: (فأعرض أكثرهم) يعني أهل مكة (فهم لا يسمعون) تكبرا عنه، ~~(وقالوا قلوبنا في أكنة) أي: في أغطية فلا نفقه قولك. وقد سبق بيان " ~~الأكنة " و " الوقر ms1986 " في الأنعام. ومعنى الكلام: إنا في ترك القبول منك ~~بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم، (ومن بيننا وبينك حجاب) أي: # حاجز في النحلة والدين. قال الأخفش: " ومن " هاهنا للتوكيد. # قوله تعالى: (فاعمل) فيه قولان: # أحدهما: اعمل في إبطال أمرنا إنا عاملون على إبطال أمرك. # والثاني: اعمل على دينك إنا عاملون على ديننا. # (قل إنما أنا يشر مثلكم) أي: لولا الوحي لما دعوتكم. # (فاستقيموا إليه) أي: توجهوا إليه بالطاعة. واستغفروه من الشرك. # قوله تعالى: (الذين لا يؤتون الزكاة) فيه خمسة أقوال: # أحدها: لا يشهدون أن " لا إله إلا الله "، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وبه قال عكرمة، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. # والثاني: لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: لا يزكون أعمالهم، قاله مجاهد، والربيع. # والرابع: لا يتصدقون، ولا ينفقون في الطاعات، قاله الضحاك، ومقاتل. # والخامس: لا يعطون زكاة أموالهم، قال ابن السائب: كانوا يحجون ويعتمرون ~~ولا يزكون. # قوله تعالى: (غير ممنون) أي: غير مقطوع ولا منقوص. PageV07P054 # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير ~~العزيز العليم (12) قوله تعالى: (وخلق الأرض في يومين) قال ابن عباس: في ~~يوم الأحد والاثنين، وبه قال عبد الله بن سلام، والسدي، والأكثرون. وقال ~~مقاتل: في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقد أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي ~~هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: " خلق الله عز ~~وجل التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم ~~الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها ~~الدواب يوم الخميس "، وهذا الحديث يخالف ما تقدم وهو ms1987 أصح. # قوله تعالى: (وتجعلون له أندادا) قد شرحناه في البقرة و (ذلك) الذي فعل ~~ما ذكر (رب العالمين). # (وجعل فيها رواسي) أي: جبالا ثوابت من فوق الأرض، (وبارك فيها) بالأشجار ~~والثمار والحبوب والأنهار، وقيل: البركة فيها: أن ينمي فيها الزرع، فتخرج ~~الحبة حبات، والنواة نخلة (وقدر فيها أقواتها) قال أبو عبيدة: هي جمع قوت، ~~وهي الأرزاق وما يحتاج إليه. وللمفسرين في هذا التقدير خمسة أقوال: # أحدها: أنه شقق الأنهار وغرس الأشجار، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه قسم أرزاق العباد والبهائم، قاله الحسن. # والثالث: أقواتها من المطر، قاله مجاهد. # والرابع: قدر لكل بلدة ما لم يجعله في الأخرى كما أن ثياب اليمن لا تصلح ~~إلا ب‍ " اليمن " والهروية ب‍ " هراة " ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة، قاله ~~عكرمة والضحاك. # والخامس: قدر البر لأهل قطر، والتمر لأهل قطر، والذرة لأهل قطر، قاله ابن ~~السائب. # قوله تعالى: (في أربعة أيام) أي: في تتمة أربعة أيام. قال الأخفش: ومثله ~~[أن] تقول: PageV07P055 # تزوجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما التي تزوجتها أمس. # قال المفسرون: يعني: الثلاثاء والأربعاء، وهما مع الأحد والاثنين أربعة ~~أيام. # قوله تعالى: (سواء) قرأ أبو جعفر: " سواء " بالرفع. وقرأ يعقوب، وعبد ~~الوارث: " سواء " بالجر. وقرأ الباقون من العشرة: بالنصب. قال الزجاج: من ~~قرأ بالخفض، جعل " سواء " من صفة الأيام، فالمعنى: في أربعة أيام مستويات ~~تامات، ومن نصب، فعلى المصدر، فالمعنى: استوت سواء واستواء، ومن رفع، فعلى ~~معنى: هي سواء. # وفي قوله: (للسائلين) وجهان: # أحدهما: للسائلين القوت، لأن كلا يطلب القوت ويسأله. # والثاني: لمن يسأل. في كم خلقت الأرض؟ فيقال: خلقت في أربعة أيام سواء، ~~لا زيادة ولا نقصان. # قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء) قد شرحناه في البقرة (وهي دخان) وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنه لما خلق الماء أرسل عليه الريح فثار منه دخان فارتفع وسما، ~~فسماه سماء والثاني: أنه لما خلق الأرض أرسل عليها نارا، فارتفع منها دخان ~~فسما. # قوله تعالى: (فقال لها وللأرض) قال ابن عباس: قال للسماء: أظهري شمسك ~~وقمرك ونجومك، وقال ms1988 للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك، (طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين) قال الزجاج: هو منصوب على الحال، وإنما لم يقل: طائعات، ~~لأنهن جرين مجرى ما يعقل ويميز، كما قال في النجوم: (وكل في فلك يسبحون) ~~قال: وقد قيل: أتينا نحن ومن فينا طائعين. # (فقضاهن) أي: خلقهن وصنعهن، قال أبو ذؤيب الهذلي: # وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع معناه: عملهما ~~وصنعهما. # قوله تعالى: (في يومين) قال ابن عباس وعبد الله بن سلام: وهما يوم الخميس ~~ويوم الجمعة. وقال مقاتل: الأحد والاثنين، لأن مذهبه أنها خلقت قبل الأرض. ~~وقد بينا مقدار هذه الأيام في الأعراف. # (وأوحى في كل سماء أمرها) فيه قولان: # أحدهما: أوحى ما أراد، وأمر بما شاء، قاله مجاهد، ومقاتل. # والثاني: خلق في كل سماء خلقها، قاله السدي. PageV07P056 # قوله تعالى: (وزينا السماء الدنيا) أي: القربى إلى الأرض (بمصابيح) وهي ~~النجوم، والمصابيح: السرج، فسمي الكوكب مصباحا، لإضاءته (وحفظا) قال ~~الزجاج: معناه: وحفظناها من استماع الشياطين بالكواكب حفظا. # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل ~~من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ~~وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ~~لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ~~(16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب ~~الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) قوله ~~تعالى: (فإن أعرضوا) عن الإيمان بعد هذا البيان (فقل أنذرتكم صاعقة) ~~الصاعقة: # المهلك من كل شيء، والمعنى: أنذرتكم عذابا مثل عذابهم، وإنما خص ~~القبيلتين، لأن قريشا يمرون على قرى القوم في أسفارهم. # (إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم) أي: أتت آباءهم ومن كان قبلهم (من ~~خلفهم) أي: # من خلف الآباء، وهم الذين أرسلوا إلى هؤلاء المهلكين ms1989 (ألا تعبدوا) أي: ~~بأن لا تعبدوا (إلا الله قالوا لو شاء ربنا) أي: لو أراد دعوة الخلق (لأنزل ~~ملائكة). # قوله تعالى: (فاستكبروا) أي: تكبروا عن الإيمان وعملوا بغير الحق. وكان ~~هود قد تهددهم بالعذاب فقالوا: نحن نقدر على دفعه بفضل قوتنا. والآيات ~~هاهنا: الحجج وفي الريح الصرصر أربعة أقوال: # أحدها: أنها الباردة، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وقال الفراء: هي ~~الريح الباردة تحرق كالنار، وكذلك قال الزجاج: هي الشديدة البرد جدا، ~~فالصرصر متكرر فيها البرد، كما تقول: PageV07P057 # أقللت الشيء وقلقلته، فأقللته بمعنى رفعته، وقلقلته: كررت رفعه. # والثاني: أنها الشديدة السموم، قاله مجاهد. # والثالث: الشديدة الصوت، قاله السدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. # والرابع: الباردة الشديدة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (في أيام نحسات) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " نحسات " ~~بإسكان الحاء، وقرأ الباقون: بكسرها. قال الزجاج: من كسر الحاء، فواحدهن " ~~نحس "، ومن أسكنها، فواحدهن " نحس "، والمعنى: مشؤومات. # وفي أول هذه الأيام ثلاثة أقوال: # أحدها: غداة يوم الأحد، قاله السدي. # والثاني: يوم الجمعة، قاله الربيع بن أنس. # والثالث: يوم الأربعاء، قاله يحيى بن سلام. والخزي: الهوان. # قوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بينا لهم، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. وقال قتادة: بينا لهم ~~سبيل الخير والشر. # والثاني: دعوناهم، قاله مجاهد. # والثالث: دللناهم على مذهب الخير، قاله الفراء. # قوله تعالى: (فاستحبوا العمى) أي: اختاروا الكفر على الإيمان، (فأخذتهم ~~صاعقة العذاب الهون) أي: ذي الهوان، وهو الذي يهينهم. # ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاؤها شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن ~~يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) وقيضنا PageV07P058 # لهم قرناء فزينوا ms1990 لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) قوله تعالى: (ويوم ~~يحشر أعداء الله) وقرأ نافع: " نحشر " بالنون " أعداء " بالنصب. # قوله تعالى: (فهم يوزعون) أي: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا. # (حتى إذا ما جاؤوها) يعني النار التي حشروا إليها (شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم)، وفي المراد بالجلود ثلاثة أقوال: # أحدها: الأيدي والأرجل. # والثاني: الفروج، رويا عن ابن عباس. # والثالث: أنه الجلود نفسها، حكاه الماوردي. وقد أخرج مسلم في أفراده من ~~حديث أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: " ~~هل تدرون مم أضحك؟ " قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " من مخاطبة العبد ~~ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: # بلى، قال: فيقول: لا أجيز علي إلا شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك ~~اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال ~~لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، ~~فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل ". # قوله تعالى: (قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) أي: مما نطق. وهاهنا ~~تم الكلام. وما بعده ليس من جواب الجلود. # قوله تعالى: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم) روى ~~البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث ابن مسعود قال: كنت مستترا بأستار ~~الكعبة، فجاء ثلاثة نفر، قرشي وختناه ثقفيان، أو ثقفي وختناه قرشيان، كثير ~~شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون ~~الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخران: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإن لم ~~نرفع لم يسمع، وقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله، فذكرت ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم...) إلى قوله: (من الخاسرين). # ومعنى " تستترون ": تستخفون " أن يشهد " أي: من أن يشهد " عليكم سمعكم " ~~لأنكم لا تقدرون PageV07P059 # على الاستخفاء من جوارحكم، ولا تظنون أنها تشهد ms1991 (ولكن ظننتم أن الله لا ~~يعلم كثيرا مما تعملون) قال ابن عباس: كان الكفار يقولون: إن الله لا يعلم ~~ما في أنفسنا، ولكنه يعلم ما يظهر، (وذلكم ظنكم) أي: أن الله لا يعلم ما ~~تعملون، (أرادكم) أهلككم. # (فإن يصبروا) أي: على النار فهي مسكنهم، (وإن يستعتبوا) أي: يسألوا أن ~~يرجع لهم إلى ما يحبون، لم يرجع لهم، لأنهم لا يستحقون ذلك. يقال: أعتبني ~~فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي. واستعتبته، أي: طلبت منه أن يعتب * أي: ~~يرضى. # قوله تعالى: (وقضينا لهم قرناء) أي: سببنا لهم قرناء من الشياطين (فزينوا ~~لهم ما بين أيديهم وما خلفهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما بين أيديهم: من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا ~~حساب، وما خلفهم: # من أمر الدنيا، فزينوا لهم اللذات وجمع الأموال وترك الإنفاق في الخير. # والثاني: ما بين أيديهم: من أمر الدنيا، وما خلفهم: من أمر الآخرة، على ~~عكس الأول. # والثالث: ما بين أيديهم: ما فعلوه، وما خلفهم: ما عزموا على فعله. وباقي ~~الآية قد تقدم تفسيره. # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) ~~فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعلمون (27) ~~ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون (28) قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن) أي: لا ~~تسمعوه (والغوا فيه) أي: # عارضوه باللغو، وهو الكلام الخالي عن فائدة. وكان الكفار يوصي بعضهم ~~بعضا: إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه فارفعوا أصواتكم حتى تلبسوا عليهم ~~قولهم. وقال مجاهد: والغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط من القول على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ (لعلكم تغلبون) فيسكتون. # قوله تعالى: (جزاء أعداء الله) يعني العذاب المذكور. وقوله: (النار) بدل ~~من الجزاء (لهم فيها دار الخلد) أي: دار الإقامة. قال الزجاج: النار هي ~~الدار، ولكنه كما تقول: لك في PageV07P060 # هذه الدار دار السرور، وأنت تعني الدار بعينها، قال الشاعر: # أخو رغائب يعطيها ويسألها يأبى ms1992 الظلامة منه النوفل الزفر وقال الذين ~~كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الأسفلين (29) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) نحن ~~أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ~~ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) قوله تعالى: (وقال الذين كفروا) لما ~~دخلوا النار (ربنا أرنا اللذين أضلانا) وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " ~~أرنا " بسكون الراء. قال المفسرون: يعنون إبليس وقابيل، لأنهما سنا ~~المعصية، (نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين) أي: في الدرك الأسفل، ~~وهو أشد عذابا من غيره. # ثم ذكر المؤمنين فقال: (إن الذين قالوا ربنا الله) أي: وحدوه (ثم ~~استقاموا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: استقاموا على التوحيد، قاله أبو بكر الصديق، ومجاهد. # والثاني: على طاعة الله وأداء فرائضه، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. # والثالث: على الإخلاص والعمل إلى الموت، قاله أبو العالية، والسدي، وروى ~~عطاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق، وذلك أن المشركين ~~قالوا: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم ~~يستقيموا، وقالت اليهود: ربنا الله، وعزيز ابنه، ومحمد ليس بنبي، فلم ~~يستقيموا، وقالت النصارى: ربنا الله، والمسيح ابنه، ومحمد ليس بنبي، فلم ~~يستقيموا، وقال أبو بكر: ربنا الله وحده، ومحمد عبده ورسوله، فاستقام. # قوله تعالى: (تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا) أي: بأن لا تخافوا، وفي ~~وقت نزولها عليهم قولان: # أحدهما: عند الموت، قاله ابن عباس، ومجاهد، فعلى هذا في معنى " لا تخافوا ~~" قولان: # أحدهما: لا تخافوا الموت، ولا تحزنوا على أولادكم، قاله مجاهد. والثاني: ~~لا تخافوا ما أمامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، قاله عكرمة، والسدي. ~~PageV07P061 # والقول الثاني: تتنزل عليهم إذا قاموا من القبور، قاله قتادة، فيكون معنى ~~" لا تخافوا ": أنهم يبشرونهم بزوال الخوف والحزن يوم القيامة. # قوله تعالى: (نحن أولياؤكم) قال المفسرون: هذا قول الملائكة لهم، ~~والمعنى: نحن [الذين] كنا نتولاكم في الدنيا، ms1993 لأن الملائكة تتولى المؤمنين ~~وتحبهم لما ترى من أعمالهم المرفوعة إلى السماء، (وفي الآخرة) أي: ونحن ~~معكم في الآخرة لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. وقال السدي: هم الحفظة على ~~ابن آدم، فلذلك قالوا: " نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة "، ~~وقيل: هم الملائكة الذين يأتون لقبض الأرواح. # قوله تعالى: (ولكم فيها) أي: في الجنة. # قال الزجاج: معناه: أبشروا بالجنة تنزلونها [نزلا]. وقال الأخفش: لكم ~~فيها ما تشتهي أنفسكم أنزلناه نزلا. # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) ~~تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذين بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ~~(35) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ~~قوله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله) فيمن أريد بهذا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم المؤذنون. روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " نزلت في المؤذنين "، وهذا قول عائشة، ومجاهد، وعكرمة. # والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله، قاله ابن عباس: والسدي، وابن زيد. # والثالث: أنه المؤمن أجاب الله إلى ما دعاه، ودعا الناس إلى ذلك (وعمل ~~صالحا) في إجابته، قاله الحسن. وفي قوله: (وعمل صالحا) ثلاثة أقوال: # أحدها: صلى ركعتين بعد الأذان، وهو قول عائشة، ومجاهد، وروى إسماعيل بن ~~أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله " قال: ~~الأذان " وعمل صالحا " قال: الصلاة بين الأذان والإقامة. # والثاني: أدى الفرائض وقام لله بالحقوق، قاله عطاء. PageV07P062 # والثالث: صام وصلى، قاله عكرمة. # قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) قال الزجاج: " لا " زائدة ~~مؤكدة، والمعنى: # ولا تستوي الحسنة والسيئة، وللمفسرين فيهما ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الحسنة: الإيمان، والسيئة: الشرك، قاله ابن عباس. # والثاني: الحلم والفحش، قاله الضحاك. # والثالث: النفور والصبر، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن) ms1994 وذلك كدفع الغضب بالصبر، والإساءة ~~بالعفو، فإذا فعلت ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصديق القريب. وقال ~~عطاء. هو السلام على من تعاديه إذا لقيته. قال المفسرون: وهذه الآية منسوخة ~~بآية السيف. # قوله تعالى: (وما يلقاها) أي: ما يعطاها. قال الزجاج: ما يلقى هذه ~~الفعلة: وهي دفع السيئة بالحسنة (إلا الذين صبروا) على كظم الغيظ (وما ~~يلقاها إلا ذو حظ عظيم) من الخير. # وقال السدي: إلا ذو جد. وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة، فالمعنى: ما ~~يلقاها إلا من وجبت له الجنة. # قوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) قد فسرناه في الأعراف. # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ~~ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون (38) ومن آياته أنك ترى الأرض ~~خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه ~~على كل شئ قدير (39) قوله تعالى: (فإذا استكبروا) أي: تكبروا عن التوحيد ~~والعبادة (فالذين عند ربك) يعني الملائكة (يسبحون) أي: يصلون. و " يسأمون " ~~بمعنى يملون. وفي موضع السجدة قولان: # أحدهما: أنه عند قوله: " يسأمون "، قاله ابن عباس، ومسروق، وقتادة، ~~واختاره القاضي أبو يعلى، لأنه تمام الكلام. # والثاني: أنه عند قوله: (إن كنتم إياه تعبدون)، روي عن أصحاب عبد الله، ~~والحسن، وأبي عبد الرحمن. PageV07P063 # قوله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة) قال قتادة: غبراء متهشمة ~~قال الأزهري: # إذا يبست الأرض ولم تمطر، قيل: خشعت. # قوله تعالى: (اهتزت) أي: تحركت بالنبات (وربت) أي: علت، لأن النبت إذا ~~أراد أن يظهر ارتفعت له الأرض، وقد سبق بيان هذا إن الذين يلحدون في آياتنا ~~لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ~~ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه ~~لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد (42) قوله تعالى: (إن الذين يلحدون ms1995 في آياتنا) قال مقاتل: نزلت في أبي ~~جهل وقد شرحنا معنى الإلحاد في المحل، وفي المراد به هاهنا خمسة أقوال: # أحدها: أنه وضع الكلام على غير موضعه، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه المكاء والصفير عند تلاوة القرآن، قاله مجاهد. # والثالث: أنه التكذيب بالآيات، قاله قتادة. # والرابع: أنه المعاندة، قاله السدي. # والخامس: أنه الميل عن الإيمان بالآيات، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (لا يخفون علينا) هذا وعيد بالجزاء (أفمن يلقى في النار خير ~~أم من يأتي آمنا يوم القيامة) وهذا عام، غير أن المفسرين ذكروا فيمن أريد ~~به سبعة أقوال: # أحدها: أنه أبو جهل وأبو بكر الصديق، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أبو جهل وعمار بن ياسر، قاله عكرمة. # والثالث: أبو جهل ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب، ~~ومقاتل. # والرابع: أبو جهل وعثمان بن عفان، حكاه الثعلبي. # والخامس: أبو جهل وحمزة، حكاه الواحدي. # والسادس: أبو جهل وعمر بن الخطاب. # والسابع: الكافر والمؤمن، حكاهما الماوردي. # قوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه الوعيد ~~والتهديد. PageV07P064 # قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر) يعني القرآن، ثم أخذ في وصف الذكر، ~~وترك جواب " إن "، وفي جوابها هاهنا قولان: # [أحدهما]: أنه " أولئك ينادون من مكان بعيد "، ذكره الفراء. # والثاني: أنه متروك، وفي تقديره قولان: أحدهما: إن الذين كفروا بالذكر ~~لما جاءهم كفروا به. والثاني: إن الذين كفروا يجازون بكفرهم. # قوله تعالى: (وإنه لكتاب عزيز) فيه أربعة أقوال: # أحدها: منيع من الشيطان لا يجد إليه سبيلا، قاله السدي. # والثاني: كريم على الله، قاله ابن السائب. # والثالث: منيع من الباطل، قاله مقاتل. # والرابع: يمتنع على الناس أن يقولوا مثله، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (لا يأتيه الباطل) فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: التكذيب، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: الشيطان. # والثالث: التبديل، رويا عن مجاهد. قال قتادة: لا يستطيع إبليس أن ينقص ~~منه حقا، ولا يزيد فيه باطلا، وقال مجاهد: لا يدخل فيه ما ليس منه. # وفي قوله: (من بين يديه ولا من ms1996 خلفه) ثلاثة أقوال. # أحدها: بين يدي تنزيله، وبعد نزوله. # والثاني: أنه ليس قبله كتاب يبطله، ولا يأتي بعده كتاب يبطله. # والثالث: لا يأتيه الباطل في إخباره عما تقدم، ولا في إخباره عما تأخر. # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ~~(43) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد (44) قوله تعالى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك) فيه قولان: # أحدهما: أنه قد قيل فيمن أرسل قبلك: ساحر وكاهن ومجنون. وكذبوا كما كذبت، ~~هذا قول الحسن، وقتادة، والجمهور. # والثاني: ما تخبر إلا بما أخبر الأنبياء قبلك من أن الله غفور، وأنه ذو ~~عقاب، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (ولو جعلناه) يعني الكتاب الذي أنزل عليه (قرآنا أعجميا) أي: ~~بغير لغة PageV07P065 # العرب (لقالوا لولا فصلت آياته) أي: هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمه؟! ~~(أأعجمي وعربي) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: ~~" آعجمي " [بهمزة] ممدودة، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " ~~أأعجمي " بهمزتين، والمعنى: أكتاب أعجمي ونبي عربي؟ وهذا استفهام إنكار، ~~أي: لو كان كذلك لكان أشد لتكذيبهم. # (قل هو) يعني القرآن (للذين آمنوا هدى) من الضلالة (وشفاء) للشكوك ~~والأوجاع. # و " الوقر ": الصمم، فهم في ترك القبول بمنزلة من في أذنه صمم. # (وهو عليهم عمى) أي: ذو عمى. قال قتادة: صموا عن القرآن وعموا عنه (أولئك ~~ينادون من مكان بعيد) أي: إنهم لا يسمعون ولا يفهمون كالذي ينادي من بعيد. # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك ~~بظلام للعبيد (46) قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) هذه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: كما آمن بكتابك قوم وكذب به قوم. فكذلك ~~كتاب ms1997 موسى، (ولولا كلمة سبقت من ربك) في تأخير العذاب إلى أجل مسمى وهو ~~القيامة (لقضي بينهم) بالعذاب الواقع بالمكذبين (وإنهم لفي شك) من صدقك ~~وكتابك، (مريب) أي: موقع لهم الريبة. # إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركاءي قالوا ءاذناك ما منا من شهيد (47) ~~وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا مالهم من محيص (48) قوله تعالى: ~~(إليه يرد علم الساعة) سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: أخبرنا عن الساعة إن كنت رسولا كما تزعم، قاله مقاتل. ومعنى الآية: ~~لا يعلم قيامها إلا هو، فإذا سئل عنها فعلمها مردود إليه. # (وما تخرج من ثمرة) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر ~~عن عاصم: PageV07P066 # " من ثمرة ". وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " من ثمرات " على ~~الجمع (من أكمامها) أي: أوعيتها. قال ابن قتيبة: أي: من المواضع التي كانت ~~فيها مستترة، وغلاف كل شيء: كمه، وإنما قيل: كم القميص، من هذا. قال ~~الزجاج: الأكمام: ما غطى، وكل شجرة تخرج ما هو مكمم فهي ذات أكمام، وأكمام ~~النخلة: ما غطى جمارها من السعف والليف والجذع، وكل ما أخرجته النخلة فهو ~~ذو أكمام، فالطلعة كمها قشرها، ومن هذا قيل للقلنسوة: كمة، لأنها تغطي ~~الرأس، ومن هذا كما القميص، لأنهما يغطيان اليدين. # قوله تعالى: (ويوم يناديهم) أي: ينادي الله تعالى المشركين (أين شركائي) ~~الذين كنتم تزعمون (قالوا آذناك) قال الفراء، وابن قتيبة: أعلمناك، وقال ~~مقاتل: أسمعناك (ما منا من شهيد) فيه قولان: # أحدهما: أنه من قول المشركين، ما منا من شهيد بأن لك شريكا، فيتبرؤون ~~يومئذ مما كانوا يقولون، هذا قول مقاتل. # والثاني: أنه من قول الآلهة التي كانت تعبد، والمعنى: ما منا من شهيد لهم ~~بما قالوا، قاله الفراء، وابن قتيبة. # قوله تعالى: (وضل عنهم) أي: بطل عنهم في الآخرة (ما كانوا يدعون) أي: ~~يعبدون في الدنيا، (وضنوا) أي: أيقنوا (مالهم من محيص) ms1998 وقد شرحنا المحيص في ~~سورة النساء. # لا يسئم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط (49) ولئن أذقناه ~~رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولون هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت ~~إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من ~~عذاب غليظ (50) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر ~~فذو دعاء عريض (51) قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن ~~هو في شقاق بعيد (52) قوله تعالى: (لا يسأم الإنسان) قال المفسرون: المراد ~~به الكافر، فالمعنى: لا يمل الكافر (من دعاء الخير) أي: من دعائه بالخير، ~~وهو المال والعافية. (وإن مسه الشر) وهو الفقر والشدة، PageV07P067 # والمعنى: إذا اختبر بذلك يئس من روح الله وقنط من رحمته. وقال أبو عبيدة: ~~اليؤوس، فعول من يأس، والقنوط، فعول من قنط. # قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا) أي: خيرا وعافية وغنى، (ليقولن هذا ~~لي) أي: هذا واجب لي بعملي وأنا محقوق به، ثم يشك في البعث فيقول، (وما أظن ~~الساعة قائمة) أي: لست على يقين من البعث (ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى) يعني الجنة، أي: كما أعطاني في الدنيا يعطيني في الآخرة (فلننبئن ~~الذين كفروا) أي: لنخبرنهم بمساوئ أعمالهم. وما بعده قد سبق إلى قوله ~~تعالى: (ونأى بجانبه) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، " ونأى " مثل " نعى ~~"، وقرأ ابن عامر: " وناء " مفتوحة النون، ممدودة والهمزة بعد الألف. وقرأ ~~حمزة: " نئى " مكسورة النون والهمزة. # (فذو دعاء عريض) قال الفراء، وابن قتيبة: معنى العريض: الكثير، وإن وصفته ~~بالطول أو بالعرض جاز في الكلام. # (قل) يا محمد لأهل مكة (أرأيتم إن كان) القرآن (من عند الله ثم كفرتم به ~~من أضل ممن هو في شقاق) أي: خلاف للحق (بعيد) عنه؟ وهو اسم، والمعنى: فلا ~~أحد أضل منكم. وقال ابن جرير: معنى الآية: ثم كفرتم به، ألستم في شقاق للحق ~~وبعد عن الصواب؟! فجعل مكان هذا باقي الآية. # سنريهم آياتنا في ms1999 الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شئ شهيد (53) ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا أنه بكل ~~شئ محيط (54) قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) فيه خمسة ~~أقوال: # أحدها: في الآفاق: فتح أقطار الأرض، وفي أنفسهم: فتح مكة، قاله الحسن، ~~ومجاهد، والسدي. # والثاني: أنها في الآفاق: وقائع الله في الأمم الخالية، وفي أنفسهم: يوم ~~بدر، قاله قتادة، ومقاتل. # والثالث: أنها في الآفاق: إمساك القطر عن الأرض كلها، وفي أنفسهم: ~~البلايا التي تكون في أجسادهم، قاله ابن جريج. PageV07P068 # والرابع: أنها في الآفاق: آيات السماء كالشمس والقمر والنجوم، وفي ~~أنفسهم: حوادث الأرض، قاله ابن زيد. وحكي عن ابن زيد، أن التي في أنفسهم: ~~سبيل الغائط والبول، فإن الانسان يأكل ويشرب من مكان واحد، ويخرج من ~~مكانين. # والخامس: أنها في الأفاق: آثار من مضى قبلهم من المكذبين، وفي أنفسهم: ~~كونهم خلقوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما إلى أن نقلوا إلى العقل ~~والتمييز، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (حتى يتبين لهم أنه الحق) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. # والثاني: إلى جميع ما دعاهم إليه الرسول. وقال ابن جرير: معنى الآية: حتى ~~يعلموا حقيقة ما أنزلنا على محمد وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهرو دينه ~~على الأديان كلها. # (أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) أي: أولم يكف به أنه شاهد على كل ~~شيء؟! # قال الزجاج: المعنى: أو لم يكفهم شهادة ربك؟! ومعنى الكفاية هاهنا: أنه ~~قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة على توحيده وتثبيت رسله. PageV07P069 # (42) سورة الشورى مكية وآياتها ثلاث وخمسون واسمها سورة الشورى وهي مكية، ~~رواه العوفي وغيره عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، ~~والجمهور. وحكي عن ابن عباس وقتادة قالا: إلا أربع آيات نزلن بالمدينة، ~~أولها: (قل لا أسألكم عليه أجرا) وقال مقاتل: فيها من المدني قوله: (ذلك ~~الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا) إلى قوله: (بذات الصدور) وقوله: ms2000 (والذين ~~إذا أصابهم البغي) إلى قوله: (من سبيل). # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك الله العزيز الحكيم (3) PageV07P070 # له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) تكاد السماوات ~~يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم ~~وما أنت عليهم بوكيل (6) قوله تعالى: (حم) قد سبق تفسيره. # قوه تعالى: (عسق) فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه حروف من أسماء، ثم فيه خمسة أقوال: أحدها: أن العين علم ~~الله، والسين سناؤه، والقاف قدرته، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن. ~~والثاني: أن العين فيها عذاب، والسين فيها مسخ، والقاف فيها قذف، رواه أبو ~~الجوزاء عن ابن عباس. والثالث: أن الحاء من حرب، والميم من تحويل ملك، ~~والعين من عدو مقهور، والسين استئصال بسنين كسني يوسف، والقاف من قدرة الله ~~في ملوك الأرض، قاله عطاء. والرابع: أن العين من عالم، والسين من قدوس، ~~والقاف من قاهر، قاله سعيد بن جبير. والخامس: أن العين من العزيز، والسين ~~من السلام، والقاف من القادر، قاله السدي. # والثالث: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # قوله تعالى: (كذلك يوحي إليك) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه كما أوحيت " حم عسق " إلى كل نبي، كذلك نوحيها إليك، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى من قبلك، رواه عطاء ~~عن ابن عباس. # والثالث: أن " حم عسق " نزلت في أمر العذاب، فقيل: كذلك نوحي إليك أن ~~العذاب نازل بمن كذبك كما أوحينا ذلك إلى من كان قبلك، قاله مقاتل. # والرابع: أن المعنى: هكذا نوحي إليك، قاله ابن جرير. # وقرأ ابن كثير: " يوحى " بضم الياء وفتح الحاء كأنه إذا قيل: من يوحي؟ ~~قيل: الله. وروى أبان عن عاصم: " نوحي " بالنون وكسر الحاء. # (تكاد ms2001 السماوات يتفطرن) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة: " تكاد " بالتاء ~~" يتفطرن " بياء وتاء PageV07P071 # مفتوحة وفتح الطاء وتشديدها. وقرأ نافع، والكسائي، " يكاد " بالياء " ~~يتفطرن " مثل قراءة ابن كثير. # وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: " تكاد " بالتاء " ينفطرن " بالنون ~~وكسر الطاء وتخفيفها، أي: # يتشققن (من فوقهن) أي: من فوق الأرضين من عظمة الرحمن، وقيل: من قول ~~المشركين: # " اتخذ الله ولدا ". ونظيرها التي في مريم. # (والملائكة يسبحون بحمد ربهم) قال بعضهم: يصلون بأمر ربهم، وقال بعضهم: ~~ينزهونه عما لا يجوز في (ويستغفرون لمن في الأرض) فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد المؤمنين، قاله قتادة، والسدي. # والثاني: أنهم كانوا يستغفرون للمؤمنين، فلما ابتلي هاروت وماروت ~~استغفروا لمن في الأرض. # ومعنى استغفارهم: سؤالهم الرزق لهم، قاله ابن السائب. وقد زعم قوم منهم ~~مقاتل أن هذه الآية منسوخة بقوله: (ويستغفرون للذين آمنوا)، وليس بشيء، ~~لأنهم إنما يستغفرون للمؤمنين دون الكفار، فلفظ هذه الآية عام، ومعناها ~~خاص، ويدل على التخصيص قوله: (ويستغفرون للذين آمنوا) لأن الكافر لا يستحق ~~أن يستغفر له. # قوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء) يعني كفار مكة اتخذوا آلهة ~~فعبدوها من دونه (الله حفيظ عليهم) أي: حافظ لأعمالهم ليجازيهم بها (وما ~~أنت عليهم بوكيل) أي: لم نوكلك بهم فتؤخذ بهم. وهذه الآية عند جمهور ~~المفسرين منسوخة بآية السيف، ولا يصح. # وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع ~~لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) ولو شاء الله لجعلهم أمة ~~واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولى ولا نصير (8) أم ~~اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شئ قدير ~~(9) قوله تعالى: (وكذلك) أي: ومثل ما ذكرنا (أوحينا إليك قرآنا عربيا) ~~ليفهموا ما فيه (لتنذر أم القرى) يعني مكة، والمراد: أهلها، (وتنذر يوم ~~الجمع) أي: وتنذرهم يوم الجمع، وهو يوم القيامة، يجمع الله فيه الأولين ~~والآخرين وأهل السماوات والأرضين (لا ريب فيه) أي: لاشك في هذا الجمع ms2002 أنه ~~كائن، ثم بعد الجمع يتفرقون، وهو قوله: (فريق في الجنة وفريق في السعير). ~~PageV07P072 # ثم ذكر سبب افتراقهم فقال: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة) أي: على دين ~~واحد، كقوله: (لجمعهم على الهدى) (ولكن يدخل من يشاء في رحمته) أي: في دينه ~~(والظالمون) وهم الكافرون (مالهم من ولي) يدفع عنهم العذاب (ولا نصير) ~~يمنعهم منه. # (أم اتخذوا من دونه) أي: بل اتخذ الكافرون من دون الله (أولياء) يعني ~~آلهة يتولونهم (فالله هو الولي) أي: ولي أوليائه، فليتخذوه وليا دون ~~الآلهة، وقال ابن عباس: وليك يا محمد وولي من اتبعك. # وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه ~~أنيب (10) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير (11) له مقاليد السماوات ~~والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم (12) شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى ~~إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وإن ~~الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) قوله تعالى: (وما ~~اختلفتم فيه من شيء) أي: من أمر الدين، وقيل: بل هو عام (فحكمه إلى الله) ~~فيه قولان. # أحدهما: علمه عند الله. # والثاني: هو يحكم فيه. قال مقاتل: وذلك أن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن، ~~وآمن بعضهم، فقال الله: أنا الذي أحكم فيه (ذلكم الله) الذي يحكم بين ~~المختلفين هو (ربي عليه توكلت) في مهماتي (إليه أنيب) أي: أرجع في المعاد. # (فاطر السماوات) قد سبق بيانه، (جعل لكم من أنفسكم) أي: من مثل خلقكم ~~PageV07P073 # (أزواجا) نساء (ومن الأنعام أزواجا) أصنافا ذكورا وإناثا، والمعنى أنه ~~خلق لكم الذكر والأنثى من الحيوان كله (يذرؤكم) فيها ثلاثة ms2003 أقوال. # أحدها: يخلقكم، قاله السدي. # والثاني: يعيشكم، قاله مقاتل. # والثالث: يكثركم، قاله الفراء. وفي قوله (فيه) قولان: # أحدهما: أنها على أصلها، قاله الأكثرون. فعلى هذا في هاء الكناية ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى في بطون الإناث وقد تقدم ذكر الأزواج، قاله زيد بن ~~أسلم. فعلى هذا يكون المعنى: يخلقكم في بطون النساء، وإلى نحو هذا ذهب ابن ~~قتيبة، فقال: يخلقكم في الرحم أو في الزوج، وقال ابن جرير: يخلقكم فيما جعل ~~لكم من أزواجكم، ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام. # والثاني: أنها ترجع إلى الأرض، قاله ابن زيد، فعلى هذا يكون المعنى: ~~يذرؤكم فيما خلق من السماوات والأرض. # والثالث: أنها ترجع إلى الجعل المذكور، ثم في معنى الكلام قولان: # أحدهما: يعيشكم فيما جعل من الأنعام، قاله مقاتل، والثاني: يخلقكم في هذا ~~الوجه الذي ذكر من جعل الأزواج، قاله الواحدي. # والقول الثاني: أن " فيه " بمعنى " به "، والمعنى: يكثركم بما جعل لكم، ~~قاله الفراء، والزجاج. # قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) قال ابن قتيبة: أي: ليس كهو شيء، والعرب ~~تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا يقال لي هذا. ~~وقال الزجاج: الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس مثله شيء، وما بعد هذا قد سبق ~~بيانه إلى قوله: (شرع لكم) أي: بين وأوضح (من الدين وما وصى به نوحا) وفيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه تحليل الحلال وتحريم الحرام، قاله قتادة. # والثاني: تحريم الأخوات والأمهات، قاله الحكم. # والثالث: التوحيد وترك الشرك. # قوله تعالى: (والذي أوحينا إليك) أي: من القرآن وشرائع الإسلام. قال ~~الزجاج: المعنى: # وشرع الذي أوحينا إليك وشرع لكم ما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى. وقوله: ~~(أن أقيموا الدين) PageV07P074 # تفسير قوله: (ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) وجائز أن يكون تفسيرا ل‍ ~~(ما وصى به نوحا) ولقوله: (والذي أوحينا إليك) ولقوله: (وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى)، فيكون المعنى: # شرع لكم ولمن قبلكم إقامة الدين وترك الفرقة، وشرع الاجتماع على اتباع ~~الرسل وقال مقاتل: # (أن أقيموا الدين) يعني التوحيد (ولا ms2004 تتفرقوا فيه) أي: لا تختلفوا (كبر ~~على المشركين) أي: # عظم على مشركي مكة (ما تدعوهم إليه) يا محمد من التوحيد. # قوله تعالى: (الله يجتبي إليه) أي: يصطفي من عباده لدينه (من يشاء ويهدي) ~~إلى دينه، (من ينيب) أي: يرجع إلى طاعته. # ثم ذكر افتراقهم بعد أن أوصاهم بترك الفرقة، فقال: (وما تفرقوا) يعني أهل ~~الكتاب (إلا من بعد ما جاءهم العلم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من بعد كثرة علمهم للبغي. # والثاني: من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال. # والثالث: من بعد ما جاءهم القرآن، بغيا منهم على محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # (ولولا كلمة سبقت من ربك) في تأخير المكذبين من هذه الأمة إلى يوم ~~القيامة، (لقضي بينهم) بإنزال العذاب على المكذبين (وإن الذين أورثوا ~~الكتاب) يعني اليهود والنصارى (من بعدهم) أي: من بعد أنبيائهم (لفي شك منه) ~~أي: من محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع ~~أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه ~~المصير (15) والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ~~ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) قوله تعالى: (فلذلك فادع) قال الفراء: ~~المعنى، فإلى ذلك، تقول: دعوت إلى فلان، ودعوت لفلان، و " ذلك " بمعنى " ~~هذا "، وللمفسرين فيه قولان:. # أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن السائب. # والثاني: أنه التوحيد، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (ولا تتبع أهواءهم) يعني أهل الكتاب، لأنهم دعوه إلى دينهم. ~~PageV07P075 # قوله تعالى: (وأمرت لأعدل بينكم) قال بعض النحويين: المعنى: أمرت كي ~~أعدل. وقال غيره: المعنى: أمرت بالعدل. وتقع " أمرت " على " أن "، وعلى " ~~كي "، وعلى " اللام "، يقال: أمرت أن أعدل، وكي أعدل، ولأعدل. # ثم في ما أمر أن يعدل فيه قولان: أحدهما: في الأحكام إذا ترافعوا إليه. # والثاني: في تبليغ الرسالة. # قوله تعالى: (الله ربنا وربكم) أي: هو إلهنا وإن اختلفنا، فهو يجازينا ~~بأعمالنا، فذلك قوله: (لنا أعمالنا) أي: ms2005 جزاؤها. (لا حجة بيننا وبينكم) قال ~~مجاهد: لا خصومة بيننا وبينكم. # فصل وفي هذه الآية قولان: # أحدهما: أنها اقتضت الاقتصار على الإنذار، وذلك قبل القتال، ثم نزلت آية ~~السيف فنسختها، قاله الأكثرون. # والثاني: أن معناها: إن الكلام - بعد ظهور الحجج والبراهين - قد سقط ~~بيننا، فعلى هذا هي محكمة، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله عن طائفة من ~~المفسرين. # قوله تعالى: (والذين يحاجون في الله) أي: يخاصمون في دينه. قال قتادة: هم ~~اليهود، قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم. وعلى ~~قول مجاهد: هم المشركون، طمعوا أن تعود الجاهلية. # قوله تعالى: (من بعد ما استجيب له) أي: من بعد إجابة الناس إلى الإسلام ~~(حجتهم داحضة) أي: خصومتهم باطلة. # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) الله لطيف بعباده ~~يرزق من يشاء وهو القوى العزيز (19) من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ~~ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) ~~PageV07P076 # قوله تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب) يعني القرآن (بالحق) أي: لم ينزله ~~لغير شيء (والميزان) فيه قولان: # أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس، وقتادة، والجمهور. # والثاني: أنه الذي يوزن به، حكي عن مجاهد. ومعنى إنزاله: إلهام الخلق أن ~~يعملوا به، وأمر الله عز وجل إياهم بالإنصاف. وسمي العدل ميزانا لأن ~~الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق. # وتمام الآية مشروح في الأحزاب. # قوله تعالى: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) لأنهم لا يخافون ما فيها، ~~إذ لم يؤمنوا بكونها، فهم يطلبون قيامها استبعادا واستهزاء (والذين آمنوا ~~مشفقون) أي: خائفون (منها) لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون، ولا يدرون ~~ما يكون منهم (ويعلمون أنها الحق) أي: أنها كائنة لا محالة (ألا إن الذين ~~يمارون في الساعة) أي: يخاصمون في كونها (لفي ضلال بعيد) حين لم يتفكروا، ~~فيعلموا قدرة الله ms2006 على إقامتها. # (الله لطيف بعباده) قد شرحنا معنى اسمه " اللطيف " في الأنعام وفي عباده ~~هاهنا قولان: # أحدهما: أنهم المؤمنون. # والثاني: أنه عام في الكل. ولطفه بالفاجر: أنه لا يهلكه. # (يرزق من يشاء) أي: يوسع له الرزق. # قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة) قال ابن قتيبة: أي عمل الآخرة، ~~يقال: فلان يحرث الدنيا، أي: يعمل لها ويجمع المال، فالمعنى من أراد بعمله ~~الآخرة (نزد له في حرثه) أي: نضاعف له الحسنات. # قال المفسرون: من أراد العمل لله بما يرضيه، أعانه الله على عبادته، ومن ~~أراد الدنيا مؤثرا لها على الآخرة لأنه غير مؤمن بالآخرة، يؤته منها، وهو ~~الذي قسم له، (وما له في الآخرة من نصيب) لأنه كافر بها لم يعمل لها. # فصل اتفق العلماء على أن أول هذه الآية إلى " حرثه " محكم، واختلفوا في ~~باقيها على قولين. # أحدهما: أنه منسوخ بقوله: (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد)، وهذا قول ~~جماعة منهم مقاتل. # والثاني: أن الآيتين محكمتان متفقتان في المعنى، لأنه لم يقل في هذه ~~الآية: نؤته مراده، PageV07P077 # فعلم أنه إنما يؤتيه الله ما أراد، وهذا موافق لقوله: " لمن نريد "، ~~ويحقق هذا أن لفظ الآيتين لفظ الخبر ومعناهما معنى الخبر، وذلك لا يدخله ~~النسخ، وهذا مذهب جماعة منهم قتادة. # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل ~~لقضى بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ~~وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن ~~عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف ~~حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23) أم يقولون افترى على الله ~~كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه ~~عليم بذات الصدور (24) قوله تعالى: (أم لهم شركاء) يعني كفار مكة، والمعنى: ~~ألهم آلهة (شرعوا) أي ms2007 ابتدعوا (لهم) دينا لم يأذن به ا لله؟! (ولولا كلمة ~~الفصل) وهي: القضاء السابق بأن الجزاء يكون في القيامة (لقضي بينهم) في ~~الدنيا بنزول العذاب على المكذبين. والظالمون في هذه الآية والتي تليها: ~~يراد بهم المشركون. والإشفاق: الخوف. والذي كسبوا: هو الكفر والتكذيب، (وهو ~~واقع بهم) يعني جزاؤه. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: (ذلك) يعني: ما تقدم ~~ذكره من الجنات (الذي يبشر الله عباده) قال أبو سلمان الدمشقي: " ذلك " ~~بمعنى: هذا الذي أخبرتكم به بشرى يبشر الله بها عباده. وقرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وحمزة، والكسائي: " يبشر " بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين. # قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا) في سبب نزول هذه الآية ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ~~فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. PageV07P078 # والثاني: أنه لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده سعة، فقال ~~الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله به، وليس في يده سعة، فاجمعوا له من ~~أموالكم مالا يضركم، ففعلوا ثم أتوه به، فنزلت هذه الآية، وهذا مروي عن ابن ~~عباس أيضا. # والثالث: أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمدا ~~يسأل على ما يتعاطاه أجرا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والهاء في " عليه " كناية عما جاء به من الهدى. وفي الاستثناء هاهنا ~~قولان: # أحدهما: أنه من الجنس، فعلى هذا يكون سائلا أجرا. وقد أشار ابن عباس في ~~رواية الضحاك إلى هذا المعنى، ثم قال: نسخت هذه بقوله: (قل ما سألتكم من ~~أجر فهو لكم...) الآية، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل. # والثاني: أنه استثناء من غير الأول، لأن الأنبياء لا يسألون على تبليغهم ~~أجرا وإنما المعنى: # لكني أذكركم المودة في القربى، وقد روى هذا المعنى جماعة عن ابن عباس، ~~منهم العوفي، وهذا اختيار المحققين، وهو الصحيح، فلا يتوجه النسخ أصلا. وفي ~~المراد بالقربى خمسة أقوال: # أحدها: أن معنى الكلام: إلا أن تودوني لقرابتي منكم، قاله ابن عباس، ms2008 ~~وعكرمة، ومجاهد في الأكثرين. قال ابن عباس: ولم يكن بطن من بطون قريش إلا ~~ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة. # والثاني: إلا أن تودوا قرابتي، قاله علي بن الحسين، وسعيد بن جبير، ~~والسدي. ثم في المراد بقرابته قولان: أحدهما: علي وفاطمة وولدها، وقد رووه ~~مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني: أنهم الذين تحرم عليهم ~~الصدقة ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم وبنو المطلب. # والثالث: أن المعنى: إلا أن توددوا إلى الله تعالى فيما يقربكم إليه من ~~العمل الصالح، قاله الحسن، وقتادة. # والرابع: إلا أن تودوني، كما تودون قرابتكم، قاله ابن زيد. # والخامس: إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، حكاه الماوردي. والأول: ~~أصح. # قوله تعالى: (ومن يقترف) أي: من يكتسب (حسنة نزد له فيها حسنا) أي: ~~نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا. وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، والجحدري: " ~~يزد له " بالياء (إن الله غفور) للذنوب (شكور) للقليل حتى يضاعفه. ~~PageV07P079 # (أم يقولون) أي: بل يقول كفار مكة (افترى على الله كذبا) حين زعم أن ~~القرآن من عند الله (فإن يشأ الله يختم على قلبك) فيه قولان: # أحدهما: يختم على قلبك فينسيك القرآن، قاله قتادة. # والثاني: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يشق عليك قولهم: إنك مفتر، ~~قاله مقاتل، والزجاج. # قوله تعالى: (ويمح الله الباطل) قال الفراء: ليس بمردود على " يختم " ~~فيكون جزما، وإنما هو مستأنف، ومثله مما حذفت منه الواو (ويدع الإنسان ~~بالشر). وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير. تقديره: والله يمحو الباطل. وقال ~~الزجاج: الوقف عليها " ويمحوا " بواو وألف، والمعنى: # والله يمحو الباطل على كل حال، غير أنها كتبت في المصاحف بغير واو، لأن ~~الواو تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين، فكتبت على الوصل، ولفظ الواو ثابت، ~~والمعنى: ويمحو الله الشرك ويحق الحق بما أنزله من كتابه على لسان نبيه صلى ~~الله عليه وسلم. # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) ~~ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب ~~شديد (26) ولو ms2009 بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) قوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده) قد ذكرناه في براءة. # قوله تعالى: (ويعلم ما تفعلون) أي: من خير وشر. قرأ حمزة، والكسائي وحفص ~~عن عاصم: بالتاء، وقرأ الباقون: بالياء، على الإخبار عن المشركين والتهديد ~~لهم. و " يستجيب " بمعنى يجيب. وفيه قولان: # أحدهما: أن الفعل فيه لله، والمعنى: يجيبهم إذا سألوه، وقد روى قتادة عن ~~أبي إبراهيم اللخمي (ويستجيب الذين آمنوا) قال: يشفعون في إخوانهم، ~~(ويزيدهم من فضله) قال: # يشفعون في إخوان إخوانهم. # والثاني: أنه للمؤمنين، فالمعنى: يجيبونه. والأول أصح. # قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده) قال خباب بن الأرت: فينا نزلت ~~هذه الآية، وذلك PageV07P080 # أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير فتمنيناها، فنزلت هذه الآية. ~~ومعنى الآية: لو أوسع الله الرزق لعباده لبطروا وعصوا وبغى بعضهم على بعض، ~~(ولكن ينزل بقدر ما يشاء) أي: ينزل أمره بتقدير ما يشاء مما يصلح أمورهم ~~ولا يطغيهم (إنه بعباده خبير بصير) فمنهم من لا يصلحه إلا الغنى، ومنهم من ~~لا يصلحه إلا الفقر. # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيدكم ويعفوا عن كثير (30) ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) (وهو ~~الذي ينزل الغيث) يعني المطر وقت الحاجة (من بعد ما قنطوا) أي: يئسوا، وذلك ~~أدعى لهم إلى شكر منزله (وينشر رحمته) في الرحمة هاهنا قولان. # أحدهما: المطر، قاله مقاتل. # والثاني: الشمس بعد المطر، حكاه أبو سليمان الدمشقي. وقد ذكرنا " الولي " ~~في سورة النساء و " الحميد " في البقرة. # قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة) وهو ما يلحق المؤمن من مكروه (فبما ~~كسبت أيديكم) من المعاصي. وقرأ نافع، وابن عامر: " بما كسبت أيديكم " بغير ~~فاء، وكذلك هي في مصاحف ms2010 أهل المدينة والشام (ويعفو عن كثير) من السيئات فلا ~~يعاقب بها. وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن ~~أساء إليهم؟ قال: إنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، وقرأ هذه ~~الآية. PageV07P081 # قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض) إن أراد الله عقوبتكم، وهذا ~~يدخل فيه الكفار والعصاة كلهم. # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد ~~على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن ~~كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص (35) فما أوتيتم من ~~شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون (36) قوله تعالى: (ومن آياته الجواري في البحر) والمراد بالجوار: ~~السفن. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " الجواري " بياء في الوصل، إلا أن ~~ابن كثير يقف أيضا بياء، وأبو عمرو بغير ياء، ويعقوب يوافق ابن كثير، ~~والباقون بغير ياء في الوصل والوقف، قال أبو علي: والقياس ما ذهب إليه ابن ~~كثير، ومن حذف، فقد كثر حذف مثل هذا في كلامهم. # (كالأعلام) قال ابن قتيبة: كالجبال، واحدها: علم. وروي عن الخليل بن أحمد ~~أنه قال: كل شيء مرتفع - عند العرب - فهو علم. # قوله تعالى: (إن يشأ يسكن الريح) التي تجريها (فيظللن) يعني الجواري ~~(رواكد على ظهره) أي: سواكن على ظهر البحر لا يجرين. # (أو يوبقهن) أي: يهلكهن ويغرقهن، والمراد أهل السفن، ولذلك قال: (بما ~~كسبوا) أي: # من الذنوب (ويعف عن كثير) من ذنوبهم، فينجيهم من الهلاك. # (ويعلم الذين يجادلون) قرأ نافع، وابن عامر: " ويعلم " بالرفع على ~~الاستئناف وقطعه من الأول: وقرأ الباقون بالنصب، قال الفراء: هو مردود على ~~الجزم، إلا أنه صرف، والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب. وللمفسرين في معنى ~~الآية قولان: # أحدهما: ويعلم الذين يخاصمون في آيات الله حين يؤخذون بالغرق أنه لا ملجأ ~~لهم والثاني: أنهم يعلمون بعد البعث أنه لا مهرب لهم من العذاب. # قوله تعالى: (فما أوتيتم من شيء) أي: ما أعطيتم ms2011 من الدنيا فهو متاع ~~تتمتعون به، ثم يزول سريعا، (وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا) لا ~~للكافرين، لأنه إنما أعد لهم في الآخرة العذاب. PageV07P082 # والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) ~~والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون (38) والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر ~~بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ~~ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك ~~لمن عزم الأمور (43) قوله تعالى: (والذين يجتنبون كبائر الإثم) وقرأ حمزة، ~~والكسائي: " كبير الإثم " على التوحيد من غير ألف، والباقون بألف. وقد ~~شرحنا الكبائر في سورة النساء وفي المراد بالفواحش هاهنا قولان: # أحدهما: الزنا. # والثاني: موجبات الحدود. # قوله تعالى: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) أي: يعفون عمن ظلمهم طلبا لثواب ~~الله تعالى. # (والذين استجابوا لربهم) أي: أجابوه فيما دعاهم إليه. # (وأمرهم شورى بينهم) قال ابن قتيبة: أي يتشاورون فيه بينهم، وقال الزجاج: ~~المعنى أنهم لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه. # قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) اختلفوا في هذا البغي ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بغي الكفار على المسلمين، قال عطاء: هم المؤمنون الذين أخرجهم ~~الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله منهم فانتصروا. وقال زيد بن ~~أسلم: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين بمكة، فرقة كانت تؤذى ~~فتعفو عن المشركين، وفرقة كانت تؤذى فتنتصر، فأثنى الله عز وجل عليهم ~~جميعا، فقال في الذين لم ينتصروا: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون)، وقال في ~~المنتصرين: # (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) أي: من المشركين، وقال ابن زيد: ~~ذكر المهاجرين وكانوا صنفين، صنفا عفا، وصنفا انتصر، فقال: " وإذا ما غضبوا ~~هم يغفرون "، فبدأ بهم، وقال في المنتصرين: " والذين إذا أصابهم البغي هم ~~ينتصرون " أي: من المشركين، وقال: " والذين PageV07P083 # استجابوا لربهم " إلى ms2012 قوله: " ينفقون " وهم الأنصار: ثم ذكر الصنف الثالث ~~فقال: " والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون " من المشركين: # والثاني: أنه بغي المسلمين على المسلمين خاصة. # والثالث: أنه عام في جميع البغاة، سواء كانوا مسلمين أو كافرين. # فصل واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ، فذهب بعض القائلين بأنها ~~في المشركين إلى أنها منسوخة بآية السيف، فكأنهم يشيرون إلى أنها أثبتت ~~الانتصار بعد بغي المشركين، فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال، دل على أنها ~~منسوخة. وللقائلين بأنها في المسلمين قولان: # أحدهما: أنها منسوخة بقوله: (ولمن صبر وغفر) فكأنها نبهت على مدح ~~المنتصر، ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح، فبان وجه النسخ. # والثاني: أنها محكمة، لأن الصبر والغفران فضيلة، والانتصار مباح، فعلى ~~هذا تكون محكمة، وهو الأصح. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية - وظاهرها مدح المنتصر - وبين آيات ~~الحث على العفو؟ # فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها أنه انتصار المسلمين من الكافرين، وتلك رتبة الجهاد كما ذكرنا عن ~~عطاء. # والثاني: أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له، وإن كان العفو أفضل، ومن لم ~~يخرج من الشرع بفعله، حسن مدحه. قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين! صنف ~~يعفو، فبدأ بذكره، وصنف ينتصر. # والثالث: أنه إذا بغي على المؤمن فاسق، فلأن له اجتراء الفساق عليه، وليس ~~للمؤمن أن يذل نفسه، فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة لتكون العزة لأهل ~~الدين. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ ~~عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وقال القاضي أبو يعلى: # هذه الآية محمولة على من تعدى وأصر على ذلك، وآيات العفو محمولة على أن ~~يكون الجاني نادما. # قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) قال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح، ~~إذا قال له كلمة إجابة بمثلها من غير أن يعتدي. وقال مقاتل: هذا في القصاص ~~في الجراحات والدماء. PageV07P084 # (فمن عفا) فلم يقتص (وأصلح) العمل (فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) ~~يعني من بدأ بالظلم. وإنما سمى المجازاة سيئة، لما بينا عند قوله: (فمن ~~اعتدى عليكم ms2013 فاعتدوا عليه) قال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم ~~من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا. # (ولمن انتصر بعد ظلمه) أي: بعد ظلم الظالم إياه، والمصدر هاهنا مضاف إلى ~~المفعول، ونظيره: (من دعاء الخير) و (بسؤال نعجتك)، (فأولئك) يعني ~~المنتصرين (ما عليهم من سبيل) أي: من طريق إلى لوم ولا حد، (إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس) أي: يبتدئون بالظلم (ويبغون في الأرض بغير الحق) ~~أي: يعملون فيها بالمعاصي. # قوله تعالى: (ولمن صبر) فلم ينتصر (وغفر إن ذلك) الصبر والتجاوز (لمن عزم ~~الأمور) وقد شرحناه في آل عمران. # ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون ~~من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم ~~من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) قوله تعالى: (ومن يضلل الله ~~فما له من ولي) أي: من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه. # (وترى الظالمين) يعني المشركين (لما رأوا العذاب) في الآخرة يسألون ~~الرجعة إلى الدنيا (يقولون هل إلى مرد من سبيل)؟. # (وتراهم يعرضون عليها) أي: على النار (خاشعين) أي: خاضعين متواضعين (من ~~الذل ينظرون من طرف خفي) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: من طرف ذليل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقال ~~الأخفش: # ينظرون من عين ضعيفة. وقال غيره: " من " بمعنى " الباء ". PageV07P085 # والثاني: يسارقون النظر، قاله قتادة، والسدي. # والثالث: ينظرون ببعض العين، قاله أبو عبيدة. # والرابع: أنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم، لأنهم قد حشروا عميا، فلم يروها ~~بأعينهم، حكاه الفراء، والزجاج، وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله: ~~(ينصرونهم من دون الله) أي: # يمنعونهم من عذاب الله. # استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجأ ~~يومئذ وما لكم من ms2014 نكير (47) فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك ~~إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء ~~يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) قوله تعالى: (استجيبوا لربكم) أي: ~~أجيبوه، فقد دعاكم برسوله (من قبل أن يأتي يوم) وهو يوم القيامة (لا مرد له ~~من الله) أي: لا يقدر أحد على رده ودفعه (ما لكم من ملجأ) تلجؤون إليه، ~~(وما لكم من نكير) قال مجاهد: من ناصر ينصركم، وقال غيره: من قدرة على ~~تغيير ما نزل بكم. # (فإن أعرضوا) عن الإجابة (فما أرسلناك عليهم حفيظا) لحفظ أعمالهم (إن ~~عليك إلا البلاغ) أي: ما عليك إلا أن تبلغهم. وهذا عند المفسرون منسوخ بآية ~~السيف. # قوله تعالى: (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها) قال المفسرون: ~~المراد به: الكافر، والرحمة: الغنى والصحة والمطر ونحو ذلك، والسيئة: المرض ~~والفقر والقحط، والإنسان هاهنا: # اسم جنس، فلذلك قال: (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم) أي: بما سلف من ~~مخالفتهم (فإن الإنسان كفور) بما سلف من النعم. # (لله ملك السماوات والأرض) أي: له التصرف فيها بما يريد، (يهب لمن يشاء ~~إناثا) يعني البنات ليس فيهن ذكر، كما وهب للوط صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يولد له إلا البنات (ويهب لمن يشاء الذكور) يعني البنين ليس معهم أنثى، كما ~~وهب لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلم يولد له إلا الذكور. PageV07P086 # (أو يزوجهم) يعني الإناث والذكور، قال الزجاج: ومعنى " يزوجهم ": يقرنهم، ~~وكل شيئين يقترن أحدهما بالآخر، فهما زوجان، و يقال لكل واحد منهما: زوج، ~~تقول: عندي زوجان من الخفاف، يعني اثنين. وفي معنى الكلام للمفسرين قولان: # أحدهما: أنه وضع المرأة غلاما ثم جارية ثم غلاما ثم جارية، قاله مجاهد، ~~والجمهور. # والثاني: أنه وضع المرأة جارية وغلاما توأمين، قاله ابن الحنفية. قالوا: ~~وذلك كما جمع لمحمد صلى الله عليه ms2015 وسلم فإنه وهب له بنين وبنات، (ويجعل من ~~يشاء عقيما) لا يولد له، كيحيى بن زكريا عليهما السلام. وهذه الأقسام ~~موجودة في سائر الناس، وإنما ذكروا الأنبياء تمثيلا. # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورأى حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه على حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من ~~عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) قوله تعالى: (وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا) قال المفسرون: سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا صادقا كما كلمه موسى ~~ونظر إليه؟ فقال لهم: # " لم ينظر موسى إلى الله "، ونزلت هذه الآية. والمراد بالوحي هاهنا: ~~الوحي في المنام. # (أو من وراء حجاب) كما كلم موسى. # (أو يرسل) قرأ نافع، وابن عامر: " يرسل " بالرفع (فيوحي) بسكون الياء. ~~وقرأ الباقون: # " يرسل " بنصب اللام " فيوحي " بتحريك الياء، والمعنى: " أو يرسل رسولا " ~~كجبرائيل " فيوحي " ذلك الرسول إلى المرسل إليه فيه (بإذنه ما يشاء). قال ~~مكي بن أبي طالب: من قرأ " أو يرسل " بالنصب، عطفه على معنى قوله: " إلا ~~وحيا " لأنه بمعنى: إلا أن يوحي. ومن قرأ بالرفع، فعلى الابتداء، كأنه قال: ~~أو هو يرسل. قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية محمولة على أنه لا يكلم بشرا ~~إلا من وراء حجاب في دار الدنيا. # قوله تعالى: (وكذلك) أي: وكما أوحينا إلى الرسل (أوحينا إليك)، وقيل: ~~الواو عطف PageV07P087 # على أول السورة، فالمعنى: كذلك نوحي إليك وإلى الذين من قبلك. # (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) قال ابن عباس: هو القرآن وقال مقاتل: ~~وحيا بأمرنا. # قوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب) وذلك أنه لم يكن يعرف القرآن قبل ~~الوحي (ولا الإيمان) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى الدعوة إلى الإيمان، ms2016 قاله أبو العالية. # والثاني: أن المراد به: شرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلها إيمان، وقد سمى ~~الصلاة إيمانا بقوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) هذا اختيار ابن قتيبة، ~~ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. # والثالث: أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وإذ كان طفلا قبل ~~البلوغ، حكاه الواحدي. والقول ما اختاره ابن قتيبة، وابن خزيمة، وقد اشتهر ~~في الحديث عنه عليه السلام أنه كان قبل النبوة يوحد الله، ويبغض اللات ~~والعزى، ويحج ويعتمر، ويتبع شريعة إبراهيم عليه السلام، قال الإمام أحمد بن ~~حنبل رحمه الله: من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على دين قومه، فهو ~~قول سوء أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب؟ وقال ابن قتيبة: قد جاء في ~~الحديث أنه كان على دين قومه أربعين سنة. ومعناه: أن العرب لم يزالوا على ~~بقايا من دين إسماعيل، من ذلك حج البيت، والختان، وإيقاع الطلاق إذا كان ~~ثلاثا، وأن للزوج الرجعة في الواحدة والاثنتين، ودية النفس مائة من الإبل، ~~والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر، وكان عليه الصلاة ~~والسلام على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم في الختان ~~والغسل والحج، وكان لا يقرب الأوثان، ويعيبها. وكان لا يعرف شرائع الله ~~التي شرعها لعباده على لسانه، فذلك قوله: " ما كنت تدري ما الكتاب " يعني ~~القرآن " ولا الإيمان " يعني شرائع الإيمان، ولم يرد الإيمان الذي هو ~~الإقرار بالله، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون ~~له البيت مع شركهم. # قوله تعالى: (ولكن جعلناه) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. # والثاني: إلى الإيمان. # (نورا) أي: ضياء ودليلا على التوحيد (نهدي به من نشاء) من عبادنا إلى دين ~~الحق (وإنك لتهدي) أي: لتدعو (إلى صراط مستقيم) وهو الإسلام. PageV07P088 # (43) سورة الزخرف مكية وآياتها تسع وثمانون وهي مكية باجماعهم وقال ~~مقاتل: هي مكية، إلا آية، وهي قوله: (واسأل من أرسلنا). # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلنا قرأنا عربيا ms2017 ~~لعلكم تعقلون (3) وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم (4) أفنضرب عنكم الذكر ~~صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم ~~من نبي إلا كانوا به يستهزؤون (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ~~(8) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) ~~الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم PageV07P089 # تهتدون (10) قوله تعالى: (حم) قد تقدم بيانه. # (والكتاب المبين) قسم بالقرآن. # (إنا جعلناه) قال سعيد بن جبير: أنزلناه. وما بعد هذا تقدم بيانه إلى ~~قوله: (وإنه) يعني القرآن (في أم الكتاب) قال الزجاج: أي: في أصل الكتاب، ~~وأصل كل شيء: أمه، والقرآن مثبت عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: (لدينا) أي: عندنا (لعلي) أي: رفيع. وفي معنى الحكيم قولان: # أحدهما: محكم، أي: ممنوع من الباطل، قاله مقاتل. # والثاني: حاكم لأهل الإيمان بالجنة ولأهل الكفر بالنار، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي، والمعنى: إن كذبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا شريف عظيم المحل. # قوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) قال ابن قتيبة: أي: نمسك عنكم فلا ~~نذكركم صفحا، أي: إعراضا، يقال: صفحت عن فلان: إذا أعرضت عنه، والأصل في ~~ذلك أن توليه صفحة عنقك، قال كثير يصف امرأة: # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة * فمن مل منها ذلك الوصل ملت أي: معرضة ~~بوجهها، يقال، ضربت عن فلان كذا: إذا أمسكته وأضربت عنه. (أن كنتم) قرأ ابن ~~كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: " أن كنتم " بالنصب، أي: لأن كنتم قوما ~~مسرفين. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: " إن كنتم " بكسر الهمزة. قال الزجاج: ~~وهذا على معنى الاستقبال، أي: إن تكونوا مسرفين نضرب عنكم الذكر. وفي ~~المراد بالذكر قولان: # أحدهما: أنه ذكر العذاب، فالمعنى: أفنمسك عن عذابكم ونترككم على كفركم؟! ~~وهذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، والسدي. # والثاني: أنه القرآن، فالمعنى: أفنمسك عن إنزال القرآن من أجل أنكم لا ~~تؤمنون به؟! وهو معنى قول قتادة، وابن زيد. # وقال قتادة: " مسرفين " بمعنى مشركين. PageV07P090 # ثم أعلم نبيه أني ms2018 قد بعثت رسلا فكذبوا فأهلكت المكذبين بالآيات التي تلي ~~هذه. # قوله تعالى: (أشد منهم) أي: من قريش (بطشا) أي: قوة (ومضى مثل الأولين) ~~أي: # سبق وصف عقابهم فيما أنزل عليك. وقيل: سبق تشبيه حال أولئك بهؤلاء في ~~التكذيب، فستقع المشابهة بينهم في الإهلاك. # ثم أخبر عن جهلهم حين أقروا بأنه خالق السماوات والأرض ثم عبدوا غيره ~~بالآية التي تلي هذه، ثم التي تليها مفسرة في طه إلى قوله: (لعلكم تهتدون) ~~أي: لكي تهتدوا في أسفاركم إلى مقاصدكم. # والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) ~~والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا ~~على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) قوله تعالى: ~~(والذي نزل من السماء ماء بقدر) قال ابن عباس: يريد أنه ليس كما أنزل على ~~قوم نوح بغير قدر فأغرقهم، بل هو بقدر ليكون نافعا، ومعنى " أنشرنا ": ~~أحيينا. # قوله تعالى: (كذلك تخرجون) قرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر: " تخرجون " ~~بفتح التاء وضم الراء، والباقون بضم التاء وفتح الراء. وما بعد هذا قد سبق ~~إلى قوله تعالى: (لتستووا على ظهوره) قال أبو عبيدة: هاء التذكير ل‍ " ما ~~". # (ثم تذكروا نعمة ربكم) إذ سخر لكم ذلك المركب في البر والبحر، (وما كنا ~~له مقرنين) قال ابن عباس ومجاهد: أي: مطيقين، قال ابن قتيبة: يقال: أنا ~~مقرن لك، أي: مطيق لك، ويقال: هو من قولهم: أنا قرن لفلان: إذا كنت مثله في ~~الشدة، فإن قلت: أنا قرن لفلان - بفتح القاف - فمعناه: أن تكون مثله بالسن. ~~وقال أبو عبيدة: " مقرنين " أي: ضابطين، يقال: فلان مقرن لفلان: أي: ضابط ~~له. # قوله تعالى: (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) أي: راجعون في الآخرة. PageV07P091 # وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم (17) أو من ms2019 ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) ~~قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءا) أما الجعل هاهنا، فمعناه: الحكم ~~بالشيء: وهم الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، والمعنى: جعلوا له نصيبا ~~من الولد، قال الزجاج: وأنشدني بعض أهل اللغة بيتا يدل على أن معنى " جزء " ~~معنى الإناث - ولا أدري البيت قديم أو مصنوع: # إن أجزأت حرة، يوما، فلا عجب * قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا أي: آنثت، ~~ولدت أنثى. # قوله تعالى: (إن الإنسان) يعني الكافر (لكفور) أي: جحود لنعم الله عز وجل ~~(مبين) أي: ظاهر الكفر. # ثم أنكر عليهم فقال: (أم اتخذ مما يخلق بنات) وهذا استفهام توبيخ وإنكار ~~(وأصفاكم) أي: أخلصكم (بالبنين). # (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا) أي: بما جعل لله شبها، وذلك أن ولد ~~كل شيء شبهه وجنسه. والآية مفسرة في النحل. # قوله تعالى: (أومن ينشأ) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: " ينشأ " بضم ~~الياء وفتح النون وتشديد الشين، وقرأ الباقون: بفتح الياء وسكون النون. قال ~~المبرد: تقديره: أو يجعلون من ينشأ (في الحلية) قال أبو عبيدة: الحلية: ~~الحلى. # قال المفسرون: والمراد بذلك: البنات، فإنهن ربين في الحلي. والخصام بمعنى ~~المخاصمة، (غير مبين) حجة. قال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت ~~بالحجة عليها. # وقال بعضهم: هي الأصنام. # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~PageV07P092 # ويسئلون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون (20) أن آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون (23) قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا ~~بما أرسلتم به كافرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ~~(25) قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة) قال الزجاج: الجعل هاهنا بمعنى القول ~~والحكم على الشيء، تقول: قد جعلت زيدا أعلم الناس، أي: قد وصفته ms2020 بذلك وحكمت ~~به. قال المفسرون: # وجعلهم الملائكة إناثا قولهم: هن بنات الله. # قوله تعالى: (الذين هم عباد الرحمن) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~ويعقوب، وأبان عن عاصم، والشيزري عن الكسائي: " عند الرحمن " بنون من غير ~~ألف، وقرأ الباقون: " عباد الرحمن " ومعنى هذه القراءة: جعلوا له من عباده ~~بنات. والقراءة الأولى موافقة لقوله: (إن الذين عند ربك) وإذا كانوا في ~~السماء كان أبعد للعلم بحالهم. (أشهدوا خلقهم) قرأ نافع، والمفضل عن عاصم: ~~" أأشهدوا " بمهمزتين، الأولى مفتوحة والثانية مضمومة. وروى المسيبي عن ~~نافع: # " أو شهدوا " ممدودة من أشهدت، والباقون لا يمدون. # " أشهدوا " من شهدت، أي: أحضروه فعرفوا أنهم إناث؟! وهذا توبيخ لهم إذ ~~قالوا فيما يعلم بالمشاهدة من غير مشاهدة. (ستكتب شهادتهم) على الملائكة ~~أنها بنات الله وقال مقاتل: لما قال الله عز وجل: (أشهدوا خلقهم؟)، سئلوا ~~عن ذلك فقالوا: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فما يدريكم أنها ~~إناث؟ " فقالوا: سمعنا من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال الله: ~~(ستكتب شهادتهم ويسألون) عنها في الآخرة. وقرأ أبو رزين، ومجاهد: " سنكتب " ~~بنون مفتوحة " شهادتهم " بنصب التاء، ووافقهم ابن أبي عبلة في " سنكتب " ~~وقرأ: " شهاداتهم " بألف. # قوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) في المكني عنهم قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة، قاله قتادة، ومقاتل في آخرين. PageV07P093 # والثاني: الأوثان، قاله مجاهد. وإنما عنوا بهذا أنه لو لم يرض عبادتنا ~~لها لعجل عقوبتنا، فرد عليهم قولهم بقوله: (ما لهم بذلك من علم) وبعض ~~المفسرين يقول: إنما أشار بقوله: " ما لهم بذلك من علم " إلى ادعائهم أن ~~الملائكة إناث، قال: ولم يتعرض لقولهم: " لو شاء ما عبدناهم " لأنه قول ~~صحيح، والذي اعتمدنا عليه أصح، لأن هذه الآية كقوله: (لو شاء الله ما ~~أشركنا)، وقوله: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) وقد كشفنا عن هذا المعنى ~~هنالك و " يخرصون " بمعنى: يكذبون. وإنما كذبهم، لأنهم اعتقدوا أنه رضي ~~منهم الكفر دينا. # (أم آتيناهم كتابا من قبله) أي: من قبل هذا القرآن، أي: بأن يعبدوا غير ms2021 ~~الله (فهم به مستمسكون) قوله يأخذون بما فيه. # (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة) أي: على سنة وملة ودين (وإنا على ~~آثارهم مهتدون) فجعلوا أنفسهم مهتدين بمجرد تقليد الآباء من غير حجة، ثم ~~أخبر أن غيرهم قد قال هذا القول، فقال: (وكذلك) أي: وكما قالوا قال مترفو ~~القرى من قبلهم، (وإنا على آثارهم مقتدون) بهم. # (قل أولو جئتكم) وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: " قال أولو جئتكم " بألف. ~~قال أبو علي: فاعل " قال " النذير، المعنى: فقال لهم النذير. وقرأ أبو ~~جعفر: " أولو جئناكم " بألف ونون (بأهدى) أي: بأصوب وأرشد. قال الزجاج: ~~ومعنى الكلام: قل: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه؟! وفي ~~هذه الآية إبطال القول بالتقليد. قال مقاتل: فردوا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: (إنا بما أرسلتم به كافرون)، ثم رجع إلى الأمم الخالية، فقال: ~~(فانتقمنا منهم...) الآية. # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) بل متعت ~~هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق قالوا هذا ~~سحر وإنا به كافرون (30) قوله تعالى: (إنني براء) قال الزجاج: البراء بمعنى ~~البريء، والعرب تقول للواحد: أنا البراء منك، وكذلك للاثنين والجماعة، ~~وللذكر والأنثى، يقولون: نحن البراء منك والخلاء منك، لا يقولون: نحن ~~البراءان منك، ولا البراءون منك، وإنما المعنى: أنا ذو البراء منك، ونحن ذو ~~البراء PageV07P094 # منك، كما يقال: رجل عدل، وامرأة عدل. وقد بينا استثناء إبراهيم ربه عز ~~وجل مما يعبدون عند قوله: (إلا رب العالمين). # قوله تعالى: (وجعلها) يعني كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " (كلمة ~~باقية في عقبه) أي: فيمن يأتي بعده من ولده، فلا يزال فيهم موحد (لعلهم ~~يرجعون) إلى التوحيد كلهم إذا سمعوا أن أباهم تبرأ من الأصنام ووحد الله عز ~~وجل. # ثم ذكر نعمته على قريش فقال: (بل متعت هؤلاء وآباءهم) والمعنى: إني أجزلت ~~لهم النعم ولم أعاجلهم بالعقوبة (حتى جاءهم الحق) وهو ms2022 القرآن (ورسول مبين) ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ينبغي لهم أن يقابلوا النعم بالطاعة ~~للرسول، فخالفوا. # (ولما جاءهم) يعني قريشا في قول الأكثرين. وقال قتادة: هم اليهود. و ~~(الحق) القرآن. # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون ~~رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤون (34) وزخرفا وإن كل ذلك ~~لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) قوله تعالى: (وقالوا ~~لولا) أي: هلا (نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) أما القريتان، ~~فمكة والطائف، قاله ابن عباس، والجماعة، وأما عظيم مكة، ففيه قولان: # أحدهما: الوليد بن المغيرة القرشي، رواه العوفي وغيره عن ابن عباس، وبه ~~قال قتادة، والسدي. # والثاني: عتبة بن ربيعة، قاله مجاهد. وفي عظيم الطائف خمسة أقوال: # أحدها: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~PageV07P095 # والثاني: مسعود بن عمرو بن عبيد الله، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي، رواه ليث عن مجاهد، وبه ~~قال قتادة. # والرابع: أنه ابن عبد ياليل، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والخامس: كنانة بن عبد بن عمرو بن عمير الطائفي، قاله السدي. # فقال الله عز وجل ردا عليهم وإنكارا: (أهم يقسمون رحمة ربك) يعني النبوة، ~~فيضعونها حيث شاؤوا، لأنهم اعترضوا على الله بما قالوا. # (نحن قسمنا بينهم معيشتهم) المعنى أنه إذا كانت الأرزاق بقدر الله، لا ~~بحول المحتال - وهو دون النبوة - فكيف تكون النبوة؟! قال قتادة: إنك لتلقى ~~ضعيف الحيلة عيي اللسان قد بسط له الرزق، وتلقى شديد الحيلة بسيط اللسان ~~وهو مقتور عليه. # قوله تعالى: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) فيه قولان. # أحدهما: بالغنى والفقر. # والثاني: بالحرية والرق (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) وقرأ ابن السميفع، وابن ms2023 ~~محيصن: " سخريا " بكسر السين. ثم فيه قولان: # أحدهما: يستخدم الأغنياء بأموالهم، فيلتئم قوام العالم، وهذا على القول ~~الأول. # والثاني: ليملك بعضهم بعضا بالأموال فيتخذونهم عبيدا، وهذا على الثاني. # قوله تعالى: (ورحمة ربك) فيها قولان: # أحدهما: النبوة خير من أموالهم التي يجمعونها، قاله ابن عباس. # والثاني: الجنة خير مما يجمعون في الدنيا، قاله السدي. # قوله تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة) فيه قولان: # أحدهما: لولا أن يجتمعوا على الكفر، قاله ابن عباس. # والثاني: على إيثار الدنيا على الدين، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) لهوان الدنيا ~~عندنا. قال الفراء: إن شئت جعلت اللام في " لبيوتهم " مكررة، كقوله: ~~(يسألونك عن الشهر الحرام قتال PageV07P096 # فيه) وإن شئت جعلتها بمعنى " على "، كأنه قال: جعلنا لهم على بيوتهم، ~~تقول للرجل: # جعلت لك لقومك الأعطية، أي: جعلتها من أجلك لهم. # قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " سقفا " على التوحيد. وقرأ الباقون: " ~~سقفا " بضم السين والقاف جميعا. # قال الزجاج: والسقف واحد يدل على الجمع، فالمعنى: جعلنا لبيت كل واحد ~~منهم سقفا من فضة (ومعارج) وهي الدرج، والمعنى: وجعلنا معارج من فضة، وكذلك ~~" ولبيوتهم أبوابا " أي: من فضة (وسررا) أي: من فضة. # قوله تعالى: (عليها يظهرون) قال ابن قتيبة: أي: يعلون، يقال: ظهرت على ~~البيت: # إذا علوت سطحه. # قوله تعالى: (وزخرفا) وهو الذهب، والمعنى: ويجعل لهم مع ذلك ذهبا وغنى ~~(وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) المعنى: لمتاع الحياة الدنيا، و " ما ~~" زائدة. وقرأ عاصم، وحمزة: " لما " بالتشديد، فجعلاه بمعنى " إلا "، ~~والمعنى: إن ذلك يتمتع به قليلا ثم يزول (والآخرة عند ربك للمتقين) خاصة ~~لهم. # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم ~~عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك ~~بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى ومن كان في ضلال مبين (40) ~~قوله تعالى: (ومن يعش) ms2024 فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يعرض، قاله الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والفراء، والزجاج. # والثاني: يعم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال عطاء، وابن زيد. # والثالث: أنه البصر الضعيف، حكاه الماوردي. وقال أبو عبيدة: تظلم عينه ~~عنه. وقال الفراء: من قرأ: " يعش "، فمعناه: يعرض، ومن نصب الشين، أراد: ~~يعم عنه، قال ابن PageV07P097 # قتيبة: لا أرى القول إلا قول أبي عبيدة، ولم نر أحدا يجيز " عشوت عن ~~الشيء ": أعرضت عنه، إنما يقال: " تعاشيت عن كذا "، أي: تغافلت عنه، كأني ~~لم أره، ومثله: تعاميت، والعرب تقول: " عشوت إلى النار ": إذا استدللت ~~إليها ببصر ضعيف، قال الحطيئة: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد ومنه حديث ابن ~~المسيب: " أن إحدى عينيه ذهبت، وهو يعشو بالأخرى "، أي: يبصر بها بصرا ~~ضعيفا. # قال المفسرون: " ومن يعش عن ذكر الرحمن " فلم يخف عقابه ولم يلتفت إلى ~~كلامه " نقيض له " أي: نسبب له " شيطانا " فنجعل ذلك جزاءه " فهو له قرين " ~~لا يفارقه. # (وإنهم) يعني الشياطين (ليصدونهم) يعني الكافرين، أي: يمنعونهم عن سبيل ~~الهدى، وإنما جمع، لأن " من " في موضع جمع، (ويحسبون) يعني كفار بني آدم ~~(أنهم) على هدى. # (حتى إذا جاءنا) وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " جاءنا ~~" واحد، يعني الكافر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: ~~" جاءانا " بألفين على التثنية، يعنون الكافر وشيطانه. وجاء في التفسير ~~أنهما يجعلان يوم البعث في سلسلة، فلا يفترقان حتى يصيرهما الله إلى النار، ~~(قال) الكافر للشيطان: " (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين) أي: بعدما بين ~~المشرقين، وفيهما قولان: # أحدهما: أنهما مشرق الشمس في أقصر يوم في السنة، ومشرقها في أطول يوم، ~~قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنه أراد المشرق والمغرب، فغلب ذكر المشرق، كما قالوا: سنة ~~العمرين، يريدون: أبا بكر وعمر، وأنشدوا من ذلك: # أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع يريد: الشمس ~~والقمر، وأنشدوا: # فبصرة الأزد منا والعراق لنا * والموصلان ومنا مصر والحرم يريد: الجزيرة ms2025 ~~والموصل، وهذا اختيار الفراء، والزجاج. # قوله تعالى: (فبئس القرين) أي: أنت أيها الشيطان. ويقول الله عز وجل ~~يومئذ للكفار: # (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم) أي: أشركتم في الدنيا (أنكم في العذاب ~~مشتركون) أي: لن ينفعكم الشركة في العذاب، لأن لكل واحد منه الحظ الأوفر. ~~قال المبرد: منعوا روح التأسي، PageV07P098 # لأن التأسي يسهل المصيبة، وأنشد للخنساء أخت صخر بن مالك في هذا المعنى: # ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ~~ولكن * أعزي النفس عنه بالتأسي وقرأ ابن عامر: " إنكم " بكسر الألف. # ثم أخبر عنهم بما سبق لهم من الشقاوة بقوله: (أفأنت تسمع الصم...) الآية. # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم ~~مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر ~~لك ولقومك وسوف تسئلون (44) قوله تعالى: (فإما نذهبن بك) قال أبو عبيدة: ~~معناها: فإن نذهبن، وقال الزجاج: # دخلت " ما " توكيدا للشرط، ودخلت النون الثقيلة في " نذهبن " توكيدا ~~أيضا، والمعنى: إنا ننتقم منهم إن توفيت أو نرينك ما وعدناهم ووعدناك فيهم ~~من النصر. قال ابن عباس: ذلك يوم بدر. # وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله: (فإما نذهبن بك) منسوخ بآية السيف، ولا ~~وجه له. # قوله تعالى: (وإنه) يعني القرآن (لذكر لك) أي: شرف لك بما أعطاك الله ~~(ولقومك) في قومه ثلاثة أقوال. # أحدها: العرب قاطبة. # والثاني: قريش. # والثالث: جميع من آمن به. وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا سئل: # لمن هذا الأمر من بعدك؟ لم يخبر بشيء، حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك ~~إذا سئل قال: # " لقريش " وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي ~~على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن، وأن قومه يخلفونه من بعده في ~~الولاية لشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم. ومذهب مجاهد أن القوم هاهنا: ~~العرب، والقرآن شرف لهم إذ أنزل بلغتهم. قال ابن قتيبة: إنما وضع الذكر ~~موضع الشرف، ms2026 لأن الشريف يذكر. وفي قوله: (وسوف تسألون) قولان. أحدهما: عن ~~شكر ما أعطيتم من ذلك. والثاني: عما لزمكم فيه من الحقوق. # وسئل أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) ~~PageV07P099 # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملأه فقال إني رسول رب العالمين ~~(46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون (50) ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار ~~تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين (52) فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) ~~فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما ءاسفونا انتقمنا ~~منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) قوله تعالى: ~~(واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) إن قيل: كيف يسأل الرسل وقد ماتوا ~~قبله؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه لما أسري به جمع له الأنبياء فصلى بهم، ثم قال له جبريل: سل ~~من أرسلنا قبلك... الآية. فقال: لا أسأل، قد اكتفيت، رواه عطاء عن ابن ~~عباس، وهذا قول سعيد بن جبير، والزهري، وابن زيد، قالوا: جمع له الرسل ليلة ~~أسري به، فلقيهم، وأمر أن يسألهم، فما شك ولا سأل. # والثاني: أن المراد: اسأل مؤمني أهل الكتاب من الذين أرسلت إليهم ~~الأنبياء، روي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي في ~~آخرين. قال ابن الأنباري: والمعنى سل أتباع من أرسلنا قبلك، كما تقول: ~~السخاء حاتم، أي: سخاء حاتم، والشعر زهير، أي: شعر زهير. وعند المفسرين أنه ~~لم يسأل على القولين. وقال الزجاج: هذا سؤال تقرير، فإذا سأل جميع الأمم، ~~لم يأتوا بأن في كتبهم: أن اعبدوا غيري. # والثالث: أن المراد بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم: خطاب أمته، فيكون ~~المعنى سلوا، قاله الزجاج. وما بعد هذا ms2027 ظاهر إلى قوله: (إذا هم منها ~~يضحكون) استهزاء بها وتكذيبا. # (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) يعني ما ترادف عليهم من الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، فكانت كل آية أكبر من التي قبلها، ~~وهي العذاب المذكور في PageV07P100 # قوله: (وأخذناهم بالعذاب)، فكانت عذابا لهم، ومعجزات لموسى عليه السلام. # قوله تعالى: (وقالوا يا أيها الساحر) في خطابهم له بهذا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أرادوا: يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم قالوه على جهة الاستهزاء، قاله الحسن. # والثالث: أنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: (إننا لمهتدون) أي: مؤمنون بك. فدعا موسى، فكشف عنهم، فلم ~~يؤمنوا. وقد ذكرنا ما تركناه هاهنا في الأعراف. # قوله تعالى: (تجري من تحتي) أي: من تحت قصوري (أفلا تبصرون) عظمتي وشدة ~~ملكي؟! # (أم أنا خير) قال أبو عبيدة: أراد: بل أنا خير. وحكى الزجاج عن سيبويه ~~والخليل أنهما قالا: عطف " أنا " ب " أم " على " أفلا تبصرون " فكأنه قال: ~~أفلا تبصرون أم أنتم بصراء؟! # لأنهم إذا قالوا: أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء. قال الزجاج: ~~والمهين: القليل، يقال: # شيء مهين، أي: قليل، وقال مقاتل: " مهين " بمعنى ذليل ضعيف. # قوله تعالى: (ولا يكاد يبين) أشار إلى عقدة لسانه التي كانت به ثم أذهبها ~~الله عنه، فكأنه عيره بشيء قد كان وزال، ويدل على زواله قوله تعالى: (قد ~~أوتيت سؤلك يا موسى)، وكان في سؤاله (واحلل عقدة من لساني). وقال بعض ~~العلماء: ولا يكاد يبين الحجة ولا يأتي ببيان يفهم. # (فلولا) أي: فهلا (ألقي عليه أساورة من ذهب) وقرأ حفص عن عاصم: " أسورة " ~~بغير ألف. قال الفراء: (واحد الأساورة) إسوار، وقد تكون الأساورة جمع ~~أسورة، كما يقال في جمع الأسقية: الأساقي، وفي جمع الأكرع: الأكارع. وقال ~~الزجاج: يصلح أن تكون الأساورة جمع الجمع، تقول: أسورة وأساورة، كما تقول: ~~أقوال وأقاويل، ويجوز أن تكون جمع إسوار، وإنما صرفت أساورة، لأنك ضممت ~~الهاء ms2028 إلى أساور، فصار اسما واحدا، وصار له مثال في الواحد، نحو " علانية " ~~قال المفسرون: إنما قال فرعون هذا، لأنهم كانوا إذا سودوا الرجل منهم سوروه ~~بسوار. PageV07P101 # قوله تعالى: (فاستخف قومه) قال الفراء: استفزهم، وقال غيره: استخف ~~أحلامهم وحملهم على خفة الحلم بكيده وغروره (فأطاعوه) في تكذيب موسى. # (فلما آسفونا) قال ابن عباس: أغضبونا. قال ابن قتيبة: الأسف: الغضب، ~~يقال: آسفت آسف أسفا، أي: غضبت. # (فجعلناهم سلفا) أي: قوما تقدموا. وقرأها أبو هريرة، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وحميد الأعرج: " سلفا " بضم السين وفتح اللام، كأن واحدته سلفة من ~~الناس، مثل القطعة، يقال: تقدمت سلفة من الناس، أي: قطعة منهم. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: " سلفا " بضم السين واللام، وهو جمع " سلف "، كما قالوا: خشب ~~وخشب، وثمر وثمر، ويقال: هو جمع " سليف "، وكله من التقدم. وقال الزجاج: " ~~السليف " جمع قد مضى، والمعنى: جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. # قوله تعالى: (ومثلا) أي: عبرة وعظة. # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم ~~هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ~~وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون (60) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) ~~ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) ولما جاء عيسى بالبينات قال قد ~~جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) ~~إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) هل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلا) أكثر ~~المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعرى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين نزل قوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله...) الآية. وقد ~~شرحنا PageV07P102 # القصة في سورة الأنبياء. والمشركون هم الذين ضربوا عيسى مثلا لآلهتهم ~~وشبهوه بها، لأن تلك الآية إنما تضمنت ذكر ms2029 الأصنام، لأنها عبدت من دون ~~الله، فألزموه عيسى، وضربوه مثلا لأصنامهم، لأنه معبود النصارى والمراد ~~بقومه: المشركون. # فأما (يصدون) فقرأ ابن عامر، ونافع والكسائي: بضم الصاد، وكسرها الباقون، ~~قال الزجاج: # ومعناهما جميعا: يضجون، ويجوز أن يكون معنى المضمومة: يعرضون. وقال أبو ~~عبيدة: من كسر الصاد، فمجازها: يضجون، ومن ضمها، فمجازها: يعدلون. # قوله تعالى: (وقالوا أآلهتنا خير أم هو) المعنى: ليست خيرا منه، فإن كان ~~في النار لأنه عبد من دون الله، فقد رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلته. # (ما ضربوه لك إلا جدلا) أي: ما ذكروا عيسى إلا ليجادلوك به، لأنهم قد ~~علموا أن المراد ب‍ " حصب جهنم " ما اتخذوه من الموات: (بل هم قوم خصمون) ~~أي: أصحاب خصومات. # قوله تعالى: (وجعلناه مثلا) أي: آية وعبرة (لبني إسرائيل) يعرفون به قدرة ~~الله على ما يريد، إذ خلقه من غير أب. # ثم خاطب كفار مكة، فقال: (ولو نشاء لجعلنا منكم) فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: لجعلنا بدلا منكم ملائكة، ثم في معنى " يخلفون " ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: يخلف بعضهم بعضا، قاله ابن عباس. والثاني: يخلفونكم ليكونوا بدلا ~~منكم، قاله مجاهد. والثالث: يخلفون الرسل فيكونون رسلا إليكم بدلا منهم، ~~حكاه الماوردي. PageV07P103 # والقول الثاني: أن المعنى: " ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة " أي: قلبنا ~~الخلقة فجعلنا بعضكم ملائكة يخلفون من ذهب منكم: ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة) في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى عيسى عليه السلام. ثم في معنى الكلام قولان: ~~أحدهما: # نزول عيسى من اشراط الساعة يعلم به قربها، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة، والضحاك، والسدي. والثاني: أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة ~~وبعث الموتى، قاله ابن إسحاق. # والقول الثاني: أنها ترجع إلى القرآن، قاله الحسن، وسعيد بن جبير. وقرأ ~~الجمهور: # " ص لعلم " بكسر العين وتسكين اللام، وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد ~~الرحمن، وقتادة، وحميد، وابن محيصن: بفتحهما. # قال ابن قتيبة: من قرأ بكسر العين، فالمعنى أنه يعلم به قرب الساعة، ومن ~~فتح العين واللام، فإنه بمعنى ms2030 العلامة والدليل. # قوله تعالى: (فلا تمترن بها) أي: فلا تشكن فيها (واتبعون) على التوحيد ~~(هذا) الذي أنا عليه (صراط مستقيم). # (ولما جاء عيسى بالبينات) قد شرحنا هذا في سورة البقرة. # (قال قد جئتكم بالحكمة) وفيها قولان: # أحدهما: النبوة، قاله عطاء، والسدي. # والثاني: الإنجيل، قاله مقاتل. # (والأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) أي: من أمر دينكم، وقال مجاهد: " بعض ~~الذي تختلفون فيه " من تبديل التوراة، وقال ابن جرير: من أحكام التوراة. ~~وقد ذهب قوم إلى أن البعض هاهنا بمعنى الكل. وقد شرحنا ذلك في حم المؤمن، ~~قال الزجاج: والصحيح أن البعض لا يكون في معنى الكل، وإنما بين لهم عيسى ~~بعض الذي اختلفوا فيه مما احتاجوا إليه، وقد قال ابن جرير: كان بينهم ~~اختلاف في أمر دينهم ودنياهم، فبين لهم أمر دينهم فقط. وما بعد هذا قد سبق ~~بيانه إلى قوله: (هل ينظرون) يعني كفار مكة. # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) يا عباد لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون (68) الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (68) أدخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم PageV07P104 # تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وأنتم فيها خالدون (71) وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ~~(72) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) قوله تعالى: (الأخلاء) أي: في ~~الدنيا (يومئذ) أي: في القيامة (بعضهم لبعض عدو) لأن الخلة إذا كانت في ~~الكفر والمعصية صارت عداوة يوم القيامة، وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف ~~وعقبة بن أبي معيط (إلا المتقين) يعني الموحدين. فإذا وقع الخوف يوم ~~القيامة نادى مناد (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون)، فيرفع ~~الخلائق رؤوسهم، فيقول: # (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين)، فينكس الكفار رؤوسهم. قرأ نافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " يا عبادي " بإثبات الياء في ~~الحالين وإسكانها، وحذفها في الحالين ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وحفص، ~~والمفضل عن عاصم، وخلف. # وفي أزواجهم قولان: أحدهما: زوجاتهم. والثاني: قرناؤهم. وقد سبق معنى ~~(تحبرون). # قوله تعالى: (يطاف عليهم ms2031 بصحاف) قال الزجاج: واحدها صحفة، وهي القصعة. # والأكواب، واحدها: كوب، وهو إناء مستدير لا عروة له، قال الفراء: الكوب: ~~الكوز المستدير الرأس الذي لا أذن له، وقال عدي: # متكئا تصفق أبوابه * يسعى عليه العبد بالكوب وقال ابن قتيبة: الأكواب: ~~الأباريق التي لا عرى لها. وقال شيخنا أبو منصور اللغوي: # وإنما كانت بغير عرى ليشرب الشارب من أين شاء، لأن العروة ترد الشارب من ~~بعض الجهات. # قوله تعالى: (وفيها ما تشتهي الأنفس) وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم: # " تشتهيه " بزيادة هاء. وحذف الهاء كإثباتها في المعنى. # قوله تعالى: (وتلذ الأعين) يقال: لذذت الشيء، واستلذذته، والمعنى: ما من ~~شيء اشتهته نفس أو استلذته بعد عين إلا وهو في الجنة، وقد جمع الله تعالى ~~جميع نعيم الجنة في هذين الوصفين، فإنه ما من نعمة إلا وهي نصيب النفس أو ~~العين، وتمام النعيم الخلود، لأنه لو انقطع لم تطب. PageV07P105 # (وتلك الجنة) يعني التي ذكرها في قوله: " ادخلوا الجنة " (التي ~~أورثتموها) قد شرحنا هذا في الأعراف عند قوله: (أورثتموها). # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدين (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ~~قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78) أم ~~أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) ~~سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) قوله تعالى: (إن المجرمين) يعني ~~الكافرين، (لا يفتر) أي: لا يخفف (عنهم وهم فيه) يعني في العذاب (مبلسون) ~~قال ابن قتيبة: آيسون من رحمة الله. وقد شرحنا هذا في الأنعام (وما ~~ظلمناهم) أي: ما عذبناهم على غير ذنب (ولكن كانوا هم الظالمين) لأنفسهم بما ~~جنوا عليها. قال الزجاج: والبصريون يقولون: " هم " هاهنا فصل، كذلك ~~يسمونها، ويسميها الكوفيون: العماد. # قوله تعالى: (ونادوا يا مالك) وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ms2032 وابن ~~مسعود، وابن يعمر: [" يا مال "] بغير كاف مع كسر اللام. قال الزجاج: وهذا ~~يسميه النحويون: الترخيم، ولكني أكرهها لمخالفة المصحف. # قال المفسرون: يدعون مالكا خازن النار فيقولون: (ليقض علينا ربك) أي: ~~ليمتنا، والمعنى: أنهم توسلوا به ليسأل اله تعالى لهم الموت فيستريحوا من ~~العذاب، فيسكت عن جوابهم مدة، فيها أربعة أقوال: # أحدها: أربعون عاما، قاله عبد الله بن عمرو، ومقاتل. # والثاني: ثلاثون سنة، قاله أنس. PageV07P106 # والثالث: ألف سنة، قاله حتى ابن عباس. # والرابع: مائة سنة، قاله كعب. # وفي سكوته عن جوابهم هذه المدة قولان. # أحدهما: أنه سكت حتى أوحى الله إليه أن أجبهم، قاله مقاتل. # والثاني: لأن بعد ما بين النداء والجواب أخزى لهم وأذل. # قال الماوردي: فرد عليهم مالك فقال: (إنكم ماكثون) أي: مقيمون في العذاب. # (لقد جئناكم بالحق) أي: أرسلنا رسلنا بالتوحيد (ولكن أكثركم) قال ابن ~~عباس: يريد: # كلكم (كارهون) لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (أم أبرموا أمرا) في " أم " قولان: # أحدهما: أنها للاستفهام. # والثاني: بمعنى " بل. والإبرام: الإحكام. وفي هذا الأمر ثلاثة أقوال. # أحدها: المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أم يخرجوه حين ~~اجتمعوا في دار الندوة، وقد سبق بيان القصة، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه إحكام أمرهم في تكذيبهم، قاله قتادة. # والثالث: أنه: إبرام أمرهم ينجيهم من العذاب، قاله الفراء. # (فإنا مبرمون) أي: محكمون أمرا في مجازاتهم. # (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم) وهو ما يسرونه من غيرهم (ونجوهم) ما ~~يتناجون به بينهم (بلى) والمعنى: إنا نسمع ذلك (ورسلنا) يعني من الحفظة ~~(لديهم يكتبون) (قل إن كان للرحمن ولد) في " إن " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الشرط، والمعنى: إن كان له ولد في قولكم وعلى زعمكم، ~~فعلى هذا في قوله: (فأنا أول العابدين) أربعة أقوال: # أحدها: فأنا أول الجاحدين، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي رواية ~~أخرى عن ابن عباس: أن أعرابيين اختصما إليه، فقال أحدهما: إن هذا كانت لي ~~في يده أرض، فعبدنيها، فقال ابن عباس: الله ms2033 أكبر، فأنا أول العبادين ~~الجاحدين أن لله ولدا. # والثاني: فأنا أول من عبد الله مخالفا لقولكم، هذا قول مجاهد. وقال ~~الزجاج: معناه: إن PageV07P107 # كنتم تزعمون للرحمن ولدا، فأنا أول الموحدين. # والثالث: فأنا أول الآنفين لله مما قلتم، قاله ابن السائب، وأبو عبيدة. ~~قال ابن قتيبة: يقال: # عبدت من كذا، أعبد عبدا، فأنا عبد وعابد، قال الفرزدق: # وأعبد أن تهجى تميم بدارم أي: آنف. وأنشد أبو عبيدة: # وأعبد أن أسبهم بقومي * وأوثر دارما وبني رزاح والرابع: أن معنى الآية: ~~كما أني لست أول عابد لله، فكذلك ليس له ولد، وهذا كما تقول: # إن كنت كاتبا فأنا حاسب، أي: لست كاتبا ولا أنا حاسب، حكى هذا القول ~~الواحدي عن سفيان بن عيينة. # والقول الثاني: أن " إن " بمعنى " ما " قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن ~~زيد، فيكون المعنى: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول من عبد الله على يقين أنه ~~لا ولد له. وقال أبو عبيدة: # الفاء على هذا القول بمعنى الواو. # قوله تعالى: (فذرهم) يعني كفار مكة (يخوضوا) في باطلهم (ويلعبوا) في ~~دنياهم (حتى يلاقوا) وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن محيصن، وأبو ~~جعفر: " حتى يلقوا " بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف. والمراد: ~~يلاقوا يوم القيامة وهذه الآية عند الجمهور منسوخة بآية السيف. # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) وتبارك ~~الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ~~(85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ~~(86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن ~~هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) قوله ~~تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) قال مجاهد، وقتادة: يعبد في ~~PageV07P108 # السماء ويعبد في الأرض. وقال الزجاج: هو الموحد في السماء وفي الأرض. ~~وقرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وابن السميفع، وابن يعمر، ~~والجحدري: " في السماء الله وفي الأرض الله " بألف ولام من ms2034 غير تنوين ولا ~~همز فيهما. وما بعد هذا سبق بيانه إلى قوله: # (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة) سبب نزولها أن النضر بن الحارث ~~ونفرا معه قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن نتولى الملائكة، فهم أحق ~~بالشفاعة من محمد، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: أنه أراد بالذين يدعون من دونه: آلهتهم، ثم استثنى عيسى وعزير ~~والملائكة، فقال: # (إلا من شهد بالحق) وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله (وهم يعلمون) بقلوبهم ~~ما شهدوا به بألسنتهم، وهذا مذهب الأكثرين، منهم قتادة. # والثاني: أن المراد بالذين يدعون: عيسى وعزير والملائكة الذين عبدهم ~~المشركون بالله لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد (إلا من شهد) أي: إلا لمن شهد ~~(بالحق) وهي كلمة الإخلاص (وهم يعلمون) أن الله عز وجل خلق عيسى وعزير ~~والملائكة، وهذا مذهب قوم، منهم مجاهد. وفي الآية دليل على أن شرط جميع ~~الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به قوله تعالى: (وقيله يا رب) قال ~~قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. وقال ابن عباس: # شكا إلى الله تخلف قومه عن الإيمان. قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~وأبو عمرو: " وقيله " بنصب اللام، وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه أضمر معها قولا، كأنه قال: وقال قيله، وشكا شكواه إلى ربه. # والثاني: أنه عطف على قوله: " أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم " ~~وقيله " فالمعنى: # ونسمع قيله، ذكر القولين الفراء، والأخفش. # والثالث: أنه منصوب على معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيله، لأن معنى " ~~وعنده علم الساعة ": يعلم الساعة ويعلم قيله، هذا اختيار الزجاج. وقرأ ~~عاصم، وحمزة: " وقيله " بكسر اللام والهاء حتى تبلغ إلى الياء، والمعنى: ~~وعنده علم الساعة وعلم قيله. وقرأ أبو هريرة، وأبو رزين، وسعيد بن جبير، ~~وأبو رجاء، والجحدري، وقتادة، وحميد: برفع اللام، والمعنى: ونداؤه هذه ~~الكلمة: يا رب، ذكر علة الخفض والرفع الفراء والزجاج. # قوله تعالى: (فاصفح عنهم) أي: فأعرض عنهم (وقل سلام) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: قل خيرا بدلا من ms2035 شرهم، قاله السدي. # والثاني: أردد عليهم معروفا، قاله مقاتل. PageV07P109 # والثالث: قل ما تسلم به من شرهم، حكاه الماوردي. # (فسوف يعلمون) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يعلمون عاقبة كفرهم. # والثاني: أنك صادق. # والثالث: حلول العذاب بهم، وهذا تهديد لهم: " فسوف يعلمون ". وقرأ نافع، ~~وابن عامر: # " تعلمون " بالتاء. فعلى الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم ~~بهذا، قاله مقاتل، فنسخت آية السيف الإعراض والسلام. PageV07P110 # سورة الدخان مكية وآياتها تسع وخمسون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا ~~كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين ~~(5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) رب السماوات والأرض وما بينهما ~~إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) ~~بل هم في شك يلعبون (9) قوله عز وجل: (حم والكتاب المبين) قد تقدم بيانه، ~~وجواب القسم (إنا أنزلناه)، والهاء كناية عن الكتاب، وهو القرآن (في ليلة ~~مباركة) وفيها قولان: # أحدهما: أنها ليلة القدر، وهو قول الأكثرين. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ~~أنزل القرآن PageV07P111 # من عند الرحمن ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في السماء الدنيا، ثم أنزل ~~نجوما. وقال مقاتل: # نزل القرآن كله في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. # والثاني: أنها ليلة النصف من شعبان، قاله عكرمة. # قوله تعالى: (إنا كنا منذرين) أي: مخوفين عقابنا. # (فيها) أي: في تلك الليلة (يفرق كل) أي: يفصل. وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~نهيك، ومعاذ القارئ: " يفرق " بفتح الياء وكسر الراء " كل " بنصب اللام ~~(أمر حكيم) أي: محكم. # قال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من ~~الخير والشر والأرزاق والآجال، حتى الحاج، وإنك لترى الرجل يمشي في الأسواق ~~وقد وقع اسمه في الموتى. وعلى ما روي عن عكرمة أن ذلك في ليلة النصف من ~~شعبان، والرواية عنه بذلك مضطربة قد خولف الراوي لها، فروي عن عكرمة أنه ~~قال: في ليلة القدر، ms2036 وعلى هذا المفسرون. # قوله تعالى: (أمرا من عندنا) قال الأخفش: " أمرا " و " رحمة " منصوبان ~~على الحال، المعنى: إنا أنزلناه آمرين أمرا وراحمين رحمة. قال الزجاج: ~~ويجوز أن يكون منصوبا ب‍ " يفرق " بمنزلة يفرق فرقا، لأن " أمرا " بمعنى " ~~فرقا ". قال الفراء: ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع " مرسلين " عليها، فتكون ~~الرحمة هي النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: " مرسلين " بمعنى منزلين ~~هذا القرآن، أنزلناه رحمة لمن آمن به. وقال غيره: " أمرا من عندنا " أي: ~~إنا نأمر بنسخ ما ينسخ من اللوح (إنا كنا مرسلين) الأنبياء، (رحمة) منا ~~بخلقنا (رب السماوات) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " رب " ~~بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " رب " بكسر الباء. وما ~~بعد هذا ظاهر إلى قوله: (بل هم) يعني الكفار (في شك) مما جئناهم به ~~(يلعبون) يهزؤون به. # فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ~~(13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ~~عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) (فارتقب) أي: فانتظر ~~(يوم تأتي السماء بدخان مبين) اختلفوا في هذا الدخان ووقته PageV07P112 # على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه دخان يجيء قبل قيام الساعة، فروي عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الدخان يجيء فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، ~~وروى عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت ~~الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: # طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يطرق الدخان، وهذا المعنى مروي عن علي، ~~وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن. # والثاني: أن قريشا أصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء دخانا من ~~الجوع، فروى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث مسروق، قال: كنا عند ~~عبد الله، فدخل علينا رجل، فقال: جئتك من المسجد وتركت رجلا يقول في هذه ~~الآية (يوم تأتي السماء بدخان مبين): # يغشاهم ms2037 يوم القيامة دخان يأخذ بأنفاسهم حتى يصيبهم منه كهيئة الزكام، ~~فقال عبد الله: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، إنما ~~كان هذا لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ~~بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام والميتة، وجعل الرجل ~~ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فقالوا: (ربنا ~~اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون)، فقال الله تعالى: (إنا كاشفو العذاب قليلا ~~إنكم عائدون)، فكشف عنهم، ثم عادوا إلى الكفر، فأخذوا يوم بدر، فذلك قوله: ~~(يوم نبطش البطشة الكبرى)، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، ~~وابن السائب، ومقاتل. # والثالث: أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء بالغبرة، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (هذا عذاب) أي: يقولون: هذا عذاب. # (ربنا اكشف عنا العذاب) فيه قولان: # أحدهما: الجوع. # والثاني: الدخان (إنا مؤمنون) بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # (أنى لهم الذكرى) أي: من أين لهم التذكر والاتعاظ بعد نزول هذا البلاء، ~~(و) حالهم أنه (قد جاءهم رسول مبين) أي: ظاهر الصدق؟! # (ثم تولوا عنه) أي: أعرضوا ولم يقبلوا قوله (وقالوا معلم مجنون) أي: هو ~~معلم يعلمه بشر PageV07P113 # مجنون بادعائه النبوة، قال الله تعالى: (إنا كاشفوا العذاب قليلا) أي: ~~زمانا يسيرا. وفي العذاب قولان: # أحدهما: الضر الذي نزل بهم كشف بالخصب، هذا على قول ابن مسعود. قال ~~مقاتل: كشفه إلى يوم بدر. # والثاني: أنه الدخان، قاله قتادة. # قوله تعالى: (إنكم عائدون) فيه قولان: # أحدهما: إلى الشرك، قاله ابن مسعود. # والثاني: إلى عذاب الله، قاله قتادة. # قوله تعالى: (يوم نبطش البطشة الكبرى) وقرأ الحسن، وابن يعمر، وأبو ~~عمران: " يوم تبطش " بتاء مرفوعة وفتح الطاء " البطشة " بالرفع. قال ~~الزجاج: المعنى: واذكر يوم نبطش، ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله: " منتقمون ~~"، لأن ما بعد " إنا " لا يجوز أن يعمل فيما قبلها. وفي هذا اليوم قولان: # أحدهما: يوم بدر، قاله ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو هريرة، وأبو ~~العالية، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: ms2038 يوم القيامة، قاله ابن عباس، والحسن. والبطش: الأخذ بقوة. # ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلى عباد الله ~~إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) ~~وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) فدعا ~~ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) واترك ~~البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام ~~كريم (26) ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) ~~فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا (29) قوله تعالى: (ولقد فتنا) أي: ~~ابتلينا (قبلهم) أي: قبل قومك (قوم فرعون) بإرسال PageV07P114 # موسى إليهم (وجاءهم رسول كريم) وهو موسى بن عمران. وفي معنى " كريم " ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: حسن الخلق، قاله مقاتل. # والثاني: كريم على ربه، قاله الفراء. # والثالث: شريف وسيط النسب، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: (أن أدوا) أي: بان أدوا (إلي عباد الله) وفيه قولان: # أحدهما: أدوا إلى ما أدعوكم إليه من الحق باتباعي، روى هذا المعنى العوفي ~~عن ابن عباس. فعلى هذا ينتصب " عباد الله " بالنداء. قال الزجاج: ويكون ~~المعنى: أن أدوا إلي ما آمركم به يا عباد الله. # والثاني: أرسلوا معي بني إسرائيل، قاله مجاهد، وقتادة، والمعنى: أطلقوهم ~~من تسخيركم، وسلموهم إلي. # (وأن لا تعلوا على الله) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تفتروا عليه، قاله ابن عباس. # والثاني: لا تعتوا عليه، قاله قتادة. # والثالث: لا تعظموا عليه، قاله ابن جريج (إني آتيكم بسلطان مبين) أي: ~~بحجة تدل على صدقي. # فلما قال هذا تواعدوه بالقتل فقال: (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون) وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنه رجم القول، قاله ابن عباس، فيكون المعنى: أن يقولوا: شاعر أو ~~مجنون. # والثاني: القتل، قاله السدي. # (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون) أي: فاتركوني لا معي ولا علي، فكفروا ولم ~~يؤمنوا، (فدعا ربه أن هؤلاء) قال الزجاج: من فتح " أن "، فالمعنى: بأن ~~هؤلاء، ومن كسر، فالمعنى: قال: إن هؤلاء، و " إن " بعد القول مكسورة. وقال ~~المفسرون: ms2039 المجرمون هاهنا: المشركون. # فأجاب الله دعاءه، وقال: (فأسر بعبادي ليلا) يعني بالمؤمنين (إنكم ~~متبعون) يتبعكم فرعون وقومه، فأعلمهم أنهم يتبعونهم، وأنه سيكون سببا ~~لغرقهم. # (واترك البحر رهوا) أي: ساكنا على حاله بعد أن انفرق لك، ولا تأمره أن ~~يرجع كما كان حتى يدخله فرعون وجنوده. والرهو: مشي في سكون. PageV07P115 # قال قتادة: لما قطع موسى عليه السلام البحر، عطف يضرب البحر بعصاه ~~ليلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: " واترك البحر رهوا " - أي ~~كما هو - طريقا يابسا. # قوله تعالى: (إنهم جند مغرقون) أخبره الله عز وجل بغرقهم ثم ليطمئن قلبه ~~في ترك البحر على حاله. # (كم تركوا) أي: بعد غرقهم (من جنات) وقد فسرنا الآية في الشعراء. فأما " ~~النعمة " فهو العيش اللين الرغد. وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله: ~~(وأورثناها قوما آخرين) يعني بني إسرائيل. # (فما بكت عليهم السماء) أي: على آل فرعون وفي معناه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه على الحقيقة، روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " ما من مسلم إلا وله في السماء بابان، باب يصعد فيه عمله، ~~وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه " وتلا صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية. وقال علي رضي الله عنه: إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ~~ومصعد عمله من السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم في الأرض مصلى ولا في ~~السماء مصعد عمل، فقال الله تعالى: (فما بكت عليهم السماء والأرض)، وإلى ~~نحو هذا ذهب ابن عباس، والضحاك، ومقاتل. وقال ابن عباس: الحمرة التي في ~~السماء: بكاؤها. وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض ~~أربعين صباحا، فقيل له: أو تبكي؟ قال: وما للأرض لا تبكي على عبد كان ~~يعمرها بالركوع والسجود؟! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره ~~فيها دوي كدوي النحل؟!. # والثاني: أن المراد: أهل السماء وأهل الأرض، قاله الحسن، ونظير هذا قوله ~~تعالى: (حتى تضع الحرب أوزارها)، أي: أهل الحرب. # والثالث: ms2040 أن العرب تقول إذا أرادت تعظيم مهلك عظيم: أظلمت الشمس له، وكسف ~~القمر لفقده، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض، يريدون المبالغة في وصف ~~المصيبة، وليس ذلك بكذب منهم، لأنهم جميعا متواطئون عليه، والسامع له يعرف ~~مذهب القائل فيه، ونيتهم في قولهم: # أظلمت الشمس، كادت تظلم، وكسف القمر: كاد يكسف، ومعنى " كاد ": هم أن ~~يفعل ولم يفعل، قال ابن مفرغ يرثي رجلا: # الريح تبكي شجوه * والبرق رسول يلمع في غمامه PageV07P116 # وقال الآخر: # الشمس طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك - نجوم الليل والقمرا أراد: الشمس ~~طالعة تبكي عليه، وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر، لأنها مظلمة، وإنما ~~تكسف بضوئها، فنجوم الليل بادية بالنهار، فيكون معنى الكلام: إن الله لما ~~أهلك قوم فرعون لم يبك عليهم باك، ولم يجزع جازع، ولم يوجد لهم فقد، هذا ~~كله كلام ابن قتيبة. # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ~~ما فيه بلاء مبين (33) إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى وما ~~نحن بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) أهم خير أم قوم تبع ~~والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (39) إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى عن مولى ~~شيئا ولا هم ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) قوله ~~تعالى: (من العذاب المهين) يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والتعب في ~~أعمال فرعون، (إنه كان عاليا) أي: جبارا. # (ولقد اخترناهم) يعني بني إسرائيل (على علم) علمه الله فيهم على عالمي ~~زمانهم، (وآتيناهم من الآيات) كانفراق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن ~~والسلوى، إلى غير ذلك (ما فيه بلاء مبين) أي: نعمة ظاهرة. # ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، فقال (إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا ~~الأولى) يعنون التي تكون في الدنيا (وما نحن بمنشرين) أي: بمبعوثين، ~~(فائتوا بآبائنا) أي: ابعثوهم لنا ms2041 (إن كنتم صادقين) في البعث. وهذا جهل ~~منهم من وجهين: # أحدهما: أنهم قد رأوا من الآيات ما يكفي في الدلالة، فليس لهم أن ~~يتنطعوا. PageV07P117 # والثاني: أن الإعادة للجزاء، وذلك في الآخرة، لا في الدنيا. # ثم خوفهم عذاب الأمم قبلهم، فقال: (أهم خير) أي: أشد وأقوى (أم قوم ~~تبع)؟! # أي: ليسوا خيرا منهم. روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " ما أدري تبعا، نبي، أو غير نبي. وقالت عائشة: لا تسبوا تبعا فإنه ~~كان رجلا صالحا، ألا ترى أن الله تعالى ذم قومه ولم يذمه. # وقال وهب: أسلم تبع ولم يسلم قومه، فلذلك ذكر قومه ولم يذكر. وذكر بعض ~~المفسرين أنه كان يعبد النار، فأسلم ودعا قومه - وهم حمير - إلى الإسلام، ~~فكذبوه. # فأما تسميته ب‍ " تبع " فقال أبو عبيدة: كل ملك من ملوك اليمن كان يسمى: ~~تبعا، لأنه يتبع صاحبه، فموضع " تبع " في الجاهلية موضع الخليفة في ~~الإسلام. وقال مقاتل: إنما سمي تبعا لكثرة أتباعه، واسمه: ملكيكرب. وإنما ~~ذكر قوم تبع، لأنهم كانوا أقرب في الهلاك إلى كفار مكة من غيرهم. وما بعد ~~هذا قد تقدم إلى قوله تعالى: (إن يوم الفصل) وهو يوم يفصل الله عز وجل بين ~~العباد (ميقاتهم) أي: ميعادهم (أجمعين) يأتيه الأولون والآخرون. # (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا) فيه قولان: # أحدهما: لا ينفع قريب قريبا، قاله مقاتل. وقال ابن قتبة: لا يغني ولي عن ~~وليه بالقرابة أو غيرها. # والثاني: لا ينفع ابن عم ابن عمه، قاله أبو عبيدة. # (ولا هم ينصرون) أي، لا يمنعون من عذاب الله، (إلا من رحم الله) وهم ~~المؤمنون، فإنه يشفع بعضهم في بعض. # إن شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلى في البطون (45) كغلي ~~الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب ~~الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون (50) ~~إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق ~~PageV07P118 # متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون ms2042 فيها بكل فاكهة آمنين ~~(55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا ~~من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) ~~فارتقب إنهم مرتقبون (59) (إن شجرة الزقوم) قد ذكرناها في الصافات. و " ~~الأثيم ": الفاجر، وقال مقاتل: هو أبو جهل. وقد ذكرنا معنى " المهل " في ~~الكهف. # قوله تعالى: (يغلي في البطون) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " ~~يغلي " بالياء، والباقون: بالتاء. فمن قرأ " تغلي " بالتاء، فلتأنيث ~~الشجرة، ومن قرأ بالياء، حمله على الطعام، قال أبو علي الفارسي: ولا يجوز ~~أن يحمل الغلي على المهل، لأن المهل ذكر للتشبيه في الذوب، وإنما يغلي ما ~~شبه به (كغلي الحميم) وهو الماء الحار إذا اشتد غليانه. # قوله تعالى: (خذوه) أي: يقال للزبانية: خذوه (فاعتلوه) وقرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر، ويعقوب: بضم التاء، وكسرها الباقون، قال ابن قتيبة: ~~ومعناه: قودوه بالعنف، يقال: جيء بفلان يعتل إلى السلطان، و " سواء الجحيم ~~": وسط النار. قال مقاتل: الآيات في أبي جهل يضربه الملك من خزان جهنم على ~~رأسه بمقمعة من حديد فتنقب عن دماغه، فيجري دماغه على جسده، ثم يصب الملك ~~في النقب ماء حميما قد انتهى حره، فيقع في بطنه، ثم يقول له الملك: (ذق) ~~العذاب (إنك أنت العزيز الكريم) هذا توبيخ له بذلك، وكان أبو جهل يقول: # أنا أعز قريش وأكرمها. وقرأ الكسائي: " ذق أنك " بفتح الهمزة، والباقون: ~~بكسرها. قال أبو علي: # من كسرها، فالمعنى: أنت العزيز في زعمك، ومن فتح، فالمعنى: بأنك. # فإن قيل: كيف سمي بالعزيز وليس به؟! # فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه قيل ذلك استهزاء به، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. # والثاني: أنت العزيز الكريم عند نفسك، قاله قتادة. # والثالث: أنت العزيز في قومك، الكريم على أهلك، حكاه الماوردي. # ويقول الخزان لأهل النار: (إن هذا ما كنتم به تمترون) أي: تشكون في كونه. # ثم ذكر مستقر المتقين فقال: (إن المتقين في مقام أمين) قرأ نافع، وابن ~~عامر: " في مقام " بضم الميم، والباقون: بفتحها. قال ms2043 الفراء: المقام، بفتح ~~الميم: المكان، وبضمها: # الإقامة. PageV07P119 # قوله تعالى: (أمين) أي: أمنوا فيه الغير والحوادث. وقد ذكرنا " الجنات " ~~في البقرة وذكرنا معنى " العيون " ومعنى " متقابلين " في الحجر وذكرنا " ~~السندس والإستبرق " في الكهف. # قوله تعالى: (كذلك) أي: الأمر كما وصفنا (وزوجناهم بحور عين) قال ~~المفسرون: # المعنى: قرناهم بهن، وليس من عقد التزويج. قال أبو عبيدة: المعنى: جعلنا ~~ذكور أهل الجنة أزواجا (بحور عين عين) من النساء، تقول للرجل: زوج هذه ~~النعل الفرد بالنعل الفرد، أي: اجعلهما زوجا، والمعنى: جعلناهم اثنين ~~اثنين. وقال يونس: العرب لا تقول: تزوج بها، إنما يقولون: # تزوجها. ومعنى (وزوجناهم بحور عين): قرناهم. وقال ابن قتيبة: يقال: زوجته ~~امرأة، وزوجته بامرأة. وقال أبو علي الفارسي: والتنزيل على ما قال يونس، ~~وهو قوله تعالى: (زوجناكها)، وما قال: زوجناك بها. # فأما الحور، فقال مجاهد: الحور: النساء النقيات البياض، وقال الفراء: ~~الحوراء: البيضاء من الإبل، قال: وفي " الحور العين " لغتان: حور عين، وحير ~~عين، وأنشد: # أزمان أو عيناء سرور المسير * وحوراء عيناء من العين الحير وقال أبو ~~عبيدة: الحوراء: الشديدة بياض بياض العين، الشديدة سواد سوادها. وقد بينا ~~معنى " العين " في الصافات. # قوله تعالى: (ويدعون فيها بكل فاكهة آمنين) فيه قولان: # أحدهما: آمنين من انقطاعها في بعض الأزمنة. # والثاني: آمنين من التخم والأسقام والآفات. # قوله تعالى: (إلا الموتة الأولى) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى " سوى "، فتقدير الكلام: لا يذوقون في الجنة الموت سوى ~~الموتة التي ذاقوها في الدنيا، ومثله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~إلا ما قد سلف)، وقوله: # (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) أي: سوى ما شاء ~~لهم ربك من الزيادة على مقدار الدنيا، هذا قول الفراء، والزجاج. ~~PageV07P120 # والثاني: أن السعداء حين يموتون يصيرون إلى الروح والريحان وأسباب من ~~الجنة يرون منازلهم منها، وإذا ماتوا في الدنيا، فكأنهم ماتوا في الجنة، ~~لاتصالهم عليه بأسبابها، ومشاهدتهم إياها، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أن " إلا " بمعنى " بعد "، كما ذكرنا في أحد الوجوه في قوله: ~~(إلا ms2044 ما قد سلف)، وهذا قول ابن جرير. # قوله تعالى: (فضلا من ربك) أي: فعل الله ذلك بهم فضلا منه. # (فإنما يسرناه) أي: سهلناه، والكناية عن القرآن (بلسانك) أي: بلغة العرب ~~(لعلهم يتذكرون) أي: لكي يتعظوا فيؤمنوا، (فارتقب) أي: انتظر بهم العذاب ~~(إنهم مرتقبون) هلاكك، وهذه عند أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف، وليس ~~بصحيح. PageV07P121 # سورة الجاثية مكية إلا آية 14 فمدنية وآياتها 37 نزلت بعد الدخان وتسمى ~~سورة الشريعة روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية، وهو قول ~~الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. وقال مقاتل: هي مكية كلها. وحكي ~~عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: # هي مكية إلا آية، وهي قوله: (قل للذين آمنوا يغفروا). # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ~~إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات ~~لقوم يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (9) تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك ~~أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا PageV07P122 # كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا ~~أولئك لهم عذاب مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا ولا ~~ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا ~~بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11) الله الذي سخر لكم البحر لتجرى الفلك ~~فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) قوله تعالى: ~~(حم. تنزيل الكتاب) قد شرحناه في أول (المؤمن). # قوله تعالى: (وفي خلقكم) أي: من تراب ثم من نطفة إلى أن يتكامل خلق ~~الإنسان (وما يبث من دابة) أي: وما يفرق في الأرض من جميع ما خلق على ~~اختلاف ذلك في الخلق والصور (آيات) تدل ms2045 على وحدانيته. قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: " آيات " رفعا " وتصريف الرياح آيات " رفعا ~~أيضا. وقرأ حمزة، والكسائي: بالكسر فيهما. والرزق هاهنا بمعنى المطر. # قوله تعالى: (تلك آيات الله) أي: هذه حجج الله (نتلوها عليك بالحق فبأي ~~حديث بعد الله) أي: بعد حديثه (وآياته) يؤمن هؤلاء المشركون؟! # قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم) روى أبو صالح عن ابن عباس أنها نزلت في ~~النضر بن الحارث. وقد بينا معناها في الشعراء، والآية التي تليها مفسرة في ~~لقمان. # قوله تعالى: (وإذا علم من آياتنا شيئا) قال مقاتل: معناه: إذا سمع. وقرأ ~~ابن مسعود: # " وإذا علم " برفع العين وكسر اللام وتشديدها. # قوله تعالى: (اتخذها هزوا) أي: سخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ~~(إن شجرة الزقوم، طعام الأثيم) فدعا بتمر وزبد، وقال: تزقموا فما يعدكم ~~محمد إلا هذا، وإنما قال: (أولئك) لأنه رد الكلام إلى معنى " كل ". # (من ورائهم جهنم) قد فسرناه في إبراهيم (ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا) من ~~PageV07P123 # الأموال، ولا ما عبدوا من الآلهة. # قوله تعالى: (هذا هدى) يعني القرآن (والذين كفروا) به، (لهم عذاب من رجز ~~أليم) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: " أليم " بالرفع على نعت العذاب وقرأ ~~الباقون: # بالكسر على نعت الرجز. والرجز بمعنى العذاب، وقد شرحناه في الأعراف. # قوله تعالى: (جميعا منه) أي: ذلك التسخير منه لا من غيره، فهو من فضله. ~~وقرأ عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وأبو مجلز، وابن السميفع، وابن محيصن، ~~والجحدري: " جميعا منه " بفتح النون وتشديدها وتاء منصوبة منونة. وقرأ سعيد ~~بن جبير: " منه " بفتح الميم ورفع النون والهاء مشددة النون. # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) ~~ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم ms2046 يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون (17) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون (18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم ~~أولياء بعض والله ولي المتقين (19) هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ~~(20) أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ~~ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22) قوله تعالى: (قل للذين آمنوا ~~يغفروا...) الآية في سبب نزولها أربعة أقوال: PageV07P124 # أحدها: أنهم نزلوا في غزاة بني المصطلق على بئر يقال لها: " المريسيع "، ~~فأرسل عبد الله بن أبي غلامة ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له: ~~ما حبسك؟ قال: غلام عمر، ما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء ~~إلا كما قيل: # سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر، فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه، فنزلت هذه ~~الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنها لما نزلت: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) قال يهودي ~~بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج رب محمد. فلما سمع بذلك عمر، اشتمل على سيفه ~~وخرج في طلبه، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية، فبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم في طلب عمر، فلما جاء، قال: " يا عمر، ضع سيفك " وتلا عليه ~~الآية، رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس. # والثالث: أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ~~كانوا في أذى شديد من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال، فشكوا ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، قاله القرظي، والسدي. # والرابع: أن رجلا من كفار قريش شتم عمر بن الخطاب، فهم عمر أن يبطش به، ~~فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # ومعنى الآية: قل للذين آمنوا: اغفروا، ولكن شبه بالشرط والجزاء، كقوله: ~~(قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة *، وقد مضى ms2047 بيان هذا. # وقوله: (للذين لا يرجون) أي: لا يخافون وقائع الله في الأمم الخالية، ~~لأنهم لا يؤمنون به، فلا يخافون عقابه. وقيل: لا يدرون أنعم الله عليهم، أم ~~لا. وقد سبق بيان معنى " أيام الله " في سورة إبراهيم. # فصل وجمهور المفسرين على أن هذه الآية منسوخة، لأنها تضمنت الأمر ~~بالإعراض عن المشركين. # واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قوله: (فاقتلوا المشركين)، رواه معمر عن قتادة. # والثاني: أنه قوله في الأنفال: (فإما تثقفنهم في الحرب)، وقوله في براءة: ~~(وقاتلوا المشركين كافة)، رواه سعيد عن قتادة. PageV07P125 # والثالث: أنه قوله: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)، قاله أبو صالح. # قوله تعالى: (ليجزي قوما) وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: " لنجزي " ~~بالنون " قوما " يعني الكفار، فكأنه قال: لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن. # وما بعد هذا قد سبق إلى قوله: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب) يعني ~~التوراة (والحكم) وهو الفهم في الكتاب، (ورزقناهم من الطيبات) يعني المن ~~والسلوى (وفضلناهم على العالمين) أي: عالمي زمانهم. # (وآتيناهم بينات من الأمر) فيه قولان: # أحدهما: بيان الحلال والحرام، قاله السدي. # والثاني: العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته، ذكره ~~الماوردي. # وما بعد هذا قد تقدم بيانه إلى قوله: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر) سبب ~~نزولها أن رؤساء قريش دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # فأما قوله: (على شريعة) فقال ابن قتيبة: أي على ملة ومذهب، ومنه يقال: ~~شرع فلان في كذا: إذا أخذ فيه، ومنه " مشارع الماء " وهي الفرض التي شرع ~~فيها الوارد. # قال المفسرين: ثم جعلناك بعد موسى على طريقة من الأمر، أي: من الدين ~~(فابتعها). # و (الذين لا يعلمون) كفار قريش. # (إنهم لن يغنوا عنك) أي: لن يدفعوا عنك عذاب الله إن اتبعتهم، (وإن ~~الظالمين) يعني المشركين. (والله ولي المتقين) الشرك. والآية التي بعدها ~~مفسرة في آخر الأعراف. # (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) سبب نزولها أن كفار مكة قالوا للمؤمنين: ~~إنا ms2048 نعطى في الآخرة مثلما تعطون من الأجر، قاله مقاتل. والاستفهام هاهنا ~~استفهام إنكار. و " اجترحوا " بمعنى اكتسبوا. # (سواء محياهم ومماتهم) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وزيد عن يعقوب: # " سواء " نصبا، وقرأ الباقون: بالرفع. فمن رفع، فعلى الابتداء، ومن نصب، ~~جعله مفعولا ثانيا، على تقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء، والمعنى: إن ~~هؤلاء يحيون مؤمنين ويموتون مؤمنين، وهؤلاء يحيون كافرين ويموتون كافرين، ~~وشتان ما هم في الحال والمال (ساء ما PageV07P126 # يحكمون) أي: بئس ما يقضون. # ثم ذكر بالآية التي تلي هذه أنه خلق السماوات والأرض بالحق، أي: للحق ~~والجزاء بالعدل، لئلا يظن الكافر أنه لا يجزي بكفره. # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السماوات ~~والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) وترى كل أمة جاثية كل ~~أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) هذا كتابنا ينطق ~~عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين (30) واما الذين كفروا ~~أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) قوله تعالى: ~~(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) قد شرحناه في الفرقان. وقال مقاتل: نزلت هذه ~~الآية في الحارث بن قيس السهمي. # قوله تعالى: (وأضله الله على علم) أي: على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي ~~(وختم على سمعه) أي: طبع عليه فلم يسمع الهدى (و) على (قلبه) فلم يعقل ~~الهدى وقد ذكرنا الغشاوة والختم في البقرة. # (فمن يهديه من بعد الله؟!) أي: من بعد ms2049 إضلاله إياه (أفلا تذكرون) فتعرفوا ~~قدرته على ما يشاء؟!. وما بعد هذا مفسر في سورة المؤمنون إلى قوله: (وما ~~يهلكنا إلا الدهر) أي: PageV07P127 # اختلاف الليل والنهار (وما لهم بذلك من علم) أي: ما قالوه عن علم، إنما ~~قالوه شاكين فيه. # ومن أجل هذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: " لا تسبوا الدهر فإن الله ~~هو الدهر "، أي: هو الذي يهلككم، لا ما تتوهمونه من مرور الزمان. وما بعد ~~هذا ظاهر، وقد تقدم بيانه إلى قوله: # (يخسر المبطلون) يعني المكذبين الكافرين أصحاب الأباطيل، والمعنى: يظهر ~~خسرانهم يومئذ. # (وترى كل أمة) قال الفراء، ترى أهل كل دين (جاثية) قال الزجاج: أي: جالسة ~~على الركب، يقال: قد جثا فلان جثوا: إذا جلس على ركبتيه، ومثله: جذا يجذو. ~~والجذو أشد استيفازا من الجثو، لأن الجذور: أن يجلس صاحبه على أطراف ~~أصابعه. قال ابن قتيبة: والمعنى أنها غير مطمئنة. # قوله تعالى: (كل أمة تدعى إلى كتابها) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كتابها الذي فيه حسناتها وسيئاتها، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه حسابها، قاله الشعبي، والفراء: وابن قتيبة. # والثالث: كتابها الذي أنزل على رسوله، حكاه الماوردي. # ويقال لهم: (اليوم تجزون ما كنتم تعملون). # (هذا كتابنا) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كتاب الأعمال الذي تكتبه الحفظة، قاله ابن السائب. # والثاني: اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. # والثالث: القرآن، والمعنى أنهم يقرؤونه فيدلهم ويذكرهم، فكأنه ينطق ~~عليهم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) أي: نأمر الملائكة بنسخ ~~أعمالكم، أي بكتبها وإثباتها. وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ، من ~~اللوح المحفوظ، تستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ~~ذلك موافقا ما يعملونه. قالوا: والاستنساخ لا يكون إلا من أصل. قال الفراء: ~~يرفع الملكان العمل كله، فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه ~~اللغو. وقال الزجاج: نستنسخ ما تكتبه الحفظة، ويثبت عند الله عز وجل. # قوله تعالى: (في رحمته) قال مقاتل: في جنته. # قوله تعالى: (أفلم تكن آياتي) ms2050 فيه إضمار، تقديره: فيقال لهم ألم تكن ~~آياتي، يعني آيات القرآن (تتلى عليكم فاستكبرتم) عن الإيمان بها (وكنتم ~~قوما مجرمين؟!) قال ابن عباس: # كافرين. PageV07P128 # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤون (33) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ~~وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله ~~الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) وله الكبرياء في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (37) قوله تعالى: (وإذا قيل إن وعد الله) بالبعث ~~(حق) أي: كائن (والساعة) قرأ حمزة: # " والساعة " بالنصب " لا ريب فيها " أي: كائنة بلا شك (قلتم ما ندري ما ~~الساعة) أي: # أنكرتموها (إن نظن إلا ظنا) أي: ما نعلم ذلك إلا ظنا وحدسا، روى ولا ~~نستيقن كونها. # وما بعد هذا قد تقدم إلى قوله: (وقيل اليوم ننساكم) أي: نترككم في النار ~~(كما نسيتم لقاء يومكم هذا) أي: كما تركتم الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم. # (ذلكم) الذي فعلنا بكم (بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا) أي: مهزوءا بها ~~(وغرتكم الحياة الدنيا) حتى قلتم: إنه لا بعث ولا حساب (فاليوم لا يخرجون) ~~وقرأ حمزة، والكسائي: # " لا يخرجون " بفتح الياء وضم الراء. وقرأ الباقون: [" لا يخرجون "] بضم ~~الياء وفتح الراء (منها) أي: من النار (ولا هم يستعتبون) أي: لا يطلب منهم ~~أن يرجعوا إلى طاعة الله عز وجل، لأنه ليس بحين توبة ولا اعتذار. # قوله تعالى: (وله الكبرياء) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: السلطان، قاله مجاهد. # والثاني: الشرف، قاله ابن زيد. # والثالث: العظمة، قاله يحيى بن سلام، والزجاج. PageV07P129 # (46) سورة الأحقاف مكية وآياتها خمس وثلاثون بسم الله الرحمن الرحيم حم ~~(1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) قل أرأيتم ~~ما تدعون ms2051 من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ~~أئتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) فصل في نزولها ~~روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وعكرمة، وقتادة، والجمهور. وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: فيها آية ~~مدنية، وهي قوله: (قل أرأيتم إن كان من عند الله). وقال مقاتل: نزلت بمكة ~~غير آيتين: قوله: (قل أرأيتم إن كان من عند PageV07P130 # الله)، وقوله: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل). نزلتا بالمدينة. ~~وقد تقدم تفسير فاتحتها إلى قوله: (وأجل مسمى) وهو أجل فناء السماوات ~~والأرض، وهو يوم القيامة. # قوله تعالى: (قل أرأيتم) مفسر في فاطر إلى قوله: (إيتوني بكتاب)، وفي ~~الآية اختصار، تقديره: فإن ادعوا أن شيئا من المخلوقات صنعة آلهتهم، فقل ~~لهم: إيتوني بكتاب (من قبل هذا) أي: من قبل القرآن فيه برهان ما تدعون من ~~أن الأصنام شركاء الله، (أو أثارة من علم) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الشيء يثيره مستخرجه، قاله الحسن. # والثاني: بقية من علم تؤثر عن الأولين، قاله ابن قتيبة، وإلى نحوه ذهب ~~الفراء، وأبو عبيدة. # والثالث: علامة من علم، قاله الزجاج. # وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأيوب السختياني، ويعقوب: " أثرة " بفتح ~~الثاء، مثل شجرة. # ثم ذكروا في معناها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الخط، قاله ابن عباس، وقال: هو خط كانت العرب تخطه في الأرض، ~~قال أبو بكر بن عياش: الخط هو العيافة. # والثاني: أو علم تأثرونه عن غيركم، قاله مجاهد. # والثالث: خاصة من علم، قاله قتادة. # وقرأ أبي بن كعب، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن ~~يعمر: # " أثرة " بسكون الثاء من غير ألف بوزن نظرة. # وقال الفراء: قرئت " أثارة " و " أثره " وهي لغات، ومعنى الكل: بقية من ~~علم، ويقال: أو شيء مأثور من كتب الأولين، فمن قرأ " أثارة " فهو المصدر، ~~مثل قولك: السماحة والشجاعة، ومن قرأ " أثرة " فإنه بناه على الأثر، كما ~~قيل: قترة، ومن قرأ ms2052 " أثرة " فكأنه أراد مثل قوله: " الخطفة " و " الرجفة ~~". # وقال اليزيدي: الأثارة: البقية، والأثرة، مصدر أثره يأثره، أي: يذكره ~~ويرويه، ومنه: حديث مأثور. PageV07P131 # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ~~(6) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو ~~أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قوله ~~تعالى: (من لا يستجيب له) يعني الأصنام (وهو عن دعائهم غافلون) لأنها جماد ~~لا تسمع، فإذا قامت القيامة صارت الآلهة أعداء لعابديها في الدنيا. ثم ذكر ~~بما بعد هذا أنهم يسمون القرآن سحرا وأن محمدا افتراه. # قوله تعالى: (فلا تملكون لي من الله شيئا) أي: لا تقدرون على أن تردوا ~~عني عذابه، أي: # فكيف أفتري من أجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عذابه عني؟! (هو أعلم بما ~~تفيضون فيه) أي: # بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب والقول بأنه سحر (كفى به ~~شهيدا بيني وبينكم) أن القرآن جاء من عند الله (وهو الغفور الرحيم) في ~~تأخير العذاب عنكم. وقال الزجاج: إنما ذكر هاهنا الغفران والرحمة ليعلمهم ~~أن من أتى ما أتيتم ثم تاب فإن الله تعالى غفور له رحيم به. # قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلى وما أنا إلا نذير مبين (9) قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين (10) قوله تعالى: (قل ما كنت بدعا من الرسل) أي: ما أنا ~~بأول رسول. والبدع والبديع من كل شيء: المبتدأ (وما أدري ما يفعل بي ولا ~~بكم) وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة: " ما يفعل " بفتح الياء ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد ms2053 بذلك ما يكون في الدنيا. ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى ~~في المنام أنه هاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه، ~~فاستبشروا بذلك لما يلقون من أذى المشركين. ثم PageV07P132 # إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك، فقالوا: يا رسول الله متى تهاجر إلى الأرض ~~التي رأيت؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: (وما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم) يعني لا أدري، أخرج إلى الموضع الذي رأيته في ~~منامي أم لا؟ ثم قال: " إنما هو شيء رأيته في منامي، وما (أتبع إلا ما يوحى ~~إلي) "، رواه أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال عطية: ما أدري هل يتركني بمكة ~~أو يخرجني منها. # والثاني: ما أدري هل أخرج كما أخرج الأنبياء قبلي، أو أقتل كما قتلوا: ~~ولا أدري ما يفعل بكم، أتعذبون أم تؤخرون؟ أتصدقون أم تكذبون؟ قاله الحسن. # والقول الثاني: أنه أراد ما يكون في الآخرة. روى ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس قال: لما نزلت هذه الآية، نزل بعدها (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر) وقال: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات...) الآية فأعلم ما يفعل ~~به وبالمؤمنين. وقيل: إن المشركين فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا: ما ~~أمرنا وأمر محمد إلا واحد، ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما ~~يفعل به، فنزل قوله: (ليغفر لك الله...) الآية، فقال الصحابة: هنيئا لك يا ~~رسول الله، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات...) ~~الآية، وممن ذهب إلى هذا القول أنس، وعكرمة، وقتادة. وروي عن الحسن ذلك. # قوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله) يعني القرآن (وكفرتم به وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل) وفيه قولان: # أحدهما: أنه عبد الله بن سلام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. PageV07P133 # والثاني: أنه موسى بن عمران عليه السلام، قاله الشعبي، ومسروق. # فعلى القول الأول يكون ذكر ms2054 المثل صلة، فيكون المعنى: وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل عليه، أي: على أنه من عند الله، (فآمن) الشاهد، وهو ابن سلام ~~(واستكبرتم) يا معشر اليهود. # وعلى الثاني يكون المعنى: وشهد موسى على التوراة التي هي مثل القرآن أنها ~~من عند الله، كما شهد محمد على القرآن أنه كلام الله، " فآمن " من آمن ~~بموسى والتوراة " واستكبرتم " أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن. # فإن قيل: أين جواب " إن " قيل: هو مضمر، وفي تقديره ستة أقوال: # أحدها: أن جوابه: فمن أضل منكم، قاله الحسن. # والثاني: أن تقدير الكلام: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن، ~~أتؤمنون؟ قاله الزجاج. # والثالث: أن تقديره: أتأمنون عقوبة الله؟ قاله أبو علي الفارسي. # والرابع: أن تقديره: أفما تهلكون؟ ذكره الماوردي. # والخامس: من المحق منا ومنكم ومن المبطل؟ ذكره الثعلبي. # والسادس: أن تقديره: أليس قد ظلمتم؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: (إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين) ذكره الواحدي. # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب ~~مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا PageV07P134 # فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء ~~بما كانوا يعملون (14) ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ~~ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ~~قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا ~~ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) أولئك الذي ~~نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق ~~الذي كانوا يوعدون (16) قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا...) ~~الآية، في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن الكفار قالوا: لو كان دين محمد خيرا ما سبقنا إليه اليهود، ~~فنزلت هذه الآية، قاله مسروق. # والثاني: أن امرأة ضعيفة البصر أسلمت، ms2055 وكان الأشراف من قريش يهزؤون بها ~~ويقولون: والله لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا هذه إليه، فنزلت هذه ~~الآية، قاله أبو الزناد. # والثالث: أن أبا ذر الغفاري أسلم واستجاب به قومه إلى الإسلام، فقالت ~~قريش: لو كان خيرا ما سبقونا إليه، فنزلت هذه الآية، قاله أبو المتوكل. # والرابع: أنه لما اهتدت مزينة وجهينة وأسلمت، قالت أسد وغطفان: لو كان ~~خيرا ما سبقنا إليه رعاء الشاء، يعنون مزينة وجهينة، فنزلت هذه الآية، قاله ~~ابن السائب. # والخامس: أن اليهود قالوا: لو كان دين محمد خيرا ما سبقتمونا إليه، لأنه ~~لا علم لكم بذلك، ولو كان حقا لدخلنا فيه، ذكره أبو سليمان الدمشقي وقال: ~~هو قول من يقول: إن الآية نزلت بالمدينة، ومن قال: هي مكية، قال: هو قول ~~المشركين. فقد خرج في " الذين كفروا " قولان: # أحدهما: أنهم المشركون. # والثاني: اليهود. # وقوله: (لو كان خيرا) أي: لو كان دين محمد خيرا (ما سبقونا إليه). فمن ~~قال: هم المشركون، قال: أرادوا: إنا أعز وأفضل، ومن قال: هم اليهود، قال: ~~أرادوا: لأنا أعلم. # قوله تعالى: (وإذ لم يهتدوا به) أي: بالقرآن (فسيقولون هذا إفك قديم) أي: ~~كذب PageV07P135 # متقدم، يعنون أساطير الأولين. # (ومن قبله كتاب موسى) أي: من قبل القرآن التوراة. وفي الكلام محذوف، ~~تقديره: فلم يهتدوا، لأن المشركين لم يهتدوا بالتوراة. # (إماما) قال الزجاج: هو منصوب على الحال (ورحمة) عطف عليه (وهذا كتاب ~~مصدق) المعنى: مصدق للتوراة (لسانا عربيا) منصوب على الحال، المعنى: مصدق ~~لما بين يديه عربيا، وذكر " لسانا " توكيدا، كما تقول: جاءني زيد رجلا ~~صالحا، يريد: جاءني زيد صالحا. # قوله تعالى: (لينذر الذين ظلموا) قرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~" لينذر " بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب: " لتنذر " بالتاء. وعن ~~ابن كثير كالقراءتين. " والذين ظلموا " المشركين (وبشرى) أي: وهو بشرى ~~(للمحسنين) وهم الموحدون يبشرهم بالجنة. # وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله: (بوالديه حسنا) وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: # " إحسانا " بألف. # (حملته أمه كرها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: ms2056 " كرها " بفتح الكاف، ~~وقرأ الباقون. # بضمها. قال الفراء: والنحويون يستحبون الضم هاهنا، ويكرهون الفتح، للعلة ~~التي بيناها عند قوله: # (وهو كره لكم) قال الزجاج: والمعنى: حملته على مشقة (ووضعته) على مشقة. # (وفصاله) أي: فطامه. وقرأ يعقوب: " وفصله " بفتح الفاء وسكون الصاد من ~~غير ألف (ثلاثون شهرا). قال ابن عباس: " ووضعته كرها " يريد به شدة الطلق. ~~واعلم أن هذه المدة قدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع، فأما الأشد، ففيه أقوال ~~قد تقدمت، واختار الزجاج أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، لأنه وقت كمال الإنسان ~~في بدنه وقوته واستحكام شأنه وتمييزه وقال ابن قتيبة: أشد الرجل غير أشد ~~اليتيم، لأن أشد الرجل: الاكتهال والحنكة وأن يشتد رأيه وعقله، وذلك ثلاثون ~~سنة، ويقال: ثمان وثلاثون سنة، وأشد الغلام: أن يشتد خلقه ويتناهى نباته. ~~وقد ذكرنا بيان الأشد في الانعام وفي يوسف وهذا تحقيقه. واختلفوا فيمن نزلت ~~هذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أنه صحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة، فنزلوا منزلا فيه سدرة، ~~فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك ~~يسأله عن الدين، فقال PageV07P136 # [له]: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله، بن عبد ~~المطلب، فقال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى إلا محمد نبي ~~الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فكان لا يفارق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أسفاره وحضره، فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة - صدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما بلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الأكثرون: قالوا: # فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة، دعا ms2057 الله عز وجل بما ذكره في هذه الآية، ~~فأجابه الله، فأسلم والداه وأولاده ذكورهم وإناثهم، ولم يجتمع ذلك لغيره من ~~الصحابة. # والقول الثاني: أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد شرحنا قصته في سورة ~~العنكبوت، وهذا مذهب الضحاك، والسدي. # والثالث: أنها نزلت على العموم، قاله الحسن. وقد شرحنا في سورة النمل ~~معنى قوله: # قوله تعالى: (وأن أعمل صالحا ترضاه) قال ابن عباس: أجابه الله - يعني أبا ~~بكر - فأعتق تسعة من المؤمنين كانوا يعذبون في الله عز وجل، ولم يرد شيئا ~~من الخير إلا أعانه الله عليه، واستجاب له في ذريته فآمنوا، (إني تبت إليك) ~~أي: رجعت إلى كل ما تحب. # قوله تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم) ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " يتقبل " " ~~ويتجاوز " بالياء المضمومة فيهما. # وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف: " نتقبل " و " نتجاوز " بالنون ~~فيهما، وقرأ أبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو عمران الجوني: " يتقبل " ويتجاوز ~~" بياء مفتوحة فيهما، يعني أهل هذا القول، والأحسن بمعنى الحسن. # (في أصحاب الجنة) أي: في جملة من يتجاوز عنهم، وهم أصحاب الجنة. وقيل: " ~~في " بمعنى " مع ". # (وعد الصدق) قال الزجاج: هو منصوب، لأنه مصدر مؤكد لما قبله، لأن قوله: " ~~أولئك الذين نتقبل عنهم " بمعنى الوعد، لأنه وعدهم القبول بقوله: " وعد ~~الصدق "، يؤكد ذلك قوله: # (الذي كانوا يوعدون) أي: على ألسنة الرسل في الدنيا. PageV07P137 # والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما ~~يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ~~(17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ~~إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض ~~بغير الحق وبما كنتم تفسقون (20) قوله تعالى: (والذي قال ms2058 لوالديه أف لكما) ~~قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي. وأبو بكر عن عاصم: " أف لكما " بالخفض من ~~غير تنوين. وقرأ ابن كثير، وابن عامر: بفتح الفاء. وقرأ نافع، وحفص عن ~~عاصم: " أف " بالخفض والتنوين. وقرأ ابن يعمر: " أف " بتشديد الفاء مرفوعة ~~منونة. # وقرأ حميد، والجحدري: " أفا " بتشديد الفاء وبالنصب والتنوين. وقرأ عمرو ~~بن دينار: " أف " بتشديد الفاء وبالرفع من غير تنوين. وقرأ أبو المتوكل، ~~[وعكرمة]، وأبو رجاء: " أف لكما " بإسكان الفاء خفيفة. وقرأ أبو العالية، ~~وأبو عمران: " أفي " بتشديد الفاء والياء ساكنة ممالة، وروي عن ابن عباس ~~أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، كان أبواه يدعوانه إلى ~~الإسلام، وهو يأبى، وعلى هذا جمهور المفسرين. وقد روي عن عائشة أنها كانت ~~تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن، وتحلف على ذلك وتقول: لو شئت لسميت ~~الذي نزلت فيه. قال الزجاج: وقول من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن، باطل ~~بقوله: (أولئك الذين حق عليهم القول) فأعلم الله أن هؤلاء لا يؤمنون، وعبد ~~الرحمن مؤمن، والتفسير الصحيح أنا نزلت في الكافر العاق. وروي عن مجاهد ~~أنها نزلت في عبد الله بن أبي بكر، وعن الحسن أنها نزلت في جماعة من كفار ~~قريش قالوا ذلك لآبائهم. # قوله تعالى: (وقد خلت القرون من قبلي) فيه قولان: # أحدهما: مضت القرون فلم يرجع منهم أحد، قاله مقاتل. # والثاني: مضت القرون مكذبة بهذا، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (وهما يستغيثان الله) أي: يدعوان الله له بالهدى ويقولان له: ~~(ويلك آمن) أي: صدق بالبعث، (فيقول ما) الذي تقولان (إلا أساطير الأولين) ~~وقد سبق شرحها. PageV07P138 # قوله تعالى: (أولئك) يعني الكفار (الذين حق عليهم القول) أي: وجب عليهم ~~قضاء الله أنهم من أهل النار (في أمم) أي: مع أمم. فذكر الله تعالى في ~~الآيتين قبل هذه من بر والديه وعمل بوصية الله عز وجل، ثم ذكر من لم يعمل ~~بالوصية ولم يطع ربه ولا والديه، (إنهم كانوا خاسرين) وقرأ ابن السميفع، ~~وأبو عمران: " أنهم " بفتح ms2059 الهمزة. # ثم قال: (ولكل درجات مما عملوا) أي: منازل ومراتب بحسب ما اكتسبوه من ~~إيمان وكفر، فيتفاضل أهل الجنة في الكرامة، وأهل النار في العذاب (وليوفيهم ~~أعمالهم) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: " وليوفيهم " بالياء، وقرأ ~~الباقون: بالنون، أي: جزاء أعمالهم. # قوله تعالى: (ويوم يعرض) المعنى: واذكر لهم يوم يعرض (الذين كفروا على ~~النار أذهبتم) أي: ويقال لهم: أذهبتم، قرأ ابن كثير: " آذهبتم " بهمزة ~~مطولة. قرأ ابن عامر: " أأذهبتم " بهمزتين. وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: " أذهبتم " على الخبر، وهو توبيخ لهم. قال الفراء ~~والزجاج: العرب توبخ بالألف وبغير الألف، فتقول: أذهبت وفعلت كذا؟! # وذهبت ففعلت؟! قال المفسرون: والمراد بطيباتهم: ما كانوا فيه من اللذات ~~مشتغلين بها عن الآخرة معرضين عن شكرها. ولما وبخهم الله بذلك، آثر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب نعيم العيش ولذته ~~ليتكامل أجرهم ولئلا يلهيهم عن معادهم. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على خصفة وبعضه على التراب ~~وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، فقال: يا رسول الله: أنت نبي الله وصفوته، ~~وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير؟! فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " يا عمر، إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم، وهي وشيكة الانقطاع، وإنا ~~أخرت لنا طيباتنا ". وروى جابر بن عبد الله قال: رأى عمر بن الخطاب لحما ~~معلقا في يدي، فقال: # ما هذا يا جابر؟ فقلت: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال: أو كلما اشتهيت ~~اشتريت يا جابر؟! أما تخاف هذه الآية: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~". وروي عن عمر أنه قيل له: لو أمرت أن نصنع لك طعاما ألين من هذا، فقال: ~~إني سمعت الله عير أقواما فقال: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ". # قوله تعالى: (تستكبرون في الأرض) أي: تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به. # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب ms2060 يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) قال إنما العلم ~~عند الله وأبلغكم ما أرسلت PageV07P139 # به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شئ ~~بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) قوله ~~تعالى: (واذكر أخا عاد) يعني هودا (إذ أنذر قومه بالأحقاف) قال الخليل: ~~الأحقاف: # الرمال العظام، وقال ابن قتيبة: واحد الأحقاف: حقف، وهو من الرمل: ما ~~أشرف من كثبانه واستطال وانحنى. وقال ابن جرير: هو ما استطال من الرمل ولم ~~يبلغ أن يكون جبلا. واختلفوا في المكان الذي سمي بهذا الاسم على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه جبل بالشام، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثاني: أنه واد، ذكره عطية. وقال مجاهد: هي أرض. وحكى ابن جرير أنه واد ~~بين عمان ومهرة. وقال ابن إسحاق: كانوا ينزلون ما بين عمان وحضرموت، واليمن ~~كله. # والثالث: أن الأحقاف: رمال مشرفة على البحر بأرض يقال لها: الشحر، قاله ~~قتادة. # قوله تعالى: (وقد خلت النذر) أي: قد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده ~~بإنذار أممها (ألا تعبدوا إلا الله)، والمعنى: لم يبعث رسول قبل هود ولا ~~بعد إلا بالأمر بعبادة الله وحده. وهذا كلام اعترض بين إنذار هود وكلامه ~~لقومه. ثم عاد إلى كلام هود فقال: (إني أخاف عليكم). # قوله تعالى: (لتأفكنا) أي: لتصرفنا عن عبادة آلهتنا بالإفك. # قوله تعالى: (إنما العلم عند الله) أي: هو يعلم متى يأتيكم العذاب. (فلما ~~رأوه) يعني ما يوعدون في قوله: " بما تعدنا " (عارضا) أي: سحاب يعرض من ~~ناحية السماء. قال ابن قتيبة: # العارض: السحاب. قال المفسرون: كان المطر قد حبس عن عاد، فساق الله إليهم ~~سحابة سوداء، فلما رأوها فرحوا و (قالوا هذا عارض ممطرنا)، فقال لهم هود: ~~(بل هو ما استعجلتم به)، ثم بين ما هو فقال: (ريح فيها عذاب أليم)، فنشأت ~~الريح من تلك السحابة، (تدمر كل شيء) ms2061 أي: # تهلك كل شيء مرت به من الناس والدواب والأموال. قال عمرو بن ميمون: لقد ~~كانت الريح تحتمل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها جرادة، (فأصبحوا) يعني ~~عادا (لا يرى إلا مساكنهم) قرأ عاصم، وحمزة: " لا يرى " برفع الياء " إلا ~~مساكنهم " بدفع النون. وقرأ علي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، ~~والجحدري: " لا ترى " بتاء مضمومة. وقرأ أبو عمران، وابن السميفع: " لا ترى ~~" بتاء مفتوحة " إلا مسكنهم " على التوحيد. وهذا لأن السكان هلكوا، فقيل: ~~أصبحوا وقد غطتهم الريح بالرمل فلا يرون. PageV07P140 # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزؤون (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) ثم خوف كفار مكة، فقال ~~عز وجل: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) في " إن " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى " لم " فتقديره: فيما لم نمكنكم فيه، قاله ابن عباس، ~~وابن قتيبة. # وقال الفراء: هي بمنزلة " ما " في الجحد، فتقدير الكلام: في الذي لم ~~نمكنكم فيه. # والثاني: أنها زائدة، والمعنى: فيما مكناكم فيه، وحكاه ابن قتيبة أيضا. # ثم أخبر أنه جعل لهم آلات الفهم، فلم يتدبروا بها، ولم يتفكروا فيما ~~يدلهم على التوحيد، قال المفسرون: والمراد بالأفئدة: القلوب، وهذه الآلات ~~لم ترد عنهم عذاب الله. # ثم زاد كفار مكة في التخويف، فقال: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى) ~~كديار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من الأمم المهلكة (وصرفنا الآيات) أي: ~~بيناها (لعلهم) يعني أهل القرى (يرجعون) عن كفرهم. وهاهنا محذوف، تقديره: ~~فما رجعوا عن كفرهم. # (فلولا) أي: فهلا (نصرهم) أي: منعهم من عذاب الله (الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا آلهة؟!) يعني الأصنام التي تقربوا بعبادتها إلى الله على ~~زعمهم، وهذا استفهام إنكار، معناه: لم ينصروهم (بل ضلوا عنهم) أي: لم ~~ينفعوهم عند ms2062 نزول العذاب (وذلك) يعني دعاءهم الآلهة (إفكهم) أي: كذبهم، ~~وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن يعمر، وأبو عمران: " وذلك أفكهم " بفتح الهمزة ~~وقصرها وفتح الفاء وتشديدها ونصب الكاف. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، وأبو ~~رزين، والشعبي، وأبو العالية، والجحدري: " أفكهم " بفتح الهمزة وقصرها ونصب ~~الكاف والفاء وتخفيفها قال ابن جرير: أي: أضلهم. وقال الزجاج: معناها: ~~صرفهم عن الحق فجعلهم ضلالا. وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل: " آفكهم " بفتح ~~الهمزة ومدها وكسر الفاء وتخفيفها ورفع الكاف، أي: مضلهم. PageV07P141 # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ~~(31) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء ~~أولئك في ضلال مبين (32) قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن) وبخ ~~الله عز وجل بهذه الآية كفار قريش بما آمنت به الجن. وفي سبب صرفهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم صرفوا إليه بسبب ما حدث من رجمهم بالشهب. روى البخاري ومسلم ~~في " الصحيحين " من حديث ابن عباس قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر ~~السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل ~~بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، ~~فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر، فمر النفر الذين ~~توجهوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ب‍ " نخلة " وهو يصلي ~~بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال ~~بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم " فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا يهدي إلى الرشد " فأنزل الله على ms2063 نبيه (قل أوحي إلى أنه استمع نفر من ~~الجن). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الجن، ولا رآهم، وإنما أتوه وهو ب‍ " نخلة " فسمعوا القرآن. # والثاني: أنهم صرفوا إليه لينذرهم، وأمر أن يقرأ عليهم القرآن، هذا مذهب ~~جماعة، منهم قتادة. وفي أفراد مسلم من حديث علقمة قال: قلت لعبد الله: من ~~كان منكم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: ما كان منا معه ~~أحد، فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة، فقلنا: اغتيل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو استطير، فانطلقنا نطلبه في الشعاب، فلقيناه مقبلا من نحو حراء، ~~فقلنا: اغتيل رسول الله، أين كنت؟ # لقد أشفقنا عليك، وقلنا له: بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين ~~فقدناك، فقال: " إنه أتاني داعي الجن، فذهبت أقرئهم القرآن "، فذهب بنا، ~~فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟ " فأطرقوا، ثم ~~استتبعهم فأطرقوا PageV07P142 # ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا، فأتبعه عبد الله بن مسعود، فدخل نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له: " شعب الحجون "، وخط على عبد الله خطا ~~ليثبته به، قال: فسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما رجع قلت: يا نبي الله، ما اللغط الذي سمعت؟ قال: " اجتمعوا إلى ~~في قتيل كان بينهم، فقضيت بينهم بالحق ". # والثالث: أنهم مروا به وهو يقرأ، فسمعوا القرآن. فذكر بعض المفسرين أنه ~~لما يئس من أهل مكة أن يجيبوه، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، وقيل: ~~ليلتمس نصرهم - وذلك بعد موت أبي طالب، فلما كان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن ~~في صلاة الفجر، فمر به نفر من أشراف جن نصيبين، فاستمعوا القرآن. فعلى هذا ~~القول والقول الأول، لم يعلم بحضورهم حتى أخبره الله تعالى، وعلى القول ~~الثاني:، علم بهم حين جاءوا. وفي المكان الذي سمعوا فيه تلاوة النبي صلى ms2064 ~~الله عليه وسلم قولان: أحدهما: الحجون، وقد ذكرناه عن ابن مسعود، وبه قال ~~قتادة. والثاني: بطن نخلة، وقد ذكرناه عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # وأما النفر، فقال ابن قتيبة: يقال: إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة. ~~وللمفسرين في عدد هؤلاء النفر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا سبعة، قاله ابن مسعود، وزر بن حبيش، ومجاهد، ورواه ~~عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: تسعة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: اثني عشر ألفا، روي عن عكرمة، ولا يصح، لأن النفر لا يطلق على ~~الكثير. # قوله تعالى: (فلما حضروه) أي: حضروا استماعه، و (قضي) يعني: فرغ من ~~تلاوته (ولوا إلى قومهم منذرين) أي: محذرين عذاب الله عز وجل إن لم يؤمنوا. # وهل أنذروا قومهم من قبل أنفسهم، أم جعلهم رسول الله رسلا إلى قومهم؟ فيه ~~قولان: # قال عطاء: كان دين أولئك الجن اليهودية، فلذلك قالوا: (من بعد موسى). # قوله تعالى: (أجيبوا داعي الله) يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. وهذا ~~يدل على أنه أرسل إلى الجن والإنس. # قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم) " من " هاهنا صلة. # قوله تعالى: (فليس بمعجز في الأرض) أي: لا يعجز الله تعالى (وليس له من ~~دونه أولياء) أي: أنصار يمنعونه من عذاب الله تعالى: (أولئك) الذين لا ~~يجيبون الرسل (في ضلال مبين). PageV07P143 # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن ~~يحي الموتى بلى إنه على كل شئ قدير (33) ويوم يعرض الذين كفروا على النار ~~أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) ~~فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (25) ~~ثم احتج على إحياء الموتى بقوله: (أولم يروا...) إلى آخر الآية. والرؤية ~~هاهنا بمعنى العلم. # (ولم يعي) أي: لم يعجز عن ذلك، يقال: عي فلان بأمره، إذا لم يهتد له ولم ~~يقدر عليه. # قال الزجاج: يقال: عييت ms2065 بالأمر، إذا لم تعرف وجهه، وأعييت، إذا تعبت. # قوله تعالى: (بقادر) قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة مؤكدة. وقال ~~الفراء: العرب تدخل الباء مع الجحد، مثل قولك: ما أظنك بقائم، وهذا قول ~~الكسائي، والزجاج: وقرأ يعقوب: " يقدر " بياء مفتوحة مكان الباء وسكون ~~القاف ورفع الراء من غير ألف. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: (كما صبر أولوا ~~العزم) أي: ذوو الحزم والصبر، وفيهم عشرة أقوال: # أحدها: أنهم نوح، وإبراهيم،، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن ~~السائب. # والثاني: نوح، وهود، وإبراهيم * ومحمد صلى الله عليهم وسلم، قاله أبو ~~العالية الرياحي. # والثالث: أنهم الذين لم تصبهم فتنة من الأنبياء، قاله الحسن. # والرابع: أنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد، والشعبي. # والخامس: أنهم إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم، قاله السدي. # والسادس: أن منهم إسماعيل، ويعقوب، وأيوب، وليس منهم آدم، ولا يونس، ولا ~~سليمان، قاله ابن جريج. # والسابع: أنهم الذين أمروا بالجهاد والقتال، قاله ابن السائب، وحكي عن ~~السدي والثامن: أنهم جميع الرسل، فإن الله لم يبعث رسولا إلا كان من أولي ~~العزم، قاله ابن زيد، واختاره ابن الأنباري، وقال: " من " دخلت للتجنيس لا ~~للتبعيض، كما تقول: قد رأيت الثياب من الخز والجباب من القز. PageV07P144 # والتاسع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة (الأنعام: 83 - ~~85)، قاله الحسين ابن الفضل. # والعاشر: أنهم جميع الأنبياء إلا يونس، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: (ولا تستعجل لهم) يعني العذاب قال بعض المفسرين: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر، وأحب أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه، ~~فأمر بالصبر. # قوله تعالى: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) أي: من العذاب (لم يلبثوا) في ~~الدنيا (إلا ساعة من نهار) لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلا. وقيل: ~~لأن مقدار مكثهم في الدنيا قليل في جنب مكثهم في عذاب الآخرة. وهاهنا تم ~~الكلام. ثم قال: (بلاغ) أي: هذا القرآن وما فيه ms2066 من البيان بلاغ عن الله ~~إليكم. وفي معنى وصف القرآن بالبلاغ قولان: # أحدهما: أن البلاغ بمعنى التبليغ. # والثاني: أن معناه: الكفاية، فيكون المعنى: ما أخبرناهم به لهم فيه كفاية ~~وغنى. # وذكر ابن جرير وجها آخر، وهو ان المعنى: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ذلك ~~لبث بلاغ، أي: ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم، ثم حذفت " ذلك لبث " ~~اكتفاء بدلالة ما ذكر في الكلام عليها. # وقرأ أبو العالية، وأبو عمران: " بلغ " بكسر اللام وتشديدها وسكون الغين ~~من غير ألف. # قوله تعالى: (فهل يهلك) وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل، وابن محيصن: " يهلك ~~" بفتح الياء وكسر اللام، أي: عند رؤية العذاب (إلا القوم الفاسقون) ~~الخارجون عن أمر الله عز وجل؟!. PageV07P145 # سورة محمد مدينة وآياتها ثمان وثلاثون صلى الله عليه وسلم وفيها قولان: # أحدهما: أنها مدنية، قاله الأكثرون، منهم مجاهد، ومقاتل، وحكي عن ابن ~~عباس وقتادة أنها مدنية، إلا آية منها نزلت عليه بعد حجه حين خرج من مكة ~~وجعل ينظر إلى البيت، وهي قوله: # (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك). # والثاني: أنها مكية، قاله الضحاك، والسدي. # بسم الله الرحمن الرحيم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن ~~الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) فإذا ~~لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا PageV07P146 # الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله ~~لانتصر منه ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) قوله ~~تعالى: (الذين كفروا) أي: بتوحيد الله (وصدوا) الناس عن الإيمان به، وهم ~~مشركو قريش، (أضل أعمالهم) أي: أبطلها، ولم يجعل لها ثوابا، فكأنها لم تكن، ~~وقد كانوا يطعمون الطعام، ويصلون الأرحام، ويتصدقون، ويفعلون ما يعتقدونه ~~قربة. # (والذين آمنوا وعملوا ms2067 الصالحات) يعني أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # (وآمنوا بما نزل على محمد) وقرأ ابن مسعود: " نزل " بفتح النون والزاي ~~وتشديدها. وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارئ: " أنزل " بهمزة مضمومة مكسورة ~~الزاي. وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء وأبو عمران: " نزل " بفتح النون والزاي ~~وتخفيفها، (كفر عنهم سيئاتهم) أي: غفرها لهم (وأصلح بالهم) أي: حالهم، قاله ~~قتادة، والمبرد. # قوله تعالى: (ذلك) قال الزجاج: معناه: الأمر ذلك، وجائز أن يكون: ذلك ~~الإضلال، لاتباعهم الباطل، وتلك الهداية والكفارات باتباع المؤمنين الحق، ~~(كذلك يضرب الله للناس أمثالهم) أي: كذلك يبين أمثلا حسنات المؤمنين وسيئات ~~الكافرين كهذا البيان. # قوله تعالى: (فضرب الرقاب) إغراء، والمعنى: فاقتلوهم، لان الأغلب في موضع ~~القتل ضرب العنق (حتى إذا أثخنتموهم) أي: أكثرتم فيهم القتل (فشدوا الوثاق) ~~يعني في الأسر، وإنما يكون الأسر بعد المبالغة في القتل. و " الوثاق " اسم ~~من الإيثاق، تقول: أوثقته إيثاقا ووثاقا، إذا شددت أسره لئلا يفلت (فاما ~~منا بعد) قال أبو عبيدة: إما أن تمنوا، وإما أن تفادوا، ومثله: سقيا، ~~ورعيا، وإنما هو سقيت وزيت. وقال الزجاج: إما مننتم عليهم بعد أن تأسروهم ~~منا، وإما أطلقتموهم بفداء. # فصل وهذه الآية محكمة عند عامة العلماء. وممن ذهب إلى أن حكم المن ~~والفداء باق لم ينسخ: # ابن عمر، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وأحمد، والشافعي. وذهب قوم إلى نسخ ~~المن والفداء بقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، وممن ذهب إلى هذا ~~ابن جريج، والسدي، وأبو حنيفة وقد أشرنا إلى القولين في براءة. # قوله تعالى: (حتى تضع الحرب أوزارها) قال ابن عباس: حتى لا يبقى أحد من ~~المشركين. PageV07P147 # وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام. وقال سعيد بن جبير: حتى ~~يخرج المسيح. وقال الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. وفي معنى الكلام ~~قولان: # أحدهما: حتى يضع أهل الحرب سلاحهم، قال الأعشى: # وأعددت له للحرب أوزارها: * رماحا ذلك طوالا وخيلا ذكورا وأصل " الوزر " ~~ما حملته، فسمي السلاح " أوزارا " لأنه يحمل، هذا قول ابن قتيبة. # والثاني: حتى ms2068 تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن ~~يسلموا ولا يعبدوا إلا الله، ذكره الواحدي. # قوله تعالى: (ذلك) أي: الأمر ذلك الذي ذكرنا (ولو يشاء الله لانتصر منهم) ~~بإهلاكهم أو تعذيبهم بما شاء (ولكن) أمركم بالحرب (ليبلو بعضكم ببعض) فيثيب ~~المؤمن ويكرمه بالشهادة، ويخزي الكافر بالقتل والعذاب. # قوله تعالى: (والذين قتلوا) قرأ أبو عمرو، وحفص عن عاصم: " قتلوا " بضم ~~القاف وكسر التاء، والباقون: " قاتلوا " بألف. # قوله تعالى: (سيهديهم) فيه أربعة أقوال: # أحدها: يهديهم إلى أرشد الأمور، قاله ابن عباس. # والثاني: يحقق لهم الهداية، قاله الحسن. # والثالث: إلى محاجة منكر ونكير. # والرابع: إلى طريق الجنة، حكاهما الماوردي. وفي قوله: (عرفها لهم) قولان: # أحدهما: عرفهم منازلهم فيها فلا يستدلون عليها ولا يخطئونها، هذا قول ~~الجمهور، منهم مجاهد، وقتادة، واختاره الفراء، وأبو عبيدة. # والثاني: طيبها لهم، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: وهو قول ~~أصحاب اللغة، يقال: طعام معرف، أي: مطيب. # وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء وابن محيصن: " عرفها لهم " بتخفيف الراء. # يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين ~~كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم (9) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~دمر الله عليهم وللكافرين PageV07P148 # أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ~~(11) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) وكأين ~~من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13) أفمن ~~كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهوائهم (14) قوله تعالى: ~~(إن تنصروا الله) أي: تنصروا دينه ورسوله (ينصركم) على عدوكم ويثبت ~~أقدامكم) عند القتال. وروى المفضل عن عاصم: " ويثبت " بالتخفيف. # (والذين كفروا فتعسا لهم) قال الفراء: المعنى: فأتعسهم الله، والدعاء قد ~~يجري مجرى الأمر والنهي. قال ابن قتيبة: هو من قولك: تعست، أي: عثرت وسقطت. ~~وقال الزجاج: ms2069 التعس في اللغة: الانحطاط والعثور. وما بعد هذا قد سبق بيانه ~~إلى قوله: (دمر الله عليهم) أي: # أهلكم [الله] (وللكافرين أمثالها) أي: أمثال تلك العاقبة. # (ذلك) الذي فعله بالمؤمنين من النصر، وبالكافرين من الدمار (بأن الله ~~مولى الذين آمنوا) أي: وليهم. # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: (ويأكلون كما تأكل الأنعام) أي: إن الأنعام ~~تأكل وتشرب، ولا تدري ما في غد، فكذلك الكفار لا يلتفتون إلى الآخرة. و " ~~المثوى ": المنزل. # (وكأين) مشروح في آل عمران. والمراد بقريته: مكة، وأضاف القوة والإخراج ~~إليها، والمراد أهلها ولذلك قال: (أهلكناهم). # قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه) فيه قولان. # أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله بو العالية. # والثاني: أنه المؤمن، قاله الحسن. # وفي " البينة " قولان: # أحدهما: القرآن، قاله ابن زيد. # والثاني: الدين، قاله ابن السائب. # (كمن زين له سوء عمله) يعني عبادة الأوثان، وهو الكافر (واتبعوا أهواءهم) ~~بعبادتها. PageV07P149 # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاؤهم ~~(15) (مثل أن الجنة التي وعد المتقون) أي: صفتها، وقد شرحناه في الرعد و " ~~المتقون " عند المفسرين: الذين يتقون الشرك. و " الآسن " المتغير الريح، ~~قاله أبو عبيدة، والزجاج. وقال ابن قتيبة: هو المتغير الريح والطعم، و " ~~الآجن " نحوه. وقرأ ابن كثير: " غير أسن " بغير مد. وقد شرحنا قوله (لذة ~~للشاربين) في الصافات:. # قوله تعالى: (من عسل مصفى) أي: من عسل ليس فيه عكر ولا كدر كعسل أهل ~~الدنيا. # قوله تعالى: (كمن هو خالد في النار) قال الفراء: أراد: من كان في هذا ~~النعيم، كمن هو خالد في النار؟!. # قوله تعالى: (ماء حميما) أي: حارا شديد الحرارة و " الأمعاء " جميع ما في ~~البطن من الحوايا. # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا ms2070 ~~قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ~~فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) قوله تعالى: (ومنهم من ~~يستمع إليك) يعني المنافقين. وفيما يستمعون قولان: # أحدهما: أنه سماع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة. # والثاني: سماع قوله على عموم الأوقات. فأما (الذين أوتوا العلم)، فالمراد ~~بهم: علماء الصحابة. # قوله تعالى: (ماذا قال آنفا) قال الزجاج: أي: ماذا قال الساعة، وهو من ~~قولك: استأنفت الشيء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: لمن ترع، أي: لها أول يرعى، ~~فالمعنى: ماذا قال في أول وقت PageV07P150 # يقرب منا وحدثنا عن أبي عمر غلام ثعلب أنه قال: معنى " آنفا " مذ ساعة. ~~وقرأ ابن كثير، في بعض الروايات عنه: " أنفا " بالقصر، وهذه قراءة عكرمة، ~~وحميد، وابن محيصن. قال أبو علي: # يجوز أن يكون ابن كثير توهم، مثل حاذر وحذر، وفاكه وفكه. # وفي استفهامهم قولان: # أحدهما: لأنهم لم يعقلوا ما يقول، ويدل عليه باقي الآية. # والثاني: أنهم قالوه استهزاء. # قوله تعالى: (والذين اهتدوا) فيهم قولان: أحدهما: أنهم المسلمون، قاله ~~الجمهور. # والثاني: قوم من أهل الكتاب كانوا على الإيمان بأنبيائهم وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، قاله عكرمة. # وفي الذي زادهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الله عز وجل والثاني: قول ~~الرسول. والثالث: # استهزاء المنافقين زاد المؤمنين هدى، ذكرهن الزجاج. وفي معنى الهدى ~~قولان: أحدهما: أنه العلم. والثاني: البصيرة. # وفي قوله: (وآتاهم تقواهم) ثلاثة أقوال: أحدها: ثواب تقواهم في الآخرة، ~~قاله السدي. # والثاني: اتقاء المنسوخ والعمل بالناسخ، قاله عطية. والثالث: أعطاهم ~~التقوى مع الهدى، فاتقوا معصيته خوفا من عقوبته، قاله أبو سليمان الدمشقي. # و (ينظرون) بمعنى ينتظرون (أن تأتيهم) وقرأ أبي بن كعب، وأبو الأشهب، ~~وحميد: " إن تأتهم " بكسر الهمزة من غير ياء بعد التاء. والأشراط: ~~العلامات، قال أبو عبيدة: الأشراط: # الأعلام، وإنما سمي الشرط - فيما ترى - لأنهم أعلموا أنفسهم. قال ~~المفسرون: ظهور ms2071 النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وانشقاق القمر ~~والدخان وغير ذلك. # (فأنى لهم) أي: فمن أين لهم (إذا جاءتهم) الساعة (ذكراهم)؟! قال قتادة: ~~أنى لهم أن يذكروا ويتوبوا إذا جاءت؟! # فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم (19) ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة ~~محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى ~~عليه من الموت فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم (21) PageV07P151 # قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) قال بعضهم: أثبت على علمك، وقال ~~قوم: المراد بهذا الخطاب غيره، وقد شرحنا هذا في فاتحة (الأحزاب). وقيل: ~~إنه كان يضيق صدره بما يقولون، فقيل له: اعلم أنه لا كاشف لما بك إلا الله. # فأما قوله: (واستغفر لذنبك) فإنه كان يستغفر في اليوم مائة مرة، وأمر أن ~~يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم لأنه شفيع مجاب. (والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، وهو معنى قول ابن عباس: # والثاني: متقلبكم في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء، ومقامكم في القبور، ~~قاله عكرمة. # والثالث: " متقلبكم " بالنهار و " مثواكم " أي: مأواكم بالليل، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة) قال المفسرون: سألوا ~~ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله، اشتياقا منهم إلى الوحي ~~وحرصا على الجهاد، فقالوا: " لولا " أي: # هلا: وكان أبو مالك الأشجعي يقول: " لا " هاهنا صلة، فالمعنى: لو أنزلت ~~سورة، شوقا منهم إلى الزيادة في العلم، ورغبة في الثواب والأجر بالاستكثار ~~من الفرائض. # وفي معنى " محكمة " ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها التي يذكر فيها القتال، قاله قتادة. # والثاني: أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام. # والثالث: التي لا منسوخ فيها، حكاهما أبو سليمان الدمشقي. # ومعنى قوله: (وذكر فيها القتال) أي: فرض فيها الجهاد. # وفي المراد بالمرض قولان: # أحدهما: النفاق، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور. # والثاني: الشك، قاله ms2072 مقاتل. # قوله تعالى: (ينظرون إليك) أي: يشخصون نحوك بأبصارهم ينظرون نظرا شديدا ~~كما ينظر الشاخص ببصره عند الموت، لأنهم يكرهون القتال، ويخافون إن قعدوا ~~أن يتبين نفاقهم. # (فأولى لهم) قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: " أولى لك " أي: وليك ~~وقاربك ما تكره. وقال ابن قتيبة: هذا وعيد وتهديد، تقول للرجل - إذا أردت ~~به سوءا، ففاتك - أولى لك، ثم ابتدأ، فقال: (طاعة وقول معروف...) وقال ~~سيبويه والخليل: المعنى: طاعة وقول معروف أمثل. # وقال الفراء: الطاعة معروفة في كلام العرب، إذا قيل لهم: افعلوا كذلك، ~~قالوا: سمع وطاعة، فوصف الله قولهم قبل أن تنزل السورة أنهم يقولون: سمع ~~وطاعة، فإذا نزل الأمر كرهوا. وأخبرني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس قال: قال الله تعالى: (فأولى)، ثم قال: (لهم) أي: للذين آمنوا منهم ~~(طاعة)، فصارت " أولى " وعيدا لمن كرهها، واستأنف الطاعة ب‍ " لهم "، ~~PageV07P152 # والأول عندنا كلام العرب، وهذا غير مردود، يعني حديث أبي صالح. وذكر بعض ~~المفسرين أن الكلام متصل بما قبله، والمعنى: فأولى لهم أن يطيعوا وأن ~~يقولوا معروفا بالإجابة. # قوله تعالى: (فإذا عزم الأمر) قال الحسن: جد الأمر. وقال غيره: جد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد، ولزم فرض القتال، وصار الأمر ~~معروفا عليه. وجواب " إذا " محذوف، تقديره: فإذا عزم الأمر نكلوا، يدل على ~~المحذوف (فلو صدقوا الله) أي: في إيمانهم وجهادهم (لكان خيرا لهم) من ~~المعصية والكراهة. # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن أم على ~~قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على أدبارهم يحيى من بعد ما تبين لهم ~~الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم) في ~~المخاطب بهذا أربعة أقوال: # أحدها: المنافقون، وهو ms2073 الظاهر. # والثاني: منافقو اليهود، قاله مقاتل. # والثالث: الخوارج، قاله بكر بن عبد الله المزني. # والرابع: قريش، حكاه جماعة منهم الماوردي. وفي قوله: (توليتم) قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الإعراض. فالمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام (أن تفسدوا في ~~الأرض) بأن تعودوا إلى الجاهلية يقتل بعضكم بعضا، ويغير بعضكم على بعض، ~~ذكره جماعة من المفسرين. # والثاني: أنه من الولاية لأمور الناس، قاله القرظي. فعلى هذا يكون معنى " ~~أن تفسدوا في الأرض ": بالجور والظلم. # وقرأ يعقوب: " وتقطعوا " بفتح التاء والطاء وتخفيفها وسكون القاف، ثم ذم ~~من يريد ذلك بالآية التي بعد هذه. PageV07P153 # وما بعد هذا قد سبق إلى قوله: (أم على قلوب أقفالها) " أم " بمعنى " بل ~~"، وذكر الأقفال استعارة، والمراد أن القلب يكون كالبيت المقفل لا يصل إليه ~~الهدى. قال مجاهد: الران أيسر من الطبع، والطرع أيسر من الإقفال، والإقفال ~~أشد ذلك كله. وقال خالد بن معدان: مامن آدمي إلا وله أربع أعين، عينان في ~~رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله من ~~الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد به ~~غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله: " أم على قلوب أقفالها ". # قوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم) أي: رجعوا كفارا، وفيهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم المنافقون، قاله ابن عباس، والسدي، وابن زيد. # والثاني: أنهم اليهود، قاله قتادة، ومقاتل (من بعد ما تبين لهم الهدى) ~~أي: من بعد ما وضح لهم الحق. ومن قال: هم اليهود، قال: من بعد أن تبين لهم ~~وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم. # و (سول) بمعنى زين. (وأملى لهم) قرأ أبو عمرو، وزيد عن يعقوب: " وأملي ~~لهم " بضم الهمزة وكسر اللام وبعدها ياء مفتوحة. وقرأ يعقوب إلا زيدا، ~~وأبان عن عاصم كذلك، إلا أنهما أسكنا الياء. وقرأ الباقون بفتح الهمزة ~~واللام. وقد سبق معنى الإملاء. # قوله تعالى: (ذلك) قال الزجاج: المعنى: الأمر ذلك، أي: ذلك الإضلال ~~بقولهم (للذين كرهوا ما نزل الله) وفي الكارهين ms2074 قولان: # أحدهما: أنهم المنافقون، فعلى هذا في معنى قوله: (سنطيعكم في بعض الأمر) ~~ثلاثة أقوال: أحدها: في القعود عن نصرة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ~~السدي. والثاني: في الميل إليكم والمظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم ~~والثالث: في الارتداد بعد الإيمان، حكاهما الماوردي. # والثاني: أنهم اليهود، فعلى هذا في الذي أطاعوهم فيه قولان: # أحدهما: في أن لا يصدقوا شيئا من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قاله الضحاك. # والثاني: في كتم ما علموه من نبوته، قاله ابن جريج. # (والله يعلم إسرارهم) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، والوليد ~~عن يعقوب: بكسر الألف على أنه مصدر أسررت: وقرأ الباقون: بفتحها على أنه ~~جمع سر، والمعنى أنه يعلم ما بين اليهود والمنافقين من السر. # قوله تعالى: (فكيف إذا توفتهم الملائكة)؟ أي: فكيف يكون حالهم حينئذ؟ وقد ~~بينا في الأنفال: معنى قوله: (يضربون وجوههم وأدبارهم). PageV07P154 # قوله تعالى: (وكرهوا رضوانه) أي: كرهوا ما فيه الرضوان، وهو الإيمان ~~والطاعة. # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ولو نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ~~(30) ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن ~~يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (34) قوله تعالى: (أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض) أي: نفاق (أن لن يخرج الله أضغانهم) قال الفراء: أي لن يبدي ~~الله عداوتهم وبغضهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال الزجاج: أي: لن يبدي ~~عداوتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم ويظهره على نفاقهم. # (ولو نشاء لأريناكهم) أي: لعرفناكهم، تقول: قد أريتك هذا الأمر، أي: قد ~~عرفتك إياه، المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيماء ~~(فلعرفتهم بسيماهم) أي: بتلك العلامة (ولتعرفنهم في لحن القول) ms2075 أي: في فحوى ~~القول، فدل بهذا على أن قول القائل وفعله يدل على نيته. وقول الناس: قد لحن ~~فلان، تأويله: قد أخذ في ناحية عن الصواب، وعدل عن الصواب إليها. وقول ~~الشاعر: # منطق يا صائب وتلحن أحيانا * نا، وخير الحديث ما كان لحنا تأويله: خير ~~الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد، إنما يعرف قولها في أنحاء ~~قولها. # قال المفسرون: (ولتعرفنهم في فحوى الكلام ومعناه ومقصده، فإنهم يتعرضون ~~بتهجين أمرك والاستهزاء بالمسلمين. قال ابن جرير: ثم عرفه الله إياهم. # قوله تعالى: (ولنبلونكم) أي: ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم ~~بالجهاد (حتى نعلم) العلم الذي هو علم وجود، وبه يقع الجزاء، وقد شرحنا هذا ~~في العنكبوت. # قوله تعالى: (ونبلوا أخباركم) أي: نظهرها ونكشفها بإباء من يأبى القتال ~~ولا يصبر على PageV07P155 # الجهاد. وقرأ أبو بكر عن عاصم: " وليبلونكم " بالياء " حتى يعلم " بالياء ~~" ويبلو " بالياء فيهن. وقرأ معاذ القارئ وأيوب السختياني: " أخياركم " ~~بالياء جمع " خير ". # قوله تعالى: (إن الذين كفروا...) الآية اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها في المطعمين يوم بدر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في الحارث بن سويد، ووحوح الأنصاري، أسلما ثم ارتدا، ~~فتاب الحارث ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى صاحبه أن يرجع ~~حتى مات، قاله السدي. # والثالث: أنها في اليهود، قاله مقاتل. # والرابع: أنها في قريظة والنضير، ذكره الواحدي. # قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) اختلفوا في مبطلها على أربعة أقوال: # أحدها: المعاصي والكبائر، قاله الحسن. # والثاني: الشك والنفاق، قاله عطاء. # والثالث: الرياء والسمعة، قاله ابن السائب. # والرابع: بالمن، وذلك أن قوما من الأعراب قدموا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: أتيناك طائعين، قلنا عليك حق، فنزلت هذه الآية، ونزل ~~قوله: " يمنون عليك أن أسلموا "، هذا قول مقاتل. قال القاضي أبو يعلى: وهذا ~~يدل على أن كل من دخل في قربة لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها، وهذا على ~~ظاهره في الحج، فأما في الصلاة والصيام، فهو على سبيل ms2076 الاستحباب. # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~(35) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا ~~يسئلكم أموالكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها ~~أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل ~~عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم (38) قوله تعالى: (فلا تهنوا) أي: فلا تضعفوا (وتدعوا إلى ~~السلم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: " إلى السلم " بفتح السين، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: بكسر السين، ~~والمعنى: لا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء. وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز ~~طلب الصلح من المشركين، ودلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل ~~مكة صلحا، لأنه نهاه عن الصلح. PageV07P156 # قوله تعالى: (وأنتم الأعلون) أي: أنتم أعز منهم، والحجة لكم، وآخر الأمر ~~لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات (والله معكم) بالعون والنصرة (ولن يتركم) ~~قال ابن قتيبة: أي: لن ينقصكم ولن يظلمكم، يقال: وترتني حقي أي: بخستنيه. ~~قال المفسرون: المعنى: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا. # قوله تعالى: (ولا يسألكم أموالكم) أي، لن يسألكموها كلها. # قوله تعالى: (فيحفكم) قال الفراء: يجهدكم. وقال ابن قتيبة: يلح عليكم بما ~~يوجبه في أموالكم (تبخلوا)، يقال: أحفاني بالمسألة وألحف: إذا ألح. وقال ~~السدي: إن يسألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا. # (ويخرج أضغانكم) وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن يعمر: " ويخرج " ~~بياء مرفوعه وفتح الراء " أضغانكم " بالرفع. وقرأ أبي بن كعب، وأبو رزين، ~~وعكرمة، وابن السميفع، وابن محيصن، والجحدري: " وتخرج " بتاء مفتوحة ورفع ~~الراء " أضغانكم " بالرفع. وقرأ ابن مسعود، والوليد عن يعقوب: " ونخرج " ~~بنون مرفوعة وكسر الراء " أضغانكم " بنصب النون، أي: يظهر بغضكم وعداوتكم ~~لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه فرض عليكم يسيرا. وفيمن يضاف إليه ~~هذا الإخراج وجهان: # أحدهما: إلى الله عز وجل. # والثاني: البخل، حكاهما الفراء. وقد زعم قوم أن ms2077 هذه الآية منسوخة بآية ~~الزكاة، وليس بصحيح لأنا قد بينا أن معنى الآية: إن يسألكم جميع أموالكم، ~~والزكاة لا تنافي ذلك. # قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله) يعني ما فرض ~~عليكم في أموالكم (فمنكم من يبخل) بما فرض عليه من الزكاة (ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه) أي: على نفسه بما ينفعها في الآخرة (والله الغني) عنكم وعن ~~أموالكم (وأنتم الفقراء) إليه وإلى ما عنده من الخير والرحمة (وإن تتولوا) ~~عن طاعته (يستبدل قوما غيركم) أطوع له منكم (ثم لا يكونوا أمثالكم) بل خيرا ~~منكم. وفي هؤلاء القوم ثمانية أقوال: # أحدها: أنهم العجم، قاله الحسن، وفيه حديث يرويه أبو هريرة قال: لما نزلت ~~" وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم " كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله: من هؤلاء الذين إذا تولينا استبدلوا بنا؟ ~~فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على منكب سلمان، فقال: " هذا وقومه، ~~والذي نفسي بيده! لو أن الدين معلق بالثريا لتناوله رجال من فارس ". ~~PageV07P157 # والثاني: فارس والروم، قاله عكرمة. # والثالث: من يشاء من جميع الناس، قاله مجاهد. # والرابع: يأتي بخلق جديد غيركم. وهو معنى قول قتادة. # والخامس: كندة والنخع، قاله ابن السائب. # والسادس: أهل اليمن، قاله راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، وشريح بن ~~عبيد. # والسابع: الأنصار، قاله مقاتل. # والثامن: أنهم الملائكة، حكاه الزجاج وقال: فيه بعد لأنه لا يقال ~~للملائكة " قوم "، إنما يقال ذلك للآدميين، قال: وقد قيل: إن تولى أهل مكة ~~استبدل الله بهم أهل المدينة، وهذا معنى ما ذكرنا عن مقاتل. PageV07P158 # سورة الفتح مدنية وآياتها تسع وعشرون وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا ~~(3) قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا...) الآية سبب نزولها أنه لما ~~نزل قوله: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) قال ms2078 اليهود: كيف نتبع رجلا لا ~~يدري ما يفعل به؟! فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وفي المراد بالفتح أربعة أقوال: # أحدها: أنه كان يوم الحديبية، قاله الأكثرون. قال البراء بن عازب: نحن ~~نعد الفتح بيعة الرضوان. وقال الشعبي: هو فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ~~ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس، قال الزهري: لم يكن فتح أعظم ~~من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن ~~الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام قال ~~مجاهد: يعني بالفتح ما قضى الله له من نحر الهدي بالحديبية وحلق رأسه. وقال ~~ابن قتيبة: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " أي: قضينا لك قضاء عظيما، ويقال ~~للقاضي: الفتاح. قال الفراء: # والفتح قد يكون صلحا، ويكون أخذ الشيء عنوة، ويكون بالقتال. وقال غيره: ~~معنى الفتح في PageV07P159 # اللغة: فتح المنغلق، والصلح الذي جعل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا ~~متعذرا حتى فتحه الله تعالى. # الإشارة إلى قصة الحديبية روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى في النوم كأن قائلا يقول له: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين، فأصبح فحدث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج للعمرة، فذكر أهل ~~العلم بالسير أنه خرج واستنفر أصحابه للعمرة، وذلك في سنة ست، ولم يخرج ~~بسلاح إلا السيوف في القرب. وساق هو وأصحابه البدن، فصلى الظهر ب‍ " ذي ~~الحليفة "، ثم دعا بالبدن فجللت، ثم أشعرها وقلدها، فعل ذلك أصحابه، وأحرم ~~ولبى، فبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام، وخرجوا ~~حتى عسكروا ب " بلدح "، وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم، وسار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى دنا من الحديبية، قال الزجاج: وهي بئر، فسمي المكان ~~باسم البئر، قالوا: وبينها وبين مكة تسعة أميال، فوقفت يدا راحلته، فقال ~~المسلمون: حل ms2079 حل يزجرونها، فأبت فقالوا: خلأت القصواء - والخلاء في الناقة ~~مثل الحران في الفرس - فقال: " ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله ~~لا يسألوني خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها "، ثم جرها فقامت، ~~فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل على ثمد من أثماد الحديبية قليل الماء، ~~فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها، فجاشت لهم بالرواء، وجاءه بديل بن ورقاء ~~في ركب فسلموا وقالوا: جئناك من عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن ~~أطاعهم، يقسمون، لا يخلون بنيك وبين البيت حتى تبيد خضراءهم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لم نأت لقتال أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، ~~فمن صدنا عنه قاتلناه ". فرجع بديل فأخبر قريشا، فبعثوا عروة بن مسعود، ~~فكلمه بنحو ذلك، فأخبر قريشا، فقالوا: نرده من عامنا هذا، ويرجع من قابل ~~فيدخل مكة ويطوف بالبيت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن ~~عفان، قال: " اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا ~~زوارا لهذا البيت، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم، فقالوا: لا ~~كان هذا أبدا، ولا يدخلها العام، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~عثمان قد قتل، فقال: " لا نبرح حتى نناجزهم "، فذاك حين دعا المسلمين إلى ~~بيعة الرضوان، فبايعهم تحت الشجرة. وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال: # أحدها: ألف وأربعمائة، قاله البراء، وسلمة بن الأكوع، وجابر، ومعقل بن ~~يسار. # والثاني: ألف وخمسمائة، روي عن جابر أيضا، وبه قال قتادة. # والثالث: ألف وخمسمائة وخمس وعشرون، رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: ألف وثلاثمائة، قاله عبد الله بن أبي أوفى. قال: وضرب يومئذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله على يمينه لعثمان، وقال: إنه ذهب في ~~حاجة الله ورسوله، وجعلت الرسل تختلف بينهم، PageV07P160 # فأجمعوا على الصلح، فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة رجال، فصالحه كما ذكرنا ~~في براءة، فأقام بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال: عشرين ليلة، ثم انصرف، ~~فلما كان ب‍ " ضجنان " نزل عليه: # (إنا فتحنا لك فتحا ms2080 مبينا)، فقال جبريل: يهنيك يا رسول الله، وهنأه ~~المسلمون. # والقول الثاني: أن هذا الفتح فتح مكة، رواه مسروق عن عائشة، وبه قال ~~السدي. وقال بعض من ذهب إلى هذا: إنما وعد بفتح مكة بهذه الآية. # والثالث: أنه فتح خيبر، قاله مجاهد، والعوفي، وعن أنس بن مالك كالقولين. # والرابع: أنه القضاء له بالإسلام، قاله مقاتل. وقال غيره: حكمنا لك ~~بإظهار دينك والنصرة على عدوك قوله تعالى: (ليغفر لك الله) قال ثعلب: اللام ~~لام " كي "، والمعنى: لكي يجتمع لك [مع] المغفرة تمام النعمة في الفتح، ~~فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث، حسن معنى " كي "، وغلط من قال: ليس الفتح ~~سبب المغفرة. # قوله تعالى: (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قال ابن عباس: والمعنى: " ما ~~تقدم " في الجاهلية و " ما تأخر " ما لم تعلمه، وهذا على سبيل التأكيد، كما ~~تقول: فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه. # قوله تعالى: (ويتم نعمته عليك) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن ذلك في الجنة. # والثاني: أنه بالنبوة والمغفرة، رويا عن ابن عباس. # والثالث: بفتح مكة والطائف وخيبر، حكاه الماوردي. # والرابع: بإظهار دينك على سائر الأديان، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: (ويهديك صراطا مستقيما) أي: ويثبتك عليه، وقيل: ويهدي بك، ~~(وينصرك الله) على عدوك (نصرا عزيزا) قال الزجاج: أي: نصرا ذا عز لا يقع ~~معه ذل. # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند ~~الله فوزا PageV07P161 # عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ~~ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت ~~مصيرا (6) ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) إنا ~~أرسلناك غير شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق ~~أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد ms2081 عليه الله فسيؤتيه ~~الله أجرا عظيما (10) قوله تعالى: (هو الذي أنزل السكينة) أي: السكون ~~والطمأنينة (في قلوب المؤمنين) لئلا تنزعج قلوبهم لما يرد عليهم، فسلموا ~~لقضاء الله، وكانوا قد اشتد عليهم صد المشركين لهم عن البيت، حتى قال عمر: ~~علام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا عبد ~~الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني "، ثم أوقع الله الرضى بما جرى في ~~قلوب المسلمين، فسلموا وأطاعوا. (ليزدادوا إيمانا) وذلك أنه كلما نزلت ~~فريضة زاد إيمانهم. # (ولله جنود السماوات والأرض) يريد أن جميع أهل السماوات والأرض ملك له، ~~لو أراد نصرة نبيه بغيركم لفعل، ولكنه اختاركم لذلك، فاشكروه. # قوله تعالى: (ليدخل المؤمنين...) الآية سبب نزولها أنه لما نزل قوله: ~~(إنا فتحنا لك) قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئا لك يا رسول ~~الله بما أعطاك الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية، قاله أنس ابن مالك. قال ~~مقاتل: فلما سمع عبد الله بن أبي بذلك، انطلق في نفر إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزلت: (ويعذب المنافقين...) ~~الآية. # قال ابن جرير: كررت اللام في " ليدخل " على اللام في " ليغفر "، فالمعنى: ~~إنا فتحنا لك ليغفر لك الله ليدخل المؤمنين، ولذلك لم يدخل بينهما واو ~~العطف، والمعنى: ليدخل وليعذب. # قوله تعالى: (عليهم دائرة السوء) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بضم السين، ~~والباقون: بفتحها. # قوله تعالى: (وكان ذلك) أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم ~~(عند الله) أي: # في حكمه (فوزا عظيما) لهم، والمعنى: أنه حكم لهم بالفوز، فلذلك وعدهم ~~إدخال الجنة. # قوله تعالى: (الظانين بالله ظن السوء) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنهم ظنوا ان لله شريكا. # والثاني: أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه. PageV07P162 # والثالث: أنهم ظنوا به حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أو يهزم يقول ولا ~~يعود ظافرا. # والرابع: أنهم ظنوا أنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة عند ~~الله. # والخامس: ظنوا أن الله لا يبعث الموتى. وقد ms2082 بينا معنى " دائرة السوء " في ~~براءة. # وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله: (ليؤمنوا بالله ورسوله) قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو: # " ليؤمنوا " بالياء " ويعزروه ويوقروه ويسبحوه " كلهن بالياء، والباقون: ~~بالتاء، على معنى: قل لهم: # إنا أرسلناك، لتؤمنوا وقرا علي بن أبي طالب: وابن السميفع: " ويعززوه " ~~بزاءين. وقد ذكرنا في الأعراف معنى " ويعزروه " عند قوله: (وعزروه ونصروه). # قوله تعالى: (ويوقروه) أي: يعظموه ويبجلوه. واختار كثير من القراء الوقف ~~هاهنا، لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده. # قوله تعالى: (ويسبحوه) هذه الهاء ترجع إلى الله عز وجل. والمراد بتسبيحه ~~هاهنا: الصلاة له. قال المفسرون: والمراد بصلاة البكرة: الفجر، وبصلاة ~~الأصيل: باقي الصلوات الخمس. # قوله تعالى: (إن الذين يبايعونك) يعني بيعة الرضوان بالحديبية. وعلى ماذا ~~بايعوه؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهم بايعوه على الموت، قاله عبادة بن الصامت. # والثاني: على أن لا يفروا، قاله جابر بن عبد الله. ومعناهما متقارب، لأنه ~~أراد: على أن لا تفروا ولو متم. وسميت بيعة، لأنهم باعوا أنفسهم من الله ~~بالجنة، وكان العقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهم بايعوا الله عز ~~وجل، لأنه ضمن لهم الجنة بوفائهم. (يد الله فوق أيديهم) فيه أربعة أقوال: # أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم. والثاني: يد الله. في الثواب فوق ~~أيديهم. والثالث: # يد الله عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة، ذكر هذه الأقوال ~~الزجاج. والرابع: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، ذكره ابن جرير، وابن ~~كيسان. # قوله تعالى: (فمن نكث) أي: نقض ما عقده من هذه البيعة (فإنما ينكث على ~~نفسه) أي: # يرجع ذلك النقض عليه (ومن أوفى بما عاهد عليه الله) من البيعة (فسنؤتيه) ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبان عن عاصم: " فسنؤتيه " بالنون. وقرأ ~~عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بالياء (أجرا عظيما) وهو الجنة. قال ابن ~~السائب: فلم ينكث العهد منهم غير رجل واحد يقال له: الجد بن قيس، وكان ~~منافقا. PageV07P163 # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وإن وأهلونا فاستغفر لنا ~~يقولون بألسنتهم ما ليس ms2083 في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد ~~بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين ~~سعيرا (13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان ~~الله غفورا رحيما (14) قوله تعالى: (سيقول لك المخلفون من الأعراب) قال ابن ~~إسحاق: لما أراد العمرة استنفر من حول المدينة من أهل البوادي والأعراب ~~ليخرجوا معه، خوفا من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد، فتثاقل عنه كثير ~~منهم، فهم الذين عنى الله بقوله: " سيقول لك المخلفون من الأعراب "، قال ~~أبو صالح، عن ابن عباس: وهم غفار ومزينة وأشجع والديل وأسلم. قال يونس ~~النحوي: # الديل في عبد القيس ساكن الياء. والدول من حنيفة ساكن الواو، والدئل في ~~كنانة رهط أبي الأسود الدؤلي. فأما المخلفون، فإنهم تخلفوا مخافة القتل. ~~(شغلتنا أموالنا وأهلونا) أي: خفنا عليهم الضيعة (فاستغفر لنا) أي: ادع ~~الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) أي: ما ~~يبالون استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. # قوله تعالى: (فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا) قرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف: " ضرا " بضم الضاد، والباقون: بالفتح. قال أبو علي: " الضر ~~" بالفتح: خلاف النفع، وبالضم: سوء الحال، ويجوز أن يكونا لغتين كالفقر ~~والفقر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بسلامة ~~أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا، لم يقدر أحد ~~على دفعه عنهم، (بل كان الله بما تعملون خبيرا) من تخلفهم وقولهم عن ~~المسلمين أنهم سيهلكون، وذلك قوله: (بل ظننتم) أي: توهمتم (أن لن ينقلب ~~الرسول والمؤمنون إلى أهليهم) أي لا يرجعون إلى المدينة، لاستئصال العدو ~~إياهم: (وزين ذلك في قلوبكم) وذلك من تزيين الشيطان. # قوله تعالى: (وكنتم قوما بورا) قد ذكرناه في الفرقان. PageV07P164 # سيقول ms2084 المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل ~~تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ~~(سيقول المخلفون) الذين تخلفوا عن الحديبية (إذا انطلقتم إلى مغانم) وذلك ~~أنهم لما انصرفوا عن الحديبية بالصلح وعدهم الله فتح خيبر، وخص بها من شهد ~~الحديبية فانطلقوا إليها، فقال هؤلاء المخلفون: (ذرونا نتبعكم)، قال الله ~~تعالى: # (يريدون أن يبدلوا كلام الله) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " أن يبدلوا ~~كلم الله " بكسر اللام. وفي المعنى قولان: # أحدهما: أنه مواعيد الله بغنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة، قاله ابن عباس. # والثاني: أمر الله نبيه أن لا يسير معه منهم أحد، وذلك أن الله وعده وهو ~~بالحديبية أن يفتح عليه خيبر، ونهاه أن يسير معه أحد من المتخلفين، قاله ~~مقاتل. # وعلى القولين: قصدوا أن يجيز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف ~~أمر الله، فيكون تبديلا لأمره. # قوله تعالى: (كذلكم قال الله من قبل) فيه قولان: أحدهما: قال: إن غنائم ~~خيبر لمن شهد الحديبية، وهذا على القول الأول. # والثاني: قال: لن تتبعونا، وهذا قول مقاتل. # (فسيقولون بل تحسدوننا) أي: يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم. # قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولو بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول ~~يعذبه عذابا أليما (17) قوله تعالى: (ستدعون إلى قوم) المعنى: إن كنتم ~~تريدون الغزو والغنيمة فستدعون إلى جهاد قوم (أولي بأس شديد). PageV07P165 # وفي هؤلاء القوم ستة أقوال: # أحدها: أنهم فارس، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن أبي ~~رباح، وعطاء الخراساني، وابن أبي ليلى، وابن جريج في آخرين. # والثاني: فارس والروم، قاله الحسن، ورواه ابن أبي ms2085 نجيح عن مجاهد. # والثالث: أنهم أهل الأوثان، رواه ليث عن مجاهد. # والرابع: أنهم الروم، قاله كعب. # والخامس: أنهم هوازن وغطفان، وذلك يوم حنين، قاله سعيد بن جبير، وقتادة. # والسادس: بنو حنيفة يوم اليمامة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، قاله الزهري، ~~وابن السائب، ومقاتل. قال مقاتل: خلافة أبي بكر في هذه بينة مؤكدة. وقال ~~رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعي أبو بكر إلى قتال ~~بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم وقال بعض أهل العلم: لا يجوز أن تكون هذه الآية ~~إلا في العرب، لقوله: (تقاتلونهم أو يسلمون)، وفارس والروم إنما يقاتلون ~~حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية وقد استدل جماعة من العلماء على صحة إمامة أبي ~~بكر وعمر بهذه الآية، لأنه إن أريد بها بنو حنيفة، فأبو بكر دعا إلى ~~قتالهم، وإن أريد بها فارس والروم فعمر دعا إلى قتالهم، والآية تلزمهم ~~اتباع من يدعوهم، وتتوعدهم فقال على التخلف بالعقاب. قال القاضي أبو يعلى: ~~وهذا يدل على صحة إمامتهما إذا كان المتولي عن طاعتهما مستحقا للعقاب. # قوله تعالى: (فإن تطيعوا) قال ابن جريج: فإن تطيعوا أبا بكر وعمر، (وإن ~~تتولوا) عن طاعتهما (كما توليتم) عن طاعة محمد صلى الله عليه وسلم في ~~المسير إلى الحديبية، وقال الزجاج: المعنى: # إن تبتم وتركتم نفاقكم وجاهدتم، يؤتكم الله أجرا حسنا، وإن توليتم فأقمتم ~~على نفاقكم، وأعرضتم عن الإيمان والجهاد كما توليتم على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعذبكم عذابا أليما. # قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج) قال المفسرون: عذر الله أهل الزمانة ~~الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية. # قوله تعالى: (يدخله جنات) قرأ نافع، وابن عامر: " ندخله " و " نعذبه " ~~بالنون فيهما، والباقون: بالياء. # لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان ~~الله عزيزا حكيما (19) PageV07P166 # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ~~ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا ms2086 مستقيما (20) وأخرى لم تقدروا عليها قد ~~أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا (21) ولو قاتلكم الذين كفروا ~~لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التي قد خلت من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) ثم ذكر ~~الذين أخلصوا نيتهم وشهدوا بيعة الرضوان بقوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين) ~~وقد ذكرنا سبب هذه البيعة آنفا. وإنما سميت بيعة الرضوان، لقوله: (لقد رضي ~~الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن ~~أبيه، قال: بينما نحن قائلون زمن الحديبية، نادى منادي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أيها الناس، البيعة، البيعة، نزل روح القدس، قال: # فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة، فبايعناه. ~~وقال عبد الله بن مغفل: كان رسول الله صلى الله عليه تحت الشجرة يبايع ~~الناس، وإني لأرفع أغصانها عن رأسه. وقال بكير بن الأشج. كانت الشجرة بفج ~~نحو مكة. قال نافع: كان الناس يأتون تلك الشجرة فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر ~~بن الخطاب، فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت. # قوله تعالى: (فعلم ما في قلوبهم) أي: من الصدق والوفاء، والمعنى: علم ~~أنهم مخلصون (فأنزل السكينة عليهم) يعني الطمأنينة والرضى حتى بايعوا على ~~أن يقاتلوا ولا يفروا (وأثابهم) أي: عوضهم على الرضى بقضائه والصبر على ~~أمره (فتحا قريبا) وهو خيبر، (ومغانم كثيرة يأخذونها) أي: من خيبر، لأنها ~~كانت ذات عقار وأموال. فأما قوله بعد هذا: (وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها) فقال المفسرون: هي الفتوح التي تفتح على المسلمين إلى يوم ~~القيامة. # (فجعل لكم هذه) فيها قولان: # أحدهما: أنها غنيمة خيبر، قاله مجاهد، وقتادة، والجمهور. # والثاني: أنه الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~قريش، رواه العوفي عن ابن عباس. # قوله تعالى: (وكف أيدي الناس عنكم) فيهم ثلاثة أقوال: PageV07P167 # أحدها: أنهم اليهود هموا أن ms2087 يغتالوا عيال المسلمين الذين خلفوهم في ~~المدينة، فكفهم الله عن ذلك، قاله قتادة. # والثاني: أنهم أسد وغطفان جاؤوا لينصروا أهل خيبر، فقذف الله في قلوبهم ~~الرعب فانصرفوا عنهم، قاله مقاتل. وقال الفراء: كانت أسد وغطفان مع أهل ~~خيبر، فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالحوه وخلوا بينه وبين خيبر. ~~وقال غيرهما: بل همت أسد وغطفان باغتيال أهل المدينة، فكفهم الله عن ذلك. # والثالث: أنهم أهل مكة كفهم الله بالصلح، حكاهما الثعلبي وغيره. ففي ~~قوله: " عنكم " قولان: أحدهما: أنه على أصله، قاله الأكثرون. والثاني: عن ~~عيالكم، قاله ابن قتيبة، وهو مقتضى قول قتادة: (ولتكون آية للمؤمنين) في ~~المشار إليها قولان: # أحدهما: أنها الفعلة التي فعلها بكم من كف أيديهم عنكم كانت آية ~~للمؤمنين، فعلموا أن الله تعالى متولي حراستهم في مشهدهم ومغيبهم. # والثاني: أنها خيبر كان فتحها علامة للمؤمنين في تصديق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما وعدهم به. # قوله تعالى: (ويهديكم صراطا مستقيما) فيه قولان: # أحدهما: طريق التوكل عليه والتفويض إليه، وهذا على القول الأول. # والثاني: يزيدكم هدى بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من ~~وعد الله تعالى بالفتح والغنيمة قوله تعالى: (وأخرى) المعنى: وعدكم الله ~~مغانم أخرى، وفيها أربعة أقوال: # أحدها: أنها ما فتح للمسلمين بعد ذلك. روى سماك الحنفي عن ابن عباس " ~~وأخرى لم تقدروا عليها " قال: ما فتح لكم من هذه الفتوح، وبه قال مجاهد. # والثاني: أنها خيبر، رواه عطية، والضحاك عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد. # والثالث: فارس والروم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الحسن، وعبد الرحمن ~~بن أبي ليلى. # والرابع: مكة، ذكره قتادة، وابن قتيبة. # قوله تعالى: (قد أحاط الله بها) فيه قولان: # أحدهما: أحاط بها علما أنها ستكون من فتوحكم. # والثاني: حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى فتحتموها. # قوله تعالى: (ولو قاتلكم الذين كفروا) هذا خطاب لأهل الحديبية، قاله ~~قتادة، والذين كفروا مشركو قريش. فعلى هذا يكون المعنى: لو قاتلوكم يوم ~~الحديبية (ولوا الأدبار) لما في ms2088 قلوبهم من الرعب (ثم لا يجدون وليا) لأن ~~الله قد خذلهم. قال الزجاج: المعنى: لو قاتلك من لم يقاتلك لنصرت ~~PageV07P168 # عليه، لأن سنة الله النصرة لأوليائه. و " سنة الله " منصوبة على المصدر، ~~لأن قوله: " لولوا الأدبار " معناه: سن الله عز وجل خذلانهم سنة. وقد مر ~~مثل هذا في قوله: " كتاب الله عليكم)، وقوله: # (صنع الله) قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم) روى أنس بن مالك أن ~~ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل ~~التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم ~~سلما، فاستحياهم، وأنزل الله هذه الآية. وروى عبد الله بن مغفل قال: كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة، فبينا نحن كذلك إذ ~~خرج علينا ثلاثون شابا، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " هل جئتم في عهد؟ " أو " هل جعل لكم أحد أمانا؟ " ~~قالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، ونزلت هذه الآية. وذكر قتادة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعث خيلا، فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار، فأرسلهم، ~~وقال مقاتل: خرجوا يقاتلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهزمهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة. # قال المفسرون: ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكر منته إذ حجز بين الفريقين ~~فلم يقتتلا حتى تم الصلح بينهم. # وفي بطن مكة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحديبية، قاله أنس. # والثاني: وادي مكة، قاله السدي. # والثالث: التنعيم، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # فأما " مكة " فقال الزجاج: " مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة، وهي معرفة، ويصلح ~~أن يكون اشتقاقها كاشتقاق " بكة "، والميم تبدل من الباء، يقال: ضربة لازم، ~~ولازب، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم: أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة: ~~إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقى فيه شيئا، فيكون سميت بذلك لشدة الازدحام ~~فيها، ms2089 قال: والقول الأول أحسن. وقال قطرب: مكة من تمككت المخ: إذا أكلته. ~~وقال ابن فارس. تمككت العظم: إذا أخرجت مخه، والتمكك: # الاستقصاء، وفي الحديث: " لا تمككوا على غرمائكم ". " وفي تسمية " مكة " ~~أربعة أقوال: # أحدها: لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج، وكأنها هي التي تجذبهم إليها، ~~وذلك من قول العرب: أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة. # والثاني: أنها سميت (مكة) من قولك: بككت الرجل: إذا وضعت منه ورددت ~~نخوته، فكأنها تمك من ظلم فيها، أي: تهلكه وتنقصه، وأنشدوا: PageV07P169 # يا مكة، الفاجر مكي مكا * ولا تمكي مذحجا وعكا والثالث: أنها سميت بذلك ~~لجهد أهلها. # والرابع: لقلة الماء بها. # وهل مكة وبكة واحد؟ قد ذكرناه في آل عمران. # قوله تعالى: (من بعد أن أظفركم عليهم) أي: بهم، يقال: ظفرت بفلان، وظفرت ~~عليه. # قوله تعالى: (وكان الله بما تعلمون بصيرا) قرأ أبو عمرو: " يعملون " ~~بالياء، والباقون: بالتاء. # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها وكان الله بكل شئ عليما (26) قوله تعالى: (هم الذين كفروا) يعني أهل ~~مكة (وصدوكم عن المسجد الحرام) أن تطوفوا به وتحلوا من عمرتكم (والهدي) قال ~~الزجاج: أي: وصدوا الهدي (معكوفا) أي: # محبوسا (أن يبلغ) أي: عن أن يبلغ (محله) قال المفسرون: " محله " منحره، ~~وهو حيث يحل نحره (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) وهم المستضعفون بمكة ~~(لم تعلموهم) أي: لم تعرفوهم (أن تطؤوهم) بالقتل. ومعنى الآية: لولا أن ~~تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بالقتل، وتوقعوا بهم ولا تعرفونهم، ~~(فتصيبكم منهم معرة) وفيها أربعة أقوال: # أحدهما: إثم، قاله ابن زيد. # والثاني: غرم الدية، قاله ابن إسحاق. # والثالث: كفارة قتل الخطأ، قاله ابن السائب. # والرابع: عيب ms2090 بقتل من هو على دينكم، حكاه جماعة من المفسرين. وفي الآية ~~محذوف، PageV07P170 # تقديره: لأدخلتكم من عامكم هذا، وإنما حلت بينكم وبينهم (ليدخل الله في ~~رحمته) أي: في دينه (من يشاء) من أهل مكة، وهم الذين أسلموا بعد الصلح (لو ~~تزيلوا) قال ابن عباس: لو تفرقوا. وقال ابن قتيبة، والزجاج: لو تميزوا. قال ~~المفسرون: لو انماز المؤمنون من المشركين لعذبنا الذين كفروا) بالقتل ~~والسبي بأيديكم. وقال قوم: لو تزيل المؤمنون من أصلاب الكفار لعذبنا ~~الكفار. وقال بعضهم: قوله: " لعذبنا " جواب لكلامين، أحدهما: " لولا رجال ~~"، والثاني: " لو تزيلوا " وقوله: (إذ جعل) من صلة قوله: (لعذبنا). ~~والحمية: الأنفة والجبرية. قال المفسرون: وإنما أخذتهم الحمية حين أراد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول مكة، فقالوا: # يدخلون علينا، وقد قتلوا أبناءنا وإخواننا فتتحدث العرب بذلك! والله لا ~~يكون ذلك، (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) فلم يدخلهم ما دخل ~~أولئك فيخالفوا الله في قتالهم. وقيل: # الحمية ما تداخل سهيل بن عمرو من الأنفة أن يكتب في كتاب الصلح ذكر " ~~الرحمن الرحيم " وذكر " رسول الله " صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى) فيه خمسة أقوال: # أحدهما: " لا إله إلا الله "، قاله ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد في آخرين، وقد روي مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا يكون معنى: " الزمهم ": حكم لهم بها، ~~وهي التي تنفي الشرك. # والثاني: " لا إله الله والله أكبر "، قاله ابن عمر. وعن علي بن أبي طالب ~~كالقولين: # والثالث: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على ~~كل شيء قدير "، قاله عطاء بن أبي رباح. # والرابع: " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، قاله عطاء الخراساني. # والخامس: " بسم الله الرحمن الرحيم "، قاله الزهري. # فعلى هذا يكون المعنى أنه لما أبى المشركون أن يكتبوا هذا في كتاب الصلح، ~~ألزمه الله المؤمنين (وكانوا أحق بها) من المشركين (و) (كانوا (أهلها) في ~~علم الله تعالى. # لقد ms2091 صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا (27) هو PageV07P171 # الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ~~(28) قوله تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) قال المفسرون: سبب ~~نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أري في المنام قبل خروجه إلى ~~الحديبية قائلا يقول له: (لتدخلن المسجد الحرام) إلى قوله: (لا تخافون) ~~ورأى كأنه هو وأصحابه يدخلون مكة وقد حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه ~~ففرحوا، فلما خرجوا إلى الحديبية حسبوا أنهم يدخلون مكة في عامهم ذلك، فلما ~~رجعوا ولم يدخلوا قال المنافقون: أين رؤياه التي رأى؟ فنزلت هذه الآية، ~~فدخلوا في العام المقبل. # وفي قوله: (إن شاء الله) ستة أقوال: # أحدها: أن " إن " بمعنى " إذ " قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثاني: أنه استثناء من الله، وقد علمه، والخلق يستثنون فيما لا يعلمون، ~~قاله ثعلب، فعلى هذا يكون المعنى أنه علم أنهم سيدخلونه، ولكن استثنى على ~~ما أمر الخلق به من الاستثناء. # والثالث: أن المعنى: لتدخلن المسجد الحرام إن أمركم الله به، قاله ~~الزجاج. # والرابع: أن الاستثناء يعود إلى دخول بعضهم أو جميعهم، لأنه علم أن بعضهم ~~يموت، حكاه الماوردي. # والخامس: أنه على وجه الحكاية لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام أن قائلا يقول: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين "، حكاه ~~القاضي أبو يعلى. # والسادس: أنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول، فلا شك فيه، حكاه ~~الثعلبي. # قوله تعالى: (آمنين) من العدو (محلقين رؤوسكم ومقصرين) من الشعر (لا ~~تخافون) عدوا. (فعلم ما لم تعلموا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: علم أن الصلاح في الصلح. # والثاني: أن في تأخير الدخول صلاحا. # والثالث: فعلم أن يفتح عليكم خيبر قبل ذلك. # قوله تعالى: (فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) فيه قولان: # أحدهما: فتح خيبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وابن زيد، ms2092 ~~ومقاتل. # والثاني: صلح الحديبية، قاله مجاهد، والزهري، وابن إسحاق. وقد بينا كيف ~~كان فتحا في أول السورة. # وما بعد هذا مفسر في براءة (وكفى بالله شهيدا) وفيه قولان. PageV07P172 # أحدهما: أنه شهد على نفسه يظهره على الدين كله، قاله الحسن. # والثاني: كفى به شهيدا أن محمدا رسوله، قاله مقاتل. # محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في ~~التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ~~يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما (29) قوله تعالى: (محمد رسول الله) وقرأ الشعبي، وأبو ~~رجاء، وأبو المتوكل، والجحدري: # " محمدا رسول الله " بالنصب فيهما. قال ابن عباس: شهد له بالرسالة. # قوله تعالى: (والذين معه) يعني أصحابه والأشداء: جمع شديد. قال الزجاج: ~~والأصل: # أشدداء، نحو نصيب وأنصباء، ولكن الدالين تحركتا، فأدغمت الأولى في ~~الثانية، ومثله (من يرتد منكم). # قوله تعالى: (رحماء بينهم) الرحماء جمع رحيم، والمعنى أنهم يغلظون على ~~الكفار، ويتوادون بينهم (تراهم ركعا سجدا) يصف كثرة صلاتهم (يبتغون فضلا من ~~الله) وهو الجنة (ورضوانا) وهو رضي الله عنهم. وهذا الوصف لجميع الصحابة ~~عند الجمهور، وروى مبارك بن فضالة عن الحسن البصري أنه قال: " والذين معه " ~~أبو بكر " أشداء على الكفار " عمر " رحماء بينهم " عثمان " تراهم ركعا سجدا ~~" علي بن أبي طالب " يبتغون فضلا من الله ورضوانا " طلحة والزبير وعبد ~~الرحمن وسعد وسعيد وأبو عبيدة. # قوله تعالى: (سيماهم) أي: علامتهم (في وجوههم)، وهل هذه العلامة في ~~الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه قولان: # أحدهما: في الدنيا. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها السمت الحسن، قاله ابن عباس في رواية ابن أبي طلحة، وقال في ~~رواية مجاهد: أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام وسمته وخشوعه، ~~وكذلك قال مجاهد: ليس بندب التراب في الوجه، ولكنه الخشوع والوقار ~~والتواضع. PageV07P173 # والثاني: أنه ندى الطهور وثرى الأرض، قاله سعيد بن ms2093 جبير، وقال أبو ~~العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال الأوزاعي: بلغني ~~أنه ما حملت جباههم من الأرض. # والثالث: أنه السهوم، فإذا سهم وجه الرجل من الليل أصبح مصفارا. قال ~~الحسن البصري: # " سيماهم في وجوههم ": الصفرة، وقال سعيد بن جبير: أثر السهر، وقال شمر ~~بن عطية: هو تهيج في الوجه من سهر الليل. # والقول الثاني: أنها في الآخرة. ثم فيه قولان: # أحدهما: أن مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضا يوم القيامة، ~~قاله عطية العوفي، وإلى نحو هذا ذهب الحسن، والزهري. وروى العوفي عن ابن ~~عباس قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة. # والثاني: أنهم يبعثون غرا محجلين من أثر الطهور، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: (ذلك مثلهم) أي: صفتهم، والمعنى أن صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه (في التوراة) هذا. فأما قوله: (ومثلهم في الإنجيل) ففيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في الإنجيل. قال ~~مجاهد: مثلهم في التوراة والإنجيل واحد. # والثاني: أن المتقدم مثلهم في التوراة. فأما مثلهم في الإنجيل فهو قوله: ~~(كزرع)، وهذا قول الضحاك، وابن زيد. # والثالث: أن مثلهم في التوراة والإنجيل كزرع، ذكر هذه الأقوال أبو سليمان ~~الدمشقي. # قوله تعالى: (أخرج شطأه) وقرأ ابن كثير، وابن عامر: " شطأه " بفتح الطاء ~~والهمزة. وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " شطأة " بسكون ~~الطاء. وكلهم يقرا بهمزة مفتوحة. وقرأ أبي بن كعب، أبو العالية، وابن أبي ~~عبلة: " شطاءه " بفتح الطاء وبالمد والهمزة وبألف. قال أبو عبيدة: أي: ~~فراخه يقال: أشطأ الزرع فهو مشطىء: إذا أفرخ (فآزره) أي: ساواه وصار مثل ~~الأم. وقرأ ابن عامر: " فأزره " مقصورة الهمزة مثل فعله. وقال ابن قتيبة: ~~آزره: أعانه وقواه (فاستغلظ) أي: غلظ (فاستوى على سوقه) وهي جمع " ساق "، ~~وهذا مثل ضربه الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ خرج وحده، فأيده ~~بأصحابه، كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت منها حتى كبرت وغلظت واستحكمت. ~~وقرأ ابن كثير: " على سؤقه " مهموزة، والباقون: ms2094 بلا همزة. وقال قتادة: في ~~الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، وفيمن أريد بهذا المثل قولان: # أحدهما: أن أصل الزرع: عبد المطلب " أخرج شطأه " أخرج محمدا صلى الله ~~عليه وسلم (فآزره): بأبي PageV07P174 # بكر (فاستغلظ): بعمر (فاستوى): بعثمان (على سوقه): علي بن أبي طالب، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن المراد بالزرع: محمد صلى الله عليه وسلم " أخرج شطأه ": أبو ~~بكر " فآزره ": بعمر " فاستغلظ ": بعثمان " فاستوى على سوقه ": بعلي (يعجب ~~الزراع): يعني المؤمنين " ليغيظ بهم الكفار " وهو قول عمر لأهل مكة: لا ~~يعبد الله سرا بعد اليوم، رواه الضحاك عن ابن عباس، ومبارك عن الحسن. # قوله تعالى: (ليغيظ بهم الكفار) أي: إنما كثرهم وقواهم ليغيظ بهم الكفار، ~~وقال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقد أصابته هذه الآية. وقال ابن إدريس: # لا آمن أن يكونوا قد ضاعوا الكفار، يعني الرافضة، لأن الله تعالى يقول: " ~~ليغيظ بهم الكفار ". # قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا ~~عظيما) قال الزجاج: # في " من " قولان: # أحدهما: أن يكون تخليصا للجنس من غيره، كقوله: (فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان)، ومثله أن تقول: أنفق من الدراهم، أي: اجعل نفقتك من هذا الجنس. ~~قال ابن الأنباري: معنى الآية: # وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس، أي: من جنس الصحابة. # والثاني: أن يكون هذا الوعد لمن أقام منهم على الإيمان والعمل الصالح. ~~PageV07P175 # سورة الحجرات مدنية وآياتها ثماني عشرة ثمان عشرة آية مدنية روى ثوبان عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله أعطاني السبع الطول مكان ~~التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، ~~وفضلني ربي بالمفصل. أما السبع الطول فقد ذكرناها " عند قوله ": (ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني). وأما المئون، فقال ابن قتيبة: هي ما ولي الطول، ~~وإنما سميت بالمئين، لأن كل سورة تزيد على مائة آية أو تقاربها، والمثاني: ~~ما ولي المئين من السور التي دون المائة، كأن ms2095 المئين مباد، وهذه مثان وأما ~~المفصل، فهو ما يلي المثاني من قصار السور، وإنما سميت مفصلا لقصرها وكثرة ~~الفصول فيها بسطر: بسم الله الرحمن الرحيم. # وقد ذكر الماوردي في أول تفسيره في المفصل ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه من أول سورة (محمد) إلى آخر القرآن، قاله الأكثرون. # والثاني: من سورة (قاف) إلى آخره، حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة. # والثالث: من (الضحى) إلى آخره، قاله ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع ~~عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين ~~يغضون أصواتهم عند رسول PageV07P176 # الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) في سبب نزولها ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، فقال ~~أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت ~~أصواتها، فنزل قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) ~~إلى قوله: (ولو أنهم صبروا)، فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، رواه عبد الله بن الزبير. # والثاني: أن قوما ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~النحر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الذبح، فنزلت هذه ~~الآية، قاله الحسن. # والثالث أنها نزلت في قوم كانوا يقولون: لو أنزل الله في كذا وكذا! فكره ~~الله ذلك، وقدم فيه، قاله قتادة. # والرابع: أنها نزلت في عمرو بن أمية الضمري، وكان قد قتل رجلين من بني ~~سليم قبل أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ms2096 ابن السائب. وروى ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وروى العوفي ~~عنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. وروي عن عائشة رضي الله عنها في ~~هذه الآية قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. ومعنى الآية على جميع ~~الأقوال. لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو يفعل. قال ابن قتيبة: يقال فلان يقدم بين يدي. # الإمام وبين يدي أبيه، أي: يعجل بالأمر والنهي دونه. # فأما " تقدموا " فقرأ ابن. مسعود، وأبو هريرة، وأبو رزين، وعائشة، وأبو ~~عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، والضحاك وابن سيرين، وقتادة، وابن يعمر، ~~ويعقوب: بفتح التاء والدال، وقرأ الباقون: # بضم التاء وكسر الدال. قال الفراء: كلاهما صواب، يقال: قدمت، وتقدمت، ~~وقال الزجاج: # كلاهما واحد، فأما " بين يدي الله ورسوله " فهو عبارة عن الأمام، لأن ما ~~بين يدي الإنسان أمامه، فالمعنى: لا تقدموا قدام الأمير. # قوله تعالى: (لا ترفعوا أصواتكم) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما فيما ذكرناه آنفا في حديث ابن ~~الزبير، وهذا قول ابن أبي مليكة. PageV07P177 # والثاني: أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر، وكان جهوري ~~الصوت فكان إذا كلم إنسانا جهر بصوته فربما كان يكلم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فينادي بصوته فأنزل الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم بعضا) أي لا ~~تغلظوا له في الخطاب و لا تنادوه باسمه: يا محمد، كما ينادي بعضكم بعضا، أي ~~لا تغلظوا له في الخطاب و لكن فخموه واحترموه و قولوا له قولا لينا وخطابا ~~حسنا بتعظيم و توقير يا نبي الله ويا رسول الله. نظيره قوله عز وجل (لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) أن تحبط أعمالكم لكي لا تبطلوا ~~حسناتكم و أنتم لا تشعرون. # قوله تعالى: (إن الذين يغضون أصواتهم) قال ابن عباس: لما نزل ms2097 قوله: (لا ~~ترفعوا أصواتكم) تألى أبو بكر أن لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~كأخي السرار، فأنزل الله في أبي بكر: " إن الذين يغضون أصواتهم "، والغض: ~~النقص كما بينا عند قوله: (قل للمؤمنين يغضوا). # (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم) قال ابن عباس: أخلصها (للتقوى) من ~~المعصية. وقال الزجاج: اختبر قلوبهم فوجدهم مخلصين، كما تقول: قد امتحنت ~~هذا الذهب والفضة، أي: # اختبرتهما بأن أذبتهما حتى خلصا، فعلمت حقيقة كل واحد منهما. وقال ابن ~~جرير: اختبرها بامتحانه إياها، فاصطفاها وأخلصها للتقوى. # إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) قوله تعالى: (إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن بني تميم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوا على ~~الباب: يا محمد اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين، فخرج وهو يقول: " ~~إنما ذلكم الله " فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ~~ونفاخرك، فقال: " ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا "، فقال ~~الزبرقان بن بدر لشاب منهم: قم فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام فذكر ذلك، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس، فأجابه، وقام شاعرهم، فأجابه ~~حسان، فقال الأقرع بن حابس: والله ما أدري ما هذا الأمر؟! تكلم خطيبنا فكان ~~خطيبهم أحسن قولا، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر، ثم دنا فأسلم، فأعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، هذا قول جابر بن عبد الله في ~~آخرين. وقال ابن إسحاق: نزلت في جفاة بني تميم، وكان PageV07P178 # فيهم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم ~~المنقري، وخالد بن مالك، وسويد بن هشام، وهما نهشليان والقعقاع بن معبد، ~~وعطاء بن حابس، ووكيع بن وكيع. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ms2098 إلى بني العنبر، وأمر ~~عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا بذلك هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم ~~عيينة، فجاء رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قائل، فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا، حتى أيقظوه، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. # والثالث: أن ناسا من العرب قال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، ~~فإن يكن نبيا نكن أسعد الناس به، وإن يكن ملكا نعش في جناحه، فجاؤوا، ~~فجعلوا ينادون يا محمد، يا محمد، فنزلت هذه الآية، قاله زيد بن أرقم. # فأما " الحجرات " فقرأ أبي بن كعب، وعائشة، وأبو عبد الرحمن السلمي، ~~ومجاهد وأبو العالية، وابن يعمر، وأبو جعفر، وشيبة: بفتح الجيم، وأسكنها ~~أبو رزين، وسعيد بن المسيب، وابن أبي عبلة، وضمها الباقون. قال الفراء: وجه ~~الكلام أن تضم الحاء والجيم، وبعض العرب يقول: الحجرات والركبات، وربما ~~خففوا فقالوا: " الحجرات " والتخفيف في تميم، والتثقيل في أهل الحجاز. وقال ~~ابن قتيبة: واحد الحجرات حجرة، مثل ظلمة وظلمات، قال المفسرون: وإنما نادوا ~~من وراء الحجرات، لأنهم لم يعلموا في أي الحجر رسول الله. # قوله تعالى: (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم) قال الزجاج: ~~أي: لكان الصبر خيرا لهم وفي وجه كونه خيرا لهم قولان: # أحدهما: لكان خيرا لهم فيما قدموا له من فداء ذراريهم، فلو صبروا خلى ~~سبيلهم بغير فداء، قاله مقاتل. # والثاني: لكان أحسن لآدابهم في طاعة الله ورسوله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: (والله غفور رحيم) أي: لمن تاب منهم. # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم PageV07P179 # ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلان من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) ~~قوله عز وجل: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط، بعثه رسول الله صلى الله ms2099 عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة ~~مصدقا، وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه ~~تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه رجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: # إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة وأرادوا قتلي، فصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البعث إليهم، فنزلت هذه الآية. وقد ذكرت القصد في كتاب " المغني ~~" وفي " الحدائق " مستوفاة، وذكرت معنى " فتبينوا " في سورة النساء، ولنبأ: ~~الخبر، و " أن " بمعنى " لئلا "، والجهالة هاهنا: أن يجهل حال القوم، ~~(فتصبحوا على ما فعلتم) من إصابتهم بالخطأ (نادمين). # ثم خوفهم فقال: (واعلموا أن فيكم رسول الله) أي: إن كذبتموه أخبره الله ~~فافتضحتم، ثم قال: (لو يطيعكم في كثير من الأمر) أي: مما تخبرونه فيه ~~بالباطل (لعنتم) أي: لوقعتم في عنت. قال ابن قتيبة: وهو الضرر والفساد. ~~وقال غيره: هو الإثم والهلاك وذلك أن المسلمين لما سمعوا أن أولئك القوم قد ~~كفروا قالوا: ابعث إليهم يا رسول الله واغزهم واقتلهم، ثم خاطب المؤمنين ~~فقال: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان) إلى قوله: (والعصيان)، ثم عاد إلى ~~الخبر عنهم فقال: (أولئك هم الراشدون) أي: المهتدون إلى محاسن الأمور، ~~(فضلا من الله) قال الزجاج: المعنى: ففعل بكم ذلك فضلا، أي: للفضل والنعمة. # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) قوله تعالى: (وإن طائفتان...) الآية، ~~في سبب نزولها قولان: # أحدهما: ما روي البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث أنس بن مالك قال: ~~قيل PageV07P180 # لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي فركب حمارا ~~وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إليك ~~عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول ~~الله أطيب ريحا منك، ms2100 فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما ~~أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم " ~~وإن طائفتان... " الآية. وقد أخرجا جميعا من حديث أسامة بن زيد أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خرج يعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيهم عبد الله ~~بن أبي، وعبد الله بن رواحة، فخمر ابن أبي وجهه بردائه، وقال: لا تغبروا ~~علينا، فذكر الحديث، وأن المسلمين والمشركين واليهود استبوا. كل وقد ذكرت ~~الحديث بطوله في " المغني " و " الحدائق ". وقال مقاتل: وقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الأنصار وهو على حمار له، فبال الحمار، فقال عبد الله ~~بن أبي: أف، وأمسك على أنفه، فقال عبد الله بن رواحة: والله لهو أطيب ريحا ~~منك، فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة ضرب بالنعال والأيدي والسعف، ونزلت ~~هذه الآية. # والقول الثاني: أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في حق ~~بينهما، فقال أحدهما: لآخذن حقي عنوة، وذلك لكثرة عشيرته، ودعاه الآخر ~~ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل الأمر بينهما حتى تناول ~~بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، قاله قتادة: وقال مجاهد: المراد بالطائفتين: ~~الأوس والخزرج، اقتتلوا بالعصي بينهم. وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو ~~عمران الجوني: " اقتتلا " على فعل اثنين مذكرين. وقرأ أبو المتوكل الناجي، ~~وأبو الجون، وابن أبي عبلة: " اقتتلتا " بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنين ~~مؤنثتين. وقال الحسن وقتادة والسدي (فأصلحوا بينهما) بالدعاء إلى حكم كتاب ~~الله عز وجل والرضى بما فيه لهما وعليها (فإن بغت إحداهما) طلبت ما ليس ~~لها، ولم ترجع إلى الصلح، (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء) أي: # ترجع (إلى أمر الله) أي: إلى طاعته في الصلح الذي أمر به. # قوله تعالى: (وأقسطوا) أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما. # قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) قال الزجاج: إذا كانوا متفقين في دينهم ~~رجعوا باتفاقهم إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، فإذا اختلفت أديانهم ~~افترقوا في النسب. # قوله تعالى: (فأصلحوا بين ms2101 أخويكم) قرأ الأكثرون: " بين أخويكم " بياء على ~~التثنية. # وقرأ أبي بن كعب، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وقتادة، وأبو ~~العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، ويعقوب: " بين إخوتكم " بتاء مع كسر ~~الهمزة على الجمع. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والحسن، والشعبي، وابن سيرين: " بين إخوانكم " بالنون وألف قبلها. ~~قال قتادة: ويعني بذلك الأوس والخزرج. PageV07P181 # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) قوله ~~تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) هذه الآية نزلت على ثلاثة أسباب، فأما أولها ~~إلى قوله تعالى: (خيرا منهم) فنزلت على سبب، وفيه قولان: # أحدهما: أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوما يريد الدنو من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان به صمم، فقال لرجل بين يديه: افسح، فقال له الرجل: قد ~~أصبت مجلسا، فجلس مغضبا، ثم قال للرجل: من أنت؟ قال: أنا فلان. فقال ثابت: ~~أنت ابن فلانة!! فذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية، فأغضي الرجل ونكس ~~رأسه، ونزل قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم)، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن وفد تميم استهزؤوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك ومقاتل. # وأما قوله تعالى: (ولا نساء من نساء) فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر، فنزلت ~~هذه الآية، قاله أنس بن مالك. وزعم مقاتل أن عائشة استهزأت من قصر أم سلمة. # والثاني: أن امرأتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم سخرتا من أم ~~سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أم سلمة قد خرجت ذات يوم وقد ms2102 ~~ربطت أحد طرفي جلبابها على حقوها، وأرخت الطرف الآخر خلفها، ولا تعلم، ~~فقالت إحداهما للأخرى: انظري ما خلف أم سلمة كأنه لسان كلب، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثالث: أن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد ~~" فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # وأما قوله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب) فنزلت على ~~سبب، وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم ألقاب يدعون ~~بها، فجعل الرجل يدعو الرجل PageV07P182 # بلقبه، فقيل له: يا رسول الله: إنهم يكرهون هذا، فنزل قوله تعالى: (ولا ~~تنابزوا بالألقاب)، قاله أبو جبيرة بن الضحاك. # والثاني: أن أبا ذر كان بينه وبين رجل منازعة، فقال له الرجل: يا ابن ~~اليهودية، فنزلت: # " ولا تنابزوا بالألقاب "، قاله الحسن. # والثالث: أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي حدرد ~~الأسلمي كلام، فقال له: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي، فنزلت ~~فيهما (ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب " قاله مقاتل. # وأما التفسير، فقوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) أي: لا يستهزئ غني ~~بفقير، ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر عليه، ولا ذو حسب بلئيم الحسب، ~~وأشباه ذلك مما ينقصه به، عسى أن يكون عند الله خيرا منه. وقد بينا في ~~البقرة أن القوم اسم الرجال دون النساء، ولذلك قال: " ولا نساء من نساء " و ~~" تلمزوا " بمعنى تعيبوا، وقد سبق بيانه. والمراد بالأنفس هاهنا: الإخوان. ~~والمعنى: لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم. والتنابز: التفاعل ~~من النبز، وهو مصدر، والنبز الاسم. والألقاب جمع لقب، وهو اسم يدعى به ~~الإنسان سوى الاسم الذي سمي به. قال ابن قتيبة: " ولا تنابزوا بالألقاب) ~~أي: لا تتداعوا بها. و " الألقاب " و " الأنباز " واحد، ومنه الحديث: ms2103 " ~~نبزهم الرافضة " أي: لقبهم. وللمفسرين في المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال: # أحدها: تعيير التائب بسيئات قد كان عملها، رواه عطية العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه تسميته بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام، كقوله لليهودي إذا ~~أسلم: يا يهودي، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الحسن، وسعيد بن ~~جبير، وعطاء الخراساني، والقرطبي. # والثالث: أنه قول الرجل للرجل: يا كافر، يا منافق، قاله عكرمة. # والرابع: أنه تسميته بالأعمال السيئة، كقوله: يا زاني، يا سارق، يا فاسق، ~~قاله ابن زيد. قال أهل العلم: والمراد بهذه الألقاب: ما يكرهه المنادى به، ~~أو يعد ذما له. فأما الألقاب التي تكسب حمدا وتكون صدقا، فلا تكره، كما قيل ~~لأبي بكر: عتيق، ولعمر: فاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعلي: أبو تراب، ~~ولخالد: سيف الله، ونحو ذلك. وقوله: (بئس الاسم الفسوق) أي: تسميته فاسقا ~~أو كافرا وقد آمن، (ومن لم يتب) من التنابز (فأولئك هم PageV07P183 # الظالمون) وفيه قولان: # أحدهما: الضارون لأنفسهم بمعصيتهم، قاله ابن عباس. # والثاني: هم أظلم من الذين قالوا لهم ذلك، قاله ابن زيد. # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ~~ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم (12) قوله تعالى: (اجتنبوا كثيرا من الظن) قال ابن ~~عباس: نهى الله تعالى المؤمن أن يظن بالمؤمن شرا. وقال سعيد بن جبير: هو ~~الرجل يسمع من أخيه كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به سوءا، ~~فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا. وقال الزجاج: هو أن يظن بأهل الخير سوءا. ~~فأما أهل السوء والفسق، قلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم. قال القاضي أبو ~~يعلى: هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن جميع الظن، والظن على أربعة أضرب. ~~محظور، ومأمور به، ومباح، ومندوب إليه، فأما المحظور، فهو سوء الظن بالله ~~تعالى، والواجب: حسن الظن بالله، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم ~~العدالة محظور، وأما الظن ms2104 المأمور به، فهو ما لم ينصب عليه دليل يوصل إلى ~~العلم به، وقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه، والاقتصار على غالب الظن، وإجراء ~~الحكم عليه واجب، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول، وتحري ~~القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف، ~~فهذا وما كان من نظائره قد تعبدنا فيه بأحكام غالب الظنون، فأما الظن ~~المباح، فكالشاك في الصلاة إذا كان إماما، أمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه، وإن فعله كان مباحا، وإن عدل عنه إلى ~~البناء على اليقين كان جائزا وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إذا ظننتم فلا تحققوا "، وهذا من الظن الذي يعرض في قلب ~~الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة، فلا ينبغي له أن يحققه. وأما الظن ~~المندوب إليه، فهو إحسان الظن بالأخ المسلم يندب إليه ويثاب عليه. فأما ما ~~روي في الحديث: " احترسوا من الناس بسوء الظن "، فالمراد: الاحتراس بحفظ ~~المال، مثل أن يقول: إن تركت بابي مفتوحا خشيت السراق. قوله تعالى: (إن بعض ~~الظن إثم) قال المفسرون: هو ما تكلم به مما ظنه من السوء بأخيه المسلم، فإن ~~لم يتكلم به فلا بأس، وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس ذلك الظن وإن لم ينطق ~~به. # قوله تعالى: (ولا تجسسوا) وقرأ أبو رزين، والحسن: والضحاك، وابن سيرين ~~وأبو رجاء، وابن يعمر: بالحاء. قال أبو عبيدة: التجسس والتحسس واحد، وهو ~~التبحث، ومنه الجاسوس. وروي PageV07P184 # عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: التجسس، بالجيم: البحث عن عورات الناس، ~~وبالحاء: الاستماع لحديث القوم. قال المفسرون: التجسس: البحث عن عيب ~~المسلمين وعوراتهم، فالمعنى: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذ ستره ~~الله. وقيل لابن مسعود: هذا الوليد ابن عقيبة تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا ~~نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا شيء نأخذه به. # قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا) أي: لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب ~~بما يسوؤه. # وقد روى أبو هريرة ms2105 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما الغيبة؟ قال: ~~" ذكرك أخاك بما يكره. قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: " إن كان في ~~أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فقد بهته ". # ثم ضرب الله للغيبة مثلا، فقال: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) وقرأ ~~نافع " ميتا " بالتشديد. قال الزجاج: وبيانه أن ذكرك بسوء من لم يحضر، ~~بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك. # قال القاضي أبو يعلى: وهذا تأكيد لتحريم الغيبة، لأن أكل لحم المسلم ~~محظور، ولأن النفوس تعافه من طريق الطبع، فينبغي أن تكون الغيبة بمنزلته في ~~الكراهة. # قوله تعالى: (فكرهتموه) وقرأ الضحاك، و عاصم الجحدري: " فكرهتموه " برفع ~~الكاف وتشديد الراء. قال الفراء: أي وقد كرهتموه فلا تفعلوه، ومن قرأ " ~~فكرهتموه " أي: فقد بغض إليكم، والمعنى واحد. قال الزجاج: والمعنى: كما ~~تكرهون أكل لحمه ميتا، فكذلك تجنبوا ذكره بالسوء غائبا. # قوله تعالى: (واتقوا الله) أي: في الغيبة (إن الله تواب) على من تاب ~~(رحيم) به يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) * قوله تعالى: ~~(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: نزلت في ثابت بن قيس وقوله في الرجل الذي لم يفسح له: أنت ابن ~~فلانة، وقد ذكرناه عن ابن عباس في قوله: (لا يسخر قوم من قوم). # والثاني: أنه لما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا ~~فصعد على ظهر الكعبة فأذن، وأراد أن يذل المشركين بذلك، فلما أذن، قال عتاب ~~بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أسيدا قبل اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما ~~وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟! وقال سهيل بن عمرو: # إن يكره الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا، فإني ~~إن قلت شيئا لتشهدن علي السماء، ولتخبرن عني الأرض، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. # والثالث: ms2106 أن عبدا أسود مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قبض ~~فتولى غسله وتكفينه ودفنه، فأثر ذلك عند الصحابة، فنزلت هذه الآية، قاله ~~يزيد بن شجرة. فأما المراد بالذكر والأنثى، فآدم وحواء. PageV07P185 # والمعنى: إنكم تتساوون في النسب، وهذا زجر عن التفاخر بالأنساب. فأما ~~الشعوب، فهي جمع شعب. وهو الحي العظيم، مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها، ~~كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا قول الجمهور من المفسرين وأهل اللغة. ~~وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب: الموالي، وبالقبائل: العرب. وقال ~~أبو رزين: الشعوب: أهل الجبال الذين لا يعتزون لأحد، والقبائل: قبائل ~~العرب. وقال أبو سليمان الدمشقي: وقد قيل: إن القبائل هي الأصول، والشعوب ~~هي البطون التي تتشعب منها، وهذا ضد القول الأول. # قوله تعالى: (لتعارفوا) أي: ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده. قال ~~الزجاج: # المعنى: جعلناكم كذلك لتعارفوا، لا لتفاخروا. ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده ~~منزلة أتقاهم، وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، والضحاك، وابن يعمر، وأبان عن ~~عاصم: " لتعرفوا " بإسكان العين وكسر الراء من غير ألف. وقرأ مجاهد، وأبو ~~المتوكل، وابن محيصن: " لتعارفوا " بتاء واحدة مشددة وبألف مفتوحة الراء ~~مخففة. وقرأ أبو نهيك، والأعمش: " لتتعرفوا " بتاءين مفتوحة الراء ~~وبتشديدها من غير ألف. # قوله تعالى: (إن أكرمكم) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وأبو ~~الجوزاء: # " أن " بفتح الهمزة. قال الفراء: من فتح " أن " فكأنه قال: لتعارفوا أن ~~الكريم التقي، ولو كان كذلك لكانت " لتعرفوا "، غير أنه يجوز " لتعارفوا " ~~على معنى: ليعرف بعضكم بعضا أن أكرمكم عند الله أتقاكم ". # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~(14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله ~~بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شئ عليم (16) ~~يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ms2107 إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير ~~بما تعملون (18) PageV07P186 # قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا) قال مجاهد: نزلت في أعراب بني أسد بن ~~خزيمة. # ووصف غيره حالهم، فقال: قدموا المدينة في سنة مجدبة، فأظهروا الإسلام ولم ~~يكونوا مؤمنين، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارهم، وكانوا ~~يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: # أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك، فنزلت فيهم هذه الآية وقال السدي: ~~نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار، وهم الذين ذكرهم الله تعالى ~~في سورة (الفتح) وكانوا يقولون: آمنا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، فلما ~~استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فنزلت فيهم هذه الآية. وقال مقاتل: كانت ~~منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالوا: # آمنا، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فلما سار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه. # قوله تعالى: (قل لم تؤمنوا) أي: لم تصدقوا (ولكن قولوا أسلمنا) قال ابن ~~قتيبة: # أي: استسلمنا من خوف السيف، وانقدنا. قال الزجاج: الإسلام: إظهار الخضوع ~~والقبول لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحقن الدم، فإن ~~كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان ~~بقوله: (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم): أي لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذا من ~~القتل وقال مقاتل: " ولما " بمعنى " ولم " يدخل التصديق في قلوبكم. # قوله تعالى: (وإن تطيعوا الله ورسوله) قال ابن عباس: إن تخلصوا الإيمان ~~(لا يألتكم) قرأ أبو عمرو: " يألتكم " بألف وهمز، وروي عنه بألف ساكنة مع ~~ترك الهمزة: وقرأ الباقون: # " يلتكم " بغير ألف ولا همز. فقراءة أبي عمرو من ألت يألت، وقراءة ~~الباقين من لات يليت، قال الفراء: وهما لغتان، قال الزجاج: معناهما واحد. ~~والمعنى: لا ينقصكم. وقال أبو عبيدة: فيها ثلاث لغات: ألت يألت، تقديرها: ~~أفك يأفك، وألات يليت، تقديرها: أقال يقيل، ولات يليت، قال رؤبة: # وليلة ذات ms2108 ندى سريت * ولم يلتني عن سراها ليت قوله تعالى: (من أعمالكم) ~~أي: من ثوابها. ثم نعت الصادقين في إيمانهم بالآية التي تلي هذه، ومعنى: ~~(يرتابوا) يشكوا. وإنما ذكر الجهاد، لأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان فرضا في ذلك الوقت، (أولئك هم الصادقون) في إيمانهم، فلما نزلت ~~هاتان الآيتان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون ~~صادقون، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: (قل أتعلمون الله بدينكم) و " علم " بمعنى " أعلم " ولذلك ~~دخلت الباء في قوله: " بدينكم " والمعنى: أتخبرون الله بالدين الذي أنتم ~~عليه؟!، أي: هو عالم بذلك لا يحتاج إلى إخباركم، وفيهم نزل قوله تعالى: ~~(يمنون عليك أن أسلموا) قالوا: أسلمنا ولم نقاتلك، والله تعالى أعلم. ~~PageV07P187 # (50) سورة ق مكية وآياتها خمس وأربعون ويقال لها: سورة الباسقات روى ~~العوفي عن ابن عباس أنها مكية، وكذلك قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتاة، ~~والجمهور. وحكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آية مدنية، وهي قوله تعالى: ~~(ولقد خلقنا السماوات والأرض...) الآية. # بسم الله الرحمن الرحيم ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم فقال الكافرون هذا شئ PageV07P188 # عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) ~~قوله تعالى: (ق) قرأ الجمهور بإسكان الفاء. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ~~وأبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: " قاف " بنصب الفاء وقرأ أبو رزين، ~~وقتادة: " قاف " برفع الفاء. وقرأ الحسن، وأبو عمران: " قاف " بكسر الفاء. ~~وفي " ق " خمسة أقوال: # أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه جبل من زبر جدة خضراء، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وروى ~~عكرمة عن ابن عباس قال: خلق الله جبلا يقال له: " ق " محيط بالعالم، وعروقه ~~إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله عز وجل أن يزلزل قرية، أمر ~~ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك ms2109 القرية. وقال مجاهد: # هو جبل محيط بالأرض. وروي عن الضحاك أنه من زمردة خضراء، وعليه كنفا ~~السماء، وخضرة السماء منه. # والثالث: أنه جبل من نار في النار، قاله الضحاك في رواية عنه عن ابن ~~عباس. # والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # والخامس: أنه حرف من كلمة. ثم فيه خمسة أقوال. أحدها: أنه افتتاح اسمه " ~~قدير "، قاله أبو العالية. والثاني: أنه افتتاح أسمائه: القدير والقاهر ~~والقريب ونحو ذلك، قاله القرظي. # والثالث: أنه افتتاح " قضي الأمر "، وأنشدوا: # قلنا لها قفي فقالت قاف معناه: أقف، فاكتفت بالقاف من " أقف "، حكاه ~~جماعة منهم الزجاج. والرابع: قف عند أمرنا ونهينا، ولا تعدهما، قاله أبو ~~بكر الوراق. والخامس: قل يا محمد، حكاه الثعلبي. PageV07P189 # قوله تعالى: (والقرآن المجيد) قال ابن عباس، وابن جبير: المجيد: الكريم. ~~وفي جواب هذا القسم أربعة أقوال: # أحدها: أنه مضمر، تقديره: ليبعثن بعد الموت. قاله الفراء، وابن قتيبة، ~~ويدل عليه قول الكفار: (هذا شئ عجيب) والثاني: أنه قوله: (قد علمنا ما تنقص ~~الأرض منهم)، فيكون المعنى: قاف والقرآن المجيد لقد علمنا، فحذفت اللام لأن ~~ما قبلها عوض منها، كقوله: (والشمس وضحاها... قد أفلح) أي: لقد أفلح، أجاز ~~هذا القول الزجاج. # والثالث: أنه قوله: (ما يلفظ من قول)، حكي عن الأخفش. # والرابع: أنه في سورة أخرى، حكاه أبو سليمان الدمشقي، ولم يبين في أي ~~سورة. # قوله تعالى: (بل عجبوا) مفسر في ص إلى قوله: (شيء عجيب) أي: معجب. # أئذا متنا) قال الأخفش: هذا الكلام على جواب، كأنه قيل لهم: إنكم ترجعون، ~~فقالوا: أئذا متنا وكنا ترابا؟ وقال غيره: تقدير الكلام: ق والقرآن ليبعثن، ~~فقال: أئذا متنا وكنا ترابا، والمعنى: أنبعث إذا كنا كذلك؟! وقال ابن جرير: ~~لما تعجبوا من وعيد الله على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا ~~شي عجيب، كان كأنه قال لهم: ستعلمون إذا بعثتم ما يكون حالكم في تكذيبكم ~~محمدا، فقالوا: أئذا متنا وكنا ترابا؟ # قوله تعالى: (ذلك رجع) أي: رد إلى الحياة (بعيد) قال ابن قتيبة: ms2110 أي: لا ~~يكون. # (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم ~~إذا ماتوا، يعني أن ذلك لا يعزب عن علمه (وعندنا) مع علمنا بذلك (كتاب ~~حفيظ) أي: حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ ~~قد أثبت فيه ما يكون. # (بل كذبوا بالحق) وهو القرآن. والمريج: المختلط، قال ابن قتيبة: يقال: ~~مرج أمر الناس، ومرج الدين، وأصل هذا أن يقلق الشيء، ولا يستقر، يقال: مرج ~~الخاتم في يدي: إذا قلق، للهزال. قال المفسرون: ومعنى اختلاط أمرهم: أنهم ~~كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم مرة: # ساحر، ومرة: شاعر، ومرة: معلم، ويقولون للقرآن مرة: سحر، ومرة: مفترى، ~~ومرة: # رجز، فكان أمرهم ملتبسا مختلطا عليهم. PageV07P190 # أفلم ينظروا إلى المساء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) ~~والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد (9) والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ~~ميتا كذلك الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد ~~وفرعون وإخوان لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) ~~أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) ثم دلهم على قدرته على ~~البعث بقوله: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها) بغير عمد ~~(وزيناها) بالكواكب (وما لها من فروج) أي: من صدوع وشقوق والزوج: الجنس. # والبهيج الحسن، قاله أبو عبيدة. وقال ابن قتيبة: البهيج: الذي يبتهج به. # قوله تعالى: (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) قال الزجاج: أي: فعلنا ذلك لنبصر ~~وندل على القدرة. والمنيب: الذي يرجع إلى الله ويفكر في قدرته. # قوله تعالى: (ونزلنا من السماء ماء) وهو المطر (مباركا) أي: كثير الخير، ~~فيه حياة كل شيء (فأنبتنا به جنات) وهي البساتين (وحب الحصيد) أراد: الحب ~~الحصيد، فأضافه إلى نفسه، كقوله: (لهو حق اليقين) وقوله: (من حبل الوريد) ~~فالحبل هو الوريد، وكما يقال: صلاة الأولى، يراد: ms2111 الصلاة الأولى، ويقال: ~~مسجد الجامع، يراد: المسجد الجامع، وإنما تضاف هذه الأشياء إلى أنفسها ~~لاختلاف لفظ اسمها، وهذا قول الفراء، وابن قتيبة. وقال غيرهما: أراد حب ~~النبت الحصيد. (والنخل) أي: وأنبتنا النخل (باسقات) و (بسوقها ": # طولها قال ابن قتيبة: يقال: بسق الشيء يبسق بسوقا: إذا طال، والنضيد: ~~المنضود بعضه فوق بعض، وذلك قبل أن يتفتح، فإذا انشق جف طلعه وتفرق فليس ~~بنضيد. # قوله تعالى: (رزقا للعباد) أي: أنبتنا هذه الأشياء للرزق (وأحيينا به) ~~أي: بالمطر PageV07P191 # (بلدة ميتا كذلك الخروج) من القبور. # ثم ذكر الأمم المكذبة بما بعد هذا، وقد سبق بيانه إلى قوله: (فحق وعيد) ~~أي: وجب عليهم عذابي. # أفعيينا بالخلق الأول) هذا جواب لقولهم: ذلك رجع بعيد. والمعنى: أعجزنا ~~عن ابتداء الخلق، وهو الخلق الأول، فنعيا بالبعث وهو الخلق الثاني؟! وهذا ~~تقرير لهم، لأنهم اعترفوا أنه الخالق، وأنكروا البعث (بل هم في لبس) أي: في ~~شك (من خلق جديد) وهو البعث. # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~(16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (18) ~~ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد ~~كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) (ولقد خلقنا ~~الإنسان) يعني ابن آدم (ونعلم ما توسوس به نفسه) أي: ما تحدثه به نفسه. ~~وقال الزجاج: نعلم ما يكنه في نفسه. # قوله تعالى: (ونحن أقرب إليه) أي: بالعلم (من حبل الوريد) الحبل هو ~~الوريد، وإنما أضافه إلى نفسه لما شرحناه آنفا في قوله: " وحب الحصيد ". # قال الفراء: والوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وعنه أيضا قال: عرق ~~بين اللبة والعلباوين. وقال الزجاج: الوريد: عرق في باطن العنق، وهما ~~وريدان، والعلباوان: # العصبتان الصفراوان في متن العنق، واللبتان: مجرى القرط في العنق. وقال ~~ابن الأنباري: اللبة حيث يتذبذب القرط مما يقرب من شحمة الأذن. وحكى بعض ms2112 ~~العلماء أن الوريد: عرق متفرق في البدن مخالط لجميع الأعضاء، فلما كانت ~~أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضا، أعلم أن علمه لا PageV07P192 # يحجبه شيء. والمعنى: ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان ~~الموكلان بابن آدم يتلقيان عمله. وقوله: (إذ يتلقى المتلقيان) أي: يأخذان ~~ذلك ويثبتانه (عن اليمين) كاتب الحسنات (وعن الشمال) كاتب السيئات. قال ~~الزجاج: والمعنى: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فدل أحدهما على الآخر، ~~فحذف المدلول عليه، قال الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما عندك * راض والرأي مختلف وقال آخر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا، ومن أجل الطوي رماني المعنى: كنت منه ~~بريئا. وقال ابن قتيبة: القعيد بمعنى قاعد، كما يقال: " قدير " بمعنى " ~~قادر "، ويكون القعيد بمعنى مقاعد، كالأكيل والشريب بمنزلة: المؤاكل ~~والمشارب. # قوله تعالى: (ما يلفظ) يعني الانسان، أي: ما يتكلم من كلام فيلفظه، أي: ~~يرميه من فمه، (إلا لديه رقيب) أي: حافظ، وهو الملك الموكل به، إما صاحب ~~اليمين، وإما صاحب الشمال (عتيد) قال الزجاج: العتيد: الثابت اللازم. وقال ~~غيره: العتيد: الحاضر معه أينما كان. وروى أبو أمامة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على ~~يساره، فكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب ~~اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، وأراد صاحب الشمال أن يكتبها، قال صاحب ~~اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر منها لم يكتب عليه شيء، وإن ~~لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة ". وقال ابن عباس: جعل الله على ابن آدم ~~حافظين في الليل، وحافظين في النهار. # واختلوا هل يكتبان جميع أفعاله وأقواله على قولين: # أحدهما: أنهما يكتبان عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه، قاله مجاهد: # والثاني: أنهما لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه، أو يوزر، قاله عكرمة. فأما ~~مجلسهما، فقد نطق القرآن بأنهما عن اليمين وعن الشمال، وكذلك ذكرنا في حديث ~~أبي أمامة. وقد روى علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~إن ms2113 مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما ~~لا يعنيك " وروي عن الحسن والضحاك قالا: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. # قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت) وهي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب ~~على عقلة وتدله على أنه ميت (بالحق) وفيه وجهان: # أحدهما: أن معناه: جاءت بحقيقة الموت. PageV07P193 # والثاني: بالحق من أمر الآخرة، فأبانت للانسان ما لم يكن بينا له من أمر ~~الآخرة. ذكر الوجهين الفراء، وابن جرير. # وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه: " وجاءت سكرة الحق بالموت "، قال ابن ~~جرير: # ولهذه القراءة وجهان. # أحدهما: أن يكون الحق هو الله تعالى، فيكون المعنى: وجاءت سكرة الله ~~بالموت. # والثاني: أن تكون السكرة هي الموت، أضيفت إلى نفسها، كقوله: (هذا لهو حق ~~اليقين)، فيكون المعنى: وجاءت السكرة الحق بالموت، بتقديم " الحق ". وقرأ ~~ابن مسعود، وأبو عمران: " وجاءت سكرات " على الجمع " الحق بالموت " بتقديم ~~" الحق ". وقرأ أبي بن كعب، وسعيد بن جبير: " وجاءت سكرات الموت " على ~~الجمع " بالحق " بتأخير " الحق ". # قوله تعالى: (ذلك) أي: فيقال للانسان حينئذ: " ذلك " أي: ذلك الموت (ما ~~كنت منه تحيد) أي: تهرب وتفر. وقال ابن عباس: تكره. # قوله تعالى: " ونفخ في الصور) يعني نفخة البعث (ذلك) اليوم (يوم الوعيد) ~~أي: يوم وقوع الوعيد. # قوله تعالى ذلك: (معها سائق) فيه قولان: # أحدهما: أن السائق: ملك يسوقها إلى محشرها، قاله أبو هريرة. # والثاني: أنه قرينها من الشياطين، سمي سائقا، لأنه يتبعها وإن لم يحثها. ~~وفي الشهيد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ملك يشهد عليها بعملها، قاله عثمان بن عفان، والحسن. وقال ~~مجاهد: # الملكان: سائق، وشهيد. وقال ابن السائب: السائق: الذي كان يكتب عليه ~~السيئات، والشهيد: الذي كان يكتب الحسنات. # والثاني: أنه العمل يشهد على الإنسان، قاله أبو هريرة. # والثالث: الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله، قاله الضحاك. # وهل هذه الآيات عامة، أم خاصة؟ فيها قولان. أحدهما: أنها عامة، قاله ~~الجمهور. # والثاني: خاصة في الكافر، قاله الضحاك، ومقاتل. PageV07P194 # قوله تعالى: (لقد كنت) أي: ويقال له: (لقد كنت في غفلة من ms2114 هذا) اليوم، ~~وفي المخاطب بهذه الآيات ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الكافر، قاله ابن عباس، وصالح بن كيسان في آخرين. # والثاني: أنه عام في البر والفاجر، قاله حسين بن عبد الله بن عبيد الله ~~بن عباس، واختاره ابن جرير. # والثالث: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ابن زيد. فعلى القول ~~الأول يكون المعنى: لقد كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا بكفرك به، وعلى ~~الثاني: كنت غافلا عن أهوال القيامة (فكشفنا عنك غطاءك) الذي كان في الدنيا ~~يغشى قلبك وسمعك وبصرك. وقيل معناه: أريناك ما كان مستورا عنك، وعلى ~~الثالث: لقد كنت قبل الوحي في غفلة عما أوحي إليك، فكشفنا عنك غطاءك بالوحي ~~(فبصرك اليوم حديد) وفي المراد بالبصر قولان. # أحدهما: البصر المعروف، قاله الضحاك. # والثاني: العلم، قاله الزجاج. وفي قوله: " اليوم " قولان: # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه في الدنيا، وهذا على قول ابن زيد. فأما قوله: " حديد " فقال ~~ابن قتيبة: # الحديد بمعنى الحاد. أي: فأنت ثاقب البصر. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فبصرك حديد إلى لسان الميزان حين توزن حسناتك وسيئاتك، قاله ~~مجاهد. # والثاني: أنه شاخص لا يطرف لمعاينة الآخرة، قاله مقاتل. # والثالث: أنه العلم النافذ، قاله الزجاج. # وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) مناع ~~للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد ~~(26) * قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) قال لا ~~تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام ~~للعبيد (29) PageV07P195 # قوله تعالى: (وقال قرينه) قال مقاتل: هو ملكه الذي كان يكتب عمله السيء ~~في دار الدنيا، يقول لربه: قد كتبت ما وكلتني به، فهذا عندي معد حاضر من ~~عمله الخبيث، فقد أتيتك به وبعمله. وفي " ما " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى " من " قاله مجاهد. # والثاني: أنها بمعنى الشيء، فتقديره: هذا شئ لدي عتيد، قاله الزجاج: وقد ~~ذكرنا معنى العتيد في هذه السورة، فيقول الله تعالى: ms2115 (ألقيا في جهنم) وفي ~~معنى هذا الخطاب ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه مخاطبة للواحد بلفظ الخطاب للاثنين، قال الفراء: والعرب تأمر ~~الواحد والقوم بأمر الاثنين، فيقولون للرجل: ويلك ارحلاها وازجراها، سمعتها ~~من العرب، وأنشدني بعضهم: # فقلت لصاحبي لا تحبسانا * بنزع أصوله واجتز شيحا وأنشدني أبو ثروان: # فان تزجراني يا بن عفان أنزجر * وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا ونرى أن ذلك ~~منهم، لأن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما ~~تكون ثلاثة، فجرى الكلام على صاحبيه، ألا ترى الشعر أكثر شيء قيلا: يا ~~صاحبي ويا خليلي. # قال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب: نقضي لبانات الفؤاد المعذب ثم قال: # ألم تر أني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب فرجع إلى الواحد، ~~وأول كلامه اثنان، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل، وقال: " ألقيا " خطاب ~~للخازن، يعني خازن النار. # والثاني: أنه فعل ثني توكيدا، كأنه لما قال: " ألقيا "، ناب عن ألق ألق، ~~وكذلك: قفا نبك، معناه: قف قف، فلما ناب عن فعلين، ثني، قاله المبرد. # والثالث: أنه أمر للملكين، يعني السائق والشهيد، وهذا اختيار الزجاج. ~~فأما " الكفار "، فهو أشد مبالغة من الكافر. و " العنيد " قد فسرناه في ~~هود. # قوله تعالى: (مناع للخير) في المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال: ~~PageV07P196 # أحدها: الزكاة المفروضة، قاله قتادة. # والثاني: أنه الإسلام، يمنع الناس من الدخول فيه، قاله الضحاك، ومقاتل، ~~وذكر أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، منع بني أخيه عن الإسلام. # والثالث: أنه عام في كل خير من قول أو فعل، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (معتد) أي: ظالم لا يقر بالتوحيد (مريب) أي: شاك في الحق، من ~~قولهم: أراب الرجل: إذا صار ذا ريب. # قوله تعالى: (قال قرينه) فيه قولان: # أحدهما: شيطانه، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. وفي الكلام ~~اختصار تقديره: إن الإنسان ادعى على قرينه من الشياطين أنه أضله فقال: ~~(ربنا ما أطغيته) أي: لم يكن لي قوة على إضلاله بالإكراه، وإنما طغى هو ~~بضلاله. # والثاني: أنه الملك ms2116 الذي كان يكتب السيئات. ثم فيما يدعيه الكافر على ~~الملك قولان: # أحدهما: أنه يقول: زاد علي فيما كتب، فيقول الملك: ما أطغيته، أي: ما زدت ~~عليه، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: أنه يقول: كان يعجلني عن التوبة، فيقول: ربنا ما أطغيته، هذا ~~قول الفراء. # قوله تعالى: (ولكن كان في ضلال بعيد) أي: بعيد من الهدى، فيقول الله ~~تعالى: (لا تختصموا لدي). في هذا الخصام قولان: # أحدهما: أنه اعتذارهم بغير عذر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه خصامهم مع قرنائهم الذين أغووهم، قاله أبو العالية. فأما ~~اختصامهم فيما كان بينهم من المظالم في الدنيا، فلا يجوز أن يهمل، لأنه يوم ~~التناصف. # قوله تعالى: (وقد قدمت إليكم بالوعيد) أي: قد أخبرتكم على ألسن الرسل ~~بعذابي في الآخرة لمن كفر. (ما يبدل القول لدي) فيه قولان: # أحدهما: ما يبدل القول فيما وعدته من ثواب وعقاب، قاله الأكثرون. # والثاني: ما يكذب عندي ولا يغير القول عن جهته، لأني أعلم الغيب وأعلم ~~كيف ضلوا وكيف أضللتموهم، هذا قول ابن السائب واختيار الفراء وابن قتيبة، ~~ويدل عليه أنه قال تعالى: # (ما يبدل القول لدي) ولم يقل: ما يبدل قولي (وما أنا بظلام للعبيد) فأزيد ~~على إساءة المسئ، أو أنقص من إحسان المحسن. PageV07P197 # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) وأزلفت الجنة للمتقين ~~غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من خشي الرحمن بالغيب وجاء ~~بقلب منيب (33) أدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) لهم ما يشاءون فيها ~~ولدينا مزيد (35) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في ~~البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد (37) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ~~(39) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) (يوم نقول لجهنم) قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " يوم نقول " بالنون المفتوحة وضم ~~القاف. وقرأ ms2117 نافع، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم: " يوم يقول " بالياء ~~المفتوحة وضم القاف. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وعبد الوارث عن أبي عمرو: " ~~يوم يقال " بياء مضمومة وفتح القاف وإثبات ألف. قال الزجاج: وانتصاب " يوم ~~" على وجهين، أحدهما: على معنى: ما يبدل القول لدي في ذلك اليوم. والثاني: ~~على معنى: وأنذرهم يوم نقول لجهنم. # فائدة سؤاله إياها، وقد علم هل امتلأت أم لا، فإنه توبيخ لمن أدخلها، ~~وزيادة في مكروهه، ودليل على تصديق قوله: (لأملأن جهنم). # وفي قولها: (هل من مزيد) قولان عند أهل اللغة. # أحدهما: أنها تقول ذلك بعد امتلائها، فالمعنى: هل بقي في موضع لم يمتلئ؟ ~~أي: قد امتلأت. # والثاني: أنها تقول تغيظا على من عصى الله تعالى، وجعل الله فيها أن تميز ~~وتخاطب، كما جعل في النملة أن قالت: (ادخلوا مساكنكم) وفي المخلوقات أن ~~تسبح بحمد. # قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين) أي: قربت للمتقين الشرك (غير بعيد) ~~أي: # جعلت عن يمين العرش حيث يراها أهل الموقف، ويقال لهم: (هذا) الذي ترونه ~~(ما توعدون) PageV07P198 # وقرأ عثمان بن عفان، وابن عمر، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن: " يوعدون " ~~بالياء (لكل أواب) وفيه أقوال قد ذكرناها في بني إسرائيل. وفي (حفيظ) ~~قولان: # أحدهما: الحافظ لذنوبه حتى يرجع عنها، قاله ابن عباس. # والثاني: الحافظ لأمر الله تعالى، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (من خشي الرحمن بالغيب) قد بيناه في الأنبياء (وجاء بقلب ~~منيب) أي: راجع إلى طاعة الله عن معصيته. # (ادخلوها) أي: يقال لهم: أدخلوا الجنة (بسلام) وذلك أنهم سلموا من عذاب ~~الله، وسلموا فيها من الغموم والتغير والزوال، وسلم الله وملائكته عليهم ~~(ذلك يوم الخلود) في الجنة، لأنه لا موت فيها ولا زوال. # (لهم ما يشاؤون فيها) وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسائلهم، فيعطون ~~ما شاؤوا، ثم يزيدهم ما لم يسألوا، فذلك قوله: (ولدينا مزيد). وللمفسرين في ~~المراد بهذا المزيد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه النظر إلى الله عزل وجل، روى علي رضي الله عنه عن النبي عليه ~~السلام في قوله: " ولدينا مزيد " قال: ms2118 " يتجلى لهم ". وقال أنس بن مالك في ~~قوله: " ولدينا مزيد ": يتجلى لهم الرب تعالى في كل جمعة. # والثاني: أن السحاب يمر بأهل الجنة، فيمطرهم الحور، فتقول الحور: نحن ~~اللواتي قال الله عزل وجل: " ولدينا مزيد "، حكاه الزجاج. # والثالث: أن الزيادة على ما تمنوه وسألوا مما لم تسمع به أذن ولم يخطر ~~على قلب بشر، ذكره أبول سليمان الدمشقي. # ثم خوف كفار مكة بما بعد هذا إلى قوله: (فنقبوا في البلاد) قرأ الجمهور " ~~فنقبوا " بفتح النون والقاف مع تشديدها. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، ~~والحسن، وابن السميفع، ويحيى ابن يعمر كذلك، إلا أنهم كسروا القاف على جهة ~~الأمر تهددا. وقرأ عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، وابن أبي ~~عبلة، وعبيدة عن أبي عمر: " فنقبوا " بفتح القاف وتخفيفها. قال الفراء: ~~ومعنى " فنقبوا ": ساروا في البلاد، فهل كان لهم من الموت (من محيص) فأضمرت ~~" كان " ها هنا، كقوله: (أهلكناهم فلا ناصر لهم) أي: فلم يكن لهم ناصر. ومن ~~قرأ " فنقبوا " بكسر القاف، فإنه كالوعيد، والمعنى: اذهبوا في البلاد ~~وجيئوا فهل من الموت من PageV07P199 # محيص؟! وقال الزجاج: " نقبوا ": طوقوا وفتشوا، فلم تروا محيصا من الموت. ~~قال امرؤ القيس: # لقد نقبت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب فأما المحيص فهو ~~المعدل، وقد استوفينا شرحه في سورة النساء. # قوله تعالى: (إن في ذلك) يعني الذي ذكره من إهلاك القرى (لذكرى) أي: ~~تذكرة وعظة (لمن كان له قلب) قال ابن عباس: أي: عقل. قال الفراء: وهذا جائز ~~في اللغة أن تقول: ما لك قلب، وما معك قلبك، تريد العقل. وقال ابن قتيبة: ~~لما كان القلب موضعا للعقل كنى به عنه. وقال الزجاج: المعنى: لمن صرف قلبه ~~إلى التفهم (أو ألقى السمع) أي: # استمع مني (وهو شهيد) أي: وقلبه فيما يسمع. وقال الفراء: " وهو شهيد " ~~أي: شاهد ليس بغائب. # قوله تعالى: (ولقد خلقنا السماوات والأرض) ذكر المفسرون أن اليهود قالت: ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، آخرها يوم الجمعة، ~~واستراح يوم ms2119 السبت، فلذلك لا نعمل فيه شيئا، فنزلت هذه الآيات، فأكذبهم ~~الله عز وجل بقوله: (وما مسنا من لغوب). قال الزجاج: واللغوب: التعب ~~والإعياء. # قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون) أي: من بهتهم وكذبهم. قال المفسرون: ~~ونسخ معنى قوله: " فاصبر " بآية السيف (وسبح بحمد ربك) أي: صل بالثناء على ~~ربك والتنزيه له مما يقول المبطلون (قبل طلوع الشمس) وهي صلاة الفجر. (وقبل ~~الغروب) فيها قولان: # أحدهما: صلاة الظهر والعصر، قاله ابن عباس. # والثاني: صلاة العصر، قالة قتادة. وروى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من ~~حديث جرير بن عبد الله، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~البدر، فقال: " إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في ~~رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ~~فافعلوا " وقرأ: " فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ". # قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها صلاة الليل كله، أي وقت صلى منه، قاله مجاهد. # والثاني: صلاة العشاء، قاله ابن زيد. # والثالث: صلاة المغرب والعشاء، قاله مقاتل. PageV07P200 # قوله تعالى: (وأدبار السجود) قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، وخلف: بكسر ~~الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها. قال الزجاج: من فتح ألف " أدبار " فهو جمع ~~دبر، ومن كسرها فهو مصدر: # أدبر يدبر إدبارا. وللمفسرين في هذا التسبيح ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الركعتان بعد صلاة المغرب، روي عن عمر، وعلي، والحسن بن علي، ~~رضي الله عنهم، وأبي هريرة، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وقتادة في ~~آخرين، وهو رواية العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه النوافل بعد المفروضات، قاله ابن زيد. # والثالث: أنه التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات، رواه مجاهد عن ~~ابن عباس. # وروي عن أبي الأحوص أنه قال في جميع التسبيح المذكور في هاتين الآيتين ~~كذلك. # واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك ~~يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) يوم تشقق الأرض ~~عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم بما يقولون ms2120 وما أنت عليهم ~~بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45) قوله تعالى: (واستمع يوم ينادي ~~المنادي) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر " ينادي المنادي " ~~بياء في الوصل. ووقف ابن كثير بياء، ووقف نافع وأبو عمرو بغير ياء. ووقف ~~الباقون ووصلوا بياء. قال أبو سليمان الدمشقي: المعنى: واستمع حديث يوم ~~ينادي المنادي. قال المفسرون: والمنادي: إسرافيل، يقف على صخرة بيت المقدس ~~فينادي: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل ~~القضاء، وهذه هي النفخة الأخيرة. والمكان القريب: صخرة بيت المقدس. قال كعب ~~ومقاتل: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. # وقال ابن السائب باثني عشر ميلا. قال الزجاج: ويقال: إن تلك الصخرة في ~~وسط الأرض. # قوله تعالى: (يوم يسمعون الصيحة) وهي هذه النفخة الثانية (بالحق) أي: ~~بالبعث الذي لا شك فيه (ذلك يوم الخروج) من القبور: # (إنا نحن نحيي ونميت) أي: نميت في الدنيا ونحيي للبعث (وإلينا المصير) ~~بعد البعث، وهو قوله: (يوم تشقق الأرض عنهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر: " تشقق " بتشديد PageV07P201 # الشين، وقرأ الباقون بتخفيفها (سراعا) أي: فيخرجون منها سراعا (ذلك حشر ~~علينا يسير) أي: هين. # ثم عزى نبيه فقال: (نحن أعلم بما يقولون) في تكذيبك، يعني كفار مكة (وما ~~أنت عليهم بجبار) قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام إنما بعثت ~~مذكرا، وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم، وأنكر الفراء هذا القول فقال: العرب لا ~~تقول: " فعال من أفعلت " لا يقولون: # " خراج " يريدون " مخرج " ولا " دخال " يريدون " مدخل "، إنما يقولون: " ~~فعال من " فعلت "، وإنما الجبار هنا في موضع السلطان من الجبرية، وقد قالت ~~العرب في حرف واحد: " دراك " من " أدركت " وهو شاذ، فإن جعل هذا على هذه ~~الكلمة فهو وجه. وقال ابن قتيبة: (بجبار) أي: # بمسلط. والجبار: الملك، سمي بذلك لتجبره، يقول: لست عليهم بملك مسلط. قال ~~اليزيدي: # لست بمسلط فتقهرهم على الإسلام. وقال مقاتل: لتقتلهم. وذكر المفسرون أن ~~قوله: (وما أنت عليهم بجبار) منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: (فذكر بالقرآن) ms2121 أي: فعظ به (من يخاف وعيد) وقرأ يعقوب: " ~~وعيدي " بياء في الحالين، أي: ما أوعدت من عصاني من العذاب. PageV07P202 # (51) سورة الذاريات مكية وآياتها ستون مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) ~~فالمقسمات أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات ~~الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخراصون (10) ~~الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار ~~يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) إن المتقين في ~~جنات وعيون (15) آخذين ما آتهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون (18) وفي أموالهم حق ~~للسائل والمحروم (19) وفي الأرض آيات PageV07P203 # للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم وما توعدون ~~(22) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) قوله تعالى: ~~(والذاريات ذروا) يعني الرياح، يقال: ذرت الريح التراب تذروه ذروا: إذا ~~فرقته. قال الزجاج: يقال: ذرت فهي ذارية، وأذرت فهي مذرية، بمعنى واحد. # (والذاريات)، مجرورة على القسم، المعنى: أحلف بالذاريات وهذه الأشياء، ~~والجواب (إنما توعدون لصادق)، قال قوم: المعنى: ورب الذاريات، ورب ~~الجاريات. # قوله تعالى: (فالحاملات وقرا) يعني السحاب التي تحمل وقرها من الماء. ~~(فالجاريات يسرا) يعني السفن تجري ميسرة في الماء جريا سهلا. (فالمقسمات ~~أمرا) يعني الملائكة تقسم الأمور على ما أمر الله به. قال ابن السائب: ~~والمقسمات أربعة، جبريل، وهو صاحب الوحي والغلظة، وميكائيل، وهو صاحب الرزق ~~والرحمة، وإسرافيل، وهو صاحب الصور واللوح، وعزرائيل، وهو قابض الأرواح. ~~وإنما أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته. # ثم ذكر المقسم عليه فقال: (إنما توعدون) أي: من الثواب والعقاب يوم ~~القيامة (لصادق) أي: لحق. (وإن الدين) فيه قولان: # أحدهما: الحساب. PageV07P204 # والثاني: الجزاء (لواقع) أي: لكائن ثم ذكر قسما آخر فقال: (والسماء ذات ~~الحبك) وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رزين: # " الحبك " بكسر الحاء والباء جميعا. وقرأ عثمان بن عفان، والشعبي، وأبو ~~العالية، وأبو حيوة: # " الحبك " بكسر الحاء وإسكان ms2122 الباء. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، وأبو ~~رجاء، وابن أبي عبلة: " الحبك " برفع الحاء وإسكان الباء. وقرأ ابن مسعود، ~~وعكرمة: " الحبك " بفتح الحاء والباء جميعا. وقرأ أبو الدرداء، وأبو ~~الجوزاء، وأبو المتوكل، وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: " الحبك " بفتح ~~الحاء وكسر الباء. # ثم في معنى " الحبك " أربعة أقوال. أحدها: ذات الخلق الحسن رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة. والثاني: البنيان المتقن، قاله مجاهد. ~~والثالث: ذات الزينة، قاله سعيد بن جبير. وقال الحسن: حبكها: نجومها. ~~والرابع: ذات الطرائق، قاله الضحاك واللغويون. وقال الفراء: الحبك: تكسر كل ~~شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء القائم إذا مرت به الريح، ~~والشعرة الجعدة تكسرها حبك، وواحد الحبك: حباك وحبيكة. وقال الزجاج: أهل ~~اللغة يقولون: الحبك: الطرائق الحسنة، والمحبوك في اللغة: ما أجيد عمله، ~~وكل ما تراه من الطرائق في الماء وفي الرمل إذا اصابته الريح فهو حبك. وروي ~~عن عبد الله بن عمرو أنه قال: هذه هي السماء السابعة. # ثم ذكر جواب القسم الثاني، قال: (إنكم) يعني أهل مكة (لفي قول مختلف) في ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم، بعضكم يقول: شاعر، وبعضكم يقول: مجنون. وفي ~~القرآن، بعضكم يقول: # سحر، وبعضكم يقول: كهانة ورجز، إلى غير ذلك. # (يؤفك عنه من أفك) أي: يصرف عن الإيمان به من صرف فحرمه. والهاء في " عنه ~~" عائدة إلى القرآن، وقيل: يصرف عن هذا القول، أي: من أجله وسببه عن ~~الإيمان من صرف. وقرأ قتادة: " من أفك " بفتح الألف والفاء. وقرأ عمرو بن ~~دينار: " من أفك " بفتح الألف وكسر الفاء. # (قتل الخراصون) قال الفراء: يعني: لعن الكذابون الذين قالوا: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ساحر وكذاب وشاعر، خرصوا ما لا علم لهم به. وفي رواية ~~العوفي عن ابن عباس: أنهم الكهنة. وقال ابن الأنباري: والقتل إذ أخبر عن ~~الله به فهو بمعنى اللعنة، لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. # قوله تعالى: (الذين هم في غمرة) أي: في عمى وجهالة بأمر ms2123 الآخرة (ساهون) ~~أي: # غافلون. والسهو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه. (يسألون أيان يوم ~~الدين) أي: PageV07P205 # يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء؟! تكذيبا منهم واستهزاءا. # ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: (يوم هم على النار) قال الزجاج: " اليوم " ~~منصوب على معنى: يقع الجزاء يوم هم على النار (يفتنون) أي: يحرقون ويعذبون، ~~ومن ذلك يقال للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت بالنار: الفتين. # قوله تعالى: (ذوقوا) المعنى: يقال لهم: ذوقوا (فتنتكم) وفيها قولان: # أحدهما: تكذيبكم، قاله ابن عباس. # والثاني: حريقكم، قاله مجاهد. قال أبو عبيدة: ها هنا تم الكلام، ثم ~~ائتنف، فقال: # (هذا الذي كنتم به تستعجلون) قال المفسرون: يعني الذي كنتم تستعجلونه في ~~الدنيا استهزاء. # ثم ذكر ما وعد الله لأهل الجنة فقال: (إن المتقين في جنات وعيون) وقد سبق ~~شرح هذا. # قوله تعالى: (آخذين) قال الزجاج: هو منصوب على الحال، فالمعنى: في جنات ~~وعيون في حال أخذ (ما آتاهم ربهم) قال المفسرون: أي ما أعطاهم الله من ~~الكرامة (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) في أعمالهم. وفي الآية وجه آخر: " ~~آخذين ما آتاهم ربهم " أي: عاملين بما أمرهم به من الفرائض " إنهم كانوا ~~قبل " أن تفرض الفرائض عليهم، " محسنين " أي: مطيعين، وهذا معنى قول ابن ~~عباس في رواية مسلم البطين. # ثم ذكر إحسانهم فقال: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) والهجوع: النوم ~~بالليل دون النهار. وفي " ما " قولان: # أحدهما: النفي. ثم في المعنى قولان: أحدهما: كانوا يسهرون قليلا من ~~الليل. قال أنس ابن مالك، وأبو العالية: هو ما بين المغرب والعشاء. # والثاني: كانوا ما ينامون قليلا من الليل. واختار قوم الوقف على قوله: " ~~قليلا " على معنى: كانوا من الناس قليلا، ثم ابتدأ فقال: " من الليل ما ~~يهجعون " على معنى نفي النوم عنهم البتة، وهذا مذهب الضحاك، ومقاتل. # والقول الثاني: أن " ما " بمعنى الذي، فالمعنى: كانوا قليلا من الليل ~~الذي يهجعونه، وهذا مذهب الحسن، والأحنف بن قيس، والزهري. وعلى هذا يحتمل ~~أن تكون " ما " زائدة. # قوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون) وقد ms2124 شرحناه. PageV07P206 # قوله تعالى: (وفي أموالهم حق) أي: نصيب، وفيه قولان: # أحدهما: أنه ما يصلون به رحما، أو يقرون به ضيفا، أو يحملون به كلا، أو ~~يعينون به محروما، وليس بالزكاة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الزكاة، قاله قتادة، وابن سيرين. قوله تعالى: (للسائل) وهو ~~الطالب. وفي " المحروم " ثمانية أقوال: # أحدها: أنه الذي ليس له سهم في فئ المسلمين، وهو المحارف، قاله ابن عباس. ~~وقال إبراهيم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة. # والثاني: أنه الذي لا ينمى له شيء، قاله مجاهد، وكذلك قال عطاء: هو ~~المحروم في الرزق والتجارة. # والثالث: أنه المسلم الفقير، قاله محمد بن علي. # والرابع: أنه المتعفف الذي لا يسأل شيئا، قاله قتادة، والزهري. # والخامس: أنه الذي يجئ بعد الغنيمة، وليس له فيها سهم، قاله الحسن بن ~~محمد ابن الحنفية. # والسادس: أنه المصاب ثمرته وزرعه أو نسل ماشيته، قاله ابن زيد. # والسابع: أنه المملوك، حكاه الماوردي. # والثامن: أنه الكلب، روي عن عمر بن عبد العزيز، وكان الشعبي يقول: أعياني ~~أن أعلم ما المحروم. وأظهر الأقوال قول قتادة والزهري، لأنه قرنه بالسائل، ~~والمتعفف لا يسأل - ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل - ثم يتحفظ بالتعفف من ~~ظهور أثر الفاقة عليه، فيكون محروما من قبل نفسه حين لم يسأل ومن قبل الناس ~~حين لا يعطونه، وإنما يفطن له متيقظ. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة ~~بآية الزكاة، ولا يصح. # قوله تعالى: (وفي الأرض آيات) كالجبال والأنهار والأشجار والثمار وغير ~~ذلك (للموقنين) بالله عز وجل الذين يعرفونه بصنعه. # (وفي أنفسكم) آيات إذ كنتم نطفا ثم عظاما، ثم علقا، ثم مضغا إلى غير ذلك ~~من أحوال الاختلاف، ثم اختلاف الصور والألوان والطبائع، وتقويم الأدوات، ~~والسمع والبصر والعقل، وتسهيل سبيل الحدث، إلى غير ذلك من العجائب المودعة ~~في ابن آدم. وتم الكلام عند قوله: # " وفي أنفسكم "، ثم قال: (أفلا تبصرون) قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم ~~فتعرفوا قدرته على البعث. PageV07P207 # قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم) وقرأ أبي بن كعب، وحميد، وأبو ms2125 حصين ~~الأسدي: # " أرزاقكم " براء ساكنة، وبألف بين الزاي والقاف. وقرأ ابن معسود، ~~والضحاك، وأبو نهيك: # " رازقكم " بفتح الراء وكسر الزاي وبألف بينهما. وعن ابن محيصن كهاتين ~~القراءتين. وفيه قولان: # أحدهما: أنه المطر، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وليث عن مجاهد، وهو قول ~~الجمهور. # والثاني: الجنة، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # وفي قوله: (ما توعدون) قولان: # أحدهما: أنه الخير والشر كلاهما يأتي من السماء، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. وابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثاني: الجنة، رواه ليث عن مجاهد، قال أبو عبيدة: في هذه الآية مضمر ~~مجازه: عند من في السماء رزقكم، وعنده ما توعدون، والعرب تضمر، قال نابغة ~~ذبيان: # كأنك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن أراد: كأنك جمل من جمال بني ~~أقيش. # قوله تعالى: (إنه لحق) قال الزجاج: يعني ما ذكره من أمر الآيات والرزق ~~وما توعدون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم (مثل ما أنكم تنطقون) قرأ حمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " مثل " برفع اللام. # وقرأ الباقون بنصب اللام. قال الزجاج: فمن رفع " مثل " فهي من صفة الحق، ~~والمعنى: إنه لحق مثل نطقكم، ومن نصب فعلى ضربين. # أحدهما: أن يكون في موضع رفع، إلا أنه لما أضيف إلى " أن " فتح. # والثاني: أن يكون منصوبا على التأكيد، على معنى: إنه لحق حقا مثل نطقكم، ~~وهذا الكلام كما تقول: إنه لحق كما أنك تتكلم. # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ~~سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ~~ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) ~~فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذلك قال ربك ~~إنه هو الحكيم العليم (30) * قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل PageV07P208 # عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا ~~فيها آية للذين ms2126 يخافون العذاب الأليم (37) قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم المكرمين) " هل " بمعى " قد " في قول ابن عباس، ومقاتل، فيكون ~~المعنى: قد أتاك فاستمع نقصصه عليك، وضيفه: هم الذين جاؤوا بالبشرى. # وقد ذكرنا عددهم في هود وذكرنا هناك معنى الضيف. # وفي معنى " المكرمين " أربعة أقوال: # أحدها: لأنه أكرمهم بالعجل، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: بأن خدمهم هو وامرأته بأنفسهما، قاله السدي. # والثالث: أنهم مكرمون عند الله، قاله عبد العزيز بن يحيى. # والرابع: لأنهم أضياف، والأضياف مكرمون، قاله أبو بكر الوراق. # قوله تعالى: (فقالوا سلاما) قد ذكرناه في هود. # قوله تعالى: (قوم منكرون) قال الزجاج: ارتفع على معنى: أنتم قوم منكرون. ~~وللمفسرين في سبب إنكارهم أربعة أقوال: # أحدها: لأنه لم يعرفهم، قاله ابن عباس. # والثاني: لأنهم سلموا عليه، فأنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض، ~~قاله أبو العالية. # والثالث: لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. # والرابع: لأنه رأى فيهم صورة البشر وصورة الملائكة. # قوله تعالى: (فراغ إلى أهله) قال ابن قتيبة: أي: عدل إليهم في خفية، ولا ~~يكون الرواغ إلا أن تخفي ذهابك ومجيئك. # قوله تعالى: (فجاء بعجل سمين) وكان مشويا (فقربه إليهم) قال الزجاج: ~~والمعنى: فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا، فقال: (ألا تأكلون)؟! على ~~النكير، أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره. # قوله تعالى: (فأوجس منهم خيفة) قد شرحناه في هود. وذكرنا معنى: " غلام ~~عليم " في الحجر. PageV07P209 # (فأقبلت امرأته) وهي: سارة. قال الفراء وابن قتيبة: لم تقبل من موضع إلى ~~موضع، وإنما هو كقولك: أقبل يشتمني، وأقبل يصيح ويتكلم أي: أخذ في ذلك، ~~والصرة: الصيحة. وقال أبو عبيدة: الصرة: شدة الصوت. وفيما قالت في صيحتها ~~قولان: # أحدهما: أنها تأوهت، قاله قتادة. # والثاني: أنها قالت: يا ويلتا، ذكره الفراء. # قوله تعالى: (فصكت وجهها) فيه قولان. # أحدهما: لطمت وجهها، قاله ابن عباس. # والثاني: ضربت جبينها تعجبا، قاله مجاهد، ومعن الصك، ضرب الشيء بالشيء ~~العريض. # (وقالت عجوز) قال الفراء: هذا مرفوع بإضمار " أتلد عجوز " وقال الزجاج: ms2127 ~~المعنى: أنا عجوز عقيم، فكيف ألد؟! وقد ذكرنا معنى " العقيم " في هود. # (قالوا كذلك قال ربك) أنك ستلدين غلاما، والمعنى: إنما نخبرك عن الله عز ~~وجل وهو حكيم عليم يقدر أن يجعل العقيم ولودا، فعلم حينئذ إبراهيم أنهم ~~ملائكة. # (قال فما خطبكم) مفسر في الحجر. # قوله تعالى: (حجارة من طين) قال ابن عباس: هو الآجر قوله تعالى: (مسومة ~~عند ربك) قد شرحناه في هود. # قوله تعالى: (للمسرفين) قال ابن عباس: للمشركين. # قوله تعالى: (فأخرجنا من كان فيها) أي: من قرى لوط (من المؤمنين) وذلك ~~قوله تعالى: # (فأسر بأهلك...) الآية:. # (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) وهو لوط وابنتاه، وصفهم الله عز ~~وجل بالإيمان والإسلام، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. # (وتركنا فيها آية) أي: علامة للخائفين من عذاب الله تدلهم على أن الله ~~أهلكهم. وقد شرحنا هذا في العنكبوت وبينا المكني عنها. # وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر ~~أو PageV07P210 # مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم ~~(42) وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم ~~الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم ~~نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46) والسماء بنيناها بأييد وإنا ~~لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) ومن كل شئ خلقنا زوجين ~~لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا ~~مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) قوله تعالى: (وفي موسى) أي: ~~وفيه أيضا آية (إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين) أي: # بحجة ظاهرة (فتولى) أي: أعرض (بركنه) قال مجاهد: بأصحابه. وقال أبو ~~عبيدة: " بركنه " و " بجانبه " سواء، إنما هي ناحيته (وقال - ساحر): قال ~~لموسى: هذا ساحر (أو مجنون) وكان أبو عبيدة يقول: " أو " بمعنى الواو. فأما ~~" اليم " فقد ذكرناه في الأعراف و " مليم " في الصافات. # قوله تعالى: (وفي عاد) ms2128 أي: في إهلاكهم آية أيضا (إذ أرسلنا عليهم الريح ~~العقيم) وهي التي لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا، وإنما ~~هي للإهلاك. وقال سعيد ابن المسيب: هي الجنوب. # (ما تذر من شيء أتت عليه) أي: من أنفسهم وأموالهم (إلا جعلته كالرميم) ~~أي: كالشئ الهالك البالي قال الفراء: الرميم: نبات الأرض إذا يبس وديس. ~~وقال الزجاج: الرميم: الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم. # (وفي ثمود) آية أيضا (إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين) فيه قولان: # أحدهما: أنه قيل لهم: تمتعوا في الدنيا إلى وقت انقضاء آجالكم تهددا لهم. # والثاني: أن صالحا قال لهم بعد عقر الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام: فكان ~~الحين وقت فناء آجالهم، PageV07P211 # (فعتوا عن أمر ربهم) قال مقاتل: عصوا أمره (فأخذتهم الصاعقة) يعني ~~العذاب، وهو الموت من صيحة جبريل. وقرأ الكسائي وحده: " الصعقة " بسكون ~~العين من غير ألف، وهي الصوت الذي يكون عن الصاعقة. # قوله تعالى: (وهم ينظرون) فيه قولان: # أحدهما: يرون ذلك عيانا. والثاني: وهم ينتظرون العذاب، فأتاهم صيحة يوم ~~السبت. # قوله تعالى: (فما استطاعوا من قيام) فيه قولان: # أحدهما: ما استطاعوا نهوضا من تلك الصرعة. # والثاني: ما أطاقوا ثبوتا لعذاب الله (وما كانوا منتصرين): أي ممتنعين من ~~العذاب. # قوله تعالى: (وقوم نوح من قبل) قرأ أبو عمرو إلا عبد الوارث، وحمزة، ~~والكسائي: # بخفض الميم، وروى عبد الوارث رفع الميم. والباقون بنصبها. قال الزجاج: من ~~خفض القوم فالمعنى: وفي قوم نوح آية، ومن نصب فهو عطف على معنى قوله: " ~~فأخذتهم الصاعقة " فإن معناه: أهلكناهم، فيكون المعنى: وأهلكنا قوم نوح، ~~والأحسن - والله أعلم - أن يكون محمولا على قوله: " فأخذناه وجنوده ~~فنبذناهم في اليم " لأن المعنى: أغرقناه، وأغرقنا قوم نوح. # (والسماء بنيناها) المعنى: وبنينا السماء بنيناها (بأيد) أي: بقوة، وكذلك ~~قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسائر المفسرين واللغويين: " بأيد " أي: ~~بقوة. وفي قوله: (وإنا لموسعون) خمسة أقوال: # أحدها: لموسعون الرزق بالمطر، قاله الحسن. والثاني: لموسعون السماء، قاله ~~ابن زيد. # والثالث: لقادرون، قاله ابن قتيبة. والرابع: لموسعون ما ms2129 بين السماء ~~والأرض قاله الزجاج. # والخامس: لذو سعة لا يضيق عما يريد، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: (والأرض فرشناها فنعم الماهدون) قال الزجاج: هذا عطف على ما ~~قبله منصوب بفعل مضمر محذوف يدل عليه قوله: " فرشناها "، فالمعنى فرشنا ~~الأرض فرشناها " فنعم الماهدون " أي: فنعم الماهدون نحن. قال مقاتل: " ~~فرشناها " أي: بسطناها مسيرة خمسمائة عام، وهذا بعيد، وقد قال قتادة: الأرض ~~عشرون ألف فرسخ، والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين) أي: صنفين ونوعين كالذكر والأنثى، ~~والبر والبحر والليل والنهار، والحلو والمر، والنور والظلمة، وأشباه ذلك ~~(لعلكم تذكرون) فتعلموا أن خالق الأزواج واحد. # (ففروا إلى الله) بالتوبة من ذنوبكم، والمعنى: اهربوا مما يوجب العقاب من ~~الكفر PageV07P212 # والعصيان إلى ما وجب الثواب من الطاعة والإيمان. # كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد ~~منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ~~(58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين ~~كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) قوله تعالى: (كذلك) أي: كما كذبك قومك ~~وقالوا: ساحر أو مجنون كانوا من قبلك يقولون للأنبياء. # قوله تعالى: (أتواصوا به) أي: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب؟، وهذا استفهام ~~توبيخ. # وقال أبو عبيدة: أتواطؤوا عليه فأخذه بعضهم من بعض؟! # قوله تعالى: (بل هم قوم طاغون) أي: يحملهم الطغيان فيما أعطوا من الدنيا ~~على التكذيب، والمشار إليهم أهل مكة. # (فتول عنهم) فقد بلغتهم (فما أنت) عليهم (بملوم) لأنك قد أديت الرسالة. ~~ومذهب أكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة ولهم في ناسخها قولان: # أحدهما: أنه قوله: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين). والثاني: آية السيف. ~~وفي قوله: " وذكر " قولان: أحدهما: عظ، قاله مقاتل. والثاني: ذكرهم بأيام ~~الله وعذابه ورحمته، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أثبت الياء في " يعبدون ms2130 ~~" و " يطعمون " و " لا يستعجلون " في الحالين يعقوب. واختلفوا في هذه الآية ~~على أربعة أقوال: # أحدها: إلا لآمرهم أن يعبدوني، قاله علي بن أبي طالب، واختاره الزجاج،. # والثاني: إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها، قاله ابن عباس، وبيان هذا ~~قوله: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله). # والثالث: أنه خاص في حق المؤمنين. قال سعيد بن المسيب: ما خلقت من يعبدني ~~إلا PageV07P213 # ليعبدني. وقال الضحاك. والفراء. وابن قتيبة: هذا خاص لأهل طاعته، وهذا ~~اختيار القاضي أبي يعلى فإنه قال: معنى هذا الخصوص لا العموم، لأن البله ~~والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب وإن كانوا من الإنس، فكذلك الكفار ~~يخرجون من هذا بدليل قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس)، فمن ~~خلق للشقاء ولجهنم، لم يخلق للعبادة. # والرابع: إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: الذل ~~والانقياد. وكل الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل، يملك خروجا عما قضاه ~~الله عز وجل، هذا مذهب جماعة من أهل المعاني. # قوله تعالى: (ما أريد منهم من رزق) أي: ما أريد أن يرزقوا أنفسهم (وما ~~أريد أن يطعمون) أي أن يطعموا أحدا من خلقي، لأني أنا الرزاق. وإنما أسند ~~الإطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. وقد ~~جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول ~~الله عز وجل يوم القيامة. يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمني "، أي: لم تطعم ~~عبدي. # فأما (الرزاق) فقرأ الضحاك، وابن محيصن: " الرازق " بوزن " العالم ". قال ~~الخطابي: هو المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها. ~~(والمتين) الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يلحقه في أفعاله مشقة. وقد ~~روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ: " المتين " بكسر النون. وكذا قرأ أبو رزين، ~~وقتادة، وأبو العالية، والأعمش. قال الزجاج: (ذو القوة المتين) أي: ذو ~~الاقتدار الشديد، ومن رفع " المتين " فهو صفة الله عز وجل، ومن خفضه جعله ~~صفة للقوة، لأن تأنيث القوة كتأنيث الموعظة، فهو كقوله: (فمن ms2131 جاءه موعظة من ~~ربه). # قوله تعالى: (فإن للذين ظلموا) يعني مشركي مكة (ذنوبا) أي: نصيبا من ~~العذاب (مثل ذنوب أصحابهم) الذين أهلكوا، كقوم نوح وعاد وثمود. قال الفراء: ~~الذنوب في كلام العرب: # الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ، قال الشاعر: # لنا ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب والذنوب، يذكر ويؤنث. وقال ~~ابن قتيبة، أصل الذنوب: الدلو العظيمة، وكانوا يستقون، فيكون لكل واحد ~~ذنوب، فجعل " الذنوب " مكان " الحظ والنصيب ". # قوله تعالى: (فلا يستعجلون) أي: بالعذاب إن أخروا إلى يوم القيامة، وهو ~~يومهم الذي يوعدون، ويقال: هو يوم بدر. PageV07P214 # (52) سورة الطور مكية وآياتها تسع وأربعون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم ~~الله الرحمن الرحيم والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت ~~المعمور (4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ~~ما له من دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) فويل ~~يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم ~~دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ~~(15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ~~(16) قوله تعالى: (والطور) هذا قسم بالجبل الذي كلم الله عز وجل عليه موسى ~~عليه السلام، وهو بأرض مدين واسمه زبير. # (وكتاب مسطور) أي: مكتوب، وفيه أربعة أقوال: PageV07P215 # أحدها: أنه اللوح المحفوظ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: كتب أعمال بني آدم، قاله مقاتل، والزجاج. # والثالث: التوراة. # والرابع: " القرآن " حكاهما الماوردي. # قوله تعالى: (في رق) قال أبو عبيدة: الرق: الورق. فأما المنشور فهو ~~المبسوط. # قوله تعالى: (والبيت المعمور) فيه قولان: # أحدهما: أنه بيت في السماء. وفي أي سماء هو؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه في السماء السابعة، رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وحديث مالك بن صعصعة الذي أخرج في " الصحيحين " يدل عليه. # والثاني: أنه في السماء السادسة، قاله علي رضي الله عنه. # والثالث: أنه في السماء الدنيا، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ms2132 وقال ابن عباس: هو حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا ~~يعودون فيه حتى تقوم الساعة، يسمى الضراح. وقال الربيع بن أنس: كان البيت ~~المعمور مكان الكعبة في زمان آدم، فلما كان زمن نوح أمر الناس بحجه، فعصوه ~~فلما طغى الماء رفع فجعل بحذاء البيت في السماء الدنيا. # والثاني: أنه البيت الحرام، قاله الحسن: وقال أبو عبيدة: ومعنى " المعمور ~~" الكثير الغاشية. # قوله تعالى: (والسقف المرفوع) فيه قولان: # أحدهما: أنه السماء، قاله علي رضي الله عنه والجمهور. # والثاني: العرش، قاله الربيع. # قوله تعالى: (والبحر) فيه قولان. # أحدهما: أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى ~~أربعين صباحا فينبتون في قبورهم، قاله علي رضي الله عنه. # والثاني: أنه بحر الأرض، ذكره الماوردي. وفي (المسجور) أربعة أقوال: # أحدها: المملوء، قاله الحسن، وأبو صالح، وابن السائب، وجميع اللغويين.. ~~والثاني: أنه الموقد، قاله مجاهد، وابن زيد. وقال شمر بن عطية: هو بمنزلة ~~التنور المسجور. # والثالث: أنه اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب، قاله أبو العالية. وروي عن ~~الحسن، قال: # تسجر، يعني البحار، حتى يذهب ماؤها، فلا يبقى فيها قطرة. وقول هذين يرجع ~~إلى معنى قول مجاهد. وقد نقل في الحديث أن الله تعالى يجعل البحار كلها ~~نارا، فتزاد في نار جهنم. PageV07P216 # والرابع: أن " المسجور " المختلط عذبه بملحه، قاله الربيع بن أنس. فأقسم ~~الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن تعذيب ~~المشركين حق، فقال: (إن عذاب ربك لواقع) أي: لكائن في الآخرة. ثم بين متى ~~يقع، فقال: (يوم تمور السماء مورا) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: تدور دورا " رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وهو اختيار ~~الفراء وابن قتيبة والزجاج ". # والثاني: تحرك تحركا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة. ~~وقال أبو عبيدة " تمور " أي: تكفأ، وقال الأعشى. # كأن مشيتها من بيت جارتها * مور السحابة لا ريث ولا عجل والثالث: يموج ~~بعضها في بعض لأمر الله تعالى، قاله الضحاك. ms2133 وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى ~~قوله: (الذين هم في خوض يلعبون) أي: يخوضون في حديث محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالتكذيب والاستهزاء، ويلهون بذكره، فالويل لهم. # (يوم يدعون) قال ابن قتيبة: أي: يدفعون، يقال: دععته أدعه، أي: دفعته، ~~ومنه قوله (يدع اليتيم) قال ابن عباس: يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار. ~~وقال مقاتل: تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون ~~إلى جهنم على وجوههم، حتى إذا دنوا منها قالت لهم خزنتها: (هذه النار التي ~~كنتم بها تكذبون) في الدنيا (فأسحر هذا) العذاب الذي ترون؟ فإنكم زعمتم أن ~~الرسل سحرة (أم أنتم لا تبصرون) النار؟ فلما ألقوا فيها قال لهم خزنتها: # (اصلوها). وقال غيره: لما نسبوا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أنه ساحر ~~يغطي على الأبصار بالسحر، وبخوا عند رؤية النار بهذا التوبيخ، وقيل: ~~(اصلوها) أي: قاسوا شدتها (فاصبوا) على العذاب (أو لا تصبروا سواء عليكم) ~~الصبر والجزع (إنما تجزون) جزاء (ما كنتم تعملون) من الكفر والتكذيب. # إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على سرر ~~مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) PageV07P217 # ثم وصف ما للمؤمنين بما بعد هذا، وقوله: (فاكهين) قرئت بألف وبغير ألف. ~~وقد شرحناها في يس، (ووقاهم) أي: صرف عنهم و (الجحيم) مذكور في البقرة. # (كلوا) أي: يقال لهم: كلوا (واشربوا هنيئا) تأمنون حدوث المرض عنه. قال ~~الزجاج: # المعنى: ليهنكم ما صرتم إليه، وقد شرحنا هذا في سورة النساء. ثم ذكر ~~حالهم عند أكلهم وشربهم، فقال: (متكئين على سرر) وقال ابن جرير: فيه محذوف ~~تقديره: على نمارق على سرر، وهي جمع سرير (مصفوفة) قد وضع بعضها إلى جنب ~~بعض. وباقي الآية مفسر في سورة الدخان. # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شئ كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ~~(22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) * ويطوف عليهم غلمان ~~لهم ms2134 كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) قالوا إنا ~~كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا ~~كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) قوله تعالى: (وأتبعناهم ذرياتهم) ~~قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي،: " واتبعتهم " بالتاء " ذريتهم " ~~واحدة (بهم ذريتهم) واحدة أيضا. وقرأ نافع: " واتبعتهم ذريتهم " واحد " بهم ~~ذرياتهم " جمعا. وقرأ ابن عامر: " وأتبعناهم ذرياتهم " " بهم ذرياتهم " ~~جمعا في الموضعين. واختلفوا في تفسيرها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناها: واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم من ~~المؤمنين في الجنة، وإن كانوا لم يبلغوا أعمال آبائهم، تكرمة من الله تعالى ~~لآبائهم المؤمنين باجتماع أولادهم معهم، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. # والثاني: واتبعتهم ذريتهم بإيمان، أي: بلغت أن آمنت، ألحقنا بهم ذريتهم ~~الصغار الذين PageV07P218 # لم يبلغوا الإيمان. وروى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. ~~ومعنى هذا القول، أن أولادهم الكبار، تبعوهم بإيمان منهم، وأولادهم الصغار ~~تبعوهم بإيمان الآباء، لأن الولد يحكم له بالإسلام تبعا لوالده. # والثالث: " وأتبعناهم ذرياتهم " بإيمان الآباء فأدخلناهم الجنة، وهذا ~~مروي عن ابن عباس أيضا.. # قوله تعالى: (وما ألتناهم) قرأ نافع: وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم وحمزة، ~~والكسائي: # " وما ألتناهم " بالهمزة وفتح اللام. وقرأ ابن كثير: " وما ألتناهم " ~~بكسر اللام. وروى ابن شنبوذ عن قنبل عنه " ومالتناهم " بإسقاط الهمزة مع ~~كسر اللام. وقرأ أبو العالية، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ بإسقاط الهمزة مع ~~فتح اللام. وقرأ ابن السميفع " وما آلتناهم " بمد الهمزة وفتحها. وقرأ ~~الضحاك، وعاصم الجحدري: " وما ولتناهم " بواو مفتوحة من غير همزة وبنصب ~~اللام. وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل: " وما ألتهم " مثل جعلتهم. وقد ذكرنا ~~هذه الكلمة في الحجرات والمعنى: ما نقصنا الآباء بما أعطينا الذرية. # (كل امرئ بما كسب رهين) أي: مرتهن بعمله لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. وقيل: ~~هذا الكلام يختص بصفة أهل النار، وذلك الكلام قد تم. # قوله تعالى: (وأمددناهم) قال ابن عباس: هي الزيادة على الذي كان لهم، ~~قوله تعالى: (يتنازعون) ms2135 قال أبو عبيدة: أي: يتعاطون ويتداولون، وأنشد ~~الأخطل: # نازعته طيب الراح الشمول وقد * صاح الدجاج وحانت وقعة الساري قال الزجاج: ~~يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا. فأما الكأس فقد شرحناها في ~~الصافات. # قوله تعالى: (لا لغو فيها ولا تأثيم) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " لا لغو ~~فيها ولا تأثيم " نصبا وقرأ الباقون: " لا لغو فيها ولا تأثيم " رفعا ~~منونا، قال ابن قتيبة: أي: لا تذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا فيأثموا. كما ~~يكون ذلك في خمر الدنيا. وقال غيره: التأثيم: تفعيل من الإثم، يقال: آثمه: ~~إذا جعله ذا إثم. والمعنى أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. # (ويطوف عليهم) للخدمة (غلمان لهم كأنهم) في الحسن والبياض (لؤلؤ مكنون) ~~أي: # مصون لم تمسه الأيدي. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا نبي ~~الله، هذا الخادم، فكيف المخدوم؟ PageV07P219 # فقال: " إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب ". # قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) قال ابن عباس: يتذاكرون ما ~~كانوا فيه في الدنيا من الخوف والتعب، وهو قوله: (قالوا إنا كنا قبل في ~~أهلنا) أي: في دار الدنيا (مشفقين) أي: خائفين من العذاب، (فمن الله علينا) ~~بالمغفرة (ووقانا عذاب السموم) أي: عذاب النار. # وقال الحسن: السموم من أسماء جهنم. وقال غيره: سموم: جهنم. وهو ما يوجد ~~من نفحها وحرها، (إنا كنا من قبل ندعوه) أي: نوحده ونخلص له (إنه هو البر) ~~وقرأ نافع، والكسائي: # " أنه " بفتح الهمزة. وفي معنى " البر " ثلاثة أقوال: # أحدها: الصادق فيما وعد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: اللطيف، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: العطوف على عباده المحسن إليهم الذي عم ببره جميع خلقه، قاله ~~أبو سليمان الخطابي. # فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم ~~بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا ~~بحديث مثله إن ms2136 كانوا صادقين (34) قوله تعالى: (فذكر) أي: فعظ بالقرآن (فما ~~أنت بنعمة ربك) أي: بإنعامه عليك بالنبوة (بكاهن) وهو الذي يوهم أنه يعلم ~~الغيب ويخبر عما في غد من غير وحي. والمعنى: إنما تنطق بالوحي لا كما يقول ~~فيك كفار مكة. # (أم يقولون شاعر) أي: هو شاعر. وقال أبو عبيدة: " أم " بمعنى " بل "، قال ~~الأخطل: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا لم يستفهم، إنما ~~أوجب أنه رأى. # قوله تعالى: (نتربص به ريب المنون) فيه قولان: # أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس. PageV07P220 # والثاني: حوادث الدهر، قاله مجاهد، قال ابن قتيبة: حوادث الدهر وأوجاعه ~~ومصائبه، و " المنون " الدهر، قال أبو ذؤيب. # أمن المنون وريبه تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع هكذا أنشدناه أصحاب ~~الأصمعي عنه، وكان يذهب إلى أن المنون الدهر، قال: وقوله " والدهر ليس ~~بمعتب " يدل على ذلك، كأنه قال: " أمن الدهر وريبه تتوجع؟! " قال الكسائي: ~~العرب تقول: لا أكلمك آخر المنون، أي: آخر الدهر. # قوله تعالى: (قل تربصوا) أي: انتظروا بي ذلك (فإني معكم من المتربصين) ~~أي: من المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف. وبعض المفسرين يقول: هذا ~~منسوخ بآية السيف، ولا يصح، إذ لا تضاد بين الآيتين. # قوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) قال المفسرون: كانت عظماء قريش ~~توصف بالأحلام، وهي العقول، فأزرى الله بحلومهم، إذ لم تثمر لهم معرفة الحق ~~من الباطل. وقيل لعمرو ابن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله ~~تعالى بالعقول؟! فقال: تلك عقول كادها بارئها، أي: لم لم يصحبها التوفيق. ~~وفي قوله: " أم تأمرهم " وقوله (أم هم) قولان: # أحدهما: أنهما بمعنى " بل " قاله أبو عبيدة. # والثاني: بمعنى ألف الاستفهام، قاله الزجاج: قال: والمعنى: أتأمرهم ~~أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك بالدلائل، أم ~~يكفرون طغيانا وقد ظهر لهم الحق؟! # وقال ابن قتيبة: المعنى: أم تدلهم عقولهم على هذا؟! لأن الحلم يكون ~~بالعقل، فكنى عنه به. # قوله تعالى: (أم يقولون تقوله) أي: افتعل القرآن، من تلقاء نفسه؟ ms2137 ~~والتقول: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب (بل) أي: ليس الأمر كما ~~زعموا (لا يؤمنون) بالقرآن، استكبارا. # (فليأتوا بحديث مثله) في نظمه وحسن بيانه، وقرأ أبو رجاء، وأبو نهيك، ~~ومورق العجلي، وعاصم الجحدري: " بحديث مثله " بغير تنوين (إن كانوا صادقين) ~~أن محمدا تقوله. # أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون ~~فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) أم ~~تسئلهم PageV07P221 # أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون ~~كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما ~~يشركون (43) قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شئ) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أم خلقوا من غير رب خالق؟ والثاني: أم خلقوا من غير آباء ولا ~~أمهات، فهم كالجماد لا يعقلون؟ والثالث: أم خلقوا من غير شيء كالسماوات ~~والأرض؟ أي: إنهم ليسوا بأشد خلقا من السماوات والأرض. لأنها خلقت من غير ~~شئ، وهم خلقوا من آدم، وآدم من تراب. والرابع: أم خلقوا لغير شيء؟ فتكون " ~~من " بمعنى اللام. والمعنى: ما خلقوا عبثا فلا يؤمرون ولا ينهون. # قوله تعالى: (أم هم الخالقون) فلذلك لا يأتمرون ولا ينتهون؟ لأن الخالق ~~لا يؤمر ولا ينهى. # قوله تعالى: (بل لا يوقنون) بالحق، وهو توحيد الله وقدرته على البعث. # قوله تعالى: (أم عندهم خزائن ربك) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: المطر والرزق، ~~قاله ابن عباس. والثاني: النبوة، قاله عكرمة. والثالث: علم ما يكون من ~~الغيب، ذكره الثعلبي، وقال الزجاج: المعنى: أعندهم ما في خزائن ربك من ~~العلم، وقيل: من الرزق، فهم معرضون عن ربهم لاستغنائهم؟!. # قوله تعالى: (أم هم المصيطرون) قرأ ابن كثير: " المسيطرون) بالسين. وقال ~~ابن عباس: # المسلطون. قال أبو عبيدة: " المصيطرون ": الأرباب. يقال تسيطرت علي، ~~اتخذتني خولا، قال: # ولم يأت في كلام العرب اسم على " مفيعل " إلا خمسة أسماء: مهيمن، ومجيمر، ~~ومسيطر، ومبيطر، ومبيقر، فالمهيمن: الله الناظر المحصي ms2138 الذي لا يفوته شيء، ~~ومجيمر: جبل: والمسيطر: # المسلط، ومبيطر: بيطار، والمبيقر: الذي يخرج من أرض إلى أرض، يقال: بيقر: ~~إذا خرج من بلد إلى بلد، قال امرؤ القيس: # ألا هل أتاها والحوادث جمة * بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا؟ # قال الزجاج: المسيطرون: الأرباب المسلطون، يقال: قد تسيطر علينا وتصيطر: ~~بالسين والصاد، والأصل السين، وكل سين بعدها طاء، فيجوز أن تقلب صادا، ~~تقول: سطر وصطر، وسطا علينا وصطا. قال المفسرون: معنى الكلام: أم هم ~~الأرباب فيفعلون ما شاؤوا ولا يكونون تحت أمر ولا نهى؟! # قوله تعالى: (أم لهم سلم) أي: مرقى ومصعد إلى السماء (يستمعون فيه) أي: ~~عليه PageV07P222 # الوحي، كقوله: (في جذوع النخل)، فالمعنى يستمعون الوحي فيعلمون أن ما هم ~~عليه حق (فليأت مستمعهم) إن ادعى ذلك (بسلطان مبين) أي، بحجة واضحة كما أتى ~~محمد بحجة على قوله. # (أم له البنات ولكم البنون) هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله البنات. # (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون) أي: هل سألتهم أجرا على ما جئت به، ~~فأعلم ذلك الذي تطلبه منهم فمنعهم عن الإسلام؟ والمغرم بمعنى الغرم، وقد ~~شرحناه في براءة. # قوله تعالى: (أم عندهم الغيب) هذا جواب لقولهم: " نتربص به ريب المنون "، ~~والمعنى: # أعندهم الغيب؟ وفيه قولان: # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، (فهم يكتبون) ما فيه ويخبرون الناس. قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أعندهم علم الغيب فيعلمون أن محمدا يموت قبلهم (فهم يكتبون) أي، ~~يحكمون فيقولون: سنقهرك. والكتاب: الحكم، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " سأقضي بينكما بكتاب الله " أي: # بحكم الله عز وجل، وإلى هذا المعنى: ذهب ابن قتيبة. # قوله تعالى: (أم يريدون كيدا) وهو ما كانوا عزموا عليه في دار الندوة، ~~وقد شرحنا ذلك في قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا " ومعنى (هم المكيدون) ~~هم المجزيون بكيدهم، لأن ضرر ذلك عاد عليهم فقتلوا ببدر وغيرها. # (أم لهم إله غير الله) أي ألهم إله يرزقهم ويحفظهم غير الله؟ والمعنى أن ~~الأصنام ليست بآلهة، لأنها لا تنفع ولا تدفع. ثم نزه نفسه ms2139 عن شركهم بباقي ~~الآية. PageV07P223 # وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا ~~يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ~~(46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ~~ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه وإدبار ~~النجوم (49) ثم ذكر عنادهم فقال: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا) والمعنى ~~لو سقط بعض السماء عليهم، لما انتهوا عن كفرهم، ولقالوا: هذه قطعة من ~~السحاب قد ركم بعضه على بعض. # (فذرهم) أي خل عنهم (حتى يلاقوا) قرأ أبو جعفر " يلقوا " بفتح الياء ~~والقاف وسكون اللام من غير ألف (يومهم) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يوم موتهم. # والثاني: يوم القيامة. # والثالث: يوم النفخة الأولى. # قوله تعالى: (يصعقون) قرأ عاصم، وابن عامر: " يصعقون " برفع الياء، من ~~أصعقهم غيرهم، والباقون بفتحها، من صعقوا هم. وفي قوله: (يصعقون) قولان: # أحدهما: يموتون. # والثاني: يغشى عليهم، كقوله: (وخر موسى صعقا)، وهذا يخرج على قول من قال: ~~هو يوم القيام، فإنهم يغشى عليهم من الأهوال. وذكر المفسرون أن هذه الآية ~~منسوخة بآية السيف، ولا يصح، لأن معنى الآية الوعيد. # قوله تعالى: (يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا) هذا اليوم الأول: والمعنى: لا ~~ينفعهم مكرهم، ولا يدفع عنهم العذاب (ولا هم ينصرون) أي: يمنعون من العذاب: # قوله تعالى: (وإن للذين ظلموا) أي: أشركوا (عذابا دون ذلك) أي: قبل ذلك ~~اليوم، وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه عذاب القبر، قاله البراء، وابن عباس. # والثاني: عذاب القتل يوم بدر، وروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مقاتل. ~~PageV07P224 # والثالث: مصائبهم في الدنيا، قاله الحسن، وابن زيد. # والرابع: عذاب الجوع، قاله مجاهد. # قوله تعالى: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أي: لا يعلمون ما هو نازل بهم. # (واصبر لحكم ربك) أي: لما يحكم به عليك (فإنك بأعيننا) قال الزجاج: فإنك ~~بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إلى مكروهك. وذكر المفسرون: أن معنى ~~الصبر نسخ بآية السيف، ولا يصح، لأنه لا تضاد. ms2140 (وسبح بحمد ربك حين تقوم) ~~فيه ستة أقوال: # أحدها: صل لله حين تقوم من منامك، قاله ابن عباس. # والثاني: قل: " سبحانك اللهم وبحمدك " حين تقوم من مجلسك، قاله عطاء، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد في آخرين. # والثالث: قل: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ~~" حين تقوم في الصلاة، قاله الضحاك. # والرابع: سبح الله إذا قمت من نومك، قاله حسان بن عطية. # والخامس: صل صلاة الظهر إذا قمت من نوم القائلة، قاله زيد بن أسلم. # والسادس: اذكر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة، ~~قاله ابن السائب. # قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه) قال مقاتل: صل المغرب وصل العشاء (وإدبار ~~النجوم) قرأ زيد عن يعقوب، وهارون عن أبي عمرو، والجعفي عن أبي بكر: " ~~وأدبار النجوم " بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بكسرها وقد شرحناها في ق، ~~والمعنى: صل له في إدبار النجوم، أي: # حين تدبر، أي: تغيب بضوء الصبح. وفي هذه الصلاة قولان: # أحدها: أنها الركعتان قبل صلاة الفجر، رواه علي رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو قول الجمهور. # والثاني: أنها صلاة الغداة، قاله الضحاك، وابن زيد. PageV07P225 # (53) سورة النجم مكية وآياتها ثنتان وستون وهي مكية بإجماعهم إلا أنه قد ~~حكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: إلا آية منها، وهي " الذين يجتنبون ~~كبائر الإثم " وكذلك قال مقاتل، قال: وهذه أول سورة أعلنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمكة. # بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ~~ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) قوله تعالى: (والنجم إذا هوى) ~~هذا قسم. وفي المراد بالنجم خمسة أقوال: # أحدها: أنه الثريا، رواه العوفي عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد. ~~قال ابن قتيبة: # والعرب تسمي الثريا - وهي ستة أنجم - نجما. وقال غيره: هي سبعة، فستة ~~ظاهرة وواحد خفي يمتحن به الناس أبصارهم.. # والثاني: الرجوم من النجوم، يعني ما يرمى به الشياطين، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. PageV07P226 # والثالث: أنه ms2141 القرآن نزل نجوما متفرقة، قاله عطاء عن ابن عباس، والأعمش ~~عن مجاهد. # وقال مجاهد: كان ينزل نجوما ثلاث آيات وأربع آيات ونحو ذلك. # والرابع: نجوم السماء كلها، وهو مروي عن مجاهد أيضا. # والخامس: أنها الزهرة: قاله السدي. # فعلى قول من قال: النجم: الثريا، يكون " هوى " بمعنى " غاب "، ومن قال: ~~هو الرجوم، يكون هويها في رمي الشياطين، ومن قال: القرآن، يكون معنى " هوى ~~" نزل، ومن قال: نجوم السماء كلها، ففيه قولان: # أحدهما: أن هويها أن تغيب. # والثاني: أن تنتثر يوم القيامة. # قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آياتها. وقرأ ~~أبو عمرو ونافع بين الفتح والكسر. وقرأ حمزة والكسائي ذلك كله بالإمالة.. # قوله تعالى: (ما ضل صاحبكم) هذا جواب القسم، والمعنى: ما ضل عن طريق ~~الهدى، والمراد به: رسول الله صلى الله عليه وسلم. # (وما ينطق عن الهوى) أي: ما يتكلم بالباطل. وقال أبو عبيدة: " عن " بمعنى ~~الباء. وذلك أنهم قالوا: إنه يقول القرآن من تلقاء نفسه. # (إن هو) أي: ما القرآن (إلا وحي) من الله (يوحى) وهذا مما يحتج به من لا ~~يجيز للنبي أن يجتهد، وليس كما ظنوا، لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي، ~~جاز أن ينسب إلى الوحي. # علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا ~~فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب ~~الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند ~~سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما ~~زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) قوله تعالى (علمه ~~شديد القوى) وهو جبريل عليه السلام علم النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن ~~قتيبة: # وأصل هذا من " قوى الحبل " وهي طاقاته، الواحدة: قوة (ذو مرة) أي: ذو ~~قوة، وأصل المرة: PageV07P227 # الفتل. قال المفسرون: وكان من قوته أنه قلع قريات لوط وحملها على جناحه ~~فقلبها، وصاح بثمود فأصبحوا خامدين. # قوله تعالى: (فاستوى، وهو بالأفق الأعلى) ms2142 فيه قولان: # أحدهما: فاستوى جبريل، وهو يعني النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنهما ~~استويا بالأفق الأعلى لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ~~الفراء. # والثاني: فاستوى جبريل، هو - يعني جبريل - بالأفق الأعلى على صورته ~~الحقيقية، لأنه كان يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبط عليه ~~بالوحي في صورة رجل، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراه على ~~حقيقته، فاستوى في أفق المشرق، فملأ الأفق، فيكون المعنى: فاستوى جبريل ~~بالأفق الأعلى في صورته، هذا قول الزجاج. قال مجاهد: والأفق الأعلى: هو ~~مطلع الشمس. وقال غيره: إنما قيل له: " الأعلى " لأنه فوق جانب المغرب في ~~صعيد الأرض لا في الهواء. # قوله تعال: (ثم دنا فتدلى) قال الفراء: المعنى: ثم تدلى فدنا، ولكنه جائز ~~أن تقدم أي الفعلين شئت إذا كان المعنى فيهما واحدا، فتقول: قد دنا فقرب، ~~وقرب فدنا، وشتم فأساء، وأساء فشتم، ومنه قوله: (اقتربت الساعة وانشق ~~القمر)، المعنى - والله أعلم -: انشق القمر واقتربت الساعة. قال ابن قتيبة: ~~المعنى: تدلى فدنا، لأنه تدلى للدنو، ودنا بالتدلي، وقال الزجاج: دنا بمعنى ~~قرب، وتدلى: زاد في القرب، ومعنى اللفظتين واحد. وقال غيرهم: أصل التدلي: ~~النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب. وفي المشار إليه بقوله: " ~~ثم دنا " ثلاثة أقوال: # أحدها، أنه الله عز وجل. روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث شريك ~~بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال: دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب ~~قوسين أو أدنى. وروى أبو سلمة عن ابن عباس: " ثم دنا " قال: دنا ربه فتدلى، ~~وهذا اختيار مقاتل. قال: دنا الرب من محمد ليلة أسري به، فكان منه قاب ~~قوسين أو أدنى. وقد كشفت هذا الوجه في كتاب " المغني " وبينت أنه ليس كما ~~يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة، لأن ذلك يختص بالأجسام، والله ~~منزه عن ذلك. # والثاني: أنه محمد دنا من ربه، قاله ابن عباس. والقرظي. PageV07P228 # والثالث: أنه جبريل. ثم في الكلام قولان: ms2143 # أحدهما: دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: دنا جبريل من ربه عز وجل فكان منه قاب قوسين أو أدنى، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: (فكان قاب قوسين أو أدنى) وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين: " فكان ~~قاد قوسين " بالدال. وقال أبو عبيدة: ألقاب والقاد: القدر. وقال ابن فارس: ~~ألقاب: القدر. ويقال: بل ألقاب: # ما بين المقبض والسية، ولكل قوس قابان. وقال ابن قتيبة: سية القوس: ما ~~عطف من طرفيها. # وفي المراد بالقوسين قولان: # أحدهما: أنها القوس التي يرمى بها، قاله ابن عباس، واختاره ابن قتيبة، ~~فقال: قدر قوسين، وقال الكسائي: أراد بالقوسين: قوسا واحد. # والثاني: أن القوس: الذراع: فالمعنى: كان بينهما قدر ذراعين، حكاه ابن ~~قتيبة، وهو قول ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والسدي. قال ابن مسعود: دنا ~~جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين. # قوله تعالى: (أو أدنى) فيه قولان: # أحدهما: أنها بمعنى " بل "، قاله مقاتل. والثاني: أنهم خوطبوا على لغتهم، ~~والمعنى: كان على ما تقدرونه أنتم قدر قوسين أو أقل، وهذا اختيار الزجاج. # قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أوحى الله إلى محمد كفاحا بلا واسطة، وهذا على قول من يقول: إنه ~~كان في ليلة المعراج. # والثاني: أوحى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه، ~~رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أوحى الله إلى جبريل ما يوحيه، روي عن عائشة رضي الله عنها، ~~والحسن، وقتادة. # قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى) قرأ أبو جعفر، وهشام عن ابن عامر، ~~وأبان عن عاصم: " ما كذب " بتشديد الذال، وقرأ الباقون بالتخفيف. فمن شدد ~~أراد: ما أنكر فؤاده ما رأته عينه، ومن خفف أراد: ما أوهمه فؤاده أنه رأى، ~~ولم ير، بل صدق الفؤاد رؤيته. وفي الذي رأى قولان: # أحدهما: أنه رأى ربه عز وجل، قاله ابن عباس، وأنس والحسن، وعكرمة. # والثاني: أنه رأى جبريل في صورته التي خلق ms2144 عليها، قاله ابن مسعود وعائشة. ~~PageV07P229 # قوله تعالى: (أفتمارونه) وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وخلف، ويعقوب: " ~~أفتمرونه ". # قال ابن قتيبة: معنى " أفتمارونه ": أفتجادلونه، من المراء، ومعنى " ~~أفتمرونه ": أفتجحدونه. # قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى) قال الزجاج: أي رآه مرة أخرى. قال ابن ~~عباس: رأى محمد ربه، وبيان هذا أنه تردد لأجل الصلوات مرارا، فرأى ربه في ~~بعض تلك المرات مرة أخرى. # قال كعب: إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى، فرآه محمد ~~مرتين، وكلمه موسى مرتين. وقد روي عن ابن مسعود أن هذه الرؤية لجبريل أيضا ~~رآه على صورته التي خلق عليها. # فأما سدرة المنتهى. فالسدرة: شجرة النبق، وقد صح في الحديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة ". وفي مكانها قولان: # أحدهما: أنها فوق السماء السابعة، وهذا مذكور في " الصحيحين " من حديث ~~مالك بن صعصعة. قال مقاتل: وهي عن يمين العرش. # والثاني: أنها في السماء السادسة، أخرجه مسلم في أفراده عن ابن مسعود وبه ~~قال الضحاك. # قال المفسرون: وإنما سميت سدرة المنتهى، لأنه إليها منتهى ما يصعد به من ~~الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، وإليها ~~ينتهي علم جميع الملائكة. # قوله تعالى: (عندها) وقرأ معاذ القارئ وابن يعمر: وأبو نهيك: " عنده " ~~بهاء مرفوعة على ضمير مذكر (جنة المأوى) قال ابن عباس: هي جنة يأوي إليها ~~جبريل والملائكة. وقال الحسن: # هي التي يصير إليها أهل الجنة. وقال مقاتل: هي جنة إليها تأوي أرواح ~~الشهداء. وقرأ سعيد بن المسيب، والشعبي، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو ~~العالية: " جنة المأوى " بهاء صحيحة مرفوعة. قال ثعلب: يريدون أجنه، وهي ~~شاذة. وقيل: معنى " عندها " أدركه المبيت يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله تعالى: (إذ يغشى السدرة ما يغشى) روى مسلم في أفراده من حديث ابن ~~مسعود قال: # غشيها فراش من ذهب. وفي حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " لما غشيها من ms2145 أمر الله ما غشيها، تغيرت، فما أحد من خلق الله ~~يستطيع أن يصفها من حسنها " وقال الحسن. ومقاتل: # تغشاها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة. وقال الضحاك: ~~[غشيها] نور رب العالمين. # قوله تعالى: (ما زاغ البصر) أي: ما عدل بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يمينا ولا شمالا (وما طغى) أي: ما زاد ولا جاوز ما رأى: وهذا وصف أدبه صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك المقام. # (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فيه قولان: أحدهما: لقد رأى من آيات ربه ~~العظام. PageV07P230 # والثاني: لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى. وللمفسرين في المراد بما رأى ~~من الآيات ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنه رأى جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات، قاله ابن ~~زيد. # والثالث: أنه رأى من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى، قاله ابن ~~جرير. # أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم الذكر وله ~~الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى (23) أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) * ~~وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء ويرضى (26) قال الزجاج: فلما قص الله تعالى هذه الأقاصيص قال: ~~(أفرأيتم اللات والعزى) المعنى: # أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها هل لها من القدرة والعظمة التي وصف ~~بها رب العزة شيء؟!. # فأما " اللات " فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وهو اسم صنم كان لثقيف اتخذوه ~~من دون الله، وكانوا يشتقون لأصنامهم من أسماء الله تعالى، فقالوا من " ~~الله ": اللات: ومن " العزيز ": العزى. قال أبو سليمان الخطابي: كان ~~المشركون يتعاطون " الله " اسما لبعض أصنامهم " فصرفه الله إلى اللات صيانة ~~لهذا الاسم وذبا عنه. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين: وأبو عبد الرحمن السلمي، ~~والضحاك، وابن السميفع، ومجاهد، وابن يعمر، والأعمش، ms2146 وورش عن يعقوب: " ~~اللات " بتشديد التاء، ورد في تفسير ذلك عن ابن عباس ومجاهد أن رجلا كان ~~يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقال الزجاج: زعموا أن ~~رجلا كان يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمي الصنم: # اللات. وكان الكسائي يقف عليها بالهاء، فيقول: " اللاه "، وهذا قياس، ~~والأجود الوقف بالتاء، لاتباع المصحف. وأما " العزى " ففيها قولان: # أحدهما: أنها شجرة لغطفان كانوا يعبدونها، قاله مجاهد. # والثاني: صنم لهم، قاله الضحاك. قال: وأما " مناة " فهو صنم لهذيل وخزاعة ~~يعبده أهل مكة. PageV07P231 # وقال قتادة: بل كانت للأنصار. وقال أبو عبيدة: كانت اللات والعزى ومناة ~~أصناما من حجارة في جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ ابن كثر: ومناءة " ممدودة ~~مهموزة. # فأما قوله: (الثالثة) فإنه نعت ل‍ " مناة "، هي ثالثة الصنمين في الذكر، ~~و " الأخرى " نعت لها. # قال الثعلبي: العرب لا تقول للثالثة: الأخرى، وإنما الأخرى نعت للثانية، ~~فيكون في المعنى وجهان: # أحدهما: أن ذلك لوفاق رؤوس الآي، كقوله (مآرب أخرى) ولم يقل، أخر، قاله ~~الخليل. # والثاني: أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره: أفرأيتم اللات والعزى ~~الأخرى ومناة الثالثة، قاله الحسين بن الفضل. # قوله تعالى: (ألكم الذكر) قال ابن السائب: إن مشركي قريش قالوا للأصنام ~~والملائكة: # بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره، فقال الله تعالى منكرا ~~عليهم: (ألكم الذكر وله الأنثى)؟ يعني الأصنام وهي إناث في أسمائها. # (تلك إذا قسمة ضيزى) قرأ عاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: # " ضيزى " بكسر الضاد من غير همز، وافقهم ابن كثير في كسر الضاد، لكنه ~~همز. وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارئ: " ضيزى " بفتح الضاد من غير همز. قال ~~الزجاج: الضيزى في كلام العرب: # الناقصة الجائرة، يقال: ضازه يضيزه: إذا نقصه حقه، ويقال: ضأزه يضأزه ~~بالهمز. وأجمع النحويون أن أصل ضيزى: ضوزى، وحجتهم أنها نقلت من " فعلى " ~~من ضوزى إلى ضيزى، لتسلم الياء، كما قالوا: أبيض وبيض، وأصله: بوض، فنقلت ~~الضمة إلى الكسرة. وقرأت على بعض العلماء باللغة: في " ضيزى " لغات، يقال: ~~ضيزى، ms2147 وضوزى، وضؤزى، وضأزى على " فعلى " مفتوحة، ولا يجوز في القرآن إلا " ~~ضيزى " بياء غير مهموزة، وإنما لم يقل النحويون: إنها على أصلها لأنهم لا ~~يعرفون في الكلام " فعلى " صفة، إنما يعرفون الصفات على " فعلى " بالفتح، ~~نحو سكرى وغضبى، أو بالضم، نحو حبلى وفضلي. # قوله تعالى: (إن هي) يعني الأوثان (إلا أسماء) والمعنى: إن هذه الأوثان ~~التي سموها بهذه الأسامي لا معنى تحتها، لأنها لا تضر ولا تنفع، فهي تسميات ~~ألقيت على جمادات، (ما أنزل الله بها من سلطان) أي: لم ينزل كتابا فيه حجة ~~بما يقولون: إنها آلهة. ثم رجع إلى الإخبار عنهم بعد الخطاب لهم فقال: (إن ~~يتبعون) في أنها آلهة، (إلا الظن وما تهوى الأنفس) وهو ما زين لهم ~~PageV07P232 # الشيطان، (ولقد جاءهم من ربهم الهدى) وهو البيان بالكتاب والرسول، وهذا ~~تعجيب من حالهم إذ لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان. # ثم أنكر عليهم تمنيهم شفاعتها فقال: (أم للإنسان) يعني الكافر (ما تمنى) ~~من شفاعة الأصنام (فلله الآخرة والأولى) أي لا يملك فيهما أحد شيئا إلا ~~بإذنه، ثم أكد هذا بقوله: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا) ~~فجمع في الكناية، لأن معنى الكلام الجمع (إلا من بعد أن يأذن الله) في ~~الشفاعة (لمن يشاء ويرضى)، والمعنى أنهم لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنهم. # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم ~~به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) قوله تعالى: (إن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي: بالبعث (ليسمون الملائكة تسمية الأنثى) وذلك ~~حين زعموا أنها بنات الله، (وما لهم) بذلك، (من علم) أي: ما يستيقنون أنها ~~إناث (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) أي: لا يقوم مقام ~~العلم، فالحق هاهنا بمعنى العلم.. # (فأعرض ms2148 عمن تولى عن ذكرنا) يعني القرآن، وهذا عند المفسرين منسوخ بآية ~~السيف. # قوله تعالى: (ذلك مبلغهم من العلم) قال الزجاج: إنما يعلمون ما يحتاجون ~~إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة. # قوله تعالى: (هو أعلم بمن ضل عن سبيله....) الآية: والمعنى أنه عالم ~~بالفريقين فيجازيهم. # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ~~إن ربك واسع PageV07P233 # المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ~~فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) قوله تعالى: (ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض) هذا إخبار عن قدرته وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية ~~الأولى وبين قوله: (ليجزي الذين أساؤوا) لأن اللام في " ليجزي " متعلقة ~~بمعنى الآية الأولى، لأنه إذا كان أعلم بهما. جازى كلا بما يستحقه، وهذه ~~لام العاقبة، وذلك أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم، وإنما ~~يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك، فذلك أخبر به في قوله: (ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض). قال المفسرون: # و " أساؤوا " بمعنى أشركوا، و " أحسنوا " بمعنى وحدوا. والحسنى: الجنة. ~~والكبائر مذكورة في سورة النساء. وقيل: كبائر الإثم. كل ذنب ختم بالنار، ~~والفواحش كل ذنب فيه الحد. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وخلف: " يجتنبون ~~كبير الإثم " واللمم في كلام العرب: المقاربة للشئ. # وفي المراد به هاهنا ستة أقوال: # أحدها: ما ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية، فإنه يغفر في ~~الإسلام، قاله زيد بن ثابت. # والثاني: أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود، قاله ابن عباس، والحسن، ~~والسدي. # والثالث: أنه صغار الذنوب، كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا، قاله ابن ~~مسعود، وأبو هريرة، والشعبي، ومسروق، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، ~~فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تشتهي وتتمنى، ويصدق ذلك ~~ويكذبه الفرج، فإن ms2149 تقدم بفرجه كان الزنا، وإلا فهو اللمم. # والرابع: أنه ما يهم به الإنسان، قاله محمد ابن الحنفية. # والخامس: أنه ألم بالقلب، أي: خطر، قاله سعيد بن المسيب. # والسادس: أنه النظر من غير تعمد، قاله الحسين بن الفضل. فعلى القولين ~~الأولين يكون الاستثناء من الجنس، وعلى باقي الأقوال ليس من الجنس.. # قوله تعالى: (إن ربك واسع المغفرة) قال ابن عباس: لمن فعل ذلك ثم تاب. ~~وهاهنا تم الكلام. ثم قال: (هو أعلم بكم) يعني قبل خلقكم (إذ أنشأكم من ~~الأرض) يعني آدم عليه السلام (وإذ أنتم أجنة) جمع جنين، والمعنى أنه علم ما ~~تفعلون وإلى ماذا تصيرون، (فلا تزكوا PageV07P234 # أنفسكم) أي: لا تشهدوا لها أنها زكية بريئة من المعاصي. وقيل: لا تمدحوها ~~بحسن أعمالها. # وفي سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما: أن اليهود كانوا إذا هلك لهم صبي، قالوا: صديق، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول عائشة رضي الله عنها. # والثاني: أن ناسا من المسلمين قالوا: قد صلينا وصمنا وفعلنا، يزكون ~~أنفسهم. فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (وهو أعلم بمن اتقى) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: عمل حسنة وارعوى عن معصية، قاله علي رضي الله عنه. والثاني: أخلص ~~العمل لله، قاله الحسن. الثالث: اتقى الشرك فآمن، قاله الثعلبي. # أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى ~~(35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى ~~(40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) قوله تعالى: (أفرأيت الذي تولى) اختلفوا ~~فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنه الوليد بن المغيرة، وكان قد تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على دينه، فعيره بعض المشركين، وقال: تركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني ~~خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل ~~عنه عذاب الله عز وجل ففعل، فأعطاه بعض الذي ضمن له، ثم بخل ومنعه فنزلت ~~هذه الآية، قاله مجاهد، وابن ms2150 زيد. # والثاني: أنه النضر بن الحارث أعطى بعض الفقراء المسلمين خمس قلائص حتى ~~ارتد عن إسلامه، وضمن له أن يحمل عنه إثمه، قاله الضحاك. # والثالث: أنه أبو جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم ~~الأخلاق، قاله محمد ابن كعب القرظي. # والرابع: أنه العاص بن وائل السهمي، وكان ربما وافق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض الأمور، قاله السدي. # ومعنى " تولى ": أعرض عن الإيمان. PageV07P235 # (وأعطى قليلا) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أطاع قليلا ثم عصى. قاله ابن عباس. والثاني: اعطى قليلا من نفسه ~~بالاستماع ثم أكدى بالانقطاع. قاله مجاهد. والثالث: اعطى قليلا من ماله ثم ~~منع، قاله الضحاك. والرابع: # أعطى قليلا من الخير بلسانه ثم قطع، قاله مقاتل، قال ابن قتيبة: ومعنى " ~~أكدى ": قطع، وهو من كدية الركية، وهي الصلابة فيها، وإذا بلغها الحافر يئس ~~من حفرها، فقطع الحفر، فقيل لكل من طلب شيئا فلم يبلغ آخره، أو أعطى ولم ~~يتم: أكدى. # قوله تعالى: (أعنده علم الغيب فهو يرى) فيه قولان: # أحدهما: فهو يرى حاله في الآخرة، قاله الفراء والثاني: فهو يعلم ما غاب ~~عنه من أمر الآخرة وغيرها، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: (أم لم ينبأ بما في صحف موسى) يعني التوراة، (وإبراهيم (أي: ~~وصحف إبراهيم. وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن الله ~~تعالى أنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف. # قوله تعالى (الذي وفى) قرأ سعيد بن جبير، وأبو عمران الجوني، وابن ~~السميفع اليماني " وفي " بتخفيف الفاء. قال الزجاج: قوله: " وفى " أبلغ من ~~" وفى " لأن الذي امتحن به من أعظم المحن. وللمفسرين في الذي وفي عشرة ~~أقوال: # أحدها: أنه وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار، رواه أبو أمامة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه وفي في كلمات كان يقولها. روى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ألا أخبركم لم سمى ms2151 الله ~~إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: " فسبحان ~~الله حين تمسون وحين تصبحون.. ". وختم الآية. والثالث: أنه وفى الطاعة فيما ~~فعل بابنه، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال القرظي. # والرابع: أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام، روى هذا المعنى عكرمة عن ابن ~~عباس. # والخامس: أنه وفى ما أمر به من تبليغ الرسالة، روي عن ابن عباس أيضا. # والسادس: أنه عمل بما أمر به، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وقال ~~مجاهد: وفى ما فرض عليه. PageV07P236 # والسابع: أنه وفى بتبليغ هذه الآيات، وهي: " ألا تزر وازرة وزر أخرى " ~~وما بعدها، وهذا مروى عن عكرمة، ومجاهد، والنخعي. # والثامن: وفي شأن المناسك، قاله الضحاك. # والتاسع: أنه عاهد أن لا يسأل مخلوقا شيئا، فلما قذف في النار قال له ~~جبريل، ألك حاجة؟ # فقال: أما إليك فلا، فوفى بما عاهد، ذكره عطاء بن السائب. # العاشر: أنه أدى الأمانة، قاله سفيان بن عيينة. # ثم بين ما في صحفهما فقال: (ألا تزر وازرة وزر أخرى) أي: لا تحمل نفس ~~حاملة حمل أخرى، والمعنى: لا تؤخذ بإثم غيرها. # (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) قال الزجاج: هذا في صحفهما أيضا ومعناه: ~~ليس للإنسان إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرا جزي عليه خيرا، وإن عمل شرا جزي ~~شرا. واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال: # أحدها: أنها منسوخة بقوله: (وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان) فأدخل الأبناء ~~الجنة بصلاح الآباء، قاله ابن عباس، ولا يصح، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر، ~~والأخبار لا تنسخ. # والثاني: أن ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا ~~وما سعى غيرهم، قاله عكرمة، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة ~~التي سألته: إن أبي مات ولم يحج، فقال: " حجي عنه ". # والثالث: أن المراد بالإنسان ها هنا: الكافر، فأما المؤمن، فله ما سعى ~~وما سعي له، قاله الربيع بن أنس. # والرابع: أنه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من باب الفضل، ~~فجائز أن يزيده ms2152 الله عز وجل ما يشاء، قاله الحسين بن الفضل. # والخامس: أن معنى " ما سعى ": ما نوى، قاله أبو بكر الوراق. # والسادس: ليس للكافر من الخير إلى ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه فيها ~~حتى لا يبقى له في الآخرة خير، ذكره الثعلبي. # والسابع: أن اللام بمعنى " على "، فتقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى. # والثامن: أنه ليس له إلا سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه ~~في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة، ~~فيكتسب محبة أهل الدين، PageV07P237 # فيكون ذلك سببا حصل بسعيه، حكى القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني. # قوله تعالى: (وأن سعيه سوف يرى) فيه قولان: # أحدهما: سوف يعلم، قاله ابن قتيبة. # والثاني: سوف يرى العبد سعيه يوم القيامة، أي: يرى عمله في ميزانه، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: (يجزاه) الهاء عائدة على السعي (الجزاء الأوفى) أي: الأكمل ~~الأتم وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات ~~وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن ~~عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) ~~وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم ~~كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشها ما غشى (54) فبأي آلاء ~~ربك تتمارى (55) (وأن إلى ربك المنتهى) أي: منتهى العباد ومرجعهم. قال ~~الزجاج: هذا كله في صحف إبراهيم وموسى. # قوله تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى) قالت عائشة: مر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقوم يضحكون، فقال: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم ~~كثيرا "، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية، فرجع إليهم، فقال " ما خطوت ~~أربعين خطوة حتى أتاني جبريل، فقال: إئت هؤلاء فقل لهم: إن الله يقول: وأنه ~~هو أضحك وأبكى "، وفي هذا تنبيه على أن جميع الأعمال بقضاء الله وقدره حتى ~~الضحك والبكاء. وقال مجاهد: أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار. وقال الضحاك: ~~أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. # قوله تعالى: (وأنه هو أمات) في ms2153 الدنيا (وأحيا) للبعث. (وأنه خلق الزوجين) ~~أي: # الصنفين (الذكر والأنثى) من جميع الحيوانات، (من نطفة إذا تمنى) فيه ~~قولان: # أحدهما: إذا تراق في الرحم، قاله ابن السائب. PageV07P238 # والثاني: إذا تخلق وتقدر. (وأن عليه النشأة الأخرى) وهي الخلق الثاني ~~للبعث يوم القيامة. (وأنه هو أغنى) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أغنى بالكفاية، قاله ابن عباس. # والثاني: بالمعيشة، قاله الضحاك. # والثالث: بالأموال، قاله أبو صالح. # والرابع: بالقناعة، قاله سفيان. قوله: (أقنى) ثلاثة أقوال: # أحدها: أرضى بما أعطى، قاله ابن عباس. # والثاني: أخدم، قاله الحسن، وقتادة. وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: جعل للإنسان قنية، وهو أصل مال، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: (وأنه هو رب الشعرى) قال ابن قتيبة: هو الكوكب الذي يطلع بعد ~~الجوزاء، وكان ناس من العرب يعبدونها. # قوله تعالى: (وأنه أهلك عادا الأولى) قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: " عادا الأولى " منونة. وقرأ نافع، وأبو عمرو، " عادا ~~لولى " موصولة مدغمة. ثم فيهم قولان: # أحدهما: أنهم قوم هود، وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى، هذا قول ~~الجمهور. # والثاني: أن قوم هود هم عاد الأخرى، وهم من أولاد عاد الأولى، قاله كعب ~~الأحبار. وقال الزجاج: وفي " الأولى " لغات، أجودها سكون اللام وإثبات ~~الهمزة، والتي تليها في الجودة ضم اللام وطرح الهمزة، ومن العرب من يقول: ~~لولى، يريد: الأولى، فتطرح الهمزة لتحرك اللام. # قوله تعالى: (وقوم نوح من قبل) أي: من قبل عاد وثمود (إنهم كانوا هم أظلم ~~وأطغى) من غيرهم، لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم. # (والمؤتفكة) قرى قوم لوط (أهوى) أي: أسقط، وكان الذي تولى ذلك جبريل بعد ~~أن رفعها، وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله: (فغشاها) أي: ألبسها (ما غشى) ~~يعني الحجارة (فبأي آلاء ربك تتمارى) هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله ما ~~فعله مما يدل على وحدانيته قال: فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك؟ ~~وقال ابن عباس: فبأي آلاء ربك تكذب يا وليد، يعني ابن المغيرة. # هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله ~~كاشفة ms2154 (58) PageV07P239 # أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) ~~فاسجدوا لله واعبدوا (62) قوله تعالى: (هذا نذير) فيه قولان: # أحدهما: أنه القرآن، نذير بما أنذرت الكتب المتقدمة، قاله قتادة. # والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذير بما أنذرت به الأنبياء، ~~قاله ابن جريج. # قوله تعالى: (أزفت الآزفة) أي: دنت القيامة، (ليس لها من دون الله كاشفة) ~~فيه قولان: # أحدهما: إذا غشيت الخلق شدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد ولم يردها، قاله ~~عطاء، وقتادة، والضحاك. # والثاني: ليس لعلمها كاشف دون الله، أي: لا يعلم علمها إلا الله، قاله ~~الفراء، قال: # وتأنيث " كاشفة " كقوله: " هل ترى لهم من باقية " يريد: من بقاء، ~~والعافية والباقية والناهية كله في معنى المصدر. وقال غيره: تأنيث " كاشفة ~~" على تقدير: نفس كاشفة. # قوله تعالى: (أفمن هذا الحديث) قال مقاتل: يعني القرآن (تعجبون) تكذيبا ~~به، (وتضحكون) استهزاء (ولا تبكون) مما فيه من الوعيد؟! ويعني بهذا كفار ~~مكة، (وأنتم سامدون) فيه خمسة أقوال: # أحدهما: لاهون، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الفراء والزجاج. قال ~~أبو عبيدة: # يقال: دع عنك سمودك، أي: لهوك. # والثاني: معرضون، قاله مجاهد. # والثالث: أنه الغناء، وهي لغة يمانية، يقولون: اسمد لنا، أي: تغن لنا، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال عكرمة: هو الغناء بالحميرية. # والرابع: غافلون، قاله قتادة. # والخامس: أشرون بطرون، قاله الضحاك. # قوله تعالى: (فاسجدوا لله) فيه قولان: # أحدهما: أنه سجود التلاوة، قاله ابن مسعود. # والثاني: سجود الفرض في الصلاة. قال مقاتل: يعني بقوله: " فاسجدوا ": ~~الصلوات الخمس. وفي قوله: (واعبدوا) قولان: # أحدهما: أنه التوحيد. والثاني: العبادة. PageV07P240 # (54) سورة القمر مكية وآياتها خمس وخمسون بسم الله الرحمن الرحيم اقترب ~~الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا ~~واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) ~~حكمة بالغة فما تغن النذر (5) وهي مكية بإجماعهم، وقال مقاتل: مكية غير آية ~~(سيهزم الجمع) وحكي عنه أنه PageV07P241 # قال: إلا ثلاث آيات، أولها: (أم يقولون نحن جميع منتصر) إلى قوله: ~~(وأمر)، قال ابن ms2155 عباس. اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم، فسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينادي: " يا فلان يا فلان اشهدوا "، وذلك بمكة قبل الهجرة. وقد روى ~~البخاري ومسلم في " صحيحيهما " من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~اشهدوا ". وقد روى حديث الانشقاق جماعة، منهم عبد الله بن عمر، وحذيفة، ~~وجبير بن مطعم، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعلى هذا جميع المفسرين، إلا أن ~~قوما شذوا فقالوا: سينشق يوم القيامة. وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ~~ذلك، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع، ولأن قوله: (وانشق) لفظ ماض، وحمل ~~لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل، وليس ذلك موجودا. # وفي قوله: " وإن يروا آية يعرضوا " دليل على أنه قد كان ذلك. ومعنى ~~(اقتربت): دنت، و (الساعة) القيامة. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، ~~تقديره: انشق القمر واقتربت الساعة. وقال مجاهد: انشق القمر فصار فرقتين، ~~فثبتت فرقة، وذهبت فرقة وراء الجبل. وقال ابن زيد: لما انشق القمر كان يرى ~~نصفه على قعيقعان، والنصف الآخر على أبي قبيس. قال ابن مسعود: لما انشق ~~القمر قالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السفار، فسألوهم، فقالوا: ~~نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: " اقتربت الساعة وانشق القمر ". # قوله تعالى: (وإن يروا آية) أي: آية تدلهم على صدق الرسول، والمراد بها ~~هنا: # انشقاق القمر (يعرضوا) عن التصديق (ويقولوا سحر مستمر) فيه ثلاثة أقوال: ~~PageV07P242 # أحدها: ذاهب، من قولهم: مر الشيء واستمر: إذا ذهب، قاله مجاهد، وقتادة، ~~والكسائي، والفراء، فعلى هذا يكون المعنى: هذا سحر، والسحر يذهب ولا يثبت. # والثاني: شديد قوي، قاله أبو العالية، والضحاك، وابن قتيبة، قال: وهو ~~مأخوذ ms2156 من المرة، والمرة: الفتل. # والثالث: دائم، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: (وكذبوا) يعني كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من ~~قدرة الله تعالى (واتبعوا أهواءهم) ما زين لهم الشيطان (وكل أمر مستقر) فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن كل أمر مستقر بأهله، فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر ~~بأهل الشر، قاله قتادة. # والثاني: لكل حديث منتهى وحقيقة، قاله مقاتل. # والثالث: أن قرار تكذيبهم مستقر، وقرار تصديق المصدقين مستقر حتى يعلموا ~~حقيقته بالثواب والعقاب، قاله الفراء. # قوله تعالى: (ولقد جاءهم) يعني أهل مكة (من الأنباء) أي: من أخبار الأمم ~~المكذبة في القرآن (ما فيه مزدجر) قال ابن قتيبة: أي: متعظ ومنتهى. # قوله تعالى: (حكمة بالغة) قال الزجاج: هي مرفوعة لأنها بدل من " ما "، ~~فالمعنى: # ولقد جاءهم حكمة بالغة. وإن شئت رفعتهما بإضمار: هو حكمة بالغة. و " ما " ~~في قوله (فما تغن النذر) جائز أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ، فيكون ~~المعنى: أي شئ تغني النذر؟! # وجائز أن يكون نفيا، على معنى، فليست تغني النذر. قال المفسرون: والمعنى: ~~جاءهم القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت الغاية، فما تغني النذر إذا لم ~~يؤمنوا؟! # فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث ~~كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) ~~(فتول عنهم) قال الزجاج: هذا وقف التمام، و (يوم) منصوب بقوله: " يخرجون من ~~الأجداث ". وقال مقاتل: فتول عنهم إلى يوم (يدع الداعي) أثبت هذه الياء في ~~الحالين يعقوب، وافقه أبو جعفر، وأبو عمرو في الوصل، وحذفها الأكثرون في ~~الحالين. و " الداعي ": PageV07P243 # إسرافيل ينفخ النفخة الثانية (إلى شيء نكر) وقرأ ابن كثير: " نكر " ~~خفيفة، أي: إلى أمر فظيع. # وقال مقاتل: " النكر " بمعنى المنكر، وهو القيامة، وإنما ينكرونه إعظاما ~~له. والتولي المذكور في الآية منسوخ عند المفسرين بآية السيف. # قوله تعالى: (خشعا أبصارهم) قرأ أهل الحجاز، وابن عامر، وعاصم: " خشعا " ~~بضم الخاء وتشديد الشين من غير ألف. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " ~~خاشعا " بفتح الخاء وألف بعدها وتخفيف الشين. ms2157 قال الزجاج: المعنى: يخرجون ~~خشعا، و " خاشعا " منصوب على الحال، وقرأ ابن مسعود: " خاشعة "، ولك في ~~أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والتأنيث والجمع، تقول: مررت ~~بشبان حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم، قال الشاعر: # وشباب حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد قال المفسرون: والمعنى أن ~~أبصارهم ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. والأجداث: # القبور، وإنما شبههم بالجراد المنتشر، لأن الجراد لا جهة له يقصدها، فهو ~~أبدا مختلف بعضه في بعض، فهم يخرجون فزعين ليس لأحد منهم جهة يقصدها. ~~والداعي: إسرافيل. وقد أثبت ياء " الداعي " في الحالين ابن كثير، ويعقوب، ~~تابعهما في الوصل نافع، وأبو عمرو، والباقون بحذفها في الحالين. وقد بينا ~~معنى " مهطعين " في سورة إبراهيم والعسر: الصعب الشديد. # * كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني ~~مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا ~~فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري ~~بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان ~~عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف ~~كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) ~~تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) PageV07P244 # قوله تعالى: (كذبت قبلهم) أي: قبل أهل مكة (قوم نوح فكذبوا عبدنا) نوحا ~~(وقالوا مجنون وازدجر) قال أبو عبيدة: افتعل من زجر. قال المفسرون: زجروه ~~عن مقالته (فدعا) عليهم نوح (ربه) ب‍ (أني مغلوب فانتصر) أي: فانتقم لي ممن ~~كذبني. قال الزجاج: وقرأ عيسى بن عمر النحوي: " إني " بكسر الألف، وفسرها ~~سيبويه فقال: هذا على إرادة القول، فالمعنى: قال: إني مغلوب، ومن فتح، وهو ~~الوجه، فالمعنى: دعا ربه ب‍ (أني مغلوب). # قوله تعالى: (ففتحنا أبواب السماء) قرأ ابن عامر " ففتحنا " بالتشديد. ~~فأما المنهمر، فقال ابن قتيبة: هو الكثير السريع الانصباب، ومنه يقال: همر ~~الرجل: إذا أكثر من الكلام وأسرع. وروى ms2158 علي رضي الله عنه أن أبواب السماء ~~فتحت بالماء من المجرة، وهي شرج السماء. وعلى ما ذكرنا من القصة في هود أن ~~المطر جاءهم، يكون هو المراد بقوله: (ففتحنا أبواب السماء) قال المفسرون: ~~جاءهم الماء من فوقهم أربعين يوما، وفجرت الأرض من تحتهم عيونا أربعين ~~يوما. # (فالتقى الماء) وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري: " الماءان " ~~بهمزة وألف ونون مكسورة. وقرأ ابن مسعود: " المايان " بياء وألف ونون ~~مكسورة من غير همز. وقرأ الحسن، وأبو عمران: " الماوان " بواو وألف وكسر ~~النون. قال الزجاج: يعني بالماء: ماء السماء وماء الأرض، ويجوز الماءان، ~~لأن اسم الماء اسم يجمع ماء الأرض وماء السماء. # قوله تعالى: (على أمر قد قدر) فيه قولان: # أحدهما: كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، قاله مقاتل. # والثاني: قد قدر في اللوح المحفوظ، قاله الزجاج. فيكون المعنى: على أمر ~~قد قضي عليهم، وهو الغرق. # قوله تعالى: (وحملناه) يعني نوحا (على ذات ألواح ودسر) قال الزجاج: أي: ~~على سفينة ذات ألواح. قال المفسرون: ألواحها: خشباتها العريضة التي منها ~~جمعت. وفي الدسر أربعة أقوال: # أحدها: أنها المسامير، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والقرظي، وابن زيد. # وقال الزجاج: الدسر: المسامير والشرط التي تشد بها الألواح، وكل شيء نحو ~~السمر أو إدخال شيء في شيء بقوة وشدة قهر فهو دسر، يقال: دسرت المسمار ~~أدسره وأدسره. والدسر: واحدها دسار، نحو حمار، وحمر. PageV07P245 # والثاني: أنه صدر السفينة، سمي بذلك لأنه يدسر الماء، أي: يدفعه، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن وعكرمة، ومنه الحديث في العنبر أنه شيء ~~دسره البحر، أي: دفعه. # والثالث: أن الدسر: أضلاع السفينة، قاله مجاهد. # والرابع: أن الدسر: طرفاها وأصلها، والألواح: جانباها، قاله الضحاك. # قوله تعالى: (تجري بأعيننا) أي: بمنظر ومرأى منا (جزاء) قال الفراء: ~~فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر به. وفي المراد ~~ب‍ " من " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الله عز وجل، وهو مذهب مجاهد، فيكون المعنى: عوقبوا لله ~~ولكفرهم به. ms2159 # والثاني: أنه نوح كفر به وجحد أمره، قاله الفراء. # والثالث: أن " من " بمعنى " ما "، فالمعنى: جزاء لما كان كفر من نعم الله ~~عند الذين أغرقهم، حكاه ابن جرير. وقرأ قتادة: " لمن كان كفر بفتح الكاف ~~والفاء ". # قوله تعالى: (ولقد تركناها) في المشار إليها قولان: # أحدهما: أنها السفينة، قال قتادة: أبقاها الله على الجودي حتى أدركها ~~أوائل هذه الأمة. # والثاني: أنها الفعلة، فالمعنى: تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة نوح آية، ~~أي: علامة ليعتبر بها، (فهل من مدكر) وأصله مدتكر، فأبدلت التاء دالا على ~~ما بينا في قوله: (وادكر بعد أمة) قال ابن قتيبة: أصله: مذتكر، فأدغمت ~~التاء في الذال، ثم قلبت دالا مشددة. قال المفسرون: والمعنى: هل من متذكر ~~يعتبر بذلك؟ (فكيف كان عذابي ونذر) وفي هذه السورة " ونذر " ستة مواضع، ~~أثبت الياء فيهن في الحالين يعقوب، تابعه في الوصل ورش، والباقون بحذفها في ~~الحالين. وقوله: " فكيف كان عذابي " استفهام عن تلك الحالة، ومعناه التعظيم ~~لذلك العذاب. قال ابن قتيبة: والنذر ها هنا جمع نذير، وهو بمعنى الإنذار، ~~ومثله النكير بمعنى الإنكار. قال المفسرون: وهذا تخويف لمشركي مكة. # (ولقد يسرنا القرآن) أي: سهلناه (للذكر) أي: للحفظ والقراءة (فهل من ~~مدكر) أي: # من ذاكر يذكره ويقرؤه، والمعنى: هو الحث على قراءته وتعلمه، قال سعيد بن ~~جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن. وأما الريح الصرصر، ~~فقد ذكرناها في حم السجدة. # قوله تعالى: (في يوم نحس مستمر) قرأ الحسن: " في يوم " بالتنوين، على أن ~~اليوم منعوت بالنحس. والمستمر: الدائم الشؤم، استمر عليهم بنحوسه. وقال ابن ~~عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم وقيل: إنه كان يوم أربعاء في آخر الشهر. ~~PageV07P246 # (تنزع الناس) أي: تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم فتصرعهم على رقابهم ~~فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد، ف‍ (كأنهم أعجاز نخل) وقرأ أبي بن كعب، ~~وابن السميفع: # " أعجز نخل " برفع الجيم من غير ألف بعد الجيم. وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~مجلز، وأبو عمران: # " كأنهم عجز نخل " بضم العين والجيم. ومعنى ms2160 الكلام: كأنهم أصول نخل " ~~منقعر " أي: # منقلع. وقال الفراء: المنقعر: المنصرع من النخل. قال ابن قتيبة: يقال: ~~قعرته فانقعر، أي قلته فسقط. قال أبو عبيدة: والنخل يذكر ويؤنث، فهذه الآية ~~على لغة من ذكر، وقوله: (أعجاز نخل خاوية) على لغة من أنث. وقال مقاتل: ~~شبههم حين وقعوا من شدة العذاب بالنخل الساقطة التي لا رؤوس لها، وإنما ~~شبههم بالنخل لطولهم، وكان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا. # كذب ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال ~~وسعر (24) ألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم ~~أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) ~~فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر (31) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) قوله تعالى: كذبت ~~ثمود بالنذر) فيه قولان: # أحدهما: أنه جمع نذير. وقد بينا أن من كذب نبيا واحدا فقد كذب الكل. # والثاني: أن النذر بمعنى الإنذار كما بينا في قوله: " فكيف كان عذابي ~~ونذر " فكأنهم كذبوا الإنذار الذي جاءهم به صالح، (قالوا أبشرا منا) قال ~~الزجاج: هو منصوب بفعل مضمر والذي ظهر تفسيره، المعنى: أنتبع بشرا منا ~~(واحدا)، قال المفسرون: قالوا: هو آدمي مثلنا، وهو واحد فلا نكون له تبعا ~~(إنا إذا) إن فعلنا ذلك (لفي ضلال) أي: خطأ وذهاب عن الصواب (وسعر) قال ابن ~~عباس: أي: جنون. قال ابن قتيبة: هو من: تسعرت النار: إذا PageV07P247 # التهبت، يقال: ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة من النشاط. وقال غيره: لفي ~~شقاء وعناء لأجل ما يلزمنا من طاعته. # ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه فقالوا: (أألقي الذكر؟) أي: أنزل الوحي ~~(عليه من بيننا؟) أي: كيف خص من بيننا بالنبوة والوحي؟! (بل هو كذاب أشر) ~~وفيه قولان: # أحدهما: أنه المرح المتكبر، قاله ابن قتيبة. # والثاني: البطر، قاله الزجاج. # قوله تعالى: (سيعلمون غدا) قرأ ابن عامر وحمزة: " ستعلمون " بالتاء " غدا ~~" فيه قولان: ms2161 # أحدهما: يوم القيام، قاله ابن السائب. # والثاني: عند نزول العذاب بهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (إنا مرسلو الناقة) وذلك أنهم سألوا صالحا أن يظهر لهم ناقة ~~من صخرة، فقال الله تعالى: (إنا مرسلو الناقة) أي: مخرجوها كما أرادوا ~~(فتنة لهم) أي: محنة واختبارا (فارتقبهم) أي: فانتظر ما هم صانعون (واصطبر) ~~على ما يصيبك من الأذى، (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) أي: بين ثمود وبين ~~الناقة، يوم لها ويوم لهم، فذلك قوله: (كل شرب محتضر) يحضره صاحبه ويستحقه. # قوله تعالى: (فنادوا صاحبهم واسمه قدار بن سالف (فتعاطى) قال ابن قتيبة: ~~تعاطى عقر الناقة (فعقر) أي: قتل، وقد بينا هذا في الأعراف. # قوله تعالى (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة) وذلك أن جبريل عليه السلام صاح ~~بهم، وقد أشرنا إلى قصتهم في هود (فكانوا كهشيم المحتظر) قال ابن عباس: هو ~~الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك وداسته ~~الغنم، فهو الهشيم. وقد بينا معنى " الهشيم " في (الكهف). وقال الزجاج: ~~الهشيم: ما يبس من الورق وتكسر وتحطم، والمعنى: كانوا كالهشيم الذي يجمعه ~~صاحب الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف، فهو يجمع ليوقد. وقرأ الحسن: " ~~المحتظر " بفتح الظاء، وهو اسم الحظيرة، والمعنى: كهشيم المكان الذي يحتظر ~~فيه الهشيم من الحطب. وقال سعيد بن جبير: هو التراب الذي يتناثر من ~~الحيطان. وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة. والمراد من جميع ذلك: أنهم ~~بادوا وهلكوا حتى صاروا كالشئ المتحطم. PageV07P248 # كذب قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر ~~نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ~~(36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم ~~بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر (40) قوله تعالى: (إنا أرسلنا عليهم حاصبا) قال المفسرون: هي ~~الحجارة التي قذفوا بها (إلا آل لوط) يعني لوط وابنتيه (نجيناهم) من ذلك ~~العذاب (بسحر) قال الفراء: " سحر " ها هنا يجري لأنه نكرة، كقوله: نجيناهم ms2162 ~~بليل، فإذا ألقت العرب منه الباء لم يجر، لأن لفظهم به بالألف واللام، ~~يقولون: ما زال عندنا منذ السحر، لا يكادون يقولون غيره، فإذا حذفت منه ~~الألف واللام لم يصرف. وقال الزجاج: إذا كان السحر نكرة يراد به سحر من ~~الأسحار، انصرف، فإذا أردت سحر يومك، لم ينصرف. # قوله تعالى: (كذلك نجزي من شكر) قال مقاتل: من وحد الله تعالى لم يعذب مع ~~المشركين. # قوله تعالى: (ولقد راودوه عن ضيفه) أي: طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه، وهم ~~الملائكة (فطمسنا أعينهم) وهو أن جبريل ضرب أعينهم بجناحه فأذهبا. وقد ~~ذكرنا القصة في سورة هود. وتم الكلام ها هنا، ثم قال: (فذوقوا) أي: فقلنا ~~لقوط لوط لما جاءهم العذاب: # ذوقوا (عذابي ونذر) أي: ما أنذركم به لوط، (ولقد صبحهم بكرة) أي: أتاهم ~~صباحا (عذاب مستقر) أي: نازل بهم. قال مقاتل: استقر بهم العذاب بكرة. قال ~~الفراء: و العرب تجري " غدوة " و " بكرة " ولا تجريهما، وأكثر الكلام في " ~~غدوة " ترك الإجراء، وأكثر في " بكرة " أن تجري، فمن لم يجرها جعلها معرفة، ~~لأنها اسم يكون أبدا في وقت واحد بمنزلة " أمس " و " غد "، وأكثر ما تجري ~~العرب " غدوة " إذا قرنت بعشية، يقولون: إني لآتيهم غدوة وعشية، وبعضهم ~~يقول: " غدوة " فلا يجريها و " عشية " فيجريها، ومنهم من لا يجري " عشية " ~~لكثرة ما صحبت " غدوة ". وقال الزجاج: الغدوة والبكرة إذا كانتا نكرتين ~~نونتا وصرفتا، فإذا أردت بهما بكرة يومك وغداة يومك، لم تصرفهما، والبكرة ~~ها هنا نكرة، فالصرف أجود، لأنه لم يثبت رواية في أنه كان في يوم كذا في ~~شهر كذا. PageV07P249 # ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز ~~مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون ~~نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم ~~والساعة أدهى وأمر (46) قوله تعالى: (ولقد جاء آل فرعون) يعني القبط ~~(النذر) فيهم قولان: # أحدهما: جمع نذير، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى. # والثاني: أن النذر بمعنى الإنذار، وقد بيناه آنفا، ms2163 (فأخذناهم) بالعذاب ~~(أخذ عزيز) أي: # غالب في انتقامه (مقتدر) قادر على هلاكهم. # ثم خوف أهل مكة فقال: (أكفاركم) يا معشر العرب (خير) أي: أشد وأقوى (من ~~أولئكم؟!) وهذا استفهام معناه الإنكار، والمعنى: ليسوا بأقوى من قوم نوح ~~وعاد وثمود، وقد أهلكناهم (أم لكم براءة) من العذاب أنه لا يصيبكم ما ~~أصابهم (في الزبر) أي: في الكتب المتقدمة، (أم يقولون نحن جميع منتصر) ~~المعنى: أيقولون: نحن يد واحدة على من خالفنا فننتصر منهم؟ وإنما وحد ~~المنتصر للفظ الجميع، فإنه على لفظ " واحد " وإن كان اسما للجماعة (سيهزم ~~الجمع) وروى أبو حاتم بن يعقوب: " سنهزم " بالنون، " الجمع " بالنصب، " ~~وتولون " بالتاء، ويعني بالجمع: جمع كفار مكة (ويولون الدبر) ولم يقل: ~~الأدبار، وكلاهما جائز، قال الفراء: مثله أن يقول: إن فلانا لكثير الدينار ~~والدرهم. وهذا مما أخبر الله به نبيه من علم الغيب، فكانت الهزيمة يوم بدر. # قوله تعالى: (والساعة أدهى) قال مقاتل: هي أفظع (وأمر) من القتل قال ~~الزجاج: # ومعنى الداهية: الأمر الشديد الذي لا يهتدى لدوائه، ومعنى " أمر " أشد ~~مرارة من القتل والأسر. # إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر (48) إنا كل شئ خلقناه بقدر (49) وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ~~ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل ~~صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر (55) PageV07P250 # قوله تعالى: (إن المجرمين في ضلال وسعر) في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن مشركي مكة جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في ~~القدر، فنزلت هذه الآية إلى قوله: (خلقناه بقدر) انفرد بإخراجه مسلم من ~~حديث أبي هريرة وروى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن ~~هذه الآية نزلت في القدرية ". # والثاني: أن أسقف نجران جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ~~فقال: يا محمد تزعم أن المعاصي بقدر، وليس كذلك، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " أنتم ms2164 خصماء الله "، فنزلت: (إن المجرمين) إلى قوله (بقدر)، ~~قاله عطاء. # قوله تعالى: (وسعر) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: الجنون. والثاني: العناء، وقد ذكرناهما في صدر السورة. # والثالث: أنه نار تستعر عليهم، قاله الضحاك. # فأما (سقر) فقال الزجاج: هي اسم من أسماء جهنم لا ينصرف لأنها معرفة، وهي ~~مؤنثة. # وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: سقر: اسم لنار الآخرة أعجمي، ويقال: بل ~~هو عربي، من قولهم: سقرته الشمس: إذا أذابته، سميت بذلك لأنها تذيب ~~الأجسام. وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فنادى نداء يسمعه ~~الأولون والآخرون: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية، فيؤمر بهم إلى النار، ~~يقول الله تعالى: (ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر)، وإنما قيل لهم: " ~~خصماء الله " لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم ~~يعذبه عليها. وروى هشام بن حسان عن الحسن قال: والله لو أن قدريا صام حتى ~~يصير كالحبل، ثم صلى حتى يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما وزورا حتى ذبح بين الركن ~~والمقام لكبه الله على وجهه في سقر (إنا كل شيء خلقناه بقدر). # وروى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ". وقال ابن عباس: كل شئ بقدر حتى ~~وضع يدك على خدك. وقال الزجاج: معنى " بقدر " أي: كل شيء خلقناه بقدر مكتوب ~~في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، ونصب " كل شئ " بفعل مضمر، المعنى: إنا خلقنا ~~كل شيء خلقناه بقدر. # قوله تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة) قال الفراء: أي: إلا مرة واحدة، وكذلك ~~قال مقاتل: مرة واحدة لا مثنوية لها. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد: إن ~~قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. وقال ابن السائب: المعنى: وما أمرنا ~~بمجيء الساعة في السرعة إلا كلمح البصر. ومعنى اللمح بالبصر: النظر بسرعة. # (ولقد أهلكنا أشياعكم) أي: أشباهكم ونظراءكم في ms2165 الكفر من الأمم الماضية ~~(فهل من PageV07P251 # مدكر) أي متعظ (وكل شيء فعلوه) يعني الأمم. وفي (الزبر) قولان: # أحدهما: أنه كتب الحفظة. # والثاني: اللوح المحفوظ. (وكل صغير وكبير) أي: من الأعمال المتقدمة ~~(مستطر) أي: مكتوب، قال ابن قتيبة: هو " مفتعل من " سطرت ": إذا كتبت، وهو ~~مثل " مسطور ". # قوله تعالى: (في جنات ونهر) قال الزجاج: المعنى: في جنات وأنهار، والاسم ~~الواحد يدل على الجميع، فيجتزأ به من الجميع. أنشد سيبويه والخليل: # بها جيف الحسرى، فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب يريد: وأما جلودها، ~~ومثله: # في حلقكم عظم وقد شجينا ومثله: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا وحكى ابن قتيبة عن الفراء أنه وحد لأنه رأس ~~آية، فقابل بالتوحيد رؤوس الآي، قال: # ويقال: النهر: الضياء والسعة، من قولك: أنهرت الطعنة: إذا وسعتها، قال ~~قيس بن الخطيم يصف طعنة: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها أي: أوسعت ~~فتقها. قلت: وهذا قول الضحاك. وقرأ الأعمش " ونهر ". # قوله تعالى: (في مقعد صدق) أي: مجلس حسن، وقد نبهنا على هذا المعنى في ~~قوله: (أن لهم قدم صدق). فأما المليك، فقال الخطابي: المليك: هو المالك، ~~وبناء فعيل للمبالغة في الوصف، ويكون المليك بمعنى الملك، ومنه هذه الآية. ~~والمقتدر مشروح في الكهف. PageV07P252 # (55) سورة الرحمن مدنية وآياتها ثمان وسبعون وفي نزولها قولان. # أحدها: أنها مكية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، ~~ومقاتل، والجمهور، إلا أن ابن عباس قال: سوى آية، وهي قوله: (يسأله من في ~~السماوات والأرض). # والثاني: أنها مدنية، رواه عطية عن ابن عباس. وبه قال ابن مسعود. # بسم الله الرحمن الرحيم الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه ~~البيان (4) الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء ~~رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا ~~تخسروا الميزان (9) PageV07P253 # للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو العصف والريحان ~~(12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) قوله [عز وجل]: (الرحمن. علم القرآن) قال ~~مقاتل: لما نزل قوله: (اسجدوا للرحمن) قال كفار مكة: وما ms2166 الرحمن؟! فأنكروه ~~وقالوا: لا نعرف الرحمن، فقال تعالى: # " الرحمن " الذي أنكروه هو الذي " علم القرآن ". # وفي قوله: (علم القرآن) قولان: # أحدهما: علمه محمدا، وعلمه محمد أمته، قاله ابن السائب. # والثاني: يسر القرآن، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (خلق الإنسان) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اسم جنس، فالمعنى: خلق الانسان جميعا، قاله الأكثرون. فعلى ~~هذا، في " البيان " ستة أقوال. أحدها: النطق والتمييز، قاله الحسن. ~~والثاني: الحلال والحرام، قاله قتادة. والثالث: ما يقول وما يقال له، قاله ~~محمد بن كعب. والرابع: الخير والشر، قاله الضحاك. والخامس: [طرق] الهدى، ~~قاله ابن جريج. والسادس: الكتابة والخط، قاله يمان. # والثاني: أنه آدم، قاله ابن عباس، وقتادة. فعلى هذا في " البيان " ثلاثة ~~أقوال. أحدها: # أسماء كل شيء. والثاني: بيان كل شيء. والثالث اللغات. # والقول الثالث: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، علمه بيان كل شيء ما كان ~~وما يكون، قاله ابن كيسان. # قوله [عز وجل]: (الشمس والقمر بحسبان) أي: بحساب ومنازل، لا يعدوانها ~~[قاله ابن عباس و قتادة و أبو مالك]، وقد كشفنا هذا المعنى في الأنعام. قال ~~الأخفش: أضمر PageV07P254 # الخبر، وأظنه - والله أعلم - أراد: يجريان بحسبان. # قوله [تعالى]: (والنجم والشجر يسجدان) في النجم قولان: أحدهما: أنه كل ~~نبت ليس له ساق، وهو مذهب ابن عباس، والسدي، ومقاتل، واللغويين. والثاني: ~~أنه نجم السماء، والمراد به: جميع النجوم، قاله مجاهد. فأما الشجر: فكل ~~ماله ساق. قال الفراء: # سجودهما: أنهما يستقبلان الشمس إذا أشرقت، ثم يميلان معها حتى ينكسر ~~الفئ. وقد أشرت في النحل إلى معنى سجود ما لا يعقل. قال أبو عبيدة: وإنما ~~ثني فعلهما على لفظهما. # قوله [عز وجل]: (والسماء رفعها) وإنما فعل ذلك ليحيا الحيوان وتمتد ~~الأنفاس بينها وبين الأرض، كما يتروح [الخلق]. ولولا ذلك لماتت الخلائق ~~كربا. # قوله [عز وجل]: (ووضع الميزان) فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: آية العدل، قاله الأكثرون، منهم مجاهد والسدي واللغويون. قال ~~الزجاج: وهذا لأن المعادلة: موازنة الأشياء. # والثاني: أنه الميزان المعروف، ليتناصف الناس في الحقوق، قاله الحسن، ~~وقتادة، والضحاك. # والثالث: ms2167 أنه القرآن، قاله الحسين بن الفضل. # قوله [عز وجل]: (ألا تطغوا) ذكر الزجاج في " أن " وجهين. # أحدهما: [أنها] بمعنى اللام، والمعنى: لئلا تطغوا. # والثاني: أنها للتفسير، فتكون " لا " للنهي، والمعنى: أي: لا تطغوا، أي ~~لا تجاوزوا العدل. PageV07P255 # قوله [عز وجل]: (ولا تخسروا الميزان) قال ابن قتيبة، أي: لا تنقصوا ~~الوزن. فأما الأنام، ففيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الناس، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: كل ذي روح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، ~~وقتادة، والسدي، والفراء. # والثالث: (الإنس والجن، قاله الحسن، والزجاج. # قوله [عز وجل]: (فيها فاكهة) أي: ما يتفكه به من ألوان الثمار (والنخل ~~ذات الأكمام) والأكمام: الأوعية والغلف، وقد استوفينا شرح هذا في حم ~~السجدة. # قوله [عز وجل]: (والحب) يريد: جميع الحبوب، كالبر والشعير وغير ذلك. وقرأ ~~ابن عامر: " والحب " بنصب الباء " ذا العصف " بالألف " والريحان " بنصب ~~النون. وقرأ حمزة، والكسائي إلا ابن أبي سريج، وخلف: " والحب ذو والعصف ~~والريحان " بخفض النون، وقرأ الباقون بضم النون. # وفي " العصف " قولان: # أحدهما: أنه تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الرياح، قاله ابن عباس. وكذلك ~~قال مجاهد: # هو ورق الزرع. قال ابن قتيبة: العصف: ورق الزرع، ثم يصير إذا جف ويبس ~~وديس تبنا. # والثاني: أن العصف: المأكول من الحب، حكاه الفراء. وفي " الريحان " أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه الورق، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن ~~جبير، والسدي. قال الفراء: الريحان في كلام العرب: الرزق، يقولون: خرجنا ~~طلب ريحان الله، وأنشد الزجاج للنمر بن تولب: # سلام الإله وريحانه * ورحمته وسماء درر والثاني: خضرة الزرع، رواه ~~الوالبي عن ابن عباس. قال أبو سليمان الدمشقي: فعلى هذا، سمي ريحانا، ~~لاستراحة النفس بالنظر إليه. PageV07P256 # ولثالث: أنه ريحانكم هذا الذي يشم، روى العوفي عن ابن عباس قال: " ~~الريحان ": ما أنبتت الأرض من الريحان، وهذا مذهب الحسن، والضحاك، وابن ~~زيد. # والرابع: أنه ما يؤكل من الحب، والعصف: المأكول منه، حكاه الفراء. # قوله [عز وجل]: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن قيل: كيف خاطب ms2168 اثنين، وإنما ~~ذكر الإنسان وحده؟ فعنه جوابان ذكرهما الفراء. # أحدهما: أن العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين كما بينا في قوله: (ألقيا في ~~جهنم). # والثاني: أن الذكر أريد به: الإنسان والجان، فجرى مجرى الخطاب لهما من ~~أول السورة إلى آخرها. قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة ما ~~يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان وخلق الشمس والقمر والسماء ~~والأرض، خاطب الجن والإنس، فقال: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) أي: [فبأي نعم] ~~ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة، لأنها [كلها] منعم بها عليكم في ~~دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم. وقال ابن قتيبة: # الآلاء: النعم، واحدها: ألا، مثل: قفا، وإلا، مثل: معي. # خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (18) مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (23) وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (25) وقوله [عز وجل]: (خلق الإنسان) يعني آدم (من صلصال) قد ذكرنا ~~في الحجر PageV07P257 # الصلصال والجان. فأما قوله: (كالفخار) فقال أبو عبيدة: خلق من طين يابس ~~لم يطبخ، فله صوت إذا نقر، فهو من يابسه كالفخار، والفخار: ما طبخ بالنار. # وأما المارج، فقال ابن عباس: هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ~~التهبت. وقال مجاهد: هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر ~~الذي يعلو النار إذا أوقدت. وقال: هو لهب النار الصافي من غير دخان. وقال ~~أبو عبيدة: المارج: خلط النار. وقال ابن قتيبة: المارج: لهب النار، من ~~قولك: قد مرج الشيء: إذا اضطرب ولم يستقر، وقال الزجاج: هو اللهب المختلط ~~بسواد النار. # وإن قيل: قد أخبر الله تعالى عن خلق آدم بألفاظ مختلفة، فتارة يقول: " ~~خلقه من تراب "، وتارة: " من صلصال "، وتارة: " من طين لازب "، وتارة: " ~~كالفخار "، وتارة: " من حمأ مسنون "، فالجواب: أن الأصل التراب فجعل طينا، ~~ثم ms2169 صار كالحمأ المسنون، ثم صار صلصالا كالفخار، هذه أخبار عن حالات أصله. ~~فإن قيل: ما الفائدة في تكرار قوله: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " الجواب أن ~~ذلك التكرير لتقرير النعم وتأكيد التذكير بها. قال ابن قتيبة: من مذاهب ~~العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف ~~والإيجاز، لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره في المقام ~~على فن واحد، يقول القائل: والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله، إذا أراد ~~التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله، كما تقول: والله أفعله، بإضمار " لا " ~~إذا أراد الاختصار، ويقول القائل للمستعجل: # اعجل اعجل وللرامي: ارم ارم، قال الشاعر: # كم نعمة كانت له وكم وكم وقال الآخر: # هلا سألت جموع كندة * يوم ولوا أين أينا PageV07P258 # وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها ~~كلمة واحدة، فغيروا منها حرفا ثم أتبعوها الأولى، كقولهم، عطشان نطشان، ~~وشيطان ليطان، وحسن بسن. قال ابن دريد: ومن الاتباع: جائع نائع، ومليح ~~قريح، وقبيح شقيح، وشحيح نحيح، وخبيث نبيث، وكثير نثير: وسيغ ليغ، وسائغ ~~لائغ، وحقير نقير، وضئيل بئيل، وخضر مضر، وعفريت نقريب، وثقة نقة، وكن إن، ~~وواحد فاحد، وحائر بائر، وسمج لمج. قال ابن قتيبة: فلما عدد الله تعالى في ~~هذه السورة نعماءه، وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة من ~~ذلك فاصلة بين كل نعمتين، ليفهمهم النعم ويقررهم بها، كقولك للرجل: ألم ~~أبوئك منزلا وكنت طريدا؟ أفتنكر هذا؟ ألم أحج بك وأنت صرورة؟ أفتنكر هذا؟. ~~وروى الحاكم أبو عبد الله في " صحيحه " من حديث جابر بن عبد الله قال: قرأ ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها قال: " مالي ~~أراكم سكوتا؟! للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ~~(فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ~~". # قوله [عز وجل]: (رب المشرقين) قرأ أبو رجاء، وابن أبي عبلة: " رب ~~المشرقين ورب المغربين " بالخفض، وهما مشرق الصيف ومشرق ms2170 الشتاء ومغرب الصيف ~~ومغرب الشتاء [للشمس والقمر جميعا]. # قوله [تعالى]: (مرج البحرين) أي: أرسل العذب والملح وخلاهما وجعلهما ~~(يلتقيان)، (بينهما برزخ) أي: حاجز من قدرة الله تعالى (لا يبغيان) أي: لا ~~يختلطان. # فيبغي أحدهما على الآخر. وقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان ~~كل عام. وقال الحسين: " مرج البحرين " يعني بحر فارس والروم، بينهما برزخ، ~~يعني الجزائر، وقد سبق بيان هذا في الفرقان. PageV07P259 # قوله [عز وجل]: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) قال الزجاج: إنما يخرج من ~~البحر الملح، وإنما جمعهما، لأنه إذا خرج من أحدهما فقد أخرج منهما، ومثله ~~(وجعل القمر فيهن نورا) وقال أبو علي الفارسي: أراد: يخرج من أحدهما، فحذف ~~المضاف. وقال ابن جرير: # إنما قال " منهما " لأنه يخرج من أصداف البحر عن قطر السماء. فأما اللؤلؤ ~~والمرجان، ففيهما قولان: # أحدهما: أن المرجان: ما صغر من اللؤلؤ، واللؤلؤ: العظام، قاله الأكثرون، ~~منهم ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والفراء. وقال الزجاج: اللؤلؤ: اسم جامع ~~للحب الذي يخرج من البحر، والمرجان: صغاره. # والثاني: أن اللؤلؤ: الصغار، والمرجان: الكبار، قاله مجاهد، والسدي، ~~ومقاتل. قال ابن عباس: إذا أمطرت السماء، فتحت الأصداف أفواهها، فما وقع ~~فيها من مطر فهو لؤلؤ، وقال ابن جريج: حيث وقعت قطرة كانت لؤلؤة. وقرأت على ~~شيخنا أبي منصور اللغوي قال: ذكر بعض أهل اللغة أن المرجان أعجمي معرب. قال ~~أبو بكر، يعني ابن دريد: ولم أسمع فيه بفعل منصرف، وأحر به أن يكون كذلك. ~~قال ابن مسعود: المرجان: الخرز الأحمر. وقال الزجاج: المرجان أبيض شديد ~~البياض. وحكى القاضي أبو يعلى أن المرجان: ضرب من اللؤلؤ كالقضبان. # قوله [عز وجل]: (وله الجوار) يعني السفن (المنشآت) قال مجاهد: هو ما قد ~~رفع قلعه من السفن دون ما لم يرفع قلعه القلع مكسور القاف وقال ابن قتيبة: ~~هن اللواتي أنشئن، أي: # ابتدئ بهن (في البحر)، وقرأ حمزة: " المنشئات "، فجعلهن اللواتي ابتدأن، ~~يقال: أنشأت PageV07P260 # السحابة تمطر: إذا ابتدأت، وأنشأ الشاعر يقول، والأعلام: الجبال، وقد سبق ~~هذا. # كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ms2171 ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (28) يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (30) قوله [عز وجل]: (كل من عليها فإن) أي: على الأرض، ~~وهي كناية عن غير المذكور. # " فان " أي، هالك. # (ويبقى وجه ربك) أي: ويبقى ربك (ذو الجلال والإكرام) قال أبو سليمان ~~الخطابي: # الجلال: مصدر الجليل، يقال: جليل بين الجلالة والجلال. والإكرام: مصدر ~~أكرم يكرم إكراما، والمعنى أنه يكرم أهل ولايته وأن الله مستحق [أن] يجل ~~ويكرم، ولا يجحدونه ولا يكفروا به، وقد يحتمل أن يكون المعنى: أنه يكرم أهل ~~ولايته ويرفع درجاتهم، وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين - وهو الجلال - مضافا ~~إلى الله تعالى بمعنى الصفة له، والآخر مضافا إلى العبد بمعنى الفعل منه، ~~كقوله تعالى: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) فانصرف أحد الأمرين إلى الله ~~تعالى وهو المغفرة، والآخر إلى العباد وهو التقوى. # قوله [تعالى]: (يسأله من في السماوات والأرض) المعنى أن الكل يحتاجون ~~اليه فيسألونه وهو غني (كل يوم هو في شأن) مثل أن يحيي ويميت، ويعز ويذل، ~~ويشفي مريضا، ويعطي سائلا، إلى غير ذلك من أفعاله. وقال الحسين بن الفضيل: ~~هو سوق المقادير إلى المواقيت. قال مقاتل: وسبب نزول هذه الآية أن اليهود ~~قالت: إن الله لا يقضي في يوم السبت شيئا، فنزلت: " كل يوم هو في شأن " [عن ~~عبد الله به حبيب عن رسول الله قال لما سئل عن ذاك الشأن: " يغفر ذنبا ~~ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين "]. PageV07P261 # سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) يا معشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون ~~إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ من نار ~~ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) قوله [عز وجل]: (سنفرغ ~~لكم) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: " سنفرغ " بنون ~~مفتوحة. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وعبد الوارث: " ~~سيفرغ " بياء مفتوحة. وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، وأبو ms2172 عبيدة، وعاصم ~~الجحدري والحلبي عن عبد الوارث: " سيفرغ " بضم الياء وفتح الراء. قال ~~الفراء: هذا وعيد من الله تعالى، لأنه لا يشغله شيء عن شيء، تقول للرجل ~~الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد فرغت تشتمني؟! أي: قد أخذت في هذا وأقبلت ~~عليه؟ وقال الزجاج: الفراغ في اللغة على ضربين. أحدهما: الفراغ من شغل. ~~والآخر: القصد للشيء، تقول: قد فرغت مما كنت فيه، أي: قد زال شغلي به، ~~وتقول: سأتفرغ لفلان، أي: سأجعله قصدي، ومعنى الآية: # سنقصد لحسابكم. فأما " الثقلان " فهما الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقل ~~الأرض. # قوله [عز وجل]: (أن تنفذوا) أي: تخرجوا، يقال: نفذ الشيء من الشيء: إذا ~~خلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية، والأقطار: النواحي والجوانب وفي معنى ~~الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السماوات ~~والأرض فاهربوا واخرجوا منها، والمراد: أنكم حيثما كنتم أدرككم الموت، هذا ~~قول الضحاك ومقاتل في آخرين. PageV07P262 # والثالث: إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى ~~لا يقدر عليكم فجوزوا، وإنما يقال لهم هذا يوم القيامة، ذكره ابن جرير. # قوله [عز وجل]: (لا تنفذون إلا بسلطان) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تنفذون إلا في سلطان الله عز وجل، قاله ابن عباس. # [والثاني: لا تنفذون] إلا بحجة، قاله مجاهد. # والثالث: لا تنفذون إلا بملك، وليس [لكم] ملك، قاله قتادة. # قوله [عز وجل]: (يرسل عليكما) فثنى على اللفظ. وقد جمع في قوله: (إن ~~استطعتم) على المعنى. # فأما " الشواظ " ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لهب النار، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر ~~المنقطع من النار. # والثاني: الدخان، قاله سعيد بن جبير. والثالث: النار المحضة، قاله ~~الفراء. # وقال أبو عبيدة: هي النار التي تأجج لا دخان فيها، ويقال: شواط وشواظ. ~~وقرأ ابن كثير بكسر الشين، وقرأ أيضا هو وأهل البصرة: " ونحاس " بالخفض، ~~والباقون برفعهما وفي " النحاس " قولان. # أحدهما: أنه دخان النار، ms2173 رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، والفراء وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج، ومنه قول الجعدي يذكر ~~امرأة: # تضئ كضوء سراج السليط * لم يجعل الله فيه نحاسا PageV07P263 # وذكر الفراء في السليط أربعة أقوال. # أحدها: أنه دهن السنام، وليس له دخان إذا استصبح به. # والثاني: أنه دهن السمسم. # والثالث: أنه الزيت. # والرابع: أنه الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال مجاهد، وقتادة. قال مقاتل: والمراد بالآية: كفار الجن والإنس، يرسل ~~عليهما في الآخرة لهب النار والصفر الذائب، وهي خمسة أنهار تجري على رؤوس ~~أهل النار ثلاثة أنهار من تحت العرش على مقدار الليل، ونهران على مقدار ~~أنهار الدنيا، (فلا تنتصران) أي: فلا تمتنعان من ذلك. # فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) ~~فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) يعرف ~~المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم آن (44) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) قوله [تعالى]: (فإذا انشقت السماء) أي: انفرجت ~~من المجرة لنزول من فيها يوم القيامة (فكانت وردة) وفيها قولان. # أحدهما: كلون الفرس الوردة، قاله أبو صالح، والضحاك. وقال الفراء: الفرس ~~PageV07P264 # الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصفرة، فإذا اشتد الحر كانت وردة ~~حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون ~~الوردة من الخيل، وكذلك قال الزجاج: " فكانت وردة " كلون فرس [وردة] ~~والكميت: الورد يتلون، فيكون لونه في الشتاء خلاف لونه في الصيف، ولونه في ~~الصيف خلاف لونه في الشتاء، والسماء تتلون من الفزع الأكبر. وقال ابن ~~قتيبة: المعنى: فكانت حمراء في لون الفرس الورد. # والثاني: أنها وردة النبات، وقد تختلف ألوانها، إلا أن الأغلب عليها ~~الحمرة، ذكره الماوردي. # وفي الدهان قولان: # أحدهما: أنه واحد، وهو الأديم الأحمر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه جمع دهن، والدهن تختلف ألوانه بخضرة وحمرة وصفرة، حكاه ~~اليزيدي، وإلى نحوه ذهب مجاهد. ms2174 وقال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة ~~من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن. # قوله [تعالى]: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يسألون ليعلم حالهم، لأن الله تعالى أعلم منهم بذلك. # والثاني: لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله لاشتغال كل واحد منهم بنفسه، روي ~~القولان عن ابن عباس. # والثالث: لا يسألون عن ذنوبهم لأنهم يعرفون بسيماهم، فالكافر أسود الوجه، ~~والمؤمن أغر الوجه محجل من أثر وضوئه، قاله الفراء. قال الزجاج: لا يسأل ~~أحد عن ذنبه ليستفهم، ولكنه يسأل سؤال توبيخ [وتقريع]. # قوله [عز وجل]: (يعرف المجرمون بسيماهم) قال الحسن: بسواد الوجوه، وزرق ~~PageV07P265 # الأعين (فيؤخذ بالنواصي والأقدام) فيه قولان: # أحدهما: أن خزنة جهنم تجمع بين نواصيهم إلى أقدامهم من وراء ظهورهم، ثم ~~يدفعونهم على وجوههم في النار، قاله مقاتل. # والثاني: يؤخذ بالنواصي والأقدام، فيسحبون إلى النار، ذكره الثعلبي. وروى ~~مردويه الصائغ، قال: صلى بنا الإمام صلاة الصبح فقرأ سورة " الرحمن " ومعنا ~~علي بن الفضيل بن عياض، فلما قرأ " يعرف المجرمون بسيماهم " خر علي مغشيا ~~عليه حتى فرغنا من الصلاة، فلما كان بعد ذلك قلنا له: أما سمعت الإمام يقرأ ~~" حور مقصورات في الخيام "؟ قال: شغلني عنها " يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ ~~بالنواصي والأقدام ". # قوله [عز وجل]: (هذه جهنم) أي: يقال لهم. هذه جهنم (التي يكذب بها ~~المجرمون) يعني المشركين، (يطوفون بينها) وقرأ أبو العالية، وأبو عمران ~~الجوني: # " يطوفون " بياء مضمومة مع تشديد الواو، وقرأ الأعمش مثله إلا أنه ~~بالتاء. # قوله [عز وجل] (وبين حميم آن) قال ابن قتيبة: الحميم: الماء الحار، ~~والآني: # الذي قد انتهت شدة حره. قال المفسرون: المعنى أنهم يسعون بين عذاب الحميم ~~وبين عذاب الجحيم، إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الشديد ~~الحرارة. # ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ذواتا أفنان ~~(48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) ~~قوله [عز وجل]: (ولمن خاف مقام ms2175 ربه جنتان) فيه قولان. # أحدهما: قيامه بين يدي الله عز وجل يوم الجزاء. # والثاني: قيام الله على عبده بإحصاء ما اكتسب وجاء في التفسير، أن العبد ~~يهم بمعصية فيتركها خوفا من الله عز وجل وجل فله جنتان، وهما بستانان ~~(ذواتا أفنان) فيه قولان: PageV07P266 # أحدهما: أنها الأغصان، وهي جمع فنن، وهو الغصن المستقيم طولا، وهذا قول ~~مجاهد، وعكرمة، وعطية، والفراء، والزجاج. # والثاني: أنها الألوان والضروب من كل شئ، وهي جمع فن، وهذا قول سعيد بن ~~جبير. # وقال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة. وجمع عطاء بين القولين، فقال: في ~~كل غصن فنون من الفاكهة. # قوله [تعالى]: (فيهما عينان تجريان) قال ابن عباس: تجريان بالماء الزلال، ~~إحداهما: السلسبيل، والأخرى: التسنيم. وقال عطية: إحداهما: من ماء غير آسن، ~~والأخرى: من خمر. وقال أبو بكر الوراق: فيهما عينان تجريان لمن كانت له في ~~الدنيا عينان تجريان من البكاء. # قوله [عز وجل]: (فيهما من كل فاكهة زوجان) أي: صنفان ونوعان: قال ~~المفسرون: فيهما من كل ما يتفكه به نوعان، رطب ويابس، لا يقصر أحدهما عن ~~الآخر في فضله. # متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(59) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) ~~PageV07P267 # (متكئين) هذا حال المذكورين (على فرش) جمع فراش (بطائنها) جمع بطانة، وهي ~~التي تحت الظهارة. وقال أبو هريرة: هذه البطائن، فما ظنكم بالظهائر؟! وقال ~~ابن عباس: إنما ترك وصف الظواهر، لأنه ليس أحد يعلم ما هي. وقال قتادة: ~~البطائن: هي الظواهر بلغة قوم. وكان الفراء يقول: قد تكون البطانة ظاهرة، ~~والظهارة باطنة، لأن كل واحد منهما قد يكون وجها، والعرب تقول: هذا ظهر ~~السماء، وهذا بطن السماء، لظاهرها، وهو الذي نراه، وقال ابن الزبير نعيب ~~قتلة عثمان: خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كل قتلة، ونجا ~~من نجا منهم تحت بطون الكواكب. يعني هربوا ms2176 ليلا، فجعلوا ظهور الكواكب ~~بطونا، وذلك جائز في العربية. وأنكر هذا القول ابن قتيبة جدا، وقال: إنما ~~أراد الله أن يعرفنا - من حيث نفهم - فضل هذه الفرش وأن ما ولي الأرض منها ~~إستبرق، وإذا كانت [البطانة] كذلك، فالظهارة أعلى وأشرف. وهل يجوز لأحد أن ~~يقول لوجه مصل: هذا بطانته، ولما ولي الأرض منه: هذا بطانته؟! وإنما يجوز ~~هذا في ذي الوجهين المتساوين، تقول لما وليك من الحائط: # [هذا ظهر الحائط]، ويقول جارك لما وليه: هذا ظهر الحائط، وكذلك السماء ما ~~ولينا منها: # ظهر، وهي لمن فوقها: بطن. وقد ذكرنا الإستبرق في " الكهف ". # قوله [عز وجل]: (وجنى الجنتين دان) قال أبو عبيدة: أي: ما يجتنى قريب لا ~~يعني الجاني. # قوله [عز وجل]: (فيهن قاصرات الطرف) قد شرحناه في الصافات. وفي قوله: # " فيهن " قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى الجنتين وغيرهما مما أعد لصاحب هذه القصة، قاله ~~الزجاج. PageV07P268 # والثاني: أنها تعود إلى الفرش، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله [عز وجل]: (لم يطمثهن) قرأ الكسائي بضم الميم، والباقون بكسرها، ~~وهما لغتان: يطمث ويطمث، مثل يعكف ويعكف. وفي معناه قولان. # أحدهما: لم يقتضهن، والطمث: النكاح بالتدمية، ومنه قيل للحائض: طامث، ~~قاله الفراء. # والثاني: لم يمسسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل، أي: ما مسه، قاله أبو ~~عبيدة. # قال مقاتل: وذلك لأنهن خلقن من الجنة، فعلى قوله، هذا صفة الحور. وقال ~~الشعبي: هن من نساء الدنيا لم يمسسهن مذ أنشئن خلق. وفي الآية دليل على أن ~~الجني يغشى المرأة كالإنسي. # قوله [عز وجل]: (كأنهن الياقوت والمرجان) قال قتادة: هن في صفاء الياقوت ~~وبياض المرجان. وذكر الزجاج أن أهل التفسير وأهل اللغة قالوا: هن في صفاء ~~الياقوت وبياض المرجان: صغار اللؤلؤ، وهو أشد بياضا. وقرأت على شيخنا أبي ~~منصور اللغوي قال: # " الياقوت " فارسي معرب، والجمع " اليواقيت "، وقد تكلمت به العرب، قال ~~مالك بن نويرة اليربوعي: # لن يذهب اللؤم تاج قد حبيت به * من الزبرجد والياقوت والذهب قوله [عز ~~وجل]: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) قال الزجاج، ms2177 أي: ما جزاء من أحسن في ~~الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. وقال ابن عباس: هل جزاء من قال: " لا ~~إله إلا الله " وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة. وروى ~~أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وقال: " هل ~~تدرون ما قال ربكم "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإن ربكم يقول: هل ~~جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة "؟! PageV07P269 # ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) فيهن خيرات ~~حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في الخيام (72) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) قوله [عز وجل]: (ومن دونهما ~~جنتان) قال الزجاج: المعنى: ولمن خاف مقام ربه جنتان، وله من دونهما جنتان. ~~وفي قوله: " ومن دونهما " قولان: # أحدهما: دونهما في الدرج، قاله ابن عباس. # والثاني: دونهما في الفضل كما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " جنتان من ذهب وجنتان من فضة "، وإلى نحو هذا ذهب ابن زيد، ~~ومقاتل. # قوله [عز وجل]: (مدهامتان) قال ابن عباس وابن الزبير: خضراوان من الري ~~تضرب خضرتهما إلى السواد، وكل نبت أخضر فتمام خضرته وريه أن يضرب إلى ~~السواد. # قوله [عز وجل]: (نضاختان) قال أبو عبيدة: فوارتان. وقال ابن قتيبة: ~~تفوران، PageV07P270 # و " النضخ " أكثر من " النضح ". وفيما يفوران به أربعة أقوال: # أحدها: بالمسك والكافور، قاله ابن مسعود. # والثاني: بالماء، قاله ابن عباس. # والثالث: بالخير والبركة، قاله الحسن. # والرابع: بأنواع الفاكهة، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: (ونخل ورمان) قال ابن عباس: نخل الجنة: جذوعها زمرد أخضر، ~~وكربها: ذهب أحمر، وسعفها: كسوة أهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم. وقال ~~سعيد بن جبير: # نخل الجنة: جذوعها من ذهب، ms2178 وعروقها من ذهب، وكرانيفها من زمرد، ورطبها ~~كالدلاء أشد بياضا من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل، ليس له عجم. ~~قال أبو عبيد: الكرانيف: # أصول السعف الغلاظ، الواحدة: كرنافة. وإنما أعاد ذكر النخل والرمان - وقد ~~دخلا في الفاكهة - لبيان فضلهما كما ذكرنا في قوله: (وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال) هذا قول جمهور المفسرين واللغويين. وحكى الفراء والزجاج أن قوما ~~قالوا: ليسا من الفاكهة، قال الفراء: وقد ذهبوا مذهبا، ولكن العرب تجعلهما ~~فاكهة. قال الأزهري: ما علمت أحدا من العرب قال في النخيل والكروم وثمارها: ~~إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال، لقلة علمه بكلام العرب، والعرب ~~تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئا منها بالتسمية تنبيها على فضل فيه، كقوله: " ~~جبريل وميكال "، فمن قال: ليسا من الملائكة كفر، ومن قال: ثمر النخل ~~والرمان ليس من الفاكهة جهل. # قوله [عز وجل]: (فيهن) يعني في الجنان الأربع (خيرات) يعني الحور. وقرأ ~~معاذ القارئ، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: " خيرات " بتشديد الياء. قال ~~اللغويون: أصله " خيرات " بالتشديد، فخفف، كما قيل: هين وهين، ولين ولين. ~~وروت أم سلمة عن النبي PageV07P271 # صلى الله عليه وسلم [قال] " خيرات الأخلاق حسان الوجوه ". # قوله [عز وجل]: (حور مقصورات) قد بينا في سورة " الدخان " معنى الحور. # وفي المقصورات قولان. # أحدهما: المحبوسات في الحجال، قاله ابن عباس، وهو مذهب الحسن، وأبي ~~العالية، والقرظي، والضحاك، وأبي صالح. # والثاني: المقصورات الطرف على أزواجهن، فلا يرفعن طرفا إلى غيرهم، قاله ~~الربيع. # وعن مجاهد كالقولين. # والأول أصح، فإن العرب تقول: امرأة مقصورة وقصيرة وقصورة: إذا كانت ~~ملازمة خدرها، قاله كثير: # لعمري لقد حببت كل قصيرة * إلي، وما تدري بذاك القصائر عنيت قصيرات ~~الحجال، ولم أرد * قصار الخطى، شر النساء البحاتر وبعضهم ينشده: قصورة، ~~وقصورات، والبحاتر: القصار. وفي " الخيام " قولان. # أحدهما: أنها البيوت. # والثاني: خيام تضاف إلى القصور. وقد روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " ~~من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن للمؤمن في الجنة ~~لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في ms2179 السماء ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون ~~يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضا ". وقال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، وابن مسعود، وابن عباس: الخيام: در مجوف. وقال ابن عباس: # الخيمة: لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، لها أربعة آلاف مصراع ~~من ذهب. # قوله [عز وجل]: (متكئين على رفرف) أخضر وقرأ عثمان بن عفان، وعاصم ~~PageV07P272 # الجحدري، وابن محيصن: " على رفارف " جمع غير مصروف. وقرأ الضحاك، وأبو ~~العالية، وأبو عمران الجوني مثلهم، إلا أنهم صرفوا " رفارف " قال ثعلب: ~~إنما لم يقل: أخضر، لأن الرفرف جمع، واحدته: رفرفة، كقوله: (الذي جعل لكم ~~من الشجر الأخضر نارا) ولم يقل: # الخضر، لأن الشجر جمع، تقول: هذا حصى أبيض، وحصى أسود، قال الشاعر: # أحقا عباد الله أن لست ماشيا * بهرجاب ما دام الأراك به خضرا. # واختلف المفسرون في المراد بالرفرف على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها فضول المجالس والبسط، رواه [العوفي] عن ابن عباس: وقال أبو ~~عبيدة: # هي: الفرش والبسط. وحكى الفراء، وابن قتيبة: أنها المجالس. وقال النقاش: ~~الرفرف: # المجالس الخضر فوق الفرش. # والثاني: أنها رياض الجنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير [رياض الجنة خضراء مخصبة]. # والثالث: أنها الوسائد، قاله الحسن. # قوله [عز وجل]: (وعبقري حسان) فيه قولان. # أحدهما: أنها الزرابي، قاله ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ~~وكذلك قال ابن قتيبة: العبقري: الطنافس الثخان. قال أبو عبيدة: يقال لكل ~~شيء من البسط: عبقري. # والثاني: أنه الديباج الغليظ، قاله مجاهد. قال الزجاج: أصل العبقري في ~~اللغة أنه صفة لكل ما بولغ في وصفه، وأصله أن عبقر: بلد كان يوشى فيه البسط ~~وغيرها، فنسب كل شيء جيد إليه، قال زهير: PageV07P273 # بخيل عليها جنة عبقرية * جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا وقرأ عثمان بن ~~عفان، وعاصم الجحدري، وابن محيصن: " وعباقري " بألف مكسورة القاف مفتوحة ~~الياء من غير تنوين، قال الزجاج: ولا وجه لهذه القراءة في العربية، لأن ~~الجمع الذي بعد الفه حرفان، نحو، مساجد ومصابح، لا يجوز أن يكون فيه مثل ms2180 ~~عباقري، لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب، فلو جمعت " عبقري " فإن ~~جمعه " عباقرة "، كما أنك لو جمعت " مهلبي " كان جمعه " مهالبة "، ولم تقل: ~~" مهالبي " قال: فإن قيل: " عبقري " واحد، و " حسان " جمع، فكيف جاز هذا؟ ~~فالأصل أن واحد هذا " عبقرية " والجمع " عبقري "، كما تقول: ثمرة وثمر، ~~ولوزة، ولوز، ويكون أيضا " عبقري " اسما للجنس. # وقرأ الضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران: " وعباقري " بألف مع التنوين. # قوله [عز وجل]: (تبارك اسم ربك) فيه قولان: # أحدهما: أن ذكر " الاسم " صلة، والمعنى: تبارك ربك. # والثاني: أنه أصل. قال ابن الأنباري: المعنى: تفاعل من البركة، أي: ~~البركة تكتب وتنال بذكر اسمه. وقد بينا معنى " تبارك " في " الأعراف " ~~وذكرنا في هذه السورة معنى " ذي الجلال والإكرام "، وكان ابن عامر يقرأ: " ~~ذو الجلال " وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، والباقون: # " ذي الجلال " وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والعراق، وهم متفقون على ~~الموضع الأول أنه " ذو ". PageV07P274 # (56) سورة الواقعة مكية وآياتها ست وتسعون وفيها قولان: # أحدها: أنها مكية، قاله الأكثرون، منهم ابن عباس، والحسن، وعطاء وعكرمة، ~~وقتادة، وجابر، ومقاتل، وحكي عن ابن عباس أن فيها آية مدنية وهي قوله: ~~(وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون). # والثاني: أنها مدنية، رواه عطية عن ابن عباس. # بسم الله الرحمن الرحيم إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) ~~خافضة رافعة (3) إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء ~~منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) ~~وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك ~~المقربون (11) في جنات النعيم (12) قوله [تعالى]: (إذا وقعت الواقعة) قال ~~أبو سليمان الدمشقي: لما قال المشركون: متى هذا الوعد، متى هذا الفتح؟! نزل ~~قوله: (إذا وقعت الواقعة)، قال أبو سليمان الدمشقي فالمعنى: PageV07P275 # يكون إذا وقعت. قال المفسرون: والواقعة: القيامة، وكل آت يتوقع، يقال له ~~إذا كان: قد وقع، والمراد بها ها هنا: النفخة في الصور لقيام الساعة. # (ليس لوقعتها) أي لمجيئها وظهورها (كاذبة) أي: كذب كقوله عز وجل: (لا ~~تسمع فيها لاغية) أي: لغوا. قال الزجاج: و " كاذبة ms2181 " مصدر، كقولك، عافاه ~~الله عافية، وكذب كذبة، فهذه أسماء في موضع المصدر. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: لا رجعة لها ولا ارتداد، قاله قتادة. والثاني: ليس الإخبار عن ~~وقوعها كذبا، حكاه الماوردي. # قوله [عز وجل] (خافضة) [أي: هي خافضة] (رافعة) وقرأ أبو رزين، وأبو عبد ~~الرحمن، وأبو العالية، والحسن، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، واليزيدي في ~~اختياره: " خافضة رافعة " بالنصب فيها - وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: أنها خفضت فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت البعيد، رواه العوفي عن ~~ابن عباس وهذا يدل على أن الواقعة صيحة القيامة. # والثاني: أنها خفضت ناسا، ورفعت آخرين، رواه عكرمة عن ابن عباس. قال ~~المفسرون: # تخفض أقواما إلى أسفل السافلين في النار، وترفع أقواما إلى عليين في ~~الجنة. # قوله [عز وجل]: (إذا رجت الأرض رجا) أي: حركت حركة شديدة وزلزلت، وذلك ~~أنها ترتج حتى يتهدم ما عليها من بناء، ويتفتت ما عليها من جبل. وفي ~~ارتجاجها قولان. # أحدهما: أنه لإماتة من عليها من الأحياء. والثاني: لإخراج من في بطنها من ~~الموتى. # قوله [عز وجل]: (وبست الجبال بسا) فيه قولان: # أحدهما: فتتت فتا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. قال ~~ابن قتيبة فتت PageV07P276 # حتى صارت كالدقيق والسويق المبسوس. # والثاني: لتت، قاله قتادة: وقال الزجاج: خلطت ولتت. قال الشاعر: # لا تخبزن خبزا وبس بسا وفي " الهباء " أقوال قد ذكرناها في الفرقان. وذكر ~~ابن قتيبة أن الهباء المنبث: ما سطع من سنابك الخيل، وهو من " الهبوة "، ~~والهبة: الغبار. والمعنى: كانت ترابا منتشرا. # قوله [عز وجل]: (وكنتم أزواجا) أي: أصنافا (ثلاثة). (فأصحاب الميمنة) ~~فيهم ثمانية أقوال: # أحدها: أنهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت ذريته من صلبه، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، قاله الضحاك، والقرظي. # والثالث: أنهم الذين كانوا ميامين على أنفسهم، أي: مباركين، قاله الحسن، ~~والربيع. # والرابع: أنهم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، قاله زيد بن أسلم. # والخامس: أنهم الذين منزلتهم عن اليمين، قاله ميمون بن مهران. # والسادس: أنهم أهل ms2182 الجنة، قاله السدي. # والسابع: أنهم أصحاب المنزلة الرفيعة، قاله الزجاج: # والثامن: أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ذكره علي بن أحمد ~~النيسابوري. # قوله [عز وجل] (ما أصحاب الميمنة) قال الفراء: عجب نبيه صلى الله عليه ~~وسلم منهم، والمعنى: أي شيء هم؟! قال الزجاج: وهذا اللفظ في العربية مجراه ~~مجرى التعجب، ومجراه من الله عز وجل في مخاطبة العباد ما يعظم به الشأن ~~عندهم، ومثله، (ما الحاقة)، (ما القارعة)، قال ابن قتيبة: ومثله أن تقول: ~~زيد ما زيد أي رجل هو! (وأصحاب المشأمة [ما أصحاب المشأمة]) أي: أصحاب ~~الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى: الشؤمى، والجانب الأيسر: الأشأم، ومنه ~~قيل: اليمن والشؤم، فاليمن: كأنه جاء عن اليمين، والشؤم ما [جاء] عن ~~الشمال، ومنه سميت PageV07P277 # [اليمن] و " الشأم " لأنها عن يمين الكعبة وشمالها. قال المفسرون: أصحاب ~~الميمنة: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين، ويعطون كتبهم بأيمانهم، وتفسير ~~أصحاب المشأمة على ضد تفسير أصحاب الميمنة سواء، والمعنى: أي قوم هم؟! ماذا ~~أعد لهم من العذاب؟! # قوله [عز وجل] (والسابقون السابقون) فيهم خمسة أقوال: # أحدها: أنهم السابقون إلى الإيمان من كل أمة، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: أنهم الذين صلوا القبلتين، قاله ابن سيرين. والثالث: أهل ~~القرآن، قاله كعب. # والرابع: الأنبياء، قاله محمد بن كعب. والخامس: السابقون إلى المساجد ~~وإلى الخروج في سبيل الله، قاله عثمان بن أبي سودة. # وفي إعادة ذكرهم قولان: # أحدهما: أن ذلك للتوكيد. # والثاني: أن المعنى: السابقون إلى طاعة الله تعالى السابقون إلى رحمة ~~الله، ذكره الزجاج. # قوله [عز وجل] (أولئك المقربون) قال أبو سليمان الدمشقي: يعني عند الله ~~في ظل عرشه وجواره. # ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) على سرر موضونة (15) متكئين ~~عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من ~~معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم ~~طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما ~~كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما ~~سلاما (26) PageV07P278 # قوله [تعالى]: (ثلة من الأولين) ms2183 الثلة: الجماعة غير محصورة العدد. وفي ~~الأولين والآخرين هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الأولين: الذين كانوا من زمن آدم إلى زمن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، والآخرين: هذه الأمة. # والثاني: أن الأولين: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخرين: ~~التابعون. # والثالث: أن الأولين والآخرين: من أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # فعلى الأول يكون المعنى: إن السابقين جماعة من الأمم المتقدمة الذين ~~سبقوا بالتصديق لأنبيائهم من جاء بعدهم مؤمنا، من أمة محمد [صلى الله عليه ~~وسلم]، لأن الذين عاينوا الأنبياء أجمعين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين نبينا ~~وصدق به. # وعلى الثاني: أن السابقين: جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهم الأولون من المهاجرين والأنصار، وقليل من التابعين وهم الذين اتبعوهم ~~بإحسان. # وعلى الثالث: أن السابقين: الأولون من المهاجرين والأنصار، وقليل ممن جاء ~~بعدهم لعجز المتأخرين أن يلحقوا الأولين، فقليل منهم من يقاربهم في السبق. # وأما " الموضونة "، فقال ابن قتيبة: هي المنسوجة، كأن بعضها أدخل في بعض، ~~أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع: موضونة، ومنه قيل: وضين الناقة، وهو ~~بطان من سيور يدخل بعضه في بعض. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الآجر ~~موضون بعضه على بعض، أي: مسروح وللمفسرين في معنى " موضونة " قولان: # أحدهما: مرمولة بالذهب، رواه مجاهد عن ابن عباس، وقال عكرمة: مشبكة بالدر ~~والياقوت، وهذا معنى ما ذكرناه عن ابن قتيبة، وبه قال الأكثرون. # والثاني: مصفوفة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # وما بعد هذا قد تقدم بيانه إلى قوله: (ولدان مخلدون) الولدان: الغلمان. ~~وقال الحسن، PageV07P279 # البصري: هؤلاء أطفال لم يكن لهم حسنات فيجزون بها، ولا سيئات فيعاقبون ~~عليها، فوضعوا بهذا الموضع. وفي المخلدين قولان: # أحدهما: أنه من الخلد: والمعنى أنهم مخلدون للبقاء لا يتغيرون، وهم على ~~سن واحد. قال الفراء: والعرب تقول للإنسان إذا كبر ولم يشمط: أو لم تذهب ~~أسنانه عن الكبر: إنه لمخلد، هذا قول الجمهور. # والثاني: أنهم المقرطون، ويقال: المسورون، ذكره الفراء، وابن قتيبة، ~~وأنشدوا في ms2184 ذلك. # ومخلدات باللجين كأنما * أعجازهن أفاوز الكثبان قوله [عز وجل]: (بأكواب ~~وأباريق) الكوب: إناء لا عروة له ولا خرطوم، وقد ذكرناه في " الزخرف: ~~والأباريق: آنية لها عرى وخراطيم، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: # الإبريق: فارسي معرب، وترجمته من الفارسية أحد شيئين، إما أن يكون: طريق ~~الماء، أو: صب الماء على هينة، وقد تكلمت به العرب قديما، قال عدي بن زيد: # ودعا بالصبوح ويوما فجاءت * قينة في يمينها إبريق وباقي الآية في " ~~الصافات ". # قوله [عز وجل] (لا يصدعون عنها [ولا ينزفون]) فيه قولان. # أحدهما: لا يلحقهم الصداع الذي يلحق شاربي خمر الدنيا. و " عنها " كناية ~~عن الكأس المذكورة، والمراد بها: الخمر، وهذا قول الجمهور. # والثاني: لا يتفرقون عنها، من قولك: صدعته فانصدع، حكاه ابن قتيبة. قوله ~~" ولا ينزفون " PageV07P280 # مفسر في " الصافات ". # قوله [عز وجل]: (مما يتخيرون) أي: يختارون، تقول: تخيرت الشيء: إذا أخذت ~~خيره. # قوله [عز وجل]: (ولحم طير) قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير، فيصير ~~ممثلا بين يديه على ما اشتهى. وقال مغيث بن سمي: يقع على أغصان شجرة طوبى ~~كأمثال البخت. فإذا اشتهى الرجل طيرا دعاه، فيجيء حتى يقع على خوانه، فيأكل ~~من أحد جانبيه قديدا والآخر شواء، ثم يعود طيرا فيطير فيذهب. # قوله [عز وجل]: (وحور عين) قرأ ابن كثير،، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~" وحور عين " بالرفع فيهما. وقرأ أبو جعفر، وحمزة، والكسائي، والمفضل عن ~~عاصم: بالخفض فيهما وقرأ أبي بن كعب، وعائشة، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: ~~" وحورا عينا " بالنصب فيهما. قال الزجاج: والذين رفعوا كرهوا الخفض، لأنه ~~معطوف على قوله: (يطوف عليهم) قالوا: والحور ليس مما يطاف به، ولكنه مخفوض ~~على غير ما ذهب إليه هؤلاء لأن المعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ~~ينعمون بها، فكذلك ينعمون بلحم طير، وكذلك ينعمون بحور عين، والرفع أحسن، ~~والمعنى: فلهم حور عين، ومن قرأ " وحورا عينا " حمله على المعنى، لأن ~~المعنى: يعطون هذه الأشياء ويعطون حورا عينا، إلا أنها تخالف المصحف فيكره. ~~ومعنى (كأمثال اللؤلؤ) أي: ms2185 # صفاؤهن وتلألؤهن وهو كصفاء اللؤلؤ وتلألئه. والمكنون: الذي لم يغيره ~~الزمان واختلاف أحوال في الاستعمال، فهن كاللؤلؤ حين يخرج من صدفه. # (جزاء) منصوب مفعول له، والمعنى: يفعل بهم ذلك جزاء بأعمالهم، وجوز أن ~~يكون منصوبا على أنه مصدر، لأن معنى " يطوف عليهم ولدان مخلدون ": يجازون ~~جزاء بأعمالهم، وأكثر النحويين على هذا الوجه. # قوله [عز وجل]: (لا يسمعون فيها لغوا) قد فسرنا معنى اللغو والسلام في ~~سورة PageV07P281 # مريم ومعنى التأثيم في الطور ومعنى " ما أصحاب اليمين " في أول هذه ~~السورة. # فإن قيل: التأثيم لا يسمع فكيف ذكره مع المسموع؟. # فالجواب: أن العرب يتبعون آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في أحدهما ما ~~يحسن في الآخر، فيقولون: أكلت خبزا ولبنا، واللبن لا يؤكل، إنما حسن هذا ~~لأنه كان مع ما يؤكل، قال الفراء: أنشدني بعض العرب: # إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا قال: والعين لا تزجج ~~إنما تكحل، فردها على الحاجب لأن المعنى يعرف وأنشدني آخر: # ولقيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا وأنشدني: # علفتها تبنا وماء باردا والماء لا يعلف وإنما يشرب، فجعله تابعا للتبن، ~~قال الفراء: وهذا هو وجه قراءة من قرأ، " وحور عين " بالخفض، لاتباع آخر ~~الكلام أوله، وهو وجه العربية. # وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) ~~وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة ~~(33) وفرش مرفوعة (34) إنا أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) عربا ~~أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من الآخرين (40) ~~وقد شرحنا معنى قوله: (وأصحاب اليمين) في قوله: " فأصحاب الميمنة ". وقد ~~روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أصحاب اليمين: أطفال المؤمنين. # قوله [عز وجل]: (في سدر مخضود) سبب نزولها أن المسلمين نظروا إلى وج. وهو ~~واد PageV07P282 # بالطائف مخصب. فأعجبهم سدره. فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا؟ فنزلت هذه ~~الآية، قاله أبو العالية، والضحاك. وفي قوله المخضود ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الذي لا شوك فيه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~عكرمة، وقسامة ابن زهير. ms2186 وقال ابن قتيبة: كأنه خضد شوكه. أي: قلع، ومنه قول ~~النبي صلى عليه وسلم في المدينة: " لا يخضد شوكها ". # والثاني: أنه الموقر حملا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والضحاك. # والثالث: أنه الموقر الذي لا شوك فيه، ذكره قتادة وفي الطلح قولان: # أحدهما أنه الموز، قاله علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، ~~والحسن، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة.. # الثاني: أنه شجر عظام كبار الشوك، قال أبو عبيدة: هذا هو الطلح عند ~~العرب، قال الحادي. # بشرها دليلها وقالا * غدا ترين الطلح والجبالا فإن قيل: ما الفائدة في ~~الطلح؟ # فالجواب أن له نورا وريحا طيبة، فقد وعدهم ما يعرفون ويميلون إليه، وإن ~~لم يقع التساوي بينه وبين ما في الدنيا، وقال مجاهد: كانوا يعجبون ب‍ " وج ~~" وظلاله من طلحه وسدره، فأما المنضود، فقال ابن قتيبة: هو الذي قد نضد ~~بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره. فليس له ساق بارزة، فقال مسروق: ~~شجر الجنة نضد من أسفلها إلى أعلاها. # قوله [عز وجل]: (وظل ممدود) أي: دائم لا تنسخه الشمس. PageV07P283 # (وماء مسكوب) أي: جار غير منقطع. # قوله [عز وجل]: (لا مقطوعة ولا ممنوعة) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا مقطوعة في حين دون حين، ولا ممنوعة بالحيطان والنواظر إنما هي ~~مطلقة لمن أرادها، هذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. ولخصه بعضهم ~~فقال: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. # والثاني: لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمنع من أحد إذا أريدت، روي عن ابن ~~عباس. # والثالث: لا مقطوعة بالفناء، ولا ممنوعة بالفساد، ذكره الماوردي. # قوله [عز وجل]: (وفرش مرفوعة) فيها قولان: # أحدهما: رفعها أنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم. وفي رفعها قولان: ~~أحدهما: أنها مرفوعة فوق السرر. والثاني: أن رفعها: زيادة حشوها ليطيب ~~الاستمتاع بها.. # والثاني: أن المراد بالفرش: النساء، والعرب تسمي المرأة: فراشا وإزارا ~~ولباسا، وفي معنى رفعهن ثلاثة أقوال: أحدها: أنهن رفعن بالجمال على نساء ~~أهل الدنيا، والثاني: رفعن عن الأدناس، والثالث: رفعن في القلوب لشدة الميل ~~إليهن. # قوله [تعالى]: ms2187 (إنا أنشأناهن إنشاء) يعني النساء. قال ابن قتيبة: اكتفى ~~بذكر الفرش لأنها محل النساء عن ذكرهن. وفي المشار إليهن قولان: # أحدهما: أنهن نساء أهل الدنيا المؤمنات، ثم في إنشائهن قولان: أحدهما: ~~أنه إنشاؤهن من القبور، قاله ابن عباس. والثاني: إعادتهن بعد الشمط والكبر ~~صغارا، قاله الضحاك. # والثاني: أنهن الحور العين، وإنشاؤهن: إيجادهن عن غير ولادة، قاله ~~الزجاج: والصواب أن يقال: إن الإنشاء عمهن كلهن، فالحور أنشئن ابتداء، ~~والمؤمنات أنشئن بالإعادة وتغيير PageV07P284 # الصفات، وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن ~~من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا ". # قوله [عز وجل]: (فجعلناهن أبكارا) أي: عذارى. قال ابن عباس: لا يأتيها ~~زوجها إلا وجدها بكرا. # قوله [عز وجل]: (عربا) قرأ الجمهور: بضم الراء. وقرأ حمزة، وخلف: بإسكان ~~الراء، قال ابن جرير: هي لغة تميم وبكر. وللمفسرين في معنى " عربا " خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنهن المتحببات إلى أزواجهن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~سعيد بن جبير، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنهن العواشق، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، وقتادة، ومقاتل، والمبرد، وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: الحسنة التبعل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة. # والرابع: المغنجات، قاله عكرمة. # والخامس: الحسنة الكلام، قاله ابن زيد. # فأما الأتراب فقد ذكرناهن في ص:. # قوله [عز وجل]: (ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين) هذا من نعت أصحاب ~~اليمين. # وفي الأولين والآخرين خلاف، وقد سبق شرحه. وقد زعم أنه لما أنزلت الآية ~~الأولى، وهي قوله: # " وقليل من الآخرين " وجد المؤمنون من ذلك وجدا شديدا حتى أنزلت " وثلة ~~من الآخرين " فنسختها. # وروي عن عروة بن رويم نحو هذا المعنى. # قلت: وادعاء النسخ ها هنا لا وجه له لثلاثة أوجه. PageV07P285 # أحدها: أن علماء الناسخ والمنسوخ لم يوافقوا على هذا. # والثاني: أن الكلام في الآيتين خبر، والخبر لا يدخله النسخ، والثالث: أن ~~الثلة بمعنى الفرقة والفئة، قال الزجاج: اشتقاقهما من القطعة، والثل: الكسر ~~والقطع. ms2188 فعلى هذا قد يجوز أن تكون الثلة في معنى القليل. # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) وكانوا يصرون ~~على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون (47) أو آباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين والآخرين (49) ~~لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) ~~لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالؤن منها البطون ((53) فشاربون عليه من ~~الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم الدين (56) قوله [عز ~~وجل]: (ما أصحاب الشمال) قد بينا أنه بمعنى التعجب من حالهم، والمعنى: # ما لهم، وما أعد لهم [من] الشر؟! ثم بين سوء منقلبهم فقال: (في سموم) قال ~~ابن قتيبة: هو حر النار. # قوله [عز وجل]: (وظل من يحموم) قال ابن عباس: ظل من دخان: قال الفراء: # اليحموم: الدخان الأسود، (لا بارد ولا كريم) فوجه الكلام الخفض تبعا لما ~~قبله، ومثله (زيتونة لا شرقية ولا غربية)، وكذلك قوله: (وفاكهة كثيرة، لا ~~مقطوعة ولا ممنوعة)، ولو رفعت ما بعد PageV07P286 # " لا " لكان صوابا، والعرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا ينوي ~~به الذم، فتقول: ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة، وما هذا بسمين ولا كريم. ~~قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر. # قوله [عز وجل]: (إنهم كانوا قبل ذلك) أي: في الدنيا (مترفين) أي: متنعمين ~~في ترك أمر الله، فشغلهم ترفهم عن الاعتذار والتعبد. # (وكانوا يصرون) أي: يقيمون (على الحنث) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الشرك، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن زيد. # والثاني: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه، قاله مجاهد. وعن قتادة ~~كالقولين. # والثالث: أنه اليمين الغموس، قاله الشعبي. # والرابع: الشرك والكفر بالبعث، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (أو آباؤنا الأولون) قال أبو عبيدة: الواو متحركة لأنها ~~ليست بواو وإنما هي " وآباؤنا "، فدخلت عليها ألف الاستفهام فتركت مفتوحة. ~~وقرأ أهل المدينة، وابن عامر،: " أو آباؤنا " باسكان الواو. # وقد سبق بيان ما لم نذكره ها هنا ms2189 إلى قوله: (فشاربون شرب الهيم) قرأ أهل ~~المدينة، وعاصم، وحمزة: " شرب إليهم " [بضم الشين]، والباقون بفتحها.. ~~وأكثر أهل نجد يقولون: # شربا بالفتح، أنشدني عامتهم: # تكفيه حزة فلذ إن ألم بها * من الشواء ويكفي شربه الغمر وزعم الكسائي أن ~~قوما من بني سعد بن تميم يقولون: " شرب الهيم " بالكسر. وقال الزجاج: # " الشرب " المصدر، و " الشرب " بالضم: الاسم، قال: وقد قيل: إنه مصدر ~~أيضا. وفي " الهيم " قولان: # أحدهما: الإبل العطاش، رواه ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد. # هي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، يقال: بعير أهيم، وناقة هيماء. ~~PageV07P287 # والثاني: أنها الأرض الرملة التي لا تروى من الماء، وهو مروي عن ابن عباس ~~أيضا. قال أبو عبيدة: الهيم: ما لا يروى من رمل أو بعير. # قوله [عز وجل]: (هذا نزلهم) أي: رزقهم وروى عباس عن أبي عمرو: " نزلهم " ~~بسكون الزاي، وفي " الدين " قولان قد ذكرناهما في " الفاتحة ". # نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ~~تذكرون (62) قوله [عز وجل]: (نحن خلقناكم) أي: أوجدناكم ولم تكونوا شيئا، ~~وأنتم تقرون بهذا (فلولا) أي: فهلا (تصدقون) بالبعث؟! # ثم احتج على بعضهم بالقدرة على ابتدائهم فقال: (أفرأيتم ما تمنون) قال ~~الزجاج: أي: # ما يكون منكم من المني يقال: أمنى الرجل يمنى، ومنى يمني، فيجوز على هذا ~~" تمنون " بفتح التاء إن ثبتت به رواية. # قوله [عز وجل]: (أأنتم تخلقونه [أم نحن الخالقون]) أم تخلقون ما تمنون ~~بشرا؟! وفيه تنبيه على شيئين. # أحدهما: الامتهان: إذا خلق من الماء المهين بشرا سويا. # والثاني: أن من قدر على خلق ما شاهدتموه من أصل وجودكم كان أقدر على خلق ~~ما غاب عنكم من إعادتكم. # قوله [عز وجل]: (نحن قدرنا بينكم الموت) وقرأ ابن كثير: " قدرنا " بتخفيف ~~الدال. وفي PageV07P288 # معنى الكلام قولان:. # أحدهما: قضينا عليكم بالموت. # والثاني: سوينا بينكم في الموت قوله: ms2190 (وما نحن بمسبوقين، على أن نبدل ~~أمثالكم) قال الزجاج: المعنى: إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم [لا] يسبقنا ~~سابق، ولا يفوتنا ذلك. وقال ابن قتيبة: لسنا مغلوبين على أن نستبدل بكم ~~أمثالكم. # قوله [عز وجل]: (وننشئكم في ما لا تعلمون) وفيه أربعة أقوال: # أحدها: نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم، قاله ~~الحسن. # والثاني: ننشئكم في حواصل طير سود تكون ب‍ " برهوت " كأنها الخطاطيف، ~~قاله سعيد بن المسيب. # والثالث: نخلقكم في أي خلق شئنا، قاله مجاهد. # والرابع: نخلقكم في سوى خلقكم، قاله السدي. قال مقاتل: نخلقكم سوى خلقكم ~~في ما لا تعلمون من الصور. # قوله [عز وجل]: (ولقد علمتم النشأة الأولى) أي وهي ابتداء خلقكم من نطفة ~~وعلقة (فلولا تذكرون) أي: فهلا تعتبرون فتعلموا قدرة الله فتقروا بالبعث. # أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزراعون (64) لو نشاء ~~لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) ~~أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~(69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) أفرأيتم النار التي تورون ~~(71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا ~~للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74) قوله [عز وجل]: (أفرأيتم ما ~~تحرثون) أي: ما تعملون في الأرض من إثارتها، وإلقاء PageV07P289 # البذور فيها، (أأنتم تزرعونه) أي: تنبتونه؟! وقد نبه هذا الكلام على ~~أشياء منها إحياء الموتى، ومنها الامتنان بإخراج القوت، ومنها القدرة ~~العظيمة الدالة على التوحيد. # قوله [عز وجل]: (لجعلناه) يعني الزرع (حطاما) قال عطاء: تبنا لا قمح فيه. ~~وقال الزجاج: أبطلناه حتى يكون منحطما لا حنطة فيه، ولا شيء. # قوله [عز وجل]: (فظلتم) وقرأ الشعبي، وأبو العالية، وابن أبي عدي: " ~~فظلتم " بكسر الظاء، قد بيناه في قوله: (ظلت عليه عاكفا). # قوله [عز وجل]: (تفكهون) وقرأ أبي بن كعب، وابن السميفع، والقاسم بن ~~محمد، وعكرمة: " تفكنون " بالنون. وفي المعنى أربعة أقوال. # أحدها: تعجبون، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل. قال الفراء: ~~تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم. # والثاني: تندمون، قاله الحسن، ms2191 والزجاج. وعن قتادة كالقولين. قال ابن ~~قتيبة: يقال: # " تفكهون ": تندمون، ومثلها: تفكنون، وهي لغة لعكل. # والثالث: تلاومون قاله عكرمة. # والرابع: تتفجعون، قاله ابن زيد. # قوله [عز وجل]: (إنا لمغرمون) قال الزجاج: أي: تقولون: قد غرمنا وذهب ~~زرعنا. # وقال ابن قتيبة: " لمغرمون " أي: لمعذبون. # قوله [عز وجل]:: (بل نحن محرومون) أي: حرمنا ما كنا نطلب من الريع في ~~الزرع. # وقد نبه بهذا على أمرين. PageV07P290 # أحدهما: إنعامه عليهم إذ لم يجعل زرعهم حطاما. # والثاني: قدرته على إهلاكهم كما قدر على إهلاك الزرع. فأما المزن، فهي ~~السحاب، واحدتها: مزنة. # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: (التي تورون) قال أبو عبيدة: أي تستخرجون، من ~~أوريت، وأكثر ما يقال: وريت. وقال ابن قتيبة: " تورون " أي: تقدحون، تقول: ~~أوريت النار: إذا قدحتها. # قوله [عز وجل]: (أأنتم أنشأتم شجرتها) في المراد بشجرتها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الحديد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها الشجرة التي تتخذ منها الزنود، وهو خشب يحك بعضه ببعض ~~فتخرج منه النار، هذا قول ابن قتيبة، والزجاج. # والثالث: أن شجرتها: أصلها، ذكره الماوردي. # قوله [عز وجل]: (نحن جعلناها تذكرة) قال المفسرون: إذا رآها الرائي ذكر ~~نار جهنم، وما يخافه من عذابها، فاستجار بالله منها (ومتاعا) أي: منفعة ~~(للمقوين) وفيهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم المسافرون، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. قال ابن قتيبة: ~~سموا بذلك لنزلهم القوى، وهو القفر. وقال بعض العلماء: المسافرون أكثر حاجة ~~إليها من المقيمين، لأنهم إذا أوقدوها هربت منهم السباع واهتدى به الضال. # والثاني: أنهم المسافرون والحاضرون، قاله مجاهد. # والثالث: أنهم الجائعون،. قال ابن زيد: المقوي: الجائع في كلام العرب. # والرابع: أنهم الذين لا زاد معهم ولا مرد لهم، قاله أبو عبيدة. # قوله [عز وجل]: (فسبح باسم ربك العظيم) قال الزجاج: لما ذكر ما يدل على ~~توحيده، PageV07P291 # وقدرته، وإنعامه، قال: " فسبح باسم ربك " أي: برئ الله ونزهه عما يقولون ~~في وصفه. وقال الضحاك: معناه: فصل باسم ربك، أي: استفتح الصلاة بالتكبير. ~~وقال ابن جرير: سبح بذكر ربك وتسميته. ms2192 وقيل: الباء زائدة. والاسم يكون ~~بمعنى الذات، والمعنى: فسبح ربك. # فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن ~~كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلى المطهرون (79) تنزيل من رب ~~العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ~~(82) قوله [عز وجل]: (فلا أقسم) في " لا " قولان: # أحدهما: أنها دخلت توكيدا. والمعنى: فأقسم، ومثله (لئلا يعلم أهل الكتاب) ~~قاله الزجاج: وهو مذهب سعيد بن جبير. # والثاني: أنها على أصلها. ثم في معناها قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى ما تقدم، ومعناها: النهي، تقدير الكلام: فلا ~~تكذبوا، ولا تجحدوا ما ذكرته من النعم والحجج، قاله الماوردي. # والثاني: أن " لا " ردا لما يقوله الكفار في القرآن: إنه سحر، وشعر، ~~وكهانة، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، قاله علي بن أحمد النيسابوري: ~~وقرأ الحسن: فلأقسم بغير ألف بين الكلام والهمزة. # قوله [عز وجل]: (بمواقع) وقرأ حمزة، والكسائي: " بموقع " على التوحيد. ~~قال أبو علي: # مواقعها: مساقطها. ومن أفرد، فلأنه اسم جنس. ومن جمع فلاختلاف ذلك. وفي " ~~النجوم " قولان: # أحدهما: نجوم السماء، قاله الأكثرون. فعلى هذا في مواقعها ثلاثة أقوال. ~~أحدها: # انكدارها وانتثارها يوم القيامة، قاله الحسن. والثاني: منازلها، قاله ~~عطاء، وقتادة. والثالث: PageV07P292 # مغيبها في المغرب، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أنها نجوم القرآن، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. فعلى هذا ~~سميت نجوما لنزولها متفرقة، ومواقعها: نزولها قوله: (وإنه لقسم) الهاء ~~كناية عن القسم. وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: وإنه لقسم عظيم لو ~~تعلمون عظمه. ثم ذكر المقسم عليه فقال تعالى: (إنه لقرآن كريم) والكريم: ~~اسم جامع لما يحمد، وذلك أن فيه البيان، والهدى، والحكمة، وهو معظم عند ~~الله عز وجل. # قوله [عز وجل]: (في كتاب) فيه قولان: # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس. والثاني: أنه المصحف الذي ~~بأيدينا، قاله مجاهد، وقتادة. وفي " المكنون " قولان: # أحدهما: مستور من الخلق، قاله مقاتل، وهذا على القول الأول. # والثاني: مصون، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (لا يمسه إلا المطهرون) قال مقاتل: إنه اللوح المحفوظ. ms2193 ~~فالمطهرون عنده: الملائكة، وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد وسعيد بن ~~جبير. فعلى هذا يكون الكلام خبرا. ومن قال: هو المصحف، ففي المطهرين أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنهم المطهرون من الأحداث، قاله الجمهور. فيكون ظاهر الكلام ~~النفي، ومعناه النهي. # والثاني: المطهرون من الشرك، قاله ابن السائب. # والثالث: المطهرون من الذنوب والخطايا، قاله الربيع بن أنس. # والرابع: أن معنى الكلام: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، حكاه الفراء. # قوله [عز وجل]: (تنزيل) أي: هو تنزيل. والمعنى: هو منزل، فسمي المنزل ~~تنزيلا على PageV07P293 # اتساع اللغة، كما تقول للمقدور: قدر، وللمخلوق: خلق. # قوله [عز وجل]: (أفبهذا الحديث) يعني: القرآن (أنتم مدهنون) فيه قولان: # أحدهما: مكذبون، قاله ابن عباس، والضحاك، والفراء. # والثاني: ممالئون الكفار على الكفر به، قاله مجاهد. قال أبو عبيدة: ~~المدهن: المداهن، وكذلك قال ابن قتيبة " مدهنون " أي: مداهنون. يقال: أدهن ~~في دينه، وداهن. قوله (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) روى مسلم في " " صحيحه ~~من حديث ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر ". ~~قالوا: هذه رحمة آتية وضعها الله حيث شاء. وقال بعضهم: لقد صدق نو كذا، ~~وكذا، فنزلت هذه الآية " فلا أقسم بمواقع النجوم " حتى بلغ " أنكم تكذبون ~~". وروى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث زيد بن خالد الجهني، قال: ~~صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بالحديبية على إثر سماء كانت من ~~الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم "؟ ~~قالوا: الله ورسوله أعلم. # قال: " قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل ~~الله وبرحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب. وأما من قال: مطرنا بنو كذا ~~وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب ". # وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الرزق ها هنا بمعنى الشكر. روت عائشة رضي الله عنها عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وتجعلون ms2194 رزقكم) قال: " شكركم "، وهذا ~~قول علي بن أبي طالب وابن عباس. وكان علي يقرأ " وتجعلون شكركم ". ~~PageV07P294 # والثاني: أن المعنى: وتجعلون شكر رزقكم تكذيبكم، قاله الأكثرون. وذلك ~~انهم كانوا يمطرون، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. # والثالث: أن الرزق بمعنى الحظ. فالمعنى: وتعجلون أحظكم ونصيبكم من القرآن ~~أنكم تكذبون، ذكره الثعلبي. وقرأ أبي بن كعب، والمفضل عن عاصم " تكذبون " ~~بفتح التاء، وإسكان الكاف، مخففة الذال. # فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم ~~صادقين (87) فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنت نعيم (89) وأما ~~إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن كان من ~~المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق ~~اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم (96) قوله [عز وجل]: (فلولا) أي: فهلا ~~(إذا بلغت الحلقوم) يعني: النفس فترك ذكرها لدلالة الكلام، وأنشدوا من ذلك: # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر قوله [عز وجل]: (وأنتم) يعني أهل الميت ~~(تنظرون) للانسان في تلك الحالة، ولا PageV07P295 # تملكون له شيئا (ونحن أقرب إليه منكم) فيه قولان: # أحدهما: ملك الموت أدنى إليه من أهله (ولكن لا تبصرون) الملائكة، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: [ونحن] أقرب إليه منكم بالعلم والقدرة والرؤية (ولكن لا تبصرون) ~~أي: لا تعلمون، والخطاب للكفار، ذكره الواحدي. # قوله [عز وجل]: (فلولا أن كنتم غير مدينين) فيه خمسة أقوال: # أحدها: محاسبين، رواه الضحاك، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، ~~وعكرمة. # والثاني: موقنين، قاله مجاهد. والثالث: مبعوثين قاله قتادة والرابع: ~~مجزيين. ومنه يقال: دنته، وكما تدين تدان قاله أبو عبيدة. والخامس: مملوكين ~~إذا من قولك: دنت له بالطاعة، قاله ابن قتيبة. # قوله [عز وجل]: (ترجعونها) أي: تردون النفس. والمعنى: إن جحدتم للإله ~~الذي يحاسبكم ويجازيكم، فهلا تردون هذه النفس؟! فإذا لم يمكنكم ذلك، ~~فاعلموا أن الأمر لغيركم. # قال الفراء: وقوله [عز وجل]: (ترجعونها) هو جواب لقوله: [عز وجل]: (فلولا ~~إذا بلغت الحلقوم) ms2195 ولقوله [عز وجل]: (فلولا إن كنتم غير مدينين) فإنهما ~~أجيبتا بجواب واحد. # ومثله قوله [عز وجل]: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم) ~~ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت فقال [عز وجل]: (فأما إن كان من القربين) ~~يعني: الذي بلغت نفسه الحلقوم (من المقربين) عند الله. قال أبو العالية: هم ~~السابقون (فروح) أي: فله روح. # والجمهور يفتحون الراء. وفي معناها ستة أقوال: # أحدها: الفرح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: الراحة، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: المغفرة والرحمة، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~والرابع: الجنة، قاله مجاهد. والخامس: روح من الغم الذي كانوا فيه، قاله ~~محمد بن كعب. والسادس: روح في القبر، أي: طيب نسيم، قاله ابن قتيبة. وقرأ ~~أبو بكر الصديق، وأبو رزين، والحسن، وعكرمة وابن PageV07P296 # يعمر، وقتادة، ورويس عن [يعقوب]، وابن أبي سريج عن الكسائي: " فروح " ~~برفع الراء. وفي معنى هذه القراءة قولان: # أحدهما: أن معناها: فرحمة، قاله قتادة. # والثاني: فحياة وبقاء، قاله ابن قتيبة. وقال الزجاج: معناه: فحياة دائمة ~~لا موت معها. # وفي " الريحان " أربعة أقوال. # أحدها: أنه الرزق، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنه المستراح، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه الجنة، قاله مجاهد، وقتادة. # والرابع: أنه الريحان المشموم. وقال أبو العالية: لا تخرج أحد من ~~المقربين من الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة، فيشمه، ثم تقبض فيه ~~روحه، وإلى نحو هذا ذهب الحسن. # وقال أبو عمران الجوني: بلغنا أن المؤمن إذا قبض روحه تلقى بضبائر ~~الريحان من الجنة فتجعل، روحه فيه. # قوله [عز وجل]: (فسلام لك من أصحاب اليمين) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فسلامة لك من العذاب، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين، قاله عطاء. # والثالث: أن المعنى: أنك ترى فيهن ما تحب من السلامة. وقد علمت ما أعد ~~لهم من الجزاء، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (وأما إن كان من ms2196 المكذبين الضالين) أي: بالبعث (الضالين) ~~عن الهدى (فنزل) وقد بيناه في هذه السورة. PageV07P297 # قوله [عز وجل]: (إن هذا) يعني: ما ذكر في هذه السورة (لهو حق اليقين) أي: ~~هو اليقين حقا، فأضافه إلى نفسه، كقولك: صلاة الأولى، وصلاة العصر، ومثله: ~~(ولدار الآخرة) وقد سبق هذا المعنى وقال قوم: معناه: وإنه للمتقين حقا. ~~وقيل للحق: اليقين. # قوله [عز وجل]: (فسبح باسم ربك العظيم) قد ذكرناه في هذه السورة. ~~PageV07P298 # سورة الحديد مدنية وآياتها تسع وعشرون وفيها قولان: # أحدهما: أنها مدنية، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وعكرمة، وجابر بن زيد، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أنها مكية، قاله ابن السائب. # بسم الله الرحمن الرحيم سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ~~(1) له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير (2) هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم (3) هو الذي خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ~~ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ~~(4) له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع PageV07P299 # الأمور (5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات ~~الصدور (6) قوله [عز وجل]: (سبح لله ما في السماوات والأرض) أما تسبيح ما ~~يعقل، فمعلوم، وتسبيح ما لا يعقل، قد ذكرنا معناه في قوله [عز وجل]: (وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده). # قوله [عز وجل]: (هو الأول) قال أبو سليمان الخطابي الأول هو السابق ~~للأشياء (والآخر) الباقي بعد فناء الخلق (والظاهر) بحجته الباهرة، وبراهينه ~~النيرة، وشواهده الدالة على صحة وحدانيته. ويكون: الظاهر فوق كل شيء ~~بقدرته. وقد يكون الظهور بمعنى العلو، ويكون بمعنى الغلبة. والباطن: هو ~~المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية وقد يكون معنى ~~الظهور والبطون: احتجابه عن أبصار الناظرين، وتجليه لبصائر المتفكرين. ~~ويكون معناه: العالم بما ظهر من الأمور، والمطلع على ما بطن من الغيوب. ~~قوله: (هو ms2197 الذين خلق السماوات والأرض) مفسر في الأعراف، إلى قوله [عز وجل]: ~~(يعلم ما يلج في الأرض) وهو مفسر في سبأ إلى قوله [عز وجل]: وهو معكم أينما ~~كنتم) أي: بعلمه وقدرته. وما بعده ظاهر إلى قوله [عز وجل]: (آمنوا بالله ~~ورسوله) قال المفسرون: هذا الخطاب لكفار قريش (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين ~~فيه) يعني: المال الذي كان بأيدي غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشا ذلك ~~المال، فكانوا فيه خلفاء من مضى. # امنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير (7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا ~~بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على عبده آيات ~~بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور PageV07P300 # وإن الله بكم لرؤف رحيم (9) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث ~~السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون ~~خبير (10) من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) ~~قوله [عز وجل]: (وما لكم لا تؤمنون بالله) هذا استفهام إنكار، والمعنى: أي ~~شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله (وقد أخذ ميثاقكم؟) قرأ ~~أبو عمرو " أخذ " بالرفع. وقرأ الباقون " أخذ " بفتح الخاء (ميثاقكم) ~~بالفتح. والمراد به: حين أخرجتم من ظهر آدم (إن كنتم مؤمنين) بالحجج ~~والدلائل. # قوله [عز وجل]: (هو الذي ينزل على عبده) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ~~(آيات بينات) يعني: # القرآن (ليخرجكم من الظلمات) يعني الشرك إلى نور الإيمان (وإن الله بكم ~~لرؤوف رحيم) حين بعث الرسول ونصب الأدلة. ثم حثهم على الإنفاق فقال: (وما ~~لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض): أي شيء لكم في ~~ترك الإنفاق مما يقرب إلى الله عز وجل وأنتم ميتون تاركون أموالكم؟! ثم بين ~~فضل من سبق بالإنفاق فقال: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح) وفيه ~~قولان: ms2198 # أحدهما: أنه فتح مكة، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنه فتح الحديبية، قاله الشعبي. والمعنى: لا يستوي من أنفق ~~[قبل] ذلك (وقاتل) ومن فعل ذلك بعد الفتح. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في ~~أبي بكر الصديق قوله: # (أولئك أعظم درجة) قال ابن عباس: أعظم منزلة عند الله. قال عطاء: درجات ~~الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال الزجاج: لأن ~~المتقدمين كانت بصائرهم أنفذ. ونالهم من المشقة أكثر (وكلا وعد الله ~~الحسنى) أي: وكلا الفرقين وعده الله الجنة. وقرأ ابن عامر " وكل " بالرفع. ~~PageV07P301 # قوله [عز وجل]: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له) قرأ ابن ~~كثير، وابن عامر " فيضعفه " مشددة العين بغير ألف، إلا أن ابن كثير يضم ~~الفاء، وابن عامر يفتحها. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي " فيضاعفه ~~" بالألف وضم الفاء، وافقهم عاصم [إلا أنه] فتح الفاء. قال أبو علي: يضاعف ~~ويضعف بمعنى واحد، إلا أن الرفع في " يضاعف " هو الوجه، لأنه محمول على " ~~يقرض ". أو على الانقطاع من الأول كأنه [أراد أن يقول) فهو يضاعف. ويحمل ~~قول [الذي] نصب على المعنى، لأنه إذا قال: من ذا الذي يقرض الله، [أراد أن ~~يقول] أيقرض الله أحد قرضا فيضاعفه. والآية مفسرة في البقرة والأجر الكريم: ~~الجنة. # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) ~~يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير (15) قوله [عز وجل]: (يسعى نورهم) قال المفسرون: يضيء ~~لهم نور عملهم على الصراط على قدر أعمالهم. قال ابن مسعود: منهم من نوره ~~مثل الجبل، وأدناهم نورا ms2199 نوره على إبهامه يطفئ مرة، ويوقد أخرى، وفي قوله ~~[عز وجل) قولان: PageV07P302 # أحدهما: أنه كتبهم يعطونها بأيمانهم، قاله الضحاك. # والثاني: أنه نورهم يسعى، أي: يمضي بين أيديهم، وعن أيمانهم، وعن ~~شمائلهم، والباء بمعنى: " في ". و " في " بمعنى " عن "، هذا قول الفراء. # قوله [عز وجل]: (بشراكم اليوم) هذا قول الملائكة لهم. # قوله [عز وجل]: (انظرونا نقتبس) وقرأ حمزة: " أنظرونا " بقطع الهمزة، ~~وفتحها، وكسر الظاء، قال المفسرون: تغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة، ~~فيعطى المؤمنون النور، فيمشي المنافقون بنور المؤمنين، قالوا: انظرونا ~~نقتبس من نوركم (قيل: ارجعوا وراءكم) في القائل لهم قولان: # أحدهما: أنهم المؤمنون، قاله ابن عباس. # والثاني: الملائكة، قاله مقاتل، وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: ارجعوا إلى المكان الذي قبستم فيه النور، فيرجعون، فلا يرون شيئا. # والثاني: ارجعوا فاعملوا عملا يجعله الله لكم نورا. # والثالث: أن المعنى: لا نور لكم عندنا قوله: (فضرب بينهم بسور) قال ابن ~~عباس: هو الأعراف، وهو سور (من قبله العذاب) وهو جهنم. وقد ذهب قوم إلى أن ~~السور يكون ببيت المقدس في مكان السور الشرقي بين الوادي الذي يسمى: وادي ~~جهنم، وبين الباب الذي يسمى: # باب الرحمة، وإلى نحو هذا ذهب عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمر، وكعب. # قوله [عز وجل]: (ينادونهم) أي: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور: ~~(ألم نكن معكم) أي: على دينكم نصلي بصلاتكم، ونغزو معكم؟! فيقول لهم ~~المؤمنون: (بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم) (وتربصتم) فيه قولان: PageV07P303 # أحدهما: تربصتم بالتوبة. # والثاني: تربصتم بمحمد الموت، وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح [وارتبتم] ~~شككتم في الحق (وغرتكم الأماني) يعني: ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر ~~بالمؤمنين (حتى جاء أمر الله) وفيه قولان: # أحدهما: أنه الموت. # والثاني: إلقاؤهم في النار (وغركم بالله الغرور) أي: غركم الشيطان بحكم ~~الله وإمهاله (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية) وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب ~~" لا تؤخذ " بالتاء، أي: بدل وعوض عن عذابكم. وهذا خطاب للمنافقين، ولهذا ~~[قال] [عز وجل]: (ولا من الذين كفروا). # قوله [عز وجل]: (هي مولاكم) قال ms2200 أبو عبيدة، أي: أولى بكم. # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلبوهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير ~~منهم فاسقون (16) إعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات ~~لعلكم تعقلون (17) قوله [عز وجل]: (ألم يأن للذين آمنوا) اختلفوا فيمن نزلت ~~على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في المؤمنين. قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا، وبين ~~أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا. ~~PageV07P304 # والثاني: أنها نزلت في المنافقين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مقاتل: ~~سأل المنافقون سلمان الفارسي فقالوا: حدثنا عن التوراة فقال فإن فيها ~~العجائب، فنزلت هذه الآية. وقال الزجاج: # نزلت هذه الآية في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع. فأما من ~~كان وصفه الله عز وجل بالخشوع، والرقة، فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء. فعلى ~~الأول: يكون الإيمان حقيقة. وعلى الثاني: يكون المعنى: " ألم يأن للذين ~~آمنوا " بألسنتهم. قال ابن قتيبة: المعنى: ألم يحن. تقول: # آن الشيء: إذا حان. # قوله [عز وجل]: (أن تخشع قلوبهم) أي: ترق وتلين لذكر الله. المعنى، أنه ~~يجب أن يورثهم الذكر خشوعا (وما نزل من الحق) قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي " وما نزل " بفتح النون، والزاي، مع ~~تشديد الزاي. وقرأ نافع، وحفص، والمفضل عن عاصم [" نزل "] بفتح النون، ~~وتخفيف الزاي. وقرأ أبو عبد [الرحمن] السلمي، وأبو العالية، وابن يعمر، ~~ويونس بن حبيب عن أبي عمرو، وأبان عن عاصم " نزل " برفع النون، وكسر الزاي، ~~مع تشديدها. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء " وما أنزل " بهمزة مفتوحة، وفتح ~~الزاي. وقرأ أبو مجلز، وعمرو بن دينار مثله، إلا أنه بضم الهمزة، وكسر ~~الزاي. و " الحق " القرآن (ولا يكونوا) قرأ رويس عن يعقوب " ولا تكونوا " ~~بالتاء (كالذين أوتوا الكتاب) يعني: اليهود: والنصارى (فطال عليهم الأمد) ~~وهو: الزمان. وقال ابن قتيبة: الأمد: الغاية. والمعنى: أنه بعد عهدهم ~~بالأنبياء والصالحين (فقست قلوبهم وكثير ms2201 منهم فاسقون) وهم الذين لم يؤمنوا ~~بعيسى ومحمد عليهما السلام (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها) أي: يخرج ~~منها النبات بعد يبسها، فكذلك يقدر على إحياء الأموات (قد بينا لكم الآيات) ~~الدالة على وحدانيته وقدرته (لعلكم تعقلون)، أي: لكي تتأملوا. PageV07P305 # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم ~~(18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ~~أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) قوله ~~[عز وجل]: (إن المصدقين والمصدقات) قرأ ابن كثير، وعاصم إلا حفصا بتخفيف ~~الصاد فيهما على معنى التصديق وقرأ الباقون. بالتشديد على معنى الصدقة. # قوله [عز وجل]: (أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم) اختلفوا في نظم ~~الآية على قولين: # أحدهما: أن تمام الكلام عند قوله [عز وجل]: (أولئك هم الصديقون) ثم ابتدأ ~~فقال [عز وجل] (والشهداء عند ربهم) هذا قول ابن عباس، ومسروق، والفراء في ~~آخرين. # والثاني: أنها على نظمها. والواو في " والشهداء " واو النسق ثم في معناها ~~قولان: # أحدهما: أن كل مؤمن صديق شهيد، قاله ابن مسعود، ومجاهد. # والثاني: أنها نزلت في قوم مخصوصين، وهم ثمانية نفر سبقوا إلى الإسلام: ~~أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة بن عبد المطلب، وطلحة، والزبير، وسعد، ~~وزيد، قاله الضحاك. # وفي الشهداء قولان: # [أحدهما: أنه جمع شاهد. ثم فيهم قولان: أحدهما] أنهم الأنبياء خاصة، قاله ~~ابن PageV07P306 # عباس. والثاني: أنهم الشاهدون عند ربهم على أنفسهم بالإيمان بالله، قاله ~~مجاهد. # والقول الثاني: جمع شهيد، قاله الضحاك، ومقاتل. # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور (20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم (21) قوله [عز وجل]: (اعلموا أنما الحياة الدنيا) يعني: الحياة في ~~هذه الدار ms2202 (لعب ولهو) أي: غرور ينقضي عن قليل. وذهب بعض المفسرين إلى أن ~~المشار بهذا إلى حال الكافر في دنياه، لأن حيات تنقضي على لهو ولعب وتزيين ~~الدنيا، وتفاخر ويفاخر قرناءه وجيرانه، ويكاثرهم بالأموال والأولاد، فيجمع ~~من غير حله، ويتطاول على أولياء الله بماله، وخدمه، وولده، فيفنى عمره في ~~هذه الأشياء، ولا يلتفت إلى العمل للآخرة. ثم بين لهذه الحياة شبها، فقال: ~~(كمثل غيث) يعني: مطرا (أعجب الكفار) وهم الزراع، وسموا كفارا، لأن الزارع ~~إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي: غطاه (نباته) [أي: ما نبت من ذلك الغيث ~~(ثم يهيج) أي: ييبس] (فتراه مصفرا) بعد خضرته وريه (ثم يكون حطاما) أي: ~~ينحطم، وينكسر بعد يبسه. وشرح هذا المثل قد تقدم في " يونس " عند قوله: [عز ~~وجل] (إنما مثل الحياة الدنيا)، وفى " الكهف " PageV07P307 # عند قوله [عز وجل] (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا). # قوله [عز وجل]: (وفي الآخرة عذاب شديد) أي: لأعداء الله (ومغفرة من الله ~~ورضوان) لأوليائه وأهل طاعته. وما بعد هذا مذكور في آل عمران: إلى قوله: ~~(ذلك فضل الله) فبين أنه لا يدخل الجنة أحد إلا بفضل الله. # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن ~~يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) قوله [عز وجل]: (ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض) [يعني: قحط المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار] (ولا في أنفسكم) يعني ~~الأمراض، وفقد الأولاد (إلا في كتاب) وهو اللوح المحفوظ (من قبل أن نبراها) ~~أن نخلقها، يعني: الأنفس (إن ذلك على الله يسير) أي: أن إثبات ذلك على ~~كثرته هين على الله عز وجل (لكيلا تأسوا) أي: تحزنوا (على ما فاتكم) من ~~الدنيا (ولا تفرحوا بما آتاكم) وقرأ أبو عمرو - إلا اختيار اليزيدي - ~~بالقصر على معنى: جاءكم من الدنيا. وقرأ الباقون بالمد على معنى ms2203 ما: أعطاكم ~~الله منها. وأعلم أنه من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه وفرحه. وقد ~~روى قتيبة بن سعيد قال: دخلت بعض أحياء العرب، فإذا بفضاء من الأرض فيه من ~~الإبل ما لا يحصى عدده كلها قد مات، فسألت عجوزا: لمن كانت هذه الإبل؟ # فأشارت إلى شيخ على تل يغزل ألوف، فقلت له: يا شيخ لك كانت هذه الإبل؟ ~~قال: كانت PageV07P308 # باسمي، قلت: فما أصابها؟ قال: ارتجعها الذي أعطاها، قلت: فهل قلت [في ~~ذلك] شيئا؟ # قال: نعم، قلت: # لا والذي أنا عبد في عبادته والمرء في الدهر نصب الرزء والحزن ما سرني أن ~~إبلي في مباركها وما جرى في قضا الله لم يكن وما بعد هذا قد ذكرناه في سورة ~~النساء والذي قيل في البخل هناك هو الذي قيل ها هنا إلى قوله: (ومن يتول) ~~أي: عن الإيمان (فإن الله الغني) عن عباده (حميد) إلى أوليائه. وقد سبق ~~معنى الاسمين في البقرة وقرأ نافع وابن عامر " فإن الله الغني الحميد " ليس ~~فيها " هو " وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة، والشام. # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) قوله [عز وجل]: (لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات) أي: بالآيات والحجج (وأنزلنا معهم الكتاب) ببيان الشرائع، ~~والأحكام. وفي " الميزان " قولان:. # أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنه الذي يوزن به، قاله ابن زيد ومقاتل. فعلى القول الأول: يكون ~~المعنى: وأمرنا PageV07P309 # بالعدل. وعلى الثاني: ووضعنا الميزان، أي: أمرنا به (ليقوم الناس بالقسط) ~~أي: لكي يقوموا بالعدل. # قوله [عز وجل]: (وأنزلنا الحديد) فيه قولان: # أحدهما: أن الله تعالى [أنزل] مع آدم السندان، والكلبتين، والمطرقة، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أن معنى " أنزلنا ": أنشأنا وخلقنا، كقوله [عز وجل]: (وأنزل لكم ~~من الأنعام ثمانية أزواج). # قوله [عز وجل]: (فيه بأس شديد) قال الزجاج: وذلك أنه يمتنع به، ويحارب به ~~(ومنافع للناس) يستعملونه ms2204 في أدواتهم، وما ينتفعون به من آنية وغيرها. # قوله [عز وجل]: (وليعلم الله) [هذا معطوف على قوله تعالى: (ليقوم الناس)، ~~والمعنى: ليتعامل الناس بالعدل وليعلم الله] (من ينصره بالقتال في سبيله، ~~ونصرة دينه، وذلك أنه أمر في الكتاب الذي أنزل بذلك. وقد سبق معنى قوله [عز ~~وجل]: (وليعلم الله) في مواضع . وقوله [عز وجل]: (بالغيب) أي: ولم ير الله، ~~ولا أحكام الآخرة، وإنما يجهد ويثاب من أطاع بالغيب. # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير PageV07P310 # منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) قوله [عز وجل]: (وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب) يعني: الكتب (فمنهم) يعني: من الذرية (مهتد وكثير ~~منهم فاسقون) فيه قولان: # أحدهما: كافرون، قاله ابن عباس. والثاني: عاصون، قاله مقاتل.. # قوله [عز وجل]: (ثم قفينا على آثارهم) أي: أتبعنا على آثار نوح، ~~وإبراهيم، وذريتهما (بعيسى) وكان آخر أنبياء بني إسرائيل، قوله: (وجعلنا في ~~قلوب الذين اتبعوه) يعني: الحواريين وغيرهم من أتباعه على دينه (رأفة) وقد ~~سبق بيانها والمعنى انهم كانوا متوادين، كما وصف الله تعالى أصحاب نبينا ~~عليه والسلام، فقال [عز وجل]: (رحماء بينهم). # قوله [عز وجل]: (ورهبانية ابتدعوها) ليس هذا معطوف على ما قبله، وإنما ~~[انتصب] بفعل مضمر، يدل عليه ما بعده، تقديره: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ~~أي: [جاؤوا بها] من قبل أنفسهم، وهي غلوهم في العبادة، وحمل المشاق على ~~أنفسهم في الامتناع، عن المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال ~~(ما كتبناها عليهم) أي: ما فرضناها عليهم. وفي قوله [عز وجل]: (إلا ابتغاء ~~رضوان الله) قولان: # [أحدهما]: أن الاستثناء يرجع إلى قوله [عز وجل]: " ابتدعوها " والمعنى ~~ابتدعوها طلبا لرضوان الله، ولم يكتبها عليهم وهذا قول الجمهور. # والثاني: أنه راجع إلى قوله [عز وجل]: " ما كتبناها " ثم في معنى الكلام ms2205 ~~قولان: # أحدهما: ما كتبناها عليهم بعد دخولهم فيها تطوعا إلا ابتغاء رضوان الله. ~~قال الحسن: تطوعا بابتداعها ثم كتبها الله عليهم. وقال الزجاج: لما ألزموا ~~أنفسهم ذلك التطوع لزمهم إتمامه، كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم ~~يفترض عليه، لزمه أن يتمه. قال القاضي أبو يعلى: والابتداع PageV07P311 # قد يكون [بالقول، وهو ما ينذره ويوجبه على نفسه، وقد] يكون بالفعل ~~بالدخول فيه. وعموم الآية تتضمن الأمرين، فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة، ~~قولا، أو فعلا، فعليه رعايتها وإتمامها. والثاني: أن المعنى: ما أمرناهم ~~منها إلا بما يرضي الله عز وجل، لا غير [ذلك]، قاله ابن قتيبة. # قوله [عز وجل]: (فما رعوها حق رعايتها) في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم ما رعوها لتبديل دينهم وتغييرهم له، قاله عطية العوفي. ~~والثاني: لتقصيرهم فيما ألزموه أنفسهم. والثالث: لكفرهم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما بعث، ذكر القولين الزجاج: # والثاني: أنهم الذين تبعوا مبتدعي الرهبانية في رهبانيتهم، ما رعوها ~~بسلوك طريق أوليهم، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس. # قوله [عز وجل]: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) فيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: الذين آمنوا بمحمد (وكثير منهم فاسقون) وهم الذين لم يؤمنوا به. # والثاني: أن الذين آمنوا: المؤمنون بعيسى عليه السلام والفاسقون: ~~المشركون. # والثالث: أن الذين آمنوا: مبتدعو في الرهبانية، والفاسقون: متبعوهم على ~~غير القانون الصحيح. # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم (29) قوله [عز وجل]: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وآمنوا برسوله) عامة المفسرين على أن هذا الخطاب لليهود والنصارى، ~~والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله، وآمنوا برسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم (يؤتكم كفلين من رحمته) أي: نصيبين، وحظين (من رحمته) ~~قال الزجاج: PageV07P312 # الكفل: كساء يمنع الراكب ms2206 أن يسقط، فالمعنى: يؤتكم نصيبين يحفظانكم من ~~هلكة المعاصي. # وقد بينا معنى " الكفل " في سورة النساء [وفي] المراد بالكفلين هاهنا ~~قولان: # أحدهما: أن أحدهما لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء، والآخر: لإيمانهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس. # والثاني: أن أحدهما: [أجر] الدنيا. والثاني: [أجر] الآخرة، قاله ابن زيد. ~~قوله [عز وجل]: (ويجعل لكم نورا). تمشون به على الصراط رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثالث: الهدى، قاله مجاهد. والرابع: الإيمان، قاله ابن السائب. # قوله [عز وجل]: (لئلا يعلم) " لا " زائدة. قال الفراء: والعرب تجعل " لا ~~" صلة في كل كلام دخل في آخره أو أوله جحد، فهذا مما جعل في آخره جحد. ~~والمعنى: ليعلم (أهل الكتاب) الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~(ألا يقدرون) أي: أنهم لا يقدرون (على شيء من فضل الله) والمعنى: أنه جعل ~~[الأجرين] لمن آمن بمحمد [صلى الله عليه وسلم] ليعلم من لم يؤمن به أنه لا ~~أجر لهم ولا نصيب في فضل الله (وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) فآتاه ~~المؤمنين. هذا تلخيص قول الجمهور في هاتين الآيتين. وقد ذهب قوم إلى أنه ~~لما نزل في مسلمي أهل الكتاب قوله: # (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) إلى قوله [عز وجل]: (أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين) افتخروا على المسلمين بزيادة الأجر، فشق ذلك على ~~المسلمين، فنزلت هاتان الآيتان، وهذا المعنى في رواية أبي صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال مقاتل. فعلى هذا يكون الخطاب للمسلمين، ويكون المعنى: يؤتكم ~~أجرين ليعلم مؤمنو أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي ~~خصكم به، فإنه فضلكم على جميع الخلائق. وقال قتادة: لما نزل قوله تعالى: # (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله...) الآية، حسد أهل ~~الكتاب المسلمين، فأنزل الله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب...) الآية. ~~PageV07P313 # سورة المجادلة مدينة وآياتها ثنتان وعشرون وهي مدنية في قول ابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد، وعكرمة وقتادة والجمهور. وروي عن عطاء أنه قال: العشر ~~الأول منها ms2207 مدني، والباقي مكي. وعن ابن السائب: أنها مدنية سوى آية، وهي ~~قوله [عز وجل]: (ما يكون من نجوى ثلاثة). # بسم الله الرحمن الرحيم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) قوله [تعالى]: (قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها) أما سبب نزولها، فروى عروة عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، ولقد جاءت المجادلة ~~فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في جانب البيت أسمع كلامها، ~~ويخفى علي بعضه، وهي PageV07P314 # تشتكي زوجها وتقول: يا رسول [الله]: أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا ~~كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى ~~نزل جبريل بهذه الآيات. # فأما تفسيرها، فقوله [عز وجل]: (قد سمع الله) قال الزجاج: إدغام الدال في ~~السين حسن لقرب المخرجين، لأنهما من حروف طرف اللسان وادغام الدال في السين ~~تقوية للحرف، وإظهار الدال جائز، لأنه وإن قرب من مخرج السين، فله حيز على ~~حدة، ومن موضع الدال الطاء والتاء، فهذه الأحرف الثلاثة موضعها واحد، ~~والسين والزاي والصاد من موضع واحد، وهي تسمى: # حروف الصغير. وفي اسم هذه المجادلة ونسبتها أربعة أقوال: # أحدها: خولة بنت ثعلبة، رواه مجاهد، عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وقتادة، ~~والقرظي. # والثاني: خولة بنت خويلد، رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقتادة. ~~والقرظي. # والثالث: خولة بنت الصامت، رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: خولة بنت الدليج، قاله أبو العالية، واسم زوجها: أوس بن الصامت، ~~وكانا من الأنصار. # قال ابن عباس: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: [أنت] علي كظهر ~~أمي، حرمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، ثم ندم، وقال لامرأته: ~~انطلقي إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] [فسليه، فأتته، فنزلت هذه ~~الآيات فأما مجادلتها رسول الله] [صلى الله عليه وسلم]، قيل فإنه كان كلما ~~قال لها: قد حرمت عليه تقول: والله ما ذكر ms2208 طلاقا، فقال: ما أوحي إلي في هذا ~~شيء، PageV07P315 # فجعلت تشتكي إلى الله. وتشتكي بمعنى: تشكو. يقال: اشتكيت ما بي، وشكوته ~~بمعنى شكوى شاك اي اشكيته. وقالت: إن لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، ~~وإن ضممتهم إلي جاعوا. فأما التحاور، فهو مراجعة الكلام. قال عنترة في ~~فرسه: # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى * ولكان عمرو لو علم الكلام مكلمي الذين ~~يظهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا الائى ولدنهم وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لم قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به ~~والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك ~~حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) قوله [عز وجل]: (الذين يظاهرون منكم من ~~نسائهم) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو " يظهرون " بفتح الياء، وتشديد ~~الظاء والهاء وفتحهما من غير ألف. وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي بفتح الياء، وتشديد الظاء، وبألف، وتخفيف الهاء. وقرأ عاصم " ~~يظاهرون " بضم الياء، وتخفيف الظاء والهاء، وكسر الهاء في الموضعين مع ~~إثبات الألف. وقرأ ابن مسعود " يتظاهرون " بياء، وتاء، وألف. وقرأ أبي بن ~~كعب " يتظهرون " بياء وتاء وتخفيف الظاء، وتشديد الهاء من غير ألف. وقرأ ~~الحسن، وقتادة، والضحاك " يظهرون " بفتح الياء، وفتح الظاء، مخففة، مكسورة ~~الهاء مشددة. والمعنى: تقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا (ما هن أمهاتهم) قرأ ~~الأكثرون بكسر التاء. وروى المفضل عن عاصم رفعها. والمعنى [ما] اللواتي ~~تجعلن كالأمهات بأمهات لهم (إن أمهاتهم) أي: ما أمهاتهم (إلا اللائي ~~ولدنهم) قال الفراء: وانتصاب " الأمهات " هاهنا PageV07P316 # بإلقاء الباء، وهي قراءة عبد الله " ما هن بأمهاتهم "، ومثله،: (ما هذا ~~بشرا)، المعنى: ما هذا ببشر، فلما ألقيت الباء أبقي أثرها، وهو: النصب، ~~وعلى هذا كلام أهل الحجاز. فأما أهل نجد، فإنهم إذا ألقوا الباء رفعوا، ~~وقالوا: " ما هن أمهاتهم " و " ما هذا بشر " أنشدني ms2209 بعض العرب: # ركاب حسيل آخر الصيف بدن * وناقة عمرو ما يحل لها رحل ويزعم حسل أنه فرع ~~قومه * وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل قوله [عز وجل]: (وإنهم) يعني: ~~المظاهرين (ليقولون منكرا من القول) لتشبيههم الزوجات بالأمهات، والأمهات ~~محرمات على التأبيد، بخلاف الزوجات (وزورا) أي: كذبا (وإن الله لعفو غفور) ~~إذا شرع الكفارة لذلك. # قوله [عز وجل]: (ثم يعودون لما قالوا) اللام في " لما " يعني " إلى " ~~والمعنى: ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا على أنفسهم من وطء الزوجة بالعزم ~~على الوطء، قال الفراء: معنى الآية: # يرجعون عما قالوا، وفي [نقض] ما قالوا. وقال سعيد بن جبير: المعنى: ~~يريدون أن يعودوا للجماع الذي قد حرموه على أنفسهم. وقال الحسن، وطاوس، ~~والزهري: العود: هو الوطء. # وهذا يرجع إلى ما قلناه. وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار مدة ~~يمكنه طلاقها فيها فلا يطلقها. فإذا وجد هذا، استقرت [عليه] الكفارة، لأنه ~~قصد بالظهار تحريمها، فإن وصل إلى ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه، وإن ~~سكت عن الطلاق، فقد ندم على ما ابتدأ به، فهو عود إلى ما كان عليه، فحينئذ ~~تجب الكفارة. وقال داود: هو إعادة اللفظ ثانيا، لأن ظاهر قوله [عز وجل]: ~~(يعودون) يدل على تكرير اللفظ. قال الزجاج: وهذا قول من لا يدري اللغة. ~~وقال أبو علي الفارسي: ليس في هذا كما ادعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم ~~يكن الإنسان عليه. # قبل وسميت الآخرة معادا، ولم يكن فيها أحد ثم عاد إليها. قال الهذلي: # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى أهل الحق شيئا واستراح العواذل ~~PageV07P317 # وقد شرحنا هذا في قوله [عز وجل]: (وإلى الله ترجع الأمور) وقال ابن ~~قتيبة: من توهم أن الظهار لا يقع [حتى] يلفظ به ثانية، فليس بشيء، لأن ~~الناس قد أجمعوا أن الظهار يقع بلفظ واحد. وإنما تأويل الآية: أن أهل ~~الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه ~~عندهم في الجاهلية، وأنزل قوله [عز وجل]: (والذين يظاهرون منكم ms2210 من نسائهم) ~~يريد في الجاهلية ثم " يعودون لما قالوا " في الإسلام، أي: يعودون لما ~~كانوا يقولونه من هذا الكلام، (فتحرير رقبة) قال المفسرون: المعنى: فعليهم، ~~أو فكفارتهم تحرير رقبة، أي: # عتقها. وهل يشترط أن تكون مؤمنة؟ فيه عن أحمد روايتان. # قوله [عز وجل]: (من قبل أن يتماسا) وهو: كناية عن الجماع على أن العلماء ~~قد اختلفوا هل يباح للمظاهر الاستمتاع باللمس والقبلة؟ وعن أحمد روايتان. ~~وقال أبو الحسن الأخفش: # تقدير الآية " والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون ~~إلى نسائهم. # يفصل إذا وطئ المظاهر قبل ان يكفر أثم، واستقرت الكفارة، وقال أبو حنيفة: ~~يسقط الظهار والكفارة. واختلف العلماء فيما يجب عليه إذا فعل ذلك، فقال ~~الحسن، وسعيد بن المسيب، وطاوس، ومجاهد، وإبراهيم، وابن سيرين: عليه كفارة ~~واحدة، وقال الزهري، وقتادة في آخرين: عليه كفارتان. فإن قال: أنت علي كظهر ~~أمي اليوم، بطل الظهار بمضي اليوم، هذا قول أصحابنا، وأبي حنيفة، والثوري، ~~والشافعي، وقال ابن أبي ليلى، ومالك، والحسن بن صالح: هو مظاهر أبدا. # واختلفوا في الظهار من الأمة، فقال ابن عباس: ليس من أمة ظهار، وبه قال ~~[سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، و] أبو حنيفة، والشافعي، وقال سعيد بن ~~جبير، وطاوس، وعطاء، والأوزاعي، والثوري، ومالك: هو ظهار. ونقل أبو طالب عن ~~أحمد أنه قال: لا يكون مظاهرا من أمته، ولكن يلزمه كفارة الظهار، كما قال ~~في المرأة إذا ظاهرت من زوجها لم تكن مظاهرة، وتلزمها كفارة الظهار. # واختلفوا فيمن قال أنت علي كظهر أبي فقال مالك هو مظاهر وهو قول أصحابنا ~~وقال أبو حنيفة والشافعي، لمن لا يكون مظاهرا. PageV07P318 # واختلفوا فيمن ظاهر مرارا، قال أبو حنيفة، والشافعي: إن كان في مجالس، ~~فكفارات، وإن كان في مجلس واحد، فكفارة: قال القاضي أبو يعلى: وعلى قول ~~أصحابنا: يلزمه كفارة واحدة، سواء كان في مجلس واحد، أو في مجالس، ما لم ~~يكفر، وهذا قول مالك. # قوله [عز وجل]: (ذلكم توعظون به) قال الزجاج: ذلكم التغليظ توعظون به. # والمعنى: أن غلظ ms2211 الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. # قوله [عز وجل]: (فمن لم يجد) يعني: الرقبة (فصيام شهرين) أي: فعليه صيام ~~شهرين (متتابعين فمن لم يستطع) الصيام (ف‍) كفارته (إطعام ستين مسكينا ذلك) ~~أي: # الفرض ذلك الذي وصفنا (لتؤمنوا بالله ورسوله) أي: تصدقوا بأن الله أمر ~~بذلك، وتصدقوا بما أتى به الرسول (وتلك حدود الله) يعني: ما وصفه الله من ~~الكفارات في الظهار (وللكافرين عذاب أليم) قال ابن عباس: لمن جحد هذا وكذب ~~به. # إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم (7) قوله [عز وجل]: (إن ~~الذين يحادون الله [ورسوله]) قد ذكرنا معنى المحادة في التوبة ومعنى " ~~كبتوا " في (آل عمران) عند قوله [عز وجل]: (أو يكبتهم) وقال ابن عباس: ~~PageV07P319 # أخزوا يوم الخندق بالهزيمة كما أخزي الذين من قبلهم ممن قاتل الرسل. # قوله [عز وجل]: (يوم يبعثهم الله جميعا) أي: من قبورهم (فينبئهم بما ~~عملوا) من معاصيه، وتضييع فرائضه (أحصاه الله) أي: حفظه الله عليهم (ونسوه ~~والله على كل شيء) من أعمالهم في السر والعلانية (شهيد) (ألم تر) أي: ألم ~~تعلم. # قوله [عز وجل]: (ما يكون من نجوى ثلاثة) وقرأ أبو جعفر " ما تكون " ~~بالتاء. قال ابن قتيبة: النجوى: السرار. وقال الزجاج: ما يكون من خلوة ~~ثلاثة يسرون شيئا، ويتناجون به (إلا هو رابعهم) أي: عالم به. و " نجوى " ~~مشتق من النجوة، وهو ما ارتفع. وقرأ يعقوب " ولا أكثر " بالرفع. وقال ~~الضحاك: " إلا هو معهم " أي: علمه معهم. # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ms2212 ويتناجون بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في ~~أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يا ~~أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ~~وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما النجوى من ~~الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (10) قوله [تعالى]: (ألم ترى إلى الذين نهوا عن النجوى) ~~في سبب نزولها قولان. # أحدهما: نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم ~~دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون ~~نجواهم قالوا: ما نراهم إلا قد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في ~~السرايا، قتل أو موت، أو مصيبة، فيقع ذلك في PageV07P320 # قلوبهم، ويحزنهم، فلا يزالون كذلك حتى تقدم أصحابهم. فلما طال ذلك وكثر، ~~شكا المؤمنون إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فأمرهم أن لا يتناجوا ~~دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في اليهود، قاله مجاهد. قال مقاتل: وكان بين اليهود ~~وبين رسول الله موادعة، فإذا رأوا رجلا من المسلمين وحده تناجوا بينهم، ~~فيظن المسلم أنهم يتناجون بقتله، أو بما يكره، فيترك الطريق من المخافة، ~~فبلغ ذلك رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فنهاهم عن النجوى، فلم ينتهوا، ~~وعادوا إليها، فنزلت هذه الآية. وقال ابن السائب: نزلت في المنافقين. ~~والنجوى: # بمعنى المناجاة (ثم يعودون) إلى المناجاة التي نهوا عنها (ويتناجون) قرأ ~~حمزة، ويعقوب إلا زيدا، وروحا " ويتنجون " وقرأ الباقون " ويتناجون " بألف. ~~وفي معنى تناجيهم (بالإثم والعدوان) وجهان. # أحدهما: يتناجون بما يسوء المسلمين، فذلك الإثم والعدوان ومعصية الرسول، ~~ويوصي بعضهم بعضا بمعصية الرسول. # والثاني: يتناجون بعد نهي الرسول، لهم ذلك هو الإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول. # قوله [عز وجل]: (وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله) اختلفوا فيمن نزلت ~~على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في اليهود. قالت عائشة عليهما السلام: جاء ناس من ~~اليهود ms2213 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك يا أبا ~~القاسم، فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم، فقال رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]: مه يا عائشة، فإن [الله] لا يحب الفحش، ولا التفحش، فقلت: يا رسول ~~الله: ترى ما يقولون؟ [فقال: ألست ترين أرد عليهم ما يقولون، و] أقول: ~~وعليكم السام، قالت: فنزلت هذه الآية في ذلك. قال الزجاج: والسام: الموت. # والثاني: أنها نزلت في المنافقين، رواه عطية عن ابن عباس. # قال المفسرون: ومعنى " " حيوك سلموا عليك بغير سلام الله عليك، وكانوا ~~يقولون: PageV07P321 # [السام عليك. فإذا] خرجوا يقولون في أنفسهم، أو يقول بعضهم لبعض: لو كان ~~نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول. # قوله [عز وجل]: (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم) فيها قولان: # أحدهما: نزلت في المنافقين، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بزعمهم، وهذا ~~قول عطاء ومقاتل. # والثاني: أنها في المؤمنين، والمعنى: أنه نهاهم عن فعل المنافقين ~~واليهود، وهذا مذهب جماعة، منهم الزجاج. # قوله [عز وجل]: (فلا تتناجوا) هكذا قرأ الجماعة بألف. وقرأ يعقوب وحده " ~~فلا تتنجوا ". فأما " البر " فقال مقاتل: هو الطاعة، و " التقوى " ترك ~~المعصية. وقال أبو سليمان الدمشقي: " البر " الصدق، و " التقوى " ترك ~~الكذب. ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون، من الشيطان، فقال [عز وجل]: ~~(إنما النجوى من الشيطان) أي: من ترتيبه، والمعنى: # إنما يزين لهم ذلك (ليحزن الذين آمنوا) وقد بينا آنفا ما كان يحزن ~~المؤمنين من هذه النجوى (وليس بضارهم شيئا) أي: وليس الشيطان بضار المؤمنين ~~شيئا (إلا بإذن [الله]) أي: بإرادته (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) أي: ~~فليكلوا أمورهم إليه. # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) قوله [عز وجل]: (إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجلس) وقرأ عاصم " في المجالس " على الجمع، وذلك أن كل جالس له ~~مجلس، فالمعنى: ليفسح كل رجل منكم في مجلسه. قال المفسرون: ms2214 نزلت في نفر من ~~المؤمنين كانوا يسابقون إلى مجلس رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فإذا ~~أقبل المهاجرون وأهل السابقة، لم يجدوا موضعا، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحب أن يليه أولو الفضل PageV07P322 # ليحفظوا عنه، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة جالس في صفة ~~ضيقة في المسجد، جاء نفر من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس، فسلموا ~~وانتظروا أن يوسعوا لهم، فأوسعوا لبعضهم، وبقي بعضهم، فشق ذلك على رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم]، فقال: قم يا فلان، قم يا فلان، حتى أقام من ~~المجلس على عدة من هو قائم من أهل السابقة، فرأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في وجوه من أقامهم الكراهة، وتكلم المنافقون في ذلك وقالوا: والله ما ~~عدل، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم]: فإذا أقبل مقبل ضنوا بمجلسهم، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم ~~لبعض. قال المفسرون: ومعنى " تفسحوا " توسعوا وذلك أنهم كانوا يجلسون ~~متصافين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد غيرهم مجلسا عنده، ~~فأمرهم أن يوسعوا لغيرهم ليتساوى الناس في الحظ منه، ويظهر فضيلة المقربين ~~إليه من أهل بدر وغيرهم. وفي المراد " بالمجلس " ها هنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه مجلس الحرب، ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصف، ~~فيقول لهم: توسعوا، فيأبون عليه لحرصهم على القتال، وهذا قول ابن عباس، ~~والحسن، وأبي العالية، والقرظي. # والثاني: أنه مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. وقال ~~قتادة: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله خاصة. # والثالث: مجالس الذكر كلها، روي عن قتادة أيضا. وقرأ علي بن أبي طالب ~~عليه السلام، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن، ومجاهد، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ~~وابن أبي عبلة، والأعمش: " تفسحوا في المجالس " بألف على الجمع. # قوله [عز وجل]: (يفسح الله لكم) أي: يوسع الله لكم الجنة، والمجالس فيها. # (وإذا قيل انشزوا) [قرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم ms2215 " انشزوا] فانشزوا ~~" برفع الشين فيهما. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بكسر ~~الشين فيهما. ومعنى " انشزوا " قوموا. قال الفراء: وهما لغتان. وفي المراد ~~بهذا القيام خمسة أقوال. # أحدها: أنه القيام إلى الصلاة، وكان رجال يتثاقلون عنها، فقيل لهم: إذا ~~نودي للصلاة PageV07P323 # فانهضوا، هذا قول عكرمة، والضحاك. # والثاني: أنه القيام إلى قتال العدو، قاله الحسن. # والثالث: أنه القيام إلى كل خير، من قتال، أو أمر بمعروف، ونحو ذلك، قاله ~~مجاهد. # والرابع: أنه الخروج من بيت رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، وذلك أنهم ~~كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أطالوا ليكون كل واحد ~~منهم آخرهم عهدا به، فأمروا أن ينشزوا إذا قيل لهم: # انشزوا، قاله ابن زيد. # والخامس: أن المعنى: قوموا وتحركوا وتوسعوا لإخوانكم، قاله الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (يرفع الله الذين آمنوا منكم) أي: يرفعهم بايمانهم على من ~~ليس بمنزلتهم من أهل الإيمان (و) يرفع (الذين أوتوا العلم) على من ليس ~~بعالم. وهل هذا الرفع في الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه وجهان. # أحدهما: أنه إخبار عن ارتفاع درجاتهم في الجنة. # والثاني: أنه ارتفاع مجالسهم في الدنيا، فيكون ترتيبهم فيها بحسب فضائلهم ~~في الدين والعلم. وكان ابن مسعود يقول: أيها الناس: افهموا هذه الآية ~~ولترغبكم في العلم، فإن الله يرفع المؤمن العالم فوق من لا يعلم درجات. # يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) أأشفقتم أن تقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13) PageV07P324 # قوله [عز وجل]: (إذا ناجيتم الرسول) في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن الناس سألوا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حتى شقوا عليه ~~فأراد الله أن يخفف عن نبيه فأنزل هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في الأغنياء، وذلك [أنهم] كانوا يكثرون مناجاة رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم]، ms2216 ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] [ذلك]، فنزلت هذه الآية، فأما أهل العسرة فلم ~~يجدوا شيئا، وأما أهل الميسرة فبخلوا، واشتد ذلك على أصحاب رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم]، فنزلت الرخصة، قاله مقاتل بن حيان، وإلى نحوه ذهب مقاتل ~~بن سليمان، إلا أنه قال: فقدر الفقراء حينئذ على مناجاة رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم]، ولم يقدم أحد من أهل الميسرة صدقة غير علي بن أبي طالب ~~عليه رضي الله عنه. # وروى مجاهد عن علي رضي الله عنه قال: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد ~~قبلي، ولن يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى. [كان] لي دينار، فبعته بعشرة ~~دراهم، فكلما أردت أن أناجي رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قدمت درهما، ~~فنسختها الآية الأخرى (أأشفقتم أن تقدموا...) الآية. # قوله [عز وجل]: (ذلك خير لكم وأطهر) أي: تقديم الصدقة على المناجاة خير ~~لكم، لما فيه من طاعة الله، وأطهر لذنوبكم (فإن لم تجدوا) يعني: الفقراء ~~(فإن الله غفور رحيم) إذ عفا عمن لا يجد. # قوله [عز وجل]: (أأشفقتم) أي: خفتم بالصدقة الفاقة (وتاب الله عليكم) أي: # فتجاوز عنكم، وخفف بنسخ إيجاب الصدقة. قال مقاتل بن حيان: إنما كان [ذلك] ~~عشر ليال. قال قتادة: ما كان إلا ساعة من نهار. # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون ~~على الكذب PageV07P325 # وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) ~~اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) ~~يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ ألا ~~إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنسهم ذكر الله أولئك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) قوله [عز وجل]: (ألم ترى إلى ~~الذين تولوا قوما غضب الله عليهم) نزلت في المنافين الذين تولوا ms2217 اليهود، ~~وتقولوا إليهم أسرار المؤمنين. وقال السدي، ومقاتل: نزلت في عبد الله بن ~~نبتل المنافق، وذلك أنه كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرفع ~~حديثه إلى اليهود، فدخل عليه يوما، وكان أزرق، فقال له رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم]: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " فعلت " فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، ~~فأنزل الله هذه الآيات. وروى الحاكم أبو عبد الله في " صحيحه " من حديث ابن ~~عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ظل حجرة من حجره، وعنده نفر ~~من المسلمين، فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا أتاكم ~~فلا تكلموه، فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟ فانطلق [الرجل] فدعاهم، فحلفوا بالله ~~واعتذروا إليه، فأنزل الله تعالى: # (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون...) الآية. PageV07P326 # فأما التفسير، فالذين تولوا: هم المنافقون، والمغضوب عليهم: [هم] اليهود ~~(ما هم منكم) يعني: المنافين ليسوا من المسلمين، ولا من اليهود (ويحلفون ~~على الكذب) وهو ما ذكرنا في سبب نزولها. وقال بعضهم: حلفوا أنهم ما سبوا ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ولا تولوا اليهود (وهم يعلمون) أنهم كذبة ~~(اتخذوا أيمانهم جنة) أي: سترة [يتقون بها القتل. قال ابن قتيبة: المعنى: ~~استتروا] بالحلف، فكلما ظهر لهم شيء يوجب معاقبتهم حلفوا كاذبين، (فصدوا عن ~~سبيل الله) فيه قولان. # أحدهما: صدوا الناس عن دين الإسلام قاله السدي. # والثاني: صدوا عن جهادهم بالقتل وأخذ مالهم. # قوله [عز وجل]: (فيحلفون له) قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة ~~أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا (ويحسبون أنهم على شيء) ~~من أيمانهم الكاذبة (ألا إنهم هم الكاذبون) في قولهم وأيمانهم. # قوله [عز وجل]: (استحوذ عليهم الشيطان) قال أبو عبيدة: غلب عليهم، ~~وحاذهم، وقد بينا هذا في سورة (النساء) عند قوله [عز وجل]: (ألم نستحوذ ~~عليكم)، وما بعد هذا ظاهرا إلى قوله [عز وجل]: ms2218 (أولئك في الأذلين) أي: في ~~المغلوبين، فلهم في الدنيا [ذل] وفي الآخرة خزي. # إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي إن الله قوي عزيز (21) لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون (22) PageV07P327 # قوله [عز وجل]: (كتب الله) أي: قضى الله (لأغلبن أنا ورسلي) وفتح الياء ~~نافع، وابن عامر. # قال المفسرون: من بعث من الرسل بالحرب، فعاقبة الأمر له، ومن لم يبعث ~~بالحرب، فهو غالب بالحجة (إن الله قوي عزيز) أي: مانع حزبه من أن يذل. # قوله [عز وجل]: (لا تجد قوما...) الآية. اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال. # أحدها: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح، قتل أباه يوم أحد، وفي أبي بكر دعا ~~ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال: يا رسول الله دعني أكون في الرعلة الأولى، ~~فقال: متعنا بنفسك يا أبا بكر، وفي مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير ~~يوم أحد، وفي عمر قتل خاله العاص ابن هشام يوم بدر. وفي علي وحمزة قتلا ~~عتبة وشيبة يوم بدر. قاله ابن مسعود. # والثاني: أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وذلك أن أبا قحافة سب ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فصكه أبو بكر الصديق صكة شديدة [سقط منها، ~~ثم ذكر ذلك لرسول الله] [صلى الله عليه وسلم]، [فقال] " أو فعلته "؟ قال: ~~نعم. قال: فلا تعد إليه، فقال أبو بكر: [والله] لو كان السيف قريبا مني ~~لقتلته، فنزلت هذه الآية، قاله ابن جريج. # والثالث: نزلت في عبد الله بن عبد الله (بن أبي)، وذلك أنه كان جالسا إلى ~~جنب رسول الله، فشرب رسول الله ماء، فقال عبد الله: يا رسول الله أبق فضلة ~~من شرابك، قال: وما ms2219 تصنع بها؟ فقال، أسقيها أبي، لعل الله سبحانه يطهر ~~قلبه، ففعل، فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ # [قال]: فضلة من شراب رسول الله جئتك بها لتشربها، لعل الله يطهر قلبك، ~~فقال: هلا جئتني ببول أمك؟ فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~يا رسول الله: ائذن لي في قتل أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ارفق به، وأحسن إليه، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # والرابع: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم أن ~~رسول الله PageV07P328 # صلى الله عليه وسلم قد عزم على قصدهم، قاله مقاتل، واختاره الفراء، ~~والزجاج. # وهذه الآية قد بينت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان، وأن من كان ~~مؤمنا لم يوال كافرا وإن كان أباه أو ابنه أو أحدا من عشيرته. # قوله [عز وجل]: (أولئك) الذين، يعني: الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ~~(كتب في قلوبهم الإيمان) وقرأ المفضل عن عاصم " كتب " برفع الكاف والنون من ~~" الإيمان ". وفي معنى " كتب " خمسة أقوال: # أحدها: أثبت في قلوبهم الإيمان، قاله الربيع بن أنس. # والثاني: جعل، قاله مقاتل. # والثالث: كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان، حكاه الماوردي. # والرابع: حكم لهم بالإيمان. وإنما ذكر القلوب، لأنها موضع الإيمان، ذكره ~~الثعلبي. # والخامس: جمع في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه، قاله الواحدي. # قوله [عز وجل]: (وأيدهم) أي: قواهم (بروح منه) وفي المراد " بالروح " ها ~~ها خمسة أقوال. # أحدها: أنه النصر، قاله ابن عباس، والحسن. فعلى هذا سمي النصر روحا، لأن ~~أمرهم يحيا به. # والثاني: الإيمان، قاله السدي. # والثالث: القرآن، قاله الربيع. # والرابع: الرحمة، قاله السدي [و] مقاتل. # والخامس: جبريل عليه السلام أيدهم به يوم بدر، ذكره الماوردي. فأما (حزب ~~الله) فقال الزجاج: هم الداخلون في الجمع الذين اصطفاهم الله وارتضاهم، " ~~وألا " كلمة تنبيه وتوكيد للقصة. PageV07P329 # سورة الحشر مدنية وآياتها اربع وعشرون وهي مدنية كلها باجماعهم وذكر ~~المفسرون أن جميعها أنزلت في بني النضير، وكان ابن عباس يسمي هذه السورة " ~~سورة ms2220 بني النضير " وهذه الإشارة إلى قصتهم. # ذكر أهل العلم بالتفسير والسير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى ~~مسجد قباء، ومعه نفر من أصحابه، فصلى فيه، ثم أتى بني النضير، فكلمهم أن ~~يعينوه في دية رجلين كان قد آمنهما، فقتلهما عمرو بن أمية الضمري وهو لا ~~يعلم، فقالوا: نفعل، وهموا بالغدر به، وقال عمرو بن جحاش: أنا أظهر على ~~البيت، فأطرح عليه صخرة، فقال سلام حق بن مشكم: لا تفعلوا، والله ليخبرن ~~بما هممتهم به، وجاء رسول الله [صلى الله عليه وسلم] الخبر، فنهض سريعا، ~~فتوجه إلى المدينة، فلحقه أصحابه، [فقالوا]: قمت ولم نشعر؟! فقال: همت يهود ~~بالغدر، فأخبرني الله بذلك، فقمت، وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~محمد بن مسلمة: أن اخرجوا من بلدتي، فلا تساكنوني، وقد هممتم بما هممتم به، ~~وقد أجلتكم عشرا. فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا أياما يتجهزون، فأرسل ~~إليهم ابن أبي: لا تخرجوا، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم، وتمدكم قريظة، ~~وحلفاؤكم من غطفان، وطمع حيي فيما قال ابن أبي، فأرسل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إنا لا PageV07P330 # نخرج، فاصنع ما بدا لك، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر ~~المسلمون لتكبيره، وقال: حاربت يهود، ثم سار إليهم في أصحابه، فما رأوه، ~~قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة، فاعتزلتهم قريظة، وخذلهم ابن أبي، ~~وحلفاؤهم من غطفان، وكان رئيسهم كعب بن الأشرف قد خرج إلى مكة فعاقد ~~المشركين على التظاهر على رسول الله، فأخبر الله رسوله نبيه بذلك، فبعث ~~محمد بن مسلمة فاغتره فقتله، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع ~~نخلهم، فقالوا: نحن نخرج عن بلادك، فأجلاهم عن المدينة، فمضى بعضهم إلى ~~الشام، وبعضهم إلى خيبر، وقبض أموالهم وسلاحهم، فوجد خمسين [درعا]، وخمسين ~~بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا. # فأما التفسير [فقد ذكرنا] فاتحة هذه السورة في أول الحديد. # بسم الله الرحمن الرحيم سبخ لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز ~~الحكيم (1) هو الذي أخرج ms2221 الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ~~ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار (3) ذلك بأنهم شقوا الله ورسوله ومن ~~يشاقق الله فإن الله شديد العقاب (4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (5) قوله [تعالى]: (هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب) يعني: يهود بني النضير (من ديارهم) أي: من ~~منازلهم (لأول الحشر) فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أول من حشر وأخرج من داره، قاله ابن عباس. وقال ابن السائب: ~~هم أول من نفي من أهل الكتاب. # والثاني: أن هذا كان أول حشرهم، والحشر الثاني: إلى أرض المحشر يوم ~~القيامة، قاله PageV07P331 # الحسن. قال عكرمة: من شك أن المحشر إلى الشام فليقرأ هذه الآية، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يومئذ: اخرجوا، فقالوا: إلى أين؟ قال: ~~إلى أرض المحشر. # والثالث: أن الحشر الثاني: نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، قاله قتادة. # والرابع: هذا كان أول حشرهم من المدينة، والحشر الثاني: من خيبر، وجميع ~~جزيرة العرب إلى أذرعات، وأريحا من أرض الشام في أيام عمر بن الخطاب، رضي ~~الله عنه، قاله مرة الهمداني. # قوله [عز وجل]: (ما ظننتم) يخاطب المؤمنين (أن يخرجوا) من ديارهم لعزهم. # ومنعتهم، وحصونهم (وظنوا) يعني: بني النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان ~~الله (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) وذلك أنه أمر نبيه بقتالهم وإجلائهم، ~~ولم يكونوا يظنون أن ذلك يكون، ولا يحسبونه (وقذف في قلوبهم الرعب) لخوفهم ~~من رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، وقيل: # لقتل سيدهم كعب بن الأشرف (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) قرأ ~~أبو عمرو " يخربون " بالتشديد. وقرأ الباقون " يخربون " بالتخفيف وهل ~~بينهما فرق، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: أن المشددة معناها: النقض والهدم. والمخففة معناها: ms2222 يخرجون منها ~~ويتركونها خرابا معطلة، حكاه ابن جرير. روي عن أبي عمرو أنه قال: إنما ~~اخترت التشديد، لأن بني النضير نقضوا منازلهم، ولم يرتحلوا عنها وهي ~~معمورة. # الثاني: أن القراءتين بمعنى واحد. والتخريب والإخراب لغتان بمعنى، حكاه ~~ابن جرير عن أهل اللغة. وللمفسرين فيما [فعلوا] بمنازلهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه كان [المسلمون] كلما ظهروا على دار من دورهم هدموها ليتسع لهم ~~مكان القتال، وكانوا هم ينقبون دورهم، فيخرجون إلى ما يليها، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه كان المسلمون كلما هدموا شيئا من حصونهم نقضوا ما يبنون به ~~الذي خربه PageV07P332 # المسلمون، قاله الضحاك. # والثالث: أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم، أو العمود، أو الباب، ~~فيستحسنونه، فيهدمون البيوت، وينزعون ذلك منها، ويحملونه معهم، ويخرب ~~المؤمنون باقيها، قاله الأزهري. # والرابع: أنهم كانوا يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون، حسدا منهم، وبغيا، ~~قاله ابن زيد. # قوله [عز وجل]: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) الاعتبار: النظر في الأمور، ~~ليعرف بها شيء آخر من جنسها، و " الأبصار " العقول. والمعنى: تدبروا ما نزل ~~بهم (ولولا أن كتب الله) أي: قضى (عليهم الجلاء) وهو خروجهم من أوطانهم. ~~وذكر الماوردي بين الإخراج والجلاء فرقين. # أحدهما: أن الجلاء: ما كان [مع] الأهل والولد، والإخراج: قد يكون مع بقاء ~~الأهل والولد. # والثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة. والإخراج: قد يكون لواحد ولجماعة ~~والمعنى: لولا أن الله قضى عليهم بالخروج (لعذبهم في الدنيا) بالقتل ~~والسبي، كما فعل بقريظة (ولهم في الآخرة) مع [ما حل بهم] في الدنيا (عذاب ~~النار، ذلك) الذي أصابهم (بأنهم شاقوا الله) وقد سبق بيان الآية. قال ~~القاضي أبو يعلى: فقد دلت هذه الآية على جواز مصالحة أهل الحرب على الجلاء ~~من ديارهم من غير سبي ولا استرقاق، ولا جزية، ولا دخول في ذمة، وهذا حكم ~~منسوخ إذا كان في المسلمين قوة على قتالهم، لأن الله تعالى أمر بقتال ~~الكفار حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية. وإنما يجوز هذا الحكم إذا عجز ~~المسلمون عن مقاومتهم فلم يقدروا على إدخالهم في الإسلام ms2223 أو الذمة، فيجوز ~~لهم حينئذ مصالحتهم على الجلاء من بلادهم. # وفي هذه القصة دلالة على جواز مصالحتهم على مجهول من المال، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صالحهم على أرضهم، وعلى الحلقة، وترك لهم ما أقلت ~~الإبل، وذلك مجهول. PageV07P333 # وقوله [عز وجل]: (ما قطعتم من لينة) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حرق نخل بني النضير، وقطع فنزلت هذه الآية، أخرجه البخاري ومسلم ~~من حديث ابن عمر. وذكر المفسرون أنه لما نزلت ببني النضير تحصنوا في ~~حصونهم، فأمر بقطع نخيلهم، وإحراقها، فجزعوا، وقالوا: يا محمد زعمت أنك ~~تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر، وقطع النخل؟ # وهل وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم. واختلف المسلمون، فقال ~~بعضهم: لا تقطعوا، فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم ~~بقطعها، فنزلت الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه، من الإثم، ~~وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله تعالى، وفي المراد " باللينة " ستة أقوال: # أحدها: أنه النخل كله ما خلا العجوة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وبه قال ~~عكرمة، وقتادة، والفراء. # والثاني: أنها النخل والشجر، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنه ألوان النخل كلها إلا العجوة، والبرنية، قاله الزهري، وأبو ~~عبيدة، وابن قتيبة. وقال الزجاج: أهل المدينة يسمون جميع النخيل: الألوان، ~~ما خلا البرني، والعجوة. # وأصل " لينة " لونة، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. # والرابع: أنها النخل كله، قاله مجاهد وعطية، وابن زيد. قال ابن جرير: ~~معنى الآية: ما قطعتم من ألوان النخيل. PageV07P334 # والخامس: أنها كرام النخل، قاله سفيان. # والسادس: أنها ضرب من النخل يقال لتمرها: اللون، وهي شديد الصفرة، ترى ~~نواه من خارج، وكان أعجب تمرهم إليهم، قاله مقاتل. وفي عدد ما قطع المسلمون ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قطعوا وأحرقوا ستة نخلات، قاله الضحاك. # والثاني: أحرقوا نخلة وقطعوا نخلة، قاله ابن إسحاق. # والثالث: قطعوا أربع نخلات، قاله مقاتل. # قوله [عز ms2224 وجل]: (فبإذن الله) قال يزيد بن رومان ومقاتل: بأمر الله. # قوله [عز وجل]: (وليخزي الفاسقين) يعني اليهود. وخزيهم: أن يريهم أموالهم ~~يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا. والمعنى: وليخزي الفاسقين أخذ في ذلك، ودل ~~على المحذوف قوله: (فإذن الله). # وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله ~~يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير (6) ما أفاء الله على رسوله من ~~أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا ~~يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون (8) والذين تبوء والدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ~~ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ~~ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9) والذين PageV07P335 # جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ~~ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم (10) قوله [عز ~~وجل]: (وما أفاء الله [على رسوله]) أي: ما رد عليهم (منهم) يعني: # [من] بني النضير (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) قال: الإيجاف: ~~الإيضاع، والركاب: الإبل. قال ابن قتيبة: يقال: وجف الفرس والبعير، ~~وأوجفته، ومثله: الإيضاع، وهو الإسراع في السير، وقال الزجاج: معنى الآية: ~~أنه لا شيء لكم في هذا، إنما هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. # قال المفسرون: طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخمس ~~أموال بني النضير لما أجلوا، فنزلت هذه الآية تبين أنها فيء لم تحصل لهم ~~بمحاربتهم، وإنما هو بتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو له خاصة، ~~يفعل فيه ما يشاء، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم ~~يعط الأنصار منه شيئا، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو ms2225 دجانة، وسهل ~~بن حنيف، والحارث بن الصمة. # ثم ذكر حكم الفيء فقال [عز وجل]: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) ~~أي: من أموال كفار أهل القرى (فلله) أي: يأمركم فيه بما أحب، (ولرسوله) ~~بتحليل الله إياه. # وقد ذكرنا " [ذوي القرى واليتامى " في الأنفال وذكرنا هناك الفرق] بين ~~الفيء والغنيمة. # فصل واختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب قوم إلى أن المراد بالفيء ها ~~هنا: الغنيمة التي يأخذها المسلمون من أموال الكافرين عنوة، وكانت في بدو ~~الإسلام للذين سماهم الله ها هنا دون PageV07P336 # الغانمين الموجفين عليها، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال (واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء...) الآية، هذا قول قتادة ويزيد بن رومان. وذهب قوم إلى ~~أن هذا الفيء: ما أخذ من أموال المشركين ما لم يوجف بخيل ولا ركاب، كالصلح، ~~والجزية، والعشور، ومال من مات منهم في دار الإسلام ولا وارث له، فهذا كان ~~يقسم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أخماس، فأربعة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يفعل بها ما يشاء، والخمس الباقي للمذكورين في هذه ~~الآية. # واختلف العلماء فيما يصنع بسهم رسول بعد موته على ما بيناه في الأنفال ~~فعلى هذا تكون هذه الآية مبينة لحكم الفيء والتي في الأنفال مبينة لحكم ~~[الغنيمة]، فلا يتوجه النسخ. # قوله [تعالى]: (كي لا يكون) يعني: الفيء (دولة) وهو اسم للشيء يتداوله ~~القوم. # والمعنى: لئلا يتداوله الأغنياء بينهم فيغلبون الفقراء عليه. قال الزجاج: ~~[الدولة]: اسم الشيء يتداوله. والدولة، بالفتح: الفعل والانتقال من حال إلى ~~حال (وما آتاكم الرسول) من الفيء (فخذوه وما نهاكم) عن أخذه (فانتهوا) وهذا ~~نزل في أمر الفيء، وهو عام في كل ما أمر به، ونهى عنه. قال الزجاج: ثم بين ~~من المساكين الذين لهم الحق، فقال: [عز وجل]: # (للفقراء [المهاجرين] الذين أخرجوا من ديارهم) قال المفسرون: يعني بهم ~~المهاجرين (يبتغون فضلا من [الله]) أي: رزقا يأتيهم (ورضوانا) رضي ربهم حين ~~خرجوا إلى دار الهجرة (أولئك هم الصادقون) في إيمانهم. ثم ms2226 مدح الأنصار حين ~~طابت نفوسهم عن الفيء، فقال [تعالى]: (والذين تبوؤا الدار) يعني: دار ~~الهجرة، وهي المدينة (والإيمان من قبلهم) فيها تقديم وتأخير، تقديره: ~~والذين تبوؤوا الدار من قبلهم، أي: من قبل المهاجرين، والإيمان عطف على " ~~الدار " في الظاهر، لا في المعنى، لأن " الإيمان " ليس بمكان يتبوأ، وإنما ~~PageV07P337 # تقديره: وآثروا الإيمان، وإسلام المهاجرين قبل الأنصار، وسكنى الأنصار ~~المدينة قبل المهاجرين. وقيل: الكلام [على ظاهره]، والمعنى: تبوؤا الدار ~~والإيمان قبل الهجرة (يحبون من هاجر إليهم) وذلك أنهم شاركوهم في منازلهم، ~~وأموالهم (ولا يجدون في صدورهم حاجة) أي: حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون. ~~وفيما أوتوه قولان: # أحدهما: مال الفيء، قاله الحسن. وقد ذكرنا آنفا أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة ~~نفر. # والثاني: الفضل والتقدم، ذكره الماوردي. # قوله [عز وجل]: (ويؤثرون [على أنفسهم]) يعني الأنصار يؤثرون المهاجرين ~~على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم (ولو كان بهم خصاصة) أي فقر وحاجة، فبين الله ~~عز وجل أن إيثارهم لم يكن عن غنى. وفي سبب نزول هذا الكلام قولان: # أحدهما: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصابه الجهد، ~~فقال: يا رسول الله: إني جائع فأطعمني، فبعث رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] إلى أزواجه: هل عندكن شيء؟ فكلهن قلن: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا ~~الماء، فقال: ما عند رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ما يطعمك هذه الليلة. ~~ثم قال: " من يضيف هذا هذه الليلة رحمه الله؟ " فقام رجل فقال: أنا يا رسول ~~الله، فأتى به منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، فقال: قومي ~~فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا، ثم أصبحي سراجك، فإذا أخذ ~~الضيف ليأكل، فقومي كأنك تصلحين السراج، فأطفئيه، وتعالي نمضغ ألسنتنا لأجل ~~ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع، ففعلت ذلك، فظن الضيف أنهما ~~يأكلان معه، فشبع ms2227 هو، وباتا طاويين، فلما أصبحا غدوا إلى رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم]، فلما نظر إليهما تبسم، ثم قال: ضحك الله الليلة، أو عجب ~~من فعالكما، فأنزل الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم) الآية. خرجه البخاري ~~ومسلم PageV07P338 # في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة وفي بعض الألفاظ عن أبي هريرة: أن ~~الضيف كان من أهل الصفة، والمضيف كان من الأنصار، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " لقد عجب من فعالكما أهل السماء ". # والثاني: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له رأس ~~شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث ~~به واحد إلى واحد حتى تناولها سبعة أهل أبيات، حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن عمر. وروي نحو هذه القصة عن أنس بن مالك قال: أهدي ~~لبعض الصحابة رأس شاة مشوي، وكان مجهودا، فوجه به له فتناوله تسعة أنفس، ثم ~~عاد إلى الأول، فنزلت هذه الآية. # قوله [عز وجل]: (ومن يوق شح نفسه) وقرأ ابن السميفع، [وأبو رجاء " ومن ~~يوق " بتشديد القاف. قال المفسرون]: هو أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه، ~~ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه. والمعنى: أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين ~~طابت أنفسهم بترك الفيء للمهاجرين. # فصل وقد اختلف العلماء في الشح والبخل، هل بينهما فرق، أم لا؟ فقال ابن ~~جرير: الشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل من المال. وقال أبو سليمان ~~الخطابي: الشح أبلغ في المنع من البخل، وإنما الشح بمنزلة الجنس، والبخل ~~بمنزلة النوع، وأكثر ما يقال في البخل: إنما هو في أفراد الأمور وخواص ~~الأشياء، [والشح] عام، فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة. ~~وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال: البخل: أن يضن بماله، والشح: أن يبخل بماله ~~ومعروفه. وقد روى أبو الشعثاء أن رجلا أتى ابن مسعود فقال: إني أخاف أن ~~أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: " ومن يوق شح نفسه ms2228 " ~~وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، فقال: ليس ذاك بالشح الذي ذكره ~~الله في القرآن، الشح: أن تأكل مال أخيك ظلما، إنما ذلك البخل، وبئس الشيء ~~البخيل وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: PageV07P339 # " برئ من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة ". # قوله [عز وجل]: (والذين جاؤوا من بعدهم) يعني التابعين إلى يوم القيامة. ~~قال الزجاج: إن المعنى: ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء ~~المسلمين، وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل هذا قوله [عز وجل]: (والذين ~~جاؤوا من بعدهم يقولون) أي: الذين جاؤوا في حال قولهم: (ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا) فمن ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن في ~~قلبه غل لهم، فله حظ من فيء المسلمين، ومن شتمهم ولم يترحم عليهم، أو كان ~~في قلبه غل لهم، فما جعل الله له حقا في شئ من فيء المسلمين بنص الكتاب. ~~وكذلك روي عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه قال: # من تنقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان في قلبه عليهم غل، ~~فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات. # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ~~ولئن نصروهم ليولن غير الأدبار ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة في صدورهم ~~من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة ~~أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون (14) كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ~~(15) كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف ms2229 ~~الله رب العالمين (16) فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء ~~الظالمين (17) PageV07P340 # قوله [عز وجل]: (ألم تر إلى الذين نافقوا) يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه ~~(يقولون لإخوانهم) في الدين، لأنهم كفار ملتهم، وهم اليهود (لئن أخرجتم) من ~~المدينة (لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم) أي: في خذلانكم (أحدا أبدا) فكذبهم ~~الله تعالى [في ذلك بقوله: # (والله يشهد إنهم لكاذبون)] ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج ~~والنصر بالآية التي تلي هذه، فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم ~~أخرجوا فلم يخرج معهم الباقون، وقوتلوا فلم ينصرونهم، ومعنى (ولئن نصروهم): ~~لئن قدر وجود نصرهم، لأن الله نفى نصرهم، فلا يجوز وجوده. وقوله [عز وجل]: ~~(ثم لا ينصرون) يعني: بني النضير. # قوله [عز وجل]: (لأنتم أشد) يعني: المؤمنين أشد (رهبة في صدورهم) وفيهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم المنافقون، قاله مقاتل. # والثاني: بنو النضير، قاله الفراء. تعالى [عز وجل]: (لا يقاتلونكم جميعا) ~~فيهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله مقاتل. # والثاني: اليهود والمنافقون، قاله أبو سليمان الدمشقي. والمعنى: أنهم لا ~~يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين (في قرى محصنة أو من وراء جدر) وقرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، وأبان " من وراء جدار " بألف. وقرأ نافع، وابن عامر، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي " جدر " بضم الجيم والدال. وقرأ أبو بكر الصديق، ~~وابن أبي عبلة " جدر " بفتح الجيم والدال جميعا، وقرأ عمر بن الخطاب، ~~ومعاوية، وعاصم الجحدري " جدر " بفتح الجيم وسكون الدال. وقرأ علي بن أبي ~~طالب، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، وابن يعمر " ~~جدر " بضم الجيم وإسكان الدال (بأسهم بينهم شديد) وفيه قولان: # أحدهما: عداوة بعضهم لبعض شديدة. والثاني: أن بأسهم بينهم فيما وراء ~~الحصون شديد، وإذا PageV07P341 # خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله. # قوله [عز وجل]: (تحسبهم جميعا) فيهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود والمنافقون، قاله مقاتل. # والثاني: بنو النضير، قاله الفراء. # قوله [عز وجل]: (وقلوبهم شتى) قال الزجاج: أي: هم مختلفون لا تستوي ~~قلوبهم، ولا يتعاونون بنيات مجتمعة، لأن الله تعالى ناصر حزبه، ms2230 وخاذل ~~أعدائه. # قوله [عز وجل]: (ذلك) يعني: ذلك الاختلاف (بأنهم قوم لا يعقلون) ما فيه ~~الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلا، فقال [عز وجل]: (كمثل الذين من قبلهم قريبا) ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم قينقاع وقال ابن عباس وكانوا بنو قينقاع يهود، وكانوا وادعوا ~~رسول الله، ثم غدروا، فحصروهم، ثم نزلوا على حكمه أن له أموالهم، ولهم ~~النساء والذرية. فالمعنى: مثل بني النضير فيما فعل بهم كبني قينقاع. # والثاني: أنهم كفار قريش يوم بدر، قاله مجاهد. والمعنى: هؤلاء اليهود ~~كمثل المشركين الذين كانوا من قبلهم قريبا، وذلك لقرب غزاة بني النضير من ~~غزاة بدر. # والثالث: أنهم بنو قريظة، فالمعنى: مثل بني النضير كبني قريظة (ذاقوا ~~وبال أمرهم) بأن قتلت مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم، وهؤلاء أجلوا عن ديارهم ~~فذاقوا وبال أمرهم (ولهم عذاب أليم) في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين ~~مثلا فقال [عز وجل]: (كمثل الشيطان). # والمعنى: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير، وقولهم: لئن أخرجتم لنخرجن ~~معكم، ولئن قوتلتم لننصرنكم، كمثل الشيطان (إذ قال للإنسان اكفر) وفيه ~~قولان. # أحدهما: أنه مثل ضربه الله تعالى للكافر في طاعة الشيطان، وهو عام في ~~جميع الناس، PageV07P342 # والثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لشخص معين، وعلى هذا جمهور المفسرين، ~~وهذا شرح قصته. # أهل التفسير أن عابدا من بني إسرائيل كان يقال له: برصيصا تعبد في صومعة ~~له أربعين سنة لا يقدر عليه الشيطان، فجمع إبليس يوما مردة الشياطين، فقال: ~~ألا أحد منكم يكفيني برصيصا، فقال الأبيض، [وهو] صاحب الأنبياء: أنا ~~أكفيكه، فانطلق على صفة الرهبان. # فأتى صومعته، فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة ~~أيام، ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام، فلما رأى أنه لا يجيبه أقبل على ~~العبادة في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا، اطلع فرآه منتصبا يصلي على هيئة ~~حسنة، فناداه: ما حاجتك؟ فقال: إني أحببت أن أكون معك، أقتبس من عملك، ~~وأتأدب بأدبك، ونجتمع على العبادة، فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك، ثم أقبل ~~على صلاته، ms2231 وأقبل الأبيض يصلي، فلم يقبل إليه برصيصا أربعين يوما، ثم ~~انفتل، فرآه يصلي، فلما رأى شدة اجتهاده قال: ما حاجتك؟ فأعاد عليه القول، ~~فأذن له، فصعد إليه، فأقام معه حولا لا يفطر إلا كل أربعين يوما، ولا ينفتل ~~من صلاته إلا في كل أربعين يوما، وربما زاد على ذلك، فلما رأى برصيصا ~~اجتهاده، أعجبه شأنه وتقاصرت إليه نفسه، فلما حال الحول قال الأبيض ~~لبرصيصا: إني منطلق عنك، فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى، ~~وكان يبلغنا عنك غير الذي أرى، فاشتد ذلك على برصيصا، وكره مفارقته، فلما ~~ودعه قال له الأبيض: إن عندي دعوات أعلمكها، يشفي الله بها السقيم، ويعافي ~~بها المبتلي، فقال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة، لأن لي في نفسي شغلا، ~~فأخاف أن يعلم الناس بهذا، فيشغلوني عن العبادة، فلم يزل به حتى علمه ~~إياها، ثم انطلق إلى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل، فانطلق الأبيض، ~~فتعرض لرجل فخنقه، ثم جاءه في صورة رجل متطبب، PageV07P343 # فقال لأهله: إن بصاحبكم جنونا فأعالجه؟ يقول قالوا: نعم، فقال لهم: إني ~~لا أقوى على جنيه، ولكن سأرشدكم إلى من يدعو له فيعافى، فانطلقوا إليه ~~فسألوه فدعا بتلك الكلمات، فذهب عنه الشيطان، وكان الأبيض يفعل بالناس ذلك، ~~ثم يرشدهم إلى برصيصا، فيعافون، إلى أن انطلق إلى جارية من بنات ملوك ~~إسرائيل، لها ثلاثة إخوة، فخنقها، ثم جاء إليهم في صورة متطبب، فقال: ~~أعالجها؟ قالوا: نعم. قال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى ~~رجل تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، قالوا: ومن هو؟ قال: # بريصصا، قالوا: وكيف لنا أن يقبلها منا، وهو أعظم شأنا من ذلك؟! قال: إن ~~قبلها، وإلا [فضعوها] في صومعته، وقولوا له: هي أمانة عندك، فانطلقوا اليه، ~~فأبى عليهم، فوضعوها عنده. وفي بعض الروايات أنه قال: ضعوها في ذلك الغار، ~~وهو غار إلى جنب صومعته، فوضعوها، فجاء الشيطان فقال له: انزل إليها ~~فامسحها لأن بيدك تعافى، وتنصرف إلى أهلها، فنزل، فلما دنا إلى ms2232 باب الغار ~~دخل الشيطان فيها، فإذا هي ترتكض، فسقطت عنها ثيابها، فنظر العابد إلى شيء ~~لم ير مثله حسنا وجمالا، فلم يتمالك أن وقع عليها، وضرب على أذنه، فجعل ~~يختلف إليها إلى أن حملت، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا قد افتضحت، فهل ~~لك أن تقتل هذه وتتوب؟! فإن سألوك عنها قلت: [جاء] شيطانها، فذهب بها، فلم ~~يزل بها حتى قتلها، ودفنها، ثم رجع إلى صومعته، فأقبل على صلاته إذ جاء ~~إخوتها يسألون عنها، فقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟: قد جاء شيطانها ~~فذهب بها، ولم أطقه، فصدقوه، وانصرفوا. وفي بعض الروايات أنه قال: دعوت ~~لها، فعافاها الله، ورجعت إليكم، فتفرقوا ينظرون لها أثرا، فلما أمسوا جاء ~~الشيطان إلى كبيرهم في منامه، فقال: ويحك: إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، ~~وإنه دفنها في موضع كذا من جبل كذا، فقال: هذا حلم، وبرصيصا خير من ذلك، ~~فتتابع عليه ثلاث ليال، وهو لا يكترث، فانطلق إلى الأوسط كذلك، ثم ~~PageV07P344 # إلى الأصغر بمثل ذلك، فقال الأصغر لإخوته: لقد رأيت كذا وكذا، فقال ~~الأوسط: وأنا والله، فقال الأكبر: وأنا والله، فأتوا برصيصا، فسألوه عنها، ~~فقال: قد أعلمتكم بحالها، فكأنكم اتهمتموني، قالوا: لا والله، واستحيوا، ~~وانصرفوا، فجاءهم الشيطان فقال: ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا وكذا، وإن ~~إزارها لخارج من التراب، فانطلقوا، فحفروا عنها، فرأوها، فقالوا: يا عدو ~~الله لم قتلتها؟ اهبط، فهدموا صومعته، ثم أوثقوه، وجعلوا في عنقه حبلا، ثم ~~قادوه إلى الملك فأقر على نفسه، وذلك أن الشيطان عرض له، فقال: تقتلها ثم ~~تكابر، فاعترف، فأمر الملك بقتله وصلبه، فعرض له الأبيض، فقال: أتعرفني؟ ~~قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، ويحك ما اتقيت الله في أمانة ~~خنت أهلها، أما استحييت من الله؟! ألم يكفك ذلك حتى أقررت ففضحت نفسك ~~وأشباهك بين الناس؟! فإن مت على هذه الحالة لم تفلح، ولا أحد من نظرائك، ~~قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة حتى أنجيك، وآخذ بأعينهم، وأخرجك من ~~مكانك، قال: ما هي؟ قال: ms2233 تسجد لي، فسجد له، فقال: هذا الذي أردت منك صارت ~~عاقبة أمرك أن كفرت (إني بريء منك) ثم قتل. فضرب الله هذا المثل لليهود حتى ~~غرهن المنافقون، ثم أسلموهم. # قوله [عز وجل]: (إني أخاف الله) ونصب ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ياء " ~~إني " وأسكنها الباقون. وقد بينا المعنى في الأنفال (فكان عاقبتهما) يعني: ~~الشيطان وذلك الكافر. # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسهم أنفسهم ~~أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون (20) قوله [عز وجل]: (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) أي: لينظر أحدكم أي ~~شيء قدم؟ عملا PageV07P345 # صالحا ينجيه؟ أم شيئا يوبقه؟ (ولا تكونوا كالذين نسوا الله) أي: تركوا ~~أمره (فأنساهم أنفسه) أي: أنساهم حظوظ أنفسهم - فلم يعملوا بالطاعة، ولم ~~يقدموا خيرا. قال ابن عباس: يريد قريظة، والنضير، وبني قينقاع. # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) هو الله الذي لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ~~(23) هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24) قوله [عز وجل]: (لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل) أخبر الله بهذا عن تعظيم شأن هذا القرآن، وأنه لو جعل في ~~جبل - على قساوته وصلابته - تمييزا، كما جعل في بني آدم، ثم أنزل عليه ~~القرآن لتشقق فإن خشية من الله، وخوفا أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن. ~~و " الخاشع ": # المتطاطئ الخاضع، و " المتصدع ": المتشقق. وهذا توبيخ لمن لا يحترم ~~القرآن، ولا يؤثر في قلبه مع الفهم والعقل، ويدلك على هذا المثل قوله [عز ~~وجل]: (وتلك الأمثال نضربها للناس) ثم أخبر بعظمته وربوبيته، فقال [عز ~~وجل]: (هو الله الذي لا ms2234 إله إلا هو) قال الزجاج: قوله: [عز وجل]: (هو الله) ~~رد على قوله [عز وجل] في أول السورة (سبح لله ما في السماوات الأرض وهو ~~العزيز الحكيم). # هذه الأسماء، فقد سبق ذكر " الله " " الرحمن " " الرحيم " في (الفاتحة) ~~وذكرنا معنى " عالم الغيب والشهادة " في الأنعام. و " الملك " في سورة ~~المؤمنين. PageV07P346 # فأما " القدوس " فقرأ أبو الأشهب، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ بفتح القاف. ~~قال أبو سليمان الخطابي: " القدوس ": الطاهر من العيوب، المنزه عن الأنداد ~~والأولاد. و " القدس ": الطاهر. # ومنه سمي: بيت المقدس، ومعناه: المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب. وقيل ~~للجنة: حظيرة القدس، لطهارتها من آفات الدنيا. والقدس: السطل الذي يتطهر ~~فيه، ولم يأت من الأسماء على فعول بضم الفاء إلا " قدوس "، و " سبوح " وقد ~~يقال أيضا: قدوس، وسبوح بالفتح فيهما، وهو القياس في الأسماء، كقولهم: ~~سفود، وكلوب. # فأما " السلام " فقال ابن قتيبة: سمى نفسه سلاما، لسلامته مما يلحق الخلق ~~من العيب والنقص والفناء. وقال الخطابي: معناه: ذو السلام. السلام في صفة ~~الله سبحانه وتعالى: هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة ونقص يلحق ~~المخلوقين. قال: وقد قيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه. فأما " المؤمن "، ~~ففيه ستة أقوال: # أحدها: أنه الذي أمن الناس ظلمه، وأمن من آمن به عذابه، قاله ابن عباس، ~~ومقاتل. # والثاني: أنه المجير، قاله القرظي. # والثالث: الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه، قاله ابن زيد. # والرابع: أنه الذي وحد نفسه، لقوله [عز وجل]: (شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو) ذكره الزجاج. # والخامس: أنه الذي يصدق عباد وعده، قاله ابن قتيبة. # والسادس: أنه يصدق ظنون عباده المؤمنين، ولا يخيب آمالهم، كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه عز وجل: " أنا عند ظن عبدي بي " حكاه ~~الخطابي. # فأما " المهيمن " ففيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الشهيد، قاله ابن عباس: ومجاهد: وقتادة، والكسائي. قال ~~الخطابي: ومنه قوله [عز وجل]: (ومهيمنا عليه)، فالله الشاهد على خلقه بما ~~يكون منهم من قول أو فعل. PageV07P347 # والثاني: لأمين، قاله الضحاك، قال ms2235 الخطابي: وأصله: مؤيمن، فقلبت الهمزة ~~هاء، لأن الهاء أخف عليهم من الهمزة. ولم يأت مفعيل في غير التصغير، إلا في ~~ثلاثة أحرف " مسيطر " و " مبيطر " و " مهيمن " وقد ذكرنا في سورة الطور: عن ~~أبي عبيدة، أنها خمسة أحرف. # والثالث: المصدق فيما أخبر، قاله ابن زيد. # والرابع: أنه الرقيب على الشيء، والحافظ له، قاله الخليل. قال الخطابي: ~~وقال بعض أهل اللغة. الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له، وأنشد: # ألا إن خير الناس بعد نبيه * مهيمنه التاليه في العرف والنكر يريد القائم ~~على الناس بعده بالرعاية لهم. وقد زدنا هذا شرحا في المائدة: وبينا معنى " ~~العزيز " في البقرة. فأما " الجبار " ففيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه العظيم قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يريد، قاله القرظي والسدي. ~~وقال قتادة: # جبر خلقه على ما شاء. وحكى الخطابي: أنه الذي جبر الخلق على ما أراد من ~~أمره ونهيه، يقال: # جبره السلطان، وأجبره. # والثالث: أنه الذي جبر مفاقر الخلق، وكفاهم أسباب المعاش والرزق. # والرابع: أنه العالي فوق خلقه، من قولهم: تجبر النبات: إذا طال وعلا، ذكر ~~القولين الخطابي. # فأما " المتكبر " ففيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه الذي تكبر عن كل سوء، قاله قتادة. PageV07P348 # والثاني: أنه الذي تكبر عن ظلم عباده، قاله الزجاج. # والثالث: أنه ذو الكبرياء، وهو الملك، قاله ابن الأنباري. # والرابع: أنه المتعالي عن صفات الخلق. # والخامس: أنه الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة، فقصمهم، ~~ذكرهما الخطابي، قال: والتاء في " المتكبر " تاء التفرد، والتخصص، لا تاء ~~التعاطي والتكلف، والكبر لا يليق بأحد [من] المخلوقين، وإنما سمة العبد ~~الخضوع والتذلل. وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله، لا من ~~الكبر الذي هو مذموم في الخلق. # وأما " الخالق " فقال الخطابي: هو المبتدئ للخلق المخترع له على غير مثال ~~سبق، فأما في نعوت الآدميين، فمعنى الخلق التقدير: كقول زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري تقول: إذا قدرت شيئا ~~قطعته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه، أي: ms2236 يتمنى ما لا يبلغه (والبارئ) الخالق: ~~يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم. و " المصور ": هو الذي أنشأ خلته على صور ~~مختلفة ليتعارفوا بها. ومعنى: التصوير: التخطيط والتشكيل. وقرأ الحسن، وأبو ~~الجوزاء، وأبو عمران، وابن السميفع " البارئ المصور " بفتح الواو والراء ~~جميعا، يعنون: آدم عليه السلام. وما بعد هذا قد تقدم بيانه إلى آخر السورة. ~~PageV07P349 # زاد المسير في علم التفسير للإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن ~~علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفي سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه ~~محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن أستاذ بكلية ~~الدراسات الإسلامية بالأزهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول ~~الجزء الثامن سورة الممتحنة - سورة الناس دار الفكر للطباعة والنشر ~~والتوزيع PageV0MP001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى جمادى الأولى 1407 ه‍ ~~- كانون الثاني 1987 م دار الفكر بيروت - لبنان المكاتب: البناية المركزية ~~- هاتف: 244739 - ص ب: 7061 / 11 المطابع والمعمل: حارة حريك - شارع عبد ~~النور - هاتف: 390663 / 838202 / 837898 برقيا: فكسي. تلكس: 41392 فكر fikr ~~41392 le PageV0MP002 # سورة الممتحنة مدينة وآياتها ثلاث عشرة وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا ~~بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم ~~بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء ~~السبيل (1) إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء وودوا لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ~~يفصل بينكم والله بما تعملون بصير (3) قوله [عز وجل]: (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) ذكر أهل التفسير أنها نزلت في حاطب بن أبي ~~بلتعة، وذلك أن سارة مولاة عمرو ابن صيفي بن هاشم أتت PageV08P001 # رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ورسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] يتجهز ms2237 لفتح مكة، فقال لها: # " أمسلمة جئت؟ " قالت: لا، قال: " فما جاء بك؟ " قالت: أنتم الأهل ~~والعشيرة والموالي، وقد احتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني. قال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأين أنت من شباب أهل مكة؟ " وكانت مغنية، ~~فقالت: ما طلب مني شئ بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني ~~عبد المطلب وبني المطلب، فكسوها، وحملوها، وأعطوها، فأتاها حاطب بن أبي ~~بلتعة، فكتب معها كتابا إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل ~~الكتاب إلى أهل مكة إن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يريدكم، فخذوا ~~حذركم، فخرجت به سارة، ونزل جبريل فأخبر رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~بما فعل حاطب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وعمارا، والزبير، ~~وطلحة، والمقداد، وأبا مرثد، وقال: # " انطلقوا [حتى تأتوا] " روضة خاخ "، فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب ~~إلى المشركين، فخذوه منها، وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها ~~" فخرجوا حتى أدركوها، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من ~~كتاب، ففتشوا متاعها فلم يجدوا شيئا، فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما ~~كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه، وقال: أخرجي الكتاب، وإلا ضربت عنقك، فلما رأت ~~الجد أخرجته من ذؤابتها، فخلوا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] فأرسل إلى حاطب، فأتاه، فقال له: " هل تعرف هذا الكتاب؟ " ~~قال: نعم. قال: " فما حملك على ما صنعت؟ " فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ ~~أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من ~~المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبا فيهم، وكان أهلي بين ~~ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل ~~بهم بأسه، وكتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~وعذره، ونزلت هذه السورة تنهى حاطبا عما فعل، وتنهى المؤمنين أن يفعلوا ~~كفعله، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول ms2238 الله: PageV08P002 # دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: " وما ~~يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقالوا: اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم ". وقد أخرج هذا الحديث في " الصحيحين " مختصرا، وفيه ذكر علي، ~~والزبير، وأبي مرثد فقط. # قوله [عز وجل]: (تلقون إليهم بالمودة) وفيه قولان: # أحدهما: أن الباء زائدة، والمعنى: تلقون إليهم المودة، ومثله " ومن يرد ~~فيه بإلحاد بظلم)، هذا قول الفراء، وأبي عبيدة، وابن قتيبة، والجمهور. # والثاني: تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسيره بالمودة التي ~~بينكم وبينه، قاله الزجاج: # قوله [عز وجل]: (وقد كفروا) الواو للحال والمعنى، وحالهم أنهم كفروا بما ~~جاءكم من الحق، وهو القرآن (يخرجون الرسول وإياكم) من مكة (أن تؤمنوا) أي ~~تفعلوا ذلك لايمانكم بالله (إن كنتم خرجتم) هذا شرط، جوابه متقدم، وفي ~~الكلام تقديم وتأخير. قال الزجاج: معنى الآية: # إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء. # قوله [عز وجل]: (تسرون إليهم بالمودة) الباء في " المودة " حكمها حكم ~~الأولى. قال المفسرون: والمعنى: تسرون إليهم النصيحة (وأنا أعلم بما ~~أخفيتم) من المودة للكفار (وما أعلنتم) أي: أظهرتم بألسنتكم. وقال ابن ~~قتيبة: المعنى: كيف تستترون بمودتكم لهم مني وأنا أعلم بما تضمرون وما ~~تظهرون؟! # قوله [عز وجل]: (ومن يفعله منكم) يعني: الاسرار والإلقاء إليهم (فقد ضل ~~سواء السبيل) أي: أخطأ طريق الهدى. ثم أخبر بعداوة الكفار فقال [عز وجل] ~~(إن يثقفوكم) أي: # يظفروا بكم (يكونوا لكم أعداء) لا موالين (ويبسطوا إليكم أيديهم) بالضرب ~~والقتل (وألسنتهم بالسوء) وهو: الشتم (وودوا لو تكفرون) فترجعون إلى دينهم. ~~والمعنى: أنه لا ينفعكم التقرب إليهم بنقل أخبار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله [عز وجل] (لن تنفعكم أرحامكم) أي: قراباتكم. والمعنى: ذوو أرحامكم، ~~أراد: PageV08P003 # لن ينفعكم الذين عصيتم الله لأجلهم، (يوم القيامة يفصل بينكم) قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو. # " يفصل " برفع الياء، وتسكين الفاء، ونصب الصاد. وقرأ ابن عامر: " يفصل ~~بينكم " برفع الياء، والتشديد، وفتح الصاد، ms2239 وافقه حمزة، والكسائي، وخلف، ~~إلا أنهم كسروا الصاد. وقرأ عاصم، غير المفضل، ويعقوب، بفتح الياء وسكون ~~الفاء وكسر الصاد، وتخفيفها. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، [وأبو العالية]: ~~" تفصل " بنون مرفوعة، وفتح الفاء، مكسورة الصاد مشددة، وقرأ أبو رزين، ~~وعكرمة، والضحاك: [نفصل] بنون مفتوحة، ساكنة الفاء، مكسورة الصاد خفيفة، ~~أي: # نفصل بين المؤمن والكافر وإن كان ولده. قال القاضي أبو يعلى: في هذه ~~القصة دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، ~~كما يبيح في الخوف على النفس، ويبين ذلك أن الله تعالى فرض الهجرة، ولم ~~يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأولادهم. وإنما ظن حاطب أن ذلك يجوز له أن ~~يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند التقية، وإنما قال عمر: دعني أضرب عنق هذا ~~المنافق لأنه ظن أنه فعل ذلك عن [غير] تأويل. # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برؤا ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شئ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ~~ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (5) ~~لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر ومن يتول فإن ~~الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين PageV08P004 # عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهكم الله عن الذين ~~لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن ~~الله يحب المقسطين (8) إنما ينهكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم ~~من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ~~(9) قوله [عز وجل]: (قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم) وقرأ عاصم: " أسوة ~~" بضم الألف، وهما لغتان، أي: اقتداء حسن به وبمن معه. وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم الأنبياء. # والثاني: المؤمنون (إذ ms2240 قالوا لقومهم إنا برءاء منكم) قال الفراء: تقول ~~أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم وقومه فتبرأت من أهلك كما تبرؤوا من قومهم؟!. # قوله [عز وجل]: (إلا قول إبراهيم لأبيه) قال المفسرون: والمعنى: تأسوا ~~بإبراهيم الا في استغفاره لأبيه فلا تأسوا به في ذلك، فإنه كان عن موعدة ~~وعدها إياه (وما أملك لك من الله من شئ) أي: ما أدفع عنك عذاب الله إن ~~أشركت به، وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه: (ربنا عليك توكلنا) إلى قوله [عز ~~وجل]: (العزيز الحكيم) قال الفراء: قولوا أنتم: ربنا عليك توكلنا. وقد بينا ~~معنى قوله [عز وجل]: (لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) في " يونس ". ثم أعاد ~~الكلام في ذكر الأسوة فقال [عز وجل]: (لقد كان لكم فيهم) أي: في إبراهيم ~~ومن معه، وذلك أنهم كانوا يبغضون من خالف الله. قوله [عز وجل]: (لمن كان ~~يرجو الله) بدل من قوله [عز وجل]: (لكم) وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف ~~الله، ويخشى عقاب الآخرة. # قوله [عز وجل]: (ومن يتول) أي: يعرض عن الإيمان ويوال الكفار (فإن الله ~~هو الغني) عن خلقه (الحميد) إلى أوليائه. فلما أمر الله المؤمنين بعداوة ~~الكفار عادوا أقرباءهم. فأنزل الله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم مودة) أي: من كفار مكة (مودة) PageV08P005 # ففعل ذلك، بأن أسلم كثير منهم يوم الفتح، وتزوج رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] أم حبيبة بنت أبي سفيان، فانكسر أبو سفيان عن كثير مما كان عليه حتى ~~هداه الله للإسلام (والله قدير) على جعل المودة (والله غفور) لهم (رحيم) ~~بهم بعدما أسلموا. # قوله [عز وجل]: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) ~~[اختلفوا] فيمن نزلت على خمسة أقوال: # أحدها: أنها في أسماء بنت أبي بكر، وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزى، ~~قدمت عليها المدينة بهدايا، فلم تقبل هداياها، ولم تدخلها منزلها، فسألت ~~لها عائشة رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فنزلت هذه الآية، فأمرها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها، ms2241 وتقبل هديتها، وتكرمها، وتحسن ~~إليها، قاله عبد الله بن الزبير. # والثاني: أنها نزلت في خزاعة وبني مدلج، وكانوا صالحوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه أحدا، قاله ابن عباس. ~~وروي عن الحسن البصري أنها نزلت في خزاعة، وبني الحارث بن عبد مناف، وكان ~~بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فداموا على الوفاء به. # والثالث: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس، قاله عطية العوفي [ومرة ~~الهمذاني]. # والرابع: أنها عامة في جميع الكفار، وهي منسوخة بقوله [عز وجل]: (فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم)، قاله قتادة. # والخامس: نزلت في النساء والصبيان، حكاه الزجاج. PageV08P006 # قال المفسرون: وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين، ~~وجواز برهم، وان كانت الموالاة منقطعة. # قوله [عز وجل]: (ولم يخرجوكم من دياركم) أي: من مكة (أن تبروهم وتقسطوا ~~إليهم) أي: تعاملوهم بالعدل فيما بينكم وبينهم. # قوله: [عز وجل]: (وظاهروا على إخراجكم) أي: أعانوا على ذلك (أن تولوهم) ~~والمعنى: إنما ينهاكم عن أن تولوا هؤلاء، لأن مكاتبتهم بإظهار ما أسره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم موالاة. # وذكر بعض المفسرين، أن معنى هذه الآية والتي قبلها منسوخ بآية السيف. قال ~~ابن جرير: لا وجه لادعاء النسخ، لأن بر المؤمنين للمحاربين سواء كانوا ~~قرابة أو غير قرابة، غير محرم إذا لم يكن في ذلك تقوية لهم على الحرب بكراع ~~أو سلاح، أو دلالة لهم على عورة أهل الإسلام. ويدل على ذلك حديث أسماء ~~وأمها الذي سبق. # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا ms2242 الله الذي أنتم به ~~مؤمنون (11) قوله [تعالى]: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن) قال ابن PageV08P007 # عباس: إن مشركي مكة صالحوا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عام الحديبية ~~على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم. ومن أتى أهل مكة من أصحابه، فهو لهم، ~~وكتبوا بذلك الكتاب، وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ ~~من الكتاب والنبي بالحديبية، فأقبل زوجها وكان كافرا، فقال: يا محمد أردد ~~علي امرأتي، فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب ~~لم تجف بعد، فنزلت هذه الآية. وذكر جماعة من العلماء منهم محمد بن سعد كاتب ~~الواقدي أن هذه الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أول من ~~هاجر من النساء إلى المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدمت ~~المدينة في هدنة الحديبية، فخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة، ~~فقالا: يا محمد أوف لنا بشروطنا، وقالت أم كلثوم: يا رسول الله، أنا امرأة، ~~وحال النساء إلى الضعف ما قد علمت، فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني، ولا ~~صبر لي؟! # فنقض الله العهد في النساء، وأنزل فيهن المحنة، وحكم فيهن بحكم رضوه ~~كلهم، ونزل في أم كلثوم (فامتحنوهن) فامتحنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وامتحن النساء بعدها يقول: والله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله، وما ~~خرجتن لزوج ولا مال؟ فإذا قلن ذلك تركن، فلم يرددن إلى أهليهن. # وقد اختلف العلماء في المرأة التي كانت سببا لنزول هذه الآية على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها سبيعة، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وقد ذكرناه عن جماعة من أهل ~~العلم، وهو المشهور. # والثالث: أميمة بنت بشر من بني عمرو بن عوف، ذكره أبو نعيم الأصبهاني، ~~قال الماوردي. PageV08P008 # وقد اختلف أهل العلم هل دخل رد النساء في عقد الهدنة لفظا وعموما؟ فقالت ~~طائفة: قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظا صريحا، ms2243 فنسخ الله تعالى ردهن من ~~العقد، ومنع منه، وأبقاه في الرجال على ما كان. وقالت طائفة من العلماء لم ~~يشترط ردهن في العقد صريحا، وإنما أطلق العقد، وكان ظاهر العموم اشتماله مع ~~الرجال، فبين الله عز وجل خروجهن عن عمومه، وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين. # أحدهما: أنهن ذوات فروج فحرمن عليهم. # والثاني: أنهن أرق قلوبا، وأسرع تقلبا منهم فأما المقيمة على شركها ~~فمردودة عليهم. # وقال القاضي أبو يعلى: وإنما لم يرد النساء عليهم لأن النسخ جائز بعد ~~التمكين من الفعل. # قال المفسرون: والمراد بقوله [عز وجل]: (يا أيها الذين آمنوا) رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي تولى امتحانهن، ويراد به سائر المؤمنين ~~عند غيبته صلى الله عليه وسلم. قال ابن زيد: وإنما أمرنا بامتحانهن، لأن ~~المرأة كانت إذا غضبت على زوجها بمكة، قالت: لألحقن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وفيما كان يمتحنهن به ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان يمتحنهن ب‍ " شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله " رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه كان يستحلف المرأة بالله: ما خرجت من بغض زوج، ولا رغبة عن ~~أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله، روي عن ابن ~~عباس أيضا. # والثالث: أنه كان يمتحنهن بقوله [عز وجل]: (إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) ~~فمن أقرت بهذا الشرط قالت: قد بايعتك، هذا قول عائشة عليها السلام. # قوله [عز وجل]: (الله أعلم بإيمانهن) أي: إن هذا الامتحان لكم، والله ~~أعلم بهن، (فإن علمتموهن مؤمنات) وذلك يعلم من إقرارهن، فحينئذ لا يحل ردهن ~~(إلى الكفار) لأن الله تعالى PageV08P009 # لم يبح مؤمنة لمشرك (وآتوهم) يعني أزواجهن الكفار (ما أنفقوا) يعني: ~~المهر. قال مقاتل: هذا إذا تزوجها مسلم. فإن لم يتزوجها أحد، فليس لزوجها ~~الكافر شئ (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن) وهي المهور. # فصل عندنا إذا هاجرت الحربية بعد دخول زوجها بها، وقعت الفرقة على انقضاء ~~عدتها. فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها فهي امرأته، ms2244 وهذا قول الأوزاعي، ~~ومالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: تقع الفرقة باختلاف الدارين.. # قوله [عز وجل]: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " تمسكوا " بضم التاء، والتخفيف، وقرأ أبو ~~عمرو، ويعقوب: # " يمسكوا " بضم الياء، وبالتشديد، وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وابن ~~يعمر، وأبو حيوة: # " تمسكوا " بفتح التاء، والميم، والسين مشددة. و " الكوافر " جمع كافرة، ~~والمعنى: إن الله تعالى نهى المؤمنين عن المقام على نكاح الكوافر، وأمرهم ~~بفراقهن. وقال الزجاج: المعنى: أنها كفرت، فقد زالت العصمة بينها وبين ~~المؤمن، أي: قد أثبت عقد النكاح. وأصل العصمة: # الحبل، وكل ما أمسك شيئا فقد عصمه. # قوله [عز وجل]: (واسألوا ما أنفقتم) أي: إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد ~~من الكفار مرتدة، فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا لم يدفعوها إليكم ~~(وليسألوا ما أنفقوا) يعني: المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا ~~تزوجن منكم، فليسأل أزواجهن الكفار من تزوجهن منكم " " ما أنفقوا " وهو ~~المهر. والمعنى: عليكم أن تغرموا لهم الصداق [كما يغرمون لكم. # قال أهل السير: وكانت أم كلثوم] حين هاجرت عاتقا لم يكن لها زوج فبعثت ~~إليه قدر مهرها، فلما هاجرت تزوجت زيد بن حارثة. # قوله [عز وجل]: (ذلكم حكم الله) يعني ما ذكر في هذه الآية. PageV08P010 # فصل وذكر بعضهم في قوله [عز وجل]: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " أنه نسخ ~~ذلك في حرائر أهل الكتاب بقوله [عز وجل]: (والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب)، وهذا تخصيص لا نسخ. # قوله [تعالى]: (وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم) قال الزجاج: ~~أي: # أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم. وقرأ ابن مسعود، والأزهري، ~~والنخعي: " فعقبتم " بغير ألف، وبفتح العين والقاف، وبتخفيفها. وقرأ ابن ~~عباس، وعائشة والحسن وحميد، والأعمش فعقبتم مثل ذلك، إلا أن القاف مشددة. ~~قال الزجاج: المعنى في التشديد والتخفيف واحد، فكانت العقبى لكم بأن غلبتم. ~~وقرأ أبي بن كعب، وعكرمة، ومجاهد: " فأعقبتم " بهمزة ساكنة العين، مفتوحة ~~القاف خفيفة. وقرأ معاذ القارئ، وأبو عمران الجوني: " فعقبتم " بفتح العين، ~~وكسر القاف ms2245 وتخفيفها من غير ألف (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) ~~أي: أعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما انفقوا من المهر. # وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في عياض بن غنم، كانت زوجته مسلمة، ~~وهي أم الحكم بنت أبي سفيان، فارتدت، فلحقت بمكة، فأمر [الله] المسلمين أن ~~يعطوا زوجها من الغنيمة بقدر ما ساق إليها من المهر، ثم نسخ ذلك بقوله [عز ~~وجل] (براءة من الله ورسوله) إلى رأس الخمسين.. # فصل قال القاضي أبو يعلى: وهذه الأحكام في أداء المهر، وأخذه من الكفار، ~~وتعويض الزوج من الغنيمة، أو من صداق قد وجب رده على أهل الحرب، منسوخة عند ~~جماعة من أهل العلم. وقد نص الإمام أحمد رضي الله عنه على هذا. قلت: وكذا ~~قال مقاتل: كل هؤلاء الآيات نسختها آية السيف. PageV08P011 # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا ~~يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ~~(12) قوله [عز وجل]: (إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) قال المفسرون: لما فتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءته النساء يبايعنه، فنزلت هذه الآية، ~~[وشرط في مبايعتهن هذه الشرائط المذكورة في الآية]، فبايعهن وهو على الصفا، ~~فلما قال: ولا يزنين، قالت هند: أو تزني الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن، ~~فقالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم. وقد صح في الحديث ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهن ~~بالكلام، وقد سمينا من أحصينا من المبايعات في كتاب " التلقيح " على حروف ~~المعجم، وهن أربعمائة وسبع وخمسين امرأة، والله الموفق. # قوله [عز وجل]: (ولا يقتلن أولادهن) قال المفسرون: هو الوأد الذي كانت ~~الجاهلية تفعله. # قوله [عز وجل]: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم، قاله ابن عباس، والجمهور، وذلك أن ~~المرأة كانت تلتقط المولود، فتقول لزوجها: ms2246 هذا ولدي منك، وذلك البهتان ~~المفترى. وإنما قال: " بين أيديهن وأرجلهن " لأن الولد إذا وضعته الأم يسقط ~~بين يديها ورجليها. وقيل: معنى " يفترينه بين أيديهن ": ما أخذنه لقيطا " ~~وأرجلهن " ما ولدنه من زنا. # والثاني: أنه السحر. # والثالث: المشي بالنميمة، والسعي في الفساد، وذكرهما الماوردي. ~~PageV08P012 # قوله [عز وجل]: (ولا يعصينك في معروف) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه النوح، قاله ابن عباس: وروي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # والثاني: أنه لا يدعين ويلا، ولا يخدشن [وجها] ولا ينشرن شعرا، ولا يشققن ~~ثوبا، قاله زيد بن أسلم. # والثالث: أنه جميع ما يأمرهن به رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرائع ~~الإسلام، وآدابه، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي هذه الآية دليل على أن طاعة ~~الولاة إنما تلزم في المباح دون المحظور. # قوله [عز وجل]: (فبايعهن) المعنى: إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن. # يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) قوله [عز وجل]: (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) وهم اليهود وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين ~~كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين، يتقربون إليهم بذلك ليصيبوا من ثمارهم ~~وطعامهم، فنزلت هذه الآية. # قوله [عز وجل]: (قد يئسوا من الآخرة) وذلك أن اليهود بتكذيبهم محمدا، وهم ~~يعرفون صدقه [قد] يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير، والمعنى: قد يئسوا ~~من ثواب الآخرة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح. وقال قتادة: قد يئسوا أن ~~يبعثوا، (كما يئس الكفار) فيه قولان: # أحدهما: كما يئس الكفار، من بعث من في القبور، قاله ابن عباس. # والثاني: كما يئس الكفار الذين ماتوا من ثواب الآخرة، لأنهم أيقنوا ~~بالعذاب، قاله مجاهد. PageV08P013 # سورة الصف مدنية وآياتها أربع عشرة ويقال لها: سورة الحواريين وفيها ~~قولان: # أحدهما: انها مدنية، قاله ابن عباس: والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ~~والجمهور. # والثاني: مكية، قاله ابن يسار. # بسم الله الرحمن الرحيم سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو ms2247 العزيز ~~الحكيم (1) يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص (4) قوله [عز وجل]: (لم تقولون ما لا تفعلون) في سبب ~~نزولها خمسة أقوال: # أحدها: ما روى أبو سلمة عن عبد الله بن سلام، قال: قعدنا نفرا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز ~~وجل عملناه، فأنزل الله (سبح لله ما في السماوات) إلى آخر السورة. ~~PageV08P014 # والثاني: أن الرجل كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: فعلت ~~كذا وكذا، وما فعل، فنزلت " لم تقولون ما لا تفعلون " رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وكذلك قال الضحاك: كان الرجل يقول: # قاتلت، ولم يقاتل، وطعنت، ولم يطعن، وصبرت ولم يصبر، فنزلت هذه الآية. # والثالث: أن ناسا من المسلمين كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد: وددنا أن ~~الله تعالى دلنا على أحب الأعمال إليه، فلما نزل الجهاد، كرهه ناس من ~~المؤمنين، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: أن صهيبا قتل رجلا يوم بدر، فجاء رجل فادعى أنه قتله وأخذ سلبه، ~~فقال صهيب: # أنا قتلته يا رسول الله، فأمره أن يدفع سلبه إلى صهيب، ونزلت هذه الآية، ~~رواه سعيد بن المسيب عن صهيب. # والخامس: أن المنافقين كانوا يقولون للنبي وأصحابه: لو قد خرجتم خرجنا ~~معكم، ونصرناكم. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن زيد. # قوله [عز وجل]: (كبر مقتا عند الله) [قال الزجاج: " مقتا "] منصوب على ~~التمييز، والمعنى: كبر قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله. ثم أعلم عز وجل ~~ما الذي يحبه، فقال [عز وجل]: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص) أي: بنيان لاصق بعضه ببعض، فأعلم أنه يحب من يثبت في ~~الجهاد، ويلزم مكانه كثبوت البنيان المرصوص. ويجوز أن PageV08P015 # يكون عنى أن يستوي ثباتهم ms2248 في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة ~~كالبنيان المرصوص. # وللمفسرين في المراد ب‍ " المرصوص " قولان: # أحدهما: أنه الملتصق بعضه ببعض، فلا يرى فيه خلل لإحكامه، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه المبني بالرصاص، وإلى نحو هذا ذهب الفراء، وكان أبو بحرية ~~يقول: كانوا يكرهون القتال على الخيل، ويستحبون القتال على الأرض لهذه ~~الآية اسم أبي بحرية: عبد الله بن قيس التراغمي، يروي عن معاذ، وكأنه أشار ~~بذلك إلى أن الفرسان لا يصطفون في الغالب إنما يصطف الرجالة. # وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) وإذ قال عيسى ابن ~~مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ~~ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر ~~مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا ~~يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ~~ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون (9) قوله [عز وجل]: (وإذ قال موسى) المعنى: ~~أذكر لمن يؤذيك من المنافقين ما صنعته بالذين آذوا موسى. وقد ذكرنا ما آذوا ~~به موسى في الأحزاب. # قوله [عز وجل]: (فلما زاغوا) أي: مالوا عن الحق (أزاغ الله قلوبهم) أي: ~~أمالها عن الحق جزاء لما ارتكبوه، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله [عز وجل] ~~(يأتي من بعدي) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم " من ~~بعدي اسمه " بفتح الياء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، PageV08P016 # والكسائي، وحفص عن عاصم " من بعدي اسمه " بإسكان الياء (ومن أظلم ممن ~~افترى على الله الكذب) وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، قاله مقاتل. # والثاني: النصارى حين قالوا: عيسى ابن الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~[وقرأ] ابن مسعود، وعاصم الجحدري، وطلحة بن مصرف وهو " يدعي إلى الإسلام " ~~بفتح الياء، والدال، وتشديدها، وبكسر العين، وما بعد ms2249 هذا في براءة إلى قوله ~~[عز وجل]: (متم نوره) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم وخلف " ~~متم نوره " مضاف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم " متم ~~" رفع منون. # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن ~~طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح ~~قريب وبشر المؤمنين (13) يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ~~فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظهرين (14) قوله [عز وجل]: (هل أدلكم على تجارة) قال المفسرون: ~~نزلت هذه الآية حين قالوا: لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به ~~أبدا، فدلهم الله على ذلك، وجعله بمنزلة التجارة لمكان ربحهم فيه. ~~PageV08P017 # قوله [عز وجل]: " تنجيكم " بالتشديد. وقرأ الباقون بالتخفيف. ثم بين ~~التجارة، فقال [عز وجل]: (تؤمنون بالله) إلى قوله [عز وجل]: (يغفر لكم) فإن ~~قيل كيف قال تؤمنون بالله، وقد قال يا أيها الذين آمنوا آمنوا وقد سبق ذلك ~~الجواب عنه بنحو الجواب عن قوله يا أيها الذين آمنوا آمنوا وقد سبق ذلك قال ~~الزجاج: وقوله: " يغفر لكم " جواب قوله: تؤمنون " وتجاهدون "، لأن معناه ~~معنى الأمر. والمعنى: آمنوا بالله وجاهدوا، يغفر لكم، أي: إن فعلتم ذلك، ~~يغفر لكم. # وقد غلط بعض النحويين، فقال: هذا جواب " هل " وهذا غلط بين، لأنه ليس إذا ~~دلهم على ما ينفعهم غفر لهم، إنما يغفر لهم إذا عملوا بذلك. ومن قرأ " يغفر ~~لكم " بادغام الراء في اللام، فغير جائز عند سيبويه، والخليل، لأنه لا تدغم ~~الراء في اللام في قولهم. وقد رويت عن أبي عمرو بن العلاء، وهو إمام عظيم، ~~ولا أحسبه قرأها إلا وقد سمعها من العرب. وقد ms2250 زعم سيبويه والخليل وجميع ~~البصريين، ما خلا أبا عمرو، أن اللام تدغم في الراء، وأن الراء لا تدغم في ~~اللام، وحجتهم أن الراء حرف مكرر قوي، فإذا أدغمت في اللام ذهب التكرير ~~منها. وما بعد هذا قد سبق إلى قوله [عز وجل]: (وأخرى تحبونها) قال الفراء: ~~والمعنى: ولكم في العاجل مع ثواب الآخرة أخرى تحبونها، ثم فسرها فقال [عز ~~وجل] (نصر من الله وفتح قريب) وفيه قولان: # أحدهما: أنه فتح مكة، قاله ابن عباس. # والثاني: فتح فارس والروم، قاله عطاء. # قوله [عز وجل]: (وبشر المؤمنين) أي: بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. ~~ثم حضهم على نصر دينه بقوله [عز وجل]: (كونوا أنصار الله) قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو " كونوا أنصارا لله " منونة. وقرأ عاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي " أنصار الله " مضاف ومعنى الآية: # دوموا على ما أنتم عليه، وانصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال ~~لهم عيسى: (من أنصاري إلى الله) وحرك نافع ياء " من أنصاري إلى الله " [وقد ~~سبق تفسير] هذا الكلام قوله (فآمنت طائفة من بني إسرائيل) بعيسى (وكفرت ~~طائفة) (فأيدنا الذين آمنوا) بعيسى (على عدوهم) وهم مخالفو عيسى، كذلك قال ~~ابن عباس، ومجاهد، والجمهور، وقال مقاتل: تم الكلام عند قوله [عز وجل]: ~~(وكفرت طائفة)، (فأيدنا الذين آمنوا) بمحمد (على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) ~~بمحمد على الأديان وقال إبراهيم النخعي: أصبح من آمن بعيسى ظاهرين بتصديق ~~محمد [صلى الله عليه وسلم] أن عيسى كلمة الله وروحه بتعليم الحجة. قال ابن ~~قتيبة: (فأصبحوا ظاهرين) أي: غالبين عليهم [بمحمد]. من قولك: ظهرت على ~~فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا صرت فوقه. PageV08P018 # (62) سورة الجمعة مدنية (1) وآياتها أحدي عشرة وهي مدنية كلها بإجماعهم ~~وقد سبق شرح فاتحتها. وقرأ أبو الدرداء، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، ~~والنخعي، والوليد عن يعقوب (الملك القدوس العزيز الحكيم) بالرفع فيهن. # فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر التسبيح في هذه السورة؟ # فالجواب: أن ذلك لاستفتاح السور بتعظيم الله عز وجل، كما تستفتح ب " بسم ~~الله ms2251 الرحمن الرحيم " وإذا جل المعنى في تعظيم الله، حسن الاستفتاح به. # بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس العزيز الحكيم (1) هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) قوله [عز وجل]: (هو الذي بعث في الأميين) ~~يعني: العرب، وكانوا لا يكتبون وقد شرحنا PageV08P019 # هذا المعنى في البقرة (رسولا) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم أي (منهم) ~~أي: من جنسهم ونسبهم. # فإن قيل: فما وجه الامتنان في أنه بعث نبيا أميا فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: لموافقة ما تقدمت بشارة الأنبياء. # والثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. # والثالث: لئلا يظن به أنه يعلم كتب من قبله. وما بعد هذا في سورة البقرة ~~إلى قوله [عز وجل]: (وإن كانوا من قبل)، بعثه إلا في (ضلال [مبين]) بين، ~~وهو الشرك. # قوله [عز وجل]: (وآخرين منهم) فيه قولان: # أحدهما: وبعث محمدا في آخرين منهم، أي: من الأميين. # والثاني: ويعلم آخرين منهم، ويزكيهم. وفي المراد بالآخرين أربعة أقوال: # أحدها: أنهم العجم، قاله ابن عمر، وسعيد بن جبير، وهي رواية ليث عن ~~مجاهد. فعلى هذا إنما قال: " منهم "، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، إذ ~~المسلمون يد واحدة، وملة واحدة. # والثاني: أنهم التابعون، قاله عكرمة، ومقاتل. # والثالث: جميع من دخل في الإسلام إلى يوم القيامة، قاله ابن زيد، وهي ~~رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والرابع: أنهم الأطفال، حكاه الماوردي. # قوله [عز وجل] (لما يلحقوا بهم): أي: لم يلحقوا بهم. # قوله [عز وجل]: (ذلك فضل الله) يعني: الإسلام والهدى (والله ذو الفضل ~~العظيم) بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم. PageV08P020 # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) قل يا أيها ~~الذين هادوا إن ms2252 زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل ~~إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى علم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (8) ثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة ~~مثلا، فقال [عز وجل]: (مثل الذين حملوا التوراة) أي: كلفوا العمل بما فيها ~~(ثم لم يحملوها) أي: لم يعملوا بموجبها، ولم يؤدوا حقها (كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا) وهي جمع سفر. والسفر: الكتاب، فشبههم بالحمار لا يعقل ما يحمل، إذ ~~لم ينتفعوا بما في التوراة، وهي دالة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وهذا المثل يلحق من لم يعمل بالقرآن ولم يفهم معانيه (بئس مثل القوم) ذم ~~مثلهم، والمراد ذمهم، واليهود كذبوا بالقرآن وبالتوراة حين لم يؤمنوا بمحمد ~~(والله لا يهدي القوم الظالمين) أنفسهم بتكذيب الأنبياء. # قوله [عز وجل]: (إن زعمتم أنكم أولياء لله) وذلك أن اليهود، قالوا: نحن ~~ولد إسرائيل الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله، ونحن أولى بالله عز وجل ~~من سائر الناس، وإنما تكون النبوة فينا. # فقال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام (قل) لهم إن كنتم (أولياء ~~لله فتمنوا الموت) لأن الآخرة خير لأولياء الله من الدنيا. وقد بينا هذا ~~وما بعده في البقرة إلى قوله [عز وجل]: (قل إن الموت الذي تفرون منه) وذلك ~~أن اليهود علموا أنهم قد أفسدوا على أنفسهم أمور الآخرة بتكذيبهم محمدا، ~~وكانوا يكرهون الموت، فقيل لهم: لا بد من نزوله بكم بقوله [عز وجل]: # (فإنه ملاقيكم) قال الفراء: العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما ~~يوصل، مثل: " من " و " الذي " فمن أدخل الفاء ها هنا ذهب " بالذي " إلى ~~تأويل الجزاء. وفي قراءة عبد الله " إن الموت الذي تفرون [منه] ملاقيكم " ~~وهذا على القياس، لأنك تقول: إن أخاك قائم، ولا تقول: فقائم ولو ~~PageV08P021 # قلت: إن ضاربك فظالم، لجاز، لأن تأويله: إن رجلا يضربك فظالم. وقال ~~الزجاج: إنما جاز دخول الفاء، لأن ms2253 في الكلام معنى الشرط والجزاء. ويجوز أن ~~يكون تمام الكلام عند قوله [عز وجل]: " تفرون منه " كأنه قيل: إن فررتم أي ~~من موت كان من قتل أو غيره " فإنه ملاقيكم " وتكون " فإنه " استئنافا بعد ~~الخبر الأول. # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) قوله [عز ~~وجل]: (إذا نودي للصلاة) وهذا هو النداء الذي ينادى به إذا جلس الإمام على ~~المنبر، [ولم يكن في عهد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] نداء سواه، كان ~~إذا جلس على المنبر] أذن بلال على باب المسجد، وكذلك كان على عهد أبي بكر، ~~وعمر، فلما كثر الناس على عهد عثمان أمر بالتأذين الأول على دار له بالسوق، ~~يقال لها: " الزوراء " وكان إذا جلس أذن أيضا. # قوله [عز وجل]: (للصلاة) أي: لوقت الصلاة. وفي " الجمعة " ثلاث لغات. ضم ~~الجيم والميم، وهي قراءة الجمهور. وضم الجيم مع إسكان الميم، وبها قرأ أبو ~~عبد الرحمن السلمي، وأبو رجاء، وعكرمة، والزهري، وابن أبي ليلى، وابن أبي ~~عبلة، والأعمش. وبضم الجيم مع فتح الميم، وبها قرأ أبو مجلز، وأبو العالية، ~~والنخعي، وعدي بن الفضل عن أبي عمرو. قال الزجاج: # من قرأ بتسكين الميم، [فهو تخفيف الجمعة لثقل الضمتين. وأما فتح الميم]، ~~فمعناها: الذي يجمع الناس، كما تقول: رجل لعنة: يكثر لعنه الناس، وضحكة: ~~يكثر الضحك. وفي تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة ثلاثة أقوال: # أحدها: انه فيه جمع آدم. روى سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أتدري ما الجمعة؟ " قلت: لا. قال: " فيه جمع أبوك "، يعني: تمام ~~خلقه في يوم الجمعة. PageV08P022 # والثاني: لاجتماع الناس [فيه للصلاة]. # والثالث: لاجتماع المخلوقات فيه، لأنه اليوم الذي فرغ فيه من خلق ~~الأشياء. وفي أول من سماها بالجمعة قولان: # أحدهما: أنه كعب بن لؤي سماها بذلك، وكان يقال ليوم الجمعة: عروبة قال ms2254 ~~أبو سلمة. وقيل: إنما سماها بذلك لاجتماع قريش فيه. # والثاني: أن أول من سماها بذلك الأنصار، قاله ابن سيرين. # قوله [عز وجل]: (فاسعوا إلى ذكر الله) وفي هذا السعي ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه المشي، قاله ابن عباس. وكان ابن مسعود يقرؤها " فامضوا " ~~ونقول: لو قرأتها " فاسعوا " لسعيت حتى يقسط ردائي. قال عطاء: هو الذهاب ~~والمشي إلى الصلاة. # والثاني: أن المراد بالسعي: العمل، قاله عكرمة، والقرظي، والضحاك، فيكون ~~المعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله بالتفرغ له، والاشتغال بالطهارة ~~ونحوها. # والثالث: أنه النية بالقلب، قاله الحسن. وقال ابن قتيبة: هو المبادرة ~~بالنية والجد. وفي المراد " بذكر الله " قولان: # أحدهما: أنه الصلاة، قاله الأكثرون. # والثاني: موعظة الإمام، قاله سعيد بن المسيب. # قوله [عز وجل]: (وذروا البيع) أي: دعوا التجارة في ذلك الوقت. وعندنا: لا ~~يجوز البيع في وقت النداء، ويقع البيع باطلا في حق من يلزمه فرض الجمعة، ~~وبه قال مالك خلافا للأكثرين. PageV08P023 # فصل تجب الجمعة على من سمع النداء من المصر، إذا كان المؤذن صيتا، والريح ~~ساكنة. وقد حده مالك بفرسخ، ولم يحده الشافعي. وعن أحمد في التحديد نحوهما. ~~وتجب الجمعة على أهل القرى. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على أهل الأمصار. ~~ويجوز لأهل المصر أن يقيموا الجمعة في الصحراء القريبة من المصر خلافا ~~للشافعي. ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين. وعن أحمد: أقله خمسون. وعنه: ~~أقله ثلاثة. وقال أبو حنيفة: تنعقد بثلاثة والإمام، والعدد شرط في في ~~الخطبة وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: يصح أن يخطب منفردا. وهل تجب ~~الجمعة على العبيد؟ فيه عن أحمد روايتان. وعندنا: تجب على الأعمى إذا وجد ~~قائدا، خلافا [لأبي حنيفة. # ولا تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين، خلافا لأبي حنيفة. وهل تجب الجمعة ~~والعيدان من غير إذن سلطان؟ فيه عن أحمد روايتان. وتجوز الجمعة في موضعين ~~في البلد مع الحاجة. وقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف: لا تجوز إلا في موضع ~~واحد. وتجوز إقامة الجمعة قبل الزوال خلافا لأكثرهم، وإذا وقع العيد يوم ~~الجمعة أجزأ ms2255 حضوره عن يوم الجمعة، وبه قال الشعبي والنخعي، خلافا للأكثرين ~~والمستحب لأهل الأعذار أن يصلوا الظهر في جماعة. وقال أبو حنيفة: يكره. ولا ~~يجوز السفر يوم الجمعة بعد الزوال. وقال أبو حنيفة: يجوز. وهل يجوز السفر ~~بعد طلوع الفجر؟ # فيه عن الإمام أحمد روايتان. ونقل عن أحمد رضي الله عنه أنه لا يجوز ~~الخروج في الجمعة إلا للجهاد. وقال أبو حنيفة: يجوز لكل سفر. وقال ~~الشافعي:] لا يجوز أصلا. # والخطبة شرط في الجمعة. وقال داود: هي مستحبة. والطهارة لا تشترط [في ~~الخطبة]، خلافا للشافعي تصح في أحد قوليه. والقيام ليس بشرط في الخطبة، ~~خلافا للشافعي. ولا تجب القعدة بين الخطبتين، خلافا له أيضا. # ومن شرط [الخطبة]: التحميد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقراءة آية، والموعظة. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يخطب بتسبيحة. # والخطبتان واجبتان. وأما القراءة في الخطبة الثانية، فهي شرط، خلافا ~~للشافعي. # والسنة للإمام إذا صعد المنبر، واستقبل الناس: أن يسلم، خلافا لأبي ~~حنيفة، ومالك. # وهل يحرم الكلام في حال سماع الخطبة؟ فيه عن أحمد روايتان. ويحرم على ~~المستمع دون الخاطب، خلافا للأكثرين. ولا يكره الكلام قبل الابتداء ~~بالخطبة، وبعد الفراغ منها، خلافا لأبي حنيفة. # ويستحب له أن يصلي تحية المسجد والإمام يخطب، خلافا لأبي حنيفة، ومالك. ~~PageV08P024 # وهل يجوز أن يخطب واحد، ويصلي آخر، فيه عن أحمد روايتان. قوله [عز وجل]: # (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) أي: إن كان لكم علم بالأصلح (فإذا قضيت ~~الصلاة) أي: # فرغتم منها (فانتشروا في الأرض) هذا أمر إباحة (وابتغوا من فضل الله) ~~إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع منها بقوله تعالى: (وذروا البيع) وقال ~~الحسن، وسعيد بن جبير: هو طلب العلم. # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير ~~من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) قوله [عز وجل]: (وإذا رأوا ~~تجارة) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة، ~~إذ أقبلت عير قد قدمت، فخرجوا إليها حتى لم ms2256 يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، ~~فنزلت هذه الآية، أخرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث جابر بن عبد ~~الله، قاله الحسن: # وذلك أنهم أصابهم جوع، وغلاء سعر، فلما سمعوا بها خرجوا إليها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لو اتبع آخرهم أولهم التهب عليهم الوادي نارا ~~". قال المفسرون: كان الذي قدم بالتجارة دحية بن خليفة الكلبي " قال مقاتل: ~~وذلك قبل أن يسلم. قالوا: قدم بها من الشام، وضرب لها طبل يؤذن الناس ~~بقدومها. وهذه كانت عادتهم إذا قدمت عير. قال جابر بن عبد الله: كانت ~~التجارة طعاما. # وقال أبو مالك: كانت زيتا. والمراد باللهو: ضرب الطبل. و (انفضوا) بمعنى: ~~تفرقوا عنك، فذهبوا إليها. والضمير للتجارة. وإنما خصت برد الضمير إليها، ~~لأنها كانت أهم إليهم، هذا قول الفراء، والمبرد. وقال الزجاج: المعنى: وإذا ~~رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف خبر أحدهما، لأن الخبر ~~الثاني يدل على الخبر المحذوف. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة " انفضوا ~~إليهما " على التثنية. وعن ابن مسعود، وابن أبي عبلة " انفضوا إليه " على ~~ضمير مذكر (وتركوك قائما) وهذا القيام كان في الخطبة (قل ما عند الله) من ~~ثواب الصلاة والثبات مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] (خير من اللهو ومن ~~التجارة خير الرازقين) لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده، ومن يكفر به ويجحده، ~~فهو يعطي من سأل، ويبتدئ من لا يسأل، وغيره إنما يرزق من يرجو منفعته، ~~ويقبل على خدمته. PageV08P025 # سورة المنافقون مدنية وآياتها إحدى عشرة وهي مدنية بإجماعهم وذكر أهل ~~التفسير أنها نزلت في عبد الله بن أبي ونظرائه. وكان السبب أن عبد الله خرج ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم في خلق كثير من المنافقين إلى المريسيع، وهو ~~ماء لبني المصطلق طلبا للغنيمة، لا للرغبة في الجهاد، لأن السفر كان قريبا. ~~فلما قضى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] غزاته، أقبل رجل من جهينة، يقال ~~له: سنان، وهو حليف لعبد الله بن أبي، ورجل من بني غفار يقال له: # جهجاه ms2257 بن سعيد، وهو أجير لعمر بن الخطاب لاستقاء الماء، فدار بينهما ~~كلام، فرفع الغفاري يده فلطم الجهني، فأدماه، فنادى الجهني: يا آل الخزرج، ~~فأقبلوا، ونادى الغفاري: يا آل قريش، فأقبلوا، فأصلح الأمر قوم من ~~المهاجرين. فبلغ الخبر عبد الله ابن أبي، فقال وعنده جماعة من المنافقين: ~~والله ما مثلكم ومثل هؤلاء الرهط من قريش إلا مثل ما قال الأول: سمن كلبك ~~يأكلك، ولكن هذا فعلكم بأنفسكم، آويتموهم في منازلكم، وأنفقتم عليهم ~~أموالكم، [فقووا وضعفتم. # وأيم الله: لو أمسكتم أيديكم] لتفرقت عن هذا جموعه، ولئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز PageV08P026 # منها الأذل، وكان في القوم زيد بن أرقم، وهو غلام يومئذ لا يؤبه له، فقال ~~لعبد الله: أنت والله الذليل القليل، فقال: إنما كنت ألعب، فأقبل زيد ~~بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: دعني أضرب عنقه. فقال: ~~إذن ترعد له آنف كبيرة، قال: فإن كرهت أن يقتله رجل من المهاجرين، فمر سعد ~~بن عبادة، أو محمد بن مسلمة، أو عباد بن بشر فليقتله، فقال: إذن يتحدث ~~الناس أن محمدا يقتل أصحابه، فأرسل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى عبد ~~الله بن أبي، فأتاه، فقال: أنت صاحب هذا الكلام؟ فقال: والذي أنزل عليك ما ~~قلت شيئا من هذا، وإن زيدا لكذاب، فقال من حضر: لا يصدق عليه كلام غلام، ~~عسى الله أن يكون قد وهم، فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفشت ~~الملامة من الأنصار لزيد، وكذبوه، وقال له عمه: ما أردت إلا أن كذبك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ومقتوك! فاستحيا زيد، وجلس في بيته. ~~فبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] فقال: بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي، لما بلغك عنه. # فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فإني أخشى أن يقتله غيري، ~~فلا تدعني نفسي حتى أقتل قاتله، فأدخل النار، فقال رسول الله صلى ms2258 الله عليه ~~وسلم: " بل تحسن صحبته ما بقي معنا "، وأنزل الله سورة (المنافقين) في ~~تصديق زيد، وتكذيب عبد الله، فأرسل [رسول] الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد ~~فقرأها عليه، وقال: ان الله قد صدقك. ولما أراد عبد الله بن أبي أن يدخل ~~المدينة جاء ابنه، فقال: # [ما] وراءك، قال: مالك [ويلك]؟ قال: لا والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم اليوم من الأعز، ومن الأذل، فشكا عبد ~~الله إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ما صنع ابنه، فأرسل إليه رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] أن خل عنه حتى يدخل، فلما نزلت السورة وبان كذبه ~~قيل له: يا أبا حباب: إنه قد نزلت فيك آيات شداد، فاذهب إلى رسول الله ~~ليستغفر لك، فلوى به رأسه، فلذلك قوله [عز وجل]: (لووا رؤوسهم) وقيل: إن ~~الذي قال له هذا عبادة بن الصامت. # بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) إتخذوا أيمانهم ~~جنة فصدوا الله إنهم ساء ما عن سبيل كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم ~~كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) PageV08P027 # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ~~يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) قوله ~~[عز وجل]: (إذا جاءك المنافقون) يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه (قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله) وها هنا تم الخبر [عنهم]. ثم ابتدأ فقال [عز وجل] (والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) وإنما جعلهم كاذبين، ~~لأنهم أضمروا غير ما أظهروا. # قال الفراء: إنما كذب ضميرهم. (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله) ~~قد ذكرناه في المجادلة. قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على أن قول ~~القائل: " أشهد " يمين، لأنهم [قالوا]: لو " نشهد " فجعله يمينا بقوله [عز ~~وجل]: (اتخذوا أيمانهم جنة) وقد قال أحمد، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة: ~~أشهد، وأقسم، وأعزم، وأحلف، ms2259 كلها أيمان. # وقال الشافعي: " أقسم " ليس بيمين. وإنما قوله: " أقسم بالله " يمين إذا ~~أراد اليمين. # قوله [تعالى]: (ذلك) أي: ذلك الكذب (بأنهم آمنوا) باللسان (ثم كفروا) في ~~السر (فطبع الله على قلوبهم بالكفر فهم لا يفقهون) الإيمان والقرآن (وإذا ~~رأيتهم تعجبك أجسامهم) يعني: أن لهم أجساما ومناظر. قال ابن عباس: كان عبد ~~الله بن أبي جسيما فصيحا، ذلق اللسان، فإذا [قال]، سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم قوله. وقال غيره: المعنى: يصغي إلى قولهم، فيحسب أنه حق (كأنهم خشب) ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: # وحمزة: " خشب " بضم الخاء، والشين جميعا، وهو جمع خشبة. مثل ثمرة، وثمر. ~~وقرأ الكسائي: خشب بضم الخاء، وتسكين الشين، مثل: بدنة، وبدن، وأكمة، وأكم. ~~وعن ابن كثير، وأبي عمرو، مثله. وقرأ أبو بكر الصديق، وعروة، وابن سيرين: " ~~خشب " بفتح PageV08P028 # الخاء، والشين جميعا. وقرأ أبو نهيك، وأبو المتوكل، وأبو عمران خشب بفتح ~~الخاء، وإسكان الشين، فوصفهم الله بحسن الصور، وإبانة النطق، ثم أعلم أنهم ~~في ترك التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب. والمسندة: الممالة إلى الجدار. ~~والمراد: أنها ليست بأشجار تثمر وتنمي، بل هي خشب مسندة إلى حائط. ثم عابهم ~~بالجبن فقال [عز وجل]: (يحسبون كل صيحة عليهم) أي: لا يسمعون صوتا إلا ظنوا ~~أنهم قد أتوا لما في قلوبهم من الرعب أن يكشف الله أسرارهم، وهذه مبالغة في ~~وصفهم بالجبن. وأنشدوا في هذا المعنى: # ولو أنها عصفورة لحسبتها * مسومة تدعو عبيدا وأزنما أي: لو طارت عصفورة ~~لحسبتها من جبنك خيلا تدعوها بين القبلتين قوله [عز وجل]: # (هم العدو فاحذرهم) أن تأمنهم: ولا تأمنهم على سرك، لأنهم عيون لأعدائك ~~من الكفار (قاتلهم الله أنى يؤفكون) مفسر في براءة. # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدي القوم الفسقين (6) هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات ms2260 والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) ~~يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) قوله [عز وجل]: (وإذا قيل لهم ~~تعالوا يستغفر لكم رسول الله) قد بينا سببه في نزول PageV08P029 # السورة (لووا رؤوسهم) وقرأ نافع، والمفضل عن عاصم، ويعقوب: " لووا " ~~بالتخفيف. # واختار أبو عبيد التشديد. وقال: لأنهم فعلوا ذلك مرة بعد مرة. قال مجاهد: ~~لما قيل لعبد الله ابن أبي: تعال يستغفر لك رسول الله لوى رأسه، وقال: ماذا ~~قلت؟ وقال مقاتل: عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار. وقال الفراء: حركوها ~~استهزاء بالنبي وبدعائه. # قوله [عز وجل]: (ورأيتهم يصدون) أي: يعرضون عن الاستغفار. (وهم مستكبرون) ~~أي: متكبرون عن ذلك. ثم ذكر أن استغفاره لهم لا ينفعهم قوله [عز وجل]: ~~(سواء عليهم أستغفرت لهم) وقرأ أبو جعفر: (آستغفرت) بالمد. # قوله [عز وجل]: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله) قد ~~بينا أنه قول ابن أبي. و (ينفضوا) بمعنى: يتفرقوا (ولله خزائن السماوات ~~والأرض) قال المفسرون: خزائن السماوات: المطر، وخزائن الأرض: النبات. ~~والمعنى: أنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين، لا أولئك، (ولكن المنافقين لا ~~يفقهون) أي: لا يعلمون أن الله رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم (يقولون ~~لئن رجعنا) أي من هذه الغزوة. وقد تقدم ذكرها وهذا قول ابن أبي (ليخرجن ~~الأعز) يعني: نفسه، وعنى ب‍ (الأذل) رسول الله [صلى الله عليه وسلم]. وقرأ ~~الحسن: " لنخرجن " بالنون مضمومة وكسر الراء " الأعز " بنصب الزاي على ~~الحال. المعنى: لنخرجنه ذليلا على أي حال ذل. والكل نصبوا " الأذل " فرد ~~الله عز وجل عليه فقال: (ولله العزة) وهي: المنعة والقوة (ولرسوله ~~وللمؤمنين) بإعزاز الله ونصره إياهم (ولكن المنافقين لا يعلمون) ذلك. # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ms2261 والله خبير بما تعملون (11) PageV08P030 # قوله [عز وجل]: (لا تلهكم) أي: لا تشغلكم. وفي المراد بذكر الله ها هنا ~~أربعة أقوال: # أحدها: طاعة الله في الجهاد، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الصلاة المكتوبة، قاله عطاء، ومقاتل. # والثالث: الفرائض من الصلاة، وغيرها، قاله الضحاك. # والرابع: أنه على إطلاقه. قال الزجاج: حضهم بهذا على إدامة الذكر. قوله ~~عز وجل]: (وأنفقوا مما رزقناكم) في هذه النفقة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه زكاة الأموال، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها النفقة في الحقوق الواجبة بالمال، كالزكاة والحج، ونحو ~~ذلك، وهذا المعنى مروي عن الضحاك. # والثالث: أنه صدقة التطوع، ذكره الماوردي. فعلى هذا يكون الأمر ندبا، ~~وعلى ما قبله يكون أمر وجوب. # قوله [عز وجل]: (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) قال الزجاج: أي: من قبل أن ~~يعاين ما يعلم منه أنه ميت. # قوله [عز وجل]: (لولا أخرتني) أي: هلا أخرتني (إلى أجل قريب) يعني بذلك ~~الاستزادة في أجله ليتصدق ويزكي، وهو قوله [عز وجل]: (فأصدق) قال أبو ~~عبيدة: # " فأصدق " نصب، لأن كل جواب بالفاء للاستفهام منصوب. تقول: من عندك ~~فأتيك. هلا فعلت كذا فأفعل كذا، ثم تبعتها (وأكن من الصالحين) بغير واو. ~~وقال أبو عمرو: إنما هي، وأكون، فذهبت الواو من الخط. كما يكتب أبو جاد ~~أبجد هجاء، وهكذا يقرؤها أبو عمرو " وأكون " بالواو، ونصب النون. والباقون ~~يقرؤون " وأكن " بغير واو. قال الزجاج: من قرأ " وأكون " فهو على لفظ ~~فأصدق. ومن جزم " أكن " فهو على موضع فأصدق " لأن المعنى: إن أخرتني أصدق ~~وأكن. وروى أبو صالح عن ابن عباس " فأصدق " أي: أزكي مالي " وأكن من ~~الصالحين " أي: أحج مع المؤمنين، وقال في قوله عز وجل: (والله خبير بما ~~تعملون) والمعنى: بما تعملون وقرأ أبو بكر عن عاصم يعلمون بالياء والباقون ~~بالتاء من التكذيب بالصدقة. قال مقاتل: # يعني: المنافقين. وروى الضحاك عن ابن عباس، ما من أحد يموت، قد كان له ~~مال لم يزكه، وأطاق الحج فلم يحج، إلا سأل الله الرجعة عند الموت، فقالوا ~~له: ms2262 إنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: أنا أتلو عليكم به قرآنا: ثم قرأ هذه ~~الآية. PageV08P031 # سورة التغابن مدنية وآياتها ثماني عشرة وفيها قولان: # أحدهما: أنها مدنية، قاله الجمهور، منهم ابن عباس، والحسن، ومجاهد، ~~وعكرمة، وقتادة. # والثاني: أنها مكية، قاله الضحاك، وقال [عطاء] بن يسار: هي مكية إلا ثلاث ~~آيات منها نزلت بالمدنية قوله [عز وجل]: (يا أيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم) واللتان بعدها. # بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شئ قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ~~والله بما تعملون بصير (2) خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم ~~وإليه المصير (3) يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والله عليم بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال ~~أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ذلك بأنه كانت PageV08P032 # تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا واستغنى الله والله ~~غني حميد (6) وقد سبق تفسير فاتحتها إلى قوله [عز وجل]: (فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن) وفيه قولان. # أحدهما: أن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، رواه الوالبي عن ابن عباس. ~~والأحاديث تعضد هذا القول، كقوله صلى الله عليه وسلم: " خلق فرعون في بطن ~~أمه كافرا، وخلق [يحيى] بن زكريا في بطن أمه مؤمنا "، وقوله: " فيؤمر الملك ~~بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. # والثاني: أن تمام الكلام عند قوله [عز وجل]: (خلقكم) ثم وصفهم، فقال [عز ~~وجل]: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن)، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة ~~أقوال. # أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. # والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر ~~في العاقبة [، قاله أبو سعيد الخدري. # والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب،] ومنكم مؤمن بالله كافر ~~بالكواكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء. # والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، حكاه الزجاج، والكفر بالخلق مذهب ~~الدهرية، وأهل الطبائع. وما ms2263 بعد هذا قد سبق إلى قوله [عز وجل]: (وصوركم ~~فأحسن صوركم) قال الزجاج: أي: خلقكم أحسن الحيوان كله. وقرأ الأعمش " صوركم ~~" بكسر الصاد. ويقال في جمع الصورة: صور، وصور، وصور، كما يقال في جمع ~~لحية: لحى، PageV08P033 # ولحى. وذكر ابن السائب أن معنى " فأحسن صوركم " أحكمها. وما بعد هذا ظاهر ~~إلى قوله [تعالى]: (ويعلم ما تسرون) وروى المفضل عن عاصم " يسرون " و " ~~يعلنون " بالياء فيهما (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل) هذا خطاب لأهل ~~مكة خوفهم ما نزل بالكفار قبلهم، فذلك قوله [عز وجل]: (فذاقوا وبال أمرهم) ~~أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا (ولهم عذاب أليم) في ~~الآخرة (ذلك) الذي أصابهم (بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) فينكرون ذلك، ~~ويقولون: (أبشر) أي: ناس مثلنا (يهدوننا؟!) والبشر اسم جنس معناه الجمع، ~~وإن كان لفظه واحدا (فكفروا وتولوا) أي: أعرضوا عن الإيمان (واستغنى الله) ~~عن إيمانهم وعبادتهم. # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما ~~تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنت تجري من تحتها الأنهر خالدين فيها ~~أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك أصحاب النار ~~خالدين فيها وبئس المصير (10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن ~~توليتم فإنما على رسولنا البلغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (13) يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم ~~واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ~~(16) PageV08P034 # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) ~~عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ms2264 (18) قوله [عز وجل]: (زعم الذين كفروا) ~~كان ابن عمر يقول: " زعموا " كناية الكذب. # وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان. # قوله [عز وجل]: (وذلك على الله يسير) يعني: البعث (والنور) هو القرآن، ~~وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء. # قوله [عز وجل]: (يوم يجمعكم) هو منصوب بقوله تعالى: " لتبعثن ثم لتنبؤن ~~بما عملتم " (يوم يجمعكم ليوم الجمع) وهو يوم القيامة. وسمي بذلك لأن الله ~~تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السماء، وأهل الأرض. قوله (ذلك يوم ~~التغابن) تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم القيامة ~~بيوم التغابن فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك [المؤمن]، ~~فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. # والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبونا، ~~فصار في الآخرة غابنا، ذكره الماوردي. # والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن ~~بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج: وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع ~~والشراء، كقوله [عز وجل]: (فما ربحت تجارتهم)، وقوله [عز وجل]: (هل أدلكم ~~على تجارة) وما بعد هذا ظاهر إلى قوله [عز وجل]: (يكفر عنه سيئاته) قرأ ~~نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم " نكفر " " وندخله " بالنون فيهما. ~~والباقون: بالياء (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) قال ابن عباس: ~~PageV08P035 # بعلمه وقضائه قوله: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) فيه ستة أقوال: # أحدها: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم ~~يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة: هو الرجل تصيبه ~~المصيبة، فيعلم [أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. # والثاني: يهد قلبه] للاسترجاع، وهو أن يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، ~~قاله مقاتل. # والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، [وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر]، قاله ~~ابن السائب، وابن قتيبة. # والرابع: يهد قلبه، أي: ms2265 يجعله مهتديا، قاله الزجاج. # والخامس: يهد وليه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الوراق. # والسادس: يهد قلبه لاتباع السنة إذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: " يهد " بياء مفتوحة. ونصب ~~الدال " قلبه " بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدى هذا يهدى: إذا سكن. ~~فالمعنى: إذا سلم لأمر الله سكن قلبه. وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة ~~بن مصرف، والأزرق عن حمزة: " نهد " بالنون. وقرأ علي بن أبي طالب، عليه ~~السلام وأبو عبد الرحمن: " يهد " قلبه بضم الياء، وفتح الدال " قلبه " ~~بالرفع. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله [عز وجل]: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم) سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. فإذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، ~~وقالوا: # ننشدك الله أن تذهب وتدع أهلك وعشيرتك وتصير إلى المدينة بلا أهل ولا ~~مال. فمنهم من يرق لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. فلما هاجر ~~أولئك، ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا أهليهم الذين ~~منعوهم، فأنزل الله تعالى: (وإن تعفوا وتصفحوا) إلى آخر الآية، هذا قول ابن ~~عباس. وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد صبرنا ~~PageV08P036 # لكم على مفارقة الدين ولا نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، ~~والمساكن، فأعلم الله عز وجل أن من كان بهذه الصورة، فهو عدو، إن كان ولدا، ~~أو كانت زوجة. وقال مجاهد: كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ~~ومعصية ربه. وقال قتادة: كان من أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ~~ويثبطهم عنه، فخرج. في قوله [عز وجل]: (عدوا لكم) ثلاثة أقوال: # أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس. # والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وهذا على قول مجاهد. # والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة. # قوله [عز وجل]: (فاحذروهم) قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلف. # قوله [عز وجل]: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) أي: بلاء وشغل عن الآخرة. ~~فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمة الله. وقال ابن قتيبة: أي: ms2266 ~~إغرام. يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: أغرم بها. وقال أهل المعاني: ~~إنما دخل " من " في قوله [عز وجل]: " إن من أزواجكم " لأنه ليس كل الأزواج، ~~والأولاد أعداء. ولم يذكر " من " في قوله [عز وجل: (إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة) لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها. وقد روى بريدة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين، عليهما ~~السلام، عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، ~~فوضعهما بين يديه ثم قال: " صدق الله عز وجل: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) ~~نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما ~~". # قوله [عز وجل]: (والله عنده أجر عظيم) أي: ثواب جزيل، وهو الجنة. ~~والمعنى: # لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم ~~(فاتقوا الله ما استطعتم) أي: ما أطقتم (واسمعوا) ما تؤمرون به (وأطيعوا ~~وأنفقوا خيرا لأنفسكم) وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال. # أحدها: الصدقة، قاله ابن عباس. # والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. # والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك (ومن يوق شح نفسه) حتى يعطي حق ~~الله في ماله. وقد تقدم بيان هذا في سورة الحشر وما بعده وقد سبق بيانه إلى ~~آخر السورة. PageV08P037 # سورة الطلاق مدنية وآياتها اثنتا عشرة وتسمى سورة النساء القصرى، وهي ~~مدنية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ~~ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) قوله [عز وجل]: (يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء) قال الزجاج: هذا خطاب للنبي عليه السلام. ~~والمؤمنون داخلون معه فيه. ومعناه: إذا أردتم طلاق النساء، كقوله [عز وجل]: # (إذا قمتم إلى الصلاة). وفي سبب نزول هذه الآية قولان. # أحدهما: أنها نزلت حين طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، وقيل ms2267 له: ~~راجعها، فإنها صوامة قوامة، وهي من إحدى زوجاتك في الجنة، قاله أنس بن ~~مالك. PageV08P038 # والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن عمر، وذلك أنه طلق امرأته حائضا، ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، قاله ~~السدي. # قوله [عز وجل]: (لعدتهن) أي: لزمان عدتهن، وهو الطهر. وهذا للمدخول بها، ~~لأن غير المدخول بها لا عدة عليها. # والطلاق على ضربين: سني، وبدعي. # فالسني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فذلك هو الطلاق للعدة، لأنها ~~تعتد بذلك الطهر من عدتها، وتقع في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان ~~العدة. # والطلاق البدعي: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، فهو ~~واقع، وصاحبه آثم. فإن جمع الطلاق الثلاث في طهر واحد، فالمنصور من مذهبنا ~~أنه بدعة. # قوله [تعالى]: (وأحصوا العدة) أي: زمان العدة. وفي احصائه فوائد. منها: # مراعاة زمان الرجعة، وأوان النفقة، والسكنى، وتوزيع الطلاق على الأقراء ~~إذا أراد أن يطلق ثلاثا، وليعلم أنها قد بانت، فيتزوج بأختها، وأربع سواها. # قوله [عز وجل]: (واتقوا الله ربكم) أي: فلا تعصوه فيما أمركم به. (لا ~~تخرجوهن من بيوتهن) فيه دليل على وجوب السكنى. ونسب البيوت إليهن، لسكناهن ~~قبل الطلاق فيهن، ولا يجوز لها أن تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة. فإن ~~خرجت أثمت (إلا أن يأتين بفاحشة) وفيها أربعة أقوال. # أحدها: أن المعنى: إلا أن يخرجن قبل انقضاء المدة، فخروجهن هو الفاحشة ~~المبينة، وهذا قول عبد الله بن عمر، والسدي، وابن السائب. # والثاني: أن الفاحشة: الزنا، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والشعبي، وعكرمة، والضحاك. فعلى هذا يكون المعنى: إلا أن يزنين فيخرجن ~~لإقامة الحد عليهن. # والثالث: أن الفاحشة، أن تبدو على أهله، فيحل لهم إخراجها، رواه محمد بن ~~إبراهيم عن ابن عباس. # والرابع: أنها إصابة حد، فتخرج لإقامة الحد عليها، قاله سعيد ابن المسيب. ~~PageV08P039 # قوله [عز وجل]: (وتلك حدود الله) يعني: ما ذكر من الأحكام (ومن يتعد حدود ~~الله) التي بينها، وأمر ms2268 بها (فقد ظلم نفسه) أي: أثم فيما بينه وبين الله ~~تعالى (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) أي: يوقع في قلب الزوج المحبة ~~لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. وهذا يدل على أن المستحب في الطلاق تفريقه، ~~وأن لا يجمع الثلاث. # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه إن الله بلغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا (3) قوله [عز وجل]: (فإذا ~~بلغن أجلهن) أي: قاربن انقضاء العدة (فأمسكوهن بمعروف) وهذا مبين في البقرة ~~(وأشهدوا ذوي عدل منكم) قال المفسرون: أشهدوا على الطلاق، أو المراجعة. ~~واختلف العلماء: هل الإشهاد على المراجعة واجب، أم مستحب؟ # وفيه عن أحمد روايتان، وعن الشافعي قولان ثم قال للشهداء: (وأقيموا ~~الشهادة لله) أي: # اشهدوا بالحق، وأدوها على الصحة، طلبا لمرضاة الله تعالى، وقياما بوصيته. ~~وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله [تعالى]: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) ~~فذكر [أكثر] المفسرين أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر العدو ابنا ~~له، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وشكا [إليه] الفاقة، فقال: اتق ~~الله، واصبر، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل الرجل ~~PageV08P040 # ذلك، فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم، وجاء بها إلى المدينة، وهي أربعة ~~آلاف شاة، فنزلت هذه الآية. وفي معناها للمفسرين خمسة أقوال. # أحدها: ومن يتق الله ينجه من كل كرب في الدنيا والآخرة، قاله ابن عباس. # والثاني: أن مخرجه: علمه بأن ما أصابه من عطاء أو منع، من قبل الله، وهو ~~معنى قول ابن مسعود. # والثالث: ومن يتق الله، فيطلق للسنة، ويراجع للسنة، يجعل له مخرجا، قاله ~~السدي. # والرابع: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة، يجعل له مخرجا من النار إلى ~~الجنة، قاله ابن السائب. # والخامس: يجعل له مخرجا من الحرام إلى الحلال، ms2269 قاله الزجاج. والصحيح أن ~~هذا عام، فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجا من كل ما يضيق عليه. [ومن] لا ~~يتقي، [يقع] في كل شدة. قال الربيع بن خثيم: يجعل له [مخرجا] من كل ما يضيق ~~على الناس (ويرزقه من حيث لا يحتسب) أي: من حيث لا يأمل، ولا يرجو. قال ~~الزجاج: ويجوز أن يكون: إذا اتقى الله في طلاقه، وجرى في ذلك على السنة، ~~رزقه الله أهلا بدل أهله. قوله (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي: من وثق ~~به فيما نابه، كفاه الله ما أهمه (إن الله بالغ أمره) وروى حفص، والمفضل عن ~~عاصم " بالغ أمره " مضاف. والمعنى: يقضي ما يريد (قد جعل الله لكل شئ قدرا) ~~أي: أجلا ومنتهى ينتهي إليه، قدر الله ذلك كله، فلا يقدم ولا يؤخر. قال ~~مقاتل: قد جعل الله لكل شئ من الشدة والرخاء قدرا، فقدر متى يكون هذا الغني ~~فقيرا، وهذا الفقير غنيا. # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن PageV08P041 # وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ~~(4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ~~(5) قوله [عز وجل]: (واللائي يئسن من المحيض) في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنها لما نزلت عدة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها في البقرة قال ~~أبي بن كعب: يا رسول الله: إن نساء من أهل المدينة يقلن: قد بقي من النساء ~~ما لم يذكر فيه شئ. قال: # " وما هو؟ " قال: الصغار والكبار، وذوات الحمل، فنزلت هذه الآية، قاله ~~عمرو بن سالم. # والثاني: لما نزل قوله [عز وجل]: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن...) الآية ~~قال خلاد بن النعمان الأنصاري: يا رسول الله، فما عدة التي لا تحيض، وعدة ~~التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الآية: (إن ~~ارتبتم)، أي: شككتم فلم تدروا ما عدتهن (فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن) كذلك. # فصل قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالارتياب ms2270 ها هنا: ارتياب المخاطبين في ~~مقدار الآية عدة الآيسة والصغيرة كما هو؟ وليس المراد به ارتياب المعتدات ~~في اليأس من المحيض، أو اليأس من الحمل للسبب الذي ذكر في نزول الآية. ~~ولأنه لو أريد بذلك النساء لتوجه الخطاب إليهن، فقيل: # إن ارتبتن، أو ارتبن، لأن الحيض إنما يعلم من جهتهن. # وقد اختلف في المرأة إذا تأخر حيضها لا لعارض كم تجلس؟ فذهب أصحابنا أنها ~~تجلس غالب مدة الحمل، وهو تسعة أشهر، ثم ثلاثة. والعدة: هي الثلاثة التي ~~بعد التسعة. فإن حاضت قبل السنة بيوم، استأنفت ثلاث حيض، وإن تمت السنة من ~~غير حيض، حلت، وبه قال مالك. PageV08P042 # أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: تمكث أبدا حتى يعلم براءة رحمها قطعا، ~~وهو أن تصير في حد لا يحيض مثلها، فتعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر. # قوله [عز وجل]: (واللائي لم يحضن) يعني: عدتهن ثلاثة أشهر أيضا، لأنه ~~كلام لا يستقل بنفسه، فلابد له من ضمير، وضميره تقدم ذكره [مظهرا]، وهو ~~العدة بالشهور. وهذا قول أصحابنا محمول على من لم يأت عليها زمان الحيض: ~~أنها تعتد ثلاثة أشهر. فأما من أتى عليها زمان الحيض، ولم تحض، فإنها تعتد ~~سنة. # قوله [عز وجل]: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) عام في المطلقات، ~~والمتوفى عنهن أزواجهن، وهذا قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي مسعود ~~البدري، وأبي هريرة، وفقهاء الأمصار. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: تعتد ~~آخر الأجلين. ويدل على قولنا عموم الآية. وقول ابن مسعود: من شاء لاعنته، ~~ما نزلت " وأولات الأحمال " إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، وقول أم سلمة: ~~إن سبيعة وضعت بعد وفاة زوجها بأيام، فأمرها رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] أن تتزوج. # قوله [عز وجل]: (ومن يتق [الله]): فيما أمر به (يجعل له من أمره يسرا) ~~يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة، وهذا قول الأكثرين. وقال الضحاك: ومن يتق ~~الله في طلاق السنة، يجعل له من أمره يسرا في الرجعة (ومن يتق الله) بطاعته ~~(يكفر عنه سيئاته) أي: يمح ms2271 عنه خطاياه (ويعظم له أجرا) في الآخرة. # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجد كم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولت ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~PageV08P043 # عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها سيجعل ~~الله بعد عسر يسرا. # (أسكنوهن من حيث سكنتم) و " من " صلة] قوله: (من وجدكم) قرأ الجمهور بضم ~~الواو. وقرأ أبو هريرة، وأبو عبد الرحمن، وأبو رزين، وقتادة، وروح عن يعقوب ~~بكسر الواو. # وقال ابن قتيبة: أي: بقدر وسعكم [وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة، وأبو ~~حيوة: بفتح الواو]. # والوجد: المقدرة، والغنى، يقال: افتقر فلان بعد وجد. قال الفراء: يقول: ~~على ما يجد، فإن كان موسعا عليه، وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان ~~مقترا عليه، فعلى قدر ذلك. # قوله [عز وجل]: (ولا تضاروهن) بالتضييق عليهن في المسكن، والنفقة، وأنتم ~~تجدون سعة. قال القاضي أبو يعلى: والمراد بهذا: المطلقة الرجعية دون ~~المبتوتة، بدليل قوله [عز وجل]: (ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) ~~وقوله: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) فدل ذلك على ~~أنه أراد الرجعية. # وقد اختلف الفقهاء في المبتوتة: هل لها سكنى، ونفقة في مدة العدة، أم لا؟ ~~فالمشهور عند أصحابنا: أنه لا سكنى لها ولا نفقة، وهو قول ابن أبي ليلى. ~~وقال أبو حنيفة: لها السكنى، والنفقة: وقال مالك والشافعي: لها السكنى، دون ~~النفقة. وقد رواه الكوسج عن الإمام أحمد رضي الله عنه ويدل على الأول حديث ~~فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إنما النفقة للمرأة ~~على زوجها ما كانت له عليها الرجعة، فإذا لم يكن له عليها الرجعة، فلا نفقة ~~ولا سكنى. ومن حيث المعنى: إن النفقة إنما تجب لأجل التمكين من الاستمتاع، ~~بدليل أن الناشز لا نفقة لها. # واختلفوا في الحامل، والمتوفى عنها زوجها، فقال ابن مسعود، ms2272 وابن عمر، ~~وأبو العالية، PageV08P044 # والشعبي، وشريح، وإبراهيم: نفقتها من جميع المال، وبه قال مالك، وابن أبي ~~ليلى، والثوري. # وقال ابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء: نفقتها في ~~مال نفسها، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه. وعن أحمد كالقولين. # قوله [عز وجل]: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) يعني: أجرة الرضاع. وفي ~~هذا دلالة على أن الأم إذا رضيت أن ترضعه بأجرة مثله، لم يكن للأب أن ~~يسترضع غيرها (وأتمروا بينكم بمعروف)، أي: لا تشتط المرأة على الزوج فيما ~~تطلبه من أجرة الرضاع، ولا يقصر الزوج عن المقدار المستحق (وإن تعاسرتم) في ~~الأجرة، ولم يتراض الوالدان على شئ (فسترضع له أخرى) لفظه لفظ الخبر، ~~ومعناه: الأمر، أي: فليسترضع الوالد غير والدة الصبي. # (لينفق ذو سعة من سعته) أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات ~~أولادهن على قدر سعتهم. وقرأ ابن السميفع " لينفق " بفتح القاف (ومن قدر ~~عليه رزقه) أي: ضيق عليه من المطلقين. وقرأ أبي بن كعب، وحميد " قدر عليه " ~~بضم القاف، وتشديد الدال. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة " قدر " بفتح ~~القاف وتشديد الدال " رزقه " بنصب القاف (فلينفق مما آتاه الله) على قدر ~~[ما أعطاه من المال (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) أي: على قدر] ما ~~أعطاها من المال (سيجعل الله بعد عسر يسرا) أي: بعد ضيق وشدة، غنى وسعة، ~~وكان الغالب عليهم حينئذ الفقر، فأعلمهم أنه سيفتح عليهم بعد ذلك. # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها ~~عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم ~~عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور ومن PageV08P045 # يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنت تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) قوله [عز وجل]: (وكأين) أي: وكم (من قرية ~~عتت عن أمر ربها ورسله)، ms2273 أي: عن أمر رسله. والمعنى: عتا أهلها. قال ابن ~~زيد: عتت، أي: كفرت، وتركت أمر ربها، فلم تقبله. # وفي باقي الآية قولان. # أحدهما: أن فيها تقديما، وتأخيرا. والمعنى: عذبناها عذابا نكرا في الدنيا ~~بالجوع، والسيف، والبلايا، وحاسبناها حسابا شديدا في الآخرة، قاله ابن ~~عباس، والفراء في آخرين. # والثاني: أنها على نظمها، والمعنى: حاسبناها بعملها في الدنيا، فجازيناها ~~بالعذاب على مقدار عملها، فذلك قوله [عز وجل]: " وعذبناها " فجعل المجازاة ~~بالعذاب محاسبة. والحساب الشديد: هو الذي لا عفو فيه، والنكر: المنكر ~~(فذاقت وبال أمرها) أي: جزاء ذنبها (وكان عاقبة أمرها خسرا) في الدنيا، ~~والآخرة، وقال ابن قتيبة: الخسر: الهلكة. # قوله [عز وجل]: (قد أنزل الله إليكم ذكرا) أي: قرآنا (رسولا) أي: وبعث ~~رسولا، قاله مقاتل. وإلى نحوه ذهب السدي. وقال ابن السائب: الرسول ها هنا: ~~جبرائيل، فعلى هذا: # يكون الذكر والرسول جميعا منزلين. وقال ثعلب: الرسول: هو الذكر. وقال ~~غيره: معنى الذكر ها هنا: الشرف. وما بعده قد تقدم إلى قوله [عز وجل]: (قد ~~أحسن الله له رزقا) يعني: الجنة التي لا ينقطع نعيمها. # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما (12) PageV08P046 # قوله: (ومن الأرض مثلهن) أي: وخلق الأرض بعددهن. وجاء في الحديث: أن ~~كثافة كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بينها وبين الأخرى كذلك، وكثافة كل ~~أرض خمسمائة عام، وما بينها وبين الأرض الأخرى كذلك، وقد روى أبو الضحى عن ~~ابن عباس قال: في كل أرض آدم مثل آدمكم، ونوح مثل نوحكم، وإبراهيم مثل ~~إبراهيمكم، وعيسى كعيسى، فهذا الحديث تارة يرفع إلى ابن عباس، وتارة يوقف ~~على أبي الضحى، وليس له معنى إلا ما حكى أبو سليمان الدمشقي، قال: # سمعت أن معناه: إن في كل أرض خلقا من خلق الله لهم سادة، يقوم كبيرهم ~~ومتقدمهم في الخلق مقام آدم فينا، وتقوم ذريته في السن والقدم كمقام نوح. ~~وعلى هذا المثال سائرهم. وقال كعب: ساكن ms2274 [الأرض] الثانية: الريح العقيم، ~~وفي الثالثة: حجارة جهنم، والرابعة: كبريت جهنم، والخامسة: حيات جهنم.، ~~والسادسة: عقارب جهنم، والسابعة: فيها إبليس. # قوله [عز وجل]: (يتنزل الأمر بينهن)، في الأمر قولان. # أحدهما: أنه قضاء الله وقدره، قاله الأكثرون. قال قتادة: في كل أرض من ~~أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. # والثاني: أنه الوحي، قاله مقاتل. # قوله [عز وجل]: (لتعلموا [أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شئ علما]) المعنى أعلمكم هذا لتعلموا قدرته على كل شئ وعلمه بكل شئ. ~~PageV08P047 # سورة التحريم مدنية وآياتها اثنتا عشرة وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم ~~الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله ~~عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني ~~العليم الخبير (4) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو موله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه إن ~~طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات ~~سائحات ثيبات وأبكارا (5) قوله [عز وجل]: (لم تحرم ما أحل الله لك) في سبب ~~نزولها قولان: PageV08P048 # أحدهما: أن حفصة ذهبت إلى أبيها تتحدث عنده، فأرسل النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، ~~فرجعت حفصة، فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة. فلما ~~دخلت حفصة قالت: قد رأيت من كان عندك. والله لقد سؤتني، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " والله لأرضينك، وإني مسر إليك سرا فاحفظيه " قالت: وما ~~هو؟ قال: " إني [أشهدك] أن سريتي هذه علي حرام رضى لك "، وكانت عائشة وحفصة ~~متظاهرتين على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حفصة إلى عائشة، ~~فقالت ms2275 [لها]: أبشري، إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته. فنزلت ~~هذه [الآية] رواه العوفي عن ابن عباس: وقد روي عن عمر نحو هذا المعنى، وقال ~~فيه: فقالت حفصة: كيف تحرمها، عليك،؟! فحلف لها أن لا يقربها، فقال لها: " ~~لا تذكريه لأحد " فذكرته لعائشة، فآلى أن لا يدخل على نسائه شهرا، فنزلت ~~هذه الآية وقال الضحاك: قال لها: " لا تذكري لعائشة ما رأيت " فذكرته، ~~فغضبت عائشة، ولم تزل بنبي الله حتى حلف أن لا يقربها، فنزلت هذه الآية، ~~وإلى هذا المعنى: ذهب سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والشعبي، ومسروق، ~~ومقاتل، والأكثرون. # والثاني: ما روى عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحب الحلواء والعسل، وكان إذا انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه، فدخل على ~~حفصة بنت عمر، واحتبس عندها، فسألت عن ذلك، فقيل أهدت: لها امرأة من قومها ~~عكة من عسل، فسقت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقلت: # أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة: إنه سيدنو منك إذا دخل عليك، فقولي ~~له: يا رسول الله أكلت مغافير، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: ~~جرست نحلة العرفط وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية ذلك، فلما دنا من سودة ~~قالت له ذلك ولما دخل علي قلت له مثل ذلك فلما دار إلى صفية قالت له مثل ~~ذلك [فلما] دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي ~~فيه. قالت: تقول: سودة سبحان الله، والله لقد حرمناه قلت لها: اسكتي، أخرجه ~~البخاري ومسلم في " الصحيحين ". وفي رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن ~~التي شرب عندها العسل سودة، فقالت له عائشة: إني لأجد منك ريحا، ثم دخل على ~~حفصة، فقالت: إني أجد PageV08P049 # منك ريحا، فقال: إني أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزلت ~~هذه الآية. وفي حديث عبيد بن عمير عن عائشة أن التي شرب عندها العسل زينب ~~بنت جحش، فتواطأت حفصة وعائشة أن ms2276 تقولا له ذلك القول. قال أبو عبيدة: ~~المغافير: شئ شبيه بالصمغ فيه حلاوة. وخرج الناس يتمغفرون: إذا خرجوا ~~يجتنونه. ويقال: المغاثير بالثاء، مثل جدث، وجدف. وقال الزجاج: # المغافير: صمغ متغير الرائحة. فخرج في المراد بالذي أحل الله له قولان: # أحدهما: أنه جاريته. والثاني: العسل. # قوله [عز وجل]: (تبتغي مرضاة أزواجك) أي: تطلب رضاهن بتحريم ذلك. (والله ~~غفور رحيم) غفر الله لك التحريم (قد فرض الله لكم) قال مقاتل: قد بين لكم ~~(تحلة أيمانكم) أي: كفارة أيمانكم، وذلك البيان في المائدة قال المفسرون: ~~وأصل " تحلة " تحلله على وزن تفعلة، فأدغمت، والمعنى: قد بين الله لكم ~~تحليل أيمانكم بالكفارة، فأمره الله أن يكفر يمينه، فأعتق رقبة. واختلفوا ~~هل حرم مارية على نفسه بيمين، أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنه حرمها من غير ذكر يمين، فكان التحريم موجبا لكفارة اليمين، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: أنه حلف يمينا حرمها بها، قاله الحسن. والشعبي، وقتادة، (والله ~~مولاكم) أي: # وليكم وناصركم. # قوله [تعالى]: (وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) يعني: حفصة من غير ~~خلاف علمناه. وفي هذا السر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قال لها: إني مسر إليك سرا فاحفظيه، سريتي هذه علي حرام، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، والشعبي، والضحاك، وقتادة، وزيد بن ~~أسلم، وابنه، والسدي. # والثاني: أنه قال لها: أبوك، وأبو عائشة، واليا الناس من بعدي، فإياك أن ~~تخبري أحدا، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. PageV08P050 # والثالث: أنه أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي، قاله ميمون بن مهران. # وقوله [عز وجل]: (فلما نبأت به) أي: أخبرت به عائشة (وأظهره الله عليه) ~~أي: أطلع الله نبيه على قول حفصة لعائشة، فغضب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غضبا شديدا، لأنه استكتم حفصة ذلك، ثم دعاها، فأخبرها ببعض ما قالت، ~~فذلك قوله [عز وجل]: (عرف بعضه وأعرض عن بعض) وفي الذي عرفها إياه قولان: # أحدهما: أنه حدثها ما حدثتها عائشة من شأن أبي بكر وعمر، وسكت عما أخبرت ~~عائشة من ms2277 تحريم مارية، لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن الذي عرف: تحريم مارية، والذي أعرض عنه: ذكر الخلافة لئلا ~~ينتشر، قاله الضحاك، وهذا اختيار الزجاج. قال: ومعنى " عرف بعضه " عرف حفصة ~~بعضه. وقرأ الكسائي، عرف بعضه " بالتخفيف. قال الزجاج: على هذه القراءة قد ~~عرف كل ما أسره، غير أن المعنى جار على بعضه، كقوله [عز وجل]: (وما تفعلوا ~~من خير يعلمه الله)، أي: يعلمه ويجازي عليه، وكذلك: (فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره) أي: يرى جزاءه. فقيل: إن النبي [صلى الله عليه وسلم] طلق حفصة ~~تطليقة، فكان ذلك جزاءها عنده، فأمره الله أن يراجعها. وقال مقاتل بن حيان: ~~لم يطلقها، وإنما هم بطلاقها، فقال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوامة ~~قوامة. وقال الحسن: ما استقصى كريم قط، ثم قرأ " عرف بعضه وأعرض عن بعض " ~~وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن السميفع " عراف " برفع العين، وتشديد ~~الراء وبألف " بعضه " بالخفض. # قوله [عز وجل]: (فلما نبأها به) أي: أخبر حفصة بإفشائها السر (قالت من ~~أنبأك هذا؟) PageV08P051 # أي: من أخبرك بأني أفشيت سرك؟ (قال نبأني العليم الخبير) ثم خاطب عائشة ~~وحفصة، فقال: # (إن تتوبا إلى الله) [أي]: من التعاون على رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] بالإيذاء (فقد صغت قلوبكما) قال ابن عباس: زاغت، وأثمت. قال الزجاج: ~~عدلت، وزاغت عن الحق. قال مجاهد: كنا نرى قوله [عز وجل]: " فقد صغت قلوبكما ~~" شيئا هينا حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود: فقد زاغت قلوبكما. وإنما جعل ~~القلبين جماعة لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة. وقد أشرنا إلى هذا في قوله ~~[عز وجل]: (فإن كان له إخوة) وقوله تعالى: (إذ تسوروا المحراب). قال ~~المفسرون: # وذلك أنهما أحبا ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخبار جاريته، ~~(وإن تظاهرا عليه) وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد الرحمن ومجاهد، والأعمش " ~~تظاهرا " بتخفيف الظاء، أي: تعاونا على النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~بالإيذاء (فإن الله هو مولاه) أي: وليه ms2278 في العون، والنصرة (وجبريل) وليه ~~(وصالح المؤمنين) وفي المراد بصالح المؤمنين ستة أقوال: # أحدها: أنهم أبو بكر وعمر، قاله ابن مسعود، وعكرمة، والضحاك. # والثاني: أبو بكر، رواه مكحول عن أبي أمامة. # والثالث: عمر بن الخطاب قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. # والرابع: خيار المؤمنين، قاله الربيع بن أنس. # والخامس: أنهم الأنبياء، قاله قتادة، والعلاء بن زياد العدوي، وسفيان. # والسادس: أنه علي بن أبي طالب عليه السلام، حكاه الماوردي، قاله الفراء: ~~" وصالح المؤمنين " موحد في مذهب جميع، كما تقول: لا يأتيني إلا سائس ~~الحرب، فمن كان ذا سياسة للحرب، فقد أمر بالمجئ، ومثله قوله [عز وجل]: ~~(والسارق والسارقة)، قوله: (واللذان PageV08P052 # يأتيانها منكم)، وقوله: (إن الإنسان خلق هلوعا) في كثير من القرآن يؤدي ~~معنى الواحد عن الجميع. # قوله [عز وجل]: (والملائكة بعد ذلك ظهير) أي: ظهرا، وهذا مما لفظه لفظ ~~الواحد، ومعناه الجمع، ومثله ثم (يخرجكم طفلا)، وقد شرحناه هناك. ثم خوف ~~نساءه، فقال [عز وجل]: (عسى ربه إن طلقكن) وسبب نزولها ما روى أنس عن عمر ~~بن الخطاب قال: بلغني بعض ما آذى به رسول الله نساؤه، فدخلت عليهن، فجعلت ~~أستقرئهن، واحدة واحدة، فقلت: # والله لتنتهن، أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، فنزلت هذه الآية. ~~والمعنى: واجب من الله (إن طلقكن) رسوله (أن يبدله أزواجا خيرا منكن ~~مسلمات) أي: خاضعات لله بالطاعة (مؤمنات) مصدقات بتوحيد الله (قانتات) أي: ~~طائعات (سائحات) فيه قولان: # أحدهما: صائمات، قاله ابن عباس، والجمهور. وقد شرحنا هذا والمعنى عند ~~قوله [عز وجل]: (السائحون). # والثاني: مهاجرات، قاله زيد بن أسلم. وابنه. (والثيبات) جمع ثيب، وهي ~~المرأة التي قد تزوجت، ثم ثابت إلى بيت أبويها، فعادت كما كانت غير ذات ~~زوج. " والأبكار ": العذارى. # يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا ~~أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) يا أيها ~~الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ms2279 يكفر عنكم سيئاتكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا ~~معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ~~إنك على كل شئ قدير (8) PageV08P053 # قوله [عز وجل]: (قوا أنفسكم وأهليكم نارا) وقاية النفس: بامتثال الأوامر، ~~واجتاب النواهي، ووقاية الأهل: بأن يؤمروا بالطاعة، وينهوا عن المعصية. ~~وقال علي رضي الله عنه، علموهم وأدبوهم قوله (وقودها الناس والحجارة) وقد ~~ذكرناه في البقرة قوله (عليها ملائكة (غلاظ)] وهم خزنتها (غلاظ) على أهل ~~النار (شداد) عليهم. وقيل: غلاظ القلوب شداد الأبدان. وروى أبو صالح عن ابن ~~عباس قال: خزنة النار تسعة عشر، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، وقوته. أن ~~يضرب بالمقمعة، فيدفع بتلك الضربة سبعين ألفا، فيهوون في قعر جهنم (لا ~~يعصون الله ما أمرهم) أي: يخافونه فيما يأمر (ويفعلون ما يؤمرون) فيه ~~قولان: # أحدهما: لا يتجاوزون ما يؤمرون. والثاني: يفعلونه في وقته لا يؤخرونه، ~~ولا يقدمونه. ويقال لأهل النار: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم). # قوله [عز وجل]: (توبوا إلى الله توبة نصوحا) قرأ أبو بكر عن عاصم، وخارجة ~~عن نافع " نصوحا " بضم النون. والباقون بفتحها. قال الزجاج: فمن فتح فعلى ~~صفة التوبة، ومعناه: توبة بالغة في النصح، و " فعول " من أسماء الفاعلين ~~التي تستعمل للمبالغة في الوصف. بقوله: رجل صبور، وشكور. ومن قرأ بالضم، ~~فمعناه: ينصحون فيها نصوحا، يقال: نصحت له نصحا، ونصاحة، ونصوحا. وقال ~~غيره: من ضم أراد: توبة نصح لأنفسكم. وقال عمر بن الخطاب: التوبة النصوح: ~~أن يتوب العبد من الذنب وهو يحدث نفسه أنه لا يعود. وسئل الحسن البصري عن ~~التوبة النصوح، فقال: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار ~~أن لا يعود. # وقال ابن مسعود: التوبة النصوح تكفر كل سيئة، ثم قرأ هذه الآية. # قوله [عز وجل]: (يوم لا يخزي الله النبي) قد بينا معنى " الخزي " في آل ~~عمران وبينا PageV08P054 # معنى قوله [عز وجل]: (ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) في الحديد ~~(يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) ms2280 وذلك إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ ~~سألوا الله تعالى أن يتمم لهم، ويبلغهم به الجنة. # قال ابن عباس: ليس أحد من المسلمين إلا يعطى نورا يوم القيامة. فأما ~~المنافق فيطفأ نوره، والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، يقولون: " ~~ربنا أتمم لنا نورنا ". # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم يا جنهم وبئس ~~المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ~~(11) ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ~~ربها وكتبه وكانت من القانتين (12) قوله [عز وجل]: (جاهد الكفار ~~والمنافقين) قد شرحناه في براءة. # قوله [عز وجل]: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح) قال المفسرون منهم ~~مقاتل: # هذا المثل يتضمن تخويف عائشة وحفصة أنهما إن أغضبتا ربهما لم يغن رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] عنهما شيئا. قال مقاتل: اسم امرأة نوح " والهة " ~~وامرأة لوط " والغة ". # قوله [عز وجل]: (كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين): نوحا ولوطا [عليهما ~~السلام] (فخانتاهما) قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت ~~خيانتهما في الدين، كانت امرأة نوح تخبر الناس [أنه] مجنون، وكانت امرأة ~~[لوط] تدل على الأضياف، فإذا نزل بلوط ضيف PageV08P055 # بالليل أوقدت النار، وإذا نزل بالنهار دخنت لتعلم قومه أنه قد نزل به ~~ضيف. وقال السدي: كانت خيانتهما: كفرهما. وقال الضحاك: نميمتهما، وقال ابن ~~السائب: نفاقهما. # قوله [عز وجل]: (فلم يغنيا عنهما من الله شيئا)، أي: يدفعا عنهما من عذاب ~~الله شيئا. وهذه الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره. ~~ثم أخبر أن معصية الغير لا تضر المطيع بقوله: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا ~~امرأة فرعون) وهي آسية بنت مزاحم. وقال يحيى بن ms2281 سلام: ضرب الله المثل الأول ~~يحذر به عائشة وحفصة رضي الله عنهما. ثم ضرب لهما هذا المثل يرغبهما في ~~التمسك بالطاعة. وكانت آسية قد آمنت بموسى. قال أبو هريرة: ضرب فرعون ~~لامرأته أوتادا في يديها ورجليها، وكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة، ~~فقالت: (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) فكشف الله لها عن بيتها في الجنة ~~حتى رأته قبل موتها قوله (ونجني من فرعون وعمله) فيه قولان: # أحدهما: أن عمله: جماعه. # والثاني: أنه دينه رويا عن ابن عباس قوله (ونجني من القوم الظالمين) يعني ~~أهل دينه المشركين. # قوله [عز وجل]: (والتي أحصنت فرجها) قد ذكرنا فيه قولين في سورة الأنبياء ~~فمن قال: هو فرج ثوبها، قال " الهاء " في قوله [تعالى]: (فنفخنا فيه) ترجع ~~إليه، وذلك أن جبريل مد جنب درعها، فدخل فيه، ومن قال: هو مخرج الولد، قال: ~~" الهاء " كناية عن غير مذكور، لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها. # قوله [عز وجل]: (وصدقت بكلمات ربها) وفيه قولان: # أحدهما: أنه قول جبريل (إنما أنا رسول ربك). # والثاني: الكلمات هي التي تضمنتها كتب الله المنزلة. وقرأ أبي بن كعب، ~~وأبو مجلز، وعاصم الجحدري " بكلمة ربها " على التوحيد " وكتبه " قرأ ابن ~~كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم " وكتابه " على ~~التوحيد، وقرأ أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وخارجة عن نافع " وكتبه " جماعة، ~~وهي التي أنزلت على الأنبياء، ومن قرأ " وكتابه " فهو اسم جنس على ما بينا ~~في خاتمة البقرة وقد بينا فيها القنوت مشروحا. ومعنى الآية وكانت من ~~القانتين، ولذلك لم يقل: من القانتات. PageV08P056 # سورة الملك مكية وآياتها ثلاثون وهي مكية كلها بإجماعهم قال ابن مسعود: ~~هي المانعة من عذاب القبر. # بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير (1) ~~الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي ~~خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من ~~فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب ms2282 إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد ~~زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب ~~السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا فيها ~~سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في PageV08P057 # أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) قوله [عز ~~وجل]: (تبارك) [قد شرحناه في الأعراف]. # قوله [عز وجل]: (الذي بيده الملك) قال ابن عباس: يعني: السلطان يعز ويذل. # قوله [عز وجل]: (الذي خلق الموت والحياة) قال الحسن: خلق الموت المزيل ~~للحياة، والحياة التي هي ضد الموت قوله (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) [قد ~~شرحناه في هود قال الزجاج: # والمعلق] ب‍ (أيكم) مضمر تقديره: ليبلوكم، فيعلم أيكم أحسن عملا وهذا علم ~~وقوع. # وارتفعت " أي " بالابتداء، ولا يعمل فيها ما قبلها، لأنها على أصل ~~الاستفهام، ومثله " أي الحزبين أحصى ". والمعنى: خلق الحياة ليختبركم فيها. ~~وخلق الموت ليبعثكم ويجازيكم. وقال غيره: # اللام في " ليبلوكم " متعلق بخلق الحياة دون خلق الموت، لأن الابتلاء ~~بالحياة قوله (الذي خلق سبع سماوات طباقا) أي: خلقهن مطابقات، أي: بعضها ~~فوق بعض (ما ترى) يا ابن آدم (في خلق الرحمن من تفاوت) قرأ حمزة والكسائي: ~~" من تفوت " بتشديد الواو من غير ألف. وقرأ الباقون بألف. قال الفراء: وهما ~~بمنزلة واحدة، كما تقول: تعاهدت الشئ وتعهدته والتفاوت: # الاختلاف. وقال ابن قتيبة: التفاوت: الاضطراب والاختلاف، وأصله من الفوت، ~~وهو أن يفوت شئ شيئا، فيقع الخلل، ولكنه متصل بعضه ببعض. # قوله [عز وجل]: (فارجع البصر) كرر البصر (هل ترى من فطور) وقرأ أبو عمرو، ~~PageV08P058 # وحمزة والكسائي " هل ترى " بإدغام اللام في التاء، أي: هل ترى فيها فروجا ~~وصدوعا. # قوله [عز وجل]: (ثم ارجع البصر كرتين) أي: مرة بعد مرة (ينقلب إليك البصر ~~خاسئا) قال ابن قتيبة: أي: مبعدا من قولك: خسأت ms2283 الكلب: إذا باعدته (وهو ~~حسير) أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه. وقال الزجاج: قد أعيا من ~~[قبل] أن يرى في السماء خللا. # قوله [عز وجل]: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) قد شرحناه في حم ~~السجدة. قوله (وجعلناها رجوما للشياطين) أي: يرجم بها مسترقو السمع. وقد ~~سبق بيان هذا المعني (وأعتدنا لهم): [في الآخرة] (عذاب السعير) وهذا وما ~~بعده قد سبق بيانه إلى قوله: (سمعوا لها شهيقا) أي: صوتا مثل صوت الحمار. ~~وقد بينا معنى الشهيق في هود (وهي تفور) أي: # تغلي بهم كغلي المرجل (تكاد تميز) أي: تتقطع من تغيظها عليهم (كلما ألقي ~~فيها فوج) أي: # جماعة منهم (سألهم خزنتها [ألم يأتكم نذير؟]) وهذا سؤال توبيخ. # قوله [عز وجل]: (إن أنتم) أي: قلنا للرسل: (إن أنتم إلا في ضلال) أي: في ~~ذهاب عن الحق بعيد. قال الزجاج: ثم اعترفوا بأهلهم فقالوا: (لو كنا نسمع) ~~أي: سماع من يعي ويفكر (أو نعقل) عقل من يميز وينظر (ما كنا) من أهل النار ~~(فسحقا). وهو منصوب على المصدر، المعنى: أسحقهم الله سحقا، أي: باعدهم الله ~~من رحمته مباعدة، والسحيق: البعيد. # وكذلك روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس " فسحقا " أي: بعدا. وقال سعيد بن ~~جبير، وأبو صالح: # السحق: واد في جهنم يقال له: سحق. PageV08P059 # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو ~~اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ~~(14) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور (15) قوله [عز وجل]: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب) قد شرحناه في ~~سورة الأنبياء (لهم مغفرة) لذنوبهم (وأجر كبير) وهو: الجنة. ثم عاد إلى ~~خطاب الكفار، فقال [عز وجل]: # (وأسروا قولكم أو اجهروا به) قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ~~ينالون من رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فيخبره جبرائيل بما قالوا، ~~فيقول بعضهم: أسروا قولكم حتى لا يسمع إله محمد. # قوله [عز وجل]: (ألا يعلم من ms2284 خلق؟!) أي: ألا يعلم ما في الصدور خالقها؟! ~~و " واللطيف " مشروح في الأنعام و " الخبير " في سورة البقرة. # قوله [عز وجل]: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا) أي: مذللة سهلة لم يجعلها ~~ممتنعة بالحزونة والغلظ. # قوله [عز وجل]: (فامشوا في مناكبها) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: طرقاتها، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: جبالها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره ~~الزجاج، قال: # لأن المعنى: سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها، فهو ~~أبلغ في التذليل. # والثالث: في جوانبها، قاله مقاتل، والفراء، وأبو عبيدة، واختاره ابن ~~قتيبة، قال: ومنكبا الرجل: جانباه. PageV08P060 # قوله [عز وجل]: (وإليه النشور) أي: إليه تبعثون من قبوركم. # أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب الذين من ~~قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما ~~يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير (19) ثم خوف الكفار فقال: (أأمنتم) قرأ ~~ابن كثير: " وإليه النشور أأمنتم " وقرأ نافع، وأبو عمرو: # " النشور آمنتم " بهمزة ممدودة. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~" أأمنتم " بهمزتين (من في السماء) قال ابن عباس: أمنتم عذاب من في السماء، ~~وهو الله عز وجل؟! و " تمور " بمعنى: # تدور. قال مقاتل: والمعنى: تدور بكم إلى الأرض السفلى. # قوله [عز وجل]: (أن يرسل عليكم حاصبا) وهي: الحجارة، كما أرسل على قوم ~~لوط (فستعلمون كيف نذير) أي: كيف كانت عاقبة إنذاري لكم في الدنيا إذا نزل ~~بكم العذاب (ولقد كذب الذين من قبلهم) يعني: كفار الأمم (فكيف كان نكير) ~~أي: إنكاري عليهم بالعذاب. # (أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات) أي: تصف أجنحتها في الهواء، وتقبض ~~أجنحتها بعد البسط، وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط (ما ~~يمسكهن) أن يقعن (إلا الرحمن). PageV08P061 # أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ~~(20) أمن ms2285 هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) أفمن ~~يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو الذي ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو الذي ~~ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~(25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) فلما رأوه زلفة سيئت ~~وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) قوله [عز وجل]: (أمن ~~هذا الذي هو جند لكم) هذا استفهام إنكار. ولفظ " الجند " موحد، فلذلك قال ~~[عز وجل]: " هذا الذي هو " والمعنى: لا جند لكم (ينصركم) أي: يمنعكم من ~~عذاب الله إن أراده بكم (إن الكافرون إلا في غرور) وذلك أن الشيطان يغرهم، ~~فيقول: إن العذاب لا ينزل بكم (أمن هذا الذي يرزقكم) المطر وغيره (إن أمسك) ~~الله ذلك عنكم (بل لجوا في عتو) أي: تماد في كفر (ونفور) عن الإيمان. # ثم ضرب مثلا، فقال [عز وجل]: (أفمن يمشي مكبا على وجهه) قال ابن قتيبة: ~~أي: لا يبصر يمينا، ولا شمالا، ولا من بين يديه. يقال: أكب الله فلان على ~~وجهه بالألف، وكبه الله لوجهه، وأراد: الأعمى. قال المفسرون: هذا مثل ~~للمؤمن، والكافر، و " السوي ": المعتدل، أي: الذي يبصر الطريق. وقال قتادة: ~~هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبا على وجهه، والمؤمن يمشي سويا. # قوله [عز وجل]: (قليلا ما تشكرون) فيه قولان: PageV08P062 # أحدهما: أنهم لا يشكرون، قاله مقاتل: والثاني: انهم يشركون قليلا، قاله ~~أبو عبيدة. # قوله [عز وجل]: (ذرأكم في الأرض) [أي]: خلقكم (ويقولون متى هذا الوعد) ~~يعنون الوعد: بالعذاب (فلما رأوه زلفة) أي: رأوا العذاب قريبا منهم (سيئت ~~وجوه الذين كفروا) قال الزجاج: أي: تبين فيها السوء. وقال غيره: قبحت ~~بالسواد (وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) فيه قولان: # أحدهما: أن " تدعون " بالتشديد، بمعنى تدعون بالتخفيف، وهو " تفتعلون " ~~من الدعاء. # يقال: دعوت، وادعيت، كما يقال: خبرت واختبرت، ومثله: يدكرون، ويدكرون، ~~هذا قول الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: ms2286 أن المعنى: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأكاذيب، ~~تدعون أنكم إذا متم لا تبعثون؟! وهذا اختيار الزجاج. وقرأ أبو رزين، ~~والحسن، وعكرمة، وقتادة والضحاك، وابن أبي عبلة، ويعقوب: " تدعون " بتخفيف ~~الدال، وسكونها، بمعنى تفعلون من الدعاء. وقال قتادة: # كانوا يدعون بالعذاب. # قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلل مبين ~~(29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) قوله [عز ~~وجل]: (قل أرأيتم إن أهلكني الله) بعذاب (ومن معي) من المؤمنين. قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " معي " بفتح الياء. ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم، والكسائي: " معي " بالإسكان (أو رحمنا) فلم يعذبنا ~~(فمن يجير الكافرين) أي يمنعهم ويؤمنهم (من عذاب أليم) ومعنى الآية: إنا مع ~~إيماننا، بين الخوف والرجاء: فمن يجيركم مع كفركم من العذاب؟! أي: لأنه لا ~~رجاء لكم كرجاء المؤمنين (قل هو الرحمن) الذي نعبد (فستعلمون) وقرأ ~~الكسائي: " فسيعلمون " بالياء عند معاينة العذاب من الضال نحن أم أنتم. # قوله [عز وجل]: (إن أصبح ماؤكم غورا) قد بيناه في الكهف (فمن يأتيكم بماء ~~معين؟!) أي: بماء ظاهر تراه العيون، وتناله الأرشية. PageV08P063 # سورة القلم مكية وآياتها ثنتان وخمسون وهي مكية كلها بإجماعهم إلا ما حكي ~~عن ابن عباس وقتادة أن فيها من المدني قوله [عز وجل]: (إنا بلوناهم) إلى ~~قوله [عز وجل]: (لو كانوا يعلمون). # بسم الله الرحم الرحيم ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون ~~(2) وإن لك لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) فستبصر ويبصرون (5) ~~بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) ~~قوله [عز وجل]: [(ن)] قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~وحفص، (ن والقلم) النون في آخر الهجاء من نون ظاهرة عند الواو، وهذا اختيار ~~الفراء. وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان لا يبين النون من (نون). ms2287 وبها قرأ ~~الكسائي، وخلف، ويعقوب، وهو اختيار الزجاج. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، ~~وقتادة، والأعمش: " نون والقلم " بكسر النون وقرأ PageV08P064 # الحسن، وأبو عمران، وأبو نهيك: " ن والقلم " برفع النون.. وفي معنى نون ~~سبعة أقوال: # أحدها: أنها الدواة. روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " أول ما خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة " وهذا قول ابن ~~عباس في رواية سعيد بن جبير، وبه قال الحسن وقتادة. # والثاني: أنه آخر حروف الرحمن، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أنه الحوت الذي على ظهر الأرض، وهذا المعنى في رواية أبي ظبيان ~~عن ابن عباس، وهو مذهب مجاهد، والسدي، وابن السائب. # والرابع: أنه لوح من نور، قاله معاوية بن قرة. # والخامس: أنه افتتاح اسمين " نصير "، و " ناصر " قاله عطاء. # والسادس: أنه قسم بنصرة الله للمؤمنين، قاله القرظي. # والسابع: أنه نهر في الجنة، قاله جعفر الصادق. وفي " القلم " قولان: # أحدهما: أنه الذي كتب به في اللوح المحفوظ. # والثاني: أنه الذي يكتب به الناس. وإنما أقسم به، لأن كتبه إنما تكتب و ~~(يسطرون) بمعنى: # يكتبون. وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة. وفي المراد يكتبونه قولان: أحدهما: أنه الذكر، ~~قاله مجاهد، والسدي. والثاني: أعمال بني آدم، قاله مقاتل. # والقول الثاني: أنهم جميع الكتبة، حكاه الثعلبي قوله (ما أنت بنعمة ربك ~~بمجنون) أي: ما أنت بإنعام ربك عليك بالإيمان والنبوة بمجنون. قال الزجاج: ~~هذا جواب قولهم: إنك لمجنون. # وتأويله: فارقك الجنون بنعمة الله. # قوله [عز وجل]: (وإن لك) بصبرك على افترائهم عليك. ونسبتهم إياك إلى ~~الجنون (لأجرا غير ممنون) أي: غير مقطوع ولا منقوص، (وإنك لعلى خلق عظيم) ~~فيه ثلاثة أقوال: PageV08P065 # أحدها: دين الإسلام، قاله ابن عباس. # والثاني: أدب القرآن، قاله الحسن. # والثالث: الطبع الكريم. وحقيقة " الخلق ": ما يأخذ به الإنسان نفسه من ~~الآداب، فسمي خلقا، لأنه يصير كالخلقة في صاحبه. فأما ما طبع عليه فيسمى: " ~~الخيم " فيكون الخيم: الطبع الغريزي. والخلق: الطبع المتكلف. هذا قول ~~الماوردي. وقد سئلت عائشة ms2288 رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: كان خلقه القرآن. تعني: كان على ما أمره الله به في القرآن. # قوله [عز وجل]: (فستبصر ويبصرون) يعني: أهل مكة. وهذا وعيد لهم بالعذاب. # والمعنى الذي قد فتن بالجنون سترى ويرون إذا نزل بهم العذاب ببدر (بأيكم ~~المفتون) وفيه أربعة أقوال. # أحدها: الضال، قاله الحسن. والثاني: الشيطان، قاله مجاهد. والثالث: ~~المجنون، قاله الضحاك. والمعنى: الذي قد فتن بالجنون. والرابع: المعذب، ~~حكاه الماوردي. # وفي الباء قولان: # أحدهما: أنها زائدة، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. وأنشدوا: # [نحن بنو جعدة أصحاب الفلج] نضرب بالسيف ونرجو بالفرج والثاني: أنها ~~أصلية، وهذا قول الفراء، والزجاج. قال الزجاج: ليس كونها لغوا بجائز في ~~العربية في قول أحد من أهلها. وفي الكلام قولان للنحويين. # أحدهما: أن " المفتون " هاهنا: الفتون. والمصادر تجيء على المفعول. تقول ~~العرب: ليس هذا معقود رأي، أي: عقد رأي، تقول: دعه إلى ميسوره، أي: يسره. ~~والمعنى: بأيكم الجنون. # والثاني: بأيكم المفتون بالفرقة التي أنت فيها، أم بفرقة الكفار؟ فيكون ~~المعنى: في أي PageV08P066 # الفرقتين المجنون. وقد ذكر الفراء نحو ما شرحه الزجاج. وقد قرأ أبي بن ~~كعب، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: " في أي المفتون ". ثم أخبر أنه عالم ~~بالفرقتين بما بعد هذا. # فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين ~~(10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم ~~(13) أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ~~(15) سنسمه على الخرطوم (16) قوله [عز وجل]: (فلا تطع المكذبين) وذلك أن ~~رؤساء أهل مكة دعوه إلى دين آبائه، فنهاه الله أن يطيعهم (ودوا لو تدهن ~~فيدهنون) فيه سبعة أقوال. # أحدها: لو ترخص فيرخصون، قاله ابن عباس. # والثاني: لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم، قاله الحسن. # والثالث: لو تكفر فيكفرون، قاله عطية، والضحاك، ومقاتل. # والرابع: لو تلين لهم فيلينون لك، قاله ابن السائب. # والخامس: لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون، قاله زيد بن أسلم. # والسادس: ودوا ms2289 لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم. وكانوا أرادوه على ~~أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا الله مدة، قاله ابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: هو ~~من المداهنة. # والسابع: لو تقاربهم فيقاربوك، قاله ابن كيسان. # قوله [تعالى]: (ولا تطع كل كلاف) وهو كثير الحلف بالباطل (مهين) وهو ~~الحقير الدنئ. وروى العوفي عن ابن عباس قال: المهين: الكذاب. واختلفوا فيمن ~~نزل هذا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الوليد بن الغيرة، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: الأخنس بن ~~شريق، قاله PageV08P067 # عطاء، والسدي. والثالث: الأسود بن عبد يغوث، قاله مجاهد. # قوله [عز وجل]: (هماز) قال ابن عباس: هو المغتاب. وقال ابن قتيبة: هو ~~العياب. # قوله [عز وجل]: (مشاء بنميم) أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وهو نقل ~~الكلام السيء من بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم قوله (مناع للخير) فيه قولان: # أحدهما: أنه منع ولده وعشيرته الإسلام، قاله ابن عباس. # والثاني: مناع للحقوق في ماله، ذكره الماوردي. # قوله [عز وجل]: (معتد) أي: ظلوم (أثيم) فاجر (عتل بعد ذلك) أي: مع ما ~~وصفناه به. وفي " العتل " سبعة أقوال: # أحدها: أنه العاتي الشديد المنافق، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الموفر ~~الجسم، قاله الحسن. والثالث: الشديد الأشر، قاله مجاهد. والرابع: القوي في ~~كفره، قاله عكرمة. # والخامس: الأكول الشروب القوي الشديد، قاله عبيد بن عمير. والسادس: ~~الشديد الخصومة بالباطل، قاله الفراء. والسابع: أنه الغليظ الجافي، قاله ~~ابن قتيبة. وفي " الزنيم " أربعة أقوال: # أحدها: أنه الدعي في قريش وليس منهم، رواه عطاء عن ابن عباس، وهذا معروف ~~في اللغة أن الزنيم: هو الملصق في القوم وليس منهم، وبه قال الفراء، وأبو ~~عبيدة: وابن قتيبة. قال حسان: # وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد والثاني: أنه ~~الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: أنه الذي له زنمة مثل زنمة الشاة. وقال ابن عباس: نعت فلم يعرف ~~حتى قيل: # زنيم، فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها. ولا نعلم أن ms2290 الله تعالى بلغ ~~من ذكر عيوب أحد PageV08P068 # ما بلغه من ذكر عيوب الوليد، لأنه وصف بالحلف، والمهانة، والعيب للناس، ~~والمشي بالنمائم، والبخل، والظلم، والإثم، والجفاء، والدعوة، فألحق به عارا ~~لا يفارقه في الدنيا والآخرة قال الزجاج والزنمتان: المعلقتان عند حلوق ~~المعزى. وقال ابن فارس: هي التي تتعلق من أذنها. # والرابع: أنه الظلوم، رواه الوالبي عن ابن عباس. # قوله [عز وجل]: (أن كان ذا مال وبنين) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: " أن كان " على الخبر، أي: لأن كان. والمعنى لا ~~تطيعه لماله وبنيه. وقرأ ابن عباس بهمزتين، الأولى: مخففة. والثاني: ملينة، ~~وفصل بينهما بألف أبو جعفر. وقرأ حمزة: " أأن. # كان " بهمزتين مخففتين على الاستفهام، وله وجهان. # أحدهما: ألأن كان ذا مال تطيعه؟ -! # والثاني: ألأن كان ذا مال وبنين؟! (إذا تتلى عليه آياتنا) يكفر بها؟ ~~فيقول: (أساطير الأولين) ذكر القولين الفراء. وقرأ ابن مسعود: " أن كان " ~~بهمزة واحدة. ثم أوعده فقال [عز وجل]: (سنسمه على الخرطوم) الخرطوم: الأنف. ~~وفي هذه السمة ثلاثة أقوال: # أحدها: (سنسمه بالسيف، فنجعل ذلك [علامة باقية على أنفه] ما عاش، فقاتل ~~يوم بدر فخطم بالسيف، قاله ابن عباس. # والثاني: سنلحق به شيئا لا يفارقه، قاله قتادة، واختاره ابن قتيبة. # والثالث: أن المعنى: سنسود وجهه. قال الفراء: و " الخرطوم " وإن كان قد ~~خص بالسمة، فإنه في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدي عن البعض. وقال الزجاج: ~~سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم. وجائز ~~- والله أعلم - أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوته لرسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] يتبين بها عن غيره. # إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا ~~يستثنون (18) PageV08P069 # فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) فتنادوا ~~مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون ~~(23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد قادرين (25) فلما ~~رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم ms2291 ~~لولا تسبحون (28) قالوا سبحن ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا ~~منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون (33) إن للمتقين عند ربهم جنت النعيم (34) أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم ~~فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما ~~تحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن ~~كانوا صادقين (41) قوله [عز وجل]: (إنا بلوناهم) يعني: أهل مكة، أي: ~~ابتليناهم بالجوع، والقحط (كما بلونا أصحاب الجنة) حين هلكت جنتهم. # وهذه الإشارة إلى قصتهم ذكر أهل التفسير أن رجلا كان بناحية اليمن له ~~بستان، وكان مؤمنا. وذلك بعد عيسى بن مريم عليه السلام، وكان يأخذ منه قدر ~~قوته، [وكان] يتصدق بالباقي. وقيل: كان يترك للمساكين ما تعداه المنجل، وما ~~يسقط من رؤوس النخل، وما ينتثر عند الدباس، فكان يجتمع من هذا شئ كثير، ~~فمات الرجل عن ثلاثة بنين، فقالوا: والله إن المال لقليل، وإن العيال لكثير ~~وإنما كان أبونا يفعل هذا إذ كان المال كثيرا، والعيال قليلا، وأما الآن ~~فلا نستطيع أن نفعل هذا. فعزموا على حرمان PageV08P070 # المساكين، وتحالفوا بينهم ليغدون قبل خروج الناس، فليصرمن نخلهم، ~~(مصبحين) أي: في أول الصباح. وقد بقيت من الليل ظلمة لئلا يبقى للمساكين ~~شئ. # وفى قوله [عز وجل]: (ولا يستثنون) قولان: # أحدهما: لا يقولون: إن شاء الله، قاله الأكثرون. # والثاني: لا يستثنون حق المساكين، قاله عكرمة (فطاف عليها طائف من ربك) ~~أي: من أمر ربك. قال الفراء: الطائف لا يكون إلا بالليل. قال المفسرون: بعث ~~الله عليها نارا بالليل، فاحترقت، فصارت سوداء، فذلك قوله [عز وجل]: ~~(فأصبحت كالصريم) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: كالرماد الأسود، قاله ابن عباس. # والثاني: كالليل المسود، قاله الفراء. وكذلك قال ابن قتيبة: أصبحت سوداء ~~كالليل محترقة. # والليل: هو الصريم، والصبح أيضا: صريم، لأن كل واحد منهما ينصرم ms2292 عن ~~صاحبه. # والثالث: أصبحت قد ذهب ما فيها من الثمر، فكأنه قد صرم، أي: قطع، وجذ ~~حكاه ابن قتيبة أيضا. # قوله [عز وجل]: (فتنادوا مصبحين) أي: نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا (أن ~~اغدوا على حرثكم) يعني: الثمار والزروع والأعناب (إن كنتم صارمين) أي: ~~قاطعين للنخل، (فانطلقوا) أي: ذهبوا إلى جنتهم (وهم يتخافتون) قال ابن ~~قتيبة: يتشاورون ب‍ (أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) قوله (وغدوا على ~~حرد) فيه ثمانية أقوال: # أحدها: على قدرة، قاله ابن عباس. # والثاني: على فاقة، قاله الحسن في رواية. # والثالث: على جد، قاله الحسن في رواية، وقتادة، وأبو العالية، والفراء! ~~ومقاتل. PageV08P071 # والرابع: على أمر مجمع قد أسسوه بينهم، قاله مجاهد، وعكرمة. # والخامس: أن الحرد،: اسم الجنة، قاله السدي. # والسادس: أنه الحنق والغضب على المساكين، قاله الشعبي، وسفيان، وأنشد أبو ~~عبيدة: # أسود شرى لا قت أسود خفية * تساقوا على حرد دماء الأساود والسابع: أنه ~~المنع، مأخوذ من حاردت السنة فليس فيها مطر، وحاردت الناقة فليس لها لبن، ~~قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثامن: أنه القصد. يقال: حردت حردك، أي: قصدت قصدك، حكاه الفراء، وأبو ~~عبيدة، وابن قتيبة. وأنشدوا: # قد جاء سيل كان من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغلة أي: يقصد قصدها. قال ~~ابن قتيبة: وفيها لغتان: حرد، وحرد، كما يقال: الدرك، والدرك. # وقوله: (قادرين) [فيه] ثلاثة أقوال: # أحدها: قادرين على جنتهم عند أنفسهم، قاله قتادة. # والثاني: قادرين على المساكين، قاله الشعبي. # والثالث: أن المعنى: منعوا وهم قادرون، أي: واجدون، قاله ابن قتيبة قوله: ~~(فلما رأوها) مخترقة (قالوا إنا لضالون) أي: قد ضللنا طريق جنتنا، فليست ~~هذه. ثم علموا أنها عقربة، فقالوا: (بل نحن محرومون) أي: حرمنا ثمر جنتنا ~~بمنعنا المساكين (قال أوسطهم) أي أعدلهم، وأفضلهم (لولا) أي: هلا (تسبحون) ~~وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: هلا تستثنون عند قولكم: " ليصرمنها مصبحين " قاله ابن جريج ~~والجمهور. # والمعنى: هلا قلتم: إن شاء الله. قال الزجاج: وإنما قيل للاستثناء: ~~تسبيح، لأن التسبيح في اللغة: تنزيه الله عز وجل عن السوء. والاستثناء ms2293 ~~تعظيم لله، وإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلا إلا PageV08P072 # بمشيئة الله. # والثاني: أنه كان استثناؤهم قول: " سبحان الله "، قاله أبو صالح. # والثالث: هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم، حكاه الثعلبي. وقوله ~~تعالى: (قالوا سبحان ربنا) فنزهوه أن يكون ظالما فيما صنع، وأقروا على ~~أنفسهم بالظلم فقالوا: (إنا كنا ظالمين) بمنعنا المساكين (فأقبل بعضهم على ~~بعض يتلاومون) أي: يلوم بعضهم بعضا في منع المساكين حقوقهم. يقول هذا لهذا: ~~أنت أشرت علينا ويقول الآخر: أنت فعلت، ثم نادوا على أنفسهم بالويل، ~~فقالوا: (يا ويلنا إنا كنا طاغين) حين لم نصنع ما صنع آباؤنا، ثم رجعوا إلى ~~الله تعالى فسألوه أن يبدلهم خيرا منها، فذلك [قوله]: (عسى ربنا أن يبدلنا ~~خيرا منها). وقرأ قوم: # [" يبدلنا "] بالتخفيف، وهما لغتان. وفرق قوم بينهما، فقالوا: التبديل: ~~تغيير حال الشئ وصفته والعين باقية. والإبدال: إزالة الشئ ووضع غيره مكانه. ~~ونقل أن القوم أخلصوا، فبدلهم الله جنة العنقود منها وقر بغل. # قوله [عز وجل]: (كذلك العذاب) ما فعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا. وهاهنا ~~قصة [أهل] الجنة. قال [عز وجل]: (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) ~~يعني: المشركين. ثم ذكر ما للمتقين عنده بما بعد هذا، فقال المشركون: إنا ~~لنعطي في الآخرة أفضل مما يعطون، فقال تعالى مكذبا لهم (أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين؟!) قال الزجاج: هذه ألف الاستفهام مجازها هاهنا مجاز التوبيخ، ~~والتقرير. # قوله [عز وجل]: (كيف تحكمون) أي: [كيف] تقضون بالجور قوله (أم لكم كتاب) ~~أنزل من عند الله (فيه) هذا (تدرسون) أي: تقرؤون ما فيه (إن لكم) في ذلك ~~الكتاب (لما تخيرون) أي: ما تختارون وتشتهون. وقرأ أبو الجوزاء، وعاصم ~~الجحدري، وأبو عمران: " أن PageV08P073 # لكم " بفتح الهمزة. وهذا تقريع لهم، وتوبيخ على ما يتمنون من الباطل " ~~سلهم أيهم بذلك زعيم " (أم لكم أيمان علينا بالغة) أي: ألكم عهود على الله ~~تعالى حلف لكم على ما تدعون بأيمان بالغة، أي: مؤكدة. وكل شئ متناه في ~~الجودة والصحة فهو بالغ. ويجوز أن يكون المعنى: بالغة إلى ms2294 يوم القيامة، أي: ~~تبلغ تلك الأيمان إلى يوم القيامة في لزومها وتوكيدها (إن لكم لما تحكمون) ~~لأنفسكم به من الخير والكرامة عند الله تعالى. قال الفراء: والقراء على رفع ~~" بالغة " إلا الحسن فإنه ينصبها على مذهب المصدر، كقوله [عز وجل]: (حقا). ~~ومعنى الآية: هل لكم أيمان علينا بالغة بأن لكم ما تحكمون؟! لما كانت اللام ~~في جواب " إن " كسرتها. # قوله [عز وجل]: (سلهم أيهم بذلك زعيم) فيه قولان: # أحدهما: أنه الكفيل، قاله ابن عباس، وقتادة. والمعنى: أيهم كفل بأن لهم ~~في الآخرة ما للمسلمين من الخير. # والثاني: أنه الرسول، قاله الحسن. # قوله [عز وجل]: (أم لهم شركاء) يعني: الأصنام التي جعلوها شركاء لله ~~تعالى، والمعنى: # ألهم أرباب يفعلون بهم هذا الذي زعموا. وقيل: يشهدون لهم بصدق ما ادعوا ~~(فيأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) في أنها شركاء لله. وإنما أضيف الشركاء ~~إليهم لا دعائهم أنهم شركاء لله. # يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصرهم ~~ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) فذرني ومن يكذب ~~بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملى لهم إن كيدي متين (45) ~~أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) ~~(يوم يكشف) المعنى: فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق. قرأ الجمهور: " يكشف " ~~بضم PageV08P074 # الياء، وفتح الشين. وقرأ ابن أبي عبلة، وعاصم الجحدري، وأبو الجوزاء، ~~بفتح الياء، وكسر الشين. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس: " تكشف " بتاء ~~مفتوحة، وبكسر الشين. وقرأ ابن مسعود، وأبو مجلز، وابن يعمر، والضحاك: " ~~نكشف " بنون مفتوحة مع كسر الشين. وهذا اليوم هو يوم القيامة. وقد روى ~~عكرمة عن ابن عباس: " يوم يكشف عن ساق " قال: يكشف عن شدة، وأنشدوا: # وقامت الحرب بنا على ساق وهذا قول مجاهد، وقتادة. # قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته ~~والجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة، هذا قول الفراء، ~~وأبي عبيدة، واللغويين. وقد أضيف هذا الأمر ms2295 إلى الله تعالى. فروي في " ~~الصحيحين " من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " ~~يكشف عن ساقه "، وهذا إضافة إليه، لأن الكل له وفعله. وقال أبو عمر الزاهد: # الساق: يراد بها النفس، ومنه قول علي رضي الله عنه: أقاتلهم ولو تلفت ~~ساقي، أي: نفسي. فعلى هذا يكون المعنى: يتجلى لهم. # قوله [تعالى]: (ويدعون إلى السجود) يعني: المنافقين (فلا يستطيعون) كأن ~~في ظهورهم سفافيد الحديد. قال النقاش: وليس ذلك بتكليف لهم أن يسجدوا، وهم ~~عجزة، ولكنه توبيخ لهم بتركهم السجود (خاشعة أبصارهم) أي: خاضعة (ترهقهم ~~ذلة) أي: تغشاهم (وقد كانوا يدعون إلى السجود) يعني: بالأذان في دار ~~الدنيا، ويؤمرون بالصلاة المكتوبة (وهم سالمون) أي: # معافون ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد. وفي هذا وعيد لمن ترك صلاة ~~الجماعة. وكان كعب يقول: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن ~~الجماعات (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) يعني: القرآن. والمعنى: خل بيني ~~وبينه. قال الزجاج: أي: لا تشغل قلبك به، كله PageV08P075 # إلي فأنا أكفيك أمره. وذكر بعض المفسرين أن هذا القدر من الآية إلى قوله: ~~" الحديث " منسوخ بآية السيف. وما بعد هذا مفسر في الأحزاب إلى قوله [عز ~~وجل]: (أم تسألهم أجرا) فإنها مفسرة والتي تليها في الطور. # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ~~ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) قوله [عز وجل]: ~~(فاصبر لحكم ربك) أي: اصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو آت. # وقيل: معنى الأمر بالصبر منسوخ بآية السيف. # قوله [عز وجل]: (ولا تكن كصاحب الحوت) وهو يونس. وفيماذا نهي أن يكون ~~مثله فيه قولان: # أحدهما: أنه العجلة، والغضب، قاله قتادة. # والثاني: الضعف عن تبليغ الرسالة، قاله ابن جرير. # قال ابن الأنباري: وهذا لا يخرج يونس من أولي العزم، لأنها خطيئة. ولو ~~قلنا: ms2296 إن كل مخطئ من الأنبياء [ليس] من أولي العزم، خرجوا كلهم إلا يحيى. ~~ثم أخبر عن عقوبته إذ لم يصبر، فقال [عز وجل]: (إذ نادى وهو مكظوم) قال ~~الزجاج: مملوء غما وكربا. # قوله [عز وجل]: (لولا أن تداركه) وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي ~~عبلة: " لولا أن تداركته " بتاء خفيفة، وبتاء ساكنة بعد الكاف مع تخفيف ~~الدال. وقرأ أبو هريرة، وأبو المتوكل: # " تداركه " بتاء واحدة خفيفة مع تشديد الدال. وقرأ أبي بن كعب: " تتداركه ~~" بتاءين خفيفتين (نعمة PageV08P076 # من ربه) فرحمة بها، وتاب عليه من معاصيه (لنبذ بالعراء وهو مذموم) وقد ~~بينا معنى " العراء " في الصافات. ومعنى الآية: أنه نبذ غير مذموم لنعمة ~~الله عليه بالتوبة والرحمة. وقال ابن جريج: # نبذ بالعراء، وهو أرض المحشر، فالمعنى: أنه كان يبقى مكانه إلى يوم ~~القيامة (فاجتباه ربه) أي: # استخلصه واصطفاه، وخلصه من الذم (فجعله من الصالحين) فرد عليه الوحي، ~~وشفعه في قومه ونفسه قوله (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك [بأبصارهم]) قرأ ~~الأكثرون بضم الياء من أزلقته، وقرأ أهل المدينة، وأبان بفتحها من زلقته ~~أزلقه، وهما لغتان مشهورتان في العرب. قال الزجاج: # يقال: زلق الرجل رأسه أزلقه: إذا حلقه. وفي معنى الآية للمفسرين قولان: # أحدهما: أن الكفار قصدوا [أن يعيبوا] رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~بالعين، وكان فيهم رجل يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل شيئا، ثم يرفع جانب ~~خبائه، فتمر به النعم، فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه، فما ~~تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها عدة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم [بالعين]، فعصم الله نبيه، وأنزل هذه الآية، وهذا ~~قول الكلبي، وتابعه قوم من المفسرين تلقفوا ذلك من تفسيره، منهم الفراء. # والثاني: أنهم كانوا ينظرون إليه بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقه من ~~شدته، أي: يلقيه إلى الأرض. وهذا مستعمل في كلام العرب. يقول القائل: نظر ~~إلي فلان نظرا كاد يصرعني. وأنشدوا: # يتقارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزيل مواطئ الأقدام أي: ms2297 ينظر بعضهم ~~إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة يكاد يزيل الأقدام، وإلى هذا ذهب المحققون، ~~منهم ابن قتيبة، والزجاج. ويدل على صحته أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع ~~القرآن، وهو قوله تعالى: (لما سمعوا الذكر) والقوم كانوا يكرهون ذلك أشد ~~الكراهة، فيحدون النظر إليه بالبغضاء. وإصابة العين، إنما تكون مع الإعجاب ~~والاستحسان، لا مع البغض فلا يظن بالكلبي أنه فهم معنى الآية. قوله (وما ~~هو) يعني: القرآن (إلا ذكر) أي: موعظة. PageV08P077 # سورة الحاقة مكية وآياتها ثنتان وخمسون وهي مكية كلها باجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود ~~وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فأهلكوا بريح ~~صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها ~~صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) وجاء فرعون ومن ~~قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) إنا ~~لما طغا الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ~~(12) (الحاقة): القيامة. قال الفراء: إنما قيل لها: حاقة، لأن فيها حواق ~~الأمور. وقال الزجاج: # إنما سميت الحاقة، لأنها تحق كل إنسان بعمله من خير وشر. # قوله [عز وجل]: (ما الحاقة؟) هذا استفهام، معناه التفخيم لشأنها، كما ~~تقول: زيد، ما PageV08P078 # زيد؟ على التعظيم لشأنه. ثم زاد في التهويل بأمرها، فقال [عز وجل]: (وما ~~أدراك ما الحاقة) أي: لأنك لم تعاينها، ولم تر ما فيها من الأهوال. ثم أخبر ~~عن المكذبين بها، فقال [عز وجل]: # (كذبت ثمود وعاد بالقارعة) قال ابن عباس: القارعة: اسم من أسماء يوم ~~القيامة. قال مقاتل: # وإنما سميت بالقارعة، لأن الله تعالى يقرع أعداءه بالعذاب. وقال ابن ~~قتيبة: القارعة: القيامة لأنها تقرع، يقال: أصابتهم قوارع الدهر. وقال ~~الزجاج: لأنها تقرع بالأهوال. وقال غيرهم: لأنها تقرع القلوب بالفزع. فأما ~~(الطاغية) ففيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها طغيانهم وكفرهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وابن قتيبة. ~~قال الزجاج: ومعنى الطاغية عند أهل اللغة: طغيانهم. و " فاعلة " قد يأتي ~~بمعنى المصادر، ms2298 نحو عاقبة، وعافية. # والثاني: بالصيحة الطاغية، قاله قتادة. وذلك أنها جاوزت مقدار الصياح، ~~فأهلكتهم. # والثالث: أن الطاغية: عاقر الناقة، قاله ابن زيد. والريح الصرصر قد ~~فسرناها في حم السجدة. والعاتية: التي جاوزت المقدار. وجاء في التفسير أنها ~~عتت على خزانها يومئذ، فلم يكن لهم عليها سبيل. # قوله [عز وجل]: (سخرها عليهم) أي أرسلها وسلطها. والتسخير: استعمال الشئ ~~بالاقتدار. وفي قوله [عز وجل]: (حسوما) ثلاثة أقوال: # أحدها: تباعا، قاله ابن عباس. قال الفراء: الحسوم: التباع، يقال في الشئ ~~إذا تتابع فلم ينقطع أوله عن آخره: حسوم. وإنما أخذ - والله أعلم - من حسم ~~الداء: إذا كوي صاحبه، لأنه يحمى ثم يكوى، ثم يتابع الكي عليه. PageV08P079 # والثاني: كاملة، قاله الضحاك. فيكون المعنى: أنها حسمت الليالي والأيام ~~فاستوفتها على الكمال، لأنها ظهرت مع طلوع الشمس، وذهبت مع غروبها. قال ~~مقاتل: هاجت الريح غدوة، وسكنت بالعشي في اليوم الثامن، وقبضت أرواحهم في ~~ذلك اليوم، ثم بعث الله طيرا أسود فالتقطهم حتى ألقاهم في البحر. # والثالث: أنها حسمتهم، فلم تبق منهم أحدا، أي: أذهبتهم وأفنتهم، هذا قول ~~ابن زيد قال الزجاج وهذا هو الذي توجبه اللغة. # قوله [عز وجل]: (فترى القوم فيها) أي: في تلك الليالي والأيام (صرعى) ~~(كأنهم أعجاز نخل) أي: أصول نخل (خاوية) أي: بالية. وقد بينا هذا في سورة ~~القمر. # قوله [عز وجل]: (فهل ترى لهم من باقية) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من بقاء، قاله الفراء. # والثاني: من بقية، قاله أبو عبيدة. قال: وهو مصدر كالطاغية. # والثالث: هل ترى لهم من أثر؟ قاله ابن قتيبة قوله (وجاء فرعون ومن قبله) ~~قرأ أبو عمرو، ويعقوب، والكسائي، وأبان: بكسر القاف، وفتح الباء. والباقون: ~~بفتح القاف، وإسكان الباء. # فمن كسر القاف أراد به: من يليه ويحف به من جنوده وأتباعه. ومن فتحها ~~أراد به: من كان قبله من الأمم الكافرة. وفي " المؤتفكات " ثلاثة أقوال. # أحدها: قرى قوم لوط. والمعنى: وأهل المؤتفكات، قاله الأكثرون. # والثاني: أنهم الذين ائتفكوا بذنوبهم، أي: هلكوا بالذنوب التي أعظمها ~~الإفك، وهو الكذب، ms2299 قاله الزجاج. # والثالث: أنه قارون وقومه، حكاه الماوردي. # قوله [عز وجل]: (بالخاطئة) قال ابن قتيبة: أي: بالذنوب، وقال الزجاج: ~~الخاطئة: الخطأ PageV08P080 # العظيم (فعصوا رسول ربهم) أي: كذبوا رسلهم (فأخذهم أخذة رابية) أي: زائدة ~~على الأخذات قوله (إنا لما طغى الماء) أي: تجاوز حده حتى علا على كل شئ في ~~زمن نوح (حملناكم) يعني: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم (في الجارية) وهي: ~~السفينة التي تجري في الماء (لنجعلها) أي: لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من ~~إغراق قوم نوح، ونجاة من حملنا معه (تذكرة) أي: عبرة، وموعظة (وتعيها أذن ~~واعية) أي أذن واعية أي أذن تحفظ ما سمعت، وتعمل به. وقال الفراء: لتحفظها ~~كل أذن، فتكون عظة لمن يأتي بعده. # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ~~(2) فيومئذ وقعت الواقعة (3) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (4) والملك على ~~أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) يومئذ تعرضون لا تخفى منكم ~~خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ~~ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) ~~قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) ~~وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما ~~حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني ~~سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام ~~المسكين (34) فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا ~~يأكله إلا الخاطئون (37) قوله [عز وجل]: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) ~~وفيها قولان: PageV08P081 # أحدهما: أنها النفخة الأولى، قاله عطاء. # والثاني: الأخيرة، قاله ابن السائب، ومقاتل. قوله (وحملت الأرض والجبال) ~~[أي: حملت الأرض والجبال] وما فيها (فدكتا دكة واحدة) أي: كسرتا، ودقتا دقة ~~واحدة، لا يثني عليها حتى تستوي بما عليها من شئ، فتصير كالأديم الممدود. ~~وقد أشرنا إلى هذا المعنى في (الأعراف) عند قوله [عز ms2300 وجل]: (جعله دكا). قال ~~الفراء: وإنما قال: فدكتا، ولم يقل: فدككن، لأنه جعل الجبال كالشئ الواحد، ~~كقوله [عز وجل]: (أن السماوات والأرض كانتا رتقا) وأنشدوا: # هما سيدانا يزعمان وإنما * يسوداننا أن يسرت غنماهما والعرب تقول: قد ~~يسرت الغنم: إذا ولدت، أو تهيأت للولادة. # قوله [عز وجل]: (فيومئذ وقعت الواقعة) أي: قامت القيامة (وانشقت السماء) ~~[لنزول] من فيها من الملائكة (فهي يومئذ واهية) فيه قولان. # أحدهما: أن وهيها: ضعفها وتمزقها من الخوف، قاله مقاتل. # والثاني: أنه تشققها، قاله الفراء (والملك) يعني: الملائكة، فهو اسم جنس ~~(على أرجائها) أي: على جوانبها. قال الزجاج: ورجاء كل شئ: ناحيته، مقصور. ~~والتثنية: رجوان، والجمع: # أرجاء. وأكثر المفسرين [على] أن المشار إليها السماء. قال الضحاك: إذا ~~انشقت السماء كانت الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الله تعالى، فينزلون إلى ~~الأرض، فيحيطون بها، ومن عليها. # وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: على أرجاء الدنيا. # قوله [عز وجل]: (ويحمل عرش ربك فوقهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فوق رؤوسهم، أي: العرش على رؤوس الحملة، قاله مقاتل. # والثاني: فوق الذين على أرجائها، أي: أن حملة العرش فوق الملائكة الذين ~~هم على أرجائها. PageV08P082 # والثالث: أنهم فوق أهل القيامة، حكاهما الماوردي (يومئذ) أي: يوم القيامة ~~(ثمانية) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ثمانية أملاك. وجاء في الحديث أنهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم ~~القيامة أمدهم الله بأربعة آخرين، وهذا قول الجمهور. # والثاني: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل، قاله ~~ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة. # والثالث: ثمانية أخرى من الكروبيين لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل، قاله ~~مقاتل. وقد روى أبو داود في " سننه " من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من ~~حملة العرش، أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة تسع مائة عام ". # قوله [عز وجل]: (يومئذ تعرضون) على الله لحسابكم (لا تخفى) عليه. قرأ ~~حمزة، والكسائي: " لا يخفى " بالياء. وقرأ ms2301 الباقون بالتاء. والمعنى: لا ~~يخفى عليه (منكم خافية) أي: # نفس خافية، أو فعلة خافية. وفي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " تعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال، ~~ومعاذير، وأما الثالثة، فعندها تتطاير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ ~~بشماله، وكان عمر بن الخطاب يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها ~~قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ لا تخفى منكم خافية. قوله ~~(فيقول: هاؤم) قال الزجاج: " هاؤم " أمر للجماعة بمنزلة هاكم. تقول للواحد: ~~ها يا رجل، وللاثنين: هاؤما يا رجلان. وللثلاثة: هاؤم يا رجال. قال ~~المفسرون: إنما يقول هذا ثقة بسلامته وسرورا بنجاته. ذكر مقاتل أنها نزلت ~~في أبي سلمة بن عبد الأسد. # قوله [عز وجل]: (إني ظننت) أي: علمت وأيقنت (أني ملاق حسابيه) أي: أبعث، ~~PageV08P083 # وأحاسب في الآخرة (فهو في عيشة) أي: في حالة من العيش (راضية) قال ~~الفراء: أي: فيها الرضى. وقال الزجاج: أي: ذات رضى يرضاها من يعيش فيها. ~~وقال أبو عبيدة: مجازها مجاز مرضية قوله (في جنة عالية) أي: عالية المنازل ~~(قطوفها) أي: ثمارها (دانية) أي: قريبة ممن يتناولها، وهي جمع قطف. والقطف: ~~ما يقطف من الثمار. قال البراء من عازب: يتناول الرجل الثمرة وهو نائم. # قوله [عز وجل]: (كلوا) أي: يقال لهم: كلوا (واشربوا هنيئا بما أسلفتم) ~~أي: # قدمتم من الأعمال الصالحة (في الأيام الخالية) الماضية. وهي أيام الدنيا. ~~وأما من أوتي كتابه بشماله) قال مقاتل: نزلت في الأسود بن عبد الأسد، قتله ~~حمزة ببدر، وهو أخو أبي سلمة. # وقيل: نزلت في أبي جهل. # قوله [عز وجل]: (يا ليتني لم أوت كتابيه) وذلك لما يرى فيه من القبائح ~~(ولم أدر ما حسابيه) لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب، إنما كله عليه. وكان ~~ابن مسعود، وقتادة، ويعقوب، يحذفون الهاء من " كتابيه "، و " حاسبيه " في ~~الوصل. قال الزجاج: والوجه أن يوقف على هذه الهاءات، ولا توصل، لأنها أدخلت ~~للوقف. وقد حذفها قوم في الأصل، ولا أحب مخالفة المصحف، ms2302 وذلك قوله: (وما ~~أدراك ما هيه). # قوله [عز وجل]: (يا ليتها) يعني: الموتة التي ماتها في الدنيا (كانت ~~القاضية) أي: # القاطعة للحياة، فكأنه تمنى دوام الموت، وأنه لم يبعث للحساب. قوله (هلك ~~عني سلطانيه) فيه قولان: # أحدهما: ضلت عني حجتي، قاله مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والسدي. # والثاني: زال عني ملكي، قاله ابن زيد. PageV08P084 # قوله [عز وجل]: (خذوه) أي: يقول الله تعالى: (خذوه فغلوه) أي: اجمعوا يده ~~إلى عنقه (ثم الجحيم صلوه) أي: أدخلوه النار. وقال الزجاج: اجعلوه يصلى ~~النار. قوله (ثم في سلسلة) وهي: حلق منتظمة (ذرعها سبعون ذراعا) وقال ابن ~~عباس: بذراع الملك. وقال نوف الشامي: كل ذراع سبعون باعا، الباع أبعد مما ~~بينك وبين مكة: وكان في رحبة الكوفة. وقال سفيان: # كل ذراع سبعون ذراعا. وقال مقاتل: ذرعها سبعون ذراعا بالذراع الأول. ~~ويقال: إن جميع أهل النار في تلك السلسلة. # قوله [عز وجل]: (فاسلكوه) أي: أدخلوه. قال الفراء: وذكر أنها تدخل في دبر ~~الكافر فتخرج من رأسه، فذلك سلكه فيها. والمعنى: ثم اسلكوا فيه السلسلة، ~~ولكن العرب تقول: # أدخلت رأسي في القلنسوة، وأدخلتها في رأسي. ويقال: الخاتم لا يدخل في ~~يدي، وإنما اليد تدخل في الخاتم، وإنما استجازوا ذلك، لأن معناه معروف. # قوله [عز وجل]: (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم) أي: لا يصدق بوحدانيته ~~وعظمته (ولا يحض على طعام المسكين) أي: لا يطعمه، ولا يأمر بإطعامه (فليس ~~له اليوم هاهنا حميم) أي: # قريب ينفعه، أي: يشفع له (ولا طعام إلا من غسلين) في ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه صديد أهل النار، قاله ابن عباس. قال مقاتل: إذا سال القيح، ~~والدم، بادروا أكله قبل أن يأكله الناس. # والثاني: شجر يأكله أهل النار، قاله الضحاك، والربيع: # والثالث: أنه غسالة أجوافهم، قاله يحيى بن سلام. قال ابن قتيبة: وهو " ~~فعلين " من " غسلت " كأنه غسالة. # قوله [عز وجل]: (إلا الخاطئون) وهم: الكافرون. PageV08P085 # فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) ~~وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن ms2303 قليلا ما تذكرون (42) ~~تنزيل من رب العالمين (43) قوله [عز وجل]: (فلا أقسم) " لا " رد لكلام ~~المشركين، كأنه قيل: ليس الأمر كما يقول المشركون (أقسم بما تبصرون ومالا ~~تبصرون) وقال قوم: " لا " زائدة مؤكدة. والمعنى: أقسم بما ترون، وما لا ~~ترون، فأراد جميع الموجودات. وقيل: الأجسام والأرواح (إنه) يعني: # القرآن (لقول رسول كريم) فيه قولان. # أحدهما: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الأكثرون. # والثاني: جبريل، قاله ابن السائب، ومقاتل. قال ابن قتيبة: لم يرد أنه قول ~~الرسول، وإنما أراد أنه قول الرسول عن الله تعالى، وفي الرسول ما يدل على ~~ذلك، فاكتفى به من أن يقول عن الله قوله (وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون) وقرأ ابن كثير: " يؤمنون " و " يذكرون " بالياء فيهما. # قال الزجاج: " ما " مؤكدة، وهي لغو في باب الإعراب. والمعنى: قليلا ~~تؤمنون. وقال غيره: أراد نفي إيمانهم أصلا. وقد بينا معنى " الكاهن " في ~~الطور قال الزجاج: وقوله [عز وجل]: " تنزيل " مرفوع ب‍ " هو " مضمرة يدل ~~عليها قوله [عز وجل]: " وما هو بقول شاعر " هو تنزيل. # ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه ~~الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) ~~وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين (50) وإنه لحق ~~اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52) قوله [عز وجل]: (ولو تقول علينا) ~~أي: لو تكلف محمد أن يقول علينا ما لم نقله PageV08P086 # (لأخذنا منه باليمين) أي: لأخذناه بالقوة والقدرة، قاله الفراء، والمبرد، ~~والزجاج. قال ابن قتيبة: # إنما أقام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شئ في ميامنه. # قوله [عز وجل]: (ثم لقطعنا منه الوتين) وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل ~~بالقلب، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. قال أبو عبيدة: الوتين: نياط ~~القلب، وأنشد الشماخ: # إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة ذلك فاشرقي بدم الوتين وقال الزجاج: ~~الوتين: عرق أبيض غليظ كأنه قصبة. # قوله [عز وجل]: (فما منكم من أحد عنه حاجزين) أي: ليس منكم أحد يحجزنا ~~عنه، وإنما قال تعالى: ms2304 (حاجزين) لأن أحدا يقع على الجمع، كقوله [عز وجل]: ~~(لا نفرق بين أحد من رسله)، هذا قول الفراء، وأبي عبيدة، والزجاج. ومعنى ~~الكلام: لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه، ثم لم ~~يقدر على دفع عقوبتنا عنه (وإنه) يعني: القرآن (لحسرة على الكافرين) في يوم ~~القيامة. يندمون إذا لم يؤمنوا به (وإنه لحق اليقين) إضافة إلى نفسه ~~لاختلاف اللفظين، كقوله [عز وجل]: (ولدار الآخرة). وقال الزجاج: المعنى: ~~وإنه لليقين حق اليقين، وقد شرحنا هذا المعنى، وما بعدها في الواقعة. ~~PageV08P087 # سورة المعارج مكية وآياتها أربع وأربعون سورة سأل سائل، ويقال لها: سورة ~~المعارج، ويقال لها: سورة الواقع. # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم سأل سائل بعذاب واقع (1) ~~للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج (3) تعرج الملائكة والروح ~~إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه ~~بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن ~~(9) ولا يسئل حميم حميما (10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ~~ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤيه (13) ومن في الأرض جميعا ~~ثم ينجيه (14) كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى ~~(17) وجمع فأوعى (18) PageV08P088 # قوله [عز وجل]: (سأل سائل) قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث حين ~~قال: # (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء)، وهذا ~~مذهب الجمهور، منهم ابن عباس، ومجاهد. وقال الربيع بن أنس: هو أبو جهل. قرأ ~~أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: " سال " بغير همز. والباقون: بالهمز. فمن قرأ: ~~" سأل " بالهمز ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: دعا داع على نفسه بعذاب واقع. # والثاني: سأل سائل عن عذاب واقع لمن هو؟ وعلى من ينزل؟ ومتي يكون؟ وذلك ~~على سبيل الاستهزاء، فتكون الباء بمعنى " عن "، وأنشدوا: # فإن تسألوني بالنساء فإنني * خبير بأدواء النساء طبيب والثالث: سأل سائل ~~عذابا واقعا، والباء زائدة. ومن قرأ بلا همز ففيه قولان. # أحدهما: أنه من السؤال أيضا، وإنما لين الهمزة، يقال: سأل، ms2305 وسأل، وأنشد ~~الفراء: # تعالوا فسالوا يعلم الناس أينا * لصاحبه أو في أول الدهر نافع والثاني: ~~المعنى: سال واد في جهنم بالعذاب للكافرين، وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن ~~أسلم، وابنه عبد الرحمن. وكان ابن عباس في آخرين يقرؤون " سال سيل " بفتح ~~السين، وسكون الياء من غير ألف ولا همز. وإذا قلنا: إنه من السؤال، فقوله ~~[عز وجل]: " للكافرين " جواب للسؤال، كأنه لما سأل: لمن هذا العذاب؟ قيل: ~~للكافرين. والواقع: الكائن. والمعنى: أن العذاب الذي سأله هذا الكافر كائن ~~لا محالة في الآخرة ([للكافرين] ليس له دافع من الله) [قال الزجاج: المعنى: ~~ذلك العذاب واقع من الله] للكافرين. PageV08P089 # قوله [عز وجل]: (ذي المعارج) فيه قولان. # أحدهما: أنها السماوات، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: هي معارج الملائكة. ~~قال ابن قتيبة: وأصل " المعارج " الدرج، وهي من عرج: إذا صعد. قال الفراء: ~~لما كانت الملائكة تعرج إليه، وصف نفسه بذلك. قال الخطابي: المعارج: الدرج، ~~واحدها: معرج، وهو المصعد، فهو الذي يصعد إليه بأعمال العباد، وبأرواح ~~المؤمنين. فالمعارج: الطرائق التي يصعد فيها. # والثاني: أن المعارج: الفواضل والنعم، قاله قتادة. # قوله [عز وجل]: (تعرج الملائكة) قرأ الكسائي: " يعرج " بالياء. (والروح) ~~وفي " الروح " قولان. # أحدهما: أنه جبريل، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه روح الميت حين تقبض، قاله قبيصة بن ذؤيب. # قوله [عز وجل]: (إليه) أي: إلى الله تعالى (في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة) فيه قولان. # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والقرظي، وهذا ~~هو مقدار يوم القيامة من وقت البعث إلى أن يفصل بين الخلق. وفي الحديث: " ~~إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة ". وقيل: بل لو ولي ~~حساب الخلق سوى الله عز وجل لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة، والحق يفرغ منه ~~في ساعة من نهار. وقال عطاء: يفرغ الله من حساب الخلق في مقدار نصف يوم من ~~أيام الدنيا. فعلى هذا يكون المعنى: ليس له دافع من الله في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة. ms2306 وقيل: المعنى: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة. # فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير. # والثاني: أنه مقدار صعود الملائكة من أسفل الأرض إلى العرش لو صعده غيرهم ~~قطعه في خمسين ألف سنة، وهذا معنى قول مجاهد. # قوله [عز وجل]: (فاصبر) أي: اصبر على تكذيبهم إياك (صبرا جميلا) لا جزع ~~فيه، PageV08P090 # وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم نسخ بآية السيف (إنهم يرونه) يعني: العذاب ~~(بعيدا) غير كائن (ونراه قريبا) كائنا، لأن كل ما هو آت قريب. ثم أخبر متى ~~يكون فقال [عز وجل]: (يوم تكون السماء كالمهل) وقد شرحنا في الكهف (وتكون ~~الجبال كالعهن) أي: كالصوف، فشبهها في ضعفها ولينها بالصوف. وقيل: شبهها به ~~في خفتها وسيرها، لأنه قد نقل أنها تسير على صورها، وهي كالهباء. قال ~~الزجاج: " العهن " الصوف. واحدته: عهنة، ويقال: عهنة، وعهن، مثل: صوفة، ~~وصوف. وقال ابن قتيبة: " العهن " الصوف المصبوغ. # قوله [عز وجل]: (ولا يسأل حميم حميما) قرأ الأكثرون: " يسأل " بفتح ~~الياء. والمعنى: # لا يسأل قريب عن قرابته، لاشتغاله بنفسه. وقال مقاتل: لا يسأل الرجل ~~قرابته، ولا يكلمه من شدة الأهوال. وقرأ معاوية، وأبو رزين، والحسن، وسعيد ~~بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن، وابن أبي عبلة، وأبو جعفر بضم الياء. ~~والمعنى: لا يقال للحميم: أين حميمك؟ # قوله [عز وجل]: (يبصرونهم) أي: يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه، وهو مع ذلك ~~لا يسأل عن شأنه، ولا يكلمه اشتغالا بنفسه. يقال: بصرت زيدا كذا: إذا عرفته ~~إياه. قال ابن قتيبة: # معنى الآية: لا يسأل ذو قرابة عن قرابته، ولكنهم يبصرونهم، أي: يعرفونهم. ~~وقرأ قتادة، وأبو المتوكل، وأبو عمران " يبصرونهم " بإسكان الباء، وتخفيف ~~الصاد، وكسرها. # قوله [عز وجل]: (يود المجرم) يعني: يتمنى المشرك لو قبل منه هذا الفداء ~~([يومئذ] ببنيه، وصاحبته) وهي الزوجة (وفصيلته) قال ابن قتيبة: أي: عشيرته. ~~وقال الزجاج: هي أدنى قبيلته منه. ومعنى (تؤويه) تضمه، فيود أن يفتدي بهذه ~~المذكورات (ثم ينجيه) ذلك الفداء (كلا) لا ينجيه ذلك (إنها لظى) قال الفراء ms2307 ~~هو اسم من أسماء جهنم، فلذلك ثم يجره وقال غيره: # معناها في اللغة: اللهب الخالص، وقال ابن الأنباري: سميت لظى لشدة توقدها ~~وتلهبها، يقال: هو يتلظى، أي: يتلهب ويتوقد. عليه وكذلك النار تتلظى يراد ~~به هذا المعنى. وأنشدوا: PageV08P091 # جحيما تلظى لا تفتر ساعة * ولا الحر منها غابر الدهر يبرد (نزاعة للشوى) ~~قرأ الجمهور " نزاعة للشوى " بالرفع على معنى: هي نزاعة. وقرأ عمر بن ~~الخطاب، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي عبلة، وحفص ~~عن عاصم " نزاعة " بالنصب. قال الزجاج: وهذا على أنها حال مؤكدة، كما قال ~~تعالى: (هو الحق مصدقا) ويجوز أن ينصب على معنى " إنها تتلظى نزاعة ". وفي ~~المراد ب‍ (الشوى) أربعة أقوال: # أحدها: جلدة الرأس، قاله مجاهد. # والثاني: محاسن الوجه، قاله الحسن، وأبو العالية. # والثالث: العصب، والعقب، قاله ابن جبير. والرابع: الأطراف: اليدان، ~~والرجلان، والرأس، قاله الفراء، والزجاج. # قوله [عز وجل]: (تدعو من أدبر) عن الإيمان (وتولى) عن الحق. قال ~~المفسرون: تقول: # [إلي يا مشرك]، إلي يا منافق (وجمع فأوعى) قال الفراء: أي جمع المال في ~~وعاء فلم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما. # إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا ~~(21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم ~~حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين ~~هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم ~~لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~(30) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) PageV08P092 # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35) فمال الذين ~~كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم ~~أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) فلا أقسم برب ~~المشرق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ~~(41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (42) يوم يخرجون ~~من الأجداث سراعا ms2308 كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك ~~اليوم الذي كانوا يوعدون (44) قوله [عز وجل]: (إن الإنسان خلق هلوعا) قال ~~مقاتل: عنى به أمية بن خلف الجمحي. وفي الهلوع سبعة أقوال. # أحدها: أنه الموصوف بما يلي هذه الآية، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال ~~أبو عبيدة، والزجاج. # والثاني: أنه الحريص على ما لا يحل له، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: البخيل، قاله الحسن، والضحاك. # والرابع: الشحيح، قاله ابن جبير. # والخامس: الشره، قاله مجاهد. # والسادس: الضجور، قاله عكرمة، وقتادة، ومقاتل، والفراء. # والسابع: الشديد الجزع، قاله ابن قتيبة. # قوله [عز وجل]: (إذا مسه الشر) أي: إذا اصابه الفقر (جزوعا) لا يصبر، ولا ~~يحتسب (وإذا مسه الخير) أصابه المال (منوعا) يمنعه من حق الله (إلا ~~المصلين) وهم أهل الإيمان بالله. وإنما استثنى الجمع من الإنسان، لأنه اسم ~~جنس (الذين هم على صلاتهم دائمون) وفيهم PageV08P093 # ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم [الذين] يحافظون على المكتوبات، وهو معنى قول ابن مسعود. # والثاني: أنهم لا يلتفتون عن أيمانهم وشمائلهم في الصلاة، قاله عقبة بن ~~عامر، واختاره الزجاج. قال: ويكون اشتقاقه من الدائم، وهو الساكن، كما جاء ~~في الحديث أنه نهى عن البول في الماء الدائم. # والثالث: أنهم الذين يكثرون فعل التطوع، قاله ابن جبير. (والذين في ~~أموالهم حق معلوم) قد سبق شرح هذه الآية والتي بعدها في الذاريات وبينا ~~معنى " يوم الدين " في " الفاتحة " وما بعد هذا قد شرحناه في المؤمنين إلى ~~قوله [عز وجل]: " لأماناتهم قرأ ابن كثير وحده: " لأمانتهم " (والذين هم ~~بشهادتهم) قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم: # " بشهادتهم " على التوحيد. وقرأ حفص عن عاصم: " بشهاداتهم " جمعا قوله ~~(والذين هم بشهادتهم قائمون) أي: يقيمون فيها بالحق ولا يكتمونها (فمال ~~الذين كفروا قبلك مهطعين) نزلت في جماعة من الكفار جلسوا حول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستهزئون بالقرآن، ويكذبون به. قال الزجاج: # والمهطع: المقبل ببصره على الشئ لا يزايله، وكانوا ينظرون إلى النبي نظرة ~~عداوة. وقد ms2309 سبق الخلاف في قوله: (مهطعين). # قوله: (عن اليمين وعن الشمال عزين). قال الفراء: العزون: الحلق، الخلق ~~الجماعات، واحدتها: عزة، وكانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة، كما يقول محمد، فلندخلنها قبلهم، فنزل قوله ~~[تعالى]: (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) وقرأ ابن مسعود، والحسن، ~~وطلحة بن مصرف، والأعمش، والمفضل عن عاصم " أن يدخل " بفتح PageV08P094 # الياء، وضم الخاء. وقال أبو عبيدة: عزين جمع عزة، مثل ثبة، وثبين، فهي ~~جماعات في تفرقة. # قوله [عز وجل]: (كلا) أي: لا يكون ذلك (إنا خلقناهم مما يعلمون) فيه ~~قولان: # أحدهما: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فالمعنى: لا يستوجب الجنة أحد ~~بما يدعيه من الشرف على غيره، إذ الأصل واحد، وإنما يستوجبها بالطاعة. # والثاني: إنا خلقناهم من أقذار. فبما يستحقون الجنة ولم يؤمنوا؟! وقد روى ~~بشر بن جحاش عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه تلا هذه الآية (إنا خلقناهم ~~مما يعلمون) ثم بزق، وقال: يقول الله عز وجل: أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل ~~هذه؟! حتى إذا سويتك، وعدلتك، مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ~~ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟! " قوله [عز ~~وجل]: (فلا أقسم) قد تكلمنا عليه في الحاقة والمراد بالمشارق، والمغارب: ~~شرق كل يوم ومغربه (إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم) أي: نخلق أمثل ~~منهم، وأطوع لله حين عصوا (وما نحن بمسبوقين) مفسر في الواقعة (فذرهم ~~يخوضوا) في باطلهم (ويلعبوا) أي: يلهوا في دنياهم (حتى يلاقوا) وقرأ ابن ~~محيصن " يلقوا يومهم الذي يوعدون " وهو يوم القيامة. وهذا لفظ أمر، معناه ~~الوعيد. وذكر المفسرون أنه منسوخ بآية السيف. وإذا قلنا: # إنه وعيد بلقاء يوم القيامة، فلا وجه للنسخ (يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا) أي: يخرجون بسرعة كأنهم يستبقون. # قوله [عز وجل]: (كأنهم إلى نصب) قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم بضم النون ~~والصاد. قال ابن جرير: وهو واحد الأنصاب، وهي آلهتهم التي كانوا يعبدونها. ~~فعلى هذا ms2310 يكون المعنى: كأنهم إلى آلهتهم التي كانوا يعبدونها يسرعون. وقرأ ~~ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي بفتح النون وسكون ~~الصاد، وهي في معنى القراءة الأولى، إلا أنه مصدر. كقول القائل: نصبت الشئ ~~أنصبه نصبا. قال قتادة: معناه كأنهم إلى شئ منصوب يسرعون. وقال ابن جرير: ~~تأويله: كأنهم إلى صنم منصوب يسرعون. وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، والنخعي " ~~نصب " برفع النون، وإسكان الصاد. وقرأ الحسن، وأبو عثمان النهدي، وعاصم ~~الجحدري " إلى نصب " بفتح النون والصاد جميعا. قال ابن قتيبة: النصب: حجر ~~ينصب أو صنم، يقال: نصب، [ونصب]، ونصب. وقال الفراء: النصب والنصب واحد، ~~وهو مصدر، والجمع: # الأنصاب. وقال الزجاج: النصب، والنصب: العلم المنصوب. قال الفراء: ~~والإيفاض: الإسراع. # قوله [عز وجل]: (ترهقهم ذلة) قرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعمرو بن ~~دينار " ذلة ذلك اليوم " بغير تنوين، وبخفض الميم. وباقي السورة قد تقدم ~~بيانه. PageV08P095 # سورة نوح مكية وآياتها ثمان وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم ~~عذاب أليم (1) قال يا يقوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء ~~لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4) قوله [تعالى]: (أن أنذر قومك) أي: بأن أنذر ~~قومك. و (العذاب الأليم) الغرق. # قوله [تعالى]: (أن اعبدوا الله) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~والكسائي، وعلي بن نصر عن أبي عمرو " أن اعبدوا الله " بضم النون. وقرأ ~~عاصم، وحمزة، وعبد الوارث عن أبي عمرو " أن اعبدوا الله، بكسر النون. قال ~~أبو علي: من ضم كره الكسرة قبل الضمة. # قوله [عز وجل]: (وأطيعون) أثبت الياء في الحالين يعقوب. # قوله [عز وجل]: (من ذنوبكم) " من " ها هنا صلة. والمعنى: يغفر لكم ~~ذنوبكم، قاله PageV08P096 # السدي ومقاتل. وقال الزجاج: إنما دخلت " من " ها هنا لتختص الذنوب من ~~سائر الأشياء. ولم تدخل لتبعيض الذنوب، ومثله (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) ~~وذهب بعض أهل المعاني إلى ms2311 أنها للتبعيض. والمعنى يغفر لكم من ذنوبكم إلى ~~وقت الإيمان (ويؤخركم) أي: عن العذاب (إلى أجل مسمى) وهو منتهى آجالهم. ~~والمعنى: فتموتوا عند منتهى آجالكم غير ميتة المعذبين (إن أجل الله) فيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أجل الموت، قاله مجاهد. فيكون [المعنى: إن أجل الله الذي ~~أجلكم إليه لا يؤخر إذا جاء، فلا] يمكنكم حينئذ الإيمان. # والثاني: أنه أجل البعث، قاله الحسن. # والثالث: أجل العذاب، قاله السدي ومقاتل. # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم لهم وأسررت لهم إسرارا (8) ~~فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (9) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ~~ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهار (12) ما لكم لا ترجون ~~لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات ~~طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض ~~بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من ~~لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) PageV08P097 # ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ~~(24) قوله [عز وجل]: (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) أي: تباعدا من الايمان ~~(وإني كلما دعوتهم) إلى الإيمان والطاعة (جعلوا أصابعهم في آذانهم) لئلا ~~يسمعوا صوتي (واستغشوا ثيابهم) أي: غطوا بها وجوههم لئلا يروني (وأصروا) ~~على كفرهم (واستكبروا) عن الإيمان بك واتباعي (ثم إني دعوتهم جهارا) أي: ~~أعلنت لهم بالدعاء. قال ابن عباس: بأعلى صوتي (ثم إني أعلنت لهم) أي: كررت ~~الدعاء معلنا (وأسررت لهم إسرارا) قال ابن عباس: يريد أكلم الرجل بعد ~~الرجل. في السر، وأدعوه إلى توحيدك وعبادتك (فقلت استغفروا ربكم) قال ~~المفسرون: منع الله عنهم القطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فقال لهم ~~نوح: (استغفروا ربكم) من الشرك، ms2312 أي: استدعوا مغفرته بالتوحيد (يرسل السماء ~~عليكم مدرارا) قد شرحناه في الأول الأنعام ومعنى الكلام أنه أخبرهم أن ~~الإيمان يجمع لهم خير الدنيا والآخرة. # قوله [عز وجل]: (ما لكم لا ترجون لله وقارا؟!) فيه أربعة أقوال. # أحدها: لا ترون لله عظمة: قاله ابن عباس: # والثاني: لا تخافون لله عظمة، قاله الفراء وابن قتيبة. # والثالث: لا ترون لله طاعة، قاله ابن زيد. # والرابع: لا ترجون عاقبة الإيمان والتوحيد، قاله الزجاج. # قوله (وقد خلقكم أطوارا) أي: وقد جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده ~~من حلقه إياكم من نطفة، ثم من علقة شيئا بعد شئ إلى آخر الخلق. قال ابن ~~الأنباري: الطور: الحال، وجمعه: أطوار. وقال ابن فارس: الطور: التارة، طورا ~~بعد طور، أي: تارة بعد تارة، وقيل: أراد بالأطوار: اختلاف المناطق ~~والأخلاق، من طويل، وقصير، وغير ذلك، ثم قررهم، فقال [عز PageV08P098 # وجل]: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا) وقرأ ابن مسعود، وابن ~~أبي عبلة " طباق " بتنوين القاف، وكسرها من غير ألف. وقد بينا هذا في سورة ~~الملك. # قوله [عز وجل]: (وجعل القمر فيهن نورا) فيه قولان: # أحدهما: أنه وجه القمر قبل السماوات، وظهره قبل الأرض، يضيء لأهل ~~السماوات، كما يضيء لأهل الأرض، وكذلك الشمس هذا قول عبد الله بن عمر ~~والثاني: أن القمر في السماء الدنيا. وإنما قال: " فيهن " لأنهن كالشئ ~~الواحد، ذكره الأخفش والزجاج، وغيرهما. وهذا كما تقول: أتيت بني تميم، ~~وإنما أتيت بعضهم، وركبت في السفن، قوله (وجعل الشمس سراجا) يستضيء بها ~~العالم (والله أنبتكم من الأرض) يعني: أن مبتدأ خلقكم من الأرض، وهو آدم ~~(نباتا) قال الخليل: معناه: [فنبتم] نباتا وقال الزجاج: " نباتا " محمول في ~~المصدر على المعنى، لأن معنى أنبتكم: جعلكم تنبتون نباتا. قال ابن قتيبة: ~~هذا مما جاء فيه المصدر على غير المصدر، لأنه جاء على نبت ومثله (وتبتل ~~إليه تبتيلا) فجاء على " بتل " قال الشاعر: # وخير الأمر ما استقبلت منه * وليس بأن تتبعه اتباعا فجاء على اتبعت. # وقال الآخر: # وإن شئتم تعاودنا ms2313 عوادا فجاء على " عاودنا "، وإنما تجيء المصادر مخالفة ~~الأفعال، لأن الأفعال وإن اختلفت أبنيتها، واحدة في المعنى. # قوله [عز وجل]: (سبلا فجاجا) قال الفراء: هي الطرق الواسعة. # قوله [عز وجل]: (واتبعوا من لم يزده ماله وولده) قرأ أهل المدينة، وابن ~~عامر، وعاصم " وولده " بفتح اللام والواو. وقرأ الباقون " ولده " بضم ~~الواو، وسكون اللام. قال الزجاج: وهما PageV08P099 # بمعنى واحد، مثل العرب، والعرب، والعجم، والعجم. وقرأ الحسن، وأبو ~~العالية، وابن يعمر، والجحدري: " وولده " بكسر الواو، وإسكان اللام. قال ~~المفسرون: المعنى: أن الأتباع، والفقراء [اتبعوا] رأي الرؤساء والكبراء. # قوله [عز وجل] ئ: (ومكروا مكرا كبارا) قرأ أبو رجاء، وأبو عمران: " كبارا ~~" برفع الكاف، وتخفيف الباء. وقرأ أبو يعمر، وأبو الجوزاء، وابن محيصن " ~~كبارا " بكسر الكاف مع تخفيف الباء والمعنى " كبيرا " يقال: كبير وكبار ~~وكبار وقد شرحنا هذا في أول (ص) ومعنى " المكر ": السعي في الفساد: وذلك أن ~~الرؤساء منعوا أتباعهم من الإيمان بنوح (وقالوا لهم) أي: لا تدعن عبادتها ~~(ولا تذرن ودا) قرأ أبو جعفر، ونافع بضم الواو. والباقون بفتحها. وهذا ~~الاسم وما بعده أسماء آلهتهم. وجاء في التفسير أن هذه أسماء قوم صالحين، ~~كانوا بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم يأخذون بأخذهم في العبادة، فقال لهم ~~إبليس: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم، وأشوق للعبادة، ففعلوا. ثم نشأ قوم ~~بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم وكان ~~ابتداء عبادة الأوثان من ذلك الوقت. وسميت تلك الصورة بهذه الأسماء، لأنها ~~صورة على صور أولئك القوم المسمين بهذه الأسماء. وقيل: إنما هي أسماء ~~لأولاد آدم، مات منهم واحد، فجاء الشيطان فقال: هل لكم أن أصور لكم صورته، ~~فتذكرونه بها؟ فصورها. ثم مات آخر، فصور لهم صورته، إلى أن صور صورة ~~الخمسة. ثم طال الزمان، وتركوا عبادة الله، فقال لهم الشيطان: ما لكم لا ~~تعبدون شيئا؟ فقالوا: من نعبد؟ قال: هذه آلهتكم، وآلهة آبائكم، ألا ترونها ~~مصورة في مصلاكم؟! فعبدوها. # وقال الزجاج: هذه الأصنام كانت لقوم نوح، ثم صارت إلى العرب، ms2314 فكان " ود " ~~لكلب، و " سواع " لهمدان، ويغوث لمذحج ويعوق لكنانة ونسر لحمير، وقال ~~مقاتل: إنما كان سواع لهذيل ويعوق لهمدان " ويغوث " لبني غطيف، وهم حي من ~~بني مراد. وقيل: لما جاء الطوفان غطى على هذه الأصنام وطمها التراب، فلما ~~ظهرت بعد الطوفان صارت إلى هؤلاء المذكورين، قال الواقدي: كان PageV08P100 # " ود " على صورة رجل، و " سواع " على صورة امرأة، و " يغوث " على صورة ~~أسد، و " يعوق " على صورة فرس، و " نسر " على صورة النسر من الطير. # قوله [عز وجل]: (وقد أضلوا كثيرا) فيه قولان: # أحدهما: وقد أضلت الأصنام كثيرا من الناس، أي: ضلوا بسببها. # والثاني: وقد أضل الكبراء كثيرا من الناس (ولا تزد الظالمين) يعني: ~~الكافرين (إلا ضلالا وهذا دعاء من نوح عليهم، لما أعلمه [الله] أنهم لا ~~يؤمنون. # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) ~~وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28) قوله تعالى: ~~(مما خطيئاتهم) وقرأ أبو الجوزاء، والجحدري " خطيئتهم " من غير ألف (أغرقوا ~~فأدخلوا [نارا]) قال ابن السائب: المعنى: سيدخلون في الآخرة نارا، فجاء لفظ ~~الماضي بمعنى الاستقبال، لأن الوعد حق، هذا قول الأكثرين. وقال الضحاك: ~~فأدخلوا نارا في الدنيا، وذلك أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحترقون في ~~الماء من جانب. # قوله [عز وجل]: (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا) أي: لم يجدوا أحدا ~~يمنعهم من عذاب الله. # قوله [عز وجل]: (ديارا) قال ابن قتيبة: أي: أحدا. يقال: ما بالمنازل ~~ديار، PageV08P101 # أي: ما بها أحد، وهو من الدار، أي: ليس بها نازل دارا. وقال الزجاج: ~~أصلها: " ديوار " فيعال، فقلبت الواو ياء، وأدغمت إحداهما في الأخرى. وإنما ~~دعا عليهم نوح، لأن الله [عز وجل] [أوحى] إليه أنه (لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن). # قوله [عز وجل]: (يضلوا عبادك) وذلك أن الرجل منهم كان ms2315 ينطلق بابنه إلى ~~نوح، فيحذره تصديقه. # قوله [عز وجل]: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) قال المفسرون: إن الله تعالى ~~أخبر نوحا أنهم لا يلدون مؤمنا، فلذلك علم الفاجر الخارج عن الطاعة. # قوله [عز وجل]: (رب اغفر لي ولوالدي) قال الحسن: وذلك أنهما كانا مؤمنين. ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، والجحدري، والجوني " ~~ولوالدي " ساكنة الياء على التوحيد. وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وابن ~~يعمر، والزهري، والنخعي " ولولدي " من غير ألف على التثنية قوله (ولمن دخل ~~بيتي) وقرأ حفص عن عاصم " بيتي " بفتح الياء. وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: منزله، قاله ابن عباس. # والثاني: مسجده، قاله الضحاك. والثالث: سفينته، حكاه الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (وللمؤمنين والمؤمنات) هذا عام في كل من آمن (ولا تزد ~~الظالمين) يعني: الكافرين (إلا تبارا) أي: هلاكا ومنه قوله [عز وجل]: ~~(تبرنا تتبيرا). PageV08P102 # سورة الجن مكية وآياتها ثمان وعشرون كلها مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن ~~الرحيم قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) ~~يهدي إلى الرشد فأمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما ~~اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا ~~أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ~~(7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وإنا كنا نقعد ~~منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندري أشر ~~أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا منا الصالحون ومنا دون ~~ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه ~~هربا (12) PageV08P103 # وأنا لما سمعنا الهدى أمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) ~~وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) وأما ~~القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء ~~غدقا (16) لنفتنهم ms2316 فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) قوله [عز ~~وجل]: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن) قد ذكرنا سبب نزول هذه الآية في ~~الأحقاف وبينا هنالك سبب استماعهم. ومعنى " النفر " وعددهم، فأما قوله [عز ~~وجل]: (قرآنا عجبا) فمعناه: بليغا يعجب منه لبلاغته (يهدي إلى الرشد) أي: ~~يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان (ولن نشرك بربنا) أي: لن نعدل بربنا ~~أحدا من خلقه. وقيل: عنوا إبليس، أي: لا نطيعه في الشرك بالله. # قوله [عز وجل]: (وأنه تعالى جد ربنا) اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في ~~هذه السورة، وهي: " وأنه تعالى "، " وأنه كان يقول "، " وأنا ظننا "، " ~~وأنه كان رجال "، " وأنهم ظنوا "، " وأنا لمسنا "، " وأنا كنا "، " وأنا لا ~~ندري "، " وأنا منا "، " وأنا ظننا أن لن نعجز الله "، " وأنا لما سمعنا "، ~~" وأنا منا "، ففتح الهمزة في هذه المواضع ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ~~وخلف، وحفص [عن] عاصم، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع " وأنه تعالى "، " ~~وأنه كان يقول "، " وأنه كان رجال "، وكسر الباقيات. وقرأ الباقون بكسرهن. ~~قال الزجاج: والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل ~~فيه: " أن " بالفتح، وما كان من قول الجن قيل: " إن " [بالكسر]. # معطوف على قوله [عز وجل]: (إنا سمعنا قرآنا عجبا) وعلى هذا يكون المعنى: ~~وقالوا: إنه تعالى جد ربنا، وقالوا: إنه كان يقول سفيهنا. فأما من فتح، ~~فذكر بعض النحويين: يعني الفراء، أنه معطوف على الهاء في قوله [عز وجل]: ~~(فآمنا به) وبأنه تعالى جد ربنا. وكذلك ما بعد هذا. # وهذا رديء في القياس، لا يعطف على الهاء المتمكنة المخفوضة إلا بإظهار ~~الخافض. ولكن وجهه أن يكون محمولا على معنى آمنا به، فيكون المعنى: وصدقنا ~~أنه تعالى جد ربنا. وللمفسرين PageV08P104 # في معنى " تعالى جد ربنا " سبعة أقوال. # أحدها: قدرة ربنا، قاله ابن عباس. # والثاني: غنى ربنا، قاله الحسن. # والثالث: جلال ربنا، قاله مجاهد، وعكرمة. # والرابع: عظمة ربنا، قاله قتادة. # والخامس: أمر ربنا، قاله السدي. # والسادس: أن يقع ذكره وعظمته، قاله ms2317 مقاتل. # والسابع: ملك ربنا وثناؤه وسلطانه، قاله أبو عبيدة قوله (وأنه كان يقول ~~سفيهنا) فيه قولان. # أحدهما: أنه إبليس، قاله مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه كفارهم، قاله مقاتل. و " الشطط ": الجور، والكذب، وهو: وصفه ~~بالشريك، والولد. ثم قالت الجن: (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على ~~الله كذبا) وقرأ يعقوب: " أن لن تقول " بفتح القاف، وتشديد الواو. والمعنى: ~~ظنناهم صادقين في قولهم: لله صاحبة وولد، وما ظنناهم يكذبون حتى سمعنا ~~القرآن، يقول الله عز وجل: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن) ~~وذلك أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: أعوذ ~~بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح. # ومنه حديث كردم بن أبي السائب الأنصاري، قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في ~~حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت ~~إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي ~~فنادى: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه: يا سرحان أرسله. فإذا ~~الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم " وأنه كان رجال من الإنس... " الآية. # وفي قوله [عز وجل]: (فزادوهم رهقا) قولان. # أحدهما: أن الإنس زادوا الجن رهقا لتعوذهم بهم، قاله مقاتل. والمعنى: ~~أنهم لما PageV08P105 # استعاذوا بسادتهم قالت السادة: قد سدنا الجن والإنس. # والثاني: أن الجن زادوا الإنس رهقا، ذكره الزجاج. قال أبو عبيدة: زادوهم ~~سفها وطغيانا. # وقال ابن قتيبة: زادوهم ضلالا. وأصل الرهق: العيب. ومنه يقال: [فلان] ~~يرهق في دينه. # قوله [عز وجل]: (وأنهم ظنوا) بقول الله عز وجل: ظن الجن (كما ظننتم) أيها ~~الإنس المشركون أنه لا بعث. وقالت الجن: (وأنا لمسنا السماء) أي: أتيناها ~~(فوجدناها ملئت حرسا شديدا) وهم الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع ~~(وشهبا) جمع شهاب، وهو النجم المضئ (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) أي: ~~كنا نستمع، فالآن ms2318 حين حاولنا الاستماع بعد بعث محمد [صلى الله عليه وسلام] ~~رمينا بالشهب. ومعنى " رصدا " قد أرصد له المرمى به (وأنا لا ندري أشر أريد ~~بمن في الأرض) بإرسال محمد إليهم، فيكذبونه، فيهلكون (أم أراد بهم ربهم ~~رشدا) وهو أن يؤمنوا فيهتدوا، قاله مقاتل. # والثاني: أنه قول كفرة الجن، والمعنى: لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ~~بحدوث الرجم بالكواكب، أم صلاح؟ قاله الفراء. ثم أخبروا عن حالهم، فقالوا: ~~(وأنا منا الصالحون) وهم المؤمنون المخلصون (ومنا دون ذلك) فيه قولان. # أحدهما: المشركون. # والثاني: أنهم أهل الشر دون الشرك (كنا طرائق قددا) قال الفراء: أي: فرقا ~~مختلفة أهواؤنا. وقال أبو عبيدة: واحد الطرائق: طريقة، وواحد القدد: قدة، ~~أي: ضروبا وأجناسا ومللا. قال الحسن، والسدي: الجن مثلكم، فمنهم قدرية، ~~ومرجئة، ورافضة. # قوله [عز وجل]: (وأنا ظننا) أي: أيقنا (أن لن نعجز الله في الأرض) أي: لن ~~نفوته إذا أراد بنا أمرا (ولن نعجزه هربا) أي: أنه يدركنا حيث كنا (وأنا ~~لما سمعنا الهدى) وهو PageV08P106 # القرآن الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم (آمنا به) أي: صدقنا أنه من ~~عند الله عز وجل (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا) أي: نقصا من الثواب (ولا ~~رهقا) أي: ولا ظلما ومكروها يغشاه (وأنا منا المسلمون) قال مقاتل: المخلصون ~~لله (ومنا القاسطون) وهم المردة. قال ابن قتيبة: # القاسطون: الجائرون. يقال: قسط: إذا عدل، إذا جاور، وأقسط: إذا عدل. قال ~~المفسرون: # هم الكافرون (فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا) أي: توخوه، وأموه. ثم انقطع ~~كلام الجن. # قال مقاتل: ثم رجع إلى كفار مكة فقال [عز وجل]: (وأن لو استقاموا على ~~الطريقة) يعني: # طريقة الهدى، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ~~وقتادة، والسدي، واختاره الزجاج. قال: لأن الطريقة ها هنا بالألف واللام ~~معرفة، فالأوجب أن تكون طريقة الهدى. وذهب [قوم] إلى أن المراد بها: طريقة ~~الكفر، قاله محمد بن كعب، والربيع، والفراء، وابن قتيبة، وابن كيسان. فعلى ~~القول الأول يكون المعنى: لو آمنوا لوسعنا عليهم (لنفتنهم) ms2319 أي: لنختبرهم ~~(فيه) فننظر كيف شكرهم. والماء الغدق: الكثير. وإنما ذكر الماء مثلا، لأن ~~الخير كله يكون بالمطر، فأقيم مقامه إذ كان سببه. # وعلى الثاني: يكون المعنى: لو استقاموا على الكفر فكانوا كفارا كلهم، ~~لأكثرنا لهم المال لنفتنهم فيه عقوبة واستدراجا، وكان ثم نعذبهم على ذلك. ~~وقيل: لأكثرنا لهم الماء فأغرقناهم، كقوم نوح قوله (ومن يعرض عن ذكر ربه) ~~يعني: القرآن (يسلكه) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر " نسلكه " ~~بالنون. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بالياء. (عذابا صعدا) قال ابن قتيبة: ~~أي: عذابا شاقا. يقال: تصعدني الأمر: إذا شق علي. ومنه قول عمر: ما تصعدني ~~شئ ما تصعدتني خطبة النكاح. ونرى أصل هذا كله من الصعود، لأنه شاق، فكني به ~~عن المشقات. وجاء في التفسير أنه جبل في النار يكلف صعوده، وسنذكره عند ~~قوله [عز وجل]: # (سأرهقه صعودا) إن شاء الله تعالى. # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون PageV08P107 # عليه لبدا (19) قل إنما ادعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ~~ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا ~~وأقل عددا (24) قل إن أدرى أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين ~~يديه ومن خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم ~~وأحصى كل شئ عددا (28) قوله [عز وجل]: (وأن المساجد لله) فيها أربعة أقوال: # أحدها: أنها المساجد التي هي بيوت للصلوات، قاله ابن عباس. قال قتادة: ~~كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم [أشركوا]، فأمر الله عز وجل ~~المسلمين أن يخلصوا [له] إذا دخلوا مساجدهم. # والثاني: الأعضاء التي يسجد عليها العبد، قاله سعيد بن جبير، ms2320 وابن ~~الأنباري، [و] ذكره الفراء. فيكون المعنى، لا تسجدوا عليها لغيره. # والثالث: أن المراد بالمساجد هاهنا: البقاع كلها، قاله الحسن. فيكون ~~المعنى: أن الأرض كلها مواضع للسجود، فلا تسجدوا عليها لغير خالقها. # والرابع: أن المساجد: السجود، فإنها جمع مسجد. يقال: سجدت سجودا، ومسجدا، ~~كما يقال: ضربت في الأرض ضربا، ومضربا، ثم يجمع، فيقال: المساجد، والمضارب. ~~قال ابن قتيبة: فعلى هذا يكون واحدها: مسجدا، بفتح الجيم. والمعنى: أخلصوا ~~له، ولا تسجدوا لغيره. ثم رجع إلى ذكر الجن فقال [عز وجل]: (وأنه لما قام ~~عبد الله) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم (يدعوه) PageV08P108 # أي: يعبده. وكان يصلي ببطن نخلة على ما سبق بيانه في الأحقاف (كادوا ~~يكونون عليه لبدا) قرأ الأكثرون: بكسر اللام، وفتح الباء. [وقرأ هشام عن ~~ابن عامر، وابن محيصن " لبدا " بضم اللام، وفتح الباء] مع تخفيفها. قال ~~الفراء: ومعنى القولين واحد. يقال: لبدة، ولبدة. قال الزجاج: # والمعنى: كادوا يركب بعضهم بعضا. ومنه اشتقاق اللبد الذي يفترش. وكل شئ ~~أضفته إلى شئ فقد لبدته. وقرأ قوم منهم الحسن، والجحدري: " لبدا " بضم ~~اللام مع تشديد الباء. قال الفراء: فعلى هذه القراءة يكون صفة للرجال، ~~كقولك: ركعا وركوعا، وسجدا وسجودا. وقال الزجاج: هو جمع لابد، مثل راكع، ~~وركع. وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه من إخبار الله تعالى عن الجن يحكي حالهم. والمعنى: أنه لما ~~قام يصلي كاد الجن لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضا، حرصا على سماع القرآن، ~~رواه عطية عن ابن عباس. # والثاني: أنه من قول الجن لقومهم لما رجعوا إليهم، فوصفوا لهم طاعة أصحاب ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع، والسجود، ~~فكأنهم قالوا: لما قام يصلي كاد أصحابه يكونون عليه لبدا. وهذا المعنى في ~~رواية ابن جبير عن ابن عباس. # والثالث: أن المعنى: لما قام رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بالدعوة ~~تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه، ليبطلوا الحق الذي جاء به، قاله الحسن، ~~وقتادة، وابن زيد. # قوله [عز وجل]: (قل إنما أدعو ربي) ms2321 قرأ عاصم، وحمزة " قل [إنما أدعو ربي ~~"] بغير ألف. وقرأ الباقون " قال " على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~قال مقاتل: إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: # إنك جئت بأمر عظيم لم يسمع بمثله فارجع عنه، فنزلت هذه الآية. # قوله [عز وجل]: ([قل] لا أملك لكم ضرا) أي: لا أدفعه عنكم (ولا) أسوق ~~إليكم (رشدا) أي: خيرا، أي: إن الله تعالى يملك ذلك، لا أنا (قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد) أي: # إن عصيته لم يمنعني منه أحد، وذلك أنهم قالوا له اترك ما تدعو إليه ونحن ~~نجيرك (ولن أجد من PageV08P109 # دونه ملتحدا) وقد بيناه في الكهف قوله (إلا بلاغا من الله) فيه وجهان، ~~ذكرهما الفراء. # أحدهما: أنه استثناء من قوله [عز وجل]: (لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا أن ~~أبلغكم). # والثاني: لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالته. وبالأول قال ابن ~~السائب. وبالثاني قال مقاتل. وقال بعضهم: المعنى: لن يجيرني من عذاب الله ~~إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به، فذلك البلاغ هو الذي يجيرني (ومن يعص ~~الله ورسوله) بترك الإيمان والتوحيد. # قوله [عز وجل]: (حتى إذا رأوا) يعني: الكفار (ما يوعدون) من العذاب في ~~الدنيا، وهو القتل، وفي الآخرة (فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) أي: ~~جندا ونصيرا، أم أهم المؤمنون؟ (قل إن أدري) أي: ما أدري (أقريب ما توعدون) ~~من العذاب (أم يجعل له ربي أمدا) أي: غاية وبعدا. وذلك لأن علم الغيب لله ~~وحده (فلا يظهر) أي: فلا يطلع على غيبه الذي يعلمه أحدا من الناس (إلا من ~~ارتضى من رسول) لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب. والمعنى: أن ~~من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه. وفي هذا دليل على أن من زعم ~~أن النجوم تدله على الغيب فهو كافر. ثم ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يطلع عليه ~~الرسول فقال [عز وجل]: (فإنه يسلك من بين يديه) أي: من بين يدي الرسول (ومن ms2322 ~~خلفه رصدا) أي: يجعل له حفظة من الملائكة يحفظون الوحي من أن يسترقه ~~الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة، فيتكلمون به قبل أن يخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم الناس. وقال الزجاج يسلك من بين يدي الوحي. والرصد من الملائكة يدفعون ~~الشياطين عن أن تستمع ما نزل من الوحي. # قوله [عز وجل]: (ليعلم) فيه خمسة أقوال. # أحدها: ليعلم محمد [صلى الله عليه وسلم] أن جبرائيل قد بلغ إلي، قاله ابن ~~جبير والثاني: ليعلم محمد [صلى الله عليه وسلم] أن الرسل قبله (قد أبلغوا ~~رسالات ربهم) وأن الله قد حفظها فدفع عنها، قاله قتادة. # والثالث: ليعلم مكذبو الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم، قاله مجاهد. # والرابع: ليعلم الله عز وجل ذلك موجودا ظاهرا يجب به الثواب، فهو كقوله ~~[عز وجل]: # (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) قاله ابن قتيبة. # والخامس: ليعلم النبي أن الرسل قد أتته، ولم تصل إلى غيره، ذكره الزجاج. ~~وقرأ رويس عن يعقوب " ليعلم " بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وقال ابن ~~قتيبة: ويقرأ " لتعلم " بالتاء، يريد: لتعلم الجن أن الرسل قد بلغت عن ~~إلههم بما رجوا من استراق السمع قوله (وأحاط بما لديهم) أي: # علم الله ما عند الرسل (وأحصى كل شئ عددا) فلم يفته شئ حتى الذر والخردل. ~~PageV08P110 # سورة المزمل مكية وآياتها عشرون وهي مكية كلها بإجماعهم إلا أنه قد روي ~~عن ابن عباس أنه قال: سوى آيتين [منها]، قوله [عز وجل] (واصبر على ما ~~يقولون) والتي بعدها. وقال ابن يسار، ومقاتل: فيها آية مدنية، وهي قوله [عز ~~وجل]: (إن ربك يعلم أنك [تقوم]). # بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه ~~أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) إنا سنلقي عليك ~~قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار ~~سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا ~~إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما PageV08P111 # يقولون واهجرهم هجرا ms2323 جميلا (10) وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم ~~قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) ~~يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) ~~السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) قوله [عز وجل]: (يا أيها المزمل) ~~وقرأ أبي بن كعب، وأبو العالية، وأبو مجلز، وأبو عمران، والأعمش " المتزمل ~~" بإظهار التاء. وقرأ عكرمة، وابن يعمر: " المزمل " بحذف التاء، وتخفيف ~~الزاي. قال اللغويون: " المزمل " الملتف في ثيابه، وأصله " المتزمل " ~~فأدغمت التاء في الزاي، فثقلت. وكل من التف بثوبه فقد تزمل. قال الزجاج: ~~وإنما أدغمت فيها لقربها منها. قال المفسرون: وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتزمل في ثيابه في أول ما جاء جبريل فرقا منه حتى أنس به. وقال السدي: ~~كان قد تزمل للنوم. وقال مقاتل: خرج من البيت وقد لبس ثيابه، فناداه جبريل: ~~يا أيها المزمل. وقيل: أريد به متزمل النبوة. قال عكرمة في معنى هذه الآية ~~زملت هذا الأمر، فقم به. # وقيل: إنما لم يخاطب بالنبي والرسول ها هنا، لأنه لم يكن قد بلغ، وإنما ~~كان في بدء الوحي. # قوله [عز وجل]: (قم الليل) أي: للصلاة. وكان قيام الليل فرضا عليه (إلا ~~قليلا نصفه) هذا بدل من الليل، كما تقول: ضربت زيدا رأسه. فإنما ذكرت زيدا ~~لتوكيد الكلام، لأنه أوكد من قولك: ضربت رأس زيد. والمعنى: قم من الليل ~~[النصف] إلا قليلا وهو قوله (أو انقص منه PageV08P112 # قليلا) أي: من النصف (أو زد عليه) أي: على النصف. قال المفسرون: انقص من ~~النصف إلى الثلث، أو زد عليه إلى الثلثين، فجعل له سعة في مدة قيامه، إذ لم ~~تكن محدودة، فكان يقوم ومعه طائفة من المؤمنين فشق ذلك عليه وعليهم، فكان ~~الرجل لا يدري كم صلى، وكم بقي من الليل، فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا ~~يحفظ القدر الواجب فنسخ ذلك عنه وعنهم بقوله [عز ms2324 وجل]: # (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل...) الآية، هذا مذهب جماعة من ~~المفسرين. # وقالوا: ليس في القرآن سورة نسخ آخرها أولها سوى هذه السورة. وذهب قوم ~~إلى أنه نسخ قيام الليل في حقه بقوله [عز وجل]: (ومن الليل فتهجد به نافلة ~~لك) ونسخ في حق المؤمنين بالصلوات الخمس وقيل: نسخ عن الأمة، وبقي فرضه ~~عليه أبدا. وقيل: إنما كان مفروضا عليه دونهم. # وفي مدة فرضه قولان: # أحدهما: سنة، قال ابن عباس: كان بين أول (المزمل) وآخرها سنة. # والثاني: ستة عشر شهرا، حكاه الماوردي. # قوله [عز وجل]: (ورتل القرآن) قد ذكرنا الترتيل في بني إسرائيل. # قوله [عز وجل]: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) وهو القرآن. وفي معنى ثقله ~~ستة أقوال. # أحدها: أنه كان يثقل عليه إذا أوحي إليه، وهذا قول عائشة رضي الله عنها ~~قالت: لقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ~~ليتفصد عرقا. # والثاني: أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: أنه يثقل في الميزان يوم القيامة، قاله ابن زيد. PageV08P113 # والرابع: أنه المهيب، كما يقال للرجل العاقل: هو رزين راجح، قاله عبد ~~العزيز بن يحيى. # والخامس: أنه ليس بالخفيف ولا السفساف، لأنه كلام الرب عز وجل، قاله ~~الفراء. # والسادس: أنه قول له وزن في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصين، ~~وهذا قول له وزن: إذا استجدته، ذكره الزجاج. # قوله [عز وجل]: (إن ناشئة الليل) قال ابن مسعود، وابن عباس: هي قيام ~~الليل بلسان الحبشة. وهل هي في وقت مخصوص من الليل، أم في جميعه؟ فيه ~~قولان. # أحدهما: أنها في جميع الليل. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال: ~~الليل كله ناشئة. وإلى هذا ذهب اللغويون. قال ابن قتيبة: ناشئة الليل: ~~ساعاته الناشئة، من نشأت: إذا ابتدأت. وقال الزجاج: ناشئة الليل: ساعات ~~الليل، كل ما نشأ منه، أي: كل ما حدث. قال أبو علي الفارسي: كأن المعنى: إن ~~صلاة ناشئة الليل، أو عمل ناشئة الليل. ms2325 # والثاني: أنها في وقت مخصوص من الليل. وفيه خمسة أقوال. # أحدها: أنها ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك. # والثاني: أنها القيام بعد النوم، وهذا قول عائشة، وابن الأعرابي. وقد نص ~~عليه الإمام أحمد في رواية المروذي. # والثالث: أنها ما بعد العشاء، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة، وأبو مجلز. # والرابع: أنها بدء الليل، قاله عطاء، وعكرمة. # والخامس: أنها القيام من آخر الليل، قاله يمان، وابن كيسان. # قوله [عز وجل]: (هي أشد وطأ) قرأ ابن عامر، وأبو عمرو " وطاء " بكسر ~~الواو مع المد، وهو مصدر واطأت فلانا على كذا مواطأة، وأراد أن القراءة في ~~الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم للقرآن والإحكام ~~لتلاوته. ومنه قوله تعالى: (ليواطئوا عدة ما PageV08P114 # حرم الله). وقرأ الباقون " وطأ " بفتح الواو مع القصر. والمعنى: إنه أثقل ~~على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب: اشتدت على القوم وطأة السلطان: ~~إذا ثقل عليهم ما يلزمهم. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر ". ذكر معنى القراءتين ابن قتيبة. وقرأ ابن محيصن " أشد وطاء ~~" بفتح الواو، والطاء، وبالمد. # قوله [عز وجل]: (وأقوم قيلا) أي: أخلص للقول وأسمع له، لأن الليل تهدأ ~~فيه الأصوات فتخلص القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون سمعه ~~وتفهمه حائل. # قوله [عز وجل]: (إن لك في النهار سبحا طويلا) أي: فراغا لنومك وراحتك، ~~فاجعل ناشئة الليل بعبادتك، قاله ابن عباس، وعطاء. وقرأ يحيى [بن يعمر]، ~~وابن مسعود، وأبو عمران، وابن أبي عبلة " سبخا " بالخاء المعجمة. قال ~~الزجاج: ومعناها في اللغة صحيح. يقال سبخت القطن بمعنى نفشته. ومعنى نفشته: ~~وسعته، فيكون المعنى: إن لك في النهار توسعا طويلا. # قوله [عز وجل]: (واذكر اسم ربك) أي: بالنهار أيضا (وتبتل إليه [تبتيلا]) ~~قال مجاهد. أخلص له إخلاصا. وقال ابن قتيبة: انقطع إليه، من قولك: بتلت ~~الشئ: إذا قطعته. # وقال الزجاج: انقطع إليه في العبادة. ومنه قيل لمريم: البتول، لأنها ~~انقطعت إلى الله (عز وجل) في العبادة. وكذلك الصدقة بتلة: ms2326 منقطعة من مال ~~المصدق. والأصل في مصدر تبتل تبتيلا. وإنما قوله [عز وجل] " تبتيلا " محمول ~~على معنى: تبتل (رب المشرق) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم ~~" رب " بالرفع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، أبو بكر عن عاصم بالخفص. ~~وما بعد هذا قد سبق الشعراء إلى قوله [عز وجل]: (واصبر [على] ما يقولون) من ~~PageV08P115 # التكذيب لك والأذى (واهجرهم هجرا جميلا) لا جزع فيه. وهذه الآية عند ~~المفسرين منسوخة بآية السيف (وذرني والمكذبين) [أي]: لا تهتم بهم، فأنا ~~أكفيكهم (أولي النعمة) يعني: التنعم. # وفيمن عني بهذا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم المطعمون ببدر، قاله مقاتل بن حيان. # والثاني: أنهم بنو المغيرة بن عبد الله، قاله مقاتل بن سليمان. # والثالث: أنه المستهزئون، وهم صناديد قريش، حكاه الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (ومهلهم قليلا) قالت عائشة: فلم يكن إلا اليسير حتى كانت ~~وقعة بدر، وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وليس ~~بصحيح. # قوله [عز وجل]: (إن لدينا أنكالا وجحيما) وهي القيود، واحدها: نكل. وقد ~~شرحنا معنى " الجحيم " في البقرة (وطعاما ذا غصة) وهو الذي لا يسوغ في ~~الحلق. وفيه للمفسرين أربعة أقوال. # أحدها: أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج، قاله ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: الزقوم، قاله مقاتل. # والثالث: الضريع، قاله الزجاج. # والرابع: الزقوم والغسلين والضريع، حكاه الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (يوم ترجف الأرض) قال الزجاج: هو منصوب بقوله (عز وجل) " ~~إن لدينا أنكالا " والمعنى: ينكل الكافرين ويعذبهم (يوم ترجف الأرض) أي: ~~تزلزل وتحرك أغلظ حركة. # قوله [عز وجل]: (وكانت الجبال) قال مقاتل: المعنى: وصارت بعد الشدة، ~~والقوة " كثيبا " قال الفراء: " الكثيب " الرمل. و " المهيل ": الذي تحرك ~~أسفله، فينهال عليك من أعلاه. والعرب تقول: مهيل ومهيول، ومكيل ومكيول. ~~وقال الزجاج: الكثيب جمعه: كثبان، وهي: القطع العظام من الرمل. والمهيل: ~~السائل. PageV08P116 # قوله [عز وجل]: (إنا أرسلنا إليكم) يعني أهل مكة (رسولا) يعني: محمدا صلى ~~الله عليه وسلم (شاهدا عليكم) بالتبليغ وإيمان من آمن، وكفر من كفر وعصى ~~(كما أرسلنا ms2327 إلى فرعون رسولا) وهو موسى عليه السلام. والوبيل: الشديد. قال ~~ابن قتيبة: هو من قولك: استوبلت المكان ويقال: كلأ مستوبل. لا يستمرأ. قال ~~الزجاج: الوبيل: الثقيل الغليظ جدا. ومنه قيل للمطر العظيم: وابل. قال ~~مقاتل: والمراد بهذا الأخذ الوبيل: الغرق. وهذا تخويف لكفار مكة أن ينزل ~~بهم العذاب لتكذيبهم، كما نزل بفرعون: # قوله [عز وجل]: (فكيف تتقون إن كفرتم يوما) أي: عذاب ويوم. وقال الزجاج: ~~المعنى: # بأي شئ تتحصنون من عذاب يوم من هوله يشيب الصغير من غير كبر. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو عمران " نجعل الولدان " بالنون. # قوله [عز وجل]: (السماء منفطر به) قال الفراء: السماء تذكر وتؤنث. وهي ها ~~هنا في وجه التذكير. قال الشاعر: # فلو رفع السماء إليه قوما * لحقنا بالسماء مع السحاب قال الزجاج: وتذكير ~~السماء على ضربين. # أحدهما: على أن معنى السماء معنى السقف. # والثاني: على قولهم: امرأة مرضع على جهة النسب. فالمعنى: السماء ذات ~~انفطار، كما أن المرضع ذات الرضاع. وقال ابن قتيبة: ومعنى الآية: السماء ~~منشق به، أي: فيه، يعني في ذلك اليوم. # قوله [عز وجل]: (كان وعده مفعولا) وذلك أنه وعيد بالبعث، فهو كائن لا ~~محالة. # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار ~~علم ألن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى ~~PageV08P117 # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ~~فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا ~~الله إن الله غفور رحيم (20) (إن هذه) يعني: آيات القرآن (تذكرة) أي: تذكير ~~وموعظة (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) بالإيمان والطاعة. # قوله [عز وجل]: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى) (من ثلثي الليل ونصفه وثلثه) ~~قرأ ابن كثير، وأهل الكوفة بفتح الفاء والثاء. والباقون: ms2328 بكسرهما. # قوله [عز وجل]: (طائفة من الذين معك) يعني: المؤمنين (والله يقدر الليل ~~والنهار) يعلم مقاديرهما، فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل (علم أن لن ~~تحصوه) وفيه قولان. # أحدهما: لن تطيقوا قيام ثلثي الليل، ولا ثلث الليل، ولا نصف الليل، قاله ~~مقاتل. # والثاني: لن تحفظوا مواقيت الصلاة، قاله الفراء قوله (فتاب عليكم) أي: ~~عاد عليكم بالمغفرة والتخفيف (فاقرؤوا ما تيسر) عليكم (من القرآن) يعني: في ~~الصلاة، من غير توقيت وقتا. وقال الحسن: هو ما يقرأ في صلاة المغرب ~~والعشاء. ثم ذكر أعذارهم فقال [عز وجل]: # (علم أن سيكون منكم مرضى) فلا يطيقون قيام الليل (وآخرون يضربون في ~~الأرض) وهم المسافرون للتجارة (يبتغون من فضل الله) أي: من رزقه فلا يطيقون ~~قيام الليل (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) وهم المجاهدون فلا يطيقون قيام ~~الليل (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) ذكروا أن هذا نسخ عن المسلمين بالصلوات ~~الخمس، فذلك قوله [عز وجل]: (وأقيموا الصلاة) أي: # الصلوات الخمس في أوقاتها (وأقرضوا الله قرضا حسنا) وقد سبق بيانه. قال ~~ابن عباس: يريد سوى الزكاة في صلة الرحم، وقرى الضيف (وما تقدموا لأنفسكم ~~من خير تجدوه عند الله) أي: تجدوا ثوابه في الآخرة. (هو خيرا) قال أبو ~~عبيدة: المعنى: تجدوه خيرا. قال الزجاج: # ودخلت " هو " فصلا. وقال المفسرون: ومعنى " خيرا " أي: أفضل مما أعطيتم ~~(وأعظم أجرا) من الذي تؤخرونه إلى وقت الوصية عند الموت. PageV08P118 # سورة المدثر مكية وآياتها ست وخمسون وهي مكية بإجماعهم قال مقاتل: فيها ~~من المدني آية، وهي قوله [عز وجل]: (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة). # بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) ~~وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) ~~فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير ~~(10) ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ~~ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان PageV08P119 # لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر ~~(19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم ms2329 نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر ~~(23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر ~~(26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها ~~تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ ~~أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) ~~لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) فأما سبب نزولها، روى البخاري ومسلم ~~في " صحيحيهما " من حديث جابر بن عبد الله قال: # حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت ~~جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني، وعن ~~شمالي، فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو في الهواء يعني: جبريل ~~عليه السلام فأقبلت إلى خديجة، فقلت: دثروني دثروني، فأنزل الله عز وجل: ~~(يا أيها المدثر قم فأنذر) قال المفسرون: فلما رأى جبريل وقع مغشيا عليه، ~~فلما أفاق دخل إلى خديجة، ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني، فدثروه ~~بقطيفة، فأتاه جبريل فقال: (يا أيها المدثر) وقرأ أبي بن كعب، وأبو عمران، ~~والأعمش " المتدثر " بإظهار التاء، وقرأ أبو رجاء، وعكرمة، وابن يعمر " ~~المدثر " بحذف التاء، وتخفيف الدال. قال اللغويون: وأصل PageV08P120 # " المدثر " المتدثر، فأدغمت التاء، كما ذكرنا في المتزمل، وهذا قول ~~الجمهور من التدثير بالثياب، وقيل المعنى: يا أيها المدثر بالنبوة، ~~وأثقالها. قال عكرمة: دثرت هذا الأمر فقم به... # قوله [عز وجل]: (قم فأنذر) كفار مكة العذاب إن لم يوحدوا (وربك فكبر) أي: ~~عظمه عما يقول عبدة الأوثان (وثيابك فطهر) فيه ثمانية أقوال:. # أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر. قال غيلان بن سلمة الثقفي: # وإني بحمد الله ms2330 لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع روى هذا المعنى ~~عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: لا تكن ثيابك من مكسب غير طاهر، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: طهر نفسك من الذنب، قاله مجاهد! وقتادة. ويشهد له قول عنترة. # فشككت بالرمح الأصم ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم أي: نفسه، وهذا ~~مذهب ابن قتيبة. قال: المعنى: طهر نفسك من الذنوب، فكنى عن الجسم بالثياب، ~~لأنها تشتمل عليه. قالت ليلى الأخيلية وذكرت إبلا:. # رموها بأثواب خفاف فلا ترى * لها شبها إلا النعام المنفرا أي: ركبوها، ~~فرموها بأنفسهم! والعرب تقول للعفاف: إزار، لأن العفيف كأنه استتر لما عف. # والرابع: وعملك فأصلح قاله الضحاك. # والخامس: خلقك فحسن، قاله الحسن، والقرظي. # والسادس: وثيابك فقصر وشمر، قاله طاوس. # والسابع: قلبك فطهر، قاله سعيد بن جبير. ويشهد له قول امرئ القيس. # فإن تك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل أي: قلبي من قلبك. # والثامن: اغسل ثيابك بالماء، ونقها، قاله ابن سيرين، وابن زيد. ~~PageV08P121 # قوله [عز وجل]: (والرجز فاهجر) قرأ الحسن، وأبو جعفر، وشيبة، وعاصم إلا ~~أبا بكر، ويعقوب، وابن محصين، وابن السميفع " والرجز " بضم الراء. والباقون ~~بكسرها. ولم يختلفوا في غير هذا الموضع. قال الزجاج: ومعنى القراءتين واحد. ~~وقال أبو علي: قراءة الحسن بالضم، وقال: هو اسم صنم. وقال قتادة: صنمان: ~~إساف، ونائلة. ومن كسر، الرجز: العذاب. فالمعنى: # ذو العذاب فاهجر. ومعنى: " الرجز " للمفسرين فيه ستة أقوال. # أحدها: أنه الأصنام، والأوثان، قاله ابن عباس. ومجاهد، وعكرمة وقتادة، ~~والزهري، والسدي، وابن زيد. # والثاني: أنه الإثم، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: الشرك، قاله ابن جبير، والضحاك. # والرابع: الذنب، قاله الحسن. # والخامس: العذاب، قاله ابن السائب. قال الزجاج: الرجز في اللغة: العذاب، ~~ومعنى الآية: اهجر ما يؤدي إلى عذاب الله. # والسادس: الشيطان، قاله ابن كيسان قوله (ولا تمنن تستكثر) فيه أربعة ~~أقوال. # أحدها: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة. ~~قال المفسرون: معناه: أعط لربك وأرد به الله، فأدبه ms2331 بأشرف الآداب. ومعنى " ~~لا تمنن ": لا تعط شيئا من ملك لتعطى أكثر منه. وهذا الأدب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة، وليس على أحد من أمته إثم أن يهدي هدية يرجو ثوابا أكثر ~~منها. # والثاني: لا تمنن بعملك تستكثره على ربك، قاله الحسن. # والثالث: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، قاله مجاهد. # والرابع: لا تمنن على الناس بالنبوة لتأخذ عليها منهم أجرا، قاله ابن ~~زيد. قوله (ولربك) فيه أربعة أقوال. PageV08P122 # أحدها: لأجل ربك. والثاني: لثواب ربك. والثالث: لأمر ربك. والرابع: لوعد ~~ربك (فاصبر) فيه قولان: # أحدهما: على طاعته وفرائضه. والثاني: على الأذى والتكذيب. # قوله [عز وجل]: (فإذا نقر في الناقور) أي: نفخ في الصور. وهل هذه النفخة ~~هي الأولى أو الثانية؟ فيه قولان: (فذلك يومئذ يوم عسير) أي: تعسر الأمر ~~فيه (على الكافرين غير يسير) [غير] هين قوله (ذرني) قد شرحناه في المزمل ~~(ومن خلقت) أي: ومن خلقته (وحيدا) فيه قولان: # أحدهما: خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد، قاله مجاهد. # والثاني: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، قاله الزجاج، قال ابن عباس: ~~جاء الوليد ابن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، ~~فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم إن قومك يريدون أن ~~يجمعوا لك مالا، فإنك أتيت محمدا تتعرض لمقالته، فقال: قد علمت قريش أني من ~~أكثرها مالا. قال: فقل منه قولا يبلغ قومك أنك منكر له، قال: وماذا أقول؟ ~~فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، والله ما يشبهها الذي يقول، والله ~~إن لقوله حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ~~ولا يعلى. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه. ~~فقال: هذا سحر يؤثر: يأثره عن غيره، فنزلت (ذرني ومن خلقت وحيدا...) الآيات ~~كلها. وقال مجاهد: قال الوليد لقريش: إن لي إليكم حاجة فاجتمعوا في دار ~~الندوة، فقال: إنكم ذوو أحساب وأحلام، وإن العرب، يأتونكم، ms2332 وينطلقون من ~~عندكم على أمر مختلف، فاجتمعوا على شئ واحد. ما تقولون في هذا الرجل؟ ~~قالوا: نقول: إنه شاعر فعبس به عندها، وقال: قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله ~~الشعر. فقالوا: نقول: إنه كاهن، فقال: إذن تأتونه فلا تجدونه يحدث بما يحدث ~~به الكهنة، فقالوا: نقول: إنه مجنون، قال: إذن تأتونه فلا PageV08P123 # تجدونه مجنونا. فقالوا: نقول: إنه ساحر. قال: وما الساحر؟ قالوا: بشر ~~يحببون بين المتباغضين، ويبغضون بين المتحابين، قال: فهو ساحر، فخرجوا لا ~~يلقى أحد منهم النبي إلا قال: # يا ساحر، فاشتد ذلك عليه، فأنزل الله عز وجل " يا أيها المدثر " إلى قوله ~~[عز وجل]: " إن هذا إلا سحر يؤثر " وذكر بعض المفسرين أن قوله [عز وجل]: " ~~ذرني ومن خلقت وحيدا " منسوخ بآية السيف. ولا يصح. # قوله [عز وجل]: (وجعلت له مالا ممدودا) في معنى الممدود ثلاثة أقوال: # أحدها: كثيرا، قاله أبو عبيدة. والثاني: دائما، قاله ابن قتيبة. والثالث: ~~غير منقطع، قاله الزجاج. وللمفسرين في مقداره أربعة أقوال: # أحدها: غلة شهر بشهر، قاله عمر بن الخطاب. # والثاني: ألف دينار، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير. قال الفراء: ونرى ~~أن الممدود: جعل غاية للعدد، لأن " ألف " غاية العدد ترجع في أول العدد من ~~الألف. # والثالث: أربعة آلاف، قاله قتادة. # والرابع: أنه بستان كان له بالطائف لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا، قاله ~~قاتل. # قوله تعالى: (وبنين شهودا) أي: حضورا معه لا يحتاجون إلى التصرف والنفر ~~فيغيبوا عنه. وفي عددهم أربعة أقوال: # أحدها: عشرة، قاله مجاهد، وقتادة. والثاني: ثلاثة عشر، قاله ابن جبير. ~~والثالث: اثنا عشر، قاله السدي. والرابع: سبعة، قاله مقاتل قوله (ومهدت له ~~تمهيدا) أي: بسطت له العيش، وطول العمر، (ثم يطمع أن أزيد) فيه قولان: ~~أحدهما: يطمع أن أدخله الجنة. قاله الحسن. والثاني: أن أزيده من المال ~~والولد، قاله مقاتل. PageV08P124 # إلى قوله: (كلا) أي: لا أفعل فمنعه الله المال، والولد حتى مات فقيرا ~~(إنه كان لآياتنا عنيدا) أي: معاندا. وفي المراد بالآيات هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه القرآن، ms2333 قاله ابن جبير. والثاني: الحق، قاله مجاهد. والثالث: ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قاله السدي. # قوله [عز وجل]: (سأرهقه صعودا) قال الزجاج: سأحمله على مشقة من العذاب لا ~~راحة له منها. وقال ابن قتيبة: " الصعود ": العقبة الشاقة، وكذلك " الكؤود ~~". وفي حديث أبي سعيد عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في قوله [عز وجل]: " ~~سأرهقه صعودا " قال جبل من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه ذابت، ~~فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت. يصعد سبعين خريفا، ثم ~~يهوي فيه كذلك أبدا. وذكر ابن السائب أنه جبل من صخرة ملساء في النار: يكلف ~~أن يصعدها حتى [إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف أن يصعدها]، فذلك ~~دأبه أبدا، يجذب من أسفله سلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد، ~~فيصعدها في أربعين سنة. # قوله [تعالى]: (إنه فكر) أي: تفكر ماذا يقول في القرآن (وقدر) القول في ~~نفسه (فقتل) أي: لعن [(كيف قدر ثم قتل كيف قدر) أي: لعن] على أي حال قدر من ~~الكلام. وقيل: # " كيف " ها هنا بمعنى التعجب والإنكار والتوبيخ. فإنما كرر تأكيدا (ثم ~~نظر) في طلب ما يدفع به القرآن، ويرده (ثم عبس وبسر) قال اللغويون: أي: كره ~~وجهه وقطب. يقال: بسر الرجل وجهه، إذا: قبضه. وأنشدوا لتوبة: # وقد رابني منها صدود رأيته * وإعراضها عن حاجتي وبسورها قال المفسرون: ~~كره وجهه، ونظر بكراهية شديدة، كالمهتم المتفكر في الشئ (ثم أدبر) عن ~~الإيمان (واستكبر) أي: تكبر حين دعي إليه (فقال: إن هذا) أي: ما هذا القرآن ~~(إلا سحر يؤثر) أي: يروى عن السحرة (إن هذا إلا قول البشر) أي: من كلام ~~الإنس، وليس من كلام PageV08P125 # الله تعالى، فقال الله تعالى: (سأصليه سقر) أي: سأدخله النار. وقد ذكرنا ~~" سقر " في سورة القمر قوله (وما أدراك ما سقر) بعظم شأنها (لا تبقي ولا ~~تذر) أي: [لا] تبقي لهم لحما إلا أكلته، ولا تذرهم إذا أعيدوا فيها خلقا ~~جديدا (لواحة) أي: مغيرة يقال: لاحته الشمس، أي: ms2334 غيرته. وأنشدوا: # يا بنت عمي لاحني الهواجر وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، وابن أبي عبلة " ~~لواحة " بالنصب. وفي " البشر " قولان: # أحدهما: أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة، وهذا قول مجاهد، ~~والفراء، والزجاج. # والثاني: أنهم الإنس من أهل النار، قاله الأخفش، وابن قتيبة في آخرين. # قوله [عز وجل]: (عليها تسعة عشر) وهم خزنتها، مالك ومعه ثمانية عشر، ~~أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم، ما ~~بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر. قد نزعت منهم ~~الرحمة. فلما نزلت هذه الآية قال أبو جهل: يخوفكم محمد بتسعة عشر، ما له من ~~الجنود إلا هؤلاء! أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم يخرجون من ~~النار! فقال أبو الأسدين قال مقاتل: اسمه: أسيد بن كلدة. # وقال غيره: كلدة بن خلف الجمحي -: يا معشر قريش: أنا أمشي بين أيديكم ~~وادفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر، فندخل الجنة، فأنزل الله ~~تعالى: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) لا آدميين، فمن يطيقهم ومن ~~يغلبهم؟! (وما جعلنا عدتهم) في هذه القلة (إلا فتنة) أي: ضلالة (للذين ~~كفروا) حتى قالوا ما قالوا (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) أن ما جاء به ~~PageV08P126 # محمد حق، لأن عدتهم في التوراة تسعة عشر (ويزداد الذين آمنوا) من أهل ~~الكتاب (إيمانا) أي: تصديقا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ وجدوا ما يخبرهم ~~به موافقا لما في كتابهم (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) أي: ولا ~~يشك هؤلاء في عدة الخزنة (وليقول الذين في قلوبهم مرض) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه النفاق، ذكره الأكثرون. # والثاني: أنه الشك، قاله مقاتل، وزعم أنهم يهود أهل المدينة، وعنده أن ~~هذه الآية مدنية. # والثالث: أنه الخلاف، قاله الحسين بن الفضل. وقال: لم يكن بمكة نفاق. ~~وهذه مكية. # فأما " الكافرون " فهم مشركو العرب، (ماذا أراد الله) أي: أي شئ أراد ~~الله (بهذا) الحديث والخبر (مثلا) والمثل يكون بمعنى الحديث (كذلك) أي: كما ~~أضل من أنكر عدة الخزنة، وهدى من صدق ms2335 (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) ~~وأنزل في قول أبي جهل: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر: (وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو) يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار. وذلك أن لكل ~~واحد من هؤلاء التسعة عشر من الأعوان ما لا يعلمه إلا الله عز وجل وذكر ~~الماوردي في وجه الحكمة في كونهم تسعة عشر قولا محتملا، فقال: التسعة عشر: ~~عدد يجمع أكثر القليل، وأقل الكثير، لأن الآحاد أقل الأعداد، وأكثرها تسعة، ~~وما سوى الآحاد كثير. وأقل الكثير: عشرة، فوقع الاقتصار على عدد يجمع أقل ~~الكثير، وأكثر القليل. ثم رجع إلى ذكر النار فقال [عز وجل]: (وما هي إلا ~~ذكرى) أي: ما النار في الدنيا إلا مذكرة بنار الآخرة (كلا) أي: # حقا (والقمر. والليل إذ أدبر) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم " إذا أدبر " وقرأ نافع، وحمزة، وحفص، والفضل ~~عن عاصم، ويعقوب وخلف، " إذ " بسكون الذال من غير ألف بعدها " إذ دبر " ~~بسكون الدال، وبهمزة قبلها. وهل معنى القراءتين واحد، أم لا؟ # فيه قولان: # أحدهما: أنهما لغتان بمعنى واحد. يقال: دبر الليل، وأدبر، ودبر الصيف ~~[وأدبر]، هذا قول الفراء. والأخفش: وثعلب. PageV08P127 # والثاني: أن " دبر " بمعنى خلف، و " دبر " بمعنى ولى. يقال: دبرني فلان: ~~جاء خلفي، وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيدة وابن قتيبة. # قوله [عز وجل]: (إذا أسفر) أي: أضاء وتبين (إنها) يعني: سقر (لإحدى ~~الكبر) قال ابن قتيبة: الكبر، جمع كبرى، مثل الأول والأولى، والصغر ~~والصغرى. وهذا كما يقال: إنها لإحدى العظائم. قال الحسن: والله ما أنذر ~~الله بشئ أدهى منها. # وقال ابن السائب، ومقاتل،: أراد بالكبر: دركات جهنم السبعة. # قوله [عز وجل]: (نذيرا للبشر) قال الزجاج: نصب " نذيرا " على الحال. ~~لمعنى: إنها لكبيرة في حال الإنذار. وذكر " النذير "، لأن معناه معنى ~~العذاب. ويجوز أن يكون " نذيرا " منصوبا متعلقا بأول السورة، على معنى: قم ~~نذيرا للبشر. # قوله [عز وجل]: (لمن شاء منكم) بدل من قوله [عز وجل]: " للبشر "، (أن ms2336 ~~يتقدم أو يتأخر) [فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر] عن معصيته، قاله ابن جريج. # والثاني: أن يتقدم إلى النار، أو يتأخر عن الجنة، قاله السدي. # والثالث: أن يتقدم في الخير، أو يتأخر إلى الشر، قاله يحيى بن سلام. # والرابع: أن يتقدم في الإيمان، أو يتأخر عنه. والمعنى: أن الإنذار قد حصل ~~لكل أحد ممن أقر أو كفر. # كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنت يتساءلون (40) ~~عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك ~~نطعم المسكين (44) PageV08P128 # وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين ~~(47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم ~~حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة (52) كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره ~~(55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56) قوله ~~[عز وجل]: (كل نفس بما كسبت رهينة) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: كل نفس بالغة مرتهنة بعملها لتحاسب عليه (إلا أصحاب اليمين) وهم ~~أطفال المسلمين، فإنه لا حساب عليهم، لأنه لا ذنوب عليهم، قاله علي، رضي ~~الله عنه واختاره الفراء. # والثاني: كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار، إلا أصحاب اليمين، وهم ~~المؤمنون، فإنهم في الجنة، قاله الضحاك،. # والثالث: كل نفس مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين، فإنهم لا ~~يحاسبون، قاله ابن جريج. # قوله [عز وجل]: (يتساءلون عن المجرمين) قال مقاتل: إذا خرج أهل التوحيد ~~من النار قال المؤمنون لمن بقي في النار: (ما سلككم في سقر؟) [قال الفراء: ~~وهذه الآية تقوي أنهم الولدان لأنهم لم يعرفوا الذنوب فسألوا ما سلككم في ~~سقر؟ قال المفسرون: سلككم بمعنى: أدخلكم. وقال مقاتل]: ما حبسكم فيها؟ ~~(قالوا لم نك من المصلين) لله في دار الدنيا (ولم نك نطعم المسكين) أي: لم ~~نتصدق لله (وكنا نخوض مع الخائضين) أهل الباطل والتكذيب (وكنا نكذب بيوم ~~الدين) أي: بيوم ms2337 الجزاء والحساب (حتى أتانا اليقين) وهو الموت. يقول الله ~~تعالى: (فما PageV08P129 # تنفعهم شفاعة الشافعين) وهذا إنما جرى بعد شفاعة الأنبياء والملائكة ~~والشهداء والمؤمنين. وهذا يدل على نفع الشفاعة لمن آمن. قوله (فما لهم عن ~~التذكرة معرضين)؟ يعني: كفار قريش حين نفروا من القرآن والتذكير بمواعظه. ~~والمعنى: لا شئ لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن ولم يؤمنوا به، ثم شبههم ~~في نفورهم عنه بالحمر، فقال [عز وجل]: (كأنهم حمر مستنفرة) قرأ أبو جعفر، ~~ونافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم بفتح الفاء. والباقون بكسرها. قال أبو ~~عبيدة، وابن قتيبة: من قرأ بفتح الفاء أراد: مذعورة، استنفرت فنفرت، ومن ~~قرأ بكسر الفاء أراد: نافرة: # قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: حمر مستنفرة. وناس من العرب يكسرون ~~الفاء. والفتح [أكثر] في كلام العرب. وقراءتنا بالكسر. أنشدني الكسائي: # إحبس علي حمارك إنه مستنفر * في إثر أحمرة عمدن لغرب " وغرب " موضع. # وفي " القسورة " سبعة أقوال: # أحدها: أنه الأسد، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس: وبه قال أبو هريرة، ~~وزيد بن أسلم، وابنه. قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت ~~منه، فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم هربوا منه، ~~وإلى هذا ذهب أبو عبيدة، والزجاج. قال ابن قتيبة: كأنه من القسر والقهر. ~~والأسد يقهر السباع. # والثاني: أن القسورة: الرماة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو موسى ~~الأشعري، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، وابن كيسان. PageV08P130 # والثالث: أن القسورة: حبال الصيادين، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والرابع: أنهم عصب الرجال، رواه أبو همزة عن ابن عباس. واسم أبي حمزة: ~~نصر بن عمران الضبعي. # والخامس: أنه ركن الناس، وهذا في رواية عطاء أيضا عن ابن عباس. وركن ~~الناس: حسهم وأصواتهم. # والسادس: أنه الظلمة والليل، قاله عكرمة. # والسابع: أنه النبل، قاله قتادة. # قوله [عز وجل]: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) فيها ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك، فليصبح ~~عند رأس كل ms2338 رجل منا كتاب منشور من الله [تعالى] إلى فلان بن فلان يؤمر فيه ~~باتباعك، قاله الجمهور. # والثاني: أنهم أرادوا براءة من النار أن لا يعذبوا بها، قاله أبو صالح. # والثالث: أنهم قالوا: كان الرجل إذا أذنب في بني إسرائيل وجده مكتوبا إذا ~~أصبح في رقعة. # فما بالنا لا نرى ذلك؟ فنزلت هذه الآية، قاله الفراء. فقال الله تعالى: ~~(كلا) أي: لا يؤتون الصحف (بل لا يخافون الآخرة) أي: لا يخشون عذابها. ~~فالمعنى: أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة (كلا) ~~أي: حقا. وقيل: معنى (كلا): ليس الأمر كما يريدون ويقولون (إنه) يعني ~~القرآن (تذكرة) أي: تذكير وموعظة (فمن شاء ذكره) الهاء عائدة على القرآن ~~فالمعنى: فمن شاء أن يذكر القرآن ويتعظ به [ويفهمه، ذكره. ثم رد المشيئة ~~إلى نفسه] فقال [عز وجل]: (وما يذكرون إلا أن يشاء الله) أي: إلا أن يريد ~~لهم الهدى (هو أهل التقوى) أي: أهل أن يتقى (وأهل المغفرة) أي: أهل أن يغفر ~~لمن تاب. روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية، ~~فقال: قال ربكم عز وجل: أنا أهل أن أتقى، فلا يشرك بي غيري. وأنا أهل لمن ~~اتقى أن يشرك بي غيري أن أغفر له. PageV08P131 # سورة القيامة مكية وآياتها أربعون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم لا أقسم بيوم القيمة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب ~~الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد ~~الإنسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيمة (6) فإذا برق البصر (7) وخسف ~~القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا ~~وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) ~~بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) قوله [تعالى]: (لا ~~أقسم) اتفقوا على أن المعنى " قسم " [و] اختلفوا في " لا " فجعلها ~~PageV08P132 # بعضهم زائدة، كقوله [عز وجل]: (لئلا يعلم أهل الكتاب) وجعلها بعضهم ~~توكيدا للقسم كقولك لا والله لا أفعل، وجعلها بعضهم ردا على ms2339 منكري البعث. ~~ويدل عليه أنه " أقسم " على كون البعث. # قال ابن قتيبة: زيدت " لا " على نية الرد على المكذبين، كما تقول: لا ~~والله ما ذاك كما تقول: ولو حذفت جاز، ولكنه أبلغ في الرد. وقرأ ابن كثير ~~إلا ابن فليح " لأقسم " بغير ألف بعد اللام فجعلها لاما دخلت على " أقسم "، ~~وهي قراءة ابن عباس، وأبي عبد الرحمن، والحسن، ومجاهد، وعكرمة. وابن محيصن. ~~قال الزجاج، من قرأ " لأقسم " فاللام لام القسم والتوكيد، وهذه القراءة ~~بعيدة في العربية، لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا مع النون، ~~تقول: لأضربن زيدا. ولا يجوز: لأضرب زيدا. # قوله [عز وجل]: (ولا أقسم بالنفس اللوامة) قال الحسن: أقسم بالأولى ولم ~~يقسم بالثانية. وقال قتادة: حكمها حكم الأولى. # وفي " النفس اللوامة " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها المذمومة، قاله ابن عباس. فعلى هذا: هي التي تلوم نفسها حين ~~لا ينفعها اللوم والثاني: أنها النفس المؤمنة، قاله الحسن. قال: لا ترى ~~المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال. # والثالث: أنها جميع النفوس. قال الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا ~~وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرا قالت: هلا زدت. وإن كانت عملت سوءا ~~قالت: ليتني لم أفعل. # قوله [عز وجل]: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) المراد بالإنسان ها ~~هنا: الكافر. PageV08P133 # وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. وقال مقاتل: عدي بن ربيعة وذلك أنه قال: ~~أيجمع الله هذه العظام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: " نعم "، ~~فاستهزأ منه، فنزلت هذه الآية. قال ابن الأنباري: وجواب القسم محذوف، كأنه: ~~ليبعثن ليحاسبن، فدل قوله [عز وجل]: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) على ~~الجواب، محذوف. # وقوله [عز وجل]: (بلى) وقف حسن. ثم يبتدأ " قادرين " على معنى: بلى ~~نجمعها قادرين، ويصلح نصب " قادرين " على التكرير: بلى فليحسبنا قادرين ~~(على أن نسوي بنانه) وفيه قولان: # أحدهما: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحد كخف البعير، وحافر الحمار، ~~فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة، كالكتابة والخياطة، هذا قول الجمهور. # والثاني: يقدر على ms2340 تسوية بنانه كما كانت، وإن صغرت عظامها، ومن قدر على ~~جمع صغار العظام، كان على جمع كبارها أقدر، هذا قول ابن قتيبة، والزجاج. ~~وقد بينا معنى البنان في الأنفال. # قوله [عز وجل]: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) فيه قولان: # أحدهما: يكذب بما أمامه من البعث والحساب، قاله ابن عباس. # والثاني: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، ويقول: سوف أتوب، قاله سعيد بن جبير. ~~فعلى هذا: # يكون المراد بالإنسان: المسلم. وعلى الأول: الكافر. # قوله [عز وجل]: (يسأل أيان يوم القيامة) أي: متى هو؟ تكذيبا به، وهذا هو ~~الكافر (فإذا برق البصر) قرأ أهل المدينة، وأبان عن عاصم " برق " بفتح ~~الراء، والباقون بكسرها:. قال الفراء: العرب تقول: برق البصر يبرق، وبرق ~~يبرق: إذا رأى هولا يفزع منه. و " برق " أكثر PageV08P134 # وأجود. قال الشاعر: # فنفسك فانع ولا تنعني * وداو الكلوم ولا تبرق بالفتح. يقول: لا تفزع من ~~هول الجراح التي بك. قال المفسرون: يشخص بصر الكافر يوم القيامة، فلا يطرف ~~لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا. وقال مجاهد: برق البصر ~~عند الموت. # قوله [عز وجل]: (وخسف القمر) قال أبو عبيدة: خسف وكسف بمعنى واحد، أي: # ذهب ضوءه. # قوله [عز وجل]: (وجمع الشمس والقمر) إنما قال " جمع " لتذكير القمر، هذا ~~قول أبي عبيدة. وقال الفراء: إنما لم يقل: جمعت، لأن المعنى: جمع بينهما ~~وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: جمع بين ذاتيهما. وقال ابن مسعود: جمعا كالبعيرين القرينين. وقال ~~عطاء بن يسار: يجمعان ثم يقذفان في البحر. وقيل: يقذفان في النار. وقيل: ~~يجمعان، فيطلعان من المغرب. # والثاني: جمع بينهما في ذهاب نورهما. قاله الفراء، والزجاج. # قوله: [عز وجل] (يقول الإنسان) يعني: المكذب بيوم القيامة (أين المفر) ~~قرأ الجمهور بفتح الميم، والفاء، وقرأ ابن عباس، ومعاوية، وأبو رزين، وأبو ~~عبد الرحمن، والحسن، وعكرمة، والضحاك والزهري: وابن يعمر، وابن أبي عبلة: ~~بكسر الفاء. قال الزجاج: فمن فتح، فالمعنى: # أين الفرار؟ ومن كسر، فالمعنى: أين مكان الفرار؟ تقول: جلست مجلسا ~~بالفتح، يعني: # جلوسا. فإذا قلت: مجلسا ms2341 بالكسر. فأنت تريد المكان. # قوله [عز وجل]: (كلا لا وزر) قال ابن قتيبة: لا ملجأ. وأصل الوزر: الجبل ~~الذي يمتنع فيه (إلى ربك يومئذ المستقر) أي: المنتهى والمرجع. (ينبأ ~~الإنسان يومئذ بما قدم، PageV08P135 # وأخر) فيه ستة أقوال: # أحدها: بما قدم قبل موته، وما سن من شئ فعمل به بعد موته، قاله ابن ~~مسعود، وابن عباس. # والثاني: ينبأ بأول عمله وآخره. قاله مجاهد. # والثالث: بما قدم من الشر، و [أخر من] الخير. قاله عكرمة. # والرابع: بما قدم من فرض، وأخر من فرض، قاله الضحاك. # والخامس: [بما قدم من معصية، وأخر من طاعة]. # والسادس: بما قدم من أمواله، وما خلف للورثة، قاله زيد بن أسلم. # قوله [عز وجل]: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) قال الفراء: المعنى: بل على ~~الإنسان من نفسه بصيرة، أي رقيبا يشهدون عليه بعمله، وهي: الجوارح. قال ابن ~~قتيبة: فلما كانت جوارحه منه، أقامها مقامه. وقال أبو عبيدة: جاءت الهاء في ~~" بصيرة " في صفة الذكر، كما كانت في رجل " راوية "، " وطاعنة " وعلامة. # قوله [عز وجل]: (ولو ألقى معاذيره). وفي المعاذير قولان: # أحدهما: أنه جمع عذر، فالمعنى: لو اعتذر، وجادل عن نفسه، فعليه من يكذب ~~عذره، وهي: الجوارح، وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أن المعاذير جمع معذار، وهو: الستر. والمعاذير: الستور. ~~فالمعنى: ولو أرخى ستوره، هذا قول الضحاك، والسدي، والزجاج. فيخرج في معنى ~~" ألقى " قولان: # أحدهما: قال، ومنه (فألقوا إليهم القول)، وهذا على القول الأول. # والثاني: أرخى، وهذا على القول الثاني: PageV08P136 # لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون ~~الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة ~~(24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) قوله [عز وجل]: (لا تحرك به لسانك) روى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من ~~التنزيل شدة، وكان يشتد عليه حفظه، وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه ~~وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة ms2342 الوحي، مخافة أن لا يحفظه، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # معناها: لا تحرك بالقرآن لسانك لتعجل بأخذه (إن علينا جمعه وقرآنه) قال ~~ابن قتيبة: أي: ضمه وجمعه] في صدرك (فإذا قرأناه) أي: جمعناه (فاتبع قرآنه) ~~أي: جمعه. قال المفسرون: # يعني: اقرأه إذا فرغ جبريل من قراءته. قال ابن عباس: فاتبع قرآنه، أي: ~~اعمل به. وقال قتادة: # فاتبع حلاله وحرامه (ثم إن علينا بيانه) فيه أربعة أقوال: # أحدها: نبينه بلسانك، فتقرؤه كما أقرأك جبريل. وكان إذا أتاه جبريل أطرق، ~~فإذا ذهب، قرأه كما وعده الله، قاله ابن عباس. # والثاني: إن علينا أن نجزي به يوم القيامة بما فيه من وعد ووعيد، قاله ~~الحسن. # والثالث: إن علينا بيانه: ما فيه من الأحكام، والحلال، والحرام، قاله ~~قتادة. PageV08P137 # والرابع: علينا أن ننزله قرآنا عربيا، فيه بيان للناس، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (كلا) قال عطاء: أي: لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه، ~~وقال ابن جرير: # المعنى: ليس الأمر كما تقولون من أنكم لا تبعثون، ولكن دعاكم إلى قيل ذلك ~~محبتكم للعاجلة. # قوله [عز وجل]: (بل تحبون العاجلة) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو " بل يحبون ~~العاجلة ويذرون " بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. والمراد: كفار ~~مكة، يحبونها ويعملون لها " ويذرون الآخرة " أي: يتركون العمل لها إيثارا ~~للدنيا عليها. # قوله [عز وجل]: (ووجوه يومئذ ناضرة) أي: مشرقة بالنعم (إلى ربها ناظرة) ~~روى عطاء عن ابن عباس قال: إلى الله ناظرة. قال الحسن: حق لها أن تنضر وهي ~~تنظر إلى الخالق، وهذا مذهب عكرمة. ورؤية الله عز وجل حق لا شك فيها. ~~والأحاديث صحيحة صحاح، قد ذكرت جمله منها في " المغني " و " الحدائق ". # قوله [عز وجل]: (ووجوه يومئذ باسرة) قال ابن قتيبة: أي: عابسة مقطبة قوله ~~[عز وجل]: (تظن) قال الفراء: أي: تعلم، و " الفاقرة " يقال انه الداهية. ~~قال ابن قتيبة إنه من فقارة الظهر، كأنها تكسره، يقال: فقرت الرجل إذا كسرت ~~فقاره، كما يقال: # رأسته: إذا ضربت رأسه، وبطنته: إذا ضربت بطنه. قال ابن زيد: والفاقرة: ms2343 ~~دخول النار. قال ابن السائب: هي أن تحجب عن ربها، فلا تنظر إليه. # كلا إذ بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت ~~الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن ~~كذب PageV08P138 # وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك ~~فأولى (35) أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من منى يمنى (37) ~~ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى (40) قوله [عز وجل]: (كلا) قال الزجاج: " كلا " ~~ردع وتنبيه. [المعنى]: (ارتدعوا عما يؤدي إلى العذاب. وقال غيره: معنى " ~~كلا " لا يؤمن الكافر بهذا. # قوله [عز وجل]: (إذا بلغت) يعني: النفس. وهذه كناية عن غير مذكور. و " ~~التراقي " العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال. وواحدة التراقي ~~ترقوة، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، (وقيل من راق) فيه ~~قولان: # أحدهما: أنه قول الملائكة بعضهم لبعض: من يرقى روحه، ملائكة الرحمة، أو ~~ملائكة العذاب؟ رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية ومقاتل. # والثاني: أنه قول أهله: هل من راق يرقيه بالرقى؟ وهو مروي عن ابن عباس ~~أيضا، وبه قال عكرمة، والضحاك، وأبو قلابة، وقتادة، وابن زيد، وأبو عبيدة، ~~وابن قتيبة، والزجاج. # قوله [عز وجل]: (وظن) أي: أيقن الذي بلغت روحه التراقي (أنه الفراق) ~~للدنيا (والتفت الساق بالساق) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أمر الدنيا بأمر الآخرة، رواه الوالبي عن ابن عباس: وبه قال ~~مقاتل. # والثاني: اجتمع فيه الحياة والموت، قاله الحسن. وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: التفت ساقاه في الكفن، قاله سعيد بن المسيب. PageV08P139 # والرابع: التفت ساقاه عند الموت، قاله الشعبي. # والخامس: الشدة بالشدة، قاله قتادة. آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة. # قوله [عز وجل]: (إلى ربك يومئذ المساق) أي: إلى الله المنتهى قوله (فلا ~~صدق ولا صلى) قال أبو عبيدة: " لا " ها هنا في موضع " لم ". قال المفسرون ~~هو أبو جهل (ولكن كذب) بالقرآن (وتولى) عن الإيمان (ثم ذهب إلى أهله ms2344 يتمطى) ~~أي: رجع إليهم يتبختر ويختال. قال الفراء: " يتمطى " أي: يتبختر، لأن الظهر ~~هو المطا، فيلوي ظهره متبخترا. وقال ابن قتيبة: أصله يتمطط، فقلبت الطاء ~~فيه، كما قيل: يتظنى، أي، يتظنن، ومنه المشية المطيطاء. وأصل الطاء في هذا ~~كله دال. إنما هو مد يده في المشي إذا تبختر. يقال: مططت ومددت بمعنى. # قوله [عز وجل]: (أولى لك فأولى) قال ابن قتيبة: هو تهديد ووعيد. وقال ~~الزجاج: # العرب تقول: أولى لفلان: إذا دعت عليه بالمكروه، ومعناه: وليك المكروه يا ~~أبا جهل. # قوله [عز وجل]: (أيحسب الإنسان) يعني: أبا جهل (أن يترك سدى) قال ابن ~~قتيبة: أي: # يهمل فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعاقب، يقال: أسديت الشئ، أي: أهملته. ثم دل ~~على البعث بقوله [عز وجل]: (ألم يك نطفة من مني تمنى) قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " تمنى " بالتاء. وقرأ ابن عامر، وحفص ~~عن عاصم، ويعقوب " يمنى " بالياء. وعن أبي عمرو كالقراءتين. وقد شرحنا هذا ~~في الحريم (ثم كان علقة) بعد النطفة (فخلق) فيه الروح، وسوى خلقه (فجعل ~~منه) أي: خلق من مائه أولادا ذكورا وإناثا (أليس ذلك) الذي فعل هذا ~~(بقادر؟) على أن يحيي وقرأ أبو بكر الصديق، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري " ~~يقدر " ( على أن يحيي الموتى؟!) وهذا تقرير لهم، أي: إن من قدر على ~~الابتداء قدر على الإعادة. قال ابن عباس: إذا قرأ أحدكم هذه الآية، فليقل: ~~اللهم بلى. PageV08P140 # سورة الانسان مدنية وآياتها إحدى وثلاثون سورة هل أتى: ويقال لها: سورة ~~الإنسان وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها مدنية كلها، قاله الجمهور منهم، مجاهد وقتادة. # والثاني: مكية، قاله ابن يسار، ومقاتل، وحكي عن ابن عباس. # والثالث: أن فيها مكيا ومدنيا. ثم في ذلك قولان: # أحدهما: أن المكي منها آية، وهو قوله [عز وجل]: (ولا تطع منهم آثما أو ~~كفورا) وباقيها جميعه مدني، قاله الحسن وعكرمة. # والثاني: أن أولها مدني إلى قوله [عز وجل]: (إنا نحن نزلنا عليك ~~[القرآن]) ومن هذه الآية إلى آخرها مكي، حكاه الماوردي. ms2345 # بسم الله الرحمن الرحيم هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ~~(2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) PageV08P141 # قوله تعالى: (هل أتى) قال الفراء: معناه: قد أتى. و " هل " تكون خبرا، ~~وتكون جحدا، فهذا من الخبر، لأنك تقول: هل وعظتك؟ هل أعطيتك؟ فتقرره بأنك ~~قد فعلت ذلك. والجحد، أن تقول: [وهل] يقدر أحد على مثل هذا؟ وهذا قول ~~المفسرين، وأهل اللغة. وفي هذا الإنسان قولان. # أحدهما: أنه آدم عليه السلام. والحين الذي أتى عليه: أربعون سنة، وكان ~~مصورا من طين لم ينفخ فيه الروح، هذا قول الجمهور. # والثاني: أنه جميع الناس، روي عن ابن عباس، وابن جريج، فعلى هذا يكون ~~الإنسان اسم جنس، [ويكون] الحين زمان كونه نطفة، وعلقة، ومضغة. # قوله [عز وجل]: (لم يكن شيئا مذكورا) المعنى: أنه كان شيئا، غير أنه لم ~~يكن مذكورا. # قوله [عز وجل]: (إنا خلقنا الإنسان) يعني: ولد آدم (من نطفة أمشاج) قال ~~ابن قتيبة: # أي: أخلاط. يقال: مشجته، فهو مشيج، يريد: اختلاط ماء المرأة بماء الرجل. # قوله [تعالى]: (نبتليه) قال الفراء: هذا مقدم، ومعناه التأخير، لأن ~~المعنى: خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. قال الزجاج: المعنى: جعلناه ~~كذلك لنختبره [و] قوله [عز وجل]: (إنا هديناه السبيل) أي بينا له سبيل ~~الهدى بنصب الأدلة، وبعث الرسول (إما شاكرا) أي: خلقناه إما شاكرا (وإما ~~كفورا) وقال الفراء: بينا له الطريق إن شكر، أو كفر. PageV08P142 # إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس ~~كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون ~~بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) ~~إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم ~~نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على ~~الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها ms2346 وذللت ~~قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) ~~قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ~~(17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ~~ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن ~~هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ~~(23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة ~~وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون ~~العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا ~~بدلنا أمثالهم تبديلا (29) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (30) ~~وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (31) يدخل من يشاء في ~~رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31) قوله [عز وجل]: (إنا أعتدنا ~~للكافرين سلاسلا) وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة PageV08P143 # " سلاسل " بغير تنوين، ووقفوا بألف ووصله أبو عمرو بألف من غير تنوين ~~والباقون يصلون بالتنوين ويقفون بألف. قال مكي بن أبي طالب النحوي: " سلاسل ~~" و " قوارير " أصله أن لا ينصرف، ومن صرفه من القراء، فإنها لغة [لبعض] ~~العرب. وقيل: إنما صرفه لأنه وقع في المصحف بالألف، فصرفه لاتباع خط ~~المصحف. قال مقاتل: السلاسل في أعناقهم، والأغلال في أيديهم. وقد شرحنا ~~معنى " السعير " في سورة النساء. # قوله [عز وجل]: (إن الأبرار) واحدهم بر، وبار، وهم الصادقون. وقيل: ~~المطيعون. # وقال الحسن: وهم الذين لا يؤذون الذر (يشربون من كأس) أي: من إناء فيه ~~شراب (كان مزاجها) يعني: مزاج الكأس (كافورا) وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الكافور المعروف، قاله مجاهد، ومقاتل، فعلى هذا في المراد " ~~بالكافور " ثلاثة أقوال: أحدها: برده، قاله الحسن. والثاني: ريحه، قاله ~~قتادة. والثالث: طعمه، قاله السدي. # والثاني: أنه اسم عين في الجنة، قاله عطاء، وابن السائب. # والثالث: أن المعنى: مزاجها كالكافور لطيب ريحه، وأجازه الفراء، والزجاج. # قوله [عز وجل]: ms2347 (عينا) قال الفراء: هي كالمفسرة للكافور، وقال الأخفش: هي ~~منصوبة على معنى: أعني عينا. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من عين، ~~قوله (يشرب بها) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يشرب منها. والثاني: يشربها، والباء صلة. والثالث: يشرب بها عباد ~~الله الخمر يمزجونها إذا. وفي هذه العين قولان: # أحدهما: أنها الكافور الذي سبق ذكره. # والثاني: التسنيم، و (عباد الله) ها هنا: أولياؤه (يفجرونها تفجيرا) قال ~~مجاهد: يقودونها إلى حيث شاؤوا من الجنة. قال الفراء: حيث ما أحب الرجل من ~~أهل الجنة فجرها لنفسه. PageV08P144 # قوله [عز وجل]: (يوفون بالنذر) قال الفراء: فيه إضمار " كانوا " يوفون ~~بالنذر. وفيه قولان: # أحدهما: يوفون بالنذر إذا نذروا في طاعة الله، قاله مجاهد، وعكرمة. # والثاني: يوفون بما فرض الله عليهم، قاله قتادة. ومعنى " النذر " في ~~اللغة: الإيجاب. # فالمعنى يوفون بالواجب عليهم قوله (ويخافون يوما كان شره مستطيرا) قال ~~ابن عباس: فاشيا. # وقال ابن قتيبة: فاشيا منتشرا. يقال: استطار الحريق: إذا انتشر، واستطار ~~الفجر: إذا انتشر الضوء. وأنشدوا للأعشى: # فبانت فقال وقد أسأرت في الفؤاد * صدعا على نأيها مستطيرا وقال مقاتل: ~~كان شره فاشيا في السماوات، وانشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، ~~وكورت الشمس والقمر في الأرض، فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شئ على ~~وجه الأرض من جبل، وبناء، وفشا شر يوم القيامة فيهما. # قوله [عز وجل]: (ويطعمون الطعام على حبه) اختلفوا فيمن نزلت على قولين. # أحدهما: نزلت في علي بن أبي طالب. آجر نفسه يسقي نخلا بشئ من شعير ليلة ~~حتى الصبح. فلما قبض الشعير طحن ثلثه، وأصلحوا منه شيئا يأكلونه، فلما ~~استوى أتى مسكين، فأخرجوه إليه، ثم عمل الثلث الثاني، فلما تم أتى يتيم، ~~فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلما ثم جاء أسير من المشركين، فأطعموه ~~وطووا يومهم ذلك، فنزلت هذه الآيات، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري صام يوما، فلما أراد أن يفطر ~~جاء مسكين، ويتيم، وأسير، فأطعمهم ثلاثة أرغفة، وبقي له ولأهله رغيف واحد، ~~فنزلت فيهم هذه الآية، ms2348 قاله مقاتل. وفي هاء الكناية في قوله [عز وجل] " على ~~حبه " قولان: # أحدهما: ترجع إلى الطعام، فكأنهم كانوا يؤثرون وهم محتاجون إليه، وهذا ~~قول ابن عباس، ومجاهد، والزجاج، والجمهور. # والثاني: انها ترجع إلى الله تعالى، قاله الداراني. وقد سبق معنى " ~~المسكين واليتيم ". وفي PageV08P145 # الأسير أربعة أقوال: # أحدها: أنه المسجون من أهل القبلة، قاله مجاهد، وعطاء وسعيد بن جبير. ~~والثاني: أنه الأسير المشرك، قاله الحسن، وقتادة. والثالث: أنه المرأة، ~~قاله أبو حمزة الثمالي. والرابع: # العبد، ذكره الماوردي. # فصل وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية تضمنت مدحهم على إطعام الأسير ~~المشرك. قال: # وهذا منسوخ [بآية السيف]. وليس هذا القول بشئ، فإن في إطعام الأسير ~~المشرك ثوابا، وهذا محمول على صدقة التطوع. فأما الفرض فلا يجوز صرفه إلى ~~الكفار، ذكره القاضي أبو يعلى. # قوله [عز وجل]: (إنما نطعمكم لوجه الله) أي: لطلب ثواب الله. قال مجاهد، ~~وابن جبير: # أما إنهم [ما] تكلموا بهذا، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم ~~ليرغب في ذلك راغب. # قوله [عز وجل]: (لا نريد منكم جزاء) أي: بالفعل (ولا شكورا) بالقول (إنا ~~نخاف من ربنا يوما) أي: ما في يوم (عبوسا) قال ابن قتيبة: أي: تعبس فيه ~~الوجوه، فجعله من صفة اليوم، كقوله [عز وجل]: (في يوم عاصف)، أراد: عاصف ~~الريح. فأما " القمطرير " فروى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنه الطويل. ~~وروى عنه العوفي أنه قال: هو الذي يقبض فيه الرجل ما بين عينيه ووجهه. فعلى ~~هذا يكون اليوم موصوفا بما يجري فيه، كما قلنا في " العبوس " لأن اليوم لا ~~يوصف بتقبيض ما بين العينين. وقال مجاهد، وقتادة: " القمطرير " الذي يقلص ~~الوجوه، ويقبض الحياة، وما بين الأعين من شدته. وقال الفراء: هو الشديد. ~~[يقال]: يوم قمطرير، ويوم قماطر، وأنشدني بعضهم: PageV08P146 # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا * عليكم إذا ما كان يوم قماطر وقال أبو عبيدة: ~~العبوس، والمقطرير، والقماطر، والعصيب، والعصبصب: أشد ما يكون من الأيام، ~~وأطوله في البلاء. # قوله [عز وجل] (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) ms2349 بطاعتهم في الدنيا (ولقاهم ~~نضرة) أي: # حسنا وبياضا في الوجوه، والسرور في القلوب (وجزاهم بما صبروا) على طاعته، ~~وعن معصيته (جنة وحريرا) وهو لباس أهل الجنة (متكئين فيها) قال الزجاج: هو ~~منصوب على الحال، أي: # جزاهم جنة في حال اتكائهم فيها. وقد شرحنا هذا في الكهف. # قوله [عز وجل]: (لا يرون فيها شمسا) فيؤذيهم حرها (ولا زمهريرا) وهو ~~البرد الشديد. # والمعنى: لا يجدون فيها الحر والبرد. [و] حكي عن ثعلب أنه قال: الزمهرير: ~~القمر، وأنشد: # وليلة ظلامها قد اعتكر * قطعتها والزمهرير ما زهر أي: لم يطلع القمر. # قوله [عز وجل]: (ودانية) قال الفراء: المعنى: وجزاهم جنة، ودانية عليهم ~~ظلالها، أي: # قريبة منهم ظلال أشجارها (وذللت قطوفها تذليلا) قال ابن عباس: إذا هم أن ~~يتناول من ثمارها تذللت إليه حتى يتناول ما يريد. وقال غيره: قربت إليهم ~~مذللة كيف شاؤوا، فهم يتناولونها قياما، وقعودا، ومضطجعين، فهو كقوله [عز ~~وجل]: (قطوفها دانية). فأما " الأكواب " فقد شرحناها PageV08P147 # في الزخرف قوله (كانت قواريرا) أي: تلك الأكواب هي قوارير، ولكنها من ~~فضة. قال ابن عباس: لو ضربت فضة الدنيا حتى جعلتها مثل جناح الذباب، لم ير ~~الماء من ورائها، وقوارير الجنة من فضة في صفاء القارورة. وقال الفراء. ~~وابن قتيبة: هذا على التشبيه، المعنى: كأنها من فضة، أي: لها بياض كبياض ~~الفضة وصفاء كصفاء القوارير. وكان نافع، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم يقرؤون ~~" قواريرا قواريرا " فيصلونهما جميعا بالتنوين. ويقفون عليهما بالألف. وكان ~~ابن عامر وحمزة يصلانهما جميعا بغير تنوين، ويقفان عليهما بغير ألف. وكان ~~ابن كثير يصل الأول بالتنوين، ويقف بغير ألف. وروى حفص عن عاصم أنه كان ~~يقرأ " سلاسل " و " قوارير (قوارير) " يصل الثلاثة بغير تنوين، وقف على ~~الثلاثة بالألف. وكان أبو عمرو يقرأ الأول " قواريرا " فيقف عليه بألف، ~~ويصل بغير تنوين. وقال الزجاج: الاختيار عند النحويين أن لا تنصرف " قوارير ~~" لأن كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان لا ينصرف. ومن قرأ " قواريرا " يصرف ~~الأول فلأنه رأس آية، ويترك صرف الثاني [لأنه ليس بآخر ms2350 آية. ومن صرف ~~الثاني]: أتبع اللفظ اللفظ، لأن العرب ربما قلبت إعراب الشئ لتتبع اللفظ ~~اللفظ، كما قالوا: جحر ضب خرب. وإنما الخرب من نعت الجحر. # قوله [عز وجل]: (قدروها تقديرا) وقرأ أبن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي، ~~وأبو عمران، [و] الجحدري، وابن يعمر " قدروها " برفع القاف، وكسر الدال، ~~وتشديدها. وقرأ حميد، وعمرو بن دينار " قدروها " بفتح القاف، والدال، ~~وتخفيفها. ثم في معنى الآية قولان. # أحدهما: قدروها في أنفسهم، فجاءت على ما قدروا، قاله الحسن. وقال الزجاج: ~~جعل الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه على تقديرهم. # والثاني: قدروها على مقدار لا يزيد ولا ينقص، قاله مجاهد. وقال غيره: ~~قدروا الكأس على قدر ريهم، لا يزيد عن ريهم فيثقل الكف، ولا ينقص منه فيطلب ~~الزيادة، وهذا ألذ الشراب. فعلى هذا القول يكون الضمير في " قدروا " للسقاة ~~والخدم. وعلى الأول للشاربين. # قوله [عز وجل]: (ويسقون فيها) يعني في الجنة (كأسا كان مزاجها زنجبيلا) ~~والعرب تضرب المثل بالزنجبيل والخمر ممزوجين. قال المسيب يصف فم امرأة: ~~PageV08P148 # فكأن طعم الزنجبيل به * إذ ذقته وسلافة الخمر وقال آخر: # كأن القرنفل والزنجبيل * باتا بفيها وأريا مشارا الأري: العسل. والمشار: ~~المستخرج من بيوت النحل. قال مجاهد: الزنجبيل: اسم العين التي منها شراب ~~الأبرار. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: الزنجيل معرب. قال: وقال ~~الدينوري: ينبت في أرياف عمان، وهي عروق تسري في الأرض، وليس بشجرة تؤكل ~~رطبا، وأجود ما يحمل من بلاد الصين. قال الزجاج: وجائز أن يكون فيها طعم ~~الزنجبيل، والكلام فيه كالكلام السابق في الكافور. وقيل: شراب الجنة على ~~برد الكافور، وطعم الزنجبيل، وريح المسك. # قوله [عز وجل]: (عينا فيها) قال الزجاج: يسقون عينا. وسلسبيل: اسم العين، ~~إلا أنه صرف لأنه رأس آية. وهو في اللغة: صفة لما كان في غاية السلاسة. ~~فكأن العين وصفت وسميت بصفتها. # وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قوله [عز وجل] (تسمى سلسبيلا) ~~قيل: هو اسم أعجمي نكرة، فلذلك يصرف. وقيل: هو اسم معرفة، إلا أنه أجري، ~~لأنه ms2351 رأس آية. وعن مجاهد قال: حديدة الجرية. وقيل: سلس: سلس ماؤها، مستقيد ~~لهم. وقال ابن الأنباري: السلسبيل صفة الماء، لسلسه وسهولة مدخله في الحلق. ~~يقال: شراب سلسل، و [وسلسال]، وسلسبيل. # وحكى الماوردي: عن علي عليه السلام قال: المعنى: سل سبيلا إليها، ولا ~~يصح. # قوله [عز وجل]: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) قد سبق بيانه (إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا) أي: في بياض اللؤلؤ وحسنه، واللؤلؤ إذا انتثر من ~~الخيط على البساط كان أحسن منه منظوما. وإنما شبهوا باللؤلؤ المنثور، ~~لانتشارهم في الخدمة. ولو كانوا صفا لشبهوه بالمنظوم. قوله (وإذا رأيت ثم) ~~يعني: الجنة (رأيت نعيما) لا يوصف (وملكا كبيرا) أي: عظيما واسعا لا يريدون ~~شيئا إلا قدروا عليه، ولا يدخل عليهم ملك إلا باستئذان. # قوله [عز وجل]: (عاليهم) قرأ أهل المدينة، وحمزة، والمفضل عن عاصم بإسكان ~~الياء، وكسر الهاء. وقرأ الباقون بفتح الياء، إلا أن الجعفي عن أبي بكر قرأ ~~" عاليتهم " بزيادة تاء PageV08P149 # مضمومة. وقرأ أنس بن مالك، ومجاهد وقتادة " عليهم " بفتح اللام، وإسكان ~~الياء من غير تاء، ولا ألف. # قال الزجاج: فأما تفسير إعراب " عاليهم " بإسكان الياء، فيكون رفعه ~~بالابتداء، ويكون الخبر (ثياب سندس) وأما " عاليهم " بفتح الياء، فنصبه على ~~الحال من شيئين، أحدهما من الهاء والميم، والمعنى: يطوف على الأبرار ولدان ~~مخلدون عالي الأبرار ثياب سندس، لأنه قد وصف أحوالهم في الجنة، فيكون ~~المعنى: يطوف عليهم [في] هذه الحال هؤلاء. ويجوز أن يكون حالا من الولدان. # المعنى: إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا في حال علو الثياب. وأما " ~~عاليهم " فقد قرئت بالرفع وبالنصب، وهما وجهان جيدان في العربية، إلا أنهما ~~يخالفان المصحف، فلا أرى القراءة بهما، وتفسيرها كتفسير " عاليهم ". # قوله [عز وجل]: (ثياب سندس خضر) قرأ ابن عامر، وأبو عمرو " خضر " رفعا " ~~وإستبرق " خفضا. وقرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم خضر " [خفضا " وإستبرق " ~~رفعا. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم] " خضر وإستبرق " كلاهما بالرفع. وقرأ حمزة، ~~والكسائي " خضر وإستبرق " كلاهما بالخفض. قال الزجاج: من قرأ خضر بالرفع، ~~فهو نعت [الثياب]، ms2352 ولفظ [الثياب] لفظ الجمع من قرأ " خضر " فهو من نعت ~~السندس، والسندس في المعنى راجع إلى [الثياب]. ومن قرأ " وإستبرق " رفعا ~~فهو نسق على " ثياب " والمعنى: عليهم إستبرق. ومن خفض عطفه على السندس، ~~فيكون المعنى: عليهم ثياب من هذين النوعين وقد بينا في الكهف معنى السندس، ~~والاستبرق والأساور. # قوله [عز وجل]: (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) فيه قولان: # أحدهما: لا يحدثون ولا يبولون عن شرب خمر الجنة. # والثاني: لأن خمر الجنة طاهرة، وليست بنجسة كخمر الدنيا، قاله الفراء: ~~وقال أبو قلابة: # يؤتون بعد الطعام بالشراب الطهور فيشربون فتضمر بذلك بطونهم، ويفيض من ~~جلودهم عرق مثل رشح المسك. # قوله [عز وجل]: (إن هذا) يعني: ما وصف من نعيم أهل الجنة (كان لكم جزاء) ~~بأعمالكم (وكان سعيكم) أي: عملكم في الدنيا بطاعة الله (مشكورا) قال عطاء: ~~يريد: شكرتكم عليه، PageV08P150 # وأثيبكم عليه أفضل الثواب (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا)، أي: ~~فصلناه في الإنزال، فلم ننزله جملة واحدة (فاصبر لحكم ربك) قد سبق بيانه في ~~مواضع. والمفسرون يقولون: هو منسوخ بآية السيف، ولا يصح قوله (ولا تطع ~~منهم) أي: من مشركي أهل مكة (آثما أو كفورا) " أو " بمعنى الواو، كقوله (أو ~~الحوايا) وقد سبق بيان هذا وللمفسرين في المراد بالآثم وفي الكفور ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنهما صفتان لأبي جهل. # والثاني: أن الآثم: عتبة بن ربيعة، والكفور الوليد بن المغيرة. والثالث: ~~الآثم: الوليد. # والكفور: عتبة، وذلك أنهما قالا له: ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال ~~والتزويج. قوله (واذكر اسم ربك) أي: أذكره بالتوحيد في الصلاة (بكرة) يعني: ~~الفجر (وأصيلا) يعني: العصر. # وبعضهم يقول: الظهر والعصر (ومن الليل فاسجد له) يعني: المغرب والعشاء. ~~(وسبحه ليلا طويلا) وهي: صلاة الليل كل فريضة عليه، وهي لأمته تطوع (إن ~~هؤلاء) يعني: كفار مكة (يحبون العاجلة) أي يعني: الدار العاجلة، وهي الدنيا ~~(ويذرون وراءهم) يعني: أمامهم (يوما ثقيلا) أي: # عسيرا شديدا. والمعنى: أنهم يتركون الإيمان به، والعمل له. ثم ذكر قدرته، ~~فقال [عز وجل]: (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم) أي: ms2353 خلقهم، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. قال ابن قتيبة: يقال: امرأة ~~حسنة الأسر، أي: حسنة الخلق كأنها أسرت أي: # شدت. وأصل هذا من الإسار، وهو: القد. يقال: ما أحسن ما أسر قتبه، أي: ما ~~أحسن ما شده. # وروي عن أبي هريرة قال: مفاصلهم. وعن الحسن قال أوصالهم بعضا إلى بعض ~~بالعروق والعصب قوله (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم) أي: إذا شئنا أهلكناهم ~~وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلا منهم (إن هذه تذكرة) وقد شرحنا الآية في ~~المزمل. # قوله [عز وجل]: (وما تشاؤون) إيجاد السبيل (إلا أن يشاء الله) ذلكم، وقرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، " وما يشاؤون " بالياء. # قوله [عز وجل]: (يدخل من يشاء في رحمته) قال المفسرون: الرحمة ها هنا: ~~الجنة (والظالمون) المشركون. قال أبو عبيدة: نصب " الظالمون " بالجواب ~~المعنى: ولا يدخل الظالمين في رحمته. وقال الزجاج: إنما نصب " الظالمين " ~~لأن فعله منصوبا. المعنى: يدخل من يشاء في رحمته، ويعذب الظالمين، فيكون ~~قوله [عز وجل] (أعد لهم) تفسيرا لهذا المضمر، وقرأ أبو العالية، وأبو ~~الجوزاء، وابن أبي عبلة " والظالمون " رفعا. PageV08P151 # سورة المرسلات مكية وآياتها خمسون وهي مكية كلها في قول الجمهور وحكي عن ~~ابن عباس، وقتادة، ومقاتل أن فيها آية مدنية، وهي قوله [عز وجل]: (وإذا قيل ~~لهم اركعوا لا يركعون). # بسم الله الرحمن الرحيم والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات ~~نشرا (3) فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما ~~توعدون لواقع (7) فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال ~~نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما ~~أدراك ما يوم الفصل (14) ويل يومئذ للمكذبين (15) ألم نهلك الأولين (16) ثم ~~نتبعهم الأخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم ~~نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار PageV08P152 # مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ ~~للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها ~~رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا ~~إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا ~~يغني من ms2354 اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) ويل ~~يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ~~ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان لكم ~~كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين في ظلال وعيون (41) ~~وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك ~~نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم ~~مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ~~ويل يومئذ للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون (50) قوله [تعالى]: ~~(والمرسلات عرفا) فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنها الرياح يتبع بعضها بعضا، رواه أبو العبيدين عن ابن مسعود، ~~والعوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه، رواه ~~مسروق عن ابن مسعود، وبهذا قال أبو هريرة، ومقاتل. وقال الفراء: هي ~~الملائكة. # فأما قوله [عز وجل]: " عرفا " فإنها: أرسلت بالمعروف، ويقال: تتابعت كعرف ~~الفرس. # والعرب تقول: نزلت الناس إلى فلان عرفا واحدا: إذا تواجهوا إليه فأكثروا. ~~قال ابن قتيبة: يريد أن PageV08P153 # الملائكة متتابعة بما ترسل به. وأصله من عرف الفرس، لأنه طرف وبعضه في ~~إثر بعض فما شعر القوم يتبع بعضهم بعضا. # والثالث: أنهم الرسل بما يعرفون به من المعجزات، هذا معنى قول أبي صالح، ~~ذكره الزجاج. # والرابع: أنها الملائكة والريح، قاله أبو عبيدة. قال: ومعنى " عرفا ": ~~يتبع بعضها بعضا. # يقال: جاؤوني عرفا. وفي (العاصفات) قولان: # أحدهما: أنها الرياح الشديدة الهبوب، قاله الجمهور. # والثاني: الملائكة، قاله مسلم بن صبيح. قال الزجاج: تعصف بروح الكافر. ~~وفي " الناشرات " خمسة أقوال. # أحدها: أنها الرياح تنشر السحاب، قاله ابن مسعود، والجمهور. # والثاني: الملائكة تنشر الكتب، قاله أبو صالح. # والثالث: الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد، قاله الضحاك. # والرابع: البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح، قاله الربيع. # والخامس: المطر ينشر النبات، حكاه الماوردي. # وفي " الفارقات " أربعة أقوال. # أحدها: أنها الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل، قاله الأكثرون. # والثاني: آي القرآن فرقت بين الحلال والحرام، قاله الحسن، وقتادة، وابن ms2355 ~~كيسان. # والثالث: الريح تفرق بين السحاب فتبدده، قاله مجاهد. # والرابع: الرسل، حكاه الزجاج. (فالملقيات ذكرا) قولان. # أحدهما: الملائكة تبلغ ما حملت من الوحي إلى الأنبياء، وهذا مذهب ابن ~~عباس، وقتادة، والجمهور. PageV08P154 # والثاني: الرسل يلقون ما أنزل عليهم إلى الأمم، قاله قطرب. # قوله [عز وجل]: (عذرا أو نذرا) وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم " عذرا " خفيفا " أو نذرا " ثقيلا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص، وخلف " عذرا أو نذرا " خفيفتان. قال الفراء: وهو مصدر، ~~مثقلا كان أو مخففا. ونصبه على معنى: # أرسلت بما أرسلت به إعذارا من الله وإنذارا. وقال الزجاج: المعنى: ~~فالملقيات عذرا أو نذرا. # ويجوز أن يكون المعنى: فالملقيات ذكرا للإعذار والإنذار. وهذه المذكورات ~~مجرورات بالقسم. # وجواب القسم (إنما توعدون لواقع) قال المفسرون: إن ما توعدون به من أمر ~~الساعة، والبعث، والجزاء لواقع، أي: لكائن. ثم ذكر متى يقع فقال [عز وجل]: ~~(فإذا النجوم طمست) أي: # محي نورها (وإذا السماء فرجت): شقت (وإذا الجبال نسفت) قال الزجاج: أي: # ذهب بها كلها بسرعة. يقال: انتسفت الشئ: إذا أخذته بسرعة. # قوله [عز وجل]: (وإذا الرسل أقتت) قرأ أبو عمر " وقتت " بواو مع تشديد ~~القاف. ووافقه أبو جعفر، إلا أنه خفف القاف. وقرأ الباقون: " أقتت " بألف ~~مكان الواو مع تشديد القاف. # قال الزجاج: وقتت وأقتت بمعنى واحد. فمن قرأ " أقتت " بالهمز، فإنه أبدل ~~من الواو لانضمام الواو. وكل واو انضمت، وكانت ضمتها لازمة، جاز أن تبدل ~~منها بهمزة. وقال الفراء: الواو إذا كانت أول حرف، وضمت، همزت. تقول: صلى ~~القوم أحدانا. وهذه أجوبه حسان. ومعنى " أقتت ": جمعت لوقتها يوم القيامة. ~~وقال ابن قتيبة: جمعت لوقت، وهو يوم القيامة. وقال الزجاج: جعل لها وقت ~~واحد لفصل القضاء بين الأمة. # قوله [عز وجل]: (لأي يوم أجلت) أي: أخرت. وضرب الأجل لجمعهم، يعجب العباد ~~من هول ذلك اليوم. ثم بينه فقال [عز وجل]: (ليوم الفصل) وهو يوم يفصل الله ~~تعالى فيه بين الخلائق. ثم عظم ذلك اليوم بقوله: (وما أدراك ما ms2356 يوم الفصل ~~ويل يومئذ للمكذبين) بالبعث. ثم أخبر الله تعالى عما فعل بالأمم المكذبة، ~~فقال: (ألم نهلك الأولين) يعني بالعذاب في الدنيا حين PageV08P155 # كذبوا رسلهم (ثم نتبعهم الآخرين) والقراء على رفع العين في " نتبعهم "، ~~وقد قرأ قوم منهم أبو حيوة بإسكان العين. قال الفراء: " نتبعهم " مرفوعة. ~~ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود " وسنتبعهم الآخرين ". ولو جزمت على معنى: ~~ألم نقدر على إهلاك الأولين وإتباعهم الآخرين كان وجها جيدا. وقال الزجاج: ~~الجزم عطف على " نهلك "، ويكون المعنى: لمن أهلك أولا وآخرا. # والرفع على معنى: ثم نتبع الأول والآخر من كل مجرم. وقال مقاتل: ثم ~~نتبعهم الآخرين: يعني: # كفار مكة حين كذبوا بالنبي [صلى الله عليه وسلم]، وقال ابن جرير: ~~الأولون: قوم نوح، وعاد، وثمود، والآخرون: # قوم إبراهيم، ولوط، ومدين. # قوله [عز وجل]: (كذلك) أي: مثل ذلك (نفعل بالمجرمين) يعني: المكذبين. فإن ~~قيل: # ما الفائدة في تكرار قوله [عز وجل]: (ويل يومئذ للمكذبين)؟ فالجواب: أنه ~~أراد بكل آية منها غير ما أراد بالأخرى، لأنه كلما ذكر شيئا قال: (ويل ~~يومئذ للمكذبين) بهذا. # قوله [عز وجل]: (ألم نخلقكم) قرأ قالون عن نافع بإظهار القاف. وقرأ ~~الباقون بإدغامها. # قوله [عز وجل]: (من ماء مهين) أي: ضعيف (فجعلناه في قرار مكين) يعني: ~~الرحم (إلى قدر معلوم) وهو مدة الحمل (فقدرنا) قرأ أهل المدينة، والكسائي " ~~فقدرنا " بالتشديد. وقرأ الباقون: بالتخفيف. [وهل بينهما فرق] فيه قولان: # أحدهما: أنهما لغتان بمعنى واحد. قال الفراء: تقول العرب: قدر عليه، وقدر ~~عليه. وقد احتج من قرأ بالتخفيف فقال: لو كانت مشددة لقال: فنعم القادرون، ~~فأجاب الفراء فقال: قد تجمع العرب بين المعنيين، كقوله تعالى: (فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا). قال الشاعر: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا يقول: ما ~~أنكرت إلا ما يكون في الناس. PageV08P156 # والثاني: أن المخففة من القدرة والملك، والمشددة من التقدير والقضاء. ثم ~~بين لهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال [عز وجل]: (ألم نجعل الأرض كفاتا) قال ~~اللغويون: الكفت في اللغة: الضم. والمعنى: أنها تضم ms2357 أهلها أحياء على ظهرها، ~~وأمواتا في بطنها. قال ابن قتيبة: يقال: اكفت هذا إليك، أي: ضمه. وكانوا ~~يسمون بقيع الغرقد: كفتة، لأنه مقبرة يضم الموتى. وفي قوله [عز وجل]: ~~(أحياء وأمواتا) قولان. # أحدهما: أن المعنى: تكفتهم أحياء وأمواتا، قاله الجمهور. قال الفراء: ~~وانتصب الأحياء والأموات بوقوع الكفات عليهم، كأنك قلت: ألم نجعل الأرض ~~كفات أحياء وأموات، فإذا نونت نصب كما يقرأ (أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~يتيما) وقال الأخفش: انتصب على الحال. # والقول الثاني: أن المعنى: ألم نجعل الأرض أحياء بالنبات والعمارة، ~~وأمواتا بالخراب واليبس، هذا قول مجاهد، وأبي عبيدة. # قوله [عز وجل]: (وجعلنا فيها رواسي) قد سبق بيانه (شامخات) أي: عاليات ~~(وأسقيناكم) قد سبق معنى " أسقينا " ومعنى " الفرات " والمعنى: إن هذه ~~الأشياء أعجب من البعث. ثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة: (انطلقوا إلى ما ~~كنتم به تكذبون) في الدنيا، وهو النار (انطلقوا إلى ظل) قرأ الجمهور هذه ~~الثانية بكسر اللام على الأمر. وقرأ أبي بن كعب، وأبو عمران، ورويس عن ~~يعقوب بفتح اللام على الخبر بالفعل الماضي. قال ابن قتيبة: " والظل " ها ~~هنا: ظل من دخان نار جهنم سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وكذلك شأن الدخان العظيم ~~إذا ارتفع أن يتشعب، فيقال لهم: كونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب، كما يكون ~~أولياء الله في ظل PageV08P157 # عرشه، أو حيث شاء من الظل، ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار ~~(لا ظليل) أي: لا يظلكم من حر هذا اليوم بل يدنيكم قال من لعب النار إلى ما ~~هو أشد عليكم من حر الشمس. قال مجاهد: تكون شعبة فوق الإنسان، وشعبة عن ~~يمينه، وشعبة عن شماله، فتحيط به. وقال الضحاك: # الشعب الثلاث: هي الضريع، والزقوم، والغسلين. فعلى هذا القول يكون هذا ~~بعد دخول النار. # قوله [عز وجل]: (ولا يغني من اللهب) أي: لا يدفع عنكم لهب جهنم. ثم وصف ~~النار فقال [عز وجل]: (إنها ترمي بشرر)، وهو جمع شررة، وهو ما تطاير من ~~النار متفرقا (كالقصر) قرأ ms2358 الجمهور بإسكان الصاد على أنه واحد القصور ~~المبنية. وهذا المعنى في رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول الجمهور. ~~وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، ومجاهد، وأبو الجوزاء " كالقصر " بفتح الصاد. ~~وفي أفراد البخاري من حديث ابن عباس قال: كنا نرفع الخشب ثلاثة أذرع أو أقل ~~للشتاء، فنسميه: القصر. قال ابن قتيبة: من فتح الصاد أراد: أصول النخل ~~المقطوعة المقلوعة وقال الزجاج: أراد أعناق الإبل. وقرأ سعد بن أبي وقاص، ~~وعائشة، وعكرمة، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وابن يعمر " كالقصر " بفتح ~~القاف، وكسر الصاد. وقرأ ابن مسعود، وأبو هريرة، والنخعي " كالقصر " برفع ~~القاف والصاد [جميعا]. وقرأ أبو الدرداء، وسعيد ابن جبير " كالقصر " بكسر ~~القاف، وفتح الصاد، وقرأ أبو العالية، وأبو عمران، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ ~~" كالقصر " بضم القاف وإسكان الصاد. # قوله [عز وجل]: (كأنه جمالات) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم " جمالات " بألف، وكسر الجيم. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم " جمالة " على التوحيد. وقرأ رويس عن يعقوب " جمالات " بضم ~~الجيم. وقرأ أبو رزين، وحميد، وأبو حيوة PageV08P158 # " جمالة " برفع الجيم على التوحيد. قال الزجاج: من قرأ " جمالات " ~~بالكسر، فهو جمع جمال، كما تقول: بيوت، وبيوتات، وهو جمع الجمع، فالمعنى: ~~كأن الشرارات كالجمالات. ومن قرأ " جمالات " بالضم، فهو جمع " جمالة "، وهو ~~القلس من قلوس سفن البحر ويجوز أن يكون جمع جمل وجمال وجمالات ومن قرأ ~~جمالة فهو جمع جمل وجمالة، كما قيل: حجر، وحجارة. # وذكر، وذكارة. وقرئت " جمالة " على ما فسرناه في جمالات بالضم. و " الصفر ~~" هاهنا: السود. # يقال للإبل التي هي سود تضرب إلى الصفرة: إبل صفر. وقال الفراء: الصفر: ~~سود الإبل لا يرى الأسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة، فلذلك سمت العرب سود ~~الإبل: صفرا، كما سموا الظباء: # أدما لما يعلوها من الظلمة في بياضها قال الشاعر: # تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن سودا ولادها كالزبيب قوله [عز وجل]: (هذا ~~يوم لا ينطقون) قال المفسرون: هذا في بعض مواقف القيامة. قال عكرمة: ms2359 تكلموا ~~واختصموا، ثم ختم على أفواههم، فتكلمت أيديهم، وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون ~~ولا يؤذون لهم فيعتذرون. وقال ابن الأنباري لا ينطقون بحجة تنفعهم. وقرأ ~~أبو رجاء، والقاسم بن محمد، والأعمش، وابن أبي عبلة " هذا يوم لا ينطقون " ~~بنصب الميم. # قوله [عز وجل]: (هذا يوم الفصل) أي: بين أهل الجنة وأهل النار (جمعناكم) ~~يعني: # مكذبي هذه الأمة (والأولين) من المكذبين الذين كذبوا أنبياءهم (فإن كان ~~لكم كيد فكيدون) أثبت فيها الياء في الحالين يعقوب، أي: إن قدرتم على حيلة، ~~فاحتالوا لأنفسكم. ثم ذكر ما للمؤمنين، فقال [عز وجل]: (إن المتقين في ~~ظلال) يعني: ظلال الشجر، وظلال أكنان القصور (وعيون) الماء وهذا قد تقدم ~~بيانه، إلى قوله [عز وجل]: (كلوا) أي: ويقال لهم: كلوا واشربوا هنيئا بما ~~كنتم تعملون في الدنيا بطاعة الله. ثم قال لكفار مكة: (كلوا وتمتعوا قليلا) ~~في الدنيا إلى منتهى آجالكم (إنكم مجرمون) أي: مشركون بالله. # قوله [عز وجل]: (وإذا قيل لهم اركعوا) فيه قولان: # أحدهما: أنه حين يدعون إلى السجود يوم القيامة، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه في الدنيا كانوا إذا قيل لهم: اركعوا، أي صلوا (لا يركعون) ~~أي: لا يصلون. # وإلى نحو هذا ذهب مجاهد في آخرين، وهو الأصح. وقيل: نزلت في ثقيف حين ~~أمرهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بالصلاة، فقالوا: لا نحني، فإنها ~~مسبة علينا، فقال: لا خير في دين ليس فيه ركوع. # قوله [عز وجل]: (فبأي حديث بعده يؤمنون) أي: إن لم يصدقوا بهذا القرآن، ~~فبأي كتاب بعده يصدقون، ولا كتاب بعده: PageV08P159 # سورة النبأ مكية وآياتها أربعون ويقال لها: سورة النبأ وهي مكية كلها ~~بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم عم يتساءلون (1) عن النبأ العظيم (2) الذي ~~هم فيه مختلفون (3) كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض ~~مهادا (6) والجبال أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) ~~وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا ~~(12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به ~~حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) إن يوم ms2360 الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ ~~في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت الجبال ~~فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مأبا (22) لابثين فيها ~~أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) ~~جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون PageV08P160 # حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شئ أحصيناه كتابا (29) فذوقوا ~~فلن نزيدكم إلا عذابا (30) إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) ~~وكواعب أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) ~~جزاء من ربك عطاء حسابا (36) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمان لا ~~يملكون منه خطابا (37) يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الرحمان وقال صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مأبا (39) ~~إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا (40) قوله [تعالى]: (عم يتساءلون) أصله " عن ما " فأدغمت ~~النون في الميم، وحذفت ألف " ما " كقولهم: فيم، وبم. قال المفسرون: لما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المشركون يتساءلون بينهم، فيقولون: ما ~~الذي أتى به؟ ويتجادلون، ويختصمون فيما بعث به، فنزلت هذه الآية. واللفظ ~~لفظ استفهام. والمعنى: تفخيم القصة، كما يقولون: أي شئ زيد؟ إذا أردت تعظيم ~~شأنه. ثم بين ما الذي يتساءلون عنه، فقال [عز وجل]: (عن النبأ العظيم) ~~يعني: عن الخبر العظيم الشأن. # وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: القرآن، قاله مجاهد، ومقاتل، والفراء. قال الفراء: فلما أجاب صارت ~~" عم " كأنها في معنى: لأي شئ يتساءلون عن القرآن. # والثاني: البعث، قاله قتادة. # والثالث: أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه الزجاج. # قوله [عز وجل] (الذي هم فيه مختلفون) من قال، إنه القرآن، فإن المشركين ~~اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: أساطير ~~الأولين، إلى غير ذلك. # وكذلك من قال: هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم. فأما من [قال]: إنه ~~البعث والقيامة، ففي اختلافهم فيه قولان: PageV08P161 # أحدهما: أنهم اختلفوا فيه لما سمعوا به، فمنهم من صدق وآمن، ومنهم من ~~كذب، ms2361 وهذا معنى قول قتادة. # والثاني: أن المسلمين والمشركين اختلفوا فيه، فصدق به المسلمون، وكذب به ~~المشركون، قاله يحيى بن سلام. # قوله [عز وجل]: (كلا) قال بعضهم: هي ردع وزجر. وقال بعضهم: هي نفي ~~لاختلافهم، والمعنى: ليس الأمر على ما قالوا (سيعلمون) عاقبة تكذيبهم حين ~~ينكشف الأمر (ثم كلا سيعلمون) وعيد على إثر وعيد. وقرأ ابن عامر " ستعلمون ~~" في الحرفين بالتاء. ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده، فقال [عز وجل]: (ألم ~~نجعل الأرض مهادا) أي: فراشا وبساطا (والجبال أوتادا) للأرض لئلا تميد ~~(وخلقناكم أزواجا) أي: أصنافا، وأضدادا، ذكورا، وإناثا، سودا وبيضا، وحمرا ~~(وجعلنا نومكم سباتا) قال ابن قتيبة: أي: راحة لأبدانكم. وقد شرحنا هذا في ~~الفرقان [وشرحنا هناك قوله] [عز وجل]: (وجعلنا الليل لباسا). # قوله [عز وجل]: (وجعلنا النهار معاشا) أي: سببا لمعاشكم. والمعاش: العيش، ~~كل شئ يعاش به، فهو معاش. والمعنى: جعلنا النهار مطلبا للمعاش. وقال ابن ~~قتيبة: معاشا، أي: # عيشا، وهو مصدر (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) قال مقاتل: هي السماوات، غلظ ~~كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين مثل ذلك، وهي فوقكم يا بني آدم. ~~فاحذروا أن تعصوا فتحرم عليكم. # قوله [عز وجل]: (وجعلنا سراجا) يعني: الشمس (وهاجا) قال ابن عباس: هو ~~المضئ. # وقال اللغويون: الوهاج: الوقاد. وقيل: الوهاج يجمع النور والحرارة. # قوله [عز وجل]: (وأنزلنا من المعصرات) فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها السماوات، قاله أبي بن كعب، والحسن، وابن جبير. PageV08P162 # والثاني: أنها الرياح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، ~~وقتادة، ومقاتل. قال زيد بن أسلم: هي الجنوب. فعلى هذا القول تكون " من " ~~بمعنى " الباء "، وتقديره: # بالمعصرات. وإنما قيل للرياح: معصرات، [لأنها] تستدر المطر. # والثالث: أنها السحاب، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية. ~~والضحاك، والربيع، قال الفراء: السحابة المعصر: التي تتحلب بالمطر ولما ~~يجتمع، مثل الجارية المعصر، قد كادت تحيض، ولما تحض. وكذلك قال ابن قتيبة: ~~شبهت السحاب بمعاصير الجواري، والمعصر: الجارية التي قد دنت من الحيض. وقال ~~الزجاج: إنما قيل للسحاب: # معصرات، ms2362 كما قيل: أجز الزرع، فهو مجز، أي: صار إلى أن يجز، فكذلك السحاب ~~إذا صار إلى أن يمطر فقد أعصر. # قوله [عز وجل]: (ماء ثجاجا) قال مقاتل: أي: مطرا كثيرا منصبا يتبع بعضه ~~بعضا. [و] قال غيره: يقال: ثج الماء يثج: إذا انصب (لنخرج به) أي: بذلك ~~الماء (حبا ونباتا) وفيه قولان: # أحدهما: أن الحب: ما يأكله الناس، والنبات: ما تنبته الأرض مما يأكل ~~الناس والأنعام، هذا قول الجمهور. وقال الزجاج: كل ما حصد حب، وكل ما أكلته ~~الماشية من الكلإ، فهو نبات. # والثاني: أن الحب: اللؤلؤ، والنبات: العشب. قال عكرمة: ما أنزل الله من ~~السما قطرا، إلا نبت به في البحر لؤلؤا، وفي الأرض عشبا. # قوله [عز وجل]: (وجنات) يعني: بساتين (ألفافا) قال أبو عبيدة: أي ملتفة ~~من الشجر ليس بينها خلال، الواحدة: لفاء، وجنات لف، وجمع الجمع: ألفاف. قال ~~المفسرون: فدل بذكر المخلوقات على البعث. ثم أخبر عن يوم القيامة فقال [عز ~~وجل]: (إن يوم الفصل) أي: يوم القضاء بين الخلائق (كان ميقاتا) لما وعد ~~الله من الثواب والعقاب. (يوم ينفخ في الصور فتأتون) من قبوركم (أفواجا) ~~أي: زمرا زمرا من كل مكان (وفتحت السماء) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر " وفتحت " بالتشديد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بالتخفيف، وإنما ~~تفتح PageV08P163 # لنزول الملائكة (فكانت أبوابا) أي: ذات أبواب (وسيرت الجبال) [عن ~~أماكنها] (فكانت سرابا) أي: كالسراب، لأنها تصير هباء منثورا فيراها الناظر ~~كالسراب بعد شدتها وصلابتها (إن جهنم كانت مرصادا) قال المبرد: مرصادا ~~يرصدون به، أي: هو معد لهم يرصد بها خزنتها الكفار . وقال الأزهري: ~~المرصاد: المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو. ثم بين لمن هي مرصاد فقال [عز ~~وجل]: (للطاغين) قال ابن عباس: للمشركين (مآبا) أي: مرجعا. # قوله [عز وجل]: (لا بثين) وقرأ حمزة " لبثين " والمعنى: فيهما واحد. ~~يقال: هو لابث بالمكان، ولبث. ومثله طامع، وطمع، وفاره، وفره. وأما الأحقاب ~~فجمع حقب، وقد ذكرنا الاختلاف فيه في الكهف. # فإن قيل: ما معنى ذكر الأحقاب، وخلودهم في ms2363 النار لا نفاد له؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أن هذا لا يدل على غاية، لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب ولو أنه قال ~~" لا بثين فيها عشرة أحقاب أو خمسة " دل على غاية، هذا قول ابن قتيبة، ~~والجمهور. وبيانه أن زمان أهل الجنة والنار يتصور دخوله تحت العدد، وإن لم ~~يكن له غاية. كقوله بكرة وعشيا مثل هذا ان كلمات الله تعالى داخلة تحت ~~العدد وإن لم تكن لها نهاية. # والثاني: أن المعنى: أنهم يلبثون فيها أحقابا (لا يذوقون) في الأحقاب ~~(بردا ولا شرابا) فأما خلودهم في النار فدائم. هذا قول الزجاج. وبيانه أن ~~الأحقاب حد لعذابهم بالحميم والغساق، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من ~~العذاب. وفي المراد " بالبرد " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه برد الشراب. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: لا يذوقون فيها ~~برد الشراب، ولا الشراب. # والثاني: أنه الروح والراحة، قاله الحسن، وعطاء. PageV08P164 # والثالث: أنه النوم، قاله مجاهد، والسدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ~~وأنشدوا: # فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا قال ابن ~~قتيبة: النقاخ: الماء، والبرد: النوم، سمي بذلك لأنه تبرد فيه الحرارة ~~العطش. # وقال مقاتل: لا يذوقون فيها بردا ينفعهم من حرها، ولا شرابا ينفعهم من ~~عطش (الا حميما وغساقا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر " غساقا ~~" بالتخفيف. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وحفص عن عاصم بالتشديد وقد تقدم ~~ذكر الحميم، والغساق (جزاء وفاقا) قال الفراء: # وفقا لأعمالهم وقال غيره: جوزوا جزاء وفاقا لأعمالهم على مقدارها، فلا ~~ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار (إنهم كانوا لا يرجون حسابا) ~~فيه قولان: # أحدهما: لا يخافون أن يحاسبوا، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الجمهور. # والثاني: لا يرجون ثواب حساب، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (وكذبوا بآياتنا كذابا) [أي بما جاء به الأنبياء] قال ~~الفراء: الكذاب بالتشديد لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذبت به كذابا، وخرقت ~~القميص خراقا، وكل " فعلت " فمصدره في لغتهم مشدد. قال لي أعرابي ms2364 منهم على ~~المروة يستفتيني: الحلق أحب إليك، أم القصار؟ وأنشدني بعض بني كلاب: ~~PageV08P165 # لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي وعن حوج قضاؤها من شفائيا وأما أهل نجد، ~~فيقولون: كذبت به تكذيبا. وقال أبو عبيدة: الكذاب أشد من الكذاب، وهما مصدر ~~المكاذبة. قال الأعشى: # فصدقتها حديث وكذبتها * والمرء ينفعه كذابه قوله [عز وجل]: (وكل شئ ~~أحصيناه) قال الزجاج: " كل " منصوب بفعل مضمر تفسيره: # أحصيناه، والمعنى: وأحصينا كل شئ، و (كتابا) توكيد ل‍ " أحصيناه " لأن ~~معنى " أحصيناه " و " كتبناه " فيما يحصل ويثبت واحد. فالمعنى: كتبناه ~~كتابا. قال المفسرون: وكل شئ من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ (فذوقوا) ~~أي: فيقال لهم: ذوقوا جزاء فعالكم (فلن نزيدكم إلا عذابا. # إن للمتقين) الذين لم يشركوا (مفازا) وفيه قولان: # أحدهما: متنزها، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثاني: فازوا بأن نجوا من النار بالجنة، ومن العذاب بالرحمة، قاله ~~قتادة. قال ابن قتيبة: # " مفازا " في موضع " فوز " قوله (حدائق) قال ابن قتيبة: الحدائق: بساتين ~~نخل، واحدها: حديقة. # قوله [عز وجل]: (وكواعب) قال ابن عباس: الكواعب: النواهد. قال ابن فارس: ~~يقال: # كعبت [المرأة] كعابة، فهي كاعب: إذا نتأ ثديها. وقد ذكرنا معنى " الأتراب ~~" في ص. # قوله [عز وجل]: (وكأسا دهاقا) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الملأى، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، ~~وابن زيد. # والثاني: أنها المتتابعة. رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير. وعن ~~مجاهد كالقولين. # والثالث: أنها الصافية، قاله عكرمة. # قوله [عز وجل]: (لا يسمعون فيها) أي: في الجنة إذا شربوها (لغوا) وقد ~~ذكرناه في الطور وغيرها (ولا كذابا) أي: لا يكذب بعضهم بعضا، لأن أهل ~~الدنيا إذا شربوا الخمر PageV08P166 # تكلموا بالباطل وأهل الجنة منزهون عن ذلك. قال الفراء. وقراءة علي رضي ~~الله عنه " كذابا " بالتخفيف، كأنه - والله أعلم - لا يتكاذبون فيها. وكان ~~الكسائي يخفف هذه ويشدد، " وكذبوا بآياتنا كذابا " [لأن " كذبوا "] يقيد " ~~الكذاب " بالمصدر، وهذه ليست مقيدة بفعل يصيرها مصدرا، وقد ذكرنا عن أبي ~~عبيدة أن الكذاب بالتشديد والتخفيف مصدر المكاذبة. ms2365 وقال أبو علي الفارسي: # " الكذاب " بالتخفيف مصدر " كذب "، مثل " الكتاب " مصدر " كتب ". # قوله [عز وجل]: (جزاء) قال الزجاج: [المعنى] جازاهم بذلك جزاء وكذلك " ~~عطاء " لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد. و (حسابا) معناه: ما يكفيهم، أي: فيه ~~كل ما يشتهون. # يقال: أحسبني كذا بمعنى كفاني. (رب السماوات) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو ~~عمرو، والمفضل " رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن " برفع الباء من [" ~~رب "] والنون من الرحمن " على معنى: هو رب السماوات. وقرأ عاصم، وابن عامر ~~بخفض الباء والنون على الصفة من " ربك ". وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء ~~ورفع النون، واختار هذه القراءة الفراء. ووافقه على هذا جماعة، وعللوا بأن ~~الرب قريب من المخفوض، والرحمن بعيد منه. # قوله [عز وجل]: (لا يملكون منه خطابا) فيه قولان: # أحدهما: لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه قاله ابن السائب. والثاني: لا يقدر ~~الخلق أن يكلموا الرب إلا بإذنه، قاله مقاتل. # قوله تعالى: (يوم يقوم الروح) فيه سبعة أقوال: # أحدها: أنه جند من جند الله تعالى، وليسوا بملائكة، رواه ابن عباس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: [هم] خلق على صورة بني آدم ~~يأكلون ويشربون. # والثاني: أنه ملك أعظم من السماوات والجبال، والملائكة، قاله ابن مسعود، ~~ومقاتل بن PageV08P167 # سليمان. وروى عطاء عن ابن عباس قال: الروح: ملك ما خلق الله أعظم منه، ~~فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا، وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا، ~~فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم. # والثالث: أنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ~~ترد إلى الأجساد، رواه عطية عن ابن عباس. # والرابع: أنه جبريل عليه السلام قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك. # والخامس: أنهم بنو آدم، قاله الحسن، وقتادة. # والسادس: أنه القرآن، قاله زيد بن أسلم. # والسابع: أنهم أشرف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان. # قوله [عز وجل]: (والملائكة صفا) قال الشعبي: هما سماطان، سماط من الروح، ~~وسماط من الملائكة. فعلى هذا يكون المعنى: يوم يقوم الروح صفا، والملائكة ~~صفا. وقال ابن قتيبة: # معنى قوله ms2366 [عز وجل]: (صفا) صفوفا. # قوله [عز وجل]: (لا يتكلمون) يعني: الخلق كلهم (إلا من أذن له الرحمن) في ~~الكلام (وقال صوابا) أي: قال في الدنيا صوابا، وهو الشهادة بالتوحيد عند ~~أكثر المفسرين. وقال مجاهد: قال حقا في الدنيا، وعمل به (ذلك اليوم الحق) ~~أي الكائن الواقع بلا شك (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) أي: مرجعا إليه ~~بطاعته. ثم خوف كفار مكة، فقال [عز وجل]: (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) وهو ~~عذاب الآخرة، وكل آت قريب (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) أي: # يرى عمله مثبتا في صحيفته خيرا كان أو شرا (ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا) قال الحسن إذا سمع الله الخلائق يوم القيامة وقضى الثقلين الجن ~~والإنس وأروا منازلهم قال لسائر الخلق كونوا ترابا فحينئذ يقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا. وحكى الزجاج ان معنى يا ليتني كنت ترابا. ليتني لم أبعث. ~~وحكى الثعلبي عن بعض أشياخه أنه رأى في بعض التفاسير أن الكافر هاهنا: ~~إبليس، وذلك أنه عاب آدم، لأنه خلق من التراب فتمنى يوم القيامة أنه كان ~~بمكان آدم، فقال: يا ليتني كنت ترابا. PageV08P168 # سورة النازعات مكية وآياتها ست وأربعون مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) ~~فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها ~~الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون أئنا لمردودون ~~في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) ~~فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) قوله [عز وجل]: ~~(والنازعات) فيه سبعة أقوال: # أحدها: أنها الملائكة تنزع أرواح الكفار، قاله علي، وابن مسعود، وروى ~~عطية عن ابن عباس قال: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم، وبه قال مسروق. # والثاني: أنه الموت ينزع النفوس، قاله مجاهد. # والثالث: أنها النفس حين تنزع، قاله السدي. # والرابع: أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب، قاله الحسن، ~~وقتادة، وأبو عبيدة، والأخفش، وابن كيسان. PageV08P169 # والخامس: أنها [القسي] تنزع بالسهم، قاله عطاء وعكرمة. # والسادس: أنها الوحوش تنزع وتنفر، ms2367 حكاه الماوردي. # والسابع: أنها الرماة، حكاه الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (غرقا) [اسم] أقيم مقام الإغراق. قال ابن قتيبة: والمعنى: ~~والنازعات إغراقا، كما يغرق النازع في القوس، يعني: أنه يبلغ به غاية المد. # قوله [عز وجل]: (والناشطات نشطا) فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنها الملائكة. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: أنها حين تنشط ~~أرواح الكفار حتى تخرجها بالكرب والغم، قاله علي عليه السلام. قال مقاتل: ~~ينزع ملك الموت روح الكافر، فإذا بلغت ترقوته غرقها في حلقه، فيعذبه في ~~حياته، ثم ينشطها من حلقه - أي: يجذبها - كما ينشط السفود من الصوف المبتل. ~~والثاني: أنها تنشط أرواح المؤمنين بسرعة كما ينشط العقال من يد البعير إذا ~~حل عنها، قاله ابن عباس. وقال الفراء: الذي سمعته من العرب: كأنما أنشط من ~~عقال بألف. تقول: إذا ربطت الحبل في يد البعير: نشطته، فإذا حللته قلت: ~~أنشطته. # والقول [الثاني]: أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج، وهذا مروي ~~عن ابن عباس أيضا. وبيانه ان المؤمن يرى منزله من الجنة [قبل الموت] فتنشط ~~نفسه لذلك. # والثالث: أن الناشطات: الموت ينشط نفس الإنسان، قاله مجاهد. # والرابع: النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي: تذهب، قاله قتادة، وأبو عبيدة، ~~والأخفش. # ويقال لبقر الوحش: نواشط، لأنها تذهب من موضع إلى موضع. قال أبو عبيدة: ~~والهموم تنشط بصاحبها. قال هميان بن قحافة: # أمست همومي تنشط المناشطا * الشام بي طورا وطورا واسطا PageV08P170 # والخامس: أنها النفس حين تنشط بالموت، قاله السدي. # قوله [عز وجل]: (والسابحات سبحا) فيه ستة أقوال: # أحدها: أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين، قاله علي عليه السلام. قال ~~ابن السائب: # يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء. فأحيانا ينغمس، وأحيانا ~~يرتفع، يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح. # والثاني: أنهم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كما يقال للفرس الجواد: ~~سابح: إذا أسرع في جريه، قاله مجاهد، وأبو صالح، والفراء. # والثالث: أنه الموت يسبح في نفوس بني آدم، روي عن مجاهد أيضا. # والرابع: أنها السفن تسبح في الماء، قاله عطاء. # والخامس: أنها ms2368 النجوم، والشمس، والقمر، كل في فلك يسبحون، قاله قتادة، ~~وأبو عبيدة. # والسادس: أنها الخيل، حكاه الماوردي. # قوله [عز وجل]: [(فالسابقات سبقا) فيه خمسة أقوال]: # أحدها: أنها الملائكة. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تسبق ~~الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، قاله علي عليه السلام ومسروق. والثاني: أنها ~~تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، قاله مجاهد، وأبو روق. والثالث: سبقت بني ~~آدم إلى الإيمان، قاله الحسن والقول الثاني: أنها أنفس المؤمنين تسبق ~~الملائكة شوقا إلى لقاء الله، فيقبضونها وقد عاينت السرور، قاله ابن مسعود. # والثالث: أنه الموت يسبق إلى النفوس، روي عن مجاهد أيضا. # والرابع: أنها الخيل، قاله عطاء. # والخامس: أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير، قاله قتادة. # قوله [عز وجل]: (فالمدبرات أمرا) قال ابن عباس: هي الملائكة. [قال عطاء]: ~~وكلت بأمور عرفهم الله العمل بها. وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبر أمر ~~الدنيا أربعة: جبريل، وهو موكل بالرياح والجنود. وميكائيل، وهو موكل بالقطر ~~والنبات. وملك الموت، وهو موكل بقبض PageV08P171 # الأنفس. وإسرافيل، وهو ينزل بالأمر عليهم. وقيل: بل جبريل للوحي، ~~وإسرافيل للصور. وقال ابن قتيبة: فالمدبرات أمرا: تنزل بالحلال والحرام. ~~فإن قيل: أين جواب هذه الأقسام ففيه جوابان: # أحدهما: أن الجواب قوله [عز وجل]: (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى)، قاله ~~مقاتل. # والثاني: أن الجواب مضمر، تقديره: لتبعثن، ولتحاسبن، ويدل على هذا قوله ~~[عز وجل] (أئذا كنا عظاما نخرة) قاله الفراء. # قوله [عز وجل]: (يوم ترجف الراجفة)، وهي النفخة الأولى التي تموت منها ~~جميع الخلائق. و " الراجفة " صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا ~~تمحض. و " ترجف " بمعنى: # تتحرك حركة شديدة (تتبعها الرادفة) وهي: النفخة الثانية ردفت الأولى، أي: ~~جاءت بعدها وكل شئ جاء بعد شئ فهو يردفه (قلوب يومئذ واجفة) أي: شديدة ~~الاضطراب لما عاينت من أهوال يوم القيامة أيضا (أبصارها خاشعة) أي: ذليلة ~~لمعاينة النار. قال عطاء: وهذه أبصار من لم يمت على الإسلام. ويدل على هذا ~~أنه ذكر منكري البعث، فقال [عز وجل]: (يقولون أئنا لمردودون في الحافرة) ms2369 ~~قرأ ابن عامر وأهل الكوفة " أئنا " بهمزتين مخففتين على الاستفهام، وقرأ ~~الباقون بتخفيف الأولى وتليين الثانية، وفصل بينهما بألف نافع وأبو عمرو. ~~(في الحافرة) وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الحافرة: الحياة بعد الموت. والمعنى: أنرجع أحياء بعد موتنا؟! ~~وهذا قول ابن عباس، وعطية، والسدي. قال الفراء: يعنون: أنرد إلى أمرنا ~~الأول إلى الحياة؟! والعرب تقول: # أتيت فلانا، ثم رجعت على حافرتي، أي: رجعت من حيث جئت. قال أبو عبيدة: ~~يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته: إذا رجع من حيث جاء، وهذا قول ~~الزجاج. # والثاني: أنها الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فسميت حافرة، والمعنى: ~~محفورة، كما يقال: # (ماء دافق) و (عيشة راضية) وهذا قول مجاهد والخليل. فيكون المعنى: أئنا ~~لمردودون إلى PageV08P172 # الأرض خلقا جديدا؟! # قال ابن قتيبة: " في الحافرة " أي: إلى أول أمرنا. ومن فسرها بالأرض، ~~فإلى هذا يذهب. # لأنا منها بدئنا. قال الشاعر: # أحافرة على صلع وشيب * معاذ الله من سفه وعار كأنه قال: أأرجع إلى ما كنت ~~عليه في شبابي من العز في الصبا. # والثالث: أن الحافرة: النار قاله ابن زيد. # قوله [عز وجل]: (أئذا كنا عظاما نخرة) وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم " ناخرة ". # قال الفراء: وهما بمعنى واحد في اللغة. مثل طمع، وطامع وقال الأخفش: هما ~~لغتان. وقال الزجاج: يقال: نخر العظم ينخر، فهو نخر. مثل عفن الشئ يعفن، ~~فهو عفن. وناخرة على معنى: عظاما فارغة، يجيء فيها من هبوب الرياح كالنخير. ~~قال المفسرون: والمراد أنهم أنكروا البعث، وقالوا: نرد أحياء إذا متنا ~~وبليت عظامنا؟! (تلك إذن كرة خاسرة) أي: إن رددنا بعد الموت لنخسرن منه بما ~~يصيبنا مما يعدنا به محمد، فأعلمهم الله بسهولة البعث عليه، فقال [عز وجل]: # (فإنما هي) يعني النفخة الأخيرة (زجرة واحدة) أي: صيحة في الصور يسمعونها ~~من إسرافيل وهم في بطون الأرض فيخرجون (فإذا هم بالساهرة) وفيها أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن الساهرة: وجه الأرض، قاله ابن عباس: ومجاهد، وعكرمة والضحاك، ~~واللغويون. قال الفراء: كأنها سميت بهذا الاسم، ms2370 لأن فيها نوم الحيوان ~~وسهرهم. # والثاني: أنه جبل عند بيت المقدس، قاله وهب بن منبه. # والثالث: أنها جهنم، قاله قتادة. PageV08P173 # والرابع: أنها أرض الشام، قاله سفيان. # هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) إذهب إلى ~~فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) ~~فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) ~~فقال أنار بكم الأعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك ~~لعبرة لمن يخشى (26) أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها ~~(28) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ~~ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) قوله [عز ~~وجل]: (هل أتاك حديث موسى) أي: قد جاءك. وقد بينا هذا في طه وما بعده إلى ~~قوله [عز وجل]: (طوى اذهب) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو " طوى اذهب " ~~غير مجراة. # وقرأ الباقون " طوى " منونة (فقل هل لك إلى تزكى) وقرأ ابن كثير، ونافع، ~~" تزكى " بتشديد الزاي، أي تطهر من الشرك (وأهديك إلى ربك) أي: أدعوك إلى ~~توحيده، وعبادته (فتخشى عذابه (فأراه الآية الكبرى) وفيها قولان: # أحدهما: أنها اليد والعصا، قاله جمهور المفسرين. والثاني: أنها اليد قاله ~~الزجاج. # قوله [عز وجل]: (فكذب) أي بأنها من الله: (وعصى) نبيه (ثم أدبر) أي: أعرض ~~عن الإيمان (يسعى) أي: يعمل بالفساد في الأرض (فحشر) أي: فجمع قومه وجنوده ~~(فنادى) لما اجتمعوا (فقال أنا ربكم الاعلى) أي: أنا لا رب فوقي. وقيل أراد ~~ان الأصنام أرباب، وأنا ربها وربكم. وقيل: [أراد]: أنا رب السادة والقادة. ~~PageV08P174 # قوله [عز وجل]: (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) فيه أربعة أقوال: # [أحدها]: أن الأولى قوله: " ما علمت لكم من إله غيري " والآخرة قوله: " ~~أنا ربكم الأعلى " قاله ابن عباس، وعكرمة، والشعبي، ومقاتل، والفراء. ورواه ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد. # قال ابن عباس: وكان بينهما أربعون سنة. قال السدي: فبقي بعد الآخرة ~~ثلاثين سنة. قال الفراء: فالمعنى: أخذه الله أخذا نكالا للآخرة والأولى. # والثاني: المعنى: جعله ms2371 الله نكال الدنيا والآخرة، أغرقه في الدنيا، وعذبه ~~في الآخرة، قاله الحسن، وقتادة. وقال الربيع بن أنس: عذبه الله في أول ~~النهار بالغرق، وفي آخرة بالنار. # والثالث: أن الأولى: تكذيبه وعصيانه. والآخرة قوله: " أنا ربكم الأعلى " ~~قاله أبو رزين. # والرابع: أنها أول أعماله وآخرها، رواه منصور عن مجاهد. قال الزجاج: ~~النكال: منصوب مصدر مؤكد، لأن معنى أخذه الله: نكل الله به نكال الآخرة ~~والأولى: فأغرقه في الدنيا ويعذبه في الآخرة. # قوله [عز وجل]: (إن في ذلك) الذي فعل بفرعون (لعبرة) أي عظة (لمن يخشى) ~~الله. # ثم خاطب منكري البعث، فقال [عز وجل]: (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها) ~~قال الزجاج: # ذهب بعض النحويين إلى أن قوله [عز وجل]: (بناها) من صفة السماء، فيكون ~~المعنى: أم السماء التي بناها. وقال قوم: السماء ليس مما توصل، ولكن ~~المعنى: أأنتم أشد خلقا، أم السماء أشد خلقا. ثم بين كيف خلقها، فقال [عز ~~وجل]: (بناها) قال المفسرون: أخلقكم بعد الموت أشد عندكم، أم السماء في ~~تقديركم؟ وهما في قدرة الله واحد. ومعنى: " بناها " رفعها. وكل شئ ارتفع ~~فوق شئ فهو بناء. ومعنى (رفع سمكها) رفع ارتفاعها وعلوها في الهواء ~~(فسواها) بلا شقوق، ولا فطور، ولا تفاوت، يرتفع فيه بعضها على بعض (وأغطش ~~ليلها) أي: أظلمه فجعله مظلما. قال الزجاج: يقال، غطش الليل وأغطش، وغبش ~~وأغبش، وغسق وأغسق، وغشي وأغشى، كله بمعنى أظلم. PageV08P175 # قوله [عز وجل]: (وأخرج ضحاها) أي: أبرز نهارها. والمعنى: أظهر نورها ~~بالشمس. # وإنما أضاف النور والظلمة إلى السماء لأنهما عنها يصدران (والأرض بعد ~~ذلك) أي: بعد خلق السماء (دحاها) أي: بسطها. وبعض من يقول: إن الأرض خلقت ~~قبل السماء يزعم أن " بعد " هاهنا بمعنى " قبل "، كقوله تعالى: (ولقد كتبنا ~~في الزبور من بعد الذكر) وبعضهم يقول: هي بمعنى " مع "، كقوله [عز وجل]: ~~(عتل بعد ذلك زنيم)، ولا يمتنع أن تكون الأرض خلقت قبل السماء، ثم دحيت بعد ~~كمال السماء، وهذا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد أشرنا إلى هذا ~~الخلاف ms2372 في البقرة. ونصبت الأرض بمضمر تفسيره قوله [عز وجل]: (دحاها). # (أخرج منها ماءها) أي: فجر العيون منها (ومرعاها) وهو ما يأكله الناس ~~[والأنعام] (والجبال أرساها) قال الزجاج: أي: أثبتها (متاعا لكم) أي: ~~للإمتاع، لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها: أمتع بذلك. وقال ابن قتيبة: " ~~متاعا لكم " أي: منفعة. # فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) وبرزت ~~الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وأثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم ~~هي المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة ~~هي المأوى (41) يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكرها (43) ~~إلى ربك منتهاها (44) إنما أنت PageV08P176 # منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46) ~~قوله [عز وجل]: (فإذا جاءت الطامة الكبرى) والطامة: الحادثة التي تطم على ~~ما سواها، أي: تعلو فوقه، وفي المراد بها هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: النفخة الثانية التي فيها البعث. # والثاني: أنها حين يقال لأهل النار: قوموا إلى النار. # والثالث: أنها حين يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. # قوله [عز وجل]: (يتذكر الإنسان ما سعى) أي: ما عمل من خير وشر (وبرزت ~~الجحيم لمن يرى) أي: لأبصار الناظرين. قال مقاتل: يكشف عنها الغطاء فينظر ~~إليها الخلق. وقرأ أبو مجلز، وابن السميفع " لمن ترى " بالتاء. وقرأ ابن ~~عباس، ومعاذ القارئ " لمن أرى " بهمزة بين الراء والألف. # قوله تعالى: (فأما من طغى) في كفره (وآثر الحياة الدنيا) على الآخرة (فإن ~~الجحيم هي المأوى) قال الزجاج: أي هي المأوى له. وهذا جواب " فإذا جاءت ~~الطامة " فإن الأمر كذلك. # قوله [عز وجل]: (أما من خاف مقام ربه) قد ذكرناه في سورة الرحمن. # قوله [عز وجل]: (ونهى النفس عن الهوى) أي: عما تهوى من المحارم. قال ~~مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه للحساب. فيتركها. # قوله [عز وجل]: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) قد سبق في الأعراف (فيم ~~أنت PageV08P177 # من ذكراها) أي: لست في شئ من علمها وذكرها. والمعنى: إنك لا تعلمها (إلى ms2373 ~~ربك منتهاها) أي: منتهى علمها (إنما أنت منذر من يخشاها) وقرأ أبو جعفر " ~~منذر " بالتنوين. ومعنى الكلام: إنما أنت مخوف من يخافها. والمعنى: إنما ~~ينفع إنذارك من يخافها. وهو المؤمن بها. # وأما من لا يخافها فكأنه لم ينذر (كأنهم) يعني: كفار قريش (يوم يرونها) ~~أي: يعاينون القيامة (لم يلبثوا) في الدنيا. وقيل: في قبورهم (إلا عشية أو ~~ضحاها) أي: قدر آخر النهار من بعد العصر، أو أوله إلى أن ترتفع الشمس. قال ~~الزجاج: والهاء والألف في " ضحاها " عائد إلى العشية. والمعنى: إلا عشية، ~~أو ضحى العشية. قال الفراء: # فإن قيل: للعشية ضحى، إنما الضحى لصدر النهار؟. # فالجواب: أن هذا ظاهر في كلام العرب أن يقولوا: آتيك العشية، أو غداتها، ~~أو آتيك الغداة أو عشيتها، فتكون العشية في معنى " آخر "، والغداة في معنى ~~" أول ". أنشدني بعض بني عقيل: # نحن صبحنا عامرا في دارها * عشية الهلال أو سرارها أراد: عشية الهلال، أو ~~عشية سرار العشية، فهذا أشد من قولهم: آتيك الغداة أو عشيتها. PageV08P178 # سورة عبس مكية وآياتها ثنتان وأربعون مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن ~~الرحيم عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى ~~(7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة ~~(11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة ~~(15) كرام بررة (16) قوله [تعالى]: (عبس وتولى) قال المفسرون: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، ~~وأمية وأبيا ابني خلف، ويدعوهم إلى الله تعالى، ويرجو إسلامهم، فجاء ابن أم ~~مكتوم [الأعمى] فقال: علمني يا رسول الله مما علمك الله، وجعل يناديه، ~~ويكرر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بكلام غيره حتى ظهرت الكراهية في وجهه ~~صلى الله عليه وسلم PageV08P179 # لقطعه كلامه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل على القوم ~~يكلمهم، فنزلت هذه الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ms2374 بعد ~~ذلك، ويقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. وذهب قوم، منهم مقاتل، إلى أنه إنما ~~جاء ليؤمن، فأعرض عنه النبي [صلى الله عليه وسلم] اشتغالا بالرؤساء، فنزلت ~~فيه هذه الآيات. # ومعنى: " عبس " قطب وكلح " وتولى " أعرض بوجهه (أن جاءه) أي: لأن جاءه. ~~وقرأ أبي ابن كعب، والحسن، وأبو المتوكل، وأبو عمران، " آن جاءه " بهمزة ~~واحدة مفتوحة ممدودة. وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع " أأن " بهمزتين ~~مقصورتين مفتوحتين. و (الأعمى) هو ابن مكتوم، واسمه عمرو بن قيس. وقيل: ~~اسمه عبد الله بن عمرو (وما يدريك لعله يزكى) أي: يتطهر من الذنوب بالعمل ~~الصالح. وما يتعلمه منك. وقال مقاتل: لعله يؤمن (أو يذكر) أي: يتعظ بما ~~يتعلمه من مواعظ القرآن (فتنفعه الذكرى) قرأ حفص عن عاصم " فتنفعه " بفتح ~~العين، والباقون بضمها. قال الزجاج: من نصب، فعلى جواب " لعل "، ومن رفع، ~~فعلى العطف على " يزكى ". # قوله [عز وجل]: (أما من استغنى) قال ابن عباس: استغنى عن الله وعن ~~الإيمان بماله. # قال مجاهد: " أما من استغنى " عتبة، وشيبة، (فأنت له تصدى). قرأ ابن ~~كثير، ونافع " تصدى " بتشديد الصاد. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، تصدى " بفتح التاء، PageV08P180 # والصاد وتخفيفها وقرأ أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو عمرو بن دينار: [" ~~تتصدى "] بتاءين مع تخفيف الصاد، قال الزجاج: والأصل: تتصدى، ولكن حذفت ~~التاء الثانية لاجتماع تاءين، ومن قرأ " تصدى " بإدغام التاء، فالمعنى ~~أيضا: تتصدى، إلا أن التاء أدغمت في الصاد لقرب مخرج التاء من الصاد. قال ~~ابن عباس: " تصدى تقبل عليه بوجهك. وقال ابن قتيبة: تتعرض. وقرأ ابن مسعود، ~~وابن السميفع، والجحدري " تصدى " بتاء واحدة مضمومة، وتخفيف الصاد. # قوله [عز وجل]: (وما عليك) أي: أي شئ عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى ~~الإسلام؟ يعني: أنه ليس عليه إلا البلاغ. # قوله (وأما من جاءك يسعى) فيه قولان: # أحدهما: يمشي. # والثاني: يعمل في الخير، وهو ابن أم مكتوم (وهو يخشى) الله (فأنت عنه ~~تلهى) وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف، وأبو الجوزاء " تتلهى " بتاءين وقرأ ms2375 ~~أبي بن كعب، وابن السميفع، والجحدري " تلهى " بتاء واحدة خفيفة مرفوعة. قال ~~الزجاج: أي: تتشاغل عنه. يقال: لهيت عن الشئ ألهى عنه: إذا تشاغلت عنه. # قوله [عز وجل]: (كلا) أي: لا تفعل ذلك: (إنها) في المكني عنها قولان: # أحدهما: آيات القرآن، قاله مقاتل. # والثاني: هذه السورة، قاله الفراء " والتذكرة " بمعنى التذكير قوله (فمن ~~شاء ذكره) مفسر في آخر المدثر. ثم أخبر بجلالة القرآن [عنده] فقال [عز ~~وجل]: (في صحف مكرمة) PageV08P181 # أي: هو في صحف أي: في كتب مكرمة، وفيها قولان: # أحدهما: أنها اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. # والثاني: كتب الأنبياء، ذكره الثعلبي. فعلى هذا يكون معنى " مرفوعة " ~~عالية القدر، وعلى الأول يكون رفعها كونها في السماء. وفي معنى " مطهرة " ~~أربعة أقوال: # أحدها: مطهرة من أن تنزل على المشركين، قاله الحسن. والثاني: مطهرة من ~~الشرك والكفر، قاله مقاتل: والثالث: لأنه لا يمسها إلا المطهرون، قاله ~~الفراء. والرابع: مطهرة من الدنس، قاله يحيى بن سلام. # قوله [عز وجل]: ([بأيدي] سفرة) فيهم قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة، قاله الجمهور. # والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله وهب بن منبه. وفي معنى " ~~سفرة " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الكتبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة: ~~والزجاج. قال الزجاج: واحدهم: سافر، وسفرة، مثل كاتب، وكتبة، وكافر، وكفرة، ~~وإنما قيل للكتاب: # سفر، وللكاتب: سافر، لأن معناه أنه يبين الشئ، ويوضحه. يقال: أسفر الصبح: ~~إذا أضاء. # وسفرت المرأة: إذا كشفت النقاب عن وجهها. ومنه: سفرت بين القوم، أي: كشفت ~~ما في قلب هذا، وقلب هذا، لأصلح بينهم. # والثاني: أنهم القراء، قاله قتادة. # والثالث: أنهم السفراء، وهم المصلحون، قال الفراء: تقول العرب: سفرت بين ~~القوم، أي: # أصلحت بينهم، فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله، كالسفير الذي يصلح بين ~~القوم. قال الشاعر: # وما أدع السفارة بين قومي * وما أمشي بغش إن مشيت قوله [عز وجل]: (كرام) ~~أي: على ربهم (بررة) أي: مطيعين. قال الفراء: واحد " البررة " في قياس ~~العربية: بار، لأن العرب لا تقول. فعلة ينوون به الجمع إلا ms2376 الواحد ومنه ~~فاعل، مثل كافر، وكفرة، وفاجر، وفجرة. PageV08P182 # قتل الإنسان ما أكفره (17) من أي شئ خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ~~ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما ~~يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ~~ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ~~ونخلا (29) وحدائق غلبا وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) قوله ~~[عز وجل]: (قتل الإنسان) أي: لعن، والمراد بالإنسان هاهنا: الكافر. وفيمن ~~عنى بهذا القول ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أشار إلى كل كافر، قاله مجاهد. والثاني: أنه أمية بن خلف، ~~قاله الضحاك. # والثالث: عتبة بن أبي لهب، قاله مقاتل. # وفي قوله [عز وجل]: (ما أكفره) ثلاثة أقوال: # أحدها: ما أشد كفره * قاله ابن جريج. # والثاني: أي شئ أكفره؟ قاله السدي: فعلى هذا يكون استفهام توبيخ. # الثالث: أنه على وجه التعجب. وهذا التعجب يؤمر به الآدميون والمعنى: ~~اعجبوا أنتم من كفره، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (من أي شئ خلقه) ثم فسره فقال [عز وجل]: (من نطفة خلقه). # وفي معنى " فقدره " ثلاثة أقوال: # أحدها: قدر أعضاء رأسه. وعينيه، ويديه، ورجليه، قاله ابن السائب. # والثاني: قدره أطوارا: نطفة، ثم علقه، إلى آخر خلقه، قاله مقاتل. # والثالث: فقدره على الاستواء، قاله الزجاج. # قوله: (ثم السبيل يسره) فيه قولان: # أحدهما: سهل له العلم بطريق الحق والباطل، قاله الحسن، ومجاهد. قال ~~الفراء. # والمعنى: ثم يسره للسبيل. PageV08P183 # والثاني: يسر له السبيل في خروجه من بطن أمه، قاله السدي، ومقاتل قوله ~~[عز وجل]: # (فأقبره) قال الفراء: أي جعله مقبورا، ولم يجعله ممن يلقى للسباع والطير، ~~فكأن القبر مما أكرم به المسلم. ولم يقل: قبره، لأن القابر هو الدافن بيده. ~~والمقبر الله، لأنه صيره مقبورا. فليس فعله كفعل الآدمي. والعرب تقول: بترت ~~ذنب البعير، والله أبتره. وعضبت قرن الثور، والله أعضبه وطردت فلانا عني، ~~والله أطرده، أي: صيره طريدا. وقال أبو عبيدة: أقبره: أي أمر أن يقبر، وجعل ~~له قبرا. قالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لما ms2377 قتل صالح بن عبد الرحمن: أقبرنا ~~صالحا فقال: # دونكموه. والذي يدفن بيده هو القابر. قال الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم يسلم إلى قابر قوله [عز وجل]: (ثم إذا ~~شاء أنشره) أي: بعثه. يقال: أنشر الله الموتى فنشروا، ونشر الميت: حيي هو ~~بنفسه، واحدهم ناشر. قال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر قوله [عز وجل]: (كلا) ~~قال الحسن: حقا (لما يقض ما أمره) به ربه، ولم يؤد ما فرض عليه. وهل هذا ~~عام، أم خاص؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه عام. قال مجاهد: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله عليه. # والثاني: أنه خاص للكافر لم يقض ما أمر به من الإيمان والطاعة، قاله يحيى ~~بن سلام ولما ذكر خلق ابن آدم، ذكر رزقه ليعتبر وليستدل بالنبات على البعث، ~~فقال [عز وجل]: (فلينظر الإنسان إلى طعامه) قال مقاتل: يعني به عتبة بن أبي ~~لهب. ومعنى الكلام: فلينظر الإنسان كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا ~~لحياته؟ ثم بين فقال [عز وجل]: (أنا) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر " إنا " بالكسر. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي (أنا صببنا) بفتح الهمزة ~~في الوصل وفي الابتداء، ووافقهم رويس على فتحها في الوصل، [فإذا ابتدأ] ~~كسر. قال الزجاج: PageV08P184 # من كسر فعلى الابتداء والاستئناف، ومن فتح، فعلى البدل من الطعام، ~~المعنى: فلينظر الإنسان إلى إنا صببنا. قال المفسرون: أراد بصب الماء: ~~المطر (ثم شققنا الأرض) بالنبات (شقا فأنبتنا فيها حبا) يعني جميع الحبوب ~~التي يتغذى بها (وعنبا وقضبا) قال الفراء: هو الرطبة. وأهل مكة يسمون ألقت: ~~القضب. قال ابن قتيبة: ويقال: إنه سمي بذلك لأنه يقضب مرة بعد مرة، أي: # يقطع، وكذلك القصيل، لأنه يقصل، أي: يقطع. # قوله [عز وجل]: ([وزيتونا ونخلا] وحدائق غلبا) قال الفراء: كل بستان عليه ~~حائط، فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل: حديقة. والغلب: ما غلظ من ~~النخل. قال أبو عبيدة: # يقال: شجرة غلباء: إذا كانت غليظة. وقال ابن قتيبة: الغلب: ms2378 الغلاظ ~~الأعناق. وقال الزجاج: هي المتكاثفة، العظام. # قوله [عز وجل]: (وفاكهة) يعني: ألوان الفاكهة (وأبا) فيه قولان: # أحدهما: أنه ما ترعاه البهائم. قاله ابن عباس، وعكرمة، واللغويون. قال ~~الزجاج: هو جميع الكلأ [التي] تعتلفه الماشية. # والثاني: أنه الثمار الرطبة، رواه الوالبي عن ابن عباس. # قوله: (متاعا لكم ولأنعامكم) قد بيناه في السورة التي قبلها. PageV08P185 # فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) ~~وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة ~~(38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) ~~أولئك هم الكفرة الفجرة (42) قوله [عز وجل]: (فإذا جاءت الصاخة) وهي الصيحة ~~الثانية. قال ابن قتيبة: الصاخة تصخ صخا، أي: تصم. يقال: رجل أصخ، وأصلخ: ~~إذا كان لا يسمع. والداهية صاخة أيضا. # وقال الزجاج: هي الصيحة التي تكون عليها القيامة، تصخ الأسماع، أي: ~~تصمها، فلا تسمع إلا ما تدعي به لإحيائها. ثم فسر في أي وقت تجيء فقال [عز ~~وجل]: (يوم يفر المرء من أخيه) قال المفسرون: والمعنى: لا يلتفت الإنسان ~~إلى أحد من أقاربه، لعظم ما هو فيه. قال الحسن: # أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أمه وأبيه وإبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ~~ومن ابنه نوح. وقال قتادة: يفر هابيل من قابيل، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~من أمه، وإبراهيم من أبيه، ولوط من صاحبته، ونوح من ابنه. # قوله [عز وجل]: (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) قال الفراء: أي: يشغله ~~عن قرابته. # وقال ابن قتيبة: أي: يصرفه ويصده عن قرابته، يقال: اغن عني وجهك، أي: ~~اصرفه، واغن عني السفيه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والزهري، وأبو ~~العالية، وابن السميفع، وابن محيصن، وابن أبي عبلة " يعنيه " بفتح الياء ~~والعين غير معجمة. قال الزجاج: معنى الآية: له شأن لا يقدر مع الاهتمام به ~~على الاهتمام بغيره، وكذلك قراءة من قرأ " يعنيه " بالعين، معناه له شأن لا ~~يهمه معه غيره. # وقد روى أنس بن مالك قال: قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: أنحشر ~~عراة؟ قال: نعم. ms2379 قالت: # وا سوأتاه. فأنزل الله [عز وجل]: (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه). # قوله [عز وجل]: (وجوه يومئذ مسفرة) أي. مضيئة قد علمت ما لها من الخير ~~(ضاحكة) لسرورها (مستبشرة) أي: فرحة بما نالها من كرامة الله عز وجل (ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة) أي: # غبار. وقال مقاتل: أي: سواد وكآبة (ترهقها) أي: يغشاها (قترة) أي: ظلمة. ~~وقال الزجاج: # يعلوها سواد كالدخان. ثم بين من أهل هذه الحال، فقال [عز وجل]: (أولئك هم ~~الكفرة الفجرة) وهو جمع كافر وفاجر. PageV08P186 # سورة التكوير مكية وآياتها تسع وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت ~~(3) وإذا PageV08P187 # العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس ~~زوجت (7) وإذا الموؤودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت (10) ~~وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا الجنة أزلفت (13) علمت ~~نفس ما أحضرت (14) روى أبو عبد الله الحاكم في " صحيحه " من حديث عبد الله ~~بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن ينظر إلى يوم ~~القيامة فليقرأ [قوله تعالى]: (إذا الشمس كورت). # وفي قوله [عز وجل]: (كورت) أربعة أقوال: # أحدها: أظلمت، رواه الوالبي عن ابن عباس، وكذلك قال الفراء: ذهب ضوؤها، ~~وهذا قول قتادة، ومقاتل. # والثاني: ذهبت، رواه عطية عن ابن عباس، وكذلك قال مجاهد: اضمحلت. # والثالث: غورت، روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن الأنباري، وهذا من ~~قول الناس بالفارسية: كوربكرد. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: هو ~~بالفارسية كوربور. # والرابع: أنها تكور مثل تكوير العمامة، فتلف وتمحى، قاله أبو عبيدة. قال ~~الزجاج: ومعنى " كورت " جمع ضوؤها، ولفت كما تلف العمامة. يقال: كورت ~~العمامة على رأسي أكورها: إذا لففتها. قال المفسرون: تجمع الشمس بعضها إلى ~~بعض، ثم تلف ويرمى بها في البحر. وقيل: في النار. وقيل: تعاد إلى ما خلقت ~~منه. # قوله [عز وجل]: (وإذا النجوم انكدرت) أي: تناثرت، وتهافتت. يقال: انكدر ~~الطائر في الهواء: إذا انقض (وإذا الجبال سيرت) ms2380 عن وجه الأرض، واستوت مع ~~الأرض (وإذا PageV08P188 # العشار عطلت) قال المفسرون وأهل اللغة. النوق الحوامل، وهي التي أتى ~~عليها في الحمل عشرة أشهر فقيل لها: العشار لذلك، وذلك الوقت أحسن زمان ~~حملها، وهي تضع إذا وضعت لتمام في سنة، فهي أنفس ما للعرب عندهم، فلا ~~يعطلونها، إلا لإتيان ما يشغلهم عنها، وإنما خوطبت العرب بأمر العشار، لأن ~~أكثر عيشهم ومالهم من الإبل، ومعنى " عطلت " سيبت وأهملت، لاشتغالهم عنها ~~بأهوال القيامة. # قوله تعالى: (وإذا الوحوش) يعني: دواب البر (حشرت) وفيه قولان: # أحدهما: ماتت، قاله ابن عباس. # والثاني: جمعت إلى يوم القيامة، قاله السدي. وقد زدنا هذا شرحا في ~~الأنعام. # قوله [عز وجل]: (وإذا البحار سجرت) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو " سجرت " ~~بتخفيف الميم: وقرأ الباقون بتشديدها. وفي المعنى ثلاثة أقوال: # أحدها: أوقدت فاشتعلت نارا، قاله علي وابن عباس. # والثاني: يبست، قاله الحسن. # والثالث: ملئت بأن صارت بحرا واحدا، وكثر ماؤها، قاله ابن السائب. ~~والفراء: وابن قتيبة. # قوله [عز وجل]: (وإذا النفوس زوجت) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: قرنت بأشكالها. قاله عمر رضي الله عنه الصالح مع الصالح في الجنة، ~~والفاجر مع الفاجر في النار، وهذا قول الحسن، وقتادة. PageV08P189 # والثاني: ردت الأرواح إلى الأجساد، فزوجت بها، قاله الشعبي. وعن عكرمة ~~كالقولين. # والثالث: زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين، ~~قاله عطاء، ومقاتل. # قوله [عز وجل]: (وإذا الموؤودة سئلت) قال اللغويون: الموؤودة: البنت تدفن ~~وهي حية، وكان هذا من فعل الجاهلية، يقال: وأد ولده، أي: دفنه حيا. قال ~~الفرزدق: # ومنا الذي منع الوائدات * فأحيا الوئيد ولم يؤاد. # يعني: صعصعة بن صوحان، وهو جد الفرزدق. قال الزجاج: ومعنى سؤالها تبكيت ~~قاتلها في القيامة، لأن جوابها: قتلت بغير ذنب. ومثل هذا التبكيت وقيل سئلت ~~طلبت كما تقول سألته حقي وإنما طلبت لتبكيت قاتلي. قوله [عز وجل]: (أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين؟!) وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن ~~مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وهارون عن ~~أبي ms2381 عمرو " سألت " بفتح السين، وألف بعدها (بأي ذنب قتلت) بإسكان اللام، ~~وضم التاء الأخيرة. وسؤالها هذا أيضا تبكيت لقاتليها. قال ابن عباس: كانت ~~المرأة في الجاهلية إذا حملت، فكان أوان ولادها حفرت حفيرة، فتمخضت على رأس ~~الحفيرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة، وإن ولدت غلاما حبسته. # قوله [عز وجل]: (وإذا الصحف نشرت) قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر، وابن ~~عامر، ويعقوب " نشرت " بالتخفيف، والباقون بالتشديد. والمراد بالصحف: صحائف ~~أعمال بني آدم نشرت للحساب (وإذا السماء كشطت) قال الفراء: يعني نزعت، ~~فطويت. وفي قراءة عبد الله " قشطت " بالقاف، وهكذا تقول قيس، وتميم، وأسد، ~~بالقاف. وأما قريش، فتقوله بالكاف، والمعنى واحد. والعرب تقول: القافور، ~~والكافور، والقسط، والكسط. وإذا تقارب الحرفان في PageV08P190 # المخرج تعاقبا في اللغات، [كما يقال]: جدث، وجدف. قال ابن قتيبة: كشطت ~~كما يكشط الغطاء عن الشئ، فطويت. وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. و ~~(سعرت) أوقدت. # وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم " سعرت " مشددة. قال الزجاج: المعنى ~~واحد. إلا أن معنى المشدد: أوقدت مرة بعد مرة. و (أزلفت) قربت من المتقين. ~~وجواب هذه الأشياء (علمت نفس ما أحضرت) أي: إذا كانت هذه الأشياء علمت في ~~ذلك الوقت كل نفس ما أحضرت من عمل، فأثيبت على قدر عملها. وروي عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال في قوله [عز وجل]: (علمت نفس ما أحضرت): لهذا جرى الحديث. ~~وقال ابن عباس: من أول السورة إلى هاهنا اثنتا عشرة خصلة، ستة في الدنيا، ~~وستة في الآخرة. # فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم ~~أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على ~~الغيب بضنين (24) وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ~~ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إلا أن يشاء رب ~~العالمين (29) قوله [عز وجل]: (فلا أقسم) لا زائدة، والمعنى: أقسم (بالخنس) ~~وفيها خمسة أقوال: # أحدها: أنها خمسة ms2382 أنجم تخنس بالنهار فلا ترى، وهي: زحل، وعطارد، ~~والمشتري، والمريخ، والزهرة، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبه قال ~~مقاتل، وابن قتيبة. وقيل: اسم المشتري: البرجس. واسم المريخ: بهرام. # والثاني: أنها النجوم، قاله الحسن وقتادة على الإطلاق، وبه قال أبو ~~عبيدة: PageV08P191 # والثالث: أنها بقر الوحش، قاله ابن مسعود. # والرابع: الظباء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. # والخامس: الملائكة، حكاه الماوردي. والأكثرون على أنها النجوم. قال ابن ~~قتيبة: وإنما سماها خنسا، لأنها تسير في البروج والمنازل، كسير الشمس ~~والقمر، ثم تخنس، أي: ترجع، بينا يرى أحدها في آخر البروج كر راجعا إلى ~~أوله، وسماها كنسا، لأنها تكنس، أي: تسير كما تكنس الظباء. وقال الزجاج: ~~تخنس، أي: تغيب، وكذلك تكنس تدخل في كناسها، أي: تغيب في المواضع التي تغيب ~~فيها. وإذا كان المراد الظباء فهي تدخل الكناس، وهو الغصن من أغصان الشجر. ~~ووقف يعقوب على " الجواري " بالياء. # قوله [عز وجل]: (والليل إذا عسعس) فيه قولان: # أحدهما: ولى، قاله ابن عباس، وابن زيد، والفراء. # والثاني: أقبل، قاله ابن جبير، وقتادة. قال الزجاج: يقال: عسعس الليل: ~~إذا أقبل. # وعسعس: إذا أدبر. واستدل من قال: إن المراد: إدباره بقوله [عز وجل]: ~~(والصبح إذا تنفس) وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن قرط. # حتى إذا الصبح لها تنفسا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا وفي قوله [عز وجل]: ~~(تنفس) قولان: # أحدهما: أنه طلوع الفجر، قاله علي رضي الله عنه وقتادة. # والثاني: طلوع الشمس، قاله الضحاك. وقال الزجاج: معناه: إذا امتد حتى ~~يصير نهارا بينا. # وجواب القسم في قوله: (فلا أقسم بالخنس) وما بعده قوله: (إنه لقول رسول ~~كريم) يعني: أن القرآن نزل به جبريل. وقد بينا هذا في الحاقة. ثم وصف جبريل ~~بقوله [عز وجل]: (ذي قوة) وهو كقوله [عز وجل]: (ذو مرة) وقد شرحناه في ~~النجم ([ذي قوة] عند ذي العرش مكين) يعني: في المنزلة (مطاع ثم [أمين]) أي: ~~في السماوات تطيعه الملائكة. فمن طاعة الملائكة له: أنه أمر خازن الجنة ~~ليلة المعراج ms2383 حتى فتحها لمحمد صلى الله عليه وسلم فدخلها ورأى ما فيها، ~~وأمر خازن جهنم ففتح له عنها حتى نظر إليها. وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود، ~~وأبو حيوة [ثم أمين] بضم الثاء. PageV08P192 # ومعنى " أمين " على وحي الله ورسالاته. وقال أبو صالح: أمين على أن يدخل ~~سبعين سرادقا من نور بغير إذن. # قوله [عز وجل]: (وما صاحبكم بمجنون) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~والخطاب لأهل مكة. قال الزجاج: وهذا أيضا من جواب القسم، وذلك [أنه] أقسم ~~أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا ليس بمجنون كما يقول أهل مكة. # قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين) قال المفسرون: رأى محمد [صلى الله ~~عليه وسلم] جبريل على صورته بالأفق. وقد ذكرنا هذا في سورة النجم. # قوله [عز وجل]: (وما هو) يعني: محمدا [صلى الله عليه وسلم] (على الغيب) ~~أي: على خبر السماء الغائب عن أهل الأرض (بضنين) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~والكسائي، ورويس " بظنين " بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد. قال ابن قتيبة: من ~~قرأ بالظاء، فالمعنى ما هو بمتهم على ما يخبر [به] عن الله، ومن قرأ ~~بالضاد، فالمعنى: ليس ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم، وقال غيره: ~~ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه. # قوله [عز وجل]: (وما هو) يعني: القرآن (بقول شيطان رجيم) قال مقاتل: وذلك ~~أن كفار مكة قالوا: إنما يجيء به الشيطان، فيلقيه على لسان محمد. # قوله [عز وجل]: (فأين تذهبون؟) قال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين ~~من هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ قوله (إن هو) أي: ما هو، يعني: القرآن ~~(إلا ذكر للعالمين) أي: PageV08P193 # موعظة للخلق أجمعين (لمن شاء منكم أن يستقيم) على الحق والإيمان. ~~والمعنى: أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق. وقد بينا سبيل ~~الاستقامة، فمن شاء أخذ في تلك السبيل. ثم أعلمهم أن المشيئة في التوفيق ~~إليه بما بعد هذا، وقد بينا هذا في سورة الانسان قال أبو هريرة: # لما نزلت (لمن شاء منكم أن يستقيم) قالوا: ms2384 الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، ~~وإن شئنا لم نستقم، فنزل قوله [تعالى]: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين) وقيل: القائل لذلك أبو جهل. # وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأبو المتوكل، وأبو عمران: " وما ~~يشاؤون " بالياء. # فصل وقد زعم بعض ناقلي التفسير أن قوله [عز وجل]: (لمن شاء منكم أن ~~يستقيم) وقوله [عز وجل] في عبس: (فمن شاء ذكره)، وقوله [عز وجل] في سورة ~~الانسان وفي سورة المزمل: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) كله منسوخ بقوله ~~[عز وجل]: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) ولا أرى هذا القول صحيحا، لأنه لو ~~جاز وقوع مشيئتهم مع عدم مشيئته توجه النسخ. فأما إذ أخبر أن مشيئتهم لا ~~تقع إلا بعد مشيئته، فليس للنسخ وجه. PageV08P194 # سورة الانفطار مكية وآياتها تسع عشرة وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (3) وإذا البحار ~~فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك PageV08P195 # الكريم (6) الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل ~~تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما ~~تفعلون (12) إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها ~~يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ~~ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ~~(19) قوله [عز وجل]: (إذا السماء انفطرت) انفطارها: انشقاقها. و (انتثرت) ~~بمعنى تساقطت. # و (فجرت) بمعنى فتح بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا. وقال الحسن: ذهب ~~ماؤها، و (بعثرت) بمعنى أثيرت. قال ابن قتيبة: قلبت فأخرج ما فيها. يقال: ~~بعثرت المتاع وبحثرته: # إذا جعلت أسفله أعلاه. # قوله [عز وجل]: (علمت نفس ما قدمت وأخرت) هذا جواب الكلام. وقد شرحناه في ~~قوله [عز وجل]: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر). # قوله [عز وجل]: (يا أيها الإنسان) فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه عني به أبو الأشدين، وكان كافرا، قاله ابن عباس، ومقاتل. ms2385 وقد ~~ذكرنا اسمه في المدثر. # والثاني: أنه الوليد بن المغيرة، قاله عطاء. # والثالث: أنه [أبي بن] خلف، قاله عكرمة. # والرابع: أنه أشار إلى كل كافر، ذكره الماوردي. PageV08P196 # قوله [عز وجل]: (ما غرك) قال الزجاج: أي: ما خدعك وسول لك حتى أضعت ما ~~وجب عليك؟. وقال غيره: المعنى: ما الذي أمنك من عقابه وهو كريم متجاوز إذ ~~لم يعاقبك عاجلا؟ وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله سبحانه يوم القيامة، ~~وقال: ما غرك بربك الكريم، ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: غرني ستورك المرخاة. ~~وقال يحيى بن معاذ: لو قال لي: ما غرك بي؟ قلت: # برك سالفا وآنفا. وقيل: لما ذكر الصفة التي هي الكرم هاهنا دون سائر ~~صفاته، كان كأنه لقن عبده الجواب، ليقول: غرني كرم الكريم. # قوله [عز وجل]: (الذي خلقك) ولم تك شيئا (فسواك) إنسانا تسمع وتبصر ~~(فعدلك) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر " فعدلك " بالتشديد. ~~وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي " فعدلك " بالتخفيف. قال الفراء: من قرأ ~~بالتخفيف، فوجهه - والله أعلم -: فصورك إلى أي صورة ما شاء، إما حسن، وإما ~~قبيح، وإما طويل، وإما قصير. وقيل: في صورة أب، في صورة عم، في صورة بعض ~~القرابات تشبيها. ومن قرأ بالتشديد، فإنه أراد - والله أعلم -: جعلك ~~معتدلا، معدل الخلق. وقال غيره: عدل أعضاءك فلم تفضل يد على يد، ولا رجل ~~على رجل، وعدل بك أن يجعلك حيوانا بهيما. # قوله [عز وجل]: (في أي صورة ما شاء ركبك) قال الزجاج: يجوز أن تكون " ما ~~" زائدة. # ويجوز أن تكون بمعنى الشرط والجزاء، فيكون المعنى: في أي صورة ما شاء أن ~~يركبك فيها ركبك. وفي معنى الآية أربعة أقوال. # أحدها: في أي صورة من صور القرابات ركبك، وهو معنى قول مجاهد. # والثاني: في أي صورة، من حسن، أو قبيح أو طويل، أو قصير، أو ذكر، أو ~~أنثى، وهو معنى قول الفراء. # والثالث: إن شاء أن يركبك في غير صورة الانسان ركبك، قاله مقاتل. وقال ~~عكرمة: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء ms2386 في صورة خنزير. PageV08P197 # [والرابع: إن شاء في صورة إنسان بأفعال الخير]. وإن شاء في صورة حمار ~~بالبلادة والبله، وإن شاء في صورة كلب بالبخل، أو خنزير بالشر، ذكره ~~الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (بل تكذبون بالدين) وقرأ أبو جعفر بل يكذبون " بالياء " ~~أي: بالجزاء والحساب، فيزعمون أنه غير كائن. ثم أعلمهم أن أعمالهم محفوظة، ~~فقال تعالى: (وإن عليكم لحافظين) أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم ~~(كراما) على ربهم (كاتبين) يكتبون أعمالكم (يعلمون ما تفعلون) من خير وشر، ~~فيكتبونه عليكم. # [قوله تعالى]: (إن الأبرار لفي نعيم) وذلك في الآخرة إذا دخلوا الجنة ~~(وإن الفجار) وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم المشركون. # والثاني: الظلمة. ونقل عن سليمان بن عبد الملك أنه قال لأبي حازم: يا ليت ~~شعري ما لنا عند الله؟ فقال له: اعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك ~~عنده، فقال: وأين أجده؟ قال: # عند قوله [عز وجل]: (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم) قال ~~سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين. # قوله [عز وجل]: (يصلونها يوم الدين) يعني: يدخلون الجحيم مقاسين حرها ~~(يوم الدين) أي: يوم الجزاء على الأعمال (وما هم عنها) أي: الجحيم ~~(بغائبين) وهذا يدل على تخليد الكفار. وأجاز بعض العلماء أن تكون " عنها " ~~كناية عن يوم القيامة، فتكون فائدة الكلام تحقيق البعث. ويشتمل هذا على ~~الأبرار والفجار. ثم عظم ذلك اليوم بقوله [عز وجل]: (وما أدراك ما يوم ~~الدين) ثم كرر ذلك تفخيما لشأنه، وكان ابن السائب يقول: الخطاب بهذا ~~للإنسان الكافر، لا لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]. # قوله [عز وجل]: (يوم لا تملك نفس لنفس) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو " يوم " ~~بالرفع، والباقون: بالفتح. قال الزجاج: من رفع " اليوم "، فعلى أنه صفة ~~لقوله [عز وجل]: (يوم الدين). # ويجوز أن يكون رفعا بإضمار " هو "، ونصبه على معنى: هذه الأشياء المذكورة ~~تكون (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا) قال المفسرون: ومعنى الآية أنه لا يملك ~~الأمر أحد إلا الله ولم يملك أحدا من الخلق شيئا ms2387 كما ملكهم في الدنيا. وكان ~~مقاتل يقول: لا تملك نفس لنفس كافرة شيئا من المنفعة. والقول على الإطلاق ~~أصح، لأن مقاتلا فيما أحسب خاف نفي شفاعة المؤمنين. والشفاعة إنما تكون عن ~~أمر الله وتمليكه. PageV08P198 # سورة المطففين مكية وآياتها ست وثلاثون وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والضحاك، ويحيى بن سلام. # والثاني: مدنية، قاله ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ومقاتل، الا أن ~~ابن عباس، وقتادة قالا: فيها ثمان آيات مكية، من قوله [عز وجل]: (إن الذين ~~أجرموا) إلى آخرها. وقال مقاتل: فيها آية مكية، وهي قوله [عز وجل]: (إذا ~~تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين). # والثالث: أنها نزلت بين مكة، والمدينة، قاله جابر بن زيد وابن السائب، ~~وذكر هبة الله بن سلامة المفسر أنها نزلت في الهجرة بين مكة والمدينة، ~~نصفها يقارب مكة، ونصفها يقارب المدينة. # بسم الله الرحمن الرحيم ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ~~(4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) قوله [عز وجل]: (ويل ~~للمطففين) قال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~كانوا PageV08P199 # من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى: (ويل للمطففين) فأحسنوا الكيل بعد ~~ذلك. وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال ~~له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه ~~الآية. وقد شرحنا معنى " الويل " في البقرة قال ابن قتيبة: # المطفف: الذي لا يوفي الكيل، يقال: إناء طفان: إذا لم يكن مملوءا. وقال ~~الزجاج: إنما قيل: # مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشئ الطفيف، وإنما أخذ ~~من طف الشئ، وهو جانبه. # قوله [عز وجل]: (الذين إذا اكتالوا على الناس) أي: من الناس. ف‍ " على " ~~بمعنى " من " في قول المفسرين واللغويين. قال الفراء: " على "، و " من " ~~يعتقبان في هذا الموضع، لأنك إذا قلت: اكتلت عليك، فكأنك قلت: أخذت ما ~~عليك، وإذا قلت: اكتلت منك، فهو ms2388 كقولك: # استوفيت منك. قال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم ~~الكيل، وكذلك إذا اتزنوا، ولم يذكر " إذا اتزنوا "، لأن الكيل والوزن بهما ~~الشراء والبيع فيما يكال ويوزن، فأحدهما يدل على الآخر (وإذا كالوهم) أي: ~~كالوا لهم (أو وزنوهم) أي: وزنوا لهم (يخسرون) أي: ينقصون في الكيل، ~~والوزن. فعلى هذا لا يجوز أن يقف على " كالوا "، ومن الناس من يجعل " هم " ~~توكيدا لما كالوا، ويجوز أن يقف على " كالوا " والاختيار الأول. قال ~~الفراء: سمعت أعرابية تقول: # إذا صدر الناس أتينا التاجر، فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل. # قوله [عز وجل]: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟!) قال الزجاج: المعنى: لو ~~ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن (ليوم عظيم) يعني به يوم ~~القيامة (يوم يقوم الناس) اليوم منصوب بقوله [عز وجل]: " مبعوثون ". قال ~~المفسرون: والظن هاهنا بمعنى العلم واليقين. ومعنى يقوم الناس، أي: من ~~قبورهم (لرب العالمين) أي: لأمره، أو لجزائه وحسابه. وقيل يقومون بين يديه ~~PageV08P200 # لفصل القضاء. وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: في هذه الآية: # " يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه ". وقال كعب: يقفون ثلاثمائة عام. ~~قال مقاتل: # [وذلك] إذا أخرجوا من قبورهم. # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ~~ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل ~~معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم ~~إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين (18) وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده ~~المقربون (21) إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون ~~(28) قوله [عز وجل]: (كلا) ردع وزجر، أي: ليس الأمر على ما هم عليه، ms2389 ~~فليرتدعوا. وهاهنا تم الكلام عند كثير من العلماء. وكان أبو حاتم يقول: " ~~كلا " ابتداء يتصل بما بعده على معنى " حقا " (إن كتاب الفجار) قال مقاتل: ~~إن كتاب أعمالهم (لفي سجين) وفيها أربعة أقوال: PageV08P201 # أحدها: أنها الأرض السابعة، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ~~ومقاتل. # وروي عن مجاهد قال: " سجين " صخرة تحت الأرض السابعة، يجعل كتاب الفاجر ~~تحتها، وهذه علامة لخسارتهم، ودلالة على خساسة منزلتهم. # والثاني: أن المعنى: إن كتابهم لفي سفال، قاله الحسن. # والثالث: لفي خسار، قاله عكرمة. # والرابع: لفي حبس، فعيل من السجن، قاله أبو عبيدة. # قوله [عز وجل]: (وما أدراك ما سجين) هذا تعظيم لأمرها. وقال الزجاج: أي: ~~ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. # قوله [عز وجل]: (كتاب مرقوم) أي: ذلك الكتاب الذي في سجين كتاب مرقوم، ~~أي: # مكتوب. قال ابن قتيبة: والرقم: الكتاب. قال ابن ذؤيب: # عرفت الديار كرقم الدواة * يزبره الكاتب الحميري وأنشده الزجاج: " يذبرها ~~" بالذال المعجمة، وكسر الباء. قال الأصمعي: يقال: زبر: كتب، وذبر: قرأ. ~~وروى أبو عمرو عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: الصواب: زبرت - بالزاي - ~~كتبت. وذبرت - بالذال - أتقنت ما حفظت. قال: والبيت يزبرها، بالزاي والضم. ~~وقال ابن قتيبة: يروى [" يزبرها " و " يذبرها " وهو مثله، يقال: زبر ~~الكتاب] يزبره، ويزبره. وذبره يذبره، ويذبره. وقال قتادة: رقم له بشر، كأنه ~~أعلم بعلامة يعرف بها أنه الكافر. وقيل: المعنى: إنه مثبت لهم كالرقم في ~~الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به. # قوله [عز وجل]: (ويل يومئذ للمكذبين) هذا منتظم بقوله [عز وجل]: (يوم ~~يقوم الناس)، وما PageV08P202 # بينهما كلام معترض. وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله [عز وجل]: (كلا بل ~~ران على قلوبهم) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر " بل ران " بفتح الراء ~~مدغمة، وقرأ أبو بكر عن عاصم " بل ران " مدغمة بكسر الراء. وقرأ حفص عن ~~عاصم " بل " بإظهار اللام " ران " بفتح الراء وقرأ حمزة والكسائي بادغام ~~اللام بكسر الراء، قال اللغويون: أي: غلب على قلوبهم يقال: الخمر ترين ms2390 على ~~عقل السكران. قال الزجاج: قرئت بادغام اللام في الراء، لقرب ما بين ~~الحرفين، وإظهار اللام جائز، لأنه من كلمة، والرأس من كلمة أخرى. # ويقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا: إذا غشي على قلبه، ويقال: غان يغين ~~غينا، والغين كالغيم الرقيق، والرين كالصدأ يغشى على القلب. وسمعت شيخنا ~~أبا منصور اللغوي يقول: الغين يقال: بالراء، وبالغين، ففي القرآن " كلا بل ~~ران " وفي الحديث: " إنه ليغان على قلبي " وكذلك الراية تقال بالراء، ~~وبالغين، والرميصاء تكتب " بالغين "، وبالراء، لأن الرمص يكتب بهما. قال ~~المفسرون: لما كثرت معاصيهم وذنوبهم أحاطت بقلوبهم. قال الحسن: هو الذنب ~~على الذنب حتى يعمى القلب. # قوله [عز وجل]: (كلا) أي: لا يصدقون. ثم استأنف (إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون) قال ابن عباس: إنهم عن النظر إلى ربهم [يومئذ] لمحجوبون، والمؤمن ~~لا يحجب عن رؤيته. وقال مالك بن أنس: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى ~~لأوليائه حتى رأوه. # وقال الشافعي: لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى. وقال ~~الزجاج: وهذه الآية دليل على أن الله عز وجل يرى في القيامة. ولولا ذلك ما ~~كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن ربهم. ثم ~~بعد حجبهم عن الله يدخلون النار، فذلك قوله [عز وجل]: # (ثم إنهم لصالو الجحيم). PageV08P203 # قوله [عز وجل]: (ثم يقال) أي: تقول خزنة النار: (هذا) العذاب (الذي كنتم ~~به تكذبون. # كلا) أي: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم أعلم أين محمل (كتاب الأبرار) ~~فقال [عز وجل]: # (لفي عليين) وفيها سبعة أقوال: # أحدها: الجنة، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنه لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش فيه أعمالهم مكتوبة، ~~روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين، قاله كعب، وهو مذهب ~~مجاهد، وابن زيد. # والرابع: أنها قائمة العرش اليمنى، وقال مقاتل: ساق العرش. # والخامس: أنه سدرة المنتهى، قاله الضحاك. # والسادس: أنه في علو وصعود إلى الله عز وجل قاله الحسن. وقال الفراء: في ~~ارتفاع ms2391 بعد ارتفاع. # والسابع: أنه أعلى الأمكنة، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (وما أدراك ما عليون) هذا تعظيم لشأنها. # قوله [عز وجل]: (كتاب مرقوم) الكلام فيه كالكلام في الآية التي قبلها. # قوله [عز وجل]: (يشهده المقربون) أي: يحضر المقربون من الملائكة ذلك ~~المكتوب، أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. وما بعد هذا قد سبق بيانه ~~إلى قوله [عز وجل (ينظرون) ففيه قولان: # أحدهما: إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. PageV08P204 # والثاني: إلى أعدائهم حين يعذبون. # قوله [عز وجل]: (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) وقرأ أبو جعفر، ويعقوب " ~~تعرف " بضم التاء، وفتح الراء " نضرة " بالرفع. قال الفراء: بريق النعيم ~~ونداه. قال المفسرون: إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعيم، لما ترى من ~~الحسن والنور. وفي " الرحيق " ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الخمر، قاله الجمهور. ثم اختلفوا أي الخمر هي على أربعة ~~أقوال. أحدها: # أجود الخمر، قاله الخليل بن أحمد. والثانية: الخالصة من الغش، قاله ~~الأخفش. والثالث: الخمر البيضاء، قاله مقاتل. والرابع: الخمر العتيقة، حكاه ~~ابن قتيبة. # والقول الثاني: أنه عين في الجنة مشوبة بالمسك، قاله الحسن. # والثالث: أنه الشراب الذي لا غش فيه، قاله ابن قتيبة، والزجاج. وفي قوله ~~[عز وجل]: # (مختوم) ثلاثة أقوال. # أحدها: ممزوج، قاله ابن مسعود. # والثاني: مختوم على إنائه، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد. # والثالث: أنه ختام، أي: عاقبة ريح، وتلك العاقبة هي قوله [عز وجل]: ختامه ~~مسك، أي عاقبته. هذا قول أبي عبيدة. # قوله (ختامه مسك) قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة " ختامه " بكسر الخاء، وبفتح التاء، وبألف بعدهما، مرفوعة الميم. ~~وقرأ الكسائي " خاتمه " بخاء مفتوحة. # [بعدها ألف، وبعدها تاء مفتوحة]. وروى الشيزري عنه " خاتمه " مثل ذلك، ~~إلا أنه يكسر التاء. # وقرأ أبي بن كعب، وعروة، وأبو العالية: " ختمه مسك " بفتح الخاء والتاء ~~وبضم الميم من غير ألف. وللمفسرين في قوله تعالى: (ختامه مسك) أربعة أقوال. # أحدها: خلطه مسك، قاله ابن مسعود، ومجاهد. # والثاني: أن ختمه الذي يختم به الإناء مسك، قاله ابن ms2392 عباس. # والثالث: أن طعمه وريحه مسك، قاله علقمة. PageV08P205 # والرابع: أن آخر طعمه مسك، قاله سعيد بن جبير، والفراء، وأبو عبيدة، وابن ~~قتيبة، والزجاج في آخرين. # قوله [عز وجل]: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) أي: فليجدوا في طلبه، ~~وليحرصوا عليه بطاعة الله. والتنافس: كالتشاح على الشئ، والتنازع فيه. # قوله [عز وجل]: (ومزاجه من تسنيم) فيه قولان. # أحدهما: أنه اسم عين في الجنة، قال ابن مسعود وهي عين في الجنة يشربها ~~المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. # والثاني: أن التسنيم الماء، قاله الضحاك. قال مقاتل: وإنما سمي تسنيما، ~~لأنه يتسنم عليه من جنة عدن، فينصب عليهم انصبابا، فيشربون الخمر من ذلك ~~الماء. قال ابن قتيبة: يقال: إن التسنيم أرفع شراب في الجنة. ويقال: إنه ~~يمتزج بماء ينزل من تسنيم، أي: من علو. وأصل هذا من سنام البعير، ومن تسنيم ~~القبور. وهذا أعجب إلي، لقول المسيب بن علس في وصف امرأة: # كأن بريقتها للمزاج * من ثلج تسنيم شيبت عقارا أراد: كأن بريقتها عقارا ~~شيبت للمزاج من ثلج تسنيم، يريد: جبلا. قال الزجاج: المعنى: # ومزاجه من ماء تسنيم عينا تأتيهم من تسنيم، أي: من علو يتسنم عليهم من ~~الغرف. ف‍ " عينا " في هذا القول منصوبة، كما قال [عز وجل]: (أو إطعام في ~~يوم ذي مسغبة يتيما). ويجوز أن تكون " عينا " منصوبة بقوله: يسقون عينا، ~~أي: من عين. وقد بينا معنى " يشرب بها " في هل أتى. # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم ~~يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا ~~إن هؤلاء لضالون (32) PageV08P206 # وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) ~~على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) قوله [عز ~~وجل]: (إن الذين أجرموا) أي: أشركوا (كانوا من الذين آمنوا) يعني أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل عمار، وبلال، وخباب وغيرهم (يضحكون) على ~~وجه الاستهزاء بهم (وإذا مروا) [يعني]: المؤمنين (بهم) أي: بالكفار ~~(يتغامزون) أي: يشيرون بالجفن والحاجب استهزاء بهم (وإذا انقلبوا) يعني: ~~الكفار ms2393 (إلى أهلهم انقلبوا فكهين) أي: متعجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم. ~~وقرأ أبو جعفر، وحفص عن عاصم، وعبد الرزاق عن ابن عامر " فكهين " بغير ألف. ~~وقد شرحنا معنى القراءتين في يس قوله (وإذا رأوهم) أي: رأوا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (قالوا إن هؤلاء لضالون) يقول الله تعالى: (وما ~~أرسلوا) يعني الكفار (عليهم) أي: على المؤمنين (حافظين) يحفظون أعمالهم ~~[عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم] (فاليوم) يعني: # في الآخرة (الذين آمنوا من الكفار يضحكون) إذا رأوهم يعذبون في النار. ~~قال أبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا، وتفتح لهم أبوابها، فإذا ~~أقبلوا يريدون الخروج، غلقت أبوابها دونهم. والمؤمنون (على الأرائك ينظرون) ~~إليهم فذلك قوله (فاليوم الذين آمنوا) من الكفار يضحكون (على الأرائك ~~ينظرون) إلى عذاب عدوهم. قال مقاتل: لكل رجل من أهل الجنة ثلمة ينظرون إلى ~~أعداء الله كيف يعذبون، فيحمدون الله على ما أكرمهم به، فهم يكلمون أهل ~~النار ويكلمونهم إلى أن تطبق النار على أهلها، فتسد حينئذ الكوى. # قوله تعالى: (هل ثوب الكفار) وقرأ حمزة، والكسائي، وهارون عن أبي عمرو " ~~هل ثوب " بإدغام اللام. أي: هل جوزوا وأثيبوا على استهزائهم بالمؤمنين في ~~الدنيا؟ وهذا الاستفهام بمعنى التقرير. PageV08P207 # سورة الانشقاق مكية وآياتها خمس وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت ~~(3) وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا PageV08P208 # فملاقيه (6) فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) ~~وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من أوتى كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ~~ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن ~~يحور (14) قوله [عز وجل]: (إذا السماء انشقت) قال المفسرون: انشقاقها من ~~علامات الساعة. وقد ذكر ذلك في مواضع من القرآن. (وأذنت لربها) أي: استمعت ~~وأطاعت في الانشقاق، من الإذن، وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه، وأنشدوا: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ms2394 (وحقت) أي: حق ~~لها أن تطيع ربها الذي خلقها (وإذا الأرض مدت) قال ابن عباس: تمد مد ~~الأديم، ويزاد في سعتها. وقال مقاتل: لا يبقى جبل ولا بناء إلا دخل فيها. # قوله [عز وجل]: (وألقت ما فيها من الموتى) والكنوز (وتخلت) أي: خلت من ~~ذلك، فلم يبق في باطنها شئ. واختلفوا في جواب هذه الأشياء المذكورات على ~~أربعة أقوال. # أحدها: متروك، لأن المعنى معروف قد تردد في القرآن. # والثاني: أنه (يا أيها الإنسان)، كقول القائل: إذا كان كذا وكذا فيا أيها ~~الناس ترون ما عملتم، فيجعل: (يا أيها الإنسان) جوابه، وتضمر فيه الفاء، ~~فكأن المعنى: ترى الثواب والعقاب إذا السماء انشقت، ذكر القولين الفراء. # والثالث: أن [في] الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: " يا أيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت " قاله المبرد. # والرابع: أن الجواب مدلول عليه بقوله [عز وجل]: " فملاقيه ". فالمعنى: ~~إذا كان يوم القيامة PageV08P209 # لقي الإنسان عمله، قاله الزجاج. قوله [عز وجل]: (إنك كادح إلى ربك كدحا) ~~فيه قولان. # أحدهما: إنك عامل لربك عملا، قاله ابن عباس. # والثاني: ساع إلى ربك سعيا، قاله مقاتل. قال الزجاج: و " الكدح " في ~~اللغة: السعي، والدأب في العمل باب الدنيا والآخرة. قال تميم بن مقبل: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت أخرى أبتغي العيش أكدح وفي قوله [عز ~~وجل]: (إلى ربك) قولان: # أحدهما: عامل لربك. وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: إلى لقاء ربك، قاله ابن قتيبة. وفي قوله [عز وجل]: (فملاقيه) ~~قولان. # أحدهما: فملاق عملك. # والثاني: فملاق ربك، ذكرهما الزجاج. # قوله [عز وجل]: (فسوف يحاسب حسابا يسيرا) وهو أن تعرض عليه سيئاته، ثم ~~يغفرها الله له. وفي " الصحيحين " من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب هلك، فقلت: يا رسول الله، ~~فإن الله يقول: " فسوف يحاسب حسابا يسيرا "؟! قال: # ذلك العرض ". # قوله [عز وجل]: (وينقلب إلى أهله) يعني: في الجنة من الحور العين ~~والآدميات (مسرورا) بما أوتي من الكرامة ms2395 (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) ~~قال المفسرون: تغل يده اليمنى إلى عنقه، وتجعل يده اليسرى وراء ظهره (فسوف ~~يدعو ثبورا) قال الزجاج: يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه، وهذا يقوله كل من وقع ~~في هلكة. # قوله [عز وجل]: (ويصلى سعيرا) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي ~~" ويصلى " بضم الياء، وتشديد اللام. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة " ويصلى " ~~بفتح الياء خفيفة، إلا أن حمزة والكسائي يميلانها. وقد شرحناه في سورة ~~النساء. قوله [عز وجل]: (إنه كان في أهله) PageV08P210 # يعني في الدنيا (مسرورا) باتباع هواه، وركوب شهواته (إنه ظن أن لن يحور) ~~أي: لن يرجع إلى الآخرة، ولن يبعث وهذه صفة الكافر. قال اللغويون: الحور في ~~اللغة: الرجوع، وأنشدوا للبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع بلى إن ربه كان ~~به بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق ~~(18) لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون ~~(23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ~~ممنون (25) قوله [عز وجل]: (بلى) قال الفراء: المعنى: بلى ليحورون، ثم ~~استأنف، فقال [عز وجل]: (إن ربه كان به بصيرا) قال المفسرون: بصيرا به على ~~سائر أحواله. # قوله [عز وجل]: (فلا أقسم) قد سبق بيانه. # وأما " الشفق " فقال ابن قتيبة: هما شفقان: الأحمر، والأبيض، فالأحمر: من ~~لدن غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء ثم يغيب، ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف ~~الليل. وللمفسرين في المراد " بالشفق " هاهنا ستة أقوال: # أحدها: [أنه] الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وقد روى ابن عمر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الشفق: " الحمرة "، وهذا قول ~~عمر، وابنه، وابن مسعود، وعبادة، وأبي قتادة، وجابر بن عبد الله، وابن ~~عباس، وأبي هريرة، وأنس، وابن المسيب، وابن جبير، وطاوس، ومكحول، ومالك، ~~والأوزاعي، وأبي يوسف، والشافعي: وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، وابن قتيبة، ~~والزجاج. قال الفراء: سمعت ms2396 بعض العرب يقول وعليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق، ~~وكان أحمر. PageV08P211 # والثاني: أنه النهار. # والثالث: الشمس، روي القولان عن مجاهد. # والرابع: أنه ما بقي من النهار، قاله عكرمة. # والخامس: السواد الذي يكون بعد ذهاب البياض، قاله أبو جعفر بن محمد بن ~~علي. # والسادس: أنه البياض، قاله عمر بن عبد العزيز قوله [عز وجل]: (والليل وما ~~وسق) أي: وما جمع وضم. وأنشدوا: # إن لنا قلائصا حقائقا * مستوسقات لو يجدن سائقا قال أبو عبيدة: (وما وسق) ~~ما علا فلم يمنع منه شئ، فإذا جلل الليل الجبال، والأشجار، والبحار، ~~والأرض، فاجتمعت له، فقد وسقها. وقال بعضهم: معنى: " ما وسق ": ما جمع مما ~~كان منتشرا بالنهار في تصرفه إلى مأواه. # قوله [عز وجل]: (والقمر إذا اتسق) قال الفراء: اتساقه: واجتماعه واستواؤه ~~ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، إلى ست عشرة. # قوله [عز وجل]: (لتركبن طبقا عن طبق) قرأ ابن كثير، وحمزة والكسائي " ~~لتركبن " بفتح التاء والباء جميعا، وفي معناه قولان. # أحدهما: أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم في معناه قولان: # أحدهما: لتركبن سماء بعد سماء، قاله ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد. # والثاني: لتركبن حالا بعد حال، قاله ابن عباس، وقال: هو نبيكم. ~~PageV08P212 # والقول الثاني: أن الإشارة إلى السماء. والمعنى: أنها تتغير ضروبا من ~~التغيير، فتارة كالمهل، وتارة كالدهان، روي عن ابن مسعود أيضا. # قرأ عاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر " لتركبن " بفتح التاء [وضم ~~الباء، وهو خطاب لسائر الناس ومعناه: لتركبن] حالا بعد حال. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو الجوزاء، وأبو الأشهب " ليركبن " بالياء، ونصب اللام. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو عمران، وابن يعمر " ليركبن " بالياء. ورفع الباء. و " عن " ~~بمعنى " بعد ". وهذا قول عامة المفسرين واللغويين، وأنشدوا للأقرع بن حابس. # إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره * وساقني طبق منه إلى طبق ثم في معنى ~~الكلام خمسة أقوال: # أحدها: أنه الشدائد، والأهوال، ثم الموت، ثم البعث، ثم العرض، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه الرخاء بعد الشدة، والشدة بعد الرخاء، والغنى بعد الفقر، ~~والفقر، والفقر بعد الغنى، ms2397 والصحة بعد السقم، والسقم بعد الصحة، قاله ~~الحسن. # والثالث: أنه كون الإنسان رضيعا ثم فطيما ثم غلاما ثم شابا ثم شيخا، قاله ~~عكرمة. # والرابع: أنه تغير حال الإنسان في الآخرة بعد الدنيا، فيرتفع [من] كان ~~وضيعا، ويتضع من كان مرتفعا، وهذا مذهب سعيد بن جبير. # والخامس: أنه ركوب سنن من كان قبلهم من الأولين، قاله أبو عبيدة. وكان ~~بعض الحكماء يقول: من كان اليوم على حالة، وغدا على حالة أخرى، فليعلم أن ~~تدبيره إلى سواه. # قوله [عز وجل]: (فما لهم) يعني: كفار مكة (لا يؤمنون) بمحمد والقرآن، وهو ~~استفهام إنكار (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) فيه قولان: # أحدهما: لا يصلون، قاله عطاء، وابن السائب. # والثاني: لا يخضعون له، ويستكينون، قاله ابن جرير، واختاره القاضي أبو ~~يعلى. قال: وقد PageV08P213 # احتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة، وليس فيها دلالة على ذلك، وإنما ~~المعنى: لا يخشعون، ألا ترى أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، والسجود يختص ~~بمواضع منه. # قوله [عز وجل]: (بل الذين كفروا يكذبون) بالقرآن، والبعث، والجزاء (والله ~~أعلم بما يوعون) في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من التكذيب. قال ابن قتيبة: " ~~يوعون ": يجمعون في قلوبهم. وقال الزجاج: يقال: أوعيت المتاع في الوعاء، ~~ووعيت العلم. # قوله [عز وجل]: (فبشرهم بعذاب أليم) أي: أخبرهم بذلك. وقال الزجاج: اجعل ~~للكفار بدل البشارة للمؤمنين بالجنة والرحمة، العذاب الأليم. و " الممنون " ~~عند أهل اللغة: # المقطوع. PageV08P214 # سورة البروج مكية وآياتها ثنتان وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) ~~قتل أصحب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ~~ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد (8) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شئ شهيد (9) إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ~~(10) إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك ~~الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو ms2398 يبدئ ويعيد (13) وهو ~~الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتاك حديث ~~الجنود (17) فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا في PageV08P215 # تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ ~~(22) قوله [تعالى]: (والسماء ذات البروج) قد ذكرنا البروج في الحجر (واليوم ~~الموعود) هو يوم القيامة بإجماعهم وفي قوله (وشاهد ومشهود) فيه أربعة ~~وعشرون قولا. # أحدها: أن الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، رواه أبو هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال علي، وابن عباس في رواية، وابن زيد. ~~فعلى هذا سمي يوم الجمعة شاهدا، لأنه يشهد على كل عامل بما يعمل فيه، وسمي ~~يوم عرفة مشهودا، لأن الناس يشهدون فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة. # والثاني: أن الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم النحر، قاله ابن عمر. # والثالث: أن الشاهد: الله عز وجل، والمشهود: يوم القيامة، رواه الوالبي ~~عن ابن عباس. # والرابع: أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة، رواه مجاهد عن ابن ~~عباس. # والخامس: أن الشاهد: محمد [صلى الله عليه وسلم]، والمشهود: يوم القيامة، ~~رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس، وبه قال الحسن بن علي. # والسادس: أن الشاهد: يوم القيامة، والمشهود: الناس، قاله جابر بن عبد ~~الله. # والسابع: أن الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم القيامة، قاله الحسن. # والثامن: أن الشاهد: يوم التروية، والمشهود: يوم عرفة، قاله سعيد بن ~~المسيب. # والتاسع: أن الشاهد: هو الله، والمشهود: بنو آدم، قاله سعيد بن جبير. # والعاشر: أن الشاهد: محمد، والمشهود: يوم عرفة، قاله الضحاك. # والحادي عشر: أن الشاهد محمد، والمشهود: يوم القيامة، رواه ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد والثاني عشر: أن الشاهد: آدم، والمشهود: يوم القيامة، رواه ليث عن ~~مجاهد، وبه قال عكرمة. # والثالث عشر: أن الشاهد: آدم، وذريته، والمشهود يوم القيامة، قاله عطاء ~~بن يسار. # والرابع عشر: أن الشاهد: الإنسان، والمشهود: الله عز وجل، قاله محمد بن ~~كعب. # والخامس عشر: أن الشاهد: يوم النحر، والمشهود: يوم عرفة، قاله إبراهيم. ~~PageV08P216 # والسادس عشر: أن الشاهد: عيسى ابن مريم عليه ms2399 السلام، والمشهود: أمته، ~~قاله أبو مالك. # ودليله قوله [عز وجل]: (وكنت عليهم شهيدا). # والسابع عشر: أن الشاهد: محمد [صلى الله عليه وسلم] والمشهود: أمته، قاله ~~عبد العزيز بن يحيى، وبيانه (وجئنا بك على هؤلاء شهيدا). # والثامن عشر: أن الشاهد: هذه الأمة، والمشهود: سائر الناس، قاله الحسين ~~بن الفضل، ودليله (لتكونوا شهداء على الناس). # والتاسع عشر: أن الشاهد: الحفظة، والمشهود: بنو آدم، قاله محمد بن علي ~~الترمذي، وحكي عن عكرمة نحوه. # والعشرون: أن الشاهد: الحق، والمشهود: الكون، قاله الجنيد. # والحادي والعشرون: أن الشاهد، الحجر الأسود، والمشهود: الحجاج. # والثاني والعشرون: أن الشاهد: الأنبياء والمشهود: محمد صلى الله عليه ~~وسلم، بيانه (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين...) الآية. # والثالث والعشرون: أن الشاهد: الله عز وجل، والملائكة، وأولو العلم، ~~والمشهود، لا إله إلا الله، وبيانه (شهد الله أنه لا إله إلا هو [والملائكة ~~وأولوا العلم])، حكى هذه الأقوال الثلاثة الثعلبي. # والرابع والعشرون: أن الشاهد: الأنبياء والمشهود: الأمم، حكاه شيخنا علي ~~بن عبيد الله. وفي جواب القسم أقوال. # أحدها: أنه قوله [عز وجل]: (إن بطش ربك لشديد) قاله قتادة، والزجاج. # والثاني: أنه قوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود)، كما أن القسم في قوله [عز ~~وجل]: PageV08P217 # (والشمس وضحاها) (قد أفلح) حكاه الفراء. # الثالث: أنه متروك، وهذا اختيار ابن جرير. # قوله [عز وجل]: (قتل أصحاب الأخدود) أي: لعنوا، والأخدود: شق يشق في ~~الأرض، والجمع: أخاديد. وهؤلاء قوم حفروا حفائر في الأرض وأوقدوا فيها ~~النار، وألقوا فيها من لم يكفر. # واختلف العلماء فيهم على ستة أقوال. # أحدها: أنه ملك كان له ساحر فبعث إليه غلاما يعلمه السحر، فكان الغلام ~~يمر على راهب، فأعجبه أمره، فتبعه، فعلم به الملك، فأمره أن يرجع عن دينه، ~~فقال: لا أفعل، فاجتهد الملك في إهلاكه، فلم يقدر، فقال الغلام: لست بقاتلي ~~حتى تفعل ما آمرك به. اجمع الناس في صعيد واحد، واصلبني على جذع، وارمني ~~بسهم من كنانتي، وقل: بسم الله رب الغلام، ففعل، فمات الغلام، فقال الناس: ~~آمنا برب الغلام، فخد الأخاديد، وأضرم فيها ms2400 النار، وقال: فمن لم يرجع عن ~~دينه فأقحموه فيها، ففعلوا، وهذا مختصر الحديث، وفيه طول، وقد ذكرته في " ~~المغني " و " الحدائق " بطوله من حديث صهيب عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # والثاني: أن ملكا من الملوك سكر، فوقع على أخته، فلما أفاق قال لها: ~~ويحك: كيف المخرج؟ فقالت له: اجمع أهل مملكتك فأخبرهم أن الله عز وجل قد ~~أحل نكاح الأخوات، فإذا ذهب هذا في الناس وتناسوه، خطبتهم فحرمته. ففعل ~~ذلك، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فبسط فيهم السوط، ثم جرد السيف، فأبوا، فخد ~~لهم أخدودا، وأوقد فيه النار، وقذف من أبى قبول ذلك، قاله علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه. # والثالث: أنهم أناس اقتتل مؤمنوهم وكفروهم، فظهر المؤمنون، ثم تعاهدوا أن ~~لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر كفارهم، فأخذوهم، فقال لهم رجل من المؤمنين: ~~أوقدوا نارا، وأعرضوا عليها، PageV08P218 # فمن تابعكم على دينكم، فذاك الذي تحبون، ومن لم يتابعكم أقحم النار ~~فاسترحتم منه، ففعلوا، فجعل المسلمون يقتحمونها، ذكره قتادة. # والرابع: أن قوما من المؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، فأرسل إليهم جبار ~~من عبدة الأوثان، فعرض عليهم الدخول في دينه فأبوا، فخد لهم لهم أخدودا، ~~وألقاهم فيه، قاله الربيع بن أنس. # والخامس: أن جماعة آمنوا من قوم يوسف بن ذي نواس بعدما رفع عيسى، فخد لهم ~~خدا، وأوقد فيه النار، فأحرقهم كلهم، فأنزل الله تعالى: " قتل أصحاب ~~الأخدود " وهم: يوسف بن ذي نواس وأصحابه، قاله مقاتل. # والسادس: أنهم قوم كانوا يعبدون صنما، ومعهم قوم يكتمون إيمانهم، فعلموا ~~بهم، فخدوا لهم أخدودا، وقذفوهم فيه، حكاه الزجاج. # واختلفوا في الذين أحرقوا على خمسة أقوال. # أحدها: أنهم كانوا من الحبشة، قاله علي عليه السلام. # والثاني: من بني إسرائيل، قاله ابن عباس. # والثالث: من أهل اليمن، قاله الحسن. قال الضحاك: كانوا من نصارى اليمن، ~~وذلك قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة. # والرابع: من أهل نجران، قاله مجاهد. # والخامس: من النبط، قاله عكرمة. # وفي عددهم ثلاثة أقوال: # أحدها: اثنا عشر ألفا، ms2401 قاله وهب. # والثاني: سبعون ألفا، قاله ابن السائب. # والثالث: ثمانون رجلا، وتسعة نسوة، قاله مقاتل. # قوله [عز وجل]: (النار ذات الوقود) هذا بدل من " الأخدود " كأنه قال: قتل ~~أصحاب النار، PageV08P219 # و " الوقود " مفسر في البقرة وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والحسن، ومجاهد، وأبو العالية، وابن يعمر وابن أبي عبلة " الوقود " ~~بضم الواو (إذ هم عليها قعود) أي: # عند النار. وكان الملك وأصحابه جلوسا على الكراسي عند الأخدود يعرضون ~~المؤمنين على الكفر، فمن أبى ألقوه (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) أي: ~~حضور، فأخبر الله عز وجل في هذه الآيات بقصة قوم بلغ من إيمانهم ويقينهم أن ~~صبروا على التحريق بالنار، ولم يرجعوا عن دينهم. # قوله [عز وجل]: (وما نقموا منهم) وقرأ ابن أبي عبلة " نقموا " بكسر ~~القاف. قال الزجاج: # أي: ما أنكروا عليهم إيمانهم. وقد شرحنا معنى " نقموا " في المائدة ~~وبراءة وشرحنا معنى العزيز الحميد " في البقرة. # قوله [عز وجل]: (والله على كل شئ شهيد) أي: لم يخف عليه ما صنعوا، فهو ~~شهيد عليهم بما فعلوا. # قوله [عز وجل]: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) أي: أحرقوهم، ~~وعذبوهم. كقوله [عز وجل]: (يوم هم على النار يفتنون) (ثم لم يتوبوا) من ~~شركهم وفعلهم ذلك (فلهم عذاب جهنم) بكفر هم (ولهم عذاب الحريق) بما أحرقوا ~~المؤمنين، وكلا العذابين في جهنم عند الأكثرين وقد ذهب الربيع بن أنس في ~~جماعة [إلى] أن النار ارتفعت إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم، فذلك عذاب الحريق ~~في الدنيا. قال الربيع: وقبض الله أرواح المؤمنين [قبل أن تمسهم النار. ~~وحكى الفراء أن المؤمنين] نجوا من النار، وأنها ارتفعت فأحرقت الكفرة. # قوله [عز وجل]: (ذلك الفوز الكبير) لأنهم فازوا بالجنة. وقال بعض ~~المفسرين: فازوا PageV08P220 # من عذاب الكفار، وعذاب الآخرة. # قوله [عز وجل]: (إن بطش ربك لشديد) قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا ~~أخذ الظلمة والجبابرة لشديد. # قوله [عز وجل]: (إنه هو يبدئ ويعيد) فيه قولان. # أحدهما: يبدئ الخلق ويعيدهم، قاله الجمهور. # والثاني: يبدئ العذاب في الدنيا على ms2402 الكفار ثم يعيده عليهم في الآخرة، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. وقد شرحنا في هود معنى " الودود والمجيد ". # قوله [عز وجل]: (ذو العرش المجيد) وقد قرأ حمزة، والكسائي، والمفضل عن ~~عاصم " المجيد " بالخفض، وقرأ غيرهم بالرفع، فمن رفع " المجيد " جعله من ~~صفات الله عز وجل، ومن كسر جعله من صفة العرش. # قوله [عز وجل]: (هل أتاك [حديث]) أي: قد أتاك حديث (الجنود) وهم الذين ~~تجندوا على أولياء الله. ثم بين من هم، فقال [عز وجل]: (فرعون وثمود بل ~~الذين كفروا) يعني مشركي مكة (في تكذيب) لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن ~~كان قبلهم (والله من ورائهم محيط) أي لا يخفى عليه شئ من أعمالهم (بل هو ~~قرآن مجيد) أي: كريم، لأنه كلام الله * الرب وليس كما يقولون. شعر، وكهانة، ~~وسحر. وقرأ أبو العالية، وأبو الجوزاء، وأبو عمران، وابن السميفع " بل قرآن ~~مجيد " بغير تنوين وبخفض " مجيد " (في لوح محفوظ) وهو اللوح المحفوظ، منه ~~نسخ القرآن وسائر الكتب، فهو محفوظ عند الله، محروس به من الشياطين، ومن ~~الزيادة فيه والنقصان منه. وقرأ نافع " محفوظ " رفعا على نعت القرآن ~~فالمعنى: إنه محفوظ من التحريف والتبديل. PageV08P221 # سورة الطارق مكية وآياتها سمع عشرة وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب ~~(3) إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء ~~دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى ~~السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر (10) قوله [عز وجل]: (والسماء والطارق) ~~قال ابن قتيبة: الطارق: النجم، سمي بذلك، لأنه يطرق، أي: يطلع ليلا، وكل من ~~أتاك ليلا، فقد طرقك، ومنه قول هند ابنة عتبة: # نحن بنات طارق * نمشي على النمارق تريد: إن أبانا نجم في شرفه وعلوه. ~~PageV08P222 # قوله [عز وجل]: (وما أدراك ما الطارق) قال المفسرون: وذلك أن هذا الاسم ~~يقع على كل ما طرق ليلا، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدري ما المراد ~~به حتى تبينه ms2403 بقوله [عز من قائل]: (النجم الثاقب) يعني: المضئ، كما بينا في ~~الصافات وفي المراد بهذا النجم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه زحل، قاله علي رضي الله عنه. وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس ~~قال: هو زحل، ومسكنه في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا ~~أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط، فكان معها، ثم رجع إلى مكانه من ~~السماء السابعة، فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد. # والثاني: أنه الثريا، قاله ابن زيد. # والثالث: أنه اسم جنس، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله [عز وجل]: (إن كل نفس) وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل [أن] بالتشديد ~~" كل " بالنصب (لما عليها حافظ) وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم وحمزة، ~~وأبو حاتم عن يعقوب " لما " بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف. قال الزجاج: ~~هذه الآية جواب القسم، ومن خفف فالمعنى: # لعليها حافظ و " ما " ومن شدد، فالمعنى: إلا، [قال]: فاستعملت " لما " في ~~موضع " إلا " في موضعين. # أحدهما: هذا. والآخر: في باب القسم. تقول: سألتك لما فعلت، بمعنى: إلا ~~فعلت. قال المفسرون: المعنى: ما من نفس إلا عليها حافظ. وفيه قولان. # أحدهما: أنهم الحفظة من الملائكة، قاله ابن عباس. قال قتادة: يحفظون على ~~الإنسان عمله من خير أو شر. # والثاني: حافظ يحفظ الإنسان حتى حين يسلمه إلى المقادير، قاله الفراء. ثم ~~نبه على PageV08P223 # البعث بقوله [عز وجل]: (فلينظر [الإنسان مم خلق؟] أي: من أي شئ خلقه ربه؟ ~~والمعنى فلينظر] نظر التفكر والاستدلال ليعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر ~~على إعادته. # قوله [جل جلاله]: (من ماء دافق) قال الفراء: معناه: مدفوق، كقول العرب. ~~سر كاتم، وهم ناصب، وليل نائم، وعيشة راضية. وأهل الحجاز يجعلون المفعول ~~فاعلا. قال الزجاج: # ومذهب سيبويه، وأصحابه أن معناه النسب إلى الاندفاق، والمعنى: من ماء ذي ~~اندفاق. # قوله [عز وجل]: (يخرج من بين الصلب) وقرأ ابن مسعود، وابن سيرين، وابن ~~السميفع، وابن أبي عبلة " الصلب " بضم الصاد، واللام جميعا. يعني: صلب ~~الرجل وترائب المرأة. قال الفراء: يريد يخرج من الصلب والترائب. ms2404 تقول للشيء ~~لتخرجن من بين هذين خير كثير ومن هذين خير كثير. وفي " الترائب " ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه موضع القلادة، قاله ابن عباس. قال الزجاج: قال أهل اللغة ~~أجمعون: الترائب: # موضع القلادة من الصدر، وأنشدوا لامرئ القيس: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة * ترائبها مصقولة كالسجنجل. # قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: السجنجل: المرآة بالرومية. وقيل: هي ~~سبيكة الفضة، وقيل: السجنجل: الزعفران، وقيل: ماء الذهب. ويروى: البيت " ~~بالسجنجل ". # والثاني: أن الترائب: اليدان والرجلان والعينان، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال الضحاك. # والثالث: أنها أربعة أضلاع من يمنة الصدر، [وأربعة أضلاع من يسرة الصدر]، ~~حكاه الزجاج. # قوله [عز وجل]: (إنه) الهاء كناية عن الله عز وجل (على رجعه) الرجع: رد ~~الشئ إلى PageV08P224 # أول حاله. وفي هذه الهاء قولان. # أحدهما: أنها [تعود على الإنسان. ثم في المعنى قولان. أحدهما: أنه على] ~~إعادة الإنسان حيا بعد موته قادر، قاله الحسن، وقتادة. قال الزجاج: ويدل ~~على هذا القول قوله [عز وجل]: (يوم تبلى السرائر). والثاني: أنه على رجعه ~~من حال الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا. ومن الصبا إلى النطفة ~~قادر، قاله الضحاك. # والقول الثاني: أنها تعود على الماء. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال. ~~أحدها على رد الماء في الإحليل، قاله مجاهد. والثاني: على رده في الصلب، ~~قاله عكرمة، والضحاك. والثالث: # على حبس الماء فلا يخرج، قاله ابن زيد. # قوله [عز وجل]: (يوم تبلى السرائر) تختبر السرائر التي بين العبد وبين ~~ربه حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤديها من مضيعها، فإن الإنسان مستور في ~~الدنيا، لا يدرى أصلى، أم لا؟ أتوضأ، أم لا؟ فإذا كان يوم القيامة أبدى ~~الله كل سر، فكان زينا في الوجه، أو شينا. وقال ابن قتيبة: تختبر سرائر ~~القلوب. # قوله [عز وجل]: (فماله من قوة) أي: فما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة ~~يمتنع بها من عذاب الله (ولا ناصر) ينصره. # والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو ~~بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل ms2405 الكافرين أمهلهم ~~رويدا (17) PageV08P225 # قوله [عز وجل]: (والسماء ذات الرجع) أي: ذات المطر، وسمي المطر رجعا لأنه ~~يجيء ويرجع ويتكرر (والأرض ذات الصدع) أي: ذات الشق. وقيل لها هذا، لأنها ~~تتصدع وتتشقق بالنبات، هذا قول المفسرين وأهل اللغة في الحرفين. # قوله [عز وجل]: (إنه لقول فصل) يعني به القرآن، وهذا جواب القسم. والفصل: ~~الذي يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما (وما هو بالهزل) أي: ~~باللعب. والمعنى: إنه جد، ولم ينزل باللعب. وبعضهم يقول: الهاء في " إنه " ~~كناية عن الوعيد المتقدم ذكره. # قوله [عز وجل]: (إنهم) يعني مشركي مكة (يكيدون كيدا) وهذا الاحتيال في ~~المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة. (وأكيد ~~كيدا) أي: أجازيهم على كيدهم بأن أستدرجهم من حيث لا يعلمون، فأنتقم منهم ~~في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالنار. (فمهل الكافرين) هذا وعيد من الله عز ~~وجل لهم. ومهل وأمهل لغتان جمعتا ها هنا. ومعنى الآية: مهلهم قليلا حتى ~~أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف. قال ابن قتيبة: ~~ومعنى الآية " رويدا " مهلا، ورويدك. بمعنى أمهل. قال الله تعالى: ([فمهل ~~الكافرين] أمهلهم رويدا) أي: # قليلا، فإذا لم يتقدمها " أمهلهم " كانت بمعنى " مهلا ". ولا يتكلم بها ~~إلا مصغرة ومأمورا بها، وجاءت في الشعر بغير تصغير في غير معنى الأمر. # قال الشاعر: # كأنها مثل من يمشي على رود أي: على مهل. PageV08P226 # سورة الاعلى مكية وآياتها تسع عشرة وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى ~~(3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما ~~شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت ~~الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار ~~الكبرى (12) ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) وفي معنى (سبح) خمسة أقوال: # أحدها: قل: سبحان ربي الأعلى، قاله الجمهور. PageV08P227 # والثاني: عظم. # والثالث: صل بأمر ربك، روي القولان عن ابن عباس. # والرابع: نزه ربك عن السوء، ms2406 قاله الزجاج. # والخامس: نزه اسم ربك ذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت معظم له، خاشع [له]، ~~ذكره الثعلبي. # وفي قوله [عز وجل]: (اسم ربك) قولان. # أحدهما: أن ذكر الاسم صلة، كقول لبيد بن ربيعة: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والثاني: ~~على أصله، وقال الفراء: قوله سبح اسم ربك وسبح باسم ربك سواء في كلام ~~العرب. # قوله [عز وجل]: (الذي خلق فسوى) أي: فعدل الخلق. وقد أشرنا إلى هذا ~~المعنى في الانفطار: (والذي قدر) قرأ الكسائي وحده " قدر " بالتخفيف (فهدى) ~~فيه سبعة أقوال: # أحدها: قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة، قاله مجاهد. # والثاني: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه، قاله عطاء. # والثالث: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هدى للخروج، قاله السدي. # والرابع: قدرهم ذكورا وإناثا، وهدى الذكر لإتيان الأنثى، قاله مقاتل. # والخامس: أن المعنى: قدر فهدى وأضل، فحذف " وأضل "، لأن في الكلام دليلا ~~عليه، حكاه الزجاج. # والسادس: قدر الأرزاق، وهدى إلى طلبها. # والسابع: قدر الذنوب، وهدى إلى التوبة، حكاهما الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (والذي أخرج المرعى) أي: أنبت العشب، وما ترعاه البهائم ~~(فجعله: PageV08P228 # بعد الخضرة (غثاء) قال الزجاج، أي: جففه حتى جعله هشيما جافا كالغثاء ~~الذي تراه فوق ماء السيل. وقد بينا هذا في سورة المؤمنين. فأما قوله [عز ~~وجل]: (أحوى) فقال الفراء: الأحوى: # الذي قد اسود من القدم، والعتق، ويكون أيضا: أخرج المرعى أحوى: أسود من ~~الخضرة، فجعله غثاء كما قال [عز وجل]: (مدهامتان). # قوله [عز وجل]: (سنقرئك فلا تنسى) قال مقاتل: سنعلمك القرآن، ونجمعه في ~~قلبك فلا تنساه أبدا. # قوله [عز وجل]: (إلا ما شاء الله) فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: إلا ما شاء الله أن تنساه شيئا ثم تذكره بعد. حكاه الزجاج. # والثالث: انه استثناء ألا يقع قال الفراء. لم يشأ أن ينسى شيئا، فإنما هو ~~كقوله [تعالى]: # (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك)، ولا ms2407 يشاء. # قوله [عز وجل]: (إنه يعلم الجهر) من القول والفعل (وما يخفى) منهما ~~(ونيسرك لليسرى) أي: نسهل عليك عمل الخير (فذكر) أي: عظ أهل مكة (إن نفعت ~~الذكرى) وفي " إن " ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الشرطية، ثم وفي معنى الكلام قولان، أحدهما: إن قبلت الذكرى، ~~قاله يحيى ابن سلام. والثاني: إن نفعت وإن لم تنفع، قاله علي بن أحمد ~~النيسابوري. # والثاني: أنها بمعنى " قد "، فتقديره: قد نفعت الذكرى، قاله مقاتل. # والثالث: أنها بمعنى " ما " فتقديره: فذكر ما نفعت الذكرى، حكاه ~~الماوردي. PageV08P229 # قوله [عز وجل]: (سيذكر) أي سيتعظ بالقرآن (من يخشى) الله (ويتجنبها) ~~ويتجنب الذكرى (الأشقى الذي يصلى النار الكبرى) أي: العظيمة الفظيعة لأنها ~~أشد من نار الدنيا (ثم لا يموت فيها) فيستريح (ولا يحيى) حياة تنفعه. وقال ~~ابن جرير: تصير نفس أحدهم في حلقه، فلا تفارقه فيموت، ولا ترجع إلى موضعها ~~من الجسم فيحيا. # قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا ~~(16) والآخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم ~~وموسى (19) قوله [عز وجل]: (قد أفلح) قال الزجاج: أي: صادف البقاء الدائم، ~~والفوز (من تزكى) فيه خمسة أقوال: # أحدها: من تطهر من الشرك بالإيمان، قاله ابن عباس. # والثاني: من أعطى صدقة الفطر، قاله أبو سعيد الخدري، وعطاء، وقتادة. # والثالث: من كان عمله زاكيا، قاله الحسن، والربيع. # والرابع: أنها زكوات الأموال كلها، قاله أبو الأحوص. # والخامس: تكثر بتقوى الله. ومعنى الزاكي: النامي الكثير، قاله الزجاج. # قوله [عز وجل]: (وذكر اسم ربه) قد سبق بيانه. وفي قوله [عز وجل]: (فصلى) ~~ثلاثة أقوال. # أحدها، أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: صلاة العيدين، قاله أبو سعيد الخدري. # والثالث: صلاة التطوع، قاله أبو الأحوص. والقول قول ابن عباس في الآيتين، ~~فإن هذه السورة مكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة زكاة، ولا عيد. PageV08P230 # قوله [عز وجل]: (بل تؤثرون الحياة الدنيا) قرأ أبو عمرو، [وابن] قتيبة، ~~وزيد عن يعقوب " بل يؤثرون " بالياء والباقون بالتاء، واختار الفراء ~~والزجاج التاء، لأنها رويت ms2408 عن أبي بن كعب: " بل أنتم تؤثرون ". فإن أريد ~~بذلك الكفار، فالمعنى: أنهم يؤثرون الدنيا على الآخرة، لأنهم لا يؤمنون ~~بها. وإن أريد به المسلمون، فالمعنى: يريدون الاستكثار من الدنيا على ~~الاستكثار من الثواب. قال ابن مسعود: إن الدنيا عجلت لنا، وإن الآخرة نعتت ~~لنا، وزويت عنا، فأخذنا بالعاجل [وتركنا الآجل]. # قوله [عز وجل]: (والآخرة خير) يعني الجنة أفضل (وأبقى) أي: أدوم من ~~الدنيا. # (إن هذا [لفي الصحف الأولى]) في المشار إليه أربعة أقوال. # أحدها: أنه قوله [عز وجل]: (والآخرة خير وأبقى) قاله قتادة. # والثاني: هذه السورة، قاله عكرمة، والسدي. # والثالث: أنه لم يرد السورة، ولا ألفاظها بعينها، وإنما أراد أن الفلاح ~~لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى، في الصحف الأولى، كما هو في القرآن، قاله ابن ~~قتيبة. # والرابع: أنه من قوله [عز وجل]: (قد أفلح من تزكى) إلى قوله: (وأبقى) ~~قاله ابن جرير. # ثم بين الصحف الأولى [ما هي]، فقال: (صحف إبراهيم وموسى) وقد فسرناها في ~~النجم. PageV08P231 # سورة الغاشية مكية وآياتها ست وعشرون وهي مكية كلها بجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة ~~(3) تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع ~~(6) لا يسمن ولا يغني من جوع (7) قوله [تعالى]: (هل أتاك) أي: قد أتاك، ~~قاله قطرب. وقال الزجاج: المعنى: هذا لم يكن من علمك ولا من علم قومك. وفي ~~" الغاشية " قولان: # أحدهما: أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال، قاله ابن عباس، والضحاك، وابن ~~قتيبة. # والثاني: أنها النار تغشى وجوه الكفار، قاله سعيد بن جبير، والقرظي، ~~ومقاتل. PageV08P232 # قوله [عز وجل]: (وجوه يومئذ خاشعة) أي: ذليلة وفيها قولان. # أحدهما: أنها وجوه اليهود والنصارى، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه جميع الكفار، قاله يحيى بن سلام. # قوله [عز وجل]: (عاملة ناصبة) فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنهم الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، كعبدة ~~الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنهم الرهبان، وأصحاب ms2409 الصوامع، رواه أبو الضحى عن ابن عباس، وبه ~~قال سعيد ابن جبير، وزيد بن أسلم. # والثالث: عاملة ناصبة في النار بمعالجة السلاسل والأغلال، لأنها [لم] ~~تعمل لله في الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار، وروى هذا المعنى [العوفي] ~~عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # وقال قتادة: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها في النار بالانتقال ~~من عذاب إلى عذاب. قال الضحاك: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار. وقال ~~ابن السائب: يخرون على وجوههم. وقال مقاتل: عاملة في النار تأكل من النار، ~~ناصبة للعذاب. # والرابع: عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في النار يوم القيامة، قاله ~~عكرمة والسدي. والكلام هاهنا على الوجوه، والمراد أصحابها. وقد بينا معنى " ~~النصب " في قوله [عز وجل]: (لا يمسهم فيها نصب). # قوله [عز وجل]: (تصلى نارا حامية) قرأ أهل البصرة وعاصم إلا حفصا " تصلى ~~" بضم التاء. والباقون بفتحها. قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء ~~الله، (تسقى من عين آنية)، أي: متناهية في الحرارة. قال الحسن: [قد] أوقدت ~~عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها عطاشا. # قوله [عز وجل]: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) فيه ستة أقوال. PageV08P233 # أحدها: أنه نبت ذو شوك لا طئ بالأرض وتسميه قريش " الشبرق " فإذا هاج ~~سموه: # ضريعا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة. # والثاني: أنه شجر من نار، رواه الوالبي عن ابن عباس. # والثالث: أنها الحجارة، قاله ابن جبير. # والرابع: أنه السلاء، قاله أبو الجوزاء. # والخامس: أنه في الدنيا: الشوك اليابس الذي ليس له ورق، وهو في الآخرة ~~شوك من نار، قاله ابن زيد. # والسادس: أنه طعام يضرعون إلى الله تعالى منه، قاله ابن كيسان. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على ~~الضريع، فأنزل الله تعالى: (لا يسمن ولا يغني من جوع) وكذبوا، فإن الإبل ~~إنما ترعاه ما دام رطبا، فحينئذ يسمى شبرقا، لا ضريعا، فإذا يبس وسمي: ~~ضريعا لم يأكله شئ. # فإن قيل: قد أخبر في هذه الآية: انه ms2410 لا طعام لهم إلا الضريع وفي مكان آخر ~~(ولا طعام إلا من غسلين) فكيف الجمع بينهما؟ # فالجواب: أن النار دركات، وعلى قدر الذنوب تقع العقوبات، فمنهم من طعامه ~~الزقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه ~~الصديد. قاله ابن قتيبة. # وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية (10) لا تسمع فيها ~~لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ~~ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ~~(17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف ~~سطحت (20) فذكر إنما أنت PageV08P234 # مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله ~~العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) قوله [عز ~~وجل]: (وجوه يومئذ ناعمة) أي: في نعمة وكرامة (لسعيها) في الدنيا (راضية) ~~والمعنى: رضيت بثواب عملها في (جنة عالية) قد فسرناه في " الحاقة " (لا ~~تسمع فيها لاغية) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ورويس " لا يسمع " بياء مضمومة. ~~" لاغية " بالرفع. وقرأ نافع كذلك إلا أنه بتاء مضمومة، والباقون بتاء ~~مفتوحة، ونصب " لاغية " لا تسمع فيها كلمة لغو (فيها سرر مرفوعة) قال ابن ~~عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ ~~أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها صاحبها، تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ~~ترتفع إلى موضعها (وأكواب موضوعة) عندهم. وقد ذكرنا " الأكواب " في الزخرف ~~(ونمارق) وهي الوسائد، واحدها: نمرقة بضم النون. قال الفراء: وسمعت بعض كلب ~~تقول: نمرقة، بكسر النون والراء (مصفوفة) بعضها إلى جنب بعض، والزرابي: ~~الطنافس التي لها خمل رقيق (مبثوثة) كثيرة. وقال ابن قتيبة: مبثوثة كثيرة ~~مفرقة. قال المفسرون: لما نعت الله سبحانه [تعالى] ما في الجنة، عجب من ذلك ~~أهل الكفر، فذكرهم صنعه، فقال [عز وجل]: (أفلا ينظرون إلى الإبل) وقال ~~قتادة: ذكر الله ارتفاع سرر الجنة، وفرشها، فقالوا: كيف نصعدها، فنزلت هذه ~~الآية. قال العلماء: وإنما خص الإبل من غيرها لأن العرب لم يروا بهيمة قط ~~أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل إلا ms2411 الشاذ منهم، ولأنها كانت أنفس أموالهم ~~وأكثرها، لا تفارقهم ولا يفارقونها، فيلاحظون فيها العبر الدالة على قدرة ~~الخالق، من إخراج لبنها من بين فرث ودم وعجيب خلقها، وهي [على] عظمها مذللة ~~للحمل الثقيل، وتنقاد للصبي الصغير، وليس في ذوات الأربع ما يحمل عليه وقره ~~وهو بارك فيطيق PageV08P235 # النهوض به سواها. وقرأ ابن عباس، وأبو عمران الجوني، والأصمعي عن أبي ~~عمرو " الإبل " بإسكان الباء وتخفيف اللام. وقرأ أبي بن كعب، وعائشة، وأبو ~~المتوكل، والجحدري، وابن السميفع، ويونس بن حبيب وهارون كلاهما عن أبي عمرو ~~" الإبل " بكسر الباء، وتشديد اللام. قال هارون: # قال أبو عمرو " الإبل " بتشديد اللام: السحاب الذي يحمل الماء. # قوله [عز وجل]: (كيف خلقت) وقرأ علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبو ~~العالية، وأبو عمران، وابن أبي عبلة " خلقت " بفتح الخاء، وضم التاء. وكذلك ~~قرؤوا: " رفعت " و " نصبت " و " سطحت ". # قوله [عز وجل]: (وإلى السماء كيف رفعت) من الأرض حتى لا ينالها شئ بغير ~~عمد (وإلى الجبال كيف نصبت) على الأرض لا تزول ولا تتغير (وإلى الأرض كيف ~~سطحت) أي: # بسطت. والسطح: بسط الشئ، وكل ذلك يدل على خالقه (فذكر) أي: فعظ (إنما أنت ~~مذكر) أي: واعظ، ولم يكن حينئذ أمر بغير [التذكير]، ويدل عليه قوله [عز ~~وجل]: (لست عليهم بمسيطر) أي: بمسلط، فتقتلهم [وتكرههم] على الإيمان. ثم ~~نسختها آية السيف. وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة ~~والحلواني عن ابن عامر " بمسيطر " بالسين. # وقد سبق بيان " المسيطر " في قوله [عز وجل]: (أم هم المصيطرون). # قوله [عز وجل]: (إلا من تولى) هذا استثناء منقطع معناه: لكن من تولى ~~(وكفر) بعد التذكير. وقرأ ابن عباس، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وأبو ~~مجلز، وقتادة، وسعيد بن جبير " ألا من تولى " بفتح الهمزة وتخفيف اللام ~~(فيعذبه الله العذاب الأكبر) وهو أن يدخله جهنم، وذلك أنهم قد عذبوا في ~~الدنيا بالجوع، والقتل، والأسر، فكان عذاب جهنم هو الأكبر (إن إلينا ~~إيابهم) وقرأ أبي بن كعب، وعائشة، وعبد الرحمن، وأبو جعفر ms2412 " إيابهم " ~~بتشديد الياء، أي: # رجوعهم ومصيرهم بعد الموت (ثم إن علينا حسابهم) قال مقاتل: أي: جزاءهم. ~~PageV08P236 # سورة الفجر مكية وآياتها ثلاثون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن ~~الرحيم والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) هل ~~في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) ~~وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) قوله [تعالى]: (والفجر) ~~قال ابن عباس: الفجر: انفجار الظلمة عن الصبح، وانفجر الماء: انفتح. قال ~~شيخنا علي بن عبيد الله: الفجر: ضوء النهار إذا انشق عنه الليل، وهو مأخوذ ~~من الانفجار، يقال: انفجر النهر ينفجر انفجارا: إذا انشق فيه موضع لخروج ~~الماء: ومن هذا سمي الفاجر فاجرا، لأنه خرج عن طاعة الله. PageV08P237 # وللمفسرين في المراد بهذا الفجر ستة أقوال: # أحدها: أنه الفجر المعروف الذي هو بدء النهار، قاله علي رضي الله عنه. ~~وروى أبو صالح ابن عباس قال: هو انفجار الصبح كل يوم، وبهذا قال عكرمة، ~~وزيد بن أسلم، والقرظي. # والثاني: صلاة الفجر، رواه عطية عن ابن عباس. # والثالث: النهار كله، فعبر عنه بالفجر، لأنه أوله، وروى هذا المعنى أبو ~~نضرة عن ابن عباس. # والرابع: أنه فجر يوم النحر خاصة قاله مجاهد. # والخامس: أنه فجر أول يوم من ذي الحجة، قاله الضحاك. # والسادس: أنه أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة قاله قتادة. # قوله [عز وجل]: (وليال عشر) فيها أربعة أقوال. # أحدها: أنه عشر ذي الحجة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وقتادة، والضحاك، والسدي ومقاتل. # والثاني: أنها العشر الأواخر من رمضان، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. # والثالث: العشر الأول من رمضان، قاله الضحاك. # والرابع: العشر الأول من المحرم، قاله يمان بن رئاب. # قوله [عز وجل]: (والشفع والوتر) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف " والوتر " ~~بكسر الواو، وفتحها الباقون، هما لغتان قال الفراء الكسر لقريش وتميم وأسد، ~~والفتح ms2413 لأهل الحجاز. وللمفسرين في " الشفع [والوتر] عشرون قولا. # أحدهما: أن الشفع: يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر: ليلة النحر، رواه أبو ~~أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # [والثاني: أن الشفع يوم النحر، والوتر: يوم عرفة]، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس وبه قال PageV08P238 # عكرمة والضحاك. # والثالث: أن الشفع والوتر: الصلاة، منها الشفع، ومنها الوتر، رواه عمران ~~بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال قتادة. # والرابع: أن الشفع: الخلق كله، والوتر: الله تعالى، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد في رواية مسروق، وأبو صالح. # والخامس: أن الوتر: آدم شفع بزوجته، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والسادس: أن الشفع يومان بعد [يوم] النحر، وهو النفر الأول، والوتر: ~~اليوم الثالث، وهو النفر الأخير، قاله عبد الله بن الزبير، واستدل بقوله عز ~~وجل: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه). # والسابع: أن الشفع: صلاة الغداة، والوتر: صلاة المغرب، حكاه عطية. # والثامن: أن الشفع: الركعتان من صلاة المغرب، والوتر: الركعة الثالثة، ~~قاله أبو العالية، والربيع بن أنس. # والتاسع: أن الشفع والوتر: الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر، قاله ابن زيد ~~ومجاهد في رواية. # والعاشر: أنه العدد، منه شفع، ومنه وتر، وهذا والذي قبله مرويان عن ~~الحسن. # والحادي عشر: أن الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى الثلاثة، قاله ~~الضحاك. # والثاني عشر: أن الشفع: هو الله، لقوله [عز وجل]: (ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم) والوتر: هو الله، لقوله [عز وجل]: (قل هو الله أحد)، قاله ~~سفيان بن عيينة. # والثالث عشر: أن الشفع: هو آدم وحواء. والوتر: الله تعالى، قاله مقاتل بن ~~سليمان. PageV08P239 # والرابع عشر: أن الشفع: الأيام والليالي، والوتر: اليوم الذي لا ليلة ~~بعده، وهو يوم القيامة، قاله مقاتل بن حيان. # والخامس: عشر: الشفع: درجات الجنان، لأنها ثمان، والوتر: دركات النار ~~لأنها سبع، فكأن الله أقسم بالجنة والنار، قاله الحسين بن الفضل. # والسادس عشر: الشفع: تضاد أوصاف المخلوقين بين عز وذل، وقدرة وعجز، وقوة ~~وضعف، وعلم ms2414 وجهل، وموت وحياة. والوتر: انفراد صفات الله عز وجل: عز بلا ذل، ~~وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بل جهل، وحياة بلا موت، قاله أبو بكر ~~الوراق. # والسابع عشر: أن الشفع: الصفا والمروة، والوتر: البيت. # والثامن عشر: أن الشفع: مسجد مكة والمدينة، والوتر: بيت المقدس. # والتاسع عشر: أن الشفع: القران في الحج والتمتع، والوتر: الإفراد. # والعشرون: الشفع: العبادات المتكررة كالصلاة، والصوم، والزكاة، والوتر: ~~العبادة التي لا تتكرر، كالحج، حكى هذه الأقوال الأربعة الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (والليل إذا يسر) قرأ ابن كثير، ويعقوب " يسري " بياء في ~~الوصل والوقف، وافقهما في الوصل نافع وأبو عمرو. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ~~والكسائي " يسر " بغير ياء في الوصل والوقف. قال الفراء، والزجاج: الاختيار ~~حذفها لمشاكلتها لرؤوس الآيات، ولاتباع المصحف. وفي قوله [عز وجل]: (والليل ~~إذا يسر) قولان: # أحدهما: أن الفعل له، فيه قولان: أحدهما: إذا يسري ذاهبا، قاله الجمهور، ~~وهو اختيار الزجاج. والثاني: إذا يسري مقبلا، قاله قتادة. PageV08P240 # والقول الثاني، أن الفعل لغيره، والمعنى: إذا يسري فيه، كما يقال: ليل ~~نائم، أي: ينام فيه، قاله الأخفش، وابن قتيبة. وفي المراد بهذا الليل ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه عام في كل ليلة، وهذا الظاهر. # والثاني: أنه ليلة المزدلفة، وهي ليلة جمع، قاله مجاهد وعكرمة. # والثالث: ليلة القدر، حكاه الماوردي. # قوله [عز وجل]: (هل في ذلك) أي فيما ذكره: (قسم لذي حجر) أي: لذي عقل، ~~وسمي العقل حجرا، لأنه يحجر صاحبه عن القبيح، وسمي عقلا، لأنه يعقل عمالا ~~يحسن، وسمي العقل النهى، لأنه ينهى عما لا يحل. ومعنى الكلام: أن من كان ذا ~~لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء، فيه دلائل على توحيد الله ~~وقدرته، فهو حقيق أن يقسم به لدلالته. وجواب القسم قوله [عز وجل]: (إن ربك ~~لبالمرصاد) فأعترض به القسم وجوابه قوله: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) فخوف ~~أهل مكة بإهلاك من كان أشد منهم. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر " بعاد إرم " ~~بكسر الدال من غير تنوين على ms2415 الإضافة. وفي " إرم " أربعة أقوال أحدها: أنه ~~اسم بلدة، قال الفراء. ولم يجر " إرم " لأنها اسم بلدة ثم فيها ثلاثة ~~أقوال: # 1 - أنها دمشق، قاله سعيد بن المسيب، وعكرمة، وخالد الربعي. # 2 - الإسكندرية، قاله محمد بن كعب. # 3 - أنها مدينة صنعها شداد بن عاد، وهذا قول كعب. وسيأتي ذكره إن شاء ~~الله. # والقول الثاني: أنه اسم أمة من الأمم، ومعناه: القديمة، قاله مجاهد. # والثالث: أنه قبيلة من قوم عاد، قاله قتادة ومقاتل. قال الزجاج: وإنما لم ~~تنصرف " إرم " لأنها جعلت اسما للقبيلة ففتحت، وهي في موضع خفض. # والرابع: أنه اسم لجد عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، قاله ~~ابن إسحاق. PageV08P241 # قال الفراء: فإن كان اسما لرجل على هذا القول، فإنما ترك إجراؤه، لأنه ~~كالعجمي، وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى: وهي إرم، وهي التي قال الله ~~تعالى: (وأنه أهلك عادا الأولى) وهل قوم هود عاد الأولى، أم لا؟ فيه قولان ~~قد ذكرناهما في النجم. وفي قوله [عز وجل]: # ([إرم] ذات العماد) أربعة أقوال: # أحدها: لأنهم كانوا أهل عمد وخيام يطلبون الكلأ حيث كان، ثم يرجعون إلى ~~منازلهم، فلا يقيمون في موضع، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد، وقتادة، والفراء. # والثاني: أن معنى ذات العماد: ذات الطول، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ~~مقاتل، وأبو عبيدة. قال الزجاج: يقال: رجل معمد: إذا كان طويلا. # والثالث: ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، قاله الضحاك. # والرابع: ذات البناء المحكم بالعماد، قاله ابن زيد. وقيل: إنما سميت ذات ~~العماد لبناء بناه بعضهم. # قوله [عز وجل]: (التي لم يخلق مثلها في البلاد) وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وأبو عمران: " لم تخلق " بتاء مفتوحة ورفع اللام " مثلها " بنصب ~~اللام. وقرأ معاذ القارئ، وعمرو بن دينار: " لم تخلق " بنون مفتوحة ورفع ~~اللام " مثلها " بنصب اللام. وفي المشار إليها قولان: # أحدهما: لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهذا معنى قول الحسن. # والثاني: المدينة لم يخلق ms2416 مثل مدينتهم ذات العماد، قاله عكرمة. # وقد جاء في التفسير صفات تلك المدينة. وهذه الإشارة إلى ذلك. # روى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت، ~~فبينما هو في صحارى عدن وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول ~~الحصن قصور كثيرة. # فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فلم ير خارجا ولا داخلا، ~~فنزل عن دابته، وعقلها، PageV08P242 # وسل سيفه، ودخل من باب الحصن، فلما دخل الحصن إذا هو ببابين عظيمين [لم ~~ير أعظم منهما] والبابان مرصعان بالياقوت [الأبيض] و الأحمر، فلما رأى ذلك ~~دهش ففتح أحد البابين، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها، وإذا قصور، كل قصر ~~منها فيه غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت. ~~ومصاريع تلك الغرف مثل مصاريع المدينة، يقابل بعضها بعضا، مفروشة كلها ~~باللؤلؤ، وبنادق من مسك وزعفران. فلما عاين ذلك، ولم ير أحدا، هاله ذلك، ثم ~~نظر إلى الأزقة فإذا هو في كل زقاق منها شجر قد أثمر، وتحت الشجر أنهار ~~مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة. فقال الرجل: إن هذه هي الجنة، فحمل معه ~~من لؤلؤها، ومن بنادق المسك والزعفران ورجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه. ~~وبلغ الأمر إلى معاوية، فأرسل إليه. فقص عليه ما رأى، فأرسل معاوية إلى كعب ~~الأحبار، فلما أتاه قال له: يا أبا إسحاق: هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة؟ ~~قال: نعم أخبرك بها وبمن بناها؟ إنما بناها شداد بن عاد، والمدينة: " إرم ~~ذات العماد " قال: فحدثني حديثها، فقال: إن عادا المنسوب إليه عاد الأولى، ~~كان له ولدان: # شديد، وشداد. فلما مات ملكا بعده، ثم مات شديد وبقي شداد، فملك الأرض، ~~ودانت له الملوك، وكان مولعا بقراءة الكتب، فكان إذا مر بذكر الجنة دعته ~~نفسه إلى بناء مثلها عتوا على الله تعالى فأمر بصنع " إرم ذات العماد "، ~~فأمر على عملها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان، وكتب إلى ملوك ~~الأرض ms2417 أن يمدوه بما في بلادهم من الجواهر، فخرج القهارمة وتبدوا في الأرض ~~ليجدوا ما يوافقه حتى وقفوا على صحراء عظيمة نقية من التلال، وإذا هم بعيون ~~مطردة فقالوا: هذه صفة الأرض التي أمر الملك أن تبنى بها، فوضعوا أساسها من ~~الجزع اليماني، وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة ~~سنة، فلما أتوه وقد فرغوا [منها] قال: انطلقوا، واجعلوا عليها [حصنا]، ~~واجعلوا حول الحصن ألف قصر، عند كل PageV08P243 # قصر ألف علم يكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي، ففعلوا، فأمر ~~الوزراء - وهم ألف وزير - أن يتهيؤوا للنقلة إلى " إرم ذات العماد " وكان ~~الملك وأهله في جهازهم عشر سنين، ثم ساروا إليها، فلما كانوا منها على ~~مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه، وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم ~~جميعا، ولم يبق منهم أحد. # وروى الشعبي عن دغفل الشيباني عن علماء حمير قالوا: لما هلك شداد بن عاد ~~ومن معه من الصيحة، ملك بعده ابنه مرثد بن شداد، وقد كان أبوه خلفه بحضرموت ~~على ملكه وسلطانه، فأمر بحمل أبيه من تلك المفازة إلى حضرموت، وأمر [بدفنه] ~~فحفرت له حفيرة في مغازة، فاستودعه فيها على سرير من ذهب، وألقى عليه سبعين ~~حلة منسوجة بقضبان الذهب، ووضع عند رأسه لوحا عظيما من ذهب وكتب عليه: # اعتبر يا أيها المغرور * بالعمر المديد أنا شداد بن عاد * صاحب الحصن ~~العميد وأخو القوة والبأساء * والملك الحشيد دان أهل الأرض لي * من خوف ~~وعدي ووعيدي وملكت الشرق والغرب * بسلطان شديد وبفضل الملك والعدة * فيه ~~والعديد فأتى هود وكنا * في ضلال قبل هود فدعانا لو قبلناه * إلى الأمر ~~الرشيد فعصيناه وناديت * ألا هل من مجيد فأتتنا صيحة تهوي * من الأفق ~~البعيد فتوافينا كزرع * وسط بيداء حصيد قوله [عز وجل]: (وثمود الذين جابوا ~~الصخر) أي قطعوه ونقبوه. قال ابن إسحاق: # والوادي: وادي القرى. وقرأ الحسن: " بالوادي " بإثبات الياء في الحالين ~~(وفرعون ذي الأوتاد) PageV08P244 # مفسر في سورة ص (الذين طغوا في البلاد) يعني: عادا، وثمود، ms2418 وفرعون، عملوا ~~بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله (فأكثروا فيها الفساد) القتل والمعاصي ~~(فصب عليهم ربك سوط عذاب) قال ابن قتيبة: وإنما [قال]: سوط عذاب، لأن ~~التعذيب قد يكون بالسوط وقال الزجاج: أحسن من هذا قال جعل سوطه الذي ضربهم ~~به العذاب (إن ربك لبالمرصاد) أي: يرصد من كفر به بالعذاب، والمرصد: ~~الطريق، وقد شرحناه في قوله [عز وجل]: (كانت مرصادا). # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون ~~اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما ~~(19) وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك ~~والملك صفا صفا (22) وجيئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ~~(23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا ~~يوثق وثاقه أحد (26) يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية (28) فادخلي في عبدي (299 وادخلي جنتي (30) PageV08P245 # قوله [عز وجل]: (فأما الإنسان) فيمن عنى به أربعة أقوال: # أحدها: عتبة بن ربيعة، وأبو حذيفة بن المغيرة، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أبي بن خلف، قاله ابن السائب. # والثالث: أمية بن خلف، قاله مقاتل. # والرابع: أنه الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، قال الزجاج: وابتلاه بمعنى ~~اختبره بالغنى واليسر (فأكرمه) بالمال (ونعمه) بما وسع عليه من الإفضال ~~(فيقول ربي أكرمني) فتح ياء " ربي " " أكرمني " " ربي " " أهانني " أهل ~~الحجاز، وأبو عمرو، أي: فضلني بما أعطاني، ويظن إنما، أعطاه من الدنيا ~~لكرامته عليه (وأما إذا ما ابتلاه) بالفقر (فقدر عليه رزقه) وقرأ أبو جعفر، ~~وابن عامر " فقدر " بتشديد الدال، والمعنى: ضيق عليه بأن جعله على مقدار ~~البلغة (فيقول ربي أهانني) أي [هذا] [الهوان] منه لي حين أذلني بالفقر. # واعلم أن من لا يؤمن بالبعث، فالكرامة عنده زيادة الدنيا، والهوان قلتها. # قوله [عز وجل]: (كلا) أي: ليس الأمر كما ظن. قال مقاتل: ما أعطيت هذا ~~الغني لكرامته علي، ولا أفقرت [من] أفقرت لهوانه علي. ms2419 وقال الفراء: المعنى: ~~لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا، إنما ينبغي أن يحمد الله على الأمرين: ~~الفقر، والغنى. ثم أخبر عن الكفار فقال [عز وجل]: (بل لا تكرمون اليتيم) ~~قرأ أهل البصرة " يكرمون " و " يحضون " و " يأكلون " PageV08P246 # و " يحبون " بالياء فيهن، والباقون بالتاء. ومعنى الآية: إني أهنت من ~~أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم. والآية تحتمل معنيين. # أحدهما: أنهم كانوا لا يبرونه. # والثاني: لا يعطونه حقه من الميراث، وكذلك كانت عادة الجاهلية لا يورثون ~~النساء ولا الصبيان. ويدل على المعنى الأول قوله [عز وجل]: (ولا تحاضون على ~~طعام المسكين) وقرأ أبو جعفر، وأهل الكوفة " تحاضون " بألف مع فتح التاء. ~~وروى الشيزري عن الكسائي كذلك إلا أنه ضم التاء. والمعنى: لا يأمرون ~~بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة. ويدل على المعنى الثاني قوله [عز ~~وجل]: (وتأكلون التراث أكلا لما) قال ابن قتيبة: التراث: الميراث، والتاء ~~فيه منقلبة عن واو، كما قالوا: تجاه، والأصل: وجاه، وقالوا: تخمة، والأصل: ~~وخمة. و (لما) أي: # شديدا، وهو من قولك: لممت بالشيء: إذا جمعته، وقال الزجاج: هو ميراث ~~اليتامى. # قوله [عز وجل]: (وتحبون المال) أي: تحبون جمعه (حبا جما) أي: كثيرا فلا ~~تنفقونه في خير (كلا) أي: ما هكذا ينبغي أن يكون [الأمر]. ثم أخبر عن ~~تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم، فقال [عز من قائل]: (إذا دكت الأرض ~~دكا دكا) أي: مرة بعد مرة، فتكسر كل شئ عليها. قوله: (وجاء ربك) قد ذكرنا ~~هذا المعنى في قوله [عز وجل]: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) [قال المصنف ~~في بعض كتبه في سورة البقرة عند هذه الآية المعنى جاء أمر ربك وقدرته، قاله ~~الحسن وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى]. # قوله [عز وجل]: (والملك صفا صفا) أي: يأتي أهل كل سماء صفا على حدة، قال ~~الضحاك: يكونون سبعة صفوف، (وجئ يومئذ بجهنم) روى مسلم في أفراده من حديث ~~ابن PageV08P247 # مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بجهنم يومئذ لها ms2420 ~~سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ". قال مقاتل: يجاء بها ~~فتقام عن يسار العرش. # قوله [عز وجل]: (يومئذ) أي: يوم يجاء بجهنم (يتذكر الإنسان) أي: يتعظ ~~الكافر ويتوب. وقال مقاتل: هو أمية بن خلف (وأنى له الذكرى) أي: كيف له ~~بالتوبة وهي في القيامة لا تنفع (يقول يا ليتني قدمت) العمل الصالح في ~~الدنيا (لحياتي) في الآخرة التي لأموت فيها (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد) قرأ ~~الكسائي، ويعقوب، والمفضل " لا يعذب " ولا يوثق بفتح الذال والثاء، ~~والباقون بكسرها، فمن فتح، أراد: لا يعذب عذاب الكافر أحد، ومن كسر أراد: ~~لا يعذب عذاب الله أحد، أي كعذابه، وهذه القراءة تختص بالدنيا، والأولى ~~تختص بالآخرة. # قوله [عز وجل]: (يا أيتها النفس المطمئنة) اختلفوا فيمن نزلت على خمسة ~~أقوال. # أحدها: في حمزة بن عبد المطلب لما استشهد يوم أحد، قاله أبو هريرة، ~~وبريدة الأسلمي. # والثاني: في عثمان بن عفان حين وقف ببئر رومة، قاله الضحاك. # والثالث: في خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة، قاله مقاتل. # والرابع: في أبي بكر الصديق، حكاه الماوردي. # والخامس: في جميع المؤمنين، قاله عكرمة. وفي معنى " المطمئنة " ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: المؤمنة، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المطمئنة بالإيمان. # والثاني: الراضية بقضاء الله، قاله مجاهد. # والثالث: الموقنة بما وعد الله، قاله قتادة. # واختلفوا في أي حين يقال لها ذلك على قولين. # أحدهما: عند خروجها من الدنيا، قاله الأكثرون. PageV08P248 # والثاني: عند البعث يقال لها: ارجعي إلى صاحبك، وإلى جسدك، فيأمر الله ~~الأرواح أن تعود إلى الأجساد، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ~~وعكرمة والضحاك. # وفي قوله [عز وجل]: (ارجعي إلى ربك راضية) أربعة أقوال: # أحدها: ارجعي إلى صاحبك الذي كنت في جسده، وهذا المعنى في رواية العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال عكرمة والضحاك. # والثاني: (ارجعي إلى ربك) بعد الموت في الدنيا، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثالث: ارجعي إلى ثواب ربك، قاله الحسن. # والرابع: يا أيتها النفس المطمئنة إلى الدنيا ارجعي إلى ms2421 الله تعالى ~~بتركها، حكاه الماوردي. # قوله [عز وجل]: (فادخلي في عبادي) أي: في جملة عبادي المصطفين قال أبو ~~صالح: # يقال لها عند الموت: ارجعي إلى ربك، فإذا كان يوم القيامة قيل لها: ~~(فادخلي في عبادي) وقال الفراء: ادخلي مع عبادي. وقرأ سعد بن أبي وقاص، ~~وأبي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران " في ~~عبدي " على التوحيد. قال الزجاج: فعلى هذه القراءة - والله أعلم - يكون ~~المعنى: ارجعي إلى ربك، أي: إلى صاحبك الذي خرجت منه، فادخلي فيه. ~~PageV08P249 # سورة البلد مكية وآياتها عشرون مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن ~~الرحيم لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) ~~لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت ~~مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا ~~وشفتين (9) وهديناه النجدين (10) قوله [عز وجل]: (لا أقسم) قال الزجاج: ~~المعنى: أقسم. و " لا " دخلت توكيدا، لقوله [عز وجل]: (لئلا يعلم أهل ~~الكتاب) وقرأ عكرمة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو العالية: " لأقسم " قال ~~الزجاج: وهذه القراءة بعيدة في العربية، وقد شرحنا هذا في أول " القيامة " ~~والبلد هاهنا مكة. # قوله [عز وجل]: (وأنت حل بهذا البلد) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: حل لك ما صنعته في هذا البلد من قتل وغيره، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. قال الزجاج: يقال: رجل حل، وحلال، ومحل قال المفسرون: والمعنى: إن ~~الله تعالى وعد نبيه أن PageV08P250 # يفتح مكة على يديه بأن يحلها له، فيكون فيها حلا. # والثاني: وأنت محل بهذا البلد غير محرم في دخوله، يعني: عام الفتح، حلالا ~~قاله الحسن، وعطاء والثالث: وأنت حل عند المشركين بهذا البلد يستحلون ~~إخراجك وقتلك، ويحرمون قتل الصيد، حكاه الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (ووالد وما ولد) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه آدم. # والثاني: أن الوالد إبراهيم وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو ~~عمران الجوني، والثالث: أنه عام في كل والد وما ولد، حكاه الزجاج. # قوله [عز وجل]: (لقد خلقنا الإنسان) ms2422 هذا جواب القسم. وفيمن عنى بالإنسان ~~خمسة أقوال. # أحدها: أنه اسم جنس، وهو معنى قول ابن عباس. # والثاني: أنه أبو الأشدين الجمحي، وقد سبق ذكره، قاله الحسن. # والثالث: أنه الحارث بن عامر بن نوفل، وذلك أنه أذنب ذنبا، فأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالكفارة، فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات، والنفقات ~~منذ دخلت في دين محمد، قاله مقاتل. # والرابع: آدم عليه السلام، قاله ابن زيد. # والخامس: الوليد بن المغيرة، حكاه الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (في كبد) فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: في نصب: رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد ~~بن جبير، وأبو عبيدة، وانهم قالوا: في شدة. قال الحسن: يكابد الشكر على ~~السراء والصبر على PageV08P251 # الضراء، ولا يخلو منهما ويكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة. وقال ابن ~~قتيبة: في شدة عليه ومكابدة لأمور الدنيا والآخرة، فعلى هذا يكون من مكابدة ~~الأمر، وهي معاناته. # والثاني: أن المعنى: خلق منتصبا يمشي على رجليه، وسائر الحيوان غير ~~منتصب، رواه مقسم عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، والضحاك، وعطية، والفراء، ~~فعلى هذا يكون معنى الكبد: الاستواء والاستقامة. # والثالث: في وسط السماء، قال ابن زيد: " لقد خلقنا الإنسان " يعني: آدم " ~~في كبد " أي: # في وسط السماء. # قوله [عز وجل]: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) يعني الله عز وجل أي: ألن ~~يقدر على بعثه، ونشره؟! (يقول أهلكت مالا لبدا) أي: كثيرا، قال أبو عبيدة: ~~هو فعل من التلبد، وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الزجاج: وهو فعل ~~للكثرة، كما يقال: رجل حطم: إذا كان [كثير] الحطم. وقرأ أبو بكر الصديق، ~~وعائشة، وأبو عبد الرحمن، وقتادة، وأبو العالية، وأبو جعفر " لبدا " بضم ~~اللام، وتشديد الباء مفتوحة. وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو المتوكل، وأبو عمران ~~" لبدا " برفع اللام وتسكين الباء خفيفة. وقرأ عثمان بن عفان، والحسن، ~~ومجاهد " لبدا " برفع اللام والباء وتخفيفهما. وقرأ علي بن أبي طالب وأبو ~~الجوزاء " لبدا " بكسر اللام، وفتح الباء مخففة. # وفيما قال لأجل ذلك قولان: # أحدهما: أنه أراد: ms2423 أهلكت مالا كثيرا في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~قاله ابن السائب، فكأنه استطال بما أنفق. # والثاني: أنفقت في سبيل الله وفي الكفارات مالا كثيرا، قاله مقاتل. فكأنه ~~ندم على ما أنفق. # قوله [عز وجل]: (أيحسب أن لم يره أحد) يعني الله عز وجل. والمعنى: أيظن ~~أن الله PageV08P252 # لم ير نفقته، ولم يحصها؟! وكان قد ادعى ما لم ينفق. # قوله [عز وجل]: (ألم نجعل له عينين) المعنى: ألم نجعل به ما يدل على أن ~~الله قادر على بعثه؟! # قوله [عز وجل]: (وهديناه النجدين) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: سبيل الخير والشر، قاله علي، والحسن، والفراء. وقال ابن قتيبة: ~~يريد طريق الخير والشر. وقال الزجاج: النجدين: الطريقين الواضحين والنجد، ~~المرتفع من الأرض، فالمعنى: ألم نعرفه طريق الخير والشر كتبين الطريقين ~~العاليين. # والثاني: سبيل الهدى والضلال، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: هو سبيل ~~الشقاوة والسعادة. # والثالث: الثديين ليتغذى بلبنهما، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ابن ~~المسيب، والضحاك، وقتادة. # فلا أقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام ~~في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان ~~من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة ~~(18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) ~~قوله [عز وجل]: (فلا اقتحم العقبة) وقال ابن عبيدة: فلا هو اقتحم العقبة. ~~قال الفراء: # لم يضم إلى قوله [عز وجل]: فلا اقتحم العقبة كلاما آخر فيه " لا "، ~~والعرب لا تكاد تفرد " لا " في كلام حتى يعيدوها عليه في كلام آخر، كقوله ~~تعالى: (فلا صدق ولا صلى)، (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). ومعنى: " لا " ~~موجود من آخر هذا الكلام، فاكتفى بواحدة من الأخرى، ألا PageV08P253 # ترى أنه فسر اقتحام العقبة، فقال: فك رقبة. (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) ~~(ثم كان من الذين آمنوا) فسرها بثلاثة أشياء. فكأنه [قال] في أول الكلام: ~~فلا فعل ذا، ولا ذا ولا ذا. وذهب ابن زيد في آخرين إلى أن المعنى: [أفلا] ~~اقتحم ms2424 العقبة؟ على وجه الاستفهام، والمعنى: فهلا أنفق ماله في فك الرقاب ~~والإطعام ليجاوز بذلك العقبة؟!. # فأما: الاقتحام فقد بيناه في ص. وفي العقبة سبعة أقوال: # أحدها: أنه جبل في جهنم، قاله ابن عمر. # والثاني: عقبة دون الجسر، قاله الحسن. # والثالث: سبعون دركة في جهنم، قاله كعب. # والرابع: الصراط، قاله مجاهد، والضحاك والكلبي. # والخامس: نار دون الجسر، قاله قتادة. # والسادس: طريق النجاة، قاله ابن زيد. # والسابع: أن ذكر العقبة [هاهنا] مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس ~~والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة. يقول: لم ~~يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة، والإطعام، ذكره علي بن أحمد النيسابوري ~~في آخرين. PageV08P254 # قوله [عز وجل]: (وما أدراك ما العقبة) قال سفيان بن عينية: كل ما فيه " ~~وما أدراك "، فقد أخبره به، وكل ما فيه " وما يدريك " فإنه لم يخبره به. ~~قال المفسرون: المعنى: وما أدراك ما اقتحام العقبة؟. ثم بينه فقال [عز ~~وجل]: (فك رقبة) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، إلا عبد الوارث، والكسائي، ~~والداجوني عن ابن ذكوان " فك " بفتح الكاف " رقبة " بالنصب " أو أطعم " ~~بفتح الهمزة والميم وسكون الطاء من غير ألف فعل ماض. وقرأ عاصم، وابن عامر، ~~وحمزة " فك " برفع الكاف " رقبة " خفض " أو إطعام " بالألف ومعنى فك ~~الرقبة: تخليصها من أسر الرق وكل شئ أطلقته فقد فككته ومن قرأ " فك رقبة " ~~على الفعل، فهو تفسير اقتحام العقبة بالفعل، واختاره الفراء، لقوله عز وجل: ~~(ثم كان من الذين آمنوا) قال ابن قتيبة: والمسغبة: المجاعة. يقال: سغب يسغب ~~سغوبا: إذا جاع (يتيما ذا مقربة) أي ذا قرابة (أو مسكينا ذا متربة) أي: ذا ~~فقر كأنه لصق بالتراب قال ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شئ. ثم ~~بين أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان بقوله [عز وجل]: (ثم كان من الذين ~~آمنوا) و " ثم " هاهنا بمعنى الواو، كقوله [عز وجل]: (ثم الله شهيد). # قوله [عز وجل]: (وتواصوا بالصبر) على فرائض الله أمره (وتواصوا بالمرحمة) ~~أي بالتراحم بينهما. وقد ms2425 ذكرنا أصحاب الميمنة والمشأمة في الواقعة قال ~~الفراء: و " المؤصدة " المطبقة. قال مقاتل: يعني أبوابها [عليهم] مطبقة فلا ~~يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. وقال ابن ~~قتيبة: يقال: أوصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته. وقال الزجاج: المعنى: أن ~~العذاب مطبق عليهم وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم " موصدة " بغير همزة هاهنا وفي الهمزة وقرأ. أبو عمرو، وحمزة، وحفص عن ~~عاصم بالهمز في الموضعين. PageV08P255 # سورة الشمس مكية وآياتها خمس عشرة مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن ~~الرحيم والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) ~~والليل إذا يغشاها (4) والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس ~~وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من ~~دساها (10). # قوله [عز وجل]: (والشمس وضحاها) في المراد " بضحاها " ثلاثة أقوال: # أحدها: ضوؤها، قاله مجاهد، والزجاج. والضحى: حين يصفو ضوء الشمس بعد ~~طلوعها. # والثاني: النهار كله، قاله قتادة، وابن قتيبة. # والثالث: حرها، قاله السدي، ومقاتل قوله (والقمر إذا تلاها) فيه قولان: # أحدهما: إذا تبعها، قاله ابن عباس في آخرين. ثم في وقت اتباعه [لها ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # أنه في أول ليلة من الشهر يرى القمر] إذا سقطت الشمس، قاله قتادة. ~~والثاني: أنه في الخامس PageV08P256 # عشر يطلع القمر مع غروب الشمس، حكاه الماوردي. والثالث: أنه في النصف ~~الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور، ~~حكاه علي بن أحمد النيسابوري. # والقول الثاني: إذا ساواها، قاله مجاهد. وقال غيره: إذا استدار، فتلا ~~الشمس في الضياء والنور، وذلك في الليالي البيض. # قوله [عز وجل]: (والنهار إذا جلاها) في المكني عنها قولان: # أحدهما: أنها الشمس، قاله مجاهد، فيكون المعنى: والنهار، إذا بين الشمس، ~~لأنها تتبين إذا انبسط النهار. # والثاني: أنها الظلمة فيكون كناية عن غير مذكور، لأن المعنى معروف، كما ~~تقول: أصبحت باردة، وهبت شمالا، وهذا قول الفراء، واللغويين قوله: (والليل ~~إذا يغشاها) أي: يغشى بالشمس حين تغيب فتظلم الآفاق: (والسماء وما ms2426 بناها) ~~في " ما " قولان أحدهما: بمعنى " من " تقديره " ومن بناها "، قاله الحسن، ~~ومجاهد، وأبو عبيدة. وبعضهم يجعلها بمعنى الذي. # والثاني: أنها بمعنى المصدر، تقديره: وبناها، وهذا مذهب قتادة، والزجاج. ~~وكذلك القول في " وما طحاها " " وما سواها " وقد قرأ أبو عمران الجوني في ~~آخرين " ومن بناها " " ومن طحاها " " ومن سواها " كله بالنون. قال أبو ~~عبيدة: ومعنى " طحاها " بسطها يمينا وشمالا، ومن كل جانب قال ابن قتيبة: ~~يقال: خير طاح، أي: كثير متسع. # وفي المراد " بالنفس " ها هنا قولان: # أحدهما: آدم، قاله الحسن. # والثاني: جميع النفوس، قاله عطاء. [وقد ذكرنا معنى " سواها " في قوله] ~~[عز وجل]: PageV08P257 # " فسواك فعدلك ". قوله: (فألهمها فجورها وتقواها) الإلهام: إيقاع الشئ في ~~النفس. قال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها، وقال ابن زيد: جعل ذلك ~~فيها بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور. # قوله [عز وجل]: (قد أفلح من زكاها) قال الزجاج: هذا جواب القسم. والمعنى: ~~لقد أفلح، ولكن اللام حذفت لأن الكلام طال، فصار طوله عوضا منها. قال ابن ~~الأنباري: جوابه محذوف. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: قد أفلحت نفس زكاها الله عز وجل، قاله ابن عباس، ومقاتل، ~~والفراء، والزجاج. # والثاني: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال، قاله قتادة، ~~وابن قتيبة. ومعنى " زكاها ": أصلحها وطهرها من الذنوب. قوله (وقد خاب من ~~دساها) فيه قولان كالذي قبله. # فإن قلنا: إن الفعل لله، " دساها ": خذلها، وأخملها، وأخفى محلها، ولم ~~يشهرها بالطاعة والعمل الصالح. # وإن قلنا: الفعل للإنسان، فمعنى " دساها ": أخفاها بالفجور. قال الفراء: ~~ويروى أن " دساها " دسسها لأن البخيل يخفي منزله وماله. وقال ابن قتيبة: ~~المعنى: دسى نفسه، أي: أخفاها بالفجور والمعصية. والأصل من دسست، فقلبت ~~السين ياء، كما قالوا: قص قصيت أظفاري، أي قصصتها. # فكأن النطف بارتكاب الفواحش دس نفسه، وقمعها، ومصطنع المعروف شهر نفسه ~~ورفعها، وكانت أجواد العرب تنزل الربا للشهرة، واللئام تنزل الأطراف لتخفي ~~أماكنها، وقال الزجاج: معنى " دساها " جعلها قليلة خسيسة. PageV08P258 # كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة ~~الله ms2427 وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا ~~يخاف عقباها (15) قوله [عز وجل]: (كذبت ثمود بطغواها) أي: كذبت رسولها ~~بطغيانها. والمعنى: أن الطغيان حملهم على التكذيب. قال الفراء: أراد ~~بطغواها: طغيانها، وهما مصدران، إلا أن الطغوى أشكل برؤوس الآيات، فاختير ~~لذلك. وقيل: كذبوا العذاب (إذ انبعث) أي: انتدب (أشقاها) وهو: عاقر الناقة ~~يعقرها (فقال لهم رسول الله) وهو صالح (ناقة الله) قال الفراء: نصب على ~~التحذير، وكل تحذير فهو نصب. وقال ابن قتيبة: احذروا ناقة الله وشربها. ~~وقال الزجاج: # المعنى: ذروا ناقة الله (و) ذروا (سقياها) قال المفسرون: سقياها: شربها ~~من الماء. والمعنى: لا تتعرضوا ليوم شربها (فكذبوه) في تحذيره إياهم العذاب ~~بعقرها (فعقروها) وقد بينا معنى " العقر " في الأعراف (فدمدم عليهم ربهم) ~~قال الزجاج: أي: أطبق عليهم العذاب. يقال: # دمدمت على الشئ: إذا أطبقت فكررت الإطباق، وقال المؤرج: الدمدمة: اهلاك ~~باستئصال. # وفي قوله [عز وجل]: (فسواها) قولان: # أحدهما: سوى بينهم في الإهلاك، قاله السدي، ويحيى بن سلام. وقيل: سوى ~~الدمدمة عليهم. والمعنى: أنه أهلك صغيرهم، وكبيرهم. # والثاني: سوى الأرض عليهم. قال مقاتل: سوى بيوتهم على قبورهم. وكانوا قد ~~حفروا قبورا PageV08P259 # فاضطجعوا فيها، فلما صيح بهم فهلكوا زلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم. # قوله [عز وجل]: (ولا يخاف عقباها) قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر " فلا ~~" بالفاء، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون بالواو، ~~وكذلك هي في مصاحف مكة، والكوفة، والبصرة. وفي المشار إليه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الله عز وجل، فالمعنى: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم، ~~ولا يخشى عقبى ما صنع، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أنه عقرها، فالمعنى: أنه لم يخف عقبى ما صنع، وهذا مذهب الضحاك ~~والسدي، وابن السائب. فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: إذ انبعث ~~أشقاها و [هو] لا يخاف عقباها. # والثالث: أنه نبي الله صالح لم يخف عقباها، حكاه الزجاج. PageV08P260 # سورة الليل مكية وآياتها إحدى وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله ~~الرحمن الرحيم والليل إذا يغشى ms2428 (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر ~~والأنثى (3) إن سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) ~~فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره ~~للعسرى (10) وما يغنى عنه ماله إذا تردى (11) قوله [عز وجل]: (والليل إذا ~~يغشى) قال ابن عباس: يغشى بظلمته النهار. وقال الزجاج: # يغشى الأفق، ويغشى جميع ما بين السماء والأرض قوله (والنهار إذا تجلى) ~~أي: بان وظهر من بين الظلمة، (وما خلق الذكر والأنثى) في " ما " قولان. وقد ~~ذكرناهما عند قوله [عز وجل]، " وما PageV08P261 # بناها ". وفي " الذكر والأنثى " قولان: # أحدهما: آدم وحواء، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنه عام، ذكره الماوردي. # قوله [عز وجل]: (إن سعيكم لشتى) هذا جواب القسم. قال ابن عباس: إن ~~أعمالكم لمختلفة، عمل للجنة، وعمل للنار. وقال الزجاج: سعي المؤمن والكافر ~~مختلف، بينهما بعد. # وفي سبب نزول هذه السورة قولان: # أحدهما: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي ~~بن خلف ببردة وعشرة أواق، فأعتقه، فأنزل الله عز وجل " والليل إذا يغشى " ~~إلى قوله [عز وجل]: " إن سعيكم لشتى " يعني: سعي أبي بكر، وأمية وأبي، قاله ~~عبد الله بن مسعود. # والثاني: أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان ~~الرجل إذا صعد النخلة ليأخذ منها الثمر، فربما سقطت الثمرة، فيأخذها صبيان ~~الفقير، فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ الثمرة من أيديهم، فإن وجدها في فم ~~أحدهم أدخل أصبعه حتى يخرجها، فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة، فقال: " تعطيني نخلتك ~~التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة؟ " فقال الرجل: إن لي نخلا ~~وما فيه نخلة أعجب إلي منها، ثم ذهب الرجل، فقال رجل ممن سمع ذلك الكلام: ~~يا رسول الله أتعطيني نخلة في الجنة إن أنا أخذتها؟ # قال: نعم، فذهب الرجل، فلقي صاحب النخلة، فساومها منه، فقال له: أشعرت أن ~~محمدا أعطاني بها نخلة في الجنة؟ فقلت: ما ms2429 لي نخلة أعجب إلي منها، فقال له: ~~أتريد بيعها؟ قال: لا، إلا أن أعطى بها مالا أظنني لن أعطى، قال: ما ميلك؟ ~~قال: أربعون نخلة، فقال: أنا أعطيك أربعين نخلة، واشهد له ناسا، ثم ذهب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إن النخلة قد صارت في ملكي، وهي لك، ~~فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم [إلى صاحب الدار، فقال: النخلة لك ~~ولعيالك، فأنزل الله عز وجل " والليل إذا يغشى " إلى قوله [عز وجل]: " إن ~~سعيكم لشتى " رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال عطاء: الذي اشتراها من الرجل ~~أبو الدحداح، أخذها بحائط له، فأنزل الله تعالى هذه PageV08P262 # الآيات إلى قوله [عز وجل]: " إن سعيكم لشتى " أبو الدحداح، وصاحب النخلة. # قوله [عز وجل]: (فأما من أعطى وأتقى) قال ابن مسعود: يعني: أبا بكر ~~الصديق هذا قول الجمهور. وقال عطاء: هو أبو الدحداح. وفي المراد بهذا ~~العطاء ثلاثة أقوال: # أحدها: أعطى من فضل ماله، قاله ابن عباس. # والثاني: [أعطى الله] الصدق من قبله، قاله الحسن. # والثالث: [أعطى] حق الله عليه، قاله قتادة. # وفي قوله [عز وجل]: (واتقى) ثلاثة أقوال: # أحدها: اتقى الله، قاله ابن عباس. # والثاني: اتقى البخل، قاله مجاهد. # والثالث: اتقى محارم الله التي نهى عنها، قاله قتادة. وفي " الحسنى " ستة ~~أقوال: # أحدها: أنه " لا إله إلا الله " رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والثاني: الخلف، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # والثالث: الجنة، قاله مجاهد. # والرابع: نعم الله عليه، قاله عطاء. # والخامس: بوعد الله أن يثيبه، قاله قتادة، ومقاتل. # والسادس: الصلاة، والزكاة، والصوم، قاله زيد بن أسلم. # قوله [عز وجل]: (فسنيسره لليسرى) ضم أبو جعفر سين " اليسرى " وسين " ~~العسري " وفيه قولان: # أحدهما: للخير، قاله ابن عباس. والمعنى: نيسر ذلك عليه. # والثاني: للجنة، قاله زيد بن أسلم. # قوله (وأما من بخل) قال ابن مسعود: يعني بذلك أمية وأبيا ابني خلف. وقال ~~عطاء: هو صاحب النخلة. PageV08P263 # قال المفسرون: " وأما من بخل " بالنفقة في الخير والصدقة. ms2430 وقال قتادة: ~~بحق الله عز وجل، قوله (واستغنى) أي عن ثواب الله فلم يرغب فيه (وكذب ~~بالحسنى) وقد سبقت الأقوال فيها. # وفي " العسري " قولان: # أحدهما: النار، قاله ابن مسعود. # والثاني: الشر، قاله ابن عباس. والمعنى: شهيته للشر فيؤديه إلى الأمر ~~العسير، وهو عذاب النار. # ثم ذكر أن ما أمسكه من ماله لا ينفعه، فقال [عز وجل]: (وما يغنى عنه ~~ماله) الذي يبخل به عن الخير (إذا تردى) وفيه قولان: # أحدهما: إذا تردى في جهنم، قاله ابن عباس، وقتادة. والمعنى: إذا سقط ~~فيها. # والثاني: إذا مات فتردى في قبره، قاله مجاهد. # إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى ~~(14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) ~~الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21) قوله [عز وجل]: (إن علينا للهدى) قال ~~الزجاج: المعنى: إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال قوله (إن لنا ~~للآخرة والأولى) أي: فليطلبا منا (فأنذرتكم نارا تلظى) أي: تتوقد وتتوهج ~~(لا يصلاها إلا الأشقى) يعني: المشرك (الذي كذب) الرسول (وتولى) عن ~~الإيمان. قال أبو عبيدة: و (الأشقى) بمعنى الشقي. والعرب تضع " أفعل " في ~~موضع " فاعل ". قال طرفة: PageV08P264 # تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد قال الزجاج: وهذه ~~الآية هي التي من أجلها زعم أهل الإرجاء أنه لا يدخل النار إلا كافر، وليس ~~كما ظنوا. هذه نار موصوفة بعينها، ولأهل النار منازل. فلو كان من لا يشرك ~~لا يعذب لم يكن [في] قوله [عز وجل] (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فائدة. # قوله [عز وجل]: (وسيجنبها) أي: يبعد عنها، فيجعل منها على جانب (الأتقى) ~~يعني: أبا بكر الصديق في قول جميع المفسرين (الذي يؤتي ماله يتزكى) أي: ~~يطلب أن يكون عند الله زاكيا، ولا يطلب الرياء، ولا السمعة (وما لأحد عنده ~~من نعمة تجزى) أي: لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه. # وروى عطاء عن ابن عباس ان أبا ms2431 بكر لما اشترى بلالا بعد أن كان يعذب قال ~~المشركون: # ما فعل أبو بكر [ذلك] إلا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله تعالى: (وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) أي: إلا طلبا لثواب ~~ربه. قال الفراء: و " إلا " بمعنى " لكن " ونصب " ابتغاء " على إضمار ~~إنفاقه. فالمعنى: وما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه. # قوله تعالى: (ولسوف يرضى) أي: بما يعطى في الجنة من الثواب. PageV08P265 # سورة الضحى مكية وآياتها إحدى عشرة وهي مكية بإجماعهم اتفق المفسرون: على ~~أن هذه السورة نزلت بعد انقطاع الوحي مدة. ثم اختلفوا في سبب انقطاعه على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، وعن ~~أصحاب الكهف، وعن الروح، فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس ~~عنه الوحي. # والثاني: لقلة النظافة في بعض أصحابه. وقد ذكرنا هذين القولين في سورة ~~مريم. # والثالث: لأجل جرو كان في بيته، قاله زيد بن أسلم. # وفي مدة احتباسه عنه أقوال قد ذكرناها في مريم. # وروى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث جندب قال: قالت امرأة من ~~قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى شيطانك إلا قد ودعك، فنزلت (والضحى ~~والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى)، جندب: هو ابن سفيان والمرأة: يقال ~~لها: أم جميل امرأة أبي لهب. PageV08P266 # بسم الله الرحمن الرحيم والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما ~~قلى (3) وللآخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك ~~يتيما فأوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا ~~تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) وفي المراد " ~~بالضحى " أربعة أقوال: # أحدها: ضوء النهار، [قاله مجاهد. # والثاني: صدر النهار]، قاله قتادة. # والثالث: أول ساعة من النهار إذا ترحلت الشمس، قاله السدي، ومقاتل. # والرابع: النهار كله، قاله الفراء. وفي معنى " سجى " خمسة أقوال: # أحدها: أظلم. # والثاني: ذهب، رويا عن ابن عباس. # والثالث: أقبل، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: سكن، قاله ms2432 عطاء، وعكرمة، وابن زيد. فعلى هذا: في معنى " سكن " ~~قولان: PageV08P267 # أحدهما: استقر ظلامه، قال الفراء: " سجى " يعني أظلم وركد في طوله. كما ~~يقال: بحر ساج، وليل ساج: إذا ركد وأظلم. ومعنى: ركد: سكن. قال أبو عبيدة، ~~يقال: ليلة ساجية، وساكنة، وشاكرة. قال الحادي يا حبذا القمراء والليل ~~الساج * وطرق مثل ملاء النساج قال ابن قتيبة: " سجى " بمعنى سكن، وذلك عند ~~تناهي ظلامه وركوده. # والثاني: سكن الخلق فيه، ذكره الماوردي. # والخامس: امتد ظلامه، قاله ابن الأعرابي. # قوله [عز وجل]: (ما ودعك ربك) وقرأ عمر بن الخطاب، وأنس، وعروة، وأبو ~~العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وأبو حاتم عن يعقوب " ما ودعك " بتخفيف ~~الدال. وهذا جواب القسم. قال أبو عبيدة: " ما ودعك " من التوديع كما يودع ~~المفارق، و " ما ودعك " مخففة من ودعه يدعه (وما قلى) أي: أبغض. # قوله [عز وجل]: (وللآخرة خير لك من الأولى) قال عطاء، أي خير لك من ~~الدنيا. وقال غيره: الذي لك في الآخرة أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا. # قوله عز وجل: (ولسوف يعطيك ربك) [في] الآخرة من الخير (فترضى) بما تعطى. # قال علي والحسن: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. قال ابن عباس: عرض على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفتح على أمته من بعده كفرا كفرا، فسر ~~بذلك، فأنزل الله عز وجل: " وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى ". PageV08P268 # قوله [تعالى]: (ألم يجدك يتيما فآوى) فيه قولان: # أحدهما: جعل لك مأوى إذ ضمك إلى عمك أبي طالب، فكفاك المؤونة، قاله ~~مقاتل. # والثاني: جعل لك مأوى لنفسك أغناك به عن كفالة أبي طالب، قاله ابن ~~السائب. # قوله [تعالى]: (ووجدك ضالا فهدى) فيه ستة أقوال: # أحدها: ضالا عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها، قاله ~~الجمهور، منهم الحسن، والضحاك. # والثاني: أنه ضل وهو [صبي] صغير في شعاب مكة، فرده الله إلى جده عبد ~~المطلب، رواه أبو الضحى عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ إبليس بزمام ناقته، ms2433 فعدل ~~به عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة، ورده إلى ~~القافلة، فمن الله عليه بذلك، قاله سعيد بن المسيب. # والرابع: أن المعنى: ووجدك في قوم ضلال، فهداك للتوحيد والنبوة، قاله ابن ~~السائب. # والخامس: ووجدك نسيا، فهداك إلى الذكر. ومثله: (أن تضل إحداهما...) قاله ~~ثعلب. # والسادس: ووجدك خاملا لا تذكر ولا تعرف، فهدى الناس إليك حتى عرفوك، قاله ~~عبد PageV08P269 # العزيز بن يحيى، ومحمد بن علي الترمذي. # قوله [عز وجل]: (ووجدك عائلا) قال أبو عبيدة: أي: ذا فقر. وأنشد: # وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل أي: يفتقر. قال ابن ~~قتيبة: العائل: الفقير، كان له عيال، أو لم يكن يقال: عال الرجل: إذا ~~افتقر. وأعال: إذا كثر عياله. # وفي قوله: (فأغنى) قولان: # أحدهما: أرضاك بما أعطاك من الرزق، قاله ابن السائب، واختاره الفراء ~~فقال: لم يكن غناه عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. # والثاني: فأغناك بمال خديجة عن أبي طالب، قاله جماعة من المفسرين. # قوله [عز وجل]: (فأما اليتيم فلا تقهر) فيه قولان: # أحدهما: لا تحقر، قاله مجاهد. # والثاني: لا تقهره على ماله، قاله الزجاج. قوله [وأما السائل] فيه قولان: # أحدهما: سائل البر، قاله الجمهور. والمعنى: إذا جاءك السائل، فإما أن ~~تعطيه، وإما أن ترده ردا لينا. ومعنى (فلا تنهر) لا تنهره، يقال: نهره ~~وانتهره: إذا استقبله بكلام يزجره. # والثاني: أنه طالب العلم، قاله يحيى بن آدم في آخرين. # قوله [عز وجل]: (وأما بنعمة ربك فحدث) في النعمة ثلاثة أقوال: # أحدهما: النبوة. # والثاني: القرآن، رويا عن مجاهد. # والثالث: أنها عامة في جميع الخيرات، وهذا قول مقاتل. وقد روي عن مجاهد ~~قال: قرأت على ابن عباس. فلما بلغت " والضحى " قال: كبر إذا ختمت كل سورة ~~حتى تختم. قرأت على أبي بن كعب فأمرني بذلك. قال علي بن أحمد النيسابوري: ~~ويقال: ان الأصل في ذلك أن الوحي لما فتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال المشركون: قد هجره شيطانه وودعه، اغتم لذلك، ms2434 فلما نزل " والضحى " كبر ~~عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا بنزول الوحي، فاتخذه الناس سنة. ~~PageV08P270 # سورة الشرح مكية وآياتها ثمان مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ألم ~~نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك ~~(4) فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ~~ربك فارغب (8) قوله [تعالى]: (ألم نشرح لك صدرك) الشرح: الفتح بإذهاب ما ~~يصد عن الإدراك. # والله تعالى فتح صدر نبيه للهدى والمعرفة بإذهاب الشواغل التي تصدر عن ~~إدراك الحق. ومعنى هذا الاستفهام: التقرير، أي: فعلنا ذلك (ووضعنا عنك ~~وزرك) أي: حططنا عنك إثمك الذي سلف في الجاهلية، قاله ابن عباس، والحسن، ~~وقتادة، والضحاك، والفراء، وابن قتيبة في آخرين. وقال الزجاج: # المعنى: أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال ابن قتيبة: وأصل ~~الوزر: ما حمله الإنسان على ظهره، فشبه بالحمل فجعل مكانه. ومعنى (أنقض ~~ظهرك) أثقله حتى سمع نقيضة، أي: صوته. وهذا مثل، يعني: أنه لو كان حملا ~~يحمل لسمع نقيض الظهر منه. وذهب قوم إلى أن المراد بهذا تخفيف أعباء النبوة ~~PageV08P271 # التي يثقل القيام بها الظهر، فسهل الله له ذلك حتى تيسر عليه الأمر، وممن ~~ذهب إلى هذا عبد العزيز بن يحيى. # قوله [عز وجل]: (ورفعنا لك ذكرك) فيه خمسة أقوال: # أحدها: ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل ~~عن هذه الآية فقال: قال الله عز وجل: إذا ذكرت ذكرت معي. قال قتادة: فليس ~~خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد ~~أن محمدا رسول الله، وهذا قول الجمهور. # والثاني: رفعنا لك ذكرك بالنبوة، قاله يحيى بن سلام. # والثالث: رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا: حكاه الماوردي. # والرابع: رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء. # والخامس: بأخذ الميثاق لك على الأنبياء: وإلزامهم الإيمان بك، والإقرار ~~بفضلك، حكاهما الثعلبي. # قوله [عز وجل]: (فإن مع العسر يسرا) وضم ms2435 سين " العسر " وسين " اليسر " ~~أبو جعفر و " العسر " مذكور في الآيتين بلفظ التعريف. و " اليسر " مذكور ~~بلفظ التنكير، فدل على أن العسر واحد، واليسر اثنان. قال ابن مسعود، وابن ~~عباس في هذه الآية: لن يغلب عسر يسرين. قال الفراء: # العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة صارت اثنتين، كقولك: إذا كسبت ~~درهما فأنفق درهما، فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي من قولك: ~~إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر ~~العسر بالألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقال ~~الحسين بن يحيى الجرجاني - ويقال له: صاحب النظم -: معنى الكلام: لا يحزنك ~~ما يعيرك به المشركون من الفقر " فإن مع العسر يسرا " عاجلا في الدنيا، ~~فأنجزه بما وعده الله، بما فتح عليه، ثم ابتدأ PageV08P272 # فصلا آخر فقال: " إن مع العسر يسرا " والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء ~~والواو، وهو وعد لجميع المؤمنين أي ان مع عسر المؤمنين يسرا في الآخرة، ~~فمعنى قولهم: لن يغلب عسر يسرين: لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعده الله ~~المؤمنين في الدنيا، واليسر الذي وعدهم في الآخرة، إنما يغلب أحدهما، وهو ~~يسر الدنيا. فأما يسر الآخرة، فدائم لا ينقطع، كقوله [صلى الله عليه وسلم]: ~~" شهرا عيد لا ينقصان "، أي: لا يجتمعان في النقص. وحكي عن الثعلبي قال: ~~كنت ذات ليلة في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت من الشعر، فقلت: # أرى الموت لمن أصبح * مغموما له أروح فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف: # ألا يا أيها المرء * الذي الهم به برح وقد أنشد بيتا لم * يزل في فكره ~~يسبح [إذا اشتد بك العسر * ففكر في " ألم نشرح "] فعسر بين يسرين * إذا ~~أبصرته فافرح فحفظت الأبيات وفرج الله غمي. # قوله [عز وجل]: (فإذا فرغت فانصب) أي: فادأب في العمل، وهو من النصب، ~~والنصب: التعب، الدؤوب في العمل، وفي معنى الكلام ستة أقوال: # أحدها: فإذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، قاله ابن مسعود. # والثاني: ms2436 فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، قاله ابن عباس، والضحاك، ~~ومقاتل. # والثالث: فإذا فرغت من جهالة عدوك فانصب لعبادة ربك، قاله الحسن وقتادة. # والرابع: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك، قاله مجاهد. # والخامس: فإذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، قاله الشعبي والزهري. # والسادس: إذا صح بدنك فاجعل صحتك نصبا في العبادة، ذكره علي بن أبي طلحة. ~~قوله (وإلى ربك فارغب) قال الزجاج: اجعل رغبتك إلى الله عز وجل وحده. ~~PageV08P273 # سورة التين مكية وآياتها ثمان وفيها قولان: # أحدهما: أنها مكية، قاله الجمهور، منهم الحسن، وعطاء. # والثاني: أنها مدنية، حكاه الماوردي عن ابن عباس، وقتادة. # بسم الله الرحمن الرحيم والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد ~~الأمين (3) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد ~~بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) قوله [عز وجل]:، (والتين ~~والزيتون) فيهما سبعة أقوال: # أحدها: أنه التين المعروف، والزيتون المعروف، قاله ابن عباس، والحسن، ~~وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، [وجابر بن زيد، وإبراهيم] وذكر بعض المفسرين أنه ~~إنما أقسم بالتين لأنها فاكهة مخلصة من شائب التنغيص، وهو يدل على قدرة من ~~هيأه على تلك الصفة، وجعل الواحد PageV08P274 # منه على مقدار اللقمة، وإنما أقسم بالزيتون لكثرة الانتفاع به. # والثاني: أن التين: مسجد نوح الذي بنى على الجودي. والزيتون: بيت المقدس، ~~رواه عطية عن ابن عباس. # والثالث: التين: المسجد الحرام، والزيتون: المسجد الأقصى، قاله الضحاك. # والرابع: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس، قاله كعب، وقتادة، ~~وابن زيد. # والخامس: أنهما جبلان، قاله عكرمة في رواية. وروي عن قتادة قال: التين: ~~الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [الجبل] الذي عليه بيت المقدس. # والسادس: أن التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء، قاله ~~القرظي. # والسابع: أن التين: جبال ما بين حلوان إلى همذان، والزيتون: جبال بالشام، ~~حكاه الفراء. فأما (طور سينين) فالطور: جبل. وفيه قولان: # أحدهما: أنه الجبل الذي كلم الله موسى عليه، قاله كعب الأحبار في ~~الأكثرين. ms2437 # والثاني: أنه جبل بالشام، قاله قتادة. # فأما " سنين " فهو لغة في سيناء، وقد قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~وسعد بن أبي وقاص، وأبو العالية، وأبو مجلز " وطور سيناء " ممدودة مهموزة، ~~مفتوحة السين. وقرأ ابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو حيوة " وطور سيناء " ~~مثلهم إلا أنهم كسروا السين. وقرأ أبو رجاء، والجحدري " سينين " كما في ~~القرآن، لكنهما فتحا السين. وقال ابن الأنباري: " سينين " هو سيناء. # واختلفوا في معناه، فقيل: معناه: الحسن. وقيل: المبارك. وقيل: إنه اسم ~~للشجر الذي حوله. وقد شرحنا هذا في سورة المؤمنين قال الزجاج: وقد قرئ ~~هاهنا " وطور سيناء " وهو أشبة لقوله [عز وجل]: (وشجرة تخرج من طور سيناء). ~~وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين، وسيناء بلغة النبط. ~~PageV08P275 # قوله [عز وجل]: (وهذا البلد الأمين) يعني: مكة يأمن فيه الخائف في ~~الجاهلية، والإسلام. # قال الفراء: ومعنى " الأمين " الآمن. والعرب تقول للآمن: أمين. # قال الشاعر: # ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني * حلفت يمينا لا أخون أميني يريد آمني. # قوله [عز وجل]: (لقد خلقنا الإنسان) هذا جواب القسم. وفي المراد بالإنسان ~~هاهنا خمسة أقوال: # أحدها: أنه كلدة بن أسيد، قاله ابن عباس. # والثاني: الوليد بن المغيرة، قاله عطاء. # والثالث: أبو جهل بن هشام. # والرابع: عتبة، وشيبة، حكاهما الماوردي. # والخامس: أنه اسم جنس، وهذا مذهب كثير من المفسرين، وهو معنى قول مقاتل. # قوله [عز وجل]: (في أحسن تقويم) فيه أربعة أقوال: # أحدها: في أعدل خلق. # والثاني: منتصب القامة، رويا عن ابن عباس. # والثالث: في أحسن صورة، قاله أبو العالية. # والرابع: في شباب وقوة قاله عكرمة قوله (ثم رددناه أسفل سافلين) فيه ~~قولان: # أحدهما: إلى أرذل العمر، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~وإبراهيم، وقتادة. # وقال الضحاك: إلى الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، والسافلون: هم ~~الضعفاء والزمني، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا، قال الفراء: ~~وإنما قال: " سافلين " على الجمع، لأن الإنسان في معنى جمع. تقول: هذا أفضل ~~قائم، ولا تقول: قائمين، لأنك تريد واحدا، ms2438 فإذا لم PageV08P276 # ترد واحدا ذكرته بالتوحيد وبالجمع. # والثاني: إلى النار، قاله الحسن، وأبو العالية، ومجاهد. والمعنى: إنا ~~نفعل هذا بكثير من الناس. تقول العرب: أنفق فلان ماله على فلان، وإنما أنفق ~~بعضه، ومثله قوله [عز وجل]: (الذي يؤتي ماله يتزكى) لم يرد كل ماله. ثم ~~استثنى من الإنسان فقال [عز وجل]: (إلا الذين آمنوا) لأن معنى الإنسان ~~الكثير. وللمفسرين في معنى الاستثناء قولان: # أحدهما: إلا الذين آمنوا، فإنهم لا يردون إلى الخرف، وأرذل العمر وإن ~~عمروا طويلا، وهذا على القول الأول. قال ابن عباس: من قرأ القرآن لم يرد ~~إلى أرذل العمر، وقال إبراهيم النخعي: إذا بلغ [المؤمن] من الكبر ما يعجز ~~عن العمل كتب له ما [كان] يعمل، وهو قوله [عز وجل]: (فلهم أجر غير ممنون) ~~وقال ابن قتيبة: المعنى: إلا الذين آمنوا في وقت القوة والقدرة، فإنهم في ~~حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات، لأن الله عز وجل يعلم أنه لو ~~لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير، فهو يجري [لهم] أجر ذلك. # والثاني: إلا الذين آمنوا، فإنهم لا يردون إلى النار، وهذا على القول ~~الثاني. وقد شرحنا معنى " الممنون " في " ن ". # قوله [عز وجل]: (فما يكذبك بعد بالدين) فيه قولان: # أحدهما: فما يكذبك أيها الإنسان بعد هذه الحجة " بالدين " أي: ما الذي ~~يجعلك مكذبا بالجزاء؟! وهذا توبيخ للكافر، وهو معنى قول مقاتل. وزعم أنها ~~نزلت في عدي بن ربيعة. # والثاني: فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعدما تبين له خلقنا ~~الإنسان على ما وصفنا، قاله الفراء. فأما " الدين " فهو الجزاء. والمشار ~~إليه بذكره إلى البعث، كأنه استدل بتقلب الأحوال على البعث. # قوله [عز وجل]: (أليس الله بأحكم الحاكمين) أي: بأقضى القاضين، قال ~~مقاتل: يحكم بينك وبين مكذبيك. وذكر بعض المفسرين: أن معنى هذه الآية ~~تسليته في تركهم والإعراض عنهم. # ثم نسخ هذا المعنى بآية السيف. PageV08P277 # سورة العلق مكية وآياتها تسع عشرة اقرأ باسم ربك وتسمى: سورة القلم، ~~وسورة العلق، وهي مكية بإجماعهم. # وهي أول ms2439 نزول من القرآن. وقيل إنما انزل عليه في أول الوحي خمس آيات ~~منها، ثم نزل باقيها في أبي جهل. # بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق ~~(2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) ~~قوله [تعالى]: (اقرأ) قرأ أبو جعفر بتخفيف الهمزة في الحرفين. قال أبو ~~عبيدة: المعنى: " إقرأ اسم ربك " والباء زائدة. # وقال المفسرون: المعنى: أذكر اسمه مستفتحا به قراءتك. وإنما قال [عز ~~وجل]: (الذي خلق) لأن الكفار كانوا [يعلمون] أنه الخالق دون أصنامهم. ~~والإنسان هاهنا: ابن آدم. والعلق: # جمع علقة، وقد بيناها في سورة " الحج " قال الفراء: لما كان الإنسان في ~~معنى الجمع جمع العلق مع مشاكلة رؤوس الآيات.. PageV08P278 # قوله تعالى: (اقرأ) تكرير للتأكيد. ثم استأنف فقال [عز وجل]: (وربك ~~الأكرم) قال الخطابي: الأكرم: الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم ~~نظير. وقد يكون الأكرم بمعنى الكريم، كما جاء الأعز والأطول، بمعنى العزيز ~~والطويل. وقد سبق تفسير الكريم. # قوله [عز وجل]: (الذي علم بالقلم) أي: علم الإنسان الكتابة بالقلم (علم ~~الإنسان ما لم يعلم) من الخط، والصنائع، وغير ذلك. وقيل: المراد بالإنسان ~~هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم. # كلا إن الإنسان ليطغى (6) ان رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعي (8) أرأيت ~~الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر ~~بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن ~~لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) ~~سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) قوله [عز وجل]: (كلا) ~~أي: حقا. وقال مقاتل: (كلا) لا يعلم أن الله علمه. ثم استأنف فقال [عز ~~وجل]: (إن الإنسان ليطغى) يعني: أبا جهل. وكان إذا أصاب مالا أشر وبطر في ~~ثيابه، ومراكبه، وطعامه قوله (أن رآه استغنى) قال ابن قتيبة: أي: أن رأى ~~نفسه استغنى. و " الرجعي " المرجع. # قوله [عز وجل]: (أرأيت الذي ينهى) معنى: أرأيت: تعجيب المخاطب، وإنما ~~كررها للتأكيد والتعجيب. والمراد بالتاء هي هاهنا: ms2440 أبو جهل. قال أبو هريرة: ~~قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فبالذي يحلف ~~به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على PageV08P279 # رقبته. فقال له: ها هو ذاك يصلي. فانطلق ليطأ على رقبته، فما فجأهم إلا ~~وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فأتوه، فقالوا: مالك يا أبا الحكم فقال: ~~إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة. وقال نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم: " والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا "، فأنزل ~~الله تعالى: (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى) إلى آخر السورة. وقال ابن ~~عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن ~~هذا؟! فانصرف إليه النبي صلى الله عليه وسلم فزبره، فقال أبو جهل: والله ~~إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله تعالى: (فليدع ناديه سندع ~~الزبانية) قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله. # قال المفسرون: والمراد بالعبد هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~كانت الصلاة صلاة الظهر. # قوله [عز وجل]: (أرأيت إن كان على الهدى) يعني المنهي وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله [عز وجل]: (أرأيت إن كذب وتولى) يعني: الناهي، وهو أبو جهل، قال ~~الفراء: # والمعنى: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، وهو كاذب متول عن الذكر، وأي شئ ~~أعجب من هذا؟! وقال ابن الأنباري: تقديره: أرأيته مصيبا. # قوله [عز وجل]: (ألم يعلم) يعني أبا جهل (بأن الله يرى) ذلك فيجازيه ~~(كلا) أي: لا يعلم ذلك (لئن لم ينته) عن تكذيب محمد وشتمه وإيذائه (لنسفعا ~~بالناصية) السفع: الأخذ، والناصية: مقدم شعر الرأس. قال أبو عبيدة: يقال: ~~سفعت بيدي، أي: أخذت بها. وقال الزجاج: # يقال: شفعت الشئ: إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا. والمعنى: لنجرن ~~ناصيته إلى النار. # قوله [عز وجل]: (ناصية) قال أبو عبيدة: هي بدل، فلذلك جرها. قال الزجاج: # والمعنى: بناصية صاحبها كاذب خاطئ، كما يقال نهاره صائم، وليله قائم، أي: ~~هو صائم في PageV08P280 # نهاره، ms2441 قائم في ليله (فليدع ناديه) أي: أهل ناديه، وهم أهل مجلسه ~~فليستنصرهم (سندع الزبانية) قال عطاء: هم الملائكة الغلاظ الشداد، وقال ~~مقاتل: هم خزنة جهنم. وقال قتادة: الزبانية [في] كلام العرب: الشرط. قال ~~الفراء: كان الكسائي يقول: لم أسمع للزبانية بواحد، ثم قال بأخرة: واحد ~~الزبانية: زبني، فلا أدري أقياسا منه أو سماعا. وقال أبو عبيدة: واحد ~~الزبانية: زبنية، وهو كل متمرد من إنس، أو جان يقال: فلان زبنية عفرية. قال ~~ابن قتيبة: وهو مأخوذ من الزبن، وهو الدفع، كأنهم يدفعون أهل النار إليها. ~~وقال ابن دريد: الزبن: الدفع. يقال: ناقة زبون: إذا زبنت حالبها. ودفعته ~~برجلها. وتزابن القوم: تدارؤوا. واشتقاق الزبانية من الزبن. والله أعلم. # قوله [عز وجل]: (كلا) أي: ليس الأمر على ما عليه أبو جهل (لا تطعه) في ~~ترك الصلاة (واسجد) أي: صل لله (واقترب) إليه بالطاعة، وهذا قول الجمهور أن ~~قوله [عز وجل]: # (واقترب) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إنه خطاب لأبي جهل: ثم ~~فيه قولان. # أحدهما: أن المعنى: اسجد أنت يا محمد، واقترب أنت يا أبا جهل إلى النار، ~~قاله زيد بن أسلم. # والثاني: واقترب يا أبا جهل تهددا له، رواه أبو سليمان الدمشقي عن بعض ~~القدماء وهذا يشرحه حديث أبي هريرة الذي قدمناه. وروى أبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم انه قال: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا ~~الدعاء ". PageV08P281 # سورة القدر مكية وآياتها خمس وفيها قولان: # أحدهما: أنها مكية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها مدنية، قاله الضحاك، ومقاتل. قال الماوردي: الأول قول ~~الأكثرين. وقال الثعلبي: الثاني قول الأكثرين. # بسم الله الرحمن الرحيم إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة ~~القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ~~ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5) قوله [عز وجل]: (إنا ~~أنزلناه) يعني: القرآن (في ليلة القدر) وذلك أنه أنزل جملة في تلك الليلة ~~إلى بيت العزة، وهو ms2442 بيت في السماء الدنيا. وقد ذكرنا هذا الحديث في أول ~~كتابنا. PageV08P282 # والهاء في " إنا أنزلناه " كناية عن غير مذكور. وقال الزجاج: قد جرى ذكره ~~في قوله [عز وجل]: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) فأما (ليلة القدر) ففي ~~تسميتها بذلك خمسة أقوال: # أحدها: أن القدر: العظمة، من قولك: لفلان قدر، قاله الزهري. ويشهد له ~~قوله [عز وجل]: (وما قدروا الله حق قدره) والثاني: أنه من الضيق، أي: هي ~~ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون، قاله الخليل بن أحمد، ~~ويشهد له [قوله]: (ومن قدر عليه رزقه). # والثالث: أن القدر: الحكم كأن الأشياء يقدر فيها، قاله ابن قتيبة. # والرابع: لأن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر، قاله أبو بكر ~~الوراق. # والخامس: لأنه ينزل فيها كتاب ذو قدر، وتنزل فيها رحمة ذات قدر، وملائكة ~~ذوو قدر، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. # فصل واختلف العلماء هل ليلة القدر باقية، أم كانت في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة؟ والصحيح بقاؤها. # وهل هي في جميع السنة، أم في رمضان؟ فيه قولان: # أحدهما: في رمضان، قاله الجمهور وأكثر الأحاديث الصحاح تدل عليه. وقد روى ~~البخاري في افراده من حديث ابن عباس عليه السلام أنه قال: التمسوها في ~~العشر الأواخر من رمضان. # والثاني: في جميع السنة، قاله ابن مسعود. # واختلف القائلون بأنها في شهر رمضان هل تختص دون بعض؟ على قولين. # أحدهما: أنها في العشر الأواخر، قاله الجمهور، وأكثر الأحاديث الصحاح تدل ~~عليه. PageV08P283 # وقد روى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، أو ~~سابعة تبقى، أو في خامسة تبقى ". وفي حديث أبي بكرة قال: ما أنا بملتمسها ~~لشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا في العشر الأواخر، فإني ~~سمعته يقول: " التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث ~~يبقين، أو ثلاث أو آخر ليلة ". # والقول الثاني: أنها ms2443 في جميع رمضان، قاله الحسن البصري. # واختلف القائلون بأنها في العشر الأواخر هل تختص ليالي الوتر دون الشفع؟ ~~على قولين. # أحدهما: أنها تختص الأفراد، قاله الجمهور. والأحاديث الصحاح كلها تدل ~~عليه. وقد أخرج البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ابتغوها في العشر الأواخر في الوتر ~~منها. # والثاني: أنها تكون في الشفع كما تكون في الوتر، قاله الحسن. وروي عن ~~الحسن ومالك ابن أنس قالا: هي ليلة ثماني عشرة. # واختلف القائلون بأنها في الأفراد في أخص الليالي بها على خمسة أقوال: # أحدها: أن الأخص بها ليلة إحدى وعشرين. فروى البخاري ومسلم في " الصحيحين ~~" من حديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر ~~الأوسط واعتكفنا معه، فلما أصبحنا صبيحة عشرين رجع، ورجعنا معه، وأرى ليلة ~~القدر، ثم أنسيها، فقال: " إني رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها وأراني أسجد في ~~ماء وطين، فمن اعتكف فليرجع إلى معتكفه، وهاجت علينا السماء آخر تلك ~~العشية، وكان سقف المسجد عريشا من جريد، فوكف [المسجد] فوالذي أكرمه، وأنزل ~~عليه الكتاب لرأيته يصلي بنا المغرب ليلة إحدى وعشرين، وإن جبهته وأرنبة ~~أنفه لفي الماء والطين، وهذا مذهب الشافعي. # والثاني: أن الأخص بها ليلة ثلاث وعشرين. وروى أبو هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال ليلة ثلاث وعشرين: " اطلبوها الليلة ". # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان منكم يريد ~~أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين ". PageV08P284 # وروى مسلم في أفراده من حديث عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: أريت ليلة القدر، ثم نسيتها، وأراني صبيحتها أسجد في ماء ~~وطين. قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس ~~يقول: ليلة ثلاث وعشرين. # والثالث: ليلة خمس وعشرين وروى هذا المعنى أبو ms2444 بكرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # والرابع: ليلة سبع وعشرين، روى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كان متحريا فليتحرها ليلة سبع وعشرين، ~~يعني: ليلة القدر، وهذا مذهب علي وأبي بن كعب. وكان أبي يحلف لا يستثني ~~أنها ليلة سبع وعشرين، وبه قال ابن عباس، وعائشة، ومعاوية. واختاره أحمد بن ~~حنبل رضي الله عنه. # وروي ابن عباس: أنه استدل على ذلك بشيئين. # أحدهما: أنه قال: إن الله تعالى خلق الإنسان على سبعة أصناف، يشير إلى ~~قوله [عز وجل] (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة) الآيات. ثم جعل رزقه في سبعة ~~أصناف يشير إلى قوله [عز وجل]: (أنا صببنا الماء صبا) ثم يصلى الجمعة على ~~رأس سبعة أيام. وجعل السماوات سبعا، والأرضين سبعا، والمثاني سبعا، فلا أرى ~~ليلة القدر إلا ليلة السابعة. # والثاني: أنه قال: قوله [عز وجل]: (سلام) هي الكلمة السابعة والعشرون، ~~فدل على أنها كذلك. # واحتج بعضهم فقال: ليلة القدر كررت في هذه السورة ثلاث مرات، وهي تسعة ~~أحرف، والتسعة إذا كررت ثلاثا فهي سبع وعشرون، وهذا تنبيه على ذلك. # والقول الخامس: أن الأولى طلبها في أول ليلة من رمضان، قاله أبو رزين ~~العقيلي. PageV08P285 # وروى أيوب عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر. # فأما الحكمة في إخفائها فليتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان طمعا منهم ~~في إدراكها، كما أخفى ساعة الجمعة، وساعة الليل، واسمه الأعظم، والصلاة ~~الوسطى، والولي في الناس. # قوله [عز وجل]: (وما أدراك ما ليلة القدر) هذا على سبيل التعظيم والتشوق ~~إلى خيرها. # قوله [عز وجل]: (ليلة القدر خير من ألف شهر) قال مجاهد: قيامها والعمل ~~فيها خير من قيام ألف شهر وصيامها ليس فيها ليلة القدر، وهذا قول قتادة، ~~واختيار الفراء، وابن قتيبة، والزجاج. وروى عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكر له رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل ~~الله ألف شهر، فعجب ms2445 رسول الله صلى الله عليه وسلم [لذلك]، وتمنى أن يكون ~~ذلك في أمته، وأعطاه الله ليلة القدر، وقال: هي خير من ألف شهر الذي حمل ~~فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله عز وجل. وذكر بعض المفسرين أنه كان ~~الرجل فيما مضى لا يستحق أن يقال له: عابد حتى يعبد الله ألف شهر كانوا ~~يعبدون فيها. PageV08P286 # قوله [عز وجل]: (تنزل الملائكة) قال أبو هريرة: الملائكة ليلة القدر في ~~الأرض أكثر من عدد الحصا. وفي " الروح " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه جبريل، قاله الأكثرون. وفي حديث أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ~~ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل. # والثاني: أن الروح: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة ~~ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر، قاله كعب، ومقاتل بن حيان. # والثالث: أنه ملك عظيم يفي بخلق من الملائكة، قاله الواقدي. # قوله [عز وجل]: (فيها) أي: في ليلة القدر (بإذن ربهم) أي بأمر ربهم، أي: ~~بما أمر به وقضاه (من كل أمر) قال ابن قتيبة: أي: بكل أمر. قال المفسرون: ~~يتنزلون بكل أمر قضاه الله في تلك السنة إلى قابل. وقرأ ابن عمر، وابن عباس ~~وأبو العالية، وأبو عمرو الجوني " من كل امرئ " بكسر الراء وبعدها همزة ~~مكسورة منونة، وبوصل اللام من غير همز. ولهذه القراءة وجهان. # أحدهما: من كل ملك سلام. # والثاني: أن تكون " من " بمعنى " على " تقديره: على كل أمر من المسلمين ~~سلام من الملائكة، كقوله [عز وجل]: (ونصرناه من القوم الذين كذبوا) ~~والقراءة الموافقة لخط المصحف هي الصواب. ويكون تمام الكلام عند قوله [عز ~~وجل] " من كل أمر " ثم ابتدأ فقال [عز وجل]: # (سلام هي) أي: ليلة القدر سلام وفي معنى السلام قولان: # أحدهما: أنه لا يحدث فيها داء ولا يرسل فيها شيطان، قاله مجاهد. # والثاني: أن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة. وكان بعض العلماء ~~يقول: الوقف على ms2446 " سلام " على معنى تنزل الملائكة بالسلام. # قوله [عز وجل]: (حتى مطلع الفجر) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة " مطلع " بفتح اللام. وقرأ الكسائي بكسرها. قال الفراء: ~~والفتح أقوى في قياس العربية، لأن المطلع بالفتح: الطلوع، وبالكسر: الموضع ~~الذي تطلع منها، إلا أن العرب تقول: طلعت الشمس مطلعا، بالكسر، وهم يريدون ~~المصدر، كما تقول: أكرمنك كرامة، فتجتزئ محمد بالاسم من المصدر. وقد شرحنا ~~هذا المعنى في " الكهف " عند قوله عز وجل: (مطلع الشمس). شرحا كافيا، ولله ~~الحمد. PageV08P287 # سورة البينة مدنية وآياتها ثمان سورة لم يكن وفيها قولان: # أحدهما: أنها مدنية، قاله الجمهور. # والثاني: مكية، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره يحيى بن سلام بسم ~~الله الرحمن الرحيم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) ~~وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضي الله عنهم PageV08P288 # ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) قوله [عز وجل]: (لم يكن الذين كفروا من ~~أهل الكتاب) يعني اليهود والنصارى (والمشركين) أي: ومن المشركين، وهم عبدة ~~الأوثان (منفكين) أي: منفصلين وزائلين - يقال: # فككت الشئ، فانفك، أي: انفصل - والمعنى: لم يكونوا زائلين عن كفرهم ~~وشركهم (حتى تأتيهم) أي: أتتهم، فلفظه لفظ المستقبل، ومعناه الماضي. و ~~(البينة) الرسول، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنه بين لهم ضلالهم ~~وجهلهم. وهذا بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم. وذهب ~~بعض المفسرين إلى أن معنى الآية: لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبيا حتى ~~بعث فافترقوا. وقال بعضهم: لم يكونوا ليتركوا ms2447 منفكين عن حجج الله حتى أقيمت ~~عليهم البينة والوجه هو الأول. والرسول هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم. ~~ومعنى (يتلو صحفا) أي: ما تضمنته الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن. ويدل ~~على ذلك أنه كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه لا من كتاب. ومعنى " مطهرة " أي: ~~من الشرك والباطل. (فيها) أي: في الصحف (كتب قيمة) أي: عادلة مستقيمة تبين ~~الحق من الباطل، وهي الآيات. قال مقاتل: وإنما قيل لها: كتب لما جمعت من ~~أمور شتى. # قوله [عز وجل]: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب) يعني: من لم يؤمن منهم ~~(إلا من بعد ما جاءتهم البينة) وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه محمد صلى الله عليه وسلم. والمعنى: لم يزالوا مجتمعين على ~~الإيمان به حتى بعث، قاله الأكثرون. # والثاني: القرآن، قاله أبو العالية. # والثالث: ما في كتبهم من بيان نبوته، ذكره الماوردي. وقال الزجاج: وما ~~تفرقوا في كفرهم بالنبي إلا من بعد أن تبينوا أنه الذي وعدوا به في كتبهم. ~~PageV08P289 # قوله [عز وجل]: (وما أمروا) أي: في كتبهم (إلا ليعبدوا الله). قال ~~الفراء: # والعرب تجعل اللام في موضع " أن " في الأمر والإرادة كثيرا، كقوله [عز ~~وجل]: (يريد الله ليبين لكم)، و (يريدون ليطفئوا نور الله). وقال في الأمر ~~(وأمرنا لنسلم). # قوله [عز وجل]: (مخلصين له الدين) أي: موحدين لا يعبدون سواه (حنفاء) على ~~دين إبراهيم (ويقيموا الصلاة) المكتوبة في أوقاتها (ويؤتوا الزكاة) عند ~~وجوبها (وذلك) الذي أمروا به هو (دين القيمة) قال الزجاج: أي دين الأمة ~~القيمة بالحق. ويكون المعنى: ذلك الدين دين الملة المستقيمة. # قوله [عز وجل] (أولئك هم خير البرية) قرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر ~~بالهمز في الكلمتين وقرأ الباقون بغير همز فيهما. قال ابن قتيبة: البرية: ~~الخلق. وأكثر العرب والقراء على ترك همزها لكثرة ما جرت عليه الألسنة، وهي ~~فعيلة بمعنى مفعولة. ومن الناس من يزعم أنها مأخوذة من بريت العود، ومنهم ~~من يزعم أنها من البرى وهو التراب أي أخلق من التراب، وقالوا: # لذلك لا يهمز، وقال ms2448 الزجاج: لو كانت من البرى وهو التراب لما قرئت ~~بالهمز، وإنما اشتقاقها من برأ الله الخلق، وقال الخطابي: أصل البرية ~~الهمز، إلا أنهم اصطلحوا على ترك الهمز فيها، وما بعده ظاهر إلى قوله [عز ~~وجل]: (رضي الله عنهم) قال مقاتل: رضي الله عنهم بطاعته (ورضوا عنه) ~~بثوابه. وكان بعض السلف يقول: إذا كنت لا ترضى عن الله، فكيف تسأله الرضى ~~عنك؟!. # قوله [عز وجل]: (ذلك لمن خشي ربه) أي خافه في الدنيا، وتناهى عن معاصيه. ~~PageV08P290 # سورة الزلزلة مكية وآياتها ثمان وفيها قولان: # أحدهما: أنها مدنية، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل، والجمهور. # والثاني: مكية، قاله ابن مسعود، وعطاء وجابر. # بسم الله الرحمن الرحيم إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض ~~أثقالها (2) وقال الإنسان ما لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) بأن ربك أوحى ~~لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) قوله [عز وجل]: (إذا زلزلت ~~الأرض زلزالها) أي: حركت حركة شديدة، وذلك عند قيام الساعة. وقال مقاتل: ~~تتزلزل من شدة صوت إسرافيل حتى ينكسر كل ما عليها من شدة الزلزلة ولا تسكن ~~حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، أو بناء، أو شجر، ثم تتحرك وتضطرب، فتخرج ما ~~في جوفها. وفي وقت هذه الزلزلة قولان: # أحدهما: تكون في الدنيا، وهي من أشراط الساعة، قاله الأكثرون. ~~PageV08P291 # والثاني: أنها زلزلة يوم القيامة، قاله خارجة بن زيد في آخرين. قال ~~الفراء: حدثني محمد بن مروان، قال: قلت للكلبي: أرأيت قول الله [عز وجل]: ~~(إذا زلزلت الأرض زلزالها)؟ فقال: # هذه بمنزلة قوله [عز وجل]: (ويخرجكم إخراجا) فأضيف المصدر إلى صاحبه. ~~وأنت قائل في الكلام: لأعطينك عطيتك، تريد عطية. والزلزال بالكسر المصدر، ~~وبالفتح: الاسم. وقد قرأ أبو العالية، وأبو عمران، وأبو حيوة الجحدري " ~~زلزالها " بفتح الزاي. # قوله [عز وجل]: (وأخرجت الأرض أثقالها) فيه قولان: # أحدهما: ما فيها من الموتى، قاله ابن عباس. # والثاني: كنوزها، قاله عطية. وجمع الفراء بين القولين، فقال: لفظت ما ~~فيها من ذهب، أو ms2449 فضة أو ميت. # قوله [عز وجل]: (وقال الإنسان مالها) فيه قولان: # أحدهما: أنه اسم جنس يعم الكافر والمؤمن، وهذا قول من جعلها من أشراط ~~الساعة، لأنها حين ابتدأت لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة، فسأل بعضهم ~~بعضا حتى أيقنوا. # والثاني: أنه الكافر خاصة، وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة، لأن المؤمن ~~عارف بها فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها لأنه لا يؤمن بالبعث، فلذلك ~~يسأل. # قوله [عز وجل]: (يومئذ تحدث أخبارها) قال الزجاج: " يومئذ " منصوب بقوله ~~[عز وجل]: # (إذا زلزلت) (وأخرجت) ففي ذلك اليوم تحدث بأخبارها، أي: تخبر بما عمل ~~عليها. وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم [قال: # فإن أخبارها أن] تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل كذا ~~وكذا يوم كذا وكذا. # قوله [عز وجل]: (بأن ربك أوحى لها) قال الفراء: تحدث أخبارها بوحي الله ~~وإذنه لها. PageV08P292 # [قال ابن عباس: أوحى لها، أي: أوحى إليها، وأذن لها] أن تخبر بما عمل ~~عليها. وقال أبو عبيدة: " لها " بمعنى " إليها ". قال العجاج: # وحى لها القرار فاستقرت قوله [عز وجل]: (يومئذ يصدر الناس) أي: يرجعون عن ~~موقف الحساب (أشتاتا) أي: # فرقا. فأهل الإيمان على حدة وأهل الكفر على حدة (ليروا أعمالهم) وقرأ أبو ~~بكر الصديق، وعائشة، والجحدري: " ليروا " بفتح الياء. قال ابن عباس: أي ~~ليروا جزاء أعمالهم. والمعنى: # أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنة والنار. وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير تقديره. تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم ~~يومئذ يصدر الناس اشتاتا. فعلى هذا: # يرون ما عملوا من خير أو شر في موقف العرض. قوله (فمن يعمل مثقال ذرة) ~~قال المفسرون: من يعمل في الدنيا مثقال ذرة من الخير أو الشر يره وقرأ أبان ~~عن عاصم " ير " بضم الياء في الحرفين. # وقد بينا معنى " الذرة " في سورة النساء وفي معنى هذه الرؤية قولان: # أحدهما: أنه يراه في كتابة. # والثاني: ms2450 يرى جزاءه. وذكر مقاتل: أنها نزلت في رجلين كانا بالمدينة، كان ~~أحدهما يستقل أن يعطي السائل الكسرة، أو التمرة. وكان الآخر يتهاون بالذنب ~~اليسير، فأنزل الله عز وجل هذا يرغبهم في القليل من الخير، ويحذرهم اليسير ~~من الشر. PageV08P293 # سورة العاديات مكية وآياتها إحدى عشرة وفيها قولان: # أحدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، وعطاء، وعكرمة، وجابر. # والثاني: مدنية، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل. # بسم الله الرحمن الرحيم والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (3) فالمغيرات ~~صبحا (3) فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) ~~وإنه على ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في ~~القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) قوله [عز ~~وجل]: (والعاديات) فيه قولان: # أحدهما: أنها الإبل في الحج، قاله علي، وابن مسعود، وعبيد بن عمير، ~~والقرظي، والسدي. وروى عن علي أنه قال: " والعاديات ضبحا " من عرفة إلى ~~المزدلفة، ومن المزدلفة إلى PageV08P294 # منى. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال هذا في صفة وقعة بدر. قال: وما ~~كان معنا يومئذ إلا فرس. وفي بعض الحديث أنه كان معهم فرسان. # والثاني: أنها الخيل في سبيل الله، قاله ابن عباس، والحسن، وعطاء، ~~ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، وقتادة، وعطية، والربيع، واللغويون. وكان ~~ابن عباس يذهب إلى أن هذا كان في سرية، فروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا، فلم يأته خبرها شهرا، فنزلت (والعاديات ~~ضبحا) ضبحت بمناخرها (فالموريات قدحا) قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارا ~~(فالمغيرات صبحا) صبحت القوم بغارة (فأثرن به نقعا) أثارت بحوافرها التراب ~~(فوسطن به جمعا) قال: صبحت الحي جميعا. وقال مقاتل: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سرية إلى حيين من كنانة واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، ~~فأبطأ عنه خبرها، فجعل اليهود والمنافقون إذا رأوا رجلا من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تناجوا، فيظن الرجل أنه قد قتل أخوه أو أبوه، أو عمه، ~~فيجد من ذلك، فنزلت: " والعاديات ضبحا " فأخبر ms2451 الله عز وجل كيف فعل بهم. ~~قال الفراء: الضبح: # أصوات أنفاس الخيل إذا عدون. وقال ابن قتيبة: الضبح: صوت حلوقها إذا عدت. ~~وقال الزجاج: ضبحها: صوت أجوافها إذا عدت. PageV08P295 # قوله [عز وجل]: (فالموريات قدحا) فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنها الخيل توري النار بحوافرها إذا جرت، وهذا قول الجمهور. قال ~~الزجاج: إذا عدت الخيل بالليل، فأصابت بحوافرها الحجارة، انقدحت منها ~~النيران. # والثاني: أنها نيران المجاهدين إذا أوقدت، روي عن ابن عباس. # والثالث: مكر الرجال في الحرب، قاله مجاهد، وزيد بن أسلم. # والرابع: نيران الحجيج بالمزدلفة، قاله القرظي. # والخامس: أنها الألسنة إذا ظهرت بها الحجج وأقيمت بها الدلائل على الحق ~~وفضح بها الباطل، قاله عكرمة. # قوله [عز وجل]: (فالمغيرات صبحا) هي التي تغير على العدو عند الصباح، هذا ~~قول الأكثرين. وقال ابن مسعود: فالمغيرات صبحا حين يفيضون من جمع. # قوله [عز وجل]: (فأثرن به) قال الفراء: يريد به الوادي ولم يذكر قبل ذلك، ~~وهذا جائز، لأن الغبار لا يثار إلا من موضع. والنقع: الغبار، ويقال: ~~التراب. وقال الزجاج: المعنى: فأثرن بمكان عدوهن، ولم يتقدم ذكر المكان، ~~ولكن في الكلام دليل عليه قوله (فوسطن به جمعا) قال المفسرون: المعنى: ~~توسطن [جمعا] من العدو، فأغارت عليهم. وقال ابن مسعود: فوسطن به جمعا، يعني ~~مزدلفة. # قوله [عز وجل]: (إن الإنسان [لربه] لكنود) هذا جواب القسم. والإنسان ~~هاهنا: الكافر. # قال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال مقاتل: نزلت في قرط بن عبد ~~الله بن عمرو بن نوفل القرشي وفي " الكنود " ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، رواه أبو أمامة عن ~~رسول الله PageV08P296 # الثاني: أنه الكفور، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. # والثالث: لوام لربه يعد المصيبات، وينسى النعم، قاله الحسن. قال ابن ~~قتيبة: والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا. # قوله [عز وجل]: (وإنه على ذلك لشهيد) في هاء الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الله عز وجل، تقديره: وإن الله على كفره لشهيد. # والثاني: أنها ترجع إلى الإنسان، تقديره: إن ms2452 الإنسان شاهد على نفسه أنه ~~كنود، روي القولان عن ابن عباس. # قوله [عز وجل]: [(وإنه)] يعني: الإنسان (لحب الخير) يعني: المال (لشديد). ~~وفي أحدهما: وإنه من أجل حب المال لبخيل، هذا قول الحسن، وابن قتيبة، ~~والزجاج. قال أبو عبيدة: ويقال للبخيل: شديد، ومتشدد قال طرفة. # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الباخل المتشدد والثاني: وإنه ~~للخير لشديد الحب، وهذا اختيار الفراء. قال: فكأن الكلمة لما تقدم فيها ~~الحب، وكان موضعه ان يضاف إليه " شديد "، حذف الحب من آخره لما جرى ذكره في ~~أوله، ولرؤوس الآيات. ومثله (اشتدت به الريح في يوم عاصف) فلما جرى ذكر ~~الريح قبل اليوم طرحت من آخره. # قوله [عز وجل]: (أفلا يعلم) يعني: الإنسان المذكور (إذا بعثر ما في ~~القبور) أي: أثير وأخرج (وحصل ما في الصدور) أي: ميز واستخرج. والتحصيل: ~~تمييز ما يحصل. وقال ابن عباس: أبرز ما فيها وقال ابن قتيبة: ميز ما فيها ~~من الخير والشر. وقال أبو سليمان الدمشقي: # المعنى: لو علم الإنسان الكافر ما له في ذلك اليوم لزهد في الكفر، وبادر ~~إلى الإسلام. ثم ابتدأ فقال [عز وجل]: (إن ربهم بهم يومئذ لخبير) وقال ~~غيره: إنما قرئت " إن " بالكسر لأجل اللام، ولولاها كانت مفتوحة بوقوع ~~العلم عليها. # فإن قيل: أليس الله خبيرا بهم في كل حال، فلم خص ذلك اليوم؟ # فالجواب أن المعنى: أنه يجازيهم على أفعالهم يومئذ، ومثله (أولئك الذين ~~يعلم الله ما في قلوبهم)، معناه: يجازيهم على ذلك، ومثله: (يوم هم بارزون ~~لا يخفى على الله منهم شئ). PageV08P297 # سورة القارعة مكية وآياتها إحدى عشرة وهي مكية باجماعهم قد ذكرنا تفسير ~~فاتحتها في أول " الحاقة ". # بسم الله الرحمن الرحيم القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة ~~(3) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) ~~فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) ~~فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) قوله [عز وجل]: (يوم ~~يكون الناس) [قال الزجاج اليوم منصوب على الظرف. المعنى: ms2453 # يكون يوم] يكون الناس (كالفراش [المبثوث]) وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه غوغاء الجراد، قاله الفراء. قال ابن قتيبة: غوغاء الجراد: ~~صغاره، ومنه قيل لعامة الناس: غوغاء. PageV08P298 # الثاني: أنه طير ليس ببعوض ولا ذبان، قاله أبو عبيدة. # والثالث: أنه ما تهافت في النار من البعوض، قال ابن قتيبة. وكذلك قال ~~الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. وشبه الناس في وقت ~~البعث به وبالجراد المنتشر، لأنهم إذا بعثوا تهافت الفراش. # فأما " المبثوث " فهو المنتشر المتفرق. # قوله [عز وجل]: (وتكون الجبال كالعهن) وقد شرحناه في سأل سائل، و " ~~المنفوش " الذي قد ندف. قال مقاتل: وتصير الجبال كالصوف المندوف. فإذا رأيت ~~الجبل قلت: هذا جبل: فإذا مسسته لم تر شيئا، وذلك من شدة الهول. # قوله [عز وجل]: (فأما من ثقلت موازينه)، أي: رجحت بالحسنات، وقد بينا هذه ~~الآية في أول الأعراف وبينا معنى " عيشة راضية " في الحاقة. # قوله [عز وجل]: (فأمه هاوية)، قرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف، والجحدري " ~~فإمه " بكسر الهمزة. فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أم رأسه هاوية، يعني: أنه يهوي في النار على رأسه، هذا قول عكرمة، ~~وأبي صالح. # والثاني: أنها كلمة عربية كان الرجل إذا وقع في أمر شديد قالوا: هوت أمه، ~~قاله قتادة. # والثالث: أن المعنى، فمسكنه النار. وإنما قيل لمسكنه: أمه، لأن الأصل ~~السكون إلى الأمهات. فالنار لهذا كالأم، إذ لا مأوى له غيرها، هذا قول ابن ~~زيد، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج، ويدل على صحة هذا ما روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين، ~~فتقول له: ما فعل فلان؟ فإذا [قال: مات]، قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية، ~~فبئست الأم، وبئست المزينة. # قوله [عز وجل]: (وما أدراك ما هيه) يعني: الهاوية. قرأ حمزة، ويعقوب " ما ~~هي " بحذف الهاء الأخيرة في الوصل، وإثباتها في الوقف. وقرأ الباقون ~~باثباتها في الحالين. قال الزجاج: الهاء في " هيه " دخلت في الوقف، لتبيين ~~فتحة الياء، فالوقف " هيه " والوصل هي نار. والذي ms2454 يجب اتباع المصحف. والهاء ~~فيه ثابتة فيوقف عليها، ولا توصل قوله " نار حامية " أي: حارة قد انتهى ~~حرها. PageV08P299 # سورة التكاثر مكية وآياتها ثمان وهي مكية باجماعهم وفي سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني ~~فلان، فألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا، فنزلت هذه فيهم، قاله قتادة. # والثاني: أن حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم كان بينهما لحاء، فقال ~~هؤلاء: نحن أكثر سيدا، وأعز نفرا. وقال أولئك مثل هذا، فتعادوا السادة ~~والأشراف أيهم أكثر، فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعد موتانا، فزاروا ~~القبور، فعدوا موتاهم، فكثرهم بنو سهم، لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية، ~~فنزلت هذه فيهم قاله ابن السائب، ومقاتل. # بسم الله الرحمن الرحيم ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف ~~تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون ~~الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) ~~PageV08P300 # قوله [تعالى]: (ألهاكم) وقرأ أبو بكر الصديق، وابن عباس، والشعبي، وأبو ~~العالية، وابن عمران، وابن أبي عبلة: " أألهاكم " بهمزتين مقصورتين على ~~الاستفهام. وقرأ معاوية، وعائشة المراد بالتكاثر ثلاثة أقوال. # أحدها: التكاثر بالأموال والأولاد، قاله الحسن. # والثاني: التفاخر بالقبائل والعشائر، قاله قتادة. # والثالث: التشاغل بالمعاش والتجارة، قاله الضحاك وفي قوله [عز وجل] (حتى ~~زرتم المقابر) قولان. # أحدهما: حتى أدرككم الموت على تلك الحال، فصرتم في المقابر زوارا ترجعون ~~منها إلى منازلكم من الجنة أو النار، كرجوع الزائر إلى منزله. # والثاني: حتى زرتم المقابر فعددتم من فيها [من] موتاكم. # قوله [عز وجل]: (كلا) قال الزجاج، هي ردع وتنبيه. والمعنى: ليس الأمر ~~الذي ينبغي أن يكونوا عليه التكاثر. # قوله [عز وجل]: (سوف تعلمون) هذا وعيد والمعنى سوف تعلمون عاقبة تكاثركم ~~وتفاخركم إذا نزل بكم الموت. وقيل: العلم الأول: يقع عند نزول الموت. ~~والثاني: عند نزول القبر. # قوله [عز وجل]: (كلا لو تعلمون علم اليقين) المعنى: لو تعلمون الأمر علما ~~يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر، والتفاخر. وجواب " لو " محذوف: ms2455 وهو ما ~~ذكرنا. ثم أوعدهم وعيدا آخر فقال [عز وجل]. (لترون الجحيم) قرا ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة " لترون " " ثم لترونها " بفتح التاء. فيها ~~وقرأ ابن عامر والكسائي لترون الجحيم بضم التاء ثم لترونها بفتح التاء وقرأ ~~مجاهد، وعكرمة، وحميد، وابن أبي عبلة " لترون " ثم " لترونها " بضم التاء ~~فيهما من غير همز (ثم لترونها عين اليقين) أي: مشاهدة، فكان المراد ب‍ " ~~عين اليقين " نفسه، لأن عين الشئ: ذاته. PageV08P301 # قوله [عز وجل]: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) اختلفوا، هل هذا السؤال عام، ~~أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنه خاص للكفار، قاله الحسن. # والثاني: عام، قاله قتادة. وللمفسرين في المراد بالنعيم عشرة أقوال. # أحدها: أنه الأمن والصحة، رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وتارة يأتي موقوفا عليه، وبه قال مجاهد والشعبي. والثاني: أنه الماء ~~البارد، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثالث: أنه خبز البر والماء العذب، قاله أبو أمامة. # والرابع: أنه ملاذ المأكول والمشروب، قاله جابر بن عبد الله. # والخامس: أنه صحة الأبدان، والأسماع، والأبصار، قاله ابن عباس. وقال ~~قتادة: هو العافية. # والسادس: أنه الغداء، والعشاء، قاله الحسن. # والسابع: الصحة والفراغ، قاله عكرمة. # والثامن: كل شئ من لذة الدنيا، قاله مجاهد. # والتاسع: أنه إنعام الله على الخلق بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ~~القرظي. # والعاشر: أنه صنوف النعم، قاله مقاتل. # والصحيح أنه عام في كل نعيم، وعام في جميع الخلق، فالكافر يسأل توبيخا ~~إذا لم يشكر المنعم، ولم يوحده. والمؤمن يسأل عن شكرها، وفي الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: # " ثلاث لا أسأل عبدي عن شكرهن وأسأله عما سوى ذلك، بيت يكنه، وما يقيم به ~~صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس ". PageV08P302 # سورة العصر مكية وآياتها ثلاث وفيها قولان: # أحدهما: أنها مكية، قاله ابن عباس، وابن الزبير، والجمهور. # والثاني: مدنية، قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل. # بسم الله الرحمن الرحيم والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين ms2456 ~~أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) قوله [عز وجل]: ~~(والعصر) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الدهر، قاله ابن عباس، وزيد بن أسلم، والفراء، وابن قتيبة. ~~وإنما أقسم بالدهر لأن فيه عبرة للناظر من مرور الليل والنهار على تقدير لا ~~ينخرم. # والثاني: أنه العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، قاله الحسن وقتادة. # والثالث: صلاة العصر، قاله مقاتل. PageV08P303 # قوله [عز وجل]: (إن الإنسان لفي خسر) قال الزجاج: هو جواب القسم. ~~والإنسان ها هنا بمعنى الناس، كما يقول: كثر الدرهم في أيدي الناس، يريد ~~الدراهم. والخسر والخسران في معنى واحد. قال أهل المعاني: الخسر: هلاك رأس ~~المال أو نقصه. والإنسان إذا لم يستعمل نفسه وعمره فيما يوجب له الربح ~~الدائم، فهو في خسران، لأنه عمل في إهلاك نفسه وعمره، وهما أكبر رأس ماله ~~(إلا الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله، وعملوا بالطاعة (وتواصوا بالحق) ~~أي: # بالتوحيد، والقرآن، واتباع الرسول (وتواصوا بالصبر) على طاعة الله، ~~والقيام بشريعته. # وقال إبراهيم في تفسير هذه السورة: إن الإنسان إذا عمر في الدنيا لفي نقص ~~وضعف، إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجور أعمالهم التي كانوا يعملون في ~~شبابهم وصحتهم. PageV08P304 # سورة الهمزة مكية وآياتها تسع وهي مكية بإجماعهم قال هبة الله المفسر: ~~وقد قيل: إنها مدنية. واختلف المفسرون هل نزلت في حق شخص بعينه، أم نزلت ~~عامة؟ على قولين. # أحدهما: نزلت في حق شخص بعينه. ثم فيه ستة أقوال. # أحدها: الأخنس بن شريق، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال السدي، وابن ~~السائب. # والثاني: العاص بن وائل السهمي، قاله عروة. # والثالث: جميل بن عامر، قاله ابن أبي نجيح. # والرابع: الوليد بن المغيرة، قاله ابن جريج، ومقاتل. # والخامس: أمية بن خلف، قاله ابن إسحاق. # والسادس: أبي بن خلف، حكاه الماوردي. # والقول الثاني: أنها نزلت عامة لا في شخص بعينه، قال مجاهد. # بسم الله الرحمن الرحيم ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) ~~يحسب أن ماله - أخلده (3) كلا PageV08P305 # لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله ms2457 الموقدة (6) التي ~~تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) قوله [عز ~~وجل]: (ويل لكل همزة لمزة) اختلفوا في الهمزة واللمزة هل هما [بمعنى واحد، ~~أم مختلفان؟ على قولين. # أحدهما: أنهما مختلفان]. ثم فيهما سبعة أقوال. # أحدها: أن الهمزة: المغتاب، واللمزة: العياب، قاله ابن عباس. # والثاني: أن الهمزة: الذي يهمز الإنسان في وجهه. واللمزة: يلمزه إذا أدبر ~~عنه، قاله الحسن، وعطاء، وأبو العالية. # والثالث: أن الهمزة: الطعان في الناس، واللمزة: الطعان في أنساب الناس، ~~قاله مجاهد. # والرابع: أن الهمزة: بالعين، واللمزة: باللسان، قاله قتادة. # والخامس: أن الهمزة: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة: الذي يلمزهم ~~بلسانه، قاله ابن زيد. # والسادس: أن الهمزة: الذي يهمز بلسانه، واللمزة: الذي يلمز بعينه، قاله ~~سفيان الثوري. # والسابع: أن الهمزة: المغتاب، واللمزة: الطاعن على الإنسان في وجهه، قاله ~~مقاتل. # والقول الثاني: أن الهمزة: العياب الطعان، واللمزة مثله. وأصل الهمز ~~واللمز: الدفع، قاله ابن قتيبة، وكذلك قال الزجاج: الهمزة اللمزة: الذي ~~يغتاب الناس ويعضههم قال ابن قارس: والعضيهة الكذب والبهتان قال الشاعر: # إذا لقيتك عن كره تكاشرني * وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة قوله [عز وجل]: ~~(الذي جمع مالا) قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وروح: " ~~جمع " بالتشديد. والباقون بالتخفيف. PageV08P306 # قوله [عز وجل]: (وعدده) قرأ الجمهور بتشديد الدال. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي، والحسن، وابن يعمر بتخفيفها. وللمفسرين في معنى الكلام قولان. # أحدهما: أحصى عدده، قاله السدي. # والثاني: أعده لما يكفيه في السنين، قاله عكرمة. قال الزجاج: من قرأ " ~~عدده " بالتشديد، فمعناه: عدده للدهور. ومن قرأ " عدده " بالتخفيف، فمعناه: ~~جمع مالا وعدده. أي: وقوما اتخذهم أنصارا. # قوله [عز وجل]: (يحسب أن ماله أخلده) بمعنى يخلده، والمعنى: يظن ماله ~~مانعا له من الموت، فهو يعمل عمل من لا يظن أنه يموت (كلا) أي: لا يخلده ~~ماله ولا يبقى له (لينبذن) أي: # ليطرحن (في الحطمة) وهو اسم من أسماء جهنم. سميت بذلك لأنها لا تحطم ما ~~يلقى فيها، أي: تكسره، فهي تكسر العظم بعد أكلها اللحم. ms2458 ويقال للرجل ~~الأكول: إنه لحطمة. وقرأ أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبد الرحمن، ~~والحسن، وابن أبي عبلة، وابن محيصن: # " لينبذان " بألف ممدودة، وبكسر النون، وتشديدها، أي: هو وماله. # قوله [عز وجل]: (التي تطلع على الأفئدة) أي: تأكل اللحم والجلود حتى تقع ~~على الأفئدة فتحرقها. وقال الفراء: يبلغ ألمها الأفئدة. والاطلاع والبلوغ ~~قد يكونان بمعنى واحد، والعرب تقول: متى طلعت أرضنا؟ أي: بلغت. وقال ابن ~~قتيبة: تطلع على الأفئدة، أي: تقوي عليها وتشرف. وخص الأفئدة، لأن الألم ~~إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، فأخبر أنهم في حال من يموت، وهم لا يموتون. ~~وقد ذكرنا تفسير " المؤصدة " في سورة البلد. # قوله [عز وجل]: (في عمد) قرأ حمزة والكسائي، وعاصم، إلا حفصا بضم العين، ~~وإسكان الميم. وقرأ الباقون بفتحهما. قال الفراء وهما حيطان للعمود وقرأ ~~هارون عن ابن عمرو بضم العين واسكان الميم. قال المفسرون: وهي أوتاد ~~الأطباق التي تطبق على أهل النار. و " في " بمعنى الباء. والمعنى: مطبقة ~~بعمد. قال قتادة: وكذلك هو في قراءة عبد الله. وقال مقاتل: # أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها. ~~و " ممددة " صفة العمد، أي: أنها ممدودة مطولة، وهي أرسخ من القصيرة. وقال ~~قتادة: هي عمد يعذبون بها في النار. وقال أبو صالح: " عمد ممدودة " قال: ~~القيود الطوال. PageV08P307 # سورة الفيل مكية وآياتها خمس مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ألم ~~تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم ~~طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول (5) قوله ~~[تعالى]: (ألم تر) فيه قولان: # أحدهما: ألم تخبر، قاله الفراء. # والثاني: ألم تعلم، قاله الزجاج. ومعنى الكلام معنى التعجب. وأصحاب الفيل ~~هم الذين قصدوا تخريب الكعبة وفي سبب قصدهم لذلك قولان: # أحدهما: أن أبرهة بني بيعة وقال: لست منتهيا حتى أضيف إليها حج العرب، ~~فسمع بذلك رجل من بني كنانة، فخرج، فدخلها ليلا، فأحدث فيها، فبلغ ذلك ~~أبرهة، فحلف ليسيرن إلى PageV08P308 # الكعبة فيهدمها، قاله ابن ms2459 عباس. # والثاني: أن قوما من قريش خرجوا في تجارة إلى أرض النجاشي فنزلوا في جنب ~~بيعة فأوقدوا نارا، وشووا لحما، فلما رحلوا هبت الريح فاضطرم المكان نارا، ~~فغضب النجاشي لأجل البيعة، فقال له كبراء أصحابه - منهم حجر بن شراحيل، ~~وأبو يكسوم -: لا تحزن، فنحن نهدم الكعبة، قاله مقاتل. وقال ابن إسحاق: أبو ~~يكسوم اسمه أبرهة بن الأشرم. وقيل كان أبرهة صاحب جيشه وقيل: # وزيره، وحجر من قواده. # (ذكر الإشارة إلى القصة) ذكر أهل التفسير أن أبرهة لما سار بجنوده إلى ~~الكعبة ليهدمها خرج معه بالفيل، فلما دنا من مكة أمر أصحابه بالغارة على ~~نعم الناس، فأصابوا إبلا لعبد المطلب، وبعث بعض جنوده، فقال: # سل عن شريف مكة، وأخبره أني لم آت لقتال، وإنما جئت لأهدم هذا البيت، ~~فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد المطلب بن هاشم، فقال: إن الملك أرسلني إليك ~~لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت، ثم ~~ينصرف عنكم، فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال، وما لنا به يد، إنا سنخلي ~~بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه ~~السلام، فإن يمنعه، فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبين ذلك، فوالله ما لنا ~~به قوة. قال: # فانطلق معي إلى الملك، فلما دخل عبد المطلب على أبرهة أعظمه، وأكرمه، ثم ~~قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان، فقال: حاجتي ~~أن يرد علي مائتي بعير PageV08P309 # أصابها. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد ~~زهدت الآن فيك، حين جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك لأهدمنه، فلم تكلمني ~~فيه، وكلمتني لإبل أصبتها. فقال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت ~~رب سيمنعه. فأمر بإبله فردت عليه، فخرج، وأخبر قريشا، وأمرهم أن يتفرقوا في ~~الشعاب ورؤوس الجبال تخوفا من معرة الجيش إذا دخل، ففعلوا، فأتى عبد المطلب ~~الكعبة، فأخذ بحلقه الباب، وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا ms2460 رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من ~~عاداكا * إمنعهم أن يخربوا قراكا وقال أيضا: # لا هم إن المرء يمنع * رحله وحلاله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ~~ومحالهم عدوا محالك جروا جميع بلادهم * والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك ~~بكيدهم * جهلا وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم * وكعبتنا فأمر ما بدا لك ثم ~~إن أبرهة أبح متهيئا للدخول، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه، فأبى، ~~فوجهوه إلى اليمن راجعا، فقام يهرول، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، وإلى ~~المشرق ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى الحرم، فأبى، فأرسل الله طيرا من البحر. # واختلفوا في صفتها، فقال ابن عباس: كانت لهم خراطيم كخراطيم الطير، وأكف ~~كأكف الكلاب. وقال عكرمة: كانت لها رؤوس كرؤوس السباع. وقال ابن إسحاق: ~~كانت أمثال الخطاطيف. PageV08P310 # واختلفوا في ألوانها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها كانت خضراء، قاله عكرمة، وسعيد بن جبير. # والثاني: سوداء، قاله عبيد بن عمير. # والثالث: بيضاء، قاله قتادة. وقال: وكان مع كل طير ثلاثة أحجار، حجران في ~~رجليه، وحجر في منقاره. # واختلفوا في صفة الحجارة فقال بعضهم: كانت كأمثال الحمص والعدس. وقال ~~عبيد بن عمير: بل كان الحجر كرأس الرجل وكالجمل، فلما غشيت القوم أرسلتها ~~عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك. وكان الحجر يقع على رأس الرجل، ~~فيخرج من دبره. وقيل: كان على كل حجر اسم الذي وقع عليه، فهلكوا ولم يدخلوا ~~الحرم، وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فتساقطت أنامله، وانصدع صدره ~~قطعتين عن قلبه، فهلك، ورأى أهل مكة الطير قد أقبلت من ناحية البحر، فقال ~~عبد المطلب: إن هذه لطيرا غريبة. ثم إن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله على ~~فرس ينظر [إلى] القوم، فرجع يركض وهو يقول: هلك القوم جميعا، فخرج عبد ~~المطلب وأصحابه فغنموا أموالهم. وقيل: لم ينج من القوم إلا أبو يكسوم، ~~فسار، وطائر يطير على رأسه من فوقه، ولا يشعر به حتى دخل على النجاشي، ~~فأخبره بما أصاب القوم، فلما أتم كلامه رماه الطائر فمات، فأرى الله ms2461 تعالى ~~النجاشي كيف كان هلاك أصحابه. # واختلفوا كم كان بين مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين هذه القصة ~~على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، وهو الأصح. ~~PageV08P311 # والثاني: كان بينهما ثلاث وعشرون سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أربعون سنة، حكاه مقاتل. # قوله [عز وجل]: (ألم يجعل كيدهم في تضليل) وهو ما أرادوا من تخريب الكعبة ~~أي: # في ذهاب. والمعنى أن كيدهم ضل عما قصدوا له، فلم يصلوا إلى مرادهم (وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل) وفي " الأبابيل " خمسة أقوال. # أحدهما: أنها المتفرقة من هاهنا وهاهنا، قاله ابن مسعود، والأخفش. # والثاني: أنها المتتابعة التي يتبع بعضها بعضا، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~ومقاتل. # والثالث: الكثيرة، قاله الحسن، وطاوس. # والرابع: أنها الجمع بعد الجمع، قاله عطاء، وأبو صالح، وكذلك قال أبو ~~عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج: " الأبابيل ": جماعات في تفرقة. # والخامس: المختلفة الألوان، قاله زيد بن أسلم. قال الفراء، وأبو عبيدة: " ~~الأبابيل " لا واحد لها. # قوله [عز وجل]: (ترميهم) قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وابن يعمر وحميد وأبو ~~حنيفة (يرميهم) بالياء. وقد بينا معنى " سجيل " في هود ومعنى " العصف " في ~~سورة الرحمن عز وجل. # وفي معنى " مأكول " ثلاثة أقوال. # أحدها: أن يكون أراد به أنه أخذ ما فيه من الحب فأكل، وبقي هو لا حب فيه. # والثاني: أن يكون أراد العصف مأكول البهائم، كما يقال للحنطة: هذا ~~المأكول ولما يؤكل. # وللماء: هذا المشروب ولما يشرب، يريد أنهما مما يؤكل ويشرب، ذكرهما ابن ~~قتيبة. # والثالث: أن المأكول هاهنا: الذي وقع فيه الأكال. فالمعنى: جعلهم كورق ~~الزرع الذي جف وأكل: أي: وقع فيه الأكال، قاله الزجاج. PageV08P312 # سورة قريش مكية وآياتها أربع ويقال لها سورة لإيلاف وفيها قولان: # أحدهما: أنها مكية، قاله الجمهور. # والثاني: مدنية، قاله الضحاك، وابن السائب. # واختلف القراء في " لإيلاف " فقرأ ابن عامر " لإلاف " بغير ياء بعد ~~الهمزة، مثل: لعلاف. وقرأ أبو جعفر بياء ساكنة من غير همز. وروى حماد بن ~~أحمد عن الشموني ms2462 بهمزتين مخففتين، الأولى: مكسورة، والثانية: ساكنة على وزن ~~لفعلاف. وقرأ الباقون بهمزة بعدها ياء ساكنة، مثل لعيلاف. وفي لام " لإيلاف ~~" ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها موصولة بما قبلها، المعنى: فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، ~~أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش. وما قد ألفوا من رحلة الشتاء، والصيف ~~هذا قول الفراء والجمهور. PageV08P313 # والثاني: أنها لام التعجب، كأن المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء ~~والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت، قاله الأعمش، والكسائي. # والثالث: أن معناها متصل بما بعدها. المعنى: فليعبد هؤلاء رب هذا البيت ~~لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، لأنهم كانوا في الرحلتين آمنين، وإذا عرض لهم ~~عارض قالوا: نحن أهل حرم الله فلا يتعرض لهم، قال الزجاج: وهذا الوجه قول ~~النحويين الذين ترتضي أقوالهم. وقال ابن قتيبة: # بعض الناس يذهب إلى أن هذه السورة وسورة الفيل واحدة، وأكثر الناس على ~~أنهما سورتان، وإن كانتا متصلتي الألفاظ. والمعنى: أن قريش كانت بالحرم ~~آمنة من الأعداء. والحرم واد جديب لا زرع فيه ولا شجر، وإنما كانت قريش ~~تعيش فيه بالتجارة وكانت لهم رحلتان في كل سنة، رحلة في الشتاء، ورحلة في ~~الصيف إلى الشام. ولولا هاتان الرحلتان لم يكن به مقام. ولولا أنهم بمجاورة ~~البيت لم يقدروا على التصرف، فلما قصد أصحاب الفيل هدم الكعبة أهلكهم الله ~~لتقيم قريش بالحرم، فذكرهم الله نعمته بالسورتين. والمعنى: أنه أهلك أولئك ~~ليؤلف قريشا هاتين الرحلتين اللتي بها معاشهم، ومقامهم بمكة. تقول: ألفت ~~موضع كذا: إذا لزمته، وألفنيه الله، كما تقول: # لزمت موضع كذا وكذا، وألزمنيه الله، وكرر " لايلاف " للتوكيد، كما تقول: ~~أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانة عن كل الناس. وقال الزجاج: يقال: ألفت ~~المكان ألفا، وآلفته إيلافا بمعنى واحد. # وأما قريش فهم ولد من ولد فهر بن مالك بن النضر، فمن لم يلده فهو فليس ~~بقرشي. # [وقيل هم من ولد فهر ابن مالك بن النضر فمن لم يلده فهو فليس بقرشي]. ~~وإنما سموا قريشا لتجارتهم وجمعهم المال. والتقريش: الكسب. يقال: هو يقرش ~~لعياله، ويقترش، أي: # يكتسب. ms2463 وقد سأل معاوية ابن عباس لم سميت قريش قريشا؟ فقال ابن عباس: ~~بدابة تكون في البحر يقال لها: القريش لا تمر بشئ من الغث والسمين إلا ~~أكلته. وأنشد: PageV08P314 # وقريش هي التي تسكن البح * ر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا ~~تتر * ك فيه لذي الجناحين ريشا وقال ابن الأنباري: قال قوم: سموا قريشا ~~بالاقتراش، وهو وقوع الرماح بعضها على بعض. # قال الشاعر: # ولما دنا الرايات واقترش القنا * وطار مع القوم القلوب الرواجف بسم الله ~~الرحمن الرحيم لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب ~~هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) قوله [عز وجل]: ~~(إيلافهم) قرأ أبو جعفر وابن فليح عن ابن كثير، والوليد بن عتبة عن ابن ~~عامر، والتغلبي عن ابن ذكوان، عنه " إلافهم " بهمزة مكسورة من غم ياء ~~بعدها، مثل: # علافهم. وروى الخزاعي عن ابن فليح، وأبان ابن تغلب عن عاصم " إلفهم " ~~بسكون اللام أيضا. # ورواه الشموني إلا حمادا بهمزتين مكسورتين بعدهما ياء ساكنة، ورواه حماد ~~كذلك إلا أنه حذف الياء. وقرأ الباقون بهمزة، بعدها ياء ساكنة مثل " ~~عيلافهم ". وجمهور العلماء على أن الرحلتين كانتا للتجارة، وكانوا يخرجون ~~إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء لشدة برد الشام. وروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس قال: كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف. قال الفراء: ~~والرحلة منصوبة بايقاع الفعل عليها. # قوله [عز وجل]: (فليعبدوا رب هذا البيت) أي: ليوحدوه (الذي أطعمهم من ~~جوع) أي: # بعد الجوع، كما تقول: كسيتك من عري، وذلك أن الله آمنهم بالحرم، فلم ~~يتعرض لهم في رحلتهم، وكان ذلك سببا لإطعامهم بعد ما كانوا فيه من الجوع. ~~وروى عطاء عن ابن عباس قال: # كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، فكانوا يقسمون ربحهم ~~بين الغني والفقير حتى استغنوا. # قوله [عز وجل]: (وآمنهم من خوف) وذلك أنهم كانوا آمنين بالحرم، إن حضروا ~~حماهم، وإن سافروا قيل: هؤلاء أهل الحرم، فلا يعرض لهم أحد. PageV08P315 # سورة الماعون مكية وآياتها سبع ويقال لها: ms2464 سورة أرأيت وفيها قولان. # أحدهما: مكية، قاله الجمهور. # والثاني: مدنية، روى عن ابن عباس، وقتادة. وقال هبة الله المفسر: نزل ~~نصفها بمكة في العاص بن وائل، ونصفها بالمدينة في عبد الله بن أبي المنافق. # بسم الله الرحمن الرحيم أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم ~~(2) ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون (5) الذين هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون (7) قوله [عز وجل]: (أرأيت ~~الذي يكذب بالدين) اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ستة أقوال. # أحدها: [أنها] نزلت في رجل من المنافقين، قاله ابن عباس. PageV08P316 # والثاني: أنها نزلت في عمرو بن عائذ، قاله الضحاك. # والثالث: في الوليد بن المغيرة، قاله السدي. # والرابع: في العاص بن وائل، قاله ابن السائب. # والخامس: في أبي سفيان بن حرب، قاله [ابن] جريج. # والسادس: في أبي جهل، حكاه الماوردي. وفي " الدين " أربعة أقوال. # أحدها: أنه حكم الله عز وجل، قاله ابن عباس. # والثاني: الحساب، قاله مجاهد، وعكرمة. # والثالث: الجزاء، حكاه الماوردي. # والرابع: القرآن، حكاه بعض المفسرين. و " يدع " بمعنى يدفع. وقد ذكرناه ~~في قوله [عز وجل]: (يوم يدعون إلى نار جهنم) دعا والمعنى: [أنه] يدفع ~~اليتيم عن حقه دفعا عنيفا ليأخذ ماله. وقد بينا فيما سبق أنهم كانوا لا ~~يورثون الصغير، وقيل: يدفع اليتيم إبعادا [له]، لأنه لا يرجو ثواب إطعامه ~~(ولا يحض على طعام المسكين) أي: لا يطعمه، ولا يأمر بإطعامه لأنه مكذب ~~بالجزاء. # قوله [عز وجل]: (فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون) نزل هذا في ~~المنافقين الذين يرجون لصلاتهم ثوابا، ولا يخافون على تركها عقابا. فإن ~~كانوا مع النبي [صلى الله عليه وسلم] صلوا رياء، وإن لم يكونوا معه لم ~~يصلوا، فذلك قوله: ([الذين] هم يراؤون) وقال ابن مسعود: والله ما تركوها ~~البتة ولو تركوها البتة كانوا كفارا، ولكن تركوا المحافظة على أوقاتها. ~~وقال ابن عباس: # يؤخرونها عن وقتها. ونقل عن أبي العالية أنه قال: هو الذي لا يدري عن كم ~~انصرف، عن PageV08P317 # شفع، أو عن وتر. ورد هذا ms2465 بعض العلماء فقال: هذا ليس بشئ، لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد سها في صلاته، ولأنه قال [عز وجل]: (عن صلاتهم) ولم ~~يقل: في صلاتهم، ولأن ذاك لا يكاد يدخل تحت طوق ابن آدم. # قلت: ولا أظن أبا العالية أراد السهو النادر، وإنما أراد السهو الدائم، ~~وذلك ينبئنا عن التفات القلب عن احترام الصلاة، فموجبه وجه الذم إلى ذلك لا ~~إلى السهو. وفي " الماعون " ستة أقوال. # أحدها: الإبرة، والماء، والنار، والفأس، وما يكون في البيت من هذا النحو، ~~رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى نحو هذا ذهب ابن مسعود ~~وابن عباس في رواية. وروى عنه أبو صالح أنه قال: # الماعون: المعروف كله حتى ذكر القدر، والقصعة، والفأس. وقال [عكرمة]: ليس ~~الويل لمن منع هذا، إنما الويل لمن جمعهن، فراءى في صلاته، وسها عنها، ومنع ~~هذا. قال الزجاج: # الإسلام أيضا. # والثاني: أنه الزكاة، قاله علي، وابن عمر، والحسن، وعكرمة، وقتادة. # والثالث: أنه الطاعة، قاله ابن عباس في رواية. # والرابع: المال، قاله سعيد بن المسيب، والزهري. # والخامس: المعروف، قاله محمد بن كعب. # والسادس: الماء، ذكره الفراء عن بعض العرب قال: وأنشدني: # يمج صبيرة الماعون صبا والصبير: السحاب. PageV08P318 # سورة الكوثر مكية وآياتها ثلاث وفيها قولان: # أحدهما: أنها مكية، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: مدنية، قاله الحسن، وعكرمة، وقتادة. # بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن ~~شانئك هو الأبتر (3) وفي " الكوثر " ستة أقوال: # أحدها: أنه نهر في الجنة. روى البخاري في أفراده من حديث أنس بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه ~~[قباب] الدر المجوف. قلت: ما هذا يا جبريل؟ # قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك عز وجل، فإذا طينه، أو طينته مسك أذفر. # وروى مسلم أيضا في أفراده من حديث أنس أيضا قال: أغفى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إغفاءة، رفع رأسه متبسما إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ ms2466 ~~فقال: " إنه أنزلت علي سورة " فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أعطيناك ~~الكوثر) حتى ختمها. وقال: " هل تدرون ما الكوثر؟ " فقالوا: الله ~~PageV08P319 # ورسوله أعلم. قال: " هو نهر أعطانيه ربي عز وجل [في الجنة] عليه خير كثير ~~ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم كواكب السماء، يختلج العبد منهم، ~~فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". # والثاني: أن الكوثر: الخير الكثير الذي [أعطي] نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~قاله ابن عباس. # والثالث: العلم والقرآن، قاله الحسن. # والرابع: النبوة، قاله عكرمة. # والخامس: أنه حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يكثر الناس عليه، ~~قاله عطاء. # والسادس: أنه كثرة أتباعه، وأمته، قاله أبو بكر بن عياش. # قوله [عز وجل]: (فصل لربك) في هذه الصلاة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها صلاة العيد. وقال قتادة: صلاة الأضحى. # والثاني: أنها صلاة الصبح بالمزدلفة، قاله مجاهد. # والثالث: الصلوات الخمس، قاله مقاتل. وفي قوله [عز وجل]: (وانحر) خمسة ~~أقوال. # أحدها: اذبح يوم النحر، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عطاء ~~ومجاهد والجمهور. # والثاني: وضع اليمنى على اليسرى [في الصلاة رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس ~~وهو قول علي رضي الله عنه قال ابن جرير فيكون المعنى ضع اليمنى على اليسرى] ~~عند النحر في الصلاة. # والثالث: أنه رفع اليدين بالتكبير إلى النحر، قاله أبو جعفر محمد بن علي. # والرابع: أن المعنى: صل لله، وانحر لله، فإن ناسا يصلون لغيره، وينحرون ~~لغيره، قاله القرظي. # والخامس: أنه استقبال القبلة بالنحر، حكاه الفراء. PageV08P320 # قوله [عز وجل]: (إن شانئك) اختلفوا فيمن عنى بذلك على خمسة أقوال. # أحدها: أنه العاص بن وائل السهمي. قاله ابن عباس: نزلت في العاص بن وائل، ~~لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب المسجد فوقف يحدثه حتى دخل العاص ~~المسجد، وفيه أناس من صناديد قريش، فقالوا له: من الذي كنت تحدث؟ قال: ذلك ~~الأبتر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي قبل ذلك ms2467 عبد الله ابن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسمون من ليس له ابن: أبتر، فأنزل ~~الله عز وجل هذه السورة. وممن ذهب إلى أنها نزلت في العاص سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة. # والثاني، [أنه] أبو جهل، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أبو لهب، قاله عطاء. # والرابع: عقبة بن أبي معيط، قاله شمر بن عطية. # والخامس: أنه عنى به جماعة من قريش، قاله عكرمة. والشانئ: المبغض، ~~والأبتر: # المنقطع عن الخير. PageV08P321 # سورة الكافرون مكية وآياتها ست بسم الله الرحمن الرحيم قل يا أيها ~~الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (3) ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا ~~عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولى دين (6) ~~وفيها قولان. # أحدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والحسن، والجمهور. # والثاني: مدنية: روي عن قتادة. # ذكر سبب نزولها. اختلفوا على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رهطا من قريش منهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود ~~بن عبد يغوث لقوا العباس بن عبد المطلب، فقالوا: يا أبا الفضل: لو أن ابن ~~أخيك أسلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول ولآمنا بإلهه، فأتاه العباس فأخبره ~~فنزلت هذه السورة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف لقيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالا يا محمد: لا ندعك حتى تتبع ديننا، ونتبع دينك، فإن كان أمرنا ~~رشدا كنت قد أخذت بحظك منه، وإن كان أمرك رشدا كنا قد أخذنا بحظنا منه، ~~فنزلت هذه السورة، قاله عبيد بن عمير. PageV08P322 # والثالث: أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبع دينك ~~عاما، وترجع إلى ديننا عاما، فنزلت هذه السورة، قاله وهب. قال مقاتل في ~~آخرين: نزلت هذه السورة في أبي جهل وفي المستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت ~~فيهم أحد. وأما قوله [عز وجل]: (لا أعبد) فهو في موضع " من " ولكنه جعل ~~مقابلا لقوله [عز وجل]: (ما تعبدون) وهي الأصنام. وفي تكرار الكلام قولان. # أحدهما: أنها لتأكيد الأمر، ms2468 وحسم أطماعهم فيه، قاله الفراء. وقد أنعمنا ~~شرح هذا في سورة الرحمن. # والثاني: أن المعنى: (لا أعبد ما تعبدون) في حالي هذه (ولا أنتم) في ~~حالكم هذه (عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم) فيما أستقبل، وكذلك ~~أنتم، فنفى عنه وعنهم ذلك في الحال والاستقبال، وهذا في قوم بأعيانهم، ~~أعلمه الله عز وجل أنهم لا يؤمنون، كما ذكرنا عن مقاتل، فلا يكون حينئذ ~~تكرارا، هذا قول ثعلب، والزجاج. وقوله [عز وجل]: (لكم دينكم ولي دين) فتح ~~ياء " ولي " نافع، وحفص، وأبان عن عاصم. وأثبت ياء " ديني " في الحالين ~~يعقوب. # وهذا منسوخ عند المفسرين أهل بآية السيف. PageV08P323 # سورة النصر مدنية مدنية وآياتها ثلاث وهي مدنية بإجماعهم وفي أفراد مسلم ~~من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت جميعا. # بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون ~~في دين الله أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه توابا (3) قوله [عز ~~وجل]: (إذا جاء نصر الله) أي: معونته على الأعداء. والفتح: فتح مكة قال ~~الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب: أما إذ ظفر ~~محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان فدخلوا ~~في دين الله أفواجا. قال أبو عبيدة: # والأفواج: حديث جماعات في تفرقة. # قوله [عز وجل]: (فسبح بحمد ربك) فيه قولان. # أحدهما: أنه الصلاة، قاله ابن عباس. # والثاني: التسبيح المعروف، قاله جماعة من المفسرين. قال المفسرون: نعيت ~~إليه نفسه بنزول هذه السورة، وأعلم أنه قد اقترب أجله، فأمر بالتسبيح ~~والاستغفار ليختم له عمره بالزيادة في العمل الصالح. قال ابن عباس: إذا جاء ~~نصر الله والفتح: داع من الله، ووداع من الدنيا. قال قتادة: وعاش بعد نزول ~~هذه السورة سنتين. PageV08P324 # سورة المسد مكية وآياتها خمس وهي مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ~~تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات لهب ~~(3) وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5) وسبب نزولها ما ms2469 رواه ~~البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما ~~نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا ~~فقال: # " يا صباحاه ". فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ فقال: أرأيتكم إن ~~أخبرتكم أن العدو مصبحكم، أو ممسيكم، أما كنتم تصدقوني؟ " قالوا: بلى. قال: ~~" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". قال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا ~~جمعا؟ فأنزل الله تعالى: (تبت يدا أبي لهب) ومعنى: تبت: خسرت يدا أبي لهب ~~(وتب) أي: وخسر هو. قال الفراء: الأول: دعاء، والثاني: PageV08P325 # خبر، كما تقول للرجل: أهلكك الله وقد أهلكك، وجعلك الله صالحا وقد جعلك. ~~وقيل: ذكر يديه، والمراد نفسه، ولكن هذا عادة العرب يعبرون ببعض الشئ عن ~~جميعه، كقوله [عز وجل]: # (ذلك بما قدمت يداك). وقال مجاهد: " تبت يدا أبي لهب وتب " ولد أبي لهب. ~~فأما أبو لهب فهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن اسمه عبد ~~العزى. وقرأ ابن كثير وحده " أبي لهب " بإسكان الهاء. قال أبو علي: يشبه أن ~~يكون كالسمع والسمع والنهر، والنهر. # فإن قيل: كيف كناه الله عز وجل، وفي الكنية نوع تعظيم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه إن صح أن اسمه عبد العزى، فكيف يذكره الله بهذا الاسم وفيه ~~معنى الشرك؟! # والثاني: أن كثيرا من الناس اشتهروا بكناهم، ولم يعرف لهم أسماء. قال ابن ~~قتيبة: خبرني غير واحد عن الأصمعي أن أبا عمرو بن العلاء، وأبا سفيان بن ~~العلاء اسماهما كناهما، فإن كان اسم أبي لهب كنيته، فإنما ذكره بما لا يعرف ~~إلا به. # قوله [عز وجل]: (ما أغنى عنه ماله) قال ابن مسعود: لما دعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقربيه إلى الله عز وجل قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن ~~أخي حقا، فإني أفتدي بمالي، وولدي، فقال الله عز وجل: (ما أغنى عنه ماله ~~وما كسب) قال الزجاج: و " ما في موضع رفع. المعنى: ما أغنى عنه ماله وكسبه ~~أي: ولده. ms2470 وكذلك قال المفسرون: المراد بكسبه هاهنا: ولده. و " أغنى " بمعنى ~~يغني (سيصلى نارا ذات لهب). أي: تلتهب عليه من غير دخان (وامرأته) أي: ~~ستصلى امرأته، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان. وفي هذا دلالة على صحة ~~نبوة نبينا محمد عليه [الصلاة] والسلام، لأنه أخبر بهذا المعنى PageV08P326 # أنه وزوجته يموتان على الكفر، فكان كذلك، إذا لو قالا بألسنتهما: قد ~~أسلمنا، لوجد الكفار متعلقا في الرد على رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~غير أن الله علم أنهما لا يسلمان باطنا ولا ظاهرا، فأخبره بذلك. # قوله [عز وجل]: (حمالة الحطب) فيه أربعة أقوال. # أحدهما: أنها كانت تمشي بالنميمة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، ~~والفراء. قال ابن قتيبة: فشبهوا النميمة بالحطب، والعداوة والشحناء بالنار، ~~لأنهما يقعان بالنميمة، كما تلتهب النار بالحطب. # والثاني: أنها كانت تحتطب الشوك، فتلقيه في طريق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليلا، رواه عطية عن ابن عباس. وبه قال الضحاك، وابن زيد. # والثالث: أن المراد بالحطب: الخطايا، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أنها كانت تعير رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بالفقر، وكانت ~~[تحتطب] فعيرت بذلك، قال قتادة. وليس بالقوي، لأن الله تعالى وصفه بالمال. ~~وقرأ عاصم وحده (حمالة الحطب) بالنصب. # قال الزجاج: من نصب " حمالة " فعلى الذم. والمعنى: أعني: حمالة الحطب. ~~والجيد: # العنق. والمسد في لغة العرب: الحبل إذا كان من ليف المقل. وقد يقال لما ~~كان من أوبار الإبل من الحبال: المسد. قال الشاعر: # ومسد أمر من أيانق وقال ابن قتيبة: المسد عند كثير من الناس: الليف دون ~~غيره، وليس كذلك، إنما المسد: كل ما PageV08P327 # ضفر وقتل من الليف وغيره. # واختلف المفسرون: في المراد بهذا الحبل على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها حبال كانت تكون بمكة، رواه العوفي عن ابن عباس وقال الضحاك: ~~حبل من شجر كانت تحتطب به. # والثاني: أنه قلادة من ودع، قاله قتادة. # والثالث: أنه سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا، قاله عروة بن الزبير، ~~وقال غيره: المراد بهذا الحبل: السلسلة التي ذكرها ms2471 الله تعالى في النار، ~~طولها سبعون ذراعا. والمعنى: أن تلك السلسلة قد فتلت فتلا محكما، فهي في ~~عنقها تعذب بها في النار. PageV08P328 # سورة الإخلاص مكية وآياتها أربع بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد ~~(1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (9) وفيها ~~قولان. # أحدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر. # والثاني: مدنية، روي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وقد روى البخاري في ~~أفراده من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي ~~نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن. وروى مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنها تعدل ثلث القرآن. وفي سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، ~~فنزلت هذه السورة، قاله أبي بن كعب. # والثاني: أن عامر بن الطفيل قال لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]: إلام ~~تدعونا يا محمد؟ قال: [إلى] الله عز وجل. قال: صفه لي، أمن ذهب هو، أو من ~~فضة، أم من حديد، فنزلت هذه السورة، قاله ابن عباس. PageV08P329 # والثالث: أن الذين قالوا هذا، قوم من أحبار اليهود قالوا: من أي جنس هو، ~~وممن ورث الدنيا، ولمن يورثها؟ فنزلت هذه السورة، قاله قتادة، والضحاك. ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي " أحد الله " ~~وقرأ أبو عمرو " أحد الله " بضم الدال، ووصلها باسم الله. قال الزجاج: هو ~~كناية عن ذكر الله عز وجل. والمعنى: الذي سألتم تبيين نسبته هو الله. و " ~~أحد " مرفوع على معنى: هو أحد، [فالمعنى: هو] الله، وقرئت " أحد الله الصمد ~~" بترك التنوين، وقرئت بإسكان الدال " أحد الله " وأجودها الرفع بإثبات ~~التنوين، وكسر التنوين لسكونه وسكون اللام في " الله "، ومن حذف التنوين، ~~فلالتقاء الساكنين أيضا، ومن أسكن أراد الوقف ثم ابتدأ " الله الصمد " وهو ~~أردؤها. # فأما " الأحد " فقال ابن عباس، وأبو عبيدة: هو الواحد. وفرق قوم بينهما. ~~وقال أبو سليمان الخطابي: الواحد: ms2472 هو المنفرد بالذات، فلا يضاهيه أحد. # والأحد: هو المنفرد بالمعنى، فلا يشاركه فيه أحد. وأصل " الأحد " عند ~~النحويين ": الوحد، ثم أبدلوا عن الواو الهمزة وفي " الصمد " أربعة أقوال. # أحدها: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، رواه ابن عباس عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الصمد: السيد ~~الذي قد كمل في سؤدده. وقال أبو عبيدة: هو السيد الذي [ليس] فوقه أحد. ~~والعرب تسمي أشرافها: الصمد. قال الأسدي: PageV08P330 # لقد بكر الناعي بخيري بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقال ~~الزجاج: هو [الذي] ينتهي إليه السؤدد، فقد صمد له كل شئ قصد قصده. # وتأويل صمود كل شئ: أن في كل شئ أثر صنعه. وقال ابن الأنباري: لا خلاف ~~بين أهل اللغة أن الصمد: السيد الذي ليس فوقه أحد تصمد إليه الناس في ~~أمورهم وحوائجهم. # والثاني: أنه الذي لا جوف له، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن جبير، ~~وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي. وقال ابن قتيبة: وكان الدال من هذا ~~التفسير مبدلة من تاء، والمصمت من هذا. # والثالث: أنه الدائم. # والرابع: الباقي بعد فناء الخلق، حكاهما الخطابي وقال: أصح الوجوه الأول، ~~لأن الاشتقاق يشهد له، فإن أصل الصمد: القصد. يقال: اصمد صمد فلان، أي اقصد ~~قصده. فالصمد: السيد الذي يصمد إليه في الأمور، ويقصد في الحوائج. # قوله [تعالى]: (لم يلد) قال مقاتل: لم يلد فيورث (ولم يولد) فيشارك، وذلك ~~أن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الرحمن. وقالت اليهود: عزير ابن الله، ~~وقالت النصارى: # المسيح ابن الله، فبرأ نفسه من ذلك. # قوله [عز وجل]: (ولم يكن له كفوا [أحد]) قرأ الأكثرون بالتثقيل والهمز. ~~ورواه حفص بالتثقيل وقلب الهمز واوا. وقرأ حمزة بسكون الفاء. والكفو المثل ~~المكافئ. فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولم يكن له أحد كفوا، فقدم وأخر لتتفق ~~رؤوس الآيات. PageV08P331 # سورة الفلق مكية وآياتها خمس بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق ~~(1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر ms2473 النفاثات في العقد ~~(4) ومن شر حاسد إذا حسد (5) وفيها قولان. # أحدهما: أنها مدنية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة في آخرين. # والثاني: أنها مكية، رواه كريب عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، ~~وعكرمة، وجابر. # والأول أصح، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر وهو مع ~~عائشة، فنزلت عليه المعوذتان. # فذكر أهل التفسير في سبب نزولهما: أن غلاما من اليهود كان يخدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلم يزل به اليهود حتى أخذ مشاطة رأس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعدة أسنان من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها. وكان ~~الذي تولى ذلك لبيد بن أعصم اليهودي. ثم دسها في بئر لبني زريق، يقال لها: ~~بئر ذروان. ويقال: أروان، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتشر شعر ~~رأسه، وكان يرى أنه يأتي النساء وما يأتيهن، ويخيل إليه أنه يفعل الشئ، وما ~~يفعله، فبينا هو ذات يوم نائم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر ~~عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما بال الرجل؟ قال: طب. قال: وما طب؟ # قال: سحر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن أعصم. قال: وبم طبه؟ قال: بمشط ~~ومشاطه. قال: # وأين هو؟ قال في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان والجف: قشر الطلع. ~~والراعوفة: صخرة تترك في أسفل البئر إذا احتفرت. فإذا أرادوا تنقية البئر ~~جلس المنقي عليها، فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة أما ~~شعرت أن الله أخبرني بدائي، ثم بعث عليا، والزبير، وعمار بن ياسر، فنزحوا ~~ماء تلك البئر، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجوف، وإذا فيه مشاطة رأسه، ~~وأسنان مشطه، وإذا وتر PageV08P332 # معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبرة، فأنزل الله عز وجل المعوذتين، ~~فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة. ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حين ~~انحلت العقدة الأخيرة، وجعل جبريل يقول: بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك، ~~ومن حاسد وعين، والله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله أفلا ms2474 نأخذ الخبيث ~~فنقتله؟ فقال: " أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على الناس شرا ". # وقد أخرج البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث عائشة رضي الله عنها ~~حديث سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بينا معنى " أعوذ " في أول ~~كتابنا. وفي " الفلق " ستة أقوال. # أحدها: أنه الصبح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وقتادة، والقرظي، وابن زيد، واللغويون قالوا: ويقال: هذا ~~أبين من فلق الصبح وفرق الصبح. # والثاني: أنه الخلق كله. # والثالث: سجن في جهنم، روي عن ابن عباس أيضا. وقال وهب والسدي: جب في ~~جهنم. # وقال ابن السائب: واد في جهنم. # والرابع: شجرة في النار، قاله عبد الله بن عمر. # والخامس: أنه كل من انفلق عن شئ كالصبح، والحب، والنوى، وغير ذلك، قاله ~~الحسن. # قال الزجاج: وإذا تأملت الخلق بان لك أكثره عن انفلاق، كالأرض بالنبات، ~~والسحاب بالمطر. # والسادس: أنه اسم من أسماء جهنم، قاله أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد ~~الحبلي. # قوله [عز وجل]: (من شر ما خلق) وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر: " خلق " بضم ~~الخاء، وكسر اللام. وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه عام، وهو الأظهر. # والثاني: أن شر ما خلق: إبليس وذريته، قاله الحسن. # والثالث: جهنم، حكاه الماوردي. وفي " الغاسق " أربعة أقوال. PageV08P333 # أحدها: أنه القمر، روت عائشة قالت: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~القمر، فقال: استعيذي بالله من شره فإنه الغاسق إذا وقب، رواه الترمذي، ~~والنسائي في كتابيهما. قال ابن قتيبة ويقال: # الغاسق: القمر إذا كسف فاسود. ومعنى " وقب " دخل في الكسوف. # والثاني: أنه النجم، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثالث: أنه الليل، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والقرظي، والفراء، ~~وأبو عبيد، وابن قتيبة، والزجاج. قال اللغويون: ومعنى " وقب " دخل في كل شئ ~~فأظلم. و " الغسق " الظلمة. # وقال الزجاج: الغاسق: البارد، وقيل لليل: غاسق، لأنه أبرد من النهار. # والرابع: أنه الثريا إذا سقطت، وكانت الأسقام، والطواعين تكثر عند ~~وقوعها، وترتفع ms2475 عند طلوعها، قاله ابن زيد. # فأما (النفاثات) فقال ابن قتيبة: هن السواحر ينفثن، أي: يتفلن إذا سحرن، ~~ورقين. قال الزجاج: يتفلن بلا ريق، كأنه نفح. وقال ابن الأنباري: قال ~~اللغويون: تفسير نفث: نفخ نفخا ليس معه ريق، ومعنى: نفخ نفخا معه ريق. وقال ~~ذو الرمة: # ومن جوف ماء عرمض الحفل فوقه * متى تحس منه ماتح القوم يتفل وقد روى ابن ~~أبي سريج " النافثات " بألف قبل الفاء مع كسر الفاء وتخفيفها. وقال بعض ~~المفسرين: المراد بالنفاثات هاهنا: بنات لبيد بن أعصم اليهودي [سحرن] رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # (ومن شر حاسد) يعني: اليهود حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ~~ذكرنا حد الحسد في البقرة. # والحسد: أخس الطبائع. وأول معصية عصي الله بها في السماء حسد إبليس لآدم، ~~وفي الأرض حسد قابيل لهابيل. PageV08P334 # سورة الناس مكية وآياتها ست وفيها قولان. # أحدهما: أنها مدنية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها مكية، رواه أبو كريب عن ابن عباس. # بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس ~~(3) من شر الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة ~~والناس (6) فإن [قيل]: لم خص الناس هاهنا بأنه ربهم، وهو رب كل شئ؟ فعنه ~~جوابان. # أحدهما: لأنهم معظمون متميزون على غيرهم. # والثاني: لأنه لما أمر بالاستعاذة من شرهم أعلم أنه ربهم، ليعلم أنه هو ~~الذي يعيذ من شرهم. ولما كان في الناس ملوك قال [عز وجل]: (ملك الناس) ولما ~~كان فيهم من يعبد غيره قال [عز وجل]: (إله الناس): PageV08P335 # و (الوسواس) الشيطان، وهو (الخناس) يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله، خنس، ~~أي: كف وأقصر. قال الزجاج: الوسواس ها هنا: ذو الوسواس. # وقال ابن قتيبة: الصدور هاهنا: القلوب. قال ابن عباس: الشيطان [جاثم] على ~~قلب ابن آدم، [فإذا] سها وغفل، وسوس، فإذا ذكر الله، خنس. # قوله [عز وجل]: (من الجنة والناس) الجنة: الجن. وفي معنى الآية قولان. # أحدهما: يوسوس في صدور الناس جنتهم وناسهم، فسمى الجن هاهنا ناسا، كما ms2476 ~~سماهم رجالا في قوله [عز وجل]: (يعوذون برجال من الجن) وسماهم نفرا بقوله ~~[عز وجل]: (استمع نفر من الجن) هذا قول الفراء. وعلى هذا القول يكون ~~الوسواس موسوسا للجن، كما يوسوس للإنس. # والثاني: أن الوسواس: الذي يوسوس في صدور الناس، هو من الجنة، وهم من ~~الجن. # والمعنى: من شر الوسواس الذي هو من الجن. ثم عطف قوله [عز وجل]: (والناس) ~~على (الوسواس) والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من ~~الجن والإنس، وهذا قول الزجاج. PageV08P336 # تم الكتاب بحمد الله ومنه. # فهذا آخر " زاد المسير "، والحمد لله على الإنعام الغزير، وإذ قد بلغنا ~~بحمد الله مرادنا فيما أملنا، فلا يعتقدن من رأى اختصارنا أنا أقللنا، فقد ~~أشرنا بما ذكرنا إلى ما تركنا ودللنا، فليكن الناظر في كتابنا متيقظا لما ~~أغفلنا، فإنا ضمنا الاختصار مع نيل المراد، وقد فعلنا. ومن أراد زيادة بسط ~~في التفسير، فعليه بكتابنا المسمى " بالمعني " في التفسير. فإن أراد ~~مختصرا، فعليه بكتابنا المسمى ب‍ " تذكرة الأريب في تفسير الغريب ". والحمد ~~لله رب العالمين، أولا وآخرا وباطنا وظاهرا وصلواته على سيدنا محمد النبي ~~وآله أجمعين، وعلى أبيه آدم، وذريته الأنبياء والمرسلين والأولياء ~~والصالحين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. # [ووافق الفراغ من هذا المجلد وهو آخر الكتاب يوم الاثنين حادي والعشرين ~~شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وثمانين وثمان ماية على يد العبد الفقير إلى ~~الله تعالى أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خليفة غفر الله له ولوالديه ولجميع ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريب ~~مجيب الدعوات ونقل هذا المجلد جميعه من أصل ثم من أصل المصنف وعليه سماع ~~المصنف وهو الشيخ الإمام العالم الأوحد جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن ~~علي بن الجوزي مصنفه رضي الله عنه وأرضاه والحمد لله رب العالمين. # بلغ مقالته بحسب الطاقة والامكان ونعوذ بالله من الزيادة والنقصان].# ~~PageV08P337 #####ENDNOTES# ms2477