######OpenITI# #META# Author: ابن الجوزي #META# Title: زاد المسير في علم التفسير #META# Date: ت 597 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-3] # { بسم الله الرحمن الرحيم } # قال ابن عمر: نزلت في كل سورة. وقد اختلف العلماء: هل هي آية كاملة، أم ~~لا؟ وفيه [عن] أحمد روايتان. واختلفوا: هل هي من الفاتحة، أم لا؟ فيه عن ~~أحمد روايتان أيضا. فأما من قال: إنها من الفاتحة، فإنه يوجب قراءتها ~~في الصلاة إذا قال بوجوب الفاتحة، وأما من لم يرها من الفاتحة، فانه ~~يقول: قراءتها في الصلاة سنة. ما عدا مالكا فانه لا يستحب قراءتها في ~~الصلاة. # واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به، فنقل جماعة عن أحمد: أنه ~~لا يسن الجهر بها، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ~~وعمار بن ياسر، وابن مغفل، وابن الزبير، وابن عباس، وقال به من كبراء ~~التابعين ومن بعدهم: الحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وابراهيم، وقتادة، ~~وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو ~~عبيد في آخرين. # وذهب الشافعي إلى أن الجهر مسنون، وهو مروي عن معاوية بن أبي سفيان، ~~وعطاء، وطاووس، ومجاهد. # فأما تفسيرها: # فقوله: { بسم الله } اختصار، كأنه قال: أبدأ باسم الله. أو: بدأت باسم ~~الله. وفي الاسم خمس لغات: إسم بكسر الألف، وأسم بضم الألف إذا ابتدأت ~~بها، وسم بكسر السين، وسم بضمها، وسما. قال الشاعر: # والله أسماك سما مباركا # آثرك الله به إيثاركا # وأنشدوا: # باسم الذي في كل سورة سمه # قال الفراء: بعض قيس [يقولون:] سمه، يريدون: اسمه، وبعض قضاعة يقولون: ~~سمه. أنشدني بعضهم: # وعامنا أعجبنا مقدمه # يدعى أبا السمح وقرضاب سمه # والقرضاب: القطاع، يقال: سيف قرضاب. # واختلف العلماء في اسم الذي هو «الله»: # فقال قوم: إنه مشتق، وقال آخرون: إنه علم ليس بمشتق. وفيه عن الخليل ~~روايتان. إحداهما: أنه ليس بمشتق، ولا يجوز حذف الألف واللام منه كما ~~يجوز من الرحمن. والثانية: رواها عنه سيبويه: أنه مشتق. وذكر أبو سليمان ~~الخطابي عن بعض العلماء أن أصله في الكلام مشتق من: أله الرجل يأله: إذا ~~فزع اليه من أمر نزل به. فألهه، أي: ms0001 أجاره وأمنه، فسمي إلها كما ~~يسمى الرجل إماما. وقال غيره: أصله ولاه. فأبدلت الواو همزة فقيل: ~~إله كما قالوا: وسادة إسادة، ووشاح وإشاح. # واشتق من الوله، لأن قلوب العباد توله نحوه. كقوله تعالى: # ثم إذا مسكم الضر فاليه تجأرون # [النحل: 53]. وكان القياس أن يقال: مألوه، كما قيل: معبود، إلا أنهم ~~خالفوا به البناء ليكون علما، كما قالوا للمكتوب: كتاب، وللمحسوب: حساب. ~~وقال بعضهم: أصله من: أله الرجل يأله إذا تحير، لأن القلوب تتحير عند ~~التفكر في عظمته. وحكي عن بعض اللغويين: أله الرجل يأله إلاهة، بمعنى: ~~عبد يعبد عبادة. # وروي عن ابن عباس أنه قال: # ويذرك وءالهتك # [الأعراف: 127] أي: عبادتك. قال: والتأله: التعبد. قال رؤبة: # لله در الغانيات المده # سبحن واسترجعن من تألهي # فمعنى الإله: المعبود. # فأما «الرحمن»: # فذهب الجمهور إلى أنه مشتق من الرحمة، مبني على المبالغة، ومعناه: ذو ~~الرحمة التي لا نظير له فيها. وبناء فعلان في كلامهم للمبالغة، فانهم ~~يقولون للتشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبع: شبعان. # قال الخطابي: ف «الرحمن»: ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في ~~أرزاقهم ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر. # و «الرحيم»: خاص للمؤمنين. قال عز وجل: # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 43]. والرحيم: بمعنى الراحم. # روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقرأ عليه أبي بن ~~كعب أم القرآن فقال: # " والذي نفسي بيده، ما أنزل في التوراة، ولا في الانجيل، ولا في ~~الزبور، ولا في الفرقان مثلها، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي ~~أوتيته ". # فمن أسمائها: الفاتحة، لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة. ومن ~~أسمائها: أم القرآن، وأم الكتاب، لأنها أمت الكتاب بالتقدم. ومن أسمائها: ~~السبع المثاني، وإنما سميت بذلك لما سنشرحه في (الحجر) إن شاء الله. # واختلف العلماء في نزولها على قولين. # أحدهما: أنها مكية، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وأبي العالية، ~~وقتادة، وأبي ميسرة. # والثاني: أنها مدنية، وهو مروي عن أبي هريرة، ومجاهد، وعبيد بن عمير، ~~وعطاء الخراساني. وعن ابن عباس كالقولين. # فصل # فأما تفسيرها # ف { الحمد ms0002 } رفع بالابتداء، و { لله } الخبر. والمعنى: الحمد ثابت ~~لله، ومستقر له، والجمهور على كسر لام «لله» وضمها ابن عبلة، قال ~~الفراء: هي لغة بعض بني ربيعة، وقرأ ابن السميفع: «الحمد» بنصب الدال ~~«لله» بكسر اللام. وقرأ أبو نهيك. بكسر الدال واللام جميعا. # واعلم أن الحمد: ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقا، ~~وهو: أن الحمد قد يقع ابتداء للثناء، والشكر لا يكون إلا في مقابلة ~~النعمة، وقيل: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، فتقديره: قولوا: الحمد لله. # وقال ابن قتيبة: الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من كرم أو حسب أو ~~شجاعة، وأشباه ذلك. والشكر: الثناء عليه بمعروف أولا كه، وقد يوضع الحمد ~~موضع الشكر. فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرت له على ~~شجاعته. # فأما «الرب» فهو المالك، ولا يذكر هذا الاسم في حق المخلوق إلا ~~بالاضافة، فيقال: هذا رب الدار، ورب العبد. وقيل هو مأخوذ من التربية. # قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: رب فلان صنيعته يربها ربا: إذا ~~أتمها وأصلحها، فهو رب وراب. # قال الشاعر: # يرب الذي يأتي من الخير إنه # إذا سئل المعروف زاد وتمما # قال: والرب يقال على ثلاثة أوجه. أحدها: المالك. يقال رب الدار. ~~والثاني: المصلح، يقال: رب الشيء. والثالث: السيد المطاع. قال تعالى: # فيسقى ربه خمرا # [يوسف: 41]. والجمهور على خفض باء «رب». وقرأ أبو العالية، وابن ~~السميفع، وعيسى ابن عمر بنصبها. وقرأ أبو رزين العقيلي، والربيع بن ~~خيثم، وأبو عمران الجوني برفعها. # فأما { العالمين } فجمع عالم، وهو عند أهل العربية: اسم للخلق من ~~مبدئهم إلى منتهاهم، وقد سموا أهل الزمان الحاضر عالما. # فقال الحطيئة: # تنحي فاجلسي مني بعيدا # أراح الله منك العالمينا # فأما أهل النظر، فالعلم عندهم: اسم يقع على الكون الكلي المحدث من فلك، ~~وسماء، وأرض، وما بين ذلك. # وفي اشتقاق العالم قولان. أحدهما: أنه من العلم، وهو يقوي قول أهل ~~اللغة. # والثاني: أنه من العلامة، وهو يقوي قول أهل النظر، فكأنه إنما سمي عندهم ~~بذلك، لانه دال على خالقه. ms0003 # وللمفسرين في المراد ب «العالمين» ها هنا خمسة أقوال: # أحدها: الخلق كله، السموات والأرضون وما فيهن وما بينهن. رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. # والثاني: كل ذي روح دب على وجه الأرض. رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم الجن والإنس. روي ايضا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~ومقاتل. # والرابع: أنهم الجن والإنس والملائكة، نقل عن ابن عباس أيضا، واختاره ~~ابن قتيبة. # والخامس: أنهم الملائكة، وهو مروي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: { الرحمن الرحيم } # قرأ أبو العالية، وابن السميفع، وعيسى بن عمر بالنصب فيهما، وقرأ أبو ~~رزين العقيلي، والربيع بن خيثم، وأبو عمران الجوني بالرفع فيهما. ### || [1.4] # قوله تعالى: { مالك يوم الدين } # قرأ عاصم والكسائي، وخلف، ويعقوب: «مالك» بألف. وقرأ ابن السميفع، وابن ~~أبي عبلة كذلك، إلا أنهما نصبا الكاف. وقرأ أبو هريرة، وعاصم ~~الجحدري:«ملك» باسكان اللام من غير الألف مع كسر الكاف، وقرأ أبو عثمان ~~النهدي، والشعبي «ملك» بكسر اللام ونصب الكاف من غير ألف. وقرأ سعد بن ~~أبي وقاص، وعائشة، ومورق العجلي: «ملك» مثل ذلك إلا أنهم رفعوا ~~الكاف. وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء العطاردي «مليك» بياء بعد اللام ~~مكسورة الكاف من غير ألف. وقرأ عمرو بن العاص كذلك، إلا أنه ضم الكاف. ~~وقرأ أبو حنيفة، وأبو حيوة «ملك» على الفعل الماضي، «ويوم» بالنصب. # وروى عبد الوارث عن أبي عمرو: إسكان اللام، والمشهور عن أبي عمرو ~~وجمهور القراء «ملك» بفتح الميم مع كسر اللام، وهو أظهر في المدح، لأن ~~كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. # وفي «الدين» هاهنا قولان. # أحدهما: أنه الحساب. قاله ابن مسعود. # والثاني: الجزاء. قاله ابن عباس، ولما أقر الله عز وجل في قوله { رب ~~العالمين } أنه مالك الدنيا. دل بقوله { مالك يوم الدين } على أنه مالك ~~الأخرى. وقيل: إنما خص يوم الدين، لأنه ينفرد يومئذ بالحكم في خلقه. ### || [1.5-6] # قوله تعالى: { إياك نعبد } # وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وأبو مجلز «يعبد» بضم الياء وفتح الباء. ~~قال ابن الأنباري: المعنى: قل يا ms0004 محمد: إياك يعبد، والعرب ترجع من ~~الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب الى الغيبة، كقوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس:22] وقوله: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء # [الدهر: 21، 22] # وقال لبيد: # باتت تشكى إلي النفس مجهشة # وقد حمتلك سبعا بعد سبعينا # وفي المراد بهذه العبادة ثلاثة أقوال. # أحدهما: أنها بمعنى التوحيد. روي عن علي، وابن عباس في آخرين. # والثاني: أنها بمعنى الطاعة، كقوله: # لا تعبدوا الشيطان # [يس:60] # والثالث: أنها بمعنى الدعاء، كقوله: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي # [غافر:60] # قوله تعالى: { إهدنا } فيه أربعة أقوال: # أحدها: ثبتنا. قاله علي، وأبي. والثاني: أرشدنا. والثالث: وفقنا. ~~والرابع: ألهمنا. رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس. # و { الصراط } الطريق # ويقال: إن أصله بالسين، لأنه من الاستراط وهو: الابتلاع، فالسراط كأنه ~~يسترط المارين عليه، فمن قرأ السين، كمجاهد، وابن محيصن، ويعقوب، فعلى ~~أصل الكلمة، ومن قرأ بالصاد، كأبي عمرو، والجمهور، فلأنها أخف على ~~اللسان، ومن قرأ بالزاي، كرواية الأصمعي عن أبي عمرو، واحتج بقول العرب: ~~سقر وزقر. وروي عن حمزة: إشمام السين زايا، وروي عنه أنه تلفظ بالصراط ~~بين الصاد والزاي. # قال الفراء: اللغة الجيدة بالصاد، وهي لغة قريش الأولى، وعامة العرب ~~يجعلونها سينا، وبعض قيس يشمون الصاد، فيقول: الصراط بين الصاد ~~والسين، وكان حمزة يقرأ «الزراط» بالزاي، وهي لغة لعذرة وكلب وبني القين. ~~يقولون في أصدق أزدق. # وفي المراد بالصراط هاهنا أربعة أقوال. # أحدها: أنه كتاب الله، رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه دين الاسلام. قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، و ~~أبوالعالية في آخرين. # والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد. # والرابع: أنه طريق الجنة، نقل عن ابن عباس أيضا. فان قيل: ما معنى سؤال ~~المسلمين الهداية وهم مهتدون؟ ففيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: إهدنا لزوم الصراط، فحذف اللزوم. قاله ابن الأنباري. # والثاني: أن المعنى ثبتنا على الهدى، تقول العرب للقائم: قم حتى آتيك، ~~أي: ms0005 اثبت على حالك. # والثالث: أن المعنى زدنا هدى. ### || [1.7] # قوله تعالى: { الذين أنعمت عليهم } # قال ابن عباس: هم النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون. وقرأ ~~الأكثرون «عليهم» بكسر الهاء، وكذلك «لديهم» و «إليهم» وقرأهن حمزة ~~بضمها. وكان ابن كثير يصل [ضم] الميم بواو. وقال ابن الأنباري: حكى ~~اللغويون في «عليهم» عشر لغات، قرى بعامتها «عليهم» بضم الهاء وإسكان ~~الميم و«عليهم» بكسر الهاء وإسكان الميم، و«عليهمي» بكسر الهاء والميم ~~وإلحاق ياء بعد الكسرة، و«عليهمو» بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد ~~الضمة، و«عليهمو» بضم الهاء والميم وإدخال واو بعد الميم و«عليهم» بضم ~~الهاء والميم من غير زيادة واو، وهذه الأوجه الستة مأثورة عن القراء، ~~وأوجه أربعة منقولة عن العرب «عليهمي» بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ~~ياء، و«عليهم» بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء، و«عليهم» ~~بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو، و «عليهم» بكسر الهاء والميم ~~ولا ياء بعد الميم. # فأما «المغضوب عليهم» فهم اليهود؛ و «الضالون»: النصارى. # رواه عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال ابن قتيبة: والضلال: الحيرة والعدول عن الحق. # فصل # ومن السنة في حق قارىء الفاتحة أن يعقبها ب «آمين». قال شيخنا أبو ~~الحسن علي ابن عبيد الله: وسواء كان خارج الصلاة أو فيها، لما روى أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا قال الامام { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } فقال من ~~خلفه: آمين، فوافق ذلك قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من ذنبه " # وفي معنى آمين: ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معنى آمين: كذلك يكون. حكاه ابن الأنباري عن ابن عباس، ~~والحسن. # والثاني: أنها بمعنى: اللهم استجب. قاله الحسن والزجاج. # والثالث: أنه اسم من أسماء الله تعالى. قاله مجاهد، وهلال بن يساف، ~~وجعفر ابن محمد. # وقال ابن قتيبة: معناها: يا أمين أجب دعاءنا، فسقطت يا، كما سقطت في ~~قوله: # يوسف أعرض عن هذا # [يوسف:29] تأويله: يا يوسف. ومن طول الألف فقال: آمين، أدخل ألف ~~النداء على ألف أمين، ms0006 كما يقال، آزيد أقبل. ومعناه: يا زيد. قال ابن ~~الأنباري: وهذا القول خطأ عند جميع النحويين، لأنه إذا أدخل «يا» على« ~~آمين» كان منادى مفردا، فحكم آخره الرفع، فلما أجمعت العرب على فتح ~~نونه، دل على أنه غير منادى، وإنما فتحت نون «آمين» لسكونها وسكون الياء ~~التي قبلها، كما تقول العرب: ليت، ولعل. قال: وفي «آمين» لغتان: «أمين» ~~بالقصر، «وآمين» بالمد، والنون فيهما مفتوحة. # أنشدنا أبو العباس عن ابن الاعرابي: # سقى الله حيا بين صارة والحمى # (حمى) فيد صوب المدجنات المواطر # أمين وأدى الله ركبا إليهم # بخير ووقاهم حمام المقادر # وأنشدنا أبو العباس أيضا: # تباعد مني فطحل وابن أمه # أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وأنشدنا أبو العباس أيضا: # يا رب لا تسلبني حبها أبدا # ويرحم الله عبدا قال آمينا # وأنشدني أبي: # أمين ومن أعطاك مني هوداة # رمى الله في أطرافه فاقفعلت # وأنشدني أبي: # فقلت له قد هجت لي بارح الهوى # أصاب حمام الموت أهوننا وجدا # أمين وأضناه الهوى فوق ما به # أمين ولاقى من تباريحه جهدا # فصل # نقل الأكثرون عن أحمد أن الفاتحة شرط في صحة الصلاة، فمن تركها مع ~~القدرة عليها لم تصح صلاته، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة رحمه ~~الله: لا تتعين، وهي رواية عن أحمد، ويدل على الرواية الأولى ما روي في ~~«الصحيحين» من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " # والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # وأما التفسير. فقوله: { ألم } اختلف العلماء فيها وفي سائر الحروف ~~المقطعة في أوائل السور على ستة أقوال. # أحدها: أنها من المتشابه الذي لا يعلمه الا الله. قال أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه: لله عز وجل في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل ~~السور، وإلى هذا المعنى ذهب الشعبي، وأبو صالح، وابن زيد. # والثاني: أنها حروف من أسماء، فاذا ألفت ضربا من التأليف كانت أسماء ~~من أسماء الله عز وجل. قال ms0007 علي بن أبي طالب: هي أسماء مقطعة لو علم ~~الناس تأليفها علموا اسم الله الذي إذا دعي به أجاب. # وسئل ابن عباس عن «آلر» و«حم» و «نون» فقال: اسم الرحمن على الهجاء، ~~وإلى نحو هذا ذهب أبو العالية، والربيع بن أنس. # والثالث: أنها حروف أقسم الله بها، قاله ابن عباس، وعكرمة. قال ابن ~~قتيبة: ويجوز أن يكون أقسم بالحروف المقطعة كلها، واقتصر على ذكر بعضها ~~كما يقول القائل: تعلمت «أ ب ت ث» وهو يريد سائر الحروف، وكما يقول: قرأت ~~الحمد، يريد فاتحة الكتاب، فيسميها بأول حرف منها، وإنما أقسم بحروف ~~المعجم لشرفها ولأنها مباني كتبه المنزلة، وبها يذكر ويوحد. قال ابن ~~الانباري: وجواب القسم محذوف، تقديره: وحروف المعجم لقد بين الله لكم ~~السبيل، وأنهجت لكم الدلالات بالكتاب المنزل، وإنما حذف لعلم المخاطبين ~~به، ولأن في قوله: { ذلك الكتاب لا ريب فيه } دليلا على الجواب. # والرابع: انه أشار بما ذكر من الحروف إلى سائرها، والمعنى أنه لما كانت ~~الحروف أصولا للكلام المؤلف، أخبر أن هذا القرآن إنما هو مؤلف من هذه ~~الحروف، قاله الفراء، وقطرب. # فان قيل: فقد علموا أنه حروف، فما الفائدة في إعلامهم بهذا؟ # فالجواب أنه نبه بذلك على إعجازه، فكأنه قال: هو من هذه الحروف التي ~~تؤلفون منها كلامكم، فما بالكم تعجزون عن معارضته؟! فاذا عجزتم فاعلموا ~~أنه ليس من قول محمد عليه السلام. # والخامس: أنها أسماء للسور. روي عن زيد بن أسلم، وابنه، وأبي فاختة سعيد ~~ابن علاقة مولى أم هانىء. # والسادس: أنها من الرمز الذي تستعمله العرب في كلامها. يقول الرجل ~~للرجل: هل تا؟ فيقول له: بلى، يريد هل تأتي؟ فيكتفي بحرف من حروفه. ~~وأنشدوا: # قلنا لها قفي لنا فقالت قاف # لا تحسبى أنا نسينا الإيجاف # أراد قالت: أقف. ومثله: # نادوهم ألا الجموا ألا تا # قالوا جميعا كلهم ألا فا # يريد: ألا تركبون؟ قالوا: بلى فاركبوا. ومثله: # بالخير خيرات وإن شرا فا # ولا أريد الشر إلا أن تا # معناه: وإن شرا فشر ولا أريد الشر ms0008 إلا أن تشاء. وإلى هذا القول ذهب ~~الأخفش، والزجاج، وابن الأنباري. # وقال أبو روق عطية بن الحارث الهمداني: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجهر بالقراءة في الصلوات كلها، وكان المشركون يصفقون ويصفرون، فنزلت ~~هذه الحروف المقطعة، فسمعوها فبقوا متحيرين. وقال غيره: إنما خاطبهم بما ~~لا يفهمون ليقبلوا على سماعه، لأن النفوس تتطلع إلى ما غاب عنها معناه، ~~فاذا أقبلوا اليه خاطبهم بما يفهمون، فصار ذلك كالوسيلة إلى الإبلاغ، إلا ~~أنه لا بد له من معنى يعلمه غيرهم، أو يكون معلوما عند المخاطبين، فهذا ~~الكلام يعم جميع الحروف. # وقد خص المفسرون قوله «الم» بخمسة أقوال: # أحدها: أنه من المتشابه الذي لا يعلم معناه الا الله عز وجل، وقد سبق ~~بيانه. # والثاني: أن معناه: أنا الله أعلم. رواه أبو الضحى عن ابن عباس، وبه ~~قال ابن مسعود، وسعيد بن جبير. # والثالث: أنه قسم. رواه أبو صالح عن ابن عباس، وخالد الحذاء عن عكرمة. # والرابع: أنها حروف من أسماء. ثم فيها قولان. أحدهما: أن الألف من ~~«الله» واللام من «جبريل» والميم من «محمد» قاله ابن عباس. # فان قيل: إذا كان قد تنوول من كل اسم حرفه الأول اكتفاء به، فلم أخذت ~~اللام من جبريل وهي آخر الاسم؟! # فالجواب: أن مبتدأ القرآن من الله تعالى، فدل على ذلك بابتداء أول ~~حرف من اسمه، وجبريل انختم به التنزيل والإقراء، فتنوول من اسمه نهاية ~~حروفه، و«محمد» مبتدأ في الإقراء، فتنوول أول حرف فيه. والقول الثاني: ~~أن الألف من «الله» تعالى، واللام من «لطيف» والميم من «مجيد» قاله أبو ~~العالية. # والخامس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، والشعبي، وقتادة، وابن ~~جريج. ### || [2.2] # قوله تعالى: «ذلك» فيه قولان. # أحدهما: أنه بمعنى هذا، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والكسائي، ~~وأبي عبيدة، والأخفش. واحتج بعضهم بقول خفاف بن ندبة: # أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا إنني أنا ذلكا # أي: أنا هذا. وقال ابن الأنباري. إنما أراد: أنا ذلك الذي تعرفه. # والثاني: أنه إشارة الى غائب. # ثم ms0009 فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أراد به ما تقدم إنزاله عليه من القرآن. # والثاني: أنه أراد به ما وعده أن يوحيه إليه في قوله: # سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل:5]. # والثالث: أنه أراد بذلك ما وعد به أهل الكتب السالفة، لأنهم وعدوا بنبي ~~وكتاب. # و { الكتاب }. القرآن. وسمي كتابا، لأنه جمع بعضه إلى بعض، ومنه ~~الكتيبة، سميت بذلك لاجتماع بعضها إلى بعض. ومنه: كتبت البغلة. # قوله تعالى: { لا ريب فيه } الريب: الشك. والهدى: الإرشاد. والمتقون: ~~المحترزون مما اتقوه. # وفرق شيخنا علي بن عبيد الله بين التقوى والورع، فقال: التقوى: أخذ ~~عدة، والورع: دفع شبهة، فالتقوى: متحقق السبب، والورع: مظنون المسبب. # واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن ظاهرها النفي، ومعناها النهي، وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن ~~يرتاب به لإتقانه وإحكامه. ومثله: # ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء # [يوسف: 38] أي: ما ينبغي لنا. ومثله: # فلا رفت ولا فسوق # [البقرة: 196] وهذا مذهب الخليل، وابن الأنباري. # والثاني: أن معناها: لا ريب فيه أنه هدى للمتقين. قاله المبرد. # والثالث: أن معناها: لا ريب فيه أنه من عند الله، قاله مقاتل في آخرين. # فان قيل: فقد ارتاب به قوم. # فالجواب: انه حق في نفسه، فمن حقق النظر فيه علم. قال الشاعر: # ليس في الحق يا أمامة ريب # إنما الريب ما يقول الكذوب # فان قيل: فالمتقي مهتد، فما فائدة اختصاص الهداية به؟ # فالجواب من وجهين. أحدهما: أنه أراد المتقين، والكافرين، فاكتفى بذكر ~~أحد الفريقين، كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] أراد: والبرد. # والثاني: أنه خص المتقين لانتفاعهم به، كقوله: # إنما أنت منذر من يخشاها # [النازعات:45]. وكان منذرا لمن يخشى ولمن لا يخشى. ### || [2.3] # قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } الايمان في اللغة: التصديق، والشرع ~~أقره على ذلك، وزاد فيه القول والعمل. وأصل الغيب: المكان المطمئن الذي ~~يستتر فيه لنزوله عما حوله فسمي كل مستتر: غيبا. # وفي المراد بالغيب هاهنا ستة أقوال. # أحدها: أنه الوحي، قاله ابن عباس، وابن جريج. # والثاني: القرآن، قاله ms0010 أبو رزين العقيلي، وزر بن حبيش. # والثالث: الله عز وجل، قاله عطاء، وسعيد ابن جبير. # والرابع: ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، ونحو ذلك مما ذكر في ~~القرآن. رواه السدي عن أشياخه، وإليه ذهب أبو العالية، وقتادة. # والخامس: أنه قدر الله عز وجل، قاله الزهري. # والسادس: أنه الايمان بالرسول في حق من لم يره. قال عمرو بن مرة: قال ~~أصحاب عبد الله له: طوبى لك، جاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجالسته. فقال: إن شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مبينا لمن ~~رآه، ولكن أعجب من ذلك: قوم يجدون كتابا مكتوبا يؤمنون به ولم يروه، ثم ~~قرأ: { الذين يؤمنون بالغيب } # قوله تعالى: { ويقيمون الصلاة } الصلاة في اللغة: الدعاء. وفي الشريعة: ~~أفعال وأقوال على صفات مخصوصة. وفي تسميتها بالصلاة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها سميت بذلك لرفع الصلا، وهو مغرز الذنب من الفرس. # والثاني: أنها من صليت العود إذا لينته، فالمصلي يلين ويخشع. # والثالث: أنها مبنية على السؤال والدعاء، والصلاة في اللغة: الدعاء، وهي ~~في هذا المكان اسم جنس. # قال مقاتل: أراد بها هاهنا: الصلوات الخمس. # وفي معنى إقامتها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه تمام فعلها على الوجه المأمور به، روي عن ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أنه المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، قاله ~~قتادة، ومقاتل. # والثالث: إدامتها، والعرب تقول في الشيء الراتب: قائم، وفلان يقيم ~~أرزاق الجند، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: { ومما رزقناهم } أي: أعطيناهم { ينفقون } أي يخرجون. وأصل ~~الإنفاق الإخراج. يقال: نفقت الدابة: إذا خرجت روحها. # وفي المراد بهذه النفقة أربعة أقوال. # أحدها: أنها النفقة على الأهل والعيال، قاله ابن مسعود، وحذيفة. # والثاني: أنها الزكاة المفروضة، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثالث: أنها الصدقات النوافل، قاله مجاهد والضحاك. # والرابع: أنها النفقة التي كانت واجبة قبل وجوب الزكاة، ذكره بعض ~~المفسرين، وقالوا: إنه كان فرض على الرجل أن يمسك مما في يده مقدار ~~كفايته يومه وليلته، ويفرق باقيه على الفقراء. فعلى قول هؤلاء، الآية ~~منسوخة بآية ms0011 الزكاة، وغير هذا القول أثبت. واعلم أن الحكمة في الجمع بين ~~الإيمان بالغيب وهو عقد القلب، وبين الصلاة وهي فعل البدن، وبين الصدقة ~~وهو تكليف يتعلق بالمال -أنه ليس في التكليف قسم رابع، إذ ما عدا هذه ~~الأقسام فهو ممتزج بين اثنين منهما، كالحج والصوم ونحوهما. ### || [2.4] # قوله تعالى: { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين. # أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس، واختاره مقاتل. # والثاني: أنها نزلت في العرب الذي آمنوا بالنبي وبما أنزل من قبله. ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس، قال المفسرون: الذي أنزل إليه، القرآن. وقال ~~شيخنا علي بين عبيد الله: القرآن وغيره مما أوحي إليه. # قوله تعالى: { وما أنزل من قبلك } يعني الكتب المتقدمة والوحي فأما ~~«الآخرة» فهي اسم لما بعد الدنيا، وسميت آخرة، لأن الدنيا قد تقدمتها: ~~وقيل. سميت آخرة لأنها نهاية الأمر. # قوله تعالى: { يوقنون } اليقين: ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر، وهو ~~أبلغ علم مكتسب. ### || [2.5] # قوله تعالى: { أولئك على هدى } أي: على رشاد. وقال ابن عباس: على نور ~~واستقامة. قال ابن قتيبة: المفلحون: الفائزون ببقاء الأبد. وأصل الفلاح: ~~البقاء. ويشهد لهذا قول لبيد: # نحل بلادا كلها حل قبلنا # ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير # يريد: البقاء. وقال الزجاج: المفلح: الفائز بما فيه غاية صلاح حاله. قال ~~ابن الأنباري: ومنه: حي على الفلاح، معناه: هلموا إلى سبيل الفوز ~~ودخول الجنة. ### || [2.6] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا } في نزولها أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في قادة الأحزاب، قاله أبو العالية. # والثاني: أنها نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، قاله الضحاك. # والثالث: أنها نزلت في طائفة من اليهود، ومنهم حيي بن أخطب، قاله ابن ~~السائب. # والرابع: أنها نزلت في مشركي العرب، كأبي جهل وأبي طالب، وأبي لهب ~~وغيرهم ممن لم يسلم. # قال مقاتل: فأما تفسيرها، فالكفر في اللغة: التغطية. تقول: كفرت الشيء ~~إذا غطيته، فسمي الكافر كافرا، لأنه يغطي الحق. # قوله تعالى: ms0012 { سواء عليهم } أي: متعادل عندهم الانذار وتركه، والانذار: ~~إعلام مع تخويف، وتناذر بنو فلان هذا الأمر: إذا خوفه بعضهم بعضا. # قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية وردت بلفظ العموم، والمراد بها ~~الخصوص، لأنها آذنت بأن الكافر حين إنذاره لا يؤمن، وقد آمن كثير من ~~الكفار عند إنذارهم، ولو كانت على ظاهرها في العموم، لكان خبر الله لهم ~~خلاف مخبره، ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص. ### || [2.7] # قوله تعالى: { ختم الله على قلوبهم } الختم: الطبع، والقلب: قطعة من دم ~~جامدة سوداء، وهو مستكن في الفؤاد، وهو بيت النفس، ومسكن العقل، وسمي ~~قلبا لتقلبه. وقيل: لأنه خالص البدن، وإنما خصه بالختم لأنه محل الفهم. # قوله تعالى: { وعلى سمعهم } يريد: على أسماعهم، فذكره بلفظ التوحيد، ~~ومعناه: الجمع، فاكتفى بالواحد عن الجميع، ونظيره قوله تعالى: # ثم يخرجكم طفلا # [الحج: 5]. # وأنشدوا من ذلك: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا # فان زمانكم زمن خميص # أي: في أنصاف بطونكم. ذكر هذا القول أبو عبيدة، والزجاج. وفيه وجه آخر، ~~وهو أن العرب تذهب بالسمع مذهب المصدر، والمصدر يوحد، تقول: يعجبني ~~حديثكم، ويعجبني ضربكم، فأما البصر والقلب فهما اسمان لا يجريان مجرى ~~المصادر في مثل هذا المعنى. ذكره الزجاج، وابن القاسم. وقد قرأ عمرو بن ~~العاص، وابن أبي عبلة: { وعلى أسماعهم } # قوله تعالى: { وعلى أبصارهم غشاوة } الغشاوة: الغطاء. # قال الفراء: أما قريش وعامة العرب، فيكسرون الغين من«غشاوة» وعكل يضمون ~~الغين، وبعض العرب يفتحها، وأظنها لربيعة. وروى المفضل عن عاصم «غشاوة» ~~بالنصب على تقدير: جعل على أبصارهم غشاوة. فأما العذاب، فهو الألم ~~المستمر، وماء عذب: إذا استمر في الحلق سائغا. ### || [2.8] # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله } اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين. # أحدهما أنها في المنافقين، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال ~~أبو العالية، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أنها في منافقي أهل الكتاب. رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ~~ابن سيرين: كانوا يتخوفون من هذه الآية. وقال قتادة: هذه الآية نعت ~~المنافق، يعرف بلسانه، ms0013 وينكر بقلبه، و يصدق بلسانه ويخالف بعمله، ويصبح ~~على حال ويمسي على غيرها، ويتكفأ تكفأ السفينة، كلما هبت ريح هب معها. ### || [2.9] # قوله تعالى: { يخادعون الله } # قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، والجد بن القيس؛ ~~إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، ونشهد أن صاحبكم صادق، فاذا خلوا لم ~~يكونوا كذلك، فنزلت هذه الآية. # فأما التفسير، فالخديعة: الحيلة والمكر، وسميت خديعة، لأنها تكون في ~~خفاء. والمخدع: بيت داخل البيت تختفي فيه المرأة، ورجل خادع: إذا فعل ~~الخديعة، سواء حصل مقصوده أو لم يحصل، فاذا حصل مقصوده، قيل: قد خدع. ~~وانخدع الرجل: استجاب للخادع، سواء تعمد الاستجابة أو لم يقصدها، والعرب ~~تسمي الدهر خداعا، لتلونه بما يخفيه من خير وشر. # وفي معنى خداعهم الله خمسة أقوال. # أحدها انهم كانوا يخادعون المؤمنين، فكأنهم خادعوا الله. روي عن ابن ~~عباس؛ واختاره ابن قتيبة. # والثاني: انهم كانوا يخادعون نبي الله، فأقام الله نبيه مقامه، كما قال: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]. قاله الزجاج. # والثالث أن الخادع عند العرب: الفاسد. وأنشدوا: # أبيض اللون لذيذ طعمه # طيب الريق إذا الريق خدع # أي: فسد. رواه محمد بن القاسم عن ثعلب عن ابن الاعرابي. قال ابن القاسم: ~~فتأويل: يخادعون الله: يفسدون ما يظهرون من الايمان بما يضمرون من الكفر. # والرابع: أنهم كانوا يفعلون في دين الله مالو فعلوه بينهم كان خداعا. # والخامس: أنهم كانوا يخفون كفرهم، ويظهرون الإيمان به. # قوله تعالى: { وما يخدعون إلا أنفسهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو: { وما يخادعون } وقرأ الكوفيون، وابن عامر: { يخدعون } ، والمعنى: ~~أن وبال ذلك الخداع عائد عليهم. # ومتى يعود وبال خداعهم عليهم؟ فيه قولان. # أحدهما: في دار الدنيا، وذلك بطريقين. أحدهما: بالاستدراج والإمهال ~~الذي يزيدهم عذابا. # والثاني: باطلاع النبي والمؤمنين على أحوالهم التي أسروها. # والقول الثاني: ان عود الخداع عليهم في الآخرة، وفي ذلك قولان. # أحدهما: أنه يعود عليهم عند ضرب الحجاب بينهم وبين المؤمنين، وذلك قوله: # قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم ms0014 بسور له باب # [الحديد:13]. # والثاني: أنه يعود عليهم عند اطلاع أهل الجنة عليهم، فاذا رأوهم طمعوا ~~في نيل راحة من قبلهم، فقالوا: # أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله # [الأعراف:50]. فيجيبونهم. # إن الله حرمهما على الكافرين # [الأعراف:51]. # قوله تعالى: { وما يشعرون } أي: وما يعلمون. وفي الذي لم يشعروا به ~~قولان. # أحدهما: أنه إطلاع الله نبيه على كذبهم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه إسرارهم بأنفسهم بكفرهم، قاله ابن زيد. ### || [2.10] # قوله تعالى: { في قلوبهم مرض } المرض هاهنا: الشك، قاله عكرمة، وقتادة. ~~{ فزادهم الله مرضا } هذا الإخبار من الله تعالى أنه فعل بهم ذلك، و ~~«الأليم» بمعنى المؤلم، والجمهور يقرؤون { يكذبون } بالتشديد، وقرأ ~~الكوفيون سوى أبان، عن عاصم بالتخفيف مع فتح الياء. ### || [2.11] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } اختلفوا فيمن نزلت ~~على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو قول الجمهور، منهم ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أن المراد بها قوم لم يكونوا خلقوا حين نزولها، قاله سلمان ~~الفارسي. وكان الكسائي يقرأ بضم القاف من «قيل» والحاء من «حيل» والغين ~~من «غيض»، والجيم من «جيء»، والسين من «سيء» و«سيئت». وكان ابن عامر يضم ~~من ذلك ثلاثة«حيل» و«سبق» و«سيء» و«سئيت». وكان نافع يضم «سيء» و«سيئت»، ~~ويكسر البواقي، والآخرون يكسرون جميع ذلك. # وقال الفراء: أهل الحجاز من قريش ومن جاورهم من بني كنانة يكسرون القاف ~~في «قيل» و«جيء» و«غيض»، وكثير من عقيل ومن جاورهم وعامة أسد، يشمون إلى ~~الضم من «قيل» و«جيء». # وفي المراد بالفساد هاهنا خمسة أقوال. # أحدها: أنه الكفر، قاله ابن عباس. # والثاني: العمل بالمعاصي، قاله أبو العالية، ومقاتل. # والثالث: أنه الكفر والمعاصي، قاله السدي عن أشياخه. # والرابع: أنه ترك امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، قاله مجاهد. # والخامس: أنه النفاق الذي صادفوا به الكفار، وأطلعوهم على أسرار ~~المؤمنين، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله. # قوله تعالى: { إنما نحن مصلحون } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أن معناه إنكار ماعرفوا به، وتقديره: ms0015 ما فعلنا شيئا يوجب ~~الفساد. # والثاني: أن معناه: إنا نقصد الإصلاح بين المسلمين والكافرين، والقولان ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنهم أرادوا مصافاة الكفار صلاح، لا فساد، قاله مجاهد، وقتادة. # والرابع: أنهم أرادوا أن فعلنا هذا هو الصلاح، وتصديق محمد هو الفساد، ~~قاله السدي. # والخامس: أنهم ظنوا أن مصافاة الكفار صلاح في الدنيا لا في الدين، لأنهم ~~اعتقدوا أن الدولة إن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أمنوه بمبايعته ~~وإن كانت للكفار فقد أمنوهم بمصافاتهم، ذكره شيخنا. ### || [2.12] # قوله تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون } قال الزجاج. ألا: كلمة يبتدأ ~~بها: ينبه بها المخاطب، تدل على صحة ما بعدها. و«هم»: تأكيد للكلام. # وفي قوله تعالى: { ولكن لا يشعرون } قولان. # أحدهما: لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم. # والثاني: لا يشعرون أن ما فعلوه فساد، لا صلاح. ### || [2.13] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا } في المقول لهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: المنافقون، قاله مجاهد، وابن زيد. وفي القائلين لهم قولان. # أحدهما: أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، ولم يعين ~~أحدا من الصحابة. # والثاني: أنهم معينون، وهم سعد بن معاذ، وأبو لبابة، وأسيد، ذكره مقاتل. # وفي الإيمان الذي دعوا إليه قولان. # أحدهما: أنه التصديق بالنبي، وهو قول من قال: هم اليهود. والثاني: أنه ~~العمل بمقتضى ما أظهروه، وهو قول من قال: هم المنافقون. # وفي المراد بالناس هاهنا ثلاثة أقوال. أحدها: جميع الصحابة، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه من اليهود، قاله مقاتل. ~~والثالث: معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وجماعة من وجوه ~~الأنصار، عدهم الكلبي. وفيمن عنوا بالسفهاء ثلاثة أقوال. أحدها: جميع ~~الصحابة، قاله ابن عباس. والثاني: النساء والصبيان، قاله الحسن. ~~والثالث: ابن سلام وأصحابه، قاله مقاتل. وفيما عنوه بالغيب من إيمان ~~الذين زعموا أنهم السفهاء ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم أرادوا دين الإسلام، ~~قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: أنهم أرادوا البعث والجزاء، قاله ~~مجاهد. والثالث: ms0016 أنهم عنوا مكاشفة الفريقين بالعداوة. من غير نظر في ~~عاقبة، وهذا الوجه والذي قبله يخرج على أنهم المنافقون، والأول يخرج على ~~أنهم اليهود. قال ابن قتيبة: والسفهاء: الجهلة، يقال: سفه فلان رأيه إذا ~~جهله، ومنه قيل للبذاء: سفه، لأنه جهل. قال الزجاج: وأصل السفه في ~~اللغة: خفة الحلم، ويقال: ثوب سفيه: إذا كان رقيقا باليا، وتسفهت ~~الريح الشجر: إذا مالت به. قال الشاعر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # قوله تعالى: { ولكن لا يعلمون }. # قال مقاتل: لا يعلمون أنهم هم السفهاء. ### || [2.14] # اختلفوا فيمن نزلت على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه. قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في المنافقين وغيرهم من أهل الكتاب الذين كانوا ~~يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان ما يلقون رؤساءهم بضده، ~~قاله الحسن. # فأما التفسير: ف «إلى» بمعنى «مع» كقوله تعالى: { من أنصاري إلى الله ~~} أي: مع الله. والشياطين: جمع شيطان، قال الخليل: كل متمرد عند العرب ~~شيطان. وفي هذا الاسم قولان. أحدهما: أنه من شطن، أي: بعد عن الخير، فعلى ~~هذا تكون النون أصلية. # قال أمية بن أبي الصلت في صفة سليمان عليه السلام: # أيما شاطن عصاه عكاه # ثم يلقى في السجن والأغلال # عكاه: أوثقه. وقال النابغة: # نأت بسعاد عنك نوى شطون # فبانت والفؤاد بها رهين # والثاني: أنه من شاط يشيط: إذا التهب واحترق، فتكون النون زائدة. ~~وأنشدوا: # وقد يشيط على أرماحنا البطل. # أي: يهلك. # وفي المراد، بشياطينهم ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم رؤوسهم في الكفر، قاله ~~ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، والسدي. والثاني: إخوانهم من المشركين، ~~قاله أبو العالية، ومجاهد. والثالث: كهنتهم، قاله الضحاك، والكلبي. # قوله تعالى: { إنا معكم } # فيه قولان. أحدهما: أنهم أرادوا: إنا معكم على دينكم. والثاني: إنا ~~معكم على النصرة والمعاضدة. والهزء: السخرية. ### || [2.15] # قوله تعالى: { الله يستهزىء بهم } # اختلف العلماء في المراد، باستهزاء الله بهم على تسعة أقوال. # أحدها: أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار، فيسرعون إليه فيغلق، ms0017 ثم ~~يفتح لهم باب آخر، فيسرعون فيغلق، فيضحك منهم المؤمنون. روي عن ابن عباس. # والثاني: أنه إذا كان يوم القيامة جمدت النار لهم كما تجمد الإهالة ~~في القدر، فيمشون فتنخسف بهم. روي عن الحسن البصري. # والثالث: أن الاستهزاء بهم: إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب، ~~باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، فيبقون في الظلمة، فيقال لهم: # ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا # [الحديد: 13] قاله مقاتل. # والرابع: أن المراد به: يجازيهم على استهزائهم، فقوبل اللفظ بمثله لفظا ~~وإن خالفه معنى، فهو كقوله تعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40] وقوله: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم # [البقرة:194] وقال عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # أراد: فنعاقبه بأغلط من عقوبته. # والخامس: أن الاستهزاء من الله التخطئة لهم، والتجهيل، فمعناه: الله ~~يخطىء فعلهم، ويجهلهم في الإقامة على كفرهم. # والسادس: أن استهزاءه: استدراجه إياهم. # والسابع: أنه إيقاع استهزائهم بهم، ورد خداعهم ومكرهم عليهم. ذكر هذه ~~الأقوال محمد بن القاسم الأنباري. # والثامن: أن الاستهزاء بهم أن يقال لأحدهم في النار وهو في غاية الذل: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان:49] ذكره شيخنا في كتابه. # والتاسع: أنه لما أظهروا من أحكام إسلامهم في الدنيا خلاف ما أبطن لهم ~~في الآخرة، كان كالاستهزاء بهم. # قوله تعالى: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } # فيه أربعة أقوال. أحدها: يمكن لهم، قاله ابن مسعود. والثاني: يملي ~~لهم، قاله ابن عباس. والثالث: يزيدهم، قاله مجاهد. والرابع: يمهلهم قاله ~~الزجاج. # والطغيان: الزيادة على القدر، والخروج عن حيز الاعتدال في الكثرة، يقال: ~~طغى البحر: إذا هاجت أمواجه، وطغى السيل: إذا جاء بماء كثير. وفي المراد ~~بطغيانهم قولان. أحدهما: أنه كفرهم، قاله الجمهور. والثاني: أنه عتوهم ~~وتكبرهم، قاله ابن قتيبة و «يعمهون» بمعنى: يتحيرون، يقال: رجل عمه ~~وعامه، أي: متحير. # قال الراجز: # ومخفق من لهله ولهله # من مهمه يجتبنه في مهمه # أعمى الهدى بالجاهلين العمه # وقال ابن قتيبة: يعمهون: يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون. ### || [2.16] # قوله تعالى: { أولئك ms0018 الذين اشتروا الضلالة بالهدى }. # في نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: أنها نزلت في جميع الكفار، قاله ابن ~~مسعود، وابن عباس. والثاني: أنها في أهل الكتاب، قاله قتادة والسدي ~~ومقاتل. والثالث: أنها في المنافقين، قاله مجاهد. واشتروا: بمعنى ~~استبدلوا، والعرب تجعل من آثر شيئا على شيء مشتريا له، وبائعا للآخر، ~~والضلالة والضلال بمعنى واحد. # وفيها للمفسرين ثلاثة أقوال. # أحدها: ان المراد هاهنا الكفر، والمراد بالهدى: الإيمان، روي عن الحسن ~~وقتادة والسدي. # والثاني: أنها الشك، والهدى: اليقين. # والثالث: أنها الجهل، والهدى: العلم. # وفي كيفية استبدالهم الضلالة بالهدى ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم آمنوا ثم ~~كفروا، قاله مجاهد. والثاني: أن اليهود آمنوا بالنبي قبل مبعثه، فلما بعث ~~كفروا به، قاله مقاتل. والثالث: أن الكفار لما بلغهم ما جاء به النبي من ~~الهدى فردوه واختاروا الضلال، كانوا كمن أبدل شيئا بشيء، ذكره شيخنا علي ~~بن عبيد الله. # قوله تعالى: { فما ربحت تجارتهم }. # من مجاز الكلام، لأن التجارة لا تربح، وإنما يربح فيها، ومثله قوله ~~تعالى: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ: 33] يريد: بل مكرهم في الليل والنهار. ومثله # فاذا عزم الأمر # [محمد:21] أي: عزم عليه. وأنشدوا: # حارث قد فرجت عني همي # فنام ليلي وتجلى غمي # والليل لا ينام، بل ينام فيه، وإنما يستعمل مثل هذا فيما يزول فيه ~~الإشكال، ويعلم مقصود قائله، فأما إذا أضيف إلى ما يصلح أن يوصف به، ~~وأريد به ما سواه، لم يجز، مثل أن تقول: ربح عبدك، وتريد: ربحت في عبدك. ~~وإلى هذا المعنى ذهب الفراء وابن قتيبة والزجاج. # قوله تعالى: { وما كانوا مهتدين }. # فيه خمسة أقوال. أحدها: وما كانوا في العلم بالله مهتدين. والثاني: وما ~~كانوا مهتدين من الضلالة. والثالث: وما كانوا مهتدين إلى تجارة المؤمنين. ~~والرابع: وما كانوا مهتدين في اشتراء الضلالة. والخامس: أنه قد لا يربح ~~التاجر، ويكون على هدى من تجارته، غير مستحق للذم فيما اعتمده، فنفى ~~الله عز وجل عنهم الأمرين، مبالغة في ذمهم. ### || [2.17] # قوله تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا }. # هذه الآية نزلت في المنافقين. ms0019 والمثل بتحريك الثاء: ما يضرب ويوضع لبيان ~~النظائر في الاحوال. وفي قوله تعالى«استوقد» قولان. # أحدهما: أن السين زائدة، وأنشدوا: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أراد: فلم يجبه، وهذا قول الجمهور، منهم الأخفش وابن قتيبة. # والثاني: أن السين داخلة للطلب، أراد: كمن طلب من غيره نارا. # قوله تعالى: { فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون }. # وفي«أضاءت» قولان: أحدهما: أنه من الفعل المتعدي، قال الشاعر: # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم # دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # وقال آخر: # أضاءت لنا النار وجها أغر # ملتبسا بالفؤاد التباسا # والثاني: أنه من الفعل اللازم. قال أبو عبيد: يقال أضاءت النار، ~~وأضاءها غيرها. وقال الزجاج: يقال: ضاء القمر، وأضاء. # وفي «ما» قولان. أحدهما: أنها زائدة، تقديره: أضاءت حوله. والثاني: أنها ~~بمعنى الذي. وحول الشيء: ما دار من جوانبه. والهاء: عائدة على ~~المستوقد. فان قيل: كيف وحد. فقال: « كمثل الذي استوقد» ثم جمع فقال: « ~~ذهب الله بنورهم»؟ فالجواب: أن ثعلبا حكى عن الفراء أنه قال: إنما ضرب ~~المثل للفعل، لا لأعيان الرجال، وهو مثل للنفاق، وإنما قال: «ذهب الله ~~بنورهم» لأن المعنى ذاهب إلى المنافقين، فجمع لذلك. قال ثعلب: وقال غير ~~الفراء: معنى الذي: الجمع، وحد أولا للفظه، وجمع بعد لمعناه، كما قال ~~الشاعر: # فان الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # فجعل «الذي» جمعا. # فصل # اختلف العلماء في الذي ضرب الله تعالى له هذا المثل من أحوال المنافقين ~~على قولين. أحدهما: أنه ضرب بكلمة الإسلام التي يلفظون بها، ونورها ~~صيانة النفوس وحقن الدماء، فاذا ماتوا سلبهم الله ذلك العز، كما سلب ~~صاحب النار ضوءه. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. والثاني: أنه ضرب ~~لإقبالهم على المؤمنين وسماعهم ما جاء به الرسول، فذهاب نورهم: إقبالهم ~~على الكافرين والضلال، وهذا قول مجاهد. # وفي المراد ب «الظلمات» هاهنا أربعة أقوال. أحدها: العذاب، قاله ابن ~~عباس، والثاني: ظلمة الكفر، قاله مجاهد. والثالث: ظلمة يلقيها الله ms0020 عليهم ~~بعد الموت؛ قاله قتادة. والرابع: أنها نفاقهم، قاله السدي. # فصل # وفي ضرب المثل لهم بالنار ثلاث حكم. # إحداها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، ~~فاذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، فكأنهم لما أقروا بألسنتهم من غير ~~اعتقاد قلوبهم؛ كان نور إيمانهم كالمستعار. # والثانية: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة الحطب، فهو له كغذاء ~~الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة الاعتقاد ليدوم. # والثالثة: أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد ~~معها ضياء، فشبه حالهم بذلك. ### || [2.18] # قوله تعالى: { صم بكم عمي }. # الصمم انسداد منافذ السمع، وهو أشد من الطرش. وفي البكم ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أنه الخرس، قاله مقاتل، وأبو عبيد، وابن فارس. والثاني: أنه عيب ~~في اللسان لا يتمكن معه من النطق، وقيل: إن الخرس يحدث عنه. والثالث: أنه ~~عيب في الفؤاد يمنعه أن يعي شيئا فيفهمه، فيجمع بين الفساد في محل الفهم ~~ومحل النطق، ذكر هذين القولين شيخنا. # قوله تعالى: { فهم لا يرجعون }. # فيه ثلاثة أقوال. أحدها: لا يرجعون عن ضلالتهم، قاله قتادة ومقاتل. ~~والثاني: لا يرجعون إلى الإسلام، قاله السدي. والثالث: لا يرجعون عن ~~الصمم والبكم والعمى، وإنما أضاف الرجوع إليهم، لأنهم انصرفوا باختيارهم، ~~لغلبة أهوائهم عن تصفح الهدى بآلات التصفح، ولم يكن بهم صمم ولا بكم ~~حقيقة، ولكنهم لما التفتوا عن سماع الحق والنطق به؛ كانوا كالصمم البكم. ~~والعرب تسمي المعرض عن الشيء: أعمى، والملتفت عن سماعه: أصم، قال مسكين ~~الدارمي: # ما ضر جارا لي أجاوره # ألا يكون لبابه ستر # أعمى إذا ما جارتي خرجت # حتى يواري جارتي الخدر # وتصم عما بينهم أذني # حتى يكون كأنه وقر ### || [2.19] # قوله تعالى: { أو كصيب من السماء }. أو، حرف مردود على قوله: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة:17] واختلف العلماء فيه على ستة أقوال. # أحدها: أنه داخل هاهنا للتخيير، تقول العرب: جالس الفقهاء أو النحويين، ~~ومعناه: انت مخير في مجالسة أي الفريقين شئت، فكأنه خيرنا ms0021 بين أن نضرب ~~لهم المثل الأول أو الثاني. # والثاني: أنه داخل للابهام فيما قد علم الله تحصيله، فأبهم عليهم مالا ~~يطلبون تفصيله، فكأنه قال: مثلهم كأحد هذين. ومثله قوله تعالى: # فهي كالحجارة أو أشد قسوة # [البقرة: 74] والعرب تبهم ما لا فائدة في تفصيله. قال لبيد: # تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما # وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر # أي: هل أنا إلا من أحد هذين الفريقين، وقد فنيا، فسبيلي أن أفنى كما ~~فنيا. # والثالث: أنه بمعنى: بل. وأنشد الفراء: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # وصورتها أو أنت في العين أملح # والرابع: أنه للتفصيل، ومعناه: بعضهم يشبه بالذي استوقد نارا، وبعضهم ~~بأصحاب الصيب. ومثله قوله تعالى: # كونوا هودا أو نصارى # [البقرة: 135] معناه: قال بعضهم، وهم اليهود: كونوا هودا، وقال النصارى: ~~كونوا نصارى. وكذا قوله: # فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون # [الأعراف: 4] معناه: جاء بعضهم بأسنا بياتا، وجاء بعضهم بأسنا وقت ~~القائلة. # والخامس: أنه بمعنى الواو. ومثله قوله تعالى: # أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم # [النور:61] قال جرير: # نال الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # والسادس: أنه للشك في حق المخاطبين، إذ الشك مرتفع عن الحق عز وجل، ~~ومثله قوله تعالى: # وهو أهون عليه # [الروم:27] يريد: فالإعادة أهون من الابتداء فيما تظنون. # فأما التفسير لمعنى الكلام: أو كأصحاب صيب، فأضمر الأصحاب، لأن في قوله ~~{ يجعلون أصابعهم في آذانهم } ، دليلا عليه. والصيب: المطر. قال ابن ~~قتيبة: هو فيعل من صاب يصوب: إذا نزل من السماء، وقال الزجاج: كل نازل من ~~علو إلى استفال، فقد صاب يصوب، قال الشاعر: # كأنهم صابت عليهم سحابة # صواعقها لطيرهن دبيب # وفي الرعد ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه صوت ملك يزجر السحاب، وقد روي هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن عباس ومجاهد. وفي رواية عن مجاهد: أنه ~~صوت ملك يسبح. وقال عكرمة: هو ملك يسوق السحاب كما يسوق الحادي الابل. # والثاني: أنه ريح تختنق بين السماء والأرض. ms0022 وقد روي عن أبي الجلد أنه ~~قال: الرعد: الريح. واسم أبي الجلد: جيلان بن أبي فروة البصري، وقد روى ~~عنه قتادة. # والثالث: أنه اصطكاك أجرام السحاب، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. # وفي البرق ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه مخاريق يسوق بها الملك السحاب، روي هذا المعنى مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول علي بن أبي طالب. # وفي رواية عن علي قال: هو ضربة بمخراق من حديد. وعن ابن عباس: أنه ضربة ~~بسوط من نور. قال ابن الانباري: المخاريق: ثياب تلف، ويضرب بها الصبيان ~~بعضهم بعضا، فشبه السوط الذي يضرب به السحاب بذلك المخراق. # قال عمرو بن كلثوم: # كأن سيوفنا فينا وفيهم # مخاريق بأيدي لاعبينا # وقال مجاهد: البرق: مصع ملك، والمصع: الضرب والتحريك. # والثاني: أن البرق: الماء، قاله أبو الجلد. وحكى ابن فارس أن البرق: ~~تلألؤ الماء. # والثالث: أنه نار تنقدح من اصطكاك أجرام السحاب لسيره، وضرب بعضه لبعض، ~~حكاه شيخنا. # والصواعق: جمع صاعقة، وهي صوت شديد من صوت الرعد يقع معه قطعة من نار ~~تحرق ما تصيبه. وروي عن شهر بن حوشب: أن الملك الذي يسوق السحاب، إذا ~~اشتد غضبه، طار من فيه النار، فهي الصواعق. وقال غيره: هي نار تنقدح من ~~اصطكاك أجرام السحاب. قال ابن قتيبة: وإنما سميت صاعقة، لأنها إذا أصابت ~~قتلت، يقال: صعقتهم أي: قتلتهم. # قوله تعالى: { والله محيط بالكافرين }. # فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه لا يفوته أحد منهم، فهو جامعهم يوم القيامة. ومثله قوله ~~تعالى: # أحاط بكل شيء علما # [الطلاق:12] قاله مجاهد. # والثاني أن الإحاطة: الإهلاك، مثل قوله تعالى: # وأحيط بثمره # [الكهف: 42] # والثالث: أنه لا يخفى عليه ما يفعلون. ### || [2.20] # قوله تعالى: { يكاد البرق يخطف أبصارهم }. يكاد بمعنى: يقارب، ~~وهي كلمة إذا أثبتت انتفى الفعل، وإذا نفيت ثبت الفعل. وسئل بعض ~~المتأخرين فقيل له: # أنحوي هذا العصر ما هي كلمة # جرت بلساني جرهم وثمود # إذا نفيت والله يشهد أثبتت # وإن أثبتت قامت مقام جحود # ويشهد للاثبات عند النفي قوله تعالى: # لا يكادون ms0023 يفقهون حديثا # [النساء: 78] وقوله # إذا أخرج يده لم يكد يراها # [النور: 40] ومثله # ولا يكاد يبين # [الزخرف: 52] ويشهد للنفي عند الإثبات قوله تعالى # يكاد البرق # [البقرة: 20] و # يكاد سنا برقه # [النور: 43] و # يكاد زيتها يضىء # [النور: 35]. وقال ابن قتيبة: كاد: بمعنى هم ولم يفعل. وقد جاءت بمعنى ~~الإثبات قال ذو الرمة: # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت # لعينيه مي سافرا كاد يبرق # أي: لو تعرضت له لبرق، أي: دهش وتحير. # قلت: وقد قال ذو الرمة في المنفية ما يدل على أنها تستعمل للاثبات، وهو ~~قوله: # اذا غير النأي المحبين لم يكد # رسيس الهوى من حب مية يبرح # أراد: لم يبرح. # قوله تعالى: { يخطف أبصارهم } # قرأ الجمهور بفتح الياء، وسكون الخاء وفتح الطاء. وقرأ أبان بن تغلب، ~~وأبان بن يزيد كلاهما عن عاصم، بفتح الياء وسكون الخاء، وكسر الطاء ~~مخففا. ورواه الجعفي عن أبي بكر عن عاصم، بفتح الياء وكسر الخاء، وتشديد ~~الطاء، وهي قراءة الحسن كذلك، إلا أنه كسر الياء. وعنه: فتح الياء والخاء ~~مع كسر الطاء المشددة. # ومعنى «يخطف» يستلب، وأصل الاختطاف: الاستلاب، ويقال لما يخرج به الدلو: ~~خطاف، لأنه يختطف ما علق به. قال النابغة: # خطاطيف حجن في حبال متينة # تمد بها أيد إليك نوازع # والحجن المتعقفة وجمل خيطف: سريع المر، وتلك السرعة الخطفى. # قوله تعالى: { كلما أضاء لهم } # قال الزجاج: يقال ضاء الشيء يضوء، وأضاء يضيء، وهذه اللغة الثانية هي ~~المختارة. # فصل # واختلف العلماء ما الذي يشبه الرعد مما يتعلق بأحوال المنافقين على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه التخويف الذي في القرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ما يخافون أن يصيبهم من المصائب إذا علم النبي والمؤمنون ~~بنفاقهم، قاله مجاهد والسدي. # والثالث: أنه ما يخافونه من الدعاء إلى الجهاد، وقتال من يبطنون مودته، ~~ذكره شيخنا. # واختلفوا: ما الذي يشبه البرق من أحوالهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~ما يتبين لهم من مواعظ القرآن وحكمه. # والثاني: أنه ما يضيء لهم من نور إسلامهم الذي يظهرونه. والثالث: أنه ~~مثل لما ينالونه باظهار ms0024 الإسلام من حقن دمائهم، فانه بالإضافة إلى ما ~~ذخر لهم في الأجل كالبرق. # واختلفوا في معنى قوله: { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق } على ~~قولين. أحدهما: أنهم كانوا يفرون من سماع القرآن لئلا يأمرهم بالجهاد ~~مخالفة الموت، قاله الحسن والسدي. # والثاني: أنه مثل لإعراضهم عن القرآن كراهية له، قاله مقاتل. # واختلفوا في معنى { كلما أضاء لهم مشوا فيه } على أربعة أقوال. # أحدها: أن معناه: كلما أتاهم القرآن بما يحبون تابعوه، قاله ابن عباس ~~والسدي. # والثاني: أن إضاءة البرق حصول ما يرجونه من سلامة نفوسهم وأموالهم، ~~فيسرعون إلى متابعته، قاله قتادة. # والثالث: أنه تكلمهم بالاسلام، ومشيهم فيه، اهتداؤهم به، فاذا تركوا ذلك ~~وقفوا في ضلالة، قاله مقاتل. # والرابع: أن إضاءته لهم: تركهم بلا ابتلاء ولا امتحان، ومشيهم فيه: ~~إقامتهم على المسالمة باظهار ما يظهرونه. ذكره شيخنا. # فأما قوله تعالى: { وإذا أظلم عليهم } فمن قال: إضاءته: إتيانه ~~إياهم بما يحبون، قال: إظلامه: إتيانه إياهم بما يكرهون. وعلى هذا سائر ~~الأقوال التي ذكرناها بالعكس. # ومعنى { قاموا }: وقفوا. # قوله تعالى: { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } قال مقاتل: ~~معناه: لو شاء لأذهب أسماعهم وأبصارهم عقوبة لهم. قال مجاهد: من أول ~~البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة ~~في نعت المنافقين. ### || [2.21] # اختلف العلماء فيمن عنى بهذا الخطاب على أربعة أقوال. أحدها: أنه عام في ~~جميع الناس، وهو قول ابن عباس. # والثاني: أنه خطاب لليهود دون غيرهم، قاله الحسن ومجاهد. والثالث: أنه ~~خطاب للكفار من مشركي العرب وغيرهم، قاله السدي. والرابع: أنه خطاب ~~للمنافقين واليهود، قاله مقاتل: و«الناس» اسم للحيوان الآدمي. وسموا بذلك ~~لتحركهم في مراداتهم. والنوس: الحركة. وقيل: سموا أناسا لما يعتريهم من ~~النسيان. # وفي المراد بالعبادة هاهنا قولان. أحدهما: التوحيد، والثاني: الطاعة، ~~رويا عن ابن عباس. والخلق: الإيجاد. وإنما ذكر من قبلهم، لأنه أبلغ في ~~التذكير، وأقطع للجحد، وأحوط في الحجة. وقيل إنما ذكر من قبلهم لينبههم ~~على الاعتبار بأحوالهم من إثابة مطيع، ومعاقبة عاص. # وفي«لعل» قولان: # أحدهما: ms0025 أنها بمعنى كي، وأنشدوا في ذلك: # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا # نكف ووثقتم لنا كل موثق # فلما كففنا الحرب كانت عهودكم # كلمع سراب في الملا متألق # يريد: لكي نكف، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل وقطرب وابن كيسان. # والثاني: أنها بمعنى الترجي، ومعناها: اعبدوا الله راجين للتقوى، ولأن ~~تقوا أنفسكم بالعبادة -عذاب ربكم. وهذا قول سيبويه. قال ابن عباس: لعلكم ~~تتقون الشرك، وقال الضحاك: لعلكم تتقون النار. وقال مجاهد: لعلكم تطيعون. ### || [2.22] # قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فراشا }. # إنما سميت الأرض أرضا لسعتها، من قولهم: أرضت القرحة: إذا اتسعت. ~~وقيل: لانحطاطها عن السماء، وكل ما سفل: أرض، وقيل: لأن الناس يرضونها ~~بأقدامهم، وسميت السماء سماء لعلوها. قال الزجاج: وكل ما علا على الأرض ~~فاسمه بناء، وقال ابن عباس: البناء هاهنا بمعنى السقف. # قوله تعالى: { وأنزل من السماء } يعني: من السحاب. # { ماء } يعني: المطر. # { فلا تجعلوا لله أندادا } يعني: شركاء،أمثالا. يقال: هذا ند هذا، ~~ونديده. وفيما أريد بالأنداد هاهنا قولان. أحدهما: الأصنام، قاله ابن ~~زيد، والثاني: رجال كانوا يطيعونهم في معصية الله، قاله السدي. # قوله تعالى: { وأنتم تعلمون }. # فيه ستة أقوال. # أحدهما: وأنتم تعلمون أنه خلق السماء، وأنزل الماء، وفعل ما شرحه في هذه ~~الآيات، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة و مقاتل. # الثاني: وأنتم تعلمون أنه ليس ذلك في كتابكم التوراة والانجيل، روي عن ~~ابن عباس أيضا، وهو يخرج على قول من قال: الخطاب لأهل الكتاب. # والثالث: وأنتم تعلمون أنه لا ند له، قاله مجاهد. # والرابع: أن العلم هاهنا بمعنى العقل، قاله ابن قتبية. # والخامس: وأنتم تعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه. ذكره ~~شيخنا علي بن عبيد الله. # والسادس: وأنتم تعلمون أنها حجارة، سمعته من الشيخ أبي محمد بن الخشاب. ### || [2.23] # قوله تعالى: { وإن كنتم في ريب } # سبب نزولها أن اليهود قالوا: هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي، ~~وإنا لفي شك منه، فنزلت هذه الآية. وهذا مروي عن ابن عباس ومقاتل. و «إن» ms0026 ~~هاهنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب، ~~يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فأطعني. وقيل إنها هاهنا بمعنى إذ، قال ~~أبو زيد: ومنه قوله تعالى: # وذروا ما بقي من الربى إن كنتم مؤمنين # [البقرة: 278]. # قوله تعالى: { فأتوا بسورة من مثله } قال ابن قتيبة: السورة تهمز و لا ~~تهمز، فمن همزها جعلها من أسأرت، يعني أفضلت لأنها قطعة من القرآن، ومن ~~لم يهمزها جعلها من سورة البناء، أي منزلة بعد منزلة. قال النابغة في ~~النعمان: # ألم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # والسورة في هذا البيت: سورة المجد، وهي مستعارة من سورة البناء. وقال ~~ابن الأنباري: قال أبو عبيدة: إنما سميت السورة سورة لأنه يرتفع فيها ~~من منزلة إلى منزلة، مثل سورة البناء. ومعنى: أعطاك سورة، أي: منزلة ~~شرف ارتفعت إليها عن منازل الملوك. قال ابن القاسم: ويجوز أن تكون سميت ~~سورة لشرفها، تقول العرب: له سورة في المجد، أي: شرف وارتفاع، أو لأنها ~~قطعة من القرآن من قولك: أسأرت سؤرا، أي: أبقيت بقية، وفي هاء «مثله» ~~قولان: أحدهما: أنها تعود على القرآن المنزل، قاله قتادة، والفراء و ~~مقاتل. والثاني: أنها تعود على النبي، صلى الله عليه وسلم، فيكون ~~التقدير: فأتوا بسورة من مثل هذا العبد الأمي، ذكره أبو عبيدة والزجاج ~~وابن القاسم. فعلى هذا القول: تكون «من» لابتداء الغاية، وعلى الأول: ~~تكون زائدة. # قوله تعالى: { وادعوا شهداءكم من دون الله } # فيه قولان. أحدهما: أن معناه: استعينوا من المعونة، قاله السدي والفراء. ~~والثاني: استغيثوا من الاستغاثة، وأنشدوا: # فلما التقت فرساننا ورجالهم # دعوا يال كعب واعتزينا لعامر # وهذا قول ابن قتيبة: # وفي شهدائهم ثلاثة أقوال. # أحدهما: أنهم آلهتهم، قاله ابن عباس والسدي ومقاتل والفراء. قال ابن ~~قتيبة: وسموا شهداء، لأنهم يشهدونهم، ويحضرونهم. وقال غيره: لأنهم عبدوهم ~~ليشهدوا لهم عند الله. # والثاني: أنهم أعوانهم، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن معناه قأتوا بناس يشهدون ما تأتون به مثل القرآن، روي عن ~~مجاهد. ms0027 # قوله تعالى: { إن كنتم صادقين } أي: في قولكم: إن هذا القرآن ليس من ~~عند الله، قاله ابن عباس. ### || [2.24] # قوله تعالى: { فان لم تفعلوا } في هذه الآية مضمر مقدر، يقتضي الكلام ~~تقديمه، وهو أنه لما تحداهم بما في الآية الماضية من التحدي، فسكتوا عن ~~الاجابة؛ قال: { فان لم تفعلوا } وفي قوله تعالى: { ولن تفعلوا } أعظم ~~دلالة على صحة نبوة نبينا، لأنه أخبر أنهم لا يفعلون، ولم يفعلوا. # قوله تعالى: { فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ~~أعدت للكافرين } # والوقود: بفتح الواو: الحطب، وبضمها: التوقد، كالوضوء بالفتح: الماء، ~~وبالضم: المصدر، وهو: اسم حركات المتوضىء. وقرأ الحسن وقتادة: وقودها، ~~بضم الواو، والاختيار الفتح. والناس أوقدوا فيها بطريق العذاب، والحجارة، ~~لبيان قوتها وشدتها، إذ هي محرقة للحجارة. وفي هذه الحجارة قولان. ~~أحدهما: أنها أصنامهم التي عبدوها، قاله الربيع بن أنس. والثاني: أنها ~~حجارة الكبريت، وهي أشد الأشياء حرا، إذا أحميت يعذبون بها. ومعنى ~~«أعدت»: هيئت. وإنما خوفهم بالنار إذا لم يأتوا بمثل القرآن، لأنهم ~~إذا كذبوه. وعجزوا عن الإتيان بمثله. ثبتت عليهم الحجة، وصار الخلاف ~~عنادا، وجزاء المعاندين النار. ### || [2.25] # قوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } # البشارة: أول خبر يرد على الإنسان، وسمي بشارة، لأنه يؤثر في بشرته، فان ~~كان خيرا، أثر المسرة والانبساط، وإن شرا، أثر الانجماع والغم، والأغلب ~~في عرف الاستعمال أن تكون البشارة بالخير، وقد تستعمل في الشر، ومنه قوله ~~تعالى: # بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما # [النساء:138] # قوله تعالى: { وعملوا الصالحات } # يشمل كل عمل صالح، وقد روي عن عثمان بن عفان أنه قال: أخلصوا الأعمال. ~~وعن على رضي الله عنه أنه قال: أقاموا الصلوات المفروضات. فأما الجنات، ~~فجمع جنة. وسميت الجنة جنة، لاستتار أرضها بأشجارها، وسمي الجن جنا، ~~لاستتارهم، والجنين من ذلك، والدرع جنة، وجن الليل: إذا ستر، وذكر عن ~~المفضل أن الجنة: كل بستان فيه نخل. وقال الزجاج: كل نبت كثف وكثر وستر ~~بعضه بعضا، فهو جنة. # قوله تعالى: { تجري من تحتها } أي: من تحت شجرها لا من تحت أرضها. ms0028 # قوله تعالى: { هذا الذي رزقنا من قبل } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: هذا الذي طعمنا من قبل، فرزق الغداة كرزق العشي، روي ~~عن ابن عباس والضحاك ومقاتل. # والثاني: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، قاله مجاهد وابن زيد. # والثالث: أن ثمر الجنة إذا جني خلفه مثله، فاذا رأوا ما خلف الجنى، ~~اشتبه عليهم، فقالوا: { هذا الذي رزقنا من قبل } قاله يحيى بن أبي كثير ~~وأبو عبيدة. # قوله تعالى: { وأتوا به متشابها } # فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه متشابه في المنظر واللون، مختلف في الطعم، قاله مجاهد وأبو ~~العالية والضحاك والسدي ومقاتل. # والثاني: أنه متشابه في جودته، لا رديء فيه، قاله الحسن وابن جريج. # والثالث: أنه يشبه ثمار الدنيا في الخلقة والاسم، غير أنه أحسن في ~~المنظر والطعم، قاله قتادة وابن زيد. فان قال قائل: ما وجه الامتنان ~~بمتشابهه، وكلما تنوعت المطاعم واختلفت ألوانها كان أحسن؟! فالجواب: أنا ~~إن قلنا: إنه متشابه المنظر مختلف الطعم، كان أغرب عند الخلق وأحسن، فانك ~~لو رأيت تفاحة فيها طعم سائر الفاكهة، كان نهاية في العجب. وإن قلنا: إنه ~~متشابه في الجودة؛ جاز اختلافه في الألوان والطعوم. وإن قلنا: إنه يشبه ~~صورة ثمار الدنيا مع اختلاف المعاني؛ كان أطرف وأعجب، وكل هذه مطالب ~~مؤثرة. # قوله تعالى: { ولهم فيها أزواج مطهرة } أي: في الخلق، فانهن لا ~~يحضن ولا يبلن، ولا يأتين الخلاء. وفي الخلق، فانهن لا يحسدن، و ~~لايغرن، ولا ينظرن إلى غير أزواجهن. # قال ابن عباس: نقية عن القذى والأذى. قال الزجاج: و«مطهرة» أبلغ من ~~طاهرة، لأنه للتكثير. والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له. ### || [2.26] # قوله تعالى: { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا } # في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنه لما نزل قوله تعالى: # ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له # [الحج:73] ونزل قوله: # كمثل العنكبوت اتخذت بيتا # [العنكبوت:41] قالت اليهود: وما هذا من الأمثال؟! فنزلت هذه الآية، قاله ~~ابن عباس والحسن وقتادة ومقاتل ms0029 والفراء. # والثاني: أنه لما ضرب الله المثلين المتقدمين، وهما قوله تعالى: # كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة: 17] وقوله # أو كصيب من السماء # [البقرة: 19] قال المنافقون: الله أجل وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال، ~~فنزلت هذه الآية، رواه السدي عن أشياخه. وروي عن الحسن ومجاهد نحوه. # والحياء بالمد: الانقباض والاحتشام، غير أن صفات الحق عز وجل لا يطلع ~~لها على ماهية، وإنما تمر كما جاءت. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن ربكم حيي كريم " # وقيل: معنى لا يستحيي: لا يترك. وحكى ابن جرير الطبري عن بعض اللغويين ~~أن معنى لا يستحيي: لا يخشى. ومثله: # وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه # [الأحزاب: 37] أي: تستحيي منه. فالاستحياء والخشية ينوب كل واحد منهما ~~عن الآخر. وقرأ مجاهد وابن محيصن: لا يستحي بياء واحدة، وهي لغة. # قوله تعالى: { أن يضرب مثلا } # قال ابن عباس: أن يذكر شبها، واعلم أن فائدة المثل أن يبين للمضروب له ~~الأمر الذي ضرب لأجله، فينجلي غامضه. # قوله تعالى: { ما بعوضة } # ما زائدة، وهذا اختيار أبي عبيدة والزجاج والبصريين. وأنشدوا للنابغة: # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا أو نصفه فقد # وذكر أبو جعفر الطبري أن المعنى: ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف ~~ذكر:«بين» و«إلى» إذ كان في نصب البعوضة، ودخول الفاء في «ما» الثانية؛ ~~دلالة عليهما، كما قالت العرب: مطرنا مازبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ~~ناقة فجملا، وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما يعنون: ما بين قرنها إلى ~~قدمها. وقال غيره: نصب البعوضة على البدل من المثل. # وروى الأصمعي عن نافع:«بعوضة» بالرفع، على إضمار هو. والبعوضة: صفيرة ~~البق. # قوله تعالى: { فما فوقها } فيه قولان. # أحدهما: أن معناه: فما فوقها في الكبر، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن ~~جريج، والفراء. # والثاني: فما فوقها في الصغر، فيكون معناه: فما دونها، قاله أبو عبيدة. # قال ابن قتيبة: وقد يكون الفوق بمعنى: دون، وهو من الأضداد، ومثله: ~~الجون؛ يقال للأسود والأبيض. والصريم: الصبح، والليل. والسدفة: الظلمة، ~~والضوء، والحلل: الصغير، والكبير. والناهل: ms0030 العطشان، والريان. والمائل: ~~القائم، واللاطىء بالأرض. والصارخ: المغيث، والمستغيث. والهاجد: المصلي ~~بالليل، والنائم. والرهوة: الارتفاع، والانحدار. والتلعة: ما ارتفع من ~~الارض، وما انهبط من الارض. والظن: يقين، وشك. # والاقراء: الحيض، والاطهار. والمفرع في الجبل: المصعد، والمنحدر. ~~والوراء: خلفا وقداما. وأسررت الشيء: أخفيته، وأعلنته. وأخفيت الشىء: ~~أظهرته وكتمته. ورتوت الشيء: شددته، وأرخيته. وشعبت الشيء: جمعته، ~~وفرقته. وبعت الشيء بمعنى: بعته، واشتريته. وشريت الشيء اشتريته. وبعته. ~~والحي خلوف: غيب ومتخلفون. # واختلفوا في قوله: { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } هل هو من تمام قول ~~الذين قالوا: # ماذا أراد الله بهذا مثلا # [البقرة: 26] أو هو مبتدأ من كلام الله عز وجل؟ على قولين. # أحدهما: أنه تمام الكلام الذي قبله، قاله الفراء، وابن قتيبة. قال ~~الفراء: كأنهم قالوا: ماذا اراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا، ~~ويهدي به هذا؟! ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله فقال الله: # وما يضل به إلا الفاسقين # [البقرة:26] # والثاني: أنه مبتدأ من قول الله تعالى، قاله السدي ومقاتل. # فأما الفسق؛ فهو في اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من ~~قشرها. فالفاسق: الخارج عن طاعة الله إلى معصيته. # وفي المراد بالفاسقين هاهنا، ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن ~~عباس ومقاتل. والثاني: المنافقون، قاله أبو العالية والسدي. والثالث: ~~جميع الكفار. ### || [2.27] # قوله تعالى: { الذين ينقضون عهد الله } # هذه صفة للفاسقين، وقد سبقت فيهم الأقوال الثلاثة. والنقض: ضد الإبرام، ~~ومعناه حل الشىء بعد عقده. وينصرف النقض إلى كل شىء بحسبه، فنقض البناء: ~~تفريق جمعه بعد إحكامه. ونقض العهد: الإعراض عن المقام على أحكامه. # وفي هذا العهد ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ما عهد إلى أهل الكتاب من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~والوصية باتباعه، قاله ابن عباس ومقاتل. # والثاني: أنه ما عهد اليهم في القرآن، فأقروا به ثم كفروا، قاله السدي. # والثالث: أنه الذي أخذه عليهم حين استخرج ذرية آدم من ظهره، قاله ~~الزجاج. ونحن وإن لم نذكر ذلك العهد، فقد ثبت بخبر الصادق، فيجب الايمان ~~به. ms0031 # وفي «من» قولان. أحدهما: أنها زائدة، والثاني: أنها لابتداء الغاية، ~~كأنه قال: ابتداء نقض العهد من بعد ميثاقه. وفي هاء «ميثاقه» قولان. ~~أحدهما: أنها ترجع الى إلله تعالى، والثاني: أنها ترجع إلى العهد، ~~فتقديره: بعد إحكام التوفيق فيه. # وفي: الذي أمر الله أن يوصل: ثلاثة أقوال. أحدها: الرحم والقرابة، قاله ~~ابن عباس وقتادة والسدي. والثاني: أنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~قطعوه بالتكذيب، قاله الحسن. والثالث: الإيمان بالله، وأن لا يفرق بين ~~أحد من رسله، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، قاله مقاتل. # وفي فسادهم في الأرض ثلاثة أقوال. أحدها: أنه استدعاؤهم الناس إلى ~~الكفر، قاله ابن عباس. والثاني: أنه العمل بالمعاصي، قاله السدي، و ~~مقاتل. والثالث: أنه قطعهم الطريق على من جاء مهاجرا إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ليمنعوا الناس من الإسلام. # والخسران في اللغة: النقصان. ### || [2.28] # قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله } في كيف قولان. # أحدهما: أنه استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب للمؤمنين، أي: اعجبوا ~~من هؤلاء كيف يكفرون، وقد ثبتت حجة الله عليهم، قاله ابن قتيبة والزجاج. # والثاني: أنه استفهام خارج مخرج التقرير والتوبيخ. تقديره: ويحكم: كيف ~~تكفرون بالله؟! قال العجاج: # أطربا وأنت قنسري # والدهر بالانسان دواري # أراد: أتطرب وأنت شيخ كبير؟! قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: { وكنتم أمواتا }. # قال الفراء: أي: وقد كنتم أمواتا. ومثله # أو جاؤوكم حصرت صدورهم # [النساء:90] أي: قد حصرت. ومثله: # إن كان قميصه قد من دبر فكذبت # [يوسف:26] أي: فقد كذبت، ولولا إضمار «قد» لم يجز مثله في الكلام. # وفي الحياتين، والموتتين أقوال. أصحها: أن الموتة الأولى، كونهم نطفا ~~وعلقا ومضغا، فأحياهم في الأرحام، ثم يميتهم بعد خروجهم إلى الدنيا، ~~ثم يحييهم للبعث يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومقاتل والفراء ~~وثعلب، والزجاج، وابن قتيبة، وابن الأنباري. ### || [2.29] # قوله تعالى: { هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا } أي: لأجلكم، ~~فبعضه للانتفاع، وبعضه للاعتبار. # { ثم استوى إلى السماء } ، أي: عمد إلى خلقها، والسماء: لفظها لفظ ~~الواحد، ومعناها، معنى الجمع، بدليل قوله: { فسواهن ms0032 }. # وأيهما أسبق في الخلق: الأرض، أم السماء؟ فيه قولان. أحدهما: الأرض، ~~قاله مجاهد. والثاني: السماء، قاله مقاتل. # واختلفوا في كيفية تكميل خلق الأرض وما فيها، فقال ابن عباس: بدأ بخلق ~~الأرض في يومين، ثم خلق السماوات في يومين، وقدر فيها أقواتها في يومين. ~~وقال الحسن ومجاهد: جمع خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام متوالية، ثم ~~خلق السماء في يومين. # والعليم: جاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم. ### || [2.30] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك للملائكة }. # كان أبو عبيدة يقول: «إذ» ملغاة، وتقدير الكلام: وقال ربك، وتابعه ابن ~~قتيبة، وعاب ذلك عليهما الزجاج وابن القاسم. وقال الزجاج: إذ: معناها: ~~الوقت، فكأنه قال: ابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة. # والملائكة: من الألوك، وهي الرسالة، قال لبيد: # وغلام أرسلته أمه # بألوك فبذلنا ما سأل # وواحد الملائكة: ملك، والأصل فيه: ملأك. وأنشد سيبويه: # فلست لإنسي ولكن لملأك # تنزل من جو السماء يصوب # قال أبو إسحاق: ومعنى ملأك: صاحب رسالة، يقال: مألكة ومألكة وملأكة، ~~ومآلك: جمع مألكة. قال الشاعر: # أبلغ النعمان عني مألكا # أنه قد طال حبسي وانتظاري # وفي هؤلاء الملائكة قولان. أحدهما: أنهم جميع الملائكة، قاله السدي عن ~~أشياخه. والثاني: أنهم الذين كانوا مع إبليس حين أهبط إلى الأرض، ذكره ~~أبو صالح عن ابن عباس. # ونقل أنه كان في الأرض قبل آدم خلق، فأفسدوا، فبعث الله إبليس في جماعة ~~من الملائكة فأهلكوهم. # واختلفوا ما المقصود في إخبار الله عز وجل الملائكة بخلق آدم على ستة ~~أقوال. # أحدها: أن الله تعالى علم في نفس إبليس كبرا، فأحب أن يطلع الملائكة ~~عليه، وأن يظهر ما سبق عليه في علمه، رواه الضحاك عن ابن عباس، والسدي عن ~~أشياخه. # والثاني: أنه أراد أن يبلو طاعة الملائكة، قاله الحسن. # والثالث: أنه لما خلق النار خافت الملائكة، فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه؟ ~~قال: لمن عصاني، فخافوا وجود المعصية منهم، وهم لا يعلمون بوجود خلق ~~سواهم، فقال لهم: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة:30] قاله ابن زيد. # والرابع: أنه ms0033 أراد إظهار عجزهم عن الإحاطة بعلمه، فأخبرهم حتى قالوا: ~~أتجعل فيها من يفسد فيها؟ فأجابهم: إني أعلم ما لا تعلمون. # والخامس: أنه أراد تعظيم آدم بذكره بالخلافة قبل وجوده، ليكونوا معظمين ~~له إن أوجده. # والسادس: أنه أراد إعلامهم بأنه خلقه ليسكنه الأرض، وإن كان ابتداء خلقه ~~في السماء. # والخليفة: هو القائم مقام غيره، يقال: هذا خلف فلان وخليفته. قال ابن ~~الأنباري: والأصل في الخليفة خليف، بغير هاء، فدخلت الهاء للمبالغة في ~~مدحه بهذا الوصف، كما قالوا: علامة ونسابة وراوية. وفي معنى خلافة آدم ~~قولان. # أحدهما: أنه خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه، ودلائل توحيده، والحكم ~~في خلقه، وهذا قول ابن مسعود ومجاهد. # والثاني: أنه خلف من سلف في الأرض قبله، وهذا قول ابن عباس والحسن. # قوله تعالى: { أتجعل فيها من يفسد فيها } # فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن ظاهر الألف الاستفهام، دخل على معنى العلم ليقع به تحقيق. قال ~~جرير: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # معناه: أنتم خير من ركب المطايا. # والثاني: أنهم قالوه لاستعلام وجه الحكمة، لا على وجه الاعتراض. ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أنهم سألوا عن حال أنفسهم، فتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ونحن نسبح بحمدك أم لا؟ # وهل علمت الملائكة أنهم يفسدون بتوقيف من الله تعالى، أم قاسوا على حال ~~من قبلهم؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه بتوقيف من الله تعالى، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ~~ومجاهد وقتادة، وابن زيد وابن قتيبة. وروى السدي عن أشياخه: أنهم قالوا: ~~ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ~~ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضا، فقالوا: { أتجعل فيها من يفسد فيها }. # والثاني: أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم، روي نحو هذا عن ابن عباس ~~وأبي العالية ومقاتل. # قوله تعالى: { ويسفك الدماء } # قرأ الجمهور بكسر الفاء، وضمها ابن مصرف وإبراهيم بن أبي عبلة، وهما ~~لغتان، وروي عن طلحة وابن مقسم: ويسفك: بضم الياء، وفتح السين، ~~وتشديد الفاء مع كسرها، وهي لتكثير الفعل وتكريره. ms0034 وسفك الدم: صبه ~~وإراقته وسفحه، وذلك مستعمل في كل مضيع، إلا أن السفك يختص الدم، والصب ~~والسفح والإراقة يقال في الدم وفي غيره. # وفي معنى تسبيحهم أربعة أقوال. أحدها: أنه الصلاة، قاله ابن مسعود وابن ~~عباس. والثاني: أنه قول: سبحان الله، قاله قتادة. والثالث: أنه التعظيم ~~والحمد، قاله أبو صالح. والرابع: أنه الخضوع والذل، قاله محمد بن القاسم ~~الأنباري. # قوله تعالى: { ونقدس لك } # القدس: الطهارة، وفي معنى تقديسهم ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: نتطهر ~~لك من أعمالهم، قاله ابن عباس. والثاني: نعظمك ونكبرك، قاله مجاهد. ~~والثالث: نصلي لك، قاله قتادة. # قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } # فيه أربعة أقوال. أحدها: أن معناه: أعلم ما في نفس إبليس من البغى ~~والمعصية، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي عن أشياخه. والثاني: أعلم أنه ~~سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون، قاله قتادة. والثالث: أعلم أني ~~أملأ جهنم من الجنة والناس، قاله ابن زيد. # والرابع: أعلم عواقب الأمور، فانا أبتلي من تظنون أنه مطيع، فيؤديه ~~الابتلاء إلى المعصية كإبليس، ومن تظنون به المعصية فيطيع، قاله الزجاج. # الإشارة إلى خلق آدم عليه السلام # روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " إن الله، عز وجل، خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم ~~على قدر الأرض، منهم الأحمر [والأبيض] والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، ~~وبين ذلك، والخبيث والطيب ". # قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقد أخرج البخاري ومسلم في »الصحيحين« من ~~حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. أنه قال: # " خلق الله تعالى آدم طوله ستون ذراعا " # وأخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: # " خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات ~~الجمعة، ما بين العصر إلى الليل " # قال ابن عباس: لما نفخ فيه الروح، أتته النفخة من قبل رأسه، فجعلت لا ~~تجري منه في شيء إلا صار لحما ودما. ### || [2.31] # قوله تعالى: ms0035 { وعلم آدم الأسماء كلها }. # في تسمية آدم قولان. أحدهما: لأنه خلق من أديم الأرض، قاله ابن عباس ~~وابن جبير والزجاج. والثاني: أنه من الأدمة في اللون، قاله الضحاك والنضر ~~بن شميل وقطرب. # وفي الأسماء التي علمه قولان. أحدهما: أنه علمه كل الأسماء، وهذا قول ~~ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. والثاني: أنه علمه أسماء معدودة ~~لمسميات مخصوصة. ثم فيها أربعة أقوال. أحدها: أنه علمه أسماء الملائكة، ~~قاله أبو العالية. والثاني: أنه علمه أسماء الأجناس دون أنواعها، ~~كقولك: إنسان وملك وجني وطائر، قاله عكرمة. والثالث: أنه علمه أسماء ما ~~خلق من الأرض من الدواب والهوام والطير، قاله الكلبي ومقاتل وابن قتيبة. ~~والرابع: أنه علمه أسماء ذريته، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { ثم عرضهم } # يريد: أعيان الخلق على الملائكة، قال ابن عباس: الملائكة هاهنا: هم ~~الذين كانوا مع إبليس خاصة. # قوله تعالى: { أنبئوني }: أخبروني. # قوله تعالى: { إن كنتم صادقين } # فيه قولان. أحدهما: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقا هو أفضل منكم ~~وأعلم، قاله الحسن. والثاني: أني أجعل فيها من يفسد فيها، قاله السدي عن ~~أشياخه. ### || [2.32] # قوله تعالى: { قالوا سبحانك }. # قال الزجاج: لا اختلاف بين أهل اللغة أن التسبيح هو: التنزيه لله تعالى ~~عن كل سوء. والعليم بمعنى: العالم، جاء على بناء «فعيل» للمبالغة. وفي ~~الحكيم قولان. أحدهما: أنه بمعنى الحاكم، قاله ابن قتيبة. والثاني: ~~المحكم للأشياء، قاله الخطابي. ### || [2.33] # قوله تعالى: { قال يا آدم أنبئهم } أي: أخبرهم، وروي عن ابن عباس: ~~أنبئهم بكسر الهاء، قال أبو علي: قراءة الجمهور على الأصل لأن أصل، هذا ~~الضمير أن تكون الهاء مضمومة فيه، ألا ترى أنك تقول: ضربهم وأبناءهم، ~~وهذا لهم. ومن كسر أتبع كسر الهاء التي قبلها وهي كسرة الباء. والهاء ~~والميم تعود على الملائكة. وفي الهاء والميم من «أسمائهم» قولان. أحدهما: ~~أنها تعود على المخلوقات التي عرضها، قاله الأكثرون. # والثاني: أنها تعود على الملائكة، قاله الربيع بن أنس. # وفي الذي أبدوه قولان. أحدهما: أنه قولهم: { أتجعل فيها من يفسد فيها ms0036 } ~~، ذكره السدي عن أشياخه. والثاني: أنه ما أظهروه من السمع والطاعة لله ~~حيث مروا على جسد آدم، فقال إبليس: إن فضل هذا عليكم ما تصنعون؟ فقالوا: ~~نطيع ربنا، فقال إبليس في نفسه: لئن فضلت عليه لأهلكنه، ولئن فضل علي ~~لأعصينه، قاله مقاتل. # وفي الذي كتموه قولان. أحدهما: أنه اعتقاد الملائكة أن الله تعالى لا ~~يخلق خلقا أكرم منهم، قاله الحسن وأبو العالية وقتادة. والثاني: أنه ما ~~أسره إبليس من الكبر والعصيان، وراه السدي عن أشياخه، وبه قال مجاهد وابن ~~جبير ومقاتل. ### || [2.34] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا } # عامة القراء على كسر التاء من الملائكة، وقرأ أبو جعفر والأعمش بضمها ~~في الوصل، قال الكسائي: هي لغة أزدشنوءة. # وفي هؤلاء الملائكة قولان. أحدهما: أنهم جميع الملائكة، قاله السدي عن ~~أشياخه. والثاني: أنهم طائفة من الملائكة، روي عن ابن عباس، والأول أصح. # والسجود في اللغة: التواضع والخضوع، وأنشدوا: # ساجد المنخر ما يرفعه # خاشع الطرف أصم المستمع # وفي صفة سجودهم لآدم قولان. أحدهما: أنه على صفة سجود الصلاة، وهو ~~الأظهر. # والثاني: أنه الانحناء والميل المساوي للركوع. # قوله تعالى: { إلا إبليس } # في هذا الاستثناء قولان. # أحدهما: أنه استثناء من الجنس، فهو على هذا القول من الملائكة، قاله ابن ~~مسعود في رواية، وابن عباس. وقد روي عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، ثم ~~مسخه الله تعالى شيطانا. والثاني: أنه من غير الجنس، فهو من الجن، قاله ~~الحسن والزهري. قال ابن عباس: كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر ~~السماء الدنيا. فان قيل: كيف استثني وليس من الجنس؟ فالجواب: أنه أمر ~~بالسجود معهم، فاستثني منهم، لأنه لم يسجد، وهذا كما تقول: أمرت عبدي ~~وإخوتي فأطاعوني إلا عبدي، هذا قول الزجاج. # وفي إبليس قولان. أحدهما: اسم أعجمي ليس بمشتق، ولذلك لا يصرف، هذا قول ~~أبي عبيدة، و الزجاج وابن الأنباري. والثاني: أنه مشتق من الإبلاس، وهو: ~~اليأس، روي عن أبي صالح، وذكره ابن قتيبة وقال: إنه لم يصرف، لانه لا ~~سمي له، فاستثقل. قال شيخنا ms0037 أبو منصور اللغوي: والأول أصح، لأنه لو كان ~~من الإبلاس لصرف، ألا ترى أنك لو سميت رجلا: بإخريط وإجفيل؛ لصرف في ~~المعرفة. # قوله تعالى: { أبى } معناه: امتنع، { واستكبر } استفعل من: الكبر، وفي { ~~وكان } قولان. أحدهما: أنها بمعنى: صار، قاله قتادة. والثاني: أنها بمعنى ~~الماضي، فمعناه: كان في علم الله كافرا، قاله مقاتل وابن الأنباري. ### || [2.35] # قوله تعالى: { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } زوجه: حواء، قال ~~الفراء: أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: زوج، ويجمعونها: الأزواج. وتميم ~~وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: زوجة، ويجمعونها: زوجات. # قال الشاعر: # فان الذي يسعى يحرش زوجتي # كماش إلى أسد الشرى يستبيلها # وأنشدني أبو الجراح: # يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم # أن ليس وصل اذا انحلت عرى الذنب # وفي الجنة التي أسكنها آدم قولان. أحدهما: جنة عدن. والثاني: جنة الخلد. # والرغد: الرزق الواسع الكثير، يقال: أرغد فلان، إذا صار في خصب وسعة. # قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } # أي: بالأكل، لا بالدنو منها. # وفي الشجرة ستة أقوال: # أحدها: أنها السنبلة، وهو قول ابن عباس، وعبد الله ابن سلام، وكعب ~~الأحبار، ووهب بن منبه، وقتادة، وعطية العوفي، ومحارب بن دثار، ومقاتل. # والثاني: أنها الكرم، روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وجعدة بن هبيرة. # والثالث: أنها التين، روي عن الحسن، وعطاء بن أبي رباح، وابن جريج. # والرابع: أنها شجرة يقال لها: شجرة العلم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والخامس: أنها شجرة الكافور، نقل عن علي بن أبي طالب. # والسادس: أنها النخلة، روي عن أبي مالك. # وقد ذكروا وجها سابعا عن وهب بن منبه أنه قال: هي شجرة الخلد، وإنما ~~الكلام على جنسها. # قوله تعالى: { فتكونا من الظالمين } # قال ابن الأنباري: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ويقال: ظلم الرجل ~~سقاءه اذا سقاه قبل أن يخرج زبده. وقال الشاعر: # وصاحب صدق لم تربني شكاته # ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر # أراد بالصاحب: وطب اللبن، وظلمه إياه: أن يسقيه قبل أن يخرج زبده. # والعرب ms0038 تقول: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه، ~~ويقال: قد ظلم الماء الوادي: إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما ~~مضى. فان قيل: ما وجه الحكمة في تخصيص تلك الشجرة بالنهي؟ فالجواب: أنه ~~ابتلاء من الله تعالى بما أراد. وقال أبو العالية: كان لها ثقل من بين ~~أشجار الجنة، فلما أكل منها: قيل اخرج إلى الدار التي تصلح لما يكون منك. ### || [2.36] # قوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } # أزلهما بمعنى: استزلهما، وقرأ حمزة: { فأزالهما } أراد: نحاهما. قال أبو ~~علي الفارسي: لما كان معنى { اسكن أنت وزوجك الجنة } اثبتا فيها، فثبتا؛ ~~قابل حمزة الثبات بالزوال الذي يخالفه، ويقوي قراءته: { فأخرجهما }. # والشيطان: إبليس، وأضيف الفعل اليه، لأنه السبب. وفي هاء { عنها } ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها تعود إلى الجنة. # والثاني: ترجع إلى الطاعة. # والثالث: ترجع إلى الشجرة. فمعناه: فأزلهما بزلة صدرت عن الشجرة. # وفي كيفية إزلاله لهما، ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه احتال حتى دخل اليهما الجنة، وكان الذي أدخله الحية، قاله ~~ابن عباس والسدي. # والثاني: أنه وقف على باب الجنة، وناداهما، قاله الحسن. # والثالث: أنه وسوس اليهما، وأوقع في نفوسهما من غير مخاطبة ولا مشاهدة، ~~قاله ابن إسحاق، وفيه بعد. قال الزجاج: الأجود: أن يكون خاطبهما، لقوله: ~~{ وقاسمهما }. # واختلف العلماء في معصية آدم بالأكل، فقال قوم: إنه نهي عن شجرة بعينها، ~~فأكل من جنسها. وقال آخرون: تأول الكراهة في النهي دون التحريم. # قوله تعالى: { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ~~ومتاع إلى حين } الهبوط بضم الهاء: الانحدار من علو، وبفتح الهاء: ~~المكان الذي يهبط فيه، وإلى من انصرف هذا الخطاب؟ فيه ستة أقوال. أحدها: ~~أنه انصرف إلى آدم وحواء والحية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~إلى آدم وحواء وإبليس والحية، حكاه السدي عن ابن عباس. والثالث: إلى آدم ~~وإبليس، قاله مجاهد. والرابع: إلى آدم وحواء وإبليس، قاله مقاتل. ~~والخامس: إلى آدم وحواء وذريتهما، قاله الفراء. والسادس: إلى آدم ms0039 وحواء ~~فحسب، ويكون لفظ الجمع واقعا على التثنية، كقوله # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78] ذكره ابن الأنباري، وهو العلة في قول مجاهد أيضا. # واختلف العلماء هل أهبطوا جملة أو متفرقين؟ على قولين. # أحدهما: أنهم أهبطوا جملة، لكنهم نزلوا في بلاد متفرقة، قاله كعب، ووهب. # والثاني: أنهم أهبطوا متفرقين، فهبط إبليس قبل آدم، وهبط آدم بالهند، ~~وحواء بجدة، وإبليس بالأبلة قاله مقاتل. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~أهبطت الحية بنصيبين، قال: وأمر الله تعالى جبريل بإخراج آدم، فقبض على ~~ناصيته وخلصه من الشجرة التي قبضت عليه، فقال: أيها الملك ارفق بي. قال ~~جبريل: إني لا أرفق بمن عصى الله، فارتعد آدم واضطرب، وذهب كلامه، وجبريل ~~يعاتبه في معصيته، ويعدد نعم الله عليه، قال: وأدخل الجنة ضحوة، وأخرج ~~منها بين الصلاتين، فمكث فيها نصف يوم، خمسمائة عام مما يعد أهل الدنيا. # وفي العداوة المذكورة هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أن ذرية بعضهم أعداء لبعض، قاله مجاهد. والثاني: أن إبليس عدو ~~لآدم وحواء، وهما له عدو، قاله مقاتل. والثالث: أن إبليس عدو للمؤمنين، ~~وهم أعداؤه، قاله الزجاج. # وفي المستقر قولان. أحدهما: أن المراد به القبور، حكاه السدي عن ابن ~~عباس. والثاني: موضع الاسقرار، قاله أبو العالية، وابن زيد، والزجاج، ~~وابن قتيبة، وهو أصح. # والمتاع: المنفعة. والحين: الزمان. قال ابن عباس: { إلى حين } ، أي: ~~إلى فناء الأجل بالموت. ### || [2.37] # تلقى: بمعنى أخذ، وقبل. قال ابن قتيبة: كأن الله تعالى أوحى إليه أن ~~يستغفره [ويستقبله] بكلام من عنده، ففعل [ذلك آدم] فتاب عليه. وقرأ ابن ~~كثير: { فتلقى آدم } بالنصب، { كلمات }: بالرفع؛ على أن الكلمات هي ~~الفاعلة. # وفي الكلمات أقوال. # أحدها: أنها قوله تعالى: # ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف:23]. قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء ~~الخراساني، وعبيد بن عمير، وأبي بن كعب، وابن زيد. # والثاني: أنه قال: أي رب؛ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ في ~~من روحك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك إلي ms0040 قبل غضبك؟ قال: بلى. قال: ~~ألم تسجد لي ملائكتك، وتسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أي رب [أرأيت] إن تبت ~~وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. حكاه السدي عن ابن عباس: # والثالث: أنه قال: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ~~رب إني ظلمت نفسي فارحمني، فأنت خير الراحمين، [اللهم] لا إله إلا أنت، ~~سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم. رواه ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد وقد ذكرت أقوال من كلمات الاعتذار تقارب هذا ~~المعنى. # قوله تعالى: { فتاب عليه }. # أصل التوبة: الرجوع، فالتوبة من آدم: رجوعه عن المعصية، وهي من الله ~~تعالى: رجوعه عليه بالرحمة، والثواب الذي كلما تكررت توبة العبد تكرر ~~قبوله، وإنما لم تذكر حواء في التوبة، لأنه لم يجر لها ذكر، لا أن توبتها ~~لم تقبل، وقال قوم: إذا كان معنى فعل الاثنين واحدا؛ جاز أن يذكر أحدهما ~~ويكون المعنى لهما، كقوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:63] وقوله: # فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى # [طه: 117]. ### || [2.38] # في إعادة ذكر الهبوط وقد تقدم قولان. # أحدهما: أنه أعيد لأن آدم أهبط إهباطين، أحدهما من الجنة إلى السماء، ~~والثاني: من السماء إلى الأرض. وأيهما الاهباط المذكور في هذه الآية؟ فيه ~~قولان. # والثاني: أنه إنما كرر الهبوط توكيدا. # قوله تعالى: { فإما } قال الزجاج: هذه «إن» التي للجزاء، ضمت إليها ~~«ما» والأصل في اللفظ «إن ما» مفصولة، ولكنها مدغمة، وكتبت على الإدغام، ~~فاذا ضمت «ما» إلى «إن» لزم الفعل النون الثقيلة أو الخفيفة. وإنما ~~تلزمه النون لأن «ما» تدخل مؤكدة، ودخلت النون مؤكدة أيضا، كما لزمت ~~اللام النون في القسم في قولك: والله لتفعلن، وجواب الجزاء الفاء. # وفي المراد «بالهدى» هاهنا قولان. أحدهما: أنه الرسول، قاله ابن عباس ~~ومقاتل. والثاني: الكتاب، حكاه بعض المفسرين. # قوله تعالى: { فلا خوف عليهم } # وقرأ يعقوب: فلا خوف: بفتح الفاء من غير تنوين، وقرأ ms0041 ابن محيصن بضم ~~الفاء من غير تنوين. والمعنى: فلا خوف عليهم فيما يستقبلون من العذاب، ~~ولا هم يحزنون عند الموت. والخوف لأمر مستقبل، والحزن لأمر ماض. ### || [2.39] # في معنى الآية: ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها العلامة، فمعنى آية: علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، ~~والذي بعدها، قال الشاعر: # ألا أبلغ لديك بني تميم # بآية ما يحبون الطعاما # وقال النابغة: # توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # وهذا اختيار أبي عبيد. # والثاني: أنها سميت آية، لأنها جماعة حروف من القرآن، وطائفة منه. قال ~~أبو عمرو الشيباني: يقال: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم. وأنشدوا: # خرجنا من النقبين لا حي مثلنا # بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا # والثالث: أنها سميت آية، لأنها عجب، وذلك أن قارئها يستدل إذا قرأها على ~~مباينتها كلام المخلوقين، وهذا كما تقول: فلان آية من الآيات؛ أي: عجب من ~~العجائب. ذكره ابن الأنباري. # وفي المراد بهذه الآيات أربعة أقوال. # أحدها: آيات الكتب التي تتلى. والثاني: معجزات الأنبياء، والثالث: ~~القرآن. والرابع: دلائل الله في مصنوعاته. وأصحاب النار: سكانها، سموا ~~أصحابا، لصحبتهم إياها بالملازمة. ### || [2.40] # اسرائيل: هو يعقوب، وهو اسم أعجمي. قال ابن عباس: ومعناه: عبد الله. وقد ~~لفظت به العرب على أوجه، فقالت: إسرائل، وإسرال، وإسرائيل، وإسرائين. # قال أمية: # إنني زارد الحديد على النا # س دروعا سوابغ الأذيال # لا أرى من يعينني في حياتي # غير نفسي إلا بني إسرال # وقال أعرابي صاد ضبا، فأتى به أهله: # يقول أهل السوق لما جينا: # هذا ورب البيت إسرائينا # أراد: هذا مما مسخ من بني إسرائيل. # والنعمة: المنة، ومثلها؛ النعماء. والنعمة، بفتح النون: التنعم، وأراد ~~بالنعمة: النعم، فوحدها، لأنهم يكتفون بالواحد من الجميع، كقوله تعالى: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم:40] أي: ظهراء. # وفي المراد بهذه النعمة ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ما استودعهم من ~~التوراة التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنها ما أنعم به على آبائهم وأجدادهم إذ أنجاهم من آل فرعون، ~~وأهلك عدوهم، وأعطاهم التوراة، ونحو ذلك، قاله ms0042 الحسن والزجاج. # وإنما من عليهم بما أعطى آباءهم، لأن فخر الآباء فخر للأبناء، وعار ~~الآباء عار على الأبناء. والثالث: أنها جمع نعمة على تصريف الأحوال. # والمراد من ذكرها: شكرها، إذ من لم يشكر فما ذكر. # قوله تعالى: { وأوفوا } # قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أوفيت، وأهل نجد يقولون: وفيت، بغير ~~ألف. # قال الزجاج: يقال: وفى بالعهد، وأوفى به، وأنشد: # أما ابن طوق فقد أوفى بذمته # كما وفى بقلاص النجم حاديها # وقال ابن قتيبة. يقال: وفيت بالعهد، وأوفيت به، وأوفيت الكيل لا غير. # وفي المراد بعهده: أربعة أقوال. أحدها: أنه ما عهده إليهم في التوراة من ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه ~~امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه ~~الإسلام، قاله أبو العالية. والرابع: أنه العهد المذكور في قوله تعالى: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة:13] قاله قتادة. # قوله تعالى: { أوف بعهدكم } قال ابن عباس: أدخلكم الجنة. # قوله تعالى: { وإياي فارهبون }: أي: خافون. ### || [2.41] # قوله تعالى: { وآمنوا بما أنزلت } يعني القرآن { مصدقا لما معكم } يعني ~~التوراة او الإنجيل، فإن القرآن يصدقهما أنهما من عند الله، ويوافقهما في ~~صفة النبي صلى الله عليه وسلم. # { ولا تكونوا أول كافر به } # إنما قال: أول كافر، لأن المتقدم الى الكفر أعظم من الكفر بعد ذلك، إذ ~~المبادر لم يتأمل الحجة، وإنما بادر بالعناد، فحاله أشد. وقيل: ولا ~~تكونوا أول كافر به بعد أن آمن، والخطاب لرؤساء اليهود. # وفي هائه قولان. أحدهما: أنها تعود إلى المنزل، قاله ابن مسعود وابن ~~عباس. # والثاني: أنها تعود على ما معهم، لأنهم إذا كتموا وصف النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو معهم، فقد كفروا به، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون } # أي: لا تستبدلوا [بآياتي] ثمنا قليلا. وفيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه ~~ما كانوا يأخذون من عرض الدنيا. والثاني: بقاء رئاستهم عليهم. والثالث: ~~أخذ الأجرة على تعليم الدين. ms0043 ### || [2.42] # تلبسوا: بمعنى تخلطوا. يقال: لبست الأمر عليهم، ألبسه: إذا عميته عليهم، ~~وتخليطهم: أنهم قالوا: إن الله عهد إلينا أن نؤمن بالنبي الأمي، ولم يذكر ~~أنه من العرب. # وفي المراد بالحق قولان. أحدهما: أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبو العالية، والسدي ومقاتل. والثاني: ~~أنه الإسلام، قاله الحسن. ### || [2.43] # قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } # يريد: الصلوات الخمس، وهي هاهنا اسم جنس، والزكاة: مأخوذة من الزكاء، ~~وهو النماء، والزيادة. يقال: زكا الزرع يزكو زكاء. وقال ابن الأنباري: ~~معنى الزكاة في كلام العرب: الزيادة والنماء، فسميت زكاة، لأنها تزيد في ~~المال الذي تخرج منه، وتوفره، وتقيه من الآفات. ويقال: هذا أزكى من ذاك، ~~أي: أزيد فضلا منه. # قوله تعالى: { واركعوا مع الراكعين } # أي: صلوا مع المصلين. قال ابن عباس: يريد محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~والصحابة رضي الله عنهم. وقيل: إنما ذكر الركوع، لأنه ليس في صلاتهم ~~ركوع، والخطاب لليهود. وفي هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون ~~بالفروع، وهي إحدى الروايتين عن أحمد رضي الله عنه. ### || [2.44] # قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كان الرجل يقول لقرابته من المسلمين في ~~السر: اثبت على ما أنت عليه فإنه حق. والألف في «أتأمرون» ألف الاستفهام، ~~ومعناه التوبيخ. # وفي «البر» هاهنا ثلاثة أقوال. أحدها: أنه التمسك بكتابهم، كانوا يأمرون ~~باتباعه ولا يقومون به. والثاني: اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، روي ~~القولان عن ابن عباس. والثالث: الصدقة، كانوا يأمرون بها، ويبخلون. ذكره ~~الزجاج. # قوله تعالى: { وتنسون } أي تتركون. وفي «الكتاب» قولان. أحدهما: أنه ~~التوراة، قاله الجمهور. والثاني: أنه القرآن، فلا يكون الخطاب على هذا ~~القول لليهود. ### || [2.45] # الأصل في الصبر: الحبس، فالصابر حابس لنفسه عن الجزع. وسمي الصائم ~~صابرا لحبسه نفسه عن الأكل والشرب والجماع، والمصبورة: البهيمة تتخذ ~~غرضا. وقال مجاهد: الصبر هاهنا: الصوم. # وفيما أمروا بالصبر عليه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه أداء الفرائض، قاله ~~ابن عباس ومقاتل. والثاني: أنه ترك المعاصي، قاله قتادة. والثالث: عدم ~~الرئاسة، ms0044 وهو خطاب لأهل الكتابين، ووجه الاستعانة بالصلاة أنه يتلى فيها ~~ما يرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا. # قوله تعالى: { وإنها } في المكنى عنها ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الصلاة، ~~قاله ابن عباس والحسن، ومجاهد والجمهور. والثاني: أنها الكعبة والقبلة، ~~لأنه لما ذكر الصلاة، دلت على القبلة، ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال ~~مقاتل. والثالث: أنها الاستعانة، لأنه لما قال: { واستعينوا } دل على ~~الاستعانة، ذكره محمد بن القاسم النحوي. # قوله تعالى: { لكبيرة } قال الحسن والضحاك: الكبيرة: الثقيلة، مثل قوله ~~تعالى # كبر على المشركين ما تدعوهم اليه # [الشورى:13] أي: ثقل، والخشوع في اللغة: التطامن والتواضع، وقيل: ~~السكون. ### || [2.46] # الظن هاهنا: بمعنى اليقين، وله وجوه قد ذكرناها في كتاب «الوجوه ~~والنظائر» ### || [2.47] # يعني: على عالمي زمانهم، قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن زيد. ~~قال ابن قتيبة: وهو من العام الذي أريد به الخاص. ### || [2.48] # قال الزجاج: كانت اليهود تزعم أن آباءها الأنبياء تشفع لهم يوم ~~القيامة، فآيسهم الله بهذه الآية من ذلك. # قوله تعالى: { واتقوا يوما } [فيه] إضمار، تقديره: اتقوا عذاب يوم، أو: ~~ما في يوم. والمراد باليوم يوم القيامة و «تجزي» بمعنى تقضي. قال ابن ~~قتيبة: يقال: جزى الأمر عني يجزي، بغير همز، أي: قضى عني، وأجزأني ~~بجزئني، مهموز، أي: كفاني. # قوله تعالى: { نفس عن نفس }. قالوا: المراد بالنفس هاهنا: النفس ~~الكافرة، فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص. # قوله تعالى: { ولا تقبل منها شفاعة } # قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، إلا أن قتادة فتح ~~الياء، ونصب الشفاعة، ليكون الفعل لله تعالى. قال أبو علي: من قرأ ~~بالتاء، فلأن الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث، فيلزم أن يلحق ~~المسند أيضا علامة التأنيث، ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث في الاسم ~~الذي أسند إليه الفعل ليس بحقيقي، فحمل على المعنى، كما أن الوعظ ~~والموعظة بمعنى واحد. وفي الآية إضمار، تقديره: لا يقبل منها فيه شفاعة. ~~والشفاعة مأخوذة من الشفع الذي يخالف الوتر، وذلك أن سؤال الشفيع يشفع ms0045 ~~سؤال المشفوع له. # فأما «العدل» فهو الفداء، وسمي عدلا، لأنه يعادل المفدى. واختلف ~~اللغويون: هل «العدل» و «العدل» بفتح العين وكسرها، يختلفان، أم لا؟ ~~فقال الفراء: العدل بفتح العين: ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل ~~بكسرها: ما عادل الشيء من جنسه، فهو المثل، تقول: عندي عدل غلامك، بفتح ~~العين: إذا أردت قيمته من غير جنسه، وعندي عدل غلامك، بكسر العين: إذا ~~كان غلام يعدل غلاما. وحكى الزجاج عن البصريين أن العدل والعدل في ~~معنى المثل، وأن المعنى واحد، سواء كان المثل من الجنس أو من غير الجنس. # قوله تعالى: { ولا هم ينصرون } أي: يمنعون من عذاب الله. ### || [2.49] # تقديره: واذكروا إذ نجيناكم، وهذه النعم على آبائهم كانت. وفي آل فرعون ~~ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم أهل مصر، قاله مقاتل. والثاني: أهل بيته خاصة، ~~قاله أبو عبيدة. والثالث: أتباعه على دينه، قاله الزجاج. وهل الآل والأهل ~~بمعنى، أو يختلفان؟ فيه قولان: وقد شرحت معنى الآل في كتاب «النظائر» ~~وفرعون: اسم أعجمي، وقيل: هو لقبه. وفي اسمه أربعة أقوال. # أحدها: الوليد بن مصعب، قاله الأكثرون. والثاني: فيطوس، قاله مقاتل. ~~والثالث: مصعب بن الريان، حكاه ابن جرير الطبري. والرابع: مغيث، ذكره بعض ~~المفسرين. # قوله تعالى: { يسومونكم } أي: يولونكم. يقال: فلان يسومك خسفا، أي: ~~يوليك ذلا واستخفافا. وسوء العذاب: شديده. وكان الزجاج يرى أن قوله: { ~~يذبحون أبناءكم } تفسير لقوله { يسومونكم سوء العذاب } ، وأبى هذا بعض ~~أهل العلم فقال: قد فرق الله بينهما في موضع آخر، فقال: # يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم # [إبراهيم:6] وإنما سوء العذاب: استخدامهم في أصعب الأعمال، وقال: ~~الفراء: الموضع الذي طرحت فيه الواو، تفسير لصفات العذاب، والموضع الذي ~~فيه الواو، يبين أنه قد مسهم من العذاب غير الذبح، فكأنه قال: يعذبونكم ~~بغير الذبح وبالذبح. # قوله تعالى: { ويستحيون نساءكم } أي: يستبقون نساءكم، أي: بناتكم. وإنما ~~استبقوا نساءهم للاستذلال والخدمة. # وفي البلاء هاهنا قولان. أحدهما: أنه بمعنى النعمة، قاله ابن عباس ~~ومجاهد وأبو مالك، وابن قتيبة والزجاج. والثاني: أنه النقمة، رواه السدي ~~عن ms0046 أشياخه. فعلى هذا القول يكون «ذا» في قوله تعالى: { ذلكم } عائدا على ~~سومهم سوء العذاب، وذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، وعلى القول الأول يعود ~~على النجاة من آل فرعون. قال أبو العالية: وكان السبب في ذبح الأبناء، أن ~~الكهنة قالت لفرعون: سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه، فقتل ~~الأبناء. قال الزجاج: فالعجب من حمق فرعون، إن كان الكاهن عنده صادقا، ~~فما ينفع القتل؟! وإن كان كاذبا؛ فما معنى القتل؟! ### || [2.50] # الفرق: الفصل بين الشيئين و «بكم» بمعنى «لكم». وإنما ذكر آل فرعون ~~دونه، لأنه قد علم كونه فيهم. وفي قوله تعالى: { وأنتم تنظرون }: قولان. ~~أحدهما: أنه من نظر العين، معناه: وأنتم ترونهم يغرقون. والثاني: أنه ~~بمعنى: العلم، كقوله تعالى: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # [الفرقان:45]. قاله الفراء. # الاشارة إلى قصتهم # روى السدي عن أشياخه: أن الله تعالى أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل، ~~وألقى على القبط الموت، فمات بكر كل رجل منهم، فأصبحوا يدفنونه، فشغلوا ~~عن طلبهم حتى طلعت الشمس، قال عمرو بن ميمون: فلما خرج موسى بلغ ذلك ~~فرعون، فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك، فما صاح ديك ليلتئذ. قال أبو ~~السليل: لما انتهى موسى إلى البحر قال: هيه أبا خالد، فأخذه أفكل، يعني: ~~رعدة، قال مقاتل: تفرق الماء يمينا وشمالا كالجبلين المتقابلين، وفيهما ~~كوى ينظر كل سبط إلى الآخر. قال السدي: فلما رآه فرعون متفرقا قال: ألا ~~ترون البحر فرق مني، فانفتح لي؟! فأتت خيل فرعون فأبت أن تقتحم، فنزل ~~جبريل على ماذيانة، فتشامت الحصن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها، حتى ~~إذا هم أولهم أن يخرج، ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم ~~عليهم. ### || [2.51] # قوله تعالى: { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة }. # قرأ أبو جعفر وأبو عمرو: «وعدنا» بغير ألف هاهنا، وفي (الأعراف) و (طه) ~~ووافقهما أبان عن عاصم في (البقرة) خاصة. وقرأ الباقون «واعدنا» بألف. ~~ووجه القراءة الأولى: إفراد الوعد من الله تعالى، ووجه الثانية: أنه لما ~~قبل موسى وعد الله عز وجل، صار ms0047 ذلك مواعدة بين الله تعالى وبين موسى. ~~ومثله: # لا تواعدوهن سرا # [البقرة:235]. # ومعنى الآية: وعدنا موسى تتمة أربعين ليلة، أو انقضاء أربعين ليلة. ~~وموسى: اسم أعجمي، أصله بالعبرانية: موشا، فمو: هو الماء، وشا: هو الشجر، ~~لأنه وجد عند الماء والشجر، فعرب بالسين. ولماذا كان هذا الوعد؟ فيه ~~قولان. أحدهما: لأخذ التوراة. والثاني: للتكليم. وفي هذه المدة قولان. ~~أحدهما: أنها ذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذا قول من قال: كان الوعد ~~لإعطاء التوراة. والثاني: أنها ذو الحجة وعشر من المحرم، وهو قول من قال: ~~كان الوعد للتكليم، وإنما ذكرت الليالي دون الأيام، لأن عادة العرب ~~التأريخ بالليالي، لأن أول الشهر ليله، واعتماد العرب على الأهلة، فصارت ~~الأيام تبعا لليالي. وقال أبو بكر النقاش: إنما ذكر الليالي، لأنه أمره ~~أن يصوم هذا الأيام ويواصلها بالليالي، فلذلك ذكر الليالي وليس بشيء. ### || [2.52] # قوله تعالى: { ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا عنكم من ~~بعد ذلك لعلكم تشكرون } من بعده، أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل. # الإشارة إلى اتخاذهم العجل # روى السدي عن أشياخه أنه لما انطلق موسى، واستخلف هارون، قال هارون: يا ~~بني إسرائيل! إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حلي القبط غنيمة فاجمعوه ~~واحفروا له حفيرة، فادفنوه، فان أحله موسى فخذوه، وإلا كان شيئا لم ~~تأكلوه، ففعلوا. قال السدي: وكان جبريل قد أتى إلى موسى ليذهب به إلى ~~ربه، فرآه السامري، فأنكره وقال: إن لهذا شأنا، فأخذ قبضة من أثر حافر ~~الفرس، فقذفها في الحفيرة، فظهر العجل. وقيل: إن السامري أمرهم بالقاء ~~ذلك الحلي، وقال: إنما طالت غيبة موسى عنكم لأجل ما معكم من الحلي، ~~فاحفروا لها حفيرة وقربوه إلى الله، يبعث لكم نبيكم، فإنه كان عارية، ~~ذكره أبو سليمان الدمشقي. # وفي سبب اتخاذ السامري عجلا قولان. أحدهما: أن السامري كان من قوم ~~يعبدون البقر، فكان ذلك في قلبه، قاله ابن عباس، والثاني: أن بني إسرائيل ~~لما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، أعجبهم ذلك، فلما سألوا موسى ms0048 أن ~~يجعل لهم إلها وأنكر عليهم؛ أخرج السامري لهم في غيبته عجلا لما رأى ~~من استحسانهم ذلك، قاله ابن زيد. # وفي كيفية اتخاذ العجل قولان. أحدهما: أن السامري كان صواغا، فصاغه ~~وألقى فيه القبضة، قاله علي وابن عباس. والثاني: أنهم حفروا حفيرة، ~~وألقوا فيها حلي قوم فرعون وعواريهم تنزها عنها، فألقى السامري القبضة ~~من التراب، فصار عجلا. روي عن ابن عباس أيضا. قال ابن عباس: صار لحما ~~ودما وجسدا، فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى قد جاء، وأخطأ موسى ~~الطريق، فعبدوه وزفنوا حوله. ### || [2.53] # الكتاب: التوراة. وفي الفرقان خمسة أقوال: أحدها: أنه النصر، قاله ابن ~~عباس وابن زيد. والثاني: أنه ما في التوراة من الفرق بين الحق والباطل، ~~فيكون الفرقان نعتا للتوراة، قاله أبو العالية. # والثالث: أنه الكتاب، فكرره بغير اللفظ. قال عدي بن زيد: # فألفى قولها كذبا ومينا # وقال عنترة: # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # هذا قول مجاهد، واختيار الفراء و الزجاج. # والرابع: أنه فرق البحر لهم، ذكره الفراء والزجاج وابن القاسم. # والخامس: أنه القرآن ومعنى الكلام: لقد آتينا موسى الكتاب، ومحمدا ~~الفرقان، ذكره الفراء، وهو قول قطرب. ### || [2.54] # القوم: اسم للرجال دون النساء، قال الله تعالى: # لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من ~~نساء # [الحجرات:11] وقال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء؟! # وإنما سموا قوما، لأنهم يقومون بالأمور. # قوله تعالى: { فتوبوا إلى بارئكم } قال أبو علي: كان ابن كثير ونافع ~~وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يكسرون الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف. ~~وروى اليزيدي وعبد الوارث عن أبي عمرو: { بارئكم } بجزم الهمزة. روى عنه ~~العباس بن الفضل: «بارئكم» مهموزة غير مثقلة. وقال سيبويه: كان أبو عمر ~~يختلس الحركة في: «بارئكم» و: «يأمركم» وما أشبه ذلك مما تتوالى فيه ~~الحركات، فيرى من سمعه أنه قد أسكن ولم يسكن. # والبارىء: الخالق ومعنى { فاقتلوا أنفسكم }: ليقتل بعضكم بعضا، قاله ~~ابن عباس و مجاهد. # واختلفوا فيمن خوطب بهذا على ثلاثة ms0049 أقوال. أحدها: أنه خطاب للكل، قاله ~~السدي عن أشياخه. والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد، قاله ~~مقاتل. والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضا، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الإشارة بقوله: «ذا» في: «ذلكم» قولان. ~~أحدهما: أنه يعود إلى القتل. والثاني: أنه يعود إلى التوبة. # الإشارة إلى قصتهم في ذلك # قال ابن عباس: قالوا لموسى: كيف يقتل الآباء الأبناء، والإخوة الإخوة؟ ~~فأنزل الله عليهم ظلمة لا يرى بعضهم بعضا، فقالوا: فما آية توبتنا؟ قال: ~~أن يقوم السلاح فلا يقتل، وترفع الظلمة. فقتلوا حتى خاضوا في الدماء، ~~وصاح الصبيان: يا موسى: العفو العفو. فبكى موسى، فنزلت التوبة، وقام ~~السلاح، وارتفعت الظلمة. قال مجاهد: بلغ القتلى سبعين ألفا. قال قتادة: ~~جعل القتل للقتيل شهادة، وللحي توبة. ### || [2.55-56] # في القائلين لموسى ذلك قولان. أحدهما: أنهم السبعون المختارون، قاله ابن ~~مسعود وابن عباس. والثاني: جميع بني إسرائيل إلا من عصم الله منهم، قاله ~~ابن زيد، قال: وذلك أنه أتاهم بكتاب الله، فقالوا: والله لا نأخذ بقولك ~~حتى نرى الله جهرة؛ فيقول: هذا كتابي. وفي «جهرة» قولان. أحدهما: أنه صفة ~~لقولهم، أي: جهروا بذلك القول، قاله ابن عباس، وأبو عبيدة. والثاني: أنها ~~الرؤية البينة، أي: أرناه غير مستتر عنا بشيء، يقال: فلان يتجاهر ~~بالمعاصي، أي: لا يستتر من الناس، قاله الزجاج. ومعنى «الصاعقة»: ما ~~يصعقون منه، أي: يموتون. ومن الدليل على أنهم ماتوا، قوله تعالى: { ثم ~~بعثناكم } هذا قول الأكثرين. وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا بقوله ~~تعالى: { وخر موسى صعقا } وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين ~~الموضعين، فقال هناك: { فلما أفاق } وقال هاهنا: { ثم بعثناكم } والإفاقة ~~للمغشي عليه، والبعث للميت. # قوله تعالى: { وأنتم تنظرون } فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه ينظر ~~بعضكم إلى بعض كيف يقع ميتا. والثاني: ينظر بعضكم إلى إحياء بعض. ~~والثالث: تنظرون العذاب كيف ينزل بكم، وهو قول من قال: نزلت نار ~~فأحرقتهم. ### || [2.57] # قوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ms0050 كلوا ~~من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }. # { الغمام } السحاب، سمي غماما، لأنه يغم السماء، أي: يسترها، وكل شيء ~~غطيته فقد غممته، وهذا كان في التيه. وفي المن ثمانية أقوال. أحدها: أنه ~~الذي يقع على الشجر فيأكله الناس، قاله ابن عباس والشعبي والضحاك. ~~والثاني: أنه الترنجبين، روي عن ابن عباس أيضا، وهو قول مقاتل. والثالث: ~~أنه صمغه، قاله مجاهد. والرابع: أنه يشبه الرب الغليظ، قاله عكرمة. ~~والخامس: أنه شراب، قاله أبو العالية، والربيع بن أنس. والسادس: أنه خبز ~~الرقاق مثل الذرة، أو مثل النقي، قاله وهب. والسابع: أنه عسل، قاله ابن ~~زيد. والثامن: أنه الزنجبيل، قاله السدي. # وفي السلوى قولان. أحدهما: أنه طائر، قال بعضهم: يشبه السماني، وقال ~~بعضهم: هو السماني. والثاني: أنه العسل ذكره ابن الانباري، وأنشد: # وقاسمها بالله جهدا لأنتم # ألذ من السلوى إذا ما نشورها # قوله تعالى: { وما ظلمونا } قال ابن عباس: ما نقصونا وضرونا، بل ضروا ~~أنفسهم. ### || [2.58] # في القائل لهم قولان. # أحدهما: أنه موسى بعد مضي أربعين سنة. # والثاني: أنه يوشع بن نون بعد موت موسى. والقرية: مأخوذة من الجمع، ~~ومنه: قريت الماء في الحوض. والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء. وفي المراد ~~ب: هذه القرية قولان. أحدهما: أنها بيت المقدس، قاله ابن مسعود وابن ~~عباس وقتادة والسدي. وروي عن ابن عباس أنها أريحا. قال السدي: وأريحا: هي ~~أرض بيت المقدس. والثاني: أنها قرية من أداني قرى الشام، قاله وهب. # قوله تعالى: { وادخلوا الباب سجدا } قال ابن عباس: وهو أحد أبواب بيت ~~المقدس، وهو يدعى: باب حطة. وقوله: { سجدا } أي: ركعا. قال وهب: أمروا ~~بالسجود شكرا لله تعالى إذ ردهم إليها. # قوله تعالى: { وقولوا حطة } وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة { حطة } ~~بالنصب. # وفي معنى حطة ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: استغفروا، قاله ابن عباس ووهب. قال ابن قتيبة: وهي ~~كلمة [أمروا أن يقولوها] في معنى الاستغفار، من: حططت، أي: حط عنا ~~ذنوبنا. # والثاني: أن معناها: قولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم، ms0051 ذكره الضحاك عن ~~ابن عباس. والثالث: أن معناها: لا إله إلا الله، قاله عكرمة. قال ابن ~~جرير الطبري: فيكون المعنى: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم. وهو قول: [«لا ~~إله إلا الله»]. # ولماذا أمروا بدخول القرية؟ فيه قولان. أحدهما: أن ذلك لذنوب ركبوها ~~فقيل: { ادخلوا القرية } ، { وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم } ~~قاله وهب. والثاني: أنهم ملوا المن والسلوى، فقيل: { اهبطوا مصرا } فكان ~~أول ما لقيهم أريحا، فأمروا بدخولها. # قوله تعالى: { نغفر لكم خطاياكم } # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: { نغفر لكم } بالنون ~~مع كسر الفاء. وقرأ نافع وأبان عن عاصم { يغفر } بياء مضمومة وفتح الفاء. ~~وقرأ ابن عامر بتاء مضمومة مع فتح الفاء. ### || [2.59] # اعلم أن الله، عز وجل، أمرهم في دخولهم بفعل وقول، فالفعل السجود، ~~والقول: حطة، فغير القوم الفعل والقول. # فأما تغيير الفعل؛ ففيه خمسة أقوال. # أحدها: أنهم دخلوا متزحفين على أوراكهم. رواه أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. والثاني: أنهم دخلوا من قبل أستاههم، قاله ابن عباس ~~وعكرمة. والثالث: أنهم دخلوا مقنعي رؤوسهم، قاله ابن مسعود. والرابع: ~~أنهم دخلوا على حروف عيونهم، قاله مجاهد. والخامس: أنهم دخلوا مستقلين، ~~قاله مقاتل. وأما تغيير القول؛ ففيه خمسة أقوال. # أحدها: أنهم قالوا مكان «حطة» حبة في شعرة، رواه أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. والثاني: أنهم قالوا: حنطة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ~~ومجاهد، ووهب، وابن زيد. والثالث: أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعرة، ~~قاله ابن مسعود. والرابع: أنهم قالوا: حبة حنطة مثقوبة فيها شعيرة سوداء، ~~قاله السدي عن أشياخه. # والخامس: أنهم قالوا سنبلاثا، قاله أبو صالح. # فاما الرجز؛ فهو العذاب، قاله الكسائي وأبو عبيدة والزجاج. وأنشدوا ~~لرؤبة: # حتى وقمنا كيده بالرجز # وفي ماهية هذا العذاب ثلاثة أقوال. أحدها: أنه ظلمة وموت، مات منهم في ~~ساعة واحدة، أربعة وعشرون ألفا، وهلك سبعون ألفا عقوبة، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه أصابهم الطاعون، عذبوا به أربعين ليلة ثم ماتوا، قاله وهب ~~بن منبه. # والثالث: أنه الثلج، هلك ms0052 به منهم سبعون ألفا، قاله سعيد بن جبير. ### || [2.60] # استسقى بمعنى: استدعى ذلك، كقولك: استنصر. # وفي الحجر قولان. # أحدهما: أنه حجر معروف عين لموسى، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة، ~~وعطية، وابن زيد، ومقاتل. واختلفوا في صفته على ثلاثة أقوال. أحدها: أنه ~~كان حجرا مربعا، قاله ابن عباس. والثاني: كان مثل رأس الثور، قاله ~~عطية. والثالث: مثل رأس الشاة، قاله ابن زيد. وقال سعيد بن جبير: هو الذي ~~ذهب بثياب موسى. فجاءه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول لك: ارفع هذا ~~الحجر، فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فكان اذا احتاج إلى الماء ضربه. # والقول الثاني: أنه أمر بضرب أي حجر كان، والأول أثبت. # قوله تعالى: { فانفجرت منه } # تقدير معناه: فضرب فانفجرت، فلما عرف بقوله: «فانفجرت» أنه قد ضرب، ~~اكتفى بذلك عن ذكر الضرب. ومثله: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63] قاله الفراء. ولما كان القوم اثني عشر سبطا، أخرج الله ~~لهم اثني عشرة عينا، ولأنه كان فيهم تشاحن فسلموا بذلك منه. # قوله تعالى: { ولا تعثوا }. # العثو: أشد الفساد، يقال عثي، وعثا، وعاث، قال ابن الرقاع: # لولا الحياء وأن رأسي قد عثا # فيه المشيب لزرت أم القاسم ### || [2.61] # هذا قولهم في التيه. وعنوا بالطعام الواحد: المن والسلوى. قال محمد بن ~~القاسم: كان المن يؤكل بالسلوى، والسلوى بالمن، فلذلك كانا طعاما ~~واحدا. والبقل هاهنا: اسم جنس، وعنوا به: البقول. وقرأت على شيخنا أبي ~~منصور اللغوي قال: تذهب العامة إلى أن البقل: ما يأكله الناس خاصة دون ~~البهائم من النبات الناجم الذي لا يحتاج في أكله إلى طبخ، وليس كذلك، ~~إنما البقل: العشب، وما ينبت الربيع مما يأكله الناس والبهائم، يقال: ~~بقلت الأرض، وأبقلت، لغتان فصيحتان: إذا أنبت البقل. وابتقلت الإبل: إذا ~~رعت. قال أبو النجم يصف الإبل: # تبقلت في أول التبقل # بين رماحي مالك ونهشل. # وفي «القثاء» لغتان: كسر القاف وضمها، والكسر أجود، وبه قرأ الجمهور. ~~وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، وقتادة، وطلحة بن مصرف، والأعمش: بضم القاف. ~~قال الفراء: الكسر ms0053 لغة أهل الحجاز، والضم لغة تميم، وبعض بني أسد. # وفي «الفوم» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الحنطة، قاله ابن عباس، والسدي عن أشياخه، والحسن وأبو مالك، ~~قال الفراء: هي لغة قديمة، يقول أهلها: فوموا لنا، أي: اختبزوا لنا. # والثاني: أنه الثوم، وهو قراءة عبد الله وأبي: «وثومها» واختاره ~~الفراء، وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله، والفاء تبدل من الثاء، كما تقول ~~العرب: الجدث، والجدف: للقبر، والأثافي والأثاثي: للحجارة التي توضع تحت ~~القدر. والمغافير، والمغاثير: لضرب من الصمغ. وهذا قول مجاهد، والربيع بن ~~أنس، ومقاتل، والكسائي، والنضر بن شميل وابن قتيبة. # والثالث: أنه الحبوب، ذكره ابن قتيبة والزجاج. # قوله تعالى: { أتستبدلون الذي هو أدنى }: أي: أردأ { بالذي هو خير }: ~~أي: أعلى، يريد: أن المن والسلوى أعلى ما طلبتم. # قوله تعالى: { اهبطوا مصرا } فيه قولان. أحدهما: أنه اسم لمصر من ~~الأمصار غير معين، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وإنما ~~أمروا بالمصر، لأن الذي طلبوه في الأمصار. والثاني: أنه أراد البلد ~~المسمى بمصر، وفي قراءة عبد الله والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش «مصر» ~~بغير تنوين، قال أبو صالح عن ابن عباس: أراد مصر فرعون، وهذا قول أبي ~~العالية والضحاك، واختاره الفراء، واحتج بقراءة عبد الله. قال: وسئل عنها ~~الأعمش، فقال: هى مصر التي عليها صالح بن علي. وقال مفضل الضبي: سميت ~~مصرا، لأنها آخر حدود المشرق، وأول حدود المغرب، فهي حد بينهما. والمصر: ~~الحد. وأهل هجر يكتبون في عهدهم: اشترى فلان الدار بمصورها، أي: بحدودها. ~~وقال عدي: # وجاعل الشمس مصرا لاخفاء به # بين النهار وبين الليل قد فصلا # وحكى ابن فارس أن قوما قالوا: سميت بذلك لقصد الناس إياها، كقولهم: ~~مصرت الشاة، إذا حلبتها، فالناس يقصدونها، ولا يكادون يرغبون عنها إذا ~~نزلوها. # قوله تعالى: { وضربت عليهم الذلة }: أي: ألزموها، قال الفراء: الذلة ~~والذل: بمعنى واحد وقال الحسن: هي الجزية. # وفي المسكنة قولان. # أحدهما: أنها الفقر والفاقة، قاله أبوالعالية، والسدي، وأبو عبيدة، وروي ~~عن السدي قال: هي فقر النفس. # والثاني: الخضوع، قاله ms0054 الزجاج. # قوله تعالى: { وباؤوا } أي: رجعوا. وقوله تعالى: { ذلك } إشارة إلى ~~الغضب. وقيل: إلى جميع ما ألزموه من الذلة والمسكنة وغيرها. # قوله تعالى: { ويقتلون النبيين }. # كان نافع يهمز «النبيين» و «الأنبياء» و«النبوة» وما جاء من ذلك، إلا في ~~موضعين في الاحزاب: # لا تدخوا بيوت النبي # [53] # إن وهبت نفسها للنبي # [50] وإنما ترك الهمز في هذين الموضعين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس ~~واحد، وباقي القراء لا يهمزون جميع المواضع. قال الزجاج: الأجود ترك ~~الهمز. واشتقاق النبي من: نبأ، وأنبأ، أي: أخبر. ويجوز أن يكون من: نبا ~~ينبو: إذا ارتفع، فيكون بغير همز: فعيلا، من الرفعة: قال عبد الله بن ~~مسعود: كانت بنو اسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق ~~بقلهم في آخر النهار. # قوله تعالى: { بغير الحق } فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: بغير جرم، ~~قاله ابن الأنباري. والثاني: أنه توكيد، كقوله تعالى: { ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور }. والثالث: أنه خارج مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم، فهو ~~كقوله تعالى: { رب احكم بالحق } فوصف حكمه بالحق، ولم يدل على أنه يحكم ~~بغير الحق. # قوله تعالى: { وكانوا يعتدون } العدوان: أشد الظلم. وقال الزجاج: ~~الاعتداء: مجاوزة القدر في كل شيء. ### || [2.62] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } فيهم خمسة أقوال. # أحدها: أنهم قوم كانوا مؤمنين بعيسى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم الذين آمنوا بموسى، وعملوا بشريعته ~~إلى أن جاء عيسى، فآمنوا به وعملوا بشريعته إلى أن جاء محمد. وهذا قول ~~السدي عن أشياخه. والثالث: أنهم المنافقون، قاله سفيان الثوري. والرابع: ~~أنهم الذين كانوا يطلبون الإسلام، كقس بن ساعدة، وبحيرا، وورقة بن نوفل، ~~وسلمان. والخامس: أنهم المؤمنون من هذه الأمة. # قوله تعالى: { والذين هادوا } قال الزجاج: أصل هادوا في اللغة: تابوا. ~~وروي عن ابن مسعود أن اليهود سموا بذلك، لقول موسى: { هدنا إليك } ، ~~والنصارى لقول عيسى: { من أنصاري إلى الله }. وقيل: سموا النصارى لقرية، ~~نزلها المسيح، اسمها: ناصرة، وقيل: لتناصرهم. # فأما «الصابئون» فقرأ الجمهور بالهمز في ms0055 جميع القرآن، وكان نافع لا يهمز ~~كل المواضع. قال الزجاج: معنى الصابئين: الخارجون من دين إلى دين، يقال: ~~صبأ فلان: إذا خرج من دينه. وصبأت النجوم: إذا طلعت [وصبأ نابه: إذا ~~خرج]. # وفي الصابئين سبعة أقوال. # أحدها: أنه صنف من النصارى ألين قولا منهم، وهم السائحون المحلقة ~~أوساط رؤوسهم، روي عن ابن عباس. # والثاني: أنهم قوم بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين، قاله مجاهد. # والثالث: أنهم قوم بين اليهود والنصارى، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: قوم كالمجوس، قاله الحسن والحكم. # والخامس: فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، قاله أبو العالية. # والسادس: قوم يصلون إلى القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور، قاله ~~قتادة. # والسابع: قوم يقولون: لا إله إلا الله، فقط، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا ~~نبي، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { من آمن } في إعادة ذكر الإيمان ثلاثة أقوال. أحدها: أنه ~~لما ذكر مع المؤمنين طوائف من الكفار رجع قوله: { من آمن } إليهم. ~~والثاني: أن المعنى من أقام على إيمانه. والثالث: أن الايمان الأول نطق ~~المنافقين بالإسلام. والثاني: اعتقاد القلوب. # قوله تعالى: { وعمل صالحا } # قال ابن عباس: أقام الفرائض. # فصل # وهل هذه الآية محكمة أم منسوخة؟ فيه قولان. # أحدهما: أنها محكمة، قاله مجاهد والضحاك في آخرين، وقدروا فيها: إن ~~الذين آمنوا، ومن آمن من الذين هادوا. والثاني: أنها منسوخة بقوله: { ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ، ذكره جماعة من المفسرين. ### || [2.63] # الخطاب بهذه الآية لليهود. والميثاق: مفعال من التوثق بيمين أو عهد أو ~~نحو ذلك من الأمور التي تؤكد القول. # وفي هذا الميثاق ثلاثة أقوال. أحدها: أنه أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في ~~التوراة، فكرهوا الإقرار بما فيها، فرفع عليهم الجبل، قاله مقاتل. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: أعطوا الله عهدا ليعملن بما في التوراة، فلما ~~جاء بها موسى فرأوا ما فيها من التثقيل، امتنعوا من أخذها، فرفع الطور ~~عليهم. والثاني: أنه ما أخذه الله تعالى على الرسل وتابعيهم من الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، ذكره الزجاج. والثالث: ms0056 ذكره الزجاج أيضا، ~~فقال: يجوز أن يكون الميثاق يوم أخذ الذرية من ظهر آدم. # قوله تعالى: { ورفعنا فوقكم الطور } قال أبو عبيدة: الطور في كلام ~~العرب: الجبل. وقال ابن قتيبة: الطور: الجبل بالسريانية. وقال ابن عباس. ~~ما أنبت من الجبال فهو طور، وما لم ينبت فليس بطور. # وأي الجبال هو؟ فيه ثلاثة أقوال. أحدها: جبل من جبال فلسطين، قاله ابن ~~عباس. والثاني: جبل نزلوا بأصله، قاله قتادة. والثالث: الجبل الذي تجلى ~~له ربه، قاله مجاهد. # وجمهور العلماء على أنه إنما رفع الجبل عليهم لإبائهم التوراة. وقال ~~السدي: لإبائهم دخول الأرض المقدسة. # قوله تعالى: { خذوا ما آتيناكم بقوة }. # وفي المراد بالقوة أربعة أقوال. # أحدها: الجد والاجتهاد، قاله ابن عباس وقتادة والسدي. # والثاني: الطاعة، قاله أبو العالية. # والثالث: العمل بما فيه، قاله مجاهد. والرابع: الصدق، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { واذكروا ما فيه } فيه قولان. أحدهما: اذكروا ما تضمنه من ~~الثواب والعقاب، قاله ابن عباس. والثاني: معناه: ادرسوا ما فيه، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { لعلكم تتقون } قال ابن عباس: تتقون العقوبة. ### || [2.64] # قوله تعالى: { ثم توليتم } أي: أعرضتم عن العمل بما فيه من بعد إعطاء ~~المواثيق لتأخذنه بجد، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ~~بالعقوبة. ### || [2.65] # السبت: اليوم المعروف، قاله ابن الأنباري: ومعنى السبت في كلام العرب: ~~القطع، يقال قد سبت رأسه: إذا حلقه وقطع الشعر منه، ويقال: نعل سبتية: ~~إذا كانت مدبوغة بالقرظ محلوقة الشعر، فسمي السبت سبتا، لأن الله تعالى ~~ابتدأ الخلق فيه، وقطع فيه بعض خلق الأرض، أو: لأن الله تعالى أمر بني ~~إسرائيل فيه بقطع الأعمال وتركها. قال: وقال بعضهم: سمي سبتا، لأن الله ~~تعالى أمرهم بالاستراحة فيه من الأعمال، وهذا خطأ، لأنه لا يعرف في كلام ~~العرب: سبت بمعنى: استراح. # وفي صفة اعتدائهم في السبت قولان. أحدهما: أنهم أخذوا الحيتان يوم ~~السبت، قاله الحسن ومقاتل. والثاني: أنهم حبسوها يوم السبت وأخذوها يوم ~~الأحد، وذلك أن الرجل كان يحفر الحفيرة؛ ويجعل لها نهرا إلى البحر، فاذا ms0057 ~~كان يوم السبت فتح النهر، وقد حرم الله عليه العمل يوم السبت، فيقبل ~~الموج بالحيتان حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت الخروج فلا يطيق، ~~فيأخذها يوم الأحد، قاله السدي. # الإشارة إلى قصة مسخهم # روى عثمان بن عطاء عن أبيه قال: نودي الذين اعتدوا في السبت ثلاثة ~~أصوات. نودوا: يا أهل القرية، فانتبهت طائفة أكثر من الأولى، ثم نودوا: ~~يا أهل القرية، فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم: { كونوا ~~قردة خاسئين } فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ~~ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم: بلى. قال قتادة: فصار القوم قردة تعاوي، لها ~~أذناب بعدما كانوا رجالا ونساء. # وفي رواية عن قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، وما نجا إلا ~~الذين نهوا، وهلك سائرهم. وقال غيره: كانوا نحوا من سبعين ألفا، وعلى ~~هذا القول العلماء، غير ما روي عن مجاهد أنه قال: مسخت قلوبهم ولم تمسخ ~~أبدانهم، وهو قول بعيد، قال ابن عباس: لم يحيوا على الأرض إلا ثلاثة ~~أيام، ولم يحيا مسخ في الأرض فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ~~ينسل. وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام، وماتوا في اليوم الثامن، وهذا ~~كان في زمان داود عليه السلام. # قوله تعالى: { خاسئين } الخاسىء في اللغة: المبعد، يقال للكلب: اخسأ، ~~أي: تباعد ### || [2.66] # في المكنى عنها أربعة أقوال. أحدها: أنها الخطيئة، رواه عطية عن ابن ~~عباس. والثاني: العقوبة، رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال الفراء: الهاء: ~~كناية عن المسخة التي مسخوها. والثالث: أنها القرية والمراد أهلها، قاله ~~قتادة وابن قتيبة. والرابع: أنها الأمة التي مسخت، قاله الكسائي، ~~والزجاج. # وفي النكال قولان. أحدهما: أنه العقوبة، قاله مقاتل والثاني: العبرة، ~~قاله ابن قتيبة والزجاج. # قوله تعالى: { لما بين يديها وما خلفها } فيه ثلاثة أقوال. أحدها: لما ~~بين يديها من القرى وما خلفها، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: لما بين ~~يديها من الذنوب، وما خلفها: ما عملوا بعدها، رواه عطية من ابن عباس. ~~والثالث: لما بين يديها من السنين التي عملوا فيها بالمعاصي، ms0058 وما خلفها: ~~ما كان بعدهم في بني اسرائيل لئلا يعملوا بمثل أعمالهم، قاله عطية. # وفي المتقين قولان. أحدهما: أنه عام في كل متق إلى يوم القيامة، قاله ~~ابن عباس. والثاني: أن المراد بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ~~السدي عن أشياخه، وذكره عطية وسفيان. ### || [2.67-68] # ذكر السبب في أمرهم بذبح البقرة # روى ابن سيرين عن عبيدة قال: كان في بني اسرائيل رجل عقيم لا يولد له، ~~وله مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله واحتمله ليلا، فأتى به حيا ~~آخر، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى ~~بعض، فأتوا موسى فذكروا له ذلك، فأمرهم بذبح البقرة. # وروى السدي عن أشياخه أن رجلا من بني إسرائيل كانت له بنت وابن أخ ~~فقير، فخطب إليه ابنته، فأبى، فغضب وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ~~ماله ولأنكحن ابنته، ولآكلن ذيته، فأتاه فقال: قد قدم تجار في بعض ~~أسباط بني إسرائيل، فانطلق معي فخذ لي من تجارتهم لعلي أصيب فيها ربحا، ~~فخرج معه، فلما بلغا ذلك السبط، قتله الفتى، ثم رجع، فلما أصبح، جاء كأنه ~~يطلب عمه لا يدري أين هو، فاذا بذلك السبط قد اجتمعوا عليه، فأمسكهم ~~وقال: قتلتم عمي وجعل يبكي وينادي: واعماه. قال أبو العالية: والذي سأل ~~موسى أن يسأل الله البيان: القاتل. وقال غيره: بل القوم اجتمعوا فسألوا ~~موسى، فلما أمرهم بذبح بقرة، قالوا: أتتخذنا هزوا. وقرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، والكسائي: هزؤا، بضم الهاء والزاي والهمزة، وقرأ حمزة، ~~وإسماعيل، وخلف في اختياره، والفراء عن عبد الوارث، والمفضل: هزءا، ~~باسكان الزاي. ورواه حفص بالضم من غير همز، وحكى أبو علي الفارسي أن كل ~~اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فمن العرب من يثقله، ومنهم من يخففه، نحو ~~العسر واليسر. # قوله تعالى: { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين }. # وإنما انتفى من الهزء، لأن الهازئ جاهل لاعب، فلما تبين لهم أن الأمر ~~من عند الله، قالوا { ادع لنا ربك يبين لنا ما ms0059 هي }. قال الزجاج: وإنما ~~سألوا: ما هي، لأنهم لا يعلمون أن بقرة يحيا بضرب بعضها ميت. # فأما الفارض فهي: المسنة، يقال: فرضت البقرة فهي فارض: إذا أسنت. ~~والبكر: الصغيرة التي لم تلد، والعوان: دون المسنة، وفوق الصغير. يقال ~~حرب عوان: إذا لم تكن أول حرب، وكانت ثانية. ### || [2.69-70] # في الصفراء قولان. أحدهما: أنه من الصفرة، وهو: اللون المعروف، قاله ابن ~~عباس، وقتادة، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنها السوداء، ~~قال الحسن البصري، ورده جماعة، فقال ابن قتيبة: هذا غلط في نعوت البقر، ~~وإنما يكون ذلك في نعوت الإبل، يقال: بعير أصفر، أي: أسود، لأن السوداء ~~من الإبل يشوب سوادها صفرة، ويدل على ذلك: قوله تعالى: { فاقع لونها } ~~والعرب لا تقول: أسود فاقع، وإنما تقول: أسود حالك، وأصفر فاقع. # قال الزجاج: وفاقع نعت للأصفر الشديد الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأحمر ~~قانئ وأخضر ناضر، وأبيض يقق، وأسود حالك، وحلكوك ودجوجي، فهذه صفات ~~المبالغة في الألوان. # ومعنى { تسر الناظرين } تعجبهم قال ابن عباس: شدد القوم فشدد الله ~~عليهم. وروى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه ~~قال: # " لولا أن بني إسرائيل استثنوا لم يعطوا الذي أعطوا " # يعني بذلك قولهم. # { وإنا إن شاء الله لمهتدون } # وفي المراد باهتدائهم قولان. # أحدهما: أنهم أرادوا: المهتدون إلى البقرة، وهو قول الأكثرين. والثاني: ~~إلى القاتل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. ### || [2.71] # قوله تعالى: { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } قال قتادة: لم يذلها ~~العمل فتثير الأرض. قال ابن قتيبة: يقال في الدواب: دابة ذلول: بينة الذل ~~بكسر الذال، وفي الناس: رجل ذليل بين الذل بضم الذال. # { تثير الأرض }: تقلبها للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة. قال الفراء: لا ~~تقفن على ذلول، لأن المعنى: ليست بذلول فتثير الأرض، وحكى ابن القاسم أن ~~أبا حاتم السجستاني أجاز الوقف على ذلول، ثم أنكره عليه جدا، وعلل بأن ~~التي تثير الأرض لا يعدم منها سقي الحرث؛ ومتى أثارت الأرض كانت ذلولا. ~~ومعنى: ولا تسقي الحرث: لا ms0060 يستقى عليها الماء لسقي الزرع. # قوله تعالى: { مسلمة } فيه أربعة أقوال. # أحدها: مسلمة من العيوب، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ~~ومقاتل. والثاني: مسلمة من العمل، قاله الحسن وابن قتيبة. والثالث: ~~مسلمة من الشية، قاله مجاهد وابن زيد. والرابع: مسلمة القوائم والخلق، ~~قاله عطاء الخراساني. # فأما الشية، فقال الزجاج: الوشي في اللغة: خلط لون بلون. ويقال: وشيت ~~الثوب أشيه شية ووشيا، كقولك: وديت فلانا أدية دية. ونصب: لا شية فيها، ~~على النفي. ومعنى الكلام: ليس فيها لون يفارق سائر لونها. وقال عطاء ~~الخراساني: لونها لون واحد. # قوله تعالى: { الآن جئت بالحق } قال ابن قتيبة: الآن: هو الوقت الذي أنت ~~فيه، وهو حد الزمانين، حد الماضي من آخره، وحد المستقبل من أوله، ومعنى ~~{ جئت بالحق } بينت لنا. # قوله تعالى: { وما كادوا يفعلون } فيه قولان. أحدهما: لغلاء ثمنها، قاله ~~ابن كعب القرظي. # والثاني: لخوف الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم، قاله وهب. قال ~~ابن عباس: مكثوا يطلبون البقرة أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل، فأبى أن ~~يبيعها الا بملء مسكها ذهبا، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وعبيدة، ووهب، ~~وابن زيد، والكلبي، ومقاتل في مقدار الثمن. فأما السبب الذي لأجله غلا ~~ثمنها، فيحتمل وجهين. أحدهما: أنهم شددوا فشدد الله عليهم. والثاني: ~~لإكرام الله عز وجل صاحبها، فإن كان برا بوالديه. فذكر بعض المفسرين أنه ~~كان شاب من بني اسرائيل برا بأبيه، فجاء رجل يطلب سلعة هي عنده، فانطلق ~~ليبيعه إياها، فاذا مفاتيح حانوته مع أبيه، وأبوه نائم، فلم يوقظه، ورد ~~المشتري، فأضعف له المشتري الثمن، فرجع إلى أبيه، فوجده نائما، فعاد إلى ~~المشتري فرده، فأضعف له الثمن، فلم يزل ذلك دأبهما حتى ذهب المشتري، ~~فأثابه الله على بره بأبيه أن نتجت له بقرة من بقرة، تلك البقرة. # وروي عن وهب بن منبه في حديث طويل أن فتى كان برا بوالديه، وكان يحتطب ~~على ظهره، فاذا باعه تصدق بثلثه، وأعطى أمه ثلثه، وأبقى لنفسه ثلثه، ~~فقالت له أمه يوما: إني ورثت من أبيك بقرة، ms0061 فتركتها في البقر على اسم ~~الله، فاذا أتيت البقر، فادعها باسم إله إبراهيم، فذهب فصاح بها، فأقبلت، ~~فأنطقها الله، فقالت: اركبني يا فتى، فقال [الفتى: إن أمي] لم تأمرني ~~بهذا. # فقالت: أيها البر بأمه! لو ركبتني لم تقدر علي، فانطلق، فلو أمرت الجبل ~~أن ينقلع من أصله [وينطلق معك] لانقلع لبرك بأمك. فلما جاء بها قالت أمه: ~~بعها بثلاثة دنانير على رضى مني، فبعث الله ملكا فقال: بكم هذه؟ قال: ~~بثلاثة دنانير على رضى من أمي. قال: لك ستة ولا تستأمرها، فأبى، وعاد ~~إلى أمه فأخبرها، فقالت: بعها بستة على رضى مني، فجاء الملك فقال: خذ ~~اثني عشر ولا تستأمرها، فأبى، وعاد إلى أمه فأخبرها، فقالت: يا بني! ذاك ~~ملك، فقل له: بكم تأمرني أن أبيعها؟ فجاء إليه فقال له ذلك، فقال: يا ~~فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل في بني إسرائيل. ### || [2.72] # قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا } هذه الآية مؤخرة في التلاوة، مقدمة في ~~المعنى، لأن السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس، فتقدير الكلام: وإذ ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها، فسألتم موسى فقال: { إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة } ونظيرها قوله تعالى: # ولم يجعل له عوجا قيما # [الكهف:1] أراد: أنزل الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا، فأخر المقدم ~~وقدم المؤخر، لأنه من عادة العرب. قال الفرزدق: # إن الفرزدق صخرة ملمومة # طالت فليس تنالها الأوعالا # أراد: طالت الأوعال. وقال جرير: # طاف الخيال وأين منك لماما # فارجع لزورك بالسلام سلاما # أراد: طاف الخيال لماما، وأين هو منك؟ وقال الآخر: # خير من القوم العصاة أميرهم # - يا قوم فاستحيوا - النساء الجلس # أراد: خير من القوم العصاة النساء، فاستحيوا من هذا. # ومعنى قوله: { فادارأتم }: اختلفتم، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الزجاج: ~~ادارأتم، بمعنى: تدارأتم أي: تدافعتم، وألقى بعضكم على بعض، تقول: درأت ~~فلانا: إذا دفعته، وداريته: إذا لاينته، ودريته إذا ختلته، فأدغمت التاء ~~في الدال، لأنهما من مخرج واحد، فأما الذي كتموه؛ فهو أمر القتيل. ### || [2.73] # من قال: أقاموا في طلبها ms0062 أربعين سنة؛ قال ضربوا قبره، ومن لم يقل ذلك، ~~قال: ضربوا جسمه قبل دفنه. وفي الذي ضرب به ستة أقوال. # أحدها: أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف، رواه عكرمة عن ابن عباس. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: وذلك العظم هو أصل الأذن، وزعم قوم أنه لا يكسر ذلك ~~العظم من أحد فيعيش. قال الزجاج: الغضروف في الأذن، وهو: ما أشبه العظم ~~الرقيق من فوق الشحمة، وجميع أعلى صدفة الأذن، وهو معلق الشنوف، فأما ~~العظمان اللذان خلف الأذن الناتئان من مؤخر الأذن، فيقال لهما: ~~الخشاوان، والخششاوان، واحدهما: خشاء، وخششاء. # والثاني: أنه ضرب بالفخذ، روي عن ابن عباس أيضا، وعكرمة، ومجاهد، ~~وقتادة، وذكر عكرمة ومجاهد أنه الفخذ الأيمن. # والثالث: أنه البضعة التي بين الكتفين. رواه السدي عن أشياخه. # والرابع: أنه الذنب، رواه ليث عن مجاهد. # والخامس: أنه عجب الذنب، وهو عظم بني عليه البدن، روي عن سعيد بن جبير. # والسادس: أنه اللسان، قاله الضحاك. # وفي الكلام اختصار تقديره: فقلنا: اضربوه ببعضها ليحيا، فضربوه فحيي، ~~فقام فأخبر بقاتله. # وفي قاتله أربعة أقوال. أحدها: بنو أخيه، رواه عطية عن ابن عباس. ~~والثاني: ابنا عمه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهذان القولان يدلان على ~~أن قاتله أكثر من واحد. والثالث: ابن أخيه، قال السدي عن أشياخه وعبيدة. ~~والرابع: أخوه، قاله عبد الرحمن ابن زيد. # قوله تعالى: { كذلك يحيي الله الموتى }: فيه قولان. # أحدهما: أنه خطاب لقوم موسى. والثاني: لمشركي قريش، احتج عليهم إذ جحدوا ~~البعث بما يوافق عليه أهل الكتاب، قال أبو عبيدة: وآياته: عجائبه. ### || [2.74] # قوله تعالى: { ثم قست قلوبكم }: قال ابراهيم بن السري: قست في اللغة: ~~غلظت ويبست وعست، فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه. والقاسي: ~~والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قتيبة: قست وعست وعتت واحد، أي: يبست. # وفي المشار إليهم بها قولان. أحدهما: جميع بني إسرائيل. والثاني: ~~القاتل. قال ابن عباس: قال الذين قتلوه بعد أن سمى قاتله: والله ما ~~قتلناه. وفي كاف «ذلك» ثلاثة أقوال. أحدها: أنه إشارة إلى إحياء ms0063 الموتى، ~~فيكون الخطاب لجميع بني إسرائيل. والثاني: إلى كلام القتيل، فيكون الخطاب ~~للقاتل، ذكرهما المفسرون. والثالث: إلى ما شرح من الآيات من مسخ القردة ~~والخنازير، ورفع الجبل وانبجاس الماء، وإحياء القتيل، ذكره الزجاج. # وفي «أو» أقوال، هي بعينها مذكورة في قوله تعالى: { أو كصيب } وقد ~~تقدمت. # قوله تعالى: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } قال مجاهد: كل ~~حجر ينفجر منه الماء، وينشق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فمن خشية الله. ### || [2.75] # في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال. أحدها: أنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، خاصة، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أنه المؤمنون، تقديره: ~~أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم، قاله أبو العالية وقتادة. والثالث: أنهم ~~الأنصار، فانهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة التي كانت بينهم، ~~ذكره النقاش. قال الزجاج: وألف «أفتطمعون» ألف استخبار، كأنه آيسهم من ~~الطمع في إيمانهم. # وفي سماعهم لكلام الله قولان. أحدهما: أنهم قرؤوا التوراة فحرفوها، هذا ~~قول مجاهد والسدي في آخرين، فيكون سماعهم لكلام الله بتبليغ نبيهم، ~~وتحريفهم: تغيير ما فيها. والثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى، ~~فسمعوا كلام الله كفاحا عند الجبل، فلما جاؤوا إلى قومهم قالوا: قال ~~لنا: كذا وكذا، وقال في آخر قوله: إن لم تستطيعوا ترك ما أنهاكم عنه؛ ~~فافعلوا ما تستطيعون. هذا قول مقاتل، والأول أصح. وقد أنكر بعض أهل ~~العلم، منهم الترمذي صاحب «النوادر» هذا القول إنكارا شديدا، وقال: ~~إنما خص بالكلام موسى وحده، وإلا فأي ميزة؟! وجعل هذا من الأحاديث التي ~~رواها الكلبي وكان كذابا. # ومعنى { عقلوه }: سمعوه ووعوه. # وفي قوله تعالى: { وهم يعلمون } قولان. أحدهما: وهم يعلمون أنهم حرفوه. # والثاني: وهم يعلمون عقاب تحريفه. ### || [2.76-77] # هذه الآية نزلت في نفر من اليهود، كانوا إذا لقوا النبي والمؤمنين ~~قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم، هذا قول ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وقتادة، وعطاء ~~الخراساني، وابن زيد، ومقاتل. # وفي معنى { بما فتح الله عليكم } قولان. أحدهما: بما قضى الله عليكم، ~~والفتح: ms0064 القضاء، ومنه قوله تعالى: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الاعراف:89] قال السدي عن أشياخه: كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، ~~فكانوا يحدثون المؤمنين بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم. [من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على ~~الله منكم]. والثاني: أن معناه بما علمكم الله. قال ابن عباس وأبو ~~العالية وقتادة: الذي فتحه عليهم: ما أنزله من التوراة في صفة محمد، صلى ~~الله عليه وسلم، وقال مقاتل: كان المسلم يلقى حليفه، أو أخاه من الرضاعة ~~من اليهود، فيسأله: أتجدون محمدا في كتابكم؟ فيقولون: نعم، إنه لحق. ~~فسمع كعب بن الأشرف وغيره، فقال لليهود في السر: أتحدثون أصحاب محمد بما ~~فتح الله عليكم، أي: بما بين لكم في التوراة من أمر محمد ليخاصموكم به ~~عند ربكم باعترافكم أنه نبي، أفلا تعقلون أن هذا حجة عليكم؟! # قوله تعالى: { عند ربكم } فيه قولان. أحدهما: أنه بمعنى: في حكم ربكم، ~~كقوله. تعالى: # فأولئك عند الله هم الكاذبون # [النور: 13]. والثاني: أنه أراد يوم القيامة. ### || [2.78] # قوله تعالى: { ومنهم أميون } يعنى: اليهود. والأمي: الذي لا يكتب ~~ولا يقرأ، قاله مجاهد. وفي تسميته بالأمي قولان. أحدهما: لأنه على خلقة ~~الأمة التي لم تتعلم الكتاب، فهو على جبلته، قاله الزجاج. والثاني: أنه ~~ينسب إلى أمه، لأن الكتابة في الرجال كانت دون النساء. وقيل: لأنه على ما ~~ولدته أمه. # قوله تعالى: { لا يعلمون الكتاب } قال قتادة: لا يدرون ما فيه. # قوله تعالى: { إلا أماني } جمهور القراء على تشديد الياء، وقرأ ~~الحسن، وأبو جعفر، بتخفيف الياء، وكذلك: # تلك أمانيهم # [البقرة:111 ] و # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب # [النساء:123] # في أمنيته # [الحج: 52] # وغرتكم الأماني # [الحديد: 14] كله بتخفيف الياء وكسر الهاء من «أمانيهم». ولا خلاف في ~~فتح ياء «الأماني». # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الأكاذيب. قال ابن عباس: إلا أماني: يريد إلا قولا ~~يقولونه بأفواههم كذبا. وهذا قول مجاهد واختيار الفراء. وذكر الفراء أن ~~بعض العرب قال لابن دأب وهو يحدث: ms0065 أهذا شيء رويته، أم شيء تمنيته؟ يريد: ~~افتعلته؟. # والثاني: أن الأماني: التلاوة، فمعناه: لا يعلمون فقه الكتاب، إنما ~~يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم. قال الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليلة # تمني داود الزبور على رسل # وهذا قول الكسائي والزجاج. # والثالث: أنها أمانيهم على الله، قاله قتادة. # قوله تعالى: { وإن هم إلا يظنون } قال مقاتل: ليسوا على يقين، فان كذب ~~الرؤساء أو صدقوا، تابعوهم. ### || [2.79] # هذا الآية نزلت في أهل الكتاب [الذين] بدلوا التوراة وغيروا صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيها. وهذا قول ابن عباس وقتادة وابن زيد وسفيان. ~~فأما الويل: فروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ويل: واد في جهنم، يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره " # وقال الزجاج: الويل: كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، ويستعملها ~~هو أيضا. وأصلها في اللغة: العذاب والهلاك. قال ابن الأنباري: ويقال: ~~معنى الويل: المشقة من العذاب. ويقال: أصله: وي لفلان، أي: حزن لفلان، ~~فكثر الاستعمال للحرفين، فوصلت اللام ب «وي» وجعلت حرفا واحدا، ثم خبر ~~عن «ويل» بلام أخرى، وهذا اختيار الفراء. والكتاب هاهنا: التوراة. وذكر ~~الأيدي توكيد، والثمن القليل: ما يفنى من الدنيا. # وفيما يكسبون قولان. أحدهما: أنه عوض ما كتبوا. والثاني: إثم ما فعلوا. ### || [2.80] # قوله تعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } وهم: ~~اليهود. وفيما عنوا بهذه الأيام قولان. # أحدهما: أنهم أرادوا أربعين يوما، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو ~~العالية، وقتادة، والسدي. # ولماذا قدروها بأربعين؟ فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قالوا: بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، ونحن نقطع مسيرة كل ~~سنة في يوم، ثم ينقضي العذاب وتهلك النار، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم قالوا: عتب علينا ربنا في أمر، فأقسم ليعذبنا أربعين ~~ليلة، ثم يدخلنا الجنة، فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم، ~~وهذا قول الحسن وأبي العالية. # والثالث: أنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، قاله مقاتل. # والقول الثاني: أن الأيام المعدودة سبعة أيام، ms0066 وذلك لأن عندهم أن الدنيا ~~سبعة آلاف سنة، والناس يعذبون لكل ألف سنة يوما من أيام الدنيا، ثم ~~ينقطع العذاب، قاله ابن عباس. # { قل أتخذتم عند الله عهدا } أي: عهد إليكم أنه لايعذبكم إلا هذا ~~المقدار؟! ### || [2.81-82] # قوله تعالى: { بلى من كسب سيئة }: بلى: بمنزلة «نعم» إلا أن «بلى» جواب ~~النفي، و «نعم» جواب الإيجاب، قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: مالك ~~علي شيء، فقال الآخر: نعم، كان تصديقا أن لا شيء له عليه. ولو قال: ~~بلى؛ كان ردا لقوله. قال ابن الأنباري: وإنما صارت «بلى» تتصل بالجحد، ~~لأنها رجوع عن الجحد إلى التحقيق، فهي بمنزلة «بل». و «بل» سبيلها أن ~~تأتي بعد الجحد، كقولهم: ما قام أخوك، بل أبوك. وإذا قال الرجل للرجل: ~~ألا تقوم؟ فقال له: بلى؛ أراد: بل أقوم، فزاد الألف على «بل» ليحسن ~~السكوت عليها، لأنه لو قال: بل؛ كان يتوقع كلاما بعد بل؛ فزاد الألف ~~ليزول هذا التوهم عن المخاطب. # ومعنى: { بلى من كسب سيئة }: بل من كسب. قال الزجاج: بلى رد لقولهم: { ~~لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } والسيئة هاهنا: الشرك في قول ابن ~~عباس، وعكرمة، وأبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل. # { وأحاطت به } أي: أحدقت به خطيئته. وقرأ نافع «خطيئاته» بالجمع. قال ~~عكرمة: مات ولم يتب منها، وقال أبو وائل: الخطيئة: صفة للشرك. قال أبو ~~علي: إما أن يكون المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها، من حيث أن ~~المحيط أكثر من المحاط به، فيكون كقوله تعالى: # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين # [التوبة:49] وقوله # أحاط بهم سرادقها # [الكهف:29] أو يكون معنى أحاطت به أهلكته: كقوله: # إلا أن يحاط بكم # [يوسف 66]. ### || [2.83] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } هذا الميثاق مأخوذ عليهم ~~في التوراة. # قوله تعالى: { لا تعبدون } قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو، وابن عامر: بالتاء ~~على الخطاب لهم. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: بالياء على الإخبار عنهم. # قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } أي: ووصيناهم بآبائهم وأمهاتهم ~~خيرا، قال الفراء. والعرب تقول: أوصيك به خيرا ms0067 وآمرك به خيرا والمعنى: ~~آمرك أن تفعل به، ثم تحذف «أن» فيوصل الخير بالوصية والأمر. قال الشاعر: # عجبت من دهماء إذ تشكونا # ومن أبي دهماء إذ يوصينا # خيرا بها كأننا جافونا # وأما الإحسان إلى الوالدين؛ فهو برهما. قال ابن عباس: لا تنفض ثوبك ~~فيصيبهما الغبار. وقالت عائشة: ما بر والده من شد النظر إليه. وقال ~~عروة: لا تمتنع عن شيء أحباه. # قوله تعالى: { وذي القربى } أي: ووصيناهم بذي القربى أن يصلوا أرحامهم. ~~وأما اليتامى؛ فجمع: يتيم. قال الأصمعي: اليتم في الناس، من قبل الأب، ~~وفي غير الناس: من قبل الأم. قال ابن الأنباري: قال ثعلب: اليتم معناه في ~~كلام العرب: الانفراد. فمعنى صبي يتيم: منفرد عن أبيه. وأنشدنا: # أفاطم إني هالك فتبيني # ولا تجزعي كل النساء يتيم # قال: يروى: يتيم ويئيم. فمن روى يتيم بالتاء؛ أراد: كل النساء ضعيف ~~منفرد. ومن روى بالياء أراد: كل النساء يموت عنهن أزواجهن. وقال: أنشدنا ~~ابن الأعرابي: # ثلاثة أحباب: فحب علاقة # وحب تملاق وحب هو القتل # قال: فقلنا له: زدنا، فقال: البيت يتيم: أي: منفرد. وقرأت على شيخنا أبي ~~منصور اللغوي، قال: إذا بلغ الصبي، زال عنه اسمه اليتم. يقال منه: يتم ~~ييتم يتما ويتما. وجمع اليتيم: يتامى، وأيتام. وكل منفرد عند العرب ~~يتيم ويتيمة. قال: وقيل: أصل اليتم: الغفلة، وبه سمي اليتيم، لأنه يتغافل ~~عن بره. والمرأة تدعى: يتيمة مالم تزوج، فاذا تزوجت زال عنها اسم اليتم، ~~وقيل: لا يزول عنها اسم اليتم أبدا. وقال أبو عمرو اليتم: الإبطاء، ومنه ~~أخذ اليتيم، لأن البر يبطئ عنه. «والمساكين»: جمع مسكين، وهو اسم مأخوذ ~~من السكون، كأن المسكين قد أسكنه الفقر. # قوله تعالى: { وقولوا للناس حسنا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، ~~وعاصم، وابن عامر { حسنا }: بضم الحاء والتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي: { ~~حسنا } بفتح الحاء والتثقيل. قال أبو علي: من قرأ «حسنا» فجائز أن ~~يكون الحسن لغة في الحسن، كالبخل، والبخل، والرشد والرشد. وجاء ذلك ~~في الصفة كما جاء في الاسم، ألا تراهم قالوا: العرب ms0068 والعرب ويجوز أن ~~يكون الحسن مصدرا كالكفر والشكر والشغل، وحذف المضاف معه، كأنه قال: ~~قولوا قولا ذا حسن. ومن قرأ { حسنا } جعله صفة، والتقدير عنده: قولوا ~~للناس قولا حسنا، فحذف الموصوف. # واختلفوا في المخاطب بهذا على قولين. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن جبير، وابن جريج. ومعناه: ~~اصدقوا وبينوا صفة النبي. # والثاني: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو العالية: قولوا ~~للناس معروفا، وقال محمد بن علي بن الحسين: كلموهم بما تحبون أن يقولوا ~~لكم. وزعم قوم أن المراد بذلك مساهلة الكفار في دعائهم إلى الإسلام. ~~فعلى هذا؛ تكون منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: { ثم توليتم } أي: أعرضتم إلا قليلا منكم. وفيهم قولان. ~~أحدهما: أنهم أولوهم الذين لم يبدلوا. والثاني: أنهم الذين آمنوا بالنبي ~~محمد صلى الله عليه وسلم في زمانه ### || [2.84-85] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم } أي: لا يسفك ~~بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضا من داره. قال ابن عباس: ثم أقررتم ~~يومئذ بالعهد، وأنتم اليوم تشهدون على ذلك، فالإقرار على هذا متوجه إلى ~~سلفهم، والشهادة متوجهة إلى خلفهم. { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } أي: ~~يقتل بعضكم بعضا. روى السدي عن أشياخه قال: كانت قريظة خلفاء الأوس، ~~والنضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقاتلون في حرب سمير فيقاتل بنو قريظة مع ~~حلفائها النضير وحلفاءها، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، فيغلبونهم ~~ويخربون الديار ويخرجون منها، فاذا أسر الرجل من الفريقين كليهما، جمعوا ~~له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، فتقول كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟! ~~فيقولون: أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتلهم. فتقول العرب: فلم ~~تقاتلونهم؟ فيقولون: نستحيي أن يستذل حلفاؤنا، فعيرهم الله، عز وجل، ~~فقال: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } ~~إلى قوله: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } فكان إيمانهم ببعضه: ~~فداءهم الأسارى، وكفرهم: قتل بعضهم بعضا. # قوله تعالى: { تظاهرون }: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: { تظاهرون } وفي ~~(التحريم) { تظاهرا } بتخفيف الظاء، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ~~وابن عامر بتشديد الظاء مع إثبات الألف. ms0069 قال أبو علي: من قرأ { تظاهرون ~~} بتشديد الظاء؛ أدغم التاء في الظاء، لمقاربتها لها، فخفف بالإدغام. ومن ~~قرأ { تظاهرون } خفيفة؛ حذف التاء التي أدغمها أولئك من اللفظ، فخفف ~~بالحذف. والتاء التي أدغمها ابن كثير هي التي حذفها عاصم. وروي عن الحسن ~~وأبي جعفر { تظهرون } بتشديد الظاء من غير ألف، فالتظاهر: التعاون. قال ~~ابن قتيبة: وأصله من الظهر، فكأن التظاهر: أن يجعل كل واحد من الرجلين ~~[أو من القوم] الآخر ظهرا له يتقوى به، ويستند إليه. قال مقاتل: ~~والإثم: المعصية، والعدوان: الظلم. # قوله تعالى: { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } أصل الأسر: الشد. قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وابن عامر { أسارى } وقرأ الأعمش وحمزة { أسرى } قال ~~الفراء: أهل الحجاز يجمعون الأسير«أسارى» وأهل نجد أكثر كلامهم «أسرى» ~~وهو أجود الوجهين في العربية، لأنه بمنزلة قولهم: جريح وجرحى، وصريع ~~وصرعى. وروى الأصمعي عن أبي عمرو قال: الأسارى: ما شدوا، والأسرى: في ~~أيديهم، إلا أنهم لم يشدوا. وقال الزجاج: «فعلى» جمع لكل ما أصيب به ~~الناس في أبدانهم وعقولهم. يقال: هالك وهلكى، ومريض ومرضى، وأحمق وحمقى، ~~وسكران وسكرى. فمن قرأ: { أسارى }؛ فهي جمع الجمع. تقول: أسير وأسرى ~~وأسارى جمع أسرى. # قوله تعالى: { تفادوهم } قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر: { تفدوهم } ~~وقرأ نافع وعاصم والكسائي: { تفادوهم } بألف. والمفاداة: إعطاء شيء، ~~وأخذ شيء مكانه. # { أفتؤمنون ببعض الكتاب } وهو: فكاك الأسرى. { وتكفرون ببعض } وهو: ~~الإخراج والقتل. وقال مجاهد: تفديه في يد، غيرك، وتقتله أنت بيدك؟!. # وفي المراد بالخزي قولان. أحدهما: أنه الجزية، قاله ابن عباس. والثاني: ~~قتل قريظة ونفي النضير، قاله مقاتل ### || [2.86] # قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة } قال ابن ~~عباس: هم اليهود. وقال مقاتل: باعوا الآخرة بما يصيبونه من الدنيا. ### || [2.87] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يريد التوراة. وقفينا: ~~أتبعنا. قال ابن قتيبة: وهو مأخوذ من القفا. يقال: قفوت الرجل: إذا سرت ~~في أثره. والبينات: الآيات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء ~~الموتى. وأيدناه: قويناه والأيد: القوة. # وفي روح القدس ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ms0070 جبريل. والقدس: الطهارة، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك ~~والسدي في آخرين. وكان ابن كثير يقرأ: { بروح القدس } ساكنة الدال. قال ~~أبو علي: التخفيف والتثقيل فيه حسنان، نحو: العنق والعنق، والطنب ~~والطنب. # وفي تأييده به ثلاثة أقوال، ذكرها الزجاج. أحدها: أنه أيد به لإظهار ~~حجته وأمر دينه. والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله. والثالث: ~~أنه أيد به في جميع أحواله. # والقول الثاني: أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتى، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنه الإنجيل، قاله ابن زيد. ### || [2.88] # قوله تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف } قرأ الجمهور بإسكان اللام، وقرأ قوم، ~~منهم الحسن وابن محيصن بضمها. قال الزجاج. من قرأ: { غلف } بتسكين اللام، ~~فمعناه: ذوات غلف، فكأنهم قالوا: قلوبنا في أوعية. ومن قرأ { غلف } بضم ~~اللام، فهو جمع «غلاف» فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا ~~تفهم وهي أوعية للعلم؟! فعلى الأول؛ يقصدون إعراضه عنهم، كأنهم يقولون ما ~~نفهم شيئا. وعلى الثاني يقولون: لو كان قولك حقا لقبلته قلوبنا. # قوله تعالى: { فقليلا ما يؤمنون } فيه خمسة أقوال. # أحدها: فقليل من يؤمن منهم، قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: أن المعنى: ~~قليل ما يؤمنون به. قال معمر: يؤمنون بقليل مما في أيديهم، ويكفرون ~~بأكثره. والثالث: أن المعنى: فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا. ذكره ابن ~~الأنباري. وقال: هذا على لغة قوم من العرب، يقولون: قلما رأيت مثل هذا ~~الرجل، وهم يريدون: ما رأيت مثله. والرابع: فيؤمنون قليلا من الزمان: ~~كقوله تعالى: { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار }. ذكره ابن ~~الأنباري أيضا. والخامس: أن المعنى: فإيمانهم قليل، ذكره ابن جرير ~~الطبري. وحكى في «ما» قولين. أحدهما: أنها زائدة. والثاني: أن «ما» تجمع ~~جميع الأشياء، ثم تخص بعض ما عمته بما يذكر بعدها. ### || [2.89-90] # قوله تعالى: { ولما جاءهم كتاب من عند الله } يعني: القرآن، و«يستفتحون» ~~يستنصرون. وكانت اليهود إذا قاتلت المشركين استنصروا باسم نبي الله، محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { بئس ما اشتروا به أنفسهم } بئس: كلمة ms0071 مستوفية لجميع الذم، ~~ونقيضها: «نعم» واشتروا، بمعنى: باعوا. والذي باعوها به قليل من الدنيا. # قوله تعالى: { بغيا } قال قتادة: حسدا. ومعنى الكلام: كفروا بغيا، ~~لأن نزل الله الفضل على النبي، صلى الله عليه وسلم. # وفي قوله تعالى { بغضب على غضب } خمسة أقوال. أحدها: أن الغضب الأول ~~لاتخاذهم العجل. والثاني: لكفرهم بمحمد، حكاه السدي عن ابن مسعود وابن ~~عباس. والثاني: أن الأول لتكذيبهم رسول الله. والثاني: لعداوتهم لجبريل. ~~رواه شهر عن ابن عباس. والثالث: أن الأول حين قالوا: # يد الله مغلولة # [المائدة: 64]. والثاني: حين كذبوا نبي الله. رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، واختاره الفراء. والرابع: أن الأول لتكذيبهم بعيسى والإنجيل. ~~والثاني: لتكذيبهم بمحمد والقرآن. قاله الحسن، والشعبي، وعكرمة، وأبو ~~العالية، وقتادة، ومقاتل. والخامس: أن الأول لتبديلهم التوراة. والثاني: ~~لتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد. والمهين: المذل. ### || [2.91] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } يعني: القرآن؛ { ~~قالوا نؤمن بما أنزل علينا } يعنون: التوراة. # وفي قوله: { ويكفرون بما وراءه } قولان. أحدهما: أنه أراد بما سواه. ~~ومثله { وأحل لكم ما وراء ذلكم } [النساء: 24] قاله الفراء ومقاتل. ~~والثاني: بما بعد الذي أنزل عليهم. قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وهو الحق } يعود على ما وراءه. # { فلم تقتلون أنبياء الله } هذا جواب قولهم: { نؤمن بما أنزل علينا } ~~فان الأنبياء، وتقتلون بمعنى: قتلتم، فوضع المستقبل في موضع الماضي، لأن ~~الوهم لا يذهب إلى غيره. وأنشدوا في ذلك: # شهد الحطيئة حين يلقى ربه # أن الوليد أحق بالعذر # أراد: يشهد. ### || [2.92-93] # قوله تعالى: { ولقد جاءكم موسى بالبينات } فيها قولان. أحدهما: ما في ~~الألواح من الحلال والحرام، قاله ابن عباس. والثاني: الآيات التسع، قاله ~~مقاتل. # وفي هاء «بعده» قولان. أحدهما: أنها تعود إلى موسى، فمعناه: من بعد ~~انطلاقه إلى الجبل، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أنها تعود إلى ~~المجيء، لأن «جاءكم» يدل على المجيء. وفي ذكر عبادتهم العجل تكذيب ~~لقولهم: { نؤمن بما أنزل علينا } # قوله تعالى: { قالوا سمعنا وعصينا } قال ابن عباس: كانوا إذا نظروا إلى ms0072 ~~الجبل، قالوا: سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب؛ قالوا: سمعنا ~~وعصينا. # قوله تعالى: { وأشربوا في قلوبهم العجل } أي: سقوا حب العجل، فحذف ~~المضاف، وهو الحب، وأقام المضاف إليه مقامه، ومثله قوله: # الحج أشهر معلومات # [البقرة: 197] [أي وقت الحج] وقوله: # أجعلتم سقاية الحاج # [التوبة: 19] [أي: أجعلتم صاحب سقاية الحاج]. وقوله: # واسئلوا القرية # [يوسف:82] [أي أهلها] وقوله: # إذا لأذقناك ضعف الحياة # [الإسراء: 75] أي، ضعف عذاب الحياة. وقوله: # لهدمت صوامع وبيع وصلوات # [الحج:40] أي: بيوت صلوات. وقوله: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ:30] أي: مكركم فيهما. وقوله: # فليدع ناديه # [العلق:17] أي: أهله. # ومن هذا قول الشاعر: # أنبئت أن النار بعدك أوقدت # واستب بعدك يا كليب المجلس # أي: أهل المجلس. وقال الآخر: # وشر المنايا ميت بين أهله # أي: وشر المنايا منية ميت بين أهله. # قوله تعالى: { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } أي: أن تكذبوا المرسلين، ~~وتقتلوا النبيين بغير حق، وتكتموا الهدى. # قوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين } في «إن» قولان. أحدهما: أنها بمعنى: ~~الجحد، فالمعنى: ما كنتم مؤمنين إذ عصيتم الله، وعبدتم العجل. والثاني: ~~أن تكون «إن» شرطا معلقا بما قبله، فالمعنى: إن كنتم مؤمنين؛ فبئس ~~الإيمان إيمان يأمركم بعبادة العجل، وقتل الأنبياء، ذكرهما ابن الأنباري. ### || [2.94-96] # قوله تعالى: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } كانت اليهود تزعم أن الله ~~تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده، فنزلت هذه الآية. ومن الدليل ~~على علمهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، أنهم ما تمنوا الموت، ~~وأكبر الدليل على صدقه أنه أخبر أنهم لا يتمنونه بقوله تعالى: { ولن ~~يتمنوه } فما تمناه أحد منهم. والذي قدمته أيديهم: قتل الأنبياء ~~وتكذيبهم، وتبديل التوراة. # قوله تعالى: { ولتجدنهم } اللام: لام القسم، والنون توكيد له، والمعنى: ~~ولتجدن اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، ~~وأحرص من الذين أشركوا. وفي «الذين أشركوا» قولان. أحدهما: أنهم: المجوس، ~~قاله ابن عباس، وابن قتيبة والزجاج. والثاني: مشركو العرب، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { يود أحدهم } في الهاء والميم من «أحدهم» قولان. أحدهما: ~~أنها ms0073 تعود على الذين أشركوا، قاله الفراء. والثاني: ترجع إلى اليهود، قال ~~مقاتل، قال الزجاج: وإنما ذكر «ألف سنة» لأنها نهاية ما كانت المجوس ~~تدعو بها لملوكها، كان الملك يحيا بأن يقال له: عش ألف نيروز، وألف ~~مهرجان. # قوله تعالى: «وما هو» فيه قولان ذكرهما الزجاج، أحدهما: أنه كناية عن ~~أحدهم الذي جرى ذكره، تقديره: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره. ~~والثاني: أن يكون هو كناية عما جرى من التعمير، فيكون المعنى: وما تعميره ~~بمزحزحه من العذاب، ثم جعل «أن يعمر» مبينا عنه، كأنه قال: ذلك الشيء ~~الدنيء ليس بمزحزحه من العذاب. ### || [2.97-99] # قوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل } قال ابن عباس: أقبلت اليهود إلى ~~النبي، صلى الله عليه وسلم فقالوا: من يأتيك من الملائكة؟ قال: جبريل: ~~فقالوا: ذاك ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، فنزلت هذه الآية والتي ~~تليها. # وفي جبريل إحدى عشرة لغة. # إحداها: جبريل، بكسر الجيم والراء من غير همز، وهي لغة أهل الحجاز، وبها ~~قرأ ابن عامر، وأبو عمرو. قال ورقة بن نوفل: # وجبريل يأتيه وميكال معهما # من الله وحي يشرح الصدر منزل # وقال عمران بن حطان: # والروح جبريل فيهم لا كفاء له # وكان جبريل عند الله مأمونا # وقال حسان: # و جبريل رسول الله فينا # وروح القدس ليس له كفاء # واللغة الثانية: جبريل بفتح الجيم وكسر الراء، وبعدها ياء ساكنة من غير ~~همز على وزن: فعليل، وبها قرأ الحسن البصري، وابن كثير، وابن محيصن. ~~وقال الفراء: لا أشتهيها، لأنه ليس في الكلام فعليل، ولا أرى الحسن ~~قرأها إلا وهو صواب، لأنه اسم أعجمي. # والثالثة: جبرئيل: بفتح الجيم والراء، وبعدها همزة مكسورة على وزن: ~~جبرعيل، وبها قرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي، قال الفراء: وهي لغة تميم ~~وقيس، وكثير من أهل نجد. وقال الزجاج: هي أجود اللغات، وقال جرير: # عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد # وبجبرئيل وكذبوا ميكالا. # والرابعة: جبرئل، بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء واللام، مكسورة ~~من غير مد، على وزن جبرعل، رواها أبو بكر عن عاصم. # والخامسة: جبرئل، بفتح ms0074 الجيم وكسر الهمزة وتشديد اللام، وهى قراءة ~~أبان عن عاصم ويحيى بن يعمر. # والسادسة: جبرائيل، بهمزة مكسورة بعدها ياء مع الألف. # والسابعة: جبراييل، بيائين بعد الألف أولاهما مكسورة. # والثامنة: جبرين، بفتح الجيم ونون مكان اللام. # والتاسعة: جبرين، بكسر الجيم وبنون، قال الفراء: هي لغة بني أسد. وقرأت ~~على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن الأنباري قال: في جبريل تسع لغات، ~~فذكرهن. # وذكر ابن الأنباري في كتاب «الرد على من خالف مصحف عثمان»: جبرائل، بفتح ~~الجيم وإثبات الألف مع همزة مكسورة ليس بعدها ياء. وجبرئين، بفتح الجيم ~~مع همزة مكسورة بعدها يا ونون. # فأما ميكائيل، ففيه خمس لغات. # إحداهن: ميكال مثل: مفعال بغير همز، وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ أبو ~~عمرو وحفص عن عاصم. # والثانية: ميكائيل باثبات ياء ساكنة بعد الهمزة. مثل: ميكاعيل، وهي لغة ~~تميم وقيس، وكثير من أهل نجد، وبها قرأ ابن عامر، وابن كثير، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم. # والثالثة: ميكائل بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء مثل، ميكاعل، وبها ~~قرأ نافع وابن شنبوذ، وابن الصباح، جميعا عن قنبل. # والرابعة: ميكئل، على وزن ميكعل، وبها قرأ ابن محيصن. # والخامسة: ميكائين بهمزة معها ياء ونون بعد الألف، ذكرها ابن الأنباري. ~~قال الكسائي: جبريل وميكائيل، اسمان لم تكن العرب تعرفهما، فلما جاءا ~~عربتهما. قال ابن عباس، جبريل وميكائيل، كقولك: عبد الله، وعبد الرحمن، ~~ذهب إلى أن «إيل» اسم الله، واسم الملك «جبر» «وميكا» وقال عكرمة: معنى ~~جبريل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله. وقد دخل جبريل وميكائيل في ~~الملائكة، لكنه أعاد ذكرهما لشرفهما، كقوله تعالى: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] وإنما قال: { فان الله عدو للكافرين } ولم يقل: لهم، ليدل ~~على أنهم كافرون بهذه العداوة. ### || [2.100-101] # قوله تعالى: { أو كلما عاهدوا عهدا } الواو واو العطف، أدخلت عليها ~~ألف الاستفهام. قال ابن عباس ومجاهد: والمشار اليهم: اليهود. وقيل: العهد ~~الذي عاهدوه، أنهم قالوا: والله لئن خرج محمد لنؤمنن به، وروي عن عطاء ~~أنها العهود التي كانت بين رسول ms0075 الله صلى الله عليه وسلم وبينهم، ~~فنقضوها، كفعل قريظة والنضير. ومعنى نبذه: رفضه. # قوله تعالى: { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } يعني اليهود. والكتاب: ~~التوراة. وفي قوله تعالى: { كتاب الله } قولان. أحدهما: القرآن. ~~والثاني: أنه التوراة، لأن الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم قد نبذوا ~~التوراة. ### || [2.102] # قوله تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } # في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن اليهود كانوا لا يسألون النبي عن شيء من التوراة إلا أجابهم، ~~فسألوه عن السحر وخاصموه به، فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. ~~والثاني: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت يهود المدينة: ألا تعجبون ~~لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبيا؟! والله ما كان إلا ساحرا، فنزلت هذه ~~الآية. قاله ابن اسحاق. # وتتلوا، بمعنى: تلت، و «على» بمعنى: «في» قاله المبرد. قال الزجاج: ~~وقوله: { على ملك سليمان } أي: على عهد ملك سليمان. # وفي كيفية ما تلت الشياطين على ملك سليمان ستة أقوال. # أحدها: أنه لما خرج سليمان عن ملكه؛ كتبت الشياطين السحر، ودفنته في ~~مصلاه، فلما توفي استخرجوه، وقالوا: بهذا كان يملك الملك، ذكر هذا المعنى ~~أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. # والثاني: أن آصف كان يكتب ما يأمر به سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما ~~مات سليمان، استخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكذبا، ~~وأضافوه إلى سليمان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: أن الشياطين كتبت السحر بعد موت سليمان، ثم أضافته إليه، قاله ~~عكرمة. # والرابع: أن الشياطين ابتدعت السحر، فأخذه سليمان، فدفنه تحت كرسيه لئلا ~~يتعلمه الناس، فلما قبض استخرجته، فعلمته الناس وقالوا: هذا علم سليمان، ~~قاله قتادة. # والخامس: أن سليمان أخذ عهود الدواب، فكانت الدابة إذا أصابت إنسانا ~~طلب إليها بذلك العهد، فتخلي عنه، فزاد السحرة السجع والسحر، قاله أبو ~~مجلز. # والسادس: أن الشياطين كانت في عهد سليمان تسترق السمع، فتسمع من كلام ~~الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتون الكهنة ~~فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس، فيجدونه كما قالوا، حتى ms0076 إذا أمنتهم ~~الكهنة كذبوا لهم [وأدخلوا فيه غيره]، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، ~~فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم ~~الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب في صندوق، ثم دفنها تحت ~~كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق ~~[وقال: لا أسمع أحدا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه]، ~~فلما مات سليمان؛ جاء شيطان إلى نفر من بني إسرائيل، فدلهم على تلك الكتب ~~وقال: إنما كان سليمان يضبط أمر الخلق بهذا، ففشا في الناس أن سليمان كان ~~ساحرا، واتخذ بنوا إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد، صلى الله عليه ~~وسلم، خاصموه بها، هذا قول السدي. # وسليمان: اسم عبراني، وقد تكلمت به العرب في الجاهلية، وقد جعله النابغة ~~سليما ضرورة، فقال: ونسج سليم كل قضاء ذائل. # واضطر الحطيئة فجعله: سلاما فقال: # فيه الرماح وفيه كل سابغة # جدلاء محكمة من نسج سلام # وأرادا جميعا: داود أبا سليمان، فلم يستقم لهما الشعر، فجعلاه: سليمان ~~وغيراه. كذلك قرأته على شيخنا أبي منصور اللغوي. وفي قوله: { وما كفر ~~سليمان } دليل على كفر الساحر، لأنهم نسبوا إلى السحر، لا إلى الكفر. # قوله تعالى: { ولكن الشياطين كفروا } # وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم بتشديد نون { ولكن } ونصب نون ~~{ الشياطين }. وقرأ ابن عامر و حمزة والكسائي بتخفيف النون من { لكن } ~~ورفع نون { الشياطين }. # قوله تعالى: { وما أنزل على الملكين } وقرأ ابن عباس، والحسن، وسعيد بن ~~جبير والزهري { الملكين } بكسر اللام، وقراءة الجمهور أصح. # وفي «ما» قولان. أحدهما: أنها معطوفة على «ما» الأولى، فتقديره: واتبعوا ~~ما تتلوا الشياطين وما أنزل على الملكين. والثاني: أنها معطوفة على ~~السحر، فتقديره: يعلمون الناس السحر، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين. ~~فإن قيل: إذا كان السحر نزل على الملكين، فلما ذاكره؟ فالجواب من وجهين، ~~ذكرهما، ابن السري، أحدهما: أنهما كانا يعلمان الناس: ما السحر، ويأمران ~~باجتنابه، وفي ذلك حكمة؛ لأن سائلا لو قال: ما الزنى؟ لوجب أن ms0077 يوقف ~~عليه، ويعلم أنه حرام. والثاني: أنه من الجائز أن يكون الله تعالى امتحن ~~الناس بالملكين، فمن قبل التعلم كان كافرا، ومن لم يقبله فهو مؤمن، كما ~~امتحن بنهر طالوت. # وفي الذي أنزل على الملكين قولان. أحدهما: أنه السحر، روي عن ابن مسعود ~~والحسن، وابن زيد. والثاني: أنه التفرقة بين المرء وزوجه، لا السحر، روي ~~عن مجاهد وقتادة، وعن ابن عباس كالقولين. قال الزجاج: وهذا من باب السحر ~~أيضا. # الإشارة إلى قصة الملكين # ذكر العلماء أن الملكين إنما أنزلا إلى الأرض لسبب، وهو أنه لما كثرت ~~خطايا بني آدم؛ دعت عليهم الملائكة، فقال الله تعالى: لو أنزلت الشهوة ~~والشياطين منكم منزلتهما من بني آدم، لفعلتم مثل ما فعلوا، فحدثوا أنفسهم ~~أنهم إن ابتلوا، اعتصموا، فأوحى الله إليهم [أن] اختاروا من أفضلكم ~~ملكين، فاختاروا هاروت وماروت. وهذا مروي عن ابن مسعود، وابن عباس. # واختلف العلماء: ماذا فعلا من المعصية على ثلاثة أقوال. أحدها: أنهما ~~زنيا، وقتلا، وشربا الخمرة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهما جارا في ~~الحكم، قاله عبيد الله بن عتبة. والثالث: أنهما هما بالمعصية فقط. ونقل ~~عن علي، رضي الله عنه، أن الزهرة كانت امرأة جميلة، وأنها خاصمت إلى ~~الملكين هاروت وماروت، فراودها كل واحد منهما على نفسها، ولم يعلم ~~صاحبه، وكانا يصعدان السماء آخر النهار، فقالت لهما: بم تهبطان وتصعدان؟ ~~قالا: باسم الله الأعظم، فقالت: ما أنا بمواتيتكما إلى ما تريدان حتى ~~تعلمانيه، فعلماها إياه، فطارت إلى السماء، فمسخها الله كوكبا. # وفي الحديث أن النبي، صلى الله عليه وسلم # " لعن الزهرة، وقال: إنها فتنت ملكين " # إلا أن هذه الأشياء بعيدة عن الصحة وتأول بعضهم، هذا فقال: إنه لما رأى ~~الكوكب، ذكر تلك المرأة، لا أن المرأة مسخت نجما. # واختلف العلماء في كيفية عذابهما؛ فروي عن ابن مسعود أنهما معلقان ~~بشعورهما إلى يوم القيامة، وقال مجاهد: إن جبا ملىء نارا فجعلا فيه. # فأما بابل؛ فروي عن الخليل أن ألسن الناس تبلبلت بها. واختلفوا في حدها ~~على ثلاثة أقوال. أحدها: أنها: ms0078 الكوفة وسوادها، قاله ابن مسعود. والثاني: ~~أنها من نصيبين إلى رأس العين، قاله قتادة. والثالث: أنها جبل في وهدة من ~~الأرض، قاله السدي. # قوله تعالى: { إنما نحن فتنة } أي: اختبار وابتلاء. # قوله تعالى: { إلا بإذن الله } يريد: بقضائه. { ولقد علموا }: إشارة ~~إلى اليهود { لمن اشتراه } ، يعني: اختاره، يريد: السحر. واللام لام ~~اليمين. فأما الخلاق؛ فقال الزجاج: هو النصيب الوافر من الخير. # قوله تعالى: { ولبئس ما شروا به أنفسهم } أي: باعوها به { لو كانوا ~~يعلمون } العقاب فيه. # فصل # اختلف الفقهاء في حكم الساحر؛ فمذهب إمامنا أحمد رضي الله عنه يكفر ~~بسحره، قتل به، أو لم يقتل، وهل تقبل توبته؟ على روايتين. وقال الشافعي: ~~لا يكفر بسحره، فان قتل بسحره وقال: سحري يقتل مثله، وتعمدت ذلك قتل ~~قودا. وإن قال: قد يقتل، وقد يخطيء، لم يقتل، وفيه الدية. فأما ساحر أهل ~~الكتاب، فانه لا يقتل عند أحمد إلا أن يضر بالمسلمين، فيقتل لنقض العهد، ~~وسواء في ذلك الرجل والمرأة. وقال أبو حنيفة: حكم ساحر أهل الكتاب حكم ~~ساحر المسلمين في إيجاب القتل، فأما المرأة الساحرة، فقال: تحبس، ولا ~~تقتل. ### || [2.103-104] # قوله تعالى: { ولو أنهم آمنوا } يعني: اليهود، والمثوبة: الثواب { لو ~~كانوا يعلمون } قال الزجاج: أي: يعلمون بعلمهم. # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } قرأ الجمهور بلا ~~تنوين، وقرأ الحسن، والأعمش، وابن محيصن بالتنوين، «وراعنا» بلا تنوين من ~~راعيت، وبالتنوين من الرعونة، قال ابن قتيبة: راعنا بالتنوين: هو اسم ~~مأخوذ من [الرعن و] الرعونة، أراد: لا تقولوا جهلا ولا حمقا. وقال ~~غيره: كان الرجل إذا أراد استنصات صاحبه، قال أرعني سمعك، فكان المنافقون ~~يقولون: راعنا، يريدون: أنت أرعن. وقوله: { انظرنا } بمعنى: انتظرنا، ~~وقال مجاهد: انظرنا: اسمع منا، وقال ابن زيد: لا تعجل علينا. ### || [2.105] # قوله تعالى: { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب }. # قال ابن عباس: هم يهود المدينة، ونصارى نجران، فالمشركون مشركو أهل مكة. ~~{ أن ينزل عليكم } أي: على رسولكم. { من خير من ربكم } أراد: النبوة ~~والإسلام. وقال أبو ms0079 سليمان الدمشقي: أراد بالخير: العلم والفقه والحكمة. # { والله يختص برحمته من يشاء } # في هذه الرحمة قولان. أحدهما: أنها النبوة، قاله علي بن أبي طالب، ومحمد ~~بن علي بن الحسين، ومجاهد والزجاج. والثاني: أنها الإسلام، قاله ابن عباس ~~ومقاتل. ### || [2.106-107] # قوله تعالى: { ما ننسخ من آية } # سبب نزولها: أن اليهود قالت لما نسخت القبلة: إن محمدا يحل لأصحابه إذا ~~شاء، ويحرم عليهم إذا شاء؛ فنزلت هذه الآية. # قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، تقول العرب: ~~نسخت الشمس الظل: إذا أذهبته، وحلت محله، وفي المراد بهذا النسخ ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: رفع اللفظ والحكم. والثاني: تبديل الآية بغيرها، رويا عن ابن ~~عباس، والأول قول السدي، والثاني قول مقاتل. والثالث: رفع الحكم مع بقاء ~~اللفظ، رواه مجاهد عن أصحاب ابن مسعود، وبه قال أبو العالية، وقرأ ابن ~~عامر: { ما ننسخ } بضم النون، وكسر السين. قال أبو علي: أي: ما نجده ~~منسوخا كقولك: أحمدت فلانا، أي: وجدته محمودا، وإنما يجده منسوخا ~~بنسخه إياه. # قوله تعالى: { أو ننسها } قرأ ابن كثير وأبو عمرو: { ننسأها } بفتح ~~النون مع الهمزة، والمعنى: نؤخرها. قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض، ~~فأنا أنسأها: إذا أخرتها، ومنه: النسيئة في البيع. وفي معنى نؤخرها ثلاثة ~~أقوال. أحدها: نؤخرها عن النسخ فلا ننسخها، قاله الفراء. والثاني: نؤخر ~~إنزالها، فلا ننزلها البتة. والثالث: نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها، ~~حكاهما أبو علي الفارسي. وقرأ سعد بن أبي وقاص: { تنسها } بتاء مفتوحة ~~ونون. وقرأ سعيد بن المسيب والضحاك: { تنسها } بضم التاء، وقرأ نافع: { ~~أو ننسها } بنونين، الأولى مضمومة، والثانية ساكنة. أراد: أو ننسكها، من ~~النسيان. # قوله تعالى: { نأت بخير منها } قال ابن عباس: بألين منها، وأيسر على ~~الناس. # قوله تعالى: { أو مثلها } أي: في الثواب والمنفعة، فتكون الحكمة في ~~تبديلها بمثلها الاختبار. { ألم تعلم } لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه ~~التوقيف والتقرير. والملك في اللغة: تمام القدرة واستحكامها، فالله عز ~~وجل يحكم بما يشاء على عباده، وبغير ما يشاء من أحكام. ### || [2.108] # قوله ms0080 تعالى: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم } # في سبب نزولها خمسة أقوال. # أحدها: أن رافع بن حريملة، ووهب بن زيد، قالا لرسول الله: ائتنا بكتاب ~~نقرؤه تنزله من السماء علينا، وفجر لنا أنهارا حتى نتبعك، فنزلت الآية، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: أن قريشا سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا، فقال: «هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل [إن كفرتم] فأبوا» قاله ~~مجاهد. # والثالث: أن رجلا قال: يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني ~~إسرائيل، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: # " اللهم لا نبغيها، ما أعطاكم الله، خير مما أعطى بني إسرائيل، كانوا ~~إذا أصاب أحدهم الخطيئة؛ وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فان كفرها كانت ~~له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة، فقد أعطاكم ~~الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل " # فقال: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110] وقال: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن " # فنزلت هذه الآية. قاله أبو العالية. # والرابع: أن عبد الله بن أبي أمية المخزومي أتى النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، في رهط من قريش، فقال: يا محمد: والله لا أؤمن بك حتى تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا، فنزلت هذه الآية. ذكره ابن السائب. # والخامس: أن جماعة من المشركين جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال بعضهم: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. وقال آخر: لن ~~أؤمن لك حتى تسير لنا جبال مكة، وقال عبد الله بن أبي أمية: لن أؤمن لك ~~حتى تأتي بكتاب من السماء، فيه: من الله رب العالمين إلى ابن أبي أمية: ~~اعلم أني قد أرسلت محمدا إلى الناس. وقال آخر: هلا جئت بكتابك مجتمعا، ~~كما جاء موسى بالتوراة. فنزلت هذه الآية. ذكره محمد بن القاسم الأنباري. # وفي المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قريش، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني اليهود، قاله مقاتل. ~~والثالث: جميع العرب، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي «أم» ms0081 قولان. # أحدهما: أنها بمعنى: بل تقول العرب: هل لك علي حق، أم أنت معروف ~~بالظلم. يريدون: بل أنت. وأنشدوا: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # وصورتها أم أنت في العين أملح # ذكره الفراء والزجاج. # والثاني: بمعنى الاستفهام. فان اعترض معترض، فقال: إنما تكون للاستفهام ~~إذا كانت مردودة على استفهام قبلها، فأين الاستفهام الذي تقدمها؟ فعنه ~~جوابان. أحدهما: أنه قد تقدمها استفهام، وهو قوله { ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير } ذكره الفراء. وكذلك قال ابن الأنباري: هي مردودة على الألف ~~في: { ألم تعلم } فإن اعترض على هذا الجواب، فقيل: كيف يصح العطف ولفظ: { ~~ألم تعلم } ينبىء عن الواحد، و { تريدون } عن جماعة؟ فالجواب: أنه إنما ~~رجع الخطاب من التوحيد إلى الجمع، لأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقد خوطبت به أمته، فاكتفى به من أمته في المخاطبة الأولى، ثم أظهر ~~المعنى في المخاطبة الثانية. # ومثل هذا قوله تعالى: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق:1]. ذكر هذا الجواب ابن الأنباري. فأما الجواب الثاني عن { أم ~~}؛ فهو أنها للاستفهام، وليست مردودة على شيء. قال الفراء: إذا توسط ~~الاستفهام الكلام؛ ابتدىء بالألف وبأم، وإذا لم يسبقه كلام؛ لم يكن إلا ~~بالألف أو ب «هل». وقال ابن الأنباري: «أم» جارية مجرى «هل»، غير أن ~~الفرق بينهما: أن «هل» استفهام مبتدأ، لا يتوسط ولا يتأخر، و «أم»: ~~استفهام متوسط، لا يكون إلا بعد كلام. # فأما الرسول هاهنا؛ فهو: محمد صلى الله عليه وسلم، والذي سئل موسى من ~~قبل قولهم: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. وهل سألوا ذلك نبيا أم لا؟ فيه قولان. أحدهما: أنهم ~~سألوا ذلك، فقالوا # لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء:92]. قاله ابن عباس والثاني: أنهم بالغوا في المسائل، فقيل لهم ~~بهذه الآية: لعلكم تريدون أن تسألوا محمدا أن يريكم الله جهرة، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # والكفر: الجحود، والإيمان: التصديق. وقال أبو العالية: المعنى: ومن ~~يتبدل الشدة بالرخاء. وسواء السبيل: وسطه. ### || [2.109] # قوله ms0082 تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } # في سبب نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: أن حيي بن أخطب، وأبا ياسر كانا ~~جاهدين في رد الناس عن الإسلام، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي، ويحرض عليه كفار قريش في ~~شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله حين قدمها، ~~فأمر النبي بالصفح عنهم، فنزلت هذه الآية، قاله عبد الله بن كعب بن مالك. ~~والثالث: أن نفرا من اليهود دعوا حذيفة وعمارا إلى دينهم، فأبيا، فنزلت ~~هذه الآية، قاله مقاتل. # ومعنى «ود»: أحب وتمنى. وأهل الكتاب: اليهود. قال الزجاج: من عند أنفسهم ~~موصول: ب { ود كثير } ، لا بقوله: { حسدا } لأن حسد الإنسان لا يكون ~~إلا من عند نفسه. والمعنى: مودتهم لكفركم من عند أنفسهم، لا أنه عندهم ~~الحق. فأما الحسد، فهو تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد ~~مثلها، وتفارقه الغبطة، فانها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط. ~~وحد بعضهم الحسد فقال: هو أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأخيار، ولا ~~يجوز أن يكون الفاضل حسودا، لأن الفاضل يجري على ما هو الجميل. وقال بعض ~~الحكماء: كل أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد، فانه لا يرضيه إلا زوال ~~نعمتك. وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا، يقول: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم ~~من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي. # قوله تعالى: { حتى يأتي الله بأمره } قال ابن عباس: فجاء الله بأمره في ~~النضير بالجلاء والنفي، وفي قريظة بالقتل والسبي. # فصل # وقد روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، وقتادة، رضي الله عنهم: ~~أن العفو والصفح منسوخ بقوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله # [التوبة: 29]. وأبى هذا القول جماعة من المفسرين والفقهاء، واحتجوا بأن ~~الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقا، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد ~~الغاية يخالف حكم ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، ms0083 بل ~~يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج إلى حكم آخر. ### || [2.110] # قوله تعالى: { تجدوه } أي: تجدوا ثوابه. ### || [2.111-112] # قوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } # قال ابن عباس: اختصم يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، ولا يدخل الجنة إلا من كان ~~يهوديا، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، ~~وكفروا بالتوراة وموسى؛ فقال الله تعالى: { تلك أمانيهم }. # واعلم أن الكلام في هذه الآية مجمل، ومعناه: قالت اليهود: لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. ~~والهود، جمع: هائد { تلك أمانيهم } أي: ذاك شيء يتمنونه، وظن يظنونه، ~~هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد. { قال هاتوا برهانكم } أي: حجتكم إن كنتم ~~صادقين بأن الجنة لا يدخلها إلى من كان هودا أو نصارى. ثم بين تعالى ~~بأنه ليس كما زعموا فقال: { بلى من أسلم وجهه } وأسلم، بمعنى: أخلص. وفي ~~الوجه قولان. أحدهما: أنه الدين. والثاني: العمل. # قوله تعالى: { وهو محسن } أي: في عمله؛ { فله أجره } قال الزجاج: يريد: ~~فهو يدخل الجنة. # قوله تعالى: { وهم يتلون الكتاب } أي: كل منهم يتلو كتابه بتصديق ما كفر ~~به، قاله السدي، وقتادة. { كذلك قال الذين لا يعلمون } وفيهم قولان. ~~أحدهما: أنهم مشركو العرب قالوا لمحمد وأصحابه: لستم على شيء، قاله السدي ~~عن أشياخه. والثاني: أنهم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى، كقوم نوح، ~~وهود، وصالح، قاله عطاء. # قوله تعالى: { فالله يحكم بينهم يوم القيامة } قال الزجاج: يريد حكم ~~الفصل بينهم، فيريهم من يدخل الجنة عيانا [ومن يدخل النار عيانا] فأما ~~الحكم بينهم في العقد فقد بينه لهم في الدنيا بما أقام على الصواب من ~~الحجج. ### || [2.113-114] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين. # أحدهما: أنها نزلت في الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس ~~من أجل أن بني إسرئيل قتلوا يحيى بن زكريا، فخرب ms0084 وطرحت الجيف فيه، قاله ~~ابن عباس في آخرين. والثاني: أنها في المشركين الذين حالوا بين رسول الله ~~وبين مكة يوم الحديبية، قاله ابن زيد. وفي المراد بخرابها قولان. أحدهما: ~~أنه نقضها، والثاني: منع ذكر الله فيها. # قوله تعالى: { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } فيه قولان. ~~أحدهما: أنه إخبار عن أحوالهم بعد ذلك. قال السدي: لا يدخل رومي بيت ~~المقدس إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية. والثاني: ~~أنه خبر في معنى الأمر، تقديره: عليكم بالجد في جهادهم كي لا يدخلها أحد ~~إلا وهو خائف. # { لهم في الدنيا خزي } فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أن خزيهم الجزية، قاله ~~ابن عباس. والثاني: أنه فتح القسطنطينية، قاله السدي. والثالث: أنه طردهم ~~عن المسجد الحرام، فلا يدخله مشرك أبدا ظاهرا، قاله ابن زيد. ### || [2.115] # قوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب } # في نزولها أربعة أقوال. أحدها: أن الصحابة كانوا مع رسول الله في غزوة ~~في ليلة مظلمة، فلم يعرفوا القبلة، فجعل كل واحد منهم مسجدا بين يديه ~~وصلى، فلما أصبحوا إذا هم على غير القبلة، فذكروا ذلك لرسول الله، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. رواه عامر بن ربيعه. والثاني: أنها نزلت في التطوع ~~بالنافلة، قاله ابن عمر. والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى # ادعوني استجب لكم # [غافر:60]. قالوا: إلى أين: فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. والرابع: أنه ~~لما مات النجاشي، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه؛ قالوا: ~~إنه كان لا يصلي إلى القبلة؛ فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # قوله تعالى: { فثم وجه الله } فيه قولان. أحدهما: فثم الله، يريد: ~~علمه معكم أين كنتم، وهو قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: فثم قبلة الله، ~~قاله عكرمة، ومجاهد. والواسع: الذي وسع غناه مفاقر عباده، ورزقه جميع ~~خلقه. والسعة في كلام العرب: الغنى. # فصل # وهذه الآية مستعملة الحكم في المجتهد إذا صلى إلى غير القبلة، وفي صلاة ~~المتطوع على الراحلة، والخائف. وقد ذهب قوم إلى نسخها، فقالوا: إنها لما ~~نزلت؛ توجه رسول ms0085 الله إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك بقوله # وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]. وهذا مروي عن ابن عباس. قال شيخنا علي بن عبيد الله: ~~وليس في القرآن أمر خاص بالصلاة إلى بيت المقدس، وقوله { فأينما تولوا ~~فثم وجه الله } ليس صريحا بالأمر بالتوجه إلى بيت المقدس، بل فيه ما يدل ~~على أن الجهات كلها سواء في جواز التوجه إليها، فإذا ثبت هذا؛ دل على أنه ~~وجب التوجه إلى بيت المقدس بالسنة، ثم نسخ بالقرآن. ### || [2.116] # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا } # اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في اليهود إذ جعلوا عزيرا ابن الله، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في نصارى نجران حيث قالوا: عيسى ابن الله، قاله ~~مقاتل. # والثالث: أنها في النصارى ومشركي العرب، لأن النصارى قالت: عيسى ابن ~~الله، والمشركين قالوا: الملائكة بنات الله، ذكره إبراهيم بن السري. # والرابع: أنها في اليهود والنصارى ومشركي العرب، ذكره الثعلبي. # فأما القنوت؛ فقال الزجاج: هو في اللغة بمعنيين. أحدهما: القيام. ~~والثاني: الطاعة. والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: الدعاء في ~~القيام، فالقانت القائم بأمر الله. ويجوز أن يقع في جميع الطاعات، لأنه ~~إن لم يكن قيام على الرجلين؛ فهو قيام بالنية. وقال ابن قتيبة: لا أرى ~~أصل القنوت إلا الطاعة، لأن جميع الخلال من الصلاة، والقيام فيها والدعاء ~~وغير ذلك يكون عنها. # وللمفسرين في المراد بالقنوت هاهنا ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الطاعة، ~~قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنه الإقرار ~~بالعبادة، قاله عكرمة، والسدي. والثالث: القيام، قاله الحسن، والربيع. # وفي معنى القيام قولان. أحدهما: أنه القيام له بالشهادة بالعبودية. ~~والثاني: أنه القيام بين يديه يوم القيامة. فان قيل: كيف عم بهذا القول ~~وكثير من الخلق ليس له بمطيع؟ فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: أن يكون ظاهرها ~~ظاهر العموم، ومعناها معنى الخصوص. والمعنى: كل أهل الطاعة له قانتون. ~~والثاني: أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيات، فنسب القنوت ~~إليهم بذلك. والثالث: أن كل مخلوق قانت ms0086 له بأثر صنعه فيه، وجري أحكامه ~~عليه، فذلك دليل على ذله للرب. ذكرهن ابن الأنباري. ### || [2.117] # قوله تعالى: { بديع السموات } # البديع: المبدع، وكل من أنشأ شيئا لم يسبق إليه قيل له: أبدعت. قال ~~الخطابي: البديع، فعيل بمعنى: مفعل، ومعناه: أنه فطر الخلق مخترعا له لا ~~على مثال سبق. # قوله تعالى: { وإذا قضى أمرا } قال ابن عباس: معنى القضاء: الإرادة. ~~وقال مقاتل: إذا قضى أمرا في علمه، فإنما يقول له: كن فيكون. والجمهور ~~على ضم نون { فيكون } ، بالرفع على القطع. والمعنى: فهو يكون. وقرأ ابن ~~عامر بنصب النون. قال مكي ابن أبي طالب: النصب على الجواب، لكن فيه بعد. # فصل # وقد استدل أصحابنا على قدم القرآن بقوله: { كن } فقالوا: لو كانت «كن» ~~مخلوقة؛ لافتقرت إلى إيجادها بمثلها وتسلسل ذلك، والمتسلسل محال. فان ~~قيل: هذا خطاب لمعدوم؛ فالجواب أنه خطاب تكوين يظهر أثر القدرة، ويستحيل ~~أن يكون المخاطب موجودا، لأنه بالخطاب كان، فامتنع وجوده قبله أو معه. ~~ويحقق هذا أن ما سيكون متصور للعلم، فضاهى بذلك الموجود، فجاز خطابه ~~لذلك. ### || [2.118] # قوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله } فيهم ثلاثة ~~أقوال. أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: النصارى، قاله ~~مجاهد. والثالث: مشركو العرب، قاله قتادة، والسدي عن أشياخه. و { لولا } ~~بمعنى: هلا. # وفي { الذين من قبلهم } ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد. والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي عن أشياخه. والثالث: ~~اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، قاله قتادة. # { تشابهت قلوبهم } أي: في الكفر. ### || [2.119] # قوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق }: # في سبب نزولها قولان. أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال يوما: # " ليت شعري ما فعل أبواي! " # ؛ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. والثاني: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا " # فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي المراد { بالحق } هاهنا ثلاثة أقوال. أحدها: أنه القرآن، قاله ابن ~~عباس. والثاني: الإسلام، قاله ابن كيسان، و الثالث: الصدق. # قوله تعالى: { ولا تسأل عن ms0087 }: الأكثرون بضم التاء، على الخبر، والمعنى: ~~لست بمسؤول عن أعمالهم. وقرأ نافع، ويعقوب بفتح التاء وسكون اللام، على ~~النهي عن السؤال عنهم. وجوز أبو الحسن الأخفش أن يكون معنى هذه القراءة: ~~لا تسأل عنهم فإنهم في أمر عظيم. فيكون ذلك على وجه التعظيم لما هم فيه. ~~فأما الجحيم؛ فقال الفراء: الجحيم: النار، والجمر على الجمر. وقال أبو ~~عبيدة: الجحيم: النار المستحكمة المتلظية. وقال الزجاج: الجحيم: النار ~~الشديدة الوقود، وقد جحم فلان النار: إذا شدد وقودها، ويقال لعين الأسد: ~~جحمة لشدة توقدها. ويقال لوقود الحرب، وهو شدة القتال فيها: جاحم. وقال ~~ابن فارس: الجاحم: المكان الشديد الحر. قال الأعشى: # يعدون للهيجاء قبل لقائها # غداة احتضار البأس والموت جاحم # ولذلك سميت الجحيم. وقال ابن الأنباري: قال أحمد بن عبيد: إنما سميت ~~النار جحيما، لأنها أكثر وقودها، من قول العرب: جحمت النار أجحمها: إذا ~~أكثرت لها الوقود. # قال عمران بن حطان: # يرى طاعة الله الهدى وخلافه # الضلالة يصلي أهلها جاحم الجمر ### || [2.120] # قوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى } # في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى قبلتهم، فلما صرف إلى الكعبة يئسوا منه، فنزلت هذه الآية، ~~قاله ابن عباس. والثاني: أنهم دعوه إلى دينهم، فنزلت، قاله مقاتل. ~~والثالث: أنهم كانوا يسألونه الهدنة، ويطمعونه في أنه إن هادنهم وافقوه؛ ~~فنزلت، ذكر معناه الزجاج. # قال الزجاج: والملة في اللغة: السنة والطريقه. قال ابن عباس: و { هدى ~~الله } هاهنا: الإسلام. وفي الذي جاءه من العلم أربعة أقوال. أحدها: أنه ~~التحول إلى الكعبة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه البيان بأن دين الله ~~الإسلام، والثالث: أنه القرآن. والرابع: العلم بضلالة القوم. { مالك من ~~الله من ولي } ينفعك { ولا نصير } يمنعك من عقوبته. ### || [2.121-124] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } # اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على قولين. أحدهما: أنها نزلت في الذين ~~آمنوا من اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: في المؤمنين من أصحاب النبي ~~صلى ms0088 الله عليه وسلم، قاله عكرمة، وقتادة. وفي الكتاب قولان. أحدهما: أنه ~~القرآن، قاله قتادة. والثاني: أنه التوراة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته } أي: يعملون به حق عمله، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { أولئك يؤمنون به } في هاء «به» قولان. أحدهما: أنها تعود ~~على الكتاب، والثاني: على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما بعد هذا قد ~~سبق بيانه إلى قوله: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات } والابتلاء: ~~الاختبار. وفي إبراهيم ست لغات. أحدها: إبراهيم، وهي اللغة الفاشية. ~~والثانية: إبراهم. والثالثة: ابراهم. والرابعة: إبراهم، ذكرهن ~~الفراء. والخامسة: إبراهام، والسادسة: إبرهم، قال عبد المطلب: # عذت بما عاذ به إبرهم # مستقبل الكعبة وهو قائم # وقال أيضا: # نحن آل الله في كعبته # لم يزل ذاك على عهد إبرهم # وفي الكلمات خمسة أقوال. # أحدها: أنها خمس في الرأس، وخمس في الجسد. أما التي في الرأس؛ فالفرق، ~~والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. وفي الجسد: تقليم الأظافر، ~~وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستطابة بالماء، والختان، رواه طاووس عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنها عشر، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر. فالتي في الإنسان: ~~حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب، والسواك، والغسل من ~~الجنابة، والغسل يوم الجمعة. والتي في المشاعر: الطواف بالبيت، والسعي ~~بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة، رواه حنش بن عبد الله عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنها المناسك، رواه قتادة عن ابن عباس. # الرابع: أنه ابتلاه بالكوكب، والشمس، والقمر، والهجرة، والنار، وذبح ~~ولده والختان، قاله الحسن. # والخامس: أنها كل مسألة في القرآن، مثل قوله: # رب اجعل هذا البلد آمنا # [إبراهيم:35]. ونحو ذلك، قاله مقاتل. فمن قال: هي أفعال فعلها؛ قال: ~~معنى فأتمهن: عمل بهن. ومن قال: هي دعوات ومسائل؛ قال: معنى فأتمهن: ~~أجابه الله إليهن. وقد روي عن أبي حنيفة أنه قرأ: { إبراهيم } رفع الميم ~~{ ربه } بنصب الباء، على معنى: اختبر ربه هل يستجيب دعاءه، ويتخذه خليلا ~~أم لا؟. # قوله تعالى: { ومن ذريتي } في الذرية قولان. أحدهما: أنها فعلية من ~~الذر، لأن الله أخرج الخلق من ms0089 صلب آدم كالذر. والثاني: أن أصلها ذرورة، ~~على وزن: فعلولة، ولكن لما كثر التضعيف أبدل من الراء الأخيرة ياء، ~~فصارت: ذروية، ثم أدغمت الواو في الياء، فصارت: ذرية ذكرهما الزجاج، وصوب ~~الأول. # وفي العهد هاهنا سبعة أقوال. أحدها: أنه الإمامة، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير. والثاني: أنه الطاعة، رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. والثالث: الرحمة، قاله عطاء وعكرمة. والرابع: الدين، قاله ~~أبو العالية. والخامس: النبوة، قاله السدي عن أشياخه. والسادس: الأمان، ~~قاله أبو عبيدة. والسابع: الميثاق، قاله ابن قتيبة. والأول أصح. # وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان. أحدهما: أنهم الكفار، قاله ابن جبير ~~والسدي. والثاني: العصاة، قاله عطاء. ### || [2.125] # قوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } البيت هاهنا: الكعبة، ~~والألف واللام تدخل للمعهود، أو للجنس، فلما علم المخاطبون أنه لم يرد ~~الجنس؛ انصرف إلى المعهود، قال الزجاج: والمثاب والمثابة واحد، كالمقام ~~والمقامة، قال ابن قتيبة: والمثابة: المعاد، من قولك: ثبت إلى كذا، أي: ~~عدت إليه، وثاب إليه جسمه بعد العلة: إذا عاد، فأراد: أن الناس يعودون ~~إليه مرة بعد مرة. # قوله تعالى: { وأمنا } قال ابن عباس: يريد أن من أحدث حدثا في غيره، ~~ثم لجأ إليه؛ فهو آمن، ولكن ينبغي لأهل مكة أن لا يبايعوه، ولا يطعموه، ~~ولا يسقوه، ولا يؤووه، ولا يكلم حتى يخرج، فاذا خرج؛ أقيم عليه الحد. قال ~~قال القاضي أبو يعلى: وصف البيت بالأمن، والمراد جميع الحرم، كما قال: { ~~هديا بالغ الكعبة } والمراد: الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في ~~المسجد الحرام، وهذا على طريق الحكم، لا على وجه الخبر فقط. # وفي { مقام إبراهيم } ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الحرم كله، قاله ابن ~~عباس. والثاني: عرفة، والمزدلفة، والجمار، قاله عطاء. وعن مجاهد ~~كالقولين. وقد روي عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، قالوا: الحج كله مقام ~~إبراهيم. والثالث: الحجر، قاله سعيد بن جبير، وهو الأصح. قال عمر بن ~~الخطاب: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت. # وفي ms0090 سبب وقوف إبراهيم على الحجر قولان. أحدهما: أنه جاء يطلب ابنه ~~إسماعيل، فلم يجده، فقالت له زوجته: انزل، فأبى، فقالت: فدعني أغسل رأسك، ~~فأتته بحجر فوضع رجله عليه، وهو راكب، فغسلت شقه، ثم رفعته وقد غابت رجله ~~فيه، فوضعته تحت الشق الآخر وغسلته، فغابت رجله فيه، فجعله الله من ~~شعاره، ذكره السدي عن ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أنه قام على الحجر ~~لبناء البيت، وإسماعيل يناوله الحجارة، قاله سعيد بن جبير. # قرأ الجمهور، منهم: ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: { ~~واتخذوا } بكسر الخاء؛ على الأمر. وقرأ نافع، وابن عامر بفتح الخاء على ~~الخبر. قال ابن زيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أين ترون أن نصلي؟ " # فقال عمر: إلى المقام، فنزلت: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى }. وقال ~~أبو علي: وجه فتح الخاء: أنه معطوف على ما أضيف إليه، كأنه قال: وإذ ~~اتخذوا. ويؤكد الفتح في الخاء أن الذي بعده خبر، وهو قوله: وعهدنا. # قوله تعالى: { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } أي: أمرناهما ~~وأوصيناهما. وإسماعيل: اسم أعجمي، وفيه لغتان: إسماعيل، واسماعين. ~~وأنشدوا: # قال جواري الحي لما جينا # هذا ورب البيت إسماعينا # قوله تعالى: { أن طهرا بيتي } قال قتادة: يريد من عبادة الأوثان والشرك، ~~وقول الزور. فان قيل: لم يكن هناك بيت؛ فما معنى أمرهما بتطهيره؟ فعنه ~~جوابان: أحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمرا بإخراجها، قاله عكرمة. ~~والثاني: أن معناه: ابنياه مطهرا، قاله السدي. والعاكفون: المقيمون، ~~يقال: عكف يعكف ويعكف عكوفا: إذا أقام، ومنه الاعتكاف. وقد روى ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " إن الله تعالى ينزل في كل ليلة ويوم عشرين ومائة رحمة ينزل على هذا ~~البيت: ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين " ### || [2.126] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا } البلد: صدر ~~القرى، والبالد: المقيم بالبلد، والبلدة: الصدر، ووضعت الناقة بلدتها: ~~إذا بركت، والمراد بالبلد هاهنا: مكة. ومعنى: { آمنا }: ذا أمن. وأمن ~~البلدة مجاز، والمراد: أمن من فيه. وفي المراد بهذا الأمن ثلاثة ms0091 أقوال. ~~أحدها: أنه سأله الأمن من القتل. والثاني: من الخسف والقذف. والثالث: من ~~القحط والجدب، قال مجاهد: قال إبراهيم: لمن آمن، فقال الله عز وجل: ومن ~~كفر فسأرزقه. # قوله تعالى: { فأمتعه } وقرأ ابن عامر: { فأمتعه } بالتخفيف، من أمتعت. ~~وقرأ الباقون بالتشديد من: متعت. والإمتاع: إعطاء ما تحصل به المتعة. ~~والمتعة: أخذ الحظ من لذة ما يشتهي. وبماذا يمتعه؟ فيه قولان. أحدهما: ~~بالأمن. والثاني: بالرزق. والاضطرار: الإلجاء إلى الشيء، والمصير: ما ~~ينتهي إليه الأمر. ### || [2.127-129] # قوله تعالى: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل }. # القواعد: أساس البيت، واحدها: قاعدة. فأما قواعد النساء؛ فواحدتها: ~~قاعد، وهي العجوز. { ربنا تقبل منا } أي: يقولان: ربنا، فحذف ذلك، كقوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم # [الرعد: 25]. أراد: يقولون. و { السميع } بمعنى: السامع، لكنه أبلغ، لأن ~~بناء فعيل للمبالغة. قال الخطابي: ويكون السماع بمعنى القبول والاجابة، ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أعوذ بك من دعاء لا يسمع " # أي: لا يستجاب. وقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله حمد من ~~حمده وأنشدوا: # دعوت الله حتى خفت أن لا # يكون الله يسمع ما أقول # الإشارة إلى بناء البيت # روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " كانت الملائكة تحج إلى البيت قبل آدم " # وقال ابن عباس: لما أهبط آدم؛ قال الله تعالى: يا آدم! اذهب فابن لي ~~بيتا فطف به، واذكرني حوله كما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي. فأقبل يسعى ~~حتى انتهى إلى البيت الحرام، وبناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور سيناء، ~~وطور زيتا، والجودي، وحراء، فكان آدم أول من أسس البيت، وطاف به، ولم يزل ~~كذلك حتى بعث الله الطوفان، فدرس موضع البيت، فبعث الله إبراهيم ~~وإسماعيل. وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: لما أمر الله تعالى ~~إبراهيم ببناء البيت؛ ضاق به ذرعا، ولم يدر كيف يصنع، فأنزل الله عليه ~~كهيئة السحابة، فيها رأس يتكلم، فقال: يا إبراهيم! علم على ظلي، فلما ~~علم ارتفعت. وفي رواية أنه كان ms0092 يبني عليها كل يوم، قال: وحفر إبراهيم من ~~تحت السكينة، فأبدى عن قواعد، ما تحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلا. ~~فلما بلغ موضع الحجر، قال لإسماعيل: التمس لي حجرا، فذهب يطلب حجرا، ~~فجاء جبريل بالحجر الأسود، فوضعه، فلما جاء إسماعيل، قال: من جاءك بهذا ~~الحجر؟ قال: جاء به من لم يتكل على بنائي وبنائك. وقال ابن عباس، وابن ~~المسيب، وأبو العالية: رفعا القواعد التي كانت قواعد قبل ذلك. وقال ~~السدي: لما أمره الله ببناء البيت؛ لم يدر أين يبني، فبعث الله له ريحا، ~~فكنست حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل الطوفان. # قوله تعالى: { ربنا واجعلنا مسلمين لك } قال الزجاج: المسلم في اللغة: ~~الذي قد استسلم لأمر الله، وخضع. والمناسك: المتعبدات. فكل متعبد منسك ~~ومنسك، ومنه قيل للعابد: ناسك. وتسمى الذبيحة المتقرب بها إلى الله، عز ~~وجل: النسيكة. وكأن الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله تعالى. # قوله تعالى: { وأرنا مناسكنا } أي: مذابحنا. قاله مجاهد. وقال غيره: هي ~~جميع أفعال الحج. # وقرأ ابن كثير: { وأرنا } بجزم الراء. و # رب أرني # [الاعراف:143]. و # أرنا الذين أضلانا # [فصلت:29]. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي { أرنا } بكسر الراء في جميع ~~ذلك. وقرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر كذلك، إلا أنهما أسكنا الراء من { ~~أرنا اللذين } وحدها قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: { أرنا } وكثير من ~~العرب يجزم الراء، فيقول: { أرنا مناسكنا } وقرأ بها بعض الثقات. وأنشد ~~بعضهم: # قالت سليمى اشتر لنا دقيقا # واشتر فعجل خادما لبيقا # وأنشدني الكسائي: # ومن يتق فان الله معه # ورزق الله مؤتاب وغادي # قال قتادة: أراهما الله مناسكهما: الموقف بعرفات، والإفاضة من جمع، ورمي ~~الجمار، والطواف، والسعي، وقال أبو مجلز: لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه ~~جبريل، فأراه الطواف، ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فأخذ ~~جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبعا، وقال له: ارم وكبر، فرميا وكبرا ~~مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به جمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، ~~فأخذ جبريل سبع ms0093 حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فقال: ارم وكبر، فرميا ~~وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض لهما ~~الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات. فقال له: ارم ~~وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، ثم أتى به منى، فقال: ~~هاهنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعا، فقال: هاهنا يجمع الناس، ثم ~~أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم. قال: فمن ثم سميت عرفات. # قوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } في الهاء والميم من { فيهم ~~} قولان. أحدهما: أنها تعود على الذرية، قاله مقاتل والفراء. والثاني: ~~على أهل مكة في قوله: { وارزق أهله } والمراد بالرسول: محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقد روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه # " قيل: يا رسول الله! ما كان بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى ~~عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» " # والكتاب: القرآن. والحكمة: السنة، قاله ابن عباس. وروي عنه: الحكمة: ~~الفقه والحلال والحرام، ومواعظ القرآن. وسميت الحكمة حكمة، لأنها تمنع من ~~الجهل. # وفي قوله تعالى: { ويزكيهم } ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: يأخذ الزكاه ~~منهم فيطهرهم بها، قاله ابن عباس والفراء. والثاني: يطهرهم من الشرك ~~والكفر، قاله مقاتل. والثالث: يدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء. # قوله تعالى: { إنك أنت العزيز } قال الخطابي: العز في كلام العرب على ~~ثلاثة أوجه. أحدها: بمعنى الغلبة، يقولون: من عزبز. أي: من غلب سلب. ~~يقال منه: عز يعز، بضم العين من يعز، ومنه قوله تعالى: # وعزني في الخطاب # [ص:28]. والثاني: بمعنى الشدة والقوة، يقال منه: عز يعز، بفتح العين ~~من يعز. والثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: عز يعز بكسر ~~العين، من يعز. ويتناول معنى العزيز على أنه الذي لا يعادله شيء، ولا مثل ~~له. ### || [2.130-132] # قوله تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم } # سبب نزولها أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه مهاجرا وسلمة إلى ~~الإسلام، فأسلم سلمة، ms0094 ورغب عن الإسلام مهاجر، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. قال الزجاج: و «من» لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها التقرير ~~والتوبيخ. والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نسفه. ويقال: رغبت ~~في الشيء: إذا أردته. ورغبت عنه: إذا تركته. وملة إبراهيم: دينه. # قوله تعالى: { إلا من سفه نفسه } فيه أربعة أقوال. أحدها: أن معناه: ~~إلا من سفه نفسه، قاله الأخفش ويونس. قال يونس: ولذلك تعدى إلى النفس ~~فنصبها، وقال الأخفش: نصبت النفس لإسقاط حرف الجر، لأن المعنى: إلا من ~~سفه في نفسه. # قال الشاعر: # نغالي اللحم للأضياف نيئا # ونرخصه إذا نضج القدور # والثاني: إلا من أهلك نفسه، قاله أبو عبيدة. والثالث: إلا من سفهت ~~نفسه، كما يقال: غبن فلان رأيه، وهذا مذهب الفراء وابن قتيبة. قال ~~الفراء: نقل الفعل عن النفس إلى ضمير «من»، ونصبت النفس على التشبيه ~~بالتفسير، كما يقال: ضقت بالأمر ذرعا، يريدون: ضاق ذرعي به، ومثله: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4]. والرابع: إلا من جهل نفسه، فلم يفكر فيها، وهو اختيار ~~الزجاج. # قوله تعالى: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } قال ابن الأنباري: لمن ~~الصالحي الحال عند الله تعالى. وقال الزجاج: الصالح في الآخرة: الفائز. # قوله تعالى: { إذ قال له ربه أسلم } وذلك حين وقوع الاصطفاء، قال ابن ~~عباس: لما رأى الكوكب والقمر والشمس، قال له ربه أسلم، أي: أخلص. # قوله تعالى: { ووصى } قرأ ابن عباس وأهل المدينة: { وأوصى } بألف، مع ~~تخفيف الصاد، والباقون بغير ألف مشددة الصاد، وهذا لاختلاف المصاحف. ~~أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ثابت، قال: أخبرنا ابن قشيش، قال: أخبرنا ~~ابن حيويه، قال: حدثنا ابن الأنباري، قال: أخبرنا ثعلب، قال: أملى ~~علي خلف بن هشام البزار قال: اختلف مصحفا أهل المدينة وأهل العراق في ~~اثني عشر حرفا: كتب أهل المدينة { وأوصى } وأهل العراق { ووصى } وكتب ~~أهل المدينة: # سارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران:133]. بغير واو وأهل العراق: { وسارعوا } وكتب أهل المدينة: # يقول الذين آمنوا # [المائدة: 56] وأهل العراق: { ويقول } وكتب أهل المدينة: # من يرتدد # [المائدة: 57] وأهل ms0095 العراق { من يرتد } وكتب أهل المدينة: # الذين اتخذوا مسجدا # [التوبة:108]. و أهل العراق { والذين } وكتب أهل المدينة: # خيرا منهما منقلبا # [الكهف:37] و أهل العراق: { منها } وكتب أهل المدينة: # فتوكل على العزيز الرحيم # [الشعراء: 217]. و أهل العراق: { وتوكل } وكتب أهل المدينة: # وأن يظهر في الأرض الفساد # [المؤمن:26]. وأهل العراق: { أو أن يظهر } وكتب أهل المدينة في «حم ~~عسق»: { بما كسبت أيديكم } بغير فاء، وأهل العراق: { فبما } وكتب أهل ~~المدينة: # ما تشتهيه الأنفس # [الزخرف:71] بالهاء و أهل العراق: { ما تشتهي } وكتب أهل المدينة: # فان الله الغني الحميد # [الحديد:26] و أهل العراق: { إن الله هو الغني الحميد } وكتب أهل ~~المدينة: # فلا يخاف عقباها # [الشمس:15] و أهل العراق: { ولا يخاف }. # ووصى أبلغ من أوصى، لأنها تكون لمرات كثيرة، وهاء «بها» تعود على ~~المسألة. قاله عكرمة والزجاج. قال مقاتل: وبنوه أربعة: إسماعيل، وإسحاق، ~~ومدين، ومدائن. وذكر غير مقاتل أنهم ثمانية. # قوله تعالى: { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } يريد: الزموا الإسلام، ~~فاذا أدرككم الموت صادفكم عليه. ### || [2.133-134] # قوله تعالى: { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت } # سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي، صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن ~~يعقوب أوصى بنيه يوم مات باليهودية؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } أي: مضت، يشير إلى إبراهيم وبنيه، ~~ويعقوب وبنيه. ### || [2.135-136] # قوله تعالى: { وقالوا كونوا هودا } # معناه: قالت اليهود: كونوا هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، تهتدوا. ~~{ بل ملة إبراهيم حنيفا } المعنى: بل نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفيته. ~~وفي الحنيف قولان. أحدهما: أنه المائل إلى العبادة. قال الزجاج: الحنيف ~~في اللغة: المائل إلى الشيء، أخذ من قولهم: رجل أحنف، وهو الذي تميل ~~قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أم الأحنف ترقصه: # والله لولا حنف برجله # ودقة في ساقه من هزله # ما كان في فتيانكم من مثله # والثاني: أنه المستقيم، ومنه قيل للأعرج: حنيف، نظرا له إلى السلامة، ~~هذا قول ابن قتيبة، وقد وصف المفسرون الحنيف بأوصاف، فقال عطاء: هو ~~المخلص، ms0096 وقال ابن السائب: هو الذي يحج. وقال غيرهما: هو الذي يوحد ويحج، ~~ويضحي ويختتن، ويستقبل الكعبة. # فأما الأسباط: فهم بنوا يعقوب، وكانوا اثني عشر رجلا. قال الزجاج: ~~السبط في اللغة: الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد. والسبط في اللغة: ~~الشجرة لها قبائل، فالسبط: الذين هم من شجرة واحدة. ### || [2.137] # قوله تعالى: { فان آمنوا } يعني: أهل الكتاب. # قوله تعالى: { بمثل ما آمنتم به } ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: مثل ~~إيمانكم، فزيدت الباء للتوكيد، كما زيدت في قوله: # وهزي إليك بجذع النخلة # [مريم:24]. قاله ابن الأنباري. والثاني. أن المراد بالمثل هاهنا: ~~الكتاب، وتقديره: فان آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم، قاله أبو معاذ ~~النحوي. والثالث: أن المثل هاهنا: صلة، والمعنى: فان آمنوا بما آمنتم به. ~~ومثله قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى:11].أي: ليس كهو شيء. وأنشدوا: # يا عاذلي دعني من عذلكا # مثلي لا يقبل من مثلكا # أي: أنا لا أقبل منك، فأما الشقاق؛ فهو المشاقة والعداوة، ومنه قولهم: ~~فلان قد شق عصا المسلمين، يريدون: فارق ما اجتمعوا عليه من اتباع إمامهم، ~~فكأنه صار في شق غير شقهم. # قوله تعالى: { فسيكفيكهم الله } هذا ضمان لنصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [2.138] # قوله تعالى: { صبغة الله } سبب نزولها أن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ~~ولد، فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودية، ~~ليطهروه بذلك، ويقولون: هذا طهور مكان الختان، فاذا فعلوا ذلك؛ قالوا: ~~صار نصرانيا حقا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. قال ابن مسعود وابن ~~عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والنخعي، وابن زيد: { صبغة الله }: دينه. ~~قال الفراء: { صبغة الله } [نصب] مردودة على الملة. وقرأ ابن عبلة: { ~~صبغة الله } بالرفع على معنى: هذه صبغة الله. وكذلك قرأ: { ملة ~~إبراهيم } بالرفع أيضا على معنى: هذه ملة إبراهيم. قال ابن قتيبة: ~~المراد بصبغة الله: الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى كانوا يصبغون ~~أولادهم في ماء [ويقولون: هذا طهرة لهم، كالختان للحنفاء] فقال الله ~~تعالى: { صبغة الله } أي: الزموا صبغة الله، لا صبغة النصارى أولادهم، ~~وأراد ms0097 بها: ملة ابراهيم. وقال غيره: إنما سمي الدين صبغة لبيان أثره على ~~الإنسان، كظهور الصبغ على الثوب. ### || [2.139] # قوله تعالى: { أتحاجوننا في الله } قال ابن عباس: يريد: يهود المدينة، ~~ونصارى نجران. والمحاجة: المخاصمة في الدين، فان اليهود قالت: نحن أهل ~~الكتاب الأول. وقيل: ظاهرت اليهود عبدة الأوثان، فقيل لهم: تزعمون أنكم ~~موحدون، ونحن نوحد، فلم ظاهرتم من لا يوحد؟! # قوله تعالى: { ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم } قال أكثر المفسرين: هذا ~~الكلام اقتضى نوع مساهلة، ثم نسخ بآية السيف. ### || [2.140-141] # قوله تعالى: { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل }.. الآية. # سبب نزولها أن يهود المدينة، ونصارى نجران قالوا للمؤمنين: إن أنبياء ~~الله كانوا منا من بني إسرائيل، وكانوا على ديننا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. ومعنى الآية: إن الله قد أعلمنا بدين الأنبياء، ولا أحد أعلم به ~~منه. قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو: { أم ~~يقولون } بالياء على وجه الخبر عن اليهود. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم: { تقولون } بالتاء لأن قبلها مخاطبة، وهي «أتحاجوننا» ~~وبعدها { قل أأنتم أعلم }. # وفي الشهادة التي كتموها قولان. أحدهما: أن الله تعالى شهد عندهم بشهادة ~~لإبراهيم ومن ذكر معه أنهم كانوا مسلمين، فكتموها، قاله الحسن، وزيد بن ~~أسلم. والثاني: أنهم كتموا الإسلام، وأمر محمد وهم يعلمون أنه نبي دينه ~~الإسلام، قاله أبو العالية وقتادة. ### || [2.142] # قوله تعالى: { سيقول السفهاء من الناس } # فيهم ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم اليهود، قاله البراء بن عازب، ومجاهد، ~~وسعيد بن جبير، والثاني: أنهم أهل مكة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثالث: أنهم المنافقون، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس. وقد يمكن ~~أن يكون الكل قالوا ذلك، والآية نزلت بعد تحويل القبلة. والسفهاء: ~~الجهلة. ما ولاهم، أي: صرفهم عن قبلتهم: يريد: قبلة المقدس. # واختلف العلماء في مدة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بيت المقدس ~~بعد قدومه إلى المدينة على ستة أقوال. أحدها: أنه ستة عشر شهرا، أو سبعة ~~عشر، قاله البراء به عازب. والثاني: ms0098 سبعة عشر شهرا، قاله ابن عباس. ~~والثالث: ثلاثة عشر شهرا، قاله معاذ بن جبل. والرابع: تسعة أشهر، أو ~~عشرة أشهر، قاله أنس بن مالك. والخامس: ستة عشر شهرا. والسادس: ثمانية ~~عشر شهرا، روي القولان عن قتادة. # وهل كان استقباله إلى بيت المقدس برأيه، أو عن وحي؟ فيه قولان. أحدهما: ~~أنه كان بأمر الله تعالى ووحيه، قاله ابن عباس وابن جريج. والثاني: أنه ~~كان باجتهاده ورأيه، قاله الحسن، وأبو العالية، وعكرمة، والربيع. وقال ~~قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا بقوله: # ولله المشرق والمغرب # [البقرة:115]. ثم أمرهم باستقبال بيت المقدس. وفي سبب اختياره بيت ~~المقدس قولان. أحدهما: ليتألف أهل الكتاب، ذكره بعض المفسرين. والثاني: ~~لامتحان العرب بغير ما ألفوه، قاله الزجاج. ### || [2.143] # قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } # سبب نزولها أن اليهود قالوا: قبلتنا قبلة الأنبياء، ونحن عدل بين ~~الناس، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. والأمة: الجماعة والوسط: العدل، ~~قاله ابن عباس، وأبو سعيد، ومجاهد، وقتادة، وقال ابن قتيبة: الوسط: ~~العدل، الخيار، ومنه قوله تعالى: # قال أوسطهم # [القلم:28] أي: أعدلهم، وخيرهم. قال الشاعر: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم # إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # وأصل ذلك أن خير الأشياء أوساطها، والغلو والتقصير مذمومان. وذكر ابن ~~جرير الطبري أنه من التوسط في الفعل، فان المسلمين لم يقصروا في دينهم ~~كاليهود، فإنهم قتلوا الأنبياء، وبدلوا كتاب الله، ولم يغلوا كالنصارى، ~~فانهم زعموا أن عيسى ابن الله. وقال أبو سليمان الدمشقي: في هذا الكلام ~~محذوف، ومعناه: جعلت قبلتكم وسطا بين القبلتين، فان اليهود يصلون ~~نحوالمغرب، والنصارى نحو المشرق، وأنتم بينهما. # قوله تعالى: { لتكونوا شهداء على الناس } فيه قولان. أحدهما: أن معناه: ~~لتشهدوا للأنبياء على أممهم. روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، ويجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء ~~النبي ومعه أكثر من ذلك، فيقال لهم: أبلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال ~~للنبي: أبلغتهم؟ فيقول: نعم، فيقال: من يشهد لك؟ قال: محمد وأمته؛ ~~فيشهدون أن الرسل ms0099 قد بلغوا، فيقال: ما علمكم؟ فيقولون: أخبرنا نبينا أن ~~الرسل قد بلغوا، فصدقناه " # فذلك قوله: { لتكونوا شهداء على الناس } وهذا مذهب عكرمة، وقتادة، ~~والثاني: أن معناه: لتكونوا شهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم، على الأمم: ~~اليهود والنصارى والمجوس، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { ويكون الرسول عليكم شهيدا } يعني: محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، وبماذا يشهد عليهم؟ فيه ثلاثة أقوال. أحدها: بأعمالهم، قاله ابن ~~عباس، و أبو سعيد الخدري، وابن زيد. والثاني: بتبليغهم الرسالة، قاله ~~قتادة، ومقاتل. والثالث: بإيمانهم، قاله أبو الغالية. فيكون على هذا ~~«عليكم» بمعنى: لكم. قال عكرمة: لا يسأل عن هذه الأمة إلا نبيها. # قوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } يريد: قبلة بيت ~~المقدس. { إلا لنعلم } فيه أربعة أقوال. أحدها: لنرى. والثاني: لنميز. ~~رويا عن ابن عباس. والثالث: لنعلمه واقعا، إذ علمه قديم، قاله جماعة من ~~أهل التفسير، وهو يرجع إلى قول ابن عباس: «لنرى». والرابع: أن العلم راجع ~~إلى المخاطبين، والمعنى: لتعلموا أنتم، قاله الفراء. # قوله تعالى: { ممن ينقلب على عقبيه } أي: يرجع إلى الكفر، قاله ابن ~~زيد، ومقاتل. # قوله تعالى: { وإن كانت لكبيرة } في المشار إليها قولان. أحدهما: أنه ~~التولية إلى الكعبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل. والثاني: ~~أنها قبلة بيت المقدس قبل التحول عنها، قاله أبوالعالية، والزجاج. # قوله تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } نزل على سبب؛ وهو أن ~~المسلمين قالوا: يا رسول الله! أرأيت إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى ~~بيت المقدس؟! فأنزل الله { وما كان الله ليضيع إيمانكم } والإيمان ~~المذكور هاهنا أريد به: الصلاة في قول الجماعة. وقيل: إنما سمى الصلاة ~~إيمانا، لاشتمالها على قول ونية وعمل. قال الفراء: وإنما أسند الإيمان ~~إلى الأحياء [من المؤمنين] والمعنى: فيمن مات [من المسلمين قبل أن تحول ~~القبلة] لأنهم داخلون معهم في الملة. قوله تعالى: { لرؤوف } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: { لرؤوف } على وزن: لرعوف، في ~~جميع القرآن، ووجهها: أن فعولا أكثر في كلامهم من فعل، فباب ضروب وشكور، ~~أوسع ms0100 من باب حذر ويقظ. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن ~~عاصم: { لرؤف } على وزن: رعف. ويقال: هو الغالب على أهل الحجاز. قال ~~جرير: # ترى للمسلمين عليك حقا # كفعل الوالد الرؤف الرحيم # والرؤوف بمعنى: الرحيم، هذا قول الزجاج. وذكر الخطابي عن بعض أهل العلم ~~أن الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها. قال: ويقال: الرأفة أخص، والرحمة أعم. ### || [2.144] # قوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السماء } # سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يحب أن يوجه إلى الكعبة، ~~قاله البراء، وابن عباس، وابن المسيب، وأبو العالية، وقتادة، وذكر بعض ~~المفسرين أن هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى: { سيقول السفهاء ~~من الناس } واختلفوا في سبب اختيار النبي الكعبة على بيت المقدس على ~~قولين. أحدهما: أنها كانت قبلة إبراهيم، روي عن ابن عباس. والثاني: ~~لمخالفة اليهود، قاله مجاهد. ومعنى تقلب وجهه: نظره إليها يمينا ~~وشمالا. و «في» بمعنى «إلى» و «ترضاها» بمعنى: «تحبها». و«الشطر»: ~~النحو من غير خلاف. قال ابن عمر: أتى الناس آت وهم في صلاة الصبح بقباء، ~~فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وأمر ~~أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها [وكانت وجوههم إلى الشام] فاستداروا ~~وهم في صلاتهم. # فصل # اختلف العلماء أي وقت حولت القبلة؟ على ثلاثة أقوال. أحدها: أنها حولت ~~في صلاة الظهر يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم ~~رسول الله المدينة، قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار. والثاني: أنها ~~حولت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه ~~المدينة، قاله قتادة. والثالث: أنها حولت في جمادى الآخرة، حكاه ابن ~~سلامة المفسر عن إبراهيم الحربي. # وفي: { الذين أوتوا الكتاب } قولان. أحدهما: اليهود، قاله مقاتل. ~~والثاني: اليهود والنصارى، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { ليعلمون أنه الحق } يشير إلى ما أمر به من التوجه إلى ~~الكعبة، ثم توعدهم بباقي الآية على كتمانهم ما علموا. ومن أين علموا أنه ~~الحق؟ فيه ms0101 أربعة أقوال. أحدها: أن في كتابهم الأمر بالتوجه إليها، قاله ~~أبو العالية. والثاني: يعلمون أن المسجد الحرام قبلة إبراهيم. والثالث: ~~أن في كتابهم أن محمدا رسول صادق، فلا يأمر إلا بحق. والرابع: أنهم ~~يعلمون جواز النسخ. ### || [2.145] # قوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية } # سبب نزولها أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للنبي: ائتنا بآية كما ~~أتى الأنبياء قبلك، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { ما تبعوا قبلتك } يريد: الكعبة { وما بعضهم بتابع قبلة ~~بعض } لأن اليهود يصلون قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قبل المشرق ~~{ ولئن اتبعت أهواءهم } فصليت إلى قبلتهم { من بعد ما جاءك من العلم } ~~قال مقاتل: يريد بالعلم: البيان. ### || [2.146] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } في هاء «يعرفونه» قولان. ~~أحدهما: أنها تعود على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. ~~والثاني: تعود على صرفه إلى الكعبة، قاله أبو العالية، وقتادة، والسدي، ~~ومقاتل، وروي عن ابن عباس أيضا. وفي الحق الذي كتموه قولان. أحدهما: أنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. والثاني: أنه التوجه إلى الكعبة، ~~قاله السدي، ومقاتل في آخرين. # وفي قوله: { وهم يعلمون } قولان. أحدهما: وهم يعلمون أنه حق. والثاني: ~~وهم يعلمون ما على مخالفه من العقاب. ### || [2.147] # قوله تعالى: { الحق من ربك } # قال الزجاج: أي: هذا الحق من ربك. والممترون: الشاكون، والخطاب عام. ### || [2.148] # قوله تعالى: { ولكل وجهة } # أي: لكل أهل دين وجهة. المراد بالوجهة: القبلة، قاله ابن عباس في آخرين. ~~قال الزجاج: يقال: جهة، ووجهة. وفي «هو» ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ترجع ~~إلى الله تعالى، فالمعنى: الله موليها إياهم، أي: أمرهم بالتوجه إليها. ~~والثاني: ترجع إلى المتولي، فالمعنى: هو موليها نفسه، فيكون «هو» ضمير ~~كل. والثالث: يرجع إلى البيت، قاله مجاهد: أمر كل قوم أن يصلوا إلى ~~الكعبة. والجمهور يقرؤون: { موليها } وقرأ ابن عامر، والوليد عن يعقوب: ~~«هو مولاها» بألف بعد اللام، فضمير «هو» لكل، ومعنى القراءتين متقارب. # قوله تعالى: { فاستبقوا الخيرات } أي: بادروها. وقال قتادة: لا ms0102 تغلبوا ~~على قبلتكم، { أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا } قال ابن عباس وغيره: ~~هذا في يوم القيامة. فأما إعادة قوله: ### || [2.149-150] # قوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } فانه ~~تكرير تأكيد، ليحسم طمع أهل الكتاب في رجوع المسلمين أبدا إلى قبلتهم. # قوله تعالى: { لئلا يكون للناس } في الناس قولان، أحدهما: أنهم أهل ~~الكتاب، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل. والثاني: مشركو ~~العرب، رواه السدي عن أشياخه. فمن قال بالأول؛ قال: احتجاج أهل الكتاب ~~أنهم قالوا للنبي: مالك تركت قبلة بيت المقدس؟! إن كانت ضلالة فقد دنت ~~بها الله، وإن كانت هدى؛ فقد نقلت عنها. وقال قتادة: قالوا: اشتاق الرجل ~~إلى بيت أبيه ودين قومه. ومن قال بالثاني؛ قال: احتجاج المشركين أنهم ~~قالوا: قد رجع إلى قبلتكم، ويوشك أن يعود إلى دينكم. # وتسمية باطلهم حجة على وجه الحكاية عن المحتج به، كقوله تعالى: # حجتهم داحضة عند ربهم # [الشورى:16]. وقوله: # فرحوا بما عندهم من العلم # [غافر:83]. # قوله تعالى: { إلا الذين ظلموا منهم } قال الزجاج: معناه: إلا من ظلم ~~باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: مالك علي حجة إلا الظلم، أي: إلا ~~أن تظلمني. أي: مالك علي البتة، ولكنك تظلمني. قال ابن عباس: { فلا ~~تخشوهم } في انصرافكم إلى الكعبة { واخشوني } في تركها. ### || [2.151] # قوله تعالى: { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم } قال الزجاج: «كما» لا تصلح ~~أن تكون جوابا لما قبلها، والأجود أن تكون معلقة بقوله: { فاذكروني } ~~وقد روي معناه عن علي، وابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. والآية خطاب لمشركي ~~العرب. وفي قوله: { ويزكيهم } ثلاثة أقوال، قد سبق ذكرها في قصة إبراهيم. ~~والكتاب: القرآن. والحكمة: السنة. ### || [2.152] # قوله تعالى: { فاذكروني } # قال ابن عباس، وابن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي. وقال إبراهيم ~~بن السري: كما أنعمت عليكم بالرسالة، فاذكروني بتوحيدي وتصديق نبيي. قال: ~~فان قيل: كيف يكون جواب: { كما أرسلنا }: { فاذكروني }؟ فان قوله: { ~~فاذكروني } أمر وقوله: { أذكركم } جزاؤه؛ فالجواب أن المعنى: إن تذكروني ~~أذكركم. # قوله تعالى: { واشكروا لي } الشكر الاعتراف بحق ms0103 المنعم، مع الثناء عليه. ### || [2.153] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة } # سبب نزولها أن المشركين قالوا: سيرجع محمد إلى ديننا، كما رجع إلى ~~قبلتنا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. وقال ابن عباس: استعينوا على طلب ~~الآخرة بالصبر على أداء الفرائض، بالصلاة، وقد سبق الكلام في الصبر، ~~وبيان الاستعانة به وبالصلاة. ### || [2.154] # قوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } # سبب نزولها أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأحد: مات فلان ببدر، مات فلان ~~بأحد، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. ورفع الأموات بإضمار مكنى من ~~أسمائهم، أي: لا تقولوا: هم أموات، ذكر نحوه الفراء. فان قيل: فنحن نراهم ~~موتى، فما وجه النهي؟ فالجواب أن المعنى: لا تقولوا: هم أموات لا تصل ~~أرواحهم إلى الجنات، ولا تنال من تحف الله ما لا يناله الأحياء، بل هم ~~أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، فهم أحياء من هذه الجهة، ~~وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الأرواح، ذكره ابن الأنباري. فان قيل: ~~أليس جميع المؤمنين منعمين بعد موتهم؟ فلم خصصتم الشهداء؟ فالجواب: أن ~~الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم مرزوقون من مطاعم الجنة ومآكلها، وغيرهم ~~منعم بما دون ذلك، ذكره ابن جرير الطبري. ### || [2.155-156] # قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال } # قال الفراء: «من» تدل على أن لكل صنف منها شيئا مضمرا، فتقديره: بشيء ~~من الخوف، وشيء من الجوع، و شيء من نقص الأموال. # وفيمن أريد في هذه الآية أربعة أقوال. أحدها: أنهم أصحاب النبي خاصة، ~~قاله عطاء. والثاني: أنهم أهل مكة. والثالث: أن هذا يكون في آخر الزمان. ~~قال كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة. والرابع: أن ~~الآية على عمومها. # فأما الخوف؛ فقال ابن عباس: وهو الفزع في القتال. والجوع: المجاعة التي ~~أصابت أهل مكة سبع سنين. ونقص من الأموال: ذهاب أموالهم، والأنفس بالموت ~~والقتل الذي نزل بهم، والثمرات لم تخرج كما كانت تخرج. وحكى أبو سليمان ~~الدمشقي عن بعض ms0104 أهل العلم: أن الخوف في الجهاد، والجوع في فرض الصوم، ~~ونقص الأموال: ما فرض فيها من الزكاة والحج، ونحو ذلك. والأنفس: ما ~~يستشهد منها في القتال، والثمرات: ما فرض فيها من الصدقات. { وبشر ~~الصابرين } على هذه البلاوي بالجنة. # واعلم أنه إنما أخبرهم بما سيصيبهم، ليوطنوا أنفسهم على الصبر، فيكون ~~ذلك أبعد لهم من الجزع. { قالوا: إنا لله } يريدون: نحن عبيده يفعل بنا ~~ما يشاء { وإنا إليه راجعون } يريدون: نحن مقرون بالبعث والجزاء على ~~أعمالنا، والثواب على صبرنا. قال سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند ~~المصيبة شيئا لم يعطه الأنبياء قبلهم { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ~~إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة }. ولو ~~أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب، ألم تسمع إلى قوله { يا أسفى على يوسف } ~~قال الفراء: وللعرب في المصيبة ثلاث لغات: مصيبة، ومصابة، ومصوبة، زعم ~~الكسائي أنه سمع أعرابيا يقول: جبر الله مصوبتك. ### || [2.157] # قوله تعالى: { أولئك عليهم صلوات من ربهم } # قال سعيد بن جبير: الصلوات من الله: المغفرة { وأولئك هم المهتدون } ~~بالاسترجاع. قال عمر بن الخطاب: نعم العدلان، ونعمت العلاوة: { أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون }. ### || [2.158-159] # قوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعائر الله }. # في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رجالا من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية- ومناة: ~~صنم كان بين مكة والمدينة- قالوا: يا رسول الله إنا كنا لا نطوف بين ~~الصفا والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فنزلت هذه ~~الآية. رواه عروة عن عائشة. # والثاني: أن المسلمين كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة، لأنه كان على ~~الصفا تماثيل وأصنام، فنزلت هذه الآية. رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال ~~الشعبي: كان وثن على الصفا يدعى: إساف، ووثن على المروة يدعى: نائلة، ~~وكان أهل الجاهلية يسعون بينهما ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام كفوا عن ~~السعي بينهما، فنزلت هذه الآية. # والثالث: أن الصحابة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوف في ~~الجاهلية بين ms0105 الصفا والمروة، وإن الله تعالى ذكر الطواف بالبيت، ولم ~~يذكره بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما؛ فنزلت ~~هذه الآية. رواه الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن جماعة من أهل العلم. ~~قال إبراهيم بن السري: الصفا في اللغة: الحجارة الصلبة الصلدة التي لا ~~تنبت شيئا، وهو جمع، واحده صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى. والمروة: الحجارة ~~اللينة، وهذان الموضعان من شعائر الله، أي: من أعلام متعبداته. وواحد ~~الشعائر: شعيرة. والشعائر: كل ما كان من موقف أو سعي أو ذبح. والشعائر: ~~من شعرت بالشيء: إذا علمت به، فسميت الأعلام التي هي متعبدات الله: شعائر ~~الله. والحج في اللغة: القصد، وكذلك كل قاصد شيئا فقد اعتمره. والجناح: ~~الإثم، أخذ من جنح: إذا مال وعدل، وأصله من جناح الطائر، وإنما اجتنب ~~المسلمون الطواف بينهما، لمكان الأوثان، فقيل لهم: إن نصب الأوثان بينهما ~~قبل الإسلام لا يوجب اجتنابهما فأعلم الله عز وجل أنه لا جناح في التطوف ~~بهما، وأن من تطوع بذلك فان الله شاكر عليم. والشكر من الله: المجازاة ~~والثناء الجميل، والجمهور قرؤوا { ومن تطوع } بالتاء ونصب العين. ~~منهم: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأ حمزة، ~~والكسائي «يطوع» بالياء وجزم العين. وكذلك خلافهم في التي بعدها بآيات. # فصل # اختلفت الرواية عن إمامنا أحمد في السعي بين الصفا والمروة، فنقل الأثرم ~~أن من ترك السعي لم يجزه حجه. ونقل أبو طالب: لا شيء في تركه عمدا أو ~~سهوا، ولا ينبغي أن يتركه. ونقل الميموني أنه تطوع. # قوله تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } قال أبو ~~صالح عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود، كتموا ما أنزل الله في التوراة ~~من البينات والهدى، فالبينات: الحلال والحرام والحدود والفرائض. # والهدى: نعت النبي وصفته { من بعد ما بيناه للناس } قال مقاتل: لبني ~~إسرائيل. وفي الكتاب قولان. أحدهما: أنه التوراة، وهو قول ابن عباس، ~~والثاني: التوراة والإنجيل، قاله قتادة. { أولئك } إشارة إلى الكاتمين { ~~يلعنهم الله } قال ابن ms0106 قتيبة: أصل اللعن في اللغة: الطرد، ولعن الله ~~إبليس، أي: طرده، ثم انتقل ذلك فصار قولا. قال الشماخ وذكر ماء: # ذعرت به القطا ونفيت عنه # مقام الذئب كالرجل اللعين # أي: الطريد وفي اللاعنين أربعة أقوال. أحدها: أن المراد بهم، دواب ~~الأرض، رواه البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول مجاهد، وعكرمة. ~~قال مجاهد: يقولون: إنما منعنا القطر بذنوبكم، فيلعنونهم. والثاني: أنهم ~~المؤمنون، قاله عبد الله بن مسعود. والثالث: أنهم الملائكة والمؤمنون، ~~قاله أبو العالية، وقتادة. والرابع: أنهم الجن والإنس وكل دابة، قاله ~~عطاء. # فصل # وهذه الآية توجب إظهار علوم الدين، منصوصة كانت أو مستنبطة، وتدل على ~~امتناع جواز أخذ الأجرة على ذلك، إذ غير جائز استحقاق الأجر على ما يجب ~~فعله، وقد روى الأعرج عن أبي هريرة أنه قال: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، وأيم الله: لولا آية في ~~كتاب الله ما حدثت أحدا بشيء أبدا، ثم تلا { إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا }.. إلى آخرها. ### || [2.160] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } # قال ابن مسعود: إلا الذين تابوا من اليهود وأصلحوا أعمالهم، وبينوا صفة ~~رسول الله في كتابهم. # فصل # وقد ذهب قوم إلى أن الآية التي قبل هذه منسوخة بالاستثناء في هذه، وهذا ~~ليس بنسخ، لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ، وذلك يقتضي التخصيص ~~دون النسخ، ومما يحقق هذا أن الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلا ~~بترك العمل بالآخر، وهاهنا يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه. ### || [2.161] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } # إنما شرط الموت على الكفر، لأن حكمه يستقر بالموت عليه، فان قيل: كيف ~~قال: { والناس أجمعين } وأهل دينه لا يلعنونه، فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: ~~أنهم يلعنونه في الآخرة قال الله عز وجل: # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # [العنكبوت:25]. وقال: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف:38]. والثاني: أن المراد بالناس هاهنا: المؤمنون، قاله ابن ~~مسعود، وقتادة، ومقاتل. فيكون على هذا من العام ms0107 الذي أريد به الخاص. ~~والثالث: أن اللعنة من الأكثر يطلق عليها: لعنة جميع الناس تغليبا لحكم ~~الأكثر على الأقل. ### || [2.162] # قوله تعالى: { خالدين فيها } في هاء الكناية قولان. أحدهما: أنها تعود ~~إلى اللعنة، قاله ابن مسعود، ومقاتل. والثاني: أنها ترجع إلى النار، وإن ~~لم يجر لها ذكر فقد علمت. ### || [2.163] # قوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } # قال ابن عباس: إن كفار قريش قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه. فنزلت ~~هذه الآية، وسورة الإخلاص. والإله بمعنى: المعبود. ### || [2.164] # قوله تعالى: { إن في خلق السموات والأرض } # في سبب نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: أن المشركين قالوا للنبي: اجعل لنا ~~الصفا ذهبا إن كنت صادقا؛ فنزلت هذه الآية، حكاه السدي عن ابن مسعود، ~~وابن عباس. والثاني: أنهم لما قالوا: انسب لنا ربك وصفه؛ فنزلت: { ~~وإلهكم إله واحد } قالوا: فأرنا آية ذلك؛ فنزلت: { إن في خلق السموات ~~والأرض } إلى قوله: { يعقلون } رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنه ~~لما نزلت { وإلهكم إله واحد } قال كفار قريش: كيف يسع الناس إله واحد؟ ~~فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. # فأما { السموات }؛ فتدل على صانعها، إذ هي قائمة بغير عمد، وفيها من ~~الآيات الظاهرة، ما يدل يسيره على مبدعه، وكذلك الأرض في ظهور ثمارها، ~~وتمهيد سهولها، وإرساء جبالها، إلى غير ذلك. { واختلاف الليل والنهار } ~~كل واحد منهما حادث بعد أن لم يكن، وزائل بعد أن كان { والفلك }: السفن: ~~قال ابن قتيبة: الواحد والجمع بلفظ واحد. وقال اليزيدي: واحده فلكة، ~~ويذكر ويؤنث. وقال الزجاج: الفلك: السفن، ويكون واحدا، ويكون جمعا، لأن ~~فعل، وفعل جمعهما واحد، ويأتيان كثيرا بمعنى واحد. يقال: العجم ~~والعجم، والعرب والعرب، والفلك والفلك. والفلك: يقال لكل شيء مستدير، ~~أو فيه استدارة. و { البحر }: الماء الغزير { بما ينفع الناس } من ~~المعايش. { وما أنزل الله من السماء من ماء } يعني: المطر، والمطر ينزل ~~على معنى واحد، وأجزاء الأرض والهواء على معنى واحد، والأنواع تختلف في ~~النبات والطعوم والألوان والأشكال المختلفات، وفي ذلك رد على من قال: إنه ~~من ms0108 فعل الطبيعة، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتفق موجبها، إذ المتفق لا ~~يوجب المختلف، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى في قوله: # يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل # [الرعد:4]. # قوله تعالى: { وبث } أي: فرق. # قوله تعالى: { وتصريف الرياح } قرأ ابن كثير { الرياح } على الجمع في ~~خمسة مواضع: هاهنا. وفي [الحجر:22]. # وأرسلنا الرياح لواقح # وفي [الكهف:46] # تذروه الرياح # وفي [الروم:46] الحرف الأول # الرياح # وفي [الجاثية:4] # وتصريف الرياح # وقرأ باقي القرآن { الريح }. وقرأ أبو جعفر { الرياح } في خمسة عشر ~~موضعا في البقرة، وفي [الأعراف:56] # يرسل الرياح # وفي [إبراهيم:18] # اشتدت به الرياح # وفي [الحجر:22] # الرياح لواقح # وفي [سبحان:19]. وفي [الكهف:45]. # تذروه الرياح # وفي [الأنبياء:81] وفي [الفرقان:48] # أرسل الرياح # وفي النمل. والثاني من [الروم:48] وفي [سبأ: 12] وفي[ ص:36]. وفي ~~[عسق:33] # يسكن الرياح # وفي [الجاثية:5] # وتصريف الرياح # تابعه نافع إلا في سبحان. ورياح سليمان: [الأنبياء:81]. وتابع نافعا ~~أبو عمرو إلا في حرفين: { الريح } في إبراهيم، وعسق، ووافق أبا عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر، وقرأ حمزة { الرياح } جمعا في موضعين: في الفرقان، ~~والحرف الأول من الروم، وباقيهن على التوحيد. وقرا الكسائي مثل حمزة، إلا ~~إنه زاد عليه في [الحجر:22]. # الرياح لواقح # ولم يختلفوا فيما ليس فيه ألف ولام، فمن جمع؛ فكل ريح تساوي أختها في ~~الدلالة على التوحيد والنفع. # ومن وحد؛ أراد الجنس. # ومعنى تصريف الرياح: تقلبها شمالا مرة، وجنوبا مرة، ودبورا أخرى، ~~وصبا أخرى، وعذابا ورحمة { والسحاب المسخر }: المذلل. والآية فيه من ~~أربعة أوجه، ابتداء كونه، وانتهاء تلاشيه، وقيامه بلا دعامة ولا علاقة، ~~وإرساله إلى حيث شاء الله تعالى. لآيات. الآية: العلامة. أخبرنا عبد ~~الوهاب الحافظ قال: أخبرنا عاصم قال: أخبرنا ابن بشران قال: أخبرنا ابن ~~صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني هارون قال: حدثني عفان عن ~~مبارك بن فضاله قال: سمعت الحسن يقول: كانوا يقولون، يعني: أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الرفيق، الذي لو جعل هذا الخلق خلقا ~~دائما لا يتصرف، لقال الشاك في الله: لو ms0109 كان لهذا الخلق رب لحادثه، وإن ~~الله تعالى قد حادث بما ترون من الآيات، إنه جاء بضوء طبق ما بين ~~الخافقين، وجعل فيها معاشا، وسراجا وهاجا، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، ~~وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيه سكنا ونجوما، وقمرا ~~منيرا، و إذا شاء، بنى بناء، جعل فيه المطر، والبرق، والرعد، والصواعق، ~~ما شاء، وإذا شاء صرف ذلك، و إذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس، وإذا شاء ذهب ~~بذلك، وجاء بحر يأخذ أنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربا ~~يحادثه بما ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة. ### || [2.165] # قوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } # وفي الأنداد قولان قد تقدما في أول السورة. وفي قوله: { يحبونهم كحب ~~الله } قولان. # أحدهما: أن معناه يحبونهم كحب الذين آمنوا لله، هذا قول ابن عباس، ~~وعكرمة، وأبي العالية، وابن زيد، ومقاتل، والفراء. # والثاني: يحبونهم كمحبتهم لله، أي: يسوون بين الأوثان وبين الله تعالى ~~في المحبة. هذا اختيار الزجاج، قال: والقول الأول ليس بشيء، والدليل على ~~نقضه قوله: { والذين آمنوا أشد حبا لله } قال المفسرون: أشد حبا لله من ~~أهل الأوثان لأوثانهم. # قوله تعالى: { ولو يرى الذين ظلموا } قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وعاصم، ~~وحمزة والكسائي: { يرى } بالياء، ومعناه: لو يرون عذاب الآخرة؛ لعلموا أن ~~القوة لله جميعا. وقرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب: { ولو ترى } بالتاء، ~~على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به جميع الناس. وجوابه ~~محذوف، تقديره: لرأيتم أمرا عظيما، كما تقول: لو رأيت فلانا والسياط ~~تأخذه. وإنما حذف الجواب، لأن المعنى واضح بدونه. قال أبو علي: وإنما ~~قال: «إذ» ولم يقل: «إذا» وإن كانت «إذ» لما مضى، لإرادة تقريب الأمر، ~~فأتى بمثال الماضي، وإنما حذف جواب «لو» لأنه أفخم، لذهاب المتوعد إلى كل ~~ضرب من الوعيد. وقرا أبو جعفر { إن القوة لله } و: { إن الله } بكسر ~~الهمزة فيهما على الاستئناف، كأنه يقول: فلا يحزنك ما ترى من محبتهم ~~أصنامهم { إن ms0110 القوة لله جميعا } قال ابن عباس: القوة: القدرة، والمنعة. ### || [2.166-167] # قوله تعالى: { من الذين اتبعوا } فيهم قولان. أحدهما: أنهم القادة ~~والرؤساء، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل، والزجاج. ~~والثاني: أنهم الشياطين، قاله السدي. # قوله تعالى: { ورأؤا العذاب } يشمل الكل { وتقطعت بهم الأسباب } أي: ~~عنهم، مثل قوله # فسئل به خبيرا # [الفرقان:59]. وفي { الأسباب } أربعة أقوال. أحدها: أنها المودات، وإلى ~~نحوه ذهب ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنها الأعمال، رواه السدي ~~عن ابن مسعود، وابن عباس، وهو قول أبي صالح، وابن زيد، والثالث: أنها ~~الأرحام، رواه ابن جريج عن ابن عباس. والرابع: أنها تشمل جميع ذلك. قال ~~ابن قتيبة: هي الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا، فأما تسميتها ~~بالأسباب، فالسبب في اللغة: الحبل، ثم قيل لكل ما يتوصل به إلى المقصود: ~~سبب. والكرة: الرجعة إلى الدنيا، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين. { ~~فنتبرأ منهم } يريدون: من القادة { كما تبرؤوا منا } في الآخرة. { ~~كذلك يريهم الله أعمالهم } قال الزجاج: أي: كتبرؤ بعضهم من بعض، يريهم ~~الله أعمالهم حسرات عليهم، لأن أعمال الكافر لا تنفعه، وقال ابن ~~الأنباري: يريهم الله أعمالهم القبيحة حسرات عليهم إذا رأوا أحسن ~~المجازاة للمؤمنين بأعمالهم، قال: ويجوز أن يكون كذلك يريهم الله ثواب ~~أعمالهم الصالحة وجزاءها، فحذف الجزاء. وأقام الأعمال مقامه. قال ابن ~~فارس: والحسرة: التلهف على الشيء الفائت. وقال غيره: الحسرة: أشد ~~الندامة. ### || [2.168] # قوله تعالى: { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } نزلت في ~~ثقيف، وخزاعة، وبني عامر ابن صعصعة، فيما حرموا على أنفسهم من الحرث ~~والأنعام، وحرموا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، قاله ابن ~~السائب. # قوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } قرأ ابن كثير، وابن عامر، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم { خطوات } مثقلة. وقرا نافع، وابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم، وحمزة { خطوات } ساكنة الطاء خفيفة. وقرا الحسن، وأبو ~~الجوزاء { خطوات } بفتح الخاء وسكون الطاء من غير همز. وقرا أبو عمران ~~الجوني بضم الخاء والطاء مع الهمز. قال ابن قتيبة: خطواته: سبيله ومسلكه، ~~وهي ms0111 جمع خطوة، والخطوة بضم الخاء: ما بين القدمين، وبفتحها: الفعلة ~~الواحدة. واتباعهم خطواته: أنهم كانوا يحرمون أشياء قد أحلها الله، ~~ويحلون أشياء قد حرمها الله. # قوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين } أي: بين وقيل: أبان عداوته بما ~~جرى له مع آدم. ### || [2.169] # قوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء } السوء: كل إثم وقبح. قال ابن ~~عباس: وإنما سمي سوءا، لأنه تسوء عواقبه، وقيل: لأنه يسوء إظهاره { ~~والفحشاء } من: فحش الشيء: إذا جاز قدره. وفي المراد بها هاهنا خمسة ~~أقوال. أحدها: أنها كل معصية لها حد في الدنيا. والثاني: أنها ما لا يعرف ~~في شريعة ولا سنة. والثالث: أنها البخل، وهذه الأقوال الثلاثة منقولة عن ~~ابن عباس. والرابع: أنها الزنى، قاله السدي. والخامس: المعاصي، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } أي: أنه حرم عليكم ما ~~لم يحرم. ### || [2.170] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } # اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال. أحدها: أنها في الذين قيل لهم: { ~~كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } فعلى هذا تكون الهاء والميم عائدة ~~عليهم، وهذا قول مقاتل. والثاني: أنها نزلت في اليهود، وهي قصة مستأنفة، ~~فتكون الهاء والميم كناية عن غير مذكور، ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس. ~~والثالث: في مشركي العرب وكفار قريش، فتكون الهاء والميم عائدة إلى قوله: ~~{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } فعلى القول الأول؛ يكون ~~المراد بالذي أنزل الله: تحليل الحلال، وتحريم الحرام. وعلى الثاني يكون: ~~الإسلام. وعلى الثالث: التوحيد والإسلام. و { ألفينا } بمعنى: وجدنا. # قوله تعالى: { أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا } من الدين، ولا ~~يهتدون له، أيتبعونهم أيضا في خطئهم وافترائهم؟! ### || [2.171-172] # قوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق } # في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناها: ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي ينعق بها الراعي، ~~وهذا قول الفراء، وثعلب، قالا جميعا: أضاف المثل إلى الذين كفروا، ثم ~~شبههم بالراعي، ولم يقل: كالغنم، والمعنى: ومثل الذين كفروا كمثل ms0112 البهائم ~~التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت، فلو قال لها الراعي: ارعي، ~~أو اشربي؛ لم تدر ما يقول لها، فكذلك الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن، ~~وإنذار الرسول، فأضيف التشبيه إلى الراعي، والمعنى في المرعي، وهو ظاهر ~~في كلام العرب، يقولون: فلان يخافك كخوف الأسد، والمعنى: كخوفه الأسد، ~~[لأن الأسد هو المعروف بأنه المخوف]. قال الشاعر: # كانت فريضة ما تقول كما # كان الزناء فريضة الرجم # والمعنى كما كان الرجم فريضة الزنى. # والثاني: أن معناها: ومثل الذين كفروا، ومثلنا في وعظهم، كمثل الناعق ~~والمنعوق به، فحذف: ومثلنا، اختصارا، إذ كان في الكلام ما يدل عليه، ~~وهذا قول ابن قتيبة، والزجاج. # والثالث: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتم التي يعبدون، كمثل الذي ~~ينعق، هذا قول ابن زيد، والذي ينعق هو الراعي، يقال: نعق بالغنم، ينعق ~~نعقا ونعيقا ونعاقا ونعقانا. قال ابن الأنباري: والفاشي في كلام ~~العرب أنه لا يقال: نعق، إلا في الصياح بالغنم وحدها، فالغنم تسمع الصوت ~~ولا تعقل المعنى. { صم بكم } إنما وصفهم بالصم والبكم، لأنهم في ~~تركهم قبول ما يسمعون بمنزلة من لا يسمع، وكذلك في النطق والنظر، وقد سبق ~~شرح هذا المعنى. ### || [2.173] # قوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة } # قرأ أبو جعفر «الميته» هاهنا، وفي المائدة، والنحل: و # بلدة ميتا # [ق:11]. بالتشديد، حيث وقع. والميتة في عرف الشرع: اسم لكل حيوان خرجت ~~روحه بغير ذكاة. وقيل: إن الحكمة في تحريم الميتة أن جمود الدم فيها ~~بالموت يحدث، أذى للآكل، وقد يسمى المذبوح في بعض الأحوال: ميتة حكما، ~~لأن حكمه حكم الميتة، كذبيحة المرتد. فأما الدم؛ فالمحرم منه: المسفوح، ~~لقوله تعالى: # أو دما مسفوحا # [الأنعام:145] قال القاضي أبو يعلى: فأما الدم الذي يبقى في خلل اللحم ~~بعد الذبح، وما يبقى في العروق؛ فهو مباح. # فأما لحم الخنزير؛ فالمراد: جملته، وإنما خص اللحم، لأنه معظم المقصود. ~~قال الزجاج: الخنزير يشتمل على الذكر والأنثى. ومعنى # وما أهل به لغير الله # [البقرة:173] ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله، ms0113 ومثله الإهلال بالحج، ~~إنما هو رفع الصوت بالتلبية. # قوله تعالى: { فمن اضطر } أي: ألجيء بضرورة. وقرأ أبو جعفر: { فمن ~~اضطر } بكسر الطاء حيث كان. وأدغم ابن محيصن الضاد في الطاء. # قوله تعالى: { غير باغ } قال الزجاج: البغي: قصد الفساد. يقال: بغى ~~الجرح: إذا ترامى إلى الفساد. وفي قوله: { غير باغ ولا عاد } أربعة ~~أقوال. أحدها: أن معناه غير باغ على الولاة، ولا عاد يقطع السبيل، هذا ~~قول سعيد بن جبير، ومجاهد. والثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته، ولا ~~متعد بأكلها وهو يجد غيرها، هذا قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، والربيع. ~~والثالث: غير باغ، أي: مستحل، ولا عاد: غير مضطر، روي عن سعيد ابن ~~جبير، ومقاتل. والرابع: غير باغ شهوته بذلك، ولا عاد بالشبع منه، قاله ~~السدي. # فصل # معنى الضرورة في إباحة الميته: أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه. سئل ~~أحمد، رضي الله عنه، عن المضطر إذا لم يأكل الميتة، فذكر عن مسروق أنه ~~قال: من اضطر فلم يأكل فمات دخل النار، فأما مقدار ما يأكل؛ فنقل حنبل: ~~يأكل مقدار ما يقيمه عن الموت. ونقل ابن منصور: يأكل بقدر ما يستغني. ~~فظاهر الأولى: أنه لا يجوز له الشبع، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وظاهر ~~الثانية: جواز الشبع، وهو قول مالك. ### || [2.174] # قوله تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب }. # قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كتموا اسم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وغيروه في كتابهم. والثمن القليل: ما يصيبونه من أتباعهم من الدنيا. { ~~أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } قال الزجاج: معناه: إن الذين ~~يأكلونه يعذبون به، فكأنهم يأكلون النار. { ولا يكلمهم } هذا دليل على ~~أن الله لا يكلم الكفار ولا يحاسبهم. # قوله تعالى: { ولا يزكيهم } [فيه] ثلاثة أقوال. أحدها: لا يزكي أعمالهم، ~~قاله مقاتل. والثاني: لا يثني عليهم، قاله الزجاج. والثالث: لا يطهرهم من ~~دنس كفرهم وذنوبهم، قاله ابن جرير. ### || [2.175] # قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة } أي: اختاروها على الهدى. # قوله تعالى: { فما أصبرهم على ms0114 النار } فيه أربعة أقوال. أحدها: أن ~~معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار! قاله عكرمة، والربيع. ~~والثاني: ما أجرأهم على النار؛ قاله الحسن، ومجاهد. وذكر الكسائي أن ~~أعرابيا حلف له رجل كاذبا فقال الأعرابي: ما أصبرك على الله، يريد ما ~~أجرأك. والثالث: ما أبقاهم في النار، كما تقول: ما أصبر فلانا على ~~الحبس، أي ما أبقاه فيه، ذكره الزجاج. والرابع: أن المعنى: فأي شيء ~~صبرهم على النار؟! قاله ابن الأنباري. وفي «ما» قولان. أحدهما: أنها ~~للاستفهام، تقديرها: ما الذي أصبرهم؟ قاله عطاء، والسدي، وابن زيد، وأبو ~~بكر بن عياش. والثاني: أنها للتعجب، كقولك: ما أحسن زيدا، وما أعلم ~~عمرا. وقال ابن الأنباري: معنى الآية التعجب، والله يعجب المخلوقين، ~~ولا يعجب هو كعجبهم. ### || [2.176] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق } الإشارة بذلك إلى ما ~~تقدم من الوعيد بالعذاب، فتقديره: ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب بالحق، ~~فكفروا به واختلفوا فيه. وفي «الكتاب» قولان. أحدهما: أنه التوراة. ~~والثاني: القرآن. وفي «الحق» قولان. أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه ضد الباطل، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وإن الذين اختلفوا في الكتاب } فيه قولان. # أحدهما: أنه التوراة. ثم في اختلافهم فيها ثلاثة أقوال. أحدها: أن ~~اليهود والنصارى اختلفوا فيها، فادعى النصارى فيها صفة عيسى، وأنكر ~~اليهود ذلك. والثاني: أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. والثالث: أنهم خالفوا سلفهم في التمسك بها. # والثاني: أنه القرآن فمنهم من قال: شعر، ومنهم من قال: إنما يعلمه بشر. # والشقاق: معاداة بعضهم لبعض. وفي معنى «بعيد» قولان. أحدهما: أن بعضهم ~~متباعد في مشاقة بعض، قاله الزجاج. والثاني: أنه بعيد من الهدى. ### || [2.177] # قوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم } # قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا سأل عن «البر» فأنزلت هذه الآية، فدعاه ~~رسول الله، فتلاها عليه. وفيمن خوطب بها قولان. أحدهما: أنهم المسلمون. ~~والثاني: أهل الكتابين. فعلى القول الاول؛ معناها: ليس البر كله في ~~الصلاة، ولكن البر ما في ms0115 هذه الآية. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، ~~ومجاهد، وعطاء، والضحاك، وسفيان. وعلى القول الثاني؛ معناها: ليس البر ~~صلاة اليهود إلى المغرب، وصلاة النصارى إلى المشرق، ولكن البر ما في هذه ~~الآية، وهذا قول قتادة، والربيع، وعوف الأعرابي، ومقاتل. # وقرأ حمزة وحفص عن عاصم: { ليس البر } بنصب الراء. وقرأ الباقون ~~برفعها، قال أبو علي: كلاهما حسن، لأن كل واحد من الاسمين؛ اسم «ليس» ~~وخبرها، معرفة، فاذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما، ~~والآخر خبرا، كما تتكافأ النكرتان. # وفي المراد بالبر ثلاثة أقوال. أحدها: الإيمان. والثاني: التقوى. ~~والثالث: العمل الذي يقرب إلى الله. # قوله تعالى: { ولكن البر من آمن بالله } فيه قولان. أحدهما: أن معناه: ~~ولكن البر بر من آمن بالله. والثاني: ولكن ذا البر من آمن بالله. ~~حكاهما الزجاج. وقرأ نافع، وابن عامر: { ولكن البر } بتخفيف نون «لكن» ~~ورفع «البر». وإنما ذكر اليوم الآخر، لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون بالبعث ~~وفي المراد بالكتاب هاهنا قولان. أحدهما: أنه القرآن. والثاني: أنه بمعنى ~~الكتب، فيدخل في هذا اليهود، لتكذيبهم بعض النبيين وردهم القرآن. # قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } في هاء «حبه» قولان. أحدهما: ~~أنها ترجع إلى المال. والثاني: إلى الإيتاء. وكان الحسن إذا قرأها قال: ~~سوى الزكاة المفروضة. # قوله تعالى: { ذوي القربى } يريد: قرابة المعطي. وقد شرحنا معنى: { ~~اليتامى والمساكين } عند رأس ثلاث وثمانين آية من هذه السورة. فأما { ابن ~~السبيل } ففيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الضيف، قاله سعيد بن جبير، ~~والضحاك، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج، والثاني: أنه الذي يمر ~~بك مسافرا، قاله الربيع، بن أنس. وعن مجاهد، وقتادة كالقولين. وقد روي ~~عن الإمام أحمد أنه قال: هو المنقطع به يريد بلدا آخر. وهذا اختيار ابن ~~جرير الطبري، وأبي سليمان الدمشقي، والقاضي أبو يعلى، ويحققه: أن السبيل ~~الطريق، وابنه: صاحبه الضارب فيه، فله حق على من يمر به إذا كان محتاجا. ~~ولعل أصحاب القول الأول أشاروا إلى هذا، لأنه إن كان مسافرا، فانه ضيف ~~لم ينزل. والقول الثالث: ms0116 أنه الذي يريد سفرا، ولا يجد نفقة، ذكره ~~الماوردي وغيره عن الشافعي. # قوله تعالى: { وفي الرقاب } أي: في فك الرقاب. ثم فيه قولان. أحدهما: ~~أنهم المكاتبون يعانون في كتابتهم بما يعتقون به، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وابن زيد، والشافعي، ~~والثاني: أنهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون، رواه مجاهد عن ابن عباس، ~~وبه قال مالك بن أنس، وأبو عبيد، وأبو ثور. وعن أحمد كالقولين. # فأما البأساء: فهي: الفقر. والضراء: المرض. وحين البأس: القتال؛ قاله ~~الضحاك. { أولئك الذين صدقوا } قال أبو العالية: تكلموا بالإيمان وحققوه ~~بالعمل. ### || [2.178] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص } # روى شيبان عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، وكان ~~الحي منهم إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبدهم عبد قوم آخرين؛ قالوا: لن ~~نقتل به إلا حرا، تعززا لفضلهم على غيرهم. وإذا قتلت امرأة منهم امرأة ~~من آخرين؛ قالوا: لن نقتل بها إلا رجلا؛ فنزلت هذا الآية. ومعنى «كتب»: ~~فرض، قاله ابن عباس وغيره. والقصاص: مقابلة الفعل بمثله، مأخوذ من: قص ~~الأثر. فان قيل: كيف يكون فرضا والولي مخير بينه وبين العفو؟ فالجواب: ~~أنه فرض على القاتل للولي، لا على الولي. # قوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء } أي: من دم أخيه، أي: ترك له ~~القتل، ورضي منه بالدية: ودل قوله: { من أخيه } على أن القاتل لم يخرج عن ~~الإسلام، { فاتباع بالمعروف } أي: مطالبته بالمعروف، بأمر آخذ الدية ~~بالمطالبة الجميلة التي لا يرهقه فيها: { وأداء إليه باحسان } يأمر ~~المطالب بأن لا يبخس ولا يماطل { ذلك تخفيف من ربكم } قال سعيد بن جبير: ~~كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد، ولا يعفى عنه، ولا ~~يؤخذ منه دية، فرخص الله لأمة محمد، فان شاء ولي المقتول عمدا، قتل، ~~وإن شاء، عفا، وإن شاء، أخذ الدية. # قوله تعالى: { فمن اعتدى } أي: ظلم، فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية؛ { ~~فله عذاب أليم ms0117 } قال قتادة: يقتل ولا تقبل منه الدية. # فصل # ذهب جماعة من المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ، لأنه لما قال: ~~{ الحر بالحر }؛ اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر، وكذلك لما قال: { ~~والأنثى بالأنثى } اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب، ~~وذلك منسوخ بقوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } قال ~~شيخنا علي بن عبد الله: وهذا عند الفقهاء ليس بنسخ، لأن الفقهاء يقولون: ~~دليل الخطاب حجة مالم يعارضه دليل أقوى منه. ### || [2.179] # قوله تعالى: { ولكم في القصاص حياة } # قال الزجاج: إذا علم الرجل أنه إن قتل قتل؛ أمسك عن القتل، فكان في ~~ذلك حياة للذي هم بقتله ولنفسه، لأنه من أجل القصاص أمسك. وأخذ هذا ~~المعنى الشاعر فقال: # أبلغ أبا مالك عني مغلغلة # وفي العتاب حياة بين أقوام # يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح من بينهم العتاب. والألباب: العقول، وإنما ~~خصهم بهذا الخطاب وإن كان الخطاب عاما، لأنهم المنتفعون بالخطاب، لكونهم ~~يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه. # قوله تعالى: { لعلكم تتقون } قال ابن عباس: لعلكم تتقون الدماء. وقال ~~ابن زيد: لعلك تتقي أن يقتله فتقتل به. # فصل # نقل ابن منصور عن أحمد: إذا قتل رجل رجلا بعصى، أو خنقه، أو شدخ رأسه ~~بحجر، يقتل بمثل الذي قتل به. فظاهر هذا: أن القصاص يكون بغير السيف، ~~ويكون بمثل الآلة التي قتل بها، وهو قول مالك، والشافعي. ونقل عنه حرب: ~~إذا قتله بخشبة قتل بالسيف. ونقل أبو طالب: إذا خنقه قتل بالسيف. فظاهر ~~هذا: أنه لا يكون القصاص إلا بالسيف، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. ### || [2.180] # قوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } # قال الزجاج: المعنى: وكتب عليكم، إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف ~~بالواو. وعلم أن معناه معنى الواو، وليس المراد: كتب عليكم أن يوصي أحدكم ~~عند الموت، لأنه في شغل حينئذ، وإنما المعنى: كتب عليكم أن توصوا وأنتم ~~قادرون على الوصية، فيقول الرجل: إذا أنا مت، فلفلان كذا. فأما الخير ~~هاهنا؛ فهو المال ms0118 في قول الجماعة. # وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال. أحدها: أنه ألف ~~درهم فصاعدا، روي عن علي، وقتادة. والثاني: أنه سبعمائة درهم فما فوقها، ~~رواه طاووس عن ابن عباس. والثالث: ستون دينارا فما فوقها، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس. والرابع: أنه المال الكثير الفاضل عن نفقة العيال. قالت عائشة ~~لرجل سألها: إني أريد الوصية، فقالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: ~~كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: هذا شيء يسير، فدعه لعيالك. والخامس: أنه من ~~ألف درهم إلى خمسمائة، قاله إبراهيم النخعي. والسادس: أنه القليل ~~والكثير، رواه معمر عن الزهري. فأما المعروف؛ فهو الذي لا حيف فيه. # فصل # وهل كانت الوصية ندبا أو واجبة؟ فيه قولان. أحدهما: أنها كانت ندبا. ~~والثاني: أنها كانت فرضا، وهو أصح، لقوله تعالى: { كتب } ومعناه: فرض. ~~قال ابن عمر: نسخت هذه الآية بآية الميراث. وقال ابن عباس: نسختها: # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # [النساء:7]. والعلماء متفقون على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين ~~يرثون وهم مختلفون في الأقربين الذين لا يرثون: هل تجب الوصية لهم؟ على ~~قولين، أصحهما أنها لا تجب لأحد. ### || [2.181] # قوله تعالى: { فمن بدله } قال الزجاج: من بدل أمر الوصية بعد سماعه ~~إياها، فانما إثمه على مبدله، لا على الموصي، ولا على الموصى له { إن ~~الله سميع } لما قد قاله الموصي { عليم } بما يفعله الموصى إليه. ### || [2.182] # قوله تعالى: { فمن خاف من موص } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم { موص } ساكنة الواو، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر، عن عاصم «موص» مفتوحة الواو مشددة الصاد. وفي المراد بالخوف ~~هاهنا قولان. أحدهما: أنه العلم. والثاني: نفس الخوف. فعلى الأول؛ يكون ~~الجور قد وجد. وعلى الثاني: يخشى وجوده. و «الجنف»: الميل عن الحق. قال ~~الزجاج: جنفا، أي: ميلا، أو إثما، أي: قصد الإثم. وقال ابن عباس: ~~الجنف: الخطأ، والإثم: العمد. قال أبو سليمان الدمشقي: الجنف: الخروج عن ~~الحق، وقد يسمى به المخطىء والعامد، إلا أن المفسرين علقوا ms0119 الجنف على ~~المخطىء، والإثم على العامد. # وفي توجيه هذه الآية قولان. أحدهما: أن معناه: من حضر رجلا يموت، فأسرف ~~في وصيته، أو قصر عن حق؛ فليأمره بالعدل، هذا قول مجاهد. والثاني: أن ~~معناها: من أوصى بجور، فرد وليه وصيته، أو ردها إمام من أئمة المسلمين ~~إلى كتاب الله وسنة نبيه؛ فلا إثم عليه، وهذا قول قتادة. # قوله تعالى: { فأصلح بينهم } أي: بين الذين أوصى لهم، ولم يجر لهم ذكر، ~~غير أنه لما ذكر الموصي أفاد مفهوم الخطاب أن هناك موصى له، وأنشد ~~الفراء: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني؟! # أألخير الذي أنا أبتغيه # أم الشر الذي هو يبتغيني # فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكره الخير وحده، لما في مفهوم اللفظ ~~من الدلالة. ### || [2.183] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } # الصيام في اللغة: الإمساك في الجملة، يقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن ~~السير، وصامت الريح: إذا أمسكت عن الهبوب. والصوم في الشرع: عبارة عن ~~الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع انضمام النية إليه. وفي الذين من ~~قبلنا ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم أهل الكتاب، رواه عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس، وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم النصارى: قاله الشعبي، والربيع، ~~والثالث: أنهم جميع أهل الملل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. # وفي موضع التشبيه في كاف { كما كتب } قولان. أحدهما: أن التشبيه في حكم ~~الصوم وصفته، لا في عدده. قال سعيد بن جبير: كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل ~~أن يطعم لم يحل له أن يطعم إلى القابلة، والنساء عليهم حرام ليلة الصيام، ~~وهو عليهم ثابت. وقد أرخص لكم. فعلى هذا تكون هذه الآية منسوخة بقوله: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث # [البقرة:187]. فانها فرقت بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين. ~~والثاني: أن التشبيه في عدد الأيام. ثم في ذلك قولان. أحدهما: أنه فرض ~~على هذه الأمة صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقد كان ذلك فرضا على من ~~قبلهم. قال عطية عن ابن عباس ms0120 في قوله تعالى: { كما كتب على الذين من ~~قبلكم } قال: كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ برمضان. قال معمر عن ~~قتادة: كان الله قد كتب على الناس قبل رمضان ثلاثة أيام من كل شهر، فعلى ~~هذا القول تكون الآية منسوخة بقوله تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن } والثاني: أنه فرض على من قبلنا صوم رمضان بعينه. قال ابن عباس: ~~فقدم النصارى يوما ثم يوما، وأخروا يوما، ثم قالوا: نقدم عشرا ~~ونؤخر عشرا. وقال السدي عن أشياخه: اشتد على النصارى صوم رمضان، فجعل ~~يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجلوا صياما في ~~الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا. ~~فعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة. # قوله تعالى: { لعلكم تتقون } لأن الصيام وصلة إلى التقى، إذ هو يكف ~~النفس عن كثير مما تتطلع إليه من المعاصي، وقيل: لعلكم تتقون محظورات ~~الصوم. ### || [2.184] # قوله تعالى: { أياما معدودات } قال الزجاج: نصب «أياما» على الظرف، ~~كأنه قال: كتب عليكم الصيام في هذه الأيام. والعامل فيه «الصيام»، كأن ~~المعنى: كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات. وفي هذه الأيام ثلاثة ~~أقوال. أحدها: أنها ثلاثة أيام من كل شهر. والثاني: أنها ثلاثة أيام من ~~كل شهر ويوم عاشوراء. والثالث: أنها شهر رمضان، وهو الأصح. وتكون الآية ~~محكمة في هذا القول، وفي القولين قبله تكون منسوخة { فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام } فيه إضمار: فأفطر. # فصل # وليس المرض والسفر على الإطلاق، فان المريض إذا لم يضر به الصوم؛ لم يجز ~~له الإفطار، وإنما الرحمة موقوفة على زيادة المرض بالصوم. واتفق العلماء ~~أن السفر مقدر، واختلفوا في تقديره، فقال أحمد، ومالك، والشافعي، أقله ~~مسيرة ستة عشر فرسخا؛ يومان، وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله مسيرة ثلاثة ~~أيام، مسيرة أربعة وعشرين فرسخا. وقال الأوزاعي: أقله مرحلة يوم، مسيرة ~~ثمانية فراسخ. وقيل: إن السفر مشتق من السفر الذي هو الكشف، يقال: سفرت ~~المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح: ms0121 إذا أضاء، فسمي الخروج إلى المكان البعيد: ~~سفرا، لأنه يكشف عن أخلاق المسافر. # قوله تعالى: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } نقل عن ابن ~~مسعود، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وعلقمة، ~~والزهري في آخرين في هذه الآية؟ أنهم قالوا: كان من شاء صام، ومن شاء ~~أفطر وافتدى، يطعم عن كل يوم مسكينا حتى نزلت: { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } فعلى هذا يكون معنى الكلام: وعلى الذين يطيقونه ولا يصومونه ~~فدية، ثم نسخت. وروي عن عكرمة أنه قال: نزلت في الحامل والمرضع. وقرا أبو ~~بكر الصديق، وابن عباس: { وعلى الذين يطوقونه } بضم الياء وفتح الطاء ~~وتشديد الواو. قال ابن عباس: هو الشيخ والشيخة. # قوله تعالى: { فدية طعام مسكين } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي «فدية» منون { طعام المسكين } موحد. وقرأ نافع، وابن ~~عامر: «فدية» بغير تنوين «طعام» بالخفض «مساكين» بالجمع. قال أبو علي: ~~معنى القراءة الأولى: على كل واحد طعام مسكين. ومثله: # فاجلدوهم ثمانين # [النور:4]. أي: اجلدوا كل واحد ثمانين. قال أبو زيد: أتينا الأمير ~~فكسانا كلنا حلة، وأعطانا كلنا مئة، أي: فعل ذلك بكل واحد منا. قال: ~~فأما من أضاف الفدية إلى الطعام، فكإضافة البعض إلى ما هو بعض له، وذلك ~~أنه سمى الطعام الذي يفدى به: فدية، ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم ~~الفدية وغيرها، فهو على هذا من باب: خاتم حديد. # قوله تعالى: { فمن تطوع خيرا } [فيه] ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: من ~~أطعم مسكينين، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أن التطوع إطعام مساكين، ~~قاله طاووس. والثالث: أنه زيادة المسكين على قوته، وهو مروي عن مجاهد، ~~وفعله أنس ابن مالك لما كبر { وأن تصوموا خير لكم } عائد إلى من تقدم ~~ذكره من الأصحاء المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام على ما حكينا في ~~أول الآية عن السلف، ولم يرجع ذلك إلى المرضى والمسافرين، والحامل ~~والمرضع، إذ الفطر في حق هؤلاء أفضل من الصوم، وقد نهوا عن تعريض أنفسهم ~~للتلف، وهذا يقوي ms0122 قول القائلين بنسخ الآية. ### || [2.185] # قوله تعالى: { شهر رمضان } # قال الأخفش: شهر رمضان بالرفع على تفسير الأيام، كأنه لما قال: { أياما ~~معدودات } فسرها فقال: هي شهر رمضان. قال أبو عبيد: وقرأ مجاهد: { شهر ~~رمضان } بالنصب وأراه نصبه على معنى الإغراء: عليكم شهر رمضان فصوموه، ~~كقوله: { ملة أبيكم } وقوله { صبغة الله } قلت: وممن قرأ بالنصب ~~معاوية، والحسن، وزيد بن علي، وعكرمة، ويحيى بن يعمر. قال ابن فارس: ~~الرمض: حر الحجارة من شدة حر الشمس، ويقال: شهر رمضان، من شدة الحر، ~~لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التى ~~وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، ويجمع على رمضانات، وأرمضاء، ~~وأرمضة. # قوله تعالى: { الذي أنزل فيه القرآن } فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه ~~أنزل القرآن فيه جملة واحدة، وذلك في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء ~~الدنيا، قاله ابن عباس. والثاني: أن معناه: أنه أنزل القرآن بفرض صيامه، ~~روي عن مجاهد، والضحاك. والثالث: أن معناه: إن القرآن ابتدىء بنزوله فيه ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن إسحاق، وأبو سليمان الدمشقي. قال ~~مقاتل: والفرقان: المخرج في الدين من الشبهة والضلالة. # قوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } أي: من كان حاضرا غير ~~مسافر. فان قيل: ما الفائدة في إعادة ذكر المرض والسفر في هذه الآية، وقد ~~تقدم ذلك؟ قيل: لأن في الآية المتقدمة منسوخا، فأعاده لئلا يكون مقرونا ~~بالمنسوخ. # قوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر } قال ابن عباس، ومجاهد وقتادة، ~~والضحاك، اليسر: الإفطار في السفر، والعسر: الصوم فيه. وقال عمر بن عبد ~~العزيز: أي ذلك كان أيسر عليك فافعل: الصوم في السفر، أو الفطر. # قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: { ولتكملوا } باسكان الكاف خفيفة. وقرأ أبو بكر عن عاصم بتشديد ~~الميم، وذلك مثل: «وصى» و «أوصى» وقال ابن عباس: ولتكملوا عدة ما ~~أفطرتم. وقال بعضهم: المراد به: لا تزيدوا على ما افترض، كما فعلت ~~النصارى، ولا تنقلوه عن زمانه كما نقلته ms0123 { ولتكبروا الله على ما هداكم } ~~قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال، أن يكبروا لله ~~حتى يفرغوا من عيدهم. فان قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: { ولتكملوا ~~العدة ولتكبروا الله } وليس هناك ما يعطف عليه؟ فالجواب: أن هذه الواو ~~عطفت اللام التي بعدها على لام محذوفة، والمعنى: ولا يريد بكم العسر، ~~ليسعدكم، ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها، ذكره ابن ~~الأنباري. # فصل # ومن السنة إظهار التكبير ليلة الفطر، وليلة النحر، وإذا غدوا إلى ~~المصلى. واختلفت الرواية عن أحمد، رضي الله عنه، متى يقطع في عيد ~~الفطر، فنقل عنه حنبل: يقطع بعد فراغ الإمام من الخطبة. ونقل الأثرم: إذا ~~جاء المصلى، قطع. قال القاضي أبو يعلى: يعني: إذا جاء المصلى وخرج ~~الإمام. ### || [2.186] # قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني } # في سبب نزولها خمسة أقوال. # أحدها: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أقريب ربنا ~~فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية، رواه الصلت بن حكيم عن أبيه ~~عن جده. # والثاني: أن يهود المدينة قالوا: يا محمد! كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت ~~تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام؟! فنزلت هذه الآية، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم قالوا: يا رسول الله! لو نعلم أية ساعة أحب إلى الله أن ~~ندعو فيها دعوانا، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. # والرابع: أن أصحاب النبي قالوا له: أين الله؟ فنزلت هذه الآية، قاله ~~الحسن. # والخامس: أنه لما حرم في الصوم الأول على المسلمين بعد النوم الأكل ~~والجماع؛ أكل رجل منهم بعد أن نام، ووطئ رجل بعد أن نام، فسألوا: كيف ~~التوبة مما عملوا؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الكلام: إذا سألوك ~~عني، فأعلمهم أني قريب. # وفي معنى «أجيب» قولان. أحدهما: أسمع، قاله الفراء، وابن القاسم. ~~والثاني: أنه من الإجابة { فليستجيبوا لي } أي: فليجيبوني. قال الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أراد: فلم يجبه. وهذا قول ms0124 أبي عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. { لعلهم ~~يرشدون } قال أبو العالية: يعني: يهتدون. # فصل # إن قال قائل: هذه الآية تدل على أن الله تعالى يجيب أدعية الداعين، وترى ~~كثيرا من الداعين لا يستجاب لهم! # فالجواب: أن أبا سعيد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " ما من مسلم دعا الله تعالى بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم؛ إلا ~~أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخرها له ~~في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها " # وجواب آخر: وهو أن الدعاء تفتقر إجابته إلى شروط أصلها الطاعة لله، ~~ومنها أكل الحلال، فإن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء، ومنها حضور القلب، ~~ففي بعض الحديث: # " لا يقبل الله دعاء من قلب غافل لاه " # وجواب آخر: وهو أن الداعي قد يعتقد المصلحة في إجابته إلى ما سأل، وقد ~~لا تكون المصلحة في ذلك، فيجاب إلى مقصوده الأصلي، وهو: طلب المصلحة، وقد ~~تكون المصلحة في التأخير أو في المنع. ### || [2.187] # قوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } # سبب نزول هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا نام الرجل قبل الأكل والجماع، ~~حرما عليه إلى أن يفطر، فجاء شيخ من الأنصار وهو صائم إلى أهله، فقال: ~~عشوني، فقالوا: حتى نسخن لك طعاما، فوضع رأسه فنام، فجاؤوا بالطعام، ~~فقال: قد كنت نمت، فبات يتقلب ظهرا لبطن، فلما أصبح أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ فأخبره، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! إني أردت ~~أهلي الليلة، فقالت: إنها قد نامت، فظننتها تعتل، فواقعتها، فأخبرتني ~~أنها قد نامت، فأنزل الله تعالى في عمر بن الخطاب: { أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسائكم } وأنزل الله في الأنصاري: { وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } هذا قول جماعة من المفسرين. ~~واختلفوا في اسم هذا الأنصاري على أربعة أقوال. أحدها: قيس بن صرمة، قاله ~~البراء. والثاني: صرمة بن أنس، قاله القاسم بن محمد، وقال عبد الرحمن بن ~~أبي ms0125 ليلى: صرمة بن مالك. والثالث: ضمرة بن أنس. والرابع: أبو قيس بن عمر. ~~وذكر القولين أبو بكر الخطيب. فأما «الرفث» فقال ابن عمر، وابن عباس، ~~ومجاهد، وعطاء، والحسن، وابن جبير في آخرين: هو الجماع. # قوله تعالى: { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } فيه قولان. أحدهما: أن ~~اللباس السكن. ومثله # جعل لكم الليل لباسا # [الفرقان:47] أي: سكنا. وهذا قول ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة. ~~والثاني: أنهن بمنزلة اللباس، لإفضاء كل واحد ببشرته إلى بشرة صاحبه، ~~فكنى عن اجتماعهما متجردين باللباس. قال الزجاج: والعرب تسمي المرأة: ~~لباسا وإزارا، قال النابغة الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى جيدها # تثنت فكانت عليه لباسا # وقال غيره: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا # فدى لك من أخي ثقة إزاري # يريد: بالإزار: امرأته. # قوله تعالى: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } قال ابن ~~قتيبة: يريد: تخونونها بارتكاب ما حرم عليكم. قال ابن عباس: وعنى ~~بذلك فعل عمر، فإنه أتى أهله، فلما اغتسل أخذ يلوم نفسه ويبكي { فالآن ~~باشروهن }: أصل المباشرة: إلصاق البشرة بالبشرة. وقال ابن عباس: المراد ~~بالمباشرة هاهنا: الجماع. { وابتغوا ما كتب الله لكم } فيه أربعة أقوال: ~~أحدها: أنه الولد، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد في آخرين. قال بعض أهل ~~العلم: لما كانت المباشرة قد تقع على ما دون الجماع، أباحهم الجماع الذي ~~يكون من مثله الولد، فقال: { وابتغوا ما كتب الله لكم } يريد: الولد. ~~والثاني: أن الذي كتب لهم الرخصة، وهو قول قتادة. وابن زيد. والثالث: أنه ~~ليلة القدر. رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والرابع: أنه القرآن، فمعنى ~~الكلام: اتبعوا القرآن، فما أبيح لكم وأمرتم به فهو المبتغى، وهذا ~~اختيار الزجاج. # قوله تعالى: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض } # " قال عدي بن حاتم: لما نزلت هذه الآية، عمدت إلى عقالين، أبيض وأسود، ~~فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الأسود من الأبيض، ~~فلما أصبحت؛ غدوت على رسول الله فأخبرته، فضحك وقال: «إن كان وسادك ~~إذا لعريض، إنما ذاك بياض النهار من سواد ms0126 الليل» " # وقال سهل بن سعد: نزلت هذه الآية: { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود } ولم ينزل: { من الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط ~~أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى ~~يتبين له زيهما، فأنزل الله بعد ذلك { من الفجر } فعلموا أنما يعني بذلك ~~الليل والنهار. # فصل # إذا شك في الفجر، فهل يدع السحور أم لا؟ فظاهر كلام أحمد يدل على أنه لا ~~يدع السحور، بل يأكل حتى يستيقن طلوع الفجر. وقال مالك: أكره له أن يأكل ~~إذا شك في طلوع الفجر، فان أكل فعليه القضاء وقال الشافعي: لا شيء عليه. # قوله تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } في هذه المباشرة ~~قولان. أحدهما: أنها المجامعة، وهو قول الاكثرين والثاني: أنها ما دون ~~الجماع من اللمس والقبلة، قاله ابن زيد. وقال قتادة: كان الرجل المعتكف ~~إذا خرج من المسجد، فلقي امرأته باشرها إذا أراد ذلك، فوعظهم الله في ~~ذلك. # فصل # الاعتكاف في اللغة: اللبث، يقال: فلان معتكف على كذا، وعاكف. وهو فعل ~~مندوب إليه، إلا أن ينذره الإنسان، فيجب. ولا يجوز إلا في مسجد تقام فيه ~~الجماعات، ولا يشترط في حق المرأة مسجد تقام فيه الجماعة، إذ الجماعه لا ~~تجب عليها. وهل يصح بغير صوم؟ فيه عن أحمد روايتان. # قوله تعالى: { تلك حدود الله } قال ابن عباس: يعني: المباشرة { فلا ~~تقربوها } قال الزجاج: الحدود ما منع الله من مخالفتها، فلا يجوز ~~مجاوزتها. وأصل الحد في اللغة: المنع، ومنه: حد الدار، وهو ما يمنع غيرها ~~من الدخول فيها. والحداد في اللغة: الحاجب والبواب، وكل من منع شيئا فهو ~~حداد. قال الأعشى: # فقمنا ولما يصح ديكنا # إلى جونة عند حدادها # أي: عند ربها الذي يمنعها إلا بما يريده. وأحدت المرأة على زوجها، ~~وحدت، فهي حاد، ومحد: إذا قطعت الزينة، وامتنعت منها، وأحددت النظر إلى ~~فلان: إذا منعت نظرك من غيره. وسمي الحديد حديدا، لأنه يمتنع به ~~الأعداء. # قوله تعالى: { كذلك يبين الله } أي: مثل هذا ms0127 البيان الذي ذكر. ### || [2.188] # قوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } # سبب نزولها: أن امرؤ القيس بن عابس، وعبدان الحضرمي، اختصما في أرض، ~~وكان عبدان هو الطالب ولا بينة له، فأراد امرؤ القيس أن يحلف، فقرأ عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا # [آل عمران:77]. فكره أن يحلف، ولم يخاصم في الأرض، فنزلت هذه الآية. هذا ~~قول جماعة، منهم سعيد بن جبير. ومعنى الآية: لا يأكل بعضكم أموال بعض، ~~كقوله: { فاقتلوا أنفسكم } قال القاضي أبو يعلى: والباطل على وجهين. ~~أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه، كالسرقة، والغصب، والخيانة، ~~والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه، كالقمار، والغناء، وثمن الخمر. وقال ~~الزجاج: الباطل الظلم. «وتدلوا» أصله في اللغة من: أدليت الدلو: إذا ~~أرسلتها لتملأها، ودلوتها: إذا أخرجتها. ومعنى أدلى فلان بحجته: أرسلها، ~~وأتى بها على صحة. فمعنى الكلام: تعملون على ما يوجبه إدلاء الحجة، ~~وتخونون في الأمانة، وأنتم تعلمون أن الحجة عليكم في الباطن. # وفي ها «بها» قولان. أحدهما: أنها ترجع إلى الأموال كأنه قال: لا ~~تصانعوا ببعضها جورة الحكام. والثاني: أنها ترجع إلى الخصومة، فان ~~قيل: كيف أعاد ذكر الأكل فقال: «ولا تأكلوا» «لتأكلوا» فالجواب: أنه وصل ~~اللفظة الأولى بالباطل، والثانية بالإثم، فأعادها للزيادة في المعنى، ~~ذكره ابن الأنباري. ### || [2.189] # قوله تعالى: { يسئلونك عن الأهلة } # هذه الآية من أولها إلى قوله: «والحج» نزلت على سبب، وهو أن رجلين من ~~الصحابة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد ويمتلئ ~~حتى يستدير ويستوي، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ فنزلت: { ~~يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } هذا قول ابن عباس. # ومن قوله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } إلى آخرها، ~~يدل على سبب آخر، وهو أنهم كانوا إذا حجوا، ثم قدموا المدينة، لم يدخلوا ~~من باب، ويأتون البيوت من ظهورها، فنسي رجل، فدخل من باب، فنزلت: { وليس ~~البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } هذا ms0128 قول البراء بن عازب. # وفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله أربعة أقوال. أحدها: ~~أنهم كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام، قاله ابن عباس، وأبو العالية، ~~والنخعي، وقتادة، وقيس النهشلي. والثاني: لأجل دخول الشهر الحرام، قاله ~~البراء بن عازب. والثالث: أن أهل الجاهلية كانوا إذا هم أحدهم بالشيء ~~فاحتبس عنه؛ لم يأت بيته من بابه حتى يأتي الذي كان هم به، قاله الحسن. ~~والرابع: أن أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك، رواه عثمان ~~بن عطاء عن أبيه. # فأما التفسير؛ فانما سألوه عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها، ~~فأخبرهم أنها مقادير لما يحتاج الناس إليه في صومهم وحجهم وغير ذلك. ~~والأهلة: جمع هلال. وكم يبقى الهلال على هذه التسمية؟ فيه للعرب أربعة ~~أقوال. أحدها: أنه يسمى هلالا لليلتين من الشهر. والثاني: لثلاث ليال، ~~ثم يسمى: قمرا. والثالث: إلى أن يحجر، وتحجيره: أن يسير بخطة دقيقة، وهو ~~قول الأصمعي. والرابع: إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل. حكى هذه الأقوال ابن ~~السري، واختار الأول، قال: واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبي: إذا ~~بكى حين يولد، وأهل القوم بالحج: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، فسمي ~~هلالا، لأنه حين يرى يهل الناس بذكره. # قوله تعالى: { ولكن البر من اتقى } مثل قوله تعالى: { ولكن البر ~~من آمن بالله } وقد سبق بيانه، واختلف القراء في البيوت وما أشبهها، فقرأ ~~ابن كثير، وابن عامر، والكسائي، بكسر باء «البيوت» وعين «العيون» وغين ~~«الغيوب» وروي عن نافع أنه ضم باء «البيوت» وعين «العيون» وغين «الغيوب» ~~وجيم «الجيوب» وشين «الشيوخ» وروى عنه قالون أنه كسر باء «البيوت» وقرأ ~~أبو عمر، وأبو جعفر بضم الأحرف الخمسة، وكسرهن جميعا حمزة، واختلف عن ~~عاصم. قال الزجاج: من ضم «البيوت» فعلى أصل الجمع: بيت وبيوت، مثل: قلب ~~وقلوب، وفلس وفلوس، ومن كسر، فانما كسر للياء التي بعد الباء، وذلك عند ~~البصريين رديء، لأنه ليس في الكلام فعول بكسر الفاء. وسمعت شيخنا أبا ~~منصور اللغوي يقول: إذا كان الجمع على فعول، وثانيه ياء؛ ms0129 جاز فيه الضم ~~والكسر، تقول: بيوت وبيوت، وشيوخ وشيوخ، وقيود وقيود. ### || [2.190] # قوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم }. # سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما صد عن البيت، ونحر ~~هديه بالحديبية، وصالحه المشركون على أن يرجع من العام المقبل؛ رجع، فلما ~~تجهز في العام المقبل؛ خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك، و أن يصدوهم ~~ويقاتلوهم، وكره أصحابه القتال في الشهر الحرام؛ فنزلت هذه الآية، قاله ~~ابن عباس. # قوله تعالى: { ولا تعتدوا } أي: ولا تظلموا. وفي المراد بهذا الاعتداء ~~أربعة أقوال. أحدها: أنه قتل النساء والولدان، قاله ابن عباس، ومجاهد. ~~والثاني: أن معناه: لا تقاتلوا من لم يقاتلكم، قاله سعيد بن جبير، وأبو ~~العالية، وابن زيد. والثالث: أنه إتيان ما نهوا عنه، قاله الحسن. ~~والرابع: أنه ابتداؤهم بالقتال في الحرم في الشهر الحرام، قاله مقاتل. # فصل # اختلف: العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنها منسوخة. واختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على ~~قولين. أحدهما: أنه أولها، وهو قوله: { وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم } قالوا: وهذا يقتضي أن القتال يباح في حق من قاتل من الكفار، ~~ولا يباح في حق من لم يقاتل، وهذا منسوخ بقوله: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم ~~} والثاني: أن المنسوخ منها: { ولا تعتدوا } ولهؤلاء في هذا الاعتداء ~~قولان. أحدهما: أنه قتل من لم يقاتل. والثاني: أنه ابتداء المشركين ~~بالقتال، وهذا منسوخ بآية السيف. # والقول الثاني: أنها محكمة، ومعناها عند أرباب هذا القول: { وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم } وهم الذين أعدوا أنفسهم للقتال، فأما من ليس ~~بمعد نفسه للقتال، كالرهبان والشيوخ الفناة، والزمنى، والمكافيف، ~~والمجانين، فان هؤلاء لا يقاتلون، وهذا حكم باق غير منسوخ. # فصل # واختلف العلماء في أول آية نزلت في إباحة القتال على قولين. أحدهما: ~~أنها قوله تعالى: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج:39] قاله أبو بكر الصديق، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والزهري. ~~والثاني: أنها هذه الآية: { وقاتلوا في سبيل الله } قاله أبو العالية، ms0130 ~~وابن زيد. ### || [2.191] # قوله تعالى: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } # أي: وجدتموهم. يقال: ثقفته أثقفه: إذا وجدته. قال القاضي أبو يعلى: قوله ~~تعالى: { واقتلوهم حيث تقفثموهم } عام في جميع المشركين، إلا من كان ~~بمكة، فانهم أمروا باخراجهم منها، إلا من قاتلهم، فإنهم أمروا بقتالهم، ~~يدل على ذلك قوله في نسق الآية: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه } وكانوا قد آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج، ~~فكأنهم أخرجوهم. فأما الفتنة، ففيها قولان. أحدهما: أنها الشرك، قاله ابن ~~مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وقتادة في آخرين. والثاني: أنها ارتداد ~~المؤمن إلى عبادة الأوثان. قاله مجاهد. فيكون معنى الكلام على القول ~~الأول: شرك القوم أعظم من قتلكم إياهم في الحرم. وعلى الثاني: ارتداد ~~المؤمن إلى الأوثان أشد عليه من أن يقتل محقا. # قوله تعالى: { ولا تقاتلوهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: ~~{ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم ~~فاقتلوهم } وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: { ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فان ~~قتلوكم } بحذف الألف فيهن. وقد اتفق الكل على قوله: { فاقتلوهم } واحتج ~~من قرأ بالألف بقوله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } واحتج من حذف الألف ~~بقوله: { فاقتلوهم }. # فصل # واختلف العلماء في قوله: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه }: هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب مجاهد في جماعة من الفقهاء إلى أنه محكم، ~~وأنه لا يقاتل فيه إلا من قاتل، ويدل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أنه خطب يوم فتح مكة، فقال: # " يا أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض، ولم تحل لأحد ~~قبلي، ولا تحل لأحد بعدي. وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ثم عادت ~~حراما إلى يوم القيامة " # فبين صلى الله عليه وسلم أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل ~~التخصيص، لا على وجه النسخ، فثبت بذلك حظر القتال في الحرم، إلا أن ~~يقاتلوا فيدفعون دفعا، وهذا أمر مستمر، والحكم غير منسوخ، وقد ذهب قتادة ~~إلى أنه منسوخ ms0131 بقوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: ~~5] فأمر بقتالهم في الحل والحرم وعلى كل حال. وذهب الربيع بن أنس، وابن ~~زيد. إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } وزعم ~~مقاتل أنه منسوخ بقوله تعالى: # واقتلوهم حيث ثقفتموهم # [البقرة:191]. والقول الأول أصح. # قوله تعالى: { فان قاتلوكم فاقتلوهم } قال مقاتل: أي: فقاتلوهم. ### || [2.192] # قوله تعالى: { فان انتهوا } # فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: فإن انتهوا عن شركهم وقتالكم. ~~والثاني: عن كفرهم. والثالث: عن قتالكم دون كفرهم. فعلى القولين الأولين ~~تكون الآية محكمة، ويكون معنى: { فان الله غفور رحيم } غفور لشركهم ~~وجرمهم، وعلى القول الأخير؛ يكون في معنى قوله: { غفور رحيم } قولان. ~~أحدهما: غفور لكم حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم. والثاني: أن معناه: يأمركم ~~بالغفران والرحمة لهم. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية السيف. ### || [2.193] # قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } # قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة في آخرين: الفتنة هاهنا: الشرك. # قوله تعالى: { ويكون الدين لله } قال ابن عباس: أي: يخلص له التوحيد. ~~والعدوان: الظلم، وأريد به هاهنا: الجزاء. فسمي الجزاء عدوانا مقابلة ~~للشيء بمثله، كقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } والظالمون هاهنا: ~~المشركون، قاله عكرمة، وقتادة في آخرين. # فصل # وقد روي عن جماعة من المفسرين، منهم قتادة، أن قوله تعالى: { فان انتهوا ~~فلا عدوان إلا على الظالمين } منسوخ بآية السيف، وإنما يستقيم هذا إذا ~~قلنا: إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم، فأما ~~إذا قلنا: إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم؛ فالآية محكمة. ### || [2.194] # قوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } # هذه الآية نزلت على سبب، واختلفوا فيه على قولين. أحدهما: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أقبل هو وأصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي، ~~فصدهم المشركون، فصالحهم نبي الله على أن يرجع عنهم ثم يعود في العام ~~المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال، ولا يدخلها بسلاح، ولا يخرج بأحد من أهل ~~مكة، فلما كان العام المقبل؛ أقبل هو وأصحابه فدخلوها، فافتخر المشركون ~~عليه ms0132 إذ ردوه يوم الحديبية، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في الشهر الذي ~~ردوه فيه، فقال: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات ~~قصاص } وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، ~~وقتادة، في آخرين. والثاني: أن مشركي العرب قالوا للنبي، عليه السلام: ~~أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال «نعم» وأرادوا أن يفتروه في الشهر ~~الحرام، فيقاتلوه فيه، فنزلت هذه الآية، يقول: إن استحلوا منكم شيئا في ~~الشهر الحرام، فاستحلوا منهم مثله، هذا قول الحسن، واختاره إبراهيم بن ~~السري والزجاج. فأما أرباب القول الأول؛ فيقولون: معنى الآية: الشهر ~~الحرام، الذي دخلتم فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه عام أول. { ~~والحرمات قصاص }: اقتصصت لكم منهم في ذي القعدة كما صدوكم في ذي القعدة. ~~وقال الزجاج: الشهر الحرام، أي: قتال الشهر الحرام بالشهر الحرام، فأعلم ~~الله تعالى أن أمر هذه الحرمات لا تجوز للمسلمين إلا قصاصا، ثم نسخ ذلك ~~بآية السيف، وقيل: إنما جمع الحرمات، لأنه أراد الشهر الحرام بالبلد ~~الحرام، وحرمة الإحرام. # قوله تعالى: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } قال ابن عباس: من قاتلكم ~~في الحرم فقاتلوه. وإنما سمى المقابلة على الاعتداء اعتداء، لأن صورة ~~الفعلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية. قال الزجاج: والعرب ~~تقول: ظلمني فلان فظلمته، أي: جازيته بظلمه. وجهل فلان علي، فجهلت ~~عليه. وقد سبق بيان هذا المعنى في أول السورة. # قوله تعالى: { واتقوا الله } قال سعيد بن جبير: واتقوا الله، ولا ~~تبدؤوهم بقتال في الحرم. ### || [2.195-196] # قوله تعالى: { وأنفقوا في سبيل الله } # هذه الآية نزلت على سبب، وفيه قولان. # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما أمر بالتجهز إلى مكة، قال ~~ناس من الأعراب: يا رسول الله! بماذا نتجهز؟ فوالله مالنا زاد ولا مال! ~~فنزلت، قاله ابن عباس. # والثاني: أن الأنصار كانوا ينفقون ويتصدقون، فأصابتهم سنة، فأمسكوا؛ ~~فنزلت، قاله أبو جبيرة بن الضحاك. والسبيل في اللغة: الطريق. وإنما ~~استعملت هذه الكلمة في الجهاد، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد ~~الدين. والتهلكة: بمعنى ms0133 الهلاك، يقال: هلك الرجل يهلك هلاكا وهلكا ~~وتهلكة. قال المبرد: وأراد بالأيدي: الأنفس، فعبر بالبعض عن الكل. وفي ~~المراد بالتهلكة هاهنا أربعة أقوال. أحدها: أنها ترك النفقة في سبيل ~~الله، قاله حذيفة، وابن عباس، والحسن، وابن جبير، وعكرمة، ومجاهد، ~~وقتادة، والضحاك. والثاني: أنها القعود عن الغزو شغلا بالمال، قاله أبو ~~أيوب الأنصاري. والثالث: أنها القنوط من رحمة الله، قاله البراء، ~~والنعمان بن بشير، وعبيدة. والرابع: أنها عذاب الله، رواه ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس. # قوله تعالى: { وأحسنوا } فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: أحسنوا ~~الإنفاق، وهو قول أصحاب القول الأول. والثاني: أحسنوا الظن بالله، قاله ~~عكرمة، وسفيان، وهو يخرج على قول من قال: التهلكة: القنوط، والثالث: أن ~~معناه: أدوا الفرائض، رواه سفيان عن أبي إسحاق. # قوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال ابن فارس: الحج في ~~اللغة: القصد، والاعتمار في الحج أصله: الزيارة. قال ثعلب: الحج بفتح ~~الحاء: المصدر، وبكسرها: الاسم. قال: وربما قال الفراء: هما لغتان. وذكر ~~ابن الأنباري في العمرة قولين. أحدهما: الزيارة. والثاني: القصد. وفي ~~إتمامها أربعة أقوال. أحدها: أن معنى إتمامها: أن يفصل بينهما، فيأتي ~~بالعمرة في غير أشهر الحج، قاله عمر بن الخطاب، والحسن، وعطاء. والثاني: ~~أن يحرم الرجل من دويرة أهله، قاله علي بن أبي طالب، وطاووس، وابن جبير، ~~والثالث: أنه إذا شرع في أحدهما لم يفسخه حتى يتم، قاله ابن عباس. ~~والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما، قاله مجاهد. وجمهور القراء على نصب ~~«العمرة» بايقاع الفعل عليها. وقرأ الأصمعي عن نافع والقزاز عن أبي عمرو، ~~والكسائي عن أبي جعفر برفعها، وهي قراءة ابن مسعود، وأبي رزين، والحسن، ~~والشعبي. وقراءة الجمهور تدل على وجوبها. وممن ذهب إلى أن العمرة واجبة، ~~علي، وابن عمر، وابن عباس، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وأحمد، والشافعي، وروي عن ابن مسعود، وجابر، والشعبي، ~~وإبراهيم، وأبي حنيفة، ومالك، أنها سنة وتطوع. # قوله تعالى { فإن أحصرتم } قال ابن قتيبة: يقال: أحصره المرض والعدو: ~~إذا منعه ms0134 من السفر، ومنه هذه الآية. # وحصره العدو: إذا ضيق عليه. وقال الزجاج: يقال للرجل إذا حبس: قد حصر، ~~فهو محصور. وللعلماء في هذا الإحصار قولان. أحدهما: أنه لا يكون إلا ~~بالعدو، ولا يكون المريض محصرا. وهذا مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأنس، ~~ومالك، والشافعي، وأحمد. ويدل عليه قوله: { فاذا أمنتم }. والثاني: أنه ~~يكون بكل حابس من مرض أو عدو أو عذر، وهو قول عطاء، ومجاهد، وقتادة، وأبي ~~حنيفة. وفي الكلام اختصار وحذف، والمعنى: فإن أحصرتم دون تمام الحج ~~والعمرة فحللتم؛ فعليكم ما استيسر من الهدي. ومثله { أو به أذى من رأسه ~~ففدية } تقديره: فحلق، ففدية. والهدي: ما أهدي إلى البيت. وأصله: هدي ~~مشدد، فخفف، قاله ابن قتيبة. وبالتشديد يقرأ الحسن، ومجاهد. وفي المراد { ~~بما استيسر من الهدي } ثلاثة أقوال. أحدها: أنه شاة، قاله علي بن أبي ~~طالب، وابن عباس، والحسن، وعطاء، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، والضحاك. ~~والثاني: أنه ما تيسر من الإبل والبقر لا غير، قاله ابن عمر، وعائشة، ~~والقاسم. والثالث: أنه على قدر الميسرة، رواه طاووس عن ابن عباس. وروي عن ~~الحسن، وقتادة قالا: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة. وقال أحمد: ~~الهدي من الأصناف الثلاثة، من الإبل والبقر، والغنم، وهو قول أبي حنيفة، ~~رحمه الله، ومالك، والشافعي، رحمهما الله. # قوله تعالى: { حتى يبلغ الهدي محله } قال ابن قتيبة: المحل: الموضع الذي ~~يحل به نحره، وهو من: حل يحل. وفي المحل قولان. أحدهما: أنه الحرم، قاله ~~ابن مسعود، والحسن، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وابن سيرين، والثوري، وأبو ~~حنيفة، والثاني: أنه الموضع الذي أحصر به فيذبحه ويحل، قاله مالك، ~~والشافعي، وأحمد. # قوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية } هذا نزل ~~على سبب، وهو أن كعب بن عجرة كثر قمل رأسه حتى تهافت على وجهه، فنزلت هذه ~~الآية فيه فكان يقول: في نزلت خاصة. # فصل # قال شيخنا علي ابن عبيد الله: اقتضى قوله: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله } تحريم حلق الشعر، سواء وجد به الأذى، ms0135 أو لم يجد، حتى نزل: { ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية } فاقتضى هذا إباحة حلق ~~الشعر عند الأذى مع الفدية، فصار ناسخا لتحريمه المتقدم. # ومعنى الآية: فمن كان منكم- أي: من المحرمين، محصرا كان أو غير محصر- ~~مريضا، واحتاج إلى لبس أو شيء يحظره الإحرام، ففعله، أو به أذى من رأسه ~~فحلق؛ ففدية من صيام. وفي الصيام قولان. أحدهما: أنه ثلاثة أيام، روي في ~~حديث كعب ابن عجرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول ~~الجمهور. والثاني: أنه صيام عشرة أيام، روي عن الحسن وعكرمة، ونافع، وفي ~~الصدقة قولان. أحدهما: أنه إطعام ستة مساكين، روي في حديث كعب، وهو قول ~~من قال: الصوم ثلاثة أيام. # والثاني: أنها إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صوم عشرة أيام. ~~والنسك: ذبح شاة، يقال: نسكت لله، أي: ذبحت له، وفي النسك لغتان: ضم ~~النون والسين، وبها قرأ الجمهور، وضم النون مع تسكين السين، وهي قراءة ~~الحسن. # قوله تعالى: { فاذا أمنتم } ، أي: من العدو. إذ المرض لا تؤمن معاودته ~~وقال علقمة في آخرين: فاذا أمنتم من الخوف والمرض. { فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج } معناه: من بدأ بالعمرة في أشهر الحج، وأقام الحج، من عامه ~~ذلك؛ فعليه ما استيسر من الهدي. وهذا قول ابن عمر، وابن المسيب، وعطاء، ~~والضحاك. وقد سبق الكلام فيما استيسر من الهدي. { فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج } قال الحسن: هي قبل التروية بيوم و [يوم] التروية، و [يوم] ~~عرفة، وهذا قول عطاء، والشعبي، وأبي العالية، وابن جبير، وطاووس، ~~وإبراهيم، وقد نقل عن علي رضي الله عنه، وقد روي عن الحسن، وعطاء قالا: ~~في أي العشر شاء صامهن. ونقل عن طاووس، ومجاهد، وعطاء، أنهم قالوا: في أي ~~أشهر الحج شاء فليصمهن. ونقل عن ابن عمر أنه قال: من حين يحرم إلى يوم ~~عرفة. # فصل # فإن لم يجد الهدي، ولم يصم الثلاثة أيام قبل يوم النحر، فماذا يصنع؟ قال ~~عمر بن الخطاب، وابن عباس، ms0136 وابن جبير، وطاووس، وإبراهيم: لا يجزئه إلا ~~الهدي ولا يصوم. وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منى. ورواه صالح عن ~~أحمد، وهو قول مالك. وذهب آخرون إلى أنه لا يصوم أيام التشريق، بل يصوم ~~بعدهن. روي عن علي. ورواه المروذي عن أحمد، وهو قول الشافعي. # فصل # فان وجد الهدي بعد الدخول في صوم الثلاثة أيام، لم يلزمه الخروج منه، ~~وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه الخروج، وعليه الهدي. ~~وقال عطاء: إن صام يومين ثم أيسر؛ فعليه الهدي. وإن صام ثلاثة أيام ثم ~~أيسر؛ فليصم السبعة، ولا هدي عليه. وفي معنى قوله: { في الحج } قولان. ~~أحدهما: أن معناه: في أشهر الحج والثاني: في زمان الإحرام بالحج. وفي ~~قوله تعالى: { وسبعة إذا رجعتم } قولان. أحدهما: إذا رجعتم إلى أمصاركم، ~~قاله ابن عباس، والحسن، وأبو العالية، والشعبي، وقتادة. والثاني: إذا ~~رجعتم من حجكم، وهو قول عطاء، وسعيد بن جبير، وأبي حنيفة، ومالك.قال ~~الأثرم: قلت لأبي عبيد الله، يعني: أحمد ابن حنبل: فصيام السبعة أيام إذا ~~رجع متى يصومهن؟ أفي الطريق، أم في أهله؟ قال: كل ذلك قد تأوله الناس. ~~قيل لأبي عبد الله: ففرق بينهن، فرخص في ذلك. # قوله تعالى: { تلك عشرة كاملة } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أن معناه: كاملة في قيامها مقام الهدي، وإلى هذا المعنى ذهب ابن ~~عباس، والحسن. قال القاضي أبو يعلى: وقد كان يجوز أن يظن ظان أن الثلاثة ~~قد قامت مقام الهدي في باب استكمال الثواب، فأعلمنا الله تعالى أن العشرة ~~بكمالها هي القائمة مقامه. # والثاني: أن الواو قد تقوم مقام «أو» في مواضع، منها قوله: { فانحكوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } فأزال الله، عز وجل احتمال التخيير ~~في هذه الآية، بقوله: { تلك عشرة كاملة } وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج. # والثالث: أن ذلك للتوكيد. وأنشدوا للفرزدق: # ثلاث واثنتان فهن خمس # وسادسة تميل إلى شمامي # وقال آخر: # هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا # وقال آخر: # كم نعمة كانت له كم كم وكم ms0137 # والقرآن نزل بلغة العرب، وهي تكرر الشيء لتوكيده. # والرابع: أن معناه: تلك عشرة كاملة في الفصل، وإن كانت الثلاثة في الحج، ~~والسبعة بعد، لئلا يسبق إلى وهم أحد أن السبعة دون الثلاثة، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # والخامس: أنها لفظة خبر ومعناها: الأمر، فتقديره: تلك عشرة فأكملوها. # قوله تعالى: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } في المشار ~~إليه بذلك قولان. أحدهما: أنه التمتع بالعمرة إلى الحج. والثاني: أنه ~~الجزاء بالنسك والصيام. واللام من «لمن» في هذا القول بمعنى:«على». فأما ~~حاضروا المسجد الحرام؛ فقال ابن عباس، وطاووس، ومجاهد: هم أهل الحرم. ~~وقال عطاء: من كان منزله دون المواقيت. قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: ~~إن هذا الفرض لمن كان من الغرباء. وإنما ذكر أهله، وهو المراد بالحضور، ~~لأن الغالب على الرجل أن يسكن حيث أهله ساكنون. ### || [2.197] # قوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } # في الحج لغتان. فتح الحاء، وهي لأهل الحجاز، وبها قرأ الجمهور. وكسرها، ~~وهي لتميم، وقيل: لأهل نجد، وبها قرأ الحسن. قال سيبويه: يقال: حج حجا، ~~كقولهم: ذكر ذكرا. وقالوا: حجة، يريدون: عمل سنة. قال الفراء: المعنى: ~~وقت الحج هذه الأشهر. وقال الزجاج: معناه: أشهر الحج أشهر معلومات. # وفي أشهر الحج قولان. أحدهما: أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ~~قاله ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وابن سيرين، ~~وعطاء، والشعبي، وطاووس، والنخعي، وقتادة، ومكحول، والضحاك، والسدي، وأبو ~~حنيفة، وأحمد بن حنبل، والشافعي، رضي الله عنهم. والثاني: أنها شوال وذو ~~القعدة وذو الحجة، وهو مروي عن ابن عمر أيضا، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ~~والزهري، والربيع، ومالك بن أنس. قال ابن جرير الطبري: إنما أراد هؤلاء ~~أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد ~~انقضى بانقضاء منى، وقد كانوا يستحبون أن يفعلوا العمرة في غيرها. قال ~~ابن سيرين: ما أحد من أهل العلم شك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من ~~عمرة في أشهر الحج، وإنما قال: { الحج أشهر } وهي ms0138 شهران وبعض الآخر على ~~عادة العرب. قال الفراء: تقول العرب: له اليوم يومان لم أره، وإنما هو ~~يوم، وبعض آخر. وتقول: زرتك العام، وأتيتك اليوم، وإنما وقع الفعل في ~~ساعة. وذكر ابن الأنباري: في هذا قولين. أحدهما: أن العرب توقع الجمع على ~~التثنية، كقوله تعالى: { أولئك مبرؤون مما يقولون } وإنما يريد عائشة ~~وصفوان. وكذلك قوله: { وكنا لحكمهم شاهدين } يريد: داود وسليمان. ~~والثاني: أن العرب توقع الوقت الطويل على الوقت القصير، فيقولون: قتل ابن ~~الزبير أيام الحج، وإنما كان القتل في أقصر وقت. # فصل # اختلف العلماء فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج، فقال عطاء، وطاووس، ~~ومجاهد، والشافعي: لا يجزئه ذلك، وجعلوا فائدة قوله: { الحج أشهر معلومات ~~} أنه لا ينعقد الحج إلا فيهن. وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والليث ~~بن سعد، وأحمد بن حنبل: يصح الإحرام بالحج قبل أشهر، فعلى هذا يكون قوله: ~~{ الحج أشهر معلومات } أي: معظم الحج يقع في هذه الأشهر، كما قال النبي، ~~صلى الله عليه وسلم: # " الحج عرفة " # قوله تعالى: { فمن فرض فيهن الحج } قال ابن مسعود: هو الإهلال بالحج، ~~والإحرام به. وقال طاووس، وعطاء: هو أن يلبي. وروي عن علي، وابن عمر، ~~ومجاهد، والشعبي في آخرين: أنه إذا قلد بدنته فقد أحرم، وهذا محمول على ~~أنه قلدها ناويا للحج. ونص الإمام أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، في ~~رواية الأثرم: أن الإحرام بالنية. قيل له: يكون محرما بغير تلبية؟ قال: ~~نعم إذا عزم على الإحرام، وهذا قول مالك، والشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز الدخول في الإحرام إلا بالتلبية أو تقليد الهدي ~~وسوقه. # قوله تعالى: { فلا رفث } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: { فلا ~~رفث ولا فسوق } بالضم والتنوين. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي بغير تنوين، ولم يرفع أحد منهم لام «جدال» إلا أبو جعفر. قال ~~أبو علي: حجة من فتح أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود، لأنه بالفتح قد نفى ~~جميع الرفث والفسوق، كقوله: { لا ريب فيه } فاذا رفع ونون؛ كان النفي ~~لواحد منه، ms0139 وإنما فتحوا لام الجدال، ليتناول النفي جميع جنسه، فكذلك ~~ينبغي أن يكون جمع الاسمين قبله. وحجة من رفع أنه قد علم من فحوى الكلام ~~نفي جميع الرفث، وقد يكون اللفظ واحدا، والمراد بالمعنى: الجميع. # وفي الرفث ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الجماع، قاله ابن عمر، والحسن، ~~وعكرمة، ومجاهد، وقتادة في آخرين. والثاني: أنه الجماع، وما دونه من ~~التعريض به، وهو مروي عن ابن عمر أيضا، وابن عباس، وعمرو بن دينار في ~~آخرين. والثالث: أنه اللغو من الكلام، قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي. وفي ~~الفسوق ثلاثة أقوال. أحدها: أنه السباب، قاله ابن عمر، وابن عباس، ~~وإبراهيم في آخرين. والثاني: أنه التنابز بالألقاب، مثل أن تقول لأخيك: ~~يا فاسق، ياظالم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه المعاصي، قاله ~~الحسن، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وقتادة في آخرين، وهو الذي نختاره، لأن ~~المعاصي تشمل الكل، ولأن الفاسق: الخارج من الطاعة إلى المعصية. # قوله تعالى: { ولا جدال في الحج } الجدال: المراء. وفي معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: أن معناه: لا يمارين أحد أحدا، فيخرجه المراء إلى الغضب، ~~وفعل ما لا يليق بالحج، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عمر، وابن عباس، وطاووس، ~~وعطاء، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، والزهري، والضحاك في آخرين. # والثاني: أن معناه: لا شك في الحج ولا مراء، فانه قد استقام أمره وعرف ~~وقته وزال النسيء عنه، قال مجاهد: كانوا يحجون في ذي الحجة عامين، وفي ~~المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر ~~عامين حتى وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسنة، ثم حج النبي من قابل في ذي الحجة، فذلك ~~حين قال: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # وإلى هذا المعنى ذهب السدي عن أشياخه، والقاسم بن محمد. # قوله تعالى: { وتزودوا فان خير الزاد التقوى } قال ابن عباس: كان أهل ~~اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فيسألون الناس، فأنزل ~~الله تعالى: { وتزودوا ms0140 فان خير الزاد التقوى } قال الزجاج: أمروا أن ~~يتزودوا، وأعلموا أن خير ما تزودوا تقوى الله عز وجل. ### || [2.198-199] # قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } # قال ابن عباس: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم، ويقولون: أيام ~~ذكر؛ فنزلت هذه الآية. والابتغاء: الالتماس، والفضل هاهنا: التماس الرزق ~~بالتجارة والكسب. قال ابن قتيبة: أفضتم، بمعنى: دفعتم. وقال الزجاج: ~~معناه: دفعتم بكثرة، يقال: أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا فيه، و ~~أكثروا التصرف. # وفي تسمية «عرفات» قولان. # أحدهما: أن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفات ~~قال: قد عرفت، فسميت «عرفة» قاله علي رضي الله عنه. # والثاني: أنها سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء، وتعارفهما بها، قاله ~~الضحاك. # قال الزجاج: والمشعر: المعلم، سمي بذلك، لأن الصلاة عنده. والمقام ~~والمبيت والدعاء من معالم الحج، وهو مزدلفة، وهي جمع يسمى بالاسمين. قال ~~ابن عمر، ومجاهد: المشعر الحرام: المزدلفة كلها. # قوله تعالى: { واذكروه كما هداكم } أي: جزاء هدايته لكم، فان قيل: ما ~~فائدة تكرير الذكر؟ قيل: فيه أربعة أجوبة. أحدها: أنه كرره للمبالغة في ~~الأمر به. والثاني: أنه وصل بالذكر الثاني ما لم يصل بالذكر الأول، فحسن ~~تكريره. فالمعنى: اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته. والثالث: أنه كرره ~~ليدل على مواصلته، والمعنى: اذكروه ذكرا بعد ذكر، ذكر هذه الأقوال محمد ~~بن القاسم النحوي. والرابع: أن الذكر في قوله: { فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام } هو: صلاة المغرب والعشاء اللتان يجمع بينهما بالمزدلفة. والذكر ~~في قوله: { كما هداكم } هو: الذكر المفعول عند الوقوف بمزدلفة غداة جمع، ~~حكاه القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: { وإن كنتم من قبله } في هاء الكناية ثلاثة أقوال. أحدها: ~~أنها ترجع إلى الإسلام، قاله ابن عباس. والثاني: أنها ترجع إلى الهدى، ~~قاله مقاتل، والزجاج والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله سفيان الثوري. # قوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } قالت عائشة: كانت قريش ومن ~~يدين بدينها، وهم الحمس، يقفون عشية عرفة بالمزدلفة، يقولون: نحن قطن ~~البيت، وكان بقية ms0141 العرب والناس يقفون بعرفات، فنزلت هذه الآية. قال ~~الزجاج: سموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا. والحماسة: الشدة ~~في كل شيء. # وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال. أحدها: أنهم جميع العرب غير ~~الخمس، ويدل عليه حديث عائشة، وهو قول عروة، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أن ~~المراد بالناس هاهنا: إبراهيم الخليل، عليه السلام، قاله الضحاك بن ~~مزاحم. والثالث: أن المراد بالناس آدم، قاله الزهري. وقد قرأ أبو ~~المتوكل، وأبو نهيك، ومورق العجلي: «الناسي» باثبات الياء. والرابع: ~~أنهم أهل اليمن وربيعة، فانهم كانوا يفيضون من عرفات، قاله مقاتل. # وفي المخاطبين بذلك قولان. أحدهما: أنه خطاب لقريش، وهو قول الجمهور. ~~والثاني أنه خطاب لجميع المسلمين، وهو يخرج على قول من قال: الناس آدم، ~~أو إبراهيم. # والإفاضة هاهنا على ما يقتضيه ظاهر اللفظ: هي الإفاضة من المزدلفة إلى ~~منى صبيحة النحر، إلا أن جمهور المفسرين على أنها الإفاضة من عرفات، ~~فظاهر الكلام لا يقتضي ذلك، كيف يقال: { فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا ~~الله } ثم أفيضوا من عرفات؟ غير أني أقول: وجه الكلام على ما قال أهل ~~التفسير: أن فيه تقديما وتأخيرا، تقديره: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، ~~فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله. # و«الغفور»: من أسماء الله، عز وجل، وهو من قولك: غفرت الشيء: إذا غطيته، ~~فكأن الغفور هو الساتر لعبده برحمته، أو الساتر لذنوب عباده. والغفور: هو ~~الذي يكثر المغفرة، لأن بناء المفعول للمبالغة من الكثرة، كقولك: صبور، ~~وضروب، وأكول. ### || [2.200-203] # قوله تعالى: { فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله } # في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن أهل الجاهلية كانوا إذا اجتمعوا بالموسم، ذكروا أفعال آبائهم ~~وأيامهم وأنسابهم في الجاهلية، فتفاخروا بذلك؛ فنزلت هذه الآية. وهذا ~~المعنى مروي عن الحسن، وعطاء، ومجاهد. # والثاني: أن العرب كانوا إذا حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا ~~كذا وكذا؛ فنزلت هذه الآية. وهذا مروي عن الحسن أيضا. # والثالث: أنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم، قام الرجل بمنى. فقال: اللهم إن ~~أبي كان عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ms0142 ذلك، فلا يذكر الله، إنما ~~يذكر أباه، ويسأل أن يعطى في دنياه؛ فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. # والمناسك: المتعبدات وفي المراد بها هاهنا قولان. أحدهما: أنها جميع ~~أفعال الحج، قاله الحسن. والثاني: أنها إراقة الدماء، قاله مجاهد. وفي ~~ذكرهم آبائهم أربعة أقوال. أحدها: أنه إقرارهم بهم. والثاني: أنه حلفهم ~~بهم والثالث: أنه ذكر إحسان آبائهم إليهم، فانهم كانوا يذكرونهم وينسون ~~إحسان الله إليهم. والرابع: أنه ذكر الأطفال الآباء، لأنهم أول نطقهم ~~بذكر آبائهم، روي هذا المعنى عن عطاء، والضحاك، وفي «أو» قولان. أحدهما: ~~أنها بمعنى «بل». والثاني: بمعنى الواو. و «الخلاق»: قد تقدم ذكره. # وفي حسنة الدنيا سبعة أقوال. أحدها: أنها المرأة الصالحة، قاله علي. ~~والثاني: أنها العبادة، رواه سفيان بن حسين عن الحسن. والثالث: أنها ~~العلم والعبادة، رواه هشام عن الحسن. والرابع: المال، قاله أبو وائل، ~~والسدي، وابن زيد. والخامس: العافية، قاله قتادة. والسادس: الرزق الواسع، ~~قاله مقاتل. والسابع: النعمة، قاله ابن قتيبة. # وفي حسنة الآخرة ثلاثة أقوال. أحدها: أنها الحور العين، قاله علي رضي ~~الله عنه. والثاني: الجنة، قاله الحسن، والسدي، ومقاتل. والثالث: العفو ~~والمعافاة، روي عن الحسن، والثوري. # قوله تعالى: { أولئك لهم نصيب مما كسبوا } قال الزجاج: معناه: دعاؤهم ~~مستجاب، لأن كسبهم هاهنا هو الدعاء، وهذه الآية متعلقه بما قبلها، إلا ~~أنه قد روي أنها نزلت على سبب يخالف سبب أخواتها، فروى الضحاك عن ابن ~~عباس # " أن رجلا قال: يا رسول الله: مات أبي ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال: «لو ~~كان على أبيك دين قضيته، أما كان ذلك يجزئ عنه» قال: نعم، قال: فدين الله ~~أحق أن يقضى قال: فهل لي من أجر؟ " # فنزلت هذه الآية. # وفي معنى سرعة الحساب خمسة أقوال. أحدها: أنه قلته، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه قرب مجيئه، قال مقاتل. والثالث: أنه لما علم ما للمحاسب وما ~~عليه قبل حسابه، كان سريع الحساب لذلك. والرابع: أن المعنى: والله سريع ~~المجازاة، ذكر هذا القول والذي قبله الزجاج. والخامس: أنه لا يحتاج إلى ~~فكر ms0143 وروية كالعاجزين، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } في هذا الذكر قولان. ~~أحدهما: أنه التكبير عند الجمرات، وأدبار الصلوات، وغير ذلك من أوقات ~~الحج. والثاني: أنه التكبير عقيب الصلوات المفروضات. واختلف أرباب هذا ~~القول في الوقت الذي يبتدئ فيه بالتكبير ويقطع على ستة أقوال. أحدها: أنه ~~يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة، إلى [ما] بعد صلاة العصر من آخر أيام ~~التشريق، قاله علي، وأبو يوسف، ومحمد. والثاني: أنه من صلاة الفجر يوم ~~عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود، وأبو حنيفة. والثالث: ~~من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى [ما] بعد العصر من آخر أيام التشريق، ~~قاله ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وعطاء. والرابع: أنه يكبر من ~~صلاة الظهر يوم النحر إلى [ما] بعد صلاة الظهر من يوم النفر، وهو الثاني ~~من أيام التشريق، قاله الحسن. والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى ~~صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، قاله مالك بن أنس، وهو أحد قولي ~~الشافعي. والسادس: أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من ~~آخر أيام التشريق، وهذا قول للشافعي، ومذهب إمامنا أحمد أنه إن كان ~~محلا، كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة. أولها الفجر يوم عرفة، وآخرها العصر ~~من آخر أيام التشريق، وإن كان محرما كبر عقيب سبعة عشر صلاة؛ أولها ~~الظهر من يوم النحر، وآخرها العصر من آخر أيام التشريق. # وهل يختص هذا التكبير عقيب الفرائض بكونها في جماعة، أم لا؟ فيه عن أحمد ~~روايتان. إحداهما: يختص بمن صلاها في جماعة، وهو قول أبي حنيفة رحمه ~~الله. والثانية: يختص بالفريضة، وإن صلاها وحده، وهو قول الشافعي. # وفي الأيام المعدودات ثلاثة أقوال. أحدها: أنها أيام التشريق، قاله ابن ~~عمر، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وقتادة في آخرين. والثاني: أنها ~~يوم النحر ويومان بعده، روي عن علي، وابن عمر. والثالث: أنها أيام العشر، ~~قاله سعيد بن جبير، والنخعي. قال الزجاج: و «معدودات» يستعمل كثيرا ~~للشيء ms0144 القليل، كما يقال: دريهمات وحمامات. # قوله تعالى: { فمن تعجل في يومين } أي: فمن تعجل النفر الأول في اليوم ~~الثاني من أيام منى؛ فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو اليوم ~~الثالث من أيام منى، فلا إثم عليه فان قيل، إنما يخاف الإثم المتعجل، فما ~~بال المتأخر ألحق به، والذي أتى به أفضل؟! فعنه أربعة أجوبة. أحدها: أن ~~المعنى: لا إثم على المتعجل، والمتأخر مأجور، فقال: لا إثم عليه، لتوافق ~~اللفظة الثانية الأولى، كقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } ~~والثاني: أن المعنى: فلا إثم على المتأخر في ترك استعمال الرخصة، ~~والثالث: أن المعنى: قد زالت آثام المتعجل والمتأخر التي كانت عليها قبل ~~حجهما. والرابع: أن المعنى: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر إنما يكون ~~بشرط التقوى. # وفي معنى: «لمن اتقى» ثلاثة أقوال. أحدها: لمن اتقى قتل الصيد، قاله ابن ~~عباس. والثاني: لمن اتقى المعاصي في حجه، قاله قتادة. وقال ابن مسعود: ~~إنما مغفرة الله لمن اتقى الله في حجه. والثالث: لمن اتقى فيما بقي من ~~عمره، قاله أبو العالية، وإبراهيم. ### || [2.204] # قوله تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } # اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال. أحدها: أنها نزلت في ~~الأخنس بن شريق، كان لين الكلام، كافر القلب، يظهر للنبي الحسن، ويحلف له ~~أنه يحبه، ويتبعه على دينه، وهو يضمر غير ذلك، هذا قول ابن عباس، والسدي ~~ومقاتل. والثاني: أنها نزلت فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه. وهذا ~~قول الحسن، وقتادة، وابن زيد. والثالث: أنها نزلت في سرية الرجيع، وذلك ~~أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة: إنا قد ~~أسلمنا، فابعث لنا نفرا من أصحابك يعلمونا ديننا، فبعث صلى الله عليه ~~وسلم، خبيب بن عدي، ومرثدا الغنوي، وخالد بن بكير، وعبد الله بن طارق، ~~وزيد بن الدثنة، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، فساروا نحو مكة، فنزلوا ~~بين مكة والمدينة ومعهم تمر، فأكلوا منه، فمرت عجوز فأبصرت النوى، فرجعت ~~إلى قومها ms0145 وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب، فركب سبعون منهم حتى ~~أحاطوا بهم، فحاربوهم، فقتلوا مرثدا، وخالدا، وابن طارق، ونثر عاصم ~~كنانته وفيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلا من عظمائهم، ثم قال: اللهم ~~إني حميت دينك صدر النهار، فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاطوا به فقتلوه، ~~وأرادوا حز رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكان قتل بعض أهلها، فنذرت: ~~لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر، فأرسل الله تعالى رجلا من ~~الدبر- وهي: الزنابير- فحمته، فلم يقدروا عليه، فقال: دعوه حتى يمسي ~~فتذهب عنه، فنأخذه، فجاءت، سحابة فأمطرت كالعزالي، فبعث الله الوادي، ~~فاحتمله فذهب به، وأسروا خبيبا وزيدا، فابتاع بنو الحارث بن عامر ~~خبيبا ليقتلوه، لأنه قتل آباءهم، فلما خرجوا به ليقتلوه قال: دعوني أصلي ~~ركعتين، فتركوه فصلى ركعتين، ثم قال: لولا أن تقولوا: جزع خبيب؛ لزدت، ~~وأنشأ يقول: # ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي شق كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ # يبارك على أوصال شلو ممزع # فصلبوه حيا، فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ رسولك سلامي، ~~فجاءه رجل منهم يقال له: أبو سروعة، ومعه رمح، فوضعه بين يدي خبيب، فقال ~~له خبيب: اتق الله، فما زاده ذلك إلا عتوا. وأما زيد، فابتاعه صفوان بن ~~أمية ليقتله بأبيه، فجاءه سفيان بن حرب حين قدم ليقتله، فقال: يا زيد! ~~أنشدك الله، أتحب أن محمدا مكانك، وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن ~~محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي، ~~ثم قتل. وبلغ النبي الخبر، فقال: أيكم يحتمل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ ~~فقال الزبير: أنا وصاحبي المقداد، فخرجا يمشيان بالليل ويمكثان بالنهار، ~~حتى وافيا المكان، وإذا حول الخشبة أربعون مشركا نيام نشاوى، وإذا هو ~~رطب يتثنى لم يتغير فيه شيء بعد أربعين يوما، فحمله الزبير على فرسه، ~~وسار فلحقه سبعون منهم، فقذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض، وقال الزبير: ~~ما جرأكم علينا يا معشر قريش؟! ثم ms0146 رفع العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير ~~بن العوام، وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد، أسدان رابضان ~~يدفعان عن شبلهما، فان شئتم ناضلتكم، وإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم ~~انصرفتم، فانصرفوا، وقدما على رسول صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده، ~~فقال: «يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك». # وقال بعض المنافقين في أصحاب خبيب: ويح هؤلاء المقتولين، لا في بيوتهم ~~قعدوا، ولا رسالة صاحبهم أدوا، فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد ~~وخبيب وأصحابه والمنافقين هذه الآية، وثلاث آيات بعدها. وهذا الحديث ~~بطوله مروي عن ابن عباس. # قوله تعالى: { ويشهد الله على ما في قلبه } فيه قولان. أحدهما: أنه ~~يقول: إن الله يشهد أن ما ينطق به لساني هو الذي في قلبي. والثاني: أنه ~~يقول: اللهم اشهد علي بهذا القول. وقرأ ابن مسعود، «ويستشهد الله» ~~بزيادة سين وتاء. وقرأ الحسن، وطلحة بن مصرف، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: ~~«ويشهد» بفتح الياء «الله» بالرفع. # قوله تعالى: { وهو ألد الخصام }. الخصام: جمع خصم، يقال: خصم وخصام ~~وخصوم. قال الزجاج: والألد: الشديد الخصومة، واشتقاقه من لديدي العنق، ~~وهما: صفحتا العنق. ومعناه: أن خصمه في أي وجه أخذ من أبواب الخصومة، ~~غلبه في ذلك. ### || [2.205] # قوله تعالى: { وإذا تولى }. فيه أربعة أقوال. أحدها: أنه بمعنى: غضب، ~~روي عن ابن عباس، وابن جريج. والثاني: أنه الانصراف عن القول الذي قاله، ~~قاله الحسن. والثالث: أنه من الولاية، فتقديره: إذا صار واليا، قاله ~~مجاهد والضحاك. والرابع: أنه الانصراف بالبدن، قاله مقاتل وابن قتيبة. # وفي معنى: «سعى» قولان. أحدهما: أنه بمعنى: عمل، قاله ابن عباس ومجاهد، ~~والثاني: أنه من السعي بالقدم، قاله أبو سليمان الدمشقي، وفي الفساد ~~قولان. أحدهما: أنه الكفر، والثاني: الظلم. والحرث: الزرع. والنسل: نسل ~~كل شيء من الحيوان، هذا قول ابن عباس وعكرمة في آخرين. وحكى الزجاج عن ~~قوم: أن الحرث: النساء، والنسل: الأولاد. قال: وليس هذا بمنكر، لأن ~~المرأة تسمى حرثا. # وفي معنى إهلاكه للحرث والنسل ثلاثة أقوال. أحدها: أنه إهلاك ذلك بالقتل ~~والإحراق ms0147 والإفساد، قاله الأكثرون. والثاني: أنه إذا ظلم كان الظلم سببا ~~لقطع القطر، فيهلك الحرث والنسل، قاله مجاهد. وهو يخرج على قول من قال: ~~إنه من التولي. والثالث: أنه إهلاك ذلك بالضلال الذي يؤول إلى الهلاك، ~~حكاه بعض المفسرين. # قوله تعالى: { والله لا يحب الفساد } قال ابن عباس: لا يرضى بالمعاصي. ~~وقد احتجت المعتزلة بهذه الآية، فأجاب أصحابنا بأجوبة. منها: أنه لا يحبه ~~دينا، ولا يريده شرعا، فأما أنه لم يرده وجودا؛ فلا. والثاني: أنه لا ~~يحبه للمؤمنين دون الكافرين، والثالث: أن الإرادة معنى غير المحبة، فان ~~الإنسان قد يتناول المر، ويريد بط الجرح، ولا يحب شيئا من ذلك. وإذا ~~بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة؛ بطل ادعاؤهم التساوي بينهما، ~~وهذا جواب معتمد. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: # ولايرضى لعباده الكفر # [الزمر:7]. ### || [2.206] # قوله تعالى: { أخذته العزة } قال ابن عباس: هي الحمية. وأنشدوا: # أخذته عزة من جهله # فتولى مغضبا فعل الضجر # ومعنى الكلام: حملته الحمية على الفعل بالإثم. وفي «جهنم» قولان، ذكرهما ~~ابن الأنباري، أحدهما: أنها أعجمية لا تجر للتعريف والعجمة. والثاني: ~~أنها اسم عربي، ولم يجر للتأنيث والتعريف. قال رؤبة: ركية جهنام: ~~بعيدة القعر. # وقال الأعشى: # دعوت خليلي مسحلا ودعوا له # جهنام جدعا للهجين المذمم # فترك صرفه يدل على أنه اسم أعجمي معرب. # وفي المعنى الكلام قولان. أحدها: فحسبه جهنم جزاء عن إثمه. والثاني: ~~فحسبه جهنم ذلا من عزه. والمهاد: الفراش، ومهدت لفلان: إذا وطأت له، ~~ومنه: مهد الصبي. ### || [2.207] # قوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه } اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية ~~على خمسة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو معنى قول ~~عمر وعلي رضي الله عنهما. والثاني: أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ~~ذهبا لإنزال خبيب من خشبته، وقد شرحنا القصة. وهذا قول ابن عباس، ~~والضحاك. والثالث: أنها نزلت في صهيب الرومي، واختلفوا في قصته، فروي أنه ~~أقبل مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش، فنزل، ~~فانتثل كنانته، ms0148 وقال: قد علمتم أني من أرماكم بسهم، وأيم الله لا تصلون ~~إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ~~فان شئتم دللتكم على مالي. قالوا: فدلنا على مالك نخل عنك، فعاهدهم على ~~ذلك، فنزلت فيه هذه الآية، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ربح البيع أبا يحيى " # وقرأ عليه القرآن. هذا قول سعيد بن المسيب، وذكر نحوه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وقال: إن الذي تلقاه فبشره بما نزل فيه أبو بكر الصديق. وذكر مقاتل ~~أنه قال للمشركين: أنا شيخ كبير لا يضركم إن كنت معكم أو عليكم، ولي ~~عليكم حق لجواري، فخذوا مالي غير راحلة، واتركوني وديني، فاشترط أن لا ~~يمنع عن صلاة ولا هجرة، فأقام ما شاء الله، ثم ركب راحلته، فأتى المدينة ~~مهاجرا، فلقيه أبو بكر، فبشره وقال: نزلت فيك هذه الآية. وقال عكرمة: ~~نزلت في صهيب، وأبي ذر الغفاري، فأما صهيب، فأخذه أهله فافتدى بماله، ~~وأما أبو ذر، فأخذه أهله فأفلت منهم حتى قدم مهاجرا. والرابع: أنها نزلت ~~في المجاهدين في سبيل الله، قاله الحسن وابن زيد في آخرين. والخامس: أنها ~~نزلت في المهاجرين والأنصار حين قاتلوا على دين الله حتى ظهروا، هذا قول ~~قتادة. و «يشري» كلمة من الأضداد، يقال: شرى، بمعنى: باع، وبمعنى: اشترى. ~~فمعناها على قول من قال: نزلت في صهيب؛ معنى: يشتري. وعلى بقية الأقوال ~~بمعنى: يبيع. ### || [2.208-210] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } اختلفوا فيمن ~~نزلت على ثلاثة أقوال. أحدها أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب، كانوا ~~بعد إسلامهم يتقون السبت ولحم الجمل، وأشياء يتقيها أهل الكتاب. رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ~~بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بالدخول في الإسلام، روي عن ابن ~~عباس أيضا، وبه قال الضحاك. والثالث: أنها نزلت في المسلمين، يأمرهم ~~بالدخول في شرائع الإسلام كلها، قاله مجاهد وقتادة. # وفي «السلم» ثلاث ms0149 لغات: كسر السين، وتسكين اللام. وبها قرأ أبو عمرو، ~~وابن عامر في «البقرة» وفتحا السين في «الأنفال» وسورة «محمد» وفتح السين ~~مع تسكين اللام. وبها قرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي، في المواضع ~~الثلاثة، وفتح السين واللام. وبها قرأ الأعمش في «البقرة» خاصة. # وفي معنى «السلم» قولان. أحدهما: أنه الإسلام، قاله ابن عباس، وعكرمة، ~~وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. والثاني: أنها ~~الطاعة، روي عن ابن عباس أيضا، وهو قول أبي العالية، والربيع. وقال ~~الزجاج: و «كافة» بمعنى الجميع، وهو في اشتقاق اللغة: ما يكف الشيء في ~~آخره، من ذلك: كفة القميص، وكل مستطيل فحرفه كفة: بضم الكاف. ويقال ~~في كل مستدير: كفه بكسر الكاف، نحو: كفة الميزان. ويقال: إنما سميت ~~كفة الثوب، لأنها تمنعه أن ينتشر، وأصل الكف: المنع، وقيل لطرف اليد: ~~كف، لأنها تكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: قد كف بصره أن ينظر. ~~واختلفوا: هل قوله: «كافة» يرجع إلى السلم، أو إلى الداخلين فيه؟ على ~~قولين. أحدهما: أنه راجع إلى السلم، فتقديره: ادخلوا في جميع شرائع ~~الإسلام. وهذا يخرج على القول الأول الذي ذكرناه في نزول الآية. والثاني: ~~أنه يرجع إلى الداخلين فيه، فتقديره: ادخلوا كلكم في الإسلام، وبهذا يخرج ~~على القول الثاني. وعلى القول الثالث يحتمل قوله: «كافة» ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أن يكون أمرا للمؤمنين بألسنتهم أن يؤمنوا بقلوبهم، والثاني أن ~~يكون أمرا للمؤمنين بالدخول في جميع شرائعه. والثالث: أن يكون أمرا ~~لهم بالثبات عليه، كقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء:136] و «خطوات الشيطان» المعاصي. وقد سبق شرحها. و «البينات» ~~الدلالات الواضحات. وقال ابن جريج: هي الإسلام والقرآن. و «ينظرون» ~~بمعنى: ينتظرون. # قوله تعالى: { إلا أن يأتيهم الله } كان جماعة من السلف يمسكون عن ~~الكلام في مثل هذا. وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال: المراد به: ~~قدرته وأمره. قال: وقد بينه في قوله تعالى: # أو يأتي أمر ربك # [الانعام:158]. # قوله تعالى: { في ظلل من الغمام } أي: بظلل. والظلل: جمع ms0150 ظلة. و ~~«الغمام»: السحاب الذي لا ماء فيه. # قال الضحاك: في قطع من السحاب. ومتى يكون مجيء الملائكة؟ فيه قولان. ~~أحدهما: أنه يوم القيامة، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه عند الموت. قاله ~~قتادة. وقرأ الحسن بخفض «الملائكة» و { قضي الأمر }: فرغ منه. و { إلى ~~الله ترجع الأمور }. أي: تصير. قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو وعاصم، ~~«ترجع» بضم التاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي بفتحها. فان قيل: ~~فكأن الأمور كانت إلى غيره، فعنه أربعة أجوبة. أحدها: أن المراد به إعلام ~~الخلق أنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب، قاله الزجاج. والثاني: ~~أنه لما عبد قوم غيره، ونسبوا أفعاله إلى سواه، ثم انكشف الغطاء يوم ~~القيامة؛ ردوا إليه ما أضافوه إلى غيره. والثالث: أن العرب تقول: قد رجع ~~علي من فلان مكروه: إذا صار إليه منه مكروه، و إن لم يكن سبق، قال ~~الشاعر: # فإن تكن الأيام أحسن مرة # إلي فقد عادت لهن ذنوب # ذكرهما ابن الأنباري، ومما يشبه هذا قول لبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # أراد: يصير رمادا، لا أنه كان رمادا. وقال أمية بن أبي الصلت: # تلك المكارم لا قعبان من لبن # شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # أي: صار. والرابع: أنه لما كانت الأمور إليه قبل الخلق، ثم أوجدهم ~~فملكهم بعضها رجعت إليه بعد هلاكهم، فإن قيل: قد جرى ذكر اسمه تعالى في ~~قوله: { أن يأتيهم الله } فما الحكمة في أنه لم يقل: وإليه ترجع الأمور؟ ~~فالجواب: أن إعادة اسمه أفخم وأعظم، والعرب إذا جرى ذكر شيء يفخم أعادوا ~~لفظه، وأنشدوا: # لا أرى الموت يسبق الموت شيئا # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # فأعادوا ذكر الموت لفخامته في صدورهم، ذكره الزجاج. ### || [2.211] # قوله تعالى: { سل بني إسرائيل } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمعنى: له وللمؤمنين. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: «سل» بغير همز، ~~وبعض تميم يقول: «اسأل» بالهمز، وبعضهم يقول: «إسل» بالألف وطرح ~~الهمز، والأولى أغربهن، وبها جاء الكتاب وفي المراد بالسؤال قولان. ms0151 ~~أحدهما: أنه التقرير والإذكار بالنعم. والثاني: التوبيخ على ترك الشكر. # والآية البينة: العلامة الواضحة، كالعصا، والغمام، والمن، والسلوى، ~~والبحر. وفي المراد بنعمة الله قولان. أحدهما: أنها الآيات التي ذكرناها، ~~قاله قتادة. والثاني: أنها حجج الله الدالة على أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قاله الزجاج. # وفي معنى تبديلها ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الكفر بها، قاله أبو العالية ~~ومجاهد. والثاني: تغيير صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة. قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. والثالث: تعطيل حجج الله بالتأويلات الفاسدة. ### || [2.212] # قوله تعالى: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } في نزولها ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أنها نزلت في أبي جهل وأصحابه، قاله ابن عباس. والثاني: نزلت في ~~علماء اليهود، قاله عطاء. والثالث: في عبد الله بن أبي وأصحابه من ~~المنافقين. قاله مقاتل. قال الزجاج: وإنما جاز في «زين» لفظ التذكير، ~~لأن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، إذ معنى الحياة ومعنى العيش واحد. # وإلى من يضاف هذا التزيين فيه قولان. أحدهما: أنه يضاف إلى الله. وقرأ ~~أبي بن كعب، والحسن، ومجاهد، وابن محيصن، وابن أبي عبلة، «زين» بفتح ~~الزاي والياء، على معنى: زينها الله لهم. والثاني: أنه يضاف إلى ~~الشيطان، روي عن الحسن. قال شيخنا علي بن عبيد الله: والتزيين من الله ~~تعالى: هو التركيب الطبيعي، فإنه وضع في الطبائع محبة المحبوب، لصورة ~~فيه تزينت للنفس، وذلك من صنعه، وتزيين الشيطان بإذكار ما وقع من إغفاله ~~مما مثله يدعو إلى نفسه لزينته، فالله تعالى يزين بالوضع، والشيطان ~~يزين بالإذكار. # وما السبب في سخرية الكفار من المؤمنين؟ فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم ~~سخروا منهم للفقر. والثاني: لتصديقهم بالآخرة. والثالث: لاتباعهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنهم كانوا يوهمونهم أنكم على الحق، سخرية ~~منهم بهم. # وفي معنى كونهم «فوقهم» ثلاثة أقوال. أحدها: أن ذلك على أصله، لأن ~~المؤمنين في عليين، والكفار في سجين. والثاني: أن حجج المؤمنين فوق شبه ~~الكافرين، فهم المنصورون. والثالث: في أن نعيم المؤمنين في الجنة فوق ~~نعيم الكافرين في الدنيا. # قوله تعالى: { والله ms0152 يرزق من يشاء بغير حساب } فيه قولان. أحدهما: أنه ~~يرزق من يشاء رزقا واسعا غير ضيق. والثاني: يرزق من يشاء بلا محاسبة ~~في الآخرة. ### || [2.213] # قوله تعالى: { كان الناس أمة واحدة } في المراد ب «الناس» هاهنا ~~ثلاثة أقوال. أحدها: جميع بني آدم، وهو قول الجمهور. والثاني: آدم وحده، ~~قاله مجاهد. قال ابن الأنباري، وهذا الوجه جائز، لأن العرب توقع الجمع ~~على الواحد. ومعنى الآية: كان آدم ذا دين واحد، فاختلف ولده من بعده. ~~والثالث: آدم وأولاده كانوا على الحق، فاختلفوا حين قتل قابيل هابيل. ~~ذكره ابن الأنباري. والأمة هاهنا: الصنف الواحد على مقصد واحد. # وفي ذلك المقصد الذي كانوا عليه قولان. أحدهما: أنه الإسلام قاله أبي ~~بن كعب، وقتادة، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه الكفر. رواه عطية عن ابن ~~عباس. # ومتى كان ذلك. فيه خمسة أقوال أحدها: أنه حين عرضوا على آدم، وأقروا ~~بالعبودية. قاله أبي بن كعب. والثاني: في عهد إبراهيم كانوا كفارا. ~~قاله ابن عباس. والثالث: بين آدم ونوح، وهو قول قتادة. والرابع: حين ~~ركبوا السفينة، كانوا على الحق. قاله مقاتل. والخامس: في عهد آدم. ذكره ~~ابن الأنباري. { فبعث الله النبيين مبشرين } بالجنة و { منذرين } بالنار. ~~هذا قول الأكثرين. وقال بعض السلف: مبشرين لمن آمن بك يا محمد، ومنذرين ~~لمن كذبك. { وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس } والكتاب: اسم ~~جنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس. وذكر بعضهم أنه في التوراة. # وفي المراد بالحق ههنا قولان. أحدهما: أنه بمعنى الصدق والعدل. والثاني: ~~أنه القضاء فيما اختلفوا فيه { ليحكم بين الناس } في الحاكم هاهنا ثلاثة ~~أقوال. أحدها: أنه الله تعالى. والثاني: أنه النبي الذي أنزل عليه ~~الكتاب، والثالث: الكتاب، كقوله تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية:29]. وقرأ أبو جعفر: «ليحكم» بضم الياء وفتح الكاف. وقرأ ~~مجاهد «لتحكم» بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { فيما اختلفوا فيه } يعني: الدين. # قوله تعالى: { وما اختلف فيه } في هذه الهاء ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ~~تعود إلى محمد ms0153 صلى الله عليه وسلم قاله ابن مسعود، والثاني: إلى الدين، ~~قاله مقاتل. والثالث: إلى الكتاب، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما هاء ~~«أوتوه» فعائدة على الكتاب من غير خلاف. وقال الزجاج: ونصب «بغيا» على ~~معنى المفعول له، فالمعنى: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي، لأنهم عالمون ~~بحقيقة الأمر في كتبهم. وقال الفراء: في اختلافهم وجهان. أحدهما: كفر ~~بعضهم بكتاب بعض. والثاني: تبديل ما بدلوا. # قوله تعالى: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه } أي: لمعرفة ما ~~اختفلوا فيه، أو تصحيح ما اختلفوا فيه. # وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال. أحدها: أنه الجمعة، جعلها اليهود ~~السبت، والنصارى الأحد، فروى البخاري ومسلم في «الصحيحين»، من حديث أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ~~وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله ~~له فاليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى " # والثاني: أنه الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى ~~المغرب. والثالث: أنه إبراهيم. قالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: ~~كان نصرانيا. والرابع: أنه عيسى، جعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ~~إلها. والخامس: أنه الكتب، آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها. والسادس: أنه ~~الدين، وهو الأصح، لأن جميع الأقوال داخلة في ذلك. # قوله تعالى: { باذنه } قال الزجاج: إذنه: علمه. وقال غيره: أمره. قال ~~بعضهم: توفيقه. ### || [2.214] # قوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أن الصحابة أصابهم يوم الأحزاب بلاء وحصر، فنزلت هذا الآية، ذكره ~~السدي عن أشياخه، وهو قول قتادة. والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لما دخل المدينة هو وأصحابه اشتد بهم الضر، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. ~~والثالث: أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لو كان محمد نبيا لم يسلط عليكم ~~القتل، فأجابوهم: من قتل منا دخل الجنة، فقالوا: لم تمنون أنفسكم ~~بالباطل؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. وزعم أنها نزلت يوم أحد. قال ~~الفراء: { أم حسبتم } بمعنى: أظننتم، وقال ms0154 الزجاج: «أم» بمعنى: بل. وقد ~~شرحنا «أم» فيما تقدم شرحا كافيا. والمثل بمعنى: الصفة. و «زلزلوا» ~~خوفوا وحركوا بما يؤذي، وأصل الزلزلة في اللغة من: زل الشيء عن مكانه، ~~فاذا قلت: زلزلته، فتأويله: كررت زلزلته من مكانه، وكل ما كان فيه ترجيع ~~كررت فيه فاء الفعل، تقول: أقل فلان الشيء: إذا رفعه من مكانه، فاذا كرر ~~رفعه ورده، قيل: قلقله. فالمعنى أنه تكرر عليهم التحريك بالخوف، قاله ~~ابن عباس. البأساء: الشدة والبؤس، والضراء: البلاء والمرض. وكل رسول بعث ~~إلى أمته يقول: { متى نصر الله } والنصر: الفتح، والجمهور على فتح لام ~~«حتى يقول» وضمها نافع. # فصل # ومعنى الآية: أن البلاء والجهد بلغ بالأمم المتقدمة إلى أن استبطؤوا ~~النصر لشدة البلاء. وقد دلت على أن طريق الجنة إنما هو الصبر على البلاء. ~~قالت عائشة: ما شبع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثة أيام تباعا من ~~خبز بر حتى مضى لسبيله. وقال حذيفة: أقر أيامي لعيني، يوم أرجع إلى ~~أهلي فيشكون إلي الحاجة. قيل: ولم ذلك؟ قال: لأني سمعت رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، يقول: # " إن الله يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده [بالخير]، ~~وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا، كما يحمي المريض أهله الطعام " # أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعيد ابن أبي صادق، قال: أخبرنا ~~أبو عبد الله الشيرازي، قال: سمعت أبا الطيب ابن الفرخان يقول: سمعت ~~الجنيد يقول: دخلت على سري السقطي وهو يقول: # وما رمت الدخول عليه حتى # حللت محلة العبد الذليل # وأغضيت الجفون على قذاها # وصنت النفس عن قال وقيل ### || [2.215] # قوله تعالى: { يسئلونك ماذا ينفقون } في سبب نزولها قولان. أحدهما: أنها ~~نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان له مال كثير، فقال: يا رسول الله ~~بماذا نتصدق، وعلى، من ننفق؟ فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. والثاني: # " أن رجلا قال: للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لي دينارا، فقال: ~~«أنفقه على نفسك». فقال: إن لي دينارين. فقال: «أنفقها على أهلك». ms0155 فقال: ~~إن لي ثلاثة، فقال: «أنفقها على خادمك». فقال: إن لي أربعة، فقال: ~~«أنفقها على والديك». فقال: إن لي خمسة. فقال: «أنفقها على قرابتك». ~~فقال: إن لي ستة فقال: «أنفقها في سبيل الله، وهو أحسنها» " # فنزلت هذه الآية. رواه عطاء عن ابن عباس. # قال الزجاج: «ماذا» في اللغة على ضربين، أحدهما: أن تكون «ذا» بمعنى ~~الذي، و «ينفقون»: صلته، فيكون المعنى: يسألونك: أي شيء الذي ينفقون؟ ~~والثاني: أن تكون «ما» مع «ذا» اسما واحدا، فيكون المعنى: يسألونك أي ~~شيء ينفقون، قال: وكأنهم سألوا: على من ينبغي أن يفضلوا، وما وجه الذي ~~ينفقون؟ لأنهم يعلمون ما المنفق، وأعلمهم الله أن أولى من أفضل عليه ~~الوالدان والأقربون. والخير: المال، قاله ابن عباس في آخرين. وقال ومعنى ~~«فللوالدين» فعلى الوالدين. # فصل # وأكثر علماء التفسير على أن هذه الآية منسوخة، قال ابن مسعود: نسختها ~~آية الزكاة. وذهب الحسن إلى إحكامها، وقال ابن زيد: هي في النوافل، وهذا ~~الظاهر من الآية، لأن ظاهرها يقتضي الندب، ولا يصح أن يقال: إنها منسوخة، ~~إلا أن يقال: إنها اقتضت وجوب النفقة على المذكورين فيها. ### || [2.216] # قوله تعالى: { كتب عليكم القتال } قال ابن عباس: لما فرض الله على ~~المسلمين الجهاد شق عليهم وكرهوه، فنزلت هذه الآية، و «كتب» بمعنى: فرض ~~في قول الجماعة. قال الزجاج: يقال: كرهت الشيء أكرهه كرها وكرها، ~~وكراهة وكراهية. وكل ما في كتاب الله من الكره، فالفتح فيه جائز، إلا ~~أن أبا عبيد ذكر أن الناس مجتمعون على ضم هذا الحرف الذي فيه هذه الآية. ~~وإنما كرهوه لمشقته على النفوس، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال ~~الفراء: الكره والكره: لغتان. وكأن النحويين يذهبون بالكره إلى ما كان ~~منك مما لم تكره عليه، فإذا أكرهت على الشيء استحبوا «كرها» بالفتح. ~~وقال ابن قتيبة: الكره بالفتح، معناه: الإكراه والقهر، وبالضم معناه: ~~المشقة ومن نظائر هذا: الجهد: الطاقة، والجهد: المشقة ومنهم من يجعلهما ~~واحدا. وعظم الشيء: أكبره. وعظمه: نفسه. وعرض الشيء: إحدى نواحيه. ~~وعرضه: خلاف طوله. والأكل: ms0156 مصدر أكلت، والأكل: المأكول، وقال أبو علي: ~~هما لغتان، كالفقر والفقر، والضعف والضعف، والدف والدف، ~~والشهد والشهد. # قوله تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئا } قال ابن عباس، يعنى الجهاد. { وهو ~~خير لكم } فتح وغنيمة أو شهادة. { وعسى أن تحبوا شيئا } وهو: القعود ~~عنه. { وهو شر لكم } لا تصيبون فتحا ولا غنيمة ولا شهادة. { والله يعلم ~~} أن الجهاد خير لكم. { وأنتم لا تعلمون } حين أحببتم القعود عنه. # فصل # اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها من المحكم الناسخ للعفو عن المشركين. والثاني: أنها منسوخة، ~~لأنها أوجبت الجهاد على الكل، فنسخ ذلك بقوله تعالى: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # [التوبة:122]. والثالث: أنها ناسخة من وجه، منسوخة من وجه. # وقالوا: إن الحال في القتال كانت على ثلاث مراتب. الأولى: المنع من ~~القتال، ومنه قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم # [النساء:77]. والثانية: أمر الكل بالقتال، ومنه قوله تعالى: # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة:41]. ومثلها هذه الآية. والثالثة كون القتال فرضا على الكفاية، ~~وهو قوله تعالى: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # [التوبة:122]. فيكون الناسخ منها إيجاب القتال بعد المنع منه، والمنسوخ ~~منه وجوب القتال على الكل. ### || [2.217] # قوله تعالى: { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } روى جندب بن عبد ~~الله # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث رهطا واستعمل عليهم أبا عبيدة، ~~فلما انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث ~~مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأه إلا بمكان كذا ~~وكذا، وقال: «لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك» " # فلما صار إلى المكان، قرأ الكتاب واسترجع، وقال: سمعا [وطاعة لأمر] ~~الله ولرسوله [فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب]، فرجع رجلان من أصحابه، ~~ومضى بقيتهم، فأتوا ابن الحضرمي فقتلوه، فلم يدروا ذلك اليوم، أمن رجب، ~~أو من جمادى الآخرة؟ فقال المشركون [للمسلمين]: قتلتم في الشهر الحرام ~~[فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث] فنزلت هذه الآية، فقال ~~بعض ms0157 المسلمين: لئن كان أصابهم خير فما لهم أجر فنزلت: { إن الذين آمنوا ~~والذين هاجروا } إلى قوله: # رحيم # [البقرة:218] قال الزهري: اسم ابن الحضرمي: عمرو، واسم الذي قتله عبد ~~الله بن واقد الليثي. قال ابن عباس: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~يظنون تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب. # وقد روى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في شيئين. أحدهما: هذا. والثاني: ~~دخول النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة في شهر حرام يوم الفتح، حين عاب ~~المشركون عليه القتال في شهر حرام. # وفي السائلين النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قولان. أحدهما: أنهم ~~المسلمون سألوه: هل أخطؤوا أم أصابوا، قاله ابن عباس، وعكرمة ومقاتل. ~~والثاني: أنهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين، قاله الحسن ~~وعروة، ومجاهد. # والشهر الحرام: شهر رجب، وكان يدعى الأصم، لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح ~~قعقعة تعظيما له { قتال فيه } أي: يسألونك عن قتال فيه. { قل: قتال فيه ~~كبير } قال ابن مسعود وابن عباس: لا يحل. قال القاضي أبو يعلى: كان أهل ~~الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر، فأعلمهم الله تعالى في هذه ~~الآية ببقاء التحريم. # فصل # اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم: هل هو باق أم نسخ؟ على ~~قولين. # أحدهما: أنه باق. روى ابن جريج أن عطاء كان يحلف بالله: ما يحل للناس ~~الآن أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا فيه أو ~~يغزوا، وما نسخت. # والثاني: أنه منسوخ، قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار: القتال جائز ~~في الشهر الحرام، هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة:5] وبقوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر # [التوبة:19] وهذا قول فقهاء الأمصار. # قوله تعالى: { وصد عن سبيل الله } هو مرفوع بالابتداء، وخبر هذه ~~الأشياء: { أكبر عند الله }. # وفي المراد ب «سبيل الله» هاهنا قولان. # أحدهما: أنه الحج، لأنهم صدوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن مكة. ~~قاله ابن عباس والسدي ms0158 عن أشياخه. # والثاني: أنه الإسلام، قاله مقاتل. وفي هاء الكناية في قوله: { وكفر به ~~} قولان أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله السدي عن أشياخه، ~~وقتادة، ومقاتل، وابن قتيبة، والثاني: أنها تعود إلى السبيل. قاله ابن ~~عباس. قال ابن قتيبة: وخفض «المسجد الحرام» نسقا على قوله: { سبيل الله ~~} كأنه قال: وصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام. # قوله تعالى: { وإخراج أهله منه } لما آذوا رسول الله وأصحابه؛ اضطروهم ~~إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم، فأعلمهم الله أن هذه الأفعال أعظم من قتل كل ~~كافر. «والفتنة» هاهنا بمعنى الشرك. قاله ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، ~~وابن جبير، وقتادة، والجماعة. والفتنة في القرآن على وجوه كثيرة، قد ~~ذكرتها في كتاب «النظائر» { ولا يزالون } يعني: الكفار { يقاتلونكم } ~~يعني: المسلمين. و { حبطت } بمعنى: بطلت. ### || [2.218] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنه لما نزل القرآن بالرخصة لأصحاب عبد الله بن جحش في قتل ابن ~~الحضرمي، قال بعض المسلمين: ما لهم أجر، فنزلت هذه الآية: وقد ذكرنا هذا ~~في سبب نزول قوله تعالى { يسألونك عن الشهر الحرام } عن جندب ابن عبد ~~الله. # والثاني: أنه لما نزلت لهم الرخصة قاموا، فقالوا: [يا رسول الله] أنطمع ~~أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. وقال: { هاجروا } من مكة إلى المدينة، { وجاهدوا } في طاعة الله ~~ابن الحضرمي وأصحابه. و { رحمة الله }: مغفرته وجنته. قال ابن الأنباري: ~~الهجرة عند العرب من هجران الوطن والأهل والولد. والمهاجرون معناهم: ~~المهاجرون الأولاد والأهل، فعرف مكان المفعول فأسقط. قال الشعبي: أول ~~لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله ابن جحش، وأول مغنم قسم في الإسلام: ~~مغنمه. ### || [2.219] # قوله تعالى: { يسئلونك عن الخمر والميسر } في سبب نزولها قولان. أحدهما: ~~أن عمر بن الخطاب، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه ~~الآية. والثاني أن جماعة من الأنصار جاؤوا إلى النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وفيهم عمر، ومعاذ، فقالوا: أفتنا في الخمر، فإنها ms0159 مذهبة للعقل ~~مسلبة للمال، فنزلت هذه الآية. # وفي تسمية الخمر خمرا ثلاثة أقوال. أحدها: أنها سميت خمرا، لأنها ~~تخامر العقل، أي: تخالطه، والثاني: لأنها تخمر العقل، أي تستره. ~~والثالث: لأنها تخمر، أي: تغطى. ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم. ~~وقال الزجاج: الخمر في اللغة: ما ستر على العقل، يقال: دخل فلان في خمار ~~الناس، أي: في الكثير الذي يستتر فيهم، وخمار المرأة: قناعها، سمي ~~خمارا: لأنه يغطي. # قال: والخمر هاهنا هي المجمع عليها، وقياس كل ما عمل عملها أن يقال له: ~~خمر، وأن يكون في التحريم بمنزلتها، لأن العلماء أجمعوا على أن القمار ~~كله حرام، وإنما ذكر الميسر من بينه، وجعل كله قياسا على الميسر، ~~والميسر إنما يكون قمارا في الجزر خاصة. فأما الميسر؛ فقال ابن عباس، ~~وابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، في آخرين: هو القمار. ~~قال ابن قتيبة: يقال: يسرت: إذا ضربت بالقداح، ويقال للضارب بالقداح: ~~ياسر وياسرون، ويسر وأيسار. # وكان أصحاب الثروة والأجواد في الشتاء عند شدة الزمان وكلبه ينحرون ~~جزورا، ويجزئونها أجزاء، ثم يضربون عليها بالقداح، فاذا قمر القامر، جعل ~~ذلك لذوي الحاجة والمسكنة، وهو النفع الذي ذكره الله، وكانوا يتمادحون ~~بأخذ القداح، ويتسابون بتركها ويعيبون من لا ييسر. # قوله تعالى: { قل فيهما إثم كبير } قرأ الأكثرون «كبير» بالباء، وقرأ ~~حمزة والكسائي بالثاء. # وفي إثم الخمر ثلاثة أقوال. أحدها: أن شربها ينقص الدين. قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه إذا شرب سكر وآذى الناس، رواه السدي عن أشياخه. والثالث: ~~أنه وقوع العداوة والبغضاء وتغطية العقل الذي يقع به التمييز، قاله ~~الزجاج. # وفي إثم الميسر قولان. أحدهما: أنه يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقع ~~العداوة، قاله ابن عباس والثاني: أنه يدعوا إلى الظلم ومنع الحق. رواه ~~السدي عن أشياخه وجائز أن يراد جميع ذلك. # وأما منافع الخمر؛ فمن وجهين: أحدهما: الربح في بيعها. والثاني: انتفاع ~~الأبدان مع التذاذ النفوس. وأما منافع الميسر: فاصابة الرجل المال من غير ~~تعب. # وفي قوله تعالى: { وإثمهما أكبر من نفعهما ms0160 } قولان. أحدهما: أن معناه: ~~وإثمهما بعد التحريم، أكبر من نفعهما قبل التحريم، قاله سعيد بن جبير ~~والضحاك، ومقاتل. والثاني: وإثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما قبل ~~التحريم، أيضا، لأن الإثم الذي يحدث في أسبابهما أكبر من نفعهما. وهذا ~~منقول عن ابن جبير أيضا. # واختلفوا بماذا كانت الخمرة مباحة؟ على قولين. أحدهما: بقوله تعالى: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا # [النحل:67]. قاله ابن جبير. والثاني: بالشريعة الاولى، وأقر المسلمون ~~على ذلك حتى حرمت. # فصل # اختلف العلماء: هل لهذه الآية تأثير في تحريم الخمر أم لا؟ على قولين. ~~أحدهما: أنها تقتضي ذمها دون تحريمها، رواه السدي عن أشياخه، وبه قال ~~سعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة، ومقاتل. وعلى هذا القول تكون هذه الآية ~~منسوخة. # والقول الثاني: أن لها تأثيرا في التحريم، وهو أن الله تعالى أخبر أن ~~فيها إثما كبيرا والإثم كله محرم بقوله: # والإثم والبغي # [الأعراف:33]. هذا قول جماعة من العلماء. وحكاه الزجاج، واختاره القاضي ~~أبو يعلى للعلة التي بيناها، واحتج لصحته بعض أهل المعاني، فقال: لما قال ~~الله تعالى: # { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس }؛ وقع التساوي بين الأمرين، فلما ~~قال: # { وإثمهما أكبر من نفعهما } صار الغالب الإثم، وبقي النفع مستغرقا في ~~جنب الإثم، فعاد الحكم للغالب المستغرق، فغلب جانب الخطر. # فصل # فأما الميسر؛ فالقول فيه مثل القول في الخمر، إن قلنا: إن هذه الآية دلت ~~على التحريم، فالميسر حكمها حرام أيضا، وإن قلنا: إنها دلت على الكراهة؛ ~~فأقوم الأقوال أن نقول: إن الآية التي في المائدة نصت على تحريم الميسر. # قوله تعالى: { ويسئلونك ماذا ينفقون } قال ابن عباس: إن الذي سأله عن ~~ذلك عمرو بن الجموح: قال ابن قتيبة: والمراد بالنفقة هاهنا: الصدقة ~~والعطاء. # قوله تعالى: { قل العفو } قرأ أبو عمرو برفع واو «العفو»، وقرأ الباقون ~~بنصبها قال أبو علي: «ماذا» في موضع نصب فجوابه العفو بالنصب، كما تقول ~~في جواب. ماذا أنفقت؟ درهما، أي: أنفقت درهما. هذا وجه نصب العفو. ومن ~~رفع جعل «ذا» بمنزلة الذي، ولم يجعل ms0161 «ماذا» اسما واحدا، فاذا قال قائل: ~~ماذا أنزل ربكم؛ فكأنه قال: ما الذي أنزل ربكم؛ فجوابه: قرآن. قال ~~الزجاج: «العفو» في اللغة: الكثرة والفضل، يقال: قد عفا القوم: إذا ~~كثروا. و «العفو»: ما أتى بغير كلفة. وقال ابن قتيبة: العفو: الميسور. ~~يقال: خذ ما عفاك، أي: ما أتاك سهلا بلا إكراه ولا مشقة. # وللمفسرين في المراد بالعفو هاهنا خمسة أقوال. # أحدها: أنه ما يفضل عن حاجة المرء وعياله، رواه مقسم عن ابن عباس. ~~والثاني: ما تطيب به أنفسهم من قليل وكثير، رواه عطية عن ابن عباس. ~~والثالث: أنه القصد بين الإسراف والإقتار، قاله الحسن، وعطاء، وسعيد بن ~~جبير والرابع: أنه الصدقة المفروضة، قاله مجاهد. والخامس: أنه مالا يتبين ~~عليهم مقداره، من قولهم: عفا الأثر إذا خفي ودرس، حكاه شيخنا عن طائفة من ~~المفسرين. # فصل # وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فروى السدي عن أشياخه ~~أنها نسخت بالزكاة، وأبى نسخها آخرون. وفصل الخطاب في ذلك أنا متى قلنا: ~~إنه فرض عليهم بهذه الآية التصدق بفاضل المال، أو قلنا: إنه أوجبت عليهم ~~هذه الآية صدقة قبل الزكاة، فالآية منسوخة بآية الزكاة، ومتى قلنا: إنها ~~محمولة على الزكاة المفروضة كما قال مجاهد، أو على الصدقة المندوب إليها، ~~فهي محكمة. # قوله تعالى: { كذلك يبين الله } قال الزجاج: إنما قال كذلك، وهو يخاطب ~~جماعة، لأن الجماعة معناها: القبيل، كأنه قال: كذلك يا أيها القبيل. ~~وجائز أن تكون الكاف للنبي، صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: كذلك يا أيها ~~النبي، لأن الخطاب له مشتمل على خطاب أمته. وقال ابن الأنباري: الكاف في ~~«كذلك» إشارة إلى ما بين من الإنفاق، فكأنه قال: مثل ذلك الذي بينه لكم ~~في الإنفاق يبين الآيات. ويجوز أن يكون «كذلك» غير إشارة إلى ما قبله، ~~فيكون معناه: هكذا، قاله ابن عباس. { لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } ~~فتعرفون فضل ما بينهما، فتعملون للباقي منهما. ### || [2.220] # قوله تعالى: { ويسئلونك عن اليتامى } في سبب نزولها قولان. أحدهما: ~~أنه لما أنزل الله تعالى # ولا ms0162 تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الاسراء:34]. و # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء:9] انطلق من كان عنده مال يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه ~~من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ~~ذلك عليهم، فذكروه للنبي، صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية هذا قول ~~ابن عباس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل. والثاني: أن العرب ~~كانوا يشددون في أمر اليتيم حتى لا يأكلون معه في قصعته، ولا يستخدمون له ~~خادما، فسألوا النبي، صلى الله عليه وسلم، عن مخالطتهم، فنزلت هذه ~~الآية، ذكره السدي عن أشياخه، وهو قول الضحاك. # وفي السائلين للنبي، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك قولان. أحدهما: أن الذي ~~سأله ثابت بن رفاعة الأنصاري، قاله مقاتل. والثاني: عبد الله بن رواحة، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { قل إصلاح لهم خير } قال ابن قتيبة: معناه: تثمير ~~أموالهم، والتنزه عن أكلها لمن وليها خير. { وإن تخالطوهم فاخوانكم } ~~أي: فهم إخوانكم، حكمهم في ذلك حكم إخوانكم. قال ابن عباس: والمخالطة: ~~أن يشرب من لبنك، وتشرب من لبنه، ويأكل في قصعتك، وتأكل في قصعته. { ~~والله يعلم المفسد من المصلح } يريد: المتعمد. أكل مال اليتيم، من ~~المتحرج الذي لا يألو إلا الإصلاح. { ولو شاء الله لأعنتكم } قال ابن ~~عباس: أي: لأحرجكم، ولضيق عليكم. وقال ابن الأنباري: أصل العنت: ~~التشديد. تقول العرب: فلان يتعنت فلانا ويعنته، أي: يشدد عليه، ويلزمه ~~بما يصعب عليه أداؤه [قال: ثم نقلت إلى معنى الهلاك] واشتقاق الحرف، من ~~قول العرب: أكمة عنوت: إذا كانت شديدة شاقة [المصعد] فجعلت هذه اللفظة ~~مستعملة في كل شدة. ### || [2.221] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن رجلا يقال له: مرثد بن أبي مرثد بعثه النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، إلى مكة ليخرج ناسا من المسلمين بها أسرى، فلما قدمها سمعت به ~~امرأة يقال لها: عناق، وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها، ~~فأتته فقالت: ms0163 ويحك يا مرثد: ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام قد حال بيني ~~وبينك، ولكن إن شئت تزوجتك، إذا رجعت إلى رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، استأذنته في ذلك، فقالت له: أبي تتبرم؟ واستغاثت عليه، فضربوه ~~ضربا شديدا، ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة رجع إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فسأله: أتحل لي أن أتزوجها؟ فنزلت هذه الآية. هذا قول ~~ابن عباس. وذكر مقاتل بن سليمان أنه أبو مرثد الغنوي. # والثاني: # " أن عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم ~~فزع، فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرها؛ [فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «ما هي يا عبد الله»؟] فقال: يا رسول الله هي تصوم وتصلي ~~وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: «يا ~~عبد الله: هذه مؤمنة» فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ~~ففعل، فعابه ناس من المسلمين وقالوا: أنكح أمة، وكانوا يرغبون في نكاح ~~المشركات رغبة في أحسابهن " # ، فنزلت هذه الآية. رواه السدي عن أشياخه. وقد ذكر بعض المفسرين أن قصة ~~عناق وأبا مرثد كانت سببا لنزول قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن } وقصة ابن رواحة كانت سببا لنزول قوله تعالى: { ولأمة مؤمنة خير ~~من مشركة }. # فأما التفسير، فقال المفضل: أصل النكاح: الجماع، ثم كثر ذلك حتى قيل ~~للعقد: نكاح. وقد حرم الله عز وجل نكاح المشركات عقدا ووطءا. # وفي «المشركات» هاهنا قولان. أحدهما: أنه يعم الكتابيات وغيرهن، وهو ~~قول الأكثرين. والثاني: أنه خاص في الوثنيات، وهو قول سعيد بن جبير، ~~والنخعي، وقتادة. # وفي المراد بالأمة قولان. أحدهما: أنها المملوكة، وهو قول الأكثرين، ~~فيكون المعنى: ولنكاح أمة مؤمنة خير من نكاح حرة مشركة. والثاني: أنها ~~المرأة، وإن لم تكن مملوكة، كما يقال: هذه أمة الله، وهذا قول الضحاك، ~~والأول أصح. # وفي قوله: { ولو أعجبتكم } قولان. أحدهما: بجمالها وحسنها. والثاني: ~~بحسبها ونسبها. # فصل # اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال القائلون بأن المشركات ~~الوثنيات: ms0164 هي محكمة، وزعم بعض من نصر هذا القول أن اليهود والنصارى ليسوا ~~بمشركين بالله، وإن جحدوا بنبوة نبينا. قال شيخنا: وهو قول فاسد من ~~وجهين. أحدهما: أن حقيقة الشرك ثابتة في حقهم حيث قالوا: عزير ابن الله، ~~والمسيح ابن الله. # والثاني: أن كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، يوجب أن يقولوا: إن ما جاء ~~به ليس من عند الله، وإضافة ذلك إلى غير الله شرك. فأما القائلون بأنها ~~عامة في جميع المشركات، فلهم في ذلك قولان. أحدهما: أن بعض حكمها منسوخ ~~بقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة:6]. وبقي الحكم في غير أهل الكتاب محكما. والثاني: أنها ليست، ~~منسوخة، ولا ناسخة، بل هي عامة في جميع المشركات، وما أخرج عن عمومها من ~~إباحة كافرة؛ فلدليل خاص، وهو قوله تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة:6]. فهذه خصصت عموم تلك من غير نسخ، وعلى هذا عامة الفقهاء. ~~وقد روي معناه عن جماعة من الصحابة، منهم: عثمان، وطلحة، وحذيفة، وجابر، ~~وابن عباس. # قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركين } أي: لا تزوجوهم بمسلمة حتى ~~يؤمنوا؛ والكلام في قوله تعالى: { ولعبد مؤمن } وفي قوله تعالى: { ولو ~~أعجبكم } مثل الكلام في أول الآية. # قوله تعالى: { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة باذنه }؛ قرأ الجمهور ~~بخفض «المغفرة» وقرأ الحسن، والقزاز، عن أبي عمرو، برفعها. ### || [2.222] # قوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض } روى ثابت عن أنس قال: كانت اليهود ~~إذا حاضت المرأة منهن لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في ~~البيوت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فأمرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أن يؤاكلوهن ويشاربوهن ويكونوا معهن في ~~البيوت، وأن يفعلوا كل شيء ما عدا النكاح. وقال ابن عباس: جاء رجل يقال ~~له: ابن الدحداحة، من الأنصار، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف ~~نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزلت هذه الآية. وفي المحيض قولان. أحدهما: أنه ~~اسم للحيض، قال الزجاج: يقال: قد حاضت المرأة تحيض حيضا ومحاضا ~~ومحيضا. وقال ms0165 ابن قتيبة: المحيض: الحيض. والثاني: أنه اسم لموضع الحيض، ~~كالمقيل، فإنه موضع القيلولة، والمبيت موضع البيتوتة. وذكر القاضي أبو ~~يعلى أن هذا ظاهر كلام أحمد. فأما أرباب القول الأول؛ فأكدوه بأن في ~~اللفظ ما يدل على قولهم، وهو أنه وصفه بالأذى، وذلك صفة لتفسير الحيض، لا ~~لمكانه. وأما أرباب القول الثاني، فقالوا: لا يمتنع أن يكون المحيض صفة ~~للموضع، ثم وصفه بما قاربه، وجاوره، كالعقيقة، فإنها اسم لشعر الصبي، ~~وسميت بها الشاة التي تذبح عند حلق رأسه مجازا. والراوية: اسم للجمل، ~~وسميت المزادة راوية مجازا، والأذى يحصل للواطىء بالنجاسة، ونتن الريح، ~~وقيل: يورث جماع الحائض علة بالغة في الألم: { فاعتزلوا النساء في المحيض ~~} المراد به اعتزال الوطء في الفرج، لأن المحيض نفس الدم أو نفس الفرج. { ~~ولا تقربوهن } أي: لا تقربوا جماعهن، وهو تأكيد لقوله: { فاعتزلوا النساء ~~}. # قوله تعالى: { حتى يطهرن } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحفص، عن عاصم { حتى يطهرن } خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ~~وأبو بكر، عن عاصم { يطهرن } بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. قال ابن ~~قتيبة: يطهرن: ينقطع عنهن الدم، يقال: طهرت المرأة وطهرت: إذا رأت ~~الطهر، وإن لم تغتسل بالماء. ومن قرأ «يطهرن» بالتشديد أراد: يغتسلن ~~بالماء. والأصل يتطهرن، فأدغمت التاء في الطاء. قال ابن عباس، ومجاهد: ~~حتى يطهرن من الدم، فاذا تطهرن اغتسلن بالماء. # قوله تعالى: { فأتوهن } إباحة من حظر، لا على الوجوب. # قوله تعالى: { من حيث أمركم الله } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أن معناه: من قبل الطهر، لا من قبل الحيض، قاله ابن عباس، وأبو ~~رزين، وقتادة، والسدي في آخرين. # والثاني: أن معناه: فأتوهن من حيث أمركم الله أن لا تقربوهن فيه، وهو ~~محل الحيض، قاله مجاهد. وقال من نصر هذا القول: إنما قال: { أمركم الله } ~~والمعنى نهاكم، لأن النهي أمر بترك المنهي عنه و «من» بمعنى «في» كقوله ~~تعالى # إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة # [الجمعة:9]. # والثالث: فأتوهن من قبل التزويج الحلال، لا من قبل الفجور، قاله ابن ~~الحنفية. # والرابع: أن ms0166 معناه: فأتوهن من الجهات التي يحل أن تقرب فيها المرأة، ولا ~~تقربوهن من حيث لا ينبغي مثل أن كن صائمات أو معتكفات أو محرمات. وهذا ~~قول الزجاج، وابن كيسان. وفي قوله تعالى: { إن الله يحب التوابين } ~~قولان. أحدهما: التوابين من الذنوب، قاله عطاء، ومجاهد، في آخرين. ~~والثاني: التوابين من إتيان الحيض ذكره بعض المفسرين. # وفي قوله تعالى: { ويحب المتطهرين } ثلاثة أقوال. أحدها: المتطهرين من ~~الذنوب، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية. والثاني: المتطهرين ~~بالماء، قاله عطاء. والثالث: المتطهرين من إتيان أدبار النساء. روي عن ~~مجاهد. # فصل # أقل الحيض يوم وليلة في إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: يوم. وقال ~~أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام. وقال مالك وداود: ليس لأقله حد. وفي أكثره ~~روايتان عن أحمد: إحداهما: خمسة عشر يوما، وهو قول مالك والشافعي. ~~والثانية: سبعة عشر يوما. وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام. # والحيض مانع من عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصوم دون وجوبه، ~~والجلوس في المسجد، والاعتكاف، والطواف، وقراءة القرآن، وحمل المصحف، ~~والاستمتاع فى الفرج، وحصول نية الطلاق. ### || [2.223] # قوله تعالى: { نساؤكم حرث لكم } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن اليهود أنكرت جواز إتيان المرأة إلا من بين يديها، وعابت من ~~يأتيها على غير تلك الصفة، فنزلت هذه الآية. روي عن جابر، والحسن، ~~وقتادة. والثاني: أن حيا من قريش كانوا يتزوجون النساء بمكة، ويتلذذون ~~بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة، تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ~~ليفعلوا ذلك، فأنكرنه، وانتهى الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت هذه الآية. رواه مجاهد عن ابن عباس. والثالث: أن عمر بن الخطاب جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت، حولت رحلي الليلة، فنزلت هذه ~~الآية. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، والحرث: المزدرع، وكنى به هاهنا ~~عن الجماع،. فسماهن حرثا، لأنهن مزدرع الأولاد، كالأرض للزرع، فان قيل: ~~النساء جمع، فلم لم يقل: حروث؟ فعنه ثلاثة أجوبة، ذكرها ابن القاسم ~~الأنباري النحوي. أحدها: أن يكون الحرث مصدرا في موضع ms0167 الجمع، فلزمه ~~التوحيد، كما تقول العرب: إخوتك صوم، وأولادك فطر، يريدون: صائمين ~~ومفطرين، فيؤدي المصدر بتوحيده عن اللفظ المجموع. والثاني: أن يكون أراد: ~~حروث لكم، فاكتفى بالواحد من الجمع، كما قال الشاعر: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا # أي: في أنصاف بطونكم. والثالث: أنه إنما وحد الحرث، لأن النساء شبهن ~~به، ولسن من جنسه، والمعنى: نساؤكم مثل حروث لكم. # قوله تعالى: { أنى شئتم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه بمعنى: كيف شئتم، ثم فيه قولان. أحدهما: أن المعنى: كيف ~~شئتم، مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج. وهذا قول ~~ابن عباس، ومجاهد، وعطية، والسدي، وابن قتيبة في آخرين. والثاني: أنها ~~نزلت في العزل. قاله سعيد بن المسيب، فيكون المعنى: إن شئتم فاعزلوا، وإن ~~شئتم فلا تعزلوا. # والقول الثاني: أنه بمعنى إن شئتم، ومتى شئتم، وهو قول ابن الحنفية ~~والضحاك، وروي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أنه بمعنى: حيث شئتم، وهذا ~~محكي عن ابن عمر ومالك بن أنس، وهو فاسد من وجوه، أحدها: أن سالم بن عبد ~~الله لما بلغه أن نافعا تحدث بذلك عن ابن عمر، قال: كذب العبد، إنما قال ~~عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن. وأما أصحاب مالك، فانهم ينكرون ~~صحته عن مالك، والثاني: أن أبا هريرة روى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: # " ملعون من أتى النساء في أدبارهن " # فدل على أن الآية لا يراد بها هذا. # والثالث: أن الآية نبهت على أنه محل الولد بقوله: { فأتوا حرثكم } وموضع ~~الزرع: هو مكان الولد، قال ابن الأنباري: لما نص الله على ذكر الحرث، ~~والحرث به يكون النبات، والولد مشبه بالنبات؛ لم يجز أن يقع الوطء في ~~محل لا يكون منه ولد. # والرابع: أن تحريم إتيان الحائض كان لعلة الأذى، والأذى ملازم لهذا ~~المحل لا يفارقه. # قوله تعالى: { وقدموا لأنفسكم } فيه أربعة أقوال. أحدها: أن معناه: ~~وقدموا لأنفسكم من العمل الصالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~وقدموا التسمية عند الجماع، رواه عطاء ms0168 عن ابن عباس. والثالث: وقدموا ~~لأنفسكم في طلب الولد، قاله مقاتل. والرابع: وقدموا طاعة الله واتباع ~~أمره، قاله الزجاج. ### || [2.224] # قوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } في سبب نزولها أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنها نزلت في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنه شيء، فحلف ~~عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه، وجعل يقول: قد حلفت بالله، فلا يحل ~~لي، إلا أن تبر يميني، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن الرجل كان يحلف بالله أن لا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس، ~~فنزلت هذه الآية، قاله الربيع بن أنس. # والثالث: أنها نزلت في أبي بكر حين حلف، لا ينفق على مسطح، قاله ابن ~~جريج. والرابع: نزلت في أبي بكر، حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى ~~يسلم، قاله المقاتلان: ابن حيان، وابن سليمان. # قال الفراء: والمعنى: ولا تجعلوا الله معترضا لأيمانكم. وقال أبو ~~عبيد: نصبا لأيمانكم، كأنه يعني: أنكم تعترضونه في كل شيء، فتحلفون به. ~~وفي معنى الآية ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناها: لا تحلفوا بالله أن لا ~~تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، ~~وعطاء، وابن جبير، وإبراهيم، والضحاك، وقتادة، والسدي، ومقاتل، والفراء، ~~وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. والثاني: أن معناها: لا تحلفوا بالله ~~كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبروهم، وتصلحوا بينهم بالكذب، روى هذا المعنى ~~عطية عن ابن عباس. والثالث: أن معناها: لا تكثروا الحلف بالله، وإن كنتم ~~بارين مصلحين، فان كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه. هذا قول ابن ~~زيد. ### || [2.225] # قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال الزجاج: اللغو ~~في كلام العرب: ما أطرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمى ما لا يعتد به لغوا. ~~وقال ابن فارس: اشتقاق ذلك من قولهم لما لا يعتد [به] من أولاد الإبل في ~~الدية وغيرها لغوا، يقال منه: لغا يلغو، وتقول: لغي بالأمر: إذا لهج ~~به. وقيل: إن اشتقاق اللغة منه [أي: يلهج صاحبها بها]. وفي المراد باللغو ~~هاهنا ms0169 خمسة أقوال. أحدها: أن يحلف على الشيء يظن أنه كما حلف، ثم يتبين ~~له أنه بخلافه. وإلى هذا المعنى ذهب أبو هريرة، وابن عباس، والحسن، ~~وعطاء، والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي عن أشياخه، ومالك، ~~ومقاتل. والثاني: أنه: لا والله، وبلى والله، من غير قصد لعقد اليمين، ~~وهو قول عائشة، وطاووس، وعروة، والنخعي، والشافعي واستدل أرباب هذا القول ~~بقوله تعالى { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } وكسب القلب: عقده وقصده، ~~وهذان القولان منقولان عن الإمام أحمد، روى عنه ابنه عبد الله أنه قال: ~~اللغو عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنها كذلك، ولا كفارة. والرجل يحلف ~~ولا يعقد قلبه على شيء، فلا كفارة. والثالث: أنه يمين الرجل وهو غضبان، ~~رواه طاووس عن ابن عباس. والرابع: أنه حلف الرجل على معصية، فليحنث، ~~وليكفر، ولا إثم عليه. قاله سعيد بن جبير. والخامس: أن يحلف الرجل على ~~شيء، ثم ينساه. قاله النخعي. وقول عائشة أصح الجميع. قال حنبل: سئل أحمد ~~عن اللغو فقال: الرجل يحلف فيقول: لا والله، وبلى والله، لا يريد عقد ~~اليمين، فاذا عقد على اليمين لزمته الكفارة. # قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم } قال ~~مجاهد: أي: ما عقدت عليه قلوبكم، «والحليم»: ذو الصفح الذي لا يستفزه ~~غضب، فيعجل، ولا يستخفه جهل جاهل مع قدرته على العقوبة. قال أبو سليمان ~~الخطابي: ولا يستحق اسم الحليم من سامح مع العجز عن المجازاة، إنما ~~الحليم الصفوح مع القدرة، المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض ~~الشعراء أبياتا في هذا المعنى فقال: # لا يدرك المجد أقوام وإن كرموا # حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام # ويشتموا فترى الألوان مسفرة # لا صفح ذل ولكن صفح أحلام # قال: ويقال: حلم الرجل يحلم حلما بضم اللام في الماضي والمستقبل. ~~وحلم في النوم، بفتح اللام، يحلم حلما، اللام في المستقبل والحاء في ~~المصدر مضموتان. # فصل # الأيمان على ضربين، ماض ومستقبل، فالماضي على ضربين: يمين محرمة، وهي: ~~اليمين الكاذبة، وهي أن يقول: والله ما فعلت، وقد فعل. ms0170 أو: لقد فعلت، وما ~~فعل. ويمين مباحة، وهي أن يكون صادقا في قوله: ما فعلت. أو: لقد فعلت. ~~والمستقبلة على خمسة أقسام. أحدها: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها ~~طاعة، وحلها معصية، مثل أن يحلف: لأصلين الخمس، ولأصومن رمضان، أو: ~~لاشربت الخمر. والثاني: عقدها معصية، والمقام عليها معصية، وحلها طاعة، ~~وهي عكس الأولى. والثالث: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها ~~مكروه، مثل أن يحلف: ليفعلن النوافل من العبادات. والرابع: يمين عقدها ~~مكروه، والمقام عليها مكروه، وحلها طاعة، وهي عكس التي قبلها. والخامس: ~~يمين عقدها مباح، والمقام عليها مباح، وحلها مباح. مثل أن يحلف: لادخلت ~~بلدا فيه من يظلم الناس، ولا سلكت طريقا مخوفا، ونحو ذلك. ### || [2.226] # قوله تعالى: { للذين يؤلون من نسائهم } قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية ~~إذا طلب الرجل من امرأته شيئا، فأبت أن تعطيه؛ حلف أن لا يقربها السنة، ~~والسنتين، والثلاث، فيدعها لا أيما، ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام، ~~جعل الله ذلك أربعة أشهر، فأنزل الله هذه الآية. وقال سعيد بن المسيب: ~~كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، وكان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن ~~يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، فجعل الله تعالى الأجل الذي ~~يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية. قال ابن ~~قتيبة: يؤلون، أي: يحلفون. يقال: آليت من امرأتي، أولي إيلاء: إذا حلف لا ~~يجامعها. والاسم: الألية. وقال الزجاج: يقال من الإيلاء: آليت أولي ~~إيلاء، وألية، وألوة وألوة وإلوة، وهي بالكسر أقل اللغات، ~~قال كثير: # قيل الألايا حافظ ليمينه # وإن بدرت منه الألية برت # وحكي ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: «من» بمعنى: «في» أو: «على» ~~والتقدير: يحلفون على وطء نسائهم، فحذف الوطء، وأقام النساء مقامه، كقوله ~~تعالى: # ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194]. أي: على ألسنة رسلك. وقيل: في الكلام حذف، تقديره: ~~يؤلون، يعتزلون من نسائهم. والتربص: الانتظار. ولا يكون مؤليا إلا إذا ~~حلف بالله أن لا يصيب زوجته أكثر من أربعة أشهر، فإن ms0171 حلف على أربعة أشهر ~~فما دون ذلك، لم يكم مؤليا. وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي. وفاؤوا: ~~رجعوا، ومعناه: رجعوا إلى الجماع. قاله علي، وابن عباس، وابن جبير، ~~ومسروق، والشعبي. وإذا كان للمؤلي عذر لا يقدر معه على الجماع، فإنه ~~يقول: متى قدرت جامعتها، فيكون ذلك من قوله فيئة؛ فمتى قدر فلم يفعل، أمر ~~بالطلاق، فان لم يطلق، طلق الحاكم عليه. # قوله تعالى: { فإن الله غفور رحيم } قال علي، وابن عباس: غفور لإثم ~~اليمين. ### || [2.227] # قوله تعالى: { وإن عزموا الطلاق } أي: حققوه. وفي عزم الطلاق قولان. # أحدهما: أنه إذا مضت الأربعة الأشهر استحق عليه أن يفيء، أو يطلق، وهو ~~مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعائشة، وطاووس، ~~ومجاهد، والحكم، وأبي صالح. وحكاه أبو صالح عن اثني عشر رجلا من ~~الصحابة، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي. # والثاني: أنه لا يفيء حتى يمضي أربعة أشهر، فتطلق بذلك من غير أن يتكلم ~~بطلاق. واختلف أرباب هذا القول فيما يلحقها من الطلاق على قولين. أحدهما: ~~طلقة بائنة. روي عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وقبيصة بن ~~ذؤيب. والثاني: طلقة رجعية، روي عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد ~~الرحمن، وابن شبرمة. # قوله تعالى: { فإن الله سميع عليم } فيه قولان. أحدهما: سميع لطلاقه، ~~عليم بنيته. والثاني: سميع ليمينه، عليم بها. ### || [2.228] # قوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } سبب نزولها: أن ~~المرأة كانت إذا طلقت وهي راغبة في زوجها، قالت: أنا حبلى، وليست حبلى، ~~لكي يراجعها، وإن كانت حبلى وهي كارهة، قالت: لست بحبلى، لكي لا يقدر على ~~مراجعتها. فلما جاء الإسلام ثبتوا على هذا. فنزل قوله تعالى: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة # [الطلاق:1]. ثم نزلت: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }. رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # فأما التفسير؛ فالطلاق: التخلية. قال ابن الأنباري: هي من قول العرب: ~~أطلقت الناقة، فطلقت: إذا كانت مشدودة، فأزلت الشد عنها، وخليتها، فشبه ~~ما يقع للمرأة بذلك، لأنها ms0172 كانت متصلة الأسباب بالرجل، وكانت الأسباب ~~كالشد لها، فلما طلقها قطع الأسباب، ويقال طلقت المرأة، وطلقت وقال ~~غيره: الطلاق: من أطلقت الشيء من يدي، إلا أنهم لكثرة استعمالهم اللفظتين ~~فرقوا بينهما، ليكون التطليق مقصورا في الزوجات. وأما القروء: فيراد ~~بها: الأطهار، ويراد بها الحيض. يقال: أقرأت المرأة إذا حاضت، وأقرأت: ~~إذا طهرت. قال النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: # " تقعد أيام أقرائها " # يريد أيام حيضها. وقال الأعشى: # وفي كل عام أنت جاشم غزوة # تشد لأقصاها غريم عزائكا # مورثة مالا، وفي الحي رفعة # لما ضاع فيها من قروء نسائكا # أراد بالقروء: الأطهار، لأنه لما خرج عن نسائه أضاع أطهارهن. واختلف أهل ~~اللغة في أصل القروء على قولين. أحدهما: أن أصله الوقت، يقال: رجع فلان ~~لقرئه أي: لوقته الذي كان يرجع فيه، [ورجع لقارئه أيضا] قال الهذلي: # كرهت العقر عقر بني شليل # إذا هبت لقارئها الرياح # فالحيض يأتي لوقت، والطهر يأتي لوقت، هذا قول ابن قتيبة. والثاني: أن ~~أصله الجمع. وقولهم: قرأت القرآن، أي: لفظت به مجموعا. والقرء: اجتماع ~~الدم في البدن، وذلك إنما يكون في الطهر، وقد يجوز أن يكون اجتماعه في ~~الرحم، وكلاهما حسن، هذا قول الزجاج. # واختلف الفقهاء في الأقراء على قولين. أحدهما: أنها الحيض. روي عن عمر، ~~وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعكرمة، ~~والضحاك والسدي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة ~~وأصحابه، وأحمد بن حنبل رضي الله عنه فانه قال: قد كنت أقول: القروء: ~~الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. والثاني: أنها الأطهار. روي عن ~~زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، والزهري، وأبان بن عثمان، ومالك بن أنس، ~~والشافعي، وأومأ إليه أحمد. # ولفظ قوله تعالى { والمطلقات يتربصن } لفظ الخبر، ومعناه: الأمر، كقوله ~~تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } وقد يأتي لفظ الأمر ~~في معنى الخبر كقوله تعالى: # فليمدد له الرحمن مدا # [مريم:75]. والمراد بالمطلقات في هذه الآية، البالغات، المدخول بهن غير ~~الحوامل. # قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ms0173 ما خلق الله في أرحامهن } فيه ~~ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الحمل، قاله عمر، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ~~ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه الحيض، قاله عكرمة، وعطية، ~~والنخعي، والزهري. والثالث: الحمل والحيض، قاله ابن عمر، وابن زيد. # قوله تعالى: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } خرج مخرج الوعيد ~~لهن والتوكيد، قال الزجاج: وهو كما تقول للرجل: إن كنت مؤمنا فلا تظلم. ~~وفي سبب وعيدهم بذلك قولان. أحدهما: أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة ~~قاله ابن عباس. والثاني: لأجل إلحاق الولد بغير أبيه، قاله قتادة. وقيل: ~~كانت المرأة إذا رغبت في زوجها، قالت: إني حائض، وقد طهرت. وإذا زهدت ~~فيه، كتمت حيضها حتى تغتسل، فتفوته. # والبعولة: الأزواج، و «ذلك»: إشارة إلى العدة. قاله مجاهد، والنخعي، ~~وقتادة في آخرين. وفي الآية دليل على أن خصوص آخر اللفظ لا يمنع عموم ~~أوله، ولا يوجب تخصيصه، لأن قوله تعالى: { والمطلقات يتربصن }. عام في ~~المبتوتات والرجعيات، وقوله تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن } خاص في ~~الرجعيات. # قوله تعالى: { إن أرادوا إصلاحا } قيل: إن الرجل كان إذا أراد الإضرار ~~بامرأته، طلقها واحدة وتركها، فاذا قارب انقضاء عدتها راجعها، ثم تركها ~~مدة، ثم طلقها، فنهوا عن ذلك. وظاهر الآية يقتضي أنه إنما يملك الرجعة ~~على غير وجه المضارة بتطويل العدة عليها، غير أنه قد دل قوله تعالى: { ~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } على صحة الرجعة وإن قصد الضرار، لأن الرجعة ~~لو لم تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار؛ لما كان ظالما بفعلها. # قوله تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } وهو: المعاشرة الحسنة، ~~والصحبة الجميلة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه سئل عن حق المرأة على الزوج، فقال: «أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها ~~إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت " # وقال ابن عباس إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي، لهذه ~~الآية. # قوله تعالى: { وللرجال عليهن درجة } قال ابن عباس: بما ساق إليها من ~~المهر، وأنفق عليها من المال. ms0174 وقال مجاهد: بالجهاد والميراث. وقال أبو ~~مالك: يطلقها، وليس لها من الأمر شيء. وقال الزجاج: تنال منه من اللذة ~~كما ينال منها، وله الفضل بنفقته. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " # وقالت ابنة سعيد بن المسيب: ما كنا نكلم أزواجنا إلا كما تكلمون ~~أمراءكم. # فصل # اختلف العلماء في هذه الآية: هل تدخل في الآيات المنسوخات أم لا؟ على ~~قولين. أحدهما: أنها تدخل في ذلك. # واختلف هؤلاء في المنسوخ منها، فقال قوم: المنسوخ منها قوله تعالى: { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } وقالوا: فكان يجب على كل مطلقة أن ~~تعتد بثلاثة قروء، فنسخ حكم الحامل بقوله تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق:4]. وحكم المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى: # إذا نكحتم المؤمنات، ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فمالكم عليهن من عدة ~~تعتدونها # [الطلاق:1]. وهذا مروي عن ابن عباس، والضحاك في آخرين. وقال قوم: أولها ~~محكم، والمنسوخ قوله تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن } قالوا: كان الرجل إذا ~~طلق امرأته كان أحق برجعتها، سواء كان الطلاق ثلاثا، أو دون ذلك، فنسخ ~~بقوله تعالى: { فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ~~والقول الثاني: أن الآية كلها محكمة، فأولها عام. والآيات الواردة في ~~العدد، خصت ذلك من العموم، وليس بنسخ. وأما ما قيل في الارتجاع، فقد ~~ذكرنا أن معنى قوله تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } أي: في العدة ~~قبل انقضاء القروء الثلاثة، وهذا القول هو الصحيح. ### || [2.229] # قوله تعالى: { الطلاق مرتان } سبب نزولها، أن الرجل كان يطلق امرأته، ثم ~~يراجعها ليس لذلك شيء ينتهي إليه، فقال رجل من الأنصار لامرأته: والله لا ~~أؤيك إلي أبدا ولا أدعك تحلين مني. فقالت: كيف ذلك؟ قال: أطلقك، ~~فاذا دنا أجلك، راجعتك، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تشكو إليه ~~ذلك، فنزلت هذه الآية، فاستقبلها الناس [جديدا] من كان طلق، ومن لم يكن ~~طلق. رواه هشام بن ms0175 عروة عن أبيه. # فأما التفسير، ففي قوله تعالى: { الطلاق مرتان } قولان. أحدهما: أنه ~~بيان لسنة الطلاق، وأن يوقع في كل قرء طلقة، قاله ابن عباس، ومجاهد. ~~والثاني: أنه بيان للطلاق الذي يملك معه الرجعة، قاله عروة، وقتادة، وابن ~~قتيبة، والزجاج في آخرين. # قوله تعالى: { فإمساك بمعروف } معناه: فالواجب عليكم إمساك بمعروف، وهو ~~ما يعرف من إقامة الحق في إمساك المرأة. وقال عطاء، ومجاهد، والضحاك، ~~والسدي: المراد بقوله تعالى: { فإمساك بمعروف }: الرجعة بعد الثانية. وفي ~~قوله تعالى: { أو تسريح بإحسان } قولان. أحدهما: أن المراد به: الطلقة ~~الثالثة، قاله عطاء، ومجاهد، ومقاتل. والثاني: أنه الإمساك عن رجعتها حتى ~~تنقضي عدتها، قاله الضحاك، والسدي. قال: القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ~~بن الفراء: وهذا هو الصحيح، أنه قال عقيب الآية: { فان طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره } والمراد بهذه الطلقة: الثالثة بلا شك، ~~فيجب إذن أن يحمل قوله تعالى: { أو تسريح باحسان } على تركها حتى تنقضي ~~عدتها، لأنه إن حمل على الثالثة، وجب أن يحمل قوله تعالى: { فان طلقها } ~~على رابعة، وهذا لا يجوز. # فصل # الطلاق على أربعة أضرب: # واجب، ومندوب إليه، ومحظور، ومكروه. فالواجب: طلاق المؤلي بعد التربص، ~~إذا لم يفئ، وطلاق الحكمين في شقاق الزوجين، إذا رأيا الفرقة. والمندوب: ~~إذا لم يتفقا، واشتد الشقاق بينهما، ليتخلصا من الإثم. والمحظور: في ~~الحيض، إذا كانت مدخولا بها، وفي طهر جامعها فيه قبل أن تطهر. والمكروه: ~~إذا كانت حالهما مستقيمة، وكل واحد منهما قيم بحق صاحبه. # قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } # " نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، أتت زوجته إلى النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني [أكره الكفر ~~في الإسلام] لا أطيقه بغضا. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أتردين عليه حديقته؟». قالت: نعم. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم، أن ~~يأخذها، ولا يزداد " # رواه عكرمة عن ابن عباس واختلفوا في اسم زوجته، ms0176 فقال ابن عباس: جميلة. ~~ونسبها يحيى ابن أبي كثير، فقال: جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ~~وكناها مقاتل، فقال: أم حبيبة بنت عبد الله ابن أبي. # وقال آخرون: إنما هي جميلة أخت عبد الله بن أبي. وروى يحيى بن سعيد عن ~~عمرة روايتين. إحداهما: أنها حبيبة بنت سهل. والثانية: سهلة بنت حبيب. # وهذا الخلع أول خلع كان في الإسلام. والخوف في الآية بمعنى: العلم: قال ~~أبو عبيد: معنى قوله: { ألا يخافا }: يوقنا. والحدود قد سبق بيان ~~معناها. # ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها لبغضها ~~إياه، وخاف الزوج أن يعتدي عليها لا متناعها عن طاعته؛ جاز له أن يأخذ ~~منها الفدية، إذا طلبت ذلك. هذا على قراءة الجمهور في فتح «ياء» { يخافا ~~} وقرأ الحسن، ومجاهد، وأبو جعفر، وحمزة والأعمش { يخافا } بضم الياء. # قوله تعالى: { فإن خفتم } قال قتادة: هو خطاب للولاة { فلا جناح عليهما ~~} على المرأة { فيما افتدت به } وعلى الزوج فيما أخذ، لأنه ثمن حقه. ~~وقال الفراء: يجوز أن يراد الزوج وحده، وإن كانا قد ذكرا جميعا، كقوله ~~تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن:22]. و إنما يخرج من أحدهما. وقوله: # نسيا حوتهما # [الكهف:61] وإنما نسي أحدهما. # فصل # وهل يجوز له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها؟ فيه قولان. أحدهما: يجوز، ~~وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، ~~والنخعي، والضحاك، ومالك، والشافعي. والثاني: لا يجوز، وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وعطاء، والشعبي، وطاووس، وابن جبير، والزهري، وأحمد بن حنبل، وقد ~~نقل عن علي، والحسن أيضا. وهل يجوز الخلع دون السلطان؟ قال عمر، ~~وعثمان، وعلي، وابن عمر، وطاووس، وشريح، والزهري: يجوز، وهو قول جمهور ~~العلماء. وقال الحسن، وابن سيرين، وقتادة: لا يجوز إلا عند السلطان. ### || [2.230] # قوله تعالى: { فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ~~ذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت في تميمة بنت وهب بن عتيك النضيري، وقي ~~زوجها رفاعة بن عبد الرحمن القرظي. وقال ms0177 غير مقاتل: # " إنها عائشة بن عبد الرحمن بن عتيك، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ~~ابن عمها، فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، ثم طلقها، ~~فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني، ~~فأبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه طلقني قبل أن ~~يمسني، أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال ~~«أتريدين: أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» " # قوله تعالى: { فان طلقها } يعني: الزوج المطلق مرتين. قال ابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة: هي الطلقة الثالثة. واعلم أن الله تعالى عاد بهذه الآية ~~بعد الكلام في حكم الخلع إلى تمام الكلام في الطلاق. # قوله تعالى: { فان طلقها } يعني: الثاني { فلا جناح عليهما } يعني: ~~المرأة، والزوج الأول { إن ظنا أن يقيما حدود الله } قال طاووس: ما فرض ~~الله على كل واحد منهما من حسن العشرة والصحبة. # قوله تعالى: { وتلك حدود الله يبينها } قراءة الجمهور { يبينها } ~~بالياء. وقرأ الحسن، ومجاهد، والمفضل عن عاصم بالنون { لقوم يعلمون } قال ~~الزجاج: يعلمون أن أمر الله حق. ### || [2.231] # قوله تعالى: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } قال ابن عباس: كان ~~الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها [يفعل ذلك]، ~~يضارها ويعضلها بذلك، فنزلت هذه الآية. والأجل هاهنا: زمان العدة. ومعنى ~~البلوغ هاهنا: مقاربة الأجل دون حقيقة الانتهاء إليه، يقال: بلغت ~~المدينة: إذا قاربتها، وبلغتها: إذا دخلتها. وإنما حمل العلماء هذا ~~البلوغ على المقاربة، لأنه ليس بعد انقضاء العدة رجعة. # قوله تعالى: { فأمسكوهن بمعروف } قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، ~~وقتادة: المراد به الرجعة قبل انقضاء العدة. # قوله تعالى: { وسرحوهن بمعروف } وهو تركها حتى تنقضي عدتها. والمعروف ~~في الإمساك: القيام بما يجب لها من حق. والمعروف في التسريح: أن لا يقصد ~~إضرارها، بأن يطيل عدتها بالمراجعة، وهو معنى قوله: { ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا } قاله الحسن ومجاهد، وقتادة في آخرين. وقال الضحاك: إنما كانوا ~~يضارون المرأة لتفتدي { ومن يفعل ms0178 ذلك } الاعتداء، { فقد ظلم نفسه } ~~بارتكاب الإثم. # قوله تعالى: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } فيه قولان. أحدهما: أنه ~~الرجل يطلق أو يراجع، أو يعتق، ويقول: كنت لاعبا. روي عن عمر، وأبي ~~الدرداء، والحسن. والثاني: أنه المضار بزوجته في تطويل عدتها بالمراجعة ~~والطلاق. قاله مسروق، ومقاتل. { واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم ~~من الكتاب والحكمة يعظكم به } قال ابن عباس: احفظوا منته عليكم بالإسلام. ~~قال: والكتاب: القرآن. والحكمة: الفقه. { واتقوا الله } في الضرار { ~~واعلموا أن الله بكل شيء } به وبغيره { عليم } ### || [2.232] # قوله تعالى: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } في سبب ~~نزولها قولان. أحدهما: ما روى الحسن أن معقل بن يسار زوج أخته من رجل من ~~المسلمين، فكانت عنده ما كانت، فطلقها تطليقة [ثم تركها] ومضت العدة، ~~فكانت أحق بنفسها، فخطبها مع الخطاب، فرضيت أن ترجع إليه، فخطبها إلى ~~معقل، فغضب معقل، وقال: أكرمتك بها، فطلقتها؟ لا والله! لا ترجع إليك آخر ~~ما عليك. قال الحسن: فعلم الله، عز وجل، حاجة الرجل إلى امرأته، وحاجة ~~المرأة إلى بعلها. فنزلت هذه الآية، فسمعها معقل، فقال: سمعا لربي، ~~وطاعة، فدعا زوجها، فقال: أزوجك، وأكرمك. ذكر عبد الغني الحافظ عن الكلبي ~~أنه سمى هذه المرأة، فقال: جميلة بنت يسار. والثاني: أن جابر بن عبد الله ~~الأنصاري كانت له ابنة عم، فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها ثم رجع ~~يريد رجعتها، فأبى جابر، وقال: طلقت ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها ~~الثانية؟! وكانت المرأة تريد زوجها، قد راضته، فنزلت هذه الآية، قال ~~السدي: # فأما بلوغ الأجل في هذه الآية، فهو انقضاء العدة، بخلاف التي قبلها، قال ~~الشافعي رضي الله عنه، دل اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين. # قوله تعالى: { فلا تعضلوهن } خطاب للأولياء. قال ابن عباس، وابن جبير، ~~وابن قتيبة في آخرين. معناه: لا تحبسوهن. والعرب تقول للشدائد: معضلات. ~~وداء عضال: قد أعيا قال أوس بن حجر: # وليس أخوك الدائم العهد بالذي # يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا # ولكنه النائي إذا كنت آمنا # وصاحبك الأدنى ms0179 إذا الأمر أعضلا # وقالت ليلى الأخيلية: # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة # تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها # قال الزجاج: وأصل العضل، من قولهم: عضلت الدجاجة، فهي معضل: إذا احتبس ~~بيضها ونشب فلم يخرج، وعضلت الناقة أيضا: إذا احتبس ولدها في بطنها. # قوله تعالى: { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } قال السدي، وابن قتيبة: ~~معناه: إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح. قال الشافعي: وهذه الآية أبين ~~آية في أنه ليس للمرأة أن تتزوج إلا بولي. # قوله تعالى: { ذلك يوعظ به } قال مقاتل: الإشارة إلى نهي الولي عن ~~المنع. قال الزجاج: إنما قال «ذلك»، ولم يقل: «ذلكم» وهو يخاطب جماعة، ~~لأن لفظ الجماعة لفظ الواحد، والمعنى: ذلك أيها القبيل. # قوله تعالى: { ذلكم أزكى لكم } يعني رد النساء إلى أزواجهن، أفضل من ~~التفرقة بينهم و { وأطهر } أي: أنقى لقلوبكم من الريبة لئلا يكون هناك ~~نوع محبة، فيجتمعان على غير وجه صلاح. # قوله تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فيه قولان. أحدهما: أن ~~معناه: يعلم ود كل واحد منهما لصاحبه، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: ~~يعلم مصالحكم عاجلا وآجلا، قاله الزجاج في آخرين. ### || [2.233] # قوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن } لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، ~~كقوله تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة:228] وقال القاضي أبو يعلى: وهذا الأمر انصرف إلى الآباء، لأن ~~عليهم الاسترضاع، لا إلى الوالدات، بدليل قوله تعالى: { وعلى المولود له ~~رزقهن } وقوله تعالى: # فآتوهن أجورهن # [النساء:24] فلو كان متحتما على الوالدة، لم تستحق الأجرة، وهل هذا عام ~~في جميع الوالدات، فيه قولان. أحدهما: أنه خاص في المطلقات، قاله سعيد بن ~~جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل في آخرين. والثاني: أنه عام في ~~الزوجات والمطلقات، ولهذا نقول: لها أن تؤجر نفسها لرضاع ولدها، سواء ~~كانت مع الزوج، أو مطلقة، قاله القاضي أبو يعلى، وأبو سليمان الدمشقي في ~~آخرين. والحول: السنة، وفي قوله: { كاملين } قولان. أحدهما: أنه دخل ~~للتوكيد، كقوله تعالى: # تلك عشرة كاملة # [البقرة:196]. والثاني: أنه لما ms0180 جاز أن يقول: «حولين»، ويريد أقل منهما، ~~كما قال: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه # [البقرة:203]. ومعلوم أنه يتعجل في يوم، وبعض آخر. وتقول العرب: لم أر ~~فلانا منذ يومين، وإنما يريدون: يوما وبعض آخر -قال: كاملين لتبيين أنه ~~لا يجوز أن ينقص منهما، وهذا قول الزجاج، والفراء. # فصل # اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فقال بعضهم: هو ~~محكم، والمقصود منه بيان مدة الرضاع، ويتعلق به أحكام، منها أنه كمال ~~الرضاع، ومنها أنه يلزم الأب نفقة الرضاع مدة الحولين، ويجبره الحاكم ~~على ذلك، ومنها أنه يثبت تحريم الرضاع في مدة الحولين، ولا يثبت فيما ~~زاد، ونقل عن قتادة، والربيع بن أنس في آخرين أنه منسوخ بقوله تعالى: { ~~فان أرادا فصالا عن تراض منهما } قال شيخنا علي بن عبيد الله: وهذا ~~قول بعيد، لأن الله تعالى قال في أولها: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ~~فلما قال في الثاني: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما } خير بين ~~الإرادتين، وذلك لا يعارض المدة المقدرة في التمام. # قوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي: هذا التقدير بالحولين ~~لمريدي إتمام الرضاعة. وقرأ مجاهد بتاءين «أن تتم الرضاعة» وبالرفع، وهي ~~رواية الحلبي عن عبد الوارث. وقد نبه ذكر التمام على نفي حكم الرضاع بعد ~~الحولين، وأكثر القراء على فتح راء «الرضاعة»، وقرأ طلحة بن مصرف، ~~وابن أبي عبلة، وأبو رجاء، بكسرها، قال الزجاج: يقال: الرضاعة بفتح الراء ~~وكسرها، والفتح أكثر، ويقال: ما حمله على ذلك إلا اللؤم والرضاعة بالفتح ~~هاهنا لا غير. # قوله تعالى: { وعلى المولود له } يعني: الأب { رزقهن وكسوتهن } ~~يعني: { المرضعات }. وفي قوله: { بالمعروف } دلالة على أن الواجب على قدر ~~حال الرجل في إعساره ويساره، إذ ليس من المعروف إلزام المعسر مالا يطيقه، ~~ولا الموسر النزر الطفيف. # وفي الآية دليل على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث، إذ لا يتوصل ~~إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن، إذ هو معتبر بالعادة. # قوله تعالى: { لا تكلف نفس إلا ms0181 وسعها } أي: إلا ما تطيقه. { لا ~~تضار والدة بولدها } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبان عن عاصم { لا ~~تضار } برفع الراء، وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي بنصبها، قال أبو ~~علي: من رفع، فلأجل المرفوع قبله، وهو «لا تكلف» فأتبعه بما قبله ليقع ~~تشابه اللفظ، ومن نصب جعله أمرا، وفتح الراء لتكون حركته موافقة لما ~~قبلها وهو الألف، قال ابن قتيبة: معناه: لا تضارر، فأدغمت الراء في ~~الراء. وقال سعيد بن جبير: لا يحملن المطلقة مضارة الزوج أن تلقي إليه ~~ولده. وقال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ضرارا بأبيه، ولا يضار الوالد ~~بولده، فيمنع أمه أن ترضعه، ليحزنها بذلك. وقال عطاء، وقتادة، والزهري، ~~وسفيان، والسدي في آخرين. إذا رضيت بما يرضى به غيرها، فهي أحق به، وقرأ ~~أبو جعفر «لا تضار» بتخفيفها وإسكانها. # قوله تعالى: { وعلى الوارث } فيه أربعة أقوال. أحدها: أنه وارث المولود، ~~وهو قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى، وقتادة، والسدي، ~~والحسن بن صالح، ومقاتل في آخرين. واختلف أرباب هذا القول، فقال بعضهم: ~~هو وارث المولود من عصبته، كائنا من كان، وهذا مروي عن عمر، وعطاء، ~~والحسن، ومجاهد، وإبراهيم وسفيان. وقال بعضهم: هو وارث المولود على ~~الإطلاق من الرجال والنساء، روي عن ابن أبي ليلى، وقتادة، والحسن بن ~~صالح، وإسحاق، وأحمد بن حنبل. وقال آخرون: هو من كان ذا رحم محرم من ورثة ~~المولود، روي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. والقول الثاني: أن المراد ~~بالوارث هاهنا، وارث الوالد، روي عن الحسن والسدي. والثالث: أن المراد ~~بالوارث الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر، روي عن سفيان. والرابع: ~~أنه أريد بالوارث الصبي نفسه، والنفقة عليه، فإن لم يملك شيئا، فعلى ~~عصبته، قاله الضحاك، وقبيصة بن ذؤيب. قال شيخنا علي بن عبيد الله: وهذا ~~القول لا ينافي قول من قال: المراد بالوارث وارث الصبي، لأن النفقة تجب ~~للموروث على الوارث إذا ثبت إعسار المنفق عليه. وفي قوله تعالى: { مثل ~~ذلك } ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الإشارة إلى أجرة ms0182 الرضاع والنفقة، روي عن ~~عمر، وزيد بن ثابت، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وابراهيم، وقتادة، وقبيصة بن ~~ذؤيب، والسدي. واختاره ابن قتيبة. والثاني: أن الإشارة بذلك إلى النهي عن ~~الضرار، روي عن ابن عباس، والشعبي، والزهري. واختاره الزجاج. والثالث: ~~أنه إشارة إلى جميع ذلك، روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، وأبي ~~سليمان الدمشقي، واختاره القاضي أبو يعلى. ويشهد لهذا أنه معطوف على ما ~~قبله، وقد ثبت أن على المولود له النفقة والكسوة، وأن لا يضار، فيجب أن ~~يكون قوله: { مثل ذلك }. # مشيرا إلى جميع ما على المولود له. # قوله تعالى: { فان أرادا فصالا عن تراض } الفصال: الفطام. قال ابن ~~قتيبة: يقال: فصلت الصبي أمه: إذا فطمته. ومنه قيل للحوار إذا قطع عن ~~الرضاع: فصيل، لأنه فصل عن أمه، وأصل الفصل: التفريق. قال مجاهد: التشاور ~~فيما دون الحولين إن أرادت أن تفطم وأبى، فليس لها، وإن أراد هو، ولم ~~ترد، فليس له ذلك حتى يقع ذلك عن تراض منهما وتشاور، يقول: غير مسيئين ~~إلى أنفسهما وإلى صبيهما. # قوله تعالى: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } قال الزجاج: أي: ~~لأولادكم. قال مقاتل: إذا لم ترض الأم بما يرضى به غيرها، فلا حرج على ~~الأب أن يسترضع لولده. # وفي قوله تعالى: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } قولان. أحدهما: إذا ~~سلمتم أيها الآباء إلى أمهات الأولاد أجور ما أرضعن قبل امتناعهن، ~~قاله مجاهد، والسدي. والثاني: إذا سلمتم إلى الظئر أجرها بالمعروف، قاله ~~سعيد بن جبير، ومقاتل. وقرأ ابن كثير { ما أتيتم } بالقصر، قال أبو علي: ~~وجهه أن يقدر فيه: ما أتيتم نقده أو سوقه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه [فكأن التقدير: ما آتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة] كما تقول: ~~أتيت جميلا، أي: فعلته. ### || [2.234] # قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم } أي: يقبضون بالموت. وقرأ المفضل ~~عن عاصم «يتوفون» بفتح الياء في الموضعين. قال ابن قتيبة: هو من استيفاء ~~العدد، واستيفاء الشيء: أن نستقصيه كله، يقال: توفيته واستوفيته، كما ~~يقاله: تيقنت الخير واستيقنته، هذا الأصل، ثم ms0183 قيل للموت: وفاة وتوف ~~{ ويتربصن } ينتظرن وقال الفراء: وإنما قال: { وعشرا } ولم يقل: عشرة، ~~لأن العرب إذا أبهمت العدد من الليالي والأيام، غلبوا عليه الليالي، حتى ~~إنهم ليقولون: صمنا عشرا من شهر رمضان، لكثرة تغليبهم الليالي على ~~الأيام، فاذا أظهروا مع العدد تفسيره، كانت الإناث بغير هاء، والذكور ~~بالهاء كقوله تعالى: # سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما # [الحاقة:7]. فان قيل: ما وجه الحكمة في زيادة هذه العشرة؟ فالجواب: أنه ~~يبين صحة الحمل بنفخ الروح فيه، قاله سعيد بن المسيب، وأبو العالية، ~~ويشهد له الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما [نطفة]، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح ". # فصل # وهذه الآية ناسخة للتي تشابهها، وهي تأتي بعد آيات، وهي قوله: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول # [البقرة:240] لأن تلك كانت تقتضي وجوب العدة سنة، وسنذكر ما يتعلق بها ~~هنالك، إن شاء الله. فأما التي نحن في تفسيرها: فقد روي عن ابن عباس أنه ~~قال: نسختها # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4] والصحيح: أنها عامة دخلها التخصيص، لأن ظاهرها يقتضي وجوب ~~العدة على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، سواء كانت حاملا، أو ~~غير حامل، غير أن قوله تعالى: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن } خص أولات الحمل، وهي خاصة أيضا في الحرائر، فإن الأمة عدتها ~~شهران وخمسة أيام، فبان أنها من العام الذي دخله التخصيص. # قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } يعني: انقضاء العدة. ### || [2.235] # قوله تعالى: { ولا جناح عليكم } فيه قولان. أحدهما: أن معناه: فلا جناح ~~على الرجال في تزويجهن بعد ذلك. والثاني: فلا جناح على الرجال في ترك ~~الإنكار عليهن إذا تزين وتزوجن، قال أبو سليمان الدمشقي: وهو خطاب ~~لأوليائهن. # قوله تعالى: { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } فيه قولان. أحدهما: أنه ~~التزين والتشوف للنكاح، قاله الضحاك، ومقاتل، والثاني: أنه النكاح، قاله ~~الزهري، والسدي، ms0184 و «الخبير» من أسماء الله تعالى، ومعناه: العالم بكنه ~~الشيء، المطلع على حقيقته، و «الخبير» في صفة المخلوقين، إنما يستعمل في ~~نوع من العلم، وهو الذي يتوصل إليه بالاجتهاد دون النوع المعلوم ببدائه ~~العقول. وعلم الله تعالى سواء، فيما غمض ولطف، وفيما تجلى وظهر. # قوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } هذا ~~خطاب لمن أراد تزويج معتدة. والتعريض: الإيماء والتلويح من غير كشف، فهو ~~إشارة بالكلام إلى ما ليس له في الكلام ذكر. والخطبة بكسر الخاء: طلب ~~النكاح، والخطبة بضم الخاء: مثل الرسالة التي لها أول وآخر. قال ابن ~~عباس: التعريض أن يقول: إني أريد أن أتزوج. وقال مجاهد: أن يقول: إنك ~~لجميلة، وإنك لحسنة، وإنك لإلى خير. # قوله تعالى: { أو أكننتم في أنفسكم } قال الفراء: فيه لغتان، كننت ~~الشيء، وأكننته وقال ثعلب: أكننت الشيء: إذا أخفيته في نفسك، وكننته: إذا ~~سترته بشيء. وقال ابن قتيبة: أكننت الشيء: إذا سترته، ومنه هذه الآية، ~~وكننته: إذا صنته، ومنه قوله تعالى: { كأنهن بيض مكنون } [الصافات: ~~49]. قال بعضهم: يجعل كننته، وأكننته، بمعنى. # قوله تعالى: { علم الله أنكم ستذكرونهن } قال مجاهد: ذكره إياها في ~~نفسه. # قوله تعالى: { ولكن لا تواعدوهن سرا } فيه أربعة أقوال. أحدها: أن ~~المراد بالسر هاهنا: النكاح، قاله ابن عباس. وأنشد بيت امرئ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني # كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي # وفي رواية: يشهد اللهو. قال الفراء: ونرى أنه مما كنى الله عنه، كقوله ~~تعالى: # أو جاء أحد منكم من الغائط # [النساء: 43]. وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن السر: الإفضاء بالنكاح ~~[المحرم] وأنشد: # ويحرم سر جارتهم عليهم # ويأكل جارهم أنف القصاع # قال ابن قتيبة: استعير السر للنكاح، لأن النكاح يكون سرا، فالمعنى: لا ~~تواعدوهن بالتزويج، [وهن في العدة] تصريحا { إلا أن تقولوا قولا ~~معروفا } لا تذكرون فيه رفثا ولا نكاحا. والثاني: أن المواعدة سرا: ~~أن يقول لها: إني لك محب، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، روي عن ابن عباس ~~أيضا. والثالث: أن المراد ms0185 بالسر الزنى. قاله الحسن، وجابر بن زيد، وأبو ~~مجلز، وإبراهيم، وقتادة، والضحاك. والرابع: أن المعنى: لا تنكحوهن في ~~عدتهن سرا، فاذا حلت أظهرتم ذلك، قاله ابن زيد. # وفي القول المعروف قولان. أحدهما: أنه التعريض لها، وهو قول ابن عباس، ~~وسعيد بن جبير، وعطاء، والقاسم بن محمد، والشعبي، ومجاهد، وإبراهيم، ~~وقتادة، والسدي والثاني: أنه إعلام وليها برغبته فيها، وهو قول عبيدة. # قوله تعالى: { و لا تعزموا عقدة النكاح } قال الزجاج: معناه: لا ~~تعزموا على عقدة النكاح، وحذفت «على» استخفافا، كما قالوا: ضرب زيد ~~الظهر والبطن، معناه: على الظهر والبطن { حتى يبلغ الكتاب أجله } أي ~~حتى يبلغ فرض الكتاب أجله. قال: ويجوز أن يكون «الكتاب» بمعنى «الفرض» ~~كقوله تعالى: # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183]. فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض أجله. قال ابن عباس، ~~ومجاهد، والشعبي، وقتادة، والسدي: بلوغ الكتاب أجله: انقضاء العدة. # قوله تعالى: { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم } قال ابن عباس: من ~~الوفاء، فاحذروه أن تخالفوه في أمره. والحليم قد سبق بيانه. ### || [2.236] # قوله تعالى: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو «تمسوهن» بغير الف حيث كان، ~~وبفتح التاء. وقرأ حمزة والكسائي، وخلف «تماسوهن» بألف وضم التاء في ~~الموضعين هنا وفي الأحزاب ثالث. قال أبو علي: وقد يراد بكل واحد من ~~«فاعل» و«فعل» ما يراد بالآخر، تقول: طارقت النعل، وعاقبت اللص. # " قال مقاتل بن سليمان: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة من ~~بني حنيفة، ولم يسم لها مهرا، فطلقها قبل أن يمسها. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «هل متعتها بشيء؟» قال: لا. قال: «متعها ولو بقلنسوتك " # ومعنى الآية: ما لم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. وقد تكون «أو» بمعنى ~~الواو. كقوله تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الدهر: 24]. # والمس: النكاح، والفريضة: الصداق، وقد دلت الآية على جواز عقد النكاح ~~بغير تسمة مهر { ومتعوهن } أي: أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على قدر ~~أحوالكم في ms0186 الغنى والفقر. والمتاع: اسم لما ينتفع به، فذلك معنى قوله ~~تعالى: { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره }. وقرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، «قدره» باسكان الدال في الحرفين، وقرأ ابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي بتحريك الحرفين، وعن عاصم: كالقراءتين، وهما لغتان. # فصل # وهل هذه المتعة واجبة، أم مستحبة؟ فيه قولان. أحدهما: واجبة، واختلف ~~أرباب هذا القول، لأي المطلقات تجب. على ثلاثة أقوال. أحدها: أنها واجبة ~~لكل مطلقة، روي عن علي، والحسن، وأبي العالية، والزهري. والثاني: أنها ~~تجب لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها صداقا، ولم يمسها، فإنه يجب لها ~~نصف ما فرض، روي عن ابن عمر، والقاسم بن محمد، وشريح، وإبراهيم. والثالث: ~~أنها تجب للمطلقة قبل الدخول إذا لم يسم لها مهرا. فان دخل بها، فلا ~~متعة، ولها مهر المثل، روي عن الأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد بن ~~حنبل. والثاني: أن المتعة مستحبة، ولا تجب على أحد، سواء سمى للمرأة، أو ~~لم يسم، دخل بها، أو لم يدخل، وهو قول مالك، والليث بن سعد، والحكم، وابن ~~أبي ليلى. واختلف العلماء في مقدار المتعة، فنقل عن ابن عباس، وسعيد بن ~~المسيب: أعلاها خادم، وأدناها كسوة يجوز لها أن تصلي فيها، وروي عن حماد ~~وأبي حنيفة: أنه قدر نصف صداق مثلها. وعن الشافعي وأحمد: أنه قدر يساره ~~وإعساره، فيكون مقدرا باجتهاد الحاكم. ونقل عن أحمد: المتعة بقدر ما ~~تجزئ فيه الصلاة من الكسوة، وهو درع وخمار. # قوله تعالى: { متاعا بالمعروف } أي: بقدر الإمكان، والحق: الواجب. وذكر ~~المحسنين والمنفقين ضرب من التأكيد. ### || [2.237] # قوله تعالى: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } أي: قبل الجماع { وقد ~~فرضتم لهن } أي: أوجبتم لهن شيئا التزمتم به، وهو المهر { إلا أن يعفون ~~} يعني: النساء، وعفو المرأة: ترك حقها من الصداق الوفي: الذي بيده عقدة ~~النكاح ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الزوج، وهو قول علي، وابن عباس، وجبير ~~ابن مطعم، وابن المسيب، وابن جبير، ومجاهد، وشريح، وجابر بن زيد، ~~والضحاك، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، وابن شبرمة، ms0187 والشافعي، ~~وأحمد رضي الله عنهم في آخرين. والثاني: أنه الولي، روي عن ابن عباس، ~~والحسن، وعلقمة، وطاووس، والشعبي، وابراهيم في آخرين. والثالث: أنه أبو ~~البكر. روي عن ابن عباس، والزهري، والسدي في آخرين. فعلى القول الأول عفو ~~الزوج: أن يكمل لها الصداق، وعلى الثاني: عفو الولي: ترك حقها إذا أبت، ~~روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء، وعلى الثالث يكون قوله: { إلا أن يعفون } ~~يختص بالثيبات. وقوله: { أو يعفو } يختص أبا البكر، قاله الزهري.، ~~والأول أصح، لأن عقدة النكاح خرجت من يد الولي، فصارت بيد الزوج، والعفو ~~إنما يطلق على ملك الإنسان، وعفو الولي عفو عما لا يملك، ولأنه قال: { ~~ولا تنسوا الفضل بينكم } والفضل فيه هبة الإنسان مال نفسه، لا مال غيره. # قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } فيه قولان. أحدهما: أنه خطاب ~~للزوجين جميعا، روي عن ابن عباس، ومقاتل، والثاني: أنه خطاب للزوج وحده، ~~قاله الشعبي، وكان يقرأ: «وأن يعفو» بالياء. # قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } خطاب للزوجين، قال مجاهد: هو ~~إتمام الرجل الصداق، وترك المرأة شطرها. ### || [2.238] # قوله تعالى: { حافظوا على الصلوات } المحافظة: المواظبة والمداومة، ~~والصلوات بالألف واللام ينصرف إلى المعهود، والمراد: الصلوات الخمس. # قوله تعالى: { والصلاة الوسطى } قال الزجاج: هذه الواو إذا جاءت مخصصة، ~~فهي دالة على فضل الذي تخصصه، كقوله تعالى: # وجبريل وميكال # [البقرة: 97] قال سعيد بن المسيب: كان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. ثم فيها خمسة أقوال. ~~أحدها: أنها العصر، روى مسلم في «أفراده» من حديث علي رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال يوم الأحزاب: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " # وروى ابن مسعود، وسمرة، وعائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنها صلاة ~~العصر. وروى مسلم في «أفراده» من حديث البراء بن عازب قال: نزلت هذه ~~الآية { حافظوا على الصلوات [والصلاة الوسطى] وصلاة العصر } فقرأناها ما ~~شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: { حافظوا على ms0188 الصلوات والصلاة الوسطى } ~~وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن مسعود، وأبي أيوب، وابن ~~عمر في رواية، وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وابن عباس، في رواية عطية، ~~وأبي سعيد الخدري، وعائشة في رواية، وحفصة، والحسن، وسعيد ابن المسيب، ~~وسعيد بن جبير، وعطاء في رواية، وطاووس، والضحاك، والنخعي، وعبيد بن ~~عمير، وزر بن حبيش، وقتادة، وأبي حنيفة، ومقاتل في آخرين، وهو مذهب ~~أصحابنا. # والثاني: أنها الفجر، روي عن عمر، وعلي في رواية، وأبي موسى، ومعاذ، ~~وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة، وابن عمر في رواية مجاهد، وزيد بن أسلم، ~~وابن عباس في رواية أبي رجاء العطاردي، وعكرمة، وجابر بن زيد، وأنس بن ~~مالك، وعطاء، وعكرمة، وطاووس في رواية ابنه، وعبد الله بن شداد، ومجاهد، ~~ومالك، والشافعي. وروى أبو العالية قال: صليت مع أصحاب رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم؛ الغداة فقلت لهم: أيما الصلاة الوسطى؟ فقالوا: التي صليت ~~قبل. والثالث: أنها الظهر، روي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، ~~وأبي سعيد الخدري، وعائشة في رواية، وروى ضميرة عن علي رضي الله عنه ~~قال: هي صلاة الجمعة، وهي سائر الأيام الظهر. والرابع: أنها المغرب، روي ~~عن ابن عباس، وقبيصة بن ذؤيب. والخامس: أنها العشاء الأخيرة، ذكره علي بن ~~أحمد النيسابوري في «تفسيره». وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال. أحدها: ~~أنها أوسط الصلوات محلا. والثاني: أوسطها مقدارا. والثالث: أفضلها. ~~ووسط الشيء: خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 142] فان قلنا: إن الوسطى بمعنى: الفضلى، جاز أن يدعي هذا كل ~~ذي مذهب فيها. وإن قلنا: إنها أوسطها مقدارا، فهي المغرب، لأن أقل ~~المفروضات ركعتان، وأكثرها أربعا. # وإن قلنا: إنها أوسطها محلا، فللقائلين: إنها العصر أن يقولوا: قبلها ~~صلاتان في النهار، وبعدها صلاتان في الليل، فهي الوسطى. ومن قال: هي ~~الفجر، فقال عكرمة: هي وسط بين الليل والنهار، وكذلك قال ابن الأنباري: ~~هي وسط بين الليل والنهار، وقال: وسمعت أبا العباس يعني، ثعلبا يقول: ~~النهار عند العرب ms0189 أوله: طلوع الشمس. قال ابن الأنباري: فعلى هذا صلاة ~~الصبح من صلاة الليل، قال: وقال آخرون: بل هي من صلاة النهار، لأن أول ~~وقتها أول وقت الصوم. قال: والصواب عندنا أن نقول: الليل المحض خاتمته ~~طلوع الفجر، والنهار المحض أوله: طلوع الشمس، والذي بين طلوع الفجر، ~~وطلوع الشمس يجوز أن يسمى نهارا، ويجوز أن يسمى ليلا، لما يوجد فيه من ~~الظلمة والضوء، فهذا قول يصح به المذهبان. قال ابن الأنباري: ومن قال: هي ~~الظهر، قال: هي وسط النهار. فأما من قال: هي المغرب، فاحتج بأن أول صلاة ~~فرضت، الظهر، فصارت المغرب وسطى، ومن قال: هي العشاء، فإنه قال: هي بين ~~صلاتين لا تقصران. # قوله تعالى: { وقوموا لله قانتين } المراد بالقيام هاهنا: القيام في ~~الصلاة، فأما القنوت، فقد شرحناه فيما تقدم. وفي المراد به هاهنا ثلاثة ~~أقوال. أحدها: أنه الطاعة، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن جبير، ~~والشعبي، وطاووس، والضحاك، وقتادة في آخرين. # والثاني: أنه طول القيام في الصلاة، روي عن ابن عمر، والربيع بن أنس. ~~وعن عطاء كالقولين. والثالث: أنه الإمساك عن الكلام في الصلاة. قال زيد ~~بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت الآية { وقوموا لله قانتين } ~~فأمرنا بالسكوت [ونهينا عن الكلام]. ### || [2.239] # قوله تعالى: { فان خفتم فرجالا } أي: خفتم عدوا، فصلوا رجالا، وهو جمع ~~راجل، والركبان جمع راكب، وهذا يدل على تأكيد أمر الصلاة، لأنه أمر ~~بفعلها على كل حال. وقيل: إن هذه الآية أنزلت بعد التي في سورة النساء، ~~لأن الله تعالى وصف لهم صلاة الخوف في قوله: # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة # [النساء: 102]. ثم نزلت هذه الآية: { فإن خفتم } أي: خوفا أشد من ذلك، ~~فصلوا عند المسايفة كيف قدرتم. فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين ~~ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى يوم الخندق الظهر ~~والعصر، والمغرب والعشاء بعد ما غاب الشفق؟ فالجواب: أن أبا سعيد روى أن ~~ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: { فان خفتم فرجالا ms0190 أو ركبانا } قال أبو ~~بكر الأثرم: فقد بين الله أن ذلك الفعل الذي كان يوم الخندق منسوخ. # قوله تعالى: { فاذا أمنتم فاذكروا الله } في هذا الذكر قولان. أحدهما: ~~أنه الصلاة، فتقديره: فصلوا كما كنتم تصلون آمنين. والثاني: أنه الثناء ~~على الله، والحمد له. ### || [2.240] # قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } روى ابن حيان أن هذه ~~الآية نزلت في رجل من أهل الطائف، يقال له: حكيم بن الحارث هاجر إلى ~~المدينة، ومعه أبواه وامرأته، وله أولاد، فمات فرفع ذلك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم، أبويه ~~وأولاده من ميراثه، ولم يعط امرأته شيئا، غير أنه أمرهم أن ينفقوا عليها ~~من تركة زوجها حولا. # قوله تعالى: { وصية لأزواجهم } قرأ أبو عمرو، وحمزة، وابن عامر «وصية» ~~بالنصب، وقرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي، «وصية» بالرفع. وعن عاصم ~~كالقراءتين. قال أبو علي: من نصب حمله على الفعل، أي: ليوصوا وصية، ~~ومن رفع، فمن وجهين. # أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والخبر لأزواجهم. والثاني: أن يضمر له ~~خبرا، تقديره: فعليهم وصية. والمراد منه قارب الوفاة، فليوص، لأن ~~المتوفى لا يؤمر ولا ينهى. # قوله تعالى: { متاعا إلى الحول } أي: متعوهن إلى الحول، ولا تخرجوهن. ~~والمراد بذلك نفقة السنة وكسوتها وسكناها { فان خرجن } أي: من قبل أنفسهن ~~{ فلا جناح عليكم } يعني: أولياء الميت { فيما فعلن في أنفسهن من معروف } ~~يعني التشوف إلى النكاح. وفي ماذا رفع الجناح عن الرجال؟ فيه قولان. ~~أحدهما: أنه في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. والثاني: في ~~ترك منعهن من الخروج، لأنه لم يكن مقامها الحول واجبا عليها، بل كانت ~~مخيرة في ذلك. # فصل # ذكر علماء التفسير أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات أحدهم، مكثت زوجته في ~~بيته حولا، ينفق عليها من ميراثه، فاذا تم الحول، خرجت إلى باب بيتها، ~~ومعها بعرة، فرمت بها كلبا، وخرجت بذلك من عدتها. وكان معنى رميها ~~بالبعرة أنها تقول: مكثي بعد وفاة زوجي أهون عندي من ms0191 هذه البعرة. ثم جاء ~~الإسلام، فأقرهم على ما كانوا عليه من مكث الحول بهذه الآية، ثم نسخ ذلك ~~بالآية المتقدمة في نظم القرآن على هذه الآية، وهي قوله تعالى: { والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا }. # ونسخ الأمر بالوصية لها بما فرض لها من ميراثه. ### || [2.241] # قوله تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف } قد سبق الكلام في المتعة بما ~~فيه كفاية. ### || [2.242] # قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته } أي: كما بين الذي تقدم من ~~الأحكام { يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } أي: يثبت لكم وصف العقلاء ~~باستعمال ما بين لكم، وثمرة العقل استعمال الأشياء المستقيمة. ألا ترى ~~إلى قوله تعالى: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة # [النساء: 17]. وإنما سموا جهالا، لأنهم آثروا أهواءهم على ما علموا أنه ~~الحق. ### || [2.243] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } معناه: ألم تعلم. ~~قال ابن قتيبة: وهذا على جهة التعجب، كما تقول: ألا ترى إلى ما يصنع ~~فلان؟ # قوله تعالى: { وهم ألوف } فيه قولان. أحدهما: أن معناه: وهم مؤتلفون، ~~قاله ابن زيد. والثاني: أنه من العدد، وعليه العلماء واختلفوا في عددهم ~~على سبعة أقوال. أحدها: أنهم كانوا أربعة آلاف. والثاني: أربعين ألفا، ~~والقولان عن ابن عباس. والثالث: تسعين ألفا، قاله عطاء بن أبي رباح، ~~والرابع: سبعة آلاف، قاله أبو صالح. والخامس: ثلاثين ألفا، قاله أبو ~~مالك. والسادس: بضعة وثلاثين ألفا، قاله السدي، والسابع: ثمانية آلاف، ~~قاله مقاتل. وفي معنى: حذرهم من الموت، قولان. أحدهما: أنهم فروا من ~~الطاعون، وكان قد نزل بهم، قاله الحسن، والسدي. والثاني: أنهم أمروا ~~بالجهاد، ففروا منه، قاله عكرمة، والضحاك، وعن ابن عباس، كالقولين. # الإشارة الى قصتهم # روى حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال: كانت أمة من بني ~~إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع، خرج أغنياؤهم، وأقام فقراؤهم، فمات الذين ~~أقاموا، ونجا الذين خرجوا، فقال الأشراف: لو أقمنا كما أقام هؤلاء ~~لهلكنا، وقال الفقراء: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء سلمنا، فأجمع رأيهم ms0192 في بعض ~~السنين على أن يظعنوا جميعا، فظعنوا فماتوا، وصاروا عظاما تبرق، فكنسهم ~~أهل البيوت والطرق عن بيوتهم وطرقهم، فمر بهم نبي من الأنبياء، فقال: يا ~~رب لو شئت أحييتهم، فعبدوك، وولدوا أولادا يعبدونك، ويعمرون بلادك. ~~[قال: أو أحب إليك أن أفعل؟ قال: نعم]. فقيل له: تكلم بكذا وكذا، فتكلم ~~به، فنظر إلى العظام تخرج من عند العظام التي ليست منها، إلى التي هي ~~منها، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تكسى لحما ~~وعصبا، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا، فنظر فاذا هم قعود يسبحون الله ~~ويقدسونه. وأنزل الله فيهم هذه الآية. وهذا الحديث يدل على بعد المدة ~~التي مكثوا فيها أمواتا. وفي بعض الأحاديث: أنهم بقوا أمواتا سبعة ~~أيام، وقيل: ثمانية أيام. وفي النبي الذي دعا لهم قولان. أحدهما: أنه ~~حزقيل. والثاني: أنه شمعون. فإن قيل كيف أميت هؤلاء مرتين وقد قال الله ~~تعالى: # إلا الموتة الاولى # [الدخان: 56]. فالجواب أن موتهم بالعقوبة لم يفن أعمارهم، فكان كقوله ~~تعالى: # والتي لم تمت في منامها # [الزمر: 42]. وقيل كان إحياؤهم آية من آيات نبيهم، وآيات الأنبياء نوادر ~~لا يقاس عليها، فيكون تقدير قوله تعالى: { إلا الموتة الأولى } التي ~~ليست من آيات الأنبياء، ولا لأمر نادر. وفي هذه القصة احتجاج على اليهود، ~~إذ أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم، بأمر لم يشاهدوه، وهم يعلمون صحته ~~واحتجاج على المنكرين للبعث، فدلهم عليه بإحياء الموتى في الدنيا، ذكر ~~ذلك جميعه ابن الأنباري. # قوله تعالى: { إن الله لذو فضل على الناس } نبه عز وجل بذكر فضله على ~~هؤلاء على فضله على سائر خلقه مع قلة شكرهم. ### || [2.244] # قوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله } في المخاطبين بهذا قولان. أحدهما: ~~أنهم الذين أماتهم الله ثم أحياهم، قاله الضحاك. والثاني: خطاب لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فمعناه: لا تهربوا من الموت، كما هرب هؤلاء، فما ~~ينفعكم الهرب { واعملوا أن الله سميع } لأقوالكم { عليم } بما تنطوي عليه ~~ضمائركم. ### || [2.245] # قوله تعالى: { من ذا الذي ms0193 يقرض الله } قال الزجاج: أصل القرض ما يعطيه ~~الرجل أو يفعله ليجازى عليه، وأصله في اللغة القطع، ومنه أخذ المقراض. ~~فمعنى أقرضته: قطعت له قطعة يجازيني عليها. فإن قيل: ما وجه تسمية الصدقة ~~قرضا؟ فالجواب من ثلاثة أوجه. أحدهما: لأن هذا القرض يبدل بالجزاء، ~~والثاني: لأنه يتأخر قضاؤه إلى يوم القيامة، والثالث: لتأكيد استحقاق ~~الثواب به، إذ لا يكون قرض إلا والعوض مستحق به. فأما اليهود فإنهم جهلوا ~~هذا، فقالوا: أيستقرض الله منا؟ وأما المسلمون فوثقوا بوعد الله، وبادروا ~~إلى معاملته. قال ابن مسعود: لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح: وإن ~~الله ليريد منا القرض؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: أرني ~~يدك. قال: إني أقرضت ربي حائطي، قال: وحائطه فيه ستمائة نخلة، ثم جاء إلى ~~الحائط، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فقد أقرضته ربي. وفي بعض ~~الألفاظ: فعمدت إلى صبيانها تخرج ما في أفواههم، وتنفض ما في أكمامهم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح ". # وفي معنى القرض الحسن ستة أقوال. أحدها: أنه الخالص لله، قاله الضحاك، ~~والثاني: أن يخرج عن طيب نفس، قاله مقاتل، والثالث: أن يكون حلالا، قاله ~~ابن المبارك. والرابع: أن يحتسب عند الله ثوابه، والخامس: أن لا يتبعه ~~منا ولا أذى، والسادس: أن يكون من خيار المال. # قوله تعالى: { فيضاعفه له } قرأ أبو عمرو فيضاعفه بألف مع رفع الفاء، ~~كذلك في جميع القرآن، إلا في سورة الأحزاب { يضعف لها العذاب ضعفين } ~~وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، جميع ذلك بالألف مع رفع الفاء، وقرأ ابن ~~كثير { فيضعفه } برفع الفاء من غير ألف في جميع القرآن، وقرأ ابن عامر { ~~فيضعفه } بغير ألف مشددة في جميع القرآن، ووافقه عاصم على نصب الفاء في ~~«فيضاعفه» إلا أنه أثبت الألف في جميع القرآن. قال أبو علي: للرفع وجهان. ~~أحدهما: أن يعطفه على ما في الصلة، وهو يقرض، والثاني: أن يستأنفه، ومن ~~نصب حمل الكلام على المعنى، لأن المعنى: أيكون ms0194 قرض؟ فحمل عليه «فيضاعفه» ~~وقال: ومعنى ضاعف وضعف: واحد، والمضاعفة: الزيادة على الشيء حتى يصير ~~مثلين أو أكثر. وفي الأضعاف الكثيرة قولان. أحدهما: أنها لا يحصى عددها، ~~قاله ابن عباس، والسدي. وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال: إن ~~الله يكتب للمؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة. وقرأ هذه الآية، ثم ~~قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم، يقول: # " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " # والثاني: أنها معلومة المقدار، فالدرهم بسبعمائة، كما ذكر في الآية التي ~~بعدها، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { والله يقبض ويبسط } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، «يبسط» و «بسطة» بالسين، وقرأهما نافع بالصاد. وفي معنى الكلام ~~قولان. أحدهما: أن معناه: يقتر على من يشاء في الرزق، ويبسطه على من ~~يشاء، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. والثاني: يقبض يد من يشاء عن ~~الإنفاق في سبيله، ويبسط يد من يشاء بالإنفاق، قاله أبو سليمان الدمشقي ~~في آخرين. ### || [2.246] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل } قال الفراء: الملأ: ~~الرجال في كل القرآن لا يكون فيهم امرأة، وكذلك القوم والنفر والرهط. ~~وقال الزجاج: الملأ: هم الوجوه، وذوو الرأي، وإنما سموا ملأ، لأنهم ~~مليؤون بما يحتاج إليه منهم. وفي نبيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شمويل، ~~قاله ابن عباس، ووهب. والثاني: أنه يوشع بن نون، قاله قتادة. والثالث: ~~أنه نبي، يقال له: سمعون بالسين المهملة، سمته أمه بذلك، لأنها دعت الله ~~أن يرزقها غلاما، فسمع دعاؤها فيه، فسمته، هذا قول السدي. # وسبب سؤالهم ملكا أن عدوهم غلب عليهم. # قوله تعالى: { نقاتل } قراءة الجمهور بالنون والجزم، وقرأ ابن أبي عبلة ~~بالياء والرفع، كناية عن الملك. # قوله تعالى: { هل عسيتم } قراءة الجمهور بفتح السين، وقرأ نافع بكسرها ~~هاهنا، وفي سورة «محمد» وهي لغتان. # قوله تعالى: { إن كتب عليكم القتال } أي: فرض { ألا تقاتلوا } أي: ~~لعلكم تجبنون. # قوله تعالى: { وقد أخرجنا من ديارنا } يعنون: أخرج بعضنا، وهم الذين ~~سبوا منهم وقهروا، فظاهره العموم، ومعناه الخصوص. # قوله ms0195 تعالى: { تولوا } أي: أعرضوا عن الجهاد. { إلا قليلا } وهم الذين ~~عبروا النهر، وسيأتي ذكرهم. ### || [2.247] # قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } ذكر ~~أهل التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكا، فأتى بعصا ~~وقرن فيه دهن، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكا يكون طوله طول هذه ~~العصا، ومتى دخل عليك رجل، فنشق الدهن، فهو الملك، فادهن به رأسه، وملكه ~~على بني إسرائيل، فقاس القوم أنفسهم بالعصا، فلم يكونوا على مقدارها. قال ~~عكرمة، والسدي: كان طالوت سقاء يسقي على حمار له، فضل حماره، فخرج ~~يطلبه، وقال وهب: بل كان دباغا يعمل الأدم، فضلت حمر لأبيه، فأرسل مع ~~غلام له في طلبها، فمرا ببيت شمويل النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلا ~~ليسألاه عن ضالتهما، فنشق الدهن، فقام شمويل فقاس طالوت بالعصا، وكان على ~~مقدارها، فدهنه، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل، فقال طالوت: أما علمت ~~أن وسطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: بلى، قال فبأية ~~آية؟ قال بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره، فكان كما قال. # قال الزجاج: طالوت، وجالوت، وداود، لا تصرف، لأنها أسماء أعجمية، وهي ~~معارف، فاجتمع فيها التعريف والعجمة. # ومعنى قوله تعالى: { أنى له الملك } من أي جهة يكون له الملك علينا. قال ~~ابن عباس: إنما قالوا ذلك، لأنه كان في بني إسرائيل سبطان، في أحدهما ~~النبوة، وفي الآخر الملك، فلم يكن هو من أحد السبطين. قال قتادة. كانت ~~النبوة في سبط لاوي، والملك في سبط يهوذا. # قوله تعالى: { ولم يؤت سعة من المال } أي: لم يؤت ما يتملك به الملك { ~~قال إن الله اصطفاه عليكم } أي: اختاره، وهو «افتعل» من الصفوة. ~~والبسطة: السعة، قاله ابن قتيبة: هو من قولك: بسطت الشيء: إذا كان ~~مجموعا، ففتحته، ووسعته. قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل ~~بالحرب، وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه. وهل كانت هذه الزيادة قبل ~~الملك، أم أحدثت له بعد الملك؟ فيه ms0196 قولان. أحدهما: قبل الملك، قاله وهب، ~~والسدي. والثاني: بعد الملك، قاله ابن زيد. والمراد بتعظيم الجسم، فضل ~~القوة، إذ العادة أن من كان أعظم جسما، كان أكثر قوة والواسع: الغني. ### || [2.248] # قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه } الآية: العلامة، فمعناه: ~~علامة تمليك الله إياه { أن يأتيكم التابوت } وهذا من مجاز الكلام، لأن ~~التابوت يؤتى به، ولا يأتي، ومثله: { فاذا عزم الأمر } وإنما جاز مثل ~~هذا، لزوال اللبس فيه، كما بينا في قوله تعالى: # فما ربحت تجارتهم # [البقرة:16]. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس: أنهم قالوا لنبيهم: إن كنت ~~صادقا، فأتنا بآية تدل على أنه ملك، فقال لهم ذلك. وقال وهب: خيرهم، أي ~~آية يريدون، فقالوا: أن يرد علينا التابوت. قال ابن عباس: كان التابوت ~~من عود الشمشار عليه صفائح الذهب، وكان يكون مع الأنبياء إذا حضروا ~~قتالا قدموه بين أيديهم يستنصرون به، وفيه السكينة. وقال وهب بن منبه: ~~كان نحوا من ثلاث أذرع في ذراعين. قال مقاتل: فلما تفرقت بنو إسرائيل، ~~وعصوا الأنبياء، سلط الله عليهم عدوهم، فغلبوهم عليه، وفي السكينة سبعة ~~أقوال. أحدها: أنها ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، رواه أبو الأحوص عن ~~علي رضي الله عنه. والثاني: أنها دابة بمقدار الهر، لها عينان لها شعاع، ~~وكانوا إذا التقى الجمعان، أخرجت يدها، ونظرت إليهم، فيهزم الجيش من ~~الرعب. رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال مجاهد: السكينة لها رأس كرأس ~~الهرة، وجناحان. والثالث: أنها طست من ذهب [من الجنة] تغسل فيه قلوب ~~الأنبياء. رواه أبو مالك عن ابن عباس. والرابع: أنها روح من الله تتكلم، ~~كانوا إذا اختلفوا في شيء كلمتهم وأخبرتهم ببيان ما يريدون، رواه عبد ~~الصمد بن معقل عن وهب بن منبه. والخامس: أن السكينة ما يعرفون من الآيات ~~فيسكنون إليها، رواه ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح، وذهب إلى نحوه ~~الزجاج، فقال: السكينة: من السكون، فمعناه: فيه ما تسكنون إليه إذا ~~أتاكم. والسادس: أن السكنية معناها هاهنا: الوقار، رواه معمر عن قتادة. ~~والسابع ms0197 أن السكينة: الرحمة. قاله الربيع بن أنس. # وفي البقية تسعة أقوال. أحدها أنها رضاض الألواح التي تكسرت حين ألقاها ~~موسى وعصاه، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي. والثاني: أنها رضاض الألواح. ~~قاله عكرمة، ولم يذكر العصا. وقيل: إنما اتخذ موسى التابوت ليجمع رضاض ~~الألواح فيه. والثالث: أنها عصا موسى، والسكينة، قاله وهب. والرابع: عصا ~~موسى، وعصا هارون، وثيابهما، ولوحان من التوراة، والمن، قاله أبو صالح. ~~والخامس: أن البقية، العلم والتوراة، قاله مجاهد، وعطاء بن أبي رباح. ~~والسادس: أنها رضاض الألواح، وقفيز من من في طست من ذهب، وعصا موسى ~~وعمامته، قاله مقاتل. والسابع: أنه قفيز من من ورضاض الألواح، حكاه ~~سفيان الثوري عن بعض العلماء. والثامن: أنها عصا موسى والنعلان. ذكره ~~الثوري أيضا عن بعض أهل العلم. # والتاسع: أن المراد بالبقية: الجهاد في سبيل الله، وبذلك أمروا، قاله ~~الضحاك. # والمراد بآل موسى، و آل هارون: موسى، وهارون. وأنشد أبو عبيدة: # ولا تبك ميتا بعد ميت أحبة # علي وعباس وآل أبي بكر # يريد: أبا بكر نفسه. # قوله تعالى: { تحمله الملائكة } قرأ الجمهور: «تحمله» بالتاء، وقرأ ~~الحسن، ومجاهد، والأعمش بالياء. وفي المكان الذي حملته منه الملائكة ~~إليهم قولان. أحدهما: أنه كان مرفوعا مع الملائكة بين السماء والأرض، ~~منذ خرج عن بني إسرائيل، قاله الحسن. والثاني: أنه كان في الأرض. # وفي أي مكان كان؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه كان في أيدي العمالقة قد دفنوه، قال ابن عباس: أخذ التابوت ~~قوم جالوت، فدفنوه في متبرز لهم، فأخذهم الباسور فهلكوا، ثم أخذه أهل ~~مدينة أخرى، فأخذهم بلاء، فهلكوا، ثم أخذه غيرهم كذلك، حتى هلكت خمس ~~مدائن، فأخرجوه على بقرتين، ووجهوهما إلى بني إسرائيل، فساقتهما ~~الملائكة. # والثاني: أنه كان في برية التيه، خلفه فيها يوشع، ولم يعلموا بمكانه ~~حتى جاءت به الملائكة، قاله قتادة. # وفي كيفية مجيء الملائكة به قولان. # أحدهما: أنها جاءت به بأنفسها، قال وهب: قالوا لنبيهم: اجعل لنا وقتا ~~يأتينا فيه، فقال: الصبح، فلم يناموا ليلتهم، ووافت به الملائكة مع ~~الفجر، فسمعوا حفيف الملائكة ms0198 تحمله بين السماء والأرض. # والثاني: أن الملائكة جاءت به على عجلة وثورين، ذكر عن وهب أيضا. فعلى ~~القول الأول: يكون معنى تحمله: تقله. وعلى الثاني: يكون معنى حملها إياه: ~~تسببها في حمله، قال الزجاج: ويجوز في اللغة أن يقال: حملت الشيء إذا كنت ~~سببا في حمله. # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم } أي: علامة تدل على تمليك طالوت. ~~قال المفسرون: فلما جاءهم التابوت وأقروا له بالملك، تأهب للخروج، ~~فأسرعوا في طاعته، وخرجوا معه، فذلك قوله تعالى. ### || [2.249] # قوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجنود } أي: خرج وشخص. وفي عدد من خرج ~~معه ثلاثة أقوال. أحدها: سبعون ألفا، قاله ابن عباس. والثاني: ثمانون ~~ألفا، قاله عكرمة والسدي. والثالث: مائة ألف، قاله مقاتل. قال: وساروا ~~في حر شديد، فابتلاهم الله بالنهر. والابتلاء: الاختبار. وفي النهر ~~لغتان: إحداهما: تحريك الهاء، وهي قراءة الجمهور، والثاني: تسكينها، وبها ~~قرأ الحسن ومجاهد، وفي هذا النهر قولان. أحدهما: أنه نهر فلسطين قاله ابن ~~عباس والسدي، والثاني: نهر بين الأردن وفلسطين، قاله عكرمة، وقتادة، ~~والربيع بن أنس، ووجه الحكمة في ابتلائهم به أن يعلم طالوت من له نية في ~~القتال منهم ومن ليس له نية. # قوله تعالى: { ليس مني } أي ليس من أصحابي. # قوله تعالى: { إلا من اغترف غرفة } قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، ~~«غرفة» بفتح الغين، وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي بضمها، قال ~~الزجاج: من فتح الغين، أراد المرة الواحدة باليد، ومن ضمها، أراد ملء ~~اليد. وزعم مقاتل أن الغرفة كان يشرب منها الرجل، ودابته، وخدمه ويملأ ~~قربته. وقال بعض المفسرين: لم يرد به غرفة الكف، وإنما أراد المرة ~~الواحدة بقربة أو جرة، أو ما أشبه ذلك. وفي عدد القليل الذين لم يشربوا ~~إلا غرفة قولان. أحدهما: أنهم أربعة آلاف، قاله عكرمة والسدي. والثاني: ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وهو الصحيح، لما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أنه قاله لأصحابه يوم بدر: # " أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقاء جالوت " # وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة ms0199 عشر رجلا. # قوله تعالى: { لا طاقة لنا } أي: لا قوة لنا، قال الزجاج: يقال: أطقت ~~الشيء إطاقة وطاقة، وطوقا، مثل قولك: أطعته إطاعة وطاعة وطوعا. ~~واختلفوا في القائلين لهذا على ثلاثة أقوال أحدها: أنهم الذين شربوا أكثر ~~من غرفة، فإنهم انصرفوا، ولم يشهدوا، وكانوا أهل شك ونفاق، قاله ابن ~~عباس، والسدي. والثاني: أنهم الذين قلت بصائرهم من المؤمنين، قاله الحسن، ~~وقتادة، وابن زيد. والثالث: أنه قول الذين جاوزوا معه، وإنما قال ذلك ~~بعضهم لبعض، لما رأوا من قلتهم، وهذا اختيار الزجاج. # قوله تعالى { قال الذين يظنون } في هذا الظن قولان. أحدهما: أنه بمعنى ~~اليقين، قاله السدي في آخرين. والثاني: أنه الظن الذي هو التردد، فان ~~القوم توهموا لقلة عددهم أنهم سيقتلون فيلقون الله، قاله الزجاج في ~~آخرين. وفي الظانين هذا الظن قولان. أحدهما: أنهم الثلاثمائة والثلاثة ~~عشر، قالوا للراجعين: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، قاله السدي. ~~والثاني: أنهم أولو العزم والفضل من الثلاثمائة والثلاثة عشر. والفئة: ~~الفرقة، قال الزجاج: وإنما قيل لهم: فئة من قولهم: فأوت رأسه بالعصا، ~~وفأيته: إذا شققته. # قوله تعالى: { باذن الله } قال الحسن: بنصر الله. # قوله تعالى: { والله مع الصابرين } أي: بالنصر والإعانة. ### || [2.250] # قوله تعالى: { ولما برزوا } أي: صاروا بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر ~~واستوى. و { أفرغ } بمعنى اصبب { وثبت أقدامنا } أي: قو قلوبنا لتثبيت ~~أقدامنا، وإنما تثبت الأقدام عند قوة القلوب، قال مقاتل: كان جالوت ~~وجنوده يعبدون الأوثان. ### || [2.251] # قوله تعالى: { فهزموهم } أي: كسروهم وردوهم، قال الزجاج: أصل الهزم في ~~اللغة: كسر الشيء، وثني بعضه على بعض، يقال: سقاء منهزم [ومهزم] إذا كان ~~بعضه قد ثني على بعض مع جفاف، وقصب منهزم: قد كسر وشقق، والعرب تقول: ~~هزمت على زيد، أي: عطفت عليه. # قال الشاعر: # هزمت عليك اليوم يا ابنة مالك # فجودي علينا بالنوال وأنعمي # ويقال: سمعت هزمة الرعد، قال الأصمعي: كأنه صوت فيه تشقق. # وداود: هو نبي الله أبو سليمان، وهو اسم أعجمي، وقيل: إن إخوة داود ~~كانوا مع طالوت، ms0200 فمضى داود لينظر إليهم، فنادته أحجار: خذني، فأخذها، ~~وجاء إلى طالوت، فقال: مالي إن قتلت جالوت، فقال: ثلث ملكي، وأنكحك ~~ابنتي، فقتل جالوت. # قوله تعالى: { وآتاه الله الملك } يعني آتى داود ملك طالوت. وفي المراد ~~ب «الحكمة» هاهنا قولان. أحدهما: أنها النبوة، قاله ابن عباس. والثاني: ~~الزبور، قاله مقاتل. قوله تعالى: { وعلمه مما يشاء } فيه ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أنها صنعة الدروع. والثاني: الزبور. والثالث: منطق الطير. # قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } قرأ الجمهور { ~~دفع الله } بغير ألف هاهنا، وفي «الحج» وقرأ نافع، ويعقوب، وأبان { ~~ولولا دفاع } بألف فيهما. قال أبو علي المعنيان متقاربان، قال الشاعر: # ولقد حرصت بأن أدافع عنهم # فاذا المنية أقبلت لا تدفع # وفي معنى الكلام قولان. أحدهما: أن معناه: لولا أن الله يدفع بمن أطاعه ~~عمن عصاه، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت بمن أطاعه، لهلك العصاة بسرعة ~~العقوبة، قاله مجاهد. والثاني: أن معناه، لولا دفع الله المشركين ~~بالمسلمين، لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد، ~~قاله مقاتل: ومعنى: { لفسدت الأرض } لهلك أهلها. ### || [2.252] # قوله تعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك } أي: نقص عليك من أخبار ~~المتقدمين. # { وإنك لمن المرسلين } حكمك حكمهم، فمن صدقك، فسبيله سبيل من صدقهم، ~~ومن عصاك، فسبيله سبيل من عصاهم. # الجزء الثالث { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ~~ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو ~~شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا ~~فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما ~~يريد ### || [2.253] # قوله تعالى: { منهم من كلم الله } يعني: موسى عليه السلام. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو نهيك، وابن السميفع: منهم من كالم الله بألف خفيفة اللام، ~~ونصب اسم «الله». وفي المراد بقوله: { ورفع بعضهم درجات } قولان. أحدهما: ~~عنى بالمرفوع درجات، محمدا صلى الله عليه وسلم، فإنه بعث إلى الناس ~~كافة، وغيره بعث إلى أمته خاصة، هذا ms0201 قول مجاهد. والثاني: أنه عنى تفضيل ~~بعضهم على بعض فيما آتاه الله، هذا قول مقاتل. قال ابن جرير الطبري: ~~والدرجات: جمع درجة، وهي المرتبة، وأصل ذلك: مراقي السلم ودرجه، ثم ~~يستعمل في ارتفاع المنازل والمراتب. وقد تقدم تفسير «البينات» و «روح ~~القدس». # قوله تعالى: { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم } أي: من بعد ~~الأنبياء. وقال قتادة: من بعد موسى وعيسى عليهما السلام. قال مقاتل: وكان ~~بينهما ألف نبي. # قوله تعالى: { ولكن اختلفوا } يعني: الأمم. ### || [2.254] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } هذه الآية تحث ~~على الصدقات، والإنفاق في وجوه الطاعات. وقال الحسن: أراد الزكاة ~~المفروضة. # قوله تعالى: { من قبل أن يأتي يوم } يعني: يوم القيامة { لا بيع فيه } ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } بالنصب من ~~غير تنوين، ومثله في «إبراهيم» { لا بيع فيه } وفي الطور { لا لغو فيها ~~ولا تأثيم } وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي. جميع ذلك ~~بالرفع والتنوين. قال ابن عباس: لا فدية فيه، وقيل: إنما ذكر لفظ البيع ~~لما فيه من المعاوضة، وأخذ البدل. والخلة: الصداقة. وقيل: إنما نفى هذه ~~الأشياء، لأنه عنى عن الكافرين، وهذه الأشياء لا تنفعهم، ولهذا قال: { ~~والكافرون هم الظالمون } ### || [2.255] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } روى مسلم في «صحيحه» # " عن أبي بن كعب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا ~~المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله أعظم» قال: قلت: { الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم }. قال: فضرب صدري، وقال «ليهنك العلم يا أبا المنذر» " # قال: أبو عبيدة: القيوم: الذي لا يزول، لاستقامة وصفه بالوجود، حتى لا ~~يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه. وقال الزجاج: القيوم: القائم: بتدبير ~~أمر الخلق. وقال الخطابي: القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال، وزنه: ~~«فيعول» من القيام، وهو نعت للمبالغة للقيام على الشيء، ويقال: هو القائم ~~على كل شيء بالرعاية، يقال: قمت بالشيء: إذا وليته بالرعاية ms0202 والمصلحة. ~~وفي «القيوم» ثلاث لغات القيوم، وبه قرأ الجمهور، والقيام، وبه قرأ عمر ~~بن الخطاب، وابن مسعود، وابن أبي عبلة، والأعمش، والقيم، وبه قرأ أبو ~~رزين، وعلقمة. وذكر ابن الأنباري أنه كذلك في مصحف ابن مسعود، قال: وأصل ~~القيوم: القيووم: فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن، جعلتا ياء ~~مشددة. وأصل القيام: القوام، قال الفراء: وأهل الحجاز يصرفون الفعال ~~[إلى] الفيعال، فيقولون للصواغ: صياغ. فأما «السنة» فهي: النعاس من غير ~~نوم، ومنه: الوسنان. قال ابن الرقاع: # وكأنها بين النساء أعارها # عينيه أحور من جآذر جاسم # وسنان أقصده النعاس فرنقت # في عينه سنة وليس بنائم # قوله تعالى: { له ما في السموات وما في الأرض } قال بعض العلماء: إنما ~~لم يقل: والأرضين، لأنه قد سبق ذكر الجمع في السموات، فاستغنى بذلك عن ~~إعادته، ومثله { وجعل الظلمات والنور } ولم يقل: الأنوار. # قوله تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } فيه رد على من قال: # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # [الزمر: 3]. # قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ظاهر الكلام يقتضي ~~الإشارة إلى جميع الخلق، وقال مقاتل: المراد بهم الملائكة. وفي المراد { ~~بما بين أيديهم وما خلفهم } ثلاثة أقوال. أحدهما: أن الذي بين أيديهم أمر ~~الآخرة، والذي خلفهم أمر الدنيا، روي عن ابن عباس، وقتادة. والثاني: أن ~~الذي بين أيديهم الدنيا، والذي خلفهم الآخرة، قاله السدي عن أشياخه، ~~ومجاهد، وابن جريج، والحكم بن عتيبة. والثالث: ما بين أيديهم: ما قبل ~~خلقهم، وما خلفهم: ما بعد خلقهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { ولا يحيطون بشيء } قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئا، أو ~~بلغ علمه أقصاه: قد أحاط به. والمراد بالعلم هاهنا المعلوم { وسع كرسيه } ~~أي: احتمل وأطاق. وفي المراد بالكرسي ثلاثة أقوال. أحدها: أنه كرسي فوق ~~السماء السابعة دون العرش، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة " # وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. والثاني: أن المراد بالكرسي علم الله ~~تعالى. رواه ms0203 ابن جبير عن ابن عباس. والثالث: أن الكرسي هو العرش، قاله ~~الحسن. قوله تعالى: { ولا يؤوده } أي: لا يثقله، يقال: آده الشيء يؤوده ~~أودا وإيادا. والأود: الثقل، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والجماعة. ~~والعلي: العالي القاهر، «فعيل» بمعنى «فاعل». وقال الخطابي: وقد يكون من ~~العلو الذي هو مصدر: علا يعلو، فهو عال، كقوله تعالى: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5]. ويكون ذلك من علاء المجد والشرف، يقال منه: علي يعلى علاء، ~~ومعنى العظيم: ذو العظمة والجلال، والعظم في حقه تعالى، منصرف إلى عظم ~~الشأن، وجلال القدر، دون العظم الذي هو من نعوت الأجسام. ### || [2.256] # قوله تعالى: { لا إكراه في الدين } في سبب نزولها أربعة أقوال. أحدها: ~~أن المرأة من نساء الأنصار كانت في الجاهلية إذا لم يعش لها ولد، تحلف: ~~لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت يهود بني النضير، كان فيهم ناس من ~~أبناء الأنصار. فقال الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا، فنزلت هذه الآية. ~~هذا قول ابن عباس. وقال الشعبي: قالت الأنصار: والله لنكرهن أولادنا على ~~الإسلام، فإنا إنما جعلناهم في دين اليهود إذ لم نعلم دينا أفضل منه، ~~فنزلت هذه الآية. والثاني: أن رجلا من الأنصار تنصر لهو ولدان قبل أن ~~يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة، فلزمهما أبوهما، وقال: ~~والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فنزلت هذه الآية. هذا قول مسروق. والثالث: أن ناسا كانوا مسترضعين ~~في اليهود، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بني النضير، قالوا: ~~والله لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم، فمنعهم أهلوهم، وأرادوا إكراههم على ~~الإسلام، فنزلت هذه الآية. والرابع: أن رجلا من الأنصار كان له غلام ~~اسمه صبيح، كان يكرهه على الإسلام، فنزلت هذه الآية. والقولان عن مجاهد. # فصل # واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فذهب قوم إلى أنه ~~محكم، وأنه من العام المخصوص، فإنه خص منه أهل الكتاب بأنهم لا يكرهون ~~على الإسلام، بل يخيرون بينه، وبين أداء الجزية، ms0204 وهذا معنى ما روي عن ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ليس الدين ما ~~تدين به في الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به القلب، وتنطوي عليه ~~الضمائر، إنما الدين هو المنعقد بالقلب. وذهب قوم إلى أنه منسوخ، وقالوا ~~هذه الآية نزلت قبل الأمر بالقتال، فعلى قولهم، يكون منسوخا بآية السيف، ~~وهذا مذهب الضحاك، والسدي، وابن زيد، والدين هاهنا: أريد به الإسلام. ~~والرشد: الحق، والغي: الباطل. وقيل: هو الإيمان والكفر. فاما الطاغوت؛ ~~فهو اسم مأخوذ من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، قال ابن قتيبة: الطاغوت: ~~واحد، وجمع، ومذكر، ومؤنث. قال الله تعالى: { أولياؤهم الطاغوت } وقال: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر: 17]. والمراد بالطاغوت هاهنا خمسة أقوال. أحدها: أنه الشيطان، ~~قاله عمر، وابن عباس، ومجاهد، والشعبي، والسدي، ومقاتل في آخرين. ~~والثاني: أنه الكاهن، قاله سعيد بن جبير، وأبو العالية. والثالث: أنه ~~الساحر، قاله محمد بن سيرين. والرابع: أنه الأصنام، قاله اليزيدي، ~~والزجاج. والخامس: أنه مردة أهل الكتاب، ذكره الزجاج أيضا. # قوله تعالى: { فقد استمسك بالعروة الوثقى } هذا مثل للإيمان، شبه ~~التمسك به بالمتمسك بالعروة الوثيقة. وقال الزجاج: معنى الكلام: فقد عقد ~~لنفسه عقدا وثيقا والانفصام: كسر الشيء من غير إبانة. ### || [2.257] # قوله تعالى: { الله ولي الذين آمنوا } أي: متولي أمورهم، يهديهم، ~~وينصرهم، ويعينهم. والظلمات: الضلالة، والنور: الهدى، والطاغوت: ~~الشياطين، هنا قول ابن عباس، وعكرمة في آخرين. وقال مقاتل: الذين كفروا: ~~هم اليهود، والطاغوت: كعب بن الأشرف. قال الزجاج: والطاغوت هاهنا: واحد ~~في معنى جماعة، وهذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة. ~~قال الشاعر: # بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # أراد جلودها، فان قيل: متى كان المؤمنون في ظلمة؟ ومتى كان الكفار في ~~نور؟ فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: أن عصمة الله للمؤمنين عن مواقعة الضلال، ~~إخراج لهم من ظلام الكفر، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الذي يحيدون به ~~عن الهدى، إخراج لهم من نور الهدى، و «الإخراج» مستعار هاهنا: وقد يقال ~~للممتنع ms0205 من الشيء: خرج منه، وإن لم يكن دخل فيه. قال تعالى: # إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله # [يوسف: 37]. وقال: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر # [النحل: 70]. وقد سبقت شواهد هذا في قوله تعالى: # وإلى الله ترجع الأمور # [البقرة: 210]. والثاني: أن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن يظهر نور ~~لهم، وكفرهم به بعد أن ظهر، خروج إلى الظلمات. والثالث: أنه لما ظهرت ~~معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان المخالف له خارجا من نور قد ~~علمه، والموافق له خارجا من ظلمات الجهل إلى نور العلم. ### || [2.258] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } قد سبق معنى: { ~~ألم تر }. وحاج: بمعنى خاصم، وهو نمروذ في قول الجماعة. قال ابن عباس: ~~ملك الأرض شرقها وغربها؛ مؤمنان، وكافران؛ فالمؤمنان سليمان بن داود، وذو ~~القرنين. والكافران: نمروذ، وبختنصر. قال ابن قتيبة: معنى الآية: حاج ~~إبراهيم، لأن الله آتاه الملك، فأعجب بنفسه [وملكه]. # قوله تعالى: { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } قال بعضهم: هذا ~~جواب سؤال سابق غير مذكور، تقديره: أنه قال له: من ربك؟ فقال: ربي الذي ~~يحيي ويميت. قال نمروذ: أنا أحيي وأميت. قال ابن عباس: يقول: أترك من ~~شئت، وأقتل من شئت. فإن قيل: لم انتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، وعدل عن ~~نصرة الأولى، فالجواب: أن إبراهيم رأى من فساد معارضته أمرا على ضعف ~~فهمه، فإنه عارض اللفظ بمثله، ونسي اختلاف الفعلين، فانتقل إلى حجة أخرى، ~~قصدا لقطع المحاج، لا عجزا عن نصرة الأولى. # قوله تعالى: { فبهت الذي كفر } أي: انقطعت حجته، فتحير، وقرأ أبو رزين ~~العقيلي، وابن السميفع، فبهت، بفتح الباء والهاء. وقرأ أبو الجوزاء، ~~ويحيى بن يعمر، وأبو حيوة: فبهت، بفتح الباء، وضم الهاء. قال الكسائي: ~~ومن العرب من يقول: بهت، وبهت، بكسر الهاء وضمها { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } يعني: الكافرين. قال مقاتل: لا يهديهم إلى الحجة، وعنى بذلك ~~نمروذ. ### || [2.259] # قوله تعالى: { أو كالذي مر على قرية } قال الزجاج: هذا معطوف على معنى ms0206 ~~الكلام الذي قبله، معناه: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على ~~قرية؟. وفي المراد بالقرية قولان. أحدهما: أنها ببيت المقدس لما خربه ~~بختنصر، قاله وهب، وقتادة، والربيع بن أنس. والثاني: أنها التي خرج منها ~~الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد: وفي الذي مر عليها ثلاثة أقوال. أحدها: ~~أنه عزير، قاله علي بن أبي طالب، وأبو العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ~~وناجية بن كعب، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه أرمياء، ~~قاله وهب، ومجاهد، وعبد الله بن عبيد بن عمير. والثالث: أنه رجل كافر شك ~~في البعث، نقل عن مجاهد أيضا. والخاوية: الخالية، قاله الزجاج. وقال ابن ~~قتيبة: الخاوية: الخراب، والعروش: السقوف، وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم ~~تسقط الحيطان عليها { قال أنى يحيي هذه الله } أي: كيف يحييها. فإن قلنا: ~~إن هذا الرجل نبي، فهو كلام من يؤثر أن يرى كيفية الإعادة، أو يستهولها، ~~فيعظم قدرة الله، وإن قلنا: إنه كان رجلا كافرا، فهو كلام شاك، والأول ~~أصح. # قوله تعالى: { فأماته الله مائة عام، ثم بعثه }. # الاشارة الى قصته # روى ناجية بن كعب عن علي رضي الله عنه قال: خرج عزير نبي الله من ~~مدينته، وهو رجل شاب، فمر على قرية، وهي خاوية على عروشها، فقال: أنى ~~يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه، وأول ما خلق ~~الله منه عيناه، فجعل ينظر إلى عظامه ينظم بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحما، ~~ونفخ فيها الروح. قال الحسن: قبضه الله أول النهار، وبعثه آخر النهار بعد ~~مائة سنة. قال مقاتل: ونودي من السماء: كم لبثت؟ قال قتادة: فقال: لبثت ~~يوما، ثم نظر فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم. فهذا يدل على أنه ~~عزير، وقال وهب بن منبه: أقام أرميا بأرض مصر فأوحى الله إليه أن الحق ~~بأرض إيلياء، فركب حماره، وأخذ معه سلة من عنب وتين، ومعه سقاء جديد، فيه ~~ماء، فلما بدا له شخص بيت المقدس وما حوله من القرى [والمساجد] نظر إلى ~~خراب ms0207 لا يوصف [فلما رأى هدم بيت المقدس كالجبل العظيم] قال: أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها؟ ثم نزل منها منزلا، وربط حماره، [وعلق سقاءه] فألقى ~~الله عليه النوم، ونزع روحه مئة عام، فلما مر منها سبعون عاما، أرسل ~~الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس، عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تنفر ~~بقومك، فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود أعمر ما كانت، [فقال ~~الملك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب لهذا العمل، ولما يصلحه من أداة ~~العمل، فأنظره ثلاثة أيام]. # فانتدب ثلاثمئة قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل، وما يصلحه من أداة ~~العمل [فسار إليها قهارمته ومعهم ثلاثمئة ألف عامل] فلما وقعوا في العمل، ~~رد الله روح الحياة في عيني أرميا، وآخر جسده ميت، فنظر إليها تعمر، فلما ~~تمت بعد ثلاثين سنة؛ رد الله إليه الروح، فنظر إلى طعامه وشرابه لم ~~يتسنه ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، ونظر ~~إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير جديدة، وقد أتى على ذلك ريح مائة عام، ~~وبرد مائة عام، وحر مائة عام، لم تتغير ولم تنتقص شيئا، وقد نحل جسم ~~أرميا من البلى، فأنبت الله له لحما جديدا، ونشز عظامه وهو ينظر، فقال ~~له الله: انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية ~~للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال ~~اعلم: أن الله على كل شيء قدير. وزعم مقاتل أن هذه القصة كانت بعد رفع ~~عيسى عليه السلام. # قوله تعالى: { كم لبثت } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم «لبثت» و «لبثتم» ~~في كل القرآن باظهار التاء، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~بالإدغام لبت، قال أبو علي الفارسي: من بين «لبثت»، فلتباين المخرجين، ~~وذلك أن الظاء والذال والثاء من حيز، والطاء والتاء والدال من حيز، فلما ~~تباين المخرجان، واختلف الحيزان، لم يدغم. ومن أدغمها أجراها مجرى ~~المثلين، لاتفاق الحرفين في أنهما من طرف اللسان، وأصول الثنايا، ~~واتفاقهما ms0208 في الهمس ورأى الذي بينهما من الاختلاف يسيرا، فأجراهما مجرى ~~المثلين. فأما طعامه وشرابه، فقال وهب: كان معه مكتل فيه عنب وتين، وقلة ~~فيها ماء. وقال السدي: كان معه تين وعنب، وشرابه من العصير، لم يحمض ~~التين والعنب، ولم يختمر العصير. # قوله تعالى: { لم يتسنه } قرأ ابن كثير ونافع: وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: { يتسنه } و { اقتده } و { ما أغنى عني ماليه } و { سلطانيه } و { ~~وماهيه } باثبات الهاء في الوصل. وكان حمزة يحذفهن في الوصل، ووافقه ~~الكسائي في حذف موضعين { يتسنه } و { اقتده } وكلهم يقف على الهاء. ولم ~~يختلفوا في { كتابيه } و { حسابيه } أنها بالهاء وصلا ووقفا. فأما ~~معنى: { لم يتسنه } ، فقال ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين: لم ~~يتغير. وقال ابن قتيبة: لم يتغير بمر السنين عليه، واللفظ مأخوذ من ~~السنه، يقال: سانهت النخلة: إذا حملت عاما، وحالت عاما. # قوله تعالى: { وانظر إلى حمارك } قال مقاتل: انظر إليه، وقد ابيضت ~~عظامه، وتفرقت أوصاله، فأعاده الله. # قوله تعالى: { ولنجعلك آية للناس } اللام صلة لفعل مضمر تقديره: فعلنا ~~بك ذلك لنريك قدرتنا، ولنجعلك آية للناس، أي: علما على قدرتنا، فأضمر ~~الفعل لبيان معناه. # قال ابن عباس: مات وهو ابن أربعين سنة، وابنه ابن عشرين سنة، ثم بعث وهو ~~ابن أربعين، وابنه ابن عشرين ومائة، ثم أقبل حتى أتى قومه في بيت المقدس، ~~فقال لهم: أنا عزير، فقالوا: حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات بأرض بابل، فقال ~~لهم: أنا هو أرسلني الله إليكم أجدد لكم توراتكم، وكانت قد ذهبت، وليس ~~منهم أحد يقرؤها، فأملاها عليهم. # قوله تعالى: { وانظر إلى العظام } قيل: أراد عظام نفسه، وقيل: عظام ~~حماره، وقيل هما جميعا. # قوله تعالى: { كيف ننشزها } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو { ننشرها } ~~بضم النون الأولى، وكسر الشين وراء مضمومة. ومعناه: نحييها، يقال: أنشر ~~الله الميت، فنشرهم. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ننشزها، بضم ~~النون مع الزاي، وهو من النشز الذي هو الارتفاع. والمعنى: نرفع بعضها إلى ~~بعض للأحياء. وقرأ الأعمش: ننشزها، بفتح النون، ms0209 ورفع الشين مع الزاي وقرأ ~~الحسن، وأبان عن عاصم: ننشرها، بفتح النون مع الراء، كأنه من النشر عن ~~الطي، فكأن الموت طواها، والإحياء نشرها. # قوله تعالى: { فلما تبين له } أي: بان له إحياء الموتى { قال أعلم } قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «أعلم» مقطوعة الألف، ~~مضمومة الميم. والمعنى: قد علمت ما كنت أعلمه غيبا مشاهدة. وقرأ حمزة ~~والكسائي بوصل الألف، وسكون الميم على معنى الأمر، والابتداء، على ~~قراءتهما بكسر الهمزة، وظاهر الكلام أنه أمر من الله له. وقال أبو علي: ~~نزل نفسه منزلة غيره، فأمرها وخاطبها. وقرأ الجعفي عن أبي بكر، قال: ~~«أعلم» بكسر اللام على معنى الأمر بإعلام الغير. ### || [2.260] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى } في سبب سؤاله ~~هذا أربعة أقوال. أحدها: أنه رأى ميتة تمزقها الهوام والسباع، فسأل هذا ~~السؤال، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، ~~وابن جريج، ومقاتل. وما الذي كانت هذه الميتة؟ فيه ثلاثة أقوال. أحدها: ~~كان رجلا ميتا، قاله ابن عباس. والثاني: كان جيفة حمار، قاله ابن جريج، ~~ومقاتل. والثالث: كان حوتا ميتا، قاله ابن زيد. والثاني: أنه لما بشر ~~باتخاذ الله له خليلا، سأل هذا السؤال ليعلم صحة البشارة، ذكره السدي عن ~~ابن مسعود، وابن عباس. وروي عن سعيد بن جبير أنه لما بشر بذلك، قال: ما ~~علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك، ويحيي الموتى بسؤالك، فسأل هذا ~~السؤال. والثالث: أنه سأل ذلك ليزيل عوارض الوسواس، وهو قول عطاء ابن أبي ~~رباح. والرابع: أنه لما نازعه نمرود في إحياء الموتى، سأل ذلك ليرى ما ~~أخبر به عن الله، وهذا قول محمد بن إسحاق. # قوله تعالى: { أو لم تؤمن } أي: أولست قد آمنت أني أحيي الموتى؟ وقال ~~ابن جبير: ألم توقن بالخلة؟ # قوله تعالى: { بلى ولكن ليطمئن قلبي } «اللام» متعلقة بفعل مضمر، ~~تقديره: ولكن سألتك ليطمئن، أو أرني ليطمئن قلبي، ثم في المعنى أربعة ~~أقوال. أحدها: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، قاله ابن ms0210 عباس. والثاني: ~~ليزداد قلبي يقينا، قاله سعيد بن جبير. وقال الحسن: كان إبراهيم موقنا، ~~ولكن ليس الخبر كالمعاينة. والثالث: ليطمئن قلبي بالخلة، روي عن ابن جبير ~~أيضا. والرابع: أنه كان قلبه متعلقا برؤية إحياء الموتى، فأراد: ليطمئن ~~قلبه بالنظر، قاله ابن قتيبة. وقال غيره: كنت نفسه تائقة إلى رؤية ذلك، ~~وطالب الشيء قلق إلى أن يظفر بطلبته، يدل على أنه لم يسأل لشك، أنه قال: ~~{ أرني كيف تحيي الموتى } وما قال: هل تحيي الموتى. # قوله تعالى: { فخذ أربعة من الطير } في الذي أخذ سبعة أقوال. أحدها: ~~أنها الحمامة، والديك، والكركي، والطاووس، رواه عبد الله بن هبيرة، عن ~~ابن عباس. والثاني: أنها الطاووس، والديك، والدجاجة السندية، والأوزة، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. وفي لفظ آخر، رواه الضحاك مكان الدجاجه السندية ~~الرأل، وهو فرخ النعام. والثالث: أنها الشعانين، وكانت قرباهم يومئذ، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: أنها الطاووس، والنسر، والغراب، ~~والديك، نقل عن ابن عباس أيضا. والخامس: أنها الديك، والطاووس، والغراب ~~والحمام، قاله عكرمة، ومجاهد، وعطاء وابن جريج، وابن زيد. والسادس: أنها ~~ديك، وغراب، وبط، وطاووس، رواه ليث عن مجاهد. والسابع: أنها الديك، ~~والبطة، والغراب، والحمامة، قاله مقاتل. وقال عطاء الخراساني: أوحى الله ~~إليه أن خذ بطة وغرابا أسود، وحمامة بيضاء، وديكا أحمر. # قوله تعالى: { فصرهن إليك } قرأ الجمهور بضم الصاد، والمعنى: أملهن ~~إليك، يقال: صرت الشيء فانصار، أي: أملته فمال، وأنشدوا: # الله يعلم أنا في تلفتنا # يوم الفراق إلى جيراننا صور # فمعنى الكلام: اجمعهن إليك. { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } فيه ~~إضمار قطعهن. قال ابن قتيبة: أضمر «قطعهن» واكتفى بقوله: { ثم اجعل على ~~كل جبل منهن جزءا } عن قوله «قطعهن» لأنه يدل عليه، وهذا كما تقول: خذ ~~هذا الثوب، واجعل على كل رمح عندك منه علما. يريد: قطعه، وافعل ذلك، ~~وقرأ أبو جعفر، وحمزة، وخلف، والمفضل، عن عاصم { فصرهن إليك } بكسر ~~الصاد. قال اليزيدي: هما واحد، وقال ابن قتيبة: الكسر والضم لغتان: قال ~~الفراء: أكثر العرب على ms0211 ضم الصاد، وحدثني الكسائي أنه سمع بعض بني سليم ~~يقول: صرته، فأنا أصيره. وروي عن ابن عباس، ووهب، وأبي مالك، وأبي الأسود ~~الدؤلي، والسدي، أن معنى المكسورة الصاد: قطعهن. وروي عن أبي عبيدة أنه ~~قال: معناه بالضم: اجمعهن، وبالكسر: قطعهن. # قوله تعالى: { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } قال الزجاج: معناه: اجعل ~~على كل جبل من كل واحد منهن جزءا، وروى عوف عن الحسن قال: اذبحهن ~~ونتفهن، ثم قطعهن أعضاءا، ثم خلط بينهن جميعا، ثم جزئها أربعة أجزاء، ~~وضع على كل جبل جزءا. ثم تنحى عنهن، فدعاهن، فجعل يعدو كل عضو إلى صاحبه ~~حتى استوين كما كن، ثم أتينه يسعين. وقال قتادة: أمسك رؤوسها بيده، فجعل ~~العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبضعة إلى البضعة، وهو يرى ~~ذلك، ثم دعاهن، قأقبلن على أرجلهن يلقي لكل طائر رأسه. وفي عدد الجبال ~~التي قسمن عليها قولان. أحدهما: أنه قسمهن على أربعة أجبل، قاله ابن ~~عباس، والحسن، وقتادة. وروي عن ابن عباس قال: جعلهن أربعة أجزاء في أرباع ~~الأرض، كأنه يعني جهات الإنسان الأربع. والثاني: أنه قسمهن سبعة أجزاء ~~على سبعة أجبل، قاله ابن جريج، والسدي. # قوله تعالى: { ثم ادعهن يأتينك سعيا } قال ابن قتيبة: يقال: عدوا، ~~ويقال: مشيا على أرجلهن، ولا يقال للطير إذا طار: سعى { واعلم أن الله ~~عزيز } أي: منيع لا يغلب { حكيم } فيما يدبر. ويزعم مقاتل أن هذه القصة ~~جرت لإبراهيم بالشام قبل أن يكون له ولد، وقبل نزول الصحف عليه، وهو ابن ~~خمس وسبعين سنة. ### || [2.261] # قوله تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } حدثنا عن ثعلب ~~أنه قال: إنما المثل -والله أعلم- للنفقة، لا للرجال، ولكن العرب إذا دل ~~المعنى: على ما يريدون، حذفوا، مثل قوله تعالى: { وأشربوا في قلوبهم ~~العجل } فأضمر «الحب»، لأن المعنى معلوم، فكذلك هاهنا. أراد: مثل نفقة ~~الذين ينفقون أموالهم. ونحو هذا قوله تعالى: # ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم # [آل عمران: 18]. يريد: بخل الباخلين: ms0212 فحذف البخل. وفي المراد ب «سبيل ~~الله» قولان. أحدهما: أنه الجهاد. والثاني: أنه جميع أبواب البر. قال أبو ~~سليمان الدمشقي. والآية مردودة على قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا مما رزقناكم } وقد أعلم الله عز وجل بضرب هذا المثل، أن الحسنة في ~~النفقة في سبيله تضاعف بسبعمائة ضعف. وقال الشعبي: نفقة الرجل على نفسه ~~وأهل بيته تضاعف سبعمائة ضعف. قال ابن زيد: { والله يضاعف لمن يشاء } أي: ~~يزيد على السبعمائة. ### || [2.262] # قوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } قال ابن السائب، ~~ومقاتل: نزلت في عثمان بن عفان في نفقته في غزوة تبوك، وشرائه بئر رومة، ~~ركية بالمدينة، تصدق بها على المسلمين. وفي عبد الرحمن بن عوف حين تصدق ~~بأربعة آلاف درهم، وكانت نصف ماله. وأما المن ففيه قولان. أحدها: أنه ~~المن على الفقير، ومثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك، وهو قول الجمهور. ~~والثاني: أنه المن على الله بالصدقة، روي عن ابن عباس. فإن قيل: كيف ~~مدحهم بترك المن، ووصف نفسه بالمنان؟ فالجواب: أنه يقال: من فلان على ~~فلان: إذا أنعم عليه، فهذا الممدوح، قال الشاعر: # فمني علينا بالسلام فإنما # كلامك ياقوت ودر منظم # أراد بالمن: الإنعام. وأما الوجه المذموم، فهو أن يقال: من فلان على ~~فلان: إذا استعظم ما أعطاه، وافتخر بذلك، قال الشاعر في ذلك: # أنلت قليلا ثم أسرعت منة # فنيلك ممنون كذاك قليل # ذكر ذلك أبو بكر الأنباري. وفي الأذى قولان. أحدهما: أنه مواجهة الفقير ~~بما يؤذيه، مثل أن يقول له: أنت أبدا فقير، وقد بليت بك، وأراحني الله ~~منك. والثاني: أن يخبر بإحسانه إلى الفقير، من يكره الفقير إطلاعه على ~~ذلك، وكلا القولين يؤذي الفقير وليس من صفة المخلصين في الصدقة. ولقد ~~حدثنا عن حسان بن أبي سنان أنه كان يشتري أهل بيت الرجل وعياله، ثم ~~يعتقهم جميعا، ولا يتعرف إليهم ولا يخبرهم من هو. ### || [2.263] # قوله تعالى: { قول معروف } أي: قول جميل للفقير، مثل أن يقول له: يوسع ~~الله عليك { ومغفرة } أي: يستر ms0213 على المسلم خلته وفاقته، وقيل: أراد ~~بالمغفرة التجاوز عن السائل إن استطال على المسؤول وقت رده { خير من صدقة ~~يتبعها أذى } وقد سبق بيانه. ### || [2.264] # قوله تعالى: { لا تبطلوا صدقاتكم } أي: لا تبطلوا ثوابها كما تبطل ثواب ~~صدقة المرائي الذي لا يؤمن بالله وهو المنافق { فمثله } أي: مثل نفقته، ~~كمثل صفوان، قال ابن قتيبة: الصفوان: الحجر، والوابل: أشد المطر، والصلد: ~~الأملس. وقال الزجاج: الصفوان: الحجر الأملس، وكذلك الصفا. وقال ثعلب: ~~الصلد: النقي. وروي عن ابن عباس، وقتادة { فتركه صلدا } قالا: ليس عليه ~~شيء. وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته، لا يقدر يوم القيامة على ~~ثواب شيء مما أنفق. ### || [2.265] # قوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله } أي: طلبا ~~لرضاه. وفي معنى التثبيت قولان. أحدهما: أنه الإنفاق على يقين وتصديق، ~~وهذا قول الشعبي، وقتادة، والسدي، في آخرين. والثاني: أنه التثبيت ~~لارتياد محل الإنفاق، فهم ينظرون أين يضعونها، وهذا قول الحسن، ومجاهد، ~~وأبي صالح. # قوله تعالى: { كمثل جنة } الجنة: البستان وقرأ مجاهد، وعاصم الجحدري ~~«حبة» بالحاء، والربوة: ما ارتفع، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي، «بربوة» بضم الراء، وقرأ عاصم، وابن عامر بفتح الراء، ~~وقرأ الحسن والأعمش بكسر الراء، وقرأ ابن عباس، وأبو رزين برباوة، بزيادة ~~ألف، وفتح الراء، وقرأ أبي بن كعب، وعاصم الجحدري كذلك، إلا أنهما ضما ~~الراء، وكذلك خلافهم في «المؤمنين». قال الزجاج: يقال ربوة وربوة ~~وربوة ورباوة. والموضع: المرتفع من الأرض. إذا كان له ما يرويه من ~~الماء، فهو أكثر ريعا من السفل. وقال ابن قتيبة: الربوة الارتفاع، وكل ~~شيء ارتفع وزاد، فقد ربا، ومنه الربا في البيع. # قوله تعالى: { فآتت أكلها } قرأ ابن كثير، ونافع: أكلها. والأكل بسكون ~~الكاف حيث وقع، ووافقهما أبو عمرو، فيما أضيف إلى مؤنث، مثل { أكلها دائم ~~} فأما ما أضيف إلى مذكر مثل: أكله؟ أو كان غير مضاف إلى مكنى: مثل { ~~أكل خمط } فثقله أبو عمرو. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي جميع ~~ذلك مثقلا، وأكلها، أي ثمرها ms0214 { ضعفين } أي: مثلين. فأما «الظل» فقال ابن ~~قتيبة: هو أضعف المطر، وقال الزجاج: هو المطر الدائم، الصغار القطر الذي ~~لا تكاد تسيل منه المثاعب. قال ثعلب: وهذا لفظ مستقبل وهو لأمر ماض، ~~فمعناه: فان لم يكن أصابها وابل فطل. ومعنى هذا المثل: أن صاحب هذه الجنة ~~لا يخيب، فإنها إن أصابها الطل حسنت، وإن أصابها الوابل أضعفت، فكذلك ~~نفقة المؤمن المخلص. والبصير من أسماء الله تعالى، معناه: المبصر. قال ~~الخطابي: وهو فعيل بمعنى مفعل، كقولهم: أليم بمعنى مؤلم. ### || [2.266] # قوله تعالى: { أيود أحدكم } هذه الآية متصلة بقوله تعالى: { لا تبطلوا ~~صدقاتكم } ومعنى: «أيود» أيحب، وإنما ذكر النخيل والأعناب، لأنهما من ~~أنفس ما يكون في البساتين، وخص ذلك بالكبير، لأنه قد يئس من سعي الشباب ~~في اكسابهم. # قوله تعالى: { وله ذرية ضعفاء } أي: ضعاف، وإذا ضعفت الذرية كان أحنى ~~عليهم، وأكثر إشفاقا { فأصابها } يعني: الجنة { إعصار } وهي ريح شديدة، ~~تهب بشدة، فترفع إلى السماء ترابا، كأنه عمود. # قال الشاعر: # إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا # أي: لاقيت أشد منك. فان قيل: كيف جاز في الكلام أن يكون له جنة فأصابها، ~~ولم يقل: فيصيبها؟ أفيجوز أن يقال: أتود أن يصيب مالا، فضاع، والمراد: ~~فيضيع؟ فالجواب: أن ذلك جائز في «وددت»، لأن العرب تلقاها مرة ب «أن»، ~~ومرة ب «لو»، فيقولون: وددت لو ذهبت عنا، ووددت أن تذهب عنا، قاله ~~الفراء، وثعلب. # فصل # وهذه الآية مثل ضربه الله تعالى في الحسرة بسلب النعمة عند شدة ~~الحاجة. وفيمن قصد به ثلاثة أقوال. أحدها: أنه مثل الذي يختم له ~~بالفساد في آخر عمره، قاله ابن عباس. والثاني: أنه مثل للمفرط في طاعة ~~الله تعالى حتى يموت، قاله مجاهد. والثالث: أنه مثل للمرائي في النفقة، ~~ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه، قاله السدي. ### || [2.267] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } في سبب ~~نزولها قولان. أحدهما: أن الأنصار كانوا إذا جذوا النخل، جاء كل رجل ~~بشيء من ذلك فعلقه في المسجد، ms0215 فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان أناس ممن ~~لا يرغب في الخير يجيء أحدهم بالقنو فيه الحشف والشيص، فيعلقه، فنزلت هذه ~~الآية. هذا قول البراء بن عازب. والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أمر بزكاة الفطر، فجاء رجل بتمر رديء، فنزلت هذه الآية. هذا قول جابر بن ~~عبد الله. وفي المراد بهذه النفقة قولان. أحدهما: أنها الصدقة المفروضة، ~~قاله عبيدة السلماني في آخرين. والثاني: أنها التطوع. وفي المراد بالطيب ~~هاهنا: قولان. أحدهما: أنه الجيد الأنفس، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ~~الحلال، قاله أبو معقل في آخرين. # قوله تعالى: { ولا تيمموا } أي: لا تقصدوا. والتيمم في اللغة: القصد. ~~قال ميمون بن قيس الأعشى: # تيممت قيسا وكم دونه # من الأرض من مهمه ذي شزن # وفي الخبيث قولان. أحدهما: أنه الرديء، قاله الأكثرون، وسبب الآية يدل ~~عليه. والثاني: أنه الحرام، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } قال ابن عباس: لو كان ~~بعضكم يطلب من بعض حقا له، ثم قضاه ذلك، ولم يأخذه إلى أن يرى أنه قد ~~أغمض عن بعض حقه. وقال ابن قتيبة: أصل هذا أن يصرف المرء بصره عن الشيء، ~~ويغمضه، فسمي الترخص إغماضا. ومنه قول الناس للبائع: أغمض، أي: لا تشخص، ~~وكن كأنك لا تبصر. وقال غيره: لما كان الرجل إذا رأى ما يكره، أغمض ~~عينيه، لئلا يرى جميع ما يكره؛ جعل التجاوز والمساهلة في كل شيء إغماضا. # قوله تعالى: { واعلموا أن الله غني } قال الزجاج: لم يأمركم بالتصدق عن ~~عوز، لكنه بلا أخباركم، فهو حميد على ذلك. يقال: قد غني زيد، يغنى غنى ~~مقصورا: إذا استغنى، وقد غني القوم: إذا نزلوا في مكان يغنيهم، والمكان ~~الذي ينزلون فيه مغنى. والغواني: النساء، قيل: إنما سمين بذلك، لأنهن ~~غنين بجمالهن، وقيل: بأزواجهن. فأما «الحميد» فقال الخطابي: هو بمعنى ~~المحمود، فعيل بمعنى مفعول. ### || [2.268] # قوله تعالى: { الشيطان يعدكم الفقر } قال الزجاج: يقال: وعدته أعده ~~وعدا وعدة وموعدا وموعدة وموعودا، ويقال: الفقر، والفقر. ومعنى ~~الكلام: يحملكم على أن ms0216 تؤدوا في الصدقات الرديء، يخوفكم الفقر بإعطاء ~~الجيد. ومعنى: يعدكم الفقر، أي: بالفقر، وحذفت الباء. قال الشاعر: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # وفي الفحشاء قولان. أحدهما: البخل. والثاني: المعاصي. قال ابن عباس: ~~والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلا في الرزق. ### || [2.269] # قوله تعالى: { يؤتي الحكمة من يشاء } في المراد بهذه الحكمة أحد عشر ~~قولا. أحدها: أنها القرآن، قاله ابن مسعود، ومجاهد، والضحاك، ومقاتل في ~~آخرين. والثاني: معرفة ناسخ القرآن، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ~~ومؤخره، ونحو ذلك، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: النبوة، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: الفهم في القرآن، قاله أبو العالية، ~~وقتادة، وإبراهيم. والخامس: العلم والفقه، رواه ليث عن مجاهد. والسادس: ~~الإصابة في القول، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والسابع: الورع في دين ~~الله، قاله الحسن. والثامن: الخشية لله، قاله الربيع بن أنس. والتاسع: ~~العقل في الدين، قاله ابن زيد. والعاشر: الفهم، قاله شريك. والحادي عشر: ~~العلم والعمل، لا يسمى الرجل حكيما إلا إذا جمعهما، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { ومن يؤت الحكمة } قرأ يعقوب بكسر تاء «يؤت»، ووقف عليها ~~بهاء. والمعنى: ومن يؤته الله الحكمة. وكذلك هي في قراءة ابن مسعود بهاء ~~بعد التاء. # قوله تعالى: { وما يذكر } قال الزجاج: أي: وما يتفكر فكرا يذكر به ما ~~قص من آيات القرآن إلا ذوو العقول. قال ابن قتيبة: «أولو» بمعنى: ذوو، ~~وواحد «أولو» «ذو»، و«أولات»: «ذات». ### || [2.270] # قوله تعالى: { أو نذرتم من نذر } النذر: ما أوجبه الإنسان على نفسه، ~~وقد يكون مطلقا، ويكون معلقا بشرط { فان الله يعلمه } قال مجاهد: ~~يحصيه، وقال الزجاج: يجازى عليه. وفي المراد بالظالمين هاهنا، قولان. ~~أحدهما: أنهم المشركون، قاله مقاتل. الثاني: المنفقون بالمن والأذى ~~والرياء، والمنذرون في المعصية، قاله أبو سليمان الدمشقي. والأنصار: ~~المانعون. فمعناه: مالهم مانع يمنعهم من عذاب الله. ### || [2.271] # قوله تعالى: { إن تبدوا الصدقات فنعماهي } قال ابن السائب: لما نزل ~~قوله تعالى: { وما أنفقتم من نفقة } قالوا: ms0217 يا رسول الله، صدقة السر ~~أفضل، أم العلانية؟ فنزلت هذه الآية قال الزجاج، يقال: بدا الشيء يبدو: ~~إذا ظهر، وأبديته إبداءا: إذا أظهرته، وبدا لي بداء: إذا تغير رأيي عما ~~كان عليه. # قوله تعالى: { فنعما هي } في «نعم» أربع لغات. «نعم» بفتح النون، وكسر ~~العين، مثل: علم. و «نعم» بكسرها، و «نعم» بفتح النون، وتسكين العين، ~~و«نعم» بكسر النون، وتسكين العين. وأما قوله { فنعما هي } فقرأ نافع في ~~غير رواية «ورش»، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، والمفضل: «فنعما» ~~بكسر النون، والعين ساكنة. وقرأ ابن كثير، وعاصم في رواية حفص، ونافع في ~~رواية «ورش» ويعقوب بكسر النون والعين. وقرأ ابن عامر، وحمزة والكسائي، ~~وخلف: «فنعما» بفتح النون، وكسر العين، وكلهم شددوا الميم. وكذلك خلافهم ~~في سورة النساء. قال الزجاج: «ما» في تأويل الشيء، أي: فنعم الشيء هي. ~~وقال أبو علي: نعم الشيء إبداؤها. وقوله تعالى: { فهو خير لكم } يعني ~~الإخفاء. واتفق العلماء على أن إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها، ~~وفي الفريضة قولان. أحدهما: أن إظهارها أفضل، قاله ابن عباس في آخرين. ~~واختاره القاضي أبو يعلى. وقال الزجاج: كان إخفاء الزكاة على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أحسن، فأما اليوم، فالناس يسيؤون الظن، ~~فاظهارها أحسن. والثاني: إخفاؤها أفضل، قاله الحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي ~~حبيب. وقد حمل أرباب القول الأول الصدقات في الآية على الفريضة، وحملوا { ~~وإن تخفوها } على النافلة، وهذا قول عجيب. وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين. ~~أحدهما: يرجع إلى المعطي، وهو بعده عن الرياء، وقربه من الإخلاص، ~~والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية. والثاني: يرجع إلى المعطى، وهو دفع ~~الذل عنه باخفاء الحال، لأنه في العلانية ينكسر. # قوله تعالى: { ويكفر عنكم من سيئاتكم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وأبو بكر عن عاصم { ونكفر عنك } بالنون والرفع، والمعنى: ونحن نكفر عنكم، ~~ويجوز أن يكون مستأنفا. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: و«نكفر» بالنون ~~وجزم الراء. قال أبو علي: وهذا على حمل الكلام على موضع قوله: { فهو خير ~~لكم ms0218 } لأن قوله: { فهو خير لكم } في موضع جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإن ~~تخفوها يكون أعظم لأجركم لجزم، ومثله # لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن # [المنافقون: 10] حمل قوله. و «أكن»، على موضع «فأصدق». وقرأ ابن عامر: ~~و «يكفر» بالياء والرفع، وكذلك عن حفص عن عاصم على الكناية عن الله عز ~~وجل، وقرأ أبان عن عاصم، و «تكفر» بالتاء المرفوعة، وفتح الفاء مع تسكين ~~الراء. # قوله تعالى: { من سيئاتكم } في «من» قولان. أحدهما: أنها زائدة. ~~والثاني: أنها داخلة للتبعيض. قال أبو سليمان الدمشقي: ووجه الحكمة في ~~ذلك أن يكون العباد على خوف ووجل. ### || [2.272] # قوله تعالى: { ليس عليك هداهم } في سبب نزولها قولان. أحدهما: أن ~~المسلمين كرهوا أن يتصدقوا على أقربائهم من المشركين، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول الجمهور. والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~تتصدقوا إلا على أهل دينكم» فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير. والخير ~~في الآية، أريد به المال، قاله ابن عباس، ومقاتل. ومعنى: { فلأنفسكم } ، ~~أي: فلكم ثوابه. # قوله تعالى: { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } قال الزجاج: هذا خاص ~~للمؤمنين، أعلمهم الله أنه قد علم أن مرادهم ما عنده، وإذا أعلمهم بصحة ~~قصدهم، فقد أعلمهم بالجزاء عليه. # قوله تعالى: { يوف إليكم } أي: توفون أجره ومعنى الآية: ليس عليك أن ~~يهتدوا، فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام، فان تصدقتم عليهم أثبتم. ~~والآية محمولة على صدقة التطوع، إذ لا تجوز أن يعطى الكافر من الصدقة ~~المفروضة شيئا. ### || [2.273] # قوله تعالى: { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله } لما حثهم على ~~الصدقات والنفقات، دلهم على خير من تصدق عليه. وقد تقدم تفسير الإحصار ~~عند قوله # فان أحصرتم # [البقرة:11] وفي المراد ب { الذين أحصروا } أربعة أقوال. أحدها: أنهم ~~أهل الصفة حبسوا أنفسهم على طاعة الله، ولم يكن لهم شيء، قاله ابن عباس، ~~ومقاتل. والثاني: أنهم فقراء المهاجرين، قاله مجاهد. والثالث: أنهم قوم ~~حبسوا أنفسهم على الغزو، فلا يقدرون على الاكتساب، قاله قتادة. والرابع: ~~أنهم قوم أصابتهم جراحات ms0219 مع النبي صلى الله عليه وسلم، فصاروا زمنى، قاله ~~سعيد بن جبير، واختاره الكسائي، وقال: أحصروا من المرض، ولو أراد الحبس، ~~لقال: حصروا، وإنما الإحصار من الخوف، أو المرض. والحصر: الحبس في ~~غيرهما. وفي سبيل الله قولان. أحدهما: أنه الجهاد، والثاني: الطاعة. وفي ~~الضرب في الأرض قولان. أحدهما: أنه الجهاد لم يمكنهم لفقرهم، نقل عن ابن ~~عباس. والثاني: الكسب، قاله قتادة. وفي الذي منعهم من ذلك ثلاثة أقوال. ~~أحدها: الفقر، قاله ابن عباس. والثاني: أمراضهم، قاله ابن جبير، وابن ~~زيد. والثالث: التزامهم بالجهاد، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { يحسبهم الجاهل } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~والكسائي «يحسبهم» و «يحسبن» بكسر السين في جميع القرآن. وقرأ ابن ~~عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر بفتح السين في الكل. قال أبو علي: فتح ~~السين أقيس، لأن الماضي إذا كان على «فعل»، نحو: حسب، كان المضارع على ~~«يفعل»، مثل: فرق يفرق، وشرب يشرب، والكسر حسن لموضع السمع. قال ابن ~~قتيبة: لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل، إنما أراد الجهل الذي هو ضد ~~الخبر، فكأنه قال: يحسبهم من لا يخبر أمرهم. والتعفف: ترك السؤال، ~~يقال: عف عن الشيء وتعفف. والسيما: العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصله ~~من السمة. وفي المراد بسيماهم ثلاثة أقوال. أحدها: تجملهم، قاله ابن ~~عباس. والثاني: خشوعهم، قاله مجاهد. والثالث: أثر الفقر عليهم، قاله ~~السدي والربيع بن أنس، وهذا يدل على أن للسيما حكما يتعلق بها. قال ~~إمامنا أحمد في الميت يوجد في دار الحرب، ولا يعرف أمره: ينظر إلى سيماه، ~~فإن كان عليه سيما الكفار من عدم الختان، حكم له بحكمهم، فلم يدفن في ~~مقابر المسلمين، ولم يصل عليه، وإن كان عليه سيما المسلمين حكم له ~~بحكمهم. وأما الإلحاف، فهو: الإلحاح، قال ابن قتيبة: يقال: ألحف في ~~المسأله: إذا ألح، وقال الزجاج: معنى ألحف: شمل بالمسألة، ومنه اشتقاق ~~اللحاف، لأنه يشمل الإنسان بالتغطية، فإن قيل: فهل كانوا يسألون غير ~~ملحفين؟ فالجواب: أن لا، وإنما معنى الكلام: أنه لم يكن منهم سؤال، ms0220 فيكون ~~إلحاف. # قال الأعشى: # لا يغمز الساق من أين ولا وصب # ولا يعض على شرسوفه الصفر # معناه: ليس بساقه أين ولا وصب، فيغمزها لذلك. قال الفراء: ومثله أن ~~تقول: قلما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلك لم تر قليلا ولا كثيرا من ~~أشباهه، فهم لا يسألون الناس إلحافا، ولا غير إلحاف. وإلى نحو هذا ذهب ~~الزجاج، وابن الأنباري في آخرين. ### || [2.274] # قوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } ~~اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال. أحدها: أنها نزلت في الذين يرتبطون ~~الخيل في سبيل الله عز وجل، رواه حنش الصنعاني عن ابن عباس وهو قول أبي ~~الدرداء، و أبي أمامه، ومكحول، والأوزاعي في آخرين. والثاني: نزلت في علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه كان معه أربعة دراهم، فأنفق في الليل ~~درهما وبالنهار درهما، وفي السر درهما، وفي العلانية درهما، رواه ~~مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وابن السائب، ومقاتل. والثالث: أنها ~~نزلت في علي، وعبد الرحمن بن عوف، فإن عليا بعث بوسق من تمر إلى أهل ~~الصفة ليلا، وبعث عبد الرحمن إليهم بدنانير كثيرة نهارا، رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. ### || [2.275] # قوله تعالى: { الذين يأكلون الربا } الربا: أصله في اللغة: الزيادة، ~~ومنه الربوة والرابية، و أربى فلان على فلان: زاد. وهذا الوعيد يشمل ~~الآكل، والعامل به، و إنما خص الآكل بالذكر، لأنه معظم المقصود. وقد صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه # " لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " # قوله تعالى: { لا يقومون } قال ابن قتيبة أي: يوم البعث من القبور. ~~والمس: الجنون، يقال: رجل ممسوس. فالناس إذا خرجوا من قبورهم أسرعوا كما ~~قال تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج:43] إلا أكله الربا، فانهم يقومون ويسقطون، لأن الله أربى ~~الربا في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإسراع. وقال ~~سعيد بن جبير: تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة. # قوله تعالى: { ذلك } أي: هذا الذي ذكر من عقابهم { بأنهم قالوا: إنما ~~البيع مثل ms0221 الربا } وقيل: إن ثقيفا كانوا أكثر العرب ربا، فلما نهوا ~~عنه؛ قالوا: إنما هو مثل البيع. # قوله تعالى: { فمن جاءه موعظة من ربه } قال الزجاج: كل تأنيث ليس ~~بحقيقي، فتذكيره جائز، ألا ترى أن الوعظ والموعظة معبران عن معنى واحد. # قوله تعالى: { فله ما سلف } أي: ما أكل من الربا. # وفي قوله تعالى: { وأمره إلى الله } قولان. أحدهما: أن «الهاء» ترجع إلى ~~المربي، فتقديره: إن شاء عصمه منه، وإن شاء لم يفعل، قاله سعيد بن ~~جبير، ومقاتل. والثاني: أنها ترجع إلى الربا، فمعناه: يعفو الله عما شاء ~~منه، ويعاقب على ما شاء منه، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { ومن عاد } قال ابن جبير: من عاد إلى الربا مستحلا محتجا ~~بقوله تعالى: { إنما البيع مثل الربا } ### || [2.276-277] # قوله تعالى: { يمحق الله الربا } فيه قولان. أحدهما: أن معنى محقه: ~~تنقيصه واضمحلاله، ومنه: محاق الشهر لنقصان الهلال فيه. روى هذا المعنى ~~أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والثاني: أنه إبطال ما يكون ~~منه من صدقة ونحوها، رواه الضحاك عن ابن عباس. # قوله تعالى: { ويربي الصدقات } قال ابن جبير: يضاعفها. والكفار: ~~الذي يكثر فعل ما يكفر به، والأثيم: المتمادي في ارتكاب الإثم المصر ~~عليه. ### || [2.278] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا } ~~في نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: أنها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ~~ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ~~ثقيف، فلما وضع الله الربا، طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم، فنزلت ~~هذه الآية، والتي بعدها، هذا قول ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في عثمان ~~بن عفان، والعباس، كانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ، قال صاحب ~~التمر: إن أخذتما مالكما، لم يبق لي ولعيالي ما يكفي، فهل لكما أن تأخذا ~~النصف وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما حل الأجل، طلبا الزيادة، فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فنهاهما، فنزلت هذه الآية، ms0222 هذا قول عطاء وعكرمة. ~~والثالث: أنها نزلت في العباس، وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في ~~الجاهلية، وكانا يسلفان في الربا، فجاء الإسلام، ولهما أموال عظيمة في ~~الربا، فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس " # هذا قول السدي. قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: إنما قال: # { ما بقي من الربا } لأن كل ربا كان قد ترك، فلم يبق إلا ربا ثقيف. ~~وقال قوم: الآية محمولة على من أربى قبل إسلامه، وقبض بعضه في كفره، ثم ~~أسلم، فيجب عليه أن يترك ما بقي، ويعفى له عما مضى. فأما المراباة بعد ~~الإسلام، فمردودة فيما قبض، ويسقط ما بقي. ### || [2.279] # قوله تعالى: { فان لم تفعلوا فأذنوا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر { فأذنوا } مقصورة، مفتوحة الذال. وقرأ حمزة، وأبو بكر عن ~~عاصم: «فآذنوا» بمد الألف وكسر الذال. قال الزجاج: من قرأ: فأذنوا، بقصر ~~الألف، وفتح الذال، فالمعنى: أيقنوا. ومن قرأ بمد الألف، وكسر الذال، ~~فمعناه: أعلموا كل من لم يترك الربا أنه حرب. قال ابن عباس: يقال يوم ~~القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. # قوله تعالى: { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } ~~أي: التي أقرضتموها، لا تظلمون، فتأخذون أكثر منها، ولا تظلمون ~~فتنقصون منها، والجمهور على فتح «تاء» تظلمون الأولى، وضم «تاء» تظلمون ~~الثانية. وروى المفضل عن عاصم: ضم الأولى، وفتح الثانية. ### || [2.280] # قوله تعالى: { وإن كان ذو عسرة } ذكر ابن السائب، ومقاتل أنه لما نزل ~~قوله تعالى: { وذروا ما بقي من الربا } قال بنو عمرو بن عمير لبني ~~المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا، وندع لكم الربا، فشكا بنو المغيرة العسرة، ~~فنزلت هذا الآية. فأما العسرة، فهي الفقر، والضيق. والجمهور على تسكين ~~السين، وضمها أبو جعفر هاهنا، وفي { ساعة العسرة } وقرأ الجمهور بفتح سين ~~«الميسرة»، وضمها نافع، وتابعه زيد عن يعقوب على ضم السين، إلا أنه زاد، ~~فكسر الراء، وقلب التاء هاء، ووصلها بباء. قال الزجاج: ms0223 ومعنى وإن كان: ~~وإن وقع. والنظرة: التأخير، فأمرهم بتأخير رأس المال بعد إسقاط الربا إذا ~~كان المطالب معسرا، وأعلمهم أن الصدقة عليه بذلك أفضل بقوله تعالى: { ~~وأن تصدقوا } والأكثرون على تشديد الصاد، وخففها عاصم مع تشديد الدال. ~~وسكنها ابن أبي عبلة مع ضم الدال فجعله من الصدق. ### || [2.281] # قوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } قرأ أبو عمرو بفتح ~~تاء «ترجعون» وضمها الباقون. قاله ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن ~~جبير، وعطية، ومقاتل في آخرين: هذه آخر آية نزلت من القرآن. قال ابن ~~عباس: وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها بأحد وثمانين يوما، ~~وقال ابن جريج: توفي بعدها بتسع ليال. وقال مقاتل: بسبع ليال. قوله ~~تعالى: # { ثم توفى كل نفس ما كسبت } أي: تعطى جزاء ما كسبت. ### || [2.282] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } قال الزجاج: ~~يقال: داينت الرجل إذا عاملته، فأخذت منه بدين، وأعطيته. # قال الشاعر: # داينت أروى والديون تقضى # فماطلت بعضا وأدت بعضا # والمعنى: إذا كان لبعضكم على بعض دين إلى أجل مسمى، فاكتبوه، فأمر الله ~~تعالى بكتابة الدين، وبالإشهاد، حفظا منه للأموال، وللناس من الظلم، لأن ~~من كانت عليه البينة، قل تحديثه لنفسه بالطمع في إذهابه. وقال ابن عباس: ~~نزلت هذه الآية في السلم خاصة. فإن قيل: ما الفائدة في قوله «بدين» و ~~«تداينتم» يكفي عنه؟ فالجواب: إن تداينتم يقع على معنيين. أحدهما: ~~المشاراة والمبايعة والإقراض. والثاني: المجازاة بالأفعال، فالأول يقال ~~فيه: الدين بفتح الدال، والثاني: يقال منه: الدين بكسر الدال. قال تعالى: # يسألون أيان يوم الدين # [الذاريات:12] أي: يوم الجزاء. # وأنشدوا: # .... # ..دناهم كما دانوا # فدل قوله: «بدين» على المراد بقوله «تداينتم» ذكره ابن الأنباري. فأما ~~العدل فهو الحق. قال قتادة: لا تدعن حقا، ولا تزيدن باطلا. # قوله تعالى: { ولا يأب كاتب } أي: لا يمتنع أن يكتب كما علمه الله، وفيه ~~قولان. أحدهما: كما علمه الله الكتابة، قاله سعيد بن جبير. وقال الشعبي: ~~الكتابة فرض على الكفاية كالجهاد. والثاني: كما ms0224 أمره الله به من الحق، ~~قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وليملل الذي عليه الحق } قال سعيد بن جبير: يعني المطلوب، ~~يقول: ليمل ما عليه من حق الطالب على الكاتب، { ولا يبخس منه شيئا } أي: ~~لا ينقص عند الإملاء. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: أمللت أمل، ~~وأمليت أملي لغتان، فأمليت من الإملاء وأمللت من الملل والملال، لأن ~~الممل يطيل قوله على الكاتب ويكرره. # قوله تعالى: { فان كان الذي عليه الحق سفيها } في المراد بالسفيه هاهنا ~~أربعة أقوال. أحدها: أنه الجاهل بالأموال، والجاهل بالإملاء. قاله مجاهد، ~~وابن جبير. والثاني: أنه الصبي والمرأة، قاله الحسن. والثالث: أنه ~~الصغير، قاله الضحاك، والسدي. والرابع: أنه المبذر، قاله القاضي أبو ~~يعلى. وفي المراد بالضعيف ثلاثة أقوال. أحدها: أنه العاجز والأخرس، ومن ~~به حمق، قاله ابن عباس، وابن جبير. والثاني: أنه الأحمق، قاله مجاهد، ~~والسدي. والثالث: أنه الصغير قاله القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: { أو لا يستطيع أن يمل هو } قاله ابن عباس: لا يستطيع ~~لعيه. وقال ابن جبير: لا يحسن أن يمل ما عليه، وقال القاضي أبو يعلى: ~~هو المجنون. # قوله تعالى: { فليملل وليه } في هاء الكناية قولان. أحدها: أنها تعود ~~إلى الحق، فتقديره: فليملل ولي الحق، هذا قول ابن عباس، وابن جبير، ~~والربيع بن أنس، ومقاتل، واختاره ابن قتيبة. والثاني: أنها تعود إلى الذي ~~عليه الحق، وهذا قول الضحاك، وابن زيد، واختاره الزجاج، وعاب قول ~~الأولين، فقال: كيف يقبل قول المدعى؟! وما حاجته إلى الكتاب والإشهاد، ~~والقول قوله؟! وهذا اختيار القاضي أبي يعلى أيضا. # والعدل: الإنصاف. وفي قوله تعالى: { من رجالكم } قولان. أحدهما: أنه ~~يعني الأحرار، قاله مجاهد، والثاني: أهل الإسلام، وهذا اختيار الزجاج، ~~والقاضي أبي يعلى، ويدل عليه أنه خاطب المؤمنين في أول الآية. # قوله تعالى: { فإن لم يكونا رجلين } أراد: فإن لم يكن الشهيدان رجلين { ~~فرجل وامرأتان } ولم يرد به: إن لم يوجد رجلان. # قوله تعالى: { ممن ترضون من الشهداء } قال ابن عباس: من أهل الفضل ~~والدين. قوله تعالى: { أن تضل إحداهما فتذكر ms0225 إحداهما الأخرى } ذكر ~~الزجاج، أن الخليل، وسيبويه، وسائر النحويين الموثوق بعلمهم، قالوا: ~~معناه: استشهدوا امرأتين، لأن تذكر إحداهما الأخرى. ومن أجل أن تذكر ~~إحداهما الأخرى. وقرأ حمزة «إن تضل» بكسر الألف. والضلال هاهنا: النسيان، ~~قاله ابن عباس والضحاك، والسدي والربيع، ومقاتل، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. ~~وأما قوله: «فتذكر» فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بالتخفيف مع نصب الراء، ~~وقرأ حمزة بالرفع مع تشديد الكاف، وقرأ الباقون بالنصب، وتشديد الكاف، ~~فمن شدد أراد الإدكار عند النسيان، وفي قراءة من خفف قولان. أحدهما: ~~أنها بمعنى المشددة أيضا، وهذا قول الجمهور. قال الضحاك، والربيع بن ~~أنس، والسدي: ومعنى القراءتين واحد. والثاني: أنها بمعنى: تجعل شهادتهما ~~بمنزلة شهادة ذكر، وهذا مذهب سفيان بن عيينة، وحكى الأصمعي عن أبي عمرو ~~نحوه، واختاره القاضي أبو يعلى، وقد رده جماعة، منهم ابن قتيبة. قال أبو ~~علي: ليس مذهب ابن عيينة بالقوي، لأنهن لو بلغن ما بلغن، لم تجز شاهدتهن ~~إلا أن يكون معهن رجل، ولأن الضلال هاهنا: النسيان، فينبغي أن يقابل بما ~~يعادله، وهو التذكير. # قوله تعالى: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال قتادة: كان الرجل يطوف ~~في الحواء العظيم، [فيه القوم، فيدعوهم إلى الشهادة] فلا يتبعه منهم ~~أحد، فنزلت هذه الآية. وإلى ماذا يكون هذا الدعاء؟ فيه ثلاثة أقوال. ~~أحدها: إلى تحمل الشهادة، وإثباتها في الكتاب، قاله ابن عباس، وعطية، ~~وقتادة، والربيع. والثاني: إلى إقامتها وأدائها عند الحكام بعد أن تقدمت ~~شهادتهم بها، قاله سعيد بن جبير، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، ~~والشعبي، وأبو مجلز، والضحاك، وابن زيد. ورواه الميموني عن أحمد ابن ~~حنبل. والثالث: إلى تحملها وإلى أدائها، روي عن ابن عباس، والحسن، ~~واختاره الزجاج، قال القاضي أبو يعلى: إنما يلزم الشاهد أن لا يأبى إذا ~~دعي لإقامة الشهادة إذا لم يوجد من يشهد غيره، فأما إن كان قد تحملها ~~جماعة، لم تتعين عليه، وكذلك في حال تحملها، لأنه فرض على الكفاية ~~كالجهاد، فلا يجوز لجميع الناس الامتناع منه. # قوله تعالى: { ولا تسأموا } أي: لا تملوا ms0226 وتضجروا أن تكتبوا القليل ~~والكثير الذي قد جرت العادة بتأجيله إلى أجله، أي: إلى محل أجله { ذلكم ~~أقسط عند الله } أي: أعدل، { وأقوم للشهادة } لأن الكتاب يذكر الشهود ~~جميع ما شهدوا عليه { وأدنى } أي: أقرب { ألا ترتابوا } أي: لا تشكوا { ~~إلا أن تكون } الأموال { تجارة } أي: إلا أن تقع تجارة. # وقرأ عاصم «تجارة» بالنصب على معنى: إلا أن تكون الأموال تجارة حاضرة، ~~وهي البيوع التي يستحق كل واحد منهما على صاحبه تسليم ما عقد عليه من ~~جهته بلا تأجيل، فأباح ترك الكتاب فيها توسعة، لئلا يضيق عليهم أمر ~~تبايعهم في مأكول أو مشروب. # قوله تعالى: { وأشهدوا إذا تبايعتم } الإشهاد مندوب إليه فيما جرت ~~العادة بالإشهاد عليه. # فصل # وهذا الآية تتضمن الأمر باثبات الدين في كتاب، وإثبات شهادة في البيع ~~والدين. واختلف العلماء، هل هذا أمر وجوب، أم على وجه الاستحباب؟ فذهب ~~الجمهور إلى أنه أمر ندب واستحباب فعلى هذا هو محكم، وذهبت طائفة إلى أن ~~الكتاب والإشهاد واجبان، روي عن ابن عمر، وأبي موسى، ومجاهد، وابن سيرين، ~~وعطاء، والضحاك، وأبي قلابة، والحكم، وابن زيد. ثم اختلف هؤلاء، هل هذا ~~الحكم باق، أم منسوخ؟ فذهب أكثرهم إلى أنه محكم غير منسوخ، وذهبت طائفة ~~إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: { فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن ~~أمانته }. # قوله تعالى: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } قرأ أبو جعفر بتخفيف الراء من ~~«يضار» وسكونها. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: لا ~~يضار بأن يدعى وهو مشغول، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، ~~والربيع بن أنس، والفراء، ومقاتل. وقال الربيع: كان أحدهم يجيء إلى ~~الكاتب فيقول: اكتب لي، فيقول: إني مشغول، فيلزمه، ويقول: إنك قد أمرت ~~بالكتابة، فيضاره، ولا يدعه، وهو يجد غيره، وكذلك يفعل الشاهد، فنزلت { ~~ولا يضار كاتب ولا شهيد }. والثاني: أن معناه: النهي للكاتب أن يضار من ~~يكتب له، بأن يكتب غير ما يمل عليه، وللشاهد أن يشهد بما لم يستشهد عليه، ~~هذا قول الحسن، وطاووس، وقتادة، وابن زيد، ms0227 واختاره ابن قتيبة، والزجاج. ~~واحتج الزجاج على صحته بقوله تعالى: { وإن تفعلوا فانه فسوق بكم } قال: ~~ولا يسمى من دعا كاتبا ليكتب، وهو مشغول، أو شاهدا؛ فاسقا، إنما يسمى ~~من حرف الكتاب، أو كذب في الشهادة، فاسقا. والثالث: أن معنى المضارة: ~~امتناع الكاتب أن يكتب، والشهادة أن يشهد، وهذا قول عطاء في آخرين. # قوله تعالى: { وإن تفعلوا } يعني: المضارة. ### || [2.283] # قوله تعالى: { وإن كنتم على سفر } إنما خص السفر، لأن الأغلب عدم ~~الكاتب، والشاهد فيه. ومقصود الكلام: إذا عدمتم التوثق بالكتاب، ~~والإشهاد، فخذوا الرهن. # قوله تعالى: { فرهان } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعبد الوارث { فرهن } ~~بضم الراء والهاء من غير ألف، وأسكن الهاء عبد الوارث. ووجهه التخفيف. ~~وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي { فرهان } بكسر الراء، ~~وفتح الهاء، وإثبات الألف. قال ابن قتيبة: من قرأ { فرهان } أراد: جمع ~~رهن، ومن قرأ { فرهن } أراد: جمع رهان، فكأنه جمع الجمع. # قوله تعالى: { مقبوضة } يدل على أن من شرط لزوم الرهن القبض، وقبض الرهن ~~أخذه من راهنه منقولا، فإن كان مما لا ينقل، كالدور والأرضين، فقبضه ~~تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه. # قوله تعالى: { فإن أمن بعضكم بعضا } أي: فإن وثق رب الدين بأمانة ~~الغريم، فدفع ماله بغير كتاب، ولا شهود، ولا رهن، { فليؤد الذي اؤتمن } ~~وهو المدين { أمانته وليتق الله ربه } أن يخون من ائتمنه. # قوله تعالى: { فإنه آثم قلبه } قال السدي عن أشياخه: فانه فاجر قلبه. ~~قال القاضي أبو يعلى: إنما أضاف الإثم إلى القلب، لأن المآثم تتعلق بعقد ~~القلب، وكتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أدائها. ### || [2.284] # قوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } أما ~~إبداء ما في النفس، فانه العمل بما أضمره العبد، أو النطق، وهذا مما ~~يحاسب عليه العبد، ويؤاخذ به، وأما ما يخفيه في نفسه، فاختلف العلماء في ~~المراد بالمخفي في هذه الآية على قولين. أحدهما: أنه عام في جميع ~~المخفيات، وهو قول الأكثرين. واختلفوا: هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذة، ms0228 ~~أم منسوخ؟ على قولين. أحدهما: أنه منسوخ بقوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] هذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية، ~~والحسن، والشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، ~~والسدي، وابن زيد، ومقاتل. والثاني: أنه ثابت في المؤاخذة على العموم، ~~فيؤاخذ به من يشاء، ويغفره لمن يشاء، وهذا مروي عن ابن عمر، والحسن، ~~واختاره أبو سليمان الدمشقي، والقاضي أبو يعلى. وروى ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس أنه قال: هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله عز وجل إذا جمع الخلائق، ~~يقول لهم: إني مخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، ~~فأما المؤمنون فيخبرهم، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله تعالى: { ~~يحاسبكم به الله } يقول: يخبركم به الله، وأما أهل الشرك والريب، فيخبرهم ~~بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } ~~والأكثرون على تسكين راء «فيغفر» وباء «يعذب» منهم ابن كثير ونافع، وأبو ~~عمرو، وحمزة، والكسائي. وإنما جزموا لإتباع هذا ما قبله، وهو «يحاسبكم» ~~وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم ويعقوب: برفع الراء، والباء فيهما. ~~فهؤلاء قطعوا الكلام عن الأول، قال ابن الأنباري: وقد ذهب قوم إلى أن ~~المحاسبة هاهنا هي إطلاع الله العبد يوم القيامة على ما كان حدث به نفسه ~~في الدنيا، ليعلم أنه لم يعزب عنه شيء. قال: والذي نختاره أن تكون الآية ~~محكمة، لأن النسخ إنما يدخل على الأمر والنهي. وقد روي عن عائشة أنها ~~قالت: أما ما أعلنت، فالله يحاسبك به، وأما ما أخفيت، فما عجلت لك به ~~العقوبة في الدنيا. والقول الثاني: أنه أمر خاص في نوع من المخفيات، ~~ولأرباب هذا القول فيه قولان. أحدهما: أنه كتمان الشهادة، قاله ابن عباس ~~في رواية، وعكرمة، والشعبي. والثاني: أنه الشك واليقين، قاله مجاهد. فعلى ~~هذا المذكور تكون الآية محكمة. ### || [2.285] # قوله تعالى: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه }. روى البخاري ومسلم ~~في «صحيحيهما» من حديث أبي مسعود البدري عن ms0229 النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال # " الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه " # قال أبو بكر النقاش: معناه: كفتاه عن قيام الليل. # وقيل: إنهما نزلتا على سبب، وهو ما روى العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ~~قال: لما أنزل الله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله } اشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [فأتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم جثوا على الركب] فقالوا: قد أنزل عليك هذه الآية ~~ولا نطيقها، فقال: # " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ ~~قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير " # فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها { آمن الرسول }. قال ~~الزجاج: لما ذكر ما تشتمل عليه هذه السورة من القصص والأحكام، ختمها ~~بتصديق نبيه، والمؤمنين. وقرأ ابن عباس { وكتابه } فقيل له في ذلك، فقال: ~~كتاب أكثر من كتب، ذهب به إلى اسم الجنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي ~~الناس. وقد وافق ابن عباس في قراءته حمزة، والكسائي، وخلف، وكذلك في { ~~التحريم } ، وقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر { ~~وكتبه } هاهنا بالجمع، وفي { التحريم } بالتوحيد. وقرأ أبو عمرو بالجمع ~~في الموضعين. # قوله تعالى: { لا نفرق بين أحد من رسله } قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكنى ~~على حرفين، مثل «رسلنا» و «رسلكم» باسكان السين، وثقل ما عدا ذلك. وعنه ~~في قوله تعالى: { على رسلك } روايتان، التخفيف والتثقيل. وقرأ الباقون كل ~~ما في القرآن من هذا الجنس بالتثقيل. ومعنى قوله: { لا نفرق بين أحد من ~~رسله } أي: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. وقرأ ~~يعقوب «لا يفرق» بالياء، وفتح الراء. # قوله تعالى: { غفرانك } أي: نسألك غفرانك. والمصير: المرجع. ### || [2.286] # قوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } الوسع: الطاقة. قاله ابن ~~عباس، وقتادة. ومعناه: لا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته، كتكليف ~~الزمن السعي، والأعمى النظر. فأما تكليف ms0230 ما يستحيل من المكلف، لا لفقد ~~الآلات، فيجوز كتكليف الكافر الذي سبق في العلم القديم أنه لا يؤمن ~~الإيمان، فالآية محمولة على القول الأول. ومن الدليل على ما قلناه قوله ~~تعالى في سياق الآية { ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به } فلو كان تكليف ~~ما لا يطاق ممتنعا، كان السؤال عبثا، وقد أمر الله تعالى نبيه بدعاء ~~قوم قال فيهم: # وان تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا # [الكهف: 57] وقال ابن الأنباري: المعنى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، ~~وان كنا مطيقين له على تجشم، وتحمل مكروه، فخاطب العرب على حسب ما تعقل، ~~فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك، ~~لكنه يثقل عليه، ومثله قوله تعالى: { ما كانوا يستطيعون السمع }. # قوله تعالى: { لها ما كسبت } قال ابن عباس: لها ما كسبت من طاعة { ~~وعليها ما اكتسبت } من معصية. قال أبو بكر النقاش: فقوله: «لها» دليل على ~~الخير، و «عليها» دليل على الشر. وقد ذهب قوم إلى أن «كسبت» لمرة ومرات، ~~و «اكتسبت» لا يكون إلا لشيء بعد شيء، وهما عند آخرين لغتان بمعنى واحد، ~~كقوله عز وجل: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]. # قوله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا } هذا تعليم من الله للخلق أن يقولوا ~~ذلك، قال ابن الأنباري: والمراد بالنسيان هاهنا: الترك مع العمد، لأن ~~النسيان الذي هو بمعنى الغفلة قد أمنت الآثام من جهته. والخطأ أيضا ~~هاهنا من جهة العمد، لا من جهة السهو، يقال: أخطأ الرجل: إذا تعمد، كما ~~يقال: أخطأ إذا غفل. وفي «الإصر» قولان. أحدهما: أنه العهد، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي. والثاني: الثقل أي: لا تثقل علينا من ~~الفروض ما ثقلته على بني اسرائيل، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } فيه خمسة أقوال. أحدهما: ~~أنه ما يصعب ويشق من الأعمال، قاله الضحاك، والسدي، وابن زيد، والجمهور. ~~والثاني: أنه المحبة، رواه الثوري عن منصور عن إبراهيم. والثالث: الغلمة ~~قاله مكحول. والرابع: حديث النفس ms0231 ووساوسها. والخامس: عذاب النار. # قوله تعالى: { أنت مولانا } أي: أنت ولينا { فانصرنا } أي: أعنا. وكان ~~معاذ إذا فرغ من هذه السورة قال: آمين. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-3] # قوله تعالى: { نزل عليك الكتاب } يعني: القرآن { بالحق } يعني: العدل. # { مصدقا لما بين يديه } من الكتب. وقيل: إنما قال في القرآن: «نزل» ~~بالتشديد، وفي التوراة والإنجيل: أنزل، لأن كل واحد منهما أنزل في مرة ~~واحدة، وأنزل القرآن في مرات كثيرة. فأما التوراة، فذكر ابن قتيبة عن ~~الفراء أنه يجعلها من: وري الزند يري: إذا خرجت ناره، وأوريته، يريد ~~أنها ضياء. قال ابن قتيبة: وفيه لغة أخرى: ورى يري، ويقال: وريت بك ~~زنادي. والإنجيل، من نجلت الشيء: إذا أخرجته، وولد الرجل: نجله، كأنه هو ~~استخرجه، يقال: قبح الله ناجليه، أي: والديه، وقيل للماء يقطر من البئر: ~~نجل، يقال: قد استنجل الوادي: [إذا ظهر نزوزه]. وإنجيل: إفعيل من ذلك، ~~كأن الله أظهر به عافيا من الحق دارسا. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: ~~والإنجيل: أعجمي معرب، قال: وقال بعضهم: إن كان عربيا، فاشتقاقه من ~~النجل، وهو ظهور الماء على وجه الارض، واتساعه، ونجلت الشيء: إذا ~~استخرجته وأظهرته، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم وقيل: هو إفعيل من النجل ~~وهو الأصل: فالإنجيل أصل لعلوم وحكم وفي الفرقان هاهنا قولان. أحدهما: ~~أنه القرآن، قاله قتادة، والجمهور. قال أبو عبيدة: سمي القرآن فرقانا، ~~لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر، والثاني: أنه الفصل بين ~~الحق والباطل في أمر عيسى حين اختلفوا فيه، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: وأنزل التوراة، والإنجيل، ~~والفرقان، فيه هدى للناس. ### || [3.4] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا بآيات الله } قال ابن عباس: يريد وفد ~~نجران النصارى، كفروا بالقرآن، وبمحمد. والانتقام: المبالغة في العقوبة. ### || [3.5-6] # قوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } قال ~~أبو سليمان الدمشقي: هذا تعريض بنصارى أهل نجران فيما كانوا ينطوون عليه ~~من كيد النبي صلى الله عليه وسلم وذكر التصوير في ms0232 الأرحام تنبيه على أمر ~~عيسى. ### || [3.7] # قوله تعالى: { منه آيات محكمات } المحكم: المتقن المبين، وفي المراد به ~~هاهنا ثمانية أقوال. أحدها: أنه الناسخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ~~وقتادة، والسدي في آخرين. والثاني: أنه الحلال والحرام، روي عن ابن عباس، ~~ومجاهد. والثالث: أنه ما علم العلماء تأويله. روي عن جابر بن عبد الله. ~~والرابع: أنه الذي لم ينسخ، قاله الضحاك. والخامس: أنه مالم تتكرر ~~ألفاظه، قاله ابن زيد. والسادس: أنه ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، ~~ذكره القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد. وقال الشافعي، وابن الأنباري: هو ~~ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والسابع: أنه جميع القرآن غير ~~الحروف المقطعة. والثامن: أنه الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال ~~والحرام، ذكر هذا والذي قبله القاضي أبو يعلى. وأم الكتاب أصله. قاله ابن ~~عباس، وابن جبير، فكأنه قال: هن أصل الكتاب اللواتي يعمل عليهن في ~~الأحكام، ومجمع الحلال والحرام. وفي المتشابه سبعة أقوال. أحدها: أنه ~~المنسوخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والسدي في آخرين. والثاني: ~~أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن ~~عبد الله. والثالث: أنه الحروف المقطعة كقوله: «ألم» ونحو ذلك، قاله ابن ~~عباس. والرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد. والخامس: أنه ما تكررت ~~ألفاظه، قاله ابن زيد. والسادس: أنه ما احتمل من التأويل وجوها. وقال ~~ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفى على مميز، ~~والمتشابه: الذي تعتوره تأويلات. والسابع: أنه القصص، والأمثال، ذكره ~~القاضي أبو يعلى. فإن قيل: فما فائدة إنزال المتشابه، والمراد بالقرآن ~~البيان والهدى؟ فعنه أربعة أجوبة. أحدها: أنه لما كان كلام العرب على ~~ضربين. أحدهما: الموجز الذي لا يخفى على سامعه، ولا يحتمل غير ظاهره. ~~والثاني: المجاز، والكنايات، والإشارات، والتلويحات، وهذا الضرب الثاني ~~هو المستحلى عند العرب، والبديع في كلامهم، أنزل الله تعالى القرآن على ~~هذين الضربين، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، فكأنه قال: عارضوه بأي ~~الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما واضحا، ms0233 لقالوا: هلا نزل بالضرب ~~المستحسن عندنا. ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية، أو تعريض أو تشبيه، ~~كان أفصح وأغرب. # قال امرؤ القيس: # وما ذرفت عيناك إلا لنضر بي # بسهميك في أعشار قلب مقتل # فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد، ~~وزاد في بلاغته. وقال امرؤ القيس أيضا: # رمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرحيل فلم أننصر # وقال أيضا: # فقلت له لما تمطى بصلبه # وأردف أعجازا وناء بكلكل # فجعل لليل صلبا وصدرا على جهة التشبيه، فحسن بذلك شعره. وقال غيره: # من كميت أجادها طابخاها لم تمت كل موتها في القدور # أراد بالطابخين: الليل والنهار على جهة التشبيه. وقال آخر: # تبكي هاشما في كل فجر # كما تبكي على الفنن الحمام # وقال آخر: # عجبت لها أنى يكون غناؤها # فصيحا ولم تفتح بمنطقها فما # فجعل لها غناء وفما على جهة الاستعارة. والجواب الثاني: أن الله تعالى ~~أنزله مختبرا به عباده، ليقف المؤمن عنده، ويرده إلى عالمه، فيعظم بذلك ~~ثوابه، ويرتاب به المنافق، فيداخله الزيغ، فيستحق بذلك العقوبة، كما ~~ابتلاهم بنهر طالوت. والثالث: أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم ~~بردهم المتشابه إلى المحكم، فيطول بذلك فكرهم، ويتصل بالبحث عنه ~~اهتمامهم، فيثابون على تعبهم، كما يثابون على سائر عباداتهم، ولو جعل ~~القرآن كله محكما لاستوى فيه العالم والجاهل، ولم يفضل العالم على غيره، ~~ولماتت الخواطر، وإنما تقع الفكرة والحيلة مع الحاجة إلى الفهم. وقد قال ~~الحكماء: عيب الغنى: أنه يورث البلادة، وفضل الفقر: أنه يبعث على الحيلة، ~~لأنه إذا احتاج احتال. والرابع: أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني ~~غامضة، ومسائل دقيقة ليحرجوا بها من يعلمون، ويمرنوهم على انتزاع ~~الجواب، لأنهم إذا قدروا على الغامض، كانوا على الواضح أقدر، فلما كان ~~ذلك حسنا عند العلماء، جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على ~~هذا النحو، وهذه الأجوبة معنى ما ذكره ابن قتيبة، وابن الأنباري. # قوله تعالى: { فأما الذين في قلبوهم زيغ } في الزيغ قولان. أحدهما: ms0234 أنه ~~الشك، قاله مجاهد، والسدي. والثاني: أنه الميل، قاله أبو مالك وعن ابن ~~عباس كالقولين. وقيل: هو الميل عن الهدى. وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال. ~~أحدها: أنهم الخوارج، قاله الحسن. والثاني: المنافقون، قاله ابن جريج. ~~والثالث: وفد نجران من النصارى، قاله الربيع. والرابع: اليهود، طلبوا ~~معرفة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { فيتبعون ما تشابه منه } قال ابن عباس: يحيلون المحكم على ~~المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون. وقال السدي: يقولون: ما بال ~~هذه الآية عمل بها كذا وكذا، ثم نسخت؟! وفي المراد بالفتنة هاهنا، ثلاثة ~~أقوال. أحدها: أنها الكفر، قاله السدي، والربيع، ومقاتل، وابن قتيبة. ~~والثاني: الشبهات، قاله مجاهد. والثالث: إفساد ذات البين، قاله الزجاج: ~~وفي التأويل وجهان. أحدهما: أنه التفسير. والثاني: العاقبة المنتظرة. ~~والراسخ: الثابت، يقال: رسخ يرسخ رسوخا. وهل يعلم الراسخون تأويله أم ~~لا؟ فيه قولان. أحدهما: أنهم لا يعلمونه، وأنهم مستأنفون، وقد روى طاووس ~~عن ابن عباس أنه قرأ { ويقول الراسخون في العلم آمنا به } وإلى هذا ~~المعنى ذهب ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعروة، وقتادة، وعمر بن ~~عبد العزيز، والفراء، وأبو عبيدة، وثعلب، وابن الأنباري، والجمهور. قال ~~ابن الأنباري: في قراءة عبد الله { إن تأويله، إلا عند الله والراسخون ~~في العلم } وفي قراءة أبي، وابن عباس { ويقول الراسخون } وقد أنزل الله ~~تعالى في كتابه أشياء، استأثر بعلمها، كقوله تعالى: # قل إنما علمها عند الله # [الأعراف: 187] وقوله تعالى: # وقرونا بين ذلك كثيرا # [الفرقان: 38] فأنزل الله تعالى المجمل، ليؤمن به المؤمن، فيسعد، ويكفر ~~به الكافر، فيشقى. والثاني: أنهم يعلمون، فهم داخلون في الاستثناء. وقد ~~روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله، وهذا قول مجاهد، ~~والربيع، واختاره ابن قتيبة، وأبو سليمان الدمشقي. قال ابن الأنباري: ~~الذي روى هذا القول عن مجاهد ابن أبي نجيح، ولا تصح روايته التفسير عن ~~مجاهد. ### || [3.8-9] # قوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا } أي يقولون: { ربنا لا تمل قلوبنا ~~عن الهدى بعد إذ هديتنا ms0235 } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وابن يعمر، ~~والجحدري «لا تزغ» بفتح التاء «قلوبنا» برفع الباء. ولدنك: بمعنى عندك. ~~والوهاب: الذي يجود بالعطاء من غير استثابة، والمخلوقون لا يملكون أن ~~يهبوا شفاء لسقيم، ولا ولدا لعقيم، والله تعالى قادر على أن يهب جميع ~~الأشياء. ### || [3.10] # قوله تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم } أي: لن تدفع، لأن المال يدفع عن ~~صاحبه في الدنيا، وكذلك الأولاد، فأما في الآخرة، فلا ينفع الكافر ماله، ~~ولا ولده. وقوله تعالى: { من الله } أي: من عذابه. ### || [3.11] # قوله تعالى: { كدأب آل فرعون } في الدأب قولان. أحدهما: أنه العادة، ~~فمعناه: كعادة آل فرعون، يريد: كفر اليهود، ككفر من قبلهم، قاله ابن ~~قتيبة، وقال ابن الأنباري: و «الكاف» في «كدأب» متعلقة بفعل مضمر، كأنه ~~قال: كفرت اليهود، ككفر آل فرعون. والثاني: أنه الاجتهاد، فمعناه: أن دأب ~~هؤلاء، وهو اجتهادهم في كفرهم، وتظاهرهم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~كتظاهر آل فرعون على موسى عليه السلام، قاله الزجاج. ### || [3.12] # قوله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون } قرأ ابن كثير، وعاصم، ~~وأبو عمرو، وابن عامر { ستغلبون وتحشرون } بالتاء و { يرونهم } بالياء، ~~وقرأ نافع ثلاثتهن بالتاء، وقرأهن حمزة. والكسائي بالياء. وفي سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال. أحدها: أن يهود المدينة لما رأوا وقعة بدر، هموا ~~بالإسلام، وقالوا: هذا هو النبي الذي نجده في كتابنا، لا ترد له راية، ~~ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا له وقعة أخرى، فلما كانت أحد، ~~شكوا، وقالوا: ما هو به، ونقضوا عهدا كان بينهم وبين النبي، وانطلق كعب ~~بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة، فقالوا: تكون كلمتنا واحدة، فنزلت ~~هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في قريش قبل ~~وقعة بدر، فحقق الله وعده يوم بدر، روي عن ابن عباس، والضحاك. والثالث: ~~أن أبا سفيان في جماعة من قومه، جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~بعد وقعة بدر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. ### || [3.13] # قوله تعالى: { قد كان لكم ms0236 آية في فئتين التقتا } في المخاطبين بهذا ~~ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم المؤمنون، روي عن ابن مسعود، والحسن. والثاني: ~~الكفار، فيكون معطوفا على الذي قبله، وهو يتخرج على قول ابن عباس الذي ~~ذكرناه آنفا. والثالث: أنهم اليهود، ذكره الفراء، وابن الأنباري، وابن ~~جرير. فإن قيل: لم قال { قد كان لكم } ولم يقل: قد كانت لكم؟ فالجواب من ~~وجهين. أحدهما: أن ما ليس بمؤنث حقيقي، يجوز تذكيره. والثاني: أنه رد ~~المعنى إلى البيان، فمعناه: قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى، وترك ~~اللفظ، وأنشدوا: # إن امرءا غره منكن واحدة # بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور # وقد سبق معنى «الآية» و «الفئة»، وكل مشكل تركت شرحه، فإنك تجده فيما ~~سبق، والمراد بالفئتين: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومشركو قريش ~~يوم بدر. قاله قتادة والجماعة. وفي قوله تعالى: { يرونهم مثليهم } قولان. ~~أحدهما: يرونهم ثلاثة أمثالهم، قاله الفراء، واحتج بأنك إذا قلت: عندي ~~ألف دينار، وأحتاج إلى مثليه، فانك تحتاج إلى ثلاثة آلاف. والثاني: أن ~~معناه يرونهم ومثلهم، قال الزجاج: وهو الصحيح. # قوله تعالى: { رأي العين } أي: في رأي العين. قال ابن جرير: جاء هذا على ~~مصدر رأيته، يقال: رأيته رأيا، ورؤية. واختلفوا في الفئة الرائية على ~~ثلاثة أقوال، هي التي ذكرناها في قوله تعالى: { قد كان لكم آية } فان ~~قلنا: إن الفئة الرائية المسلمون، فوجهه أن المشركين كانوا يضعفون على ~~عدد المسلمين، فرأوهم على ما هم عليه، ثم نصرهم الله، وكذلك إن قلنا: ~~إنهم اليهود. وإن قلنا: إنهم المشركون، فتكثير المسلمين في أعينهم من ~~أسباب النصر. وقد قرأ نافع: «ترونهم» بالتاء. قال ابن الأنباري: ذهب إلى ~~أن الخطاب لليهود. قال الفراء: ويجوز لمن قرأ «يرونهم» بالياء أن يجعل ~~الفعل لليهود، وإن كان قد خاطبهم في قوله تعالى: { قد كان لكم آية } لأن ~~العرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب. وقد شرحنا هذا ~~في «الفاتحة» وغيرها. فإن قيل: كيف يقال: إن المشركين استكثروا المسلمين، ~~وإن المسلمين استكثروا المشركين، وقد بين قوله تعالى: ms0237 # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم # [الأنفال:44] أن الفئتين تساوتا في استقلال إحداهما للأخرى؟ فالجواب: ~~أنهم استكثروهم في حال، واستقلوهم في حال، فإن قلنا: إن الفئة الرائية ~~المسلمون، فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ماهم عليه، ثم ~~قلل الله المشركين في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فنصرهم الله بذلك السبب. ~~قال ابن مسعود: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا ~~إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا. وقال في رواية اخرى: لقد ~~قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة، ~~فأسرنا منهم رجلا، فقلت: كم كنتم؟ قال: ألفا. # وإن قلنا: إن الفئة الرائية المشركون، فإنهم استقلوا المسلمين في حال، ~~فاجترؤوا عليهم، واستكثروهم في حال، فكان ذلك سبب خذلانهم، وقد نقل أن ~~المشركين لما أسروا يومئذ، قالوا للمسلمين: كم كنتم؟ قالوا: كنا ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر. قالوا: ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا. # قوله تعالى: { والله يؤيد } أي: يقوي { إن في ذلك } في الإشارة قولان. ~~أحدهما: أنها ترجع إلى النصر. والثاني: إلى رؤية الجيش مثليهم، والعبرة: ~~الدلالة الموصلة إلى اليقين، المؤدية إلى العلم، وهي من العبور، كأنه ~~طريق يعبر به، ويتوصل به إلى المراد. وقيل: العبرة: الآية التي يعبر ~~منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم. والأبصار: العقول والبصائر. ### || [3.14] # قوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات } قرأ أبو رزين العقيلي، وأبو ~~رجاء العطاردي، ومجاهد، وابن محيصن «زين» بفتح الزاي «حب» بنصب الباء، ~~وقد سبق في «البقرة» بيان التزيين. والقناطير: جمع قنطار، قال ابن دريد: ~~ليست النون فيه أصلية، وأحسب أنه معرب. واختلف العلماء: هل هو محدود أم ~~لا؟ فيه قولان. أحدهما: أنه محدود، ثم فيه أحد عشر قولا. أحدها: أنه ألف ~~ومئتا أوقية، رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال معاذ ~~بن جبل، وابن عمر، وعاصم بن أبي النجود، والحسن في رواية. والثاني: أنه ~~اثنا عشر ألف أوقية، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ms0238 وسلم. وعن ~~أبي هريرة كالقولين، وفي رواية عن أبي هريرة أيضا: اثنا عشر أوقية. ~~والثالث أنه ألف ومئتا دينار، ذكره الحسن ورواه العوفي عن ابن عباس. ~~والرابع: أنه اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وروي عن الحسن، والضحاك، كهذا القول، والذي قبله. والخامس: أنه ~~سبعون ألف دينار، روي عن ابن عمر، ومجاهد. والسادس: ثمانون ألف درهم، أو ~~مئة رطل من الذهب، روي عن سعيد بن المسيب، وقتادة. والسابع: أنه سبعة ~~آلاف دينار، قاله عطاء. والثامن: ثمانية آلاف مثقال، قاله السدي. ~~والتاسع: أنه ألف مثقال ذهب أو فضة، قاله الكلبي. والعاشر: أنه ملء مسك ~~ثور ذهبا، قاله أبو نضرة، وأبو عبيدة. والحادي عشر: القنطار: رطل من ~~الذهب، أو الفضة، حكاه ابن الأنباري. والقول الثاني: أن القنطار ليس ~~بمحدود. وقال الربيع بن أنس: القنطار: المال الكثير، بعضه على بعض، وروي ~~عن أبي عبيدة أنه ذكر عن العرب أن القنطار وزن لا يحد، وهذا اختيار ابن ~~جرير الطبري. قاله ابن الأنباري: قال بعض اللغويين: القنطار: العقدة ~~الوثيقة المحكمة من المال. وفي معنى المقنطرة ثلاثة أقوال. أحدهما: أنها ~~المضعفة، قال ابن عباس: القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة، وهذا قول ~~الفراء. والثاني: أنها المكملة، كما تقول: بدرة مبدرة. وألف مؤلفة، ~~وهذا قول ابن قتيبة. والثالث: أنها المضروبة حتى صارت دنانير ودراهم، ~~قاله السدي. وفي المسومة ثلاثة أقوال. أحدها: أنها الراعية، رواه العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد في رواية، والضحاك، والسدي، ~~والربيع، ومقاتل. قال ابن قتيبة: يقال: سامت الخيل، وهي سائمة: إذا رعت، ~~وأسمتها وهي مسامة، وسومتها فهي مسومة: إذا رعيتها والمسومة في غير ~~هذا: المعلمة في الحرب بالسومة وبالسيماء، أي: بالعلامة. والثاني: أنها ~~المعلمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره الزجاج، ~~وعن الحسن كالقولين. وفي معنى المعلمة ثلاثة أقوال. أحدها: أنها معلمة ~~بالشية، وهو اللون الذي يخالف سائر لونها، روي عن قتادة. والثاني: بالكي، ~~روي عن المؤرج. والثالث: ms0239 أنها البلق، قاله ابن كيسان. والثالث: أنها ~~الحسان، قاله ابن عكرمة، ومجاهد. فأما الأنعام، فقال ابن قتيبة: هي: ~~الإبل، والبقر، والغنم، واحدها. نعم، وهو جمع لا واحد له من لفظه. ~~والمآب: المرجع. وهذه الأشياء المذكورة قد تحسن نية العبد بالتلبس بها، ~~فيثاب عليها، وإنما يتوجه الذم إلى سوء القصد فيها وبها. ### || [3.15] # قوله تعالى: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } روى عطاء بن السائب عن أبي بكر ~~بن حفص قال: لما نزل قوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات }. قال عمر: ~~يارب الآن حين زينتها؟! فنزلت: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } ووجه الآية ~~أنه خبر أن ما عنده خير مما في الدنيا، وإن كان محبوبا، ليتركوا ما ~~يحبون لما يرجون. فأما الرضوان، فقرأ عاصم، إلا حفصا وأبان بن يزيد عنه، ~~برفع الراء في جميع القرآن، واستثنى يحيى والعليمي كسر الراء في المائدة ~~في قوله تعالى: # من اتبع رضوانه # [المائدة: 16]. وقرأ الباقون بكسر الراء، والكسر لغة قريش. قال الزجاج: ~~يقال رضيت الشيء أرضاه رضى ومرضاة ورضوانا ورضوانا. { والله بصير ~~بالعباد }. يعلم من يؤثر ما عنده ممن يؤثر شهوات الدنيا، فهو يجازيهم على ~~أعمالهم. ### || [3.16-17] # قوله تعالى: { الصابرين } أي: على طاعة الله عز وجل، وعن محارمه { ~~والصادقين } في عقائدهم وأقوالهم { والقانتين } بمعنى المطيعين لله { ~~والمنفقين } في طاعته. وقال ابن قتيبة يعني: بالنفقة الصدقة. وفي معنى ~~استغفارهم قولان. أحدهما: أنه الاستغفار المعروف باللسان، قاله ابن ~~مسعود، والحسن في آخرين. والثاني: أنه الصلاة. قاله مجاهد، وقتادة، ~~والضحاك، ومقاتل في آخرين. فعلى هذا إنما سميت الصلاة استغفارا، لأنهم ~~طلبوا بها المغفرة. فأما السحر فقال إبراهيم بن السري: السحر: الوقت الذي ~~قبل طلوع الفجر، وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر، فوصفهم الله بهذه ~~الطاعات ثم وصفهم بأنهم لشدة خوفهم يستغفرون. ### || [3.18] # قوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو } سبب نزول هذه الآية أن ~~حبرين من أحبار الشام قدما النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أبصرا ~~المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة ms0240 النبي الذي ~~يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم، عرفاه ~~بالصفة، فقالا: أنت محمد؟ قال: «نعم». قالا: وأحمد؟ قال: «نعم». قالا: ~~نسألك عن شهادة، فان أخبرتنا بها، آمنا بك، وصدقناك فقال: «سلاني». ~~فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله، فنزلت هذه الآية، فأسلما، ~~قاله ابن السائب، وقال غيره: هذه الآية رد على نصارى نجران فيما ادعوا في ~~عيسى عليه السلام، وقد سبق ذكر خبرهم في أول السورة، وقال سعيد بن جبير، ~~كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، وكان لكل حي من العرب صنم أو ~~صنمان، فلما نزلت هذا الآية، خرت الأصنام سجدا. وفي معنى { شهد الله } ~~قولان. أحدهما: أنه بمعنى قضى وحكم، قاله مجاهد، والفراء، وأبو عبيدة. ~~والثاني: بمعنى بين، قاله ثعلب والزجاج، قال ابن كيسان: شهد الله ~~بتدبيره العجيب، وأموره المحكمات عند خلقه، أنه لا إله إلا هو، وسئل بعض ~~الأعراب: ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال إن البعرة تدل على البعير، ~~وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه ~~الكثافة، أما يدلان على الصانع الخبير؟! وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، ~~وابن السميفع، وعاصم الجحدري، { شهداء الله } بضم «الشين»، وفتح «الهاء ~~والدال» وبهمزة مرفوعة بعد المد، وخفض «الهاء» من اسم الله تعالى { ~~قائما بالقسط } أي: بالعدل. قال جعفر الصادق: وإنما كرر { لا إله إلا ~~هو } لأن الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، أي: قولوا: لا إله إلا ~~هو. ### || [3.19] # قوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام } الجمهور على كسر «إن» إلا ~~الكسائي، فإنه فتح «الألف»، وهي قراءة ابن مسعود، وابن عباس، وأبي رزين، ~~وأبي العالية، وقتادة. قال أبو سليمان الدمشقي: لما ادعت اليهود أنه لا ~~دين أفضل من اليهودية، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية، نزلت ~~هذه الآية. قال الزجاج: الدين: اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم ~~بالإقامة عليه، وأن يكون عادتهم، وبه يجزيهم. وقال شيخنا علي بن عبيد ~~الله: الدين: ما التزمه العبد ms0241 لله عز وجل. قال ابن قتيبة، والإسلام ~~الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ومثله الاستسلام، يقال: سلم ~~فلان لأمرك، واستسلم، وأسلم، كما تقول: أشتى الرجل، أي: دخل في الشتاء، ~~وأربع: دخل في الربيع. وفي الذين أوتوا الكتاب ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم ~~اليهود، قاله الربيع. والثاني: أنهم النصارى، قاله محمد بن جعفر بن ~~الزبير. والثالث: أنهم اليهود، والنصارى، قاله ابن السائب. وقيل: الكتاب ~~هاهنا: اسم جنس بمعنى الكتب. وفي الذين اختلفوا فيه أربعة أقوال. أحدها: ~~دينهم. والثاني: أمر عيسى. والثالث: دين الإسلام، وقد عرفوا صحته. ~~والرابع: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عرفوا صفته. قوله تعالى: { ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم } أي: الإيضاح لما اختلفوا فيه { بغيا بينهم ~~} قال الزجاج: معناه: اختلفوا للبغي، لا لقصد البرهان، وقد ذكرنا في ~~«البقرة» معنى: سريع الحساب. ### || [3.20] # قوله تعالى: { فان حاجوك } أي: جادلوك، وخاصموك. قال مقاتل: يعني ~~اليهود، وقال ابن جرير: يعني نصارى نجران في أمر عيسى، وقال غيرهما: ~~اليهود والنصارى. { فقل أسلمت وجهي لله } قال الفراء: معناه: أخلصت عملي، ~~وقال الزجاج: قصدت بعبادتي إلى الله. # قوله تعالى: { ومن اتبعن } أثبت الياء في الوصل دون الوقف أهل المدينة ~~والبصرة، وابن شنبوذ عن قنبل، ووقف ابن شنبوذ ويعقوب بياء. قال الزجاج: ~~والأحب إلى اتباع المصحف. وما حذف من الياءات في مثل قوله تعالى: { ~~ومن اتبعن } و { لئن أخرتن } و { ربي أكرمن } و { ربي أهانن }. فهو على ~~ضربين. أحدهما: ما كان مع النون، فإن كان رأس آية، فأهل اللغة يجيزون حذف ~~الياء، ويسمون أواخر الآي الفواصل، كما أجازوا ذلك في الشعر. # قال الأعشى: # ومن شانىء كاسف باله # إذا ما انتسبت له أنكرن # وهل يمنعني ارتيادي البلا # د من حذر الموت أن يأتين # فأما إذا لم يكن آخر آية أو قافية، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد ~~أيضا، خاصة مع النونات، لأن أصل «اتبعني» «اتبعي» ولكن «النون» زيدت ~~لتسلم فتحة العين، فالكسرة مع النون تنوب عن الياء، فأما إذا لم تكن ~~النون، نحو غلامي وصاحبي، ms0242 فالأجود إثباتها، وحذفها عند عدم النون جائز ~~على قلته، تقول: هذا غلام، قد جاء غلامي، وغلامي بفتح الياء وإسكانها، ~~فجاز الحذف، لأن الكسرة تدل عليها. # قوله تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتاب } يريد اليهود والنصارى { ~~والأميين } بمعنى مشركي العرب، وقد سبق في البقرة شرح هذا الاسم. # قوله تعالى: { ءأسلمتم } قال الفراء: هو استفهام ومعناه الأمر، كقوله ~~تعالى # فهل أنتم منتهون # [المائدة 91]. # فصل # اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، ~~وأن المراد بها تسكين نفس النبي صلى الله عليه وسلم عند امتناع من لم ~~يجبه، لأنه كان يحرص على إيمانهم، ويتألم من تركهم الإجابة. وذهبت طائفة ~~إلى أن المراد بها الاقتصار على التبليغ، وهذا منسوخ بآيه السيف. ### || [3.21-22] # قوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله } قال أبو سليمان الدمشقي: ~~عنى بذلك اليهود والنصارى. قال ابن عباس: والمراد بآيات الله محمد ~~والقرآن. وقد تقدم في «البقرة» شرح قتلهم الأنبياء، والقسط، والعدل. وقرأ ~~الجمهور { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } وقرأ حمزة «ويقاتلون» بألف. ~~وروى أبو عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، ~~فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني اسرائيل، فأمروا من قتلهم ~~بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا في آخر النهار، فهم الذين ~~ذكرهم الله في كتابه " # وأنزل الآية فيهم. وإنما وبخ بهذا اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنهم تولوا أولئك، ورضوا بفعلهم { فبشرهم } بمعنى: ~~أخبرهم، وقد تقدم شرحه في «البقرة» ومعنى حبطت: بطلت. ### || [3.23] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } في سبب نزولها ~~أربعة أقوال. أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على ~~جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله فقال رجلان منهم: على أي دين أنت؟ فقال ~~على ملة إبراهيم، قالا: فإنه كان يهوديا. قال: فهلموا إلى التوراة، ~~فأبيا عليه، فنزلت هذه الآية. رواه سعيد بن جبير، عن ابن ms0243 عباس. والثاني: ~~أن رجلا من اليهود، وامرأة زنيا، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فرفعوا أمرهما ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رجاء أن يكون عنده رخصة، فحكم عليها ~~بالرجم، فقالوا: جرت علينا يا محمد، ليس علينا الرجم. فقال: بيني وبينكم ~~التوراة، فجاء ابن صوريا، فقرأ من التوراة، فلما أتى على آية الرجم، وضع ~~كفه عليها، وقرأ ما بعدها، فقال ابن سلام: قد جاوزها، ثم قام، فقرأها، ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، باليهوديين، فرجما، فغضب اليهود. ~~فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا اليهود إلى الإسلام، فقال: نعمان بن أبي أوفى: هلم نحاكمك ~~إلى الأحبار. فقال: بل إلى كتاب الله، فقال: بل إلى الأحبار، فنزلت هذه ~~الآية، قاله السدي. والرابع: أنها نزلت في جماعة من اليهود، دعاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقالوا: نحن أحق بالهدى منك، وما أرسل ~~الله نبيا إلا من بني اسرائيل. قال: فأخرجوا التوراة، فإني مكتوب فيها ~~أني نبي، فأبوا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن سليمان. # فأما التفسير: فالنصيب الذي أوتوه: العلم الذي علموه من التوراة. وفي ~~الكتاب الذي دعوا إليه قولان. أحدهما: أنه التوراة، رواه عكرمة، عن ابن ~~عباس، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه القرآن، رواه أبو صالح، عن ابن ~~عباس، وهو قول الحسن، وقتادة. وفي الذي أريد أن يحكم الكتاب بينهم فيه ~~أربعة أقوال. أحدها: ملة إبراهيم. والثاني: حد الزنى. رويا عن ابن عباس. ~~والثالث: صحة دين الإسلام، قاله السدي. والرابع: صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قاله مقاتل. فان قيل: التولي هو الإعراض، فما فائدة تكريره؟ ~~فالجواب من أربعة أوجه. أحدها: التأكيد. والثاني: أن يكون المعنى: يتولون ~~عن الداعي، ويعرضون عما دعا إليه. والثالث: يتولون بأبدانهم، ويعرضون عن ~~الحق بقلوبهم. والرابع: أن يكون الذين تولوا علماءهم، والذين أعرضوا ~~أتباعهم، قاله ابن الأنباري. ### || [3.24] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا } يعني: الذي حملهم على التولي والإعراض ~~أنهم قالوا: { لن تمسنا النار إلا ms0244 أياما معدودات } وقد ذكرناها في ~~«البقرة». و { يفترون } يختلقون وفي الذي اختلقوه قولان. أحدهما: أنه ~~قولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات، قاله مجاهد، والزجاج. ~~والثاني: قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، قاله قتادة: ومقاتل. ### || [3.25] # قوله تعالى: { فكيف إذا جمعناهم } معناه: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم، ~~{ ليوم } أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم. وقيل «اللام» بمعنى: «في». ### || [3.26] # قوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما فتح مكة، ووعد أمته ملك فارس والروم، ~~قال المنافقون واليهود: هيهات، فنزلت هذه الآية. قاله ابن عباس، وأنس بن ~~مالك، والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، سأل ربه أن يجعل ملك فارس ~~والروم في أمته، فنزلت هذه الآية. حكاه قتادة. والثالث: أن اليهود قالوا: ~~والله لا نطيع رجلا جاء ينقل النبوة من بني اسرائيل إلى غيرهم، فنزلت ~~هذه الآية، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما التفسير، فقال الزجاج: قال ~~الخليل، وسيبويه، وجميع النحويين الموثوق بعلمهم: «اللهم» بمعنى «يا ~~الله»، و «الميم» المشددة زيدت عوضا من «يا»، لأنهم لم يجدوا «يا» مع ~~هذه «الميم» في كلمة، ووجدوا اسم الله عز وجل مستعملا ب «يا» إذا لم ~~تذكر الميم، فعلموا أن الميم في آخر الكلمة بمنزلة «يا» في أولها والضمة ~~التي في «الهاء» هي ضمة الاسم المنادى المفرد. قال أبو سليمان الخطابي: ~~ومعنى: «مالك الملك»: أنه بيده، يؤتيه من يشاء، قال: وقد يكون معناه، ~~مالك الملوك، ويحتمل أن يكون معناه: وارث الملك يوم لا يدعيه مدع كقوله ~~تعالى: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان:26]. # قوله تعالى: { تؤتي الملك من تشاء } في هذا الملك قولان. أحدهما: أنه ~~النبوة، قاله ابن جبير، ومجاهد. والثاني: أنه المال، والعبيد، والحفدة، ~~ذكره الزجاج. وقال مقاتل: تؤتي الملك من تشاء، يعني: محمدا وأمته، وتنزع ~~الملك ممن تشاء، يعني فارس والروم. { وتعز من تشاء } محمدا وأمته { ~~وتذل من تشاء } فارس والروم. وبماذا يكون هذا العز والذل؟ فيه ثلاثة ~~أقوال. أحدها: العز بالنصر، والذل ms0245 بالقهر. والثاني: العز بالغنى، والذل ~~بالفقر، والثالث: العز بالطاعة، والذل بالمعصية. # قوله تعالى: { بيدك الخير } قال ابن عباس: يعني النصر والغنيمة، وقيل: ~~معناه بيدك الخير والشر، فاكتفى بأحدهما، لأنه المرغوب فيه. ### || [3.27] # قوله تعالى: { تولج الليل في النهار } أي: تدخل ما نقصت من هذا في هذا. ~~وقال ابن عباس، ومجاهد: ما ينقص من أحدهما يدخل في الآخر. قال الزجاج: ~~يقال: ولج الشيء يلج ولوجا وولجا وولجة. # قوله تعالى: { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبوبكر عن عاصم، { وتخرج الحي من الميت ~~وتخرج الميت من الحي } و # لبلد ميت # [الأعراف: 57]. و # أو من كان ميتا # [الأنعام: 122]. و # وإن يكن ميتة # [الأنعام: 139]، و # الأرض الميتة # [يس: 33]. كله بالتخفيف. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: { وتخرج الحي من ~~الميت وتخرج الميت من الحي } و { لبلد ميت } و { إلى بلد ميت } ~~وخفف حمزة، والكسائي غير هذه الحروف. وقرأ نافع { أومن كان ميتا } و { ~~الأرض الميتة } و # لحم أخيه ميتا # [الحجرات: 12]. وخفف في سائر القرآن ما لم يمت. وقال أبو علي: الأصل ~~التثقيل، والمخفف محذوف منه، وما مات، ومالم يمت في هذا الباب مستويان في ~~الاستعمال. وأنشدوا: # ومنهل فيه الغراب ميت # سقيت منه القوم واستقيت # فهذا قد مات. وقال آخر: # ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # فخفف ما مات، وشدد مالم يمت. وكذلك قوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. ثم في معنى الآية ثلاثة أقوال. أحدها: أنه إخراج الإنسان ~~حيا من النطفة، وهي ميتة. وإخراج النطفة من الإنسان، وكذلك إخراج الفرخ ~~من البيضة، وإخراج البيضة من الطائر، هذا قول ابن مسعود، وابن عباس، ~~ومجاهد، وابن جبير، والجمهور. والثاني: أنه إخراج المؤمن الحي بالإيمان ~~من الكافر الميت بالكفر، وإخراج الكافر الميت بالكفر من المؤمن الحي ~~بالإيمان، روى نحو هذا الضحاك عن ابن عباس، وهو قول الحسن، وعطاء. ~~والثالث: أنه إخراج السنبلة الحية من الحبة الميتة، والنخلة الحية من ~~النواة الميتة، والنواة الميتة من النخلة الحية، ms0246 قاله السدي. وقال ~~الزجاج: يخرج النبات الغض من الحب اليابس، والحب اليابس من النبات الحي ~~النامي. # قوله تعالى: { بغير حساب } أي: بغير تقتير. قال الزجاج: يقال للذي ينفق ~~موسعا: فلان ينفق بغير حساب، كأنه لا يحسب ما أنفقه إنفاقا. ### || [3.28] # قوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } في سبب نزولها ~~أربعة أقوال. أحدها: أن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود، فقال ~~يوم الأحزاب: يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن أستظهر ~~بهم على العدو، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنها ~~نزلت في عبد الله بن أبي، وأصحابه من المنافقين كانوا يتولون اليهود، ~~ويأتونهم بالأخبار يرجون لهم الظفر من النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى ~~الله المؤمنين عن مثل فعلهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أن ~~قوما من اليهود، كانوا يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، ~~فنهاهم قوم من المسلمين عن ذلك، وقالوا: اجتنبوا هؤلاء اليهود، فأبوا، ~~فنزلت هذا الآية. روي عن ابن عباس أيضا. والرابع: أنها نزلت في حاطب بن ~~أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودة لكفار مكة، فنهاهم الله عز وجل عن ~~ذلك، هذا قول المقاتلين، ابن سليمان، وابن حيان. فأما التفسير، فقال ~~الزجاج: معنى قوله تعالى: { من دون المؤمنين } أي: لا يجعل المؤمن ولايته ~~لمن هو غير مؤمن، أي: لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين، وهذا ~~كلام جرى على المثل في المكان، كما تقول: زيد دونك، ولست تريد المكان، ~~ولكنك جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع في المكان، والخسة كالاستفال في ~~المكان. ومعنى { فليس من الله في شيء } أي: فالله بريء منه. # قوله تعالى { إلا أن تتقوا منهم تقاة } قرأ يعقوب، والمفضل عن عاصم، ~~«تقية» بفتح التاء من غير ألف، قال مجاهد: إلا مصانعة في الدنيا. ~~قال أبوالعالية: التقاة باللسان، لا بالعمل. # فصل # والتقية رخصة، وليست بعزيمة. قال الإمام أحمد: وقد قيل: إن عرضت على ~~السيف تجيب؟ قال: لا. وقال إذا أجاب العالم تقية، والجاهل ms0247 بجهل، فمتى ~~يتبين الحق؟ وسنشرح هذا المعنى في «النحل» عند قوله تعالى: # إلا من أكره # [النحل: 106]. إن شاء الله. ### || [3.29] # قوله تعالى: { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه } قال ابن عباس: ~~يعني اتخاذ الكافرين أولياء. ### || [3.30] # قوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } قال الزجاج: نصب ~~«اليوم» بقوله: { ويحذركم الله نفسه } في ذلك اليوم. قال ابن الأنباري: ~~يجوز أن يكون متعلقا بالمصير، والتقدير: والى الله المصير، يوم تجد. ~~ويجوز أن يكون متعلقا بفعل مضمر، والتقدير: اذكر يوم تجد. وفي كيفية ~~وجود العمل وجهان. أحدهما: وجوده مكتوبا في الكتاب. والثاني: وجود ~~الجزاء عليه. والأمد: الغاية. # قال الطرماح: # كل حي مستكمل عدة العم # ر ومود إذا انقضى أمده # يريد: غاية أجله. ### || [3.31] # قوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } في سبب ~~نزولها أربعة أقوال. أحدها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، وقف على قريش، وقد نصبوا أصنامهم يسجدون ~~لها، فقال: يا معشر قريش: «لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم». فقالوا: يا ~~محمد إنما نعبد هذه حبا لله، ليقربونا إلى الله زلفى " # ، فنزلت هذه الآية. رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أن اليهود قالوا: ~~نحن أبناء الله وأحباؤه، فنزلت هذه الآية، فعرضها النبي صلى الله عليه ~~وسلم عليهم، فلم يقبلوها، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أن ناسا ~~قالوا: إنا لنحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل لحبه علما، ~~فأنزل هذه الآية، قاله الحسن، وابن جريج. والرابع: أن نصارى نجران، ~~قالوا: إنما تقول هذا في عيسى حبا لله، وتعظيما له، فنزلت هذه الآية، ~~ذكره ابن اسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، واختاره أبو سليمان الدمشقي. ### || [3.32] # قوله تعالى: { قل أطيعوا الله والرسول } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة ~~الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى بن مريم، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول ابن عباس. والثاني: أن النبي صلى الله ms0248 عليه وسلم، دعا اليهود إلى ~~الإسلام، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبا لله مما تدعونا ~~إليه، فنزلت: { قل إن كنتم تحبون الله } ونزلت هذه الآية، هذا قول ~~مقاتل. والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### || [3.33] # قوله تعالى: { إن الله اصطفى آدم } قال ابن عباس: قالت اليهود: نحن ~~أبناء إبراهيم وإسحاق، ويعقوب، ونحن على دينهم، فنزلت هذه الآية. قال ~~الزجاج: ومعنى اصطفاهم في اللغة: اختارهم، فجعلهم صفوة خلقه، وهذا تمثيل ~~بما يرى، لأن العرب تمثل المعلوم بالشيء المرئي، فاذا سمع السامع ذلك ~~المعلوم كان عنده بمنزلة ما يشاهد عيانا، فنحن نعاين الشيء الصافي أنه ~~النقي من الكدر، فكذلك صفوة الله من خلقه. وفيه ثلاث لغات: صفوة، ~~وصفوة، وصفوة، وأما آدم فعربي، وقد ذكرنا اشتقاقه في «البقرة» وأما ~~نوح، فأعجمي معرب، قال أبو سليمان الدمشقي: اسم نوح: السكن، وإنما سمي ~~نوحا لكثرة نوحه. وفي سبب نوحه خمسة أقوال. أحدها: أنه كان ينوح على ~~نفسه، قاله يزيد الرقاشي، والثاني: أنه كان ينوح لمعاصي أهله، وقومه. ~~والثالث: لمراجعته ربه في ولده. والرابع: لدعائه على قومه بالهلاك. ~~والخامس: أنه مر بكلب مجذوم، فقال: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه: ~~أعبتني يا نوح، أم عبت الكلب؟ وفي آل إبراهيم ثلاثة أقوال. أحدها: أنه ~~من كان على دينه، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أنهم إسماعيل، وإسحاق، ~~ويعقوب، والأسباط، قاله مقاتل. والثالث: أن المراد «آل إبراهيم» هو نفسه، ~~كقوله: # وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون # [البقرة: 248]، ذكره بعض أهل التفسير. وفي «عمران» قولان. أحدهما: أنه ~~والد مريم، قاله الحسن، ووهب. والثاني: أنه والد موسى، وهارون، قاله ~~مقاتل. وفي «آله» ثلاثة أقوال. أحدها: أنه عيسى عليه السلام، قاله الحسن. ~~والثاني: أن آله موسى وهارون، قاله مقاتل. والثالث: أن المراد ب «آله» ~~نفسه، ذكره بعض المفسرين، وإنما خص هؤلاء بالذكر، لأن الأنبياء كلهم من ~~نسلهم. وفي معنى اصطفاء هؤلاء المذكورين ثلاثة أقوال. أحدها: أن المراد ~~اصطفى دينهم على سائر الأديان، قاله ابن عباس، ms0249 واختاره الفراء، والدمشقي. ~~والثاني: اصطفاهم بالنبوة، قاله الحسن، ومجاهد، ومقاتل. والثالث: اصطفاهم ~~بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم. والمراد ب ~~«العالمين»: عالمو زمانهم، كما ذكرنا في «البقرة». ### || [3.34] # قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض } قال الزجاج: نصبها على البدل، ~~والمعنى: اصطفى ذرية بعضها من بعض. قال ابن الأنباري: وإنما قال: بعضها، ~~لأن لفظ الذرية مؤنث، ولو قال: بعضهم: ذهب إلى معنى الذرية. وفي معنى هذه ~~البعضية قولان. أحدهما: أن بعضهم من بعض في التناصر والدين، لا في ~~التناسل، وهو معنى قول ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنه في التسلسل، لأن ~~جميعهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، ذكره بعض أهل التفسير. ~~قال أبو بكر النقاش: ومعنى قوله: { ذرية بعضها من بعض } أن الأبناء ذرية ~~للآباء، والآباء ذرية للأبناء، كقوله تعالى: # حملنا ذريتهم في الفلك المشحون # [يس: 41]. فجعل الآباء ذرية للأبناء، وإنما جاز ذلك، لأن الذرية مأخوذة ~~من: ذرأ الله الخلق، فسمي الولد للوالد ذرية، لأنه ذرىء منه، وكذلك يجوز ~~أن يقال للأب: ذرية للابن، لأن ابنه ذرئ منه، فالفعل يتصل به من الوجهين. ~~ومثله # يحبونهم كحب الله # [البقرة: 165]. فأضاف الحب إلى الله، والمعنى: كحب المؤمن لله، ومثله # ويطعمون الطعام على حبه # [الدهر: 8]. فأضاف الحب للطعام. ### || [3.35] # قوله تعالى: { إذ قالت امرأة عمران } في «إذ» قولان. أحدهما: أنها ~~زائدة، واختاره أبو عبيدة، وابن قتيبة. والثاني: أنها أصل في الكلام، ~~وفيها ثلاثة أقوال. أحدها: أن المعنى: اذكر إذ قالت امرأة عمران، قاله ~~المبرد، والأخفش. والثاني: أن العامل في { إذ قالت } معنى الاصطفاء، ~~فيكون المعنى: اصطفى آل عمران، إذ قالت امرأة عمران، واصطفاهم إذ قالت ~~الملائكة: يا مريم، هذا اختيار الزجاج. والثالث: أنها من صلة «سميع» ~~تقديره: والله سميع إذ قالت، وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قال ابن ~~عباس:، واسم امرأة عمران حنة، وهي أم مريم، وهذا عمران بن ماتان، وليس ب ~~«عمران أبي موسى» وليست هذه مريم أخت موسى. وبين عيسى وموسى ألف ~~وثمانمائة سنة. والمحرر: العتيق. قال ms0250 ابن قتيبة: يقال: أعتقت الغلام، ~~وحررته: سواء. وأرادت: أي نذرت أن أجعل ما في بطني محررا من التعبيد ~~للدنيا، ليعبدك. وقال الزجاج: كان على أولادهم فرضا أن يطيعوهم في ~~نذرهم، فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادما في متعبدهم، وقال ابن ~~اسحاق: كان السبب في نذرها أنه أمسك عنها الولد حتى أسنت، فرأت طائرا ~~يطعم فرخا له، فدعت الله أن يهب لها ولدا، وقالت: اللهم لك علي إن ~~رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس، فحملت بمريم، وهلك عمران، وهي ~~حامل. قال القاضي أبو يعلى: والنذر في مثل ما نذرت صحيح في شريعتنا، فإنه ~~إذا نذر الإنسان أن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته، وأن يعلمه ~~القرآن، والفقه، وعلوم الدين، صح النذر. ### || [3.36] # قوله تعالى: { والله أعلم بما وضعت } قرأ ابن عامر، وعاصم إلا حفصا ~~ويعقوب { بما وضعت } بإسكان العين، وضم التاء. وقرأ الباقون بفتح ~~العين، وجزم التاء، قال ابن قتيبة: من قرأ بجزم التاء، وفتح العين، فيكون ~~في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، ~~والله أعلم بما وضعت، ومن قرأ بضم التاء، فهو كلام متصل من كلام أم ~~مريم. # قوله تعالى: { وليس الذكر كالأنثى } من تمام اعتذارها، ومعناه: لا تصلح ~~الأنثى لما يصلح له الذكر، من خدمته المسجد، والإقامة فيه، لما يلحق ~~الأنثى من الحيض والنفاس. قال السدي: ظنت أن ما في بطنها غلام، فلما وضعت ~~جارية، اعتذرت. ومريم: اسم أعجمي. وفي الرجيم قولان. أحدهما: الملعون، ~~قاله قتادة. والثاني: أنه المرجوم بالحجارة، كما تقول: قتيل بمعنى مقتول، ~~قاله أبو عبيدة، فعلى هذا سمي: رجيما، لأنه يرمى بالنجوم. ### || [3.37] # قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن } قرأ مجاهد { فتقبلها } ~~بسكون اللام { ربها } بنصب الباء { وأنبتها } بكسر الباء وسكون التاء ~~على معنى الدعاء. قال الزجاج: الأصل في العربية: فتقبلها بتقبل حسن، ~~ولكن «قبول» محمول على قبلها قبولا يقال: قبلت الشيء: قبولا، ويجوز ~~قبولا: إذا رضيته. { وأنبتها نباتا حسنا } أي: جعل نشوءها نشوءا ~~حسنا، وجاء «نباتا» ms0251 على غير لفظ أنبت، على معنى: نبتت نباتا حسنا. ~~وقال ابن الأنباري: لما كان «أنبت» يدل على «نبت» حمل الفعل على المعنى، ~~فكأنه قال: وأنبتها، فنبتت هي نباتا حسنا. # قال امرؤ القيس: # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا # ورضت فذلت صعبة أي إذلال # أراد: أي رياضة، فلما دل «رضت» على «أذللت» حمله على المعنى. وللمفسرين ~~في معنى النبات الحسن، قولان. أحدهما: أنه كمال النشوء، قال ابن عباس: ~~كانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام، والثاني: أنه ترك الخطايا. ~~قال قتادة: حدثنا أنها كانت لا تصيب الذنوب، كما يصيب بنو آدم. # قوله تعالى: { وكفلها } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~«وكفلها» بفتح الفاء خفيفة، و «زكرياء» مرفوع ممدود. وروى أبو بكر عن ~~عاصم: تشديد الفاء، ونصب «زكرياء»، وكان يمد «زكرياء» في كل القرآن في ~~رواية أبي بكر. وروى حفص عن عاصم: تشديد الفاء و «زكريا» مقصور في كل ~~القرآن. وكان حمزة والكسائي يشددان و «كفلها»، ويقصران «زكريا» في كل ~~القرآن. فأما «زكريا» فقال الفراء: فيه ثلاث لغات. أهل الحجاز يقولون: ~~هذا زكريا قد جاء، مقصور، وزكرياء، ممدود، وأهل نجد يقولون: زكري، ~~فيجرونه، ويلقون الألف. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، عن ابن دريد، ~~قال: زكريا اسم أعجمي، يقال: زكري، وزكرياء ممدود، وزكريا مقصور. وقال ~~غيره: وزكري بتخفيف الياء، فمن قال: زكرياء بالمد، قال في التثنيه: ~~زكرياوان، وفي الجمع زكرياوون، ومن قال: زكريا بالقصر، قال في التثنيه ~~زكريان، كما تقول: مدنيان: ومن قال: زكري بتخفيف الياء، قال في التثنية: ~~زكريان الياء خفيفة، وفي الجمع: زكرون بطرح الياء. # الإشارة إلى كفالة زكريا مريم # قال السدي: انطلقت بها أمها في خرقها، وكانوا يقترعون على الذين يؤتون ~~بهم، فقال زكريا وهو نبيهم يومئذ: أنا أحقكم بها، عندي أختها، فأبوا، ~~وخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، فجرت الأقلام، ~~وثبت قلم زكريا، فكفلها. قال ابن عباس: كانوا سبعة وعشرين رجلا، فقالوا: ~~نطرح أقلامنا، فمن صعد قلمه مغالبا للجرية فهو أحق بها، ms0252 فصعد قلم زكريا، ~~فعلى هذا القول كانت غلبة زكريا بمصاعدة قلمه، وعلى قول السدي بوقوفه في ~~جريان الماء وقال مقاتل: كان يغلق عليها الباب، ومعه المفتاح، لا يأمن ~~عليه أحدا، وكانت إذا حاضت، أخرجها إلى منزله تكون مع أختها أم يحيى، ~~فاذا طهرت، ردها إلى بيت المقدس. # والأكثرون على أنه كفلها منذ كانت طفلة بالقرعة. وقد ذهب قوم إلى أنه ~~كفلها عند طفولتها بغير قرعة، لأجل أن أمها ماتت، وكانت خالتها عنده، ~~فلما بلغت، أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، وإنما كان الاقتراع بعد ذلك بمدة، ~~لأجل سنة أصابتهم. فقال محمد بن إسحاق: كفلها زكريا إلى أن أصابت الناس ~~سنة، فشكا زكريا إلى بني إسرائيل ضيق يده، فقالوا: ونحن أيضا كذلك، ~~فجعلوا يتدافعونها حتى اقترعوا، فخرج السهم على جريج النجار، وكان ~~فقيرا، وكان يأتيها باليسير، فينمي، فدخل زكريا، فقال: ما هذا؟ على قدر ~~نفقة جريج؟ فمن أين هذا؟ قالت هو من عند الله. والصحيح ما عليه الأكثرون، ~~وأن القوم تشاحوا على كفالتها، لأنها كانت بنت سيدهم وإمامهم عمران، كذلك ~~قال قتادة في آخرين، وأن زكريا ظهر عليهم بالقرعة منذ طفولتها. فأما ~~المحراب، فقال أبو عبيدة: المحراب سيد المجالس. ومقدمها، وأشرفها، وكذلك ~~هو من المسجد. وقال الأصمعي: المحراب هاهنا: الغرفة. وقال الزجاج: ~~المحراب في اللغة: الموضع العالي الشريف. # قال الشاعر: # ربة محراب إذا جئتها # لم ألقها أو أرتقي سلما # قوله تعالى: { وجد عندها رزقا } قال ابن عباس: ثمار الجنة، فاكهة الصيف ~~في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وهذا قول الجماعة. # قوله تعالى: { إنى لك هذا } أي: من أين؟ قال الربيع بن أنس: كان زكريا ~~إذا خرج، أغلق عليها سبعة أبواب، فإذا دخل وجد عندها رزقا. وقال الحسن: ~~لم ترتضع ثديا قط، وكان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول زكريا: أنى لك ~~هذا؟ فتقول: هو من عند الله، فتكلمت وهي صغيرة. وزعم مقاتل أن زكريا ~~استأجر لها ظئرا، وعلى ما ذكرنا عن ابن إسحاق يكون قوله لها: أنى لك ~~هذا؟ لاستكثار ما يرى عندها. وماعليه ms0253 الجمهور أصح. والحساب في اللغة: ~~التقتير والتضييق. ### || [3.38] # قوله تعالى: { هنالك دعا زكريا ربه } قال المفسرون: لما عاين زكريا هذه ~~الآية العجيبة من رزق الله تعالى مريم الفاكهة في غير حينها، طمع في ~~الولد على الكبر. و { من لدنك } بمعنى: من عندك. والذرية، تقال للجمع، ~~وتقال للواحد، والمراد بها هاهنا: الواحد. قال الفراء: وإنما قال طيبة، ~~لتأنيث الذرية، والمراد بالطيبة: النقية الصالحة. والسميع: بمعنى ~~السامع. وقيل: أراد مجيب الدعاء. ### || [3.39] # قوله تعالى: { فنادته الملائكة } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: فنادته بالتاء، وقرأ حمزة، والكسائي: فناداه بألف ~~ممالة، قال أبو علي: هو كقوله تعالى: # وقال نسوة # [يوسف: 20]. وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس، «فناداه» بألف. وفي ~~الملائكة قولان. أحدهما: جبريل وحده، قال السدي، ومقاتل، ووجهه أن العرب ~~تخبر عن الواحد بلفظ الجمع، تقول: ركبت في السفن، وسمعت هذا من الناس. ~~والثاني: أنهم جماعة من الملائكة، وهو مذهب قوم، منهم ابن جرير الطبري. ~~وفي المحراب قولان. أحدهما: أنه المسجد. والثاني: أنه قبلة المسجد. وفي ~~تسمية محراب الصلاة محرابا، ثلاثة أقوال. أحدها: لانفراد الإمام فيه، ~~وبعده من الناس، ومنه قولهم: فلان حرب لفلان: إذا كان بينهما مباغضة، ~~وتباعد، ذكره ابن الأنباري عن أبيه، عن أحمد بن عبيد. والثاني: أن ~~المحراب في اللغة أشرف الأماكن، وأشرف المسجد مقام الإمام. والثالث: أنه ~~من الحرب فالمصلي محارب للشيطان. # قوله تعالى: { أن الله يبشرك بغلام } قرأ الأكثرون بفتح الألف على ~~معنى: فنادته الملائكة بأن الله، فلما حذف الجار منها، وصل الفعل إليها، ~~فنصبها. وقرأ ابن عامر، وحمزة، بكسر «إن» فأضمر القول. والتقدير: ~~فنادته: فقالت: إن الله يبشرك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: يبشرك بضم ~~الياء: وفتح الباء، والتشديد في جميع القرآن إلا في { حم عسق } # يبشر الله عباده # [الشورى: 23] فإنهما فتحا الياء وضما الشين، وخففاها. فأما نافع، وابن ~~عامر، وعاصم، فشددا كل القرآن. وقرأ حمزة: «يبشر» خفيفا في كل القرآن، ~~إلا قوله تعالى: # فبم تبشرون # [الحجر: 54]. وقرأ الكسائي «يبشر» مخففة في خمسة مواضع، ms0254 في { آل عمران } ~~في قصة زكرياء، وقصة مريم، وفي بني (إسرائيل)، وفي (الكهف) وفي (حم عسق) ~~قال الزجاج: وفي «يبشرك» ثلاث لغات. أحدها: يبشرك، بفتح الباء وتشديد ~~الشين، والثانية: «يبشرك» باسكان الباء، وضم الشين. والثالثة: «يبشرك» ~~بضم الياء وإسكان الباء، فمعنى «يبشرك» بالتشديد و «يبشرك» بضم الياء: ~~البشارة. ومعنى «يبشرك» بفتح الياء: يسرك ويفرحك، يقال: بشرت الرجل ~~أبشره،: إذا أفرحته، وبشر الرجل يبشر: إذا فرح. # وأنشد الأخفش والكسائي: # وإذا لقيت الباهشين الى العلى # غبرا أكفهم بقاع ممحل # فأعنهم وابشر بما بشروا به # واذا هم نزلوا بضنك فانزل # فهذا على بشر يبشر: إذا فرح. وأصل هذا كله أن بشرة الإنسان تنبسط عند ~~السرور، ومنه قولهم: يلقاني ببشر. أي: بوجه منبسط، وفي معنى تسميته ~~«يحيى» خمسة أقوال. # أحدها: لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه، قاله ابن عباس. والثاني: لأن ~~الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان، قاله قتادة. والثالث: لأنه أحياه بين شيخ ~~وعجوز، قاله مقاتل. والرابع: لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها، قاله ~~الزجاج. والخامس: لأن الله أحياه بالطاعة، فلم يعص، ولم يهم، قاله ~~الحسن بن الفضل. # وفي «الكلمة» قولان. أحدهما: أنها عيسى، وسمي كلمة، لأنه بالكلمة كان، ~~وهي «كن» وهذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، ومقاتل. ~~وقيل: إن يحيى كان أكبر من عيسى بستة أشهر، وقتل يحيى قبل رفع عيسى. ~~والثاني: أن الكلمة كتاب الله وآياته، وهو قول أبي عبيدة في آخرين. ووجهه ~~أن العرب تقول: أنشدني فلان كلمة، أي: قصيدة. وفي معنى السيد ثمانية ~~أقوال. أحدها: أنه الكريم على ربه، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه ~~الحليم التقي، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك. والثالث: أنه ~~الحكيم، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، وأبو الشعثاء، ~~والربيع، ومقاتل. والرابع: أنه الفقيه العالم، قاله سعيد بن المسيب. ~~والخامس: أنه التقي، رواه سالم عن ابن جبير. والسادس: أنه الحسن الخلق، ~~رواه أبو روق عن الضحاك. والسابع: أنه الشريف، قاله ابن زيد. والثامن: ~~أنه الذي يفوق قومه في الخير، ms0255 قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: السيد ~~هاهنا الرئيس، والإمام في الخير. فأما «الحصور» فقال ابن قتيبة: هو الذي ~~لا يأتي النساء، وهو فعول بمعنى مفعول، كأنه محصور عنهن، أي: محبوس عنهن، ~~وأصل الحصر: الحبس. ومما جاء على «فعول» بمعنى «مفعول»: ركوب بمعنى ~~مركوب، وحلوب بمعنى محلوب، وهيوب بمعنى مهيب. واختلف المفسرون لماذا كان ~~لا يأتي النساء؟ على أربعة أقوال. أحدها: أنه لم يكن له ما يأتي به ~~النساء، فروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال # " كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا» ~~قال: ثم دلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الأرض، فأخذ عودا ~~صغيرا، ثم قال: وذلك أنه لم يكن له ماللرجال إلا مثل هذا العود، ولذلك ~~سماه الله سيدا وحصورا " # وقال سعيد بن المسيب: كان له كالنواة. والثاني: أنه كان لا ينزل الماء، ~~قاله ابن عباس، والضحاك. والثالث: أنه كان لا يشتهي النساء، قاله الحسن، ~~وقتادة، والسدي، والرابع: أنه كان يمنع نفسه من شهواتها، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ونبيا من الصالحين } قال ابن الأنباري: معناه: من ~~الصالحي الحال عند الله. ### || [3.40] # قوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام } أي: كيف يكون؟!. # قال الكميت: # أنى ومن أين آبك الطرب # قال العلماء: منهم الحسن، وابن الأنباري، وابن كيسان: كأنه قال: من أي ~~وجه يكون لي الولد؟ أيكون بازالة العقر عن زوجتي، ورد شبابي؟ أم يأتي ~~ونحن على حالنا؟ فكان ذلك على سبيل الاستعلام، لا على وجه الشك. قال ~~الزجاج: يقال: غلام بين الغلومية، وبين الغلامية، وبين الغلومة. قال ~~شيخنا: أبو منصور اللغوي: الغلام: فعال، من الغلمة، وهي شدة شهوة ~~النكاح. ويقال للكهل: غلام. # قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج: # ...... # غلام إذا هز القناة سقاها # وكأن قولهم للكهل: غلام، أي: قد كان مرة غلاما. وقولهم للطفل: غلام على ~~معنى التفاؤل، أي: سيصير غلاما. قال: وقيل: الغلام الطار الشارب، ويقال ~~للجارية: غلامة. قال الشاعر: ms0256 # ...... # يهان لها الغلامة والغلام # قوله تعالى: { وقد بلغني الكبر } أي: وقد بلغت الكبر، قال الزجاج: كل ~~شيء بلغته فقد بلغك. وفي سنة يومئذ ستة أقوال. أحدها: أنه كان ابن مائة ~~وعشرين سنة، امرأته بنت ثمان وتسعين سنة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ~~كان ابن بضع وسبعين سنة، قاله قتادة. والثالث: ابن خمس وسبعين، قاله ~~مقاتل. والرابع: ابن سبعين. حكاه فضيل بن غزوان. والخامس: ابن خمس وستين. ~~والسادس: ابن ستين، حكاهما الزجاج، قال اللغويون: والعاقر من الرجال ~~والنساء: الذي لا يأتيه الولد، وإنما قال: «عاقر»، ولم يقل: عاقرة، لأن ~~الأصل في هذا الوصف للمؤنث، والمذكر فيه كالمستعار، فأجري مجرى «طالق» ~~«حائض» هذا قول الفراء. ### || [3.41] # قوله تعالى: { رب اجعل لي آية } أي: علامة على وجود الحمل. وفي علة ~~سؤاله «آية» قولان. أحدهما: أن الشيطان جاءه فقال: هذا الذي سمعت من صوت ~~الشيطان، ولو كان من وحي الله، لأوحاه إليك، كما يوحي إليك غيره، فسأل ~~الآية، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: أنه إنما سأل الآية على وجود ~~الحمل ليبادر بالشكر، وليتعجل السرور، لأن شأن الحمل لا يتحقق بأوله، ~~فجعل الله آية وجود الحمل حبس لسانه ثلاثة أيام. فأما «الرمز» فقال ~~الفراء: الرمز بالشفتين، والحاجبين، والعينين، وأكثره في الشفتين. قال ~~ابن عباس: جعل يكلم الناس بيده. وإنما منع من مخاطبة الناس، ولم يحبس عن ~~الذكر لله تعالى. وقال ابن زيد: كان يذكر الله، ويشير إلى الناس. وقال ~~عطاء بن السائب: اعتقل لسانه من غير مرض. وجمهور العلماء على أنه ~~إنما اعتقل لسانه آية على وجود الحمل. وقال قتادة، والربيع بن أنس: كان ~~ذلك عقوبة له إذ سأل الآية بعد مشافهة الملائكة بالبشارة. # قوله تعالى: { وسبح } قال مقاتل: صل. قال الزجاج: يقال: فرغت من ~~سبحتي، أي: من صلاتي. وسميت الصلاة تسبيحا، لأن التسبيح تعظيم الله، ~~وتبرئته من السوء، فالصلاة يوصف فيها بكل ما يبرئه من السوء. # قوله تعالى: { بالعشي } العشي: من حين نزول الشمس إلى آخر النهار: { ~~والإبكار } ما بين طلوع الفجر إلى وقت ms0257 الضحى: قال الشاعر: # فلا الظل في برد الضحى تستطيعه # ولا الفيء من برد العشي يذوق # قال الزجاج: يقال: أبكر الرجل يبكر إبكارا، وبكر يبكر تبكيرا، وبكر ~~يبكر في كل شيء تقدم فيه. ### || [3.42] # قوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك } قال جماعة ~~من المفسرين: المراد بالملائكة: جبريل وحده. وقد سبق معنى الاصطفاء. وفي ~~المراد بالتطهير هاهنا أربعة أقوال. # أحدها: أنه التطهير من الحيض، قاله ابن عباس. وقال السدي: كانت مريم لا ~~تحيض. وقال قوم: من الحيض والنفاس. # والثاني: من مس الرجال، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: من الكفر، قاله الحسن، و مجاهد. # والرابع: من الفاحشة والإثم، قاله مقاتل. وفي هذا الاصطفاء الثاني: ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنه تأكيد للأول. والثاني: أن الأول للعبادة، والثاني: لولادة ~~عيسى عليه السلام. والثالث: أن الاصطفاء الأول اختيار مبهم، وعموم يدخل ~~فيه صوالح من النساء، فأعاد الاصطفاء لتفضيلها على نساء العالمين. # والرابع: أنه لما أطلق الاصطفاء الاول، أبان بالثاني أنها مصطفاة على ~~النساء دون الرجال. قال ابن عباس، والحسن، وابن جريج: اصطفاها على عالمي ~~زمانها. قال ابن الأنباري: وهذا قول الأكثرين. ### || [3.43] # قوله تعالى: { يا مريم اقنتي لربك } قد سبق شرح القنوت في «البقرة» وفي ~~المراد به هاهنا أربعة أقوال. # أحدها: أنه العبادة، قاله الحسن. # والثاني: طول القيام في الصلاة، قاله مجاهد. # والثالث: الطاعة، قاله قتادة، والسدي، وابن زيد. # والرابع: الإخلاص، قاله سعيد بن جبير. وفي تقديم السجود على الركوع ~~أربعة أقوال. # أحدها: أن الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تؤذن بالجمع، فالركوع مقدم، ~~قاله الزجاج في آخرين. # والثاني: أن المعنى استعملي السجود في حال، والركوع في حال، لا أنهما ~~يجتمعان في ركعة، فكأنه حث لها على فعل الخير. # والثالث: أنه مقدم ومؤخر، والمعنى: اركعي واسجدي، كقوله تعالى: # إني متوفيك ورافعك إلي # [آل عمران: 55]. ذكرهما ابن الأنباري. # والرابع: أنه كذلك كان في شريعتهم تقديم السجود على الركوع، ذكره أبو ~~سليمان الدمشقي. قال مقاتل: ومعناه: اركعي مع المصلين قراء بيت ~~المقدس. قال مجاهد سجدت ms0258 حتى قرحت. ### || [3.44-46] # قوله تعالى: { ذلك من أنباء الغيب } «ذلك» إشارة إلى ما تقدم من قصة ~~زكرياء، ويحيى، وعيسى، ومريم. والأنباء: الأخبار، والغيب: ما غاب عنك. ~~والوحي: كل شيء دللت به من كلام، أو كتاب، أو إشارة، أو رسالة، قاله ابن ~~قتيبة. والوحي في القرآن على أوجه تراها في كتابنا الموسوم ب «الوجوه ~~والنظائر» مونقة. وفي الأقلام ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها التي يكتب بها، قاله ابن عباس، وابن جبير، والسدي. # والثاني: أنها العصي، قاله الربيع بن أنس. # والثالث: أنها القداح، وهو اختيار ابن قتيبة، وكذلك قال الزجاج: هي قداح ~~جعلوا عليها علامات يعرفونها على جهة القرعة. وإنما قيل للسهم: القلم، ~~لأنه يقلم، أي: يبرى. وكل ما قطعت منه شيئا بعد شيء، فقد قلمته، ومنه ~~القلم الذي يكتب به، لأنه قلم مرة بعد مرة، ومنه: قلمت أظفاري. قال: ~~ومعنى: { أيهم يكفل مريم } لينظروا أيهم تجب له كفالة مريم، وهو الضمان ~~للقيام بأمرها. ومعنى { لديهم } عندهم وقد سبق شرح كفالتهم لها آنفا. ~~وفي المراد بالكلمة هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قول الله له: «كن» فكان، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنها بشارة الملائكة مريم بعيسى، حكاه أبو سليمان. # والثالث: أن الكلمة اسم لعيسى، وسمي كلمة، لأنه كان عن الكلمة. وقال ~~القاضي أبو يعلى: لأنه يهتدى به كما يهتدى بالكلمة من الله تعالى. وفي ~~تسميته بالمسيح ستة أقوال. # أحدها: أنه لم يكن لقدمه أخمص، والأخمص: ما يتجافى عن الأرض من باطن ~~القدم، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأ، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنه مسح بالبركة، قاله الحسن، وسعيد. # والرابع: أن معنى: المسيح: الصديق، قاله مجاهد، وإبراهيم النخعي، وذكره ~~اليزيدي. قال أبو سليمان الدمشقي: ومعنى هذا أن الله مسحه، فطهره من ~~الذنوب. # والخامس: أنه كان يمسح الأرض أي: يقطعها، ذكره ثعلب، وبيانه: أنه كان ~~كثير السياحة. # والسادس: أنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، قاله أبو سليمان الدمشقي، ~~وحكاه ابن القاسم وقال أبو ms0259 عبيد: المسيح في كلام العرب على معنيين. ~~أحدهما: المسيح الدجال، والأصل فيه: الممسوح، لأنه ممسوح أحد العينين. ~~والمسيح عيسى، وأصله بالعبرانية «مشيحا»، بالشين، فلما عربته العرب، ~~أبدلت من شينه سينا، كما قالوا: موسى، وأصله بالعبرانية موشى. قاله ابن ~~الأنباري، وإنما بدأ بلقبه، فقال: المسيح عيسى بن مريم، لأن المسيح أشهر ~~من عيسى، لأنه قل أن يقع على سمي يشتبه به، وعيسى قد يقع على عدد كثير، ~~فقدمه لشهرته، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهر من أسمائهم. فأما قوله: ~~عيسى بن مريم، فإنما نسبه إلى أمه، لينفي ما قال عنه الملحدون من ~~النصارى، إذ أضافوه إلى الله تعالى. # قوله تعالى: { وجيها } قال ابن زيد: الوجيه في كلام العرب: المحبب ~~المقبول. وقال ابن قتيبة. الوجيه: ذوالجاه. وقال الزجاج: هو ذو المنزلة ~~الرفيعة عند ذوي القدر والمعرفة، يقال قد وجه الرجل يوجه، وجاهة، ~~ولفلان جاه عند الناس، أي: منزلة رفيعة. # قوله تعالى: { ومن المقربين } قال قتادة: عند الله يوم القيامة. ~~والمهد: مضجع الصبي في رضاعه، وهو مأخوذ من التمهيد، وهو التوطئة، وفي ~~تكليمه للناس في تلك الحال قولان. أحدهما: لتبرئة أمه مما قذفت به، ~~والثاني: لتحقيق معجزته الدالة على نبوته.، قال ابن عباس: تكلم ساعة في ~~مهده، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق. { وكهلا } قال: ابن ثلاثين سنة ~~أرسله الله تعالى، فمكث في رسالته ثلاثين شهرا، ثم رفعه الله. وقال وهب ~~بن منبه: جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة، فمكث في نبوته ثلاث سنين، ثم ~~رفعه الله. قال ابن الأنباري كان عليه السلام قد زاد على الثلاثين، ومن ~~أربى عليها، فقد دخل في الكهولة، والكهل عند العرب: الذي قد جاوز ~~الثلاثين، وإنما سمي الكهل كهلا، لاجتماع قوته، وكمال شبابه، وهو من ~~قولهم: قد اكتهل النبات. وقال ابن فارس: الكهل: الرجل حين وخطه الشيب. ~~فإن قيل: قد علم أن الكهل يتكلم، فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: أن هذا الكلام ~~خرج مخرج البشارة بطول عمره، أي: أنه يبلغ الكهولة. وقد روي عن ابن عباس ~~أنه ms0260 قال: { وكهلا } قال: ذلك بعد نزوله من السماء. والثاني: أنه أخبرهم ~~أن الزمان يؤثر فيه، وأن الأيام تنقله من حال إلى حال، ولو كان إلها لم ~~يدخل عليه هذا التغير، ذكره ابن جرير الطبري. والثالث: أن المراد بالكهل: ~~الحليم، قاله مجاهد. ### || [3.47] # قوله تعالى: { قالت رب أنى يكون لي ولد } في علة قولها هذا قولان. ~~أحدهما: أنها قالت هذا تعجبا واستفهاما، لا شكا وإنكارا، على ما ~~أشرنا إليه في قصة زكريا، وعلى هذا الجمهور، والثاني: أن الذي خاطبها كان ~~جبريل، وكانت تظنه آدميا يريد بها سوءا، ولهذا قالت: # أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # [مريم: 18]. فلما بشرها لم تتيقن صحة قوله، لأنها لم تعلم أنه ملك، ~~فلذلك قالت: { أنى يكون لي ولد } قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: { ولم يمسسني بشر } أي: ولم يقربني زوج. والمس: الجماع، ~~قاله ابن فارس. وسمي البشر بشرا، لظهورهم، والبشرة: ظاهر جلد الإنسان، ~~وأبشرت الأرض: أخرجت نباتها، وبشرت الأديم: إذا قشرت وجهه، وتباشير ~~الصبح: أوائله. قال: يعني جبريل: { كذلك الله يخلق ما يشاء } أي: بسبب، ~~وبغير سبب. وباقي الآية مفسر في «البقرة». ### || [3.48] # قوله تعالى: { ويعلمه الكتاب } قرأ الأكثرون، «ونعلمه» بالنون. وقرأ ~~نافع، وعاصم بالياء، فعطفاه على قوله «يبشرك»، وفي الكتاب قولان. أحدهما: ~~أنه كتب النبيين وعلمهم، قاله ابن عباس. والثاني: الكتابة: قاله ابن ~~جريج، ومقاتل. قال ابن عباس: والحكمة: الفقه، وقضاء النبيين. ### || [3.49] # قوله تعالى: { ورسولا } قال الزجاج: ينتصب على وجهين. أحدهما: ونجعله ~~رسولا، والاختيار عندي: ويكلم الناس رسولا. # قوله تعالى: { أني أخلق } قرأ الأكثرون «أني» بالفتح، فجعلوها بدلا من ~~آية، فكأنه قال: قد جئتكم بأني أخلق لكم، وقرأ نافع بالكسر، قال أبو علي: ~~يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون مستأنفا. والثاني: أنه فسر الآية بقوله: ~~إني أخلق، أي: أصور وأقدر. قال ابن عباس: أخذ طينا، وصنع منه خفاشا، ~~ونفخ فيه، فاذا هو يطير، ويقال: لم يصنع غير الخفاش، ويقال: إن بني ~~إسرائيل نعتوه بذلك، لأن الخفاش عجيب الخلق. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه ~~قال ms0261 لهم: ماذا تريدون؟ قالوا: الخفاش: فسألوه أشد الطير خلقا؛ لأنه يطير ~~بغير ريش. وقال وهب: كان الذي صنعه يطير ما دام الناس ينظرونه، فاذا غاب ~~عن أعينهم، سقط ميتا، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق، والأكثرون قرؤوا ~~{ فيكون طيرا } وقرأ نافع هاهنا وفي (المائدة) طائرا. قال أبو علي: ~~حجة الجمهور قوله تعالى: { كهيئة الطير } ولم يقل كهيئة الطائر. ووجهة ~~قراءة نافع: أنه أراد: يكون ما أنفخ فيه، أو ما أخلقه طائرا، وفي ~~«الأكمه» أربعة أقوال. # أحدها: أنه الذي يولد أعمى، رواه الضحاك عن ابن عباس، وسعيد عن قتادة، ~~وبه قال اليزيدي: وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنه الأعمى، ذكره ابن جريج عن ابن عباس، ومعمر عن قتادة، وبه ~~قال الحسن، والسدي. وحكى الزجاج عن الخليل أن الأكمه: هو الذي يولد أعمى، ~~وهو الذي يعمى، وإن كان بصيرا. # والثالث: أنه الأعمش، قاله عكرمة. # والرابع: أنه الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، قاله مجاهد والضحاك. ~~والأبرص: الذي به وضح. وكان الغالب على زمان عيسى عليه السلام، علم الطب، ~~فأراهم المعجزة من جنس ذلك، إلا أنه ليس في الطب إبراء الأكمه والأبرص، ~~وكان ذلك دليلا على صدقه. قال وهب: ربما اجتمع على عيسى من المرضى في ~~اليوم الواحد خمسون ألفا، وإنما كان يداويهم بالدعاء. وذكر المفسرون أنه ~~أحيا أربعة أنفس من الموت. وعن ابن عباس: أن الأربعة كلهم بقي حتى ولد ~~له، إلا سام بن نوح. # قوله تعالى: { وأنبئكم بما تأكلون } قال سعيد بن جبير: كان عيسى إذا ~~كان في المكتب يخبرهم بما يأكلون، ويقول للغلام: يا غلام إن أهلك قد ~~هيؤوا لك كذا وكذا من الطعام فتطعمني منه؟ وقال مجاهد: بما أكلتم ~~البارحة، وبما خبأتم منه. وعلى هذا المفسرون، إلا أن قتادة كان يقول: ~~وأنبئكم بما تأكلون من المائدة التي تنزل عليكم، وما تدخرون منها، وكان ~~أخذ عليهم أن يأكلوا منها، ولا يدخروا، فلما خانوا، مسخوا خنازير. ### || [3.50-51] # قوله تعالى: { ومصدقا لما بين يدي } قال الزجاج: نصب «مصدقا»على ~~الحال، أي: وجئتكم مصدقا { ولأحل ms0262 لكم بعض الذي حرم عليكم } قال قتادة: ~~كان قد حرم عليهم موسى الإبل والثروب وأشياء من الطير، فأحلها عيسى. # قوله تعالى: { وجئتكم بآية } أي: بآيات تعلمون بها صدقي، وإنما وحد، لأن ~~الكل من جنس واحد { من ربكم } أي: من عند ربكم. ### || [3.52] # قوله تعالى: { فلما أحس عيسى } أي: علم. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: ~~يقال: أحسست بالشيء، وحسست به وقول الناس في المعلومات «محسوسات» خطأ، ~~إنما الصواب «المحسات» فأما المحسوسات، فهي المقتولات، يقال حسه: إذا ~~قتله. والأنصار: الأعوان. و «إلى» بمعنى «مع» في قول الجماعة، قال ~~الزجاج: وإنما حسنت في موضع «مع» لأن «إلى» غاية و «مع» تضم الشيء ~~بالشيء. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: من أنصاري إلى أن أبين ~~أمر الله. واختلفوا في سبب استنصاره بالحواريين، فقال مجاهد: لما كفر به ~~قومه، وأرادوا قتله، استنصر الحواريين. وقال غيره: لما كفروا به، وأخرجوه ~~من قريتهم، استنصر الحواريين. وقيل: استنصرهم، لإقامة الحق، وإظهار ~~الحجة. والجمهور على تشديد «ياء» الحواريين. وقرأ الجوني، والجحدري، وأبو ~~حيوة: الحواريون بتخفيف الياء. وفي معنى الحواريين ستة أقوال. أحدها: ~~أنهم الخواص الأصفياء، قال ابن عباس: الحواريون: أصفياء عيسى. وقال ~~الفراء: كانوا خاصة عيسى. وقال الزجاج: الحواريون في اللغة: الذين ~~أخلصوا، ونقوا من كل عيب، وكذلك الدقيق: الحواري، إنما سمي بذلك، لأنه ~~ينقى من لباب البر وخالصه. قال حذاق اللغويين: الحواريون: صفوة الأنبياء ~~الذين خلصوا وأخلصوا في تصديقهم ونصرتهم. ويقال: عين حوراء: إذا اشتد ~~بياضها، وخلص، واشتد سوادها، ولا يقال: امرأة حوراء، إلا أن تكون مع حور ~~عينها بيضاء. والثاني: أنهم البيض الثياب، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~أنهم سموا بذلك، لبياض ثيابهم. والثالث: أنهم القصارون، سموا بذلك، لأنهم ~~كانوا يحورون الثياب، أي: يبيضونها، قال الضحاك، ومقاتل، الحواريون: هم ~~القصارون. قال اليزيدي: ويقال للقصارين: الحواريون، لأنهم يبيضون الثياب، ~~ومنه سمي الدقيق: الحوارى، والعين الحوراء: النقية المحاجر. والرابع: ~~الحواريون: المجاهدون. # وأنشدوا: # ونحن أناس يملأ البيض هامنا # ونحن حواريون حين نزاحف # جماجمنا يوم اللقاء تراسنا # إلى ms0263 الموت نمشي ليس فينا تحانف # والخامس: الحواريون: الصيادون. والسادس: الحواريون الملوك، حكى هذه ~~الأقوال الثلاثة ابن الأنباري. قال ابن عباس: وعدد الحواريين اثنا عشر ~~رجلا. وفي صناعتهم قولان. أحدهما: أنهم كانوا يصطادون السمك، رواه سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنهم كانوا يغسلون الثياب، قاله الضحاك، ~~وأبو أرطاة. ### || [3.53] # قوله تعالى: { ربنا آمنا بما أنزلت } هذا قول الحواريين. والذي أنزل: ~~الإنجيل. والرسول: عيسى. وفي المراد بالشاهدين خمسة أقوال. أحدها: أنهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أنهم من آمن قبلهم من المؤمنين، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثالث: أنهم الأنبياء، لأن كل نبي شاهد أمته، قاله ~~عطاء. والرابع: أن الشاهدين: الصادقون، قاله مقاتل. والخامس: أنهم الذين ~~شهدوا للأنبياء بالتصديق. فمعنى الآية: صدقنا، واعترفنا، فاكتبنا مع من ~~فعل فعلنا، هذا قول الزجاج. ### || [3.54] # قوله تعالى: { ومكروا ومكر الله } قال الزجاج: المكر من الخلق: خبث ~~وخداع، ومن الله عز وجل: المجازاة، فسمي باسم ذلك، لأنه مجازاة عليه، ~~كقوله تعالى: # الله يستهزئ بهم # [البقرة: 15]. # والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]. لأن مكره مجازاة، ونصر للمؤمنين. قال ابن عباس: ومكرهم، ~~أن اليهود أرادوا قتل عيسى، فدخل خوخة، فدخل رجل منهم، فألقى عليه شبه ~~عيسى، ورفع عيسى إلى السماء، فلما خرج إليهم، ظنوه عيسى، فقتلوه. ### || [3.55] # قوله تعالى: { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك } قال ابن قتيبة: ~~التوفي، من استيفاء العدد، يقال: توفيت، واستوفيت، كما يقال: تيقنت ~~الخبر، واستيقنته، ثم قيل للموت: وفاة، وتوف. وأنشد أبو عبيدة: # إن بني الأدرد ليسوا من أحد # ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد # ولا توفاهم قريش في العدد # أي: لا تجعلهم وفاء لعددها، والوفاء: التمام. وفي هذا التوفي قولان. ~~أحدهما: أنه الرفع إلى السماء. والثاني: أنه الموت. فعلى القول الأول ~~يكون نظم الكلام مستقيما من غير تقديم ولا تأخير، ويكون معنى «متوفيك» ~~قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن ينال منك اليهود شيئا، هذا قول ~~الحسن، ms0264 وابن جريج، وابن قتيبة، واختاره الفراء. ومما يشهد لهذا الوجه ~~قوله تعالى: # فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم # [المائدة: 117]. أي: رفعتني إلى السماء من غير موت، لأنهم إنما بدلوا ~~بعد رفعه، لا بعد موته. وعلى القول الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير، ~~تقديره: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك، هذا ~~قول الفراء، والزجاج في آخرين. فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه ~~أن رفعه إلى السماء لا يمنع من موته. قال سعيد بن المسيب: رفع عيسى وهو ~~ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقال مقاتل: رفع من بيت المقدس ليلة القدر في ~~رمضان. وقيل عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. ويقال ماتت قبل رفعه. # قوله تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا } فيه قولان. # أحدهما: أنه رفعه من بين أظهرهم. # والثاني: منعهم من قبله، وفي الذين اتبعوه قولان. # أحدهما: أنهم المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم صدقوا ~~بنبوته، وأنه روح الله وكلمته، هذا قول قتادة، والربيع، وابن السائب. # والثاني: أنهم النصارى، فهم فوق اليهود، واليهود مستذلون مقهورون، قاله ~~ابن زيد. # قوله تعالى: { فيما كنتم فيه تختلفون } يعني: الدين. ### || [3.56] # قوله تعالى: { فأما الذين كفروا } قيل: هم اليهود والنصارى، وعذابهم في ~~الدنيا بالسيف والجزية، وفي الآخرة بالنار. ### || [3.57] # قوله تعالى: { فيوفيهم أجورهم } قرأ الأكثرون بالنون، وقرأ الحسن، ~~وقتادة، وحفص عن عاصم: فيوفيهم بالياء معطوفا على قوله تعالى: { إذ قال ~~الله يا عيسى } ### || [3.58] # قوله تعالى: { ذلك نتلوه عليك } يعني ما جرى من القصص. { من الآيات } ~~يعني الدلالات على صحة رسالتك، إذ كانت أخبارا لا يعلمها أمي { والذكر ~~الحكيم } قال ابن عباس: هو القرآن. قال الزجاج: معناه: ذو الحكمة في ~~تأليفه ونظمه، وإبانة الفوائد منه. ### || [3.59] # قوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } قال أهل التفسير: سبب ~~نزول هذه الآية، مخاصمة وفد نجران من النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~في أمر عيسى، وقد ذكرناه في أول السورة. فأما تشبيه عيسى بآدم، فلأنهما ~~جميعا من غير أب. ms0265 # قوله تعالى: { خلقه من تراب } يعني: آدم. قال ثعلب: وهذا تفسير لأمر آدم ~~وليس بحال. # قوله تعالى: { ثم قال له } يعني لآدم، وقيل لعيسى { كن فيكون } أي: ~~فكان: فأريد بالمستقبل الماضي، كقوله تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين ~~} أي: ما تلت الشياطين. ### || [3.60] # قوله تعالى: { الحق من ربك } قال الزجاج: الحق مرفوع على خبر ابتداء ~~محذوف، المعنى: الذي أنبأتك به في قصة عيسى الحق من ربك { فلا تكن من ~~الممترين } أي: الشاكين والخطاب للنبي خطاب للخلق، لأنه لم يشك. ### || [3.61] # قوله تعالى: { فمن حاجك فيه } في هاء «فيه» قولان. أحدهما: أنها ترجع ~~إلى عيسى. والثاني: إلى الحق. والعلم: البيان والإيضاح. # قوله تعالى: { فقل تعالوا } قال ابن قتيبة: تعالى: تفاعل، من علوت، ~~ويقال للاثنين من الرجال والنساء: تعاليا، وللنساء: تعالين. قال الفراء: ~~أصلها من العلو، ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها، صارت عندهم بمنزلة ~~«هلم» حتى استجازوا أن يقولوا للرجل، وهو فوق شرف: تعال، أي: اهبط. وإنما ~~أصلها: الصعود. قال المفسرون: أراد بأبنائنا: فاطمة والحسن، والحسين. ~~وروى مسلم في «صحيحه» من حديث سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية { ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم } # " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: ~~«اللهم هؤلاء أهلي» " # قوله تعالى: { وأنفسنا } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أراد علي بن أبي طالب، قاله الشعبي. والعرب تخبر عن ابن العم ~~بأنه نفس ابن عمه. # والثاني: أراد الإخوان، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أراد أهل دينه، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والرابع: أراد الأزواج. # والخامس: أراد القرابة القريبة، ذكرهما علي بن أحمد النيسابوري، فأما ~~الابتهال، فقال ابن قتيبة: هو التداعي باللعن، يقال: عليه بهلة الله، ~~وبهلته، أي: لعنته. وقال الزجاج: معنى الابتهال في اللغة: المبالغة في ~~الدعاء، وأصله: الالتعان، يقال: بهله الله، أي: لعنه. وأمر بالمباهلة بعد ~~إقامة الحجة. قال جابر بن عبد الله: قدم وفد نجران فيهم السيد والعاقب، ~~فذكر الحديث... إلى أن قال: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه أن يفادياه، ~~فغدا رسول الله صلى الله ms0266 عليه وسلم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ~~ثم أرسل اليهما، فأبيا أن يجيباه، فأقرا له بالخراج، فقال: # " والذي يعثني بالحق لو فعلا، لأمطر الوادي عليهم نارا ". ### || [3.62] # قوله تعالى: { وما من إله إلا الله } قال الزجاج: دخلت «من» هاهنا ~~توكيدا ودليلا على نفي جميع ما ادعى المشركون من الآلهة. ### || [3.63] # قوله تعالى: { فان تولوا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: عن الملاعنة، قاله مقاتل. # والثاني: أنه عن البيان الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ~~الزجاج. # والثالث: عن الإقرار بوحدانية الله، وتنزيهه عن الصاحبة والولد، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي، وفي الفساد هاهنا قولان. # أحدهما: أنه العمل بالمعاصي، قاله مقاتل. # والثاني: الكفر، ذكره الدمشقي. ### || [3.64] # قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم اليهود، قاله قتاده، وابن جريج، والربيع بن أنس. # والثاني: وفد نجران الذين حاجوا في عيسى، قاله السدي ومقاتل. # والثالث: أهل الكتابين جميعا، قاله الحسن. وقال ابن عباس: نزلت في ~~القسيسين والرهبان، فبعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى جعفر وأصحابه ~~بالحبشة، فقرأها جعفر، والنجاشي جالس، وأشراف الحبشة. فأما «الكلمة» فقال ~~المفسرون هي: لا إله إلا الله فإن قيل: فهذه كلمات، فلم قال كلمة؟ فعنه ~~جوابان. أحدهما: أن الكلمة تعبر عن ألفاظ وكلمات. قال اللغويون: ومعنى ~~كلمة: كلام فيه شرح قصة وإن طال، تقول العرب: قال زهير في كلمته يراد في ~~قصيدته. # قالت الخنساء: # وقافية مثل حد السنا # ن تبقى ويذهب من قالها # تقد الذؤابة من يذبل # أبت أن تزايل أوعالها # نطقت ابن عمرو فسهلتها # ولم ينطق الناس أمثالها # فأوقعت القافيه على القصيدة كلها، والغالب على القافية أن تكون في آخر ~~كلمة، من البيت، وإنما سميت قافية، لإن الكلمة تتبع البيت، وتقع آخره، ~~فسميت قافية من قول العرب: قفوت فلانا: إذا اتبعته، وإلى هذا الجواب ~~يذهب الزجاج وغيره. والثاني: أن المراد بالكلمة: كلمات، فاكتفى بالكلمة ~~من كلمات، كما قال علقمة بن عبدة. # بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # أراد: وأما جلودها، ms0267 فاكتفى بالواحد من الجمع، ذكره والذي قبله ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: { سواء بيننا وبينكم } قال الزجاج: يعني بالسواء العدل، وهو ~~من استواء الشيء، ويقال للعدل سواء وسواء وسواء. # قال زهير بن أبي سلمى: # أروني خطة لا ضيم فيها # يسوي بيننا فيها السواء # فإن تدعوا السواء فليس بيني # وبينكم بني حصن بقاء # قال: وموضع «أن» في قوله تعالى { ألا تعبدوا إلا الله } خفض على البدل ~~من «كلمة» المعنى: تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله. وجائز أن يكون «أن» ~~في موضع رفع، كأن قائلا قال: ما الكلمة؟ فأجيب، فقيل: هي ألا نعبد إلا ~~الله. # قوله تعالى: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه سجود بعضهم لبعض، قاله عكرمة. # والثاني: لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، قاله ابن جريج. # والثالث: أن نجعل غير الله ربا، كما قالت النصارى في المسيح، قاله ~~مقاتل والزجاج. ### || [3.65] # قوله تعالى: { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } قال ابن عباس، ~~والحسن، والسدي: اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران، وأحبار ~~اليهود، فقال هؤلاء: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقال هؤلاء: ما كان إلا ~~نصرانيا. فنزلت هذه الآية. ### || [3.66] # قوله تعالى: { ها أنتم } قرأ ابن كثير «هأنتم» مثل: هعنتم، فأبدل من ~~همزة الاستفهام «الهاء» أراد: أأنتم. وقرأ نافع وأبو عمرو «هانتم» ~~ممدودا، استفهام بلا همزة، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي. «ها ~~أنتم» ممدودا مهموزا، ولم يختلفوا في مد «هؤلاء» و «أولاء». # قوله تعالى: { فيما لكم به علم } فيه قولان. أحدهما: أنه ما رأوا ~~وعاينوا، قاله قتادة. والثاني: ما أمروا به، ونهوا عنه، قاله السدي. ~~فأما الذي ليس لهم به علم، فهو شأن إبراهيم عليه السلام. وقد روى أبو ~~صالح عن ابن عباس أنه كان بين إبراهيم وموسى، خمسمائة وخمس وسبعون سنة. ~~وبين موسى وعيسى ألف وستمائة واثنتان وثلاثون سنة. وقال ابن إسحاق: كان ~~بين إبراهيم وموسى خمسمائة وخمس وستون سنة، وبين موسى وعيسى ألف وتسعمائة ~~وخمس وعشرون ms0268 سنة. وقد سبق في (البقرة) معنى الحنيف. ### || [3.67-68] # قوله تعالى: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } في سبب نزولها ~~قولان. أحدهما: أن رؤساء اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد ~~علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك، وأنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد، ~~فنزلت هذه الآية. ومعناها: أحق الناس بدين إبراهيم، الذين اتبعوه على ~~دينه، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، قاله ابن عباس. والثاني: ~~أن عمرو بن العاص أراد أن يغضب النجاشي على أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال للنجاشي: إنهم ليشتمون عيسى. فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في ~~عيسى؟ فقالوا: يقول: إنه عبد الله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم. فأخذ ~~النجاشي من سواكه قدر ما يقذي العين، فقال: والله ما زاد على ما يقول ~~صاحبكم ما يزن هذا القذى، ثم قال: أبشروا، فلا دهورة اليوم على حزب ~~إبراهيم. قال عمرو بن العاص: ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط ~~وصاحبهم. فأنزل الله يوم خصومتهم على النبي صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية، هذا قول عبد الرحمن بن غنم. ### || [3.69] # قوله تعالى: { ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } سبب نزولها أن ~~اليهود قالوا لمعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر: تركتما دينكما، واتبعتما ~~دين محمد، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. والطائفة: اسم لجماعة مجتمعين ~~على ما اجتمعوا عليه من دين، ورأي، ومذهب، وغير ذلك. وفي هذه الطائفة ~~قولان. أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: اليهود والنصارى، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. والضلال: الحيرة. وفيه هاهنا قولان. أحدهما: ~~أنه الاستنزال عن الحق إلى الباطل، وهو قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: ~~الإهلاك، ومنه # أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10]. قاله ابن جرير، والدمشقي. وفي قوله: { وما يشعرون } ~~قولان. أحدهما: وما يشعرون أن الله يدل المؤمنين على حالهم، والثاني: وما ~~يشعرون أنهم يضلون أنفسهم. ### || [3.70] # قوله تعالى: { لم تكفرون بآيات الله؟ } قال قتادة: يعني: محمدا ~~والإسلام { وأنتم تشهدون } أن بعث محمد في كتابكم، ثم تكفرون به. ### || [3.71] # قوله تعالى: ms0269 { لم تلبسون الحق بالباطل؟ } قال اليزيدي: معناه: لم تخلطون ~~الحق بالباطل؟ قال ابن فارس: واللبس: اختلاط الأمر، وفي الأمر لبسة، أي: ~~ليس بواضح. وفي الحق والباطل أربعة أقوال. أحدها: أن الحق: إقرارهم ببعض ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والباطل: كتمانهم بعض أمره. والثاني: ~~الحق: إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم غدوة، والباطل: كفرهم به عشية، ~~رويا عن ابن عباس. والثالث: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه فيها ~~بأيديهم، قاله الحسن، وابن زيد. والرابع: الحق: الإسلام، والباطل: ~~اليهودية والنصرانية، قاله قتادة. # قوله تعالى: { وتكتمون الحق } قال قتادة: كتموا الإسلام، وكتموا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. ### || [3.72] # قوله تعالى: { وقالت طائفة من أهل الكتاب } في سبب نزولها قولان. ~~أحدهما: أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار، ~~فآمنوا، وإذا كان آخره، فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، ~~وهم أعلم منا، فينقلبون عن دينهم، رواه عطية عن ابن عباس. وقال الحسن ~~والسدي: تواطأ اثنا عشر حبرا من اليهود، فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين ~~محمد باللسان أول النهار، واكفروا آخره، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، ~~وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس بذلك، فيشك أصحابه في دينهم، ~~ويقولون: هم أهل الكتاب، وهم أعلم منا، فيرجعون إلى دينكم، فنزلت هذه ~~الآية. وإلى هذا المعنى ذهب الجمهور. والثاني: أن الله تعالى صرف نبيه ~~إلى الكعبة عند صلاة الظهر، فقال قوم من علماء اليهود: { آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار } يقولون: آمنوا بالقبلة التي صلوا ~~إليها الصبح، واكفروا بالتي صلوا إليها آخر النهار، لعلهم يرجعون إلى ~~قبلتكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد، وقتادة، والزجاج في ~~آخرين: وجه النهار: أوله. # وأنشد الزجاج: # من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأت نسوتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا يندبنه # قد قمن قبل تبلج الأسحار ### || [3.73] # قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } اختلف العلماء في ~~توجيه هذه الآية على أربعة أقوال. # أحدها: أن معناه: و لا تصدقوا إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا ms0270 أن يؤتى ~~أحد مما أوتيتم من العلم، وفلق البحر، والمن، والسلوى، وغير ذلك، ولا ~~تصدقوا أن يجادلوكم عند ربكم، لأنكم أصح دينا منهم، فيكون هذا كله من ~~كلام اليهود بينهم، وتكون اللام في «لمن» صلة، ويكون قوله تعالى: { قل ~~إن الهدى هدى الله } كلاما معترضا بين كلامين، هذا معنى قول مجاهد، ~~والأخفش. # والثاني: أن كلام اليهود تام عند قوله: { لمن تبع دينكم } والباقي من ~~قول الله تعالى، لا يعترضه شيء من قولهم، وتقديره: قل يا محمد: إن الهدى ~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، إلا أن تجادلكم ~~اليهود بالباطل، فيقولون: نحن أفضل منكم، هذا معنى قول الحسن، وسعيد بن ~~جبير. قال الفراء: معنى: «أن يؤتى» أن لا يؤتى. # والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم، إلا من تبع دينكم، فأخرت «أن»، وهي مقدمة في النية ~~على مذهب العرب في التقديم والتأخير، ودخلت اللام على جهة التوكيد، كقوله ~~تعالى: # عسى أن يكون ردف لكم # [النمل: 72] أي ردفكم. # وقال الشاعر: # ما كنت أخدع للخليل بخلة # حتى يكون لي الخليل خدوعا # أراد: ما كنت أخدع الخليل. # وقال الآخر: # يذمون للدنيا وهم يحلبونها # أفاويق حتى ما يدر لها ثعل # أراد: يذمون الدنيا، ذكره ابن الأنباري. # والرابع: أن اللام غير زائدة، والمعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء ~~مما جاء به إلا لليهود، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين، كان عونا لهم على ~~تصديقه، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: لا تؤمنوا أن محمدا وأصحابه ~~على حق، إلا لمن تبع دينكم، مخافة أن يطلع على عنادكم الحق، ويحاجوكم به ~~عند ربكم. فعلى هذا يكون معنى الكلام: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وقد ذكر هذا المعنى مكي بن أبي طالب النحوي. ~~وقرأ ابن كثير: أان يؤتى بهمزتين، الأولى مخففة، والثانية: ملينة على ~~الاستفهام، مثل: أانتم أعلم. قال أبو علي: ووجهها أن «أن» في موضع رفع ~~بالابتداء، وخبره: يصدقون ms0271 به، أو يعترفون به، أو يذكرونه لغيركم، ويجوز ~~أن يكون موضع «أن» نصبا، فيكون المعنى: أتشيعون، أو أتذكرون أن يؤتى ~~أحد، ومثله في المعنى: # أتحدثونهم بما فتح الله عليكم # [البقرة: 76] وقرأ الأعمش، وطلحة بن مصرف: إن يؤتى، بكسر الهمزة، على ~~معنى: ما يؤتى. وفي قوله تعالى: { أو يحاجوكم عند ربكم } قولان. أحدهما: ~~أن معناه: ولا تصدقوا أنهم يحاجوكم عند ربكم، لأنهم لا حجة لهم، قاله ~~قتادة. والثاني: أن معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم على طريق التعبد، كما ~~يقال: لا يلقاه أو تقوم الساعة، قاله الكسائي. # قوله تعالى: { إن الفضل بيد الله } قال ابن عباس: يعني النبوة، والكتاب، ~~والهدى { يؤتيه من يشاء } لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود من أنه ~~لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. ### || [3.74] # قوله تعالى: { يختص برحمته من يشاء } في الرحمة ثلاثة أقوال. أحدها: ~~أنها الإسلام، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: النبوة، قاله مجاهد. ~~والثالث: القرآن والإسلام، قاله ابن جريج. ### || [3.75] # قوله تعالى: { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار } قال ابن عباس: ~~أودع رجل ألفا ومئتي أوقيه من ذهب عبد الله بن سلام، فأداهما إليه، ~~فمدحه الله بهذا الآية، وأودع رجل فنحاص بن عازوراء دينارا، فخانه. ~~وأهل الكتاب: اليهود. وقد سبق الكلام في القنطار. وقيل إن «الباء» في ~~قوله: «بقنطار» بمعنى «على» فأما الدينار، فقرأت على شيخنا أبي منصور ~~اللغوي، قال: الدينار فارسي معرب، وأصله: دنار، وهو وإن كان معربا، ~~فليس تعرف له العرب اسما غير الدينار، فقد صار كالعربي، ولذلك ذكره الله ~~تعالى في كتابه، لأنه خاطبهم بما عرفوا، واشتقوا منه فعلا، فقالوا: رجل ~~مدنر: كثير الدنانير. وبرذون مدنر: أشهب مستدير النقش ببياض وسواد. ~~فان قيل: لم خص أهل الكتاب بأن فيهم خائنا وأمينا والخلق على ذلك، ~~فالجواب: أنهم يخونون المسلمين استحلالا لذلك، وقد بينه في قوله ~~تعالى: { ليس علينا في الأميين سبيل } فحذر منهم. وقال مقاتل: ~~الأمانة ترجع إلى من أسلم منهم، والخيانة إلى من لم يسلم. وقيل: إن الذين ~~يؤدون الأمانة: النصارى، ms0272 والذين لا يؤدونها: اليهود. # قوله تعالى: { إلا مادمت عليه قائما } قال الفراء: أهل الحجاز ~~يقولون: دمت ودمتم، ومت ومتم. وتميم يقولون: مت ودمت بالكسر، ~~ويجتمعون في «يفعل» يدوم ويموت. وفي هذا القيام قولان. أحدهما: أنه ~~التقاضي، قاله مجاهد، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. قال ابن ~~قتيبة: والمعنى: ما دمت مواظبا بالاقتضاء له والمطالبة. وأصل هذا أن ~~المطالب بالشيء يقوم فيه، ويتصرف. والتارك له يقعد عنه. # [قال الأعشى: # يقوم على الرغم في قومه # فيعفو إذا شاء أو ينتقم # أي: يطالب بالذخل ولا يقعد عنه. قال تعالى: { ليسوا سواء } ] # من أهل الكتاب أمة قائمة # [آل عمران: 113] أي: عاملة غير تاركة، وقال تعالى: # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33] أي: آخذ لها بما كسبت. والثاني: أنه القيام حقيقة، فتقديره: ~~إلا ما دمت قائما على رأسه، فإنه يعترف بأمانته، فاذا ذهبت، ثم جئت، ~~جحدك، قاله السدي. # قوله تعالى: { ذلك } يعني: الخيانة. والسبيل: الإثم والحرج، ونظيره # ما على المحسنين من سبيل # [التوبة: 91] قال قتادة: إنما استحل اليهود أموال المسلمين، لأنهم عندهم ~~ليسوا أهل كتاب. # قوله تعالى: { ويقولون على الله الكذب } قال السدي: يقولون: قد أحل الله ~~لنا أموال العرب. # قوله تعالى: { وهم يعلمون } قولان. أحدهما: يعلمون أن الله قد أنزل في ~~التوراة الوفاء، وأداء الأمانة. والثاني: يقولون الكذب، وهم يعلمون أنه ~~كذب. ### || [3.76] # قوله تعالى: { بلى } رد الله عز وجل عليهم قولهم: { ليس علينا في ~~الأميين سبيل } بقوله: { بلى } قال الزجاج: وهو عندي وقف التمام، ثم ~~استأنف، فقال: { من أوفى بعهده } ويجوز أن يكون استأنف جملة الكلام ~~بقوله: { بلى من أوفى }. والعهد: ما عاهدهم الله عز وجل عليه في التوراة. ~~وفي «هاء» { عهده } قولان. أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. والثاني: ~~إلى الموفي. ### || [3.77] # قوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } في ~~سبب نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: أن الأشعث بن قيس خاصم بعض اليهود في ~~أرض، فجحده اليهودي، فقدمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال [له]: ~~«ألك بينة»؟ ms0273 قال: لا. قال لليهودي: «أتحلف»؟ فقال الأشعث: إذا يحلف ~~فيذهب بمالي. فنزلت هذه الآية. أخرجه البخاري ومسلم. والثاني: أنها نزلت ~~في اليهود، عهد الله إليهم في التوراة تبيين صفة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فجحدوا، وخالفوا لما كانوا ينالون من سفلتهم من الدنيا، هذا قول ~~عكرمة، ومقاتل. والثالث: أن رجلا أقام سلعته في السوق أول النهار، فلما ~~كان آخره، جاء رجل، يساومه، فحلف: لقد منعها أول النهار من كذا، ولولا ~~المساء لما باعها به، فنزلت هذا الآية، هذا قول الشعبي، ومجاهد. فعلى ~~القول الأول، والثالث، العهد: لزوم الطاعة، وترك المعصية، وعلى الثاني: ~~ما عهده إلى اليهود في التوراة. واليمين: الحلف. وإن قلنا: إنها في ~~اليهود، والكفار، فإن الله لا يكلمهم يوم القيامة أصلا. وإن قلنا: إنها ~~في العصاة، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا يكلمهم الله كلام خير. ~~ومعنى: { ولا ينظر إليهم } ، أي: لا يعطف عليهم بخير مقتا لهم، قال ~~الزجاج: تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، ولا يكلمه، معناه: أنه غضبان عليه. # قوله تعالى: { ولا يزكيهم } أي: لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم. ### || [3.78] # قوله تعالى: { وإن منهم لفريقا } اختلفوا فيمن نزلت على قولين. ~~أحدهما: أنها نزلت في اليهود، رواه عطية، عن ابن عباس. والثاني: في ~~اليهود والنصارى، رواه الضحاك، عن ابن عباس. # قوله تعالى: { وإن } هي كلمة مؤكدة، واللام في قوله: «لفريقا» ~~توكيد زائد على توكيد «إن» قال ابن قتيبه: ومعنى { يلوون ألسنتهم ~~}: يقلبونها بالتحريف والزيادة. والألسنة: جمع لسان، قال أبو عمرو: ~~واللسان يذكر ويؤنث، فمن ذكره جمعه: ألسنة، ومن أنثه، جمعه: ألسنا. ~~وقال الفراء: اللسان بعينه لم نسمعه من العرب إلا مذكرا. وتقول العرب: ~~سبق من فلان لسان، يعنون به الكلام، فيذكرونه. # وأنشد ابن الأعرابي: # لسانك معسول ونفسك شحة # وعند الثريا من صديقك مالكا # وأنشد ثعلب: # ندمت على لسان كان مني # فليت بأنه في جوف عكم # والعكم: العدل. ودل بقوله: كان مني، على أن اللسان الكلام. # وأنشد ثعلب: # أتتني لسان بني عامر # أحاديثها بعد قول ms0274 نكر # فأنث اللسان، لأنه عنى الكلمة والرسالة. ### || [3.79] # قوله تعالى: { ما كان لبشر } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: أن ~~قوما من رؤساء اليهود والنصارى، قالوا: يا محمد أتريد أن نتخذك ربا؟ ~~فقال: معاذالله، ما بذلك بعثني، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. ~~والثاني: # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا نسجد لك؟ قال: «لا، فإنه ~~لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله» " # فنزلت هذه الآية، قاله الحسن البصري. والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران ~~حيث عبدوا عيسى. قاله الضحاك، ومقاتل. وفيمن عنى ب «البشر» قولان. ~~أحدهما: محمد صلى الله عليه وسلم. والكتاب: القرآن، قاله ابن عباس، ~~وعطاء. والثاني: عيسى، والكتاب: الإنجيل، قاله الضحاك، ومقاتل. والحكم: ~~الفقه والعلم، قاله قتادة في آخرين. قال الزجاج: ومعنى الآية: لا يجتمع ~~لرجل نبوة، والقول للناس: كونوا عبادا لي من دون الله، لأن الله لا ~~يصطفي الكذبة. # قوله تعالى: { ولكن كونوا } أي: ولكن يقول لهم: كونوا، فحذف القول ~~لدلالة الكلام عليه. # فأما الربانيون، فروي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: هم ~~الذين يغذون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها. وقال ابن عباس، وابن جبير: ~~هم الفقهاء المعلمون. وقال قتادة، وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء. ~~قال ابن قتيبة: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون. وقال أبو عبيد: أحسب ~~الكلمة ليست بعربية، إنما هي عبرانية، أو سريانية، وذلك أن أبا عبيدة زعم ~~أن العرب لا تعرف الربانيين. قال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء، وأهل ~~العلم، قال: وسمعت رجلا عالما بالكتب يقول: هم العلماء بالحلال ~~والحرام، والأمر والنهي. وحكى ابن الأنباري عن بعض اللغويين: الرباني: ~~منسوب إلى الرب، لأن العلم: مما يطاع الله به، فدخلت الألف والنون في ~~النسبة للمبالغة، كما قالوا: رجل لحياني: إذا بالغوا في وصفه بكبر ~~اللحية. # قوله تعالى: { بما كنتم تعلمون الكتاب } قرأ ابن كثير، ونافع وأبو ~~عمرو: تعلمون، باسكان العين، ونصب اللام. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: تعلمون مثقلا، وكلهم قرؤوا: «تدرسون» خفيفة. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن ms0275 عباس، وأبو رزين، وسعيد بن جبير، وطلحة بن مصرف، وأبو ~~حيوه: تدرسون، بضم التاء مع التشديد. والدراسة: القراءة. قال الزجاج: ~~ومعنى الكلام: ليكن هديكم ونيتكم في التعليم هدي العلماء والحكماء، لأن ~~العالم إنما يستحق هذا الاسم إذا عمل بعلمه. ### || [3.80] # قوله تعالى: { ولا يأمركم أن } قرأ ابن عامر، وحمزة، وخلف، ويعقوب، ~~وعاصم في بعض الروايات عنه، وعبد الوارث، عن أبي عمرو، واليزيدي في ~~اختياره، بنصب الراء. وقرأ الباقون برفع الراء، فمن نصب كان المعنى: وما ~~كان لبشر أن يأمركم، ومن رفع قطعه مما قبله. قال ابن جريج: ولا يأمركم ~~محمد. ### || [3.81] # قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبين } قال الزجاج: موضع «إذ» ~~نصب، المعنى: واذكر في أقاصيصك إذ أخذ الله. قال ابن عباس: الميثاق: ~~العهد. وفي الذي أخذ ميثاقهم عليه قولان. أحدهما: أنه تصديق محمد صلى ~~الله عليه وسلم، روي عن علي، وابن عباس، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه ~~أخذ ميثاق الأول من الأنبياء ليؤمنن بما جاء به الآخر منهم، قاله ~~طاووس. قال مجاهد، والربيع بن أنس: هذه الآية خطأ من الكتاب، وهي في ~~قراءة ابن مسعود: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } واحتج ~~الربيع بقوله تعالى: { ثم جاءكم رسول }. وقال بعض أهل العلم: إنما أخذ ~~الميثاق على النبيين، وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم، لأن في ~~أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع، وهذا معنى قول ابن ~~عباس، والزجاج. # واختلف العلماء في لام «لما» فقرأ الأكثرون «لما» بفتح اللام والتخفيف، ~~وقرأ حمزة مثلها، إلا أنه كسر اللام، وقرأ سعيد بن جبير «لما» مشددة ~~الميم، فقراءة ابن جبير، معناها: حين آتيتكم. وقال الفراء في قراءة حمزة: ~~يريد أخذ الميثاق للذي آتاهم، ثم جعل قوله: { لتؤمنن به } من الأخذ. قال ~~الفراء: ومن نصب اللام جعلها زائدة. و «ما» هاهنا بمعنى الشرط والجزاء، ~~فالمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم شيئا من كتاب وحكمة. قال ابن ~~الأنباري: اللام في قوله تعالى: { لما آتيتكم } على قراءة من شدد أو ~~كسر: جواب لأخذ ms0276 الميثاق، قال: لأن أخذ الميثاق يمين، وعلى قراءة من ~~خففها، معناها: القسم، وجواب القسم اللام في قوله: { لتؤمنن به }. وإنما ~~خاطب، فقال: آتيتكم. بعد أن ذكر النبيين وهم غيب، لأن في الكلام معنى ~~قول وحكاية، فقال مخاطبا لهم: لما آتيتكم وقرأ نافع «آتيناكم» بالنون ~~والألف. # قوله تعالى: { ثم جاءكم رسول } قال علي رضي الله عنه: ما بعث الله نبيا ~~إلا أخذ عليه العهد، إن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. وقال غيره: ~~أخذ ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا. والإصر هاهنا: العهد في قول ~~الجماعة. قال ابن قتيبة: أصل الإصر: الثقل، فسمي العهد إصرا، لأنه ~~منع من الأمر الذي أخذ له، وثقل وتشديد. وكلهم كسر ألف «إصري». وروى أبو ~~بكر، عن عاصم ضمه. قال أبو علي: يشبه أن يكون الضم لغة. # قوله تعالى: { قال فاشهدوا } قال ابن فارس: الشهادة: الإخبار بما شوهد. ~~وفيمن خوطب بهذا قولان. أحدهما: أنه خطاب للنبيين، ثم فيه قولان. أحدهما: ~~أنه معناه: فاشهدوا على أممكم، قاله علي بن أبي طالب. والثاني: فاشهدوا ~~على أنفسكم، قاله مقاتل. والثاني: أنه خطاب للملائكة، قاله سعيد بن ~~المسيب. فعلى هذا يكون كناية عن غير مذكور. ### || [3.82-83] # قوله تعالى: { أفغير دين الله يبغون } قرأ أبوعمرو: «يبغون» بالياء ~~مفتوحة. { وإليه ترجعون } بالتاء مضمومة، وقرأها الباقون بالياء في ~~الحرفين. وروى حفص عن عاصم: «يبغون» و «يرجعون» بالياء فيهما، وفتح الياء ~~وكسر الجيم يعقوب على أصله. قال ابن عباس: اختصم أهل الكتابين، فزعمت ~~كل فرقة أنها أولى بدين إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم " # فغضبوا، وقالوا: والله لا نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فنزلت هذه ~~الآية. والمراد بدين الله، دين محمد صلى الله عليه وسلم. { وله أسلم } ~~انقاد، وخضع { طوعا وكرها } الطوع: الانقياد بسهولة، والكره: الانقياد ~~بمشقة وإباء من النفس. وفي معنى الطوع والكره ستة أقوال. أحدها: أن ~~إسلام الكل كان يوم الميثاق طوعا وكرها، رواه مجاهد عن ابن عباس، ~~والأعمش عن مجاهد، وبه قال السدي. ms0277 والثاني: أن المؤمن يسجد طائعا، ~~والكافر يسجد ظله وهو كاره، روي عن ابن عباس، ورواه ابن أبي نجيح، وليث ~~عن مجاهد. والثالث: أن الكل أقروا له بأنه الخالق، وإن أشرك بعضهم، ~~فإقراره بذلك حجة عليه في إشراكه، هذا قول أبو العالية، ورواه منصور عن ~~مجاهد. والرابع: أن المؤمن أسلم طائعا، والكافر أسلم مخافة السيف، هذا ~~قول الحسن. والخامس: أن المؤمن أسلم طائعا، والكافر أسلم حين رأى بأس ~~الله، فلم ينفعه في ذلك الوقت، هذا قول قتادة. والسادس: أن إسلام الكل ~~خضوعهم لنفاذ أمره في جبلتهم، لا يقدر أحد أن يمتنع من جبلة جبله ~~عليها، ولا على تغييرها، هذا قول الزجاج، وهو معنى قول الشعبي: انقاد ~~كلهم له. ### || [3.84-87] # قوله تعالى: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال. أحدها: أن رجلا من الأنصار ارتد فلحق بالمشركين، فنزلت ~~هذه الآية، إلى قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } فكتب بها قومه إليه، ~~فرجع تائبا [فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وخلى عنه] رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. وذكر مجاهد، والسدي أن اسم ذلك الرجل: الحارث بن ~~سويد. # والثاني: أنها نزلت في عشرة رهط ارتدوا، فيهم الحارث بن سويد، فندم، ~~فرجع. رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # والثالث: أنها في أهل الكتاب، عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفروا ~~به. رواه عطية عن ابن عباس. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى. وقيل: إن ~~«كيف» هاهنا لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها الجحد، أي: لا يهدي الله ~~هؤلاء. ### || [3.88-89] # قوله تعالى: { خالدين فيها } قال الزجاج أي: في عذاب اللعنة { ولا هم ~~ينظرون } أي: يؤخرون عن الوقت. قال: ومعنى: { أصلحوا } أي: أظهروا أنهم ~~كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه، وغروا به من تبعهم ممن لا علم ~~له. # فصل # وهذه الآية استثنت من تاب ممن لم يتب وقد زعم قوم أنها نسخت ما تضمنته ~~الآيات قبلها من الوعيد، وليس بنسخ. ### || [3.90] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم } اختلفوا ms0278 فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت فيمن لم يتب من أصحاب الحارث بن سويد، فإنهم قالوا: ~~نقيم بمكة ونتربص بمحمد ريب المنون، قاله ابن عباس، و مقاتل. # والثاني: أنها نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا ~~بمحمد والقرآن، قاله الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني. # والثالث: أنها نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد بعد إيمانهم بصفته، ~~ثم ازدادوا كفرا باقامتهم على كفرهم، قاله أبو العالية. قال الحسن: كلما ~~نزلت آية كفروا بها، فازداوا كفرا. وفي علة امتناع قبول توبتهم أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنهم ارتدوا، وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم، والكفر في ~~ضمائرهم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم قوم تابوا من الذنوب في الشرك، ولم يتوبوا من الشرك، قاله ~~أبو العالية. # والثالث: أن: معناه: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، وهو قول الحسن، ~~وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي. # والرابع: لن تقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر، قاله مجاهد. ### || [3.91] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } روى أبو صالح عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، دخل من كان من أصحاب ~~الحارث بن سويد حيا في الإسلام، فنزلت هذه الآية فيمن مات منهم كافرا. ~~قال الزجاج: وملء الشيء: مقدار ما يملؤه. قال سيبويه، والخليل: والملء ~~بفتح الميم: الفعل، تقول: ملأت الشيء أملؤه ملأ، المصدر بالفتح لا غير. ~~والملاءة: التي تلبس ممدودة. والملاوة من الدهر: القطعة الطويلة منه، ~~يقولون: ابل جديدا، وتمل حبيبا، أي: عش معه دهرا طويلا. و { ذهبا } ~~منصوب على التمييز. وقال ابن فارس: ربما أنث الذهب، فقيل: ذهبة، ويجمع ~~على الأذهاب. # قوله تعالى: { ولو افتدى به } قال الفراء: الواو هاهنا قد يستغنى عنها، ~~ولو حذفت كان صوابا، كقوله تعالى: # وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75] قال الزجاج: هذا غلط، لأن فائدة الواو بينة، فليست مما ~~يلقى. قال النحاس: قال أهل النظر من النحويين في هذه الآية: الواو ليست ~~مقحمة، وتقديره: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا تبرعا ولو افتدى. ### || [3.92] ms0279 # قوله تعالى: { لن تنالوا البر } في البر أربعة أقوال. # أحدها: أنه الجنة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين. قال ابن ~~جرير: فيكون المعنى: لن تنالوا بر الله بكم الذي تطلبونه بطاعتكم. # والثاني: التقوى، قاله عطاء، ومقاتل. # والثالث: الطاعة، قاله عطية. # والرابع: الخير الذي يستحق به الأجر، قاله أبو روق. قال القاضي أبو ~~يعلى: لم يرد نفي الأصل، وإنما نفي وجود الكمال، فكأنه قال: لن تنالوا ~~البر الكامل. # قوله تعالى: { حتى تنفقوا مما تحبون } فيه قولان. أحدهما: أنه نفقة ~~العبد من ماله، وهو صحيح شحيح، رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. والثاني: أنه الإنفاق من محبوب المال، قاله قتادة، والضحاك. وفي ~~المراد بهذه النفقة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الصدقة المفروضة، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك. # والثاني: أنها جميع الصدقات، قاله ابن عمر. # والثالث: أنها جميع النفقات التي يبتغى بها وجه الله تعالى، سواء كانت ~~صدقة، أو لم تكن، نقل عن الحسن، واختاره القاضي أبو يعلى وروى البخاري، ~~ومسلم في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري ~~بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة ~~المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. ~~قال أنس: # " فلما نزلت: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } قام أبو طلحة، ~~فقال: يا رسول الله إن الله يقول: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون } وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها ~~عند الله تعالى، فضعها حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ، ~~ذاك مال رابح أو رائح [شك الراوي] وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها ~~في الأقربين»فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه " # وروي عن عبد الله بن عمر أنه قرأ هذه الآية فقال: لا أجد شيئا أحب ~~إلي من جاريتي رميثة، فهي حرة لوجه الله، ثم قال: لولا أني أعود في شيء ~~جعلته لله، لنكحتها، فأنكحها نافعا، فهي ms0280 أم ولده. وسئل أبو ذر: أي ~~الأعمال أفضل: فقال: الصلاة: عماد الإسلام، والجهاد: سنام العمل، ~~والصدقة: شيء عجب. ثم قال السائل: يا أبا ذر لقد تركت شيئا هو أوثق ~~عمل في نفسي لا أراك ذكرته. قال: ما هو؟ قال: الصيام. فقال: قربة وليس ~~هناك، وتلا قوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }. قال ~~الزجاج: ومعنى قوله تعالى: { فإن الله به عليم } أي: يجازي عليه. ### || [3.93] # قوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } سبب نزولها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أنا على ملة إبراهيم» فقالت ~~اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل؟ وتشرب ألبانها؟ فقال: «كان ذلك حلا ~~لإبراهيم». فقالوا كل شيء نحرمه نحن، فإنه كان محرما على نوح ~~وإبراهيم حتى انتهى إلينا " # فنزلت هذه الآية تكذيبا لهم. قاله أبو روق، وابن السائب و «الطعام» اسم ~~للمأكول. قال ابن قتيبة: والحل: الحلال، ومثله الحرم والحرام، واللبس ~~واللباس. وفي الذي حرمه على نفسه، ثلاثة أقوال. أحدها: لحوم الإبل ~~وألبانها. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو صالح، عن ابن ~~عباس، وهو قول الحسن، وعطاء ابن أبي رباح، وأبي العالية في آخرين. ~~والثاني: أنه العروق، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وهو قول مجاهد، ~~وقتادة، والضحاك، والسدي في آخرين. والثالث: أنه زائدتا الكبد، ~~والكليتان، والشحم إلا ما على الظهر، قاله عكرمة. وفي سبب تحريمه لذلك ~~أربعة أقوال. أحدها: أنه طال به مرض شديد، فنذر: لئن شفاه الله، ~~ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والثاني: أنه اشتكى عرق النسا فحرم العروق، قاله ابن عباس في آخرين. ~~والثالث: أن الأطباء وصفوا له حين أصابه النسا اجتناب ما حرمه، فحرمه، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: أنه كان إذا أكل ذلك الطعام، أصابه ~~عرق النسا، فيبيت وقيذا فحرمه، قاله أبو سليمان الدمشقي. واختلفوا: هل ~~حرم ذلك بإذن الله، أو باجتهاده؟ على قولين. واختلفوا: بماذا ثبت تحريم ~~الطعام الذي حرمه على اليهود، على ثلاثة أقوال. ms0281 أحدها: أنه حرم عليهم ~~بتحريمه، ولم يكن محرما في التوراة، قاله عطية. وقال ابن عباس: قال ~~يعقوب: لئن عافاني الله لا يأكله لي ولد. والثاني: أنهم وافقوا أباهم ~~يعقوب في تحريمه، لا أنه حرم عليهم بالشرع، ثم أضافوا تحريمه إلى الله، ~~فأكذبهم الله بقوله: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } هذا ~~قول الضحاك. والثالث: أن الله حرمه عليهم بعد التوراة لا فيها. وكانوا ~~إذا أصابوا ذنبا عظيما، حرم عليهم به طعام طيب، أو صب عليهم عذاب، هذا ~~قول ابن السائب. قال ابن عباس: { فأتوا بالتوراة فاتلوها } هل تجدون فيها ~~تحريم لحوم الإبل وألبانها!. ### || [3.94] # قوله تعالى: { فمن افترى } يقول: اختلق { على الله الكذب من بعد ذلك } ~~أي: من بعد البيان في كتبهم، وقيل: من بعد مجيئكم بالتوراة وتلاوتكم ~~إياها. ### || [3.95] # قوله تعالى: { قل صدق الله } الصدق: الإخبار بالشيء على ما هو به، وضده ~~الكذب. واختلفوا أي خبر عنى بهذه الآية؟ على قولين. أحدهما: أنه عنى قوله ~~تعالى: { ما كان ابراهيم يهوديا } قاله مقاتل، وأبو سليمان الدمشقي. ~~والثاني: أنه عنى قوله تعالى: { كل الطعام كان حلا } قاله ابن ~~السائب. ### || [3.96] # قوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس } قال مجاهد: افتخر المسلمون ~~واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل من الكعبة. وقال المسلمون: ~~الكعبة أفضل، فنزلت هذه الآية. وفي معنى كونه «أول» قولان. أحدهما: أنه ~~أول بيت كان في الأرض، واختلف أرباب هذا القول، كيف كان أول بيت على ~~ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه ظهر على وجه الماء حين خلق الله الأرض، فخلقه قبلها بألفي ~~عام، ودحاها من تحته، فروى سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: كانت الكعبة ~~حشفة على وجه الماء، عليها ملكان يسبحان الليل والنهار قبل الأرض بألفي ~~سنة. وقال ابن عباس: وضع البيت في الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق ~~الدنيا بألفي سنة. ثم دحيت الأرض من تحت البيت، وبهذا القول يقول ابن ~~عمر، وابن عمرو، وقتادة، ومجاهد، والسدي في آخرين. # والثاني: أن آدم استوحش حين أهبط، فأوحى الله ms0282 إليه، أن: ابن لي بيتا ~~في الأرض، فاصنع حوله نحو ما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي، فبناه، رواه ~~أبو صالح، عن ابن عباس. # والثالث: أنه أهبط مع آدم، فلما كان الطوفان، رفع فصار معمورا في ~~السماء، وبنى إبراهيم على أثره، رواه شيبان عن قتادة. القول الثاني: أنه ~~أول بيت وضع للناس للعبادة، وقد كانت قبله بيوت، هذا قول علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، والحسن، وعطاء بن السائب في آخرين. فأما بكة، فقال ~~الزجاج: يصلح هذا الاسم أن يكون مشتقا من البك. يقال بك الناس ~~بعضهم بعضا، أي: دفع. واختلفوا في تسميتها ببكة على ثلاثة أقوال. # أحدها: لازدحام الناس بها، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ~~وقتادة، والفراء، ومقاتل. # والثاني: لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي: تدقها، فلم يقصدها جبار إلا ~~قصمه الله، روي عن عبد الله ابن الزبير، وذكره الزجاج. # والثالث: لأنها تضع من نخوة المتجبرين، يقال: بككت الرجل، أي وضعت منه، ~~ورددت نخوته، قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي، وقطرب. واتفقوا على أن مكة ~~اسم لجميع البلدة. واختلفوا في بكة على أربعة أقوال. # أحدها: أنه اسم للبقعة التي فيها الكعبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو ~~مالك، وإبراهيم، وعطية. والثاني: أنها ما حول البيت، ومكة ما وراء ذلك، ~~قاله عكرمة. # والثالث: أنها المسجد، والبيت. ومكة: اسم للحرم كله، قاله الزهري، ~~وضمرة بن حبيب. # والرابع: أن بكة هي مكة، قاله الضحاك، وابن قتيبة، واحتج ابن قتيبة بأن ~~الباء تبدل من الميم؛ يقال: سمد رأسه، وسبد رأسه: إذا استأصله. وشر لازم، ~~ولازب. # قوله تعالى: { مباركا } قال الزجاج: هو منصوب على الحال. المعنى: الذي ~~استقر بمكة في حال بركته. # قوله تعالى: { وهدى } أي: وذا هدى. # ويجوز أن يكون «هدى» في موضع رفع، المعنى: وهو هدى، فأما بركته، ففيه ~~تغفر الذنوب، وتضاعف الحسنات، ويأمن من دخله. # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من طاف بالبيت، لم يرفع قدما، ولم يضع أخرى، إلا كتب الله له بها ~~حسنة، وحط ms0283 عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة " # قوله تعالى: { وهدى للعالمين } ، في الهدى هاهنا أربعة أقوال. أحدها: ~~أنه بمعنى القبلة، فتقديره: وقبلة للعالمين. والثاني: أنه بمعنى: الرحمة. ~~والثالث: أنه بمعنى: الصلاح، لأن من قصده، صلحت حاله عند ربه. والرابع: ~~أنه بمعنى: البيان، والدلالة على الله تعالى بما فيه من الآيات التي لا ~~يقدر عليها غيره. حيث يجتمع الكلب والظبي في الحرم، فلا الكلب يهيج ~~الظبي، ولا الظبي يستوحش منه، قاله القاضي أبو يعلى. ### || [3.97] # قوله تعالى: { فيه آيات بينات } ، الجمهور يقرؤون: آيات. وروى عطاء عن ~~ابن عباس أنه قرأ: { فيه آية بينة مقام إبراهيم } ، وبها قرأ مجاهد. ~~والآية: مقام إبراهيم. فأما من قرأ: «آيات» فقال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: الآيات: مقام إبراهيم، وأمن من دخله. فعلى هذا يكون الجمع ~~معبرا عن التثنية، وذلك جائز في اللغة، كقوله تعالى: # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78]. وقال أبو رجاء: كان الحسن يعدهن، وأنا أنظر إلى ~~أصابعه: مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، ولله على الناس حج البيت. ~~وقال ابن جرير: في الكلام إضمار، تقديره: منهن مقام إبراهيم. قال ~~المفسرون: الآيات فيه كثيرة، منها مقام إبراهيم، ومنها: أمن من دخله، ~~ومنها: امتناع الطير من العلو عليه، واستشفاء المريض منها به، وتعجيل ~~العقوبة لمن انتهك حرمته، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا إخرابه، إلى غير ~~ذلك. قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالبيت هاهنا: الحرم كله، لأن هذه ~~الآيات موجودة فيه، ومقام إبراهيم ليس في البيت، والآية في مقام إبراهيم ~~أنه قام على حجر، فأثرث قدماه فيه، فكان ذلك دليلا على قدرة الله، ~~وصدق إبراهيم. # قوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا } قال القاضي أبو يعلى: لفظه لفظ ~~الخبر، ومعناه: الأمر، وتقديره: ومن دخله، فأمنوه، وهو عام فيمن جنى ~~جناية قبل دخوله، وفيمن جنى فيه بعد دخوله، إلا أن الإجماع انقعد على أن ~~من جنى فيه لا يؤمن، لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان، فبقي حكم الآية ~~فيمن جنى خارجا منه، ثم لجأ إلى الحرم. وقد ms0284 اختلف الفقهاء في ذلك، فقال ~~أحمد في رواية المروذي: إذا قتل، أو قطع يدا، أو أتى حدا في غير الحرم، ~~ثم دخله، لم يقم عليه الحد، ولم يقتص منه، ولكن لا يبايع، ولا يشارى، ~~ولا يؤاكل حتى يخرج، فإن فعل شيئا من ذلك في الحرم، استوفي منه. وقال ~~أحمد في رواية حنبل: إذا قتل خارج الحرم، ثم دخله، لم يقتل. وإن كانت ~~الجناية دون النفس، فإنه يقام عليه الحد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. ~~وقال مالك والشافعي: يقام عليه جميع ذلك في النفس، وفيما دون النفس. # وفي قوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا } ، دليل على أنه لا يقام عليه ~~شيء من ذلك، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن ~~جبير، وطاووس. # قوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت } ، الأكثرون على فتح حاء ~~«الحج»، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: بكسرها. قال مجاهد: لما أنزل ~~قوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] قال أهل الملل كلهم: نحن مسلمون، فنزلت هذه الآية، فحجه ~~المسلمون، وتركه المشركون، وقالت اليهود: لا نحجه أبدا. # قوله تعالى: { من استطاع إليه سبيلا } قال النحويون: من استطاع بدل من ~~«الناس»، وهذا بدل البعض من الكل، كما تقول: ضربت زيدا رأسه. وقد روي ~~عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وعائشة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: ما السبيل؟ فقال: «من وجد ~~الزاد والراحلة» " # قوله تعالى: { ومن كفر } ، فيه خمسة أقوال. # أحدها: أن معناه: من كفر بالحج فاعتقده غير واجب، رواه مقسم عن ابن ~~عباس، وابن جريج عن مجاهد، وبه قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، ~~ومقاتل. # والثاني: من لم يرج ثواب حجه، ولم يخف عقاب تركه، فقد كفر به، رواه علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثالث: أنه الكفر بالله، لا بالحج، وهذا المعنى مروي عن عكرمة، ~~ومجاهد. # والرابع: أنه إذا أمكنه الحج، فلم يحج حتى مات، وسم بين عينيه: كافر، ~~هذا قول ابن ms0285 عمر. # والخامس: أنه أراد الكفر بالآيات التي أنزلت في ذكر البيت، لأن قوما ~~من المشركين قالوا: نحن نكفر بهذه الآيات، هذا قول ابن زيد. ### || [3.98-99] # قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب }. قال الحسن: هم اليهود والنصارى، ~~فأما آيات الله. فقال ابن عباس: هي القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم. ~~وأما الشهيد، فقال ابن قتيبة: هو بمعنى الشاهد، وقال الخطابي: هو الذي لا ~~يغيب عنه شيء، كأنه الحاضر الشاهد. # قوله تعالى: { يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن }. قال ~~مقاتل: دعت اليهود حذيفة، وعمار بن ياسر، إلى دينهم، فنزلت هذه الآية. ~~وفي المراد بأهل الكتاب هاهنا قولان. أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، ~~قاله الحسن. والثاني: اليهود. قاله زيد بن أسلم، ومقاتل. قال ابن عباس: ~~لم تصدون عن سبيل الله: الإسلام، والحج. وقال قتادة: لم تصدون عن نبي ~~الله، وعن الإسلام. قال السدي: كانوا إذا سئلوا: هل تجدون محمدا في ~~كتبكم؟ قالوا: لا. فصدوا عنه الناس. # قوله تعالى: { تبغونها } ، قال اللغويون: الهاء كناية عن السبيل، ~~والسبيل يذكر ويؤنث. وأنشدوا: # فلا تبعد فكل فتى أناس # سيصبح سالكا تلك السبيلا # ومعنى «تبغونها» تبغون لها، تقول العرب: ابغني خادما، يريدون: ابتغه ~~لي: فاذا أرادوا: ابتغ معي، وأعني على طلبه، قالوا: ابغني، ففتحوا الألف، ~~ويقولون: وهبتك درهما، كما يقولون: وهبت لك. قال الشاعر: # فتولى غلامهم ثم نادى # أظليما أصيدكم أم حمارا؟. # أراد: أصيد لكم: ومعنى الآية: يلتمسون لسبيل الله الزيغ والتحريف، ~~ويريدون رد الإيمان والاستقامة إلى الكفر والاعوجاج، ويطلبون العدول عن ~~القصد، هذا قول الفراء، والزجاج، واللغويين. قال ابن جرير: خرج هذا ~~الكلام على السبيل، والمعنى: لأهله، كأن المعنى: تبغون لأهل دين الله، ~~ولمن هو على سبيل الحق عوجا. أي: ضلالا. قال أبو عبيدة: العوج بكسر ~~العين، في الدين، والكلام، والعمل، والعوج بفتحها، في الحائط والجذع. ~~وقال الزجاج: العوج بكسر العين: فيما لا ترى له شخصا، وما كان له شخص ~~قلت: عوج بفتحها، تقول: في أمره ودينه عوج، وفي العصا عوج. وروى ابن ~~الأنباري ms0286 عن ثعلب قال: العوج عند العرب بكسر العين: في كل ما لا يحاط ~~به، والعوج بفتح العين في كل مالا يحصل، فيقال: في الأرض عوج، وفي ~~الدين عوج، لأن هذين يتسعان، ولا يدركان. وفي العصا عوج، وفي السن ~~عوج، لأنهما يحاط بهما، ويبلغ كنههما. وقال ابن فارس: العوج بفتح العين: ~~في كل منتصب، كالحائط. والعوج: ما كان في بساط أو أرض، أو دين، أو معاش. # قوله تعالى: { وأنتم شهداء } فيه قولان. أحدهما: أن معناه، وأنتم شاهدون ~~بصحة ما صددتم عنه، وبطلان ما أنتم فيه، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، ~~وقتادة، والأكثرين. والثاني: أن معنى الشهداء هاهنا: العقلاء، ذكره ~~القاضي أبو يعلى في آخرين. ### || [3.100] # سبب نزولها أن الأوس والخزرج كان بينهما حرب في الجاهلية، فلما جاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم أطفأ تلك الحرب بالإسلام، فبينما رجلان أوسي ~~وخزرجي يتحدثان، ومعهما يهودي، جعل اليهودي يذكرهما أيامهما، ~~والعداوة التي كانت بينهما حتى اقتتلا، فنادى كل واحد منهما بقومه، ~~فخرجوا بالسلاح، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأصلح بينهم، فنزلت هذه ~~الآية، قاله مجاهد، وعكرمة، والجماعة. قال المفسرون: والخطاب بهذه الآية ~~للأوس والخرزج. قال زيد بن أسلم: وعنى بذلك الفريق: شاس بن قيس اليهودي ~~وأصحابه، قال الزجاج: ومعنى طاعتهم: تقليدهم. ### || [3.101] # قوله تعالى: { ومن يعتصم بالله } # قال ابن قتيبة: أي: يمتنع، وأصل العصمة: المنع، قال الزجاج: ويعتصم ~~جزم ب «من» والجواب { فقد هدي }. ### || [3.102] # قال عكرمة: نزلت في الأوس والخزرج حين اقتتلوا، وأصلح النبي صلى الله ~~عليه وسلم بينهم. وفي «حق تقاته» ثلاثة أقوال. أحدها: أن يطاع الله فلا ~~يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، رواه ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن مسعود، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ومقاتل. ~~والثاني: أن يجاهد في الله حق الجهاد، وأن لا يأخذ العبد فيه لومة لائم، ~~وأن يقوموا له بالقسط، ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. والثالث: أن معناه: اتقوه فيما يحق ms0287 عليكم أن تتقوه ~~فيه، قاله الزجاج. # فصل # واختلف العلماء: هل هذا الكلام محكم أو منسوخ؟ على قولين. أحدهما: أنه ~~منسوخ، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد، والسدي، ~~ومقاتل. قالوا: لما نزلت هذه الآية، شقت على المسلمين، فنسخها قوله ~~تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. والثاني: أنها محكمة، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ~~وهو قول طاووس. قال شيخنا علي بن عبد الله: والاختلاف في نسخها وإحكامها، ~~يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها، فالمعتقد نسخها يرى أن «حق ~~تقاته»الوقوف على جميع ما يجب له ويستحقه، وهذا يعجز الكل عن الوفاء به، ~~فتحصيله من الواحد ممتنع، والمعتقد إحكامها يرى أن «حق تقاته» أداء ما ~~يلزم العبد على قدر طاقته، فكان قوله تعالى: «ما استطعتم» مفسرا ل «حق ~~تقاته» لا ناسخا ولا مخصصا. ### || [3.103] # قوله تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعا } قال الزجاج: اعتصموا: ~~استمسكوا. فأما الحبل، ففيه ستة أقوال. # أحدها: أنه كتاب الله: القرآن: رواه شقيق عن ابن مسعود وبه قال قتادة، ~~والضحاك، والسدي. # والثاني: أنه الجماعة، رواه الشعبي عن ابن مسعود. # والثالث: أنه دين الله، قاله ابن عباس، وابن زيد، ومقاتل، وابن قتيبة. ~~وقال ابن زيد: هو الإسلام. # والرابع: عهد الله، قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة في رواية، وأبو عبيد، ~~واحتج له الزجاج بقول الأعشى: # وإذا تجوزها حبال قبيلة # أخذت من الأخرى إليك حبالها # وأنشد ابن الأنباري: # فلو حبلا تناول من سليمى # لمد بحبلها حبلا متينا # والخامس: أنه الإخلاص، قاله أبوالعالية، والسادس: أنه أمر الله وطاعته، ~~قاله مقاتل بن حيان. قال الزجاج: وقوله: «جميعا» منصوب على الحال، أي: ~~كونوا مجتمعين على الاعتصام به. وأصل «تفرقوا» تتفرقوا، إلا أن التاء ~~حذفت لاجتماع حرفين من جنس واحد، والمحذوفة هي الثانية، لأن الأولى دليلة ~~على الاستقبال، فلا يجوز حذف الحرف الذي يدل على الاستقبال، وهو مجزوم ~~بالنهي، والأصل: ولا تتفرقون، فحذفت النون، لتدل على الجزم. # قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم } اختلفوا فيمن أريد بهذا ~~الكلام على قولين. أحدهما: أنهم ms0288 مشركو العرب، كان القوي يستبيح الضعيف، ~~قاله الحسن، وقتادة. والثاني: الأوس والخزرج، كان بينهم حرب شديد، قاله ~~ابن إسحاق. والأعداء: جمع عدو. قال ابن فارس: وهو من عدا: إذا ظلم. # قوله تعالى: { فأصبحتم } أي: صرتم، قال الزجاج: وأصل الأخ في اللغة أنه ~~الذي مقصده مقصد أخيه، والعرب تقول: فلان يتوخى مسار فلان، أي: ما يسره. ~~والشفا: الحرف. واعلم أن هذا مثل ضربه الله لإشرافهم على الهلاك. ~~وقربهم من العذاب، كأنه قال: كنتم على حرف حفرة من النار، ليس بينكم ~~وبين الوقوع فيها إلا الموت على الكفر. قال السدي: فأنقذكم منها محمد صلى ~~الله عليه وسلم. ### || [3.104] # قوله تعالى: { ولتكن منكم أمة } قال الزجاج: معنى الكلام: ولتكونوا ~~كلكم أمة تدعون إلى الخير، وتأمرون بالمعروف، ولكن «من» هاهنا تدخل لتحض ~~المخاطبين من سائر الأجناس، وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين، ومثله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج:20] معناه: اجتنبوا الأوثان، فانها رجس. ومثله قول الشاعر: # أخو رغائب يعطيها ويسألها # يأبى الظلامة منه النوفل الزفر # وهو النوفل الزفر. لأنه وصفه بإعطاء الرغائب. والنوفل: الكثير الإعطاء ~~للنوافل، والزفر: الذي يحمل الأثقال. ويدل على أن الكل أمروا بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر } قال: ويجوز أن يكون أمر منهم فرقة، لأن ~~الدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه، وليس الخلق كلهم علماء، ~~والعلم ينوب بعض الناس فيه عن بعض، كالجهاد. فأما الخير، ففيه قولان. # أحدهما: أنه الإسلام، قاله مقاتل. # والثاني: العمل بطاعة الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. وأما المعروف، فهو ~~ما يعرف كل عاقل صوابه، وضده المنكر، وقيل: المعروف هاهنا: طاعة الله، ~~والمنكر: معصيته. ### || [3.105] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، والحسن في آخرين. # والثاني: أنهم الحرورية قاله أبو أمامة. ### || [3.106] # قوله تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } قرأ أبو رزين العقيلي، ~~وأبو عمران الجوني، وأبو نهيك: تبيض وتسود، بكسر التاء فيهما. وقرأ ~~الحسن، والزهري، وابن ms0289 محيصن، وأبو الجوزاء: تبياض وتسواد بألف، ومدة ~~فيهما. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر. فأما الذين اسوادت وابياضت، ~~بألف ومدة. قال الزجاج: أخبر الله بوقت ذلك العذاب، فقال: يوم تبيض وجوه. ~~قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة. وفي الذين ~~اسودت وجوههم، خمسة أقوال. # أحدها: أنهم كل من كفر بالله بعد إيمانه يوم الميثاق، قاله أبي بن ~~كعب. # والثاني: أنهم الحرورية، قاله أبو أمامة، وأبو إسحاق الهمذاني. # والثالث: اليهود، قاله ابن عباس. # والرابع: أنهم المنافقون، قاله الحسن. # والخامس: أنهم أهل البدع، قاله قتادة. # قوله تعالى: { أكفرتم } قال الزجاج: معناه: فيقال لهم: أكفرتم، فحذف ~~القول لأن في الكلام دليلا عليه، كقوله تعالى: # وإسماعيل ربنا تقبل منا # [البقرة: 127]، أي: ويقولان: ربنا تقبل منا. ومثله: # من كل باب. سلام عليكم # [الرعد: 25، 26] والمعنى: يقولون: سلام عليكم. والألف لفظها لفظ ~~الاستفهام، ومعناها التقرير والتوبيخ. فإن قلنا: إنهم جميع الكفار، فإنهم ~~آمنوا يوم الميثاق، ثم كفروا، وإن قلنا: إنهم الحرورية، وأهل البدع، ~~فكفرهم بعد إيمانهم: مفارقة الجماعة في الاعتقاد، وإن قلنا: اليهود، ~~فإنهم آمنوا بالنبي قبل مبعثه، ثم كفروا بعد ظهوره، وإن قلنا: # المنافقون، فإنهم قالوا بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. # قوله تعالى: { فذوقوا العذاب } أصل الذوق إنما يكون بالفم، وهذا استعارة ~~منه، فكأنهم جعلوا ما يتعرف ويعرف مذوقا على وجه التشبيه بالذي ~~يعرف عند التطعم، تقول العرب: قد ذقت من إكرام فلان ما يرغبني في ~~قصده، يعنون: عرفت، ويقولون: ذق الفرس، فاعرف ما عنده. # قال تميم بن مقبل: # أو كاهتزاز رديني تذاوقه # أيدي التجار فزادوا متنه لينا # وقال الآخر: # وإن الله ذاق حلوم قيس # فلما راء خفتها قلاها # يعنون بالذوق: العلم. وفي كتاب الخليل: كل ما نزل بإنسان من مكروه، فقد ~~ذاقه. ### || [3.107] # قوله تعالى: { وأما الذين ابيضت وجوههم } قال ابن عباس: هم المؤمنون. ~~ورحمة الله: جنته، قال ابن قتيبة: وسمى الجنة رحمة، لأن دخولهم إياها ~~كان برحمته. وقال الزجاج: معناه: في ثواب رحمته، قال: وأعاد ذكر «فيها» ~~توكيدا. ### || [3.108] # قوله تعالى: { وما الله ms0290 يريد ظلما للعالمين } قال بعضهم: معناه: لا ~~يعاقبهم بلا جرم. وقال الزجاج: أعلمنا أنه يعذب من عذبه باستحقاق. ### || [3.109-110] # قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } سبب نزولها أن مالك بن ~~الضيف ووهب بن يهوذا اليهوديين، قالا لابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ~~[وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل]: ديننا خير مما تدعونا إليه، ونحن أفضل ~~منكم، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة، ومقاتل. وفيمن أريد بهذه الآية، ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنهم أهل بدر. والثاني: أنهم المهاجرون. والثالث: جميع الصحابة. # والرابع: جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نقلت هذه الأقوال كلها عن ~~ابن عباس. وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أنه قال: # " إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله تعالى " # قال الزجاج: وأصل الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعم سائر ~~أمته. # وفي قوله تعالى: { كنتم } ، قولان. # أحدهما: أنها على أصلها، والمراد بها الماضي، ثم فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: كنتم في اللوح المحفوظ. # والثاني: أن معناه: خلقتم ووجدتم. ذكرهما المفسرون. # والثالث: أن المعنى: كنتم مذكنتم، ذكره ابن الأنباري. والثاني: أن معنى ~~كنتم: أنتم، كقوله تعالى: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96]. # ذكره الفراء، والزجاج. قال ابن قتيبة: وقد يأتي الفعل على بنية الماضي، ~~وهو راهن، أو مستقبل، كقوله تعالى: { كنتم } ومعناه: أنتم، ومثله: # وإذ قال الله يا عيسى # [المائدة: 116] أي: وإذ يقول. ومثله: # أتى أمر الله # [النحل: 1]، أي: سيأتي، ومثله: # كيف نكلم من كان في المهد صبيا # [مريم: 29] أي: من هو في المهد، ومثله: # وكان الله سميعا بصيرا # [النساء: 134] أي: والله سميع بصير، ومثله: # فتثير سحابا فسقناه # [فاطر: 9] أي: فنسوقه. # وفي قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قولان. # أحدهما: أن معناه: كنتم خير الناس للناس. قال أبو هريرة: يأتون بهم في ~~السلاسل حتى يدخلوهم في الإسلام. # والثاني: أن معناه: كنتم خير الأمم التي أخرجت. # وفي قوله تعالى: { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } قولان. # أحدهما: ms0291 أنه شرط في الخيرية، وهذا المعنى مروي عن عمر بن الخطاب، ~~ومجاهد، والزجاج. # والثاني: أنه ثناء من الله عليهم، قاله الربيع بن أنس. قال أبو العالية: ~~والمعروف: التوحيد. والمنكر: الشرك. قال ابن عباس: وأهل الكتاب: اليهود ~~والنصارى. # قوله تعالى: { منهم المؤمنون }: من أسلم، كعبد الله بن سلام وأصحابه. ~~{ وأكثرهم الفاسقون } ، يعني: الكافرين، وهم الذين لم يسلموا. ### || [3.111] # قوله تعالى: { لن يضروكم إلا أذى } قال مقاتل: سبب نزولها أن رؤساء ~~اليهود عمدوا إلى عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم، فنزلت هذه ~~الآية. قال ابن عباس: والأذى قولهم: # عزير ابن الله # [التوبة: 30] و # المسيح ابن الله # [التوبة: 30] و # ثالث ثلاثة # [المائدة: 73] وقال الحسن: هو الكذب على الله، ودعاؤهم المسلمين إلى ~~الضلالة. وقال الزجاج: هو البهت والتحريف. ومقصود الآية: إعلام المسلمين ~~بأنه لن ينالهم منهم إلا الأذى باللسان من دعائهم إياهم إلى الضلال، ~~وإسماعهم الكفر، ثم وعدهم النصر عليهم في قوله: { وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار }. ### || [3.112] # قوله تعالى: { أين ما ثقفوا } معناه: أدركوا ووجدوا، وذلك أنهم أين ~~نزلوا احتاجوا إلى عهد من أهل المكان، وأداء جزية. قال الحسن: أدركتهم ~~هذه الأمة، وإن المجوس لنجبيهم الجزية. وأما الحبل، فقال ابن عباس، ~~وعطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الحبل: العهد، قال بعضهم: ~~ومعنى الكلام: إلا بعهد يأخذونه من المؤمنين بإذن الله. قال الزجاج: وما ~~بعد الاستثناء في قوله تعالى: { إلا بحبل من الله } ليس من الأول، وإنما ~~المعنى: أنهم أذلاء، إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه. وقد سبق في ~~«البقرة» تفسير باقي الآية. ### || [3.113] # قوله تعالى { ليسوا سواء } ، في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم، احتبس عن صلاة العشاء ليلة حتى ~~ذهب ثلث الليل، ثم جاء فبشرهم، فقال: # " إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب " # فنزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنه لما أسلم ابن سلام في جماعة من اليهود، قال أحبارهم: ما ~~آمن بمحمد إلا أشرارنا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، ومقاتل. وفي ~~معنى الآية ms0292 قولان. # أحدهما: ليس أمة محمد واليهود سواء، هذا قول ابن مسعود، والسدي. # والثاني: ليس اليهود كلهم سواء، بل فيهم من هو قائم بأمر الله، هذا قول ~~ابن عباس، وقتادة. وقال الزجاج: الوقف التام { ليسوا سواء } أي: ليس أهل ~~الكتاب متساوين. وفي معنى «قائمة» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الثابتة على أمر الله، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنها العادلة، قاله الحسن، ومجاهد، وابن جريج. # والثالث: أنها المستقيمة، قاله أبو عيبد، والزجاج. قال الفراء: ذكر أمة ~~واحدة ولم يذكر بعدها أخرى، والكلام مبني على أخرى، لأن «سواء» لا بد ~~لها من اثنين، وقد تستجيز العرب إضمار أحد الشيئين إذا كان في الكلام ~~دليل عليه. قال أبو ذؤيب: # عصيت إليها القلب إني لأمره # سميع فما أدري أرشد طلابها؟! # ولم يقل: أم لا، ولا أم غي، لأن الكلام معروف المعنى. # وقال آخر: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا أبتغيه # أم الشر الذي هو يبتغيني # ومثله قوله تعالى: # أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما # [الزمر: 9] ولم يذكر ضده، لأن في قوله: # قل هي يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9]. دليلا على ما أضمر من ذلك، وقد رد هذا القول الزجاج، فقال: ~~قد جرى ذكر أهل الكتاب في قوله تعالى: { كانوا يكفرون بآيات الله، ~~ويقتلون الأنبياء بغير حق } فأعلم الله أن منهم أمة قائمة. فما الحاجة ~~إلى أن يقال: وأمة غير قائمة؟ وإنما بدأ بذكر فعل الأكثر منهم، وهو الكفر ~~والمشاقة، فذكر من كان منهم مباينا لهؤلاء. قال: و «آناء الليل» ساعاته، ~~وواحد الآناء: إنى. قال ابن فارس: يقال: مضى من الليل إني، وإتيان، ~~والجمع: الآناء. واختلف المفسرون: هل هذه الآناء معينة من الليل أم لا؟ ~~على قولين. # أحدهما: أنها معينة، ثم فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها صلاة العشاء، قاله ابن مسعود، ومجاهد. # والثاني: أنها ما بين المغرب والعشاء، رواه سفيان عن منصور. # والثالث: جوف الليل، قاله السدي. # والثاني: أنها ساعات الليل من غير تعيين، قاله قتادة في ms0293 آخرين. # وفي قوله تعالى: { وهم يسجدون } قولان. # أحدهما: أنه كناية عن الصلاة، قاله مقاتل، والفراء، والزجاج. # والثاني: أنه السجود المعروف، وليس المراد أنهم يتلون في حال السجود، ~~ولكنهم جمعوا الأمرين، التلاوة والسجود. ### || [3.114-115] # قوله تعالى: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: تفعلوا، وتكفروه، بالتاء في الموضعين على ~~الخطاب، لقوله تعالى: { كنتم خير أمة }. قال قتادة: فلن تكفروه: لن يضل ~~عنكم. وقرأ قوم، منهم حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وعبد الوارث عن أبي ~~عمرو: يفعلوا، ويكفروا، بالياء فيهما، إخبارا عن الأمة القائمة. وبقية ~~أصحاب أبي عمرو يخرون بين الياء والتاء. ### || [3.116-117] # قوله تعالى: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا } اختلفوا فيمن أنزلت ~~على أربعة أقوال. # أحدها: أنها في نفقات الكفار، وصدقاتهم، قاله مجاهد. # والثاني: في نفقة سفلة اليهود على علمائهم، قاله مقاتل. # والثالث: في نفقة المشركين يوم بدر. # والرابع: في نفقة المنافقين إذا خرجوا مع المسلمين لحرب المشركين، ذكر ~~هذين القولين أبو الحسن الماوردي. وقال السدي: إنما ضرب الإنفاق مثلا ~~لأعمالهم في شركهم. وفي الصر ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه البرد، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه النار، قاله ابن عباس، وقال ابن الأنباري: وإنما وصفت ~~النار بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب. # والثالث: أن الصر: التصويت، والحركة من الحصى والحجارة، ومنه صرير ~~النعل، ذكره ابن الأنباري. والحرث: الزرع. وفي معنى «ظلموا أنفسهم» ~~قولان. # أحدهما: ظلموها بالكفر، والمعاصي، ومنع حق الله تعالى. # والثاني: بأن زرعوا في غير وقت الزرع. # قوله تعالى: { وما ظلمهم الله } قال ابن عباس: أي: ما نقصهم ذلك بغير ~~جرم أصابوه، وإنما أنزل بهم ذلك لظلمهم أنفسهم بمنع حق الله منه، وهذا ~~مثل ضربه الله لإبطال أعمالهم في الآخرة. وحدثنا عن ثعلب، قال: بدأ الله ~~تعالى هذه الآية بالريح، والمعنى: على الحرث، كقوله تعالى: { كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع } وإنما المعنى على المنعوق به، وقريب منه قوله تعالى: # { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن } فخبر عن ~~«الأزواج» وترك «الذين» ms0294 كأنه قال: أزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، فبدأ ~~بالذين، ومراده: بعد الأزواج. وأنشد: # لعلي إن مالت بي الريح ميلة # على ابن أبي ديان أن يتندما # فخبر عن ابن أبي ديان، وترك نفسه، وإنما أراد: لعل ابن أبي ديان أن ~~يتندما إن مالت بي الريح ميلة. وقد يبدأ بالشيء، والمراد التأخير، كقوله ~~تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة # [الزمر: 60] والمعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة يوم القيامة. ### || [3.118] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } قال ابن ~~عباس، ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، ~~ويواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة، والصداقة، ~~والجوار، والرضاع، والحلف، فنهوا عن مباطنتهم. قال الزجاج: البطانة: ~~الدخلاء الذين يستبطنون [أمره] وينبسط إليهم، يقال: فلان بطانة لفلان، ~~أي: مداخل له، مؤانس. ومعنى لا يألونكم: لا يتقون غاية في إلقائكم فيما ~~يضركم. # قوله تعالى: { ودوا ما عنتم } أي: ودوا عنتكم، وهو ما نزل بكم من ~~مكروه وضر، يقال: فلان يعنت فلانا، أي: يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، ~~وأصل هذا من قولهم: أكمة عنوت، إذا كانت طويلة، شاقة المسلك. قال ابن ~~قتيبة: ومعنى { من دونكم } أي: من غير المسلمين. والخبال: الشر. # قوله تعالى: { قد بدت البغضاء من أفواههم } قال ابن عباس: أي: قد ظهر ~~لكم منهم الكذب، والشتم، ومخالفة دينكم. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه ~~الآية دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من ~~العمالات والكتبة، ولهذا قال أحمد: لا يستعين الإمام بأهل الذمة على ~~قتال أهل الحرب. وروي عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب رجلا من أهل ~~الذمة، فكتب إليه يعنفه، وقال: لا تردوهم إلى العز بعد إذ أذلهم الله. ### || [3.119] # قوله تعالى: { ها أنتم أولاء تحبونهم } قال ابن عباس: كان عامة الأنصار ~~يواصلون اليهود ويواصلونهم، فلما أسلم الأنصار بغضهم اليهود، فنزلت هذه ~~الآية. والخطاب بهذه الآية للمؤمنين. قال ابن قتيبة: ومعنى الكلام: ها ~~أنتم يا ms0295 هؤلاء. فأما «تحبونهم». فالهاء والميم عائدة إلى الذين نهوا عن ~~مصافاتهم. وفي معنى محبة المؤمنين لهم أربعة أقوال. # أحدها: أنها الميل إليهم بالطباع، لموضع القرابة، والرضاع، والحلف، وهذا ~~المعنى منقول عن ابن عباس. # والثاني: أنها بمعنى الرحمة لهم، لما يفعلون من المعاصي التي يقابلها ~~العذاب الشديد، وهذا المعنى منقول عن قتادة. # والثالث: أنها لموضع إظهار المنافقين الإيمان، روي عن أبي العالية. # والرابع: أنها بمعنى إرادة الإسلام لهم، وهم يريدون المسلمين على الكفر، ~~وهذا قول المفضل، والزجاج. والكتاب: بمعنى الكتب، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وإذا لقوكم قالوا آمنا } هذه حالة المنافقين، وقال ~~مقاتل: هم اليهود. والأنامل: أطراف الأصابع. قال ابن عباس: والغيظ: الحنق ~~عليكم، وقيل: هذا من مجاز الكلام، ضرب مثلا لما حل بهم، وإن لم يكن ~~هناك عض على أنملة، ومعنى «موتوا بغيظكم»: ابقوا به حتى تموتوا، وإنما ~~كان غيظهم من رؤية شمل المسلمين ملتئما. قال ابن جرير: هذا أمر من الله ~~تعالى لنبيه أن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله كمدا من الغيظ. ### || [3.120] # قوله تعالى: { إن تمسسكم حسنة } قال قتادة: وهي الألفة والجماعة. ~~والسيئة: الفرقة والاختلاف، وإصابة طرف من المسلمين. وقال ابن قتيبة: ~~الحسنة: النعمة. والسيئة: المصيبة. # قوله تعالى: { وإن تصبروا } فيه قولان. أحدهما: على أذاهم، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: على أمر الله، قاله مقاتل. # وفي قوله تعالى: { وتتقوا } قولان. # أحدهما: الشرك، قاله ابن عباس. # والثاني: المعاصي، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { لا يضركم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، يضركم ~~بكسر الضاد، وتخفيف الراء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: لا ~~يضركم بضم الضاد وتشديد الراء. قال الزجاج: الضر والضير بمعنى واحد. فأما ~~الكيد فقال ابن قتيبة: هو المكر. قال أبو سليمان الخطابي: والمحيط: الذي ~~أحاطت قدرته بجميع خلقه، وأحاط علمه بالأشياء كلها. ### || [3.121] # قوله تعالى: { وإذ غدوت من أهلك } قال المفسرون: في هذا الكلام تقديم ~~وتأخير، تقديره: ولقد نصركم الله ببدر، وإذ غدوت من أهلك. وقال ابن ~~قتيبة: تبوىء، من قولك: بوأتك منزلا: إذا أفدتك إياه، أو أسكنتكه. ms0296 ~~ومعنى مقاعد للقتال: المعسكر والمصاف. واختلفوا في أي يوم كان ذلك، على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه يوم أحد، قاله عبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، ~~والزهري، وقتادة، والسدي، والربيع، وابن إسحاق، وذلك أنه خرج يوم أحد من ~~بيت عائشة إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال. والثاني: أنه يوم الأحزاب، ~~قاله الحسن، ومجاهد، ومقاتل. # والثالث: يوم بدر، نقل عن الحسن أيضا. قال ابن جرير: والأول أصح، لقوله ~~تعالى: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } وقد اتفق العلماء أن ذلك كان ~~يوم أحد. # قوله تعالى: { والله سميع عليم } قال أبو سليمان الدمشقي: سميع لمشاورتك ~~إياهم في الخروج، ومرادهم للخروج، عليم بما يخفون من حب الشهادة. ### || [3.122] # قوله تعالى: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } قال الزجاج: كنت ~~النبوئة في ذلك الوقت. وتفشلا: تجبنا، وتخورا. { والله وليهما } ، أي: ~~ناصرهما. قال جابر بن عبد الله: نحن هم بنو سلمة، وبنو حارثة، وما نحب ~~أن لو لم يكن ذلك لقول الله: { والله وليهما }. وقال الحسن: [هما] ~~طائفتان من الأنصار همتا بذلك، فعصمهما الله. وقيل: لما رجع عبد الله بن ~~أبي في أصحابه يوم أحد، همت الطائفتان باتباعه، فعصمهما الله. # فصل # فأما التوكل، فقال ابن عباس: هو الثقة بالله. وقال ابن فارس: هو إظهار ~~العجز [في الأمر]، والاعتماد على غيرك، ويقال: فلان وكله تكلة، ~~أي: عاجز، يكل أمره إلى غيره. وقال غيره: هو تفعل من الوكالة، يقال: وكلت ~~أمري إلى فلان فتوكل به، أي: ضمنه، وقام به، وأنا متوكل عليه. وقال ~~بعضهم: هو تفويض الأمر إلى الله ثقة بحسن تدبيره. ### || [3.123] # قوله تعالى: { ولقد نصركم الله ببدر } في تسمية بدر قولان. # أحدهما: أنها بئر لرجل اسمه بدر، قاله الشعبي. # والثاني: أنه اسم للمكان الذي التقوا عليه، ذكره الواقدي عن أشياخه. # قوله تعالى: { وأنتم أذلة } أي: لقلة العدد والعدد. { لعلكم ~~تشكرون } ، أي: لتكونوا من الشاكرين. ### || [3.124] # قوله تعالى: { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم } قال ~~الشعبي: قال كرز ابن جابر لمشركي مكة: إني ms0297 أمدكم بقومي، فاشتد ذلك على ~~المسلمين، فنزلت هذه الآية، وفي أي يوم كان ذلك فيه قولان. # أحدهما: يوم بدر، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: يوم أحد، وعدهم فيه بالمدد إن صبروا، فلما لم يصبروا، لم ~~يمدوا، روي عن عكرمة، والضحاك، ومقاتل، والأول أصح. والكفاية: مقدار ~~سد الخلة. والاكتفاء: الاقتصار على ذلك. والإمداد: إعطاء الشيء بعد ~~الشيء. # قوله تعالى: { منزلين } قرأ الأكثرون بتخفيف الزاي، وشددها ابن عامر. ### || [3.125] # قوله تعالى: { ويأتوكم من فورهم هذا } فيه قولان. # أحدهما: أن معناه: من وجههم وسفرهم هذا، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، ~~ومقاتل، والزجاج. # والثاني: من غضبهم هذا، قاله عكرمة، ومجاهد، والضحاك في آخرين. قال ابن ~~جرير: من قال: من وجههم، أراد ابتداء مخرجهم يوم بدر، ومن قال: من غضبهم، ~~أراد ابتداء غضبهم لقتلاهم يوم بدر. وأصل الفور: ابتداء الأمر يؤخذ فيه، ~~يقال: فارت القدر: إذا ابتدأ ما فيها بالغليان، ثم اتصل. وقال ابن فارس: ~~الفور: الغليان، يقال: فارت القدر تفور، وفار غضبه: إذا جاش، ويقولون: ~~فعله من فوره، أي: قبل أن يسكن. # وفي يوم فورهم قولان. # أحدهما: أنه يوم بدر، قاله قتادة. # والثاني: يوم أحد، قال مجاهد، والضحاك، كانوا غضبوا يوم أحد ليوم بدر ~~مما لقوا. # قوله تعالى: { مسومين } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بكسر الواو، ~~والباقون بفتحها، فمن فتح الواو، أراد أن الله سومها، ومن كسرها، أراد ~~أن الملائكة سومت أنفسها. وقال الأخفش: سومت خيلها، وفي الحديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم بدر: # " سوموا فإن الملائكة قد سومت " # ونسب الفعل إليها، فهذا دليل الكسر. قال ابن قتيبة: ومعنى مسومين: ~~معلمين بعلامة الحرب، وهو من السيماء [مأخوذ]، والسومة: العلامة التي ~~يعلم بها الفارس نفسه. قال علي رضي الله عنه: وكان سيماء خيل الملائكة ~~يوم بدر، الصوف الأبيض في أذنابها ونواصيها. وقال أبو هريرة: العهن ~~الأحمر. وقال مجاهد: كانت أذناب خيولهم مجزوزة، وفيها العهن. وقال هشام ~~بن عروة: كانت الملائكة على خيل بلق، وعليهم عمائم صفر. وروى ابن ms0298 عباس عن ~~رجل من بني غفار قال: حضرت أنا وابن عم لي بدرا، ونحن على شركنا، فأقبلت ~~سحابة، فلما دنت من الخيل سمعنا فيها حمحمة الخيل، وسمعنا فارسا يقول: ~~أقدم حيزوم، فأما صاحبي فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم انتعشت. وقال ~~أبو داود المازني: إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين لأضربه، فوقع ~~رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قد قتله. # وفي عدد الملائكة يوم بدر خسمة أقوال. # أحدها: خمسة آلاف، قاله الحسن. وروى جبير بن مطعم عن علي رضي الله عنه، ~~قال: بينا أنا أمتح من قليب بدر، جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها، ثم جاءت ~~ريح شديدة لم أر أشد منها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة لم أر ~~أشد منها، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفين من الملائكة، وكان مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين ~~من الملائكة عن يمين رسول الله، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف ~~من الملائكة عن يسار رسول الله، وكنت عن يساره، وهزم الله أعداءه. # والثاني: أربعة آلاف: قاله الشعبي. # والثالث: ألف، قاله مجاهد. # والرابع: تسعة آلاف، ذكره الزجاج. # والخامس: ثمانية آلاف، ذكره بعض المفسرين. ### || [3.126] # قوله تعالى: { وما جعله الله } يعني المدد { إلا بشرى } ، أي: إلا ~~بشارة تطيب أنفسكم، { ولتطمئن قلوبكم به } ، فتسكن في الحرب، ولا تجزع، ~~والأكثرون على أن هذا المدد يوم بدر. وقال مجاهد: يوم أحد، وروي عنه ما ~~يدل على أن الله أمدهم في اليومين بالملائكة جميعا، غير أن الملائكة لم ~~تقاتل إلا يوم بدر. # قوله تعالى: { وما النصر إلا من عند الله } أي: ليس بكثرة العدد ~~والعدد. ### || [3.127] # قوله تعالى: { ليقطع طرفا } معناه: نصركم ببدر ليقطع طرفا. قال ~~الزجاج: أي: ليقتل قطعة منهم. وفي أي يوم كان ذلك فيه قولان. # أحدهما: في يوم بدر، قاله الحسن، وقتادة، والجمهور. # والثاني: يوم أحد، قتل منهم ثمانية وعشرون، قاله السدي. # قوله تعالى: { أو يكبتهم ms0299 } فيه سبعة أقوال. # أحدها: أن معناه يهزمهم، قاله ابن عباس، والزجاج. # والثاني: يخزيهم، قاله قتادة، ومقاتل. # والثالث: يصرعهم، قاله أبو عبيد، واليزيدي. وقال الخليل: هو الصرع على ~~الوجه. # والرابع: يهلكهم، قاله أبو عبيدة. # والخامس: يلعنهم، قاله السدي. # والسادس: يظفر عليهم، قاله المبرد. # والسابع: يغيظهم، قاله النضر بن شميل، واختاره ابن قتيبة. وقال ابن ~~قتيبة: أهل النظر يرون أن التاء فيه منقلبة عن دال، كأن الأصل فيه: ~~يكبدهم، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ، وشدة العداوة، ومنه يقال: ~~فلان قد أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده، والعرب تقول: العدو: أسود ~~الكبد. قال الأعشى: # فما أجشمت من إتيان قوم # هم الأعداء والأكباد سود # كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة، اسودت، ومنه يقال للعدو: كاشح، ~~لأنه يخبأ العداوة في كشحه. والكشح: الخاصرة، وإنما يريدون الكبد، لأن ~~الكبد هناك. قال الشاعر: # وأضمر أضغانا علي كشوحها # والتاء والدال متقاربتا المخرج، والعرب تدغم إحداهما في الأخرى، وتبدل ~~إحداهما من الأخرى، كقولهم: هرت الثوب وهرده: إذا خرقه، وكذلك: كبت ~~العدو، وكبده، ومثله كثير. # قوله تعالى: { فينقلبوا خائبين } قال الزجاج: الخائب: الذي لم ينل ما ~~أمل. وقال غيره: الفرق بين الخيبة واليأس، أن الخيبة لا تكون إلا بعد ~~الأمل، واليأس قد يكون من غير أمل. ### || [3.128] # قوله تعالى: { ليس لك من الأمر شيء } في سبب نزولها خمسة أقوال. # أحدها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته حتى ~~سال الدم على وجهه، فقال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم ~~إلى ربهم عز وجل؟!»فنزلت هذه الآية " # ، أخرجه مسلم في «أفراده» من حديث أنس. وهو قول ابن عباس، والحسن، ~~وقتادة، والربيع. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، لعن قوما من المنافقين، فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن عمر. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بسب الذين انهزموا يوم أحد، ~~فنزلت هذه الآية، فكف عن ذلك، نقل عن ابن مسعود، وابن عباس. # والرابع: أن سبعين من أهل الصفة، خرجوا إلى قبيلتين من ms0300 بني سليم، عصية ~~وذكوان، فقتلوا جميعا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أربعين ~~يوما، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل ابن سليمان. # والخامس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة ممثلا به، قال: «لأمثلن ~~بكذا وكذا منهم» فنزلت هذه الآية " # ، قاله الواقدي. وفي معنى الآية قولان. # أحدهما: ليس لك من استصلاحهم أو عذابهم شيء. # والثاني: ليس لك من النصر والهزيمة شيء. وقيل: إن «لك» بمعنى «إليك». # قوله تعالى: { أو يتوب عليهم } قال الفراء: في نصبه وجهان، إن شئت جعلته ~~معطوفا على قوله تعالى: { ليقطع طرفا } وإن شئت جعلت نصبه على مذهب ~~«حتى» كما تقول: لا أزال معك حتى تعطيني، ولما نفى الأمر عن، نبيه أثبت ~~أن جميع الأمور إليه بقوله تعالى: { ولله ما في السموات وما في الأرض }. ### || [3.129-130] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا } قال أهل التفسير: ~~هذه الآية نزلت في ربا الجاهلية. قال سعيد بن جبير: كان الرجل يكون له ~~على الرجل المال، فاذا حل الأجل، فيقول: أخر عني، وأزيدك على مالك، ~~فتلك الأضعاف المضاعفة. ### || [3.131] # قوله تعالى: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } قال ابن عباس: هذا ~~تهديد للمؤمنين، لئلا يستحلوا الربا. قال الزجاج: والمعنى: اتقوا أن ~~تحلوا ما حرم الله فتكفروا. ### || [3.132-133] # قوله تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } كلهم أثبت الواو في ~~«وسارعوا» إلا نافعا، وابن عامر، فإنهما لم يذكراها. وقال أبو علي: ~~وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام، فمن قرأ بالواو، عطف «وسارعوا» ~~على «وأطيعوا» ومن حذفها، فلأن الجملة الثانية ملتبسة بالأولى، فاستغنت ~~عن العطف. ومعنى الآية: بادروا إلى ما يوجب المغفرة. وفي المراد بموجب ~~المغفرة. هاهنا عشرة أقوال. # أحدها: أنه الإخلاص، قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه. # والثاني: أداء الفرائض، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # والثالث: الإسلام، قاله ابن عباس. # والرابع: التكبيرة الأولى من الصلاة، قاله أنس بن مالك. # والخامس: الطاعة، قاله سعيد بن جبير. # والسادس: التوبة، قاله عكرمة. # والسابع: الهجره، قاله أبوالعالية. # والثامن: ms0301 الجهاد، قاله الضحاك. # والتاسع: الصلوات الخمس، قاله يمان. # والعاشر: الأعمال الصالحة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وجنة عرضها السموات والأرض } قال ابن قتيبة: أراد بالعرض ~~السعة، ولم يرد العرض الذي يخالف الطول، والعرب تقول: بلاد عريضة، أي: ~~واسعة. # " وقال النبي صلى الله عليه وسلم للمنهزمين يوم أحد «لقد ذهبتم فيها ~~عريضة» ". # قال الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة # على الخائف المطلوب كفة حابل # قال: وأصل هذا من العرض الذي هو خلاف الطول، وإذا عرض الشيء اتسع، وإذا ~~لم يعرض ضاق ودق. وقال سعيد بن جبير: لو ألصق بعضهن إلى بعض كانت الجنة ~~في عرضهن. ### || [3.134] # قوله تعالى: { الذين ينفقون في السراء والضراء } قال ابن عباس: في العسر ~~واليسر. ومعنى الآية: أنهم رغبوا في معاملة الله، فلم يبطرهم الرخاء، ~~فينسيهم، ولم تمنعهم الضراء فيبخلوا. # قوله تعالى: { والكاظمين الغيظ } قال الزجاج: يقال: كظمت الغيظ: إذا ~~أمسكت على ما في نفسك منه، وكظم البعير على جرته: إذا رددها في حلقه. ~~وقال ابن الأنباري: الأصل في الكظم: الإمساك على غيظ وغم. وروى ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله ~~تبارك وتعالى ". # قوله تعالى: «والعافين عن الناس» فيه قولان. # أحدهما: أنه العفو عن المماليك، قاله ابن عباس، والربيع. # والثاني: أنه على إطلاقه، فهم يعفون عمن ظلمهم، قاله زيد بن أسلم، ~~ومقاتل. ### || [3.135-136] # قوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن امرأة أتت إلى نبهان التمار تشتري منه تمرا فضمها، وقبلها، ~~ثم ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، فنزلت هذه الآية، رواه ~~عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أن أنصاريا وثقفيا آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، ~~فخرج الثقفي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فكان الأنصاري ~~يتعهد أهل الثقفي، فجاء ذات يوم فأبصر المرأة قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، ~~فدخل ولم يستأذن؛ فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها، ms0302 فقبله ثم ندم، ~~فأدبر راجعا، فقالت: سبحان الله خنت أمانتك، وعصيت ربك، ولم تصب حاجتك. ~~قال: فخرج يسيح في الجبال، ويتوب إلى الله من ذنبه. فلما قدم الثقفي ~~أخبرته المرأة بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه، فندم على صنيعه فوافقه ~~ساجدا يقول: ذنبي ذنبي، قد خنت أخي. فقال له: يا فلان انطلق إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك، لعل الله أن يجعل لك منه ~~مخرجا، فرجع إلى المدينة، فنزلت هذه الآية بتوبته، رواه أبو صالح، عن ~~ابن عباس. وذكره مقاتل. # والثالث: # " أن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: بنو إسرائيل أكرم على ~~الله منا! كان أحدهم إذا أذنب، أصبحت كفارة ذنوبه مكتوبة في عتبة بابه، ~~فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم بخير من ~~ذلك» فقرأ هذه الآية، والتي قبلها " # ، هذا قول عطاء. واختلفوا هل هذه الآية نعت للمنفقين في السراء والضراء؟ ~~أم لقوم آخرين؟ على قولين. # أحدهما: أنها نعت لهم، قاله الحسن. # والثاني: أنها لصنف آخر، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والفاحشة: القبيحة وكل شيء جاوز قدره، فهو فاحش. وفي المراد بها هاهنا ~~قولان. # أحدهما: أنها الزنى. قاله جابر بن زيد، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنها كل كبيرة، قاله جماعة من المفسرين. # واختلفوا في «الظلم» المذكور بعدها، فلم يفرق قوم بينه وبين الفاحشة، ~~وقالوا: الظلم للنفس فاحشة أيضا، وفرق آخرون، فقالوا: هو الصغائر. وفي ~~قوله تعالى: { ذكروا الله } قولان. # أحدهما: أنه ذكر اللسان، وهو الاستغفار، قاله ابن مسعود، وعطاء في ~~آخرين. # والثاني: أنه ذكر القلب، ثم فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنه ذكر العرض على الله، قاله الضحاك. # والثاني: أنه ذكر السؤال عنه يوم القيامة، قاله الواقدي. # والثالث: ذكر وعيد الله لهم على ما أتوا، قاله ابن جرير. # والرابع: ذكر نهي الله لهم عنه. # والخامس: ذكر غفران الله: ذكر القولين أبو سليمان الدمشقي. # فأما الإصرار، فقال الزجاج: هو الإقامة على الشيء. وقال ابن فارس: هو ~~العزم على الشيء والثبات عليه. وللمفسرين في المراد ms0303 بالإصرار ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه مواقعة الذنب عند الاهتمام به. وهذا مذهب مجاهد. # والثاني: أنه الثبوت عليه من غير استغفار، وهذا مذهب قتادة، وابن إسحاق. # والثالث: أنه ترك الاستغفار منه، وهذا مذهب السدي. وفي معنى { وهم ~~يعلمون } ثلاثة أقوال. # أحدها: وهم يعلمون أن الإصرار يضر، وأن تركه أولى من التمادي، قاله ابن ~~عباس، والحسن. # والثاني: يعلمون أن الله يتوب على من تاب، قاله مجاهد، وأبو عمارة. # والثالث: يعلمون أنهم قد أذنبوا، قاله السدي، ومقاتل. ### || [3.137] # قوله تعالى: { قد خلت من قبلكم سنن } السنن: جمع سنة، وهي الطريقة. وفي ~~معنى الكلام قولان. # أحدهما: قد مضى قبلكم أهل سنن وشرائع، فانظروا ماذا صنعنا بالمكذبين ~~منهم، وهذا قول ابن عباس. # والثاني: قد مضت قبلكم سنن الله في إهلاك من كذب من الأمم، فاعتبروا ~~بهم، وهذا قول مجاهد. وفي معنى { فسيروا في الأرض } قولان. # أحدهما: أنه السير في السفر. قال الزجاج: إذا سرتم في أسفاركم، عرفتم ~~أخبار الهالكين بتكذيبهم. # والثاني: أنه التفكر. ومعنى: فانظروا: اعتبروا، والعاقبة: آخر الأمر. ### || [3.138] # قوله تعالى: { هذا بيان للناس } قال سعيد بن جبير: هذه الآية أول ما ~~نزل من «آل عمران» وفي المشار إليه ب «هذا» قولان. # أحدهما: أنه القرآن، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أنه شرح أخبار الأمم السالفة، قاله ابن اسحاق. والبيان: الكشف ~~عن الشيء، وبان الشيء: اتضح، وفلان أبين من فلان، اي: أفصح. قال الشعبي: ~~هذا بيان للناس من العمى، وهدى من الضلالة، وموعظة من الجهل. ### || [3.139] # قوله تعالى: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } سبب نزولها # " أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انهزموا يوم أحد، أقبل ~~خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم«اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك» ~~فنزلت هذه الآيات " # ، قاله ابن عباس. قال ابن عباس، ومجاهد: { ولا تهنوا } أي: ولا تضعفوا. ~~وفيما نهوا عن الحزن عليه أربعة أقوال. # أحدها: أنه قتل إخوانهم من المسلمين، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ms0304 هزيمتهم يوم أحد، وقتلهم، قاله مقاتل. # والثالث: أنه ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من شجه، وكسر رباعيته، ~~ذكره الماوردي. # والرابع: أنه ما فات من الغنيمة، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله تعالى: { وأنتم الأعلون } قال ابن عباس: يقول: أنتم الغالبون فآخر ~~الأمر لكم. ### || [3.140] # قوله تعالى: { إن يمسسكم قرح } قال ابن عباس: أصابهم يوم أحد قرح، فشكوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقوا، فنزلت هذه الآية. فأما المس، فهو ~~الإصابة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع «قرح» بفتح القاف. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم «قرح» بضم القاف. واختلفوا هل ~~معنى القراءتين واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد: القرح بالفتح: الجراح، ~~والقتل. والقرح بالضم: ألم الجراح. وقال الزجاج: هما في اللغة بمعنى ~~واحد، ومعناه: الجراح وألمها، قال: ومعنى نداولها، أي: نجعل الدولة في ~~وقت للكفار على المؤمنين إذا عصى المؤمنون، فأما إذا أطاعوا، فهم ~~منصورون، قال ومعنى { ليعلمه الله } أي: ليعلم واقعا منهم، لأنه عالم ~~قبل ذلك، وإنما يجازي على ما وقع. وقال ابن عباس: معنى العلم هاهنا: ~~الرؤية. # قوله تعالى: { ويتخذ منكم شهداء } قال أبو الضحى: نزلت في قتلى أحد، ~~قال ابن جريج: كان المسلمون يقولون: ربنا أرنا يوما كيوم بدر، نلتمس فيه ~~الشهادة، فاتخذ منهم شهداء يوم أحد. قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: ~~المنافقون: وقال غيره: هم الذين انصرفوا يوم أحد مع ابن أبي المنافق. ### || [3.141] # قوله تعالى: { وليمحص الله الذين آمنوا } قال الزجاج: معنى الكلام: جعل ~~الله الأيام مداولة بين الناس، ليمحص المؤمنين، ويمحق الكافرين. وفي ~~التمحيص قولان. # أحدهما: أنه الابتلاء والاختبار، وأنشدوا: # رأيت فضيلا كان شيئا ملففا # فكشفه التمحيص حتى بدا ليا # وهو قول الحسن، ومجاهد، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة في آخرين. # والثاني: أنه التنقية، والتخليص، وهو قول الزجاج. وحكي عن المبرد، قال: ~~يقال: محص الحبل محصا: إذا ذهب منه الوبر حتى يتخلص، ومعنى قولهم: ~~[اللهم] محص عنا ذنوبنا: أذهبها عنا. وذكر الزجاج عن الخليل أن التمحيص: ~~التخليص، يقال: ms0305 محصت الشيء أمحصه محصا: إذا أخلصته. فعلى القول الأول ~~التمحيص: ابتلاء المؤمنين بما يجري عليهم، وعلى الثاني: هو تنقيتهم من ~~الذنوب بذلك. قال الفراء: معنى الآية: وليمحص الله بالذنوب عن الذين ~~آمنوا. # قوله تعالى: { ويمحق الكافرين } فيه أربعة أقوال. # أحدها: يهلكهم، قاله ابن عباس. والثاني: يذهب دعوتهم، قاله مقاتل. # والثالث: ينقصهم ويقللهم، قاله الفراء. # والرابع: يحبط أعمالهم، ذكره الزجاج. ### || [3.142-143] # قوله تعالى: { ولقد كنتم تمنون الموت } قال ابن عباس: لما أخبرهم الله ~~تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، بما فعل بشهداء يوم بدر من ~~الكرامة، رغبوا في ذلك، فتمنوا قتالا يستشهدون فيه، فيلحقون بإخوانهم، ~~فأراهم الله يوم أحد، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم، ~~فنزل فيهم { ولقد كنتم تمنون الموت } يعني القتال { من قبل أن تلقوه } ~~أي: من قبل أن تنظروا إليه يوم أحد { فقد رأيتموه } يومئذ، قال الفراء، ~~وابن قتيبة: أي: رأيتم أسبابه، وهي السيف ونحوه من السلاح. وفي معنى { ~~وأنتم تنظرون } ثلاثة أقوال. # أحدها: تنظرون إلى السيوف، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ذكر للتوكيد، قاله الأخفش. وقال الزجاج: معناه: فقد ~~رأيتموه، وأنتم بصراء، كما تقول: رأيت كذا وكذا، وليس في عينك علة، أي: ~~رأيته رؤية حقيقة. # والثالث: أن معناه: وأنتم تنظرون ما تمنيتم. وفي الآية إضمار [أي: فقد ~~رأيتموه وأنتم تنظرون] فلم انهزمتم!؟. ### || [3.144] # قوله تعالى: { وما محمد إلا رسول } قال ابن عباس: صاح الشيطان يوم أحد: ~~قتل محمد. فقال قوم: لئن كان قتل لنعطينهم بأيدينا إنهم لعشائرنا ~~وإخواننا، ولو كان محمد حيا لم نهزم، فترخصوا في الفرار، فنزلت هذه ~~الآية. وقال الضحاك: قال قوم من المنافقين: قتل محمد، فالحقوا بدينكم ~~الأول، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة: قال أناس: لو كان نبيا ما قتل، ~~وقال ناس من علية أصحاب رسول الله: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم ~~حتى تلحقوا به، فنزلت هذه الآية. ومعنى الآية: أنه يموت كما ماتت قبله ~~الرسل، أفإن مات على فراشه، أو قتل كمن قتل قبله من الأنبياء، أتنقلبون ms0306 ~~على أعقابكم؟! أي: ترجعون إلى ما كنتم عليه من الكفر؟! وهذا على سبيل ~~المثل، يقال لكل من رجع عما كان عليه: قد انقلب على عقبيه، وأصله: رجعة ~~القهقرى، والعقب: مؤخر القدم. # قوله تعالى: { فلن يضر الله شيئا } أي: لن ينقص الله شيئا برجوعه، ~~وإنما يضر نفسه. { وسيجزي } أي: يثيب الشاكرين، وفيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم الثابتون على دينهم، قاله علي رضي الله عنه، وقال: كان أبو ~~بكر أمير الشاكرين. # والثاني: أنهم الشاكرون على التوفيق والهداية. # والثالث: على الدين. ### || [3.145] # قوله تعالى: { وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله } في الإذن قولان. # أحدهما: أنه الأمر، قاله ابن عباس. والثاني: الإذن نفسه، قاله مقاتل. # قال الزجاج: ومعنى الآية: وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله. # قوله تعالى: { كتابا مؤجلا } توكيد، والمعنى: كتب الله ذلك كتابا ~~مؤجلا، أي: كتابا ذا أجل. والأجل: الوقت المعلوم، ومثله في التوكيد # كتاب الله عليكم # [النساء: 24] لأنه لما قال: # حرمت عليكم أمهاتكم # [النساء: 22] دل على أنه مفروض، فأكد بقوله # كتاب الله عليكم # [النساء: 24] وكذلك قوله تعالى: # صنع الله # [النمل: 88] لأنه لما قال: # وترى الجبال تحسبها جامدة # [النمل: 88] دل على أنه خلق الله فأكد بقوله: { صنع الله }. # قوله تعالى: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها } أي: من قصد بعمله ~~الدنيا، أعطي منها، قليلا كان أو كثيرا، ومن قصد الآخرة بعمله، أعطي ~~منها. وقال مقاتل: عنى بالآية: من ثبت يوم أحد، ومن طلب الغنيمة. # فصل # وأكثر العلماء على أن هذا الكلام محكم، وذهبت طائفة إلى نسخه بقوله ~~تعالى: # عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد # [الاسراء: 18] والصحيح أنه محكم، لأنه لا يؤتى أحد شيئا إلا بقدرة الله ~~ومشيئته. # ومعنى قوله تعالى: { نؤته منها } أي: ما نشاء، وما قدرنا له، ولم يقل: ~~ما يشاء هو. ### || [3.146] # قوله تعالى: { وكأين من نبي } قرأ الجمهور «وكأين» في وزن »كعين». ~~وقرأ ابن كثير و «كائن» في وزن «كاعن» قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: ~~«كأين» مثل: «كعين» ينصبون الهمزة، ويشددون الياء. وتميم يقولون: و ms0307 ~~«كائن» كأنها فاعل من كئت. وأنشدني الكسائي: # وكائن ترى يسعى من الناس جاهدا # على ابن غدا منه شجاع وعقرب # وقال آخر: # وكائن أصابت مؤمنا من مصيبة # على الله عقباها ومنه ثوابها # وقال ابن قتيبة: كائن بمعنى «كم» مثل قوله: # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها # [الطلاق: 8] وفيها لغتان. «كأين» بالهمزة وتشديد الياء، و «كائن» على ~~وزن «قائل» [وبائع] وقد قرىء بهما [جميعا في القرآن] والأكثر والأفصح ~~تخفيفها. قال الشاعر: # وكائن أرينا الموت من ذي تحية # إذا ما ازدرانا أو أصر لمأثم # وقال الآخر: # وكائن ترى من صامت لك معجب # زيادته أو نقصه في التكلم # قوله تعالى: { قاتل معه ربيون } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وأبان، والمفضل كلاهما عن عاصم: «قتل» بضم القاف، وكسر التاء، من غير ~~ألف، وقرأ الباقون: «قاتل» بألف، وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأبو رجاء، ~~والحسن، وابن يعمر، وابن جبير، وقتادة، وعكرمة، وأيوب: «ربيون» بضم ~~الراء. وقرأ ابن عباس، وأنس، وأبو مجلز، وأبو العالية، والجحدري، بفتحها. ~~فعلى حذف الألف يحتمل وجهين. # أحدهما: أن يكون قتل للنبي وحده، ويكون المعنى: وكأين من نبي قتل، ومعه ~~ربيون، فما وهنوا بعد قتله. # والثاني: أن يكون قتل للربيين، ويكون: «فما وهنوا» لمن بقي منهم. وعلى ~~إثبات الألف يكون المعنى: أن القوم قاتلوا، فما وهنوا. وفي معنى الربيين ~~خمسة أقوال. # أحدها: أنهم الألوف، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، واختاره ~~الفراء. # والثاني: الجماعات الكثيرة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وعكرمة والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع، واختاره ابن قتيبة. # والثالث: أنهم الفقهاء والعلماء، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، واختاره اليزيدي، والزجاج. # والرابع: أنهم الأتباع، قاله ابن زيد. # والخامس: أنهم المتألهون العارفون بالله تعالى، قاله ابن فارس. # قوله تعالى: { فما وهنوا } فيه قولان. # أحدهما: أنه الضعف، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: أنه العجز، قاله قتادة. # قال ابن قتيبة: والاستكانة: الخشوع، والذل، ومنه أخذ المسكين. وفي معنى ~~الكلام قولان. # أحدهما: فما وهنوا بالخوف، وما ms0308 ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا ~~بالخضوع. # والثاني: فما وهنوا لقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما ~~أصابهم. ### || [3.147] # قوله تعالى: { وما كان قولهم } يعني الربيين. { إلا أن قالوا ربنا اغفر ~~لنا } أي: لم يكن قولهم غير الاستغفار. والإسراف: مجاوزة الحد، وقيل: ~~أريد بالذنوب الصغائر، وبالإسراف: الكبائر. # قوله تعالى: { وثبت أقدامنا } قال ابن عباس: على القتال. وقال الزجاج: ~~معناه: ثبتنا على دينك، فإن الثابت على دينه ثابت في حربه. ### || [3.148] # قوله تعالى: { فآتاهم الله ثواب الدنيا } فيه قولان. # أحدهما: أنه النصر، قاله قتادة. # والثاني: الغنيمة، قاله ابن جريج. وروي عن ابن عباس، أنه قال: النصر ~~والغنيمة. # وفي حسن ثواب الآخرة قولان. # أحدهما: أنه الجنة. # والثاني: الأجر والمغفرة، وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما يفعلون ~~ويقولون عند لقاء العدو. ### || [3.149] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا } قال ابن ~~عباس: نزلت في قول ابن أبي للمسلمين، لما رجعوا من أحد: لو كان نبيا ما ~~أصابه الذي أصابه وفي الذين كفروا هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم المنافقون على قول ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن جريج. # والثالث: أنهم عبدة الأوثان، قاله السدي. قالوا وكانوا قد أمروا ~~المسلمين بالرجوع عن دينهم. ومعنى { يردوكم على أعقابكم } يصرفوكم إلى ~~الشرك، { فتنقلبوا خاسرين } بالعقوبة. ### || [3.150] # قوله تعالى: { بل الله مولاكم } أي: وليكم ينصركم عليهم، فاستغنوا عن ~~موالاة الكفار. ### || [3.151] # قوله تعالى: { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } قال السدي: لما ارتحل ~~المشركون يوم أحد نحو مكة ندموا في بعض الطريق، وقالوا: قتلتموهم حتى ~~إذا لم يبق إلا الشرذمة، تركتموهم؟ ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله في ~~قلوبهم الرعب، ونزلت هذه الآية. والإلقاء: القذف. والرعب: الخوف. قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة «الرعب» ساكنة العين، خفيفة، وقرأ ~~ابن عامر، والكسائي، ويعقوب، وأبو جعفر، مضمومة العين، مثقله، أين وقعت. ~~والسلطان هاهنا: الحجة في قول الجماعة. والمأوى: المكان الذي يؤوى إليه. ~~والمثوى: المقام. والثوى: الإقامة. قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: ~~الكافرون. ms0309 ### || [3.152] # قوله تعالى: { ولقد صدقكم الله وعده } قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أحد، قال قوم منهم: من أين أصابنا ~~هذا، وقد وعدنا الله النصر؟ فنزلت هذه الآية. وقال المفسرون: وعد الله ~~تعالى المؤمنين النصر بأحد، فنصرهم، فلما خالفوا، وطلبوا الغنيمة، ~~هزموا. وقال ابن عباس: ما نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في موطن ~~ما نصر في أحد، فأنكر ذلك عليه، فقال: بيني وبينكم كتاب الله، إن الله ~~يقول: { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } فأما الحس، فهو ~~القتل، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي، والجماعة، وقال ابن ~~قتيبة: تحسونهم، أي: تستأصلونهم بالقتل، يقال: سنة حسوس: إذا أتت على ~~كل شيء، وجراد محسوس: إذا قتله البرد. # وفي قوله تعالى { بإذنه } ثلاثة أقوال. # أحدها: بأمره، قاله ابن عباس. # والثاني: بعلمه، قاله الزجاج. # والثالث: بقضائه، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { حتى إذا فشلتم } قال الزجاج: أي: جبنتم { وتنازعتم } أي: ~~اختلفتم { من بعد ما أراكم ما تحبون } يعني: النصرة. وقال الفراء: فيه ~~تقديم وتأخير، معناه: حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم وعصيتم، وهذه ~~الواو زائدة، كقوله تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه # [الصافات: 103]. معناه: ناديناه. فأما تنازعهم، فإن بعض الرماة قال: قد ~~إنهزم المشركون، فما يمنعنا من الغنيمة؟ وقال بعضهم: بل نثبت مكاننا كما ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترك المركز بعضهم، وطلب الغنيمة، ~~وتركوا مكانهم، فذلك عصيانهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، قد أوصاهم: ~~" لو رأيتم الطير تخطفنا فلا تبرحوا من مكانكم ". # قوله تعالى: { منكم من يريد الدنيا } قال المفسرون: هم الذين طلبوا ~~الغنيمة، وتركوا مكانهم { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين ثبتوا. وقال ~~ابن مسعود: ما كنت أظن أحدا من أصحاب محمد يريد الدنيا. حتى نزلت هذه ~~الآية. # قوله تعالى: { صرفكم عنهم } أي: ردكم عن المشركين بقتلكم وهزيمتكم. { ~~ليبتليكم } أي: ليختبركم، فيبين الصابر من الجازع. # قوله تعالى: { ولقد عفا عنكم } فيه قولان: # أحدهما: عفا عن عقوبتكم، قاله ms0310 ابن عباس. # والثاني: عفا عن استئصالكم، قاله الحسن. وكان يقول: هؤلاء مع رسول الله، ~~في سبيل الله غضاب لله، يقاتلون في سبيل الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فما ~~تركوا حتى غموا بهذا الغم، والفاسق اليوم يتجرم كل كبيرة، ويركب كل ~~داهية، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم. # قوله تعالى: { والله ذو فضل على المؤمنين } فيه قولان. # أحدهما: إذ عفا عنهم، قاله ابن عباس. # والثاني: إذ لم يقتلوا جميعا، قاله مقاتل. ### || [3.153] # قوله تعالى: { إذ تصعدون ولا تلوون } قال المفسرون: «إذ» متعلقة بقوله ~~تعالى: { ولقد عفا عنكم } وأكثر القراء على ضم التاء، وكسر العين من ~~قوله: «تصعدون» وهو من الإصعاد. وروى أبان عن ثعلب، عن عاصم، فتحها، وهي ~~قراءة الحسن، ومجاهد وهو من الصعود. قال الفراء: الإصعاد في ابتداء ~~الأسفار، والمخارج، تقول: أصعدنا من بغداد إلى خراسان، فإذا صعدت على ~~سلم، أو درجة، قلت: صعدت، ولا تقول: أصعدت. وقال الزجاج: كل من ابتدأ ~~مسيرا من مكان، فقد أصعد، فأما الصعود، فهو من أسفل إلى فوق. ومن فتح ~~التاء والعين، أراد الصعود في الجبل. وللمفسرين في معنى الآية. قولان. # أحدهما: أنه صعودهم في الجبل، قاله ابن عباس ومجاهد. # والثاني: أنه الإبعاد في الهزيمة، قاله قتادة، وابن قتيبة، و «تلوون» ~~بمعنى: «تعرجون». # وقوله تعالى: { على أحد } عام، # " وقد روي عن ابن عباس أنه أريد به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~والنبي صلى الله عليه وسلم، يناديهم من خلفهم: «إلي عباد الله، أنا ~~رسول الله» " # ، وقرأت عائشة، وأبو مجلز، وأبو الجوزاء، وحميد، «على أحد» بضم الألف ~~والحاء، يعنون الجبل. # قوله تعالى: { فأثابكم } أي: جازاكم. قال الفراء: الإثابة هاهنا بمعنى ~~عقاب، ولكنه كما قال الشاعر: # أخاف زيادا أن يكون عطاؤه # أداهم سودا أو محدرجة سمرا # المحدرجة: السياط. والسود فيما يقال: القيود. # قوله تعالى { غما بغم } في هذه الباء أربعة أقوال. # أحدها: أنها بمعنى «مع». # والثاني: بمعنى «بعد». # والثالث بمعنى «على»، فعلى هذه الثلاثة الأقوال يتعلق الغمان بالصحابة. ~~وللمفسرين في المراد بهذين الغمين خمسة ms0311 أقوال. # أحدها: أن الغم الأول ما أصابهم من الهزيمة والقتل. والثاني: إشراف خالد ~~بن الوليد بخيل المشركين عليهم، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أن الأول فرارهم الأول، والثاني: فرارهم حين سمعوا أن محمدا ~~قد قتل، قاله مجاهد. # والثالث: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة وأصابهم من القتل والجراح. ~~والثاني: حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، قاله قتادة. # والرابع: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة، والفتح، والثاني: إشراف أبي ~~سفيان عليهم، قاله السدي. # والخامس: أن الأول إشراف خالد بن الوليد عليهم، والثاني: إشراف أبي ~~سفيان عليهم، ذكره الثعلبي. # والقول الرابع: أن الباء بمعنى الجزاء، فتقديره: غمكم كما غممتم غيركم، ~~فيكون أحد الغمين للصحابة، وهو أحد غمومهم التي ذكرناها عن المفسرين، ~~ويكون الغم الذي جوزوا لأجله لغيرهم. وفي المراد بغيرهم قولان. # أحدهما: أنهم المشركون غموهم يوم بدر، قاله الحسن. # والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، غموه حيث خالفوه، فجوزوا على ~~ذلك بأن غمو بما أصابهم، قاله الزجاج. # قوله تعالى { لكيلا تحزنوا } في «لا» قولان. # أحدهما: أنها باقية على أصلها، ومعناها النفي، فعلى هذا في معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: فأثابكم غما أنساكم الحزن على ما فاتكم وما أصابكم، وقد روي ~~أنهم لما سمعوا أن النبي قد قتل، نسوا ما أصابهم، وما فاتهم. # والثاني: أنه متصل بقوله: { ولقد عفا عنكم } فمعنى الكلام: عفا عنكم، ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم، لأن عفوه يذهب كل غم. # والقول الثاني: أنها صلة، ومعنى الكلام: لكي تحزنوا على ما فاتكم ~~وأصابكم عقوبة لكم في خلافكم. ومثلها قوله تعالى: # لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله # [الحديد: 29]. أي: ليعلم. هذا قول المفضل. قال ابن عباس: والذي فاتهم: ~~الغنيمة، والذي أصابهم: القتل والهزيمة. ### || [3.154] # قوله تعالى: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة } قال ابن قتيبة: ~~الأمنة: الأمن. يقال: وقعت الأمنة في الأرض. وقال الزجاج: معنى الآية: ~~أعقبكم بما نالكم من الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه، لأن الشديد الخوف ~~لا ms0312 يكاد ينام. و «نعاسا» منصوب على البدل من «أمنة» يقال: نعس الرجل ~~ينعس نعاسا، فهو ناعس. وبعضهم يقول: نعسان. قال الفراء: قد سمعتها، ~~ولكني لا أشتهيها. قال العلماء: النعاس: أخف النوم. وفي وجه الامتنان ~~عليهم بالنعاس قولان. # أحدهما: أنه أمنهم بعد خوفهم حتى ناموا، فالمنة بزوال الخوف، لأن الخائف ~~لا ينام. والثاني: قواهم بالاستراحة على القتال. # قوله تعالى: { يغشى طائفة منكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر «يغشى» بالياء مع التفخيم، وهو يعود إلى النعاس. وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وخلف «تغشى» بالتاء مع الإمالة، وهو يرجع إلى الأمنة. ~~فأما الطائفة التي غشيها النوم، فهم المؤمنون، والطائفة الذين أهمتهم ~~أنفسهم: المنافقون، أهمهم خلاص أنفسهم، فذهب النوم عنهم. قال أبو طلحة: ~~كان السيف يسقط من يدي، ثم آخذه، ثم يسقط، وآخذه من النعاس. وجعلت أنظر، ~~وما منهم أحد يومئذ إلا يميد تحت حجفته من النعاس. وقال الزبير: أرسل ~~الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع ~~كالحلم قول معتب بن قشير: { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا } ، ~~فحفطتها منه. # قوله تعالى: { يظنون بالله غير الحق } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنهم ظنوا أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنهم كذبوا بالقدر، رواه الضحاك، عن ابن عباس. # والثالث: أنهم ظنوا أن محمدا قد قتل، قاله مقاتل. # والرابع: ظنوا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم مضمحل، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { ظن الجاهلية } قال ابن عباس: أي: كظن الجاهلية. # قوله تعالى: { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } لفظه لفظ الاستفهام، ~~ومعناه: الجحد، تقديره: ما لنا من الأمر من شيء. قال الحسن: قالوا: لو ~~كان الأمر إلينا ما خرجنا، وإنما أخرجنا كرها. وقال غيره: المراد ~~بالأمر: النصر والظفر، قالوا: إنما النصر للمشركين { قل إن الأمر كله } ~~أي: النصر، والظفر، والقضاء والقدر { لله }. والأكثرون قرؤوا { إن الأمر ~~كله لله } بنصب اللام، وقرأ أبو عمرو برفعها، قال أبو علي: حجة ms0313 من نصب، ~~أن «كله» بمنزلة «أجمعين» في الإحاطة والعموم، فلو قال: إن الأمر أجمع، ~~لم يكن إلا النصب، و «كله» بمنزلة «أجمعين» ومن رفع، فلأنه قد ابتدأ ~~به، كما ابتدأ بقوله تعالى: { وكلهم آتية }. # قوله تعالى { يخفون في أنفسهم } في الذي أخفوه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قولهم: { لو كنا في بيوتنا ما قتلنا هاهنا }. # والثاني: أنه إسرارهم الكفر، والشك في أمر الله. # والثالث: الندم على حضورهم مع المسلمين بأحد. # قال أبو سليمان الدمشقي: والذي قال: { هل لنا من الأمر من شيء } عبد ~~الله بن أبي. والذي قال: { لو كان لنا من الأمر من شيء } معتب بن قشير. # قوله تعالى { قل لو كنتم في بيوتكم } أي: لو تخلفتم، لخرج منكم من كتب ~~عليه القتل، ولم ينجه القعود. والمضاجع: المصارع بالقتل. قال الزجاج: ~~ومعنى { برزوا }: صاروا إلى براز، وهو المكان المنكشف. ومعنى { وليبتلي ~~الله ما في صدوركم } أي: ليختبره بأعمالكم، لأنه قد علمه غيبا، فيعلمه ~~شهادة. # قوله تعالى: { وليمحص الله ما في قلوبكم } قال قتادة: أراد ليظهرها من ~~الشك والارتياب، بما يريكم من عجائب صنعه من الأمنة، وإظهار سرائر ~~المنافقين. وهذا التمحيص خاص للمؤمنين. وقال غيره: أراد بالتمحيص: إبانة ~~ما في القلوب من الاعتقاد لله، ولرسوله، وللمؤمنين، فهو خطاب للمنافقين. # قوله تعالى { والله عليم بذات الصدور } أي: بما فيها. وقال ابن ~~الأنباري: معناه: عليم بحقيقة ما في الصدور من المضمرات، فتأنيث ذات ~~بمعنى الحقيقة، كما تقول العرب: لقيته ذات يوم. فيؤنثون لأن مقصدهم: ~~لقيته مرة في يوم. ### || [3.155] # قوله تعالى: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } الخطاب ~~للمؤمنين، وتوليهم: فرارهم من العدو. والجمعان: جمع المؤمنين، وجمع ~~المشركين، وذلك يوم أحد. واستزلهم: طلب زللهم، قال ابن قتيبة: هو كما ~~تقول: استعجلت فلانا، أي: طلبت عجلته، واستعملته: طلبت عمله. والذي ~~كسبوا: يريد به الذنوب. وفي سبب فرارهم يؤمئذ قولان. # أحدها: أنهم سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فترخصوا في ~~الفرار، قاله ابن عباس في آخرين. # والثاني: أن الشيطان أذكرهم خطاياهم، ms0314 فكرهوا لقاء الله إلا على حال ~~يرضونها قاله الزجاج. ### || [3.156] # قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا } أي ~~كالمنافقين الذين قالوا لإخوانهم في النفاق، وقيل: إخوانهم في النسب. قال ~~الزجاج: وإنما قال: «إذا ضربوا» ولم يقل: إذ ضربوا، لأنه يريد: شأنهم ~~هذا أبدا، تقول: فلان إذا حدث صدق، وإذا ضرب صبر. و «إذا» لما يستقبل، ~~إلا أنه لم يحكم له بهذا المستقبل إلا لما قد خبر منه فيما مضى. قال ~~المفسرون: ومعنى { ضربوا في الأرض }: ساروا وسافروا. و «غزى» جمع غازي. ~~وفي الكلام محذوف تقديره: إذا ضربوا في الأرض، فماتوا، أو غزوا، فقتلوا. # قوله تعالى { ليجعل الله ذلك } قال ابن عباس: ليجعل الله ما ظنوا من ~~أنهم لو كانوا عندهم، سلموا، { حسرة في قلوبهم } أي: حزنا. قال ابن ~~فارس: الحسرة: التلهف على الشيء الفائت. # قوله تعالى: { والله يحيي ويميت } أي: ليس تحرز الإنسان يمنعه من ~~أجله. # قوله تعالى: { والله بما تعملون بصير } قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: ~~يعملون بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. قال أبو علي: حجة من قرأ بالياء أن ~~قبلها غيبة، وهو قوله تعالى: { وقالوا لإخوانهم } ، ومن قرأ بالتاء، ~~فحجته { لا تكونوا كالذين كفروا }. ### || [3.157] # قوله تعالى: { ولئن قتلتم } اللام في «لئن» لام القسم، تقديره: والله ~~لئن قتلتم في الجهاد { أو متم } في إقامتكم. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «مت» و «متم» و «متنا» برفع الميم ~~في جميع القرآن، وروى حفص عن عاصم: { أو متم } { ولئن متم } برفع ~~الميم في هذين دون باقي القرآن. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي كل ما في ~~القرآن بالكسر. # قوله تعالى: { لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } أي: من أعراض ~~الدنيا التي تتركون الجهاد لجمعها. وقرأ حفص عن عاصم: يجمعون بالياء، ~~ومعناه: خير مما يجمع غيركم مما تركوا الجهاد لجمعه. قال ابن عباس: خير ~~مما يجمع المنافقون في الدنيا. ### || [3.158] # قوله تعالى: { ولئن متم } أي: في إقامتكم. { أو قتلتم } في جهادكم. { ~~لإلى الله تحشرون } وهذا ms0315 تخويف من القيامة. والحشر: الجمع مع سوق. ### || [3.159] # قوله تعالى: { فبما رحمة من الله لنت لهم } قال الفراء وابن قتيبة، ~~والزجاج «ما» هاهنا صلة، ومثله: { فبما نقضهم ميثاقهم } قال ابن ~~الأنباري: دخول «ما» هاهنا يحدث توكيدا. # قال النابغة: # المرء يهوى أن يعي # ش وطول عيش ما يضره # فأكد بذكر «ما» وفيمن تتعلق به هذه الرحمة قولان. # أحدهما: أنها تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: بالمؤمنين. # قال قتادة: ومعنى { لنت لهم } لان جانبك، وحسن خلقك، وكثر احتمالك. ~~قال الزجاج: والفظ: الغليظ الجانب، السيء الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة ~~وفظظا، والفظ: ماء الكرش والفرث، وإنما سمي فظا لغلظ مشربه. فأما ~~الغليظ القلب، فقيل: هو القاسي القلب، فيكون ذكر الفظاظة والغلظ وإن ~~كانا بمعنى واحد توكيدا. وقال ابن عباس: الفظ: في القول، والغليظ ~~القلب: في الفعل. # قوله تعالى: { لانفضوا } أي: تفرقوا. وتقول: فضضت عن الكتاب ختمه: إذا ~~فرقته عنه. { فاعف عنهم } أي: تجاوز عن هفواتهم، وسل الله المغفرة ~~لذنوبهم { وشاورهم في الأمر } معناه: استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم. ~~ويقال: إنه من: شرت العسل. # وأنشدوا: # وقاسمها بالله حقا لأنتم # ألذ من السلوى إذا ما نشورها # قال الزجاج: يقال: شاورت الرجل مشاورة وشورا، وما يكون عن ذلك اسمه ~~المشورة. وبعضهم يقول: المشورة. ويقال: فلان حسن الصورة والشورة، أي: ~~حسن الهيئة واللباس. ومعنى قولهم: شاورت فلانا، أظهرت ما عنده وما عندي. ~~وشرت الدابة: إذا امتحنتها، فعرفت هيئتها في سيرها. وشرت العسل: إذا ~~أخذته من مواضع النحل. وعسل مشار. قال الأعشى: # كأن القرنفل والزنجبي # ل باتا بفيها وأريا مشارا # والأري: العسل. واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه ~~مع كونه كامل الرأي، تام التدبير، على ثلاثة أقوال. # أحدها: ليستن به من بعده، وهذا قول الحسن، وسفيان بن عيينة. # والثاني: لتطيب قلوبهم، وهو قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق. ومقاتل. ~~قال الشافعي رضي الله عنه: نظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم # " البكر تستأمر في نفسها " # إنما أراد استطابة نفسها، فإنها لو كرهت، كان للأب أن ms0316 يزوجها، وكذلك ~~مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه حين أمر بذبحه. # والثالث: للإعلام ببركة المشاورة، وهو قول الضحاك. ومن فوائد المشاورة ~~أن المشاور إذا لم ينجح أمره. علم أن امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم ~~نفسه، ومنها أنه قد يعزم على أمر، فيبين له الصواب في قول غيره، فيعلم ~~عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح. قال علي رضي الله عنه: الاستشارة عين ~~الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم. ~~وقال بعض الحكماء: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا حصنت ~~النعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر. # واعلم أنه إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما لم ~~يأته فيه وحي، وعمهم بالذكر، والمقصود أرباب الفضل والتجارب منهم. وفي ~~الذي أمر بمشاورتهم فيه قولان: حكاهما القاضي أبو يعلى. # أحدهما: أنه أمر الدنيا خاصة. # والثاني: أمر الدين والدنيا، وهو أصح. # وقد قرأ ابن مسعود، و ابن عباس «وشاورهم في بعض الأمر». # قوله تعالى: { فإذا عزمت } قال ابن فارس: العزم: عقد القلب على الشيء ~~ويريد أن يفعله. وقد قرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو العالية، وعكرمة، ~~والجحدري: { فإذا عزمت } بضم التاء. فأما التوكل، فقد سبق شرحه. # ومعنى الكلام: فإذا عزمت على فعل شيء، فتوكل على الله، لا على المشاورة. ### || [3.160] # قوله تعالى: { إن ينصركم الله } قال ابن فارس: النصر: العون، والخذلان: ~~ترك العون. وقيل: الكناية في قوله { من بعده } تعود إلى خذلانه. ### || [3.161] # قوله تعالى: { وما كان لنبي أن يغل } في سبب نزولها سبعة أقوال. # أحدها: أن قطيفة من المغنم فقدت يوم بدر، فقال ناس: لعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخذها، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا غل من غنائم هوازن يوم حنين، فنزلت هذه الآية، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أن قوما من أشراف الناس طلبوا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يخصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه الآية، نقل عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أن ms0317 النبي صلى الله عليه وسلم بعث طلائعا، فغنم النبي صلى الله ~~عليه وسلم غنيمة، ولم يقسم للطلائع، فقالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا، ~~فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. # والخامس: أن قوما غلوا يوم بدر، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والسادس: # " أنها نزلت في الذين تركوا مركزهم يوم أحد طلبا للغنيمة، وقالوا: ~~نخاف أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أخذ شيئا، فهو له» فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا؟! أظننتم أنا ~~نغل؟!» " # فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والسابع: أنها نزلت في غلول الوحي، قاله القرظي، وابن إسحاق. # وذكر بعض المفسرين أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم وآلهتم، ~~فسألوه أن يطوي ذلك، فنزلت هذه الآية. # واختلف القراء في «يغل» فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: بفتح الياء ~~وضم الغين، ومعناها: يخون. وفي هذه الخيانة قولان. # أحدهما: خيانة المال على قول الأكثرين. # والثاني: خيانة الوحي على قول القرظي، وابن اسحاق. وقرأ الباقون: بضم ~~الياء وفتح الغين، ولها وجهان. # أحدهما: أن يكون المعنى يخان، [ويجوز أن يكون: يلفى خائنا، يقال: ~~أغللت فلانا، أي: وجدته غالا، كما يقال: أحمقته: وجدته أحمق، وأحمدته: ~~وجدته محمودا]، قاله الحسن، وابن قتيبة. # والثاني: يخون، قاله الفراء، وأجازه الزجاج، ورده ابن قتيبة، فقال: ~~لو أراد: يخون، لقال: يغلل، كما يقال: يفسق، ويخون، ويفجر. # وقيل «اللام» في قوله «لنبي» منقولة، ومعنى الآية: وما كان النبي ~~ليغل، ومثله: # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم: 36] أي: ما كان الله ليتخذ ولدا. # وهذه الآية من ألطف التعريض، إذ قد ثبتت براءة ساحة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، من الغلول فدل على أن الغلول في غيره. ومثله: # وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 25] وقد ذكر عن السدي نحو هذا. # قوله تعالى: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } الغلول: أخذ شيء من ~~المغنم خفية، ومنه الغلالة، وهي ثوب يلبس تحت الثياب، والغلل: وهو الماء ~~الذي يجري ms0318 بين الشجر، والغل: وهو الحقد الكامن في الصدر، وأصل الباب ~~الاختفاء. # وفي إتيانه بما غل ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه يأتي بما غله، يحمله، ويدل عليه ما روى البخاري ومسلم في ~~«الصحيحين» من حديث أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما فذكر الغلول، فعظمه، وعظم أمره، ثم قال # " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: ~~يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين ~~أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، فيقول: يا رسول الله ~~أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا ~~أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته ~~نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد ~~أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: ~~يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين ~~أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، ~~فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك ". # الرغاء: صوت البعير، والثغاء: صوت الشاة، والنفس: ما يغل من السبي، ~~والرقاع: الثياب. والصامت: المال. # والقول الثاني: أنه يأتي حاملا إثم ما غل. # والثالث: أنه يرد عوض ما غل من حسناته، والقول الأول أصح لمكان الأثر ~~الصحيح. # قوله تعالى: { ثم توفى كل نفس ما كسبت } أي: تعطى جزاء ما كسبت. ### || [3.162] # قوله تعالى: { أفمن اتبع رضوان الله } اختلفوا في معنى هذه الآية على ~~قولين. # أحدهما: أن معناها: أفمن اتبع رضوان الله، فلم يغل، { كمن باء بسخط من ~~الله } حين غل؟! هذا قول سعيد بن جبير، والضحاك، والجمهور. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر المسلمين باتباعه يوم ~~أحد، اتبعه المؤمنون، وتخلف جماعة من المنافقين، فأخبر الله بحال من ~~تبعه، ومن تخلف ms0319 عنه، هذا قول الزجاج. ### || [3.163] # قوله تعالى: { هم درجات } قال الزجاج: معناه: هم ذوو درجات. وفي معنى ~~درجات قولان. # أحدهما: أنها درجات الجنة، قاله الحسن. # والثاني: أنها فضائلهم، فبعضهم أفضل من بعض، قاله الفراء، وابن قتيبة. # وفيمن عنى بهذا الكلام قولان. # أحدهما: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط من الله، فلمن ~~اتبع رضوان الله الثواب، ولمن باء بسخطه العذاب، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فإنهم يتفاوتون في المنازل، ~~هذا قول سعيد بن جبير، وأبي صالح، ومقاتل. ### || [3.164] # قوله تعالى: { لقد من الله على المؤمنين } أي: أنعم عليهم. و «أنفسهم» ~~جماعتهم، وقيل: نسبهم. وقرأ الضحاك، وأبو الجوزاء: { من أنفسهم } بفتح ~~الفاء. وفي وجه الامتنان عليهم بكونه من أنفسهم أربعة أقوال. # أحدها: لكونه معروف النسب فيهم، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: لكونهم قد خبروا أمره، وعلموا صدقه، قاله الزجاج. # والثالث: ليسهل عليهم التعلم منه، لموافقة لسانه للسانهم، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # والرابع: لأن شرفهم يتم بظهور نبي منهم، قاله الماوردي. # وهل هذه الآية خاصة أم عامة؟ فيه قولان. # أحدهما: أنها خاصة للعرب، روي عن عائشة والجمهور. # والثاني: أنها عامة لسائر المؤمنين، فيكون المعنى أنه ليس بملك، ولا من ~~غير بني آدم، وهذا اختيار الزجاج. وقد سبق في (البقرة) بيان باقي الآية. ### || [3.165] # قوله تعالى: { أو لما أصابتكم مصيبة } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~لما كان يوم أحد، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم ~~سبعون، وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت ~~البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فنزلت هذه الآية إلى قوله تعالى { ~~قل هو من عند أنفسكم } قال: بأخذكم الفداء. # قوله تعالى: { أو لما } قال الزجاج: هذه واو النسق، دخلت عليها ألف ~~الاستفهام، فبقيت مفتوحة على هيئتها قبل دخولها، ومثل ذلك قول القائل: ~~تكلم فلان بكذا وكذا فيقول المجيب له: أو هو ممن يقول ذلك؟ فأما ~~«المصيبة» فما أصابهم يوم أحد، وكانوا قد ms0320 أصابوا مثليها من المشركين يوم ~~بدر، لأنهم قتل منهم سبعون، فقتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين، وهذا ~~قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والجماعة، إلا أن الزجاج قال: قد أصبتم ~~يوم أحد مثلها، ويوم بدر مثلها، فجعل المثلين في اليومين. # قوله تعالى: { أنى هذا } قال ابن عباس: من أين أصابنا هذا ونحن مسلمون. # قوله تعالى: { قل هو من عند أنفسكم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: بأخذكم الفداء يوم بدر، قاله عمر بن الخطاب. وقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء، وقد أمرك أن تخيرهم بين ~~أن يضربوا أعناق الأسارى، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم ~~عدتهم، فذكر ذلك للناس فقالوا: عشائرنا وإخواننا، بل نأخذ منهم الفداء، ~~ويستشهد منا عدتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر فعلى هذا ~~يكون المعنى: قل هو بأخذكم الفداء، واختياركم القتل لأنفسكم. # والثاني: أنه جرى ذلك بمعصية الرماة يوم أحد، وتركهم أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قاله ابن عباس، ومقاتل في آخرين. # والثالث: أنه بمخالفتهم الرسول في الخروج من المدينة يوم أحد، فإنه ~~أمرهم بالتحصن فيها، فقالوا: بل نخرج، قاله قتادة، والربيع. قال مقاتل: ~~إن الله على كل شيء من النصر والهزيمة قدير. ### || [3.166-167] # قوله تعالى: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان } الجمعان: النبي وأصحابه، ~~وأبو سفيان وأصحابه، وذلك في يوم أحد، وقد سبق ذكر ما أصابهم. # قوله تعالى: { فبإذن الله } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أمره، والثاني: قضاؤه، رويا عن ابن عباس. والثالث: علمه، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { وليعلم المؤمنين } أي: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ~~ما نالهم، ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم، وقلة صبرهم قال ابن قتيبة، ~~والنفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو جحر من جحرته يخرج منه إذا أخذ ~~عليه الجحر الذي دخل فيه. قال الزيادي عن الأصمعي: ولليربوع أربعة أجحرة، ~~النافقاء: وهو الذي يخرج منه كثيرا، ويدخل منه كثيرا. ms0321 والقاصعاء، سمي ~~بذلك لأنه يخرج تراب الجحر، ثم يقصع ببعضه كأنه يسد به فم الجحر، ومنه ~~يقال: جرح فلان قد قصع بالدم: إذا امتلأ ولم يسل. والداماء سمي بذلك، ~~لأنه يخرج التراب من فم الجحر، ثم يدم به فم الجحر، كأنه يطليه به، ~~ومنه يقال: ادمم قدرك بشحم، أي اطلها به. والراهطاء، ولم يذكر اشتقاقه، ~~وإنما يتخذ هذه الجحر عددا، فاذا أخذ عليه بعضها، خرج من بعض. قال أبو ~~زيد: فشبه المنافق به، لأنه يدخل في الإسلام، بلفظه، ويخرج منه بعقده، ~~كما يدخل اليربوع من باب ويخرج من باب. قال ابن قتيبة: والنفاق: لفظ ~~إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام. قال ابن عباس: والمراد بالذين ~~نافقوا عبد الله بن أبي، وأصحابه. قال موسى بن عقبة: خرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد. ومعه المسلمون، وهم ألف رجل، والمشركون ثلاثة آلاف، ~~فرجع عنه ابن أبي في ثلاثمئة. فأما القتال، فمباشرة الحرب، وفي المراد ~~بالدفع ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه التكثير بالعدد، رواه مجاهد عن ابن عباس، وهو قول الحسن، ~~وعكرمة، والضحاك، والسدي، وابن جريج في آخرين. # والثاني: أن معناه: ادفعوا عن أنفسكم، وحريمكم، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وهو قول مقاتل. # والثالث: أنه بمعنى، القتال أيضا. قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { لو نعلم قتالا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: لو نعلم أن اليوم يجري قتال ما أسلمناكم، ذكره ابن ~~اسحاق. # والثاني: لو كنا نحسن القتال لاتبعناكم. # والثالث: إنما معناه: أن هناك قتلا وليس بقتال، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: { هم للكفر } أي: إلى الكفر { أقرب منهم للإيمان } أي: إلى ~~الإيمان، وإنما قال: يومئذ، لأنهم فيما قبل لم يظهروا مثل ما أظهروا، ~~فكانوا بظاهر حالهم فيما قبل أقرب إلى الإيمان. # قوله تعالى: { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } فيه وجهان ذكرهما ~~المارودي. # أحدهما: ينطقون بالإيمان، وليس في قلوبهم إلا الكفر. # والثاني: يقولون: نحن أنصار، وهم أعداء. وذكر في الذي يكتمون وجهين. # أحدهما: أنه النفاق. والثاني: العداوة. ### || [3.168] # قوله تعالى: { الذين ms0322 قالوا لإخوانهم } قال ابن عباس: نزلت في عبد الله ~~بن أبي. وفي إخوانهم قولان. # أحدهما: أنهم إخوانهم في النفاق، قاله ابن عباس. # والثاني: إخوانهم في النسب، قاله مقاتل. فعلى الأول يكون المعنى: قالوا ~~لإخوانهم المنافقين: لو أطاعنا الذين قتلوا مع محمد ما قتلوا، وعلى ~~الثاني يكون المعنى: قالوا عن إخوانهم الذين استشهدوا بأحد: لو أطاعونا ~~ما قتلوا. # قوله تعالى: { وقعدوا } يعني القائلين قعدوا عن الجهاد. # قوله تعالى: { فادرؤوا } أي فادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ~~} أن الحذر لا ينفع مع القدر. ### || [3.169] # قوله تعالى: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } قرأ ابن ~~عامر: قتلوا بالتشديد. واختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في شهداء أحد، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار ~~الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، ~~فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: ليت إخواننا يعلمون ~~بما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد [ولا ينكلوا عن الحرب] قال الله ~~تعالى: أنا أبلغهم عنكم، " # فأنزل الله تعالى هذه الآية». وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي الضحى. # والثاني: أنها نزلت في شهداء بدر لما أفضوا إلى كرامة الله تعالى ~~وقالوا: ربنا أعلم إخواننا، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. # والثالث: أنها نزلت في شهداء بئر معونة. روى محمد بن إسحاق عن أشياخ له، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث المنذر بن عمرو في سبعين رجلا من خيار ~~المسلمين إلى أهل نجد، فلما نزلوا بئر معونة، خرج حرام بن ملحان إلى ~~عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينظر فيه عامر، ~~وخرج رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنب حرام حتى خرج من الشق الآخر، ~~فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، وقتل سائر أصحابه ms0323 غير واحد منهم، قال ~~أنس بن مالك: فأنزل الله تعالى فيهم: «بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ~~ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه» ثم رفعت، فنزلت هذه الآية: { ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا }. # فهذا اختلاف الناس فيمن نزلت، واختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الشهداء بعد استشهادهم سألوا الله أن يخبر إخوانهم بمصيرهم، ~~وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا قال: يا ليتنا نعلم ما لقي إخواننا الذين استشهدوا، ~~فنزلت، قاله مقاتل. # والثالث: أن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور، تحسروا، ~~وقالوا نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا، وأبناؤنا، وإخواننا، في القبور، ~~فنزلت هذه الآية، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # فأما التفسير، فمعنى الآية: لا تحسبنهم أمواتا كالأموات الذين لم ~~يقتلوا في سبيل الله، وقد بينا هذا المعنى في (البقرة) وذكرنا أن معنى ~~حياتهم: أن أرواحهم في حواصل طير تأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها. ~~قال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة. ### || [3.170] # قوله تعالى: { فرحين } قال ابن قتيبة: الفرح: المسرة، فأما الذي آتاهم ~~الله، فما نالوا من كرامة الله ورزقه، والاستبشار: السرور بالبشارة، { ~~بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } إخوانهم من المسلمين، وفي سبب استبشارهم ~~بهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الله تعالى ما أخبر بكرامة الشهداء، أخبر الشهداء بأني قد ~~أنزلت على نبيكم، وأخبرته بأمركم، فاستبشروا، وعلموا أن إخوانهم سيحرصون ~~على الشهادة، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: يستبشرون بإخوانهم الذين يرجون لهم الشهادة، يقولون: إن قتلوا ~~نالوا ما نلنا من الفضل، قاله قتادة. # والثالث: أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه وأهله، ~~وفيه يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيستبشر بقدومه، كما يستبشر أهل ~~الغائب به، هذا قول السدي و «الهاء» و «الميم» في قوله تعالى: { أن لا ~~خوف عليهم } تعود إلى الذين لم يلحقوا بهم. قال الفراء: معناه: يستبشرون ~~لهم بأنهم لا خوف عليهم، ولا حزن. وفي ماذا يرتفع «الخوف» و «الحزن» ~~عنهم؟ فيه قولان. # أحدهما: لا ms0324 خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم، ولا يحزنون على ما خلفوا من ~~أموالهم. # والثاني: لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه، ولا يحزنون على مفارقة الدنيا ~~فرحا بالآخرة. ### || [3.171] # قوله تعالى: { يستبشرون بنعمة من الله وفضل } قال مقاتل: برحمة ورزق. # قوله تعالى: { وأن الله } قرأ الجمهور بالفتح على معنى: ويستبشرون بأن ~~الله، وقرأ الكسائي بالكسر على الاستئناف. ### || [3.172] # قوله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن المشركين لما انصرفوا يوم أحد، ندب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه لاتباعهم، ثم خرج بمن انتدب معه، فلقي أبو سفيان قوما، ~~فقال: إن لقيتم محمدا، فأخبروه أني في جمع كثير، فلقيهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسألهم عنه؟ فقالوا: لقيناه في جمع كثير، ونراك في قلة، فأبى ~~إلا أن يطلبه، فسبقه أبو سفيان، فدخل مكة، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن ~~عباس، والجمهور. # والثاني: أن أبا سفيان لما أراد الانصراف عن أحد، قال: يا محمد، موعد ~~بيننا وبينك موسم بدر، فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان، ثم ألقى ~~الله في قلبه الرعب، فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود، فقال: إني قد ~~واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى. وهذا عام جدب، لا يصلح ~~لنا، فثبطهم عنا، وأعلمهم أنا في جمع كثير، فلقيهم فخوفهم، فقالوا: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، بأصحابه، حتى ~~أقاموا ببدر ينتظرون أبا سفيان، فنزل قوله تعالى: { الذين استجابوا لله ~~والرسول } الآيات. وهذه المعنى: مروي عن مجاهد، وعكرمة. والاستجابة: ~~الإجابة. وأنشدوا: # .......... # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي: فلم يجبه. # وفي مراد النبي صلى الله عليه وسلم، وخروجه وندب الناس للخروج ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: ليرهب العدو باتباعهم. # والثاني: لموعد أبي سفيان. # والثالث: لأنه بلغه عن القوم أنهم قالوا: أصبتم شوكتهم، ثم تركتموهم، ~~وقد سبق الكلام في القرح. # قوله تعالى: { للذين أحسنوا منهم } أي: أحسنوا بطاعة الرسول، واتقوا ~~مخالفته. ### || [3.173] # قوله تعالى: { الذين قال لهم الناس } في المراد بالناس ثلاثة أقوال. # أحدها: ms0325 أنهم ركب لقيهم أبو سفيان، فضمن لهم ضمانا لتخويف النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأصحابه، قاله ابن عباس، وابن إسحاق. # والثاني: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي، قاله مجاهد، وعكرمة، ومقاتل في ~~آخرين. # والثالث: أنهم المنافقون لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، يتجهز، ~~نهوا المسلمين عن الخروج، وقالوا: إن أتيتموهم في ديارهم، لم يرجع منكم ~~أحد، هذا قول السدي. # قوله تعالى: { إن الناس قد جمعوا لكم } يعني أبا سفيان وأصحابه. # قوله تعالى: { فزادهم إيمانا } قال الزجاج: زادهم ذلك التخويف ثبوتا ~~في دينهم، وإقامة على نصرة نبيهم، وقالوا: { حسبنا الله } أي: هو الذي ~~يكفينا أمرهم. فأما «الوكيل»، فقال الفراء: الوكيل: الكافي، واختاره ابن ~~القاسم، وقال ابن قتيبة، هو الكفيل،. قال: ووكيل الرجل في ماله: هو الذي ~~كفله له، وقام به. وقال الخطابي: الوكيل: الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم، ~~وحقيقته: أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه، وحكى ابن الأنباري: أن ~~قوما قالوا: الوكيل: الرب. ### || [3.174] # قوله تعالى: { فانقلبوا بنعمة من الله } الانقلاب: الرجوع. وفي النعمة، ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الأجر، قاله مجاهد. # والثاني: العافية، قاله السدي. # والثالث: الإيمان والنصر، قاله الزجاج، وفي الفضل، ثلاثة أقوال. # أحدها: ربح التجارة، قاله مجاهد، والسدي، وهذا قول من يرى أنهم خرجوا ~~لموعد أبي سفيان. قال الزهري: لما استنفر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين لموعد أبي سفيان ببدر. خرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا ~~سفيان، فهو الذي خرجنا إليه، وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا، وكانت بدر ~~متجرا يوافى كل عام، فانطلقوا فقضوا حوائجهم، وأخلف أبو سفيان الموعد. # والثاني: أنهم أصابوا سرية بالصفراء، فرزقوا منها، قاله مقاتل. # والثالث: أنه الثواب، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { لم يمسسهم سوء } قال ابن عباس: لم يؤذهم أحد. { واتبعوا ~~رضوان الله } في طلب القوم. { والله ذو فضل } أي: ذو من بدفع المشركين ~~عن المؤمنين. ### || [3.175] # قوله تعالى: { إنما ذلكم الشيطان } قال الزجاج: معناه: ذلك التخويف كان ~~فعل الشيطان، سوله للمخوفين. # وفي قوله تعالى { يخوف أولياءه } قولان. # أحدهما: أن معناه: يخوفكم بأوليائه، قاله ms0326 الفراء، واستدل بقوله تعالى: # لينذر بأسا شديدا # [الكهف: 4] أي ببأس، وبقوله تعالى: # لينذر يوم التلاق # [غافر: 15] أي: بيوم التلاق. وقال الزجاج: معناه: يخوفكم من أوليائه، ~~بدليل: قوله تعالى: { فلا تخافوهم وخافون } # وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وإبراهيم، وابن قتيبة. # وأنشد ابن الأنباري في ذلك: # وأيقنت التفرق يوم قالوا # تقسم مال أربد بالسهام # أراد: أيقنت بالتفرق. قال: فلما أسقط الباء أعمل الفعل فيما بعدها ~~ونصبه. قال: والذي نختاره في الآية: أن المعنى: يخوفكم أولياءه. تقول ~~العرب: قد أعطيت الأموال، يريدون: أعطيت القوم الأموال، فيحذفون القوم، ~~ويقتصرون على ذكر المفعول الثاني. فهذا أشبه من ادعاء «باء» ما عليها ~~دليل، ولا تدعوا إليها ضرورة. # والثاني: أن معناه: يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين، ~~قاله الحسن والسدي، وذكره الزجاج. # قوله تعالى { فلا تخافوهم } يعني: أولياء الشيطان { وخافون } في ترك ~~أمري، وفي «إن» قولان. # أحدهما: أنها بمعنى «إذ» قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنها للشرط، وهو قول الزجاج في آخرين. ### || [3.176] # قوله تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قرأ نافع «يحزنك» ~~«ليحزنني» «وليحزن» بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن، إلا في ~~(الأنبياء) # لا يحزنهم الفزع # [الأنبياء: 103]، فإنه فتح الياء، وضم الزاي. وقرأ الباقون كل ما في ~~القرآن بفتح الياء وضم الزاي. قال أبو علي: يشبه أن يكون نافع تبع في ~~سورة { الأنبياء } أثرا، أو أحب أن يأخذ بالوجهين. وفي الذين يسارعون في ~~الكفر أربعة أقوال. # أحدها: أنهم المنافقون، ورؤساء اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: المنافقون، قاله مجاهد. # والثالث: كفار قريش قاله الضحاك. # والرابع: قوم ارتدوا عن الإسلام، ذكره الماوردي. # وقيل: معنى مسارعتهم في الكفر: مظاهرتهم للكفار، ونصرهم إياهم. فإن قيل: ~~كيف لا يحزنه المسارعة في الكفر؟ فالجواب لا يحزنك فعلهم، فإنك منصور ~~عليهم. # قوله تعالى: { إنهم لن يضروا الله شيئا } فيه قولان. # أحدهما: لن: ينقصوا الله شيئا بكفرهم، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: لن يضروا أولياء الله شيئا، قاله عطاء. قال ابن عباس: والحظ: ~~النصيب، والآخرة: الجنة. { ولهم عذاب ms0327 عظيم } في النار. ### || [3.177] # قوله تعالى: { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان } قال مجاهد: المنافقون ~~آمنوا ثم كفروا، وقد سبق في (البقرة) معنى الاشتراء. ### || [3.178] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم } ~~اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال. # أحدها: في اليهود والنصارى والمنافقين، قاله ابن عباس. # والثاني: في قريظة والنضير، قاله عطاء. # والثالث: في مشركي مكة، قاله مقاتل. # والرابع: في كل كافر، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمر، ونافع { ولا يحسبن الذين كفروا } [آل عمران: ~~178] # ولا يحسبن الذين يبخلون # [آل عمران: 180] # ولا يحسبن الذين يفرحون # [آل عمران: 188] بالياء وكسر السين، ووافقهم ابن عامر غير أنه فتح ~~السين، وقرأهن حمزة بالتاء وقرأ عاصم والكسائي كل ما في هذه السورة ~~بالتاء غير حرفين { ولا يحسبن الذين كفروا } { ولا يحسبن الذين يبخلون } ~~فإنهما بالياء، إلا أن عاصما فتح السين، وكسرها الكسائي، ولم يختلفوا في ~~{ ولا تحسبن الذين قتلوا } أنها بالتاء. { ونملي لهم } أي: نطيل لهم في ~~العمر ومثله { واهجرني مليا } قال ابن الأنباري: واشتقاق «نملي لهم» من ~~الملوة، وهي المدة من الزمان، يقال: ملوة من الدهر، وملوة، وملوة، ~~وملاوة، وملاوة، وملاوة، بمعنى واحد، ومنه قولهم: البس جديدا وتمل ~~حبيبا، أي: لتطل أيامك معه. # قال متمم بن نويرة: # بودي لو أني تمليت عمره # بمالي من مال طريف وتالد ### || [3.179] # قوله تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه } في سبب ~~نزولها خمسة أقوال. # أحدها: أن قريشا قالت: تزعم يا محمد أن من اتبعك، فهو في الجنة، ومن ~~خالفك فهو في النار؟! فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول ابن عباس. # والثاني: أن المؤمنين سألوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن ~~والمنافق، فنزلت هذه الآية، هذا قول أبي العالية. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " عرضت علي أمتي، وأعلمت من يؤمن بي، ومن يكفر، فبلغ ذلك ~~المنافقين، فاستهزؤوا، وقالوا: فنحن معه ولا يعرفنا " # فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. ms0328 # والرابع: أن اليهود، قالت: يا محمد قد كنتم راضين بديننا، فكيف بكم لو ~~مات بعضكم قبل نزول كتابكم؟! فنزلت هذه الآية. هذا قول عمر مولى غفرة. # والخامس: أن قوما من المنافقين ادعوا أنهم في إيمانهم مثل المؤمنين، ~~فأظهر الله نفاقهم يوم أحد، وأنزل هذه الآية، هذا قول أبي سليمان ~~الدمشقي. # وفي المخاطب بهذه الآية قولان. # أحدهما: أنهم الكفار، والمنافقون، وهو قول ابن عباس، والضحاك. # والثاني: أنهم المؤمنون، فيكون المعنى: ما كان الله ليذركم على ما أنتم ~~عليه من التباس المؤمن بالمنافق. قال الثعلبي: وهذا قول أكثر أهل ~~المعاني. # قوله تعالى: { حتى يميز الخبيث من الطيب } قرأ ابن كثير، ونافع وأبو ~~عمرو، وابن عامر { حتى يميز } و { ليميز الله الخبيث } بفتح الياء ~~والتخفيف. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب: «يميز» بالتشديد، وكذلك في ~~[الأنفال: 37] # ليميز الله الخبيث # قال أبو علي: مزت وميزت لغتان. قال ابن قتيبة: ومعنى: يميز: يخلص. ~~فأما الطيب، فهو المؤمن. وفي الخبيث قولان. # أحدهما: أنه المنافق، قاله مجاهد، وابن جريج. # والثاني: الكافر، قاله قتادة، والسدي. وفي الذي وقع به التمييز بينهم ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الهجرة والقتال، قاله قتادة، وهو قول من قال: الخبيث: ~~الكافر. # والثاني: أنه الجهاد، وهو قول من قال: هو المنافق. قال مجاهد: فميز ~~الله يوم أحد بين المؤمنين والمنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلفوا. # والثالث: أنه جميع الفرائض والتكاليف، فإن المؤمن مستور الحال بالإقرار، ~~فإذا جاءت التكاليف بان أمره، هذا قول ابن كيسان. # وفي المخاطب بقوله: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } قولان. # أحدهما: أنهم كفار قريش، فمعناه: ما كان الله ليبين لكم المؤمن من ~~الكافر، لأنهم طلبوا ذلك، فقالوا: أخبرنا بمن يؤمن ومن لا يؤمن، هذا قول ~~ابن عباس. # والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فمعناه: وما كان الله ليطلع ~~محمدا على الغيب، قاله السدي «ويجتبي» بمعنى يختار، قاله الزجاج وغيره. ~~فمعنى الكلام على القول الأول: أن الله لا يطلع على الغيب أحدا إلا ~~الأنبياء الذين اجتباهم، وعلى القول الثاني: أن الله لا يطلع ms0329 على الغيب ~~أحدا إلا أنه يجتبي من يشاء فيطلعه على ما يشاء. ### || [3.180] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله } اختلفوا فيمن ~~نزلت على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في الذين يبخلون أن يؤدوا زكاة أموالهم، وهو قول ابن ~~مسعود وأبي هريرة، وابن عباس في رواية أبي صالح، والشعبي، ومجاهد، وفي ~~رواية السدي في آخرين. # والثاني: أنها في الأحبار الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ونبوته، رواه عطية عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد، واختاره الزجاج. # قال الفراء: ومعنى الكلام: لا يحسبن الباخلون البخل هو خيرا لهم، ~~فاكتفى بذكر «يبخلون» من البخل، كما تقول: قدم فلان، فسررت به، أي: سررت ~~بقدومه. # قال الشاعر: # إذا نهي السفيه جرى إليه # وخالف والسفيه إلى خلاف # يريد: جرى إلى السفه. والذي آتاهم الله على قول من قال: البخل بالزكاة: ~~هو المال، وعلى قول من قال: البخل بذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~العلم. # قوله تعالى { هو } إشارة إلى البخل وليس مذكورا، ولكنه مدلول عليه ب ~~«يبخلون» وفي معنى تطويقهم به أربعة أقوال. # أحدها: أنه يجعل كالحية يطوق بها الإنسان، روى ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أنه قال: # " ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع يفر ~~منه، وهو يتبعه حتى يطوق في عنقه " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة }. وهذا مذهب ابن مسعود، ومقاتل. # والثاني: أنه يجعل طوقا من نار، رواه منصور عن مجاهد، وإبراهيم. # والثالث: أن معنى تطويقهم به: تكليفهم أن يأتوا به، رواه ابن أبي نجيح، ~~عن مجاهد. # والرابع: أن معناه: يلزم أعناقهم إثمه، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى { ولله ميراث السموات والأرض } قال ابن عباس: يموت أهل ~~السموات وأهل الأرض، ويبقى رب العالمين. قال الزجاج: خوطب القوم بما ~~يعقلون، لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثا إذا كان ملكا له، وقال ~~ابن الأنباري: معنى: الميراث: انفراد الرجل بما ms0330 كان لا ينفرد به، فلما ~~مات الخلق، وانفرد عز وجل، صار ذلك له وراثة. # قوله تعالى: { والله بما تعملون خبير } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~«يعملون» بالياء إتباعا لقوله تعالى: { سيطوقون } وقرأ الباقون ~~بالتاء، لأن قبله { وإن تؤمنوا وتتقوا }. ### || [3.181] # قوله تعالى: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير } في سبب ~~نزولها قولان. # أحدهما: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل بيت مدراس اليهود، فوجدهم ~~قد اجتمعوا على رجل منهم، اسمه فنحاص، فقال له أبو بكر: اتق الله وأسلم، ~~فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله. فقال: والله يا أبا بكر ما بنا ~~إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا. ~~فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والله لولا العهد الذي ~~بيننا لضربت عنقك. فذهب فنحاص يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره ~~أبو بكر بما قال، فجحد فنحاص، فنزلت هذه الآية، ونزل فيما بلغ من أبي بكر ~~من الغضب # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا # [آل عمران: 186]. هذا قول ابن عباس وإلى نحوه ذهب مجاهد، وعكرمة، ~~والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه لما نزل قوله # من ذا الذي يقرض الله قرضا # [البقرة 245] قالت اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول الحسن، وقتادة. # وفي الذين قالوا: إن الله فقير، أربعة أقوال. # أحدها: أنه فنحاص بن عازوراء اليهودي، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: حيي بن أخطب، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: أن جماعة من اليهود قالوه. قال مجاهد: صك أبو بكر رجلا من ~~الذين قالوا: { إن الله فقير ونحن أغنياء } لم يستقرضنا وهو غني؟!. # والرابع: أنه النباش بن عمرو اليهودي، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { سنكتب ما قالوا } قرأ حمزة وحده: «سيكتب» بياء مضمومة، و ~~«قتلهم» بالرفع و «يقول» بالياء، وقرأ الباقون: { سنكتب ما قالوا } ~~بالنون، و «قتلهم» بالنصب و «نقول» بالنون، وقرأ ابن مسعود «ويقال»، وقرأ ~~الأعمش، وطلحة: و ms0331 «يقول». # وفي معنى: { سنكتب ما قالوا } قولان. # أحدهما: سنحفظ عليهم ما قالوا، قاله ابن عباس. # والثاني: سنأمر الحفظة بكتابته، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وقتلهم الأنبياء } أي: ونكتب ذلك. فإن قيل: هذا القائل ~~لم يقتل نبيا قط، فالجواب أنه رضي بفعل متقدميه لذلك، كما بينا في قوله ~~تعالى { ويقتلون النبيين بغير الحق } قال الزجاج: ومعنى { عذاب الحريق } ~~عذاب محرق، أي: عذاب بالنار، لأن العذاب قد يكون بغير النار. ### || [3.182] # قوله تعالى: { ذلك } إشارة إلى العذاب، والذي قدمت أيديهم: الكفر ~~والخطايا. ### || [3.183] # قوله تعالى: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } قال ابن عباس: نزلت في ~~كعب ابن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وجماعة من اليهود، أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الله عهد إلينا، أي: أمرنا في ~~التوراة: أن لا نؤمن لرسول، أي: لا نصدق رسولا يزعم أنه رسول، حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار. قال ابن قتيبة: والقربان: ما تقرب به إلى ~~الله تعالى من ذبح وغيره. وإنما طلبوا القربان، لأنه كان من سنن الأنبياء ~~المتقدمين، وكان نزول النار علامة القبول. قال ابن عباس: كان الرجل ~~يتصدق، فإذا قبلت منه، نزلت نار من السماء، فأكلته، وكانت نارا لها ~~دوي، وحفيف. وقال عطاء: كان بنو إسرائيل يذبحون لله، فيأخذون أطايب ~~اللحم، فيضعونها في وسط البيت تحت السماء، فيقوم النبي في البيت، ويناجي ~~ربه، فتنزل نار، فتأخذ ذلك القربان، فيخر النبي ساجدا، فيوحي الله إليه ~~ما يشاء. قال ابن عباس: قل يا محمد لليهود { قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينات } أي: بالآيات، { وبالذي } سألتم من القربان. ### || [3.184] # قوله تعالى: { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } معناه: لست بأول رسول ~~كذب. قال أبو علي: وقرأ ابن عامر وحده «بالبينات وبالزبر» بزيادة باء، ~~وكذلك في مصاحف أهل الشام، ووجهه أن إعادة الباء ضرب من التأكيد، ووجه ~~قراءة الجمهور أن الواو قد أغنت عن تكرير العامل، تقول: مررت بزيد وعمرو، ~~فتستغني عن تكرير الباء. وقال الزجاج: والزبر: جمع زبور، والزبور: كل ms0332 ~~كتاب ذي حكمة. # قوله تعالى: { والكتاب المنير } قال أبو سليمان: يعني به الكتب النيرة ~~بالبراهين والحجج. ### || [3.185] # قوله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } قال ابن عباس: لما نزل قوله # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11]. قالوا: يا رسول الله إنما نزل في بني آدم، فأين ذكر الموت ~~في الجن، والطير، والأنعام، فنزلت هذه الآية. وفي ذكر الموت تهديد ~~للمكذبين بالمصير، وتزهيد في الدنيا، وتنبيه على اغتنام الأجل. # وفي قوله تعالى: { إنما توفون أجوركم يوم القيامة } بشارة للمحسنين، ~~وتهديد للمسيئين. # قوله تعالى: { فمن زحزح } قال ابن قتيبة: نجي وأبعد. { فقد فاز } ~~قال الزجاج: تأويل فاز: تباعد عن المكروه، ولقي ما يحب، يقال لمن نجا من ~~هلكة، ولمن لقي ما يغتبط به: قد فاز. # قوله تعالى: { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } يريد أن العيش فيها ~~يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء، وسينقطع عن قريب. قال سعيد بن ~~جبير: هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، فأما من يشتغل بطلب ~~الآخرة، فهي له متاع بلاغ إلى ما هو خير منها. ### || [3.186] # قوله تعالى: { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } في سبب نزولها خمسة أقوال. # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي، ~~وعبد الله بن رواحة، فغشي المجلس عجاجة الدابة، فخمر ابن أبي أنفه ~~بردائه، وقال: لا تغبروا علينا، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال ابن أبي: إنه لا أحسن مما ~~تقول، إن كان حقا فلا تؤذنا في مجالسنا. وقال ابن رواحة: اغشنا به في ~~مجالسنا يا رسول الله، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون، والمشركون، ~~واليهود، فنزلت هذه الآية، رواه عروة عن أسامة بن زيد. # والثاني: أن المشركين واليهود كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه أشد الأذى، فنزلت هذه الآية، قاله كعب ابن مالك الأنصاري. # والثالث: أنها نزلت فيما جرى بين أبي بكر الصديق، وبين فنحاص اليهودي، ~~وقد سبق ذكره عن ابن عباس. ms0333 # والرابع: أنها نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس. واختاره مقاتل، وقال عكرمة: نزلت في النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق، وفنحاص اليهودي. # والخامس: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، كان يحرض المشركين على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، وهذا مذهب الزهري. # قال الزجاج: ومعنى «لتبلون»: لتختبرن، أي: توقع عليكم المحن، فيعلم ~~المؤمن حقا من غيره. و «النون» دخلت مؤكدة مع لام القسم، وضمت الواو ~~لسكونها، وسكون النون. وفي البلوى في الأموال قولان. # أحدهما: ذهابها ونقصانها. والثاني: ما فرض فيها من الحقوق. # وفي البلوى في الأنفس أربعة أقوال. # أحدها: المصائب، والقتل. والثاني: ما فرض من العبادات. # والثالث: الأمراض. والرابع: المصيببة بالأقارب، والعشائر. # وقال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم، وباعوا رباعهم، وعذبوهم. # قوله تعالى: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب } قال ابن عباس: هم ~~اليهود والنصارى، والذين أشركوا: مشركو العرب { وإن تصبروا } على الأذى ~~{ وتتقوا } الله بمجانبة معاصيه. # قوله تعالى: { فإن ذلك من عزم الأمور } أي: ما يعزم عليه، لظهور رشده. # فصل # والجمهور على إحكام هذه الآية، وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور منسوخ ~~بآية السيف. ### || [3.187] # قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } فيهم ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن جبير، والسدي، ومقاتل، فعلى ~~هذا، الكتاب: التوراة. # والثاني: أنهم اليهود، والنصارى، والكتاب: التوراة والإنجيل. # والثالث: أنهم جميع العلماء، فيكون الكتاب اسم جنس. # قوله تعالى: { لتبيننه للناس }. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب { ~~ليبيننه للناس ولا يكتمونه } بالياء فيهما، وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم ~~بالتاء فيهما. وفي هاء الكناية في «لتبيننه»، و «تكتمونه» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول من قال: ~~هم اليهود. # والثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله الحسن، وقتادة، وهو أصح، لأن ~~الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد ms0334 صلى ~~الله عليه وسلم، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب. وقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ ~~على أهل العلم أن يعلموا. # قوله تعالى: { فنبذوه } قال الزجاج: أي: رموا به، يقال للذي يطرح ~~الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت هذا الأمر بظهر. قال الفرزدق: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي # بظهر ولا يعيا علي جوابها # معناه: لا تكونن حاجتي مهملة عندك، مطرحة. وفي هاء «فنبذوه» قولان. # أحدهما: أنها تعود إلى الميثاق. # والثاني إلى الكتاب. # قوله تعالى: { واشتروا به } يعني: استبدلوا بما أخذ الله عليهم القيام ~~به، ووعدهم عليه الجنة { ثمنا قليلا } أي: عرضا يسيرا من الدنيا. ### || [3.188] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا } وقرأ أهل الكوفة: لا ~~تحسبن بالتاء. وفي سبب نزولها ثمانية أقوال. # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، سأل اليهود عن شيء، فكتموه، ~~وأخبروه بغيره، وأروه أنهم قد أخبروه به، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا ~~بما أتوا من كتمانهم إياه، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنها نزلت في قوم من اليهود، فرحوا بما يصيبون من الدنيا، ~~وأحبوا أن يقول الناس: إنهم علماء، وهذا القول، والذي قبله عن ابن عباس. # والثالث: أن اليهود قالوا: نحن على دين إبراهيم، وكتموا ذكر محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أن يهود المدينة كتبت إلى يهود العراق واليمن، ومن بلغهم ~~كتابهم من اليهود في الأرض كلها: أن محمدا ليس بنبي، فاثبتوا على دينكم، ~~فاجتمعت كلمتهم على الكفر به، ففرحوا بذلك، وقالوا: نحن أهل الصوم ~~والصلاة، وأولياء الله. فنزلت هذه الآية، هذا قول الضحاك، والسدي. # والخامس: أن يهود خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقالوا: ~~نحن على رأيكم، ونحن لكم ردء، وهم مستمسكون بضلالتهم، فأرادوا أن يحمدهم ~~نبي لله بما لم يفعلوا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والسادس: أن ناسا من اليهود جهزوا جيشا إلى النبي صلى الله عليه ms0335 وسلم، ~~واتفقوا عليهم، فنزلت هذه الآية، قاله إبراهيم النخعي. # والسابع: أن قوما من أهل الكتاب دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ثم خرجوا من عنده فذكروا للمسلمين أنهم قد أخبروا بأشياء قد عرفوها، ~~فحمدوهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا، فنزلت هذه الآية، ذكره الزجاج. # والثامن: أن رجالا من المنافقين كانوا يتخلفون عن الغزو مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإذا قدم، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا. فنزلت هذه الآية، قاله أبو سعيد الخدري، وهذا القول يدل على ~~أنها نزلت في المنافقين، وما قبله من الأقوال يدل على أنها في اليهود. # وفي الذي أتوا ثمانية أقوال. # أحدها: أنه كتمانهم ما عرفوا من الحق. # والثاني: تبديلهم التوراة. # والثالث: إيثارهم الفاني من الدنيا على الثواب. # والرابع: إضلالهم الناس. # والخامس: اجتماعهم على تكذيب النبي. # والسادس: نفاقهم بإظهار ما في قلوبهم ضده. # والسابع: اتفاقهم على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه أقوال من ~~قال: هم اليهود. # والثامن: تخلفهم في الغزوات، وهذا قول من قال: هم المنافقون. # وفي قوله تعالى: { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } ستة أقوال. # أحدها: أحبوا أن يحمدوا على إجابة النبي صلى الله عليه وسلم، عن شيء ~~سألهم عنه وما أجابوه. # والثاني: أحبوا أن يقول الناس: هم علماء، وليسوا كذلك. # والثالث: أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة، والصيام، وهذه ~~الأقوال الثلاثة عن ابن عباس. # والرابع: أحبوا أن يحمدوا على قولهم: نحن على دين إبراهيم، وليسوا عليه، ~~قاله سعيد بن جبير. # والخامس: أحبوا أن يحمدوا على قولهم: إنا راضون بما جاء به النبي، ~~وليسوا كذلك، قاله قتادة. وهذه أقوال من قال: هم اليهود. # والسادس: أنهم كانوا يحلفون للمسلمين، إذا نصروا: إنا قد سررنا بنصركم، ~~وليسوا كذلك، قاله أبو سعيد الخدري، وهو قول من قال: هم المنافقون. # قوله تعالى: { فلا يحسبنهم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، فلا يحسبنهم، ~~بالياء وضم الباء. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ~~بالتاء، وفتح الباء. قال الزجاج: إنما كررت «تحسبنهم» لطول ms0336 القصة، والعرب ~~تعيد إذا طالت القصة «حسبت»، وما أشبهها، إعلاما أن الذي يجرى متصل ~~بالأول، وتوكيدا له، فتقول: لا تظنن زيدا إذا جاء وكلمك بكذا وكذا، ~~فلا تظننه صادقا. # قوله تعالى: { بمفازة } قال ابن زيد، وابن قتيبة، بمنجاة. ### || [3.189] # قوله تعالى: { ولله ملك السموات والأرض } فيه تكذيب القائلين: بأنه ~~فقير. # وفي قوله تعالى: { والله على كل شيء قدير } تهديد لهم، أي: لو شئت لعجلت ~~عذابهم. ### || [3.190] # قوله تعالى: { إن في خلق السموات والأرض } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن قريشا قالوا لليهود: ما الذي جاءكم به موسى؟ قالوا: عصاه ~~ويده البيضاء. وقالوا للنصارى: ما الذي جاءكم به عيسى؟ قالوا: كان يبرىء ~~الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ~~ادع ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فنزلت هذه الآية، رواه ابن جبير عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن أهل مكة سألوه أن يأتيهم بآية، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163]. قالت قريش: قد سوى بين آلهتنا، إئتنا بآية، فنزلت هذه ~~الآية، قاله أبو الضحى، واسمه: مسلم بن صبيح. فأما تفسير الآية فقد ~~سبق. ### || [3.191] # قوله تعالى: { الذين يذكرون الله قياما وقعودا } في هذا الذكر ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه الذكر في الصلاة، يصلي قائما، فإن لم يستطع، فقاعدا، فإن ~~لم يستطع، فعلى جنب، هذا قول علي، وابن مسعود، وابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنه الذكر في الصلاة وغيرها، وهو قول طائفة من المفسرين. # والثالث: أنه الخوف، فالمعنى: يخافون الله قياما في تصرفهم، وقعودا في ~~دعتهم، وعلى جنوبهم في منامهم. # قوله تعالى: { ويتفكرون في خلق السموات والأرض } قال ابن فارس: التفكر: ~~تردد القلب في الشيء. قال ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من ~~قيام ليلة، والقلب ساه. # قوله تعالى: { ربنا } قال الزجاج: معناه: يقولون: ربنا { ما خلقت هذا ~~باطلا } ، أي: خلقته دليلا عليك، وعلى صدق ما أتت به أنبياؤك. ومعنى { ~~سبحانك }: براءة لك من السوء، وتنزيها لك ms0337 أن تكون خلقتهما باطلا { ~~فقنا عذاب النار } فقد: صدقنا أن لك جنة ونارا. ### || [3.192] # قوله تعالى: { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } قال الزجاج: ~~المخزى في اللغة: المذل المحقور بأمر قد لزمه، وبحجة. يقال: أخزيته، ~~أي: ألزمته حجة أذللته معها. وفيمن يتعلق به هذا الخزي قولان: # أحدهما: أنه يتعلق بمن يدخلها مخلدا، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن ~~المسيب، وابن جبير، وقتادة، وابن جريج، ومقاتل. # والثاني: أنه يتعلق بكل داخل إليها، وهذا المعنى مروي عن جابر بن عبد ~~الله، واختاره ابن جرير الطبري، وأبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { وما للظالمين من أنصار } قال ابن عباس: وما للمشركين من ~~مانع يمنعهم عذاب الله تعالى. ### || [3.193] # قوله تعالى: { ربنا إننا سمعنا مناديا } في المنادي قولان. # أحدهما: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، وابن جريج، وابن ~~زيد، ومقاتل. # والثاني: أنه القرآن، قاله محمد بن كعب القرظي، واختاره ابن جرير ~~الطبري. # قوله تعالى: { ينادي للإيمان } فيه قولان. # أحدها: أن معناه: ينادي إلى الإيمان، ومثله # الذي هدانا لهذا # [الأعراف: 43]. # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]. [يريد: هدانا إلى هذا، وأوحى إليها] قاله الفراء. # والثاني: بأنه مقدم ومؤخر، والمعنى: سمعنا مناديا للإيمان ينادي، قاله ~~أبو عبيدة. # قوله تعالى: { وكفر عنا سيئاتنا } قال مقاتل: امح عنا خطايانا. وقال ~~غيره غطها عنا، وقيل: إنما جمع بين غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لأن ~~الغفران بمجرد الفضل، والتكفير بفعل الخير { وتوفنا مع الأبرار } قرأ ~~نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، «الأبرار»، و «الأشرار» و ~~«ذات قرار» وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح: ~~ومعنى: «مع الأبرار» فيهم، قال ابن عباس: وهم الأنبياء والصالحون. ### || [3.194] # قوله تعالى: { ربنا وآتنا ما وعدتنا } قال ابن عباس: يعنون: الجنة { على ~~رسلك } أي: على ألسنتهم. فإن قيل: ما وجه هذه المسألة والله لا يخلف ~~الميعاد؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه خرج مخرج المسألة، ومعناه: الخبر، تقديره: فآمنا، فاغفر لنا ~~لتؤتينا ما وعدتنا. # والثاني: أنه سؤال له، أن يجعلهم ms0338 ممن آتاه ما وعده، لا أنهم استحقوا ~~ذلك، إذ لو كانوا قد قطعوا أنهم من الأبرار، لكانت تزكية لأنفسهم. # والثالث: أنه سؤال لتعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، لأنه وعدهم ~~نصرا غير مؤقت، فرغبوا في تعجيله، ذكر هذه الأجوبة ابن جرير، وقال: أولى ~~الأقوال بالصواب، أن هذه صفة المهاجرين، رغبوا في تعجيل النصر على ~~أعدائهم. فكأنهم قالوا: لا صبر لنا على حلمك عن الأعداء، فعجل خزيهم، ~~وظفرنا بهم. ### || [3.195] # قوله تعالى: { فاستجاب لهم ربهم } روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول ~~الله، لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فنزلت هذه الآية، واستجاب: ~~بمعنى أجاب. والمعنى: أجابهم بأن قال لهم: إني لا أضيع عمل عامل منكم، ~~ذكرا كان أو أنثى. # وفي معنى قوله تعالى: { بعضكم من بعض } ثلاثة أقوال. # أحدها: بعضكم من بعض في الدين، والنصرة والموالاة. # والثاني: حكم جميعكم في الثواب واحد، لأن الذكور من الإناث، والإناث من ~~الذكور. # والثالث: كلكم من آدم وحواء. # قوله تعالى: { فالذين هاجروا } أي: تركوا الأوطان والأهل والعشائر { ~~وأخرجوا من ديارهم } يعني: المؤمنين الذين أخرجوا من مكة بأذى المشركين، ~~فهاجروا، { وقاتلوا } المشركين { وقتلوا }. قرأ ابن كثير، وابن عامر: ~~«وقاتلوا وقتلوا» مشددة التاء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: «وقاتلوا ~~وقتلوا» خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي: و«قتلوا وقاتلوا». قال أبو علي: ~~تقديم «قتلوا» جائز، لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولا في المعنى، ~~مؤخرا في اللفظ. # قوله تعالى: { ثوابا من عند الله } قال الزجاج: هو مصدر مؤكد لما ~~قبله، لأن معنى { لأدخلنهم جنات } لأثيبنهم. ### || [3.196-197] # قوله تعالى: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } اختلفوا فيمن نزلت ~~على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في اليهود، ثم في ذلك قولان. # أحدهما: أن اليهود كانوا يضربون في الأرض، فيصيبون الأموال، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يستسلف من بعضهم شعيرا، ~~فأبى إلا على رهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو أعطاني لأوفيته، إني لأمين في السماء أمين في ms0339 الأرض " # فنزلت، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أنها نزلت في مشركي العرب كانوا في رخاء، فقال بعض ~~المؤمنين: قد أهلكنا الجهد، وأعداء الله فيما ترون، فنزلت هذه الآية، هذا ~~قول مقاتل. قال قتادة: والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره. ~~وقال غيره: إنما خاطبه تأديبا، وتحذيرا، وإن كان لا يغتر. وفي معنى ~~«تقلبهم» ثلاثة أقوال. # أحدها: تصرفهم في التجارات، قاله ابن عباس، والفراء، وابن قتيبة، ~~والزجاج. # والثاني: تقلب ليلهم ونهارهم، وما يجري عليهم من النعم، قاله عكرمة، ~~ومقاتل. # والثالث: تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم، ذكره بعض المفسرين، قال الزجاج: ~~ذلك الكسب والربح متاع قليل وقال ابن عباس: منفعة يسيرة في الدنيا، ~~والمهاد: الفراش. ### || [3.198] # قوله تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم } قرأ أبو جعفر: «لكن» بالتشديد ~~هاهنا، وفي (الزمر) قال مقاتل: وحدوا. قال ابن عباس: «النزل» الثواب. ~~قال ابن فارس: النزل: ما يهيأ للنزيل، والنزيل: الضيف. ### || [3.199] # قوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله } اختلفوا فيمن نزلت ~~على أربعة أقوال. # أحدها أنها نزلت في النجاشي، لأنه لما مات صلى عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال قائل: يصلي على هذا العلج النصراني، وهو في أرضه؟! فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول جابر ابن عبد الله، وابن عباس، وأنس. وقال الحسن. وقتادة: ~~فيه وفي أصحابه. # والثاني: أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، روى هذا ~~المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثالث: في عبد الله بن سلام، وأصحابه، قاله ابن جريج، وابن زيد، ~~ومقاتل. # والرابع: في أربعين من أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم ~~كانوا على دين عيسى، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قاله عطاء. # قوله تعالى: { وما أنزل إليكم } يعني: القرآن، { وما أنزل إليهم } ~~يعني: كتابهم. والخاشع: الذليل. { لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا } ~~أي: عرضا من الدنيا كما فعل رؤساء اليهود، وقد سلف بيان سرعة الحساب. ### || [3.200] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا } قال أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن: ms0340 نزلت في انتظار الصلاة بعد الصلاة، وليس يؤمئذ غزو يرابط. وفي ~~الذي أمروا بالصبر عليه خمسة أقوال. # أحدها: البلاء والجهاد، قاله ابن عباس. # الثاني: الدين، قاله الحسن، والقرظي، والزجاج. # والثالث: المصائب، روي عن الحسن أيضا. # والرابع: الفرائض، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: طاعة الله، قاله قتادة. وفي الذي أمروا بمصابرته قولان. # أحدهما: العدو، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: الوعد الذي وعدهم الله: قاله عطاء، والقرظي. وفيما أمروا ~~بالمرابطة عليه قولان. # أحدهما: الجهاد للأعداء، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين. قال ~~ابن قتيبة: وأصل المرابطة والرباط: أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم ~~في الثغر، كل يعد لصاحبه. # والثاني: أنه الصلاة، أمروا بالمرابطة عليها، قاله أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن، وقد ذكرنا في (البقرة) معنى «لعل»، ومعنى «الفلاح». ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # اختلفوا في نزولها على قولين. # أحدهما: أنها مكية، رواه عطية عن ابن عباس، وهو قول الحسن، ومجاهد، ~~وجابر بن زيد، وقتادة. # والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. وقيل: إنها ~~مدنية، إلا آية نزلت بمكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يأخذ منه مفاتيح الكعبة، فيسلمها إلى العباس، وهي قوله: { ~~إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: { اتقوا ربكم }. فيه قولان. # أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، قاله ابن عباس. والثاني: بمعنى الخشية. قاله ~~مقاتل. # والنفس الواحدة: آدم، وزوجها حواء و«من» في قوله: { وخلق منها } ~~للتبعيض في قول الجمهور. وقال ابن بحر: منها، أي: من جنسها. # واختلفوا أي وقت خلقت له، على قولين: # أحدهما: أنها خلقت بعد دخوله الجنة، قاله ابن مسعود، وابن عباس. # والثاني: قبل دخوله الجنة، قاله كعب الأحبار، ووهب، وابن إسحاق. # قال ابن عباس: لما خلق الله آدم، ألقى عليه النوم، فخلق حواء من ضلع ~~من أضلاعه اليسرى، فلم تؤذه بشيء ولو وجد الأذى ما عطف عليها أبدا، ~~فلما استيقظ؛ قيل: يا آدم ما هذه؟ قال: حواء. # قوله تعالى: { وبث منهما } قال الفراء: ms0341 بث: نشر، ومن العرب من يقول: ~~أبث الله الخلق، ويقولون: بثثتك ما في نفسي، وأبثثتك. # قوله تعالى: { الذي تساءلون به } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~والبرجمي، عن أبي بكر، عن عاصم. واليزيدي، وشجاع، والجعفي، وعبد الوارث. ~~عن أبي عمرو: «تساءلون» بالتشديد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وكثير من ~~أصحاب أبي عمرو عنه بالتخفيف. # قال الزجاج: الأصل: تتساءلون، فمن قرأ بالتشديد. أدغم التاء في السين، ~~لقرب مكان هذه من هذه، و من قرأ بالتخفيف، حذف التاء الثانية لاجتماع ~~التاءين. # وفي معنى «تساءلون به» ثلاثة أقوال. # أحدها: تتعاطفون به، قاله ابن عباس. والثاني: تتعاقدون، وتتعاهدون به. ~~قاله الضحاك، والربيع. # والثالث: تطلبون حقوقكم به، قاله الزجاج. # فأما قوله «والأرحام» فالجمهور على نصب الميم على معنى: واتقوا الأرحام ~~أن تقطعوها، وفسرها على هذا ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، وابن ~~زيد. وقرأ الحسن، وقتادة، والأعمش، وحمزة بخفض الميم على معنى: تساءلون ~~به وبالأرحام، وفسرها على هذا الحسن، وعطاء، والنخعي. # وقال الزجاج: الخفض في «الأرحام» خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار ~~الشعر، وخطأ في الدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تحلفوا بآبائكم " # وذهب إلى نحو هذا الفراء، وقال ابن الأنباري: إنما أراد، حمزة الخبر ~~عن الأمر القديم الذي جرت عادتهم به، فالمعنى: الذي كنتم تساءلون به ~~وبالأرحام في الجاهلية. قال أبو علي: من جر، عطف على الضمير المجرور ~~بالباء، وهو ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال، فترك الأخذ به أحسن. # فأما الرقيب، فقال ابن عباس، ومجاهد: الرقيب: الحافظ. وقال الخطابي: هو ~~الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وهو في نعوت الآدميين الموكل بحفظ الشيء، ~~المترصد له، المتحرز عن الغفلة فيه، يقال منه: رقبت الشيء أرقبه ~~رقبة. ### || [4.2] # قوله تعالى: { وآتوا اليتامى أموالهم } سبب نزولها: أن رجلا من غطفان ~~كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ، طلب ماله فمنعه، فخاصمه ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، قاله سعيد بن جبير. والخطاب ~~بقوله:«وآتوا» للأولياء والأوصياء. قال الزجاج: وإنما سموا ms0342 يتامى بعد ~~البلوغ، بالاسم الذي كان لهم، و قد كان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~يتيم أبي طالب. # قوله: { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } قرأ ابن محيصن: «تبدلوا» بتاء ~~واحدة. ثم في معنى الكلام قولان. # أحدهما: أنه إبدال حقيقة، ثم فيه قولان. # أحدهما: أنه أخذ الجيد، وإعطاء الرديء مكانه، قاله سعيد بن المسيب، ~~والضحاك، والنخعي، والزهري، والسدي. قال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة ~~السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدراهم الجياد، ~~ويطرح مكانها الزيوف. # والثاني: أنه الربح على اليتيم، واليتيم غر لا علم له، قاله عطاء. # والقول الثاني: أنه ليس بإبدال حقيقة، وإنما هو أخذه مستهلكا، ثم فيه ~~قولان. # أحدهما: أنهم كانوا لا يورثون النساء والصغار، وإنما يأخذ الميراث ~~الأكابر من الرجال، فنصيب الرجل من الميراث طيب، وما أخذه من حق اليتيم ~~خبيث، هذا قول ابن زيد. # والثاني: أنه أكل مال اليتيم بدلا من أكل أموالهم، قاله الزجاج. # و«إلى» بمعنى «مع» والحوب: الإثم. وقرأ الحسن، وقتادة، والنخعي بفتح ~~الحاء. # قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: حوب بالضم، وتميم يقولونه بالفتح. قال ~~ابن الأنباري: وقال الفراء: المضموم الاسم، والمفتوح المصدر. قال ابن ~~قتيبة: وفيه ثلاث لغات: حوب، وحوب، وحاب. ### || [4.3] # قوله تعالى: { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى } اختلفوا في تنزيلها، ~~وتأويلها على ستة أقوال. # أحدها: أن القوم كانوا يتزوجون عددا كثيرا من النساء في الجاهلية، ولا ~~يتحرجون من ترك العدل بينهن، وكانوا يتحرجون في شأن اليتامى، فقيل لهم ~~بهذه الآية: احذروا من ترك العدل بين النساء، كما تحذرون من تركه في ~~اليتامى، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير والضحاك، وقتادة، ~~والسدي، ومقاتل. # والثاني: أن أولياء اليتامى كانوا يتزوجون النساء بأموال اليتامى، فلما ~~كثر النساء، مالوا على أموال اليتامى، فقصروا على الأربع حفظا لأموال ~~اليتامى. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا، وعكرمة. # والثالث: أن معناها: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في صدقات ~~اليتامى إذا نكحتموهن، فانكحوا سواهن من الغرائب اللواتي أحل الله ms0343 لكم، ~~وهذا المعنى مروي عن عائشة. # والرابع: أن معناها: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في ~~نكاحهن، وحذرتم سوء الصحبة لهن، وقلة الرغبة فيهن، فانكحوا غيرهن، وهذا ~~المعنى مروي عن عائشة أيضا، والحسن. # والخامس: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى، فأمروا بالتحرج من ~~الزنى أيضا، وندبوا إلى النكاح الحلال، وهذا المعنى مروي عن مجاهد. # والسادس: أنهم تحرجوا من نكاح اليتامى، كما تحرجوا من أموالهم، فرخص ~~الله لهم بهذه الآية، وقصرهم على عدد يمكن العدل فيه، فكأنه قال: وإن ~~خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن، فانكحوهن، ولا تزيدوا على ~~أربع لتعدلوا، فإن خفتم أن لا تعدلوا فيهن، فواحدة، وهذا المعنى مروي عن ~~الحسن. # قال ابن قتيبة: ومعنى قوله: وإن خفتم، أي [فإن] علمتم أنكم لا تعدلون، ~~[بين اليتامى] يقال: أقسط الرجل: إذا عدل [ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة] " # و[يقال:] قسط الرجل: إذا جار [ومنه قول الله: { وأما القاسطون فكانوا ~~لجهنم حطبا } ] وفي معنى العدل في اليتامى قولان. # أحدهما: في نكاح اليتامى، والثاني: في أموالهم. # قوله تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم } أي: ما حل لكم. # قال ابن جرير: وأراد بقوله: ما طاب لكم، الفعل دون أعيان النساء، ولذلك ~~قال: «ما» ولم يقل: «من» واختلفوا: هل النكاح من اليتامى، أو من غيرهن؟ ~~على قولين قد سبقا. # قوله تعالى: { مثنى وثلاث ورباع }. # قال الزجاج: هو بدل من «ما طاب لكم» ومعناه: اثنتين اثنتين، وثلاثا ~~ثلاثا، وأربعا أربعا، وإنما خاطب الله العرب بأفصح اللغات، وليس من ~~شأن البليغ أن يعبر في العدد عن التسعة باثنتين، وثلاث، وأربع، لأن ~~التسعة قد وضعت لهذا العدد، فيكون عيا في الكلام. # وقال ابن الأنباري: هذه الواو معناها التفرق، وليست جامعة، فالمعنى: ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ثلاث في غير الحال الأولى، ~~وانكحوا رباع في غير الحالين. # وقال القاضي أبو يعلى: الواو هاهنا لإباحة أي الأعداد شاء، لا للجمع، ~~وهذا العدد إنما ms0344 هو للأحرار، لا للعبيد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. # وقال مالك: هم كالأحرار. ويدل على قولنا: أنه قال: فانكحوا، فهذا منصرف ~~إلى من يملك النكاح، والعبد لا يملك ذلك بنفسه، وقال في سياقها { ~~فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } ، والعبد لا ملك له، فلا يباح له الجمع ~~إلا بين اثنتين. # قوله تعالى: { فإن خفتم } فيه قولان. أحدهما: علمتم، والثاني: خشيتم. # قوله تعالى: { أن لا تعدلوا } قال القاضي أبو يعلى: أراد العدل في القسم ~~بينهن. # قوله تعالى: { فواحدة } أي: فانكحوا واحدة، وقرأ الحسن، والأعمش، ~~وحميد: فواحدة بالرفع، المعنى فواحدة تقنع. # قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمانكم } يعني: السراري. قال ابن قتيبة: معنى ~~الآية: فكما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا ~~[أيضا] أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن، فقصرهم على أربع، ~~ليقدروا على العدل، ثم قال: فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هؤلاء الأربع، ~~فانكحوا واحدة? واقتصروا على ملك اليمين. # قوله تعالى: { ذلك أدنى } أي: أقرب. وفي معنى «تعولوا» ثلاثة أقوال. # أحدهما: تميلوا، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، ~~وإبراهيم، وقتادة، والسدي، ومقاتل، والفراء. وقال أبو مالك، وأبو عبيد: ~~تجوروا. # قال ابن قتيبة، والزجاج: تجوروا وتميلوا بمعنى واحد. واحتكم رجلان من ~~العرب إلى رجل، فحكم لأحدهما، فقال المحكوم عليه: إنك والله تعول علي، ~~أي: تميل وتجور. # والثاني: تضلوا، قاله مجاهد، والثالث: تكثر عيالكم، قال ابن زيد، ورواه ~~أبو سليمان الدمشقي في «تفسيره» عن الشافعي، ورده الزجاج، فقال: جميع ~~أهل اللغة يقولون: هذا القول خطأ، لأن الواحدة يعولها، وإباحة ملك ~~اليمين أزيد في العيال من أربع. ### || [4.4] # قوله تعالى: { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } اختلفوا فيمن خوطب بهذا على ~~قولين. # أحدهما: أنهم الأزواج، وهو قول الجمهور، واحتجوا بأن الخطاب للناكحين قد ~~تقدم، وهذا معطوف عليه، وقال مقاتل: كان الرجل يتزوج بلا مهر، فيقول: ~~أرثك وترثيني، فتقول المرأة: نعم، فنزلت هذه الآية. والثاني: أنه متوجه ~~إلى الأولياء ثم فيه قولان. # أحدهما: أن الرجل كان إذا زوج أيمة جاز صداقها دونها، فنهوا ms0345 بهذه ~~الآية، هذا قول أبي صالح، واختاره الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أن الرجل كان يعطي الرجل أخته ويأخذ أخته مكانها من غير مهر، ~~فنهوا عن هذا بهذه الآية، رواه أبو سليمان التيمي عن بعض أشياخه. # قال ابن قتيبة: والصدقات: المهور، واحدها: صدقة. وفي قوله «نحلة» أربعة ~~أقوال. # أحدها أنها بمعنى الفريضة، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، ~~ومقاتل. والثاني: أنها الهبة والعطية، قاله الفراء. # قال ابن الأنباري: كانت العرب في الجاهلية لا تعطي النساء شيئا من ~~مهورهن، فلما فرض الله لهن المهر، كان نحلة من الله، أي: هبة للنساء، ~~فرضا على الرجال. # وقال الزجاج: هو هبة من الله للنساء. قال القاضي أبو يعلى: وقيل: إنما ~~سمي المهر: نحلة، لأن الزوج لا يملك بدله شيئا، لأن البضع بعد النكاح ~~في ملك المرأة، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة، كان المهر لها دون الزوج، ~~وإنما الذي يستحقه الزوج الاستباحة، لا الملك. # والثالث: أنها العطية بطيب نفس، فكأنه قال: لا تعطوهن مهورهن وأنتم ~~كارهون، قاله أبو عبيدة. # والرابع: أن معنى «النحلة»: الديانة، فتقديره: وآتوهن صدقاتهن ديانة، ~~يقال: فلان ينتحل كذا، أي: يدين به، ذكره الزجاج عن بعض العلماء. # قوله تعالى: { فان طبن لكم } يعني: النساء المنكوحات. وفي «لكم» قولان. # أحدهما: أنه يعني الأزواج. # والثاني: الأولياء. و «الهاء» في «منه» كناية عن الصداق، قال الزجاج: و ~~«منه» هاهنا للجنس، كقوله { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } معناه: فاجتنبوا ~~الرجس الذي هو وثن، فكأنه قال: كلوا الشيء الذي هو مهر، فيجوز أن يسأل ~~الرجل المهر كله. و«نفسا»: منصوب على التمييز. # فالمعنى: فان طابت أنفسهن لكم بذلك، فكلوه هنيئا مريئا. وفي الهنيء ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ما تؤمن عاقبته. # والثاني: ما أعقب نفعا وشفاء. # والثالث: أنه الذي لا ينغصه شيء. وأما «المريء» فيقال: مرى الطعام: ~~إذا انهضم، وحمدت عاقبته. ### || [4.5] # قوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } المراد بالسفهاء خمسة أقوال. # أحدها: أنهم النساء، قاله ابن عمر. # والثاني: النساء والصبيان، قاله سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، ms0346 ~~والفراء، وابن قتيبة، وعن الحسن ومجاهد كالقولين. # والثالث: الأولاد، قاله أبو مالك. وهذه الأقوال الثلاثة مروية عن ابن ~~عباس، وروي عن الحسن، قال: هم الأولاد الصغار. # والرابع: اليتامى، قاله عكرمة، وسعيد بن جبير في رواية. # قال الزجاج: ومعنى الآية: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، بدليل قوله { ~~وارزقوهم فيها }. وإنما قال: «أموالكم» ذكرا للجنس الذي جعله الله ~~أموالا للناس. وقال غيره: أضافها إلى الولاة، لأنهم قوامها. # والخامس: أن القول على إطلاقه، والمراد به كل سفيه يستحق الحجر عليه، ~~ذكره ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي، وغيرهما، وهو ظاهر الآية. # وفي قوله: { أموالكم } قولان. أحدهما: أنه أموال اليتامى. والثاني: ~~أموال السفهاء. # قوله تعالى: { التي جعل الله لكم قياما } قرأ الحسن: «اللاتي جعل الله ~~لكم قواما». وقرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو عمرو: ~~«قياما» بالياء مع الألف هاهنا، وقرأ نافع، وابن عامر: «قيما» بغير ~~ألف. # قال ابن قتيبة: قياما وقواما بمنزلة واحدة، تقول: هذا قوام أمرك ~~وقيامه، أي: ما يقوم به [أمرك]. وذكر أبو علي الفارسي أن «قواما» ~~و«قياما» و«قيما»، بمعنى القوام الذي يقيم الشأن، قال: وليس قول من ~~قال: «القيم» هاهنا: جمع: «قيمة» بشيء. # قوله تعالى: { وارزقوهم فيها } أي: منها. وفي «القول المعروف» ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: العدة الحسنة، قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، ومقاتل. # والثاني: الرد الجميل، قاله الضحاك. والثالث: الدعاء، كقولك: عافاك ~~الله، قاله ابن زيد. ### || [4.6] # قوله تعالى: { وابتلوا اليتامى } سبب نزولها أن رجلا، يقال له: رفاعة، ~~مات وترك ولدا صغيرا، يقال له: ثابت، فوليه عمه، فجاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ ~~ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزلت هذه الآية، ذكر نحوه مقاتل. والابتلاء: ~~الاختبار. وبماذا يختبرون؟ فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم يختبرون في عقولهم، قاله ابن عباس، والسدي، وسفيان، ومقاتل. ~~والثاني: يختبرون في عقولهم ودينهم، قاله الحسن، وقتادة. وعن مجاهد ~~كالقولين. # والثالث: في عقولهم ودينهم، وحفظهم أموالهم، ذكره الثعلبي. قال القاضي ~~أبو يعلى: وهذا الابتلاء قبل البلوغ. # قوله ms0347 تعالى: { حتى إذا بلغوا النكاح } قال ابن قتيبة: أي: بلغوا أن ~~ينكحوا النساء { فان آنستم } أي: علمتم، وتبينتم. وأصل: أنست: أبصرت. ~~وفي الرشد أربعة أقوال. # أحدها: الصلاح في الدين، وحفظ المال، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: الصلاح في العقل، وحفظ المال، روي عن ابن عباس والسدي. # والثالث: أنه العقل، قاله مجاهد، والنخعي. # والرابع: العقل، والصلاح في الدين، روي عن السدي. # فصل # واعلم أن الله تعالى علق رفع الحجر عن اليتامى بأمرين؛ بالبلوغ ~~والرشد، وأمر الأولياء باختبارهم، فإذا استبانوا رشدهم، وجب عليهم تسليم ~~أموالهم إليهم. # والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء؛ ~~الاحتلام، واستكمال خمس عشرة سنة، والإنبات، وشيئان يختصان بالنساء: ~~الحيض والحمل. # قوله تعالى: { ولا تأكلوها إسرافا } خطاب للأولياء، قال ابن عباس: لا ~~تأكلوها بغير حق. و«بدارا»: تبادرون أكل المال قبل بلوغ الصبي { ومن ~~كان غنيا فليستعفف } بماله عن مال اليتيم. وفي الأكل بالمعروف أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنه الأخذ على وجه القرض، وهذا مروي عن عمر، وابن عباس، وابن ~~جبير، وأبي العالية، وعبيدة، وأبي وائل، ومجاهد، ومقاتل. # والثاني: الأكل بمقدار الحاجة من غير إسراف، وهذا مروي عن ابن عباس، ~~والحسن، وعكرمة، وعطاء، والنخعي، وقتادة، والسدي. # والثالث: أنه الأخذ بقدر الأجرة إذا عمل لليتيم عملا، روي عن ابن ~~عباس، وعائشة، وهي رواية أبي طالب، وابن منصور، عن أحمد رضي الله عنه. # والرابع: أنه الأخذ عند الضرورة، فان أيسر قضاه، وإن لم يوسر، فهو في ~~حل، وهذا قول الشعبي. # فصل # واختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أو منسوخة؟ على قولين. # أحدهما: محكمة، وهو قول عمر، وابن عباس، والحسن، والشعبي، وأبي العالية، ~~ومجاهد، وابن جبير، والنخعي، وقتادة في آخرين. وحكمها عندهم أن الغني ليس ~~له أن يأكل من مال اليتيم شيئا، فأما الفقير الذي لا يجد ما يكفيه، ~~وتشغله رعاية مال اليتيم عن تحصيل الكفاية، فله أن يأخذ قدر كفايته ~~بالمعروف من غير إسراف. وهل عليه الضمان إذا أيسر؟ فيه قولان لهم. # أحدهما: أنه لا ضمان عليه، بل يكون كالأجرة ms0348 له على عمله، وهو قول الحسن، ~~والشعبي، والنخعي، وقتادة، وأحمد بن حنبل. # والثاني: إذا أيسر وجب عليه القضاء، روي عن عمر وغيره، وعن ابن عباس ~~أيضا كالقولين. # والقول الثاني: أنها منسوخة بقوله # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [النساء: 29] وهذا مروي عن ابن عباس، ولا يصح. # قوله تعالى: { فأشهدوا عليهم } قال القاضي أبو يعلى: هذا على طريق ~~الاحتياط لليتيم، والولي، وليس بواجب، فأما اليتيم، فإنه إذا كانت عليه ~~بينة، كان أبعد من أن يدعي عدم القبض، وأما الولي، فإن تظهر أمانته، ~~ويسقط عنه اليمين عند إنكار اليتيم للدفع. وفي «الحسيب» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الشهيد، قاله ابن عباس، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه الكافي، من قولك: أحسبني هذا الشيء [أي: كفاني، والله ~~حسيبي وحسيبك، أي: كافينا، أي: يكون حكما بيننا كافيا. # قال الشاعر: # ونقفي وليد الحي إن كان جائعا # ونحسبه إن كان ليس بجائع # أي: نعطيه ما يكفيه حتى يقول: حسبي] قاله ابن قتيبة والخطابي. # والثالث: أنه المحاسب، فيكون في مذهب جليس، وأكيل، وشريب، حكاه ابن ~~قتيبة والخطابي. ### || [4.7] # قوله تعالى: { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } سبب نزولها أن ~~أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك ثلاث بنات وامرأة، فقام رجلان من بني ~~عمه، يقال لهما: قتادة، وعرفطة فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته، ولا بناته ~~شيئا، فجاءت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، وشكت ~~الفقر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال قتادة: كانوا لا يورثون ~~النساء، فنزلت هذه الآية. # والمراد بالرجال: الذكور، وبالنساء: الإناث، صغارا كانوا أو كبارا. ~~«والنصيب»: الحظ من الشيء، وهو مجمل في هذه الآية، ومقداره معلوم من موضع ~~آخر، وذلك مثل قوله: # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141] وقوله: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة 103] والمفروض: الذي فرضه الله، وهو آكد من الواجب. ### || [4.8] # قوله تعالى: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى }. في هذه القسمة قولان. # أحدهما: قسمة الميراث بعد موت الموروث، فعلى هذا يكون الخطاب للوارثين، ~~وبهذا قال الأكثرون، منهم ابن عباس، والحسن، والزهري. # والثاني: أنها ms0349 وصية الميت قبل موته، فيكون مأمورا بأن يعين لمن لا ~~يرثه شيئا، روي عن ابن عباس، وابن زيد. قال المفسرون: والمراد بأولي ~~القربى: الذين لا يرثون، «فارزقوهم منه» أي: أعطوهم منه، وقيل: أطعموهم، ~~وهذا على الاستحباب عند الأكثرين، وذهب قوم إلى أنه واجب في المال، فان ~~كان الورثة كبارا، تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا، تولى ذلك عنهم ~~ولي مالهم، فروي عن عبيدة أنه قسم مال أيتام، فأمر بشاة، فاشتريت من ~~مالهم، وبطعام فصنع، وقال: لولا هذه الآية لأحببت أن يكون من مالي وكذلك ~~فعل محمد ابن سيرين في أيتام وليهم، وكذلك روي عن مجاهد: أن ما ~~تضمنته هذه الآية واجب. # وفي «القول المعروف» أربعة أقوال. # أحدها: أن يقول لهم الولي حين يعطيهم: خذ بارك الله فيك، رواه سالم ~~الأفطس، عن ابن جبير. # والثاني: أن يقول الولي: إنه مال يتامى، ومالي فيه شيء، رواه أبو بشر ~~عن ابن جبير. وفي رواية أخرى عن ابن جبير، قال: إن كان الميت أوصى لهم ~~بشيء أنفذت لهم وصيتهم، وإن كان الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانوا ~~صغارا، قال وليهم: إني لست أملك هذا المال، إنما هو للصغار، فذلك ~~القول المعروف. # والثالث: أنه العدة الحسنة، وهو أن يقول لهم أولياء الورثة: إن هؤلاء ~~الورثة صغار، فاذا بلغوا، أمرناهم أن يعرفوا حقكم. رواه عطاء بن دينار، ~~عن ابن جبير. # والرابع: أنهم يعطون من المال، ويقال لهم عند قسمة الأرضين ~~والرقيق: بورك فيكم، وهذا القول المعروف. قال الحسن والنخعي: أدركنا ~~الناس يفعلون هذا. # فصل # اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين. # أحدهما: أنها محكمة، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، وأبي ~~العالية، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والنخعي، ~~والزهري، وقد ذكرنا أن ما تضمنته من الأمر مستحب عند الأكثرين، وواجب عند ~~بعضهم. # والقول الثاني: أنها منسوخة نسخها قوله: { يوصيكم الله في أولادكم } ~~رواه مجاهد عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب وعكرمة، والضحاك، ~~وقتادة في آخرين. ### || [4.9] # قوله ms0350 تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } اختلفوا في ~~المخاطب بهذه الآية على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. وفي معنى الآية على هذا القول ~~قولان. أحدهما: وليخش الذين يحضرون موصيا في ماله أن يأمروه بتفريقه ~~فيمن لا يرثه، فيفرقه، ويترك ورثته، كما لو كانوا هم الموصين، لسرهم ~~أن يحثهم من حضرهم على حفظ الأموال للأولاد، وهذا المعنى مروي عن ابن ~~عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. # والثاني: على الضد من هذا القول، وهو أنه نهي لحاضري الموصي أي يمنعوه ~~من الوصية لأقاربه، وأن يأمروه بالاقتصار على ولده، وهذا قول مقسم، ~~وسليمان التيمي في آخرين. # والقول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى متعلق بقوله { ولا تأكلوها ~~إسرافا وبدارا } فمعنى الكلام: أحسنوا فيمن وليتم من اليتامى، كما ~~تحبون أن يحسن ولاة أولادكم بعدكم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وابن ~~السائب. # والثالث: أنه خطاب للأوصياء أمروا بأداء الوصية على ما رسم الموصي، وأن ~~تكون الوجوه التي عينها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير ~~تبديل، ثم نسخ ذلك بقوله # فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه # [البقرة: 182]. فأمر الوصي بهذه الآية إذا وجد ميلا عن الحق أن يستعمل ~~قضية الشرع، ويصلح بين الورثة، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله، وغيره، في ~~«الناسخ والمنسوخ» فعلى هذا تكون الآية منسوخة وعلى ما قبله تكون محكمة. # و«الضعاف»: جمع ضعيف، وهم الأولاد الصغار. وقرأ حمزة: ضعافا بإمالة ~~العين. # قال أبو علي: ووجهها: أن ما كان على «فعال» وكان أوله حرفا مستعليا ~~مكسورا، نحو ضعاف، وقفاف، وخفاف؛ حسنت فيه الإمالة، لأنه قد يصعد ~~بالحرف المستعلي، ثم يحدر بالكسر، فيستحب أن لا يصعد بالتفخيم بعد ~~التصوب بالكسر، فيجعل الصوت على طريقة واحدة، وكذلك قرأ حمزة: { خافوا ~~عليهم } بامالة الخاء، والإمالة هاهنا حسنة، وإن كانت «الخاء» حرفا ~~مستعليا، لأنه يطلب الكسرة التي في «خفت» فينحو نحوها بالإمالة. ~~والقول السديد: الصواب. ### || [4.10] # قوله تعالى: { إن الذين يأكلون ms0351 أموال اليتامى ظلما } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: أن رجلا من غطفان، يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه، ~~فأكله، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن حيان. # والثاني: أن حنظلة بن الشمردل ولي يتيما، فأكل ماله، فنزلت هذه الآية، ~~ذكره بعض المفسرين. وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه معظم المقصود، وقيل: ~~عبر به عن الأخذ. # قال سعيد بن جبير: ومعنى الظلم: أن يأخذه بغير حق. وأما ذكر «البطون» ~~فللتوكيد، كما تقول: نظرت بعيني، وسمعت بأذني، وفي المراد بأكلهم النار ~~قولان. # أحدهما: أنهم سيأكلون يوم القيامة نارا، فسمي الأكل بما يؤول إليه ~~أمرهم، كقوله: # أعصر خمرا # [يوسف 36] قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما، ولهب النار يخرج من ~~فيه، ومن مسامعه، وأذنيه، وأنفه، وعينيه، يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم. # والثاني: أنه مثل. معناه: يأكلون ما يصيرون به إلى النار، كقوله: # ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه # [آل عمران 143] أي: رأيتم أسبابه. # قوله تعالى: { وسيصلون سعيرا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، «وسيصلون» بفتح الياء، وقرأ الحسن، وابن عامر، بضم الياء، ~~ووافقهما ابن مقسم، إلا أنه شدد. والمعنى: سيحرقون بالنار، ~~ويشوون. والسعير: النار المستعرة، واستعار النار: توقدها. # فصل # وقد توهم قوم لا علم لهم بالتفسير وفقهه، أن هذه الآية منسوخة، لأنهم ~~سمعوا أنها لما نزلت، تحرج القوم عن مخالطة اليتامى، فنزل قوله: # وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة 220] وهذا غلط، وإنما ارتفع عنهم الحرج بشرط قصد الإصلاح، لا ~~على إباحة الظلم. ### || [4.11] # قوله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن جابر بن عبد الله مرض، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: كيف أصنع في مالي يا رسول الله، فنزلت هذه الآية، رواه البخاري ~~ومسلم. # والثاني: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بابنتين لها، ~~فقالت: يا رسول قتل أبو هاتين معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما، ~~فنزلت، روي عن جابر بن عبد الله أيضا. # والثالث: أن ms0352 عبد الرحمن أخا حسان بن ثابت مات، وترك امرأة، وخمس بنات، ~~فأخذ ورثته ماله، ولم يعطوا امرأته، ولا بناته شيئا، فجاءت امرأته تشكو ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. # قال الزجاج: ومعنى يوصيكم: يفرض عليكم، لأن الوصية منه فرض، وقال غيره: ~~إنما ذكره بلفظ الوصية لأمرين. # أحدهما: أن الوصية تزيد على الأمر، فكانت آكد. # والثاني: أن في الوصية حقا للموصي، فدل على تأكيد الحال بإضافته إلى ~~حقه. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة: «يوصيكم» بالتشديد. # قوله تعالى: { للذكر مثل حظ الأنثيين } يعني، للابن من الميراث مثل حظ ~~الأنثيين، ثم ذكر نصيب الإناث من الأول فقال، { فإن كن } يعني: البنات { ~~نساء فوق اثنتين } وفي قوله: «فوق» قولان. # أحدهما: أنها زائدة، كقوله # فاضربوا فوق الأعناق # [الأنفال: 13]. والثاني: أنها بمعنى الزيادة. قال القاضي أبو يعلى: إنما ~~نص على ما فوق الاثنتين، والواحدة، ولم ينص على الاثنتين، لأنه لما جعل ~~لكل واحدة مع الذكر الثلث، كان لها مع الأنثى الثلث أولى. # قوله تعالى: { وإن كانت واحدة } قرأ الجمهور بالنصب، وقرأ نافع بالرفع، ~~على معنى: وإن وقعت، أو وجدت واحدة. # قوله تعالى: { ولأبويه } قال الزجاج: أبواه تثنية أب وأبة، والأصل في ~~الأم أن يقال لها: أبة، ولكن استغنى عنها بأم، والكناية في قوله «لأبويه» ~~عن الميت وإن لم يجر له ذكر. # وقوله تعالى: { فلأمه الثلث } أي: إذا لم يخلف غير أبوين، فثلث ماله ~~لأمه، والباقي للأب، وإنما خص الأم بالذكر، لأنه لو اقتصر على قوله: { ~~وورثه أبواه } ظن الظان أن المال يكون بينهما نصفين، فلما خصها بالثلث، ~~دل على التفضيل. # وقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر «فلأمه» و # في بطون أمهاتكم # [الزمر: 6] و # في أمها # [القصص: 59] و # في أم الكتاب # [الزخرف: 4] بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر إذا وصلا، ~~وحجتهما: أنهما أتبعا الهمزة ما قبلها، من ياء أو كسرة. # قوله تعالى: { فان كان له إخوة } أي: مع الأبوين، فإنهم يحجبون الأم عن ~~الثلث، فيردونها إلى السدس، ms0353 واتفقوا على أنهم إذا كانوا ثلاثة إخوة، ~~حجبوا، فإن كانا أخوين، فهل يحجبانها؟ فيه قولان. # أحدهما: يحجبانها عن الثلث، قاله عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، والجمهور. # والثاني: لا يحجبها إلا ثلاثة، قاله ابن عباس، واحتج بقوله: إخوة. ~~والأخوة: اسم جمع، واختلفوا في أقل الجمع، فقال الجمهور: أقله ثلاثة، ~~وقال قوم: اثنان، والأول: أصح. وإنما حجب العلماء الأم بأخوين لدليل ~~اتفقوا عليه، وقد يسمى الاثنان بالجمع، قال الزجاج: جميع أهل اللغة ~~يقولون: إن الأخوين جماعة، وحكى سيبويه أن العرب تقول: وضعا رحالهما، ~~يريدون: رحلي راحلتيهما. # قوله تعالى: { من بعد وصية } أي: هذه السهام إنما تقسم بعد الوصية ~~والدين. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم «يوصى بها» بفتح ~~الصاد في الحرفين. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «يوصي» فيهما ~~بالكسر، وقرأ حفص، عن عاصم الأولى بالكسر، والثانية بالفتح. # واعلم أن الدين مؤخر في اللفظ، مقدم في المعنى، لأن الدين حق عليه، ~~والوصية حق له، وهما جميعا مقدمان على حق الورثة إذا كانت الوصية في ~~ثلث المال، و «أو» لا توجب الترتيب، إنما تدل على أن أحدهما إن كان، ~~فالميراث بعده، وكذلك إن كانا. # قوله تعالى: { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } فيه ~~قولان. أحدهما: أنه النفع في الآخرة، ثم فيه قولان. أحدهما: أن الوالد ~~إذا كان أرفع درجة من ولده، رفع إليه ولده، وكذلك الولد، رواه أبو صالح، ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنه شفاعة بعضهم في بعض، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. # والقول الثاني: أنه النفع في الدنيا، قاله مجاهد. ثم في معناه قولان. # أحدهما: أن المعنى: لا تدرون هل موت الآباء أقرب، فينتفع الأبناء ~~بأموالهم، أو موت الأبناء، فينتفع الآباء بأموالهم؟ قاله ابن بحر. # والثاني: أن المعنى: أن الآباء والأبناء يتفاوتون في النفع، حتى لا يدري ~~أيهم أقرب نفعا، لأن الأولاد ينتفعون في صغرهم بالآباء، والآباء ينتفعون ~~في كبرهم بالأبناء، ذكره القاضي أبو يعلى. # وقال الزجاج: معنى الكلام: أن الله قد فرض الفرائض على ms0354 ما هو عنده حكمة. ~~ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فتضعون الأموال على غير ~~حكمة. إن الله كان عليما بما يصلح خلقه، حكيما فيما فرض. # وفي معنى «كان» ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناها: كان عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقدر ~~تدبيره منها، قاله الحسن. # والثاني: أن معناها: لم يزل. قال سيبوبه: كأن القوم شاهدوا علما وحكمة ~~فقيل لهم: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم، ليس ذلك بحادث. # والثالث: أن لفظة «كان» في الخبر عن الله عز وجل يتساوى ماضيها ~~ومستقبلها، لأن الأشياء عنده على حال واحدة، ذكر هذه الأقوال الزجاج. ### || [4.12] # قوله تعالى: { وإن كان رجل يورث كلالة } قرأ الحسن: «يورث» بفتح ~~الواو، وكسر الراء مع التشديد. وفي الكلالة أربعة أقوال. # أحدها: أنها ما دون الوالد والولد، قاله أبو بكر الصديق. وقال عمر ابن ~~الخطاب: أتى علي حين وأنا لا أعرف ما الكلالة، فإذا هو: من لم يكن له ~~والد ولا ولد، وهذا قول علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ~~والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وقتادة، والفراء، وذكر الزجاج عن ~~أهل اللغة، أن «الكلالة»: من قولهم: تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ~~ابنه، ولا أباه. قال: والكلالة سوى الوالد والولد، وإنما هو كالاكليل على ~~الرأس. وذكر ابن قتيبة عن أبي عبيدة أنه مصدر تكلله النسب: إذا أحاط به. ~~والابن والأب: طرفان للرجل، فاذا مات، ولم يخلفهما، فقد مات عن ذهاب ~~طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين: كلالة [وكأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب ~~مأخوذ منه؛ نحو هذا قولهم: وجهت الشيء: أخذت وجهه، وثغرت الرجل: كسرت ~~ثغره]. # والثاني: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، ~~وهو قول طاووس. # والثالث: أن الكلالة: ما عدا الوالد، قاله الحكم. # والرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن ~~الأعرابي. # واختلفوا على ما يقع اسم الكلالة على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اسم للحي الوارث، وهذا مذهب أبي ms0355 بكر الصديق، وعامة العلماء ~~الذين قالوا: إن الكلالة من دون الوالد والولد، فانهم قالوا: الكلالة: ~~اسم للورثة إذا لم يكن فيهم ولد ولا والد، قال بعض الأعراب: مالي كثير، ~~ويرثني كلالة متراخ نسبهم. # والثاني: أنه اسم للميت، قاله ابن عباس، والسدي، وأبو عبيدة في جماعة. ~~قال القاضي أبو يعلى: الكلالة: اسم للميت، ولحاله، وصفته، ولذلك انتصب. # والثالث: أنه اسم للميت والحي، قاله ابن زيد. # وفيما أخذت منه الكلالة قولان. # أحدهما: أنه اسم مأخوذ من الإحاطة، ومنه الاكليل، لإحاطته بالرأس. # والثاني: أنه مأخوذ من الكلال، وهو التعب، كأنه يصل إلى الميراث من بعد ~~وإعياء. قال الأعشى: # فآليت لا أرثي لها من كلالة # ولا من حفى حتى تزور محمدا # قوله: { وله أخ أو أخت } يعني: من الأم بإجماعهم. # قوله تعالى: { فهم شركاء في الثلث } قال قتادة: ذكرهم وأنثاهم فيه ~~سواء. # قوله تعالى: { غير مضار } قال الزجاج: «غير» منصوب على الحال، والمعنى: ~~يوصي بها غير مضار، يعني: للورثة. ### || [4.13] # قوله تعالى: { تلك حدود الله } قال ابن عباس: يريد ما حد الله من ~~فرائضه في الميراث { ومن يطع الله ورسوله } في شأن المواريث { يدخله جنات ~~} قرأ ابن عامر، ونافع: «ندخله» بالنون في الحرفين جميعا، والباقون ~~بالياء فيهما. ### || [4.14] # قوله تعالى: { ومن يعص الله } فلم يرض بقسمه { يدخله نارا } فان قيل: ~~كيف قطع للعاصي بالخلود؟ فالجواب: أنه إذا رد حكم الله، وكفر به، كان ~~كافرا مخلدا في النار. ### || [4.15] # قوله تعالى: { واللاتي يأتين الفاحشة } قال الزجاج: «التي» تجمع اللاتي ~~واللواتي. قال الشاعر: # من اللواتي والتي واللاتي # زعمن أني كبرت لداتي # وتجمع اللاتي بإثبات التاء وحذفها. قال الشاعر: # من اللاتي لم يحججن يبغين حسبة # ولكن ليقتلن البريء المغفلا # والفاحشة: الزنى في قول الجماعة. وفي قوله: { فاستشهدوا عليهن } قولان. # أحدهما: أنه خطاب للأزواج. # والثاني: خطاب للحكام، فالمعنى: اسمعوا شهادة أربعة منكم، ذكرهما ~~الماوردي. قال عمر بن الخطاب: إنما جعل الله عز وجل الشهور أربعة سترا ~~ستركم به دون فواحشكم. ومعنى: «منكم» من المسلمين. # قوله تعالى: { فأمسكوهن في ms0356 البيوت } قال ابن عباس: كانت المرأة إذا ~~زنت، حبست في البيت حتى تموت، فجعل الله لهن سبيلا، وهو الجلد، أو الرجم. ### || [4.16] # قوله تعالى: { واللذان } قرأ ابن كثير: «واللذان» بتشديد النون، ~~«وهذان» في { طه } و { الحج } «وهاتين» في { القصص }: «إحدى ابنتي ~~هاتين» «وفذانك» كله بتشديد النون. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، بتخفيف ذلك كله، وشدد أبو عمرو «فذانك» وحدها. # وقوله: واللذان: يعني الزانيين. وهل هو عام، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه عام في الأبكار والثيب من الرجال والنساء، قاله الحسن، ~~وعطاء. # والثاني: أنه خاص في البكرين إذا زنيا، قاله أبو صالح، والسدي، وابن ~~زيد، وسفيان. قال القاضي أبو يعلى: والأول أصح، لأن هذا تخصيص بغير ~~دلالة. # قوله تعالى: { يأتيانها } يعني الفاحشة. قوله: { فآذوهما } فيه قولان. # أحدهما: أنه الأذى بالكلام، والتعيير، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال قتادة، والسدي، والضحاك، ومقاتل. # والثاني: أنه التعيير، والضرب بالنعال، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. ~~{ فان تابا } من الفاحشة { وأصلحا } العمل { فأعرضوا } عن أذاهما. وهذا ~~كله كان قبل الحد. # فصل # كان حد الزانيين، فيما تقدم، الأذى لهما، والحبس للمرأة خاصة، فنسخ ~~الحكمان جميعا، واختلفوا بماذا وقع نسخهما، فقال قوم: بحديث عبادة بن ~~الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد ~~مائة، ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة " # وهذا على قول من يرى نسخ القرآن بالسنة. # وقال قوم: نسخ بقوله: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة # [النور: 2] قالوا: وكان قوله: { واللذان يأتيانها } للبكرين، فنسخ ~~حكمهما بالجلد، ونسخ حكم الثيب من النساء بالرجم. # وقال قوم: يحتمل أن يكون النسخ وقع بقرآن، ثم رفع رسمه، وبقي حكمه، لأن ~~في حديث عبادة # " قد جعل الله لهن سبيلا " # والظاهر: أنه جعل بوحي لم تستقر تلاوته. قال القاضي أبو يعلى: وهذا وجه ~~صحيح، يخرج على قول من لم ينسخ القرآن بالسنة. قال: ويمتنع أن يقع النسخ ~~بحديث ms0357 عبادة، لأنه من أخبار الآحاد، والنسخ لا يجوز بذلك. ### || [4.17] # قوله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة } قال ~~الحسن: إنما التوبة التي يقبلها الله. فأما «السوء» فهو المعاصي، سمي ~~سوءا لسوء عاقبته. # قوله تعالى: { بجهالة } قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته. وقال ~~الحسن، وعطاء، وقتادة، والسدي في آخرين. إنما سموا جهالا لمعاصيهم لا ~~أنهم غير مميزين. # وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما ~~يجهله، كان كمن لم يوقع سوءا، وإنما يحتمل أمرين. # أحدهما: أنهم عملوه، وهم يجهلون المكروه فيه. # والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل ~~على الآجل، فسموا جهالا، لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، ~~والعاقبة الدائمة. # وفي «القريب» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه التوبة في الصحة، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال ~~السدي، وابن السائب. # والثاني: أنه التوبة قبل معاينة ملك الموت. رواه ابن أبي طلحة، عن ابن ~~عباس، وبه قال أبو مجلز. # والثالث: أنه التوبة قبل الموت، وبه قال ابن زيد في آخرين. ### || [4.18] # قوله تعالى: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات } في السيئات ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: الشرك، قاله ابن عباس، وعكرمة. والثاني: أنها النفاق، قاله أبو ~~العالية، وسعيد بن جبير. والثالث: أنها سيئات المسلمين، قاله سفيان ~~الثوري، واحتج بقوله { ولا الذين يموتون وهم كفار }. # قوله تعالى: { حتى إذا حضر أحدهم الموت } في الحضور قولان. # أحدهما: أنه السوق، قاله ابن عمر. # والثاني: أنه معاينة الملائكة لقبض الروح، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد ~~روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: أنزل الله تعالى بعد هذه ~~الآية # إن الله لا يغفر أن يشرك به # الآية [النساء: 116]. فحرم المغفرة على من مات مشركا، وأرجأ أهل ~~التوحيد إلى مشيئته [فلم يؤيسهم من المغفرة]. فعلى هذا تكون منسوخة في حق ~~المؤمنين. ### || [4.19] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } ~~سبب نزولها: أن الرجل كان إذا مات، كان أولياؤه ms0358 أحق بامرأته، إن شاؤوا ~~زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فنزلت هذه الآية. قاله ابن عباس. وقال ~~في رواية أخرى: كانوا في أول الإسلام إذا مات الرجل، قام أقرب الناس ~~منه، فيلقي على امرأته ثوبا، فيرث نكاحها. وقال مجاهد: كان إذا توفي ~~الرجل، فابنه الأكبر أحق بامرأته، فينكحها إن شاء، أو ينكحها من شاء. ~~وقال أبو أمامة بن سهل ابن حنيف: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه ~~أن يتزوج امرأته من بعده، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فنزلت هذه الآية. ~~قال عكرمة: واسم هذه المرأة: كبيشة بنت معن بن عاصم، وكان هذا في العرب. ~~وقال أبو مجلز: كانت الأنصار تفعله. وقال ابن زيد: كان هذا في أهل ~~المدينة. وقال السدي: إنما كان ذلك للأولياء ما لم تسبق المرأة، فتذهب ~~إلى أهلها، فإن ذهبت، فهي أحق بنفسها. وفي معنى قوله: { أن ترثوا النساء ~~كرها }. قولان. # أحدهما: أن ترثوا نكاح النساء، وهذا قول الجمهور. # والثاني: أن ترثوا أموالهن كرها. روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: ~~كان يلقي حميم الميت على الجارية ثوبا، فان كانت جميلة تزوجها، وإن ~~كانت دميمة حبسها حتى تموت، فيرثها. # واختلف القراء في فتح كاف «الكره» وضمها في أربعة مواضع: هاهنا، وفي { ~~التوبة } وفي { الأحقاف } في موضعين، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ~~بفتح الكاف فيهن، وضمهن حمزة. وقرأ عاصم، وابن عامر بالفتح في { النساء } ~~و { التوبة } وبالضم في { الأحقاف }. وهما لغتان، قد ذكرناهما في { ~~البقرة }. # وفيمن خوطب بقوله { ولا تعضلوهن } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه خطاب للأزواج، ثم في العضل الذي نهى عنه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الرجل كان يكره صحبة امرأته، ولها عليه مهر، فيحبسها، ويضربها ~~لتفتدي، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي. # والثاني: أن الرجل كان ينكح المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها ~~على أن لا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد على ذلك، فاذا خطبت، فأرضته، أذن ~~لها، وإلا عضلها، قاله ابن زيد. # والثالث: أنهم كانوا بعد الطلاق يعضلون، كما كانت الجاهلية تفعل، فنهوا ~~عن ms0359 ذلك، روي عن ابن زيد أيضا. وقد ذكرنا في { البقرة } أن الرجل كان يطلق ~~المرأة، ثم يراجعها، ثم يطلقها كذلك أبدا إلى غير غاية يقصد إضرارها، ~~حتى نزلت # الطلاق مرتان # [البقرة: 229]. # والقول الثاني: أنه خطاب للأولياء، ثم في ما نهوا عنه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الرجل كان في الجاهلية إذا كانت له قرابة قريبة، ألقى عليها ~~ثوبه، فلم تتزوج أبدا غيره إلا بإذنه، قاله ابن عباس. # والثاني: أن اليتيمة كانت تكون عند الرجل، فيحبسها حتى تموت، أو تتزوج ~~بابنه، قاله مجاهد. # والثالث: أن الأولياء كانوا يمنعون النساء من التزويج، ليرثوهن، روي عن ~~مجاهد أيضا. # والقول الثالث: انه خطاب لورثة أزواج النساء الذين قيل لهم: لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها. كان الرجل يرث امرأة قريبة، فيعضلها حتى تموت، أو ~~ترد عليه صداقها. هذا قول ابن عباس في آخرين. وعلى هذا يكون الكلام ~~متصلا بالأول، وعلى الأقوال التي قبله يكون ذكر العضل منفصلا عن قوله: ~~{ أن ترثوا النساء }. # وفي الفاحشة قولان. أحدهما: أنها النشوز على الزوج، قاله ابن مسعود، ~~وابن عباس، وقتادة في جماعة. # والثاني: الزنى، قاله الحسن، وعطاء، وعكرمة في جماعة. وقد روى معمر، عن ~~عطاء الخراساني، قال: كانت المرأة إذا أصابت فاحشة، أخذ زوجها ماساق ~~إليها، وأخرجها، فنسخ ذلك بالحد. قال ابن جرير: وهذا القول ليس بصحيح، ~~لأن الحد حق الله، والافتداء حق للزوج، وليس أحدهما مبطلا للآخر، ~~والصحيح أنها إذا أتت بأي فاحشة كانت، من زنى الفرج، أو بذاءة اللسان، ~~جاز له أن يعضلها، ويضيق عليها حتى تفتدي. فأما قوله: { مبينة } فقرأ ~~ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم: «مبينة»، و { آيات مبينات } بفتح ~~الياء فيهما جميعا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: ~~بكسر الياء فيهما، وقرأ نافع، أبو عمرو «مبينة» كسرا و «آيات مبينات» ~~فتحا. وقد سبق ذكر «العشرة». # قوله تعالى: { فعسى أن تكرهوا شيئا } قال ابن عباس: ربما رزق الله ~~منهما ولدا، فجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. وقد ندبت الآية إلى ~~إمساك المرأة ms0360 مع الكراهة لها، ونبهت على معنيين. أحدهما: أن الإنسان ~~لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محمودا، ومحمود عاد مذموما. # والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ~~ما يكره لما يحب. وأنشدوا في هذا المعنى: # ومن لم يغمض عينه عن صديقه # وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب # ومن يتتبع جاهدا كل عثرة # يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب ### || [4.20] # قوله تعالى: { وإن أردتم استبدال زوج } هذا الخطاب للرجال، والزوج: ~~المرأة. وقد سبق ذكر «القنطار» في { آل عمران }. # قوله تعالى: { فلا تأخذوا منه شيئا } إنما ذلك في حق من وطئها، أو خلا ~~بها، وقد بينت ذلك الآية التي بعدها. قال القاضي أبو يعلى: وإنما خص ~~النهي عن أخذ شيء مما أعطى بحال الاستبدال، وإن كان المنع عاما، لئلا ~~يظن ظان أنه لما عاد البضع إلى ملكها، وجب أن يسقط حقها من المهر، أو يظن ~~ظان أن الثانية أولى بالمهر منها، لقيامها مقامها. # وفي البهتان قولان. أحدهما: أنه الظلم، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: الباطل، قاله الزجاج. ومعنى الكلام: أتأخذونه مباهتين آثمين. ### || [4.21] # قوله تعالى: { وكيف تأخذونه } أي: كيف تستجيزون أخذه. وفي «الإفضاء» ~~قولان. # أحدهما: أنه الجماع، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، ومقاتل، وابن ~~قتيبة. # والثاني: الخلوة بها، وإن لم يغشها، قاله الفراء. # وفي المراد بالميثاق هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الذي أخذه الله للنساء على الرجال؛ الإمساك بمعروف، أو ~~التسريح بإحسان. هذا قول ابن عباس، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، ~~والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه عقد النكاح، قاله مجاهد، وابن زيد. والثالث: أنه أمانة ~~الله، قاله الربيع. ### || [4.22] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } قال ~~ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع ~~بين الأختين، فنزلت هذه الآية: وقال بعض الأنصار: توفي أبو قيس بن ~~الأسلت، فخطب ابنه قيس امرأته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستأذنه، ~~وقالت: إنما كنت أعده ولدا، ms0361 فنزلت هذه الآية. # قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصلناه عن ثعلب، عن الكوفيين، والمبرد عن ~~البصريين، أن «النكاح» في أصل اللغة: اسم للجمع بين الشيئين. وقد سموا ~~الوطء نفسه نكاحا من غير عقد. قال الأعشى: # ومنكوحة غير ممهورة # يعني المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد. قال القاضي أبو يعلى: قد يطلق ~~النكاح على العقد، قال الله تعالى: # إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن # [الأحزاب: 49] وهو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، لأنه اسم للجمع، ~~والجمع: إنما يكون بالوطء، فسمي العقد نكاحا، لأنه سبب إليه. # قوله تعالى: { إلا ما قد سلف } فيه ستة أقوال. # أحدها: أنها بمعنى: بعد ما قد سلف، فإن الله يغفره، قاله الضحاك، ~~والمفضل. # وقال الأخفش: المعنى: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم، فإنكم تعذبون به، إلا ~~ما قد سلف، فقد وضعه الله عنكم. # والثاني: أنها بمعنى: سوى ما قد سلف، قاله الفراء. # والثالث: أنها بمعنى: لكن ما قد سلف فدعوه، قاله قطرب. وقال ابن ~~الأنباري: لكن ما قد سلف، فإنه كان فاحشة. # والرابع: أن المعنى: ولا تنكحوا كنكاح آبائكم النساء، أي: كما نكحوا ~~على الوجوه الفاسدة التي لا تجوز في الإسلام إلا ما قد سلف في جاهليتكم، ~~من نكاح لا يجور ابتداء مثله في الإسلام، فإنه معفو لكم عنه، وهذا كقول ~~القائل: لا تفعل ما فعلت، أي: لا تفعل مثل ما فعلت، ذكره ابن جرير. # والخامس: أنها بمعنى «الواو» فتقديرها: ولا ما قد سلف، فيكون المعنى: ~~إقطعوا ما أنتم عليه من نكاح الآباء، ولا تبتدئوا، قاله بعض أهل ~~المعاني. # والسادس: أنها للاستثناء، فتقدير الكلام: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء بالنكاح الجائز [الذي كان عقده بينهم] إلا ما قد سلف منهم ~~بالزنى، والسفاح، فإنهن حلال لكم، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { إنه } يعني النكاح، و «الفاحشة»: ما يفحش ويقبح. ~~و«المقت»: أشد البغض. وفي المراد بهذا «المقت» قولان. # أحدهما: أنه اسم لهذا النكاح، وكانوا يسمون نكاح امرأة الأب في ~~الجاهلية: مقتا، ويسمون الولد منه: ms0362 «المقتي». فاعلموا أن هذا الذي ~~حرم عليهم [من نكاح امرأة الأب] لم يزل منكرا [في قلوبهم] ممقوتا ~~عندهم. هذا قول الزجاج. # والثاني: أنه يوجب مقت الله لفاعله، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله { وساء سبيلا } قال ابن قتيبة: أي: قبح هذا الفعل طريقا. ### || [4.23] # قوله تعالى: { حرمت عليكم أمهاتكم } قال الزجاج: الأصل في أمهات: ~~أمات، ولكن الهاء زيدت مؤكدة، كما زادوها في: أهرقت الماء، وإنما ~~أصله: أرقت. # قوله تعالى: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } إنما سمين أمهات، لموضع ~~الحرمة. # واختلفوا هل يعتبر في الرضاع العدد، أم لا؟ فنقل حنبل، عن أحمد: أنه ~~يتعلق التحريم بالرضعة الواحدة وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، ~~والحسن، وطاووس، والشعبي، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والثوري، ومالك، ~~وأبي حنيفة، وأصحابه. ونقل محمد بن العباس، عن أحمد: أنه يتعلق التحريم ~~بثلاث رضعات. ونقل أبو الحارث، عن أحمد: لا يتعلق بأقل من خمس رضعات ~~متفرقات وهو قول الشافعي. # قوله تعالى: { وأمهات نسائكم } أمهات النساء: يحرمن بنفس العقد على ~~البنت، سواء دخل بالبنت، أو لم يدخل، وهذا قول عمر، وابن مسعود، وابن ~~عمر، وعمران بن حصين، ومسروق، وعطاء، وطاووس، والحسن، والجمهور. وقال علي ~~رضي الله عنه في رجل طلق امرأته قبل الدخول: له أن يتزوج أمها وهذا قول ~~مجاهد، وعكرمة. # قوله تعالى: { وربائبكم } الربيبة: بنت امرأة الزوج من غيره. ومعنى ~~الربيبة: مربوبة، لأن الرجل يربيها، وخرج الكلام على الأعم من كون ~~التربية في حجر الرجل، لا على الشرط. قوله { وحلائل أبنائكم } قال ~~الزجاج: الحلائل: الأزواج. وحليلة: بمعنى محلة، وهي مشتقة من الحلال. ~~وقال غيره: سميت بذلك، لأنها تحل معه أينما كان. وقرأت على شيخنا أبي ~~منصور اللغوي، قال: الحليل: الزوج، والحليلة: المرأة، وسميا بذلك، إما ~~لأنهما يحلان في موضع واحد، أو لأن كل واحد منهما يحال صاحبه، أي: ~~ينازله، أو لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه. قوله { الذين من أصلابكم ~~} قال عطاء: إنما ذكر الأصلاب، لأجل الأدعياء. والكلام في قوله { إلا ما ~~قد سلف } على نحو ما تقدم في الآية ms0363 التي قبلها. وقد زادوا في هذا قولين ~~آخرين. أحدهما: إلا ما قد سلف من أمر يعقوب عليه السلام، لأنه جمع بين ~~أم يوسف وأختها، وهذا مروي عن عطاء، والسدي، وفيه ضعف لوجهين. # أحدهما: أن هذا التحريم يتعلق بشريعتنا، وليس كل الشرائع تتفق، ولا وجه ~~للعفو عنا فيما فعله غيرنا. والثاني: أنه لو طولب قائل هذا بتصحيح نقله، ~~لعسر عليه. # والقول الثاني: أن تكون فائدة هذا الاستثناء أن العقود المتقدمة على ~~الأختين لا تنفسخ، ويكون للانسان أن يختار إحداهما، ومنه حديث # " فيروز الديلمي قال: أسلمت وعندي أختان، فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: «طلق إحداهما» " # ذكره القاضي أبو يعلى. ### || [4.24] # قوله: { والمحصنات من النساء } أما سبب نزولها، فروى أبو سعيد الخدري ~~قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فاستحللناهن. # وأما خلاف القراء، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة بفتح الصاد في كل القرآن، وفتح الكسائي الصاد في هذه وحدها، ~~وقرأ سائر القرآن بالكسر، والمحصنات» و«محصنات». قال ابن قتيبة: ~~والإحصان: أن يحمي الشيء، ويمنع منه، فالمحصنات [من النساء]: ذوات ~~الأزواج، لأن الأزواج أحصنوهن، ومنعوا منهن: [قال الله تعالى: { ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } ] والمحصنات: الحرائر وإن لم ~~يكن متزوجات، لأن الحرة تحصن وتحصن، وليست كالأمة، قال الله ~~تعالى: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات # [النساء:25] وقال: # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25] يعني: الحرائر] والمحصنات: العفائف قال الله تعالى: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4] يعني العفائف. وقال الله تعالى: # ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها # [لتحريم: 12] أي: عفت. # وفي المراد بالمحصنات هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: ذوات الأزواج، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن ~~جبير، والنخعي، وابن زيد، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: العفائف: فإنهن حرام على الرجال إلا بعقد نكاح، أو ملك يمين. ~~وهذا قول عمر بن الخطاب، وأبي العالية، وعطاء، وعبيدة، والسدي. # والثالث: الحرائر، ms0364 فالمعنى: أنهن حرام بعد الأربع اللواتي ذكرن في ~~أول السورة، روي عن ابن عباس، وعبيدة. # فعلى القول الأول في معنى قوله { إلا ما ملكت أيمانكم } قولان. # أحدهما: أن معناه: إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا في الحروب، وعلى ~~هذا تأول الآية علي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، و كان ~~هؤلاء لا يرون بيع الأمة طلاقا. # والثاني: إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء ذوات الأزواج، بسبي أو غير ~~سبي، وعلى هذا تأول الآية ابن مسعود، وأبي بن كعب، وجابر، وأنس، ~~وكان هؤلاء يرون بيع الأمة طلاقا. وقد ذكر ابن جرير، عن ابن عباس، وسعيد ~~بن المسيب، والحسن: أنهم قالوا بيع الأمة طلاقها، والأول أصح. # لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة إذ أعتقتها عائشة، بين المقام ~~مع زوجها الذي زوجها منه سادتها في حال رقها، وبين فراقه، ولم يجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها طلاقا، ولو كان طلاقا لم ~~يكن لتخييره إياها معنى. ويدل على صحة القول الأول ما ذكرناه من سبب ~~نزول الآية. # وعلى القول الثاني: العفائف حرام إلا بملك، والملك يكون عقدا، ويكون ~~ملك يمين. # وعلى القول الثالث: الحرائر حرام بعد الأربع إلا ما ملكت أيمانكم من ~~الإماء، فانهن لم يحصرن بعدد. # قوله تعالى: { كتاب الله عليكم } قال الزجاج: هو منصوب على التوكيد، ~~محمول على المعنى، لأن معنى «حرمت عليكم أمهاتكم»: كتب الله عليكم هذا ~~كتابا، قال: ويجوز أن ينتصب على جهة الأمر، ويكون «عليكم» مفسرا له، ~~فيكون المعنى: إلزموا كتاب الله. قال: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } أي: ~~ما بعد هذه الأشياء، إلا أن السنة، قد حرمت تزويج المرأة على عمتها، ~~وتزويجها على خالتها وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران: «كتب الله عليكم» ~~بفتح الكاف، والتاء، والباء، من غير ألف، ورفع الهاء، وقرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: وأحل بفتح الحاء، وقرأ حمزة، والكسائي: ~~بضم الألف. # فصل # قال شيخنا علي بن عبيد الله: وعامة العلماء ذهبوا إلى أن قوله: { وأحل ms0365 ~~لكم ما وراء ذلكم } تحليل ورد بلفظ العموم، وأنه عموم دخله التخصيص، ~~والمخصص له نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها، أو ~~على خالتها. وليس هذا على سبيل النسخ. وذهب طائفة إلى أن التحليل المذكور ~~في الآية منسوخ بهذا الحديث. # قوله تعالى: { أن تبتغوا بأموالكم } أي: تطلبوا إما بصداق في نكاح، ~~أو ثمن في ملك { محصنين } قال ابن قتيبة: متزوجين، وقال الزجاج: عاقدين ~~التزويج، وقال غيرهما: متعففين غير زانين. والسفاح: الزنى، قال ابن ~~قتيبة: أصله من سفحت القربة: إذا صببتها، فسمي الزنى سفاحا، لأن ~~[يسافح] يصب النطفة، وتصب المرأة النطفة. وقال ابن فارس: السفاح: صب ~~الماء بلا عقد، ولا نكاح، فهو كالشيء يسفح ضياعا. # قوله تعالى: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن } فيه قولان. # أحدهما: أنه الاستمتاع في النكاح بالمهور، قاله ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد، والجمهور. # والثاني: أنه الاستمتاع إلى أجل مسمى من غير عقد نكاح. وقد روي عن ابن ~~عباس: أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك وقد تكلف قوم من مفسري ~~القراء، فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج ~~إليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز المتعة، ثم منع منها فكان قوله ~~منسوخا بقوله. وأما الآية، فإنها لم تتضمن جواز المتعة. لأنه تعالى قال ~~فيها: { أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين } فدل ذلك على النكاح ~~الصحيح. قال الزجاج: ومعنى قوله: # { فما استمتعتم به منهن } فما نكحتموهن على الشريطة التي جرت، وهو قوله ~~{ محصنين غير مسافحين } أي: عاقدين التزويج { فآتوهن أجورهن } أي: ~~مهورهن. ومن ذهب في الآية إلى غير هذا، فقد أخطأ، وجهل اللغة. # قوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } فيه ستة ~~أقوال. # أحدها: أن معناه: لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها، ووهبته ~~لزوجها، هذا مروي عن ابن عباس، وابن زيد. # والثاني: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم ms0366 به من مقام، أو فرقة بعد أداء ~~الفريضة، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم ~~فيما تراضيتم به من أن ينقصنكم أو يبرئنكم، قاله أبو سليمان التيمي. # والرابع: لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل، ~~وتزيدونهن في الأجر من غير استبراء، قاله السدي: وهو يعود إلى قصة ~~المتعة. # والخامس: لا جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب هو للتي لم ~~يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه. قاله الزجاج. # والسادس: أنه عام في الزيادة، والنقصان، والتأخير، والإبراء، قاله ~~القاضي أبو يعلى. ### || [4.25] # قوله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا } «الطول»: الغنى والسعة في قول ~~الجماعة. و «المحصنات»: الحرائر، قال الزجاج: والمعنى: من لم يقدر على ~~مهر الحرة، يقال: قد طال فلان طولا على فلان، أي: كان له فضل عليه في ~~القدرة. # والمراد بالفتيات هاهنا: المملوكات، يقال للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وقد ~~سمي بهذا الاسم من ليس بمملوك. قرأت على شيخنا الإمام أبي منصور ~~اللغوي قال: المتفتية: الفتاة والمراهقة، ويقال للجارية الحدثة: فتاة، ~~وللغلام: فتى، قال القتيبي: وليس الفتى بمعنى الشاب والحدث، إنما هو ~~بمعنى الكامل الجزل من الرجال. # فأما ذكر الايمان، فشرط في إباحتهن، ولا يجوز نكاح الأمة الكتابية، هذا ~~قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجوز. # قوله تعالى: { والله أعلم بايمانكم } قال الزجاج: معناه: اعملوا على ~~ظاهركم في الإيمان، فإنكم متعبدون بما ظهر من بعضكم لبعض. قال: وفي ~~قوله: «بعضكم من بعض» وجهان. # أحدهما: أنه أراد النسب، أي: كلكم ولد آدم. ويجوز أن يكون معناه: دينكم ~~واحد، لأنه ذكر هاهنا المؤمنات. وإنما قيل لهم ذلك، لأن العرب كانت تطعن ~~في الأنساب، وتفخر بالأحساب، وتسمي ابن الأمة: الهجين، فأعلم الله عز ~~وجل أن أمر العبيد وغيرهم مستو في باب الإيمان، وإنما كره التزويج ~~بالأمة، وحرم إذا وجد إلى الحرة سبيلا، لأن ولد الأمة من ~~الحر يصيرون رقيقا، ولأن الأمة ممتهنة في عشرة الرجال، وذلك يشق ms0367 على ~~الزوج. # قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: كلكم بنو آدم، فلا يتداخلكم شموخ ~~وأنفة من تزوج الإماء عند الضرورة. # وقال ابن جرير: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات [المؤمنات]، فلينكح بعضكم من بعض، أي: لينكح هذا ~~فتاة هذا. # قوله تعالى: { فانكحوهن } يعني: الإماء { باذن أهلهن } ، أي: سادتهن. و ~~«الأجور»: المهور. # وفي قوله { بالمعروف } قولان. # أحدهما: أنه مقدم في المعنى، فتقديره: انكحوهن بإذن أهلهن بالمعروف، أي: ~~بالنكاح الصحيح { وآتوهن أجورهن }. # والثاني: أن المعنى: وآتوهن أجورهن بالمعروف، كمهور أمثالهن. قال ابن ~~عباس: «محصنات»: عفائف غير زوان { ولا متخذات أخدان } يعني: أخلاء كان ~~الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنى، ويستحلون ما خفي. وقال في رواية ~~أخرى: «المسافحات» المعلنات بالزنى. «والمتخذات أخدان»: ذات الخليل ~~الواحد. وقال غيره: كانت المرأة تتخذ صديقا تزني معه، ولا تزني مع غيره. # قوله تعالى: { فاذا أحصن } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«أحصن» مضمومة الألف. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم: ~~بفتح الألف، والصاد. قال ابن جرير: من قرأ بالفتح، أراد: أسلمن، فصرن ~~ممنوعات الفروج عن الحرام بالاسلام، ومن قرأ بالضم، أراد: فاذا تزوجن ~~فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج. # فأما«الفاحشة»، فهي الزنى، و «المحصنات»: الحرائر، و «العذاب»: الحد. ~~قال القاضي أبو يعلى: وليس الإسلام والتزويج شرطا في إيجاب الحد على ~~الأمة، بل يجب وإن عدما، وإنما شرط الإحصان في الحد، لئلا يتوهم ~~متوهم أن عليها نصف ما على الحرة إذا لم تكن محصنة، وعليها مثل ما على ~~الحرة إذا كانت محصنة. # قوله تعالى: { ذلك } الإشارة إلى إباحة تزويج الإماء. وفي «العنت» ~~خمسة أقوال. أحدها: أنه الزنى، قاله ابن عباس، والشعبي، وابن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: أنه الهلاك، ذكره أبو عبيدة، والزجاج. والثالث: لقاء المشقة في ~~محبة الأمة، حكاه الزجاج. والرابع: أن العنت هاهنا: الإثم. والخامس: أنه ~~العقوبة التي تعنته، وهي الحد، ذكرهما ابن جرير الطبري. # قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل ms0368 على إباحة نكاح الإماء المؤمنات ~~بشرطين. أحدهما: عدم طول الحرة. # والثاني: خوف الزنى، وهذا قول ابن عباس، والشعبي، وابن جبير، ومسروق، ~~ومكحول، وأحمد، ومالك، والشافعي. وقد روي عن علي، والحسن، وابن المسيب، ~~ومجاهد، والزهري، قالوا: ينكح الأمة، وإن كان موسرا، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. # قوله تعالى: { وأن تصبروا خير لكم } قال ابن عباس والجماعة: عن نكاح ~~الإماء، وإنما ندب إلى الصبر عنه، لاسترقاق الأولاد. ### || [4.26] # قوله تعالى: { يريد الله ليبين لكم } اللام بمعنى «أن» وهذا مذهب جماعة ~~من أهل العربية، واختاره ابن جرير، ومثله # وأمرت لأعدل بينكم # [الشورى: 15] # وأمرنا لنسلم # [الأنعام:71] # يريدون ليطفئوا # [الصف: 8]. # والبيان من الله تعالى بالنص تارة، وبدلالة النص أخرى. قال ~~الزجاج:«والسنن»: الطرق، فالمعنى يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء ~~وتابعيهم. وقال غيره: معنى الكلام: يريد الله ليبين لكم سنن من قبلكم ~~من أهل الحق والباطل لتجتنبوا الباطل وتجيبوا الحق، ويهديكم إلى الحق. ### || [4.27] # قوله تعالى: { والله يريد أن يتوب عليكم } قال الزجاج: يريد أن يدلكم ~~على ما يكون سببا لتوبتكم. # وفي الذين اتبعوا الشهوات أربعة أقوال. # أحدها: أنهم الزناة، قاله مجاهد، ومقاتل. والثاني: اليهود والنصارى، ~~قاله السدي. والثالث: أنهم اليهود خاصة، ذكره ابن جرير. والرابع: أهل ~~الباطل، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { أن تميلوا ميلا عظيما } أي: عن الحق بالمعصية. ### || [4.28] # قوله تعالى: { يريد الله أن يخفف عنكم } التخفيف: تسهيل التكليف، أو ~~إزالة بعضه. قال ابن جرير: والمعنى: يريد أن ييسر لكم بإذنه في نكاح ~~الفتيات المؤمنات لمن لم يستطع طولا لحرة. وفي المراد بضعف الإنسان ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة. قال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين. ~~والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاووس، ومقاتل. والثالث: أنه ضعف ~~العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجاج، وابن كيسان. ### || [4.29] # قوله تعالى: { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } الباطل: ما لا يحل في ~~الشرع. # قوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة } قرأ ابن كثير، ونافع، وابو عمرو، ~~وابن عامر: «تجارة» بالرفع. وقرأ حمزة، ms0369 والكسائي، وعاصم بالنصب، وقد ~~بينا العلة في آخر { البقرة }. # قوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنه على ظاهره، وأن الله حرم على العبد قتل نفسه، وهذا الظاهر. # والثاني: أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضا، وهذا قول ابن عباس، والحسن، ~~وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثالث: أن المعنى: لا تكلفوا أنفسكم عملا ربما أدى إلى قتلها وإن ~~كان فرضا، وعلى هذا تأولها عمرو بن العاص في غزاة ذات السلاسل حيث صلى ~~بأصحابه جنبا في ليلة باردة، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~قال له: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال يا رسول الله إني احتلمت ~~في ليلة باردة وأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قوله تعالى: { ولا ~~تقتلوا أنفسكم } فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والرابع: أن المعنى: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظها، فكأنما ~~قتلها، هذا قول الفضيل بن عياض. والخامس: لا تقتلوها بارتكاب المعاصي. ### || [4.30] # قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما } في المشار إليه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قتل النفس، قاله ابن عباس، وعطاء. والثاني: أنه عائد إلى كل ~~ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هاهنا، روي عن ابن عباس أيضا. ~~والثالث: قتل النفس، وأكل الأموال بالباطل، قاله مقاتل. ### || [4.31] # قوله تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } اجتناب الشيء: تركه ~~جانبا. وفي الكبائر أحد عشر قولا. # أحدها: أنها سبع، فروى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك ~~بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل ~~مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ". # وقد روي هذا الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " الكبائر سبع، الإشراك بالله أولهن، وقتل النفس بغير حقها، وأكل ~~الربا، وأكل مال اليتيم بدارا ms0370 أن يكبروا، والفرار من الزحف، ورمي ~~المحصنات، وانقلاب إلى أعرابية بعد هجرة ". # وروي عن علي رضي الله عنه قال هي سبع، فعد هذه. # وروي عن عطاء أنه قال: هي سبع، وعد هذه، إلا أنه ذكر مكان الإشراك ~~والتعرب شهادة الزور وعقوق الوالدين. # والثاني: أنها تسع، روى عبيد بن عمير، عن أبيه، وكان من الصحابة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ما الكبائر؟ فقال: # " تسع، أعظمهن الإشراك بالله، وقتل نفس المؤمن بغير حق، والفرار من ~~الزحف، وأكل مال اليتيم، والسحر، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق ~~الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا ". # والثالث: أنها أربع: روى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث عبد الله ~~بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين ~~الغموس ". # وروى أنس بن مالك قال: # " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عنها، فقال: «الشرك ~~بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين» ". # وقال: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو شهادة الزور ". # وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأمن لمكر ~~الله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله. وعن عكرمة نحوه. # والرابع: أنها ثلاث، فروى عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا ~~فاحتفز قال: والزور " # وروى البخاري، ومسلم في الصحيحين، من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: الإشراك ~~بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: وشهادة الزور " # فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. # وأخرجا في «الصحيحين» من حديث # " ابن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أكبر؟ قال: ~~«أن تجعل لله تعالى ندا وهو خلقك». قلت ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك ~~مخافة أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» ". # والخامس: ms0371 أنها مذكورة من أول السورة إلى هذه الآية، قاله ابن مسعود، ~~وابن عباس. # والسادس: أنها إحدى عشرة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين ~~الغموس، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، ~~وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والسحر، والخيانة. روي عن ابن مسعود أيضا. # والسابع: أنها كل ذنب يختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، رواه ~~ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. # والثامن: أنها كل ما أوجب الله عليه النار في الآخرة، والحد في الدنيا، ~~روى هذا المعنى أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والتاسع: أنها كل ما عصي الله به، روي عن ابن عباس، وعبيدة، وهو قول ~~ضعيف. # والعاشر: أنها كل ذنب أوعد الله عليه النار، قاله الحسن، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، والضحاك في رواية، والزجاج. # والحادي عشر: أنها ثمان، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، ~~وقذف المحصنة، والزنا، وأكل مال اليتيم، وقول الزور، واقتطاع الرجل ~~بيمينه، وعهده ثمنا قليلا. رواه محرز، عن الحسن البصري. # قوله تعالى: { نكفر عنكم سيئاتكم } روى المفضل، عن عاصم: «يكفر» ~~«ويدخلكم» بالياء فيهما، وقرأ الباقون بالنون فيهما، وقرأ نافع، وأبان، ~~عن عاصم، والكسائي، عن أبي بكر، عن عاصم: «مدخلا» بفتح الميم هاهنا، ~~وفي { الحج } وضم الباقون «الميم»، ولم يختلفوا في ضم «ميم» # مدخل صدق # [الإسراء:80] و # مخرج صدق # [الإسراء: 80] قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون «المدخل» مصدرا، ~~ويجوز أن يكون مكانا، سواء فتح، أو ضم. قال السدي: السيئات هاهنا: هي ~~الصغائر. والمدخل الكريم: الجنة. قال ابن قتيبة: والكريم: بمعنى: ~~الشريف. ### || [4.32] # قوله تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } في سبب ~~نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله: يغزو الرجال، ولا نغزو، وإنما ~~لنا نصف الميراث، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # والثاني: أن النساء قلن: وددن أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما ~~يصيب الرجال، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # والثالث: أنه لما نزل { للذكر مثل حظ الانثيين } قال الرجال: ms0372 إنا ~~لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا، كما فضلنا عليهن في الميراث، وقال ~~النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كما لنا ~~الميراث على النصف من نصيبهم، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة، والسدي. # وفي معنى هذا التمني قولان. # أحدهما: أن يتمنى الرجل مال غيره، قاله ابن عباس، وعطاء. والثاني: أن ~~يتمنى النساء أن يكن رجالا. وقد روي عن أم سلمة أنها قالت: يا ليتنا كنا ~~رجالا، فنزلت هذه الآية. # وللتمني وجوه. # أحدها: أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره، ويزول عن الغير، فهذا ~~الحسد. # والثاني: أن يتمنى مثل ما لغيره، ولا يحب زواله عن الغير، فهذا هو ~~الغبطة وربما لم يكن نيل ذلك مصلحة في حق المتمني، قال الحسن: لا تمن ~~مال فلان، ولا مال فلان، وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال؟ # والثالث: أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا، ونحو هذا مما لا يقع، فليعلم ~~العبد أن الله أعلم بالمصالح، فليرض بقضاء الله، ولتكن أمانيه الزيادة من ~~عمل الآخرة. # قوله تعالى: { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } ~~فيه قولان. # أحدهما: أن المراد بهذا الاكتساب: الميراث، وهو قول ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: أنه الثواب والعقاب. فالمعنى: أن المرأة تثاب كثواب الرجل، ~~وتأثم كإثمه، هذا قول قتادة، وابن السائب، ومقاتل. واحتج على صحته أبو ~~سليمان الدمشقي بأن الميراث لا يحصل بالاكتساب، وبأن الآية نزلت لأجل ~~التمني والفضل. # قوله تعالى: { واسألوا الله من فضله } قرأ ابن كثير، والكسائي، وأبان، ~~وخلف في اختياره { وسلوا الله } { فسل الذين } # { فسل بني إسرائيل } { وسل من أرسلنا } وما كان مثله من الأمر المواجه ~~به، وقبله «واو» أو «فاء» فهو غير مهموز عندهم. وكذلك نقل عن أبي جعفر، ~~وشيبة. وقرأ الباقون بالهمز في ذلك كله، ولم يختلفوا في قوله: # وليسألوا ما أنفقوا # [الممتحنة:10] أنه مهموز. # وفي المراد بالفضل قولان. # أحدهما: أن الفضل: الطاعة، قاله سعيد ابن جبير، ومجاهد، والسدي. # والثاني: أنه الرزق، قاله ابن السائب، فيكون المعنى: سلوا الله ما ~~تتمنونه ms0373 من النعم، ولا تتمنوا مال غيركم. ### || [4.33] # قوله تعالى: { ولكل جعلنا موالي } الموالي: الأولياء، وهم الورثة من ~~العصبة وغيرهم. ومعنى الآية: لكل إنسان موالي يرثون ما ترك. وارتفاع ~~الوالدين والأقربين على معنيين من الإعراب. # أحدهما: أن يكون الرفع على خبر الابتداء، والتقدير: وهم الوالدان ~~والأقربون، ويكون تمام الكلام قوله { مما ترك }. # والثاني: أن يكون رفعا على أنه الفاعل الترك للمال، فيكون الوالدان، هم ~~المولى. # قوله تعالى: { والذين عقدت أيمانكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «عاقدت» بالألف وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «عقدت» بلا ألف. ~~قال أبو علي: من قرأ بالألف، فالتقدير: والذين عاقدتهم أيمانكم، ومن ~~حذف الألف، فالمعنى: عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف ~~إليه مقامه. وفيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أهل الحلف، كان الرجل يحالف الرجل، فأيهما مات ورثه الآخر، ~~فنسخ ذلك بقوله: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } رواه ابن أبي طلحة، ~~عن ابن عباس. وروى عنه عطية قال كان الرجل يلحق الرجل في الجاهلية، ~~فيكون تابعه، فإذا مات الرجل، صار لأهله الميراث، وبقي تابعه بغير شيء، ~~فأنزل الله { والذين عاقدت أيمانكم } فأعطي من ميراثه، ثم نزل من بعد ذلك ~~{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } وممن قال هم الحلفاء: سعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وقتادة. # والثاني: أنهم الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ~~المهاجرون والأنصار، كان المهاجرون يورثون الأنصار دون ذوي رحمهم للأخوة ~~التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، رواه سعيد بن جبير، عن ~~ابن عباس. وبه قال ابن زيد. # والثالث: أنهم الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية، هذا قول ~~سعيد ابن المسيب. فأما أرباب القول الأول، فقالوا: نسخ حكم الحلفاء ~~الذين كانوا يتعاقدون على النصرة والميراث بآخر { الأنفال } ، وإليه ~~ذهب ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، ~~وأحمد، والشافعي. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا الحكم باق غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى ~~من موالي المعاقدة. وذهب قوم إلى أن المراد: فآتوهم نصيبهم من النصر ~~والنصيحة من غير ms0374 ميراث، وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد. وذهب قوم آخرون ~~إلى أن المعاقدة: إنما كانت في الجاهلية على النصرة لا غير، والإسلام لم ~~يغير ذلك، وإنما قرره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " أيما حلف كان في الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة " # أراد: النصر والعون. وهذا قول سعيد بن جبير، وهو يدل على أن الآية ~~محكمة. ### || [4.34] # قوله تعالى: { الرجال قوامون على النساء } سبب نزولها: أن رجلا لطم ~~زوجته لطمة فاستعدت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وذكر المفسرون أنه سعد بن الربيع ~~الأنصاري. قال ابن عباس: «قوامون» أي: مسلطون على تأديب النساء في ~~الحق. وروى هشام ابن محمد، عن أبيه في قوله: { الرجال قوامون على النساء ~~} قال: إذا كانوا رجالا، وأنشد: # أكل امرئ تحسبين امرءا # ونارا توقد بالليل نارا # قوله تعالى: { بما فضل الله بعضهم على بعض } يعني: الرجال على النساء، ~~وفضل الرجل على المرأة بزيادة العقل، وتوفير الحظ في الميراث، والغنيمة، ~~والجمعة، والجماعات، والخلافة، والإمارة، والجهاد، وجعل الطلاق إليه إلى ~~غير ذلك. # قوله تعالى: { وبما أنفقوا من أموالهم } قال ابن عباس يعني: المهر ~~والنفقة عليهن. # وفي «الصالحات» قولان. # أحدهما: المحسنات إلى أزواجهن، قاله ابن عباس. # والثاني: العاملات بالخير، قاله ابن مبارك. قال ابن عباس. و«القانتات»: ~~المطيعات لله في أزواجهن، والحافظات للغيب، أي: لغيب أزواجهن. وقال عطاء، ~~وقتادة: يحفظن ما غاب عنه الأزواج من الأموال، وما يجب عليهن من صيانة ~~أنفسهن لهم. # قوله تعالى: { بما حفظ الله } قرأ الجمهور برفع اسم «الله» وفي معنى ~~الكلام على قراءتهم ثلاثة أقوال. # أحدها: بحفظ الله إياهن، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل. وروى ~~ابن المبارك، عن سفيان، قال: بحفظ الله إياها أن جعلها كذلك. # والثاني: بما حفظ الله لهن مهورهن، وإيجاب نفقتهن، قاله الزجاج. # والثالث: أن معناه: حافظات للغيب بالشيء الذي يحفظ به أمر الله، حكاه ~~الزجاج. وقرأ أبو جعفر بنصب اسم الله. والمعنى: بحفظهن الله في طاعته. # قوله تعالى: ms0375 { واللاتي تخافون نشوزهن } في الخوف قولان. # أحدهما: أنه بمعنى العلم، قاله ابن عباس. # والثاني: بمعنى الظن لما يبدو من دلائل النشوز، قاله الفراء، وأنشد: # وما خفت يا سلام أنك عائبي # قال ابن قتيبة: والنشوز: بغض المرأة للزوج، يقال: نشزت المرأة على ~~زوجها، ونشصت: إذا فركته، ولم تطمئن عنده، وأصل النشوز: الانزعاج. وقال ~~الزجاج: أصله من النشز، وهو المكان المرتفع من الأرض. # قوله تعالى: { فعظوهن } قال الخليل: الوعظ: التذكير بالخير فيما يرق له ~~القلب. قال الحسن: يعظها بلسانه، فان أبت وإلا هجرها. واختلفوا في ~~المراد بالهجر في المضجع على أربعة أقوال. # أحدها: أنه ترك الجماع، رواه سعيد بن جبير، وابن أبي طلحة، والعوفي، عن ~~ابن عباس، وبه قال ابن جبير، ومقاتل. # والثاني: أنه ترك الكلام، لا ترك الجماع، رواه أبو الضحى، عن ابن عباس، ~~وخصيف، عن عكرمة، وبه قال السدي، والثوري. # والثالث: أنه قول الهجر من الكلام في المضاجع، روي عن ابن عباس، ~~والحسن، وعكرمة. # فيكون المعنى: قولوا لهن في المضاجع هجرا من القول. # والرابع: أنه هجر فراشها، ومضاجعتها. روي عن الحسن، والشعبي، ومجاهد، ~~والنخعي، ومقسم، وقتادة. قال ابن عباس: اهجرها في المضجع، فان أقبلت ~~وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح. وقال جماعة من أهل ~~العلم: الآية على الترتيب، فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور ~~النشوز، والضرب عند تكرره، واللجاج فيه. ولا يجوز الضرب عند ابتداء ~~النشوز، قال القاضي أبو يعلى: وعلى هذا مذهب أحمد. وقال الشافعي: يجوز ~~ضربها في ابتداء النشوز. # قوله تعالى: { فان أطعنكم } قال ابن عباس: يعني في المضجع { فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا } أي: فلا تتجن عليها العلل. وقال سفيان بن عيينة: لا ~~تكلفها الحب، لأن قلبها ليس في يدها. وقال ابن جرير: المعنى: فلا ~~تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل، وذلك أن ~~تقول لها وهي مطيعة لك: لست لي محبة، فتضربها، أو تؤذيها. # قوله تعالى: { إن الله كان عليا كبيرا } قال أبو سليمان الدمشقي: لا ~~تبغوا على ms0376 أزواجكم، فهو ينتصر لهن منكم. وقال الخطابي: الكبير: الموصوف ~~بالجلال، وكبر الشأن، يصغر دون جلاله كل كبير. ويقال: هو الذي كبر عن شبه ~~المخلوقين. ### || [4.35] # قوله تعالى: { وإن خفتم شقاق بينهما } في الخوف قولان. أحدهما: أنه ~~الحذر من وجود ما لا يتيقن وجوده، قاله الزجاج. # والثاني: أنه العلم، قاله أبو سليمان الدمشقي. قال الزجاج: والشقاق: ~~العداوة، واشتقاقه من المتشاقين، كل صنف منهم في شق. و«الحكم»: هو ~~القيم بما يسند إليه. وفي المأمور بانفاذ الحكمين قولان. # أحدهما: أنه السلطان إذا ترافعا إليه، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. ~~والثاني: الزوجان، قاله السدي. # قوله تعالى: { إن يريدا إصلاحا } قال ابن عباس: يعني الحكمين. وفي ~~قوله: { يوفق الله بينهما } قولان. # أحدهما: أنه راجع إلى الحكمين، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، ~~وعطاء، والسدي، والجمهور. # والثاني: أنه راجع إلى الزوجين، ذكره بعض المفسرين. # فصل # والحكمان وكيلان للزوجين، ويعتبر رضى الزوجين فيما يحكمان به، هذا قول ~~أحمد، وأبي حنيفة، وأصحابه. وقال مالك، والشافعي: لا يفتقر حكم الحكمين ~~إلى رضى الزوجين. ### || [4.36] # قوله تعالى: { واعبدوا الله } قال ابن عباس: وحدوه. # قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } قال الفراء: أغراهم بالإحسان ~~إلى الوالدين. # قوله تعالى: { والجار ذي القربى } فيه قولان. # أحدهما: أنه الجار الذي بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل في آخرين. # والثاني: أنه الجار المسلم، قاله نوف الشامي. فيكون المعنى: ذي القربى ~~منكم بالإسلام. # قوله تعالى: { والجار الجنب } روى المفضل، عن عاصم: والجار الجنب بفتح ~~الجيم، وإسكان النون. قال أبو علي: المعنى: والجار ذي الجنب، فحذف ~~المضاف. وفي الجار الجنب ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل في آخرين. # والثاني: أنه جارك عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، رواه الضحاك، ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنه اليهودي والنصراني، قاله نوف الشامي. # وفي الصاحب بالجنب ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الزوجة، قاله علي، وابن مسعود، والحسن، وإبراهيم النخعي، ~~وابن أبي ليلى. ms0377 # والثاني: أنه الرفيق في السفر، قاله ابن عباس في رواية مجاهد، وقتادة، ~~والضحاك، والسدي، وابن قتيبة. وعن سعيد بن جبير كالقولين. # والثالث: أنه الرفيق، رواه ابن جريج، عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. # قال ابن زيد: هو الذي يلصق بك رجاء خيرك. وقال مقاتل: هو رفيقك حضرا ~~وسفرا. وفي ابن السبيل أقوال قد ذكرناها في { البقرة }. # قوله تعالى: { وما ملكت أيمانكم } يعني: المملوكين. وقال بعضهم: يدخل ~~فيه الحيوان البهيم. قال ابن عباس: والمحتال: البطر في مشيته، والفخور: ~~المفتخر على الناس بكبره. وقال مجاهد: هو الذي يعد ما أعطى، ولا يشكر ~~الله، وقال ابن قتيبة: المختال: ذو الخيلاء والكبر. وقال الزجاج: ~~المختال: الصلف التياه الجهول. وإنما ذكر الاختيال هاهنا، لأن ~~المختال يأنف من ذوي قراباته، ومن جيرانه إذا كانوا فقراء. ### || [4.37] # قوله تعالى: { الذين يبخلون } ذكر المفسرون أنها نزلت في اليهود. فأما ~~سبب نزولها، فقال ابن عباس: كان كردم بن زيد، [حليف كعب بن الأشرف] ~~وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي ابن أخطب، ~~ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكانوا يخالطونهم، وينتصحون لهم، فيقولون لهم: لا ~~تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر [في ذهابها] ولا تسارعوا في ~~النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون، فنزلت هذه الآية. وفي الذي بخلوا به ~~وأمروا الناس بالبخل به قولان. أحدهما: أنه المال، قاله ابن عباس، وابن ~~زيد. والثاني: أنه إظهار صفة النبي صلى الله عليه وسلم ونبوته، قاله ~~مجاهد، وقتادة، والسدي. # قوله تعالى: { ويأمرون الناس بالبخل } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر: بالبخل خفيفا، وقرأ حمزة، والكسائي: بالبخل ~~محركا، وكذلك في سورة { الحديد } وفي الذين آتاهم الله من فضله قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، أوتوا علم نعت محمد صلى الله عليه وسلم فكتموه، ~~هذا قول الجمهور. # والثاني: أنهم أرباب الأموال بخلوا بها، وكتموا الغنى، ذكره الماوردي في ~~آخرين. # قوله تعالى: { وأعتدنا } قال الزجاج: معناه: جعلنا ذلك عتادا ms0378 لهم، أي: ~~مثبتا لهم. ### || [4.38] # قوله تعالى: { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } اختلفوا فيمن نزلت ~~على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. والثاني: أنهم ~~المنافقون، قاله السدي، والزجاج، وأبو سليمان الدمشقي. والثالث: مشركو ~~مكة أنفقوا على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره الثعلبي. # والقرين: الصاحب المؤالف، وهو فعيل من الاقتران بين الشيئين. وفي معنى ~~مقارنة الشيطان قولان. أحدها: مصاحبته في الفعل. والثاني: مصاحبته في ~~النار. ### || [4.39] # قوله تعالى: { وماذا عليهم } المعنى: وأي شيء على هؤلاء الذين ينفقون ~~أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله، لو آمنوا!. وفي الإنفاق المذكور ~~هاهنا قولان. # أحدهما: أنه الصدقة، قاله ابن عباس. # والثاني: الزكاة، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي قوله: { وكان الله بهم ~~عليما } تهديد لهم على سوء مقاصدهم. ### || [4.40] # قوله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } قد شرحنا الظلم فيما سلف، ~~وهو مستحيل على الله عز وجل، لأن قوما قالوا: الظلم: تصرف فيما لا ~~يملك، والكل ملكه، وقال آخرون: هو وضع الشيء في غير موضعه، وحكمته لا ~~تقتضي فعلا لا فائدة تحته، ومثقال الشيء: زنة الشيء. قال ابن قتيبة: ~~يقال هذا على مثقال هذا، أي: على وزنه. قال الزجاج: وهو مفعال من الثقل. # وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: يظن الناس أن المثقال وزن دينار ~~لا غير، وليس كما يظنون. مثقال كل شيء: وزنه، وكل وزن يسمى مثقالا، وإن ~~كان وزن ألف. قال الله تعالى: # وإن كان مثقال حبة من خردل # [الأنبياء: 47] قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن صنجة مثقال الميزان، ~~فقال: فارسي، ولا أدري كيف أقول، ولكني أقول: مثقال، فإذا قلت للرجل: ~~ناولني مثقالا، فأعطاك صنجة ألف، أو صنجة حبة، كان ممتثلا. # وفي المراد بالذرة خمسة أقوال. # أحدها: أنه رأس نملة حمراء، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: ذرة يسيرة من التراب، رواه يزيد بن الأصم، عن ابن عباس. # والثالث: أصغر النمل، قاله ابن قتيبة، وابن فارس. # والرابع: الخردلة. # والخامس: الواحدة من الهباء الظاهر في ضوء الشمس ms0379 إذا طلعت من ثقب، ~~ذكرهما الثعلبي. واعلم أن ذكر الذرة ضرب مثل بما يعقل، والمقصود أنه لا ~~يظلم قليلا ولا كثيرا. # قوله تعالى: { وإن تك حسنة } قرأ ابن كثير، ونافع: حسنة بالرفع. وقرأ ~~الباقون بالنصب. قال الزجاج: من رفع، فالمعنى: وإن تحدث حسنة، ومن نصب، ~~فالمعنى: وإن تك فعلته حسنة. # قوله تعالى: { يضاعفها } قرأ ابن عامر، وابن كثير: يضعفها بالتشديد ~~من غير ألف. وقرأ الباقون: يضاعفها بألف مع كسر العين. قال ابن قتيبة: ~~يضاعفها بالألف: يعطي مثلها مرات، ويضعفها بغير ألف: يعطي مثلها مرة. # قوله تعالى: { من لدنه } أي: من قبله. والأجر العظيم: الجنة. ### || [4.41] # قوله تعالى: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } قال الزجاج: معنى الآية: ~~فكيف يكون حال هؤلاء يوم القيامة، فحذف الحال، لأن في الكلام دليلا ~~عليه. ولفظ «كيف» لفظ الاستفهام، ومعناها: التوبيخ. والشهيد: نبي الأمة. ~~وبماذا يشهد فيه أربعة أقوال. # أحدها: بأنه قد بلغ أمته. قاله ابن مسعود، وابن جريج، والسدي، ومقاتل. # والثاني: بإيمانهم، قاله أبو العالية. # والثالث: بأعمالهم، قاله مجاهد، وقتادة. والرابع: يشهد لهم وعليهم، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { وجئنا بك } يعني: نبينا صلى الله عليه وسلم. وفي هؤلاء ~~ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم جميع أمته، ثم فيه قولان. أحدهما: أنه يشهد ~~عليهم. والثاني: يشهد لهم فتكون «على» بمعنى: اللام. # والقول الثاني: أنهم الكفار يشهد عليهم بتبليغ الرسالة، قاله مقاتل. # والثالث: اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. ### || [4.42] # قوله تعالى: { لو تسوى بهم الأرض } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: لو ~~تسوى، بضم التاء، وتخفيف السين. والمعنى: ودوا لو جعلوا ترابا، ~~فكانوا هم والأرض سواء، هذا قول الفراء في آخرين. قال أبو هريرة: إذا ~~حشر الله الخلائق، قال للبهائم، والدواب، والطير: كوني ترابا. فعندها ~~يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. # وقرأ نافع، وابن عامر: لو تسوى، بفتح التاء، وتشديد السين، والمعنى: ~~لو تتسوى، فأدغمت التاء في السين، لقربها منها. قال أبو علي: وفي هذه ~~القراءة اتساع، لأن الفعل مسند إلى الأرض، وليس المراد: ودوا لو صارت ~~الأرض ms0380 مثلهم، وإنماالمعنى: ودوا لو يتسوون بها. ثم في المعنى للمفسرين ~~قولان. # أحدهما: أن معناه: ودوا لو تخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها، قاله قتادة، ~~وأبو عبيدة، ومقاتل. # والثاني: أن معناه: ودوا أنهم لم يبعثوا، لأن الأرض كانت مستوية بهم ~~قبل خروجهم منها، قاله ابن كيسان، وذكر نحوه الزجاج. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: لو تسوى، بفتح التاء، وتخفيف السين والواو مشددة ممالة، وهي ~~بمعنى: تتسوى، فحذف التاء التي أدغمها نافع، وابن عامر. فأما معنى ~~القراءتين، فواحد. # قوله تعالى: { ولا يكتمون الله حديثا } في «الحديث» قولان. أحدهما: ~~أنه قولهم: ما كنا مشركين هذا قول الجمهور. والثاني: أنه أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وصفته ونعته، قاله عطاء: فعلى الأول يتعلق الكتمان ~~بالآخرة، وعلى الثاني يتعلق بما كان في الدنيا، فيكون المعنى: ودوا أنهم ~~لم يكتموا ذلك. # وفي معنى الآية ستة أقوال. أحدها: ودوا إذا فضحتهم جوارحهم أنهم لم ~~يكتموا الله شركهم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. # والثاني: أنهم لما شهدت عليهم جوارحهم لم يكتموا الله حديثا بعد ذلك، ~~روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنهم في موطن لا يكتمونه حديثا، وفي موطن يكتمون، ويقولون: ما ~~كنا مشركين، قاله الحسن. # والرابع: أن قوله { ولا يكتمون الله حديثا } كلام مستأنف لا يتعلق ~~بقوله: لو تسوى بهم الأرض، هذا قول الفراء، والزجاج. ومعنى: لا يكتمون ~~الله حديثا: لا يقدرون على كتمانه، لأنه ظاهر عند الله. # والخامس: أن المعنى: ودوا لو سويت بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا الله ~~حديثا. # والسادس: أنهم لم يعتقدوا قولهم: ما كنا مشركين كذبا، وإنما اعتقدوا ~~أن عبادة الأصنام طاعة، ذكر القولين ابن الأنباري. # وقال القاضي أبو يعلى: أخبروا بما توهموا، إذ كانوا يظنون أنهم ليسوا ~~بمشركين، وذلك لا يخرجهم عن أن يكونوا قد كذبوا. ### || [4.43] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى } روى ~~أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صنع لنا ~~عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت ms0381 [الخمر] منا، ~~وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ~~ونحن نعبد ما تعبدون } فنزلت هذه الآية. وفي رواية أخرى، عن أبي عبد ~~الرحمن، عن علي رضي الله عنه أن الذي قدموه، وخلط في هذه السورة، عبد ~~الرحمن بن عوف. # وفي معنى قوله: { لا تقربوا الصلاة } قولان. # أحدهما: لا تتعرضوا بالسكر في أوقات الصلاة. والثاني: لا تدخلوا في ~~الصلاة في حال السكر، والأول أصح، لأن السكران لا يعقل ما يخاطب به. وفي ~~معنى: { وأنتم سكارى } قولان. # أحدهما: من الخمر، قاله الجمهور. والثاني: من النوم، قاله الضحاك، وفيه ~~بعد. وهذه الآية اقتضت إباحة السكر في غير أوقات الصلاة، ثم نسخت بتحريم ~~الخمر. # قوله تعالى: { ولا جنبا } قال ابن قتيبة: الجنابة: البعد، قال الزجاج: ~~يقال: رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، كما يقال: رجل رضى، وقوم رضى. ~~وفي تسمية الجنب بهذا الاسم قولان. # أحدهما: لمجانبة مائه محله. والثاني: لما يلزمه من اجتناب الصلاة ~~وقراءة القرآن، ومس المصحف، ودخول المسجد. # قوله تعالى: { إلا عابري سبيل } فيه قولان. # أحدهما: أن المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين ~~غير واجدين للماء فتتيمموا، وتصلوا. وهذا المعنى مروي عن علي رضي الله ~~عنه. ومجاهد، والحكم، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والفراء، والزجاج. # والثاني: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم جنب إلا مجتازين، ~~ولا تقعدوا. وهذا المعنى مروي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، والحسن، وسعيد ~~بن المسيب، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبي ~~الضحى، وأحمد، والشافعي، وابن قتيبة. وعن ابن عباس، وسعيد ابن جبير، ~~كالقولين، فعلى القول الأول: «عابر السبيل» المسافر، و«قربان الصلاة»: ~~فعلها، وعلى الثاني: «عابر السبيل»: المجتاز في المسجد، و«قربان الصلاة»: ~~دخول المسجد الذي تفعل فيه الصلاة. # قوله تعالى: { وإن كنتم مرضى } في سبب نزول هذا الكلام قولان. # أحدهما: أن رجلا من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم ~~يكن له خادم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فنزلت هذه ms0382 ~~الآية { وإن كنتم مرضى أو على سفر } قاله مجاهد. # والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جراحات، ففشت ~~فيهم، وابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت { وإن كنتم مرضى } الآية كلها، قاله إبراهيم النخعي. قال القاضي ~~أبو يعلى: وظاهر الآية يقتضي جواز التيمم مع حصول المرض الذي يستضر معه ~~باستعمال المال، سواء كان يخاف التلف، أو لا يخاف، وكذلك السفر يجوز فيه ~~التيمم عند عدم الماء، سواء كان قصيرا، أو طويلا، وعدم الماء ليس بشرط ~~في جواز التيمم للمريض، وإنما الشرط: حصول الضرر، وأما السفر، فعدم الماء ~~شرط في إباحة التيمم، وليس السفر بشرط، وإنما ذكر السفر، لأن الماء ~~يعدم فيه غالبا. # قوله تعالى: { أو جاء أحد منكم من الغائط } «أو» بمعنى الواو، لأنها ~~لو لم تكن كذلك، لكان وجوب الطهارة على المريض والمسافر غير متعلق ~~بالحدث. والغائط: المكان المطمئن من الأرض، فكني عن الحدث بمكانه، قاله ~~ابن قتيبة. وكذلك قالوا للمزادة: راوية، وإنما الراوية للبعير الذي ~~يسقى عليه، وقالوا للنساء: ظعائن، وإنما الظعائن: الهوادج، وكن يكن ~~فيها، وسموا الحدث عذرة، لأنهم كانوا يلقون الحدث بأفنية الدور. # قوله تعالى: { أو لا مستم النساء } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر: أو لامستم بألف هاهنا، وفي (المائدة) وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف في اختياره، والمفضل عن عاصم، والوليد بن عتبة، عن ابن ~~عامر { أو لمستم } بغير ألف هاهنا، وفي (المائدة) وفي المراد بالملامسة ~~قولان. # أحدهما: أنها الجماع، قاله علي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها الملامسة باليد، قاله ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي، ~~وعبيدة، وعطاء، وابن سيرين، والنخعي، والنهدي، والحكم، وحماد. # قال أبو علي: اللمس يكون باليد، وقد اتسع فيه، فأوقع على غيره، فمن ذلك # وأنا لمسنا السماء # [الجن: 8] أي: عالجنا غيب السماء، ومنا من يسترقه فيلقيه إلى الكهنة، ~~ويخبرهم به. فلما كان اللمس يقع على غير المباشرة باليد، قال: # فلمسوه بأيديهم # [الأنعام: 7] فخص اليد، لئلا يلتبس بالوجه الآخر، كما قال: ms0383 # وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم # [النساء:23] لأن الابن قد يدعى وليس من الصلب. # قوله تعالى: { فلم تجدوا ماء فتيمموا } سبب نزولها: أن عائشة رضي الله ~~عنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فانقطع عقد لها، ~~فأقام النبي صلى الله عليه وسلم على التماسه، وليسوا على ماء، وليس معهم ~~ماء، فنزلت هذه الآية، فقال أسيد ابن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي ~~بكر. أخرجه البخاري، ومسلم، وفي رواية أخرى أخرجها البخاري، ومسلم أيضا: ~~أن عائشة استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجالا في طلبها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، ~~وشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية التيمم. والتيمم ~~في اللغة: القصد، وقد ذكرناه في قوله { ولا تيمموا الخبيث } وأما ~~الصعيد: فهو التراب، قاله علي، وابن مسعود، والفراء، وأبو عبيد، والزجاج، ~~وابن قتيبة. وقال الشافعي: لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب. # ذي غبار. وفي الطيب قولان. # أحدهما: أنه الطاهر. # والثاني: الحلال. # قوله تعالى: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } الوجه الممسوح في التيمم: هو ~~المحدود في الوضوء. وفيما يجب مسحه من الأيدي ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إلى الكوعين حيث يقطع السارق، روى عمار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " التيمم ضربة للوجه والكفين " # وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء ابن أبي رباح، وعكرمة، والأوزاعي، ~~ومكحول، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وداود. # والثاني: أنه إلى المرفقين، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أنه تيمم، فمسح ذراعيه. وبهذا قال ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، وأبو ~~حنيفة، والشافعي، وعن الشعبي كالقولين. # والثالث: أنه يجب المسح من رؤوس الأنامل إلى الآباط، روى عمار بن ياسر ~~قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلت الرخصة في ~~المسح، فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا. إلى المناكب ~~والآباط. وهذا قول الزهري. # قوله تعالى: { إن الله كان عفوا } قال الخطابي: «العفو»: بناء ~~للمبالغة، «والعفو»: الصفح عن ms0384 الذنوب، وترك مجازاة المسيء. وقيل: إنه ~~مأخوذ من: عفت الريح الأثر: إذا درسته، وكأن العافي عن الذنوب يمحوه ~~بصفحه عنه. ### || [4.44] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } اختلفوا فيمن ~~نزلت على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت. والثاني: أنها نزلت في ~~رجلين كانا إذا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم لويا ألسنتهما وعاباه، ~~روي القولان عن ابن عباس. والثالث: أنها نزلت في اليهود، قاله قتادة. # وفي النصيب الذي أوتوه قولان. أحدهما: أنه علم نبوة محمد النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والثاني: العلم بما في كتابهم دون العمل. # قوله تعالى: { يشترون الضلالة } قال ابن قتيبة: هذا من الاختصار، ~~والمعنى: يشترون الضلالة بالهدى، ومثله # وتركنا عليه في الآخرين # [الصافات: 78] أي: تركنا عليه ثناء حسنا، فحذف الثناء لعلم المخاطب. # وفي معنى اشترائهم الضلالة أربعة أقوال. # أحدها: أنه استبدالهم الضلالة بالايمان، قاله أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أنه استبدالهم التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهوره ~~بإيمانهم به قبل ظهوره، قاله مقاتل. # والثالث: أنه إيثارهم التكذيب بالنبي لأخذ الرشوة، وثبوت الرئاسة لهم، ~~قاله الزجاج. # والرابع: أنه إعطاؤهم أحبارهم أموالهم على ما يصنعونه من التكذيب ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ويريدون أن تضلوا السبيل } خطاب للمؤمنين. والمراد ~~بالسبيل: طريق الهدى. ### || [4.45] # قوله تعالى: { والله أعلم بأعدائكم } فهو يعلمكم ما هم عليه، فلا ~~تستنصحوهم، وهم اليهود، { وكفى بالله وليا } لكم، فمن كان وليه، لم يضره ~~عدوه. قال الخطابي: «الولي»: الناصر، و«الولي»: المتولي للأمر، والقائم ~~به، وأصله من الولي، وهو القرب، و «النصير»: فعيل بمعنى فاعل. ### || [4.46] # قوله تعالى: { من الذين هادوا } قال مقاتل: نزلت في رفاعة بن زيد، ومالك ~~ابن الضيف، وكعب بن أسيد، وكلهم يهود. وفي «من» قولان. ذكرهما الزجاج. # أحدهما: أنها من صلة الذين أوتوا الكتاب، فيكون المعنى: ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا. # والثاني: أنها مستأنفة، فالمعنى: من الذين هادوا قوم يحرفون، فيكون ms0385 ~~قوله: يحرفون، صفة، ويكون الموصوف محذوفا، وأنشد سيبويه: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # والمعنى: فمنهما تارة أموت فيها. قال أبو علي الفارسي: والمعنى: وكفى ~~بالله نصيرا من الذين هادوا، أي: إن الله ينصر عليهم. # فأما«التحريف»، فهو التغيير. و«الكلم»: جمع كلمة. وقيل: إن «الكلام» ~~مأخوذ من «الكلم»، وهو الجرح الذي يشق الجلد واللحم، فسمي الكلام ~~كلاما، لأنه يشق الأسماع بوصوله إليها، وقيل: بل لتشقيقه المعاني ~~المطلوبة في أنواع الخطاب. # وفي معنى تحريفهم الكلم قولان. # أحدهما: أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء، فإذا ~~خرجوا، حرفوا كلامه، قاله ابن عباس. والثاني: أنه تبديلهم التوراة، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: { عن مواضعه } ، أي: عن أماكنه ووجوهه. # قوله تعالى: { ويقولون سمعنا وعصينا } قال مجاهد: سمعنا قولك، وعصينا ~~أمرك. # قوله تعالى: { واسمع غير مسمع } فيه قولان. # أحدهما: أن معناه: اسمع لا سمعت، قاله ابن عباس، وابن زيد، وابن قتيبة. # والثاني: أن معناه: اسمع غير مقبول ما تقول، قاله الحسن، ومجاهد. وقد ~~تقدم في (البقرة) معنى: وراعنا. # قوله تعالى: { ليا بألسنتهم } قال قتادة: «اللي»: تحريك ألسنتهم بذلك. ~~وقال ابن قتيبة معنى «ليا بألسنتهم»: أنهم يحرفون «راعنا» عن طريق ~~المراعاة، والانتظار إلى السب بالرعونة. قال ابن عباس: { لكان خيرا ~~لهم } مما بدلوا، و { أقوم } أي: أعدل، { ولكن لعنهم الله بكفرهم } ~~بمحمد. # قوله تعالى { فلا يؤمنون إلا قليلا } فيه قولان: أحدهما: فلا يؤمن ~~منهم إلا قليل، وهم عبد الله بن سلام، ومن تبعه، قاله ابن عباس. # والثاني: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، قاله قتادة، والزجاج. قال ~~مقاتل: وهو اعتقادهم أن الله خلقهم ورزقهم. ### || [4.47] # قوله تعالى: { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا } سبب ~~نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا قوما من أحبار اليهود، منهم ~~عبد الله بن صوريا، وكعب [ابن أسد] إلى الإسلام، وقال لهم: إنكم لتعلمون ~~أن الذي جئت به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن ~~عباس. # وفي الذين أوتوا الكتاب ms0386 قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله الجمهور. والثاني: اليهود والنصارى، ذكره ~~الماوردي. وعلى الأول يكون الكتاب: التوراة، وعلى الثاني: التوراة ~~والإنجيل. والمراد بما نزلنا: القرآن، وقد سبق في (البقرة) بيان تصديقه ~~لما معهم. # قوله تعالى: { من قبل أن نطمس وجوها } في طمس الوجوه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إعماء العيون، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أنه طمس ما فيها من عين، وأنف، وحاجب، وهذا المعنى مروي عن ابن ~~عباس، واختيار ابن قتيبة. # والثالث: أنه ردها عن طريق الهدى، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ومجاهد، ~~والضحاك، والسدي. وقال مقاتل: من قبل أن نطمس وجوها، أي: نحول الملة ~~عن الهدى والبصيرة. فعلى هذا القول يكون ذكر الوجه مجازا. والمراد: ~~البصيرة والقلوب. وعلى القولين قبله يكون المراد بالوجه: العضو المعروف. # قوله تعالى: { فنردها على أدبارها } خمسة أقوال. # أحدها: نصيرها في الأقفاء، ونجعل عيونها في الأقفاء، هذا قول ابن ~~عباس، وعطية. # والثاني: نصيرها كالأقفاء، ليس فيها فم، ولا حاجب، ولا عين، وهذا ~~قول قوم، منهم ابن قتيبة. # والثالث: نجعل الوجه منبتا للشعر، كالقرود، هذا قول الفراء. # والرابع: ننفيها مدبرة عن ديارها ومواضعها. وإلى نحوه ذهب ابن زيد. ~~قال ابن جرير: فيكون المعنى: من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها. ~~وناحيتهم التي هم بها نزول، فنردها على أدبارها من حيث جاؤوا بديا من ~~الشام. # والخامس: نردها في الضلالة، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ~~ومقاتل. # قوله تعالى: { أو نلعنهم } يعود إلى أصحاب الوجوه. وفي معنى لعن أصحاب ~~السبت قولان. # أحدهما: مسخهم قردة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل. والثاني: طردهم في ~~التيه حتى هلك فيه أكثرهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وكان أمر الله مفعولا } قال ابن جرير: الأمر هاهنا بمعنى ~~المأمور، سمي باسم الأمر لحدوثه عنه. ### || [4.48] # قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } قال ابن عمر: لما نزلت # يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا # [الزمر:53] قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والشرك؟ فكره ms0387 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت هذه. وقد سبق معنى الإشراك. # والمراد من الآية: لا يغفر لمشرك مات على شركه. وفي قوله { لمن يشاء } ~~نعمة عظيمة من وجهين. أحدهما: أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك ~~لا يقطع عليه بالعذاب، وإن مات مصرا. # والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف ~~وطمع. ### || [4.49] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } سبب نزولها: أن مرحب ~~ابن زيد، وبحري بن عون وهما من اليهود أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأطفالهما، ومعهما طائفة من اليهود فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ ~~قال: لا، قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا ~~كفر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فنزلت ~~هذه الآية. هذا قول ابن عباس. # وفي قوله: { ألم تر } قولان. أحدهما: ألم تخبر قاله ابن قتيبة. ~~والثاني: ألم تعلم، قاله الزجاج. وفي الذين يزكون أنفسهم قولان. # أحدهما: اليهود على ما ذكرنا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، ~~ومقاتل. # والثاني: أنهم اليهود، والنصارى، وبه قال الحسن، وابن زيد. ومعنى «يزكون ~~أنفسهم»: يزعمون أنهم أزكياء، يقال: زكى الشيء: إذا نما في الصلاح. # وفي الذي زكوا به أنفسهم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم برؤوا أنفسهم من الذنوب، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أن اليهود قالوا: إن أبناءنا الذين ماتوا يزكوننا عند الله، ~~ويشفعون لنا، رواه عطية، عن ابن عباس. # والثالث: أن اليهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم، يزعمون ~~أنهم لا ذنوب لهم هذا قول عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك. # والرابع: أن اليهود والنصارى قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة:18] وقالوا: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] هذا قول الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: { بل الله يزكي من يشاء } أي: يجعله زاكيا، ولا يظلم الله ~~أحدا مقدار فتيل. قال ابن جرير: وأصل «الفتيل»: المفتول، صرف عن مفعول ~~إلى فعيل، كصريع، ودهين. ms0388 # وفي الفتيل قولان. # أحدهما: أنه ما يكون في شق النواة، رواه عكرمة، عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، وقتادة، وعطية، وابن زيد، ومقاتل، ~~وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنه ما يخرج بين الأصابع من الوسخ إذا دلكن، رواه العوفي، عن ~~ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو مالك، والسدي، والفراء. ### || [4.50] # قوله تعالى: { انظر كيف يفترون على الله الكذب } وهو قولهم { نحن أبناء ~~الله وأحباؤه } وقولهم { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ~~وقولهم: لا ذنب لنا ونحو ذلك مما كذبوا فيه { وكفى به } أي: وحسبهم ~~بقيلهم الكذب { إثما مبينا } يتبين كذبهم لسامعيه. ### || [4.51] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } في سبب نزولها ~~أربعة أقوال. # أحدها: أن جماعة من اليهود قدموا على قريش، فسألوهم: أديننا خير، أم ~~دين محمد؟ فقال اليهود: بل دينكم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أن كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، قدما مكة، فقالت لهما قريش: ~~أنحن خير، أم محمد؟ فقالا: أنتم، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة في ~~رواية. وقال قتادة: نزلت في كعب، وحيي، ورجلين آخرين من بني النضير ~~قالوا لقريش: أنتم أهدى من محمد. # والثالث: أن كعب بن الأشرف وهو الذي قال لكفار قريش: أنتم أهدى من محمد، ~~فنزلت هذه الآية. وهذا قول مجاهد، والسدي، وعكرمة في رواية. # والرابع: أن حيي بن أخطب قال للمشركين: نحن وإياكم خير من محمد، فنزلت ~~هذه الآية، هذا قول ابن زيد. والمراد بالمذكورين في هذه الآية اليهود. # وفي «الجبت» سبعة أقوال. # أحدها: أنه السحر، قاله عمر بن الخطاب، ومجاهد، والشعبي. والثاني: ~~الأصنام، رواه عطية، عن ابن عباس. وقال عكرمة: الجبت: صنم. والثالث: حيي ~~بن أخطب، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء. ~~والرابع: كعب بن الأشرف، رواه الضحاك، عن ابن عباس، وليث عن مجاهد. ~~والخامس: الكاهن، روي عن ابن عباس، وبه قال ابن سيرين، ومكحول. والسادس: ~~الشيطان، ms0389 قاله سعيد بن جبير في رواية، وقتادة، والسدي. والسابع: الساحر، ~~قاله أبو العالية، وابن زيد. وروى أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: الجبت: ~~الساحر بلسان الحبشة. # وفي المراد بالطاغوت ها هنا ستة أقوال. # أحدها: الشيطان، قاله عمر بن الخطاب، ومجاهد في رواية، والشعبي، وابن ~~زيد. والثاني: أنه اسم للذين يكونون بين يدي الأصنام يعبرون عنها ليضلوا ~~الناس، رواه العوفي، عن ابن عباس. والثالث: كعب بن الأشرف، رواه ابن أبي ~~طلحة، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء. # والرابع: الكاهن، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو العالية، وقتادة، والسدي. ~~والخامس: أنه الصنم، قاله عكرمة. وقال: الجبت والطاغوت صنمان. والسادس: ~~الساحر، روي عن ابن عباس، وابن سيرين، ومكحول، فهذه الأقوال تدل على ~~أنهما اسمان لمسميين. # وقال اللغويون منهم ابن قتيبة، والزجاج: كل معبود من دون الله، من حجر، ~~أو صورة، أو شيطان، فهو جبت وطاغوت. # قوله تعالى: { ويقولون للذين كفروا } يعني لمشركي قريش: أنتم «أهدى» من ~~الذين آمنوا، يعنون النبي وأصحابه «طريقا» في الديانة والاعتقاد. ### || [4.52-53] # قوله تعالى: { أم لهم نصيب من الملك } هذا استفهام معناه الإنكار، ~~فالتقدير: ليس لهم. وقال الفراء: قوله { فاذا لا يؤتون الناس نقيرا } ~~جواب لجزاء مضمر، تقديره: ولئن كان لهم نصيب لا يؤتون الناس نقيرا. ~~وفي «النقير» أربعة أقوال. # أحدها: أنه النقطة التي في ظهر النواة، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد، ~~ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة في آخرين. # والثاني: أنه القشر الذي يكون في وسط النواة، رواه التيمي، عن ابن عباس. ~~وروي عن مجاهد: أنه الخيط الذي يكون في وسط النواة. # والثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرف إبهامه، رواه أبو العالية، عن ابن ~~عباس. # والرابع: أنه حبة النواة التي في وسطها، رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد. ~~قال الأزهري: و«الفتيل» و«النقير» و«القطمير»: تضرب أمثالا للشيء التافه ~~الحقير. ### || [4.54] # قوله تعالى: { أم يحسدون الناس } سبب نزولها: أن أهل الكتاب قالوا: يزعم ~~محمد أنه أوتي ms0390 ما أوتي في تواضع، وله تسع نسوة، فأي ملك أفضل من هذا، ~~فنزلت، رواه العوفي، عن ابن عباس. # وفي أم قولان. أحدهما: أنها بمعنى ألف الاستفهام، قاله ابن قتيبة. # والثاني: بمعنى «بل» قاله الزجاج، وقد سبق ذكر «الحسد» في (سورة البقرة) ~~والحاسدون هاهنا: اليهود. وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال. # أحدها: النبي صلى الله عليه وسلم، رواه عطية، عن ابن عباس، وبه قال ~~عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل. # والثاني: النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، روي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. # والثالث: العرب، قاله قتادة. والرابع: النبي، والصحابة، ذكره الماوردي. ~~وفي الذي آتاهم الله من فضله ثلاثة أقوال. # أحدها: إباحة الله تعالى نبيه أن ينكح ما شاء من النساء من غير عدد، ~~روي عن ابن عباس، والضحاك، والسدي. والثاني: أنه النبوة، قاله ابن جريج، ~~والزجاج. والثالث: بعثة نبي منهم على قول من قال: هم العرب. # قوله تعالى: { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب } يعني: التوراة، ~~والإنجيل، والزبور. كله كان في آل إبراهيم، وهذا النبي من أولاد ~~إبراهيم. وفي الحكمة قولان. # أحدهما: النبوة، قاله السدي، ومقاتل. والثاني: الفقه في الدين، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # وفي الملك العظيم خمسة أقوال. أحدها: ملك سليمان، رواه عطية، عن ابن ~~عباس. والثاني: ملك داود، وسليمان في النساء، كان لداود مائة امرأة، ~~ولسليمان سبعمائة امرأة، وثلاثمائة سرية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، ~~وبه قال السدي. والثالث: النبوة قاله مجاهد. والرابع: التأييد ~~بالملائكة، قاله ابن زيد في آخرين. والخامس: الجمع بين سياسة الدنيا، ~~وشرع الدين، ذكره الماوردي. ### || [4.55] # قوله تعالى: { فمنهم من آمن به } فيمن تعود عليه الهاء، والميم قولان. # أحدهما: اليهود الذين أنذرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ~~مجاهد، ومقاتل، والفراء في آخرين. فعلى هذا القول في هاء «به» ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: تعود على ما أنزل الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ~~مجاهد. قال أبو سليمان: فيكون الكلام مبنيا على قوله { على ما آتاهم الله ms0391 ~~من فضله } وهو النبوة، والقرآن. # والثاني: أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون متعلقة بقوله ~~{ أم يحسدون الناس } يعني بالناس: محمدا صلى الله عليه وسلم، ويكون ~~المراد بقوله { فمنهم من آمن به } عبد الله بن سلام، وأصحابه. والثالث: ~~أنها تعود إلى النبأ عن آل إبراهيم، قاله الفراء. # والقول الثاني: أن الهاء، والميم في قوله «فمنهم» تعود إلى آل ~~إبراهيم، فعلى هذا في هاء «به» قولان. أحدهما: أنها عائدة إلى ~~إبراهيم، قاله السدي. # والثاني: إلى الكتاب، قاله مقاتل. # قوله تعالى { ومنهم من صد عنه } وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن جبير، ~~وعكرمة، وابن يعمر، والجحدري: «من صد عنه» برفع الصاد. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو الجوزاء، وأبو رجاء والجوني، بكسر الصاد. ### || [4.56] # قوله تعالى: { فسوف نصليهم نارا } قال الزجاج: أي نشويهم في نار، ~~ويروى أن يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية، أي: ~~مشوية. وفي قوله { بدلناهم جلودا غيرها } قولان. # أحدهما: أنها غيرها حقيقة، ولا يلزم على هذا أن يقال: كيف بدلت جلود ~~التذت بالمعاصي بجلود ما التذت، لأن الجلود آلة في إيصال العذاب إليهم، ~~كما كانت آلة في إيصال اللذة، وهم المعاقبون لا الجلود. # والثاني: أنها هي بعينها تعاد بعد احتراقها، كما تعاد بعد البلى في ~~القبور. فتكون الغيرية عائدة إلى الصفة، لا إلى الذات، فالمعنى: ~~بدلناهم جلودا غير محترقة، كما تقول: صغت من خاتمي خاتما آخر. وقال ~~الحسن البصري: في هذه الآية: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما ~~أكلتهم قيل لهم: عودوا، فعادوا. ### || [4.57] # قوله تعالى: { وندخلهم ظلا ظليلا } قال الزجاج: هو الذي يظل من ~~الحر والريح، وليس كل ظل كذلك، فأعلم الله تعالى أن ظل الجنة ظليل ~~لا حر معه، ولا برد. فان قيل: أفي الجنة برد أو حر يحتاجون معه إلى ظل؟ ~~فالجواب: أن لا، وإنما خاطبهم بما يعقلون مثله، كقوله: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم:62] وجواب آخر: وهو أنه إشارة إلى كمال وصفها، وتمكين بنائها، ~~فلو كان البرد ms0392 أو الحر يتسلط عليها، لكان في أبنيتها وشجرها ظل ظليل. ### || [4.58] # قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } في سبب ~~نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، طلب مفتاح البيت من ~~عثمان بن أبي طلحة، فذهب ليعطيه إياه، فقال العباس: بأبي أنت وأمي ~~اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه للعباس، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " هات المفتاح " # فأعاد العباس قوله، وكف عثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله وباليوم الآخر " # فقال: هاكه يا رسول الله بأمانة الله، فأخذ المفتاح، ففتح البيت، فنزل ~~جبريل بهذه الآية، فدعا عثمان، فدفعه إليه. رواه أبو صالح، عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، والزهري، وابن جريج، ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت في الأمراء. رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه ~~قال زيد بن أسلم، وابنه، ومكحول، واختاره أبو سليمان الدمشقي. وقال: أمر ~~الأمراء أن يؤدوا الأمانة في أموال المسلمين. # والثالث: أنها نزلت عامة، وهو مروي عن أبي بن كعب، وابن عباس، والحسن، ~~وقتادة، واختاره القاضي أبو يعلى. واعلم أن نزولها على سبب لا يمنع عموم ~~حكمها، فإنها عامة في الودائع وغيرها من الأمانات. وقال ابن مسعود: ~~الأمانة في الوضوء، وفي الصلاة، وفي الصوم، وفي الحديث، وأشد ذلك في ~~الودائع. # قوله تعالى { نعما يعظكم به } يقول: نعم الشيء يعظكم به، وقد ذكرناه في ~~(البقرة) ### || [4.59] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } في سبب ~~نزولها قولان. أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي ~~إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، أخرجه البخاري، ومسلم، من ~~حديث ابن عباس. # والثاني: أن عمار بن ياسر كان مع خالد بن الوليد في سرية، فهرب القوم، ~~ودخل رجل منهم على عمار، فقال: إني قد أسلمت، هل ينفعني، أو أذهب كما ~~ذهب قومي؟ قال عمار: أقم فأنت آمن، فرجع الرجل، وأقام فجاء خالد، ms0393 فأخذ ~~الرجل، فقال عمار: إني قد أمنته، وإنه قد أسلم، قال: أتجير علي وأنا ~~الأمير؟ فتنازعا، وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: { وأطيعوا الرسول } طاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، ~~واجتناب نهيه، وبعد مماته، اتباع سنته. # وفي أولي الأمر أربعة أقوال. # أحدها: أنهم الأمراء، قاله أبو هريرة، وابن عباس في رواية، وزيد بن ~~أسلم، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنهم العلماء، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهو قول جابر ~~بن عبد الله، والحسن، وأبي العالية، وعطاء، والنخعي، والضحاك، ورواه ~~خصيف، عن مجاهد. # والثالث: أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رواه ابن أبي نجيح، عن ~~مجاهد، وبه قال بكر بن عبد الله المزني. # والرابع: أنهم أبو بكر، وعمر، وهذا قول عكرمة. # قوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء } قال الزجاج: معناه: اختلفتم. وقال ~~كل فريق: القول قولي. واشتقاق المنازعة: أن كل واحد ينتزع الحجة. # قوله تعالى: { فردوه إلى الله والرسول } في كيفية هذا الرد قولان. # أحدهما: أن رده إلى الله رده إلى كتابه، ورده إلى النبي رده إلى ~~سنته، هذا قول مجاهد، وقتادة، والجمهور. قال القاضي أبو يعلى: وهذا ~~الرد يكون من وجهين. أحدهما: إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه. والثاني: ~~الرد إليهما من جهة الدلالة عليه، واعتباره من طريق القياس، والنظائر. # والقول الثاني: أن رده إلى الله ورسوله أن يقول: من لا يعلم الشيء: ~~الله ورسوله أعلم، ذكره قوم، منهم الزجاج. # وفي المراد بالتأويل أربعة أقوال. # أحدها: أنه الجزاء، والثواب، وهو قول مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه العاقبة، وهو قول السدي، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. ~~والثالث: أنه التصديق، مثل قوله # هذا تأويل رؤياي # [يوسف: 100] قاله ابن زيد في رواية. والرابع: أن معناه: ردكم إياه إلى ~~الله ورسوله أحسن من تأويلكم، ذكره الزجاج. ### || [4.60] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا } في سبب نزولها ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي ms0394 خصومة، فقال ~~اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، فأبى ~~اليهودي، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي، فلما خرجا، قال ~~المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إليه، فقصا عليه القصة، ~~فقال: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج، ~~فضرب به المنافق، حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ~~ورسوله، فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أن أبا بردة الأسلمي كان كاهنا يقضي بين اليهود، فتنافر إليه ~~ناس من المسلمين، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة، عن ابن عباس. # والثالث: أن يهوديا ومنافقا كانت بينهما خصومة، فدعا اليهودي المنافق ~~إلى النبي، لأنه لا يأخذ الرشوة، ودعا المنافق إلى حكامهم، لأنهم يأخذون ~~الرشوة، فلما اختلفا، اجتمعا أن يحكما كاهنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول ~~الشعبي. # والرابع: أن رجلا من بني النضير قتل رجلا من بني قريظة، فاختصموا، ~~فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن، فقال المسلمون من ~~الفريقين: بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون، فانطلقوا ~~إلى الكاهن. فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. # والزعم والزعم لغتان، وأكثر ما يستعمل في قول ما لا تتحقق صحته، وفي ~~{ الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبلك } قولان. # أحدهما: أنه المنافق. والثاني: أن الذي زعم أنه آمن بما أنزل إليه ~~المنافق، والذي زعم أنه آمن بما أنزل من قبله اليهودي. والطاغوت: كعب بن ~~الأشرف، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والربيع، ومقاتل. # قوله تعالى: { وقد أمروا أن يكفروا به } قال مقاتل: أن يتبرؤوا من ~~الكهنة و«الضلال البعيد»: الطويل. ### || [4.61] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله } قال مجاهد: هذه ~~الآية والتي قبلها نزلتا في خصومة اليهودي، والمنافق، والهاء والميم في ~~«لهم» إشارة إلى الذين يزعمون و«الذي أنزل الله»: أحكام القرآن. و«إلى ~~الرسول»أي: إلى حكمه. ### || [4.62] # قوله تعالى: { فكيف إذا أصابتهم مصيبة } أي: كيف يصنعون ويحتالون إذا ~~أصابتهم ms0395 عقوبة من الله؟ وفي المراد بالمصيبة قولان. أحدهما: أنه تهديد ~~ووعيد. والثاني: أنه قتل المنافق الذي قتله عمر. وفي الذي قدمت أيديهم ~~ثلاثة أقوال. أحدها: نفاقهم واستهزاؤهم. والثاني: ردهم حكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. والثالث: معاصيهم المتقدمة. # قوله تعالى: { إن أردنا } بمعنى: ما أردنا. # قوله تعالى: { إلا إحسانا وتوفيقا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه لما قتل عمر صاحبهم، جاؤوا يطلبون بدمه، ويحلفون ما أردنا ~~بالمطالبة بدمه إلا إحسانا إلينا، وما يوافق الحق في أمرنا. # والثاني: ما أردنا بالترافع إلى عمر إلا إحسانا وتوفيقا. # والثالث: أنهم جاؤوا يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من محاكمتهم ~~إلى غيره، ويقولون: ما أردنا في عدولنا عنك إلا إحسانا بالتقريب في ~~الحكم، وتوفيقا بين الخصوم دون الحمل على مر الحق. ### || [4.63] # قوله تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } أي: من النفاق ~~والزيغ. وقال ابن عباس: إضمارهم خلاف ما يقولون { فأعرض عنهم } ولا ~~تعاقبهم { وعظهم } بلسانك { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } أي: تقدم ~~إليهم: إن فعلتم الثانية، عاقبتكم. وقال الزجاج: يقال: بلغ الرجل ~~يبلغ بلاغة فهو بليغ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. # وقد تكلم العلماء في حد «البلاغة» فقال بعضهم: «البلاغة»: إيصال المعنى ~~إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: «البلاغة» حسن العبارة مع صحة ~~المعنى وقيل: البلاغة: الإيجاز مع الإفهام، والتصرف من غير إضجار. ~~قال خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخير ~~الكلام ما شوق أوله إلى سماع آخره، وقال غيره: إنما يستحق الكلام ~~اسم البلاغة إذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك ~~أسبق من معناه إلى قلبك. # فصل # وقد ذهب قوم إلى أن «الإعراض» المذكور في هذه الآية منسوخ بآية السيف. ### || [4.64] # قوله تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع } قال الزجاج: «من» دخلت ~~للتوكيد. والمعنى وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع. وفي قوله { باذن الله } ~~قولان. # أحدهما: أنه بمعنى: الأمر، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الاذن ms0396 نفسه، ~~قاله مجاهد. وقال الزجاج: المعنى: إلا ليطاع بأن الله أذن له في ذلك. # وقوله تعالى: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } يرجع إلى المتحاكمين اللذين ~~سبق ذكرهما. قال ابن عباس: ظلموا أنفسهم بسخطهم قضاء الرسول { جاؤوك ~~فاستغفروا الله } من صنيعهم. ### || [4.65] # قوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: # " أنها نزلت في خصومة كانت بين الزبير وبين رجل من الأنصار في شراج ~~الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق ثم أرسل إلى جارك» ~~فغضب الأنصاري، قال: يا رسول الله: أن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى ~~يبلغ الجدر» قال الزبير: فوالله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك " # أخرجه البخاري، ومسلم. # والثاني: أنها نزلت في المنافق، واليهودي اللذين تحاكما إلى كعب بن ~~الأشرف، وقد سبقت قصتهما، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون } أي: لا يكونون مؤمنين حتى يحكموك، ~~وقيل: «لا» رد لزعمهم أنهم مؤمنون، والمعنى: فلا، أي: ليس الأمر كما ~~يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك. ثم استأنف، فقال: وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم، أي: فيما اختلفوا فيه. # وفي «الحرج» قولان. أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ~~والسدي في آخرين. والثاني: الضيق، قاله أبو عبيدة، والزجاج. وفي قوله { ~~ويسلموا تسليما } قولان. أحدهما: يسلموا لما أمرتهم به فلا يعارضونك، ~~هذا قول ابن عباس، والزجاج، والجمهور. # والثاني: يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك، ذكره الماوردي. ### || [4.66-68] # قوله تعالى: { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } سبب نزولها: أن ~~رجلا من اليهود قال: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، ~~فقتلناها. فقال ثابت بن قيس بن الشماس: والله لو كتب الله علينا ذلك ~~لفعلنا، فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. قال الزجاج: «لو» يمتنع به ~~الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جاءني زيد لجئته. والمعنى: أن مجيئك امتنع ~~لامتناع مجيئه، و «كتبنا» بمعنى: فرضنا. والمعنى: لو ms0397 أنا فرضنا على ~~المؤمنين بك أن اقتلوا أنفسكم. قرأ أبو عمرو أن اقتلوا أنفسكم، بكسر ~~النون، أو اخرجوا بضم الواو. وقرأ ابن عامر، وابن كثير، ونافع، والكسائي: ~~أن اقتلوا أو اخرجوا بضم النون والواو. وقرأ عاصم، وحمزة بكسرهما. ~~والمعنى: لو فرضنا عليهم كما فرضنا على قوم موسى، لم يفعله إلا قليل ~~منهم، هذه قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر: إلا قليلا بالنصب. { ولو أنهم ~~} يعني: المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ~~ويصدون عنك { فعلوا ما يوعظون به } أي: ما يذكرون به من طاعة الله، ~~والوقوف مع أمره، { لكان خيرا لهم } وأثبت لأمورهم. وقال السدي: { وأشد ~~تثبيتا } أي: تصديقا. ### || [4.69-70] # قوله تعالى: { ومن يطع الله والرسول } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد المحبة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه رسول الله يوما فعرف الحزن في ~~وجهه، فقال: يا ثوبان ما غير وجهك؟ قال: ما بي من وجع غير أني إذا لم ~~أرك اشتقت إليك، فأذكر الآخرة، فأخاف أن لا أراك هناك، فنزلت هذه الآية. ~~رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: ما ينبغي أن ~~نفارقك في الدنيا، فانك إذا فارقتنا رفعت فوقنا، فنزلت هذه الآية. هذا ~~قول مسروق. # والثالث: أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي وهو محزون، فقال: مالي ~~أراك محزونا؟ فقال: يا رسول الله غدا ترفع مع الأنبياء، فلا نصل إليك. ~~فنزلت هذه الآية. هذا قول سعيد بن جبير. قال ابن عباس: ومن يطع الله في ~~الفرائض، والرسول في السنن. قال ابن قتيبة: والصديق: الكثير الصدق، كما ~~يقال: فسيق، وسكير، وشريب، وخمير، وسكيت، وفجير، وعشيق، وضليل، ~~وظليم: إذا كثر منه ذلك. ولا يقال ذلك لمن فعل الشيء مرة، أو مرتين ~~حتى يكثر منه ذلك، أو يكون عادة. فأما الشهداء، فجمع شهيد وهو القتيل في ~~سبيل الله. # وفي تسميته بالشهيد خمسة أقوال. أحدها: لأن الله تعالى ms0398 وملائكته شهدوا ~~له بالجنة، قاله ثعلب. والثاني: لأن ملائكة الرحمة تشهده. والثالث: ~~لسقوطه بالأرض، والأرض: هي الشاهدة، ذكر القولين ابن فارس اللغوي. ~~والرابع: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. والخامس: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل، قاله ~~شيخنا على بن عبيد الله. # فأما الصالحون، فهم اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته. والجمهور ~~على أن النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، عام في جميع من هذه ~~صفته. وقال عكرمة: المراد بالنبيين هاهنا محمد، والصديقين أبو بكر، ~~وبالشهداء عمر وعثمان وعلي، وبالصالحين سائر الصحابة. # قوله تعالى: { وحسن أولئك رفيقا } قال الزجاج: «رفيقا» منصوب على ~~التمييز، وهو ينوب عن رفقاء. قال الشاعر: # بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # وقال آخر: # في حلقكم عظم وقد شجينا # يريد: في حلوقكم عظام # { ذلك الفضل } الذي أعطى المذكورين { من الله وكفى بالله عليما } ~~بالمقاصد والنيات. ### || [4.71] # قوله تعالى: { خذوا حذركم } فيه قولان. # أحدهما: احذروا عدوكم. والثاني: خذوا سلاحكم. # قوله تعالى: { فانفروا ثبات } قال ابن قتيبة: أي: جماعات، واحدتها: ثبة، ~~يريد جماعة بعد جماعة. وقال الزجاج: «الثبات»: الجماعات المتفرقة. قال ~~زهير: # وقد أغدوا على ثبة كرام # نشاوى واجدين لما نشاء # قال ابن عباس: فانفروا ثبات، أي: عصبا، سرايا متفرقين، أو انفروا ~~[جميعا يعنى] كلكم. # فصل # وقد نقل عن ابن عباس أن هذه الآية وقوله # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة: 41]. وقوله: # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما # [التوبة: 39] منسوخات بقوله # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # [التوبة: 122] قال أبو سليمان الدمشقي: والأمر في ذلك بحسب ما يراه ~~الإمام، وليس في هذا من المنسوخ شيء. ### || [4.72-73] # قوله تعالى: { وإن منكم لمن ليبطئن } اختلفوا فيمن نزلت على قولين. # أحدهما: أنها في المنافقين، كعبد الله بن أبي، وأصحابه كانوا يتثاقلون ~~عن الجهاد، فان لقيت السرية نكبة، قال من أبطأ منهم: لقد أنعم الله ~~علي، وإن لقوا غنيمة، قال: يا ليتني كنت معهم. هذا قول ابن عباس، وابن ~~جريج. # والثاني: أنها نزلت في المسلمين الذين قلت ms0399 علومهم بأحكام الدين، ~~فتثبطوا لقلة العلم، لا لضعف الدين، ذكره الماوردي، وغيره. فعلى الأول ~~تكون إضافتهم إلى المؤمنين بقوله «منكم» لموضع نطقهم بالإسلام، وجريان ~~أحكامه عليهم، وعلى الثاني تكون الإضافة حقيقة. قال ابن جرير: اللام في ~~«لمن» لام تأكيد. قال الزجاج: واللام في «ليبطئن» لام القسم، كقولك: إن ~~منكم لمن أحلف بالله ليبطئن، يقال: «أبطأ الرجل» و «بطؤ». فمعنى: «أبطأ»: ~~تأخر، ومعنى «بطؤ»: ثقل. وقرأ أبو جعفر: { ليبطئن } بتخفيف الهمزة. وفي ~~معنى «ليبطئن» قولان. أحدهما: ليبطئن هو بنفسه، وهو قول ابن عباس. ~~والثاني: ليبطئن غيره، قاله ابن جريج. قال ابن عباس: و«المصيبة»: النكبة. ~~و«الفضل من الله»: الفتح والغنيمة. # قوله تعالى: { كأن لم يكن بينكم وبينه مودة } قرأ ابن كثير، وحفص، ~~والمفضل، عن عاصم: كأن لم تكن بالتاء، لأن الفاعل المسند إليه مؤنث في ~~اللفظ وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: يكن بالياء، لأن ~~التأنيث ليس بحقيقي. قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: ليقولن يا ليتني ~~كنت معهم، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة، أي: كأنه لم يعاقدكم على أن ~~يجاهد معكم، ويجوز أن يكون هذا الكلام معترضا به، فيكون المعنى: ولئن ~~أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فان أصابتكم مصيبة، قال: قد ~~أنعم الله علي، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة. فيكون معنى «المودة» أي: ~~كأنه لم يعاقدكم على الإيمان. ### || [4.74] # قوله تعالى: { الذين يشرون الحياة الدنيا } يشرون هاهنا: بمعنى يبتغون ~~في قول الجماعة. وأنشدوا: # وشريت... بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # « وبرد»: غلام له باعه. ومعنى الآية: ليكن قتال المقاتلين على وجه ~~الإخلاص، وطلب الآخرة. # قوله تعالى: { فيقتل أو يغلب } خرج مخرج الغالب، وقد يثاب من لم يغلب ~~ولم يقتل. ### || [4.75] # قوله تعالى: { والمستضعفين من الرجال } قال الفراء: تقديره: وفي ~~المستضعفين. وكذلك روي عن ابن عباس. وقال الزجاج: المستضعفون في موضع ~~خفض، والمعنى في سبيل الله، وسبيل المستضعفين، أي: ما لكم لا تسعون في ~~خلاص هؤلاء؟ قال ابن عباس: وهم ناس مسلمون كانوا ms0400 بمكة لا يستطيعون أن ~~يخرجوا. و«القرية»: مكة في قول الجماعة. قال الفراء: وإنما خفض «الظالم» ~~لأنه نعت للأهل، فلما عاد الأهل على القرية كان فعل ما أضيف إليها ~~بمنزلة فعلها، تقول: مررت بالرجل الواسعة داره. # قوله تعالى: { واجعل لنا من لدنك وليا } قال أبو سليمان: سألوا الله ~~وليا من عنده يلي إخراجهم منها، ونصيرا يمنعهم من المشركين. قال ابن ~~عباس: فلما فتح رسول الله مكة، جعل الله عز وجل النبي عليه السلام ~~وليهم، واستعمل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد، فكان ~~نصيرا لهم، ينصف الضعيف من القوي. ### || [4.76] # قوله تعالى: { يقاتلون في سبيل الطاغوت } الطاغوت هاهنا: الشيطان. وقال ~~أبو عبيدة: الطاغوت هاهنا في معنى جماعة، كقوله { ولحم الخنزير } معناه: ~~ولحم الخنازير. # قوله تعالى: { إن كيد الشيطان } يعني: مكره وصنيعه { كان ضعيفا } حيث ~~خذل أصحابه يوم بدر. ### || [4.77] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } اختلفوا فيمن ~~نزلت على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في نفر من المهاجرين، كانوا يحبون أن يؤذن لهم في ~~قتال المشركين وهم بمكة قبل أن يفرض القتال، فنهوا عن ذلك، فلما ~~أذن لهم فيه، كرهه بعضهم. روى هذا المعنى أبو صالح. عن ابن عباس، ~~وهو قول، قتادة، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت واصفة أحوال قوم كانوا في الزمان المتقدم، ~~فحذرت هذه الأمة من مثل حالهم، روى هذا المعنى عطية، عن ابن عباس. ~~قال أبو سليمان الدمشقي: كأنه يومىء إلى قصة الذين قالوا: إبعث لنا ~~ملكا. وقال مجاهد: هي في اليهود. # فأما كف اليد، فالمراد به: الامتناع عن القتال، ذلك كان بمكة. و«كتب» ~~بمعنى: فرض، وذلك بالمدينة، هذا على القول الأول. # قوله تعالى: { إذا فريق منهم } في هذا الفريق ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم المنافقون. # والثاني: أنهم كانوا مؤمنين، فلما فرض القتال، نافقوا جبنا وخوفا. # والثالث: أنهم مؤمنون غير أن طبائعهم غلبتهم، فنفرت نفوسهم عن القتال. # قوله { يخشون الناس } في المراد بالناس قولان. # أحدهما: كفار مكة. # والثاني: جميع الكفار. # قوله تعالى: { أو ms0401 أشد خشية } قيل: إن «أو» بمعنى الواو و«كتبت» بمعنى: ~~فرضت. و«لولا» بمعنى «هلا». قال الفراء: إذا لم تر بعدها اسما، فهي ~~استفهام، بمعنى هلا، وإذا رأيت بعدها اسما مرفوعا، فهي التي جوابها ~~اللام، تقول: لولا عبد الله لضربتك. وقال ابن قتيبة: إذا رأيتها بغير ~~جواب، فهي بمعنى «هلا» تقول: لولا فعلت كذا، ومثلها «لوما» فاذا رأيت ل ~~«لولا» جوابا، فليست بمعنى «هلا» إنما هي التي تكون لأمر يقع بوقوع ~~غيره، كقوله # فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه # [الصافات: 143] قلت: فأما «لولا» التي لها جواب فكثيرة في الكلام، ~~وأنشدوا في ذلك: # لولا الحياء وأن رأسي قد عثا # فيه المشيب لزرت ام القاسم # وأما التي بمعنى «هلا» فأنشدوا منها: # تعدون عقر النبيب أفضل مجدكم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # أراد فهلا تعدون الكمي، والكمي: الداخل في السلاح. # وفي الأجل القريب قولان. # أحدهما: أنه الموت، فكأنهم قالوا: هلا تركتنا نموت موتا، وعافيتنا من ~~القتل، هذا قول السدي، ومقاتل. # والثاني: أنه إمهال زمان، فكأنهم قالوا: هلا أخرت فرض الجهاد عنا ~~قليلا حتى نكثر ونقوى، قاله أبو سليمان الدمشقي في آخرين. # قوله تعالى: { قل متاع الدنيا قليل } أي: مدة الحياة فيها قليلة. # قوله تعالى: { ولا تظلمون فتيلا } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: ولا يظلمون بالياء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: بالتاء، وقد ~~سبق ذكر المتاع والفتيل. ### || [4.78] # قوله تعالى: { أينما تكونوا يدرككم الموت } سبب نزولها أن المنافقين ~~قالوا في حق شهداء أحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، فنزلت ~~هذه الآية، هذا قول ابن عباس، ومقاتل. والبروج: الحصون، قاله ابن عباس، ~~وابن قتيبة. وفي «المشيدة» خمسة أقوال. # أحدها: أنها الحصينة، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: المطولة، قاله أبو مالك، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثالث: المجصصة، قاله هلال بن خباب، واليزيدي. # والرابع: أنها المبنية بالشيد، وهو الجص، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والخامس: أنها بروج في السماء، قاله الربيع بن أنس، والثوري. وقال ~~السدي: هي قصور بيض في السماء مبنية. # قوله تعالى: { وإن ms0402 تصبهم } اختلفوا فيهم على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم المنافقون واليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: المنافقون، قاله الحسن. # والثالث: اليهود، قاله ابن السري. # وفي الحسنة والسيئة قولان. # أحدهما: أن الحسنة: الخصب، والمطر. والسيئة: الجدب، والغلاء، رواه أبو ~~صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أن الحسنة: الفتح والغنيمة، والسيئة: الهزيمة والجراح، ونحو ~~ذلك، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. وفي قوله تعالى: { من عندك } ~~قولان. # أحدهما: بشؤمك، قاله ابن عباس. # والثاني: بسوء تدبيرك، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { قل كل من عند الله } قال ابن عباس: الحسنة والسيئة، أما ~~الحسنة، فأنعم بها عليك، وأما السيئة، فابتلاك بها. # قوله تعالى: { فما لهؤلاء القوم } وقف أبو عمرو، والكسائي على الألف من ~~«فما» في قوله: { فما لهؤلاء القوم } و { ما لهذا الكتاب } و { ما لهذا ~~الرسول } و { فما للذين كفروا } والباقون وقفوا على اللام. فأما ~~«الحديث»، فقيل: هو القرآن، فكأنه قال: لا يفقهون القرآن، فيؤمنون به، ~~ويعلمون أن الكل من عند الله. ### || [4.79] # قوله تعالى: { ما أصابك من حسنة فمن الله } في المخاطب بهذا الكلام ~~ثلاثة أقوال. أحدها: أنه عام، فتقديره: ما أصابك أيها الإنسان، قاله ~~قتادة. والثاني: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره، ~~ذكره الماوردي. وقال ابن الأنباري: ما أصابك الله من حسنة، وما أصابك ~~الله به من سيئة، فالفعلان يرجعان إلى الله عز وجل. وفي «الحسنة» ~~و«السيئة» ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الحسنة ما فتح عليه يوم بدر، والسيئة: ما أصابه يوم أحد، ~~رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. # والثاني: الحسنة: الطاعة، والسيئة: المعصية، قاله أبو العالية. # والثالث: الحسنة: النعمة، والسيئة: البلية، قاله ابن قتيبة، وعن أبي ~~العالية نحوه، وهو أصح، لأن الآية عامة. وروى كرداب، عن يعقوب: { ما ~~أصابك من حسنة فمن الله } بتشديد النون، ورفعها، ونصب الميم، وخفض اسم ~~«الله» { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } بنصب الميم، ورفع السين. وقرأ ~~ابن عباس: وما أصابك من سيئة، فمن نفسك، وأنا كتبتها عليك. وقرأ ابن ~~مسعود: وأنا عددتها ms0403 عليك. # قوله تعالى: { فمن نفسك } أي: فبذنبك، قاله الحسن، وقتادة، والجماعة. ~~وذكر فيه ابن الأنباري وجها آخر، فقال: المعنى: أفمن نفسك فأضمرت ألف ~~الاستفهام، كما أضمرت في قوله { وتلك نعمة } أي: أو تلك نعمة. # قوله تعالى: { وأرسلناك للناس رسولا } قال الزجاج: ذكر الرسول مؤكد ~~لقوله: { وأرسلناك } والباء في «بالله» مؤكدة. والمعنى: وكفى بالله ~~شهيدا. «وشهيدا» منصوب على التمييز، لأنك إذا قلت: كفى بالله، ولم ~~تبين في أي شيء الكفاية كنت مبهما. # وفي المراد بشهادة الله هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: شهيدا لك بأنك رسوله، قاله مقاتل. # والثاني: على مقالتهم، قاله ابن السائب. # والثالث: لك بالبلاغ، وعليهم بالتكذيب والنفاق، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. فان قيل: كيف عاب الله هؤلاء حين قالوا: إن الحسنة من عند ~~الله، والسيئة من عند النبي عليه السلام، ورد عليهم بقوله: { قل كل من ~~عند الله } ثم عاد، فقال: { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك } فهل قال القوم إلا هكذا؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنهم أضافوا السيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشاؤما به، ~~فرد عليهم، فقال: كل بتقدير الله. ثم قال: ما أصابك من حسنة، فمن الله، ~~أي: من فضله، وما أصابك من سيئة، فبذنبك، وإن كان الكل من الله تقديرا. # والثاني: أن جماعة من أرباب المعاني قالوا: في الكلام محذوف مقدر، ~~تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون: ما أصابك من ~~حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن نفسك. فيكون هذا من قولهم. ~~والمحذوف المقدر في القرآن كثير، ومنه قوله: # ربنا تقبل منا # [البقرة: 127] أي: يقولان: ربنا. ومثله # أو به أذى من رأسه ففدية # [البقرة: 196] أي: فحلق، ففدية. ومثله # فأما الذين اسودت وجههم أكفرتم # [آل عمران:106] أي: فيقال لهم. ومثله # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم # [الرعد: 23،24] أي: يقولون سلام. ومثله # أو كلم به الموتى بل لله الأمر # [الرعد: 31] أراد: لكان هذا القرآن. ومثله # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم # [النور: ms0404 20] أراد: لعذبكم. ومثله # ربنا أبصرنا وسمعنا # [السجدة: 12] أي: يقولون. وقال النمر بن تولب: # فإن المنية من يخشها # فسوف تصادفه أينما # أراد: أينما ذهب. وقال غيره: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # أراد: لرددناه. ### || [4.80] # قوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } سبب نزولها: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني، فقد أحب الله " # فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. ومعنى الكلام: من قبل ما أتى به الرسول، فانما قبل: ما أمر ~~الله به، ومن تولى، أي: أعرض عن طاعته. وفي «الحفيظ» قولان. أحدهما: أنه ~~الرقيب، قاله ابن عباس. والثاني: المحاسب، قاله السدي، وابن قتيبة. # فصل # قال المفسرون: وهذا كان قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. ### || [4.81] # قوله تعالى: { ويقولون طاعة } نزلت في المنافقين، كانوا يؤمنون عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا، فاذا خرجوا، خالفوا، هذا قول ابن عباس. ~~قال الفراء: والرفع في «طاعة» على معنى: أمرك طاعة. # قوله تعالى: { بيت طائفة } قرأ أبو عمرو، وحمزة: بيت بسكون «التاء»، ~~وإدغامها في «الطاء» ونصب الباقون «التاء» قال أبو علي: التاء والطاء ~~والدال من حيز واحد، فحسن الإدغام، ومن بين، فلانفصال الحرفين، ~~واختلاف المخرجين. قال ابن قتيبة: والمعنى [فاذا برزوا من عندك، أي: ~~خرجوا، بيت طائفة منهم غير الذي تقول، أي] قالوا: وقدروا ليلا غير ما ~~أعطوك نهارا. قال الشاعر: # أتوني فلم أرض ما بيتوا # وكانوا أتوني بشيء نكر # والعرب تقول: هذا أمر قد قدر بليل [وفرغ منه بليل، ومنه قول الحارث ~~بن حلزة: # أجمعوا أمرهم عشاء فلما # أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء] # وقال بعضهم: بيت، بمعنى: بدل، وأنشد: # وبيت قولي عند المليك # قاتلك الله عبدا كفورا # وفي قوله: { غير الذي تقول } قولان. # أحدهما: غير الذي تقول الطائفة عندك، وهو قول ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: غير الذي تقول أنت يا محمد، وهو قول قتادة، والسدي. # قوله تعالى: { والله يكتب ما يبيتون ms0405 } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: يكتبه في الأعمال التي تثبتها الملائكة، قاله مقاتل في آخرين. # والثاني: ينزله إليك في كتابه. # والثالث: يحفظه عليهم ليجازوا به، ذكر القولين الزجاج، قال ابن عباس: ~~فأعرض عنهم: فلا تعاقبهم، وثق بالله عز وجل، وكفى بالله ثقة لك. قال: ثم ~~نسخ هذا الإعراض، وأمر بقتالهم. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه ابتدأ بذكرهم جملة، ثم قال: { بيت طائفة } ~~والكل منافقون؟ فالجواب من وجهين، ذكرهما أهل التفسير. # أحدهما: أنه أخبر عمن سهر ليله، ودبر أمره منهم دون غيره منهم. # والثاني: أنه ذكر من علم أنه يبقى على نفاقه دون من علم أنه يرجع. ### || [4.82] # قوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن } قال الزجاج: «التدبر» النظر في ~~عاقبة الشيء. و«الدبر» النحل، سمي دبرا، لأنه يعقب ما ينتفع به، ~~و«الدبر»: المال الكثير، سمي دبرا لكثرته، لأنه يبقى للأعقاب، ~~والأدبار. # وقال ابن عباس: أفلا يتدبرون القرآن. فيتفكرون فيه، فيرون تصديق بعضه ~~لبعض، وأن أحدا من الخلائق لا يقدر عليه. قال ابن قتيبة: والقرآن من ~~قولك: ما قرأت الناقة سلى قط، أي: ماضمت في رحمها ولدا، وأنشد أبو ~~عبيدة: # هجان اللون لم تقرأ جنينا # وإنما سمي قرآنا، لأنه جمع السور، وضمها. # قوله تعالى: { لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه التناقض، قاله ابن عباس، وابن زيد، والجمهور. # والثاني: الكذب، قاله مقاتل، والزجاج. # والثالث: أنه اختلاف تفاوت من جهة بليغ من الكلام، ومرذول، إذ لا بد ~~للكلام إذا طال من مرذول، وليس في القرآن إلا بليغ، ذكره الماوردي في ~~جماعة. ### || [4.83] # قوله تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل نساءه، دخل عمر المسجد، فسمع ~~الناس يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فدخل على النبي ~~عليه السلام فسأله أطلقت نساءك؟ قال: «لا». فخرج فنادى: ألا إن رسول ~~الله لم يطلق نساءه. فنزلت هذه الآية " # فكان هو الذي استنبط الأمر. انفرد بإخراجه مسلم، من حديث ابن عباس، ms0406 عن ~~عمر. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية من ~~السرايا فغلبت أو غلبت، تحدثوا بذلك، وأفشوه، ولم يصبروا حتى ~~يكون النبي هو المتحدث به. فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن ~~عباس. # وفي المشار إليهم بهذه الآية قولان. أحدهما: أنهم المنافقون. قاله ابن ~~عباس، والجمهور. والثاني: أهل النفاق، وضعفة المسلمين، ذكره الزجاج. # وفي المراد بالأمن أربعة أقوال. # أحدها: فوز السرية بالظفر والغنيمة، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنه الخبر يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ظاهر على ~~قوم، فيأمن منهم، قاله الزجاج. # والثالث: أنه ما يعزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموادعة ~~والأمان لقوم، ذكره الماوردي. # والرابع: أنه الأمن يأتي من المأمن وهو المدينة، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي مخرجا من حديث عمر. # وفي «الخوف» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه النكبة التي تصيب السرية، ذكره جماعة من المفسرين. # والثاني: أنه الخبر يأتي أن قوما يجمعون للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فيخاف منهم، قاله الزجاج. # والثالث: ما يعزم عليه النبي من الحرب والقتال، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { أذاعوا به } قال ابن قتيبة: أشاعوه. وقال ابن جرير: ~~والهاء عائدة على الأمر. # قوله تعالى: { ولو ردوه } يعني: الأمر { إلى الرسول } حتى يكون هو ~~المخبر به { وإلى أولي الأمر منهم } وفيهم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم أبو بكر، وعمر، قاله عكرمة. # والثالث: العلماء، قاله الحسن، وقتادة، وابن جريج. # والرابع: أمراء السرايا، قاله ابن زيد، ومقاتل. # وفي «الذين يستنبطونه» قولان. # أحدهما: أنهم الذين يتتبعونه من المذيعين له، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم أولو الأمر قاله ابن زيد. و«الاستنباط» في اللغة: ~~الاستخراج. قال الزجاج: أصله من النبط، وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ~~ما تحفر، يقال من ذلك: قد أنبط فلان في غضراء، أي: استنبط الماء من طين ~~حر. والنبط: سموا نبطا، لاستنباطهم ما يخرج من الأرض. قال ابن جرير: ~~ومعنى الآية: وإذا جاءهم خبر عن سرية ms0407 للمسلمين بخير أو بشر أفشوه، ولو ~~سكتوا حتى يكون الرسول وذو الأمر يتولون الخبر عن ذلك، فيصححوه إن كان ~~صحيحا، أو يبطلوه إن كان باطلا، لعلم حقيقة ذلك من يبحث عنه من أولى ~~الأمر. # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم }. # في المراد بالفضل أربعة أقوال. # أحدها: أنه رسول الله. # والثاني: الإسلام. # والثالث: القرآن. # والرابع: أولو الأمر. # وفي الرحمة أربعة أقوال. # أحدها: أنها الوحي. # والثاني: اللطف. # والثالث: النعمة. # والرابع: التوفيق. # قوله تعالى: { لا تبعتم الشيطان إلا قليلا } في معنى هذا الاستثناء ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه راجع إلى الإذاعة، فتقديره: أذاعوا به إلا قليلا. وهذا ~~قول ابن عباس، وابن زيد، واختاره الفراء، وابن جرير. # والثاني: أنه راجع إلى المستنبطين، فتقديره: لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم إلا قليلا، وهذا قول الحسن، وقتادة، واختاره ابن قتيبة. فعلى هذين ~~القولين، في الآية تقديم وتأخير. # والثالث: أنه راجع إلى اتباع الشيطان، فتقديره: لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا منكم، وهذا قول الضحاك، واختاره الزجاج. وقال بعض العلماء: ~~المعنى: لولا فضل الله بإرسال النبي إليكم، لضللتم إلا قليلا منكم ~~كانوا يستدركون بعقولهم معرفة الله، ويعرفون ضلال من يعبد غيره، كقس بن ~~ساعدة. ### || [4.84] # قوله تعالى: { فقاتل في سبيل الله } سبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما ندب الناس لموعد أبي سفيان ببدر الصغرى بعد أحد، كره بعضهم ~~ذلك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وفي «فاء» «فقاتل» ~~قولان. # أحدهما: أنه جواب قوله { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب }. # والثاني: أنها متصلة بقوله { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله } ذكرهما ~~ابن السري. والمراد بسبيل الله: الجهاد. # قوله تعالى: { لا تكلف إلا نفسك } أي: إلا المجاهدة بنفسك. و«حرض» ~~بمعنى حضض. قال الزجاج: ومعنى «عسى» في اللغة: معنى الطمع والإشفاق. ~~والإطماع من الله واجب. و«البأس»: الشدة. وقال ابن عباس: والله أشد ~~عذابا. قال قتادة: و«التنكيل» العقوبة. ### || [4.85] # قوله تعالى: { من يشفع شفاعة حسنة } في المراد بالشفاعة أربعة أقوال. # أحدها: أنها شفاعة الإنسان للانسان، ليجتلب له ms0408 نفعا، أو يخلصه من ~~بلاء، وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أنها الإصلاح بين اثنين، قاله ابن السائب. # والثالث: أنه الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ذكره الماوردي. # والرابع: أن المعنى: من يصر شفعا لوتر أصحابك يا محمد، فيشفعهم في ~~جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله، قاله ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. # وفي الشفاعة السيئة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها السعي بالنميمة، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنها الدعاء على المؤمنين والمؤمنات، وكانت اليهود تفعله، ~~ذكره الماوردي. # والثالث: أن المعنى: من يشفع وتر أهل الكفر، فيقاتل المؤمنين، قاله ابن ~~جرير، وأبو سليمان الدمشقي. قال الزجاج: و«الكفل» في اللغة: النصيب، وأخذ ~~من قولهم: اكتفلت البعير: إذ أدرت على سنامه، أو على موضع من ظهره ~~كساء، وركبت عليه. وإنما قيل له: كفل، لأنه لم يستعمل الظهر كله، ~~وإنما استعمل نصيبا منه. وفي «المقيت» سبعة أقوال. # أحدها: أنه المقتدر، قال أحيحة بن الجلاح: # وذي ضغن كففت النفس عنه # وكنت على مساءته مقيتا # وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، وابن جرير، والسدي، وابن زيد، والفراء، ~~وأبو عبيد، وابن قتيبة، والخطابي. # والثاني: أنه الحفيظ، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والزجاج. وقال: هو بالحفيظ أشبه، لأنه مشتق من القوت، يقال: قت الرجل ~~أقوته قوتا: إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته. والقوت: اسم الشيء الذي ~~يحفظ نفسه [ولا فضل فيه على قدر الحفظ]، فمعنى المقيت: الحافظ الذي يعطي ~~الشيء على قدر الحاجة من الحفظ. قال الشاعر: # ألي الفضل أم علي إذا حو # سبت إني على الحساب مقيت # والثالث: أنه الشهيد، رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد، واختاره أبو سليمان ~~الدمشقي. # والرابع: أنه الحسيب، رواه خصيف عن مجاهد. # والخامس: الرقيب، رواه أبو شيبة عن عطاء. # والسادس: الدائم، رواه ابن جريج عن عبد الله بن كثير. # والسابع: أنه معطي القوت، قاله مقاتل بن سليمان. وقال الخطابي: المقيت ~~يكون بمعنى معطي القوت، قال الفراء: يقال: قاته وأقاته. ### || [4.86] # قوله تعالى: { وإذا حييتم بتحية } في التحية قولان. # أحدهما: ms0409 أنها السلام، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: الدعاء، ذكره ابن جرير، والماوردي. فأما «أحسن منها» فهو ~~الزيادة عليها، وردها: قول مثلها. قال الحسن: إذا قال أخوك المسلم: ~~السلام عليكم، فرد السلام، وزد: ورحمة الله. أو رد ما قال ولا تزد. ~~وقال الضحاك: إذا قال: السلام عليك، قلت: وعليكم السلام ورحمة الله. ~~وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله، قلت: وعليكم السلام، ورحمة الله ~~وبركاته، وهذا منتهى السلام. وقال قتادة: بأحسن منها للمسلم، أو ردوها ~~على أهل الكتاب. ### || [4.87] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } قال مقاتل: نزلت في الذين شكوا في ~~البعث. قال الزجاج: واللام في «ليجمعنكم» لام القسم، كقولك: والله ~~ليجمعنكم، قال: وجائز أن تكون سميت القيامة، لقيام الناس من قبورهم، ~~وجائز أن تكون، لقيامهم للحساب. # قوله تعالى: { ومن أصدق من الله حديثا } إنما وصف نفسه بهذا، لأن جميع ~~الخلق يجوز عليهم الكذب، ويستحيل في حقه. ### || [4.88] # قوله تعالى: { فما لكم في المنافقين فئتين } في سبب نزولها سبعة أقوال. # أحدها: أن قوما أسلموا، فأصابهم وباء بالمدينة وحماها، فخرجوا ~~فاستقبلهم نفر من المسلمين، فقالوا: ما لكم خرجتم؟ قالوا: أصابنا وباء ~~بالمدينة، واجتويناها، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة؟ فقال بعضهم: ~~نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبيه. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد، رجع ناس ~~ممن خرج معه، فافترق فيهم أصحاب رسول الله، ففرقة تقول: نقتلهم، وفرقة ~~تقول: لا نقتلهم، فنزلت هذه الآية، هذا في " الصحيحين " من قول زيد بن ~~ثابت. # والثالث: أن قوما كانوا بمكة تكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون ~~المشركين، فخرجوا من مكة لحاجة لهم، فقال قوم من المسلمين: اخرجوا ~~إليهم، فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقال قوم: كيف نقتلهم وقد ~~تكلموا بمثل ما تكلمنا به؟ فنزلت هذه الآية، رواه عطية، عن ابن عباس. # والرابع: أن قوما قدموا المدينة فأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى مكة، ~~فأظهروا الشرك، فنزلت هذه الآية، هذا قول الحسن، ومجاهد. ms0410 # والخامس: أن قوما أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة، فاختلف ~~المؤمنون فيهم، فنزلت هذه الآية، وهذا قول الضحاك. # والسادس: أن قوما من المنافقين أرادوا الخروج من المدينة، فقالوا ~~للمؤمنين: إنه قد أصابتنا أوجاع في المدينة، فلعلنا نخرج فنتماثل، فإنا ~~كنا أصحاب بادية، فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. # والسابع: أنها نزلت في شأن ابن أبي حين تكلم، في عائشة بما تكلم، ~~وهذا قول ابن زيد. # وقوله تعالى: { فما لكم } خطاب للمؤمنين. والمعنى: أي شيء لكم في ~~الاختلاف في أمرهم؟ و«الفئة» الفرقة. وفي معنى «أركسهم» أربعة أقوال. # أحدها: ردهم، رواه عطاء، عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: ركست الشيء، ~~وأركسته: لغتان، أي: نكسهم وردهم في كفرهم، وهذا قول الفراء، والزجاج. # والثاني: أوقعهم، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. # والثالث: أهلكهم، قاله قتادة. # والرابع: أضلهم، قاله السدي. # فأما الذي كسبوا، فهو كفرهم، وارتدادهم. قال أبو سليمان: إنما قال: ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله، لأن قوما من المؤمنين قالوا: إخواننا، ~~وتكلموا بكلمتنا. # قوله تعالى: { فلن تجد له سبيلا } فيه قولان. # أحدهما: إلى الحجة، قاله الزجاج. # والثاني: إلى الهدى، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### || [4.89] # قوله تعالى: { ودوا لو تكفرون كما كفروا } أخبر الله عز وجل المؤمنين ~~بما في ضمائر تلك الطائفة، لئلا يحسنوا الظن بهم، ولايجادلوا عنهم، ~~وليعتقدوا عداوتهم. # قوله تعالى: { فلا تتخذوا منهم أولياء } أي لا توالوهم فإنهم أعداء لكم ~~{ حتى يهاجروا } أي: يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن ~~عباس: فإن تولوا عن الهجرة والتوحيد، { فخذوهم } أي: ائسروهم، واقتلوهم ~~حيث وجدتموهم في الحل والحرم. # فصل # قال القاضي أبو يعلى: كانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة. وقال الحسن: ~~فرض الهجرة باق، واعلم أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: # من تجب عليه، وهو الذي لا يقدر على إظهار الإسلام في دار الحرب، خوفا ~~على نفسه، وهو قادر على الهجرة، فتجب عليه لقوله { ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا ms0411 فيها }. # والثاني: من لا تجب عليه بل تستحب له، وهو من كان قادرا على إظهار ~~دينه في دار الحرب. # والثالث: من لا تستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر على إظهار دينه، ولا ~~على الحركة كالشيخ الفاني والزمن فلم تستحب له للحوق المشقة. ### || [4.90] # قوله تعالى: { إلا الذين يصلون } هذا الاستثناء راجع إلى القتل، لا ~~إلى الموالاة. # وفي «يصلون» قولان. # أحدهما: أنه بمعنى يتصلون ويلجؤون. قال ابن عباس: كان هلال بن عويمر ~~الأسلمي وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يعينه ولا يعين ~~عليه. فكان من وصل إلى هلال من قومه وغيرهم فلهم من الجوار مثل ما ~~لهلال. # والثاني: أنه بمعنى ينتسبون قاله ابن قتيبة، وأنشد: # إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل # وبكر سبتها والأنوف رواغم # يريد: إذا انتسبت قالت: أبكرا، أي: يا آل بكر. # وفي القوم المذكورين أربعة أقوال. # أحدها: أنهم بنو بكر بن زيد مناة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك، وخزيمة بن عامر ~~بن عبد مناف، قاله عكرمة. # والثالث: أنهم بنو مدلج، قاله الحسن. # والرابع: خزاعة وبنو مدلج، قاله مقاتل. قال ابن عباس: و«الميثاق»: ~~العهد. # قوله تعالى: { أو جاؤوكم } فيه قولان. # أحدهما: أن معناه: أو يصلون إلى قوم جاؤوكم، قاله الزجاج في جماعة. # والثاني: أنه يعود إلى المطلوبين للقتل، فتقديره: أو رجعوا فدخلوا ~~فيكم، وهو بمعنى قول السدي. # قوله تعالى: { حصرت صدورهم } فيه قولان. # أحدهما: أن فيه إضمار «قد». # والثاني: أنه خبر بعد خبر، فقوله { جاؤوكم }: خبر قد تم، وحصرت: خبر ~~مستأنف، حكاهما الزجاج. وقرأ الحسن، ويعقوب، والمفضل، عن عاصم: { حصرة ~~صدورهم } على الحال. و«حصرت»: ضاقت، ومعنى الكلام: ضاقت صدورهم عن ~~قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم، أو يقاتلوا قومهم، يعني قريشا. # قال مجاهد: هلال بن عويمر هو الذي حصر صدره أن يقاتلكم، أو يقاتل ~~قومه. # قوله تعالى: { ولو شاء الله لسلطهم عليكم } قال الزجاج: أخبر أنه إنما ~~كفهم بالرعب الذي قذف في قلوبهم. وفي «السلم» قولان. # أحدهما: أنه ms0412 الإسلام، قاله الحسن. # والثاني: الصلح، قاله الربيع، ومقاتل. # فصل # قال جماعة من المفسرين: معاهدة المشركين وموادعتهم المذكورة في هذه ~~الآية منسوخة بآية السيف. قال القاضي أبو يعلى: لما أعز الله الإسلام ~~أمروا أن لا يقبلوا من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف. ### || [4.91] # قوله تعالى: { ستجدون آخرين } اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في أسد وغطفان، كانوا قد تكلموا بالإسلام ليأمنوا ~~المؤمنين بكلمتهم، ويأمنوا قومهم بكفرهم، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في بني عبد الدار، رواه الضحاك، عن ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في قوم أرادوا أخذ الأمان من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقالوا: لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، قاله قتادة. # والرابع: أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان يأمن في المسلمين ~~والمشركين، فينقل الحديث بين النبي عليه السلام وبينهم، ثم أسلم نعيم، ~~هذا قول السدي. ومعنى الآية: ستجدون قوما يظهرون الموافقة لكم ولقومهم، ~~ليأمنوا الفريقين، كلما دعوا إلى الشرك، عادوا فيه، فان لم يعتزلوكم في ~~القتال، ويلقوا إليكم الصلح، و يكفوا أيديهم عن قتالكم، فخذوهم، أي: ~~ائسروهم، واقتلوهم حيث أدركتموهم، وأولائكم جعلنا لكم عليهم حجة بينة في ~~قتلهم. # فصل # قال أهل التفسير: والكف عن هؤلاء المذكورين في هذه الآية منسوخ بآية ~~السيف. ### || [4.92] # قوله تعالى: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: أن عياش بن أبي ربيعة أسلم بمكة قبل هجرة رسول الله، ثم خاف أن ~~يظهر إسلامه لقومه، فخرج إلى المدينة فقالت أمه لابنيها أبي جهل، ~~والحارث ابني هشام، وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف، ولا أذوق ~~طعاما ولا شرابا حتى تأتياني به. فخرجا في طلبه، ومعهما الحارث بن زيد، ~~حتى أتوا عياشا وهو متحصن في أطم، فقالوا له: انزل فإن أمك لم ~~يؤوها سقف، ولم تذق طعاما، ولا شرابا، ولك علينا أن لا نحول بينك ~~وبين دينك، فنزل، فأوثقوه، وجلده كل واحد منهم مائة جلدة، فقدموا به ~~على أمه، فقالت: والله ms0413 لا أحلك من وثاقك حتى تكفر، فطرح موثقا في ~~الشمس حتى أعطاهم ما أرادوا، فقال له الحارث بن زيد: يا عياش لئن كان ما ~~كنت عليه هدى لقد تركته، وإن كان ضلالا لقد ركبته. فغضب، وقال: والله ~~لا ألقاك خاليا إلا قتلتك، ثم أفلت عياش بعد ذلك، وهاجر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم أسلم الحارث بعده، وهاجر ولم يعلم عياش، ~~فلقيه يوما فقتله، فقيل له: إنه قد أسلم، فجاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره بما كان، وقال: لم أشعر باسلامه، فنزلت هذه الآية، رواه ~~أبو صالح، عن ابن عباس. وهو قول سعيد بن جبير، والسدي، والجمهور. # والثاني: أن أبا الدرداء قتل رجلا قال لا إله إلا الله في بعض ~~السرايا، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما صنع، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول ابن زيد. # قال الزجاج: معنى الآية: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة. ~~والاستثناء ليس من الأول، وإنماالمعنى: إلا أن يخطيء المؤمن. وروى أبو ~~عبيدة، عن يونس: أنه سأل رؤبة عن هذه الآية، فقال: ليس له أن يقتله عمدا ~~ولا خطأ، ولكنه أقام «إلا» مقام «الواو» قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # أراد: والفرقدان. وقال بعض أهل المعاني: تقدير الآية: لكن قد ~~يقتله خطأ، وليس ذلك فيما جعل الله له، لأن الخطأ لا تصح فيه الإباحة، ~~ولا النهي. وقيل: إنما وقع الاستثناء على ما تضمنته الآية من استحقاق ~~الإثم، وإيجاب القتل. # قوله تعالى: { فتحرير رقبة مؤمنة } قال سعيد بن جبير: عتق ~~الرقبة واجب على القاتل في ماله، واختلفوا في عتق الغلام الذي لا يصح ~~منه فعل الصلاة والصيام، فروي عن أحمد جوازه، وكذلك روى ابن أبي طلحة، عن ~~ابن عباس، وهذا قول عطاء، ومجاهد. وروي عن أحمد: لا يجزئ إلا من صام ~~وصلى، وهو قول ابن عباس. # في رواية، والحسن، والشعبي، وإبراهيم، وقتادة. # قوله تعالى: { ودية مسلمة إلى أهله } قال القاضي أبو يعلى: ليس ms0414 في هذه ~~الآية بيان من تلزمه هذه الدية، واتفق الفقهاء على أنها عاقلة القاتل، ~~تحملها عنه على طريق المواساة، وتلزم العاقلة في ثلاث سنين. كل سنة ~~ثلثها. والعاقلة: العصبات من ذوي الأنساب، ولا يلزم الجاني منها شيء، ~~وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة. # وللنفس ستة أبدال: من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألف درهم، ~~ومن الإبل مائة، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، وفي الحلل ~~روايتان عن أحمد. إحداهما: أنها أصل، فتكون مائتا حلة، فهذه دية الذكر ~~الحر المسلم، ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك. # قوله تعالى: { إلا أن يصدقوا } قال سعيد بن جبير: إلا أن يتصدق ~~أولياء المقتول بالدية على القاتل. # قوله تعالى: { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } فيه قولان. # أحدهما: أن معناه: وإن كان المقتول خطأ من قوم كفار، ففيه تحرير رقبة ~~من غير دية، لأن أهل ميراثه كفار. # والثاني: وإن كان مقيما بين قومه، فقتله من لا يعلم بإيمانه، فعليه ~~تحرير رقبة ولا دية، لأنه ضيع نفسه بإقامته مع الكفار، والقولان مرويان ~~عن ابن عباس، وبالأول قال النخعي، وبالثاني سعيد بن جبير، وعلى الأول ~~تكون «من» للتبعيض، وعلى الثاني تكون بمعنى في. # قوله تعالى: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } فيه قولان. # أحدهما: أنه الرجل من أهل الذمة يقتل خطأ، فيجب على قاتله الدية، ~~والكفارة، هذا قول ابن عباس، والشعبي، وقتادة، والزهري، وأبي حنيفة، ~~والشافعي. ولأصحابنا تفصيل في مقدار ما يجب من الدية. # والثاني: أنه المؤمن يقتل، وقومه مشركون، ولهم عقد، فديته لقومه، ~~وميراثه للمسلمين، هذا قول النخعي. # قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } اختلفوا هل هذا الصيام ~~بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها أو بدل من الرقبة والدية؟ فقال الجمهور: ~~عن الرقبة وحدها، وقال مسروق، ومجاهد، وابن سيرين: عنهما. واتفق العلماء ~~على أنه إذا تخلل صوم الشهرين إفطار لغير عذر، فعليه الابتداء، فأما ~~إذا تخللها المرض، أو الحيض، فعندنا لا ينقطع التتابع، وبه قال ms0415 مالك. ~~وقال أبو حنيفة: المرض يقطع، والحيض لا يقطع، وفرق بينهما بأنه يمكن في ~~العادة صوم شهرين بلا مرض، ولا يمكن ذلك في الحيض، وعندنا أنها معذورة في ~~الموضعين. # قوله تعالى: { توبة من الله } قال الزجاج: معناه فعل الله ذلك توبة منه. # قوله { وكان الله عليما } أي: لم يزل عليما بما يصلح خلقه من التكليف ~~{ حكيما } فيما يقضي بينهم، ويدبره في أمورهم. ### || [4.93] # قوله تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } سبب نزولها: أن مقيس بن صبابة ~~وجد أخاه هشام بن صبابة قتيلا في بني النجار، وكان مسلما، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأرسل رسول الله رسولا من بني ~~فهر، فقال له: إيت بني النجار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام، فادفعوه إلى مقيس ~~بن صبابة، وإن لم تعلموا له قاتلا، فادفعوا إليه ديته، فأبلغهم ~~الفهري ذلك، فقالوا: والله ما نعلم له قاتلا، ولكنا نعطي ديته، فأعطوه ~~مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فأتى الشيطان مقيس بن ~~صبابة، فقال: تقبل دية أخيك، فيكون عليك سبة ما بقيت. اقتل الذي معك ~~مكان أخيك، وافضل بالدية، فرما الفهري بصخرة فشدخ رأسه، ثم ركب بعيرا ~~منها، وساق بقيتها راجعا إلى مكة، وهو يقول: # قتلت به فهرا وحملت عقله # سراة بني النجار أرباب فارع # وأدركت ثأري واضطجعت موسدا # وكنت إلى الأصنام أول راجع # فنزلت هذه الآية، ثم أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح، ~~فقتل، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وفي قوله { متعمدا } قولان. # أحدهما: متعمدا لأجل أنه مؤمن. قاله سعيد بن جبير. # والثاني: متعمدا لقتله، ذكره بعض المفسرين. وفي قوله { فجزاؤه جهنم } ~~قولان. # أحدهما: أنها جزاؤه قطعا. # والثاني: أنها جزاؤه إن جازاه. واختلف العلماء هل للمؤمن إذا قتل ~~مؤمنا متعمدا توبة أم لا؟ فذهب الأكثرون إلى أن له توبة، وذهب ابن ~~عباس إلى أنه لا توبة له. # فصل # اختلف العلماء في هذه الآية هل ms0416 هي محكمة أم منسوخة؟ فقال قوم: هي محكمة، ~~واحتجوا بأنها خبر، والأخبار لا تحتمل النسخ، ثم افترق هؤلاء فرقتين، ~~إحداهما قالت: هي على ظاهرها، وقاتل المؤمن مخلد في النار. والفرقة ~~الثانية قالت: هي عامة قد دخلها التخصيص بدليل أنه لو قتله كافر، ثم أسلم ~~الكافر، انهدرت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام ~~المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص، وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون ~~قتله مستحلا، فيستحق الخلود لاستحلاله. وقال قوم: هي مخصوصة في حق من ~~لم يتب، واستدلوا بقوله تعالى في الفرقان: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فاؤلئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~وكان الله غفورا رحيما # [الفرقان: 70]. وقال آخرون: هي منسوخة بقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # [النساء: 48]. ### || [4.94] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } ~~في سبب نزولها أربعة أقوال. # أحدها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما ~~أتوا القوم، وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله. فقال له رجل من ~~أصحابه: أقتلت رجلا يشهد أن لا إله إلا الله؟! لأذكرن ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول ~~الله إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: ادعوا لي ~~المقداد فقال: يا مقداد أقتلت رجلا قال: لا إله إلا الله، فكيف لك ب ~~«لا إله إلا الله غدا»! قال: فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل ~~فمن الله عليكم فتبينوا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: ~~كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته؟ وكذلك ms0417 كنت ~~تخفي إيمانك بمكة قبل " # رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا من بني سليم مر على نفر من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ومعه غنم، فسلم، فقالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ ~~[منا]، فعمدوا إليه فقتلوه، وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنزلت هذه الآية رواه عكرمة، عن ابن عباس. # والثالث: أن قوما من أهل مكة سمعوا بسرية لرسول الله أنها تريدهم ~~فهربوا، وأقام رجل منهم كان قد أسلم، يقال له: مرداس، وكان على السرية ~~رجل، يقال له: غالب بن فضالة، فلما رأى مرداس الخيل، كبر، ونزل إليهم، ~~فسلم عليهم، فقتله أسامة بن زيد، واستاق غنمه، ورجعوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبروه، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا ~~شديدا، ونزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال السدي: كان ~~أسامة أمير السرية. # والرابع: أن رسول الله بعث أبا حدرد الأسلمي، وأبا قتادة، ومحلم بن ~~جثامة في سرية إلى إضم، فلقوا عامر بن الأضبط الأشجعي، فحياهم بتحية ~~الإسلام، فحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله، وسلبه بعيرا وسقاء. فلما ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، أخبروه فقال: أقتلته بعد ما قال ~~آمنت؟! ونزلت هذه الآية. رواه ابن أبي حدرد، عن أبيه. # فأما التفسير، فقوله { إذا ضربتم في سبيل الله } أي: سرتم وغزوتم. # وقوله { فتبينوا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: ~~فتبينوا بالنون من التبيين للأمر قبل الإقدام عليه. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف { فتثبتوا } بالثاء من الثبات وترك الاستعجال، وكذلك ~~قرؤوا في (الحجرات). # قوله تعالى: { لمن ألقى إليكم السلام } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو ~~بكر، وحفص، عن عاصم، والكسائي: «السلام» بالألف مع فتح السين. قال ~~الزجاج: يجوز أن يكون بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى الاستسلام. ~~وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، وخلف، وجبلة عن المفضل عن عاصم: { السلم } ~~بفتح السين واللام من غير ألف، وهو من الاستسلام. وقرأ أبان بن ms0418 يزيد عن ~~عاصم: بكسر السين وإسكان اللام من غير ألف. و«السلم»: الصلح. وقرأ ~~الجمهور: لست مؤمنا، بكسر الميم، وقرأ علي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو ~~العالية، ويحيى بن يعمر، وأبو جعفر: بفتح الميم من الأمان. # قوله تعالى: { تبتغون عرض الحياة الدنيا } و«عرضها» ما فيها من مال، ~~قل أو كثر. قال المفسرون: والمراد به: ما غنموه من الرجل الذي قتلوه. # قوله تعالى: { فعند الله مغانم كثيرة } فيه قولان. # أحدهما: أنه ثواب الجنة، قاله مقاتل. # والثاني: أنها أبواب الرزق في الدنيا، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { كذلك كنتم من قبل } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: كذلك كنتم تأمنون من قومكم المؤمنين بهذه الكلمة، فلا ~~تخيفوا من قالها، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: كذلك كنتم تخفون إيمانكم بمكة كما كان هذا يخفي إيمانه، ~~رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: كذلك كنتم من قبل مشركين، قاله مسروق، وقتادة، وابن زيد. # قوله تعالى: { فمن الله عليكم } في الذي من به أربعة أقوال. # أحدها: الهجرة، قاله ابن عباس. # والثاني: إعلان الإيمان، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: الإسلام، قاله قتادة، ومسروق. # والرابع: التوبة على الذي قتل ذلك الرجل، قاله السدي. # قوله تعالى: { فتبينوا } تأكيد للأول. ### || [4.95] # قوله تعالى: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } قال أبو سليمان الدمشقي: ~~نزلت هذه الآية من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود. # وقال زيد بن ثابت: إني لقاعد إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~إذ غشيته السكينة، ثم سري عنه، فقال: «اكتب» { لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون } الآية، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، ~~فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فوالله ما قضى كلامه حتى غشيت رسول الله ~~السكينة، ثم سري عنه، فقال: اقرأ فقرأت لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~والمجاهدون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { غير أولي الضرر } ~~فألحقتها. # قوله تعالى: { لا يستوي القاعدون } يعني عن الجهاد، والمعنى: أن المجاهد ~~أفضل. قال ابن عباس: وأريد بهذا الجهاد غزوة ms0419 بدر. وقال مقاتل: غزاة ~~تبوك. # قوله تعالى: { غير أولي الضرر } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة: { غير ~~} برفع الراء، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وخلف، والمفضل: بنصبها. ~~قال أبو علي: من رفع الراء، جعل «غير» صفة للقاعدين، ومن نصبها، جعلها ~~استثناء من القاعدين. وفي «الضرر» قولان. # أحدهما: أنه العجز بالزمانة والمرض، ونحوهما. قال ابن عباس: هم قوم ~~كانت تحبسهم عن الغزاة أمراض وأوجاع. وقال ابن جبير، وابن قتيبة: هم أولو ~~الزمانة. وقال الزجاج: الضرر: أن يكون ضريرا أو أعمى أو زمنا. # والثاني: أنه العذر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } ~~في هؤلاء القاعدين قولان. # أحدهما: أنهم القاعدون بالضرر، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: القاعدون من غير ضرر، قاله أبو سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: ~~والدرجة: الفضيلة. فأما الحسنى فهي الجنة في قول الجماعة. # قوله تعالى: { وفضل الله المجاهدين على القاعدين } قال ابن عباس: ~~القاعدون هاهنا: غير أولي الضرر، وقال سعيد بن جبير: هم الذين لا عذر ~~لهم. ### || [4.96] # قوله تعالى: { درجات منه } قال الزجاج: درجات في موضع نصب بدلا من قوله ~~أجرا عظيما، وهو مفسر للأجر. وفي المراد بالدرجات قولان. # أحدهما: أنها درجات الجنة، قال ابن محيريز: الدرجات: سبعون درجة ما بين ~~كل درجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، وإلى نحوه ذهب ~~مقاتل. # والثاني: أن معنى الدرجات: الفضائل، قاله سعيد بن جبير. قال قتادة: كان ~~يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، ~~والقتل في الجهاد درجة. # وقال ابن زيد: الدرجات: هي السبع التي ذكرها الله تعالى في براءة حين ~~قال: # ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ... # [التوبة:120] إلى قوله: # ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم... # [التوبة:121] فان قيل ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر في أول الكلام ~~درجة، وفي آخره درجات؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن الدرجة الأولى تفضيل المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر ~~منزلة. والدرجات: تفضيل المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر ms0420 منازل ~~كثيرة، وهذا معنى قول ابن عباس. # والثاني: أن الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم، والدرجات: منازل الجنة، ~~ذكره القاضي أبو يعلى. ### || [4.97] # قوله تعالى: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أن أناسا كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فلما خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى بدر لم تدع قريش أحدا إلا أخرجوه معهم، فقتل أولئك ~~الذين أقروا بالإسلام، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. ~~وقال قتادة: نزلت في أناس تكلموا بالإسلام فخرجوا مع أبي جهل، فقتلوا ~~يوم بدر، واعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم. # والثاني: أن قوما نافقوا يوم بدر، وارتابوا، وقالوا: غر هؤلاء دينهم ~~وأقاموا مع المشركين حتى قتلوا، فنزلت فيهم هذه الآية. رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في قوم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي، ضربت الملائكة وجهه ودبره، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. وفي «التوفي» قولان. # أحدهما: أنه قبض الأرواح بالموت، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: الحشر إلى النار، قاله الحسن. قال مقاتل: والمراد بالملائكة ~~ملك الموت وحده. # وقال في موضع آخر: ملك الموت وأعوانه، وهم ستة، ثلاثة يلون أرواح ~~المؤمنين، وثلاثة يلون أرواح الكفار. قال الزجاج: «ظالمي أنفسهم» نصب ~~على الحال، والمعنى: تتوفاهم في حال ظلمهم أنفسهم، والأصل. ظالمين، لأن ~~النون حذفت استخفافا. فأما ظلمهم لأنفسهم، فيحتمل على ما ذكر في قصتهم ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنه ترك الهجرة، # والثاني: رجوعهم إلى الكفر، # والثالث: الشك بعد اليقين. # والرابع: إعانة المشركين. # قوله تعالى: { فيم كنتم } قال الزجاج: هو سؤال توبيخ، والمعنى: كنتم في ~~المشركين أو في المسلمين. # قوله تعالى: { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } قال مقاتل: كنا مقهورين ~~في أرض مكة، لا نستطيع أن نذكر الإيمان، قالت الملائكة: { ألم تكن أرض ~~الله واسعة } يعني المدينة { فتهاجروا فيها } يعني: إليها. وقول الملائكة ~~لهم يدل على أنهم كانوا يستطيعون الهجرة. ### || [4.98-99] # قوله تعالى: ms0421 { إلا المستضعفين } سبب نزولها: أن المسلمين قالوا في حق ~~المستضعفين من المسلمين بمكة: هؤلاء بمنزلة الذين قتلوا ببدر، فنزلت هذه ~~الآية. قاله مجاهد. قال الزجاج: «المستضعفين» نصب على الاستثناء من قوله: ~~{ مأواهم جهنم } قال أبو سليمان: «المستضعفون» ذوو الأسنان، والنساء، ~~والصبيان. # قوله تعالى: { لا يستطيعون حيلة } أي: لا يقدرون على حيلة في الخروج من ~~مكة ولا على نفقة، ولا قوة. # وفي قوله تعالى: { ولا يهتدون سبيلا } قولان. # أحدهما: أنهم لا يعرفون الطريق إلى المدينة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ~~ومجاهد. # والثاني: أنهم لا يعرفون طريقا يتوجهون إليه، فإن خرجوا هلكوا، قاله ~~ابن زيد. وفي «عسى» قولان. أحدهما: أنها بمعنى الإيجاب، قاله الحسن. ~~والثاني: أنها بمعنى الترجي. فالمعنى: أنهم يرجون العفو، قاله الزجاج. ### || [4.100] # قوله تعالى: { يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة } قال سعيد بن جبير، ~~ومجاهد: متزحزحا عما يكره. وقال ابن قتيبة: المراغم والمهاجر: واحد، ~~يقال: راغمت وهاجرت، وأصله: أن الرجل كان إذا أسلم، خرج عن قومه ~~مراغما، أي: مغاضبا لهم، ومهاجرا، أي: مقاطعا من الهجران، فقيل ~~للمذهب: مراغم، وللمصير إلى النبي عليه السلام هجرة، لأنها كانت بهجرة ~~الرجل قومه. [قال الجعدي: عزيز المراغم والمذهب]. # وفي السعة قولان أحدهما: أنها السعة في الرزق، قاله ابن عباس، ~~والجمهور. # والثاني: التمكن من إظهار الدين، قاله قتادة. # قوله تعالى: { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } اتفقوا على ~~أنه نزل في رجل خرج مهاجرا، فمات في الطريق، واختلفوا فيه على ستة ~~أقوال. # أحدها: أنه ضمرة بن العيص، وكان ضريرا موسرا، فقال: احملوني فحمل، ~~وهو مريض، فمات عند التنعيم، فنزل فيه هذا الكلام، رواه سعيد بن جبير. # والثاني: أنه العيص بن ضمرة بن زنباع الخزاعي أمر أهله أن يحملوه على ~~سريره، فلما بلغ التنعيم، مات، فنزلت فيه هذه الآية، رواه أبو بشر عن ~~سعيد ابن جبير. # والثالث: أنه ابن ضمرة الجندعي مرض، فقال لبنيه، أخرجوني من مكة، فقد ~~قتلني غمها، فقالوا: أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة، يريد الهجرة، فخرجوا ~~به، فمات في الطريق، فنزل ms0422 فيه هذا، ذكره ابن إسحاق. وقال مقاتل: هو ~~جندب بن ضمرة. # والرابع: أن اسمه سبرة، فلما نزل قوله: { إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم } إلى قوله { مراغما كثيرا } قال لأهله وهو مريض: ~~احملوني، فإني موسر، ولي من المال ما يبلغني إلى المدينة، فلما جاوز ~~الحرم، مات. فنزل فيه هذا، قاله قتادة. # والخامس: أنه رجل من بني كنانة هاجر، فمات في الطريق، فسخر منه قومه، ~~فقالوا: لا هو بلغ ما يريد، ولا أقام في أهله حتى يدفن، فنزل فيه هذا، ~~قاله ابن زيد. # والسادس: أنه خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام، خرج مهاجرا، فمات في ~~الطريق، ذكره الزبير بن بكار، وقوله: «وقع» معناه: وجب. ### || [4.101] # قوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة } روى مجاهد عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، [قال]: فصلينا ~~الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لو كنا حملنا عليهم وهم في ~~الصلاة، فنزلت آية القصر فيما بين الظهر والعصر. والضرب في الأرض: السفر، ~~والجناح: الإثم، والقصر: النقص، والفتنة: القتل. وفي القصر قولان. # أحدهما: أنه القصر من عدد الركعات. # والثاني: أنه القصر من حدودها. وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز ~~إلا عند الخوف، وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو. وقيل: إن قوله { ~~أن تقصروا من الصلاة } كلام تام. وقوله: { إن خفتم } كلام مبتدأ، ~~ومعناه: وإن خفتم. # واختلف العلماء هل صلاة المسافر ركعتين مقصورة أم لا؟ فقال قوم: ليست ~~مقصورة، وإنما فرض المسافر ذلك، وهو قول ابن عمر، وجابر بن عبد الله، ~~وسعيد بن جبير، والسدي، وأبي حنيفة، فعلى هذا القول قصر الصلاة أن تكون ~~ركعة ولا يجوز ذلك إلا بوجود السفر والخوف، لأن عند هؤلاء أن الركعتين ~~في السفر إذا لم يكن فيه خوف تمام غير قصر، واحتجوا بما روى ابن عباس ms0423 ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد، فصف الناس خلفه صفين، صفا ~~خلفه، وصفا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء، إلى ~~مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا. وعن ابن عباس أنه قال: ~~فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي ~~الخوف ركعة. # والثاني: أنها مقصورة، وليست بأصل، وهو قول مجاهد، وطاووس، وأحمد، ~~والشافعي. قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: عجبت من قصر الناس ~~اليوم، وقد أمنوا، وإنما قال الله تعالى: { إن خفتم } فقال عمر: عجبت ~~مما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقة ~~تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته. # فصل # وإنما يجوز للمسافر القصر إذا كان سفره مباحا، وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز له القصر في سفر المعصية. فأما مدة ~~الإقامة التي إذا نواها أتم الصلاة، وإن نوى أقل منها، قصر، فقال ~~أصحابنا: إقامة اثنين وعشرين صلاة. وقال أبو حنيفة: خمسة عشر يوما. ~~وقال مالك، والشافعي: أربعة أيام. ### || [4.102] # قوله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } سبب نزولها: أن ~~المشركين لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قد صلوا الظهر، ~~ندموا إذ لم يكبوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم صلاة هي ~~أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون العصر، فإذا قاموا فشدوا ~~عليهم، فلما قاموا إلى صلاة العصر، نزل جبريل بهذه الآية. رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # قوله تعالى: { وإذا كنت فيهم } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~يدل على أن الحكم مقصور عليه، فهو كقوله # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103] وقال أبو يوسف: لا تجوز صلاة الخوف بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والهاء والميم من «فيهم» تعود على الضاربين في الأرض. # قوله تعالى: { فأقمت لهم الصلاة } أي: ابتدأتها، { فلتقم طائفة منهم معك ~~} أي: لتقف. ومثله # وإذا أظلم عليهم قاموا # [البقرة: 20] { وليأخذوا أسلحتهم } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم الباقون، قاله ابن عباس. ms0424 # والثاني: أنهم المصلون معه، ذكره ابن جرير. قال: وهذا السلاح كالسيف، ~~يتقلده الإنسان، والخنجر يشده إلى ذراعه. # قوله تعالى: { فإذا سجدوا } يعني المصلين معه { فليكونوا } في المشار ~~إليهم قولان. # أحدهما: أنهم طائفة التي لم تصل، أمرت أن تحرس الطائفة المصلية، وهذا ~~معنى قول ابن عباس. # والثاني: أنهم المصلون معه أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحرس. # واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود، فقال قوم: إذا أتموا مع ~~الإمام ركعة أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم. # وقال آخرون: ينصرفون عن ركعة، واختلف هؤلاء، فقال بعضهم: إذا صلوا مع ~~الإمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم. وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ينصرفون ~~عن تلك الركعة إلى الحرس وهم على صلاتهم، فيكونون في وجه العدو مكان ~~الطائفة الأخرى التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة. واختلفوا في الطائفة ~~الأخرى، فقال قوم: إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة ~~الفائتة، ثم يسلم بهم وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، ~~فإذا سلم قضوا ما فاتهم، وقال آخرون: بل يصلي بالطائفة الثانية ركعة ~~ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما ~~بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها، وهذا مذهب أبي ~~حنيفة. # قوله تعالى: { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } قال ابن عباس: يريد الذين صلوا ~~أولا. وقال الزجاج: يجوز أن يريد به الذين وجاه العدو، لأن المصلي غير ~~مقاتل، ويجوز أن يكون الجماعة أمروا بحمل السلاح، لأنه أرهب للعدو، وأحرى ~~أن لا يقدموا عليهم. و«الجناح»: الإثم، وهو من: جنحت: إذا عدلت عن ~~المكان، وأخذت جانبا عن القصد. والمعنى: أنكم إذا وضعتم أسلحتكم، لم ~~تعدلوا عن الحق. # قوله تعالى: { إن كان بكم أذى من مطر } قال ابن عباس: رخص لهم في وضع ~~الأسلحة لثقلها على المريض وفي المطر، وقال: وخذوا حذركم كي لا ~~يتغفلوكم. ### || [4.103] # قوله تعالى: { فإذا قضيتم الصلاة } يعني صلاة الخوف، و«قضيتم» بمعنى: ~~فرغتم. # قوله تعالى: { فاذكروا الله } في هذا الذكر ms0425 قولان. # أحدهما: أنه الذكر لله في غير الصلاة، وهذا قول ابن عباس، والجمهور ~~قالوا: وهو التسبيح، والتكبير، والدعاء، والشكر. # والثاني: أنه الصلاة فيكون المعنى: فصلوا قياما، فان لم تستطيعوا ~~فقعودا، فان لم تستطيعوا فعلى جنوبكم، هذا قول ابن مسعود. وفي المراد ~~بالطمأنينة قولان. # أحدهما: أنه الرجوع إلى الوطن عن السفر، وهو قول الحسن، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه الأمن بعد الخوف، وهو قول السدي، والزجاج، وأبي سليمان ~~الدمشقي. # وفي إقامة الصلاة قولان. # أحدهما: إتمامها، قاله مجاهد، وقتادة، والزجاج، وابن قتيبة. # والثاني: أنه إقامة ركوعها وسجودها، وما يجب فيها مما قد يترك في حالة ~~الخوف، هذا قول السدي. # قوله تعالى: { كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } أي: فرضا. وفي ~~«الموقوت» قولان. # أحدهما: أنه بمعنى المفروض، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد. # والثاني: أنه الموقت في أوقات معلومة، وهو قول ابن مسعود، وقتادة، وزيد ~~ابن أسلم، وابن قتيبة. ### || [4.104] # قوله تعالى: { ولا تهنوا في ابتغاء القوم } قال أهل التفسير: سبب ~~نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما انصرفوا من أحد أن ~~يسيروا في أثر أبي سفيان وأصحابه، فشكوا ما بهم من الجراحات، فنزلت هذه ~~الآية. قال الزجاج: ومعنى«تهنوا» تضعفوا، يقال: وهن يهن: إذا ~~ضعف، وكل ضعف فهو وهن.وابتغى القوم: طلبهم بالحرب. و«القوم» ~~هاهنا: الكفار { إن تكونوا تألمون } أي: توجعون، فانهم يجدون من الوجع ~~بما ينالهم من الجراح والتعب، كما تجدون، وأنتم مع ذلك ترجون مالا يرجون، ~~وفي هذا الرجاء قولان. # أحدهما: أنه الأمل، قاله مقاتل. قال الزجاج: وهو إجماع أهل اللغة ~~الموثوق بعلمهم. # والثاني: أنه الخوف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الفراء: ولم يوجد ~~الخوف بمعنى الرجاء إلا ومعه جحد، [فإذا كان كذلك كان الخوف على جهة ~~الرجاء والخوف، وكان الرجاء كذلك] كقوله # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] وقوله # لا يرجون أيام الله # [الجاثية:14] قال الشاعر: # لا ترتجي حين تلاقي الزائدا # أسبعة لاقت معا أم واحدا # وقال الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في ms0426 بيت نوب عوامل # ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك. # قال الزجاج: وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف، لأنه أمل قد يخاف أن ~~لا يتم، فعلى القول الأول يكون المعنى: ترجون النصر وإظهار دينكم ~~والجنة. وعلى الثاني: تخافون من عذاب الله ما لا يخافون. ### || [4.105] # قوله تعالى: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لقتادة بن النعمان، وكان الدرع في ~~جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق الجراب، حتى انتهى إلى ~~الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة، فلم توجد ~~عنده، وحلف: مالي بها علم، فقال أصحابها: بلى والله، لقد دخل علينا ~~فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق، فلما حلف تركوه، ~~واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه، فقال: دفعها ~~إلي طعمة، فقال قوم طعمة: إنطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وليجادل عن صاحبنا فإنه بريء، فأتوه فكلموه في ذلك، فهم أن يفعل، ~~وأن يعاقب اليهودي، فنزلت هذه الآيات كلها. رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا من اليهود استودع طعمة بن أبيرق درعا، فخانها، فلما ~~خاف اطلاعهم عليها، ألقاها في دار أبي مليل الأنصاري، فجادل قوم طعمة ~~عنه، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه أن يبرئه، ويكذب اليهودي، ~~فنزلت الآيات، هذا قول السدي، ومقاتل. # والثالث أن مشربة رفاعة بن زيد نقبت، وأخذ طعامه وسلاحه، فاتهم به بنو ~~أبيرق، وكانوا ثلاثة بشير، ومبشر، وبشر، فذهب قتادة بن النعمان إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أهل بيت منا فيهم جفاء ~~نقبوا مشربة لعمي رفاعة بن زيد، وأخذوا سلاحه، وطعامه، فقال: أنظر في ~~ذلك، فذهب قوم من قوم بني أبيرق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ~~إن قتادة بن النعمان، وعمه، عمدوا إلى أهل بيت منا يرمونهم بالسرقة ~~وهم أهل بيت إسلام وصلاح، فقال النبي لقتادة: رميتهم ms0427 بالسرقة على غير ~~بينة! فنزلت هذه الآيات. قاله قتادة بن النعمان. # والكتاب: القرآن. والحق: الحكم بالعدل. { لتحكم بين الناس }: أي لتقضي ~~بينهم. # وفي قوله { بما أراك الله } قولان. # أحدهما: أنه الذي علمه، والذي علمه أن لا يقبل دعوى أحد على أحد إلا ~~ببرهان. # والثاني: أنه ما يؤدي إليه اجتهاده، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ولا تكن للخائنين خصيما } قال الزجاج: لا تكن مخاصما، ~~ولا دافعا عن خائن. واختلفوا هل خاصم عنه أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنه قام خطيبا فعذره. رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه هم بذلك، ولم يفعله، قاله سعيد بن جبير، وقتادة. قال ~~القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن ~~غيره في إثبات حق أو نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره، لأن الله تعالى ~~عاتب نبيه على مثل ذلك. ### || [4.106] # قوله تعالى: { واستغفر الله } في الذي أمر بالاستغفار منه قولان. # أحدهما: أنه القيام بعذره. # والثاني: أنه العزم على ذلك. ### || [4.107-108] # قوله تعالى: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } أي: يخونون ~~أنفسهم، فيجعلونها خائنة بارتكاب الخيانة. قال عكرمة: والمراد بهم: طعمة ~~بن أبيرق، وقومه الذين جادلوا عنه. وفي حديث العوفي عن ابن عباس قال: ~~انطلق نفر من عشيرة طعمة ليلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إن صاحبنا بريء. و«الاستخفاء»: الاستتار، والمعنى: يستترون من ~~الناس لئلا يطلعوا على خيانتهم وكذبهم، ولا يستترون من الله، وهو معهم ~~بالعلم. وكل ما فكر فيه، أو خيض فيه بليل، فقد بيت. وجمهور ~~العلماء على أن المشار إليه بالاستخفاء، والتبييت، قوم طعمة. # والذي بيتوا: احتيالهم في براءة صاحبهم بالكذب. وقال الزجاج: هو السارق ~~نفسه، والذي بيت أنه قال: أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع، وأحلف أني لم ~~أسرقها، فتقبل يميني، ولا تقبل يمين اليهودي. ### || [4.109] # قوله تعالى: { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم } قال الزجاج: «ها» للتنبيه، ~~وأعيدت في أوله. والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم. و«المجادلة، والجدال»: ~~شدة المخاصمة، و«الجدل» شدة الفتل. والكلام يعود إلى من ms0428 احتج عن ~~السارق. فأما قوله: «عنهم» فانه عائد إلى السارق. و«عليهم» بمعنى «لهم». ~~والوكيل: القائم بأمر من وكله، فكأنه قال: من الذي يتوكل لهم منكم في ~~خصومة ربهم؟! ### || [4.110] # قوله تعالى: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } اختلفوا في نزولها على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت خطابا للسارق، وعرضا للتوبة عليه. رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد، ومقاتل. # والثاني: أنها للذين جادلوا عنه من قومه، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه عنى بها كل مسيء ومذنب. ذكره أبو سليمان الدمشقي. ~~وإطلاقها لا يمنع أن تكون نزلت على سبب. وفي هذا السوء ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه السرقة. # والثاني: الشرك. # والثالث: أنه كل ما يأثم به. وفي هذا الظلم قولان. # أحدهما: أنه رمي البريء بالتهمة. # والثاني: ما دون الشرك. ### || [4.111] # قوله تعالى: { ومن يكسب إثما } أي: ومن يعمل ذنبا { فإنما يكسبه على ~~نفسه } يقول: إنما يعود وباله عليه. قاله مقاتل، وهذه في طعمة أيضا. ### || [4.112] # قوله تعالى: { ومن يكسب خطيئة أو إثما } جمهور العلماء على أنها نزلت ~~متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق. وقد روى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في ~~عبد الله ابن أبي بن سلول إذ رمى عائشة عليها السلام بالإفك. # وفي قوله: { خطيئة أو إثما } أربعة أقوال. # أحدها: أن «الخطيئة» يمين السارق الكاذبة، و«الإثم»: سرقته الدرع، ~~ورميه اليهودي، قاله ابن السائب. # والثاني: أن «الخطيئة» ما يتعلق به من الذنب، و«الإثم»: قذفه البريء، ~~قاله مقاتل. # والثالث: أن «الخطيئة» قد تقع عن عمد، وقد تقع عن خطأ، و«الإثم»: يختص ~~العمد. قاله ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. وذكر الزجاج أن الخطيئة نحو ~~قتل الخطأ الذي يرتفع فيه الإثم. # والرابع: أنه لما سمى الله عز وجل بعض المعاصي خطيئة، وبعضها إثما، ~~أعلم أن من كسب ما يقع عليه أحد هذين الاسمين، ثم قذف به بريئا، فقد ~~احتمل بهتانا، ذكره الزجاج أيضا فأما قوله: # { ثم يرم به بريئا } أي: يقذف بما جناه بريئا منه. # فإن قيل: الخطيئة والإثم اثنان، ms0429 فكيف قال: به، فعنه أربعة أجوبة. # أحدها: أنه أراد: ثم يرم بهما، فاكتفى بإعادة الذكر على الإثم من ~~إعادته على الخطيئة، كقوله: { انفضوا إليها } فخص التجارة، والمعنى ~~للتجارة واللهو. # والثاني: أن الهاء تعود على الكسب، فلما دل ب «يكسب» على الكسب، كنى ~~عنه. والثالث: أن الهاء راجعة على معنى الخطيئة والإثم، كأنه قال: ومن ~~يكسب ذنبا، ثم يرم به. ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. # والرابع: أن الهاء تعود على الإثم خاصة، قاله ابن جرير الطبري. # وفي المراد بالبريء الذي قذفه هذا السارق قولان. # أحدهما: أنه كان يهوديا، قاله ابن عباس، وعكرمة، وابن سيرين، وقتادة، ~~وابن زيد، وسماه عكرمة، وقتادة: زيد بن السمير. # والثاني: أنه كان مسلما، روي عن ابن عباس، وقتادة بن النعمان، والسدي، ~~ومقاتل. واختلفوا في ذلك المسلم، فقال الضحاك عن ابن عباس: هو عائشة لما ~~قذفها ابن أبي، وقال قتادة بن النعمان: هو لبيد بن سهل، وقال السدي، ~~ومقاتل: هو أبو مليل الأنصاري. فأما البهتان: فهو الكذب الذي يحير من ~~عظمه، يقال: بهت الرجل: إذا تحير. قال ابن السائب: فقد احتمل بهتانا ~~برميه البريء، وإثما مبينا بيمينه الكاذبة. ### || [4.113] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليك ورحمته } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنها متعلقة بقصة طعمة وقومه، حيث لبسوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر صاحبهم، هذا قول ابن عباس من طريق ابن السائب. # والثاني: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر، وعلى أن تمتعنا بالعزى ~~سنة، فلم يجبهم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك. # وفي المراد بفضل الله ورحمته قولان. # أحدهما: النبوة والعصمة. # والثاني: الإسلام والقرآن، رويا عن ابن عباس. # قال مقاتل: لولا فضل الله عليك حيث بين لك أمر طعمة، وحولك بالقرآن عن ~~تصديق الخائن؛ لهمت طائفة منهم أن يضلوك. قال الفراء: والمعنى: ~~لقد همت. # فإن قيل: كيف قال: { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة } وقد ~~همت باضلاله؟ ms0430 فالجواب: أنه لولا فضل الله عليك ورحمته، لظهر تأثير ما ~~هموا به. فأما الطائفة، فعلى رواية ابن السائب عن ابن عباس: قوم طعمة، ~~وعلى رواية الضحاك: وفد ثقيف. # وفي الإضلال قولان. # أحدهما: التخطئة في الحكم. # والثاني: الاستزلال عن الحق. # قال الزجاج: وما يضلون إلا أنفسهم، لأنهم يعملون عمل الضالين، فيرجع ~~الضلال إليهم. فأما «الكتاب»، فهو القرآن. # وفي «الحكمة» ثلاثة أقوال. # أحدها: القضاء بالوحي، قاله ابن عباس. # والثاني: الحلال والحرام، قاله مقاتل # والثالث: بيان ما في الكتاب، وإلهام الصواب، وإلقاء صحة الجواب في ~~الروع، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي قوله: { وعلمك ما لم تكن تعلم } ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الشرع، قاله ابن عباس ومقاتل. # والثاني: أخبار الأولين والآخرين، قاله أبو سليمان. # والثالث: الكتاب والحكمة، ذكره الماوردي. # وفي قوله: { وكان فضل الله عليك عظيما } ثلاثة اقوال. # أحدها: أنه المنة بالإيمان. # والثاني: المنة بالنبوة، هذان عن ابن عباس. # والثالث: أن عام في جميع الفضل الذي خصه الله به، قاله أبو سليمان. ### || [4.114] # قوله تعالى: { لا خير في كثير من نجواهم } قال ابن عباس: هم قوم طعمة، ~~وقال مقاتل: وكلهم يهود تناجوا في أمر طعمة، وقال مجاهد: هو عام في نجوى ~~جميع الناس. قال الزجاج: ومعنى النجوى: ما تنفرد به الجماعة أو الاثنان، ~~سرا كان أو ظاهرا. ومعنى «نجوت الشيء» في اللغة: خلصته وألقيته، ~~يقال: نجوت الجلد: إذا ألقيته عن البعير وغيره. قال الشاعر: # فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنه # سيرضيكما منها سنام وغاربه # وقد نجوت فلانا: إذا استنكهته، قال الشاعر: # نجوت مجالدا فوجدت منه # كريح الكلب مات قديم عهد # وأصله كله من النجوة، وهو ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر يصف سيلا: # فمن بنجوته كمن بعقوته # والمستكن كمن يمشي بقرواح # والمراد بنجواهم: ما يدبرونه بينهم من الكلام. # فأما قوله: { إلا من أمر بصدقة } ، فيجوز أن يكون بمعنى: إلا في ~~نجوى من أمر بصدقة، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، فيكون بمعنى: ~~لكن من أمر بصدقة، ففي نجواهم خير. وأما قوله: { أمر بصدقة ms0431 } فالمعنى ~~حث عليها. # وأما المعروف، ففيه قولان. # أحدهما: أنه الفرض، روي عن ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنه عام في جميع أفعال البر، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وأبي ~~سليمان الدمشقي. ### || [4.115] # قوله تعالى: { ومن يشاقق الرسول } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنه لما نزل القرآن بتكذيب طعمة، وبيان ظلمه، وخاف على نفسه من ~~القطع والفضيحة، هرب إلى مكة، فلحق بأهل الشرك، فنزلت هذه الآية، هذا ~~قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والسدي. وقال مقاتل: لما قدم مكة نزل ~~على الحجاج بن علاط السلمي فأحسن نزله، فبلغه أن في بيته ذهبا، فخرج في ~~الليل فنقب حائط البيت، فعلموا به فأحاطوا البيت، فلما رأوه أرادوا، أن ~~يرجموه، فاستحيا الحجاج، لأنه ضيفه، فتركوه، فخرج، فلحق بحرة بني سليم ~~يعبد صنمهم حتى مات على الشرك، فنزل فيه: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقال غيره: بل خرج مع تجار فسرق منهم ~~شيئا، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقيل: ركب سفينة، فسرق فيها مالا، ~~فعلم به، فألقي في البحر. # والقول الثاني: أن قوما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأسلموا، ثم ارتدوا، فنزلت فيهم هذه الآية، روي عن ابن عباس. ومعنى ~~الآية: ومن يخالف الرسول في التوحيد، والحدود، من بعد ما تبين له ~~التوحيد والحكم، ويتبع غير دين المسلمين، نوله ما تولى، أي: نكله إلى ~~ما اختار لنفسه، ونصله جهنم: ندخله إياها. # قال ابن فارس: تقول صليت اللحم أصليه: إذا شويته، فإن أردت أنك أحرقته، ~~قلت: أصليته. وساءت مصيرا، أي: مرجعا يصار إليه. ### || [4.116] # قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنها نزلت في حق طعمة بن أبيرق لما هرب من مكة، ومات على الشرك، ~~وهذا قول الجمهور، منهم سعيد بن جبير. # والثاني: أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: إني منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله منذ عرفته، وإني ~~لنادم مستغفر، ms0432 فما حالي؟ فنزلت هذه الآية، روي عن ابن عباس. فأما ~~تفسيرها، فقد تقدم. ### || [4.117-118] # قوله تعالى: { إن يدعون من دونه إلا إناثا } «إن» بمعنى: «ما» ~~و«يدعون» بمعنى: يعبدون. والهاء في «دونه» ترجع إلى الله عز وجل. ~~والقراءة المشهورة إناثا. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ~~وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: إلا وثنا، بفتح الواو، ~~والثاء من غير ألف. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين: أنثا، برفع الهمزة ~~والنون من غير ألف. وقرأ أبو العالية، ومعاذ القارى، وأبو نهيك: أناثا، ~~برفع الهمزة وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو السوار العدوي، وأبو شيخ ~~الهنائي: أوثانا، بهمزة مفتوحة بعدها واو وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو ~~هريرة، والحسن، والجوني: إلا أنثى، على وزن «فعلى». وقرأ أيوب ~~السختياني: إلا وثنا، برفع الواو والثاء من غير ألف. وقرأ مورق ~~العجلي: أثنا، برفع الهمزة والثاء من غير ألف. قال الزجاج: فمن قال: ~~إناثا، فهو جمع أنثى وإناث، ومن قال أنثا، فهو جمع إناث، ومن قال: ~~أثنا، فهو جمع وثن، والأصل وثن، إلا أن الواو إذا انضمت جاز ~~إبدالها همزة، كقوله تعالى: # وإذا الرسل أقتت # [المرسلات: 11]. الأصل: وقتت. وجائز أن يكون أثن أصلها: أثن، فأتبعت ~~الضمة الضمة، وجائز أن يكون أثن، مثل أسد وأسد. # فأما المفسرون، فلهم في معنى الإناث أربعة أقوال. # أحدها: أن الإناث بمعنى الأموات، قاله ابن عباس، والحسن، في رواية، ~~وقتادة. قال الحسن: كل شيء لا روح فيه، كالحجر، والخشبة، فهو إناث. قال ~~الزجاج: والموات كلها يخبر عنها، كما يخبر عن المؤنث، تقول من ذلك: ~~الأحجار تعجبني، والدراهم تنفعني. # والثاني: أن الإناث: الأوثان، وهو قول عائشة، ومجاهد. # والثالث: أن الإناث اللات والعزى ومناة، كلهن مؤنث، وهذا قول أبي ~~مالك، وابن زيد، والسدي. وروى أبو رجاء عن الحسن قال: لم يكن حي من ~~أحياء العرب إلا ولهم صنم يسمونه: أنثى بني فلان، فنزلت هذه الآية. # قال الزجاج: والمعنى: ما يدعون إلا ما يسمونه باسم الإناث. # والرابع: أنها الملائكة كانوا يزعمون أنها بنات الله، قاله ms0433 الضحاك. # وفي المراد بالشيطان ثلاثة أقوال. # أحدها: شيطان يكون في الصنم. قال ابن عباس: في كل صنم شيطان يتراءى ~~للسدنة فيكلمهم. وقال أبي بن كعب: مع كل صنم جنية. # والثاني: أنه إبليس. وعبادته: طاعته فيما سول لهم، هذا قول مقاتل، ~~والزجاج. # والثالث: أنه أصنامهم التي عبدوا، ذكره الماوردي. فأما «المريد»، فقال ~~الزجاج: «المريد»: المارد، وهو الخارج عن الطاعة، ومعناه: أنه قد مرد في ~~الشر، يقال: مرد الرجل يمرد مرودا: إذا عتا، وخرج عن الطاعة. وتأويل ~~المرود: أن يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف، وأصله ~~في اللغة: املساس الشيء، ومنه قيل للانسان: أمرد: إذا لم يكن في وجهه ~~شعر، وكذلك يقال: شجرة مرداء: إذا تناثر ورقها، وصخرة مرداء: إذا كانت ~~ملساء. # وفي قوله: { لعنه الله } قولان. # أحدهما: أنه ابتداء دعاء عليه باللعن، وهو قول من قال: هو الأوثان. # والثاني: أنه إخبار عن لعن متقدم، وهو قول من قال: هو إبليس. قال ابن ~~جرير: المعنى: قد لعنه الله. قاله ابن عباس: معنى الكلام: دحره الله، ~~وأخرجه من الجنة. وقال يعني إبليس : لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. ~~وقال ابن قتيبة: أي: حظا افترضته لنفسي منهم فأضلهم. وقال مقاتل: ~~النصيب المفروض: أن من كل ألف إنسان واحد في الجنة، وسائرهم في ~~النار قال الزجاج: «الفرض» في اللغة: القطع، و«الفرضة»: الثلمة تكون في ~~النهر. و«الفرض» في القوس: الحز الذي يشد فيه الوتر، والفرض فيما ألزمه ~~الله العباد: جعله حتما عليهم قاطعا. ### || [4.119] # قوله تعالى: { ولأضلنهم } قال ابن عباس: عن سبيل الهدى، وقال غيره: ليس ~~له من الضلال سوى الدعاء إليه. وفي قوله: { ولأمنينهم } أربعة أقوال. # أحدها: أنه الكذب الذي يخبرهم به، قال ابن عباس: يقول لهم: لا جنة، ولا ~~نار، ولا بعث. # والثاني: أنه التسويف بالتوبة، روي عن ابن عباس. # والثالث: أنه إيهامهم أنهم سينالون من الآخرة حظا، قاله الزجاج. # والرابع: أنه تزيين الأماني لهم، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { فليبتكن آذان الأنعام } قال قتادة، وعكرمة، والسدي: هو شق ms0434 ~~أذن البحيرة. قال الزجاج: ومعنى «يبتكن»: يشققن، يقال: بتكت الشيء ~~أبتكه بتكا: إذا قطعته، وبتكه وبتك، مثل: قطعه وقطع. وهذا في ~~البحيرة كانت الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن، وكان الخامس ذكرا، ~~شقوا أذن الناقة، وامتنعوا من الانتفاع بها، ولم تطرد عن ماء، ولا ~~مرعى، وإذا لقيها المعيي، لم يركبها. سول لهم إبليس أن هذا قربة إلى ~~الله تعالى. # وفي المراد بتغيير خلق الله خمسة أقوال. # أحدها: أنه تغيير دين الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن في رواية، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، والنخعي، والضحاك، والسدي، ~~وابن زيد، ومقاتل. وقيل: معنى تغيير الدين: تحليل الحرام، وتحريم ~~الحلال. # والثاني: أنه تغيير الخلق بالخصاء، رواه عكرمة عن ابن عباس، وهو مروي ~~عن أنس بن مالك. وعن مجاهد، وقتادة، وعكرمة، كالقولين. # والثالث: أنه التغيير بالوشم، وهو قول ابن مسعود، والحسن في رواية. # والرابع: أنه تغيير أمر الله، رواه أبو شيبة عن عطاء. # والخامس: أنه عبادة الشمس والقمر والحجارة، وتحريم ما حرموا من ~~الأنعام، وإنما خلق ذلك للانتفاع به، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله } في المراد بالولي ~~قولان. # أحدهما: أنه بمعنى الرب، قاله مقاتل. # والثاني: من الموالاة، قاله أبو سليمان الدمشقي. فان قال قائل: من أين ~~لإبليس العلم بالعواقب حتى قال: ولأضلنهم. وقال في [الأعراف: 17]: # ولا تجد أكثرهم شاكرين # وقال في [بني إسرائيل: 62]: { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } فعنه ~~ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه ظن ذلك، فتحقق ظنه، وذلك قوله تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # [سبأ: 20] قاله الحسن، وابن زيد. # وفي سبب ذلك الظن قولان. # أحدهما: أنه لما قال الله تعالى له: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [ص: 85] علم أنه ينال ما يريد. والثاني: أنه لما استزل آدم، قال: ~~ذرية هذا أضعف منه. # والثاني: أن المعنى: لأحرضن ولأجتهدن في ذلك، لا انه كان يعلم الغيب، ~~قاله ابن الأنباري. # والثالث: أن من الجائز أن يكون علم من جهة الملائكة بخبر من الله تعالى ms0435 ~~أن أكثر الخلق لا يشكرون، ذكره الماوردي. # فان قيل: فلم اقتصر على بعضهم فقال: { نصيبا مفروضا } وقال: # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17] وقال: { إلا قليلا }؛ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه يجوز أن يكون علم مآل الخلق من جهة الملائكة، كما بينا. # والثاني: أنه لم ينل من آدم كل ما يريد، طمع في بعض أولاده، وأيس من ~~بعض. # والثالث: انه لما عاين الجنة والنار، علم أنهما خلقتا لمن يسكنهما، ~~فأشار بالنصيب المفروض إلى ساكني النار. # قوله تعالى: { يعدهم } يعني: الشيطان يعد أولياءه. وفيما يعدهم به ~~قولان. # أحدهما: أنه لا بعث لهم، قاله مقاتل. والثاني: النصرة لهم، ذكره أبو ~~سليمان الدمشقي. وفيما يمنيهم قولان. # أحدهما: الغرور والأماني، مثل أن يقول: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا ~~مرادك. # والثاني: الظفر بأولياء الله. ### || [4.120-122] # قوله تعالى: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي: باطلا يغرهم به. ~~فأما المحيص، فقال الزجاج: هو المعدل والملجأ، يقال: حصت عن الرجل ~~أحيص، ورووا: جضت أجيض بالجيم والضاد، بمعنى: حصت، ولا يجوز ذلك في ~~القرآن، وإن كان المعنى واحدا، لأن القراءة سنة، والذي في القرآن ~~أفصح مما يجوز، ويقال: حصت أحوص حوصا وحياصة: إذا خطت، قال الأصمعي: ~~يقال: حص عين صقرك، أي: خط عينه، والحوص في العين: ضيق مؤخرها، ويقال: ~~وقع في حيص بيص. وحاص باص: إذا وقع فيما لا يقدر على التخلص منه. ### || [4.123] # قوله تعالى: { ليس بأمانيكم } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن أهل الأديان اختصموا، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ~~ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال المسلمون: كتابنا ~~نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم الأنبياء، فنزلت هذه الآية، ثم خير بين ~~الأديان بقوله: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } رواه العوفي عن ابن ~~عباس وإلى هذا المعنى ذهب مسروق، وأبو صالح، وقتادة، والسدي. # والثاني: أن العرب قالت: لا نبعث، ولا نعذب، ولا نحاسب، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول مجاهد. # والثالث: أن اليهود والنصارى قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: ~~لا نبعث، فنزلت ms0436 هذه الآية، هذا قول عكرمة. # قال الزجاج: اسم «ليس» مضمر، والمعنى: ليس ثواب الله عز وجل بأمانيكم، ~~وقد جرى ما يدل على الثواب، وهو قوله: { سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } وفي المشار إليهم بقوله «أمانيكم» قولان. # أحدهما: أنهم المسلمون على قول الأكثرين. # والثاني: المشركون على قول مجاهد. فأما أماني المسلمين، فما نقل من ~~قولهم: كتابنا ناسخ للكتب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأماني المشركين قولهم: ~~لا نبعث، وأماني أهل الكتاب قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإن النار ~~لا تمسنا إلا أياما معدودة، وإن كتابنا خير الكتب، ونبينا خير ~~الأنبياء، فأخبر الله عز وجل أن دخول الجنة والجزاء، بالأعمال لا ~~بالأماني. وفي المراد «بالسوء» قولان. # أحدهما: أنه المعاصي، ومنه حديث أبي بكر الصديق أنه قال: يا رسول الله ~~كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ { ومن يعمل سوءا يجز به } فإذا عملنا سوءا ~~جزينا به فقال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست ~~تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به. # والثاني: أنه الشرك، قاله ابن عباس، ويحيى بن أبي كثير. وفي هذا الجزاء ~~قولان. # أحدهما: أنه عام في كل من عمل سوءا فإنه يجازى به، وهو معنى قول أبي ~~بن كعب، وعائشة، واختاره ابن جرير، واستدل عليه بحديث أبي بكر الذي ~~قدمناه. # والثاني: أنه خاص في الكفار يجازون بكل ما فعلوا، فأما المؤمن فلا ~~يجازى بكل ما جنى، قاله الحسن البصري. وقال ابن زيد: وعد الله المؤمنين ~~أن يكفر عنهم سيآتهم، ولم يعد المشركين. # قوله تعالى: { ولا يجد له من دون الله وليا } قال أبو سليمان: لا يجد ~~من أراد الله أن يجزيه بشيء من عمله وليا وهو القريب، ولا ناصرا ~~يمنعه من عذاب الله وجزائه. ### || [4.124] # قوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } قال ~~مسروق: لما نزلت { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } قال أهل الكتاب: ~~نحن وأنتم سواء، فنزلت { ومن يعمل من الصالحات... } الآية، وهذه تدل على ~~ارتباط الإيمان بالعمل الصالح، فلا يقبل أحدهما ms0437 إلا بوجود الآخر، وقد ~~سبق ذكر «النقير». ### || [4.125] # قوله تعالى: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } قال ابن عباس: خير ~~الله بين الأديان بهذه الآية. و«أسلم» بمعنى: أخلص. وفي «الوجه» قولان. # أحدهما: أنه الدين. # والثاني: العمل. وفي الإحسان قولان. # أحدهما: أنه التوحيد، قاله ابن عباس. # والثاني: القيام لله بما فرض الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي اتباع ملة إبراهيم قولان. # أحدهما: اتباعه على التوحيد والطاعة. # والثاني: اتباع شريعته، اختاره القاضي أبو يعلى. فأما الخليل، فقال ابن ~~عباس: الخليل: الصفي، وقال غيره: المصافي، وقال الزجاج: هو المحب الذي ~~ليس في محبته خلل. قال: وقيل: الخليل: الفقير، فجائز أن يكون إبراهيم ~~سمي خليل الله بأنه أحبه محبة كاملة، وجائز أن يكون لأنه لم يجعل ~~فقره وفاقته إلا إليه، و «الخلة»: الصداقة، لأن كل واحد يسد ~~خلل صاحبه، و«الخلة» بفتح الخاء: الحاجة، سميت خلة للاختلال الذي ~~يلحق الانسان فيما يحتاج إليه، وسمي الخل الذي يؤكل خلا، لأنه اختل ~~منه طعم الحلاوة. وقال ابن الأنباري: الخليل: فعيل من الخلة، والخلة: ~~المودة. وقال بعض أهل اللغة: الخليل: المحب، والمحب الذي ليس في محبته ~~نقص ولا خلل، والمعنى: أنه كان يحب الله، ويحبه الله محبة لا نقص فيها، ~~ولا خلل، ويقال: الخليل: الفقير، فالمعنى: اتخذه فقيرا إليه ينزل فقره ~~وفاقته به، لا بغيره. وفي سبب اتخاذ الله له خليلا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام، روى عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال لإطعامه الطعام ". # والثاني: أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون ~~الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإبل ~~إلى صديقه، فلم يعطهم شيئا? فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى ~~الناس أنا قد جئنا بميرة، فملؤوا الغرائر رملا، ثم أتوا إبراهيم عليه ~~السلام، فأعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق. فنام وجاءت سارة وهي لا ~~تعلم ما كان? ففتحت الغرائر، فاذا ms0438 دقيق حواري، فأمرت الخبازين فخبزوا، ~~وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من ~~عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل، فيومئذ اتخذه ~~الله خليلا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل. ### || [4.126] # قوله تعالى: { وكان الله بكل شيء محيطا } أي: أحاط علمه بكل شيء. ### || [4.127] # قوله تعالى: { ويستفتونك في النساء } في سبب نزولها خمسة أقوال. # أحدها: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، فلما فرض ~~الله المواريث في هذه السورة، شق ذلك عليهم، فسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أن ولي اليتيمة كان يتزوجها إذا كانت جميلة وهويها، ~~فيأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت، فاذا ماتت ورثها، ~~فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنهم كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن، ويتملك ذلك ~~أولياؤهن، فلما نزل قوله: { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة رضي الله ~~عنها. # والرابع: # " أن رجلا كانت له امرأة كبيرة، وله منها أولاد، فأراد طلاقها، فقالت: ~~لا تفعل، واقسم لي في كل شهر إن شئت أو أكثر، فقال: لئن كان هذا يصلح، ~~فهو أحب إلي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، ~~فقال:«قد سمع الله ما تقول فإن شاء أجابك»، فنزلت هذه الآية، والتي بعدها ~~" # ، رواه سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. # والخامس: أن ولي اليتيمة كان إذا رغب في مالها وجمالها لم يبسط لها في ~~صداقها، فنزلت هذه الآية، ونهوا أن ينكحوهن، أو يبلغوا بهن أعلى سنتهن من ~~الصداق، ذكره القاضي أبو يعلى. # وقوله: { ويستفتونك } أي: يطلبون الفتوى، وهي تبيين المشكل من الأحكام. ~~وقيل: الاستفتاء: الاستخبار. قال المفسرون: والذي استفتوه فيه. ~~ميراث النساء، وذلك أنهم قالوا: كيف ترث المرأة ms0439 والصبي الصغير؟ # قوله تعالى: { وما يتلى عليكم في الكتاب } قال الزجاج: موضع «ما» رفع، ~~المعنى: الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب أيضا يفتيكم فيهن، ~~وهو قوله: { وآتوا اليتامى أموالهم... } الآية. # والذي تلي عليهم في التزويج قوله تعالى: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء # [النساء: 3]. # وفي يتامى النساء قولان. # أحدهما: أنهن النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: يوم ~~الجمعة. # والثاني: أنهن أمهات اليتامى، فأضيف إليهن أولادهن اليتامى. # وفي الذي كتب لهن قولان. # أحدهما: أنه الميراث، قاله ابن عباس، ومجاهد في آخرين. # والثاني: أنه الصداق. ثم في المخاطب بهذا قولان. # أحدهما: أنهم أولياء المرأة كانوا يحوزون صداقها دونها. # والثاني: ولي اليتيمة، كان إذا تزوجها لم يعدل في صداقها. وفي قوله: { ~~وترغبون أن تنكحوهن } قولان. # أحدهما: وترغبون في نكاحهن رغبة في جمالهن، وأموالهن، هذا قول عائشة، ~~وعبيدة. # والثاني: وترغبون عن نكاحهن لقبحهن، فتمسكوهن رغبة في أموالهن، وهذا ~~قول الحسن. # قوله تعالى: { والمستضعفين من الولدان } قال الزجاج: موضع المستضعفين ~~خفض على قوله: { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء } المعنى: وفي ~~الولدان. قال ابن عباس: يريد أنهم لم يكونوا يورثون صغيرا من الغلمان ~~والجواري، فنهاهم الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه. # قوله تعالى: { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } قال الزجاج: موضع «أن» خفض، ~~فالمعنى: في يتامى النساء، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. قال ابن عباس: ~~يريد العدل في مهورهن ومواريثهن. ### || [4.128] # قوله تعالى: { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا } في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أن سودة خشيت أن يطلقها رسول لله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا ~~رسول الله لا تطلقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت هذه ~~الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أن بنت محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج، فكره منها أمرا، ~~إما كبرا، وإما غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما ~~شئت، فنزلت هذه الآية، رواه الزهري عن سعيد بن المسيب. قال ms0440 مقاتل: واسمها ~~خويلة. # والثالث: قد ذكرناه عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في نزول الآية التي ~~قبلها. وقالت عائشة: نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلا يستكثر منها، ~~ويريد فراقها، ولعلها تكون له محبة أو يكون لها ولد فتكره فراقه، فتقول ~~له: لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حل من شأني. رواه البخاري، ومسلم. # وفي خوف النشوز قولان. # أحدهما: أنه العلم به عند ظهوره. # والثاني: الحذر من وجوده لأماراته. قال الزجاج: والنشوز من بعل المرأة: ~~أن يسيء عشرتها، وأن يمنعها نفسه ونفقته. وقال أبو سليمان: نشوزا، أي: ~~نبوا عنها إلى غيرها، وإعراضا عنها، واشتغالا بغيرها. { فلا جناح ~~عليهما أن يصالحا بينهما } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«يصالحا بينهما» بفتح الياء، والتشديد. والأصل: «يتصالحا»، فأدغمت التاء ~~في الصاد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «يصلحا» بضم الياء، والتخفيف. ~~قال المفسرون: والمعنى: أن يوقعا بينهما أمرا يرضيان به، وتدوم بينهم ~~الصحبة، مثل أن تصبر على تفضيله. وروي عن علي، وابن عباس: أنهما أجازا ~~لهما أن يصطلحا على ترك بعض مهرها، أو بعض أيامها، بأن يجعله لغيرها. وفي ~~قوله: { والصلح خير } قولان. # أحدهما: خير من الفرقة، قاله مقاتل، والزجاج. # والثاني: خير من النشوز والإعراض، ذكره الماوردي. قال قتادة: متى ما ~~رضيت بدون ما كان لها، واصطلحا عليه، جاز، فان أبت لم يصلح أن يحبسها ~~على الخسف. # قوله تعالى: { وأحضرت الأنفس الشح } «أحضرت»: بمعنى: ألزمت. ~~«والشح»: الإفراط في الحرص على الشيء. وقال ابن فارس: «الشح»: البخل مع ~~الحرص، وتشاح الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما. وفيمن يعود إليه ~~هذا الشح من الزوجين قولان. # أحدهما: المرأة، فتقديره: وأحضرت نفس المرأة الشح بحقها من زوجها، هذا ~~قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: الزوجان جميعا، فالمرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح ~~عليها بنفسه إذا كان غيرها أحب إليه، هذا قول الزجاج. وقال ابن زيد: ~~لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئا فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئا من ~~مالها، فتعطفه عليها. # قوله ms0441 تعالى: { وإن تحسنوا } فيه قولان. # أحدهما: بالصبر على التي يكرهها. # والثاني: بالإحسان إليها في عشرتها. # قوله تعالى: { وتتقوا } يعني الجور عليها { فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } فيجازيكم عليه. ### || [4.129] # قوله تعالى: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال أهل التفسير: لن ~~تطيقوا أن تسووا بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع، لأن ذلك ليس من ~~كسبكم { ولو حرصتم } على ذلك { فلا تميلوا } إلى التي تحبون في النفقة ~~والقسم. وقال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة فتذروا الأخرى كالمعلقة قال ~~ابن عباس: المعلقة: التي لا هي أيم، ولا ذات بعل. وقال قتادة: المعلقة: ~~المسجونة. # قوله تعالى: { وإن تصلحوا } أي: بالعدل في القسمة { وتتقوا } الجور { ~~فان الله كان غفورا } لميل القلوب. ### || [4.130-132] # قوله تعالى: { وإن يتفرقا } يقول: وإن أبت المرأة أن تسمح لزوجها ~~بإيثار التي يميل إليها، واختارت الفرقة، فإن الله يغني كل واحد من ~~سعته. قال ابن السائب: يغني المرأة برجل، والرجل بامرأة. ثم ذكر ما ~~يوجب الرغبة إليه في طلب الخير، فقال: { ولله ما في السموات وما في ~~الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } يعني: أهل التوراة، ~~والإنجيل، وسائر الكتب { وإياكم } يا أهل القرآن { أن اتقوا الله } ~~قيل: وحدوه { وإن تكفروا } بما أوصاكم به { فإن لله ما في السموات وما ~~في الأرض } فلا يضره خلافكم. وقيل: له ما في السموات، وما في الأرض من ~~الملائكة، فهم أطوع له منكم. وقد ذكرنا في سورة (البقرة) معنى «الغني ~~الحميد»، وفي (آل عمران) معنى «الوكيل». ### || [4.133] # قوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس } قال ابن عباس: يريد المشركين ~~والمنافقين { ويأت بآخرين } أطوع له منكم. وقال أبو سليمان: هذا تهدد ~~للكفار، يقول: إن يشأ يهلككم كما أهلك من قبلكم إذ كفروا به، وكذبوا ~~رسله. ### || [4.134] # قوله تعالى: { من كان يريد ثواب الدنيا } قيل: إن هذه الآية نزلت من ~~أجل المنافقين كانوا لا يصدقون بالقيامة، وإنما يطلبون عاجل الدنيا، ~~ذكره أبو سليمان. وقال الزجاج: كان مشركو العرب يتقربون إلى الله ~~ليعطيهم من خير الدنيا، ms0442 ويصرف عنهم شرها، ولا يؤمنون بالبعث، فأعلم الله ~~عز وجل أن خير الدنيا والآخرة عنده. وذكر الماوردي أن المراد بثواب ~~الدنيا: الغنيمة في الجهاد، وثواب الآخرة: الجنة. قال: والمراد بالآية: ~~حث المجاهد على قصد ثواب الله. ### || [4.135] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: أن فقيرا وغنيا اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ~~صغوه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فنزلت هذه الآية، هذا ~~قول السدي. # والثاني: أنها متعلقة بقصة ابن أبيرق، فهي خطاب للذين جادلوا عنه، ~~ذكره أبو سليمان الدمشقي. و«القوام» مبالغة من قائم. و«القسط» العدل. ~~قال ابن عباس: كونوا قوالين بالعدل في الشهادة على من كانت، ولو على ~~أنفسكم. وقال الزجاج: معنى الكلام: قوموا بالعدل، واشهدوا لله بالحق، ~~وإن كان الحق على الشاهد، أو على والديه، أو قريبه، { إن يكن } المشهود ~~له { غنيا } فالله أولى به، وإن يكن { فقيرا } فالله أولى به. فأما ~~الشهادة على النفس، فهي إقرار الإنسان بما عليه من حق. وقد أمرت الآية ~~بأن لا ينظر إلى فقر المشهود عليه، ولا إلى غناه، فإن الله تعالى أولى ~~بالنظر إليهما. قال عطاء: لا تحيفوا على الفقير، ولا تعظموا الغني، ~~فتمسكوا عن القول فيه. وممن قال: إن الآية نزلت في الشهادات، ابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد، وعكرمة، والزهري، و قتادة، والضحاك. # قوله تعالى: { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أن معناه: فلا تتبعوا الهوى، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق، ~~قاله مقاتل. # والثاني: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، قاله الزجاج. # والثالث: فلا تتبعوا الهوى كراهية أن تعدلوا عن الحق. # والرابع: فلا تتبعوا الهوى فتعدلوا، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: { وإن تلووا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~والكسائي: تلووا، بواوين، الأولى مضمومة، واللام ساكنة. # وفي معنى هذه القراءة ثلاثة أقوال. # أحدها: أن يلوي الشاهد لسانه بالشهادة إلى غير الحق. قال ابن عباس: ~~يلوي لسانه بغير الحق، ولا يقيم الشهادة على وجهها، أو يعرض عنها ~~ويتركها. ms0443 وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن ~~زيد. # والثاني: أن يلوي الحاكم وجهه إلى بعض الخصوم، أو يعرض عن بعضهم، ~~روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن يلوي الإنسان عنقه إعراضا عن أمر الله لكبره وعتوه. # ويكون: «أو تعرضوا» بمعنى: وتعرضوا، ذكره الماوردي. وقرأ الأعمش، وحمزة، ~~وابن عامر: «تلوا» بواو واحدة، واللام مضمومة. والمعنى: أن تلوا أمور ~~الناس، أو تتركوا فيكون الخطاب للحكام. ### || [4.136] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: أن عبد الله بن سلام، وأسدا، وأسيدا ابني كعب، وثعلبة بن ~~قيس، وسلاما، وسلمة، ويامين، وهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # فقالوا: يا رسولا الله نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، والتوراة، وعزير، ~~ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: أن مؤمني أهل الكتاب كان بينهم وبين اليهود كلام لما أسلموا، ~~فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. # وفي المشار إليهم بقوله: { يا أيها الذين آمنوا } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم المسلمون، قاله الحسن، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا ~~بمحمد والقرآن اثبتوا على إيمانكم. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله الضحاك، فيكون المعنى: يا أيها الذين ~~آمنوا بموسى، والتوراة، وبعيسى، والإنجيل: آمنوا بمحمد والقرآن. # والثالث: المنافقون، قاله مجاهد، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا في ~~الظاهر بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم. # قوله تعالى: { والكتاب الذي نزل على رسوله } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «نزل» على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل، مضمومتين. # وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: نزل على رسوله، والكتاب الذي ~~أنزل مفتوحتين والمراد بالكتاب: الذي نزل على رسوله القرآن، والكتاب ~~الذي أنزل من قبل: كل كتاب أنزل قبل القرآن، فيكون «الكتاب» هاهنا اسم ~~جنس. ### || [4.137] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا ثم كفروا } اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنها في اليهود آمنوا بموسى، ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعزير، ~~ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا ms0444 كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، هذا ~~قول ابن عباس. وروي عن قتادة قال: آمنوا بموسى، ثم كفروا بعبادة العجل، ~~ثم آمنوا به بعد عوده، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد. # والثاني: أنها في اليهود والنصارى، آمن اليهود بالتوراة، وكفروا ~~بالإنجيل، وآمن النصارى بالإنجيل، ثم تركوه فكفروا به، ثم ازدادوا ~~كفرا بالقرآن وبمحمد، رواه شيبان عن قتادة. وروي عن الحسن قال: هم قوم ~~من أهل الكتاب، قصدوا تشكيك المؤمنين، فكانوا يظهرون بالإيمان ثم الكفر، ~~ثم ازدادوا كفرا بثبوتهم على دينهم. وقال مقاتل: آمنوا بالتوراة وموسى، ~~ثم كفروا من بعد موسى، ثم آمنوا بعيسى والإنجيل، ثم كفروا من بعده، ثم ~~ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن. # والثالث: أنها في المنافقين آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، قاله ~~مجاهد. وروى ابن جريج عن مجاهد { ثم ازدادوا كفرا } قال: ثبتوا عليه حتى ~~ماتوا. قال ابن عباس: { لم يكن الله ليغفر لهم } ما أقاموا على ذلك { ولا ~~ليهديهم سبيلا } أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين. قال: وإنما علق امتناع ~~المغفرة بكفر بعد كفر، لأن المؤمن بعد الكفر يغفر له كفره، فاذا ~~ارتد طولب بالكفر الأول. ### || [4.138] # قوله تعالى: { بشر المنافقين } زعم مقاتل أنه لما نزلت المغفرة في (سورة ~~الفتح) للنبي والمؤمنين قال عبد الله بن أبي ونفر معه: فما لنا؟ فنزلت ~~هذه الآية. # وقال غيره: كان المنافقون يتولون اليهود، فألحقوا بهم في التبشير ~~بالعذاب. وقال الزجاج: معنى الآية: اجعل موضع بشارتهم العذاب. والعرب ~~تقول: تحيتك الضرب، أي: هذا بدل لك من التحية. قال الشاعر: # وخيل قد دلفت لها بخيل # تحية بينهم ضرب وجيع ### || [4.139] # قوله تعالى: { الذين يتخذون الكافرين أولياء } قال ابن عباس: يتخذون ~~اليهود أولياء في العون والنصرة. # قوله تعالى: { أيبتغون عندهم العزة } أي: القوة بالظهور على محمد ~~وأصحابه، والمعنى: أيتقون بهم؟ قال مقاتل: وذلك أن اليهود أعانوا مشركي ~~العرب على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: أيبتغي ~~المنافقون عند الكافرين العزة. و«العزة» المنعة، وشدة الغلبة، وهو ~~مأخوذ من قولهم: ms0445 أرض عزاز. قال الأصمعي: «العزاز»: الأرض التي لا تنبت. ~~فتأويل العزة: الغلبة والشدة التي لا يتعلق بها إذلال. قالت الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يتقى # إذ الناس إذ ذاك من عز بزا # أي: من قوي وغلب سلب. ويقال: قد استعز على المريض، أي: اشتد ~~وجعه. وكذلك قول الناس: يعز علي أن يفعل، أي يشتد، وقولهم: قد عز ~~الشيء: إذا لم يوجد، معناه: صعب أن يوجد، والباب واحد. ### || [4.140] # قوله تعالى: { وقد نزل عليكم في الكتاب } وقرأ عاصم، ويعقوب: ~~«نزل» بفتح النون والزاي. قال المفسرون: الذي نزل عليهم في النهي عن ~~مجالستهم، قوله في [الأنعام:68] # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم # وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به، ~~فنهى الله المسلمين عن مجالستهم. وآيات الله: هي القرآن. والمعنى: إذا ~~سمعتم الكفر بآيات الله، والاستهزاء بها، فلا تقعدوا معهم حتى يأخذوا في ~~حديث غير الكفر، والاستهزاء. { إنكم } إن جالستموهم على ما هم عليه من ~~ذلك، فأنتم { مثلهم } وفي ماذا تقع المماثلة فيه، قولان. # أحدهما: في العصيان. والثاني: في الرضى بحالهم، لأن مجالس الكافر غير ~~كافر. وقد نبهت الآية على التحذير من مجالسة العصاة، قال إبراهيم ~~النخعي: إن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضي الله بها، ~~فتصيبه الرحمة فتعم من حوله، وإن الرجل ليجلس في المجلس، فيتكلم ~~بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، فيعم من حوله. ### || [4.141] # قوله تعالى: { الذين يتربصون بكم } قال أبو سليمان: هذه الآية نزلت في ~~المنافقين خاصة. قال مقاتل: كان المنافقون يتربصون بالمؤمنين الدوائر، ~~فإن كان الفتح، قالوا: ألم نكن معكم؟ فاعطونا من الغنيمة. وإن كان ~~للكافرين نصيب، أي: دولة على المؤمنين، قالوا للكفار: ألم نستحوذ عليكم؟ ~~قال المبرد: ومعنى: ألم نستحوذ عليكم: ألم نغلبكم على رأيكم. وقال ~~الزجاج: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم. «ونستحوذ» في اللغة، بمعنى: ~~نستولي، يقال: حذت الإبل، وحزتها: إذا استوليت عليها وجمعتها. وقال ~~غيره: ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة؟ وقال ابن جريج: ألم نبين لكم ~~أنا على ms0446 دينكم؟ وفي قوله: { ونمنعكم من المؤمنين } ثلاثة أقوال. # أحدها: نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم. والثاني: بما نعلمكم من أخبارهم. # والثالث: بصرفنا إياكم عن الدخول في الإيمان. ومراد الكلام: إظهار ~~المنة من المنافقين على الكفار، أي: فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم. # قوله تعالى: { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } يعني المؤمنين ~~والمنافقين. قال ابن عباس: يريد أنه أخر عقاب المنافقين. # قوله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة، روى يسيع الحضرمي عن علي ~~بن أبي طالب أن رجلا جاءه، فقال: أرأيت قول الله عز وجل: { ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } وهم يقاتلوننا [فيظهرون ويقتلون]، ~~فقال: ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا. هذا مروي ~~عن ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أن المراد بالسبيل: الظهور عليهم، يعني: أن المؤمنين هم ~~الظاهرون، والعاقبة لهم، وهذا المعنى في رواية عكرمة، عن ابن عباس. ~~والثالث: أن السبيل: الحجة. قال السدي: لم يجعل الله عليهم حجة، يعني ~~فيما فعلوا بهم من القتل والإخراج من الديار. قال ابن جرير: لما وعد ~~الله المؤمنين أنه لا يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة، ولا المؤمنين مدخل ~~المنافقين، لم يكن للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم: أنتم كنتم ~~أعداءنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار. ### || [4.142] # قوله تعالى: { إن المنافقين يخادعون الله } أي: يعملون عمل المخادع. ~~وقيل: يخادعون نبيه، وهو خادعهم، أي: مجازيهم على خداعهم. وقال الزجاج: ~~لما أمر بقبول ما أظهروا، كان خادعا لهم بذلك. وقيل: خداعه إياهم يكون ~~في القيامة بإطفاء نورهم، وقد شرحنا طرفا من هذا في (البقرة). # قوله تعالى: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } أي: متثاقلين. ~~و«كسالى»: جمع كسلان، و«الكسل»: التثاقل عن الأمر. وقرأ أبو عمران ~~الجوني: «كسلى» بفتح الكاف، وقرأ ابن السميفع: «كسلى»، بفتح الكاف من غير ~~ألف. وإنما كانوا هكذا، لأنهم يصلون حذرا على دمائهم لا يرجون بفعلها ~~ثوابا، ولا يخافون بتركها عقابا. # قوله تعالى: { يراؤون الناس } أي: يصلون ms0447 ليراهم الناس. قال قتادة: ~~والله لولا الناس ما صلى المنافق. وفي تسمية ذكرهم بالقليل ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه سمي قليلا، لأنه غير مقبول، قاله علي رضي الله عنه، ~~وقتادة. # والثاني: لأنه رياء، ولو كان لله، لكان كثيرا، قاله ابن عباس، والحسن. # والثالث: أنه قليل في نفسه، لأنهم يقتصرون على ما يظهر، دون ما يخفى من ~~القراءة والتسبيح، ذكره الماوردي. ### || [4.143] # قوله تعالى: { مذبذبين بين ذلك } المذبذب: المتردد بين أمرين، وأصل ~~التذبذب: التحرك، والاضطراب، وهذه صفة المنافق، لأنه محير في دينه لا ~~يرجع إلى اعتقاد صحيح. قال قتادة: ليسوا بالمشركين المصرحين بالشرك، ~~ولا بالمؤمنين المخلصين. قال ابن زيد: ومعنى «بين ذلك»: بين الاسلام ~~والكفر، لم يظهروا الكفر فيكونوا إلى الكفار، ولم يصدقوا الإيمان، ~~فيكونوا إلى المؤمنين. قال ابن عباس: ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ~~إلى الهدى. وقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " مثل المنافق: مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، ~~وإلى هذه مرة، ولا تدري أيها تتبع ". ### || [4.144] # قوله تعالى: { لا تتخذوا الكافرين أولياء } في المراد بالكافرين قولان. # أحدهما: اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: المنافقون، قال الزجاج: ومعنى الآية: لا تجعلوهم بطانتكم ~~وخاصتكم. # والسلطان: الحجة الظاهرة، وإنما قيل للأمير: سلطان، لأنه حجة الله في ~~أرضه، واشتقاق السلطان: من السليط. والسليط: ما يستضاء به، ومن هذا قيل ~~للزيت: السليط. والعرب تؤنث السلطان وتذكره، تقول: قضت عليك ~~السلطان، وأمرتك السلطان، والتذكير أكثر، وبه جاء القرآن، فمن أنث، ذهب ~~إلى معنى الحجة، ومن ذكر، أراد صاحب السلطان. قال ابن الأنباري: تقدير ~~الآية: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم بموالاة الكافرين حجة بينة تلزمكم ~~عذابه، وتكسبكم غضبه؟ ### || [4.145] # قوله تعالى: { إن المنافقين في الدرك الأسفل } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر: بفتح الراء، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: ~~بتسكين الراء. قال الفراء: وهي لغتان. قال أبو عبيدة: جهنم أدراك، أي: ~~منازل، وأطباق. فكل منزل منها: درك. وحكى ابن الأنباري عن بعض العلماء ~~أنه ms0448 قال: الدركات: مراق، بعضها تحت بعض. وقال الضحاك: الدرج: إذا كان ~~بعضها فوق بعضها، والدرك: إذا كان بعضها أسفل من بعض. وقال ابن فارس: ~~الجنة درجات، والنار دركات. وقال ابن مسعود في هذه الآية: هم في توابيت ~~من حديد مبهمة [عليهم]. قال ابن الأنباري: المبهمة: التي لا أقفال عليها، ~~يقال: أمر مبهم: إذا كان ملتبسا لا يعرف معناه، ولا بابه. # قوله تعالى: { ولن تجد لهم نصيرا } قال ابن عباس: مانعا من عذاب الله. ### || [4.146] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } قال مقاتل: سبب نزولها: أن قوما ~~قالوا عند ذكر مستقر المنافقين: فقد كان فلان وفلان منافقين. فتابوا، ~~فكيف يفعل بهم؟ فنزلت هذه الآية. ومعنى الآية: إلا الذين تابوا من ~~النفاق { وأصلحوا } أعمالهم بعد التوبة { واعتصموا بالله } أي: استمسكوا ~~بدينه. { وأخلصوا دينهم } فيه قولان. # أحدهما: أنه الإسلام، وإخلاصه: رفع الشرك عنه، قاله مقاتل. # والثاني: أنه العمل، وإخلاصه: رفع شوائب النفاق والرياء منه، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { فأولئك مع المؤمنين } في " مع " قولان. # أحدهما: أنها على أصلها، وهو الاقتران. وفي ماذا اقترنوا بالمؤمنين؟ فيه ~~قولان. # أحدهما: في الولاية، قاله مقاتل. والثاني: في الدين والثواب، قاله أبو ~~سليمان. # والثاني: أنها بمعنى «من» فتقديره: فأولئك من المؤمنين، قاله الفراء. ### || [4.147] # قوله تعالى: { ما يفعل الله بعذابكم } «ما» حرف استفهام، ومعناه: ~~التقرير، أي: إن الله لا يعذب الشاكر المؤمن، ومعنى الآية: ما يصنع ~~الله بعذابكم إن شكرتم نعمه، وآمنتم به وبرسوله. والإيمان مقدم في ~~المعنى وإن أخر في اللفظ. وروي عن ابن عباس أن المراد بالشكر: ~~التوحيد. # قوله تعالى: { وكان الله شاكرا عليما } أي: للقليل من أعمالكم، عليما ~~بنياتكم، وقيل: شاكرا، أي: قابلا. ### || [4.148] # قوله تعالى: { لا يحب لله الجهر بالسوء من القول } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن ضيفا تضيف قوما فأساؤوا قراه فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية ~~رخصة في أن يشكوا، قاله مجاهد. # والثاني: # " أن رجلا نال من أبي بكر الصديق والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر، ~~فسكت عنه أبو بكر مرارا، ثم ms0449 رد عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أبو بكر: يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا، حتى إذا رددت عليه ~~قمت؟! فقال: «إن ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت عليه، ذهب الملك، وجاء ~~الشيطان» " # فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. واختلف القراء في قراءة { إلا من ~~ظلم } فقرأ الجمهور بضم الظاء، وكسر اللام. وقرأ عبد الله بن عمرو، ~~والحسن، وابن المسيب، وأبو رجاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، وزيد ~~بن أسلم، بفتحهما. # فعلى قراءة الجمهور، في معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: إلا أن يدعو المظلوم على من ظلمه، فإن الله قد أرخص له، قاله ~~ابن عباس. والثاني: إلا أن ينتصر المظلوم من ظالمه، قاله الحسن، ~~والسدي. # والثالث: إلا أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه، رواه ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد. # وروى ابن جريج عنه قال: إلا أن يجهر الضيف بذم من لم يضيفه. فأما قراءة ~~من فتح الظاء، فقال ثعلب: هي مردودة على قوله: { ما يفعل الله بعذابكم } ~~إلا من ظلم. وذكر الزجاج فيها قولين. # أحدهما: أن المعنى: إلا أن الظالم يجهر بالسوء ظلما. # والثاني: إلا أن تجهروا بالسوء للظالم. فعلى هذا تكون «إلا» في هذا ~~المكان استثناء منقطعا، ومعناها: لكن المظلوم يجوز له أن يجهر لظالمه ~~بالسوء. ولكن الظالم قد يجهر بالسوء. واجهروا له بالسوء. وقال ابن زيد: ~~إلا من ظلم، أي: أقام على النفاق، فيجهر له بالسوء حتى ينزع. # قوله تعالى: { وكان الله سميعا } أي: لما تجهرون به من سوء القول { ~~عليما } بما تخفون. وقيل: سميعا لقوم المظلوم، عليما بما في قلبه، ~~فليتق الله، ولا يقل إلا الحق. وقال الحسن: من ظلم، فقد رخص له أن ~~يدعو على ظالمه من غير أن يعتدي، مثل أن يقول: اللهم أعني عليه، اللهم ~~استخرج لي حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد. ### || [4.149] # قوله تعالى: { إن تبدوا خيرا } قال ابن عباس: يريد من أعمال البر ~~كالصيام والصدقة. وقال بعضهم: إن تبدوا خيرا بدلا من السوء. وأكثرهم ~~على أن ms0450 «الهاء» في «تخفوه» تعود إلى الخير. وقال بعضهم: تعود إلى ~~السوء. # قوله تعالى: { فإن الله كان عفوا } قال أبو سليمان: أي: لم يزل ذا ~~عفو مع قدرته، فاعفوا أنتم مع القدرة. ### || [4.150] # قوله تعالى: { إن الذين يكفرون بالله ورسله } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود كانوا يؤمنون بموسى، وعزير، والتوراة، ويكفرون ~~بعيسى، والإنجيل، ومحمد، والقرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى، آمن اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا ~~بالإنجيل وعيسى، وآمن النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بمحمد والقرآن، ~~قاله قتادة. ومعنى قوله: { ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله } أي: ~~يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله، والإيمان برسله، ولا يصح ~~الإيمان به والتكذيب برسله أو ببعضهم { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك } أي: ~~بين إيمانهم ببعض الرسل، وتكذيبهم ببعض { سبيلا } أي: مذهبا يذهبون ~~إليه. وقال ابن جريج: دينا يدينون به. ### || [4.151-152] # قوله تعالى: { أولئك هم الكافرون حقا } ذكر «الحق» هاهنا توكيدا ~~لكفرهم إزالة لتوهم من يتوهم أن إيمانهم ببعض الرسل يزيل عنهم ~~اسم الكفر. ### || [4.153] # قوله تعالى: { يسألك أهل الكتاب } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم سألوه أن ينزل كتابا عليهم خاصة، هذا قول الحسن، وقتادة. # والثاني: أن اليهود والنصارى أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: لا نبايعك حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول ~~الله، وإلى فلان بكتاب أنك رسول الله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن ~~جريج. # والثالث: أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ~~كتابا من السماء مكتوبا كما نزلت التوراة على موسى، هذا قول القرظي، ~~والسدي. # وفي المراد بأهل الكتاب قولان. أحدهما: اليهود والنصارى. والثاني: ~~اليهود. # وفي المراد بأهل الكتاب المنزل من السماء قولان. # أحدهما: كتاب مكتوب غير القرآن. # والثاني: كتاب بتصديقه في رسالته، وقد بينا في (البقرة) معنى سؤالهم ~~رؤية الله جهرة، واتخاذهم العجل. و«البينات»: الآيات التي جاء بها موسى. ~~فإن قيل: كيف قال: ثم اتخذوا العجل، و «ثم» تقتضي التراخي، والتأخر، ~~أفكان اتخاذ العجل بعد قولهم: «أرنا الله ms0451 جهرة»؟ فعنه أربعة أجوبة, ذكرهن ~~ابن الأنباري. # أحدهن: أن تكون «ثم» مردودة على فعلهم القديم، والمعنى: وإذ وعدنا ~~موسى أربعين ليلة، فخالفوا أيضا، ثم اتخذوا العجل. # والثاني: أن تكون مقدمة في المعنى، مؤخرة في اللفظ، والتقدير: فقد ~~اتخذوا العجل، ثم سألوا موسى أكبر من ذلك. ومثله # فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28] المعنى: فألقه إليهم، ثم انظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم. # والثالث: أن المعنى، ثم كانوا اتخذوا العجل، فأضمر الكون. # والرابع: أن «ثم» معناها التأخير في الإخبار، والتقديم في الفعل، كما ~~يقول القائل: شربت الماء، ثم أكلت الخبز، يريد: شربت الماء ثم أخبركم ~~أني أكلت الخبز بعد إخباري بشرب الماء. # قوله تعالى: { فعفونا عن ذلك } أي: لم نستأصل عبدة العجل. و«السلطان ~~المبين»: الحجة البينة. قال ابن عباس: اليد والعصا. وقال غيره: الآيات ~~التسع. ### || [4.154] # قوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } أي: بما أعطوا الله من ~~العهد والميثاق: ليعملن بما في التوراة. # قوله تعالى: { لا تعدوا في السبت } قرأ نافع: لا تعدوا، بتسكين ~~العين، وتشديد الدال، وروى عنه ورش «تعدوا» بفتح العين، وتشديد ~~الدال. وقرأ الباقون «تعدوا» خفيفة، وكلهم ضم الدال. وقد ذكرنا هذا ~~وغيره في (البقرة) و«الميثاق الغليظ»: العهد المؤكد. ### || [4.155] # قوله تعالى: { فبما نقضهم ميثاقهم } «ما» صلة مؤكدة. قال الزجاج: ~~والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم، وهو أن الله أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا ما ~~أنزل عليهم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. والجالب للباء ~~العامل فيها، وقوله: { حرمنا عليهم طيبات } أي: بنقضهم ميثاقهم، ~~والأشياء التي ذكرت بعده حرمنا عليهم. وقوله: { فبظلم } بدل من قوله: { ~~فبما نقضهم } ، وجعل الله جزاءهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم. وقال ابن ~~فارس: الطبع: الختم و [من ذلك] طبع الله على قلب الكافر [كأنه] ختم [عليه ~~حتى لا يصل إليه هدى ولا نور] فلم يوفق لخير، والطابع: الخاتم يختم به. # قوله تعالى: { فلا يؤمنون إلا قليلا } فيه قولان. # أحدهما: فلا يؤمن منهم إلا القليل، وهم عبد الله بن سلام، وأصحابه، ms0452 ~~قاله ابن عباس. # والثاني: المعنى: إيمانهم قليل، وهو قولهم: ربنا الله، قاله مجاهد. ### || [4.156] # قوله تعالى: { وبكفرهم } في إعادة ذكر الكفر فائدة. وفيها قولان. # أحدهما: أنه أراد: وبكفرهم بمحمد والقرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: وبكفرهم بالمسيح، وقد بشروا به، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما ~~«البهتان» فهو في قول الجماعة: قذفهم مريم بالزنى. ### || [4.157-158] # قوله تعالى: { وقولهم إنا قتلنا المسيح } قال الزجاج: أي باعترافهم ~~بقتلهم إياه، وما قتلوه، يعذبون عذاب من قتل، لأنهم قتلوا الذي ~~قتلوا على أنه نبي وفي قوله: «رسول الله» قولان. # أحدهما: أنه من قول اليهود، فيكون المعنى: أنه رسول الله على زعمه. # والثاني: أنه من قول الله، لا على وجه الحكاية عنهم. # قوله تعالى: { ولكن شبه لهم } أي: ألقي شبهه على غيره. # وفيمن ألقي عليه شبهه قولان. # أحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود. روى أبو صالح عن ابن عباس: أن ~~اليهود لما اجتمعت على قتل عيسى، أدخله جبريل خوخة لها روزنة، ودخل ~~وراءه رجل منهم، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج على أصحابه، قتلوه ~~يظنونه عيسى، ثم صلبوه، وبهذا قال مقاتل، وأبو سليمان. # والثاني: أنه رجل من أصحاب عيسى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ~~عيسى خرج على أصحابه لما أراد الله رفعه، فقال: أيكم يلقى عليه شبهي، ~~فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب، فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم ~~أعاد القول، فقام الشاب، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد، فقال الشاب: أنا، ~~فقال: نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء اليهود، فأخذوا ~~الرجل، فقتلوه، ثم صلبوه. وبهذا القول قال وهب بن منبه، وقتادة، والسدي. # قوله تعالى: { وإن الذين اختلفوا فيه } في المختلفين قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان. # أحدهما: أنها كناية عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا؟. # وفي سبب اختلافهم في ذلك قولان. # أحدهما: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه كان الشبه قد ألقي على وجهه دون ~~جسده، فقالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد ms0453 غيره، ذكره ابن السائب. # والثاني: أنهم قالوا: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا ~~صاحبنا، فأين عيسى؟ يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي. # والثاني: أن «الهاء» كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم: هو ولد ~~زنى، وقول بعضهم: هو ساحر. # والثاني: أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى قتله، هل قتل أم لا؟ والثاني: أنها ترجع إليه، ~~هل هو إله أم لا؟ وفي هاء «منه» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى قتله. # والثاني: إلى نفسه هل هو إله، أم لغير رشدة، أم هو ساحر؟ # قوله تعالى: { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } قال الزجاج: «اتباع» ~~منصوب بالاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول. والمعنى: ما لهم به من علم ~~إلا أنهم يتبعون الظن، وإن رفع جاز على أن يجعل علمهم اتباع الظن، كما ~~تقول العرب: تحيتك الضرب. # قوله تعالى: { وما قتلوه } في «الهاء» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى الظن فيكون المعنى: وما قتلوا ظنهم يقينا، هذا ~~قول ابن عباس. # والثاني: أنها ترجع إلى العلم، أي: ما قتلوا [العلم به] يقينا، تقول: ~~قتلته يقينا، وقتلته علما [للرأي والحديث] هذا قول الفراء، وابن قتيبة. ~~قال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، ~~يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنا. # والثالث: أنها ترجع إلى عيسى، فيكون المعنى: وما قتلوا عيسى حقا، هذا ~~قول الحسن. وقال ابن الأنباري: اليقين مؤخر في المعنى، فالتقدير: وما ~~قتلوه، بل رفعه الله إليه يقينا. ### || [4.159] # قوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به } قال الزجاج: المعنى: ~~وما منهم أحد إلا ليؤمنن به، ومثله # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]. وفي أهل الكتاب قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله الحسن، وعكرمة. وفي هاء «به» قولان. # أحدهما: أنها راجعة إلى عيسى، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنها راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ms0454 قاله عكرمة. وفي هاء ~~«موته» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى المؤمن. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ليس ~~يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى، فقيل لابن عباس: إن خر من فوق بيت؟ ~~قال: يتكلم به في الهوي قال: وهي في قراءة أبي: «قبل موتهم». # وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يؤمن ~~اليهودي قبل أن يموت، ولا تخرج روح النصراني حتى يشهد أن عيسى عبد. وقال ~~عكرمة: لا تخرج روح اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. # والثاني: أنها تعود إلى عيسى. روى عطاء عن ابن عباس قال: إذا نزل إلى ~~الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني، ولا أحد يعبد غير الله إلا اتبعه، ~~وصدقه، وشهد أنه روح الله، وكلمته، وعبده، ونبيه. وهذا قول قتادة، وابن ~~زيد، وابن قتيبة، واختاره ابن جرير، وعن الحسن كالقولين. وقال الزجاج: ~~هذا بعيد، لعموم قوله: { وإن من أهل الكتاب } ، والذين يبقون حينئذ ~~شرذمة منهم، إلا أن يكون المعنى: أنهم كلهم يقولون: إن عيسى الذي ينزل ~~لقتل الدجال نؤمن به. # قوله تعالى: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } قال قتادة: يكون عليهم ~~شهيدا أنه قد بلغ رسالات ربه، وأقر بالعبودية على نفسه. ### || [4.160] # قوله تعالى: { فبظلم من الذين هادوا } قال مقاتل: حرم الله على أهل ~~التوراة الربا، وأن يأكلوا أموال الناس ظلما، ففعلوا، وصدوا عن دين ~~الله، وعن الإيمان بمحمد عليه السلام، فحرم الله عليهم ما ذكر في قوله: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الانعام: 146] عقوبة لهم. قال أبو سليمان: وظلمهم: نقضهم ميثاقهم، ~~وكفرهم بآيات الله، وما ذكر في الآيات قبلها. وقال مجاهد: { وبصدهم عن ~~سبيل الله } قال: صدهم أنفسهم وغيرهم عن الحق. قال ابن عباس: صدهم عن ~~سبيل الله، يعني الإسلام، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أي: بالكذب على ~~دين الله، وأخذ الرشى على حكم الله، وتبديل الكتب التي أنزلها الله ~~ليستديموا المأكل. ### || [4.161] # قوله تعالى: { وأعتدنا } أي: أعددنا للكافرين، يعني اليهود. وقيل: إنما ~~قال ms0455 «منهم»، لأنه علم أن قوما منهم يؤمنون، فيأمنون العذاب. ### || [4.162] # قوله تعالى: { لكن الراسخون في العلم } قال ابن عباس: هذا استثناء ~~لمؤمني أهل الكتاب، فأما الراسخون، فهم الثابتون في العلم. قال أبو ~~سليمان: وهم عبد الله بن سلام، ومن آمن معه، والذين آمنوا من أهل ~~الإنجيل ممن قدم مع جعفر من الحبشة، والمؤمنون، يعني أصحاب رسول ~~الله. فأما قوله: { والمقيمين الصلاة } فهم القائمون بأدائها كما أمروا. # وفي نصب «المقيمين» أربعة أقوال. # أحدها: أنه خطأ من الكاتب، وهذا قول عائشة، وروي عن عثمان بن عفان أنه ~~قال: إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها. وقد قرأ ابن مسعود، ~~وأبي وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري: «والمقيمون الصلاة» بالواو. # وقال الزجاج: قول من قال إنه خطأ، بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن ~~هم أهل اللغة، والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم؟! ~~فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم. وقال ابن الأنباري: حديث عثمان لا يصح، ~~لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا، ليصلحه من بعده. # والثاني: أنه نسق على «ما» والمعنى: يؤمنون بما أنزل إليك، وبالمقيمين ~~الصلاة، فقيل: هم الملائكة، وقيل: الأنبياء. # والثالث: أنه نسق على الهاء والميم من قوله { منهم } فالمعنى: لكن ~~الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك. قال ~~الزجاج: وهذا رديء عند النحويين، لا ينسق بالظاهر المجرور على المضمر ~~المجرور إلا في الشعر. # والرابع: أنه منصوب على المدح، فالمعنى: اذكر المقيمين الصلاة، وهم ~~المؤتون الزكاة. وأنشدوا: # لا يبعدن قومي الذين هم # سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك # والطيبون معاقد الأزر # وهذا على معنى: اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا قولك: مررت بزيد ~~الكريم، إن أردت أن تخلصه من غيره، فالخفض هو الكلام، وإن أردت المدح ~~والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت: بزيد الكريم، كأنك قلت: اذكر الكريم، وإن ~~شئت رفعت على معنى: هو الكريم. وتقول: جاءني قومك المطعمين في المحل، ~~والمغيثون في الشدائد على معنى: اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا ~~القول اختيار ms0456 الخليل، وسيبويه. فهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار هذا ~~القول. ### || [4.163] # قوله تعالى: { إنا أوحينا إليك } قال ابن عباس: قال عدي بن زيد، ~~وسكين: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فنزلت هذه ~~الآية. وقد ذكرنا في «آل عمران» معنى الوحي، وذكر هنالك. # وإسحاق: أعجمي، وإن وافق لفظ العربي، يقال: أسحقه الله يسحقه ~~إسحاقا، ويعقوب: أعجمي. فأما اليعقوب، وهو ذكر الحجل وهي القبج فعربي، ~~كذلك قرأته على شيخنا أبي منصور اللغوي. وأيوب: أعجمي، ويونس: اسم أعجمي. ~~قال أبو عبيدة، يقال: يونس ويونس بضم النون وكسرها، وحكى أبو زيد ~~الأنصاري عن العرب همزة مع الكسرة والضمة والفتحة. وقال الفراء: يونس ~~بضم النون من غير همز لغة أهل الحجاز، وبعض بني أسد يقول: يؤنس بالهمز، ~~وبعض بني عقيل يقول: يونس بفتح النون من غير همز. والمشهور في القراءة ~~يونس برفع النون من غير همز. وقد قرأ ابن مسعود، وقتادة، ويحيى بن يعمر، ~~وطلحة: يؤنس بكسر النون مهموزا. قرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران، ~~والجحدري: يونس بفتح النون من غير همز. وقرأ أبو المتوكل: يؤنس بفتح ~~النون مهموزا. وقرأ أبو السماك العدوي: يونس بكسر النون من غير همز. ~~وقرأ عمرو بن دينار برفع النون مهموزا. وهارون: اسم أعجمي، وباقي ~~الأنبياء قد تقدم ذكرهم. فأما الزبور، فأكثر القراء على فتح الزاي، ~~وقرأ أبو رزين، وأبو رجاء، والأعمش، وحمزة بضم الزاي. قال الزجاج: فمن ~~فتح الزاي، أراد: كتابا، ومن ضم، أراد: كتبا. ومعنى ذكر «داود» أي: لا ~~تنكروا تفضيل محمد بالقرآن، فقد أعطى الله داود الزبور. وقال أبو علي: ~~كأن حمزة جعل كتاب داود أنحاء، وجعل كل نحو زبرا، ثم جمع، فقال: ~~زبورا. وقال ابن قتيبة: الزبور فعول بمعنى مفعول، كما تقول: حلوب ~~وركوب بمعنى: محلوب ومركوب، وهو من قولك: زبرت الكتاب أزبره زبرا: إذا ~~كتبته، قال: وفيه لغة أخرى الزبور بضم الزاي، كأنه جمع. ### || [4.164] # قوله تعالى: { وكلم الله موسى تكليما } تأكيد كلم بالمصدر يدل على ~~أنه سمع كلام الله حقيقة. ms0457 روى أبو سليمان الدمشقي، قال: سمعت إسماعيل بن ~~محمد الصفار يقول: سمعت ثعلبا يقول: لولا أن الله تعالى أكد الفعل ~~بالمصدر، لجاز أن يكون كما يقول أحدنا للآخر: قد كلمت لك فلانا بمعنى: ~~كتبت إليه رقعة، أو بعثت إليه رسولا، فلما قال: تكليما لم يكن إلا ~~كلاما مسموعا من الله. ### || [4.165] # قوله تعالى: { لئلا يكون للناس على الله حجة } أي: لئلا يحتجوا في ترك ~~التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأن هذه الأشياء إنما تجب بالرسل. ### || [4.166] # قوله تعالى: { لكن الله يشهد } في سبب نزلها قولان. # أحدهما: أن النبي عليه السلام دخل على جماعة من اليهود، فقال: # " إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله " # ، فقالوا: ما نعلم ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ~~سألنا عنك اليهود، فزعموا أنهم لا يعرفونك، فائتنا بمن يشهد لك أن الله ~~بعثك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن السائب. قال الزجاج: الشاهد: ~~المبين لما يشهد به، فالله عز وجل بين ذلك، ويعلم مع إبانته أنه حق. ~~وفي معنى { أنزله بعلمه } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنزله وفيه علمه، قاله الزجاج. # والثاني: أنزله من علمه، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه، قاله ابن جرير. # قوله تعالى: { والملائكة يشهدون } فيه قولان. # أحدهما: يشهدون أن الله أنزله. # والثاني: يشهدون بصدقك. # قوله تعالى: { وكفى بالله شهيدا } قال الزجاج: «الباء» دخلت مؤكدة. ~~والمعنى: اكتفوا بالله في شهادته. ### || [4.167] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } قال مقاتل وغيره: ~~هم اليهود كفروا بمحمد، وصدوا الناس عن الإسلام. قال أبو سليمان: ~~وكان صدهم عن الإسلام قولهم للمشركين ولأتباعهم: ما نجد صفة محمد في ~~كتابنا. ### || [4.168-169] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا وظلموا } قال مقاتل وغيره: هم اليهود ~~أيضا كفروا بمحمد والقرآن. وفي الظلم المذكور هاهنا قولان. # أحدهما: أنه الشرك، قاله مقاتل. # والثاني: أنه جحدهم صفة محمد النبي صلى الله عليه وسلم في ms0458 كتابهم. # قوله تعالى: { لم يكن الله ليغفر لهم } يريد من مات منهم على الكفر. ~~وقال أبو سليمان: لم يكن الله ليستر عليهم قبيح فعالهم، بل يفضحهم في ~~الدنيا، ويعاقبهم بالقتل والجلاء والسبي، وفي الآخرة بالنار { ولا ~~ليهديهم طريقا } ينجون فيه. # وقال مقاتل: طريقا إلى الهدى { وكان ذلك على الله يسيرا } يعني كان ~~عذابهم على الله هينا. ### || [4.170] # قوله تعالى: { يا أيها الناس } الكلام عام، وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~أراد المشركين. { قد جاءكم الرسول بالحق } أي: بالهدى، والصدق. # قوله تعالى: { فآمنوا خيرا لكم } قال الزجاج عن الخليل وجميع البصريين: ~~إنه منصوب بالحمل على معناه، لأنك إذا قلت: انته خيرا لك، وأنت تدفعه ~~عن أمر فتدخله في غيره، كان المعنى: انته وأت خيرا لك، وادخل في ما هو ~~خير لك، وأنشد الخليل، وسيبويه قول عمر بن أبي ربيعة: # فواعديه سرحتي مالك # أو الربا بينهما أسهلا # كأنه قال: إيتي مكانا أسهل. # قوله تعالى: { وإن تكفروا فان لله ما في السماوات والأرض } أي: هو غني ~~عنكم، وعن إيمانكم، { وكان الله عليما } بما يكون من إيمان أو كفر { ~~حكيما } في تكليفكم مع علمه بما يكون منكم. ### || [4.171] # قوله تعالى: { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } قال مقاتل: نزلت في ~~نصارى نجران، السيد والعاقب، ومن معهما. والجمهور على أن المراد بهذه ~~الآية: النصارى. وقال الحسن: نزلت في اليهود والنصارى. والغلو: الإفراط ~~ومجاوزة الحد، ومنه غلا السعر، وقال الزجاج: الغلو: مجاوزة القدر في ~~الظلم. وغلو النصارى في عيسى: قول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو ابن ~~الله، وقول بعضهم: هو ثالث ثلاثة. وعلى قول الحسن غلو اليهود فيه قولهم: ~~إنه لغير رشدة. وقال بعض العلماء: لا تغلوا في دينكم بالزيادة في التشدد ~~فيه. # قوله تعالى: { ولا تقولوا على الله إلا الحق } أي: لا تقولوا إن الله ~~له شريك أو ابن أو زوجة. وقد ذكرنا معنى «المسيح» و«الكلمة» في { آل ~~عمران }. # وفي معنى { وروح منه } سبعة أقوال. # أحدها: أنه روح من أرواح الأبدان. قال أبي ms0459 بن كعب: لما أخذ الله ~~الميثاق على بني آدم كان عيسى روحا من تلك الأرواح، فأرسله إلى مريم، ~~فحملت به. # والثاني: أن الروح النفخ، فسمي روحا، لأنه حدث عن نفخة جبريل في درع ~~مريم. ومنه قول ذي الرمة: # وقلت له ارفعها إليك وأحيها # بروحك واقتته لها قيتة قدرا # هذا قول أبي روق. # والثالث: أن معنى { وروح منه } إنسان حي باحياء الله له. # والرابع: أن الروح: الرحمة، فمعناه: ورحمة منه، ومثله # وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22]. # والخامس: أن الروح هاهنا جبريل. فالمعنى: ألقاها الله إلى مريم، والذي ~~ألقاها روح منه. ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو سليمان الدمشقي. # والسادس: أنه سماه روحا، لأنه يحيا به الناس كما يحيون بالأرواح، ~~ولهذا المعنى: سمي القرآن روحا، ذكره القاضي أبو يعلى. # والسابع: أن الروح: الوحي أوحى الله إلى مريم يبشرها به، وأوحى إلى ~~جبريل بالنفخ في درعها، وأوحى إلى ذات عيسى أن: كن فكان. ومثله: # ينزل الملائكة بالروح من أمره # [النحل: 2] أي: بالوحي، ذكره الثعلبي. # فأما قوله: «منه» فانه إضافة تشريف، كما تقول: بيت الله، والمعنى من ~~أمره، ومما يقاربها قوله: # وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه # [الجاثية: 13]. # قوله تعالى: { ولا تقولوا ثلاثة } قال الزجاج: رفعه بإضمار: لا تقولوا ~~آلهتنا ثلاثة { إنما الله إله واحد } أي: ما هو إلا إله واحد { ~~سبحانه } ومعنى «سبحانه»: تبرئته من أن يكون له ولد. قال أبو سليمان: { ~~وكفى بالله وكيلا } أي: قيما على خلقه، مدبرا لهم. ### || [4.172] # قوله تعالى: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله } سبب نزولها: # " أن وفد نجران وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا ~~محمد لم تذكر صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا عيسى، قال: وأي شيء أقول ~~له؟ هو عبد الله، قالوا: بل هو الله، فقال: إنه ليس بعار عليه أن يكون ~~عبدا لله، قالوا: بلى، فنزلت هذه الآية " # ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: معنى يستنكف: يأنف، واصله في ~~اللغة من نكفت الدمع: إذا نحيته باصبعك ms0460 من خدك. قال الشاعر: # فبانوا فلولا ما تذكر منهم # من الحلف لم ينكف لعينيك مدمع # قوله تعالى: { ولا الملائكة المقربون } قال ابن عباس: هم حملة العرش. ### || [4.173] # قوله تعالى: { فيوفيهم أجورهم } أي: ثواب أعمالهم { ويزيدهم من فضله } ~~مضاعفة الحسنات. وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { ~~فيوفيهم أجورهم } قال: يدخلون الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعة لمن وجبت ~~له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا. ### || [4.174] # قوله تعالى: { قد جاءكم برهان من ربكم } في البرهان ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الحجة، قاله مجاهد، والسدي. # والثاني: القرآن، قاله قتادة. # والثالث: أنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قاله سفيان الثوري. فأما ~~النور المبين، فهو القرآن، قاله قتادة، وإنما سماه نورا، لأن الأحكام ~~تبين به بيان الأشياء بالنور. ### || [4.175] # قوله تعالى: { واعتصموا به } أي: استمسكوا. وفي «هاء» به قولان. # أحدهما: أنها تعود إلى النور وهو القرآن، قاله ابن جريج. # والثاني: تعود إلى الله تعالى: قاله مقاتل. وفي «الرحمة» قولان. # أحدهما: أنها الجنة، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنها نفس الرحمة، والمعنى: سيرحمهم، قاله أبو سليمان. وفي ~~«الفضل» قولان. # أحدهما: أنه الرزق في الجنة، قاله مقاتل. # والثاني: أنه الإحسان، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: { ويهديهم إليه صراطا مستقيما } أي: يوفقهم لإصابة ~~الطريق المستقيم. وقال ابن الحنفية: الصراط المستقيم: دين الله. ### || [4.176] # قوله تعالى: { يستفتونك } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنها نزلت في جابر بن عبد الله. روى أبو الزبير # " عن جابر قال: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني هو ~~وأبو بكر [وهما ماشيان] فوجدني قد أغمي علي، فتوضأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم صب علي من وضوئه، فأفقت، وقلت: يا رسول الله كيف أصنع ~~في مالي وكان لي تسع أخوات، ولم يكن لي ولد؟ فلم يجبني بشيء، ثم خرج ~~وتركني، ثم رجع إلي وقال: يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا، وإن ~~الله عز وجل قد أنزل في أخواتك، وجعل لهن الثلثين، فقرأ علي ms0461 هذه الآية: ~~{ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } " # فكان جابر يقول: أنزلت هذه الآية في. # والثاني: أن الصحابة أهمهم بيان شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله، ~~فنزلت هذه الآية، هذا قول قتادة. وقال سعيد بن المسيب: # " سأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نورث الكلالة؟ ~~فقال: «أوليس قد بين الله تعالى ذلك، ثم قرأ: { وإن كان رجل يورث كلالة ~~} » فأنزل الله عز وجل { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } ". # قوله تعالى: { إن امرؤ هلك } أي: مات { ليس له ولد } يريد: ولا ~~والد: فاكتفى بذكر أحدهما، ويدل على المحذوف أن الفتيا في الكلالة، ~~وهي من ليس له ولد ولا والد. # قوله تعالى: { وله أخت } يريد من أبيه وأمه { فلها نصف ما ترك } عند ~~انفرادها { وهو يرثها } أي: يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن لها ولد ولا ~~والد، وهذا هو الأخ من الأب والأم، أو من الأب { فان كانتا اثنتين } ~~يعني: أختين وسئل الأخفش ما فائدة قوله «اثنتين» و«كانتا» لا يفسر ~~إلا باثنتين؟ فقال: أفادت العدد العاري عن الصفة، لأنه يجوز في «كانتا» ~~صغيرتين، أو حرتين، أو صالحتين، أو طالحتين، فلما قال: «اثنتين» فاذا ~~اطلاق العدد على أي وصف كانتا عليه. { فلهما الثلثان } من تركة أخيهما ~~الميت { وإن كانوا } يعني المخلفين. # قوله تعالى: { يبين الله لكم أن تضلوا } قال ابن قتيبة: لئلا تضلوا. ~~وقال الزجاج: فيه قولان. # أحدهما: أن لا تضلوا، فأضمرت لا. والثاني: كراهية أن تضلوا، وهو قول ~~البصريين. قال ابن جريج: أن تضلوا في شأن المواريث. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } اختلفوا في المخاطبين بهذا على ~~قولين. # أحدهما: أنهم المؤمنون من أمتنا، وهذا قول الجمهور. # والثاني: أنهم أهل الكتاب، قاله ابن جريج. «والعقود»: العهود، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والضحاك، والسدي، والجماعة. وقال ~~الزجاج: «العقود»: أوكد العهود. # واختلفوا في المراد بالعهود هاهنا على خمسة أقوال. # أحدها: أنها عهود الله التي أخذها على عباده فيما أحل وحرم، وهذا قول ~~ابن ms0462 عباس، ومجاهد. # والثاني: أنها عهود الدين كلها، قاله الحسن. # والثالث: أنها عهود الجاهلية، وهي الحلف الذي كان بينهم، قاله قتادة. # والرابع: أنها العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من الإيمان ~~بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن جريج، وقد ذكرنا عنه أن الخطاب ~~للكتابيين. # والخامس: أنها عقود الناس بينهم، من بيع، ونكاح، أو عقد الإنسان على ~~نفسه من نذر، أو يمين، وهذا قول ابن زيد. # قوله تعالى: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } في بهيمة الأنعام ثلاثة ~~أقاويل. # أحدها: أنها أجنة الأنعام التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت ~~الأمهات، قاله ابن عمر، وابن عباس. # والثاني: أنها الإبل، والبقر، والغنم، قاله الحسن، وقتادة، والسدي. # وقال الربيع: هي الأنعام كلها. وقال ابن قتيبة: هي الإبل، والبقر، ~~والغنم، والوحوش كلها. # والثالث: أنها وحش الأنعام كالظباء، وبقر الوحش، روي عن ابن عباس، وأبي ~~صالح. وقال الفراء: بهيمة الأنعام بقر الوحش، والظباء، والحمر الوحشية. # قال الزجاج: وإنما قيل لها بهيمة، لأنها أبهمت عن أن تميز، وكل حي لا ~~يميز فهو بهيمة. # قوله تعالى: { إلا ما يتلى عليكم } روي عن ابن عباس أنه قال: هي الميتة ~~وسائر ما في القرآن تحريمه. وقال ابن الأنباري: المتلو علينا من المحظور ~~الآية التي بعدها، وهي قوله: { حرمت عليكم الميتة }. # قوله تعالى: { غير محلي الصيد } قال أبو الحسن الأخفش: أوفوا بالعقود ~~غير محلي الصيد، فانتصب على الحال. وقال غيره: المعنى: أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام غير مستحلي اصطيادها، وأنتم حرم، قال الزجاج: الحرم: المحرومون، ~~وواحد الحرم: حرام، يقال: رجل حرام، وقوم حرم. قال الشاعر: # فقلت لها فيئي إليك فإنني # حرام وإني بعد ذاك لبيب # أي: ملب. وقوله: { إن الله يحكم ما يريد } أي: الخلق له يحل ما يشاء ~~لمن يشاء، ويحرم ما يريد على من يريد. ### || [5.2] # قوله تعالى: { لا تحلوا شعائر الله } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: # " أن شريح بن ضبيعة أتى المدينة، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: إلام تدعو؟ فقال: «إلى شهادة أن لا ms0463 إله إلا الله وأني رسول ~~الله»، فقال: إن لي أمراء خلفي أرجع إليهم أشاورهم، ثم خرج، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما ~~الرجل بمسلم» فمر شريح بسرح لأهل المدينة، فاستاقه، فلما كان عام ~~الحديبية، خرج شريح إلى مكة معتمرا، ومعه تجارة، فأراد أهل السرح أن ~~يغيروا عليه كما أغار عليهم، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت هذه الآية " # ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال السدي: اسمه الحطم ابن هند ~~البكري. قال: ولما ساق السرح جعل يرتجز: # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم # خدلج الساقين ممسوح القدم # والثاني: أن ناسا من المشركين جاؤوا يؤمون البيت يوم الفتح مهلين ~~بعمرة، فقال المسلمون: لا ندع هؤلاء بل نغير عليهم، فنزل قوله { ولا ~~آمين البيت الحرام }. قال ابن قتيبة: وشعائر الله: ما جعله الله علما ~~لطاعته. # وفي المراد بها هاهنا سبعة أقوال. # أحدها: أنها مناسك الحج، رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال الفراء: كانت ~~عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يطوفون بينهما، فقال ~~الله تعالى: لا تستحلوا ترك ذلك. # والثاني: أنها ما حرم الله تعالى في حال الإحرام، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثالث: دين الله كله، قاله الحسن. # والرابع: حدود الله، قاله عكرمة، وعطاء. # والخامس: حرم الله، قاله السدي. # والسادس: الهدايا المشعرة لبيت الله الحرام، قاله أبو عبيدة، والزجاج. # والسابع: أنها أعلام الحرم، نهاهم أن يتجاوزوها غير محرمين إذا أرادوا ~~دخول مكة، ذكره الماوردي، والقاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: { ولا الشهر الحرام } قال ابن عباس: لا تحلوا القتال ~~فيه. # وفي المراد بالشهر الحرام ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ذو القعدة، قاله عكرمة، وقتادة. # والثاني: أن المراد به الأشهر الحرم. قال مقاتل: كان جنادة بن عوف يقوم ~~في سوق عكاظ كل سنة فيقول: ألا إني قد أحللت كذا، وحرمت كذا. # والثالث: أنه ms0464 رجب، ذكره ابن جرير الطبري. والهدي: كل ما أهدي إلى بيت ~~الله تعالى من شيء. وفي القلائد قولان. # أحدهما: أنها المقلدات من الهدي، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها ما كان المشركون يقلدون به إبلهم وأنفسهم في الجاهلية، ~~ليأمنوا به عدوهم، لأن الحرب كانت قائمة بين العرب إلا في الأشهر ~~الحرم، فمن لقوة مقلدا نفسه، أو بعيره، أو مشعرا بدنه أو ~~سائقا هديا لم يتعرض له. # قال ابن عباس: كان من أراد أن يسافر في غير الأشهر الحرم، قلد بعيره ~~من الشعر والوبر، فيأمن حيث ذهب. وروى مالك بن مغول عن عطاء قال: ~~كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، فيأمنون به إذا خرجوا من الحرم، فنزلت ~~هذه الآية. وقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد ~~الحج تقلد من السمر فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة شعر، ~~فلم يعرض له أحد. # وقال الفراء: كان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون ~~بالوبر والشعر. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: لا تستحلوا المقلدات من الهدي. # والثاني: لا تستحلوا أصحاب القلائد. # والثالث: أن هذا نهي للمؤمنين أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم، فيتقلدوه ~~كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم، رواه عبد الملك عن عطاء، وبه قال ~~مطرف، والربيع بن أنس. # قوله تعالى: { ولا آمين البيت الحرام } «الآم»: القاصد، و«البيت ~~الحرام»: الكعبة، والفضل: الربح في التجارة، والرضوان من الله يطلبونه في ~~حجهم على زعمهم. ومثله قوله: # وانظر إلى إلهك الذي # [طه: 97] وقيل: ابتغاء الفضل عام، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة. # قوله تعالى: { وإذا حللتم فاصطادوا } لفظه لفظ الأمر، ومعناه الإباحة ~~نظيره # فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10] وهو يدل على إحرام متقدم. # قوله تعالى: { ولا يجرمنكم } وروى الوليد عن يعقوب «يجرمنكم» بسكون ~~النون، وتخفيفها. قال ابن عباس: لا يحملنكم، وقال غيره: لا يدخلنكم في ~~الجرم، كما تقول: آثمته، أي: أدخلته في الإثم. وقال ابن قتيبة: لا ~~يكسبنكم يقال: فلان جارم أهله، أي: كاسبهم، وكذلك جريمتهم. وقال ms0465 ~~الهذلي: ووصف عقابا: # جريمة ناهض في رأس نيق # ترى لعظام ما جمعت صليبا # والناهض: فرخها، يقول: هي تكسب له، وتأتيه بقوته. و«الشنآن»: البغض، ~~يقال: شنئته أشنؤه: إذا أبغضته. وقال ابن الأنباري: «الشنآن»: البغض، ~~و«الشنآن» بتسكين النون: البغيض. واختلف القراء في نون الشنآن، فقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بتحريكها، وأسكنها ابن عامر، وروى حفص ~~عن عاصم تحريكها، وأبو بكر عنه تسكينها، وكذلك اختلف عن نافع. # قال أبو علي: «الشنآن»، قد جاء وصفا، وقد جاء اسما، فمن حرك، فلأنه ~~مصدر، والمصدر يكثر على فعلان، نحو النزوان، ومن سكن، قال: هو ~~مصدر، وقد جاء المصدر على فعلان، تقول: لويته دينه ليانا، فالمعنى ~~في القراءتين واحد، وإن اختلف اللفظان. واختلفوا في قوله: { أن صدوكم } ~~فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالكسر، وقرأ الباقون بالفتح، فمن فتح جعل ~~الصد ماضيا، فيكون المعنى من أجل أن صدوكم، ومن كسرها، جعلها للشرط، ~~فيكون الصد مترقبا. قال أبو الحسن الأخفش: وقد يكون الفعل ماضيا مع ~~الكسر، كقوله: # إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل # [يوسف: 77] وقد كانت السرقة عندهم قد وقعت، وأنشد أبو علي الفارسي: # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # ولم تجدي من أن تقري بها بدا # [فانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء، والجزاء إنما يكون بالمستقبل، ~~فيكون المعنى: إن ننتسب لا تجدني مولود لئيمة]. قال ابن جرير: وقراءة ~~من فتح الألف أبين، لأن هذه السورة نزلت بعد الحديبية، وقد كان الصد ~~تقدم. # فعلى هذا في معنى الكلام قولان. # أحدهما: ولا يحملنكم بغض أهل مكة أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~فيه، فتقاتلوهم، وتأخذوا أموالهم إذا دخلتموه، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: لا يحملنكم بغض أهل مكة، وصدهم إياكم أن تعتدوا بإتيان ما لا ~~يحل لكم من الغارة على المعتمرين من المشركين، على ما سبق في نزول الآية. # قوله تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى } قال الفراء: ليعن بعضكم ~~بعضا. قال ابن عباس: البر ما أمرت به، و«التقوى»: ترك ما نهيت عنه. ms0466 ~~فأما«الإثم»: فالمعاصي. والعدوان: التعدي في حدود الله، قاله عطاء. # فصل # اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين. # أحدهما: أنها محكمة، روي عن الحسن أنه قال: ما نسخ من المائدة شيء، ~~وكذلك قال أبو ميسرة في آخرين قالوا: ولا يجوز استحلال الشعائر، ولا ~~الهدي قبل أوان ذبحه. واختلفوا في «القلائد» فقال قوم: يحرم رفع القلادة ~~عن الهدي حتى ينحر، وقال آخرون: كانت الجاهلية تقلد من شجر الحرم، فقيل ~~لهم: لا تستحلوا أخذ القلائد من الحرم، ولا تصدوا القاصدين إلى البيت. # والثاني: أنها منسوخة، وفي المنسوخ منها أربعة أقوال. # أحدها: أن جميعها منسوخ، وهو قول الشعبي. # والثاني: أنها وردت في حق المشركين كانوا يقلدون هداياهم، ويظهرون ~~شعائر الحج من الاحرام والتلبية، فنهي المسلمون بهذه الآية عن التعرض ~~لهم، ثم نسخ ذلك بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وهذا قول الأكثرين. # والثالث: أن الذي نسخ قوله: { ولا آمين البيت الحرام } نسخه قوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 38] روي عن ابن عباس، وقتادة. # والرابع: أن المنسوخ منها: تحريم الشهر الحرام، وآمون البيت الحرام: ~~إذا كانوا مشركين. وهدي المشركين: إذا لم يكن لهم من المسلمين أمان، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. ### || [5.3] # قوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة } مفسر في (البقرة)، فأما { ~~المنخنقة } فقال ابن عباس: هي التي تختنق فتموت، وقال الحسن، وقتادة: هي ~~التي تختنق بحبل الصائد وغيره. قلت: والمنخنقة حرام كيف وقع ذلك. قال ابن ~~قتيبة: و«الموقوذة»: التي تضرب حتى توقذ، أي: تشرف على الموت، ثم تترك ~~حتى تموت، وتؤكل بغير ذكاة، ومنه يقال: فلان وقيذ، وقد وقذته العبادة. # و«المتردية»: الواقعة من جبل أو حائط، أو في بئر، يقال: تردى: إذا ~~سقط. # و«النطيحة»: التي تنطحها شاة أخرى، أو بقرة، «فعيلة» في معنى «مفعولة» { ~~وما أكل السبع } وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو مجلز، وابن أبي ليلى: ~~السبع: بسكون الباء. والمراد: ما افترسه فأكل بعضه { إلا ما ذكيتم } ~~أي: إلا ما لحقتم من هذا كله، وبه حياة، فذبحتموه. # فأما الاستثناء، ففيه ms0467 قولان. # أحدهما: أنه يرجع إلى المذكور من عند قوله: { والمنخنقة }. # والثاني: أنه يرجع إلى ما أكل السبع خاصة، والعلماء على الأول. # فصل في الذكاة # قال الزجاج: أصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، فمنه الذكاء في السن. وهو ~~تمام السن. قال الخليل: الذكاء: أن تأتي على قروحه سنة، وذلك تمام ~~استكمال القوة، ومنه الذكاء في الفهم، وهو أن يكون فهما تاما، سريع ~~القبول. وذكيت النار، أي: أتممت إشعالها. وقد روي عن علي، وابن عباس، ~~والحسن، وقتادة أنهم قالوا: ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف، أو ~~ذنب يتحرك، فأكله حلال. قال القاضي أبو يعلى: ومذهب أصحابنا أنه إن كان ~~يعيش مع ما به، حل بالذبح، فان كان لا يعيش مع ما به، نظرت، فان لم تكن ~~حياته مستقرة، وإنما حركته حركة المذبوح، مثل أن شق جوفه، وأبينت ~~حشوته، فانفصلت عنه، لم يحل أكله، وإن كانت حياته مستقرة يعيش اليوم ~~واليومين، مثل أن يشق جوفه، ولم تقطع الأمعاء، حل أكله. ومن الناس من ~~يقول: إذا كانت فيه حياة في الجملة أبيح بالذكاة، والصحيح ما ذكرنا، ~~لأنه إذا لم تكن فيه حياة مستقرة، فهو في حكم الميت. ألا ترى أن رجلا ~~لو قطع حشوة آدمي، ثم ضرب عنقه آخر، فالأول هو القاتل، لأن الحياة لا ~~تبقى مع الفعل الأول. # وفي ما يجب قطعه في الذكاة روايتان. # إحداهما: أنه الحلقوم والمريء، والعرقان اللذان بينهما الحلقوم ~~والمريء، فإن نقص من ذلك شيئا، لم يؤكل، هذا ظاهر كلام أحمد في رواية ~~عبد الله. # والثانية: يجزىء قطع الحلقوم والمريء، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل، ~~وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجزىء قطع الحلقوم والمريء وأحد ~~الودجين. وقال مالك: يجزئ قطع الأوداج، وإن لم يقطع الحلقوم. وقال ~~الزجاج: الحلقوم بعد الفم، وهو موضع النفس، وفيه شعب تتشعب منه في ~~الرئة. # والمريء: مجرى الطعام، والودجان: عرقان يقطعهما الذابح. # فأما الآلة التي تجوز بها الذكاة، فهي كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج ~~سوى السن والظفر سواء كانا منزوعين، ms0468 أو غير منزوعين. وأجاز أبو حنيفة ~~الذكاة بالمنزوعين. فأما البعير إذا توحش، أو تردى في بئر، فهو بمنزلة ~~الصيد ذكاته عقره. وقال مالك: ذكاته ذكاة المقدور عليه. فإن رمى صيدا، ~~فأبان بعضه، وفيه حياة مستقرة، فذكاه، أو تركه حتى مات جاز أكله، وفي ~~أكل ما بان منه روايتان. # قوله تعالى: { وما ذبح على النصب } في النصب قولان. # أحدهما: أنها أصنام تنصب، فتعبد من دون الله، قاله ابن عباس، والفراء، ~~والزجاج، فعلى هذا القول يكون المعنى، وما ذبح على اسم النصب، وقيل ~~لأجلها، فتكون «على» بمعنى «اللام» وهما يتعاقبان في الكلام، كقوله: # فسلام لك # [الواقعة: 91] أي: عليك، وقوله: # وإن أسأتم فلها # [الاسراء:7]. # والثاني: أنها حجارة كانوا يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، ~~ويعظمونها، وهو قول ابن جريج. وقرأ الحسن، وخارجة عن أبي عمرو: على ~~النصب، بفتح النون، وسكون الصاد، قال ابن قتيبة، يقال: نصب ونصب ~~ونصب، وجمعه أنصاب. # قوله تعالى: { وأن تستقسموا بالأزلام } قال ابن جرير: أي: وأن تطلبوا ~~علم ما قسم لكم، أو لم يقسم بالأزلام، وهو استفعلت من القسم [قسم الرزق ~~والحاجات]. قال ابن قتيبة: الأزلام: القداح، واحدها: زلم وزلم. ~~والاستقسام بها: أن يضرب [بها] فيعمل بما يخرج فيها من أمر أو نهي، ~~فكانوا إذا أرادوا أن يقتسموا شيئا بينهم، فأحبوا أن يعرفوا قسم كل ~~امرئ تعرفوا ذلك منها، فأخذ الاستقسام من القسم وهو النصيب. قال سعيد ~~بن جبير: الأزلام: حصى بيض، كانوا إذا أرادوا غدوا، أو رواحا، كتبوا ~~في قدحين، في أحدهما: أمرني ربي، وفي الآخر: نهاني ربي، ثم يضربون بهما، ~~فأيهما خرج، عملوا به. وقال مجاهد: الأزلام سهام العرب، وكعاب فارس التي ~~يتقامرون بها. وقال السدي: كانت الأزلام تكون عند الكهنة. وقال مقاتل: في ~~بيت الأصنام. وقال قوم: كانت عند سدنة الكعبة. قال الزجاج: ولا فرق بين ~~ذلك، وبين قول المنجمين: لا تخرج من أجل نجم كذا، أو اخرج من أجل نجم ~~كذا. # قوله تعالى: { ذلكم فسق } في المشار إليه بذلكم قولان. # أحدهما: أنه جميع ما ذكر في ms0469 الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~وبه قال سعيد بن جبير. # والثاني: أنه الاستقسام بالأزلام، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والفسق: ~~الخروج عن طاعة الله إلى معصيته. # قوله تعالى: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } في هذا اليوم ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه اليوم الذي دخل فيه رسول الله مكة في حجة الوداع، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. وقال ابن السائب: نزلت ذلك اليوم. # والثاني: أنه يوم عرفة، قاله مجاهد، وابن زيد. # والثالث: أنه لم يرد يوما بعينه، وإنما المعنى: الآن يئسوا كما تقول: ~~أنا اليوم قد كبرت، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: العرب توقع اليوم على ~~الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي، فيقولون: قد كنت في غفلة، ~~فاليوم استيقظت، يريدون: فالآن، ويقولون: كان فلان يزورنا، وهو اليوم ~~يجفونا، ولا يقصدون باليوم قصد يوم واحد. قال الشاعر: # فيوم علينا ويوم لنا # ويوم نساء ويوم نسر # أراد: فزمان لنا، وزمان علينا، ولم يقصد ليوم واحد لا ينضم إليه غيره. # وفي معنى يأسهم قولان. # أحدهما: أنهم يئسوا أن يرجع المؤمنون إلى دين المشركين، قاله ابن عباس، ~~والسدي. # والثاني: يئسوا من بطلان الإسلام، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: ~~وإنما يئسوا من إبطال دينهم لما نقل الله خوف المسلمين إليهم، وأمنهم ~~إلى المسلمين، فعلموا أنهم لا يقدرون على إبطال دينهم، ولا على ~~استئصالهم، وإنما قاتلوهم بعد ذلك ظنا منهم أن كفرهم يبقى. # قوله تعالى: { فلا تخشوهم } قال ابن جريج: لا تخشوهم أن يظهروا عليكم، ~~وقال ابن السائب: لا تخشوهم أن يظهروا على دينكم، واخشوني في مخالفة ~~أمري. # قوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } روى البخاري، ومسلم في ~~«الصحيحين» من حديث طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: ~~يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية من كتابكم لو علينا معشر اليهود ~~نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وأي آية هي؟ قال: قوله { اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي ~~نزلت فيه على ms0470 رسول الله، والساعة التي نزلت فيها، والمكان الذي نزلت فيه ~~على رسول الله وهو قائم بعرفة في يوم جمعة. وفي لفظ «نزلت عشية عرفة» ~~قال سعيد بن جبير: عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أحدا ~~وثمانين يوما. # فأما قوله: { اليوم } ففيه قولان. # أحدهما: أنه يوم عرفة، وهو قول الجمهور. # والثاني: أنه ليس بيوم معين، رواه عطية عن ابن عباس، وقد ذكرنا هذا ~~آنفا. وفي معنى إكمال الدين خمسة أقوال. # أحدها: أنه إكمال فرائضه وحدوده، ولم ينزل بعد هذه الآية تحليل ولا ~~تحريم، قاله ابن عباس، والسدي، فعلى هذا يكون المعنى: اليوم أكملت لكم ~~شرائع دينكم. # والثاني: أنه بنفي المشركين عن البيت، فلم يحج معهم مشرك عامئذ، قاله ~~سعيد بن جبير، وقتادة. وقال الشعبي: كمال الدين هاهنا: عزه وظهوره، وذل ~~الشرك ودروسه، لا تكامل الفرائض والسنن، لأنها لن تزل تنزل إلى أن ~~قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا يكون المعنى: اليوم أكملت ~~لكم نصر دينكم. # والثالث: أنه رفع النسخ عنه. وأما الفرائض فلم تزل تنزل عليه حتى قبض، ~~روي عن ابن جبير أيضا. # والرابع: أنه زوال الخوف من العدو، والظهور عليهم، قاله الزجاج. # والخامس: أنه أمن هذه الشريعة من أن تنسخ بأخرى بعدها، كما نسخ بها ما ~~تقدمها. وفي إتمام النعمة ثلاثة أقوال. # أحدها: منع المشركين من الحج معهم، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة. # والثاني: الهداية إلى الإيمان، قاله ابن زيد. # والثالث: الإظهار على العدو، قاله السدي. # قوله تعالى: { فمن اضطر } أي: دعته الضرورة إلى أكل ما حرم عليه. { في ~~مخمصة } أي: مجاعة، والخمص: الجوع. قال الشاعر يذم رجلا: # يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة # يبت قلبه من قلة الهم مبهما # وهذا الكلام يرجع إلى المحرمات المتقدمة من الميتة والدم، وما ذكر ~~معهما. # قوله تعالى: { غير متجانف لإثم } قال ابن قتيبة: غير مائل إلى ذلك، ~~و«الجنف»: الميل. وقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: غير متعمد لإثم. # وفي معنى «تجانف الإثم» قولان. # أحدهما: أن يتناول منه ms0471 بعد زوال الضرورة، روي عن ابن عباس في آخرين. # والثاني: أن يتعرض لمعصية في مقصده، قاله قتادة. وقال مجاهد: من بغى ~~وخرج في معصية، حرم عليه أكله. قال القاضي أبو يعلى: وهذا أصح من القول ~~الأول، لأن الآية تقتضي اجتماع تجانف الاثم مع الاضطرار، وذلك إنما يصح ~~في سفرالعاصي، ولا يصح حمله على تناول الزيادة على سد الرمق، لأن ~~الاضطرار قد زال. قال أبو سليمان: ومعنى الآية: فمن اضطر فأكله غير ~~متجانف لإثم، فإن الله غفور، أي: متجاوز عنه، رحيم إذ أحل ذلك للمضطر. ### || [5.4] # قوله تعالى: { يسألونك ماذا أحل لهم } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب، قال الناس: ~~يا رسول الله ماذا أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه ~~الآية، أخرجه أبو عبد الله الحاكم في «صحيحه» من حديث أبي رافع عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكان السبب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها ~~أن جبريل عليه السلام استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن له، ~~فلم يدخل وقال: # " إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة " # فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. # والثاني: أن عدي بن حاتم، وزيد الخيل الذي سماه رسول الله: زيد الخير، ~~قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فمنه ما ندرك ~~ذكاته، ومنه مالا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا ~~منها، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير. قال الزجاج: ومعنى الكلام: ~~يسألونك أي شيء أحل لهم؟ قل: أحل لكم الطيبات، وأحل لكم صيد ما ~~علمتم من الجوارح، والتأويل أنهم سألوا عنه ولكن حذف ذكر صيد ما علمتم، ~~لأن في الكلام دليلا عليه. # وفي الطيبات قولان. # أحدهما: أنها المباح من الذبائح. # والثاني: أنها ما استطابه العرب مما لم يحرم. فأما «الجوارح» فهي ما ~~صيد به من سباع البهائم والطير، كالكلب، والفهد، والصقر، والبازي، ونحو ~~ذلك مما يقبل التعليم. قال ابن عباس: كل ms0472 شيء صاد فهو جارح. # وفي تسميتها بالجوارح قولان. # أحدهما: لكسب أهلها بها. قال ابن قتيبة: أصل الاجتراح: الاكتساب، يقال: ~~امرأة لا جارح لها، أي: لا كاسب. # والثاني: لأنها تجرح ما تصيد في الغالب، ذكره الماوردي. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: وعلامة التعليم أنك إذا دعوته أجاب، وإذا أسدته استأسد، ~~ومضى في طلبه، وإذا أمسك أمسك عليك لا على نفسه، وعلامة إمساكه عليك: ~~أن لا يأكل منه شيئا، هذا في السباع والكلاب، فأما تعليم جوارح الطير ~~فبخلاف السباع، لأن الطائر إنما يعلم الصيد بالأكل، والفهد، والكلب، ~~وما أشبههما يعلمون بترك الأكل، فهذا فرق ما بينهما. # وفي قوله: { مكلبين } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أصحاب الكلاب، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول ابن عمر، ~~وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والسدي، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة. ~~قال الزجاج: يقال رجل مكلب وكلابي، أي: صاحب صيد بالكلاب. # والثاني: أن معنى «مكلبين»: مصرين على الصيد، وهذا مروي عن ابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد. # والثالث: ان «مكلبين» بمعنى: معلمين. قال أبو سليمان الدمشقي: وإنما ~~قيل لهم: مكلبين، لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب. # قال ثعلب: وقرأ الحسن، وأبو رزين: مكلبين، بسكون الكاف، يقال: أكلب ~~الرجل: إذا كثرت كلابه، وأمشى: إذا كثرت ماشيته، والعرب تدعو الصائد ~~مكلبا. # قوله تعالى: { تعلمونهن مما علمكم الله } قال سعيد بن جبير: تؤدبونهن ~~لطلب الصيد. وقال الفراء: تؤدبونهن أن لا يأكلن صيدهن. واختلفوا هل ~~إمساك الصائد عن الأكل شرط في صحة التعليم أم لا؟ على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه شرط في كل الجوارح، فان أكلت، لم يؤكل، روي عن ابن عباس، ~~وعطاء. # والثاني: أنه ليس بشرط في الكل، ويؤكل وإن أكلت، روي عن سعد ابن أبي ~~وقاص، وابن عمر، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي. # والثالث: أنه شرط في جوارح البهائم، وليس بشرط في جوارح الطير، وبه قال ~~الشعبي، والنخعي، والسدي، وهو أصح لما بينا أن جارح الطير يعلم على ~~الأكل، فأبيح ما أكل منه، وسباع البهائم تعلم على ترك الأكل، فأبيح ما ~~أكلت منه. ms0473 # فعلى هذا إذا أكل الكلب والفهد من الصيد، لم يبح أكله. فأما ما أكل ~~منه الصقر والبازي، فمباح، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وقال مالك: يباح ~~أكل ما أكل منه الكلب، والفهد، والصقر، فإن قتل الكلب، ولم يأكل، أبيح. # وقال أبو حنيفة: لا يباح، فان أدرك الصيد، وفيه حياة، فمات قبل أن ~~يذكيه، فإن كان ذلك قبل القدرة على ذكاته أبيح، وإن أمكنه فلم يذكه، ~~لم يبح، وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يباح في الموضعين. # فأما الصيد بكلب المجوسي، فروي عن أحمد أنه لا يكره، وهو قول الأكثرين، ~~وروي عنه الكراهة، وهو قول الثوري لقوله تعالى: { وما علمتم من الجوارح } ~~وهذا خطاب للمؤمنين. قال القاضي أبو يعلى: ومنع أصحابنا الصيد بالكلب ~~الأسود، وإن كان معلما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله، ~~والأمر بالقتل: يمنع ثبوت اليد، ويبطل حكم الفعل، فيصير وجوده كالعدم، ~~فلا يباح صيده. # قوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم } قال الأخفش: «من» زائدة، كقوله: # فيها من برد # [النور:43]. # قوله تعالى: { واذكروا اسم الله عليه } في هاء الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الإرسال، قاله ابن عباس، والسدي، وعندنا أن ~~التسمية شرط في إباحة الصيد. # والثاني: ترجع إلى الأكل فتكون التسمية مستحبة. # قوله تعالى: { واتقوا الله } قال سعيد بن جبير: لا تستحلوا ما لم يذكر ~~اسم الله عليه. ### || [5.5] # قوله تعالى: { اليوم أحل لكم الطيبات } قال القاضي أبو يعلى: يجوز أن ~~يريد باليوم اليوم الذي أنزلت فيه الآية، ويجوز أن يريد اليوم الذي تقدم ~~ذكره في قوله: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } ، وفي قوله: { اليوم ~~أكملت لكم دينكم } ، وقيل: ليس بيوم معين. وقد سبق الكلام في «الطيبات» ~~وإنما كرر إحلالها تأكيدا. فأما أهل الكتاب، فهم اليهود والنصارى. ~~وطعامهم: ذبائحهم، هذا قول ابن عباس، والجماعة. وإنما أريد بها الذبائح ~~خاصة، لأن سائر طعامهم لا يختلف بمن تولاه من مجوسي وكتابي، وإنما ~~الذكاة تختلف، فلما خص أهل الكتاب بذلك، دل على أن المراد الذبائح، فأما ms0474 ~~ذبائح المجوس، فأجمعوا على تحريمها. واختلفوا في ذبائح من دان باليهودية ~~والنصرانية من عبدة الأوثان، فروي عن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى ~~العرب، فقال: لا بأس بها، وتلا قوله: # ومن يتولهم منكم فانه منهم # [المائدة: 51] وهذا قول الحسن، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعكرمة، ~~وقتادة، والزهري، والحكم، وحماد. وقد روي عن علي، وابن مسعود في آخرين أن ~~ذبائحهم لا تحل. ونقل الخرقي عن أحمد في نصارى بني تغلب روايتين. # إحداهما: تباح ذبائحهم، وهو قول أبي حنيفة، ومالك. # والثانية: لا تباح. وقال الشافعي: من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول ~~القرآن، لم يبح أكل ذبيحته. # قوله تعالى: { وطعامكم حل لهم } أي: وذبائحكم لهم حلال، فاذا اشتروا ~~منا شيئا كان الثمن لنا حلالا، واللحم لهم حلالا. قال الزجاج: ~~والمعنى: أحل لكم أن تطعموهم. # فصل # وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقا وإن ~~ذكروا غير اسم الله عليها، فكان هذا ناسخا لقوله تعالى: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121] والصحيح أنها أطلقت إباحة ذبائحهم، لأن الأصل أنهم ~~يذكرون الله، فيحمل أمرهم على هذا. فإن تيقنا أنهم ذكروا غيره، فلا ~~نأكل، ولا وجه للنسخ، وإلى هذا الذي قلته ذهب علي، وابن عمر، وعبادة، ~~وأبو الدرداء، والحسن في جماعة. # قوله تعالى: { والمحصنات من المؤمنات } فيهن قولان. # أحدهما: العفائف، قاله ابن عباس. والثاني: الحرائر، قاله مجاهد. # وفي قوله: { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } قولان. # أحدهما: الحرائر أيضا، قاله ابن عباس. # والثاني: العفائف، قاله الحسن، والشعبي، والنخعي، والضحاك، والسدي، ~~فعلى هذا القول يجوز تزويج الحرة منهن والأمة. # فصل # وهذه الآية أباحت نكاح الكتابية. وقد روي عن عثمان أنه تزوج نائلة بنت ~~الفرافصة على نسائه وهي نصرانية. وعن طلحة بن عبيد الله: أنه تزوج ~~يهودية. وقد روي عن عمر، وابن عمر كراهة ذلك. واختلفوا في نكاح الكتابية ~~الحربية، فقال ابن عباس: لا تحل، والجمهور على خلافه، وإنما كرهوا ذلك، ~~لقوله تعالى: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ms0475 الآخر يوادون من حاد الله ورسوله # [المجادلة: 22] والنكاح يوجب الود. واختلفوا في نكاح نساء تغلب، فروي عن ~~علي رضي الله عنه الحظر، وبه قال جابر بن زيد، والنخعي، وروي عن ابن عباس ~~الإباحة. وعن أحمد روايتان. واختلفوا في إماء أهل الكتاب، فروي عن ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد: أنه لا يجوز نكاحهن، وبه قال الأوزاعي، ومالك، ~~والليث بن سعد، والشافعي، وأصحابنا، وروي عن الشعبي، وأبي ميسرة جواز ~~ذلك، وبه قال أبو حنيفة. فأما المجوس، فالجمهور على أنهم ليسوا بأهل ~~كتاب، وقد شذ من قال: إنهم أهل كتاب، ويبطل قولهم قوله عليه السلام: # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # فأما «الأجور»، و«الإحصان»، و«السفاح»، و«الأخدان» فقد سبق في سورة { ~~النساء }. # قوله تعالى: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } سبب نزول هذا الكلام: ~~أن الله تعالى لما رخص في نكاح الكتابيات قلن بينهن: لولا أن الله ~~تعالى قد رضي علينا، لم يبح للمؤمنين تزويجنا، وقال المسلمون: كيف يتزوج ~~الرجل منا الكتابية، وليست على ديننا، فنزلت: { ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله } رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل بن حيان: نزلت فيما ~~أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن ~~بالذي يخرجهن من الكفر. وروى ليث عن مجاهد: ومن يكفر بالإيمان، قال: ~~الإيمان بالله تعالى. قال الزجاج: معنى الآية: من أحل ما حرم الله، أو ~~حرم ما أحله الله، فهو كافر. وقال أبو سليمان: من جحد ما أنزله الله من ~~شرائع الإيمان، وعرفه من الحلال والحرام، فقد حبط عمله المتقدم. وسمعت ~~الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه يقول: إنما أباح الله عز وجل ~~الكتابيات، لأن بعض المسلمين قد يعجبهن حسنهن، فحذر ناكحهن من ~~الميل إلى دينهن بقوله: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله }. ### || [5.6] # قوله تعالى: { إذا قمتم إلى الصلاة } قال الزجاج: المعنى: إذا أردتم ~~القيام إلى الصلاة كقوله: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله # [النحل: 98] قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: إذا آخيت فآخ أهل الحسب، ~~وإذا اتجرت فاتجر في البز. ms0476 قال: ويجوز أن يكون الكلام مقدما ومؤخرا، ~~تقديره: إذا غسلتم وجوهكم، واستوفيتم الطهور، فقوموا إلى الصلاة. ~~وللعلماء في المراد بالآية قولان. # أحدهما: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، فاغسلوا، فصار الحدث مضمرا في ~~وجوب الوضوء، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، ~~والفقهاء. # والثاني: أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل من ~~يريد الصلاة، محدثا كان، أو غير محدث، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه، ~~وعكرمة، وابن سيرين. ونقل عنهم أن هذا الحكم غير منسوخ، ونقل عن جماعة من ~~العلماء أن ذلك كان واجبا، ثم نسخ بالسنة، وهو ما روى بريدة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: ~~لقد صنعت شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال # " عمدا فعلته يا عمر " # وقال قوم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناها: إذا قمتم إلى الصلاة من ~~النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم. # قوله تعالى: { وأيديكم إلى المرافق } «إلى» حرف موضوع للغاية، وقد ~~تدخل الغاية فيها تارة، وقد لا تدخل، فلما كان الحدث يقينا، لم يرتفع ~~إلا بيقين مثله، وهو غسل المرفقين. فأما الرأس فنقل عن أحمد وجوب مسح ~~جميعه، وهو قول مالك، وروي عنه: يجب مسح أكثره، وروي عن أبي حنيفة ~~روايتان. # إحداهما: أنه يتقدر بربع الرأس. # والثانية: بمقدار ثلاث أصابع. # قوله تعالى: { وأرجلكم إلى الكعبين } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~وأبو بكر عن عاصم: بكسر اللام عطفا على مسح الرأس، وقرأ نافع، وابن ~~عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب: بفتح اللام عطفا على الغسل، ~~فيكون من المقدم والمؤخر. قال الزجاج: الرجل من أصل الفخذ إلى القدم، ~~فلما حد الكعبين، علم أن الغسل ينتهي إليهما، ويدل على وجوب الغسل ~~التحديد بالكعبين، كما جاء في تحديد اليد «إلى المرافق» ولم يجئ في شيء ~~من المسح تحديد. ويجوز أن يراد الغسل على قراءة الخفض، لأن التحديد ~~بالكعبين يدل على الغسل، فينسق بالغسل على ms0477 المسح. قال الشاعر: # يا ليت بعلك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # والمعنى: وحاملا رمحا. وقال الآخر: # علفتها تبنا وماء باردا # والمعنى: وسقيتها ماء باردا. وقال أبو الحسن الأخفش: يجوز الجر على ~~الإتباع، والمعنى: الغسل، نحو قولهم: جحر ضب خرب، وقال ابن الأنباري: ~~لما تأخرت الأرجل بعد الرؤوس، نسقت عليها للقرب والجوار، وهي في المعنى ~~نسق على الوجوه، كقولهم: جحر ضب خرب، ويجوز أن تكون منسوقة عليها، ~~لأن العرب تسمي الغسل مسحا، لأن الغسل لا يكون إلا بمسح. # وقال أبو علي: من جر فحجته أنه وجد في الكلام عاملين: أحدهما: ~~الغسل، والآخر: الباء الجارة، ووجه العاملين إذا اجتمعا: أن يحمل ~~الكلام على الأقرب منهما دون الأبعد، وهو «الباء» هاهنا، وقد قامت ~~الدلالة على أن المراد بالمسح: الغسل من وجهين. # أحدهما: أن أبا زيد قال: المسح خفيف الغسل، قالوا: تمسحت للصلاة، وقال ~~أبو عبيدة: فطفق مسحا بالسوق، أي: ضربا، فكأن المسح بالآية غسل خفيف. ~~فإن قيل: فالمستحب التكرار ثلاثا؟ قيل: إنما جاءت الآية بالمفروض دون ~~المسنون. # والوجه الثاني: أن التحديد والتوقيت إنما جاء في المغسول دون الممسوح، ~~فلما وقع التحديد مع المسح، علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في ~~التحديد، وحجة من نصب أنه حمل ذلك على الغسل لاجتماع فقهاء الأمصار على ~~الغسل. # قوله تعالى: { إلى الكعبين } «إلى» بمعنى «مع» والكعبان: العظمان ~~الناتئان من جانبي القدم. # قوله تعالى: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } أي: فتطهروا، فأدغمت التاء في ~~الطاء، لأنهما من مكان واحد، واجتلبت الهمزة توصلا إلى النطق بالساكن، ~~وقد بين الله عز وجل طهارة الجنب في سورة (النساء) بقوله: # حتى تغتسلوا # [النساء: 43] وقد ذكرنا هناك الكلام في تمام الآية إلى قوله: { ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج } و«الحرج»: الضيق، فجعل الله الدين واسعا حين ~~رخص في التيمم. # قوله تعالى: { ولكن يريد ليطهركم } أي: يريد أن يطهركم. قال مقاتل: من ~~الأحداث والجنابة، وقال غيره: من الذنوب والخطايا لأن الوضوء يكفر ~~الذنوب. # قوله تعالى: { وليتم نعمته عليكم } في الذي يتم به النعمة ms0478 أربعة ~~أقوال. # أحدها: بغفران الذنوب. قال محمد بن كعب القرظي: حدثني عبد الله بن دارة، ~~عن حمران قال: مررت على عثمان بفخارة من ماء، فدعا بها فتوضأ، فأحسن ~~الوضوء ثم قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة أو ~~مرتين أو ثلاثا ما حدثتكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما توضأ عبد فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، إلا غفر له ما بينه ~~وبين الصلاة الأخرى " # قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث التمسته في القرآن، فالتمست هذا ~~فوجدته # في قوله تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك # [الفتح:1، 2] فعلمت أن الله لم يتم النعمة عليه حتى غفر له ذنوبه، ثم ~~قرأت الآية التي في «المائدة»: { إذا قمتم إلى الصلاة } إلى قوله { ~~وليتم نعمته عليكم } فعلمت أنه لم يتم النعمة عليهم حتى غفر لهم. # والثاني: بالهداية إلى الإيمان، وإكمال الدين، وهذا قول ابن زيد. # والثالث: بالرخصة في التيمم، قاله مقاتل، وأبو سليمان. # والرابع: ببيان الشرائع، ذكره بعض المفسرين. ### || [5.7] # قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم } يعني النعم كلها. وفي هذا ~~حث على الشكر. وفي الميثاق أربعة أقوال. # أحدها: أنه إقرار كل مؤمن بما آمن به. قال ابن عباس: لما أنزل الله ~~الكتاب، وبعث الرسول، فقالوا: آمنا ذكرهم ميثاقه الذي أقروا به على ~~أنفسهم، وأمرهم بالوفاء. # والثاني: أنه الميثاق الذي أخذه من بني آدم حين أخرجهم من ظهره، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وابن زيد. # والثالث: أنه ما وثق على المؤمنين على لسان نبيه عليه السلام من الأمر ~~بالوفاء بما أقروا به من الإيمان. روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والرابع: أنه الميثاق الذي أخذ من الصحابة على السمع والطاعة في بيعة ~~العقبة، وبيعة الرضوان، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: { واتقوا الله } قال مقاتل: اتقوه في نقض الميثاق { إن ~~الله عليم بذات الصدور ms0479 } أي: بما فيها من إيمان وشك. ### || [5.8] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله } في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت من أجل كفار قريش أيضا، وقد تقدم ذكرهم في قوله: { ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام } روى نحو هذا أبو ~~صالح، عن ابن عباس وبه قال مقاتل. # والثاني: أن قريشا بعثت رجلا ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأطلع الله نبيه على ذلك، ونزلت هذه الآية، والتي بعدها، هذا قول الحسن. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى يهود بني النضير ~~يستعينهم في دية، فهموا بقتله، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وقتادة. ~~ومعنى الآية: كونوا قوامين لله بالحق ولا يحملنكم بغض قوم على ترك ~~العدل { اعدلوا } في الولي والعدو { هو أقرب للتقوى } ، أي إلى التقوى. ~~والمعنى: أقرب إلى أن تكونوا متقين وقيل: هو أقرب إلى اتقاء النار. ### || [5.9-10] # قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة } في ~~معناها قولان. # أحدهما: أن المعنى: وعدهم الله أن يغفر لهم ويأجرهم، فاكتفى بما ذكر عن ~~هذا المعنى. # والثاني: أن المعنى: وعدهم فقال: لهم مغفرة. وقد بينا في (البقرة) معنى ~~«الجحيم». ### || [5.11] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ~~أن يبسطوا إليكم أيديهم } في سبب نزولها أربعة أقوال. # أحدها: # " أن رجلا من محارب قال لقومه: الا أقتل لكم محمدا؟ فقالوا: وكيف ~~تقتله؟ فقال: أفتك به، فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفه في ~~حجره، فأخذه، وجعل يهزه، ويهم به، فيكبته الله، ثم قال: يا محمد ما ~~تخافني؟ قال: لا، قال: لا تخافني وفي يدي السيف؟! قال: يمنعني الله منك، ~~فأغمد السيف، فنزلت هذه الآية " # ، رواه الحسن البصري عن جابر بن عبد الله. وفي بعض الألفاظ: فسقط السيف ~~من يده. وفي لفظ آخر: فما قال له النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، ولا ~~عاقبه. واسم هذا الرجل: غورث بن الحارث من محارب خصفة. # والثاني: أن ms0480 اليهود عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكفاه الله شرهم. # قال ابن عباس: صنعوا له طعاما، فأوحي إليه بشأنهم، فلم يأت. وقال ~~مجاهد، وعكرمة: خرج إليهم يستعينهم في دية، فقالوا: اجلس حتى نعطيك، ~~فجلس هو وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض، وقالوا: لن تجدوا محمدا أقرب منه ~~الآن، فمن يظهر على هذا البيت، فيطرح عليه صخرة؟ فقال عمرو بن جحاش: ~~أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه، فأمسك الله يده، وجاء جبريل، ~~فأخبره، وخرج، ونزلت هذه الآية. # والثالث: أن بني ثعلبة، وبني محارب أرادوا أن يفتكوا بالنبي وأصحابه، ~~وهم ببطن نخلة في غزاة رسول الله صلى الله عليه وسلم السابعة، فقالوا: ~~إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم، فإذا سجدوا وقعنا ~~بهم، فأطلع الله نبيه على ذلك، وأنزل صلاة الخوف، ونزلت هذه الآية، هذا ~~قول قتادة. # والرابع: أنها نزلت في حق اليهود حين ظاهروا المشركين على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، هذا قول ابن زيد. ### || [5.12] # قوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } قال أبو العالية: أخذ ~~الله ميثاقهم أن يخلصوا له العبادة، ولا يعبدوا غيره. وقال مقاتل: أن ~~يعملوا بما في التوراة. وفي معنى النقيب ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الضمين، قاله الحسن، ومعناه: أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت ~~يده، ولا يجوز أن يكون ضمينا عنهم بالوفاء، لأن ذلك لا يصح ضمانه، وقال ~~ابن قتيبة: هو الكفيل على القوم. والنقابة شبيهة بالعرافة. # والثاني: أنه الشاهد، قاله قتادة. وقال ابن فارس: النقيب: شاهد القوم، ~~وضمينهم. # والثالث: الأمين، قاله الربيع بن أنس، واليزيدي، وهذه الأقوال تتقارب. ~~قال الزجاج: النقيب في اللغة، كالأمين والكفيل، يقال: نقب الرجل على ~~القوم ينقب: إذا صار نقيبا عليهم، وصناعته النقابة، وكذلك عرف عليهم: ~~إذا صار عريفا، ويقال لأول ما يبدو من الجرب: النقبة، ويجمع النقب ~~والنقب. قال الشاعر: # متبذلا تبدو محاسنه # يضع الهناء مواضع النقب # ويقال: في فلان مناقب جميلة، وكل الباب معناه: التأثير الذي له عمق ~~ودخول، ومن ذلك نقبت ms0481 الحائط، أي: بلغت في النقب آخره، والنقبة من ~~الجرب: داء شديد الدخول. وإنما قيل: نقيب، لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ~~ويعرف مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم. ونقل أن الله تعالى أمر ~~موسى وقومه بالسيرإلى الأرض المقدسة، وكان يسكنها الجبارون، فقال تعالى: ~~يا موسى اخرج إليها وجاهد من فيها من العدو، وخذ من قومك اثني عشر ~~نقيبا، من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به، ~~فاختاروا النقباء. # وفيما بعثوا له قولان. # أحدهما: أن موسى بعثهم إلى بيت المقدس، ليأتوه بخبر الجبارين، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، والسدي. # والثاني: أنهم بعثوا ضمناء على قومهم بالوفاء بميثاقهم، قاله الحسن، ~~وابن إسحاق. وفي نبوتهم قولان. أصحهما: أنهم ليسوا بأنبياء. # قوله تعالى: { وقال الله } في الكلام محذوف. تقديره: وقال الله لهم. # وفي المقول لهم قولان. # أحدهما: أنهم بنو إسرائيل، قاله الجمهور. # والثاني: أنهم النقباء، قاله الربيع، ومقاتل. ومعنى { إني معكم } أي: ~~بالعون والنصرة. وفي معنى: { وعزرتموهم } قولان. # أحدهما: أنه الإعانة والنصر، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، ~~والسدي. # والثاني: أنه التعظيم والتوقير، قاله عطاء، واليزيدي، وأبو عبيدة، وابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: { وأقرضتم الله قرضا حسنا } في هذا الإقراض قولان. # أحدهما: أنه الزكاة الواجبة. والثاني: صدقة التطوع. وقد شرحنا في ~~(البقرة) معنى القرض الحسن. # قوله تعالى: { فمن كفر بعد ذلك منكم } يشير إلى الميثاق { فقد ضل ~~سواء السبيل } أي: أخطأ قصد الطريق. ### || [5.13] # قوله تعالى: { فبما نقضهم } في الكلام محذوف، تقديره: فنقضوا، فبنقضهم ~~لعناهم، وفي المراد بهذه اللعنة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها التعذيب بالجزية، قاله ابن عباس. والثاني: التعذيب بالمسخ، ~~قاله الحسن، ومقاتل. والثالث: الإبعاد من الرحمة، قاله عطاء، والزجاج. # قوله تعالى: { وجعلنا قلوبهم قاسية } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: «قاسية» بالألف، يقال: قست، فهي قاسية، وقرأ حمزة، ~~والكسائي، والمفضل، عن عاصم: «قسية» بغير ألف مع تشديد الياء، لأنه قد ~~يجيء فاعل وفعيل، مثل شاهد وشهيد، وعالم وعليم. و«القسوة»: خلاف اللين ~~والرقة. وقد ذكرنا هذا في (البقرة). وفي ms0482 تحريفهم الكلم ثلاثة أقوال. # أحدها: تغيير حدود التوراة، قاله ابن عباس. والثاني: تغيير صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قاله مقاتل. والثالث: تفسيره على غير ما أنزل، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { عن مواضعه } مبين في سورة (النساء). # قوله تعالى: { ونسوا حظا مما ذكروا به } النسيان هاهنا. الترك عن ~~عمد. والحظ: النصيب. قال مجاهد: نسوا كتاب الله الذي أنزل عليهم. وقال ~~غيره: تركوا نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم. وفي معنى { ذكروا به } ~~قولان. # أحدهما: أمروا. والثاني: أوصوا. # قوله تعالى: { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } وقرأ الأعمش «على خيانة ~~منهم» قال ابن قتيبة: الخائنة: الخيانة. ويجوز أن تكون صفة للخائن، كما ~~يقال: رجل طاغية، وراوية للحديث. قال ابن عباس: وذلك مثل نقض قريظة عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخروج كعب بن الأشرف إلى أهل مكة للتحريض ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إلا قليلا منهم } لم ينقضوا العهد، ~~وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. وقيل: بل القليل ممن لم يؤمن. # قوله تعالى: { فاعف عنهم واصفح } واختلفوا في نسخها على قولين. # أحدهما: أنها منسوخة، قاله الجمهور. واختلفوا في ناسخها على ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنها آية السيف. والثاني قوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله... # [التوبة: 29]. والثالث: قوله # وإما تخافن من قوم خيانة # [الأنفال: 58]. # والثاني: أنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~عهد، فغدروا، وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فأظهره الله عليهم، ~~ثم أنزل الله هذه الآية، ولم تنسخ. # قال ابن جرير: يجوز أن يعفى عنهم في غدرة فعلوها، ما لم ينصبوا حربا، ~~ولم يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار بالصغار، فلا يتوجه النسخ. ### || [5.14] # قوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } قال الحسن: ~~إنما قال: قالوا: إنا نصارى، ولم يقل: من النصارى، ليدل على أنهم ~~ليسوا على منهاج النصارى حقيقة، وهم الذين اتبعوا المسيح. وقال قتادة: ~~كانوا بقرية، يقال لها: ناصرة: فسموا بهذا الاسم. قال مقاتل: أخذ عليهم ~~الميثاق، كما أخذ على ms0483 أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد، فتركوا ما أمروا به. # قوله تعالى: { فأغرينا بينهم } قال النضر: هيجنا، وقال المؤرج: حرشنا ~~بعضهم على بعض. وقال الزجاج: ألصقنا بهم ذلك، يقال: غريت بالرجل غرى ~~مقصورا: إذا لصقت به، هذا قول الأصمعي. وقال غير الأصمعي: غريت به ~~غراء ممدود، وهذا الغراء الذي يغرى به إنما يلصق به الأشياء، ومعنى ~~أغرينا بينهم العداوة والبغضاء: أنهم صاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا. وفي ~~الهاء والميم من قوله «بينهم» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى اليهود والنصارى، قاله مجاهد، وقتادة، والسدي. # والثاني: أنها ترجع إلى النصارى خاصة، قاله الربيع. وقال الزجاج: هم ~~النصارى، منهم النسطورية، واليعقوبية، والملكية، وكل فرقة منهم تعادي ~~الأخرى. وفي تمام الآية وعيد شديد لهم. ### || [5.15] # قوله تعالى: { يا أهل الكتاب } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود. والثاني: اليهود والنصارى والرسول: محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله تعالى: { يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب } قال ابن ~~عباس: أخفوا آية الرجم وأمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته { ويعفو عن ~~كثير } يتجاوز، فلا يخبرهم بكتمانه. فان قيل: كيف كان له أن يمسك عن حق ~~كتموه فلا يبينه؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنه كان متلقيا ما يؤمر به، فإذا أمر باظهار شيء من أمرهم، ~~أظهره، وأخذهم به، وإلا سكت. # والثاني: أن عقد الذمة إنما كان على أن يقروا على دينهم، فلما كتموا ~~كثيرا مما أمروا به، واتخذوا غيره دينا، أظهر عليهم ما كتموه من صفته ~~وعلامة نبوته، لتتحقق معجزته عندهم، واحتكموا إليه في الرجم، فأظهر ما ~~كتموا مما يوافق شريعته، وسكت عن أشياء ليتحقق إقرارهم على دينهم. # قوله تعالى: { قد جاءكم من الله نور } قال قتادة: يعني بالنور: النبي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقال غيره: هو الإسلام، فأما الكتاب المبين، فهو القرآن. ### || [5.16] # قوله تعالى: { يهدي به الله } يعني: بالكتاب. ورضوانه: ما رضيه الله ~~تعالى. # و«السبل»، جمع سبيل، قال ابن عباس: سبل السلام: دين الاسلام. وقال ~~السدي: «السلام»: هو الله، و«سبله»: دينه الذي شرعه. قال الزجاج: وجائز ms0484 ~~أن يكون «سبل السلام» طريق السلامة التي من سلكها سلم في دينه، ~~وجائز أن يكون «السلام» اسم الله عز وجل، فيكون المعنى: طرق الله عز ~~وجل. # قوله تعالى: { ويخرجهم من الظلمات } قال ابن عباس: يعني الكفر { إلى ~~النور } يعني: الإيمان { بإذنه } أي: بأمره { ويهديهم إلى صراط مستقيم ~~} وهو الإسلام. وقال الحسن: طريق الحق. ### || [5.17] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } قال ~~ابن عباس: هؤلاء نصارى أهل نجران، وذلك أنهم اتخذوه إلها { قل فمن ~~يملك من الله شيئا } أي: فمن يقدر أن يدفع من عذابه شيئا { إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم } أي: فلو كان إلها كما تزعمون لقدر أن يرد ~~أمر الله إذا جاءه بإهلاكه أو إهلاك أمه، ولما نزل أمر الله بأمه، ~~لم يقدر أن يدفع عنها. وفي قوله: { يخلق ما يشاء } رد عليهم حيث قالوا ~~للنبي: فهات مثله من غير أب. # فإن قيل: فلم قال { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما } ولم يقل: وما ~~بينهن؟ فالجواب أن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، قاله ابن ~~جرير. ### || [5.18] # قوله تعالى: { وقالت اليهود والنصارى } قال مقاتل: هم يهود المدينة، ~~ونصارى نجران. وقال السدي: قالوا: إن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل: ~~إن ولدك بكري من الولد، فأدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى ~~تطهرهم، وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أخرجوا كل مختون من بني ~~إسرائيل. وقيل: إنهم لما قالوا: المسيح ابن الله، كان معنى قولهم: { ~~نحن أبناء الله } أي: منا ابن الله. وفي قوله: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم ~~} إبطال لدعواهم، لأن الأب لا يعذب ولده، والحبيب لا يعذب حبيبه ~~وهم يقولون: إن الله يعذبنا أربعين يوما بالنار. # وقيل: معنى الكلام: فلم عذب منكم من مسخه قردة وخنازير؟ وهم أصحاب ~~السبت والمائدة. # قوله تعالى: { بل أنتم بشر ممن خلق } أي: أنتم كسائر بني آدم تجازون ~~بالإحسان والإساءة. قال عطاء: يغفر لمن يشاء، وهم الموحدون، ويعذب من ~~يشاء، وهم المشركون. ### || [5.19] # قوله تعالى: { يا أهل ms0485 الكتاب قد جاءكم رسولنا } سبب نزولها: أن معاذ بن ~~جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب، قالوا: يا معشر اليهود اتقوا الله، ~~والله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه ~~بصفته. # فقال وهب بن يهوذا، ورافع: ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله بعد موسى من ~~كتاب، ولا أرسل رسولا بشيرا ولا نذيرا [بعده]، فنزلت هذه الآية، قاله ~~ابن عباس. # فأما «الفترة» فأصلها السكون، يقال: فتر الشيء يفتر فتورا: إذا سكنت ~~حدته، وانقطع عما كان عليه، والطرف الفاتر: الذي ليس بحديد. والفتور: ~~الضعف. وفي مدة الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة أقوال. # أحدها: أنه كان بين عيسى ومحمد عليهم السلام ستمائة سنة، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس، وبه قال سلمان الفارسي، ومقاتل. # والثاني: خمسمائة سنة وستون سنة، قاله قتادة. # والثالث: أربع مائة وبضع وثلاثون سنة، قاله الضحاك. # والرابع: خمسمائة سنة وأربعون سنة، قاله ابن السائب. وقال أبو صالح عن ~~ابن عباس { على فترة من الرسل } أي: انقطاع منهم، قال: وكان بين ميلاد ~~عيسى، وميلاد محمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسعة وتسعون سنة، وهي ~~فترة. وكان بعد عيسى أربعة من الرسل، فذلك قوله # إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث # [يس: 14]. قال: والرابع لا أدري من هو. وكان بين تلك السنين مائة سنة، ~~وأربع وثلاثون نبوة وسائرها فترة. قال أبو سليمان الدمشقي: والرابع ~~والله أعلم خالد بن سنان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نبي ضيعه قومه ". # قوله تعالى: { أن تقولوا } قال الفراء: كي لا تقولوا: [ما جاءنا من ~~بشير]، مثل قوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176]. وقال غيره: لئلا تقولوا، وقيل: كراهة أن تقولوا. ### || [5.20] # قوله تعالى: { إذ جعل فيكم أنبياء } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى، وانطلقوا معه إلى الجبل، ~~جعلهم الله أنبياء بعد موسى، وهارون، وهذا قول ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنهم الأنبياء الذين أرسلوا من بني إسرائيل بعد موسى، ذكره ~~الماوردي. وبماذا جعلهم ms0486 ملوكا؟ فيه ثمانية أقوال. # أحدها: بالمن والسلوى والحجر. # والثاني: بأن جعل للرجل منهم زوجة وخادما. # والثالث: بالزوجة والخادم والبيت، رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس، وهذا ~~الثالث اختيار الحسن، ومجاهد. # والرابع: بالخادم والبيت، قاله عكرمة. # والخامس: بتمليكهم الخدم، وكانوا أول من تملك الخدم، ومن اتخذ خادما ~~فهو ملك، قاله قتادة. # والسادس: بكونهم أحرارا يملك الإنسان منهم نفسه وأهله وماله، قاله ~~السدي. # والسابع: بالمنازل الواسعة، فيها المياه الجارية، قاله الضحاك. # والثامن: بأن جعل لهم الملك والسلطان، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } اختلفوا فيمن خوطب ~~بهذا على قولين. # أحدهما: أنهم قوم موسى، وهذا مذهب ابن عباس، ومجاهد. قال ابن عباس: ~~ويعني بالعالمين: الذين هم بين ظهرانيهم. وفي الذي آتاهم ثلاثة أقوال. # أحدها: المن والسلوى والحجر والغمام، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به. # والثاني: أنه الدار والخادم والزوجة، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن ~~جرير: ما أوتي أحد من النعم في زمان قوم موسى ما أوتوا. # والثالث: كثرة الأنبياء فيهم، ذكره الماوردي. # والثاني: أن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مذهب سعيد بن ~~جبير، وأبي مالك. ### || [5.21] # قوله تعالى: { يا قوم ادخلوا } وقرأ ابن محيصن: يا قوم، بضم الميم، ~~وكذلك { يا قوم اذكروا نعمة } # يا قوم اعبدوا # [الأعراف: 59]. وفي معنى «المقدسة» قولان. # أحدهما: المطهرة، قاله ابن عباس، والزجاج. قال: وقيل للسطل: القدس، ~~لأنه يتطهر منه، وسمي بيت المقدس، لأنه يتطهر فيه من الذنوب. وقيل: ~~سماها مقدسة، لأنها طهرت من الشرك، وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين. # والثاني: أن المقدسة: المباركة، قاله مجاهد. # وفي المراد بتلك الأرض أربعة أقوال. # أحدها: أنها أريحا، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال السدي، وابن زيد. ~~قال السدي: أريحا: هي أرض بيت المقدس. وروي عن الضحاك أنه قال: المراد ~~بهذه الأرض إيلياء وبيت المقدس. قال ابن قتيبة: وقرأت في مناجاة موسى أنه ~~قال: اللهم إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن ~~البيوت بكة وإيلياء، ومن إيلياء بيت المقدس. ms0487 فهذا يدل على أن إيلياء ~~الأرض التي فيها بيت المقدس. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي أن ~~إيلياء بيت المقدس، وهو معرب. قال الفرزدق: # وبيتان بيت الله نحن ولاته # وبيت بأعلى إيلياء مشرف # والقول الثاني: أنها الطور وما حوله، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به. # والثالث: أنها دمشق وفلسطين وبعض الأردن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أنها الشام كلها، قاله قتادة. # وفي قوله تعالى: { التي كتب الله لكم } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه بمعنى أمركم وفرض عليكم دخولها، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: أنه بمعنى: وهبها الله لكم، قاله محمد بن إسحاق. وقال ابن ~~قتيبة: جعلها لكم. # والثالث: كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكنكم. # فإن قيل: كيف؟ قال: فإنها محرمة عليهم، وقد كتبها لهم؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنه إنما جعلها لهم بشرط الطاعة، فلما عصوا حرمها عليهم. # والثاني: أنه كتبها لبني إسرائيل، وإليهم صارت، ولم يعن موسى أن الله ~~كتبها للذين أمروا بدخولها بأعيانهم. قال ابن جرير: ويجوز أن يكون ~~الكلام خرج مخرج العموم، وأريد به الخصوص، فتكون مكتوبة لبعضهم، وقد ~~دخلها يوشع، وكالب. # قوله تعالى: { ولا ترتدوا على أدباركم } فيه قولان. # أحدهما: لا ترجعوا عن أمر الله إلى معصيته. والثاني: لا ترجعوا إلى ~~الشرك به. ### || [5.22] # قوله تعالى: { إن فيها قوما جبارين } قال الزجاج: الجبار من الآدميين: ~~الذي يجبر الناس على ما يريد، يقال: جبار: بين الجبرية، ~~والجبرية بكسر الجيم والباء، والجبروة والجبورة والتجبار ~~والجبروت. # وفي معنى وصفه هؤلاء بالجبارين ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم كانوا ذوي قوة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم كانوا عظام الخلق والأجسام، قاله قتادة. # والثالث: أنهم كانوا قتالين، قاله مقاتل. # الإشارة إلى القصة # قال ابن عباس: لما نزل موسى وقومه بمدينة الجبارين، بعث اثني عشر رجلا، ~~ليأتوه بخبرهم، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فأتى بهم ~~المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا، فقالوا لهم: من أين أنتم؟ فقالوا: نحن ~~قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب توقر الرجل، ~~وقالوا لهم: قولوا ms0488 لموسى وقومه: اقدروا قدر فاكههم، فلما رجعوا، قالوا: ~~يا موسى إن فيها قوما جبارين. وقال السدي: كان الذي لقيهم، يقال له: ~~عاج، يعني: عوج بن عناق، فأخذ الاثني عشر، فجعلهم في حجرته وعلى رأسه ~~حزمة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون ~~أنهم يريدون قتالنا، فطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت ~~امرأته: لا، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا. فلما خرجوا قالوا: ~~يا قوم إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم، ارتدوا عن نبي الله، فأخذوا ~~الميثاق بينهم على كتمان ذلك، فنكث عشرة، وكتم رجلان. وقال مجاهد: لما ~~رأى النقباء الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا ~~يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أو أربعة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع ~~حبها خمسة أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلا ~~يوشع، وابن يوقنا. ### || [5.23] # قوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون } في الرجلين ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوقنة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ~~ابن يوقنا، وهما من النقباء. # والثاني: أنهما كانا من الجبارين فأسلما، روي عن ابن عباس. # والثالث: أنهما كانا في مدينة الجبارين، وهما على دين موسى، قاله ~~الضحاك. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء، وأيوب: ~~«يخافون» بضم الياء، على معنى أنهما كانا من العدو، فخرجا مؤمنين. وفي ~~معنى «خوفهم» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم خافوا الله وحده. # والثاني: خافوا الجبارين، ولم يمنعهم خوفهم قول الحق. # والثالث: يخاف منهم، على قراءة ابن جبير. # وفيما أنعم به عليهما أربعة أقوال. # أحدها: الإسلام، قاله ابن عباس. # والثاني: الصلاح والفضل واليقين، قاله عطاء. # والثالث: الهدى، قاله الضحاك. # والرابع: الخوف، ذكره ابن جرير عن بعض السلف. # قوله تعالى: { ادخلوا عليهم الباب } قال ابن عباس: قال الرجلان: ادخلوا ~~عليهم باب القرية، فانهم قد ملئوا منا رعبا وفرقا. ### || [5.24] # قوله تعالى: { فاذهب أنت وربك فقاتلا } قال ابن زيد: قالوا له: انظر كما ~~صنع ربك بفرعون وقومه، فليصنع ms0489 بهؤلاء. وقال مقاتل: فاذهب أنت وسل ربك ~~النصر. وقال غيرهما: اذهب أنت وليعنك ربك. قال ابن مسعود: لقد شهدت ~~من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول لك، ~~كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا ~~نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أشرق لذلك وجهه وسر به. وقال أنس: استشار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الناس يوم خرج إلى بدر، فأشار عليه أبو بكر، ثم ~~استشارهم، فأشار عليه عمر فسكت، فقال رجل من الأنصار: إنما يريدكم، ~~فقالوا: يا رسول الله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن والله لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك ~~الغماد لكنا معك. ### || [5.25] # قوله تعالى: { لا أملك إلا نفسي وأخي } فيه قولان. # أحدهما: لا أملك إلا نفسي، وأخي لا يملك إلا نفسه. # والثاني: لا أملك إلا نفسي وإلا أخي، أي: وأملك طاعة أخي، لأن أخاه ~~إذا أطاعه فهو كالملك له، وهذا على وجه المجاز، كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر " # فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله يعني: أني ~~متصرف حيث صرفتني، وأمرك جائز في مالي. # قوله تعالى: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } قال ابن عباس: اقض ~~بيننا وبينهم. وقال أبو عبيدة: باعد، وافصل، وميز. وفي المراد بالفاسقين ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: العاصون، قاله ابن عباس. # والثاني: الكاذبون، قاله ابن زيد. # والثالث: الكافرون، قاله أبو عبيدة. قال السدي: غضب موسى حين قالوا له: ~~اذهب أنت وربك، فدعا عليهم، وكانت عجلة من موسى عجلها. ### || [5.26] # قوله تعالى: { فإنها محرمة عليهم } الإشارة إلى الأرض المقدسة. ~~ومعنى تحريمها عليهم: منعهم منها. فأما نصب «الأربعين»، فقال الفراء: هو ~~منصوب بالتحريم، ms0490 وجائز أن يكون منصوبا ب «يتيهون». وقال الزجاج: لا ~~يجوز أن ينتصب بالتحريم، لأن التفسير جاء أنها محرمة عليهم أبدا. قلت: ~~وقد اختلف المفسرون في ذلك، فذهب الأكثرون، منهم عكرمة، وقتادة، إلى ما ~~قال الزجاج، وأنها حرمت عليهم أبدا. قال عكرمة: فإنها محرمة عليهم ~~أبدا يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذهب قوم، منهم الربيع بن أنس، إلى ~~أنها حرمت عليهم أربعين سنة، ثم أمروا بالسير إليها، وهذا اختيار ~~ابن جرير. قال: إنما نصبت بالتحريم، والتحريم كان عاما في حق الكل، ~~ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد، فلما انقضت، أذن لمن بقي منهم ~~بالدخول مع ذراريهم. قال أبو عبيدة: ومعنى: يتيهون: يحورون ويضلون. # الإشارة إلى قصتهم # قال ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس، فلبثوا ~~في تيههم أربعين سنة، وماتوا في التيه، ومات موسى وهارون، ولم يدخل بيت ~~المقدس إلا يوشع وكالب بأبناء القوم، وناهض يوشع بمن بقي معه مدينة ~~الجبارين فافتتحها. وقال مجاهد: تاهوا أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا، ~~ويمسون حيث أصبحوا. وقال السدي: لما ضرب الله عليهم التيه، ندم موسى على ~~دعائه عليهم، وقالوا له: ما صنعت بنا، أين الطعام؟ فأنزل الله المن. ~~قالوا: فأين الشراب؟ فأمر موسى أن يضرب بعصاه الحجر. قالوا: فأين ~~الظل؟ فظلل عليهم الغمام. قالوا: فأين اللباس؟ وكانت ثيابهم تطول معهم ~~كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، وقبض موسى ولم يبق أحد ممن أبى ~~دخول قرية الجبارين إلا مات، ولم يشهد الفتح. وفيه قول آخر أنه لما ~~مضت الأربعون خرج موسى ببني إسرائيل من التيه، وقال لهم: ادخلوا هذه ~~القرية، فكلوا منها حيث شئتم رغدا، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا حطة... ~~إلى آخر القصة. وهذا قول الربيع بن أنس، وعبد الرحمن ابن زيد. قال ابن ~~جرير الطبري، وأبو سليمان الدمشقي: وهذا الصحيح، وأن موسى هو الذي فتح ~~مدينة الجبارين مع الصالحين من بني إسرائيل، لأن أهل السيرة أجمعوا على ~~أن موسى هو قاتل عوج، وكان عوج ملكهم، وكان بلعم ابن باعوراء ms0491 فيمن سباه ~~موسى وقتله، ولم يدخل مع موسى من قدمائهم غير يوشع وكالب، وإنما حرمت ~~على الذين لم يطيعوا. وفي مسافة أرض التيه قولان. # أحدهما: تسعة فراسخ، قاله ابن عباس. قال مقاتل: هذا عرضها، وطولها ~~ثلاثون فرسخا. # والثاني: ستة فراسخ في طول اثني عشر فرسخا، حكاه مقاتل أيضا. # قوله تعالى: { فلا تأس على القوم الفاسقين } قال الزجاج: لا تحزن على ~~قوم شأنهم المعاصي، ومخالفة الرسل. وقال ابن قتيبة: يقال: أسيت على كذا، ~~أي: حزنت، فأنا آسي أسى. ### || [5.27] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق } النبأ: الخبر. وفي ~~ابني آدم قولان. # أحدهما: أنهما ابناه لصلبه، وهما قابيل وهابيل، قاله ابن عمر، وابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنهما أخوان من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، هذا ~~قول الحسن، والعلماء على الأول، وهو أصح، لقوله # ليريه كيف يواري سوأة أخيه # [المائدة: 31]. ولو كان من بني إسرائيل، لكان قد عرف الدفن، ولأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال عنه: # " إنه أول من سن القتل " # وقوله تعالى: { بالحق } أي: كما كان. والقربان: فعلان من القرب، وقد ~~ذكرناه في { آل عمران }. # وفي السبب الذي قربا لأجله قولان. # أحدهما: أن آدم عليه السلام كان قد نهي أن ينكح المرأة أخاها الذي ~~هو توأمها، وأجيز له أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل ~~بطن ذكر وأنثى، فولدت له ابنة وسيمة، وأخرى دميمة، فقال أخو الدميمة ~~لأخي الوسيمة: أنكحني أختك، وأنكحك أختى، فقال أخو الوسيمة: أنا أحق ~~بأختي، وكان أخو الوسيمة صاحب حرث، وأخو الدميمة صاحب غنم، فقال: هلم ~~فلنقرب قربانا، فأينا تقبل قربانه فهو أحق بها، فجاء صاحب الغنم ~~بكبش أبيض أعين أقرن، وجاء صاحب الحرث بصبرة من طعام، فتقبل ~~الكبش، فخزنه الله في الجنة أربعين خريفا، فهو الذي ذبحه إبراهيم، ~~فقتله صاحب الحرث، فولد آدم كلهم من ذلك الكافر، رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنهما قرباه من غير سبب. روى العوفي عن ابن عباس أن ابني آدم ms0492 ~~كانا قاعدين يوما، فقالا: لو قربنا قربانا، فجاء صاحب الغنم بخير ~~غنمه وأسمنها، وجاء الآخر ببعض زرعه، فنزلت النار، فأكلت الشاة، وتركت ~~الزرع، فقال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أن قربانك تقبل، وأنك ~~خير مني لأقتلنك. واختلفوا هل قابيل وأخته ولدا قبل هابيل وأخته، ~~أم بعدهما؟ على قولين، وهل كان قابيل كافرا أو فاسقا غير كافر؟ فيه ~~قولان. # وفي سبب قبول قربان هابيل قولان. # أحدهما: أنه كان أتقى لله من قابيل. والثاني: أنه تقرب بخيار ماله، ~~وتقرب قابيل بشر ماله، وهل كان قربانهما بأمر آدم، أم من قبل أنفسهما؟ ~~فيه قولان. # أحدهما: أنه كان وآدم قد ذهب إلى زيارة البيت. والثاني: أن آدم أمرهما ~~بذلك. وهل قتل هابيل بعد تزويج أخت قابيل، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه قتله قبل ذلك لئلا يصل إليها. والثاني: أنه قتله بعد ~~نكاحها. # قوله تعالى: { قال لأقتلنك } وروى زيد عن يعقوب: «لأقتلنك» بسكون النون ~~وتخفيفها. والقائل: هو الذي لم يتقبل منه. قال الفراء: إنما حذف ~~ذكره، لأن المعنى يدل عليه، ومثل ذلك في الكلام أن تقول: إذا رأيت ~~الظالم والمظلوم أعنت، وإذا اجتمع السفيه والحليم حمد، وإنما كان ~~ذلك، لأن المعنى لا يشكل، فلو قلت: مر بي رجل وامرأة، فأعنت، وأنت ~~تريد أحدهما، لم يجز، لأنه ليس هناك علامة تدل على مرادك. وفي المراد ~~بالمتقين قولان. # أحدهما: أنهم الذين يتقون المعاصي، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين يتقون الشرك، قاله الضحاك. ### || [5.28] # قوله تعالى: { ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } فيه قولان. # أحدهما: ما أنا بمنتصر لنفسي، قاله ابن عباس. والثاني: ما كنت لأبتدئك، ~~قاله عكرمة. وفي سبب امتناعه من دفعه عنه قولان. # أحدهما: أنه منعه التحرج مع قدرته على الدفع وجوازه له، قاله ابن عمر، ~~وابن عباس. # والثاني: أن دفع الانسان عن نفسه لم يكن في ذلك الوقت جائزا، قاله ~~الحسن، ومجاهد. وقال ابن جرير: ليس في الآية دليل على أن المقتول علم عزم ~~القاتل على قتله، ثم ترك الدفع عن نفسه، ms0493 وقد ذكر أنه قتله غيلة، فلا ~~يدعى ما ليس في الآية إلا بدليل. ### || [5.29] # قوله تعالى: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } فيه قولان. # أحدهما: إني أريد أن ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي في عنقك، هذا قول ابن ~~مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أن تبوء بإثمي في خطاياي، وإثمك في قتلك لي، وهو مروي عن ~~مجاهد أيضا. قال ابن جرير: والصحيح عن مجاهد القول الأول. وقد روى ~~البخاري، ومسلم في «صحيحهما» من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه ~~كان أول من سن القتل " # فإن قيل: كيف أراد هابيل وهو من المؤمنين أن يبوء قابيل بالإثم وهو ~~معصية، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه ما أراد لأخيه الخطيئة، وإنما أراد: إن قتلتني أردت أن ~~تبوء بالإثم، وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج. # والثاني: أن في الكلام محذوفا، تقديره: إني أريد أن لا تبوء بإثمي ~~وإثمك، فحذف «لا» كقوله: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [لقمان: 10] أي: أن لا تميد بكم، ومنه قول امرئ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أراد: لا أبرح. وهذا مذهب ثعلب. # والثالث: أن المعنى: أريد زوال أن تبوء باثمي وإثمك، وبطلان أن تبوء ~~باثمي وإثمك، فحذف ذلك، وقامت «أن» مقامه، كقوله: # وأشربوا في قلوبهم العجل # [البقرة: 93] أي: حب العجل، ذكره والذي قبله ابن الأنباري. # قوله تعالى: { وذلك جزاء الظالمين } الإشارة إلى مصاحبة النار. ### || [5.30] # قوله تعالى: { فطوعت له نفسه } فيه خمسة أقوال. # أحدها: تابعته على قتل أخيه، قاله ابن عباس. # والثاني: شجعته، قاله مجاهد. # والثالث: زينت له، قاله قتادة. # والرابع: رخصت له، قاله أبو الحسن الأخفش. # والخامس: أن «طوعت» فعلت من «الطوع» والعرب تقول: طاع لهذه الظبية ~~أصول هذا الشجر، وطاع له كذا، أي: أتاه طوعا، حكاه الزجاج عن المبرد. ~~وقال ابن قتيبة: شايعته وانقادت له، ms0494 يقال: لساني لا يطوع بكذا، أي: لا ~~ينقاد. وهذه المعاني تتقارب. # وفي كيفية قتله ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه رماه بالحجارة حتى قتله، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: ضرب رأسه بصخرة وهو نائم، رواه مجاهد عن ابن عباس، والسدي عن ~~أشياخه. # والثالث: رضخ رأسه بين حجرين. قال ابن جريج: لم يدر كيف يقتله، فتمثل ~~له إبليس، وأخذ طائرا فوضع رأسه على حجر، ثم شدخه بحجر آخر، ففعل به ~~هكذا، وكان ل «هابيل» يومئذ عشرون سنة. وفي موضع مصرعه ثلاثة أقوال. # أحدها: على جبل ثور، قاله ابن عباس. والثاني: بالبصرة، قاله جعفر ~~الصادق. والثالث: عند عقبة حراء، حكاه ابن جرير الطبري. # وفي قوله: { فأصبح من الخاسرين } ثلاثة أقوال. # أحدها: من الخاسرين الدنيا والآخرة، فخسرانه الدنيا: أنه أسخط والديه، ~~وبقي بلا أخ، وخسرانه الآخرة: أنه أسخط ربه، وصار إلى النار، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه أصبح من الخاسرين الحسنات، قاله الزجاج. # والثالث: من الخاسرين أنفسهم بإهلاكهم إياها، قاله القاضي أبو يعلى. ### || [5.31] # قوله تعالى: { فبعث الله غرابا يبحث } قال ابن عباس: حمله على عاتقه، ~~فكان إذا مشى تخط يداه ورجلاه في الأرض، وإذا قعد وضعه إلى جنبه حتى ~~رأى غرابين اقتتلا، فقتل أحدهم الآخر، ثم بحث له الأرض حتى واراه بعد أن ~~حمله سنين. وقال مجاهد: حمله على عاتقه مائة سنة. وقال عطية: حمله حتى ~~أروح. وقال مقاتل: حمله ثلاثة أيام. وفي المراد بسوأة أخيه قولان. # أحدهما: عورة أخيه. والثاني: جيفة أخيه. # قوله تعالى: { فأصبح من النادمين } فان قيل: أليس الندم توبة، فلم لم ~~يقبل منه؟ فعنه أربعة أجوبة. # أحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا، ويكون توبة لهذه ~~الأمة، لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها، قاله الحسن بن الفضل. # والثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله. # والثالث: أنه ندم إذ لم يواره حين قتله. # والرابع: أنه ندم على فوات أخيه، لا على ركوب الذنب. وفي هذه القصة ~~تحذير من الحسد، لأنه الذي أهلك قابيل. ### || [5.32] # قوله ms0495 تعالى: { من أجل ذلك } قال الضحاك: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ~~ظلما. وقال أبو عبيدة: من جناية ذلك، ومن جري ذلك. قال الشاعر: # وأهل خباء صالح ذات بينهم # قد احتربوا في عاجل أنا آجله # أي: جانيه وجار ذلك عليهم. وقال قوم: الكلام متعلق بما قبله، والمعنى: ~~فأصبح من النادمين من أجل ذلك. فعلى هذا يحسن الوقف هاهنا، وعلى الأول ~~لا يحسن الوقف. والأول أصح. و«كتبنا» بمعنى: فرضنا. ومعنى { قتل نفسا ~~بغير نفس } أي: قتلها ظلما ولم تقتل نفسا. # { أو فساد في الأرض } «فساد» منسوق على «نفس» المعنى: أو بغير فساد ~~تستحق به القتل. وقيل: أراد بالفساد هاهنا: الشرك. وفي معنى قوله: { ~~فكأنما قتل الناس جميعا } خمسة أقوال. # أحدها: أن عليه إثم من قتل الناس جميعا، قاله الحسن، والزجاج. # والثاني: أنه يصلى النار بقتل المسلم، كما لو قتل الناس جميعا، قاله ~~مجاهد، وعطاء وقال ابن قتيبة: يعذب كما يعذب قاتل الناس ~~جميعا. # والثالث: أنه يجب عليه من القصاص مثل ما لو قتل الناس جميعا، قاله ابن ~~زيد. # والرابع: أن معنى الكلام ينبغي لجميع الناس أن يعينوا ولي المقتول حتى ~~يقيدوه منه، كما لو قتل أولياءهم جميعا، ذكره القاضي أبو يعلى. # والخامس: أن المعنى: من قتل نبيا أو إماما عادلا، فكأنما قتل الناس ~~جميعا، رواه عكرمة عن ابن عباس. والقول بالعموم أصح. فإن قيل: إذا كان ~~إثم قاتل الواحد كاثم من قتل الناس جميعا، دل هذا على أنه لا إثم عليه ~~في قتل من يقتله بعد قتل الواحد إلى أن يفنى الناس؟ فالجواب: أن ~~المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعا، معلوم عند الله محدود، فالذي ~~يقتل الواحد يلزمه ذلك الإثم المعلوم، والذي يقتل الاثنين يلزمه مثلاه، ~~وكلما زاد قتلا زاده الله إثما، ومثل هذا قوله: # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160] فالحسنة معلوم عند الله مقدار ثوابها، فعاملها يعطى بمثل ~~ذلك عشر مرات. وهذا الجواب عن سؤال سائل إن قال: إذا كان من أحيا نفسا ~~فله ثواب من أحيا ms0496 الناس، فما ثواب من أحيا الناس كلهم؟ هذا كله منقول ~~عن المفسرين. والذي أراه أن التشبيه بالشيء تقريب منه، لأنه لا يجوز أن ~~يكون إثم قاتل شخصين كإثم قاتل شخص، وإنما وقع التشبيه ب «كأنما»، لأن ~~جميع الخلائق من شخص واحد، فالمقتول يتصور منه نشر عدد الخلق كلهم. # وفي قوله: { ومن أحياها } خمسة أقوال. # أحدها: استنقذها من هلكة، روي عن ابن مسعود، ومجاهد. قال الحسن: من ~~أحياها من غرق أو حرق أو هلاك. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: من شد ~~عضد نبي أو إمام عادل فكأنما أحيا الناس جميعا. # والثاني: ترك قتل النفس المحرمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه ~~قال مجاهد في رواية. # والثالث: أن يعفو أولياء المقتول عن القصاص، قاله الحسن، وابن زيد، وابن ~~قتيبة. # والرابع: أن يزجر عن قتلها، وينهى. # والخامس: أن يعين الولي على استيفاء القصاص، لأن في القصاص حياة، ~~ذكرهما القاضي أبو يعلى، وفي قوله: { فكأنما أحيا الناس جميعا } قولان. # أحدهما: فله أجر من أحيا الناس جميعا، قاله الحسن، وابن قتيبة. # والثاني: فعلى جميع الناس شكره، كما لو أحياهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات } يعني: بني إسرائيل الذين ~~جرى ذكرهم. ### || [5.33] # قوله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } في سبب نزولها ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في ناس من عرينة قدموا المدينة، فاجتووها، ~~فبعثهم رسول الله في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ~~ففعلوا، فصحوا، وارتدوا عن الاسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، ~~فأرسل رسول الله في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ~~وسمر أعينهم، وألقاهم بالحرة حتى ماتوا، ونزلت هذه الآية، رواه قتادة ~~عن أنس، وبه قال سعيد بن جبير، والسدي. # والثاني: أن قوما من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله بهذه ~~الآية: إن شاء أن يقتلهم، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. ~~رواه ابن أبي طلحة عن ms0497 ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والثالث: أن أصحاب أبي بردة الأسلمي قطعوا الطريق على قوم جاؤوا ~~يريدون الاسلام، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ابن ~~السائب: كان أبو بردة، واسمه هلال بن عويمر، وادع النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين لم يهج، ~~ومن مر بهلال إلى سول الله صلى الله عليه وسلم لم يهج، فمر قوم من ~~بني كنانة يريدون الاسلام بناس من قوم هلال فنهدوا إليهم، فقتلوهم ~~وأخذوا أموالهم، ولم يكن هلال حاضرا، فنزلت هذه الآية. # والرابع: أنها نزلت في المشركين، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن. واعلم أن ذكر «المحاربة» لله عز وجل في الآية مجاز. # وفي معناها للعلماء قولان. # أحدهما: أنه سماهم محاربين له تشبيها بالمحاربين حقيقة، لأن المخالف ~~محارب، وإن لم يحارب، فيكون المعنى: يخالفون الله ورسوله بالمعاصي. # والثاني: أن المراد: يحاربون أولياء الله، وأولياء رسوله. وقال سعيد بن ~~جبير: أراد بالمحاربة لله ورسوله، الكفر بعد الاسلام. وقال مقاتل: أراد ~~بها الشرك. فأما«الفساد» فهو القتل والجراح وأخذ الأموال، وإخافة ~~السبيل. # قوله تعالى: { أن يقتلوا أو يصلبوا } اختلف العلماء هل هذه العقوبة على ~~الترتيب، أم على التخيير؟ فمذهب أحمد رضي الله عنه أنها على الترتيب، ~~وأنهم إذا قتلوا، وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا، قتلوا وصلبوا، ~~وإن أخذوا المال، ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن لم ~~يأخذوا المال، نفوا. قال ابن الأنباري: فعلى هذا تكون «أو» مبعضة، ~~فالمعنى: بعضهم يفعل به كذا، وبعضهم كذا، ومثله قوله: # كونوا هودا أو نصارى # [البقرة: 135]. # المعنى: قال بعضهم هذا، وقال بعضهم هذا. وهذا القول اختيار أكثر ~~اللغويين. # وقال الشافعي: إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ~~ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، ~~قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. # وقال مالك: الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء، سواء قتلوا أو لم ~~يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا، والصلب ms0498 بعد القتل. وقال أبو حنيفة، ~~ومالك: يصلب ويبعج برمح حتى يموت. واختلفوا في مقدار زمان الصلب، ~~فعندنا أنه يصلب بمقدار ما يشتهر صلبه. واختلف أصحاب الشافعي، فقال ~~بعضهم: ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال بعضهم: يترك حتى يسيل ~~صديده. قال أبو عبيدة: ومعنى «من خلاف» أن تقطع يده اليمنى ورجله ~~اليسرى، يخالف بين قطعهما. فأما «النفي» فأصله الطرد والإبعاد. # وفي صفة نفيهم أربعة أقوال. # أحدها: إبعادهم من بلاد الاسلام إلى دار الحرب، قاله أنس بن مالك، ~~والحسن، وقتادة، وهذا إنما يكون في حق المحارب المشرك، فأما المسلم فلا ~~ينبغي أن يضطر إلى ذلك. # والثاني: أن يطلبوا لتقام عليهم الحدود، فيبعدوا، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. # والثالث: إخراجهم من مدينتهم إلى مدينة أخرى، قاله سعيد بن جبير. # وقال مالك: ينفى إلى بلد غير بلده، فيحبس هناك. # والرابع: أنه الحبس، قاله أبو حنيفة وأصحابه. وقال أصحابنا: صفة ~~النفي: أن يشرد ولا يترك يأوي في بلد، فكلما حصل في بلد نفي إلى ~~بلد غيره. # وفي «الخزي» قولان. # أحدهما: أنه العقاب. والثاني: الفضيحة. # وهل يثبت لهم حكم المحاربين في المصر، أم لا؟ ظاهر كلام أصحابنا أنه لا ~~يثبت لهم ذلك في المصر وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي، وأبو يوسف: ~~المصر والصحارى سواء، ويعتبر في المال المأخوذ قدر نصاب، كما يعتبر في ~~حق السارق، خلافا لمالك. ### || [5.34] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } قال أكثر المفسرين: هذا الاستثناء في ~~المحاربين المشركين إذا تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم، وآمنوا قبل ~~القدرة عليهم، فلا سبيل عليهم فيما أصابوا من مال أو دم، وهذا لا خلاف ~~فيه. فأما المحاربون المسلمون، فاختلفوا فيهم، ومذهب أصحابنا: أن حدود ~~الله تسقط عنهم من انحتام القتل والصلب والقطع والنفي. فأما حقوق ~~الآدميين من الجراح والأموال، فلا تسقطها التوبة، وهذا قول الشافعي. ### || [5.35-37] # قوله تعالى: { وابتغوا إليه الوسيلة } في «الوسيلة» قولان. # أحدهما: أنها القربة، قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والفراء. وقال ~~قتادة: تقربوا إليه بما يرضيه. قال أبو عبيدة: يقال توسلت إليه، أي: ms0499 ~~تقربت إليه. وأنشد: # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا # وعاد التصافي بيننا والوسائل # والثاني: المحبة، يقول: تحببوا إلى الله، هذا قول ابن زيد. ### || [5.38] # قوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } قال ابن السائب: نزلت ~~في طعمة بن أبيرق، وقد مضت قصته في سورة (النساء). و«السارق»: إنما ~~سمي سارقا، لأنه يأخذ الشيء في خفاء واسترق السمع: إذا تسمع ~~مستخفيا. قال المبرد: والسارق هاهنا مرفوع بالابتداء، لأنه ليس القصد ~~منه واحدا بعينه، وإنما هو، كقولك: من سرق فاقطع يده. وقال ابن ~~الأنباري: وإنما دخلت الفاء، لأن في الكلام معنى الشرط، تقديره: من سرق ~~فاقطعوا يده. قال الفراء: وإنما قال: { فاقطعوا أيديهما } لأن كل ~~شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا، جمع، ~~تقول: قد هشمت رؤوسهما، وملأت [ظهورهما] وبطونهما[ضربا]. ومثله # فقد صنعت قلوبكما # [التحريم: 4] وإنما اختير الجمع على التثنية، لأن أكثر ما تكون عليه ~~الجوارح اثنين اثنين في الانسان: اليدين، والرجلين، والعينين، فلما جرى ~~أكثره على هذا، ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية، ~~وقد يجوز تثنيتهما. قال أبو ذؤيب. # فتخالسا نفسيهما بنوافذ # كنوافذ العبط التي لا ترقع # فصل # وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق، وبينت السنة أن المراد ~~به السارق لنصاب من حرز مثله، كما قال تعالى: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، والصبيان، ~~وأهل الصوامع. واختلف في مقدار النصاب، فمذهب أصحابنا: أن للسرقة ~~نصابين: أحدهما: من الذهب ربع دينار، ومن الورق ثلاثة دراهم أو قيمة ~~ثلاثة دراهم من العروض وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى تبلغ ~~السرقة عشرة دراهم. وقال الشافعي: الاعتبار في ذلك بربع دينار، وغيره ~~مقوم به، فلو سرق درهمين قيمتهما ربع دينار، قطع، فان سرق نصابا من ~~التبر، فعليه القطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى يبلغ ذلك نصابا ~~مضروبا، فان سرق منديلا لا يساوي نصابا، في طرفه دينار، وهو لا يعلم، ~~لا يقطع. وقال الشافعي: يقطع. فإن سرق ستارة الكعبة، قطع، ms0500 خلافا لأبي ~~حنيفة. فإن سرق صبيا صغيرا حرا، لم يقطع، وإن كان على الصغير حلي. ~~وقال مالك: يقطع بكل حال. وإذا اشترك جماعة في سرقة نصاب، قطعوا، وبه ~~قال مالك، إلا أنه اشترط أن يكون المسروق ثقيلا يحتاج إلى معاونة ~~بعضهم لبعض في إخراجه. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا قطع عليه بحال ~~ويجب القطع على جاحد العارية عندنا. وبه قال سعيد بن المسيب، والليث ~~بن سعد، خلافا لأكثر الفقهاء. # فصل # فأما الحرز، فهو ما جعل للسكنى، وحفظ الأموال، كالدور والمضارب والخيم ~~التي يسكنها الناس، ويحفظون أمتعتهم بها، فكل ذلك حرز، وإن لم يكن فيه ~~حافظ ولا عنده، وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب، أو لا باب له إلا ~~أنه محجر بالبناء. # فأما ما كان في غير بناء ولا خيمة، فإنه ليس في حرز إلا أن يكون عنده ~~من يحفظه. ونقل الميموني عن أحمد: إذا كان المكان مشتركا في الدخول ~~إليه، كالحمام والخيمة لم يقطع السارق منه، ولم يعتبر الحافظ: ونقل ~~عنه ابن منصور: لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع أجير حافظ. ~~فأما النباش، فقال أحمد في رواية أبي طالب: يقطع، وبه قال مالك، ~~والشافعي، وابن أبي ليلى. وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لا يقطع. # فصل # فأما موضع قطع السارق، فمن مفصل الكف، ومن مفصل الرجل. ~~فأما اليد اليسرى والرجل اليمنى فروي عن أحمد: لا تقطع، وهو قول أبي ~~بكر، وعمر، وعلي، وأبي حنيفة، وروي عنه: أنها تقطع، وبه قال مالك، ~~والشافعي. ولا يثبت القطع إلا باقراره مرتين، وبه قال ابن أبي ليلى، ~~وابن شبرمة، وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: يثبت بمرة. ~~ويجتمع القطع والغرم موسرا كان أو معسرا. وقال أبو حنيفة: لا يجتمعان، ~~فان كانت العين باقية أخذها ربها، وإن كانت مستهلكة، فلا ضمان. وقال ~~مالك: يضمنها إن كان موسرا، ولا شيء عليه إن كان معسرا. # قوله تعالى: { نكالا من الله } قد ذكرنا «النكال» في (البقرة). # قوله تعالى: { والله عزيز حكيم } قال سعيد بن ms0501 جبير: شديد في انتقامه، ~~حكيم إذ حكم بالقطع، قال الأصمعي: قرأت هذه الآية، وإلى جنبي أعرابي، ~~فقلت: والله غفور رحيم، سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام ~~الله. قال: أعد فأعدت: والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلام الله، ~~فتنبهت، فقلت: والله عزيز حكيم. فقال: أصبت، هذا كلام الله. فقلت له: ~~أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ فقال: يا هذا عز ~~فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. ### || [5.39-40] # قوله تعالى: { فمن تاب من بعد ظلمه } سبب نزولها: أن امرأة كانت قد ~~سرقت، فقالت: يا رسول الله هل لي من توبة؟ فنزلت هذه الآية. قاله عبد ~~الله ابن عمرو. وقال سعيد بن جبير: فمن تاب من بعد ظلمه، أي: سرقته، ~~وأصلح العمل، فإن الله يتجاوز عنه، إن الله غفور لما كان منه قبل ~~التوبة، رحيم لمن تاب. ### || [5.41] # قوله تعالى: { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ~~اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال. أحدها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بيهودي وقد حمموه وجلدوه، فقال: ~~أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم، ~~فقال: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني ~~في كتابكم؟ قال: لا، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا نترك الشريف، ونقيمه ~~على الوضيع، فقلنا: تعالوا نجمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، ~~فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ~~إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه» فأمر به فرجم، ونزلت هذه الآية ~~" # ، رواه البراء بن عازب. # والثاني: أنها نزلت في ابن صوريا آمن ثم كفر، وهذا المعنى مروي عن أبي ~~هريرة. # والثالث: أنها نزلت في يهودي قتل يهوديا، ثم قال: سلوا محمدا فإن كان ~~بعث بالدية، اختصمنا إليه، وإن كان بعث بالقتل، لم نأته، قال ~~الشعبي. # والرابع: أنها نزلت في المنافقين، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والخامس: أن رجلا من الأنصار أشارت إليه قريظة يوم حصارهم على ماذا ms0502 ~~ننزل؟ فأشار إليهم: أنه الذبح، قاله السدي. قال مقاتل: هو أبو لبابة بن ~~عبد المنذر، قالت له قريظة: اننزل على حكم سعد، فأشار بيده: أنه ~~الذبح، وكان حليفا لهم. قال أبو لبابة فعلمت أني قد خنت الله ورسوله، ~~فنزلت هذه الآية. ومعنى الكلام: لا يحزنك مسارعة الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم وهم المنافقون، ومن الذين هادوا وهم ~~اليهود. { سماعون للكذب } قال سيبويه: هو مرفوع بالابتداء. قال أبو ~~الحسن الأخفش: ويجوز أن يكون رفعه على معنى: ومن الذين هادوا سماعون ~~للكذب. وفي معناه أربعة أقوال. # أحدها: سماعون منك ليكذبوا عليك. # والثاني: سماعون للكذب، أي: قائلون له. # والثالث: سماعون للكذب الذي بدلوه في توراتهم. # والرابع: سماعون للكذب، أي: قابلون له، ومنه: «سمع الله لمن حمده» أي: ~~قبل. # وفي قوله: { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } قولان. # أحدهما: يسمعون لأولئك، فهم عيون لهم. # والثاني: سماعون من قوم آخرين، وهم رؤساؤهم المبدلون التوراة. # وفي السماعين للكذب، وللقوم الآخرين قولان. # أحدهما: أن «السماعين للكذب» يهود المدينة، والقوم الآخرون [الذين لم ~~يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم] يهود فدك. والثاني: بالعكس من هذا. # وفي تحريفهم الكلم خمسة أقوال. # أحدها: أنه تغيير حدود الله في التوراة، وذلك أنهم غيروا الرجم، قاله ~~ابن عباس، والجمهور. # والثاني: تغيير ما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب عليه، ~~قاله الحسن. # والثالث: إخفاء صفة النبي صلى الله عليه وسلم. # والرابع: إسقاط القود بعد استحقاقه. # والخامس: سوء التأويل. وقال ابن جرير: المعنى يحرفون حكم الكلم، فحذف ~~ذكر الحكم لمعرفة السامعين بذلك. # قوله تعالى: { من بعد مواضعه } قال الزجاج: أي: من بعد أن وضعه الله ~~مواضعه، فأحل حلاله وحرم حرامه. # قوله تعالى: { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } في القائلين لهذا قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، وذلك أن رجلا وامرأة من أشرافهم زنيا، فكان ~~حدهما الرجم، فكرهت اليهود رجمهما، فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسألونه عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا، وقالوا: إن أفتاكم بالجلد ~~فخذوه، وإن أفتاكم ms0503 بالرجم فلا تعملوا به، هذا قول الجمهور. # والثاني: أنهم المنافقون. قال قتادة: وذلك أن بني النضير كانوا لا ~~يعطون قريظة القود إذا قتلوا منهم، وإنما يعطونهم الدية، فإذا قتلت ~~قريظة من النضير لم يرضوا إلا بالقود تعززا عليهم، فقتل بنو النضير ~~رجلا من قريظة عمدا، فأرادوا رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتيل عمد، ومتى ترفعوا ذلك إلى محمد ~~خشيت عليكم القود، فان قبلت منكم الدية فأعطوا، وإلا فكونوا منه ~~على حذر. وفي معنى «فاحذروا» ثلاثة أقوال. # أحدها: فاحذروا أن تعملوا بقوله الشديد. والثاني: فاحذروا أن تطلعوه ~~على ما في التوراة فيأخذكم بالعمل به. والثالث: فاحذروا أن تسألوه بعدها. # قوله تعالى: { ومن يرد الله فتنته } في «الفتنة» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها بمعنى الضلالة، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني: العذاب، ~~قاله الحسن، وقتادة. والثالث: الفضيحة، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: { فلن تملك له من الله شيئا } أي: لا تغني عنه، ولا تقدر ~~على استنقاذه. وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من حزنه على ~~مسارعتهم في الكفر. # قوله تعالى: { لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } قال السدي: يعني ~~المنافقين واليهود، لم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الكفر، ووسخ ~~الشرك بطهارة الإيمان والإسلام. # قوله تعالى: { لهم في الدنيا خزي } أما خزي المنافقين، فبهتك سترهم ~~وإطلاع النبي على كفرهم، وخزي اليهود بفضيحتهم في إظهار كذبهم إذ ~~كتموا الرجم، وبأخذ الجزية منهم: قال مقاتل: وخزي قريظة بقتلهم وسبيهم، ~~وخزي النضير بإجلائهم. ### || [5.42] # قوله تعالى: { سماعون للكذب } قال الحسن: يعني حكام اليهود يسمعون الكذب ~~ممن يكذب عندهم في دعواه، ويأتيهم برشوة فيأخذونها. وقال أبو سليمان: هم ~~اليهود يسمعون الكذب، وهو قول بعضهم لبعض: محمد كاذب، وليس بنبي، وليس في ~~التوراة رجم، وهم يعلمون كذبهم. # قوله تعالى: { أكالون للسحت } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو ~~جعفر «السحت» مضمومة الحاء مثقلة. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة «السحت» ساكنة الحاء خفيفة. وروى خارجة بن مصعب عن نافع ms0504 ~~«أكالون للسحت» بفتح السين وجزم الحاء. قال أبو علي: السحت ~~والسحت لغتان، وهما اسمان للشيء المسحوت، وليسا بالمصدر، فأما من فتح ~~السين، فهو مصدر سحت، فأوقع اسم المصدر على المسحوت، كما أوقع الضرب على ~~المضروب في قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير. وفي المراد بالسحت ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: الرشوة في الحكم. والثاني: الرشوة في الدين والقولان عن ابن ~~مسعود. والثالث: أنه كل كسب لا يحل، قاله الأخفش. # قوله تعالى: { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } فيمن أريد بهذا ~~الكلام قولان. # أحدهما: اليهوديان اللذان زنيا، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. # والثاني: رجلان من قريظة والنضير قتل أحدهما الآخر، قاله قتادة. وقال ~~ابن زيد: كان حيي بن أخطب قد جعل للنضيري ديتين، والقرظي دية، لأنه كان ~~من النضير، فقالت قريظة: لا نرضى بحكم حيي، ونتحاكم إلى محمد، فقال ~~الله تعالى لنبيه: فإن جاؤوك فاحكم بينهم الآية. # فصل # اختلف علماء التفسير في هذه الآية على قولين. # أحدهما: أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان مخيرا، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض ~~عنهم، ثم نسخ ذلك بقوله: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } فلزمه الحكم، ~~وزال التخيير، وهذا مروي عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والسدي. # والثاني: أنها محكمة، وأن الإمام ونوابه في الحكم مخيرون إذا ترافعوا ~~إليهم، إن شاؤوا حكموا بينهم، وإن شاؤوا أعرضوا عنهم، وهذا مروي عن ~~الحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو الصحيح، ~~لأنه لا تنافي بين الآيتين، لأن إحداهما: خيرت بين الحكم وتركه. ~~والثانية: بينت كيفية الحكم إذا كان. ### || [5.43] # قوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة } قال المفسرون: هذا تعجيب ~~من الله عز وجل لنبيه من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة ~~من حكم ما تحاكموا إليه فيه، وتقريع لليهود إذ يتحاكمون إلى من ~~يجحدون نبوته، ويتركون حكم التوراة التي يعتقدون صحتها. # قوله تعالى: { فيها حكم الله } فيه قولان. # أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه تحاكموا، ms0505 قاله الحسن. # والثاني: حكمه بالقود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة. # قوله تعالى: { ثم يتولون من بعد ذلك } فيه قولان. # أحدهما: من بعد حكم الله في التوراة. والثاني: من بعد تحكيمك. # وفي قوله: { وما أولئك بالمؤمنين } قولان. # أحدهما: ليسوا بمؤمنين لتحريفهم التوراة. والثاني: ليسوا بمؤمنين أن ~~حكمك من عند الله لجحدهم نبوتك. ### || [5.44] # قوله تعالى: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } قال المفسرون: سبب ~~نزول هذه الآية: استفتاء اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر ~~الزانيين، وقد سبق. و«الهدى»: البيان. فالتوراة مبينة صحة نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ومبينة ما تحاكموا فيه إليه. و«النور»: الضياء الكاشف ~~للشبهات، والموضح للمشكلات. # وفي النبيين الذين أسلموا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى، قاله الأكثرون. # فعلى هذا القول في معنى «أسلموا» أربعة أقوال. # أحدها: سلموا لحكم الله، ورضوا بقضائه. والثاني: انقادوا لحكم الله، فلم ~~يكتموه كما كتم هؤلاء. والثالث: أسلموا أنفسهم إلى الله عز وجل. ~~والرابع: أسلموا لما في التوراة ودانوا بها، لأنه قد كان فيهم من لم يعمل ~~بكل ما فيها كعيسى عليه السلام. قال ابن الأنباري: وفي «المسلم» قولان. # أحدهما: أنه سمي بذلك لاستسلامه وانقياده لربه. والثاني: لإخلاصه ~~لربه، من قوله: # ورجلا سالما لرجل # [الزمر: 29] أي: خالصا له. # والثاني: أن المراد بالنبيين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ~~الحسن، والسدي. وذلك حين حكم على اليهود بالرجم، وذكره بلفظ الجمع كقوله: # أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله # [النساء: 54]. # وفي الذي حكم به منها قولان. أحدهما: الرجم والقود. والثاني: الحكم ~~بسائرها ما لم يرد في شرعه ما يخالف. والثالث: النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، قاله عكرمة. # قوله تعالى: { للذين هادوا } قال ابن عباس: تابوا من الكفر. قال الحسن: ~~هم اليهود. قال الزجاج: ويجوز أن يكون في الآية تقديم وتأخير على معنى: ~~إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا. فأما «الربانيون» ms0506 فقد سبق ذكرهم في (آل عمران). وأما «الأحبار» ~~فهم العلماء واحدهم حبر وحبر، والجمع أحبار وحبور. وقال الفراء: أكثر ~~ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء. وفي اشتقاق هذا ~~الاسم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه من الحبار وهو الأثر الحسن، قاله الخليل. # والثاني: أنه من الحبر الذي يكتب به، قاله الكسائي. # والثالث: أنه من الحبر الذي هو الجمال والبهاء. وفي الحديث # " يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره " # أي جماله وبهاؤه. فالعالم بهي بجمال العلم. وهذا قول قطرب. # وهل بين الربانيين والأحبار فرق أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: لا فرق، والكل العلماء، هذا قول الأكثرين، منهم ابن قتيبة، ~~والزجاج. وقد روي عن مجاهد أنه قال: الربانيون: الفقهاء العلماء، وهم ~~فوق الأحبار. وقال السدي: الربانيون العلماء، والأحبار القراء. وقال ~~ابن زيد: الربانيون: الولاة، والأحبار: العلماء، وقيل: الربانيون: علماء ~~النصارى، والأحبار: علماء اليهود. # قوله تعالى: { بما استحفظوا من كتاب الله } قال ابن عباس: بما استودعوا ~~من كتاب الله وهو التوراة. وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: يحكمون بحكم ما استحفظوا. والثاني: العلماء بما استحفظوا. قال ~~ابن جرير: «الباء» في قوله: «بما استحفظوا» من صلة الأحبار. # وفي قوله: { وكانوا عليه شهداء } قولان. # أحدهما: وكانوا على ما في التوراة من الرجم شهداء، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: وكانوا شهداء لمحمد عليه السلام بما قال أنه حق. رواه العوفي ~~عن ابن عباس. # قوله تعالى: { فلا تخشوا الناس واخشوني } قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، ~~وابن عامر، والكسائي «واخشون» بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أبوعمرو ~~بياء في الوصل، وبغير ياء في الوقف، وكلاهما حسن. وقد أشرنا إلى هذا في ~~(آل عمران). ثم في المخاطبين بهذا قولان. # أحدهما: أنهم رؤساء اليهود، قيل لهم: فلا تخشوا الناس في إظهار صفة ~~محمد، والعمل بالرجم، واخشوني في كتمان ذلك، روى هذا المعنى أبو صالح عن ~~ابن عباس. قال مقاتل: الخطاب ليهود المدينة، قيل لهم: لا تخشوا يهود خيبر ~~أن تخبروهم بالرجم، ونعت محمد، واخشوني في كتمانه. ms0507 # والثاني: أنهم المسلمون، قيل لهم: لا تخشوا الناس، كما خشيت اليهود ~~الناس، فلم يقولوا الحق، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } في المراد بالآيات ~~قولان. # أحدهما: أنها صفة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # والثاني: الأحكام والفرائض. والثمن القليل مذكور في (البقرة). # فأما قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }. وقوله ~~تعالى بعدها: { فأولئك هم الظالمون } { فأولئك هم الفاسقون }. فاختلف ~~العلماء فيمن نزلت على خمسة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في اليهود خاصة، رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس، ~~وبه قال قتادة. # والثاني: أنها نزلت في المسلمين، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا ~~المعنى. # والثالث: أنها عامة في اليهود، وفي هذه الأمة، قاله ابن مسعود، ~~والحسن، والنخعي، والسدي. # والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى، قاله أبو مجلز. # والخامس: أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في ~~النصارى، قاله الشعبي. # وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان. # أحدهما: أنه الكفر بالله تعالى. # والثاني: أنه الكفر بذلك الحكم، وليس بكفر ينقل عن الملة. # وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا له، وهو يعلم أن الله ~~أنزله، كما فعلت اليهود، فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلا إلى الهوى من ~~غير جحود، فهو ظالم وفاسق. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه ~~قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو فاسق ~~وظالم. ### || [5.45] # قوله تعالى: { وكتبنا } أي: فرضنا { عليهم } أي: على اليهود { فيها } ~~أي: في التوراة. قال ابن عباس: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، فما ~~بالهم يخالفون، فيقتلون النفسين بالنفس، ويفقؤون العينين بالعين؟ وكان ~~على بني إسرائيل القصاص أو العفو، وليس بينهم دية في نفس ولا جرح، فخفف ~~الله عن أمة محمد بالدية. # قرأ ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر: النفس بالنفس، والعين ~~بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، ينصبون ذلك كله ~~ويرفعون «والجروح» ms0508 وكان نافع، وعاصم، وحمزة ينصبون ذلك كله، وكان ~~الكسائي يقرأ: «أن النفس بالنفس» نصبا، ويرفع ما بعد ذلك. قال أبو علي: ~~وحجته أن الواو لعطف الجمل، لا للاشتراك في العامل، ويجوز أن يكون حمل ~~الكلام على المعنى، لأن معنى: وكتبنا عليهم: قلنا لهم: النفس بالنفس، ~~فحمل العين على هذا، وهذه حجة من رفع الجروح. ويجوز أن يكون مستأنفا، ~~لا أنه مما كتب على القوم، وإنما هو ابتداء ايجاب. قال القاضي أبو ~~يعلى: وقوله: العين بالعين، ليس المراد قلع العين بالعين، لتعذر ~~استيفاء المماثلة، لأنا لا نقف على الحد الذي يجب قلعه، وإنما يجب ~~فيما ذهب ضوؤها وهي قائمة، وصفة ذلك أن تشد عين القالع، وتحمى مرآة، ~~فتقدم من العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوؤها. وأما الأنف فاذا قطع ~~المارن، وهو مالان منه، وتركت قصبته، ففيه القصاص، وأما إذا قطع من ~~أصله، فلا قصاص فيه، لأنه لا يمكن استيفاء القصاص، كما لو قطع يده من نصف ~~الساعد. وقال أبو يوسف، ومحمد: فيه القصاص إذا استوعب. وأما الأذن، ~~فيجب القصاص إذا استوعبت، وعرف المقدار. وليس في عظم قصاص إلا في ~~السن، فان قلعت قلع مثلها، وإن كسر بعضها، برد بمقدار ذلك. وقوله: { ~~والجروح قصاص } يقتضي إيجاب القصاص في سائر الجراحات التي يمكن استيفاء ~~المثل فيها. # قوله تعالى: { فمن تصدق به } يشير إلى القصاص. # { فهو كفارة له } في هاء «له» قولان. # أحدهما: أنها إشارة إلى المجروح، فاذا تصدق بالقصاص كفر من ذنوبه، ~~وهو قول ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والحسن، والشعبي. # والثاني: إشارة إلى الجارح إذا عفا عنه المجروح، كفر عنه ما جنى، ~~وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وهو محمول على أن الجاني تاب من ~~جنايته، لأنه إذا كان مصرا فعقوبة الإصرار باقية. ### || [5.46] # قوله تعالى: { وقفينا على آثارهم } أي: وأتبعنا على آثار النبيين الذين ~~أسلموا { بعيسى } فجعلناه يقفو آثارهم { مصدقا } أي: بعثناه مصدقا ~~{ لما بين يديه } { وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا } ليس ~~هذا تكرارا للأول، لأن ms0509 الأول لعيسى، والثاني: للإنجيل، لأن عيسى كان ~~يدعو إلى التصديق بالتوراة، والإنجيل أنزل وفيه ذكر التصديق ~~بالتوراة. ### || [5.47] # قوله تعالى: { وليحكم أهل الإنجيل } قرأ الأكثرون بجزم اللام على معنى ~~الأمر، تقديره: وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه. وقرأ الأعمش، ~~وحمزة بكسر اللام، وفتح الميم على معنى «كي» فكأنه قال: وآتيناه الإنجيل ~~لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. ### || [5.48] # قوله تعالى: { وأنزلنا إليك الكتاب } يعني القرآن { بالحق } أي: بالصدق ~~{ مصدقا لما بين يديه من الكتاب } قال ابن عباس: يريد كل كتاب أنزله ~~الله تعالى. وفي «المهيمن» أربعة أقوال. # أحدها: أنه المؤيمن رواه التميمي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وعطاء، والضحاك. وقال المبرد: «مهيمن» في معنى: «مؤيمن» إلا أن ~~الهاء بدل من الهمزة، كما قالوا: أرقت الماء، وهرقت، وإياك وهياك. # وأرباب هذا القول يقولون: المعنى: أن القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب ~~إلا أن ابن أبي نجيح روى عن مجاهد: ومهيمنا عليه. قال: محمد مؤتمن ~~على القرآن. فعلى قوله، في الكلام محذوف، كأنه قال: وجعلناك يا محمد ~~مهيمنا عليه، فتكون هاء «عليه» راجعة إلى القرآن. وعلى غير قول مجاهد ~~ترجع إلى الكتب المتقدمة. # والثاني: أنه الشاهد، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، والسدي، ومقاتل. # والثالث: أنه المصدق على ما أخبر عن الكتب، وهذا قول ابن زيد، وهو ~~قريب من القول الأول. # والرابع: أنه الرقيب الحافظ، قاله الخليل. # قوله تعالى: { فاحكم بينهم } يشير إلى اليهود { بما أنزل الله إليك } ~~في القرآن { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق }. قال أبو سليمان: ~~المعنى: فترجع عما جاءك. قال ابن عباس: لا تأخذ بأهوائهم في جلد ~~المحصن. # قوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } قال مجاهد: الشرعة: ~~السنة، والمنهاج: الطريق. وقال ابن قتيبة: الشرعة والشريعة واحد، ~~والمنهاج: الطريق الواضح. فان قيل: كيف نسق «المنهاج» على «الشرعة» ~~وكلاهما بمعنى واحد؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن بينهما فرقا من وجهين: أحدهما: أن «الشرعة» ابتداء الطريق، ~~والمنهاج: ms0510 الطريق المستمر، قاله المبرد. والثاني: أن «الشرعة» الطريق ~~الذي ربما كان واضحا، وربما كان غير واضح، والمنهاج: الطريق الذي لا ~~يكون إلا واضحا، ذكره ابن الأنباري: فلما وقع الاختلاف بين الشرعة ~~والمنهاج، حسن نسق أحدهما على الآخر. # والثاني: أن الشرعة والمنهاج بمعنى واحد، وإنما نسق أحدهما على الآخر ~~لاختلاف اللفظين. قال الحطيئة: # ألا حبذا هند وأرض بها هند # وهند أتى من دونها النأي والبعد # فنسق البعد على النأي لما خالفه في اللفظ، وإن كان موافقا له في ~~المعنى، ذكره ابن الأنباري. وأجاب عنه أرباب القول الأول، فقالوا ~~«النأي» كل ما قل بعده أو كثر كأنه المفارقة، والبعد إنما يستعمل ~~فيما كثرت مسافة مفارقته. # وللمفسرين في معنى الكلام قولان. # أحدهما: لكل ملة جعلنا شرعة ومنهاجا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل ~~الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة، هذا قول الأكثرين. قال قتادة: ~~الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى، وعيسى، وأمة محمد، فللتوراة شريعة، ~~وللإنجيل شريعة، وللفرقان شريعة يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم [ما ~~يشاء] بلاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، و[لكن] الدين الواحد الذي لا ~~يقبل غيره، التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل. # والثاني: أن المعنى: لكل من دخل في دين محمد جعلنا القرآن شرعة ~~ومنهاجا، هذا قوم مجاهد. # قوله تعالى: { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } فيه قولان. # أحدهما: لجمعكم على الحق. # والثاني: لجعلكم على ملة واحدة { ولكن ليبلوكم } أي: ليختبركم { في ما ~~آتاكم } من الكتب، وبين لكم من الملل. فإن قيل: إذا كان المعنى بقوله { ~~لكل جعلنا منكم شرعة }: نبينا محمدا مع سائر الأنبياء قبله، فمن ~~المخاطب بقوله: { ليبلوكم }؟ فالجواب: أنه خطاب لنبينا، والمراد به سائر ~~الأنبياء والأمم. قال ابن جرير: والعرب من شأنها إذا خاطبت غائبا، ~~فأرادت الخبر عنه أن تغلب المخاطب، فتخرج الخبر عنهما على وجه الخطاب. # قوله تعالى: { فاستبقوا الخيرات } قال ابن عباس، والضحاك: هو خطاب لأمة ~~محمد عليه السلام. قال مقاتل: و«الخيرات»: الأعمال الصالحة. { إلى الله ~~مرجعكم } في الآخرة { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } من الدين. قال ms0511 ~~ابن جرير: قد بين ذلك في الدنيا بالأدلة والحجج، وغدا يبينه بالمجازاة. ### || [5.49] # قوله تعالى: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } سبب نزولها: أن جماعة من ~~اليهود منهم كعب بن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشأس بن قيس، قال بعضهم ~~لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: يا ~~محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وأنا إن تبعناك، اتبعك ~~اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ~~ونحن نؤمن بك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية، ~~هذا قول ابن عباس. وذكر مقاتل: أن جماعة من بني النضير قالوا له: هل لك ~~أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء كما كنا عليه من قبل، ~~ونبايعك؟ فنزلت هذه الآية. قال القاضي أبو يعلى: وليس هذه الآية تكرارا ~~لما تقدم، وإنما نزلتا في شيئين مختلفين، أحدهما: في شأن الرجم، ~~والآخر: في التسوية في الديات حتى تحاكموا إليه في الأمرين. # قوله تعالى: { واحذرهم أن يفتنوك } أي: يصرفوك { عن بعض ما أنزل الله ~~إليك } وفيه قولان. # أحدهما: أنه الرجم، قاله ابن عباس. والثاني: شأن القصاص والدماء، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: { فإن تولوا } فيه قولان. # أحدهما: عن حكمك. والثاني: عن الإيمان، فاعلم أن إعراضهم من أجل أن ~~الله يريد أن يعذبهم ببعض ذنوبهم. وفي ذكر البعض قولان. # أحدهما: أنه على حقيقته، وإنما يصيبهم ببعض ما يستحقونه. # والثاني: أن المراد به الكل، كما يذكر لفظ الواحد، ويراد به الجماعة، ~~كقوله: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق: 1] والمراد: جميع المسلمين. وقال الحسن: أراد ما عجله من ~~إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة. # قوله تعالى: { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } قال المفسرون: أراد ~~اليهود. # وفي المراد بالفسق هاهنا ثلاثة أقوال. أحدها: الكفر، قاله ابن عباس. ~~والثاني: الكذب، قاله ابن زيد. والثالث: المعاصي، قاله مقاتل. ### || [5.50] # قوله تعالى: { أفحكم الجاهلية يبغون } قرأ الجمهور «يبغون» بالياء، لأن ~~قبله غيبة، وهي قوله: { وإن ثيرا من الناس ms0512 لفاسقون }. وقرأ ابن عامر ~~«تبغون» بالتاء، على معنى: قل لهم. وسبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما حكم بالرجم على اليهوديين تعلق بنو قريظة ببني النضير، ~~وقالوا: يا محمد هؤلاء إخواننا، أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتلوا ~~منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم واحدا أخذوا منا ~~أربعين ومائة وسق، وإن قتلنا منهم رجلا قتلوا به رجلين، وإن قتلنا ~~امرأة قتلوا بها رجلا، فاقض بيننا بالعدل، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليس لبني النضير على بني قريظة فضل في عقل ولا دم " # فقال بنو النضير: والله لا نرضى بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولنأخذن بأمرنا ~~الأول، فنزلت هذه الآية: رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: ومعنى ~~الآية: أتطلب اليهود حكما لم يأمر الله به، وهم أهل كتاب الله، كما تفعل ~~الجاهلية؟! # قوله تعالى: { ومن أحسن من الله حكما } قال ابن عباس: ومن أعدل؟! # وفي قوله: «لقوم يوقنون» قولان. # أحدهما: يوقنون بالقرآن، قاله ابن عباس. والثاني: يوقنون بالله، قاله ~~مقاتل. وقال الزجاج: من أيقن تبين عدل الله في حكمه. ### || [5.51] # قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } ~~في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة إذ رضوا بحكم سعد: ~~إنه الذبح، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول عكرمة. # والثاني: أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله إن لي موالي من ~~اليهود، وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فقال عبد الله بن أبي: ~~إني رجل أخاف الدوائر، ولا أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فنزلت هذه ~~الآية، قاله عطية العوفي. # والثالث: أنه لما كانت وقعة أحد خافت طائفة من الناس أن يدال عليهم ~~الكفار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فألحق بفلان اليهودي، فآخذ منه ~~أمانا، أو أتهود معه، فنزلت هذه الآية، قاله السدي، ومقاتل. قال ~~الزجاج: لا تتولوهم في الدين. وقال غيره: لا تستنصروا بهم. ولا تستعينوا، ~~{ بعضهم أولياء بعض ms0513 } في العون والنصرة. # قوله تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } فيه قولان. # أحدهما: من يتولهم في الدين، فانه منهم في الكفر. # والثاني: من يتولهم في العهد فانه منهم في مخالفة الأمر. ### || [5.52] # قوله تعالى: { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } قال المفسرون: ~~نزلت في المنافقين، ثم لهم في ذلك قولان. # أحدهما: أن اليهود والنصارى كانوا يميرون المنافقين ويقرضونهم ~~فيوادونهم، فلما نزلت: { لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } قال ~~المنافقون: كيف نقطع مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا علينا، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وممن قال: نزلت في المنافقين، ولم ~~يعين: مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي، قاله عطية العوفي. # وفي المراد بالمرض قولان. # أحدهما: أنه الشك، قاله مقاتل. # والثاني: النفاق، قاله الزجاج. # وفي قوله: «يسارعون فيهم» ثلاثة أقوال. # أحدها: يسارعون في موالاتهم ومناصحتهم، قاله مجاهد، وقتادة. # والثاني: في رضاهم، قاله ابن قتيبة. # والثالث: في معاونتهم على المسلمين، قاله الزجاج. وفي المراد «بالدائرة» ~~قولان. # أحدهما: الجدب والمجاعة، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: نخشى أن يدور ~~علينا الدهر بمكروه، يعنون الجدب، فلا يبايعونا، و[نمتار فيهم] فلا ~~يميرونا. # والثاني: انقلاب الدولة لليهود على المسلمين، قاله مقاتل. # وفي المراد بالفتح أربعة أقوال. # أحدها: فتح مكة، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: فتح قرى اليهود، قاله الضحاك. # والثالث: نصر النبي صلى الله عليه وسلم على من خالفه، قاله قتادة، ~~والزجاج. # والرابع: الفرج، قاله ابن قتيبة. وفي الأمر أربعة أقوال. # أحدها: إجلاء بني النضير وأخذ أموالهم، وقتل قريظة، وسبي ذراريهم، قاله ~~ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: الجزية، قاله السدي. # والثالث: الخصب، قاله ابن قتيبة. # والرابع: أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم باظهار أمر المنافقين ~~وقتلهم، قاله الزجاج. وفيما أسروا قولان. # أحدهما: موالاتهم. والثاني: قولهم: لعل محمدا لا ينصر. ### || [5.53] # قوله تعالى: { ويقول الذين آمنوا } قرأ أبو عمرو، بنصب اللام على معنى: ~~وعسى أن يقول. ورفعه الباقون، فجعلوا الكلام مستأنفا. وقرأ ابن كثير، ~~ونافع وابن عامر: يقول، بغير واو، ms0514 مع رفع اللام، وكذلك في مصاحف أهل مكة ~~والمدينة. قال المفسرون: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني ~~النضير، اشتد ذلك على المنافقين، وجعلوا يتأسفون على فراقهم، وجعل ~~المنافق يقول لقريبه المؤمن إذا رآه جادا في معاداة اليهود: أهذا ~~جزاؤهم منك، طال والله ما أشبعوا بطنك؟ فلما قتلت قريظة، لم يطق أحد ~~من المنافقين ستر ما في نفسه، فجعلوا يقولون: أربعمئة حصدوا في ليلة، ~~فلما رأى المؤمنون ما قد ظهر من المنافقين، قالوا: { أهؤلاء } يعنون ~~المنافقين { الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم } قال ابن عباس: أغلظوا في ~~الأيمان. وقال مقاتل: جهد أيمانهم: القسم بالله. وقال الزجاج: اجتهدوا في ~~المبالغة في اليمين { إنهم لمعكم } على عدوكم { حبطت أعمالهم } بنفاقهم. ### || [5.54] # قوله تعالى: { من يرتد منكم عن دينه } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: يرتد، بإدغام الدال الأولى في الأخرى، وقرأ نافع، ~~وابن عامر: يرتدد، بدالين. قال الزجاج: «يرتدد» هو الأصل، لأن الثاني ~~إذا سكن من المضاعف، ظهر التضعيف. فأما «يرتد» فأدغمت الدال الأولى ~~في الثانية، وحركت الثانية بالفتح، لالتقاء الساكنين. قال الحسن: علم ~~الله أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم عليه السلام، فأخبرهم ~~أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه وفي المراد بهؤلاء القوم ستة أقوال. # أحدها: أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، قاله علي بن ~~أبي طالب، والحسن عليهما السلام، وقتادة، والضحاك، وابن جريج. قال أنس ~~ابن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة، فتقلد ~~ابو بكر سيفه، وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره. # والثاني: أبو بكر، وعمر، روي عن الحسن، أيضا. # والثالث: أنهم قوم أبي موسى الأشعري، روى عياض الأشعري أنه # " لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم قوم هذا» ~~يعني: أبا موسى ". # والرابع: أنهم أهل اليمن، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والخامس: أنهم الأنصار، قاله السدي. # والسادس: المهاجرون والأنصار، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: ~~وقد أنجز الله ما ms0515 وعد فأتى بقوم في زمن عمر كانوا أحسن موقعا في ~~الإسلام ممن ارتد. # قوله تعالى: { أذلة على المؤمنين } قال علي بن أبي طالب عليه السلام: ~~أهل رقة على أهل دينهم، أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وقال ~~الزجاج: معنى «أذلة»: جانبهم لين على المؤمنين، لا أنهم أذلاء. { ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } لأن المنافقين يراقبون ~~الكفار، ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله عز وجل أن الصحيح ~~الإيمان لا يخاف في الله لومة لائم، ثم أعلم أن ذلك لا يكون إلا ~~بتوفيقه، فقال { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } يعني: محبتهم لله، ولين ~~جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين. ### || [5.55-56] # قوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله } اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال. # أحدها: # " أن عبد الله بن سلام وأصحابه جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: إن قوما قد أظهروا لنا العداوة، ولا نستطيع أن نجالس أصحابك ~~لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقالوا: رضينا بالله وبرسوله ~~وبالمؤمنين، وأذن بلال بالصلاة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا مسكين يسأل الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل أعطاك ~~أحد شيئا»؟ قال: نعم قال «ماذا»؟ قال: خاتم فضة. قال: «من أعطاكه»؟ ~~قال: ذاك القائم، فاذا هو علي بن أبي طالب، أعطانيه وهو راكع، فقرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية " # ، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # وقال مجاهد: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع. # والثاني: أن عبادة بن الصامت لما تبرأ من حلفائه اليهود نزلت هذه الآية ~~في حقه، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في أبي بكر الصديق، قاله عكرمة. # والرابع: أنها نزلت فيمن مضى من المسلمين ومن بقي منهم، قاله الحسن. # قوله تعالى: { ويؤتون الزكاة وهو راكعون } فيه قولان. # أحدهما: أنهم فعلوا ذلك في ركوعهم، وهو تصدق علي عليه السلام بخاتمه في ~~ركوعه. والثاني: أن من شأنهم إيتاء الزكاة وفعل الركوع. # وفي المراد بالركوع ms0516 ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه نفس الركوع على ما روى أبو صالح عن ابن عباس. وقيل: إن ~~الآية نزلت وهم في الركوع. # والثاني: أنه صلاة التطوع بالليل والنهار، وإنما أفرد الركوع بالذكر ~~تشريفا له، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنه الخضوع والخشوع، وأنشدوا: # لا تذل الفقير علك أن تر # كع يوما والدهر قد رفعه # ذكره الماوردي. فأما «حزب الله» فقال الحسن: هم جند الله. وقال أبو ~~عبيدة: أنصار الله. ثم فيه قولان. # أحدهما: أنهم المهاجرون والأنصار، قاله ابن عباس. # والثاني: الأنصار، ذكره أبو سليمان. ### || [5.57] # قوله تعالى: { لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } سبب ~~نزولها: أن رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث كانا قد أظهرا ~~الإسلام، ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فنزلت هذه الآية، ~~قاله ابن عباس. فأما اتخاذهم الدين هزوا ولعبا، فهو إظهارهم ~~الإسلام، وإخفاؤهم الكفر، وتلاعبهم بالدين. والذين أوتوا الكتاب: ~~اليهود والنصارى، والكفار: عبدة الأوثان. قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وحمزة: «والكفار» بالنصب على معنى: لا تتخذوا الكفار أولياء. ~~وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «والكفار» خفضا، لقرب الكلام من العامل ~~الجار، وأمال أبو عمرو الألف. { واتقوا الله } أن تولوهم. ### || [5.58] # قوله تعالى: { وإذا ناديتم إلى الصلاة } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نادى إلى ~~الصلاة، وقام المسلمون إليها، قالت: اليهود قاموا لا قاموا، صلوا لا ~~صلوا، على سبيل الاستهزاء والضحك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. # والثاني: أن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين على ذلك، وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به ~~فيما مضى من الأمم الخالية، فان كنت تدعي النبوة، فقد خالفت في هذا ~~الأذان الأنبياء قبلك، فما أقبح هذا الصوت، وأسمج هذا الأمر، فنزلت هذه ~~الآية، ذكره بعض المفسرين. وقال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة ~~إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حرق الكاذب، ~~فدخلت خادمه ذات ليلة ms0517 بنار وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت ~~البيت، فاحترق هو وأهله. # والمناداة: هي الأذان، واتخاذهم إياها هزوا: تضاحكهم وتغامزهم { ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون } ما لهم في إجابة الصلاة، وما عليهم في استهزائهم ~~بها. ### || [5.59] # قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا } سبب نزولها: أن نفرا ~~من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عمن يؤمن به من ~~الرسل، فذكر جميع الأنبياء، فلما ذكر عيسى، جحدوا نبوته، وقالوا: ~~والله ما نعلم دينا شرا من دينكم، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله ~~ابن عباس. وقرأ الحسن، والأعمش: «تنقمون» بفتح القاف. قال الزجاج: ~~يقال: نقمت على الرجل أنقم، ونقمت عليه أنقم والأول أجود. ~~ومعنى «نقمت»: بالغت في كراهة الشيء، والمعنى: هل تكرهون منا إلا ~~إيماننا، وفسقكم، لأنكم علمتم أننا على حق، وأنكم فسقتم. ### || [5.60] # قوله تعالى: { هل أنبئكم بشر من ذلك } قال المفسرون: سبب نزولها قول ~~اليهود للمؤمنين: والله ما علمنا أهل دين أقل حظا منكم في الدنيا ~~والآخرة، ولا دينا شرا من دينكم. وفي قوله: { بشر من ذلك } ~~قولان. # أحدهما: بشر من المؤمنين، قاله ابن عباس. # والثاني: بشر مما نقمتم من إيماننا، قاله الزجاج. فأما «المثوبة» ~~فهي الثواب. قال الزجاج: وموضع «من» في قوله: «من لعنه الله» إن شئت ~~كان رفعا، وإن شئت كان خفضا، فمن خفض جعله بدلا من «شر» فيكون ~~المعنى: أنبئكم بمن لعنه الله؟ ومن رفع فباضمار «هو» كأن قائلا قال: ~~من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله. قال أبو صالح عن ابن عباس: من لعنه الله ~~بالجزية، وغضب عليه بعبادة العجل، فهم شر مثوبة عند الله. وروي عن ابن ~~عباس أن المسخين من أصحاب السبت: مسخ شبابهم قردة، ومشايخهم خنازير. ~~وقال غيره: القردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى. وكان ابن ~~قتيبة يقول: أنا أظن أن هذه القردة، والخنازير هي المسوخ بأعيانها ~~توالدت. قال: واستدللت بقوله تعالى: { وجعل منهم القردة والخنازير } ~~فدخول الألف واللام يدل على المعرفة، وعلى أنها القردة التي تعاين، ms0518 ولو ~~كان أراد شيئا انقرض ومضى، لقال: وجعل منهم قردة وخنازير، إلا أن يصح ~~حديث أم حبيبة في «المسوخ» فيكون كما قال عليه السلام. قلت أنا: وحديث أم ~~حبيبة في «الصحيح» انفرد بإخراجه مسلم، وهو أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، القردة، والخنازير هي مما مسخ؟ فقال ~~النبي عليه السلام: # " [إن الله] لم يمسخ قوما أو يهلك قوما، فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة، ~~وإن القردة والخنازير قد كانت قبل ذلك " # وقد ذكرنا في سورة (البقرة) عن ابن عباس زيادة بيان ذلك، فلا يلتفت ~~إلى ظن ابن قتيبة. # قوله تعالى: { وعبد الطاغوت } فيها عشرون قراءة. قرأ ابن كثير، وعاصم، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع، والكسائي: «وعبد» بفتح العين والباء ~~والدال، ونصب تاء «الطاغوت». وفيها وجهان. # أحدهما: أن المعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت. # والثاني: أن المعنى: من لعنه الله وعبد الطاغوت. وقرأ حمزة: «وعبد ~~الطاغوت» بفتح العين والدال، وضم الباء، وخفض تاء الطاغوت. قال ثعلب: ~~ليس لها وجه إلا أن يجمع فعل على فعل. وقال الزجاج: وجهها أن الاسم ~~بني على «فعل» كما تقول: علم زيد، ورجل حذر، أي: مبالغ في الحذر. ~~فالمعنى: جعل منهم خدمة الطاغوت ومن بلغ في طاعة الطاغوت الغاية. وقرأ ~~ابن مسعود، وأبي بن كعب، «وعبدوا»، بفتح العين والباء، ورفع الدال ~~على الجمع «الطاغوت» بالنصب. # وقرأ ابن عباس، وابن أبي عبلة: «وعبد» بفتح العين والباء والدال، ~~إلا أنهما كسرا تاء «الطاغوت». قال الفراء: أرادا «عبدة» فحذفا الهاء. ~~وقرأ أنس ابن مالك: «وعبيد» بفتح العين والدال وبياء بعد الباء وخفض ~~تاء «الطاغوت» وقرأ أيوب، والأعمش: «وعبد»، برفع العين ونصب الباء ~~والدال، مع تشديد الباء، وكسر تاء " الطاغوت ". وقرأ أبو هريرة، وأبو ~~رجاء، وابن السميفع، «وعابد» بألف، مكسورة الباء، مفتوحة الدال، مع كسر ~~تاء «الطاغوت». وقرأ أبو العالية، ويحيى ابن وثاب: «وعبد» برفع ~~العين والباء وفتح الدال، مع كسر تاء الطاغوت. قال الزجاج: هو جمع عبيد، ~~وعبد مثل رغيف، ورغف، وسرير، ms0519 وسرر، والمعنى: وجعل منهم عبيد ~~الطاغوت. وقرأ أبو عمران الجوني، ومورق العجلي، والنخعي: «وعبد» برفع ~~العين وكسر الباء مخففة، وفتح الدال مع ضم تاء «الطاغوت». وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو الجوزاء، وعكرمة: «وعبد» بفتح العين والدال، وتشديد ~~الباء مع نصب تاء الطاغوت. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو نهيك: «وعبد» ~~بفتح العين والدال، وسكون الباء خفيفة مع كسر تاء الطاغوت. وقرأ قتادة، ~~وهذيل ابن شرحبيل: «وعبدة» بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ ~~منصوبة بعد الدال «الطواغيت» بالف وواو وياء بعد الغين على الجمع. وقرأ ~~الضحاك، وعمرو بن دينار: «وعبد» برفع العين وفتح الباء، والدال مع ~~تخفيف الباء، وكسر تاء «الطاغوت». # وقرأ سعيد بن جبير، والشعبي: «وعبدة» مثل حمزة، إلا أنهما رفعا تاء ~~«الطاغوت». # وقرأ يحيى بن يعمر، والجحدري: «وعبد» بفتح العين ورفع الباء والدال ~~مع كسر تاء «الطاغوت». وقرأ أبو الأشهب العطاردي: «وعبد» برفع العين ~~وتسكين الباء، ونصب الدال، مع كسر تاء «الطاغوت». وقرأ أبو السماك: ~~«وعبدة» بفتح العين والباء والدال، وتاء في اللفظ بعد الدال، مرفوعة ~~مع كسر تاء «الطاغوت». وقرأ معاذ القارىء: «وعابد» مثل قراءة أبي هريرة ~~إلا أنه ضم الدال. وقرأ أبو حيوة: «وعباد» بتشديد الباء وبألف بعدها ~~مع رفع العين، وفتح الدال. وقرأ ابن حذلم، وعمرو بن فائد: «وعباد» ~~مثل أبي حيوة إلا أن العين مفتوحة والدال مضمومة. وقد سبق ذكر «الطاغوت» ~~في سورة (البقرة). # وفي المراد به هاهنا قولان. أحدهما: الأصنام. والثاني: الشيطان. # قوله تعالى: { أولئك شر مكانا } أي: هؤلاء الذين وصفناهم شر مكانا من ~~المؤمنين، ولا شر في مكان المؤمنين، ولكن الكلام مبني على كلام الخصم، ~~حين قالوا للمؤمنين: لا نعرف شرا منكم، فقيل: من كان بهذه الصفة، فهو ~~شر منهم. ### || [5.61] # قوله تعالى: { وإذا جاؤوكم قالوا آمنا } قال قتادة: هؤلاء ناس من ~~اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخبرونه أنهم ~~مؤمنون بما جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم. # قوله تعالى: { وقد دخلوا بالكفر } أي: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين، ~~فالكفر معهم في ms0520 حالتيهم، { والله أعلم بما كانوا يكتمون } من الكفر ~~والنفاق. ### || [5.62] # قوله تعالى: { وترى كثيرا منهم } يعني: اليهود { يسارعون } أي: يبادرون ~~{ في الإثم } وفيه قولان. أحدهما: أنه المعاصي، قاله ابن عباس. والثاني: ~~الكفر، قاله السدي. فأما العدوان فهو الظلم. # وفي «السحت» ثلاثة أقوال. # أحدها: الرشوة في الحكم. والثاني: الرشوة في الدين. والثالث: الربا. ### || [5.63] # قوله تعالى: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار } «لولا» بمعنى: «هلا» ~~و «الربانيون» مذكورون في (آل عمران)، و«الأحبار» قد تقدم ذكرهم في هذه ~~السورة. وهذه الآية من أشد الآيات على تاركي الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، لأن الله تعالى جمع بين فاعل المنكر وتارك الإنكار في الذم. قال ~~ابن عباس: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية. ### || [5.64] # قوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: نزلت في فنحاص اليهودي وأصحابه، قالوا: يد الله مغلولة. وقال ~~مقاتل: فنحاص وابن صلوبا، وعازر بن أبي عازر. وفي سبب قولهم هذا ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أن الله تعالى كان قد بسط لهم الرزق، فلما عصوا الله تعالى في ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكفروا به كف عنهم بعض ما كان بسط لهم، ~~فقالوا: يد الله مغلولة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والثاني: أن الله تعالى استقرض منهم كما استقرض من هذه الأمة، فقالوا: ~~إن الله بخيل، ويده مغلولة فهو يستقرضنا، قاله قتادة. # والثالث: أن النصارى لما أعانوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس، ~~قالت اليهود: لو كان الله صحيحا، لمنعنا منه، فيده مغلولة، ذكره قتادة ~~أيضا. # والمغلولة: الممسكة المنقبضة. وعن ماذا عنوا أنها ممسكة، فيه قولان. # أحدهما: عن العطاء، قاله ابن عباس، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، ~~والزجاج. # والثاني: ممسكة عن عذابنا، فلا يعذبنا إلا تحلة القسم بقدر عبادتنا ~~العجل، قاله الحسن. وفي قوله: { غلت أيديهم } ثلاثة أقوال. # أحدها: غلت في جهنم، قاله الحسن. # والثاني: أمسكت عن الخير، قاله مقاتل. # والثالث: جعلوا بخلاء، فهم أبخل قوم، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: ~~وهذا ms0521 خبر أخبر الله تعالى به الخلق أن هذا قد نزل بهم، وموضعه نصب على ~~معنى الحال. تقديره: قالت اليهود هذا في حال حكم الله بغل أيديهم، ولعنته ~~إياهم، ويجوز أن يكون المعنى: فغلت أيديهم، ويجوز أن يكون دعاء، معناه: ~~تعليم الله لنا كيف ندعو عليهم، كقوله: # تبت يدا أبي لهب # [اللهب: 1] وقوله: # لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين # [الفتح: 27]. # وفي قوله: { ولعنوا بما قالوا } ثلاثة أقوال. # أحدها: أبعدوا من رحمة الله. # والثاني: عذبوا في الدنيا بالجزية، وفي الآخرة بالنار. # والثالث: مسخوا قردة وخنازير. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " من لعن شيئا لم يكن للعنه أهلا رجعت اللعنة على اليهود بلعنة الله ~~إياهم " # قال الزجاج: وقد ذهب قوم إلى أن معنى «يد الله»: نعمته، وهذا خطأ ~~ينقضه { بل يداه مبسوطتان } فيكون المعنى على قولهم: نعمتاه، ونعم الله ~~أكثر من أن تحصى. والمراد بقوله: بل { يداه مبسوطتان }: أنه جواد ينفق ~~كيف يشاء وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري. قال ابن عباس: إن شاء وسع ~~في الرزق. وإن شاء قتر. # قوله تعالى: { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا }. # قال الزجاج: كلما أنزل عليك شيء كفروا به، فيزيد كفرهم. «والطغيان» ~~هاهنا: الغلو في الكفر. وقال مقاتل: وليزيدن بني النضير ما أنزل إليك ~~من ربك من أمر الرجم والدماء طغيانا وكفرا. # قوله تعالى: { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } فيمن عني بهذا قولان. # أحدهما: اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. فإن قيل: فأين ~~ذكر النصارى؟ فالجواب: أنه قد تقدم في قوله: { لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء }. # والثاني: أنهم اليهود، قاله قتادة. # قوله تعالى: { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } ذكر إيقاد ~~النار مثل ضرب لاجتهادهم في المحاربة، وقيل: إن الأصل في استعارة ~~اسم النار للحرب أن القبيلة من العرب كانت إذا أرادت حرب أخرى أوقدت ~~النار على رؤوس الجبال، والمواضع المرتفعة، ليعلم استعدادهم للحرب، ~~فيتأهب من يريد إعانتهم. وقيل: كانوا إذا تحالفوا على الجد في ms0522 حربهم، ~~أوقدوا نارا، وتحالفوا. # وفي معنى الآية قولان. # أحدهما: كلما جمعوا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم فرقهم الله. # والثاني: كلما مكروا مكرا رده الله. # قوله تعالى: { ويسعون في الأرض فسادا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: بالمعاصي، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: بمحو ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من كتبهم ودفع الإسلام، ~~قاله الزجاج. # والثالث: بالكفر. # والرابع: بالظلم، ذكرهما الماوردي. ### || [5.65] # قوله تعالى: { ولو أن أهل الكتاب } يعني: اليهود والنصارى { آمنوا } ~~بالله وبرسله { واتقوا } الشرك { لكفرنا عنهم سيئاتهم } التي سلفت. ### || [5.66] # قوله تعالى: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } قال ابن عباس: عملوا ~~بما فيهما. وفيما أنزل إليهم من ربهم قولان. # أحدهما: كتب أنبياء بني إسرائيل. # والثاني: القرآن، لأنهم لما خوطبوا به، كان نازلا إليهم. # قوله تعالى: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } فيه قولان. # أحدهما: لأكلوا بقطر السماء، ونبات الأرض، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة. # والثاني: أن المعنى: لوسع عليهم، كما يقال: فلان في خير من قرنه إلى ~~قدمه، ذكره الفراء، والزجاج. وقد أعلم الله تعالى بهذا أن التقوى سبب في ~~توسعة الرزق كما قال: # لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض # [الأعراف: 96] وقال: # ويرزقه من حيث لا يحتسب # [الطلاق:3]. # قوله تعالى: { منهم أمة مقتصدة } يعني: من أهل الكتاب، وهم الذين ~~أسلموا منهم، قاله ابن عباس، ومجاهد. وقال القرظي: هم الذين قالوا: ~~المسيح عبد الله ورسوله. و«الاقتصاد» الاعتدال في القول والعمل من غير ~~غلو ولا تقصير. ### || [5.67] # قوله تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك } ذكر المفسرون أن هذه ~~الآية نزلت على أسباب، روى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما بعثني الله برسالته، ضقت بها ذرعا، وعرفت أن من الناس من ~~يكذبني " # ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يهاب قريشا واليهود والنصارى، ~~فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد: # " لما نزلت { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } قال: «يا ~~رب كيف أصنع؟ إنما أنا وحدي يجتمع علي الناس»، فأنزل الله { وإن لم ~~تفعل ms0523 فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } " # وقال مقاتل: لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزؤون به، فسكت ~~عنهم، فحرض بهذه الآية. وقال ابن عباس: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس فيرسل معه أبو طالب كل ~~يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية، فقال: «يا ~~عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس» " # وقال أبو هريرة: # " نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، ~~فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد من يمنعني منك؟ فقال: «الله»، فنزل قوله: ~~{ والله يعصمك من الناس } " # قالت عائشة: # " سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقلت ما شأنك؟ قال: ألا ~~رجل صالح يحرسني الليلة، فبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال: ~~«من هذا»؟ فقال: سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى سمعت غطيطه، فنزلت { والله يعصمك من الناس } فأخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم وقال: «انصرفوا أيها الناس فقد عصمني ~~الله تعالى» " # قال الزجاج: قوله: { بلغ ما أنزل إليك } معناه: بلغ جميع ما أنزل ~~إليك، ولا تراقبن أحدا، ولا تتركن شيئا منه مخافة أن ينالك مكروه، ~~فان تركت منه شيئا، فما بلغت. قال ابن قتيبة: يدل على هذا المحذوف ~~قوله: { والله يعصمك } وقال ابن عباس: إن كتمت آية فما بلغت رسالتي. ~~وقال غيره: المعنى: بلغ جميع ما أنزل إليك جهرا، فان أخفيت شيئا ~~منه لخوف أذى يلحقك، فكأنك ما بلغت شيئا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: «رسالته» على التوحيد. وقرأ نافع «رسالاته» على الجمع. # قوله تعالى: { والله يعصمك من الناس } قال ابن قتيبة: أي: يمنعك منهم. ~~وعصمة الله: منعه للعبد من المعاصي، ويقال: طعام لا يعصم، أي: لا يمنع من ~~الجوع. فان قيل: فأين ضمان العصمة وقد شج جبينه، وكسرت رباعيته، ~~وبولغ في أذاه؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنه عصمه من القتل والأسر وتلف الجملة، فأما عوارض الأذى، ~~فلا تمنع ms0524 عصمة الجملة. والثاني: أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك، ~~لأن «المائدة» من أواخر ما نزل. # قوله تعالى: { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } فيه قولان. # أحدهما: لا يهديهم إلى الجنة. والثاني: لا يعينهم على بلوغ غرضهم. ### || [5.68] # قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء } سبب نزولها: أن اليهود ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد ~~أنها حق؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، فأنا بريء من ~~إحداثكم. فقالوا: نحن على الهدى، ونأخذ بما في أيدينا، ولا نؤمن بك، ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # فأما أهل الكتاب، فالمراد بهم اليهود والنصارى. وقوله: { لستم على شيء } ~~أي: لستم على شيء من الدين الحق حتى تقيموا التوراة والإنجيل، ~~وإقامتهما: العمل بما فيهما، ومن ذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. وفي الذي أنزل إليهم من ربهم قولان قد سبقا، وكذلك باقي الآية. ### || [5.69] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون } قد ذكرنا ~~تفسيرها في (البقرة) وكذلك اختلفوا في إحكامها ونسخها كما بينا هناك. ~~فأما رفع «الصابئين» فذكر الزجاج عن البصريين، منهم الخليل، وسيبويه أن ~~قوله: «والصابئون» محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء. والمعنى: إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون. والصابئون والنصارى كذلك أيضا، وأنشدوا: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # المعنى: فاعلموا أنا بغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم أيضا كذلك. ### || [5.70] # قوله تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل } قال مقاتل: أخذ ميثاقهم ~~في التوراة بأن يعملوا بما فيها. قال ابن عباس: كان فيمن كذبوا، ~~محمد، وعيسى، وفيمن قتلوا، زكريا، ويحيى. قال الزجاج: فأما التكذيب، ~~فاليهود، والنصارى يشتركون فيه. وأما القتل فيختص اليهود. ### || [5.71] # قوله تعالى: { وحسبوا أن لا تكون فتنة } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وابن عامر: «تكون» بالنصب، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «تكون» ~~بالرفع، ولم يختلفوا في رفع «فتنة». قال مكي بن أبي ms0525 طالب: من رفع جعل ~~«أن» مخففة من الثقيلة، وأضمر معها «الهاء» وجعل «حسبوا» بمعنى: أيقنوا، ~~لأن «أن» للتأكيد، والتأكيد لا يجوز إلا مع اليقين. والتقدير: أنه لا ~~تكون فتنة. ومن نصب جعل «أن» هي الناصبة للفعل، وجعل «حسبوا» بمعنى: ~~ظنوا. ولو كان قبل «أن» فعل لا يصلح للشك، لم يجز أن تكون إلا مخففة من ~~الثقيلة، ولم يجز نصب الفعل بها، كقوله: # أفلا يرون ألا يرجع إليهم # [طه: 89] و # علم أن سيكون # [المزمل: 20] وقال أبو علي: الأفعال ثلاثة: فعل يدل على ثبات الشيء ~~واستقراره، نحو العلم والتيقن، وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار، ~~وفعل يجذب إلى هذا مرة، وإلى هذا أخرى، فما كان معناه العلم، وقعت ~~بعده «أن» الثقيلة، لأن معناها ثبوت الشيء واستقراره، كقوله: # ويعلمون أن الله هو الحق المبين # [النور: 25] # ألم يعلم بأن الله يرى # [العلق: 14] وما كان على غير وجه الثبات والاستقرار نحو: أطمع وأخاف ~~وأرجو، وقعت بعده «أن» الخفيفة، كقوله: # فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله # [البقرة: 229] # تخافون أن يتخطفكم الناس # [الأنفال: 26] # فخشينا أن يرهقهما # [الكهف: 80] # أطمع أن يغفر لي # [الشعراء: 82] وما كان مترددا بين الحالين مثل حسبت وظننت، فإنه ~~يجعل تارة بمنزلة العلم، وتارة بمنزلة أرجو وأطمع وكلتا القراءتين في ~~{ وحسبوا ألا تكون فتنة } قد جاء بها التنزيل. فمثل مذهب من نصب # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم # [الجاثية: 21] # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا # [العنكبوت: 4] # أحسب الناس أن يتركوا # [العنكبوت: 2] ومثل مذهب من رفع # أيحسبون أنما نمدهم # [المؤمنون: 55] # أم يحسبون انا لا نسمع سرهم # [الزخرف: 80]. # قال ابن عباس: ظنوا أن الله لا يعذبهم، ولا يبتليهم بقتلهم الأنبياء، ~~وتكذبيهم الرسل. # قوله تعالى: { فعموا وصموا } قال الزجاج: هذا مثل تأويله: أنهم لم ~~يعملوا بما سمعوا، ورأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصم. # قوله تعالى: { ثم تاب الله عليهم } فيه قولان. # أحدهما: رفع عنهم البلاء، قاله مقاتل. وقال غيره: هو ظفرهم بالأعداء، ~~وذلك مذكور في قوله # ثم رددنا لكم الكرة عليهم # [الاسراء: 6]. # والثاني: أن معنى ms0526 «تاب عليهم»: أرسل إليهم محمدا يعلمهم أن الله قد ~~تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا، قاله الزجاج. وفي قوله: { ثم عموا وصموا } ~~قولان. # أحدهما: لم يتوبوا بعد رفع البلاء، قاله مقاتل. # والثاني: لم يؤمنوا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { كثير منهم } أي: عمي وصم كثير منهم، كما تقول: جاءني ~~قومك أكثرهم. قال ابن الأنباري: هذه الآية نزلت في قوم كانوا على الكفر ~~قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث كذبوه بغيا ~~وحسدا، وقدروا أن هذا الفعل لا يكون موبقا لهم، وجانيا عليهم، فقال ~~الله تعالى: { وحسبوا أن لا تكون فتنة } أي: ظنوا ألا تقع بهم فتنة في ~~الإصرار على الكفر، فعموا وصموا بمجانبة الحق. { ثم تاب الله عليهم } ~~أي: عرضهم للتوبة بأن أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وإن لم يتوبوا، ~~ثم عموا وصموا بعد بيان الحق بمحمد، كثير منهم، فخص بعضهم بالفعل ~~الأخير، لأنهم لم يجتمعوا كلهم على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [5.72] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } قال ~~مقاتل: نزلت في نصارى نجران، قالوا ذلك. # قوله تعالى: { وقال المسيح } أي: وقد كان المسيح قال لهم وهو بين ~~أظهرهم: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة. ### || [5.73] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } قال مجاهد: هم ~~النصارى. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى لم يبق صنم إلا خر لوجهه، ~~فاجتمعت الشياطين إلى إبليس، فأخبروه، فذهب فطاف أقطار الأرض، ثم رجع، ~~فقال: هذا المولود الذي ولد من غير ذكر، أردت أن أنظر إليه، فوجدت ~~الملائكة قد حفت بأمه، فليتخلف عندي اثنان من مردتكم، فلما أصبح، خرج ~~بهما في صورة الرجال، فأتوا مسجد بني إسرائيل وهم يتحدثون بأمر عيسى، ~~ويقولون: مولود من غير أب. فقال إبليس: ما هذا ببشر، ولكن الله أحب أن ~~يتمثل في امرأة ليختبر العباد، فقال أحد صاحبيه: ما أعظم ما قلت، ms0527 ولكن ~~الله أحب أن يتخذ ولدا. وقال الثالث: ما أعظم ما قلت، ولكن الله أراد أن ~~يجعل إلها في الأرض، فألقوا هذا الكلام على ألسنة الناس، ثم تفرقوا، ~~فتكلم به الناس. # وقال محمد بن كعب: لما رفع عيسى اجتمع مئة من علماء بني إسرائيل، ~~وانتخبوا منهم أربعة، فقال أحدهما: عيسى هو الله كان في الأرض ما بدا له، ~~ثم صعد إلى السماء، لأنه لا يحيي الموتى ولا يبرئ الأكمه والأبرص إلا ~~الله. وقال الثاني: ليس كذلك، لأنا قد عرفنا عيسى، وعرفنا أمه، ولكنه ~~ابن الله. وقال الثالث: لا أقول كما قلتما، ولكن جاءت به أمه من عمل غير ~~صالح. فقال الرابع: لقد قلتم قبيحا، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته، ~~فخرجوا، فاتبع كل رجل منهم عنق من الناس. قال المفسرون: ومعنى ~~الآية: أن النصارى قالت: الإلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم، وكل واحد ~~منهم إله. وفي الآية إضمار، فالمعنى: ثالث ثلاثة آلهة، فحذف ذكر ~~الآلهة، لأن المعنى مفهوم، لأنه لا يكفر من قال: هو ثالث ثلاثة، ولم يرد ~~الآلهة، لأنه ما من اثنين إلا وهو ثالثهما، وقد دل على المحذوف قوله: { ~~وما من إله إلا إله واحد }. قال الزجاج: ومعنى ثالث ثلاثة: أنه أحد ~~ثلاثة. ودخلت «من» في قوله: { وما من إله } للتوكيد. # والذين كفروا منهم، هم المقيمون على هذا القول. وقال ابن جرير: المعنى: ~~ليمسن الذين يقولون: المسيح هو الله، والذين يقولون: إن الله ثالث ~~ثلاثة، وكل كافر يسلك سبيلهم، عذاب أليم. ### || [5.74] # قوله تعالى: { أفلا يتوبون إلى الله } قال الفراء: لفظه لفظ الاستفهام، ~~ومعناه الأمر، كقوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. ### || [5.75] # قوله تعالى: { ما المسيح بن مريم إلا رسول } فيه رد على اليهود في ~~تكذيبهم رسالته، وعلى النصارى في ادعائهم إلهيته. والمعنى: أنه ليس ~~باله، وإنما حكمه حكم من سبقه من الرسل. وفي قوله: { وأمه صديقة } ~~رد على من نسبها من اليهود إلى الفاحشة. قال الزجاج: والصديقة: ~~المبالغة في الصدق، وصديق «فعيل» من أبنية المبالغة، كما تقول: فلان ~~سكيت، ms0528 أي: مبالغ في السكوت. # وفي قوله تعالى: { كانا يأكلان الطعام } قولان. # أحدهما: أنه بين أنهما يعيشان بالغذاء، ومن لا يقيمه إلا أكل الطعام ~~فليس باله، قاله الزجاج. # والثاني: أنه نبه بأكل الطعام على عاقبته، وهو الحدث، إذ لا بد لآكل ~~الطعام من الحدث، قاله ابن قتيبة. قال: وقوله: { انظر كيف نبين لهم ~~الآيات } من ألطف ما يكون من الكناية. و«يؤفكون» يصرفون عن الحق ~~ويعدلون، يقال: أفك الرجل عن كذا: إذا عدل عنه، وأرض مأفوكة: محرومة ~~المطر والنبات، كأن ذلك صرف عنها وعدل. ### || [5.76] # قوله تعالى: { قل أتعبدون من دون الله } قال مقاتل: قل لنصارى نجران: ~~أتعبدون من دون الله، يعني عيسى بن مريم ما لا يملك لكم ضرا في الدنيا، ~~ولا نفعا في الآخرة. والله هو السميع لقولهم: المسيح ابن الله، وثالث ~~ثلاثة، العليم بمقالتهم. ### || [5.77] # قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب } قال مقاتل: هم نصارى نجران. والمعنى: ~~لا تغلوا في دينكم، فتقولوا غير الحق في عيسى. وقد بينا معنى «الغلو» في ~~آخر سورة (النساء). # قوله تعالى: { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } قال أبو سليمان: ~~من قبل أن تضلوا. وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم رؤساء الضلالة من اليهود. # والثاني: رؤساء اليهود والنصارى، والآية خطاب للذين كانوا في عصر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم. ### || [5.78] # قوله تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } في لعنهم قولان. # أحدهما: أنه نفس اللعن، ومعناه: المباعدة من الرحمة. قال ابن عباس: ~~لعنوا على لسان داود، فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى في الإنجيل. ~~قال الزجاج: وجائز أن يكون داود وعيسى أعلما أن محمدا نبي، ولعنا ~~من كفر به. # والثاني: أنه المسخ، قاله مجاهد، لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى ~~لسان عيسى، فصاروا خنازير. وقال الحسن، وقتادة: لعن أصحاب السبت على لسان ~~داود، فانهم لما اعتدوا، قال داود: اللهم العنهم، واجعلهم آية، فمسخوا ~~قردة. ولعن أصحاب المائدة على لسان عيسى، فانهم لما أكلوا منها ولم ~~يؤمنوا؛ ms0529 قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت، فجعلوا خنازير. # قوله تعالى: { ذلك بما عصوا } أي: ذلك اللعن بمعصيتهم لله تعالى في ~~مخالفتهم أمره ونهيه، وباعتدائهم في مجاوزة ما حده لهم. ### || [5.79] # قوله تعالى: { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } التناهي: تفاعل من ~~النهي، أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر. # وذكر المفسرون في هذا المنكر ثلاثة أقوال. # أحدها: صيد السمك يوم السبت. # والثاني: أخذ الرشوة في الحكم. # والثالث: أكل الربا، وأثمان الشحوم، وذكر المنكر منكرا يدل على ~~الإطلاق، ويمنع هذا الحصر، ويدل على ما قلنا، ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه ~~تعذيرا، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه ~~وشريبه، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ". # قوله تعالى: { لبئس ما كانوا يفعلون } قال الزجاج: اللام دخلت للقسم ~~والتوكيد، والمعنى: لبئس شيئا فعلهم. ### || [5.80-81] # قوله تعالى: { ترى كثيرا منهم } في المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم المنافقون، روي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. # والثاني: أنهم اليهود، قاله مقاتل في آخرين، فعلى هذا القول انتظام ~~الآيات ظاهر، وعلى الأول يرجع الكلام إلى قوله: { فترى الذين في قلوبهم ~~مرض يسارعون فيهم }. وفي الذين كفروا قولان. أحدهما: أنهم اليهود، قاله ~~أرباب القول الأول. والثاني: أنهم مشركو العرب، قاله أرباب هذا القول ~~الثاني. # قوله تعالى: { لبئسما قدمت لهم أنفسهم } أي: بئسما قدموا لمعادهم { أن ~~سخط الله عليهم } قال الزجاج: يجوز أن تكون «أن» في موضع رفع على إضمار ~~هو، كأنه قيل: هو أن سخط الله عليهم. ### || [5.82-83] # قوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } قال ~~المفسرون: نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه. ~~قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي قوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، ms0530 وسنذكر قصتهم فيما بعد. قال ~~الزجاج: واللام في «لتجدن» لام القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال ~~والاستقبال، و«عداوة» منصوب على التمييز، واليهود ظاهروا المشركين على ~~المؤمنين حسدا للنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { والذين أشركوا } يعني: عبدة الأوثان. فأما الذين قالوا: ~~إنا نصارى، فهل هذا عام في كل النصارى، أم خاص؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه خاص، ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد النجاشي وأصحابه لما أسلموا، قاله ابن عباس، وابن ~~جبير. # والثاني: أنهم قوم من النصارى كانوا متمسكين بشريعة عيسى، فلما جاء ~~محمد عليه السلام أسلموا، قاله قتادة. # والقول الثاني: أنه عام. قال الزجاج: يجوز أن يراد به النصارى، لأنهم ~~كانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود. # قوله تعالى: { ذلك بأن منهم قسيسين } قال الزجاج: «القس» و«القسيس»: من ~~رؤساء النصارى. وقال قطرب: القسيس: العالم بلغة الروم، فأما «الرهبان» ~~فهم العباد أرباب الصوامع. قال ابن فارس: الترهب: التعبد، فان قيل: كيف ~~مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا، وليس ذلك من أمر شريعتنا؟ فالجواب: أنه ~~مدحهم بالتمسك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في ~~كتابهم، وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم. والمعنى: بأن فيهم علماء ~~بما أوصى به عيسى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو يعلى: ~~وربما ظن جاهل أن في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إنما مدح ~~من آمن منهم، ويدل عليه ما بعد ذلك، ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من ~~مقالة اليهود. # قوله تعالى: { وأنهم لا يستكبرون } أي: لا يتكبرون عن إتباع الحق. # قوله تعالى: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } قال ابن عباس: لما ~~حضر أصحاب النبي عليه السلام بين يدي النجاشي، وقرؤوا القرآن، سمع ذلك ~~القسيسون والرهبان، فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فقال الله تعالى: ~~{ ذلك بأن منهم قسيسين } إلى قوله: { من الشاهدين }. وقال سعيد بن جبير: ~~بعث النجاشي من خيار أصحابه ثلاثين رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقرأ عليهم القرآن. فبكوا ورقوا، وقالوا: ms0531 نعرف والله، وأسلموا، ~~وذهبوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم، فأنزل الله فيهم { وإذا سمعوا ما ~~أنزل إلى الرسول... } الآية. وقال السدي: كانوا اثني عشر رجلا؛ سبعة ~~من القسيسين، وخمسة من الرهبان، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم القرآن، بكوا وآمنوا، فنزلت هذه الآية فيهم. # قوله تعالى: { فاكتبنا مع الشاهدين } ، أي: مع من يشهد بالحق. وللمفسرين ~~في المراد بالشاهدين هاهنا أربعة أقوال. # أحدها: محمد وأمته، رواه علي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثالث: الذين يشهدون بالإيمان، قاله الحسن. والرابع: الأنبياء ~~والمؤمنون، قاله الزجاج. ### || [5.84-86] # قوله تعالى: { وما لنا لا نؤمن بالله } قال ابن عباس: لامهم قومهم على ~~الإيمان، فقالوا هذا. وفي القوم الصالحين ثلاثة أقوال. # أحدها: أصحاب رسول الله، قاله ابن عباس. # والثاني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن زيد. # والثالث: المهاجرون الأولون، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وذلك جزاء المحسنين } قال ابن عباس: ثواب المؤمنين. ### || [5.87-88] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ~~في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: # " أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عثمان بن مظعون، ~~حرموا اللحم والنساء على أنفسهم، وأرادوا جب أنفسهم ليتفرغوا للعبادة، ~~فقال رسول الله: «لم أومر بذلك» ونزلت هذه الآية " # ، رواه العوفي عن ابن عباس. وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: كانوا ~~عشرة: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وعثمان، بن مظعون، والمقداد بن ~~الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، ~~اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون، فتواثقوا على ذلك، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: # " من رغب عن سنتي فليس مني " # ونزلت هذه الآية. قال السدي: كان سبب عزمهم على ذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جلس يوما، فلم يزدهم على التخويف، فرق الناس، وبكوا، ~~فعزم هؤلاء على ذلك، وحلفوا على ما ms0532 عزموا عليه. وقال عكرمة: إن علي بن ~~أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان ابن مظعون، والمقداد، وسالما مولى أبي ~~حذيفة في أصحابه، تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا ~~المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من ~~بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت ~~هذه الآية. # والثاني: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني إذا ~~أكلت من هذا اللحم، أقبلت على النساء، وإني حرمته علي، فنزلت هذه ~~الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: # " أن ضيفا نزل بعبد الله بن رواحة، ولم يكن حاضرا، فلما جاء، قال ~~لزوجته: هل أكل الضيف؟ فقالت: انتظرتك. فقال: حبست ضيفي من أجلي؟! طعامك ~~علي حرام. فقالت: وهو علي حرام إن لم تأكله، فقال الضيف: وهو علي ~~حرام إن لم تأكلوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: قربي طعامك، كلوا بسم ~~الله، ثم غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك فقال: أحسنت، ~~ونزلت هذه الآية وقرأ حتى بلغ { لا يؤاخذكم الله باللغوا في أيمانكم } " # رواه عبد الرحمن بن زيد عن أبيه. فأما «الطيبات» فهي اللذيذات التي ~~تشتهيها النفوس مما أبيح. # وفي قوله: «ولا تعتدوا» خمسة أقوال. # أحدها: لا تجبوا أنفسكم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم. # والثاني: لا تأتوا ما نهى الله عنه، قاله الحسن. # والثالث: لا تسيروا بغير سيرة المسلمين من ترك النساء، وإدامة الصيام، ~~والقيام، قاله عكرمة. # والرابع: لا تحرموا الحلال، قاله مقاتل. # والخامس: لا تغصبوا الأموال المحرمة، ذكره الماوردي. ### || [5.89] # قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } سبب نزولها: أنه لما ~~نزل قوله: { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال القوم الذين كانوا ~~حرموا النساء واللحم: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا ~~عليها؟ فنزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ابن عباس. وقد سبق ذكر «اللغو» ~~في سورة (البقرة). # قوله تعالى: { بما عقدتم الأيمان } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحفص عن عاصم: «عقدتم» بغير ألف، مشددة ms0533 القاف. قال أبو عمرو: معناها: ~~وكدتم. وقرأ أبو بكر، والمفضل عن عاصم: «عقدتم» خفيفة بغير ألف، ~~واختارها أبو عبيد. قال ابن جرير: معناها: أوجبتموها على أنفسكم. وقرأ ~~ابن عامر: «عاقدتم» بألف، مثل «عاهدتم» قال القاضي أبو يعلى: وهذه ~~القراءة المشددة لا تحتمل إلا عقد قول. فأما المخففة، فتحتمل عقد القلب، ~~وعقد القول. # وذكر المفسرون في معنى الكلام قولين. # أحدهما: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم عليه قلوبكم في التعمد لليمين، قاله ~~مجاهد. # والثاني: بما عقدتم عليه قلوبكم أنه كذب، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: { فكفارته } قال ابن جرير: الهاء عائدة على «ما» في قوله: ~~بما «عقدتم». # فصل # فأما إطعام المساكين، فروي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ~~والحسن في آخرين: أن لكل مسكين مدبر، وبه قال مالك، والشافعي. # وروي عن عمر، وعلي، وعائشة في آخرين: لكل مسكين نصف صاع من بر، قال ~~عمر، وعائشة: أو صاعا من تمر، وبه قال أبو حنيفة. ومذهب أصحابنا في جميع ~~الكفارات التي فيها إطعام، مثل كفارة اليمين، والظهار، وفدية الأذى، ~~والمفرطة في قضاء رمضان، مدبر، أو نصف صاع تمر أو شعير. ومن شرط ~~صحة الكفارة، تمليك الطعام للفقراء، فإن غداهم وعشاهم، لم يجزئه، وبه ~~قال سعيد بن جبير، والحكم، والشافعي. وقال الثوري، والأوزاعي: يجزئه، وبه ~~قال أبو حنيفة، ومالك. ولا يجوز صرف مدين إلى مسكين واحد، ولا إخراج ~~القيمة في الكفارة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز. قال الزجاج: ~~وإنما وقع لفظ الذكير في المساكين، ولو كانوا إناثا لأجزأ، لأن ~~المغلب في كلام العرب التذكير. وفي قوله: { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ~~قولان. # أحدهما: من أوسطه في القدر، قاله عمر، وعلي، وابن عباس، ومجاهد. # والثاني: من أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، والأسود، وعبيدة، ~~والحسن، وابن سيرين. وروي عن ابن عباس قال: كان أهل المدينة [يقولون:] ~~للحر من القوت أكثر ما للمملوك، وللكبير أكثر ما للصغير، فنزلت { من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم } ليس بأفضله ولا بأخسه. وفي كسوتهم خمسة أقوال. # أحدها: أنها ms0534 ثوب واحد، قاله ابن عباس، ومجاهد، وطاووس، وعطاء، ~~والشافعي. # والثاني: ثوبان، قاله أبو موسى الأشعري، وابن المسيب، والحسن، وابن ~~سيرين، والضحاك. # والثالث: إزار ورداء وقميص، قاله ابن عمر. # والرابع: ثوب جامع كالملحفة، قاله إبراهيم النخعي. # والخامس: كسوة تجزىء فيها الصلاة، قاله مالك. ومذهب أصحابنا: أنه إن ~~كسا الرجل، كساه ثوبا، والمرأة ثوبين، درعا وخمارا، وهو أدنى ما تجزئ ~~فيه الصلاة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو الجوزاء، ويحيى بن يعمر: ~~«أو كسوتهم» بضم الكاف. وقد قرأ سعيد بن جبير، وأبو العالية، وأبو نهيك، ~~ومعاذ القارىء: «أو كاسوتهم» بهمزة مكسورة، مفتوحة الكاف، مكسورة التاء ~~والهاء، وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران الجوزي مثله، إلا إنهما فتحا ~~الهمزة. قال المصنف: ولا أرى هذه القراءة جائزة، لأنها تسقط أصلا من ~~أصول الكفارة. # قوله تعالى: { أو تحرير رقبة } تحريرها: عتقها، والمراد بالرقبة: جملة ~~الشخص. واتفقوا على اشتراط إيمان الرقبة في كفارة القتل لموضع النص. # واختلفوا في إيمان الرقبة المذكورة في هذه الكفارة على قولين. # أحدهما: أنه شرط، وبه قال الشافعي، لأن الله تعالى قيد بذكر الإيمان في ~~كفارة القتل، فوجب حمل المطلق على المقيد. # والثاني: ليس بشرط، وبه قال أبو حنيفة، وعن أحمد رضي الله عنه في إيمان ~~الرقبة المعتقة في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع، ~~والمنذورة، روايتان. # قوله تعالى: { فمن لم يجد } اختلفوا فيما إذا لم يجده، صام، على خمسة ~~أقوال. # أحدها: أنه إذا لم يجد درهمين صام، قاله الحسن. # والثاني: ثلاثة دراهم، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: إذا لم يجد إلا قدر ما يكفر به صام، قاله قتادة. # والرابع: مئتي درهم، قاله أبو حنيفة. # والخامس: إذا لم يكن له إلا قدر قوته وقوت عائلته يومه وليلته، قاله ~~أحمد، والشافعي، وفي تتابع الثلاثة أيام، قولان. # أحدهما: أنه شرط، وكان أبي، وابن مسعود يقرآن: «فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات» وبه قال ابن عباس، ومجاهد، وطاووس، وعطاء، وقتادة، وأبو حنيفة، ~~وهو قول أصحابنا. # والثاني: ليس بشرط، ويجوز التفريق، وبه قال الحسن، ومالك. وللشافعي فيه ~~قولان. # قوله ms0535 تعالى: { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } فيه إضمار تقديره: إذا ~~حلفتم وحنثتم. وفي قوله: { واحفظوا أيمانكم } ثلاثة أقوال. # أحدها: أقلوا منها، ويشهد له قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } ~~وأنشدوا: # قليل الألايا حافظ ليمينه # والثاني: احفظوا أنفسكم من الحنث فيها. # والثالث: راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها. ### || [5.90] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } في سبب نزولها ~~أربعة أقوال. # أحدها: أن سعد بن أبي وقاص أتى نفرا من المهاجرين والأنصار، فأكل ~~عندهم، وشرب الخمر، قبل أن تحرم، فقال: المهاجرون خير من الأنصار، فأخذ ~~رجل لحي جمل فضربه، فجدع أنفه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره، فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه. وقال سعيد بن جبير: ~~صنع رجل من الأنصار صنيعا، فدعا سعد بن أبي وقاص، فلما أخذت فيهم الخمرة ~~افتخروا واستبوا، فقام الأنصاري إلى لحي بعير، فضرب به رأس سعد، فإذا ~~الدم على وجهه، فذهب سعد يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل تحريم ~~الخمر في قوله: { إنما الخمر والمسر } إلى قوله: { تفلحون }. # والثاني: أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، ~~فنزلت التي في (البقرة) فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، ~~فنزلت التي في النساء # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # [النساء: 43] فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو ميسرة عن عمر. # والثالث: أن أناسا من المسلمين شربوها، فقاتل بعضهم بعضا، وتكلموا ~~بما لا يرضاه الله من القول، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والرابع: أن قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثملوا عبث بعضهم ببعض، ~~فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته، فيقول: صنع بي ~~هذا أخي فلان!! والله لو كان بي رؤوفا ما صنع بي هذا، حتى وقعت في ~~قلوبهم الضغائن، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فنزلت هذه الآية، ~~رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد ذكرنا الخمر والميسر ms0536 في (البقرة) ~~وذكرنا في «النصب» في أول هذه السورة قولين، وهما اللذان ذكرهما ~~المفسرون في الأنصاب. وذكرنا هناك «الأزلام» فأما الرجس، فقال الزجاج: هو ~~اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رجس الرجل يرجس، ورجس ~~يرجس: إذا عمل عملا قبيحا، والرجس بفتح الراء: شدة الصوت، فكأن ~~الرجس، العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح، ويقال: رعد رجاس: ~~إذا كان شديد الصوت. # قوله تعالى: { من عمل الشيطان } قال ابن عباس: من تزيين الشيطان. فإن ~~قيل: كيف نسب إليه، وليس من فعله؟ فالجواب: أن نسبته إليه مجاز، ~~وإنما نسب إليه، لأنه هو الداعي إليه، المزين له، ألا ترى أن رجلا ~~لو أغرى رجلا بضرب رجل، لجاز أن يقال له: هذا من عملك. # قوله تعالى: { فاجتنبوه } قال الزجاج: اتركوه. واشتقاقه في اللغة: كونوا ~~جانبا منه. فإن قيل: كيف ذكر في هذه الآية أشياء، ثم قال: فاجتنبوه؟ ~~فالجواب: أن الهاء عائدة على الرجس، والرجس واقع على الخمر، والميسر، ~~والأنصاب، والأزلام، ورجوع الهاء عليه بمنزلة رجوعها على الجمع الذي هو ~~واقع عليه، ومنبىء عنه، ذكره ابن الأنباري. ### || [5.91-92] # قوله تعالى: { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر } أما «الخمر» فوقوع العداوة والبغضاء فيها على نحو ما ~~ذكرنا في سبب نزول الآية من القتال والمماراة. وأما الميسر، فقال قتادة: ~~كان الرجل يقامر على أهله وماله، فيقمر ويبقى حزينا سليبا، فينظر ~~إلى ماله في يد غيره، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. # قوله تعالى: { فهل أنتم منتهون } فيه قولان. # أحدهما: أنه لفظ استفهام، ومعناه: الأمر. تقديره: انتهوا. قال الفراء: ~~ردد علي أعرابي هل أنت ساكت، هل أنت ساكت؟ وهو يريد: اسكت اسكت. # والثاني: أنه استفهام، لا بمعنى: الأمر. ذكر شيخنا علي بن عبيد الله أن ~~جماعة كانوا يشربون الخمر بعد هذه الآية، ويقولون: لم يحرمها، إنما ~~قال: { فهل أنتم منتهون } فقال بعضنا: انتهينا، وقال بعضنا لم ننته، فلما ~~نزلت # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم # [الأعراف: 33] حرمت، لأن «الإثم» اسم ms0537 للخمر. وهذا القول ليس بشيء، ~~والأول أصح. # قوله تعالى: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } فيما أمراكم، واحذروا ~~خلافهما { فإن توليتم } أي: أعرضتم، { فاعلموا أنما على رسولنا } محمد { ~~البلاغ المبين } وهذا وعيد لهم، كأنه قال: فاعلموا أنكم قد استحققتم ~~العذاب لتوليكم. ### || [5.93] # قوله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } ~~سبب نزولها: أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم ~~يشربون الخمر، إذ كانت مباحة، فلما حرمت، قال ناس: كيف بأصحابنا وقد ~~ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت هذه الآية، قاله البراء بن عازب. و«الجناح»: ~~الإثم. وفيما طعموا ثلاثة أقوال. # أحدها: ما شربوا من الخمر قبل تحريمها، قاله ابن عباس، والجمهور. قال ~~ابن قتيبة: يقال: لم أطعم خبزا وأدما ولا ماء ولا نوما. قال ~~الشاعر: # فإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # النقاخ: الماء [البارد] الذي ينقخ الفؤاد ببرده، والبرد: النوم. # والثاني: ما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر. # والثالث: ما طعموا من المباحات. وفي قوله: { إذا ما اتقوا } ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: اتقوا بعد التحريم، قاله ابن عباس. # والثاني: اتقوا المعاصي والشرك. # والثالث: اتقوا مخالفة الله في أمره. وفي قوله: { وآمنوا } قولان. # أحدهما: آمنوا بالله ورسوله. # والثاني: آمنوا بتحريمها. { وعملوا الصالحات } قال مقاتل: أقاموا على ~~الفرائض. # قوله تعالى: { ثم أتقوا } في هذه التقوى المعادة أربعة أقوال. # أحدها: أن المراد خوف الله عز وجل. # والثاني: أنها تقوى الخمر والميسر بعد التحريم. # والثالث: أنها الدوام على التقوى. # والرابع: أن التقوى الأولى مخاطبة لمن شربها قبل التحريم، والثانية لمن ~~شربها بعد التحريم. # قوله تعالى: { وآمنوا } في هذا الإيمان المعاد قولان. # أحدهما: صدقوا بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. # والثاني: آمنوا بما يجيء من الناسخ والمنسوخ. # قوله تعالى: { ثم اتقوا وأحسنوا } في هذه التقوى الثالثة أربعة أقوال. # أحدها: اجتنبوا العود إلى الخمر بعد تحريمها، قاله ابن عباس. # والثاني: اتقوا ظلم العباد. # والثالث: توقوا الشبهات. # والرابع: اتقوا جميع المحرمات. # وفي الإحسان قولان. أحدهما: أحسنوا العمل ms0538 بترك شربها بعد التحريم، قاله ~~ابن عباس. والثاني: أحسنوا العمل بعد تحريمها، قاله مقاتل. ### || [5.94] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد } قال ~~المفسرون: لما كان عام الحديبية، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتنعيم، كانت الوحوش والطير تغشاهم في رحالهم، وهم محرمون، فنزلت هذه ~~الآية، ونهوا عنها ابتلاء. قال الزجاج: اللام في «ليبلونكم» لام القسم، ~~ومعناه: لنختبرن طاعتكم من معصيتكم. # وفي «من» قولان. أحدهما: أنها للتبعيض، ثم فيه قولان. أحدهما: أنه عنى ~~صيد البر دون صيد البحر. والثاني: أنه عنى الصيد ما داموا في الإحرام ~~كأن ذلك بعض الصيد. والثاني: أنها لبيان الجنس، كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]. # قوله تعالى: { تناله أيديكم ورماحكم } قال مجاهد: الذي تناله اليد: ~~الفراخ والبيض، وصغار الصيد، والذي تناله الرماح: كبار الصيد. # قوله تعالى: { ليعلم الله } قال مقاتل: ليرى الله من يخافه بالغيب ولم ~~يره، فلا يتناول الصيد وهو محرم { فمن اعتدى } فأخذ الصيد عمدا بعد ~~النهي للمحرم عن قتل الصيد { فله عذاب أليم } قال ابن عباس: يوسع بطنه ~~وظهره جلدا وتسلب ثيابه. ### || [5.95] # قوله تعالى: { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } بين الله عز وجل بهذه ~~الآية من أي وجه تقع البلوى، وفي أي زمان، وما على من قتله بعد ~~النهي؟. # وفي قوله: «وأنتم حرم» ثلاثة أقوال. # أحدها: وأنتم محرمون بحج أو عمرة، قاله الأكثرون. # والثاني: وأنتم في الحرم، يقال: أحرم: إذا دخل في الحرم، وأنجد: إذا ~~أتى نجدا. # والثالث: الجمع بين القولين. # قوله تعالى: { ومن قتله منكم متعمدا } فيه قولان. # أحدهما: أن يتعمد قتله ذاكرا لإحرامه، قاله ابن عباس، وعطاء. # والثاني: أن يتعمد قتله ناسيا لإحرامه، قاله مجاهد. فأما قتله خطأ، ~~ففيه قولان. # أحدهما: أنه كالعمد، قاله عمر، وعثمان، والجمهور. قال الزهري: نزل ~~القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطأ، يعني: ألحقت المخطىء بالمتعمد في ~~وجوب الجزاء وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله المحرم " # وهذا عام في العامد والمخطىء. قال ms0539 القاضي أبو يعلى: أفاد تخصيص العمد ~~بالذكر ما ذكر في أثناء الآية من الوعيد، وإنما يختص ذلك بالعامد. # والثاني: أنه لا شيء فيه، قاله ابن عباس، وابن جبير، وطاووس، وعطاء، ~~وسالم، والقاسم، وداود. وعن أحمد روايتان: أصحهما الوجوب. # قوله تعالى: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو وابن عامر: { فجزاء مثل } مضافة وبخفض «مثل». وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «فجزاء» منون «مثل» مرفوع. قال أبو علي: من أضاف، فقوله: { ~~من النعم } يكون صفة للجزاء، وإنما قال: مثل ما قتل، وإنما عليه جزاء ~~المقتول لا جزاء مثله، لأنهم يقولون: أنا أكرم مثلك، يريدون: أن ~~أكرمك، فالمعنى: جزاء ما قتل. # ومن رفع «المثل»، فالمعنى: فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول، ~~والتقدير: فعليه جزاء. # قال ابن قتيبة: النعم: الإبل. وقد يكون البقر والغنم، والأغلب عليها ~~الإبل، وقال الزجاج: النعم في اللغة: الإبل والبقر والغنم، فان انفردت ~~الابل، قيل لها: نعم، وإن انفردت البقر والغنم، لم تسم نعما. # فصل # قال القاضي أبو يعلى: والصيد الذي يجب الجزاء بقتله: ما كان مأكول ~~اللحم، كالغزال، وحمار الوحش، والنعامة، ونحو ذلك، أو كان متولدا من ~~حيوان يؤكل لحمه، كالسمع، فإنه متولد من الضبع، والذئب، وما عدا ذلك من ~~السباع كلها، فلا جزاء على قاتلها، سواء ابتدأ قتلها، أو عدت عليه، ~~فقتلها دفعا عن نفسه، لأن السبع لا مثل له صورة ولا قيمة، فلم يدخل تحت ~~الآية، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للمحرم قتل الحية، والعقرب، ~~والفويسقة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور، والسبع العادي. قال: ~~والواجب بقتل الصيد فيما له مثل من الأنعام مثله، وفيما لا مثل له ~~قيمته، وهو قول مالك، والشافعي. # وقال أبو حنيفة: الواجب فيه القيمة، وحمل المثل على القيمة، وظاهر ~~الآية يرد ما قال، ولأن الصحابة حملوا الآية على المثل من طريق الصورة، ~~فقال ابن عباس: المثل: النظير، ففي الظبية شاة، وفي النعامة بعير. # قوله تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم } يعني بالجزاء، وإنما ذكر اثنين، ~~لأن الصيد يختلف ms0540 في نفسه، فافتقر الحكم بالمثل إلى عدلين. # قوله تعالى: { منكم } يعني: من أهل ملتكم. # قوله تعالى: { هديا بالغ الكعبة } قال الزجاج: هو منصوب على الحال، ~~والمعنى: يحكمان به مقدرا أن يهدى. ولفظ قوله «بالغ الكعبة» لفظ معرفة، ~~ومعناه: النكرة. والمعنى: بالغا الكعبة، إلا أن التنوين حذف ~~استخفافا. قال ابن عباس: إذا أتى مكة ذبحه، وتصدق به. # قوله تعالى: { أو كفارة } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: { أو كفارة } منونا { طعام } رفعا. وقرأ نافع، وابن عامر: ~~{ أو كفارة } رفعا غير منون { طعام المساكين } على الاضافة. قال أبو ~~علي: من رفع ولم يضف، جعله عطفا على الكفارة عطف بيان، لأن الطعام هو ~~الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام، لأن الكفارة لقتل الصيد، لا ~~للطعام، ومن أضاف الكفارة إلى الطعام، فلأنه لما خير المكفر بين ~~الهدي، والطعام، والصيام، جازت الإضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام، ~~لا كفارة هدي، ولا صيام. والمعنى: أو عليه بدل الجزاء والكفارة، وهي ~~طعام مساكين. وهل يعتبر في إخراج الطعام قيمة النظير، أو قيمة الصيد؟ ~~فيه قولان. # أحدهما: قيمة النظير، وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد. # والثاني: قيمة الصيد، وبه قال قتادة، وأبو حنيفة، ومالك. # وفي قدر الإطعام لكل مسكين قولان. # أحدهما: مدان من بر، وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة. # والثاني: مد بر، وبه قال الشافعي، وعن أحمد روايتان، كالقولين. # قوله تعالى: { أو عدل ذلك صياما } قرأ أبو رزين، والضحاك، وقتادة، ~~والجحدري، وطلحة: { أو عدل ذلك } ، بكسر العين. وقد شرحنا هذا المعنى في ~~(البقرة) قال أصحابنا: يصوم عن كل مد بر، أو نصف صاع تمر، أو شعير ~~يوما. وقال أبو حنيفة: يصوم يوما عن نصف صاع في الجميع. وقال مالك، ~~والشافعي: يصوم يوما عن كل مد من الجميع. # فصل # وهل هذا الجزاء على الترتيب، أم على التخيير؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه على التخيير بين إخراج النظير وبين الصيام وبين الإطعام. # والثاني: أنه على الترتيب، إن لم يجد الهدي، اشترى طعاما، فإن كان ~~معسرا صام، قاله ابن سيرين. ms0541 والقولان مرويان عن ابن عباس، وبالأول قال ~~جمهور الفقهاء. # قوله تعالى: { ليذوق وبال أمره } أي: جزاء ذنبه. قال الزجاج: «الوبال»: ~~ثقل الشيء في المكروه، ومنه قولهم: طعام وبيل، وماء وبيل: إذا كانا ~~ثقيلين. قال الله عز وجل: # فأخذناه أخذا وبيلا # [المزمل: 16] أي: ثقيلا شديدا. # قوله تعالى: { عفا الله عما سلف } فيه قولان. # أحدهما: ما سلف في الجاهلية، من قتلهم الصيد، وهم محرمون، قاله عطاء. # والثاني: ما سلف من قتل الصيد في أول مرة، حكاه ابن جرير، والأول أصح. ~~فعلى القول الأول يكون معنى قوله: { ومن عاد } في الإسلام، وعلى الثاني: ~~{ ومن عاد } ثانية بعد أولى. قال أبو عبيدة: «عاد» في موضع يعود، وأنشد: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا # وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # قوله تعالى: { فينتقم الله منه } «الانتقام»: المبالغة في العقوبة، وهذا ~~الوعيد بالانتقام لا يمنع إيجاب جزاء ثان إذا عاد، وهذا قول الجمهور، ~~وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد. وقد روي عن ابن عباس، والنخعي، وداود: ~~أنه لا جزاء عليه في الثاني، إنما وعد بالانتقام. ### || [5.96] # قوله تعالى: { أحل لكم صيد البحر } قال أحمد: يؤكل كل ما في البحر ~~إلا الضفدع والتمساح، لأن التمساح يأكل الناس يعني: أنه يفرس. ~~وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يباح منه إلا السمك. وقال ابن أبي ليلى، ~~ومالك: يباح كل ما فيه من ضفدع وغيره. فأما طعامه، ففيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: ما نبذه البحر ميتا، قاله أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وأبو أيوب، ~~وقتادة. # والثاني: أنه مليحه، قاله سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والسدي، وعن ~~ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة كالقولين. واختلفت الرواية عن النخعي، فروي عنه ~~كالقولين، وروي عنه أنه جمع بينهما، فقال: طعامه المليح وما لفظه. # والثالث: أنه ما نبت بمائة من زروع البر، وإنما قيل لهذا: طعام البحر، ~~لأنه ينبت بمائه، حكاه الزجاج. وفي المتاع قولان. # أحدهما: أنه المنفعة، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. # والثاني: أنه الحل، قاله النخعي. قال مقاتل: متاعا لكم، يعني: ~~المقيمين، وللسيارة، يعني: المسافرين. # قوله تعالى: ms0542 { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } أما الاصطياد، ~~فمحرم على المحرم، فإن صيد لأجله، حرم عليه أكله خلافا لأبي حنيفة، ~~فإن أكل فعليه الضمان خلافا لأحد قولي الشافعي. فإن ذبح المحرم صيدا، ~~فهو ميتة خلافا لأحد قولي الشافعي أيضا. فإن ذبح الحلال صيدا في ~~الحرم، فهو ميتة أيضا، خلافا لأكثر الحنفية. ### || [5.97-98] # قوله تعالى: { جعل الله الكعبة } جعل بمعنى: صير. وفي تسمية الكعبة ~~كعبة قولان. # أحدهما: لأنها مربعة، قاله عكرمة، ومجاهد. # والثاني: لعلوها ونتوئها، يقال: كعبت المرأة كعابة، وهي كاعب: إذا نتأ ~~ثديها. ومعنى تسمية البيت بأنه حرام: أنه حرم أن يصاد عنده، وأن يختلى ~~ما عنده من الخلا، وأن يعضد شجره، وعظمت حرمته. والمراد بتحريم البيت ~~سائر الحرم، كما قال: { هديا بالغ الكعبة } وأراد: الحرم. والقيام: ~~بمعنى القوام. وقرأ ابن عامر: قيما بغير ألف. قال أبو علي: وجهه على أحد ~~أمرين، إما أن يكون جعله مصدرا، كالشبع، أو حذف الألف وهو يريدها، كما ~~يقصر الممدود. وفي معنى الكلام ستة أقوال. # أحدها: قياما للدين، ومعالم للحج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: قياما لأمر من توجه إليها، رواه العوفي عن ابن عباس. قال ~~قتادة: كان الرجل لو جر كل جريرة، ثم لجأ إليها، لم يتناول، [ولم ~~يقرب. وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام، لم يعرض له ولم ~~يقربه، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر، فأحمته ومنعته من ~~الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الاذخر أو من لحاء السمر فمنعته ~~من الناس حتى يأتي أهله. حواجز ألقاها الله بين الناس في الجاهلية]. # والثالث: قياما لبقاء الدين، فلا يزال في الأرض دين ما حجت ~~واستقبلت، قاله الحسن. # والرابع: قوام دنيا وقوام دين، قاله أبو عبيدة. # والخامس: قياما للناس، أي: مما أمروا أن يقوموا بالفرض فيه، ذكره ~~الزجاج. # والسادس: قياما لمعايشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، ذكره ~~بعض المفسرين. # فأما الشهر الحرام، فالمراد به الأشهر الحرم، كانوا يأمن بعضهم بعضا ~~فيها، ms0543 فكان ذلك قواما لهم، وكذلك إذا أهدى الرجل هديا أو قلد بعيره ~~أمن كيف تصرف، فجعل الله تعالى هذه الأشياء عصمة للناس بما جعل في ~~صدورهم من تعظيمها. # قوله تعالى: { ذلك لتعلموا } ذكر ابن الأنباري في المشار إليه بذلك ~~أربعة أقوال. # أحدها: أن الله تعالى أخبر في هذه السورة بغيوب كثيرة من أخبار الأنبياء ~~وغيرهم، وأطلع على أشياء من أحوال اليهود والمنافقين، فقال: ذلك لتعلموا، ~~أي: ذلك الغيب الذي أنبأتكم به عن الله يدلكم على أنه يعلم ما في السموات ~~وما في الأرض، ولا تخفى عليه خافية. # والثاني: أن العرب كانت تسفك الدماء بغير حلها، وتأخذ الأموال بغير ~~حقها، ويقتل أحدهم غير القاتل، فاذا دخلوا البلد الحرام، أو دخل الشهر ~~الحرام، كفوا عن القتل. والمعنى: جعل الله الكعبة أمنا، والشهر ~~الحرام أمنا، إذ لو لم يجعل للجاهلية وقتا يزول فيه الخوف لهلكوا، ~~فذلك يدل على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض. # والثالث: أن الله تعالى صرف قلوب الخلق إلى مكة في الشهور المعلومة، ~~فاذا وصلوا إليها عاش أهلها معهم، ولولا ذلك ماتوا جوعا، لعلمه بما في ~~ذلك من صلاحهم، وليستدلوا بذلك على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض. # والرابع: أن الله تعالى جعل مكة أمنا، وكذلك الشهر الحرام، فإذا دخل ~~الظبي الوحشي الحرم، أنس بالناس، ولم ينفر من الكلب، ولم يطلبه الكلب، ~~فإذا خرجا عن حدود الحرم، طلبه الكلب، وذعر هو منه، والطائر يأنس ~~بالناس في الحرم، ولا يزال يطير حتى يقرب من البيت، فإذا قرب منه عدل ~~عنه، ولم يطر فوقه إجلالا له، فإذا لحقه وجع طرح نفسه على سقف البيت ~~استشفاء به، فهذه الأعاجيب في ذلك المكان، وفي ذلك الشهر قد دللن على أن ~~الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض. ### || [5.99] # قوله تعالى: { ما على الرسول إلا البلاغ } في هذه الآية تهديد شديد. ~~وزعم مقاتل أنها نزلت والتي بعدها، في أمر شريح بن ضبيعة وأصحابه، وهم ~~حجاج اليمامة حين هم المسلمون ms0544 بالغارة عليهم، وقد سبق ذكر ذلك في أول ~~السورة. وهل هذه الآية محكمة، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: أنها محكمة، وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ، وليس ~~عليه الهدى. # والثاني: أنها كانت قبل الأمر بالقتال، ثم نسخت بآية السيف. ### || [5.100] # قوله تعالى: { لا يستوي الخبيث والطيب } روى جابر بن عبد الله # " أن رجلا قال: يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي، فهل ينفعني ذلك ~~المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «إن ~~الله لا يقبل إلا الطيب» " # فنزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الخبيث ~~والطيب أربعة أقوال. # أحدها: الحلال والحرام، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: المؤمن والكافر، قاله السدي. # والثالث: المطيع والعاصي. # والرابع: الرديء والجيد، ذكرهما الماوردي. ومعنى الإعجاب هاهنا: ~~السرور بما يتعجب منه. ### || [5.101] # قوله تعالى: { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } في سبب نزولها ~~ستة أقوال. # أحدها: أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، ~~فقام مغضبا خطيبا، فقال: # " سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم " # فقام رجل من قريش، يقال له: عبد الله بن حذافة كان إذا لاحى يدعى ~~إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال أبوك حذافة، فقام آخر، ~~فقال: أين أبي؟ قال. في النار، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، ~~وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا حديثو عهد ~~بجاهلية. والله أعلم من أباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن أبي هريرة، وقتادة عن أنس. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فقال: # " إن الله كتب عليكم الحج فقام عكاشة بن محصن، فقال: أفي كل عام يا ~~رسول الله؟ فقال: أما إني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، ~~اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فنزلت هذه ms0545 الآية " # رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة. وقيل: إن السائل عن ذلك الأقرع بن ~~حابس. # والثالث: أن قوما كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، ~~فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو الجورية عن ابن عباس. # والرابع: أن قوما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن البحيرة، ~~والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رواه مجاهد عن ابن عباس، ~~وبه قال ابن جبير. # والخامس: أن قوما كانوا يسألون الآيات والمعجزات، فنزلت هذه الآية، روي ~~هذا المعنى عن عكرمة. # والسادس: أنها نزلت في تمنيهم الفرائض، وقولهم: وددنا أن الله تعالى ~~أذن لنا في قتال المشركين، وسؤالهم عن أحب الأعمال إلى الله، ذكره ~~أبو سليمان الدمشقي. قال الزجاج: «أشياء» في موضع خفض إلا أنها فتحت، ~~لأنها لا تنصرف. و«تبد لكم»: تظهر لكم. فأعلم الله تعالى أن السؤال عن ~~مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، لأنه يسوء الجواب عنه. وقال ابن عباس: ~~إن تبد لكم، أي: إن نزل القرآن فيها بغليظ، ساءكم ذلك. # قوله تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن } أي: حين ينزل القرآن ~~فيها بفرض أو إيجاب، أو نهي أو حكم، وليس في ظاهر ما نزل دليل على شرح ~~ما بكم إليه حاجة، فإذا سألتم حينئذ عنها تبد لكم. وفي قوله: { عفا الله ~~عنها } قولان. # أحدهما: أنه إشارة إلى الأشياء. # والثاني: إلى المسألة. فعلى القول الأول في الآية تقديم وتأخير. ~~والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، عفا الله عنها. ويكون ~~معنى: عفا الله عنها: أمسك عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكما. وعلى القول ~~الثاني، الآية على نظمها، ومعنى: عفا الله عنها: لم يؤاخذ بها. ### || [5.102] # قوله تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم } في هؤلاء القوم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم الذين سألوا عيسى نزول المائدة، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أنهم قوم صالح حين سألوا الناقة، هذا على قول السدي. وهذان ~~القولان يخرجان على أنهما سألوا الآيات. # والثالث: ms0546 أن القوم هم الذين سألوا في شأن البقرة وذبحها، فلو ذبحوا ~~بقرة لأجزأت، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن زيد. وهذا يخرج ~~على سؤال من سأل عن الحج، إذ لو أراد الله أن يشدد عليهم بالزيادة في ~~الفرض لشدد. # والرابع: أنهم الذين قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل ~~الله، وهذا عن ابن زيد أيضا، وهو يخرج على من قال: إنما سألوا عن ~~الجهاد والفرائض تمنيا لذلك. قال مقاتل: كان بنو إسرائيل يسألون ~~أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم ولم يصدقوهم، فأصبحوا ~~بتلك الأشياء كافرين. ### || [5.103] # قوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة } أي: ما أوجب ذلك، ولا أمر به. # وفي «البحيرة» أربعة أقوال. # أحدها: أنها الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ~~ذكرا نحروه، فأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى شقوا أذنها، وكانت ~~حراما على النساء لا ينتفعن بها، ولا يذقن من لبنها، ومنافعها للرجال ~~خاصة، فإذا ماتت، إشترك فيها الرجال والنساء، قاله ابن عباس، واختاره ابن ~~قتيبة. # والثاني: أنها الناقة تلد خمس إناث ليس فيهن ذكر، فيعمدون إلى ~~الخامسة، فيبتكون أذنها، قاله عطاء. # والثالث: أنها ابنة السائبة، قاله ابن إسحاق، والفراء. قال ابن ~~إسحاق: كانت الناقة إذا تابعت بين عشر إناث، ليس فيهن ذكر، سيبت، ~~فإذا نتجت بعد ذلك أنثى، شقت أذنها، وسميت بحيرة، وخليت مع ~~أمها. # والرابع: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا ~~بحروا أذنها، أي: شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ~~ولا تمنع عن مرعى، وإذا لقيها لم يركبها، قاله الزجاج. فأما «السائبة»، ~~فهي فاعلة بمعنى: مفعولة، وهي المسيبة، كقوله: { في عيشة راضية }: أي ~~مرضية. وفي السائبة خمسة أقوال. # أحدها: أنها التي تسيب من الأنعام للآلهة، لا يركبون لها ظهرا، ولا ~~يحلبون لها لبنا، ولا يجزون منها وبرا، ولا يحملون عليها شيئا، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أن الرجل كان يسيب من ماله ما شاء، فيأتي به خزنة ms0547 الآلهة، ~~فيطعمون ابن السبيل من ألبانه ولحومه إلا النساء، فلا يطعمونهن شيئا ~~منه إلا أن يموت، فيشترك فيه الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. وقال الشعبي: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم، ويتركونها عند ~~الآلهة، فلا يشرب منها إلا رجل، فان مات منها شيء أكله الرجال ~~والنساء. # والثالث: أنها الناقة إذا ولدت عشرة أبطن، كلهن إناث، سيبت، فلم ~~تركب، ولم يجز لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ضيف أو ولدها حتى تموت، ~~فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء، ذكره الفراء. # والرابع: أنها البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله تعالى ~~من مرض، أو بلغه منزله أن يفعل ذلك، قاله ابن قتيبة. قال الزجاج: كان ~~الرجل إذا نذر لشيء من هذا، قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ~~ينتفع بها ولا تمنع من ماء ومرعى. # والخامس: أنه البعير يحج عليه الحجة، فيسيب، ولا يستعمل شكرا لنجحها، ~~حكاه الماوردي عن الشافعي. وفي «الوصيلة» خمسة أقوال. # أحدها: أنها الشاة كانت إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع، فإن ~~كان أنثى، لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت، فيأكلها الرجال ~~والنساء، وإن كان ذكرا، ذبحوه، فأكلوه جميعا، وإن كان ذكرا وأنثى، ~~قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون ~~النساء، فإذا ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # وذهب إلى نحوه ابن قتيبة، فقال: إن كان السابع ذكرا، ذبح فأكل منه ~~الرجال والنساء، وإن كان أنثى، تركت في النعم، وإن كان ذكرا وأنثى، ~~قالوا: وصلت أخاها، فلم تذبح، لمكانها، وكانت لحومها حراما على النساء، ~~ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منها شيء فيأكله الرجال ~~والنساء. # والثاني: أنها الناقة البكر تبتكر في أول نتاج الإبل بالأنثى، ثم ~~تثني بالأنثى، فكانوا يستبقونها لطواغيتهم، ويدعونها الوصيلة، أي: ~~وصلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر، رواه الزهري عن ابن المسيب. # والثالث: أنها الشاة تنتج عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، فيدعونها ~~الوصيلة، وما ولدت بعد ذلك ms0548 فللذكور دون الإناث، قاله ابن إسحاق. # والرابع: أنها الشاة تنتج سبعة أبطن، عناقين عناقين، فإذا ولدت في ~~سابعها عناقا وجديا، قيل: وصلت أخاها، فجرت مجرى السائبة، قاله ~~الفراء. # والخامس: أن الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا ~~جعلوه لآلهتهم فإن ولدت ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا ~~الذكر لآلهتهم، قاله الزجاج. # وفي «الحام» ستة أقوال. # أحدها: أنه الفحل، ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقولون: قد حمى ظهره، ~~فيسيبونه لأصنامهم، ولا يحمل عليه، قاله ابن مسعود، وابن عباس، واختاره ~~أبو عبيدة، والزجاج. # والثاني: أنه الفحل يولد لولده، فيقولون: قد حمى هذا ظهره، فلا يحملون ~~عليه، ولا يجزون وبره، ولا يمنعونه ماء، ولا مرعى، رواه ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس، واختاره الفراء، وابن قتيبة. # والثالث: أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إناث من بناته، وبنات بناته، ~~قاله عطاء. # والرابع: أنه الذي ينتج له سبع إناث متواليات، قاله ابن زيد. # والخامس: أنه الذي لصلبه عشرة كلها تضرب في الإبل، قاله أبو روق. # والسادس: أنه الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين، فيخلى، ويقال: قد ~~حمى ظهره، ذكره الماوردي عن الشافعي. قال الزجاج: والذي ذكرناه في ~~البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام أثبت ما روينا عن أهل اللغة. وقد ~~أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئا، وأن ~~الذين كفروا افتروا على الله عز وجل. قال مقاتل: وافتراؤهم: قولهم: إن ~~الله حرمه، وأمرنا به. وفي قوله: { وأكثرهم لا يعقلون } قولان. # أحدهما: وأكثرهم، يعني: الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب على الله من ~~الرؤساء الذين حرموا، قاله الشعبي. # والثاني: لا يعقلون أن هذا التحريم من الشيطان، قاله قتادة. ### || [5.104] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } يعني: إذا قيل لهؤلاء المشركين الذين ~~حرموا على أنفسهم هذه الأنعام: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من ~~تحليل ما حرمتهم على أنفسكم، قالوا: { حسبنا } أي: يكفينا { ما وجدنا ~~عليه آباءنا } من الدين والمنهاج { أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا } من ms0549 ~~الدين { ولا يهتدون } له، أيتبعونهم في خطئهم. ### || [5.105] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هجر، وعليهم المنذر بن ساوي ~~يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فليؤدوا الجزية، فلما أتاه الكتاب، ~~عرضه على من عنده من العرب واليهود والنصارى والمجوس، فأقروا بالجزية، ~~وكرهوا الإسلام، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما العرب ~~فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل ~~منهم الجزية» فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت ~~العرب، وأعطى أهل الكتاب والمجوس الجزية، فقال منافقوا مكة: عجبا لمحمد ~~يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، وقد قبل من مجوس هجر، ~~وأهل الكتاب الجزية، فهلا أكرههم على الإسلام، وقد ردها على إخواننا ~~من العرب، فشق ذلك على المسلمين، فنزلت هذه الآية " # ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلما أسلمت العرب طوعا وكرها، ~~قبلها من مجوس هجر، فطعن المنافقون في ذلك، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أن الرجل كان إذا أسلم، قالوا له سفهت آباءك وضللتهم، وكان ~~ينبغي لك أن تنصرهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد. قال الزجاج: ومعنى ~~الآية: إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم، ولا يؤاخذكم بذنوب غيركم، وهذه ~~الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف، لأن المؤمن إذا تركه وهو مستطيع له، ~~فهو ضال وليس بمهتد. وقال عثمان بن عفان: لم يأت تأويلها بعد. وقال ~~ابن مسعود: تأويلها في آخر الزمان: قولوا ما قبل منكم، فإذا غلبتم، ~~فعليكم أنفسكم. # وفي وقوله: { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قولان. # أحدهما: لا يضركم من ضل بترك الأمر بالمعروف إذا اهتديتم أنتم للأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، قاله حذيفة بن اليمان، وابن المسيب. # والثاني: لا يضركم من ضل من أهل الكتاب إذا أدوا الجزية، قاله ~~مجاهد. # وفي قوله: { فينبئكم بما كنتم ms0550 تعملون } تنبيه على الجزاء. # فصل # فعلى ما ذكرنا عن الزجاج في معنى الآية، هي محكمة، وقد ذهب قوم من ~~المفسرين إلى أنها منسوخة، ولهم في ناسخها قولان. # أحدهما: أنه آية السيف. # والثاني: أن آخرها نسخ أولها. روي عن أبي عبيد أنه قال: ليس في القرآن ~~آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه، وموضع المنسوخ منها إلى قوله: { لا ~~يضركم من ضل } والناسخ: قوله: إذا اهتديتم. والهدى هاهنا: الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر. ### || [5.106] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } روى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. قال: كان تميم الداري، وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة، ~~فصحبهما رجل من قريش من بني سهم، فمات بأرض ليس فيها أحد من المسلمين، ~~فأوصى إليهما بتركته، فلما قدما، دفعاها إلى أهله، وكتما جاما كان معه ~~من فضة، وكان مخوصا بالذهب، فقالا: لم نره، فأتي بهما إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فاستحلفهما بالله: ما كتما، وخلى سبيلهما. ثم إن الجام ~~وجد عند قوم من أهل مكة، فقالوا: ابتعناه من تميم الداري، وعدي بن ~~بداء، فقام أولياء السهمي، فأخذوا الجام، وحلف رجلان منهم بالله: إن هذا ~~الجام جام صاحبنا، وشهادتنا أحق من شهادتهما، وما اعتدينا، فنزلت هذه ~~الآية، والتى بعدها. قال مقاتل: واسم الميت: بزيل بن أبي مارية مولى ~~العاص بن وائل السهمي، وكان تميم، وعدي نصرانيين، فأسلم تميم، ومات عدي ~~نصرانيا. فأما التفسير، فقال الفراء: معنى الآية: ليشهدكم اثنان إذا ~~حضر أحدكم الموت. قال الزجاج: المعنى: شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فحذف ~~«شهادة»، ويقوم «اثنان» مقامهما. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ليشهدكم ~~في سفركم إذا حضركم الموت، وأردتم الوصية اثنان. وفي هذه الشهادة ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنها الشهادة على الوصية التي ثبتت عند الحكام، وهو قول ابن ~~مسعود، وأبي موسى، وشريح، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري، والجمهور. # والثاني: أنها أيمان الوصي بالله تعالى إذا ارتاب الورثة بهما، وهو قول ~~مجاهد. # والثالث: أنها شهادة الوصية، أي حضورها، كقوله: # أم كنتم شهداء إذ حضر ms0551 يعقوب الموت # [البقرة: 133] جعل الله الوصي هاهنا اثنين تأكيدا، واستدل أرباب هذا ~~القول بقوله: { فيقسمان بالله } قالوا: والشاهد لا يلزمه يمين. فأما ~~«حضور الموت» فهو حضور أسبابه ومقدماته. وقوله: { حين الوصية } ، أي: وقت ~~الوصية. وفي قوله: «منكم» قولان. # أحدهما: من أهل دينكم وملتكم، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد ابن ~~المسيب، وسعيد بن جبير، وشريح، وابن سيرين، والشعبي، وهو قول أصحابنا. # والثاني: من عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله الحسن، وعكرمة، ~~والزهري، والسدي. # قوله تعالى: { أو آخران من غيركم } تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم. ~~وفي قوله: «من غيركم» قولان. # أحدهما: من غير ملتكم ودينكم، قاله أرباب القول الأول. # والثاني: من غير عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله أرباب القول ~~الثاني، وفي «أو» قولان. # أحدهما: أنها ليست للتخيير، وإنما المعنى: أو آخران من غيركم إن لم ~~تجدوا منكم، وبه قال ابن عباس، وابن جبير، والثاني: أنها للتخيير، ذكره ~~الماوردي. # فصل # فالقائل بأن المراد بالآية شهادة مسلمين من القبيلة، أو من غير القبيلة ~~لا يشك في إحكام هذه الآية. # فأما القائل بأن المراد بقوله: »أو آخران من غيركم« أهل الكتاب إذا ~~شهدوا على الوصية في السفر، فلهم فيها قولان. # أحدهما: أنها محكمة، والعمل على هذا باق، وهو قول ابن عباس، وابن ~~المسيب، وابن جبير. وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والثوري، وأحمد في ~~آخرين. # والثاني: أنها منسوخة بقوله: { وأشهدوا ذوي عدل منكم } وهو قول زيد بن ~~أسلم، وإليه يميل أبوحنيفة، ومالك، والشافعي، قالوا: وأهل الكفر ليسوا ~~بعدول، والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة ~~نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال. # قوله تعالى: { إن أنتم ضربتم في الأرض } هذا الشرط متعلق بالشهادة، ~~والمعنى: ليشهدكم اثنان إن أنتم ضربتم في الأرض، أي: سافرتم. { فأصابتكم ~~مصيبة الموت } فيه محذوف، تقديره: وقد أسندتم الوصية إليهما، ودفعتم ~~إليهما مالكم { تحبسونهما من بعد الصلاة } خطاب للورثة إذا ارتابوا. ~~وقال ابن عباس: هذا من صلة قوله: »أو آخران من غيركم«، أي: من الكفار. ~~فأما ms0552 إذا كانا مسلمين، فلا يمين عليهما. وفي هذه الصلاة قولان. # أحدهما: صلاة العصر، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وبه قال شريح، وابن ~~جبير، وإبراهيم، وقتادة، والشعبي. # والثاني: من بعد صلاتهما في دينهما، حكاه السدي عن ابن عباس، وقال به. # وقال الزجاج: كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع ~~الناس، وقال ابن قتيبة: لأنه وقت يعظمه أهل الأديان. # قوله تعالى: { فيقسمان بالله } أي: فيحلفان { إن ارتبتم } أي: شككتم يا ~~أولياء الميت. ومعنى الآية: إذا قدم الموصى إليهما بتركة المتوفي، ~~فاتهمهما الوارث، استحلفا بعد صلاة العصر: أنهما لم يسرقا، ولم يخونا. ~~فالشرط في قوله: «إن ارتبتم» متعلق بتحبسونهما، كأنه قال إن إرتبتم ~~حبستموهما فاستحلفتموهما، فيحلفان بالله: { لا نشتري به } أي: بأيماننا، ~~وقيل: بتحريف شهادتنا، فالهاء عائدة على المعنى. { ثمنا } أي: عرضا من ~~الدنيا { ولو كان ذا قربى } أي: ولو كان المشهود له ذا قرابة منا، وخص ~~ذا القرابة، لميل القريب إلى قريبه. والمعنى: لا نحابي في شهادتنا ~~أحدا، ولا نميل مع ذي القربى في قول الزور { ولا نكتم شهادة الله } ~~إنما أضيفت إليه، لأمره بإقامتها، ونهيه عن كتمانها. وقرأ سعيد بن ~~جبير: «ولا نكتم شهادة» بالتنوين «الله» بقطع الهمزة وقصرها، وكسر ~~الهاء، ساكنة النون في الوصل. وقرأ سعيد بن المسيب، وعكرمة «شهادة» ~~بالتنوين والوصل منصوبة الهاء. وقرأ أبو عمران الجوني «شهادة» بالتنوين ~~وإسكانها في الوصل «الله» بقطع الهمزة وقصرها مفتوحة الهاء. وقرأ ~~الشعبي، وابن السميفع «شهادة» بالتنوين وإسكانها في الوصل «الله» بقطع ~~الهمزة، ومدها، وكسر الهاء. وقرأ أبوالعالية، وعمرو بن دينار مثله، ~~إلا أنهما نصبا الهاء. واختلف العلماء لأي معنى وجبت اليمين على هذين ~~الشاهدين، على ثلاثة أقوال. # أحدها: لكونهما من غير أهل الإسلام، روي هذا المعنى عن أبي موسى ~~الأشعري. # والثاني: لوصية وقعت بخط الميت وفقد ورثته بعض ما فيها، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: لأن الورثة كانوا يقولون: كان مال ميتنا أكثر، فاستخانوا ~~الشاهدين، قاله الحسن، ومجاهد. ### || [5.107] # قوله تعالى: { فإن عثر على أنهما ms0553 استحقا إثما } قال المفسرون: لما ~~نزلت الآية الأولى، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عديا وتميما، ~~فاستحلفهما عند المنبر: أنهما لم يخونا شيئا مما دفع إليهما، فحلفا، ~~وخلى سبيلهما، ثم ظهر الإناء الذي كتماه، فرفعهما أولياء الميت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت { فإن عثر على أنهما استحقا إثما ~~} ومعنى «عثر»: اطلع أي: إن عثر أهل الميت، أو من يلي أمره، على أن ~~الشاهدين اللذين هما آخران من غيرنا { استحقا إثما } لميلهما عن ~~الاستقامة في شهادتهما { فآخران يقومان مقامهما } أي: مقام هذين الخائنين ~~{ من الذين استحق عليهم الأوليان }. # قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: «استحق» بضم ~~التاء، «الأوليان» على التثنية. وفي قوله { من الذين استحق عليهم } ~~قولان. # أحدهما: أنهما الذميان. # والثاني: الوليان فعلى الأول في معنى { استحق عليهم } أربعة أقوال. # أحدها: استحق عليهم الإيصاء، قال ابن الأنباري: المعنى: من القوم الذين ~~استحق فيهم الإيصاء، استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال الزجاج: المعنى: ~~من الذين استحقت الوصية أو الإيصاء عليهم. # والثاني: أنه الظلم، والمعنى: من الذين استحق عليهم ظلم الأوليان، فحذف ~~الظلم، وأقام الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضا. # والثالث: أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما. # والرابع: أنه الإثم، والمعنى: استحق منهم الإثم، ونابت «على» عن «من» ~~كقوله: # على الناس يستوفون # [المطففين: 2] أي: منهم. وقال الفراء: «على» بمعنى «في» كقوله: # على ملك سليمان # [البقرة: 102] أي: في ملكه، ذكر القولين أبو علي الفارسي. وعلى هذه ~~الأقوال مفعول «استحق» محذوف مقدر. وعلى القول الثاني في معنى { استحق ~~عليهم } قولان. # أحدهما: استحق منهم الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة. # والثاني: جني عليهم الإثم، ذكره الزجاج. # فأما «الأوليان» فقال الأخفش: الأوليان: اثنان، واحدهما: الأولى، ~~والجمع: الأولون. ثم للمفسرين فيهما قولان. # أحدهما: أنهما أولياء الميت، قاله الجمهور. قال الزجاج: «الأوليان» في ~~قول أكثر البصريين يرتفعان على البدل مما في «يقومان» والمعنى: فليقم ~~الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين. وقال أبو علي: لا يخلو الأوليان أن ~~يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو ms0554 يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فآخران ~~يقومان مقامهما، هما الأوليان، أو يكون بدلا من الضمير الذي في ~~«يقومان». والتقدير: فيقوم الأوليان. # والقول الثاني: أن الأوليان: هما الذميان، والمعنى: أنهما الأوليان ~~بالخيانة، فعلى هذا يكون المعنى: يقومان، إلا من الذين استحق عليهم. قال ~~الشاعر: # فليت لنا من ماء زمزم شربة # مبردة باتت على طهيان # أي: بدلا من ماء زمزم. وروى قرة عن ابن كثير، وحفص وعاصم: ~~«استحق» بفتح التاء والحاء «الأوليان» على التثنية، والمعنى: استحق عليهم ~~الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها، فحذف المفعول. # وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: «استحق» برفع التاء، وكسر الحاء، ~~«الأولين» بكسر اللام، وفتح النون على الجمع، والتقدير: من الأولين الذين ~~استحق فيهم الإثم، أي: جني عليهم، لأنهم كانوا أولين في الذكر. ألا ترى ~~أنه قد تقدم { ذوا عدل منكم } على قوله: { أو آخران من غيركم }. وروى ~~الحلبي عن عبد الوارث «الأولين» بفتح الواو وتشديدها، وفتح اللام، ~~وسكون الياء، وكسر النون، وهي تثنية: أول. وقرأ الحسن البصري: «استحق» ~~بفتح التاء والحاء، «الأولون» تثنية «أول» على البدل من قوله: «فآخران» ~~وقال ابن قتيبة: أشبه الأقوال بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرفنا كيف ~~يشهد بالوصية عند حضور الموت، فقال: { ذوا عدل منكم } أي: عدلان من ~~المسلمين [تشهدونهما على الوصية]، وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في ~~سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ~~ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين، فقال: { أو آخران من غيركم ~~} أي: من غير أهل دينكم، [ { إذا ضربتم في الأرض } أي: سافرتم { فأصابتكم ~~مصيبة الموت } وتم الكلام. فالعدلان من المسلمين للحضر والسفر خاصة إن ~~أمكن إشهادهما في السفر] والذميان في السفر خاصة إذا لم يوجد غيرهما ~~[ثم قال] { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن إرتبتم } أراد: ~~تحبسونهما من بعد صلاة العصر إن ارتبتم في شهادتهما، وخشيتم أن يكونا قد ~~خانا، أو بدلا، فإذا حلفا، مضت شهادتهما. فإن عثر [بعد هذه اليمين] أي: ~~ظهر على أنهما ms0555 استحقا إثما، أي: حنثا في اليمين بكذب [في قول] أو خيانة ~~[في وديعة]، فآخران، أي: قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت ~~الذين استحق منهم الأوليان، وهما الوليان، يقال: هذا الأولى بفلان، ثم ~~يحذف من الكلام «بفلان»، فيقال: هذا الأولى، وهذان الأوليان، و«عليهم» ~~بمعنى: «منهم». فيحلفان بالله: لقد ظهرنا على خيانة الذميين، وكذبهما، ~~وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أصح، لكفرهما وإيماننا، فيرجع على ~~الذميين بما اختانا، وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك. وقال غيره: ~~لشهادتنا، أي: ليميننا أحق، وسميت اليمين شهادة، لأنها كالشهادة على ما ~~يحلف عليه أنه كذلك. # قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي ~~وداعة السهميان، فحلفا بالله، ودفع الإناء إليهما وإلى أولياء ~~الميت. ### || [5.108] # قوله تعالى: { ذلك أدنى } أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين، أقرب ~~إلى إتيان أهل الذمة بالشهادة على وجهها، أي: على ما كانت، وأقرب أن ~~يخافوا أن ترد أيمان أولياء الميت بعد أيمانهم، فيحلفون على خيانتهم، ~~فيفتضحوا، ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا ذلك. { واتقوا الله } ~~أن تحلفوا كاذبين، أو تخونوا أمانة، واسمعوا الموعظة. ### || [5.109] # قوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل } قال الزجاج: نصب «يوم» محمول على ~~قوله: «واتقوا الله»: واتقوا يوم جمعة للرسل. ومعنى مسألته للرسل توبيخ ~~الذين أرسلوا إليهم. فأما قول الرسل: { لا علم لنا } ففيه ستة أقوال. # أحدها: أنهم طاشت عقولهم حين زفرت جهنم، فقالوا: { لا علم لنا } ثم ~~ترد إليهم عقولهم، فينطلقون بحجتهم، رواه أبو الضحى عن ابن عباس، ~~وبه قال الحسن، ومجاهد، والسدي. # والثاني: أن المعنى: { لا علم لنا } إلا علم أنت أعلم به منا، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن المراد بقوله: { ماذا أجبتم }: ماذا عملوا بعدكم، وأحدثوا، ~~فيقولون: { لا علم لنا } قاله ابن جريج، وفيه بعد. # والرابع: أن المعنى: { لا علم لنا } مع علمك، لأنك تعلم الغيب، ذكره ~~الزجاج. # والخامس: أن المعنى: { لا علم لنا } كعلمك، إذ كنت تعلم ما أظهر القوم ~~وما أضمروا، ونحن ms0556 نعلم ما أظهروا، ولا نعلم ما أضمروا، فعلمك فيهم أنفذ ~~من علمنا، هذا اختيار بن الأنباري. # والسادس: { لا علم لنا } بجميع أفعالهم إذ كنا نعلم بعضها وقت حياتنا، ~~ولا نعلم ما كان بعد وفاتنا، وإنما يستحق الجزاء بما تقع به الخاتمة، ~~حكاه ابن الأنباري. قال المفسرون: إذا رد الأنبياء العلم إلى الله ~~أبلست الأمم، وعلمت أن ما أتته في الدنيا غير غائب عنه، وأن الكل ~~لا يخرجون عن قبضته. # قوله تعالى: { علام الغيوب } قال الخطابي: العلام: بمنزلة العليم، ~~وبناء «فعال» بناء التكثير، فأما «الغيوب» فجمع غيب، وهو ما غاب عنك. ### || [5.110] # قوله تعالى: { إذ قال الله يا عيسى } قال ابن عباس: معناه: وإذ يقول. # قوله تعالى: { اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك } في تذكيره النعم فائدتان. # إحداهما: إسماع الأمم ما خصه به من الكرامة. # والثانية: توكيد حجته على جاحده. ومن نعمه على مريم أنه اصطفاها ~~وطهرها، وأتاها برزقها من غير سبب. وقال الحسن: المراد بذكر النعمة: ~~الشكر. فأما النعمة، فلفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع. فإن قيل: لم قال ~~هاهنا: { فتنفخ فيها } وفي (آل عمران) «فيه»؟ فالجواب: أنه جائز أن يكون ~~ذكر الطير على معنى الجميع، وأنث على معنى الجماعة، وجاز أن يكون «فيه» ~~للطير، «وفيها» للهيأة، ذكره أبو علي الفارسي. # قوله تعالى: { إن هذا إلا سحر مبين } قرأ ابن كثير، وعاصم هاهنا، وفي ~~{ هود } و { الصف } { إلا سحر مبين } ، وقرأ في { يونس } { لساحر ~~مبين } بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، الأربعة { سحر مبين } ~~بغير ألف، فمن قرأ «سحر» أشار إلى ما جاء به، ومن قرأ «ساحر»، أشار إلى ~~الشخص. ### || [5.111] # وفي الوحي إلى الحواريين قولان. # أحدهما: أنه بمعنى الإلهام، قاله الفراء. وقال السدي: قذف في قلوبهم. # والثاني: أنه بمعنى الأمر، فتقديره: أمرت الحواريين «وإلى» صلة، قاله ~~أبو عبيدة. وفي قوله: { واشهد } قولان. # أحدهما: أنهم يعنون الله تعالى. والثاني: عيسى عليه السلام. # وقوله: { بأننا مسلمون } أي: مخلصون للعبادة والتوحيد. وقد سبق شرح ما ~~أهمل هاهنا فيما تقدم. ### || [5.112] # قوله تعالى: { هل ms0557 يستطيع ربك } قال الزجاج: أي: هل يقدر. وقرأ ~~الكسائي: «هل تستطيع» بالتاء، ونصب الرب. قال الفراء: معناه: هل تقدر أن ~~تسأل ربك. قال ابن الأنباري: ولا يجوز لأحد أن يتوهم أن الحواريين ~~شكوا في قدرة الله، وإنما هذا كما يقول الإنسان لصاحبه: هل تستطيع أن ~~تقوم معي، وهو يعلم أنه مستطيع، ولكنه يريد: هل يسهل عليك. وقال أبو ~~علي: المعنى: هل يفعل ذلك بمسألتك إياه. وزعم بعضهم أنهم قالوا ذلك قبل ~~استحكام إيمانهم ومعرفتهم، فرد عليهم عيسى بقوله: اتقوا الله، أن ~~تنسبوه إلى عجز، والأول أصح. فأما «المائدة» فقال اللغويون: المائدة: كل ~~ما كان عليه من الأخونة طعام، فإذا لم يكن عليه طعام، فليس بمائدة، ~~والكأس: كل إناء فيه شراب، فإذا لم يكن فيه شراب، فليس بكأس، ذكره ~~الزجاج. قال الفراء: وسمعت بعض العرب يقول للطبق الذي تهدى عليه الهدية: ~~هو المهدى، مقصور، ما دامت عليه الهدية، فإذا كان فارغا رجع إلى ~~اسمه إن كان طبقا أو خوانا أو غير ذلك. وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن ~~لفظها فاعلة، وهي في المعنى مفعولة، مثل # عيشة راضية # [الحاقة:21 ]. قال أبو عبيدة: وهي من العطاء، والممتاد: المفتعل المطلوب ~~منه العطاء، قال الشاعر: # إلى أمير المؤمنين الممتاد # وماد زيد عمرا: إذا أعطاه. قال الزجاج: والأصل عندي في «مائدة» ~~أنها فاعلة من: ماد يميد: إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها. وقال ابن ~~قتيبة: المائدة: الطعام، من: مادني يميدني، كأنها تميد الآكلين، أي: ~~تعطيهم، أو تكون فاعلة بمعنى: مفعول بها، أي: ميد بها الآكلون. # قوله تعالى: { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: اتقوه أن تسألوه البلاء، لأنها إن نزلت وكذبتم، عذبتم، قاله ~~مقاتل. # والثاني: أن تسألوه ما لم تسأله الأمم قبلكم، ذكره أبو عبيد. # والثالث: أن تشكوا في قدرته. ### || [5.113] # قوله تعالى: { قالوا نريد أن نأكل منها } هذا اعتذار منهم بينوا به سبب ~~سؤالهم حين نهوا عنه. وفي إرادتهم للأكل منها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أرادوا ذلك للحاجة، وشدة الجوع، قاله ابن ms0558 عباس. # والثاني: ليزدادوا إيمانا، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: للتبرك بها، ذكره الماوردي. وفي قوله: { وتطمئن قلوبنا } ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبيا. # والثاني: إلى أن الله تعالى قد إختارنا أعوانا لك. # والثالث: إلى أن الله تعالى قد أجابك. وقال ابن عباس: قال لهم عيسى: هل ~~لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم لا تسألونه شيئا إلا أعطاكم؟ ~~فصاموا، ثم سألوا المائدة. فمعنى: { ونعلم أن قد صدقتنا } في أنا إذا ~~صمنا ثلاثين يوما لم نسأل الله شيئا إلا أعطانا. وفي هذا العلم قولان. # أحدهما: أنه علم يحدث لهما لم يكن، وهو قول من قال: كان سؤالهم قبل ~~استحكام معرفتهم. # والثاني: أنه زيادة علم إلى علم، ويقين إلى يقين، وهو قول من قال: ~~كان سؤالهم بعد معرفتهم. وقرأ الأعمش: «وتعلم» بالتاء، والمعنى: وتعلم ~~القلوب أن قد صدقتنا. وفي قوله: { من الشاهدين } أربعة أقوال. # أحدها: من الشاهدين لله بالقدرة، ولك بالنبوة. # والثاني: عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم، وذلك أنهم كانوا مع عيسى ~~في البرية عند هذا السؤال. # والثالث: من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدنا من الآيات الدالة ~~على أنك نبي. # والرابع: من الشاهدين لك عند الله بأداء ما بعثت به. ### || [5.114] # قوله تعالى: { تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } وقرأ ابن محيصن، وابن ~~السميفع، والجحدري: «لأولانا وأخرانا» برفع الهمزة، وتخفيف الواو، ~~والمعنى: يكون اليوم الذي نزلت فيه عيدا لنا، نعظمه نحن ومن بعدنا، ~~قاله قتادة، والسدي. وقال كعب: أنزلت عليهم يوم الأحد، فاتخذوه عيدا. ~~وقال ابن قتيبة: عيدا، أي: مجمعا. قال الخليل بن أحمد: العيد: كل يوم ~~يجمع، كأنهم عادوا إليه. وقال ابن الأنباري: سمي عيدا للعود من ~~الترح إلى الفرح. # قوله تعالى: { وآية منك } أي: علامة منك تدل على توحيدك، وصحة نبوة ~~نبيك. وقرأ ابن السميفع، وابن محيصن، والضحاك «وأنه منك» بفتح الهمزة، ~~وبنون مشددة. وفي قوله: { وارزقنا } قولان. أحدهما: ارزقنا ذلك من ~~عندك. # والثاني: ارزقنا الشكر على ما أنعمت به من إجابتك ms0559 لنا. ### || [5.115] # قوله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } قرأ نافع، وعاصم، وابن ~~عامر «منزلها» بالتشديد، وقرأ الباقون خفيفة. وهذا وعد بإجابة سؤال ~~عيسى. واختلف العلماء: هل نزلت، أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنها نزلت، قاله الجمهور، فروى وهب بن منبه عن أبي عثمان ~~النهدي، عن سلمان الفارسي قال: لما رأى عيسى أنهم قد جدوا في طلبها لبس ~~جبة من شعر، ثم توضأ، واغتسل، وصف قدميه في محرابه حتى استويا، ~~وألصق الكعب بالكعب، وحاذى الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى ~~فوق صدره، وطأطأ رأسه خضوعا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت تسيل ~~دموعه على خده، وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض من دموعه حيال ~~وجهه، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء فبينما عيسى كذلك، هبطت علينا مائدة من السماء، سفرة حمراء ~~بين غمامتين، غمامة من تحتها، وغمامة من فوقها، وعيسى يبكي ويتضرع، ~~ويقول: إلهي اجعلها سلامة، لا تجعلها عذابا، حتى استقرت بين يديه، ~~والحواريون من حوله، فأقبل هو وأصحابه حتى قعدوا حولها، وإذا عليها ~~منديل مغطى، فقال عيسى: أيكم أوثق بنفسه وأقل بلاء عند ربه فليأخذ ~~هذا المنديل، وليكشف لنا عن هذه الآية. قالوا: يا روح الله أنت أولانا ~~بذلك، فاكشف عنها، فاستأنف وضوءا جديدا، وصلى ركعتين، وسأل ربه أن يأذن ~~له بالكشف عنها، ثم قعد إليها، وتناول المنديل، فإذا عليها سمكة مشوية، ~~ليس فيها شوك، وحولها من كل البقل ما خلا الكراث، وعند رأسها الخل، ~~وعند ذنبها الملح، وحولها خمسة أرغفة، على رغيف تمر، وعلى رغيف زيتون، ~~وعلى رغيف خمس رمانات، فقال شمعون رأس الحواريين: يا روح الله أمن طعام ~~الدنيا هذا، أمن طعام الجنة؟ فقال عيسى: سبحان الله أما تنتهون! ما ~~أخوفني عليكم. قال شمعون: لا وإله بني إسرائيل ما أردت بهذا سوءا. قال ~~عيسى: ليس ما ترون عليها من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إنما هو ~~شيء ابتدعه الله، فقال له: «كن» فكان أسرع من طرفة عين، ms0560 فقال الحواريون: ~~يا روح الله إنما نريد أن ترينا في هذه الآية آية، فقال: سبحان الله! ما ~~اكتفيتم بهذه الآية؟! ثم أقبل على السمكة فقال: عودي بإذن الله حية ~~طرية، فعادت تضطرب على المائدة، ثم قال: عودي كما كنت، فعادت مشوية، ~~فقال: يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها، فقال: معاذ الله بل يأكل ~~منها من سألها، فلما رأوا امتناعه، خافوا أن يكون نزولها عقوبة، فلما ~~رأى عيسى ذلك دعا لها الفقراء والزمنى واليتامى، فقال: كلوا من رزق ~~ربكم، ودعوة نبيكم، ليكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على غيركم، فأكل منها ألف ~~وسبعمائة إنسان، يصدرون عنها شباعا وهي كهيئتها حين نزلت، فصح كل ~~مريض، واستغنى كل فقير أكل منها، ثم نزلت بعد ذلك عليهم، فازدحموا عليها، ~~فجعلها عيسى نوبا بينهم، فكانت تنزل عليهم أربعين يوما، تنزل يوما ~~وتغب يوما، وكانت تنزل عند ارتفاع الضحى، فيأكلون منها حتى إذا ~~قالوا، ارتفعت إلى السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض. # وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية، حيث كانوا. وقال غيره: نزلت ~~يوم الأحد مرتين. وقيل: نزلت غدوة وعشية يوم الأحد، فلذلك جعلوه عيدا. ~~وفي الذي كان على المائدة ثمانية أقوال. # أحدها: أنه خبز ولحم، روي عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما ". # والثاني: أنها سمكة مشوية، وخمس أرغفة، وتمر، وزيتون، ورمان. وقد ذكرناه ~~عن سلمان. # والثالث: ثمر من ثمار الجنة، قاله عمار بن ياسر، وقال قتادة: ثمر من ~~ثمار الجنة، وطعام من طعامها. # والرابع: خبز، وسمك، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وأبو ~~عبد الرحمن السلمي. # والخامس: قطعة من ثريد، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والسادس: أنه أنزل عليها كل شيء إلا اللحم، قاله سعيد بن جبير. # والسابع: سمكة فيها طعم كل شيء من الطعام، قاله عطية العوفي. # والثامن: خبز أرز وبقل، قاله ابن السائب. # والقول الثاني: أنها لم تنزل، روى قتادة عن الحسن أن المائدة لم تنزل، ms0561 ~~لأنه لما قال الله تعالى: { فمن يكفر بعد منكم فاني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين } قالوا: لا حاجة لنا فيها. وروى ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد، قال: أنزلت مائدة عليها ألوان من الطعام، فعرضها عليهم، ~~وأخبرهم أنه العذاب إن كفروا، فأبوها فلم تنزل. وروى ليث عن مجاهد قال: ~~هذا مثل ضربه الله تعالى لخلقه، لينهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه، ولم ~~ينزل عليهم شيء، والأول أصح. # قوله تعالى: { فمن يكفر بعد منكم } أي: بعد إنزال المائدة. # وفي العذاب المذكور قولان. # أحدهما: أنه المسخ. والثاني: جنس من العذاب لم يعذب به أحد سواهم. # قال الزجاج: ويجوز أن يعجل لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة. وفي ~~«العالمين» قولان. أحدهما: أنه عام. والثاني: عالمو زمانهم. وقد ذكر ~~المفسرون أن جماعة من أصحاب المائدة مسخوا. وفي سبب مسخهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أمروا أن لا يخونوا، ولا يدخروا، فخانوا وادخروا، فمسخوا ~~قردة وخنازير، رواه عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أن عيسى خص بالمائدة الفقراء، فتكلم الأغنياء بالقبيح من ~~القول، وشككوا الناس فيها، وارتابوا، فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا ~~مضاجعهم، مسخهم الله خنازير، قاله سلمان الفارسي. # والثالث: أن الذين شاهدوا المائدة، ورجعوا إلى قومهم، فأخبروهم، فضحك ~~بهم من لم يشهد، وقالوا: إنما سحر أعينكم، وأخذ بقلوبكم، فمن أراد الله ~~به خيرا، ثبت على بصيرته، ومن أراد به فتنة، رجع إلى كفره. فلعنهم ~~عيسى، فأصبحوا خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا، قاله ابن عباس. ### || [5.116] # قوله تعالى: { وإذ قال الله يا عيسى بن مريم } في زمان هذا القول ~~قولان. # أحدهما: أنه يقول له يوم القيامة، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج. # والثاني: أنه قاله له حين رفعه إليه، قاله السدي، والأول أصح. # وفي إذ ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها زائدة، والمعنى: وقال الله، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أنها على أصلها، والمعنى: وإذ يقوله الله له، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أنها بمعنى: «إذا»، كقوله: # ولو ترى إذ فزعوا # [سبأ: 51] والمعنى: ms0562 إذا. قال أبو النجم: # ثم جزاك الله عني إذ جزى # جنات عدن في السموات العلا # ولفظ الآية لفظ الاستفهام، ومعناها التوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى. ~~قال أبو عبيدة: وإنما قال: «إلهين»، لأنهم إذ أشركوا فعل ذكر مع فعل ~~أنثى [غلب فعل الذكر] ذكروهما. فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم ~~إلها، فكيف قال الله تعالى ذلك فيهم؟ فالجواب: أنهم لما قالوا: لم تلد ~~بشرا، وإنما ولدت إلها، لزمهم أن يقولوا: إنها من حيث البعضية ~~بمثابة من ولدته، فصاروا بمثابة من قاله. # قوله تعالى: { قال سبحانك } أي: براءة لك من السوء { ما يكون لي أن أقول ~~ما ليس لي بحق } أي: لست أستحق العبادة، فأدعو الناس إليها. وروى عطاء ~~بن السائب عن ميسرة قال: لما قال الله تعالى لعيسى: { أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } رعد كل مفصل منه حتى وقع مخافة أن ~~يكون قد قاله، وما قال: إني لم أقل، ولكنه قال: { إن كنت قلته فقد ~~علمته } فإن قيل: ما الحكمة في سؤال الله تعالى له عن ذلك وهو يعلم أنه ~~ما قاله؟ فالجواب: أنه تثبيت للحجة على قومه، وإكذاب لهم في ادعائهم ~~عليه أنه أمرهم بذلك، ولإنه إقرار من عيسى بالعجز في قوله: { ولا أعلم ~~ما في نفسك } وبالعبودية في قوله: { أن اعبدوا الله ربي وربكم }. # قوله تعالى: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } قال الزجاج: تعلم ~~ما أضمره، ولا أعلم ما عندك علمه، والتأويل: تعلم ما أعلم وأنا لا أعلم ~~ما تعلم. ### || [5.117] # قوله تعالى: { أن اعبدوا الله } قال مقاتل: وحدوه. # قوله تعالى: { وكنت عليهم شهيدا } أي: على ما يفعلون ما كنت مقيما ~~فيهم، [وقوله] { فلما توفيتني } فيه قولان. # أحدهما: بالرفع إلى السماء. # والثاني: بالموت عند انتهاء الأجل. و«الرقيب» مشروح في سورة { النساء } ~~، و«الشهيد» في (آل عمران). ### || [5.118] # قوله تعالى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك } قال الحسن، وأبو العالية: إن ~~تعذبهم، فبإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم، فبتوبة كانت منهم. وقال ~~الزجاج: علم ms0563 عيسى أن منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال في ~~جملتهم: { إن تعذبهم } أي: إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك، وأنت ~~العادل فيهم، لأنك قد أوضحت لهم الحق، فكفروا، وإن تغفر لهم، أي: وإن ~~تغفر لمن أقلع منهم، وآمن، فذلك تفضل منك، لأنه قد كان لك أن لا تغفر ~~لهم بعد عظيم فريتهم، وأنت في مغفرتك لهم عزيز، لا يمتنع عليك ما تريد، ~~حكيم في ذلك. وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا ينبغي لأحد أن يعترض ~~عليك، فإن عذبتهم، فلا اعتراض عليك، وإن غفرت لهم - ولست فاعلا إذا ~~ماتوا على الكفر - فلا اعتراض عليك. وقال غيره: العفو لا ينقص عزك، ولا ~~يخرج من حكمك. وقد روى أبو ذر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قيام ليلة بآية يرددها: { إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم }. ### || [5.119-120] # قوله تعالى: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } قرأ الجمهور برفع ~~اليوم، وقرأ نافع بنصبه على الظرف. قال الزجاج: المعنى: قال الله هذا ~~لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، ويجوز أن يكون على معنى: قال الله هذا ~~الذي ذكرناه يقع في يوم ينفع الصادقين صدقهم. والمراد باليوم: يوم ~~القيامة. وإنما خص نفع الصدق به، لأنه يوم الجزاء. وفي هذا الصدق ~~قولان. # أحدهما: أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة. # والثاني: صدقهم في الآخرة ينفعهم هنالك. وفي هذه الآية تصديق لعيسى ~~فيما قال. # قوله تعالى: { رضي الله عنهم } أي: بطاعتهم، { ورضوا عنه } بثوابه. وفي ~~قوله: { لله ملك السموات والأرض } تنبيه على عبودية عيسى، وتحريض على ~~تعليق الآمال بالله وحده. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # فأما التفسير، فقال كعب: فاتحة (الكهف) فاتحة (الأنعام) وخاتمتها خاتمة ~~(هود)؛ وإنما ذكر السموات والأرض، لأنهما من أعظم المخلوقات. # والمراد «بالجعل»: الخلق. وقيل: إن «جعل» ههنا: صلة؛ والمعنى: ~~والظلمات. وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال: أحدها: الكفر ~~والإيمان، قاله الحسن. والثاني: الليل والنهار، قاله السدي. والثالث: ~~جميع الظلمات والأنوار. # قال قتادة: خلق ms0564 الله السموات قبل الأرض، والظلمات قبل النور، والجنة ~~قبل النار. # قوله تعالى: { ثم الذين كفروا } يعني: المشركين بعد هذا البيان { بربهم ~~يعدلون } ، أي: يجعلون له عديلا، فيعبدون الحجارة الموات، مع ~~إقرارهم بأنه الخالق لما وصف. يقال: عدلت هذا بهذا: إذا ساويته به. ~~قال أبو عبيدة: هو مقدم ومؤخر، تقديره: يعدلون بربهم. وقال النضر ~~بن شميل: الباء: بمعنى «عن». ### || [6.2] # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } يعني: آدم، وذلك أنه لما شك ~~المشركون في البعث، وقالوا: من يحيي هذه العظام؟ أعلمهم أنه خلقهم من ~~طين، فهو قادر على إعادة خلقهم. # قوله تعالى: { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } فيه ستة اقوال. # أحدها: أن الأجل الأول: أجل الحياة إلى الموت، والثاني: أجل الموت إلى ~~البعث، روي عن ابن عباس، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، ومقاتل. # والثاني: أن الأجل الأول: النوم الذي تقبض فيه الروح، ثم ترجع في ~~حال اليقظة؛ والأجل المسمى عنده أجل: موت الإنسان. رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثالث: أن الأجل الأول: أجل الآخرة متى يأتي، والأجل الثاني: أجل ~~الدنيا، قاله مجاهد في رواية. # والرابع: أن الأول: خلق الأشياء في ستة أيام، والثاني: ما كان بعد ذلك ~~إلى يوم القيامة، قاله عطاء الخراساني. # والخامس: أن الأول: قضاه حين أخذ الميثاق على خلقه، والثاني: الحياة في ~~الدنيا، قاله ابن زيد، كأنه يشير إلى أجل الذرية حين أحياهم وخاطبهم. # والسادس: أن الأول: أجل من قد مات من قبل، والثاني: أجل من يموت بعد، ~~ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ثم أنتم } أي بعد هذا البيان { تمترون } وفيه قولان. # أحدهما: تشكون، قاله قتادة، والسدي. وفيما شكوا فيه قولان أحدهما: ~~الوحدانية، والثاني: البعث. # والثاني: يختلفون: مأخوذ من المراء، ذكره الماوردي. ### || [6.3] # قوله تعالى: { وهو الله في السماوات وفي الأرض } فيه أربعة اقوال. # أحدها: هو المعبود في السماوات وفي الأرض، قاله ابن الأنباري. # والثاني: وهو المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض، قاله الزجاج. # والثالث: وهو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض، قاله ابن ~~جرير. ms0565 # والرابع: أنه مقدم ومؤخر: والمعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في ~~السماوات والأرض، ذكره بعض المفسرين. ### || [6.4-5] # قوله تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم } نزلت في كفار قريش، وفي ~~الآية قولان: # أحدهما: أنها الآية من القرآن. # والثاني: المعجزة، مثل انشقاق القمر. # والمراد بالحق: القرآن. والأنباء: الأخبار، والمعنى: سيعلمون عاقبة ~~استهزائهم. ### || [6.6] # قوله تعالى: { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } القرن: اسم أهل كل عصر. # وسموا بذلك، لاقترانهم في الوجود، وللمفسرين في المراد بالقرن سبعة ~~أقوال. # أحدها: أنه أربعون سنة، ذكره ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: ثمانون سنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: مائة سنة، قاله عبد الله بن بشر المازني، وأبو سلمة بن عبد ~~الرحمن. # والرابع: مائة وعشرون سنة، قاله زرارة بن أوفى، وإياس بن معاوية. # والخامس: عشرون سنة، حكاه الحسن البصري. # والسادس: سبعون سنة، ذكره الفراء. # والسابع: أن القرن: أهل كل مدة كان فيها نبي، أو طبقة من العلماء، ~~قلت السنون، أو كثرت، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: # " «خيركم قرني» يعني: أصحابي «ثم الذين يلونهم» يعني: التابعين «ثم ~~الذين يلونهم» " # يعني: الذين أخذوا عن التابعين، فالقرن: مقدار التوسط في أعمار أهل ~~الزمان، فهو في كل قوم على مقدار أعمارهم، واشتقاق القرن: من الاقتران. ~~وفي معنى ذلك الاقتران قولان. # أحدهما: أنه سمي قرنا، لأنه المقدار الذي هو أكثر ما يقترن فيه أهل ذلك ~~الزمان في بقائهم، هذا اختيار الزجاج. # والثاني: أنه سمي قرنا، لأنه يقرن زمانا بزمان، وأمة ~~بأمة، قاله ابن الأنباري، وحكى ابن قتيبة عن أبي عبيدة قال: يرون أن ~~أقل ما بين القرنين: ثلاثون سنة. # قوله تعالى: { مكناهم في الأرض } قال ابن عباس: أعطيناهم ما لم نعطكم. ~~يقال: مكنته ومكنت له: إذا أقدرته على الشيء باعطاء ما يصح به ~~الفعل من العدة. وفي هذه الآية رجوع من الخبر إلى الخطاب. # فأما السماء: فالمراد بها المطر. ومعنى «أرسلنا»: أنزلنا. «والمدرار» ~~مفعال، من در، يدر والمعنى: نرسلها كثيرة الدر. # ومفعال: من ms0566 أسماء المبالغة، كقولهم: امرأة مذكار: إذا كانت كثيرة ~~الولادة للذكور، وكذلك مئناث. # فان قيل: السماء مؤنثة، فلم ذكر مدرارا. # فالجواب: أن حكم ما انعدل من النعوت عن منهاج الفعل وبنائه، أن يلزم ~~التذكير في كل حال، سواء كان وصفا لمذكر أو مؤنت؛ كقولهم: امرأة ~~مذكار، ومعطار؛ وامرأة، مذكر، ومؤنث؛ وهي: كفور، وشكور ولو بنيت هذه ~~الأوصاف على الفعل، لقيل: كافرة، وشاكرة، ومذكرة؛ فلما عدل عن بناء ~~الفعل، جرى مجرى ما يستغني بقيام معنى التأنيث فيه عن العلامة؛ كقولهم: ~~النعل لبستها، والفأس كسرتها، وكان إيثارهم التذكير للفرق بين المبني ~~على الفعل، والمعدول عن مثل الأفاعيل، والمراد بالمدرار: المبالغة. في ~~اتصال المطر ودوامه؛ يعني: أنها تدر وقت الحاجة إليها، لا أنها تدوم ~~ليلا ونهارا، فتفسد، ذكره ابن الأنباري. ### || [6.7] # قوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } سبب نزولها: أن مشركي ~~مكة قالوا: يا محمد، والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ~~ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسوله، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن السائب، قال ابن قتيبة: والقرطاس: الصحيفة، يقال للرامي ~~إذا أصاب الصحيفة: قرطس، قال شيخنا أبو منصور اللغوي: القرطاس. قد ~~تكلموا به قديما. ويقال إن أصله غير عربي. والجمهور على كسر قافه، وضمها ~~أبو رزين، وعكرمة، وطلحة، ويحيى بن يعمر. # فأما قوله تعالى: { فلمسوه بأيديهم } فهو توكيد لنزوله، وقيل: إنما ~~علقه باللمس باليد إبعادا له عن السحر، لأن السحر يتخيل في ~~المرئيات، دون الملموسات، ومعنى الآية: إنهم يدفعون الصحيح. ### || [6.8] # قوله تعالى: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } قال مقاتل: نزلت في ~~النضر ابن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد، و«لولا» ~~بمعنى «هلا» { أنزل عليه ملك } نصدقه، { ولو أنزلنا ملكا } فعاينوه ~~ولم يؤمنوا، { لقضي الأمر }؛ وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المعنى لماتوا، ولم يؤخروا طرفة عين لتوبة، قاله ابن عباس. # والثاني: لقامت الساعة، قاله عكرمة، ومجاهد. # والثالث: لعجل لهم العذاب، قاله قتادة. ### || [6.9] # قوله تعالى: { ولو جعلناه } أي: ولو جعلنا ms0567 الرسول إليهم ملكا، ~~لجعلناه في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون رؤية الملك على صورته، { ~~وللبسنا عليهم } أي: لشبهنا عليهم يقال: ألبست الأمر على القوم، ~~ألبسه، أي: شبهته عليهم، وأشكلته، والمعنى لخلطنا عليهم ما يخلطون على ~~أنفسهم، حتى يشكوا فلا يدرون أملك هو أم آدمي؟ فأضللناهم بما به ~~ضلوا، قبل أن يبعث الملك. وقال الزجاج: كانوا يلبسون على ضعفتهم في ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إنما هذا بشر مثلكم، فقال تعالى: ~~لو رأوا الملك رجلا، لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم ~~منه، وقرأ الزهري، ومعاذ القارىء، وأبو رجاء: «وللبسنا» بالتشديد، ~~«عليهم ما يلبسون» مشددة أيضا. ### || [6.10-11] # قوله تعالى: { فحاق بالذين سخروا } أي: أحاط. قال الزجاج: الحيق: في ~~اللغة: ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله، ومنه، # ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله # [فاطر: 43]، أي: لا ترجع عاقبة مكروهه إلا عليهم. قال السدي: وقع بهم ~~العذاب الذي استهزؤا به. ### || [6.12] # قوله تعالى: { قل لمن ما في السماوات والأرض } المعنى: فان أجابوك، وإلا ~~ف { قل: لله، كتب على نفسه الرحمة } قال ابن عباس: قضى لنفسه أنه أرحم ~~الراحمين. قال الزجاج: ومعنى كتب: أوجب ذلك إيجابا مؤكدا، وجائز أن ~~يكون كتب في اللوح المحفوظ؛ وإنما خوطب الخلق بما يعقلون فهم يعقلون، ~~أن توكيد الشيء المؤخر أن يحفظ بالكتاب. وقال غيره: رحمته عامة؛ فمنها ~~تأخير العذاب عن مستحقه، وقبول توبة العاصي. # قوله تعالى: { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } اللام: لام القسم، كأنه قال: ~~والله ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه. وذهب قوم إلى أن «إلى» بمعنى: ~~«في» ثم اختلفوا، فقال قوم: في يوم القيامة، وقال آخرون: في قبوركم إلى ~~يوم القيامة. # قوله تعالى: { الذين خسروا أنفسهم } أي: بالشرك، { فهم لا يؤمنون } لما ~~سبق فيهم من القضاء، وقال ابن قتيبة: قوله: { الذين خسروا أنفسهم } مردود ~~إلى قوله: { كيف كان عاقبة المكذبين } الذين خسروا. ### || [6.13] # قوله تعالى: { وله ما سكن في الليل والنهار } سبب نزولها: أن كفار مكة ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ms0568 قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا ~~إليه الحاجة؛ فنحن نجعل لك نصيبا في أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلا، ~~وترجع عما أنت عليه، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # وفي معنى «سكن» قولان. # أحدهما: أنه من السكنى، قال ابن الأعرابي: «سكن» بمعنى حل. # والثاني: أنه من السكون الذي يضاد الحركة، قال مقاتل: من المخلوقات ما ~~يستقر بالنهار، وينتشر بالليل، ومنها ما يستقر بالليل، وينتشر بالنهار. # فان قيل: لم خص السكون بالذكر دون الحركة؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن السكون أعم وجودا من الحركة. # والثاني: أن كل متحرك قد يسكن، وليس كل ساكن يتحرك. # والثالث: أن في الآية إضمارا، والمعنى: وله ما سكن وتحرك؛ كقوله: # تقيكم الحر # [النحل: 82] أراد: والبرد؛ فاختصر. ### || [6.14] # قوله تعالى: { قل أغير الله أتخذ وليا } ذكر مقاتل أن سبب نزولها، أن ~~كفار قريش قالوا: يا محمد، ألا ترجع إلى دين آبائك؟ فنزلت هذه الآية. ~~وهذا الاستفهام معناه الإنكار؛ أي: لا أتخذ وليا غير الله أتولاه، ~~وأعبده، وأستعينه. # قوله تعالى: { فاطر السماوات والأرض } الجمهور على كسر راء «فاطر». وقرأ ~~ابن أبي عبلة برفعها. قال أبو عبيدة: الفاطر، معناه: الخالق. وقال ابن ~~قتيبة: المبتدىء. ومنه # " كل مولود يولد على الفطرة " # أي: على ابتداء الخلقة، وهو الإقرار بالله حين أخذ العهد عليهم في أصلاب ~~آبائهم. وقال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني ~~أعرابيان يختصمان في بئر؛ فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها. ~~قال الزجاج: إن قيل: كيف يكون الفطر بمعنى: الخلق؟ والانفطار: الانشقاق ~~في قوله تعالى: # إذا السماء انفطرت # [الإنفطار: 1] فالجواب: إنما يرجعان إلى شيء واحد، لأن معنى «فطرهما»: ~~خلقهما خلقا قاطعا. والانفطار، والفطور، تقطع وتشقق. # قوله تعالى: { وهو يطعم ولا يطعم } قرأ الجمهور بضم الياء من ~~الثاني؛ ومعناه: وهو يرزق ولا يرزق، لأن بعض العبيد يرزق مولاه. وقرأ ~~عكرمة، والأعمش: «ولا يطعم» بفتح الياء. قال الزجاج: وهذا الاختيار عند ~~البصراء بالعربية، ومعناه: وهو يرزق ويطعم ولا يأكل. # قوله تعالى: { إني أمرت ms0569 أن أكون أول من أسلم } أي: أول مسلم من هذه ~~الأمة؛ { ولا تكونن من المشركين } قال الأخفش: معناه: وقيل لي: لا ~~تكونن، فصارت: أمرت، بدلا من ذلك؛ لأنه حين قال: أمرت، قد أخبر أنه ~~قيل له. ### || [6.15] # قوله تعالى: { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } زعم بعض ~~المفسرين أنه كان يجب عليه أن يخاف عاقبة الذنوب، ثم نسخ ذلك بقوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 3] والصحيح أن الآيتين خبر، والخبر لا يدخله النسخ، وإنما هو ~~معلق بشرط، ومثله # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 66]. ### || [6.16] # قوله تعالى: { من يصرف عنه } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحفص، عن عاصم،: (من يصرف) بضم الياء وفتح الراء يعنون: العذاب. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم (يصرف) بفتح الياء وكسر الراء؛ ~~الضمير، قوله: { إن عصيت ربي }؛ ومما يحسن هذه القراءة قوله: { فقد ~~رحمه } فقد اتفق إسناد الضميرين إلى اسم الله تعالى، ويعني بقوله: { يصرف ~~} العذاب { يومئذ } ، يعني يوم القيامة، { وذلك } يعني: صرف العذاب. ### || [6.17-18] # قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } الضر: اسم جامع لكل ما يتضرر به ~~الإنسان، من فقر، ومرض، وغير ذلك، والخير: اسم جامع لكل ما ينتفع به ~~الإنسان. # وللمفسرين في الضر والخير قولان. # أحدهما: أن الضر: السقم، والخير: العافية. # والثاني: أن الضر: الفقر، والخير: الغنى. # قوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } القاهر: الغالب، والقهر: الغلبة. ~~والمعنى: أنه قهر الخلق فصرفهم على ما أراد طوعا وكرها؛ فهو المستعلي ~~عليهم، وهم تحت التسخير والتذليل ### || [6.19] # قوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة } سبب نزولها: أن رؤساء مكة أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، ما نرى أحدا يصدقك ~~بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ~~ولا صفة، فأرنا من يشهد أنك رسول الله؛ فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. ومعنى الآية: قل لقريش: أي شيء أعظم شهادة؟ فان أجابوك، ~~وإلا ms0570 فقل: الله، وهو شهيد بيني وبينكم على ما أقول. # وقال الزجاج: أمره الله أن يحتج عليهم بأن شهادة الله في نبوته أكبر ~~شهادة، وأن القرآن الذي أتى به، يشهد له أنه رسول الله، وهو قوله: { ~~وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به } ففي الإنذار به دليل على نبوته، ~~لأنه لم يأت أحد بمثله، ولا يأتي، وفيه خبر ما كان وما يكون، ووعد فيه ~~بأشياء، فكانت كما قال، وقرأ عكرمة، وابن السميفع، والجحدري، { وأوحى ~~إلي } بفتح الهمزة والحاء { القرآن } لنصب؛ فأما «الإذار» فمعناه: ~~التخويف ومعنى: { من بلغ } أي: من بلغ إليه هذا القرآن، فإني نذير له. ~~قال القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه ~~وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى كسرى، وقيصر، وكل جبار، يدعوهم إلى الله عز وجل. # قوله تعالى: { أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى } هذا استفهام معناه ~~الانكار عليهم. قال الفراء: وإنما قال: «أخرى» ولم يقل: «آخر» لأن ~~الآلهة جمع، والجمع يقع عليه التأنيث، كما قال # ولله الأسماء الحسنى # [الأعراف: 181] وقال: # فما بال القرون الأولى # [طه: 52] ### || [6.20] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } في الكتاب قولان. # أحدهما: أنه التوراة والإنجيل، وهذا قول الجمهور. # والثاني: أنه القرآن. # وفي هاء «يعرفونه» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. وروي عن ~~عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيه بمكة # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم # [البقرة: 147، الأنعام: 21] فكيف هذه المعرفة؟ فقال: لقد عرفته حين ~~رأيته كما أعرف ابني، ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم مني ~~بابني، فقال عمر: وكيف ذاك؟ فقال: إني أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدري ~~ما يصنع النساء. # والثاني: أنها ترجع إلى الدين والنبي. فالمعنى: يعرفون الإسلام أنه دين ~~الله عز وجل، وأن محمدا رسول الله، قاله قتادة. # والثالث: أنها ترجع إلى القرآن. فالمعنى: يعرفون الكتاب ms0571 الدال على صدقه؛ ~~ذكره الماوردي. # وفي { الذين خسروا أنفسهم } قولان. # أحدهما: أنهم مشركو مكة. # والثاني: كفار أهل الكتابين. ### || [6.21] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي: اختلق على الله ~~الكذب في ادعاء شريك معه. وفي «آياته» قولان. # أحدهما: أنها محمد والقرآن، قاله ابن السائب. والثاني: القرآن، قاله ~~مقاتل. والمراد بالظلم المذكور في هذه الآية: الشرك. ### || [6.22] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا } انتصب «اليوم» بمحذوف تقديره: واذكر ~~يوم نحشرهم. قال ابن جرير: والمعنى: لا يفلحون اليوم، ولا يوم نحشرهم. ~~وقرأ يعقوب: «يحشرهم» ثم «يقول» بالياء فيهما. # وفي الذين عني قولان. # أحدهما: المسلمون والمشركون. والثاني: العابدون، والمعبودون. # وقوله: { أين شركاؤكم } سؤال توبيخ، والمراد بشركائهم: الأوثان، وإنما، ~~أضافها إليهم لأنهم زعموا أنها شركاء الله. # وفي معنى «يزعمون» قولان. أحدهما: يزعمون: أنهم شركاء مع الله، ~~والثاني: يزعمون أنها تشفع لهم. ### || [6.23] # قوله تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم «ثم لم تكن» بالتاء «فتنتهم» بالرفع. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو ~~بكر، عن عاصم: «تكن» بالتاء أيضا «فتنتهم» بالنصب؛ وقد رويت عن ابن ~~كثير ايضا. وقرأ حمزة، والكسائي، «يكن» بالياء، «فتنتهم» بالنصب. # وفي «الفتنة» أربعة أقوال. # أحدها: أنها بمعنى: الكلام والقول. قال ابن عباس، والضحاك، لم يكن ~~كلامهم. # والثاني: أنها المعذرة، قال قتادة، وابن زيد: لم تكن معذرتهم. قال ابن ~~الأنباري: فالمعنى: اعتذروا بما هو مهلك لهم، وسبب لفضيحتهم. # والثالث: أنها بمعنى: البلية. قال عطاء الخراساني: لم تكن بليتهم وقال ~~ابو عبيد: لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة، وزادتهم لائمة. # والرابع: أنها بمعنى الافتتان. والمعنى: لم تكن عاقبة فتنتهم. # قال الزجاج: لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤوا منه. ~~ومثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا، فاذا وقع في هلكة تبرأ ~~منه؛ فيقول ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه. قال: وهذا تأويل ~~لطيف، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام، وتصرف العرب في ذلك. # وقال ابن الأنباري: المعنى: أنهم افتتنوا ms0572 بقولهم هذا، إذا كذبوا فيه، ~~ونفوا عن أنفسهم ما كانوا معروفين به في الدنيا. # قوله تعالى: { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين }. قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «والله ربنا» بكسر الباء، ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، بنصب الراء. # وفي هؤلاء القوم الذين هذا وصفهم قولان. # أحدهما: أنهم المشركون، والثاني: المنافقون. # ومتى يحلفون؟ فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما، قالوا: تعالوا ~~نكابر عن شركنا، فحلفوا، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم إذا دخلوا النار، ورأوا أهل التوحيد يخرجون، حلفوا ~~[واعتذروا]، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. # والثالث: أنهم إذا سئلوا: أين شركاؤكم؟ تبرؤوا، وحلفوا: ما كنا مشركين، ~~قاله مقاتل. ### || [6.24] # قوله تعالى: { أنظر كيف كذبوا على أنفسهم } أي: باعتذارهم بالباطل. # { وضل عنهم ما كانوا يفترون }. أي: ذهب ما كانوا يدعون ويختلقون من أن ~~الاصنام شركاء لله، وشفعاؤهم في الآخرة. ### || [6.25-26] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } سبب نزولها: أن نفرا من المشركين، ~~منهم عتبة، وشيبة، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، جلسوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمعوا إليه، ثم قالوا، للنضر بن ~~الحارث: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بنية ما أدري ما يقول؟ إلا ~~أني أرى تحرك شفتيه وما يقول، إلا أساطير الأولين، مثلما كنت أحدثكم عن ~~القرون الماضية؛ وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # فأما «الأكنة» فقال الزجاج: هي جمع كنان، وهو الغطاء؛ مثل عنان ~~وأعنة. # وأما «أن يفقهوه»، فمنصوب على انه مفعول له. المعنى: وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة لكراهة أن يفقهوه، فلما حذفت اللام، نصبت الكراهة؛ ولما حذفت ~~الكراهة، انتقل نصبها إلى «أن». # «الوقر»: ثقل السمع، يقال: في أذنه وقر، وقد وقرت الأذن، ~~توقر. # قال الشاعر: # وكلام سيىء قد وقرت # أذني عنه وما بي من صمم # والوقر، بكسر الواو؛ أن يحمل البعير وغيره مقدار ما يطيق، يقال: ~~عليه وقر، ويقال: نخلة موقر، وموقرة، ms0573 وإنما فعل ذلك بهم مجازاة لهم ~~باقامتهم على كفرهم، وليس المعنى أنهم لم يفهموه، ولم يسمعوه؛ ولكنهم لما ~~عدلوا عنه، وصرفوا فكرهم عما عليهم في سوء العاقبة، كانوا بمنزلة من لم ~~يعلم ولم يسمع. { وإن يروا كل آية } أي: كل علامة تدل على رسالتك، { لا ~~يؤمنوا بها }. # ثم أعلم الله عز وجل مقدار احتجاجهم وجدلهم، وأنهم إنما يستعملون في ~~الاحتجاج أن يقولوا: { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اساطير الأولين } وفيها ~~قولان. # أحدهما: أنها ما سطر من أخبارهم وأحاديثهم. روى أبو صالح عن ابن عباس ~~قال: أساطير الأولين: كذبهم، وأحاديثهم في دهرهم. وقال أبو الحسن الاخفش: ~~يزعم بعضهم: أن واحدة الأساطير: أسطورة. وقال بعضهم: أساطيرة؛ ولا أراه ~~إلا من الجمع الذي ليس له واحد، نحو: عباديد، ومذاكير، وأبابيل. وقال ابن ~~قتيبة: أساطير الأولين: أخبارهم، وما سطر منها، أي: ما كتب، ومنه قوله # ن. والقلم وما يسطرون # [القلم: 1] أي: يكتبون، واحدها سطر، ثم أسطار، ثم أساطير جمع الجمع، ~~مثل: قول، وأقوال، وأقاويل. # والقول الثاني: أن معنى أساطير الأولين: الترهات، قال أبو عبيدة: واحد ~~الأساطير: أسطورة، وإسطارة، ومجازها مجاز الترهات. قال ابن الأنباري: ~~الترهات عند العرب: طرق غامضة، ومسالك مشكلة، يقول قائلهم: قد أخذنا في ~~ترهات البسابس، يعني: قد عدلنا عن الطريق الواضح إلى المشكل؛ وعما يعرف ~~إلى مالا يعرف. و«البسابس»: الصحاري الواسعة، والترهات: طرق تتشعب ~~من الطريق الأعظم، فتكثر وتشكل، فجعلت مثلا لما لا يصح وينكشف. # فان قيل: لم عابوا القرآن بأنه أساطير الأولين، وقد سطر الأولون ما فيه ~~علم وحكمة، وما لا عيب على قائله؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنهم نسبوه إلى أنه ليس بوحي من الله. # والثاني: أنهم عابوه بالإشكال والغموض، استراحة منهم إلى البهت ~~والباطل. فعلى الجواب الأول تكون «أساطير» من التسطير، وعلى الثاني تكون ~~بمعنى الترهات، وقد شرحنا معنى الترهات. # قوله تعالى: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن أبا طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ويتباعد عما ms0574 جاء به، فنزلت فيه هذه الآية، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس، وهو قول عمرو بن دينار، وعطاء بن دينار، والقاسم بن ~~مخيمرة، وقال مقاتل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب ~~يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم سوءا، فسألوا أبا طالب أن يدفعه إليهم فيقتلوه، فقال: مالي ~~عنه صبر؛ فقالوا: ندفع إليك من شبابنا من شئت مكان ابن أخيك، فقال أبو ~~طالب: حين تروح الإبل، فان حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم، وقال: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة # وابشر وقر بذاك منك عيونا # وعرضت دينا لا محالة أنه # من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذاري سبة # لوجدتني سمحا بذاك مبينا # فنزلت فيه هذه الآية. # والثاني: أن كفار مكة كانوا ينهون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ويتباعدون بأنفسهم عنه، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~الحنفية، والضحاك، والسدي، فعلى القول الأول: يكون قوله: «وهم» كناية ~~عن واحد؛ وعلى الثاني: عن جماعة. # وفي هاء «عنه» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم فيه قولان. أحدهما: ~~ينهون عن أذاه، والثاني: عن اتباعه. # والقول الثاني: أنها ترجع إلى القرآن، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. ~~(وينأون) بمعنى: يبعدون، وفي هاء «عنه» قولان. أحدهما: أنها راجعة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: إلى القرآن. # قوله تعالى: { وإن يهلكون } أي: وما يهلكون { إلا أنفسهم } بالتباعد ~~عنه، { وما يشعرون } أنهم يهلكونها. ### || [6.27] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } في معنى «وقفوا» ستة أقوال. # أحدها: حبسوا عليها، قاله ابن السائب. # والثاني: عرضوا عليها، قاله مقاتل. # والثالث: عاينوها. # والرابع: وقفوا عليها وهي تحتهم. # والخامس: دخلوا إليها فعرفوا مقدار عذابها، تقول: وقفت على ما عند فلان، ~~أي: فهمته وتبينته، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الزجاج، واختار الأخير. ~~وقال ابن جرير: «على» هاهنا بمعنى «في». ms0575 # والسادس: جعلوا عليها وقفا، كالوقوف المؤبدة على سبلها، ذكره ~~الماوردي. والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم، والوعيد للكفار، ~~وجواب «لو» محذوف، ومعناه: لو رأيتهم في تلك الحال، لرأيت عجبا. # قوله تعالى: { ولا نكذب بآيات ربنا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم برفع الباء من «نكذب» والنون من ~~«نكون». # قال الزجاج: والمعنى أنهم تمنوا الرد، وضمنوا أنهم لا يكذبون. ~~والمعنى: يا ليتنا نرد، ونحن لا نكذب بآيات ربنا، رددنا أو لم ~~نرد، ونكون من المؤمنين، لأنا قد عاينا ما لا نكذب معه أبدا. # قال: ويجوز الرفع على وجه آخر، على معنى «يا ليتنا نرد» يا ليتنا لا ~~نكذب، كأنهم تمنوا الرد والتوفيق للتصديق. # وقال الأخفش: إذا رفعت جعلته على مثل اليمين، كأنهم قالوا: ولا نكذب ~~والله بآيات ربنا، ونكون والله من المؤمنين. وقرأ حمزة إلا ~~العجلي، وحفص عن عاصم، ويعقوب: بنصب الباء من «نكذب» والنون من ~~«نكون». # قال مكي بن أبي طالب: وهذا النصب على جواب التمني، وذلك بإضمار «أن» ~~حملا على مصدر «نرد» فأضمرت «أن» لتكون مع الفعل مصدرا، فعطف بالواو ~~مصدرا على مصدر. وتقديره: يا ليت لنا ردا، وانتفاءا من التكذيب، ~~وكونا من المؤمنين. وقرأ ابن عامر برفع الباء من «نكذب» ونصب النون من ~~«نكون»، فالرفع قد بينا علته، والنصب على جواب التمني. ### || [6.28-29] # قوله تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } «بل»: هاهنا رد ~~لكلامهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا. # وقال الزجاج: «بل» استدراك وإيجاب بعد نفي، تقول: ما جاء زيد، بل عمرو. ~~وفي معنى الآية أربعة أقوال. # أحدها: بدا ما كان يخفيه بعضهم عن بعض، قاله الحسن. # والثاني: بدا بنطق الجوارح ما كانوا يخفون من قبل بألسنتهم، قاله مقاتل. # والثالث: بدا لهم جزاء ما كانوا يخفونه، قاله المبرد. # والرابع: بدا للأتباع ما كان يخفيه الرؤساء، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } قال ابن عباس: لعادوا ~~إلى ما نهوا ms0576 عنه من الشرك، وإنهم لكاذبون في قولهم: { ولا نكذب بآيات ~~ربنا ونكون من المؤمنين }. # قال ابن الانباري: كذبهم الله في إخبارهم عن أنفسهم، أنهم إن ردوا، ~~آمنوا ولم يكذبوا، ولم يكذبهم في التمني. # قوله تعالى: { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } هذا إخبار عن منكري ~~البعث. قال مقاتل: لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة بالبعث، ~~قالوا: هذا. وكان عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم يقول: هذا حكاية قولهم، لو ~~ردوا لقالوه. ### || [6.30] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } قال مقاتل: عرضوا على ~~ربهم { قال: أليس هذا } العذاب { بالحق }. وقال غيره: أليس هذا البعث ~~حقا؟ فعلى قول مقاتل: { بما كنتم تكفرون } بالعذاب، وعلى قول غيره: { ~~تكفرون } بالبعث. ### || [6.31] # قوله تعالى: { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } إنما وصفوا ~~بالخسران، لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم. # والمراد بلقاء الله: البعث والجزاء؛ والساعة: القيامة؛ والبغتة: الفجأة. # قال الزجاج: كل ما أتى فجأة فقد بغت، يقال قد بغته الأمر يبغته ~~بغتا وبغتة: إذا أتاه فجأة. قال الشاعر: # ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة # وأفظع شيء حين يفجؤك البغت # قوله تعالى: { يا حسرتنا } الحسرة: التلهف على الشيء الفائت، وأهل ~~التفسير يقولون: يا ندامتنا. # فإن قيل: ما معنى دعاء الحسرة، وهي لا تعقل؟ # فالجواب: أن العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم ما تقع ~~فيه، جعلته نداء، فتدخل عليه «يا» للتنبيه، والمراد تنبيه الناس، لا ~~تنبيه المنادي. ومثله قولهم: لا أرينك هاهنا، لفظه لفظ الناهي لنفسه، ~~والمعنى للمنهي؛ ومن هذا قولهم: يا خيل الله اركبي، يراد: يا فرسان ~~خيل الله. وقال سيبويه: إذا قلت يا عجباه، فكأنك قلت: احضر وتعال يا ~~عجب، فهذا زمانك. فأما التفريط فهو: التضييع. # وقال الزجاج: التفريط في اللغة: تقدمه العجز. وفي المكني عنه بقوله: ~~«فيها» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الدنيا، فالمعنى على ما ضيعنا في الدنيا من عمل الآخرة، ~~قاله مقاتل. # والثاني: أنها الصفقة، لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة، وترك ذكرها ~~اكتفاء بذكر ms0577 الخسران؛ قاله ابن جرير. # والثالث: أنها الطاعة، ذكره بعض المفسرين. # فأما الأوزار، فقال ابن قتيبة: هي الآثام، وأصل الوزر: الحمل على الظهر. ~~وقال ابن فارس: الوزر: الثقل. وهل هذا الحمل حقيقة فيه قولان. # أحدهما: أنه على حقيقته. قال عمير بن هانىء: يحشر مع كل كافر عمله في ~~صورة رجل قبيح، كلما كان هول عظمه عليه، وزاده خوفا، فيقول: بئس ~~الجليس أنت، مالي ولك؟ فيقول: أنا عملك، طالما ركبتني في الدنيا، ~~فلأركبنك اليوم حتى أخزيك على رؤوس الناس، فيركبه ويتخطى به الناس حتى ~~يقف بين يدي ربه، فذلك قوله: { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } وهذا قول ~~السدي، وعمرو بن قيس الملائي، ومقاتل. # والثاني: أنه مثل، والمعنى: يحملون ثقل ذنوبهم، قاله الزجاج. قال: فجعل ~~ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل، ومعنى { ألا ساء ما ~~يزرون }: بئس الشيء شيئا يزرونه، أي يحملونه. ### || [6.32] # قوله تعالى: { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: وما الحياة الدنيا في سرعة انقطاعها، وقصر عمرها، إلا كالشيء ~~يلعب به. # والثاني: وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو، فأما فعل الخير، فهو ~~من عمل الآخرة لا من الدنيا. # والثالث: وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو، لاشتغالهم عما أمروا ~~به. واللعب: ما لا يجدي نفعا. # قوله تعالى: { وللدار الآخرة خير } اللام: لام القسم، والدار الآخرة: ~~الجنة، { أفلا يعقلون } فيعملون لها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، «يعقلون» بالياء في (الأنعام)، و(الأعراف)، و(يوسف)، و(يس)، ~~وقرؤوا في (القصص)، بالتاء. وقرأ نافع كل ذلك بالياء، وروى حفص, عن عاصم ~~كل ذلك بالتاء، إلا في (يس) # في الخلق أفلا يعقلون # [يس: 67]، بالياء، وقرأ ابن عامر الذي في (يس) بالياء، والباقي بالتاء. ### || [6.33] # قوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون }. # في سبب نزولها أربعة أقوال. # أحدها: أن رجلا من قريش يقال له: الحارث بن عامر، قال: والله يا محمد ما ~~كذبتنا قط فنتهمك اليوم، ولكنا إن نتبعك نتخطف من أرضنا، ~~فنزلت هذه الآية رواه أبو ms0578 صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: كان الحارث بن ~~عامر يكذب النبي في العلانية، فاذا خلا مع أهل بيته، قال: ما محمد من ~~أهل الكذب، فنزلت فيه هذه الآية. # والثاني: أن المشركين كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا ~~فيما بينهم: إنه لنبي، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح. # والثالث: أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن ~~نكذب الذي جئت به، فنزلت هذه الآية، قاله ناجية بن كعب. # وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل ~~فصافحه أبو جهل، فقيل له: أتصافح هذا الصابئ؟ فقال: والله إني لأعلم أنه ~~نبي، ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف؟ فأنزل الله هذه الآية. # والرابع: أن الأخنس بن شريق لقي أبا جهل، فقال الأخنس: يا أبا الحكم، ~~أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فليس هاهنا من يسمع كلامك غيري. فقال ~~أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي ~~باللواء، والسقاية، والحجابة، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فنزلت ~~هذه الآية، قاله السدي. فأما الذي يقولون، فهو التكذيب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والكفر بالله. وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وتعزية عما يواجهون به. # قوله تعالى: { فانهم لا يكذبونك } قرأ نافع، والكسائي، «يكذبونك» ~~بالتخفيف وتسكين الكاف. وفي معناها قولان. # أحدهما: لا يلفونك كاذبا، قاله ابن قتيبة. # والثاني: لا يكذبون الشيء الذي جئت به، إنما يجحدون آيات الله، ~~ويتعرضون لعقوباته. قال ابن الأنباري: وكان الكسائي يحتج لهذه القراءة ~~بأن العرب تقول: كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وصنعة الأباطيل من ~~القول؛ وأكذبته: إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب، ليس هو الصانع له. ~~قال: وقال غير الكسائي: يقال: أكذبت الرجل: إذا أدخلته في جملة ~~الكذابين، ونسبته إلى صفتهم، كما يقال: أبخلت الرجل: إذا نسبته إلى ~~البخل، وأجبنته: إذا وجدته جبانا، قال الشاعر: # فطائفة قد أكفروني بحبكم # وطائفة قالوا مسيء ومذنب # وقرأ ابن كثير، ms0579 وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، وابن عامر: «يكذبونك» ~~بالتشديد وفتح الكاف؛ وفي معناها خمسة أقوال. # أحدها: لا يكذبونك بحجة، وإنما هو تكذيب عناد وبهت، قاله قتادة، ~~والسدي. # والثاني: لا يقولون لك: إنك كاذب، لعلمهم بصدقك، ولكن يكذبون ما جئت ~~به، قاله ناجية بن كعب. # والثالث: لا يكذبونك في السر، ولكن يكذبونك في العلانية، عداوة لك، ~~قاله ابن السائب، ومقاتل. # والرابع: لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به مما في كتبهم: كذبت. # والخامس: لا يكذبونك بقلوبهم، لأنهم يعلمون أنك صادق، ذكر القولين ~~الزجاج. # وقال أبو علي: يجوز أن يكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلفت اللفظتان، ~~إلا أن «فعلت»: إذا أرادوا أن ينسبوه إلى أمر أكثر من «أفعلت». ويؤكد ~~أن القراءتين بمعنى، ما حكاه سيبويه. أنهم قالوا: قللت، وأقللت، ~~وكثرت، وأكثرت، بمعنى. # قال أبو علي: ومعنى «لا يكذبونك»، لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما ~~أخبرت به مما جاء في كتبهم، ويجوز أن يكون معنى الحقيقة: لا يصادفونك ~~كاذبا، كما يقال: أحمدت الرجل: إذا أصبته محمودا، لأنهم يعرفونك ~~بالصدق والأمانة، { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } بألسنتهم ما ~~يعلمونه يقينا، لعنادهم. # وفي «آيات الله» هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. # والثاني: محمد والقرآن، قاله ابن السائب. # والثالث: القرآن، قاله مقاتل. ### || [6.34] # قوله تعالى: { ولقد كذبت رسل من قبلك } هذه تعزية له على ما يلقى منهم. ~~قال ابن عباس: { فصبروا على ما كذبوا } رجاء ثوابي، { وأوذوا } حتى ~~نشروا بالمناشير, وحرقوا بالنار { حتى أتاهم نصرنا } بتعذيب من كذبهم. # قوله تعالى: { ولا مبدل لكلمات الله } فيه خمسة أقوال. # أحدها: لا خلف لمواعيده، قاله ابن عباس. # والثاني: لا مبدل لما أخبر به وما أمر به، قاله الزجاج. # والثالث: لا مبدل لحكوماته، وأقضيته النافذة في عباده، فعبرت الكلمات ~~عن هذا المعنى، كقوله: # ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # [الزمر: 71] أي: وجب ما قضي عليهم. فعلى هذا القول، والذي قبله، يكون ~~المعنى: لا مبدل لحكم كلمات الله، ولا ناقض لما حكم به، وقد ms0580 حكم بنصر ~~أنبيائه بقوله: # لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21]. # والرابع: أن معنى الكلام معنى النهي، وإن كان ظاهره الإخبار، فالمعنى: ~~لا يبدلن أحد كلمات الله، فهو كقوله: # لا ريب فيه # [البقرة: 2]. # والخامس: أن المعنى: لا يقدر أحد على تبديل كلام الله، وإن زخرف واجتهد، ~~لأن الله تعالى صانه برصين اللفظ، وقويم الحكم، أن يختلط بألفاظ أهل ~~الزيغ، ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري. # قوله تعالى: { ولقد جاءك من نبأ المرسلين } أي: فيما صبروا عليه من ~~الأذى فنصروا. وقيل: إن «من»: صلة. ### || [6.35] # قوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } سبب نزولها: أن الحارث ابن ~~عامر أتى النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش فقال: يا محمد، ائتنا ~~بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات، فإن فعلت آمنا بك، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. و«كبر»: بمعنى «عظم». وفي إعراضهم ~~قولان. # أحدهما: عن استماع القرآن. والثاني: عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. # فأما «النفق»، فقال ابن قتيبة: النفق في الأرض: المدخل، وهو السرب. ~~والسلم في السماء: المصعد. وقال الزجاج: النفق: الطريق النافذ في ~~الأرض. والنافقاء، ممدود أحد جحرة اليربوع يخرقه من باطن الأرض إلى ~~جلدة الأرض، فاذا بلغ الجلدة أرقها، حتى إن رابه ريب، دفع برأسه ذلك ~~المكان وخرج، ومنه سمي المنافق، لأنه أبطن غير ما أظهر، كالنافقاء الذي ~~ظاهره غير بين، وباطنه حفر في الأرض. # و«السلم» مشتق من السلامة، وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك. والمعنى: ~~فان استطعت هذا فافعل، وحذف «فافعل»، لأن في الكلام دليلا عليه. # وقال أبو عبيدة: السلم: السبب والمرقاة، تقول: اتخذتني سلما ~~لحاجتك، أي: سببا. # وفي قوله: { فتأتيهم بآية } قولان. # أحدهما: بآية قد سألوك إياها، وذلك أنهم سألوا نزول ملك، ومثل آيات ~~الأنبياء، كعصا موسى، وناقة صالح. # والثاني: بآية هي أفضل من آيتك. # قوله تعالى: { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لو شاء أن يطبعهم على الهدى لطبعهم. # والثاني: لو شاء لأنزل ملائكة تضطرهم إلى الإيمان، ذكرهما ms0581 الزجاج. # والثالث: لو شاء لآمنوا كلهم، فأخبر إنما تركوا الإيمان بمشيئته، ونافذ ~~قضائه. # قوله تعالى: { فلا تكونن من الجاهلين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لا تجهل أنه لو شاء لجمعهم على الهدى. # والثاني: لا تجهل أنه يؤمن بك بعضهم، ويكفر بعضهم. # والثالث: لا تكونن ممن لا صبر له، لأن قلة الصبر من أخلاق الجاهلين. ### || [6.36] # قوله تعالى: { إنما يستجيب الذين يسمعون } أي: إنما يجيبك من يسمع، ~~والمراد به سماع قبول. # وفي المراد بالموتى قولان. # أحدهما: أنهم الكفار، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة، فيكون المعنى: إنما ~~يستجيب المؤمنون؛ فأما الكفار، فلا يستجيبون حتى يبعثهم الله، ثم يحشرهم ~~كفارا، فيجيبون اضطرارا. # والثاني: أنهم الموتى حقيقة، ضربهم الله مثلا، والمعنى: أن الموتى لا ~~يستجيبون حتى يبعثهم الله، فكذلك الذين لا يسمعون. # قوله تعالى: { ثم إليه يرجعون } يعني: المؤمنين والكافرين، فيجازي الكل. ### || [6.37] # قوله تعالى: { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } قال ابن عباس: نزلت ~~في رؤساء قريش. و«لولا» بمعنى: «هلا» وقد شرحناها في سورة (النساء). ~~وقال مقاتل: أرادوا بالآية مثل آيات الأنبياء. وقال غيره: أرادوا نزول ~~ملك يشهد له بالنبوة. # وفي قوله تعالى: { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ثلاثة أقوال. # أحدها: لا يعلمون بأن الله قادر على إنزال الآية. # والثاني: لا يعلمون ما عليهم من البلاء في إنزالها، لأنهم إن لم يؤمنوا ~~بها، زاد عذابهم. # والثالث: لا يعلمون المصلحة في نزول الآية. ### || [6.38] # قوله تعالى: { وما من دابة في الأرض } قال ابن عباس: يريد كل ما دب ~~على الأرض. قال الزجاج: وذكر الجناحين توكيد، وجميع ما خلق لا يخلو إما ~~أن يدب وإما أن يطير. # قوله تعالى: { إلا أمم أمثالكم } قال مجاهد: أصناف مصنفة. # وقال أبو عبيدة: أجناس يعرفون الله ويعبدونه. # وفي معنى «أمثالكم» أربعة أقوال. # أحدها: أمثالكم في كون بعضها يفقه عن بعض، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: في معرفة الله، قاله عطاء. # والثالث: أمثالكم في الخلق والموت والبعث، قاله الزجاج. # والرابع: أمثالكم في كونها تطلب الغذاء، وتبتغي الرزق، وتتوقى ~~المهالك، قاله ms0582 ابن قتيبة. قال ابن الانباري: وموضع الاحتجاج من هذه الآية ~~أن الله تعالى ركب في المشركين عقولا، وجعل لهم أفهاما ألزمهم بها أن ~~يتدبروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويتمسكوا بطاعته، كما جعل للطير ~~أفهاما يعرف بها بعضها إشارة بعض، وهدى الذكر منها لإتيان الأنثى، ~~وفي كل ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ذلك فيها. # قوله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } في الكتاب قولان. # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ما تركنا ~~شيئا إلا وقد كتبناه في أم الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة، وابن زيد. # والثاني: أنه القرآن، روى عطاء عن ابن عباس: ما تركنا من شيء إلا وقد ~~بيناه لكم. فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المعنى: ما ~~فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبيناه في الكتاب، إما نصا، وإما ~~مجملا، وإما دلالة، كقوله تعالى: # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء # [النحل: 89] أي: لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين. # قوله تعالى: { ثم إلى ربهم يحشرون } فيه قولان. # أحدهما: أنه الجمع يوم القيامة. روى أبو ذر قال: # " انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر, أتدري ~~فيما انتطحتا؟ قلت: لا، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما " # وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق يوم القيامة، البهائم والدواب والطير ~~وكل شيء، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ~~ترابا، فيقول الكافر: ياليتني كنت ترابا. # والثاني: أن معنى حشرها: موتها، قاله ابن عباس، والضحاك. ### || [6.39] # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا } يعني: ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم { صم } عن القرآن لا يسمعونه، { وبكم } عنه لا ينطقون به، { ~~في الظلمات } أي: في الشرك والضلالة. { من يشأ الله يضلله } فيموت على ~~الكفر، { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } وهو الإسلام. ### || [6.40] # قوله تعالى: { قل أرأيتكم } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة: «أرأيتم» و«أرأيتكم» و«أرأيت» بالألف في كل ms0583 القرآن مهموزا، ~~ولين الهمزة نافع في الكل. وقرأ الكسائي بغير همز ولا ألف. قال الفراء: ~~العرب تقول: أرأيتك وهم يريدون: أخبرني. # فأما عذاب الله، ففي المراد به هاهنا قولان. # أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس. # والثاني: العذاب الذي كان يأتي الأمم الخالية، قاله مقاتل. # فأما الساعة، فهي القيامة. قال الزجاج: وهو اسم للوقت الذي يصعق فيه ~~العباد، وللوقت الذي يبعثون فيه. # قوله تعالى: { أغير الله تدعون } أي: أتدعون صنما أو حجرا لكشف ما ~~بكم؟! فاحتج عليهم بما لا يدفعونه، لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله. # وقوله تعالى: { إن كنتم صادقين } جواب لقوله: «أرأيتكم» لأنه بمعنى ~~أخبروا، كأنه قيل لهم: إن كنتم صادقين، فأخبروا من تدعون عند نزول البلاء ~~بكم؟ ### || [6.41] # قوله تعالى: { بل إياه تدعون } قال الزجاج: أعلمهم أنهم لا يدعون في ~~الشدائد إلا إياه؛ وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لأنهم عبدوا الأصنام. # { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } المعنى: فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم، ~~وهذا على اتساع الكلام مثل قوله: # وسأل القرية # [يوسف: 82] أي اهل القرية. # { وتنسون }: يجوز أن يكون بمعنى «تتركون» ويجوز أن يكون المعنى: إنكم في ~~ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم. ### || [6.42] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } في الآية محذوف، تقديره: ~~ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم، فأخذناهم بالبأساء، وفيها ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الزمانة والخوف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها البؤس، وهو الفقر، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أنها الجوع، ذكره الزجاج. # وفي الضراء ثلاثة أقوال. # أحدها: البلاء والجوع، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: النقص في الأموال والأنفس، ذكره الزجاج. # والثالث: الاسقام والأمراض، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: { لعلهم يتضرعون } أي: لكي يتضرعوا. والتضرع: التذلل ~~والاستكانة. وفي الكلام محذوف تقديره: فلم يتضرعوا. ### || [6.43] # قوله تعالى: { فلولا } معناه: «فهلا» والبأس: العذاب. ومقصود الآية: ~~أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قد أرسل إلى قوم قبله ~~بلغوا من القسوة أنهم أخذوا بالشدائد، فلم ms0584 يخضعوا، وأقاموا على كفرهم، ~~وزين لهم الشيطان ضلالتهم فأصروا عليها. ### || [6.44] # قوله تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به } قال ابن عباس: تركوا ما وعظوا ~~به. { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } يريد: رخاء الدنيا وسرورها. وقرأ أبو ~~جعفر، وابن عامر: «فتحنا» بالتشديد هنا وفي (الأعراف) وفي (الأنبياء) ~~«فتحت» وفي (القمر): «فتحنا»، والجمهور على تخفيفهن. قال الزجاج ~~أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير، حتى إذا ظنوا أن ما كان نزل بهم، ~~لم يكن انتقاما، وما فتح عليهم، باستحقاقهم، أخذناهم بغتة أي: فاجأهم ~~عذابنا. # وقال ابن الانباري: إنما أراد بقوله { كل شيء }: التأكيد، كقول القائل: ~~أكلنا عند فلان كل شيء، وكنا عنده في كل سرور، يريد بهذا العموم تكثير ~~ما يصفه والإطناب فيه، كقوله: # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 23] وقال الحسن: من وسع عليه فلم ير أنه لم يمكر به، فلا ~~رأي له؛ ومن قتر عليه، فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ هذه ~~الآية، وقال: مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجاتهم، ثم أخذوا. # قوله تعالى: { فاذا هم مبلسون } في المبلس خمسة اقوال. # أحدها: أنه الآيس من رحمة الله عز وجل، رواه الضحاك عن ابن عباس؛ وقال ~~في رواية أخرى: الآيس من كل خير. وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع # رجاؤه، ولذلك قيل: للذي يسكت عند انقطاع حجته، فلا يكون عنده جواب: قد ~~أبلس. قال العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال نعم! أعرفه! وأبلسا # أي: لم يحر جوابا. وقيل: المكرس: الذي قد بعرت فيه الإبل، وبولت، ~~فيركب بعضه بعضا. # والثاني: أنه المفتضح، قال مجاهد: الإبلاس: الفضيحة. # والثالث: أنه المهلك، قاله السدي. # والرابع: أنه المجهود المكروب الذي قد نزل به من الشر مالا يستطيعه، ~~قاله ابن زيد. # والخامس: أنه الحزين النادم، قاله أبو عبيدة، وأنشد لرؤبة: # وحضرت يوم الخميس الأخماس # وفي الوجوه صفرة وإبلاس # أي: اكتئاب، وكسوف، وحزن. # وقال الزجاج: هو الشديد الحسرة، الحزين، اليائس. وقال في موضع آخر: ~~المبلس: الساكت المتحير. ### || [6.45] # قوله تعالى: { فقطع دابر القوم ms0585 الذين ظلموا } قال ابن السائب: دابرهم: ~~الذي يتخلف في آخرهم. والمعنى: أنهم استؤصلوا. وقال أبو عبيدة: دابرهم: ~~آخرهم الذي يدبرهم. قال ابن قتيبة: هو كما يقال: اجتث أصلهم. # قال المفسرون: وإنما حمد نفسه على قطع دابرهم، لأن ذلك إنعام على رسلهم ~~الذين كذبوهم، وعلم الحمد على كفايته شر الظالمين. ### || [6.46] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } أي: أذهبها، { ~~وختم على قلوبكم } حتى لا تعرفون شيئا، { من إله غير الله يأتيكم به } ~~في هاء «به» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها تعود على الفعل، والمعنى: يأتيكم بما أخذ الله منكم، قاله ~~الزجاج. وقال الفراء: إذا كنيت عن الأفاعيل، وإن كثرت، وحدت الكناية، ~~كقولك للرجل: إقبالك وإدبارك يؤذيني. # والثاني: أنها تعود إلى الهدى، ذكره الفراء. فعلى هذا تكون الكناية عن ~~غير مذكور، ولكن المعنى يشتمل عليه، لأن من أخذ سمعه وبصره وختم على ~~قلبه لم يهتد. # والثالث: أنها تعود على السمع، ويكون ما عطف عليه داخلا معه في القصة، ~~لأنه معطوف عليه، ذكره الزجاج. والجمهور يقرؤون: { من إله غير الله ~~يأتيكم به انظر } بكسر هاء «به». وروى المسيبي، عن نافع: «به انظر» ~~بالضم. قال أبو علي: من كسر، حذف الياء التي تلحق الهاء، في نحو: بهي ~~عيب؛ ومن ضم, فعلى قول من قال: فخسفنا بهو وبدارهو الأرض، فحذف الواو. # قوله تعالى: { انظر كيف نصرف الآيات } قال مقاتل: يعني تكون العلامات في ~~أمور شتى، فيخوفهم بأخذ الأسماع والأبصار والقلوب، وبما صنع بالأمم ~~الخالية { ثم هم يصدفون } أي: يعرضون فلا يعتبرون. ### || [6.47] # قوله تعالى: { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة } قال ~~الزجاج: البغتة: المفاجأة؛ والجهرة: أن يأتيهم وهم يرونه. { هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون } أي: هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم، لأنكم كفرتم معاندين، ~~فقد علمتم أنكم ظالمون. ### || [6.48-49] # قوله تعالى: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين } أي: بالثواب؛ ومنذرين ~~بالعقاب، وليس إرسالهم ليأتوا بما يقترحونه من الآيات. ثم ذكر ثواب من ~~صدق، وعقاب من كذب في تمام الآية والتي بعدها. ms0586 وقال ابن عباس: يفسقون: ~~بمعنى: يكفرون. ### || [6.50] # قوله تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله } سبب نزولها: أن أهل مكة ~~قالوا: يا محمد، لو أنزل الله عليك كنزا فتستغني به، فانك فقير محتاج، ~~أو تكون لك جنة تأكل منها، فانك تجوع، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # قال الزجاج: وهذه الآية متصلة بقوله { لولا أنزل عليه آية من ربه } ~~فأعلمهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، ولا يعلم الغيب ~~فيخبرهم به إلا بوحي، ولا يقول: إنه ملك، لأن الملك يشاهد من أمور ~~الله تعالى مالا يشاهده البشر، وقرأ ابن مسعود، وابن جبير، وعكرمة، ~~والجحدري: «إني ملك» بكسر اللام وفي الأعمى والبصير قولان. # أحدهما: أن الأعمى: الكافر، والبصير: المؤمن، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: الأعمى: الضال، والبصير: المهتدي، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. ~~وفي قوله تعالى: { أفلا تتفكرون } قولان. # أحدهما: فيما بين لكم من الآيات الدالة على وحدانيته، وصدق رسوله. # والثاني: فيما ضرب لكم من مثل الأعمى والبصير، وأنهما لا يستويان. ### || [6.51] # قوله تعالى: { وأنذر به } قال الزجاج: يعني بالقرآن، وإنما ذكر الذين ~~يخافون الحشر دون غيرهم، وإن كان منذرا لجميع الخلق، لأن الحجة على ~~الخائفين الحشر أظهر، لاعترافهم بالمعاد، فهم أحد رجلين: إما مسلم، ~~فينذر ليؤدي حق الله عليه في إسلامه، وإما كتابي، فأهل الكتاب مجمعون ~~على البعث. وذكر الولي والشفيع، لأن اليهود والنصارى ذكرت أنها أبناء ~~الله وأحباؤه، فأعلم عز وجل أن أهل الكفر ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع. ~~وقال غيره: ليس لهم من دونه ولي، أي: ليس لهم غير الله ولي ولا شفيع، لأن ~~شفاعة الشافعين بأمره. # وقال أبو سليمان الدمشقي: هذه الآية متعلقة بقوله: # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به # [الأنعام: 19]. ### || [6.52] # قوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } روى سعد بن أبي وقاص قال: ~~نزلت هذه الآية في ستة: في، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمار، والمقداد، ~~وبلال. قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ms0587 نرضى أن نكون ~~أتباعا لهؤلاء، فاطردهم عنك، فدخل على رسول الله من ذلك ما شاء الله أن ~~يدخل، فنزلت هذه الآية. # وقال خباب بن الأرت: نزلت فينا، كنا ضعفاء عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يعلمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا، فجاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن ~~حصن، فقالا: إنا من أشراف قومنا، وإنا نكره أن يرونا معهم، فاطردهم، إذا ~~جالسناك. قال: «نعم». فقالوا: لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابا، فأتي ~~بأديم ودواة، ودعا عليا ليكتب، فلما أراد ذلك، ونحن قعود في ناحية، إذ ~~نزل جبريل بقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } إلى قوله { فتنا ~~بعضهم ببعض } ، فرمى بالصحيفة ودعانا، فأتيناه وهو يقول: { سلام عليكم ~~كتب ربكم على نفسه الرحمة }. فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ~~ركبته. وقال ابن مسعود: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعنده خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا: يا محمد، رضيت ~~بهؤلاء، أتريد أن نكون تبعا لهم؟! فنزلت { ولا تطرد الذين يدعون ربهم }. ~~وقال عكرمة: جاء عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، ~~في أشراف بني عبد مناف، إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد عنه ~~موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا، وأدنى لاتباعنا إياه، فأتاه أبو ~~طالب فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي ~~يريدون، فنزلت هذه الآيات، فأقبل عمر يعتذر من مقالته. وروى أبو صالح عن ~~ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في الموالي، منهم بلال، وصهيب، وخباب، ~~وعمار، ومهجع، وسلمان، وعامر ابن فهيرة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأن ~~قوله: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } نزلت فيهم أيضا. وقد ~~روى العوفي عن ابن عباس: أن ناسا من الأشراف قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: نؤمن لك، وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك، فليصلوا خلفنا. فعلى ~~هذا، إنما سألوه تأخيرهم عن الصف، وعلى الأقوال التي قبله، سألوه طردهم ~~عن مجلسه. # قوله تعالى: { يدعون ربهم } في ms0588 هذا الدعاء خمسة أقوال. # أحدها: أنه الصلاة المكتوبة، قاله ابن عمر، وابن عباس. وقال مجاهد: هي ~~الصلوات الخمس؛ وفي رواية عن مجاهد، وقتادة قالا: يعني صلاة الصبح ~~والعصر. وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة، وركعتين ~~بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك. # والثاني: أنه ذكر الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي، وعنه كالقول الأول. # والثالث: أنه عبادة الله، قاله الضحاك. # والرابع: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية، قاله أبو جعفر. # والخامس: أنه دعاء الله بالتوحيد، والإخلاص له، وعبادته، قاله الزجاج. ~~وقرأ الجمهور: «بالغداة» وقرأ ابن عامر هاهنا وفي (الكهف) أيضا: ~~«بالغدوة» بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو. # قال الفراء: والعرب لا تدخل الألف واللام على «الغدوة» لأنها معرفة بغير ~~ألف ولام، ولا تضيفها العرب؛ يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: ~~غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة. # وقال أبو علي: الوجه: الغداة، لأنها تستعمل نكرة، وتتعرف باللام؛ وأما ~~غدوة، فمعرفة. # وقال الخليل: يجوز أن تقول أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلها بمنزلة ~~ضحوة، فهذا وجه قراءة ابن عامر. # فان قيل: دعاء القوم كان متصلا بالليل والنهار، فلماذا خص الغداة ~~والعشي، فالجواب: أنه نبه بالغداة على جميع النهار، وبالعشي على الليل، ~~لأنه إذا كان عمل النهار خالصا له، كان عمل الليل أصفى. # قوله تعالى: { يريدون وجهه } قال الزجاج: أي: يريدون الله، فيشهد الله ~~لهم بصحة النيات، وأنهم مخلصون في ذلك. # وأما الحساب المذكور في الآية ففيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه حساب الأعمال، قاله الحسن. # والثاني: حساب الأرزاق. والثالث: أنه بمعنى الكفاية، والمعنى ما عليك من ~~كفايتهم، ولا عليهم كفايتك. # قوله تعالى: { فتكون من الظالمين } قال ابن الأنباري: عظم هذا الأمر على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وخوف بالدخول في جملة الظالمين، لأنه كان ~~قد هم بتقديم الرؤساء على الضعفاء. ### || [6.53] # قوله تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } المعنى: وكما ابتلينا قبلك ~~الغني بالفقير، ابتلينا أيضا بعضهم ببعض، و { فتنا } بمعنى: ابتلينا ~~واختبرنا؛ { ليقولوا } يعني الكبراء؛ { أهؤلاء } يعنون الفقراء والضعفاء ~~{ من الله عليهم } بالهدى؟ ms0589 وهذا استفهام معناه الانكار، كأنهم أنكروا أن ~~يكونوا سبقوهم بفضيلة. # قال ابن السائب: ابتلى الله الرؤساء بالموالي، فاذا نظر الشريف إلى ~~الوضيع قد آمن قبله، أنف أن يسلم، ويقول: سبقني هذا؟ # قوله تعالى: { أليس الله بأعلم بالشاكرين } أي: بالذين يشكرون نعمته إذا ~~من عليهم بالهداية، والمعنى: إنما يهدي الله من يعلم أنه يشكر. ~~والاستفهام في «أليس»، معناه التقرير، أي: إنه كذلك. ### || [6.54] # قوله تعالى: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } اختلفوا فيمن نزلت على ~~خمسة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في رجال أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ~~إنا أصبنا ذنوبا عظيمة، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ~~هذه الآية، قاله أنس بن مالك. # والثاني: أنها نزلت في الذين نهي عن طردهم، فكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من ~~أمرني أن أبدأهم بالسلام، قاله الحسن، وعكرمة. # والثالث: أنها نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، ~~وعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة، ومصعب بن عمير، وسالم، وأبي سلمة، والأرقم ~~ابن أبي الأرقم، وعمار، وبلال، قاله عطاء. # والرابع: أن عمر بن الخطاب كان اشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتأخير الفقراء، استمالة للرؤساء إلى الإسلام. فلما نزلت { ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم } جاء عمر يعتذر من مقالته ويستغفر منها، فنزلت فيه هذه ~~الآية، قاله ابن السائب. # والخامس: أنها نزلت مبشرة باسلام عمر بن الخطاب؛ فلما جاء وأسلم، ~~تلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # فأما قوله تعالى: { يؤمنون بآياتنا } فمعناه: يصدقون بحججنا ~~وبراهيننا. # قوله تعالى: { فقل سلام عليكم } فيه قولان. # أحدهما: أنه أمر بالسلام عليهم، تشريفا لهم؛ وقد ذكرناه عن الحسن، ~~وعكرمة. # والثاني: أنه أمر بابلاغ السلام إليهم عن الله تعالى، قاله ابن زيد. ~~قال الزجاج: ومعنى السلام: دعاء للانسان بأن يسلم من الآفات. وفي السوء ~~قولان. # أحدهما: أنه الشرك، والثاني: المعاصي. # وقد ذكرنا في سورة (النساء) معنى «الجهالة». قرأ ms0590 ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: «أنه من عمل منكم سوءا» «فانه غفور» بكسر الألف فيهما. ~~وقرأ عاصم، وابن عامر، بفتح الألف فيهما. وقرأ نافع: بنصب ألف «أنه» وكسر ~~ألف «فانه غفور» قال أبو علي: من كسر ألف «إنه» جعله تفسيرا للرحمة، ومن ~~كسر ألف { فانه غفور } فلأن ما بعد الفاء حكم الابتداء، ومن فتح ألف «أنه ~~من عمل» جعل «أن» بدلا من الرحمة، والمعنى: كتب ربكم «أنه من عمل»، ومن ~~فتحها بعد الفاء، أضمر خبرا تقديره: فله { أنه غفور رحيم } والمعنى: فله ~~غفرانه، وكذلك قوله تعالى: # فإن له نار جهنم # [التوبة: 63] معناه: فله أن له نار جهنم، وأما قراءة نافع، فانه أبدل من ~~الرحمة، واستأنف ما بعد الفاء. ### || [6.55] # قوله تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } أي: وكما فصلنا لك في هذه السورة ~~دلائلنا وأعلامنا على المشركين، كذلك نبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل ~~الباطل. قال ابن قتيبة: ومعنى تفصيلها: إتيانها متفرقة شيئا بعد شيء. # قوله تعالى: { ولتستبين } وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«ولتستبين» بالتاء «سبيل» بالرفع. وقرأ نافع، وزيد عن يعقوب: بالتاء ~~أيضا، إلا أنهما نصبا السبيل. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~«وليستبين» بالياء، «سبيل» بالرفع. فمن قرأ «ولتستبين» بالياء أو التاء، ~~فلأن السبيل تذكر وتؤنث على ما بينا في (آل عمران)، ومن نصب اللام، ~~فالمعنى: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. وفي سبيلهم التي بينت ~~له قولان. # أحدهما: أنها طريقهم في الشرك، ومصيرهم إلى الخزي، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها مقصودهم في طرد الفقراء عنه، وذلك إنما هو الحسد، لا ~~إيثار مجالسته واتباعه، قاله أبو سليمان. # فان قيل: كيف انفردت لام «كي» في قوله: «ولتستبين» وسبيلها أن تكون ~~شرطا لفعل يتقدمها أو يأتي بعدها؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري بجوابين: # أحدهما: أنها شرط لفعل مضمر، يراد به: ونفعل ذلك لكي تستبين. # والثاني: أنها معطوفة على لام مضمرة، تأويله: نفصل الآيات لينكشف ~~أمرهم، ولتستبين سبيلهم. ### || [6.56] # قوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين ms0591 تدعون من دون الله } يعني ~~الأصنام. وفي معنى { تدعون } قولان. أحدهما: تدعونهم آلهة. # والثاني: تعبدون؛ قاله ابن عباس. وأهواءهم: دينهم. قال الزجاج: أراد ~~إنما عبدتموها على طريق الهوى، لا على طريق البينة والبرهان. ومعنى { ~~إذا } معنى الشرط؛ والمعنى: قد ضللت إن عبدتها. وقرأ طلحة، وابن أبي ~~ليلى: «قد ضللت» بكسر اللام. ### || [6.57] # قوله تعالى: { قل إني على بينة من ربي } سبب نزولها: أن النضر بن الحارث ~~وسائر قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ائتنا بالعذاب الذي ~~تعدنا به، استهزاء؛ وقام النضر عند الكعبة وقال: اللهم إن كان ما ~~يقول حقا، فائتنا بالعذاب؛ فنزلت هذه الآية؛ رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~فأما البينة، فهي الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل. قال الزجاج: أنا ~~على أمر بين، لا متبع لهوى. # قوله تعالى: { وكذبتم به } في هاء الكناية ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى الرب. # والثاني: ترجع إلى البيان. # والثالث: ترجع إلى العذاب الذي طلبوه استهزاء. # قوله تعالى: { ما عندي ما تستعجلون به } أي: ما بيدي. وفي الذي استعجلوا ~~به قولان. # أحدهما: أنه العذاب؛ قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أنه الآيات التي كانوا يقترحونها؛ ذكره الزجاج. # قوله تعالى: { إن الحكم إلا لله } فيه قولان. # أحدهما: أنه الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بايجاب الثواب والعقاب. # والثاني: أنه القضاء بانزال العذاب على المخالف. # قوله تعالى: { يقص الحق } قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع: «يقص ~~الحق» بالصاد المشددة من القصص؛ والمعنى: أن كل ما أخبر به فهو حق. وقرأ ~~أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «يقضي الحق» من القضاء؛ والمعنى: ~~يقضي القضاء الحق. ### || [6.58] # قوله تعالى: { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } أي: من العذاب { لقضي ~~الأمر بيني وبينكم } قال ابن عباس: يقول: لم أمهلكم ساعة، ولأهلكتكم. # قوله تعالى: { والله أعلم بالظالمين } فيه قولان. # أحدهما: أن المعنى إن شاء عاجلهم، وإن شاء أخر عقوبتهم. # والثاني: أعلم بما يؤول إليه أمرهم، وأنه قد يهتدي منهم قوم، ولا يهتدي ~~آخرون؛ فلذلك يؤخرهم. ### || [6.59] ms0592 # قوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب } قال ابن جرير: المفاتح: جمع مفتح؛ ~~يقال مفتح ومفتاح، فمن قال: مفتح، جمعه: مفاتح. ومن قال: مفتاح، جمعه: ~~مفاتيح، وفي { مفاتح الغيب } سبعة أقوال. # أحدها: أنها خمس لا يعلمها إلا الله عز وجل. روى البخاري في أفراده من ~~حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم متى تقوم الساعة إلا ~~الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ~~ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله " # قال ابن مسعود: أوتي نبيكم علم كل شيء إلا مفاتيح الغيب. # والثاني: أنها خزائن غيب السموات من الأقدار والأرزاق، قاله ابن عباس. # والثالث: ما غاب عن الخلق من الثواب والعقاب، وما تصير إليه الأمور، ~~قاله عطاء. # والرابع: خزائن غيب العذاب، متى ينزل، قاله مقاتل. # والخامس: الوصلة إلى علم الغيب إذا استعلم، قاله الزجاج. # والسادس: عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال. # والسابع: ما لم يكن، هل يكون، أم لا يكون؟ وما يكون كيف يكون وما لا ~~يكون، إن كان، كيف يكون؟ فأما البر، فهو القفر. وفي البحر قولان. ~~أحدهما: أنه الماء، قاله الجمهور. والثاني: أنه القرى، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } قال الزجاج: المعنى أنه ~~يعلمها ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، ليس ~~تأويله: اعرفه في حال مجيئه فقط. فأما ظلمات الأرض، فالمراد بها بطن ~~الأرض. # وفي الرطب واليابس، خمسة أقوال. # أحدها: أن الرطب: الماء، واليابس: البادية. # والثاني: الرطب: ما ينبت، واليابس: مالا ينبت. # والثالث: الرطب: الحي، واليابس: الميت. # والرابع: الرطب: لسان المؤمن يذكر الله، واليابس: لسان الكافر لا يتحرك ~~بذكر الله. # والخامس: أنهما الشيء ينتقل من إحدى الحالتين إلى الأخرى، فهو يعلمه ~~رطبا، ويعلمه يابسا. وفي الكتاب المبين قولان. # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. والثاني: أنه علم الله ~~المتقن، ذكره الزجاج. فان قيل: ما الفائدة ms0593 في إحصاء هذه الأشياء في ~~كتاب؟ فعنه ثلاثة أجوبة، ذكرهن ابن الأنباري. # أحدها: أنه أحصاها في كتاب، لتقف الملائكة على نفاذ علمه. # والثاني: أنه نبه بذلك عباده على تعظيم الحساب، وأعلمهم أنه لا يفوته ما ~~يصنعون، لأن من يثبت مالا ثواب فيه ولا عقاب، فهو إلى إثبات ما فيه ثواب ~~وعقاب أسرع. # والثالث: أن المراد بالكتاب: العلم؛ فالمعنى: أنها مثبتة في علمه. ### || [6.60] # قوله تعالى: { وهو الذي يتوفاكم بالليل } يريد به النوم، لأنه يقبض ~~الأرواح عن التصرف بالنوم، كما يقبض بالموت. وقال ابن عباس: يقبض أرواحكم ~~في منامكم. وجرحتم: بمعنى كسبتم. { ثم يبعثكم } أي: يوقظكم فيه، أي: في ~~النهار. { ليقضى أجل مسمى } أي: لتبلغوا الأجل المسمى لانقطاع حياتكم، ~~فدل باليقظة بعد النوم على البعث بعد الموت. ### || [6.61] # قوله تعالى: { ويرسل عليكم حفظة } الحفظة: الملائكة، واحدهم: حافظ، ~~والجمع: حفظة، مثل كاتب وكتبة، وفاعل وفعلة، وفيما يحفظونه قولان. # أحدهما: أعمال بني آدم؛ قاله ابن عباس. والثاني: أعمالهم وأجسادهم، قاله ~~السدي. # قوله تعالى: { توفته رسلنا } وقرأ حمزة: «توفاه رسلنا» وحجته أنه فعل ~~مسند إلى مؤنث غير حقيقي، وإنما التأنيث للجمع، فهو مثل: # وقال نسوة # [يوسف: 30] وفي المراد بالرسل ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أعوان ملك الموت، قاله ابن عباس. وقال النخعي: أعوانه ~~يتوفون النفوس، وهو يأخذها منهم. # والثاني: أن المراد بالرسل ملك الموت وحده، قاله مقاتل. # والثالث: أنهم الحفظة، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وهم لا يفرطون } قال ابن عباس: لا يضيعون. فان قيل: ~~كيف الجمع بين قوله: { توفته رسلنا } وبين قوله: # قل يتوفاكم ملك الموت # [السجدة: 11] فعنه جوابان. # أحدهما: أنه يجوز أن يريد بالرسل ملك الموت وحده، وقد يقع الجمع على ~~الواحد. والثاني: أن أعوان ملك الموت يفعلون بأمره، فأضيف الكل إلى ~~فعله. # وقيل: توفي أعوان ملك الموت بالنزع، وتوفي ملك الموت بأن يأمر ~~الأرواح فتجيب، ويدعوها فتخرج، وتوفي الله تعالى بأن يخلق الموت في ~~الميت. ### || [6.62] # قوله تعالى: { ثم ردوا إلى الله } يعني العباد وفي متولي الرد ~~قولان. # أحدهما: أنهم الملائكة، ردتهم بالموت ms0594 إلى الله تعالى. # والثاني: أنه الله عز وجل، ردهم بالبعث في الآخرة. وفي معنى ردهم إلى ~~الله تعالى قولان. # أحدهما: أنهم ردوا إلى المكان الذي لا يملك الحكم فيه إلا الله وحده. # والثاني: أنهم ردوا إلى تدبيره وحده؛ لأنه لما أنشأهم كان منفردا ~~بتدبيرهم، فلما مكنهم من التصرف، صاروا في تدبير أنفسهم، ثم كفهم عنه ~~بالموت، فصاروا مردودين إلى تدبيره. # قوله تعالى: { ألا له الحكم } يعني القضاء. وبيان سرعة الحساب، في ~~(البقرة). ### || [6.63-64] # قوله تعالى: { قل من ينجيكم } قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر: ~~{ قل من ينجيكم } ، { قل الله ينجيكم } مشددين. وقرأ يعقوب، ~~والقزاز، عن عبد الوارث: بسكون النون وتخفيف الجيم. قال الزجاج: ~~والمشددة أجود للكثرة. وظلمات البر والبحر: شدائدها؛ والعرب تقول لليوم ~~الذي تلقى فيه شدة: يوم مظلم، حتى إنهم يقولون: يوم ذو كواكب، أي: قد ~~اشتدت ظلمته حتى صار كالليل. قال الشاعر: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي # إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # قوله تعالى: { تدعونه تضرعا } أي: مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر إلى ~~الشيء، والحاجة. # قوله تعالى: { وخفية } قرأ عاصم إلا حفصا: «وخفية» بكسر الخاء؛ وكذلك ~~في (الأعراف). وقرأ الباقون بضم الخاء، وهما لغتان. قال الفراء: وفيها ~~لغة أخرى بالواو، ولا تصلح في القراءة، خفوة، وخفوة. ومعنى الكلام: ~~أنكم تدعونه في أنفسكم كما تدعونه ظاهرا: «لئن أنجيتنا»، كذلك قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو: «لئن أنجيتنا»، وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «لئن أنجانا» بألف، لمكان الغيبة في قوله: «تدعونه». وكان ~~حمزة، والكسائي، وخلف، يميلون الجيم. # قوله تعالى: { من هذه } يعني: في أي شدة وقعتم، قلتم: «لئن أنجيتنا من ~~هذه» قال ابن عباس: و«الشاكرون» هاهنا: المؤمنون. وكانت قريش تسافر في ~~البر والبحر، فاذا ضلوا الطريق، وخافوا الهلاك، دعوا الله مخلصين، ~~فأنجاهم. فأما «الكرب» فهو الغم الذي يأخذ بالنفس، ومنه اشتقت الكربة. ### || [6.65] # قوله تعالى: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم } فيه قولان. أحدهما: أن الذي فوقهم: العذاب النازل ms0595 من ~~السماء، كما حصب قوم لوط، وأصحاب الفيل. والذي من تحت أرجلهم: كما خسف ~~بقارون، قاله ابن عباس، والسدي، ومقاتل. وقال غيرهم: ومنه الطوفان، ~~والريح، والصيحة، والرجفة. # والقول الثاني: أن الذي من فوقهم: من قبل أمرائهم. والذي من تحتهم: من ~~سفلتهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال في رواية أخرى: الذي ~~من فوقهم: أئمة السوء؛ والذي من تحت أرجلهم: عبيد السوء. # قوله تعالى: { أو يلبسكم شيعا } قال ابن عباس: يبث فيكم الأهواء ~~المختلفة، فتصيرون فرقا، قال ابن قتيبة: يلبسكم: من الالتباس عليهم. ~~والمعنى: حتى تكونوا شيعا، أي: فرقا مختلفين. ثم يذيق بعضكم بأس بعض ~~بالقتال والحرب. وقال الزجاج: يلبسكم، أي: يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط ~~اتفاق. يقال: لبست عليهم الأمر، ألبسه: إذا لم أبينه. ومعنى شيعا، ~~أي يجعلكم فرقا، فاذا كنتم مختلفين، قاتل بعضكم بعضا. # قوله تعالى: { ويذيق بعضكم بأس بعض } أي: يقتل بعضكم بيد بعض، وفيمن ~~عني بهذه الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها في المسلمين أهل الصلاة، هذا مذهب ابن عباس، وأبي العالية، ~~وقتادة. وقال أبي بن كعب في هذه الآية: هن أربع خلال، وكلهن عذاب، ~~وكلهن واقع قبل يوم القيامة، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض. وثنتان ~~واقعتان لا محالة: الخسف: والرجم. # والثاني: أن العذاب للمشركين، وباقي الآية للمسلمين، قاله الحسن. وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يصيبكم ~~بعذاب أصاب به من كان قبلكم، فأعطانيها، وسألته إن لا يسلط عليكم ~~عدوا يستبيح بيضتكم، فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم ~~بأس بعض، فمنعنيها " # والثالث: أنها تهدد للمشركين، قاله ابن جرير الطبري، وأبو سليمان ~~الدمشقي. ### || [6.66] # قوله تعالى: { وكذب به قومك } في هاء «به» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها كناية عن القرآن. # والثاني: عن تصريف الآيات. # والثالث: عن العذاب. # قوله تعالى: { قل لست عليكم بوكيل } فيه قولان. # أحدهما: ms0596 لست حفيظا على أعمالكم لأجازيكم بها، إنما أنا منذر، قاله ~~الحسن. # والثاني: لست حفيظا عليكم أخذكم بالإيمان، إنما أدعوكم إلى الله قاله، ~~الزجاج. # فصل # وفي هذا القدر من الآية قولان. # أحدهما: أنه اقتضى الاقتصار في حقهم على الإنذار من غير زيادة، ثم نسخ ~~ذلك بآية السيف. # والثاني: أن معناه لست حفيظا عليكم، إنما أطالبكم بالظواهر من ~~الإقرار والعمل، لا بالأسرار؛ فعلى هذا هو محكم. ### || [6.67] # قوله تعالى: { لكل نبأ مستقر } أي: لكل خبر يخبر الله به وقت يقع فيه ~~من غير خلف ولا تأخير. قال السدي: فاستقر نبأ القرآن بما كان يعدهم من ~~العذاب يوم بدر. وقال مقاتل: منه في الدنيا يوم بدر، وفي الآخرة جهنم. ### || [6.68] # قوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } فيمن أريد بهذه الآية ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: المشركون. # والثاني: اليهود. # والثالث: أصحاب الأهواء. والآيات: القرآن. وخوض المشركين فيه: تكذيبهم ~~به، واستهزاؤهم، ويقاربه خوض اليهود، وخوض أهل الأهواء بالمراء ~~والخصومات. # قوله تعالى: { فأعرض عنهم } أي: فاترك مجالستهم، حتى يكون خوضهم في غير ~~القرآن. { وإما ينسينك } وقرأ ابن عامر: «ينسينك» بفتح النون، ~~وتشديد السين، والنون الثانية. ومثل هذا: غرمته وأغرمته. وفي ~~التنزيل. # فمهل الكافرين أمهلهم # [الطارق: 17]. والمعنى: إذا أنساك الشيطان، فقعدت معهم ناسيا نهينا ~~لك، فلا تقعد بعد الذكرى. والذكر والذكرى: واحد. قال ابن عباس: قم إذا ~~ذكرته؛ والظالمون: المشركون. ### || [6.69] # قوله تعالى: { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المسلمين قالوا: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن، ~~وخاضوا فيه، فمنعناهم، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، ولا أن نطوف ~~بالبيت، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أن المسلمين قالوا: إنا نخاف الإثم إن لم ننههم عن الخوض، ~~فنزلت هذه الآية. # والثالث: أن المسلمين قالوا: لو قمنا عنهم إذا خاضوا فانا نخشى الإثم في ~~مجالستهم، فنزلت هذه الآية. هذا عن مقاتل، والأولان عن ابن عباس. # قوله تعالى: { وما على الذين يتقون } فيه قولان. # أحدهما: يتقون الشرك. والثاني: يتقون الخوض. # قوله ms0597 تعالى: { من حسابهم } يعني: حساب الخائضين. وفي { حسابهم } قولان. # أحدهما: أنه كفرهم وآثامهم. والثاني: عقوبة خوضهم. # قوله تعالى: { ولكن ذكرى } أي: ولكن عليكم أن تذكروهم. وفيما تذكرونهم ~~به قولان. # أحدهما: المواعظ. والثاني: قيامكم عنهم. قال مقاتل: إذا قمتم عنهم، ~~منعهم من الخوض الحياء منكم، والرغبة في مجالستكم. # قوله تعالى: { لعلهم يتقون } فيه قولان. # أحدهما: يتقون الاستهزاء. والثاني: يتقون الوعيد. # فصل # وقد ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنها اقتضت جواز مجالسة الخائضين ~~والاقتصار على تذكيرهم، ثم نسخت بقوله: # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم # [النساء: 140] والصحيح أنها محكمة، لأنها خبر، وإنما دلت على أن كل عبد ~~يختص بحساب نفسه، ولا يلزمه حساب غيره. ### || [6.70] # قوله تعالى: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } فيهم قولان. # أحدهما: أنها الكفار. والثاني: اليهود والنصارى. # وفي اتخاذهم دينهم لعبا ولهوا ثلاثة أقوال. أحدها: أنه استهزاؤهم ~~بآيات الله إذا سمعوها. # والثاني: أنهم دانوا بما اشتهوا، كما يلهون بما يشتهون. # والثالث: أنهم يحافظون على دينهم إذا اشتهوا، كما يلهون إذا اشتهوا. ~~قال الفراء: ويقال: إنه ليس من قوم إلا ولهم عيد، فهم يلهون في ~~أعيادهم، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فان أعيادهم صلاة وتكبير وبر ~~وخير. # فصل # ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، قولان. # أحدهما: أنه خرج مخرج التهديد، كقوله: # ذرني ومن خلقت وحيدا # [المدثر: 11] فعلى هذا، هو محكم. وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد. # والثاني: أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف؛ ~~وإلى هذا ذهب قتادة، والسدي. # قوله تعالى: { وذكر به } أي: عظ بالقرآن. وفي قوله: { أن تبسل } ~~قولان. # أحدهما: لئلا تبسل نفس كقوله: # أن تضلوا # [النساء: 176]. # والثاني: ذكرهم إبسال المبسلين بجناياتهم، لعلهم يخافون. # وفي معنى { تبسل } سبعة اقوال. # أحدها: تسلم. رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~والسدي. وقال ابن قتيبة: تسلم إلى الهلكة. قال الشاعر: # وإبسالي بني بغير جرم # بعوناه ولا بدم مراق # أي: ms0598 بغير جرم أجرمناه؛ والبعو: الجناية. وقال الزجاج: تسلم ~~بعملها غير قادرة على التخلص. والمستبسل: المستسلم الذي لا يعلم أنه يقدر ~~على التخلص. # والثاني: تفضح، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: تدفع، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: تهلك، روي عن ابن عباس أيضا. # والخامس: تحبس وتؤخذ، قاله قتادة، وابن زيد. # والسادس: تجزى، قاله ابن السائب، والكسائي. # والسابع: ترتهن، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: ترتهن وتسلم؛ وأنشد # هنالك لا أرجو حياة تسرني # سمير الليالي مبسلا بالجرائر # سمير الليالي: أبد الليالي. فأما الولي: فهو الناصر الذي يمنعها من ~~عذاب الله. والعدل: الفداء. قال ابن زيد: وإن تفتد كل فداء لا يقبل ~~منها. فأما الحميم، فهو الماء الحار. قال ابن قتيبة: ومنه سمي الحمام. ### || [6.71-72] # قوله تعالى: { قل أندعوا من دون الله } أي: أنعبد مالا يضرنا إن لم ~~نعبده، ولا ينفعنا إن عبدناه، وهي الأصنام. { ونرد على أعقابنا } أي: ~~نرجع إلى الكفر { بعد إذ هدانا الله } إلى الإسلام، فنكون { كالذي ~~استهوته الشياطين }. وقرأ حمزة: «استهواه الشياطين» على قياس قراءته: { ~~توفاه رسلنا } وفي معنى «استهوائها» قولان. # أحدهما: أنها هوت به وذهبت، قاله ابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: تشبه له ~~الشياطين فيتبعها، حتى تهوي به في الأرض، فتضله. # والثاني: زينت له هواه، قاله الزجاج. قال و { حيران }: منصوب على ~~الحال، أي: استهوته في حال حيرته. قال السدي: قال المشركون للمسلمين: ~~اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فقال تعالى: { قل أندعوا من دون الله ~~مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله } فنكون ~~كرجل كان مع قوم على طريق، فضل، فحيرته الشياطين، وأصحابه على الطريق ~~يدعونه: يا فلان هلم إلينا، فانا على الطريق، فيأبى. وقال ابن عباس: نزلت ~~هذه الآية في عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، دعاه أبوه وأمه إلى ~~الإسلام فأبى. قال مقاتل: والمراد بأصحابه: أبواه. # قوله تعالى: { قل إن هدى الله هو الهدى } هذا رد على من دعا إلى عبادة ~~الأصنام، وزجر عن إجابته كأنه قيل له: لا تفعل ms0599 ذلك، لأن هدى الله هو ~~الهدى، لا هدى غيره. # قوله تعالى: { وأمرنا لنسلم } قال الزجاج: العرب تقول: أمرتك أن تفعل، ~~وأمرتك لتفعل، وأمرتك بأن تفعل. فمن قال: «بأن» فالباء للالصاق. والمعنى: ~~وقع الأمر بهذا الفعل، ومن قال: «أن تفعل» فعلى خذف الباء؛ ومن قال: ~~«لتفعل» فقد أخبر بالعلة التي لها وقع الامر. قال وفي قوله: { وأن أقيموا ~~الصلاة } وجهان. # أحدهما: أمرنا لأن نسلم، ولأن نقيم الصلاة. # والثاني: أن يكون محمولا على المعنى، لأن المعنى: أمرنا بالإسلام، ~~وباقامة الصلاة. ### || [6.73] # قوله تعالى: { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق } فيه أربعة أقوال. # أحدها: خلقهما للحق. # والثاني: خلقهما حقا. # والثالث: خلقهما بكلامه، وهو الحق. # والرابع: خلقهما بالحكمة. # قوله تعالى: { ويوم يقول كن فيكون } قال الزجاج: الأجود أن يكون منصوبا ~~على معنى: واذكر يوم يقول كن فيكون، لأن بعده { وإذ قال إبراهيم } ~~فالمعنى: واذكر هذا وهذا. وفي الذي يقول له كن فيكون، ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه يوم القيامة، قاله مقاتل. # والثاني: ما يكون في القيامة. # والثالث: أنه الصور، وما ذكر من أمر الصور يدل عليه، قالهما الزجاج. ~~قال: وخص ذلك اليوم بسرعة إيجاد الشيء، ليدل على سرعة أمر البعث. # قوله تعالى: { قوله الحق } أي: الصدق الكائن لا محالة { وله الملك يوم ~~ينفخ في الصور }. وروى إسحاق بن يوسف الأزرق عن أبي عمرو: «ننفخ» بنونين ~~ومعنى الكلام: أن الملوك يومئذ لا ملك لهم، فهو المنفرد بالملك وحده، كما ~~قال: # والأمر يومئذ لله # [الإنفطار: 19] وفي «الصور» قولان. # أحدهما: أنه قرن ينفخ فيه؛ # " روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الصور، فقال: «هو قرن ينفخ فيه» " # وقال مجاهد: الصور كهيأة البوق. وحكى ابن قتيبة: أن الصور: القرن، في ~~لغة قوم من أهل اليمن، وأنشد: # نحن نطحناهم غداة الجمعين # بالضابحات في غبار النقعين # نطحا شديدا لا كنطح الصورين # وأنشد الفراء: # لولا ابن جعدة لم يفتح قهندزكم # ولا خراسان حتى ينفخ الصور # وهذا اختيار الجمهور. # والثاني: أن الصور جمع صورة؛ ms0600 يقال: صورة وصور، بمنزلة سورة وسور، كسورة ~~البناء؛ والمراد نفخ الأرواح في صور الناس، قاله قتادة: وأبو عبيدة. ~~وكذلك قرأ الحسن، ومعاذ القارىء، وأبو مجلز، وأبو المتوكل «في ~~الصور» بفتح الواو. قال ثعلب: الأجود أن يكون الصور: القرن، لأنه قال ~~عز وجل { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض } ثم قال: { ~~ثم نفخ فيه أخرى }؛ ولو كان الصور، كان: ثم نفخ فيها أو فيهن؛ وهذا ~~يدل على أنه واحد؛ وظاهر القرآن يشهد أنه ينفخ في الصور مرتين. وقد ~~روى أهل التفسير عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الصور قرن ينفخ فيه ثلاث نفخات؛ الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة ~~الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين " # قال ابن عباس: وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية هي الأولى، يعني: نفخة ~~الصعق. # قوله تعالى: { عالم الغيب } وهو ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه، { ~~والشهادة } وهو ما شاهدوه ورأوه. وقال الحسن: يعني بذلك السر والعلانية. ### || [6.74] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } في { آزر } أربعة أقوال. # أحدها: أنه أسم أبيه، روي عن ابن عباس، والحسن، والسدي، وابن إسحاق. # والثاني: أنه اسم صنم، فأما اسم أبي إبراهيم: فتارح، قاله مجاهد: فيكون ~~المعنى: أتتخذ آزر أصناما؟ فكأنه جعل أصناما بدلا من آزر، والاستفهام ~~معناه الإنكار. # والثالث: أنه ليس باسم، إنما هو سب بعيب، وفي معناه قولان. أحدهما: أنه ~~المعوج، كأنه عابه نريغه وتعويجه عن الحق، ذكره الفراء. والثاني: أنه ~~المخطىء، فكأنه قال: يا مخطىء أتتخذ أصناما؟ ذكره الزجاج. # والرابع: أنه لقب لأبيه، وليس باسمه، قاله مقاتل بن حيان. قال ابن ~~الانباري: قد يغلب على اسم الرجل لقبه، حتى يكون به أشهر منه باسمه، ~~والجمهور على قراءة { آزر } بالنصب. وقرأ الحسن، ويعقوب بالرفع. قال ~~الزجاج: من نصب، فموضع { آزر } خفض بدلا من أبيه؛ ومن رفع فعلى النداء. ### || [6.75] # قوله تعالى: { وكذلك نري إبراهيم } أي: وكما أريناه البصيرة في دينه، ~~والحق في خلاف قومه، نريه { ملكوت السموات والأرض ms0601 }. وقيل: { نري } بمعنى ~~أرينا. قال الزجاج: والملكوت بمنزلة الملك، إلا أن الملكوت أبلغ في ~~اللغة، لأن الواو والتاء يزادان للمبالغة؛ ومثل الملكوت: الرغبوت ~~والرهبوت. قال مجاهد: ملكوت السموات والأرض: آياتها؛ تفرجت له السموات ~~السبع، حتى العرش، فنظر فيهن، وتفرجت له الأرضون السبع، فنظر فيهن. وقال ~~قتادة: ملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم. وملكوت الأرض: الجبال ~~والشجر والبحار. وقال السدي: أقيم على صخرة، وفتحت له السموات والأرض، ~~فنظر إلى ملك الله عز وجل، حتى نظر إلى العرش، وإلى منزله من الجنة، ~~وفتحت له الأرضون السبع، حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون. # قوله تعالى: { وليكون من الموقنين } هذا عطف على المعنى، لأن معنى ~~الآية: نريه ملكوت السموات والأرض ليستدل به، وليكون من الموقنين. وفي ما ~~يوقن به ثلاثة أقوال. # أحدها: وحدانية الله وقدرته. # والثاني: نبوته ورسالته. # والثالث: ليكون موقنا بعلم كل شيء، حسا لا خبرا. ### || [6.76] # قوله تعالى: { فلما جن عليه الليل } قال الزجاج: يقال جن عليه الليل، ~~وأجنه الليل: إذا أظلم، حتى يستر بظلمته؛ ويقال لكل ما ستر: جن، وأجن، ~~والاختيار أن يقال: جن عليه الليل، وأجنه الليل. # الإشارة إلى بدء قصة إبراهيم عليه السلام. # روى أبو صالح عن ابن عباس قال: ولد إبراهيم في زمن نمروذ وكان لنمروذ، ~~كهان، فقالوا: له يولد في هذه السنة مولود يفسد آلهة أهل الأرض، ~~ويدعوهم إلى غير دينهم، ويكون هلاك أهل بيتك على يده، فعزل النساء عن ~~الرجال، ودخل آزر إلى بيته فوقع على زوجته، فحملت، فقال الكهان لنمروذ: ~~إن الغلام قد حمل به الليلة. فقال: كل من ولدت غلاما فاقتلوه. فلما أخذ ~~أم إبراهيم المخاض، خرجت هاربة، فوضعته في نهر يابس، ولفته في خرقة، ~~ثم وضعته في حلفاء، وأخبرت به أباه، فأتاه، فحفر له سربا، وسد عليه ~~بصخرة، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه، حتى شب وتكلم، فقال لأمه: من ربي؟ ~~فقالت: أنا. قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك. قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت. ~~فسكت، فرجعت إلى زوجها، فقالت: إن الغلام الذي كنا نتحدث ms0602 أنه يغير دين ~~أهل الأرض، ابنك. فأتاه، فقال له مثل ذلك. فلما جن عليه الليل، دنا من ~~باب السرب، فنظر فرأى كوكبا. قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم «رأى» بفتح ~~الراء والهمزة، وقرأ أبو عمرو «رإى»؛ بفتح الراء وكسر الهمزة، وقرأ ابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «رإى»، بكسر الراء والهمزة، ~~واختلفوا فيها إذا لقيها ساكن، وهو آت في ستة مواضع: { رأى القمر } { ~~فلما رأى الشمس } وفي النحل # وإذا رأى الذين ظلموا # [النحل: 85] # وإذا رأى الذين أشركوا # [النحل: 86] وفي الكهف # ورأى المجرمون النار # [الكهف: 53] وفي الأحزاب # ولما رأى المؤمنون # [الأحزاب: 22] وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة إلا العبسي، وخلف في ~~اختياره: بكسر الراء وفتح الهمزة في الكل، وروى العبسي كسرة الهمزة ~~أيضا، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بفتح ~~الراء والهمزة. فان اتصل ذلك بمكني، نحو: رآك، ورآه، ورآها؛ فان حمزة، ~~والكسائي، وخلف والوليد عن ابن عامر، والمفضل، وأبان، والقزاز عن عبد ~~الوارث، والكسائي عن أبي بكر: يكسرون الراء، ويميلون الهمزة. # وفي الكوكب الذي رآه قولان. # أحدهما: أنه الزهرة، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: المشتري، قاله مجاهد، والسدي. # قوله تعالى: { قال هذا ربي } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه على ظاهره، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: هذا ربي، ~~فعبده حتى غاب، وعبد القمر حتى غاب، وعبد الشمس حتى غابت؛ واحتج أرباب ~~هذا القول بقوله: { لئن لم يهدني ربي } وهذا يدل على نوع تحيير، قالوا: ~~وإنما قال هذا في حال طفولته على ما سبق إلى وهمه، قبل أن يثبت عنده ~~دليل. # وهذا القول لا يرتضى، والمتأهلون للنبوة محفوظون من مثل هذا على كل ~~حال. # فأما قوله: { لئن لم يهدني ربي } فما زال الأنبياء يسألون الهدى، ~~ويتضرعون في دفع الضلال عنهم، كقوله: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] ولأنه قد آتاه رشده من قبل، وأراه ملكوت السموات والأرض ~~ليكون موقنا، فكيف لا يعصمه عن مثل هذا التحيير؟! # والثاني: أنه قال ذلك استدراجا للحجة، ليعيب ms0603 آلهتهم ويريهم بغضها عند ~~أفولها، ولا بد أن يضمر في نفسه: إما على زعمكم، أو فيما تظنون، فيكون ~~كقوله: { اين شركائي } ، وإما أن يضمر: يقولون، فيكون كقوله: # ربنا تقبل منا # [البقرة: 127] أي: يقولان ذلك، ذكر نحو هذا أبو بكر بن الانباري، ويكون ~~مراده: استدراج الحجة عليهم، كما نقل عن بعض الحكماء أنه نزل بقوم يعبدون ~~صنما، فأظهر تعظيمه، فأكرموه، وصدروا عن رأيه، فدهمهم عدو، فشاورهم ~~ملكهم، فقال: ندعو إلهنا ليكشف ما بنا، فاجتمعوا يدعونه، فلم ينفع، ~~فقال: هاهنا إله ندعوه، فيستجيب، فدعوا الله، فصرف عنهم ما يحذرون، ~~وأسلموا. # والثالث: أنه قال مستفهما، تقديره: أهذا ربي؟ فأضمرت ألف الاستفهام، ~~كقوله: # أفان مت، فهم الخالدون # [الأنبياء: 34]؟ أي: أفهم الخالدون؟ قال الشاعر: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط # غلس الظلام من الرباب خيالا # أراد: أكذبتك؟ قال ابن الأنباري: وهذا القول شاذ، لأن حرف الاستفهام لا ~~يضمر إذ كان فارقا بين الإخبار والاستخبار؛ وظاهر قوله: { هذا ربي } أنه ~~إشارة إلى الصانع. وقال الزجاج: كانوا أصحاب نجوم، فقال: هذا ربي، أي: ~~هذا الذي يدبرني، فاحتج عليهم أن هذا الذي تزعمون أنه مدبر، لا نرى فيه ~~إلا أثر مدبر. و«أفل»: بمعنى: غاب؛ يقال: أفل النجم يأفل ويأفل ~~أفولا. # قوله تعالى: { لا أحب الآفلين } أي: حب رب معبود، لأن ما ظهر وأفل ~~كان حادثا مدبرا. ### || [6.77-78] # قوله تعالى: { فلما رأى القمر } قال ابن قتيبة: سمي القمر قمرا لبياضه؛ ~~والأقمر: الأبيض؛ وليلة قمراء، أي: مضيئة. فأما البازغ، فهو الطالع. ~~ومعنى { لئن لم يهدني } لئن لم يثبتني على الهدى. فان قيل: لم قال في ~~الشمس: هذا، ولم يقل: هذه؟ فعنه أربعة أجوبه. # أحدها: أنه رأى ضوء الشمس لا عينها، قاله محمد بن مقاتل. والثاني: أنه ~~أراد هذا الطالع ربي، قاله الأخفش. والثالث: أن الشمس بمعنى الضياء ~~والنور، فحمل الكلام على المعنى. والرابع: أن الشمس ليس في لفظها علامة ~~من علامات التأنيث، وإنما يشبه لفظها لفظ المذكر، فجاز تذكيرها. ذكره ~~والذي قبله ابن الانباري. ### || [6.79-80] # قوله تعالى: { إني وجهت وجهي } قال ms0604 الزجاج: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي ~~لله رب العالمين عز وجل. وباقي الآية قد تقدم. # وقوله تعالى: { وحاجه قومه } قال ابن عباس: جادلوه في آلهتهم، وخوفوه ~~بها، فقال: منكرا عليهم: { أتحاجوني } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: { أتحاجوني } و # تأمروني # [الزمر: 64] بتشديد النون. وقرأ نافع، وابن عامر بتخفيفها، فحذفا النون ~~الثانية لالتقاء النونين. ومعنى { أتحاجوني في الله } أي: في توحيده. { ~~وقد هدان } أي: بين لي ما به اهتديت. وقرأ الكسائي: «هداني» بامالة ~~الدال. والإمالة حسنة فيما كان أصله الياء، وهذا من هدى يهدي. # قوله تعالى: { ولا أخاف ما تشركون به } أي: لا أرهب آلهتكم، وذلك أنهم ~~قالوا: نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء، فقال: لا أخافها لأنها لا تضر ولا تنفع ~~{ إلا أن يشاء ربي شيئا } فله أخاف { وسع ربي كل شيء علما } أي علمه ~~علما تاما. ### || [6.81-82] # قوله تعالى: { وكيف أخاف ما أشركتم } أي: من هذه الأصنام التي لا تضر ~~ولا تنفع، ولا تخافون أنتم أنكم أشركتم بالله الذي خلقكم ورزقكم، وهو ~~قادر على ضركم ونفعكم { ما لم ينزل به عليكم سلطانا } أي: حجة. { فأي ~~الفريقين أحق بالأمن } أي: بأن يأمن العذاب، الموحد الذي يعبد من بيده ~~الضر والنفع؟ أم المشرك الذي يعبد مالا يضر ولا ينفع؟ ثم بين الأحق من هو ~~بقوله: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } أي: لم يخلطوه بشرك. روى ~~البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت هذه ~~الآية، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك؟ فقال: ~~إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه؟! # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. # وفيمن عني بهذه الآية, ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إبراهيم وأصحابه، وليست في هذه الأمة، قاله علي بن أبي طالب. ~~وقال في رواية أخرى: هذه الآية لإبراهيم خاصة، ليس لهذه الأمة منها شيء. # والثاني: أنه من هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة. # والثالث: أنها عامة، ذكره بعض المفسرين. وهل هي من قول ابراهيم لقومه، ~~أم جواب من الله تعالى؟ فيه ms0605 قولان. ### || [6.83] # قوله تعالى: { وتلك حجتنا } يعني: ما جرى بينه وبين قومه من الاستدلال ~~على حدوث الكوكب والقمر والشمس، وعيبهم، إذ سووا بين الصغير والكبير، ~~وعبدوا من لا ينطق، وإلزامه إياهم الحجة. { آتيناها ابراهيم } أرشدناه ~~إليها بالإلهام. وقال مجاهد: الحجة قول ابراهيم { فأي الفريقين أحق ~~بالأمن }؟. # قوله تعالى: { نرفع درجات من نشاء } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عمرو، ~~وابن عامر: { درجات من نشاء } ، مضافا. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، { ~~درجات } ، منونا، وكذلك قرؤوا في (يوسف) [يوسف: 76] ثم في المعنى قولان. # أحدهما: أن الرفع بالعلم والفهم والمعرفة. والثاني: بالاصطفاء للرسالة. # قوله تعالى: { إن ربك حكيم } قال ابن جرير: حكيم في سياسة خلقه، وتلقينه ~~أنبياءه الحج على أممهم المكذبة { عليم } بما يؤول إليه أمر الكل. ### || [6.84-87] # قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق } ولدا لصلبه { ويعقوب } ولدا لإسحاق { ~~كلا } من هولاء المذكورين { هدينا } أي: أرشدنا. # قوله تعالى: { ومن ذريته } في «هاء الكناية» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى نوح؛ رواه أبو صالح عن ابن عباس. واختاره الفراء، ~~ومقاتل، وابن جرير الطبري. # والثاني: إلى إبراهيم، قاله عطاء. وقال الزجاج: كلا القولين جائز، لأن ~~ذكرهما جميعا قد جرى، واحتج ابن جرير للقول الأول بأن الله تعالى، ذكر ~~في سياق الآيات لوطا، وليس من ذرية إبراهيم. وأجاب عنه أبو سليمان ~~الدمشقي بأنه يحتمل أن يكون أراد: ووهبنا له لوطا في المعاضدة والنصرة، ~~ثم قوله: { وكذلك نجزي المحسنين } من أبين دليل على انه إبراهيم، لأن ~~افتتاح الكلام إنما هو بذكر ما أثاب به إبراهيم. فأما «يوسف» فهو اسم ~~أعجمي. قال الفراء: «يوسف» بضم السين من غير همز، لغة أهل الحجاز، وبعض ~~بني أسد يقول: «يؤسف» بالهمز، وبعض العرب يقول: «يوسف» بكسر السين، وبعض ~~بني عقيل يقول: «يوسف» بفتح السين. # قوله تعالى: { وكذلك نجزي المحسنين } أي: كما جزينا إبراهيم على توحيده ~~وثباته على دينه، بأن رفعنا درجته، ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء، ~~كذلك نجزي المحسنين. فأما عيسى، وإلياس، واليسع، ولوطا، فأسماء أعجمية، ~~وجمهور القراء يقرؤون «اليسع» بلام واحدة مخففا، منهم ابن ms0606 كثير، ونافع، ~~وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر. وقرأ حمزة، والكسائي، هاهنا وفي صلى الله ~~عليه وسلم «إلليسع» بلامين مع التشديد. قال الفراء: وهي أشبه ~~بالصواب، وبأسماء الأنبياء من بني إسرائيل، ولأن العرب لا تدخل على ~~«يفعل» إذا كان في معنى فلان، ألفا ولاما، يقولون: هذا يسع قد جاء، ~~وهذا يعمر، وهذا يزيد، فهكذا الفصيح من الكلام. وأنشدني بعضهم: # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا # شديدا بأحناء الخلافة كاهله # فلما ذكر الوليد بالألف واللام، أتبعه يزيد بالألف واللام، وكل صواب. ~~وقال مكي: من قرأه بلام واحدة. فالأصل عنده: يسع، ومن قرأه بلامين، ~~فالأصل عنده: ليسع، فأدخلوا عليه حرف التعريف. وباقي أسماء الأنبياء ~~قد تقدم بيانها، والمراد بالعالمين: عالمو زمانهم. # قوله تعالى: { ومن آبائهم وذرياتهم } { من } هاهنا للتبعيض. قال ~~الزجاج: المعنى: هدينا هؤلاء، وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم. { واجتبيناهم ~~} مثل: اخترناهم واصطفيناهم، وهو مأخوذ من جبيت الشيء: إذا أخلصته لنفسك. ~~وجبيت الماء في الحوض: إذا جمعته فيه. فأما الصراط المستقيم: فهو ~~التوحيد. ### || [6.88] # قوله تعالى: { ذلك هدى الله } قال ابن عباس: ذلك دين الله الذي هم عليه، ~~{ يهدي به من يشاء من عباده }. { ولو أشركوا } يعني: الأنبياء المذكورين ~~{ لحبط } أي: لبطل وزال عملهم، لأنه لا يقبل عمل مشرك. ### || [6.89] # قوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } يعني: الكتب التي أنزلها ~~عليهم. والحكم، الفقه، والعلم { فان يكفر بها } يعني: بآياتنا. # وفيمن أشير إليه ب { هؤلاء } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة. # والثاني: أنهم قريش، قاله السدي. # والثالث: أمة النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن. # قوله تعالى: { فقد وكلنا بها } قال أبو عبيدة: فقد رزقناها قوما. وقال ~~الزجاج: وكلنا بالإيمان بها قوما، وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم أهل المدينة من الأنصار، قاله ابن عباس، وابن المسيب، ~~وقتادة، والسدي. # والثاني: الأنبياء والصالحون، قاله الحسن. وقال قتادة: هم النبيون ~~الثمانية عشر، المذكورون في هذا المكان، وهذا اختيار الزجاج، وابن جرير. # والثالث: أنهم الملائكة، قاله أبو رجاء. # والرابع: أنهم المهاجرون ms0607 والأنصار. ### || [6.90] # قوله تعالى: { أولئك الذين هدى الله } يعني: النبيين المذكورين. # وفي قوله تعالى: { فبهداهم اقتده } قولان. # أحدهما: بشرائعهم وبسننهم فاعمل، قاله ابن السائب. # والثاني: اقتد بهم في صبرهم، قاله الزجاج. وكان ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم، يثبتون الهاء من قوله: { اقتده } في الوصل ساكنة. وكان ~~حمزة، وخلف، ويعقوب، والكسائي عن أبي بكر، واليزيدي في اختياره، يحذفون ~~الهاء في الوصل. ولا خلاف في إثباتها في الوقف، وإسكانها فيه. # قوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا } يعني: على القرآن. والذكرى: ~~العظة. والعالمون: هاهنا الجن والإنس. ### || [6.91] # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } في سبب نزولها سبعة اقوال. # أحدها: # " أن مالك بن الصيف رأس اليهود، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ~~يوم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة على ~~موسى، أتجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟ قال: نعم. قال: فأنت الحبر ~~السمين فغضب ثم قال: { ما أنزل الله على بشر من شيء } فنزلت هذه الآية " # ، رواه أبو صالح عن ابن عباس؛ وكذلك قال سعيد بن جبير، وعكرمة: نزلت في ~~مالك بن الصيف. # والثاني: أن اليهود قالوا يا محمد، أنزل الله عليك كتابا؟ قال: «نعم». ~~قالوا والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فنزلت هذه الآية، رواه ~~الوالبي عن ابن عباس. # والثالث: أن اليهود قالوا يا محمد، إن موسى جاء بألواح يحملها من عند ~~الله، فائتنا بآية كما جاء موسى، فنزل # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء # [النساء: 153] إلى قوله # عظيما # [النساء: 156]. فلما حدثهم بأعمالهم الخبيثة، قالوا: والله ما أنزل ~~الله عليك ولا على موسى وعيسى، ولا على بشر، من شيء، فنزلت هذه الآية، ~~قاله محمد بن كعب. # والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى، آتاهم الله علما فلم ينتفعوا ~~به، قاله قتادة. # والخامس: أنها نزلت في فنحاص اليهودي، وهو الذي قال: { ما أنزل الله على ~~بشر من شيء } قاله السدي. # والسادس: أنها نزلت في مشركي قريش، قالوا: والله ما ms0608 أنزل الله على بشر ~~من شيء، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والسابع: أن أولها إلى قوله { من شيء } في مشركي قريش، وقوله: { من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى } في اليهود، رواه ابن كثير عن مجاهد. وفي معنى: ~~{ وما قدروا الله حق قدره } ثلاثة أقوال. # أحدها: ما عظموا الله حق عظمته، قاله ابن عباس، والحسن، والفراء، ~~وثعلب، والزجاج. # والثاني: ما وصفوه حق وصفته، قاله أبو العالية، واختاره الخليل. # والثالث: ما عرفوه حق معرفته، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: { يجعلونه قراطيس } معناه: يكتبونه في قراطيس. وقيل: إنما ~~قال: قراطيس، لأنهم كانوا يكتبونه في قراطيس مقطعة، حتى لا تكون ~~مجموعة، ليخفوا منها ما شاؤوا. # قوله تعالى: { يبدونها } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «يجعلونه قراطيس ~~يبدونها» و «يخفون» بالياء فيهن. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: بالتاء فيهن. فمن قرأ بالياء، فلأن القوم غيب، بدليل قوله: { ~~وما قدروا الله حق قدره } ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب، والمعنى: تبدون ~~منها ما تحبون، وتخفون كثيرا، مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية ~~الرجم، ونحو ذلك مما كتموه. # قوله تعالى: { وعلمتم مالم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } في المخاطب بهذا ~~قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله الجمهور. # والثاني: أنه خطاب للمسلمين، قاله مجاهد. فعلى الأول: علموا ما في ~~التوراة؛ وعلى الثاني: علموا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { قل الله } هذا جواب لقوله: { من أنزل الكتاب } وتقديره: ~~فإن أجابوك، وإلا فقل: الله أنزله. # قوله تعالى: { ثم ذرهم } تهديد. وخوضهم: باطلهم. وقيل: إن هذا أمر ~~بالإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف. # قوله تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه } يعني: القرآن، قال الزجاج، والمبارك: ~~الذي يأتي من قبله الخير الكثير. والمعنى: أنزلناه للبركة والإنذار. ### || [6.92] # قوله تعالى: { مصدق الذي بين يديه } من الكتب. # قوله تعالى: { ولتنذر أم القرى } قرأ عاصم إلا حفصا: «ولينذر» بالياء؛ ~~فيكون الكتاب هو المنذر. وقرأ الباقون: بالتاء، على الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. فأما أم القرى، فهي مكة. قال الزجاج: والمعنى: ms0609 لتنذر أهل ~~أم القرى. # وفي تسميتها بأم القرى أربعة أقوال. # أحدها: أنها سميت بذلك لأن الأرض دحيت من تحتها، قاله ابن عباس. # والثاني: لأنها أقدمها، قاله ابن قتيبة. والثالث: لأنها قبلة جميع ~~الناس، يؤمونها. والرابع: لأنها كانت أعظم القرى شأنا، ذكرهما ~~الزجاج. # قوله تعالى: { ومن حولها } قال ابن عباس: يريد الأرض كلها. # قوله تعالى: { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به } في هاء الكناية قولان. ~~أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. # والثاني: إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: من آمن بالآخرة ~~آمن به؛ ومن لم يؤمن به فليس إيمانه بالآخرة حقيقة، ولا يعتد به، ألا ترى ~~إلى قوله: { وهم على صلاتهم يحافظون } فدل على أنه أراد المؤمنين الذين ~~يحافظون على الصلوات. ### || [6.93] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي } ~~اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن أولها، إلى قوله: { ولم يوح إليه شيء } نزل في مسيلمة ~~الكذاب. # وقوله تعالى: { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } نزل في عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح، كان قد تكلم بالإسلام، وكان يكتب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض الأحايين، فاذا أملي عليه: «عزيز حكيم» كتب: «غفور ~~رحيم» فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا وذاك سواء. فلما نزلت # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] أملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله: # خلقا آخر # [المؤمنون: 14] عجب عبد الله بن سعد، فقال: # تبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # " كذا أنزلت علي فاكتبها " # فشك حينئذ، وقال: لئن كان محمد صادقا، لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ~~ولئن كان كاذبا، لقد قلت كما قال، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال ~~عكرمة: ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة. # والقول الثاني: أن جميع الآية في عبد الله بن سعد، قاله السدي. # والثالث: أنها نزلت في مسيلمة، والأسود العنسي، قاله قتادة. فان قيل: ~~كيف أفرد قوله: { أو قال أوحي إلي ms0610 } من قوله: { ومن أظلم ممن افترى } ~~وذاك مفتر أيضا؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن الوصفين لرجل واحد، وصف بأمر بعد أمر ليدل على جرأته. # والثاني: أنه خص بقوله: { أو قال أوحي إلي } بعد أن عم بقوله: { ~~افترى على الله } لأنه ليس كل مفتر على الله يدعي أنه يوحى إليه، ذكرهما ~~ابن الأنباري. # قوله تعالى: { سأنزل مثل ما أنزل الله } أي: سأقول. قال ابن عباس: ~~يعنون الشعر، وهم المستهزؤون. وقيل: هو قول عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ~~قال الزجاج: وهذا جواب لقولهم: { لو نشاء لقلنا مثل هذا }. # قوله تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون } فيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قوم كانوا مسلمين بمكة، فأخرجهم الكفار معهم إلى قتال بدر، ~~فلما أبصروا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا عن الإيمان، ~~فنزل فيهم هذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين قالوا: { ما أنزل الله على بشر من شيء } قاله أبو ~~سليمان. # والثالث: الموصوفون في هذه الآية، وهم المفترون والمدعون الوحي إليهم، ~~ومماثلة كلام الله. قال الزجاج: وجواب «لو» محذوف؛ والمعنى: لو تراهم في ~~غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما. ويقال: لكل من كان في شيء كبير: قد غمر ~~فلانا ذلك. قال ابن عباس: غمرات الموت: سكراته. قال ابن الانباري: قال ~~اللغويون: سميت غمرات، لأن أهوالها يغمرن من يقعن به. # قوله تعالى: { والملائكة باسطو أيديهم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: بالضرب، قاله ابن عباس. والثاني: بالعذاب، قاله الحسن، والضحاك. ~~والثالث: باسطوها لقبض الأرواح من الأجساد، قاله الفراء. وفي الوقت الذي ~~يكون هذا فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: عند الموت، قال ابن عباس هذا عند الموت، الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم، وملك الموت يتوفاهم. # والثاني: يوم القيامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: في النار، قاله الحسن. # قوله تعالى: { أخرجوا أنفسكم } فيه إضمار «يقولون» وفي معناه قولان. # أحدهما: استسلموا لإخراج أنفسكم. # والثاني: أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم. # قوله تعالى: { تجزون عذاب الهون } قال أبو عبيدة: الهون: مضموم، وهو ~~الهوان، وإذا فتحوا ms0611 أوله، فهو الرفق والدعة. قال الزجاج: والمعنى: ~~تجزون العذاب الذي يقع به الهوان الشديد. ### || [6.94] # قوله تعالى: { ولقد جئتمونا فرادى } سبب نزولها: أن النضر بن الحارث ~~قال: سوف تشفع لي اللات والعزى، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. ومعنى ~~فرادى: وحدانا. وهذا إخبار من الله تعالى بما يوبخ به المشركين يوم ~~القيامة. قال أبو عبيدة: فرادى: أي فرد فرد. وقال ابن قتيبة: فرادى: جمع ~~فرد. # وللمفسرين في معنى «فرادى» خمسة اقوال متقاربة المعنى. # أحدها: فرادى من الأهل والمال والولد، قاله ابن عباس. # والثاني: كل واحد على حدة، قاله الحسن. # والثالث: ليس معكم من الدنيا شيء، قاله مقاتل. # والرابع: كل واحد منفرد عن شريكه في الغي، وشقيقه، قاله الزجاج. # والخامس: فرادى من المعبودين، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: { كما خلقناكم أول مرة } فيه ثلاثة اقوال. # أحدها: لا مال ولا أهل ولا ولد. # والثاني: حفاة عراة غرلا. والغرل: القلف. # والثالث: أحياء. وخولناكم: بمعنى: ملكناكم. { وراء ظهوركم } أي: في ~~الدنيا. والمعنى: أن ما دأبتم في تحصيله في الدنيا فني، وبقي الندم على ~~سوء الاختيار. وفي شفعائهم قولان. # أحدهما: أنها الأصنام. قال ابن عباس: شفعاؤكم: أي: آلهتكم الذين زعمتم ~~أنهم يشفعون لكم. و { زعمتم أنهم فيكم } أي: عندكم شركاء. وقال ابن ~~قتيبة: زعمتم أنهم لي في خلقكم شركاء. # والثاني: أنها الملائكة كانوا يعتقدون شفاعتها، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { لقد تقطع بينكم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: بالرفع. وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم: ~~بنصب النون على الظرف: قال الزجاج: الرفع أجود، ومعناه: لقد تقطع ~~وصلكم، والنصب جائز، ومعناه: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم. وقال ~~ابن الانباري: التقدير: لقد تقطع ما بينكم، فحذف «ما» لوضوح معناها. قال ~~أبو علي: الذين رفعوه جعلوه اسما، فأسندوا الفعل الذي هو «تقطع» إليه؛ ~~والمعنى: لقد تقطع وصلكم، والذين نصبوا، أضمروا اسم الفاعل في الفعل، ~~والمضمر هو الوصل؛ فالتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم. وفي الذي كانوا ~~يزعمون قولان. # أحدهما: شفاعة آلهتهم. ms0612 والثاني: عدم البعث والجزاء. ### || [6.95] # قوله تعالى: { إن الله فالق الحب والنوى } في معنى الفلق قولان. # أحدهما: أنه بمعنى الخلق، فالمعنى: خالق الحب والنوى، رواه العوفي عن ~~ابن عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل. # والثاني: أن الفلق بمعنى الشق، ثم في معنى الكلام قولان. # أحدهما: أنه فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة، روى هذا المعنى ~~أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والسدي، وابن زيد. # والثاني: أنه الشقان اللذان في الحب والنوى، قاله مجاهد، وأبو مالك. ~~قال ابن السائب: الحب: ما لم يكن له نوى، كالبر والشعير، والنوى: مثل ~~نوى التمر. # قوله تعالى: { يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي } قد سبق تفسيره ~~في (آل عمران). # قوله تعالى: { فأنى تؤفكون } أي: كيف تصرفون عن الحق بعد هذا البيان. ### || [6.96] # قوله تعالى: { فالق الإصباح } في معنى الفلق قولان قد سبقا. فأما ~~الإصباح، فقال الأخفش: هو مصدر من أصبح. وقال الزجاج: الإصباح والصبح ~~واحد. # وللمفسرين في الإصباح، ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنه إضاءة الفجر، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: فلق الإصباح من ~~الليل. # والثالث: أنه نور النهار، قاله الضحاك. وقرأ أنس بن مالك، والحسن، ~~وأبو مجلز، وأيوب، والجحدري: «فالق الأصباح» بفتح الهمزة. قال أبو عبيد: ~~ومعناه: جمع صبح. # قوله تعالى: { وجاعل الليل سكنا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «جاعل» بألف. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «وجعل» بغير ألف. ~~«الليل» نصبا. قال أبو علي: من قرأ: «جاعل» فلأجل «فالق» وهم يراعون ~~المشاكلة. ومن قرأ: «جعل» فلأن «فاعلا» هاهنا بمعنى: «فعل» بدليل قوله: ~~{ والشمس والقمر حسبانا } فأما السكن: فهو ما سكنت إليه. والمعنى: أن ~~الناس يسكنون فيه سكون راحة. وفي الحسبان قولان. # أحدهما: أنه الحساب، قاله الجمهور. قال ابن قتيبة: يقال: خذ من كل شيء ~~بحسبانه، أي: بحسابه. وفي المراد بهذا الحساب، ثلاثة أقوال. أحدها: أنهما ~~يجريان إلى أجل جعل لهما، رواه العوفي عن ابن عباس. ms0613 والثاني: يجريان في ~~منازلهما بحساب، ويرجعان إلى زيادة ونقصان، قاله السدي. والثالث: أن ~~جريانهما سبب لمعرفة حساب الشهور والأعوام، قاله مقاتل. # والقول الثاني: أن معنى الحسبان: الضياء، قاله قتادة. قال الماوردي، ~~كأنه أخذه من قوله تعالى: # ويرسل عليها حسبانا من السماء # [الكهف: 40] أي: نارا. قال ابن جرير: وليس هذا من ذاك في شيء. ### || [6.97] # قوله تعالى: { وهو الذي جعل لكم النجوم } جعل: بمعنى خلق. وإنما امتن ~~عليهم بالنجوم، لأن سالكي القفار وراكبي البحار، إنما يهتدون في الليل ~~لمقاصدهم بها. ### || [6.98] # قوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } يعني: آدم { فمستقر } قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، إلا رويسا: بكسر القاف. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: بفتحها. قال الزجاج: من كسر، فالمعنى: ~~«فمنكم مستقر». ومن نصب، فالمعنى: «فلكم مستقر» فأما مستودع، فبالفتح، ~~لا غير. ومعناه على فتح القاف: «ولكم مستودع» وعلى كسر القاف: «منكم ~~مستودع». وللمفسرين في هذا المستقر والمستودع تسعة أقوال. # أحدها: فمستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والنخعي، وقتادة، ~~والسدي، وابن زيد. # والثاني: المستقر في الأرحام، والمستودع في القبر، قاله ابن مسعود. # والثالث: المستقر في الأرض، والمستودع في الأصلاب، رواه ابن جبير عن ابن ~~عباس. # والرابع: المستقر والمستودع في الرحم، رواه قابوس عن أبيه عن ابن عباس. # والخامس: المستقر حيث يأوي، والمستودع حيث يموت، رواه مقسم عن ابن عباس. # والسادس: المستقر في الدنيا، والمستودع في القبر. # والسابع: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، وهو عكس الذي قبله، ~~رويا عن الحسن. # والثامن: المستقر في الدنيا، والمستودع عند الله تعالى، قاله مجاهد. # والتاسع: المستقر في الأصلاب، والمستودع في الأرحام، قاله ابن بحر، وهو ~~عكس الأول. ### || [6.99] # قوله تعالى: { وهو الذي أنزل من السماء ماء } يعني: المطر { فأخرجنا به ~~} أي: بالمطر. وفي قوله تعالى: { نبات كل شيء } قولان. # أحدهما: نبات كل شيء من الثمار، لأن كل ما ينبت فنباته بالماء. # والثاني: رزق كل شيء وغذاؤه. وفي ms0614 قوله تعالى: { فأخرجنا منه } قولان. # أحدهما: من الماء، أي: به. # والثاني: من النبات. قال الزجاج: الخضر: بمعنى الأخضر، يقال: اخضر، ~~فهو أخضر، وخضر، مثل أعور، فهو أعور، وعور. # قوله تعالى: { نخرج منه } أي: من الخضر { حبا متراكما } كالسنبل ~~والشعير. والمتراكب: الذي بعضه فوق بعض. # قوله تعالى: { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } وروى الخفاف عن أبي ~~عمرو، «قنوان»: بضم القاف؛ وروى هارون عنه بفتحها. قال الفراء: معناه: ~~ومن النخل ما قنوانه دانية، وأهل الحجاز يقولون: «قنوان» بكسر القاف؛ ~~وقيس يضمونها؛ وضبة، وتميم، يقولون: «قنيان» وأنشدني المفضل عنهم: # فأثت أعاليه وآدت أصوله # ومال بقنيان من البسر أحمرا # ويجتمعون جميعا، فيقولون: «قنو» و«قنو» ولا يقولون: «قني» ولا ~~«قني» وكلب. يقولون: «ومال بقنيان». قال المصنف: والبيت لامرئ القيس؛ ~~ورواه أبو سعيد السكري: { ومال بقنوان } مكسورة القاف مع الواو، ففيه ~~أربع لغات: قنوان، وقنوان، وقنيان، وقنيان { وأثت }: كثرت؛ ومنه: شعر ~~أثيت. { وآدت }: اشتدت. وقال ابن قتيبة: القنوان: عذوق النخل، واحدها: ~~قنو، جمع على لفظ تثنية، ومثله: صنو وصنوان في التثنية، وصنوان في ~~الجمع. وقال الزجاج: قنوان: جمع قنو، وإذا ثنيته فهما قنوان، بكسر ~~النون. ودانية: أي: قريبة المتناول، ولم يقل: { ومنها قنوان بعيدة } ، ~~لأن في الكلام دليلا أن البعيدة السحيقة؛ قد كانت غير سحيقة، فاجتزىء ~~بذكر القريبة عن ذكر البعيدة؛ كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] وقال ابن عباس: القنوان الدانية: قصار النخل اللاصقة ~~عذوقها بالأرض. # قوله تعالى: { وجنات من أعناب } قال الزجاج: هو نسق على قوله: «خضرا» { ~~والزيتون والرمان } المعنى: وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان؛ وقد روى ~~أبو زيد عن المفضل، و«جنات» بالرفع. # قوله تعالى: { مشتبها وغير متشابه } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: مشتبها في المنظر، وغير متشابه في الطعم، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: مشتبها ورقه، مختلفا ثمره، قاله قتادة، وهو في معنى الأول. # والثالث: منه ما يشبه بعضه بعضا، ومنه ما يخالف. قال الزجاج: وإنما قرن ~~الزيتون بالرمان لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من ~~أوله إلى ms0615 آخره. قال الشاعر: # بورك الميت الغريب كما بو # رك نضح الرمان والزيتون # ومعناه: أن البركة في ورقه اشتماله على عوده كله. # قوله تعالى: { انظروا إلى ثمره } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم: { انظروا إلى ثمره } ، و # كلوا من ثمره # [الأنعام: 141] و # ليأكلوا من ثمره # [يس: 35]: بالفتح في ذلك. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بالضم فيهن. قال ~~الزجاج: يقال: ثمرة، وثمر، وثمار، وثمر؛ فمن قرأ «إلى ثمره» ~~بالضم أراد جمع الجمع. وقال أبو علي: يحتمل وجهين. أحدهما: هذا، وهو أن ~~يكون الثمر جمع ثمار. # والثاني: أن تكون الثمر جمع ثمرة، وكذلك أكمة، وأكم، وخشبة وخشب. ~~قال الفراء: يقول: انظروا إليه أول ما يعقد، وانظروا إلى ينعه، وهو ~~نضجه وبلوغه. وأهل الحجاز يقولون: ينع، بفتح الياء، وبعض أهل نجد ~~يضمونها. قال ابن قتيبة: يقال: ينعت الثمرة، وأينعت: إذا أدركت وهو، ~~الينع والينع. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، والأعمش، وابن محيصن: { ~~وينعه } بضم الياء. قال الزجاج: الينع: النضج. قال الشاعر: # في قباب حول دسكرة # حولها الزيتون قد ينعا # وبين الله تعالى لهم بتصريف ما خلق، ونقله من حال إلى حال لا يقدر ~~عليه الخلق، أنه كذلك يبعثهم. # قوله تعالى: { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } قال ابن عباس: يصدقون ~~أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى. وقال مقاتل: يصدقون ~~بالتوحيد. ### || [6.100] # قوله تعالى: { وجعلوا لله شركاء الجن } جعلوا، بمعنى: وصفوا. قال ~~الزجاج: نصب «الجن» من وجهين. # أحدهما: أن يكون مفعولا، فيكون المعنى: وجعلوا لله الجن شركاء؛ ويكون ~~الجن مفعولا ثانيا، كقوله: # وجعلوا الملائكة الذين هم عبادالرحمن إناثا # [الزخرف: 19]. # والثاني: أن يكون الجن بدلا من شركاء، ومفسرا للشركاء. وقرأ ابو ~~المتوكل، وأبو عمران، وأبو حيوة، والجحدري: «شركاء الجن» برفع النون. ~~وقرأ ابن أبي عبلة، ومعاذ القارىء: «الجن» بخفض النون. # وفي معنى جعلهم الجن شركاء ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان، فجعلوهم شركاء لله، قاله ~~الحسن، والزجاج. # والثاني: قالوا: إن الملائكة بنات الله، فهم شركاؤه، كقوله: # وجعلوا بينه ms0616 وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]. فسمى الملائكة جنا لاجتنانهم، قاله قتادة، والسدي، ~~وابن زيد. # والثالث: أن الزنادقة قالوا: الله خالق النور والماء والدواب والأنعام، ~~وإبليس: خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب، وفيهم نزلت هذه الآية. ~~قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { وخلقهم } في الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الجاعلين له الشركاء، فيكون المعنى: وجعلوا للذي ~~خلقهم شركاء لا يخلقون. # والثاني: أنها ترجع إلى الجن، فيكون المعنى: والله خلق الجن، فكيف يكون ~~الشريك لله محدثا؟ ذكرهما الزجاج. # قوله تعالى: { وخرقوا له بنين وبنات } وقرأ نافع: «وخرقوا» بالتشديد، ~~للمبالغة والتكثير، لأن المشركين ادعوا الملائكة بنات الله، والنصارى ~~المسيح، واليهود عزيرا. وقرأ ابن عباس، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: ~~«وحرفوا» بحاء غير معجمة وبتشديد الراء وبالفاء. وقرأ ابن السميفع، ~~والجحدري: «خارقوا» بألف وخاء معجمة. قال السدي: أما { البنون } فقول ~~اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، وأما «البنات»، ~~فقول مشركي العرب: الملائكة بنات الله. قال الفراء: خرقوا، واخترقوا، ~~وخلقوا، واختلقوا، بمعنى افتروا. وقال أبو عبيدة: خرقوا: جعلوا. قال ~~الزجاج: ومعنى «بغير علم»: أنهم لم يذكروه من علم، إنما ذكروه تكذبا. ### || [6.101-102] # قوله تعالى: { أنى يكون له ولد } قال الزجاج: أي: من أين يكون له ولد؟ ~~والولد لا يكون إلا من صاحبة؟! واحتج عليهم في نفي الولد بقوله: { وخلق ~~كل شيء } فليس مثل خالق الأشياء، فكيف يكون الولد لمن لا مثل له؟! فاذا ~~نسب إليه الولد، فقد جعل له مثل. ### || [6.103] # قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } في الإدراك قولان. # أحدهما: أنه بمعنى الإحاطة. # والثاني: بمعنى الرؤية. وفي { الأبصار } قولان. أحدهما: أنها العيون، ~~قاله الجمهور. والثاني: أنها العقول، رواه عبد الرحمن ابن مهدي عن أبي ~~حصين القارىء. ففي معنى الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: لا تحيط به الأبصار، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد ابن ~~المسيب وعطاء. وقال الزجاج: معنى الآية: الإحاطة بحقيقته، وليس فيها دفع ~~للرؤية، لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرؤية، وهذا مذهب ~~أهل السنة والعلم والحديث. # والثاني: ms0617 لا تدركه الأبصار إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس. # والثالث: لا تدركه الأبصار في الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، ومقاتل. ويدل على أن الآية مخصوصة بالدنيا، قوله: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22 - 23] فقيد النظر إليه بالقيامة، وأطلق في هذه الآية، ~~والمطلق يحمل على المقيد. # وقوله تعالى: { وهو يدرك الأبصار } فيه القولان. قال الزجاج: وفي هذا ~~الإعلام دليل على أن خلقه لا يدركون الأبصار، أي: لا يعرفون حقيقة ~~البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه، دون أن يبصر من ~~غيرهما من أعضائه؛ فأعلم الله أن خلقا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه، ~~ولا يحيطون بعلمه؛ فكيف به عز وجل؟! فأما «اللطيف» فقال أبو سليمان ~~الخطابي: هو البر بعباده، الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم ~~مصالحهم من حيث لا يحتسبون. قال ابن الاعرابي: اللطيف: الذي يوصل إليك ~~أربك في رفق؛ ومنه قولهم: لطف الله بك؛ ويقال: هو الذي لطف عن أن ~~يدرك بالكيفية. وقد يكون اللطف بمعنى الدقة والغموض، ويكون بمعنى الصغر ~~في نعوت الأجسام، وذلك مما لا يليق بصفات الباري سبحانه. وقال الأزهري: ~~اللطيف من أسماء الله، معناه الرفيق بعباده؛ والخبير: العالم بكنه الشيء، ~~المطلع على حقيقته. ### || [6.104] # قوله تعالى: { قد جاءكم بصائر من ربكم } البصائر: جمع بصيرة، وهي ~~الدلالة التي توجب البصر بالشيء والعلم به. قال الزجاج: والمعنى: قد ~~جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر { فمن أبصر فلنفسه } نفع ذلك { ~~ومن عمي } فعلى نفسه ضرر ذلك، لأن الله عز وجل غني عن خلقه. { وما أنا ~~عليكم بحفيظ } أي: لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ والوكيل، وهذا قبل ~~الأمر بالقتال. # فصل # وذكر المفسرون أن هذه الآية نسخت بآية السيف. وقال بعضهم: معناها: لست ~~رقيبا عليكم أحصي أعمالكم؛ فعلى هذا لا وجه للنسخ. ### || [6.105] # قوله تعالى: { وكذلك نصرف الآيات } قال الأخفش: «وكذلك» معناها: وهكذا. ~~وقال الزجاج: المعنى: ومثل ما بينا فيما تلي عليك، نبين ms0618 ~~الآيات قال ابن عباس: نصرف الآيات، أي: نبينها في كل وجه، ندعوهم بها ~~مرة، ونخوفهم بها أخرى. { وليقولوا } يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم ~~القرآن «دارست». قال ابن الانباري: معنى الآية: وكذلك نصرف الآيات، ~~لنلزمهم الحجة، وليقولوا: دارست؛ وإنما صرف الآيات ليسعد قوم بفهمها ~~والعمل بها، ويشقى آخرون بالإعراض عنها، فمن عمل بها سعد، ومن قال: ~~دارست، شقي. قال الزجاج: وهذه اللام في «ليقولوا» يسميها أهل اللغة لام ~~الصيرورة. والمعنى: أن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا. دارست، هو تلاوة ~~الآيات، وهذا كقوله: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] وهم لم يطلبوا بأخذه أن يعاديهم، ولكن كان عاقبة الأمر أن ~~صار لهم عدوا وحزنا. ومثله أن تقول: كتب فلان الكتاب لحتفه، فهو لم ~~يقصد أن يهلك نفسه بالكتاب، ولكن العاقبة كانت الهلاك. # فأما «دارست» فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «دارست» بالألف وسكون السين ~~وفتح التاء ومعناها: ذاكرت أهل الكتاب. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«درست» بسكون السين وفتح التاء، من غير ألف، على معنى: قرأت كتب أهل ~~الكتاب. قال المفسرون: معناها: تعلمت من جبر، ويسار. وسنبين هذا في قوله: # إنما يعلمه بشر # [النحل: 103] إن شاء الله. وقرأ ابن عامر، ويعقوب: «درست» بفتح الراء ~~والسين وسكون التاء من غير ألف. والمعنى: هذه الأخبار التي تتلوها علينا ~~قديمة قد درست. أي: قد مضت وامحت. وجميع من ذكرنا فتح الدال في قراءته. ~~وقد روي عن نافع أنه قال: «درست» برفع الدال وكسر الراء وتخفيف التاء، ~~وهي قراءة ابن يعمر؛ ومعناها: قرئت. وقرأ أبي بن كعب: «درست» بفتح ~~الدال والسين وضم الراء وتسكين التاء. قال الزجاج: وهي بمعنى: «درست» ~~أي: امحت؛ إلا أن المضمومة الراء أشد مبالغة. وقرأ معاذ القارىء، وأبو ~~العالية، ومورق: «درست» برفع الدال، وكسر الراء وتشديدها ساكنة ~~السين. وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف: «درس» بفتح الراء والسين بلا ~~ألف ولا تاء. وروى عصمة عن الأعمش: «دارس» بألف. # قوله تعالى: { ولنبينه } يعني التصريف { لقوم يعلمون } ما تبين لهم من ~~الحق ms0619 فيقبلوه. ### || [6.106-107] # قوله تعالى: { وأعرض عن المشركين } قال المفسرون: نسخ بآية السيف. # قوله تعالى: { ولو شاء الله ما أشركوا } فيه ثلاثة اقوال حكاها الزجاج. # أحدها: لو شاء لجعلهم مؤمنين. والثاني: لو شاء لأنزل آية تضطرهم إلى ~~الإيمان. والثالث: لو شاء لاستأصلهم، فقطع سبب شركهم. قال ابن عباس: ~~وباقي الآية نسخ بآية السيف. ### || [6.108] # قوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: أنه لما قال للمشركين: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~} قالوا: لتنتهين يا محمد عن سب آلهتنا وعيبها، أو لنهجون إلهك ~~الذي تعبده، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن المسلمين كانوا يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، ~~فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم قوما جهلة لا علم لهم بالله، قاله ~~قتادة. ومعنى «يدعون»: يعبدون، وهي الأصنام. { فيسبوا الله } أي: فيسبوا ~~من أمركم بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب ~~الله تعالى، لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم، وإن أشركوا به. # وقوله تعالى: { عدوا بغير علم } أي: ظلما بالجهل. وقرأ يعقوب: ~~«عدوا» بضم العين والدال وتشديد الواو. والعرب تقول في الظلم: عدا ~~فلان عدوا وعدوا وعدوانا. وعدا، أي: ظلم. # قوله تعالى: { كذلك زينا لكل أمة عملهم } أي: كما زينا لهؤلاء المشركين ~~عبادة الأصنام، وطاعة الشيطان، كذلك زينا لكل جماعة اجتمعت على حق أو ~~باطل عملهم من خير أو شر. قال المفسرون: وهذه الآية نسخت بتنبيه الخطاب ~~في آية السيف. ### || [6.109] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنه لما نزل في [الشعراء: 4] # إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية # قال المشركون: أنزلها علينا حتى والله نؤمن بها؛ فقال المسلمون: يا رسول ~~الله، أنزلها عليهم لكي يؤمنوا؛ فنزلت هذه الآية؛ رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: # " أن قريشا قالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها ~~الحجر، فينفجر منها اثنتا عشرة عينا، وأن عيسى كان يحيي الموتى، ms0620 وأن ~~ثمود كانت لهم ناقة، فائتنا بمثل هذه الآيات حتى نصدقك: فقال: أي شيء ~~تحبون؟ قالوا: أن تجعل لنا الصفا ذهبا. قال: فان فعلت تصدقوني؟ فقالوا: ~~نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين. فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو، فجاءه جبريل. فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولكني لم أرسل ~~بآية فلم يصدق بها، إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب ~~تائبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتركهم حتى يتوب تائبهم " # فنزلت هذه الآية إلى قوله: { يجهلون } ، هذا قول محمد بن كعب القرظي. ~~وقد ذكرنا معنى { جهد أيمانهم } في (المائدة)؛ وإنما حلفوا على ما ~~اقترحوا من الآيات، كقولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء:90]. # قوله تعالى: { قل إنما الآيات عند الله } أي: هو القادر على الإتيان بها ~~دوني ودون أحد من خلقه. { وما يشعركم أنها } أي: يدريكم أنها. قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وخلف في اختياره: بكسر الألف، فعلى ~~هذه القراءة يكون الخطاب بقوله { يشعركم } للمشركين، ويكون تمام الكلام ~~عند قوله: { وما يشعركم } ويكون المعنى: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا ~~جاءت؟ وتكون «إنها» مكسورة على الاستئناف والإخبار عن حالهم. وقال أبو ~~علي: التقدير: وما يشعركم إيمانهم؟ فحذف المفعول. والمعنى: لو جاءت ~~الآية التي اقترحوها، لم يؤمنوا. فعلى هذا يكون الخطاب للمؤمنين. قال ~~سيبويه: سألت الخليل عن قوله: { وما يشعركم إنها }؛ فقلت: ما منعها أن ~~تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع؛ ~~إنما قال: { وما يشعركم } ثم ابتدأ فأوجب، فقال: { إنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون }؛ ولو قال: { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون }؛ كان ذلك ~~عذرا لهم. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي: «أنها» بفتح ~~الألف؛ فعلى هذا، المخاطب بقوله: { وما يشعركم } رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه؛ ثم في معنى الكلام قولان. # أحدهما: وما يدريكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وفي قراءة أبي: لعلها ~~إذا جاءت لا يؤمنون. ms0621 والعرب تجعل «أن» بمعنى «لعل» يقولون: ائت السوق أنك ~~تشتري لنا شيئا، أي: لعلك. # قال عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي # إلى ساعة في اليوم أو في ضحى غد # أي: لعل منيتي. وإلى هذا المعنى ذهب الخليل، وسيبويه، والفراء في توجيه ~~هذه القراءة. # والثاني: أن المعنى: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون، وتكون «لا» صلة ~~كقوله: تعالى: # ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] وقوله تعالى: # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95] ذكره الفراء، ورده الزجاج واختار الأول. والأكثرون على ~~قراءة { يؤمنون } بالياء، منهم ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم؛ وقرأ ابن عامر، وحمزة: بالتاء، على الخطاب للمشركين. قال ~~أبو علي: من قرأ بالياء، فلأن الذين أقسموا غيب، ومن قرأ بالتاء، ~~فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب. ### || [6.110] # قوله تعالى: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } التقليب: تحويل الشيء عن ~~وجهه. وفي معنى الكلام أربعة أقوال. # أحدها: لو أتيناهم بآية كما سألوا، لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان ~~بها، وحلنا بينهم وبين الهدى، فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا ~~قبلها، عقوبة لهم على ذلك. وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، ومجاهد، وابن ~~زيد. # والثاني: أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا؛ فالمعنى: لو ~~ردوا لحلنا بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في ~~الدنيا، روى هذا المعنى ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: ونقلب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان بالآيات كما لم يؤمن ~~أوائلهم من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات، قاله مقاتل. # والرابع: أن ذلك التقليب في النار، عقوبة لهم، ذكره الماوردي. وفي هاء ~~«به» أربعة أقوال. أحدها: أنها كناية عن القرآن. والثاني: عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. والثالث: عما ظهر من الآيات. والرابع: عن التقليب. وفي ~~المراد ب «أول مرة» ثلاثة أقوال. أحدها: أن المرة الأولى: دار الدنيا. ~~والثاني: أنها معجزات الأنبياء قبل محمد صلى الله عليهم وسلم. والثالث: ~~أنها صرف قلوبهم عن الإيمان قبل نزول الآيات ms0622 أن لو نزلت؛ والطغيان والعمه ~~مذكوران في سورة (البقرة). ### || [6.111] # قوله تعالى: { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة } سبب نزولها: أن ~~المستهزئين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة، ~~فقالوا له: ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحق ما تقول أم باطل؟ أو ~~أرنا الملائكة يشهدون لك أنك رسول الله، أو ائتنا بالله والملائكة ~~قبيلا. فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس ومعنى الآية ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة كما سألوا، وكلمهم الموتى، فشهدوا لك بالنبوة، ~~{ وحشرنا }: أي: جمعنا { عليهم كل شيء } في الدنيا { قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ، فأخبر أن وقوع الإيمان بمشيئته، لا كما ~~ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا، ومتى شاؤوا لم يؤمنوا. فأما قوله «قبلا» ~~فقرأ ابن عامر، ونافع: بكسر القاف وفتح الباء. قال ابن قتيبة: معناها: ~~معاينة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي «قبلا» بضم ~~القاف والباء. وفي معناها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه جمع قبيل، وهو الصنف؛ فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبيلا قبيلا، قاله مجاهد، واختاره أبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثاني: أنه جمع قبيل أيضا، إلا أنه: الكفيل؛ فالمعنى: وحشرنا عليهم ~~كل شيء، فكفل بصحة ما تقول، اختاره الفراء، وعليه اعتراض، وهو أن ~~يقال: إذا لم يؤمنوا بانزال الملائكة، وتكليم الموتى، فلأن لا يؤمنوا ~~بالكفالة التي هي قول، أولى. فالجواب: أنه لو كفلت الأشياء المحشورة، ~~فنطق ما لم ينطق، كان ذلك آية بينة. # والثالث: أنه بمعنى: المقابل، فيكون المعنى: وحشرنا عليهم كل شيء، ~~فقابلهم، قاله ابن زيد. قال أبو زيد: يقال: لقيت فلانا قبلا وقبلا ~~وقبلا وقبيلا وقبليا ومقابلة، وكله واحد، وهو للمواجهة. قال أبو ~~علي: فالمعنى في القرآن على ما قاله أبو زيد واحد، وإن اختلفت ~~الألفاظ. # قوله تعالى: { ولكن أكثرهم يجهلون } فيه قولان. # أحدهما: يجهلون أن الاشياء لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى. # والثاني: أنهم يجهلون أنهم لو أوتوا بكل آية ما آمنوا. ### || [6.112] # قوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } أي: ms0623 وكما جعلنا لك ولأمتك ~~شياطين الإنس والجن أعداء، كذلك جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء وأممهم؛ ~~والمعنى: كما ابتليناك بالأعداء، ابتلينا من قبلك، ليعظم الثواب عند ~~الصبر على الأذى. قال الزجاج: «وعدو»: في معنى أعداء، و«شياطين الإنس ~~والجن»: منصوب على البدل من «عدو» ومفسر له؛ ويجوز أن يكون: «عدوا» ~~منصوب على أنه مفعول ثان، المعنى: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء ~~لأممهم. وفي شياطين الإنس والجن ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم مردة الإنس والجن، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: أن شياطين الإنس: الذين مع الإنس، وشياطين الجن: الذين مع ~~الجن، قاله عكرمة، والسدي. # والثالث: أن شياطين الإنس والجن: كفارهم، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { يوحي } أصل الوحي: الإعلام والدلالة بستر وإخفاء. # وفي المراد به هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: يأمر. والثاني: يوسوس. والثالث: يشير. # وأما { زخرف القول } ، فهو ما زين منه، وحسن، وموه، وأصل ~~الزخرف: الذهب. قال أبو عبيدة: كل شيء حسنته وزينته وهو باطل، فهو ~~زخرف. وقال الزجاج: «الزخرف» في اللغة: الزينة؛ فالمعنى: أن بعضهم يزين ~~لبعض الأعمال القبيحة؛ و«غرورا» منصوب على المصدر؛ وهذا المصدر محمول ~~على المعنى، لأن معنى إيحاء الزخرف من القول: معنى الغرور، فكأنه قال: ~~يغرون غرورا. وقال ابن عباس: { زخرف القول غرورا }: الأماني ~~بالباطل. قال مقاتل: وكل إبليس بالإنس شياطين يضلونهم، فاذا ~~التقى شيطان الإنس بشيطان الجن، قال أحدهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا ~~وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. وقال غيره: ~~إن المؤمن إذا أعيا شيطانه، ذهب إلى متمرد من الإنس، وهو شيطان الإنس، ~~فأغراه بالمؤمن ليفتنه. وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس ~~شياطين. وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، ~~لأني إذا تعوذت من ذاك ذهب عني، وهذا يجرني إلى المعاصي عيانا. # قوله تعالى: { ولو شاء ربك ما فعلوه } في هاء الكناية ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى الوسوسة. # والثاني: ترجع إلى الكفر. # والثالث: إلى الغرور وأذى النبيين. # قوله تعالى: { فذرهم وما يفترون ms0624 } قال مقاتل: يريد كفار مكة وما يفترون ~~من الكذب. وقال غيره: فذر المشركين وما يخاصمونك به مما يوحي إليهم ~~أولياؤهم، وما يختلقون من كذب، وهذا القدر من هذه الآية منسوخ بآية ~~السيف. ### || [6.113] # قوله تعالى: { ولتصغى إليه } أي: ولتميل؛ والهاء: كناية عن الزخرف ~~والغرور. والأفئدة: جمع فؤاد، مثل غراب وأغربة. قال ابن الأنباري: فعلنا ~~بهم ذلك لكي تصغى إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، { وليرضوا } ~~الباطل، { وليقترفوا } أي: ليكتسبوا وليعملوا ما هم عاملون. ### || [6.114] # قوله تعالى: { أفغير الله أبتغي حكما } سبب نزولها: أن مشركي قريش ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما، إن شئت من ~~أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من ~~أمرك، فنزلت هذه الآية، ذكره الماوردي. فأما الحكم: فهو بمعنى الحاكم؛ ~~والمعنى: أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم؟! و«الكتاب»: القرآن، ~~و«المفصل»: المبين الذي بان فيه الحق من الباطل، والأمر من النهي، ~~والحلال من الحرام. # { والذين آتيناهم الكتاب } فيهم قولان. # أحدهما: علماء أهل الكتابين، قاله الجمهور. # والثاني: رؤساء أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كأبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي، وأشباههم، قاله عطاء. # قوله تعالى: { يعلمون أنه منزل } قرأ ابن عامر، وحفص، عن عاصم: ~~«منزل» بالتشديد؛ وخففها الباقون. ### || [6.115] # قوله تعالى: { وتمت كلمة ربك } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~ونافع: «كلمات» على الجمع؛ وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب: «كلمة» ~~على التوحيد؛ وقد ذكرت العرب الكلمة، وأرادت الكثرة؛ يقولون: قال قس في ~~كلمته، أي: في خطبته، وزهير في كلمته، أي: في قصيدته. # وفي المراد بهذه الكلمات ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها القرآن، قاله قتادة. # والثاني: أقضيته وعداته. # والثالث: وعده ووعيده، وثوابه وعقابه. وفي قوله: { صدقا وعدلا } ~~قولان. # أحدهما: صدقا فيما أخبر، وعدلا فيما قضى وقدر. # والثاني: صدقا فيما وعد وأوعد، وعدلا فيما أمر ونهى. وفي قوله: { لا ~~مبدل لكلماته } قولان. أحدهما: لا يقدر المفترون على الزيادة فيها ~~والنقصان منها. # والثاني: لا خلف لمواعيده، ولا مغير لحكمه. ### || [6.116] # قوله تعالى: ms0625 { وإن تطع أكثر من في الأرض } سبب نزولها: أن الكفار قالوا ~~للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فنزلت هذه الآية، ~~ذكره الفراء. والمراد ب { أكثر من في الأرض }: الكفار. وفي ماذا يطيعهم ~~فيه أربعة أقوال. # أحدها: في أكل الميتة. # والثاني: في أكل ما ذبحوا للأصنام. # والثالث: في عبادة الأوثان. # والرابع: في اتباع ملل الآباء؛ و { سبيل الله }: دينه. قال ابن قتيبة: ~~ومعنى { يخرصون }: يحدسون ويوقعون، ومنه قيل للحازر: خارص فان قيل: كيف ~~يجوز تعذيب من هو على ظن من شركه، وليس على يقين من كفره؟! فالجواب: ~~انهم لما تركوا التماس الحجة، واتبعوا أهواءهم، واقتصروا على الظن ~~والجهل، عذبوا، ذكره الزجاج. ### || [6.117] # قوله تعالى: { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله } قال الزجاج: موضع ~~«من» رفع بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام؛ والمعنى: إن ربك هو أعلم ~~أي الناس يضل عن سبيله. وقرأ الحسن: «من يضل» بضم الياء وكسر الضاد، ~~وهي رواية ابن أبي شريح. قال أبو سليمان: ومقصود الآية: لا تلتفت إلى قسم ~~من أقسم أنه يؤمن عند مجيء الآيات، فلن يؤمن إلا من سبق له القدر ~~بالإيمان. ### || [6.118] # قوله تعالى: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } سبب نزولها: أن الله تعالى ~~لما حرم الميتة، قال المشركون للمؤمنين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، ~~فما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم، يريدون الميتة، فنزلت ~~هذه الآية، رواه ابو صالح عن ابن عباس. ### || [6.119] # قوله تعالى: { وما لكم ألا تأكلوا } قال الزجاج: المعنى: وأي شيء يقع ~~لكم في أن لا تأكلوا؟ وموضع «أن» نصب، لأن «في» سقطت، فوصل المعنى إلى ~~«أن» فنصبها. # قوله تعالى: { وقد فصل لكم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«فصل لكم ما حرم عليكم» مرفوعتان؛ وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، ويعقوب، ~~والقزاز عن عبد الوارث: «فصل» بفتح الفاء، «ما حرم» بفتح الحاء، ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «فصل» بفتح الفاء، «ما ~~حرم» بضم الحاء. قال الزجاج: أي: فصل لكم الحلال ms0626 من الحرام، وأحل ~~لكم في الاضطرار ما حرم. وقال سعيد بن جبير: فصل لكم ما حرم ~~عليكم يعني: ما بين في (المائدة) من الميتة، والدم، إلى آخر الآية. { ~~وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم } يعني: مشركي العرب يضلون في أمر الذبائح ~~وغيره، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «ليضلون»، وفي [يونس: 88]: # ربنا ليضلوا # وفي [ابراهيم: 30] # أندادا ليضلوا # وفي [الحج: 9] # ثاني عطفه ليضل # وفي [لقمان: 6]: # ليضل عن سبيل الله بغير علم # وفي [الزمر: 8]: # أندادا ليضل # بفتح الياء في هذه المواضع الستة؛ وضمهن عاصم، وحمزة، والكسائي. وقرأ ~~نافع، وابن عامر، «ليضلون بأهوائهم» وفي { يونس }: { ليضلوا } بالفتح، ~~وضما الأربعة الباقية. فمن فتح، أراد: أنهم هم الذين ضلوا؛ ومن ضم، أراد: ~~أنهم أضلوا غيرهم، وذلك أبلغ في الضلال، لأن كل مضل ضال، وليس كل ~~ضال مضلا. ### || [6.120] # قوله تعالى: { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } في الإثم هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الزنا، رواه أبو صالح عن ابن عباس؛ فعلى هذا، في ظاهره ~~وباطنه قولان. أحدهما: أن ظاهره: الإعلان به، وباطنه: الاستسرار، قاله ~~الضحاك، والسدي. قال الضحاك: وكانوا يرون الاستسرار بالزنا حلالا. ~~والثاني: أن ظاهره: نكاح المحرمات، كالأمهات، والبنات، وما نكح الآباء. ~~وباطنه: الزنا، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: أنه عام في كل إثم، والمعنى: ذروا المعاصي سرها وعلانيتها؛ ~~وهذا مذهب أبي العالية، ومجاهد، وقتادة، والزجاج. وقال ابن الأنباري: ~~المعنى: ذروا الإثم من جميع جهاته. # والثالث: أن الإثم: المعصية، إلا أن المراد به هاهنا أمر خاص. قال ابن ~~زيد: ظاهره هاهنا: نزع أثوابهم، إذ كانوا يطوفون بالبيت عراة، وباطنه: ~~الزنا. ### || [6.121-122] # قوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } سبب نزولها: ~~مجادلة المشركين للمؤمنين في قولهم: أتأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون ما ~~قتل الله! على ما ذكرنا في سبب قوله تعالى: # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 118] هذا قول ابن عباس. وقال عكرمة: كتبت فارس إلى قريش: إن ~~محمدا وأصحابه لا يأكلون ما ذبحه الله، ويأكلون ما ذبحوا لأنفسهم؛ فكتب ~~المشركون إلى أصحاب النبي صلى الله ms0627 عليه وسلم بذلك، فوقع في أنفس ناس من ~~المسلمين من ذلك شيء، فنزلت هذه الآية. # وفي المراد بما لم يذكر اسم الله عليه أربعة أقوال. # أحدها: أنه الميتة، رواه ابن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنه الميتة والمنخنقة، إلى قوله: # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] روي عن ابن عباس. # والثالث: أنها ذبائح كانت العرب تذبحها لأوثانها، قاله عطاء. # والرابع: أنه عام فيما لم يسم الله عند ذبحه، وإلى هذا المعنى ذهب عبد ~~الله ابن يزيد الخطمي، ومحمد بن سيرين. # فصل # فان تعمد ترك التسمية، فهل يباح؟ فيه عن أحمد روايتان. وإن تركها ~~ناسيا أبيحت. وقال الشافعي: لا يحرم في الحالين جميعا. وقال شيخنا علي ~~بن عبيد الله: فاذا قلنا: إن ترك التسمية عمدا يمنع الإباحة، فقد نسخ ~~من هذه الآية ذبائح أهل الكتاب بقوله: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # [المائدة: 5] وعلى قول الشافعي: الآية محكمة. # قوله تعالى: { وإنه لفسق } يعني: وإن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله ~~لفسق، أي: خروج عن الحق والدين. وفي المراد بالشياطين هاهنا قولان. # أحدهما: أنهم شياطين الجن، روي عن ابن عباس. # والثاني: قوم من أهل فارس، وقد ذكرناه عن عكرمة؛ فعلى الأول: وحيهم ~~الوسوسة، وعلى الثاني: وحيهم الرسالة. والمراد ب «أوليائهم»: الكفار ~~الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك أكل الميتة. ثم فيهم ~~قولان. # أحدهما: أنهم مشركو قريش. والثاني: اليهود. { وإن أطعمتموهم } في ~~استحلال الميتة، { إنكم لمشركون }. # قوله تعالى: { أو من كان ميتا فأحييناه } اختلفوا فيمن نزلت على خمسة ~~أقوال. # أحدها: أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وأبي جهل، وذلك أن أبا جهل رمى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، وحمزة لم يؤمن بعد، فأخبر حمزة ~~بما فعل أبو جهل، فأقبل حتى علا أبا جهل بالقوس، فقال له: أما ترى ما جاء ~~به؟ سفه عقولنا، وسب آلهتنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم؟ تعبدون ~~الحجارة من دون الله؟ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ~~فنزلت ms0628 هذه الآية، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال عكرمة. # والثالث: في عمر بن الخطاب، وأبي جهل، قاله زيد بن أسلم، والضحاك. # والرابع: في النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي جهل، قاله مقاتل. # والخامس: أنها عامة في كل مؤمن وكافر، قاله الحسن في آخرين. # وفي قوله: { كان ميتا فأحييناه } قولان. # أحدهما: كان ضالا فهديناه، قاله مجاهد. # والثاني: كان جاهلا، فعلمناه، قاله الماوردي. وقرأ نافع: «ميتا» ~~بالتشديد. # قال أبو عبيدة: الميتة، مخففة: من ميتة، والمعنى واحد. وفي «النور » ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الهدى، قاله ابن عباس. والثاني: القرآن، قاله الحسن. ~~والثالث: العلم. وفي قوله: { يمشي به في الناس } ثلاثة أقوال. # أحدها: يهتدي به في الناس، قاله مقاتل. والثاني: يمشي به بين الناس إلى ~~الجنة. والثالث: ينشر به دينه في الناس، فيصير كالماشي، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: { كمن مثله } المثل: صلة؛ والمعنى: كمن هو في الظلمات. # وقيل: المعنى: كمن لو شبه بشيء، كان شبيهه من في الظلمات. وقيل: ~~المراد بالظلمات هاهنا: الكفر. # قوله تعالى: { وكذلك زين } أي: كما بقي هذا في ظلماته لا يتخلص منها، ~~كذلك زين { للكافرين ما كانوا يعملون } من الشرك والمعاصي. ### || [6.123] # قوله تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية } أي: وكما زينا للكافرين عملهم، ~~فكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها. وقيل معناه: وكما جعلنا فساق ~~مكة أكابرها، فكذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها. وإنما جعل الأكابر ~~فساق كل قرية، لأنهم أقرب إلى الكفر بما أعطوا من الرياسة والسعة. ~~وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر؛ ~~و«أكابر» لا ينصرف، وهم العظماء. # قوله تعالى: { ليمكروا فيها } قال أبو عبيدة المكر والخديعة، والحيلة، ~~والفجور، والغدر، والخلاف. قال ابن عباس: ليقولوا فيها الكذب. قال مجاهد: ~~أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة، ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، يقولون: للناس: هذا شاعر، وكاهن. # قوله تعالى: { وما يمكرون إلا بأنفسهم ms0629 } أي: ذلك المكر بهم يحيق. ### || [6.124] # قوله تعالى: { وإذا جاءتهم آية } سبب نزولها: أن أبا جهل قال: زاحمتنا ~~بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا ~~نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أو أن يأتينا وحي كما ~~يأتيه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. قال الزجاج: الهاء والميم تعود على ~~الأكابر الذين جرى ذكرهم. وقال أبو سليمان: تعود على المجادلين في تحريم ~~الميتة. قال مقاتل: والآية: انشقاق القمر، والدخان. قال ابن عباس: في ~~قوله: { مثل ما أوتي رسل الله } قال: حتى يوحى إلينا، ويأتينا جبريل، ~~فيخبرنا أن محمدا صادق. قال الضحاك: سأل كل واحد منهم أن يختص بالرسالة ~~والوحي. # قوله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } وقرأ ابن كثير، وحفص عن ~~عاصم: «رسالته» بنصب التاء على التوحيد؛ والمعنى: أنهم ليسوا لها بأهل، ~~وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقا لكنت أولى ~~بها منك، لأني أكبر منك سنا، وأكثر منك مالا، فنزل قوله تعالى: { ~~الله أعلم حيث يجعل رسالاته } وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل ~~أن لا يكونوا قبل مبعثهم مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم، ~~فيقال: إنما كانوا رؤساء فاتبعوا، فكان الله أعلم حيث جعل الرسالة ~~ليتيم أبي طالب، دون أبي جهل، والوليد، وأكابر مكة. # قوله تعالى: { سيصيب الذين أجرموا صغار } قال أبو عبيدة: الصغار: ~~أشد الذل. وقال الزجاج: المعنى: هم، وإن كانوا أكابر في الدنيا، فسيصبهم ~~صغار عند الله، أي: صغار ثابت لهم عند الله. وجائز أن يكون المعنى: ~~سيصيبهم عند الله صغار. وقال الفراء: معناه: صغار من عند الله، فحذفت ~~«من». وقال ابو روق: صغار في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة. ### || [6.125] # قوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه } قال مقاتل: نزلت في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأبي جهل. # قوله تعالى: { يشرح صدره } قال ابن الاعرابي: الشرح: الفتح. قال ابن ~~قتيبة: ومنه يقال: شرحت لك الأمر، وشرحت اللحم: إذا فتحته. وقال ابن ~~عباس: ms0630 «يشرح صدره» أي: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان. وقد روى ابن مسعود # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام } فقيل له: يا رسول الله، وما هذا الشرح؟ قال: «نور يقذفه ~~الله في القلب، فينفتح القلب» قالوا: فهل لذلك من أمارة؟ قال: «نعم». ~~قيل: وما هي؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، ~~والاستعداد للموت قبل نزوله» " # قوله تعالى: { ضيقا } قرأ الأكثرون بالتشديد. وقرأ ابن كثير: «ضيقا» ~~وفي [الفرقان: 13] # مكانا ضيقا # بتسكين الياء خفيفة. قال أبو علي: الضيق والضيق: مثل: الميت، ~~والميت. # قوله تعالى: { حرجا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: { حرجا } بفتح الراء. وقرأ نافع، وابو بكر عن عاصم: بكسر ~~الراء. قال الفراء: وهما لغتان. وكذلك قال يونس بن حبيب النحوي: هما ~~لغتان، إلا أن الفتح أكثر من ألسنة العرب من الكسر، ومجراهما مجرى ~~الدنف والدنف. وقال الزجاج: الحرج في اللغة: أضيق الضيق. # قوله تعالى: { كأنما يصاعد } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «يصعد» بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير ألف. وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم: «يصاعد» بتشديد الصاد وبعدها ألف. وقرأ ابن كثير: ~~«يصعد» بتخفيف الصاد والعين من غير ألف والصاد ساكنة. وقرأ ابن مسعود، ~~وطلحة: «تصعد» بتاء من غير ألف. وقرأ أبي بن كعب: «يتصاعد» بألف وتاء. ~~قال الزجاج: قوله: { كأنما يصاعد في السماء }. و«يصعد»، أصله: ~~«يتصاعد»، و«يتصعد»، إلا أن التاء تدغم في الصاد لقربها منها، والمعنى: ~~كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره ~~عنه. ويجوز أن يكون المعنى: كأن قلبه يصعد في السماء نبوا عن الإسلام ~~والحكمة. وقال الفراء: ضاق عليه المذهب، فلم يجد إلا أن يصعد في السماء، ~~وليس يقدر على ذلك. وقال ابو علي: «يصعد» و«يصاعد»: من المشقة، ~~وصعوبة الشيء، ومنه قول عمر: ما تصعدني شيء كما تصعدتني خطبة النكاح، ~~أي: ما شق علي شيء مشقتها. # قوله تعالى: { كذلك } أي: مثل ما قصصنا ms0631 عليك. { يجعل الله الرجس } وفيه ~~خمسة أقوال. # أحدها: أنه الشيطان، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، يعني: أن الله ~~يسلطه عليهم. # والثاني: أنه المأثم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه مالا خير فيه، قاله مجاهد. # والرابع: أنه العذاب، قاله عطاء وابن زيد، وأبو عبيدة. # والخامس: أنه اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، قاله الزجاج. وهذه ~~الآية تقطع كلام القدرية، إذ قد صرحت بأن الهداية والإضلال متعلقة ~~بارادة الله تعالى. ### || [6.126] # قوله تعالى: { وهذا صراط ربك } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه القرآن، قاله ابن مسعود. # والثاني: التوحيد، قاله ابن عباس. # والثالث: ما هو عليه من الدين، قاله عطاء: ومعنى استقامته: أنه يؤدي ~~بسالكه إلى الفوز. قال مكي بن أبي طالب: و«مستقيما» نصب على الحال من ~~«صراط»، وهذه الحال يقال لها: الحال المؤكدة، لأن صراط الله، لا يكون إلا ~~مستقيما، ولم يؤت بها لتفرق بين حالتين، إذ لا يتغير صراط الله عن ~~الاستقامة أبدا، وليست هذه الحال كحال من قولك: «هذا زيد راكبا»، لأن ~~زيدا قد يخلو من الركوب. ### || [6.127] # قوله تعالى: { لهم دار السلام } يعني: الجنة. وفي تسميتها بذلك أربعة ~~أقوال. # أحدها: أن السلام، هو الله، وهي داره، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، ~~والسدي. # والثاني: أنها دار السلامة التي لا تنقطع، قاله الزجاج. # والثالث: أن تحية أهلها فيها السلام، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والرابع: أن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، ففي ابتداء دخولهم: # ادخلوها بسلام # [الحجر: 46] وبعد استقرارهم: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم # [الرعد: 23-24] وقوله: # إلا قيلا سلاما سلاما # [الواقعة: 25] وعند لقاء الله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58] وقوله # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب: 44] ومعنى { عند ربهم } أي مضمونة لهم عنده { وهو وليهم } أي ~~متولي إيصال المنافع إليهم ودفع المضار عنهم { بما كانوا يعملون } من ~~الطاعات. ### || [6.128] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا } يعني: الجن والإنس. وقرأ حفص عن ~~عاصم: «يحشرهم» بالياء. قال أبو سليمان: يعني: المشركين وشياطينهم الذين ~~كانوا يوحون إليهم بالمجادلة لكم فيما ms0632 حرمه الله من الميتة. # قوله تعالى: { يا معشر الجن } فيه إضمار، فيقال لهم: يامعشر؛ والمعشر: ~~الجماعة أمرهم واحد، والجمع: المعاشر. # وقوله: { قد استكثرتم من الإنس } أي: من إغوائهم وإضلالهم. { وقال ~~أولياؤهم من الإنس } يعني: الذين أضلهم الجن. { ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن استمتاع الإنس بالجن: أنهم كانوا إذا سافروا، فنزلوا واديا، ~~وأرادوا مبيتا، قال أحدهم: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر أهله؛ واستمتاع ~~الجن بالإنس: أنهم كانوا يفخرون على قومهم، ويقولون: قد سدنا الإنس حتى ~~صاروا يعوذون بنا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل، والفراء. # والثاني: أن استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يغرونهم به من ~~الضلالة والكفر والمعاصي. واستمتاع الإنس بالجن: أن الجن زينت لهم ~~الأمور التي يهوونها، وشهوها إليهم حتى سهل عليهم فعلها، روى هذا ~~المعنى عطاء عن ابن عباس، وبه قال محمد بن كعب، والزجاج. # والثالث: أن استمتاع الجن بالإنس: إغواؤهم إياهم. واستمتاع الإنس بالجن: ~~ما يتلقون منهم من السحر والكهانة ونحو ذلك. والمراد بالجن في هذه ~~الآية: الشياطين. # قوله تعالى: { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } فيه قولان. # أحدهما: الموت، قاله الحسن، والسدي. والثاني: الحشر، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { قال النار مثواكم } قال الزجاج: المثوى: المقام؛ ~~و«خالدين» منصوب على الحال. المعنى: النار مقامكم في حال خلود دائم { إلا ~~ما شاء الله } هو استثناء من يوم القيامة، والمعنى: { خالدين فيها } مذ ~~يبعثون { إلا ما شاء الله } من مقدار حشرهم من قبورهم، ومدتهم في ~~محاسبتهم. ويجوز أن تكون: { إلا ما شاء الله } أن يزيدهم من العذاب. وقال ~~بعضهم: إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب؛ وقيل في هذا غير ~~قول، ستجدها مشروحة في (هود) إن شاء الله. ### || [6.129] # قوله تعالى: { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا } في معناه أربعة اقوال. # أحدها: نجعل بعضهم أولياء بعض، رواه سعيد عن قتادة. # والثاني: نتبع بعضهم بعضا في النار بأعمالهم من الموالاة، وهي ~~المتابعة، رواه معمر عن قتادة. # والثالث: نسلط بعضهم على بعض، قاله ms0633 ابن زيد. # والرابع: نكل بعضهم إلى بعض ولا نعينهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { بما كانوا يكسبون } أي: من المعاصي. ### || [6.130] # قوله تعالى: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم } قرأ الحسن، وقتادة: ~~«تأتكم» بالتاء، { رسل منكم }. واختلفوا في الرسالة إلى الجن على أربعة ~~اقوال. # أحدها: أن الرسل كانت تبعث إلى الإنس خاصة، وأن الله تعالى بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن رسل الجن، هم الذين سمعوا القرآن، فولوا إلى قومهم ~~منذرين، روي عن ابن عباس أيضا. وقال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من ~~الجن، وهم قوم يسمعون كلام الرسل، فيبلغون الجن ما سمعوا. # والثالث: أن الله تعالى بعث إليهم رسلا منهم، كما بعث إلى الإنس رسلا ~~منهم، قاله الضحاك، ومقاتل، وأبو سليمان، وهو ظاهر الكلام. # والرابع: أن الله تعالى لم يبعث إليهم رسلا منهم، وإنما جاءتهم رسل ~~الإنس، قاله ابن جريج، والفراء، والزجاج. قالوا: ولا يكون الجمع في قوله ~~{ ألم يأتكم رسل منكم } مانعا أن تكون الرسل من أحد الفريقين، كقوله ~~تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما هو خارج من الملح وحده. # وفي دخول الجن الجنة إذا آمنوا قولان. # أحدهما: يدخلونها، ويأكلون ويشربون، قاله الضحاك. # والثاني: أن ثوابهم أن يجاروا من النار، ويصيروا ترابا، رواه سفيان عن ~~ليث. # قوله تعالى: { يقصون عليكم آياتي } أي: يقرؤون عليكم كتبي. { وينذرونكم ~~} أي: يخوفونكم بيوم القيامة. وفي قوله: { شهدنا على أنفسنا } قولان. # أحدهما: أقررنا على أنفسنا بانذار الرسل لنا. # والثاني: شهد بعضنا على بعض بانذار الرسل إياهم. ثم أخبرنا الله تعالى ~~بحالهم، فقال: { وغرتهم الحياة الدنيا } أي: بزينتها، وإمهالهم فيها. { ~~وشهدوا على أنفسهم } أي: أقروا أنهم كانوا في الدنيا كافرين. وقال مقاتل: ~~ذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر. ### || [6.131] # قوله تعالى: { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } قال الزجاج: ذلك ~~الذي قصصنا عليك من أمر الرسل، وأمر عذاب من كذب، لأنه لم يكن ربك مهلك ~~القرى بظلم، أي: لا يهلككم ms0634 حتى يبعث إليهم رسولا. قال ابن عباس: «بظلم» ~~أي: بشرك { وأهلها غافلون } لم يأتهم رسول. ### || [6.132] # قوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا } أي: لكل عامل بطاعة الله أو ~~بمعصيته درجات، أي: منازل يبلغها بعمله، إن كان خيرا فخيرا، وإن كان ~~شرا فشرا. وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط، كتفاضل ~~الدرج. # قوله تعالى: { عما يعملون } قرأ الجمهور بالياء؛ وقرأ ابن عامر بالتاء ~~على الخطاب. ### || [6.133-134] # قوله تعالى: { وربك الغني } يريد: الغني عن خلقه { ذو الرحمة } قال ابن ~~عباس: بأوليائه وأهل طاعته. وقال غيره: بالكل. ومن رحمته تأخير الانتقام ~~من المخالفين. { إن يشأ يذهبكم } بالهلاك؛ وقيل: هذا الوعيد لأهل مكة؛ { ~~ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم } أي: ابتدأكم { من ذرية قوم آخرين ~~} يعني: آباءهم الماضين. { إن ما توعدون } به من مجيء الساعة والحشر { ~~لآت وما أنتم بمعجزين } أي: بفائتين قال أبو عبيدة: يقال: أعجزني كذا، ~~أي: فاتني وسبقني. ### || [6.135] # قوله تعالى: { على مكانتكم } وقرأ أبو بكر عن عاصم «مكاناتكم» على ~~الجمع. قال ابن قتيبة: أي: على موضعكم يقال: مكان ومكانة، ومنزل ومنزلة، ~~وقال الزجاج: اعملوا على تمكنكم. قال: ويجوز أن يكون المعنى: اعملوا على ~~ما أنتم عليه. تقول للرجل إذا أمرته أن يثبت على حال: كن على مكانتك. # قوله تعالى: { إني عامل } أي: عامل ما أمرني به ربي { فسوف تعلمون من ~~تكون له عاقبة الدار } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وعاصم، «تكون» بالتاء وقرأ حمزة، والكسائي: بالياء. وكذلك خلافهم في ~~[القصص: 37]، ووجه التأنيث: اللفظ، ووجه التذكير: أنه ليس بتأنيث حقيقي. ~~وعاقبة الدار: الجنة، والظالمون هاهنا: المشركون. فان قيل: ظاهر هذه ~~الآية أمرهم بالاقامة على ما هم عليه، وذلك لا يجوز. فالجواب: أن معنى ~~هذا الأمر المبالغة في الوعيد؛ فكأنه قال: أقيموا على ما أنتم عليه، إن ~~رضيتم بالعذاب، قاله الزجاج. # فصل # وفي هذه الآية قولان. # أحدهما: أن المراد بها: التهديد، فعلى هذا: هي محكمة. # والثاني: أن المراد بها ترك القتال؛ فعلى هذا: هي منسوخة بآية السيف. ### || [6.136] ms0635 # قوله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ } قال ابن قتيبة: ذرأ: بمعنى: خلق. { ~~من الحرث } وهو الزرع. { والأنعام }: الإبل والبقر والغنم. وكانوا إذا ~~زرعوا، خطوا خطا، فقالوا: هذا لله، وهذا لآلهتنا، فإذا حصدوا ما جعلوه ~~لله، فوقع منه شيء فيما جعلوه لآلهتهم، تركوه، وقالوا: هي إليه محتاجة؛ ~~وإذا حصدوا ما جعلوه لآلهتهم، فوقع منه شيء في مال الله، أعادوه، إلى ~~موضعه. وكانوا يجعلون من الأنعام شيئا لله، فاذا ولدت إناثها ميتا، ~~أكلوه، وإذا ولدت أنعام آلهتهم ميتا عظموه فلم يأكلوه. وقال الزجاج: ~~معنى الآية: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا، وجعلوا ~~لشركائهم نصيبا، يدل عليه قوله تعالى: { فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا } ، فدل بالإشارة إلى النصيبين على نصيب الشركاء؛ وكانوا إذا ~~زكا ما لله، ولم يزك ما لشركائهم، ردوا الزاكي على أصنامهم، وقالوا: هذه ~~أحوج، والله غني؛ وإذا زكا ما للأصنام، ولم يزك ما لله، أقروه على ما ~~به. قال المفسرون: وكانوا يصرفون ما جعلوا لله إلى الضيفان والمساكين. ~~فمعنى قوله: { فلا يصل إلى الله } أي: إلى هؤلاء. ويصرفون نصيب آلهتهم في ~~الزرع إلى النفقة على خدامها. فأما نصيبها في الأنعام, ففيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه كان للنفقة عليها أيضا. # والثاني: أنهم كانوا يتقربون به، فيذبحونه لها. # والثالث: أنه البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وقال الحسن: كان إذا ~~هلك ما لأوثانهم غرموه، وإذا هلك مالله لم يغرموه. وقال ابن زيد: ~~كانوا لا يأكلون ما جعلوه لله حتى يذكروا عليه اسم أوثانهم، ولا يذكرون ~~الله على ما جعلوه للأوثان. فأما قوله «بزعمهم» فقرأ الجمهور: بفتح ~~الزاي؛ وقرأ الكسائي، والأعمش: بضمها. وفي الزعم ثلاث لغات: ضم الزاي، ~~وفتحها، وكسرها. ومثله: السقط والسقط والسقط؛ والفتك، والفتك، ~~والفتك: والزعم والزعم والزعم. قال الفراء: فتح الزاي في الزعم ~~لأهل الحجاز؛ وضمها لأسد؛ وكسرها لبعض قيس فيما يحكي الكسائي. ### || [6.137] # قوله تعالى: { وكذلك زين } أي: ومثل ذلك الفعل القبيح فيما قسموا بالجهل ~~زين. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون «وكذلك» مستأنفا، غير مشار به ~~إلى ms0636 ما قبله، فيكون المعنى: وهكذا زين. وقرأه الجمهور: «زين» بفتح ~~الزاي والياء، ونصب اللام من «قتل»، وكسر الدال من «أولادهم»، ورفع ~~«الشركاء»؛ وجه هذه القراءة ظاهر. وقرأ ابن عامر: بضم زاي «زين»، ~~ورفع اللام [ من «قتل» ] ونصب الدال من «أولادهم»، وخفض «الشركاء». قال ~~أبو علي: ومعناها: قتل شركائهم أولادهم؛ ففصل بين المضاف والمضاف إليه ~~بالمفعول به، وهذا قبيح، قليل في الاستعمال. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ~~والحسن: «زين» بالرفع، «قتل» بالرفع أيضا. «أولادهم» بالجر، ~~«شركاؤهم» رفعا. قال الفراء: رفع القتل إذ لم يسم فاعله؛ ورفع ~~الشركاء بفعل نواه، كأنه قال: زينه لهم شركاؤهم. وكذلك قال سيبويه في ~~هذه القراءة؛ قال: كأنه قيل: من زينه؟ فقال: شركاؤهم. قال مكي بن أبي ~~طالب: وقد روي عن ابن عامر أيضا أنه قرأ بضم الزاي، ورفع اللام، وخفض ~~الأولاد والشركاء؛ فيصير الشركاء اسما للأولاد، لمشاركتهم للآباء في ~~النسب والميراث والدين. # وللمفسرين في المراد بشركائهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم الشياطين، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. # والثاني: شركاؤهم في الشرك، قاله قتادة. # والثالث: قوم كانوا يخدمون الاوثان، قاله الفراء: والزجاج. # والرابع: أنهم الغواة من الناس، ذكره الماوردي. وإنما أضيف الشركاء ~~إليهم، لأنهم هم الذين اختلقوا ذلك وزعموه. # وفي الذي زينوه لهم من قتل أولادهم قولان. # أحدهما: أنه وأد البنات أحياء خيفة الفقر، قاله مجاهد. # والثاني: أنه كان يحلف أحدهم أنه إن ولد له كذا وكذا غلاما أن ينحر ~~أحدهم، كما حلف عبد المطلب في نحر عبد الله، قاله ابن السائب، ومقاتل. # قوله تعالى: { ليردوهم } أي: ليهلكوهم. وفي هذه اللام قولان. # أحدهما: أنها لام «كي». والثاني: أنها لام العاقبة كقوله: # ليكون لهم عدوا # [القصص: 8] أي: آل أمرهم إلى الردى، لا أنهم قصدوا ذلك. # قوله تعالى: { وليلبسوا عليهم دينهم } أي: ليخلطوا. قال ابن عباس: ~~ليدخلوا عليهم الشك في دينهم؛ وكانوا على دين إسماعيل، فرجعوا عنه ~~بتزيين الشياطين. # قوله تعالى: { فذرهم وما يفترون } قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا ~~دفنوا بناتهم قالوا: إن الله أمرنا بذلك؛ فقال: { فذرهم وما ms0637 يفترون }؛ ~~أي: يكذبون؛ وهذا تهديد ووعيد، فهو محكم. وقال قوم: مقصوده ترك قتالهم، ~~فهو منسوخ بآية السيف. ### || [6.138] # قوله تعالى: { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } الحرث: الزرع، والحجر: ~~الحرام. والمعنى: أنهم حرموا أنعاما وحرثا جعلوه لأصنامهم. قال ابن ~~قتيبة: وإنما قيل للحرام: حجر، لأنه حجر على الناس أن يصيبوه. وقرأ ~~الحسن، وقتادة: «حجر» بضم الحاء. قال الفراء: يقال: حجر، وحجر، ~~بكسر الحاء وضمها؛ وهي في قراءة ابن مسعود: «حرج»، مثل: «جذب» و«جبذ». ~~وفي هذ الأنعام التي جعلوها للأصنام قولان. # أحدهما: أنها البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. # والثاني: أنها الذبائح التي للأوثان؛ وقد سبق ذكرهما. # قوله تعالى: { لا يطعمها إلا من نشاء } هو كقولك: لا يذوقها إلا من ~~نريد. وفيمن أطلقوا له تناولها قولان. # أحدهما: أنهم منعوا منها النساء، وجعلوها للرجال، قاله ابن السائب. # والثاني: عكسه، قاله ابن زيد. قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن هذا ~~التحريم زعم منهم، لا حجة فيه ولا برهان. # وفي قوله: { وأنعام حرمت ظهورها } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الحام، قاله ابن عباس. # والثاني: البحيرة، كانوا لا يحجون عليها، قاله أبو وائل. # والثالث: البحيرة، والسائبة، والحام، قاله السدي. # قوله تعالى: { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها } هي قربان آلهتهم، ~~يذكرون عليها اسم الأوثان خاصة. وقال أبو وائل: هي التي كانوا لا يحجون ~~عليها، وقد ذكرنا هذا عنه في قوله: { حرمت ظهورها } ، فعلى قوله: ~~الصفتان لموصوف واحد. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله ~~عليها في شيء؛ لا إن ركبوا، ولا إن حملوا، ولا إن حلبوا، ولا إن ~~نتجوا. وفي قوله: { افتراء على الله } قولان. # أحدهما: أن ذكر أسماء أوثانهم، وترك ذكر الله هو الافتراء. # والثاني: أن إضافتهم ذلك إلى الله تعالى هو الافتراء، لأنهم كانوا ~~يقولون: هو حرم ذلك. ### || [6.139] # قوله تعالى: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام } يعني بالأنعام: المحرمات ~~عندهم، من البحيرة، والسائبة، والوصيلة. وللمفسرين في المراد بما في ~~بطونها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اللبن، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: الأجنة، قاله ~~مجاهد. ms0638 # والثالث: الولد واللبن، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: { خالصة لذكورنا } قرأ الجمهور «خالصة» على لفظ التأنيث، ~~وفيها أربعة أوجه. # أحدها: أنه إنما أنثت، لأن الأنعام مؤنثة، وما في بطونها مثلها، قاله ~~الفراء. # والثاني: أن معنى «ما» التأنيث، لأنها في معنى الجماعة؛ فكأنه قال: ~~جماعة ما في بطون هذه الأنعام خالصة، قاله الزجاج. # والثالث: أن الهاء دخلت للمبالغة في الوصف، كما قالوا: «علامة» ~~و«نسابة». # والرابع: أنه أجري مجرى المصادر التي تكون بلفظ التأنيث عن الأسماء ~~المذكرة، كقولك: عطاؤك عافية، والرخص نعمة، ذكرهما ابن الأنباري. وقرأ ~~ابن مسعود، وأبو العالية، والضحاك، والأعمش، وابن أبي عبلة: «خالص» ~~بالرفع، من غير هاء. قال الفراء: وإنما ذكر لتذكير «ما». وقرأ ابن ~~عباس، وأبو رزين، وعكرمة، وابن يعمر «خالصه» برفع الصاد والهاء على ~~ضمير مذكر، قال الزجاج: والمعنى: ما خلص حيا. وقرأ قتادة: «خالصة» ~~بالنصب، فأما الذكور: فهم: الرجال، والأزواج: والنساء. # قوله تعالى: { وإن يكن ميتة } قرأ الأكثرون «يكن» بالياء، «ميتة» ~~بالنصب؛ وذلك مردود على لفظ «ما» المعنى: وإن يكن ما في بطون هذه الأنعام ~~ميتة. وقرأ ابن كثير: «يكن» بالياء، «ميتة» بالرفع. وافقه ابن عامر في ~~رفع الميتة؛ غير أنه قرأ «تكن» بالتاء. والمعنى: وإن تحدث وتقع، فجعل ~~«كان»: تامة لا تحتاج إلى خبر. وقرأ أبو بكر عن عاصم: «تكن» بالتاء، ~~«ميتة» بالنصب. والمعنى: وإن تكن الأنعام التي في البطون ميتة. # قوله تعالى: { فهم فيه شركاء } يعني: الرجال والنساء. { سيجزيهم وصفهم } ~~قال الزجاج: أراد جزاء وصفهم الذي هو كذب. ### || [6.140] # قوله تعالى: { قد خسر الذين قتلوا أولادهم } وقرأ ابن كثير، وابن عامر ~~«قتلوا» بالتشديد. قال ابن عباس: نزلت في ربيعة، ومضر، والذين كانوا ~~يدفنون بناتهم أحياء في الجاهلية من العرب. وقال قتادة: كان أهل ~~الجاهلية يقتل أحدهم بنته مخافة السبي والفاقة، ويغذو كلبه. وقال الزجاج: ~~وقوله: «سفها» منصوب على معنى اللام، تقديره: للسفه؛ تقول: فعلت ذلك حذر ~~الشر. وقرأ ابن السميفع، والجحدري، ومعاذ القارىء «سفهاء» برفع السين ~~وفتح الفاء والهاء وبالمد وبالنصب والهمز. # قوله تعالى: ms0639 { بغير علم } أي: كانوا يفعلوا ذلك للسفه من غير أن أتاهم ~~علم في ذلك، وحرموا ما رزقهم الله من الأنعام والحرث، وزعموا أن الله ~~أمرهم بذلك. ### || [6.141] # قوله تعالى: { وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات } فيه أربعة ~~أقوال. # أحدها: أن المعروشات: ما انبسط على وجه الأرض، فانتشر مما يعرش، ~~كالكرم، والقرع، والبطيخ، وغير معروشات: ما قام على ساق كالنخل، والزرع، ~~وسائر الأشجار. # والثاني: أن المعروشات: ما أنبته الناس؛ وغير معروشات: ما خرج في ~~البراري والجبال من الثمار، رويا عن ابن عباس، # والثالث: أن المعروشات، وغير المعروشات: الكرم، منه ما عرش، ومنه ما لم ~~يعرش، قاله الضحاك. # والرابع: أن المعروشات الكروم التي قد عرش عنبها، وغير المعروشات: ~~سائر الشجر التي لا تعرش، قاله أبو عبيدة. والأكل: الثمر. { ~~والزيتون والرمان متشابها } قد سبق تفسيره. # قوله تعالى: { كلوا من ثمره إذا أثمر } هذا أمر إباحة؛ وقيل: إنما قدم ~~الأكل لينهى عن فعل الجاهلية في زروعهم من تحريم بعضها. # قوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده } قرأ ابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو: ~~بفتح الحاء، وهي لغة أهل نجد، وتميم. وقرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، ~~والكسائي: بكسرها وهي لغة أهل الحجاز، ذكره الفراء. # وفي المراد بهذا الحق قولان. # أحدهما: أنه الزكاة، روي عن أنس بن مالك، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ~~والحسن، وطاووس، وجابر بن زيد، وابن الحنفية، وقتادة في آخرين؛ فعلى هذا: ~~الآية محكمة. # والثاني: أنه حق غير الزكاة فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر، وترك ما ~~سقط من الزرع والثمر، قاله عطاء، ومجاهد. وهل نسخ ذلك، أم لا؟ إن قلنا: ~~إنه أمر وجوب، فهو منسوخ بالزكاة؛ وإن قلنا: إنه أمر استحباب، فهو باقي ~~الحكم. # فان قيل: هل يجب إيتاء الحق يوم الحصاد؟ فالجواب: إن قلنا: إنه إطعام من ~~حضر من الفقراء، فذلك يكون يوم الحصاد؛ وإن قلنا: إنه الزكاة، فقد ذكرت ~~عنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن الأمر بالإيتاء محمول على النخيل، لأن صدقتها تجب يوم ~~الحصاد. فأما الزروع: فالأمر بالإيتاء منها: محمول ms0640 على وجوب الإخراج؛ إلا ~~أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد، فيؤخر إلى زمان التنقية، ذكره بعض السلف. # والثاني: أن اليوم ظرف للحق، لا للايتاء، فكأنه قال: وآتوا حقه الذي وجب ~~يوم حصاده بعد التنقية. # والثالث: أن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب فيه بنفس خروجه وبلوغه؛ ~~إنما يجب يوم حصوله في يد صاحبه. وقد كان يجوز أن يتوهم أن الحق يلزم ~~بنفس نباته قبل قطعه، فأفادت الآية أن الوجوب فيما يحصل في اليد، دون ما ~~يتلف، ذكر الجوابين القاضي أبو يعلى. وفي قوله: { ولا تسرفوا } ستة ~~أقوال. # أحدها: أنه تجاوز المفروض في الزكاة إلى حد يجحف به، قاله أبو العالية، ~~وابن جريج. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس صرم ~~خمسمائة نخلة، ثم قسمها في يوم واحد، فأمسى ولم يترك لأهله شيئا، فكره ~~الله تعالى له ذلك، فنزلت: { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين }. # والثاني: أن الإسراف منع الصدقة الواجبة، قاله سعيد بن المسيب. # والثالث: أنه الإنفاق في المعصية، قاله مجاهد، والزهري. # والرابع: أنه إشراك الآلهة في الحرث والأنعام، قاله عطية العوفي، وابن ~~السائب. # والخامس: أنه خطاب للسلطان لئلا يأخذ فوق الواجب من الصدقة، قاله ابن ~~زيد. # والسادس: أنه الإسراف في الأكل قبل أداء الزكاة، قاله ابن بحر. ### || [6.142] # قوله تعالى: { ومن الأنعام حمولة وفرشا } هذا نسق على ما قبله، ~~والمعنى: أنشأ جنات، وأنشأ حمولة وفرشا، وفي ذلك خمسة أقوال. # أحدها: أن الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: صغارها، قاله ابن مسعود، ~~والحسن، ومجاهد، وابن قتيبة. # والثاني: أن الحمولة، ما انتفعت بظهورها، والفرش: الراعية، رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. # والثالث: أن الحمولة: الإبل والخيل، والبغال، والحمير، وكل شيء يحمل ~~عليه. والفرش: الغنم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: الحمولة: من الإبل، والفرش: من الغنم، قاله الضحاك. # والخامس: الحمولة: الإبل والبقر. والفرش: الغنم وما لا يحمل عليه من ~~الإبل، قاله قتادة. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: { حمولة } ~~بضم الحاء. # قوله تعالى: { كلوا ms0641 مما رزقكم الله } قال الزجاج: المعنى: لا تحرموا ~~ما حرمتم مما جرى ذكره، { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي: طرقه. قال: ~~وقوله: { ثمانية أزواج } بدل من قوله: { حمولة وفرشا } والزوج، في اللغة: ~~الواحد الذي يكون معه آخر. قال المصنف: وهذا كلام يفتقر إلى تمام، وهو أن ~~يقال الزوج: ما كان معه آخر من جنسه، فحينئذ يقال: لكل واحد منهما: زوج. ### || [6.143-144] # قوله تعالى: { من الضأن اثنين }: الضأن: ذوات الصوف من الغنم، والمعز: ~~ذوات الشعر منها، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «المعز» بفتح ~~العين. وقرأ نافع، وحمزة، وعاصم، والكسائي: بتسكين العين. والمراد ~~بالأنثيين: الذكر والأنثى. { قل آلذكرين } من الضأن والمعز حرم الله ~~عليكم { أم الأنثيين } منها؟ المعنى: فان كان ما حرم عليكم الذكرين، فكل ~~الذكور حرام، وإن كان حرم الأنثيين، فكل الإناث حرام، وإن كان حرم ما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فهي تشتمل على الذكور، وتشتمل على الإناث، ~~وتشتمل على الذكور والإناث، فيكون كل جنين حراما. وقال ابن الأنباري: ~~معنى الآية: ألحقكم التحريم من جهة الذكرين، أم من جهة الأثنين؟ فان ~~قالوا: من جهة الذكرين، حرم عليهم كل ذكر، وإن قالوا: من جهة الأنثيين، ~~حرمت عليهم كل أنثى؛ وإن قالوا: من جهة الرحم، حرم عليهم الذكر ~~والأنثى. وقال ابن جرير الطبري: إن قالوا: حرم الذكرين، أوجبوا تحريم ~~كل ذكر من الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم بعض الذكران منها وظهوره، ~~وفي ذلك فساد دعواهم. وإن قالوا: حرم الأنثيين، أوجبوا تحريم لحوم كل ~~أنثى من ولد الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره. وإن ~~قالوا: ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها ~~وإناثها، قال المفسرون: فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الآية والتي بعدها، ~~لأنهم كانوا يحرمون أجناسا من النعم، بعضها على الرجال والنساء، ~~وبعضها على النساء دون الرجال. # وفي قوله: { آلذكرين حرم أم الأنثيين } إبطال لما حرموه من ~~البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. # وفي قوله: { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } إبطال قولهم: { ما في ~~بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ms0642 ومحرم على أزواجنا }. # قوله تعالى: { نبئوني بعلم } قال الزجاج: المعنى: فسروا ما حرمتم بعلم، ~~أي: أنتم لا علم لكم، لأنكم لا تؤمنون بكتاب. { أم كنتم شهداء } أي: هل ~~شاهدتم الله قد حرم هذا، إذا كنتم لا تؤمنون برسول؟ # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } ~~قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحي، ومن جاء بعده، والظالمون هاهنا: ~~المشركون. ### || [6.145] # قوله تعالى: { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } ~~نبههم بهذا على أن التحريم والتحليل، إنما يثبت بالوحي. وقال طاووس، ~~ومجاهد: معنى الآية: لا أجد محرما مما كنتم تستحلون في الجاهلية إلا ~~هذا. والمراد بالطاعم: الآكل. { إلا أن يكون ميتة } أي: إلا أن يكون ~~المأكول ميتة. قرأ ابن كثير، وحمزة: «إلا أن يكون» بالياء، «ميتة» نصبا ~~وقرأ ابن عامر: «إلا أن تكون» بالتاء، «ميتة» بالرفع، على معنى: إلا أن ~~تقع ميتة، أو تحدث ميتة. { أو دما مسفوحا } قال قتادة: إنما حرم ~~المسفوح، فأما اللحم إذا خالطه دم، فلا بأس به. قال الزجاج: المسفوح: ~~المصبوب. وكانوا إذا ذكوا يأكلون الدم كما يأكلون اللحم. والرجس: اسم ~~لما يستقذر، وللعذاب. { أو فسقا } المعنى: أو أن يكون المأكول فسقا. { ~~أهل لغير الله به } أي: رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، فسمي ما ~~ذكر عليه غير اسم الله فسقا؛ والفسق: الخروج من الدين. # فصل # اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين. # أحدهما: أنها محكمة. ولأرباب هذا القول في سبب إحكامها ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ. والثاني: أنها جاءت جوابا عن ~~سؤال سألوه؛ فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حرم بعد ذلك ما حرم. ~~والثالث: أنه ليس في الحيوان محرم إلا ما ذكر فيها. # والقول الثاني: أنها منسوخة بما ذكر في (المائدة) من المنخنقة ~~والموقوذة، وفي السنة من تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، ~~ومخلب من الطير. وقيل: إن آية (المائدة) داخلة في هذه الآية، لأن تلك ~~الأشياء كلها ميتة. ms0643 ### || [6.146] # قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } وقرأ الحسن، ~~والأعمش: { ظفر } بسكون الفاء؛ وهذا التحريم تحريم بلوى وعقوبة # وفي ذي الظفر ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ما ليس بمنفرج الأصابع، كالإبل، والنعام، والإوز، والبط، ~~قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي. # والثاني: الإبل فقط، قاله ابن زيد. # والثالث: كل ذي حافر من الدواب، ومخلب من الطير، قاله ابن قتيبة. قال: ~~وسمي الحافر ظفرا على الإستعارة؛ والعرب تجعل الحافر والأظلاف موضع ~~القدم، استعارة؛ وأنشدوا: # سأمنعها أو سوف أجعل أمرها # إلى ملك أظلافه لم تشقق # أراد: قدميه، وإنما الأظلاف: للشاء والبقر. قال ابن الانباري: الظفر ~~هاهنا، يجري مجرى الظفر للانسان. وفيه ثلاث لغات. أعلاهن: ظفر؛ ويقال: ~~ظفر، وأظفور. وقال الشاعر: # ألم تر أن الموت أدرك من مضى # فلم يبق منه ذا جناح وذا ظفر # وقال الآخر: # لقد كنت ذا ناب وظفر على العدى # فأصبحت ما يخشون نابي ولا ظفري # وقال الآخر: # ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت # وبين أخرى تليها قيد أظفور # وفي شحوم البقر والغنم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إنما حرم من ذلك شحوم الثروب خاصة، قاله قتادة. # والثاني: شحوم الثروب والكلى، قاله السدي، وابن زيد. # والثالث: كل شحم لم يكن مختلطا بعظم، ولا على عظم، قاله ابن جريج: وفي ~~قوله: { إلا ما حملت ظهورهما } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ما علق بالظهر من الشحوم، قاله ابن عباس. # والثاني: الألية، قاله أبو صالح، والسدي. # والثالث: ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما، قاله قتادة. فأما ~~الحوايا فللمفسرين فيها أقوال تتقارب معانيها. قال ابن عباس، والحسن، ~~وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة: هي المباعر. وقال ابن ~~زيد: هي بنات اللبن، وهي المرابض التي تكون فيها الأمعاء. وقال الفراء: ~~الحوايا: هي المباعر، وبنات اللبن. وقال الاصمعي: هي بنات اللبن، واحدها: ~~حاوياء، وحاوية، وحوية. # قال الشاعر: # أقتلهم ولا أرى معاويه # الجاحظ العين العظيم الحاويه # وقال الآخر: # كأن نقيق الحب في حاويائه # فحيح الأفاعي أو نقيق العقارب # وقال أبو عبيدة: الحوايا: ما ms0644 تحوى من البطن، أي: ما استدار منها. وقال ~~الزجاج: الحوايا: اسم لجميع ما تحوى من الأمعاء, أي: استدار. وقال ابن ~~جرير الطبري: الحوايا: ما تحوى من البطن, فاجتمع واستدار، وهي بنات ~~اللبن، وهي المباعر، وتسمى: المرابض، وفيها الأمعاء. # قوله تعالى: { أو ما اختلط بعظم } فيه قولان. # أحدهما: أنه شحم البطن والألية، لأنهما على عظم، قاله السدي. والثاني: ~~كل شحم في القوائم، والجنب، والرأس، والعينين، والأذنين، فهو مما اختلط ~~بعظم، قاله ابن جريج. واتفقوا على أن ما حملت ظهورها حلال، بالاستثناء من ~~التحريم. # فأما ما حملت الحوايا، أو ما اختلط بعظم، ففيه قولان. # أحدهما: أنه داخل في الاستثناء، فهو مباح؛ والمعنى: وأبيح لهم ما حملت ~~الحوايا من الشحم وما اختلط بعظم، هذا قول الأكثرين. # والثاني: أنه نسق على ما حرم، لا على الاستثناء؛ فالمعنى: حرمنا ~~عليهم شحومهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهور، فانه ~~غير محرم، قاله الزجاج. فأما «أو» المذكورة هاهنا، فهي بمعنى الواو ~~كقوله: # آثما أو كفورا # [الدهر: 24]. # قوله تعالى: { ذلك جزيناهم } أي: ذلك التحريم عقوبة لهم على بغيهم. # وفي بغيهم قولان. # أحدهما: أنه قتلهم الأنبياء، وأكلهم الربا. والثاني: أنه تحريم ما أحل ~~لهم. ### || [6.147] # قوله تعالى: { فان كذبوك } قال ابن عباس: # " لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين: «هذا ما أوحي إلي ~~أنه محرم على المسلمين وعلى اليهود» قالوا: فانك لم تصب، فنزلت هذه ~~الآية " # ،. وفي المكذبين قولان. # أحدهما: المشركون، قاله ابن عباس. # والثاني: اليهود، قاله مجاهد. والمراد بذكر الرحمة الواسعة: أنه لا يعجل ~~بالعقوبة، والبأس: العذاب. # وفي المراد بالمجرمين قولان. # أحدهما: المشركون. والثاني: المكذبون. ### || [6.148] # قوله تعالى: { سيقول الذين أشركوا } أي: إذا لزمتهم الحجة، وتيقنوا ~~باطل ما هم عليه من الشرك، وتحريم مالم يحرمه الله: { لو شاء الله ما ~~أشركنا } فجعلوا هذا حجة لهم في إقامتهم على الباطل؛ فكأنهم قالوا: لو لم ~~يرض ما نحن عليه، لحال بيننا وبينه، وإنما قالوا ذلك مستهزئين، ودافعين ~~للاحتجاج عليهم، فيقال لهم: لم تقولون عن ms0645 مخالفيكم إنهم ضالون، وإنما ~~هم على المشيئة أيضا؟ فلا حجة لهم، لأنهم تعلقوا بالمشيئة، وتركوا ~~الأمر؛ ومشيئة الله تعم جميع الكائنات، وأمره لا يعم مراداته، فعلى ~~العبد اتباع الأمر، وليس له أن يتعلل بالمشيئة بعد ورود الأمر. # قوله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم } قال ابن عباس: أي: قالوا ~~لرسلهم مثلما قال هؤلاء لك { حتى ذاقوا بأسنا } أي: عذابنا. { قل هل ~~عندكم من علم } أي: كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم { إن ~~تتبعون إلا الظن } لا اليقين؛ و«إن» بمعنى «ما». و«تخرصون»: تكذبون. ### || [6.149] # قوله تعالى: { قل فلله الحجة البالغة } قال الزجاج: حجته البالغة: ~~تبيينه أنه الواحد، وإرساله الأنبياء بالحجج المعجزة، قال السدي: { فلو ~~شاء لهداكم أجمعين } يوم أخذ الميثاق. ### || [6.150] # قوله تعالى: { قل هلم شهداءكم } قال الزجاج: زعم سيبويه أن «هلم» ~~هاء ضمت إليها «لم» وجعلتا كالكلمة الواحدة؛ فأكثر اللغات أن يقال: ~~«هلم»: للواحد، والاثنين، والجماعة؛ بذلك جاء القرآن. ومن العرب من ~~يثني ويجمع ويؤنث، فيقول للذكر: «هلم». وللمرأة: «هلمي»، وللاثنين: ~~«هلما»، وللثنتين: «هلما»، وللجماعة: «هلموا»، وللنسوة: «هلممن». ~~وقال ابن قتيبة: «هلم»، بمعنى: «تعال». وأهل الحجاز لا يثنونها ولا ~~يجمعونها. وأهل نجد يجعلونها من «هلممت» فيثنون ويجمعون ~~ويؤنثون؛ وتوصل باللام، فيقال: «هلم لك»، «وهلم لكما». قال: وقال ~~الخليل: أصلها «لم»، وزيدت الهاء في أولها. وخالفه الفراء، فقال: أصلها ~~«هل» ضم إليها «أم»، والرفعة التي في اللام من همزة «أم» لما تركت ~~انتقلت إلى ما قبلها؛ وكذلك «اللهم» يرى أصلها: «يا ألله أمنا بخير» ~~فكثرت في الكلام، فاختلطت، وتركت الهمزة. وقال ابن الانباري: معنى «هلم»: ~~أقبل؛ وأصله: «أم يا رجل»، أي: «اقصد»، فضموا «هل» إلى «أم» وجعلوهما ~~حرفا واحدا، وأزالوا «أم» عن التصرف، وحولوا ضمة الهمزة «أم» إلى ~~اللام، وأسقطوا الهمزة، فاتصلت الميم باللام. وإذا قال الرجل للرجل: ~~«هلم»، فأراد أن يقول: لا أفعل، قال: «لا أهلم» و«لا أهلم». قال ~~مجاهد: هذه الآية جواب قولهم: إن الله حرم البحيرة، والسائبة. قال مقاتل: ~~الذين يشهدون أن الله حرم هذا ms0646 الحرث والأنعام، { فان شهدوا } أن الله ~~حرمه { فلا تشهد معهم } أي: لا تصدق قولهم. ### || [6.151] # قوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به ~~شيئا } «ما»: بمعنى: «الذي»، وفي «لا» قولان. # أحدهما: أنها زائدة، كقوله: # أن لا تسجد # [الأعراف: 12]. # والثاني: أنها ليست زائدة، وإنما هي نافية؛ فعلى هذا القول، في تقدير ~~الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: أن يكون قوله: { أن لا تشركوا } ، محمولا على المعنى؛ فتقديره: ~~أتل عليكم أن لا تشركوا، أي: أتل تحريم الشرك. # والثاني: أن يكون المعنى: أوصيكم أن لا تشركوا، لأن قوله: # وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانا، ذكرهما ~~الزجاج. # والثالث: أن الكلام تم عند قوله: { حرم ربكم } ثم في قوله { عليكم } ~~قولان. # أحدهما: أنها إغراء كقوله: # عليكم أنفسكم # [المائدة: 105] فالتقدير: عليكم أن لا تشركوا، ذكره ابن الانباري. # والثاني: أن يكون بمعنى: فرض عليكم، ووجب عليكم أن لا تشركوا. وفي هذا ~~الشرك قولان. # أحدهما: أنه ادعاء شريك مع الله عز وجل. # والثاني: أنه طاعة غيره في معصيته. # قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم } يريد: دفن البنات أحياء. { من ~~إملاق } أي: من خوف فقر. # قوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } فيه خمسة ~~اقوال. # أحدها: أن الفواحش: الزنا، وما ظهر منه: الإعلان به، وما بطن: الاستسرار ~~به، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي. # والثاني: أن ما ظهر: الخمر، ونكاح المحرمات، وما بطن: الزنا، قاله سعيد ~~بن جبير، ومجاهد. # والثالث: أن ما ظهر الخمر، وما بطن: الزنا، قاله الضحاك. # والرابع: أنه عام في الفواحش، وظاهرها: علانيتها، وباطنها: سرها، ~~قاله قتادة. # والخامس: أن ما ظهر: أفعال الجوارح، وما بطن: اعتقاد القلوب، ذكره ~~الماوردي في تفسير هذا الموضع، وفي تفسير قوله: # وذروا ظاهر الإثم وباطنه # [الإنعام: 120] والنفس التي حرم الله: نفس مسلم أو معاهد، والمراد ~~بالحق: إذن الشرع. ### || [6.152] # قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~} إنما خص مال اليتيم، لأن الطمع فيه لقلة مراعيه وضعف مالكه، أقوى. ms0647 # وفي قوله: { إلا بالتي هي أحسن } أربعة أقوال. # أحدها: أنه أكل الوصي المصلح للمال بالمعروف وقت حاجته، قاله ابن عباس، ~~وابن زيد. # والثاني: التجارة فيه، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي. # والثالث: أنه حفظه له إلى وقت تسليمه إليه، قاله ابن السائب. # والرابع: أنه حفظه عليه، وتثميره له، قاله الزجاج. قال: و«حتى» محمولة ~~على المعنى؛ فالمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشده، فاذا بلغ أشده، فادفعوه ~~إليه. فأما الأشد: فهو استحكام قوة الشباب والسن. قال ابن قتيبة: ~~ومعنى الآية: حتى يتناهى في النبات إلى حد الرجال. يقال: بلغ أشده. إذا ~~انتهى منتهاه قبل أن يأخذ في النقصان. وقال أبو عبيدة: الأشد: لا ~~واحد له منه؛ فان أكرهوا على ذلك، قالوا: شد، بمنزلة: ضب؛ والجمع: ~~أضب. قال ابن الانباري: وقال جماعة من البصريين: واحد الأشد شد ~~بضم الشين. وقال بعض البصريين: واحد الأشد: شدة، كقولهم: نعمة، ~~وأنعم. وقال بعض أهل اللغة: الأشد: اسم لا واحد له. وللمفسرين في ~~الأشد ثمانية أقوال. # أحدها: أنه ثلاث وثلاثون سنة، رواه ابن جبير عن ابن عباس. # والثاني: ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أربعون سنة، روي عن عائشة عليها السلام. # والرابع: ثماني عشرة سنة، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. # والخامس: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة. # والسادس: أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان الثوري. # والسابع: ثلاثون سنة، قاله السدي. وقال: ثم جاء بعد هذه الآية: # حتى إذا بلغوا النكاح # [النساء: 6] فكأنه يشير إلى النسخ. # والثامن: بلوغ الحلم، قاله زيد بن أسلم، والشعبي، ويحيى بن يعمر، ~~وربيعة، ومالك بن أنس، وهو الصحيح. ولا أظن بالذين حكينا عنهم الأقوال ~~التي قبله فسروا هذه الآية بما ذكر عنهم، وإنما أظن أن الذين جمعوا ~~التفاسير، نقلوا هذه الأقوال من تفسير قوله تعالى: # ولما بلغ أشده # [يوسف: 22والقصص: 14] إلى هذا المكان، وذلك نهاية الأشد، وهذا ابتداء ~~تمامه؛ وليس هذا مثل ذاك. قال ابن جرير: وفي الكلام محذوف ترك ذكره ~~اكتفاء بدلالة ما ظهر عما ms0648 حذف، لأن المعنى: حتى يبلغ أشده؛ فإذا بلغ ~~اشده، فآنستم منه رشدا، فادفعوا إليه ماله. # قال المصنف: إن أراد بما ظهر ما ظهر في هذه الآية، فليس بصحيح؛ وإنما ~~استفيد إيناس الرشد والإسلام من آية أخرى؛ وإنما أطلق في هذه الآية ما ~~قيد في غيرها، فحمل المطلق على المقيد. # قوله تعالى: { وأوفوا الكيل } أي: أتموه ولا تنقصوا منه. # و { الميزان } أي: وزن الميزان. والقسط: العدل. { لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها } أي: مايسعها، ولا تضيق عنه. قال القاضي أبو يعلى: لما كان ~~الكيل والوزن يتعذر فيهما التحديد بأقل القليل، كلفنا الاجتهاد في ~~التحري، دون تحقيق الكيل والوزن. # قوله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا } أي: إذا تكلمتم أو شهدتم فقولوا ~~الحق، ولو كان المشهود له أو عليه ذا قرابة. وعهد الله يشتمل على ما ~~عهده إلى الخلق وأوصاهم به، وعلى ما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر ~~وغيره. { ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } أي: لتذكروه وتأخذوا به. ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: # تذكرون # [الأنعام: 153] و # يذكرون # [الانعام: 126] و # يذكر الإنسان # [مريم: 67] و # أن يذكر # [الفرقان: 62] و # ليذكروا # [الإسراء: 41] مشددا ذلك كله. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، وابن ~~عامر كل ذلك بالتشديد إلا قوله: # أولا يذكر الإنسان # [مريم: 67] فانهم خففوه. روى أبان، وحفص عن عاصم: «يذكرون» خفيفة الذال ~~في جميع القرآن. قرأ حمزة، والكسائي: «يذكرون» مشددا إذا كان بالياء، ~~ومخففا إذا كان بالتاء. ### || [6.153] # قوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وأبو عمرو: و«أن» بفتح الألف مع تشديد النون. قال الفراء: إن شئت جعلت ~~«أن» مفتوحة بوقوع «أتل» عليها، وإن شئت جعلتها خفضا، على معنى: ذلكم ~~وصاكم به، وبأن هذا صراطي مستقيما. وقرأ ابن عامر بفتح الألف أيضا، إلا ~~أنه خفف النون، فجعلها مخففة من الثقيلة، وحكم إعرابها حكم تلك. وقرأ ~~حمزة، والكسائي: بتشديد النون مع كسر الألف. قال الفراء: وكسر الألف على ~~الاستئناف. وفي الصراط قولان. # أحدهما: أنه القرآن. والثاني: الإسلام. وقد بينا إعراب قوله: «مستقيما» ~~أيضا. فأما ms0649 «السبل»، فقال ابن عباس: هي الضلالات. وقال مجاهد: البدع ~~والشبهات. وقال مقاتل: أراد ما حرموا على أنفسهم من الأنعام والحرث. { ~~فتفرق بكم عن سبيله } أي: فتضلكم عن دينه. ### || [6.154] # قوله تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب } قال الزجاج: «ثم» هاهنا: للعطف ~~على معنى التلاوة، فالمعنى: أتل ما حرم ربكم، ثم اتل عليكم ما آتاه الله ~~موسى. # وقال ابن الانباري: الذي بعد «ثم» مقدم على الذي قبلها في النية؛ ~~والتقدير: ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { تماما على الذي أحسن } في قوله «تماما» قولان. # أحدهما: أنها كلمة متصلة بما بعدها، تقول: أعطيتك كذا تماما على كذا، ~~وتماما لكذا، وهذا قول الجمهور. # والثاني: أن قوله «تماما»: كلمة قائمة بنفسها غير متصلة بما بعدها، ~~والتقدير: آتينا موسى الكتاب تماما، أي: في دفعة واحدة لم نفرق إنزاله ~~كما فرق إنزال القرآن، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # وفي المشار إليه بقوله { أحسن } أربعة أقوال. # أحدها: أنه الله عز وجل. ثم في معنى الكلام قولان. أحدهما: تماما على ~~إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد. والثاني: تماما على إحسان الله ~~تعالى إلى موسى، وعلى هذين القولين، يكون { الذي } بمعنى «ما». # والقول الثاني: أنه إبراهيم الخليل عليه السلام، فالمعنى: تماما للنعمة ~~على إبراهيم الذي أحسن في طاعة الله، وكانت نبوة موسى نعمة على ~~إبراهيم، لأنه من ولده ذكره الماوردي. # والقول الثالث: أنه كل محسن من الانبياء، وغيرهم. وقال مجاهد: تماما ~~على المحسنين، أي: تماما لكل محسن. وعلى هذا القول، يكون «الذي» بمعنى ~~«من» و«على» بمعنى لام الجر؛ ومن هذا قول العرب: أتم عليه، وأتم له، قال ~~الراعي: # رعته أشهرا وخلا عليها # أي: لها. # قال ابن قتيبة: ومثل هذا أن تقول: أوصي بمالي للذي غزا وحج؛ تريد: ~~للغازين والحاجين. # والقول الرابع: أنه موسى، ثم في معنى { أحسن } قولان. # أحدهما: أحسن في الدنيا بطاعة الله عز وجل. قال الحسن، وقتادة: ~~تماما لكرامته في الجنة إلى إحسانه في الدنيا. وقال الربيع: ms0650 هو إحسان ~~موسى بطاعته. وقال ابن جرير: تماما لنعمنا عنده على إحسانه في قيامه ~~بأمرنا ونهينا. # والثاني: أحسن من العلم وكتب الله القديمة؛ وكأنه زيد على ما ~~أحسنه من التوراة؛ ويكون «التمام» بمعنى الزيادة، ذكره ابن الانباري. ~~فعلى هذين القولين يكون «الذي» بمعنى: «ما». وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ~~وأبو رزين، والحسن، وابن يعمر: «على الذي أحسن»، بالرفع. قال الزجاج: ~~معناه على الذي هو أحسن الأشياء. وقرأ عبد الله بن عمرو، وأبو المتوكل، ~~وأبو العالية: «على الذي أحسن» برفع الهمزة وكسر السين وفتح النون؛ ~~وهي تحتمل الإحسان، وتحتمل العلم. # قوله تعالى: { وتفصيلا لكل شيء } أي: تبيانا لكل شيء من أمر شريعتهم ~~مما يحتاجون إلى علمه، لكي يؤمنوا بالبعث والجزاء. ### || [6.155] # قوله تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } يعني: القرآن { فاتبعوه ~~واتقوا } أن تخالفوه { لعلكم ترحمون } قال الزجاج: لتكونوا راجين للرحمة. ### || [6.156] # قوله تعالى: { أن تقولوا } سبب نزولها: أن كفار مكة قالوا: قاتل الله ~~اليهود والنصارى، كيف كذبوا أنبيائهم؛ فوالله لو جاءنا نذير وكتاب، ~~لكنا أهدى منهم، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. قال الفراء: «أن» في ~~موضع نصب في مكانين. أحدهما: أنزلناه لئلا تقولوا. والآخر: من قوله: ~~واتقوا أن تقولوا وذكر الزجاج عن البصريين أن معناه: أنزلناه كراهة أن ~~تقولوا؛ ولا يجيزون إضمار «لا». فأما الخطاب بهذه الآية، فهو لأهل مكة؛ ~~والمراد: إثبات الحجة عليهم بانزال القرآن كي لا يقولوا يوم القيامة: إن ~~التوراة والإنجيل أنزلا على اليهود والنصارى، وكنا غافلين عما فيهما. ~~و«دراستهم»: قراءتهم الكتب. قال الكسائي: { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } ~~لا نعلم ما هي، لأن كتبهم لم تكن بلغتنا، فأنزل الله كتابا بلغتهم ~~لتنقطع حجتهم. ### || [6.157] # قوله تعالى: { لكنا أهدى منهم } قال الزجاج: إنما كانوا يقولون هذا، ~~لأنهم مدلون بالأذهان والأفهام، وذلك أنهم يحفظون أشعارهم وأخبارهم، ~~وهم أميون لا يكتبون. { فقد جاءكم بينة } أي: ما فيه البيان وقطع ~~الشبهات. قال ابن عباس: { فقد جاءكم بينة } أي: حجة، وهو النبي، والقرآن، ~~والهدى، والبيان، والرحمة، والنعمة. { فمن أظلم } أي: أكفر. { ممن ms0651 كذب ~~بآيات الله } يعني: محمدا والقرآن. { وصدف عنها } أعرض فلم يؤمن بها. ~~وسوء العذاب: قبيحه. ### || [6.158] # قوله تعالى: { هل ينظرون } أي: ينتظرون { إلا أن تأتيهم الملائكة } قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تأتيهم» بالتاء. وقرأ ~~حمزة، والكسائي: «يأتيهم» بالياء. وهذا الإتيان لقبض أرواحهم. وقال ~~مقاتل: المراد بالملائكة: ملك الموت وحده. # قوله تعالى: { أو يأتي ربك } قال الحسن: أو يأتي أمر ربك. وقال ~~الزجاج: أو يأتي إهلاكه وانتقامه إما بعذاب عاجل أو بالقيامة. # قوله تعالى: { أو يأتي بعض آيات ربك } وروى عبد الوارث إلا القزاز: ~~بتسكين ياء { أو يأتي } ، وفتحها الباقون. وفي هذه الآية أربعة أقوال. # أحدها: أنه طلوع الشمس من مغربها، رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وبه قال ابن مسعود. وفي رواية زرارة بن أوفى عنه، وعبد ~~الله ابن عمرو، ومجاهد، وقتادة، والسدي. وقد روى البخاري، ومسلم، في ~~«الصحيحين» من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فاذا طلعت ورآها الناس، آمن ~~من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت ~~في إيمانها خيرا " # وروى عبد الله ابن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لاتزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فاذا طلعت، طبع على ~~كل قلب بما فيه، [و] كفي الناس العمل ". # والثاني: أنه طلوع الشمس والقمر من مغربهما، رواه مسروق عن ابن مسعود. # والثالث: أنه إحدى الآيات الثلاث: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، وفتح ~~يأجوج ومأجوج، روى هذا المعنى القاسم عن ابن مسعود. # والرابع: أنه طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، قاله أبو ~~هريرة. والأول أصح. والمراد بالخير هاهنا: العمل الصالح؛ وإنما لم ينفع ~~الإيمان والعمل الصالح حينئذ، لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان. وقال ~~الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه، قبل منه، كما ~~يقبل منه قبل الآية. وقيل: إن ms0652 الحكمة في طلوع الشمس من مغربها، أن ~~الملحدة والمنجمين، زعموا أن ذلك لا يكون، فيريهم الله قدرته، ويطلعها من ~~المغرب كما أطلعها من المشرق، ولتحقق عجز نمرود حين قال له إبراهيم: # فأت بها من المغرب فبهت # [البقرة: 258]. # فصل # وفي قوله: { قل انتظروا إنا منتظرون } قولان. # أحدهما: أن المراد به: التهديد، فهو محكم. # والثاني: أنه أمر بالكف عن القتال، فهو منسوخ بآية السيف. ### || [6.159] # قوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو: «فرقوا» مشددة. وقرأ حمزة، والكسائي: «فارقوا» بألف. وكذلك قرؤوا ~~في [الروم: 32] فمن قرأ «فرقوا» أراد: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. ومن ~~قرأ: «فارقوا» أراد: باينوا. وفي المشار إليهم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم أهل الضلالة من هذه الأمة، قاله أبو هريرة. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة، ~~والسدي. # والثالث: اليهود، قاله مجاهد. # والرابع: جميع المشركين، قاله الحسن. فعلى هذا القول، دينهم: الكفر الذي ~~يعتقدونه دينا، وعلى ما قبله، دينهم: الذي أمرهم الله به. والشيع: ~~الفرق والأحزاب. قال الزجاج: ومعنى «شيعت» في اللغة: اتبعت. والعرب ~~تقول: شاعكم السلام، وأشاعكم، أي: تبعكم. # قال الشاعر: # ألا يا نخلة من ذات عرق # برود الظل شاعكم السلام # وتقول: أتيتك غدا، أو شيعة، أي: أو اليوم الذي يتبعه. فمعنى الشيعة: ~~الذين يتبع بعضهم بعضا، وليس كلهم متفقين. # وفي قوله تعالى: { لست منهم في شيء } قولان. # أحدهما: لست من قتالهم في شيء، ثم نسخ بآية السيف، وهذا مذهب السدي. # والثاني: لست منهم، أي: أنت بريء منهم، وهم منك برءاء، إنما أمرهم إلى ~~الله في جزائهم، فتكون الآية محكمة. ### || [6.160] # قوله تعالى: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } وقرأ يعقوب، والقزاز عن ~~عبد الوارث: «عشر» بالتنوين، «أمثالها» بالرفع. قال ابن عباس: يريد ~~من عملها، كتبت له عشر حسنات { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا } جزاء { ~~مثلها } وفي الحسنة والسيئة هاهنا قولان. # أحدهما: أن الحسنة قول لا إله إلا الله. والسيئة: الشرك، قاله ابن ~~مسعود، ومجاهد، والنخعي. # والثاني: أنه عام في كل حسنة ms0653 وسيئة. روى مسلم في «صحيحه» من حديث أبي ذر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن ~~جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر " # فان قيل: إذا كانت الحسنة كلمة التوحيد، فأي مثل لها حتى يجعل جزاء ~~قائلها عشر أمثالها؟ فالجواب: أن جزاء الحسنة معلوم القدر عند الله، فهو ~~يجازي فاعلها بعشر أمثاله، وكذلك السيئة. وقد أشرنا إلى هذا في (المائدة) ~~عند قوله: # فكأنما قتل الناس جميعا # [المائدة: 32] فان قيل: المثل مذكر، فلم قال: { عشر أمثالها } والهاء ~~إنما تسقط في عدد المؤنث؟ فالجواب: أن الأمثال خلقت حسنات مؤنثة، وتلخيص ~~المعني: فله عشر حسنات أمثالها، فسقطت الهاء من عشر، لأنها عدد مؤنث، ~~كما تسقط عند قولك: عشر نعال، وعشر جباب. ### || [6.161] # قوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } قال الزجاج: أي ~~دلني على الدين الذي هو دين الحق. ثم فسر ذلك بقوله: { دينا قيما } ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «قيما» مفتوحة القاف، مشددة الياء. ~~والقيم: المستقيم. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «قيما» ~~بكسر القاف، وتخفيف الياء. قال الزجاج: وهو مصدر، كالصغر والكبر. ~~وقال مكي: من خففه بناه على «فعل» وكان أصله أن يأتي بالواو، فيقول: ~~«قوما» كما قالوا: عوض، وحول، ولكنه شذ عن القياس. قال الزجاج: ~~ونصب قوله: { دينا قيما } محمول على المعنى، لأنه لما قال: «هداني» دل ~~على عرفني دينا؛ ويجوز أن يكون على البدل من قوله: { إلى صراط مستقيم } ~~فالمعنى: هداني صراطا مستقيما دينا قيما. و«حنيفا» منصوب على الحال ~~من إبراهيم، والمعنى: هداني ملة إبراهيم في حال حنيفيته. ### || [6.162-163] # قوله تعالى: { قل إن صلاتي } يريد: الصلاة المشروعة. والنسك: جمع نسيكة. ~~وفي النسك هاهنا أربعة أقوال. # أحدها: أنها الذبائح، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن ~~قتيبة. والثاني: الدين، قاله الحسن. والثالث: العبادة. # قال الزجاج: النسك: كل ما تقرب به إلى الله عز وجل، إلا أن الغالب ~~عليه أمر الذبح. # والرابع: أنه الدين، ms0654 والحج، والذبائح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: { ومحياي ومماتي } الجمهور على تحريك ياء «محياي» وتسكين ~~ياء «مماتي» وقرأ نافع: بتسكين ياء «محياي» ونصب ياء «مماتي»، ثم ~~للمفسرين في معناه قولان. # أحدهما: أن معناه: لا يملك حياتي ومماتي إلا الله. # والثاني: حياتي لله في طاعته، ومماتي لله في رجوعي إلى جزائه، ومقصود ~~الآية: أنه أخبرهم: أن أفعالي وأحوالي لله وحده، لا لغيره كما تشركون ~~أنتم به. # قوله تعالى: { وأنا أول المسلمين } قال الحسن، وقتادة: أول المسلمين من ~~هذه الأمة. ### || [6.164] # قوله تعالى: { قل أغير الله أبغي ربا } سبب نزولها: أن كفار قريش قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر، ونحن لك الكفلاء بما ~~أصابك من تبعة، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } أي: لا يؤخذ سواها ~~بعملها. وقيل: المعنى: إلا عليها عقاب معصيتها، ولها ثواب طاعتها. # { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال الزجاج: لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى. ~~والمعنى: لا يؤخذ أحد بذنب غيره. قال أبو سليمان: ولما ادعت كل فرقة من ~~اليهود والنصارى والمشركين أنهم أولى بالله من غيرهم، عرفهم أنه الحاكم ~~بينهم بقوله: { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ونظيره: # إن الله يفصل بينهم يوم القيامة # [الحج: 17]. ### || [6.165] # قوله تعالى: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } قال أبو عبيدة: الخلائف: ~~جمع خليفة. # قال الشماخ: # تصيبهم وتخطئني المنايا # وأخلف في ربوع عن ربوع # وللمفسرين فيمن خلفوه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم خلفوا الجن الذين كانوا سكان الأرض، قاله ابن عباس. # والثاني: أن بعضهم يخلف بعضا؛ قاله ابن قتيبة. # والثالث: أن أمة محمد خلفت سائر الأمم، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } أي: في الرزق، والعلم، ~~والشرف، والقوة، وغير ذلك { ليبلوكم } أي: ليختبركم، فيظهر منكم ما ~~يكون عليه الثواب والعقاب. # قوله تعالى: { إن ربك سريع العقاب } فيه قولان. # أحدهما: أنه سماه سريعا، لأنه آت، وكل آت قريب. # والثاني: أنه إذا شاء العقوبة, أسرع عقابه. ### | [7 - سورة الأعراف] ms0655 ### || [7.1] # فأما التفسير، فقوله تعالى { المص } قد ذكرنا في أول سورة «البقرة» ~~كلاما مجملا في الحروف المقطعة أوائل السور، فهو يعم هذه أيضا. فأما ~~ما يختص بهذه الآية ففيه سبعة أقوال. # أحدها: أن معناه: أنا الله أعلم وأفصل، رواه أبو الضحى عن ابن عباس. # والثاني: أنه قسم: أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنها اسم من أسماء الله تعالى، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أن الألف مفتاح اسمه «الله» واللام مفتاح اسمه «لطيف»، والميم ~~مفتاح اسمه «مجيد»، والصاد مفتاح اسمه «صادق»، قاله أبو العالية. # والخامس: أن (المص): اسم للسورة، قاله الحسن. # والسادس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # والسابع: أنها بعض كلمة. ثم في تلك الكلمة قولان. # أحدهما: المصور، قاله السدي. والثاني: المصير إلى كتاب أنزل إليك، ~~ذكره الماوردي. ### || [7.2] # قوله تعالى: { كتاب أنزل إليك } قال الأخفش: رفع الكتاب بالابتداء. ~~ومذهب الفراء: أن الله اكتفى في مفتتح السور ببعض حروف المعجم عن ~~جميعها، كما يقول القائل: «ا ب ت ث» ثمانية وعشرون حرفا؛ فالمعنى: حروف ~~المعجم: كتاب أنزلناه إليك. قال ابن الانباري: ويجوز أن يرتفع الكتاب ~~باضمار: هذا الكتاب. وفي الحرج قولان. # أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. # والثاني: أنه الضيق، قاله الحسن، والزجاج. وفي هاء «منه» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب؛ فعلى هذا، في معنى الكلام قولان. أحدهما: ~~لا يضيقن صدرك بالإبلاغ، ولا تخافن، قاله الزجاج: والثاني: لا ~~تشكن أنه من عند الله. # والقول الثاني: أنها ترجع إلى مضمر، وقد دل عليه الإنذار، وهو التكذيب، ~~ذكره ابن الانباري. قال الفراء: فمعنى الآية: لا يضيقن صدرك إن كذبوك. ~~قال الزجاج: وقوله تعالى: { لتنذر به } مقدم؛ والمعنى: أنزل إليك ~~لتنذر به، وذكرى للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج منه. { وذكرى } يصلح أن ~~يكون في موضع رفع ونصب وخفض؛ فأما النصب، فعلى قوله: أنزل إليك لتنذر ~~به، وذكرى للمؤمنين أي: ولتذكر به ذكرى، لان في الإنذار معنى التذكير. ms0656 ~~ويجوز الرفع على أن يكون: وهو ذكرى، كقولك: وهو ذكرى للمؤمنين. فأما ~~الخفض فعلى معنى: لتنذر، لأن معنى «لتنذر» لأن تنذر؛ المعنى: للانذار ~~والذكرى، وهو في موضع خفض. ### || [7.3] # قوله تعالى: { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } إن قيل: كيف خاطبه ~~بالإفراد في الآية الأولى، ثم جمع بقوله: «اتبعوا»؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه لما علم أن الخطاب له ولأمته، حسن الجمع لذلك المعنى. # والثاني: أن الخطاب الأول خاص له؛ والثاني محمول على الإنذار، ~~والإنذار في طريق القول، فكأنه قال: لتقول لهم منذرا: { اتبعوا ما ~~أنزل إليكم من ربكم } ، ذكرهما ابن الانباري. # والثالث: أن الخطاب الثاني للمشركين، ذكره جماعة من المفسرين؛ قال: ~~والذي أنزل إليهم القرآن. وقال الزجاج: الذي أنزل: القرآن وما أتى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه مما أنزل عليه، لقوله تعالى: # وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا # [الحشر: 7] { ولا تتبعوا من دونه أولياء } أي: لا تتولوا من عدل عن ~~دين الحق؛ وكل من ارتضى مذهبا فهو ولي أهل المذهب. وقوله تعالى: { ~~قليلا ما تذكرون } ما: زائدة مؤكدة؛ والمعنى: قليلا تتذكرون. قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم { تذكرون } مشددة الذال ~~والكاف. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم { تذكرون } خفيفة الذال ~~مشددة الكاف. قال أبو علي: من قرأ { تذكرون } بالتشديد، أراد { تتذكرون ~~} فأدغم التاء في الذال، وإدغامها فيها حسن، لأن التاء مهموسة، والذال ~~مجهورة؛ والمجهور أزيد صوتا من المهموس وأقوى؛ فادغام الأنقص في الأزيد ~~حسن. وأما حمزة ومن وافقه، فانهم حذفوا التاء التي أدغمها هؤلاء، وذلك ~~حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة. وقرأ ابن عامر: «يتذكرون» بياء وتاء، ~~على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والمعنى: قليلا ما يتذكر هؤلاء ~~الذين ذكروا بهذا الخطاب. ### || [7.4] # قوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } «كم» تدل على الكثرة، و«رب» ~~موضوعة للقلة. قال الزجاج: المعنى: وكم من أهل قرية، فحذف الأهل، لأن في ~~الكلام دليلا عليه. # وقوله تعالى: { فجاءها بأسنا } محمول على لفظ القرية؛ والمعنى: فجاءهم ~~بأسنا ms0657 غفلة وهم غير متوقعين له؛ إما ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم ~~قائلون. قال ابن قتيبة: بأسنا: عذابنا. وبياتا: ليلا. وقائلون: من ~~القائلة نصف النهار. فان قيل: إنما أتاها البأس قبل الإهلاك، فكيف يقدم ~~الهلاك؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن الهلاك والبأس، يقعان معا، كما تقول: أعطيتني فأحسنت؛ وليس ~~الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله، وإنما وقعا معا، قاله الفراء. # والثاني: أن الكون مضمر في الآية، تقديره: أهلكناها، وكان بأسنا قد ~~جاءها، فأضمر الكون، كما أضمر في قوله: # واتبعوا ما تتلوا الشياطين # [البقرة: 102] أي: ما كانت الشياطين تتلوه. وقوله تعالى: # إن يسرق # [يوسف: 77] أي: إن يكن سرق. # والثالث: أن في الآية تقديما وتأخيرا، تقديره: وكم من قرية جاءها ~~بأسنا بياتا، أو هم قائلون، فأهلكناها، كقوله تعالى: # إني متوفيك ورافعك إلي # [آل عمران: 55] أي: رافعك ومتوفيك، ذكرهما ابن الانباري. # قوله تعالى: { أو هم قائلون } قال الفراء: فيه واو مضمرة؛ والمعنى: ~~فجاءها بأسنا بياتا، أو وهم قائلون، فاستثقلوا نسقا على نسق. ### || [7.5] # قوله تعالى: { فما كان دعواهم } قال اللغويون: الدعوى هاهنا بمعنى ~~الدعاء والقول. والمعنى: ما كان قولهم وتداعيهم إذ جاءهم العذاب إلا ~~الاعتراف بالظلم. قال ابن الانباري: وللدعوى في الكلام موضعان. # أحدهما: الإدعاء. والثاني: القول والدعاء. # قال الشاعر: # إذا مذلت رجلي دعوتك أشتفي # بدعواك من مذل بها فيهون ### || [7.6-7] # قوله تعالى: { فلنسألن الذين أرسل إليهم } يعني: الأمم يسألون: هل ~~بلغكم الرسل، وماذا أجبتم؟ ويسأل الرسل: هل بلغتم، وماذا ~~أجبتم؟. { فلنقصن عليهم } أي: فلنخبرنهم بما عملوا بعلم منا { وما ~~كنا غائبين } عن الرسل والأمم. وقال ابن عباس: يوضع الكتاب فيتكلم بما ~~كانوا يعملون. ### || [7.8-9] # قوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } أي: العدل. وإنما قال: «موازينه» لأن ~~«من» في معنى جميع، يدل عليه قوله: { فأولئك }. وفي معنى { يظلمون } ~~قولان. # أحدهما: يجحدون. والثاني: يكفرون. # قال الفراء: والمراد بموازينه: وزنه. والعرب تقول: هل لك في درهم بميزان ~~درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان دارك، ووزن دارك؛ ويريدن: حذاء ~~دارك. # قال الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة ms0658 # عندي لكل مخاصم ميزانه # يعني: مثل كلامه ولفظه. # فصل # والقول بالميزان مشهور في الحديث، وظاهر القرآن ينطق به. وأنكرت ~~المعتزلة ذلك، وقالوا: الأعمال أعراض، فكيف توزن؟ فالجواب: أن الوزن يرجع ~~إلى الصحائف، بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الناس يوم القيامة، ~~فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: ~~أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك ~~عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب؛ فيقول: بلى، إن لك عندنا ~~حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفة، ~~والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " # أخرجه أحمد في «مسنده»، والترمذي. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب، فلا يزن جناح بعوضة " # فعلى هذا يوزن الإنسان. قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان، ~~له لسان وكفتان. فأما المؤمن، فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفة ~~الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، وأما الكافر، فيؤتى بعمله في أقبح ~~صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه. وقال الحسن: للميزان لسان ~~وكفتان. وجاء في الحديث: # " أن داود عليه السلام سأل ربه ان يريه الميزان، فأراه إياه، فقال: يا ~~إلهي، من يقدر أن يملأ كفتيه حسنات، فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ~~ملأتها بتمرة " # وقال حذيفة: جبريل صاحب الميزان يوم القيامة، فيقول له ربه: زن بينهم، ~~ورد من بعضهم على بعض؛ فيرد على المظلوم من الظالم ما وجد له من حسنة. ~~فان لم تكن له حسنة، أخذ من سيئات المظلوم، فرد على سيئات الظالم، فيرجع ~~وعليه مثل الجبال. # فان قيل: أليس الله يعلم مقادير الأعمال، فما الحكمة في وزنها؟ فالجواب: ~~أن فيه خمسة حكم. # إحداها: ms0659 امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا. والثانية: إظهار علامة ~~السعادة والشقاوة في الأخرى. والثالثة: تعريف العباد ما لهم من خير وشر. ~~والرابعة: إقامة الحجة عليهم. والخامسة: الإعلام بأن الله عادل لا يظلم. ~~ونظير هذا أنه أثبت الاعمال في كتاب، واستنسخها من غير جواز النسيان ~~عليه. ### || [7.10] # قوله تعالى: { ولقد مكناكم في الأرض } فيه قولان. # أحدهما: مكناكم إياها. والثاني: سهلنا عليكم التصرف فيها. # وفي المعايش قولان. # أحدهما: ما تعيشون به من المطاعم والمشارب. # والثاني: ما تتوصلون به إلى المعايش، من زراعة، وعمل، وكسب. وأكثر ~~القراء على ترك الهمز في «معايش» وقد رواها خارجة عن نافع مهموزة. قال ~~الزجاج: وجميع النحويين البصريين يزعمون أن همزها خطأ، لأن الهمز إنما ~~يكون في الياء الزائدة، نحو صحيفة وصحائف؛ فصحيفة من الصحف؛ والياء ~~زائدة، فأما معايش، فمن العيش، فالياء أصلية. # قوله تعالى: { قليلا ما تشكرون } أي: شكركم قليل. وقال ابن عباس: يريد: ~~أنكم غير شاكرين. ### || [7.11] # قوله تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } فيه ثمانية أقوال. # أحدها: ولقد خلقناكم في ظهر آدم، ثم صورناكم في الأرحام، رواه عبد الله ~~بن الحارث عن ابن عباس. # والثاني: ولقد خلقناكم في أصلاب الرجال، وصورناكم في أرحام النساء، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والثالث: «ولقد خلقناكم»، يعني بني آدم «ثم صورناكم»، يعني ذريته من ~~بعده رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: «ولقد خلقناكم»، يعني آدم، «ثم صورناكم» في ظهره، قاله مجاهد. # والخامس: «خلقناكم» نطفا في أصلاب الرجال، وترائب النساء، «ثم ~~صورناكم» عند اجتماع النطف في الأرحام، قاله ابن السائب. # والسادس: «خلقناكم» في بطون أمهاتكم، «ثم صورناكم» فيما بعد الخلق بشق ~~السمع والبصر، قال معمر. # والسابع: «خلقناكم»، يعني آدم خلقناه من تراب، «ثم صورناكم»، أي: ~~صورناه، قاله الزجاج، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: فجعل الخلق لهم إذ ~~كانوا منه؛ فمن قال: عنى بقوله «خلقناكم» آدم، فمعناه: خلقنا أصلكم؛ ومن ~~قال: صورنا ذريته في ظهره، أراد إخراجهم يوم الميثاق كهيئة الذر. # والثامن: «ولقد خلقناكم» يعني الأرواح، «ثم ms0660 صورناكم» يعني الأجساد، حكاه ~~القاضي أبو يعلى في «المعتمد». وفي «ثم» المذكورة مرتين قولان. # أحدهما: أنها بمعنى الواو، قاله الأخفش. والثاني: أنها للترتيب، قاله ~~الزجاج. ### || [7.12] # قوله تعالى: { ما منعك ألا تسجد } «ما» استفهام: ومعناها: الإنكار. قال ~~الكسائي: «لا» هاهنا زائدة. والمعنى: ما منعك أن تسجد؟ وقال الزجاج: موضع ~~«ما» رفع. والمعنى: أي شيء منعك من السجود؟ و«لا» زائدة مؤكدة؛ ومثله: # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] قال ابن قتيبة: وقد تزاد «لا» في الكلام. والمعنى: طرحها ~~لإباء في الكلام، أو جحد، كهذه الآية. وإنما زاد «لا» لأنه لم يسجد. ~~ومثله: # أنها إذا جاءت لا يؤمنون # [الأنعام: 109] على قراءة من فتح «أنها»، فزاد «لا» لأنهم لم يؤمنوا؛ ~~ومثله: # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95] وقال الفراء: «لا» هاهنا جحد محض، وليست بزائدة، والمنع ~~راجع إلى تأويل القول، والتأويل: من قال لك لا تسجد؛ فأحل المنع محل ~~القول، ودخلت بعده «أن» ليدل على تأويل القول الذي لم يتصرح لفظه. وقال ~~ابن جرير: في الكلام محذوف، تقديره: ما منعك من السجود، فأحوجك أن لا ~~تسجد؟ قال الزجاج: وسؤال الله تعالى لإبليس «ما منعك» توبيخ له، وليظهر ~~أنه معاند، ولذلك لم يتب، وأتى بشيء في معنى الجواب، ولفظه غير الجواب، ~~لأن قوله: { أنا خير منه } إنما هو جواب، أيكما خير؟ ولكن المعنى: منعني ~~من السجود فضلي عليه. ومثله قولك للرجل: كيف كنت؟ فيقول: أنا صالح؛ وإنما ~~الجواب: كنت صالحا، فيجيب بما يحتاج إليه وزيادة. قال العلماء: وقع ~~الخطأ من إبليس حين قاس مع وجود النص، وخفي عليه فضل الطين على النار؛ ~~وفضله من وجوه. # أحدها: أن من طبع النار الطيش والالتهاب والعجلة، ومن طبع الطين الهدوء ~~والرزانة. # والثاني: أن الطين سبب الإنبات والإيجاد، والنار سبب الإعدام ~~والإهلاك. # والثالث: أن الطين سبب جمع الأشياء، والنار سبب تفريقها. ### || [7.13] # قوله تعالى: { فاهبط منها } في هاء الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى السماء، لأنه كان فيها، قاله الحسن. # والثاني: إلى الجنة، قاله السدي. # قوله تعالى: ms0661 { فما يكون لك أن تتكبر فيها } إن قيل: فهل لأحد أن يتكبر ~~في غيرها؟ فالجواب: أن المعنى: ما للمتكبر أن يكون فيها، وإنما المتكبر ~~في غيرها. وأما الصاغر، فهو الذليل. والصغار: الذل. قال الزجاج: استكبر ~~إبليس بابائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك. ### || [7.14-15] # قوله تعالى: { قال أنظرني } أي أمهلني وأخرني { إلى يوم يبعثون } ، ~~فأراد أن يعبر قنطرة الموت؛ وسأل الخلود، فلم يجبه إلى ذلك، وأنظره إلى ~~النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم. وقد بين مدة إمهاله في (الحجر) ~~بقوله: # إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر: 38] وفي ما سأل الإمهال له قولان. # أحدهما: الموت. والثاني: العقوبة. فان قيل: كيف قيل له: { إنك من ~~المنظرين } وليس أحد أنظر سواه؟ فالجواب: أن الذين تقوم عليهم الساعة ~~منظرون إلى ذلك الوقت بآجالهم، فهو منهم. ### || [7.16] # قوله تعالى: { فبما أغويتني } في معنى هذا الإغواء قولان. # أحدهما: أنه بمعنى: الإضلال، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنه بمعنى: الإهلاك، ومنه قوله: # فسوف يلقون غيا # [مريم: 59] أي: هلاكا، ذكره ابن الأنباري. وفي معنى «فبما» قولان. # أحدهما: أنها بمعنى القسم، أي: فباغوائك لي. # والثاني: أنها بمعنى الجزاء، أي: فبأنك أغويتني، ولأجل أنك أغويتني { ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم }. قال الفراء، والزجاج: أي على صراطك. ومثله ~~قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن. وفي المراد بالصراط هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه طريق مكة، قاله ابن مسعود، والحسن، وسعيد بن جبير؛ كأن ~~المراد صدهم عن الحج. # والثاني: أنه الإسلام، قاله جابر بن عبد الله، وابن الحنفية، ومقاتل. # والثالث: أنه الحق، قاله مجاهد. ### || [7.17] # قوله تعالى: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم } فيه سبعة أقوال. # أحدها: { من بين أيديهم } أشككهم في آخرتهم، { ومن خلفهم } أرغبهم في ~~دنياهم، { وعن أيمانهم } أي: من قبل حسناتهم، { وعن شمائلهم } من قبل ~~سيئاتهم، قاله ابن عباس. # والثاني: مثله، إلا أنهم جعلوا { من بين أيديهم } الدنيا، { ومن خلفهم ~~} الآخرة، قاله النخعي، والحكم بن عتيبة. # والثالث: مثل الثاني، إلا أنهم جعلوا { وعن أيمانهم } من قبل الحق ~~أصدهم ms0662 عنه، { وعن شمائلهم } من قبل الباطل أردهم إليه، قاله مجاهد، ~~والسدي. # والرابع: { من بين أيديهم } من سبيل الحق، { ومن خلفهم } من سبيل الباطل ~~{ وعن أيمانهم } من قبل آخرتهم، { وعن شمائلهم } من أمر الدنيا، قاله أبو ~~صالح. # والخامس: { من بين أيديهم } { وعن أيمانهم } من حيث يبصرون. { ومن ~~خلفهم } { وعن شمائلهم } من حيث لا يبصرون، نقل عن مجاهد أيضا. # والسادس: أن المعنى لأتصرفن لهم في الإضلال من جميع جهاتهم، قاله ~~الزجاج، وأبو سليمان الدمشقي. فعلى هذا، يكون ذكر هذه الجهات، للمبالغة ~~في التأكيد. # والسابع: { من بين أيديهم } فيما بقي من أعمارهم، فلا يقدمون فيه على ~~طاعة، { ومن خلفهم } فيما مضى من أعمارهم، فلا يتوبون فيه من معصية، { ~~وعن أيمانهم } من قبل الغنى، فلا ينفقونه في مشكور، { وعن شمائلهم } من ~~قبل الفقر، فلا يمتنعون فيه من محظور، قاله الماوردي. # قوله تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } فيه قولان. # أحدهما: موحدين، قاله ابن عباس. # والثاني: شاكرين لنعمتك، قاله مقاتل. فان قيل: من أين علم إبليس ذلك؟ ~~فقد أسلفنا الجواب عنه في سورة (النساء). ### || [7.18-19] # قوله تعالى: { قال اخرج منها مذؤوما } قرأ الأعمش: «مذوما» بضم الذال ~~من غير همز. قال الفراء: الذأم: الذم، يقال: ذأمت الرجل، ~~أذأمه ذأما؛ وذممته، أذمه ذما، وذمته، أذيمه ذيما، ~~ويقال: رجل مذؤوم، ومذموم، ومذيم، بمعنى: قال حسان بن ثابت: # وأقاموا حتى أبيروا جميعا # في مقام وكلهم مذؤوم # قال ابن قتيبة: المذؤوم: المذموم بأبلغ الذم. والمدحور: المقصى المبعد. ~~وقال الزجاج: معنى المذؤوم: كمعنى المذموم، والمدحور: المبعد من رحمة ~~الله. واللام من «لأملأن» لام القسم؛ والكلام بمعنى الشرط والجزاء، كأنه ~~قيل له: من تبعك، أعذبه، فدخلت اللام للمبالغة والتوكيد. فلام «لأملأن» ~~هي لام القسم، ولام { لمن تبعك } توطئة لها. فأما قوله: «منهم» فقال ابن ~~الانباري: الهاء والميم عائدتان على ولد آدم، لانه حين قال: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم # [الأعراف: 11] كان مخاطبا لولد آدم، فرجع إليهم، فقال: { لمن تبعك ~~منهم } فجعلهم غائبين، لأن مخاطبتهم في ذا الموضع توقع لبسا، والعرب ~~ترجع من الخطاب إلى ms0663 الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب. ومن قال: { ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم } خطاب لآدم، قال أعاد الهاء والميم على ولده، لأن ~~ذكره يكفي من ذكرهم؛ والعرب تكتفي بذكر الوالد من ذكر الأولاد إذا انكشف ~~المعنى وزال اللبس. قال الشاعر: # أرى الخطفى بذ الفرزدق شعره # ولكن خيرا من كليب مجاشع # أراد: أرى ابن الخطفى، فاكتفى بالخطفى من ابنه. # قوله تعالى: { لأملأن جهنم منكم } يعني: أولاد آدم المخالفين وقرناءهم ~~من الشياطين. ### || [7.20] # قوله تعالى: { فوسوس لهما الشيطان } قيل: إن الوسوسة: إخفاء الصوت، قال ~~ابن فارس: الوسواس: صوت الحلي، ومنه وسواس الشيطان. و { لهما } بمعنى ~~«إليهما»، { ليبدي لهما } أي: ليظهر لهما { ما ووري عنهما } أي: ستر. ~~وقيل: إن لام { ليبدي } لام العاقبة؛ وذلك أن عاقبة الوسوسة أدت إلى ظهور ~~عورتهما، ولم تكن الوسوسة لظهورها. # قوله تعالى: { إلا أن تكونا ملكين } قال الأخفش، والزجاج: معناه: ما ~~نهاكما إلا كراهة أن تكونا ملكين. وقال ابن الانباري: المعنى: إلا أن ~~لا تكونا، فاكتفى ب «أن» من «لا» فأسقطها. فان قيل: كيف انقاد آدم ~~لإبليس، مستشرفا إلى أن يكون ملكا، وقد شاهد الملائكة ساجدة له؟ فعنه ~~جوابان. # أحدهما: أنه عرف قربهم من الله، واجتماع أكثرهم حول عرشه، فاستشرف لذلك، ~~قاله ابن الأنباري. # والثاني: أن المعنى: إلا أن تكونا طويلي العمر مع الملائكة { أو تكونا ~~من الخالدين } لا تموتان أبدا، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد روى يعلى ~~بن حكيم عن ابن كثير: «أن تكونا ملكين» بكسر اللام، وهي قراءة الزهري. ### || [7.21-25] # قوله تعالى: { وقاسمهما } قال الزجاج: حلف لهما فدلاهما في المعصية ~~بأن غرهما. # قال ابن عباس: غرهما باليمين، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله ~~كاذبا. # قوله تعالى: { فلما ذاقا الشجرة } أي: فلما ذاقا ثمر الشجرة. قال ~~الزجاج: وهذا يدل على أنهما إنما ذاقاها ذواقا، ولم يبالغا في الأكل. ~~والسوأة: كناية عن الفرج، لا أصل له في تسميته. ومعنى: { طفقا } أخذا في ~~الفعل؛ والأكثر: طفق يطفق، وقد رويت: طفق يطفق، بكسر الفاء ~~ومعنى { يخصفان } يجعلان ورقة على ورقة، ms0664 ومنه قيل للذي يرقع النعل: خصاف. # وفي الآية دليل على أن إظهار السوأة قبيح من لدن آدم؛ ألا ترى إلى قوله: ~~{ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } فانهما بادرا يستتران لقبح ~~التكشف. وقيل: إنما سميت السوأة سوأة لأن كشفها يسوء صاحبها. قال وهب ~~بن منبه: كان لباسهما نورا على فروجهما، لا يرى أحدهما عورة الآخر؛ فلما ~~أصابا الخطيئة، بدت لهما سوءاتهما. وقرأ الحسن: «سوأتهما» على التوحيد؛ ~~وكذلك قرأ «يخصفان» بكسر الياء والخاء مع تشديد الصاد. وقرأ الزهري: ~~بضم الياء وفتح الخاء مع تشديد الصاد. وفي الورق قولان. # أحدهما: ورق التين، قاله ابن عباس. # والثاني: ورق الموز، ذكره المفسرون. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى ~~قوله: { قال فيها تحيون } يعني الأرض. واختلف القراء في تاء { تخرجون } ، ~~فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: بضم التاء وفتح الراء، هاهنا؛ وفي ~~(الروم) # وكذلك تخرجون # [الروم: 19] وفي (الزخرف) # كذلك تخرجون # [الزخرف: 11] وفي الجاثية # لا يخرجون منها # [الحاثية: 35] وقرأهن حمزة، والكسائي: بفتح التاء وضم الراء. وفتح ابن ~~عامر التاء في (الاعراف) فقط. فأما التي في (الروم) # إذا أنتم تخرجون # [الروم: 25] وفي { سأل سائل } # يوم يخرجون # [المعارج: 43] فمفتوحتان من غير خلاف. ### || [7.26] # قوله تعالى: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا } سبب نزولها: أن ~~ناسا من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. ~~وقيل: إنه لما ذكر عري آدم، من علينا باللباس. وفي معنى: { أنزلنا عليكم ~~} ثلاثة أقوال. # أحدها: خلقنا لكم. والثاني: ألهمناكم كيفية صنعه. والثالث: أنزلنا المطر ~~الذي هو سبب نبات ما يتخذ لباسا. وأكثر القراء قرؤوا: «وريشا». وقرأ ~~ابن عباس، والحسن وزر بن حبيش، وقتادة، والمفضل، وأبان عن عاصم: ~~«ورياشا» بألف. قال الفراء: يجوز أن تكون الرياش جمع الريش، ويجوز أن ~~تكون بمعنى الريش كما قالوا: لبس، ولباس. # قال الشاعر: # فلما كشفن اللبس عنه مسحنه # بأطراف طفل زان غيلا موشما # قال ابن عباس، ومجاهد: «الرياش»: المال؛ وقال عطاء: المال والنعيم. وقال ~~ابن زيد الريش: الجمال؛ وقال معبد الجهني: الريش: الرزق؛ ms0665 وقال ابن ~~قتيبة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس. وقال الزجاج: الريش: اللباس وكل ~~ما ستر الإنسان في جسمه ومعيشته. يقال: تريش فلان، أي: صار له ما يعيش ~~به. أنشد سيبويه: # رياشي منكم وهواي معكم # وإن كانت زيارتكم لماما # وعلى قول الأكثرين: الريش والرياش بمعنى. قال قطرب: الريش والرياش واحد. ~~وقال سفيان الثوري: الريش: المال، والرياش: الثياب. # قوله تعالى: { ولباس التقوى } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة: ~~«ولباس التقوى» بالرفع. وقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي: بنصب اللباس. ~~قال الزجاج: من نصب اللباس، عطف به على الريش؛ ومن رفعه، فيجوز أن يكون ~~مبتدأ، ويجوز أن يكون مرفوعا باضمار: هو؛ المعنى: وهو لباس التقوى، أي: ~~وستر العورة لباس المتقين. وللمفسرين في لباس التقوى عشرة أقوال. # أحدها: أنه السمت الحسن، قاله عثمان بن عفان؛ ورواه الذيال بن عمرو عن ~~ابن عباس. # والثاني: العمل الصالح، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: الإيمان، قاله قتادة، وابن جريج، والسدي؛ فعلى هذا، سمي لباس ~~التقوى، لأنه يقي العذاب. # والرابع: خشية الله تعالى، قاله عروة بن الزبير. # والخامس: الحياء، قاله معبد الجهني، وابن الانباري. # والسادس: ستر العورة للصلاة، قاله ابن زيد. # والسابع: انه الدرع، وسائر آلات الحرب، قاله زيد بن علي. # والثامن: العفاف، قاله ابن السائب. # والتاسع: أنه ما يتقى به الحر والبرد، قاله ابن بحر. # والعاشر: أن المعنى: ما يلبسه المتقون في الآخرة، خير مما يلبسه أهل ~~الدنيا، رواه عثمان ابن عطاء عن أبيه. # قوله تعالى: { ذلك خير } قال ابن قتيبة: المعنى ولباس التقوى خير من ~~الثياب، لأن الفاجر، وإن كان حسن الثوب، فهو بادي العورة؛ و { ذلك } ~~زائدة. قال الشاعر في هذا المعنى: # إني كأني أرى من لا حياء له # ولا أمانة وسط القوم عريانا # قال ابن الانباري: ويقال لباس التقوى، هو اللباس الأول، وإنما أعاده ~~لما أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كانوا يتعبدون في الجاهلية ~~بالتعري في الطواف. # قوله تعالى: { ذلك من آيات الله } قال مقاتل: يعني: الثياب والمال من ~~آيات الله ms0666 وصنعه، لكي يذكروا، فيعتبروا في صنعه. ### || [7.27] # قوله تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان } قال المفسرون: هذا ~~الخطاب للذين كانوا يطوفون عراة، والمعنى: لا يخدعنكم ولا يضلنكم ~~بغروره، فيزين لكم كشف عوراتكم، كما أخرج أبويكم من الجنة بغروره. ~~وأضيف الإخراج ونزع اللباس إليه، لأنه السبب. وفي «لباسهما» أربعة أقوال. # أحدها: أنه النور، رواه أبو صالح عن ابن عباس؛ وقد ذكرناه عن ابن منبه. # والثاني: أنه كان كالظفر؛ فلما أكلا، لم يبق عليهما منه إلا الظفر، ~~رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ وبه قال عكرمة، وابن زيد. # والثالث: أنه التقوى، قاله مجاهد. # والرابع: أنه كان من ثياب الجنة، ذكره القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: { ليريهما سوءاتهما } أي: ليري كل واحد منهما سوأة صاحبه. ~~{ إنه يراكم هو وقبيله } قال مجاهد: قبيله: الجن والشياطين. قال ابن ~~عباس: جعلهم الله يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، ~~فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم. # قوله تعالى: { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } قال الزجاج: ~~سلطناهم عليهم، يزيدون في غيهم. وقال أبو سليمان: جعلناهم موالين لهم. ### || [7.28] # قوله تعالى: { وإذا فعلوا فاحشة } فيمن عني بهذه الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة. والفاحشة: كشف العورة، ~~رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وزيد بن أسلم، والسدي. # والثاني: أنهم الذين جعلوا السائبة والوصيلة والحام وتلك الفاحشة، روى ~~هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم المشركون؛ والفاحشة: الشرك، قاله الحسن، وعطاء. قال ~~الزجاج: فأعلمهم عز وجل أنه لا يأمر بالفحشاء، لأن حكمته تدل على أنه لا ~~يفعل إلا المستحسن. والقسط: العدل. والعدل: ما استقر في النفوس أنه ~~مستقيم لا ينكره مميز، فكيف يأمر بالفحشاء، وهي ما عظم قبحه؟!. ### || [7.29] # قوله تعالى: { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } فيه أربعة أقوال. # أحدها: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد، فصلوا فيه، ولا يقولن ~~أحدكم: أصلي في مسجدي، قاله ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن قتيبة. ms0667 # والثاني: توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قاله مجاهد، والسدي، ~~وابن زيد. # والثالث: اجعلوا سجودكم خالصا لله تعالى دون غيره، قاله الربيع بن أنس. # والرابع: اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة، أمرا بالجماعة لها، ذكره ~~الماوردي. وفي قوله: { وادعوه } قولان. # أحدهما: أنه العبادة. والثاني: الدعاء. وفي قوله: { مخلصين له الدين } ~~قولان. # أحدهما: مفردين له العبادة. والثاني: موحدين غير مشركين. # وفي قوله: { كما بدأكم تعودون } ثلاثة أقوال. # أحدها: كما بدأكم سعداء وأشقياء كذلك تبعثون، روى هذا المعنى علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والقرظي، والسدي، ومقاتل، والفراء. # والثاني: كما خلقتم بقدرته، كذلك يعيدكم، روى هذا المعنى العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن، وابن زيد، والزجاج، وقال: هذا الكلام متصل بقوله: # فيها تحيون وفيها تموتون # [الأعراف: 25]. # والثالث: كما بدأكم لا تملكون شيئا، كذلك تعودون، ذكره الماوردي. ### || [7.30] # قوله تعالى: { فريقا هدى } قال الفراء: نصب الفريق ب { تعودون }. وقال ~~ابن الانباري: نصب { فريقا } و { فريقا } على الحال من الضمير الذي في ~~{ تعودون } ، يريد: تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين، بعضكم سعداء، وبعضكم ~~أشقياء. # قوله تعالى: { حق عليهم الضلالة } أي بالكلمة القديمة، والإرادة ~~السابقة. ### || [7.31] # قوله تعالى: { يا بني آدم خذوا زينتكم } سبب نزولها: أن ناسا من ~~الأعراب كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، ~~وكانت المرأة تعلق على فرجها سيورا، وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # وما بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: كانوا ~~إذا حجوا، فأفاضوا من منى، لا يصلح لأحد منهم في دينه الذي اشترعوا أن ~~يطوف في ثوبيه، فيلقيهما حتى يقضي طوافه، فنزلت هذه الآية. وقال الزهري: ~~كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس، قريش وأحلافها، فمن جاء من ~~غيرهم، وضع ثيابه وطاف في ثوبي أحمس، فان لم يجد من يعيره من الحمس، ~~ألقى ثيابه وطاف عريانا، فان طاف في ثياب نفسه، جعلها حراما عليه إذا ~~قضى الطواف، فلذلك جاءت هذه الآية. وفي هذه ms0668 الزينة قولان. # أحدهما: أنها الثياب. ثم فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه ورد في ستر العورة ~~في الطواف، قاله ابن عباس، والحسن في جماعة. والثاني: أنه ورد في ستر ~~العورة في الصلاة، قاله مجاهد، والزجاج. والثالث: أنه ورد في التزين ~~بأجمل الثياب في الجمع والأعياد، ذكره الماوردي. # والثاني: أن المراد بالزينة: المشط، قاله أبو رزين. # قوله تعالى: { وكلوا واشربوا } قال ابن السائب: كان أهل الجاهلية لا ~~يأكلون في أيام حجهم دسما، ولا ينالون من الطعام إلا قوتا، تعظيما ~~لحجهم فنزل قوله: { وكلوا واشربوا } وفي قوله: { ولا تسرفوا } أربعة ~~اقوال. # أحدها: لا تسرفوا بتحريم ما أحل لكم، قاله ابن عباس. # والثاني: لا تأكلوا حراما، فذلك الإسراف، قاله ابن زيد. # والثالث: لا تشركوا، فمعنى الإسراف هاهنا: الإشراك، قاله مقاتل. # والرابع: لا تأكلوا من الحلال فوق الحاجة، قاله الزجاج. # ونقل أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ~~ليس في كتابكم من علم الطب شيء، فقال. علي: قد جمع الله تعالى الطب في ~~نصف آية من كتابنا. قال: ما هي؟ قال قوله تعالى: { وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا } قال النصراني ولا يؤثر عن نبيكم شيء من الطب، فقال: قد جمع ~~رسولنا علم الطب في ألفاظ يسيرة قال: وما هي؟ قال: # " المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل بدن ما اعتاد " # فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. # قال المصنف: هكذا نقلت هذه الحكاية، إلا أن هذا الحديث المذكور فيها عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يثبت. وقد جاءت عنه في الطب أحاديث قد ~~ذكرتها في كتاب «لقط المنافع في الطب». ### || [7.32] # قوله تعالى: { قل من حرم زينة الله } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المشركين عيروا المسلمين، إذ لبسوا الثياب في الطواف، ~~وأكلوا الطيبات، فنزلت، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم كانوا يحرمون أشياء أحلها الله، من الزروع وغيرها، ~~فنزلت هذه الآية. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: نزلت في ms0669 طوافهم بالبيت عراة، قاله طاووس، وعطاء. وفي زينة ~~الله قولان. # أحدهما: أنها ستر العورة؛ فالمعنى: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما ~~يستركم؟. # والثاني: أنها زينة اللباس. وفي الطيبات قولان. # أحدهما: أنها الحلال. والثاني: المستلذ. ثم في ما عني بها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها البحائر، والسوائب، والوصائل، والحوامي التي حرموها، قاله ~~ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنها السمن، والألبان، واللحم، وكانوا حرموه في الإحرام، ~~قاله ابن زيد. والثالث: الحرث، والأنعام، والألبان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة } قال ابن ~~الانباري: «خالصة» نصب على الحال من لام مضمرة، تقديرها: هي للذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة، فحذفت اللام لوضوح ~~معناها، كما تحذف العرب أشياء لا يلبس سقوطها. # قال الشاعر: # تقول ابنتي لما رأتني شاحبا # كأنك يحميك الطعام طبيب # تتابع أحداث تخر من أخوتي # فشيبن رأسي، والخطوب تشيب # أراد: فقلت لها: الذي اكسبني ما ترين، تتابع أحداث، فحذف لانكشاف ~~المعنى. قال المفسرون: إن المشركين شاركوا المؤمنين في الطيبات، فأكلوا ~~ولبسوا ونكحوا، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للمؤمنين، وليس للمشركين ~~فيها شيء. وقيل: خالصة لهم من ضرر أو إثم. وقرأ نافع: «خالصة» بالرفع. ~~قال الزجاج: ورفعها على أنه خبر بعد خبر، كما تقول: زيد عاقل لبيب؛ ~~والمعنى: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الدنيا، خالصة يوم القيامة. # قوله تعالى: { كذلك نفصل الآيات } أي: هكذا نبينها. ### || [7.33] # قوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش } قرأ حمزة: «ربي الفواحش» ~~باسكان الياء. (ما ظهر منها وما بطن). فيه ستة أقوال. # أحدها: أن المراد بها الزنا، ما ظهر منه: علانيته، وما بطن: سره، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. # والثاني: أن ما ظهر: نكاح الأمهات، وما بطن: الزنا، رواه سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس، وبه قال علي بن الحسين. # والثالث: أن ما ظهر: نكاح الأبناء نساء الآباء، والجمع بين الأختين، وأن ~~تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وما بطن: ms0670 الزنا، روي عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أن ما ظهر: الزنا، وما بطن: العزل، قاله شريح. # والخامس: أن ما ظهر: طواف الجاهلية عراة، وما بطن: الزنا، قاله مجاهد. # والسادس: أنه عام في جميع المعاصي. ثم في { ما ظهر منها وما بطن } ~~قولان. # أحدهما: أن الظاهر: العلانية، والباطن: السر، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والثاني: أن ما ظهر: أفعال الجوارح، والباطن: اعتقاد القلوب، قاله ~~الماوردي. وفي الإثم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الذنب الذي لا يوجب الحد، قاله ابن عباس، والضحاك، ~~والفراء. # والثاني: المعاصي كلها، قاله مجاهد. # والثالث: أنه الخمر، قاله الحسن، وعطاء. قال ابن الانباري: أنشدنا رجل ~~في مجلس ثعلب بحضرته، وزعم أن أبا عبيدة أنشده: # نشرب الإثم بالصواع جهارا # ونرى المتك بيننا مستعارا # فقال أبو العباس: لا أعرفه، ولا أعرف الإثم: الخمر، في كلام العرب. ~~وأنشدنا رجل آخر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم تذهب بالعقول # قال أبو بكر: وما هذا البيت معروفا أيضا في شعر من يحتج بشعره، وما ~~رأيت أحدا من أصحاب الغريب أدخل الإثم في أسماء الخمر، ولا سمتها العرب ~~بذلك في جاهلية ولا إسلام. # فان قيل: إن الخمر تدخل تحت الإثم، فصواب، لا لأنه اسم لها. # فان قيل: كيف فصل الإثم عن الفواحش، وفي كل الفواحش إثم؟ فالجواب: أن كل ~~فاحشة إثم، وليس كل إثم فاحشة، فكان الإثم كل فعل مذموم؛ والفاحشة: ~~العظيمة. فأما البغي: فقال الفراء: هو الاستطالة على الناس. # قوله تعالى: { وأن تشركوا } قال الزجاج: موضع «أن» نصب؛ فالمعنى: حرم ~~الفواحش، وحرم الشرك، والسلطان: الحجة. # قوله تعالى: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } عام في تحريم القول ~~في الدين من غير يقين. ### || [7.34] # قوله تعالى: { ولكل أمة أجل } سبب نزولها: أنهم سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم العذاب، فأنزلت، قاله مقاتل. وفي الأجل قولان. # أحدهما: أنه أجل العذاب. والثاني: أجل الحياة. قال الزجاج: الأجل: الوقت ~~المؤقت. { فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة } المعنى: ولا أقل من ساعة. ~~وإنما ذكر الساعة، لأنها أقل أسماء ms0671 الأوقات. ### || [7.35-37] # قوله تعالى: { يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم } قال الزجاج: أضمر: ~~«فأطيعوهم». وقد سبق معنى «إما» في سورة [البقرة: 38]؛ والباقي ظاهر إلى ~~قوله: { ينالهم نصيبهم من الكتاب } ففي معناه سبعة أقوال. # أحدها: ما قدر لهم من خير وشر، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والثاني: نصيبهم من الأعمال، فيجزون عليها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثالث: ما كتب عليهم من الضلالة والهدى، قاله الحسن. وقال مجاهد، ~~وابن جبير، من السعادة والشقاوة. # والرابع: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار والأعمال، قاله الربيع، ~~والقرظي، وابن زيد. # والخامس: ما كتب لهم من العذاب، قاله عكرمة، وأبو صالح، والسدي. # والسادس: ما أخبر الله تعالى في الكتب كلها: أنه من افترى على الله ~~كذبا، اسود وجهه، قاله مقاتل. # والسابع: ما أخبر في الكتاب من جزائهم، نحو قوله: # فأنذرتكم نارا تلظى # [الليل: 14] قاله الزجاج، فاذن في الكتاب خمسة أقوال. # أحدها: أنه اللوح الحفوظ. # والثاني: كتب الله كلها. # والثالث: القرآن. # والرابع: كتاب أعمالهم. # والخامس: القضاء. # قوله تعالى: { حتى إذا جاءتهم رسلنا } فيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أعوان ملك الموت، قاله النخعي. # والثاني: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. # والثالث: ملائكة العذاب يوم القيامة. # وفي قوله { يتوفونهم } ثلاثة أقوال. # أحدها: يتوفونهم بالموت، قاله الأكثرون. # والثاني: يتوفونهم بالحشر إلى النار يوم القيامة، قاله الحسن. # والثالث: يتوفونهم عذابا، كما تقول: قتلت فلانا بالعذاب، وإن لم ~~يمت، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { أين ما كنتم تدعون } أي: تعبدون { من دون الله } ، وهذا ~~سؤال تبكيت وتقريع. قال مقاتل: المعنى: فليمنعوكم من النار. قال الزجاج: ~~ومعنى: { ضلوا عنا }: بطلوا وذهبوا، فيعترفون عند موتهم أنهم كانوا ~~كافرين. وقال غيره: ذلك الاعتراف يكون يوم القيامة. ### || [7.38] # قوله تعالى: { قال ادخلوا } إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة ~~الملائكة، لأن الله تعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة. قال ابن قتيبة: ~~و«في» بمعنى «مع». # وفي قوله: { قد خلت من قبلكم } قولان. # أحدهما: مضت إلى العذاب. # والثاني: مضت في الزمان، يعني: كفار الأمم الماضية. # قوله تعالى: ms0672 { كلما دخلت أمة لعنت أختها } وهذه أخوة الدين ~~والملة، لا أخوة النسب. قال ابن عباس: يلعنون من كان قبلهم. قال ~~مقاتل: كلما دخل أهل ملة، لعنوا أهل ملتهم، فيلعن اليهود اليهود، ~~والنصارى النصارى، والمشركون المشركين، والأتباع القادة، ويقولون: أنتم ~~ألقيتمونا هذا الملقى حين أطعناكم. وقال الزجاج: إنما تلاعنوا، لأن بعضهم ~~ضل باتباع بعض. # قوله تعالى: { حتى إذا اداركوا } قال ابن قتيبة: أي: تداركوا، فأدغمت ~~التاء في الدال، وأدخلت الألف ليسلم السكون لما بعدها، يريد: ~~تتابعوا فيها واجتمعوا. # قوله تعالى: { قالت أخراهم لأولاهم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: آخر أمة لأول أمة، قاله ابن عباس. # والثاني: آخر أهل الزمان لأوليهم الذين شرعوا له ذلك الدين، قاله ~~السدي. # والثالث: آخرهم دخولا إلى النار، وهم الأتباع، لأولهم دخولا، وهم ~~القادة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { هؤلاء أضلونا } قال ابن عباس: شرعوا لنا أن نتخذ من دونك ~~إلها. # قوله تعالى: { فآتهم عذابا ضعفا } قال الزجاج: أي: عذابا مضاعفا. # قوله تعالى: { قال لكل ضعف } أي عذاب مضاعف ولكن لا تعلمون. # قرأ أبو بكر، والمفضل عن عاصم: «يعلمون» بالياء. قال الزجاج: والمعنى: ~~لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر. وقرأ الباقون: «تعلمون» ~~بالتاء، وفيها وجهان ذكرهما الزجاج. # أحدهما: لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق من العذاب. # والثاني: لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك، وقيل: إنما طلب الأتباع ~~مضاعفة عذاب القادة، ليكون أحد العذابين على الكفر، والثاني على إغرائهم ~~به، فأجيبوا: { لكل ضعف } أي: كما كان للقادة ذلك، فلكم عذاب بالكفر، ~~وعذاب بالاتباع. قوله: { فما كان لكم علينا من فضل } فيه قولان. # أحدهما: في الكفر، نحن وأنتم فيه سواء، قاله ابن عباس. # والثاني: في تخفيف العذاب، قاله مجاهد. ### || [7.39] # قوله تعالى: { بما كنتم تكسبون } قال مقاتل: من الشرك والتكذيب. ### || [7.40] # قوله تعالى: { إن الذين كذبوا بآياتنا } أي: بحججنا وأعلامنا التي تدل ~~على توحيد الله ونبوة الأنبياء، وتكبروا عن الإيمان بها { لا ~~تفتح لهم أبواب السماء }. قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: ~~«تفتح»؛ بالتاء، وشددوا التاء ms0673 الثانية. وقرأ أبو عمرو «لا تفتح» ~~بالتاء خفيفة، ساكنة الفاء. وقرأ حمزة، والكسائي: «لا يفتح» بالياء ~~مضمومة خفيفة. وقرأ اليزيدي عن اختياره: «لا تفتح» بتاء مفتوحة { أبواب ~~السماء } بنصب الباء، فكأنه أشار إلى أفعالهم. وقرأ الحسن: بياء مفتوحة، ~~مع نصب الأبواب، كأنه يشير إلى الله عز وجل. وفي معنى الكلام أربعة ~~أقوال. # أحدها: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، وهو ~~قول أبي موسى الأشعري، والسدي في آخرين، والأحاديث تشهد به. # والثاني: لا تفتح لأعمالهم، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم، رواه عطاء عن ابن عباس. # والرابع: لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم، قاله ابن جريج، ومقاتل. # وفي السماء قولان. # أحدهما: أنها السماء المعروفة، وهو المشهور. # والثاني: أن لمعنى: لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها، لأن الجنة في ~~السماء، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: { حتى يلج الجمل في سم الخياط } الجمل: هو الحيوان ~~المعروف. فان قال قائل: كيف خص الجمل دون سائر الدواب، وفيها ما هو أعظم ~~منه؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن ضرب المثل بالجمل يحصل المقصود؛ والمقصود أنهم لا يدخلون ~~الجنة، كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة، ولو ذكر أكبر منه أو أصغر منه، ~~جاز، والناس يقولون: فلان لا يساوي درهما، وهذا لا يغني عنك فتيلا، وإن ~~كنا نجد أقل من الدرهم والفتيل. # والثاني: أن الجمل أكبر شأنا عند العرب من سائر الدواب، فانهم ~~يقدمونه في القوة على غيره، لأنه يوقر بحمله فينهض به دون غيره من ~~الدواب، ولهذا عجبهم من خلق الإبل، فقال: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # [الغاشية: 17] فآثر الله ذكره على غيره لهذا المعنى. ذكر الجوابين ابن ~~الانباري. قال: وقد روى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قرأ: «حتى يلج ~~الجمل» بضم الجيم وتشديد الميم، وقال: هو القلس الغليظ. # قال المصنف: وهي قراءة أبي رزين، ومجاهد، وابن محيصن، وأبي مجلز، وابن ~~يعمر، وأبان عن عاصم. قال: وروى مجاهد عن ابن عباس: «حتى يلج الجمل» ~~بضم الجيم ms0674 وفتح الميم وتخفيفها. # قلت: وهي قراءة قتادة، وقد رويت عن سعيد بن جبير، وأنه قرأ: «حتى يلج ~~الجمل» بضم الجيم وتسكين الميم. قلت: وهي قراءة عكرمة. # قال ابن الأنباري: فالجمل يحتمل أمرين: يجوز أن يكون بمعنى الجمل، ~~ويجوز أن يكون بمعنى جملة من الجمال، قيل في جمعها: جمل، كما قال: ~~حجرة، وحجر، وظلمة وظلم. # وكذلك من قرأ: «الجمل» يسوغ له أن يقول: الجمل، بمعنى الجمل، ~~وأن يقول: الجمل جمع جملة، مثل: بسرة وبسر. وأصحاب هذه القراءات ~~يقولون: الحبل والحبال، أشبه بالإبرة والخيوط من الجمال، وروى عطاء بن ~~يسار عن ابن عباس أنه قرأ: «الجمل» بضم الجيم والميم، وبالتخفيف، وهي ~~قراءة الضحاك، والجحدري. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «الجمل» بفتح ~~الجيم، وبسكون الميم خفيفة. # قوله تعالى: { في سم الخياط } السم: في اللغة: الثقب. وفيها ثلاث ~~لغات. فتح السين، وبها قرأ الأكثرون، وضمها، وبه قرأ ابن مسعود، وأبو ~~رزين، وقتادة، وابن محيصن، وطلحة بن مصرف، وكسرها، وبه قرأ أبو عمران ~~الجوني، وأبو نهيك، والأصمعي عن نافع. قال ابن القاسم: والخياط: ~~المخيط، بمنزلة اللحاف والملحف، والقرام والمقرم. وقد قرأ ابن مسعود، ~~وأبو رزين، وأبو مجلز: في «سم المخيط» وقال الزجاج: الخياط: الإبرة، ~~وسمها: ثقبها. والمعنى: أنهم لا يدخلون الجنة أبدا. قال ابن قتيبة: ~~هذا كما يقال: لا يكون ذلك حتى يشيب الغراب، ويبيض القار. # قوله تعالى: { وكذلك نجزي المجرمين } أي: مثل ذلك نجزي الكافرين أنهم لا ~~يدخلون الجنة. ### || [7.41-42] # قوله تعالى: { لهم من جهنم مهاد } المهاد: الفراش. # وفي المراد بالغواشي ثلاثة أقوال. # أحدها: اللحف، قاله ابن عباس، والقرظي، وابن زيد. والثاني: ما يغشاهم من ~~فوقهم من الدخان، قاله عكرمة. والثالث: غاشية فوق غاشية من النار، قاله ~~الزجاج. قال ابن عباس: والظالمون: هاهنا الكافرون. ### || [7.43] # قوله تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } فيمن عني بهذه الآية أربعة ~~أقوال. # أحدها: أهل بدر. روى الحسن عن علي رضي الله عنه أنه قال: فينا والله أهل ~~بدر نزلت: { ونزعنا ما في صدورهم من غل }. وروى عمرو ms0675 بن الشريد عن علي ~~أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير، من الذين قال ~~الله: { ونزعنا ما في صدورهم من غل }. # والثاني: أنهم أهل الأحقاد من أهل الجاهلية حين أسلموا. روى كثير ~~النواء عن أبي جعفر قال: نزلت هذه الآية في علي، وأبي بكر، وعمر، قلت ~~لأبي جعفر: فأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية، كان بين بني هاشم وبني تيم وبني ~~عدي في الجاهلية شيء، فلما أسلم هؤلاء، تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، ~~فجعل علي يسخن يده ويكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. # والثالث: أنهم عشرة من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، ~~والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله ~~بن مسعود، قاله أبو صالح. # والرابع: أنها في صفة أهل الجنة إذا دخلوها. روى أبو سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه تعالى وسلم أنه قال: # " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، حتى ~~إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده لأحدهم ~~أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا " # وقال ابن عباس: أول ما يدخل أهل الجنة الجنة، تعرض لهم عينان فيشربون ~~من إحدى العينين، فيذهب الله ما في قلوبهم من غل وغيره مما كان في ~~الدنيا، ثم يدخلون إلى العين الأخرى، فيغتسلون منها فتشرق ألوانهم، ~~وتصفو وجوههم، وتجري عليهم نضرة النعيم. # فأما النزع: فهو قلع الشيء من مكانه. والغل: الحقد الكامن في الصدر. # وقال ابن قتيبة: الغل: الحسد والعداوة. # قوله تعالى: { الحمد لله الذي هدانا لهذا } قال الزجاج: معناه: هدانا ~~لما صيرنا إلى هذا. قال ابن عباس: يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله ~~وكرامته. وروى عاصم بن ضمرة عن علي كرم الله وجهه قال: تستقبلهم الولدان ~~كأنهم لؤلؤ منثور، فيطوفون بهم كاطافتهم بالحميم جاء من الغيبة، ~~ويبشرونهم بما أعد الله لهم، ويذهبون إلى أزواجهم فيبشرونهن، ~~فيستخفهن الفرح، فيقمن على أسكفة الباب، فيقلن: أنت رأيته، أنت ~~رأيته؟ ms0676 قال: فيجيء إلى منزله فينظر في أساسه، فاذا صخر من لؤلؤ، ثم يرفع ~~بصره، فلولا أن الله ذلله لذهب بصره، ثم ينظر أسفل من ذلك، فاذا هو ~~بالسرر الموضونة، والفرش المرفوعة، والزرابي المبثوثة، فعند ذلك قالوا: ~~{ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } كلهم ~~قرأ «وما كنا» باثبات الواو، غير ابن عامر، فانه قرأ: «ما كنا لنهتدي» ~~بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. # قال أبو علي: وجه الاستغناء عن الواو، أن القصة ملتبسة بما قبلها، فأغنى ~~التباسها به عن حرف العطف، ومثله: # رابعهم كلبهم # [الكهف: 22]. # قوله تعالى: { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما ~~وعدهم الرسل عيانا. { ونودوا أن تلك الجنة } قال الزجاج: إنما قال «تلكم» ~~لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه تلكم التي وعدتم بها. ~~وجائز أن يكون هذا قيل لهم حين عاينوها قبل دخولهم إليها. قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وابن عامر: { أورثتموها } غير مدغمة. وقرأ أبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: { أورتموها } مدغمة، وكذلك قرؤوا في [الزخرف: 72] قال ~~أبو علي: من ترك الادغام، فلتباين مخرج الحرفين، ومن أدغم، فلأن التاء ~~والثاء مهموستان متقاربتان، وفي معنى { أورثتموها } أربعة أقوال. # أحدها: ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من أحد إلا وله منزل في الجنةومنزل في النار، فأما الكافر فانه يرث ~~المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة " # فذلك قوله: { أورثتموها بما كنتم تعملون } وقال بعضهم لما سمي الكفار ~~أمواتا بقوله: # أموات غير أحياء # [النحل: 21]. وسمى المؤمنين أحياء بقوله: # لتنذر من كان حيا # [يس: 70] أورث الأحياء الموتى. # والثاني: أنهم أورثوها عن الأعمال، لأنها جعلت جزاء لأعمالهم، وثوابا ~~عليها، إذ هي عواقبها، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: أن دخول الجنة برحمة الله، واقتسام الدرجات بالأعمال، فلما ~~كان يفسر نيلها لا عن عوض، سميت ميراثا. والميراث: ما أخذته عن غير ~~عوض. # والرابع: أن معنى الميراث هاهنا: أن أمرهم يؤول ms0677 إليها كما يؤول الميراث ~~إلى الوارث. ### || [7.44-45] # قوله تعالى: { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } أي: من العذاب؟ وهذا سؤال ~~تقرير وتعيير. (قالوا نعم). قرأ الجمهور بفتح العين في سائر القرآن، وكان ~~الكسائي يكسرها. قال الأخفش: هما لغتان. # قوله تعالى: { فأذن مؤذن بينهم } أي نادى مناد. { ان لعنة الله } ~~قرأ ابن كثير في رواية قنبل، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: { أن لعنة الله ~~} خفيفة النون ساكنة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: «أن» بالتشديد ~~«لعنة الله» بالنصب. قال الأخفش: و«أن» في قوله: # أن تلكم الجنة # [الأعراف: 43] وقوله: { أن لعنة الله } ، وقوله: # أن الحمد لله # [يونس: 10] و { أن قد وجدنا } هي «أن» الثقيلة خففت. # قال الشاعر: # في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل # وأنشد أيضا: # أكاشره وأعلم أن كلانا # على ما ساء صاحبه حريص # ومعناه: أنه كلانا؛ وتكون «أن قد وجدنا» في معنى: أي. قال ابن عباس: ~~والظالمون هاهنا: الكافرون. # قوله تعالى: { الذين يصدون عن سبيل الله } أي: أذن المؤذن ان لعنة ~~الله على الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، وهو الإسلام. # ويبغونها عوجا # مفسر في [آل عمران: 99]. { وهم بالآخرة } أي: وهم بكون الآخرة ~~كافرون. ### || [7.46] # قوله تعالى: { وبينهما حجاب } أي: بين الجنة والنار حاجز، وهو السور ~~الذي ذكره الله تعالى في قوله: # فضرب بينهم بسور له باب # [الحديد: 13]، فسمي هذا السور بالأعراف لارتفاعه. قال ابن عباس: ~~الأعراف: هو السور الذي بين الجنة والنار، له عرف كعرف الديك. وقال أبو ~~هريرة: الأعراف: جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها، يعني: على ~~ذراها، خلقتها كخلقة عرف الديك. قال اللغويون: الأعراف عند العرب: كل ~~ما ارتفع من الأرض وعلا؛ يقال لكل عال: عرف، وجمعه: أعراف. # قال الشاعر: # كل كناز لحمه نياف # كالعلم الموفي على الأعراف # وقال الآخر: # ورثت بناء آباء كرام # علوا بالمجد أعراف البناء # وفي «أصحاب الأعراف» قولان. # أحدهما: أنهم من بني آدم، قاله الجمهور. وزعم مقاتل: أنهم من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم خاصة. وفي أعمالهم تسعة ms0678 أقوال. # أحدها: أنهم قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول ~~الجنة معصية آبائهم، ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله، وهذا مروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تبلغ حسناتهم دخول ~~الجنة، ولا سيئاتهم دخول النار، قاله ابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو ~~هريرة، والشعبي، وقتادة. # والثالث: أنهم أولاد الزنا، رواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس. # والرابع: أنهم قوم صالحون فقهاء علماء، قاله الحسن، ومجاهد؛ فعلى هذا، ~~يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة. # والخامس: أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم، أو أمهاتهم دون ~~أبائهم، رواه عبد الوهاب بن مجاهد عن إبراهيم. # والسادس: أنهم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم، قاله عبد ~~العزيز بن يحيى. # والسابع: أنهم أنبياء، حكاه ابن الانباري. # والثامن: أنهم أولاد المشركين، ذكره المنجوفي في تفسيرة. # والتاسع: أنهم قوم عملوا لله، لكنهم راؤوا في عملهم، ذكره بعض ~~العلماء. # والقول الثاني: أنهم ملائكة، قاله أبو مجلز، واعترض عليه، فقيل: إنهم ~~رجال فكيف تقول: ملائكة؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا باناث. وقيل معنى قوله: ~~{ وعلى الأعراف رجال } أي: على معرفة أهل الجنة من أهل النار، ذكره ~~الزجاج، وابن الانباري. وفيه بعد وخلاف للمفسرين. # قوله تعالى: { يعرفون كلا بسيماهم } أي: يعرف أصحاب الأعراف أهل ~~الجنة وأهل النار، وسيما أهل الجنة: بياض الوجوه، وسيما أهل النار: سواد ~~الوجوه، وزرقة العيون. والسيما: العلامة. وإنما عرفوا الناس، لأنهم على ~~مكان عال يشرفون فيه على أهل الجنة والنار. { ونادوا } يعني: أصحاب ~~الأعراف { أصحاب الجنة أن سلام عليكم } وفي قوله: { لم يدخلوها وهم ~~يطمعون } قولان. # أحدهما: أنه إخبار من الله تعالى لنا أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة ~~وهم يطمعون في دخولها، قاله الجمهور. # والثاني: أنه إخبار من الله تعالى لأهل الأعراف إذا رأوا زمرة يذهب ~~بها إلى الجنة أن هؤلاء لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها، هذا قول السدي. ### || [7.47] # قوله تعالى: { وإذا صرفت أبصارهم } يعني: أصحاب الأعراف. والتلقاء: جهة ~~اللقاء، ms0679 وهي جهة المقابلة. وقال أبو عبيدة: تلقاء أصحاب النار أي: ~~حيالهم. ### || [7.48] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم } روى أبو ~~صالح عن ابن عباس قال: ينادون: يا وليد بن المغيرة، يا أبا جهل بن هشام، ~~يا عاص بن وائل، يا أمية بن خلف، يا أبي بن خلف، يا سائر رؤساء ~~الكفار، ما أغنى عنكم جمعكم في الدنيا المال والولد. { وما كنتم تستكبرون ~~} أي: تتعظمون عن الإيمان. ### || [7.49] # قوله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } فيه قولان. # أحدهما: أن أهل النار أقسموا أن أهل الأعراف داخلون النار معنا، وأن ~~الله لن يدخلهم الجنة، فيقول الله لأهل النار: { أهؤلاء } يعني: أهل ~~الأعراف { الذين اقسمتم لا ينالهم الله برحمة، ادخلوا الجنة } رواه وهب ~~بن منبه عن ابن عباس. قال حذيفة: بينا أصحاب الأعراف هنالك، اطلع عليهم ~~ربهم فقال لهم: «ادخلوا الجنة فاني قد غفرت لكم». # والثاني: أن أهل الأعراف يرون في الجنة الفقراء والمساكين الذين كان ~~الكفار يستهزؤون بهم، كسلمان، وصهيب، وخباب، فينادون الكفار: { أهؤلاء ~~الذين أقسمتم } وأنتم في الدنيا { لا ينالهم الله برحمة } قاله ابن ~~السائب. فعلى هذا، ينقطع كلام أهل الأعراف عند قوله: { برحمة } ، ويكون ~~الباقي من خطاب الله لأهل الجنة. وقد ذكر المفسرون في قوله: { ادخلوا ~~الجنة } ثلاثة أقوال. # أحدها: أن يكون خطابا من الله لأهل الأعراف، وقد ذكرناه. # والثاني: أن يكون خطابا من الله لأهل الجنة. # والثالث: أن يكون خطابا من أهل الأعراف لأهل الجنة، ذكرهما الزجاج. ~~فعلى هذا الوجه الأخير، يكون معنى قول أهل الأعراف لأهل الجنة { ادخلوا ~~الجنة }: اعلوا إلى القصور المشرفة، وارتفعوا إلى المنازل المنيفة، لأنهم ~~قد رأوهم في الجنة. وروى مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال: يؤتى بأصحاب ~~الأعراف إلى نهر يقال له: الحياة، عليه قضبان الذهب مكللة باللؤلؤ، ~~فيغمسون فيه، فيخرجون، فتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، ويقال ~~لهم: تمنوا ما شئتم، ولكم سبعون ضعفا، فهم مساكين أهل الجنة. ### || [7.50] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } قال ms0680 ابن عباس: لما صار ~~أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل النار في الفرج بعد اليأس، فقالوا: يا ~~رب، إن لنا قرابات من أهل الجنة، فائذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فنظروا ~~إليهم وإلى ما هم فيه من النعيم فعرفوهم. ونظر أهل الجنة إلى قرابتهم من ~~أهل جهنم فلم يعرفوهم، قد اسودت وجوههم وصاروا خلقا آخر، فنادى أصحاب ~~النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم، فينادي الرجل أخاه: يا ~~أخي قد احترقت فأغثني؛ فيقول: { إن الله حرمهما على الكافرين } قال ~~السدي: عنى بقوله: { أو مما رزقكم الله }: الطعام. قال الزجاج: أعلم ~~الله عز وجل أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب، وإن كان ~~معذبا. ### || [7.51] # قوله تعالى: { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } قال ابن عباس: هم ~~المستهزئون. والمعنى: أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم. وقال أبو روق: ~~دينهم: عيدهم. وقال قتادة: { لهوا ولعبا } أي: أكلا وشربا. وقال ~~غيره: هو ما زينه الشيطان لهم من تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، ~~والحام، والمكاء، والتصدية، ونحو ذلك من خصال الجاهلية. # قوله تعالى: { فاليوم ننساهم } قال الزجاج: أي: نتركهم في العذاب كما ~~تركوا العمل للقاء يومهم هذا. و «ما» نسق على «كما» في موضع جر. والمعنى: ~~وكجحدهم. قال ابن الانباري: ويجوز أن يكون المعنى: فاليوم نتركهم في ~~النار على علم منا ترك ناس غافل كما استعملوا في الإعراض عن آياتنا وهم ~~ذاكرون ما يستعمله من نسي وغفل. ### || [7.52] # قوله تعالى: { ولقد جئناهم بكتاب } يعني: القرآن. { فصلناه } أي: ~~بيناه بايضاح الحق من الباطل. وقيل: فصلناه فصولا: مرة بتعريف ~~الحلال، ومرة بتعريف الحرام، ومرة بالوعد، ومرة بالوعيد، ومرة بحديث ~~الأمم. # وفي قوله: { على علم } قولان. # أحدهما: على علم منا بما فصلناه. والثاني: على علم منا بما يصلحكم مما ~~أنزلناه فيه. وقرأ ابن السميفع، وابن محيصن، وعاصم، والجحدري، ومعاذ ~~القارىء: «فضلناه» بضاد معجمة. ### || [7.53] # قوله تعالى: { هل ينظرون إلا تأويله } قال ابن عباس: تصديق ما وعدوا في ~~القرآن { يوم يأتي تأويله } وهو يوم القيامة { يقول الذين نسوه } أي: ~~تركوه { من ms0681 قبل } في الدنيا { قد جاءت رسل ربنا بالحق } أي: بالبعث بعد ~~الموت. # قوله تعالى: { أو نرد } قال الزجاج: المعنى: أو هل نرد. وقوله: { ~~فنعمل } منصوب على جواب الفاء للاستفهام. ### || [7.54] # قوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } ~~اختلفوا أي يوم بدأ بالخلق على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه يوم السبت. روى مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة قال: أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: # " خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق ~~الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، ~~وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر [من] يوم الجمعة [في] ~~آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " # وهذا اختيار محمد بن إسحاق. قال ابن الانباري: وهذا إجماع أهل العلم. # والثاني: يوم الأحد، قاله عبد الله بن سلام، وكعب، والضحاك، ومجاهد، ~~واختاره ابن جرير الطبري، وبه يقول أهل التوراة. # والثالث: يوم الاثنين، قاله ابن إسحاق، وبهذا يقول أهل الإنجيل. ومعنى ~~قوله: { في ستة ايام } أي: في مقدار ذلك، لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس ~~وغروبها، ولم تكن الشمس حينئذ. قال ابن عباس: مقدار كل يوم من تلك الأيام ~~ألف سنة، وبه قال كعب، ومجاهد، والضحاك، ولا نعلم خلافا في ذلك. ولو قال ~~قائل: إنها كأيام الدنيا، كان قوله بعيدا من وجهين. # أحدهما: خلاف الآثار. والثاني: أن الذي يتوهمه المتوهم من الإبطاء في ~~ستة آلاف سنة، يتوهمه في ستة أيام عند تصفح قوله: # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # [يس: 82]. فان قيل: فهلا خلقها في لحظة، فانه قادر؟ فعنه خمسة أجوبة. # أحدها: أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمرا تستعظمه الملائكة ومن يشاهده، ~~ذكره ابن الانباري. # والثاني: أن التثبت في تمهيد ما خلق لآدم وذريته قبل وجوده، أبلغ في ~~تعظيمه عند الملائكة. # والثالث: أن التعجيل أبلغ في القدرة، والتثبيت أبلغ في الحكمة، فأراد ms0682 ~~إظهار حكمته في ذلك، كما يظهر قدرته في قوله: { كن فيكون }. # والرابع: انه علم عباده التثبت، فاذا تثبت من لا يزل، كان ذو ~~الزلل أول بالتثبت. # والخامس: أن ذلك الإمهال في خلق شيء بعد شيء، أبعد من أن يظن أن ذلك ~~وقع بالطبع أو بالاتفاق. # قوله تعالى: { ثم استوى على العرش } قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير؛ ~~وكل سرير لملك يسمى عرشا، وقلما يجمع العرش إلا في اضطرار، واعلم أن ~~ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام. قال أمية بن أبي ~~الصلت: # مجدوا الله فهو للمجد أهل # ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء الأعلى الذي سبق النا # س وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا لا يناله ناظر العي # ن ترى دونه الملائك صورا # وقال كعب: إن السموات في العرش: كالقنديل معلق بين السماء والأرض. ~~وروى إسماعيل بن أبي خالد عن سعد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء. وإجماع ~~السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية. وقد شذ قوم فقالوا: ~~العرش بمعنى الملك. وهذا عدول عن الحقيقة الى التجوز، مع مخالفة الأثر؛ ~~ألم يسمعوا قوله تعالى: # وكان عرشه على الماء # [هود: 7] أتراه كان الملك على الماء؟ وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء؟ ~~وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى؛ ويحتج بقول الشاعر: # حتى استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # ويقول الشاعر أيضا: # هما استويا بفضلهما جميعا # على عرش الملوك بغير زور # وهذا منكر عند اللغويين. قال ابن الاعرابي: العرب لا تعرف استوى بمعنى ~~استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم. قالوا: وإنما يقال استولى فلان على كذا، ~~إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه، ثم تمكن منه؛ والله عز وجل لم يزل ~~مستوليا على الأشياء؛ والبيتان لا يعرف قائلهما، كذا قال ابن فارس ~~اللغوي. ولو صحا، فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن ~~مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة. # قوله تعالى: { يغشي الليل النهار } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «يغشي» ساكنة الغين خفيفة. ms0683 وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر ~~عن عاصم: «يغشي» مفتوحة الغين مشددة؛ وكذلك قرؤوا في (الرعد) قال ~~الزجاج: المعنى: أن الليل يأتي على النهار فيغطيه؛ وإنما لم يقل: ويغشي ~~النهار الليل، لأن في الكلام دليلا عليه؛ وقد قال في موضع آخر: # يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل # [الزمر: 5]. وقال أبو علي: إنما لم يقل: يغشي النهار الليل، لأنه معلوم ~~من فحوى الكلام، كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] وانتصب الليل والنهار، لأن كل واحد منهما مفعول به، فأما ~~الحثيث: فهو السريع. # قوله تعالى: { والشمس والقمر والنجوم مسخرات } قرأ الأكثرون: بالنصب ~~فيهن، وهو على معنى: خلق السموات والشمس. وقرأ ابن عامر: «والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات» بالرفع فيهن هاهنا وفي [النحل: 12]، تابعه حفص ~~في قوله تعالى: # والنجوم مسخرات # في [النحل: 12] فحسب. والرفع على الاستئناف. والمسخرات: المذللات لما ~~يراد منهن من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبر لهن. # قوله تعالى: { ألا له الخلق } لأنه خلقهم { والأمر } فله أن يأمر بما ~~يشاء. وقيل: الأمر: القضاء. # قوله تعالى: { تبارك الله } فيه أربعة أقوال. # أحدها: تفاعل من البركة، رواه الضحاك عن ابن عباس؛ وكذلك قال القتيبي، ~~والزجاج. وقال أبو مالك: افتعل من البركة. وقال الحسن: تجيء البركة من ~~قبله. وقال الفراء: تبارك من البركة؛ وهو في العربية كقولك: تقدس ربنا. # والثاني: أن تبارك بمعنى تعالى، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وكذلك قال ~~أبو العباس: تبارك ارتفع؛ والمتبارك: المرتفع. # والثالث: أن المعنى: باسمه يتبرك في كل شيء، قاله ابن الانباري. # والرابع: أن معنى «تبارك»: تقدس، أي: تطهر، ذكره ابن الانباري أيضا. ### || [7.55] # قوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا } التضرع: التذلل والخضوع، والخفية: ~~خلاف العلانية. قال الحسن: كانوا يجتهدون في الدعاء، ولا تسمع إلا همسا. ~~ومن هذا حديث أبي موسى: # " اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " # وفي الاعتداء المذكور هاهنا قولان. # أحدهما: أنه الاعتداء في الدعاء. ثم فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أن يدعو ~~على المؤمنين بالشر، كالخزي واللعنة، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. ~~والثاني: ms0684 أن يسأل مالا يستحقه من منازل الأنبياء، قاله أبو مجلز. ~~والثالث: أنه الجهر في الدعاء، قاله ابن السائب. # والثاني: أنه مجاوزة المأمور به، قاله الزجاج. ### || [7.56] # قوله تعالى: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } فيه ستة أقوال. # أحدها: لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان. # والثاني: لا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل. # والثالث: لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة. # والرابع: لا تعصوا، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم بعد أن ~~أصلحها بالمطر والخصب. # والخامس: لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه. # والسادس: لا تفسدوها بتكذيب الرسل بعد إصلاحها بالوحي. # وفي قوله: { وادعوه خوفا وطمعا } قولان. أحدهما: خوفا من عقابه، ~~وطمعا في ثوابه. والثاني: خوفا من الرد وطمعا في الإجابة. # قوله تعالى: { ان رحمة الله قريب من المحسنين } قال الفراء: رأيت العرب ~~تؤنث القريبة في النسب، لا يختلفون في ذلك، فاذا قالوا: دارك منا قريب، ~~أو فلانة منا قريب، من القرب والبعد، ذكروا وأنثوا، وذلك أنهم جعلوا ~~القريب خلفا من المكان، كقوله: # وما هي من الظالمين ببعيد # [هود: 83] وقوله تعالى: # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63] ولو أنث ذلك لكان صوابا. قال عروة: # عشية لا عفراء منك قريبة # فتدنو ولا عفراء منك بعيد # وقال الزجاج: إنما قيل: { قريب } لأن الرحمة والغفران والعفو بمعنى ~~واحد، وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي. وقال الأخفش: جائز أن تكون الرحمة ~~هاهنا في معنى المطر. ### || [7.57] # قوله تعالى: { وهو الذي يرسل الرياح } قرأ أبو عمرو، ونافع، وابن عامر، ~~وعاصم: { الرياح } على الجمع. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: «الريح» ~~على التوحيد. وقد يأتي لفظ التوحيد، ويراد به الكثرة، كقولهم: كثر الدرهم ~~في أيدي الناس، ومثله: # إن الإنسان لفي خسر # [العصر: 2]. # قوله تعالى: { نشرا } قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع، { نشرا } بضم ~~النون والشين، أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب، تهب من كل ~~ناحية وجانب. قال أبو عبيدة: النشر: المتفرقة من كل جانب. وقال أبو ~~علي: يحتمل أن تكون النشور بمعنى المنشر، وبمعنى المنتشر، وبمعنى الناشر؛ ~~يقال: أنشر ms0685 الله الريح، مثل أحياها، فنشرت، أي: حييت. والدليل على أن ~~إنشار الربح إحياؤها قول الفقعسي: # وهبت له ريح الجنوب وأحييت # له ريدة يحيي المياه نسيمها # ويدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت. # قال الشاعر: # إني لأرجو أن تموت الريح # فأقعد اليوم وأستريح # والريدة والريدانة: الريح. وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث، والحسن ~~البصري: «نشرا» بالنون مضمومة وسكون الشين، وهي في معنى «نشرا» ~~يقال: كتب وكتب، ورسل ورسل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل ~~عن عاصم: «نشرا» بفتح النون وسكون الشين. قال الفراء: النشر: الريح ~~الطيبة اللينة التي تنشىء السحاب. وقال ابن الانباري: النشر: ~~المنتشرة الواسعة الهبوب. وقال أبو علي: يحتمل النشر أن يكون خلاف ~~الطي، كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية. ويحتمل أن يكون معناها ما قاله ~~أبو عبيدة في النشر: أنها المتفرقة في الوجوه؛ ويحتمل أن يكون معناها: ~~النشر الذي هو الحياة، كقول الشاعر: # [حتى يقول الناس مما رأوا] # يا عجبا للميت الناشر # قال: وهذا هو الوجه. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، ~~ومورق العجلي: «نشرا» بفتح النون والشين. قال ابن القاسم: وفي ~~النشر وجهان. # أحدهما: أن يكون جمعا للنشور، كما قالوا: عمود وعمد، وإهاب وأهب. # والثاني: أن يكون جمعا، واحده ناشر، يجري مجرى قوله: غائب وغيب، ~~وحافد وحفد، وكل القراء نون الكلمة. وكذلك اختلافهم في [الفرقان: ~~48] و[النمل: 63]. هذه قراءات من قرأ بالنون. وقد قرأ آخرون بالباء، فقرأ ~~عاصم إلا المفضل: «بشرى» بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فعلى: قال ~~ابن الانباري: وهي جمع بشيرة، وهي التي تبشر بالمطر، والأصل ضم الشين، ~~إلا أنهم استثقلوا الضمتين. وقرأ ابن خثيم، وابن جذلم: مثله إلا أنهما ~~نونا الراء. وقرأ ابو الجوزاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بضم الباء ~~والشين، وهذا على أنها جمع بشيرة. والرحمة هاهنا: المطر؛ سماه رحمة لأنه ~~كان بالرحمة. و«أقلت» بمعنى: حملت. قال الزجاج: السحاب: جمع سحابة. قال ~~ابن فارس: سمي السحاب لانسحابه في الهواء. # قوله تعالى: { ثقالا } أي: الماء وقوله تعالى: { سقناه } رد الكناية ~~إلى لفظ السحاب، ولفظه لفظ واحد. ms0686 # وفي قوله «لبلد» قولان. # أحدهما: إلى بلد. والثاني: لإحياء بلد. والميت: الذي لا ينبت فيه، ~~فهو محتاج إلى المطر. وفي قوله: { فأنزلنا به } ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الكناية ترجع إلى السحاب. والثاني: إلى المطر، ذكرهما الزجاج. ~~والثالث: إلى البلد، ذكره ابن الانباري. فأما هاء { فأخرجنا به } فتحتمل ~~الأقوال الثلاثة. # قوله تعالى: { كذلك نخرج الموتى } أي: كما أحيينا هذا البلد. وقال ~~مجاهد: نحيي الموتى بالمطر كما أحيينا البلد الميت به. قال ابن عباس: ~~يرسل الله تعالى بين النفختين مطرا كمني الرجال، فينبت الناس به في ~~قبورهم كما نبتوا في بطون أمهاتهم. # قوله تعالى: { لعلكم تذكرون } قال الزجاج: لعل: ترج. وإنما خوطب ~~العباد على ما يرجوه بعضهم من بعض؛ والمعنى: لعلكم بما بيناه لكم ~~تستدلون على توحيد الله، وأنه يبعث الموتى. ### || [7.58] # قوله تعالى: { والبلد الطيب } يعني: الأرض الطيبة التربة { يخرج نباته ~~} وقرأ ابن أبي عبلة: «يخرج» بضم الياء وكسر الراء، «نباته» بنصب ~~التاء، { والذي خبث لا يخرج } كذلك أيضا. وقد روى ابان عن عاصم: «لا ~~يخرج» بضم الياء وكسر الراء. والمراد بالذي خبث: الأرض السبخة. # قوله تعالى: { إلا نكدا } قرأ الجمهور: بفتح النون وكسر الكاف. وقرأ أبو ~~جعفر: «نكدا» بفتح الكاف. وقرأ مجاهد، وقتادة، وابن محيصن: «نكدا» ~~باسكان الكاف. قال أبو عبيدة: قليلا عسيرا في شدة، وأنشد: # لا تنجز الوعد إن وعدت وإن # أعطيت أعطيت تافها نكدا # قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر؛ فالمؤمن إذا سمع ~~القرآن وعقله انتفع به وبان أثره عليه، فشبه بالبلد الطيب الذي يمرع ~~ويخصب ويحسن أثر المطر عليه؛ وعكسه الكافر. ### || [7.59-62] # قوله تعالى: { اعبدوا الله } قال مقاتل: وحدوه؛ وكذلك في سائر القصص ~~بعدها. # قوله تعالى: { مالكم من إله غيره } قرأ الكسائي: «غيره» بالخفض. قال ~~أبو علي: جعل غيرا صفة ل { إله } على اللفظ. # قوله تعالى: { أبلغكم } قرأ أبو عمرو: «أبلغكم» ساكنة الباء خفيفة ~~اللام. وقرأ الباقون: «أبلغكم» مفتوحة الباء، مشددة اللام. # قوله تعالى: { وأنصح لكم } يقال: نصحته، ونصحت له، وشكرته وشكرت له. # قوله ms0687 تعالى: { وأعلم من الله مالا تعلمون } أي: من مغفرته لمن تاب، ~~وعقوبته لمن أصر. وقال مقاتل: أعلم من نزول العذاب مالا تعلمونه؛ وذلك ~~أن قوم نوح لم يسمعوا بقوم عذبوا قبلهم. ### || [7.63-64] # قوله تعالى: { أو عجبتم } قال الزجاج: هذه واو العطف، دخلت عليها ألف ~~الاستفهام، فبقيت مفتوحة. وفي الذكر قولان. أحدهما: الموعظة. والثاني: ~~البيان. # وفي قوله: { على رجل منكم } قولان. أحدهما: أن «على» بمعنى «مع» قاله ~~الفراء. والثاني: أن المعنى: على لسان رجل منكم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { قوما عمين } قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله ~~وقدرته وشدة بطشه. ### || [7.65-70] # قوله تعالى: { وإلى عاد } المعنى: وأرسلنا إلى عاد { أخاهم هودا } قال ~~الزجاج: وإنما قيل: أخوهم، لأنه بشر مثلها من ولد أبيهم آدم. ويجوز أن ~~يكون أخاهم لأنه من قومهم. وقال أبو سليمان الدمشقي: وعاد قبيلة من ولد ~~سام بن نوح؛ وإنما سماه أخاهم، لأنه كان نسيبا لهم، وهو وهم من ولد عاد ~~بن عوص بن إرم بن سام. # قوله تعالى: { إنا لنراك في سفاهة } قال ابن قتيبة: السفاهة: الجهل. ~~وقال الزجاج: السفاهة: خفة الحلم والرأي؛ يقال: ثوب سفيه: إذا كان ~~خفيفا. { وإنا لنظنك من الكاذبين } فكفروا به، ظانين، لا مستيقنين. { ~~قال يا قوم ليس بي سفاهة } هذا موضع أدب للخلق في حسن المخاطبة، فانه ~~دفع ما سبوه به من السفاهة بنفيه فقط. # قوله تعالى: { وأنا لكم ناصح أمين } قال الضحاك: أمين على الرسالة. وقال ~~ابن السائب: كنت فيكم أمينا قبل اليوم. # قوله تعالى: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء } ذكرهم النعمة حيث أهلك من ~~كان قبلهم، وأسكنهم مساكنهم. { وزادكم في الخلق بسطة } أي: طولا وقوة. ~~وقال ابن عباس: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعا، قال ~~الزجاج وآلاء الله: نعمه واحدها: إلى قال الشاعر: # أبيض لا يرهب الهزال ولا # يقطع رحما ولا يخون إلى # ويجوز أن يكون واحدها «إليا» و«ألى». # قوله تعالى: { فائتنا بما تعدنا } أي: من نزول العذاب { إن كنت من ~~الصادقين } في أن العذاب نازل بنا. وقال ms0688 عطاء: في نبوتك وإرسالك إلينا. ### || [7.71-72] # قوله تعالى: { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس وغضب } قال ابن ~~عباس: عذاب وسخط. وقال أبو عمرو بن العلاء: الرجز؛ بالزاي، والرجس؛ ~~بالسين: بمعنى واحد، قلبت السين زايا. # قوله تعالى: { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } يعني: ~~الأصنام. # وفي تسميتهم لها قولان. أحدهما: أنهم سموها آلهة. والثاني: أنهم ~~سموها بأسماء مختلفة. والسلطان: الحجة. { فانتظروا } نزول العذاب { إني ~~معكم من المنتظرين } الذي يأتيكم من العذاب في تكذيبكم إياي. ### || [7.73-74] # قوله تعالى: { وإلى ثمود } قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود: لقلة ~~مائها. قال ابن فارس: الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له. # قوله تعالى: { هذه ناقة الله } في إضافتها إليه قولان. أحدهما: أن ذلك ~~للتخصيص والتفضيل، كما يقال: بيت الله. والثاني: لأنها كانت بتكوينه من ~~غير سبب. # قوله تعالى: { لكم اية } أي: علامة تدل على قدرة الله؛ وإنما قال: «لكم» ~~لأنهم هم الذين اقترحوها، وإن كانت آية لهم ولغيرهم. # وفي وجه كونها آية قولان. # احدهما: أنها خرجت من صخرة ملساء، فتمخضت بها تمخض الحامل، ثم ~~انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها. # والثاني: أنها كانت تشرب ماء الوادي كله في يوم، وتسقيهم اللبن مكانه. # قوله تعالى: { فذروها تأكل في أرض الله } قال ابن الانباري: ليس عليكم ~~مؤنتها وعلفها. «وتأكل» مجزوم على جواب الشرط المقدر، أي: إن تذروها ~~تأكل. # قوله تعالى: { ولا تمسوها بسوء } أي: لا تصيبوها بعقر. # قوله تعالى: { وبوأكم في الأرض } أي: أنزلكم. يقال: تبوأ فلان منزلا: ~~إذا نزله. وبوأته: أنزلته. قال الشاعر: # وبوئت في صميم معشرها # فتم في قومها مبوؤوها # أي: أنزلت من الكريم في صميم النسب؛ قاله الزجاج. # قوله تعالى: { تتخذون من سهولها قصورا } السهل: ضد الحزن. والقصر: ما ~~شيد وعلا من المنازل. قال ابن عباس: اتخذوا القصور في سهول الأرض ~~للصيف، ونقبوا في الجبال للشتاء، قال وهب بن منبه: كان الرجل منهم يبني ~~البنيان، فتمر عليه مائة سنة، فيخرب، ثم يجدده، فتمر عليه مائة سنة، ~~فيخرب، ثم يجدده، فتمر ms0689 عليه مائة سنة، فيخرب، فأضجرهم ذلك، فأخذوا من ~~الجبال بيوتا. ### || [7.75-76] # قوله تعالى: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } وقرأ ابن عامر: { ~~وقال الملأ } بزيادة واو؛ وكذلك هي في مصاحفهم، ومعنى الآية: تكبروا عن ~~عبادة الله، { للذين استضعفوا } يريد: المساكين. { لمن آمن منهم } بدل من ~~قوله «للذين استضعفوا» لأنهم المؤمنون. { أتعلمون أن صالحا مرسل } هذا ~~استفهام إنكار. ### || [7.77-78] # قوله تعالى: { فعقروا الناقة } أي: قتلوها. قال ابن قتيبة: والعقر يكون ~~بمعنى: القتل، ومنه # " قوله عليه السلام عند ذكر الشهداء: «من عقر جواده» " # وقال ابن إسحاق: كمن لها قاتلها في أصل شجرة فرماها بسهم، فانتظم به ~~عضلة ساقها، ثم شد عليها بالسيف فكسر عرقوبها، ثم نحرها. قال الازهري: ~~العقر عند العرب: قطع عرقوب البعير، ثم جعل العقر نحرا، لأن ناحر البعير ~~يعقره ثم ينحره. # قوله تعالى: { وعتوا } قال الزجاج: جاوزوا المقدار في الكفر. قال أبو ~~سليمان: عتوا عن اتباع أمر ربهم. # قوله تعالى: { بما تعدنا } أي: من العذاب. # قوله تعالى: { فأخذتهم الرجفة } قال الزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة. # قوله تعالى: { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم. فان قيل: كيف وحد ~~الدار هاهنا، وجمعها في موضع آخر، فقال: # في ديارهم # [هود: 67]؟ فعنه جوابان، ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: أنه أراد بالدار: المعسكر، أي: فأصبحوا في معسكرهم. وأراد ~~بقوله: في ديارهم: المنازل التي ينفرد كل واحد منها بمنزل. # والثاني: أنه أراد بالدار: الديار، فاكتفى بالواحد من الجميع، كقول ~~الشاعر: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا # وشواهد هذا كثيرة في هذا الكتاب. # قوله تعالى: { جاثمين } قال الفراء: أصبحوا رمادا جاثما. وقال أبو ~~عبيدة: أي: بعضهم على بعض جثوم. والجثوم للناس والطير بمنزلة البروك ~~للإبل. # وقال ابن قتيبة: الجثوم: البروك على الركب. وقال غيره: كأنهم أصبحوا ~~موتى على هذه الحال. وقال الزجاج: أصبحوا أجساما ملقاة في الأرض كالرماد ~~الجاثم. قال المفسرون: معنى «جاثمين»: بعضهم على بعض، أي: إنهم سقط بعضهم ~~على بعض عند نزول العذاب. ### || [7.79-82] # قوله تعالى: { فتولى عنهم } يقول: انصرف صالح عنهم بعد عقر الناقة، لأن ~~الله ms0690 تعالى أوحى إليه أن اخرج من بين أظهرهم، فاني مهلكهم. وقال قتادة: ~~ذكر لنا أن صالحا أسمع قومه كما أسمع نبيكم قومه، يعني: بعد موتهم. # قوله تعالى: { أتأتون الفاحشة } يعني: إتيان الرجال. { ما سبقكم بها من ~~أحد } قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم ~~لوط. وقال بعض اللغويين: لوط: مشتق من لطت الحوض: إذا ملسته بالطين. قال ~~الزجاج: وهذا غلط، لأنه اسم أعجمي كاسحاق، ولا يقال: إنه مشتق من السحق ~~وهو البعد. # قوله تعالى: { إنكم لتأتون الرجال } هذا استفهام إنكار. والمسرف: ~~المجاوز ما أمر به. وقوله تعالى: { أخرجوهم من قريتكم } يعني: لوطا ~~وأتباعه المؤمنين { إنهم أناس يتطهرون } قال ابن عباس: يتنزهون عن ~~أدبار الرجال وأدبار النساء. ### || [7.83-84] # قوله تعالى: { فأنجيناه وأهله } في أهله قولان. # أحدهما: ابنتاه. والثاني: المؤمنون به. { إلا امرأته كانت من الغابرين } ~~أي: الباقين في عذاب الله تعالى. قال أبو عبيدة: وإنما قال: «من ~~الغابرين» لأن صفة النساء مع صفة الرجال تذكر إذا أشرك بينهما. # قوله تعالى: { وأمطرنا عليهم مطرا } قال ابن عباس: يعني الحجارة. قال ~~مجاهد: نزل جبريل، فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، ورفعها، ثم قلبها، ~~فجعل أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة. ### || [7.85] # قوله تعالى: { وإلى مدين } قال قتادة: مدين: ماء كان عليه قوم شعيب، ~~وكذلك قال الزجاج، وقال: لا ينصرف، لأنه اسم البقعة. وقال مقاتل: مدين: ~~هو: ابن ابراهيم الخليل لصلبه. وقال أبو سليمان الدمشقي: مدين: هو ابن ~~مديان بن ابراهيم، والمعنى: أرسلنا إلى ولد مدين، فعلى هذا هو اسم قبيلة. ~~وقال بعضهم: هو اسم للمدينة. فالمعنى: وإلى أهل مدين. قال شيخنا أبو ~~منصور اللغوي: مدين: أسم أعجمي. فان كان عربيا، فالياء زائدة، من قولهم: ~~مدن بالمكان: إذا أقام به. # قوله تعالى: { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } قال الزجاج: البخس: النقص ~~والقلة؛ يقال: بخست أبخس؛ بالسين، وبخصت عينه، بالصاد لا غير. # { ولا تفسدوا في الأرض } أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها ~~الله بالأمر بالعدل، وإرسال الرسل. # قوله ms0691 تعالى: { إن كنتم مؤمنين } أي: مصدقين بما أخبرتكم عن الله. ### || [7.86] # قوله تعالى: { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: بكل طريق { توعدون } من آمن ~~بشعيب بالشر، وتخوفونهم بالعذاب والقتل. فان قيل: كيف أفرد الفعل، ~~وأخلاه من المفعول؛ فهلا قال: توعدون بكذا؟ فالجواب: أن العرب إذا ~~أخلت هذا الفعل من المفعول، لم يدل إلا على شر؛ يقولون: أوعدت فلانا. ~~وكذلك إذا أفردوا: وعدت من مفعول، لم يدل إلا على الخير. قال الفراء: ~~يقولون: وعدته خيرا، وأوعدته شرا؛ فاذا أسقطوا الخير والشر، قالوا: ~~وعدته: في الخير، وأوعدته: في الشر؛ فاذا جاؤوا بالباء، قالوا: وعدته ~~والشر. وقال الراجز: # أوعدني بالسجن والأداهم # قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: إذا أرادوا أن ~~يذكروا ما تهددوا به مع أوعدت، جاؤوا بالباء، فقالوا: أوعدته بالضرب، ~~ولا يقولون: أوعدته الضرب. قال السدي: كانوا عشارين. وقال ابن زيد: ~~كانوا يقطعون الطريق. # قوله تعالى: { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصرفون عن دين الله من آمن به. ~~{ وتبغونها عوجا } مفسر في [آل عمران: 99]. # قوله تعالى: { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } قال الزجاج: جائز أن ~~يكون المعنى: جعلكم أغنياء بعد أن كنتم فقراء؛ وجائز أن يكون: كثر ~~عددكم بعد أن كنتم قليلا، وجائز أن يكونوا غير ذوي مقدرة وأقدار، ~~فكثرهم. ### || [7.87-88] # قوله تعالى: { وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به طائفة لم يؤمنوا ~~} أي: إن أختلفتم في رسالتي، فصرتم فريقين، مصدقين ومكذبين { فاصبروا ~~حتى يحكم الله بيننا } بتعذيب المكذبين، وإنجاء المصدقين { وهو خير ~~الحاكمين } لأنه العدل الذي لا يجور. # قوله تعالى: { أو لتعودن في ملتنا } يعنون: ديننا، وهو الشرك. قال ~~الفراء: جعل في قوله: «لتعودن» لاما كجواب اليمين، وهو في معنى شرط، ~~ومثله في الكلام: والله لأضربنك أو تقر لي، فيكون معناه معنى: «إلا» ~~أو معنى: «حتى». { قال أو لو كنا كارهين } أي: أو تجبروننا على ملتكم إن ~~كرهناها؟! والألف للاستفهام. فان قيل: كيف قالوا: «لتعودن»، وشعيب لم يكن ~~في كفر قط، فيعود إليه؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنهم لما ms0692 جمعوا في الخطاب معه من كان كافرا، ثم آمن، خاطبوا ~~شعيبا بخطاب أتباعه، وغلبوا لفظهم على لفظه، لكثرتهم، وانفراده. # والثاني: أن المعنى: لتصيرن إلى ملتنا؛ فوقع العود على معنى ~~الابتداء، كما يقال: قد عاد علي من فلان مكروه، أي: قد لحقني منه ذلك؛ ~~وإن لم يكن سبق منه مكروه. قال الشاعر: # فان تكن الأيام أحسن مرة # إلي فقد عادت لهن ذنوب # وقد شرحنا هذا في قوله: # وإلى الله ترجع الأمور # في سورة [البقرة: 210]، وقد ذكر معنى الجوابين الزجاج، وابن الأنباري. ### || [7.89-93] # قوله تعالى: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم } وذلك أن ~~القوم كانوا يدعون أن الله أمرهم بما هم عليه، فلذلك سموه ملة. { ~~وما يكون لنا أن نعود فيها } أي: في الملة، { إلا أن يشاء الله } أي: إلا ~~أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها، { وسع ربنا كل شيء ~~علما } قال ابن عباس: يعلم ما يكون قبل أن يكون. # قوله تعالى: { على الله توكلنا } أي: فيما توعدتمونا به، وفي حراستنا عن ~~الضلال. { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } قال أبو عبيدة: احكم ~~بيننا، وأنشد: # ألا أبلغ بني عصم رسولا # بأني عن فتاحتكم غني # قال الفراء: وأهل عمان يسمون القاضي: الفاتح والفتاح. قال الزجاج: ~~وجائز أن يكون المعنى: أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وينكشف، فجائز أن ~~يكونوا سألوا بهذا نزول العذاب بقومهم ليظهر أن الحق معهم. # قوله تعالى: { كأن لم يغنوا فيها } فيه أربعة أقوال. # أحدها: كأن لم يعيشوا في دارهم، قاله ابن عباس، والأخفش. قال حاتم طيىء: # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى # فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة # غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر # قال الزجاج: معنى غنينا: عشنا. والتصعلك: الفقر، والعرب تقول للفقير: ~~الصعلوك. # والثاني: كأن لم يتنعموا فيها، قاله قتادة. # والثالث: كأن لم يكونوا فيها، قاله ابن زيد، ومقاتل. # والرابع: كأن لم ينزلوا فيها، قاله الزجاج. قال الأصمعي المغاني: ~~المنازل؛ يقال: غنينا بمكان كذا، أي: نزلنا به. وقال ms0693 ابن قتيبة: كأن لم ~~يقيموا فيها، ومعنى: غنينا بمكان كذا: أقمنا. قال ابن الأنباري: وإنما ~~كرر قوله: { الذين كذبوا شعيبا } للمبالغة في ذمهم؛ كما تقول أخوك الذي ~~أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا. # قوله تعالى: { فتولى عنهم } فيه قولان. # أحدهما: أعرض. والثاني: انصرف. { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي } ~~قال قتادة: أسمع شعيب قومه، وأسمع صالح قومه، كما أسمع نبيكم قومه يوم ~~بدر؛ يعني: أنه خاطبهم بعد الهلاك. { فكيف آسى } أي: أحزن. وقال ابن ~~اسحاق: أصاب شعيبا على قومه حزن شديد، ثم عاتب نفسه، فقال: كيف آسى على ~~قوم كافرين. ### || [7.94] # قوله تعالى: { وما أرسلنا في قرية } قال الزجاج: يقال لكل مدينة: قرية، ~~لاجتماع الناس فيها. وقال غيره: في الآية اختصار, تقديره: فكذبوه. { إلا ~~أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } وقد سبق تفسير البأساء والضراء في ~~[الأنعام: 42]، وتفسير التضرع في هذه السورة [الأعراف: 55]. ومقصود ~~الآية: إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بسنة الله في المكذبين، ~~وتهديد قريش. ### || [7.95-97] # قوله تعالى: { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } فيه قولان. # أحدهما: أن السيئة: الشدة؛ والحسنة: الرخاء، قاله ابن عباس. # والثاني: السيئة: الشر؛ والحسنة: الخير، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { حتى عفوا } قال ابن عباس: كثروا، وكثرت أموالهم. { ~~وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } فنحن مثلهم، يصيبنا ما أصابهم، ~~يعني: أنهم أرادوا أن هذا دأب الدهر، وليس بعقوبة. { فأخذناهم بغتة } أي: ~~فجأة بنزول العذاب { وهم لايشعرون } بنزوله، حتى أهلكهم الله. # قوله تعالى: { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } قال الزجاج: ~~المعنى: أتاهم الغيث من السماء، والنبات من الأرض، وجعل ذلك زاكيا ~~كثيرا. ### || [7.98-99] # قوله تعالى: { أو أمن أهل القرى } قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع: «أو ~~أمن أهل» باسكان الواو. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «أو ~~أمن» بتحريك الواو. وروى ورش عن نافع: «أوامن» يدغم الهمزة، ويلقي ~~حركتها على الساكن. ### || [7.100-101] # قوله تعالى: { أو لم يهد للذين } وقرأ يعقوب «نهد» بالنون، وكذلك في ~~[طه: 128] و[السجدة: 26]. قال الزجاج: من قرأ بالياء، فالمعنى: أو لم ~~يبين الله ms0694 لهم. ومن قرأ بالنون، فالمعنى: أو لم نبين. وقوله تعالى: { ~~ونطبع } ليس بمحمول على «أصبناهم»، لأنه لو حمل على «أصبناهم» لكان: ~~ولطبعنا. وإنما المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم. ويجوز أن يكون محمولا على ~~الماضي، ولفظه لفظ المستقبل، كما قال: { ان لو نشاء } ، والمعنى: لو ~~شئنا. وقال ابن الانباري: يجوز أن يكون معطوفا على: أصبنا، إذ كان بمعنى ~~نصيب؛ فوضع الماضي في موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال، كما قال: # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك # [الفرقان: 10] أي: إن يشأ، يدل عليه قوله: { ويجعل لك قصورا } ، قال ~~الشاعر: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا # مني، وما سمعوا من صالح دفنوا # أي: يدفنوا. # قوله تعالى: { فهم لا يسمعون } أي: لا يقبلون، ومنه: «سمع الله لمن ~~حمده»، قال الشاعر: # دعوت الله حتى خفت أن لا # يكون الله يسمع ما أقول # قوله تعالى: { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } فيه خمسة أقوال. # أحدها: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنهم ~~يكذبون به يوم أقروا به بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم، هذا قول ~~أبي بن كعب. # والثاني: فما كانوا ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ~~ميثاقهم حين أخرجهم من صلب آدم، فآمنوا كرها حيث أقروا بالألسن، وأضمروا ~~التكذيب، قاله ابن عباس، والسدي. # والثالث: فما كانوا لو رددناهم إلى الدنيا بعد موتهم ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل هلاكهم، هذا قول مجاهد. # والرابع: فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية، بل ~~شاركوهم في التكذيب، قاله يمان بن رباب. # والخامس: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا قبل ~~رؤيتها. ### || [7.102] # قوله تعالى: { وما وجدنا لأكثرهم } قال مجاهد: يعني: القرون الماضية. { ~~من عهد } قال أبو عبيدة: أي: وفاء. قال ابن عباس: يريد: الوفاء بالعهد ~~الذي عاهدهم حين أخرجهم من صلب آدم. وقال الحسن: العهد هاهنا: ما عهده ~~إليهم مع الأنبياء أن لا يشركوا به شيئا. # قوله تعالى: { وإن وجدنا } قال ms0695 أبو عبيدة: وما وجدنا أكثرهم إلا ~~الفاسقين. ### || [7.103-107] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم } يعني: الأنبياء المذكورين. # قوله تعالى: { فظلموا بها } قال ابن عباس: فكذبوا بها. وقال غيره: ~~فجحدوا بها. # قوله تعالى: { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } «على» بمعنى ~~الباء قال الفراء: العرب تجعل الباء في موضع «على»؛ تقول: رميت بالقوس، ~~وعلى القوس، وجئت بحال حسنة، وعلى حال حسنة. وقال أبو عبيدة: «حقيق» ~~بمعنى: حريص. وقرأ نافع، وأبان عن عاصم: «حقيق علي» بتشديد الياء ~~وفتحها، على الاضافة. والمعنى: واجب علي. # قوله تعالى: { قد جئتكم ببينة } قال ابن عباس: يعني: العصا. { فأرسل معي ~~بني إسرائيل } أي: أطلق عنهم؛ وكان قد استخدمهم في الأعمال الشاقة. { ~~فاذا هي ثعبان مبين } قال أبو عبيدة: أي: حية ظاهرة. قال الفراء: الثعبان ~~أعظم الحيات، وهو الذكر. وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس: الثعبان: الحية ~~الذكر. ### || [7.108-122] # قوله تعالى: { ونزع يده } قال ابن عباس: أدخل يده في جيبه، ثم أخرجها، ~~فاذا هي تبرق مثل البرق، لها شعاع غلب نور الشمس، فخروا على وجوههم؛ ثم ~~أدخلها جيبه فصارت كما كانت. قال مجاهد: بيضاء من غير برص. # قوله تعالى: { فماذا تأمرون } قال ابن عباس: ما الذي تشيرون به علي؟ ~~وهذا يدل على أنه من قول فرعون، وأن كلام الملأ انقطع عند قوله: { من ~~أرضكم }. قال الزجاج: يجوز أن يكون من قول الملأ، كأنهم خاطبوا فرعون ~~ومن يخصه، أو خاطبوه وحده، لأنه قد يقال للرئيس المطاع: ماذا ترون؟. # قوله تعالى: { أرجئه } قرأ ابن كثير «أرجهؤ» مهموز بواو بعد الهاء ~~في اللفظ. وقرأ أبو عمرو مثله، غير أنه يضم الهاء ضمة، من غير أن يبلغ ~~بها الواو؛ وكانا يهمزان # مرجؤن # [التوبة: 106] و # ترجىء # [الأحزاب: 51]. # وقرأ قالون والمسيبي عن نافع «أرجه» بكسر الهاء، ولا يبلغ بها الياء، ~~ولا يهمز. وروى عنه ورش: «أرجهي» يصلها بياء، ولا يهمز بين الجيم والهاء. ~~وكذلك قال إسماعيل بن جعفر عن نافع؛ وهي قراءة الكسائي. وقرأ حمزة: ~~«أرجه» ساكنة الهاء غير مهموز، وكذلك ms0696 قرأ عاصم في غير رواية المفضل، وقد ~~روى عنه المفضل كسر الهاء من غير إشباع ولا همز، وهي قراءة أبي جعفر، ~~وكذلك اختلافهم في سورة [الشعراء: 36]. قال ابن قتيبة: أرجه: أخره؛ ~~وقد يهمز، يقال: أرجأت الشيء، وأرجيته. ومنه قوله: # ترجي من تشاء منهن # [الأحزاب: 51]. قال الفراء: بنو أسد تقول: أرجيت الأمر، بغير همز، وكذلك ~~عامة قيس؛ وبعض بني تميم يقولون: أرجأت الأمر، بالهمز، والقراء مولعون ~~بهمزها، وترك الهمز أجود. # قوله تعالى: { وأرسل في المدائن } يعني: مدائن مصر، { حاشرين } أي: من ~~يحشر السحرة إليك ويجمعهم. وقال ابن عباس: هم الشرط. # قوله تعالى: { يأتوك بكل ساحر } قرأ ابن كثير، ونافع، وابو عمرو، وعاصم ~~وابن عامر: { ساحر } ، وفي [يونس: 97] # بكل ساحر # ؛ وقرأ حمزة، والكسائي: «سحار» في الموضعين؛ ولا خلاف في [الشعراء: ~~37] # سحار # قوله تعالى: { إن لنا لأجرا } قرأ ابن كثير، ونافع، وحفص عن عاصم: { إن ~~لنا لأجرا } مكسورة الألف على الخبر، وفي [الشعراء: 41] # آين # ممدودة مفتوحة الألف، غير أن حفصا روى عن عاصم في [الشعراء: 41] # أإن # بهمزتين. وقرأ أبو عمرو: { آين لنا } ممدودة في السورتين. وقرأ ابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بهمزتين في الموضعين. قال أبو ~~علي: الاستفهام أشبه بهذا الموضع، لأنهم لم يقطعوا على أن لهم الأجر، ~~وإنما استفهموا عنه. # قوله تعالى: { وإنكم لمن المقربين } أي: ولكم مع الأجر المنزلة الرفيعة ~~عندي. # قوله تعالى: { سحروا أعين الناس } قال أبو عبيدة: عشوا أعين الناس ~~وأخذوها. { واسترهبوهم } أي: خوفوهم. # وقال الزجاج: استدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس. # قوله تعالى: { فاذا هي تلقف } وقرأ عاصم: { تلقف } ساكنة اللام خفيفة ~~القاف هاهنا وفي [طه: 69]، و[الشعراء: 45]. وروى البزي، وابن فليح عن ~~ابن كثير: { تلقف } بتشديد التاء قال الفراء: يقال: لقفت الشيء، فأنا ~~ألقفه لقفا ولقفانا؛ والمعنى: تبتلع. # قوله تعالى: { ما يأفكون } أي: يكذبون، لأنهم زعموا أنها حيات. # قوله تعالى: { فوقع الحق } قال ابن عباس: استبان. { وبطل ما كانوا ~~يعملون } من السحر. # الإشارة إلى قصتهم # اختلفوا في عدد السحرة على ثلاثة عشر قولا. # أحدها: اثنان وسبعون، ms0697 رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: اثنان وسبعون ألفا، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مقاتل. # والثالث: سبعون، روي عن ابن عباس أيضا. # والرابع: اثنا عشر ألفا، قاله كعب. # والخامس: سبعون ألفا، قاله عطاء، وكذلك قال وهب في رواية، ألا أنه قال: ~~فاختار منهم سبعة آلاف. # والسادس: سبعمائة، وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب أنه قال: ~~كان عدد السحرة الذين عارضوا موسى سبعين ألفا متخيرين من سبعمائة ألف، ~~ثم إن فرعون اختار من السبعين الألف سبعمائة. # والسابع: خمسة وعشرون ألفا، قاله الحسن. # والثامن: تسعمائة، قاله عكرمة. # والتاسع: ثمانون ألفا، قاله محمد بن المنكدر. # والعاشر: بضعة وثلاثون ألفا، قاله السدي. # والحادي عشر: خمسة عشر ألفا، قاله ابن اسحاق. # والثاني عشر: تسعة عشر ألفا، رواه أبو سليمان الدمشقي. # والثالث عشر: أربع مائة، حكاه الثعلبي. فأما أسماء رؤسائهم، فقال ابن ~~اسحاق: رؤوس السحرة ساتور، وعاذور، وحطحط، ومصفى، وهم الذين آمنوا، ~~كذا حكاه ابن ماكولا. ورأيت عن غير ابن اسحاق: سابورا، وعازورا. وقال ~~مقاتل: اسم أكبرهم شمعون. قال ابن عباس: ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا ~~طوالا، فكانت ميلا في ميل، فألقى موسى عصاه، فاذا هي أعظم من حبالهم ~~وعصيهم، قد سدت الأفق، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فابتلعت ما ألقوا من ~~حبالهم وعصيهم، وجعلت تأكل جميع ما قدرت عليه من صخرة أو شجرة، والناس ~~ينظرون، وفرعون يضحك تجلدا، فأقبلت الحية نحو فرعون، فصاح: يا موسى، ~~يا موسى، فأخذها موسى، وعرفت السحرة أن هذا من السماء، وليس هذا بسحر، ~~فخروا سجدا، وقالوا: آمنا برب العالمين، فقال فرعون: إياي تعنون، ~~فقالوا: رب موسى وهارون، فأصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء. وقال وهب بن ~~منبه: لما صارت ثعبانا حملت على الناس فانهزموا منها، فقتل بعضهم بعضا، ~~فمات منهم خمسة وعشرون ألفا. وقال السدي: لقي موسى أمير السحرة، فقال: ~~أرأيت إن غلبتك غدا، أتؤمن بي؟ فقال الساحر: لآتين غدا بسحر لا يغلبه ~~السحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك. فان قيل: كيف جاز أن يأمرهم موسى ~~بالإلقاء، ms0698 وفعل السحر كفر؟ فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: أن مضمون أمره: إن ~~كنتم محقين فألقوا. والثاني: ألقوا على ما يصح، لا على ما يفسد ويستحيل، ~~ذكرهما الماوردي. والثالث: إنما أمرهم بالإلقاء لتكون معجزته أظهر، لأنهم ~~إذا ألقوا، ألقى عصاه فابتلعت ذلك، ذكره الواحدي. فان قيل: كيف قال: { ~~وألقي السحرة ساجدين } وإنما سجدوا باختيارهم؟ فالجواب: أنه لما زالت كل ~~شبهة بما أظهر الله تعالى من أمره، اضطرهم عظيم ما عاينوا إلى مبادرة ~~السجود، فصاروا مفعولين في الإلقاء تصحيحا وتعظيما لشأن ما رأوا من ~~الآيات، ذكره ابن الأنباري. قال ابن عباس: لما آمنت السحرة، اتبع موسى ~~ستمائة ألف من بني إسرائيل. ### || [7.123-125] # قوله تعالى: { آمنتم به } قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو: «ءآمنتم به» ~~بهمزة ومدة على الاستفهام. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~«أآمنتم به» فاستفهموا بهمزتين، الثانية ممدودة. وقرأ حفص عن عاصم: ~~«آمنتم به» على الخبر. وروى ابن الإخريط عن ابن كثير: «قال فرعون وأمنتم ~~به» فقلب همزة الاستفهام واوا، وجعل الثانية ملينة بين بين. وروى قنبل ~~عن القواس مثل رواية ابن الإخريط، غير أنه كان يهمز بعد الواو. وقال أبو ~~علي: همز بعد الواو لأن هذه الواو منقلبة عن همزة الاستفهام، وبعد همزة ~~الاستفهام همزة { أفعلتم } فحققها ولم يخففها. # قوله تعالى: { إن هذا لمكر مكرتموه } قال ابن السائب: لصنيع صنعتموه ~~فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر ~~فتخرجوا منها أهلها { فسوف تعلمون } عاقبة ما صنعتم، { لأقطعن أيديكم ~~أرجلكم من خلاف } وهو قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى. قال ابن عباس: ~~أول من فعل ذلك، وأول من صلب، فرعون. ### || [7.126-128] # قوله تعالى: { وما تنقم منا } أي: وما تكره منا شيئا، ولا تعطن علينا ~~إلا لأنا آمنا. { ربنا أفرغ علينا صبرا } قال مجاهد: على القطع والصلب ~~حتى لا نرجع كفارا { وتوفنا مسلمين } أي: مخلصين: على دين موسى. # قوله تعالى: { وأنذر موسى وقومه } هذا إغراء من الملأ لفرعون. وفيما ~~أرادوا بالفساد في الأرض قولان. أحدهما: قتل ms0699 أبناء القبط، واستحياء ~~نسائهم، كما فعلوا ببني اسرائيل، قاله مقاتل. والثاني: دعاؤهم الناس إلى ~~مخالفة فرعون وترك عبادته. # قوله تعالى: { ويذرك } جمهور القراء على نصب الراء؛ وقرأ الحسن برفعها. ~~قال الزجاج: من نصب «ويذرك» نصبه على جواب الاستفهام بالواو؛ والمعنى: ~~أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك؟ ومن رفعه جعله مستأنفا، فيكون المعنى: ~~أتذر موسى وقومه، وهو يذرك وآلهتك؟ والأجود أن يكون معطوفا على «أتذر» ~~فيكون المعنى: أتذر موسى، وأيذرك موسى؟ أي أتطلق له هذا؟. # قوله تعالى: { وآلهتك } قال ابن عباس: كان فرعون قد صنع لقومه أصناما ~~صغارا، وأمرهم بعبادتها، وقال أنا ربكم ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. وقال غيره: كان قومه يعبدون تلك الأصنام تقربا إليه. ~~وقال الحسن: كان يعبد تيسا في السر. وقيل: كان يعبد البقر سرا. وقيل: ~~كان يجعل في عنقه شيئا يعبده. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد ~~بن جبير، ومجاهد، وأبو العالية، وابن محيصن: «والإهتك» بكسر الهمزة ~~وقصرها وفتح اللام وبألف بعدها. قال الزجاج: المعنى: ويذرك وربوبيتك. ~~وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الإلاهة: العبادة؛ فالمعنى: ويذرك ~~وعبادة الناس إياك، قال ابن قتيبة: من قرأ: { وإلاهتك } أراد ويذرك ~~والشمس التي تعبد، وقد كان في العرب قوم يعبدون الشمس ويسمونها آلهة. ~~قال الأعشى: # فما أذكر الرهب حتى انقلبت # قبيل الإلهة منها قريبا # يعني: الشمس. والرهب: ناقته. يقول: اشتغلت بهذه المرأة عن ناقتي إلى هذا ~~الوقت. # قوله تعالى: { سنقتل أبناءهم } قرأ أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: { سنقتل } و # يقتلون ابناءكم # [الأعراف: 141] بالتشديد، وخففهما نافع. وقرأ ابن كثير: { سنقتل } ~~خفيفة، { ويقتلون } مشددة، وإنما عدل عن قتل موسى إلى قتل الأبناء ~~لعلمه أنه لا يقدر عليه. { وإنا فوقهم قاهرون } أي: عالون بالملك ~~والسلطان. فشكا بنو إسرائيل إعادة القتل على أبنائهم، فقال موسى: { ~~استعينوا بالله واصبروا } على ما يفعل بكم { إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده }. وقرأ الحسن، وهبيرة عن حفص عن عاصم: «يورثها» ~~بالتشديد. فأطمعهم موسى أن يعطيهم الله أرض فرعون ms0700 وقومه بعد إهلاكهم. # قوله تعالى: { والعاقبة للمتقين } فيها قولان. أحدهما: الجنة. والثاني: ~~النصر والظفر. ### || [7.129-130] # قوله تعالى: { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } في هذا ~~الأذى ستة أقوال. # أحدها: أن الأذى الأول والثاني أخذ الجزية، قاله الحسن. # والثاني: أن الأول: ذبح الأبناء، والثاني: إدراك فرعون يوم طلبهم، قاله ~~السدي. # والثالث: أن الأول أنهم كانوا يسخرون في الأعمال إلى نصف النهار، ~~ويرسلون في بقيته يكتسبون، والثاني تسخيرهم جميع النهار بلا طعام ولا ~~شراب، قاله جويبر. # والرابع: أن الأول تسخيرهم في ضرب اللبن، وكانوا يعطونهم التبن الذي ~~يخلطونه في الطين؛ والثاني: أنهم كلفوا ضرب اللبن وجعل التبن ~~عليهم، قاله ابن السائب. # والخامس: أن الأول: قتل الأبناء واستحياء البنات، والثاني: تكليف فرعون ~~إياهم مالا يطيقونه، قاله مقاتل. # والسادس: أن الأول: استخدامهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم، والثاني: ~~إعادة ذلك العذاب. # وفي قوله: { من قبل أن تأتينا } قولان. # أحدهما: تأتينا بالرسالة، ومن بعد ما جئنا بها، قاله ابن عباس. # والثاني: تأتينا بعهد الله أنه سيخلصنا، ومن بعد ما جئتنا به، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: { عسى ربكم أن يهلك عدوكم } قال الزجاج: عسى: طمع وإشفاق، ~~إلا أن ما يطمع الله فيه فهو واجب. # قوله تعالى: { ويستخلفكم في الأرض } في هذا الاستخلاف قولان. # أحدهما: أنه استخلاف من فرعون وقومه. والثاني: استخلاف عن الله تعالى، ~~لأن المؤمنين خلفاء الله في أرضه. وفي الأرض قولان. # أحدهما: أرض مصر، قاله ابن عباس. والثاني: أرض الشام، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { فينظر كيف تعملون } قال الزجاج: أي: يراه بوقوعه منكم، ~~لأنه إنما يجازيهم على ما وقع منهم، لا على ما علم أنه سيقع. # قوله تعالى: { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين } قال أبو عبيدة: مجازه: ~~ابتليناهم بالجدوب. وآل فرعون: أهل دينه وقومه. وقال مقاتل: هم أهل مصر. ~~قال الفراء: «بالسنين» أي: بالقحط والجدوب عاما بعد عام. وقال الزجاج: ~~السنون في كلام العرب: الجدوب، يقال: مستهم السنة، ومعناه: جدب ~~السنة، وشدة السنة. وإنما أخذهم بالضراء، لأن أحوال الشدة، ترق ~~القلوب، ms0701 وترغب فيما عند الله وفي الرجوع اليه، قال قتادة: أما السنون، ~~فكانت في بواديهم ومواشيهم، وأما نقص الثمرات، فكان في أمصارهم وقراهم. ~~وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يبس لهم كل شيء، وذهبت مواشيهم، حتى يبس ~~نيل مصر، فاجتمعوا إلى فرعون فقالوا له: إن كنت ربا كما تزعم فاملأ لنا ~~نيل مصر، فقال: غدوة يصبحكم الماء، فلما خرجوا من عنده، قال: أي ~~شيء صنعت؟ أنا أقدر أن أجيء بالماء في نيل مصر غدوة أصبح، فيكذبوني؟! ~~فلما كان جوف الليل، اغتسل، ثم لبس مدرعة من صوف، ثم خرج حافيا حتى اتى ~~بطن نيل مصر فقام في بطنه، فقال: اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر أن ~~تملأ نيل مصر ماء، فاملأه، فما علم إلا بخرير الماء لما أراد الله به من ~~الهلكة. قلت: وهذا الحديث بعيد الصحة، لأن الرجل كان دهريا لا يثبت ~~إلها، ولو صح، كان إقراره بذلك كاقرار ابليس، وتبقى مخالفته عنادا. ### || [7.131] # قوله تعالى: { فاذا جاءتهم الحسنة } وهي: الغيث والخصب وسعة الرزق ~~والسلامة { قالوا لنا هذه } أي: نحن مستحقوها على ما جرى لنا من العادة ~~في سعة الرزق، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه. { وإن تصبهم سيئة } ~~وهي القحط والجدب والبلاء { يطيروا بموسى ومن معه } أي: يتشاءموا بهم. ~~وكانت العرب تزجر الطير، فتتشاءم بالبارح، وهو الذي يأتي من جهة الشمال، ~~وتتبرك بالسانح، وهو الذي يأتي من جهة اليمين. # قوله تعالى: { ألا إنما طائرهم عند الله } قال أبو عبيدة: «ألا» تنبيه ~~وتوكيد ومجاز. { طائرهم } حظهم ونصيبهم وقال ابن عباس: { ألا إنما طائرهم ~~عند الله } أي: إن الذي أصابهم من الله. وقال الزجاج: المعنى: ألا إن ~~الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة، لا ما ينالهم في الدنيا. ### || [7.132-133] # قوله تعالى: { وقالوا مهما } قال الزجاج: زعم النحويون أن أصل { مهما } ~~ماما، ولكن أبدل من الألف الأولى الهاء ليختلف اللفظ، ف «ما» الأولى هي: ~~«ما» الجزاء، و«ما» الثانية، هي: التي تزاد تأكيدا للجزاء، ودليل ~~النحويين على ذلك: أنه ms0702 ليس شيء من حروف الجزاء إلا و«ما» تزاد، فيه, قال ~~الله تعالى: # فاما تثقفنهم # [الأنفال: 57] كقولك: إن تثقفنهم، وقال: # وإما تعرضن عنهم # [الاسراء: 28] وتكون «ما» الثانية للشرط والجزاء، والتفسير الأول: هو ~~الكلام، وعليه استعمال الناس. قال ابن الأنباري: فعلى قول من قال: إن ~~معنى «مه» الكف، يحسن الوقف على «مه»، والاختيار أن لا يوقف عليها دون ~~«ما» لأنها في المصحف حرف واحد. وفي الطوفان ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الماء. قال ابن عباس: أرسل عليهم مطر دائم الليل والنهار ~~ثمانية أيام، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، وأبو ~~مالك، ومقاتل، واختاره الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أنه الموت، روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وبه قال مجاهد، وعطاء، ووهب بن منبه، وابن كثير. # والثالث: أنه الطاعون، نقل عن مجاهد، ووهب أيضا. وفي القمل سبعة ~~أقوال. # أحدها: أنه السوس الذي يقع في الحنطة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، ~~وقال به. # والثاني: أنه الدبى، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء. ~~وقال قتادة: القمل: أولاد الجراد. وقال ابن فارس: الدبى: الجراد إذا ~~تحرك قبل أن تنبت أجنحته. # والثالث: أنه دواب سود صغار، قاله الحسن، وسعيد بن جبير. وقيل: هذه ~~الدواب: هي السوس. # والرابع: أنه الجعلان، قاله حبيب بن أبي ثابت. # والخامس: أنه القمل، ذكره عطاء الخراساني، وزيد بن أسلم. # والسادس: أنه البراغيث، حكاه ابن زيد. # والسابع: أنه الحمنان، واحدتها: حمنانة، وهي ضرب من القردان، قاله ~~أبو عبيدة. وقرأ الحسن، وعكرمة، وابن يعمر: «القمل» برفع القاف وسكون ~~الميم. # وفي الدم قولان. أحدهما: أن ماءهم صار دما، قاله الجمهور. والثاني: أنه ~~رعاف أصابهم، قاله زيد بن اسلم. # الإشارة إلى شرح القصة # قال ابن عباس: جاءهم الطوفان، فكان الرجل لا يقدر ان يخرج إلى ضيعته، ~~حتى خافوا الغرق، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشفه عنا، ونؤمن بك، ~~ونرسل معك بني إسرائيل؛ فدعا لهم، فكشفه الله عنهم، وأنبت لهم شيئا لم ~~ينبته قبل ذلك، فقالوا: ms0703 هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل ~~ما أنبتت الأرض، فقالوا: ادع لنا ربك، فدعا، فكشف الله عنهم، فأحرزوا ~~زروعهم في البيوت، فأرسل الله عليهم القمل، فكان الرجل يخرج بطحين ~~عشرة أجربة إلى الرحى، فلا يرى منها ثلاثة أقفزة، فسألوه، فدعا لهم، ~~فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، ولم يكن شيء أشد ~~منها، كانت تجيء إلى القدور وهي تغلي وتفور، فتلقي أنفسها فيها، فتفسد ~~طعامهم وتطفىء نيرانهم، وكانت الضفادع برية، فأورثها الله تعالى برد ~~الماء والثرى إلى يوم القيامة، فسألوه، فدعا لهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله ~~عليهم الدم، فجرت أنهارهم وقلبهم دما، فلم يقدروا على الماء العذب، ~~وبنو إسرائيل في الماء العذب، فاذا دخل الرجل منهم يستقي من أنهار بني ~~اسرائيل صار ما دخل فيه دما، والماء من بين يديه ومن خلفه صاف عذب لا ~~يقدر عليه، فقال فرعون: أقسم بالهي يا موسى لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن ~~لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا موسى، فذهب الدم، وعذب ماؤهم، ~~فقالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل. # قوله تعالى: { آيات مفصلات } قال ابن قتيبة: بين الآية والآية فصل. ~~قال المفسرون: كانت الآية تمكث من السبت إلى السبت، ثم يبقون عقيب رفعها ~~شهرا في عافية، ثم تأتي الآية الأخرى. قال وهب بن منبه: بين كل آيتين ~~أربعون يوما. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعدما ~~غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات، الجراد والقمل والضفادع والدم. # وفي قوله: { فاستكبروا } قولان. أحدهما: عن الإيمان. والثاني: عن ~~الانزجار. ### || [7.134-136] # قوله تعالى: { ولما وقع عليهم الرجز } أي: نزل بهم العذاب. وفي هذا ~~العذاب قولان. # أحدهما: أنه طاعون أهلك منهم سبعين ألفا، قاله ابن عباس، وسعيد بن ~~جبير. # والثاني: أنه العذاب الذي سلطه الله عليهم من الجراد والقمل وغير ~~ذلك، قاله ابن زيد. قال الزجاج: «الرجز»: العذاب، أو العمل الذي يؤدي إلى ~~العذاب. ومعنى الرجز في العذاب: أنه المقلقل لشدته قلقلة شديدة متتابعة. ~~وأصل الرجز ms0704 في اللغة: تتابع الحركات، فمن ذلك قولهم: ناقة رجزاء، إذا ~~كانت ترتعد قوائمها عند قيامها. ومنه رجز الشعر، لأنه أقصر أبيات الشعر، ~~والانتقال من بيت إلى بيت، سريع، نحو قوله: # يا ليتني فيها جذع # أخب فيها وأضع # وزعم الخليل أن الرجز ليس بشعر، وإنما هو أنصاف أبيات وأثلاث. # قوله تعالى: { بما عهد عندك } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أن معناه: بما أوصاك أن تدعوه به. والثاني: بما تقدم به إليك أن ~~تدعوه فيجيبك. والثالث: بما عهد عندك في كشف العذاب عمن آمن. والرابع: أن ~~ذلك منهم على معنى القسم، كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن يدعو لهم. # قوله تعالى: { إلى أجل هم بالغوه } أي: إلى وقت غرقهم. { إذا هم ينكثون ~~} أي: ينقضون العهد. # قوله تعالى: { فانتقمنا منهم } قال أبو سليمان الدمشقي: انتصرنا منهم ~~باحلال نقمتنا بهم، وتلك النقمة تغريقنا إياهم في اليم. قال ابن قتيبة: ~~اليم: البحر بالسريانية. # قوله تعالى: { وكانوا عنها غافلين } فيه قولان. # أحدهما: عن الآيات، وغفلتهم: تركهم الاعتبار بها. والثاني: عن النقمة. ### || [7.137-138] # قوله تعالى: { وأورثنا القوم } يعني بني إسرائيل. { الذين كانوا ~~يستضعفون } أي: يستذلون بذبح الأبناء، واستخدام النساء، وتسخير ~~الرجال. { مشارق الأرض ومغاربها } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: مشارق الشام ومغاربها، قاله الحسن. # والثاني: مشارق أرض الشام ومصر. # والثالث: أنه على إطلاقه في شرق الأرض وغربها. # قوله تعالى: { التي باركنا فيها } قال ابن عباس: بالماء والشجر. # قوله تعالى: { وتمت كلمة ربك الحسنى } وهي وعد الله لبني إسرائيل باهلاك ~~عدوهم، واستخلافهم في الأرض، وذلك في قوله: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض # [القصص: 5] وقد بينا علة تسمية ذلك كله في [آل عمران: 146]. # قوله تعالى: { بما صبروا } فيه قولان. # أحدهما: على طاعة الله تعالى. والثاني: على أذى فرعون. # قوله تعالى: { ودمرنا } أي: أهلكنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } من ~~العمارات والمزارع، والدمار: الهلاك. { وما كانوا يعرشون } أي: يبنون. ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: { ~~يعرشون } بكسر الراء هاهنا وفي [النحل: 68]. وقرأ ابن ms0705 عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم: بضم الراء فيهما. وقرأ ابن أبي عبلة: «يعرشون» بالتشديد. قال ~~الزجاج: يقال: عرش يعرش ويعرش: إذا بنى. # قوله تعالى: { يعكفون } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر، ويعقوب: «يعكفون» بضم الكاف. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل: ~~بكسر الكاف وقرأ ابن أبي عبلة: بضم الياء وتشديد الكاف. قال الزجاج: ~~ومعنى { يعكفون على اصنام لهم }: يواظبون عليها ويلازمونها، يقال: لكل من ~~لزم شيئا وواظب عليه: عكف يعكف ويعكف. قال قتادة: كان أولئك ~~القوم نزولا بالرقة، وكانوا من لخم. وقال غيره: كانت أصنامهم تماثيل ~~البقر. وهذا إخبار عن عظيم جهلهم حيث توهموا جواز عبادة غير الله بعدما ~~رأوا الآيات. ### || [7.139] # قوله تعالى: { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } قال ابن قتيبة: مهلك. ~~والتبار: الهلاك. ### || [7.140] # قوله تعالى: { قال أغير الله أبغيكم إلها } أي: أطلب لكم، وهذا استفهام ~~إنكار. قال المفسرون، منهم ابن عباس، ومجاهد: العالمون هاهنا: عالمو ~~زمانهم. ### || [7.141] # قوله تعالى: { وإذ أنجيناكم } قرأ ابن عامر: «وإذ أنجاكم» على لفظ ~~الغائب المفرد. ### || [7.142] # قوله تعالى: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } المعنى: وعدناه انقضاء ~~الثلاثين ليلة. قال ابن عباس: قال موسى لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة، ~~فلما فصل إلى ربه زاده عشرا، فكانت فتنتهم في ذلك العشر. فان قيل: لم ~~زيد هذا العشر؟ فالجواب: أن ابن عباس قال: صام تلك الثلاثين ليلهن ~~ونهارهن، فلما انسلخ الشهر، كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، ~~فتناول شيئا من نبات الأرض فمضغه، فأوحى الله تعالى إليه: لا كلمتك حتى ~~يعود فوك على ما كان عليه، أما علمت أن رائحة فم الصائم أحب إلي من ريح ~~المسك؟ وأمره بصيام عشرة أيام. وقال أبو العالية: مكث موسى على الطور ~~أربعين ليلة. فبلغنا أنه لم يحدث حتى هبط منه. # فان قيل: ما معنى { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } وقد علم ذلك عند ~~انضمام العشر إلى الثلاثين؟!. # فالجواب من وجوه: أحدها: أنه للتأكيد. والثاني: ليدل أن العشر، ليال، ~~لا ساعات. والثالث: لينفي تمام ms0706 الثلاثين بالعشر أن تكون من جملة ~~الثلاثين، لأنه يجوز أن يسبق إلى الوهم أنها كانت عشرين ليلة فأتمت بعشر ~~وقد بينا في سورة [البقرة: 51] لماذا كان هذا الوعد. # قوله تعالى: { وأصلح } قال ابن عباس: مرهم بالإصلاح. وقال مقاتل: ~~ارفق. ### || [7.143-144] # قوله تعالى: { ولما جاء موسى لميقاتنا } قال الزجاج: أي: للوقت الذي ~~وقتنا له. { وكلمه ربه } أسمعه كلامه، ولم يكن فيما بينه وبين الله ~~عز وجل فيما سمع أحد. { قال رب أرني أنظر إليك } أي: أرني نفسك. # قوله تعالى: { قال لن تراني } تعلق بهذا نفاة الرؤية وقالوا: «لن» لنفي ~~الأبد، وذلك غلط، لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله: # ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم # [البقرة: 95] ثم أخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله: # يا مالك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77] ولأن ابن عباس قال في تفسيرها: لن تراني في الدنيا. وقال ~~غيره: هذا جواب لقول موسى: «أرني» ولم يرد: أرني في الآخرة، وإنما أراد ~~في الدنيا، فأجيب عما سأل. وقال بعضهم: لن تراني بسؤالك. وفي هذه الآية ~~دلالة على جواز الرؤية، لأن موسى مع علمه بالله تعالى، سألها، ولو كانت ~~مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك، لأن ~~معرفة الأنبياء بالله ليس فيها نقص، ولأن الله تعالى لم ينكر عليه ~~المسألة وإنما منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه لقال: «لا أرى»، ألا ~~ترى أن نوحا لما قال: # إن ابني من أهلي # [هود: 45] أنكر عليه بقوله: # إنه ليس من أهلك # [هود: 46]. ومما يدل على جواز الرؤية أنه علقها باستقرار الجبل، وذلك ~~جائز غير مستحيل، فدل على أنها جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما ~~استحال علقه بمستحيل فقال: # حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: 40]. # قوله تعالى: { فان استقر مكانه } أي: ثبت ولم يتضعضع. # قوله تعالى: { فلما تجلى ربه } قال الزجاج: ظهر، وبان. { جعله ~~دكا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «دكا» منونة ~~مقصورة هاهنا وفي [الكهف: 98]. وقرأ عاصم: «دكا» ها ms0707 هنا منونة ~~مقصورة، وفي [الكهف: 98]: «دكاء» ممدودة غير منونة. وقرأ حمزة، والكسائي: ~~«دكاء» ممدودة غير منونة في الموضعين. قال أبو عبيدة: { جعله دكا } أي: ~~مندكا، والدك: المستوي؛ والمعنى: مستويا مع وجه الأرض، يقال: ناقة ~~دكاء، أي: ذاهبة السنام مستو ظهرها. قال ابن قتيبة: كأن سنامها دك، ~~أي: التصق، قال: ويقال: إن أصل دككت: دققت، فأبدلت القاف كافا لتقارب ~~المخرجين. وقال أنس بن مالك في قوله: «جعله دكا»: ساخ الجبل. قال ابن ~~عباس: واسم الجبل: زبير، وهو أعظم جبل بمدين، وإن الجبال تطاولت ليتجلى ~~لها، وتواضع زبير فتجلى له. # قوله تعالى: { وخر موسى صعقا } فيه قولان. # أحدهما: مغشيا عليه، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. # والثاني: ميتا، قاله قتادة، ومقاتل. والأول أصح، لقوله: { فلما أفاق } ~~وذلك لا يقال للميت. وقيل: بقي في غشيته يوما وليلة. # قوله تعالى: { سبحانك تبت إليك } فيما تاب منه ثلاثة أقوال. # أحدها: سؤاله الرؤية، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: من الإقدام على ~~المسألة قبل الإذن فيها. والثالث: اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا. # وفي قوله: { وأنا أول المؤمنين } قولان. أحدهما: أنك لن ترى في الدنيا، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أول المؤمنين من بني إسرائيل، رواه عكرمة عن ابن عباس. # قوله تعالى: { إني اصطفيتك } فتح ياء «إني» ابن كثير، وأبو عمرو. وقرأ ~~ابن كثير، ونافع: «برسالتي». قال الزجاج: المعنى: اتخذتك صفوة على الناس ~~برسالاتي وبكلامي، ولو كان إنما سمع كلام غير الله لما قال: «برسالاتي ~~وبكلامي» لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله. ### || [7.145] # قوله تعالى: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } في ماهية الألواح سبعة ~~أقوال. # أحدها: أنها زبرجد، قاله ابن عباس. # والثاني: ياقوت، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: زمرد أخضر، قاله مجاهد. # والرابع: برد، قاله أبو العالية. # والخامس: خشب، قاله الحسن. # والسادس: صخر، قاله وهب بن منبه. # والسابع: زمرد وياقوت، قاله مقاتل. # وفي عددها أربعة أقوال. # أحدها: سبعة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: لوحان، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ms0708 واختاره الفراء. قال: وإنما ~~سماها الله تعالى ألواحا، على مذهب العرب في إيقاع الجمع على التثنية، ~~كقوله: # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78] يريد: داود وسليمان، وقوله: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. # والثالث: عشرة، قاله وهب. # والرابع: تسعة، قاله مقاتل. # وفي قوله: { من كل شيء } قولان. أحدهما: من كل شيء يحتاج إليه في دينه ~~من الحلال والحرام والواجب وغيره. والثاني: من الحكم والعبر. # قوله تعالى: { موعظة } أي: نهيا عن الجهل. { وتفصيلا } أي: تبيينا ~~لكل شيء من الأمر والنهي والحدود والأحكام. # قوله تعالى: { فخذها بقوة } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: بجد وحزم، قاله ابن عباس. # والثاني: بطاعة، قاله أبو العالية. # والثالث: بشكر، قاله جويبر. # قوله تعالى: { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } إن قيل: كأن فيها ما ليس ~~بحسن؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن المعنى: يأخذوا بحسنها، وكلها حسن، قاله قطرب. وقال ابن ~~الأنباري: ناب «أحسن» عن «حسن» كما قال الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # أي: عزيزة طويلة. وقال غيره: «الأحسن» هاهنا صلة، والمعنى: يأخذوا بها. # والثاني: أن بعض ما فيها أحسن من بعض. ثم في ذلك خمسة أقوال. # أحدها: أنهم أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر، ففعل الخير هو ~~الأحسن. # والثاني: أنها اشتملت على أشياء حسنة بعضها أحسن من بعض، كالقصاص والعفو ~~والانتصار والصبر، فأمروا أن يأخذوا بالأحسن، ذكر القولين الزجاج. فعلى ~~هذا القول، يكون المعنى: انهم يتبعون العزائم والفضائل، وعلى الذي قبله، ~~يكون المعنى: أنهم يتبعون الموصوف بالحسن وهو الطاعة، ويجتنبون الموصوف ~~بالقبح وهو المعصية. # والثالث: أحسنها: الفرائض والنوافل، وأدونها في الحسن: المباح. # والرابع: أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة، فتصرف إلى الاشبه بالحق. # والخامس: أن أحسنها: الجمع بين الفرائض والنوافل. # قوله تعالى: { سأريكم دار الفاسقين } فيها أربعة أقوال. # أحدها: أنها جهنم، قاله الحسن، ومجاهد. والثاني: انها دار فرعون وقومه، ~~وهي مصر، قاله عطية العوفي. والثالث: أنها منازل من هلك من الجبابرة ~~والعمالقة، يريهم إياها عند دخولهم الشام، قاله قتادة. والرابع: أنها ~~مصارع الفاسقين، قاله السدي. ومعنى الكلام: سأريكم عاقبة ms0709 من خالف أمري، ~~وهذا تهديد للمخالف، وتحذير للموافق. ### || [7.146-147] # قوله تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } في ~~هذه الآية قولان. # أحدهما: أنها خاصة لأهل مصر فيما رأوا من الآيات. والثاني: أنها عامة، ~~وهو أصح. وفي الآيات قولان. # أحدهما: أنها آيات الكتب المتلوة. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أمنعهم فهمها. والثاني: أمنعهم من الإيمان بها. والثالث: أصرفهم ~~عن الاعتراض عليها بالإبطال. # والثاني: أنها آيات المخلوقات كالسماء والأرض والشمس والقمر وغيرها، ~~فيكون المعنى: أصرفهم عن التفكر والاعتبار بما خلقت. وفي معنى يتكبرون ~~قولان. # أحدهما: يتكبرون عن الإيمان واتباع الرسول. # والثاني: يحقرون الناس ويرون لهم الفضل عليهم. # قوله تعالى: { وإن يروا سبيل الرشد } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وعاصم: «سبيل الرشد» بضم الراء خفيفة. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: «سبيل الرشد» بفتح الراء والشين مثقلة. # قوله تعالى: { ذلك بأنهم } قال الزجاج: فعل الله بهم ذلك بأنهم { ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } أي: كانوا في تركهم الإيمان بها ~~والتدبر لها بمنزلة الغافلين. ويجوز أن يكون المعنى: وكانوا عن جزائها ~~غافلين. ### || [7.148] # قوله تعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده } أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل ~~للميقات. { من حليهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم وابن ~~عامر: «من حليهم» بضم الحاء. وقرأ حمزة، والكسائي: «حليهم» بكسر ~~الحاء. وقرأ يعقوب: بفتحها وسكون اللام وتخفيف الياء. والحلي: جمع ~~حلي، مثل: ثدي وثدي، وهو اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة. ~~قال الزجاج: ومن كسر الحاء من «حليهم» أتبع الحاء كسر اللام. والجسد: هو ~~الذي لا يعقل ولا يميز، إنما هو بمعنى الجثة فقط. قال ابن الانباري: ذكر ~~الجسد دلالة على عدم الروح منه، وأن شخصه شخص مثال وصورة، غير منضم ~~إليهما روح ولا نفس. فأما الخوار: فهو صوت البقرة، يقال: خارت البقرة ~~تخور، وجأرت تجأر؛ وقد نقل عن العرب انهم يقولون في مثل ~~صوت الإنسان من البهائم: رغا البعير وجرجر وهدر وقبقب، ~~وصهل الفرس وحمحم، وشهق الحمار ونهق، وشحج البغل، ms0710 وثغت ~~الشاة ويعرت، وثأجت النعجة، وبغم الظبي ونزب، وزأر ~~الأسد ونهت ونأت، ووعوع الذئب، ونهم الفيل، وزقح ~~القرد، وضبح الثعلب، وعوى الكلب ونبح، وماءت ~~السنور، وصأت الفأرة، ونغق الغراب، معجمة الغين، وزقأ ~~الديك، وسقع وصفر النسر، وهدر الحمام وهدل، ونقضت ~~الضفادع ونقت، وعزفت الجن. قال ابن عباس: كان العجل إذا خار ~~سجدوا، وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وفي رواية أبي صالح عنه: أنه خار خورة ~~واحدة ولم يتبعها مثلها، وبهذا قال وهب، ومقاتل. وكان مجاهد يقول: خواره ~~حفيف الريح فيه؛ وهذا يدل على أنه لم يكن فيه روح. وقرأ أبو رزين ~~العقيلي، وابو مجلز: «له جوار» بجيم مرفوعة. # قوله تعالى: { ألم يروا أنه لا يكلمهم } أي: لا يستطيع كلامهم. { ولا ~~يهديهم سبيلا } أي: لا يبين لهم طريقا إلى حجة. { اتخذوه } يعني: ~~اتخذوه إلها. { وكانوا ظالمين } قال ابن عباس: مشركين. ### || [7.149-152] # قوله تعالى: { ولما سقط في أيديهم } أي: ندموا. قال الزجاج: يقال ~~للرجل النادم على ما فعل: المتحسر على ما فرط. قد سقط في يده، وأسقط ~~في يده. وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران الجوني: «سقط» بفتح السين. قال ~~الزجاج: والمعنى: ولما سقط الندم في أيديهم، يشبه ما يحصل في القلب ~~وفي النفس بما يرى بالعين. قال المفسرون: هذا الندم منهم إنما كان بعد ~~رجوع موسى. # قوله تعالى: { لئن لم يرحمنا ربنا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر وعاصم: «يرحمنا ربنا» «ويغفر لنا» بالياء والرفع. وقرأ ~~حمزة، والكسائي، «ترحمنا» «وتغفر لنا» بالتاء، «ربنا» بالنصب. # قوله تعالى: { غضبان أسفا } في الأسف ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الحزين، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي. والثاني: الجزع، ~~قاله مجاهد. والثالث: أنه الشديد الغضب، قاله ابن قتيبة، والزجاج. وقال ~~أبو الدرداء: الأسف: منزلة وراء الغضب أشد منه. # قوله تعالى: { قال } أي لقومه { بئسما خلفتموني من بعدي } فتح ياء ~~«بعدي» أهل الحجاز، وأبو عمرو؛ والمعنى: بئس ما عملتم بعد فراقي من ~~عبادة العجل. { أعجلتم أمر ربكم } قال الفراء: يقال: عجلت الأمر ~~والشيء: سبقته، ومنه هذه الآية. وأعجلته: استحثثته. ms0711 قال ابن عباس: ~~أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له؟! قال الحسن: يعني وعد الأربعين ~~ليلة. # قوله تعالى: { وألقى الألواح } التي فيها التوراة. وفي سبب إلقائه إياها ~~قولان. # أحدهما: أنه الغضب حين رآهم قد عبدوا العجل، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه لما رأى فضائل غير أمته من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~اشتد عليه، فألقاها، قاله قتادة. وفيه بعد. قال ابن عباس: لما رمى ~~بالألواح فتحطمت، رفع منها ستة أسباع، وبقي سبع. # قوله تعالى: { وأخذ برأس أخيه } في ما أخذ به من رأسه ثلاثة أقوال. # أحدها: لحيته وذؤابته. والثاني: شعر رأسه. والثالث: أذنه. وقيل: إنما ~~فعل به ذلك، لأنه توهم أنه عصى الله بمقامه بينهم وترك اللحوق به، ~~وتعريفه ما أحدثوا بعده ليرجع إليهم فيتلافاهم ويردهم إلى الحق، وذلك ~~قوله: # ما منعك إذ رأيتهم ضلوا. ألا تتبعن # [طه: 92، 93]. # قوله تعالى: { ابن أم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن ~~عاصم قال: { ابن أم } نصبا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر. عن. عاصم: بكسر الميم، وكذلك في [طه: 94] قال الزجاج: من فتح الميم، ~~فلكثرة استعمال هذا الاسم، ومن كسر، أضافه إلى نفسه بعد أن جعله اسما ~~واحدا، ومن العرب من يقول: «يا ابن أمي» باثبات الياء. قال الشاعر: # يا ابن أمي ويا شقيق نفسي # أنت خلفتني لدهر شديد # وقال أبو علي: يحتمل أن يريد من فتح: «يا ابن أم» أما، ويحذف الألف، ~~ومن كسر «ابن أمي» فيحذف الياء. # فان قيل: لم قال: «يا ابن أم» ولم يقل: «يا ابن أب»؟ فالجواب: أن ابن ~~عباس قال: كان أخاه لأبيه وأمه، وإنما قال له ذلك ليرفقه عليه. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: والإنسان عند ذكر الوالدة أرق منه عند ذكر ~~الوالد. وقيل: كان لأمه دون أبيه، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { إن القوم } يعني: عبدة العجل. { استضعفوني } أي: ~~استذلوني. { فلا تشمت بي الأعداء } قرأ عبد الله بن عباس، ومالك بن ~~دينار، وابن عاصم: «فلا تشمت» بتاء مفتوحة مع فتح الميم، «الاعداء» ~~بالرفع. وقرأ ms0712 مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وأبو رجاء: «فلا تشمت» ~~بفتح التاء وكسر الميم، «الأعداء» بالنصب. وقرأ أبو الجوزاء، وابن أبي ~~عبلة مثل ذلك، إلا أنهما رفعا «الأعداء» ويعني بالأعداء: عبدة العجل. { ~~ولا تجعلني } في موجدتك وعقوبتك لي { مع القوم الظالمين } وهم عبدة ~~العجل. فلما تبين له عذر أخيه { قال رب اغفر لي }. # قوله تعالى: { وذلة في الحياة الدنيا } فيها قولان. # أحدهما: أنها الجزية، قاله ابن عباس. والثاني: ما أمروا به من قتل ~~أنفسهم، قاله الزجاج. فعلى الأول يكون ما أضيف إليهم من الجزية في حق ~~أولادهم، لأن أولئك قتلوا ولم يؤدوا جزية. قال عطية: وهذه الآية فيما ~~أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتوليهم متخذي العجل ورضاهم ~~به. # قوله تعالى: { وكذلك نجزي المفترين } قال ابن عباس: كذلك أعاقب من اتخذ ~~إلها دوني. وقال مالك بن انس: ما من مبتدع الا وهو يجد فوق رأسه ذلة، ~~وقرأ هذه الاية. وقال سفيان بن عيينة: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو ~~يجد ذلة تغشاه، قال: وهي في كتاب الله تعالى، قالوا: وأين هي؟ قال: ~~أوما سمعتم قوله: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا }. قالوا: يا أبا محمد، هذه لأصحاب العجل خاصة، قال: كلا، ~~أتلوا ما بعدها: { وكذلك نجزي المفترين } فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم ~~القيامة. ### || [7.153] # قوله تعالى: { والذين عملوا السيئات } فيها قولان. # أحدهما: أنها الشرك. والثاني: الشرك، وغيره من الذنوب. { ثم تابوا من ~~بعدها } يعني: السيئات. وفي قوله: { وآمنوا } قولان. # أحدهما: آمنوا بالله، وهو يخرج على قول من قال: هي الشرك. # والثاني: آمنوا بأن الله تعالى يقبل التوبة. { إن ربك من بعدها } يعني: ~~السيئات. ### || [7.154] # قوله تعالى: { ولما سكت عن موسى الغضب } وقرأ ابن عباس، وأبو عمران: ~~«سكت» بفتح السين وتشديد الكاف وبتاء بعدها، «الغضب» بالنصب. وقرأ ~~سعيد بن جبير، وابن يعمر، والجحدري: «سكت» بضم السين وتشديد الكاف مع ~~كسرها. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، وطلحة: «سكن» بنون. قال الزجاج: «سكت» ~~بمعنى: سكن، يقال: سكت ms0713 يسكت سكتا: إذا سكن، وسكت يسكت سكتا وسكوتا: ~~إذا قطع الكلام. قال: وقال بعضهم: المعنى: ولما سكت موسى عن الغضب، على ~~القلب، كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي. والمعنى: أدخلت رأسي في ~~القلنسوة، والأولى هو قول أهل العربية. # قوله تعالى: { أخذ الألواح } يعني: التي كان ألقاها. وفي قوله: { وفي ~~نسختها } قولان. # أحدهما: وفيما بقي منها، قاله ابن عباس. والثاني: وفيما نسخ فيها، قاله ~~ابن قتيبة. # قوله تعالى: { للذين هم لربهم يرهبون } فيهم قولان. # أحدهما: أنه عام في الذين يخافون الله، وهو معنى قول ابن عباس. # والثاني: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهو معنى قول قتادة. ### || [7.155] # قوله تعالى: { واختار موسى قومه } المعنى: اختار من قومه فحذف «من»، ~~تقول العرب: اخترتك القوم، أي: اخترتك من القوم، وأنشدوا: # منا الذي اختير الرجال سماحة # وجودا إذا هب الرياح الزعازع # هذا قول ابن قتيبة، والفراء، والزجاج. وفي هذا الميقات أربعة أقوال. # أحدها: أنه الميقات الذي وقته الله لموسى ليأخذ التوراة، أمر أن ~~يأتي معه بسبعين، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال نوف البكالي. # والثاني: أنه ميقات وقته الله تعالى لموسى، وأمره أن يختار من قومه ~~سبعين رجلا ليدعو ربهم، فدعوا فقالوا: اللهم أعطنا مالم تعط أحدا ~~قبلنا، ولا تعطيه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك، وأخذتهم الرجفة؛ رواه علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه ميقات وقته الله لموسى، لأن بني إسرائيل قالوا له: إن ~~طائفة تزعم أن الله لا يكلمك، فخذ معك طائفة منا ليسمعوا كلامه فيؤمنوا ~~فتذهب التهمة، فأوحى الله اليه ان أختر من خيارهم سبعين، ثم ارتق بهم ~~على الجبل انت وهارون، واستخلف يوشع بن نون، ففعل ذلك، قاله وهب بن منبه. # والرابع: أنه ميقات وقته الله لموسى ليلقاه في ناس من بني إسرائيل، ~~فيعتذر إليه من فعل عبدة العجل، قاله السدي. وقال ابن السائب: كان موسى ~~لا يأتي إلا بإذن منه. # فأما الرجفة. فهي: الحركة الشديدة. وفي سبب أخذها إياهم أربعة أقوال. # أحدها: أنه ms0714 ادعاؤهم على موسى قتل هارون؛ قاله علي بن أبي طالب. # والثاني: اعتداؤهم في الدعاء وقد ذكرناه في رواية ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنهم لم ينهوا عبدة العجل ولم يرضوا؛ نقل عن ابن عباس. ~~وقال قتادة، وابن جريج: لم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم عن المنكر، ~~ولم يزايلوهم. # والرابع: أنهم طلبوا استماع الكلام من الله تعالى، فلما سمعوه قالوا: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55] قاله السدي، وابن إسحاق. # قوله تعالى: { قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } قال السدي: قام ~~موسى يبكي ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت ~~خيارهم { لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } قال الزجاج: لو شئت أمتهم ~~قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة. وقيل: لو شئت أهلكتهم من قبل ~~خروجنا وإياي، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني. # قوله تعالى: { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } قال المبرد: هذا ~~استفهام استعطاف، أي: لا تهلكنا. وقال ابن الانباري: هذا استفهام على ~~تأويل الجحد، أراد: لست تفعل ذلك. { والسفهاء } هاهنا: عبدة العجل. وقال ~~الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل. وإنما أهلكوا ~~بقولهم: { أرنا الله جهرة }. # قوله تعالى: { إن هي إلا فتنتك } فيها قولان. # أحدهما: أنها الابتلاء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، وأبو العالية. # والثاني: العذاب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # قوله تعالى: { أنت ولينا } أي: ناصرنا وحافظنا. ### || [7.156-158] # قوله تعالى: { واكتب لنا } أي: حقق لنا وأوجب { في هذه الدنيا حسنة } ~~وهي: الأعمال الصالحة { وفي الآخرة } المغفرة والجنة { إنا هدنا إليك } ~~أي: تبنا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو العالية، وقتادة، ~~والضحاك، والسدي. وقال ابن قتيبة: ومنه # الذين هادوا # [البقرة: 62] كأنهم رجعوا من شيء إلى شيء. وقرأ أبو وجزة السعدي: «إنا ~~هدنا» بكسر الهاء. قال ابن الأنباري: المعنى: لا نتغير؛ يقال هاد يهود ~~ويهيد. # قوله تعالى: { قال عذابي أصيب به من أشاء } وقرأ الحسن البصري، ~~والأعمش ms0715 وأبو العالية: «من أساء» بسين غير معجمة مع النصب. # قوله تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء } في هذا الكلام أربعة اقوال. # أحدها: أن مخرجه عام، ومعناه خاص، وتأويله: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: { فسأكتبها للذين يتقون } قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أن هذه الرحمة على العموم في الدنيا، والخصوص في الآخرة، ~~وتأويلها: ورحمتي وسعت كل شيء في الدنيا، البر والفاجر، وفي الآخرة هي ~~للمتقين خاصة، قاله الحسن، وقتادة. فعلى هذا، معنى الرحمة في الدنيا ~~للكافر: أنه يرزق ويدفع عنه، كقوله في حق قارون: # وأحسن كما أحسن إليك # [القصص: 77]. # والثالث: أن الرحمة: التوبة، فهي على العموم، قاله ابن زيد. # والرابع: أن الرحمة تسع كل الخلق، إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو ~~قدر دخولهم فيها لوسعتهم، قاله ابن الانباري. قال الزجاج: وسعت كل شيء ~~في الدنيا. { فسأكتبها للذين يتقون } في الآخرة. قال المفسرون: معنى { ~~فسأكتبها }؛ فسأوجبها. وفي الذين يتقون قولان. # أحدهما: أنهم المتقون للشرك، قاله ابن عباس. والثاني: للمعاصي، قاله ~~قتادة. وفي قوله: { ويؤتون الزكاة } قولان. أحدهما: أنها زكاة الأموال، ~~قاله الجمهور. # والثاني: أن المراد بها: طاعة الله ورسوله، قاله ابن عباس، والحسن، ذهبا ~~إلى أنها العمل بما يزكي النفس ويطهرها. وقال ابن عباس، وقتادة: لما ~~نزلت { ورحمتي وسعت كل شيء } قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فنزعها الله ~~من إبليس، فقال: { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآيتنا ~~يؤمنون } فقالت اليهود: نحن نتقي، ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، ~~فنزعها الله منهم، وجعلها لهذه الأمة، فقال: { الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي } وقال نوف: قال الله تعالى لموسى: أجعل لكم الأرض ~~طهورا ومسجدا، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة ~~عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم، والمرأة، والحر، والعبد، والصغير، ~~والكبير، فأخبر موسى قومه بذلك، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ~~والبيع، ولا أن تكون السكينة إلا في التابوت، ولا أن نقرأ التوراة إلا ~~نظرا، فقال الله تعالى: { فسأكتبها للذين يتقون } إلى قوله: ms0716 { المفلحون ~~}. وفي هؤلاء المذكورين في قوله: { للذين يتقون ويؤتون الزكاة } إلى ~~قوله: { المفلحون } قولان. # أحدهما: أنهم كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتبعه، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي، وقتادة. وفي تسميته ~~بالأمي قولان. أحدهما: لأنه لا يكتب. والثاني: لأنه من أم القرى. # قوله تعالى: { الذي يجدونه مكتوبا عندهم } أي: يجدون نعته ونبوته. # قوله تعالى: { يأمرهم بالمعروف } قال الزجاج: يجوز أن يكون مستأنفا، ~~ويجوز أن يكون «يجدونه مكتوبا عندهم» أنه يأمرهم بالمعروف. قال ابن ~~عباس: المعروف: مكارم الأخلاق، وصلة الارحام. والمنكر: عبادة الأوثان، ~~وقطع الأرحام. وقال مقاتل: المعروف: الإيمان، والمنكر: الشر. وقال غيره: ~~المعروف: الحق، لأن العقول تعرف صحته، والمنكر: الباطل، لأن العقول تنكر ~~صحته. # وفي الطيبات أربعة أقوال. # أحدها: أنها الحلال، والمعنى: يحل لهم الحلال. # والثاني: أنها ما كانت العرب تستطيبه. # والثالث: أنها الشحوم المحرمة على بني إسرائيل. # والرابع: ما كانت العرب تحرمه من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، ~~والحام. # وفي الخبائث ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الحرام، والمعنى: ويحرم عليهم الحرام. # والثاني: أنها ما كانت العرب تستخبثه ولا تأكله، كالحيات، والحشرات. # والثالث: ما كانوا يستحلونه من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. # قوله تعالى: { ويضع عنهم إصرهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي: «إصرهم». وقرأ ابن عامر: «آصارهم» ممدودة الألف ~~على الجمع. وفي هذا الإصر قولان. # أحدهما: أنه العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل أن يعملوا بما في ~~التوراة، قاله ابن عباس. # والثاني: التشديد الذي كان عليهم من تحريم السبت، وأكل الشحوم والعروق، ~~وغير ذلك من الأمور الشاقة، قاله قتادة. وقال مسروق: لقد كان الرجل من ~~بني إسرائيل يذنب الذنب، فيصبح وقد كتب على باب بيته: إن كفارته أن ~~تنزع عينيك فينزعهما. # قوله تعالى: { والأغلال التي كانت عليهم } قال الزجاج: ذكر الأغلال: ~~تمثيل، ألا ترى أنك تقول: جعلت هذا طوقا في عنقك، وليس هناك طوق، إنما ~~جعلت لزومه كالطوق. والأغلال: أنه كان عليهم أن لا يقبل منهم في القتل ~~دية، وأن ms0717 لا يعملوا في السبت، وأن يقرضوا ما أصاب جلودهم من البول. # قوله تعالى: { فالذين آمنوا به } يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم { ~~وعزروه } وروى أبان «وعزروه» بتخفيف الزاي. وفي المعنى قولان. # أحدهما: نصروه وأعانوه، قاله مقاتل. # والثاني: عظموه، قاله ابن قتيبة. والنور الذي أنزل معه:القرآن، سماه ~~نورا، لأن بيانه في القلوب كبيان النور في العيون. وفي قوله «معه» قولان. # أحدهما: أنها بمعنى «عليه». # والثاني: بمعنى أنزل في زمانه، قال قتادة. أما نصره، فقد سبقتم إليه، ~~ولكن خيركم من آمن به واتبع النور الذي أنزل معه. # قوله تعالى: { الذي يؤمن بالله وكلماته } في الكلمات قولان. # أحدهما: أنها القرآن، قاله ابن عباس. وقال قتادة: كلماته: آياته. # والثاني: أنها عيسى بن مريم، قاله مجاهد، والسدي. ### || [7.159] # قوله تعالى: { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق } فيه قولان. # أحدهما: يدعون إلى الحق. والثاني: يعملون به. # قوله تعالى: { وبه يعدلون } قال الزجاج: وبالحق يحكمون. وفي المشار ~~إليهم بهذا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام، قاله ابن عباس، ~~والسدي. والثاني: أنهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ابن سلام ~~وأصحابه، قاله ابن السائب. والثالث: أنهم الذين تمسكوا بالحق في زمن ~~أنبيائهم، ذكره الماوردي. ### || [7.160-162] # قوله تعالى: { وقطعناهم } يعني: قوم موسى، يقول: فرقناهم { اثنتي ~~عشرة أسباطا } يعني: أولاد يعقوب، وكانوا اثنى عشر ولدا، فولد كل واحد ~~منهم سبطا، قال الفراء: وإنما قال: { اثنتي عشرة } والسبط ذكر، لأن ~~بعده «أمما» فذهب بالتأنيث إلى الأمم، ولو كان «اثني عشر» لتذكير السبط، ~~كان جائزا. وقال الزجاج: المعنى: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة، «أسباطا» ~~نعت «فرقة» كأنه يقول: جعلناهم أسباطا، وفرقناهم أسباطا، فيكون ~~«أسباطا» بدلا من «اثنتي عشرة» و«أمما» من نعت أسباط. والأسباط في ~~ولد إسحاق بمنزلة القبائل ليفصل بين ولد إسماعيل وبين ولد إسحاق. وقال ~~أبو عبيدة: الأسباط: قبائل بني إسرائيل، واحدهم: سبط، ويقال: من أي سبط ~~أنت أي؟ من أي قبيلة وجنس؟ # قوله تعالى: { فانبجست منه } قال ابن قتيبة: انفجرت؛ يقال: تبجس ~~الماء، كما ms0718 يقال: تفجر؛ والقصة مذكورة في سورة [البقرة: 58 - 60]. # قوله تعالى: { نغفر لكم خطاياكم } قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «نغفر لكم خطيئاتكم» بالتاء مهموزة على الجمع. وقرأ أبو عمرو: ~~«نغفر لكم خطاياكم» مثل: قضاياكم، ولا تاء فيها. وقرأ نافع: «تغفر» ~~بالتاء مضمومة «خطيئاتكم» بالهمز وضم التاء، على الجمع، وافقه ابن عامر ~~في «تغفر» بالتاء المضمومة، لكنه قرأ: { خطيئتكم } على التوحيد. ### || [7.163] # قوله تعالى: { واسألهم } يعني: أسباط اليهود، وهذا سؤال تقرير وتوبيخ ~~يقررهم على قديم كفرهم، ومخالفة أسلافهم الأنبياء، ويخبرهم بما لا ~~يعلم إلا بوحي. وفي القرية خمسة أقوال. # أحدها: أنها أيلة، رواه مرة عن ابن مسعود، وأبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي. # والثاني: أنها مدين، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أنها ساحل مدين، روي عن قتادة. # والرابع: أنها طبرية، قاله الزهري. # والخامس: أنها قرية يقال لها: مقنا، بين مدين وعينونا، قاله ابن زيد. ~~ومعنى: { حاضرة البحر } مجاورة البحر وبقربه وعلى شاطئه. { إذ يعدون } ~~قال الزجاج: أي: يظلمون، يقال: عدا فلان يعدو عدوانا وعداء وعدوا ~~وعدوا: إذا ظلم وموضع { إذ } نصب، والمعنى: سلهم عن وقت عدوهم في ~~السبت. { إذ تأتيهم حيتانهم } في موضع نصب أيضا ب { يعدون } ~~والمعنى: سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان. { شرعا } أي: ظاهرة. { ~~كذلك نبلوهم } أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم بفسقهم. ويحتمل على ~~بعد أن يكون المعنى: { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } كذلك، أي: لا تأتيهم ~~شرعا؛ ويكون { نبلوهم } مستأنفا. وقرأ الحسن، والأعمش، وأبان، ~~والمفضل عن عاصم: { يسبتون } بضم الياء. ### || [7.164] # قوله تعالى: { وإذ قالت أمة منهم } قال المفسرون: افترق أهل القرية ~~ثلاث فرق، فرقة صادت وأكلت، وفرقة نهت وزجرت، وفرقة أمسكت عن الصيد، ~~وقالت للفرقة الناهية: { لم تعظون قوما الله مهلكهم } لاموهم على موعظة ~~قوم يعلمون أنهم غير مقلعين، فقالت الفرقة الناهية: { معذرة إلى ربكم } ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «معذرة» ~~رفعا، أي: موعظتنا إياهم معذرة، والمعنى: أن الأمر بالمعروف واجب ~~علينا، ms0719 فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله. وقرأ حفص عن عاصم: «معذرة» ~~نصبا، وذلك على معنى نعتذر معذرة. { ولعلهم يتقون } أي: وجائز أن ~~ينتفعوا بالموعظة فيتركوا المعصية. ### || [7.165-167] # قوله تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به } يعني: تركوا ما وعظوا به { ~~أنجينا الذين ينهون عن السوء } وهم الناهون عن المنكر. والذين ظلموا هم ~~المعتدون في السبت. # قوله تعالى: { بعذاب بئيس } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~«بئيس» على وزن فعيل، فالهمزة بين الباء والياء. وقرأ نافع: «بيس» بكسر ~~الباء من غير همز. وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه همز. وروى خارجة عن نافع: ~~«بيس» بفتح الباء من غير همز، على وزن «فعل». وروى أبو بكر عن ~~عاصم: «بيأس» على وزن «فيعل». وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأيوب: ~~«بيآس» على وزن «فيعال». وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ومعاذ ~~القارىء: «بئس» بفتح الباء وكسر الهمزة من غير ياء على وزن «نعس». ~~وقرأ الضحاك، وعكرمة: «بيس» بتشديد الياء مثل: «قيم». وقرأ أبو ~~العالية، وأبو مجلز: «بئس» بفتح الباء والسين وبهمزة مكسورة من غير ~~ياء ولا ألف على وزن «فعل». وقرأ أبو المتوكل، وأبو رجاء: «بائس» ~~بألف ومدة بعد الباء وبهمزة مكسورة بوزن «فاعل». قال أبو عبيدة: ~~البئيس: الشديد. وأنشد: # حنقا علي وما ترى # لي فيهم أثرا بئيسا # وقال الزجاج: يقال: بئس يبأس بأسا، والعاتي: الشديد الدخول في الفساد، ~~المتمرد الذي لا يقبل موعظة. وقال ابن جرير: «فلما عتوا» أي: تمردوا فيما ~~نهوا عنه، وقد ذكرنا في سورة [البقرة: 65] قصة مسخهم. وكان الحسن البصري ~~يقول: والله ما لحوم هذه الحيتان بأعظم عند الله من دماء قوم مسلمين. # قوله تعالى: { وإذ تأذن ربك } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أعلم، قاله الحسن، وابن قتيبة. وقال: هو من آذنتك بالأمر. # وقال ابن الانباري: «تأذن» بمعنى آذن؛ كما يقال: تعلم أن فلانا قائم، ~~أي: اعلم. وقال أبو سليمان الدمشقي: أي: أعلم أنبياء بني إسرائيل. ~~والثاني: حتم، قاله عطاء. والثالث: وعد، قاله قطرب. والرابع: تألى، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { ليبعثن عليهم ms0720 } أي: على اليهود. وقال مجاهد: على اليهود ~~والنصارى بمعاصيهم. { من يسومهم } أي: يوليهم { سوء العذاب }. وفي ~~المبعوث عليهم قولان. أحدهما: أنه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، قاله ~~ابن عباس. والثاني: العرب، كانوا يجبونهم الخراج، قاله سعيد بن جبير, ~~قال: ولم يجب الخراج نبي قط إلا موسى، جباه ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال السدي: بعث الله عليهم العرب يأخذون ~~منهم الجزية ويقتلونهم. وفي سوء العذاب أربعة أقوال. # أحدها: أخذ الجزية. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: المسكنة ~~والجزية، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: الخراج، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والرابع: أنه القتال حتى يسلموا أو يعطوا ~~الجزية. ### || [7.168] # قوله تعالى: { وقطعناهم في الأرض أمما } قال أبو عبيدة: فرقناهم ~~فرقا. قال ابن عباس: هم اليهود، ليس من بلد إلا وفيه منهم طائفة. وقال ~~مقاتل: هم بنو إسرائيل. وقيل: معناه: شتات أمرهم وافتراق كلمتهم. { منهم ~~الصالحون } وهم المؤمنون بعيسى ومحمد عليهما السلام. { ومنهم دون ذلك } ~~وهم الكفار. وقال ابن جرير: إنما كانوا على هذه الصفة قبل أن يبعث عيسى، ~~وقبل ارتدادهم. # قوله تعالى: { وبلوناهم } أي: اختبرناهم { بالحسنات } وهي: الخير، ~~والخصب، والعافية، { والسيئات } وهي: الجدب، والشر، والشدائد؛ فالحسنات ~~والسيئات تحث على الطاعة، أما النعم فطلب الازدياد منها، وخوف زوالها، ~~والنقم فلكشفها، والسلامة منها. { لعلهم يرجعون } أي: لكي يتوبوا. ### || [7.169] # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم } أي: من بعد الذين وصفناهم { خلف } ~~وقرأ الجوني، والجحدري: «خلف» بفتح اللام. قال أبو عبيدة: الخلف ~~والخلف واحد، وقوم يجعلون المحرك اللام، للصالح، والمسكن لغير ~~الصالح. وقال ابن قتيبة: الخلف: الرديء من الناس ومن الكلام، يقال: ~~هذا خلف من القول. وقال ابن الأنباري: أكثر ما تستعمل العرب الخلف، ~~باسكان اللام، في الرديء المذموم. وتفتح اللام في الفاضل الممدوح. وقد ~~يوقع الخلف على الممدوح، والخلف على المذموم، غير أن المختار ما ~~ذكرناه. وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن ms0721 زيد. # والثاني: النصارى. # والثالث: أن الخلف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والقولان عن ~~مجاهد. # فان قيل: الخلف واحد، فكيف قال: «يأخذون» وكذلك قال في [مريم: 59] ~~«أضاعوا» فقد ذكر ابن الأنباري عنه جوابين. # أحدهما: أن الخلف: جمع خالف، كما أن الركب: جمع راكب، والشرب: جمع ~~شارب. # والثاني: أن الخلف مصدر يكون للاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث. # قوله تعالى: { ورثوا الكتاب } أي: انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف ~~إلى خلف، فيخرج في الكتاب ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه التوراة. والثاني: الإنجيل. والثالث: القرآن. # قوله تعالى: { يأخذون عرض هذا الأدنى } أي: هذه الدنيا، وهو ما يعرض لهم ~~منها. وقيل: سماه عرضا، لقلة بقائه. قال ابن عباس: يأخذون ما أحبوا من ~~حلال أو حرام. وقيل: هو الرشوة في الحكم. وفي وصفه بالأدنى قولان. # أحدهما: أنه من الدنو. والثاني: أنه من الدناءة. # قوله تعالى: { سيغفر لنا } فيه قولان. # أحدهما: أن المعنى: إنا لا نؤاخذ، تمنيا على الله الباطل. # والثاني: أنه ذنب يغفره الله لنا، تأميلا لرحمة الله تعالى. # وفي قوله: { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } قولان. # أحدهما: أن المعنى: لا يشبعهم شيء، فهم يأخذون لغير حاجة، قاله الحسن. # والثاني: أنهم أهل إصرار على الذنوب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق } قال ابن عباس: وكد الله عليهم في التوراة أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق، فقالوا الباطل، وهو ما أوجبوا على الله من مغفرة ذنوبهم التي ~~لا يتوبون منها، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار. # قوله تعالى: { ودرسوا ما فيه } معطوف على «ورثوا». ومعنى «درسوا ما ~~فيه»: قرؤوه، فكأنه قال: خالفوا على علم. { والدار الآخرة } أي: ما فيها ~~من الثواب { خير للذين يتقون أفلا يعقلون } أن الباقي خير من الفاني. قرأ ~~ابن عامر، ونافع، وحفص عن عاصم: بالتاء، والباقون: بالياء. ### || [7.170] # قوله تعالى: { والذين يمسكون بالكتاب } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: { يمسكون } مشددة، وقرؤوا: # ولا تمسكوا بعصم الكوافر ms0722 # مخففة [الممتحنة: 10] وقرأهما أبو عمرو بالتشديد. وروى أبو بكر عن عاصم ~~أنه خففهما. ويقال: مسكت بالشيء، وتمسكت به، واستمسكت به، وامتسكت ~~به. وهذه الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب الذين حفظوا حدوده ولم ~~يحرفوه، منهم [عبد الله] بن سلام واصحابه. قال ابن الأنباري: وخبر ~~«الذين»: «إنا» وما بعده، وله ضمير مقدر بعد «المصلحين» تأويله: والذين ~~يمسكون بالكتاب إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، ولهذه العلة وعدهم ~~حفظ الأجر بشرط، إذ كان منهم من لم يصلح. قال: وقال بعض النحويين: ~~المصلحون يرجعون على الذين، وتلخيص المعنى عنده: والذين يمسكون ~~بالكتاب، وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجرهم، فأظهرت كنايتهم بالمصلحين، ~~كما يقال: علي لقيت الكسائي، وأبو سعيد رويت عن الخدري، يراد لقيته ~~ورويت عنه. قال الشاعر: # فيارب ليلى أنت في كل موطن # وأنت الذي في رحمة الله أطمع # أراد في رحمته، فأظهر ضمير الهاء. ### || [7.171] # قوله تعالى: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } أي: واذكر لهم إذ نتقنا الجبل، ~~أي: رفعناه. قال مجاهد: أخرج الجبل من الأرض، ورفع فوقهم كالظلة، ~~فقيل لهم: لتؤمنن أو ليقعن عليكم. وقال قتادة: نزلوا في أصل الجبل، ~~فرفع فوقهم، فقال: لتأخذن أمري، أو لأرمينكم به. # قوله تعالى: { وظنوا أنه واقع بهم } فيه قولان. # أحدهما: أنه الظن المعروف. والثاني: أنه بمعنى اليقين. وباقي الآية مفسر ~~في سورة [البقرة: 63]. ### || [7.172] # قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم } روى ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان " # ونعمان قريب من عرفة ذكره ابن قتيبة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، ~~فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا وقال: { ألست بربكم قالوا ~~بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } ومعنى ~~الآية: وإذا أخذ ربكم من ظهور بني آدم. فقوله: { من ظهورهم } بدل من { ~~بني آدم }. وقيل: إنما قال: { من ظهورهم } ولم يقل من ظهر آدم، لأنه أخرج ~~بعضهم من ظهور بعض، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لأنه قد علم ms0723 أنهم بنوه، وقد ~~أخرجوا من ظهره. وقوله تعالى: { ذرياتهم } قرأ ابن كثير، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: «ذريتهم» على التوحيد. وقرأ نافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «ذرياتهم» على الجمع. قال أبو علي: الذرية تكون ~~جمعا، وتكون واحدا. # وفي قوله: { وأشهدهم على أنفسهم } ثلاثة أقوال. # أحدها: أشهدهم على أنفسهم باقرارهم، قاله مقاتل. # والثاني: دلهم بخلقه على توحيده، قاله الزجاج. # والثالث: أنه أشهد بعضهم على بعض باقرارهم بذلك، قاله ابن جرير. # قوله تعالى: { ألست بربكم } والمعنى: وقال لهم: ألست بربكم؟ وهذا سؤال ~~تقرير. قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا. قال السدي: قوله: { شهدنا } خبر من ~~الله تعالى عن نفسه وملائكته. أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. ويحسن الوقف ~~على قوله «بلى» لأن كلام الذرية قد انقطع. وزعم الكلبي ان الذرية لما ~~قالت «بلى» قال الله للملائكة: { اشهدوا } فقالوا: { شهدنا }. وروى أبو ~~العالية عن أبي بن كعب قال: جمعهم جميعا، فجعلهم أزواجا، ثم ~~صورهم، ثم استنطقهم، ثم قال: { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } أنك ~~آلهنا. قال: فاني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم ~~أباكم آدم { أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } لم نعلم ~~بهذا. وقال السدي: أجابته طائفة طائعين، وطائفة كارهين تقية. # قوله تعالى: { ان يقولوا } قرأ أبو عمرو «أن يقولوا»، «أو يقولوا» ~~بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. قال أبو علي: حجة أبي عمرو ~~قوله: { وإذ أخذ ربك } وقوله: { قالوا بلى } ، وحجة من قرأ بالتاء أنه قد ~~جرى في الكلام خطاب { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا }. ومعنى قوله: { ~~يقولوا } لئلا يقولوا، مثله: # أن تميد بكم # [لقمان: 10]. وفي قوله: { إنا كنا } قولان. # أحدهما: أنه إشارة إلى الميثاق والإقرار. # والثاني: أنه إشارة إلى معرفة أنه الخالق. قال المفسرون: وهذه الآية ~~تذكير من الله تعالى بما أخذ على جميع المكلفين من الميثاق، واحتجاج ~~عليهم لئلا يقول الكفار: إنا كنا على هذا الميثاق غافلين لم نذكره، ~~ونسيانهم لا يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى بذلك على لسان النبي ~~صلى الله عليه وسلم الصادق. ms0724 وإذا ثبت هذا بقول الصادق، قام في النفوس ~~مقام الذكر، فالاحتجاج به قائم. ### || [7.173] # قوله تعالى: { أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من ~~بعدهم } فاتبعنا منهاجهم على جهل منا بآلهيتك { أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون } في دعواهم أن معك إلها، فقطع الله احتجاجهم بمثل هذا، إذ ~~أذكرهم أخذ الميثاق على كل واحد منهم. وجماعة أهل العلم على ما شرحنا من ~~أنه استنطق الذر، وركب فيهم عقولا وأفهاما عرفوا بها ما عرض عليهم. ~~وقد ذكر بعضهم أن معنى أخذ الذرية: إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفا. ~~ومعنى إشهادهم على أنفسهم: اضطرارهم إلى العلم بأنه خالقهم بما أظهر لهم ~~من الآيات والبراهين. ولما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى ~~التصديق، كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال: # شاهدين على أنفسهم بالكفر # [التوبة: 17] يريدهم: بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا نحن كفرة، كما ~~يقول الرجل: قد شهدت جوارحي بصدقك، أي: قد عرفته. ومن هذا الباب قوله: # شهد الله # [آل عمران: 19] أي: بين وأعلم. وقد حكى نحو هذا القول ابن الأنباري، ~~والأول أصح، لموافقة الآثار. ### || [7.174] # قوله تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } أي: كما بينا في أخذ الميثاق ~~الآيات، ليتدبرها العباد فيعملوا بموجبها. { ولعلهم يرجعون } أي: ولكي ~~يرجعوا عما هم عليه من الكفر إلى التوحيد. ### || [7.175] # قوله تعالى: { واتل عليهم } قال الزجاج: هذا نسق على ما قبله، والمعنى: ~~أتل عليهم إذ أخذ ربك، { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا } وفيه ستة ~~أقوال. # أحدها: أنه رجل من بني إسرائيل، يقال له: بلعم بن أبر، قاله ابن مسعود. ~~وقال ابن عباس: بلعم بن باعوراء. وروي عنه: أنه بلعام بن باعور، وبه قال ~~مجاهد، وعكرمة، والسدي. وروى العوفي عن ابن عباس أن بلعما من أهل اليمن. ~~وروى عنه ابن أبي طلحة أنه من مدينة الجبارين. # والثاني: أنه أمية بن أبي الصلت، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، ~~وسعيد بن المسيب، وأبو روق، وزيد بن أسلم، وكان أمية قد قرأ الكتب، وعلم ~~أن ms0725 الله مرسل رسولا، ورجا أن يكون هو، فلما بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم، حسده وكفر. # والثالث: أنه أبو عامر الراهب، روى الشعبي عن ابن عباس قال الأنصار: ~~تقول هو الراهب الذي بني له مسجد الشقاق، وروي عن ابن المسيب نحوه. # والرابع: أنه رجل كان في بني اسرائيل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، ~~وكانت له امرأة له منها ولد، وكانت سمجة دميمة، فقالت: ادع الله أن ~~يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله لها، فلما علمت أنه ليس في ~~بني إسرائيل مثلها، رغبت عن زوجها وأرادت غيره، فلما رغبت عنه، دعا الله ~~أن يجعلها كلبة نباحة، فذهبت منه فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ~~ليس بنا على هذا صبر أن صارت أمنا كلبة نباحة يعيرنا الناس بها، ~~فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها أولا، فدعا الله، فعادت ~~كما كانت، فذهبت فيها الدعوات الثلاث، رواه عكرمة عن ابن عباس، والذي روي ~~لنا في هذا الحديث «وكانت سمجة» بكسر الميم، وقد روى سيبويه عن العرب ~~أنهم يقولون: رجل سمج: بتسكين الميم، ولم يقولوا: سمج؛ بكسرها. # والخامس: أنه المنافق، قاله الحسن. # والسادس: أنه كل من انسلخ من الحق بعد أن أعطيه من اليهود والنصارى ~~والحنفاء، قاله عكرمة. وفي الآيات خمسة أقوال. # أحدها: أنه اسم الله الأعظم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~ابن جبير. # والثاني: أنها كتاب من كتب الله عز وجل. روى عكرمة عن ابن عباس قال: هو ~~بلعام، أوتي كتابا فانسلخ منه. # والثالث: أنه أوتي النبوة، فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل ~~وتركهم على ما هم عليه، قاله مجاهد، وفيه بعد، لأن الله تعالى لا يصطفي ~~لرسالته إلا معصوما عن مثل هذه الحال. # والرابع: أنها حجج التوحيد، وفهم أدلته. # والخامس: أنها العلم بكتب الله عز وجل، والمشهور في التفسير أنه بلعام، ~~وكان من أمره على ما ذكره المفسرون أن موسى عليه السلام غزا البلد الذي ~~هو فيه، وكانوا كفارا، وكان هو مجاب الدعوة، ms0726 فقال ملكهم: ادع على موسى، ~~فقال: إنه من أهل ديني، ولا ينبغي لي أن أدعو عليه، فأمر الملك أن تنحت ~~خشبة لصلبه، فلما رأى ذلك، خرج على أتان له ليدعو على موسى، فلما عاين ~~عسكرهم، وقفت الأتان فضربها، فقالت: لم تضربني، وهذه نار تتوقد قد ~~منعتني أن أمشي؟ فارجع، فرجع إلى الملك فأخبره، فقال: إما أن تدعو عليهم، ~~وإما أن أصلبك، فدعا على موسى باسم الله الأعظم أن لا يدخل المدينة، ~~فاستجاب الله له، فوقع موسى وقومه في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب ~~بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعم، فقال: يا رب فكما سمعت دعاءه ~~علي، فاسمع دعائي عليه، فدعا الله أن ينزع منه الاسم الأعظم، فنزع ~~منه. # وقيل: إن بلعام أمر قومه أن يزينوا النساء ويرسلوهن في العسكر ~~ليفشو الزنا فيهم، فينصروا عليهم. وقيل: إن موسى قتله بعد ذلك. وروى ~~السدي عن أشياخه أن بلعم أتى إلى قومه متبرعا، فقال: لا ترهبوا بني ~~إسرائيل، فانكم إذا خرجتم لقتالهم، دعوت عليهم فهلكوا، فكان فيما شاء ~~عندهم من الدنيا، وذلك بعد مضي الأربعين سنة التي تاهوا فيها، وكان نبيهم ~~يوشع لا موسى. # قوله تعالى: { فانسلخ منها } أي: خرج من العلم بها. # قوله تعالى: { فأتبعه الشيطان } قال ابن قتيبة: أدركه. يقال: اتبعت ~~القوم: إذا لحقتهم، وتبعتهم: سرت في أثرهم. وقرأ طلحة بن مصرف: ~~«فاتبعه» بالتشديد. وقال اليزيدي: أتبعه واتبعه: لغتان. وكأن ~~«أتبعه» خفيفة بمعنى: قفاه، «واتبعه» مشددة: حذا حذوه. ولا يجوز أن ~~تقول: أتبعناك، وأنت تريد: اتبعناك، لأن معناها: اقتدينا بك. وقال ~~الزجاج: يقال: تبع الرجل الشيء واتبعه بمعنى واحد. قال الله تعالى: # فمن تبع هداي # [البقرة: 38] وقال: # فاتبعهم فرعون # [يونس: 90]. # قوله تعالى: { فكان من الغاوين } فيه قولان. # أحدهما: من الضالين، قاله مقاتل. # والثاني: من الهالكين الفاسدين، قاله الزجاج. ### || [7.176] # قوله تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها } في هاء الكناية في «رفعناه» ~~قولان. # أحدهما: أنها تعود إلى الإنسان المذكور، وهو قول الجمهور؛ فيكون ~~المعنى: ولو شئنا لرفعنا منزلة هذا الإنسان ms0727 بما علمناه. # والثاني: أنها تعود إلى الكفر بالآيات، فيكون المعنى: لو شئنا لرفعنا ~~عنه الكفر بآياتنا، وهذا المعنى مروي عن مجاهد. وقال الزجاج: لو شئنا ~~لحلنا بينه وبين المعصية. # قوله تعالى: { ولكنه أخلد إلى الأرض } أي: ركن إلى الدنيا وسكن. قال ~~الزجاج: يقال: أخلد وخلد، والأول أكثر في اللغة. والأرض هاهنا: عبارة عن ~~الدنيا، لأن الدنيا هي الأرض بما عليها. وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: أنه ركن إلى أهل الدنيا، ويقال: إنه أرضى امرأته بذلك، لأنها ~~حملته عليه، وقيل: أرضى بني عمه وقومه. # والثاني: أنه ركن إلى شهوات الدنيا، وقد بين ذلك بقوله: { واتبع ~~هواه } والمعنى: أنه انقاد لما دعاه إليه الهوى. قال ابن زيد: كان هواه ~~مع قومه. وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذا مالوا عن العلم إلى ~~الهوى. # قوله تعالى: { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } ~~معناه: أن هذا الكافر، إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، ~~فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب، فانه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان ~~لاهثا، وإن ترك وربض كان أيضا لاهثا، والتشبيه بالكلب اللاهث خاصة؛ ~~فالمعنى: فمثله كمثل الكلب لاهثا، وإنما شبهه بالكلب اللاهث، لأنه أخس ~~الأمثال على أخس الحالات وأبشعها. وقال ابن قتيبة: كل لاهث إنما يلهث من ~~إعياء أو عطش، إلا الكلب، فانه يلهث في حال راحته وحال كلاله، فضربه الله ~~مثلا لمن كذب بآياته، فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، ~~كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث، أو تركته على حاله رابضا لهث. قال ~~المفسرون: زجر في منامه عن الدعاء على بني اسرائيل فلم ينزجر، ~~وخاطبته أتانه فلم ينته، فضرب له هذا المثل ولسائر الكفار؛ فذلك قوله: ~~{ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } لأن الكافر إن وعظته فهو ضال ~~وإن تركته فهو ضال؛ وهو مع إرسال الرسل إليه كمن لم يأته رسول ولا ~~بينة. # قوله تعالى: { فاقصص القصص } قال عطاء: قصص الذين كفروا وكذبوا ~~أنبياءهم. ### || [7.177-178] # قوله تعالى: { ساء ms0728 مثلا } يقال: ساء الشيء يسوء: إذا قبح، والمعنى: ~~ساء مثلا مثل القوم، فحذف المضاف، فنصب «مثلا» على التمييز. # قوله تعالى: { وأنفسهم كانوا يظلمون } أي: يضرون بالمعصية. ### || [7.179] # قوله تعالى: { ولقد ذرأنا } أي: خلقنا. قال ابن قتيبة: ومنه ذرية الرجل، ~~إنما هي الخلق منه، ولكن همزها يتركه أكثر العرب. # قوله تعالى: { لجهنم } هذه اللام يسميها بعض أهل المعاني لام العاقبة، ~~كقوله: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] ومثله قول الشاعر: # أموالنا لذوي الميراث نجمعها # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعزيه بموت ابنه، فقال: # تعز أمير المؤمنين فإنه # لما قد ترى يغذى الصغير ويولد # وقد أخبر الله عز وجل في هذه الآية بنفاذ علمه فيهم أنهم يصيرون إليها ~~بسبب كفرهم. # قوله تعالى: { لهم قلوب لا يفقهون بها } لما أعرض القوم عن الحق ~~والتفكر فيه، كانوا بمنزلة من لم يفقه ولم يبصر ولم يسمع. وقال محمد بن ~~القاسم النحوي: أراد بهذا كله أمر الآخرة، فانهم يعقلون أمر الدنيا. # قوله تعالى: { أولئك كالأنعام } شبههم بالأنعام لأنها تسمع وتبصر، ولا ~~تعتبر، ثم قال: { بل هم أضل } لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم ~~بعض ما تبصره، وهؤلاء يعلم أكثرهم أنه معاند، فيقدم على النار، { أولئك ~~هم الغافلون } عن أمر الآخرة. ### || [7.180] # قوله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى } سبب نزولها: أن رجلا دعا الله في ~~صلاته، ودعا الرحمن، فقال أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ~~ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله هذه الآية، قاله مقاتل: ~~فأما الحسنى، فهي تأنيث الأحسن. ومعنى الآية أن أسماء الله حسنى، وليس ~~المراد أن فيها ما ليس بحسن. وذكر الماوردي أن المراد بذلك ما مالت إليه ~~النفوس من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة. وقوله: { فادعوه بها } ~~أي: نادوه بها، كقولك: يا الله يا رحمن. # قوله تعالى: { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: { يلحدون } بضم الياء، وكذلك في [النحل: ~~103] و[السجدة] [فصلت: 40]. وقرأ حمزة: «يلحدون» بفتح ms0729 الحاء والياء ~~فيهن، ووافقه الكسائي، وخلف في [النحل: 103]. قال الاخفش: ألحد ~~ولحد: لغتان، فمن قرأ بهما أراد الأخذ باللغتين، فكأن الإلحاد: العدول ~~عن الاستقامة، وقال ابن قتيبة: يجورون عن الحق ويعدلون؛ [فيقولون اللات ~~والعزى ومناة وأشباه ذلك] ومنه لحد القبر، لأنه في جانب. قال الزجاج: ~~ولا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يسم به نفسه، فيقول: يا جواد، ولا ~~يقول: يا سخي، ويقول: يا قوي، ولا يقول: يا جلد، ويقول: يا رحيم، ولا ~~يقول: يا رفيق، لأنه لم يصف نفسه بذلك. قال أبو سليمان الخطابي: ودليل ~~هذه الآية أن الغلط في أسمائه والزيغ عنها إلحاد، ومما يسمع على ألسنة ~~العامة قولهم: يا سبحان، يا برهان، وهذا مهجور مستهجن لا قدوة فيه، ~~وربما قال بعضهم: يا رب طه ويس. وقد أنكر ابن عباس على رجل قال: يا رب ~~القرآن. وروي عن ابن عباس أن إلحادهم في أسمائه أنهم سموا بها أوثانهم، ~~وزادوا فيها ونقصوا منها، فاشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ~~ومناة من المنان. # فصل # والجمهور على أن هذه الآية محكمة، لأنها خارجة مخرج التهديد، كقوله: # ذرني ومن خلقت وحيدا # [المدثر: 11]، وقد ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية القتال، لأن قوله: { ~~وذروا الذين يلحدون في أسمائه } يقتضي الإعراض عن الكفار، وهذا قول ابن ~~زيد. ### || [7.181] # قوله تعالى: { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق } أي: يعملون به، { وبه ~~يعدلون } أي: وبالعمل به يعدلون. وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال. # أحدها: أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون باحسان من هذه الأمة، قاله ~~ابن عباس. وكان ابن جريج: يقول: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " هذه أمتي، بالحق يأخذون ويعطون ويقضون " # وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تلا هذه الآية ~~قال: # " هذه لكم وقد أعطي القوم مثلها " # ثم يقرأ: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. # والثاني: أنهم من جميع الخلق، قاله ابن السائب. # والثالث: أنهم الأنبياء. والرابع: أنهم العلماء. ذكر القولين الماوردي. ### || [7.182-183] # قوله تعالى: ms0730 { والذين كذبوا بآياتنا } قال أبو صالح عن ابن عباس: هم ~~أهل مكة. وقال مقاتل: نزلت في المستهزئين من قريش. # قوله تعالى: { سنستدرجهم } قال الخليل بن أحمد: سنطوي أعمارهم في اغترار ~~منهم. وقال أبو عبيدة: الاستدراج: أن يتدرج إلى الشيء في خفية قليلا ~~قليلا ولا يهجم عليه، وأصله: من الدرجة، وذلك أن الراقي والنازل ~~يرقى وينزل مرقاة مرقاة؛ ومنه: درج الكتاب: إذا طواه شيئا بعد شيء؛ ~~ودرج القوم: إذا ماتوا بعضهم في إثر بعض. وقال اليزيدي: الاستدراج: أن ~~يأتيه من حيث لا يعلم. وقال ابن قتيبة: هو ان يذيقهم من بأسه قليلا ~~قليلا من حيث لا يعلمون، ولا يباغتهم به ولا يجاهرهم. وقال الأزهري: ~~سنأخذهم قليلا قليلا من حيث لا يحتسبون؛ وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم ~~من النعم ما يغتبطهم به ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما ~~يكونون. قال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة. # وفي قوله: { من حيث لا يعلمون } قولان. # أحدهما: من حيث لا يعلمون بالاستدراج. والثاني: بالهلكة. # قوله تعالى: { وأملي لهم } الإملاء: الإمهال والتأخير. # قوله تعالى: { إن كيدي متين } قال ابن عباس: إن مكري شديد. وقال ابن ~~فارس: الكيد: المكر؛ فكل شيء عالجته فأنت تكيده. قال المفسرون: مكر ~~الله وكيده: مجازاة أهل المكر والكيد على نحو ما بينا في سورة [البقرة: ~~15] و [آل عمران: 54] من ذكر الاستهزاء والخداع والمكر. ### || [7.184-186] # قوله تعالى: { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } سبب نزولها: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، علا على الصفا ليلة، ودعا قريشا فخذا فخذا: ~~يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، فحذرهم بأس الله وعقابه، فقال ~~قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت حتى الصباح، فنزلت هذه الآية، ~~قاله الحسن، وقتادة. ومعنى الآية: أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من ~~جنة، أي: جنون، فحثهم على التفكر في أمره ليعلموا أنه بريء من الجنون. ~~{ إن هو } أي: ما هو { إلا نذير } أي: مخوف { مبين } يبين طريق ~~الهدى. ثم حثهم على النظر المؤدي ms0731 إلى العلم فقال: { أولم ينظروا في ملكوت ~~السموات والأرض } ليستدلوا على أن لها صانعا مدبرا؛ وقد سبق بيان ~~الملكوت في سورة [الأنعام: 75]. # قوله تعالى: { وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ~~قرأ ابن مسعود، وأبي والجحدري: «آجالهم». ومعنى الآية: أولم ينظروا في ~~الملكوت وفيما خلق الله من الأشياء كلها، وفي أن عسى أن تكون آجالهم ~~قد قربت فيهلكوا على الكفر، ويصيروا إلى النار { فبأي حديث بعده يؤمنون ~~} يعني القرآن وما فيه من البيان. ثم ذكر سبب إعراضهم عن الإيمان، فقال: ~~{ من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~«ونذرهم» بالنون والرفع. وقرأ أبو عمرو: بالياء والرفع. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: «ويذرهم» بالياء مع الجزم خفيفة. فمن قرأ بالرفع، استأنف، ~~ومن جزم «ويذرهم» عطف على موضع الفاء. قال سيبويه: وموضعها جزم؛ ~~فالمعنى: من يضلل الله يذره؛ وقد سبق في سورة [البقرة: 15] معنى ~~الطغيان والعمه. ### || [7.187] # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن قوما من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا متى الساعة؟ فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن قريشا قالت: يا محمد، بيننا وبينك قرابة، فبين لنا متى ~~الساعة؟ فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. وقال عروة: الذي سأله عن الساعة ~~عتبة بن ربيعة. والمراد بالساعة هاهنا: التي يموت فيها الخلق. # قوله تعالى: { أيان مرساها } قال أبو عبيدة: أي: متى مرساها؟ أي: ~~منتهاها. ومرسا السفينة: حيث تنتهي. وقال ابن قتيبة: { أيان }: بمعنى: ~~متى؛ و«متى» بمعنى: أي حين، ونرى أن أصلها أي أوان، فحذفت الهمزة ~~[والواو]، وجعل الحرفان واحدا، ومعنى الآية: متى ثبوتها؟ يقال: رسا في ~~الأرض، أي: ثبت، ومنه قيل للجبال: رواسي. قال الزجاج: ومعنى الكلام: متى ~~وقوعها؟. # قوله تعالى: { قل إنما علمها عند ربي } أي: قد استأثر بعلمها { لا ~~يجليها } أي: لا يظهرها في وقتها { إلا هو }. # قوله تعالى: { ثقلت في السموات والأرض } فيه أربعة أقوال. # أحدها: ثقل وقوعها على أهل السموات والأرض، قاله ابن عباس، ووجهه ms0732 أن ~~الكل يخافونها، محسنهم ومسيئهم. # والثاني: عظم شأنها في السموات والأرض، قاله عكرمة، ومجاهد، وابن جريج. # والثالث: خفي أمرها، فلم يعلم متى كونها، قاله السدي. # والرابع: أن «في» بمعنى «على» فالمعنى: ثقلت على السموات والأرض، قاله ~~قتادة. # قوله تعالى: { لا تأتيكم إلا بغتة } أي: فجأة. # قوله تعالى: { كأنك حفي عنها } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه من المقدم والمؤخر، فتقديره: يسألونك عنها كأنك حفي، أي: ~~بر بهم، كقوله: # إنه كان بي حفيا # [مريم: 47]. قال العوفي عن ابن عباس، وأسباط عن السدي: كأنك صديق لهم. # والثاني: كأنك حفي بسؤالهم، مجيب لهم. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~كأنك يعجبك سؤالهم. وقال خصيف عن مجاهد: كأنك تحب أن يسألوك عنها. وقال ~~الزجاج: كأنك فرح بسؤالهم. # والثالث: كأنك عالم بها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وهو قول ابن زيد، ~~والفراء. # والرابع: كأنك استحفيت السؤال عنها حتى علمتها، قاله ابن ابي نجيح عن ~~مجاهد. وقال عكرمة: كأنك سؤول عنها. وقال ابن قتيبة: كأنك معني بطلب ~~علمها. وقال ابن الانباري: فيه تقديم وتأخير، تقديره: يسألونك عنها كأنك ~~حفي بها، والحفي في كلام العرب: المعني. # قوله تعالى: { قل إنما علمها عند الله } أي: لا يعلمها إلا هو { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } قال مقاتل في آخرين: المراد بالناس هاهنا: أهل ~~مكة. وفي قوله: { لا يعلمون } قولان. أحدهما: لا يعلمون أنها كائنة، قاله ~~مقاتل. والثاني: لا يعلمون أن هذا مما استأثر الله بعلمه، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. ### || [7.188] # قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } سبب نزولها: أن أهل ~~مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو، فتشتري ~~فتربح، وبالأرض التي تريد أن تجدب، فترتحل عنها إلى ما قد أخصب؟ فنزلت ~~هذه الآية، روي عن ابن عباس. وفي المراد بالنفع والضر قولان. # أحدهما: أنه عام في جميع ما ينفع ويضر، قاله الجمهور. # والثاني: أن النفع: الهدى، والضر: الضلالة، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: { إلا ما شاء الله } أي: إلا ما أراد ms0733 أن أملكه بتمليكه ~~إياي؛ ومن هو على هذه الصفة فكيف يعلم علم الساعة؟. # قوله تعالى: { ولو كنت أعلم الغيب } فيه أربعة أقوال. أحدها: لو كنت ~~أعلم بجدب الأرض وقحط المطر قبل كون ذلك لهيأت لسنة الجدب ما يكفيها، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لو كنت أعلم ما أربح فيه إذا اشتريته لاستكثرت من الخير، قاله ~~الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح، قاله مجاهد. # والرابع: لو كنت أعلم ما أسأل عنه من الغيب لأجبت عنه. { وما مسني ~~السوء } أي: لم يلحقني تكذيب، قاله الزجاج. فأما الغيب: فهو كل ما غاب ~~عنك. ويخرج في المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه العمل الصالح. والثاني: المال. والثالث: الرزق. # قوله تعالى: { وما مسني السوء } فيه أربعة اقوال. # أحدها: أنه الفقر، قاله ابن عباس. والثاني: أنه كل ما يسوء، قاله ابن ~~زيد. والثالث: الجنون، قاله الحسن. والرابع: التكذيب، قاله الزجاج. فعلى ~~قول الحسن، يكون هذا الكلام مبتدأ، والمعنى: وما بي من جنون إنما أنا ~~نذير، وعلى باقي الأقوال يكون متعلقا بما قبله. ### || [7.189-190] # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } يعني بالنفس: آدم، وبزوجها: ~~حواء. ومعنى: { ليسكن إليها } ليأنس بها ويأوي إليها. { فلما تغشاها } ~~أي: جامعها. قال الزجاج: وهذا أحسن كناية عن الجماع. والحمل، بفتح الحاء: ~~ما كان في بطن، أو أخرجته شجرة. والحمل، بكسر الحاء: ما يحمل. والمراد ~~بالحمل الخفيف: الماء. # قوله تعالى: { فمرت به } أي: استمرت به، قعدت وقامت ولم يثقلها. ~~وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك: «فاستمرت به». ~~وقرأ أبي بن كعب، والجوني: «استمارت به» بزيادة ألف. وقرأ عبد الله ~~ابن عمرو، والجحدري: «فمارت به» بألف وتشديد الراء. وقرأ أبو العالية، ~~وأيوب، ويحيى بن يعمر: «فمرت به» خفيفة الراء، أي: شكت وتمارت ~~أحملت، أم لا؟ { فلما أثقلت } أي: صار حملها ثقيلا. وقال الأخفش: صارت ~~ذا ثقل. يقال: أثمرنا، أي: صرنا ذوي ثمر. # قوله تعالى: { دعوا الله ربهما ms0734 } يعني آدم وحواء { لئن آتيتنا صالحا } ~~وفي المراد بالصالح قولان. # أحدهما: أنه الإنسان المشابه لهما، وخافا أن يكون بهيمة، هذا قول ~~الأكثرين. # والثاني: أنه الغلام، قاله الحسن، وقتادة. # شرح السبب في دعائهما # ذكر أهل التفسير أن إبليس جاء حواء، فقال: ما يدريك ما في بطنك، لعله ~~كلب أو خنزير أو حمار؛ وما يدريك من أين يخرج، أيشق بطنك أم يخرج من فيك، ~~أو من منخريك؟ فأحزنها ذلك، فدعوا الله حينئذ، فجاء إبليس: فقال: كيف ~~تجدينك؟ قالت: ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال: أفرأيت إن دعوت الله، ~~فجعله إنسانا مثلك، ومثل آدم، أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم. فلما ولدته ~~سويا، جاءها إبليس فقال: لم لا تسمينه بي كما وعدتني؟ فقالت: وما ~~اسمك؟ قال: الحارث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فسمته: عبد ~~الحارث، وقيل: عبد شمس برضى آدم، فذلك قوله: { فلما آتاهما صالحا جعلا ~~له شركاء } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم: «شركاء» بضم الشين والمد، جمع شريك. وقرأ نافع، وأبو بكر عن ~~عاصم: «شركا» مكسورة الشين على المصدر، لا على الجمع. قال أبو علي: من ~~قرأ «شركا» حذف المضاف، كأنه أراد: جعلا له ذا شرك، وذوي شريك؛ فيكون ~~المعنى: جعلا لغيره شركا، لأنه إذا كان التقدير: جعلا له ذوي شرك، ~~فالمعنى: جعلا لغيره شركا، وهذه القراءة في المعنى كقراءة من قرأ ~~«شركاء». وقال غيره: معنى «شركاء» شريكا، فأوقع الجمع موقع الواحد ~~كقوله: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران: 173] والمراد بالشريك: إبليس، لأنهما أطاعاه في الاسم، فكان ~~الشرك في الطاعة، لا في العبادة؛ ولم. # يقصدا أن الحارث ربهما، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما؛ وقد يطلق ~~العبد على من ليس بمملوك. # قال الشاعر: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا # وما في إلا تلك من شيمة العبد # وقال مجاهد: كان لا يعيش لآدم ولد، فقال الشيطان: إذا ولد لكما ولد ~~فسمياه عبد الحارث، فأطاعاه في الاسم، فذلك قوله: { جعلا له شركاء فيما ms0735 ~~آتاهما } هذا قول الجمهور، وفيه قول ثان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: ما أشرك آدم، إن أول الآية لشكر، وآخرها مثل ضربه الله لمن يعبده ~~في قوله: { جعلا له شركاء فيما آتاهما }. وروى قتادة عن الحسن قال: هم ~~اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم. وروي عن ~~الحسن، وقتادة قالا: الضمير في قوله: { جعلا له شركاء } عائد إلى النفس ~~وزوجه من ولد آدم، لا إلى آدم وحواء. وقيل: الضمير راجع إلى الولد ~~الصالح، وهو السليم الخلق، فالمعنى: جعل له ذلك الولد شركاء. وإنما ~~قيل: { جعلا } لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى. قال ابن ~~الأنباري: الذين جعلوا له شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين ~~هم أولاد آدم وحواء. فتأويل الآية: فلما آتاهما صالحا جعل أولادهما له ~~شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما قال: # وسأل القرية # [يوسف: 82]. وذهب السدي إلى أن قوله: { فتعالى الله عما يشركون } في ~~مشركي العرب خاصة، وأنها مفصولة عن قصة آدم وحواء. ### || [7.191] # قوله تعالى: { أيشركون ما لا يخلق شيئا } قال ابن زيد: هذه لآدم وحواء ~~حيث سميا ولدهما عبد شمس، والشمس لا تخلق شيئا. وقال غيره: هذا راجع ~~إلى الكفار حيث أشركوا بالله الاصنام، وهي لا تخلق شيئا وقوله: { وهم ~~يخلقون } أي: وهي مخلوقة. قال ابن الأنباري: وإنما قال: { ما } ثم قال: ~~{ وهم يخلقون } لأن { ما } تقع على الواحد والاثنين والجميع؛ وإنما ~~قال: { وهم } وهو يعني الأصنام، لأن عابديها أدعوا أنها تعقل وتميز، ~~فأجريت مجرى الناس، فهو كقوله: # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] وقوله # يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18] وقوله: # وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]، قال الشاعر: # تمززتها والديك يدعو صباحه # إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا # وأنشد ثعلب لعبدة بن الطبيب: # إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته # لدى الصباح وهم قوم معازيل # لما جعله يدعو، جعل الديكة قوما، وجعلهم معازيل، وهم الذين لا ~~سلاح معهم، وجعلهم أسرة؛ وأسرة الرجل: رهطه وقومه. ### || [7.192] # قوله تعالى: { ولا يستطيعون لهم نصرا } يقول: ms0736 إن الأصنام لا تستطيع نصر ~~من عبدها، ولا تمنع من نفسها. ### || [7.193] # قوله تعالى: { وإن تدعوهم } فيه قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الأصنام، فالمعنى: وإن دعوتم أيها المشركون ~~أصنامكم إلى سبيل رشاد لا يتبعوكم، لأنهم لا يعقلون. # والثاني: أنها ترجع إلى الكفار، فالمعنى: وإن تدع يا محمد هؤلاء ~~المشركين إلى الهدى، لا يتبعوكم، فدعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سواء، ~~لأنهم لا ينقادون إلى الحق. وقرأ نافع: «لا يتبعوكم» بسكون التاء. ### || [7.194-196] # قوله تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله } يعني الأصنام { عباد ~~أمثالكم } في أنهم مسخرون مذللون لأمر الله. وإنما قال «عباد» وقال: ~~{ فادعوهم } ، وإن كانت الأصنام جمادا، لما بينا عند قوله: { وهم ~~يخلقون }. # قوله تعالى: { فليستجيبوا لكم } أي: فليجيبوكم { إن كنتم صادقين } أن ~~لكم عندهم نفعا وثوابا. { ألهم أرجل يمشون بها } في المصالح { أم لهم ~~أيد يبطشون بها } في دفع ما يؤذي. وقرأ أبو جعفر «يبطشون» بضم الطاء ~~هاهنا وفي [القصص: 19] و[الدخان: 16]. { أم لهم أعين يبصرون بها } ~~المنافع من المضار { أم لهم آذان يسمعون بها } تضرعكم ودعاءكم؟ وفي هذا ~~تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين، وتوبيخ لهم حيث عبدوا من هم ~~أفضل منه. { قل ادعوا شركاءكم } قال الحسن: كانوا يخوفونه بآلهتهم، ~~فقال الله تعالى: { قل ادعوا شركاءكم } ، { ثم كيدوني } أنتم وهم { فلا ~~تنظرون } أي: لا تؤخروا ذلك. وكان ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، يقرؤون: { ثم كيدون } بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أبو ~~عمرو، ونافع: في رواية ابن حماد بالياء في الوصل. وروى ورش، وقالون، ~~والمسيبي: بغير ياء في الوصل، ولا وقف. فأما { تنظرون } فأثبت فيها ~~الياء يعقوب في الوصل والوقف. { إن وليي الله } أي: ناصري { الذي ~~نزل الكتاب } وهو القرآن، أي: كما أيدني بانزال الكتاب ينصرني. ### || [7.197] # قوله تعالى: { والذين تدعون من دونه } يعني الأصنام { لا يستطيعون نصركم ~~} أي: لا يقدرون على منعكم ممن أرادكم بسوء، ولا يمنعون أنفسهم من سوء ~~أريد بهم. ### || [7.198] # قوله تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا } في المراد بهؤلاء ~~قولان. # أحدهما: ms0737 أنهم الأصنام. ثم في قوله: { وتراهم ينظرون إليك } قولان. ~~أحدهما: يواجهونك، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك، { وهم لا يبصرون } ~~لأنه ليس فيهم أرواح. والثاني: وتراهم كأنهم ينظرون إليك، لأن لهم أعينا ~~مصنوعة، فأسقط كاف التشبيه، كقوله: # وترى الناس سكارى # [الحج: 2] أي: كأنهم سكارى، { وهم لا يبصرون } في الحقيقة. وإنما أخبر ~~عنهم بالهاء والميم، لأنهم على هيئة بني آدم. # والقول الثاني: أنهم المشركون، فالمعنى: وتراهم ينظرون إليك بأعينهم ولا ~~يبصرون بقلوبهم. ### || [7.199] # قوله تعالى: { خذ العفو } العفو: الميسور، وقد سبق شرحه في سورة ~~[البقرة: 219]. وفي الذي أمر بأخذ العفو منه ثلاثة أقوال. # أحدها: أخلاق الناس، قاله ابن الزبير، والحسن، ومجاهد فيكون المعنى: ~~إقبل الميسور من أخلاق الناس، ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء. # والثاني: أنه المال، وفيه قولان. أحدهما: أن المراد بعفو المال: الزكاة، ~~قاله مجاهد في رواية الضحاك. والثاني: أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض ~~الزكاة، ثم نسخت بالزكاة، روي عن ابن عباس. # والثالث: أن المراد به: مساهلة المشركين والعفو عنهم، ثم نسخ بآية ~~السيف، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { وأمر بالعرف } أي: بالمعروف. # وفي قوله: { وأعرض عن الجاهلين } قولان. # أحدهما: أنهم المشركون، أمر بالإعراض عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف. # والثاني: أنه عام فيمن جهل، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم، ~~وإن وجب عليه الإنكار عليهم. وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة، وعند ~~بعضهم أن وسطها محكم، وطرفيها منسوخان على ما بينا. ### || [7.200-201] # قوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } قال ابن زيد: لما نزلت { خذ ~~العفو } قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا رب كيف بالغضب؟ فنزلت هذه ~~الآية. فأما قوله { وإما } فقد سبق بيانه في سورة (البقرة) في قوله: # فإما يأتينكم مني هدى # [البقرة: 38]، وقال أبو عبيدة: ومجاز الكلام: وإما تستخفنك منه خفة ~~وغضب وعجلة. وقال السدي: النزغ: الوسوسة وحديث النفس. قال الزجاج: ~~النزغ: أدنى حركة تكون، تقول: قد نزغته: إذا حركته. وقد سبق معنى ~~الاستعاذة. # قوله تعالى: { إذا مسهم طائف } قرأ ابن كثير، وأبو ms0738 عمرو، والكسائي: ~~«طيف» بغير ألف. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: «طائف» بألف ~~ممدودا مهموزا. وقرأ ابن عباس، وابن جبير، والجحدري، والضحاك: ~~«طيف» بتشديد الياء من غير ألف. وهل الطائف والطيف بمعنى واحد، أم ~~يختلفان، فيه قولان. # أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وهما ما كان كالخيال والشيء يلم بك، حكي عن ~~الفراء. وقال الأخفش: الطيف أكثر في كلام العرب من الطائف، قال الشاعر: # ألا يالقوم لطيف الخيال # أرق من نازح ذي دلال # والثاني: أن الطائف: ما يطوف حول الشيء، والطيف: اللمة والوسوسة ~~والخطرة، حكي عن أبي عمرو وروي عن ابن عباس أنه قال: الطائف: اللمة ~~من الشيطان، والطيف: الغضب. وقال ابن الأنباري: الطائف: الفاعل من الطيف؛ ~~والطيف عند أهل اللغة: اللمم من الشيطان؛ وزعم مجاهد أنه الغضب. # قوله تعالى: { تذكروا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: تذكروا الله إذا هموا بالمعاصي فتركوها، قاله مجاهد. # والثاني: تفكروا فيما أوضح الله لهم من الحجة، قاله الزجاج. # والثالث: تذكروا غضب الله، والمعنى: إذا جرأهم الشيطان على مالا ~~يحل، تذكروا غضب الله، فأمسكوا، فاذا هم مبصرون لمواضع الخطأ بالتفكر. ### || [7.202] # قوله تعالى: { وإخوانهم } في هذه الهاء والميم قولان. # أحدهما: أنها عائدة على المشركين؛ فتكون هذه الآية مقدمة على التي ~~قبلها، والتقدير: وأعرض عن الجاهلين، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين. { ~~يمدونهم في الغي } قرأ نافع: «يمدونهم» بضم الياء وكسر الميم. ~~والباقون: بفتح الياء وضم الميم. قال أبو علي: عامة ما جاء في التنزيل ~~فيما يحمد ويستحب: أمددت، على أفعلت كقوله: # أتمدونن بمال # [النمل: 36] # أنما نمدهم به من مال # [المؤمنون: 55] # وأمددناهم بفاكهة # [الطور: 22] وما كان على خلافه يجيء على: مددت، كقوله: # ويمدهم في طغيانهم # [البقرة: 15]؛ فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء؛ إلا أن وجه قراءة نافع ~~بمنزلة # فبشرهم بعذاب أليم # [التوبة: 34] قال المفسرون: { يمدونهم في الغي } أي: يزينونه لهم، ~~ويريدون منهم لزومه، فيكون معنى الكلام: أن الذين اتقوا إذا جرهم ~~الشيطان إلى خطيئة، تابوا منها، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، ~~يمدونهم في الغي، هذا قول الأكثرين من العلماء. وقال بعضهم: ms0739 الهاء ~~والميم ترجع إلى الشياطين، وقد جرى ذكرهم لقوله: «من الشيطان» فالمعنى: ~~وإخوان الشياطين يمدونهم. # والثاني: أن الهاء والميم ترجع إلى المتقين؛ فالمعنى: وإخوان المتقين من ~~المشركين، وقيل: من الشياطين يمدونهم في الغي، أي: يريدون من المسلمين أن ~~يدخلوا معهم في الكفر، ذكر هذا القول جماعة منهم ابن الأنباري. فان قيل: ~~كيف قال: { وإخوانهم } وليسوا على دينهم؟ فالجواب: أنا إن قلنا: إنهم ~~المشركون، فجائز أن يكونوا إخوانهم في النسب، أو في كونهم من بني آدم، أو ~~لكونهم يظهرون النصح كالإخوان؛ وإن قلنا: إنهم الشياطين، فجائز أن يكونوا ~~لكونهم مصاحبين لهم، والقول الأول أصح. # قوله تعالى: { ثم لا يقصرون } وقرأ الزهري، وابن أبي عبلة: «لا ~~يقصرون» بالتشديد. قال الزجاج: يقال: أقصر يقصر، وقصر يقصر. قال ~~ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تقصر ~~عنهم؛ فعلى هذا يكون قوله: «يقصرون» من فعل الفريقين، وهذا على القول ~~المشهور؛ ويخرج على القول الثاني أن يكون هذا وصفا للاخوان فقط. ### || [7.203] # قوله تعالى: { وإذا لم تأتهم بآية } يعني به: المشركين. وفي معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: إذا لم تأتهم بآية سألوها تعنتا، قاله ابن السائب. # والثاني: إذا لم تأتهم بآية لإبطاء الوحي، قاله مقاتل. # وفي قوله: { لولا اجتبيتها } قولان. # أحدهما: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ~~والسدي، وابن زيد، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين. وحكي عن ~~الفراء أنه قال: العرب تقول: اجتبيت الكلام، واختلقته، وارتجلته: إذا ~~افتعلته من قبل نفسك. # والثاني: هلا طلبتها لنا قبل مسألتك، ذكره الماوردي. والأول أصح. # قوله تعالى: { قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } أي: ليس الأمر لي. # قوله تعالى: { هذا بصائر من ربكم } يعني القرآن. قال أبو عبيدة: ~~البصائر: بمعنى الحجج والبرهان والبيان، واحدتها: بصيرة. وقال الزجاج: ~~معنى البصائر: ظهور الشيء وبيانه. ### || [7.204] # قوله تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له } اختلفوا في نزولها على ~~خمسة أقوال. # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة، فقرأ ~~أصحابه ms0740 وراءه رافعين أصواتهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن المشركين كانوا يأتون رسول الله إذا صلى، فيقول: بعضهم ~~لبعض: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن ~~المسيب. # والثالث: أن فتى من الأنصار كان كلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا، قرأ هو، فنزلت هذه الآية، قاله الزهري. # والرابع: أنهم كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فرضت، فيجيء الرجل فيقول ~~لصاحبه: كم صليتم؟ فيقول: كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والخامس: أنها نزلت تأمر بالإنصات للامام في الخطبة يوم الجمعة، روي عن ~~عائشة، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، في آخرين. ### || [7.205] # قوله تعالى: { واذكر ربك في نفسك } في هذا الذكر أربعة أقوال. # أحدها: أنه القراءة في الصلاة، قاله ابن عباس؛ فعلى هذا، أمر أن يقرأ ~~في نفسه في صلاة الإسرار. # والثاني: أنه القراءة خلف الإمام سرا في نفسه، قاله قتادة. # والثالث: أنه ذكر الله باللسان. # والرابع: أنه ذكر الله باستدامة الفكر، لا يغفل عن الله تعالى، ذكر ~~القولين الماوردي. وفي المخاطب بهذا الذكر قولان. # أحدهما: أنه المستمع للقرآن، إما في الصلاة، وإما من الخطيب، قاله ابن ~~زيد. # والثاني: أنه خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه عام في جميع ~~المكلفين. # قوله تعالى: { تضرعا وخيفة } التضرع: الخشوع في تواضع، والخيفة: الحذر ~~من عقابه. # قوله تعالى: { ودون الجهر من القول } الجهر: الإعلان بالشيء، ورجل جهير ~~الصوت: إذا كان صوته عاليا. وفي هذا نص على أنه الذكر باللسان ويحتمل ~~وجهين. # أحدهما: قراءة القرآن. والثاني: الدعاء. وكلاهما مندوب إلى إخفائه، إلا ~~أن صلاة الجهر قد بين أدبها في قوله: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها # [الاسراء: 110] فأما الغدو فهو جمع غدوة؛ والآصال: جمع أصل، ~~والأصل: جمع أصيل؛ فالآصال: جمع الجمع، والآصال: العشيات. وقال أبو ~~عبيدة: هي ما بين العصر إلى المغرب؛ وأنشد: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله # وأقعد في أفيائه بالأصائل # وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني بالغدو: صلاة الفجر، والآصال: صلاة ms0741 ~~العصر. ### || [7.206] # قوله تعالى: { إن الذين عند ربك } يعني: الملائكة { لا يستكبرون } أي: ~~لا يتكبرون ويتعظمون { عن عبادته } وفي هذه العبادة قولان. # أحدهما: الطاعة. والثاني: الصلاة والخضوع فيها. # وفي قوله: { ويسبحونه } قولان. # أحدهما: ينزهونه عن السوء. # والثاني: يقولون سبحان الله. # قوله تعالى: { وله يسجدون } أي: يصلون. وقيل: سبب نزول هذه الآية أن ~~كفار مكة قالوا: أنسجد لما تأمرنا؟ فنزلت هذه الآية، تخبر أن الملائكة، ~~وهم أكبر شأنا منكم، لا يتكبرون عن عبادة الله. وقد روى أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله، أمر ~~هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ". ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # قوله تعالى: { يسألونك عن الأنفال } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: # " من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن اسر أسيرا فله كذا وكذا، " # فأما المشيخة، فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل ~~والغنائم، فقال المشيخة للشبان: أشركونا معكم، فانا كنا لكم ردءا، ~~فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت سورة (الأنفال) ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أن سعد بن أبي وقاص أصاب سيفا يوم بدر، فقال: يا رسول الله، ~~هبه لي، فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه. وفي رواية أخرى # " عن سعد قال: قتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، فأتيت به رسول الله، ~~فقال: «اذهب فاطرحه في القبض»، فرجعت، وبي مالا يعلمه إلا الله، فما ~~جاوزت إلا قريبا حتى نزلت سورة (الأنفال)، فقال: «اذهب فخذ سيفك» ". # وقال السدي: اختصم سعد وناس آخرون في ذلك السيف، فسألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فنزلت هذه الآية. # والثالث: أن الأنفال كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس ~~لأحد منها شيء، فسالوه أن يعطيهم منها شيئا، فنزلت هذه الآية، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن ms0742 عباس. وفي المراد بالأنفال ستة أقوال. # أحدها: أنها الغنائم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وأبو عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين. ~~وواحد الانفال: نفل، قال لبيد: # إن تقوى ربنا خير نفل # وباذن الله ريثي وعجل # والثاني: أنها ما نفله رسول الله صلى الله عليه وسلم القاتل من سلب ~~قتيله. # والثالث: أنها ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابة بغير ~~قتال، قاله عطاء. وهذا والذي قبله مرويان عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أنه الخمس الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الغنائم، قاله مجاهد. # والخامس: أنه أنفال السرايا، قاله علي بن صالح بن حي. وحكي عن الحسن ~~قال: هي السرايا التي تتقدم أمام الجيوش. # والسادس: أنها زيادات يؤثر بها الإمام بعض الجيش لما يراه من ~~المصلحة، ذكره الماوردي. وفي «عن» قولان. # أحدهما: أنها زائدة، والمعنى: يسألونك الأنفال، وكذلك قرأ سعد بن أبي ~~وقاص، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو العالية: «يسألونك الأنفال» بحذف ~~{ عن }. # والثاني: أنها أصل، والمعنى: يسألونك عن الأنفال لمن هي؟ أو عن حكم ~~الأنفال؛ وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين. وذكر أنهم إنما ~~سألوا عن حكمها لأنها كانت حراما على الأمم قبلهم. # فصل # واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال بعضهم: إنها ناسخة من ~~وجه، منسوخة من وجه، وذلك أن الغنائم كانت حراما في شرائع الأنبياء ~~المتقدمين، فنسخ الله ذلك بهذه الآية، وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم نسخ ذلك بقوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه # [الأنفال: 41]. وقال آخرون: المراد بالأنفال: شيئان. # أحدهما: ما يجعله الرسول صلى الله عليه وسلم لطائفة من شجعان العسكر ~~ومتقدميه، يستخرج به نصحهم ويحرضهم على القتال. # والثاني: ما يفضل من الغنائم بعد قسمتها كما روي عن ابن عمر قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فغنمنا إبلا، فأصاب كل واحد ~~منا اثنا عشر بعيرا، ونفلنا ms0743 بعيرا بعيرا؛ فعلى هذا هي محكمة، لأن هذا ~~الحكم باق إلى وقتنا هذا. # فصل # ويجوز النفل قبل إحراز الغنيمة، وهو أن يقول الإمام: من أصاب شيئا ~~فهو له، وبه قال الجمهور. فأما بعد إحرازها ففيه عن أحمد روايتان. وهل ~~يستحق القاتل سلب المقتول إذا لم يشرطه له الإمام؟ فيه قولان. # أحدهما: يستحقه، وبه قال الأوزاعي، والليث، والشافعي. # والثاني: لا يستحقه، ويكون غنيمة للجيش، وبه قال أبو حنيفة، ومالك؛ وعن ~~أحمد روايتان كالقولين. # قوله تعالى: { قل الأنفال لله والرسول } يحكمان فيها ما أرادا، { فاتقوا ~~الله } بترك مخالفته { وأصلحوا ذات بينكم } قال الزجاج: معنى «ذات بينكم» ~~حقيقة وصلكم. والبين: الوصل؛ كقوله: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94]. # ثم في المراد بالكلام قولان. أحدهما: أن يرد القوي على الضعيف، ~~قاله عطاء. والثاني: ترك المنازعة تسليما لله ورسوله. # قوله تعالى: { وأطيعوا الله ورسوله } أي: اقبلوا ما أمرتم به في ~~الغنائم وغيرها. ### || [8.2] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله } قال الزجاج: إذا ~~ذكرت عظمته وقدرته وما خوف به من عصاه، فزعت قلوبهم، قال الشاعر: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل # على أينا تعدو المنية أول # يقال: وجل يوجل وياجل وييجل وييجل، هذه أربع لغات حكاها ~~سيبويه. وأجودها: يوجل. وقال السدي: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر ~~الله فينزع عنها. # قوله تعالى: { وإذا تليت عليهم آياته } أي: آيات القرآن. # وفي قوله: { زادتهم إيمانا } ثلاثة أقوال. # أحدها: تصديقا، قاله ابن عباس. والمعنى: أنهم كلما جاءهم شيء عن الله ~~آمنوا به فيزدادوا إيمانا بزيادة الآيات. # والثاني: يقينا، قاله الضحاك. # والثالث: خشية الله، قاله الربيع بن أنس. وقد ذكرنا معنى التوكل في [آل ~~عمران: 122]. ### || [8.3] # قوله تعالى: { الذين يقيمون الصلاة } قال ابن عباس: يعني: الصلوات ~~الخمس. { ومما رزقناهم ينفقون } يعني: الزكاة. ### || [8.4] # قوله تعالى: { أولئك هم المؤمنون حقا } قال الزجاج: { حقا } منصوب ~~بمعنى دلت عليه الجملة، والجملة: { أولئك هم المؤمنون } فالمعنى: أحق ~~ذلك حقا. وقال مقاتل: المعنى: أولئك هم المؤمنون لا شك في إيمانهم كشك ~~المنافقين. # قوله تعالى: { لهم درجات عند ms0744 ربهم } قال عطاء: درجات الجنة يرتقونها ~~بأعمالهم، والرزق الكريم: ما أعد لهم فيها. ### || [8.5-6] # قوله تعالى: { كما أخرجك ربك } في متعلق هذه الكاف خمسة أقوال. # أحدها: أنها متعلقة بالأنفال. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال. أحدها: أن ~~تأويله: امض لأمر الله في الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك ~~وهم كارهون، قاله الفراء. والثاني: أن الانفال لله والرسول صلى الله عليه ~~وسلم بالحق الواجب، كما أخرجك ربك بالحق، وإن كرهوا ذلك، قاله الزجاج. ~~والثالث: أن المعنى: يسألوك عن الأنفال مجادلة، كما جادلوك في خروجك، ~~حكاه جماعة من المفسرين. # والثاني: أنها متعلقة بقوله: { فاتقوا الله وأصلحوا } ، والمعنى: إن ~~التقوى والاصلاح خير لكم، كما كان إخراج الله نبيه محمدا خيرا لكم وإن ~~كرهه بعضكم، هذا قول عكرمة. # والثالث: أنها متعلقة بقوله: { يجادلونك } فالمعنى: مجادلتهم إياك في ~~الغنائم كاخراج الله إياك إلى بدر وهم كارهون، قاله الكسائي. # والرابع: أنها متعلقة بقوله: { أولئك هم المؤمنون } والمعنى: وهم ~~المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ذكره بعض ناقلي التفسير. # والخامس: أن { كما } في موضع قسم، معناها: والذي أخرجك من بيتك، قاله ~~أبو عبيدة، واحتج بأن { ما } في موضع «الذي» ومنه قوله: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3] قال ابن الأنباري: وفي هذا القول بعد، لأن الكاف ليست من ~~حروف الاقسام. وفي هذا الخروج قولان. # أحدهما: أنه خروجه إلى بدر، وكره ذلك طائفة من أصحابه، لأنهم علموا أنهم ~~لا يظفرون بالغنيمة إلا بالقتال. # والثاني: أنه خروجه من مكة إلى المدينة للهجرة. # وفي معنى قوله: { بالحق } قولان. # أحدهما: أنك خرجت ومعك الحق. # والثاني: أنك خرجت بالحق الذي وجب عليك. # وفي قوله: { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } قولان. # أحدهما: كارهون خروجك. # والثاني: كارهون صرف الغنيمة عنهم، وهذه كراهة الطبع لمشقة السفر ~~والقتال، وليست كراهة لأمر الله تعالى. # قوله تعالى: { يجادلونك في الحق } يعني: في القتال يوم بدر، لأنهم خرجوا ~~بغير عدة، فقالوا: هلا أخبرتنا بالقتال لنأخذ العدة، فجادلوه ~~طلبا للرخصة في ترك القتال. وفي قوله { بعد ms0745 ما تبين } ثلاثة أقوال. # أحدها: تبين لهم فرضه. والثاني: تبين لهم صوابه. والثالث: تبين ~~لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرت به، وفي «المجادلين» قولان. # أحدهما: أنهم طائفة من المسلمين، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنهم المشركون، قاله ابن زيد. فعلى هذا، يكون جدالهم في الحق ~~الذي هو التوحيد، لا في القتال. فعلى الأول، يكون معنى قوله: { كأنما ~~يساقون إلى الموت } أي: في لقاء العدو { وهم ينظرون } ، لأن أشد حال من ~~يساق إلى الموت أن يكون ناظرا إليه، وعالما به. وعلى قول ابن زيد: ~~كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهتهم إياه. ### || [8.7-8] # قوله تعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } قال أهل التفسير: أقبل ~~أبو سفيان من الشام في عير لقريش، حتى إذا دنا من بدر، نزل جبريل فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج في جماعة من أصحابه يريدهم، فبلغهم ~~ذلك فبعثوا عمرو ابن ضمضم الغفاري إلى مكة مستغيثا، فخرجت قريش للمنع ~~عنها، ولحق أبو سفيان بساحل البحر، ففات رسول الله، ونزل جبريل بهذه ~~الآية: { وإذ يعدكم الله } والمعنى: اذكروا إذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين. والطائفتان: أبو سفيان وما معه من المال، وأبو جهل ومن معه من ~~قريش؛ فلما سبق أبو سفيان بما معه، كتب إلى قريش: إن كنتم خرجتم ~~لتحرزوا ركائبكم، فقد أحرزتها لكم. فقال أبو جهل: والله لا نرجع. وسار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد القوم، فكره أصحابه ذلك وودوا أن لو ~~نالوا الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال؛ فذلك قوله { وتودون أن ~~غير ذات الشوكة } أي: ذات السلاح. يقال: فلان شاكي السلاح؛ بالتخفيف، ~~وشاك في السلاح؛ بالتشديد، وشائك. قال أبو عبيدة: ومجاز الشوكة: الحد؛ ~~يقال: ما أشد شوكة بني فلان، أي: حدهم. وقال الأخفش: إنما أنث { ~~ذات الشوكة } لأنه يعني الطائفة. # قوله تعالى: { ويريد الله أن يحق الحق } في المراد بالحق قولان. # أحدهما: أنه الإسلام، قاله ابن عباس في آخرين. # والثاني: أنه القرآن، والمعنى: يحق ما أنزل إليك من القرآن. # قوله ms0746 تعالى: { بكلماته } أي: بعداته التي سبقت من إعزاز الدين، كقوله: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33]. # قوله تعالى: { ويقطع دابر الكافرين } أي: يجتث أصلهم؛ وقد بينا ذلك ~~في [الأنعام: 45]. # قوله تعالى: { ليحق الحق } المعنى: ويريد أن يقطع دابر الكافرين كيما ~~يحق الحق. وفي هذا الحق القولان المتقدمان. فأما الباطل، فهو الشرك؛ ~~والمجرمون هاهنا: المشركون. ### || [8.9-10] # قوله تعالى: { إذ تستغيثون ربكم } سبب نزولها ما روى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ~~وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة، ~~ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: # " اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك ~~هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا " # فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر الصديق فأخذ ~~رداءه فرداه به، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كذاك مناشدتك ~~ربك، فانه سينجز لك ما وعدك؛ وأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: { إذ } قال ابن جرير: هي من صلة «يبطل». وفي قوله: { ~~تستغيثون } قولان. # أحدهما: تستنصرون. والثاني: تستجيرون. والفرق بينهما أن المستنصر يطلب ~~الظفر، والمستجير يطلب الخلاص. وفي المستغيثين قولان. # أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قاله الزهري. # والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. فأما الإمداد ~~فقد سبق في [آل عمران: 124]. وقوله: { بألف } قرأ الضحاك، وأبو رجاء: ~~«بآلاف» بهمزة ممدودة وبألف على الجمع. وقرأ أبو العالية، وأبو المتوكل: ~~«بألوف» برفع الهمزة واللام وبواو بعدها على الجمع. وقرأ ابن حذلم، ~~والجحدري، «بألف» بضم الألف واللام من غير واو ولا ألف، وقرأ أبو ~~الجوزاء، وأبو عمران: «بيلف» بياء مفتوحة وسكون اللام من غير واو ولا ~~ألف، فأما قوله: { مردفين } فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «مردفين» بكسر الدال. قال ابن عباس، وقتادة، ~~والضحاك، وابن زيد، والفراء: هم المتتابعون. وقال أبو علي: يحتمل وجهين. # أحدهما: ms0747 أن يكونوا مردفين مثلهم، تقول: أردفت زيدا دابتي؛ فيكون ~~المفعول الثاني محذوفا في الآية. # والثاني: أن يكونوا جاؤوا بعدهم؛ تقول العرب: بنو فلان مردوفونا، أي: هم ~~يجيؤون بعدنا. قال أبو عبيدة: مردفين: جاؤوا بعد. وقرأ نافع، وأبو بكر ~~عن عاصم: «مردفين» بفتح الدال. قال الفراء: أراد: فعل ذلك بهم، أي: # إن الله أردف المسلمين بهم. وقرأ معاذ القارىء، وأبو المتوكل الناجي، ~~وأبو مجلز: «مردفين» بفتح الراء والدال مع التشديد. وقرأ أبو ~~الجوزاء، وأبو عمران «مردفين» برفع الراء وكسر الدال. وقال الزجاج: ~~يقال: ردفت الرجل: إذا ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفي. ويقال: ~~هذه دابة لا ترادف. ولا يقال: لا تردف. ويقال: أردفت الرجل: إذا ~~جئت بعده. فمعنى «مردفين» يأتون فرقة بعد فرقة. ويجوز في اللغة ~~مردفين ومردفين ومردفين، فالدال مكسورة مشددة على كل حال، ~~والراء يجوز فيها الفتح والضم والكسر. قال سيبويه: الأصل مرتدفين، فأدغمت ~~التاء في الدال فصارت مردفين لأنك طرحت حركة التاء على الراء؛ وإن ~~شئت لم تطرح حركة التاء، وكسرت الراء لالتقاء الساكنين. والذين ضموا ~~الراء، جعلوها تابعة لضمة الميم. وقد سبق في [آل عمران] تفسير قوله: # وما جعله الله إلا بشرى # [آل عمران: 126] وكان مجاهد يقول: ما أمد الله النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأكثر من هذه الألف التي ذكرت في [الأنفال: 10]، وما ذكر الثلاثة ~~والخمسة إلا بشرى، ولم يمدوا بها؛ والجمهور على خلافه، وقد ذكرنا ~~اختلافهم في عدد الملائكة في [آل عمران: 126]. ### || [8.11] # قوله تعالى: { إذ يغشاكم النعاس أمنة منه } قال الزجاج: { إذ } موضعها ~~نصب على معنى: وما جعله الله إلا بشرى، في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون ~~المعنى: اذكروا إذ يغشاكم النعاس. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «إذ يغشاكم» ~~بفتح الياء وجزم الغين وفتح الشين وألف «النعاس» بالرفع. وقرأ عاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «يغشيكم» بضم الياء وفتح الغين مشددة ~~الشين مكسورة «النعاس» بالنصب. وقرأ نافع: «يغشيكم» بضم الياء وجزم ~~الغين وكسر الشين «النعاس» بالنصب. وقال أبو سليمان الدمشقي: الكلام ~~راجع على قوله: { ولتطمئن ms0748 به قلوبكم } إذ يغشاكم النعاس. قال الزجاج: ~~و«أمنة» منصوب: مفعول له، كقولك: فعلت ذلك حذر الشر. يقال: أمنت آمن ~~أمنا وأمانا وأمنة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل، ~~وأبو العالية، وابن يعمر، وابن محيصن: { أمنة منه } بسكون الميم. # قوله تعالى: { وينزل عليكم من السماء ماء } قال ابن عباس: نزل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وبينه وبين الماء رملة، وغلبهم المشركون على ~~الماء، فأصاب المسلمين الظمأ، وجعلوا يصلون محدثين، وألقى الشيطان في ~~قلوبهم الوسوسة، يقول: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم ~~المشركون على الماء، وأنتم تصلون محدثين، فأنزل الله عليهم مطرا، ~~فشربوا وتطهروا، واشتد الرمل حين أصابه المطر، وأزال الله رجز الشيطان، ~~وهو وسواسه، حيث قال: قد غلبكم المشركون على الماء. وقال ابن زيد: رجز ~~الشيطان: كيده، حيث أوقع في قلوبهم أنه ليس لكم بهؤلاء القوم طاقة. وقال ~~ابن الأنباري: ساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه، فأرسل الله السماء، فزالت ~~وسوسة الشيطان التي تكسب عذاب الله وغضبه، إذ الرجز: العذاب. # قوله تعالى: { وليربط على قلوبكم } الربط: الشد. و«على» في قول بعضهم ~~صلة، فالمعنى: وليربط قلوبكم. وفي الذي ربط به قلوبهم وقواها ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه الصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه الإيمان، قاله مقاتل. # والثالث: أنه المطر الذي أرسله يثبت به قلوبهم بعد اضطرابها بالوسوسة ~~التي تقدم ذكرها. # قوله تعالى: { ويثبت به الأقدام } في هاء «به» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الماء؛ فان الأرض كانت رملة، فاشتدت بالمطر، ~~وثبتت عليها الأقدام، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين. # والثاني: انها ترجع إلى الربط، فالمعنى: ويثبت بالربط الأقدام، ذكره ~~الزجاج. ### || [8.12-14] # قوله تعالى: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم } قال الزجاج: { إذ } ~~في موضع نصب، والمعنى: وليربط إذ يوحي. ويجوز أن يكون المعنى: واذكروا إذ ~~يوحي. قال ابن عباس: وهذا الوحي: إلهام. # قوله تعالى: { إلى الملائكة } وهم الذين أمد بهم المسلمين. { أني معكم ~~} بالعون والنصرة. { فثبتوا الذين آمنوا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: قاتلوا ms0749 معهم، قاله الحسن. # والثاني: بشروهم بالنصر، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ~~ويقول: أبشروا فان الله ناصركم، قاله مقاتل. # والثالث: ثبتوهم بأشياء تلقونها في قلوبهم تقوى بها. ذكره الزجاج. # والرابع: صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد، ذكره الثعلبي. فأما الرعب: ~~فهو الخوف. قال السائب بن يسار: كنا إذا سألنا يزيد بن عامر السوائي ~~عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين كيف؟ كان يأخذ الحصى فيرمي به ~~الطست فيطن، فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا. # قوله تعالى: { فاضربوا فوق الأعناق } في المخاطب بهذا قولان. # أحدهما: أنهم الملائكة، قال ابن الأنباري: لم تعلم الملائكة أين تقصد ~~بالضرب من الناس، فعلمهم الله تعالى ذلك. # والثاني: أنهم المؤمنون، ذكره جماعة من المفسرين. وفي معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: فاضربوا الأعناق، و«فوق» صلة، وهذا قول عطية، والضحاك، والأخفش، ~~وابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: «فوق» بمعنى «على»، تقول: ضربته فوق الرأس، ~~وضربته على الرأس. # والثاني: اضربوا الرؤوس لانها فوق الأعناق، وبه قال عكرمة. # وفي المراد بالبنان ثلاثة أقوال. # أحدها: إنه الأطراف، قاله ابن عباس، والضحاك. وقال الفراء: علمهم ~~مواضع الضرب، فقال: اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل. وقال أبو عبيدة، وابن ~~قتيبة: البنان أطراف الأصابع. قال ابن الأنباري: واكتفى بهذا من جملة ~~اليد والرجل. # والثاني: أنه كل مفصل، قاله عطية، والسدي. # والثالث: أنه الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء، والمعنى: أنه أباحهم ~~قتلهم بكل نوع، هذا قول الزجاج. قال: واشتقاق البنان من قولهم: أبن ~~بالمكان: إذا أقام به؛ فالبنان به يعتمل كل ما يكون للاقامة والحياة. # قوله تعالى: { ذلك بأنهم شاقوا الله } { ذلك } إشارة إلى الضرب، { ~~وشاقوا } بمعنى: جانبوا، فصاروا في شق غير شق المؤمنين. # قوله تعالى: { ذلكم فذوقوه } خطاب للمشركين؛ والمعنى: ذوقوا هذا في عاجل ~~الدنيا. وفي فتح «أن» قولان. # أحدهما: باضمار فعل، تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين. # والثاني: أن يكون المعنى: ذلك بأن للكافرين عذاب النار. فاذا ألقيت ~~الباء، نصبت. وإن شئت، جعلت «أن» في موضع رفع، يريد: ذلكم فذوقوه، وذلكم ~~أن للكافرين عذاب ms0750 النار، هذا معنى قول الفراء. ### || [8.15-16] # قوله تعالى: { إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } الزحف: جماعة يزحفون إلى ~~عدوهم؛ قاله الليث. والتزاحف: التداني والتقارب، قال الأعشى: # لمن الظعائن سيرهن تزحف # قال الزجاج: ومعنى الكلام: إذا واقفتموهم للقتال فلا تدبروا { ومن ~~يولهم } يوم حربهم { دبره } إلا أن يتحرف ليقاتل، أو يتحيز إلى فئة، ف ~~«متحرفا» و «متحيزا» منصوبان على الحال. ويجوز أن يكون نصبهما على ~~الاستثناء؛ فيكون المعنى: إلا رجلا متحرفا أو متحيزا. وأصل متحيز: ~~متحيوز؛ فأدغمت الياء في الواو. # قوله تعالى: { ومأواه جهنم } أي: مرجعه إليها؛ ولا يدل ذلك على التخليد. # فصل # اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هذه خاصة في أهل بدر، وهو ~~مروي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، والحسن، وابن جبير، وقتادة، ~~والضحاك. وقال آخرون: هي على عمومها في كل منهزم؛ وهذا مروي عن ابن عباس ~~أيضا. وقال آخرون: هي على عمومها، غير أنها نسخت بقوله: # فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين # [الأنفال: 66] فليس للمسلمين أن يفروا من مثليهم، وبه قال عطاء بن أبي ~~رباح. وروى أبو طالب عن أحمد أنه سئل عن الفراء من الزحف، فقال: لا يفر ~~رجل من رجلين؛ فان كانوا ثلاثة، فلا بأس. وقد نقل نحو هذا عن ابن عباس. ~~وقال محمد بن الحسن: إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفا، فليس لهم أن يفروا من ~~عدوهم، وإن كثر عددهم. ونقل نحو هذا عن مالك؛ ووجهه ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " ما هزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفا من قلة " # إذا صبروا وصدقوا. ### || [8.17-18] # قوله تعالى: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } وقرأ ابن عامر، وأهل ~~الكوفة إلا عاصما «ولكن الله قتلهم» { ولكن الله رمى } بتخفيف ~~النون ورفع اسم الله فيهما. وسبب نزول هذا الكلام أن أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما رجعوا عن بدر جعلوا يقولون: قتلنا وقتلنا، هذا ~~معنى قول مجاهد. # فأما قوله تعالى: { وما رميت إذ رميت } ففي سبب نزوله ثلاثة أقوال. ms0751 # أحدها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: ناولني كفا من حصباء، ~~فناوله فرمى به في وجوه القوم، فما بقي منهم أحد إلا وقعت في عينه حصاة»، ~~وقيل: أخذ قبضة من التراب، فرمى بها، وقال: «شاهت الوجوه»؛ فما بقي مشرك ~~إلا شغل بعينه يعالج التراب الذي فيها، فنزلت: { وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى } وذلك يوم بدر؛ هذا قول الأكثرين. وقال ابن الأنباري: وتأويل ~~شاهت: قبحت، يقال: شاه وجهه يشوه شوها وشوهة، ويقال: رجل أشوه، وامرأة ~~شوهاء: إذا كانا قبيحين. # والثاني: أن أبي بن خلف أقبل يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يريده، فاعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فخلوا سبيله، وطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحرتبه، فسقط أبي عن ~~فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور، فقالوا: ~~إنما هو خدش، فقال: والذي نفسي بيده، لو كان الذي بي بأهل المجاز لماتوا ~~أجمعون، فمات قبل أن يقدم مكة؛ فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن المسيب ~~عن أبيه. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى يوم خيبر بسهم، فأقبل ~~السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه، فنزلت هذه الآية، ~~ذكره أبو سليمان الدمشقي في آخرين. # قوله تعالى: { ولكن الله قتلهم } اختلفوا في معنى إضافة قتلهم إليه على ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنه قتلهم بالملائكة الذين أرسلهم. والثاني: أنه أضاف القتل إليه ~~لأنه تولى نصرهم. والثالث: لأنه ساقهم إلى المؤمنين وأمكنهم منهم. ~~والرابع: لأنه ألقى الرعب في قلوبهم. وفي قوله: { وما رميت إذ رميت } ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المعنى: وما ظفرت أنت ولا أصبت، ولكن الله اظفرك وأيدك، قاله ~~أبو عبيدة. # والثاني: وما بلغ رميك كفا من تراب أو حصى أن تملأ عيون ذلك الجيش ~~الكثير، إنما الله تولى ذلك، قاله الزجاج. # والثالث: وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب، ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } أي: ms0752 لينعم عليهم ~~نعمة عظيمة بالنصر والأجر. { إن الله سميع } لدعائهم { عليم } بنياتهم. # قوله تعالى: { ذلكم } قال الزجاج: موضعه رفع؛ والمعنى: الأمر ذلكم. وقال ~~غيره: «ذلكم» إشارة إلى القتل والرمي والبلاء الحسن. { وأن الله } أي: ~~واعلموا أن الله. والذي ذكرناه في فتح «أن» في قوله: { وأن للكافرين ~~عذاب النار } هو مذكور في فتح «أن» هذه. # قوله تعالى: { موهن } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر: «موهن» ~~بفتح الواو وتشديد الهاء منونة «كيد» بالنصب. وقرأ ابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «موهن» ساكنة الواو «كيد» بالنصب. وروى ~~حفص عن عاصم: «موهن كيد» مضاف. والموهن: المضعف، والكيد: المكر. ### || [8.19-20] # قوله تعالى: { إن تستفتحوا } في سبب نزولها خمسة أقوال. # أحدها: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصروا الله وسألوه ~~الفتح، فنزلت هذه الآية؛ وهذا المعنى مروي عن أبي بن كعب، وعطاء ~~الخراساني. # والثاني: أن أبا جهل قال: اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره ~~اليوم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أن المشركين أخذوا بأستار الكعبة قبل خروجهم إلى بدر، فقالوا: ~~اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم القبيلتين؛ فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # والرابع: أن المشركين قالوا: اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح ~~بيننا وبينه بالحق؛ فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # والخامس: أنهم قالوا بمكة: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء... # [الأنفال: 32] الآية فعذبوا يوم بدر، قاله ابن زيد. فخرج من هذه ~~الأقوال أن في المخاطبين بقوله: { إن تستفتحوا } قولان. # أحدهما: أنهم المؤمنون. والثاني: المشركون؛ وهو الأشهر. # وفي الاستفتاح قولان. # أحدهما: انه الاستنصار، قاله ابن عباس، والزجاج في آخرين. فان قلنا: ~~إنهم المسلمون، كان المعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر بالملائكة؛ وإن ~~قلنا: إنهم المشركون؛ احتمل وجهين. أحدهما: إن تستنصروا فقد جاء النصر ~~عليكم. والثاني: إن تستنصروا لأحب الفريقين إلى الله، فقد جاء النصر لأحب ~~الفريقين. # والثاني: أن الاستفتاح: طلب الحكم، والمعنى: إن تسألوا الحكم بينكم وبين ms0753 ~~المسلمين، فقد جاءكم الحكم؛ وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة، ومجاهد، وقتادة. ~~فأما قوله: { وإن تنتهوا فهو خير لكم } فهو خطاب للمشركين على قول ~~الجماعة. # وفي معناه قولان. # أحدهما: إن تنتهوا عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم والكفر، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: إن تنتهوا عن استفتاحكم، فهو خير لكم، لأنه كان عليهم، لا لهم، ~~ذكره الماوردي. # وفي قوله: { وإن تعودوا نعد } قولان. # أحدهما: وإن تعودوا إلى القتال، نعد إلى هزيمتكم، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. والثاني: وإن تعودوا إلى الاستفتاح، نعد إلى الفتح لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. # قوله تعالى: { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا } أي: جماعتكم وإن كثرت، { وأن ~~الله مع المؤمنين } بالعون والنصر. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~وأبو بكر عن عاصم: «وإن الله» بكسر الألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص ~~عن عاصم: «وأن» بفتح الألف. فمن قرأ بكسر «أن» استأنف. قال الفراء: وهو ~~أحب إلي من فتحها. ومن فتحها أراد: ولأن الله مع المؤمنين. # قوله تعالى: { ولا تولوا عنه } فيه قولان. # أحدهما: لا تولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: لا تولوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأنتم ~~تسمعون } ما نزل من القرآن، روي القولان عن ابن عباس. ### || [8.21-22] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصي، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: في اليهود قريظة والنضير، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي، ومقاتل. # وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: أنهم قالوا: سمعنا، ولم يتفكروا فيما سمعوا، فكانوا كمن لم ~~يسمع، قاله الزجاج. # والثاني: أنهم قالوا: سمعنا سماع من يقبل، وليسوا كذلك، حكي عن مقاتل. # قوله تعالى: { إن شر الدواب عند الله الصم البكم } اختلفوا فيمن نزلت ~~على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصي، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: ms0754 في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي. والدواب: اسم كل ~~حيوان يدب وقد بينا في سورة [البقرة: 18] معنى الصم والبكم، ولم ~~سماهم بذلك. ### || [8.23] # قوله تعالى: { ولو علم الله فيهم خيرا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: ولو علم فيهم صدقا وإسلاما. # والثاني: لو علم فيهم خيرا في سابق القضاء. # والثالث: لو علم أنهم يصلحون. # والرابع: لو علم أنهم يصغون. # وفي قوله: { لأسمعهم } ثلاثة أقوال. # أحدها: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه، قاله الزجاج. # والثاني: لرزقهم الفهم، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: لأسمعهم كلام الموتى يشهدون بنبوتك، حكاه الماوردي. وفي ~~قوله: { وهم معرضون } قولان. # أحدهما: مكذبون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: وهم معرضون عما أسمعهم لمعاندتهم، قاله الزجاج. ### || [8.24] # قوله تعالى: { استجيبوا } أي: أجيبوا. # قوله تعالى: { إذا دعاكم } يعني: الرسول { لما يحييكم } وفيه ستة أقوال. # أحدها: أن الذي يحييكم كل ما يدعو الرسول إليه، وهو معنى قول أبي ~~صالح عن ابن عباس. وفي أفراد البخاري # " من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني ~~كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم؟» قلت: بلى، ولا أعود إن شاء الله ". # والثاني: أنه الحق، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثالث: أنه الإيمان، رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ~~السدي. # والرابع: أنه اتباع القرآن، قاله قتادة، وابن زيد. # والخامس: أنه الجهاد، قاله ابن إسحاق. وقال ابن قتيبة: هو الجهاد الذي ~~يحيي دينهم ويعليهم. # والسادس: أنه إحياء أمورهم، قاله الفراء. فيخرج في إحيائهم خمسة ~~أقوال. # أحدها: أنه إصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة. # والثاني: بقاء الذكر الجميل لهم في الدنيا، وحياة الأبد في الآخرة. # والثالث: أنه دوام نعيمهم في الآخرة. # والرابع: أنه كونهم مؤمنين، لأن الكافر كالميت. # والخامس: أنه يحييهم بعد موتهم، وهو على قول من قال هو الجهاد، لأن ~~الشهداء أحياء، ولأن الجهاد يعزهم بعد ms0755 ذلهم، فكأنهم صاروا به ~~أحياء. # قوله تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } وفيه عشرة أقوال. # أحدها: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. # والثاني: يحول بين المؤمن وبين معصيته، وبين الكافر وبين طاعته، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء. # والثالث: يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل، قاله مجاهد. قال ابن ~~الأنباري: المعنى: يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال، فانكم لا ~~تأمنون زوال العقول، فتحصلون على ما قدمتم. # والرابع: أن المعنى: هو قريب من المرء، لا يخفى عليه شيء من سره، ~~كقوله: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16] وهذا معنى قول قتادة. # والخامس: يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع إيمانا ولا كفرا إلا ~~بإذنه، قاله السدي. # والسادس: يحول بين المرء وبين هواه، ذكره ابن قتيبة. # والسابع: يحول بين المرء وبين ما يتمنى بقلبه من طول العمر والنصر ~~وغيره. # والثامن: يحول بين المرء وقلبه بالموت، فبادروا الأعمال قبل وقوعه. # والتاسع: يحول بين المرء وقلبه بعلمه، فلا يضمر العبد شيئا في نفسه إلا ~~والله عالم به، لا يقدر على تغييبه عنه. # والعاشر: يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن، فيأمن بعد خوفه، ~~ويخاف بعد أمنه، ذكر معنى هذه الأقوال ابن الأنباري. # وحكى الزجاج: أنهم لما فكروا في كثرة عدوهم وقلة عددهم، فدخل الخوف ~~قلوبهم، أعلمهم الله تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدله بالخوف ~~الأمن، ويبدل عدوه بالقوة الضعف، وقد أعلمت هذه الآية أن الله ~~تعالى هو المقلب للقلوب، المتصرف فيها. # قوله تعالى: { وأنه إليه تحشرون } أي: للجزاء على أعمالكم. ### || [8.25] # قوله تعالى: { واتقوا فتنة } اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله ابن ~~عباس، والضحاك. وقال الزبير بن العوام: لقد قرأناها زمانا، وما نرى ~~أنا من أهلها، فاذا نحن المعنيون بها. # والثاني: أنها نزلت في رجلين ms0756 من قريش، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ولم ~~يسمهما. # والثالث: أنها عامة، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: في هذه الآية، أمر ~~الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب. ~~وقال مجاهد: هذه الآية لكم أيضا. # والرابع: أنها نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، قاله الحسن. وقال ~~السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل. # وفي الفتنة هاهنا سبعة أقوال. # أحدها: القتال. والثاني: الضلالة. والثالث: السكوت عن إنكار المنكر. ~~والرابع: الاختبار. والخامس: الفتنة بالأموال والأولاد. والسادس: البلاء. ~~والسابع: ظهور البدع. فأما قوله: { لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ~~فقال الفراء: أمرهم، ثم نهاهم، وفيه طرف من الجزاء. وإن كان نهيا، ~~كقوله: # يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان # [النمل: 18] أمرهم، ثم نهاهم؛ وفيه تأويل الجزاء. وقال الأخفش: { لا ~~تصيبن } ليس بجواب، وإنما هو نهي بعد نهي؛ ولو كان جوابا ما دخلت النون. ~~وذكر ابن الأنباري فيها قولين. # أحدهما: أن الكلام تأويله تأويل الخبر، إذ كان المعنى: إن لا يتقوها، ~~تصب الذين ظلموا، أي: وغيرهم، أي: لا تقع بالظالمين دون غيرهم، لكنها ~~تقع بالصالحين والطالحين؛ فلما ظهر الفعل ظهور النهي، والنهي راجع إلى ~~معنى الأمر، إذ القائل يقول: لا تقم، يريد: دع القيام، ووقع مع هذا ~~جوابا للأمر، أو كالجواب له، فأكد له شبه النهي، فدخلت النون المعروف ~~دخولها في النهي وما يضارعه. # والثاني: أنها نهي محض، معناه: لا يقصدن الظالمون هذه الفتنة، ~~فيهلكوا؛ فدخلت النون لتوكيد الاستقبال، كقوله: { لا يحطمنكم }. ~~وللمفسرين في معنى الكلام قولان. # أحدهما: لا تصيبن الفتنة الذين ظلموا. # والثاني: لا يصيبن عقاب الفتنة. فان قيل: فما ذنب من لم يظلم؟ فالجواب: ~~أنه بموافقته للأشرار، أو بسكوته عن الإنكار، أو بتركه للفرار، استحق ~~العقوبة. وقد قرأ علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب: «لتصيبن الذين ~~ظلموا» بغير ألف. ### || [8.26] # قوله تعالى: { واذكروا إذ أنتم قليل } قال ابن عباس: نزلت في ~~المهاجرين خاصة، كانت عدتهم قليلة، وهم مقهورون في أرض مكة، يخافون ~~أن ms0757 يستلبهم المشركون. وفي المراد بالناس ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس. والثاني: فارس والروم، قاله وهب بن ~~منبه. والثالث: أنهم المشركون الذين حضروا بدرا، والمسلمون قليلون ~~يومئذ، قاله قتادة. # قوله تعالى: { فآواكم } فيه قولان. # أحدهما: فآواكم إلى المدينة بالهجرة، قاله ابن عباس والأكثرون. # والثاني: جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين، ذكره الماوردي. # وفي قوله: { وأيدكم بنصره } قولان. # أحدهما: قواكم بالملائكة يوم بدر، قاله الجمهور. والثاني: عضدكم بنصره ~~في بدر وغيرها، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي قوله: { ورزقكم من الطيبات ~~} قولان. # أحدهما: أنها الغنائم التي أحلها لهم، قاله السدي. # والثاني: أنها الخيرات التي مكنهم منها،ذكره الماوردي. ### || [8.27] # قوله تعالى: { لا تخونوا الله والرسول } اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وذاك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر قريظة سألوه أن يصالحهم على ما ~~صالح عليه بني النضير، على أن يسيروا إلى أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك ~~إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا، وقالوا: أرسل إلينا أبا ~~لبابة، وكان مناصحا لهم، لأن ولده وأهله كانوا عندهم، فبعثه إليهم، ~~فقالوا: ما ترى، أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى ~~حلقه: إنه الذبح فلا تفعلوا، فأطاعوه، فكانت تلك خيانته؛ قال أبو لبابة: ~~فما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ونزلت هذه الآية، ~~هذا قول ابن عباس، والأكثرين. وروي أن أبا لبابة ربط نفسه بعد نزول هذه ~~الآية إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا ~~حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام كذلك، ثم تاب الله عليه، ~~فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي يحلني، فجاء فحله بيده، فقال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن ~~أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «يجزئك الثلث» ms0758 ". # والثاني: # " أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان في ~~مكان كذا وكذا، فقال النبي الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرجوا ~~إليه واكتموا» فكتب إليه رجل من المنافقين: إن محمدا يريدكم، فخذوا ~~حذركم، فنزلت هذه الآية " # ، قاله جابر بن عبد الله. # والثالث: أنها نزلت في قتل عثمان بن عفان، قاله المغيرة بن شعبة. # والرابع: أن قوما كانوا يسمعون الحديث من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيفشونه حتى يبلغ المشركين، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. وفي ~~خيانة الله قولان. # أحدهما: ترك فرائضه. والثاني: معصية رسوله. وفي خيانة الرسول قولان. ~~أحدهما: مخالفته في السر بعد طاعته في الظاهر. والثاني: ترك سنته. # وفي المراد بالأمانات ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الفرائض، قاله ابن عباس. وفي خيانتها قولان. أحدهما: ~~تنقيصها. والثاني: تركها. # والثاني: أنها الدين، قاله ابن زيد. فيكون المعنى: لا تظهروا الإيمان ~~وتبطنوا الكفر. # والثالث: أنها عامة في خيانة كل مؤتمن، ويؤكده نزولها في ما جرى ~~لأبي لبابة. ### || [8.28-29] # قوله تعالى: { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } قال ابن عباس: هذا ~~خطاب لأبي لبابة، لأنه كانت له أموال وأولاد عند بني قريظة. فأما الفتنة، ~~فالمراد بها: الابتلاء والامتحان الذي يظهر ما في النفس من اتباع ~~الهوى أو تجنبه { وأن الله عنده أجر عظيم } خير من الأموال والأولاد. # قوله تعالى: { إن تتقوا الله } أي: بترك معصيته، واجتناب الخيانة لله ~~ورسوله. # قوله تعالى: { يجعل لكم فرقانا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه المخرج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~ومجاهد، والضحاك، وابن قتيبة. والمعنى: يجعل لكم مخرجا في الدين من ~~الضلال. # والثاني: أنه النجاة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والسدي. # والثالث: أنه النصر، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الفراء. # والرابع: أنه هدى في قلوبهم يفرقون به بين الحق والباطل، قاله ابن زيد، ~~وابن إسحاق. ### || [8.30] # قوله تعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا } هذه الآية متعلقة بقوله: # وذكروا إذ كنتم قليلا # [الأعراف: 86] فالمعنى: ms0759 أذكر المؤمنين ما من الله به عليهم، ~~واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا. # الإشارة إلى كيفية مكرهم # قال أهل التفسير: لما بويع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، ~~وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة، أشفقت قريش أن يعلو أمره، وقالوا: ~~والله لكأنكم به قد كر عليكم بالرجال، فاجتمع جماعة من أشرافهم ليدخلوا ~~دار الندوة فيتشاوروا في أمره، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ كبير، فقالوا: ~~من أنت؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد، سمعت ما اجتمعتم له، فأردت أن أحضركم، ~~ولن تعدموا من رأيي نصحا، فقالوا: ادخل، فدخل معهم، فقالوا: انظروا في ~~أمر هذا الرجل، فقال بعضهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به ريب المنون. ~~فقال إبليس: ما هذا برأي، يوشك أن يثب أصحابه فيأخذوه من أيديكم. فقال ~~قائل: أخرجوه من بين أظهركم. فقال: ما هذا برأي، يوشك أن يجمع عليكم ثم ~~يسير إليكم. فقال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة غلاما، ثم نعطي كل غلام ~~سيفا فيضربوه به ضربة رجل واحد، فيفرق دمه في القبائل، فما أظن هذا ~~الحي من قريش يقوى على ضرب قريش كلها، فيقبلون العقل ونستريح. فقال ~~إبليس: هذا والله الرأي، فتفرقوا عن ذلك. وأتى جبريل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت ~~في مضجعه تلك الليلة، وأمر عليا فبات في مكانه، وبات المشركون يحرسونه، ~~فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن له الله في الخروج إلى ~~المدينة، وجاء المشركون لما أصبحوا، فرأوا عليا، فقالوا: أين صاحبك؟ ~~قال: لا أدري، فاقتصوا أثره حتى بلغوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا نسج ~~العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت. فأما قوله: { ~~ليثبتوك } فقال ابن قتيبة: معناه: ليحبسوك. يقال فلان مثبت وجعا: إذا لم ~~يقدر على الحركة. وللمفسرين فيه قولان. # أحدهما: ليثبتوك في الوثاق، قاله ابن عباس، والحسن في آخرين. # والثاني: ليثبتوك في الحبس، قاله عطاء، والسدي في آخرين. وكان القوم ~~أرادوا أن يحبسوه في بيت ويشدوا ms0760 عليه بابه ويلقوا إليه الطعام والشراب، ~~وقد سبق بيان المكر في [آل عمران: 54]. ### || [8.31] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا } ذكر أهل التفسير أن هذه الآيه ~~نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، وأنه لما سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يذكر قصص القرون الماضية، قال: لو شئت لقلت مثل هذا. وفي ~~قوله: { قد سمعنا } قولان. # أحدهما: قد سمعنا منك ولا نطيعك. # والثاني: قد سمعنا قبل هذا مثله، وكان النضر يختلف إلى فارس تاجرا، ~~فيسمع العباد يقرؤون الإنجيل. وقد بين التحدي كذب من قال: { لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا }. وقد سبق معنى الأساطير في [الأنعام: 25]. ### || [8.32] # قوله تعالى: { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } اختلفوا ~~فيمن نزلت على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في النضر أيضا، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال سعيد ~~بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والسدي. # والثاني: أنها نزلت في أبي جهل، فهو القائل لهذا؛ قاله أنس بن مالك، وهو ~~مخرج في «الصحيحين». # والثالث: أنها نزلت في قريش، قالوا: هذا، ثم ندموا فقالوا غفرانك اللهم، ~~فأنزل الله { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ، رواه أبو معشر عن ~~يزيد ابن رومان، ومحمد بن قيس. وفي المشار إليه بقوله: { إن كان هذا } ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه القرآن. والثاني: كل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الأمر بالتوحيد وغيره. والثالث: أنه إكرام محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالنبوة من بين قريش. ### || [8.33] # قوله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } في المشار إليه قولان. # أحدهما: أهل مكة. وفي معنى الكلام قولان. أحدهما: وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت مقيم بين أظهرهم. قال ابن عباس: لم تعذب قرية حتى يخرج نبيها ~~والمؤمنون معه. والثاني: وما كان الله ليعذبهم وأنت حي؛ قاله أبو ~~سليمان. # والثاني: أن المشار إليهم المؤمنون، والمعنى: وما كان الله ليعذب ~~المؤمنين بضرب من العذاب الذي أهلك به من قبلهم وأنت حي؛ ذكره أبو ~~سليمان الدمشقي. # فصل # قال الحسن، وعكرمة: ms0761 هذه الآية منسوخة بقوله: # وما لهم ألا يعذبهم الله # [الأنفال: 34] وفيه بعد لأن النسخ لا يدخل على الأخبار، وقال ابن أبزى: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله عز وجل { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم } فخرج إلى المدينة، فأنزل الله { وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون } وكان أولئك البقية من المسلمين بمكة يستغفرون، ~~فلما خرجوا أنزل الله { وما لهم ألا يعذبهم الله }. وجميع أقوال ~~المفسرين تدل على أن قوله: { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } كلام ~~مبتدأ من إخبار الله عز وجل. وقد روي عن محمد بن إسحاق أنه قال: هذه ~~الآية من قول المشركين، قالوا: والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر، ~~فرد الله عليهم ذلك بقوله: { وما لهم ألا يعذبهم الله }. # قوله تعالى: { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } وفي معنى هذا ~~الكلام خمسة أقوال. # أحدها: وما كان الله معذب المشركين، وفيهم من قد سبق له أن يؤمن؛ رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الزجاج. # والثاني: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون الله، فانهم كانوا يلبون ~~ويقولون: غفرانك؛ وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وفيه ضعف، لأن استغفار ~~المشرك لا أثر له في القبول. # والثالث: وما كان الله معذبهم، يعني: المشركين، وهم يعني المؤمنين ~~الذين بينهم يستغفرون؛ روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك، وأبو ~~مالك: قال ابن الأنباري وصفوا بصفة بعضهم، لأن المؤمنين بين أظهرهم، ~~فأوقع العموم على الخصوص، كما يقال: قتل أهل المسجد رجلا، وأخذ أهل ~~البصرة فلانا، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد. # والرابع: وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر الله، قاله ~~مجاهد. قال ابن الأنباري: فيكون معنى تعذيبهم: إهلاكهم؛ فالمعنى: وما كان ~~الله مهلكهم، وقد سبق في علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ويستغفرونه؛ ~~فوصفهم بصفة ذراريهم، وغلبوا عليهم كما غلب بعضهم على كلهم في ~~الجواب الذي قبله. # والخامس: أن المعنى لو استغفروا لما عذبهم الله، ولكنهم لم يستغفروا ~~فاستحقوا العذاب، وهذا كما تقول ms0762 العرب: ما كنت لأهينك وأنت تكرمني؛ ~~يريدون: ما كنت لأهينك لو أكرمتني، فأما إذ لست تكرمني، فانك مستحق ~~لإهانتي، وإلى هذا القول ذهب قتادة والسدي. قال ابن الأنباري: وهو اختيار ~~اللغويين. وذكر المفسرون في معنى هذا الاستغفار ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الاستغفار المعروف، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: أنه بمعنى الصلاة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومنصور عن ~~مجاهد، وبه قال الضحاك. # والثالث: أنه بمعنى الإسلام، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال ~~عكرمة. ### || [8.34] # قوله تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } هذه الآية أجازت تعذيبهم، ~~والأولى نفت ذلك، وهل المراد بهذا: العذاب الاول، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه هو الأول، إلا أن الأول امتنع بشيئين. أحدهما: كون النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيهم. والثاني: كون المؤمنين المستغفرين بينهم، فلما ~~وقع التمييز بالهجرة، وقع العذاب بالباقين يوم بدر، وقيل: بل وقع بفتح ~~مكة. # والثاني: أنهما مختلفان، وفي ذلك قولان. أحدهما: أن العذاب الثاني: ~~قتل بعضهم يوم بدر، والأول: استئصال الكل، فلم يقع الأول لما قد ~~علم من إيمان بعضهم، وإسلام بعض ذراريهم، ووقع الثاني. والثاني: أن ~~العذاب الأول: عذاب الدنيا. والثاني: عذاب الآخرة، قاله ابن عباس، فيكون ~~المعنى: وما كان الله معذب المشركين لاستغفارهم في الدنيا، وما لهم ~~ألا يعذبهم الله في الآخرة. # قوله تعالى: { وهم يصدون } قال الزجاج: المعنى: وهم يصدون { عن المسجد ~~الحرام } أولياءه. وفي هاء الكناية في قوله: { وما كانوا أولياءه } ~~قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى «المسجد»، وهو قول الجمهور. قال الحسن: إن ~~المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بهذا. # والثاني: أنها تعود إلى الله عز وجل، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { إن أولياؤه } أي: ما أولياؤه { إلا المتقون } للشرك ~~والمعاصي، ولكن أكثر أهل مكة لا يعلمون من الأولى ببيت الله. ### || [8.35] # قوله تعالى: { وما كان صلاتهم عند البيت } سبب نزولها: أنهم كانوا ~~يطوفون بالبيت ويصفقون ويصفرون ويضعون خدودهم بالأرض، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عمر. فأما المكاء ms0763 ففيه قولان. # أحدهما: أنه الصفير، قاله ابن عمر، وابن عباس، وابن جبير، وقتادة، ~~وأبو عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة. قال ابن فارس: يقال: مكا الطائر [يمكو] ~~مكاء: إذا صفر، ويقال: مكيت يده [تمكى] مكى، مقصور، أي: غلظت ~~وخشنت، ويقال: تمكى: إذا توضأ. وأنشدوا: # [إنك والجور على سبيل] # كالمتمكي بدم القتيل # وسئل أبو سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء، فجمع كفيه وجعل يصفر ~~فيهما. # والثاني: أنه إدخال أصابعهم في أفواههم يخلطون به وبالتصدية على محمد ~~صلى الله عليه وسلم صلاته، قاله مجاهد: قال ابن الأنباري: أهل اللغة ~~ينكرون أن يكون المكاء إدخال الأصابع في الأفواه، وقالوا: لا يكون إلا ~~الصفير. وفي التصدية قولان. # أحدهما: أنها التصفيق، قاله [ابن] عمر، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، ~~وقتادة، والجمهور. قال ابن قتيبة: يقال: صدى: إذا صفق بيديه. قال ~~الراجز: # ضنت بخد وجلت عن خد # وأنا من غرو الهوى أصدي # الغرو: العجب، يقال: لا غرو من كذا، أي: لا عجب. # والثاني: أن التصدية: صدهم الناس عن البيت الحرام، قاله سعيد بن جبير. ~~وقال ابن زيد: هو صدهم عن سبيل الله ودينه. وزعم مقاتل أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام، قام رجلان من المشركين من ~~بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره فيصفقان، فتختلط على ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وقراءته، فقتلهم الله ببدر، فذلك قوله: { ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } بتوحيد الله. # فان قيل: كيف سمى المكاء والتصدية صلاة؟. # فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: أنهم جعلوا ذلك مكان الصلاة، ومشهور في كلام العرب أن يقول ~~الرجل: زرت عبد الله، فجعل جفائي صلتي، أي: أقام الجفاء مقام الصلة، ~~قال الشاعر: # قلت له اطعمني عميم تمرا # فكان تمري كهرة وزبرا # أي: أقام الصياح علي مقام التمر. # والثاني: أن من كان المكاء والتصدية صلاته، فلا صلاة له، كما تقول ~~العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء، يريدون: من السخاء عيبه، فلا عيب له، ~~قال الشاعر: # فتى كملت خيراته غير أنه # جواد ms0764 فلا يبقي من المال باقيا ### || [8.36] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } ~~اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في المطعمين ببدر، وكانوا اثني عشر رجلا يطعمون ~~الناس الطعام، كل رجل يطعم يوما، وهم عتبة، وشيبة، ومنبه، ونبيه ~~ابنا الحجاج، وأبو البختري، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وأخوه ~~الحارث، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن ~~عامر ابن نوفل، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أحد ألفين من ~~الأحابيش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، سوى من استجاش من العرب، ~~قاله سعيد بن جبير. وقال مجاهد: نزلت في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم ~~أحد. # والثالث: أنها نزلت في أهل بدر، وبه قال الضحاك. فأما سبيل الله، فهو ~~دين الله. # قوله تعالى: { ثم تكون عليهم حسرة } أي: تكون عاقبة نفقتهم ندامة، لأنهم ~~لم يظفروا. ### || [8.37] # قوله تعالى: { ليميز الله الخبيث من الطيب } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «ليميز» خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي: ~~«ليميز» بالتشديد وهما لغتان: مزته وميزته. وفي لام «ليميز» ~~قولان. # أحدهما: أنها متعلقة بقوله: «فسينفقونها» قاله ابن الأنباري. # والثاني: أنها متعقلة بقوله: { إلى جهنم يحشرون } قاله ابن جرير الطبري. ~~وفي معنى الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: ليميز أهل السعادة من أهل الشقاء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. وقال السدي، ومقاتل: يميز المؤمن من الكافر. # والثاني: ليميز العمل الطيب من العمل الخبيث، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثالث: ليميز الإنفاق الطيب في سبيله، من الانفاق الخبيث في سبيل ~~الشيطان، قاله ابن زيد، والزجاج. # قوله تعالى: { ويجعل الخبيث بعضه على بعض } أي: يجمع بعضه فوق بعض، وهو ~~قوله: { فيركمه }. قال الزجاج: الركم: أن يجعل بعض الشيء على بعض، ~~يقال: ركمت الشيء أركمه ركما، والركام: الاسم؛ فمن قال: المراد ~~بالخبيث: الكفار، فانهم في النار بعضهم على بعض؛ ومن قال: أموالهم، فله ~~في ms0765 ذلك قولان. # أحدهما: أنها ألقيت في النار ليعذب بها أربابها، كما قال تعالى: # فتكوى بها جباههم # [التوبة: 35]. # والثاني: أنهم لما عظموها في الدنيا، أراهم هوانها بالقائها في ~~النار كما تلقى الشمس والقمر في النار، ليرى من عبدهما ذلهما. ### || [8.38] # قوله تعالى: { قل للذين كفروا } نزلت في أبي سفيان وأصحابه، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. وفي معنى الآية قولان. # أحدهما: إن ينتهوا عن المحاربة، يغفر لهم ما قد سلف من حربهم، فلا ~~يؤاخذون به، وإن يعودوا إلى المحاربة، فقد مضت سنة الأولين في نصر الله ~~أولياءه، وقيل: في قتل من قتل يوم بدر وأسر. # والثاني: إن ينتهوا عن الكفر، يغفر لهم ما قد سلف من الإثم؛ وإن ~~يعودوا إليه، فقد مضت سنة الأولين من الأمم السالفة حين أخذوا ~~بالعذاب المستأصل. قال يحيى بن معاذ. في هذه الآية: إن توحيدا لم ~~يعجز عن هدم ما قبله من كفر، لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. ### || [8.39] # قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك. وقال الزجاج: حتى ~~لا يفتن الناس فتنة كفر؛ ويدل عليه قوله: { ويكون الدين كله لله }. # قوله تعالى: { فان انتهوا } أي: عن الكفر والقتال { فان الله بما يعملون ~~بصير }. وقرأ يعقوب إلا روحا «بما تعملون» بالتاء. ### || [8.40] # قوله تعالى: { وإن تولوا } أي: أعرضوا عن الإيمان وعادوا إلى القتال { ~~فاعلموا أن الله مولاكم } أي: وليكم وناصركم. قال ابن قتيبة: { نعم ~~المولى } أي: نعم الولي { ونعم النصير } أي: الناصر، مثل قدير وقادر، ~~وسميع وسامع. ### || [8.41] # قوله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء } اختلفوا، هل الغنيمة والفيء ~~بمعنى واحد، أم يختلفان؟ على قولين. # أحدهما: أنهما يختلفان. ثم في ذلك قولان. أحدهما: أن الغنيمة: ما ظهر ~~عليه من أموال المشركين، والفيء، ما ظهر عليه من الأرضين، قاله عطاء بن ~~السائب. والثاني: أن الغنيمة: ما أخذ عنوة، والفيء: ما أخذ عن صلح، ~~قاله سفيان الثوري. وقيل: بل الفيء: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، ~~كالعشور، والجزية، وأموال المهادنة، والصلح، وما ms0766 هربوا عنه. # والثاني: أنهما واحد، وهما: كل ما نيل من المشركين، ذكره الماوردي. وقال ~~الزجاج: الأموال: ثلاثة أصناف؛ فما صار إلى المسلمين من المشركين في حال ~~الحرب، فقد سماه الله تعالى: أنفالا وغنائم، وما صار من المشركين من ~~خراج أو جزية مما لم يؤخذ في الحرب، فقد سماه: فيئا؛ وما خرج من أموال ~~المسلمين كالزكاة، والنذر والقرب سماه: صدقة. وأما قوله: { من شيء } ~~فالمراد به: كل ما وقع عليه اسم شيء. قال مجاهد: المخيط من الشيء. # قوله تعالى: { فأن لله خمسه } وروى عبد الوارث: «خمسه» ~~بسكون الميم. وفي المراد بالكلام قولان. # أحدهما: أن نصيب الله مستحق يصرف إلى بيته. قال أبو العالية: كان ~~يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، ~~فيقسم أربعة بين الناس، ثم يجعل من السهم الخامس للكعبة؛ وهذا مما انفرد ~~به أبو العالية فيما يقال. # والثاني: أن ذكر الله هاهنا لأحد وجهين. أحدهما: لأنه المتحكم فيه، ~~والمالك له، والمعنى: فان للرسول خمسة ولذي القربى، كقوله: # يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول # [الأنفال: 1]. والثاني: أن يكون المعنى: إن الخمس مصروف في وجوه القرب ~~إلى الله تعالى، وهذ قول الجمهور. فعلى هذا، تكون الواو زائدة، كقوله: # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه # [الصافات: 103] المعنى: ناديناه، ومثله كثير. # فصل # أجمع العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة لأهل الحرب خاصة، فأما الخمس ~~الخامس، فكيف يقسم؟ فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يقسم منه لله وللرسول ولمن ذكر في الآية. وقد ذكرنا أن هذا مما ~~انفرد به أبو العالية، وهو يقتضي أن يقسم على ستة أسهم. # والثاني: أنه مقسوم على خمسة أسهم: سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم ~~لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، على ظاهر الآية، وبه قال ~~الجمهور. # والثالث: أنه يقسم على أربعة أسهم. فسهم الله عز وجل وسهم رسوله عائد ~~على ذوي القربى، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ منه ~~شيئا، وهذا المعنى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # فصل # فأما ms0767 سهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانه كان يصنع فيه ما ~~بينا. # وهل سقط بموته، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: لم يسقط بموته، وبه قال أحمد، والشافعي في آخرين. وفيما يصنع ~~به قولان. # أحدهما: أنه للخليفة بعده، قاله قتادة. # والثاني: أنه يصرف في المصالح، وبه قال أحمد، والشافعي. # والثاني: أنه يسقط بموته كما يسقط الصفي، فيرجع إلى جملة الغنيمة، وبه ~~قال أبو حنيفة. وأما ذوو القربى، ففيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم جميع قريش. قال ابن عباس: كنا نقول: نحن هم؛ فأبى علينا ~~قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. # والثاني: بنو هاشم، وبنو المطلب، وبه قال أحمد، والشافعي. # والثالث: أنهم بنو هاشم فقط، قاله أبو حنفية. وبماذا يستحقون؟ فيه ~~قولان. # أحدهما: بالقرابة، وإن كانوا أغنياء، وبه قال أحمد، والشافعي. # والثاني: بالفقر، لا بالاسم، وبه قال أبو حنيفة. وقد سبق في [البقرة: ~~177] معنى اليتامى والمساكين، وابن السبيل. وينبغي أن تعتبر في اليتيم ~~أربعة أوصاف: موت الأب، وإن كانت الأم باقية، والصغر لقوله عليه ~~السلام: # " لا يتم بعد حلم " # والإسلام، لأنه مال للمسلمين. والحاجة، لأنه معد للمصالح. # قوله تعالى: { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } هو يوم بدر، فرق فيه ~~بين الحق والباطل بنصر المؤمنين. والذي أنزل عليه يومئذ قوله: # يسألونك عن الأنفال # [الأنفال: 1] نزلت حين اختلفوا فيها، فالمعنى: إن كنتم آمنتم بذلك، ~~فاصدروا عن أمر الرسول في هذا أيضا. ### || [8.42] # قوله تعالى: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: ~~«بالعدوة» و«العدوة» العين فيهما مكسورة. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: بضم العين فيهما. قال الأخفش: لم يسمع من العرب إلا ~~الكسر. وقال ثعلب: بل الضم أكثر اللغتين. قال ابن السكيت: عدوة ~~الوادي وعدوته: جانبه؛ والجمع: عدى وعدى. والدنيا: تأنيث الأدنى؛ ~~وضدها: القصوى، وهي تأنيث الأقصى؛ وما كان من النعوت على «فعلى» من ذوات ~~الواو، فان العرب تحوله إلى الياء، نحو الدنيا، من: دنوت؛ والعليا، من ~~علوت؛ لأنهم يستثقلون الواو مع ضم الأول، وليس في هذا اختلاف، إلا أن ms0768 أهل ~~الحجاز قالوا: القصوى، فأظهروا الواو، وهو نادر؛ وغيرهم يقول: القصيا. ~~قال المفسرون: إذ أنتم بشفير الوادي الأدنى من المدينة، وعدوكم بشفيره ~~الأقصى من مكة، وكان الجمعان قد نزلا وادي بدر على هذه الصفة، والركب: ~~أبو سفيان وأصحابه. قال الزجاج: من نصب «أسفل» اراد: والركب مكانا ~~أسفل منكم، ويجوز الرفع على المعنى: والركب أشد تسفلا منكم. قال ~~قتادة: وكان المسلمون أعلى الوادي، والمشركون أسفله. # وفي قوله: { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } قولان. # أحدهما: لو تواعدتم، ثم بلغكم كثرتهم، لتأخرتم عن الميعاد، قاله ابن ~~اسحاق. # والثاني: لو تواعدتم على الاجتماع في المكان الذي اجتمعتم فيه من عدوتي ~~وادي بدر لاختلفتم في الميعاد، قاله أبو سليمان. وقال الماوردي: كانت تقع ~~الزيادة والنقصان، أو التقدم والتأخر من غير قصد لذلك. # قوله تعالى: { ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا } وهو إعزاز ~~الإسلام، وإذلال الشرك. # قوله تعالى: { ليهلك من هلك عن بينة } وروى خلف عن يحيى: { ليهلك } ~~بضم الياء وفتح اللام. # قوله تعالى: { ويحيى من حي عن بينة } قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «من حي» بياء واحدة مشددة، وهذه رواية حفص عن عاصم، وقنبل عن ~~ابن كثير. وروى شبل عن ابن كثير، وابو بكر عن عاصم: «حيي» بياءين ~~الأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، وهي قراءة نافع. فمن قرأ بياءين، بين ~~ولم يدغم، ومن أدغم ياء «حيي» فلاجتماع حرفين من جنس واحد. وفي معنى ~~الكلام قولان. # أحدهما: ليقتل من قتل من المشركين عن حجة، ويبقى من بقي منهم عن ~~حجة. # والثاني: ليكفر من كفر بعد حجة، ويؤمن من آمن عن حجة. ### || [8.43] # قوله تعالى: { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } فيه قولان. # أحدهما: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى عسكر المشركين في المنام ~~قبل لقائهم في قلة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: لما أخبر ~~أصحابه بأنه رآهم في المنام قليلا، كان ذلك تثبيتا لهم. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: والكلام متعلق بما قبله، فالمعنى: وإن الله لسميع لما يقوله ~~أصحابك، عليم ms0769 بما يضمرونه، إذ حدثتهم بما رأيت في منامك. # والثاني: إذ يريكهم الله بعينك التي تنام بها، قاله الحسن. قال الزجاج: ~~وكثير من النحويين يذهبون إلى هذا المذهب. ومعناه عندهم: إذ يريكهم الله ~~في موضع منامك، أي: بعينك؛ ثم حذف الموضع، واقام المنام مقامه. # قوله تعالى: { لفشلتم } أي: لجبنتم وتأخرتم عن حربهم. وقال مجاهد: ~~لفشل أصحابك، ولرأوا ذلك في وجهك. # قوله تعالى: { ولتنازعتم في الأمر } أي: لاختلفتم في حربهم، فكان ذلك من ~~دواعي هزيمتكم، { ولكن الله سلم } من المخالفة والفشل. ### || [8.44] # قوله تعالى: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا } قال مقاتل: ~~صدق الله رؤيا رسوله التي أخبر بها المؤمنين عن قلة عدوهم قبل لقائهم، ~~بأن قللهم وقت اللقاء في أعينهم. وقال ابن مسعود: لقد قلوا في ~~أعيننا، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة؛ حتى ~~أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال: كنا ألفا. قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: استقل المسلمون المشركين، والمشركون المسلمين، فاجترأ بعضهم على ~~بعض. # فان قيل: ما فائدة تكرير الرؤية هاهنا، وقد ذكرت في قوله: { إذ يريكهم ~~الله }؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن الأولى كانت في المنام، والثانية في اليقظة. # والثاني: أن الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. والثانية: له ~~ولأصحابه. فان قيل: تكثير المؤمنين في أعين الكافرين أولى، لمكان إعزازهم ~~فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنهم لو كثروا في أعينهم، لم يقدموا عليهم، فلم يكن قتال؛ ~~والقتال سبب النصر، فقللهم لذلك. # والثاني: أنه قللهم لئلا يتأهب المشركون كل التأهب، فاذا تحقق ~~القتال، وجدهم المسلمون غير مستعدين، فظفروا بهم. # والثالث: أنه قللهم ليحمل الأعداء عليهم في كثرتهم، فيغلبهم المسلمون، ~~فيكون ذلك آية للمشركين ومنبها على نصرة الحق. ### || [8.45-46] # قوله تعالى: { إذا لقيتم فئة فاثبتوا } الفئة: الجماعة { واذكروا الله ~~كثيرا } فيه قولان. # أحدهما: أنه الدعاء والنصر. والثاني: ذكر الله على الإطلاق. # قوله تعالى: { ولا تنازعوا فتفشلوا } قد سبق ذكر التنازع والفشل آنفا. # قوله تعالى: { وتذهب ريحكم } وروى أبان: «ويذهب» بالياء والجزم. وفيه ~~أربعة أقوال. # أحدها: تذهب ms0770 شدتكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال السدي: حدتكم ~~وجدكم. وقال الزجاج: صولتكم وقوتكم. # والثاني: يذهب نصركم، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: تتقطع دولتكم، قاله أبو عبيدة. وقال ابن قتيبة: يقال: هبت ~~له ريح النصر إذا كانت له الدولة. ويقال: له الريح اليوم، أي: الدولة. # والرابع: أنها ريح حقيقة، ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله فتضرب ~~وجوه العدو؛ ومنه قوله عليه السلام # " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " # وهذا قول ابن زيد، ومقاتل. ### || [8.47] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا } قال المفسرون: ~~هم أبو جهل ومن خرج معه من مكة، خرجوا ليدفعوا عن عيرهم التي كانت مع أبي ~~سفيان، ومعهم القيان والمعازف، وهم يشربون الخمور. فلما رأى أبو سفيان ~~أنه قد أحرز ما معه، كتب إليهم: إني قد أحرزت أموالكم فارجعوا. فقال أبو ~~جهل: والله لا نفعل حتى نرد بدرا فنقيم ثلاثا، وننحر الجزر، ونطعم ~~الطعام، ونسقي الخمور، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابونا. فساروا إلى ~~بدر، فكانت الوقعة؛ فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح ~~مكان القيان. فأما البطر، فهو الطغيان في النعم، وترك شكرها. والرياء: ~~العمل من أجل رؤية الناس، وسبيل الله هاهنا: دينه. ### || [8.48] # قوله تعالى: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } قال عروة بن ~~الزبير: لما أجمعت قريش المسير إلى بدر، ذكروا ما بينهم وبين كنانة من ~~الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من اشراف ~~بني كنانة، فقال لهم: { لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } من ~~أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا. وفي المراد بأعمالهم هاهنا ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: شركهم. والثاني: مسيرهم إلى بدر. والثالث: قتالهم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { فلما تراءت الفئتان } أي: صارتا بحيث رأت إحداهما الأخرى. # وفي المراد بالفئتين قولان. # أحدهما: فئة المسلمين، وفئة المشركين، وهو قول الجمهور. # والثاني: فئة المسلمين، وفئة الملائكة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { نكص على عقبيه } قال أبو عبيدة: رجع من حيث ms0771 جاء. وقال ابن ~~قتيبة: رجع القهقري. قال ابن السائب: كان إبليس في صف المشركين على صورة ~~سراقة، آخذا بيد الحارث بن هشام، فرأى الملائكة فنكص على عقبيه، فقال له ~~الحارث: أفرارا من غير قتال؟ فقال: { إني أرى مالا ترون }؛ فلما هزم ~~المشركون، قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغه ذلك، فقال: والله ما شعرت ~~بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. قال قتادة: صدق عدو الله في قوله: { إني أرى ~~مالا ترون } ، ذكر لنا أنه رأى جبريل ومعه الملائكة، فعلم أنه لا يد له ~~بالملائكة، وكذب عدو الله في قوله: { إني أخاف الله } ، والله ما به ~~مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له بهم. وقال عطاء: معناه: إني أخاف ~~الله أن يهلكني. وقال ابن الانباري: لما رأى نزول الملائكة، خاف أن تكون ~~القيامة، فيكون انتهاء إنظاره، فيقع به العذاب. ومعنى { نكص }: رجع ~~هاربا بخزي وذل. واختلفوا في قوله: { والله شديد العقاب } هل هو ابتداء ~~كلام، أو تمام الحكاية عن إبليس، على قولين. ### || [8.49] # قوله تعالى: { إذ يقول المنافقون } قال ابن عباس: هم قوم من أهل المدينة ~~من الأوس والخزرج. فأما الذين في قلوبهم، مرض ففيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام بمكة، فأخرجهم المشركون ~~معهم يوم بدر كرها؛ فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين، ارتابوا ~~ونافقوا، وقالوا: { غر هؤلاء دينهم } ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ~~وإليه ذهب الشعبي في آخرين. وعدهم مقاتل، فقال: كانوا سبعة: قيس بن ~~الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة، ~~وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منية بن الحجاج، والوليد بن الوليد بن ~~المغيرة، والوليد ابن عتبة ابن ربيعة. # والثاني: أنهم المشركون، لما رأوا قلة المسلمين، قالوا: { غر هؤلاء ~~دينهم } رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # والثالث: أنهم قوم مرتابون، لم يظهروا عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ذكره الماوردي. والمرض هاهنا: الشك، والإشارة بقوله: { هؤلاء } إلى ~~المسلمين؛ وإنما قالوا هذا، لأنهم رأوا قلة المسلمين، فلم ms0772 يشكوا في أن ~~قريشا تغلبهم. ### || [8.50] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } قرأ الجمهور ~~«يتوفى» بالياء. وقرأ ابن عامر: «تتوفى» بتاءين. قال المفسرون: نزلت في ~~الرهط الذين قالوا: { غر هؤلاء دينهم } وفي المراد بالملائكة ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. # والثاني: ملائكة العذاب، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: الملائكة الذين قاتلوا يوم بدر، ذكره الماوردي. # وفي قوله: { يضربون وجوههم وأدبارهم } أربعة أقوال. # أحدها: يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا، وأدبارهم لما انهزموا. # والثاني: أنهم جاؤوهم من بين أيديهم ومن خلفهم، فالذين أمامهم ضربوا ~~وجوههم، والذين وراءهم ضربوا أدبارهم. # والثالث: يضربون وجوههم يوم القيامة إذا لقوهم، وأدبارهم إذا ساقوهم إلى ~~النار. # والرابع: أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت بسياط من نار. وهل ~~المراد نفس الوجوه والأدبار، أم المراد ما أقبل من أبدانهم وأدبر؟ فيه ~~قولان. # وفي قوله: { وذوقوا عذاب الحريق } قولان. # أحدهما: أنه في الدنيا، وفيه إضمار «يقولون»، فالمعنى: يضربون ويقولون، ~~كقوله: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا # [البقرة: 127] أي: ويقولان. قال النابغة: # كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع خلف رجليه بشن # والمعنى: كأنك جمل من جمال لبني أقيش، هذا قول الفراء، وأبي عبيدة. # والثاني: أن الضرب لهم في الدنيا، فاذا وردوا يوم القيامة إلى النار، ~~قال خزنتها: ذوقوا عذاب الحريق، هذا قول مقاتل. ### || [8.51] # قوله تعالى: { ذلك بما قدمت أيديكم } أي: بما كسبتم من قبائح أعمالكم. ~~{ وأن الله ليس بظلام للعبيد } لا يظلم عباده بعقوبتهم على الكفر، وإن ~~كان كفرهم بقضائه، لأنه مالك، فله التصرف في ملكه كما يشاء، فيستحيل ~~نسبة الظلم إليه. ### || [8.52] # قوله تعالى: { كدأب آل فرعون } أي: كعادتهم. والمعنى: كذب هؤلاء كما ~~كذب أولئك، فنزل بهم العذاب كما نزل بأولئك، قال ابن عباس: أيقن آل ~~فرعون أن موسى نبي الله فكذبوه، فكذلك هؤلاء في حق محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [8.53] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله } أي: ذلك الأخذ والعقاب بأن الله { لم ~~يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ms0773 } بالكفران وترك الشكر. قال ~~مقاتل: والمراد بالقوم هاهنا أهل مكة، أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ثم ~~بعث فيهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فلم يعرفوا المنعم عليهم، فغير ~~الله ما بهم. وقال السدي: كذبوا بمحمد، فنقله الله إلى الأنصار. قال ~~أبو سليمان الخطابي: والقوي يكون بمعنى القادر، فمن قوي على شيء فقد قدر ~~عليه، وقد يكون معناه: التام القوة الذي لا يستولي عليه العجز في ~~حال، والمخلوق وإن وصف بالقوة، فقوته متناهية، وعن بعض الأمور ~~قاصرة. ### || [8.54] # قوله تعالى: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } أي: كذب أهل مكة بمحمد ~~والقرآن، كما كذب آل فرعون بموسى والتوراة، وكذب من قبلهم بأنبيائهم. ~~قال مكي بن أبي طالب: الكاف من { كدأب } في موضع نصب، نعت لمحذوف تقديره: ~~غيرنا بهم لما غيروا تغييرا مثل عادتنا في آل فرعون، ومثلها الآية ~~الأولى، إلا أن الأولى للعادة في العذاب؛ تقديره: فعلنا بهم ذلك فعلا ~~مثل عادتنا في آل فرعون. # قوله تعالى: { فأهلكناهم } يعني: الأمم المتقدمة، بعضهم بالرجفة، وبعضهم ~~بالريح، فكذلك أهلكنا كفار مكة ببدر. وقال بعضهم: يعني بقوله { فأهلكناهم ~~} الذين أهلكوا ببدر. ### || [8.55] # قوله تعالى: { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا } قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: نزلت في بني قريظة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. ### || [8.56] # قوله تعالى: { الذين عاهدت منهم } في «من» أربعة أقوال. # أحدها: أنها صلة، والمعنى: الذين عاهدتم. # الثاني: أنها للتبعيض، فالمعنى: إن شر الدواب الكفار، وشرهم الذين ~~عاهدت ونقضوا. # والثالث: أنها بمعنى «مع» والمعنى: عاهدت معهم. # والرابع: أنها دخلت، لأن العهد أخذ منهم. # قوله تعالى: { ثم ينقضون عهدهم في كل مرة } أي: كلما عاهدتهم نقضوا. # وفي قوله: { وهم لا يتقون } قولان. # أحدهما: لا يتقون نقض العهد. والثاني: لا يتقون الله في نقض العهد. # قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد يهود قريظة أن ~~لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه، فنقضوا العهد وأعانوا عليه مشركي مكة ~~بالسلاح، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا؛ ثم عاهدوه الثانية، ms0774 فنقضوا ومالؤوا ~~الكفار يوم الخندق، وكتب كعب ابن الأشرف إلى مكة يوافقهم على مخالفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ### || [8.57] # قوله تعالى: { فاما تثقفنهم } قال أبو عبيدة مجازه: فان تثقفنهم. ~~فعلى قوله، تكون { ما } زائدة. وقد سبق بيان { فاما } في [البقرة: 38]. ~~قال ابن قتيبة: فمعنى «تثقفنهم» تظفر بهم { فشرد بهم من خلفهم } أي: ~~افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق به من وراءهم من أعدائك. ~~قال: ويقال شرد بهم أي: سمع بهم، بلغة قريش. قال الشاعر: # أطوف في الأباطح كل يوم # مخافة أن يشرد بي حكيم # وقال ابن عباس: نكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد، لعلهم ~~يذكرون النكال فلا ينقضون العهد. ### || [8.58] # قوله تعالى: { وإما تخافن من قوم خيانة } قال المفسرون. الخوف ~~هاهنا بمعنى العلم، والمعنى: إن علمت من قوم قد عاهدتهم خيانة، وهي نقض ~~عهد. وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة. # وفي قوله: { فانبذ إليهم على سواء } أربعة أقوال. # أحدها: فألق إليهم نقضك العهد لتكون وإياهم في العلم بالنقض سواء، هذا ~~قول الأكثرين، واختاره الفراء، وابن قتيبة، وأبو عبيدة. # والثاني: فانبذ إليهم جهرا غير سر، ذكره الفراء أيضا في آخرين. # والثالث: فانبذ إليهم على مهل، قاله الوليد بن مسلم. # والرابع: فانبذ إليهم على عدل من غير حيف، وأنشدوا: # فاضرب وجوه الغدر الأعداء # حتى يجيبوك إلى السواء # ذكره أبو سليمان الدمشقي. ### || [8.59] # قوله تعالى: { ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «ولا تحسبن» بالتاء وكسر السين؛ ~~إلا أن عاصما فتح السين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: بالياء ~~وفتح السين. وفي الكافرين هاهنا قولان. # أحدهما: جميع الكفار، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين انهزموا يوم بدر، ذكره محمد بن القاسم النحوي ~~وغيره. و«سبقوا» بمعنى: فاتوا. قال ابن الأنباري: وذلك أنهم أشفقوا من ~~هلكة تنزل بهم في بعض الأوقات؛ فلما سلموا منها، قيل: لا تحسبن أنهم ~~فاتوا بسلامتهم الآن، فانهم لا يعجزونا، أي: لا يفوتونا ms0775 فيما يستقبلون من ~~الأوقات. # قوله تعالى: { إنهم لا يعجزون } قرأ الجمهور: بكسر الألف. وقرأ ابن ~~عامر: بفتحها؛ وعلى قراءته اعتراض. لقائل أن يقول: إذا كان قد قرأ ~~«يحسبن» بالياء، وقرأ «أنهم» بالفتح، فقد أقرهم على أنهم لا يعجزون؛ ~~ومتى علموا أنهم لا يعجزون، لم يلاموا. فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: ~~المعنى: «لا يحسبن الذين كفروا سبقوا» لا يحسبن أنهم يعجزون؛ و«لا» ~~زائدة مؤكدة. وقال أبو علي: المعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم ~~سبقوا وآباءهم سبقوا، لأنهم لا يفوتون، فهم يجزون على كفرهم. ### || [8.60] # قوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } في المراد بالقوة ~~أربعة اقوال. # أحدها: أنها الرمي، رواه عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال الحكم بن أبان: هي النبل. # والثاني: ذكور الخيل، قاله عكرمة. # والثالث: السلاح، قاله السدي، وابن قتيبة. # والرابع: أنه كل ما يتقوى به على حرب العدو من آلة الجهاد. # قوله تعالى: { ومن رباط الخيل } يعني ربطها واقتناءها للغزو؛ وهو عام في ~~الذكور والإناث في قول الجمهور. وكان عكرمة يقول: المراد بقوله: «ومن ~~رباط الخيل»: إناثها. # قوله تعالى: { ترهبون به } روى رويس، وعبد الوارث: «ترهبون» بفتح ~~الراء وتشديد الهاء، أي: تخيفون وترعبون به عدو الله وعدوكم، وهم مشركو ~~مكة وكفار العرب. # قوله تعالى: { وآخرين من دونهم } أي: من دون كفار العرب. واختلفوا فيهم ~~على خمسة أقوال. # أحدها: أنهم الجن، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " هم الجن، وإن الشيطان لا يخبل أحدا في داره فرس عتيق " # والثاني: أنهم بنو قريظة، قاله مجاهد. # والثالث: أهل فارس، قاله السدي. # والرابع: المنافقون، قاله ابن زيد. # والخامس: اليهود، قاله مقاتل. ### || [8.61] # قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم } قرأ أبو بكر عن عاصم: «للسلم» ~~بكسر السين. قال الزجاج: السلم: الصلح والمسالمة. يقال: سلم وسلم ~~وسلم في معنى واحد، أي: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه. قال الفراء: إن ~~شئت جعلت «لها» كناية عن السلم لأنها تؤنث، وإن شئت جعلتها للفعلة، ~~كقوله: # إن ms0776 ربك من بعدها لغفور رحيم # [الأعراف: 153]. # فان قيل: لم قال «لها» ولم يقل «إليها»؟. # فالجواب: أن «اللام» و«إلى» تنوب كل واحدة منهما عن الأخرى. وفيمن أريد ~~بهذه الآية قولان. # أحدهما: المشركون، وأنها نسخت بآية السيف. # والثاني: أهل الكتاب. # فان قيل: إنها نزلت في ترك حربهم إذ بذلوا الجزية وقاموا بشرط الذمة، ~~فهي محكمة. # وإن قيل: نزلت في موادعتهم على غير جزية، توجه النسخ لها بآية الجزية. ### || [8.62-63] # قوله تعالى: { وإن يريدوا } قال مقاتل: يعني: يهود قريظة { أن يخدعوك } ~~بالصلح لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب، أعانوهم عليك { فان حسبك ~~الله }. قال الزجاج: فان الذي يتولى كفايتك الله { هو الذي أيدك } ~~أي: قواك. وقال مقاتل: قواك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر. # قوله تعالى: { وألف بين قلوبهم } يعني: الأوس والخزرج، وهم الأنصار، ~~كانت بينهم عداوة في الجاهلية، فألف الله بينهم بالإسلام. وهذا من أعجب ~~الآيات، لأنهم كانوا ذوي أنفة شديدة؛ فلو أن رجلا لطم رجلا، لقاتلت عنه ~~قبيلته حتى تدرك ثأره، فآل بهم الإسلام إلى أن يقتل الرجل ابنه وأباه. ### || [8.64] # قوله تعالى: { حسبك الله ومن اتبعك } فيه قولان. # أحدهما: حسبك الله، وحسب من اتبعك، هذا قول أبي صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال ابن زيد، ومقاتل، والأكثرون. # والثاني: حسبك الله ومتبعوك، قاله مجاهد. وعن الشعبي كالقولين. # وأجاز الفراء، والزجاج الوجهين. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون، ثم أسلم عمر فصاروا ~~أربعين، فنزلت هذه الآية. قال أبو سليمان الدمشقي: هذا لا يحفظ، والسورة ~~مدنية باجماع، والقول الأول أصح. ### || [8.65-66] # قوله تعالى: { حرض المؤمنين على القتال } قال الزجاج: تأويله: ~~حثهم. وتأويل التحريض في اللغة: أن يحث الإنسان على الشيء حثا يعلم ~~معه أنه حارض إن تخلف عنه. والحارض: الذي قد قارب الهلاك. # قوله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } لفظ هذا ~~الكلام لفظ الخبر، ومعناه الأمر، والمراد: يقاتلوا مائتين، وكان هذا ~~فرضا في أول الأمر، ثم نسخ ms0777 بقوله: { الآن خفف الله عنكم } ففرض على ~~الرجل أن يثبت لرجلين، فان زادوا جاز له الفرار. قال مجاهد: وهذا التشديد ~~كان في يوم بدر. واتفق القراء على قوله { إن يكن منكم } فقرؤوا «يكن» ~~بالياء، واختلفوا في قوله: { وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا } ، وفي ~~قوله: { فان تكن منكم مائة صابرة } فقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~بالتاء فيهما. وقرأهما: عاصم، وحمزة، والكسائي، بالياء. وقرأ أبو عمرو: ~~«يكن منكم مائة يغلبوا» بالياء، «فان تكن منكم مائة صابرة» بالتاء. قال ~~الزجاج: من أنث، فللفظ المائة؛ ومن ذكر، فلأن المائة وقعت على عدد ~~مذكر. وقال أبو علي: من قرأ بالياء، فلأنه أريد منه المذكر، بدليل قوله: ~~{ يغلبوا } ، وكذلك المائة الصابرة هم رجال، فقرؤوها بالياء، لموضع ~~التذكير. فأما أبو عمرو، فانه لما رأى صفة المائة مؤنثة بقوله: { صابرة } ~~أنث الفعل، ولما رأى { يغلبوا } مذكرا، ذكر. ومعنى الكلام: إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يثبتون عند اللقاء، يغلبوا مائتين، لأن المؤمنين يحتسبون ~~أفعالهم، وأهل الشرك يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فاذا صدقهم ~~المؤمنون القتال لم يثبتوا؛ وذلك معنى قوله: { لا يفقهون }. # قوله تعالى: { وعلم } وروى المفضل «وعلم» بضم العين { أن فيكم ضعفا } ~~بضم الضاد. وقرأ عاصم، وحمزة: بفتح الضاد. وكذلك خلافهم في [الروم: 55]، ~~قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. قال الزجاج: والمعنى: في ~~القراءتين واحد، يقال: هو الضعف والضعف، والمكث والمكث، والفقر ~~والفقر، وفي اللغة كثير من باب فعل وفعل، والمعنى واحد. وقرأ أبو ~~جعفر: «وعلم أن فيكم ضعفاء» على فعلاء. فأما قوله: { باذن الله } ~~فهو إعلام بأن الغلبة لا تقع إلا بارادته. ### || [8.67] # قوله تعالى: { ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } ~~روى مسلم في أفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: # " لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون، ~~استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا، فقال أبو بكر: يا ~~نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان، وإني أرى ms0778 أن تأخذ منهم ~~الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله ~~فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله: «ما ترى يا ابن الخطاب»؟ قلت: والله ~~ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان، قريب لعمر، فأضرب ~~عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فلان فيضرب ~~عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم ~~وأئمتهم وقادتهم. فهوي رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، ~~فأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد، غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فاذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان. فقلت: يا رسول الله ~~أخبرني، ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فان وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء ~~تباكيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبكي للذي عرض علي أصحابك من ~~الفداء. لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة»لشجرة قريبة، فأنزل ~~الله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } إلى قوله { عظيم }. # وروي عن ابن عمر قال: لما أشار عمر بقتلهم، وفاداهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أنزل الله تعالى { ما كان لنبي } إلى قوله { حلالا طيبا } ~~فلقي النبي صلى الله عليه وسلم عمر، فقال: «كاد يصيبنا في خلافك بلاء» " # فأما الأسرى، فهو جمع أسير، وقد ذكرناه في [البقرة: 85]. والجمهور قرؤوا ~~«أن يكون» بالياء، لأن الاسراء مذكرون. وقرأ أبو عمرو: «أن تكون»، قال ~~أبو علي: أنث على لفظ الأسرى، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير ~~والرجال فهو مؤنث اللفظ. والأكثرون قرؤوا: «أسرى» وكذلك { لمن في ~~أيديكم من الأسرى }. قرأ أبو جعفر، والمفضل: «أسارى» في الموضعين، ~~ووافقهما أبو عمرو، وأبان في الثاني. قال الزجاج: والإثخان في كل شيء: ~~قوة الشيء وشدته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتدت قوته عليه. ~~والمعنى: حتى يبالغ في قتل أعدائه. ويجوز أن يكون المعنى: حتى يتمكن في ~~الأرض. قال المفسرون: معنى الآية: ما كان لنبي أن يحبس كافرا قدر ms0779 عليه ~~للفداء أو المن قبل الإثخان في الارض. وكانت غزاة بدر أول قتال قاتله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قد أثخن في الأرض بعد. # { تريدون عرض الدنيا } وهو المال، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد فادوا يومئذ بأربعة آلاف أربعة آلاف. وفي قوله: { والله يريد الآخرة } ~~قولان. # أحدهما: يريد لكم الجنة، قاله ابن عباس. # والثاني: يريد العمل بما يوجب ثواب الآخرة، ذكره الماوردي. # فصل # وقد روي عن ابن عباس، و مجاهد في آخرين: أن هذه الآية منسوخة بقوله: # فاما منا بعد وإما فداء # [محمد: 4]، وليس للنسخ وجه، لأن غزاة بدر كانت وفي المسلمين قلة، ~~فلما كثروا واشتد سلطانهم، نزلت الآية الأخرى، ويبين هذا قوله: { ~~حتى يثخن في الأرض }. ### || [8.68] # قوله تعالى: { لولا كتاب من الله سبق } في معناه خمسة أقوال. # أحدها: لولا أن الله كتب في أم الكتاب أنه سيحل لكم الغنائم ~~لمسكم فيما تعجلتم من المغانم والفداء يوم بدر قبل أن تؤمروا بذلك ~~عذاب عظيم، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. ~~وقال أبو هريرة: تعجل ناس من المسلمين فأصابوا الغنائم، فنزلت الآية. # والثاني: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب من أتى ذنبا على ~~جهالة لعوقبتم، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد. ~~وقال ابن اسحاق: سبق أن لا أعذب إلا بعد النهي، ولم يكن نهاهم. # والثالث: لولا ما سبق لأهل بدر أن الله لا يعذبهم، لعذبتم، قاله ~~الحسن، وابن جبير، وابن أبي نجيح عن مجاهد. # والرابع: لولا كتاب من الله سبق من أنه يغفر لمن عمل الخطايا ثم علم ما ~~عليه فتاب، ذكره الزجاج. # والخامس: لولا القرآن الذي اقتضى غفران الصغائر لعذبتم، ذكره ~~الماوردي. فيخرج في الكتاب قولان. # أحدهما: أنه كتاب مكتوب حقيقة. ثم فيه قولان. أحدهما: أنه ما كتبه الله ~~في اللوح والمحفوظ. والثاني: أنه القرآن. # والثاني: أنه بمعنى القضاء. ### || [8.69-70] # قوله تعالى: { فكلوا مما غنمتم } قال الزجاج: الفاء للجزاء. ms0780 والمعنى: ~~قد أحللت لكم الفداء فكلوا. والحلال منصوب على الحال. قال مقاتل: إن الله ~~غفور لما أخذتم من الغنيمة قبل حلها، رحيم بكم إذ أحلها لكم. # " فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وخباب بن ~~الأرت، يوم بدر على القبض، وقسمها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة، وانطلق بالأسارى، فيهم العباس، وعقيل، ونوفل بن الحارث ابن عبد ~~المطلب. وكان مع العباس يومئذ عشرون أوقية من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، ~~وكلف أن يفدي ابني أخيه، فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم «أضعفوا على العباس الفداء» فأخذوا منه ثمانين أوقية، ~~وكان فداء كل أسير أربعين أوقية: فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي. فقال له: «أين الذهب ~~الذي تركته عند أم الفضل»؟ فقال: أي الذهب؟ فقال: «إنك قلت لها: إني لا ~~أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فان حدث بي حدث، فهو لك ولولدك» فقال: ابن ~~أخي، من أخبرك؟ فقال: «الله أخبرني» فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما ~~علمت أنك رسول الله قبل اليوم؛ وأمر ابني أخيه فأسلما " # وفيهم نزلت: { قل لمن في أيديكم من الأسارى } الآية. وروى العوفي عن ~~ابن عباس أنها نزلت في جميع من أسر يوم بدر. وقال ابن زيد: لما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجال، فقالوا: لولا أنا نخاف هؤلاء ~~القوم لأسلمنا، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فلما ~~كان يوم بدر، قال المشركون: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره واستحللنا ~~ماله، فخرج أولئك القوم، فقتلت طائفة منهم وأسرت طائفة. فأما الذين ~~قتلوا، فهم الذين قال الله فيهم: # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # [النحل: 28]. وأما الذين أسروا، فقالوا: يا رسول الله، أنت تعلم أنا ~~كنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وإنما خرجنا مع هؤلاء خوفا ~~منهم. فذلك قوله { قل لمن في أيديكم من الأسارى } إلى قوله ms0781 { عليم حكيم ~~}. فأما قوله: { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } فمعناه: إسلاما وصدقا ~~{ يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } من الفداء وفيه قولان. # أحدهما: أكثر مما أخذ منكم. # والثاني: أحل وأطيب. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن أبي عبلة: «مما ~~أخذ منكم» بفتح الخاء، يشيرون إلى الله تعالى وفي قوله: { ويغفر لكم ~~} قولان. # أحدهما: يغفر لكم كفركم وقتالكم رسول الله، قاله الزجاج. # والثاني: يغفر لكم خروجكم مع المشركين، قاله ابن زيد في تمام كلامه ~~الأول. ### || [8.71] # قوله تعالى: { وإن يريدوا خيانتك } يعني: إن أراد الأسراء خيانتك ~~بالكفر بعد الإسلام { فقد خانوا الله من قبل } إذ كفروا به قبل أسرهم. ~~وقال ابن زيد: فقد خانوا بخروجهم مع المشركين؛ وقد ذكرنا عنه أنها نزلت ~~في قوم تكلموا بالإسلام. وقال مقاتل: المعنى: إن خانوك أمكنتك منهم ~~فقتلتهم وأسرتهم كما أمكنتك ببدر. قال الزجاج: { والله عليم } بخيانة إن ~~خانوها { حكيم } في تدبيره عليهم ومجازاته إياهم. ### || [8.72] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله } يعني: المهاجرين الذين هجروا ديارهم وأموالهم وقومهم في نصرة ~~الدين. # { والذين آووا ونصروا } يعني: الأنصار آووا رسول الله، وأسكنوا ~~المهاجرين ديارهم، ونصروهم على أعدائهم. { أولئك بعضهم أولياء بعض } فيه ~~قولان. # أحدهما: في النصرة. والثاني: في الميراث. # قال المفسرون: كانوا يتوارثون بالهجرة، وكان المؤمن الذي لم يهاجر لا ~~يرث قريبه المهاجر، وهو معنى قوله: { مالكم من ولايتهم من شيء } قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، وعاصم، والكسائي: «ولايتهم» ~~بفتح الواو. وقرأ حمزة: بكسر الواو. قال الزجاج: المعنى: ليس بينكم ~~وبينهم ميراث حتى يهاجروا. ومن كسر واو الولاية، فهي بمنزلة الإمارة؛ ~~وإذا فتحت، فهي من النصرة. وقال يونس النحوي: الولاية بالفتح، لله عز ~~وجل، والولاية بالكسر، من وليت الأمر. وقال أبو عبيدة: الولاية ~~بالفتح، للخالق؛ والولاية، للمخلوق. قال ابن الأنباري: الولاية بالفتح ~~مصدر الولي، والولاية: مصدر الوالي، يقال: ولي بين الولاية، ووال ~~بين الولاية؛ فهذا هو الاختيار؛ ثم يصلح في ذا ما يصلح في ذا. وقال ابن ~~فارس: ms0782 الولاية بالفتح: النصرة، وقد تكسر. والولاية، بالكسر: السلطان. # فصل # وذهب قوم إلى أن المراد بهذه الولاية موالاة النصر والمودة. قالوا: ~~ونسخ هذا الحكم بقوله: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض # [التوبة: 71]. فأما القائلون بأنها ولاية الميراث، فقالوا: نسخت بقوله: # وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75]. # قوله تعالى: { وإن استنصروكم في الدين } أي: إن استنصركم المؤمنون الذين ~~لم يهاجروا فانصروهم، إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا ~~تغدروا بأرباب العهد. وقال بعضهم: لم يكن على المهاجر أن ينصر من لم ~~يهاجر إلا أن يستنصره. ### || [8.73-74] # قوله تعالى: { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } فيه قولان. # أحدهما: في الميراث، قاله ابن عباس. # والثاني: في النصرة، قاله قتادة. # وفي قوله: { إلا تفعلوه } قولان. # أحدهما: أنه يرجع إلى الميراث، فالمعنى: إلا تأخذوا في الميراث بما ~~أمرتكم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه يرجع إلى التناصر، فالمعنى: إلا تتعانوا وتتناصروا في ~~الدين، قاله ابن جريج. وبيانه: أنه إذا لم يتول المؤمن المؤمن ~~توليا حقا، ويتبرأ من الكافر جدا، أدى ذلك إلى الضلال والفساد في ~~الدين. فاذا هجر المسلم أقاربه الكفار، ونصر المسلمين، كان ذلك أدعى ~~لأقاربه الكفار إلى الإسلام وترك الشرك. # قوله تعالى: { وفساد كبير } قرأ أبو هريرة، وابن سيرين، وابن السميفع: ~~«كثير» بالثاء. # قوله تعالى: { أولئك هم المؤمنون حقا } أي: هم الذين حققوا إيمانهم ~~بما يقتضيه من الهجرة والنصرة، بخلاف من أقام بدار الشرك. والرزق الكريم: ~~هو الحسن، وذلك في الجنة. ### || [8.75] # قوله تعالى: { والذين آمنوا من بعد } أي: من بعد المهاجرين الأولين. ~~قال ابن عباس: هم الذين هاجروا بعد الحديبية. # قوله تعالى: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } أي: في المواريث ~~بالهجرة. قال ابن عباس: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وكانوا ~~يتوارثون بذلك الإخاء حتى نزلت هذه الآية، فتوارثوا بالنسب. # قوله تعالى: { في كتاب الله } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اللوح المحفوظ. # والثاني: أنه القرآن وقد بين لهم قسمة الميراث في سورة [النساء: 11، ~~12]. # والثالث: أنه حكم الله، ذكره الزجاج. ### | [9 - سورة التوبة] ms0783 ### || [9.1] # فصل في نزولها # هي مدنية باجماعهم، سوى الآيتين في آخرها: # لقد جاءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] فانها نزلت بمكة. روى البخاري في «صحيحه» من حديث البراء ~~قال: آخر سورة نزلت (براءة). وقد نقل عن بعض العرب أنه سمع قارئا يقرأ ~~هذه السورة، فقال الأعرابي: إني لأحسب هذه من آخر ما نزل من القرآن. قيل ~~له: ومن أين علمت؟ فقال: إني لأسمع عهودا تنبذ ووصايا تنفذ. # فصل # واختلفوا في أول ما نزل من (براءة) على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن أول ما نزل منها قوله # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة # [التوبة: 25] قاله مجاهد. # والثاني: # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة: 41] قاله أبو الضحى، وأبو مالك. # والثالث: # إلا تنصروه # [التوبة: 40] قاله مقاتل. وهذا الخلاف إنما هو في أول ما نزل منها ~~بالمدينة، فانهم قد قالوا: نزلت الآيتان اللتان في آخرها بمكة. # فصل # ولها تسعة أسماء. # أحدها: سورة التوبة. # والثاني: براءة؛ وهذان مشهوران بين الناس. # والثالث: سورة العذاب، قاله حذيفة. # والرابع: المقشقشة، قاله ابن عمر. # والخامس: سورة البحوث، لأنها بحثت عن سرائر المنافقين، قاله المقداد بن ~~الأسود. # والسادس: الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، قاله ابن عباس. # والسابع: المبعثرة، لأنها بعثرت أخبار الناس، وكشفت عن سرائرهم، قاله ~~الحارث بن يزيد، وابن إسحاق. # والثامن: المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم، قاله قتادة. # والتاسع: الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، قاله الزجاج. # فصل # وفي سبب امتناعهم من كتابة التسمية في أولها ثلاثة أقوال. # أحدها: رواه ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم ~~إلى (الأنفال) وهي من المثاني، وإلى (براءة) وهي من المئين، فقرنتم ~~بينهما ولم تكتبوا بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ فقال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب، فيقول: # " ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " # ، وكانت (الأنفال) من أوائل ما نزل بالمدينة، و(براءة) من آخر القرآن، ~~وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يبين لنا أنها ms0784 منها، فظننا أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما ولم ~~أكتب بينهما: «بسم الله الرحمن الرحيم». وذكر نحو هذا المعنى عن أبي ~~بن كعب. قال الزجاج: والشبه الذي بينهما: أن في (الأنفال) ذكر العهود، ~~وفي (براءة) نقضها. وكان قتادة يقول: هما سورة واحدة. # والثاني: رواه محمد بن الحنفية، قال: قلت لأبي: لم لم تكتبوا في ~~(براءة) «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ فقال: يا بني، إن (براءة) نزلت ~~بالسيف وإن «بسم الله الرحمن الرحيم» أمان. وسئل سفيان بن عيينة عن هذا، ~~فقال: لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كتب في صلح الحديبية «بسم ~~الله الرحمن الرحيم» لم يقبلوها وردوها، فما ردها الله عليهم، قاله عبد ~~العزيز بن يحيى المكي. # فصل # فأما سبب نزولها، فقال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهودا بنتها مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى بالقاء عهودهم إليهم، ~~فأنزل (براءة) في سنة تسع، # " فبعث رسول الله أبا بكر أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج في تلك ~~السنة، وبعث معه صدرا من (براءة) ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار، دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فقال:«اخرج بهذه القصة من صدر ~~(براءة) وأذن في الناس بذلك» فخرج علي على ناقة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله، ~~أنزل في شأني شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يبلغ عني إلا رجل مني، أما ترضى ~~أنك كنت صاحبي في الغار، وأنك صاحبى على الحوض؟» قال: بلى يا رسول الله، ~~فسار أبو بكر أميرا على الحج، وسار علي ليؤذن ب (براءة) ". # فصل # وفي عدد الآيات التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول (براءة) ~~خمسة أقوال. أحدها: أربعون آية، قاله علي عليه السلام. والثاني: ثلاثون ~~آية، قاله أبو هريرة. والثالث: عشر آيات، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والرابع: سبع آيات، رواه ابن جريج عن عطاء. ms0785 والخامس: تسع آيات، قاله ~~مقاتل. # فصل # فان توهم متوهم أن في أخذ (براءة) من أبي بكر، وتسليمها إلى ~~علي، تفضيلا لعلي على أبي بكر، فقد جهل، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أجرى العرب في ذلك على عادتهم. قال الزجاج: وقد جرت عادة العرب في ~~عقد عهدها ونقضها، أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، وجائز أن تقول ~~العرب إذا تلا عليها نقض العهد من ليس من رهط النبي صلى الله عليه ~~وسلم: هذا خلاف ما نعرف فينا في نقض العهود، فأزاح النبي صلى الله عليه ~~وسلم العلة بما فعل. وقال عمرو ابن بحر: ليس هذا بتفضيل لعلي على أبي ~~بكر، وإنما عاملهم بعادتهم المتعارفة في حل العقد، وكان لا يتولى ~~ذلك إلا السيد منهم، أو رجل من رهطه دنيا، كأخ، أو عم؛ وقد كان ~~أبو بكر في تلك الحجة الإمام، وعلي يأتم به، وأبو بكر الخطيب، ~~وعلي يسمع. وقال أبو هريرة: بعثني أبو بكر في تلك الحجة مع المؤذنين ~~الذين بعثهم يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت ~~عريان، فأذن معنا علي ب (براءة) وبذلك الكلام. وقال الشعبي: بعث رسول ~~الله عليا يؤذن بأربع كلمات: { ألا لا يحج بعد العام مشرك، ألا ولا يطوف ~~بالبيت عريان، ألا ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ألا ومن كانت بينه وبين محمد ~~مدة فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله }. # فصل # فأما التفسير، فقوله تعالى: (براءة) قال الفراء: هي مرفوعة باضمار ~~«هذه»، ومثله: # سورة أنزلناها # [النور: 2]. وقال الزجاج: يقال برئت من الرجل والدين براءة، ~~وبرئت من المرض، وبرأت أيضا أبرأ برءا، وقد رووا: برأت، أبرؤ ~~بروءا. ولم نجد في مالامه همزة: فعلت أفعل، إلا هذا الحرف. ويقال: ~~بريت القلم، وكل شيء نحته: أبريه بريا، غير مهموز. وقرأ أبو رجاء، ~~ومورق، وابن يعمر: (براءة) بالنصب. قال المفسرون: والبراءة هاهنا: قطع ~~الموالاة، وارتفاع العصمة. وزوال الأمان. والخطاب في قوله: { إلى الذين ~~عاهدتم } لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد ms0786 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لأنه هو الذي كان يتولى المعاهدة، وأصحابه راضون؛ ~~فكأنهم بالرضا عاهدوا أيضا؛ وهذا عام في كل من عاهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال مقاتل: هم ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة، وبنو مدلج، وبنو ~~جذيمة. ### || [9.2] # قوله تعالى: { فسيحوا في الأرض } أي: انطلقوا فيها آمنين لا يقع بكم ~~منا مكروه. # إن قال قائل: هذه مخاطبة شاهد، والآية الأولى إخبار عن غائب، فعنه ~~جوابان. # أحدهما: أنه جائز عند العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب. قال عنترة: # شطت مزار العاشقين فأصبحت # عسرا علي طلابك ابنة مخرم # هذا قول أبي عبيدة. # والثاني: أن في الكلام إضمارا، تقديره: فقل لهم سيحوا في الارض، أي: ~~اذهبوا فيها، وأقبلوا، وأدبروا، وهذا قول الزجاج. # واختلفوا. فيمن جعلت له هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال. # أحدها: أنها أمان لأصحاب العهد، فمن كان عهده أكثر منها، حط إليها، ~~ومن كان عهده أقل منها، رفع إليها، ومن لم يكن له عهد، فأجله انسلاخ ~~المحرم خمسون ليلة، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أنها للمشركين كافة، من له عهد، ومن ليس له عهد، قاله ~~مجاهد، والزهري، والقرظي. # والثالث: أنها أجل لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آمنه أقل ~~من أربعة أشهر، أو كان أمانه غير محدود؛ فأما من لا أمان له، فهو حرب، ~~قاله ابن إسحاق. # والرابع: أنها أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهد؛ فأما أرباب العهود، فهم ~~على عهودهم إلى حين انقضاء مددهم، قاله ابن السائب. ويؤكده ما روي: أن ~~عليا نادى يومئذ: ومن كان بينه وبين رسول الله عهد، فعهده إلى مدته. ~~وفي بعض الألفاظ: فأجله أربعة أشهر. واختلفوا في مدة هذه الأربعة الأشهر ~~على أربعة أقوال. # أحدها: أنها الأشهر الحرم، رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أن أولها يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وآخرها العاشر من ~~ربيع الآخر، قاله مجاهد، والسدي، والقرظي. # والثالث: أنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأن ms0787 هذه الآية ~~نزلت في شوال، قاله الزهري. قال أبو سليمان الدمشقي: وهذا أضعف الأقوال، ~~لأنه لو كان كذلك، لم يجز تأخير إعلامهم به إلى ذي الحجة، إذ كان لا ~~يلزمهم الأمر إلا بعد الإعلام. # والرابع: أن أولها العاشر من ذي القعدة، وآخرها العاشر من ربيع الأول، ~~لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم، ثم صار في السنة الثانية في ~~العشر من ذي الحجة، وفيها حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # " إن الزمان قد استدار " # ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { واعلموا أنكم غير معجزي الله } أي: وإن أجلتم هذه ~~الأربعة الأشهر فلن تفوتوا الله. # قوله تعالى: { وأن الله مخزي الكافرين } قال الزجاج: الأجود: فتح { أن } ~~على معنى: اعلموا أن، ويجوز كسرها على الاستئناف، وهذا ضمان من الله نصرة ~~المؤمنين على الكافرين. ### || [9.3] # قوله تعالى: { وأذان من الله ورسوله } أي: إعلام؛ ومنه أذان الصلاة. ~~وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعكرمة، والجحدري، وابن يعمر: { وإذن } ~~بكسر الهمزة وقصرها ساكنة الذال من غير ألف. # قوله تعالى: { إلى الناس } أي: للناس. يقال: هذا إعلام لك، وإليك. ~~والناس هاهنا عام في المؤمنين والمشركين. وفي يوم الحج الأكبر ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه يوم عرفة، قاله عمر بن الخطاب، وابن الزبير، وأبو جحيفة، ~~وطاووس، وعطاء. # والثاني: يوم النحر، قاله أبو موسى الأشعري، والمغيرة ابن شعبة، وعبد ~~الله ابن أبي أوفى، وابن المسيب، وابن جبير، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، ~~والزهري، وابن زيد، والسدي في آخرين. وعن علي، وابن عباس، كالقولين. # والثالث: أنه أيام الحج كلها. فعبر عن الأيام باليوم، قاله سفيان ~~الثوري. قال سفيان: كما يقال: يوم بعاث، ويوم الجمل، ويوم صفين يراد ~~به: أيام ذلك، لان كل حرب من هذه الحروب دامت أياما. وعن مجاهد كالأقوال ~~الثلاثة. # وفي تسميته بيوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه سماه بذلك لأنه اتفق في سنة حج فيها المسلمون والمشركون، ~~ووافق ذلك عيد اليهود والنصارى، قاله الحسن. # والثاني: أن الحج الأكبر: هو الحج، والأصغر: هو العمرة، قاله عطاء، ~~والشعبي. # والثالث: أن ms0788 الحج الأكبر: القران، والأصغر: الإفراد، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { إن الله بريء } وقرأ الحسن، ومجاهد، وابن يعمر: «إن ~~الله» بكسر الهمزة. { من المشركين } أي: من عهد المشركين، فحذف المضاف. { ~~ورسوله } رفع على الابتداء، وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضا بريء. ~~وقرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن يعمر، وزيد عن يعقوب: ~~«ورسوله» بالنصب. ثم رجع إلى خطاب المشركين بقوله: { فان تبتم } أي: ~~رجعتم عن الشرك، { وإن توليتم } عن الإيمان. ### || [9.4] # قوله تعالى: { إلا الذين عاهدتم من المشركين } قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: فلما قرأ علي (براءة)، قالت بنو ضمرة: ونحن مثلهم أيضا؟ قال: لا، ~~لأن الله تعالى قد استثناكم؛ ثم قرأ هذه الآية. وقال مجاهد: هم قوم كان ~~بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ومدة، فأمر أن يفي لهم. ~~قال الزجاج: معنى الكلام: وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود، ~~إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوكم، فليسوا داخلين في البراءة مالم ينقضوا ~~العهد. قال القاضي أبو يعلى: وفصل الخطاب في هذا الباب: أنه قد كان بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين جميع المشركين عهد عام، وهو أن لا ~~يصد أحد عن البيت، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام، فجعل الله عهدهم ~~أربعة أشهر، وكان بينه وبين أقوام منهم عهود إلى آجال مسماة، فأمر ~~بالوفاء لهم، وإتمام مدتهم إذا لم يخش غدرهم. ### || [9.5] # قوله تعالى: { فاذا انسلخ الأشهر الحرم } فيها قولان. # أحدهما: أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون. # والثاني: أنها الأربعة الأشهر التي جعلت لهم فيها السياحة، قاله الحسن ~~في آخرين. فعلى هذا، سميت حرما لأن دماء المشركين حرمت فيها. # قوله تعالى: { فاقتلوا المشركين } أي: من لم يكن له عهد { حيث وجدتموهم ~~} قال ابن عباس: في الحل والحرم والأشهر الحرم. # قوله تعالى: { وخذوهم } أي: ائسروهم، والأخيذ: الأسير { واحصروهم } أي: ~~احبسوهم؛ والحصر: الحبس. قال ابن عباس: إن تحصنوا فاحصروهم. # قوله تعالى: { واقعدوا لهم كل مرصد } قال الأخفش: أي على كل مرصد؛ فألقى ms0789 ~~«على» وأعمل الفعل، قال الشاعر: # نغالي اللحم للأضياف نيئا # ونرخصه إذا نضج القدور # المعنى: نغالي باللحم، فحذف الباء كما حذف «على». وقال الزجاج: { كل ~~مرصد } ظرف، كقولك: ذهبت مذهبا، فلست تحتاج أن تقول في هذه الآية إلا ~~ما تقوله في الظروف، مثل: خلف، وقدام. # قوله تعالى: { فان تابوا } أي: من شركهم. # وفي قوله: { وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } قولان. # أحدهما: اعترفوا بذلك. والثاني: فعلوه. # فصل # واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن حكم الأسارى كان وجوب قتلهم، ثم نسخ بقوله: # فاما منا بعد وإما فداء # [محمد: 4] قاله الحسن، وعطاء في آخرين. # والثاني: بالعكس، وأنه كان الحكم في الأسارى، أنه لا يجوز قتلهم صبرا، ~~وإنما يجوز المن أو الفداء بقوله: { فاما منا بعد وإما فداء } ثم ~~نسخ بقوله { فاقتلوا المشركين } قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: أن الآيتين محكمتان، والأسير إذا حصل في يد الإمام، فهو ~~مخير، إن شاء من عليه، وإن شاء فاداه، وإن شاء قتله صبرا، أي ~~ذلك رأى فيه المصلحة للمسلمين فعل، هذا قول جابر بن زيد، وعليه عامة ~~الفقهاء، وهو قول الإمام أحمد. ### || [9.6] # قوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك } قال المفسرون: وإن أحد من ~~المشركين الذين أمرتك بقتلهم استأمنك يبتغي أن يسمع القرآن وينظر فيما ~~أمر به ونهي عنه، فأجره، ثم أبلغه الموضع الذي يأمن فيه. # وفي قوله: { ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } قولان. # أحدهما: أن المعنى: ذلك الذي أمرناك به من أن يعرفوا ويجاروا لجهلهم ~~بالعلم. # والثاني: ذلك الذي أمرناك به من رده إلى مأمنه إذا امتنع من الإيمان، ~~لأنهم قوم جهلة بخطاب الله. ### || [9.7] # قوله تعالى: { كيف يكون للمشركين عهد } أي: لا يكون لهم ذلك { إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام } وفيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم بنو ضمرة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم قريش، قاله ابن عباس أيضا. وقال قتادة: هم مشركو قريش ~~الذين عاهدهم نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فنكثوا ~~وظاهروا المشركين. # والثالث: أنهم خزاعة، قاله مجاهد. ms0790 وذكر أهل العلم بالسير: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما صالح سهيل بن عمرو في غزوة الحديبية، كتب ~~بينه وبينه: «هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، اصطلحا ~~على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه ~~لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في ~~عهد محمد وعقده فعل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من ~~أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب ~~محمد لم يردوه، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا ~~في قابل في أصحابه، فيقيم بها ثلاثا، لا يدخل علينا بسلاح، إلا سلاح ~~المسافر، السيوف في القرب». فوثبت خزاعة. فقالوا: نحن ندخل في عهد ~~محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عهد قريش وعقدها، ثم إن ~~قريشا أعانت بني بكر على خزاعة بالرجال والسلاح فبيتوا خزاعة ليلا، ~~فقتلوا منهم عشرين رجلا. ثم إن قريشا ندمت على ما صنعت، وعلموا ~~أن هذا نقض للعهد والمدة التي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وخرج قوم من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما ~~أصابهم، فخرج إليهم وكانت غزاة الفتح. قال أبو عبيدة: الإسلال: السرقة، ~~والإغلال: الخيانة. قال ابن الأعرابي: وقوله: { وأن بيننا عيبة مكفوفة } ~~مثل، أراد: أن صلحنا محكم مستوثق منه، كأنه عيبة مشرجة. ~~وزعم بعض المفسرين أن قوله: { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } نسخ ~~بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. ### || [9.8] # قوله تعالى: { كيف وإن يظهروا عليكم } قال الزجاج: المعنى: كيف يكون لهم ~~عهد وإن يظهروا عليكم، فحذف ذلك، لأنه قد سبق، قال الشاعر: # وخبرتماني أنما الموت بالقرى # فكيف وهذي هضبة وقليب # أي: فكيف مات وليس بقرية؟ ومثله قول الحطيئة: # فكيف ولم أعلمهم خذلوكم # على معظم ولا أديمكم قدوا # أي: فكيف تلومونني على مدح قوم؟ واستغنى عن ذكر ذلك، لأنه ms0791 قد جرى في ~~القصيدة ما يدل على ما أضمر. وقوله: { يظهروا } يعني: يقدروا ويظفروا. # وفي قوله: { لا يرقبوا } ثلاثة أقوال. # أحدها: لا يحفظوا. والثاني: لا يخافوا، قاله السدي. والثالث: لا يراعوا، ~~قاله قطرب. # وفي الإل خمسة أقوال. # أحدها: أنه القرابة، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والسدي، ~~ومقاتل، والفراء، وأنشدوا: # إن الوشاة كثير إن أطعتهم # لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما # وقال الآخر: # لعمرك إن إلك من قريش # كال السقب من رأل النعام # والثاني: أنه الجوار، قاله الحسن. # والثالث: أنه الله تعالى، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة. # والرابع: أنه العهد، رواه خصيف عن مجاهد، وبه قال ابن زيد، وأبو عبيدة. # والخامس: أنه الحلف، قاله قتادة. وقرأ عبد الله بن عمرو، وعكرمة، وأبو ~~رجاء، وطلحة بن مصرف: { إيلا } بياء بعد الهمزة. وقرأ ابن السميفع، ~~والجحدري: { ألا } بفتح الهمزة وتشديد اللام. وفي المراد بالذمة ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنها العهد، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك في ~~آخرين. # والثاني: التذمم ممن لا عهد له، قاله أبو عبيدة، وأنشد: # لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما # والثالث: الأمان، قاله اليزيدي، واستشهد بقوله: { ويسعى بذمتهم أدناهم ~~}. # قوله تعالى: { يرضونكم بأفواههم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: يرضونكم بأفواههم في الوفاء، وتأبى قلوبهم إلا الغدر. # والثاني: يرضونكم بأفواههم في العدة بالإيمان، وتأبى قلوبهم إلا ~~الشرك. # والثالث: يرضونكم بأفواههم في الطاعة، وتأبى قلوبهم إلا المعصية، ~~ذكرهن الماوردي. # قوله تعالى: { وأكثرهم فاسقون } قال ابن عباس: خارجون عن الصدق، ~~ناكثون للعهد. ### || [9.9-11] # قوله تعالى: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } في المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم قوم من اليهود، قاله أبو صالح. فعلى الأول، آيات الله: ~~حججه. وعلى الثاني: هي آيات التوراة. والثمن القليل: ما حصلوه بدلا من ~~الآيات. وفي وصفه بالقليل وجهان. # أحدهما: لأنه حرام، والحرام قليل. والثاني: لأنه من عرض الدنيا الذي ~~بقاؤه قليل. وفي قوله: { فصدوا عن سبيله } ثلاثة أقوال. # أحدها: ms0792 عن بيته، وذلك حين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ~~دخول مكة. والثاني: عن دينه يمنع الناس منه. والثالث: عن طاعته في الوفاء ~~بالعهد. ### || [9.12] # قوله تعالى: { وإن نكثوا أيمانهم } قال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن ~~حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة ابن أبي جهل، وسائر رؤساء ~~قريش الذين نقضوا العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله، ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسير إليهم فينصر خزاعة، وهم ~~الذين هموا باخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما النكث، فمعناه: ~~النقض. والأيمان هاهنا: العهود. والطعن في الدين: أن يعاب، وهذا يوجب ~~قتل الذمي إذا طعن في الإسلام، لأن المأخوذ عليه أن لا يطعن فيه. # قوله تعالى: { فقاتلوا أئمة الكفر } قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: { أئمة } بتحقيق الهمزتين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: ~~بتحقيق الأولى وتليين الثانية. والمراد بأئمة الكفر: رؤوس المشركين ~~وقادتهم. { إنهم لا أيمان لهم } أي: لا عهود لهم صادقة؛ هذا على قراءة ~~من فتح الألف، وهم الأكثرون. وقرأ ابن عامر: «لا إيمان لهم» بالكسر؛ ~~وفيها وجهان ذكرهما الزجاج. # أحدهما: أنه وصف لهم بالكفر ونفي الإيمان، والثاني: لا أمان لهم، تقول: ~~آمنته إيمانا، والمعنى: فقد بطل أمانكم لهم بنقضهم. # وفي قوله: { لعلهم ينتهون } قولان. # أحدهما: عن الشرك. والثاني: عن نقض العهود. # وفي «لعل» قولان. # احدهما: أنها بمعنى الترجي، المعنى: ليرجى منهم الانتهاء، قاله ~~الزجاج. # والثاني: أنها بمعنى «كي»، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### || [9.13-15] # قوله تعالى: { ألا تقاتلون قوما } قال الزجاج: هذا على وجه التوبيخ، ~~ومعناه: الحض على قتالهم. قال المفسرون: وهذا نزل في نقض قريش عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي عاهدهم بالحديبية حيث أعانوا على خزاعة. # وفي قوله: { وهموا باخراج الرسول } قولان. # أحدهما: أنهم أبو سفيان في جماعة من قريش، كانوا فيمن هم باخراج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من مكة. # والثاني: انهم قوم من اليهود، غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ونقضوا ms0793 عهده وهموا بمعاونة المنافقين على إخراجه من المدينة. # قوله تعالى: { وهم بدؤوكم أول مرة } فيه قولان. # أحدهما: بدؤوكم باعانتهم على حلفائكم، قاله ابن عباس. # والثاني: بالقتال يوم بدر، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { أتخشونهم } قال الزجاج: أتخشون أن ينالكم من قتالهم ~~مكروه؟! فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى إن كنتم مصدقين بعذابه وثوابه. # قوله تعالى: { ويشف صدور قوم مؤمنين } قال ابن عباس، ومجاهد: يعني: ~~خزاعة. # قوله تعالى: { ويذهب غيظ قلوبهم } أي: كربها، ووجدها بمعونة ~~قريش بني بكر عليها. # قوله تعالى: { ويتوب الله على من يشاء } قال الزجاج: هو مستأنف، وليس ~~بجواب { قاتلوهم } وفيمن عني به قولان. # أحدهما: بنو خزاعة، والمعنى: ويتوب الله على من يشاء من بني خزاعة، قاله ~~عكرمة. # والثاني: أنه عام في المشركين كما تاب على أبي سفيان، وعكرمة، وسهيل. { ~~والله عليم } بنيات المؤمنين، { حكيم } فيما قضى. ### || [9.16] # قوله تعالى: { أم حسبتم أن تتركوا } في المخاطب بهذا قولان. # أحدهما: أنهم المؤمنون، خوطبوا بهذا حين شق على بعضهم القتال، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: أنهم قوم من المنافقين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الخروج معه إلى الجهاد تعذيرا، قاله ابن عباس. وإنما دخلت الميم في ~~الاستفهام، لأنه استفهام معترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بينه وبين ~~الاستفهام المبتدأ. قال الفراء: ولو أريد به الابتداء، لكان إما بالألف، ~~أو ب «هل»، ومعنى الكلام: أن تتركوا بغير امتحان يبين به الصادق من ~~الكاذب. { ولما يعلم الله } أي: ولم تجاهدوا فيعلم الله وجود ذلك منكم؛ ~~وقد كان يعلم ذلك غيبا، فأراد إظهار ما علم ليجازي على العمل. # فأما الوليجة، فقال ابن قتيبة: هي البطانة من غير المسلمين، وهو أن يتخذ ~~الرجل من المسلمين دخيلا من المشركين وخليطا ووادا، وأصله من الولوج. ~~قال أبو عبيدة: وكل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في ~~القوم وليس منهم فهو وليجة فيهم. ### || [9.17-18] # قوله تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو: «مسجد الله» على التوحيد، { إنما ms0794 يعمر مساجد الله } على ~~الجمع. وقرأ عاصم، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: على الجمع فيهما. ~~وسبب نزولها: أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر فيهم العباس بن عبد ~~المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس: مالكم تذكرون ~~مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم، لنحن ~~أفضل منكم أجرا؛ إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ~~ونفك العاني، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل في جماعة. # وفي المراد بالعمارة قولان. # أحدهما: دخوله والجلوس فيه. والثاني: البناء له وإصلاحه؛ فكلاهما محظور ~~على الكافر. والمراد من قوله: { ما كان للمشركين } أي: يجب على المسلمين ~~منعهم من ذلك. قال الزجاج: وقوله { شاهدين } حال. المعنى: ما كانت لهم ~~عمارته في حال إقرارهم بالكفر، { أولئك حبطت أعمالهم } لأن كفرهم أذهب ~~ثوابها. # فان قيل: كيف يشهدون على أنفسهم بالكفر، وهم يعتقدون أنهم على الصواب؟ ~~فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه قول اليهودي: أنا يهودي، وقول النصراني: أنا نصراني، قاله ~~السدي. # والثاني: أنهم ثبتوا على أنفسهم الكفر بعدولهم عن أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهو حق لا يخفى على مميز، فكانوا بمنزلة من شهد على نفسه. # والثالث: أنهم آمنوا بأنبياء شهدوا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالتصديق، ~~وحرضوا على اتباعه، فلما آمنوا بهم وكذبوه، دلوا على كفرهم، وجرى ~~ذلك مجرى الشهادة على أنفسهم بالكفر، لأن الشهادة هي تبيين وإظهار، ~~ذكرهما ابن الأنباري. # فان قيل: ما وجه قوله: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر } ولم يذكر الرسول، والإيمان لا يتم إلا به؟ فالجواب: أن فيه ~~دليلا على الرسول، لقوله: { واقام الصلاة } أي: الصلاة التي جاء بها ~~الرسول، قاله الزجاج. فان قيل: { فعسى } ترج، وفاعل هذه الخصال مهتد بلا ~~شك. فالجواب: أن «عسى» من الله واجبة، قاله ابن عباس. فان قيل: قد يعمر ~~مساجد الله من ليس فيه ms0795 هذه الصفات. فالجواب: أن المراد أنه من كان على ~~هذه الصفات المذكورة، كان من أهل عمارتها، وليس المراد أن من عمرها كان ~~بهذه الصفة. ### || [9.19-22] # قوله تعالى: { أجعلتم سقاية الحاج } في سبب نزولها ستة أقوال. # أحدها: رواه مسلم في «صحيحه» من حديث النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد ~~[الاسلام إلا] أن أسقي الحاج، وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا ~~بعد [الاسلام إلا] أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل ~~الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكني إذا صليت الجمعة، دخلت ~~فاستفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أن العباس بن عبد المطلب قال يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا ~~بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ~~ونفك العاني، فنزلت هذه الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله الحرام، والقيام على ~~السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله، ~~فنزلت هذه الآية، رواه عطية العوفي عن ابن عباس. # والرابع: أن عليا والعباس وطلحة يعني سادن الكعبة افتخروا، فقال ~~طلحة: أنا صاحب البيت، بيدي مفتاحه، ولوأشاء بت فيه. وقال العباس: أنا ~~صاحب السقاية، والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد. وقال علي: ما ~~أدري ما تقولون، لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فنزلت ~~هذه الآية، قاله الحسن، والشعبي، والقرظي. # والخامس: أنهم لما أمروا بالهجرة قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال ~~طلحة: أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله ~~مجاهد. هكذا ذكر مجاهد، وإنما الصواب عثمان بن طلحة، لأن طلحة هذا لم ~~يسلم. # والسادس: أن عليا قال للعباس: ألا تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي ms0796 حاج بيت الله وأعمر المسجد ~~الحرام؟ فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مرة الهمداني، وابن ~~سيرين. قال الزجاج: ومعنى الآية: أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة ~~المسجد الحرام كمن آمن بالله؟ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. قال ~~الحسن: كان ينبذ زبيب، فيسقون الحاج في الموسم وقال ابن عباس: عمارة ~~المسجد: تجميره، وتخليقه، فأخبر الله أن أفعالهم تلك لا تنفعهم مع الشرك، ~~وسماهم ظالمين لشركهم. # قوله تعالى: { أعظم درجة } قال الزجاج: هو منصوب على التمييز. والمعنى: ~~أعظم من غيرهم درجة. والفائز: الذي يظفر بأمنيته من الخير. فأما النعيم، ~~فهو لين العيش، والمقيم: الدائم. ### || [9.23] # قوله تعالى: { لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء } في سبب نزولها: خمسة ~~أقوال. # أحدها: أنه لما أمر المسلمون بالهجرة، جعل الرجل يقول لأهله: إنا قد ~~أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك، ومنهم من يتعلق به عياله وزوجته، ~~فيقولون: ننشدك الله أن تدعنا إلى غير شيء، فيرق قلبه، فيجلس معهم، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه لما أمر الله المؤمنين بالهجرة، قال المسلمون: يا نبي ~~الله، إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشائرنا، ~~وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: أنا أحجب ~~الكعبة فلا نهاجر، نزلت هذه الآية والتي قبلها، هذا قول قتادة، وقد ~~ذكرناه عن مجاهد. # والرابع: أن نفرا ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ~~ولايتهم، وأنزل هذه الآية، قاله مقاتل. # والخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالجهاز لنصرة ~~خزاعة على قريش، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، نعاونهم على قومنا؟ ~~فنزلت هذه الآية، ذكره أبو سليمان الدمشقي. ### || [9.24] # قوله تعالى: { قل إن كان آباؤكم... } الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في الذين تخلفوا مع عيالهم بمكة ولم يهاجروا، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن علي بن أبي طالب قدم مكة، ms0797 فقال لقوم: ألا تهاجرون؟ فقالوا: ~~نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن سيرين. # والثالث: أنه لما نزلت الآية التي قبلها، قالوا: يا رسول الله، إن نحن ~~اعتزلنا من خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا، ~~وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض المفسرين في هذه الآية، وذكره ~~بعضهم في الآية الأولى كما حكيناه عن ابن عباس. فأما العشيرة، فهم ~~الأقارب الأدنون. وروى أبو بكر عن عاصم: «وعشيراتكم» على الجمع. قال أبو ~~علي: وجهه أن كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فاذا جمعت قلت: عشيراتكم؛ ~~وحجة من افرد: أن العشيرة واقعة على الجمع، فاستغنى بذلك عن جمعها. وقال ~~الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة: عشيرات، إنما يجمعونها على عشائر. ~~والاقتراف بمعنى الاكتساب. والتربص: الانتظار. # وفي قوله: { حتى يأتي الله بأمره } قولان. # أحدهما: أنه فتح مكة، قاله مجاهد، والأكثرون. ومعنى الآية: إن كان ~~المقام في أهاليكم، وكانت الأموال التي اكتسبتموها { وتجارة تخشون ~~كسادها } لفراقكم بلدكم { ومساكن ترضونها أحب إليكم } من الهجرة، ~~فأقيموا غير مثابين حتى تفتح مكة، فيسقط فرض الهجرة. # والثاني: أنه العقاب، قاله الحسن. ### || [9.25] # قوله تعالى: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } أي: في أماكن. قال ~~الفراء: وكل جمع كانت فيه ألف قبلها حرفان وبعدها حرفان لم يجر، مثل ~~صوامع، ومساجد. وجري { حنين } لأنه اسم لمذكر، وهو واد بين مكة ~~والطائف، وإذا سميت ماء أو واديا أو جبلا باسم مذكر لا علة ~~فيه، أجريته، من ذلك: حنين، وبدر، وحراء، وثبير، ودابق. ومعنى الآية: ~~أن الله عز وجل أعلمهم أنهم إنما يغلبون بنصر الله لا بكثرتهم. وفي عددهم ~~يوم حنين أربعة أقوال. # أحدها: أنهم كانوا ستة عشر ألفا، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: عشرة آلاف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: كانوا اثني عشر ألفا، قاله قتادة، وابن زيد، وابن إسحاق، ~~والواقدي. # والرابع: أحد عشر ألفا وخمسمائة، قاله مقاتل. قال ابن عباس: فقال ذلك ~~اليوم سلمة بن سلامة بن وقش، وقد عجب لكثرة الناس: لن ms0798 نغلب اليوم من ~~قلة، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة ~~الرجل، فذلك قوله: { إذ أعجبتكم كثرتكم فلن تغن عنكم شيئا } وقال سعيد ~~بن المسيب: القائل لذلك: أبو بكر الصديق. وحكى ابن جرير أن القائل لذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: بل العباس. وقيل: رجل من بني بكر. # قوله تعالى: { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } أي: برحبها. قال الفراء: ~~والباء هاهنا بمنزلة «في» كما تقول: ضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها. # الإشارة إلى القصة # قال أهل العلم بالسيرة، لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، تآمر ~~عليه أشراف هوازن وثقيف، فجاؤوا حتى نزلوا أوطاس، وأجمعوا المسير إليه، ~~فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما التقوا أعجبتهم كثرتهم ~~فهزموا. # وقال البراء بن عازب: لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، ~~فأقبلوا بالسهام، فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وبعضهم يقول: ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جماعة من أصحابه ~~منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث. # وبعضهم يقول: لم يبق معه سوى العباس وأبي سفيان، # " فجعل النبي يقول للعباس: «ناد: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا ~~أصحاب سورة البقرة» فنادى، وكان صيتا، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت ~~إلى أولادها، يقولون: يا لبيك، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~قتالهم، فقال: «الآن حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، انا ابن عبد المطلب» ~~ثم قال للعباس: «ناولني حصيات» فناوله، فقال: «شاهت الوجوه» ورمى بها، ~~وقال: «انهزموا ورب الكعبة» فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا. وقيل: ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من تراب، فرماهم به فانهزموا. ~~وكانوا يقولون: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه بالتراب ". ### || [9.26-27] # قوله تعالى: { ثم أنزل الله سكينته } أي: بعد الهزيمة. قال أبو عبيدة: ~~هي فعلية من السكون، وأنشد: # لله قبر غالها ماذا يجن # لقد أجن سكينة ووقارا # وكذلك قال المفسرون: الأمن والطمأنينة. # قوله تعالى: ms0799 { وأنزل جنودا لم تروها } قال ابن عباس: يعني: الملائكة. ~~وفي عددهم يومئذ ثلاثة أقوال. # أحدها: ستة عشر ألفا، قاله الحسن. والثاني: خمسة آلاف، قاله سعيد ابن ~~جبير. والثالث: ثمانية، قاله مجاهد، يعني: ثمانية آلاف. وهل قاتلت ~~الملائكة يومئذ، أم لا؟ فيه قولان. # وفي قوله: { وعذب الذين كفروا } أربعة أقوال. # أحدها: بالقتل، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: بالقتل والهزيمة، قاله ابن أبزى، ومقاتل. # والثالث: بالخوف والحذر ذكره الماوردي. # والرابع: بالقتل، والأسر، وسبي الأولاد، وأخذ الأموال، ذكره بعض ناقلي ~~التفسير. # قوله تعالى: { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } أي: يوفقه ~~للتوبة من الشرك. ### || [9.28] # قوله تعالى: { إنما المشركون نجس } قال أبو عبيدة: معناه: قذر. قال ~~الزجاج: يقال لكل شيء مستقذر: نجس. وقال الفراء: لا تكاد العرب تقول: ~~نجس، إلا وقبلها رجس، فاذا أفردوها، قالوا: نجس. # وفي المراد بكونهم نجسا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم أنجاس الأبدان، كالكلب والخنزير، حكاه الماوردي، عن الحسن، ~~وعمر بن عبد العزيز. وروى ابن جرير عن الحسن قال: من صافحهم فليتوضأ. # والثاني: أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجنابة، وإن لم تكن ~~أبدانهم أنجاسا، قاله قتادة. # والثالث: أنه لما كان علينا اجتنابهم كما تجتنب الأنجاس، صاروا بحكم ~~الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح. # قوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام } قال أهل التفسير: يريد: جميع ~~الحرم { بعد عامهم هذا } وهو سنة تسع من الهجرة، وهي السنة التي حج فيها ~~أبو بكر وقرئت { براءة }. وقد أخذ أحمد رضي الله عنه بظاهر الآية، وأنه ~~يحرم عليهم دخول الحرم، وهو قول مالك، والشافعي. واختلفت الرواية عنه في ~~دخولهم غير المسجد الحرام من المساجد، فروي عنه المنع أيضا إلا لحاجة، ~~كالحرم، وهو قول مالك. وروي عنه جواز ذلك، وهو قول الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: يجوز لهم دخول المسجد الحرام، وسائر المساجد. # قوله تعالى: { وإن خفتم عيلة } وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ~~والشعبي، وابن السميفع: «عايلة». قال سعيد بن جبير: لما نزلت { إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا ms0800 المسجد الحرام بعد عامهم هذا } شق على ~~المسلمين، وقالوا: من يأتينا بطعامنا؟ وكانوا يقدمون عليهم ~~بالتجارة، فنزلت: { وإن خفتم عيلة... } الآية. قال الأخفش: العيلة: ~~الفقر. يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر. وأعال إعالة فهو يعيل: إذا ~~صار صاحب عيال. وقال أبو عبيدة: العيلة هاهنا: مصدر عال فلان إذا ~~افتقر، وأنشد: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # وللمفسرين في قوله: { وإن } قولان. # أحدهما: أنها للشرط، وهو الأظهر. # والثاني: أنها بمعنى «وإذ»، قاله عمرو بن فايد. قالوا: وإنما خاف ~~المسلمون الفقر، لأن المشركين كانوا يحملون التجارات إليهم، ويجيئون ~~بالطعام وغيره. # وفي قوله: { فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أنزل عليهم المطر عند انقطاع المشركين عنهم، فكثر خيرهم، ~~قاله عكرمة. # والثاني: أنه أغناهم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب، قاله قتادة، ~~والضحاك. # والثالث: أن أهل نجد، وجرش، وأهل صنعاء أسلموا، فحملوا الطعام إلى ~~مكة على الظهر، فأغناهم الله به، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { إن الله عليم } قال ابن عباس: { عليم } بما يصلحكم { حكيم ~~} فيما حكم في المشركين. ### || [9.29] # قوله تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } قال المفسرون: نزلت في ~~اليهود والنصارى. قال الزجاج: ومعناها: لا يؤمنون بالله إيمان ~~الموحدين، لأنهم أقروا بأنه خالقهم، وأنه له ولد، وكذلك إيمانهم ~~بالبعث لأنهم لا يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون. وقال الماوردي: ~~إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بحقوقه، وهم لا يقرون بها، فكانوا ~~كمن لا يقر به. # قوله تعالى: { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } قال سعيد بن جبير: ~~يعني: الخمر والخنزير. # قوله تعالى: { ولا يدينون دين الحق } في الحق قولان. # أحدهما: أنه اسم الله، فالمعنى: دين الله، قاله قتادة. # والثاني: أنه صفة للدين، والمعنى: ولا يدينون الدين الحق؛ فاضاف ~~الاسم إلى الصفة. وفي معنى { يدينون } قولان. # أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، والمعنى: لا يطيعون الله طاعة حق، قاله ~~أبو عبيدة. والثاني: أنه من دان الرجل يدين كذا: إذا التزمه. ثم في جملة ~~الكلام قولان. # أحدهما: أن المعنى: لا ms0801 يدخلون في دين محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه ~~ناسخ لما قبله. # والثاني: لا يعملون بما في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { حتى يعطوا الجزية } قال ابن الأنباري: الجزية: الخراج ~~المجعول عليهم، سميت جزية لانها قضاء لما عليهم؛ أخذ من قولهم: جزى ~~يجزي: إذا قضى؛ ومنه قوله تعالى: # لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة: 48] وقوله: «ولا تجزي عن أحد بعدك». وفي قوله: { عن يد } ~~ستة أقوال. # أحدها: عن قهر، قاله قتادة، والسدي. وقال الزجاج: عن قهر وذل. # والثاني: أنه النقد العاجل، قاله شريك، وعثمان بن مقسم. # والثالث: أنه إعطاء المبتدىء بالعطاء، لا إعطاء المكافىء، قاله ابن ~~قتيبة. # والرابع: أن المعنى: عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. # والخامس: عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية منهم إنعام عليهم، ~~حكاهما الزجاج. # والسادس: يؤدونها بأيديهم، ولا ينفذونها مع رسلهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وهم صاغرون } الصاغر: الذليل الحقير. # وفي ما يكلفونه من الفعل الذي يوجب صغارهم خمسة أقوال. # أحدها: أن يمشوا بها ملببين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~أن لا يحمدوا على إعطائهم، قاله سلمان الفارسي. والثالث: أن يكونوا ~~قياما والآخذ جالسا، قاله عكرمة. والرابع: أن دفع الجزية هو الصغار. ~~والخامس: أن إجراء أحكام الإسلام عليهم هو الصغار. # فصل # واختلف في الذين تؤخذ منهم الجزية من الكفار، فالمشهور عن أحمد: أنها ~~لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي. ونقل الحسن بن ~~ثواب عن أحمد: أنه من سبي من أهل الأديان من العرب والعجم، فالعرب إن ~~أسلموا، وإلا السيف، وأولئك إن أسلموا، وإلا الجزية؛ فظاهر هذا أن الجزية ~~تؤخذ من الكل، إلا من عابدي الأوثان من العرب فقط، وهو قول أبي حنيفة، ~~ومالك. # فصل # فأما صفة الذين تؤخذ منهم الجزية، فهم أهل القتال. فأما الزمن، ~~والأعمى والمفلوج، والشيخ الفاني، والنساء، والصبيان، والراهب الذي لا ~~يخالط الناس، فلا تؤخذ منهم. # فصل # فأما مقدارها، فقال أصحابنا: على الموسر: ثمانية وأربعون درهما، وعلى ~~المتوسط: أربعة ms0802 وعشرون، وعلى الفقير المعتمل: اثنا عشر، وهو قول أبي ~~حنيفة. وقال مالك: على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون ~~درهما، وسواء في ذلك الغني والفقير. وقال الشافعي: على الغني والفقير ~~دينار. وهل تجوز الزيادة والنقصان مما يؤخذ منهم؟ نقل الأثرم عن أحمد: ~~أنها تزاد وتنقص على قدر طاقتهم، فظاهر هذا: أنها على اجتهاد الإمام ~~ورأيه. ونقل يعقوب بن بختان: أنه لا يجوز للامام أن ينقص من ذلك، وله أن ~~يزيد. # فصل # ووقت وجوب الجزية: آخر الحول، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تجب في ~~أول الحول. فأما إذا دخلت سنة في سنة، فهل تسقط جزية السنة الماضية؟ ~~عندنا لا تسقط. وقال أبو حنيفة: تسقط. فأما إذا أسلم، فانها تسقط ~~بالإسلام. فأما إن مات؛ فكان ابن حامد يقول: لا تسقط. وقال القاضي أبو ~~يعلى: يحتمل أن تسقط. ### || [9.30-31] # قوله تعالى: { وقالت اليهود عزير ابن الله } قرأ ابن كثير، ونافع، وابو ~~عمرو، وابن عامر، وحمزة: «عزير ابن الله» بغير تنوين. وقرأ عاصم، ~~والكسائي، ويعقوب، وعبد الوارث عن أبي عمرو: منونا. قال مكي بن أبي ~~طالب: من نون عزيرا رفعه على الابتداء، و«ابن» خبره. ولا يحسن حذف ~~التنوين على هذا من «عزير» لالتقاء الساكنين. ولا تحذف ألف «ابن» من ~~الخط، ويكسر التنوين لالتقاء الساكنين. ومن لم ينون «عزيرا» جعله أيضا ~~مبتدأ، و«ابن» صفة له، فيحذف التنوين على هذا استخفافا لالتقاء ~~الساكنين، ولأن الصفة مع الموصوف كالشيء الواحد، وتحذف ألف «ابن» من ~~الخط، والخبر مضمر تقديره: عزير بن الله نبينا وصاحبنا. وسبب نزولها: ~~أن سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، ~~وأنت لا تزعم أن عزير ابن الله؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال ~~ابن عمر، وابن جريج: إن القائل لذلك فنحاص. فأما العزير: فقال شيخنا أبو ~~منصور اللغوي: هو اسم أعجمي معرب، وإن وافق لفظ العربية، فهو عبراني، ~~كذا قرأته عليه. وقال ms0803 مكي بن أبي طالب: العزير عند كل النحويين: عربي ~~مشتق من قوله يعزروه. وقال ابن عباس: إنما قالوا ذلك، لأنهم لما عملوا ~~بغير الحق، أنساهم الله التوراة، ونسخها من صدورهم، فدعا عزير الله ~~تعالى، فعاد إليه الذي نسخ من صدروهم، ونزل نور من السماء فدخل جوفه، ~~فأذن في قومه فقال: قد آتاني الله التوراة؛ فقالوا: ما أوتيها إلا ~~لأنه ابن الله. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أن بختنصر لما ظهر على بني ~~إسرائيل، وهدم بيت المقدس، وقتل من قرأ التوراة، كان عزير غلاما، فتركه. ~~فلما توفي عزير ببابل، ومكث مائة عام، ثم بعثه الله تعالى إلى بني ~~اسرائيل، فقال: أنا عزير، فكذبوه وقالوا: قد حدثنا آباؤنا أن عزيرا ~~مات ببابل، فان كنت عزيرا فأملل علينا التوراة، فكتبها لهم؛ فقالوا هذا ~~ابن الله. # وفي الذين قالوا هذا عن عزير ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم جميع بني اسرائيل، روي عن ابن عباس. # والثاني: طائفة من سلفهم، قاله الماوردي. # والثالث: جماعة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم ~~قولان. # أحدهما: فنحاص وحده، وقد ذكرناه عن ابن عمر وابن جريج. # والثاني: الذين ذكرناهم في أول الآية عن ابن عباس. # فان قيل: إن كان قول بعضهم، فلم أضيف إلى جميعهم؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن إيقاع اسم الجماعة على الواحد معروف في اللغة، تقول العرب: ~~جئت من البصرة على البغال، وإن كان لم يركب إلا بغلا واحدا. # والثاني: أن من لم يقله، لم ينكره. # قوله تعالى: { وقالت النصارى المسيح ابن الله } في سبب قولهم هذا قولان. # أحدهما: لكونه ولد من غير ذكر. # والثاني: لأنه أحيى الموتى، وأبرأ الكمة والبرص وقد شرحنا هذا ~~المعنى في [المائدة: 110]. # قوله تعالى: { ذلك قولهم بأفواههم } إن قال قائل: هذا معلوم، فما ~~فائدته؟ فالجواب: أن المعنى: أنه قول بالفم لا بيان فيه، ولا برهان، ~~ولا تحته معنى صحيح. قاله الزجاج. # قوله تعالى: { يضاهون } قرأ الجمهور: من غير همز. وقرأ عاصم: «يضاهئون». ~~قال ثعلب: لم يتابع عاصما أحد على الهمز. ms0804 قال الفراء: وهي لغة. قال ~~الزجاج: «يضاهون» يشابهون قول من تقدمهم من كفرتهم، فانما قالوه ~~اتباعا لمتقدميهم. وأصل المضاهاة في اللغة: المشابهة، والأكثر ترك ~~الهمز؛ واشتقاقه من قولهم: امرأة ضهياء، وهي التي لا ينبت لها ثدي. وقيل: ~~هي التي لا تحيض، والمعنى: أنها قد أشبهت الرجال. قال ابن الأنباري: ~~يقال: ضاهيت، وضاهأت، إذا شبهت. وفي { الذين كفروا } هاهنا ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنهم عبدة الأوثان، والمعنى: أن أولئك قالوا: الملائكة بنات ~~الله، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم اليهود، فالمعنى: أن النصارى في قولهم المسيح ابن الله ~~شابهوا اليهود في قولهم عزير ابن الله، قاله قتادة، والسدي. # والثالث: أنهم أسلافهم، تابعوهم في أقوالهم تقليدا، قاله الزجاج، وابن ~~قتيبة. # وفي قوله: { قاتلهم الله } ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: لعنهم الله، قاله ابن عباس. # والثاني: قتلهم الله، قاله أبو عبيدة. # والثالث: عاداهم الله، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { أنى يؤفكون } أي: من أين يصرفون عن الحق؟. # قوله تعالى: { اتخذوا أحبارهم } قد سبق في [المائدة: 44] معنى الأحبار ~~والرهبان. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية، ~~فقال: # " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا ~~استحلوه، واذا حرموا عليهم شيئا حرموه " # فعلى هذا المعنى: إنهم جعلوهم كالأرباب وإن لم يقولوا: إنهم أرباب. # قوله تعالى: { والمسيح ابن مريم } قال ابن عباس: اتخذوه ربا. ### || [9.32] # قوله تعالى: { يريدون أن يطفئوا نور الله } قال ابن عباس: يخمدوا دين ~~الله بتكذيبهم، يعني: أنهم يكذبون به ويعرضون عنه يريدون إبطاله بذلك. ~~وقال الحسن وقتادة: نور الله: القرآن والإسلام. فأما تخصيص ذلك بالأفواه، ~~فلما ذكرنا في الآية قبلها. وقيل: إن الله تعالى لم يذكر قولا مقرونا ~~بالأفواه والألسن إلا وهو زور. # قوله تعالى: { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } قال الفراء: إنما دخلت ~~«إلا» هاهنا، لأن في الإباء طرفا من الجحد، ألا ترى أن «أبيت» كقولك: ~~«لم أفعل»، «ولا أفعل» فكأنه بمنزلة قولك: ما ذهب إلا زيد، قال الشاعر: # فهل لي أم غيرها ms0805 إن تركتها # أبى الله إلا أن أكون لها ابنما # وقال الزجاج: المعنى: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره. قال مقاتل: ~~«يتم نوره» أي: يظهر دينه. ### || [9.33] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم { ~~بالهدى } ، وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه التوحيد. والثاني: القرآن. والثالث: تبيان الفرائض. فأما دين ~~الحق، فهو الإسلام. وفي قوله: { ليظهره } قولان. # أحدهما: أن الهاء عائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ~~ليعلمه شرائع الدين كلها، فلا يخفى عليه منها شيء، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها راجعة إلى الدين. ثم في معنى الكلام قولان. # أحدهما: ليظهر هذا الدين على سائر الملل. ومتى يكون ذلك؟ فيه قولان: ~~أحدهما: عند نزول عيسى عليه السلام، فانه يتبعه أهل كل دين، وتصير الملل ~~واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام أو أدوا الجزية، قاله ~~أبو هريرة، والضحاك. والثاني: أنه عند خروج المهدي، قاله السدي. # والقول الثاني: أن إظهار الدين إنما هو بالحجج الواضحة، وإن لم يدخل ~~الناس فيه. ### || [9.34] # قوله تعالى: { إن كثيرا من الأحبار } الأحبار من اليهود، والرهبان من ~~النصارى. وفي الباطل أربعة أقوال. # أحدها: أنه الظلم، قاله ابن عباس. والثاني: الرشا في الحكم، قاله الحسن. ~~والثالث: الكذب، قاله أبو سليمان. والرابع: أخذه من الجهة المحظورة، قاله ~~القاضي أبو يعلى. والمراد: أخذ الأموال، وإنما ذكر الأكل، لأنه معظم ~~المقصود من المال. وفي المراد بسبيل الله هاهنا قولان. # أحدهما: الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: أنه الحق والحكم. # قوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة } اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت عامة في أهل الكتاب والمسلمين، قاله أبو ذر، والضحاك. # والثاني: أنها خاصة في أهل الكتاب، قاله معاوية بن أبي سفيان. # والثالث: أنها في المسلمين، قاله ابن عباس، والسدي. # وفي الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه مالم تؤد زكاته. قال ابن عمر: كل مال أديت زكاته وإن ~~كان تحت سبع أرضين ms0806 فليس بكنز، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ~~ظاهرا على وجه الأرض، وإلى هذا المعنى: ذهب الجمهور. فعلى هذا، معنى ~~الإنفاق: إخراج الزكاة. # والثاني: أنه ما زاد على أربعة آلاف، روي عن علي بن أبي طالب أنه: قال ~~أربعة آلاف نفقة، وما فوقها كنز. # والثالث: ما فضل عن الحاجة، وكان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام ثم ~~نسخ بالزكاة. # فان قيل: كيف قال { ينفقونها } وقد ذكر شيئين؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن المعنى: يرجع إلى الكنوز والأموال. # والثاني: أنه يرجع إلى الفضة، وحذف الذهب. لأنه داخل في الفضة، قال ~~الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # يريد: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، ذكر القولين الزجاج. # وقال الفراء: إن شئت اكتفيت بأحد المذكورين، كقوله: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا # [النساء: 112] وقوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11]، وأنشد: # إني ضمنت لمن أتاني ما جنى # وأبى وكان وكنت غير غدور # ولم يقل: غدورين، وإنما اكتفى بالواحد لاتفاق المعنى. قال أبو عبيدة: ~~والعرب إذا أشركوا بين اثنين قصروا، فخبروا عن أحدهما استغناء بذلك، ~~وتحقيقا؛ لمعرفة السامع بأن الآخر قد شاركه، ودخل معه في ذلك الخبر، ~~وأنشد: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فاني وقيار بها لغريب # والنصب في: «قيار» أجود، وقد يكون الرفع. وقال حسان بن ثابت: # إن شرخ الشباب والشعر الأس # ود مالم يعاص كان جنونا # ولم يقل: يعاصيا. ### || [9.35] # قوله تعالى: { يوم يحمى عليها في نار جهنم } أي: على الأموال. قال ابن ~~مسعود: والله ما من رجل يكوى بكنز، فيوضع دينار على دينار ولا درهم على ~~درهم، ولكن يوسع جلده، فيوضع كل دينار ودرهم على حدته. وقال ابن عباس: ~~هي حية تنطوي على جنبيه وجبهته، فتقول: أنا مالك الذي بخلت به. # قوله تعالى: { هذا ما كنزتم } فيه محذوف تقديره: ويقال لهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم { فذوقوا ما كنتم تكنزون } أي: عذاب ذلك. # فان قيل: لم خص الجباه ms0807 والجنوب والظهور من بقية البدن؟ # فالجواب: أن هذه المواضع مجوفة، فيصل الحر إلى أجوافها، بخلاف اليد ~~والرجل. وكان أبو ذر يقول: بشر الكنازين بكي في الجباه وكي في ~~الجنوب وكي في الظهور، حتى يلتقي الحر في أجوافهم. وجواب آخر: وهو أن ~~الغني إذا رأى الفقير، انقبض؛ وإذا ضمه وإياه مجلس، ازور عنه وولاه ~~ظهره، قاله أبو بكر الوراق. ### || [9.36] # قوله تعالى: { إن عدة الشهور عند الله } قال المفسرون: نزلت هذه الآية ~~من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله، فربما وقع حجهم في رمضان، وربما ~~وقع في شوال، إلى غير ذلك؛ وكانوا يستحلون المحرم عاما، ويحرمون ~~مكانه صفر، وتارة يحرمون المحرم ويستحلون صفر. قال الزجاج: أعلم ~~الله عز وجل أن عدد شهور المسلمين التي تعبدوا بأن يجعلوه لسنتهم: ~~اثنا عشر شهرا على منازل القمر؛ فجعل حجهم وأعيادهم على هذا العدد، ~~فتارة يكون الحج والصوم في الشتاء، وتارة في الصيف، بخلاف ما يعتمده أهل ~~الكتاب، فانهم يعملون على أن السنة ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوما وبعض ~~يوم. وجمهور القراء على فتح عين { اثنا عشر }. وقرأ أبو جعفر: اثنا عشر، ~~وأحد عشر، وتسعة عشر، بسكون العين فيهن. # قوله تعالى: { في كتاب الله } أي: في اللوح المحفوظ. قال ابن عباس: في ~~الإمام الذي عند الله، كتبه: { يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم } ~~وفيها قولان. # أحدهما: أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون. وقال ~~القاضي أبو يعلى: إنما سماها حرما: لمعنيين. أحدهما: تحريم القتال ~~فيها، وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك أيضا. والثاني: لتعظيم انتهاك ~~المحارم فيها أشد من تعظيمه في غيرها، وكذلك تعظيم الطاعات فيها. # والثاني: انها الأشهر التي أجل المشركون فيها للسياحة، ذكره ابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: { ذلك الدين القيم } فيه قولان. # أحدهما: ذلك القضاء المستقيم، قاله ابن عباس. # والثاني: ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } اختلفوا في كناية «فيهن» على ~~قولين: # أحدهما: أنها تعود على الاثني عشر شهرا، قاله ابن عباس. ms0808 فعلى هذا يكون ~~المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالا، ولا حلالها حراما، كفعل أهل النسيء. # والثاني: أنها ترجع إلى الأربعة الحرم، وهو قول قتادة، والفراء؛ واحتج ~~بأن العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة: لثلاث ليال خلون، وأيام ~~خلون، فاذا جزت العشرة قالوا خلت ومضت، ويقولون لما بين الثلاثة إلى ~~العشرة: هن، وهؤلاء، فاذا جزت العشرة، قالوا: هي، وهذه؛ إرادة أن ~~تعرف سمة القليل من الكثير. وقال ابن الأنباري: العرب تعيد الهاء والنون ~~على القليل من العدد، والهاء والألف على الكثير منه؛ والقلة: ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة، والكثرة: ما جاوز العشرة. يقولون: وجهت إليك ~~أكبشا فاذبحهن، وكباشا فاذبحها فلهذا قال: { منها أربعة حرم } ~~وقال: { فلا تظلموا فيهن } لأنه يعني: بقوله: { فيهن } الأربعة. ومن قال ~~من المفسرين: إنه يعني بقوله: { فيهن } الاثني عشر، فانه ممكن؛ لأن العرب ~~ربما جعلت علامة القليل للكثير، وعلامة الكثير للقليل، وعلى قول من قال: ~~ترجع { فيهن } إلى الأربعة، يخرج في معنى الظلم فيهن أربعة أقوال. # أحدها: أنه المعاصي، فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر، أن شأن ~~المعاصي يعظم فيها أشد من تعظيمه في غيرها، وذلك لفضلها على ما سواها، ~~كقوله: # وجبريل وميكال # [البقرة: 98] وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة، وقوله: # فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة، وقوله: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197] وإن كان منهيا عنه في غير الحج، وكما أمر بالمحافظة على ~~الصلاة الوسطى وإن كان مأمورا بالمحافظة على غيرها، هذا قول الأكثرين. # والثاني: أن المراد بالظلم فيهن فعل النسيء: وهو تحليل شهر محرم، ~~وتحريم شهر حلال، قاله ابن اسحاق. # والثالث: أنه البداية بالقتال فيهن، فيكون المعنى: فلا تظلموا أنفسكم ~~بالقتال فيهن إلا أن تبدؤوا بالقتال، قاله مقاتل. # والرابع: أنه ترك القتال فيهن، فيكون المعنى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~بترك المحاربة لعدوكم، قاله ابن بحر، وهو عكس قول مقاتل. والسر في أن ~~الله تعالى عظم بعض الشهور على بعض، ليكون الكف عن الهوى فيها ms0809 ذريعة ~~إلى استدامة الكف في غيرها تدريجا للنفس إلى فراق مألوفها المكروه ~~شرعا. ### || [9.37] # قوله تعالى: { إنما النسيء زيادة في الكفر } الجمهور على همز النسيء ~~ومده وكسر سينه. وروى شبل عن ابن كثير: «النسء» على وزن النسع. ~~وفي رواية أخرى عن شبل: «النسي» مشددة الياء من غير همز، وهي قراءة ~~أبي جعفر؛ والمراد بالكلمة: التأخير. قال اللغويون: النسيء: تأخير الشيء. ~~وكانت العرب تحرم الأشهر الأربعة، وكان هذا مما تمسكت به من ملة ~~إبراهيم، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون بينهم، فيؤخرون ~~تحريم المحرم إلى صفر، ثم يحتاجون إلى تأخير صفر أيضا إلى الشهر الذي ~~بعده، ثم تتدافع الشهور شهرا بعد شهر حتى يستدير التحريم على السنة ~~كلها، فكأنهم يستنسؤون الشهر الحرام ويستقرضونه، فأعلم الله عز وجل أن ~~ذلك زيادة في كفرهم، لأنهم أحلوا الحرام، وحرموا الحلال، { ليواطؤوا }: ~~أي: ليوافقوا { عدة ما حرم الله } فلا يخرجون من تحريم أربعة، ويقولون: ~~هذه بمنزلة الأربعة الحرم، ولا يبالون بتحليل الحرام، وتحريم الحلال. ~~وكان القوم لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم، قال ~~الفراء: كانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا الصدر عن منى، قام رجل ~~من بني كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، وكان رئيس الموسم، فيقول: أنا ~~الذي لا أعاب ولا أجاب ولا يرد لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرا، ~~يريدون: أخر عنا حرمة المحرم، واجعلها في صفر، فيفعل ذلك. وإنما دعاهم ~~إلى ذلك توالي ثلاثة أشهر حرم لا يغيرون فيها، وإنما كان معاشهم من ~~الإغارة فتستدير الشهور كما بينا. وقيل: إنما كانوا يستحلون ~~المحرم عاما، فاذا كان من قابل ردوه إلى تحريمه. قال أبو عبيد: ~~والتفسير الأول أحب إلي، لأن هذا القول ليس فيه استدارة. وقال مجاهد: ~~كان أول من أظهر النسيء جنادة بن عوف الكناني، فوافقت حجة أبي بكر ذا ~~القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل في ذي الحجة، ~~فذلك حين قال: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات ms0810 والأرض " # وقال الكلبي: أول من فعل ذلك نعيم بن ثعلبة. # قوله تعالى: { يضل به الذين كفروا } وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «يضل» بفتح الياء وكسر الضاد، والمعنى: ~~أنهم يكتسبون الضلال به. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «يضل» ~~بضم الياء وفتح الضاد، على مالم يسم فاعله. وقرأ الحسن البصري، ويعقوب ~~إلا الوليد: «يضل» بضم الياء وكسر الضاد، وفيه ثلاثة أوجه. # أحدها: يضل الله به. والثاني: يضل الشيطان به، ذكرهما ابن ~~القاسم. والثالث: يضل به الذين كفروا الناس، لأنهم الذين سنوه لهم. ~~قال أبو علي: التقدير: يضل به الذين كفروا تابعيهم. وقال ابن القاسم: ~~الهاء في «به» راجعة إلى النسيء، وأصل النسيء: المنسوء، أي: المؤخر، ~~فينصرف عن «مفعول» إلى «فعيل» كما قيل: مطبوخ وطبيخ، ومقدور وقدير، قال: ~~وقيل: الهاء راجعة إلى الظلم، لأن النسيء كشف تأويل الظلم، فجرى مجرى ~~المظهر، والأول اختيارنا. ### || [9.38] # قوله تعالى: { مالكم إذا قيل لكم انفروا } قال المفسرون: لما أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك، وكان في زمن عسرة وجدب وحر شديد، ~~وقد طابت الثمار، عظم ذلك على الناس وأحبوا المقام، فنزلت هذه الآية. ~~وقوله: «مالكم» استفهام معناه التوبيخ. وقوله: «انفروا» معناه: اخرجوا. ~~وأصل النفر: مفارقة مكان إلى مكان آخر لأمر هاج إلى ذلك. وقوله: { ~~اثاقلتم } قال ابن قتيبة: أراد: تثاقلتم، فأدغم التاء في الثاء، وأحدثت ~~الألف ليسكن ما بعدها، وأراد: قعدتم. وفي قراءة ابن مسعود، والأعمش، ~~«تثاقلتم». # وفي معنى { إلى الأرض } ثلاثة أقوال. # أحدها: تثاقلتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمرها، قاله مجاهد. # والثاني: اطمأننتم إلى الدنيا، قاله الضحاك. # والثالث: تثاقلتم إلى الإقامة بأرضكم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { أرضيتم بالحياة الدنيا } أي: بنعيمها من نعيم الآخرة، فما ~~يتمتع به في الدنيا قليل بالإضافة إلى ما يتمتع به الأولياء في ~~الجنة. ### || [9.39] # قوله تعالى: { إلا تنفروا يعذبكم } سبب نزولها أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما حثهم على غزو الروم تثاقلوا، فنزلت هذه الآية، قاله ms0811 ابن ~~عباس. وقال قوم: هذه خاصة فيمن استنفره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~ينفر. قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا من العرب ~~فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم. وفي قوله: { ويستبدل ~~قوما غيركم } وعيد شديد في التخلف عن الجهاد، وإعلام بأنه يستبدل لنصر ~~نبيه قوما غير متثاقلين. ثم أعلمهم أنهم إن تركوا نصره لم يضروه، كما لم ~~يضرره ذلك إذ كان بمكة. وفي هاء «تضروه» قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله، والمعنى: لا تضروا الله بترك النفير، قاله ~~الحسن. # والثاني: أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: لا ~~تضروه بترك نصره، قاله الزجاج. # فصل # وقد روي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، قالوا: نسخ قوله: { إلا تنفروا ~~يعذبكم عذابا أليما } بقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # [التوبة: 122]، وقال أبو سليمان الدمشقي: ليس هذا من المنسوخ، إذ لا ~~تنافي بين الآيتين، وإنما حكم كل آية قائم في موضعها. وذكر القاضي أبو ~~يعلى عن بعض العلماء أنهم قالوا: ليس هاهنا نسخ، ومتى لم يقاوم أهل ~~الثغور العدو، ففرض على الناس النفير إليهم، ومتى استغنوا عن إعانة ~~من وراءهم، عذر القاعدون عنهم. وقال قوم هذا في غزوة تبوك، ففرض على ~~الناس النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [9.40] # قوله تعالى: { إلا تنصروه } أي: بالنفير معه { فقد نصره الله } إعانة ~~على أعدائه، { إذ أخرجه الذين كفروا } حين قصدوا إهلاكه على ما شرحنا في ~~قوله: # وإذ يمكر بك الذين كفروا # [الأنفال: 30] فأعلمهم أن نصره ليس بهم. # قوله تعالى: { ثاني اثنين } العرب تقول: هو ثاني اثنين، أي: أحد ~~الاثنين، وثالث ثلاثة، أي: أحد الثلاثة، قال الزجاج: وقوله: { ثاني اثنين ~~} منصوب على الحال؛ المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين، أي: نصره منفردا ~~إلا من أبي بكر، وهذا معنى قول الشعبي: عاتب الله أهل الأرض جميعا في ~~هذه الآية غير أبي بكر. وقال ابن جرير: المعنى: أخرجوه وهو أحد الاثنين، ~~وهما رسول الله صلى الله عليه ms0812 وسلم وأبو بكر. فأما الغار، فهو ثقب في ~~الجبل، وقال ابن فارس: الغار: الكهف، والغار: نبت طيب الريح، والغار: ~~الجماعة من الناس، والغاران: البطن والفرج، وهما الأجوفان، يقال: إنما هو ~~عبد غاريه. قال الشاعر: # ألم تر أن الدهر يوم وليلة # وأن الفتى يسعى لغاريه دائبا # قال قتادة: وهذا الغار في جبل بمكة يقال له: ثور. قال مجاهد: مكثا فيه ~~ثلاثا. وقد ذكرت حديث الهجرة في كتاب «الحدائق». قال أنس بن مالك: # أمر الله عز وجل شجرة فنبتت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت في وجهه، وأمر حمامتين وحشيتين فوقعتا في فم ~~الغار، فلما دنوا من الغار، عجل بعضهم لينظر، فرأى حمامتين فرجع فقال: ~~رأيت حمامتين على فم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد. وقال مقاتل: جاء ~~القائف فنظر إلى الأقدام فقال: هذه قدم ابن أبي قحافة، والأخرى لا ~~أعرفها، إلا أنها تشبه القدم التي في المقام. وصاحبه في هذه الآية أبو ~~بكر، وكان أبو بكر قد بكى لما مر المشركون على باب الغار، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " # ؟ # وفي السكينة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الرحمة، قاله ابن عباس. والثاني: الوقار، قاله قتادة. ~~والثالث: السكون والطمأنينة. قاله ابن قتيبة: وهو أصح. # وفي هاء «عليه» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى أبي بكر، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، ~~وحبيب بن أبي ثابت، واحتج من نصر هذا القول بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان مطمئنا. # والثاني: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. # والثالث: أن الهاء هاهنا في معنى تثنية، والتقدير: فأنزل الله سكينته ~~عليهما، فاكتفى باعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما، كقوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { وأيده } أي: قواه: يعني النبي صلى الله عليه وسلم بلا ~~خلاف. # { بجنود لم تروها } وهم الملائكة. ومتى كان ذلك؟ فيه قولان. # أحدهما: يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، ms0813 قاله ابن عباس. # والثاني: لما كان في الغار، صرفت الملائكة وجوه الكفار وأبصارهم عن ~~رؤيته، قاله الزجاج. # فان قيل: إذا وقع الاتفاق أن هاء الكناية في { أيده } ترجع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فكيف تفارقها هاء { عليه } وهما متفقتان في نظم ~~الكلام؟ # فالجواب: أن كل حرف يرد إلى الأليق به، والسكينة إنما يحتاج إليها ~~المنزعج، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم منزعجا. فأما التأييد ~~بالملائكة، فلم يكن إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ونظير هذا قوله: # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه # [الفتح: 8] يعني النبي صلى الله عليه وسلم، { وتسبحوه } يعني: الله عز ~~وجل. # قوله تعالى: { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } فيها قولان. # أحدهما: أن كلمة الكافرين الشرك، جعلها الله السفلى، لأنها مقهورة، ~~وكلمة الله وهي التوحيد، هي العليا، لأنها ظهرت، هذا قول الأكثرين. # والثاني: أن كلمة الكافرين ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه، وكلمة ~~الله أنه ناصره، رواه عطاء عن ابن عباس. وقرأ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ~~وقتادة، والضحاك، ويعقوب: «وكلمة الله» بالنصب. # قوله تعالى: { والله عزيز } أي: في انتقامه من الكافرين { حكيم } في ~~تدبيره. ### || [9.41] # قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا } سبب نزولها أن المقداد جاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عظيما سمينا، فشكا إليه وسأله أن ~~يأذن له، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. وفي معنى { خفافا وثقالا } أحد ~~عشر قولا. # أحدها: شيوخا وشبابا، رواه أنس عن أبي طلحة، وبه قال الحسن، والشعبي، ~~وعكرمة، ومجاهد، وأبو صالح، وشمر بن عطية، وابن زيد في آخرين. # والثاني: رجالة وركبانا، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الأوزاعي. # والثالث: نشاطا وغير نشاط، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~ومقاتل. # والرابع: أغنياء وفقراء، روي عن ابن عباس. ثم في معنى هذا الوجه قولان. ~~أحدهما: أن الخفاف: ذوو العسرة وقلة العيال، والثقال: ذوو العيال ~~والميسرة، قاله الفراء. والثاني: أن الخفاف: أهل الميسرة والثقال: أهل ~~العسرة، حكي عن الزجاج. # والخامس: ذوي عيال، وغير عيال. قاله زيد بن أسلم. ms0814 # والسادس: ذوي ضياع، وغير ذوي ضياع، قاله ابن زيد. # والسابع: ذوي أشغال، وغير ذوي أشغال، قاله الحكم. # والثامن: أصحاء، ومرضى قاله مرة الهمداني، وجويبر. # والتاسع: عزابا، ومتأهلين، قاله يمان بن رياب. # والعاشر: خفافا إلى الطاعة، وثقالا عن المخالفة، ذكره الماوردي. # والحادي عشر: خفافا من السلاح، وثقالا بالاستكثار منه، ذكره الثعلبي. # فصل # روى عطاء الخراساني عن ابن عباس ان هذه الآية منسوخة بقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # [التوبة: 122] وقال السدي: نسخت بقوله: # ليس على الضعفاء ولا على المرضى # [التوبة: 91]. # قوله تعالى: { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم } قال القاضي أبو يعلى: أوجب ~~الجهاد بالمال والنفس جميعا، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف ~~لا يصلح للقتال، فعليه الجهاد بماله، بأن يعطيه غيره فيغزو به، كما يلزمه ~~الجهاد بنفسه إذا كان قويا. وإن كان له مال وقوة، فعليه الجهاد بالنفس ~~والمال. ومن كان معدما عاجزا، فعليه الجهاد بالنصح لله ورسوله، لقوله: # ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله # [التوبة: 91]. # قوله تعالى: { ذلكم خير لكم } فيه قولان. # أحدهما: ذلكم خير الجهاد لكم من تركه والتثاقل عنه. # والثاني: ذلكم الجهاد خير حاصل لكم { إن كنتم تعلمون } مالكم من الثواب. ### || [9.42] # قوله تعالى: { لو كان عرضا قريبا } قال المفسرون: نزلت في المنافقين ~~الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. ومعنى الآية: لو كان ما دعوا إليه عرضا ~~قريبا. والعرض: كل ما عرض لك من منافع الدنيا، فالمعنى: لو كانت ~~غنيمة قريبة، أو كان سفرا قاصدا، أي: سهلا قريبا لاتبعوك طمعا في ~~المال { ولكن بعدت عليهم الشقة } قال ابن قتيبة: الشقة: السفر؛ ~~وقال الزجاج الشقة: الغاية التي تقصد؛ وقال ابن فارس: الشقة: مصير إلى ~~أرض بعيدة، تقول: شق شاقة. # قوله تعالى: { وسيحلفون بالله } يعني: المنافقين إذا رجعتم إليهم { لو ~~استطعنا } وقرأ زائدة عن الأعمش، والأصمعي عن نافع: «لو استطعنا» بضم ~~الواو وكذا أين وقع، مثل: # لو اطلعت عليهم # [الكهف: 18]، كأنه لما احتيج إلى حركة الواو، حركت بالضم لأنها أخت ~~الواو، والمعنى: لو ms0815 قدرنا وكان لنا سعة في المال. { يهلكون أنفسهم } ~~بالكذب والنفاق { والله يعلم إنهم لكاذبون } لأنهم كانوا: أغنياء ولم ~~يخرجوا. ### || [9.43] # قوله تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } كان صلى الله عليه وسلم قد ~~أذن لقوم من المنافقين في التخلف لما خرج إلى تبوك، قال ابن عباس: ~~ولم يكن يومئذ يعرف المنافقين. قال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من ~~الأسارى؛ فعاتبه الله كما تسمعون. قال مورق: عاتبه ربه بهذا. وقال ~~سفيان بن عيينة: انظر إلى هذا اللطف، بدأه بالعفو قبل أن يعيره ~~بالذنب. وقال ابن الأنباري: لم يخاطب بهذا لجرم أجرمه، لكن الله ~~وقره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله: { عفا الله عنك } كما يقول ~~الرجل لمخاطبه إذا كان كريما عليه: عفا الله عنك، ما صنعت في حاجتي؟ ~~ورضي الله عنك هلا زرتني. # قوله تعالى: { حتى يتبين لك الذين صدقوا } فيه قولان. # أحدهما: أن معناه: حتى تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له. # والثاني: لو لم تأذن لهم، لقعدوا وبان لك كذبهم في اعتذارهم. قال قتادة: ~~ثم إن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله: # فائذن لمن شئت منهم # [النور: 62]. ### || [9.44-45] # قوله تعالى: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله } قال ابن عباس: هذا تعيير ~~للمنافقين حين استأذنوا في القعود. قال الزجاج: أعلم الله عز وجل نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان. # فصل # وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله: # لم يذهبوا حتى يستأذنوه... # إلى آخر الآية [النور: 62]. قال أبو سليمان الدمشقي: وليس للنسخ هاهنا ~~مدخل، لإمكان العمل بالآيتين، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن ~~يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما ~~يعرض لهم من حاجة، وكان المنافقون إذا كانوا معه فعرضت لهم حاجة ذهبوا من ~~غير استئذانه. ### || [9.46-47] # قوله تعالى: { ولو أرادوا الخروج } يعني: المستأذنين له في القعود. # وفي المراد بالعدة ms0816 قولان. # أحدهما: النية، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: السلاح، والمركوب، وما يصلح للخروج، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. والانبعاث: الانطلاق. والتثبط: ردك الإنسان عن الشيء يفعله. # قوله تعالى: { وقيل اقعدوا } في القائل لهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم ألهموا ذلك خذلانا لهم، قاله مقاتل. والثاني: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قاله غضبا عليهم. والثالث: أنه قول بعضهم لبعض، ~~ذكرهما الماوردي. # وفي المراد بالقاعدين قولان. # أحدهما: أنهم القاعدون بغير عذر، قاله ابن السائب. # والثاني: أنهم القاعدون بعذر كالنساء والصبيان، ذكره علي بن عيسى. # وقال الزجاج: ثم أعلم الله عز وجل لم كره خروجهم، فقال: { لو خرجوا فيكم ~~ما زادوكم إلا خبالا } والخبال: الفساد وذهاب الشيء. وقال ابن قتيبة: ~~الخبال: الشر. # فان قيل: كأن الصحابة كان فيها خبال حتى قيل: { ما زادوكم إلا خبالا }؟ ~~فالجواب: أنه من الاستثناء المنقطع، والمعنى: ما زادوكم قوة، لكن ~~أوقعوا بينكم خبالا. وقيل: سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما خرج، ضرب عسكره على ثنية الوداع، وخرج عبد الله بن أبي، ~~فضرب عسكره على أسفل من ذلك؛ فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~تخلف ابن أبي فيمن تخلف من المنافقين، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: { ولأوضعوا خلالكم } قال الفراء: الإيضاع: السير بين القوم. ~~وقال أبو عبيدة: لأسرعوا بينكم، وأصله من التخلل. قال الزجاج: يقال: ~~أوضعت في السير: أسرعت. # قوله تعالى: { يبغونكم الفتنة } قال الفراء: يبغونها لكم. وفي الفتنة ~~قولان. # أحدهما: الكفر، قاله الضحاك، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: تفريق الجماعة، وشتات الكلمة، قال الحسن: لأوضعوا خلالكم ~~بالنميمة لإفساد ذات بينكم. # قوله تعالى: { وفيكم سماعون لهم } فيه قولان. # أحدهما: عيون ينقلون إليهم أخباركم، قاله مجاهد، وابن زيد. # والثاني: من يسمع كلامهم ويطيعهم، قاله قتادة، وابن إسحاق. ### || [9.48] # قوله تعالى: { لقد ابتغوا الفتنة } في الفتنة قولان. # أحدهما: الشر، قاله ابن عباس. والثاني: الشرك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { من قبل } أي: من قبل غزوة تبوك. # وفي قوله: { وقلبوا لك الأمور } خمسة أقوال. # أحدها: ms0817 بغوا لك الغوائل، قاله ابن عباس. وقيل: إن اثني عشر رجلا من ~~المنافقين وقفوا على طريقه ليلا ليفتكوا به، فسلمه الله منهم. # والثاني: احتالوا في تشتت أمرك وإبطال دينك، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~قال ابن جرير: وذلك كانصراف ابن أبي يوم أحد بأصحابه. # والثالث: أنه قولهم ما ليس في قلوبهم. # والرابع: أنه ميلهم إليك في الظاهر، وممالأة المشركين في الباطن. # والخامس: أنه حلفهم بالله { لو استطعنا لخرجنا معكم } ذكر هذه الأقوال ~~الثلاثة الماوردي. # قوله تعالى: { حتى جاء الحق } يعني: النصر { وظهر أمر الله } يعني ~~الإسلام. ### || [9.49] # قوله تعالى: { ومنهم من قول ائذن لي } سبب نزولها: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجد بن قيس: «يا جد، هل ~~لك في جلاد بني الأصفر، لعلك أن تغنم بعض بنات الأصفر»، فقال: يا رسول ~~الله، ائذن لي فأقيم، ولا تفتني ببنات الأصفر. فأعرض عنه، وقال: «قد أذنت ~~لك» " # ونزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وهذه الآية وما بعدها إلى ~~قوله { إنما الصدقات } في المنافقين. # قوله تعالى: { ومنهم } يعني: المنافقين { من يقول ائذن لي } أي: في ~~القعود عن الجهاد، وهو الجد بن قيس. وفي قوله { ولا تفتني } أربعة ~~أقوال. # أحدها: لا تفتني بالنساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. # والثاني: لا تكسبني الإثم بأمرك إياي بالخروج وهو غير متيسر لي، ~~فآثم بالمخالفة، قاله الحسن، وقتادة، والزجاج. # والثالث: لا تكفرني بإلزامك إياي الخروج، قاله الضحاك. # والرابع: لا تصرفني عن شغلى، قاله ابن بحر. # قوله تعالى: { ألا في الفتنة سقطوا } في هذه الفتنة أربعة أقوال. # أحدها: أنها الكفر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الحرج، قاله ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: الإثم، قاله قتادة، والزجاج. ~~والرابع: العذاب في جهنم، ذكره الماوردي. ### || [9.50-51] # قوله تعالى: { إن تصبك حسنة } أي: نصر وغنيمة. والمصيبة: القتل ~~والهزيمة. { يقولوا قد أخذنا أمرنا } أي: عملنا بالحزم فلم نخرج. { ~~ويتولوا وهم فرحون } بمصابك وسلامتهم. # قوله تعالى: { إلا ما كتب الله لنا } فيه ثلاثة أقوال. ms0818 # أحدها: ما قضى علينا، قاله ابن عباس. # والثاني: ما بين لنا في كتابه من أنا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا، أو ~~نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضا، قاله الزجاج. # والثالث: لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي ~~وعدنا، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { هو مولانا } أي: ناصرنا. ### || [9.52] # قوله تعالى: { قل هل تربصون بنا } أي: تنتظرون. والحسنيان: النصر ~~والشهادة. { ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده } في هذا ~~العذاب قولان. # أحدهما: الصواعق، قاله ابن عباس. والثاني: الموت، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: { أو بأيدينا } يعني: القتل. ### || [9.53] # قوله تعالى: { أنفقوا طوعا أو كرها } سبب نزولها: أن الجد بن قيس قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه غزو الروم: إذا رأيت النساء ~~افتتنت، ولكن هذا مالي أعينك به، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. قال ~~الزجاج: وهذا لفظ أمر، ومعناه: معنى الشرط والجزاء، المعنى: إن أنفقتم ~~طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم. ومثله في الشعر قول كثير: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # لم يأمرها بالإساءة، ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها. ~~قال الفراء ومثله: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # [التوبة: 80]. ### || [9.54] # قوله تعالى: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تقبل» بالتاء. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: «يقبل» بالياء. قال أبو علي: من أنث، فلأن الفعل مسند إلى ~~مؤنث في اللفظ، ومن قرأ بالياء، فلأنه ليس بتأنيث حقيقي، فجاز تذكيره، ~~كقوله: # فمن جاءه موعظة من ربه # [البقرة: 275] وقرأ الجحدري: «أن يقبل» بياء مفتوحة، «نفقاتهم» بكسر ~~التاء. وقرأ الأعمش: «نفقتهم» بغير ألف مرفوعة التاء. وقرأ أبو مجلز، ~~وأبو رجاء، «أن يقبل» بالياء، «نفقتهم» بنصب التاء على التوحيد. # قوله تعالى: { إلا أنهم كفروا بالله } قال ابن الانباري: «أن» هاهنا ~~مفتوحة، لأنها بتأويل المصدر مرتفعة ب «منعهم»، والتقدير: وما منعهم ~~قبول النفقة منهم إلا كفرهم بالله. # قوله تعالى: ms0819 { إلا وهم كسالى } قد شرحناه في سورة [النساء: 142]. # قوله تعالى: { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } لأنهم يعدون الإنفاق ~~مغرما. ### || [9.55] # قوله تعالى: { فلا تعجبك أموالهم } أي: لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من ~~الأموال والأولاد. وفي معنى الآية أربعة أقوال. # أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن ~~قتيبة. فعلى هذا، في الآية تقديم وتأخير، ويكون تعذيبهم في الآخرة بما ~~صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها. # والثاني: أنها على نظمها، والمعنى: ليعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في ~~الأموال والأولاد، فهي لهم عذاب، وللمؤمنين أجر، قاله ابن زيد. # والثالث: أن المعنى ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل ~~الله، قاله الحسن. فعلى هذا، ترجع الكناية إلى الأموال وحدها. # والرابع: ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم، ذكره الماوردي. فعلى ~~هذا، تكون في المشركين. # قوله تعالى: { وتزهق أنفسهم } أي: تخرج. يقال: زهق السهم: إذا جاوز ~~الهدف. ### || [9.56-57] # قوله تعالى: { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } أي: مؤمنون و { يفرقون } ~~بمعنى: يخافون. فأما الملجأ، فقال الزجاج: الملجأ واللجأ مقصور مهموز، ~~وهو المكان الذي يتحصن فيه. والمغارات: جمع مغارة، وهو الموضع الذي يغور ~~فيه الإنسان، أي: يستتر فيه. وقرأ سعيد بن جبير، وابن أبي عبلة: «أو ~~مغارات» بضم الميم؛ لأنه يقال: أغرت وغرت: إذا دخلت الغور، وأصل ~~مدخل: مدتخل، ولكن التاء تبدل بعد الدال دالا، لأن التاء مهموسة، ~~والدال مجهورة، والتاء والدال من مكان واحد، فكان الكلام من وجه واحد ~~أخف. وقرأ أبي، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: { أو متدخلا } برفع ~~الميم، وبتاء ودال مفتوحتين، مشددة الخاء. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: { ~~مندخلا } بنون بعد الميم المضمومة. وقرأ الحسن، وابن يعمر، ويعقوب: ~~«مدخلا» بفتح الميم وتخفيف الدال وسكونها. قال الزجاج: من قال: ~~«مدخلا» فهو من دخل يدخل مدخلا؛ ومن قال: «مدخلا» فهو من أدخلته ~~مدخلا، قال الشاعر: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا # بالخير صبحنا ربي ومسانا # ومعنى مدخل ومدخل: أنهم لو وجدوا قوما يدخلون في ms0820 جملتهم { لولوا ~~} إليه، أي: إلى أحد هذه الأشياء { وهم يجمحون } أي: يسرعون إسراعا لا ~~يرد فيه وجوههم شيء. يقال: جمح وطمح: إذا أسرع ولم يرد وجهه شيء، ومنه ~~قيل: فرس جموح للذي إذا حمل لم يرده اللجام. ### || [9.58] # قوله تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقات } فيمن نزلت فيه قولان. # أحدهما: أنه ذو الخويصرة التميمي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوما: ~~اعدل يا رسول الله، فنزلت هذه الآية. ويقال: أبو الخواصر، ويقال: ابن ذي ~~الخويصرة. # والثاني: أنه ثعلبة بن حاطب، كان يقول: إنما يعطي محمد من يشاء، فنزلت ~~هذه الآية. قال ابن قتيبة: { يلمزك } يعيبك ويطعن عليك. يقال: همزت ~~فلانا ولمزته: إذا اغتبته وعبته، والأكثرون على كسر ميم { يلمزك }. وقرأ ~~يعقوب، ونظيف عن قنبل، وأبان عن عاصم، والقزاز عن عبد الوارث # يلمزون # [التوبة: 79] و { يلمزك } و # لا تلمزوا # [الحجرات: 11] بضم الميم فيهن. وقرأ ابن السميفع: «يلامزك» مثل ~~يفاعلك. وقد رواها حماد بن سلمة عن ابن كثير. قال أبو علي الفارسي: ~~وينبغي أن تكون فاعلت في هذا من واحد، ونحو: طارقت النعل، وعافاه الله ~~لأن هذا، لا يكون من النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ الأعمش: «يلمزك» ~~بتشديد الميم من غير ألف مثل: يفعلك قال الزجاج: يقال: لمزت الرجل ~~ألمزه وألمزه، بكسر الميم وضمها: إذا عبته، وكذلك: همزته أهمزه، قال ~~الشاعر: # إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة # وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه ### || [9.59-60] # قوله تعالى: { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله } أي: قنعوا بما ~~أعطوا { إنا إلى الله راغبون } في الزيادة، أي: لكان خيرا لهم، وهذا ~~جواب { لو } ، وهو محذوف في اللفظ. # ثم بين المستحق للصدقات بقوله: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } ~~اختلفوا في صفة الفقير والمسكين على ستة أقوال. # أحدها: أن الفقير: المتعفف عن السؤال. والمسكين الذي يسأل وبه رمق، ~~قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وجابر بن زيد، والزهري، والحكم، وابن ~~زيد، ومقاتل. # والثاني: أن الفقير: المحتاج الذي به زمانة. والمسكين: المحتاج الذي لا ~~زمانة به، قاله قتادة. # والثالث: الفقير: المهاجر، ms0821 والمسكين: الذي لم يهاجر، قاله الضحاك بن ~~مزاحم، والنخعي. # والرابع: الفقير: فقير المسلمين، والمسكين: من أهل الكتاب، قاله عكرمة. # والخامس: أن الفقير: من له البلغة من الشيء، والمسكين الذي ليس له ~~شيء، قاله أبو حنيفة، ويونس بن حبيب، ويعقوب بن السكيت، وابن قتيبة. ~~واحتجوا بقول الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سبد # فسماه فقيرا، وله حلوبة تكفيه وعياله. وقال يونس: قلت لأعرابي: أفقير ~~أنت؟ قال لا والله، بل مسكين؛ يريد أنا أسوأ حالا من الفقير. # والسادس: أن الفقير أمس حاجة من المسكين، وهذا مذهب أحمد، لأن الفقير ~~مأخوذ من انكسار الفقار، والمسكنة مأخوذة من السكون والخشوع، وذلك أبلغ. ~~قال ابن الأنباري: ويروى عن الأصمعي أنه قال: المسكين أحسن حالا من ~~الفقير. وقال أحمد بن عبيد: المسكين أحسن حالا من الفقير، لأن الفقير ~~أصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فقره من فقر ظهره، فكأنه انقطع ~~ظهره من شدة الفقر؛ فصرف عن مفقور إلى فقير، كما قيل: مجروح وجريح، ~~ومطبوخ وطبيخ، قال الشاعر: # لما رأى لبد النسور تطايرت # رفع القوادم كالفقير الأعزل # قال: ومن الحجة لهذا القول قوله: # وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # [الكهف: 79] فوصف بالمسكنة من له سفينة تساوي مالا، قال: وهو الصحيح ~~عندنا. # قوله تعالى: { والعاملين عليها } وهم السعاة لجباية الصدقة، يعطون ~~منها بقدر أجور أمثالهم، وليس ما يأخذونه بزكاة. # قوله تعالى: { والمؤلفة قلوبهم } وهم قوم كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم، وكانوا ذوي شرف، وهم صنفان: ~~مسلمون، وكافرون. فأما المسلمون، فصنفان: صنف كانت نياتهم في الإسلام ~~ضعيفة، فتألفهم تقوية لنياتهم، كعيينة بن حصن، والأقرع؛ وصنف ~~كانت نياتهم حسنة، فأعطوا تألفا لعشائرهم من المشركين، مثل عدي بن ~~حاتم. وأما المشركون، فصنفان: صنف يقصدون المسلمين بالأذى، فتألفهم ~~دفعا لأذاهم، مثل عامر بن الطفيل؛ وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام، ~~تألفهم بالعطية ليؤمنوا، كصفوان بن أمية. وقد ذكرت عدد المؤلفة في ~~كتاب «التلقيح». # وحكمهم باق عند أحمد في رواية، ms0822 وقال أبو حنيفة، والشافعي، حكمهم منسوخ. ~~قال الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة قلوبهم. # قوله تعالى: { وفي الرقاب } قد ذكرناه في سورة [البقرة: 177]. # قوله تعالى: { والغارمين } وهم الذين لزمهم الدين ولا يجدون القضاء. ~~قال قتادة: هم ناس عليهم دين من غير فساد ولا إسراف ولا تبذير، وإنما ~~قال هذا، لأنه لا يؤمن في حق المفسد إذا قضي دينه أن يعود إلى ~~الاستدانة لذلك؛ ولا خلاف في جواز قضاء دينه ودفع الزكاة إليه، ولكن ~~قتادة قاله على وجه الكراهية. # قوله تعالى: { وفي سبيل الله } يعني: الغزاة والمرابطين. ويجوز عندنا أن ~~يعطى الأغنياء منهم والفقراء، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يعطى ~~إلا الفقير منهم. وهل يجوز أن يصرف من الزكاة إلى الحج، أم لا؟ فيه عن ~~أحمد روايتان. # قوله تعالى: { وابن السبيل } هو المسافر المنقطع به، وإن كان له مال في ~~بلده، قاله مجاهد، وقتادة، وأبو حنيفة، وأحمد. فأما إذا أراد أن ينشىء ~~سفرا، فهل يجوز أن يعطى؟ قال الشافعي: يجوز، وعن أحمد مثله؛ وقد ذكرنا ~~في سورة [البقرة: 177] فيه أقوالا عن المفسرين. # قوله تعالى: { فريضة من الله } يعني: أن الله افترض هذا. # فصل # وحد الغنى الذي يمنع أخذ الزكاة عند أصحابنا بأحد شيئين: أن يكون ~~مالكا لخمسين درهما، أو عدلها من الذهب، سواء كان ذلك يقوم بكفايته، ~~أو لا يقوم. والثاني: أن يكون له كفاية، إما من صناعة، أو أجرة عقار، أو ~~عروض للتجارة يقوم ربحها بكفايته. وقال أبو حنيفة: الاعتبار في ذلك أن ~~يكون مالكا لنصاب تجب عليه فيه الزكاة. فأما ذوو القربى الذين تحرم عليه ~~الصدقة، فهم بنو هاشم، وبنو المطلب. وقال أبو حنيفة: تحرم على ولد هاشم، ~~ولا تحرم على ولد المطلب. ويجوز أن يعمل على الصدقة من بني هاشم وبني ~~المطلب ويأخذ عمالته منها، خلافا لأبي حنيفة. فأما موالي بني هاشم وبني ~~المطلب، فتحرم عليهم الصدقة، خلافا لمالك. ولا يجوز أن يعطي صدقته من ~~تلزمه نفقته؛ وبه قال مالك، والثوري. وقال أبو حنيفة، والشافعي: ms0823 لا يعطي ~~والدا وإن علا، ولا ولدا وإن سفل، ولا زوجه، ويعطي من عداهم. فأما ~~الذمي؛ فالأكثرون على أنه لا يجوز إعطاؤه. وقال عبيد الله بن الحسن: ~~إذا لم يجد مسلما، أعطي الذمي. ولا يجب استيعاب الأصناف، ولا اعتبار عدد ~~من كل صنف؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك؛ وقال الشافعي: يجب الاستيعاب من كل ~~صنف ثلاثة. # فأما إذا أراد نقل الصدقة من بلد المال إلى موضع تقصر فيه الصلاة، فلا ~~يجوز له ذلك، فان نقلها لم يجزئه؛ وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: يكره نقلها، وتجزئه. قال أحمد: ولا يعطي الفقير أكثر من خمسين ~~درهما. وقال أبو حنيفة: أكره أن يعطي رجل واحد من الزكاة مائتي درهم. ~~وإن أعطيته أجزأك. فأما الشافعي، فاعتبر ما يدفع الحاجة من غير حد. فان ~~أعطى من يظنه فقيرا، فبان أنه غني، فهل يجزىء؟ فيه عن أحمد روايتان. ### || [9.61] # قوله تعالى: { ومنهم الذين يؤذون النبي } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن خذام بن خالد، والجلاس بن سويد، وعبيد بن هلال في آخرين، ~~كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا، ~~فانا نخاف أن يبلغه فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا، فانما محمد ~~أذن سامعة، ثم نأتيه فيصدقنا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن رجلا من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، كان ينم ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، ~~فقال: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا، صدقه؛ نقول ما شئنا، ثم نأتيه ~~فنحلف له فيصدقنا، فنزلت هذه الآية؛ قاله محمد بن إسحاق. # والثالث: أن ناسا من المنافقين منهم جلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، ~~اجتمعوا، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وعندهم غلام من ~~الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه، فتكلموا، وقالوا: لئن كان ما يقوله ~~محمد حقا، لنحن شر من الحمير، فغضب الغلام، وقال: والله إن ما يقوله ~~محمد حق، ms0824 وإنكم لشر من الحمير؛ ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره، فدعاهم فسألهم، فحلفوا أن عامرا كاذب، وحلف عامر أنهم كذبوا، ~~وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق، وكذب الكاذب؛ فنزلت ~~هذه الآية، ونزل قوله: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } قاله السدي. فأما ~~الأذى، فهو عيبه ونقل حديثه. ومعنى: { أذن } يقبل كل ما قيل له. قال ~~ابن قتيبة: الأصل في هذا أن الأذن هي السامعة، فقيل لكل من صدق بكل ~~خبر يسمعه: أذن. وجمهور القراء يقرؤون { هو أذن قل أذن } ~~بالتثقيل. وقرأ نافع: «هو أذن قل أذن خير» باسكان الذال فيهما. ~~ومعنى { أذن خير لكم } أي: أذن خير، لا أذن شر، يسمع الخير فيعمل ~~به، ولا يعمل بالشر إذا سمعه. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: «أذن» بالتنوين «خير» بالرفع. ~~والمعنى: إن كان كما قلتم، يسمع منكم ويصدقكم، خير لكم من أن ~~يكذبكم. قال أبو علي: يجوز أن تطلق الأذن على الجملة، كما قال الخليل: ~~إنما سميت الناب من الإبل، لمكان الناب البازل، فسميت الجملة كلها به، ~~فأجروا على الجملة اسم الجارحة لإرادتهم كثرة استعماله لها في الإصغاء ~~بها. # ثم بين ممن يقبل، فقال { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } قال ابن ~~قتيبة: الباء واللام زائدتان، والمعنى: يصدق الله ويصدق المؤمنين. ~~وقال الزجاج: يسمع ما ينزله الله عليه، فيصدق به، ويصدق المؤمنين ~~فيما يخبرونه به. { ورحمة } أي: وهو رحمة، لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. ~~وقرأ حمزة: «ورحمة» بالخفض. قال أبو علي: المعنى: أذن خير ورحمة. ~~والمعنى: مستمع خير ورحمة. ### || [9.62] # قوله تعالى: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } قال ابن السائب: نزلت في ~~جماعة من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم، ويحلفون ويعتلون. وقال مقاتل: منهم ~~عبد الله بن أبي، حلف لا يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وليكونن معه على عدوه. وقد ذكرنا في الآية التي قبلها أنهم حلفوا ~~أنهم ما نطقوا بالعيب. ms0825 وحكى الزجاج عن بعض النحويين أنه قال: اللام في { ~~ليرضوكم } بمعنى القسم، والمعنى: يحلفون بالله لكم لنرضينكم. قال: وهذا ~~خطأ، لأنهم إنما حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا باليمين، ولم ~~يحلفوا أنهم يرضون في المستقبل. قلت: وقول مقاتل يؤكد ما أنكره الزجاج، ~~وقد مال إليه الأخفش. # قوله تعالى: { والله ورسوله أحق أن يرضوه } فيه قولان. # أحدهما: بالتوبة والإنابة. والثاني: بترك الطعن والعيب. # فان قيل: لم قال { يرضوه } ولم يقل: يرضوهما؟ فقد شرحنا هذا عند قوله: # ولا ينفقونها في سبيل الله # [التوبة: 34]. ### || [9.63] # قوله تعالى: { ألم يعلموا } روى أبو زيد عن المفضل { ألم تعلموا } ~~بالتاء. { أنه من يحادد الله } فيه قولان. # أحدهما: من يخالف الله، قاله ابن عباس. # والثاني: من يعادي الله، كقولك: من يجانب الله ورسوله، أي: يكون في ~~حد، والله ورسوله في حد. # قوله تعالى: { فأن له نار جهنم } قرأ الجمهور: { فأن } بفتح ~~الهمزة. وقرأ أبو رزين، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بكسرها، فمن كسر، ~~فعلى الاستئناف بعد الفاء، كما تقول: فله نار جهنم. ودخلت «إن» مؤكدة. ~~ومن قال: { فأن له } فانما أعاد { أن } الأولى توكيدا؛ لأنه لما ~~طال الكلام، كان إعادتها أوكد. ### || [9.64] # قوله تعالى: { يحذر المنافقون } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المنافقين كانوا يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~بينهم، ويقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مجاهد. # والثاني: أن بعض المنافقين قال: لوددت أني جلدت مائة جلدة، ولا ينزل ~~فينا شيء يفضحنا، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # والثالث: أن جماعة من المنافقين وقفوا للنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة ~~مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به، فأخبره جبريل عليه السلام، ونزلت ~~هذه الآية، قاله ابن كيسان. # وفي قوله: { يحذر المنافقون } قولان. # أحدهما: أنه إخبار من الله عز وجل عن حالهم، قاله الحسن، وقتادة، ~~واختاره ابن القاسم. # والثاني: أنه أمر من الله عز وجل لهم بالحذر، فتقديره: ليحذر المنافقون، ~~قاله الزجاج: قال ابن الأنباري: والعرب ربما ms0826 أخرجت الأمر على لفظ الخبر، ~~فيقولون: يرحم الله المؤمن، ويعذب الكافر؛ يريدون: ليرحم وليعذب، فيسقطون ~~اللام، ويجرونه مجرى الخبر في الرفع، وهم لا ينوون إلا الدعاء؛ ~~والدعاء مضارع للأمر. # قوله تعالى: { قل استهزؤوا } هذا وعيد خرج مخرج الأمر تهديدا. # وفي قوله: { إن الله مخرج ما تحذرون } وجهان. # أحدهما: مظهر ما تسرون. والثاني: ناصر من تخذلون، ذكرهما ~~الماوردي. ### || [9.65-66] # قوله تعالى: { لئن سألتهم } في سبب نزولها ستة أقوال. # أحدها: # " أن جد بن قيس، ووديعة بن خذام، والجهير بن خمير، كانوا يسيرون ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، فجعل رجلان منهم ~~يستهزآن برسول الله صلى الله عليه وسلم " # والثالث يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشيء، فنزل جبريل فأخبره بما ~~يستهزؤون به ويضحكون؛ فقال لعمار بن ياسر: # " اذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه، وقل لهم: أحرقكم الله " # فلما سألهم، وقال: أحرقكم الله؛ علموا أنه قد نزل فيهم قرآن، فأقبلوا ~~يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الجهير: والله ما ~~تكلمت بشيء، وإنما ضحكت تعجبا من قولهم، فنزل قوله: { لا تعتذروا } ~~يعني جد بن قيس، ووديعة { إن يعف عن طائفة منكم } يعني: الجهير { ~~نعذب طائفة } يعني: الجد ووديعة، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا من المنافقين قال: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، ولا ~~أرغب بطونا، ولا أكذب، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، فقال له عوف بن مالك: كذبت، لكنك منافق، لأخبرن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه؛ فجاء ذلك ~~الرجل فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، هذا قول ابن عمر، وزيد ~~بن أسلم، والقرظي. # والثالث: أن قوما من المنافقين كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: إن كان ما يقول هذا حقا، لنحن شر من الحمير، فأعلم ~~الله نبيه ما قالوا، ونزلت: { ولئن سألتهم } قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أن رجلا من المنافقين قال: يحدثنا ms0827 محمد أن ناقة فلان بوادي ~~كذا وكذا، وما يدريه ما الغيب؟ فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # والخامس: # " أن ناسا من المنافقين قالوا: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام ~~وحصونها، هيهات؛ فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم: احبسوا علي الركب فأتاهم، فقال: «قلتم كذا وكذا» فقالوا: إنما ~~كنا نخوض ونلعب " # ؛ فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والسادس: أن عبد الله بن أبي، ورهطا معه، كانوا يقولون في رسول الله ~~وأصحابه مالا ينبغي، فاذا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: ~~إنما كنا نخوض ونلعب، فقال الله تعالى: { قل } لهم { أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزئون } ، قاله الضحاك. فقوله: { ولئن سألتهم } أي: عما ~~كانوا فيه من الاستهزاء { ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } أي: نلهو ~~بالحديث. وقوله: { قد كفرتم } أي: قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان؛ ~~وهذا يدل على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء. # قوله تعالى: { إن يعف عن طائفة منكم } قرأ الأكثرون «إن يعف» ~~بالياء، «تعذب» بالتاء. وقرأ عاصم غير أبان «إن نعف» «نعذب» ~~بالنون فيهما ونصب «طائفة»، والمعنى: إن نعف عن طائفة منكم بالتوفيق ~~للتوبة، نعذب طائفة بترك التوبة. وقيل: الطائفتان هاهنا ثلاثة، ~~فاستهزأ اثنان، وضحك واحد. ثم أنكر عليهم بعض ما سمع. وقد ذكرنا عن ابن ~~عباس أسماء الثلاثة، وأن الضاحك اسمه الجهير، وقال غيره: هو مخشي ~~بن خمير. وقال ابن عباس، ومجاهد: الطائفة: الواحد فما فوقه. وقال ~~الزجاج: أصل الطائفة في اللغة: الجماعة؛ ويجوز أن يقال للواحد: طائفة، ~~يراد به: نفس طائفة. قال ابن الأنباري: إذا أريد بالطائفة الواحد، كان ~~أصلها طائفا، على مثال: قائم وقاعد، فتدخل الهاء للمبالغة في الوصف، كما ~~يقال: رواية، علامة، نسابة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما فرغ ~~من تنزيل (براءة) حتى ظننا أن لن يبقى منا أحد إلا سينزل فيه شيء. ### || [9.67-70] # قوله تعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } قال ابن عباس: بعضهم ~~على دين بعض. وقال مقاتل: بعضهم أولياء بعض، { يأمرون ms0828 بالمنكر } وهو ~~الكفر، { وينهون عن المعروف } وهو الإيمان. # وفي قوله: { ويقبضون أيديهم } أربعة أقوال. # أحدها: يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله، قاله ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد. # والثاني: عن كل خير، قاله قتادة. # والثالث: عن الجهاد في سبيل الله. # والرابع: عن رفعها في الدعاء إلى الله تعالى، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم } قال الزجاج: تركوا أمره، فتركهم من ~~رحمته وتوفيقه. قال: وقوله: { هي حسبهم } أي: هي كفاية ذنوبهم، كما تقول: ~~عذبتك حسب فعلك، وحسب فلان ما نزل به، أي: ذلك على قدر فعله. وموضع ~~الكاف في قوله: { كالذين من قبلكم } نصب، أي: وعدكم الله على الكفر به ~~كما وعد الذين من قبلكم. وقال غيره: رجع عن الخبر عنهم إلى مخاطبتهم، ~~وشبههم في العدول عن أمره بمن كان قبلهم من الأمم الماضية. # قوله تعالى: { فاستمتعوا بخلاقهم } قال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من ~~الآخرة في الدنيا. وقال الزجاج: بحظهم من الدنيا. # قوله تعالى: { وخضتم } أي: في الطعن على الدين وتكذيب نبيكم كما ~~خاضوا. { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا } لأنها لم تقبل منهم، وفي ~~الآخرة، لأنهم لا يثابون عليها، { وأولئك هم الخاسرون } بفوت الثواب ~~وحصول العقاب. # قوله تعالى: { وقوم إبراهيم } قال ابن عباس: يريد نمرود بن كنعان { ~~وأصحاب مدين } يعني: قوم شعيب { والمؤتفكات } قرى لوط، قال الزجاج: وهم ~~جمع مؤتفكة، ائتفكت بهم الأرض، أي: انقلبت. قال: ويقال: إنهم جميع من ~~أهلك، [كما] يقال للهالك: انقلبت عليه الدنيا. # قوله تعالى: { أتتهم } يعني هذه الأمم { رسلهم بالبينات } فكذبوا ~~بها، { فما كان الله ليظلمهم } قال ابن عباس: ليهلكهم حتى يبعث فيهم ~~نبيا ينذرهم، والمعنى: أنهم أهلكوا باستحقاقهم. ### || [9.71-72] # قوله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } أي: بعضهم يوالي ~~بعضا، فهم يد واحدة، يأمرون بالإيمان، وينهون عن الكفر. # قوله تعالى: { في جنات عدن } قال أبو عبيدة: في جنات خلد، يقال: عدن ~~فلان بأرض كذا، أي: أقام؛ ومنه: المعدن، وهو في معدن صدق، أي: في ~~أصل ثابت. قال الأعشى: # وإن تستضيفوا إلى حلمه # تضافوا إلى راجح قد ms0829 عدن # أي: رزين لا يستخف. قال ابن عباس: جنات عدن، هي بطنان الجنة، ~~وبطنانها: وسطها، وهي أعلى درجة في الجنة، وهي دار الرحمن عز وجل، ~~وسقفها عرشه، خلقها بيده، وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها. # قوله تعالى: { ورضوان من الله أكبر } قال ابن عباس: أكبر مما يوصف. وقال ~~الزجاج: أكبر مما هم فيه من النعيم. # فان قيل: لم كان الرضوان أكبر من النعيم؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن سرور القلب برضى الرب نعيم يختص بالقلب، وذاك أكبر من نعيم ~~الأكل والشرب. وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " يقول الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ~~ومالنا لا نرضى، وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من خلقك، فيقول: أفلا أعطيكم ~~أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا ~~أسخط عليكم أبدا ". # والثاني: أن الموجب للنعيم الرضوان، والموجب ثمرة الموجب، فهو الأصل. ### || [9.73] # قوله تعالى: { جاهد الكفار والمنافقين } أما جهاد الكفار، فبالسيف وفي ~~جهاد المنافقين قولان. # أحدهما: أنه باللسان، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس. # والثاني: جهادهم باقامة الحدود عليهم، روي عن الحسن، وقتادة. فان قيل: ~~إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بجهادهم وهو يعلم أعيانهم، ~~فكيف تركهم بين أظهر أصحابه فلم يقتلهم؟. # فالجواب: أنه إنما أمر بقتال من أظهر كلمة الكفر وأقام عليها، فأما من ~~إذا أطلع على كفره، أنكر وحلف وقال: إني مسلم، فانه أمر أن يأخذه بظاهر ~~أمره، ولا يبحث عن سره. # قوله تعالى: { واغلظ عليهم } قال ابن عباس: يريد: شدة الانتهار لهم، ~~والنظر بالبغضة والمقت. وفي الهاء والميم من «عليهم» قولان. # أحدهما: أنه يرجع إلى الفريقين، قاله ابن عباس. # والثاني: إلى المنافقين، قاله مقاتل. ### || [9.74] # قوله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا } في سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المنافقين فعابهم؛ فقال ~~الجلاس بن سويد: إن كان ما يقول على ms0830 إخواننا حقا، لنحن شر من الحمير، ~~فقال عامر بن قيس: والله إنه لصادق، ولأنتم شر من الحمير؛ وأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فأتى الجلاس فقال: ما قلت شيئا، فحلفا ~~عند المنبر، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وذهب إلى نحوه ~~الحسن، ومجاهد، وابن سيرين. # والثاني: أن عبد الله بن أبي قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة، ~~ليخرجن الأعز منها الأذل، فسمعه رجل من المسلمين، فأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأرسل إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، فنزلت هذه الآية، ~~قاله قتادة. # والثالث: أن المنافقين كانوا إذا خلوا، سبوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، وطعنوا في الدين؛ فنقل حذيفة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعض ذلك، فحلفوا ما قالوا شيئا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~الضحاك. فأما كلمة الكفر، فهي سبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وطعنهم في الدين. وفي سبب قوله: { وهموا بمالم ينالوا } أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في ابن أبي حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثاني: أنها نزلت فيهم حين هموا بقتل رسول الله، رواه مجاهد عن ابن ~~عباس، قال: والذي هم رجل يقال له: الأسود. وقال مقاتل: هم خمسة عشر ~~رجلا، هموا بقتله ليلة العقبة. # والثالث: أنه لما قال بعض المنافقين: إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن ~~شر من الحمير؛ وقال له رجل من المؤمنين: لأنتم شر من الحمير، هم ~~المنافق بقتله؛ فذلك قوله: { وهموا بمالم ينالوا } هذا قول مجاهد. # والرابع: أنهم قالوا في غزوة تبوك: إذا قدمنا المدينة، عقدنا على رأس ~~عبد الله بن أبي تاجا نباهي به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلم ~~ينالوا ما هموا به. # قوله تعالى: { وما نقموا إلا أن أغناهم الله } قال ابن قتيبة: أي: ليس ~~ينقمون شيئا، ولا يتعرفون من الله إلا الصنع، ومثله قول الشاعر: # ما نقم الناس من أمية إلا # أنهم يحلمون إن غضبوا ms0831 # وأنهم سادة الملوك ولا # تصلح إلا عليهم العرب # وهذا ليس مما ينقم، وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئا، وكقول ~~النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # أي: ليس فيهم عيب. قال ابن عباس: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة في ضنك من معاشهم، فلما قدم عليهم، غنموا، وصارت لهم ~~الأموال. فعلى هذا، يكون الكلام عاما. وقال قتادة: هذا في عبد الله بن ~~أبي. وقال عروة: هو الجلاس بن سويد، قتل له مولى، فأمر له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بديته، فاستغنى؛ فلما نزلت: { فان يتوبوا يك خيرا ~~لهم } قال الجلاس: أنا أتوب إلى الله. # قوله تعالى: { وإن يتولوا } أي: يعرضوا عن الإيمان. قال ابن عباس: كما ~~تولى عبد الله بن أبي، { يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا } ~~بالقتل، وفي الآخرة بالنار. ### || [9.75] # قوله تعالى: { ومنهم من عاهد الله } في سبب نزولها أربعة أقوال. # أحدها: # " أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: ويحك يا ثعلبة، قليل ~~تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: أما ترضى ~~أن تكون مثل نبي الله؟ فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ~~ذهبا وفضة، لسارت فقال: والذي بعثك بالحق، لئن دعوت الله أن يرزقني ~~مالا، لأوتين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما، فنمت، فضاقت عليه المدينة، فتنحى ~~عنها، ونزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ~~ويترك ما سواهما. ثم نمت، حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، ثم نمت، فترك ~~الجمعة. فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر خبره، فقال: يا ~~ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة وأنزل الله تعالى: { خذ من ~~أموالهم صدقة } [التوبة: 9] وأنزل فرائض الصدقة؛ فبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0832 رجلين على الصدقة، وكتب لهما كتابا يأخذان الصدقة، وقال: ~~مرا بثعلبة، وبفلان رجل من بني سليم، فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه ~~الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا إلا ~~جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم ~~تعودا إلي، فانطلقا. فأخبر السلمي، فاستقبلهما بخيار ماله، فقالا: ~~لا يجب هذا عليك؛ فقال: خذاه، فان نفسي بذلك طيبة؛ فأخذا منه. فلما فرغا ~~من صدقتهما، مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقال: ما هذه إلا أخت ~~الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما كان، فنزلت هذه الآية إلى قوله: { بما كانوا يكذبون } ، وكان ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إلى ثعلبة، ~~فأخبره، فأتى رسول الله، وسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: إن الله قد ~~منعني أن أقبل منك صدقتك؛ فجعل يحثو التراب على رأسه. فقال: هذا عملك، قد ~~أمرتك فلم تطعني. فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله، ولم يقبل منه شيئا " # ، فلما ولي أبو بكر، سأله أن يقبل منه، فأبى، فلما ولي عمر، سأله أن ~~يقبل منه، فأبى، فلما ولي عثمان، سأله أن يقبلها؛ فقال: لم يقبلها رسول ~~الله، ولا أبو بكر، ولا عمر، فلم يقبلها. # وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه. روى هذا الحديث القاسم عن أبي ~~أمامة الباهلي. # وقال ابن عباس: مر ثعلبة على مجلس، فأشهدهم على نفسه: لئن آتاني الله ~~من فضله، آتيت كل ذي حق حقه، وفعلت كذا وكذا. فآتاه الله من فضله، فأخلف ~~ما وعد؛ فقص الله علينا شأنه. # والثاني: أن رجلا من بني عمرو بن عوف، كان له مال بالشام، فأبطأ عنه، ~~فجهد له جهدا شديدا، فحلف بالله لئن آتانا من فضله، أي: من ذلك ~~المال، لأصدقن منه، ولأصلن، فأتاه ذلك المال، فلم يفعل، فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس. قال ابن السائب: ~~والرجل حاطب بن ms0833 أبي بلتعة. # والثالث: أن ثعلبة، ومعتب بن قشير، خرجا على ملأ، فقالا: والله لئن ~~رزقنا الله لنصدقن. فلما رزقهما، بخلا به، فنزلت هذه الآية، قاله ~~الحسن، ومجاهد. # والرابع: أن نبتل بن الحارث، وجد بن قيس، وثعلبة بن حاطب، ومعتب ابن ~~قشير، قالوا: لئن آتانا الله من فضله لنصدقن. فلما آتاهم من فضله بخلوا ~~به، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. # فأما التفسير: فقوله: { ومنهم } يعني: المنافقين { من عاهد الله } أي: ~~قال علي عهد الله { لنصدقن } الأصل: لنتصدقن، فأدغمت التاء في ~~الصاد لقربها منها. # { ولنكونن من الصالحين } أي: لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم ~~من صلة الرحم والإنفاق في الخير. وقد روى كهمس عن معبد بن ثابت أنه ~~قال: إنما هو شيء نووه في أنفسهم، ولم يتكلموا به، ألم تسمع إلى قوله: ~~{ ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم }؟ ### || [9.76] # قوله تعالى: { فلما آتاهم من فضله } أي: ما طلبوا من المال { بخلوا به } ~~ولم يفوا بما عاهدوا { وتولوا وهم معرضون } عن عهدهم. ### || [9.77-78] # قوله تعالى: { فأعقبهم } أي: صير عاقبة أمرهم النفاق. # وفي الضمير في «أعقبهم» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: جازاهم الله بالنفاق، وهذا قول ~~ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أنها ترجع إلى البخل، فالمعنى: أعقبهم بخلهم بما نذروا ~~نفاقا، قاله الحسن. # قوله تعالى: { ألم يعلموا } يعني المنافقين { أن الله يعلم سرهم } وهو ~~ما في نفوسهم { ونجواهم } حديثهم بينهم. ### || [9.79] # قوله تعالى: { الذين يلمزون المطوعين } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنه لما نزلت آية الصدقة، جاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله ~~لغني عن صاع هذا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو مسعود. # والثاني: أن عبد الرحمن بن عوف جاء بأربعين أوقية من ذهب، وجاء رجل من ~~الأنصار بصاع من طعام؛ فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما ~~جاء به إلا رياء، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع، قاله ~~ابن عباس. # وفي هذا الأنصاري قولان. # أحدهما: أنه أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك. والثاني: أنه أبو عقيل. ms0834 # وفي اسم أبي عقيل ثلاثة أقوال. # أحدها: عبد الرحمن بن بيجان، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ويقال: ابن ~~بيحان. ويقال: سيحان. وقال مقاتل: هو أبو عقيل بن قيس. # والثاني: أن اسمه الحبحاب، قاله قتادة. # والثالث: الحباب. قال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف، وجاء عاصم ~~ابن عدي بن العجلان بمائة وسق من تمر. و { يلمزون } بمعنى: يعيبون و { ~~المطوعين } أي: المتطوعين، قال الفراء: أدغمت التاء في الطاء، فصارت ~~طاء مشددة. والجهد: لغة أهل الحجاز، ولغة غيرهم الجهد. قال أبو عبيدة: ~~الجهد، بالفتح والضم سواء، ومجازه: طاقتهم. وقال ابن قتيبة: الجهد: ~~الطاقة؛ والجهد: المشقة. قال المفسرون: عني بالمطوعين عبد الرحمن، ~~وعاصم، وبالذين لا يجدون إلا جهدهم: أبو عقيل. وقوله: { سخر الله منهم } ~~أي: جازاهم على فعلهم. وقد سبق هذا المعنى. ### || [9.80] # قوله تعالى: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } سبب نزولها: # " أنه لما نزل وعيد اللامزين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا، فنزلت هذه ~~الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سوف أستغفر لهم أكثر من ~~سبعين، لعل الله يغفر لهم فنزل قوله: { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم } [المنافقون: 6] " # ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وظاهر قوله: «استغفر لهم» الأمر، وليس ~~كذلك؛ إنما المعنى: إن استغفرت، وإن لم تستغفر، لا يغفر لهم، فهو ~~كقوله: # أنفقوا طوعا أو كرها # [التوبة: 53]، وقد سبق شرح هذا المعنى هناك، هذا قول المحققين. وذهب قوم ~~إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين، رجي لهم الغفران. ثم ~~نسخت بقوله: { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم }. # فان قيل: كيف جاز أن يستغفر لهم، وقد أخبر بأنهم كفروا؟ # فالجواب: أنه إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يتحقق ~~خروجهم عن الإسلام، ولا يجوز أن يقال: علم كفرهم ثم استغفر. # فان قيل: ما معنى حصر العدد بسبعين؟ # فالجواب: أن العرب تستكثر في الآحاد من سبعة، وفي العشرات من سبعين. ### || [9.81] # قوله تعالى: { فرح المخلفون بمقعدهم } يعني: المنافقين ms0835 الذين تخلفوا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. والمخلف: المتروك خلف ~~من مضى. { بمقعدهم } أي: بقعودهم. وفي قوله: { خلاف رسول الله } قولان. # أحدهما: أن معناه: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أن معناه: مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منصوب، ~~لأنه مفعول له، فالمعنى: بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قاله الزجاج. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، والأعمش، وابن أبي عبلة: ~~«خلف رسول الله» ومعناها: أنهم تأخروا عن الجهاد. # وفي قوله: { لا تنفروا في الحر } قولان. # أحدهما: أنه قول بعضهم لبعض، قاله ابن اسحاق، ومقاتل. # والثاني: أنهم قالوه للمؤمنين، ذكره الماوردي. وإنما قالوا هذا، لأن ~~الزمان كان حينئذ شديد الحر. { قل نار جهنم أشد حرا } لمن خالف أمر ~~الله. # وقوله: { يفقهون } معناه: يعلمون. قال ابن فارس: الفقه: العلم بالشيء. ~~تقول: فقهت الحديث أفقهه؛ وكل علم بشيء: فقه، ثم اختص به علم ~~الشريعة، فقيل لكل عالم بها: فقيه. قال المصنف: وقال شيخنا علي بن عبيد ~~الله: الفقه في إطلاق اللغة: الفهم، وفي عرف الشريعة: عبارة عن معرفة ~~الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين، بنحو: التحليل، والتحريم، ~~والإيجاب، والإجزاء، والصحة، والفساد، والغرم، والضمان، وغير ذلك. وبعضهم ~~يختار أن يقال: الفقه: فهم الشيء. وبعضهم يختار أن يقال: علم ~~الشيء. ### || [9.82] # قوله تعالى: { فليضحكوا قليلا } لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد. # وفي قلة ضحكهم وجهان. # أحدهما: أن الضحك في الدنيا، لكثرة حزنها وهمومها، قليل، وضحكهم فيها ~~أقل، لما يتوجه إليهم من الوعيد. # والثاني: أنهم إنما يضحكون في الدنيا، وبقاؤها قليل. { وليبكوا كثيرا } ~~في الآخرة. قال أبو موسى الأشعري: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار، ~~حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، ثم إنهم ليبكون الدم بعد الدموع، ~~فلمثل ما هم فيه فليبكي. # قوله تعالى: { جزاء بما كانوا يكسبون } أي: من النفاق والمعاصي. ### || [9.83] # قوله تعالى: { فان رجعك الله } أي: ردك من غزوة تبوك إلى المدينة، { إلى ~~طائفة } من المنافقين الذين تخلفوا ms0836 بغير عذر. وإنما قال: { إلى طائفة } ~~لأنه ليس كل من تخلف عن تبوك كان منافقا. { فاستأذنوك للخروج } معك ~~إلى الغزو، { فقل لن تخرجوا معي أبدا } إلى غزاة، { إنكم رضيتم ~~بالقعود } عني { أول مرة } حين لم تخرجوا إلى تبوك. وذكر الماوردي في ~~قوله: { أول مرة } قولين. # أحدهما: أول مرة دعيتم. والثاني: قبل استئذانكم. # فأما الخالفون، فقال أبو عبيدة: الخالف: الذي خلف بعد شاخص، فقعد في ~~رحله، وهو الذي يتخلف عن القوم. # وفي المراد بالخالفين قولان. # أحدهما: أنهم الرجال الذين تخلفوا لأعذار، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم النساء والصبيان، قاله الحسن، وقتادة. ### || [9.84] # قوله تعالى: { ولا تصل على أحد منهم } سبب نزولها: أنه # " لما توفي عبد الله ابن أبي، جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له. فأعطاه ~~قميصه؛ فقال: آذني أصلي عليه، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه ~~عمر بن الخطاب، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: ~~أنا بين خيرتين: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } [التوبة: 81] فصلى ~~عليه، فنزلت هذه الآية، رواه نافع عن ابن عمر. قال قتادة: ذكر لنا أن ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ما يغني عنه قميصي من عذاب الله ~~تعالى، والله إني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه " # قال الزجاج: فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء ~~بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الصلاة عليه. فأما قوله: { ~~منهم } فانه يعني المنافقين. وقوله { ولا تقم على قبره } قال المفسرون: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا دفن الميت، وقف على قبره ودعا ~~له؛ فنهي عن ذلك في حق المنافقين. وقال ابن جرير: معناه: لا تتول دفنه؛ ~~وهو من قولك: قام فلان بأمر فلان، وقد تقدم تفسيره. ### || [9.85-89] # قوله تعالى: { ولا تعجبك أموالهم } سبق تفسيره [التوبة: 55]. # قوله تعالى: { وإذا أنزلت سورة } هذا عام في كل سورة. وقال مقاتل: ~~المراد بها: سورة (براءة). ms0837 # قوله تعالى: { أن آمنوا } أي: بأن آمنوا. وفيه ثلاثة أوجه. # أحدها: استديموا الإيمان. والثاني: افعلوا فعل من آمن. والثالث: آمنوا ~~بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم. فعلى هذا يكون الخطاب للمنافقين. # قوله تعالى: { استأذنك } أي: في التخلف { أولو الطول } يعني: الغنى، ~~وهم الذين لا عذر لهم في التخلف، وفي «الخوالف» قولان. # أحدهما: أنهم النساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وشمر بن عطية، ~~وابن زيد، والفراء. وقال أبو عبيدة: يجوز أن تكون الخوالف هاهنا النساء، ~~ولا يكادون يجمعون الرجال على تقدير فواعل، غير أنهم قد قالوا: فارس، ~~والجميع: فوارس، وهالك [في قوم] هوالك. قال ابن الأنباري: الخوالف لا يقع ~~إلا على النساء، إذ العرب تجمع فاعلة: فواعل، فيقولون: ضاربة، وضوارب، ~~وشاتمة، وشواتم؛ ولا يجمعون فاعلا: فواعل، إلا في حرفين: فوارس، وهوالك؛ ~~فيجوز أن يكون مع الخوالف: المتخلفات في المنازل. ويجوز أن يكون: مع ~~المخالفات العاصيات. ويجوز أن يكون: مع النساء العجزة اللاتي لا مدافعة ~~عندهن. # والقول الثاني: أن الخوالف خساس الناس وأدنياؤهم، يقال: فلان خالفة ~~أهله: إذا كان دونهم، ذكره ابن قتيبة؛ فأما «طبع» فقال أبو عبيدة: ~~معناه: ختم. و { الخيرات } جمع خيرة. وللمفسرين في المراد بالخيرات ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الفاضلات من كل شيء، قاله أبو عبيدة. والثاني: الجواري ~~الفاضلات، قاله المبرد. والثالث: غنائم الدنيا، ومنافع الجهاد، ذكره ~~الماوردي. ### || [9.90] # قوله تعالى: { وجاء المعذرون } وقرأ ابن مسعود: «المعتذرون». وقرأ ابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن يعمر، ويعقوب: «المعذرون» بسكون العين ~~وتخفيف الذال. وقرأ ابن السميفع: «المعاذرون» بألف. قال أبو عبيدة: ~~المعذرون من يعذر، وليس بجاد، وإنما يعرض بما لا يفعله، أو يظهر ~~غير ما في نفسه. وقال ابن قتيبة: يقال: عذرت في الأمر: إذا قصرت، ~~وأعذرت: جددت. وقال الزجاج: من قرأ «المعذرون» بتشديد الذال، ~~فتأويله: المعتذرون الذين يعتذرون، كان لهم عذر، أو لم يكن، وهو هاهنا ~~أشبه بأن يكون لهم عذر، وأنشدوا: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # أي: فقد جاء بعذر. ويجوز أن يكون { المعذرون } الذين ms0838 يعذرون، يوهمون ~~أن لهم عذرا، ولا عذر لهم. ويجوز في النحو: المعذرون، بكسر العين، ~~والمعذرون، بضم العين، غير أنه لم يقرأ بهما، لأن اللفظ بهما يثقل. ~~ومن قرأ «المعذرون»: بتسكين العين، فتأويله: الذين أعذروا وجاؤوا بعذر. ~~وقال ابن الأنباري: المعذرون هاهنا: المعتذرون بالعذر الصحيح. وأصل ~~الكلمة عند أهل النحو: المعتذرون، فحولت فتحة التاء إلى العين، وأبدلت ~~الذال من التاء، وأدغمت في الذال التي بعدها، فصارتا ذالا مشددة. ويقال ~~في كلام العرب: اعتذر: إذا جاء بعذر صحيح، وإذا لم يأت بعذر. قال الله ~~تعالى: { قل لا تعتذروا } فدل على فساد العذر، وقال لبيد: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # أي: فقد جاء بعذر صحيح. وكان ابن عباس يقرأ: { المعذرون } ويقول: لعن ~~الله المعذرين. يريد: لعن الله المقصرين من المنافقين وغيرهم. ~~والمعذرون: الذين يأتون بالعذر الصحيح، فبان من هذا الكلام أن لهم عذرا ~~على قراءة من خفف. وهل يثبت لهم عذر على قراءة من شدد؟ فيه قولان. # قال المفسرون: جاء هؤلاء ليؤذن لهم في التخلف عن تبوك، فأذن لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار ~~علة، جرأة على الله تعالى. ### || [9.91-93] # قوله تعالى: { ليس على الضعفاء } اختلفوا فيمن نزلت على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في عائذ بن عمرو وغيره من أهل العذر، قاله قتادة. # والثاني: في ابن مكتوم، قاله الضحاك. # وفي المراد بالضعفاء ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم الزمنى والمشايخ الكبار، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم الصغار. # والثالث: المجانين؛ سموا ضعافا لضعف عقولهم، ذكر القولين الماوردي. ~~والصحيح انهم الذين يضعفون لزمانة، أو عمى، أو سن، أو ضعف في ~~الجسم. والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال، و { الذين لا ~~يجدون } هم المقلون، والحرج: الضيق في القعود عن الغزو بشرط النصح ~~لله ولرسوله، وفيه وجهان. # أحدهما: أن المعنى: إذا برئوا من النفاق. # والثاني: إذا قاموا بحفظ الذراري والمنازل. # فان قيل: بالوجه الأول، فهو يعم جميع المذكورين. وإن قيل بالثاني، فهو ~~يخص المقلين. وإنما شرط النصح، ms0839 لأن من تخلف بقصد السعي بالفساد، فهو ~~مذموم؛ ومن النصح لله: حث المسلمين على الجهاد، والسعي في إصلاح ذات ~~بينهم، وسائر ما يعود باستقامة الدين. # قوله تعالى: { ما على المحسنين من سبيل } أي: من طريق بالعقوبة، لأن ~~المحسن قد سد باحسانه باب العقاب. # قوله تعالى: { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } نزلت في البكائين، ~~واختلف في عددهم وأسمائهم، فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هم ستة: عبد ~~الله بن مغفل، وصخر بن سلمان، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلية بن ~~زيد الانصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عنمة، أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليحملهم، فقال: # " لا أجد ما أحملكم عليه " # فانصرفوا باكين. وقد ذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي مكان صخر بن سلمان: ~~سلمة بن صخر، ومكان ثعلبة بن عنمة: عمرو بن عنمة. قال: وقيل: منهم معقل ~~بن يسار. وروى أبو إسحاق عن أشياخ له: أن البكائين سبعة من الأنصار: ~~سالم بن عمير، وعلية بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعمرو بن ~~الحمام بن الجموح، وعبد الله بن مغفل، وبعض الناس يقول: بل، عبد الله ~~بن عمرو المزني، وعرباض بن سارية، وهرمي ابن عبد الله أخو بني واقف. ~~وقال مجاهد: نزلت في بني مقرن، وهم سبعة؛ وقد ذكرهم محمد بن سعد فقال: ~~النعمان بن عمرو بن مقرن، وقال أبو خيثمة: هو النعمان بن مقرن، وسويد بن ~~مقرن، ومعقل بن مقرن، وسنان بن مقرن، وعقيل بن مقرن، وعبد الرحمن بن ~~مقرن، وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن، وقال الحسن البصري: نزلت في أبي موسى ~~وأصحابه. # وفي الذي طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم عليه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه الدواب، قاله ابن عباس. والثاني: الزاد، قاله أنس بن مالك. ~~والثالث: النعال قاله الحسن. ### || [9.94] # قوله تعالى: { يعتذرون إليكم } قال ابن عباس: نزلت في المنافقين، ~~يعتذرون إليكم إذا رجعتم من غزوة تبوك، فلا تعذروهم فليس لهم عذر. فلما ~~رجع رسول الله صلى الله ms0840 عليه وسلم أتوه يعتذرون، فقال الله تعالى: { قل ~~لا تعتذروا } لن نصدقكم، قد أخبرنا الله أنه ليس لكم عذر { وسيرى الله ~~عملكم ورسوله } إن عملتم خيرا وتبتم من تخلفكم { ثم تردون } بعد ~~الموت { إلى عالم الغيب والشهادة } فيخبركم بما كنتم تعملون في السر ~~والعلانية. ### || [9.95] # قوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم } قال مقاتل: حلف منهم بضعة وثمانون ~~رجلا، منهم جد بن قيس، ومعتب بن قشير. # قوله تعالى: { لتعرضوا عنهم } فيه قولان. # أحدهما: لتصفحوا عن ذنبهم. # والثاني: لأجل إعراضكم وقد شرحنا في [المائدة: 90] معنى الرجس. ### || [9.96] # قوله تعالى: { يحلفون لكم لترضوا عنهم } قال مقاتل: حلف عبد الله بن ~~أبي للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أتخلف عنك، ولأكونن معك على ~~عدوك، وطلب منه أن يرضى عنه، وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعمر بن ~~الخطاب، وجعلوا يترضون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لما قدم المدينة: # " لا تجالسوهم ولا تكلموهم ". ### || [9.97] # قوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا } قال ابن عباس: نزلت في أعاريب أسد ~~وغطفان وأعراب من حول المدينة، أخبر الله أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر ~~أهل المدينة، لأنهم أقسى وأجفى من أهل الحضر. # قوله تعالى: { وأجدر ألا يعلموا } قال الزجاج: «أن» في موضع نصب، لأن ~~الباء محذوفة من «أن» المعنى: أجدر بترك العلم. تقول: جدير أن تفعل، ~~وجدير بأن تفعل، كما تقول: أنت خليق بأن تفعل، أي: هذا الفعل ميسر فيك، ~~فاذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب «أن»، وإن أتيت بالباء صلح ب «أن» ~~وغيرها، فنقول: أنت جدير بأن تقوم، وجدير بالقيام. فاذا قلت: أنت جدير ~~القيام، كان خطأ، وإنما صلح مع «أن» لأن «أن» تدل على الاستقبال، ~~فكأنها عوض من المحذوف. فأما قوله: { حدود ما أنزل الله } فيعني به: ~~الحلال والحرام والفرائض. وقيل: المراد بالآية: أن الأعم في العرب هذا. ### || [9.98] # قوله تعالى: { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق } إذا خرج في الغزو، وقيل: ~~ما يدفعه من الصدقة { مغرما ms0841 } لأنه لا يرجو له ثوابا. قال ابن قتيبة: ~~المغرم: هو الغرم والخسر. وقال ابن فارس: الغرم: ما يلزم أداؤه، ~~والغرام: اللازم، وسمي الغريم لإلحاحه. وقال غيره: الغرم: التزام مالا ~~يلزم. # قوله تعالى: { ويتربص } أي: وينتظر { بكم الدوائر } أي: دوائر الزمان ~~بالمكروه، بالموت، أو القتل، أو الهزيمة. وقيل: ينتظر موت الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وظهور المشركين. # قوله تعالى: { عليهم دائرة السوء } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بضم السين. # وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «السوء» بفتح السين؛ ~~وكذلك قرؤوا في [سورة الفتح: 6]، والمعنى: عليهم يعود ما ينتظرونه لك من ~~البلاء. قال الفراء: وفتح السين من السوء هو وجه الكلام. فمن فتح، أراد ~~المصدر: من سؤته سوءا ومساءة. ومن رفع السين، جعله اسما: كقولك ~~عليهم دائرة البلاء والعذاب. ولا يجوز ضم السين في قوله: # ما كان أبوك امرأ سوء # [مريم: 28] ولا في قوله # وظننتم ظن السوء # [الفتح: 12] لأنه ضد لقولك: رجل صدق. وليس للسوء هاهنا معنى في ~~عذاب ولا بلاء، فيضم. ### || [9.99] # قوله تعالى: { ومن الأعراب من يؤمن بالله } قال ابن عباس: وهم من أسلم ~~من الأعراب، مثل جهينة، وأسلم، وغفار. # وفي قوله: { ويتخذ ما ينفق } قولان. # أحدهما: في الجهاد. والثاني: في الصدقة. فأما القربات، فجمع قربة، وهي: ~~ما يقرب العبد من رضى الله ومحبته. قال الزجاج: وفي القربات ثلاثة ~~أوجه: ضم الراء، وفتحها، وإسكانها. وفي المراد بصلوات الرسول قولان. # أحدهما: استغفاره، قاله ابن عباس. # والثاني: دعاؤه، قاله قتادة، وابن قتيبة، والزجاج. وأنشد الزجاج: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي # نوما، فان لجنب المرء مضطجعا # قال: إن شئت قلت: مثل الذي، ومثل الذي؛ فالأول أمر لها بالدعاء، ~~كأنه قال: ادعي لي مثل الذي دعوت. والثاني: بمعنى: عليك مثل هذا ~~الدعاء. # قوله تعالى: { ألا إنها قربة لهم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «قربة لهم» خفيفة. وروى ورش، وإسماعيل ابن ~~جعفر عن نافع، وأبان، والمفضل عن عاصم «قربة» لهم بضم الراء. وفي ~~المشار إليها وجهان. # أحدهما: أن الهاء ms0842 ترجع إلى نفقتهم وإيمانهم. والثاني: إلى صلوات الرسول. # قوله تعالى: { سيدخلهم الله في رحمته } قال ابن عباس: في جنته. ### || [9.100] # قوله تعالى: { والسابقون الأولون } فيهم ستة أقوال. # أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قاله أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة. # والثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، ~~وهي الحديبية، قاله الشعبي. # والثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء بن أبي رباح. # والرابع: أنهم جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حصل لهم السبق ~~بصحبته. # قال محمد بن كعب القرظي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأوجب لهم الجنة محسنهم ومسيئهم في قوله: { والسابقون ~~الأولون }. # والخامس: أنهم السابقون بالموت والشهادة، سبقوا إلى ثواب الله تعالى، ~~وذكره الماوردي. # والسادس: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة، ذكره القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: { من المهاجرين والأنصار } قرأ يعقوب «والأنصار» برفع ~~الراء. # قوله تعالى: { والذين اتبعوهم باحسان } من قال: إن السابقين جميع ~~الصحابة، جعل هؤلاء تابعي الصحابة، وهم الذين لم يصحبوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: والذين اتبعوهم باحسان ~~إلى أن تقوم الساعة. ومن قال: هم المتقدمون من الصحابة، قال: هؤلاء ~~تبعوهم في طريقهم، واقتدوا بهم في أفعالهم، ففضل أولئك بالسبق، وإن ~~كانت الصحبة حاصلة للكل. وقال عطاء: اتباعهم إياهم باحسان: أنهم يذكرون ~~محاسنهم ويترحمون عليهم. # قوله تعالى: { تجري تحتها الأنهار } قرأ ابن كثير: «من تحتها» فزاد ~~«من» وكسر التاء الثانية. # قوله تعالى: { رضي الله عنهم } يعم الكل. قال الزجاج: رضي الله أفعالهم، ~~ورضوا ما جازاهم به. ### || [9.101] # قوله تعالى: { وممن حولكم من الأعراب منافقون } قال ابن عباس: مزينة، ~~وجهينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كان فيهم بعد إسلامهم منافقون. قال ~~مقاتل: وكانت منازلهم حول المدينة. # قوله تعالى: { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } قال ابن عباس: ~~مرنوا عليه وثبتوا، منهم عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، والجلاس، ~~ومعتب، ms0843 ووحوح، وأبو عامر الراهب. وقال أبو عبيدة: عتوا ومرنوا ~~عليه، وهو من قولهم: تمرد فلان، ومنه: شيطان مريد. # فان قيل: كيف قال { ومن أهل المدينة مردوا } ، وليس يجوز في الكلام: من ~~القوم قعدوا؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدهن: أن تكون { من } الثانية مردودة على الأولى؛ والتقدير: وممن حولكم ~~من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون، ثم استأنف { مردوا }. # والثاني: أن يكون في الكلام «من» مضمر تقديره: ومن أهل المدينة من ~~مردوا؛ فأضمرت «من» لدلالة { من } عليها كقوله: # وما منا إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] يريد: إلا من له مقام معلوم؛ وعلى هذا ينقطع الكلام ~~عند قوله: { منافقون }. # والثالث: أن { مردوا } متعلق بمنافقين تقديره: ومن أهل المدينة ~~منافقون مردوا، ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري. # قوله تعالى: { لا تعلمهم } فيه وجهان. # أحدهما: لا تعلمهم أنت حتى نعلمك بهم. والثاني: لا تعلم عواقبهم. # قوله تعالى: { سنعذبهم مرتين } فيه عشرة أقوال. # أحدها: أن العذاب الأول في الدنيا، وهو فضيحتهم بالنفاق، والعذاب ~~الثاني: عذاب القبر، قاله ابن عباس. قال: # " وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيبا، فقال: يا فلان ~~اخرج فانك منافق، ويا فلان اخرج " # ففضحهم. # والثاني: أن العذاب الأول: إقامة الحدود عليهم. والثاني: عذاب القبر، ~~وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن أحد العذابين: الزكاة التي تؤخذ منهم، والآخر: الجهاد الذي ~~يؤمرون به، قاله الحسن. # والرابع: الجوع، وعذاب القبر، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه ~~قال أبو مالك. # والخامس: الجوع والقتل، رواه سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والسادس: القتل والسبي، رواه معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال ابن ~~قتيبة: القتل والأسر. # والسابع: أنهم عذبوا بالجوع مرتين، رواه خصيف عن مجاهد. # والثامن: أن عذابهم في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، وفي الآخرة ~~بالنار، قاله ابن زيد. # والتاسع: أن الأول: عند الموت تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، والثاني: ~~في القبر بمنكر ونكير، قاله مقاتل بن سليمان. # والعاشر: أن الأول: بالسيف، والثاني: عند الموت، قاله مقاتل بن حيان. # قوله ms0844 تعالى: { ثم يردون إلى عذاب عظيم } يعني: عذاب جهنم. ### || [9.102] # قوله تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } اختلفوا فيمن نزلت على قولين. # أحدهما: # " أنهم عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك، فلما دنا رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعة منهم ~~أنفسهم بسواري المسجد. فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:من ~~هؤلاء؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك، فأقسموا بالله لا ~~يطلقون أنفسهم حتى تطلقهم أنت وتعذرهم، فقال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ~~ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن ~~الغزو مع المسلمين فنزلت هذه الآية، فأرسل إليهم فأطلقهم وعذرهم " # ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وروى العوفي عن ابن عباس: أن الذين ~~تخلفوا كانوا ستة، فأوثق أبو لبابة نفسه ورجلان معه، وبقي ثلاثة لم ~~يوثقوا أنفسهم فلما نزلت هذه الآية، أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعذرهم. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة بن عبد ~~المنذر، وأوس ابن ثعلبة، ووديعة بن خذام الأنصاري. وقال سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وزيد ابن أسلم: كانوا ثمانية. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا ~~سبعة. # والثاني: أنها نزلت في أبي لبابة وحده. واختلفوا في ذنبه على قولين. # أحدهما: أنه خان الله ورسوله باشارته إلى بني قريظة حين شاوروه في ~~النزول على حكم سعد أنه الذبح، وهذا قول مجاهد، وقد شرحناه في [الأنفال: ~~27]. # والثاني: أنه تخلفه عن تبوك، قاله الزهري. فأما الاعتراف، فهو الاقرار ~~بالشيء عن معرفة. والاعتراف بالذنب أدعى إلى صدق التوبة والقبول. # قوله تعالى: { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } قال ابن جرير: وضع ~~الواو مكان الباء، والمعنى: بآخر سيء، كما تقول: خلطت الماء واللبن. # وفي ذلك العمل قولان. # أحدهما: أن العمل الصالح: ما سبق من جهادهم، والسيء: التأخر عن الجهاد، ~~قاله السدي. # والثاني: أن العمل الصالح: توبتهم، والسيء: تخلفهم، ذكره الفراء. وفي ~~قوله «عسى» قولان. # أحدهما: أنه واجب من ms0845 الله تعالى، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ترديد لهم بين الطمع والإشفاق، وذلك يصد عن اللهو ~~والإهمال. ### || [9.103] # قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } قال المفسرون: # " لما تاب الله عز وجل على أبي لبابة وأصحابه قالوا: يا رسول الله، هذه ~~أموالنا فتصدق بها عنا، فقال: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» " # فنزلت هذه الآية. # وفي هذه الصدقة قولان. # أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها تطوعا، قاله ابن زيد، والجمهور. ~~والثاني: الزكاة، قاله عكرمة. # قوله تعالى: { تطهرهم } وقرأ الحسن «تطهرهم بها» بجزم الراء. قال ~~الزجاج: يصلح أن يكون قوله: { تطهرهم } نعتا للصدقة، كأنه قال: خذ من ~~أموالهم صدقة مطهرة. والأجود أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~المعنى: فانك تطهرهم بها. ف «تطهرهم» بالجزم، على جواب الأمر، المعنى: ~~إن تأخذ من أموالهم، تطهرهم. ولا يجوز في: { تزكيهم } إلا إثبات ~~الياء، اتباعا للمصحف. قال ابن عباس: { تطهرهم } من الذنوب، { وتزكيهم ~~}: تصلحهم. وفي قوله { وصل عليهم } قولان. # أحدهما: استغفر لهم، قاله ابن عباس. والثاني: ادع لهم، قاله السدي. # قوله تعالى: { إن صلواتك } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «إن صلواتك» على الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم، «إن صلاتك» على التوحيد. وفي قوله: { سكن لهم } خمسة أقوال. # أحدها: طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~وقال أبو عبيدة: تثبيت وسكون. والثاني: رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. والثالث: قربة لهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: ~~وقار لهم، قاله قتادة. والخامس: تزكية لهم. حكاه الثعلبي. قال الحسن، ~~وقتادة: وهؤلاء سوى الثلاثة الذين خلفوا. ### || [9.104-105] # قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة } قرأ الجمهور ~~«يعلموا» بالياء. وروى عبد الوارث: { تعلموا } بالتاء. وقوله: { يقبل ~~التوبة عن عباده } قال أبو عبيدة: أي: من عبيده. تقول: أخذته منك، ~~وأخذته عنك. # قوله تعالى: { ويأخذ الصدقات } قال ابن قتيبة: أي: يقبلها. ومثله: # خذ العفو # [الأعراف: 199] أي اقبله. # قوله تعالى: { وقل اعملوا ms0846 } قال ابن زيد: هذا خطاب للذين تابوا. ### || [9.106] # قوله تعالى: { وآخرون مرجؤن } وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: «مرجون» ~~بغير همز. والآية نزلت في كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن ~~أمية، وكانوا فيمن تخلف عن تبوك من غير عذر، ثم لم يبالغوا في الاعتذار ~~كما فعل أبو لبابة وأصحابه، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري؛ فوقف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمرهم، ونهى الناس عن كلامهم ومخالطتهم حتى نزل قوله: # وعلى الثلاثة الذين خلفوا # [التوبة: 118] قال الزجاج: { وآخرون } عطف على قوله: «ومن أهل المدينة» ~~فالمعنى: منهم منافقون، ومنهم { آخرون مرجون } أي: مؤخرون؛ و { إما } ~~لوقوع أحد الشيئين، والله تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم، لكنه خاطب ~~العباد بما يعلمون، فالمعنى: ليكن أمرهم عندكم على الخوف والرجاء. # قوله تعالى: { والله عليم حكيم } أي: عليم بما يؤول إليه حالهم، حكيم ~~بما يفعله بهم. ### || [9.107] # قوله تعالى: { والذين اتخذوا مسجدا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: «والذين» بواو. وكذلك هي في مصاحفهم. وقرأ نافع، وابن ~~عامر: «الذين» بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام. قال أبو ~~علي: من قرأ بالواو، فهو معطوف على ما قبله نحو قوله: # ومنهم من عاهد الله # [التوبة: 75] # ومنهم من يلمزك # [التوبة: 58] # ومنهم الذين يؤذون النبي # [التوبة: 61] والمعنى: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا. ومن حذف الواو فعلى ~~وجهين. # أحدهما: أن يضمر ومنهم الذين اتخذوا كقوله: أكفرتم، المعنى: فيقال ~~لهم: أكفرتم. # والثاني: أن يضمر الخبر بعد، كما أضمر في قوله: # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام # [الحج: 25]، المعنى: ينتقم منهم ويعذبون. قال أهل التفسير: لما اتخذ ~~بنو عمرو بن عوف مسجد قباء، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأتاهم، فصلى فيه، حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وكانوا من منافقي ~~الأنصار، فقالوا: نبني مسجدا، ونرسل إلى رسول الله فيصلي فيه، ويصلي فيه ~~أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام؛ وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ~~وتنصر، فلما قدم رسول الله صلى الله ms0847 عليه وسلم المدينة، عاداه، فخرج ~~إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن أعدوا من استطعتم من قوة وسلاح، ~~وابنوا لي مسجدا، فاني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا ~~وأصحابه، فبنوا هذا المسجد، إلى جنب مسجد قباء، وكان الذين بنوه اثني عشر ~~رجلا: خذام بن خالد ومن داره أخرج المسجد، ونبتل بن الحارث، ~~وبجاد بن عثمان، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وعباد بن ~~حنيف، ووديعة بن ثابت، وأبو حبيبة بن الأزعر، وجارية بن عامر، وابناه ~~يزيد ومجمع، وكان مجمع إمامهم فيه، ثم صلحت حاله، وبحزج جد عبد ~~الله بن حنيف، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أردت بما أرى " # ؟ فقال: والله ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب. وقال مقاتل: الذي حلف ~~مجمع. وقيل: كانوا سبعة عشر، فلما فرغوا منه، أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: إنا قد ابتنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة ~~المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه، فدعى بقميصه ليلبسه، فنزل عليه ~~القرآن وأخبره الله خبرهم، فدعا معن بن عدي، ومالك بن الدخشم في ~~آخرين، وقال: # " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرقوه، " # وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كناسة تلقى فيها ~~الجيف. ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا. # فأما التفسير: فقال الزجاج: { الذين } في موضع رفع، المعنى: ومنهم الذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا. و { ضرارا } انتصب مفعولا له، المعنى: اتخذوه ~~للضرار والكفر والتفريق والإرصاد. فلما حذفت اللام، أفضى الفعل، فنصب. ~~قال المفسرون: والضرار: بمعنى المضارة لمسجد قباء، { وكفرا } بالله ~~ورسوله { وتفريقا بين المؤمنين } لأنهم كانوا يصلون في مسجد قباء ~~جميعا، فأرادوا تفريق جماعتهم، والإرصاد: الانتظار، فانتظروا به مجيء ~~أبي عامر، وهو الذي حارب الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار. { ~~وليحلفن إن أردنا } أي: ما أردنا { إلا الحسنى } أي: ما أردنا ~~بابتنائه إلا الحسنى؛ وفيها ثلاثة أوجه. # أحدها: طاعة الله. والثاني: الجنة. والثالث: فعل التي هي أحسن من إقامة ~~الدين والاجتماع للصلاة. وقد ذكرنا ms0848 اسم الحالف. ### || [9.108] # قوله تعالى: { لا تقم فيه } أي: لا تصل فيه أبدا. { لمسجد أسس على ~~التقوى } أي بني على الطاعة، وبناه المتقون { من أول يوم } أي: منذ أول ~~يوم. قال الزجاج: { من } في الزمان، والأصل: منذ ومذ، وهو الأكثر في ~~الاستعمال. وجائز دخول { من } لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، ~~ومثله قول زهير: # لمن الديار بقنة الحجر # أقوين من حجج ومن شهر # وقيل: معناه من مر حجج ومن مر شهر. وفي هذا المسجد ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الذي فيه منبره ~~وقبره. روى سهل بن سعد: أن رجلين اختلفا في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول، وقال ~~الآخر: هو مسجد قباء، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " هو مسجدي هذا " # وبه قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب. # والثاني: أنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~سعيد بن جبير، وقتادة، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، ومقاتل. # والثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة، قاله محمد بن كعب. # قوله تعالى: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } سبب نزولها أن رجالا من أهل ~~قباء كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية، قاله الشعبي قال ابن عباس: # " لما نزلت هذه الآية، أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالما الذي ~~أثنى الله به عليكمفقالوا: إنا نستنجي بالماء " # فعلى هذا، المراد به الطهارة بالماء. وقال أبو العالية: أن يتطهروا من ~~الذنوب. ### || [9.109] # قوله تعالى: { أفمن أسس بنيانه } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي «أسس» بفتح الألف في الحرفين جميعا وفتح النون فيهما. ~~وقرأ نافع، وابن عامر «أسس» بضم الألف «بنيانه» برفع النون. والبنيان ~~مصدر يراد به المبني. والتأسيس: إحكام أس البناء، وهو أصله، والمعنى: ~~المؤسس بنيانه متقيا يخاف الله ويرجو رضوانه خير، أم المؤسس بنيانه ~~غير متق؟ قال الزجاج: ms0849 وشفا الشيء: حرفه وحده. والشفا مقصور، يكتب ~~بالألف، ويثنى شفوان. # قوله تعالى: { جرف } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي «جرف» ~~مثقلا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «جرف» ساكنة الراء. ~~قال أبو علي: فالضم الأصل، والإسكان تخفيف، ومثله: الشغل والشغل. ~~قال ابن قتيبة: المعنى: على حرف جرف هائر. والجرف: ما يتجرف بالسيول من ~~الأودية. والهائر: الساقط. ومنه: تهور البناء وانهار: إذا سقط. وقرأ ~~ابن كثير، وحمزة «هار» بفتح الهاء. وأمال الهاء نافع، وأبو عمرو. وعن ~~عاصم كالقراءتين. # قوله تعالى: { فانهار به } أي: بالباني { في نار جهنم } قال الزجاج: ~~وهذا مثل، والمعنى: أن بناء هذا المسجد كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله ~~فيها. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم حفروا فيه حفرة، فرؤي فيها الدخان. قال ~~جابر: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان. ### || [9.110] # قوله تعالى: { لا يزال بنيانهم } يعني مسجد الضرار { الذي بنوا ريبة ~~في قلوبهم } وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: شكا ونفاقا، لأنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه، قاله ~~ابن عباس، وابن زيد. # والثاني: حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه، قاله ابن السائب ومقاتل. # والثالث: أن المعنى: لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظا في قلوبهم، قاله ~~السدي، والمبرد. # قوله تعالى: { إلا أن تقطع قلوبهم } قرأ الأكثرون: «إلا» وهو حرف ~~استثناء. وقرأ يعقوب «إلى أن» فجعله حرف جر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تقطع» بضم التاء. وقرأ ابن عامر، ~~وحمزة، وحفص عن عاصم: «تقطع» بفتح التاء. ثم في المعنى. قولان: # أحدهما: إلا أن يموتوا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في آخرين. # والثاني: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على ~~تفريطهم، ذكره الزجاج. ### || [9.111] # قوله تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } سبب نزولها # " أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ~~وكانوا سبعين رجلا، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ~~ولنفسك، ما شئت، فقال:أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا ms0850 به شيئا، وأشترط ~~لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم،قالوا فاذا فعلنا ذلك، فما لنا؟ ~~قال: «الجنة» قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت { إن الله ~~اشترى... } الآية " # ، قاله محمد بن كعب القرظي فأما اشتراء النفس، فبالجهاد. # وفي اشتراء الأموال وجهان. أحدهما: بالإنفاق في الجهاد. والثاني: ~~بالصدقات. وذكر الشراء هاهنا مجاز، لأن المشتري حقيقة هو الذي لا يملك ~~المشترى، فهو كقوله: # من ذا الذي يقرض الله # [البقرة: 245] والمراد من الكلام أن الله أمرهم بالجهاد بأنفسهم ~~وأموالهم ليجازيهم عن ذلك بالجنة، فعبر عنه بالشراء لما تضمن من عوض ~~ومعوض. وكان الحسن يقول: لا والله، إن في الدنيا مؤمن إلا وقد أخذت ~~بيعته. وقال قتادة: ثامنهم والله فأغلى لهم. # قوله تعالى: { فيقتلون ويقتلون } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وعاصم «فيقتلون ويقتلون» فاعل ومفعول. وقرأ حمزة، والكسائي ~~«فيقتلون ويقتلون» مفعول وفاعل. قال أبو علي: القراءة الأولى بمعنى ~~أنهم يقتلون أولا ويقتلون، والأخرى يجوز أن تكون في المعنى كالأولى، ~~لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم؛ فان لم يقدر فيه التقديم، ~~فالمعنى: يقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل، كما أن قوله: # فما وهنوا لما أصابهم # [آل عمران: 146] ما وهن من بقي بقتل من قتل. ومعنى الكلام: إن ~~الجنة عوض عن جهادهم، قتلوا أو قتلوا. { وعدا عليه } قال الزجاج: نصب ~~«وعدا» بالمعنى، لأن معنى قوله { بأن لهم الجنة }: { وعدا عليه حقا } ~~، قال: وقوله: { في التوراة والإنجيل } يدل على أن أهل كل ملة أمروا ~~بالقتال ووعدوا عليه الجنة. # قوله تعالى: { ومن أوفى } أي: لا أحد أوفى بما وعد { من الله } { ~~فاستبشروا } أي: فافرحوا بهذا البيع. ### || [9.112] # قوله تعالى: { التائبون } سبب نزولها. أنه لما نزلت التي قبلها، قال ~~رجل: يا رسول الله، وإن سرق وإن زنى وإن شرب الخمر؟ فنزلت هذه الآية؟ ~~قاله ابن عباس. قال الزجاج: يصلح الرفع هاهنا على وجوه. أحدها: المدح، ~~كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون. ويجوز أن يكون على البدل، ~~والمعنى: يقاتل التائبون؛ فهذا ms0851 مذهب أهل اللغة، والذي عندي أنه رفع ~~بالابتداء، وخبره مضمر، المعنى: التائبون ومن ذكر معهم لهم الجنة أيضا ~~وإن لم يجاهدوا إذا لم يقصدوا ترك الجهاد ولا العناد، لأن بعض المسلمين ~~يجزئ عن بعض في الجهاد. # وللمفسرين في قوله: «التائبون» قولان. أحدهما: الراجعون عن الشرك ~~والنفاق والمعاصي. والثاني: الراجعون إلى الله في فعل ما أمر واجتناب ما ~~حظر. # وفي قوله: { العابدون } ثلاثة أقوال. أحدها: المطيعون لله بالعبادة، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: المقيمون الصلاة، قاله الضحاك عن ~~ابن عباس. # والثالث: الموحدون، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: { الحامدون } قال قتادة: يحمدون الله على كل حال. # وفي السائحين أربعة أقوال. # أحدها: الصائمون، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~وقتادة في آخرين. قال الفراء: ويرى أهل النظر أن الصائم إنما سمي سائحا ~~تشبيها بالسائح، لأن السائح لا زاد معه؛ والعرب تقول للفرس إذا كان ~~قائما لا علف بين يديه: صائم، وذلك أن له قوتين، غدوة وعشية، فشبه به ~~صيام الآدمي لتسحره وإفطاره. والثاني: أنهم الغزاة، قاله عطاء. ~~والثالث: طلاب العلم، قاله عكرمة. والرابع: المهاجرون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { الراكعون الساجدون } يعني في الصلاة. { الآمرون بالمعروف ~~} وهو طاعة الله. { والناهون عن المنكر } وهو معصية الله. # فان قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: «والناهون»؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن الواو إنما دخلت هاهنا لأنها الصفة الثامنة، والعرب تعطف ~~بالواو على السبعة، كقوله: # وثامنهم كلبهم # [الكهف: 22] وقوله في صفة الجنة: # وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] ذكره جماعة من المفسرين. # والثاني: أن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الآمر بالمعروف ناه عن ~~المنكر في حال أمره، فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ~~ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، ~~والسائحون بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات. # قوله تعالى: { والحافظون لحدود الله } قال الحسن: القائمون بأمر الله. ### || [9.113-114] # قوله تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } في سبب ~~نزولها أربعة أقوال. # أحدها: # " أن ms0852 أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقالأي عم، قل معي: لا إله ~~إلا الله، أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا ~~طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء ~~كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«لأستغفرن لك مالم أنه عنك» فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا... } ~~الآية، ونزلت { إنك لا تهدي من أحببت } [القصص: 56] " # أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث سعيد بن المسيب. عن أبيه ~~وقيل: إنه لما مات أبو طالب، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر له، ~~فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا، وقد استغفر ~~ابراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه؟ فاستغفروا للمشركين، فنزلت هذه ~~الآية. قال أبو الحسين بن المنادي: هذا لا يصح، إنما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لعمه # " لأستغفرن لك مالم أنه عنك " # قبل أن يموت، وهو في السياق فأما أن يكون استغفر له بعد الموت، فلا، ~~فانقلب ذلك على الرواة، وبقي على انقلابه. # والثاني: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أمه آمنة، فتوضأ وصلى ركعتين، ~~ثم بكى، فبكى الناس لبكائه، ثم انصرف إليهم، فقالوا: ما الذي أبكاك؟ ~~فقال«مررت بقبر أمي فصليت ركعتين، ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، ~~فبكيت، ثم عدت فصليت ركعتين، فاستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجرا، ~~فأبكاني،»ثم دعا براحلته فركبها؛ فما سار إلا هنيأة، حتى قامت الناقة ~~لثقل الوحي؛ فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا } والأية التي بعدها " # ، رواه بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثالث: أن رجلا استغفر لأبويه، وكانا مشركين، فقال له علي بن أبي ~~طالب: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكر ~~ذلك علي للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه ~~أبو الخليل عن علي عليه السلام. ms0853 # والرابع: # " أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله، ~~إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي ~~بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال: «بلى، والله لأستغفرن لأبي كما استغفر ~~إبراهيم لأبيه» " # فنزلت هذه الآية، وبين عذر إبراهيم، قاله قتادة. ومعنى قوله: { من بعد ~~ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } أي: من بعد ما بان أنهم ماتوا كفارا. # قوله تعالى: { إلا عن موعدة وعدها إياه } فيه قولان. # أحدهما: أن إبراهيم وعد أباه الاستغفار، وذلك قوله: # سأستغفر لك ربي # [مريم: 47] وما كان يعلم أن الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره الله ~~بذلك. # والثاني: أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن؛ فلما تبين لإبراهيم ~~عداوة أبيه لله تعالى بموته على الكفر، ترك الدعاء له. فعلى الأول، تكون ~~هاء الكناية في «إياه» عائدة على آزر، وعلى الثاني، تعود على إبراهيم. ~~وقرأ ابن السميفع، ومعاذ القارىء، وأبو نهيك: «وعدها أباه» بالباء. # وفي الأواه ثمانية أقوال. # أحدها: أنه الخاشع الدعاء المتضرع، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه الدعاء، رواه زر عن عبد الله، وبه قال عبيد بن ~~عمير. # والثالث: الرحيم، رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود، وبه قال ~~الحسن، وقتادة، وأبو ميسرة. # والرابع: أنه الموقن، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وعطاء، وعكرمة، والضحاك. # والخامس: أنه المؤمن، رواه العوفي، ومجاهد، وابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والسادس: أنه المسبح، رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة، وبه قال سعيد ابن ~~المسيب، وابن جبير. # والسابع: أنه المتأوه لذكر عذاب الله، قاله الشعبي. قال أبو عبيدة: ~~مجاز أواه مجاز فعال من التأوه، ومعناه: متضرع شفقا وفرقا ~~ولزوما لطاعة ربه، قال المثقب: # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # والثامن: أنه الفقيه، رواه ابن جريج عن مجاهد. فأما الحليم، فهو الصفوح ~~عن الذنوب. ### || [9.115-116] # قوله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما... } الآية، سبب نزولها: أنه ms0854 لما ~~نزلت آية الفرائض، وجاء النسخ، وقد غاب قوم وهم يعلمون بالأمر الأول مثل ~~أمر القبلة والخمر، ومات أقوام على ذلك، سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال قوم: ~~المعنى أنه بين أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار للمشركين قبل تحريمه، ~~فاذا حرمه ولم يمتنعوا عنه، فقد ضلوا. وقال ابن الأنباري: في الآية حذف ~~واختصار، والتأويل: حتى يتبين لهم ما يتقون، فلا يتقونه، فعند ذلك ~~يستحقون الضلال؛ فحذف ما حذف البيان معناه، كما تقول العرب: أمرتك ~~بالتجارة فكسبت الأموال؛ يريدون: فتجرت فكسبت. ### || [9.117] # قوله تعالى: { لقد تاب الله على النبي } قال المفسرون: تاب عليه من إذنه ~~للمنافقين في التخلف. وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، وذلك أنه لما ~~كان سبب توبة التائبين، ذكر معهم، كقوله: # فإن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41]. # قوله تعالى: { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } قال الزجاج: هم الذين ~~اتبعوه في غزوة تبوك، والمراد بساعة العسرة: وقت العسرة، لأن الساعة تقع ~~على كل الزمان، وكان في ذلك الوقت حر شديد، والقوم في ضيقة شديدة، كان ~~الجمل بين جماعة يعتقبون عليه، وكانوا في فقر، فربما اقتسم التمرة اثنان، ~~وربما مص التمرة الجماعة ليشربوا عليها الماء، وربما نحروا الإبل فشربوا ~~من ماء كروشها من الحر. # " وقيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن ساعة العسرة، فقال: خرجنا إلى تبوك في ~~قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع، حتى ~~إن الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن ~~الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا، قال: ~~«تحب ذلك»؟ قال: نعم. فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فملؤوا ما ~~معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر ". # قوله تعالى: { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } قرأ حمزة، وحفص عن ~~عاصم: «كاد ms0855 يزيغ» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. وفي معنى الكلام ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: تميل إلى التخلف عنه، وهم ناس من المسلمين هموا بذلك، ثم ~~لحقوه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن القلوب مالت إلى الرجوع للشدة التي لقوها، ولم تزغ عن ~~الإيمان، قاله الزجاج. # والثالث: أن القلوب كادت تزيغ تلفا بالجهد والشدة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ثم تاب عليهم } كرر ذكر التوبة، لأنه ليس في ابتداء الآية ~~ذكر ذنبهم، فقدم ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبه، ثم أعاد ذكر ~~التوبة. ### || [9.118] # قوله تعالى: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } وقرأ أبو رزين، وأبو ~~مجلز، والشعبي، وابن يعمر: «خالفوا» بألف. وقرأ معاذ القارىء، وعكرمة، ~~وحميد: «خلفوا» بفتح الخاء واللام المخففة. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو ~~العالية: «خلفوا» بفتح الخاء واللام مع تشديدها. وهؤلاء هم المرادون ~~بقوله: { وآخرون مرجون } وقد تقدمت أسماؤهم [التوبة: 106] وفي معنى ~~«خلفوا» قولان. # أحدهما: خلفوا عن التوبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، فيكون المعنى: ~~خلفوا عن توبة الله على أبي لبابة وأصحابه إذ لم يخضعوا كما خضع ~~أولئك. # والثاني: خلفوا عن غزوة تبوك، قاله قتادة. وحديثهم مندرج في توبة كعب ~~بن مالك، وقد رويتها في كتاب «الحدائق». # قوله تعالى: { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } أي: ضاقت مع ~~سعتها، وذلك أن المسلمين منعوا من معاملتهم وكلامهم، وأمروا باعتزال ~~أزواجهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم. { وضاقت عليهم ~~أنفسهم } بالهم والغم. { وظنوا } أي: أيقنوا { أن لا ملجأ } أي: لا ~~معتصم من الله ومن عذابه إلا هو. { ثم تاب عليهم } أعاد التوبة تأكيدا، ~~{ ليتوبوا } قال ابن عباس: ليستقيموا وقال غيره: وفقهم للتوبة ليدوموا ~~عليها ولا يرجعوا إلى ما يبطلها. وسئل بعضهم عن التوبة النصوح، فقال: أن ~~تضيق على التائب الارض، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب وصاحبيه. ### || [9.119] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ~~في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنها نزلت في قصة الثلاثة المتخلفين. # والثاني: أنها في أهل الكتاب. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى ms0856 وعيسى ~~اتقوا الله في إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكونوا مع الصادقين. # وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال. # أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن عمر. # والثاني: أبو بكر وعمر، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. وقد قرأ ابن ~~السميفع. وأبو المتوكل، ومعاذ القارىء: «مع الصادقين» بفتح القاف ~~وكسر النون على التثنية. # والثالث: أنهم الثلاثة الذين خلفوا، صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن تأخرهم، قاله السدي. # والرابع: أنهم المهاجرون، لأنهم لم يتخلفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الجهاد، قاله ابن جريج. قال أبو سليمان الدمشقي: وقيل: إن ~~أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة، فقال: يا معشر الأنصار، إن ~~الله يقول في كتابه: { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا } إلى قوله: # أولئك هم الصادقون # [الحشر: 8] من هم؟ قالت الأنصار: أنتم هم. قال: فان الله تعالى يقول: { ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن ~~نكون معكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء. # والخامس: أنه عام، قاله قتادة و«مع» بمعنى «من»، وكذلك هي في قراءة ~~ابن مسعود: «وكونوا من الصادقين». ### || [9.120-121] # قوله تعالى: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب } قال ابن ~~عباس: يعني: مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، { أن يتخلفوا عن رسول ~~الله } في غزوة غزاها، { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } لا يرضوا لأنفسهم ~~بالخفض والدعة ورسول الله في الحر والمشقة. يقال: رغبت بنفسي عن ~~الشيء: إذا ترفعت عنه. # قوله تعالى: { ذلك } أي: ذلك النهي عن التخلف { بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~} وهو العطش { ولا نصب } وهو التعب { ولا مخمصة } وهو المجاعة { ولا ~~ينالون من عدو نيلا } أسرا أو قتلا أو هزيمة، فأعلمهم الله أن يجازيهم ~~على جميع ذلك. # قوله تعالى: { ولا ينفقون نفقة صغيرة } قال ابن عباس: تمرة فما فوقها. { ~~ولا يقطعون واديا } مقبلين أو مدبرين { إلا كتب لهم } أي: أثبت لهم ~~أجر ذلك. { ليجزيهم الله أحسن } أي: بأحسن { ما كانوا يعملون }. # فصل # قال شيخنا علي بن عبيد الله: اختلف المفسرون في ms0857 هذه الآية، فقالت طائفة: ~~كان في أول الأمر لا يجوز التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~كان الجهاد يلزم الكل؛ ثم نسخ ذلك بقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # [التوبة: 22]؛ وقالت طائفة: فرض الله تعالى على جميع المؤمنين في زمان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ممن لا عذر له الخروج معه لشيئين. # أحدهما: أنه من الواجب عليهم أن يقوه بأنفسهم. # والثاني: أنه إذا خرج الرسول فقد خرج الدين كله، فأمروا بالتظاهر ~~لئلا يقل العدد، وهذا الحكم باق إلى وقتنا؛ فلو خرج أمير المؤمنين إلى ~~الجهاد، وجب على عامة المسلمين متابعته لما ذكرنا. فعلى هذا، الآية ~~محكمة. قال أبو سليمان: لكل آية وجهها. وليس للنسخ على إحدى الآيتين ~~طريق. ### || [9.122] # قوله تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } في سبب نزولها أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنه لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك، قال ~~المؤمنون: والله. لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا سرية أبدا. فلما أرسل السرايا بعد تبوك، نفر المسلمون ~~جميعا، وتركوا رسول الله وحده، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على مضر، أجدبت ~~بلادهم؛ فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها إلى المدينة من الجهد، ~~ويظهرون الإسلام وهم كاذبون؛ فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن ناسا أسلموا، وخرجوا إلى البوادي يعلمون قومهم، فنزلت: # إلا تنفروا يعذبكم # [التوبة: 39] فقال ناس من المنافقين: هلك من لم ينفر من أهل البوادي، ~~فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # والرابع: أن ناسا خرجوا إلى البوادي يعلمون الناس ويهدونهم، ويصيبون ~~من الحطب ما ينتفعون به؛ فقال لهم الناس ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم ~~وجئتمونا؛ فأقبلوا من البادية كلهم، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. قال ~~الزجاج: ولفظ الآية لفظ الخبر، ومعناها الأمر، كقوله: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ms0858 للمشركين # [التوبة: 113]، والمعنى: ينبغي أن ينفر بعضهم، ويبقى البعض. قال الفراء: ~~ينفر وينفر، بكسر الفاء وضمها، لغتان. واختلف المفسرون في المراد بهذا ~~النفير على قولين. # أحدهما: أنه النفير إلى العدو، فالمعنى: ما كان لهم أن ينفروا بأجمعهم، ~~بل تنفر طائفة، وتبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم طائفة. { ليتفقهوا ~~في الدين } يعني الفرقة القاعدين. فاذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدهم ~~قرآن أو تجدد أمر، أعلموهم به وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس. # والثاني: أنه النفير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تنفر منهم ~~طائفة ليتفقه هؤلاء الذين ينفرون، ولينذروا قومهم المتخلفين، هذا قول ~~الحسن، وهو أشبه بظاهر الآية. فعلى القول الأول، يكون نفير هذه الطائفة ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خرج إلى غزاة أو مع سراياه. وعلى ~~القول الثاني، يكون نفير الطائفة إلى رسول الله لاقتباس العلم. ### || [9.123-126] # قوله تعالى: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } قد أمر بقتال الكفار ~~على العموم، وإنما يبتدأ بالأقرب فالأقرب. وفي المراد بمن يليهم خمسة ~~أقوال. # أحدها: أنهم الروم، قاله ابن عمر. والثاني: قريظة، والنضير، وخيبر، ~~وفدك، قاله ابن عباس. والثالث: الديلم، قاله الحسن. والرابع: العرب، قاله ~~ابن زيد. والخامس: أنه عام في قتال الأقرب فالأقرب، قاله قتادة. وقال ~~الزجاج: في هذه الآية دليل على أنه ينبغي أن يقاتل أهل كل ثغر الذين ~~يلونهم. قال: وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما تخطى في حربه ~~الذين يلونه من الأعداء ليكون ذلك أهيب له، فأمر بقتال من يليه ~~ليستن بذلك. وفي الغلظة ثلاث لغات: غلظة، بكسر الغين؛ وبها قرأ ~~الأكثرون. وغلظة، بفتح الغين، رواها جبلة عن عاصم. وغلظة بضم الغين، ~~رواها المفضل عن عاصم. ومثلها: جذوة وجذوة وجذوة، ووجنة ووجنة ~~ووجنة، ورغوة ورغوة ورغوة، وربوة وربوة وربوة، وقسوة وقسوة ~~وقسوة، وإلوة وألوة وألوة، في اليمين. وشاة لجبة ولجبة ولجبة: ~~قد ولى لبنها. قال ابن عباس في قوله «غلظة». شجاعة وقال مجاهد: شدة. # قوله تعالى: { فمنهم ms0859 من يقول أيكم زادته هذه إيمانا } هذا قول ~~المنافقين بعضهم لبعض استهزاء بقول الله تعالى. { فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا } لأنهم إذا صدقوا بها وعملوا بما فيها. زادتهم ~~إيمانا. { وهم يستبشرون } أي: يفرحون بنزولها. { وأما الذين في قلوبهم ~~مرض } أي: شك ونفاق. # وفي المراد بالرجس ثلاثة أقوال. # أحدها: الشك، قاله ابن عباس. # والثاني: الإثم، قاله مقاتل. # والثالث: الكفر، لأنهم كلما كفروا بسورة زاد كفرهم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { أولا يرون } يعني المنافقين. وقرأ حمزة: «أولا ترون» ~~بالتاء على الخطاب للمؤمنين. وفي معنى { يفتنون } ثمانية أقوال. # أحدها: يكذبون كذبة أو كذبتين يضلون بها، قاله حذيفة بن اليمان. # والثاني: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: يبتلون بالغزو في سبيل الله، قاله الحسن، وقتادة. # والرابع: يفتنون بالسنة والجوع، قاله مجاهد. # والخامس: بالأوجاع والأمراض، قاله عطية. # والسادس: ينقضون عهدهم مرة أو مرتين، قاله يمان. # والسابع: يكفرون، وذلك أنهم كانوا إذا أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بما تكلموا به إذ خلوا، علموا أنه نبي، ثم يأتيهم الشيطان فيقول: ~~إنما بلغه هذا عنكم، فيشركون، قاله مقاتل بن سليمان. # والثامن: يفضحون باظهار نفاقهم، قاله مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: { ثم لا يتوبون } أي: من نفاقهم. { ولا هم يذكرون } ~~أي: يعتبرون ويتعظون. ### || [9.127] # قوله تعالى: { وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض } قال ابن عباس: ~~كانت إذا أنزلت سورة فيها عيب المنافقين، وخطبهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعرض بهم في خطبته، شق ذلك عليهم، ونظر بعضهم إلى بعض يريدون ~~الهرب، يقولون: { هل يراكم من أحد } من المؤمنين إن قمتم؟ فان لم يرهم ~~أحد، خرجوا من المسجد. قال الزجاج: كأنهم يقولون ذلك إيماء لئلا يعلم ~~بهم أحد، { ثم انصرفوا } عن المكان، وجائز عن العمل بما يسمعون. وقال ~~الحسن: ثم انصرفوا على عزم التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء ~~به. # قوله تعالى: { صرف الله قلوبهم } قال ابن عباس: عن الإيمان. وقال ~~الزجاج: أضلهم مجازاة على فعلهم. ### || [9.128] # قوله ms0860 تعالى: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } قرأ الجمهور بضم الفاء. وقرأ ~~ابن عباس، وأبو العالية، والضحاك، وابن محيصن، ومحبوب عن أبي عمرو: ~~بفتحها وفي المضمونة أربعة أقوال. # أحدها: من جميع العرب، قاله ابن عباس؛ وقال: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ~~ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: ممن تعرفون، قاله قتادة. # والثالث: من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قاله جعفر الصادق. # الرابع: بشر مثلكم، فهو آكد للحجة، لأنكم تفقهون عمن هو مثلكم، قاله ~~الزجاج. وفي المفتوحة ثلاثة أقوال. # أحدها: أفضلكم خلقا. والثاني: أشرفكم نسبا. والثالث: أكثركم طاعة ~~لله عز وجل. # قوله تعالى: { عزيز عليه ما عنتم } فيه قولان. # أحدهما: شديد عليه ما شق عليكم، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال الزجاج: ~~شديد عليه عنتكم. والعنت: لقاء الشدة. # والثاني: شديد عليه ما آثمكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: { حريص عليكم } قال الحسن: حريص عليكم أن تؤمنوا. # قوله تعالى: { بالمؤمنين رؤوف رحيم } قال ابن عباس: سماه باسمين من ~~أسمائه. وقال أبو عبيدة: «رؤوف» فعول، من الرأفة، وهي أرق من الرحمة؛ ~~ويقال: «رؤف» وأنشد: # ترى للمؤمنين عليك حقا # كفعل الوالد الرؤف الرحيم # وقيل: رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين. ### || [9.129] # قوله تعالى: { فان تولوا } أي: أعرضوا عن الإيمان { فقل حسبي الله } ~~أي: يكفيني { رب العرش العظيم }. وقرأ ابن محيصن «العظيم» برفع الميم. ~~وإنما خص العرش بالذكر، لأنه الأعظم، فيدخل فيه الأصغر. قال أبي بن ~~كعب: آخر آية أنزلت: { لقد جاءكم رسول... } إلى آخر السورة. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # فأما قوله: { الر } قرأ ابن كثير: «الر» بفتح الراء. وقرأ أبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «الر» على الهجاء مكسورة. وقد ذكرنا في أول ~~سورة (البقرة) ما يشتمل على بيان هذا الجنس. وقد خصت هذه الكلمة بستة ~~أقوال. أحدها: أن معناها: أنا الله أرى، رواه الضحاك عن ابن عباس. ~~والثاني: أنا الله الرحمن، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: أنه بعض اسم ~~من أسماء الله. روى عكرمة عن ابن عباس ms0861 قال: «الر» و«حم » و«ن» حروف ~~الرحمن. والرابع: أنه قسم أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. والخامس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، وقتادة. والسادس: ~~أنه اسم للسورة، قاله ابن زيد. وفي قوله: { تلك } قولان: أحدهما: أنه ~~بمعنى «هذه»، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره أبو عبيدة. والثاني: ~~أنه على أصله. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإشارة إلى الكتب ~~المتقدمة من التوراة والإنجيل، قاله مجاهد، وقتادة؛ فيكون المعنى: هذه ~~الأقاصيص التي تسمعونها، تلك الآيات التي وصفت في التوراة والإنجيل. ~~والثاني: أن الإشارة إلى الآيات التي جرى ذكرها، من القرآن، قاله ~~الزجاج. والثالث: أن «تلك» إشارة إلى «الر» وأخواتها من حروف المعجم، ~~أي: تلك الحروف المفتتحة بها السور هي { آيات الكتاب } لأن الكتاب بها ~~يتلى، وألفاظه إليها ترجع، ذكره ابن الأنباري. قال أبو عبيدة: { الحكيم ~~} بمعنى المحكم المبين الموضح؛ والعرب قد تضع فعيلا في معنى ~~مفعل؛ قال الله تعالى: # ما لدي عتيد # [ق: 23] أي: معد. ### || [10.2-3] # قوله تعالى: { أكان للناس عجبا } سبب نزولها: أن الله تعالى لما بعث ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أنكرت الكفار ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن ~~يكون رسوله بشرا مثل محمد، فنزلت هذه الآية. والمراد بالناس هاهنا: أهل ~~مكة، والمراد بالرجل: محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى { منهم }: يعرفون ~~نسبه، قاله ابن عباس، فأما الألف فهي للتوبيخ والإنكار. قال ابن ~~الأنباري: والاحتجاج عليهم في كونهم عجبوا من إرسال محمد، محذوف هاهنا، ~~وهو مبين في قوله: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم # [الزخرف 32]، أي: فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة، فلا تنكروا تفضيل ~~الله من شاء بالنبوة؛ وإنما حذفه هاهنا اعتمادا على ما بينه في موضع ~~آخر. قال: وقيل: إنما عجبوا من ذكر البعث والنشور، لأن الإنذار ~~والتبشير يتصلان بهما، فكان جوابهم في مواضع كثيرة تدل على كون ذلك، مثل ~~قوله: # وهو أهون عليه # [الروم: 27]، وقوله: # يحييها الذي أنشأها أول مرة # [يس: 79]. # وفي المراد بقوله: { قدم صدق } سبعة أقوال: # أحدها: أنه الثواب الحسن ms0862 بما قدموا من أعمالهم، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وروى عنه أبو صالح قال: عمل صالح يقدمون عليه. # والثاني: أنه ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: سابقة صدق. # والثالث: شفيع صدق، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم يوم القيامة، ~~قاله الحسن. # والرابع: سلف صدق تقدموهم بالإيمان، قاله مجاهد، وقتادة. # والخامس: مقام صدق لا زوال عنه، قاله عطاء. # والسادس: أن قدم الصدق: المنزلة الرفيعة، قاله الزجاج. # والسابع: أن القدم هاهنا: مصيبة المسلمين بنبيهم صلى الله عليه وسلم ~~وما يلحقهم من ثواب الله عند أسفهم على فقده ومحبتهم لمشاهدته، ذكره ابن ~~الأنباري. # فإن قيل: لم آثر القدم هاهنا على اليد، والعرب تستعمل اليد في موضع ~~الإحسان؟ # فالجواب: أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم، لأن العادة جارية بتقدم الساعي ~~على قدميه، والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه ~~تأخر، قال ذو الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها # مع الحسب العادي طمت على البحر # فإن قيل: ما وجه إضافة القدم إلى الصدق؟ # فالجواب: أن ذلك مدح للقدم، وكل شيء أضفته إلى الصدق، فقد مدحته؛ ~~ومثله: # أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق # [الاسراء: 80]، وقوله: # في مقعد صدق # [القمر: 55]. وفي الكلام محذوف، تقديره: أوحينا إلى رجل منهم، فلما ~~أتاهم الوحي { قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } قرأ ابن كثير، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: «لساحر» بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«لسحر» بغير ألف. قال أبو علي: قد تقدم قوله: { أن أوحينا إلى رجل منهم ~~} فمن قال: ساحر، أراد الرجل؛ ومن قال: سحر، أراد الذي أوحي، سحر، أي: ~~الذي تقولون أنتم فيه: إنه وحي، سحر. # قال الزجاج: لما أنذرهم بالبعث والنشور، فقالوا: هذا سحر، أخبرهم أن ~~الذي خلق السموات والأرض قادر على بعثهم بقوله: { إن ربكم الله } وقد سبق ~~تفسيره في [الأعراف: 54]. # قوله تعالى: { يدبر الأمر } قال مجاهد: يقضيه. وقال غيره: يأمر به ~~ويمضيه. # قوله تعالى: { مامن شفيع إلا ms0863 من بعد إذنه } فيه قولان: # أحدهما: لا يشفع أحد إلا أن يأذن له، قاله ابن عباس. قال الزجاج: لم ~~يجر للشفيع ذكر قبل هذا، ولكن الذين خوطبوا كانوا يقولون: الأصنام ~~شفعاؤنا. # والثاني: أن المعنى: لا ثاني معه، مأخوذ من الشفع، لأنه لم يكن معه ~~أحد، ثم خلق الأشياء. فقوله: { إلا من بعد إذنه } أي: من بعد أمره أن ~~يكون الخلق فكان، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { فاعبدوه } قال مقاتل: وحدوه. وقال الزجاج: المعنى: ~~فاعبدوه وحده. وقوله: { تذكرون } معناه: تتعظون. ### || [10.4] # قوله تعالى: { إليه مرجعكم جميعا } أي: مصيركم يوم القيامة { وعد ~~الله حقا } قال الزجاج: «وعد الله» منصوب على معنى: وعدكم الله ~~وعدا، لأن قوله: { إليه مرجعكم } معناه: الوعد بالرجوع، و «حقا» منصوب ~~على: أحق ذلك حقا. # قوله تعالى: { إنه يبدأ الخلق } قرأه الأكثرون بكسر الألف. وقرأت ~~عائشة، وأبو رزين، وعكرمة، وأبو العالية، والأعمش: بفتحها. قال الزجاج: ~~من كسر، فعلى الاستئناف، ومن فتح، فالمعنى: إليه مرجعكم، لأنه يبدأ ~~الخلق. قال مقاتل: يبدأ الخلق ولم يكن شيئا، ثم يعيده بعد الموت. وأما ~~القسط، فهو العدل. # فإن قيل: كيف خص جزاء المؤمنين بالعدل، وهو في جزاء الكافرين عادل ~~أيضا؟ # فالجواب: أنه لو جمع الفريقين في القسط، لم يتبين في حال اجتماعهما ما ~~يقع بالكافرين من العذاب الأليم والشرب من الحميم، ففصلهم من المؤمنين ~~ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل أيضا، ذكره ابن الأنباري. فأما الحميم، ~~فهو الماء الحار. وقال أبو عبيدة: كل حار فهو حميم. ### || [10.5-10] # قوله تعالى: { هو الذي جعل الشمس ضياء } قرأ الأكثرون: «ضياء» بهمزة ~~واحدة. وقرأ ابن كثير: «ضئاء» بهمزتين في كل القرآن، أي: ذات ضياء. { ~~والقمر نورا } أي: ذات نور. { وقدره منازل } أي: قدر له، فحذف ~~الجار، والمعنى: هيأ ويسر له منازل. قال الزجاج: الهاء ترجع إلى ~~«القمر» لأنه المقدر لعلم السنين والحساب. وقد يجوز أن يعود إلى الشمس ~~والقمر، فحذف أحدهما اختصارا. وقال الفراء: إن شئت جعلت تقدير المنازل ~~للقمر خاصة، لأن به تعلم الشهور. وإن شئت جعلت ms0864 التقدير لهما، فاكتفي ~~بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة 62]. قال ابن قتيبة: منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا من أول ~~الشهر إلى ثماني وعشرين ليلة، ثم يستسر. وهذه المنازل، هي النجوم التي ~~كانت العرب تنسب إليها الأنواء، وأسماؤها عندهم: الشرطان، ~~والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، ~~والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، ~~والعواء، والسماك، والغفر، والزبانى، والإكليل، والقلب، ~~والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد ~~السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر، ~~والرشاء وهو الحوت. # قوله تعالى: { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } أي: للحق، من إظهار صنعه ~~وقدرته والدليل على وحدانيته. { يفصل الآيات } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وحفص عن عاصم: «يفصل» بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «نفصل الآيات» بالنون، والمعنى: ~~نبينها. { لقوم يعلمون } يستدلون بالأمارات على قدرته. # قوله تعالى: { لآيات لقوم يتقون } فيه قولان: أحدهما: يتقون الشرك. ~~والثاني: عقوبة الله. فيكون المعنى: إن الآيات لمن لم يحمله هواه على ~~خلاف ما وضح له من الحق. # قوله تعالى: { لا يرجون لقاءنا } قال ابن عباس: لا يخافون البعث. { ~~ورضوا بالحياة الدنيا } اختاروا ما فيها على الآخرة. { واطمأنوا بها } ~~آثروها. وقال غيره: ركنوا إليها، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة. { والذين هم ~~عن آياتنا غافلون } فيها قولان: # أحدهما: أنها آيات القرآن ومحمد، قاله ابن عباس. # والثاني: ما ذكره في أول السورة من صنعه، قاله مقاتل. فأما قوله: { ~~غافلون } فقال ابن عباس: مكذبون. وقال غيره: معرضون. قال ابن زيد: ~~وهؤلاء هم الكفار. # قوله تعالى: { بما كانوا يكسبون } قال مقاتل: من الكفر والتكذيب. # قوله تعالى: { يهديهم ربهم بأيمانهم } فيه أربعة أقوال: أحدها: يهديهم ~~إلى الجنة ثوابا بإيمانهم. والثاني: يجعل لهم نورا يمشون به بإيمانهم. ~~والثالث: يزيدهم هدى بإيمانهم. والرابع: يثيبهم بإيمانهم. فأما الهداية، ~~فقد سبقت لهم. # قوله تعالى: { تجري من تحتهم الأنهار } أي: تجري بين أيديهم وهم يرونها ~~من علو. # قوله تعالى: { دعواهم فيها } أي: دعاؤهم. وقد شرحنا ذلك في أول ~~[الأعراف: 5]. # وفي ms0865 المراد بهذا الدعاء قولان: # أحدهما: أنه استدعاؤهم ما يشتهون. # قال ابن عباس: كلما اشتهى أهل الجنة شيئا، قالوا: { سبحانك اللهم } ~~فيأتيهم ما يشتهون؛ فاذا طعموا، قالوا: { الحمد لله رب العالمين } فذلك ~~آخر دعواهم. وقال ابن جريج: إذا مر بهم الطير يشتهونه، قالوا: { ~~سبحانك اللهم } فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فيسلم عليهم، فيردون ~~عليه: فذلك قوله: { وتحيتهم فيها سلام }. فإذا أكلوا، حمدوا ربهم؛ فذلك ~~قوله: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين }. # والثاني: أنهم إذا أرادوا الرغبة إلى الله تعالى في دعاء يدعونه به، ~~قالوا: { سبحانك اللهم } ، قاله قتادة. # قوله تعالى: { وتحيتهم فيها سلام } فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تحية ~~بعضهم لبعض، وتحية الملائكة لهم، قاله ابن عباس. والثاني: أن الله ~~تعالى يحييهم بالسلام. والثالث: أن التحية: الملك، فالمعنى: ملكهم ~~فيها سالم، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: { وآخر دعواهم } أي: دعاؤهم وقولهم: { أن الحمد لله رب ~~العالمين } قرأ أبو مجلز، وعكرمة، ومجاهد، وابن يعمر، وقتادة، ويعقوب: ~~«أن الحمد لله» بتشديد النون ونصب الدال. قال الزجاج: أعلم الله أنهم ~~يبتدؤون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه. وقال ابن ~~كيسان: يفتتحون كلامهم بالتوحيد، ويختمونه بالتوحيد. ### || [10.11] # قوله تعالى: { ولو يعجل الله للناس الشر } ذكر بعضهم أنها نزلت ~~في النضر بن الحارث حيث قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 8]. والتعجيل: تقديم الشيء قبل وقته. وفي المراد بالآية ~~قولان: # أحدهما: ولو يعجل الله للناس الشر إذا دعوا على أنفسهم عند ~~الغضب وعلى أهليهم، واستعجلوا به، كما يعجل لهم الخير، لهلكوا، هذا قول ~~ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: ولو يعجل الله للكافرين العذاب على كفرهم كما عجل لهم خير ~~الدنيا من المال والولد، لعجل لهم قضاء آجالهم ليتعجلوا عذاب ~~الآخرة، حكاه الماوردي. ويقوي هذا تمام الآية وسبب نزولها. وقد قرأ ~~الجمهور: «لقضي إليهم» بضم القاف «أجلهم» بضم اللام. وقرأ ابن عامر: ~~«لقضى» بفتح القاف «أجلهم» بنصب اللام. وقد ذكرنا في أول [سورة ~~البقرة: 15] معنى الطغيان والعمه. ### || [10.12] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر ms0866 } اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين: أحدهما: أنها نزلت في أبي حذيفة، واسمه هاشم بن المغيرة بن عبد ~~الله المخزومي، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنها نزلت في عتبة بن ~~ربيعة، والوليد بن المغيرة، قاله عطاء. و «الضر» الجهد والشدة. واللام ~~في قوله: { لجنبه } بمعنى «على». وفي معنى الآية قولان: أحدهما: إذا مسه ~~الضر دعا على جنبه، أو دعا قاعدا، أو دعا قائما، قاله ابن عباس. ~~والثاني: إذا مسه الضر في هذه الأحوال، دعا، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { فلما كشفنا عنه ضره مر } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أعرض عن الدعاء، قاله مقاتل. والثاني: مر في العافية على ما ~~كان عليه قبل أن يبتلى، ولم يتعظ بما يناله، قاله الزجاج. والثالث: ~~مر طاغيا على ترك الشكر. # قوله تعالى: { كأن لم يدعنا } قال الزجاج: «كأن» هذه مخففة من ~~الثقيلة، المعنى: كأنه لم يدعنا، قالت الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يتقى # إذ الناس إذ ذاك من عز بزا # قوله تعالى: { كذلك زين للمسرفين } المعنى: كما زين لهذا الكافر ~~الدعاء عند البلاء، والإعراض عند الرخاء، كذلك زين للمسرفين، وهم ~~المجاوزون الحد في الكفر والمعصية، عملهم. ### || [10.13] # قوله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم } قال مقاتل: هذا تخويف ~~لكفار مكة. والظلم هاهنا بمعنى الشرك. وفي قوله: { وما كانوا ليؤمنوا } ~~قولان: أحدهما: أنه عائد على أهل مكة، قاله مقاتل. والثاني: على القرون ~~المتقدمة، قاله أبو سليمان. قال ابن الأنباري: ألزمهم الله ترك الإيمان ~~لمعاندتهم الحق وإيثارهم الباطل. وقال الزجاج: جائز أن يكون جعل جزاءهم ~~الطبع على قلوبهم، وجائز أن يكون أعلم ما قد علم منهم. # قوله تعالى: { كذلك نجزي } أي: نعاقب ونهلك { القوم المجرمين } يعني ~~المشركين من قومك. ### || [10.14] # قوله تعالى: { ثم جعلناكم خلائف } قال ابن عباس: جعلناكم يا أمة محمد ~~خلائف، أي: استخلفناكم في الأرض. وقال قتادة: ما جعلنا الله خلائف ~~إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار. ### || [10.15] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا } اختلفوا فيمن نزلت على قولين: ~~أحدهما: أنها ms0867 نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في مشركي مكة، قاله مجاهد، وقتادة. والمراد ~~بالآيات: القرآن. و «يرجون» بمعنى: يخافون. وفي علة طلبهم سوى هذا ~~القرآن أو تبديله قولان: أحدهما: أنهم أرادوا تغيير آية العذاب بالرحمة، ~~وآية الرحمة بالعذاب، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم كرهوا منه ذكر البعث ~~والنشور، لأنهم لا يؤمنون به، وكرهوا عيب آلهتهم، فطلبوا ما يخلوا من ~~ذلك، قاله الزجاج. والفرق بين تبديله والإتيان بغيره، أن تبديله لا يجوز ~~أن يكون معه، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه. # قوله تعالى: { ما يكون لي } حرك هذه الياء ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وأسكنها الباقون. { من تلقاء نفسي } حركها نافع، وأبو عمرو؛ ~~وأسكنها الباقون، والمعنى: من عند نفسي، فالمعنى: أن الذي أتيت به، من ~~عند الله، لا من عندي فأبدله. { إني أخاف } فتح هذه الياء ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو. { إن عصيت ربي } أي: في تبديله أو تغييره { عذاب ~~يوم عظيم } يعني في القيامة. # فصل # وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ما بينا في ~~نظيرتها في [الأنعام: 15]. ومقصود الآيتين تهديد المخالفين؛ وأضيف ذلك ~~إلى الرسول ليصعب الأمر فيه. ### || [10.16-17] # قوله تعالى: { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم } يعني القرآن؛ وذلك أنه ~~كان لا ينزله علي، فيأمرني بتلاوته عليكم. { ولا أدراكم به } أي: ولا ~~أعلمكم الله به. قرأ ابن كثير: «ولأدراكم» بلام التوكيد من غير ألف ~~بعدها، يجعلها لاما دخلت على «أدراكم». وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: «أدريكم» بالإمالة. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة، وشيبة ~~بن نصاح: «ولا أدرأتكم» بتاء بين الألف والكاف. { فقد لبثت فيكم ~~عمرا } وقرأ الحسن، والأعمش: «عمرا» بسكون الميم. قال أبو عبيدة: ~~وفي العمر ثلاث لغات: عمر، وعمر، وعمر. قال ابن عباس: أقمت فيكم ~~أربعين سنة لا أحدثكم بشيء من القرآن { أفلا تعقلون } أنه ليس من ~~قبلي. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يريد: إني لم أفتر ms0868 ~~على الله ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكا. ~~والمجرمون هاهنا: المشركون. ### || [10.18] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله مالا يضرهم } أي: لا يضرهم إن لم ~~يعبدوه، ولا ينفعهم إن عبدوه، قاله مقاتل، والزجاج. # قوله تعالى: { ويقولون } يعني المشركين. { هؤلاء } يعنون الأصنام. قال ~~أبو عبيدة: خرجت كنايتها على لفظ كناية الآدميين. وقد ذكرنا هذا المعنى ~~في [الأعراف: 191] عند قوله: { وهم يخلقون }. وفي قوله: { شفعاؤنا ~~عند الله } قولان: أحدهما: شفعاؤنا في الآخرة، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس، ومقاتل. والثاني: شفعاؤنا في إصلاح معايشنا في الدنيا، لأنهم لا ~~يقرون بالبعث، قاله الحسن. # قوله تعالى: { قل أتنبئون الله بمالا يعلم } قال الضحاك: أتخبرون الله ~~أن له شريكا، ولا يعلم الله لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض. ### || [10.19] # قوله تعالى: { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا } قد شرحنا هذا ~~في سورة [البقرة: 213] وأحسن الأقوال أنهم كانوا على دين واحد موحدين، ~~فاختلفوا وعبدوا الأصنام، فكان أول من بعث إليهم نوح عليه السلام. # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ولولا كلمة سبقت بتأخير هذه الأمة أنه لا يهلكهم بالعذاب كما ~~أهلك الذين من قبلهم، لقضي بينهم بنزول العذاب، فكان ذلك فصلا بينهم ~~فيما فيه يختلفون من الدين. # والثاني: أن الكلمة: أن لكل أمة أجلا، وللدنيا مدة لا يتقدم ذلك على ~~وقته. # والثالث: أن الكلمة: أنه لا يأخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه. # وفي قوله: { لقضي بينهم } قولان: أحدهما: لقضي بينهم بإقامة الساعة. ~~والثاني: بنزول العذاب على المكذبين. ### || [10.20] # قوله تعالى: { ويقولون } يعني المشركين { لولا } أي: هلا { أنزل عليه ~~آية من ربه } مثل العصا واليد وآيات الأنبياء. { فقل إنما الغيب لله } ~~فيه قولان. أحدهما: أن سؤالكم: لم لم تنزل الآية؟ غيب، ولا يعلم علة ~~امتناعها إلا الله. # والثاني: أن نزول الآية متى يكون؟ غيب، ولا يعلمه إلا الله. # قوله تعالى: { فانتظروا } فيه قولان: أحدهما: انتظروا نزول الآية. ~~والثاني: قضاء الله بيننا بإظهار المحق على ms0869 المبطل. ### || [10.21] # قوله تعالى: { وإذا أذقنا الناس رحمة } سبب نزولها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما دعا على أهل مكة بالجدب فقحطوا سبع سنين، أتاه أبو سفيان، ~~فقال: ادع لنا بالخصب، فإن أخصبنا صدقناك، فدعا لهم، فسقوا ولم ~~يؤمنوا، ذكره الماوردي. قال المفسرون: المراد بالناس هاهنا: الكفار. وفي ~~المراد بالرحمة والضراء ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الرحمة: العافية والسرور، والضراء: الفقر والبلاء، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: الرحمة: الإسلام، والضراء: الكفر، وهذا في حق المنافقين، قاله ~~الحسن. # والثالث: الرحمة: الخصب، والضراء: الجدب، قاله الضحاك. # وفي المراد بالمكر هاهنا أربعة أقوال: # أحدها: أنه الاستهزاء والتكذيب، قاله مجاهد، ومقاتل. # والثاني: أنه الجحود والرد، قاله أبو عبيدة. # والثالث: أنه إضافة النعم إلى غير الله، فيقولون: سقينا بنوء كذا، ~~قاله مقاتل بن حيان. # والرابع: أن المكر: النفاق، لأنه إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: { قل الله أسرع مكرا } أي: جزاء على المكر. { إن رسلنا ~~} يعني الحفظة { يكتبون ما تمكرون } أي: يحفظون ذلك لمجازاتكم عليه. وقرأ ~~يعقوب إلا رويسا وأبا حاتم، وأبان عن عاصم: «يمكرون» بالياء. ### || [10.22-23] # قوله تعالى: { هو الذي يسيركم } أي: الله الذي هو أسرع مكرا، هو الذي ~~يسيركم { في البر } على الدواب، وفي البحر على السفن، فلو شاء انتقم ~~منكم في البر أو في البحر. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: «ينشركم» بالنون ~~والشين من النشر، وهو في المعنى مثل قوله: # وبث منهما رجالا كثيرا # [النساء: 2]. والفلك: السفن. قال الفراء: الفلك تذكر وتؤنث، وتكون ~~واحدة وتكون جمعا، قال تعالى هاهنا: { جاءتها } فأنث، وقال في [يس: ~~41] # في الفلك المشحون # فذكر. # قوله تعالى: { وجرين بهم } عاد بعد المخاطبة لهم إلى الإخبار عنهم. ~~قال الزجاج: كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه جاز أن يرده إلى ~~الغائب، قال الشاعر: # شطت مزار العاشقين فأصبحت # عسرا علي طلابك ابنة مخرم # قوله تعالى: { بريح طيبة } أي: لينة. { وفرحوا بها } للينها. { ~~جاءتها } يعني الفلك. قال الفراء: وإن شئت جعلتها للريح، كأنك قلت: ~~جاءت الريح الطيبة ريح عاصف، والعرب تقول: ms0870 عاصف وعاصفة، وقد عصفت ~~الريح وأعصفت، والألف لغة لبني أسد. قال ابن عباس: الريح العاصف: ~~الشديدة. قال الزجاج: يقال: عصفت الريح، فهي عاصف وعاصفة، وأعصفت، فهي ~~معصف ومعصفة. { وجاءهم الموج من كل مكان } أي: من كل أمكنة الموج. # قوله تعالى: { وظنوا } فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى اليقين. والثاني: ~~أنه التوهم. وفي قوله: { أحيط بهم } قولان: # أحدهما: دنوا من الهلكة. قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن العدو إذا أحاط ~~ببلد، فقد دنا أهله من الهلكة. وقال الزجاج: يقال لكل من وقع في بلاء: قد ~~أحيط بفلان، أي: أحاط به البلاء. # والثاني: أحاطت بهم الملائكة، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: { دعوا الله مخلصين له الدين } دون أوثانهم. قال ابن ~~عباس: تركوا الشرك، وأخلصوا لله الربوبية، وقالوا: { لئن أنجيتنا من هذه ~~} الريح العاصف { لنكونن من الشاكرين } أي: الموحدين. # قوله تعالى: { يبغون في الأرض } البغي: الترامي في الفساد. قال الأصمعي: ~~يقال: بغى الجرح: إذا ترامى إلى فساد. قال ابن عباس: يبغون في الأرض ~~بالدعاء إلى عبادة غير الله والعمل بالمعاصي والفساد. # { يا أيها الناس } يعني أهل مكة. { إنما بغيكم على أنفسكم } أي: جناية ~~مظالمكم بينكم على أنفسكم. وقال الزجاج: عملكم بالظلم عليكم يرجع. # قوله تعالى: { متاع الحياة الدنيا } قرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد ~~الرحمن السلمي، والحسن، وحفص، وأبان عن عاصم: «متاع الحياة الدنيا» بنصب ~~المتاع. قال الزجاج: من رفع المتاع، فالمعنى أن ما تنالونه بهذا البغي ~~إنما تنتفعون به في الدنيا، ومن نصب المتاع، فعلى المصدر. فالمعنى: ~~تمتعون متاع الحياة الدنيا. وقرأ أبو المتوكل، واليزيدي في اختياره، ~~وهارون العتكي عن عاصم: «متاع الحياة» بكسر العين. قال ابن عباس: { متاع ~~الحياة الدنيا } أي: منفعة في الدنيا. ### || [10.24] # قوله تعالى: { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء } هذا ~~مثل ضربه الله للدنيا الفانية، فشببها بمطر نزل من السماء { فاختلط به ~~نبات الأرض } يعني التف النبات بالمطر، وكثر { مما يأكل الناس } من ~~الحبوب وغيرها { والأنعام } من المرعى. { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها } ~~قال ابن قتيبة: ms0871 زينتها بالنبات. وأصل الزخرف: الذهب، ثم يقال للنقش ~~والنور والزهر وكل شيء زين: زخرف. وقال الزجاج: الزخرف: كمال حسن ~~الشيء. # قوله تعالى: { وازينت } قرأه الجمهور «وازينت» بالتشديد. وقرأ سعد ~~ابن أبي وقاص، وأبو عبد الرحمن، والحسن، وابن يعمر: بفتح الهمزة وقطعها ~~ساكنة الزاي، على وزن: وأفعلت. قال الزجاج: من قرأ «وازينت» ~~بالتشديد، فالمعنى: وتزينت، فأدغمت التاء في الزاي، وأسكنت الزاي فاجتلبت ~~لها ألف الوصل؛ ومن قرأ «وأزينت» بالتخفيف على أفعلت، فالمعنى: جاءت ~~بالزينة. وقرأ أبي، وابن مسعود: «وتزينت» # قوله تعالى: { وظن أهلها } أي: أيقن أهل الأرض { أنهم قادرون عليها } ~~أي: على ما أنبتته، فأخبر عن الأرض، والمراد النبات، لأن المعنى مفهوم. { ~~أتاها أمرنا } أي: قضاؤنا بإهلاكها { فجعلناها حصيدا } أي: محصودا لا ~~شيء فيها. والحصيد: المقطوع المستأصل. { كأن لم تغن بالأمس } قال ~~الزجاج: لم تعمر. والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس بالنزول فيها. ~~يقال: غنينا بالمكان: إذا نزلوا به. وقرأ الحسن: «كأن لم يغن» ~~بالياء، يعني الحصيد. قال بعض المفسرين: تأويل الآية: أن الحياة في ~~الدنيا سبب لاجتماع المال وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب، حتى إذا استتم ~~ذلك عند صاحبه، وظن أنه ممتع بذلك، سلب عنه بموته، أو بحادثة تهلكه، ~~كما أن الماء سبب لالتفاف النبات وكثرته، فإذا تزينت به الأرض، وظن ~~الناس أنهم مستمتعون بذلك، أهلكه الله، فعاد ما كان فيها كأن لم يكن. ### || [10.25] # قوله تعالى: { والله يدعو إلى دار السلام } يعني الجنة. وقد ذكرنا معنى ~~تسميتها بذلك عند قوله: # لهم دار السلام عند ربهم # [الأنعام: 127]. واعلم أن الله عم بالدعوة، وخص بالهداية من شاء، ~~لأن الحكم له في خلقه. # وفي المراد بالصراط المستقيم أربعة أقوال: # أحدها: كتاب الله، رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: الإسلام، رواه النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # والثالث: الحق، قاله مجاهد، وقتادة. # والرابع: المخرج من الضلالات والشبه، قاله أبو العالية. # قوله تعالى: { للذين أحسنوا } قال ابن عباس: قالوا: لا إله إلا الله. ~~قال ابن الأنباري: الحسنى: كلمة ms0872 مستغنى عن وصفها ونعتها، لأن العرب ~~توقعها على الخلة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها، فكان الذي تعلمه ~~العرب من أمرها يغني عن نعتها، فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ~~ومتعرف من جهتها، يدل على هذا قول امرىء القيس: # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت # هصرت بغصن ذي شماريخ ميال # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا # ورضت فذلت صعبة أي إذلال # أي: إلى الأمر المحبوب. وهصرت بمعنى مددت. والغصن كناية عن المرأة. ~~والباء مؤكدة للكلام، كما تقول العرب: ألقى بيده إلى الهلاك، يريدون: ~~ألقى يده. والشماريخ كناية عن الذوائب. ورضت، معناه: أذللت. ومن أجل هذا ~~قال: أي إذلال، ولم يقل: أي رياضة. # وللمفسرين في المراد بالحسنى خمسة أقوال: # أحدها: أنها الجنة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ~~الأكثرون. # والثاني: أنها الواحدة من الحسنات بواحدة، قاله ابن عباس. # والثالث: النصرة، قاله عبد الرحمن بن سابط. # والرابع: الجزاء في الآخرة، قاله ابن زيد. والخامس: الأمنية، ذكره ابن ~~الأنباري. وفي الزيادة ستة أقوال: # أحدها: أنها النظر إلى الله عز وجل. روى مسلم في «صحيحه» من حديث صهيب ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل " # وبهذا القول قال أبو بكر الصديق، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، ~~وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والسدي، ومقاتل. # والثاني: أن الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، رواه الحكم ~~عن علي، ولا يصح. # والثالث: أن الزيادة: مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس، ~~والحسن. # والرابع: أن الزيادة: مغفرة ورضوان، قاله مجاهد. # والخامس: أن الزيادة: أن ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به في القيامة، ~~قاله ابن زيد. # والسادس: أن الزيادة: ما يشتهونه، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ولا يرهق } أي: لا يغشى { وجوههم قتر } وقرأ الحسن، ~~وقتادة، والأعمش: «قتر» باسكان التاء، وفيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه السواد. قال ابن عباس: سواد الوجوه من الكآبة. وقال الزجاج: ~~القتر: الغبرة التي معها سواد. # والثاني: أنه دخان جهنم، قاله ms0873 عطاء. # والثالث: الخزي، قاله مجاهد. # والرابع: الغبار، قاله أبو عبيدة. # وفي الذلة قولان: # أحدهما: الكآبة، قاله ابن عباس. # والثاني: الهوان، قاله أبو سليمان. ### || [10.26-27] # قوله تعالى: { والذين كسبوا السيئات } قال ابن عباس: عملوا الشرك. { ~~جزاء سيئة بمثلها } في الآية محذوف، وفي تقديره قولان: # أحدهما: أن فيها إضمار «لهم»، المعنى: لهم جزاء سيئة بمثلها، وأنشد ~~ثعلب: # فإن سأل الواشون عنه فقل لهم # وذاك عطاء للوشاة جزيل # ملم بليلى لمة ثم إنه # لهاجر ليلى بعدها فمطيل # أراد: هو ملم، وهذا قول الفراء. # والثاني: أن فيها إضمار «منهم» المعنى: جزاء سيئة منهم بمثلها، تقول ~~العرب: رأيت القوم صائم وقائم، أي: منهم صائم وقائم، أنشد الفراء: # حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس # وغودر البقل ملوي ومحصود # أي: منه ملوي، وهذا قول ابن الأنباري. وقال بعضهم: الباء زائدة هاهنا، و ~~«من» في قوله: { من عاصم } صلة، والعاصم: المانع. { كأنما أغشيت وجوههم } ~~أي: ألبست { قطعا } قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة: ~~«قطعا» مفتوحة الطاء، وهي جمع قطعة. وقرأ ابن كثير، والكسائي، ~~ويعقوب: «قطعا» بتسكين الطاء، قال ابن قتيبة: وهو اسم ما قطع. قال ~~ابن جرير: وإنما قال: «مظلما» ولم يقل: «مظلمة» لأن المعنى: قطعا من ~~الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام من «المظلم»، فلما صار نكرة، وهو من ~~نعت الليل، نصب على القطع؛ وقوم يسمون ما كان كذلك حالا، وقوم ~~قطعا. ### || [10.28-29] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا } قال ابن عباس: يجمع الكفار ~~وآلهتهم. { ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم } أي: آلهتكم. قال ~~الزجاج: «مكانكم» منصوب على الأمر، كأنهم قيل لهم: انتظروا مكانكم حتى ~~نفصل بينكم، والعرب تتوعد فتقول: مكانك، أي: انتظر مكانك، فهي كلمة جرت ~~على الوعيد. # قوله تعالى: { فزيلنا بينهم } وقرأ ابن أبي عبلة: «فزايلنا» بألف، قال ~~ابن عباس: فرقنا بينهم وبين آلهتهم. وقال ابن قتيبة: هو من زال يزول ~~وأزلته. وقال ابن جرير: إنما قال «فزيلنا» ولم يقل: «فزلنا» لإرادة ~~تكرير الفعل وتكثيره. # فإن قيل: «كيف تقع الفرقة بينهم وهم ms0874 معهم في النار، لقوله: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]؟ # فالجواب: أن الفرقة وقعت بتبري كل معبود ممن عبده، وهو قوله: { وقال ~~شركاؤهم } ، قال ابن عباس: آلهتهم، ينطق الله الأوثان، فتقول: { ~~ماكنتم إيانا تعبدون } أي: لا نعلم بعبادتكم لنا، لأنه ما كان فينا روح، ~~فيقول العابدون: بلى قد عبدناكم، فتقول الآلهة: { فكفى بالله شهيدا ~~بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين } لا نعلم بها. قال الزجاج: { ~~إن كنا } معناه: ما كنا إلا غافلين. # فإن قيل: ما وجه دخول الباء في قوله: { فكفى بالله شهيدا }؟ # فعنه جوابان. # أحدهما: أنها دخلت للمبالغة في المدح كما قالوا: أظرف بعبد الله، ~~وأنبل بعبد الرحمن، وناهيك بأخينا، وحسبك بصديقنا، هذا قول الفراء ~~وأصحابه. # والثاني: أنها دخلت توكيدا للكلام، إذ سقوطها ممكن، كما يقال: خذ ~~بالخطام، وخذ الخطام، قاله ابن الأنباري. ### || [10.30] # قوله تعالى: { هنالك تبلو } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: «تبلو» بالباء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وزيد عن يعقوب: ~~«تتلو» بالتاء. قال الزجاج: «هنالك» ظرف، والمعنى: في ذلك الوقت تبلو، ~~وهو منصوب بتبلو، إلا أنه غير متمكن، واللام زائدة، والأصل: هناك، ~~وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف، والكاف للمخاطبة. و«تبلو» تختبر، أي: ~~تعلم. ومن قرأ «تتلو» بتاءين، فقد فسرها الأخفش وغيره: تتلو من التلاوة، ~~أي: تقرأ. وفسروه أيضا: تتبع كل نفس ما أسلفت. ومثله قول الشاعر: # قد جعلت دلوي تستتليني # ولا أريد تبع القرين # أي: تستتبعني، أي: من ثقلها تستدعي اتباعي إياها. # قوله تعالى: { وردوا } أي: في الآخرة { إلى الله مولاهم الحق } الذي ~~يملك أمرهم حقا، لا من جعلوا معه من الشركاء. { وضل عنهم } أي: زال ~~وبطل { ما كانوا يفترون } من الآلهة. ### || [10.31] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السماء } المطر، ومن الأرض النبات، { ~~أم من يملك السمع } أي: خلق السمع والأبصار. وقد سبق معنى إخراج الحي ~~من الميت، والميت من الحي [آل عمران: 27]. # قوله تعالى: { ومن يدبر الأمر } أي: أمر الدنيا والآخرة { فسيقولون ~~الله } لأنهم خوطبوا بما لا ms0875 يقدر عليه إلا الله، فكان في ذلك دليل ~~توحيده. # وفي قوله: { أفلا تتقون } قولان: # أحدهما: أفلا تتعظون، قاله ابن عباس. # والثاني: تتقون الشرك، قاله مقاتل. ### || [10.32] # قوله تعالى: { فذلكم الله ربكم الحق } قال الخطابي: الحق هو المتحقق ~~وجوده، وكل شيء صح وجوده وكونه، فهو حق. # قوله تعالى: { فأنى تصرفون } قال ابن عباس: كيف تصرف عقولكم إلى ~~عبادة من لا يرزق ولا يحيى ولا يميت؟ ### || [10.33-35] # قوله تعالى: { كذلك حقت كلمة ربك } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: «كلمة ربك»، وفي آخر السورة كذلك. وقرأ نافع، وابن ~~عامر الحرفين «كلمات» على الجمع. # قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي: مثل أفعالهم جازاهم ربك، والمعنى: ~~حق عليهم أنهم لا يؤمنون، وقوله: { أنهم لا يؤمنون } بدل من { كلمة ربك ~~}. وجائز أن تكون الكلمة حقت عليهم لأنهم لا يؤمنون، وتكون الكلمة ما ~~وعدوا به من العقاب. # وذكر ابن الأنباري في { كذلك } قولين: # أحدهما: أنها إشارة إلى مصدر «تصرفون»، والمعنى: مثل ذلك الصرف حقت ~~كلمة ربك. # والثاني: أنه بمعنى هكذا. # وفي معنى «حقت» قولان: # أحدهما: وجبت. # والثاني: سبقت. # وفي كلمته قولان: # أحدهما: أنها بمعنى وعده. # والثاني: بمعنى قضائه. ومن قرأ «كلمات» جعل كل واحدة من الكلم التي ~~توعدوا بها كلمة. وقد شرحنا معنى الكلمة في [الأعراف: 137 و 158]. # قوله تعالى: { قل الله يهدي للحق } أي: إلى الحق. # قوله تعالى: { أم من لا يهدي } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش عن ~~نافع: «يهدي» بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال الزجاج: الأصل ~~يهتدي، فأدغمت التاء في الدال، فطرحت فتحتها على الهاء. وقرأ نافع إلا ~~ورشا، وأبو عمرو: «يهدي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال، ~~غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئا من الفتح. وقرأ حمزة، والكسائي: ~~«يهدي» بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال. قال أبو علي: والمعنى: لا ~~يهدي غيره إلا أن يهدى هو، ولو هدي الصم لم يهتد، ولكن لما ~~جعلوها كمن يعقل، أجريت مجراه. وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر عن ms0876 عاصم: ~~«يهدي» بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وكذلك روى أبان وجبلة عن ~~المفضل وعبد الوارث، قال الزجاج: أتبعوا الكسرة الكسرة، وهي رديئة لثقل ~~الكسرة في الياء. وروى حفص عن عاصم، والكسائي عن أبي بكر عنه: «يهدي» ~~بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، قال الزجاج: وهذه في الجودة ~~كالمفتوحة الهاء، إلا أن الهاء كسرت لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن ~~السميفع: «يهتدي» بزيادة تاء. والمراد بقوله: { أم من لا يهدي } الصم { ~~إلا أن يهدى }. وظاهر الكلام يدل على أن الأصنام إن هديت اهتدت، وليست ~~كذلك، لأنها حجارة لا تهتدي، إلا أنهم لما اتخذوها آلهة، عبر عنها كما ~~يعبر عمن يعقل، ووصفت صفة من يعقل وإن لم تكن في الحقيقة كذلك؛ ~~ولهذا المعنى قال في صفتها: { أمن } لأنهم جعلوها كمن يعقل. ولما ~~أعطاها حقها في أصل وضعها، قال: # يا أبت لم تعبد مالا يسمع # [مريم: 42]. وقال الفراء: { أمن لا يهدي } أي: أتعبدون مالا يقدر أن ~~ينتقل من مكانه إلا أن يحول؟ وقد صرف بعضهم الكلام إلى الرؤساء ~~والمضلين، والأول أصح. # قوله تعالى: { فما لكم } قال الزجاج: هو كلام تام، كأنه قيل لهم: أي ~~شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم قيل لهم: { كيف تحكمون } أي: على أي حال ~~تحكمون؟ وقال ابن عباس: كيف تقضون لأنفسكم؟ وقال مقاتل: كيف تقضون ~~بالجور؟ ### || [10.36] # قوله تعالى: { وما يتبع أكثرهم } أي: كلهم { إلا ظنا } أي: ما ~~يستيقنون أنها آلهة، بل يظنون شيئا فيتبعونه. { إن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا } أي: ليس هو كاليقين، ولا يقوم مقام الحق وقال مقاتل: ظنهم ~~بأنها آلهة لا يدفع عنهم من العذاب شيئا، وقال غيره: ظنهم أنها تشفع لهم ~~لا يغني عنهم. ### || [10.37] # قوله تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } قال الزجاج: ~~هذا جواب قولهم: # ائت بقرآن غير هذا أو بدله # [يونس: 15] وجواب قولهم: # افتراه # [الفرقان: 4]. قال الفراء: ومعنى الآية: ما ينبغي لمثل هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله، فجاءت «أن» على معنى ينبغي. وقال ابن الأنباري: يجوز ms0877 ~~أن تكون «أن» مع «يفترى» مصدرا، وتقديره: وما كان هذا القرآن افتراء. ~~ويجوز أن تكون «كان» تامة، فيكون المعنى: ما نزل هذا القرآن، وما ظهر هذا ~~القرآن لأن يفترى، وبأن يفترى، فتنصب «أن» بفقد الخافض في قول الفراء، ~~وتخفض بإضمار الخافض في قول الكسائي. وقال ابن قتيبة: معنى { أن يفترى } ~~أي: يضاف إلى غير الله، أو يختلق. # قوله تعالى: { ولكن تصديق الذي بين يديه } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تصديق الكتب المتقدمة، قاله ابن عباس. فعلى هذا، إنما قال: ~~{ الذي } لأنه يريد الوحي. # والثاني: ما بين يديه من البعث والنشور، ذكره الزجاج. # والثالث: تصديق النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين يدي القرآن، لأنهم ~~شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه قبل سماعهم القرآن، ذكره ابن ~~الأنباري: # قوله تعالى: { وتفصيل الكتاب } أي: وبيان الكتاب الذي كتبه الله على ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرائض التي فرضها عليهم. ### || [10.38] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } في «أم» قولان: أحدهما: أنها بمعنى ~~الواو، قاله أبو عبيدة. # والثاني: بمعنى بل، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { فأتوا بسورة مثله } قال الزجاج: المعنى: فأتوا بسورة ~~مثل سورة منه، فذكر المثل لأنه إنما التمس شبه الجنس، { وادعوا ~~من استطعتم } ممن هو في التكذيب مثلكم { إن كنتم صادقين } أنه ~~اختلقه. ### || [10.39] # قوله تعالى: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: بما لم يحيطوا بعلم ما فيه ذكر الجنة والنار ~~والبعث والجزاء. # والثاني: بما لم يحيطوا بعلم التكذيب به، لأنهم شاكون فيه. # وفي قوله: { ولما يأتهم تأويله } قولان: # أحدهما: تصديق ما وعدوا به من الوعيد. والتأويل: ما يؤول إليه الأمر. # والثاني: ولم يكن معهم علم تأويله، قاله الزجاج. # قيل لسفيان بن عيينة: يقول الناس: كل إنسان عدو ما جهل، فقال: هذا في ~~كتاب الله. قيل: أين؟ فقال: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه }. # وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن: من جهل شيئا عاداه؟ فقال: ~~نعم، في موضعين. قوله: { بل كذبوا بما لم يحيطوا ms0878 بعلمه } وقوله: # إذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم # [الأحقاف: 11]. ### || [10.40] # قوله تعالى: { ومنهم من يؤمن به } في المشار إليهم قولان: # أحدهما. أنهم اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: قريش، قاله مقاتل بن سليمان. # وفي هاء «به» قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، قاله مقاتل. # والثاني: إلى القرآن، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وهذه الآية تضمنت الإخبار عما سبق في علم الله، فالمعنى: ومنهم من ~~سيؤمن به. وقال الزجاج: منهم من يعلم أنه حق فيصدق به ويعاند فيظهر ~~الكفر. { ومنهم من لا يؤمن به } أي: يشك ولا يصدق. # قوله تعالى: { وربك أعلم بالمفسدين } قال عطاء: يريد المكذبين، وهذا ~~تهديد لهم. ### || [10.41] # قوله تعالى: { وإن كذبوك فقل لي عملي... } الآية. قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: نسختها آية السيف؛ وليس هذا بصحيح، لأنه لا تنافي بين الآيتين. ### || [10.42] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمعون إليك } اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: في يهود المدينة، كانوا يأتون رسول الله ويستمعون القرآن فيعجبون ~~ويشتهونه ويغلب عليهم الشقاء، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنها نزلت في المستهزئين، كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم للاستهزاء والتكذيب، فلم ينتفعوا، فنزلت فيهم هذه الآية، ~~والقولان مرويان عن ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في مشركي قريش؛ قاله مقاتل. قال الزجاج: ظاهرهم ظاهر ~~من يستمع، وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم. { ولو كانوا لا يعقلون } أي: ~~ولو كانوا مع ذلك جهالا. وقال ابن عباس: يريد أنهم شر من الصم، لأن ~~الصم لهم عقول وقلوب، وهؤلاء قد أصم الله قلوبهم. ### || [10.43] # قوله تعالى: { ومنهم من ينظر إليك } قال ابن عباس؛ يريد: متعجبين منك. { ~~أفأنت تهدي العمي } يريد أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون. وقال الزجاج: ~~ومنهم من يقبل عليك بالنظر، وهو من بغضه لك وكراهته لما يرى من آياتك ~~كالأعمى. وقال ابن جرير: ومنهم من يستمع قولك وينظر إلى حججك على ~~نبوتك، ولكن الله قد سلبه التوفيق. وقال مقاتل: و«لو» في الآيتين ~~بمعنى ms0879 «إذا». ### || [10.44] # قوله تعالى: { إن الله لا يظلم الناس شيئا } لما ذكر الذين سبق القضاء ~~عليهم بالشقاوة، أخبر أن تقدير ذلك عليهم ليس بظلم، لأنه يتصرف في ملكه ~~كيف شاء، وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم بذلك، لأن الفعل منسوب ~~إليهم، وإن كان بقضاء الله. # قوله تعالى: { ولكن الناس } قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «ولكن الناس» ~~بتخفيف النون وكسرها، ورفع الاسم بعدها. ### || [10.45] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم } وقرأ حمزة: «يحشرهم» بالياء. قال أبو ~~سليمان الدمشقي: هم المشركون. # قوله تعالى: { كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } فيه قولان: # أحدهما: كأن لم يلبثوا في قبورهم، قاله ابن عباس. # والثاني: في الدنيا، قاله مقاتل. قال الضحاك: قصر عندهم مقدار الوقت ~~الذي بين موتهم وبعثهم، فصار كالساعة من النهار، لهول ما استقبلوا من ~~القيامة. # قوله تعالى: { يتعارفون بينهم } قال ابن عباس: إذا بعثوا من القبور ~~تعارفوا، ثم تنقطع المعرفة. قال الزجاج: وفي معرفة بعضهم بعضا، وعلم ~~بعضهم بإضلال بعض، التوبيخ لهم، وإثبات الحجة عليهم. وقيل: إذا ~~تعارفوا وبخ بعضهم بعضا، فيقول هذا لهذا: أنت أضللتني، وكسبتني دخول ~~النار. # قوله تعالى: { قد خسر الذين كذبوا } هو من قول الله تعالى، لا من ~~قولهم، والمعنى: خسروا ثواب الجنة إذ كذبوا بالبعث { وما كانوا ~~مهتدين } من الضلالة. ### || [10.46-47] # قوله تعالى: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } قال المفسرون: كانت ~~وقعة بدر مما أراه الله في حياته من عذابهم. { أو نتوفينك } قبل أن ~~نريك { فإلينا مرجعهم } بعد الموت، والمعنى: إن لم ننتقم منهم عاجلا، ~~انتقمنا آجلا. # قوله تعالى: { ثم الله شهيد على ما يفعلون } من الكفر والتكذيب. قال ~~الفراء: «ثم» هاهنا عطف، ولو قيل: معناها: هناك الله شهيد، كان جائزا. ~~وقال غيره: «ثم» هاهنا بمعنى الواو. وقرأ ابن أبي عبلة: «ثم الله ~~شهيد» بفتح الثاء، يراد به: هنالك الله شهيد. # قوله تعالى: { فإذا جاء رسولهم قضي بينهم } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: إذا جاء في الدنيا بعد الإذن له في دعائهم، قضي بينهم بتعجيل ~~الانتقام منهم، قاله الحسن. وقال ms0880 غيره: إذا جاءهم في الدنيا، حكم عليهم ~~عند اتباعه وخلافه بالطاعة والمعصية. # والثاني: إذا جاء يوم القيامة، قاله مجاهد. وقال غيره: إذا جاء شاهدا ~~عليهم. # والثالث: إذا جاء في القيامة وقد كذبوه في الدنيا، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { قضي بينهم بالقسط } فيه قولان: # أحدهما: بين الأمة، فأثيب المحسن وعوقب المسيء. # والثاني: بينهم وبين نبيهم. ### || [10.48] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد } في القائلين هذا قولان: # أحدهما: الأمم المتقدمة، أخبر عنهم باستعجال العذاب لأنبيائهم، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنهم المشركون الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم، قاله ~~أبو سليمان. # وفي المراد بالوعد قولان: # أحدهما: العذاب، قاله ابن عباس. # والثاني: قيام الساعة. { إن كنتم صادقين } أنت وأتباعك. ### || [10.49-52] # قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي ضرا... } الآية، قد ذكرت تفسيرها في ~~آيتين من (الأعراف 34 و 188). # قوله تعالى: { إن أتاكم عذابه بياتا } قال الزجاج: البيات: كل ما كان ~~بليل. وقوله: { ماذا } في موضع رفع من جهتين. إحداهما: أن يكون «ذا» ~~بمعنى الذي، المعنى: ما الذي يستعجل منه المجرمون؟ ويجوز أن يكون «ماذا» ~~اسما واحدا، فيكون المعنى: أي شيء يستعجل منه المجرمون؟ والهاء في ~~«منه» تعود على العذاب. وجائز أن تعود على ذكر الله تعالى، فيكون المعنى: ~~أي شيء يستعجل المجرمون من الله تعالى؟ وعودها على العذاب أجود، لقوله: { ~~أثم إذا ما وقع آمنتم به }. وذكر بعض المفسرين أن المراد بالمجرمين: ~~المشركون، وكانوا يقولون: نكذب بالعذاب ونستعجله، ثم إذا وقع العذاب ~~آمنا به؛ فقال الله تعالى موبخا لهم: { أثم إذا ما وقع آمنتم به } ~~أي: هنالك تؤمنون فلا يقبل منكم الإيمان، ويقال لكم: الآن تؤمنون؟ ~~فأضمر: تؤمنون به مع { آلآن وقد كنتم به تستعجلون } مستهزئين، وهو قوله: ~~{ ثم قيل للذين ظلموا } أي: كفروا، عند نزول العذاب { ذوقوا عذاب الخلد } ~~، لأنه إذا نزل بهم العذاب، أفضوا منه إلى عذاب الآخرة الدائم. ### || [10.53] # قوله تعالى: { ويستنبؤنك } أي: ويستخبرونك. { أحق هو } يعنون البعث ~~والعذاب. { قل إي } المعنى: نعم { وربي } ، وفتح هذه الياء نافع، وأبو ~~عمرو. ms0881 وإنما أقسم مع إخباره تأكيدا. وقال ابن قتيبة: «إي» بمعنى «بل» ~~ولا تأتي إلا قبل اليمين صلة لها. # قوله تعالى: { وما أنتم بمعجزين } قال ابن عباس: بسابقين. وقال الزجاج: ~~لستم ممن يعجز أن يجازى على كفره. ### || [10.54-56] # قوله تعالى: { ولو أن لكل نفس ظلمت } قال ابن عباس: أشركت. { ما في ~~الأرض لافتدت به } عند نزول العذاب. { وأسروا الندامة } يعني: ~~الرؤساء أخفوها من الأتباع. { وقضي بينهم } أي: بين الفريقين. وقال ~~آخرون منهم أبو عبيدة والمفضل: «أسروا الندامة» بمعنى أظهروا، لأنه ليس ~~بيوم تصنع ولا تصبر، والإسرار من الأضداد؛ يقال: أسررت الشيء، ~~بمعنى: أخفيته. وأسررته: أظهرته، قال الفرزدق: # ولما رأى الحجاج جرد سيفه # أسر الحروري الذي كان أضمرا # يعني: أظهر. فعلى هذا القول: أظهروا الندامة عند إحراق النار لهم، لأن ~~النار ألهتهم عن التصنع والكتمان. وعلى الأول: كتموها قبل إحراق النار ~~إياهم. # قوله تعالى: { ألا إن وعد الله حق } قال ابن عباس: ما وعد أولياءه من ~~الثواب، وأعداءه من العقاب. { ولكن أكثرهم } يعني المشركين { لا يعلمون } ### || [10.57] # قوله تعالى: { يا أيها الناس } قال ابن عباس: يعني قريشا. { قد جاءتكم ~~موعظة } يعني القرآن. { وشفاء لما في الصدور } أي: دواء لداء الجهل. { ~~وهدى } أي: بيان من الضلالة. ### || [10.58] # قوله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته } فيه ثمانية أقوال: # أحدها: أن فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس، وبه قال قتادة، وهلال بن يساف. وروي عن الحسن، ومجاهد في بعض ~~الرواية عنهما، وهو اختيار ابن قتيبة. # والثاني: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلهم من أهل القرآن، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال أبو سعيد الخدري، والحسن في رواية. # والثالث: أن فضل الله: العلم، ورحمته: محمد صلى الله عليه وسلم، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: أن فضل الله: الإسلام، ورحمته: تزيينه في القلوب، قاله ابن ~~عمر. # والخامس: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: الإسلام، قاله الضحاك، وزيد بن ~~أسلم، وابنه، ومقاتل. # والسادس: أن فضل الله ورحمته: القرآن، رواه ابن أبي ms0882 نجيح عن مجاهد، ~~واختاره الزجاج. # والسابع: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: السنة، قاله خالد بن معدان. # والثامن: فضل الله، التوفيق، ورحمته: العصمة، قاله ابن عيينة. # قوله تعالى: { فبذلك فليفرحوا } وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، ~~وقتادة، وأبو العالية، ورويس عن يعقوب: «فلتفرحوا» بالتاء. وقرأ الحسن، ~~ومعاذ القارىء، وأبو المتوكل مثل ذلك، إلا أنهم كسروا اللام. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو عمران: «فبذلك فافرحوا». قال ابن عباس: بذلك الفضل والرحمة. ~~{ هو خير مما يجمعون } أي: مما يجمع الكفار من الأموال. وقرأ أبو جعفر، ~~وابن عامر، ورويس: «تجمعون» بالتاء. وحكى ابن الأنباري أن الباء في قوله: ~~{ بفضل الله } خبر لاسم مضمر، تأويله: هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله ~~ورحمته، فبذلك التطول من الله فليفرحوا. ### || [10.59] # قوله تعالى: { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق } قال المفسرون: هذا ~~خطاب لكفار قريش، كانوا يحرمون ما شاؤوا، ويحلون ما شاؤوا. و { أنزل ~~} بمعنى خلق. وقد شرحنا بعض مذاهبهم فيما كانوا يفعلون من البحيرة ~~والسائبة وغير ذلك في [المائدة: 103] و[الأنعام: 139]. # قوله تعالى: { قل آلله أذن لكم } أي: في هذا التحليل والتحريم. ### || [10.60] # قوله تعالى: { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب } في الكلام محذوف، ~~تقديره: ما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم، { إن الله لذو فضل ~~على الناس } حين لم يعجل عليهم بالعقوبة { ولكن أكثرهم لا يشكرون } ~~تأخير العذاب عنهم. ### || [10.61] # قوله تعالى: { وما تكون في شأن } أي: في عمل من الأعمال، وجمعه: شؤون. { ~~وما تتلو منه } في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى الشأن. قال الزجاج: معنى الآية: أي وقت تكون في ~~شأن من عبادة الله، وما تلوت من الشأن من قرآن. # والثاني: أنها تعود إلى الله تعالى، فالمعنى: وما تلوت من الله، أي: ~~من نازل منه من قرآن، ذكره جماعة من العلماء. والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأمته داخلون فيه، بدليل قوله: { ولا تعملون من عمل } قال ابن ~~الأنباري: جمع في هذا، ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين. # قوله ms0883 تعالى: { إذ تفيضون فيه } الهاء عائدة على العمل. قال ابن قتيبة: ~~تفيضون بمعنى تأخذون فيه. وقال الزجاج: تنتشرون فيه، يقال: أفاض القوم في ~~الحديث: إذا انتشروا فيه وخاضوا. { وما يعزب } معناه: وما يبعد. وقال ~~ابن قتيبة: ما يبعد ولا يغيب. وقرأ الكسائي «يعزب» بكسر الزاي هاهنا وفي ~~[سبأ: 3]. وقد بينا «مثقال ذرة» في سورة [النساء: 40]. # قوله تعالى: { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } قرأ الجمهور بفتح الراء ~~فيهما. وقرأ حمزة، وخلف، ويعقوب، برفع الراء فيهما. قال الزجاج: من قرأ ~~بالفتح، فالمعنى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة، ولا مثقال أصغر من ~~ذلك ولا أكبر، والموضع موضع خفض، إلا أنه فتح لأنه لا ينصرف. ومن رفع، ~~فالمعنى: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر. ويجوز رفعه على ~~الابتداء، فيكون المعنى: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، { إلا في كتاب مبين ~~} قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ. ### || [10.62-64] # قوله تعالى: { ألا إن أولياء الله } روى ابن عباس # " أن رجلا قال: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال «الذين إذا رؤوا ~~ذكر الله» " # وروى عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " «إن من عباد الله لأناسا ماهم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله عز وجل» قالوا: يا رسول الله، من ~~هم، وما أعمالهم لعلنا نحبهم؟ قال «هم قوم تحابوا بروح الله على غير ~~أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى ~~منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس»، ثم قرأ { ألا إن أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ". # قوله تعالى: { لهم البشرى في الحياة الدنيا } فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له، رواه عبادة ~~ابن الصامت، وأبو الدرداء، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # والثاني: أنها بشارة الملائكة لهم عند الموت، قاله الضحاك، وقتادة، ~~والزهري. # والثالث: أنها ما بشر ms0884 الله به في كتابه من جنته وثوابه، كقوله: # وبشر الذين آمنوا # [البقرة 25]، # وأبشروا بالجنة # [فصلت 30]، # يبشرهم ربهم # [التوبة 21]، وهذا قول الحسن، واختاره الفراء، والزجاج، واستدلا بقوله: ~~{ لا تبديل لكلمات الله }. قال ابن عباس: لا خلف لمواعيده، وذلك أن ~~مواعيده بكلماته، فإذا لم تبدل الكلمات، لم تبدل المواعيد. # فأما بشراهم في الآخرة، ففيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الجنة، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~واختارة ابن قتيبة. # والثاني: أنه عند خروج الروح تبشر برضوان الله، قاله ابن عباس. # والثالث: أنها عند الخروج من قبورهم، قاله مقاتل. ### || [10.65] # قوله تعالى: { ولا يحزنك قولهم } قال ابن عباس: تكذيبهم. وقال غيره: ~~تظاهرهم عليك بالعداوة وإنكارهم وأذاهم. وتم الكلام هاهنا. ثم ابتدأ ~~فقال: { إن العزة لله جميعا } أي: الغلبة له، فهو ناصرك وناصر ~~دينك، { هو السميع } لقولهم { العليم } بإضمارهم، فيجازيهم على ذلك. ### || [10.66] # قوله تعالى: { ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض } قال الزجاج: ~~«ألا» افتتاح كلام وتنبيه، أي: فالذي هم له، يفعل فيهم وبهم ما يشاء. # قوله تعالى: { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } أي: ما يتبعون ~~شركاء على الحقيقة، لأنهم يعدونها شركاء لله شفعاء لهم، وليست على ما ~~يظنون. { إن يتبعون إلا الظن } في ذلك { وإن هم إلا يخرصون } قال ابن ~~عباس: يكذبون. وقال ابن قتيبة: يحدسون ويحزرون. ### || [10.67] # قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } المعنى: إن ربكم ~~الذي يجب أن تعتقدوا ربوبيته، هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، فيزول ~~تعب النهار وكلاله بالسكون في الليل، وجعل النهار مبصرا، أي: مضيئا ~~تبصرون فيه. وإنما أضاف الإبصار إليه، لأنه قد فهم السامع المقصود، ~~إذ النهار لا يبصر، وإنما هو ظرف يفعل فيه غيره، كقوله: # عيشة راضية # [الحاقة: 21]، إنما هي مرضية، وهذا كما يقال: ليل نائم، قال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى # ونمت وما ليل المطي بنائم # قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } سماع اعتبار، فيعلمون أنه ~~لا يقدر ms0885 على ذلك إلا الإله القادر. ### || [10.68-70] # قوله تعالى: { قالوا اتخذ الله ولدا } قال ابن عباس: يعني أهل مكة، ~~جعلوا الملائكة بنات الله. # قوله تعالى: { سبحانه } تنزيه له عما قالوا. { هو الغني } عن الزوجة ~~والولد. { إن عندكم } أي: ما عندكم { من سلطان } أي: حجة بما تقولون. # قوله تعالى: { لا يفلحون } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يبقون في الدنيا. # والثاني: لا يسعدون في العاقبة. # والثالث: لا يفوزون. قال الزجاج: وهذا وقف التمام، وقوله { متاع في ~~الدنيا } مرفوع على معنى: ذلك متاع في الدنيا. ### || [10.71] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ نوح } فيه دليل على نبوته، حيث أخبر عن ~~قصص الأنبياء ولم يكن يقرأ الكتب، وتحريض على الصبر، وموعظة لقومه بذكر ~~قوم نوح وما حل بهم من العقوبة بالتكذيب. # قوله تعالى: { إن كان كبر } أي: عظم وشق { عليكم مقامي } أي: ~~طول مكثي. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء «مقامي» برفع الميم. ~~{ وتذكيري } وعظي. { فعلى الله توكلت } في نصرتي ودفع شركم عني. { ~~فأجمعوا أمركم } قرأ الجمهور: «فأجمعوا» بالهمز وكسر الميم، من «أجمعت». ~~وروى الأصمعي عن نافع: «فاجمعوا» بفتح الميم، من «جمعت». ومعنى «أجمعوا ~~أمركم»: أحكموا أمركم واعزموا عليه. قال المؤرج: «أجمعت الأمر» أفصح ~~من «أجمعت عليه»، وأنشد: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع # هل أغدون يوما وأمري مجمع # فأما رواية الأصمعي، فقال أبو علي: يجوز أن يكون معناها: اجمعوا ذوي ~~الأمر منكم، أي: رؤساءكم. ويجوز أن يكون جعل الأمر ما كانوا يجمعونه من ~~كيدهم الذي يكيدون به، فيكون كقوله: # فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا # [طه: 64]. # قوله تعالى: { وشركاءكم } قال الفراء وابن قتيبة: المعنى: وادعوا ~~شركاءكم. وقال الزجاج: الواو هاهنا بمعنى «مع»، فالمعنى: مع شركائكم. ~~تقول: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، أي: مع فصيلها وقرأ يعقوب ~~«وشركاؤكم» بالرفع. # قوله تعالى: { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } فيه قولان: # أحدهما: لا يكن أمركم مكتوما، قاله ابن عباس. # والثاني: غما عليكم، كما تقول: كرب وكربة، قاله ابن قتيبة. وذكر الزجاج ~~القولين. وفي قوله: { ثم اقضوا إلي } قولان: ms0886 # أحدهما: ثم أقضوا إلي ما في أنفسكم، قاله مجاهد. # والثاني: افعلوا ما تريدون، قاله الزجاج، وابن قتيبة. وقال ابن ~~الأنباري: معناه: اقضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به، كما تقول ~~العرب: قد قضى فلان، يريدون: مات ومضى. ### || [10.72-73] # قوله تعالى: { فإن توليتم } أي: أعرضتم عن الإيمان. { فما سألتكم من ~~أجر } أي: لم يكن دعائي إياكم طمعا في أموالكم. قوله تعالى: { إن ~~أجري } حرك هذه الياء ابن عامر، وأبو عمرو، ونافع، وحفص عن عاصم، ~~وأسكنها الباقون. # قوله تعالى: { وجعلناهم خلائف } أي: جعلنا الذين نجوا مع نوح خلفا ~~ممن هلك. ### || [10.74] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعده } أي: من بعد نوح { رسلا إلى قومهم } ~~قال ابن عباس: يريد إبراهيم وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا. { فجاؤوهم ~~بالبينات } أي: بان لهم أنهم رسل الله. { فما كانوا } أي: أولئك الأقوام ~~{ ليؤمنوا بما كذبوا } يعني الذين قبلهم. والمراد: أن المتأخرين ~~مضوا على سنن المتقدمين في التكذيب. وقال مقاتل: فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من العذاب من قبل نزوله. # قوله تعالى: { كذلك نطبع } أي: كما طبعنا على قلوب أولئك، { كذلك نطبع ~~على قلوب المعتدين } يعني المتجاوزين ما أمروا به. ### || [10.75] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم } يعني الرسل الذين أرسلوا بعد نوح. ### || [10.76-82] # قوله تعالى: { فلما جاءهم الحق من عندنا } وهو ما جاء به موسى من ~~الآيات. # قوله تعالى: { أسحر هذا } قال الزجاج: المعنى: أتقولون للحق لما جاءكم ~~هذا اللفظ، وهو قولهم: { إن هذا لسحر مبين }. ثم قررهم فقال: { أسحر ~~هذا }؟. قال ابن الأنباري: إنما أدخلوا الألف على جهة تفظيع الأمر، كما ~~يقول الرجل إذا نظر إلى الكسوة الفاخرة: أكسوة هذه؟ يريد بالاستفهام ~~تعظيمها، وتأتي الرجل جائزة، فيقول: أحق ما أرى؟ معظما لما ورد ~~عليه. وقال غيره: تقدير الكلام: أتقولون للحق لما جاءكم: هو سحر؟ أسحر ~~هذا؟ فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه، كقوله: # فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم # [الإسراء: 8] المعنى: بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم. # قوله تعالى: { أجئتنا لتلفتنا } قال ابن قتيبة: لتصرفنا. يقال: لفت ~~فلانا عن ms0887 كذا: إذا صرفته. ومنه الالتفات، وهو الانصراف عما كنت مقبلا ~~عليه. قوله تعالى: { وتكون لكما الكبرياء في الأرض } وروى أبان، وزيد عن ~~يعقوب { ويكون لكما } بالياء. وفي المراد بالكبرياء ثلاثة أقوال: أحدها: ~~الملك والشرف، قاله ابن عباس. # والثاني: الطاعة، قاله الضحاك. # والثالث: العلو، قاله ابن زيد. قال ابن عباس: والأرض هاهنا، أرض مصر. # قوله تعالى: { بكل ساحر } قرأ حمزة، والكسائي، وخلف «بكل سحار» بتشديد ~~الحاء وتأخير الألف. # قوله تعالى: { ما جئتم به السحر } قرأ الأكثرون «السحر» بغير مد، على ~~لفظ الخبر، والمعنى: الذي جئتم به من الحبال والعصي، هو السحر، وهذا ~~رد لقولهم للحق: هذا سحر، فتقديره: الذي جئتم به السحر، فدخلت الألف ~~واللام، لأن النكرة إذا عادت، عادت معرفة، كما تقول: رأيت رجلا، فقال ~~لي الرجل. وقرأ مجاهد، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وأبان عن عاصم، وأبو حاتم ~~عن يعقوب «آلسحر» بمد الألف، استفهاما. قال الزجاج: والمعنى: أي شيء ~~جئتم به؟ أسحر هو؟ على جهة التوبيخ لهم. وقال ابن الأنباري: هذا ~~الاستفهام معناه التعظيم للسحر، لا على سبيل الاستفهام عن الشيء الذي ~~يجهل، وذلك مثل قول الإنسان في الخطأ الذي يستعظمه من إنسان: أخطأ ~~هذا؟ أي: هو عظيم الشأن في الخطأ. والعرب تستفهم عما هو معلوم عندها، قال ~~امرؤ القيس: # أغرك مني أن حبك قاتلي # وأنك مهما تأمري القلب يفعل # وقال قيس بن ذريح: # أراجعة يالبن أيامنا الألى # بذي الطلح أم لا ما لهن رجوع # فاستفهم وهو يعلم أنهن لا يرجعن. # قوله تعالى: { إن الله سيبطله } أي: يهلكه، ويظهر فضيحتكم، { إن الله ~~لا يصلح عمل المفسدين } لا يجعل عملهم نافعا لهم. { ويحق الله الحق ~~} أي: يظهره ويمكنه، { بكلماته } بما سبق من وعده بذلك. ### || [10.83-92] # قوله تعالى: { فما آمن لموسى إلا ذرية } في المراد بالذرية هاهنا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد بالذرية: القليل، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى، مات آباؤهم لطول الزمان، ~~وآمنوا هم، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: هم الذين نشؤوا مع موسى حين كف ms0888 ~~فرعون عن ذبح الغلمان. قال ابن الأنباري: وإنما قيل لهؤلاء: «ذرية» ~~لأنهم أولاد الذين بعث إليهم موسى، وإن كانوا بالغين. # والثالث: أنهم قوم، أمهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط، قاله ~~مقاتل، واختاره الفراء. قال: وإنما سموا ذرية كما قيل لأولاد فارس: ~~الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. وفي هاء «قومه» قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى موسى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: إلى فرعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس فعلى القول الأول يكون ~~قوله: { على خوف من فرعون وملئهم } أي: وملأ فرعون. قال الفراء: وإنما ~~قال: «وملئهم» بالجمع، وفرعون واحد، لأن الملك إذا ذكر ذهب الوهم إليه ~~وإلى من معه، تقول: قدم الخليفة فكثر الناس، تريد: بمن معه. وقد يجوز أن ~~يريد بفرعون: آل فرعون، كقوله: # واسأل القرية # [يوسف: 82]. وعلى القول الثاني: يرجع ذكر الملأ إلى الذرية. قال ابن ~~جرير: وهذا أصح، لأنه كان في الذرية من أبوه قبطي وأمه إسرائيلية، ~~فهو مع فرعون على موسى. # قوله تعالى: { أن يفتنهم } يعني فرعون، ولم يقل: يفتنوهم، لأن قومه ~~كانوا على من كان عليه. وفي هذه الفتنة قولان: # أحدهما: أنها القتل، قاله ابن عباس. # والثاني: التعذيب، قاله ابن جرير. # قوله تعالى: { وإن فرعون لعال في الأرض } قال ابن عباس: متطاول في أرض ~~مصر { وإنه لمن المسرفين } حين كان عبدا فادعى الربوبية. # قوله تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا } لما شكا بنوا ~~إسرائيل إلى موسى ما يهددهم به فرعون من ذبح أولادهم، واستحياء ~~نسائهم، قال لهم هذا. # وفي قوله: { لا تجعلنا فتنة } ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تهلكنا بعذاب على أيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من قبلك، فيقول ~~قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم. # والثاني: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، والقولان مرويان عن مجاهد. # والثالث: لا تسلطهم علينا فيفتتنون بنا، لظنهم أنهم على حق، قاله أبو ~~الضحى، وأبو مجلز. # قوله تعالى: { أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا } قال المفسرون: لما أرسل ~~موسى، أمر فرعون بمساجد ms0889 بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من ~~الصلاة، وكانوا لا يصلون إلا في الكنائس؛ فأمروا أن يتخذوا مساجد في ~~بيوتهم ويصلون فيها خوفا من فرعون. و «تبوآ» معناه: اتخذا، وقد ~~شرحناه في [الأعراف: 74]. وفي المراد بمصر قولان: # أحدهما: أنه البلد المعروف بمصر، قاله الضحاك. # والثاني: أنه الاسكندرية، قاله مجاهد. وفي البيوت قولان: # أحدهما: أنها المساجد، قاله الضحاك، # والثاني: القصور، قاله مجاهد. وفي قوله: { واجعلوا بيوتكم قبلة } أربعة ~~أقوال: # أحدها: اجعلوها مساجد، رواه مجاهد، وعكرمة، والضحاك عن ابن عباس، وبه ~~قال النخعي، وابن زيد. وقد ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم، فقيل لهم: ~~اجعلوا بيوتكم قبلة بدلا من المساجد. # والثاني: اجعلوها قبل القبلة، رواه العوفي عن ابن عباس. وروى الضحاك ~~عن ابن عباس، قال: قبل مكة. وقال مجاهد: أمروا أن يجعلوها مستقبلة ~~الكعبة، وبه قال مقاتل، وقتادة، والفراء. # والثالث: اجعلوها يقابل بعضها بعضا، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه ~~قال سعيد بن جبير. # والرابع: واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة، فهي قبلة ~~اليهود إلى اليوم، قاله ابن بحر. # فإن قيل: البيوت جمع، فكيف قال «قبلة» على التوحيد؟ فقد أجاب عنه ابن ~~الأنباري، فقال: من قال: المراد بالقبلة الكعبة، قال: وحدت القبلة ~~لتوحيد الكعبة. قال: ويجوز أن يكون أراد: اجعلوا بيوتكم قبلا، فاكتفى ~~بالواحد عن الجمع، كما قال العباس بن مرداس: # فقلنا أسلموا إنا أخوكم # فقد برئت من الإحن الصدور # يريد: إنا إخوتكم. ويجوز أن يكون وحد «قبلة» لانه أجراها مجرى ~~المصدر، فيكون المعنى: واجعلوا بيوتكم إقبالا على الله، وقصدا لما ~~كنتم تستعملونه في المساجد. ويجوز أن يكون وحدها، والمعنى: واجعلوا ~~بيوتكم شيئا قبلة، ومكانا قبلة، ومحلة قبلة. # قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة } قال ابن عباس: أتموا الصلاة { وبشر ~~المؤمنين } أنت يا محمد. قال سعيد بن جبير: بشرهم بالنصر في الدنيا، ~~وبالجنة في الآخرة. # قوله تعالى: { ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا } قال ابن ~~عباس: كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب ~~وفضة وزبرجد ms0890 وياقوت. # قوله تعالى: { ليضلوا عن سبيلك } وفي لام «ليضلوا» أربعة أقوال: # أحدها: أنها لام «كي» والمعنى: آتيتهم ذلك كي يضلوا، وهذا قول الفراء. # والثاني: أنها لام العاقبة، والمعنى إنك آتيتهم ذلك فأصارهم إلى ~~الضلال، ومثله قوله: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] أي: آل أمرهم إلى أن صار لهم عدوا، لا أنهم قصدوا ذلك، ~~وهذا كما تقول للذي كسب مالا فأداه إلى الهلاك: إنما كسب فلان ~~لحتفه، وهو لم يكسب المال طلبا للحتف، وأنشدوا: # وللمنايا تربي كل مرضعة # وللخراب يجد الناس عمرانا # وقال آخر: # وللموت تغذو الوالدات سخالها # كما لخراب الدور تبنى المساكن # وقال آخر: # فإن يكن الموت أفناهم # فللموت ما تلد الوالده # أراد: عاقبة الأمر ومصيره إلى ذلك، هذا قول الزجاج. # والثالث: أنها لام الدعاء، والمعنى: ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك، ذكره ~~ابن الأنباري. # والرابع: أنها لام أجل، فالمعنى: آتيتهم لأجل ضلالتهم عقوبة منك لهم، ~~ومثله قوله: # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم # [التوبة: 95] أي: لأجل إعراضكم، حكاه بعض المفسرين. وقرأ أهل الكوفة ~~إلا المفضل، وزيد، وأبو حاتم عن يعقوب «ليضلوا» بضم الياء، أي ~~ليضلوا غيرهم. # قوله تعالى: { ربنا اطمس } روى الحلبي عن عبد الوارث: «اطمس» بضم ~~الميم، { على أموالهم } وفيه قولان: # أحدهما: أنها جعلت حجارة، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والضحاك، وأبو صالح، والفراء. وقال القرظي: جعل سكرهم حجارة. وقال ~~ابن زيد: صار ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكل شيء لهم حجارة. وقال مجاهد: مسخ ~~الله النخل والثمار والأطعمة حجارة، فكانت إحدى الآيات التسع. وقال ~~الزجاج: تطميس الشيء: إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى ~~التي كان عليها. # والثاني: أنها هلكت، فالمعنى: أهلك أموالهم، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ومنه يقال: طمست عينه، أي: ~~ذهبت، وطمس الطريق: إذا عفا ودرس. # وفي قوله: { واشدد على قلوبهم } أربعة أقوال: # أحدها: اطبع عليها، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مقاتل، والفراء، ~~والزجاج. # والثاني: أهلكهم كفارا، رواه أبو صالح عن ابن ms0891 عباس، وبه قال الضحاك. # والثالث: اشدد عليها بالضلالة، قاله مجاهد. # والرابع: أن معناه قس قلوبهم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { فلا يؤمنوا } فيه قولان: # أحدهما: أنه دعاء عليهم أيضا، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، قاله ~~الفراء، وأبو عبيدة، والزجاج. وقال ابن الأنباري: معناه: فلا آمنوا، قال ~~الأعشى: # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى # ولا تلقني إلا وأنفك راغم # معناه: لا أنبسط، ولا لقيتني. # والثاني: أنه عطف على قوله: { ليضلوا عن سبيلك } ، فالمعنى: أنك ~~آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا، حكاه الزجاج عن المبرد. # قوله تعالى: { حتى يروا العذاب الأليم } قال ابن عباس: هو الغرق، وكان ~~موسى يدعو، وهارون يؤمن، فقال الله تعالى: { قد أجيبت دعوتكما } ، ~~وكان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة. # فان قيل: كيف قال: { دعوتكما } وهما دعوتان؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دعوات وكلام يطول كما ~~بينا في [الأعراف: 158] أن الكلمة تقع على كلمات، قال الشاعر: # وكان دعا دعوة قومه # هلم إلى أمركم قد صرم # فأوقع «دعوة» على ألفاظ بينها آخر بيته. # والثاني: أن يكون المعنى: قد أجيبت دعواتكما، فاكتفى بالواحد من ذكر ~~الجميع، ذكر الجوابين ابن الأنباري. وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه ~~قرأ «دعواتكما» بالألف وفتح العين. # والثالث: أن موسى هو الذي دعا، فالدعوة له، غير أنه لما أمن هارون، ~~أشرك بينهما في الدعوة، لأن التأمين على الدعوة منها. # وفي قوله: { فاستقيما } أربعة أقوال: # أحدها: فاستقيما على الرسالة وما أمرتكما به، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: فاستقيما على دعاء فرعون وقومه إلى طاعة الله، قاله ابن جرير. # والثالث: فاستقيما في دعائكما على فرعون وقومه. # والرابع: فاستقيما على ديني، ذكرهما أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { ولا تتبعان } قرأ الأكثرون بتشديد تاء «تتبعان». ~~وقرأ ابن عامر بتخفيفها مع الاتفاق على تشديد نون «تتبعان»، إلا أن ~~النون الشديدة دخلت للنهي مؤكدة، وكسرت لسكونها وسكون النون التي ~~قبلها، واختير لها الكسر لأنها بعد الألف، فشبهت بنون الاثنين. قال أبو ~~علي: ومن خفض النون ms0892 أمكن أن يكون خفف النون الثقيلة، فإن شئت كان على لفظ ~~الخبر، والمعنى الأمر، كقوله: # يتربصن بأنفسهن # [البقرة: 228 و 234] و # لاتضار والدة # [البقرة: 233] أي: لا ينبغي ذلك، وإن شئت جعلته حالا من قوله: { ~~فاستقيما } تقديره: استقيما غير متبعين. وفي المراد بسبيل الذين لا ~~يعلمون قولان: # أحدهما: أنهم فرعون وقومه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الذين يستعجلون القضاء قبل مجيئه، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # فإن قيل: كيف جاز أن يدعو موسى على قومه؟ # فالجواب: أن بعضهم يقول: كان ذلك بوحي، وهو قول صحيح، لأنه لا يظن ~~بنبي أن يقدم على مثل ذلك إلا عن إذن من الله عز وجل، لأن دعاءه سبب ~~للانتقام. # قوله تعالى: { فأتبعهم فرعون وجنوده } قال أبو عبيدة: أتبعهم وتبعهم ~~سواء. وقال ابن قتيبة: أتبعهم: لحقهم. { بغيا وعدوا } أي: ظلما. ~~وقرأ الحسن { فاتبعهم } بالتشديد، وكذلك شددوا { وعدوا } مع ضم ~~العين. # قوله تعالى: { حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر «أنه» بفتح الألف، والمعنى: آمنت ~~بأنه، فلما حذف حرف الجر، وصل الفعل إلى «أن» فنصب. وقرأ حمزة ~~والكسائي «إنه» بكسر الألف، فحملوه على القول المضمر، كأنه قال: آمنت، ~~فقلت: إنه. قال ابن عباس: لم يقبل الله إيمانه عند رؤية العذاب. قال ~~ابن الأنباري: جنح فرعون إلى التوبة حين أغلق بابها لحضور الموت ~~ومعاينة الملائكة، فقيل له: { آلآن } أي: الآن تتوب وقد أضعت التوبة في ~~وقتها، وكنت من المفسدين بالدعاء إلى عبادة غير الله عز وجل؟ والمخاطب ~~له بهذا كان جبريل. وجاء في الحديث أن جبريل جعل يدس الطين في فم فرعون ~~خشية أن يغفر له. قال الضحاك ابن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم ~~في الشدة، إن يونس عليه السلام كان عبدا صالحا، وكان يذكر الله، فلما ~~وقع في بطن الحوت سأل الله، فقال الله: # فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143]، وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا لذكر الله تعالى، ~~فلما ms0893 أدركه الغرق قال: آمنت، فقال الله: { آلآن وقد عصيت قبل }. # قوله تعالى: { فاليوم ننجيك } وقرأ يعقوب «ننجيك» مخففة. قال ~~اللغويون، منهم يونس وأبو عبيدة، نلقيك على نجوة من الأرض، أي ارتفاع، ~~ليصير علما أنه قد غرق. وقرأ ابن السميفع «ننحيك» بحاء. وفي سبب ~~إخراجه من البحر بعد غرقه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن موسى وأصحابه لما خرجوا، قال من بقي من المدائن من قوم فرعون: ~~ما أغرق فرعون، ولكنه هو وأصحابه يتصيدون في جزائر البحر، فأوحى الله ~~إلى البحر أن الفظ فرعون عريانا، فكانت نجاة عبرة، وأوحى الله تعالى ~~إلى البحر: أن الفظ ما فيك، فلفظهم البحر بالساحل، ولم يكن يلفظ غريقا، ~~فصار لا يقبل غريقا إلى يوم القيامة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أن أصحاب موسى قالوا: إنا نخاف أن يكون فرعون ما غرق، ولا ~~نؤمن بهلاكه، فدعا موسى ربه، فأخرجه حتى أيقنوا بهلاكه، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس، وإلى نحوه ذهب قيس بن عباد، وعبد الله بن شداد، ~~والسدي، ومقاتل. وقال السدي: لما قال بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون، دعا ~~موسى، فخرج فرعون في ستمائة ألف وعشرين ألفا عليهم الحديد، فأخذته بنو ~~إسرائيل يمثلون به. وذكر غيره أنه إنما أخرج من البحر وحده دون ~~أصحابه. وقال ابن جريج: كذب بعض بني إسرائيل بغرقه، فرمى به البحر على ~~ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل قصيرا أحمر كأنه ثور. وقال أبو ~~سليمان: عرفه بنو إسرائيل بدرع كان له من لؤلؤ لم يكن لأحد مثلها. فأما ~~وجهه فقد غيره سخط الله تعالى. # والثالث: أنه كان يدعي أنه رب، وكان يعبده قوم، فبين الله تعالى ~~أمره، فأغرقه وأصحابه، ثم أخرجه من بينهم، قاله الزجاج. وفي قوله: { ~~ببدنك } أربعة أقوال: # أحدها: بجسدك من غير روح، قاله مجاهد. وذكر البدن دليل على عدم الروح. # والثاني: بدرعك، قاله أبو صخر. وقد ذكرنا أنه كانت له درع من لؤلؤ، ~~وقيل: من ذهب، فعرف بدرعه. # والثالث: نلقيك عريانا، قاله الزجاج. # والرابع: ننجيك وحدك، قاله ابن ms0894 قتيبة. # وفي قوله: { لتكون لمن خلفك آية } ثلاثة أقوال: # أحدها: لتكون لمن بعدك في النكال آية لئلا يقولوا مثل مقالتك، فإنك لو ~~كنت إلها ما غرقت، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: «خلفك» ~~بمعنى بعدك، والآية: العلامة. # والثاني: لتكون لبني إسرائيل آية، قاله السدي. # والثالث: لمن تخلف من قومه، لأنهم أنكروا غرقه على ما ذكرنا في أول ~~الآية، فخرج في معنى الآية قولان: # أحدهما: عبرة للناس. # والثاني: علامة تدل على غرقه. وقال الزجاج: الآية أنه كان يدعي أنه ~~رب، فبان أمره، وأخرج من بين أصحابه لما غرقوا. وقرأ ابن السميفع، وابو ~~المتوكل، وأبو الجوزاء { لمن خلقك } بالقاف. ### || [10.93-97] # قوله تعالى: { ولقد بوأنا بني إسرائيل } أي: أنزلناهم منزل صدق، أي ~~منزلا كريما. وفي المراد ببني إسرائيل قولان: # أحدهما: أصحاب موسى. # والثاني: قريظة والنضير. وفي المراد بالمنزل الذي أنزلوه خمسة أقوال. # أحدها: أنه الأردن، وفلسطين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الشام، وبيت المقدس، قاله الضحاك وقتادة. # والثالث: مصر، روي عن الضحاك أيضا. # والرابع: بيت المقدس، قاله مقاتل. # والخامس: ما بين المدينة والشام من أرض يثرب، ذكره علي بن أحمد ~~النيسابوري. والمراد بالطيبات: ما أحل لهم من الخيرات الطيبة. { فما ~~اختلفوا } يعني بني إسرائيل. قال ابن عباس: ما اختلفوا في محمد، لم ~~يزالوا به مصدقين، { حتى جاءهم العلم } يعني: القرآن، وروي عنه: حتى ~~جاءهم العلم، يعني محمدا. فعلى هذا يكون العلم هاهنا: عبارة عن المعلوم. ~~وبيان هذا أنه لما جاءهم، اختلفوا في تصديقه، وكفر به أكثرهم بغيا ~~وحسدا بعد أن كانوا مجتمعين على تصديقه قبل ظهوره. # قوله تعالى: { فإن كنت في شك } في تأويل هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره من الشاكين، ~~بدليل قوله في آخر السورة: # إن كنتم في شك من ديني # [يونس 105]، ومثله قوله # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان ~~عليما حكيما # [الأحزاب 2] ثم قال: # بما تعملون خبيرا # [الأحزاب 3] ولم يقل: بما ms0895 تعمل، وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المراد به. ثم في ~~المعنى قولان: # أحدهما: أنه خوطب بذلك وإن لم يكن في شك، لأنه من المستفيض في لغة العرب ~~أن يقول الرجل لولده: إن كنت ابني فبرني، ولعبده: إن كنت عبدي ~~فأطعني، وهذا اختيار الفراء. وقال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في شك، ولا سأل. # والثاني: أن تكون «إن» بمعنى «ما» فالمعنى: ما كنت في شك { فاسأل } ، ~~المعنى: لسنا نريد أن نأمرك أن تسأل لأنك شاك، ولكن لتزداد بصيرة، ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أن الخطاب للشاكين، فالمعنى: إن كنت أيها الإنسان في شك مما ~~أنزل إليك على لسان محمد، فسل، روي عن ابن قتيبة. # وفي الذي أنزل إليه قولان. # أحدهما: أنه أنزل إليه أنه رسول الله. # والثاني: أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. # قوله تعالى: { فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } وهم اليهود ~~والنصارى. وفي الذين أمر بسؤالهم منهم قولان: # أحدهما: من آمن، كعبد الله بن سلام، قاله ابن عباس، ومجاهد في آخرين. # والثاني: أهل الصدق منهم، قاله الضحاك، وهو يرجع إلى الأول، لأنه لا ~~يصدق إلا من آمن. # قوله تعالى: { لقد جاءك الحق من ربك } هذا كلام مستأنف. # قوله تعالى: { إن الذين حقت } أي: وجبت { عليهم كلمة ربك } أي: ~~قوله. وبماذا حقت الكلمة عليهم، فيه أربعة أقوال: # أحدها: باللعنة. # والثاني: بنزول العذاب. # والثالث: بالسخط. # والرابع: بالنقمة. # قوله تعالى: { ولو جاءتهم كل آية } قال الأخفش: إنما أنث فعل «كل» ~~لأنه أضافه إلى «آية» وهي مؤنثة. ### || [10.98] # قوله تعالى: { فلولا كانت قرية آمنت } أي: أهل قرية. وفي «لولا» قولان: # أحدهما: أنه بمعنى: لم تكن قرية آمنت { فنفعها إيمانها } أي: قبل ~~منها { إلا قوم يونس } ، قاله ابن عباس. وقال قتادة: لم يكن هذا لأمة ~~آمنت عند نزول العذاب، إلا لقوم يونس. # والثاني: أنها بمعنى: فهلا، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. قال ~~الزجاج: والمعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت نفعها إيمانها، إلا ms0896 قوم ~~يونس؟ و «إلا» هاهنا استثناء ليس من الأول، كأنه قال: لكن قوم يونس. ~~قال الفراء: نصب القوم على الانقطاع مما قبله، ألا ترى أن «ما» بعد ~~«إلا» في الجحد يتبع ما قبلها؟ تقول: ما قام أحد إلا أخوك، فإذا قلت: ~~ما فيها أحد إلا كلبا أو حمارا، نصبت، لانقطاعهم من الجنس، كذلك كان ~~قوم يونس منقطعين من غيرهم من أمم الأنبياء، ولو كان الاستثناء وقع على ~~طائفة منهم لكان رفعا. وذكر ابن الأنباري في قوله: «إلا» قولين آخرين: # أحدهما: أنها بمعنى الواو، والمعنى: وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا ~~وكذا، وهذا مروي عن أبي عبيدة، والفراء ينكره. # والثاني: أن الاستثناء من الآية التي قبل هذه، تقديره: حتى يروا العذاب ~~الأليم إلا قوم يونس، فالاستثناء على هذا متصل غير منقطع. # قوله تعالى: { كشفنا عنهم } أي صرفنا عنهم { عذاب الخزي } أي: عذاب ~~الهوان والذل { ومتعناهم إلى حين } أي: إلى حين آجالهم. # الإشارة إلى شرح قصتهم. # ذكر أهل العلم بالسير والتفسير أن قوم يونس كانوا ب «نينوى» من أرض ~~الموصل، فأرسل الله عز وجل إليهم يونس يدعوهم إلى الله ويأمرهم بترك ~~الأصنام، فأبوا، فأخبرهم أن العذاب مصبحهم بعد ثلاث، فلما تغشاهم ~~العذاب، قال ابن عباس، وأنس: لم يبق بين العذاب وبينهم إلا قدر ثلثي ~~ميل، وقال مقاتل: قدر ميل، وقال أبو صالح عن ابن عباس: وجدوا حر العذاب ~~على أكتافهم، وقال سعيد بن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، ~~وقال بعضهم: غامت السماء غيما أسود يظهر دخانا شديدا، فغشي مدينتهم، ~~واسودت سطوحهم، فلما أيقنوا بالهلاك لبسوا المسوح، وحثوا على رؤوسهم ~~الرماد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، وعجوا إلى ~~الله بالتوبة الصادقة، وقالوا آمنا: بما جاء به يونس، فاستجاب الله منهم. ~~قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم بينهم، حتى ان كان ~~الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقلعه، فيرده. وقال أبو ~~الجلد: لما غشيهم العذاب، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا: ms0897 ما ~~ترى؟ قال: قولوا: يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي لا ~~إله إلا أنت، فقالوها: فكشف العذاب عنهم. # قال مقاتل: عجوا إلى الله أربعين ليلة، فكشف العذاب عنهم. وكانت ~~التوبة عليهم في يوم عاشوراء يوم الجمعة. قال: وكان يونس قد خرج من بين ~~أظهرهم، فقيل له: ارجع إليهم، فقال: كيف أرجع إليهم فيجدوني كاذبا؟ ~~وكان من يكذب بينهم ولا بينة له يقتل، فانصرف مغاضبا، فالتقمه ~~الحوت. وقال أبو صالح عن ابن عباس: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني ~~إسرائيل يقال له: شعيا، فقيل له: ائت فلانا الملك، فقل له يبعث إلى ~~بني إسرائيل نبيا قويا أمينا، وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال ~~الملك ليونس: اذهب إليهم، فقال: ابعث غيري، فعزم عليه أن يذهب، فأتى بحر ~~الروم، فركب سفينة، فالتقمه الحوت، فلما خرج من بطنها أمر أن ينطلق إلى ~~قومه، فانطلق نذيرا لهم، فأبوا عليه، فوعدهم بالعذاب، وخرج، فلما ~~تابوا رفع عنهم. والقول الأول أثبت عند العلماء، وأنه إنما التقمه ~~الحوت بعد إنذاره لهم وتوبتهم. وسيأتي شرح قصته في التقام الحوت إياه ~~في مكانه إن شاء الله تعالى [الصافات: 143]. # فإن قيل: كيف كشف العذاب عن قوم يونس بعد إتيانه إليهم، ولم يكشف ~~عن فرعون حين آمن؟ # فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن ذلك كان خاصا لهم كما ذكرنا في أول الآية. # والثاني: أن فرعون باشره العذاب، وهؤلاء دنا منهم ولم يباشرهم، فكانوا ~~كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية، فأما الذي يعاين، فلا توبة، له ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أن الله تعالى علم منهم صدق النيات، بخلاف من تقدمهم من ~~الهالكين، ذكره ابن الأنباري. ### || [10.99] # قوله تعالى: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض } قال ابن عباس: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس، فأخبره الله ~~تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة. قال الأخفش: جاء بقوله: ~~«جميعا» مع «كل» تأكيدا كقوله: # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين # [النحل: 51] # قوله تعالى: ms0898 { أفأنت تكره الناس } قال المفسرون، منهم مقاتل: هذا منسوخ ~~بآية السيف، والصحيح أنه ليس هاهنا نسخ، لأن الإكراه على الإيمان لا ~~يصح، لأنه عمل القلب. ### || [10.100] # قوله تعالى: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } فيه ستة أقوال. # أحدها: بقضاء الله وقدره. # والثاني: بأمر الله، رويا عن ابن عباس. # والثالث: بمشيئة الله، قاله عطاء. # والرابع: إلا أن يأذن الله في ذلك، قاله مقاتل. # والخامس: بعلم الله. # والسادس: بتوفيق الله، ذكرهما الزجاج، وابن الأنباري. # قوله تعالى: { ويجعل الرجس } أي: ويجعل الله الرجس. وروى أبو بكر عن ~~عاصم «ونجعل الرجس» بالنون. وفيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه السخط، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: الإثم والعدوان، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه مالا خير فيه، قاله مجاهد. # والرابع: العذاب، قاله الحسن، وأبو عبيدة، والزجاج. # والخامس: العذاب والغضب، قاله الفراء. # قوله تعالى: { على الذين لا يعقلون } أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه. ~~وقيل: لا يعقلون حججه ودلائل توحيده. ### || [10.101] # قوله تعالى: { قل انظروا ماذا في السموات والأرض } قال المفسرون: قل ~~للمشركين الذي يسألونك الآيات على توحيد الله انظروا بالتفكر والاعتبار ~~ماذا في السموات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته ونفاذ ~~قدرته كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل هذا يقتضي خالقا ~~مدبرا. { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } في علم الله. ### || [10.102-103] # قوله تعالى: { فهل ينتظرون } قال ابن عباس: يعني كفار قريش. { إلا مثل ~~ايام الذين خلوا من قبلهم } قال ابن الأنباري: أي: مثل وقائع الله بمن ~~سلف قبلهم، والعرب تكني بالأيام عن الشرور والحروب، وقد تقصد بها أيام ~~السرور والأفراح إذا قام دليل بذلك. # قوله تعالى: { قل فانتظروا } هلاكي { إني معكم من المنتظرين } لنزول ~~العذاب بكم. { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا } من العذاب إذا نزل، ~~فلم يهلك قوم قط إلا نجا نبيهم والذين آمنوا معه. # قوله تعالى: { كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين } وقرأ يعقوب، وحفص، ~~والكسائي في قراءته وروايته عن أبي بكر: «ننج المؤمنين» ms0899 بالتخفيف. ثم في ~~هذا الإنجاء قولان: # أحدهما: ننجيهم من العذاب إذا نزل بالمكذبين، قاله الربيع بن أنس. # والثاني: ننجيهم في الآخرة من النار، قاله مقاتل. ### || [10.104-106] # قوله تعالى: { قل يا أيها الناس } قال ابن عباس: يعني أهل مكة { إن ~~كنتم في شك من ديني } الإسلام { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } ~~وهي الأصنام { ولكن أعبد الله الذي } يقدر أن يميتكم. وقال ابن جرير: ~~معنى الآية: لا ينبغي لكم أن تشكوا في ديني، لأني أعبد الله الذي يميت ~~وينفع ويضر، ولا تستنكر عبادة من يفعل هذا، وإنما ينبغي لكم أن ~~تشكوا وتنكروا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا ~~تنفع. # فإن قيل: لم قال: { الذي يتوفاكم } ولم يقل: «الذي خلقكم»؟ # فالجواب: أن هذا يتضمن تهديدهم، لأن ميعاد عذابهم الوفاة. # قوله تعالى: { وأن أقم وجهك } المعنى: وأمرت أن أقم وجهك، وفيه قولان. # أحدهما: أخلص عملك. # والثاني: استقم باقبالك على ما أمرت به بوجهك. # وفي المراد بالحنيف ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه المتبع، قاله مجاهد. # والثاني: المخلص، قاله عطاء. # والثالث: المستقيم، قاله القرظي. # قوله تعالى: { ولا تدع من دون الله مالا ينفعك } إن دعوته { ولا يضرك } ~~إن تركت عبادته. و«الظالم» الذي يضع الشيء في غير موضعه. ### || [10.107-109] # قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } أي: بشدة وبلاء { فلا كاشف } لذلك ~~{ إلا هو } دون ما يعبده المشركون من الأصنام. وإن يصبك بخير، أي: ~~برخاء ونعمة وعافية، فلا يقدر أحد أن يمنعك إياه. { يصيب به } أي: بكل ~~واحد من الضر والخير. # قوله تعالى: { قد جاءكم الحق من ربكم } فيه قولان: # أحدهما: أنه القرآن. # والثاني: محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ومن ضل فإنما يضل عليها } أي: فإنما يكون وبال ~~ضلاله على نفسه. # قوله تعالى: { وما أنا عليكم بوكيل } أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، ~~والمعنى: لست بحفيظ عليكم من الهلاك كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك. ~~قال ابن عباس: وهذه منسوخة بآية القتال، والتي بعدها أيضا، وهي قوله: { ~~واصبر حتى يحكم الله ms0900 } لأن الله تعالى حكم بقتل المشركين، والجزية على ~~أهل الكتاب، والصحيح: أنه ليس هاهنا نسخ. أما الآية الأولى، فقد ذكرنا ~~الكلام عليها في نظيرتها في [الأنعام: 107]. وأما الثانية، فقد ذكرنا ~~نظيرتها في سورة [البقرة: 109] قوله: # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # فأما { آلر } فقد ذكرنا تفسيرها في سورة (يونس) # قال الفراء: و { كتاب } مرفوع بالهجاء الذي قبله، كأنك قلت: حروف الهجاء ~~هذا القرآن، وإن شئت رفعته باضمار «هذا كتاب»، والكتاب: القرآن. # وفي قوله: { أحكمت آياته } أربعة أقوال: # أحدها: أحكمت فما تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع، قاله ابن ~~عباس، واختاره ابن قتيبة. # والثاني: أحكمت بالأمر والنهي، قاله الحسن، وأبو العالية. # والثالث: أحكمت عن الباطل، أي: منعت، قاله قتادة، ومقاتل. # والرابع: أحكمت بمعنى جمعت، قاله ابن زيد. # فإن قيل: كيف عم الآيات هاهنا بالإحكام، وخص بعضها في قوله: # منه آيات محكمات # [آل عمران: 8]؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن الإحكام الذي عم به هاهنا، غير الذي خص به هناك. # وفي معنى الإحكام العام خمسة أقوال، قد أسلفنا منها أربعة في قوله: { ~~أحكمت آياته }. # والخامس: أنه إعجاز النظم والبلاغة وتضمين الحكم المعجزة. # ومعنى الإحكام الخاص: زوال اللبس، واستواء السامعين في معرفة معنى ~~الآية. # والجواب الثاني: أن الإحكام في الموضعين بمعنى واحد. والمراد بقوله: { ~~أحكمت آياته }: أحكم بعضها بالبيان الواضح ومنع الالتباس، فأوقع ~~العموم على معنى الخصوص، كما تقول العرب: قد أكلت طعام زيد، يعنون: ~~بعض طعامه، ويقولون: قتلنا ورب الكعبة، يعنون: قتل بعضنا، ذكر ذلك ~~ابن الأنباري. # وفي قوله: { ثم فصلت } ستة أقوال: # أحدها: فصلت بالحلال والحرام، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: فصلت بالثواب والعقاب، رواه جسر بن فرقد عن الحسن. # والثالث: فصلت بالوعد والوعيد، رواه أبو بكر الهذلي عن الحسن أيضا. # والرابع: فصلت بمعنى فسرت، قاله مجاهد. # والخامس: أنزلت شيئا بعد شيء، ولم تنزل جملة، ذكره ابن قتيبة. # والسادس: فصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على التوحيد، وتثبيت ~~نبوة الأنبياء، وإقامة الشرائع، قاله الزجاج. # قوله تعالى: ms0901 { من لدن حكيم } أي: من عنده. ### || [11.2-4] # قوله تعالى: { ألا تعبدوا إلا الله } قال الفراء. المعنى: فصلت ~~آياته بأن لا تعبدوا إلا الله { وأن استغفروا }. و«أن» في موضع النصب ~~بالقائك الخافض. # وقال الزجاج: المعنى: آمركم أن لا تعبدوا [إلا الله] وأن استغفروا. # قال مقاتل: والمراد بهذه العبادة: التوحيد. والخطاب لكفار مكة. # قوله تعالى: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } فيه قولان: # أحدهما: أن الاستغفار والتوبة هاهنا من الشرك، قاله مقاتل. # والثاني: استغفروه من الذنوب السالفة، ثم توبوا إليه من المستأنفة متى ~~وقعت. وذكر عن الفراء أنه قال: «ثم» هاهنا بمعنى الواو. # قوله تعالى: { يمتعكم متاعا حسنا } قال ابن عباس: يتفضل عليكم بالرزق ~~والسعة. وقال ابن قتيبة: يعمركم. وأصل الإمتاع: الإطالة، يقال: ~~أمتع الله بك، ومتع الله بك، إمتاعا ومتاعا، والشيء الطويل: ماتع، ~~يقال: جبل ماتع، وقد متع النهار: إذا تطاول. # وفي المراد بالأجل المسمى قولان. # أحدهما: أنه الموت، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. # والثاني: أنه يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: { ويؤت كل ذي فضل فضله } في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. ثم في معنى الكلام قولان. # أحدهما: ويؤت كل ذي فضل من حسنة وخير فضله، وهو الجنة. # والثاني: يؤتيه فضله من الهداية إلى العمل الصالح. # والثاني: أنها ترجع إلى العبد، فيكون المعنى: ويؤت كل من زاد في ~~إحسانه وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده، فيفضله في الدنيا بالمنزلة ~~الرفيعة، وفي الآخرة بالثواب الجزيل. # قوله تعالى: { وإن تولوا } أي: تعرضوا عما أمرتم به. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي، وأبو مجلز، وأبو رجاء: «وإن تولوا» بضم التاء. { ~~فإني أخاف عليكم } فيه إضمار «فقل». واليوم الكبير: يوم القيامة. ### || [11.5] # قوله تعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم } في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يجالس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويحلف إنه ليحبه، ويضمر خلاف ما يظهر له، فنزلت فيه هذه ~~الآية، رواه أبو صالح عن ms0902 ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في ناس كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في ~~الخلاء ومجامعة النساء، فنزلت فيهم هذه الآية رواه محمد بن عباد عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنها نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه لئلا يراه رسول ~~الله، قاله عبد الله بن شداد. # والرابع: أن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ~~ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، كيف يعلم بنا؟ فأخبر الله عما كتموا، ذكر زجاج. # والخامس: أنها نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا سمعوا منه القرآن حنوا صدورهم، ونكسوا رؤوسهم، وتغشوا ثيابهم ~~ليبعد عنهم صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل أسماعهم شيء من ~~القرآن، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { يثنون صدورهم } يقال: ثنيت الشيء: إذا عطفته وطويته. وفي ~~معنى الكلام خمسة أقوال: # أحدها: يكتمون ما فيها من العداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: يثنون صدورهم على الكفر، قاله مجاهد. # والثالث: يحنونها لئلا يسمعوا كتاب الله، قاله قتادة. # والرابع: يثنونها إذا ناجى بعضهم بعضا في أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قاله ابن زيد. # والخامس: يثنونها حياء من الله تعالى، وهو يخرج على ما حكينا عن ابن ~~عباس. قال ابن الأنباري: وكان ابن عباس يقرؤها «ألا إنهم تثنوني ~~صدورهم» وفسرها أن ناسا كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في الخلاء ~~ومجامعة النساء. فتثنوني: تفعوعل، وهو فعل للصدور، معناه: ~~المبالغة في تثني الصدور، كما تقول العرب: احلولى الشيء، يحلولي: إذا ~~بالغوا في وصفه بالحلاوة، قال عنترة: # ألا قاتل الله الطلول البواليا # وقاتل ذكراك السنين الخواليا # وقولك للشيء الذي لا تناله # إذا ما هو احلولى ألا ليت ذا ليا # فعلى هذا القول، هو في حق المؤمنين، وعلى بقية الأقوال، هو في حق ~~المنافقين. وقد خرج من هذه الأقوال في معنى ms0903 { يثنون صدورهم } قولان: # أحدهما: أنه حقيقة في الصدور. # والثاني: أنه كتمان ما فيها. # قوله تعالى: { ليستخفوا منه } في هاء «منه» قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. # والثاني: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ألا حين يستغشون ثيابهم } قال أبو عبيدة: العرب تدخل ~~«ألا» توكيدا وإيجابا وتنبيها. قال ابن قتيبة: «يستغشون ثيابهم» أي: ~~يتغشونها ويستترون بها. قال قتادة: أخفى ما يكون ابن آدم، إذا حنى ~~ظهره، واستغشى ثيابه، وأضمر همه في نفسه. قال ابن الأنباري: أعلم الله ~~أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهراتهم. # قوله تعالى: { إنه عليم بذات الصدور } وقد شرحناه في [آل عمران: 119]. ### || [11.6-7] # قوله تعالى: { وما من دابة في الأرض } قال أبو عبيدة: «من» من حروف ~~الزوائد، والمعنى: وما دابة، والدابة: اسم لكل حيوان يدب. وقوله: { إلا ~~على الله رزقها } قال العلماء: فضلا منه، لا وجوبا عليه. و«على» هاهنا ~~بمعنى «من» وقد ذكرنا المستقر والمستودع في سورة [الأنعام: 67]. # قوله تعالى: { كل في كتاب } أي: ذلك عند الله في اللوح المحفوظ، هذا قول ~~المفسرين. وقال الزجاج: المعنى: ذلك ثابت في علم الله عز وجل. # قوله تعالى: { وكان عرشه على الماء } قال ابن عباس: عرشه: سريره، وكان ~~الماء إذ كان العرش عليه على الريح. قال قتادة: ذلك قبل أن يخلق ~~السموات والأرض. # قوله تعالى: { ليبلوكم } أي: ليختبركم الاختبار الذي يجازي عليه، فيثيت ~~المعتبر بما يرى من آيات السموات والأرض، ويعاقب أهل العناد. # قوله تعالى: { أيكم أحسن عملا } فيه أربعة أقوال: # أحدها: أيكم أحسن عقلا، وأورع من محارم الله عز وجل، وأسرع في طاعة ~~الله، رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أيكم أعمل بطاعة الله، قاله ابن عباس. # والثالث: أيكم أتم عقلا، قاله قتادة. # والرابع: أيكم أزهد في الدنيا، قاله الحسن وسفيان. # قوله تعالى: { إن هذا إلا سحر مبين } قال الزجاج: السحر باطل عندهم، ~~فكأنهم قالوا: إن هذا إلا باطل بين، فأعلمهم الله تعالى أن القدرة ~~على خلق السموات والأرض تدل على بعث الموتى. ms0904 ### || [11.8] # قوله تعالى: { ولئن أخرنا عنهم العذاب } قال المفسرون: هؤلاء كفار ~~مكة، والمراد بالأمة المعدودة: الأجل المعلوم، والمعنى: إلى مجيء أمة ~~وانقراض أخرى قبلها. { ليقولن ما يحبسه } وإنما قالوا ذلك تكذيبا ~~واستهزاء. # قوله تعالى: { ألا يوم يأتيهم } وقال: { ليس مصروفا عنهم }. وقال ~~بعضهم: لا يصرف عنهم العذاب إذا أتاهم. وقال آخرون: إذا أخذتهم سيوف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تغمد عنهم حتى يباد أهل الكفر وتعلو ~~كلمة الإخلاص. # قوله تعالى: { وحاق بهم } قال أبو عبيدة: نزل بهم وأصابهم. # وفي قوله: { ما كانوا به يستهزؤن } قولان. # أحدهما: أنه الرسول والكتاب، قاله أبو صالح عن ابن عباس، فيكون المعنى: ~~حاق بهم جزاء استهزائهم. # والثاني: أنه العذاب، كانوا يستهزئون بقولهم: { ما يحسبه } ، وهذا قول ~~مقاتل. ### || [11.9] # قوله تعالى: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، قاله ابن عباس. # والثاني: في عبد الله بن أبي أمية المخزومي، ذكره الواحدي. # والثالث: أن الإنسان هاهنا اسم جنس، والمعنى: ولئن أذقنا الناس، قاله ~~الزجاج. والمراد بالرحمة: النعمة، من العافية، والمال، والولد. واليؤوس: ~~القنوط، قال أبو عبيدة: هو فعول من يئست. قال مقاتل: إنه ليؤوس عند ~~الشدة من الخير، كفور لله في نعمه في الرخاء. ### || [11.10] # قوله تعالى: { ولئن أذقناه نعماء } قال ابن عباس: صحة وسعة في الرزق. ~~{ بعد ضراء مسته } بعد مرض وفقر. { ليقولن ذهب السيئات عني } ~~يريد الضر والفقر. { إنه لفرح } أي: بطر. { فخور } قال ابن عباس: ~~يفاخر أوليائي بما أوسعت عليه. # فان قيل: ماوجه عيب الإنسان في قوله: { ذهب السيئات عني } ، وما وجه ~~ذمه على الفرح، وقد وصف الله الشهداء فقال: { فرحين }؟ # فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: إنما عابه بقوله: { ذهب السيئات عني ~~} لأنه لم يعترف بنعمة الله، ولم يحمده على ما صرف عنه. وإنما ذمه ~~بهذا الفرح، لأنه يرجع إلى معنى المرح والتكبر عن طاعة الله، قال ~~الشاعر: # ولا ينسيني الحدثان عرضي # ولا ألقي من الفرح الإزارا # يعني من المرح. ms0905 وفرح الشهداء فرح لا كبر فيه ولا خيلاء، بل هو ~~مقرون بالشكر فهو مستحسن. ### || [11.11] # قوله تعالى: { إلا الذين صبروا } قال الفراء: هذا الاستثناء من الانسان، ~~لأنه في معنى الناس، كقوله: # إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا # [العصر: 2، 3]. وقال الزجاج: هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن ~~الذين صبروا. قال ابن عباس: الوصف الأول للكافر، والذين صبروا أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم. ### || [11.12] # قوله تعالى: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } سبب نزولها أن كفار قريش ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: # أئت بقرآن غير هذا أو بدله # [يونس: 15]، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسمعهم عيب آلهتهم ~~رجاء أن يتبعوه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: فلعلك تارك تبليغ بعض ما يوحى إليك من أمر الآلهة، وضائق بما ~~كلفته من ذلك صدرك، خشية أن يقولوا. لولا أنزل عليه كنز. # والثاني: فلعلك لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهم أنهم ~~يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك. فأما الضائق، فهو بمعنى ~~الضيق. قال الزجاج: ومعنى { أن يقولوا }: كراهية أن يقولوا. وإنما ~~عليك أن تنذرهم بما يوحى إليك، وليس عليك أن تأتيهم باقتراحهم من ~~الآيات. # قوله تعالى: { والله على كل شيء وكيل } فيه قولان: # أحدهما: أنه الحافظ. # والثاني: الشهيد، وقد ذكرناه في [آل عمران: 173]. ### || [11.13-14] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } «أم» بمعنى «بل»، و«افتراه» أتى به من ~~قبل نفسه. { قل فأتوا } أنتم في معارضتي { بعشر سور مثله } في ~~البلاغة { مفتريات } بزعمكم ودعواكم { وادعوا من استطعتم من دون الله } ~~إلى المعاونة على المعارضة { إن كنتم صادقين } في قولكم: «افتراه». # { فإن لم يستجيبوا لكم } أي: يجيبوكم إلى المعارضة. فقد قامت الحجة ~~عليهم لكم. # فإن قيل: كيف وحد القول في قوله: «قل فأتوا» ثم جمع في قوله «فإن لم ~~يستجيبوا لكم»؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده في الموضعين، فيكون ~~الخطاب له بقوله «لكم» تعظيما، لأن خطاب الواحد ms0906 بلفظ الجميع تعظيم، هذا ~~قول المفسرين. # والثاني: أنه وحد في الأول لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم. وجمع في ~~الثاني لمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } فيه قولان: # أحدهما: أنزله وهو عالم بانزاله، وعالم بأنه حق من عنده. # والثاني: أنزله بما أخبر فيه من الغيب، ودل على ما سيكون وما سلف، ~~ذكرهما الزجاج. # قوله تعالى: { وأن لا إله إلا هو } أي: واعلموا ذلك. { فهل أنتم ~~مسلمون } استفهام بمعنى الأمر. وفيمن خوطب به قولان: # أحدهما: أهل مكة، ومعنى إسلامهم: إخلاصهم لله العبادة، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. ### || [11.15-18] # قوله تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } اختلفوا فيمن نزلت ~~على أربعة أقوال: # أحدها: أنها عامة في جميع الخلق، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنها في أهل القبلة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنها في اليهود والنصارى، قاله أنس. # والرابع، أنها في أهل الرياء، قاله مجاهد. # وروى عطاء عن ابن عباس: من كان يريد عاجل الدنيا ولا يؤمن بالبعث ~~والجزاء. وقال غيره: إنما هي في الكافر، لأن المؤمن يريد الدنيا ~~والآخرة. # قوله: { نوف إليهم أعمالهم } أي: أجور أعمالهم { فيها }. قال سعيد بن ~~جبير: أعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا. وقال مجاهد: من عمل ~~عملا من صلة، أو صدقة، لا يريد به وجه الله، أعطاه الله ثواب ذلك في ~~الدنيا، ويدرأ به عنه في الدنيا. # قوله تعالى: { وهم فيها } قال ابن عباس: أي في الدنيا. { لا يبخسون } ~~أي: لا ينقصون من أعمالهم في الدنيا شيئا. { أولئك الذين } عملوا لغير ~~الله { ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا } أي: ما عملوا في ~~الدنيا من حسنة { وباطل ما كانوا } لغير الله { يعملون }. # فصل # وذكر قوم من المفسرين، منهم مقاتل، أن هذه الآية اقتضت أن من أراد ~~الدنيا بعمله، أعطي فيها ثواب عمله من الرزق والخير، ثم نسخ ms0907 ذلك بقوله: # عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد # [الاسراء: 18]، وهذا لا يصح، لأنه لا يوفي إلا لمن يريد. # . قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } في المراد بالبينة أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها الدين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الضحاك. # والثالث: القرآن، قاله ابن زيد. # والرابع: البيان، قاله مقاتل. وفي المشار إليه ب «من» قولان: # أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس والجمهور. # والثاني: أنهم المسلمون، وهو يخرج على قول الضحاك. وفي قوله: { ويتلوه ~~} قولان: # أحدهما: يتبعه. # والثاني: يقرؤه. وفي هاء «يتلوه» قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: إلى القرآن، وقد سبق ذكره في قوله: # فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # [هود 13]. # وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال: # أحدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، ~~وإبراهيم في آخرين. # والثاني: أنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يتلو القرآن، ~~قاله علي بن أبي طالب، والحسن، وقتادة في آخرين. # والثالث: أنه علي بن أبي طالب. و «يتلوه» بمعنى يتبعه، رواه جماعة عن ~~علي بن أبي طالب، وبه قال محمد بن علي، وزيد بن علي. # والرابع: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شاهد من الله تعالى، قاله ~~الحسين بن علي عليه السلام. # والخامس: أنه ملك يحفظه ويسدده، قاله مجاهد. # والسادس: أنه الإنجيل يتلو القرآن بالتصديق، وإن كان قد أنزل قبله، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشرت به التوراة، قاله الفراء. # والسابع: أنه القرآن ونظمه وإعجازه، قاله الحسين بن الفضل. # والثامن: أنه صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخايله، لأن كل ~~عاقل نظر إليه علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي هاء «منه» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى. # والثاني: إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # والثالث: إلى البينة. # قوله تعالى: { ومن قبله } في هذه الهاء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ms0908 ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. # والثاني: إلى القرآن، قاله ابن زيد. # والثالث: إلى الإنجيل، أي: ومن قبل الإنجيل { كتاب موسى } يتبع ~~محمدا بالتصديق له، ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: والمعنى: وكان من ~~قبل هذا كتاب موسى دليلا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون «كتاب ~~موسى» عطفا على قوله: { ويتلوه شاهد منه } أي: ويتلوه كتاب موسى، لأن ~~موسى وعيسى بشرا بالنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل. ونصب ~~«إماما» على الحال. # فإن قيل: كيف تتلوه التوراة، وهي قبله؟ # قيل: لما بشرت به، كانت كأنها تالية له، لأنها تبعته بالتصديق له. # وقال ابن الأنباري: { كتاب موسى } ، مفعول في المعنى، لأن جبريل تلاه ~~على موسى، فارتفع الكتاب، وهو مفعول بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب ~~موسى كذاك، أي: تلاه جبريل أيضا، كما تقول العرب: أكرمت أخاك وأبوك، ~~فيرفعون الأب، وهو مكرم على الاستئناف، بمعنى: وأبوك مكرم أيضا. قال: ~~وذهب قوم إلى أن كتاب موسى فاعل، لأنه تلا محمدا بالتصديق كما تلاه ~~الإنجيل. # فصل # فتلخيص الآية: أفمن كان على بينة من ربه كمن لم يكن؟ قال الزجاج: ترك ~~المضاد له، لأن في ما بعده دليلا عليه، وهو قوله: # مثل الفريقين كالأعمى والأصم # [هود 24]. وقال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى ~~الدنيا، جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد ~~الدنيا؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم، إذ كان فيه دليل عليه. وقال ابن ~~الأنباري: إنما حذف لانكشاف المعنى، والمحذوف المقدر كثير في القرآن ~~والشعر، قال الشاعر: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله # سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا # فإن قلنا: إن المراد بمن كان على بينة من ربه، رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فمعنى الآية: ويتبع هذا النبي شاهد، وهو جبريل عليه السلام. ~~«منه» أي: من الله. وقيل: «شاهد» هو علي بن أبي طالب، «منه» أي: من النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: «يتلوه» يعني القرآن، يتلوه جبريل، وهو شاهد ~~لمحمد ms0909 صلى الله عليه وسلم أن الذي يتلوه جاء من عند الله تعالى. # وقيل. ويتلو رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهو شاهد من الله. ~~وقيل ويتلو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فلسانه شاهد ~~منه. وقيل: ويتبع محمدا شاهد له بالتصديق، وهو الإنجيل من الله تعالى. ~~وقيل ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه، وهو سمته وهديه الدال على صدقه. ~~وإن قلنا: إن المراد بمن كان على بينة من ربه المسلمون، فالمعنى: ~~أنهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو البينة، ويتبع هذا النبي ~~شاهد له بصدقه. # قوله تعالى: { إماما ورحمة } إنما سماه إماما، لأنه كان يهتدى به، ~~«ورحمة» أي: وذا رحمة، وأراد بذلك التوراة، لأنها كانت إماما وسببا ~~لرحمة من آمن بها. # قوله تعالى: { أولئك } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إشارة إلى أصحاب موسى. # والثاني: إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # والثالث: إلى أهل الحق من أمة موسى وعيسى ومحمد. # وفي هاء «به» ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ترجع إلى التوراة. والثاني إلى ~~القرآن. والثالث: إلى محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي المراد بالأحزاب هاهنا أربعة أقوال. # أحدها: جميع الملل، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة. # والثالث: قريش، قاله السدي. # والرابع: بنو أمية، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل أبي طلحة ~~بن عبد العزى، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فالنار موعده } أي: إليها مصيره، قال حسان بن ثابت: # أوردتموها حياض الموت ضاحية # فالنار موعدها والموت لا قيها # قوله تعالى: { فلا تك في مرية منه } قرأ الحسن، وقتادة: «مرية» بضم ~~الميم أين وقع. وفي المكني عنه قولان: # أحدهما: أنه الإخبار بمصير الكافر به، فالمعنى: فلا تك في شك أن موعد ~~المكذب به النار، وهذا قول ابن عباس. # والثاني: أنه القرآن، فالمعنى: فلا تك في شك من أن القرآن من الله ~~تعالى، قاله مقاتل. قال ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة. # قوله تعالى: { أولئك يعرضون على ربهم } قال الزجاج: ذكر عرضهم ~~توكيدا لحالهم في ms0910 الانتقام منهم، وإن كان غيرهم يعرض أيضا. # فأما «الأشهاد» ففيهم خمسة أقوال: # أحدها: أنهم الرسل، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الملائكة، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: الخلائق، روي عن قتادة أيضا. وقال مقاتل: «الأشهاد» الناس، ~~كما يقال: على رؤوس الأشهاد، أي: على رؤوس الناس. # والرابع: الملائكة والنبيون وأمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون على ~~الناس، والجوارح تشهد على ابن آدم، قاله ابن زيد. # والخامس: الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: وفائدة ~~إخبار الأشهاد بما يعلمه الله: تعظيم بالأمر المشهود عليه، ودفع ~~المجاحدة فيه. ### || [11.19] # قوله تعالى: { الذين يصدون عن سبيل الله } قد تقدم تفسيرها في ~~[الأعراف:45]. # قوله تعالى: { وهم بالآخرة هم كافرون } قال الزجاج: ذكرت «هم» ثانية ~~على جهة التوكيد لشأنهم في الكفر. ### || [11.20-21] # قوله تعالى: { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } قال ابن عباس: لم ~~يعجزوني أن آمر الأرض فتخسف بهم. { وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~} أي: لا ولي لهم ممن يعبدون يمنعهم مني. وقال ابن الأنباري: لما كانت ~~عادة العرب جارية بقولهم: لا وزر لك مني ولا نفق، يعنون بالوزر: ~~الجبل، والنفق: السرب، وكلاهما يلجأ إليه الخائف، أعلم الله تعالى أن ~~هؤلاء الكافرين لا يسبقونه هربا، ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من ~~جميع ما يستر من الأرض ويلجأ إليه. قال: وقوله: «من أولياء» يقتضي ~~محذوفا، تلخيصه: من أولياء يمنعونهم من عذاب الله، فحذف هذا لشهرته. # قوله تعالى: { يضاعف لهم العذاب } يعني الرؤساء الصادين عن سبيل ~~الله، وذلك لإضلالهم أتباعهم واقتداء غيرهم بهم. وقال الزجاج: «لم ~~يكونوا معجزين في الأرض» أي: في دار الدنيا، ولا لهم ولي يمنع من انتقام ~~الله، ثم استأنف { يضاعف لهم العذاب } لعظم كفرهم بنبيه وبالبعث والنشور. # قوله تعالى: { ما كانوا يستطيعون السمع } فيمن عني بهذا قولان: # أحدهما: أنهم الكفار. ثم في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم لم يقدروا على استماع الخير، وإبصار الحق، وفعل الطاعة، ~~لأن الله تعالى حال بينهم وبين ذلك، هذا معنى قول ابن ms0911 عباس، ومقاتل. # والثاني: أن المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا ~~يسمعونه، وبما كانوا يبصرون حجج الله ولا يعتبرون بها، فحذف الباء، كما ~~تقول العرب: لأجزينك ما عملت، وبما عملت، ذكره الفراء، وأنشد ابن ~~الأنباري في الاحتجاج له: # نغالي اللحم للأضياف نيئا # ونبذله إذا نضج القدور # أراد: نغالي باللحم. # والثالث: أنهم من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا ~~يستطيعون أن يتفهموا ما يقول، قاله الزجاج. # والقول الثاني: أنهم الأصنام، فالمعنى: ما كان للآلهة سمع ولا بصر، فلم ~~تستطع لذلك السمع، ولم تكن تبصر. فعلى هذا، يرجع قوله: «ما كانوا» إلى ~~أوليائهم، وهي الأصنام، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس أيضا. ### || [11.22-24] # قوله تعالى: { لا جرم } قال ابن عباس: يريد: حقا إنهم الأخسرون. وقال ~~الفراء:«لا جرم» كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ~~ذلك، وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة «حقا»، ألا ترى أن العرب ~~تقول: لا جرم لآتينك، لا جرم لقد أحسنت، وأصلها من جرمت، أي: كسبت ~~الذنب. قال الزجاج: ومعنى «لا جرم»: «لا» نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن ~~المعنى: لا ينفعهم ذلك جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، أي: كسب لهم ذلك ~~الفعل الخسران. وذكر ابن الأنباري أن «لا» رد على أهل الكفر فيما ~~قدروه من اندفاع الشر عنهم في الآخرة، والمعنى: لا يندفع عنهم عذابي، ~~ولا يجدون وليا يصرف عنهم نقمتي، ثم ابتدأ مستأنفا «جرم»، قال: وفيها ~~قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: كسب كفرهم وما قدروا من الباطل وقوع العذاب بهم. ~~ف «جرم» فعل ماض، معناه: كسب، وفاعله مضمر فيه من ذكر الكفر وتقرير ~~الباطل. # والثاني: أن معنى جرم: أحق وصحح، وهو فعل ماض، وفاعله مضمر فيه، ~~والمعنى: أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم، قال الشاعر: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # أراد: حقت الطعنة فزارة بالغضب. ومن العرب من يغير لفظ «جرم» مع ~~«لا» خاصة، فيقول بعضهم: «لا جرم»، ويقول آخرون:«لا جر» باسقاط ms0912 ~~الميم، ويقال: «لاذا جرم» و «لاذا جر» بغير ميم، و لا إن ذا جرم } و «لا ~~عن ذا جرم»، ومعنى اللغات كلها: حقا. # قوله تعالى: { وأخبتوا إلى ربهم } فيه سبعة أقوال: # أحدها: خافوا ربهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنابوا إلى ربهم، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: ثابوا إلى ربهم، قاله قتادة. # والرابع: اطمأنوا، قاله مجاهد. # والخامس: أخلصوا، قاله مقاتل. # والسادس: تخشعوا لربهم، قاله الفراء. # والسابع: تواضعوا لربهم، قاله ابن قتيبة. # فإن قيل: لم أوثرت «إلى» على اللام في قوله «وأخبتوا إلى ربهم»، ~~والعادة جارية بأن يقال: أخبتوا لربهم؟ # فالجواب: أن المعنى: وجهوا خوفهم وخشوعهم وإخلاصهم إلى ربهم، ~~واطمأنوا إلى ربهم. قال الفراء: وربما جعلت العرب «إلى» في موضع اللام، ~~كقوله: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزال: 5]، وقوله: # الذي هدانا لهذا # [الأعراف:43]. وقد يجوز في العربية: فلان يخبت إلى الله، يريد: يفعل ~~ذلك موجهه إلى الله. قال بعض المفسرين: هذه الآية نازلة في أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وما قبلها نازل في المشركين. ثم ضرب للفريقين ~~مثلا، فقال: { مثل الفريقين كالأعمى والأصم } قال مجاهد: الفريقان: ~~المؤمن والكافر. فأما الأعمى والأصم فهو الكافر، وأما البصير والسميع فهو ~~المؤمن. قال قتادة: الكافر عمي عن الحق وصم عنه، والمؤمن أبصر ~~الحق وسمعه ثم انتفع به. # وقال أبو عبيدة: في الكلام ضمير، تقديره: مثل الفريقين كمثل الأعمى. ~~وقال الزجاج: مثل الفريقين المسلمين كالبصير والسميع، ومثل فريق ~~الكافرين كالأعمى والأصم، لأنهم في عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من ~~لايسمع ولا يبصر. # قوله تعالى: { هل يستويان مثلا } أي: هل يستويان في المشابهة؟ # والمعنى: كما لا يستويان عندكم، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله. ~~وقال أبو عبيدة: «هل» هاهنا بمعنى الإيجاب، لا بمعنى الاستفهام، ~~والمعنى: لا يستويان. قال الفراء: وإنما لم يقل: «يستوون» لأن الأعمى ~~والأصم من صفة واحد، والسميع والبصير من صفة واحد، كقول القائل: مررت ~~بالعاقل واللبيب، وهو يعني واحدا، قال الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما ms0913 يليني # فقال: أيهما. وإنما ذكر الخير وحده، لأن المعنى يعرف، إذ المبتغي ~~للخير متق للشر. وقال ابن الأنباري: الأعمى والأصم صفتان لكافر، ~~والسميع والبصير صفتان لمؤمن، فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف ~~الأربعة، كما تقول: العاقل والعالم، والظالم والجاهل، حضرا مجلسي، ~~فتثني الخبر بعد ذكرك أربعة، لأن الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل، ~~وكذلك المنعوت بالجهل هو المنعوت بالظلم، فلما كان المنعوتان اثنين، رجع ~~الخبر إليهما، ولم يلتفت إلى تفريق الأوصاف، ألا ترى أنه يسوغ أن ~~تقول: الأديب واللبيب والكريم والجميل قصدني، فتوحد الفعل بعد أوصاف ~~لعلة أن الموصوف بهن واحد، ولا يمتنع عطف النعوت على النعوت بحروف العطف، ~~والموصوف واحد، فقد قال تعالى: # التائبون العابدون # [التوبة: 112] ثم قال: { الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } فلم ~~يقتض دخول الواو وقوع خلاف بين الآمرين والناهين، وقد قيل: الآمر ~~بالمعروف، ناه عن المنكر في حال أمره، وكان دخول الواو دلالة على الآمر ~~بالمعروف، لأن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر، كما ينفرد ~~الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون بالسياحة دون الحامدين، ويدل ~~أيضا على أن العرب تنسق النعت على النعت والمنعوت واحد، كقول الشاعر ~~يخاطب سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان: # يظن سعيد وابن عمرو بأنني # إذا سامني ذلا أكون به أرضى # فنسق ابن عمرو على سعيد، وهو سعيد. ### || [11.25-29] # قوله تعالى: { ولقد ارسلنا نوحا إلى قومه أني } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، والكسائي «أني» بفتح الألف، والتقدير: أرسلناه بأني، وكأن الوجه ~~بأنه لهم نذير، ولكنه على الرجوع من الإخبار عن الغائب إلى خطاب نوح ~~قومه. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة «إني» بكسر الألف، فحملوه على ~~القول المضمر، والتقدير: فقال لهم: إني لكم نذير. # قوله تعالى: { ما نراك إلا بشرا مثلنا } أي: إنسانا مثلنا، لا فضل ~~لك علينا. فأما الأراذل، فقال ابن عباس: هم السفلة. وقال ابن قتيبة: ~~هم جمع «أرذل»، يقال: رجل رذل، وقد رذل رذالة ورذولة. ومعنى ~~الأراذل: الشرار. # قوله تعالى: { بادي الرأي } قرأ الأكثرون «بادي» بغير همز. وقرأ أبو ms0914 ~~عمرو بالهمز بعد الدال. وكلهم همز «الرأي» غير أبي عمرو. وللعلماء في ~~معنى «بادي» إذا لم يهمز ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: ما نرى أتباعك إلا سفلتنا وأرذالنا في بادي الرأي ~~لكل ناظر، يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا، ~~هذا مذهب مقاتل في آخرين. # والثاني: أن المعنى أن هؤلاء القوم اتبعوك في ظاهر ما يرى منهم، ~~وطويتهم على خلافك. # والثالث: أن المعنى: اتبعوك في ظاهر رأيهم، ولم يتدبروا ما قلت، ولو ~~رجعوا إلى التفكر لم يتبعوك، ذكر هذين القولين الزجاج. قال ابن ~~الأنباري: وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز، لأنه من بدا، ~~يبدو: إذا ظهر. فأما من همز «بادىء» فمعناه: ابتداء الرأي، أي: اتبعوك ~~أول ما ابتدؤوا ينظرون، ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك. # قوله تعالى: { وما نرى لكم علينا من فضل } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: من فضل في الخلق، قاله ابن عباس. # والثاني: في الملك والمال ونحو ذلك، قاله مقاتل. # والثالث: ما فضلتم باتباعكم نوحا، ومخالفتكم لنا بفضيلة نتبعكم ~~طلبا لها، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { بل نظنكم كاذبين } فيه قولان: # أحدهما: نتيقنكم، قاله الكلبي. # والثاني: نحسبكم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } أي: على يقين وبصيرة. ~~قال ابن الأنباري: وقوله: «إن كنت» شرط لا يوجب شكا يلحقه، لكن الشك ~~يلحق المخاطبين من أهل الزيغ، فتقديره: إن كنت على بينة من ربي عندكم. ~~{ وآتاني رحمة من عنده } فيها قولان. # أحدهما: أنها النبوة، قاله ابن عباس. # والثاني: الهداية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فعميت عليكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم: «فعميت» بتخفيف الميم وفتح العين. قال ابن ~~قتيبة: والمعنى: عميتم عنها، يقال: عمي علي هذا الأمر: إذا لم أفهمه، ~~وعميت عنه بمعنى. قال الفراء: وهذا مما حولت العرب الفعل إليه، وهو في ~~الأصل لغيره، كقولهم: دخل الخاتم في يدي، والخف في رجلي، وإنما الإصبع ~~تدخل في الخاتم، والرجل ms0915 في الخف، واستجازوا ذلك إذ كان المعنى معروفا. # وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «فعميت» بضم العين وتشديد ~~الميم. قال ابن الأنباري: ومعنى ذلك: فعماها الله عليكم إذ كنتم ممن ~~حكم عليه بالشقاء. وكذلك قرأ أبي بن كعب، والأعمش: «فعماها عليكم» # وفي المشار إليها قولان: # أحدهما: البينة. # والثاني: الرحمة. # قوله تعالى: { أنلزمكموها } أي: أنلزمكم قبولها؟ وهذا استفهام معناه ~~الإنكار، يقول: لانقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا. قال قتادة: والله لو ~~استطاع نبي الله صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك. ~~وقيل: كان مراد نوح عليه السلام رد قولهم: { وما نرى لكم علينا من فضل ~~} فبين فضله وفضل من آمن به بأنه على بينة من ربه، وقد آتاه رحمة ~~من عنده، وسلب المكذبون ذلك. # قوله تعالى: { لا أسألكم عليه } أي: على نصحي ودعائي إياكم { مالا } ~~فتتهموني. وقال ابن الأنباري: لما كانت الرحمة بمعنى الهدى والإيمان، ~~جاز تذكيرها. # قوله تعالى: { وما أنا بطارد الذين آمنوا } قال ابن جريج: سألوه طردهم ~~أنفة منهم، فقال: لا يجوز لي طردهم، إذ كانوا يلقون الله فيجزيهم ~~بايمانهم، ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغر شؤونهم. # وفي قوله: { ولكني أراكم قوما تجهلون } قولان: # أحدهما: تجهلون أن هذا الأمر من الله تعالى، قاله ابن عباس. # والثاني: تجهلون لأمركم إياي بطرد المؤمنين، قاله أبو سليمان. ### || [11.30-34] # قوله تعالى: { ويا قوم من ينصرني } أي: من يمنعني من عذاب الله إن ~~طردتهم. # قوله تعالى: { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } قال ابن الأنباري: أراد ~~بالخزائن: علم الغيب المطوي عن الخلق، لأنهم قالوا له: إنما اتبعك ~~هؤلاء في الظاهر وليسوا معك، فقال لهم: ليس عندي خزائن غيوب الله فأعلم ~~ما تنطوي عليه الضمائر. وإنما قيل للغيوب: خزائن، لغموضها عن الناس ~~واستتارها عنهم. قال سفيان بن عيينة: إنما آيات القرآن خزائن، فإذا ~~دخلت خزانة فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها. # قوله تعالى: { ولا أعلم الغيب } قيل: إنما قال لهم هذا، لأن أرضهم ~~أجدبت، فسألوه: متى يجيء المطر؟ وقيل: بل ms0916 سألوه: متى يجيء العذاب؟ فقال: ~~ولا أعلم الغيب. وقوله: { ولا أقول إني ملك } جواب لقولهم: # ما نراك إلا بشرا مثلنا # [هود: 27]. { ولا أقول للذين تزدري أعينكم } أي: تحتقر وتستصغر ~~المؤمنين. قال الزجاج: «تزدري» تستقل وتستخس، يقال: زريت على الرجل: ~~إذا عبت عليه وخسست فعله، وأزريت به: إذا قصرت به. وأصل تزدري: تزتري، ~~إلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالا، لأن التاء من حروف الهمس، وحروف ~~الهمس خفية، فالتاء بعد الزاي تخفى، فأبدلت منها الدال لجهرها. # قوله تعالى: { لن يؤتيهم الله خيرا } قال ابن عباس: إيمانا. ومعنى ~~الكلام: ليس لي أن أطلع على ما في نفوسهم فأقطع عليهم بشيء، وليس ~~لاحتقاركم إياهم يبطل أجرهم. { إني إذا لمن الظالمين } إن قلت هذا ~~الذي تقدم ذكره، وقيل إن طردتهم. # قوله تعالى: { قد جادلتنا } قال الزجاج: الجدال: هو المبالغة في الخصومة ~~والمناظرة، وهو مأخوذ من الجدل، وهو شدة الفتل، ويقال للصقر: أجدل، ~~لأنه من أشد الطير. ويقرأ { فأكثرت جدلنا }. # قوله تعالى: { فائتنا بما تعدنا } قال ابن عباس: يعنون العذاب. { إن ~~كنت من الصادقين } أنه يأتينا. # قوله تعالى: { إن أردت أن أنصح لكم } أي: أنصحكم. وفي هذه الآية شرطان، ~~فجواب الأول النصح، وجواب الثاني النفع. # قوله تعالى: { إن كان الله يريد أن يغويكم } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يضلكم، قاله ابن عباس. # والثاني: يهلككم، حكاه ابن الأنباري: وقال: هو قول مرغوب عنه. # والثالث: يضلكم ويهلككم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { هو ربكم } أي: هو أولى بكم، يتصرف في ملكه كما يشاء { ~~وإليه ترجعون } بعد الموت. ### || [11.35] # قوله تعالى: { أم يقولون } قال الزجاج: المعنى: أيقولون: { افتراه }؟ ~~قال ابن قتيبة: الافتراء: الاختلاق. { فعلي إجرامي } أي: جرم ذلك ~~الاختلاق إن كنت فعلت. { وأنا بريء مما تجرمون } في التكذيب. وقرأ أبو ~~المتوكل، وابن السميفع: «فعلي أجرامي» بفتح الهمزة. ### || [11.36] # قوله تعالى: { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } ~~قال المفسرون: لما أوحي إليه هذا، استجاز الدعاء عليهم، فقال: # لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ms0917 # [نوح 26]. # قوله تعالى: { فلا تبتئس } قال ابن عباس، ومجاهد، لا تحزن. وقال الفراء، ~~والزجاج: لا تستكن ولا تحزن. قال أبو صالح عن ابن عباس: فلا تحزن إذا ~~نزل بهم الغرق { بما كانوا يفعلون }. ### || [11.37-38] # قوله تعالى: { واصنع الفلك } أي: واعمل السفينة. # وفي قوله: { بأعيننا } ثلاثة أقوال: # أحدها: بمرأى منا، قاله ابن عباس. # والثاني: بحفظنا، قاله الربيع. # والثالث: بعلمنا، قاله مقاتل. قال ابن الأنباري: إنما جمع على مذهب ~~العرب في إيقاعها الجمع على الواحد، تقول: خرجنا إلى البصرة في السفن، ~~وإنما جمع، لأن من عادة الملك أن يقول: أمرنا ونهينا. # وفي قوله: { ووحينا } قولان. # أحدهما: وأمرنا لك أن تصنعها. # والثاني: وبتعليمنا إياك كيف تصنعها. # قوله تعالى: { ولاتخاطبني في الذين ظلموا } فيه قولان: # أحدهما: لاتسألني الصفح عنهم. # والثاني: لاتخاطبني في إمهالهم. # وإنما نهي عن الخطاب في ذلك صيانة له عن سؤال لايجاب فيه. # الإشارة إلى كيفية عمل السفينة # روى الضحاك عن ابن عباس: قال كان نوح يضرب ثم يلف في لبد فيلقى ~~في بيته، يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم. حتى إذا يئس من إيمان ~~قومه، جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا بني، انظر هذا ~~الشيخ لايغررك، قال: ياأبت أمكني من العصا، فأخذها فضربه ضربة شجه ~~موضحة، وسالت الدماء على وجهه، فقال رب قد ترى مايفعل بي عبادك، فان ~~يكن لك فيهم حاجة فاهدهم، وإلا فصبرني إلى أن تحكم، فأوحى الله إليه ~~{ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } إلى قوله: { واصنع الفلك } ، ~~قال: يارب، وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء أنجي فيه ~~أهل طاعتي، وأغرق أهل معصيتي، قال: يارب، وأين الماء؟ قال: إني على ~~ما أشاء قدير، قال: يارب، وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر، فغرس الساج عشرين ~~سنة، وكف عن دعائهم، وكفوا عنه، إلا أنهم يستهزئون به، فلما أدرك ~~الشجر، أمره ربه، فقطعه وجففه ولفقه، فقال: يارب، كيف أتخذ هذا ~~البيت؟ قال: أجعله على ثلاث صور، رأسه كرأس الطاووس، وجؤجؤه ms0918 كجؤجؤ ~~الطائر، وذنبه كذنب الديك، واجعلها مطبقة، وبعث الله إليه جبريل يعلمه، ~~وأوحى الله إليه أن عجل عمل السفينة فقد اشتد غضبي على من عصاني، ~~فاستأجر نجارين يعملون معه، وسام، وحام، ويافث، معه ينحتون السفينة، فجعل ~~طولها ستمائة ذراع، وعرضها ثلاثمائة وثلاثين ذراعا، وعلوها ثلاثا ~~وثلاثين، وفجر الله له عين القار تغلي غليانا حتى طلاها. # وعن ابن عباس قال: جعل لها ثلاث بطون، فحمل في البطن الأول الوحوش ~~والسباع والهوام، وفي الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه البطن ~~الأعلى. # وروي عن الحسن أنه قال: كانت سفينة نوح طولها ألف ذراع، ومائتا ذراع، ~~وعرضها ستمائة ذراع. # وقال قتادة: كانت فيما ذكر لنا طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسمائة ~~ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا. # وقال ابن جريج: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ومائة ذراع، ~~وطولها في السماء ثلاثون ذراع، وكان في أعلاها الطير، وفي وسطها الناس، ~~وفي أسفلها السباع. # وزعم مقاتل أنه عمل السفينة في أربعمائة سنة. # قوله تعالى: { وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه } فيه قولان: # أحدهما: أنهم رأوه يبني السفينة وما رأوا سفينة قط، فكانوا يسخرون ~~ويقولون: صرت بعد النبوة نجارا؟ وهذا قول ابن إسحاق. # والثاني: أنهم قالوا له: ما تصنع؟ فقال: أبني بيتا يمشي على الماء، ~~فسخروا من قوله، وهذا قول مقاتل. # وفي قوله: { إن تسخروا منا فانا نسخر منكم } خمسة أقوال. # أحدها: إن تسخروا من قولنا فانا نسخر من غفلتكم. # والثاني: إن تسخروا من فعلنا عند بناء السفينة، فانا نسخر منكم عند ~~الغرق، ذكره المفسرون. # والثالث: إن تسخروا منا في الدنيا، فانا نسخر منكم في الآخرة، قاله ابن ~~جرير. # والرابع: إن تستجهلونا، فانا نستجهلكم، قاله الزجاج. # والخامس: إن تسخروا منا، فانا نستنصر الله عليكم، فسمى هذا سخرية، ~~ليتفق اللفظان كما بينا في قوله: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15]، هذا قول ابن الأنباري. # قال ابن عباس: لم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر و لا بحر، فلذلك سخروا ~~منه، وإنما مياه البحار بقية الطوفان. ### || [11.39] # قوله ms0919 تعالى: { فسوف تعلمون } هذا وعيد، ومعناه: فسوف تعلمون من هو أحق ~~بالسخرية، ومن هو أحمد عاقبة. # قوله تعالى: { من يأتيه عذاب يخزيه } أي: يذله، وهو الغرق. { ويحل ~~عليه } أي: ويجب عليه { عذاب مقيم } في الآخرة. ### || [11.40] # قوله تعالى: { حتى إذا جاء أمرنا } فيه قولان: # أحدهما: جاء أمرنا بعذابهم وإهلاكهم. # والثاني: جاء عذابنا و هو الماء، ابتدأ بجنبات الأرض فدار حولها ~~كالإكليل، وجعل المطر ينزل من السماء كأفواه القرب، فجعلت الوحوش يطلبن ~~وسط الأرض هربا من الماء حتى اجتمعن عند السفينة، فحينئذ حمل فيها من كل ~~زوجين اثنين. قوله تعالى: { وفار التنور } الفور: الغليان؛ ~~والفوارة: ما يفور من القدر، قاله ابن فارس. # قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال: التنور ~~اسم فارسي معرب لا تعرف له العرب اسما غير هذا، فلذلك جاء في التنزيل، ~~لأنهم خوطبوا بما عرفوا. # وروي عن ابن عباس أنه قال: التنور، بكل لسان عربي وعجمي. # وفي المراد بهذا التنور ستة أقوال: # أحدها: أنه اسم لوجه الأرض، رواه عكرمة عن علي عليه السلام. وروى الضحاك ~~عن ابن عباس: التنور: وجه الأرض، قال: قيل له: إذا رأيت الماء قد علا ~~وجه الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة، والزهري. # والثاني: أنه تنوير الصبح، رواه أبو جحيفة عن علي رضي الله عنه. وقال ~~ابن قتيبه: التنوير عند الصلاة. # والثالث: أنه طلوع الفجر، روي عن علي أيضا، قال: «وفار التنور» طلع ~~الفجر. # والرابع: أنه طلوع الشمس، وهو منقول عن علي أيضا. # والخامس: أنه تنور أهله، روى العوفي عن ابن عباس قال: إذا رأيت ~~تنور أهلك يخرج منه الماء، فانه هلاك قومك. وروى أبو صالح عن ابن عباس: ~~أنه تنور آدم عليه السلام، وهبه الله لنوح، وقيل له: إذا فار الماء ~~منه، فاحمل ماأمرت به. وقال الحسن: كان تنورا من حجارة، وهذا قول ~~مجاهد، والفراء، ومقاتل. # والسادس: أنه أعلى الأرض وأشرفها. # قال ابن الأنباري: شبهت أعالي الأرض وأماكنها المرتفعة لعلوها، ~~بالتنانير. واختلفوا في المكان الذي فار منه ms0920 التنور على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه فار من مسجد الكوفة، رواه حبة العربي عن علي عليه السلام. ~~وقال زر بن حبيش: فار التنور من زاوية مسجد الكوفة اليمنى. وقال ~~مجاهد: نبع الماء من التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك بناحية ~~الكوفة. وكان الشعبي يحلف بالله ما كان التنور إلا بناحية الكوفة. # والثاني: أنه فار بالهند، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أنه كان في أقصى دار نوح، وكانت بالشام في مكان يقال له: عين ~~وردة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { قلنا احمل فيها } أي: في السفينة { من كل زوجين اثنين }. # وروى حفص عن عاصم: «من كل» بالتنوين. قال أبو علي: والمعنى: من كل ~~شيء، ومن كل زوج زوجين، فحذف المضاف. وانتصاب «اثنين» على أنهما صفة ~~لزوجين، وقد علم أن الزوجين اثنان، ولكنه توكيد. # قال مجاهد: من كل صنف، ذكرا وأنثى. وقال ابن قتيبة: الزوج يكون واحدا، ~~ويكون اثنين، وهو هاهنا واحد، ومعنى الآية: احمل من كل ذكر وأنثى اثنين. ~~وقال الزجاج: المعنى: احمل زوجين اثنين من كل شىء، والزوج في كلام العرب ~~يجوز أن يكون معه واحد، والاثنان يقال لهما: زوجان، يقال: عندي زوجان من ~~الطير، إنما يريد ذكرا وأنثى فقط. وقال ابن الأنباري: إنما قال ~~«اثنين» فثنى الزوج، لأنه قصد قصد الذكر والأنثى من الحيوان، وتقديره: ~~من كل ذكر وأنثى. # قوله تعالى: { وأهلك } أي: وأحمل أهلك. قال المفسرون: أراد بأهله: عياله ~~وولده. # { إلا من سبق عليه القول } أي: سبق عليه القول من الله بالإهلاك. قال ~~الضحاك: وهم امرأته وابنه كنعان. # قوله تعالى: { ومن آمن } معناه: واحمل من آمن. # { وما آمن معه إلا قليل } وفي عددهم ثمانية أقوال: # أحدها: أنهم كانوا ثمانين رجلا معهم أهلوهم، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أن نوحا حمل معه ثمانين إنسانا، وبنيه الثلاثة، وثلاث نسوة ~~لبنيه، وامرأة نوح، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. # والثالث: كانوا ثمانين إنسانا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل ~~كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة. # والرابع: كانوا ms0921 أربعين، ذكره ابن جريج عن ابن عباس. # والخامس: كانوا ثلاثين رجلا، رواه أبو نهيك عن ابن عباس. # والسادس: كانوا ثمانية، قال الحكم بن عتيبة: كان نوح وثلاثة بنيه وأربع ~~كنائنه. قال قتادة: ذكر لنا أنه لم ينج في السفينة إلا نوح وامرأته ~~وثلاثة بنين له، ونساؤهم، فجماعتهم ثمانية، وهذا قول القرظي، وابن جريج. # والسابع: كانوا سبعة، نوح، وثلاث كنائن له وثلاثة بنين، قاله الأعمش. # والثامن: كانوا عشرة سوى نسائهم، قاله ابن إسحاق. وروي عنه أنه قال: ~~الذين نجوا مع نوح بنوه الثلاثة، ونساؤهم ثلاث، وستة ممن آمن به. ### || [11.41] # قوله تعالى: { وقال } يعني نوحا للذين أمر بحملهم { اركبوا } السفينة. # قال ابن عباس: ركبوا فيها لعشر مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء. # وقال ابن جريج: رفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر مضين من رجب، فأتت ~~موضع البيت فطافت به أسبوعا، وكان البيت قد رفع في ذلك الوقت، ورست ببا ~~قردى على الجودي يوم عاشوراء. قال ابن عباس: قرض الفأر حبال السفينة، ~~فشكا نوح ذلك، فأوحى الله تعالى إليه، فمسح ذنب الأسد، فخرج سنوران، ~~وكان في السفينة عذرة، فشكا ذلك إلى ربه، فأوحى الله تعالى إليه، ~~فمسح ذنب الفيل، فخرج خنزيران فأكلا ذلك. # قوله تعالى: { بسم الله مجراها ومرساها } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وأبوبكر عن عاصم: «مجراها» بضم الميم. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «مجراها» بفتح الميم، وكسر الراء. وكلهم قرؤوا ~~بضم الميم من «مرساها»، إلا أن ابن كثير، وأبا عمرو، وابن عامر، وحفصا ~~عن عاصم، كانوا يفتحون السين. ونافع، وأبو بكر عن عاصم، كانا يقرآنها بين ~~الكسر والتفخيم. وكان حمزة، والكسائي، وخلف، يميلونها. وليس في هؤلاء أحد ~~جعلها نعتا لله، وإنما جعل الوصفين نعتا لله تعالى، الحسن، وقتادة، ~~وحميد الأعرج، وإسماعيل بن مجالد عن عاصم، فقرؤوا «مجريها و ~~مرسيها» بضم الميم، وبياءين صحيحتين، مثل مبديها ومنشيها. وقرأ ابن ~~مسعود: «مجراها» بفتح الميم، وإمالة الراء بعدها ألف، «ومرساها» برفع ~~الميم، وإمالة السين بعدها ألف. وقرأ ms0922 أبو رزين، وأبوالمتوكل: «مجراها» ~~بفتح الميم والراء،وبألف بعدها، ومرساها، برفع الميم وفتح السين، وبألف ~~بعدها. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر: «مجراها ومرساها» بفتح الميم ~~فيهما جميعا، وفتح الراء والسين، وبألف بعدهما. # وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الميمين، إلا أنه أمال الراء والسين فيهما، ~~وقرأ أبو عمران الجوني، وابن جبير، برفع الميم فيهما، وفتح الراء والسين، ~~وبألف بعدهما جميعا. فمن قرأ بضم الميمين، جعله من أجرى وأرسى. ومن ~~فتحهما، جعله مصدرا من جرى الشيء يجري مجرى، ورسى يرسي مرسى. قال ~~الزجاج: قوله: { بسم الله } أي: بالله، والمعنى: أنه أمرهم أن يسموا في ~~وقت جريها ووقت استقرارها. # ومن قرأ بضم الميمين، فالمعنى: بالله إجراؤها، وبالله إرساها. ومن ~~فتحهما، فالمعنى: بالله يكون جريها، وبالله يقع إرساؤها، أي: إقرارها. ~~وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: من ضم الميم في «مجراها» أراد: ~~أجراها الله مجرى، ومن فتحها، أراد:جرت مجرى. وقال الضحاك: كان إذا ~~أراد أن تجري، قال: بسم الله، فجرت. وإذا أراد أن ترسي، قال: بسم الله، ~~فرست. ### || [11.42-43] # قوله تعالى: { وهي تجري بهم في موج كالجبال } شبهه بالجبال في عظمه ~~وارتفاعه، ويقال: إن الماء أرتفع على أطول جبل في الأرض أربعين ذراعا، ~~ويروي خمس عشرة ذراعا. وذكر بعض المفسرين أنه ارتفع نحو السماء سبعين ~~فرسخا من الأرض. # قوله تعالى: { ونادى نوح ابنه } لا يختلفون أنه كان كافرا. وفي اسمه ~~قولان: # أحدهما: كنعان، وهو قول الأكثرين. # والثاني: اسمه يام، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عبيد بن عمير، ~~وابن إسحاق. # قوله تعالى: { وكان في معزل } المعزل: المكان المنقطع. ومعنى العزل: ~~التنحية. وفي معنى الكلام وجهان ذكرهما الزجاج. # أحدهما: في معزل من السفينة. # والثاني: في معزل من دين أبيه. # قوله تعالى: { يابني اركب معنا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبوعمرو، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي «يابني اركب» مضافة، بكسر الياء. وروى أبوبكر ~~عن عاصم «يابني» مفتوحة الياء ها هنا، وباقي القرآن مكسورة. # وروى حفص عنه بالفتح في كل القرآن «يابني» إذا كان واحدا. قال ~~النحويون: ms0923 الأصل في «بني» ثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء بعدها هي لام ~~الفعل، وياء بعد لام الفعل هي ياء الإضافة. فمن قرأ «يابني» أراد: ~~يابنيي، فحذف ياء الاضافة، وترك الكسرة تدل عليها، كما يقال: يا غلام ~~أقبل. ومن فتح الياء، أبدل من كسرة لام الفعل فتحة، استثقالا لاجتماع ~~الياءات مع الكسرة، فانقلبت ياء الإضافة ألفا، ثم حذفت الألف كما تحذف ~~الياء، فبقيت الفتحة على حالها. وقيل: إن المعنى: يا بني آمن واركب ~~معنا. # قوله تعالى: { سآوي } أي: سأصير وأرجع { إلى جبل يعصمني } أي: يمنعني { ~~من الماء } أي: من تغريق الماء. # { قال لاعاصم اليوم } فيه قولان: # أحدهما: لا مانع اليوم من أمر الله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لا معصوم، ومثله: ماء دافق، أي مدفوق، وسر كاتم، وليل نائم، ~~قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { إلا من رحم } قال الزجاج: هذا استثناء ليس من الأول، ~~والمعنى: لكن من رحم الله فانه معصوم. قال مقاتل: إلا من رحم فركب ~~السفينة. # قوله تعالى: { وحال بينهما الموج } في المكني عنها قولان. # أحدهما: أنهما ابن نوح والجبل الذي زعم أنه يعصمه، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: نوح وابنه، قاله مقاتل. ### || [11.44-47] # قوله تعالى: { وقيل يا أرض ابلعي ماءك } وقف قوم على ظاهر الآية، ~~وقالوا: إنما ابتلعت مانبع منها، ولم تبتلع ماء السماء، فصار ذلك بحارا ~~وأنهارا، وهو معنى قول ابن عباس. وذهب آخرون إلى أن المراد: ابلعي ماءك ~~الذي عليك، وهو ما نبع من الأرض ونزل من السماء، وذلك بعد أن غرق ما على ~~وجه الأرض. # قوله تعالى: { وياسماء أقلعي } أي: أمسكي عن إنزال الماء. قال ابن ~~الأنباري: لما تقدم ذكر الماء، علم أن المعنى: أقلعي عن إنزال الماء. # قوله تعالى: { وغيض الماء } أي: نقص. قال الزجاج: يقال: غاض الماء يغيض: ~~إذا غاب في الأرض. ويجوز إشمام الضم في الغين. # قوله تعالى: { وقضي الأمر } قال ابن عباس: غرق من غرق، ونجا من نجا. ~~وقال مجاهد: قضي الأمر: هلاك قوم نوح. ms0924 وقال ابن قتيبة: «وقضي الأمر» أي: ~~فرغ منه. قال ابن الأنباري: والمعنى: أحكمت هلكة قوم نوح، فلما دلت ~~القصة على ما يبين هلكتهم، أغنى عن نعت الأمر. # قوله تعالى: { واستوت } يعني السفينة { على الجودي } وهو اسم جبل. وقرأ ~~الأعمش، وابن أبي عبلة: «على الجودي» بسكون الياء. قال ابن الأنباري: ~~وتشديد الياء في «الجودي» لأنها ياء النسبة، فهي كالياء في علوي، ~~وهاشمي. وقد خففها بعض القراء. ومن العرب من يخفف ياء النسبة، فيسكنها في ~~الرفع، والخفض، ويفتحها في النصب، فيقول: قام زيد العلوي، ورأيت زيدا ~~العلوي. # قال ابن عباس: درات السفينة بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها الله إلى ~~الجودي فاستقرت عليه. واختلفوا أين هذا الجبل على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بالموصل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والثاني: بالجزيرة، قاله مجاهد، وقتادة. وقال مقاتل: هو بالجزيرة قريب ~~من الموصل. # والثالث: أنه بناحية آمد، قاله الزجاج. # وفي علة استوائها عليه قولان: # أحدهما: أنه لم يغرق، لأن الجبال تشامخت يومئذ وتطاولت، وتواضع هو فلم ~~يغرق، فأرست عليه، قاله مجاهد. # والثاني: أنه لما قل الماء أرست عليه، فكان استواؤها عليه دلالة ~~على قلة الماء. # قوله تعالى: { وقيل بعدا للقوم الظالمين } قال ابن عباس: بعدا من ~~رحمة الله للقوم الكافرين. # فان قيل: ما ذنب من أغرق من البهائم والأطفال؟ فالجواب: أن آجالهم ~~حضرت، فأميتوا بالغرق، قاله الضحاك، وابن جريج. # قوله تعالى: { رب إن ابني من أهلي } إنما قال نوح هذا، لأن الله ~~تعالى وعده نجاة أهله، فقال: { وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين } قال ~~ابن عباس: أعدل العادلين. وقال ابن زيد: فأنت أحكم الحاكمين بالحق. ~~واختلفوا في هذا الذي سأل فيه نوح على قولين. # أحدهما: أنه ابن نوح لصلبه، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك، والجمهور. # والثاني: أنه ولد على فراشه لغير رشدة ولم يكن ابنه. روى ابن الأنباري ~~باسناده عن الحسن أنه قال: لم يكن ابنه، إن امرأته فجرت. وعن الشعبي ~~قال: لم يكن ابنه، إن امرأته خانته، ms0925 وعن مجاهد نحو ذلك. وقال ابن جريج: ~~ناداه نوح وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد على فراشه. فعلى القول الأول، ~~يكون في معنى قوله: { إنه ليس من أهلك } قولان: # أحدهما: ليس من أهل دينك. # والثاني: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. قال ابن عباس: ما بغت امرأة ~~نبي قط، وإنما المعنى: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. وعلى القول ~~الآخر: الكلام على ظاهره، والأول أصح، لموافقته ظاهر القرآن، ولاجتماع ~~الأكثرين عليه، وهو أولى من رمي زوجة نبي بفاحشة. # قوله تعالى: { إنه عمل غير صالح } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة: «إنه عمل» رفع منون «غير صالح» برفع الراء، وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنه يرجع إلى السؤال فيه، فالمعنى: سؤلك إياي فيه عمل غير ~~صالح، قاله ابن عباس، وقتادة، وهذا ظاهر، لأنه قد تقدم السؤال فيه في ~~قوله: «رب إن ابني من أهلي» فرجعت الكناية إليه. # والثاني: أنه يرجع إلى المسؤول فيه. # وفي هذا المعنى قولان. # أحدهما: أنه لغير رشدة، قاله الحسن. # والثاني: أن المعنى: إنه ذو عمل غير صالح، قاله الزجاج. قال ابن ~~الأنباري: من قال: هو لغير رشدة، قال: المعنى: إن أصل أبنك الذي تظن ~~أنه أبنك عمل غير صالح. ومن قال: إنه ذو عمل غير صالح، قال: حذف ~~المضاف، وأقام العمل مقامه، كما تقول العرب: عبد الله إقبال وإدبار، ~~أي: صاحب إقبال وإدبار. وقرأ الكسائي: «عمل» بكسر الميم وفتح اللام ~~«غير صالح» بفتح الراء، يشير إلى أنه مشرك. # قوله تعالى: { فلا تسألن ما ليس لك به علم } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر: «فلا تسألن» بفتح اللام، وتشديد النون، غير أن نافعا، وابن ~~عامر، كسرا النون، وفتحها ابن كثير، وحذفوا الياء في الوصل والوقف. وقرأ ~~عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، بسكون اللام وتخفيف النون، غير أن أبا ~~عمرو، وأبا جعفر، أثبتا الياء في الوصل، وحذفاها في الوقف، ووقف عليها ~~يعقوب بالياء، والباقون يحذفونها في الحالين. قال أبو علي: من كسر النون، ~~فقد عدى السؤال إلى مفعولين، ms0926 # أحدهما: اسم المتكلم، والآخر: الاسم الموصول، وحذفت النون المتصلة بياء ~~المتكلم لاجتماع النونات. وأما إثبات الياء في الوصل فهو الأصل، وحذفها ~~أخف، والكسرة تدل عليها، وتعلم أن المفعول مراد في المعنى. ثم في معنى ~~الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه نسبته إليه، وليس منه. # والثاني: في إدخاله إياه في جملة أهله الذين وعده نجاتهم. # والثالث: سؤاله في إنجاء كافر من العذاب. # قوله تعالى: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن تكون من الجاهلين في سؤالك من ليس من حزبك. # والثاني: من الجاهلين بوعدي، لأني وعدت بانجاء المؤمنين. # والثالث: من الجاهلين بنسبك، لأنه ليس من أهلك. ### || [11.48] # قوله تعالى: { يانوح اهبط } قال ابن عباس: يريد: من السفينة إلى الأرض. ~~{ بسلام منا } أي: بسلامه. # قوله تعالى: { وبركات عليك } قال المفسرون: البركات عليه: أنه صار أبا ~~للبشر جميعا، لأن جميع الخلق من نسله. { وعلى أمم ممن معك } قال ابن ~~عباس: يريد: من ولدك. قال ابن الأنباري: المعنى: من ذراري من معك، ~~والمراد: المؤمنون من ذريته. ثم ذكر الكفار، فقال: { وأمم } أي: من ~~الذرية أيضا، والمعنى: وفيمن نصف لك أمم، وفيمن نقص عليك أمره ~~أمم. { سنمتعهم } أي: في الدنيا { ثم يمسهم منا عذاب أليم } في ~~الآخرة. قال محمد بن كعب القرظي: لم يبق مؤمن ولا مؤمنة في أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا وقد دخل في ذلك السلام ~~والبركات، ولم يبق كافر إلا دخل في ذلك المتاع والعذاب. ### || [11.49-53] # قوله تعالى: { تلك من أنباء الغيب } في المشار إليه ب «تلك» قولان: # أحدهما: قصة نوح. # والثاني: آيات القرآن، والمعنى: تلك من أخبار ما غاب عنك وعن قومك. # فان قيل: كيف قال هاهنا: «تلك» وفي مكان آخر «ذلك»؟ فقد أجاب عنه ابن ~~الأنباري، فقال: «تلك» إشارة إلى آيات القرآن، و«ذلك» إشارة إلى ~~الخبر والحديث، وكلاهما معروف في اللغة الفصيحة، يقول الرجل: قد قدم ~~فلان، فيقول سامع قوله: قد فرحت به، وقد سررت بها، فاذا ذكر، عنى ~~القدوم، وإذا أنث، ms0927 ذهب إلى القدمة. # قوله تعالى: { من قبل هذا } يعني: القرآن. { فاصبر } كما صبر نوح على ~~أذى قومه { إن العاقبة } أي: آخر الأمر بالظفر والتمكين { للمتقين } أي: ~~لك ولقومك كما كان لمؤمني قوم نوح. # قوله تعالى: { إن أنتم إلا مفترون } أي: ما أنتم إلا كاذبون في ~~إشراككم مع الله الأوثان. وما بعد هذا قد سبق تفسيره [يونس: 72] إلى ~~قوله: { يرسل السماء عليكم مدرارا } وهذا أيضا قد سبق تفسيره في [سورة ~~الأنعام 61]. والسبب في قوله لهم ذلك، أن الله تعالى حبس المطر عنهم ثلاث ~~سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم إحياء بلادهم وبسط الرزق لهم إن ~~آمنوا. # قوله تعالى: { ويزدكم قوة إلى قوتكم } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الولد وولد الولد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يزدكم شدة إلى شدتكم، قاله مجاهد، وابن زيد. # والثالث: خصبا إلى خصبكم، قاله الضحاك. # قوله تعالى: { ولا تتولوا مجرمين } قال مقاتل: لا تعرضوا عن التوحيد ~~مشركين. # قوله تعالى: { ما جئتنا ببينة } أي: بحجة واضحة. { وما نحن بتاركي ~~آلهتنا } يعنون الأصنام. { عن قولك } أي: بقولك، و«الباء» و«عن» ~~يتعاقبان. ### || [11.54-56] # قوله تعالى: { إن نقول } أي: ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن ~~بعض آلهتنا أصابك بجنون لسبك إياها، فالذي تظهر من عيبها لما لحق ~~عقلك من التغيير. قال ابن قتيبة: يقال: عراني كذا، واعتراني: إذا ألم ~~بي. ومنه قيل لمن أتاك يطلب نائلك: عار، ومنه قول النابغة: # أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظن بي الظنون # قوله تعالى: { إني أشهد الله... } إلى آخر الآية. حرك ياء «إني» ~~نافع. ومعنى الآية: إن كنتم تقولون: إن الآلهة عاقبتني لطعني عليها، ~~فاني على يقين من عيبها والبراءة منها، وها أنا ذا أزيد في الطعن عليها، ~~{ فكيدوني جميعا } أي: احتالوا أنتم وأوثانكم في ضري، ثم لاتمهلون. ~~قال الزجاج: وهذا من أعظم آيات الرسل، أن يكون الرسول وحده وأمته ~~متعاونة عليه، فيقول لهم: كيدوني، فلا يستطيع أحد منهم ضره، وكذلك قال ~~نوح لقومه: # فأجمعوا أمركم وشركاءكم # [يونس: 71]. وقال محمد صلى الله ms0928 عليه وسلم. # فإن كان لكم كيد فكيدون # [المرسلات: 39]. # قوله تعالى: { إلا هو آخذ بناصيتها } قال أبو عبيدة: المعنى: أنها في ~~قبضته وملكه وسلطانه. # فان قيل: لم خص الناصية؟ فالجواب: أن الناصية هي شعر مقدم الرأس، فاذا ~~أخذت بها من شخص، فقد ملكت سائر بدنه، وذل لك. # قوله تعالى: { إن ربي على صراط مستقيم } قال مجاهد: على الحق. وقال ~~غيره: في الكلام إضمار، تقديره: إن ربي يدل على صراط مستقيم. فان قيل: ~~ما وجه المناسبة بين قوله: { إلا هو آخذ بناصيتها } وبين كونه على صراط ~~مستقيم؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنه لما أخبر أنه آخذ بنواصي الخلق، كان معناه: أنهم لا يخرجون ~~عن قبضته، فأخبر أنه على طريق لا يعدل عنه هارب، ولا يخفي عليه مستتر. # والثاني: أن المعنى: أنه وإن كان قادرا عليهم، فهو لايظلمهم، ولايريد ~~إلا العدل، ذكرهما ابن الأنباري. ### || [11.57] # قوله تعالى: { فإن تولوا } فيه قولان: # أحدهما: أنه فعل ماضي، معناه: فان أعرضوا. فعلى هذا، في الآية إضمار، ~~تلخيصه: فان أعرضوا فقل لهم: قد أبلغتكم، هذا مذهب مقاتل في آخرين. # والثاني: أنه خطاب للحاضرين، وتقديره: فان تتولوا، فاستثقلوا الجمع ~~بين تاءين متحركتين، فاقتصر على إحداهما، وأسقطت الأخرى، كما قال ~~النابغة: # المرء يهوى أن يعي # ش وطول عيش قد يضره # تفنى بشاشته ويب # قى بعد حلو العيش مره # وتصرف الأيام حت # ى ما يرى شيئا يسره # أراد: وتتصرف الأيام، فأسقط إحدى التاءين، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { ويستخلف ربي قوما غيركم } فيه وعيد لهم بالهلاك. { إن ~~ربي على كل شيء حفيظ } فيه قولان: # أحدهما: حفيظ على أعمال العباد حتى يجازيهم بها. # والثاني: أن «على» بمعنى اللام، فالمعنى: لكل شيء حافظ، فهو يحفظني من ~~أن تنالوني بسوء. ### || [11.58] # قوله تعالى: { ولما جاء أمرنا } فيه قولان: # أحدهما: جاء عذابنا، قاله ابن عباس. # والثاني: جاء أمرنا بهلاكهم. # قوله تعالى: { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا } فيه قولان: # أحدهما: نجيناهم من العذاب بنعمتنا. # والثاني: نجيناهم بأن هديناهم إلى الإيمان، وعصمناهم من الكفر، روي ms0929 ~~القولان عن ابن عباس. # قوله تعالى: { ونجيناهم من عذاب غليظ } أي: شديد، وهو ما استحقه قوم هود ~~من عذاب الدنيا والآخرة. ### || [11.59] # قوله تعالى: { وتلك عاد } يعني القبيلة. { وعصوا رسله } لقائل أن يقول: ~~إنما أرسل إليهم هود وحده، فكيف ذكر بلفظ الجمع؟ فالجواب من ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه قد يذكر لفظ الجمع ويراد به الواحد، كقوله: # أم يحسدون الناس # [النساء:54] والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده. # والثاني: أن من كذب رسولا واحدا فقد كذب الكل. # والثالث: أن كل مرة ينذرهم فيها هي رسالة مجددة وهو بها رسول. # قوله تعالى: { واتبعوا } أي: واتبع الأتباع أمر الرؤساء. # والجبار: الذي طال وفات اليد. وللعلماء في الجبار أربعة أقوال: # أحدها: أنه الذي يقتل على الغضب ويعاقب على الغضب، قاله الكلبي. # والثاني: أنه الذي يجبر الناس على ما يريد، قاله الزجاج. # والثالث: أنه المسلط. # والرابع: أنه العظيم في نفسه، المتكبر على العباد، ذكرهما ابن ~~الأنباري. والذي ذكرناه يجمع هذه الأقوال، وقد زدنا هذا شرحا في ~~[المائدة: 22]. # وأما العنيد: فهو الذي لا يقبل الحق. قال ابن قتيبة: العنود، والعنيد، ~~والعاند: المعارض لك بالخلاف عليك. ### || [11.60-69] # قوله تعالى: { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } أي: ألحقوا لعنة تنصرف ~~معهم. { ويوم القيامة } أي: وفي يوم القيامة لعنوا أيضا. { ألا إن ~~عادا كفروا ربهم } أي: بربهم، فحذف الباء، وأنشدوا: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # قال الزجاج: قوله: «ألا» ابتداء وتنبيه، و«بعدا» منصوب على معنى: ~~أبعدهم الله فبعدوا بعدا، والمعنى: أبعدهم من رحمته. # قوله تعالى: { هو أنشأكم من الأرض } فيه قولان: # أحدهما: خلقكم من آدم، وآدم خلق من الأرض. # والثاني: أنشأكم في الأرض. # وفي قوله: { واستعمركم فيها } ثلاثة أقوال: # أحدها: أعمركم فيها، أي: جعلكم ساكنيها مدة أعماركم، ومنه العمرى، وهذا ~~قول مجاهد. # والثاني: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ألف سنة إلى ثلاثمائة، قاله ~~الضحاك. # والثالث: جعلكم عمارها، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: { قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ms0930 أنهم كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم، لأنه كان ذا حسب وثروة، ~~قاله كعب. # والثاني: أنه كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم، وكانوا يرجون رجوعه إلى ~~دينهم، فلما أظهر إنذارهم، انقطع رجاؤهم، منه وإلى نحو هذا ذهب مقاتل. # والثالث: أنهم كانوا يرجون خيره، فلما أنذرهم، زعموا أن رجاءهم لخيره قد ~~انقطع، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وإننا لفي شك } إن قال قائل: لم قال هاهنا: «وإننا» ~~وقال في (إبراهيم): «وإنا»؟ # فالجواب: أنهما لغتان من لغات قريش السبع التي نزل القرآن عليها. قال ~~الفراء: من قال: «إننا» أخرج الحرف على أصله، لأن كناية المتكلمين «نا» ~~فاجتمعت ثلاث نونات، نونا «إن» والنون المضمومة إلى الألف، ومن قال: ~~«إنا» استثقل الجمع بين ثلاث نونات، وأسقط الثالثة، وأبقى الأولتين؛ ~~وكذلك يقال: إني وإنني، ولعلي ولعلني، وليتي وليتني، قال الله في ~~اللغة العليا: # لعلي أبلغ الأسباب # [غافر: 36]، وقال الشاعر في اللغة الأخرى: # أريني جوادا مات هزلا لعلني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # وقال الله تعالى: # يا ليتني كنت معهم # [النساء: 73]، وقال الشاعر: # كمنية جابر إذ قال ليتي # أصادفه وأتلف بعض مالي # فأما المريب، فهو الموقع للريبة والتهمة. والرحمة يراد بها هاهنا: ~~النبوة. # قوله تعالى: { فما تزيدونني غير تخسير } التخسير: النقصان. # وفي معني الكلام قولان: # أحدهما: فما تزيدونني غير بصارة في خسارتكم، قاله ابن عباس. وقال ~~الفراء: المعنى: فما تزيدونني غير تخسير لكم، أي: كلما اعتذرتم عندي ~~بعذر فهو يزيدكم تخسيرا. وقال ابن الأعرابي: غير تخسير لكم، لا لي. وقال ~~بعضهم: المعنى: فما تزيدونني بما قلتم إلا نسبتي لكم إلى الخسارة. # والقول الثاني: فما تزيدونني غير الخسران إن رجعت إلى دينكم، وهذا ~~معنى قول مقاتل. # فان قيل: فظاهر هذا أنه كان خاسرا، فزادوه خسارا، فقد أسلفنا الجواب ~~في قوله: # لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47]. # قوله تعالى: { هذه ناقة الله لكم آية } قد شرحناها في سورة [الأعراف: ~~73] قوله تعالى: { تمتعوا في داركم } أي: استمتعوا بحياتكم، وعبر عن ~~الحياة بالتمتع، لأن الحي يكون متمتعا بالحواس. # قوله تعالى: ms0931 { ثلاثة أيام } قال المفسرون: لما عقرت الناقة صعد ~~فصيلها إلى الجبل، ورغا ثلاث مرات، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، ألا ~~إن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، ~~واليوم الثالث مسودة؛ فلما أصبحوا في اليوم الأول، إذا وجوههم ~~مصفرة، فصاحوا وضجوا، وبكوا، وعرفوا أنه العذاب، فلما أصبحوا في ~~اليوم الثاني، إذا وجوههم محمرة، فضجوا، وبكوا، فلما أصبحوا في اليوم ~~الثالث، إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا جميعا: ألا قد ~~حضركم العذاب؛ فتكفنوا وألقوا أنفسهم بالأرض، لا يدرون من أين يأتيهم ~~العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الرابع، أتتهم صيحة من السماء فيها صوت ~~كل صاعقة، فتقطعت قلوبهم في صدورهم. وقال مقاتل: حفروا لأنفسهم ~~قبورا، فلما ارتفعت الشمس من اليوم الرابع، ولم يأتهم العذاب، ظنوا أن ~~الله قد رحمهم، فخرجوا من قبورهم يدعو بعضهم بعضا، إذ نزل جبريل، فقام ~~فوق المدينة فسد ضوء الشمس، فلما عاينوه، دخلوا قبورهم، فصاح بهم صيحة: ~~موتوا، عليكم لعنة الله، فخرجت أرواحهم، وتزلزلت بيوتهم فوقعت على ~~قبورهم. قوله تعالى: { ذلك وعد } أي: العذاب { غير مكذوب } أي: غير كذب. # قوله تعالى: { ومن خزي يومئذ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن ~~عامر «يومئذ» بكسر الميم. وقرأ الكسائي بفتحها مع الإضافة. قال مكي: ~~من كسر الميم، أعرب وخفض، لإضافة الخزي إلى اليوم، ولم يبنه؛ ومن ~~فتح، بنى اليوم على الفتح، لإضافته إلى غير متمكن، وهو «إذ» وقرأ ابن ~~مسعود «ومن خزي» بالتنوين، «يومئذ» بفتح الميم. قال ابن الأنباري: هذه ~~الواو في قوله: «ومن خزي» معطوفة على محذوف، تقديره: نجيناهم من العذاب ~~ومن خزي يومئذ. قال: ويجوز أن تكون دخلت لفعل مضمر، تأويله: نجينا صالحا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا، ونجيناهم من خزي يومئذ. قال: وإنما قال: ~~«وأخذ» لأن الصيحة محمولة على الصياح. # قوله تعالى: { ألا بعدا لثمود } اختلفوا في صرف «ثمود» وترك إجرائه في ~~خمسة مواضع: في [هود: 69] # ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # وفي [الفرقان: 38] # وعادا وثمودا وأصحاب الرس # وفي [العنكبوت: 38] # وعادا وثمودا وقد ms0932 تبين لكم # وفي [النجم: 51] # وثمود فما أبقي # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر بالتنوين في أربعة مواضع ~~منها، وتركوا { ألا بعدا لثمود } فلم يصرفوه. وقرأ حمزة بترك صرف هذه ~~الخمسة الأحرف، وصرفهن الكسائي. واختلف عن عاصم، فروى حسين الجعفي عن ~~أبي بكر عنه أنه أجرى الأربعة الأحرف مثل أبي عمرو؛ وروى يحيى بن آدم أنه ~~أجرى ثلاثة، في [هود: 69] # ألا إن ثمودا # وفي [الفرقان: 38] و [العنكبوت: 38]. وروى حفص عنه أنه لم يجر شيئا ~~منها مثل حمزة. # واعلم أن ثمودا يراد به القبيلة تارة، ويراد به الحي تارة. فإذا أريد ~~به القبيلة، لم يصرف، وإذا أريد به الحي، صرف. وما أخللنا به، فقد سبق ~~تفسيره [الأعراف: 73، والتوبة: 70] إلى قوله: { ولقد جاءت رسلنا ~~إبراهيم } والرسل هاهنا: الملائكة. وفي عددهم ستة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا ثلاثة، جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، قاله ابن عباس، ~~وسعيد بن جبير. وقال مقاتل: جبريل، وميكائيل، وملك الموت. # والثاني: أنهم كانوا اثني عشر، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: ثمانية، قاله محمد بن كعب. # والرابع: تسعة، قاله الضحاك. # والخامس: أحد عشر، قاله السدي. # والسادس: أربعة، حكاه الماوردي. # وفي هذه البشرى أربعة أقوال: # أحدها: أنها البشرى بالولد، قاله الحسن، ومقاتل. والثاني: بهلاك قوم ~~لوط، قاله قتادة. والثالث: بنبوته، قاله عكرمة. والرابع: بأن محمدا ~~يخرج من صلبه، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { قالوا سلاما } قال ابن الأنباري: انتصب بالقول، لأنه حرف ~~مقول، والسلام الثاني مرفوع باضمار «عليكم». وقال الفراء: فيه وجهان. # أحدهما: أنه أضمر «عليكم» كما قال الشاعر: # فقلنا السلام فاتقت من أميرها # فما كان إلا ومؤها بالحواجب # والعرب تقول: التقينا فقلنا: سلام سلام. # والثاني: أن القوم سلموا، فقال حين أنكرهم هو: سلام، فمن أنتم؟ ~~لإنكاره إياهم. وقرأ حمزة، والكسائي: «قال سلم»، وهو بمعنى سلام، كما ~~قالوا: حل وحلال، وحرم وحرام؛ فعلى هذا يكون، معنى «سلم»: سلام ~~عليكم. قال أبو علي: فيكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلف اللفظان. ~~وقال الزجاج: من قرأ «سلم» فالمعنى: أمرنا سلم، أي: لا بأس علينا. # قوله ms0933 تعالى: { فما لبث } أي: ما أقام حتى جاء بعجل حنيذ، لأنه ظنهم ~~أضيافا، وكانت الملائكة قد جاءته في صورة الغلمان الوضاء. وفي الحنيذ ~~ستة أقوال: # أحدها: أنه النضيج، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه الذي يقطر ماؤه ودسمه وقد شوي، قاله شمر بن عطية. # والثالث: أنه ما حفرت الأرض ثم غممته، وهو من فعل أهل البادية، ~~معروف، وأصله: محنوذ، فقيل: حنيذ كما قيل: طبيخ للمطبوخ، وقتيل للمقتول. ~~هذا قول الفراء. # والرابع: أنه المشوي، قاله أبو عبيدة. # والخامس: المشوي بالحجارة المحماة، قاله مقاتل، وابن قتيبة. # والسادس: السميط، ذكره الزجاج، وقال: يقال: إنه المشوي فقط، ويقال: ~~المشوي الذي يقطر، ويقال: المشوي بالحجارة. ### || [11.70] # قوله تعالى: { فلما رأى أيديهم } يعنى الملائكة { لاتصل إليه } ~~يعني العجل { نكرهم } أي: أنكرهم. قال أبو عبيدة: نكرهم وأنكرهم ~~واستنكرهم، سواء، قال الأعشى: # فأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # قوله تعالى: { وأوجس منهم خيفة } أي: أضمر في نفسه خوفا. قال الفراء: ~~وكانت سنة في زمانهم إذا ورد عليهم القوم فأتوهم بالطعام فلم ~~يمسوه، ظنوا أنهم عدو أو لصوص، فهنالك أوجس في نفسه خيفة، فرأوا ~~ذلك في وجهه، فقالوا: { لا تخف }. # قوله تعالى: { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } قال الزجاج: أي: أرسلنا ~~بالعذاب إليهم. قال ابن الأنباري: وإنما أضمر ذلك هاهنا، لقيام الدليل ~~عليه بذكر الله تعالى له في سورة أخرى. ### || [11.71-72] # قوله تعالى: { وامرأته قائمة } واسمها سارة. واختلفوا أين كانت قائمة ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب. # والثاني: كانت قائمة تخدمهم، قاله مجاهد، والسدي. # والثالث: كانت قائمة تصلي، قاله محمد بن إسحاق. # وفي قوله: { فضحكت } ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الضحك ها هنا بمعنى التعجب، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن معنى «ضحكت»: حاضت، قاله مجاهد، وعكرمة. قال ابن قتيبة: ~~وهذا من قولهم: ضحكت الأرنب: إذا حاضت. فعلى هذا، يكون حيضها حينئذ ~~تأكيد للبشارة بالولد، لأن من لا تحيض لاتحمل. وقال الفراء: لم نسمع من ~~ثقة أن معنى «ضحكت» ms0934 حاضت. قال ابن الأنباري: أنكر الفراء، وأبو عبيدة، ~~وأبو عبيد أن يكون «ضحكت» بمعنى حاضت، وعرفه غيرهم. قال الشاعر: # تضحك الضبع لقتلى هذيل # وترى الذئب لها يستهل # قال بعض أهل اللغة: معناه: تحيض. # والثالث: أنه الضحك المعروف، وهو قول الأكثرين. # وفي سبب ضحكها ستة أقوال: # أحدها: أنها ضحكت من شدة خوف إبراهيم من أضيافه، وقالت: من ماذا يخاف ~~إبراهيم، وإنما هم ثلاثة، وهو في أهله وغلمانه؟! رواه الضحاك عن ابن ~~عباس، وبه قال مقاتل. # والثاني: أنها ضحكت من بشارة الملائكة لإبراهيم بالولد، وهذا مروي عن ~~ابن عباس أيضا، ووهب بن منبه؛ فعلى هذا إنما ضحكت سرورا بالبشارة، ~~ويكون في الآية تقديم وتأخير، المعنى: وامرأته قائمة فبشرناها فضحكت، وهو ~~اختيار ابن قتيبة. # والثالث: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، قاله قتادة. # والرابع: ضكحت من إمساك الأضياف عن الأكل، وقالت: عجبا لأضيافنا، ~~نخدمهم بأنفسنا، وهم لايأكلون طعامنا! قاله السدي. # والخامس: ضحكت سرورا بالأمن، لأنها خافت كخوف إبراهيم، قاله الفراء. # والسادس: أنها كانت قالت لإبراهيم: اضمم إليك ابن أخيك لوطا، فانه ~~سينزل العذاب بقومه، فلما جاءت الملائكة بعذابهم، ضحكت سرورا بموافقتها ~~للصواب، ذكره ابن الأنباري. # قال المفسرون: قال جبريل لسارة: أبشري أيتها الضاحكة بولد اسمه ~~إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فبشروها أنها تلد إسحاق، وأنها تعيش ~~إلى أن ترى ولد الولد. # وفي معنى الوراء قولان: # أحدهما: أنه بمعنى «بعد»، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره مقاتل، ~~وابن قتيبة. # والثاني: أن الوراء: ولد الولد، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الشعبي، ~~واختاره أبو عبيدة. # فان قيل: كيف يكون يعقوب وراء إسحاق وهو ولده لصلبه، وإنما الوراء: ~~ولد الولد؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: المعنى: ومن وراء المنسوب ~~إلى إسحاق يعقوب، لأنه قد كان الوراء لإبراهيم من جهة إسحاق، فلو ~~قال: ومن الوراء يعقوب، لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق، أم إلى ~~إسماعيل؟ فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس. # قال: ويجوز أن ينسب ولد إبراهيم من غير إسحاق ms0935 إلى سارة على جهة ~~المجاز، فكان تأويل الآية: من الوراء المنسوب إلى سارة، وإلى إبراهيم ~~من جهة إسحاق، يعقوب. ومن حمل الوراء على «بعد» لزم ظاهر العربية. # واختلف القراء في «يعقوب»، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: «يعقوب» بالرفع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: ~~«يعقوب» بالنصب. # قال الزجاج: وفي رفع «يعقوب» وجهان. # أحدهما: على الابتداء المؤخر، معناه التقديم؛ والمعنى: ويعقوب ~~يحدث لها من وراء إسحاق. # والثاني: وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب. ومن نصبه، حمله على المعنى، ~~والمعنى: وهبنا لها إسحاق، ووهبنا لها يعقوب. # قوله تعالى: { يا ويلتي أألد وأنا عجوز } هذه الكلمة تقال عند الإيذان ~~بورود الأمر العظيم. ولم ترد بها الدعاء على نفسها، وإنما هي كلمة ~~تخف على ألسنة النساء عند الأمر العجيب. وقولها: { أألد } استفهام ~~تعجب. قال الزجاج: و { شيخا } منصوب على الحال. قال ابن الأنباري: إنما ~~أشارت بقولها هذا لتنبه على شيخوخيته واختلفوا في سن إبراهيم وسارة ~~يومئذ على أربعة أقوال. # أحدها: أنه كان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة. وسارة بنت ثمان وتسعين ~~سنة. قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه كان إبراهيم ابن مائة سنة، وسارة بنت تسع وتسعين، قاله ~~مجاهد. # والثالث: كان إبراهيم ابن تسعين، وسارة مثله، قاله قتادة. # والرابع: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسعين، قاله عبيد ~~بن عمير، وابن إسحاق. ### || [11.73] # قوله تعالى: { قالوا أتعجبين من أمر الله } أي: من قضائه وقدرته، وهو ~~إيجاد ولد من بين كبيرين. قال السدي: قالت سارة لجبرئيل: ما آية ذلك؟ ~~فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر، فقالت: هو إذن ~~لله ذبيح. # قوله تعالى: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } فيه وجهان. # أحدهما: أنه من دعاء الملائكة لهم. # والثاني: أنه إخبار عن ثبوت ذلك لهم. # ومن تلك البركات وجود أكثر الأنبياء والأسباط من إبراهيم وسارة. # والحميد بمعنى المحمود. فأما المجيد، فقال ابن قتيبة: بمعنى الماجد، وهو ~~الشريف. وقال أبو سليمان الخطابي: هو الواسع ms0936 الكرم. وأصل المجد في ~~كلامهم: السعة، يقال: رجل ماجد: إذا كان سخيا واسع العطاء. وفي بعض ~~الأمثال: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي: استكثرا منها. ### || [11.74-76] # قوله تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } يعني الفزع الذي ~~أصابه حين امتنعوا من الأكل. { يجادلنا } فيه إضمار أخذ وأقبل يجادلنا، ~~والمراد: يجادل رسلنا. # قال المفسرون: لما قالوا له: # إنا مهلكوا أهل هذه القرية # [العنكبوت 31]، قال: أتهلكون قرية فيها مائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: ~~أتهلكون قرية فيها خمسون مؤمنا؟ قالوا: لا. قال: أربعون؟ قالوا: لا. فما ~~زال ينقص حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا. فقال حينئذ: # إن فيها لوطا، قالوا نحن أعلم بمن فيها # [العنكبوت 31]، هذا قول ابن إسحاق. وقال غيره: قيل له: إن كان فيهم ~~خمسة لم نعذبهم، فما كان فيهم سوى لوط وابنتيه. وقال سعيد بن جبير: ~~قال لهم: أتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ قالوا: لا؛ وكان إبراهيم ~~يعدهم أربعة عشر مع امرأة لوط، فسكت واطمأنت نفسه؛ وإنما كانوا ~~ثلاثة عشر فأهلكوا. # قوله تعالى: { إن إبراهيم لحليم أواه } قد فسرناه في [براءة 114]. ~~فعند ذلك قالت الرسل لإبراهيم: { يا إبراهيم أعرض عن هذا } يعنون ~~الجدال. { إنه قد جاء أمر ربك } بعذابهم. وقيل: قد جاء عذاب ربك، فليس ~~بمردود، لأن الله قد قضى به. ### || [11.77-81] # قوله تعالى: { ولما جاءت رسلنا لوطا } قال المفسرون: خرجت الملائكة من ~~عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها عشاء. وقال السدي عن أشياخه: ~~أتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم، لقوا بنت لوط تستقي الماء ~~لأهلها، فقالوا: لها: ياجارية، هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانكم لا تدخلوا ~~حتى آتيكم فرقا عليهم من قومها؛ فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه، أدرك ~~فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لا يأخذهم قومك ~~فيفضحوهم؛ وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا؛ فجاء بهم، ولم يعلم بهم ~~أحد إلا أهل بيت لوط؛ فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاؤوا يهرعون ~~إليه. # قوله تعالى: { سيء بهم } فيه قولان. # أحدهما: ساء ظنه بقومه، ms0937 قاله ابن عباس. # والثاني: ساءه مجيء الرسل، لأنه لم يعرفهم، وأشفق عليهم، من قومه قاله ~~ابن جرير. قال الزجاج: وأصل { سيء بهم } سوىء بهم، من السوء، إلا أن ~~الواو أسكنت ونقلت كسرتها إلى السين. # قوله تعالى: { وضاق بهم ذرعا } قال ابن عباس: ضاق ذرعا بأضيافه. قال ~~الفراء: الأصل فيه: وضاق ذرعه بهم، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط، ~~ونصب الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم 4] ومعناه: اشتعل شيب الرأس. # قال الزجاج: يقال: ضاق فلان بأمره ذرعا: إذا لم يجد من المكروه في ذلك ~~الأمر مخلصا. وذكر ابن الأنباري فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: وقع به مكروه عظيم لايصل إلى دفعه عن نفسه، فالذرع ~~كناية عن هذا المعنى. # والثاني: أن معناه: ضاق صبره وعظم المكروه عليه؛ وأصله من ذرع فلانا ~~القيء: إذا غلبه وسبقه. # والثالث: أن المعنى: ضاق بهم وسعه، فناب الذرع والذراع عن الوسع، لأن ~~الذراع من اليد، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون: ليس هذا في ~~وسعي؛ ويدل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع، فيقولون: ~~ضقت بهذا الأمر ذراعا، قال الشاعر: # إليك إليك ضاق بهم ذراعا # فأما العصيب، فقال أبو عبيدة: العصيب: الشديد الذي يعصب الناس بالشر، ~~وأنشد: # يوم عصيب يعصب الأ بطالا # عصب القوي السلم الطوالا # وقال أبو عبيد: يقال: يوم عصيب، ويوم عصبصب: إذا كان شديدا. # قوله تعالى: { يهرعون إليه } قال ابن عباس، ومجاهد: «يهرعون» يسرعون. ~~وقال الفراء، والكسائي: لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة. قال ~~ابن قتيبة: الإهراع شبيه بالرعدة، يقال: أهرع الرجل: إذا أسرع، على ~~لفظ ما لم يسم فاعله، كما يقال: أرعد. قال ابن الأنباري: الإهراع فعل ~~واقع بالقوم وهو لهم في المعنى، كما قالت العرب: قد أولع الرجل بالأمر، ~~فجعلوه مفعولا، وهو صاحب الفعل، ومثله: أرعد زيد، وسهي عمرو من السهو، ~~كل واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدرا تقدير المفعول، وهو صاحب ~~الفعل لا يعرف له فاعل غيره. # قال: وقال ms0938 بعض النحويين: لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولا، وهذه ~~الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون، وتأويل «أولع زيد»: أولعه طبعه ~~وجبلته، «وأرعد الرجل»: أرعده غضبه، «وسهي عمرو» جعله ساهيا ماله ~~أو جهله، و «أهرع» معناه: أهرعه خوفه ورعبه؛ فلهذه العلة خرج هؤلاء ~~الأسماء مخرج المفعول به. قال: وقال بعض اللغويين: لا يكون الإهراع إلا ~~إسراع المذعور الخائف؛ لا يقال لكل مسرع: مهرع حتى ينضم إلى إسراعه ~~جزع وذعر. قال المفسرون: سبب إهراعهم، أن امرأة لوط أخبرتهم بالأضياف. { ~~ومن قبل } أي: ومن قبل مجيئهم إلى لوط { كانوا يعملون السيئات } يعني ~~فعلهم المنكر. # وفي قوله: { هؤلاء بناتي } قولان: # أحدهما: أنهن بناته لصلبه، قاله ابن عباس. # فإن قيل: كيف جمع، وقد كن اثنتين؟ فالجواب: أنه قد يقع الجمع على اثنين، ~~كقوله: # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء 78]. # والثاني: أنه عنى نساء أمته، لأن كل نبي أبو أمته، والمعنى: أنه عرض ~~عليهم التزويج، أو أمرهم أن يكتفوا بنسائهم، وهذا مذهب مجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وقتادة، وابن جريج. # فإن قيل: كيف عرض تزويج المؤمنات على الكافرين؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنه قد كان يجوز ذلك في شريعته، وكان جائزا في صدر الإسلام ~~حتى نسخ، قاله الحسن. # والثاني: أنه عرض ذلك عليهم بشرط إسلامهم، قاله الزجاج، ويؤكده أن ~~عرضهن عليهم موقوف على عقد النكاح، فجاز أن يقف على شرط آخر. # قوله تعالى: { هن أطهر لكم } قال مقاتل: هن أحل من إتيان الرجال. # قوله تعالى: { فاتقوا الله } فيه قولان: # أحدهما: اتقوا عقوبته. والثاني: اتقوا معصيته. # قوله تعالى: { ولا تخزون في ضيفي } حرك ياء «ضيفي» أبو عمرو، ونافع. ~~وفي معنى هذا الخزي ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الفضيحة، قاله ابن عباس. والثاني: الاستحياء، والمعنى: لا ~~تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه، لأن المضيف يلزمه الاستحياء ~~من كل فعل يصل إلى ضيفه. والعرب تقول: قد خزي الرجل يخزى خزاية: إذا ~~استحيى، قال الشاعر: # من البيض لا تخزي إذا الريح ألصقت # بها مرطها أو زايل الحلي جيدها # والثالث: أنه بمعنى الهلاك، لأن المعرة التي تقع ms0939 بالمضيف في هذه الحال ~~تلزمه هلكة، ذكرهما ابن الأنباري. # قال ابن قتيبة: والضيف هاهنا: بمعنى الأضياف، والواحد يدل على الجميع، ~~كما تقول: هؤلاء رسولي ووكيلي. # قوله تعالى: { أليس منكم رجل رشيد } في المراد بالرشيد قولان: # أحدهما: المؤمن. والثاني: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، رويا عن ~~ابن عباس. # قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد، فيكون المعنى: ~~أليس منكم مرشد يعظكم ويعرفكم قبيح ماتأتون؟ فيكون الرشيد من صفة ~~الفاعل، كالعليم، والشهيد. ويجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد، فيكون ~~المعنى: أليس منكم رجل قد أسعده الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن ~~إتيان هذه المعرة؟ فيجري رشيد مجرى مفعول، كالكتاب الحكيم بمعنى ~~المحكم. # قوله تعالى: { مالنا في بناتك من حق } فيه قولان: # أحدهما: مالنا فيهن حاجة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لسن لنا بأزواج فنستحقهن، قاله ابن إسحاق، وابن قتيبة. # قوله تعالى: { وإنك لتعلم ما نريد } قال عطاء: وإنك لتعلم أنا نريد ~~الرجال، لا النساء. # قوله تعالى: { لو أن لي بكم قوة } أي: جماعة أقوى بهم عليكم. وقيل: أراد ~~بالقوة البطش. { أو آوي إلى ركن شديد } أي: أنضم إلى عشيرة وشيعة ~~تمنعني. وجواب «لو» محذوف على تقدير: لحلت بينكم وبين المعصية. قال ~~أبو عبيدة: قوله: «آوي» من قولهم. أويت إليك، فأنا آوي أويا، ~~والمعنى: صرت إليك وانضممت. ومجاز الركن هاهنا: العشيرة العزيزة الكثيرة ~~المنيعة، وأنشد: # يأوى إلى ركن من الأركان # في عدد طيس ومجد باني # والطيس: الكثير، يقال: أتانا لبن طيس، وشراب طيس، أي: كثير. واختلفوا ~~أي وقت قال هذا لوط؛ فروي عن ابن عباس أن لوطا كان قد أغلق بابه ~~والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم وراء الباب، وهم يعالجون ~~الباب ويرومون تسور الجدار؛ فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب، قالوا: ~~يالوط إنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم؛ ففتح الباب، فدخلوا، ~~واستأذن جبريل ربه في عقوبتهم، فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم، ~~فانصرفوا يقولون: النجاء النجاء، فان في بيت لوط أسحر قوم في الأرض؛ ms0940 ~~وجعلوا يقولون: يالوط، كما أنت حتى تصبح، يوعدونه؛ فقال لهم لوط: متى ~~موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح، قال لو أهلكتموهم الآن، فقالوا: أليس الصبح ~~بقريب؟ وقال أبو صالح عن ابن عباس: إنهم لما تواعدوه، قال في نفسه: ~~ينطلق هؤلاء القوم غدا من عندي، وأبقى مع هؤلاء فيهلكوني، فقال: لو أن ~~لي بكم قوة. # قلت: وإنما يتوجه هذا إذا قلنا: إنه كان قبل علمه أنهم ملائكة. وقال ~~قوم: إنه إنما قال هذا لما كسروا بابه وهجموا عليه. وقال آخرون: لما ~~نهاهم عن أضيافه فأبوا قال هذا. # وفي الجملة، ما أراد بالركن نصر الله وعونه، لأنه لم يخل من ذلك، وإنما ~~ذهب إلى العشيرة والأسرة. # وروى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: # " رحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث الله نبيا بعده ~~إلا في ثروة من قومه ". # قوله تعالى: { لن يصلوا إليك } قال مقاتل: فيه إضمار، تقديره: لن ~~يصلوا إليك بسوء، وذلك أنهم قالوا للوط: إنا نرى معك رجالا سحروا ~~أبصارنا، فستعلم غدا ما تلقى أنت وأهلك؛ فقال له جبريل: { إنا رسل ~~ربك لن يصلوا إليك }. # قوله تعالى: { فأسر بأهلك } قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي «فأسر» باثبات الهمز في اللفظ من أسريت. # وقر أ ابن كثير، ونافع «فاسر بأهلك» بغير همز من سريت، وهما لغتان. قال ~~الزجاج: يقال: سريت، وأسريت: إذا سرت ليلا، قال الشاعر: # سريت بهم حتى تكل مطيهم # وحتى الجياد ما يقدن بأرسان # وقال النابغة: # أسرت عليه من الجوزاء سارية # تزجي الشمال عليه جامد البرد # وقد رووه: سرت. فأما أهله، فقال مقاتل: هم امرأته وابنتاه. واسم ابنتيه: ~~ربثا وزعرثا. وقال السدي: اسم الكبرى: رية، واسم الصغرى: عروبة. # والمراد بأهله: ابنتاه. فأما القطع، فهو بمعنى القطعة؛ يقال: مضى ~~قطع من الليل، أي: قطعة. قال ابن عباس: يريد به: آخر الليل. وقال ابن ~~قتيبة: «بقطع» أي: ببقية تبقى من آخره. وقال ابن الأنباري: ذكر القطع ~~بمعنى القطعة مختص بالليل، ولا يقال: عندي قطع من الثوب، ms0941 بمعنى: عندي ~~قطعة. قوله تعالى: { ولا يلتفت منكم أحد } فيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى: لا يتخلف منكم أحد، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه الالتفات المعروف، قاله مجاهد، ومقاتل. # قوله تعالى: { إلا امرأتك } قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي بنصب التاء. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن جماز عن أبي جعفر ~~برفع التاء. قال الزجاج: من قرأ بالنصب، فالمعنى: فأسر بأهلك إلا ~~امرأتك. ومن قرأ بالرفع، حمله على «ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك». ~~وإنما أمروا بترك الالتفات لئلا يروا عظيم ما ينزل بهم من العذاب. ~~قال ابن الأنباري: وعلى قراءة الرفع، يكون الاستثناء منقطعا، معناه: لكن ~~امرأتك، فإنها تلتفت فيصيبها ما أصابهم؛ فإذا كان استثناء منقطعا، كان ~~التفاتها معصية لربها، لأنه ندب إلى ترك الالتفات. قال قتادة: ذكر ~~لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت هدة العذاب، التفتت ~~فقالت: واقوماه، فأصابها حجر فأهلكها، وهو قوله: { إنه مصيبها ما ~~أصابهم إن موعدهم } للعذاب (الصبح). قوله تعالى: { أليس الصبح بقريب } ~~قال المفسرون: قالت الملائكة: «إن موعدهم الصبح» فقال: أريد أعجل من ~~ذلك، فقالوا له: «أليس الصبح بقريب»؟ ### || [11.82-83] # قوله تعالى: { فلما جاء أمرنا } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أمر الله الملائكة بعذابهم. # والثاني: أن الأمر بمعنى العذاب. # والثالث: أنه بمعنى القضاء بعذابهم. # قوله تعالى: { جعلنا عاليها سافلها } الكناية تعود إلى المؤتفكات، وهي ~~قرى قوم لوط، وقد ذكرناها في [براءة: 70]، ونحن نشير إلى قصة هلاكهم ~~هاهنا. قال ابن عباس: أمر جبريل لوطا بالخروج، وقال: اخرج وأخرج غنمك ~~وبقرك، فقال: كيف لي بذلك وقد أغلقت أبواب المدينة؟ فبسط جناحه، فحمله ~~وبنتيه ومالهم من شيء، فأخرجهم من المدينة، وسأل جبريل ربه، فقال: يا ~~رب ولني هلاك هؤلاء القوم، فأوحى الله إليه أن تول هلاكهم؛ فلما أن ~~بدا الصبح، غدا عليهم جبريل فاحتملها على جناحه، ثم صعد بها حتى خرج ~~الطير في الهواء لا يدري أين يذهب، ثم كفأها عليهم، وسمعوا وجبة ~~شديدة، فالتفتت امرأة لوط، فرماها جبريل بحجر ms0942 فقتلها، ثم صعد حتى أشرف ~~على الأرض، فجعل يتبعهم مسافرهم ورعاتهم ومن تحول عن ~~القرية، فرماهم بالحجارة حتى قتلهم. وقال السدي: اقتلع جبريل الأرض من ~~سبع أرضين، فاحتملها حتى بلغ بها إلى أهل السماء الدنيا، حتى سمع أهل ~~السماء نباح كلابهم، ثم قلبها. وقال غيره: كانت خمس قرى، أعظمها سدوم، ~~وكان القوم أربعة آلاف ألف. وقيل: كان في كل قرية مائة ألف مقاتل، فلما ~~رفعها إلى السماء، لم ينكسر لهم إناء ولم يسقط حتى قلبها عليهم. وقيل: ~~نجا من الخمس واحدة لم تكن تعمل مثل عملهم. وانفرد سعيد بن جبير، فقال: ~~إن جبريل وميكائيل توليا قلبها. # قوله تعالى: { وأمطرنا عليها } في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرى. # والثاني: إلى الأمة. # وفي السجل سبعة أقوال: # أحدها: أنها بالفارسية سنك وكل، السنك: الحجر، والكل: الطين، هذا ~~قول ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وقال مجاهد: أولها حجر، وآخرها ~~طين. وقال الضحاك: يعني الآجر. قال ابن قتيبة: من ذهب إلى هذا القول، ~~اعتبره بقوله: # حجارة من طين # [الذاريات 33] يعنى الآجر. وحكى الفراء أنه طين قد طبخ حتى صار بمنزلة ~~الأرحاء. # والثاني: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض، ومنه نزلت ~~الحجارة، قاله عكرمة. # والثالث: أن السجيل: اسم السماء الدنيا، فالمعنى: حجارة من السماء ~~الدنيا، قاله ابن زيد. # والرابع: أنه الشديد من الحجارة الصلب، قاله أبو عبيدة، وأنشد لابن ~~مقبل: # ورجلة يضربون البيض عن عرض # ضربا تواصت به الأبطال سجينا # ورد هذا القول ابن قتيبة، فقال: هذا بالنون، وذاك باللام، وإنما هو في ~~هذا البيت فعيل من سجنت، أي: حبست، كأنه يثبت صاحبه. # والخامس: أن قوله: «من سجيل» كقولك: من سجل، أي: مما كتب لهم أن ~~يعذبوا به، وهذا اختيار الزجاج. # والسادس: أنه من أسجلته، أي: أرسلته، فكأنها مرسلة عليهم. # والسابع: أنه من أسجلت: إذا أعطيت، حكى القولين الزجاج. # وفي قوله: { منضود } ثلاثة أقوال: # أحدها: يتبع بعضه بعضا، قاله ابن عباس. # والثاني: مصفوف، قاله عكرمة، وقتادة. # والثالث: نضد بعضه على بعض، ms0943 لأنه طين جمع فجعل حجارة، قاله الربيع بن ~~أنس. # قوله تعالى: { مسومة } قال الزجاج: أي معلمة، أخذ من السومة، ~~وهي العلامة. # وفي علامتها ستة أقوال: # أحدها: بياض في حمرة، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # والثاني: أنها كانت مختومة، فالحجر أبيض وفيه نقطة سوداء، أو أسود وفيه ~~نقطة بيضاء، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنها المخططة بالسواد والحمرة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: عليها نضح من حمرة فيها خطوط حمر على هيأة الجزع، قاله عكرمة، ~~وقتادة. # والخامس: أنها كانت معلمة بعلامة يعرف بها أنها ليست من حجارة ~~الدنيا، قاله ابن جريج. # والسادس: أنه كان على كل حجر منها اسم صاحبه، قاله الربيع. وحكي عن بعض ~~من رأى تلك الحجارة أنه قال: كانت مثل رأس الإبل، ومثل مبارك الإبل، ~~ومثل قبضة الرجل. # وفي قوله تعالى: { عند ربك } أربعة أقوال: # أحدها: أن المعنى: جاءت من عند ربك، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: عند ربك معدة، قاله أبو بكر الهزلي. # والثالث: أن المعنى: هذا التسويم لزم هذه الحجارة عند الله إيذانا ~~بنفاذ قدرته وشدة عذابه، قاله ابن الأنباري. # والرابع: أن معنى قوله: «عند ربك» في خزائنه التي لا يتصرف في شيء ~~منها إلا بإذنه. # قوله تعالى: { وما هي من الظالمين ببعيد } في المراد بالظالمين هاهنا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد بالظالمين هاهنا: كفار قريش، خوفهم الله بها، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: أنه عام في كل ظالم؛ قال قتادة: والله ما أجار الله منها ~~ظالما بعد قوم لوط، فاتقوا الله وكونوا منه على حذر. # والثالث: أنهم قوم لوط، فالمعنى: وما هي من الظالمين، أي: من قوم لوط ~~ببعيد، والمعنى: لم تكن لتخطئهم، قاله الفراء. ### || [11.84-85] # قوله تعالى: { وإلى مدين } قد ذكرناه في [الأعراف:85]. # قوله تعالى: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } أي: لاتطففوا؛ وكانوا ~~يطففون مع كفرهم. # قوله تعالى: { إني أراكم بخير } فيه قولان: # أحدهما: أنه رخص الأسعار، قاله ابن العباس، والحسن، ومجاهد. # والثاني: سعة المال، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، ms0944 وبه قال قتادة، ~~وابن زيد. وقال الفراء: أموالكم كثيرة، وأسعاركم رخيصة، فأي حاجة بكم ~~إلى سوء الوزن والكيل؟! # قوله تعالى: { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه غلاء السعر، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: القحط والجدب ~~والغلاء. # والثاني: العذاب في الدنيا، وهوالذي أصابهم، قاله مقاتل. # والثالث: عذاب النار في الآخرة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي: أتموا ذلك بالعدل. ~~والإيفاء: الإتمام. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } بنقص المكيال ~~والميزان. ### || [11.86-95] # قوله تعالى: { بقية الله خير لكم } فيه ثمانية أقوال: # أحدها: ما أبقي الله لكم الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، خير من البخس، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: رزق الله خير لكم، روى عن ابن عباس أيضا، وبه قال سفيان. # والثالث: طاعة الله خير لكم، قاله مجاهد، والزجاج. # والرابع: حظكم من الله خير لكم، قاله قتادة. # والخامس: رحمة الله خير لكم، قاله ابن زيد. # والسادس: وصية الله خير لكم، قاله الربيع. # والسابع: ثواب الله في الآخرة خير لكم، قال مقاتل. # والثامن: مراقبة الله خير لكم، ذكره الفراء. وقرأ الحسن البصري: «تقية ~~الله خير لكم» بالتاء. # قوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين } شرط الإيمان في كونه خيرا لهم، ~~لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عز وجل، عرفوا صحة ما يقول. وفي قوله: { ~~وما أنا عليكم بحفيظ } ثلاثة أقوال: # أحدها: ما أمرت بقتالكم وإكراهكم على الإيمان. # والثاني: ما أمرت بمراقبتكم عند كيلكم لئلا تبخسوا. # والثالث: ما أحفظكم من عذاب الله إن نالكم. # قوله تعالى: { أصلواتك تأمرك } وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: ~~«أصلاتك» على التوحيد. # وفي المراد بصلواته ثلاثة أقوال: أحدها: دينة، قاله عطاء. والثاني: ~~قراءته، قاله الأعمش. والثالث: أنها الصلوات المعروفة. وكان شعيب كثير ~~الصلاة. # قوله تعالى: { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } قال الفراء: معنى الآية: ~~أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء؟ # وفي معنى الكلام على قراءة من قرأ بالنون قولان. # أحدهما: أن فعلهم في أموالهم هو ms0945 البخس والتطفيف، قاله ابن عباس؛ ~~فالمعنى: قد تراضينا فيما بيننا بذلك. # والثاني: أنهم كانوا يقطعون الدراهم والدنانير، فنهاهم عن ذلك، قاله ابن ~~زيد. وقال القرظي: عذبوا في قطعهم الدراهم. قال ابن الأنباري: وقرأ ~~الضحاك بن قيس الفهري «ما تشاء» بالتاء، ونسق «أن تفعل» على «أن تترك»، ~~واستغنى عن الإضمار. قال سفيان الثوري: في معنى هذه القراءة أنه أمرهم ~~بالزكاة فامتنعوا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وابن أبي عبلة: ~~«أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء» بالتاء فيهما؛ ومعنى هذه القراءة كمعنى ~~قراءة الفهري. # وفي قوله: { إنك لأنت الحليم الرشيد } أربعة أقوال: # أحدها: أنهم قالوه استهزاء به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والفراء. # والثاني: أنهم قالوا له: إنك لأنت السفيه الجاهل، فكنى بهذا عن ذلك، ~~ذكره الزجاج. # والثالث: أنهم سبوه بأنه ليس بحليم ولا رشيد، فأثنى الله عز وجل عليه ~~فقال: بل إنك لأنت الحليم الرشيد، لا كما قال لك الكافرون، حكاه أبو ~~سليمان الدمشقي عن أبي الحسن المصيصي. # والرابع: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد حقيقة، وقالوا: أنت حليم رشيد، ~~فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ حكاه الماوردي، وذهب إلى ~~نحوه ابن كيسان. # قوله تعالى: { إن كنت على بينة من ربي } قد تقدم تفسيره [هود 28 و ~~63]. وفي قوله: { ورزقني منه رزقا حسنا } ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحلال؛ قال ابن عباس: وكان شعيب كثير المال. # والثاني: النبوة. والثالث: العلم والمعرفة. # قال الزجاج: وجواب الشرط هاهنا متروك، والمعنى: إن كنت على بينة من ~~ربي، أتبع الضلال؟ فترك الجواب، لعلم المخاطبين بالمعنى، وقد مر مثل ~~هذا. # قوله تعالى: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } قال قتادة: لم ~~أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه. وقال الزجاج: ما أقصد بخلافكم القصد إلى ~~ارتكابه. # قوله تعالى: { إن أريد إلا الإصلاح مااستطعت } أي: ما أريد بما آمركم ~~به إلا إصلاح أموركم بقدر طاقتي. وقدر طاقتي: إبلاغكم لا إجباركم. # قوله تعالى: { وما توفيقي إلا بالله } فتح تاء «توفيقي» أهل ms0946 المدينة، ~~وابن عامر. ومعنى الكلام: ما أصابتي الحق في محاولة صلاحكم إلا بالله. { ~~عليه توكلت } أي: فوضت أمري، وذلك أنهم تواعدوه بقولهم: # لنخرجنك يا شعيب # [الأعراف 88]. { وإليه أنيب } أي: أرجع. # قوله تعالى: { لا يجرمنكم شقاقي } حرك هذه الياء ابن كثير، وأبو ~~عمرو، ونافع. قال الزجاج: لا تكسبنكم عداوتكم إياي أن تعذبوا. # قوله تعالى: { وما قوم لوط منكم ببعيد } فيه قولان: # أحدهما: أنهم كانوا قريبا من مساكنهم. # والثاني: أنهم كانوا حديثي عهد بعذاب قوم لوط. قال الزجاج: كان إهلاك ~~قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها. قال ابن الأنباري: إنما وحد ~~بعيدا، لأنه أزاله عن صفة القوم، وجعله نعتا مكان محذوف، تقديره: وما ~~قوم لوط منكم بمكان بعيد. # قوله تعالى: { إن ربي رحيم ودود } قد سبق معنى الرحيم. # فأما الودود: فقال ابن الأنباري: معناه: المحب لعباده، من قولهم: وددت ~~الرجل أوده ودا وودا، ويقال: وددت الرجل ودادا و ودادة ~~وودادة. وقال الخطابي: هو اسم مأخوذ من الود؛ وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون فعولا في محل مفعول، كما قيل: رجل هيوب، بمعنى مهيب، ~~وفرس ركوب، بمعنى مركوب، فالله سبحانه مودود في قلوب أوليائه لما ~~يتعرفونه من إحسانه إليهم. # والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الواد، أي: أنه يود عباده الصالحين، ~~بمعنى أنه يرضى عنهم بتقبل أعمالهم؛ ويكون معناه: أن يوددهم إلى ~~خلقه كقوله: # سيجعل لهم الرحمن ودا # [مريم 96]. # قوله تعالى: { ما نفقه كثيرا مما تقول } قال ابن الأنباري: معناه: ما ~~نفقه صحة كثير مما تقول، لأنهم كانوا يتدينون بغيره، ويجوز أن يكونوا ~~لاستثقالهم ذلك كأنهم لا يفقهونه. # قوله تعالى: { وإنا لنراك فينا ضعيفا } وفيه أربعة أقوال: # أحدها: ضريرا؛ قال ابن عباس، وابن جبير، وقتادة: كان أعمى، قال الزجاج: ~~ويقال: إن حمير تسمي المكفوف: ضعيفا. # والثاني: ذليلا، قاله الحسن، وأبو روق، ومقاتل. # وزعم أبو روق أن الله لم يبعث نبيا أعمى، ولا نبيا به زمانة. # والثالث: ضعيف البصر، قاله سفيان. # والرابع: عاجزا عن التصرف في المكاسب، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { ولولا رهطك لرجمناك } قال ms0947 الزجاج: لولا عشيرتك لقتلناك ~~بالرجم، والرجم من سيء القتلات، وكان رهطه من أهل ملتهم، فلذلك أظهروا ~~الميل إليهم والإكرام لهم. وذكر بعضهم أن الرجم هاهنا بمعنى الشتم ~~والأذى. # قوله تعالى: { وما أنت علينا بعزيز } فيه قولان: # أحدهما: بكريم. والثاني: بممتنع أن نقتلك. # قوله تعالى: { أرهطي أعز عليكم من الله } وأسكن ياء «رهطي» أهل ~~الكوفة، ويعقوب، والمعنى: أتراعون رهطي في، ولا تراعون الله في؟ # قوله تعالى: { واتخذتموه وراءكم } في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله الجمهور. قال الفراء: المعنى: ~~رميتم بأمر الله وراء ظهوركم. قال الزجاج: والعرب تقول لكل من لا يعبأ ~~بأمر: قد جعل فلان هذا الأمر بظهر، قال الشاعر: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي # بظهر فلا يعيا علي جوابها # والثاني: أنها كناية عما جاء به شعيب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { إن ربي بما تعملون محيط } أي: عالم بأعمالكم، فهو ~~يجازيكم بها. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله: # سوف تعلمون # [الأنعام135]. # فإن قال قائل: كيف قال هاهنا { سوف } وفي سورة أخرى # فسوف # [الأنعام 135]. # فالجواب: أن كلا الأمرين حسن عند العرب، إن أدخلوا الفاء، دلوا على ~~اتصال ما بعد الكلام بما قبله، وإن أسقطوها، بنوا الكلام الأول على ~~أنه قد تم، وما بعده مستأنف، كقوله: # إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا # [البقرة 67]، والمعنى: فقالوا: أتتخذنا، بالفاء، فحذفت الفاء لتمام ما ~~قبلها. قال امرؤ القيس: # فقالت يمين الله مالك حيلة # وما إن أرى عنك الغواية تنجلي # خرجت بها أمشي تجر وراءنا # على إثرنا أذيال مرط مرحل # قال ابن الأنباري: أراد فخرجت، فأسقط الفاء لتمام ما قبلها. ويروى: ~~فقمت بها أمشي. # قوله تعالى: { وارتقبوا إني معكم رقيب } قال ابن عباس: ارتقبوا العذاب، ~~فإني أرتقب الثواب. # قوله تعالى: { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } قال المفسرون: صاح بهم جبريل ~~فماتوا في أمكنتهم. قال محمد بن كعب: عذب أهل مدين بثلاثة أصناف من ~~العذاب، أخذتهم رجفة في ديارهم، حتى خافوا أن تسقط عليهم، فخرجوا منها ~~فأصابهم حر ms0948 شديد، فبعث الله الظلة، فتنادوا: هلم إلى الظل؛ ~~فدخلوا جميعا في الظلة، فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم. قال ابن ~~عباس: لم تعذب أمتان قط بعذاب واحد، إلا قوم شعيب وصالح، فأما قوم ~~صالح، فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب، فأخذتهم من فوقهم، نشأت ~~لهم سحابة كهيئة الظلة فيها ريح بعد أن امتنعت الريح عنهم، فأتوها ~~يستظلون تحتها فأحرقتهم. # قوله تعالى: { كما بعدت ثمود } أي: كما هلكت ثمود. # قال ابن قتيبة: يقال: بعد يبعد: إذا كان بعده هلكة؛ وبعد ~~يبعد: إذا نأى. ### || [11.96-97] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } قال الزجاج: بعلاماتنا التي ~~تدل على صحة نبوته. { وسلطان مبين } أي: حجة بينة. # قوله تعالى: { فاتبعوا أمر فرعون } وهو ما أمرهم به من عبادته ~~واتخاذه إلها. { وما أمر فرعون برشيد } أي: مرشد إلى خير. ### || [11.98] # قوله تعالى: { يقدم قومه يوم القيامة } قال الزجاج: يقال: قدمت ~~القوم أقدمهم، قدما وقدوما: إذا تقدمتهم؛ والمعنى: يقدمهم إلى ~~النار؛ ويدل عليه قوله: { فأوردهم النار } قال ابن عباس: أوردهم بمعنى ~~أدخلهم. وقال قتادة: يمضي بين أيديهم حتى يهجم بهم على النار. # قوله تعالى: { وبئس الورد المورود } قال المفسرون: الورد: الموضع الذي ~~ترده. وقال ابن الأنباري: الورد: مصدر معناه: الورود، تجعله العرب ~~بمعنى الموضع المورود؛ فتلخيص الحرف: وبئس المدخل المدخول النار. ### || [11.99] # قوله تعالى: { وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة }. # في هذه اللعنة قولان: # أحدهما: أنها في الدنيا الغرق، وفي الآخرة عذاب النار، هذا قول الكلبي، ~~ومقاتل. # والثاني: أنها اللعنة في الدنيا من المؤمنين، وفي الآخرة من الملائكة، ~~ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { بئس الرفد المرفود } قال ابن قتيبة: الرفد: العطية؛ يقول: ~~اللعنة بئس العطية؛ يقال: رفدته أرفده: إذا أعطيته وأعنته. والمرفود: ~~المعطى. ### || [11.100] # قوله تعالى: { ذلك من أنباء القرى } يعني ما تقدم من الخبر عن القرى ~~المهلكة. { نقصه عليك } أي: نخبرك به. { منها قائم وحصيد } قال قتادة: ~~القائم: ما يرى مكانه، والحصيد: لا يرى أثره. وقال ابن قتيبة: القائم: ~~الظاهر العين، والحصيد: الذي قد أبيد وحصد. ms0949 وقال الزجاج: القائم: ما ~~بقيت حيطانه، والحصيد: الذي خسف به وما قد امحى أثره. ### || [11.101] # قوله تعالى: { وما ظلمناهم } أي: بالعذاب والإهلاك. { ولكن ظلموا ~~أنفسهم } بالكفر والمعاصي. { فما أغنت عنهم آلهتهم } أي: فما نفعتهم ولا ~~دفعت عنهم شيئا { لما جاء أمر ربك } بالهلاك. { وما زادوهم } ~~يعني الآلهة { غير تتبيب } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التخسير، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، ~~واختاره ابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه الشر، قاله ابن زيد. والثالث: ~~التدمير والإهلاك، قاله أبو عبيدة. # فإن قيل: الآلهة جماد، فكيف قال: «زادوهم»؟ فعنه جوابان: # أحدهما: وما زادتهم عبادتها. # والثاني: أنها في القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا. ### || [11.102] # قوله تعالى: { وكذلك أخذ ربك } أي: وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم ~~بالعذاب أخذ ربك. { إذا أخذ القرى وهي ظالمة } وصف القرى بالظلم، ~~والمراد أهلها. وقال ابن عباس: الظلم هاهنا: بمعنى الكفر. ### || [11.103-104] # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية } يعني: ما ذكر من عذاب الأمم وأخذهم. ~~والآية: العبرة والعظة. { ذلك يوم مجموع له الناس } لأن الخلق يحشرون ~~فيه، ويشهده البر والفاجر، وأهل السماء والأرض.. { وما نؤخره } وروى ~~زيد عن يعقوب، وأبو زيد عن المفضل «وما يؤخره بالياء» والمعنى: وما نؤخر ~~ذلك اليوم إلا لوقت معلوم لا يعلمه إلا الله. ### || [11.105-108] # قوله تعالى: { يوم يأت } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي: ~~«يوم يأتي» بياء في الوصل، وحذفوها في الوقف؛ غير أن ابن كثير كان يقف ~~بالياء، ويصل بالياء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة بغير ياء في الوصل ~~والوقف. قال الزجاج: الذي يختاره النحويون «يوم يأتي» باثبات الياء، ~~والذي في المصحف وعليه أكثر القراءات بكسر التاء، وهذيل تستعمل حذف هذه ~~الياءات كثيرا. وقد حكى الخليل، وسيبويه، أن العرب تقول: لا أدر، فتحذف ~~الياء، وتجتزىء بالكسرة، ويزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. وقال الفراء: ~~كل ياء ساكنة وما قبلها مكسور، أو واو ساكنة وما قبلها مضموم، فإن العرب ~~تحذفها وتجتزىء بالكسرة من الياء، وبالضمة من الواو، وأنشدني بعضهم: # كفاك ms0950 كف ما تليق درهما # جودا وأخرى تعط بالسيف الدما # قال المفسرون: وقوله: { يوم يأتي } يعني: يأتي ذلك اليوم، لا تكلم نفس ~~إلا بإذن الله، فكل الخلائق ساكتون، إلا من أذن الله له في الكلام. ~~وقيل: المراد بهذا الكلام الشفاعة. # قوله تعالى: { فمنهم شقي } قال ابن عباس: منهم من كتبت عليه الشقاوة، ~~ومنهم من كتبت له السعادة. # قوله تعالى: { لهم فيها زفير وشهيق } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الزفير كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، والشهيق ~~كشهيق الحمار في الحلق، وهو آخر ما يفرغ من نهيقه، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل، والفراء. وقال الزجاج: الزفير: شديد ~~الأنين وقبيحه، والشهيق: الأنين الشديد المرتفع جدا، وهما من أصوات ~~المكروبين. وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ~~ابتداء صوت الحمار في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته في النهيق. # والثاني: أن الزفير في الحلق، والشهيق في الصدور، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس، وبه قال أبو العالية، والربيع بن أنس. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ~~الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف. وقال ابن فارس: الشهيق ضد ~~الزفير، لأن الشهيق رد النفس، والزفير إخراج النفس. وقال غيره: ~~الزفير: الشديد، مأخوذ من الزفر، وهو الحمل على الظهر لشدته؛ ~~والشهيق: النفس الطويل الممتد، مأخوذ من قولهم: جبل شاهق، أي: طويل. # والثالث: أن الزفير زفير الحمار، والشهيق شهيق البغال، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض } المعروف فيه قولان. # أحدهما: أنها السموات المعروفة عندنا، والأرض المعروفة؛ قال ابن قتيبة، ~~وابن الأنباري: للعرب في معنى الأبد الفاظ؛ تقول: لا أفعل ذلك ما اختلف ~~الليل والنهار، وما دامت السموات والأرض، وما اختلفت الجرة والدرة، ~~وما أطت الإبل، في أشباه لهذا كثيرة، ظنا منهم أن هذه الأشياء لا ~~تتغير، فخاطبهم الله بما يستعملون في كلامهم. # والثاني: أنها سموات الجنة والنار وأرضهما. # قوله تعالى: { إلا ما شاء ربك } في الاستثناء المذكور في حق أهل النار ~~سبعة أقوال. # أحدها: أن الاستثناء ms0951 في حق الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة، قاله ابن ~~عباس، والضحاك. # والثاني: أنه استثناء لا يفعله، تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ~~ذلك، وعزيمتك على ضربه، ذكره الفراء، وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس: ~~«إلا ما شاء ربك» قال: فقد شاء أن يخلدوا فيها. قال الزجاج: وفائدة ~~هذا، أنه لو شاء أن يرحمهم لرحمهم، ولكنه أعلمنا أنهم خالدون أبدا. # والثالث: أن المعنى: خالدين فيها أبدا، غير أن الله تعالى يأمر النار ~~فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم، فيرجع الاستثناء إلى تلك الحال، قاله ~~ابن مسعود. # والرابع: أن «إلا» بمعنى «سوى» تقول: لو كان معنا رجل إلا زيد، أي: ~~سوى زيد؛ فالمعنى: خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك ~~من الخلود والزيادة، وهذا اختيار الفراء. قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام ~~أن تقول: لأسكننك في هذه الدار حولا إلا ما شئت؛ تريد: سوى ما ~~شئت أن أزيدك. # والخامس: أنهم إذا حشروا وبعثوا، فهم في شروط القيامة؛ فالاستثناء ~~واقع في الخلود بمقدار موقفهم في الحساب، فالمعنى: خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا مقدار موقفهم للمحاسبة، ذكره الزجاج. وقال ابن ~~كيسان: الاستثناء يعود إلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب؛ قال ~~ابن قتبية: فالمعنى: خالدين في النار وخالدين في الجنة دوام السماء ~~والأرض إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك، فكأنه جعل دوام ~~السماء والأرض بمعنى الأبد على ما كانت العرب تستعمل، وإن كانتا قد ~~تتغيران. واستثنى المشيئة من دوامهما، لأن أهل الجنة والنار قد كانوا ~~في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا، لا في الجنة، ولا في ~~النار. # والسادس: أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيرا وشهيقا، إلا ما شاء ~~ربك من أنواع العذاب التي لم تذكر؛ وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر، ~~ولهم مما لم يذكر ما شاء ربك، ذكره الزجاج أيضا. # والسابع: أن «إلا» بمعنى «كما» ومنه قوله: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ms0952 # [النساء 22]، ذكره الثعلبي. # فأما الاستثناء في حق أهل الجنة، ففيه ستة أقوال: # أحدها: أنه استثناء لا يفعله. # والثاني: أن «إلا» بمعنى «سوى». # والثالث: أنه يرجع إلى وقوفهم للحساب ولبثهم في القبور. # والرابع: أنه بمعنى: إلا ما شاء أن يزيدهم من النعيم الذي لم يذكر. # والخامس: أن «إلا» ك «ما»، وهذه الأقوال قد سبق شرحها. # والسادس: أن الاستثناء يرجع إلى لبث من لبث في النار من الموحدين، ثم ~~أدخل الجنة، قاله ابن عباس، والضحاك، ومقاتل. قال ابن قتيبة: فيكون ~~الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار، فكأنه قال: ~~إلا ما شاء ربك من إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة إلا ~~ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة. # واختلف القراء في «سعدوا» فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «سعدوا» بفتح السين. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: بضمها، وهما لغتان. # قوله تعالى: { عطاء غير مجذوذ } نصب عطاء بما دل عليه الكلام، كأنه ~~قال: أعطاهم النعيم عطاء. والمجذوذ: المقطوع؛ قال ابن قتيبة: يقال: ~~جذذت، وجددت، وجذفت، وجدفت: إذا قطعت. ### || [11.109] # قوله تعالى: { فلا تك في مرية } أي: فلا تك يا محمد في شك { مما يعبد ~~هؤلاء } المشركون من الأصنام، أنه باطل وضلال، إنما يقلدون آباءهم، { ~~وإنا لموفهم نصيبهم } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما قدر لهم من خير وشر، قاله ابن عباس. والثاني: نصيبهم من ~~الرزق، قاله أبو العالية. والثالث: نصيبهم من العذاب، قاله ابن زيد. وقال ~~بعضهم: لا ينقصهم من عذاب آبائهم. ### || [11.110] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة { فاختلف فيه } ~~فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن. قال المفسرون: وهذه تعزية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك } قال ابن عباس: يريد: إني ~~أخرت أمتك إلى يوم القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك. وقال ابن ~~قتيبة: لولا نظرة لهم إلى يوم الدين لقضي بينهم في الدنيا. وقال ابن ~~جرير: سبقت من ربك ms0953 أنه لا يعجل على خلقه بالعذاب، لقضي بين المصدق ~~منهم والمكذب باهلاك المكذب وإنجاء المصدق. # قوله تعالى: { وإنهم لفي شك منه } أي: من القرآن { مريب } أي: موقع ~~للريب. ### || [11.111] # قوله تعالى: { وإن كلا } يشير إلى جميع من قص قصته في هذه ~~السورة. وقال مقاتل: يعني به كفار هذه الأمة. وقيل: المعنى: وإن كلا ~~لخلق أو بشر { ليوفينهم }. قرأ أبو عمرو، والكسائي «وإن» مشددة ~~النون، «لما» خفيفة. واللام في «لما» لام التوكيد، دخلت على «ما» وهي خبر ~~«إن» واللام في «ليوفينهم» اللام التي يتلقى بها القسم، ~~والتقدير: والله ليوفينهم، ودخلت «ما» للفصل بين اللامين. قال مكي بن ~~أبي طالب: وقيل: إن «ما» زائدة، لكن دخلت لتفصل بين اللامين اللذين ~~يتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح، ففصل ب «ما» بينهما. وقرأ ابن كثير ~~«وإن» بالتخفيف، وكذلك «لما» قال سيبويه: حدثنا من نثق به أنه سمع من ~~العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق، فيخففون «إن» ويعملونها، وأنشد: # ووجه حسن النحر # كأن ثدييه حقان # وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «وإن» خفيفة، «لما» مشددة، والمعنى: ~~وما كلا إلا؛ وهذا كما تقول: سألتك لما فعلت، وإلا فعلت، ومثله ~~قوله: # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق 4]. وقرأ حمزة، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وإن» بالتشديد، ~~«لما» بالتشديد أيضا. قال أبو علي: هذه قراءة مشكلة، لأنه كما لا يحسن: ~~إن زيدا إلا منطلق، كذلك لا يحسن تثقيل «إن» وتثقيل «لما». وحكي ~~عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في «لما» ولم يبعد فيما قال. ~~وقال مكي بن أبي طالب: الأصل فيها «لمن ما» ثم أدغمت النون في الميم، ~~فاجتمعت ثلاث ميمات في اللفظ، فحذفت الميم المكسورة؛ والتقدير: وإن ~~كلا لمن خلق ليوفينهم، قال: وقيل: التقدير: «لمن ما» بفتح ~~الميم في «من» فتكون «ما» زائدة، وتحذف إحدى الميمات لتكرير الميم في ~~اللفظ؛ والتقدير: لخلق ليوفينهم، ومعنى الكلام: ليوفينهم جزاء ~~أعمالهم. ### || [11.112] # قوله تعالى: { فاستقم كما أمرت } قال ابن عيينة: استقم على القرآن. ~~وقال ابن قتيبة: امض على ما ms0954 أمرت به. # قوله تعالى: { ومن تاب معك } قال ابن عباس: من تاب معك من الشرك. # قوله تعالى: { ولا تطغوا } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تطغوا في القرآن، فتحلوا وتحرموا مالم آمركم به، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: لا تعصوا ربكم ولا تخالفوه، قاله ابن زيد. # والثالث: لا تخلطوا التوحيد بشك، قاله مقاتل. ### || [11.113] # قوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } روى عبد الوارث عن أبي ~~عمرو: «تركنوا» بفتح التاء وضم الكاف، وهي قراءة قتادة. وروى هارون عن ~~أبي عمرو «تركنوا» بفتح التاء وكسر الكاف. وروى محبوب عن أبي عمرو: ~~«تركنوا» بكسر التاء وفتح الكاف. وقرأ ابن أبي عبلة «تركنوا» بضم ~~التاء وفتح الكاف على مالم يسم فاعله. وفي المراد بهذا الركون أربعة ~~أقوال: # أحدها: لا تميلوا إلى المشركين، قاله ابن عباس. # والثاني: لا ترضوا أعمالهم، قاله أبو العالية. # والثالث: لا تلحقوا بالمشركين، قاله قتادة. # والرابع: لا تداهنوا الظلمة، قاله السدي، وابن زيد. # وفي قوله: { فتمسكم النار } وجهان. أحدهما: فتصيبكم النار، قاله ابن ~~عباس. والثاني: فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما ~~جاورها، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وما لكم من دون الله من أولياء } أي: ليس لكم أعوان ~~يمنعونكم من العذاب. ### || [11.114] # قوله تعالى: { وأقم الصلاة طرفي النهار } أما سبب نزولها، فروى علقمة ~~والأسود عن ابن مسعود أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أخذت ~~امرأة في البستان فقبلتها، وضممتها، إلي وباشرتها، وفعلت بها كل ~~شيء، غير أني لم أجامعها، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ~~تعالى { وأقم الصلاة طرفي النهار... } الآية، فدعا الرجل فقرأها عليه، ~~فقال عمر: أهي له خاصة، أم للناس كافة؟ قال:«لا، بل للناس كافة». وفي ~~رواية أخرى عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله، ~~فذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية، فقال الرجل: ألي هذه الآية؟ فقال: «لمن ~~عمل بها من أمتي» وقال معاذ بن جبل: كنت قاعدا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فجاء رجل، فقال: ms0955 يا رسول الله، ما تقول في رجل أصاب من امرأة ~~مالا يحل له، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا أصابه منها، غير ~~أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " توضأ وضوءا حسنا، ثم قم فصل ". # فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال معاذ: أهي له خاصة، أم للمسلمين عامة؟ ~~فقال: «بل هي للمسلمين عامة». واختلفوا في اسم هذا الرجل، فقال أبو صالح ~~عن ابن عباس: هو عمرو بن غزية الأنصاري، وفيه نزلت هذه الآية، كان يبيع ~~التمر، فأتته امرأة تبتاع منه تمرا، فأعجبته، فقال: إن في البيت تمرا ~~أجود من هذا، فانطلقي معي حتى أعطيك منه؛ فذكر نحو حديث معاذ وقال مقاتل: ~~هو أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري. وذكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ~~الحافظ أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري. وذكر في الذي قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، أله خاصة؟ ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أبو اليسر صاحب القصة. والثاني: معاذ بن جبل. والثالث: عمر ~~بن الخطاب. # فأما التفسير، فقوله: { وأقم الصلاة } أي: أتم ركوعها وسجودها. # فأما طرفا النهار، ففي الطرف الأول قولان: # أحدهما: أنه صلاة الفجر، قاله الجمهور. والثاني: أنه الظهر، حكاه ابن ~~جرير. وفي الطرف الثاني ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه صلاة المغرب، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: العصر، قاله ~~قتادة. وعن الحسن كالقولين. والثالث: الظهر، والعصر، قاله مجاهد، ~~والقرظي. وعن الضحاك كالأقوال الثلاثة. # قوله تعالى: { وزلفا من الليل } وقرأ أبو جعفر، وشيبة «و زلفا» ~~بضم اللام. قال أبو عبيدة: الزلف: الساعات، واحدها: زلفة، أي: ساعة ~~ومنزلة وقربة، ومنه سميت المزدلفة، قال العجاج: # ناج طواه الأين مما أوجفا # طي الليالي زلفا فزلفا # سماوة الهلال حتى احقوقفا # قال ابن قتيبة: ومنه يقال: أزلفني كذا عندك، أي: أدناني؛ والمزالف: ~~المنازل والدرج، وكذلك الزلف. # وفيها للمفسرين قولان: # أحدهما: أنها صلاة العتمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعوف عن ~~الحسن، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ابن زيد. # والثاني: أنها صلاة ms0956 المغرب والعشاء، روي عن ابن عباس أيضا، ورواه يونس ~~عن الحسن، ومنصور عن مجاهد، وبه قال قتادة، ومقاتل، والزجاج. # قوله تعالى: { إن الحسنات يذهبن السيئات } في المراد بالحسنات قولان: # أحدهما: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، ~~ومسروق، ومجاهد، والقرظي، والضحاك، والمقاتلان: ابن سليمان، وابن حيان. # والثاني: أنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ~~رواه منصور عن مجاهد. والأول أصح، لأن الجمهور عليه، وفيه حديث مسند عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه توضأ، وقال: # " من توضأ وضوئي هذا، ثم صلى الظهر، غفر له ما كان بينها وبين صلاة ~~الصبح، ومن صلى العصر، غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر، ومن صلى المغرب، ~~غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء، غفر له ما بينها وبين ~~صلاة المغرب، ثم لعله أن يبيت ليلته يتمرغ، ثم إن قام فتوضأ وصلى ~~الصبح، غفر له ما بينه وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات ". # فأما السيئات المذكورة هاهنا، فقال المفسرون: هي الصغائر من الذنوب. وقد ~~روى معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني؛ قال: # " اتق الله حيثما كنت»، قال: قلت: زدني؛ قال: «أتبع السيئة الحسنة ~~تمحها»، قلت: زدني؛ قال: «خالق الناس بخلق حسن ". # قوله تعالى: { ذلك ذكرى للذاكرين } في المشار إليه ب «ذلك» ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه القرآن. والثاني: إقام الصلاة. والثالث: جميع ما تقدم من ~~الوصية بالاستقامة، والنهي عن الطغيان، وترك الميل إلى الظالمين، ~~والقيام بالصلاة. # وفي المراد بالذكرى قولان. # أحدهما: أنه بمعنى التوبة. والثاني: بمعنى العظة. ### || [11.115] # قوله تعالى: { واصبر } فيما أمر بالصبر عليه قولان: # أحدهما: لما يلقاه من أذى قومه. والثاني: الصلاة. # وفي المراد بالمحسنين ثلاثة أقوال: # أحدها: المصلون، قاله ابن عباس. والثاني: المخلصون، قاله مقاتل. ~~والثالث: أنهم المحسنون في أعمالهم، قاله أبو سليمان. ### || [11.116] # قوله تعالى: { فلولا كان من القرون } قال ابن عباس، والفراء: المعنى: ~~فلم ms0957 يكن. وقال ابن قتيبة: المعنى: فهلا كان من القرون من قبلكم أولو ~~بقية. وروى ابن جماز عن أبي جعفر «أولو بقية» بكسر الباء وسكون القاف ~~وتخفيف الياء. # وفي معنى «أولو بقية» ثلاثة أقوال. # أحدها: أولو دين، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: يقال: قوم لهم بقية، ~~وفيهم بقية: إذا كانت بهم مسكة وفيهم خير. والثاني: أولو تمييز. ~~والثالث: أولو طاعة، ذكرهما الزجاج، وقال: إذا قلت: فلان فيه بقية، ~~فمعناه: فيه فضل. # قوله تعالى: { إلا قليلا } استثناء منقطع، أي: لكن قليلا ممن أنجينا ~~منهم ممن نهى عن الفساد. قال مقاتل: لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي ~~والشرك إلا قليلا ممن أنجينا من العذاب مع الرسل. # قوله تعالى: { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } أي: اتبعوا مع ظلمهم ~~ما أترفوا فيه مع استدامة نعيمهم، فلم يقبلوا ما ينقص من ترفهم. قال ~~الفراء: آثروا اللذات على أمر الآخرة. قال: ويقال: اتبعوا ذنوبهم السيئة ~~إلى النار. ### || [11.117] # قوله تعالى: { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } فيه قولان: # أحدهما: بغير جرم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: بشرك، ذكره ابن ~~جرير، وأبو سليمان. وفي قوله: { وأهلها مصلحون } ثلاثة أقوال: # أحدها: ينتصف بعضهم من بعض، رواه قيس بن أبي حازم عن جرير. قال أبو جعفر ~~الطبري: فيكون المعنى: لايهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين، وإنما ~~يهلكهم إذا تظالموا. # والثاني: مصلحون لأعمالهم، متمسكون بالطاعة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثالث: مؤمنون، قاله مقاتل. ### || [11.118-119] # قوله تعالى: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } قال ابن عباس: ~~لو شاء أن يجعلهم كلهم مسلمين لفعل. # قوله تعالى: { ولا يزالون مختلفين } في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم أهل الحق وأهل الباطل، رواه الضحاك عن ابن عباس؛ فيكون ~~المعنى: إن هؤلاء يخالفون هؤلاء. # والثاني: أنهم أهل الأهواء لا يزالون مختلفين، رواه عكرمة عن ابن عباس. # قوله تعالى: { إلا من رحم ربك } قال ابن عباس: هم أهل الحق. وقال ~~الحسن: أهل رحمة اللة لايختلفون. # قولة تعالى: { ولذلك خلقهم ms0958 } في المشار إليه بذلك أربعة أقوال: # أحدها: أنه يرجع إلى ماهم عليه. قال ابن عباس: خلقهم فريقين، فريقا ~~يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم يختلف. # والثاني: أنه يرجع إلى الشقاء والسعادة، قاله ابن عباس أيضا، واختاره ~~الزجاج، قال: لأن اختلافهم مؤديهم إلى سعادة وشقاوة. قال ابن جرير: ~~واللام في قوله: «ولذلك» بمعنى «على». # والثالث: أنه يرجع إلى الاختلاف، رواه مبارك عن الحسن. # والرابع: أنه يرجع إلى الرحمة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~ومجاهد، والضحاك، وقتادة؛ فعلى هذا يكون المعنى: ولرحمته خلق الذين لا ~~يختلفون في دينهم. # قوله تعالى: { وتمت كلمة ربك } قال ابن عباس: وجب قول ربك: { لأملأن ~~جهنم } من كفار الجنة، وكفار الناس. ### || [11.120] # قوله تعالى: { وكلا نقص } قال الزجاج: «كلا» منصوب ب «نقص»، ~~المعنى: كل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك. و «ما» منصوبة ~~بدلا من كل، المعنى: نقص عليك ما نثبت به فؤادك؛ ومعنى تثبيت الفؤاد ~~تسكين القلب هاهنا، ليس للشك، ولكن كلما كان البرهان والدلالة أكثر كان ~~القلب أثبت. # قوله تعالى: { وجاءك في هذه الحق } في المشار إليه ب «هذه» أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها السورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير وأبو ~~العالية، ورواه شيبان عن قتادة. # والثاني: أنها الدنيا، فالمعنى: وجاءك في هذه الدنيا، رواه سعيد عن ~~قتادة؛ وعن الحسن كالقولين. # والثالث: أنها الأقاصيص المذكورة. # والرابع: أنها هذه الآية بعينها، ذكر القولين ابن الأنباري. # وفي المراد بالحق هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها البيان. والثاني: صدق القصص والأنباء. والثالث: النبوة. # فإن قيل: أليس قد جاءه الحق في كل القرآن، فلم خص هذه السورة؟ # فالجواب أنا إن قلنا: إن الحق النبوة، فالإشارة ب «هذه» إلى ~~الدنيا، فيكون المعنى: وجاءك في هذه الدنيا النبوة، فيرتفع الإشكال. ~~وإن قلنا: إنها السورة، فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أن المراد بالحق البيان، وهذه السورة جمعت من تبيين إهلاك ~~الأمم، وشرح مآلهم، ما لم يجمع غيرها، فبان أثر التخصيص، وهذا مذهب بعض ~~المفسرين. # والثاني: أن بعض الحق ms0959 أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا، ولهذا ~~يقول الناس: فلان في الحق: إذا كان في الموت، وإن لم يكن قبله في باطل، ~~ولكن لتعظيم ما هو فيه، فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره، ~~وهذا مذهب الزجاج. # والثالث: أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها، وإن كان في غيرها حق ~~أيضا، فهو كقوله: # والصلاة الوسطى # [البقرة 238]، وقوله: # وجبريل وميكال # [البقرة 98]، وهذا مذهب ابن الأنباري. # والرابع: أن المعنى: وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك من سائر ~~السور، قاله ابن جرير الطبري. # قوله تعالى: { وموعظة وذكرى للمؤمنين } أي: يتعظون إذا سمعوا هذه ~~السورة وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم. ### || [11.121-122] # قوله تعالى: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم } هذا تهديد ~~ووعيد، والمعنى: اعملوا ما أنتم عاملون، فستعلمون عاقبة أمركم، { ~~وانتظروا } ما يعدكم الشيطان { إنا منتظرون } ما يعدنا ربنا. # فصل # قال المفسرون: وهذه الآية اقتضت تركهم على أعمالهم، والاقتناع بإنذارهم، ~~وهي منسوخة بآية السيف. # واعلم أنه إذا قلنا: إن المراد بالآية التهديد، لم يتوجه نسخ. ### || [11.123] # قوله تعالى: { ولله غيب السموات والأرض } أي: علم ما غاب عن العباد ~~فيهما. { وإليه يرجع الأمر كله } قرأ نافع، وحفص عن عاصم «يرجع ~~الأمر كله» بضم الياء. وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم «يرجع» بفتح ~~الياء، والمعنى: إن كل الأمور ترجع إليه في المعاد. { فاعبده } أي: ~~وحده. { وتوكل عليه } أي: ثق به. { وما ربك بغافل عما يعملون } ~~قرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم «تعملون» بالتاء. وقرأ الباقون ~~بالياء. قال أبو علي: فمن قرأ بالياء، فالمعنى: قل لهم: وما ربك بغافل ~~عما يعملون. ومن قرأ بالتاء، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولجميع ~~الخلق مؤمنهم وكافرهم، فهو أعم من الياء، وهذا وعيد، والمعنى: إنه ~~يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة ~~«هود». ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1] # فصل في نزولها. # هي مكية بالإجماع. وفي سبب نزولها قولان. أما القول الأول، فروي عن سعد ~~بن أبي وقاص. قال: أنزل القرآن ms0960 على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاه ~~عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: { ~~آلر. تلك آيات الكتاب المبين } إلى قوله: { نحن نقص عليك أحسن القصص } ، ~~فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني # [الزمر: 23] كل ذلك يؤمرون بالقرآن. وقال عون بن عبد الله: مل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة، فقالوا: يا رسول الله حدثنا، ~~فأنزل الله عز وجل # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني # [الزمر: 23]، ثم إنهم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله، فوق ~~الحديث، ودون القرآن، يعنون القصص، فأنزل الله { نحن نقص عليك أحسن القصص ~~} ، فأراد الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص، فدلهم على أحسن ~~القصص. والثاني: رواه الضحاك عن ابن عباس قال: سألت اليهود النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، فأنزل الله ~~عز وجل { الر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربيا } وذلك ~~أن التوراة بالعبرانية، والإنجيل بالسريانية، وأنتم قوم عرب، ولو أنزلته ~~بغير العربية ما فهمتموه. وقد بينا تفسير أول هذه السورة في أول (يونس)، ~~إلا أنه قد ذكر ابن الأنباري زيادة وجه في هذه السورة، فقال: لما لحق ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملل وسآمة، فقالوا له: حدثنا بما ~~يزيل عنا هذا الملل، فقال: «تلك الأحاديث التي تقدرون الانتفاع بها ~~وانصراف الملل، هي آيات الكتاب المبين». # وفي معنى { المبين } خمسة أقوال. # أحدها: البين حلاله وحرامه، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: المبين ~~للحروف التي تسقط عن ألسن الأعاجم، رواه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. ~~والثالث: البين هداه ورشده، قاله قتادة. والرابع: المبين للحق من ~~الباطل. والخامس: البين إعجازه فلا يعارض، ذكرهما الماوردي. ### || [12.2] # قوله تعالى: { إنا أنزلناه } في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله الجمهور. والثاني: إلى خبر يوسف، ~~ذكره الزجاج، وابن القاسم. # قوله تعالى: { قرآنا عربيا } قد ms0961 ذكرنا معنى القرآن واشتقاقه في سورة ~~[النساء: 82]. وقد اختلف الناس، هل في القرآن شيء بغير العربية، أم لا، ~~فمذهب أصحابنا أنه ليس فيه شيء بغير العربية. وقال أبو عبيدة: من زعم أن ~~في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول، واحتج بقوله: # إنا جعلناه قرآنا عربيا # [الزخرف: 3] وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة أن فيه من غير لسان ~~العرب، مثل «سجيل» و«المشكاة» و«اليم» و«الطور» و«أباريق» و«إستبرق» ~~وغير ذلك. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قال أبو عبيد: وهؤلاء ~~أعلم من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب، وذهب هو إلى غيره، وكلاهما ~~مصيب إن شاء الله، وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال: ~~أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها فعربته فصار عربيا بتعريبها ~~إياه، فهي عربية في هذه الحالة، أعجمية الأصل، فهذا القول يصدق ~~الفريقين جميعا. # قوله تعالى: { لعلكم تعقلون } قال ابن عباس: لكي تفهموا. ### || [12.3] # قوله تعالى: { نحن نقص عليك أحسن القصص } قد ذكرنا سبب نزولها في أول ~~الكلام. وقد خصت بسبب آخر، فروي عن سعيد بن جبير قال: اجتمع أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلى سلمان، فقالوا: حدثنا عن التوراة فانها ~~حسن ما فيها، فأنزل الله تعالى { نحن نقص عليك أحسن القصص } يعني: قصص ~~القرآن أحسن مما في التوراة. قال الزجاج: والمعنى نحن نبين لك أحسن ~~البيان، والقاص، الذي يأتي بالقصة على حقيقتها. قال: وقوله: { بما ~~أوحينا إليك } أي: بوحينا إليك هذا القرآن. # قال العلماء: وإنما سميت قصة يوسف أحسن القصص، لأنها جمعت ذكر ~~الأنبياء، والصالحين، والملائكة، والشياطين، والأنعام، وسير الملوك، ~~والمماليك، والتجار، والعلماء، والرجال، والنساء، وحيلهن، وذكر التوحيد، ~~والفقه، والسر، وتعبير الرؤيا، والسياسة، والمعاشرة، وتدبير المعاش، ~~والصبر على الأذى، والحلم؛ والعز، والحكم، إلى غير ذلك من العجائب. # قوله تعالى: { وإن كنت } في «إن» قولان: # أحدهما: أنها بمعنى «قد». والثاني: بمعنى «ما» # قوله تعالى: { من قبله } قال ابن عباس: من قبل نزول القرآن. { لمن ~~الغافلين } عن علم خبر يوسف وما ms0962 صنع به إخوته. ### || [12.4-5] # قوله تعالى: { إذ قال يوسف لأبيه } في «إذ» قولان: # أحدهما: أنها صلة للفعل المتقدم، والمعنى: نحن نقص عليك إذ قال يوسف. # والثاني: أنها صلة لفعل مضمر، تقديره: اذكر إذ قال يوسف، ذكرهما ~~الزجاج، وابن الأنباري. # قوله تعالى: { يا أبت } قرأ أبو جعفر، وابن عامر بفتح التاء، ووقفا ~~بالهاء، وافقهما ابن كثير في الوقف بالهاء، وقرأ الباقون بكسر التاء. فمن ~~فتح التاء، أراد: يا أبتا، فحذف الألف كما تحذف الياء، فبقيت الفتحة دالة ~~على الألف، كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء. ومن وقف على الهاء، فلان ~~تاء التأنيث تبدل منها الهاء في الوقف. وقرأ أبو جعفر أحد عشر، وتسعة ~~عشر، بسكون العين فيهما. # وفي مارآه يوسف قولان: # أحدهما: أنه رأى الشمس والقمر والكواكب، وهو قول الأكثرين. قال الفراء: ~~وإنما قال: «رأيتهم» على جمع ما يعقل، لأن السجود فعل ما يعقل، كقوله: # يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18]. قال المفسرون: كانت الكواكب في التأويل إخوته، والشمس ~~أمه، والقمر أباه، فلما قصها على يعقوب أشفق من حسد إخوته. وقال ~~السدي: الشمس أبوه، والقمر خالته، لأن أمه كانت قد ماتت. # والثاني: أنه رأى أبويه وإخوته ساجدين له، فكنى عن ذكرهم، وهذا مروي عن ~~ابن عباس، وقتادة. فأما تكرار قوله: { رأيتهم } فقال الزجاج: إنما كرره ~~لما طال الكلام توكيدا. # وفي سن يوسف لما رأى هذا المنام ثلاثة أقوال: # أحدها: سبع سنين. والثاني: اثنتا عشرة سنة والثالث: سبع عشرة سنة. # قال المفسرون: علم يعقوب أن إخوة يوسف يعلمون تأويل رؤياه، فقال: { لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } ، قال ابن قتيبة: يحتالوا لك ~~حيلة ويغتالوك. وقال غيره: اللام صلة، والمعنى: فيكيدوك. والعدو المبين: ~~الظاهر العداوة. ### || [12.6] # قوله تعالى: { وكذلك يجتبيك ربك } قال الزجاج، وابن الأنباري: ومثل ما ~~رأيت من الرفعة والحال الجليلة، يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك. وقد ~~شرحنا في [الأنعام: 87] معنى الاجتباء. وقال ابن عباس: يصطفيك بالبنوة. # قوله تعالى: { ويعلمك من تأويل الأحاديث } فيه ثلاثة اقوال: # أحدها: أنه ms0963 تعبير الرؤيا، قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة، فعلى هذا سمي ~~تأويلا لأنه بيان ما يؤول أمر المنام إليه. # والثاني: أنه العلم والحكمة، قاله ابن زيد. # والثالث: تأويل أحاديث الأنبياء والأمم والكتب، ذكره الزجاج. قال مقاتل: ~~و«من» هاهنا صلة. # قوله تعالى: { ويتم نعمته عليك } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بالنبوة، قاله ابن عباس. # والثاني: باعلاء الكلمة. # والثالث: بأن أحوج إخوته إليه حتى أنعم عليهم، ذكرهما الماوردي. # وفي { آل يعقوب } ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم ولده، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: يعقوب وامرأته ~~وأولاده الأحد عشر، أتم عليهم نعمته بالسجود ليوسف، قاله مقاتل. والثالث: ~~أهله، قاله أبو عبيدة، واحتج بأنك إذا صغرت الآل، قلت: أهيل. # قوله تعالى: { كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق } قال عكرمة: ~~فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار، ونعمته على إسحاق أن نجاه من ~~الذبح. # قوله تعالى: { إن ربك عليم } أي: عليم حيث يضع النبوة { حكيم } في ~~تدبير خلقه. ### || [12.7] # قوله تعالى: { لقد كان في يوسف وإخوته } أي: في خير يوسف وقصة إخوته { ~~آيات } أي: عبر لمن سأل عنهم، فكل حال من أحواله آية. وقرأ ابن كثير ~~«آية». قال المفسرون: وكان اليهود قد سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن قصة يوسف، فأخبرهم بها كما في التوراة، فعجبوا من ذلك. # وفي وجه هذه الآيات خمسة أقوال: # أحدها: الدلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم حين أخبر أخبار قوم لم ~~يشاهدهم، ولا نظر في الكتب. والثاني ما أظهر الله في قصة يوسف من عواقب ~~البغي عليه. والثالث: صدق رؤياه وصحة تأويله. والرابع: ضبط نفسه وقهر ~~شهوته حتى قام بحق الأمانة. والخامس: حدوث السرور بعد اليأس. # فإن قيل: لم خص السائلين، ولغيرهم فيها آيات أيضا؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن المعنى: للسائلين وغيرهم، فاكتفى بذكر السائلين من غيرهم، ~~كما اكتفى بذكر الحر من البرد في قوله: # تقيكم الحر # [النحل: 81]. # والثاني: أنه إذا كان للسائلين عن خبر يوسف آية، كان لغيرهم آية أيضا؛ ~~وإنما خص السائلين، لأن سؤالهم ms0964 نتج الأعجوبة وكشف الخبر. ### || [12.8] # قوله تعالى: { إذ قالوا } يعني إخوة يوسف. { ليوسف وأخوه } يعنون ~~ابن يامين. وإنما قيل له: ابن يامين، لأن أمه ماتت نفساء. ويامين بمعنى ~~الوجع، وكان أخاه لأمه وأبيه. والباقون إخوته لأبيه دون أمه. # فأما العصبة، فقال الزجاج: هي في اللغة الجماعة الذين أمرهم واحد يتابع ~~بعضهم بعضا في الفعل، ويتعصب بعضهم لبعض. # وللمفسرين في العصبة ستة أقوال: # أحدها: أنها ما كان أكثر من عشرة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: ~~أنها ما بين العشرة إلى الأربعين، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ~~قتادة. والثالث: أنها ستة أو سبعة، قاله سعيد بن جبير. والرابع: أنها من ~~عشرة إلى خمسة عشر، قاله مجاهد. والخامس: الجماعة، قاله ابن زيد، وابن ~~قتيبة، والزجاج. والسادس: عشرة، قاله مقاتل. وقال الفراء: العصبة عشرة ~~فما زاد. # قوله تعالى: { إن أبانا لفي ضلال مين } فيه ثلاثة اقوال: # أحدها: لفي خطأ من رأيه، قاله ابن زيد. والثاني: في شقاء، قاله ~~مقاتل؛ والمراد به عناء الدنيا. والثالث: لفي ضلال عن طريق الصواب الذي ~~يقتضي تعديل المحبة بيننا، لأن نفعنا له أعم. قال الزجاج: ولو نسبوه إلى ~~الضلال في الدين كانوا كفارا، إنما أرادوا: إنه قدم ابنين صغيرين ~~علينا في المحبة ونحن جماعة نفعنا أكثر. ### || [12.9] # قوله تعالى: { اقتلوا يوسف } قال أبو علي: قرأ ابن كثير، ونافع، ~~والكسائي: «مبين اقتلوا» بضم التنوين، لأن تحريكه يلزم لالتقاء ~~السكانين، فحركوه بالضم ليتبعوا الضمة الضمة، كما قالوا: «مد» ~~و«ظلمات». وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، بكسر التنوين، فلم ~~يتبعوا الضمة كما قالوا. «مد» «ظلمات». قال المفسرون: وهذا قولهم ~~بينهم { أو اطرحوه أرضا } قال الزجاج: نصب «أرضا» على إسقاط «في»، ~~وأفضى الفعل إليها؛ والمعنى: أو اطرحوه أرضا يبعد بها عن أبيه. وقال ~~غيره: أرضا تأكله فيها السباع. # قوله تعالى: { يخل لكم وجه أبيكم } أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف. { ~~وتكونوا من بعده } أي: من بعد يوسف. { قوما صالحين } فيه قولان: أحدهما: ~~صالحين بالتوبة من بعد قتله، قاله ابن ms0965 عباس. # والثاني: يصلح حالكم عند أبيكم، قاله مقاتل. وفي قصتهم نكتة عجيبة، وهو ~~أنهم عزموا على التوبة قبل الذنب، وكذلك المؤمن لا ينسى التوبة وإن كان ~~مرتكبا للخطايا. ### || [12.10-14] # قوله تعالى: { قال قائل منهم } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يهوذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، ~~والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه شمعون، قاله مجاهد. والثالث: روبيل، قاله ~~قتادة، وابن إسحاق. فأما غيابة الجب، فقال أبو عبيدة: كل شيء غيب عنك ~~شيئا فهو غيابة، والجب: الركية التي لم تطو. وقال الزجاج: الغيابة: كل ~~ما غاب عنك، أو غيب شيئا عنك، قال المنخل: # فإن أنا يوما غيبتني غيابتي # فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # والجب: البئر التي لم تطو؛ سميت جبا من أجل أنها قطعت قطعا، ولم ~~يحدث فيها غير القطع من طي وما أشبهه. وقال ابن عباس: «في غيابة الجب» ~~أي: في ظلماته. وقال الحسن: في قعره. وقرأ نافع: «غيابات الجب» فجعل كل ~~منه غيابة. وروى خارجة عن نافع: «غيابات» بتشديد الياء. وقرأ الحسن، ~~وقتادة، ومجاهد: «غيبة الجب» بغير ألف مع إسكان الياء. وأين كان هذا ~~الجب، فيه قولان: # أحدهما: بأرض الأردن، قاله وهب. وقال مقاتل: هو بأرض الأردن على ثلاث ~~فراسخ من منزل يعقوب. والثاني: ببيت المقدس، قاله قتادة. # قوله تعالى: { يلتقطه بعض السيارة } قال ابن عباس: يأخذه بعض من يسير. { ~~إن كنتم فاعلين } أي: إن أضمرتم له ما تريدون. وأكثر القراء قرؤوا ~~«يلتقطه» بالياء. وقرأ الحسن، وقتادة، وابن أبي عبلة بالتاء. قال الزجاج: ~~وجميع النحويين يجيزون ذلك، لأن بعض السيارة سيارة، فكأنه قال: تلتقطه ~~سيارة بعض السيارة. وقال ابن الأنباري: من قرأ بالتاء، فقد أنث فعل ~~بعض، وبعض مذكر، وإنما فعل ذلك حملا على المعنى، إذ التأويل: تلتقطه ~~السيارة، قال الشاعر: # رأت مر السنين أخذن مني # كما أخذ السرار من الهلال # أراد: رأت السنين، وقال الآخر: # طول الليالي أسرعت في نقضي # طوين طولي وطوين عرضي # أراد: الليالي، أسرعت، وقال جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت # سور ms0966 المدينة والجبال الخشع # أراد: تواضعت المدينة، وقال الآخر: # وتشرق بالقول الذي قد أذعته # كما شرقت صدر القناة من الدم # أراد: كما شرقت القناة. # قال المفسرون: فلما عزم القوم على كيد يوسف، قالوا لأبيه: { مالك لا ~~تأمنا } قرأ الجماعة «تأمنا» بفتح الميم وإدغام النون الأولى في ~~الثانية والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم؛ قال مكي: لأن الأصل ~~«تأمننا» ثم أدغمت النون الأولى، وبقي الإشمام يدل على ضمة النون ~~الأولى. والإشمام: هو ضم شفتيك من غير صوت يسمع، فهو بعد الإدغام وقبل ~~فتحه النون الثانية. وابن كيسان يسمي الإشمام الإشارة، ويسمى الروم ~~إشماما؛ والروم: صوت ضعيف يسمع خفيا. وقرأ أبو جعفر «تأمنا» بفتح ~~النون من غير إشمام إلى إعراب المدغم. وقرأ الحسن «مالك لا ~~تأمنا» بضم الميم. # وقرأ ابن مقسم «تأمننا» بنونين على الأصل، والمعنى: مالك لا تأمنا على ~~يوسف فترسله معنا، فانه قد كبر ولا يعلم شيئا من أمر المعاش { وإنا له ~~لناصحون } فيما أشرنا به عليك؛ { أرسله معنا غدا } إلى الصحراء. وقال ~~مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا له: أرسله معنا، فقال ~~إني ليحزنني أن تذهبوا به، فقالوا: مالك لا تأمنا. # قوله تعالى: { نرتع ونلعب } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو «نرتع ~~ونلعب» بالنون فيهما، والعين ساكنه؛ وافقهم زيد عن يعقوب في «نرتع» فحسب. # وفي معنى «نرتع» ثلاثة أقوال: # أحدها: نله، قاله الضحاك. والثاني: نسع، قاله قتادة. والثالث: ~~نأكل؛ يقال: رتعت الإبل: إذا رعت، وأرتعتها: إذا تركتها ترعى. قال ~~الشاعر: # وحبيب لي إذا لاقيته # وإذا يخلوا له لحمي رتع # أي: أكله، هذا قول ابن الأنباري، وابن قتيبة. وقرأ عاصم، و حمزة ~~والكسائي: «يرتع ويلعب» بالياء فيهما وجزم العين والباء، يعنون «يوسف». ~~وقرأ نافع: «نرتع» بكسر العين من «نرتع» من غير بلوغ إلى الياء. قال ~~ابن قتيبة: ومعناها: نتحارس، ويرعى بعضنا بعضا، أي: يحفظ؛ ومنه يقال: ~~رعاك الله، أي: حفظك. وقد رويت عن ابن كثير أيضا «نرتعي» باثبات ياء بعد ~~العين في الوصل والوقف. وقرأ أنس، وأبو رجاء ms0967 «نرتع» بنون مرفوعة وكسر ~~التاء وسكون العين، و «نلعب» بالنون. قال أبو عبيدة: أي: نرتع إبلنا. # فأما قوله: { ونلعب } فقال ابن عباس: نلهو. # فإن قيل: كيف لم ينكر عليهم يعقوب ذكر اللعب؟ # فالجواب: من وجهين. أحدهما: أنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، قاله أبو عمرو ~~بن العلاء. والثاني: أنهم عنوا مباح اللعب، قاله الماوردي. # قوله تعالى: { إني ليحزنني أن تذهبوا به } أي: يحزنني ذهابكم به، لأنه ~~يفارقني فلا أراه. { وأخاف أن يأكله الذئب } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: «الذئب» بالهمز في الثلاثة المواضع. وقرأ ~~الكسائي، وأبو جعفر، وشيبة بغير همز. قال أبو علي: «الذئب» مهموز في ~~الأصل. يقال: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل جهة كما يأتي الذئب. # وفي علة تخصيص الذئب بالذكر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه رأى في منامة أن الذئب شد على يوسف، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن أرضهم كانت كثيرة الذئاب، قاله مقاتل. # والثالث: أنه خافهم عليه فكنى بذكر الذئب، قاله الماوردي. # قوله تعالى: { وأنتم عنه غافلون } فيه قولان: # أحدهما: غافلون في اللعب. والثاني: مشتغلون برعيتكم. # قوله تعالى: { لئن أكله الذئب ونحن عصبة } أي: جماعة نرى الذئب قد ~~قصده ولا نرد عنه { إنا إذا لخاسرون } أي: عاجزون. قال ابن الأنباري: ~~ومن قرأ «عصبة» بالنصب، فتقديره: ونحن نجتمع عصبة. ### || [12.15] # قوله تعالى: { فلما ذهبوا به } في الكلام اختصار وإضمار، تقديره: ~~فأرسله معهم فلما ذهبوا. { وأجمعوا } أي: عزموا على أن يجعلوه في غيابة ~~الجب. # الإشارة إلى قصة ذهابهم # قال المفسرون: قالوا ليوسف: أما تشتاق أن تخرج معنا فتلعب وتتصيد؟ قال: ~~بلى، قالوا: فسل أباك أن يرسلك معنا، قال: أفعل، فدخلوا بجماعتهم على ~~يعقوب، فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا، فقال: ما تقول يا ~~بني؟ قال: نعم يا أبت، قد أرى من إخوتي اللين واللطف، فأنا أحب أن تأذن ~~لي، فأرسله معهم، فلما أصحروا، أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، ~~وأغلظوا له القول، وجعل يلجأ إلى هذا، فيضربه، ms0968 وإلى هذا، فيؤذيه، فلما ~~فطن لما قد عزموا عليه، جعل ينادي: يا أبتاه، يا يعقوب، لو رأيت يوسف وما ~~ينزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا ~~عهدك، وضيعوا وصيتك، وجعل يبكي بكاء شديدا. قال الضحاك عن ابن ~~عباس: فأخذه روبيل فجلد به الأرض، ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له ~~يوسف: مهلا يا أخي لا تقتلني، قال: يا ابن راحيل صاحب الأحلام، قل ~~لرؤياك تخلصك من أيدينا، ولوى عنقه ليكسرها، فنادى يوسف: يا يهوذا اتق ~~الله في، وخل بيني وبين من يريد قتلي، فأدركته له رحمة، فقال يهوذا: ~~يا إخوتاه، ألا أدلكم على أمر هو خير لكم وأرفق به؟ قالوا: وما ذاك؟ ~~قال: تلقونه في هذا الجب فيلتقطه بعض السيارة، قالوا: نفعل؛ فانطلفوا به ~~إلى الجب، فخلعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، لم نزعتم قميصي؟ ردوه ~~علي أستر به عورتي ويكون كفنا لي في مماتي؛ فأخرج الله له حجرا في ~~البئر مرتفعا من الماء، فاستقرت عليه قدماه. وقال السدي: جعلوا يدلونه ~~في البئر، فيتعلق بشفير البئر؛ فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا ~~إخوتاه، ردوا علي قيمصي أتوارى به، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد ~~عشر كوكبا، فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، ~~فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام، عليها؛ فلما ~~ألقوه في الجب جعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم، ~~فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام. وقال ~~كعب: جمعوا يديه إلى عنقه ونزعوا قميصه، فبعث الله إليه ملكا، فحل ~~عنه وأخرج له حجرا من الماء، فقعد عليه؛ وكان يعقوب قد أدرج قميص ~~إبراهيم الذي كساه الله إياه يوم ألقي في النار في قصبة، وجعلها في ~~عنق يوسف، فألبسه إياه الملك حينئذ، وأضاء له الجب. وقال الحسن: ألقي ~~في الجب، فعذب ماؤه، فكان يغنيه عن الطعام والشراب؛ ودخل عليه جبريل، ~~فأنس به، فلما أمسى، نهض جبريل ليذهب، فقال له يوسف: ms0969 إنك إذا خرجت عني ~~استوحشت، فقال: إذا رهبت شيئا فقل: يا صريخ المستصرخين، وياغوث ~~المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين، قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى ~~عليك شيء من أمري. # فلما قالها حفته الملائكة، فاستأنس في الجب ومكث فيه ثلاثة أيام، وكان ~~إخوته يرعون حول الجب. وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في ~~الجب، قال: ياشاهدا غير غائب، ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير ~~مغلوب، اجعل لي فرجا مما أنا فيه؛ قال: فما بات فيه. # وفي مقدار سنة حين ألقي في الجب أربعة أقوال: # أحدها: اثنتا عشرة سنة، قاله الحسن. # والثاني: ست سنين، قاله الضحاك. # والثالث: سبع عشرة، قاله ابن السائب، وروي عن الحسن أيضا. # والرابع: ثمان عشرة. # قوله تعالى: { وأوحينا إليه } فيه قولان: # أحدهما: أنه إلهام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه وحي حقيقة. # قال المفسرون: أوحي إليه لتخبرن إخوتك بأمرهم، أي: بما صنعوا بك ~~وأنت عال عليهم. # وفي قوله: { وهم لا يشعرون } قولان: # أحدهما: لا يشعرون أنك يوسف وقت إخبارك لهم، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال مقاتل. # والثاني: لا يشعرون بالوحي، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. فعلى الأول ~~يكون الكلام من صلة «لتنبئنهم»؛ وعلى الثاني من صلة «وأوحينا إليه». قال ~~حميد: قلت للحسن: أيحسد المؤمن المؤمن؟ قال: لا أبالك، ما نساك بني ~~يعقوب؟ ### || [12.16-17] # قوله تعالى: { وجاؤوا أباهم عشاء يبكون } وقرأ أبو هريرة، والحسن، وابن ~~السميفع، والأعمش: «عشاء» بضم العين. # قال المفسرون: جاؤوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار ~~بالكذب، فلما سمع صوتهم فزع، وقال: مالكم يا بني، هل أصابكم في غنمكم ~~شيء؟ قالوا: لا، قال: فما اصابكم؟ وأين يوسف؟ { قالوا: يا أبانا إنا ~~ذهبنا نستبق } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ننتضل، قاله ابن عباس، وابن قتيبة، قال: والمعنى، يسابق بعضنا ~~بعضا في الرمي، والثاني: نشتد، قاله السدي. والثالث: نتصيد، قاله مقاتل. ~~فيكون المعنى على الأول: نستبق في الرمي لننظر أينا أسبق سهما؛ وعلى ~~الثاني: نستبق على الأقدام؛ وعلى ms0970 الثالث: للصيد. # قوله تعالى: { وتركنا يوسف عند متاعنا } أي: ثيابنا. { وما أنت بمؤمن ~~لنا } أي: بمصدق. # وفي قوله: { ولو كنا صادقين } قولان: # أحدهما: أن المعنى: وإن كنا قد صدقنا، قاله ابن إسحاق. والثاني: لو ~~كنا عندك من أهل الصدق لا تهمتنا في يوسف لمحبتك إياه، وظننت أنا قد ~~كذبناك، قاله الزجاج. ### || [12.18] # قوله تعالى: { وجاؤوا على قميصه بدم كذب } قال اللغويون: معناه: بدم ~~مكذوب فيه، والعرب تجعل المصدر في كثير من الكلام مفعولا، فيقولون للكذب ~~مكذوب، وللعقل معقول، وللجلد مجلود، قال الشاعر: # حتى إذا لم يتركوا لعظامه # لحما ولا لفؤاده معقولا # أراد: عقلا. وقال الآخر: # قد والذي سمك السماء بقدرة # بلغ العزاء وأدرك المجلود # يريد: أدرك الجلد. ويقولون: ليس لفلان عقد رأي، ولا معقود رأي، ~~ويقولون: هذا ماء سكب، يريدون: مسكوبا، وهذا شراب صب، يريدون: مصبوبا، ~~وماء غور، يعنون: غائرا، ورجل صوم، يريدون: صائما، وامرأة نوح، ~~يريدون: نائحة؛ وهذا الكلام مجموع قول الفراء، والأخفش، والزجاج، وابن ~~قتيبة في آخرين. # قال ابن عباس: أخذوا جديا فذبحوه، ثم غمسوا قميص يوسف في دمه، وأتوه به ~~وليس فيه خرق، فقال: كذبتم، لو كان أكله الذئب لخرق القميص. وقال قتادة: ~~كان دم ظبية. وقرأ ابن أبي عبلة: «بدم كذبا» بالنصب. وقرأ ابن عباس، ~~والحسن، وأبو العالية: «بدم كدب» بالدال غير معجمة، أي: بدم طري. # قوله تعالى: { بل سولت } أي: زينت { لكم أنفسكم أمرا } غير ~~ما تصفون { فصبر جميل } قال الخليل: المعنى: فشأني صبر جميل، والذي ~~أعتقده صبر جميل. وقال الفراء: الصبر مرفوع، لأنه عزى نفسه وقال: ما هو ~~إلا الصبر، ولو أمرهم بالصبر، لكان نصبا. وقال قطرب: المعنى: فصبري صبر ~~جميل. وقرأ ابن مسعود، وأبي، وأبو المتوكل: «فصبرا جميلا» بالنصب. ~~قال الزجاج: والصبر الجميل، لا جزع فيه، ولا شكوى إلى الناس. # قوله تعالى: { والله المستعان على ما تصفون } فيه قولان. # أحدهما: على ما تصفون من الكذب. والثاني: على احتمال ما تصفون. ### || [12.19] # قوله تعالى: { وجاءت سيارة } أي: قوم يسيرون { فأرسلوا واردهم } قال ~~الأخفش: أنث ms0971 السيارة وذكر الوارد، لأن السيارة في المعنى للرجال. وقال ~~الزجاج: الوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم. # وفي اسم هذا الوارد قولان. # أحدهما: مالك بن ذعر بن يؤيب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثاني: مجلث بن رعويل، قاله وهب بن منبه. # قوله تعالى: { فأدلى دلوه } أي: أرسلها. قال الزجاج: يقال: أدليت ~~الدلو: إذا أرسلتها لتملأها ودلوتها: إذا أخرجتها. { قال يا بشراي } ~~قرأه ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «يا بشراي» بفتح الياء ~~وإثبات الألف. وروى ورش عن نافع «بشراي» و«محياي» [الأنعام:162] ~~و«مثواي» [يوسف: 23] بسكون الياء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي «يا بشرى» ~~بألف بغير ياء. وعاصم بفتح الراء، وحمزة، والكسائي يميلانها. قال الزجاج: ~~من قرأ «يا بشراي» فهذا النداء تنبيه للمخاطبين، لأن البشرى لا تجيب ولا ~~تعقل؛ فالمعنى: أبشروا، ويا أيها البشرى هذا من أوانك، وكذلك إذا قلت: ~~يا عجباه، فكأنك قلت: اعجبوا، ويا أيها العجب هذا من حينك؛ وقد شرحنا هذا ~~المعنى [هود 69 و 74]. # فأما قراءة من قرأ «يا بشرى» فيجوز أن يكون المعنى: يا من حضر، هذه ~~بشرى. ويجوز أن يكون المعنى: يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من ~~تنبيه الحاضرين. وذكر السدي أنه نادى بذاك أحدهم وكان اسمه بشرى. وقال ~~ابن الأنباري: يجوز فيه هذه الأقوال، ويجوز أن يكون اسم امرأة. وقرأ أبو ~~رجاء، وابن أبي عبلة: «يا بشري» بتشديد الياء وفتحها من غير ألف. ~~قال ابن عباس: لما أدلى دلوه؛ تعلق يوسف بالحبل فنظر إليه فإذا غلام ~~أحسن ما يكون من الغلمان، فقال لأصحابه: البشرى، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ~~هذا غلام في البئر، فأقبلوا يسألونه الشركة فيه، واستخرجوه من الجب، ~~فقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألونكم الشركة فيه، فإن ~~قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر؛ فجاء إخوة ~~يوسف فطلبوه فلم يجدوه في البئر، فنظروا، فإذا هم بالقوم ومعهم يوسف، ~~فقالوا لهم: هذا غلام أبق منا، فقال مالك بن ذعر: فأنا أشتريه ms0972 منكم، ~~فباعوه بعشرين درهما وحلة ونعلين، وأسره مالك بن ذعر من أصحابه، ~~وقال: استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. # قوله تعالى: { وأسروه بضاعة } قال الزجاج: «بضاعة» منصوب على الحال، ~~كأنه قال: وأسروه جاعليه بضاعة. وقال ابن قتيبة: أسروا في أنفسهم أنه ~~بضاعة وتجارة. في الفاعلين لذاك قولان: # أحدهما: أنهم واردو الجب. أسروا ابتياعه عن باقي أصحابهم، وتواصوا أنه ~~بضاعة استبضعهم إياها أهل الماء؛ وقد ذكرنا هذا المعنى عن ابن عباس، وبه ~~قال مجاهد. # والثاني: أنهم إخوته، أسروا أمره، وباعوه، وقالوا: هو بضاعة لنا، وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: { والله عليم بما يعملون } يعم الباعة والمشترين. ### || [12.20] # قوله تعالى: { وشروه } هذا حرف من حروف الأضداد، تقول: شريت الشيء، ~~بمعنى بعته؛ وشريته؛ بمعنى اشتريته. فإن كان بمعنى باعوه، ففيهم قولان. # أحدهما: أنهم إخوته، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنهم السيارة، ولم يبعه إخوته، قاله الحسن، وقتادة. وإن كان ~~بمعنى اشتروه، فإنهم السيارة. # قوله تعالى: { بثمن بخس } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الحرام، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة في آخرين. # والثاني: أنه القليل، قاله عكرمة، والشعبي، قال ابن قتيبة: البخس: ~~الخسيس الذي بخس به البائع. # والثالث: الناقص، وكانت الدراهم عشرين درهما في العدد، وهي تنقص عن ~~عشرين في الميزان، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { دراهم معدودة } قال الفراء: إنما قيل: «معدودة» ليستدل ~~بها على القلة. وقال ابن قتيبة: أي: يسيرة، سهل عددها لقلتها، فلو ~~كانت كثيرة لثقل عددها. وقال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ~~أقل من أربعين درهما، وقيل: إنما لم يزنوها لزهدهم فيه. # وفي عدد تلك الدراهم خمسة أقوال: # أحدها: عشرون درهما، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، وعكرمة في ~~رواية، ونوف الشامي، ووهب بن منبه، والشعبي، وعطية، والسدي، ومقاتل في ~~آخرين. # والثاني: عشرون درهما وحلة، ونعلان، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: اثنان وعشرون درهما، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد. # والرابع: أربعون درهما، قاله عكرمة في رواية، وابن إسحاق. ms0973 # والخامس: ثلاثون درهما، ونعلان، وحلة، وكانوا قالوا له بالعبرانية: ~~إما أن تقر لنا بالعبودية، وإما أن نأخذك منهم فنقتلك، قال: بل ~~أقر لكم بالعبودية، ذكره إسحاق بن بشر عن بعض أشياخه. # قال المفسرون: اقتسموا ثمنه، فاشتروا به نعالا وخفافا. # وكان بعض الصالحين يقول: والله ما يوسف وإن باعه أعداؤه بأعجب منك ~~في بيعك نفسك بشهوة ساعة من معاصيك. # قوله تعالى: { وكانوا فيه من الزاهدين } الزهد: قلة الرغبة في الشيء. # وفي المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم إخوته، قاله ابن عباس؛ فعلى ~~هذا، في هاء «فيه» قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى يوسف، لأنهم لم يعلموا مكانه من الله تعالى، ~~قاله الضحاك، وابن جريج. والثاني: أنها ترجع إلى الثمن. وفي علة زهدهم ~~قولان: أحدهما: رداءته. والثاني: أنهم قصدوا بعد يوسف، لا الثمن. # والثاني: أنهم السيارة الذين اشتروه. # وفي علة زهدهم ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم ارتابوا لقلة ثمنه. والثاني: ~~أن إخوته وصفوه عندهم بالخيانة والإباق. والثالث: لأنهم علموا أنه حر. ### || [12.21] # قوله تعالى: { وقال الذي اشتراه من مصر } قال وهب: لما ذهبت به السيارة ~~إلى مصر، وقفوه في سوقها يعرضونه للبيع، فتزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ~~ثمنه وزنه مسكا، ووزنه ورقا، ووزنه حريرا، فاشتراه بذلك الثمن رجل ~~يقال له: قطفير، وكان أمين فرعون وخازنه، وكان مؤمنا. وقال ابن ~~عباس:إنما اشتراه قطفير من مالك بن ذعر بعشرين دينارا، وزوجي نعل، ~~وثوبين أبيضين، فلما رجع إلى منزله قال لامرأته: أكرمي مثواه. وقال ~~قوم: اسمه أطفير. # وفي اسم المرأة قولان: أحدهما: راعيل بنت رعاييل، قاله ابن إسحاق. ~~والثاني: أزليخا بنت تمليخا، قاله مقاتل. قال ابن قتيبة: «أكرمي مثواه» ~~يعني أكرمي منزله ومقامه عندك، من قولك: ثويت بالمكان: إذا أقمت به. ~~وقال الزجاج: أحسني إليه في طول مقامه عندنا. قال ابن مسعود: أفرس ~~الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته: «أكرمي مثواه عسى ~~أن ينفعنا» وابنة شعيب حين قالت: # يا أبت استأجره # [القصص 26]، وأبو بكر حين استخلف عمر. # وفي قوله: { عسى أن ينفعنا } قولان: # أحدهما: ms0974 يكفينا إذا بلغ أمورنا. والثاني: بالربح في ثمنه. # قوله تعالى: { أو نتخذه ولدا } قال ابن عباس: نتبناه. وقال غيره: لم ~~يكن لهما ولد، وكان العزيز لا يأتي النساء. # قوله تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف } أي: وكما أنجيناه من إخوته ~~وأخرجناه من ظلمة الجب، مكنا له في الأرض، أي: ملكناه في أرض مصر ~~فجعلناه على خزائنها. { ولنعلمه } قال ابن الأنباري: إنما دخلت الواو ~~في «ولنعلمه» لفعل مضمر هو المجتلب للام، والمعنى: مكنا ليوسف في ~~الأرض، واختصصناه بذلك لكي نعلمه من تأويل الأحاديث. وقد سبق تفسير ~~«تأويل الأحاديث» [يوسف 6]. { والله غالب على أمره } في هاء الكناية ~~قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: أنه غالب على ما أراد من قضائه، ~~وهذا معنى قول ابن عباس. # والثاني: أنها ترجع إلى يوسف، فالمعنى: غالب على أمر يوسف حتى يبلغه ~~ما أراده له، وهذا معنى قول مقاتل. وقال بعضهم: والله غالب على أمره حيث ~~أمر يعقوب يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته، فعلموا بها، ثم أراد ~~يعقوب أن لا يكيدوه، فكادوه، ثم أراد إخوة يوسف قتله، فلم يقدر ~~لهم، ثم أرادوا أن يلتقطه بعض السيارة فيندرس أمره، فعلا أمره، ثم باعوه ~~ليكون مملوكا، فغلب أمره حتى ملك، وأرادوا أن يعطفوا أباهم، فأباهم، ثم ~~أرادوا أن يغروا يعقوب بالبكاء والدم الذي ألقوه على القميص، فلم ~~يخف عليه، ثم أرادوا أن يكونوا من بعده قوما صالحين، فنسوا ذنبهم ~~إلى أن أقروا به بعد سنين. فقالوا: # إنا كنا خاطئين # [يوسف 97]، ثم أرادوا أن يمحوا محبته من قلب أبيه، فازدادت، ثم أرادت ~~أزليخا أن تلقي عليه التهمة بقولها: # ما جزاء من أراد بأهلك سوءا # [يوسف 25]، فغلب أمره، حتى شهد شاهد من أهلها، وأراد يوسف أن يتخلص من ~~السجن بذكر الساقي، فنسي الساقي حتى لبث في السجن بضع سنين. ### || [12.22] # قوله تعالى: { ولما بلغ أشده } قد ذكرنا معنى الأشد في [الأنعام:152]، ~~واختلف العلماء في المراد به هاهنا على ثمانية أقوال: أحدها: أنه ثلاث ~~وثلاثون سنة، رواه سعيد بن جبير عن ms0975 ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة. ~~والثاني: ثماني عشرة سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. ~~والثالث: أربعون سنة، قاله الحسن. والرابع: بلوغ الحلم، قاله الشعبي، ~~وربيعة، وزيد بن أسلم، وابنه. والخامس: عشرون سنة، قاله الضحاك. والسادس: ~~أنه من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين، قاله الزجاج. والسابع: أنه ~~بلوغ ثمان وثلاثين سنة، حكاه ابن قتيبة. والثامن: ثلاثون سنة، ذكره بعض ~~المفسرين. # قوله تعالى: { آتيناه حكما } فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الفقه والعقل، قاله مجاهد. # والثاني: النبوة، قاله ابن السائب. # والثالث: أنه جعل حكيما، قاله الزجاج، قال: وليس كل عالم حكيما، إنما ~~الحكيم: العالم المستعمل علمه، الممتنع به من استعمال ما يجهل فيه. # والرابع: أنه الإصابة في القول، ذكره الثعلبي. قال اللغويون: الحكم عند ~~العرب ما يصرف عن الجهل والخطأ، ويمنع منهما، ويرد النفس عما يشينها ~~ويعود عليها بالضرر، ومنه: حكمة الدابة. وأصل أحكمت في اللغة: منعت، ~~وسمي الحاكم حاكما، لأنه يمنع من الظلم والزيغ. # وفي المراد بالعلم هاهنا قولان. أحدهما: الفقه. والثاني علم الرؤيا. # قوله تعالى: { وكذلك نجزي المحسنين } أي: ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف ~~وحراسته، نثيب من أحسن عمله، واجتنب المعاصي، فننجيه من الهلكة، ~~ونستنفذه من الضلالة فنجعله من أهل العلم والحكمة كما فعلنا بيوسف. # وفي المراد بالمحسنين هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: الصابرون على النوائب. والثاني: المهتدون، رويا عن ابن عباس. ~~والثالث: المؤمنون. قال محمد بن جرير: هذا، وإن كان مخرج ظاهره على كل ~~محسن، فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: كما فعلت بيوسف بعد ~~مالقي من البلاء فمكنته في الأرض وآتيته العلم، كذلك أفعل بك وأنجيك من ~~مشركي قومك. ### || [12.23] # قوله تعالى: { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } أي: طلبت منه ~~المواقعة، وقد سبق اسمها. قال الزجاج: المعنى: راودته عما أرادته مما ~~يريد النساء من الرجال. { وقالت هيت لك } قرأ ابن كثير: «هيت لك» بفتح ~~الهاء وتسكين الياء وضم التاء. وقرأ نافع، وابن عامر: «هيت لك» بكسر ~~الهاء وتسكين ms0976 الياء وفتح التاء، وهي مروية عن علي بن أبي طالب. وروى ~~الحلواني عن هشام عن ابن عامر مثله، إلا أنه همزه. قال أبو علي ~~الفارسي: هو خطأ. وروي عن ابن عامر: «هئت لك» بكسر الهاء وهمز الياء ~~وضم التاء، وهي قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وقتادة. قال الزجاج: هو من ~~الهيئة، كأنها قالت: تهيأت لك. وعن ابن محيصن، وطلحة بن مصرف، مثل قراءة ~~ابن عباس؛ إلا أنها بغير همز، وعن ابن محيصن بفتح الهاء وكسر التاء، وهي ~~قراءة أبي رزين، وحميد. وعن الوليد بن عتبة بكسر الهاء والتاء مع الهمز، ~~وهي قراءة أبي العالية. وقرأ ابن خثيم مثله، إلا أنه لم يهمز. وعن ~~الوليد بن مسلم عن نافع بكسر الهاء وفتح التاء مع الهمز، وقرأ ابن مسعود، ~~وابن السميفع، وابن يعمر، والجحدري: «هيئت لك» برفع الهاء والتاء ~~وبياء مشددة مكسورة بعدها همزة ساكنة. وقرأ أبي بن كعب: «ها أنا لك». ~~وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء بغير همز. قال الزجاج: وهو أجود اللغات، ~~وأكثرها في كلام العرب، ومعناها: هلم لك، أي: أقبل على ما أدعوك إليه، ~~وقال الشاعر: # أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا # أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا # أي: فأقبل وتعال. وقال ابن قتيبة: يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه ~~وصاح به، قال الشاعر: # قد رابني أن الكري أسكتا # لو كان معنيا بها لهيتا # أي: صار ذا سكوت. واختلف العلماء في قوله: «هيت لك» بأي لغة هي، على ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنها عربية، قاله مجاهد. وقال ابن الأنباري: وقد قيل:إنها من ~~كلام قريش، إلا أنها مما درس وقل في أفواههم آخرا، فأتى الله به، لأن ~~أصله من كلامهم، وهذه الكلمة لا مصدر لها، ولا تصرف، ولا تثنية، ولا ~~جمع، ولا تأنيث، يقال للاثنين: هيت لكما، وللجميع: هيت لكم، وللنسوة: هيت ~~لكن. # والثاني: أنها بالسريانية، قاله الحسن. # والثالث: بالحورانية، قاله عكرمة، والكسائي. وقال الفراء: يقال: إنها ~~لغة لأهل حوران، سقطت إلى أهل مكة فتكلموا بها. # والرابع: أنها بالقبطية، ms0977 قاله السدي. # قوله تعالى: { قال معاذ الله } قال الزجاج: هو مصدر، والمعنى: أعوذ ~~بالله أن أفعل هذا، يقال: عذت عياذا ومعاذا ومعاذة. { إنه ربي }. أي: ~~إن العزيز صاحبي { أحسن مثواي } ، قال: ويجوز أن يكون «إنه ربي» يعني ~~الله عز وجل «أحسن مثواي» أي: تولاني في طول مقامي. # قوله تعالى: { إنه لا يفلح الظالمون } أي:إن فعلت هذا فخنته في أهله ~~بعدما أكرمني فأنا ظالم. وقيل: الظالمون هاهنا: الزناة. ### || [12.24] # قوله تعالى: { ولقد همت به } الهم بالشيء في كلام العرب: حديث المرء ~~نفسه بمواقعته مالم يواقع. فأما هم أزليخا، فقال المفسرون: دعته إلى ~~نفسها واستلقت له. واختلفوا في همه بها على خمسة أقوال: # أحدها: أنه كان من جنس همها، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإلى ~~هذا المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وهو قول عامة ~~المفسرين المتقدمين، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير، وابن ~~الأنباري. وقال ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهم بي، وأنت ~~تريد: اختلاف الهمين. واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من ~~السلف والعلماء الأكابر، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه. ~~قالوا: ورجوعه عما هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سيء ~~الهم، ويوجب له علو المنازل، ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار، فانطبقت عليهم ~~صخرة، فقالوا: ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله. فقال أحدهم: اللهم إنك ~~تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار، فلما ~~أتيتها بها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة، أرعدت وقالت: إن هذا ~~لعمل ما عملته قط، فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار، فإن كنت تعلم ~~أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فزال ثلث الحجر. والحديث معروف، ~~وقد ذكرته في «الحدائق» فعلى هذا نقول: إنما همت، فترقت همتها إلى ~~العزيمة، فصارت مصرة على الزنا. فأما هو، فعارضه ما يعارض البشر من ~~خطرات القلب، ms0978 وحديث النفس، من غير عزم، فلم يلزمه هذا الهم ذنبا، ~~فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد، فإذا لم يشرب ~~لم يؤاخذ بما هجس في نفسه، وقد قال صلى الله عليه وسلم # " عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل " # وقال صلى الله عليه وسلم # " هلك المصرون " # ، وليس الإصرار إلا عزم القلب، فقد فرق بين حديث النفس وعزم القلب. ~~وسئل سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ فقال: إذا كانت عزما، ويؤيده ~~الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن ~~عملها كتبتها عليه سيئة " # واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة، وإنما كانت ~~من جهة دواعي الشهوة بقوله: «قال معاذ الله إنه ربي» وقوله: «كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء» وكل ذلك إخبار ببراءة ساحته من العزيمة على ~~المعصية. # فإن قيل: فقد سوى القرآن بين الهمتين، فلم فرقتم؟ # فالجواب: أن الاستواء وقع في بداية الهمة، ثم ترقت همتها إلى العزيمة، ~~بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه، ولم تتعد همته مقامها، بل نزلت عن ~~رتبتها، وانحل معقودها، بدليل هربه منها، وقوله: «معاذ الله»، وعلى هذا ~~تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم. ولا يصح ما يروى عن المفسرين ~~أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا، دل على العزم، ~~والأنبياء معصومون من العزم على الزنا. # والقول الثاني: أنها همت به أن يفترشها، وهم بها، أي: تمناها أن تكون ~~له زوجة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والقول الثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: ولقد همت به، ~~ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فلما رأى البرهان، لم يقع منه الهم، ~~فقدم جواب «لولا» عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين، لولا أن ~~فلانا خلصك، لكنت من الهالكين، ومنه قول الشاعر: # فلا يدعني قومي صريحا لحرة # لئن كنت مقتولا وتسلم عامر # أراد: لئن كنت مقتولا ms0979 وتسلم عامر، فلا يدعني قومي، فقدم الجواب. وإلى ~~هذا القول ذهب قطرب، وأنكره قوم، منهم ابن الأنباري، وقالوا: تقديم جواب ~~«لولا» عليها شاذ مستكره، لا يوجد في فصيح كلام العرب، فأما البيت ~~المستشهد به، فمن اضطرار الشعراء، لأن الشاعر يضيق الكلام به عند ~~اهتمامه بتصحيح أجزاء شعره، فيضع الكلمة في غير موضعها، ويقدم ما حكمه ~~التأخير، ويؤخر ما حكمه التقديم، ويعدل عن الاختيار إلى المستقبح ~~للضرورة، قال الشاعر: # جزى ربه عني عدي بن حاتم # بتركي وخذلاني جزاء موفرا # تقديره: جزى عني عدي بن حاتم ربه، فاضطر إلى تقديم الرب، وقال ~~الآخر: # لما جفا إخوانه مصعبا # أدى بذاك البيع صاعا بصاع # أراد: لما جفا مصعبا إخوانه، وأنشد الفراء: # طلبا لعرفك ياابن يحيى بعدما # تتقطعت بي دونك الأسباب # فزاد تاء على «تقطعت» لا أصل لها ليصلح وزن شعره، وأنشد ثعلب: # إن شكلي وإن شكلك شتى # فالزمي الخفض وانعمي تبيضضي # فزاد ضادا لا أصل لها لتكمل أجزاء البيت، وقال الفرزدق: # هما تفلا في في من فمويهما # على النابح العاوي أشد لجاميا # فزاد واوا بعد الميم ليصلح شعره. ومثل هذه الأشياء لا يحمل عليها كتاب ~~الله النازل بالفصاحة، لأنها من ضرورات الشعراء. # والقول الرابع: أنه هم أن يضربها ويدفعها عن نفسه، فكان البرهان الذي ~~رآه من ربه أن الله أوقع في نفسه أنه إن ضربها كان ضربه إياها حجة ~~عليه، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني، ذكره ابن الأنباري. # والقول الخامس: أنه هم بالفرار منها، حكاه الثعلبي، وهو قول مرذول، ~~أفتراه أراد الفرار منها، فلما رأى البرهان، أقام عندها؟! قال بعض ~~العلماء: كان هم يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء، وإنما ~~ابتلاهم بذلك ليكونوا على خوف منه، وليعرفهم مواقع نعمته في الصفح عنهم، ~~وليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة. # قال الحسن: إن الله تعالى لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعبيرا لهم، ~~ولكن لئلا تقنطوا من رحمته. يعني الحسن: أن الحجة للأنبياء ألزم، فاذا ~~قبل التوبة منهم، كان إلى قبولها منكم أسرع. وروي عن ms0980 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. أنه قال: # " ما من أحد يلقى الله تعالى إلا وقد هم بخطيئة أو عملها، إلا يحيى ~~بن زكريا، فإنه لم يهم ولم يعملها ". # قوله تعالى: { لولا أن رأى برهان ربه } جواب «لولا» محذوف. قال الزجاج: ~~المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به. قال ابن الأنباري: لزنا، ~~فلما رأى البرهان كان سبب انصراف الزنا عنه. # وفي البرهان ستة أقوال: # أحدها: أنه مثل له يعقوب. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: نودي ~~يا يوسف، أتزني فتكون مثل الطائر الذي نتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع؟ ~~فلم يعط على النداء شيئا، فنودي الثانية، فلم يعط على النداء شيئا، ~~فتمثل له يعقوب فضرب صدره، فقام، فخرجت شهوته من أنامله. وروى الضحاك عن ~~ابن عباس قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضا على أنامله، ~~فأدبر هاربا، وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبدا. وقال أبو صالح عن ابن ~~عباس: رأى مثال يعقوب في الحائط عاضا على شفتيه. وقال الحسن: مثل له ~~جبريل في صورة يعقوب في سقف البيت عاضا على إبهامه أو بعض أصابعه. ~~وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وابن سيرين، ~~والضحاك في آخرين. وقال عكرمة: كل ولد يعقوب، قد ولد له اثنا عشر ولدا، ~~إلا يوسف فانه ولد له أحد عشر ولدا، فنقص بتلك الشهوة ولدا. # والثاني: أنه جبريل عليه السلام. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: ~~مثل له يعقوب فلم يزدجر، فنودي: أتزني فتكون مثل الطائر نتف ريشه؟! فلم ~~يزدجر حتى ركضه جبريل في ظهره، فوثب. # والثالث: أنها قامت إلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال لها ~~يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على هذه السوأة، ~~فقال: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على ~~كل نفس بما كسبت؟ فهو البرهان الذي رأى، قاله علي بن أبي طالب، وعلي بن ~~الحسين، والضحاك. ms0981 # والرابع: أن الله بعث إليه ملكا، فكتب في وجه المرأة بالدم: { ولا ~~تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } قاله الضحاك عن ابن عباس. وروي ~~عن محمد بن كعب القرظي: أنه رأى هذه الآية مكتوبة بين عينيها، وفي رواية ~~أخرى عنه، أنه رآها مكتوبة في الحائط. # وروى مجاهد عن ابن عباس قال: بدت فيما بينهما كف ليس فيها عضد ولا معصم، ~~وفيها مكتوب # ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا # [الإسراء: 32]، فقام هاربا، وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، ~~فلما قعد إذا بكف قد بدت فيما بينهما فيها مكتوب # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله..... # [البقرة 281]، فقام هاربا، فلما عاد، قال الله تعالى لجبرئيل: أدرك ~~عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عاضا على كفه أو أصبعه وهو ~~يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء؟!. ~~وقال وهب بن منبه: ظهرت تلك الكف وعليها مكتوب بالعبرانية # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت # [الرعد:33]، فانصرفا، فلما عادا رجعت وعليها مكتوب # وإن عليكم لحافظين. كراما كاتبين # [الأنفطار: 11-12]، فانصرفا، فلما عادا عادت وعليها مكتوب { ولا تقربوا ~~الزنا... } الآية، فعاد، فعادت الرابعة وعليها مكتوب { واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله } ، فولى يوسف هاربا. # الخامس: أنه سيده العزيز دنا من الباب، رواه ابن إسحاق عن بعض أهل ~~العلم. وقال ابن إسحاق: يقال: إن البرهان خيال سيده، رآه عند الباب ~~فهرب. # والسادس: أن البرهان أنه علم ما أحل الله مما حرم الله، فرأى تحريم ~~الزنا، روي عن محمد بن كعب القرظي، قال ابن قتيبة: رأى حجة الله عليه، ~~وهي البرهان، وهذا هو القول الصحيح، وما تقدمه فليس بشيء، وإنما هي ~~أحاديث من أعمال القصاص، وقد أشرت إلى فسادها في كتاب «المغني في ~~التفسير». وكيف يظن بنبي لله كريم أنه يخوف ويرعب ويضطر إلى ~~ترك هذه المعصية وهو مصر؟! هذا غاية القبح. # قوله تعالى: { كذلك } أي: كذلك أريناه البرهان { لنصرف عنه السوء } وهو ~~خيانة صاحبه { والفحشاء } ركوب الفاحشة ms0982 { إنه من عبادنا المخلصين } ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بكسر اللام، والمعنى: إنه من عبادنا ~~الذين أخلصوا دينهم. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح اللام، أرادوا: من ~~الذين أخلصهم الله من الأسواء والفواحش. وبعض المفسرين يقول: السوء: ~~الزنى، والفحشاء: المعاصي. ### || [12.25-27] # قوله تعالى: { واستبقا الباب } يعني يوسف والمرأة، تبادرا إلى الباب ~~يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه، وأراد يوسف أن يسبق ليفتح الباب ~~ويخرج، وأرادت هي إن سبقت إمساك الباب لئلا يخرج، فأدركته فتعلقت ~~بقميصه من خلفه، فجذبته إليها، فقدت قميصه من دبر، أي: قطعته من خلفه، ~~لأنه كان هو الهارب وهي الطالبة له. قال المفسرون: قطعت قميصه نصفين، ~~فلما خرجا، ألفيا سيدها، أي: صادفا زوجها عند الباب، فحضرها في ذلك الوقت ~~كيد، فقالت سابقة بالقول مبرئة لنفسها من الأمر { ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا } قال ابن عباس: تريد الزنا { إلا أن يسجن } أي: ما جزاؤه ~~إلا السجن { أو عذاب أليم } تعني الضرب بالسياط، فغضب يوسف حينئذ وقال: ~~{ هي راودتني }. وقال وهب ابن منبه: قال له العزيز حينئذ: أخنتني يا ~~يوسف في أهلي، وغدرت بي، وغررتني بما كنت أرى من صلاحك؟ فقال حينئذ: { ~~هي راودتني عن نفسي }. # قوله تعالى: { وشهد شاهد من أهلها } وذلك أنه لما تعارض قولاهما، احتاجا ~~إلى شاهد يعلم به قول الصادق. # وفي ذلك الشاهد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان صبيا في المهد، رواه عكرمة عن ابن عباس، وشهر بن حوشب ~~عن أبي هريرة، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، وهلال بن يساف في آخرين. # والثاني: أنه كان من خاصة الملك، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. وقال ~~أبو صالح عن ابن عباس: كان ابن عم لها، وكان رجلا حكيما، فقال: قد ~~سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب، فإن كان شق القميص من قدامه ~~فأنت صادقة وهو كاذب، وإن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة، وقال ~~بعضهم: كان ابن خالة المرأة. # والثالث: أنه شق القميص، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وفيه ms0983 ضعف، ~~لقوله: «من أهلها». # فإن قيل: كيف وقعت شهادة الشاهد هاهنا معلقة بشرط، والشارط غير عالم ~~بما يشرطه؟ # فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري: # أحدهما: أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه، فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا، ~~فعلم، غير أنه أوقع في شهادته شرطا ليلزم المخاطبين قبول شهادته من ~~جهة العقل والتمييز، فكأنه قال: هو الصادق عندي، فإن تدبر تم ما أشترطه ~~لكم، عقلتم قولي. ومثل هذا قول الحكماء: إن كان القدر حقا، فالحرص ~~باطل، وإن كان الموت يقينا، فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. # والجواب الثاني: أن الشاهد لم يقطع بالقول، ولم يعلم حقيقة ما جرى، ~~وإنما قال ما قال على جهة إظهار ما يسنح له من الرأي، فكان معنى قوله: ~~«وشهد شاهد» أعلم وبين. فقال: الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ~~ليوقف على الخائن. فهذان الجوابان يدلان على أن المتكلم رجل. فإن قلنا: ~~إنه صبي في المهد، كان دخول الشرط مصححا لبراءة يوسف، لأن كلام مثله ~~أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شك. ### || [12.28] # قوله تعالى: { فلما رأى قميصه } في هذا الرائي والقائل: { إنه من كيدكن ~~} قولان: # أحدهما: أنه الزوج. والثاني: الشاهد. # وفي هاء الكناية في قوله: «إنه من كيدكن» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى تمزيق القميص، قاله مقاتل. # والثاني: إلى قولها: «ما جزاء من أراد بأهلك سوءا» فالمعنى: قولك هذا ~~من كيدكن، قاله الزجاج. # والثالث: إلى السوء الذي دعته إليه، ذكره الماوردي. قال ابن عباس: ~~«إن كيدكن» أي: عملكن «عظيم» تخلطن البريء والسقيم. ### || [12.29-30] # قوله تعالى: { يوسف أعرض عن هذا } المعنى: يا يوسف أعرض. # وفي القائل له هذا قولان: # أحدهما: أنه ابن عمها وهو الشاهد، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الزوج، ذكره جماعة من المفسرين. قال ابن عباس: أعرض عن ~~هذا الأمر فلا تذكره لأحد، واكتمه عليها. وروى الحلبي عن عبد الوراث: ~~«يوسف أعرض عن هذا» بفتح الراء على الخبر. # قوله تعالى: { واستغفري لذنبك } فيه قولان: # أحدهما: استعفي زوجك لئلا يعاقبك، قاله ابن عباس. # والثاني: توبي من ذنبك فإنك ms0984 قد أثمت. # وفي القائل لهذا قولان. أحدهما: ابن عمها. والثاني: الزوج. # قوله تعالى: { إنك كنت من الخاطئين } يعني: من المذنبين. قال ~~المفسرون: ثم شاع ذلك الحديث في مصر حتى تحدث بذلك النساء، وهو قوله: { ~~وقال نسوة في المدينة } ، وفي عددهن قولان: # أحدهما: أنهن كن أربعا: امرأة ساقي الملك، وامرأة صاحب دواته، وامرأة ~~خبازه، وامرأة صاحب سجنه، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهن خمس، امرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة السجان، ~~وامرأة صاحب الدواة، وامرأة الآذن، قاله مقاتل. # فأما العزيز، فهو بلغتهم الملك، والفتى بمعنى العبد. قال الزجاج: كانوا ~~يسمون المملوك فتى. وإنما تكلم النسوة في حقها، طعنا فيها، وتحقيقا ~~لبراءة يوسف. # قوله تعالى: { قد شغفها حبا } أي: بلغ حبه شغاف قلبها. # وفي الشغاف أربعة أقوال: # أحدها: أنه جلدة بين القلب الفؤاد، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أنه غلاف القلب، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: ولم يرد ~~الغلاف، إنما أراد القلب، يقال: شغفت فلانا: إذا أصبت شغافه، كما ~~يقال: كبدته: إذا أصبت كبده، وبطنته: إذا أصبت بطنه. # والثالث: أنه حبة القلب وسويداؤه. # والرابع: أنه داء يكون في الجوف في الشراسيف، وأنشدوا: # وقد حال هم دون ذلك داخل # دخول الشغاف تبتغيه الأصابع # ذكر القولين الزجاج. وقال الأصمعي: الشغاف عند العرب: داء يكون تحت ~~الشراسيف في الجانب الأيمن من البطن، والشراسيف: مقاط رؤوس الأضلاع، ~~واحدها: شرسوف. # وقرأ عبد الله بن عمرو، وعلي بن الحسين، والحسن البصري، ومجاهد، وابن ~~محيصن، وابن أبي عبلة «قد شعفها» بالعين. قال الفراء: كأنه ذهب بها كل ~~مذهب، والشعف: رؤوس الجبال. # قوله تعالى: { إنا لنراها في ضلال مبين } أي: عن طريق الرشد، لحبها ~~إياه. والمبين: الظاهر. ### || [12.31-32] # قوله تعالى: { فلما سمعت } يعني: امرأة العزيز، { بمكرهن } وفيه قولان. # أحدهما: أنه قولهن وعيبهن لها، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن ~~قتيبة قال الزجاج: وإنما سمي هذا القول مكرا، لأنها كانت أطلعتهن على ~~أمرها، واستكتمتهن، فمكرن وأفشين سرها. # والثاني: أنه مكر حقيقة، وإنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف، قاله ~~ابن إسحاق. ms0985 # قوله تعالى: { وأعتدت } قال الزجاج: أفعلت من العتاد، وكل ما اتخذته ~~عدة لشيء فهو عتاد، والعتاد: الشيء الثابت اللازم. وقال ابن قتيبة: ~~أعتدت بمعنى أعدت. فأما المتكأ، ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه المجلس، فالمعنى: هيأت لهن مجلسا، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنه الوسائد اللائي يتكئن عليها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~وقال الزجاج: المتكأ: ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث. # والثالث: أنه الطعام، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة. قال ابن قتيبة: يقال: ~~اتكأنا عند فلان: إذا طعمنا، قال جميل بن معمر: # فظللنا في نعمة واتكأنا # وشربنا الحلال من قلله # والأصل في هذا أن من دعوته ليطعم، أعددت له التكأة للمقام ~~والطمأنينة، فسمي الطعام متكأ على الاستعارة. قال الأزهري: إنما قيل ~~للطعام: متكأ، لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكؤوا، ونهيت هذه الأمة ~~عن ذلك. وقرأ مجاهد «متكا» بإسكان التاء خفيفة، وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الأترج، قاله ابن عباس، ومجاهد، ويحيى بن يعمر في آخرين، ~~ومنه قول الشاعر: # نشرب الإثم بالصواع جهارا # وترى المتك بيننا مستعارا # يريد: الأترج. # والثاني: أنه الطعام أيضا، قاله عكرمة. # الثالث: أنه كل شيء يحز بالسكاكين، قاله الضحاك. # والرابع: أنه الزماورد، روي عن الضحاك أيضا. وقد روي عن جماعة أنهم ~~فسروا المتكأ بما فسروا به المتك، فروي عن ابن جريج أنه قال: ~~المتكأ: الأترج، وكل ما يحز بالسكاكين. وعن الضحاك قال: ~~المتكأ: كل ما يحز بالسكاكين. وفرق آخرون بين القراءتين، فقال ~~مجاهد: من قرأ «متكأ» بالتثقيل، فهو الطعام، ومن قرأ بالتخفيف، فهو ~~الأترج. قال ابن قتيبة: من قرأ «متكا» فإنه يريد الأترج، ويقال: ~~الزماورد. وأيا ما كان، فإني لا أحسبه سمي متكا إلا بالقطع، كأنه ~~مأخوذ من البتك، فأبدلت الميم منه باء، كما يقال: سمد رأسه وسبده: ~~إذا استأصله، وشر لازم، ولازب، والميم تبدل من الباء كثيرا، لقرب ~~مخرجيهما. # قوله تعالى: { وآتت كل واحدة منهن سكينا } إنما فعلت ذلك، لأن ~~الطعام الذي قدمت لهن يحتاج إلى السكاكين. وقيل: كان مقصودها افتضاحهن ~~بتقطيع ms0986 أيديهن كما فضحنها. قال وهب بن منبه: ناولت كل واحدة منهن ~~أترجة وسكينا، وقالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن، ثم ~~قالت ليوسف: اخرج عليهن. قال الزجاج: إن شئت ضممت التاء من قوله: ~~«وقالت». # وإن شئت كسرت، والكسر الأصل لسكون التاء والخاء، ومن ضم التاء، فلثقل ~~الضمة بعد الكسرة. ولم يمكنه أن لا يخرج، لأنه بمنزلة العبد لها. وذكر ~~بعض أهل العلم أنها إنما قالت: «اخرج» وأضمرت في نفسها «عليهن»، فأخبر ~~الحق عما في النفس كأن اللسان قد نطق به، ومثله # إنما نطعمكم لوجه الله... # الآية [الانسان 9]، لم يقولوا ذلك، إنما أضمروه، ويدل على صحة هذا أنها ~~لو قالت له وهو شاب مستحسن: اخرج على نسوة من طبعهن الفتنة، مافعل. # وفي قوله: { أكبرنه } قولان: # أحدهما: أعظمنه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن ~~مجاهد، وبه قال قتادة، وابن زيد. # والثاني: حضن، رواه الضحاك عن ابن عباس. وروى علي بن عبد الله ابن ~~عباس عن أبيه قال: حضن من الفرح، قال: وفي ذلك يقول الشاعر: # نأتي النساء لدى أطهارهن ولا # نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا # وقد روى هذا المعنى ليث عن مجاهد، واختاره ابن الأنباري، ورده بعض ~~اللغويين، فروي عن أبي عبيدة أنه قال: ليس في كلام العرب «أكبرن» بمعنى ~~«حضن»، ولكن عسى أن يكن من شدة ما أعظمنه حضن، وكذلك روي عن الزجاج أنه ~~أنكره. # قوله تعالى: { وقطعن أيديهن } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: حززن أيديهن، وكن يحسبن أنهن يقطعن طعاما، قاله ابن عباس، ~~وابن زيد. # والثاني: قطعن أيديهن حتى ألقينها، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: كلمن الأكف وأبن الأنامل، قاله وهب بن منبه. # قوله تعالى: { وقلن حاشا لله } قرأ أبو عمرو «حاشا» بألف في الوصل في ~~الموضعين، واتفقوا على حذف الألف في الوقف، وأبو عمرو جاء به على التمام ~~والأصل، والباقون حذفوا. وهذه الكلمة تستعمل في موضعين. أحدهما: ~~الاستثناء، والثاني: التبرئة من الشر. والأصل «حاشا» وهي مشتقة من قولك: ~~كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته. والحشا: ms0987 الناحية، وأنشدوا: # بأي الحشا أمسى # الخليط المباين # أي: بأي النواحي، والمعنى: صار يوسف في حشا من أن يكون بشرا، لفرط ~~جماله. وقيل: صار في حشا مما قرفته به امرأة العزيز. وقال ابن عباس، ~~ومجاهد: «حاش لله» بمعنى: معاذ الله. قال الفراء: و «بشرا» منصوب، لأن ~~الباء قد استعملت فيه، فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما ~~حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا على ذلك، وكذلك ~~قوله: # ماهن أمهاتهم # [المجادلة:2]، وأما أهل نجد فيتكلمون بالباء وبغير الباء، فإذا أسقطوها، ~~رفعوا، وهو أقوى الوجهين في العربية. قال الزجاج: قوله: الرفع أقوى ~~الوجيهن، غلط، لأن كتاب الله أقوى اللغات، ولم يقرأ بالرفع أحد. وزعم ~~الخليل، وسيبويه، وجميع النحويين القدماء أن «بشرا» منصوب، لأنه خبر ~~«ما» و «ما» بمنزلة «ليس». قلت: وقد قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، و ~~عكرمة، ومعاذ القارئ في آخرين: «ما هذا بشر» بالرفع. # وقرأ أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو السوار: «ما هذا ~~بشرى» بكسر الباء والشين مقصورا منونا. قال الفراء: أي: ما هذا ~~بمشترى. وقرأ ابن مسعود: «بشراء» بالمد والهمز مخفوضا منونا. # قوله تعالى: { إن هذا إلا ملك } قرأ أبي، وأبو رزين، وعكرمة، ~~وأبو حيوة، والجحدري: «ملك» بكسر اللام. # قوله تعالى: { فذلكن الذي لمتنني فيه } قال المفسرون: لما ذهلت عقولهن ~~فقطعن أيديهن، قالت لهن ذلك. # فإن قيل: كيف أشارت إليه وهو حاضر بقولها: «فذلكن»؟ فعنه جوابان ذكرهما ~~ابن الأنباري: # أحدهما: أنها أشارت ب «ذلكن» إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس. # والثاني: أن في الكلام إضمار «هذا» تقديره: فهذا ذلكن. ومعنى «لمتنني ~~فيه» أي: في حبه. ثم أقرت عندهن، فقالت: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } ~~أي: امتنع. # قوله تعالى: { وليكونن من الصاغرين } قال الزجاج: القراءة الجيدة تخفيف ~~«وليكونن» والوقف عليها بالألف، لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف ~~الألف، تقول: اضربن زيدا، وإذا وقفت قلت: اضربا. وقد قرئت «وليكونن» ~~بتشديد النون، وأكرهها، لخلاف المصحف، لأن الشديدة لا يبدل منها شيء. ~~والصاغرون: المذلون. ### || [12.33-34] # قوله تعالى: ms0988 { قال رب السجن أحب إلي } قال وهب بن منبه: لما قالت: ~~«فذلكن الذي لمتنني فيه» قلن: لا لوم عليك، قالت: فاطلبن إلى يوسف أن ~~يسعفني بحاجتي، فقلن: يا يوسف افعل، فقالت: لئن لم يفعل لأخلدنه السجن، ~~فعند ذلك قال. { رب السجن أحب إلي }. وقرأ يعقوب: «السجن» بفتح السين ~~هاهنا فحسب. قال الزجاج: من كسر سين «السجن» فعلى اسم المكان، فيكون ~~المعنى: نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية، ومن فتح، فعلى المصدر، ~~المعنى: أن أسجن أحب إلي. { وإلا تصرف عني كيدهن } أي: إلا ~~تعصمني { أصب إليهن } أي: أمل إليهن. يقال: صبا إلى اللهو يصبو ~~صبوا وصبوا وصباء: إذا مال. وقال ابن الأنباري: ومعنى هذا ~~الكلام: اللهم اصرف عني كيدهن، ولذلك قال: { فاستجاب له ربه }. # قال: فإن قيل: إنما كادته امرأة العزيز وحدها، فكيف قال «كيدهن»؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن العرب توقع الجمع على الواحد، فيقول قائلهم: خرجت إلى البصرة ~~في السفن، وهو لم يخرج إلا في سفينة واحدة. # والثاني: أن المكني عنه امرأة العزيز والنسوة اللاتي عاضدنها على ~~أمرها. # والثالث: أنه عنى امرأة العزيز وغيرها من نساء العالمين اللاتي لهن مثل ~~كيدها. ### || [12.35] # قوله تعالى: { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات } في المراد بالآيات ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنها شق القميص، وقضاء ابن عمها عليها، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها قد القميص، وشهادة الشاهد، وقطع الأيدي، وإعظام النساء ~~إياه، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والثالث: جماله وعفته، ذكره الماوردي. قال وهب بن منبه: فأشار ~~النسوة عليها بسحنه رجاء أن يستهوينه حين يخلو لهن في السجن، وقلن: متى ~~سجنتيه قطع ذلك عنك قالة الناس التي قد شاعت، ورأوا أنك تبغضينه، ~~ويذله السجن لك، فلما انصرفن عادت إلى مراودته فلم يزدد إلا بعدا ~~عنها، فلما يئست، قالت لسيدها: إن هذا العبد قد فضحني، وقد أبغضت ~~رؤيته، فائذن لي في سجنه، فأذن لها، فسجنته وأضرت به. وقال السدي: ~~قالت: إما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر بعذري، وإما أن ms0989 تحبسه كما حبستني، ~~فظهر للعزيز وأصحابه من الرأي حبس يوسف. قال الزجاج: كان العزيز أمر ~~بالإعراض فقط، ثم تغير رأيه عن ذلك. قال ابن الأنباري: وفي معنى الآية ~~قولان: # أحدهما: «ثم بدا لهم» أي: ظهر لهم بالقول والرأي والفكر سجنه. # والثاني: ثم بدا لهم في يوسف بدء، فقالوا: والله لنسجننه، فاللام ~~جواب يمين مضمرة. فأما الحين، فهو يقع على قصير الزمان وطويله. # وفي المراد به هاهنا للمفسرين خمسة أقوال: # أحدها: خمس سنين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: سنة، روي عن ابن ~~عباس أيضا. والثالث: سبع سنين، قاله عكرمة. والرابع: إلى انقطاع ~~القالة، قاله عطاء. والخامس: أنه زمان غير محدود، ذكره الماوردي، وهذا ~~هو الصحيح، لأنهم لم يعزموا على حبسه مدة معلومة، وإنما ذكر المفسرون ~~قدر مالبث. ### || [12.36] # قوله تعالى: { ودخل معه السجن فتيان } قال الزجاج: فيه دليل على أنه ~~حبس، وإن لم يذكر ذلك. و «فتيان» جائز أن يكونا حدثين أو شيخين، ~~لأنهم يسمون المملوك فتى. قال ابن الأنباري: إنما قال: «فتيان» لأنهما ~~كانا مملوكين، والعرب تسمي المملوك فتى، شابا كان أو شيخا. قال ~~المفسرون: عمر ملك مصر فملوه: فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن ~~يسماه، فبلغه ذلك فحبسهما، فكان يوسف قال لأهل السجن: إني أعبر ~~الأحلام، فقال أحد الفتيين: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني. # واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها كانت كذبا، وإنما سألاه تجريبا، قاله ابن مسعود، والسدي. # والثاني: أنها كانت صدقا، قاله مجاهد، وابن إسحاق. # والثالث: أن الذي صلب منهما كان كاذبا، وكان الآخر صادقا، قاله أبو ~~مجلز. # قوله تعالى: { قال أحدهما } يعني الساقي { إني أراني } أي: في النوم { ~~أعصر خمرا } أي: عنبا. وفي تسمية العنب خمرا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سماه باسم ما يؤول إليه، لأن المعنى لا يلتبس. كما يقال: ~~فلان يطبخ الآجر ويعمل الدبس، وإنما يطبخ اللبن ويصنع التمر، وهذا ~~قول أكثر المفسرين. قال ابن الأنباري: وإنما كان كذلك، لأن العرب توقع ~~بالفرع ما هو واقع ms0990 بالأصل، كقولهم: فلان يطبخ آجرا. # والثاني: أن الخمر في لغة أهل عمان اسم للعنب، قاله الضحاك، والزجاج. ~~قال ابن القاسم: وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها. والثالث: أن المعنى: ~~أعصر عنب خمر، وأصل خمر، وسبب خمر، فحذف المضاف، وخلفه المضاف إليه، ~~كقوله: # واسأل القرية # [يوسف 82]. قال أبو صالح عن عن ابن عباس: رأى يوسف ذات يوم الخباز ~~والساقي مهمومين، فقال: ما شأنكما؟ قالا: رأينا رؤيا، قال: قصاها ~~علي، قال الساقي: إني رأيت كأني دخلت كرما فجنيت ثلاثة عناقيد عنب، ~~فعصرتهن في الكأس، ثم أتيت به الملك فشربه، وقال الخباز: رأيت أني خرجت ~~من مطبخ الملك أحمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز، فوقع طير على أعلاهن فأكل ~~منها، { نبئنا بتأويله } أي: أخبرنا بتفسيره. وفي قوله: { إنا نراك من ~~المحسنين } خمسة أقوال: # أحدها: أنه كان يعود المرضى ويداويهم ويعزي الحزين، رواه مجاهد عن ابن ~~عباس. # والثاني: إنا نراك محسنا إن أنبأتنا بتأويله، قاله ابن إسحاق. # والثالث: إنا نراك من العالمين قد أحسنت العلم، قاله الفراء. قال ابن ~~الأنباري: فعلى هذا يكون مفعول الإحسان محذوفا، كما حذف في قوله: # وفيه يعصرون # [يوسف 49] يعني العنب والسمسم. وإنما علموا أنه عالم، لنشره العلم ~~بينهم. # والرابع: إنا نراك ممن يحسن التأويل، ذكره الزجاج. # والخامس: إنا نراك محسنا إلى نفسك بلزومك طاعة الله، ذكره ابن ~~الأنباري. ### || [12.37-39] # قوله تعالى: { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه } في معنى: الكلام قولان: # أحدهما: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة إلا أخبرتكما به قبل أن ~~يصل إليكما، لأنه كان يخبر بما غاب كعيسى عليه السلام، وهو قول الحسن. # والثاني: لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام إلا نبأتكما بتأويله ~~قبل أن يأتيكما في اليقظة، هذا قول السدي. قال ابن عباس: فقالا له: وكيف ~~تعلم ذلك، ولست بساحر، ولا عراف، ولا صاحب نجوم؛ فقال: { ذلكما مما ~~علمني ربي }. # فإن قيل: هذا كله ليس بجواب سؤالهما، فأين جواب سؤالهما؟ فعنه أربعة ~~أجوبة: # أحدها: أنه لما علم أن أحدهما مقتول، دعاهما إلى نصيبهما من الآخرة، ms0991 ~~قاله قتادة. # والثاني: أنه عدل عن الجواب لما فيه من المكروه لأحدهما، قاله ابن جريج. # والثالث: أنه ابتدأ بدعائهما إلى الإيمان قبل جواب السؤال، قاله ~~الزجاج. # والرابع: أنه ظنهما كاذبين في رؤياهما، فعدل عن جوابهما ليعرضا عن ~~مطالبته بالجواب فلما ألحا أجابهما، ذكره ابن الأنباري. فأما الملة ~~فهي الدين. وتكرير قوله: { هم } للتوكيد. # قوله تعالى: { ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } قال ابن عباس: يريد: ~~أن الله عصمنا من الشرك { ذلك من فضل الله علينا } أي: اتباعنا ~~الإيمان بتوفيق الله. { وعلى الناس } يعني المؤمنين بأن دلهم على دينه. ~~وقال ابن عباس: «ذلك من فضل الله علينا» أن جعلنا أنبياء «وعلى الناس» أن ~~بعثنا إليهم، { ولكن أكثر الناس } من أهل مصر { لا يشكرون } نعم الله ~~فيوحدونه. # قوله تعالى: { أأرباب متفرقون } يعني: الأصنام من صغير وكبير { خير } ~~أي: أعظم صفة في المدح { أم الله الواحد القهار } يعني أنه أحق بالإلهية ~~من الأصنام؟ فأما الواحد، فقال الخطابي: هو الفرد الذي لم يزل وحده، ~~وقيل: هوالمنقطع القرين، المعدوم الشريك والنظير، وليس كسائر الآحاد من ~~الأجسام المؤلفة، فإن كل شيء سواه يدعى واحدا من جهة، غير واحد من ~~جهات، والواحد لا يثنى من لفظه، لايقال: واحدان. والقهار: الذي قهر ~~الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، وقهر الخلق كلهم بالموت. وقال غيره: ~~القهار: الذي قهر كل شيء فذلله، فاستسلم وذل له. ### || [12.40-41] # قوله تعالى: { ما تعبدون من دونه } إنما جمع في الخطاب لهما، لأنه أراد ~~جميع من شاركهما في شركهما. وقوله: «من دونه» أي من دون الله { إلا ~~أسماء } يعني: الأرباب والآلهة، ولا يصح معاني تلك الأسماء للأصنام، ~~فكأنها أسماء فارغة، فكأنهم يعبدون الأسماء، لأنها لا تصح معانيها. { ما ~~أنزل الله بها من سلطان } أي: من حجة بعبادتها. { إن الحكم إلا لله } ~~أي: ما القضاء والأمر والنهي إلا له. { ذلك الدين القيم } أي: ~~المستقيم يشير إلى التوحيد. # { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } فيه قولان: # أحدهما: لا يعلمون أنه لا يجوز عبادة غيره. والثاني: لا يعلمون ms0992 ~~ماللمطيعين من الثواب وللعاصين من العقاب. # قوله تعالى: { أما أحدكما فيسقي ربه خمرا } الرب هاهنا: السيد. قال ~~ابن السائب: لما قص الساقي رؤياه على يوسف، قال له: ما أحسن ما رأيت! أما ~~الأغصان الثلاثة، فثلاثة أيام، يبعث إليك الملك عند انقضائها، فيردك ~~إلى عملك، فتعود كأحسن ما كنت فيه، وقال للخباز: بئس ما رأيت، السلال ~~الثلاث، ثلاثة أيام، ثم يبعث إليك الملك عند انقضائهن، فيقتلك ويصلبك ~~ويأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئا، فقال: { قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان } أي: فرغ منه، وسيقع بكما، صدقتما أو كذبتما. # فإن قيل: لم حتم على وقوع التأويل، وربما صدق تأويل الرؤيا وكذب؟ فعنه ~~جوابان. # أحدهما: أنه حتم ذلك لوحي أتاه من الله، وسبيل المنام المكذوب فيه أن لا ~~يقع تأويله، فلما قال: «قضي الأمر» دل على أنه بوحي. # والثاني: أنه لم يحتم، بدليل قوله: «وقال للذي ظن أنه ناج منهما»، ~~قال أصحاب هذا الجواب: معنى «قضي الأمر»: قطع الجواب الذي التمستماه من ~~جهتي، ولم يعن أن الأمر واقع بكما. وقال أصحاب الجواب الأول: الظن هاهنا ~~بمعنى العلم. ### || [12.42] # قوله تعالى: { وقال للذي ظن أنه ناج منهما } يعني الساقي. # وفي هذا الظن قولان: # أحدهما: أنه بمعنى العلم، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الظن الذي يخالف ~~اليقين، قاله قتادة. # قوله تعالى: { اذكرني عند ربك } أي: عند صاحبك، وهو الملك، وقل له: إن ~~في السجن غلاما حبس ظلما. واسم الملك: الوليد بن الريان. # قوله تعالى: { فأنساه الشيطان ذكر ربه } فيه قولان: # أحدهما: فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف لربه، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال ابن إسحاق. # والثاني: فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربه، وأمره بذكر الملك ابتغاء الفرج ~~من عنده، قاله مجاهد، ومقاتل، والزجاج، وهذا نسيان عمد، لا نسيان سهو، ~~وعكسه القول الذي قبله. # قوله تعالى: { فلبث في السجن بضع سنين } أي: غير ماكان قد لبث قبل ذلك. ~~عقوبة له على تعلقه بمخلوق. # وفي البضع تسعة أقوال: # أحدها: ما بين السبع والتسع، روى ابن ms0993 عباس أن أبا بكر لما ناحب قريشا ~~عند نزول # آلم غلبت الروم # [الروم:1، 2]، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا احتطت، فإن البضع ما بين السبع إلى التسع " # والثاني: اثنتا عشرة سنة، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: سبع سنين، ~~قاله عكرمة. والرابع: أنه ما بين الخمس إلى السبع، قاله الحسن. والخامس: ~~أنه ما بين الأربع إلى التسع، قاله مجاهد. والسادس: ما بين الثلاث إلى ~~التسع، قاله الأصمعي، والزجاج. والسابع: أن البضع يكون بين الثلاث والتسع ~~العشر، قاله قتادة. والثامن: أنه ما دون العشرة، قاله الفراء، وقال ~~الأخفش: البضع: من واحد إلى عشرة. والتاسع: أنه مالم يبلغ العقد ولا ~~نصفه، قاله أبو عبيدة: قال ابن قتيبة: يعني ما بين الواحد إلى الأربعة. ~~وروى الأثرم عن أبي عبيدة: البضع: ما بين ثلاث وخمس. # وفي جملة ما لبث في السجن ثلاثة أقوال: # أحدها: اثنتا عشرة سنة، قاله ابن عباس. # والثاني: أربع عشرة، قاله الضحاك. # والثالث: سبع سنين، قاله قتادة. قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي ~~«اذكرني عند ربك» قيل له: يا يوسف، أتخذت من دوني وكيلا؟ لأطيلن حبسك، ~~فبكى، وقال: يارب، أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، فويل لإخوتي. ### || [12.43] # قوله تعالى: { وقال الملك } يعني ملك مصر الأكبر { إني أرى } يعني في ~~المنام، ولم يقل: رأيت، وهذا جائز في اللغة أن يقول القائل: أرى، بمعنى ~~رأيت. قال وهب بن منبه: لما انقضت المدة التي وقتها الله تعالى ليوسف في ~~حبسه، دخل عليه جبريل إلى السجن، فبشره بالخروج وملك مصر ولقاء ~~أبيه، فلما أمسى الملك من ليلتئذ، رأى سبع بقرات سمان خرجن من البحر، في ~~آثارهن سبع عجاف، فأقبلت العجاف على السمان، فأخذن بأذنابهن فأكلنهن إلى ~~القرنين، ولم يزد في العجاف شيء، ورأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع ~~يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن، ولم يزدد في اليابسات شيء، فدعا أشراف ~~قومه فقصها عليهم، فقالوا: { أضغاث أحلام }. قال الزجاج: والعجاف التي قد ~~بلغت في الهزال الغاية. والملأ: الذين ms0994 يرجع إليهم في الأمور ويقتدى ~~برأيهم، واللام في قوله: { للرؤيا } دخلت على المفعول للتبيين، المعنى: ~~إن كنتم تعبرون. ثم بين باللام فقال. «للرؤيا» ومعنى عبرت الرؤيا ~~وعبرتها: أخبرت بآخر ما يؤول إليه أمرها، واشتقاقه من عبر النهر، وهو ~~شاطىء النهر، فتأويل عبرت النهر: بلغت إلى عبره، أي: إلى شطه وهو آخر ~~عرضه. # وذكر ابن الأنباري في اللام قولين: # أحدهما: أنها للتوكيد. # والثاني: أنها أفادت معنى «إلى» والمعنى: إن كنتم توجهون العبارة ~~إلى الرؤيا. ### || [12.44] # قوله تعالى: { قالوا أضغاث أحلام } قال أبو عبيدة: واحدها ضغث، مكسورة، ~~وهي ما لا تأويل له من الرؤيا تراه جماعات، تجمع من الرؤيا كما يجمع ~~الحشيش، فيقال: ضغث، أي: ملء كف منه. وقال الكسائي: الأضغاث: الرؤيا ~~المختلطة. وقال ابن قتيبة: «أضغاث أحلام» أي: أخلاط مثل أضغاث النبات ~~يجمعها الرجل، فيكون فيها ضروب مختلفة. وقال الزجاج: الضغث في اللغة: ~~الحزمة والباقة من الشيء، كالبقل وما أشبهه، فقالوا له: رؤياك أخلاط ~~أضغاث، أي: حزم أخلاط، ليست برؤيا بينه، { وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين } أي: ليس للرؤيا المخلتطة عندنا تأويل. وقال غيره: وما نحن ~~بتأويل الأحلام الذي هذا وصفها بعالمين. والأحلام: جمع حلم، وهو ما ~~يراه الإنسان في نومه مما يصح ومما يبطل. ### || [12.45-48] # قوله تعالي: { وقال الذي نجا منهما } يعني الذي تخلص من القتل من ~~الفتيين، وهو الساقي، { وادكر } اي: تذكر شأن يوسف وما وصاه به. قال ~~الزجاج: وأصل ادكر: اذتكر، ولكن التاء ابدلت منها الدال، وأدغمت الذال ~~في الدال. وقرأ الحسن: «واذكر» بالذال المشددة. وقوله: { بعد أمة } أي: ~~بعد حين، وهو الزمان الذي لبثه يوسف بعده في السجن، وقد سبق بيانه. وقرأ ~~ابن عابس، والحسن «بعد أمة» أراد: بعد نسيان. # فإن قيل: هذا يدل على أن الناسي في قوله: «فأنساه الشيطان ذكر ربه» هو ~~الساقي، ولا شك أن من قال: إن الناسي يوسف يقول: لم ينس الساقي. # فالجواب: أن من قال: إن يوسف نسي، يقول: معنى قوله: «وادكر» ذكر، كما ~~تقول العرب: احتلب بمعنى حلب، واغتدى بمعنى ms0995 غدا، فلا يدل إذا على نسيان ~~سبقه. وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: إنما لم يذكر الساقي خبر ~~يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تأويل رؤياه، خوفا من أن يكون ذكره ~~ليوسف سببا لذكره الذنب الذي من أجله حبس، ذكر هذا الجواب ابن الأنباري. # قوله تعالى: { أنا أنبئكم بتأويله } أي: من جهة يوسف { فأرسلون } أثبت ~~الياء فيها وفي # ولا تقربون # [يوسف: 60] # أن تفندون # [يوسف: 94] يعقوب في الحالين، فخاطب الملك وحده بخطاب الجميع، تعظيما، ~~وقيل: خاطبه وخاطب أتباعه. وفي الكلام اختصار، المعنى: فأرسلوه فأتى يوسف ~~فقال: يا يوسف يا أيها الصديق. والصديق: الكثير الصدق، كما يقال: ~~فسيق، وسكير، وقد سبق بيانه [النساء: 69]. # قوله تعالى: { لعلي أرجع إلى الناس } يعني الملك وأصحابه والعلماء ~~الذين جمعهم لتعبير رؤياه. وفي قوله: { لعلهم يعلمون } قولان: # أحدهما: يعلمون تأويل رؤيا الملك. والثاني: يعلمون بمكانك فيكون سبب ~~خلاصك. # وذكر ابن الأنباري في تكرير «لعلي» قولين: أحدهما: أن «لعل» الأولى ~~متعلقة بالإفتاء. والثانية مبنية على الرجوع، وكلتاهما بمعنى «كي». # والثاني: أن الأولى بمعنى «عسى» والثانية بمعنى «كي» فأعيدت لاختلاف ~~المعنيين، وهذا هو الجواب عن قوله: # لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون # [يوسف: 63] قال المفسرون: كان سيده العزيز قد مات، واشتغلت عنه ~~امرأته. وقال بعضهم: لم يكن العزيز قد مات، فقال يوسف للساقي: قل للملك: ~~هذه سبع سنين مخصبات، ومن بعدهن سبع سنين شداد، إلا أن يحتال لهن، ~~فانطلق الرسول إلى الملك فأخبره، فقال له الملك: ارجع إليه فقل له: كيف ~~يصنع؟ فقال: { تزرعون سبع سنين دأبا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «دأبا» ساكنة ~~الهمزة، إلا أن أبا عمرو كان إذا أدرج القراءة لم يهمزها. وروى حفص عن ~~عاصم «دأبا» بفتح الهمزة. قال أبو علي: الأكثر في «دأب» الإسكان، ولعل ~~الفتح لغة، ومعنى «دأبا» أي: زراعة متوالية على عادتكم، والمعنى: ~~تزرعون دائبين. # فناب «دأب» عن «دائبين». وقال الزجاج: المعنى: تدأبون دأبا، ودل على ~~تدأبون «تزرعون» ms0996 والدأب: الملازمة للشيء والعادة. # فإن قيل: كيف حكم بعلم الغيب، فقال: «تزرعون» ولم يقل: إن شاء الله؟ ~~فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أنه كان بوحي من الله عز وجل. # والثاني: أنه بنى على علم ما علمه الله من التأويل الحق، فلم يشك. # والثالث: أنه أضمر «إن شاء الله» كما أضمر إخوته في قولهم: # ونمير أهلنا ونحفظ أخانا # [يوسف: 65]، فاضمروا الاستثناء في نياتهم، لأنهم على غير ثقة مما وعدوا، ~~ذكره ابن الأنباري. # والرابع: أنه كالآمر لهم، فكأنه قال: ازرعوا. # قوله تعالى: { فذروه في سنبله } فإنه أبقى له، وأبعد من الفساد. ~~والشداد: المجدبات التي تشتد على الناس. { يأكلن } أي: يذهبن ما قدمتم ~~لهن في السنين المخصبات، فوصف السنين بالأكل، وإنما يؤكل فيها، كما ~~يقال: ليل نائم. # قوله تعالى: { إلا قليلا مما تحصنون } أي: تحرزون وتدخرون. ### || [12.49] # قوله تعالى: { ثم يأتي من بعد ذلك عام } إن قيل: لم أشار إلى السنين ~~وهي مؤنثة ب «ذلك»؟ # فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم: # أحدهما: أن السبع مؤنثه، ولا علامة للتأنيث في لفظها، فأشبهت المذكر، ~~كقوله: # السماء منفطر به # [المزمل: 18] فذكر منفطرا لما لم يكن في السماء علم التأنيث، قال ~~الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # فذكر «أبقل» لما وصفنا. # والثاني: أن «ذلك» إشارة إلى الجدب، وهذا قول مقاتل، والأول قول ~~الكلبي. قال قتادة: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه. # قوله تعالى: { فيه يغاث الناس } فيه قولان: # أحدهما: يصيبهم الغيث، قاله ابن عباس. والثاني: يغاثون بالخصب. ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: { وفيه يعصرون } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم: «يعصرون» بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي بالتاء، فوجها ~~الخطاب إلى المستفتين. # وفي قوله «يعصرون» خمسة أقوال: # أحدها: يعصرون العنب والزيت والثمرات، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والجمهور. # والثاني: «يعصرون» بمعنى يحتلبون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وروى ~~ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد قال: تفسير «يعصرون» يحتلبون ~~الألبان لسعة خيرهم واتساع خصبهم، واحتج بقول الشاعر: # فما عصمة ms0997 الأعراب إن لم يكن لهم # طعام ولا در من المال يعصر # أي: يحلب. # والثالث: ينجون، وهو من العصر، والعصر: النجاء، والعصرة: المنجاة. ~~ويقال: فلان في عصرة: إذا كان في حصن لا يقدر عليه، قال الشاعر: # صاديا يستغيث غير مغاث # ولقد كان عصرة المنجود # أي: غياثا للمغلوب المقهور، وقال عدي: # لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # هذا قول أبي عبيده. # والرابع: يصيبون ما يحبون، روي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال: المعتصر: ~~الذي يصيب الشيء ويأخذه، ومنه هذه الآية. ومنه قول ابن أحمر: # فإنما العيش بريانه # وأنت من أفنانه معتصر # والخامس: يعطون ويفضلون لسعة عيشهم، رواه ابن الأنباري عن بعض أهل ~~اللغة. وقرأ سعيد بن جبير: «يعصرون» بضم الياء وفتح الصاد. وقال ~~الزجاج: أراد: يمطرون من قوله: # وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا # [النبأ: 14]. ### || [12.50-51] # قوله تعالى: { وقال الملك ائتوني به } قال المفسرون: لما رجع الساقي ~~إلى الملك وأخبره بتأويل رؤياه، وقع في نفسه صحة ما قال، فقال: ائتوني ~~بالذي عبر رؤياي، فجاءه الرسول، فقال: أجب الملك، فأبى أن يخرج حتى تبين ~~براءته مما قرف به، فقال: { ارجع إلى ربك } يعني الملك { فاسأله ما بال ~~النسوة } وقرأ ابن أبي عبلة: «النسوة» بضم النون، والمعنى: فاسأل الملك ~~أن يتعرف ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي، وإنما أشفق أن ~~يراه الملك بعين مشكوك في أمره أو متهم بفاحشة، وأحب أن يراه بعد ~~استقرار براءته عنده. وظاهر قوله: { إن ربي بكيدكن عليم } أنه يعني الله ~~تعالى، وحكى ابن جرير الطبري أنه أراد به سيده العزيز، والمعنى: أنه يعلم ~~براءتي. وقد روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه استحسن حزم يوسف وصبره ~~عن التسرع إلى الخروج، فقال صلى الله عليه وسلم # " إن الكريم بن الكريم بن الكريم [ابن الكريم] يوسف بن يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم، لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبت ". # وفي ذكره للنسوة دون امرأة العزيز أربعة أقوال: # أحدها: أنه خلطها بالنسوة، لحسن ms0998 عشرة فيه وأدب، قاله الزجاج. # والثاني: لأنها زوجة ملك، فصانها. # والثالث: لأن النسوة شاهدات عليها له. # والرابع: لأن في ذكره لها نوع تهمة، ذكر الأقوال الثلاثة الماوردي. # قال المفسرون: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك النسوة ~~وفيهن امرأة العزيز، فقال: { ما خطبكن } أي: ما شأنكن وقصتكن { إذ ~~راودتن يوسف }. # فإن قيل: إنما راودته واحدة، فلم جمعن؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه جمعهن في السؤال ليعلم عين المراودة. # والثاني: أن أزليخا راودته على نفسه، وراوده باقي النسوة على القبول ~~منها. # والثالث: أنه جمعهن في الخطاب، والمعنى لواحدة منهن، لأنه قد يوقع على ~~النوع وصف الجنس إذا أمن من اللبس، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم للنساء: # " إنكن أكثر أهل النار " # ، فجمعهن في الخطاب والمعنى لبعضهن، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { قلن حاش لله } قال الزجاج: قرأ الحسن بتسكين الشين، ولا ~~اختلاف بين النحويين أن الإسكان غير جائز، لأن الجمع بين ساكنين لا ~~يجوز، ولا هو من كلام العرب. فأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء، ~~فقالت امرأة العزيز: { الآن حصحص الحق } أي: برز وتبين، واشتقاقه في ~~اللغة من الحصة، أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة جهة الباطل. وقال ابن ~~القاسم: «حصحص» بمعنى وضح وانكشف، تقول العرب: حصحص البعير في بروكه: ~~إذا تمكن، وأثر في الأرض، وفرق الحصى. # وللمفسرين في ابتداء أزليخا بالإقرار قولان: # أحدهما: أنها لما رأت النسوة قد برأنه، قالت: لم يبق إلا أن يقبلن ~~علي بالتقرير، فأقرت، قاله الفراء. # والثاني: أنها أظهرت التوبة وحققت صدق يوسف، قاله الماوردي. ### || [12.52] # قوله تعالى: { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال مقاتل: «ذلك» بمعنى ~~هذا. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع ~~وأشباهه، لقرب الخبر من أصحابه، فصار كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا، ~~ولما كان متقضيا، أمكن أن يشار إليه بذلك، لأن المقتضي كالغائب. # واختلفوا في القائل لهذا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يوسف، وهو من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي ms0999 عن شخص شيئا ~~ثم تصله بالحكاية عن آخر. ونظير هذا قوله: # يريد أن يخرجكم من أرضكم # [الأعراف: 110] هذا قول الملأ { فماذا تأمرون } قول فرعون. ومثله # وجعلوا أعزة أهلها أذلة # [النمل: 34] هذا قول بلقيس { وكذلك يفعلون } قول الله تعالى. ومثله # من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52] هذا قول الكفار، فقالت الملائكة: { هذا ما وعد الرحمن } وإنما ~~يجوز مثل هذا في الكلام، لظهور الدلالة على المعنى. # واختلفوا، أين قال يوسف هذا؟ على قولين: # أحدهما: أنه لما رجع الساقي إلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة ~~العزيز والنسوة للملك، قال: حينئذ «ذلك ليعلم»، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال ابن جريج. # والثاني: أنه قاله بعد حضوره مجلس الملك، رواه عطاء عن ابن عباس. # قوله تعالى: { ذلك ليعلم } أي: ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك، ~~ليعلم. # واختلفوا في المشار إليه بقوله: «ليعلم» وقوله: { لم أخنه } على أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه العزيز، والمعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته { ~~بالغيب } أي: إذا غاب عني، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~ومجاهد، وقتادة، والجمهور. # والثاني: أن المشار إليه بقوله: «ليعلم» الملك، والمشار إليه بقوله: ~~«لم أخنه» العزيز، والمعنى: ليعلم الملك أني لم أخن العزيز في أهله ~~بالغيب، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أن المشار إليه بالشيئين، الملك، فالمعنى: ليعلم الملك أني لم ~~أخنه، يعني الملك أيضا، بالغيب. # وفي وجه خيانة الملك في ذلك قولان: # أحدهما: لكون العزيز وزيره، فالمعنى: لم أخنه في امرأة وزيره، قاله ابن ~~الأنباري. # والثاني: لم أخنه في بنت أخته، وكانت أزليخا بنت أخت الملك، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # والرابع: أن المشار إليه بقوله: «ليعلم» الله، فالمعنى: ليعلم الله أني ~~لم أخنه، روي عن مجاهد، قال ابن الأنباري: نسب العلم إلى الله في ~~الظاهر، وهو في المعنى للمخلوقين، كقوله: # حتى نعلم المجاهدين منكم # [محمد: 31]. # فإن قيل: إن كان يوسف قال هذا في مجلس الملك، فكيف قال: «ليعلم» ولم ~~يقل: لتعلم، وهو يخاطبه؟ # فالجواب: أنا إن ms1000 قلنا: إنه كان حاضرا عند الملك، فانما آثر الخطاب ~~بالياء توقيرا للملك، كما يقول الرجل للوزير: إن رأى الوزير أن يوقع ~~في قصتي. وإن قلنا: إنه كان غائبا، فلا وجه لدخول التاء، وكذلك إن ~~قلنا: إنه عنى العزيز، والعزيز غائب عن مجلس الملك حينئذ. # والقول الثاني: أنه قول امرأة العزيز، فعلى هذا يتصل بما قبله، والمعنى: ~~ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته الآن بالكذب عليه. # والثالث: أنه قول العزيز، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، فلم ~~أغفل عن مجازاته على أمانته، حكى القولين الماوردي. # قوله تعالى: { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } قال ابن عباس: لا يصوب ~~عمل الزناة، وقال غيره: لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته. ### || [12.53-56] # قوله تعالى: { وما أبرىء } في القائل لهذا ثلاثة أقوال، وهي التي ~~تقدمت في الآية قبلها. # فالذين قالوا: هو يوسف، اختلفوا في سبب قوله لذلك على خمسة أقوال: # أحدها: أنه لما قال: «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» غمزه جبريل، فقال: ولا ~~حين هممت؟ فقال: «وما أبرىء نفسي»، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ~~الأكثرون. # والثاني: أن يوسف لما قال: «لم أخنه»، ذكر أنه قد هم بها فقال: «وما ~~أبرىء نفسي»، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما قال ذلك، خاف أن يكون قد زكى نفسه، فقال: «وما أبرىء ~~نفسي»، قاله الحسن. # والرابع: أنه لما قاله، قال له الملك الذي معه: اذكر ما هممت به، فقال: ~~«وما أبرىء نفسي»، قاله قتادة. # والخامس: أنه لما قاله، قالت امرأة العزيز: ولا يوم حللت سراويلك؟ ~~فقال: «وما أبرىء نفسي»، قاله السدي. # والذين قالوا: هذا قول امرأة العزيز، فالمعنى: وما أبرىء نفسي أني كنت ~~راودته. # والذين قالوا: هو العزيز، فالمعنى: وما أبرىء نفسي من سوء الظن بيوسف، ~~لأنه قد خطر لي. # قوله تعالى: { لأمارة بالسوء } قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، ويعقوب ~~إلا رويسا: «بالسوء إلا» بتحقيق الهمزتين. وقرأ أبو عمرو، وابن شنبوذ ~~عن قنبل بتحقيق الثانية وحذف الأولى، وروى نظيف عن قنبل ms1001 بتحقيق الأولى ~~وقلب الثانية ياء. وقرأ أبو جعفر، وورش، ورويس بتحقيق الأولى وتليين ~~الثانية بين بين، مثل: «السوء علا» وروى ابن فليح بتحقيق الثانية ~~وقلب الأولى واوا، وأدغمها في الواو التي قبلها، فتصير واوا مكسورة ~~مشددة قبل همزة «إلا». # قوله تعالى: { إلا ما رحم ربي } قال ابن الأنباري: قال اللغويون: هذا ~~استثناء منقطع، والمعنى: إلا أن رحمة ربي عليها المعتمد. قال أبو صالح ~~عن ابن عباس: المعنى: إلا من عصم ربي. وقيل: «ما» بمعنى «من». قال ~~الماوردي: ومن قال: هو قول امرأة العزيز، فالمعنى: إلا من رحم ربي في ~~قهره لشهوته، أو في نزعها عنه. ومن قال: هو قول العزيز، فالمعنى: إلا من ~~رحم ربي بأن يكفيه سوء الظن، أو يثبته، فلا يعجل. قال ابن الأنباري: ~~والقول بأن هذا قول يوسف، أصح، لوجين: # أحدهما: لأن العلماء عليه. والثاني: لأن المرأة كانت عابدة وثن، وما ~~تضمنته الآية، أليق أن يكون قول يوسف من قول من لا يعرف الله عز وجل. ~~وقال المفسرون: فلما تبين الملك عذر يوسف وعلم أمانته، قال: { ائتوني ~~به أستخلصه لنفسي } أي: أجعله خالصا لي، لا يشركني فيه أحد. # فإن قيل: فقد رويتم في بعض ما مضى أن يوسف قال في مجلس الملك: «ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب» فكيف قال الملك: «ائتوني به» وهو حاضر عنده؟! # فالجواب: أن أرباب هذا القول يقولون: أمر الملك باحضاره ليقلده ~~الأعمال في غير المجلس الذي استحضره فيه لتعبير الرؤيا. # قال وهب: لما دخل يوسف على الملك، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا، ~~كان كلما كلمه بلسان، أجابه يوسف بذلك اللسان، فعجب الملك، وكان يوسف ~~يومئذ ابن ثلاثين سنة، فقال: إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها، فذكرها ~~له، قال: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع زرعا كثيرا في هذه ~~السنين المخصبة، وتجمع الطعام، فيأتيك الناس فيمتارون، وتجمع عندك من ~~الكنوز مالم يجتمع لأحد، فقال الملك: ومن لي بهذا؟ فقال يوسف: «اجعلني ~~على خزائن الأرض». قال ابن عباس: ويريد بقوله: { مكين ms1002 أمين } أي: قد ~~مكنتك في ملكي وائتمنتك فيه. وقال مقاتل: المكين: الوجيه، والأمين: ~~الحافظ. # قوله تعالى: { اجعلني على خزائن الأرض } أي: خزائن أرضك. # وفي المراد بالخزائن قولان: # أحدهما: خزائن الأموال، قاله الضحاك، والزجاج. # والثاني: خزائن الطعام فحسب، قاله ابن السائب. قال الزجاج: وإنما سأل ~~ذلك، لأن الأنبياء، بعثوا بالعدل، فعلم أنه لا أحد أقوم بذلك منه. # وفي قوله: { إني حفيظ عليم } ثلاثة أقوال: # أحدها: حفيظ لما وليتني، عليم بالمجاعة متى تكون، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: حفيظ لما استودعتني، عليم بهذه السنين، قاله الحسن. # والثالث: حفيظ للحساب، عليم بالألسن، قاله السدي، وذلك أن الناس كانوا ~~يردون على الملك من كل ناحية فيتكلمون بلغات مختلفة. # واختلفوا، هل ولاه الملك يومئذ، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ولاه بعد سنة، روى الضحاك عن ابن عباس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ~~ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة ". # وذكر مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله، لملك من وقته " # قال مجاهد: أسلم الملك على يد يوسف. وقال أهل السير: أقام في بيت ~~الملك سنة، فلما انصرمت، دعاه الملك، فتوجه، ورداه بسيفه، وأمر له ~~بسرير من ذهب، وضرب عليه كلة من إستبرق، فجلس على السرير كالقمر، ~~ودانت له الملوك، ولزم الملك بيته، وفوض أمره إليه، وعزل قطفير عما ~~كان عليه، وجعل يوسف مكانه، ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي، فزوج ~~الملك يوسف بامرأة قطفير، فلما دخل عليها، قال: أليس هذا خيرا مما ~~تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فاني كنت امرأة حسناء في ملك ~~ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، فغلبتني نفسي، فلما بنى بها يوسف ~~وجدها عذراء، فولدت له ابنين، إفراييم وميشا، واستوسق له ملك مصر. # والقول الثاني: أنه ملكه بعد سنة ونصف، حكاه مقاتل عن ابن عباس. # والثالث: أنه سلم إليه الأمر ms1003 من وقته، قاله وهب، وابن السائب. # فان قيل: كيف قال يوسف: «إني حفيظ عليم» ولم يقل: إن شاء الله؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخر تمليكه، على ما ذكرنا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه أضمر الاستثناء، كما أضمروه في قولهم: { ونمير أهلها }. # والثالث: أنه أراد أن حفظي وعلمي يزيدان على حفظ غيري وعلمه، فلم يحتج ~~هذا إلى الاستثناء، لعدم الشك فيه، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. # فإن قيل: كيف مدح نفسه بهذا القول، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟ # فالجواب: أنه لما خلا مدحه لنفسه من بغي وتكبر، وكان مراده به الوصول ~~إلى حق يقيمه وعدل يحييه وجور يبطله، كان ذلك جميلا جائزا، وقد قال ~~نبينا صلى الله عليه وسلم: # " أنا أكرم ولد آدم على ربه " # ، وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: والله ما من آية إلا وأنا أعلم ~~أبليل نزلت، أم بنهار. وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله ~~مني تبلغه الإبل لأتيته. فهذه الأشياء، خرجت مخرج الشكر لله، وتعريف ~~المستفيد ما عند المفيد، ذكر هذا محمد بن القاسم. قال القاضي أبو يعلى: ~~في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للانسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا ~~يعرفه، وأنه ليس من المحظور في قوله: # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم: 32]. # قوله تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف } في الكلام محذوف، تقديره: اجعلني ~~على خزائن الأرض، قال: قد فعلت، فحذف ذلك، لأن قوله: «وكذلك مكنا ليوسف» ~~يدل عليه، والمعنى: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعما عليه في دفع المكروه ~~عنه، وتخليصه من السجن، وتقريبه من قلب الملك، أقدرناه على ما يريد في ~~أرض مصر { يتبوأ منها حيث يشاء } قال ابن عباس: ينزل حيث أراد. وقرأ ~~ابن كثير، والمفضل: «حيث نشاء» بالنون. # قوله تعالى: { نصيب برحمتنا } أي: نختص بنعمتنا من النبوة والنجاة { ~~من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين } يعني المؤمنين. يقال: إن يوسف باع أهل ~~مصر الطعام بأموالهم، وحليهم، ومواشيهم، وعقارهم، وعبيدهم، ثم ~~بأولادهم، ثم ms1004 برقابهم، ثم قال للملك: كيف ترى صنع ربي؟ فقال الملك: ~~إنما نحن لك تبع، قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر ~~ورددت عليهم أملاكهم. وكان يوسف لا يشبع في تلك الأيام، ويقول: إني ~~أخاف أن أنسى الجائع. ### || [12.57] # قوله تعالى: { ولأجر الآخرة خير } المعنى: ما نعطي يوسف في الآخرة، خير ~~مما أعطيناه في الدنيا، وكذلك غيره من المؤمنين ممن سلك طريقه في الصبر. ### || [12.58] # قوله تعالى: { وجاء إخوة يوسف } روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما فوض ~~الملك إلى يوسف أمر مصر، تلطف يوسف للناس، ولم يزل يدعوهم إلى ~~الإسلام، فآمنوا به وأحبوه، فلما أصاب الناس القحط، نزل ذلك بأرض ~~كنعان، فأرسل يعقوب ولده للميرة، وذاع أمر يوسف في الآفاق، وانتشر عدله ~~ورحمته ورأفته، فقال يعقوب: يا بني، إنه قد بلغني أن بمصر ملكا ~~صالحا، فانطلقوا إليه وأقرئوه مني السلام، وانتسبوا له لعله يعرفكم، ~~فانطلقوا فدخلوا عليه، فعرفهم وأنكروه، فقال: من أين أقبلتم؟ قالوا: من ~~أرض كنعان، ولنا شيخ يقال له: يعقوب، وهو يقرئك السلام، فبكى وعصر عينيه ~~وقال: لعلكم جواسيس جئتم تنظرون عورة بلدي، فقالوا: لا والله، ولكنا من ~~كنعان، أصابنا الجهد، فأمرنا أبونا أن نأتيك، فقد بلغه عنك خير، قال: ~~فكم أنتم؟ قالوا: أحد عشر أخا، وكنا اثني عشر فأكل أحدنا الذئب، قال: ~~فمن يعلم صدقكم؟ ائتوني بأخيكم الذي من أبيكم. وروى أبو صالح عن ابن عباس ~~قال: لما دخلوا عليه كلموه بالعبرانية، فأمر الترجمان فكلمهم ليشبه ~~عليهم، فقال للترجمان: قل لهم: أنتم عيون، بعثكم ملككم لتنظروا إلى أهل ~~مصر فتخبرونه فيأتينا بالجنود، فقالوا: لا، ولكنا قوم لنا أب شيخ كبير، ~~وكنا اثني عشر، فهلك منا واحد في الغنم، وقد خلفنا عند أبينا أخا له من ~~أمه، فقال: إن كنتم صادقين، فخلفوا عندي بعضكم رهنا، وائتوني بأخيكم، ~~فحبس عنده شمعون. # واختلفوا بماذا عرفهم يوسف على قولين. # أحدهما: أنه عرفهم برؤيتهم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه ما عرفهم حتى تعرفوا إليه، قاله الحسن. # قوله تعالى: { وهم ms1005 له منكرون } قال مقاتل: لا يعرفونه. # وفي علة كونهم لم يعرفوه قولان: # أحدهما: أنهم جاؤوه مقدرين أنه ملك كافر، فلم يتأملوا منه ما يزول به ~~عنهم الشك. # والثاني: أنهم عاينوا من زيه وحليته ما كان سببا لإنكارهم. وقد روى ~~أبو صالح عن ابن عباس أنه كان لا بسا ثياب حرير، وفي عنقه طوق من ذهب. # فإن قيل: كيف يخفى من قد أعطي نصف الحسن، وكيف يشتبه بغيره؟ # فالجواب: أنهم فارقوه طفلا ورأوه كبيرا، والأحوال تتغير، وما توهموا ~~أنه ينال هذه المرتبة. وقال ابن قتيبة: معنى كونه أعطي نصف الحسن، أن ~~الله جعل للحسن غاية وحدا، وجعله لمن شاء من خلقه، إما للملائكة، أو ~~للحور، فجعل ليوسف نصف ذلك الحسن، فكأنه كان حسنا مقاربا لتلك الوجوه ~~الحسنة، وليس كما يزعم الناس من أنه أعطي هذا الحسن، وأعطي الناس ~~كلهم نصف الحسن. ### || [12.59-60] # قوله تعالى: { ولما جهزهم بجهازهم } يقال: جهزت القوم تجهيزا: ~~إذا هيأت لهم ما يصلحهم، وجهاز البيت: متاعه. قال المفسرون: حمل لكل رجل ~~منهم بعيرا، وقال: { ألا ترون أني أوفي الكيل } أي: أتمه ولا ~~أبخسه، { وأنا خير المنزلين } يعني: المضيفين، وذلك أنه أحسن ~~ضيافتهم. ثم أوعدهم على ترك الإتيان بأخيهم، فقال: { فإن لم تأتوني به ~~فلا كيل لكم عندي } وفيه قولان: # أحدهما: أنه يعني به: فيما بعد، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنه منعهم الكيل في الحال، قاله وهب بن منبه. ### || [12.61] # قوله تعالى: { قالوا سنراود عنه أباه } أي: نطلبه منه، والمراودة: ~~الاجتهاد في الطلب. # وفي قوله: { وإنا لفاعلون } ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: وإنا لجاؤوك به. وضامنون لك المجيء به، هذا مذهب ~~الكلبي. # والثاني: أنه توكيد، قاله الزجاج، فعلى هذا، يكون الفعل الذي ضمنوه ~~عائدا إلى المراودة، فيصح معنى التوكيد. # والثالث: وإنما لمديمون المطالبة به لأبينا، ومتابعون المشورة عليه ~~بتوجيهه، وهذا غير المراودة، ذكره ابن الأنباري. # فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يطلب أخاه، وهو يعلم مافي ذلك من إدخال ~~الحزن على أبيه؟ فعنه خمسة أجوبة: # أحدها: أنه يجوز أن ms1006 يكون ذلك بأمر عن الله تعالى زيادة لبلاء يعقوب ~~ليعظم ثوابه، وهذا الأظهر. # والثاني: أنه طلبه لا ليحبسه، فلما عرفه قال: لا أفارقك يا يوسف، قال: ~~لا يمكنني حبسك إلا أن أنسبك إلى أمر فظيع، قال: أفعل ما بدا لك، قاله ~~كعب. # والثالث: أن يكون قصد تنبيه يعقوب بذلك على حال يوسف. # والرابع: ليتضاعف سرور يعقوب برجوع ولديه. # والخامس: ليعجل سرور أخيه باجتماعه به قبل إخوته. وكل هذه الأجوبة ~~مدخوله، إلا الأول، فانه الصحيح. ويدل عليه ما روينا عن وهب بن منبه، ~~قال: لما جمع الله بين يوسف ويعقوب، قال له يعقوب: بيني وبينك هذه ~~المسافة القريبة، ولم تكتب إلي تعرفني؟! فقال: إن جبريل أمرني أن ~~لا أعرفك، فقال له: سل جبريل، فسأله، فقال: إن الله أمرني بذلك، فقال: ~~سل ربك، فسأله، فقال: قل ليعقوب: خفت عليه الذئب، ولم تؤمني؟ ### || [12.62] # قوله تعالى: { وقال لفتيته } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر ~~عن عاصم: «لفتيته» وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «لفتيانه» قال أبو ~~علي: الفتية جمع فتى في العدد القليل، والفتيان في الكثير. والمعنى: قال ~~لغلمانه: { اجعلوا بضاعتهم } وهي التي اشتروا بها الطعام { في رحالهم } ~~، والرحل: كل شيء يعد للرحيل. { لعلهم يعرفونها } أي: ليعرفوها { ~~إذا انقلبوا } أي: رجعوا { إلى أهلهم، لعلهم يرجعون } أي: لكي يرجعوا. # وفي مقصوده بذلك خمسة أقوال: # أحدها: أنه تخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى، ~~فجعل دراهمهم في رحالهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنه أراد أنهم إذا عرفوها، لم يستحلوا إمساكها حتى ~~يردوها، قاله الضحاك. # والثالث: أنه استقبح أخذ الثمن من والده وإخوته مع حاجتهم إليه، ~~فرده عليهم من حيث لا يعلمون سبب رده تكرما وتفضلا، ذكره ابن جرير ~~الطبري، وأبو سليمان الدمشقي. # والرابع: ليعلموا أن طلبه لعودهم لم يكن طمعا في أموالهم، ذكره ~~الماوردي. # والخامس: أنه أراهم كرمه وبره ليكون أدعى إلى عودهم. ### || [12.63-64] # قوله تعالى: { فلما رجعوا إلى أبيهم } قال المفسرون: لما عادوا ms1007 إلى ~~يعقوب، قالوا: يا أبانا، قدمنا على خير رجل، أنزلنا، وأكرمنا كرامة، لو ~~كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته. # وفي قوله: { منع منا الكيل } قولان قد تقدما في قوله: # فلا كيل لكم عندي # [يوسف 61]. # فإن قلنا: إنه لم يكل لهم، فلفظ «منع» بين. # وإن قلنا: إنه خوفهم منع الكيل، ففي المعنى قولان: # أحدهما: حكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت، كما تقول للرجل: دخلت ~~والله النار بما فعلت. # والثاني: أن المعنى: يا أبانا يمنع منا الكيل إن لم ترسله معنا، فناب ~~«منع» عن «يمنع» كقوله: # يحسب أن ماله أخلده # [الهمزة 3] أي: يخلده، وقوله: # ونادى أصحاب النار # [الأعراف 50]، # وإذ قال الله يا عيسى # [المائدة 116] أي: وإذ يقول، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: { فأرسل معنا أخانا نكتل } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم، وابن عامر: «نكتل» بالنون. وقرأ حمزة، والكسائي: «يكتل» ~~بالياء. والمعنى: إن أرسلته معنا اكتلنا، وإلا فقد منعنا الكيل. قوله ~~تعالى: { هل آمنكم عليه } أي: لا آمنكم إلا كأمني على يوسف، يريد أنه لم ~~ينفعه ذلك الأمن إذ خانوه. { فالله خير حفظا } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «حفظا»، والمعنى: خير حفظا من ~~حفظكم. وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: «خير حافظا» بألف. قال أبو ~~علي: ونصبه على التمييز دون الحال. ### || [12.65-68] # قوله تعالى: { ولما فتحوا متاعهم } يعني أوعية الطعام { وجدوا بضاعتهم } ~~التي حملوها ثمنا للطعام { ردت } قال الزجاج: الأصل «رددت»، ~~فأدغمت الدال الأولى في الثانية، وبقيت الراء مضمومة. ومن قرأ بكسر الراء ~~جعل كسرتها منقولة من الدال، كما فعل ذلك في: قيل، وبيع، ليدل على أن ~~أصل الدال الكسر. # قوله تعالى: { ما نبغي } في «ما» قولان: # أحدهما: أنها استفهام، المعنى: أي شيء نبغي وقد ردت بضاعتنا إلينا. # والثاني: أنها نافية، المعنى: ما نبغي شيئا، أي: لسنا نطلب منك دراهم ~~نرجع بها إليه، بل تكفينا هذه في الرجوع إليه، وأرادوا بذلك تطييب قلبه ~~ليأذن لهم بالعود. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، ms1008 والجحدري، وأبو حيوة «ما ~~تبغي» بالتاء، على الخطاب ليعقوب. # قوله تعالى: { ونمير أهلنا } أي: نجلب لهم الطعام. قال ابن قتيبة: يقال: ~~مار أهله يميرهم ميرا، وهو مائر لأهله: إذا حمل إليهم أقواتهم من ~~غير بلده. # قوله تعالى: { ونحفظ أخانا } فيه قولان: # أحدهما: نحفظ أخانا بنيامين الذي ترسله معنا، قاله الأكثرون. # والثاني: ونحفظ أخانا شمعون الذي أخذه رهينة عنده، قاله الضحاك عن ابن ~~عباس. # قوله تعالى: { ونزداد كيل بعير } أي: وقر بعير، يعنون بذلك نصيب ~~أخيهم، لأن يوسف كان لا يعطي الواحد أكثر من حمل بعير. # قوله تعالى: { ذلك كيل يسير } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ذلك كيل سريع، لا حبس فيه، يعنون: إذا جاء معنا، عجل الملك ~~لنا الكيل، قاله مقاتل. # والثاني: ذلك كيل سهل على الذي نمضي إليه، قاله الزجاج. # والثالث: ذلك الذي جئناك به كيل يسير لا يقنعنا، قاله الماوردي. # قوله تعالى: { حتى تؤتون موثقا من الله } أي: تعطوني عهدا أثق به، ~~والمعنى: حتى تحلفوا لي بالله { لتأتنني به } أي: لتردنه إلي. ~~قال ابن الأنباري: وهذه اللام جواب لمضمر، تلخيصه: وتقولوا: والله ~~لتأتنني به. # قوله تعالى: { إلا أن يحاط بكم } فيه قولان: # أحدهما: أن يهلك جميعكم، قاله مجاهد. # والثاني: أن يحال بينكم وبينه فلا تقدرون على الإتيان به، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { فلما آتوه موثقهم } أي: أعطوه العهد وفيه قولان: # أحدهما: أنهم حلفوا له بحق محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلته من ربه، ~~قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنهم حلفوا بالله تعالى، قاله السدي. # قوله تعالى: { قال الله على ما نقول وكيل } فيه قولان: # أحدهما: أنه الشهيد. والثاني: كفيل بالوفاء، رويا عن ابن عباس. # قوله تعالى: { لا تدخلوا من باب واحد } قال المفسرون: لما تجهزوا ~~للرحيل، قال لهم يعقوب: «لا تدخلوا» يعني مصر «من باب واحد». # وفي المراد بهذا الباب قولان: # أحدهما: أنه أراد بابا من أبواب مصر، وكان لمصر أربعة أبواب، قاله ~~الجمهور. # والثاني: أنه أراد الطرق لا الأبواب، قاله السدي، وروى نحوه أبو صالح عن ~~ابن ms1009 عباس. # وفي ما أراد بذلك ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه خاف عليهم العين، وكانوا أولي جمال وقوة، وهذا قول ابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه خاف أن يغتالوا لما ظهر لهم في أرض مصر من التهمة، قاله ~~وهب بن منبه. # والثالث: أنه أحب أن يلقوا يوسف في خلوة، قاله إبراهيم النخعي. # قوله تعالى: { وما أغني عنكم من الله من شيء } أي: لن أدفع عنكم شيئا ~~قضاه الله، فإنه إن شاء أهلككم متفرقين، ومصداقه في الآية التي بعدها { ~~ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } وهي ~~إرادته أن يكون دخولهم كذلك شفقة عليهم. قال الزجاج: «إلا حاجة» ~~استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها. قال ابن ~~عباس: «قضاها» أي: أبداها وتكلم بها. # قوله تعالى: { وإنه لذو علم لما علمناه } فيه سبعة أقوال: # أحدها: إنه حافظ لما علمناه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: وإنه لذو علم أن دخلوهم من أبواب متفرقة لا يغني عنهم من الله ~~شيئا، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: وإنه لعامل بما علم، قاله قتادة. وقال ابن الأنباري: سمي ~~العمل علما، لأنه العلم أول أسباب العمل. # والرابع: وإنه لمتيقن لوعدنا، قاله الضحاك. # والخامس: وإنه لحافظ لوصيتنا، قاله ابن السائب. # والسادس: وإنه لعالم بما علمناه أنه لا يصيب بنيه إلا ما قضاه الله، ~~قاله مقاتل. # والسابع: وإنه لذو علم لتعليمنا إياه، قاله الفراء. ### || [12.69] # قوله تعالى: { ولما دخلوا على يوسف } يعني إخوته { آوى إليه أخاه } ~~يعني بنيامين. وكان أخاه لأبيه وأمه، قاله قتادة، وضمه إليه وأنزله معه، ~~قال ابن قتيبة: يقال آويت فلانا إلي. بمد الألف: إذا ضممته إليك، ~~وأويت إلى بني فلان، بقصر الألف: إذا لجأت إليهم. # وفي قوله: { قال إني أنا أخوك } قولان: # أحدهما: أنهم لما دخلوا عليه حبسهم بالباب، وأدخل أخاه، فقال له: ما ~~اسمك؟ فقال: بنيامين، قال: فما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوي، فوثب ~~إليه فاعتنقه، فقال: «إني أنا أخوك»، قاله أبو ms1010 صالح عن ابن عباس، وكذلك ~~قال ابن إسحاق: أخبره أنه يوسف. # والثاني: أنه لم يعترف له بذلك، وإنما قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك، ~~قاله وهب بن منبه. وقيل: إنه أجلسهم كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين ~~وحيدا يبكي، وقال: لو كان أخي حيا لأجلسني معه، فضمه يوسف إليه، ~~وقال: إني أرى هذا وحيدا، فأجسله معه على مائدته. فلما جاء الليل، نام ~~كل اثنين على منام، فبقي وحيدا، فقال يوسف: هذا ينام معي. فلما خلا به، ~~قال هل لك أخ من أمك؟ قال كان لي أخ من أمي فهلك، فقال: أتحب أن أكون ~~أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال: أيها الملك، ومن يجد أخا مثلك؟ ولكن لم ~~يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف، وقام إليه فاعتنقه، وقال: { إني أنا ~~أخوك } يوسف { فلا تبتئس } قال قتادة: لا تأس ولا تحزن، وقال الزجاج: لا ~~تحزن ولا تستكن. قال ابن الأنباري: «تبتئس»: تفتعل، من البؤس، وهو ~~الضر والشدة، أي: لا يلحقنك بؤس بالذي فعلوا. # قوله تعالى: { بما كانوا يعملون } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا يعيرون يوسف وأخاه بعبادة جدهما أبي أمهما ~~للأصنام، فقال: لا تبتئس بما كانوا يعملون من التعيير لنا، روى هذا ~~المعنى أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لا تحزن بما سيعملون بعد هذا الوقت حين يسرقونك، فتكون ~~«كانوا» بمعنى «يكونون» قال الشاعر: # فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع # لمن كان بعدي في القصائد مصنعا # وقال آخر: # وانضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخا دم وذبائح # أراد: فقد كان، وهذا مذهب مقاتل. # والثالث: لا تحزن بما عملوا من حسدنا، وحرصوا على صرف وجه أبينا عنا، ~~وإلى هذا المعنى ذهب ابن إسحاق. ### || [12.70-72] # قوله تعالى: { فلما جهزهم بجهازهم } قال المفسرون: أوفى لهم الكيل، ~~وحمل ل «بنيامين» بعيرا باسمه كما حمل لهم، وجعل السقاية في رحل ~~أخيه، وهي الصواع، فهما اسمان واقعان على شيء واحد، كالبر والحنطة، ~~والمائدة والخوان. وقال بعضهم: الاسم الحقيقي: الصواع، والسقاية وصف، ~~كما يقال: كوز، وإناء، فالاسم الخاص: ms1011 الكوز. قال المفسرون: جعل يوسف ذلك ~~الصاع مكيالا لئلا يكال بغيره. وقيل: كال لإخوته بذلك، إكراما لهم. ~~قالوا: ولما ارتحل إخوة يوسف وأمعنوا، أرسل الطلب في أثرهم، فأدركوا ~~وحبسوا، { ثم أذن مؤذن } قال الزجاج: أعلم معلم، يقال: آذنته ~~بالشيء، فهو مؤذن به، أي: أعلمته، وآذنت: أكثرت الإعلام بالشيء، يعني: ~~أنه إعلام بعد إعلام. { أيتها العير } يريد: أهل العير، فأنث لأنه ~~جعلها للعير. قال الفراء: لا يقال: عير، إلا لأصحاب الإبل. وقال أبو ~~عبيدة: العير: الإبل المرحولة المركوبة. وقال ابن قتيبة: العير: القوم ~~على الإبل. # فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يسرق من لم يسرق؟ فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: إنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه في ~~الجب، قاله الزجاج. # والثاني: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف أمر بوضع السقاية في رحل ~~أخيه، فكان غير كاذب في قوله، قاله ابن جرير. # والثالث: أن المنادي نادى بالتسريق لهم بغير أمر يوسف. # والرابع: أن المعنى: إنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة ~~أخباركم، كقوله: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان 49] أي: عند نفسك، لا عندنا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " كذب إبراهيم ثلاث كذبات " # أي: قال قولا يشبه الكذب، وليس به. # قوله تعالى: { قالوا } يعني: إخوة يوسف { وأقبوا عليهم } فيه قولان. # أحدهما: على المؤذن وأصحابه. # والثاني: أقبل المنادي ومن معه على إخوة يوسف بالدعوى. { ماذا تفقدون } ~~مالذي ضل عنكم؟ { قالوا نفقد صواع الملك } قال الزجاج: الصواع هو الصاع ~~بعينه، وهو يذكر ويؤنث، وكذلك الصاع يذكر ويؤنث. وقد قرىء: «صياع» ~~بياء، وقرىء: «صوغ» بغين معجمة، وقرىء: «صوع» بعين غير معجمة مع فتح ~~الصاد، وضمها، وقرأ أبو هريرة: «صاع الملك» وكل هذه لغات ترجع إلى معنى ~~واحد، إلا أن الصوغ، بالغين المعجمة، مصدر صغت، وصف الإناء به، لأنه ~~كان مصوغا من ذهب. # واختلفوا في جنسه على خمسة أقوال: # أحدها: أنه كان قدحا من زبرجد. # والثاني: أنه كان من نحاس، رويا عن ابن عباس. # والثالث: أنه كان شربة من ms1012 فضة مرصعة بالجوهر، قاله عكرمة. # والرابع: كان كأسا من ذهب، قاله ابن زيد. # والخامس: كان من مس، حكاه الزجاج. # وفي صفته قولان: # أحدهما: أنه كان مستطيلا يشبه المكوك. والثاني: أنه كان يشبه الطاس. # قوله تعالى: { ولمن جاء به } يعني الصواع { حمل بعير } من الطعام { وأنا ~~به زعيم } أي: كفيل لمن رده بالحمل، يقوله المؤذن. ### || [12.73-75] # قوله تعالى: { قالوا تالله } قال الزجاج: «تالله» بمعنى: والله، إلا أن ~~التاء لا يقسم بها إلا في الله عز وجل. ولا يجوز: تالرحمن لأفعلن، ولا: ~~تربي لأفعلن. والتاء تبدل من الواو، كما قالوا في وراث: تراث، وقالوا: ~~يتزن، وأصله: يوتزن، من الوزن. قال ابن الأنباري: أبدلت التاء من ~~الواو، كما أبدلت في التخمة والتراث والتجاه، وأصلهن من الوخمة والوراث ~~والوجاه، لأنهن من الوخامة والوراثة والوجه. ولا تقول العرب: تالرحمن، ~~كما قالوا: تالله، لأن الاستعمال في الإقسام كثر بالله، ولم يكن ~~بالرحمن، فجاءت التاء بدلا من الواو في الموضع الذي يكثر استعماله. # قوله تعالى: { لقد علمتم } يعنون يوسف { ما جئنا لنفسد في الأرض } أي: ~~لنظلم أحدا أو نسرق. # فإن قيل: كيف حلفوا على علم قوم لا يعرفونهم؟ # فالجواب من ثلاثة أوجه. # أحدها: أنهم قالوا ذلك، لأنهم ردوا الدراهم ولا يستحلوها، فالمعنى: ~~لقد علمتم أنا رددنا عليكم دراهمكم وهي أكثر من ثمن الصاع، فكيف نستحل ~~صاعكم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # والثاني: لأنهم لما دخلوا مصر كعموا أفواه إبلهم وحميرهم حتى لا تتناول ~~شيئا، وكان غيرهم لا يفعل ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أن أهل مصر كانوا قد عرفوهم أنهم لا يظلمون أحدا. # قوله تعالى: { فما جزاؤه } المعنى: قال المنادي وأصحابه: فما جزاؤه. قال ~~الأخفش: إن شئت رددت الكناية إلى السارق، وإن شئت رددتها إلى السرق. # قوله تعالى: { إن كنتم كاذبين } أي: في قولكم، { وما كنا سارقين }. { ~~قالوا }: يعني إخوة يوسف { جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } أي: ~~يستعبد بذلك. قال ابن عباس: وهذه كانت سنة آل يعقوب. ### || [12.76] # قوله ms1013 تعالى: { فبدأ بأوعيتهم } قال المفسرون: انصرف بهم المؤذن إلى ~~يوسف، وقال: لا بد من تفتيش أمتعتكم، { فبدأ } يوسف { بأوعيتهم قبل وعاء ~~أخيه } لإزالة التهمة، فلما وصل إلى وعاء أخيه، قال: ما أظن هذا أخذ ~~شيئا، فقالوا: والله لا نبرح حتى تنظر في رحله، فهو أطيب لنفسك. فلما ~~فتحوا متاعه وجدوا الصواع، فذلك قوله: { ثم استخرجها }. # وفي هاء الكناية ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى السرقة، قاله الفراء. # والثاني: إلى السقاية، قاله الزجاج. # والثالث: إلى الصواع على لغة من أنثه، ذكره ابن الأنباري. قال ~~المفسرون: فأقبلوا على بنيامين، وقالوا: أي شيء صنعت؟! فضحتنا وأزريت ~~بأبيك الصديق، فقال: وضع هذا في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم، وقد ~~كان يوسف أخبر أخاه بما يريد أن يصنع به. # قوله تعالى: { كذلك كدنا ليوسف } فيه أربعة أقوال: # أحدها: كذلك صنعنا له، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: احتلنا له، والكيد: الحيلة، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أردنا ليوسف، ذكره ابن القاسم. # والرابع: دبرنا له بأن ألهمناه ما فعل بأخيه ليتوصل إلى حبسه. قال ~~ابن الأنباري: لما دبر الله ليوسف ما دبر من ارتفاع المنزلة وكمال ~~النعمة على غير ما ظن إخوته، شبه بالكيد من المخلوقين، لأنهم يسترون ~~ما يكيدون به عمن يكيدونه. # قوله تعالى: { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } في المراد بالدين هاهنا ~~قولان: # أحدهما: أنه السلطان، فالمعنى: في سلطان الملك، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه القضاء، فالمعنى: في قضاء الملك، لأن قضاء الملك، أن من ~~سرق إنما يضرب ويغرم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وبيانه أنه لو ~~أجرى أخاه على حكم الملك ما أمكنه حبسه، لأن حكم الملك الغرم والضرب ~~فحسب، فأجرى الله على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان ذلك ~~مما كاد الله ليوسف لطفا حتى أظفره بمراده بمشيئة الله، فذلك معنى قوله: ~~{ إلا أن يشاء الله }. وقيل: إلا أن يشاء الله إظهار علة يستحق بها ~~أخاه. # قوله تعالى: { نرفع درجات من نشاء } وقرأ يعقوب «يرفع درجات ms1014 من يشاء» ~~بالياء فيهما. وقرأ أهل الكوفة «درجات» بالتنوين، والمعنى: نرفع الدرجات ~~بصنوف العطاء، وأنواع الكرامات، وابواب العلوم، وقهر الهوى، والتوفيق ~~للهدى، كما رفعنا يوسف. { وفوق كل ذي علم عليم } أي: فوق كل ذي علم رفعه ~~الله بالعلم من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى، والكمال ~~في العلم معدوم من غيره. # وفي مقصود هذا الكلام ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: يوسف أعلم من إخوته، وفوقه من هو أعلم منه. # والثاني: أنه نبه على تعظيم العلم، وبين أنه أكثر من أن يحاط به. # والثالث: أنه تعليم للعالم التواضع لئلا يعجب. ### || [12.77-79] # قوله تعالى: { قالوا } يعني: إخوة يوسف { إن يسرق } يعنون بنيامين { ~~فقد سرق أخ له من قبل } يعنون يوسف. قال المفسرون: عوقب يوسف ثلاث مرات، ~~قال للساقي: «اذكرني عند ربك» فلبث في السجن بضع سنين، وقال للعزيز: ~~«ليعلم أني لم أخنه بالغيب»، فقال له جبريل: ولا حين هممت؟ فقال: «وما ~~أبرىء نفسي»، وقال لإخوته: «إنكم لسارقون»، فقالوا: «إن يسرق فقد سرق ~~أخ له من قبل». # وفي ما عنوا بهذه السرقة سبعة أقوال. # أحدها: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه في سني المجاعة، فيطعمه ~~للمساكين، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنه سرق مكحلة لخالته، رواه أبو مالك عن ابن عباس. # والثالث: أنه سرق صنما لجده أبي أمه، فكسره وألقاه في الطريق، فعيره ~~إخوته بذلك، قاله سعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وقتادة. # والرابع: أن عمة يوسف وكانت أكبر ولد إسحاق كانت تحضن يوسف وتحبه ~~حبا شديدا، فلما ترعرع، طلبه يعقوب، فقالت: ما أقدر أن يغيب عني، فقال: ~~والله ما أنا بتاركه، فعمدت إلى منطقة إسحاق، فربطتها على يوسف تحت ~~ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من أخذها، فوجدوها مع ~~يوسف، فأخبرت يعقوب ذلك، وقالت: والله إنه لي أصنع فيه ما شئت، فقال: ~~أنت وذاك، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، فذاك الذي عيره به إخوته، ~~رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والخامس: أنه جاءه سائل ms1015 يوما، فسرق شيئا، فأعطاه السائل، فعيروه ~~بذلك. وفي ذلك الشيء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان بيضة، قاله مجاهد. ~~والثاني: أنه شاة، قاله كعب. والثالث: دجاجة، قاله سفيان بن عيينة. # والسادس: أن بني يعقوب كانوا على طعام، فنظر يوسف إلى عرق، فخبأه، ~~فعيروه بذلك، قاله عطية العوفي، وإدريس الأودي. قال ابن الأنباري: ~~وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة، لكنها تشبه السرقة، فعيره ~~إخوته بذلك عند الغضب. # والسابع: أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه، قاله الحسن. وقرأ أبو رزين، ~~وابن أبي عبلة: «فقد سرق» بضم السين وكسر الراء وتشديدها. # قوله تعالى: { فأسرها يوسف في نفسه } في هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الكلمة التي ذكرت بعد هذا، وهي قوله: { أنتم شر ~~مكانا } ، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها ترجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: «فقد ~~سرق أخ له من قبل»، وهذا معنى قول أبي صالح عن ابن عباس، فعلى هذا يكون ~~المعنى: أسر جواب الكلمة فلم يجبهم عليها. # والثالث: أنها ترجع إلى الحجة، المعنى: فأسر الاحتجاج عليهم في ~~ادعائهم عليه السرقة، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { أنتم شر مكانا } فيه قولان: # أحدهما: شر صنيعا من يوسف لما قدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: شر منزلة عند الله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { والله أعلم بما تصفون } فيه قولان: # أحدهما: تقولون، قاله مجاهد. والثاني: بما تكذبون، قاله قتادة. قال ~~الزجاج: المعنى: والله أعلم أسرق أخ له، أم لا. وذكر بعض المفسرين أنه ~~لما استخرج الصواع من رحل أخيه، نقر الصواع، ثم أدناه من أذنه، فقال: ~~إن صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا، وأنكم انطلقتم بأخ لكم ~~فبعتموه، فقال بنيامين: أيها الملك، سل صواعك عن أخي، أحي هو؟ فنقره، ثم ~~قال: هو حي وسوف تراه، فقال: سل صواعك، من جعله في رحلي؟ فنقره، وقال: ~~إن صواعي هذا غضبان، وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من ms1016 ~~كنت؟ فغضب روبيل، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، فإذا مس أحدهم ~~الآخر ذهب غضبه، فقال: والله أيها الملك لتتركنا، أو لأصيحن صيحة لا ~~يبقى بمصر امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها، فقال يوسف لابنه: قم إلى ~~جنب روبيل فامسسه، ففعل الغلام، فذهب غضبه، فقال روبيل: ما هذا؟! إن في ~~هذا البلد من ذرية يعقوب؟ قال يوسف: ومن يعقوب؟ فقال: أيها الملك، لا ~~تذكر يعقوب، فانه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل. الله فلما لم ~~يجدوا إلى خلاص أخيهم سبيلا، سألوه أن يأخذ منهم بديلا به، فذلك قوله: ~~{ يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } أي: في سنه، وقيل: في ~~قدره، { فخذ أحدنا مكانه } أي: تستعبده بدلا عنه { إنا نراك من ~~المحسنين } فيه قولان: # أحدهما: فيما مضى. والثاني: إن فعلت. { قال معاذ الله } قد سبق تفسيره ~~[يوسف: 33]، والمعنى: أعوذ بالله أن نأخذ بريئا بسقيم. ### || [12.80-81] # قوله تعالى: { فلما استيأسوا منه } أي: أيسوا. # وفي هاء «منه» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى يوسف، فالمعنى: يئسوا من يوسف أن يخلي سبيل ~~أخيهم. # والثاني: إلى أخيهم، فالمعنى: يئسوا من أخيهم. # قوله تعالى: { خلصوا نجيا } أي: اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم، ~~يتناجون ويتناظرون ويتشاورون، يقال: قوم نجي، والجمع أنجية، قال الشاعر: # إني إذا ما القوم كانوا أنجيه # واضطربت أعناقهم كالأرشيه # وإنما وحد «نجيا» لأنه يجري مجرى المصدر الذي يكون للاثنين، والجمع ~~والمؤنث بلفظ واحد وقال الزجاج: انفردوا متناجين فيما يعملون في ذهابهم ~~إلى أبيهم وليس معهم أخوهم. # قوله تعالى: { قال كبيرهم } فيه قولان: # أحدهما: أنه كبيرهم في العقل، ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه يهوذا، ولم يكن أكبرهم سنا، وإنما كان أكبرهم سنا روبيل، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل. # والثاني: أنه شمعون، قاله مجاهد. # والثاني: أنه كبيرهم في السن وهو روبيل، قاله قتادة، والسدي. # قوله تعالى: { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله } في ~~حفظ أخيكم ورده إليه { ومن قبل ما فرطتم في يوسف ms1017 } قال الفراء: «ما» ~~في موضع رفع، كأنه قال: ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف. وإن شئت جعلتها ~~نصبا، المعنى: ألم تعلموا هذا، وتعلموا من قبل تفريطكم في يوسف. وإن ~~شئت جعلت «ما» صلة، كأنه قال: ومن قبل فرطتم في يوسف. قال الزجاج: وهذا ~~أجود الوجوه، أن تكون «ما» لغوا. # قوله تعالى: { فلن أبرح الأرض } أي: لن أخرج من أرض مصر، يقال: برح ~~الرجل براحا: إذا تنحى عن موضعه. { حتى يأذن لي } قال ابن عباس: حتى ~~يبعث إلي أن آتيه، { أو يحكم الله لي } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أو يحكم الله لي، فيرد أخي علي. # والثاني: يحكم الله لي بالسيف، فأحارب من حبس أخي. # والثالث: يقضي في أمري شيئا، { وهو خير الحاكمين } أي: أعدلهم وأفضلهم. # قوله تعالى: { إن ابنك سرق } وقرأ ابن عباس، والضحاك، وابن أبي سريج عن ~~الكسائي: «سرق» بضم السين وتشديد الراء وكسرها. # قوله تعالى: { وما شهدنا إلا بما علمنا } فيه قولان: # أحدهما: وما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمنا، لأنا رأينا المسروق في ~~رحله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: وما شهدنا عن يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا من ~~دينك، قاله ابن زيد. # وفي قوله: { وما كنا للغيب حافظين } ثمانية أقوال: # أحدها: أن الغيب هو الليل، والمعنى: لم نعلم ما صنع بالليل، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس، وهذا يدل على أن التهمة وقعت به ليلا. # والثاني: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه ~~قال عكرمة، وقتادة، ومكحول. # قال ابن قتيبة: فالمعنى: لم نعلم الغيب حين أعطيناك الموثق لنأتينك به ~~أنه يسرق فيؤخذ. # والثالث: لم نستطع أن نحفظه فلا يسرق، رواه عبد الوهاب عن مجاهد. # والرابع: لم نعلم أنه سرق للملك شيئا، ولذلك حكمنا باسترقاق السارق، ~~قاله ابن زيد. # والخامس: أن المعنى: قد رأينا السرقة قد أخذت من رحله، ولا علم لنا ~~بالغيب فلعلهم سرقوه، قاله ابن إسحاق. # والسادس: ما كنا لغيب ابنك حافظين، إنما نقدر على حفظه ms1018 في محضره، فإذا ~~غاب عنا، خفيت عنا أموره. # والسابع: لو علمنا من الغيب أن هذه البلية تقع بابنك ما سافرنا به، ~~ذكرهما ابن الأنباري. # والثامن: لم نعلم أنك تصاب به كما أصبت بيوسف، ولو علمنا لم نذهب ~~به، قاله ابن كيسان. ### || [12.82] # قوله تعالى: { واسأل القرية } المعنى: قولوا لأبيكم: سل أهل القرية { ~~التي كنا فيها } يعنون مصر { والعير التي أقبلنا فيها } أي: وأهل العير، ~~وكان قد صحبهم قوم من الكنعانيين. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون ~~المعنى: وسل القرية والعير فانها تعقل عنك لأنك نبي، والأنبياء قد ~~تخاطبهم الأحجار والبهائم، فعلى هذا تسلم الآية من إضمار. ### || [12.83] # قوله تعالى: { قال بل سولت لكم أنفسكم } في الكلام اختصار، والمعنى: ~~فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ذلك، فقال لهم هذا، وقد شرحناه في اول ~~السورة [يوسف: 18]. # واختلفوا لأي علة قال لهم هذا القول، على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ظن أن الذي تخلف منهم، إنما تخلف حيلة ومكرا ليصدقهم، ~~قاله وهب بن منبه. # والثاني: أن المعنى: سولت لكم أنفسكم أن خروجكم بأخيكم يجلب نفعا، ~~فجر ضررا، قاله ابن الأنباري. # والثالث: سولت لكم أنه سرق، وما سرق. # قوله تعالى: { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } يعني: يوسف وبنيامين ~~وأخاهما المقيم بمصر، وقال مقاتل: أقام بمصر يهوذا وشمعون، فأراد بقوله. ~~«أن يأتيني بهم» يعني: الأربعة. # قوله تعالى: { إنه هو العليم } أي: بشدة حزني، وقيل: بمكانهم، { الحكيم ~~} فيما حكم علي. ### || [12.84] # قوله تعالى: { وتولى عنهم } أي: أعرض عن ولده أن يطيل معهم الخطب، ~~وانفرد بحزنه، وهيج عليه ذكر يوسف { وقال يا أسفى على يوسف } قال ابن ~~عباس: يا طول حزني على يوسف. قال ابن قتيبة: الأسف: أشد الحسرة. قال سعيد ~~بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة مالم يعط الأنبياء قبلهم # إنا لله وإنا إليه راجعون # [البقرة: 156]، ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب؛ إذ يقول: «يا أسفى ~~على يوسف». # فإن قيل: هذا لفظ الشكوى، فأين الصبر؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه شكا إلى الله تعالى، لا منه. ms1019 # والثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى: يارب ارحم أسفي على يوسف. وذكر ~~ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب الأسف في اللفظ من ~~المجاز الذي يعنى به غير المظهر في اللفظ وتلخيصه: يا إلهي ارحم أسفي، ~~أو أنت راء أسفي، وهذا أسفي، فنادى الأسف في اللفظ، والمنادى في المعنى ~~سواه، كما قال: «يا حسرتنا» والمعنى: يا هؤلاء تنبهوا على حسرتنا، قال: ~~والحزن ونفور النفس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ولا مأثم إذا لم ينطق ~~اللسان بكلام مؤثم ولم يشك إلا إلى ربه فلما كان قوله: «يا أسفى» ~~شكوى إلى ربه، كان غير ملوم. وقد روي عن الحسن أن أخاه مات، فجزع الحسن ~~جزعا شديدا، فعوتب في ذلك، فقال: ما وجدت الله عاب على يعقوب الحزن حيث ~~قال: «يا أسفى على يوسف». # قوله تعالى: { وابيضت عيناه من الحزن } أي: انقلبت إلى حال البياض. وهل ~~ذهب بصره، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه ذهب بصره، قاله مجاهد. # والثاني: ضعف بصره لبياض تغشاه من كثرة البكاء، ذكره الماوردي. وقال ~~مقاتل: لم يبصر بعينيه ست سنين. # قال ابن عباس: وقوله: «من الحزن» أي: من البكاء، يريد أن عينيه ابيضتا ~~لكثرة بكائه، فلما كان الحزن سببا للبكاء، سمي البكاء حزنا. وقال ثابت ~~البناني: دخل جبريل على يوسف، فقال: أيها الملك الكريم على ربه، هل لك ~~علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: ما فعل، قال: ابيضت عيناه، قال: ما بلغ ~~حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فهل له على ذلك من أجر؟ قال: أجر مائة ~~شهيد. وقال الحسن البصري: ما فارق يعقوب الحزن ثمانين سنة، وما جفت ~~عينه، وما أحد يومئذ أكرم على الله منه حين ذهب بصره. # قوله تعالى: { فهو كظيم } الكظيم بمعنى الكاظم، وهو الممسك على حزنه فلا ~~يظهره، قاله ابن قتيبة: وقد شرحنا هذا عند قوله: # والكاظمين الغيظ # [آل عمران: 134]. ### || [12.85-87] # قوله تعالى: { قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف } قال ابن الأنباري: معناه: ~~والله، وجواب هذا القسم «لا» المضمرة التي تأويلها: تالله ms1020 لا تفتأ، فلما ~~كان موضعها معلوما خفف الكلام بسقوطها من ظاهره، كما تقول العرب: والله ~~أقصدك أبدا، يعنون: لا أقصدك، قال امرؤ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # يريد: لا أبرح. وقالت الخنساء: # فأقسمت آسى على هالك # أو اسأل نائحة مالها # أرادت: لا آسى، وقال الآخر: # لم يشعر النعش ما عليه من ال # عرف ولا الحاملون ماحملوا # تالله أنسى مصيبتي أبدا # ما أسمعتني حنينها الإبل # وقرأ أبو عمران، وابن محيصن، وأبو حيوة: «قالوا بالله» بالباء، وكذلك كل ~~قسم في القرآن. وأما قوله: «تفتأ» فقال المفسرون وأهل اللغة: معنى «تفتأ» ~~تزال، فمعنى الكلام: لا تزال تذكر يوسف، وأنشد أبو عبيدة: # فما فتئت خيل تثوب وتدعي # ويلحق منها لاحق وتقطع # وأنشد ابن القاسم: # فما فتئت منا رعال كأنها # رعال القطا حتى احتوين بني صخر # قوله تعالى: { حتى تكون حرضا } فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الدنف، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: يقال: ~~أحرضه الحزن، أي: أدنفه. قال أبو عبيدة: الحرض: الذي قد أذابه الحزن أو ~~الحب، وهي في موضع محرض. وأنشد: # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني # حتى بليت وحتى شفني السقم # أي: أذابني. وقال الزجاج: الحرض: الفاسد في جسمه، والمعنى: حتى تكون ~~مدنفا مريضا. # والثاني: أنه الذاهب العقل، قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال ابن إسحاق: ~~الفاسد العقل. قال الزجاج: وقد يكون الحرض: الفاسد في أخلاقه. # والثالث: أنه الفاسد في جسمه وعقله، يقال: رجل حارض وحرض، فحارض، يثني ~~ويجمع ويؤنث، وحرض لا يجمع ولا يثنى، لأنه مصدر، قاله الفراء. # والرابع: أنه الهرم، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد. # قوله تعالى: { أو تكون من الهالكين } يعنون: الموتى. # فان قيل: كيف حلفوا على شيء يجوز أن يتغير؟ # فالجواب: أن في الكلام إضمارا، تقديره: إن هذا في تقديرنا وظننا. # قوله تعالى: { إنما أشكو بثي } قال ابن قتيبة: البث: أشد الحزن، ~~سمي بذلك، لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه. # قوله تعالى: { إلى الله } المعنى: إني لا أشكو ms1021 إليكم، وذلك لما ~~عنفوه بما تقدم ذكره. وروى الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه» من حديث ~~أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه قال: # " كان ليعقوب أخ مؤاخ، فقال له ذات: يوم يا يعقوب، مالذي أذهب بصرك؟ ~~وما الذي قوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف، وأما ~~الذي قوس ظهري، فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل، فقال: يا يعقوب إن ~~الله يقرئك السلام ويقول لك، أما تستحي أن تشكو إلى غيري؟ فقال: إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل: الله أعلم بما تشكو، ثم قال ~~يعقوب: أي رب، أما ترحم الشيخ الكبير؟ أذهبت بصري، وقوست ظهري، فاردد ~~علي ريحاني أشمه شمة قبل الموت، ثم اصنع بي يا رب ما شئت، فأتاه ~~جبريل، فقال: يا يعقوب، إن الله يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر، فوعزتي ~~لو كانا ميتين لنشرتهما لك، اصنع طعاما للمساكين، فإن أحب عبادي إلي، ~~المساكين، وتدري لم أذهبت بصرك، وقوست ظهرك، وصنع إخوة يوسف بيوسف ما ~~صنعوا؟ لأنكم ذبحتم شاة، فأتاكم فلان المسكين وهو صائم، فلم تطعموه منها. ~~فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى: ألا من أراد ~~الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائما، أمر مناديا ~~فنادى: من كان صائما فليفطر مع يعقوب " # وقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: أتدري لم عاقبتك وحبست ~~عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا، قال: لأنك شويت عناقا وقترت على جارك ~~وأكلت ولم تطعمه. وذكر بعضهم أن السبب في ذلك أن يعقوب ذبح عجل بقرة بين ~~يديها، وهي تخور، فلم يرحمها. # فإن قيل: كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكا؟ # فقد ذكر المفسرون عنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى، وهو الأظهر. # والثاني: لئلا يظن الملك بتعجيل استدعائه أهله، شدة فاقتهم. # والثالث: أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرج نفسه إلى كمال السرور. ~~والصحيح أن ذلك كان عن أمر ms1022 الله تعالى، ليرفع درجة يعقوب بالصبر على ~~البلاء. وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيما، ولا يقدر على ~~دفع سببه. # قوله تعالى: { وأعلم من الله مالا تعلمون } فيه أربعة أقوال: # أحدها: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأنا سنسجد له، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثاني: أعلم من سلامة يوسف مالا تعلمون. قال ابن السائب: وذلك أن ملك ~~الموت أتاه، فقال له يعقوب: هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا. # والثالث: أعلم من رحمة الله وقدرته مالا تعلمون، قاله عطاء. # والرابع: أنه لما أخبره بنوه بسيرة العزيز، طمع أن يكون هو يوسف، قاله ~~السدي، قال: ولذلك قال لهم: { اذهبوا فتحسسوا }. وقال وهب بن منبه: لما ~~قال له ملك الموت: ما قبضت روح يوسف، تباشر عند ذلك، ثم أصبح، فقال ~~لبنيه: { اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه }. قال أبو عبيدة: «تحسسوا» أي: ~~تخبروا والتمسوا في المظان. # فان قيل: كيف قال «من يوسف» والغالب أن يقال: تحسست عن كذا؟ فعنه جوابان ~~ذكرهما ابن الأنباري: # أحدهما: أن المعنى: عن يوسف، ولكن نابت عنها «من» كما تقول العرب: حدثني ~~فلان من فلان، يعنون عنه. # والثاني: أن «من» أوثرت للتبعيض، والمعنى: تحسسوا خبرا من أخبار ~~يوسف. # قوله تعالى: { ولا تيأسوا من روح الله } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من رحمة الله، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثاني: من فرج الله، قاله ابن زيد. # والثالث: من توسعة الله، حكاه ابن القاسم. قال الأصمعي: الروح: ~~الاستراحة من غم القلب. وقال أهل المعاني: لا تيأسوا من الروح الذي يأتي ~~به الله، { إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } لأن المؤمن ~~يرجو الله في الشدائد. ### || [12.88-93] # قوله تعالى: { فلما دخلوا عليه } في الكلام محذوف. تقديره: فخرجوا إلى ~~مصر، فدخلوا على يوسف، ف { قالوا: يا أيها العزيز } وكانوا يسمون ~~ملكهم بذلك، { مسنا وأهلنا الضر } يعنون الفقر والحاجة { وجئنا ~~ببضاعة مزجاة }. # وفي ماهية تلك البضاعة سبعة أقوال: # أحدها: أنها كانت دراهم، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها كانت متاعا رثا كالحبل ms1023 والغرارة، رواه ابن أبي مليكة ~~عن ابن عباس. # والثالث: كانت أقطا قاله الحسن. # والرابع: كانت نعالا وأدما، رواه جويبر عن الضحاك. # والخامس: كانت سويق المقل، روي عن الضحاك أيضا. # والسادس: حبة الخضراء وصنوبر، قاله أبو صالح. # والسابع: كانت صوفا وشيئا من سمن، قاله عبد الله بن الحارث. # وفي المزجاة خمسة أقوال: # أحدها: أنها القليلة. روى العوفي عن ابن عباس قال: دراهم غير طائلة، وبه ~~قال مجاهد، وابن إسحاق، وابن قتيبة. قال الزجاج: تأويله في اللغة أن ~~التزجية: الشيء الذي يدافع به، يقال: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ~~ويكتفي به، فالمعنى: جئنا ببضاعة إنما ندافع بها ونتقوت، وليست مما ~~يتسع به، قال الشاعر: # الواهب المائة الهجان وعبدها # عوذا تزجي خلفها أطفالها # أي: تدفع أطفالها. # والثاني: أنها الرديئة، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: إنما ~~قيل للرديئة: مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: ~~وهي من الإزجاء، والإزجاء عند العرب: السوق والدفع، وأنشد: # ليبك على ملحان ضيف مدفع # وأرملة تزجي مع الليل أرملا # أي: تسوقه. # والثالث: الكاسدة، رواه الضحاك أيضا عن ابن عباس. # والرابع: الرثة، وهي المتاع الخلق، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. # والخامس: الناقصة، رواه أبو حصين عن عكرمة. # قوله تعالى: { فأوف لنا الكيل } أي: أتمه لنا ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا. # قوله تعالى: { وتصدق علينا } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: تصدق علينا بما بين سعر الجياد والرديئة، قاله سعيد بن جبير، ~~والسدي. قال ابن الأنباري: كان الذي سألوه من المسامحة يشبه التصدق، ~~وليس به. # والثاني: برد أخينا، قال ابن جريج. قال: وذلك أنهم كانوا أنبياء، ~~والصدقة لا تحل للأنبياء. # والثالث: وتصدق علينا بالزيادة على حقنا، قاله ابن عيينة، وذهب إلى ~~أن الصدقة قد كانت تحل للأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، حكاه أبو ~~سليمان الدمشقي، وأبو الحسن الماوردي، وأبو يعلى بن الفراء. # قوله تعالى: { إن الله يجزي المتصدقين } أي: بالثواب. قال الضحاك: لم ~~يقولوا: إن الله يجزيك إن تصدقت علينا، لأنهم لم يعلموا أنه ms1024 مؤمن. # قوله تعالى: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } في سبب قوله لهم هذا، ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أخرج إليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من ~~مالك بن ذعر، وفي آخر الكتاب: «وكتب يهوذا» فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا ~~بصحته وقالوا: هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبد كان لنا، فقال ~~يوسف عند ذلك: إنكم تستحقون العقوبة، وأمر بهم ليقتلوا، فقالوا: إن ~~كنت فاعلا، فاذهب بأمتعتنا إلى يعقوب، ثم أقبل يهوذا على بعض إخوته، ~~وقال: قد كان أبونا متصل الحزن لفقد واحد من ولده، فكيف به إذا أخبر ~~بهلكنا أجمعين؟ فرق يوسف عند ذلك وكشف لهم أمره، وقال لهم هذا القول، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. # الثاني: أنهم لما قالوا: «مسنا وأهلنا الضر» أدركته الرحمة، فقال ~~لهم هذا، قاله ابن إسحاق. # والثالث: أن يعقوب كتب إليه كتابا: إن رددت ولدي، وإلا دعوت عليك ~~دعوة تدرك السابع من ولدك، فبكى، وقال لهم هذا. # وفي «هل» قولان: # أحدهما: أنها استفهام لتعظيم القصة لا يراد به نفس الاستفهام. قال ابن ~~الأنباري: والمعنى: ما أعظم ما ارتكبتم، وما أسمج ما آثرتم من قطيعة ~~الرحم وتضييع الحق، وهذا مثل قول العربي: أتدري من عصيت؟ هل تعرف من ~~عاديت؟ لا يرد بذلك الاستفهام، ولكن يريد تفظيع الأمر، قال الشاعر: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي # لم يرد الاستفهام، إنما أراد أن هذا غير مرجو عندهم. قال: ويجوز أن ~~يكون المعنى: هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله لهما من ~~المكروه؟ وهذه الآية تصديق قوله: { لتنبئنهم بأمرهم }. # والثاني: أن «هل» بمعنى «قد» ذكره بعض أهل التفسير. # فان قيل: فالذي فعلوا بيوسف معلوم، فما الذي فعلوا بأخيه، وما سعوا في ~~حبسه ولا أرادوه؟ # فالجواب من وجوه. أحدها: أنهم فرقوا بينه وبين يوسف، فنغصوا عيشه ~~بذلك. والثاني: أنهم آذوه بعد فقد يوسف. والثالث: أنهم سبوه لما ~~قذف بسرقة الصاع. # وفي قوله: { إذ أنتم جاهلون } أربعة أقوال: # أحدها: إذ أنتم صبيان، قاله ابن عباس. # والثاني: ms1025 مذنبون، قاله مقاتل. # والثالث: جاهلون بعقوق الأب، وقطع الرحم، وموافقة الهوى. # والرابع: جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: { أئنك لأنت يوسف } قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وابن محيصن: ~~«إنك» على الخبر، وقرأه آخرون بهمزتين محققتين، وأدخل بعضهم بينهما ~~ألفا. # واختلف المفسرون، هل عرفوه، أم شبهوه؟ على قولين. # أحدهما: أنهم شبهوه بيوسف، قاله ابن عباس في رواية. # والثاني: أنهم عرفوه، قاله ابن إسحاق. وفي سبب معرفتهم له ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تبسم، فشبهوا ثناياه بثنايا يوسف، قاله الضحاك عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه كانت له علامة كالشامة في قرنه، وكان ليعقوب مثلها، ~~ولإسحاق مثلها، ولسارة مثلها، فلما وضع التاج عن رأسه، عرفوه، رواه عطاء ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنه كشف الحجاب، فعرفوه، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: { قال أنا يوسف } قال ابن الأنباري: إنما أظهر الاسم، ولم ~~يقل: أنا هو، تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته، فكأنه قال: أنا المظلوم ~~المستحل منه، المراد قتله، فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني، ولهذا ~~قال: { وهذا أخي } وهم يعرفونه، وإنما قصد: وهذا المظلوم كظلمي. # قوله تعالى: { قد من الله علينا } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بخير الدنيا والآخرة. # والثاني: بالجمع بعد الفرقة. # والثالث: بالسلامة ثم بالكرامة. # قوله تعالى: { إنه من يتق ويصبر } قرأ ابن كثير في رواية قنبل: «من ~~يتقي ويصبر» بياء في الوصل والوقف، وقرأ الباقون بغير ياء الحالين. # وفي معنى الكلام أربعة أقوال: # أحدها: من يتق الزنى ويصبر على البلاء. # والثاني: من يتق الزنى ويصبر على العزبة. # والثالث: من يتق الله ويصبر على المصائب، رويت هذه الأقوال عن ابن عباس. # والرابع: يتق معصية الله ويصبر على السجن، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } أي: أجر من كان هذا ~~حاله. # قوله تعالى: { لقد آثرك الله علينا } أي: اختارك وفضلك. # وبماذا عنوا أنه فضله فيه؟ أربعة أقوال: # أحدها: بالملك، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: بالصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: بالحلم والصفح ms1026 عنا، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والرابع: بالعلم والعقل والحسن وسائر الفضائل التي أعطاه. # قوله تعالى: { وإن كنا لخاطئين } قال ابن عباس: لمذنبين آثمين في أمرك. ~~قال ابن الأنباري: ولهذا اختير «خاطئين» على «مخطئين» وإن كان «أخطأ» ~~على ألسن الناس أكثر من «خطىء يخطأ» لأن معنى خطىء يخطأ، فهو خاطىء: آثم، ~~ومعنى أخطأ يخطىء، فهو مخطىء: ترك الصواب ولم يأثم، قال الشاعر: # عبادك يخطأون وأنت رب # بكفيك المنايا والحتوم # أراد: يأثمون. قال: ويجوز أن يكون آثر «خاطئين» على «مخطئين» لموافقة ~~رؤوس الآيات لأن «خاطئين» أشبه بما قبلها. # وذكر الفراء في معنى «إن» قولين: # أحدهما: وقد كنا خاطئين. والثاني: وما كنا إلا خاطئين. # قوله تعالى: { لا تثريب عليكم اليوم } قال أبو صالح عن ابن عباس: لا ~~أعيركم بعد اليوم بهذا أبدا. قال ابن الأنباري: إنما أشار إلى ذلك ~~اليوم، لأنه أول أوقات العفو، وسبيل العافي في مثله أن لا يراجع عقوبة. ~~وقال ثعلب: قد ثرب فلان على فلان: إذا عدد عليه ذنوبه. وقال ابن ~~قتيبة: لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم بما صنعتم، وأصل التثريب: الإفساد، ~~يقال: ثرب علينا: إذا أفسد، وفي الحديث: # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرب " # أي: لا يعيرها بالزنى، قال ابن عباس: جعلهم في حل، وسأل الله ~~المغفرة لهم. وقال السدي: لما عرفهم نفسه، سألهم عن أبيه، فقالوا: ذهبت ~~عيناه، فأعطاهم قميصه، وقال: { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي ~~يأت بصيرا } وهذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف لما ~~ألقي في الجب، وكان من الجنة، وقد سبق ذكره [يوسف:18، 25، 26، 27، 28]. # قوله تعالى: { يأت بصيرا } قال أبو عبيدة: يعود مبصرا. # فان قيل: من أين قطع على الغيب؟ # فالجواب: أن ذلك كان بالوحي إليه، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { وائتوني بأهلكم أجمعين } قال الكلبي: كان أهله نحوا من ~~سبعين إنسانا. ### || [12.94] # قوله تعالى: { ولما فصلت العير } أي: خرجت من مصر متوجهة إلى كنعان. ~~وكان الذي حمل القميص يهوذا. قال السدي: قال يهوذا ليوسف: أنا الذي ms1027 حملت ~~القميص إلى يعقوب بدم كذب فأحزنته، وأنا الآن أحمل قميصك لأسره، ~~فحمله، قال ابن عباس: فخرج حافيا حاسرا يعدو، ومعه سبعة أرغفة لم يستوف ~~أكلها. # قوله تعالى: { قال لهم أبوهم } يعني يعقوب لمن حضره من أهله وقرابته ~~وولد ولده { إني لأجد ريح يوسف }. ومعنى أجد: أشم، قال الشاعر: # وليس صرير النعش ماتسمعونه # ولكنها أصلاب قوم تقصف # وليس فتيق المسك ماتجدونه # ولكنه ذاك الثناء المخلف # فان قيل: كيف وجد يعقوب ريحه وهو بمصر، ولم يجد ريحه من الجب وبعد خروجه ~~منه، والمسافة هناك أقرب؟ # فعنه جوابان. أحدهما: أن الله تعالى أخفى أمر يوسف على يعقوب في بداية ~~الأمر لتقع البلية التي يتكامل بها الأجر، وأوجده ريحه من المكان النازح ~~عند تقضي البلاء ومجيء الفرج. # والثاني: أن هذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف على ما ~~سبق بيانه. فلما نشره فاحت روائح الجنان في الدنيا فاتصلت بيعقوب، فعلم ~~أن الرائحة من جهة ذلك القميص. قال مجاهد: هبت ريح فضربت القميص، ففاحت ~~روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة، فعلم أنه ليس في ~~الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال: { إني لأجد ~~ريح يوسف }. وقيل: إن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح ~~يوسف قبل البشير فأذن لها، فلذلك يستروح كل محزون إلى ريح الصبا، ويجد ~~المكروبون لها روحا، وهي ريح لينة تأتي من ناحية المشرق، قال أبو صخر ~~الهذلي: # إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني # نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر # قال ابن عباس: وجد ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ثمانين فرسخا. # قوله تعالى: { لولا أن تفندون } فيه خمسة أقوال. # أحدها: تجهلون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. # والثاني: تسفهون، رواه عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس، وبه قال ~~عطاء، وقتادة، ومجاهد في رواية. وقال في رواية أخرى: لولا أن تقولوا: ذهب ~~عقلك. # والثالث: تكذبون، رواه العوفي عن ابن ms1028 عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ~~والضحاك. # والرابع: تهرمون، قاله الحسن، ومجاهد في رواية. قال ابن فارس: ~~الفند: إنكار العقل من هرم. # والخامس: تعجزون، قاله ابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: تسفهون ~~وتعجزون وتلومون، وأنشد: # ياصاحبي دعا لومي وتفنيدي # فليس ما فات من أمر بمردود # قال ابن جرير: وأصل التفنيد: الإفساد، وأقوال المفسرين تتقارب معانيها، ~~وسمعت الشيخ أبا محمد إبن الخشاب يقول: قوله: «لولا أن تفندون» فيه ~~إضمار، تقديره: لأخبرتكم أنه حي. ### || [12.95] # قوله تعالى: { قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم } قال ابن عباس: بنو ~~بنيه خاطبوه بهذا، وكذلك قال السدي: هذا قول بني بنيه، لأن بنيه كانوا ~~بمصر. # وفي معنى هذا الضلال ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى الخطأ، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: أنه الجنون، ~~قاله سعيد بن جبير. والثالث: الشقاء والعناء، قاله مقاتل، يريد بذلك شقاء ~~الدنيا. ### || [12.96-98] # قوله تعالى: { فلما أن جاء البشير } فيه قولان: # أحدهما: أنه يهوذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، ~~والسدي، والجمهور. والثاني: أنه شمعون، قاله الضحاك. # فان قيل: ما الفرق بين قوله هاهنا: { فلما أن جاء } وقال في موضع: # فلما جاءهم # [البقرة: 89]. # فالجواب: أنهما لغتان لقريش خاطبهم الله بهما جميعا، فدخول «أن» لتوكيد ~~مضي الفعل، وسقوطها للاعتماد على إيضاح الماضي بنفسه، ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: { ألقاه } يعني القميص { على وجهه } يعني يعقوب { فارتد ~~بصيرا } ، الارتداد: رجوع الشيء إلى حال قد كان عليها. قال ابن ~~الأنباري: إنما قال: ارتد، ولم يقل: رد، لأن هذا من الأفعال المنسوبة ~~إلى المفعولين، كقولهم: طالت النخلة، والله أطالها، وتحركت الشجرة، ~~والله حركها. قال الضحاك: رجع إليه بصره بعد العمى، وقوته بعد الضعف، ~~وشبابه بعد الهرم، وسروره بعد الحزن. # وروى يحيى بن يمان عن سفيان قال: لما جاء البشير يعقوب، قال: على أي ~~دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام، قال: الآن تمت النعمة. # قوله تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون } فيه أقوال ~~قد سبق ذكرها قبل هذا بقليل. ms1029 # قوله تعالى: { يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا } سألوه أن يستغفر لهم ما ~~أتوا، لأنه نبي مجاب الدعوة. { قال سوف أستغفر لكم ربي } في سبب تأخيره ~~لذلك ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه أخرهم لانتظار الوقت الذي هو مظنة الإجابة، ثم فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أخرهم إلى ليلة الجمعة، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين ~~سنة. # والثاني: إلى وقت السحر من ليلة الجمعة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~قال طاووس: فوافق ذلك ليلة عاشوراء. # والثالث: إلى وقت السحر، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~مسعود، وابن عمر، وقتادة، والسدي، ومقاتل. قال الزجاج: إنما أراد الوقت ~~الذي هو أخلق لإجابة الدعاء، لا أنه ضن عليهم بالاستغفار، وهذا أشبه ~~بأخلاق الأنبياء عليهم السلام. # والقول الثاني: أنه دفعهم عن التعجيل بالوعد. قال عطاء الخراساني: طلب ~~الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف: «لا ~~تثريب عليكم اليوم» وإلى قول يعقوب: «سوف أستغفر لكم ربي» # والثالث: أنه أخرهم ليسأل يوسف، فان عفا عنهم، استغفر لهم، قاله ~~الشعبي. وروي عن أنس بن مالك أنهم قالوا: يا أبانا إن عفا الله عنا، ~~وإلا فلا قرة عين لنا في الدنيا، فدعا يعقوب وأمن يوسف، فلم يجب ~~فيهم عشرين سنة، ثم جاء جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، ~~وعفا عما صنعوا به، واعتقد مواثيقهم من بعد على النبوة. # قال المفسرون: وكان يوسف قد بعث مع البشير إلى يعقوب جهازا ومائتي ~~راحلة، وسأله أن يأتيه بأهله وولده. فلما ارتحل يعقوب ودنا من مصر، ~~استأذن يوسف الملك الذي فوقه في تلقي يعقوب، فأذن له، وأمر الملأ من ~~أصحابه بالركوب معه، فخرج في أربعة آلاف من الجند، وخرج معهم أهل مصر. # وقيل: إن الملك خرج معهم أيضا. فلما التقى يعقوب ويوسف، بكيا جميعا، ~~فقال يوسف: يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك، أما علمت أن القيامة ~~تجمعني وإياك؟ ms1030 قال: أي بني، خشيت أن تسلب دينك فلا نجتمع. # وقيل: إن يعقوب ابتدأه بالسلام، فقال السلام عليكم يا مذهب الأحزان. ### || [12.99] # قوله تعالى: { فلما دخلوا على يوسف } يعني: يعقوب وولده. # وفي هذا الدخول قولان: # أحدهما: أنه دخول أرض مصر، ثم قال لهم: { ادخلوا مصر } يعني البلد. # والثاني: أنه دخول مصر، ثم قال لهم: «ادخلوا مصر» أي: استوطنوها. # وفي قوله: { آوى إليه أبويه } قولان: # أحدهما: أبوه وخالته، لأن أمه كانت قد ماتت، قاله ابن عباس والجمهور. # والثاني: أبوه وأمه، قاله الحسن، وابن إسحاق. # وفي قوله: { إن شاء الله آمنين } أربعة أقوال. # أحدها: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، فالمعنى: سوف أستغفر لكم ربي إن ~~شاء الله، إنه هو الغفور الرحيم، هذا قول ابن جريج. # والثاني: أن الاستثناء يعود إلى الأمن. ثم فيه قولان. أحدهما: أنه لم ~~يثق بانصراف الحوادث عنهم. والثاني: أن الناس كانوا فيما خلا يخافون ملوك ~~مصر، فلا يدخلون إلا بجوارهم. # والثالث: أنه يعود إلى دخول مصر، لأنه قال لهم هذا حين تلقاهم قبل ~~دخولهم، على ما سبق بيانه. # والرابع: أن «إن» بمعنى: «إذ» كقوله: # إن أردن تحصنا # [النور: 33]. قال ابن عباس: دخلوا مصر يومئذ وهم نيف وسبعون من ذكر ~~وأنثى، وقال ابن مسعود: دخلوا وهم ثلاثة وتسعون، وخرجوا مع موسى وهم ~~ستمائة ألف وسبعون ألفا. ### || [12.100-101] # قوله تعالى: { ورفع أبويه على العرش } في «أبويه» قولان قد تقدما في ~~الآية التي قبلها. والعرش هاهنا: سرير المملكة، أجلس أبويه عليه { وخروا ~~له } يعني: أبويه وإخوته. # وفي هاء «له» قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى يوسف، قاله الجمهور. قال أبو صالح عن ابن عباس: ~~كان سجودهم كهيأة الركوع كما يفعل الأعاجم. وقال الحسن: أمرهم الله ~~بالسجود لتأويل الرؤيا. قال ابن الأنباري: سجدوا له على جهة التحية، لا ~~على معنى العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحيى بعضهم بعضا بالسجود ~~والانحناء، فحظره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى أنس بن مالك قال: # " قال رجل: يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه، أينحني له؟ قال: لا ms1031 ". # والثاني: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: وخروا لله سجدا، رواه ~~عطاء، والضحاك عن ابن عباس، فيكون المعنى: أنهم سجدوا شكرا لله إذ جمع ~~بينهم وبين يوسف. # قوله تعالى: { هذا تأويل رؤياي } أي: تصديق ما رأيت، وكان قد رآهم في ~~المنام يسجدون له، فأراه الله ذلك في اليقظة. # واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها على سبعة أقوال: # أحدها: أربعون سنة، قاله سلمان الفارسي، وعبد الله بن شداد بن الهاد، ~~ومقاتل. # والثاني: اثنتان وعشرون سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: ثمانون سنة، قاله الحسن، والفضيل بن عياض. # والرابع: ست وثلاثون سنة، قاله سعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي. # والخامس: خمس وثلاثون سنة، قاله قتادة. # والسادس: سبعون سنة، قاله عبد الله بن شوذب. # والسابع: ثماني عشرة سنة، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: { وقد أحسن بي } أي: إلي. والبدو: البسط من الأرض. ~~وقال ابن عباس: البدو: البادية، وكانوا أهل عمود وماشية. # قوله تعالى: { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } أي: أفسد ~~بيننا: قال أبو عبيدة: يقال: نزغ بينهم ينزغ، أي: أفسد وهيج، وبعضهم ~~يكسر زاي ينزغ. { إن ربي لطيف لما يشاء } أي: عالم بدقائق الأمور. وقد ~~شرحنا معنى «اللطيف» في [الأنعام: 102]. # فان قيل: قد توالت على يوسف نعم خمسة، فما اقتصاره على ذكر السجن، ~~وهلا ذكرالجب، وهو أصعب؟ # فالجواب من وجوه. # أحدها: أنه ترك ذكر الجب تكرما، لئلا يذكر إخوته صنيعهم، وقد ~~قال: «لا تثريب عليكم اليوم». # والثاني: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فكانت ~~هذه النعمة أوفى. # والثالث: أن طول لبثه في السجن كان عقوبة له، بخلاف الجب، فشكر الله ~~على عفوه. # قال العلماء بالسير: أقام يعقوب بعد قدومه مصر أربعا وعشرين سنة. ~~وقال بعضهم: سبع عشرة سنة في أهنأ عيش، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف ~~أن يحمل إلى الشام حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل به ذلك، وكان عمره ~~مائة وسبعا وأربعين سنة، ثم إن يوسف تاق إلى الجنة، وعلم أن الدنيا لا ~~تدوم فتمنى ms1032 الموت، قال ابن عباس، وقتادة: ولم يتمن الموت نبي قبله، ~~فقال: { رب قد آتيتني من الملك } يعني: ملك مصر { وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث } وقد سبق تفسيرها [يوسف: 6]. # وفي «من» قولان: # أحدهما: أنها صلة، قاله مقاتل. والثاني: أنها للتبعيض، لأنه لم يؤت ~~كل الملك، ولا كل تأويل الأحاديث. # قوله تعالى: { فاطر السموات والأرض } قد شرحناه في [الأنعام: 6]. # { أنت وليي } أي: الذي تلي أمري. { توفني مسلما } قال ابن عباس: ~~يريد: لا تسلبني الإسلام حتى تتوفاني عليه. وكان ابن عقيل يقول: لم ~~يتمن يوسف الموت، وإنما سأل أن يموت على صفة. والمعنى: توفني إذا ~~توفيتني مسلما، قال الشيخ: وهذا الصحيح. # قوله تعالى: { وألحقني بالصالحين } والمعنى: ألحقني بدرجاتهم، وفيهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم أهل الجنة، قاله عكرمة. # والثاني: آباؤه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، قاله الضحاك: قالوا: فلما ~~احتضر يوسف، أوصى إلى يهوذا، ومات، فتشاح الناس في دفنه، كل يحب ~~أن يدفن في محلته رجاء البركة، فاجتمعوا على دفنه في النيل ليمر ~~الماء عليه ويصل إلى الجميع، فدفنوه في صندوق من رخام، فكان هنالك إلى ~~أن حمله موسى حين خرج من مصر ودفنه بأرض كنعان. قال الحسن: مات يوسف وهو ~~ابن مائة وعشرين سنة. وذكر مقاتل أنه مات بعد يعقوب بسنتين. ### || [12.102] # قوله تعالى: { ذلك من أنباء الغيب } أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر ~~يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك، فأنزله الله عليك دليلا ~~على نبوتك. { وما كنت لديهم } أي: عند إخوة يوسف { إذ أجمعوا أمرهم } ~~أي: عزموا على إلقائه في الجب { وهم يمكرون } بيوسف، وفي هذا احتجاج على ~~صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يشاهد تلك القصة، ولا كان ~~يقرأ الكتاب، وقد أخبر عنها بهذا الكلام المعجز، فدل على أنه أخبر ~~بوحي. ### || [12.103-104] # قوله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } قال ابن الأنباري: إن ~~قريشا واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وإخوته، ~~فشرحها شرحا شافيا، وهو يؤمل ان يكون ذلك سببا لإسلامهم، فخالفوا ~~ظنه، ms1033 فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعزاه الله تعالى بهذه الآية. ~~قال الزجاج: ومعناها: وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم. { ~~وما تسألهم عليه } أي: على القرآن وتلاوته وهدايتك إياهم { من أجر، إن ~~هو } أي: ما هو إلا تذكرة لهم لما فيه صلاحهم ونجاتهم. ### || [12.105] # قوله تعالى: { وكأين } أي: وكم { من آية } أي: علامة ودلالة تدلهم. # على توحيد الله، من أمر السموات والأرض. { يمرون عليها } أي: ~~يتجاوزونها غير متفكرين ولا معتبرين. ### || [12.106] # قوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } فيهم ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنهم المشركون، ثم في معناها المتعلق بهم قولان: أحدهما: أنهم ~~يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به، رواه أبوصالح عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وقتادة. والثاني: أنها نزلت في ~~تلبية مشركي العرب، كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك ~~لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنهم النصارى، يؤمنون بأنه خالقهم ورازقهم، ومع ذلك يشركون به، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنهم المنافقون، يومنون في الظاهر رئاء الناس، وهم في الباطن ~~كافرون، قاله الحسن. # فان قيل: كيف وصف المشرك بالإيمان؟ # فالجواب: أنه ليس المراد به حقيقة الإيمان، وإنما المعنى: أن أكثرهم، ~~مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم مشركون. ### || [12.107] # قوله تعالى: { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } قال ابن قتيبة: ~~الغاشية: المجللة تغشاهم. وقال الزجاج: المعنى: يأتيهم ما يغمرهم من ~~العذاب. والبغتة: الفجأة من حيث لم تتوقع. ### || [12.108] # قوله تعالى: { قل هذه سبيلي } المعنى: قل يا محمد للمشركين: هذه الدعوة ~~التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها، سبيلي، أي: سنتي ومنهاجي. ~~والسبيل تذكر وتؤنث، وقد ذكرنا ذلك في [آل عمران: 195]. { أدعوا إلى ~~الله على بصيرة } أي: على يقين. قال ابن الأنباري: وكل مسلم لا يخلو من ~~الدعاء إلى الله عز وجل، لأنه إذا تلا القرآن، فقد دعا إلى الله بما ~~فيه. ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: { إلى الله } ثم ms1034 ابتدأ فقال: { على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني }. # قوله تعالى: { وسبحان الله } المعنى: وقل سبحان الله تنزيها له عما ~~أشركوا. ### || [12.109] # قوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } هذا نزل من أجل قولهم: ~~هلا بعث الله ملكا، فالمعنى: كيف تعجبوا من إرسالنا إياك، وسائر ~~الرسل كانوا على مثل حالك { يوحى إليهم }؟ وقرأ حفص عن عاصم: «نوحي» ~~بالنون. والمراد بالقرى: المدائن. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا من ~~أهل البادية، ولا من الجن، ولا من النساء، قال قتادة: لأن أهل القرى أعلم ~~وأحلم من اهل العمود. # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض } يعني: المشركين المنكرين نبوتك ~~{ فينظروا } إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بذلك. { ولدار الآخرة ~~} يعني: الجنة { خير } من الدنيا { للذين اتقوا } الشرك. قال الفراء: ~~أضيفت الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة، لأن العرب قد تضيف الشيء إلى نفسه ~~إذا اختلف لفظه، كقوله: # لهو حق اليقين # [الواقعة: 96] والحق: هو اليقين، وقولهم: أتيتك عام الأول، ويوم الخميس. # قوله تعالى: { أفلا يعقلون } قرأ أهل المدينة، وابن عامر، وحفص، ~~والمفضل، ويعقوب: «تعقلون» بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، والمعنى: أفلا ~~يعقلون هذا فيؤمنوا. ### || [12.110] # قوله تعالى: { حتى إذا استيأس الرسل } المعنى متعلق بالآية الأولى، ~~فتقديره: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا، فدعوا قومهم، فكذبوهم، ~~وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا استيأس الرسل، وفيه قولان: # أحدهما: استيأسوا من تصديق قومهم، قاله ابن عباس. # والثاني: من أن نعذب قومهم، قاله مجاهد. { وظنوا أنهم قد كذبوا } قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «كذبوا» مشددة الذال مضمومة ~~الكاف، والمعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم، فيكون الظن هاهنا ~~بمعنى اليقين، هذا قول الحسن، وعطاء، وقتادة. وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «كذبوا» خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما ~~وعدوا به من النصر، لأن الرسل لا يظنون ذلك. وقرأ أبو رزين، ومجاهد، ~~والضحاك: «كذبوا» بفتح الكاف والذال خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أيضا ~~أنهم قد كذبوا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { جاءهم نصرنا } يعني: الرسل { فننجي من نشاء } قرأ ابن ms1035 ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «فننجي» بنونين، الأولى مضمومة ~~والثانية ساكنة والياء ساكنة. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر، وحفص، جميعا عن ~~عاصم، ويعقوب: «فنجي» مشدده الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة، يعني: ~~المؤمنين، نجوا عند نزول العذاب. ### || [12.111] # قوله تعالى: { لقد كان في قصصهم } أي: في خبر يوسف وإخوته. وروى عبد ~~الوارث كسر القاف، وهي قراءة قتادة، وأبي الجوزاء. { عبرة } أي: عظة { ~~لأولي الألباب } أي: لذوي العقول السليمة، وذلك من وجهين: # أحدهما: ما جرى ليوسف من إعزازه وتمليكه بعد استعباده، فإن من فعل ~~ذلك به، قادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وتعلية كلمته. # والثاني: أن من تفكر، علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم، مع كونه ~~أميا، لم يأت بهذه القصة على موافقة ما في التوراة من قبل نفسه، ~~فاستدل بذلك على صحة نبوته. # قوله تعالى: { ما كان حديثا يفترى } في المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة. # والثاني: ما تقدم من القصص، قاله ابن إسحاق، فعلى القول الأول، يكون ~~معنى قوله: { ولكن تصديق الذي بين يديه }: ولكن كان تصديقا لما بين يديه ~~من الكتب { وتفصيل كل شيء } يحتاج إليه من أمور الدين { وهدى } بيانا ~~{ ورحمة لقوم يؤمنون } أي: يصدقون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وعلى القول الثاني: وتفصيل كل شيء من نبأ يوسف وإخوته. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-2] # قوله تعالى: { المر } قد ذكرنا في سورة (البقرة) جملة من الكلام في ~~معاني هذه الحروف. وقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الكلمة ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناها: أنا الله أعلم وأرى، رواه أبو الضحى عنه. والثاني: ~~أنا الله أرى، رواه سعيد بن جبير عنه. والثالث: أنا الله الملك الرحمن، ~~رواه عطاء عنه. # قوله تعالى: { تلك آيات الكتاب } في «تلك» قولان، وفي «الكتاب» قولان قد ~~تقدمت في أول (يونس). # قوله تعالى: { والذي أنزل إليك من ربك الحق } يعني: القرآن وغيره من ~~الوحي { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } قال ابن عباس: يعني: أهل مكة. قال ms1036 ~~الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق ~~فقال: { الله الذي رفع السموات بغير عمد } قال أبو عبيدة: العمد: متحرك ~~الحروف بالفتحة، وبعضهم يحركها بالضمة، لأنها جمع عمود، وهو القياس، لأن ~~كل كلمة هجاؤها أربعة أحرف الثالث منها ألف أو ياء أو واو، فجميعه مضموم ~~الحروف، نحو رسول، والجمع: رسل، وحمار، والجمع: حمر، غير أنه قد جاءت ~~أسامي استعملوا جميعها بالحركة والفتحة، نحو عمود، وأديم، وإهاب، قالوا: ~~أدم، وأهب. ومعنى «عمد» سوار، ودعائم، وما يعمد البناء. وقرأ ~~أبو حيوة: «بغير عمد» بضم العين والميم. # وفي قوله: { ترونها } قولان: # أحدهما: أن هاء الكناية ترجع إلى السموات، فالمعنى: ترونها بغير عمد، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، والجمهور. وقال ابن ~~الأنباري: «ترونها» خبر مستأنف، والمعنى: رفع السموات بلا دعامة تمسكها، ~~ثم قال: «ترونها» أي: ماتشاهدون من هذا الأمر العظيم، يغنيكم عن إقامة ~~الدلائل عليه. # والثاني: أنها ترجع إلى العمد، فالمعنى: إنها بعمد لا ترونها، رواه ~~عطاء، والضحاك عن ابن عباس، وقال: لها عمد على قاف، ولكنكم لا ترون ~~العمد، وإلى هذا القول ذهب مجاهد، وعكرمة، والأول أصح. # قوله تعالى: { وسخر الشمس والقمر } اي: ذللهما لما يراد منهما { كل ~~يجري لأجل مسمى } أي: إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا. { يدبر الأمر } ~~أي: يصرفه بحكمته. { يفصل الآيات } أي: يبين الآيات التي تدل أنه ~~قادر على البعث لكي توقنوا بذلك. وقرأ أبو رزين، وقتادة، والنخعي. ~~«ندبر الأمر نفصل الآيات» بالنون فيهما. ### || [13.3] # قوله تعالى: { وهو الذي مد الأرض } قال ابن عباس: بسطها على الماء. # قوله تعالى: { وجعل فيها رواسي } قال الزجاج: أي جبالا ثوابت، يقال: ~~رسا الشيء يرسوا رسوا، فهو راس: إذا ثبت. و { جعل فيها زوجين اثنين ~~} أي: نوعين. والزوج: الواحد الذي له قرين من جنسه. قال المفسرون: ويعني ~~بالزوجين: الحلو والحامض، والعذب والملح، والأبيض والأسود. # قوله تعالى: { يغشي الليل النهار } قد شرحناه في [الأعراف: 45]. ### || [13.4] # قوله تعالى: { وفي الأرض قطع متجاورات } فيها قولان: # أحدهما: أنها ms1037 الأرض السبخة، والأرض العذبة، تنبت هذه، وهذه إلى ~~جنبها لا تنبت، هذا قول ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: أنها القرى المتجاورات، قاله قتادة، وابن قتيبة، وهو يرجع إلى ~~معنى الأول. # قوله تعالى: { وزرع ونخيل } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: { ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } رفعا في الكل. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «وزرع ونخيل صنوان «وغير ~~صنوان» خفضا في الكل. قال أبو علي: من رفع، فالمعنى: وفي الأرض قطع ~~متجاورات وجنات، وفي الأرض زرع، ومن خفض حمله على الأعناب، فالمعنى: ~~جنات من أعناب، ومن زرع، ومن نخيل. # قوله تعالى: { صنوان وغير صنوان } هذا من صفة النخيل. قال الزجاج: ~~الصنوان: جمع صنو وصنو، ومعناه: أن يكون الأصل واحدا وفيه ~~النخلتان والثلاث والأربع. وكذلك قال المفسرون: الصنوان: النخل المجتمع ~~وأصله واحد، وغير صنوان: المتفرق. وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، وابن جبير، وقتادة: «صنوان» بضم الصاد. قال الفراء: لغة أهل ~~الحجاز «صنوان» بكسر الصاد، وتميم وقيس يضمون الصاد. # قوله تعالى: { تسقى بماء واحد } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «تسقى» ~~بالتاء، «ونفضل» بالنون، وقرأ حمزة، والكسائي «تسقى» بالتاء أيضا، ~~لكنهما أمالا القاف. وقرأ الحسن «ويفضل» بالياء. وقرأ عاصم، وابن عامر ~~«يسقى» بالياء، «ونفضل» بالنون، وكلهم كسر الضاد. وروى الحلبي عن ~~عبد الوارث ضم الياء من «يفضل» وفتح الضاد، «بعضها» برفع الضاد. ~~وقال الفراء: من قرأ «تسقى» بالتاء ذهب إلى تأنيث الزرع، والجنات، ~~والنخيل، ومن كسر ذهب إلى النبت، وذلك كله يسقى بماء واحد، وأكله ~~مختلف حامض وحلو، ففي هذا آية. قال المفسرون: الماء الواحد: ماء المطر، ~~والأكل: الثمر، بعضه أكبر من بعض، وبعضه أفضل من بعض، وبعضه حامض وبعضه ~~حلو، إلى غير ذلك، وفي هذا دليل على بطلان قول الطبائعيين، لأنه لو كان ~~حدوث الثمر على طبع الأرض والهواء، والماء، وجب أن يتفق ما يحدث لاتفاق ~~ما أوجب الحدوث، فلما وقع الاختلاف، دل على مدبر قادر، { إن في ذلك ~~لآيات لقوم ms1038 يعقلون } أنه لا تجوز العبادة إلا لمن يقدر على هذا. ### || [13.5] # قوله تعالى: { وإن تعجب } أي: من تكذيبهم وعبادتهم مالا ينفع ولا يضر ~~بعدما رأوا من تأثير قدرة الله عز وجل في خلق الأشياء، فإنكارهم البعث ~~موضع عجب. وقيل: المعنى: وإن تعجب بما وقفت عليه من القطع المتجاورات ~~وقدرة ربك في ذلك، فعجب جحدهم البعث، لأنه قد بان لهم من خلق السموات ~~والأرض ما يدل على أن البعث أسهل من القدرة. # قوله تعالى: { أإذا كنا ترابا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «آيذا كنا ~~ترابا آينا» جميعا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي ~~بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. وقرأ ~~نافع «آيذا» مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ «إنا لفي خلق» ~~مكسورة على الخبر. وقرأ عاصم، وحمزة «أإذا كنا» «أإنا» بهمزتين ~~فيهما. وقرأ ابن عامر «إذا كنا ترابا» مكسورة الألف من غير ~~استفهام، «أإنا» يهمز ثم يمد ثم يهمز على وزن: عاعنا. وروي عن ابن ~~عامر أيضا «أإذا» بهمزتين لا ألف بينهما. # والأغلال جمع غل، وفيها قولان. أحدهما: أنها أغلال يوم القيامة، قاله ~~الأكثرون. والثاني: أنها الأعمال التي هي أغلال، قاله الزجاج. ### || [13.6-9] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في كفار مكة، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يأتيهم بالعذاب، استهزاء منهم بذلك، قاله ابن عباس. # والثاني: في مشركي العرب، قاله قتادة. # والثالث: في النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك، قاله مقاتل. # وفي السيئة والحسنة قولان: # أحدهما: بالعذاب قبل العافية، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: بالشر قبل الخير، قاله قتادة. # فأما { المثلات } فقرأ الجمهور بفتح الميم. وقرأ عثمان، وأبو رزين، ~~وأبو مجلز، وسعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، وابن أبي عبلة برفع الميم. # ثم في معناها قولان: # أحدهما: أنها العقوبات، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المعنى: قد تقدم ~~من العذاب ما هو مثله ms1039 وما فيه نكال، لو أنهم اتعظوا. وقال ابن الأنباري: ~~المثلة: العقوبة التي تبقي في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه، ~~من قولهم: مثل فلان بفلان، إذا شان حلقه بقطع أنفه أو أذنه، ~~أو سمل عينيه ونحو ذلك. # والثاني: أن المثلات: الأمثال التي ضربها الله عز وجل لهم، قاله ~~مجاهد، وأبو عبيدة. # قوله تعالى: { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } قال ابن عباس: لذو ~~تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، وإنه لشديد العقاب للمصرين على الشرك. ~~وقال مقاتل: لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب، وإنه لشديد العقاب إذا ~~عذب. # فصل # وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء:48]، والمحققون على أنها محكمة. # قوله تعالى: { لولا أنزل عليه آية من ربه } «لولا» بمعنى هلا، والآية ~~التي طلبوها، مثل عصا موسى وناقة صالح. ولم يقنعوا بما رأوا، فقال الله ~~تعالى: { إنما أنت منذر } أي: مخوف عذاب الله، وليس لك من الآيات ~~شيء. # وفي قوله: { ولكل قوم هاد } ستة أقوال: # أحدها: أن المراد بالهادي: الله عز وجل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، فيكون المعنى: ~~إنما إليك الإنذار، والله الهادي. # والثاني: أن الهادي: الداعي، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن الهادي: النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن، وعطاء، ~~وقتادة، وابن زيد، فالمعنى: ولكل قوم نبي ينذرهم. # والرابع: أن الهادي: رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا، قاله عكرمة، ~~وأبو الضحى، والمعنى: أنت منذر، وأنت هاد. # والخامس: أن الهادي: العمل، قاله أبو العالية. # والسادس: أن الهادي: القائد إلى الخير أو إلى الشر قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. # وقد روى المفسرون من طرق ليس فيها ما يثبت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: لما نزلت هذه الآية، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ~~صدره، فقال: # " أنا المنذر» وأومأ بيده إلى منكب علي، فقال: «أنت الهادي يا علي ~~بك ms1040 يهتدى من بعدي " # قال المصنف: وهذا من موضوعات الرافضة. # ثم إن الله تعالى أخبرهم عن قدرته، ردا على منكري البعث، فقال: { الله ~~يعلم ما تحمل كل أنثى } أي: من علقة أو مضغة، أو زائد أو ناقص، أو ~~ذكر أو أنثى، أو واحد أو اثنين أو أكثر، { وما تغيض الأرحام } أي: وما ~~تنقص، { وما تزداد } وفيه أربعة أقوال: # أحدها: ما تغيض: بالوضع لأقل من تسعة أشهر، وما تزداد: بالوضع لأكثر من ~~تسعة أشهر، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، ~~ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: وما تغيض: بالسقط الناقص، وما تزداد: بالولد التام، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وعن الحسن كالقولين. # والثالث: وما تغيض: بإراقة الدم في الحمل حتى يتضاءل الولد، وما ~~تزداد: إذا أمسكت الدم فيعظم الولد، قاله مجاهد. # والرابع: ما تغيض الأرحام: من ولدته من قبل، وما تزداد: من تلده من ~~بعد، روي عن قتادة، والسدي. # قوله تعالى: { وكل شيء عنده بمقدار } أي: بقدر. قال أبو عبيدة: هو ~~مفعال من القدر. قال ابن عباس: علم كل شيء فقدره تقديرا. # قوله تعالى: { عالم الغيب والشهادة } قد شرحنا ذلك في [الأنعام: 6]. و { ~~الكبير } بمعنى: العظيم. ومعناه: يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات ~~العلو، فهو أكبر من كل كبير، لأن كل كبير يصغر بالإضافة إلى ~~عظمته. ويقال: «الكبير» الذي كبر عن مشابهة المخلوقين. # فأما { المتعال } فقرأ ابن كثير «المتعالي» بياء في الوصل والوقف، ~~وكذلك روى عبد الوارث عن أبي عمرو، وأثبتها في الوقف دون الوصل ابن ~~شنبوذ عن قنبل، والباقون بغير ياء في الحالين. والمتعالي هو ~~المتنزه عن صفات المخلوقين، قال الخطابي: وقد يكون بمعنى العالي فوق ~~خلقه. وروي عن الحسن أنه قال: المتعالي عما يقول المشركون. ### || [13.10] # قوله تعالى: { سواء منكم } قال ابن الأنباري: ناب «سواء» عن مستو، ~~والمعنى: مستو منكم { من أسر القول } أي: أخفاه وكتمه { ومن جهر به } ~~أعلنه وأظهره، والمعنى: أن السر والجهر سواء عنده. # قوله تعالى: { ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار } فيه ms1041 قولان. # أحدهما: أن المستخفي: هو المستتر المتواري في ظلمة الليل، والسارب ~~بالنهار: الظاهر المتصرف في حوائجه. يقال: سربت الإبل تسرب: إذا ~~مضت في الأرض ظاهرة، وأنشدوا: # أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهم # ونحن خلعنا قيده فهو سارب # أي: ذاهب. ومعنى الكلام: أن الظاهر والخفي عنده سواء، هذا قول ~~الأكثرين. وروى العوفي عن ابن عباس: «ومن هو مستخف» قال: صاحب ريبة ~~بالليل، فإذا خرج بالنهار، أرى الناس أنه بريء من الإثم. # والثاني: أن المستخفي بالليل: الظاهر، والسارب بالنهار: المستتر، ~~يقال: انسرب الوحش: إذا دخل في كناسه، وهذا قول الأخفش، وذكره قطرب ~~أيضا، واحتج له ابن جرير بقولهم: خفيت الشيء: إذا أظهرته، ومنه # أكاد أخفيها # [طه: 15] بفتح الألف، أي: أظهرها، قال: وإنما قيل للمتواري: سارب، ~~لأنه صار في السرب مستخفيا. ### || [13.11] # قوله تعالى: { له معقبات } في هاء «له» أربعة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو الجوزاء ~~عن ابن عباس. # والثاني: إلى الملك من ملوك الدنيا، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: إلى الإنسان، قاله الزجاج. # والرابع: إلى الله تعالى، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. # وفي المعقبات قولان: # أحدهما: أنها الملائكة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والحسن، ~~وقتادة في آخرين. قال الزجاج: والمعنى: للإنسان ملائكة يعتقبون، يأتي ~~بعضهم بعقب بعض. وقال أكثر المفسرين: هم الحفظة، اثنان بالنهار ~~واثنان بالليل، إذا مضى فريق، خلف بعده فريق، ويجتمعون عند صلاة المغرب ~~والفجر. وقال قوم، منهم ابن زيد: هذه الآية خاصة في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، عزم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس على قتله، فمنعه الله ~~منهما، وأنزل هذه الآية. # والقول الثاني: أن المعقبات حراس الملوك الذين يتعاقبون الحرس، ~~وهذا مروي عن ابن عباس، وعكرمة. وقال الضحاك: هم السلاطين المشركون ~~المحترسون من الله تعالى. # وفي قوله: { يحفظونه من أمر الله } سبعة أقوال: # أحدها: يحرسونه من أمر الله ولا يقدرون، هذا على قول من قال: هي في ~~المشركين المحترسين من أمر ms1042 الله. # والثاني: أن المعنى: حفظهم له من أمر الله، قاله ابن عباس، وابن ~~جبير، فيكون تقدير الكلام: هذا الحفظ مما أمرهم الله به. # والثالث: يحفطونه بأمر الله، قاله الحسن، ومجاهد، وعكرمة. قال اللغويون: ~~والباء تقوم مقام «من» وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. # والرابع: يحفظونه من الجن، قاله مجاهد، والنخعي. وقال كعب: لولا أن الله ~~تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، ~~إذا لتخطفتكم الجن. وقال مجاهد: ما من عبد إلا وملك موكل ~~به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فإذا أراده شيء، ~~قال: وراءك وراءك، إلا شيء قد قضي له أن يصيبه. وقال أبو مجلز: جاء رجل ~~من مراد إلى علي عليه السلام، فقال: احترس، فإن ناسا من مراد يريدون ~~قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فاذا جاء القدر ~~خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة. # والخامس: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والمعنى: له معقبات من أمر ~~الله يحفظونه، قاله أبو صالح، والفراء. # والسادس: يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له، ذكره ~~أبو سليمان الدمشقي، واستدل بما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: يحفظونه ~~من أمر الله، حتى إذا جاء القدر خلوا عنه. وقال عكرمة: يحفظونه لأمر ~~الله. # والسابع: يحفظون عليه الحسنات والسيئات، قاله ابن جريج. قال الأخفش: ~~وإنما أنث المعقبات لكثرة ذلك منها، نحو النسابة، والعلامة، ثم ~~ذكر في قوله: «يحفظونه» لأن المعنى مذكر. # قوله تعالى: { إن الله لا يغير ما بقوم } أي: لايسلبهم نعمه { ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم } فيعملوا بمعاصيه. قال مقاتل: ويعني بذلك كفار ~~مكة. # قوله تعالى: { وإذا أراد الله بقوم سوءا } فيه قولان: # أحدهما: أنه العذاب. والثاني: البلاء. # قوله تعالى: { فلا مرد له } أي: لا يرده شيء ولا تنفعه ~~المعقبات. { وما لهم من دونه } يعني: من دون الله { من وال } أي: من ~~ولي يدفع عنهم العذاب والبلاء. ### || [13.12] # قوله تعالى: { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } فيه أربعة أقوال: # أحدها: خوفا ms1043 للمسافر وطمعا للمقيم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال ~~قتادة: فالمسافر خاف أذاه ومشقته والمقيم يرجو منفعته. # والثاني: خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن. # والثالث: خوفا للبلد الذي يخاف ضرر المطر وطمعا لمن يرجو الانتفاع به، ~~ذكره الزجاج. # والرابع: خوفا من العقاب وطمعا في الثواب، ذكره الماوردي. وكان ابن ~~الزبير إذا سمع صوت الرعد يقول: إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض. # قوله تعالى: { وينشىء السحاب الثقال } أي: ويخلق السحاب الثقال بالماء. ~~قال الفراء: السحاب، وإن كان لفظه واحدا، فانه جمع واحدته سحابة، جعل ~~نعته على الجمع، كما قال: # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان # [الرحمن 76] ولم يقل: أخضر، ولا حسن. ### || [13.13] # قوله تعالى: { ويسبح الرعد بحمده } فيه قولان: # أحدهما: أنه اسم الملك الذي يزجر السحاب، وصوته: تسبيحه، قاله مقاتل. # والثاني: أنه الصوت المسموع. وإنما خص الرعد بالتسبيح، لأنه من أعظم ~~الأصوات. قال ابن الأنباري: وإخباره عن الصوت بالتسبيح مجاز، كما يقول ~~القائل: قد غمني كلامك. # قوله تعالى: { والملائكة من خيفته } في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله عز وجل، وهو الأظهر. قال ابن عباس: يخافون ~~الله، وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، ~~ولا يشغله عن عبادة الله شيء. # والثاني: أنها ترجع إلى الرعد، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء } اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في أربد بن قيس، وعامر ابن الطفيل، أتيا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريدان الفتك به، فقال: «اللهم اكفنيهما بما ~~شئت»، فأما أربد فأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وأما ~~عامر فأصابته غدة فهلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، هذا قول الأكثرين، ~~منهم ابن جريج، وأربد هو أخو لبيد بن ربيعة لأمه. # والثاني: أنها نزلت في رجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~حدثني يا محمد عن إلهك، أياقوت هو؟ أذهب هو؟ ms1044 فنزلت على السائل صاعقة ~~فأحرقته، ونزلت هذه الآية، قاله علي عليه السلام. قال مجاهد: وكان ~~يهوديا. وقال أنس بن مالك: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض ~~فراعنة العرب يدعوه إلى الله تعالى فقال للرسول: وما الله، أمن ذهب هو، ~~أم من فضة، أم من نحاس؟ فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فقال: «ارجع إليه فادعه»، فرجع، فأعاد عليه الكلام، إلى أن رجع إليه ~~ثالثة، فبينما هما يتراجعان الكلام، إذ بعث الله سحابة حيال رأسه، فرعدت ~~ووقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية. # والثالث: أنها في رجل أنكر القرآن وكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة. # قوله تعالى: { وهم يجادلون في الله } فيه قولان: # أحدهما: يكذبون بعظمة الله، قاله ابن عباس. # والثاني: يخاصمون في الله، حيث قال قائلهم: أهو من ذهب، أم من فضة؟ على ~~ما تقدم بيانه. # قوله تعالى: { وهو شديد المحال } فيه خمسة أقوال: # أحدها: شديد الأخذ، قاله علي عليه السلام. # والثاني: شديد المكر، شديد العداوة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: شديد العقوبة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وقال مجاهد في رواية ~~عنه: شديد الانتقام. وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة والمكر والنكال، وأنشد ~~للأعشى: # فرع نبع يهتز في غصن المج # د، غزير الندى، شديد المحال # إن يعاقب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فإنه لا يبالي # وقال ابن قتيبة:شديد المكر واليد، وأصل المحال: الحيلة. # والرابع: شديد القوة، قاله مجاهد. قال الزجاج: يقال ما حلته محالا: ~~إذا قاويته حتى تبين له أيكما الأشد، والمحل في اللغة: الشدة. # والخامس: شديد الحقد، قاله الحسن البصري فيما سمعناه عنه مسندا من طرق، ~~وقد رواه عنه جماعة من المفسرين منهم ابن الأنباري، والنقاش، ولا يجوز ~~هذا في صفات الله تعالى. قال النقاش: هذا قول منكر عند أهل الخبر ~~والنظر في اللغة لا يجوز أن تكون هذه صفة من صفات الله عز وجل. والذي ~~أختاره في ms1045 هذا ما قاله علي عليه السلام: شديد الأخذ، يعني: أنه إذا أخذ ~~الكافر والظالم لم يفلته من عقوباته. ### || [13.14] # قوله تعالى: { له دعوة الحق } فيه قولان: # أحدهما: أنها كلمة التوحيد، وهي لا إله إلا الله، قاله علي، وابن ~~عباس، والجمهور، فالمعنى: له من خلقه الدعوة الحق، فأضيفت الدعوة إلى ~~الحق، لاختلاف اللفظين. # والثاني: أن الله عز وجل هو الحق، فمن دعاه دعا الحق، قاله الحسن. # قوله تعالى: { والذين يدعون من دونه } يعني: الأصنام يدعونها آلهة. قال ~~أبو عبيدة: المعنى: والذين يدعون غيره من دونه. # قوله تعالى: { لا يستجيبون لهم } أي: لا يجيبونهم. # قوله تعالى: { إلا كباسط كفيه إلى الماء } فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ~~ببالغه، قاله علي عليه السلام، وعطاء. # والثاني: أنه الرجل العطشان قد وضع كفيه في الماء وهو لا يرفعهما، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه العطشان يرى خياله في الماء من بعيد، فهو يريد أن يتناوله ~~فلا يقدر عليه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: أنه الرجل يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه ~~أبدا، قاله مجاهد. # والخامس: أنه الباسط كفيه ليقبض على الماء حتى يؤديه إلى فيه، لا ~~يتم له ذلك، والعرب: تقول من طلب مالا يجد فهو القابض على الماء، ~~وأنشدوا: # وإني وإياكم وشوقا إليكم # كقابض ماء لم تسقه أنامله # أي: لم تحمله، والوسق: الحمل، وقال آخر: # فأصبحت مما كان بيني وبينها # من الود مثل القابض الماء باليد # هذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة. # قوله تعالى: { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } فيه قولان: # أحدهما: وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال، لأن أصواتهم محجوبة عن ~~الله، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: وما عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسران وباطل، قاله مقاتل. ### || [13.15] # قوله تعالى: { ولله يسجد من في السموات } أي: من الملائكة، ومن في ~~الأرض من المؤمنين { طوعا وكرها }. # وفي معنى سجود الساجدين كرها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سجود ms1046 من دخل في الإسلام بالسيف، قاله ابن زيد. # والثاني أنه سجود ظل الكافر، قاله مقاتل. # والثالث: أن سجود الكاره تذلله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ~~ومرض وغنى وفقر. # قوله تعالى: { وظلالهم } أي: وتسجد ظلال الساجدين طوعا وكرها، ~~وسجودها: تمايلها من جانب إلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطول ~~والقصر. قال ابن الأنباري: قال اللغويون: الظل ما كان بالغدوات قبل ~~انبساط الشمس، والفيء ما كان بعد انصراف الشمس، وإنما سمي فيئا، ~~لأنه فاء، أي: رجع إلى الحال التي كان عليها قبل ان تنبسط الشمس، وما ~~كان سوى ذلك فهو ظل، نحو ظل الإنسان، وظل الجدار، وظل الثوب، وظل ~~الشجرة، قال حميد بن ثور: # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # ولا الفيء من برد العشي تذوق # وقال لبيد: # بينما الظل ظليل مونق # طلعت شمس عليه فاضمحل # وقال آخر: # أيا أثلات القاع من بطن توضح # حنيني إلى أظلالكن طويل # وقيل: إن الكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد لله. وقد شرحنا معنى ~~الغدو والآصال في [الأعراف: 7]. ### || [13.16] # قوله تعالى: { قل من رب السموات والأرض قل الله } إنما جاء السؤال ~~والجواب من جهة، لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء، فلما لم ~~ينكروا، كان كأنهم أجابوا. ثم ألزمهم الحجة بقوله: { قل أفاتخذتم من ~~دونه أولياء } يعني: الأصنام توليتموهم فعبدتموهم وهم لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا، فكيف لغيرهم؟! ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام والذي ~~يعبد الله بقوله: { قل هل يستوي الأعمى والبصير } يعني المشرك والمؤمن { ~~أم هل تستوي الظلمات والنور } وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: «تستوي» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: «يستوي» بالياء. قال أبو علي: التأنيث حسن، لأنه فعل مؤنث، ~~والتذكير سائغ، لأنه تأنيث غير حقيقي. ويعني بالظلمات والنور: الشرك ~~والإيمان. { أم جعلوا لله شركاء } قال ابن الأنباري: معناه: أجعلوا لله ~~شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء؟ وهذا استفهام إنكار، ~~والمعنى: ليس الأمر على هذا، بل إذا فكروا علموا أن ms1047 الله هو المنفرد ~~بالخلق، وغيره لا يخلق شيئا. # قوله تعالى: { قل الله خالق كل شيء } قال الزجاج: قل ذلك وبينه بما ~~أخبرت به من الدلالة في هذه السورة مما يدل على أنه خالق كل شيء، وقد ~~ذكرنا في [يوسف: 39] معنى الواحد القهار. ### || [13.17-18] # قوله تعالى: { أنزل من السماء ماء } يعني: المطر { فسالت أودية } وهي ~~جمع واد، وهو كل منفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر فيسيل { بقدرها ~~} أي: بمبلغ ما تحمل، فإن صغر الوادي، قل الماء، وإن هو اتسع، ~~كثر. وقرأ الحسن، وابن جبير، وأبو العالية، وأيوب، وابن يعمر، وأبو ~~حاتم عن يعقوب: «بقدرها» بإسكان الدال. وقوله: «فسالت أودية» توسع ~~في الكلام، والمعنى: سالت مياهها، فحذف المضاف، وكذلك قوله: «بقدرها» ~~أي: بقدر مياهها. { فاحتمل السيل زبدا رابيا } أي: عاليا فوق الماء، ~~فهذا مثل ضربه الله عز وجل. ثم ضرب مثلا آخر، فقال: { ومما توقدون عليه ~~في النار } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم: «توقدون عليه» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بالياء. ~~قال أبو علي: من قرأ بالتاء، فلما قبله من الخطاب، وهو قوله: ~~«أفاتخذتم»، ويجوز أن يكون خطابا عاما للكافة، ومن قرأ بالياء ~~فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله: «أم جعلوا لله شركاء». # ويعني بقوله { ومما توقدون عليه } ما يدخل إلى النار فيذاب من الجواهر ~~{ ابتغاء حلية } يعني: الذهب والفضة { أو متاع } يعني: الحديد والصفر ~~والنحاس والرصاص تتخذ منه الأواني والأشياء التي ينتفع بها، { زبد ~~مثله } أي: له زبد إذا أذيب مثل زبد السيل، فهذا مثل آخر. # وفيما ضرب له هذان المثلان ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه القرآن، شبه نزوله من السماء بالماء، وشبه قلوب ~~العباد بالأودية تحمل منه على قدر اليقين والشك، والعقل والجهل، فيستكن ~~فيها، فينتفع المؤمن بما في قلبه كانتفاع الأرض التي يستقر فيها المطر، ~~ولا ينتفع الكافر بالقرآن لمكان شكه وكفره، فيكون ما حصل عنده من ~~القرآن كالزبد وكخبث الحديد لا ينتفع به. # والثاني: أنه الحق والباطل، فالحق ms1048 شبه بالماء الباقي الصافي، والباطل ~~مشبه بالزبد الذاهب، فهو وإن علا على الماء فانه سيمحق، كذلك ~~الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال، فإن الله سيبطله. # والثالث: أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فمثل المؤمن واعتقاده ~~وعمله كالماء المنتفع به، ومثل الكافر واعتقاده وعمله كالزبد. # قوله تعالى: { كذلك } أي: كما ذكر هذا، يضرب الله مثل الحق والباطل. ~~وقال أبو عبيدة: كذلك يمثل الله الحق ويمثل الباطل. # فأما الجفاء، فقال ابن قتيبة: هو ما رمى به الوادي إلى جنباته، يقال: ~~أجفأت القدر بزبدها: إذا ألقته عنها. قال ابن فارس: الجفاء: ما ~~نفاه السيل، ومنه اشتقاق الجفاء. وقال ابن الأنباري: «جفاء» أي: ~~باليا متفرقا. قال ابن عباس: إذا مس الزبد لم يكن شيئا. # قوله تعالى: { وأما ما ينفع الناس } من الماء والجواهر التي زال زبدها ~~{ فيمكث في الأرض } فينتفع به { كذلك } يبقى الحق لأهله. # قوله تعالى: { للذين استجابوا لربهم } يعني: المؤمنين، { والذين لم ~~يستجيبوا له } يعني: الكفار. قال أبو عبيدة: استجبت لك واستجبتك سواء، ~~وهو بمعنى: أجبت. # وفي الحسنى ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الجنة، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: أنها الحياة ~~والرزق، قاله مجاهد. والثالث: كل خير من الجنة فما دونها، قاله أبو ~~عبيدة. # قوله تعالى: { لا فتدوا به } اي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب، ولا ~~يقبل منهم. وفي سوء الحساب ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها المناقشة بالأعمال، رواه ابو الجوزاء عن ابن عباس. وقال ~~النخعي: هو أن يحاسب بذنبه كله، فلا يغفر له منه شيء. # والثاني: أن لا تقبل منهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة. # والثالث: أنه التوبيخ والتقريع عند الحساب. ### || [13.19] # قوله تعالى: { أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } ~~قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل. { إنما يتذكر } أي: إنما يتعظ ~~ذوو العقول. والتذكر: الاتعاظ. ### || [13.20-21] # قوله تعالى: { الذين يوفون بعهد الله } في هذا العهد قولان: # أحدهما: أنه ما عاهدهم عليه حين استخرجهم من ظهر آدم. # والثاني: ما أمرهم به وفرضه عليهم. ms1049 وفي الذي أمر الله به، عز وجل، أن ~~يوصل، ثلاثة أقوال قد نسبناها إلى قائلها في أول سورة [البقرة: 27]، وقد ~~ذكرنا سوء الحساب آنفا. ### || [13.22-24] # قوله تعالى: { والذين صبروا } أي: على ما أمروا به { ابتغاء وجه ربهم } ~~أي: طلبا لرضاه { وأقاموا الصلاة } أتموها { وأنفقوا مما رزقناهم } من ~~الأموال في طاعة الله. قال ابن عباس: يريد بالصلاة: الصلوات الخمس، ~~وبالإنفاق: الزكاة. # قوله تعالى: { ويدرؤون } أي: يدفعون { بالحسنة السيئة }. وفي المراد ~~بهما خمسة أقوال: # أحدها: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل، قاله ابن عباس. والثاني: ~~يدفعون بالمعروف المنكر، قاله سعيد بن جبير. والثالث: بالعفو الظلم، ~~قاله جويبر. والرابع: بالحلم السفه، كأنهم إذا سفه عليهم حلموا، ~~قاله ابن قتيبة. # والخامس: بالتوبة الذنب، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: { أولئك لهم عقبى الدار } قال ابن عباس: يريد: عقباهم ~~الجنة، أي: تصير الجنة آخر أمرهم. # قوله تعالى: { ومن صلح } وقرأ ابن أبي عبلة: «صلح» بضم اللام. ومعنى ~~«صلح» آمن، وذلك أن الله تعالى ألحق بالمؤمن أهله المؤمنين إكراما له، ~~لتقر عينه بهم. { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } قال ابن عباس: ~~بالتحية من الله والتحفة والهدايا. # قوله تعالى: { سلام عليكم } قال الزجاج: أضمر القول هاهنا، لأن في ~~الكلام دليلا عليه. وفي هذا السلام قولان: # أحدهما: أنه التحية المعروفة، يدخل الملك فيسلم وينصرف. قال ابن ~~الأنباري: وفي قول المسلم: سلام عليكم، قولان: أحدهما: أن السلام: ~~الله عز وجل، والمعنى: الله عليكم، أي: على حفظكم. والثاني: أن المعنى: ~~السلامة عليكم، فالسلام جمع سلامة. # والثاني: أن معناه: إنما سلمكم الله تعالى من أهوال القيامة وشرها ~~بصبركم في الدنيا. # وفيما صبروا عليه خمسة أقوال: # أحدها: أنه أمر الله، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: فضول الدنيا، قاله الحسن. # والثالث: الدين. # والرابع: الفقر، رويا عن أبي عمران الجوني. # والخامس: أنه فقد المحبوب، قاله ابن زيد. ### || [13.25] # قوله تعالى: { والذين ينقضون عهد الله } قد سبق تفسيره في سورة [البقرة: ~~27]. وقال مقاتل: نزلت في كفار أهل الكتاب. # قوله تعالى: { أولئك لهم اللعنة } أي: عليهم. ms1050 ### || [13.26] # قوله تعالى: { الله يبسط الرزق لمن يشاء } أي: يوسع على من يشاء { ~~ويقدر } أي: يضيق. { وفرحوا بالحياة الدنيا } قال ابن عباس: يريد مشركي ~~مكة، فرحوا بما نالوا من الدنيا فطغوا وكذبوا الرسل. # قوله تعالى: { وما الحياة الدنيا في الآخرة } أي: بالقياس إليها { إلا ~~متاع } أي: كالشيء الذي يتمتع به، ثم يفنى. ### || [13.27] # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا } نزلت في مشركي مكة حين طلبوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مثل آيات الأنبياء. { قل إن الله يضل من يشاء ~~} أي: يرده عن الهدى كما ردكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال ~~بها، { ويهدي إليه من أناب } أي: رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق ~~من شاء الله رجوعه، فكأنه قال: ويهدي من يشاء. ### || [13.28-29] # قوله تعالى: { الذين آمنوا } هذا بدل من قوله: { أناب } ، والمعنى: يهدي ~~الذين آمنوا، { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } في هذا الذكر قولان: # أحدهما: أنه القرآن. والثاني: ذكر الله على الإطلاق. # وفي معنى هذه الطمأنينة قولان: # أحدهما: أنها الحب له والأنس به. والثاني: السكون إليه من غير شك، ~~بخلاف الذين إذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم. # قوله تعالى: { ألا بذكر الله } قال الزجاج: «ألا» حرف تنبيه وابتداء، ~~والمعنى: تطمئن القلوب التي هي قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن ~~القلب. # قوله تعالى: { طوبى لهم } فيه ثمانية أقوال: # أحدها: أنه اسم شجرة في الجنة. روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " أن رجلا قال: يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة ~~سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " # ، وقال أبو هريرة: طوبى: شجرة في الجنة، يقول الله عز وجل لها: تفتقي ~~لعبدي عما شاء، فتتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل ~~بأزمتها: وعما شاء من الكسوة. وقال شهر بن حوشب: طوبى: شجرة في ~~الجنة، كل شجر الجنة منها أغصانها، من وراء سور الجنة، وهذا مذهب عطية، ~~وشمر بن عطية، ومغيث بن سمي، وأبي صالح. # والثاني: أنه اسم الجنة بالحبشية، رواه سعيد ms1051 بن جبير عن ابن عباس. قال ~~المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور عن سعيد بن مسجوح قال: طوبى: اسم ~~الجنة بالهندية، وممن ذهب إلى أنه اسم الجنة عكرمة، وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: أن معنى طوبى لهم: فرح وقرة عين لهم، رواه علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس. # والرابع: أن معناه: نعمى لهم، قاله عكرمة في رواية، وفي رواية أخرى ~~عنه: نعم مالهم. # والخامس: غبطة لهم، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. # والسادس: أن معناه: خير لهم، قاله النخعي في رواية، وفي أخرى عنه قال: ~~الخير والكرامة اللذان أعطاهم الله. وروى معمر عن قتادة قال: يقول ~~الرجل للرجل: طوبى لك، أي: أصبت خيرا، وهي كلمة عربية. # والسابع: حسنى لهم، رواه سعيد عن قتادة عن الحسن. # والثامن: أن المعنى: العيش الطيب لهم. «و طوبى» عند النحويين: فعلى ~~من الطيب، هذا قول الزجاج. وقال ابن الأنباري: تأويلها: الحال المستطابة، ~~والخلة المستلذة، وأصلها: «طيبى» فصارت الياء واوا لسكونها ~~وانضمام ما قبلها كما صارت في «موقن» والأصل فيه «ميقن» لأنه مأخوذ من ~~اليقين، فغلبت الضمة فيه الياء فجعلتها واوا. # قوله تعالى: { وحسن مآب } المآب: المرجع والمنقلب. ### || [13.30] # قوله تعالى: { كذلك أرسلناك } أي: كما أرسنا الأنبياء قبلك. # قوله تعالى: { وهم يكفرون بالرحمن } في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لكفار قريش: اسجدوا للرحمن، ~~قالوا: وما الرحمن؟ فنزلت هذه الآية، وقيل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم ~~هو ربي، هذا قول الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنهم لما أرادوا كتاب الصلح يوم الحديبية، كتب علي عليه ~~السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا ~~مسيلمة، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما في الحجر يدعو، ~~وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: يا رحمن، فولى مدبرا إلى المشركين ~~فقال: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين! فنزلت هذه ~~الآية، ذكره علي بن أحمد ms1052 النيسابوري. # قوله تعالى: { وإليه متاب } قال أبو عبيدة: هو مصدر تبت إليه. ### || [13.31] # قوله تعالى: { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } سبب نزولها أن مشركي ~~قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو وسعت لنا أودية مكة بالقرآن، ~~وسيرت جبالها فاحترثناها، وأحييت من مات منا، فنزلت هذه الآية، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. وقال الزبير بن العوام: قالت قريش لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض ~~أنهارا فنزرع، أو يحيي لنا موتانا فنكلمهم، أو يصير هذه الصخرة ذهبا ~~فتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فقد كان للأنبياء آيات، فنزلت هذه الآية، ~~ونزل قوله: # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون # [الاسراء:59]. ومعنى قوله: { أو قطعت به الأرض } أي: شققت فجعلت ~~أنهارا، { أو كلم به الموتى } أي: أحيوا حتى كلموا. # واختلفوا في جواب «لو» على قولين: # أحدهما: أنه محذوف. وفي تقدير الكلام قولان: أحدهما: أن تقديره: لكان ~~هذا القرآن، ذكره الفراء، وابن قتيبة. قال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير ~~قرآنكم. لفعل بقرآنكم. والثاني: أن تقديره: لو كان هذا كله لما آمنوا. ~~ودليله قوله تعالى: { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة... } إلى آخر ~~الآية [الأنعام: 111]، قاله الزجاج. # والثاني: أن جواب «لو» مقدم، والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أنزلنا ~~عليهم ما سألوا، ذكره الفراء أيضا. # قوله تعالى: { بل لله الأمر جميعا } أي: لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ~~وإذا لم يشأ، لم ينفع ما اقترحوا من الآيات. ثم أكد ذلك بقوله: { أفلم ~~ييأس الذين آمنوا } وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أفلم يتبين، رواه العوفي عن ابن عباس، وروى عنه عكرمة أنه كان ~~يقرؤها كذلك، ويقول: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، ~~وأبي مالك، ومقاتل. # والثاني: أفلم يعلم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، وابن زيد. وقال ابن قتيبة: ويقال: هي لغة للنخع «ييأس» بمعنى ~~«يعلم» قال الشاعر: # أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني # ألم تيأسوا أني ابن ms1053 فارس زهدم # وإنما وقع اليأس في مكان العلم، لأن في علمك الشيء وتيقنك به يأسك ~~من غيره. # والثالث: أن المعنى: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا واحدا، ولو شاء الله ~~لهدى الناس جميعا، قاله أبو العالية. # والرابع: أفلم ييأس الذين آمنوا أن يؤمن هؤلاء المشركون، قاله الكسائي. ~~وقال الزجاج: المعنى عندي: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين ~~وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون، لأنه لو شاء لهدى الناس جميعا. # قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا } فيهم قولان: # أحدهما: أنهم جميع الكفار، قاله ابن السائب. والثاني: كفار مكة، قاله ~~مقاتل. # فأما القارعة، فقال الزجاج: هي في اللغة: النازلة الشديدة تنزل بأمر ~~عظيم. # وفي المراد بها هاهنا قولان: # أحدهما: أنها عذاب من السماء، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: السرايا والطلائع التي كان ينفذها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قاله عكرمة. # وفي قوله: { أو تحل قريبا من دارهم } قولان: # أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: أو تحل أنت يا ~~محمد، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة. # والثاني: أنها القارعة، قاله الحسن. # وفي قوله: { حتى يأتي وعد الله } قولان: # أحدهما: فتح مكة، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: القيامة، قاله الحسن. ### || [13.32-33] # قوله تعالى: { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } يعني: نفسه عز وجل. ~~ومعنى القيام هاهنا: التولي لأمور خلقه، والتدبير لأرزاقهم وآجالهم، ~~وإحصاء أعمالهم للجزاء، والمعنى: أفمن هو مجازي كل نفس بما كسبت، ~~يثيبها إذا أحسنت، ويأخذها بما جنت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام؟ قال ~~الفراء: فترك جوابه، لأن المعنى معلوم، وقد بينه بعد هذا بقوله: { ~~وجعلوا لله شركاء } كأنه قيل: كشركائهم. # قوله تعالى: { قل سموهم } أي: بما يستحقونه من الصفات وإضافة ~~الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله كما يسمى الله بالخالق، والرازق، ~~والمحيي، والمميت، ولو سموهم بشيء من هذا لكذبوا. # قوله تعالى: { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } هذا استفهام منقطع مما ~~قبله، والمعنى: فإن سموهم بصفات ms1054 الله، فقل لهم: أتنبئونه، أي: أتخبرونه ~~بشريك له في الأرض وهو لا يعلم لنفسه شريكا، ولو كان لعلمه. # قوله تعالى: { أم بظاهر من القول } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أم بظن من القول، قاله مجاهد. والثاني: بباطل، قاله قتادة. ~~والثالث: بكلام لا أصل له ولا حقيقة. # قوله تعالى: { بل زين للذين كفروا مكرهم } قال ابن عباس: زين لهم ~~الشيطان الكفر. # قوله تعالى: { وصدوا عن السبيل } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «وصدوا» بفتح الصاد، ومثله في (حم المؤمن) [غافر:37]. وقرأ ~~عاصم، وحمزة، والكسائي: «وصدوا» بالضم فيهما. فمن فتح، أراد: صدوا ~~المسلمين، إما عن الإيمان، أو عن البيت الحرام. ومن ضم، أراد: صدهم ~~الله عن سبيل الهدى. ### || [13.34] # قوله تعالى: { لهم عذاب في الحياة الدنيا } وهو القتل، والأسر، والسقم، ~~فهو لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمنين كفارة، { ولعذاب الآخرة أشق } أي: ~~أشد { وما لهم من الله من واق } أي: مانع يقيهم عذابه. ### || [13.35] # قوله تعالى: { مثل الجنة } أي: صفتها أن الأنهار تجري من تحتها، هذا ~~قول الجمهور، وقال ثعلب: خبر المثل مضمر قبله، والمعنى: فيما نصف لكم ~~مثل الجنة، وفيما نقصه عليكم خبر الجنة { أكلها دائم } قال الحسن: ~~يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا { وظلها } لأنه لا يزول ولا ~~تنسخه الشمس. # قوله تعالى: { تلك عقبى الذين اتقوا } أي: عاقبة أمرهم المصير إليها. ### || [13.36] # قوله تعالى: { والذين آتيناهم الكتاب } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم مسلمو اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: هم ~~عبد الله بن سلام وأصحابه. # والثاني: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله قتادة. # والثالث: مؤمنو أهل الكتابين من اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. والذي ~~أنزل إليه: القرآن، فرح به المسلمون وصدقوه، وفرح به مؤمنو أهل ~~الكتاب، لأنه صدق ما عندهم. وقيل: إن عبد الله بن سلام ومن آمن معه من ~~أهل الكتاب، ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في ~~التوراة، فلما نزل ذكره فرحوا، وكفر المشركون به، فنزلت هذه الآية. # فأما ms1055 الأحزاب، فهم الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمعاداة، وفيهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود والنصارى، قاله قتادة. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله ابن زيد. # والثالث: بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة بن عبد العزى، قاله ~~مقاتل. # والرابع: كفار قريش، ذكره الماوردي. # وفي بعضه الذي أنكروه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ذكر الرحمن والبعث ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. # والثاني: أنهم عرفوا بعثة الرسول في كتبهم وأنكروا نبوته. # والثالث: أنهم عرفوا صدقه، وأنكروا تصديقه، ذكرهما الماوردي. ### || [13.37] # قوله تعالى: { وكذلك أنزلناه } أي: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء ~~بلغاتهم، أنزلنا عليك القرآن { حكما عربيا } قال ابن عباس: يريد ما فيه ~~من الفرائض. وقال أبو عبيدة: دينا عربيا. # قوله تعالى: { ولئن اتبعت أهواءهم } فيه قولان: # أحدهما: في صلاتك إلى بيت المقدس { بعد ما جاءك من العلم } أن قبلتك ~~الكعبة، قاله ابن السائب. # والثاني: في قبول ما دعوك إليه من ملة آبائك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { مالك من الله من ولي } أي: مالك من عذاب الله من قريب ~~ينفعك { ولا واق } يقيك. ### || [13.38] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك... } الآية، سبب نزولها أن ~~اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة التزويج، وقالوا: لو ~~كان نبيا كما يزعم، شغلته النبوة عن تزويج النساء، فنزلت هذه الآية، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الآية: أن الرسل قبلك كانوا بشرا لهم ~~أزواج، يعني النساء، وذرية، يعني: الأولاد. { وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله } أي: بأمره، وهذا جواب للذين اقترحوا عليه الآيات. # قوله تعالى: { لكل أجل كتاب } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لكل أجل من آجال الخلق كتاب عند الله، قاله الحسن. # والثاني: أنه من المقدم والمؤخر، والمعنى: لكل كتاب ينزل من السماء ~~أجل. قاله الضحاك والفراء. # والثالث: لكل أجل قدره الله عز وجل، ولكل أمر قضاه، كتاب أثبت فيه، ~~ولا تكون آية ولا غيرها إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، هذا معنى ms1056 قول ~~ابن جرير. ### || [13.39] # قوله تعالى: { يمحو الله ما يشاء ويثبت } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وعاصم: «ويثبت» ساكنة الثاء خفيفة الباء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «ويثبت» مشددة الباء مفتوحة الثاء. قال أبو علي: المعنى: ~~ويثبته، فاستغنى بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني. # واختلف المفسرون في المراد بالذي يمحو ويثبت على ثمانية أقوال: # أحدها: أنه عام، في الرزق، والأجل، والسعادة. والشقاوة، وهذا مذهب عمر، ~~وابن مسعود، وأبي وائل، والضحاك، وابن جريج. # والثاني: أنه الناسخ والمنسوخ، فيمحو المنسوخ، ويثبت الناسخ، روى هذا ~~المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، ~~والقرظي، وابن زيد. وقال ابن قتيبة: «يمحو الله ما يشاء» أي: ينسخ من ~~القرآن ما يشاء «ويثبت» أي: يدعه ثابتا لا ينسخه، وهو المحكم. # والثالث: أنه يمحو ما يشاء، ويثبت، إلا الشقاوة والسعادة، والحياة ~~والموت، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، ودليل هذا القول، ما روى مسلم في ~~«صحيحه» من حديث حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة، يقول الملك الموكل: أذكر ~~أم أنثى؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، فيقول: أشقي، أم سعيد؟ فيقضي ~~الله، ويكتب الملك، فيقول: عمله وأجله؟ فيقضي الله، ويكتب الملك، ثم ~~تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها ". # والرابع: يمحو ما يشاء ويثبت، إلا الشقاوة والسعادة لا يغيران، قاله ~~مجاهد. # والخامس: يمحو من جاء أجله، ويثبت من لم يجىء أجله، قاله الحسن. # والسادس: يمحو من ذنوب عباده ما يشاء فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا ~~يغفرها، روي عن سعيد بن جبير. # والسابع: يمحو ما يشاء بالتوبة، ويثبت مكانها حسنات، قاله عكرمة. # والثامن: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه ~~ثواب وعقاب، قاله الضحاك، وأبو صالح. وقال ابن السائب: القول كله ~~يكتب، حتى إذا كان في يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا ~~عقاب، مثل قولك: أكلت، شربت، ms1057 دخلت، خرجت، ونحوه، وهو صادق، ويثبت ما ~~فيه الثواب والعقاب. # قوله تعالى: { وعنده أم الكتاب } قال الزجاج: أصل الكتاب. قال ~~المفسرون: وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث وروى أبو ~~الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ~~ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت " # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان، كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ~~ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء. ### || [13.40] # قوله تعالى: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } أي: من العذاب وأنت ~~حي أو { نتوفينك } قبل أن نريك ذلك، فليس عليك إلا أن تبلغ، { ~~وعلينا الحساب } قال مقاتل: يعني الجزاء. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ~~أن قوله: «فإنما عليك البلاغ» نسخ بآية السيف وفرض الجهاد، وبه قال ~~قتادة. ### || [13.41] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } فيه خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه ما يفتح الله على نبيه من الأرض، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال الحسن، والضحاك. قال مقاتل: «أولم يروا» يعني: كفار مكة «أنا ~~نأتي الأرض» يعني: أرض مكة «ننقصها من أطرافها» يعني: ما حولها. # والثاني: أنها القرية تخرب حتى تبقى الأبيات في ناحيتها، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والثالث: أنه نقص أهلها وبركتها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال ~~الشعبي: نقص الأنفس والثمرات. # والرابع: أنه ذهاب فقهائها وخيار أهلها، رواه عطاء عن ابن عباس. # والخامس: أنه موت أهلها، قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة. # قوله تعالى: { والله يحكم لا معقب لحكمه } قال ابن قتيبة: لا يتعقبه ~~أحد بتغيير ولا نقص. وقد شرحنا معنى سرعة الحساب في سورة [البقرة: 202]. ### || [13.42] # قوله تعالى: { وقد مكر الذين من قبلهم } يعني: كفار الأمم الخالية، ~~مكروا بأنبيائهم يقصدون قتلهم، كما مكرت قريش برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليقتلوه. { فلله المكر جميعا } يعني: أن مكر الماكرين مخلوق له، ms1058 ~~ولا يضر إلا بإرادته؛ وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتسكين له. { يعلم ماتكسب كل نفس } من خير وشر، ولا يقع ضرر إلا بإذنه. ~~{ وسيعلم الكافر } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «وسيعلم الكافر». قال ~~ابن عباس: يعني: أبا جهل. وقال الزجاج: الكافر هاهنا: اسم جنس. وقرأ ~~عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «الكفار» على الجمع. # قوله تعالى: { لمن عقبى الدار } أي: لمن الجنة آخر الأمر. ### || [13.43] # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا } فيهم قولان: # أحدهما: أنهم اليهود والنصارى. والثاني: كفار قريش. { قل كفى بالله ~~شهيدا } أي: شاهدا { بيني وبينكم } بما أظهر من الآيات، وأبان من ~~الدلالات على نبوتي. # قوله تعالى: { ومن عنده علم الكتاب } فيه سبعة أقوال: # أحدها: أنهم علماء اليهود والنصارى، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه عبد الله بن سلام، قاله الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وابن زيد، ~~وابن السائب، ومقاتل. # والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحق، منهم عبد الله بن ~~سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري، قاله قتادة. # والرابع: أنه جبريل عليه السلام، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: أنه علي بن أبي طالب، قاله ابن الحنفية. # والسادس: أنه بنيامين، قاله شمر. # والسابع: أنه الله تعالى، روي عن الحسن، ومجاهد، واختاره الزجاج واحتج ~~له بقراءة من قرأ: «ومن عنده علم الكتاب» وهي قراءة ابن ~~السميفع، وابن أبي عبلة، ومجاهد، وأبي حيوة. ورواية ابن أبي سريج عن ~~الكسائي: «ومن» بكسر الميم «عنده» بكسر الدال «علم» بضم الميم ~~وكسر اللام وفتح الميم «الكتاب» بالرفع. وقرأ الحسن «ومن» بكسر الميم ~~«عنده» بكسر الدال «علم» بكسر العين وضم الميم «الكتاب» مضاف، ~~كأنه قال: أنزل من علم الله عز وجل. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-2] # قوله تعالى: { الر } قد سبق بيانه [يونس: 1]. وقوله: { كتاب } قال ~~الزجاج: المعنى: هذا كتاب، والكتاب، القرآن. # وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أن الظلمات: الضلالة، والنور: الهدى، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: أن الظلمات: الشك، ms1059 والنور: اليقين، ذكره الماوردي. # وفي قوله: { بإذن ربهم } ثلاثة أقوال: # أحدها: بأمر ربهم، قاله مقاتل. # والثاني: بتوفيق ربهم، قاله أبو سليمان. # والثالث: أنه الإذن نفسه، فالمعنى: بما أذن لك من تعليمهم، قاله ~~الزجاج، قال: ثم بين ما النور، فقال: { إلى صراط العزيز الحميد } ~~قال ابن الأنباري: وهذا مثل قول العرب: جلست إلى زيد، إلى العاقل ~~الفاضل، وإنما تعاد «إلى» بمعنى التعظيم للأمر، قال الشاعر: # إذا خدرت رجلي تذكرت من لها # فناديت لبنى باسمها ودعوت # دعوت التي لو أن نفسي تطيعني # لألقيتها من حبها وقضيت # فأعاد «دعوت» لتفخيم الأمر. # قوله تعالى: { الله الذي له ما في السموات } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي: «الحميد الله» على البدل. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وأبان، والمفضل: «الحميد. الله» رفعا على الاستئناف، وقد سبق ~~بيان ألفاظ الآية. ### || [14.3-6] # قوله تعالى: { الذين يستحبون الحياة الدنيا } أي: يؤثرونها { على ~~الآخرة } قال ابن عباس: يأخذون ما تعجل لهم منها تهاونا بأمر الآخرة. # قوله تعالى: { ويصدون عن سبيل } أي: يمنعون الناس من الدخول في ~~دينه، { ويبغونها عوجا } قد شرحناه في [آل عمران:99]. # قوله تعالى: { أولئك في ضلال } أي: في ذهاب عن الحق { بعيد } من الصواب. # قوله تعالى: { إلا بلسان قومه } أي: بلغتهم. قال ابن الأنباري: ومعنى ~~اللغة عند العرب: الكلام المنطوق به، وهو مأخوذ من قولهم: لغا الطائر ~~يلغو: إذا صوت في الغلس. وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، ~~والجحدري: «إلا بلسن قومه» برفع اللام والسين من غير ألف. وقرأ ~~أبو الجوزاء، وأبو عمران: «بلسن قومه» بكسر اللام وسكون السين من غير ~~ألف. # قوله تعالى: { ليبين لهم } أي: الذي أرسل به فيفهمونه عنه. وهذا ~~نزل، لأن قريشا قالوا: ما بال الكتب كلها أعجمية، وهذا عربي! # قوله تعالى: { أن أخرج قومك } قال الزجاج: «أن» مفسر، والمعنى: قلنا ~~له: أخرج قومك. وقد سبق بيان الظلمات والنور [البقرة:257]. # وفي قوله: { وذكرهم بأيام الله } ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نعم الله، رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وبه قال ms1060 مجاهد، وقتادة، وابن قتيبة. # والثاني: أنها وقائع الله في الأمم قبلهم، قاله ابن زيد، وابن السائب، ~~ومقاتل. # والثالث: أنها أيام نعم الله عليهم وأيام نقمه ممن كفر من قوم نوح ~~وعاد وثمود، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { إن في ذلك } يعني: التذكير { لآيات لكل صبار } على ~~طاعة الله وعن معصيته { شكور } لأنعمه. والصبار: الكثير الصبر، ~~والشكور: الكثير الشكر، وإنما خصه بالآيات، لانتفاعه بها. وما بعد ~~هذا مشروح في سورة [البقرة:49]. ### || [14.7-14] # قوله تعالى: { وإذ تأذن ربكم } مذكور في [الأعراف: 167]. # وفي قوله: { لئن شكرتم لأزيدنكم } ثلاثة أقوال: # أحدها: لئن شكرتم نعمي لأزيدنكم من طاعتي، قاله الحسن. # والثاني: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي، قاله الربيع. # والثالث: لئن وحدتموني لأزيدنكم خيرا في الدنيا، قاله مقاتل. # وفي قوله: { ولئن كفرتم } قولان. # أحدهما: أنه كفر بالتوحيد. والثاني: كفران النعم. # قوله تعالى: { فإن الله لغني حميد } أي: غني عن خلقه، محمود في ~~أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل. # قوله تعالى: { لا يعلمهم إلا الله } قال ابن الأنباري: أي: لا يحصي ~~عددهم إلا هو، على أن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت ~~أخبارهم، وعفت آثارهم، فليس يعلمهم أحد إلا الله. # قوله تعالى: { فردوا أيديهم في أفواههم } فيه سبعة أقوال: # أحدها: أنهم عضوا أصابعهم غيظا، قاله ابن مسعود، وابن زيد. وقال ابن ~~قتيبة: «في» هاهنا بمعنى: «إلى» ومعنى الكلام: عضوا عليها حنقا ~~وغيظا، كما قال الشاعر: # يردون في فيه عشر الحسود # يعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر، ونحوه قول ~~الهذلي: # قد افنى أنامله أزمه # فأضحى يعض علي الوظيفا # يقول: قد أكل أصابعه حتى أفناها بالعض، فأضحى يعض علي وظيف ~~الذارع. # والثاني: أنهم كانوا إذا جاءهم الرسول فقال: إني رسول، قالوا له: ~~اسكت، وأشاروا بأصابعهم إلى أفواه أنفسهم، ردا عليه وتكذيبا، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم لما سمعوا كتاب الله، عجوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل. ردا لقولهم، قاله ms1061 ~~الحسن. # والخامس: أنهم كذبوهم بأفواههم، وردوا عليهم قولهم، قاله مجاهد، ~~وقتادة. # والسادس: أنه مثل، ومعناه: أنهم كفوا عما أمروا بقبوله من الحق، ~~ولم يؤمنوا به. يقال: رد فلان يده إلى فمه، أي: أمسك فلم يجب، قاله ~~أبو عبيدة. # والسابع: ردوا ما لو قبلوه لكان نعما وأيادي من الله، فتكون ~~الأيدي بمعنى: الأيادي، و«في» بمعنى: الباء، والمعنى: ردوا الأيادي ~~بأفواههم ذكره الفراء، وقال: قد وجدنا من العرب من يجعل «في» موضع ~~الباء، فيقول: أدخلك الله بالجنة، يريد: في الجنة، وأنشدني بعضهم: # وأرغب فيها عن لقيط ورهطه # ولكنني عن سنبس لست أرغب # فقال: أرغب فيها، يعني: بنتا له، يريد: أرغب بها، وسنبس: قبيلة. # قوله تعالى: { وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } أي: على زعمكم أنكم ~~أرسلتم، لا أنهم أقروا بإرسالهم. وباقي الآية قد سبق تفسيره [هود: ~~62]. { قالت رسلهم أفي الله شك } هذا استفهام إنكار، والمعنى، لا شك في ~~الله، أي: في توحيده { يدعوكم } بالرسل والكتب { ليغفر لكم من ذنوبكم } ~~قال أبو عبيدة: «من» زائدة، كقوله: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47]، قال أبو ذؤيب: # جزيتك ضعف الحب لما شكوته # وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي # أي: أحد. وقوله: { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وهو الموت، ~~والمعنى: لا يعاجلكم بالعذاب. { قالوا } للرسل { إن أنتم } أي: ما أنتم ~~{ إلا بشر مثلنا } أي: ليس لكم علينا فضل، والسلطان: الحجة. قالت ~~الرسل: { إن نحن إلا بشر مثلكم } فاعترفوا لهم بذلك، { ولكن الله ~~يمن على من يشاء } يعنون: بالنبوة والرسالة، { وما كان لنا أن نأتيكم ~~بسلطان إلا بإذن الله } أي: ليس ذلك من قبل أنفسنا. # قوله تعالى: { وقد هدانا سبلنا } فيه قولان: # أحدهما: بين لنا رشدنا. والثاني: عرفنا طريق التوكل. وإنما قص ~~هذا وأمثاله على نبينا صلى الله عليه وسلم ليقتدي بمن قبله في الصبر ~~وليعلم ما جرى لهم. # قوله تعالى: { لنهلكن الظالمين } يعني: الكافرين بالرسل. وقوله ~~تعالى: { من بعدهم } أي: بعد هلاكهم. { ذلك } الإسكان { لمن خاف مقامي ~~} قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي. قال ms1062 الفراء: العرب قد تضيف ~~أفعالها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقول: قد ندمت على ضربي ~~إياك، وندمت على ضربك، فهذا من ذاك، ومثله # وتجعلون رزقكم # [الواقعة: 82] أي: رزقي إياكم. # قوله تعالى: { وخاف وعيد } أثبت ياء «وعيدي» في الحالين يعقوب، وتابعه ~~ورش في الوصل. ### || [14.15-17] # قوله تعالى: { واستفتحوا } يعني: استنصروا. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، ~~وعكرمة، وحميد، وابن محيصن: «واستفتحوا» بكسر التاء على الأمر. وفي ~~المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم الرسل، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنهم الكفار، واستفتاحهم: سؤالهم العذاب، كقولهم: # ربنا عجل لنا قطنا # [ص: 16] وقولهم: # إن كان هذا هو الحق من عندك... # الآية [الأنفال:32]، هذا قول ابن زيد. # قوله تعالى: { وخاب كل جبار عنيد } قال ابن السائب: خسر عند الدعاء، ~~وقال مقاتل: خسر عند نزول العذاب، وقال أبو سليمان الدمشقي: يئس من ~~الإجابة. وقد شرحنا معنى الجبار والعنيد في [هود: 59]. # قوله تعالى: { من ورائه جهنم } فيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى القدام، قال ابن عباس، يريد: أمامه جهنم. وقال أبو ~~عبيدة: «من ورائه» أي: قدامه وأمامه، يقال: الموت من ورائك، وأنشد: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي # وقومي تميم والفلاة ورائيا # والثاني: أنها بمعنى: «بعد»، قال ابن الأنباري: «من ورائه» أي: من بعد ~~يأسه، فدل «خاب» على اليأس، فكنى عنه، وحملت «وراء» على معنى: «بعد» ~~كما قال النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب # أراد: ليس بعد الله مذهب. قال الزجاج: والوراء يكون بمعنى الخلف ~~والقدام، لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك، ~~قال الشاعر: # أليس ورائي إن تراخت منيتي # لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # قال: وليس الوراء من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة. وسئل ثعلب: لم ~~قيل: الوراء للأمام؟ فقال: الوراء: اسم لما توارى عن عينك، سواء أكان ~~أمامك أو خلفك. وقال الفراء: إنما يجوز هذا في المواقيت من الأيام ~~والليالي والدهر، تقول: وراءك برد شديد، وبين يديك برد شديد. ولا يجوز أن ~~تقول للرجل وهو بين يديك: ms1063 هو وراءك، ولا للرجل: وراءك: هو بين يديك. # قوله تعالى: { ويسقى من ماء صديد } قال عكرمة، ومجاهد، واللغويون: ~~الصديد: القيح والدم، قاله قتادة، وهو ما يخرج من بين جلد الكافر ~~ولحمه. # وقال القرظي: هو غسالة أهل النار، وذلك مايسيل من فروج الزناة. وقال ~~ابن قتيبة: المعنى: يسقى الصديد مكان الماء، قال: ويجوز أن يكون على ~~التشبيه، أي: ما يسقى ماء كأنه صديد. # قوله تعالى: { يتجرعه } والتجرع: تناول المشروب جرعة جرعة، لا في ~~مرة واحدة، وذلك لشدة كراهته له، وإنما يكرهه على شربه. # قوله تعالى: { ولا يكاد يسيغه } قال الزجاج: لا يقدر على ابتلاعه، ~~تقول: ساغ لي الشيء، وأسغته. وروى أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا ~~شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره ". # قوله تعالى: { ويأتيه الموت } أي: هم الموت وكربه وألمه { من كل مكان ~~} وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من كل شعرة في جسده، رواه عطاء عن ابن عباس. وقال سفيان الثوري: ~~من كل عرق. وقال ابن جريج: تتعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه ~~فتموت، ولا ترجع إلى مكانها فتجد راحة. # والثاني: من كل جهة، من فوقه وتحته، وعن يمينه وشماله، وخلفه وقدامه، ~~قاله ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتا، قاله ~~الأخفش. # قوله تعالى: { وما هو بميت } أي: موتا تنقطع معه الحياة. { ومن ورائه ~~} أي: من بعد هذا العذاب. قال ابن السائب: من بعد الصديد { عذاب غليظ }. ~~وقال إبراهيم التيمي: بعد الخلود في النار. والغليظ: الشديد. ### || [14.18] # قوله تعالى: { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد } قال الفراء: أضاف ~~المثل إليهم، وإنما المثل للأعمال، فالمعنى: مثل أعمال الذين ~~كفروا. ومثله: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة # [الزمر 60]، أي: ترى وجوههم. وجعل العصوف تابعا لليوم في إعرابه، ~~وإنما العصوف للريح، وذلك جائز على جهتين: # إحداهما: أن العصوف، وإن كان للريح، فإن اليوم يوصف به، ms1064 لأن الريح فيه ~~تكون، فجاز أن تقول: يوم عاصف كما تقول: يوم بارد، ويوم حار. # والوجه الآخر: أن تريد: في يوم عاصف الريح، فتحذف الريح، لأنها قد ~~ذكرت في أول الكلام، كما قال الشاعر: # ويضحك عرفان الدروع جلودنا # إذا كان يوم مظلم الشمس كاسف # يريد: كاسف الشمس. وروي عن سيبويه أنه قال: في هذه الآية إضمار، ~~والمعنى: ومما نقص عليك مثل الذين كفروا، ثم ابتدأ فقال: «أعمالهم ~~كرماد». وقرأ النخعي، وابن يعمر، والجحدري: «في يوم عاصف» بغير تنوين ~~اليوم. # قال المفسرون: ومعنى الآية: أن كل ما يتقرب به المشركون يحبط ولا ~~ينتفعون به، كالرماد الذي سفته الريح فلا يقدر على شيء منه، فهم لا ~~يقدرون مما كسبوا في الدنيا على شيء في الآخرة، أي: لايجدون ثوابه، { ذلك ~~هو الضلال البعيد } من النجاة. ### || [14.19-20] # قوله تعالى: { ألم تر } فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: ألم تخبر، قاله ابن السائب. # والثاني: ألم تعلم، قاله مقاتل، وأبو عبيدة. # قوله تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق } قال المفسرون: أي: لم يخلقهن ~~عبثا، وإنما خلقهن لأمر عظيم. { إن يشأ يذهبكم } قال ابن عباس: ~~يريد: يميتكم يا معشر الكفار ويخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع، وهذا ~~خطاب لأهل مكة. # قوله تعالى: { وما ذلك على الله بعزيز } أي: بممتنع متعذر. ### || [14.21] # قوله تعالى: { وبرزوا لله جميعا } لفظه لفظ الماضي، ومعناه المستقبل، ~~والمعنى: خرجوا من قبورهم يوم البعث، واجتمع التابع والمتبوع، { فقال ~~الضعفاء } وهم الأتباع { للذين استكبروا } وهم المتبوعون. { إنا كنا ~~لكم تبعا } قال الزجاج: هو جمع تابع، يقال: تابع وتبع، مثل: غائب ~~وغيب، والمعنى: تبعناكم فيما دعوتمونا إليه. # قوله تعالى: { فهل أنتم مغنون عنا } أي: دافعون عنا { من عذاب الله من ~~شيء }. قال القادة: { لو هدانا الله } أي: لو أرشدنا في الدنيا ~~لأرشدناكم، يريدون: أن الله أضلنا فدعوناكم إلى الضلال، { سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا } قال ابن زيد: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: ~~تعالوا نبكي ونضرع، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم، ~~فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك ms1065 لا ينفعهم، قالوا: تعالوا نصبر، ~~فانما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، فصبروا صبرا لم ير مثله قط، فلم ~~ينفعهم ذلك، فعندها قالوا: «سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص» ~~وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم قال: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة ~~سنة. وقال مقاتل: جزعوا خمس مائة عام، وصبروا خمس مائة عام. وقد شرحنا ~~معنى المحيص في سورة [النساء:121]. ### || [14.22-23] # قوله تعالى: { وقال الشيطان } قال المفسرون: يعني به إبليس، { لما قضي ~~الأمر } أي: فرغ منه، فدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فحينئذ ~~يجتمع أهل النار باللوم على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا ويقول: { ~~إن الله وعدكم وعد الحق } أي: وعدكم كون هذا اليوم فصدقكم { ~~ووعدتكم } أنه لا يكون { فأخلفتكم } الوعد { وما كان لي عليكم من سلطان ~~} أي: ما أظهرت لكم حجة على ما ادعيت. وقال بعضهم: ما كنت أملككم ~~فأكرهكم { إلا أن دعوتكم } وهذا من الاستثناء المنقطع، والمعنى: لكن ~~دعوتكم { فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } حيث أجبتموني من غير ~~برهان، { ما أنا بمصرخكم } أي: بمغيثكم { وما أنتم بمصرخي } أي: ~~بمغيثي. قرأ حمزة «بمصرخي» فحرك الياء إلى الكسر، وحركها ~~الباقون إلى الفتح. قال قطرب: هي لغة في بني يربوع، يعني: قراءة حمزة. ~~قال اللغويون: يقال: استصرخني فلان فأصرخته، أي: استغاثني فأغثته. { إني ~~كفرت } اليوم بإشراككم إياي في الدنيا مع الله في الطاعة، { إن ~~الظالمين } يعني: المشركين. # قوله تعالى: { بإذن ربهم } أي: بأمر ربهم. وقوله: { تحيتهم فيها سلام } ~~قد ذكرناه في [يونس:10]. ### || [14.24-25] # قوله تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا } قال المفسرون: ألم تر بعين ~~قلبك فتعلم باعلامي إياك كيف ضرب الله مثلا، أي: بين شبها، { كلمة ~~طيبة } قال ابن عباس: هي شهادة أن لا إله إلا الله. { كشجرة طيبة } أي: ~~طيبة الثمرة، فترك ذكر الثمرة اكتفاء بدلالة الكلام عليه. وفي هذه الشجرة ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها النخلة، وهو في «الصحيحين» من حديث ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد رواه سعيد بن ms1066 جبير عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، ~~وأنس بن مالك، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك في آخرين. # والثاني: أنها شجرة في الجنة، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. # والثالث: أنها المؤمن، وأصله الثابت أنه يعمل في الأرض ويبلغ عمله ~~السماء. وقوله: { تؤتي أكلها كل حين } فالمؤمن يذكر الله كل ساعة من ~~النهار، رواه عطية عن ابن عباس. # قوله تعالى: { أصلها ثابت } أي: في الأرض، { وفرعها } أعلاها عال { في ~~السماء } أي: نحو السماء، وأكلها: ثمرها. وفي الحين هاهنا ستة أقوال: # أحدها: أنه ثمانية أشهر، قاله علي عليه السلام. # والثاني: ستة أشهر، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وعكرمة، وقتادة. # والثالث: أنه بكرة وعشية، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. # والرابع: أنه السنة، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مجاهد، وابن زيد. # والخامس: أنه شهران، قاله سعيد بن المسيب. # والسادس: أنه غدوة وعشية وكل ساعة، قاله ابن جرير. # فمن قال: ثمانية أشهر، أشار إلى مدة حملها باطنا وظاهرا، ومن قال: ~~ستة أشهر، فهي مدة حملها إلى حين صرامها، ومن قال: بكرة وعشية، أشار ~~إلى الاجتناء منها، ومن قال: سنة، أشار إلى أنها لاتحمل في السنة ~~إلا مرة، ومن قال: شهران، فهو مدة صلاحها. قال ابن المسيب: لا يكون ~~في النخلة أكلها إلا شهرين. ومن قال: كل ساعة، أشار إلى أن ثمرتها ~~تؤكل دائما. قال قتادة: تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف. قال ابن جرير: ~~الطلع في الشتاء من أكلها، والبلح والبسر والرطب والتمر في الصيف. # فأما الحكمة في تمثيل الإيمان بالنخلة، فمن أوجه: # أحدها: أنها شديدة الثبوت، فشبه ثبات الإيمان في قلب المؤمن بثباتها. # والثاني: أنها شديدة الارتفاع، فشبه ارتفاع عمل المؤمن بارتفاع ~~فروعها. # والثالث: أن ثمرتها تأتي كل حين، فشبه ما يكسب المؤمن من بركة ~~الإيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين على اختلاف ~~صنوفها، فالمؤمن كلما قال: لا إله إلا الله، صعدت إلى السماء، ثم ~~جاءه خيرها ومنفعتها. # والرابع: أنها أشبه الشجر بالإنسان، فإن ms1067 كل شجرة يقطع رأسها تتشعب ~~غصونها من جوانبها، إلا هي، إذا قطع رأسها يبست، ولأنها لاتحمل حتى ~~تلقح، ولأنها فضلة تربة آدم عليه السلام فيما يروى. ### || [14.26] # قوله تعالى: { ومثل كلمة خبيثة } قال ابن عباس هي الشرك. # وقوله: { كشجرة خبيثة } فيها خمسة أقوال: # أحدها: أنها الحنظلة، رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وبه قال أنس، ومجاهد. # والثاني: أنها الكافر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وروى العوفي عنه ~~أنه قال: الكافر لا يقبل عمله، ولا يصعد إلى الله تعالى، فليس له أصل ~~في الأرض ثابت، ولا فرع في السماء. # والثالث: أنها الكشوثى رواه الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: أنه مثل، وليست بشجرة مخلوقة، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. # والخامس: أنها الثوم، روي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: { اجتثت } قال ابن قتيبة: استؤصلت وقطعت. قال الزجاج: ~~ومعنى اجتثثت الشي في اللغة: أخذت جثته بكمالها. # وفي قوله: { مالها من قرار } قولان: # أحدهما: ما لها من أصل، لم تضرب في الأرض عرقا. # والثاني: ما لها من ثبات. # ومعنى تشبيه الكافر بهذه الشجرة أنه لا يصعد للكافر عمل صالح، ولا قول ~~طيب، ولا لقوله أصل ثابت. ### || [14.27] # قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا } أي: يثبتهم على الحق بالقول ~~الثابت، وهو شهادة أن لا إله إلا الله. قوله تعالى: { في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة } فيه قولان: # أحدهما: أن الحياة الدنيا: زمان الحياة على وجه الأرض، والآخرة: زمان ~~المساءلة في القبر، وإلى هذا المعنى ذهب البراء بن عازب، وفيه أحاديث ~~تعضده. # والثاني: أن الحياة الدنيا: زمن السؤال في القبر، والآخرة: السؤال في ~~القيامة، وإلى هذا المعنى ذهب طاووس، وقتادة. قال المفسرون: هذه الآية ~~وردت في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله تعالى للمؤمنين كلمة ~~الحق عند السؤال، وتثبيته إياه على الحق. { ويضل الله الظالمين } ~~يعنى: المشركين، يضلهم عن هذه الكلمة، { ويفعل الله ما يشاء } من هداية ~~المؤمن وإضلال الكافر. ### || [14.28-29] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ms1068 كفرا } في المشار ~~إليهم سبعة أقوال: # أحدها: أنهم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، روي عن عمر بن ~~الخطاب، وعلي بن أبي طالب. # والثاني: أنهم منافقو قريش، رواه أبو الطفيل عن علي. # والثالث: بنو أمية، وبنو المغيرة، ورؤساء أهل بدر الذين ساقوا أهل بدر ~~إلى بدر، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أهل مكة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والخامس: المشركون من أهل بدر، قاله جاهد، وابن زيد. # والسادس: أنهم الذين قتلوا ببدر من كفار قريش، قاله سعيد بن جبير، وأبو ~~مالك. # والسابع: أنها عامة في جميع المشركين، قاله الحسن. قال المفسرون: ~~وتبديلهم نعمة الله كفرا، أن الله أنعم عليهم برسوله، وأسكنهم حرمه، ~~فكفروا بالله وبرسوله، ودعوا قومهم إلى الكفر به، فذلك قوله: { ~~وأحلوا قومهم دار البوار } أي: الهلاك. ثم فسر الدار بقوله: { جهنم ~~يصلونها } أي: يقاسون حرها { وبئس القرار } أي: بئس المقر هي. ### || [14.30] # قوله تعالى: { وجعلوا لله أندادا } قد بيناه في سورة [البقرة:22]، ~~واللام في «ليضلوا» لام العاقبة، وقد سبق شرحها [ يونس:88]، ومن قرأ ~~«ليضلوا» بضم الياء، أراد: ليضلوا الناس عن دين الله. # قوله تعالى: { قل تمتعوا } أي: في حياتكم الدنيا، وهذا وعيد لهم. قال ~~ابن عباس: لو كان الكافر مريضا لا ينام، جائعا لا يأكل ولا يشرب، لكان ~~هذا نعيما يتمتع به بالقياس إلى ما يصير إليه من العذاب، ولو كان ~~المؤمن في أنعم عيش، لكان بؤسا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة. ### || [14.31-36] # قوله تعالى: { قل لعبادي الذين آمنوا } أسكن ابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~ياء «عبادي». # قوله تعالى: { يقيموا الصلاة } قاله ابن الأنباري: معناه: قل لعبادي: ~~أقيموا الصلاة وأنفقوا، يقيموا وينفقوا، فحذف الأمران، وترك الجوابان، ~~قال الشاعر: # فأي امرىء أنت أي امرىء # إذا قيل في الحرب من يقدم # أراد: إذا قيل: من يقدم تقدم. ويجوز أن يكون المعنى: قل لعبادي ~~أقيموا الصلاة، وأنفقوا، فصرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر. ويجوز أن ~~يكون المعنى: قل لهم ليقيموا الصلاة، ولينفقوا، فحذف لام ms1069 الأمر، لدلالة ~~«قل» عليها. قال ابن قتيبة: والخلال مصدر خاللت فلانا خلالا ~~ومخالة، والاسم الخلة، وهي الصداقة. # قوله تعالى: { وسخر لكم الأنهار } أي: ذللها، تجري حيث تريدون، ~~وتركبون فيها حيث تشاؤون. { وسخر لكم الشمس والقمر } لتنتفعوا بهما ~~وتستضيئوا بضوئهما { دائبين } في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا ~~يفتران. ومعنى الدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه. { وسخر ~~لكم الليل } لتسكنوا فيه، راحة لأبدانكم، { والنهار } لتنتفعوا بمعاشكم، ~~{ وآتاكم من كل ما سألتموه } وفيه خمسة أقوال: # أحدها: أن المعنى: من كل الذي سألتموه، قاله الحسن، وعكرمة. # والثاني: من كل ما سألتموه، لو سألتوه، قاله الفراء. # والثالث: وآتاكم من كل شيء سألتموه شيئا، فأضمر الشيء، كقوله: # وأوتيت من كل شيء # [النمل 23] أي، من كل شيء في زمانها شيئا، قاله الأخفش. # والرابع: من كل ما سألتموه، وما لم تسألوه، لأنكم لم تسألوا شمسا ولا ~~قمرا ولا كثيرا من النعم التي ابتدأ كم بها، فاكتفي بالأول من ~~الثاني، كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل 81]، قاله ابن الأنباري. # والخامس: على قراءة ابن مسعود، وأبي رزين، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ~~وأبان عن عاصم، وأبي حاتم عن يعقوب: «من كل ما» بالتنوين من غير ~~إضافة، فالمعنى: آتاكم من كل ما لم تسألوه، قاله قتادة، والضحاك. # قوله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله } أي: إنعامه { لا تحصوها } لا ~~تطيقوا الإتيان على جميعها بالعد لكثرتها. { إن الإنسان } قال ابن ~~عباس: يريد أبا جهل. وقال الزجاج: الإنسان اسم للجنس يقصد به الكافر ~~خاصة. # قوله تعالى: { لظلوم كفار } الظلوم هاهنا: الشاكر غير من أنعم ~~عليه، والكفار: الجحود لنعم الله تعالى. قوله تعالى: { اجعل هذا ~~البلد آمنا } قد سبق تفسيره في سورة [البقرة:126]. # قوله تعالى: { واجنبني وبني } أي: جنبني وإياهم، والمعنى: ثبتني ~~على اجتناب عبادتها. { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } يعني: الأصنام، ~~وهي لا توصف بالإضلال ولا بالفعل، ولكنهم لما ضلوا بسببها، كانت كأنها ~~أضلتهم. { فمن تبعني } أي: على ديني التوحيد { فإنه مني } أي: فهو ~~على ملتي، { ومن عصاني فإنك غفور رحيم ms1070 } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ومن عصاني ثم تاب فانك غفور رحيم، قاله السدي. # والثاني: ومن عصاني فيما دون الشرك، قاله مقاتل بن حيان. # والثالث: ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم أن تتوب عليه فتهديه إلى ~~التوحيد، قاله مقاتل بن سليمان. وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون دعا ~~بهذا قبل أن يعلمه الله تعالى أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه. ### || [14.37] # قوله تعالى: { ربنا إني أسكنت من ذريتي } في «من» قولان. # أحدهما: أنها للتبعيض، قاله الأخفش، والفراء. # والثاني: أنها للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { بواد غير ذي زرع } يعني: مكة، ولم يكن فيها حرث ولا ماء. ~~عند { بيتك المحرم } إنما سمي محرما، لأنه يحرم استحلال حرماته ~~والاستخفاف بحقه. # فإن قيل: ما وجه قوله: { عند بيتك المحرم } ولم يكن هناك بيت حينئذ، ~~إنما بناه إبراهيم بعد ذلك بمدة؟ فالجواب من ثلاثة وجوه. # أحدها: أن الله تعالى حرم موضع البيت منذ خلق السموات والأرض، قاله ~~ابن السائب. # والثاني: عند بيتك الذي كان قبل أن يرفع أيام الطوفان. # والثالث: عند بيتك الذي قد جرى في سابق علمك أنه يحدث هاهنا، ذكرهما ابن ~~جرير. وكان أبو سليمان الدمشقي يقول: ظاهر الكلام يدل على أن هذا الدعاء ~~إنما كان بعد أن بني البيت وصارت مكة بلدا. والمفسرون على خلاف ما ~~قال. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن إبراهيم خرج من الشام ومعه ابنه ~~إسماعيل وأمه هاجر ومعه جبريل حتى قدم مكة وبها ناس يقال لهم: ~~العماليق، خارجا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فقال إبراهيم ~~لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم؛ فأنزلهما في مكان من ~~الحجر، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشا، ثم قال: { ربنا إني أسكنت من ~~ذريتي... } الآية. وفتح أهل الحجاز، وأبو عمرو ياء «إني أسكنت». # قوله تعالى: { ربنا ليقيموا الصلاة } في متعلق هذه اللام قولان: # أحدهما: أنها تتعلق بقوله: { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } ، ~~فالمعنى: جنبهم الأصنام ليقيموا الصلاة، هذا قول مقاتل. # والثاني: أنها تتعلق بقوله: ms1071 { أسكنت } ، فالمعنى: أسكنتهم عند بيتك ~~ليقيموا الصلاة، لأن البيت قبلة الصلوات، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { فاجعل أفئدة من الناس } أي: قلوب جماعة من الناس. قال ابن ~~الأنباري: وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة، لقرب القلب من الفؤاد ~~ومجاورته، قال امرؤ القيس: # رمتني بسهم أصاب الفؤاد # غداة الرحيل فلم أنتصر # وقال آخر: # كأن فؤادي كلما مر راكب # جناح غراب رام نهضا إلى وكر # وقال آخر: # وإن فؤادا قادني لصبابة # إليك على طول الهوى لصبور # يعنون بالفؤاد: القلب. # قوله تعالى: { تهوي إليهم } قال ابن عباس: تحن إليهم. وقال قتادة: ~~تنزع إليهم وقال الفراء: تريدهم، كما تقول: رأيت فلانا يهوي نحوك، أي: ~~يريدك. وقرأ بعضهم: «تهوى إليهم» بمعنى: تهواهم، كقوله: # ردف لكم # [النمل 72] أي: ردفكم. «وإلى» توكيد للكلام. وقال ابن الأنباري: «تهوي ~~إليهم»: تنحط إليهم وتنحدر. وفي معنى هذا الميل قولان: # أحدهما: أنه الميل إلى الحج، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه حب سكنى مكة، رواه عطية عن ابن عباس. وروى سعيد ابن ~~جبير عن ابن عباس قال: لو كان إبراهيم قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي ~~إليهم، لحجه اليهود والنصارى، ولكنه قال: من الناس. ### || [14.38] # قوله تعالى: { ربنا إنك تعلم ما نخفي } قال أبو صالح عن ابن عباس: ما ~~نخفي من الوجد بمفارقة إسماعيل، وما نعلن من الحب له. قال المفسرون: ~~إنما قال هذا لما نزل إسماعيل الحرم، وأراد فراقه. ### || [14.39-40] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر } أي: بعد الكبر { ~~إسماعيل وإسحاق } قال ابن عباس: ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين، ~~وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. # قوله تعالى: { ربنا وتقبل دعائي } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~وهبيرة عن حفص عن عاصم: «وتقبل دعائي» بياء في الوصل. وقال البزي عن ~~ابن كثير: يصل ويقف بياء. وقال قنبل عن ابن كثير: يشم الياء في ~~الوصل، ولا يثبتها، ويقف عليها بالألف. الباقون «دعاء» بغير ياء في ~~الحالين. قال أبو علي: الوقف والوصل بياء هو القياس، والإشمام جائز، ~~لدلالة الكسرة على ms1072 الياء. ### || [14.41] # قوله تعالى: { ربنا اغفر لي ولوالدي } قال ابن الأنباري: استغفر ~~لأبويه وهما حيان، طمعا في أن يهديا إلى الإسلام. وقيل: أراد ~~بوالديه: آدم، وحواء. وقرأ ابن مسعود، وأبي، والنخعي، والزهري: ~~«ولولدي» يعني: إسماعيل وإسحاق، يدل عليه ذكرهما قبل ذلك. وقرأ ~~مجاهد: «ولوالدي» على التوحيد. وقرأ عاصم الجحدري: «ولولدي» بضم ~~الواو. وقرأ يحيى بن يعمر، والجوني: «ولولدي» بفتح الواو وكسر الدال ~~على التوحيد. { يوم يقوم الحساب } أي: يظهر الجزاء على الأعمال. وقيل: ~~معناه: يوم يقوم الناس للحساب، فاكتفي بذكر الحساب من ذكر الناس إذ ~~كان المعنى مفهوما. ### || [14.42-43] # قوله تعالى: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } قال ابن ~~عباس: هذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم. # قوله تعالى: { إنما يؤخرهم } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~رزين، وقتادة: «نؤخرهم» بالنون، أي: يؤخر جزاءهم { ليوم تشخص فيه ~~الأبصار } أي: تشخص أبصار الخلائق لظهور الأحوال فلا تغتمض. قوله تعالى: ~~{ مهطعين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الإهطاع: النظر من غير أن يطرف الناظر، رواه العوفي عن ~~ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، وأبو الضحى. # والثاني: أنه الإسراع، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأبو ~~عبيدة. وقال ابن قتيبة: يقال: أهطع البعير في سيره، واستهطع: إذا أسرع. # وفي ما أسرعوا إليه قولان. أحدهما: إلى الداعي، قاله قتادة. والثاني: ~~إلى النار، قاله مقاتل. # والثالث: أن المهطع: الذي لا يرفع رأسه، قاله ابن زيد. وفي قوله: { ~~مقنعي رؤوسهم } قولان: # أحدهما: رافعي رؤوسهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد ~~بن جبير، وقتادة، وأبو عبيدة، وأنشد أبو عبيدة: # أنغض نحوي رأسه وأقنعا # كأنما أبصر شيئا أطمعا # وقال ابن قتيبة: المقنع رأسه: الذي رفعه وأقبل بطرفه على ما بين يديه. ~~وقال الزجاج: رافعي رؤوسهم، ملتصقة بأعناقهم. «ومهطعين مقنعي رؤوسهم» ~~نصب على الحال، المعنى: ليوم تشخص فيه أبصارهم مهطعين. # والثاني: ناكسي رؤوسهم، حكاه الماوردي عن المؤرج. # قوله تعالى: { لا يرتد إليهم طرفهم } أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من ~~شدة النظر، فهي شاخصة. قال ابن قتيبة: والمعنى: أن ms1073 نظرهم إلى شيء واحد. ~~قال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد إلى أحد. # قوله تعالى: { وأفئدتهم هواء } الأفئدة: مساكن القلوب. وفي معنى الكلام ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن القلوب خرجت من مواضعها فصارت في الحناجر، رواه عطاء عن ابن ~~عباس. وقال قتادة: خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم، فأفئدتهم هواء ~~ليس فيها شيء. # والثاني: وأفئدتهم ليس فيها شيء من الخير، فهي كالخربة، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. # والثالث: وأفئدتهم منخرقة لا تعي شيئا، قاله مرة بن شراحيل. وقال ~~الزجاج: متخرقة لا تعي شيئا من الخوف. # والرابع: وأفئدتهم جوف لا عقول لها، قاله أبو عبيدة، وأنشد لحسان: # ألا أبلغ أبا سفيان عني # فأنت مجوف نخب هواء # فعلى هذا يكون المعنى: أن قلوبهم خلت عن العقول، لما رأوا من الهول. ~~والعرب تسمي كل أجوف خاو: هواء. قال ابن قتيبة: ويقال: أفئدتهم ~~منخوبة من الخوف والجبن. ### || [14.44] # قوله تعالى: { وأنذر الناس } أي: خوفهم { يوم يأتيهم العذاب } يعني ~~به: يوم القيامة؛ وإنما خصه بذكر العذاب، وإن كان فيه ثواب، لأن ~~الكلام خرج مخرج التهديد للعصاة، قال ابن عباس: يريد بالناس هاهنا: أهل ~~مكة. # قوله تعالى: { فيقول الذين ظلموا } أي: أشركوا { ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب } أي: أمهلنا مدة يسيرة. وقال مقاتل: سألوا الرجوع إلى الدنيا، ~~لأن الخروج من الدنيا قريب. { نجب دعوتك } يعني: التوحيد، فيقال لهم: ~~{ أولم تكونوا أقسمتم من قبل } أي: حلفتم في الدنيا أنكم لا تبعثون ~~ولا تنتقلون من الدنيا إلى الآخرة. ### || [14.45] # قوله تعالى: { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } أي: نزلتم في ~~أماكنهم وقراهم، كالحجر ومدين، والقرى التي عذب أهلها. ومعنى ~~«ظلموا أنفسهم» أي: ضروها بالكفر والمعصية. { وتبين لكم } وقرأ أبو ~~عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل الناجي «وتبين» بضم التاء. { كيف ~~فعلنا بهم } يعني: كيف عذبناهم، يقول: فكان ينبغي لكم أن تنزجروا عن ~~المخالفة اعتبارا بمساكنهم بعدما علمتم فعلنا بهم، { وضربنا لكم ~~الأمثال } قال ابن عباس: يريد الأمثال التي في القرآن. ### || [14.46-47] # قوله تعالى: { وقد مكروا مكرهم ms1074 } في المشار إليهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، قال: لا أنتهي حتى أنظر ~~إلى السماء، فأمر بفرخي نسر فربيا حتى سمنا واستعلجا، ثم أمر بتابوت ~~فنحت، ثم جعل في وسطه خشبة، وجعل على رأس الخشبة لحما شديد الحمرة، ثم ~~جوعهما وربط أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت. ودخل هو وصاحب له في ~~التابوت وأغلق بابه، ثم أرسلهما، فجعلا يريدان اللحم، فصعدا في السماء ~~ما شاء الله، ثم قال لصاحبه: افتح وانظر ماذا ترى؟ ففتح، فقال: أرى الأرض ~~كأنها الدخان، فقال له: أغلق، ثم صعد ما شاء الله، ثم قال: افتح ~~فانظر، ففتح، فقال: ما أرى إلا السماء، وما نزداد منها إلا بعدا، ~~قال: فصوب خشبتك، فصوبها، فانقضت النسور تريد اللحم، فسمعت الجبال ~~هدتها، فكادت تزول عن مراتبها. هذا قول علي ابن أبي طالب. وفي رواية ~~عنه: كانت النسور أربعة. وروى السدي عن أشياخه: أنه مازال يصعد إلى ~~أن رأى الأرض يحيط بها بحر، فكأنها فلكة في ماء، ثم صعد حتى وقع في ~~ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع، فصوب اللحم، فانقضت ~~النسور، فلما نزل أخذ في بناء الصرح. وروي عن ابن عباس أنه بنى الصرح، ثم ~~صعد منه مع النسور، فلما لم يقدر على السماء، اتخذه حصنا، فأتى الله ~~بنيانه من القواعد، وقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس ~~والنشاب، فرمى بسهم فعاد إليه ملطخا بالدم، فقال: كفيت إله ~~السماء، وذلك من دم سمكة في بحر معلق في الهواء، فلما هاله الارتفاع، ~~قال لصاحبه: صوب الخشبة، فصوبها، فانحطت النسور، فظنت الجبال أنه ~~أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها. وقال غيره: لما رأت الجبال ذلك، ~~ظنت أنه قيام الساعة، فكادت تزول، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير، ~~وأبو مالك. # والقول الثاني: أنه بختنصر، وأن هذه القصة له جرت، وأن النسور لما ~~ارتفعت تطلب اللحم إلى حيث شاء الله، نودي: يا أيها الطاغية، أين تريد؟ ~~ففرق، ثم سمع الصوت ms1075 فوقه، فنزل، فلما رأت الجبال ذلك، ظنت أنه قيام ~~الساعة فكادت تزول، وهذا قول مجاهد. # والثالث: أن المشار إليهم الأمم المتقدمة. قال ابن عباس، وعكرمة: ~~مكرهم: شركهم. # والرابع: أنهم الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم حين هموا ~~بقتله وإخراجه. # وفي قوله: { وعند الله مكرهم } قولان: # أحدهما: أنه محفوظ عنده حتى يجازيهم به، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: وعند الله جزاء مكرهم. # قوله تعالى: { وإن كان مكرهم } وقرأ أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ~~وأبي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية: «وإن كاد مكرهم» بالدال. # { لتزول منه الجبال }. وقرأ الأكثرون «لتزول» بكسر اللام الأولى من ~~«لتزول» وفتح الثانية. أراد: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي: هو ~~أضعف وأوهن، كذلك فسرها الحسن البصري. وقرأ الكسائي «لتزول» بفتح اللام ~~الأولى وضم الثانية، أراد: قد كادت الجبال تزول من مكرهم، كذلك فسرها ابن ~~الأنباري. # وفي المراد بالجبال قولان: # أحدهما: أنها الجبال المعروفة، قاله الجمهور. # والثاني: أنها ضربت مثلا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وثبوت دينه ~~كثبوت الجبال الراسية والمعنى: لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبال، لما ~~زال أمر الإسلام، قاله الزجاج. # قال أبو علي: ويدل على صحة هذا قوله: { فلا تحسبن الله مخلف ~~وعده رسله } أي: فقد وعدك الظهور عليهم. قال ابن عباس: يريد بوعده: ~~النصر والفتح وإظهار الدين. { إن الله عزيز } أي: منيع { ذو انتقام } ~~من الكافرين، وهو أن يجازيهم بالعقوبة على كفرهم. ### || [14.48] # { يوم تبدل الأرض غير الأرض } وروى أبان «يوم نبدل» بالنون وكسر ~~الدال «الأرض» بالنصب، «والسموات» بخفض التاء، ولا خلاف في نصب «غير». # وفي معنى تبديل الأرض قولان: # أحدهما: أنها تلك الأرض، وإنما يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها ~~وجبالها وأوديتها وشجرها، وتمد مد الأديم، روى هذا المعنى أبو صالح ~~عن ابن عباس. وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # " يوم تبدل الأرض غير الأرض، قال: ببسطها ويمدها مد الأديم ". # والثاني: أنها تبدل بغيرها. ثم فيه أربعة أقوال. أحدها: أنها تبدل ~~بأرض غيرها بيضاء كالفضة ms1076 لم يعمل عليها خطيئة، رواه عمرو بن ميمون عن ~~ابن مسعود، وعطاء عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: أنها تبدل نارا، قاله أبي بن كعب. # والثالث: أنها تبدل بأرض من فضة، قاله أنس بن مالك. # والرابع: تبدل بخبزة بيضاء، فيأكل المؤمن من تحت قدميه، قاله أبو ~~هريرة، وسعيد بن جبير، والقرظي. وقال غيرهم: يأكل منها أهل الإسلام حتى ~~يفرغ من حسابهم. # فأما تبديل السموات، ففيه ستة أقوال: # أحدها: أنها تجعل من ذهب، قاله علي عليه السلام. # والثاني: أنها تصير جنانا، قاله أبي بن كعب. # والثالث: أن تبديلها: تكوير شمسها وتناثر نجومها، قاله ابن عباس. # والرابع: أن تبديلها: اختلاف أحوالها، فمرة كالمهل، ومرة تكون ~~كالدهان، قاله ابن الأنباري. # والخامس: أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتاب. # والسادس: أن تنشق فلا تظل، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: { وبرزوا لله الواحد القهار } أي: خرجوا من القبور. ### || [14.49-51] # قوله تعالى: { وترى المجرمين } يعني: الكفار { مقرنين } يقال: قرنت ~~الشيء إلى الشيء: إذا وصلته به. # وفي معنى «مقرنين» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم يقرنون مع الشياطين، قاله ابن عباس. # والثاني: أن أيديهم وأرجلهم قرنت إلى رقابهم، قاله ابن زيد. # والثالث: يقرن بعضهم إلى بعض، قاله ابن قتيبة. # وفي الأصفاد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الأغلال، قاله ابن عباس، وابن زيد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ~~والزجاج، وابن الأنباري. # والثاني: القيود والأغلال، قاله قتادة. # والثالث: القيود، قاله أبو سليمان الدمشقي. # فأما السرابيل، فقال أبو عبيدة: هي القمص، واحدها سربال. وقال ~~الزجاج: السربال: كل ما لبس. وفي القطران ثلاث لغات: فتح القاف ~~وكسر الطاء، وفتح القاف مع تسكين الطاء، وكسر القاف مع تسكين الطاء. وفي ~~معناه قولان: # أحدهما: أنه النحاس المذاب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنه قطران الإبل، قاله الحسن، وهو شيء يتحلب من شجر ~~تهنأ به الإبل. قال الزجاج: وإنما جعل لهم القطران، لأنه يبالغ ~~في اشتعال النار في الجلود، ولو أراد الله تعالى المبالغة في إحراقهم ~~بغير ذلك لقدر، ولكنه حذرهم ما يعرفون حقيقته. وقرأ ms1077 ابن عباس، وأبو ~~رزين، وأبو مجلز، وعكرمة، وقتادة، وابن أبي عبلة، وأبو حاتم عن يعقوب: ~~«من قطر» بكسر القاف وسكون الطاء والتنوين «آن» بقطع الهمزة وفتحها ~~ومدها. والقطر: النحاس، وآن: قد انتهى حره. # قوله تعالى: { وتغشى وجوههم النار } أي: تعلوها. واللام في { ليجزي ~~} متعلقة بقوله: { وبرزوا } ### || [14.52] # قوله تعالى: { هذا بلاغ للناس } في المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه القرآن. والثاني: الإنذار. والبلاغ: الكفاية. قال مقاتل: ~~والمراد بالناس: أهل مكة. # قوله تعالى: { ولينذروا به } أي: أنزل لينذروا به، وليعلموا بما فيه ~~من الحجج { أنما هو إله واحد وليذكر } أي: وليتعظ { أولو الألباب } ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1] # قوله تعالى: { الر تلك آيات الكتاب } قد سبق بيانه [يونس: 1]. # قوله تعالى: { وقرآن مبين } فيه قولان: # أحدهما: أن القرآن هو الكتاب، جمع له بين الاسمين. # والثاني: أن الكتاب: هو التوراة والإنجيل، والقرآن: كتابنا. وقد ذكرنا ~~في أول (يوسف) معنى المبين. ### || [15.2] # قوله تعالى: { ربما } وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة ~~والكسائي «ربما» مشددة. وقرأ نافع، وعاصم، وعبد الوارث «ربما» ~~بالتخفيف. قال الفراء: أسد وتميم يقولون: «ربما» بالتشديد، وأهل ~~الحجاز وكثير من قيس يقولون: «ربما» بالتخفيف. وتيم الرباب يقولون: ~~«ربما» بفتح الراء. وقيل: إنما قرئت بالتخفيف، لما فيها من التضعيف ~~والحروف، المضاعفة قد تحذف، نحو «إن» و «لكن» فإنهم قد خففوها. قال ~~الزجاج: يقولون: رب رجل جاءني، ورب رجل جاءني، وأنشد: # أزهير إن يشب القذال فإنني # رب هيضل مرس لففت بهيضل # هذا البيت لأبي كبير الهذلي، وفي ديوانه: # رب هيضل لجب لففت بهيضل # والهيضل: جمع هيضلة، وهي الجماعة يغزى بهم يقول: لففتهم بأعدائهم ~~في القتال. و «رب» كلمة موضوعة للتقليل، كما أن «كم» للتكثير، وإنما ~~زيدت «ما» مع «رب» ليليها الفعل، تقول: رب رجل جاءني، وربما جاءني ~~زيد. وقال الأخفش: أدخل مع «رب» ما، ليتكلم بالفعل بعدها، وإن شئت ~~جعلت «ما» بمنزلة «شيء»، فكأنك قلت: رب شيء، أي: رب ود يوده ~~الذين كفروا. وقال أبو سليمان الدمشقي: «ما» هاهنا بمعنى «حين»، فالمعنى: ~~رب حين ms1078 يودون فيه. واختلف المفسرون متى يقع هذا من الكفار، على ~~قولين: أحدهما: أنه في الآخرة. ومتى يكون ذلك؟ فيه أربعة أقوال. أحدها: ~~أنه إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، ~~قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى ~~عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا ~~بها؛ فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا ~~فلما رأى ذلك الكفار، قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما أخرجوا، ~~رواه أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب إليه ابن عباس ~~في رواية وأنس بن مالك، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، وإبراهيم. ~~والثاني: أنه ما يزال الله يرحم ويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين ~~فليدخل الجنة، فذلك حين يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، رواه مجاهد ~~عن ابن عباس. والثالث: أن الكفار إذا عاينوا القيامة، ودوا لو كانوا ~~مسلمين، ذكره الزجاج. والرابع: أنه كلما رأى أهل الكفر حالا من أحوال ~~القيامة يعذب فيها الكافر ويسلم من مكروهها المؤمن، ودوا ذلك، ذكره ~~ابن الأنباري. والقول الثاني: أنه في الدنيا إذا عاينوا وتبين لهم ~~الضلال من الهدى وعلموا مصيرهم، ودوا ذلك، قاله الضحاك. # فإن قيل: إذا قلتم: إن «رب» للتقليل، وهذه الآية خارجة مخرج ~~الوعيد، فإنما يناسب الوعيد تكثير ما يتواعد به؟ فعنه ثلاثة أجوبة ~~ذكرها ابن الأنباري: أحدهن: أن «ربما» تقع على التقليل والتكثير، كما يقع ~~الناهل على العطشان والريان، والجون على الأسود والأبيض. # والثاني: أن أهوال القيامة وما يقع بهم من الأهوال تكثر عليهم، فإذا ~~عادت إليهم عقولهم، ودوا ذلك. والثالث: أن هذا الذي خوفوا به، لو ~~كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب، أو كان الإنسان يخاف ~~الندم إذا حصل فيه ولا يتيقنه، لوجب عليه اجتنابه. # فإن قيل: كيف جاء بعد «ربما» مستقبل، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي، ~~تقول: ربما لقيت عبد الله؟ فالجواب: أن ما وعد الله حق، ms1079 ~~فمستقبله بمنزلة الماضي، يدل عليه قوله: # وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم # [المائدة 116] وقوله: # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف:44] # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت # [سبأ 51]، على أن الكسائي والفراء حكيا عن العرب أنهم يقولون: ربما يندم ~~فلان، قال الشاعر: # ربما تجزع النفوس من الأم # ر له فرجة كحل العقال ### || [15.3] # قوله تعالى: { ذرهم يأكلوا } أي: دع الكفار يأخذوا حظوظهم في الدنيا، { ~~ويلههم الأمل } أي: ويشغلهم ما يأملون في الدنيا عن أخذ حظهم من ~~الإيمان والطاعة { فسوف يعلمون } إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا، ~~وهذا وعيد وتهديد، وهذه الآية عند المفسرين منسوخه بآية السيف. ### || [15.4-5] # قوله تعالى: { وما أهلكنا من قرية } أي: ما عذبنا من أهل قرية { إلا ~~ولها كتاب معلوم } أي أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر عنه. { ما تسبق ~~من أمة أجلها } «من» صلة، والمعنى: ما تتقدم وقتها الذي قدر لها ~~بلوغه، ولا تستأخر عنه. قال الفراء: إنما قال: «أجلها» لأن الأمة ~~لفظها مؤنث، وإنما قال: «يستأخرون» إخراجا له على معنى الرجال. ### || [15.6-8] # قوله تعالى: { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر } قال مقاتل: ~~نزلت في عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، ~~والوليد بن المغيرة، قال ابن عباس: والذكر: القرآن. وإنما قالوا هذا ~~استهزاء، لو أيقنوا أنه نزل عليه الذكر، ما قالوا: { إنك لمجنون ~~}. قال أبو علي الفارسي: وجواب هذه الآية في سورة أخرى في قوله: # ما أنت بنعمة ربك بمجنون # [القلم 2]. # قوله تعالى: { لو ما تأتينا } قال الفراء: «لوما» و«لولا» لغتان ~~معناهما: هلا، وكذلك قال أبو عبيدة: هما بمعنى واحد، وأنشد لابن مقبل: # لوما الحياء ولوما الدين عبتكما # ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري # قال المفسرون: إنما سألوا الملائكة ليشهدوا له بصدقه، وأن الله أرسله، ~~فأجابهم الله تعالى بقوله: { ماتنزل الملائكة إلا بالحق } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «ما تنزل» بالتاء المفتوحة ~~«الملائكة» بالرفع. وروى أبو بكر عن عاصم «ما تنزل» بضم التاء على ما ~~لم يسم فاعله. وقرأ حمزة، ms1080 والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف «ما ننزل» ~~بالنون والزاي المشددة «الملائكة» نصبا. # وفي المراد بالحق أربعة أقوال: # أحدها: أنه العذاب إن لم يؤمنوا، قاله الحسن. # والثاني: الرساله، قاله مجاهد. # والثالث: قبض الأرواح عند الموت، قاله ابن السائب. # والرابع: أنه القرآن، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { وما كانوا } يعني: المشركين { إذا منظرين } أي: عند ~~نزول الملائكة إذا نزلت. ### || [15.9] # قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر } من عادة الملوك إذا فعلوا ~~شيئا، قال أحدهم: نحن فعلنا، يريد نفسه وأتباعه، ثم صار هذا عادة للملك ~~في خطابه، وإن انفرد بفعل الشيء، فخوطبت العرب بما تعقل من كلامها. ~~والذكر: القرآن، في قول جميع المفسرين. # وفي هاء «له» قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الذكر، قاله الأكثرون. قال قتادة: أنزله الله ~~ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا، ولاينقص منه حقا. # والثاني: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: { وإنا له ~~لحافظون } من الشياطين والأعداء، لقولهم: «إنك لمجنون»، هذا قول ابن ~~السائب، ومقاتل. ### || [15.10] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك } يعني: رسلا، فحذف المفعول، ~~لدلالة الإرسال عليه. والشيع: الفرق، وحكي عن الفراء أنه قال: ~~الشيعة. الأمة المتابعة بعضها بعضا فيما يجتمعون عليه من أمر. ### || [15.11] # قوله تعالى: { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن } هذا تعزية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن كل نبي قبلك كان مبتلى ~~بقومه كما ابتليت. ### || [15.12-13] # قوله تعالى: { كذلك نسلكه } في المشار إليه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الشرك، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. # والثاني: أنه الاستهزاء، قاله قتادة. # والثالث: التكذيب، قاله ابن جريج، والفراء. # ومعنى الآية: كما سلكنا في قلوب شيع الأولين، ندخل في قلوب هؤلاء ~~التكذيب فلا يؤمنوا. ثم أخبر عن هؤلاء المشركين، فقال: { لايؤمنون به }. ~~وفي المشار إليه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الرسول. # والثاني: القرآن. # والثالث: العذاب. # قوله تعالى: { وقد خلت سنة الأولين } فيه قولان: # أحدهما: مضت سنة الله في إهلاك المكذبين. # والثاني: مضت سنتهم بتكذيب الأنبياء. ### || [15.14-15] # قوله تعالى: { ولو فتحنا عليهم ms1081 بابا من السماء } يعني: كفار مكة { ~~فظلوا فيه يعرجون } أي: يصعدون، يقال: ظل يفعل كذا: إذا فعله ~~بالنهار. # وفي المشار إليهم بهذا الصعود قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة، قاله ابن عباس، والضحاك، فالمعنى: لو كشف عن ~~أبصار هؤلاء فرأوا بابا مفتوحا في السماء والملائكة تصعد فيه، لما ~~آمنوا به. # والثاني: أنهم المشركون، قاله الحسن، وقتادة، فيكون المعنى: لو ~~وصلناهم إلى صعود السماء، لم يستشعروا إلا الكفر، لعنادهم. # قوله تعالى: { لقالوا إنما سكرت أبصارنا } قرأ الأكثرون بتشديد الكاف. ~~وقرأ ابن كثير، وعبد الوارث بتخفيفها. قال الفراء: ومعنى القراءتين ~~متقارب، والمعنى: حبست، من قولهم: سكرت الريح، إذا سكنت وركدت. ~~وقال أبو عمرو بن العلاء: معنى «سكرت» بالتخفيف، مأخوذ من سكر ~~الشراب، يعني: أن الأبصار حارت، ووقع بها من فساد النظر مثل مايقع بالرجل ~~السكران من تغير العقل. قال ابن الأنباري: إذا كان هذا كان معنى ~~التخفيف، فسكرت، بالتشديد، يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد مرة. وقال ~~أبو عبيد: «سكرت» بالتشديد، من السكور التي تمنع الماء الجرية، ~~فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء من الجري. ~~وقال الزجاج: «سكرت» بالتشديد، فسروها: أغشيت، «وسكرت» بالتخفيف: ~~تحيرت وسكنت عن أن تنظر، والعرب تقول: سكرت الريح تسكر: ~~إذا سكنت. وروى العوفي عن ابن عباس: «إنما سكرت أبصارنا» قال: أخذ ~~بأبصارنا وشبه علينا، وإنما سحرنا. وقال مجاهد: «سكرت» سدت ~~بالسحر، فيتماثل لأبصارنا غير ما ترى. ### || [15.16-18] # قوله تعالى: { ولقد جعلنا في السماء بروجا } في البروج ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بروج الشمس والقمر، أي: منازلهما، قاله ابن عباس، وأبوعبيدة ~~في آخرين. قال ابن قتيبة: وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، ~~والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، ~~والدلو، والحوت. # والثاني: أنها قصور، روي عن ابن عباس أيضا. وقال عطية: هي قصور في ~~السماء فيها الحرس. وقال ابن قتيبة: أصل البروج: الحصون. # والثالث: أنها الكواكب، قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل. قال أبو صالح: هي ~~النجوم العظام. قال قتادة: سميت بروجا، لظهورها. # قوله تعالى: { وزيناها } أي: حسناها بالكواكب. # وفي المراد ms1082 بالناظرين قولان. أحدهما: أنهم المبصرون. والثاني: ~~المعتبرون. # قوله تعالى: { وحفظناها من كل شيطان رجيم } أي: حفظناها أن يصل إليها ~~شيطان أو يعلم من أمرها شيئا إلا استراقا، ثم يتبعه الشهاب. والرجيم ~~مشروح في [آل عمران:36]. # واختلف العلماء: هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث نبينا صلى ~~الله عليه وسلم، أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنها لم ترم حتى بعث صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى: ~~مذكور في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد أخرج في «الصحيحين» من ~~حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر ~~السماء، وأرسلت عليهم الشهب»، وظاهر هذا الحديث أنها لم تكن قبل ذلك. ~~قال الزجاج: ويدل على أنها إنما كانت بعد مولد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن شعراء العرب الذين يمثلون بالبرق والأشياء المسرعة، لم يوجد في ~~أشعارها ذكر الكواكب المنقضة، فلما حدثت بعد مولد نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، استعملت الشعراء ذكرها، فقال ذو الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية # مسوم في سواد الليل منقضب # والثاني: أنه قد كان ذلك قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فروى مسلم في ~~«صحيحه» من حديث علي بن الحسين عن ابن عباس قال: # " بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه، إذ رمي بنجم، ~~فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية»؟ قالوا ~~كنا نقول: يموت عظيم، أو يولد عظيم، قال: «فإنها لا يرمى بها لموت أحد ~~ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرا، سبح حملة العرش، ثم سبح ~~أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء، ثم يستخبر ~~أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر ~~أهل كل سماء أهل سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن ~~ويرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون» " # وروي ms1083 عن ابن عباس أن الشاطين كانت لا تحجب عن السموات، فلما ولد عيسى، ~~منعت من ثلاث سموات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، منعوا ~~من السموات كلها. وقال الزهري: قد كان يرمى بالنجوم قبل مبعث رسول ~~الله، ولكنها غلظت حين بعث صلى الله عليه وسلم، وهذا مذهب ابن قتيبة، ~~قال: وعلى هذا وجدنا الشعر القديم، قال بشر بن أبي خازم، وهو جاهلي: # والعير يرهقها الغبار وجحشها # ينقض خلفهما انقضاض الكوكب # وقال أوس بن حجر، وهو جاهلي: # فانقض كالدريء يتبعه # نقع يثور تخاله طنبا # قوله تعالى: { إلا من استرق السمع } أي: اختطف ما سمعه من كلام ~~الملائكة. قال ابن فارس: استرق السمع: إذا سمع مستخفيا. { فأتبعه } أي: ~~لحقه { شهاب مبين } قال ابن قتيبة: كوكب مضيء. وقيل: «مبين» بمعنى: ظاهر ~~يراه أهل الأرض. وإنما يسترق الشيطان ما يكون من أخبار الأرض، فأما وحي ~~الله عز وجل، فقد صانه عنهم. # واختلفوا، هل يقتل الشهاب، أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنه يحرق ويخبل ولا يقتل، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنه يقتل، قاله الحسن. فعلى هذا القول، هل يقتل الشيطان قبل ~~أن يخبر بما سمع، فيه قولان: # أحدهما: أنه يقتل قبل ذلك، فعلى هذا، لاتصل أخبار السماء إلى غير ~~الأنبياء. قال ابن عباس: ولذلك انقطعت الكهانة. # والثاني: أنه يقتل بعد إلقائه ما سمع إلى غيره من الجن، ولذلك ~~يعودون إلى الاستراق، ولو لم يصل، لقطعوا الاستراق. ### || [15.19-20] # قوله تعالى: { والأرض مددناها } أي: بسطناها على وجه الماء { وألقينا ~~فيها رواسي } وهي الجبال الثوابت { وأنبتنا فيها } في المشار إليها ~~قولان: # أحدهما: أنها الأرض، قاله الأكثرون. # والثاني: الجبال، قاله الفراء. # وفي قوله: { ومن كل شيء موزون } قولان: # أحدهما: أن الموزون: المعلوم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد ~~ابن جبير، والضحاك. وقال مجاهد، وعكرمة في آخرين: الموزون: المقدور. فعلى ~~هذا يكون المعنى: معلوم القدر كأنه قد وزن، لأن أهل الدنيا لما ~~كانوا يعلمون قدر الشيء بوزنه، أخبر الله تعالى عن هذا أنه معلوم القدر ms1084 ~~عنده بأنه موزون. وقال الزجاج: المعنى: أنه جرى على وزن من قدر الله ~~تعالى، لا يجاوز ما قدره الله تعالى عليه، ولا يستطيع خلق زيادة ~~فيه ولا نقصانا. # والثاني: أنه عنى به الشيء الذي يوزن كالذهب، والفضة، والرصاص، ~~والحديد، والكحل، ونحو ذلك، وهذا المعنى مروي عن الحسن، وعكرمة، وابن ~~زيد، وابن السائب، واختاره الفراء. # قوله تعالى: { وجعلنا لكم فيها معايش } في المشار إليها قولان: # أحدهما: أنها الأرض. # والثاني: أنها الأشياء التي أنبتت. والمعايش جمع معيشة. والمعنى: جعلنا ~~لكم فيها أرزاقا تعيشون بها. # وفي قوله تعالى: { ومن لستم له برازقين } أربعة أقوال: # أحدها: أنه الدواب والأنعام، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثاني: الوحوش، رواه منصور عن مجاهد. وقال ابن قتيبة: الوحش، والطير، ~~والسباع، وأشباه ذلك مما لا يرزقه ابن آدم. # والثالث: العبيد والإماء، قاله الفراء. # والرابع: العبيد، والأنعام، والدواب، قاله الزجاج. قال الفراء: و «من» ~~في موضع نصب، فالمعنى: جعلنا لكم فيها المعايش، والعبيد، والإماء. ~~ويقال: إنها في موضع خفض، فالمعنى: جعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له ~~برازقين. # وقال الزجاج: المعنى: جعلنا لكم الدواب، والعبيد، وكفيتم مؤونة ~~أرزاقها. # فإن قيل: كيف قلتم: إن «من» هاهنا للوحوش والدواب، وإنما تكون لمن ~~يعقل؟ فالجواب: أنه لما وصفت الوحوش وغيرها بالمعاش الذي الغالب عليه أن ~~يوصف به الناس، فيقال: للآدمي معاش، ولا يقال: للفرس معاش، جرت مجرى ~~الناس، كما قال: # يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل 18]، وقال: # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف 4]، وقال: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء:33]، وإن قلنا: أريد به العبيد، والوحوش، فإنه إذا اجتمع ~~الناس وغيرهم، غلب الناس على غيرهم، لفضيلة العقل والتمييز. ### || [15.21] # قوله تعالى: { وإن من شيء } أي: وما من شيء { إلا عندنا خزائنه } وهذا ~~الكلام عام في كل شيء. وذهب قوم من المفسرين إلى أن المراد به المطر ~~خاصة، فالمعنى عندهم: وما من شيء من المطر إلا عندنا خزائنه، أي: في ~~حكمنا وتدبيرنا، { وما ننزله } كل عام { إلا بقدر معلوم } لايزيد ~~ولا ينقص، فما من عام أكثر ms1085 مطرا من عام، غير أن الله تعالى يصرفه إلى ~~من يشاء، ويمنعه من يشاء. ### || [15.22-23] # قوله تعالى: { وأرسلنا الرياح لواقح } وقرأ حمزة؛ وخلف: «الريح». وكان ~~أبو عبيدة يذهب إلى أن «لواقح» بمعنى ملاقح، فسقطت الميم منه، قال ~~الشاعر: # ليبك يزيد بائس لضراعة # وأشعث ممن طوحته الطوائح # أراد: المطاوح، فحذف الميم، فمعنى الآية عنده: وأرسلنا الرياح ملقحة، ~~فيكون هاهنا فاعل بمعنى مفعل، كما أتى فاعل بمعنى مفعول، كقوله: # ماء دافق # [الطارق 6] أي: مدفوق، و # عيشة راضية # [الحاقة 21 والقارعة 7] أي: مرضية وكقولهم: ليل نائم، أي: منوم ~~فيه، ويقولون: أبقل النبت، فهو باقل، أي: مبقل. قال ابن قتيبة: يريد ~~أبو عبيدة أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب كأنها تنتجه. ولست أدري ~~مااضطره إلى هذا التفسير بهذا الاستكراه وهو يجد العرب تسمي الرياح ~~لواقح، والريح لاقحا، قال الطرماح، وذكر بردا مده على ~~أصحابه في الشمس يستظلون به: # قلق لأفنان الريا # ح للاقح منها وحائل # فاللاقح: الجنوب، والحائل: الشمال، ويسمون الشمال أيضا: عقيما، ~~والعقيم: التي لا تحمل، كما سموا الجنوب لاقحا، قال كثير: # ومر بسفساف التراب عقيمها # يعني: الشمال. وإنما جعلوا الريح لاقحا، أي: حاملا، لأنها تحمل ~~السحاب وتقلبه وتصرفه، ثم تحله فينزل، فهي على هذا حامل، ويدل على ~~هذا قوله: # حتى إذا أقلت سحابا # [الأعراف:57] أي: حملت. قال ابن الأنباري: شبه ما تحمله الريح من الماء ~~وغيره، بالولد التي تشتمل عليه الناقة، وكذلك يقولون: حرب لاقح، لما ~~تشتمل عليه من الشر، فعلى قول أبي عبيدة، يكون معنى «لواقح»: أنها ملقحة ~~لغيرها، وعلى قول ابن قتيبة: أنها لاقحة نفسها، وأكثر الأحاديث تدل على ~~القول الأول. قال عبد الله ابن مسعود: يبعث الله الرياح لتلقح السحاب، ~~فتحمل الماء، فتمجه ثم تمريه، فيدر كما تدر اللقحة. وقال الضحاك: ~~يبعث الله الرياح على السحاب فتلقحه فيمتلىء ماء. قال النخعي: تلقح ~~السحاب ولا تلقح الشجر. وقال الحسن في آخرين: تلقح السحاب والشجر، ~~يعنون أنها تلقح السحاب حتى يمطر والشجر حتى يثمر. # قوله تعالى: { فأنزلنا من السماء } يعني السحاب { ماء ms1086 } يعني المطر { ~~فأسقيناكموه } أي: جعلناه سقيالكم. قال الفراء: العرب مجتمعون على أن ~~يقولوا: سقيت الرجل، فأنا أسقيه: إذا سقيته لشفته، فإذا أجروا ~~للرجل نهرا قالوا: أسقيته وسقيته، وكذلك السقيا من الغيث، قالوا فيها: ~~سقيت وأسقيت. وقال أبو عبيدة: كل ما كان من السماء، ففيه لغتان: أسقاه ~~الله، وسقاه الله، قال لبيد: # سقى قومي بني مجد وأسقى # نميرا والقبائل من هلال # فجاء باللغتين. وتقول: سقيت الرجل ماء وشرابا من لبن وغيره، وليس فيه ~~إلا لغة واحدة بغير ألف، إذا كان في الشفه؛ وإذا جعلت له شربا، ~~فهو: أسقيته، وأسقيت أرضه، وإبله، ولا يكون غير هذا، وكذلك إذا استسقيت ~~له، كقول ذي الرمة: # وقفت على رسم لمية ناقتي # فما زلت أبكي عنده وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد مما أبثه # تكلمني أحجاره وملاعبه # فإذا وهبت له إهابا ليجعله سقاء، فقد أسقيته إياه. # قوله تعالى: { وما أنتم له } يعني: الماء المنزل { بخازنين } وفيه ~~قولان. # أحدهما: بحافظين، أي: ليست خزائنه بأيديكم، قاله مقاتل. # والثاني: بمانعين، قاله سفيان الثوري. # قوله تعالى: { ونحن الوارثون } يعني: أنه الباقي بعد فناء الخلق. ### || [15.24-25] # قوله تعالى: { ولقد علمنا المستقدمين منكم } يقال: استقدم الرجل، بمعنى: ~~تقدم، واستأخر، بمعنى: تأخر. # وفي سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكان بعضهم يستقدم حتى يكون في أول الصف لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى ~~يكون في آخر صف، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~الجوزاء عن ابن عباس. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرض على الصف الأول، فازدحموا ~~عليه، وقال قوم بيوتهم قاصية عن المدينة: لنبيعن دورنا، ولنشترين ~~دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المتقدم، فنزلت هذه الأية؛ ~~ومعناها: إنما تجزون على النيات، فاطمأنوا وسكنوا، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # وللمفسرين في معنى المستقدمين والمستأخرين ثمانية أقوال. # أحدها: التقدم في الصف الأول، والتأخر عنه، وهذا على القولين المذكورين ~~في سبب نزولها، فعلى الأول: هو التقدم للتقوى، والتأخر للخيانة ms1087 ~~بالنظر، وعلى الثاني: هو التقدم لطلب الفضيلة، والتأخر للعذر. # والثاني: أن المستقدمين: من مات، والمستأخرين، من هو حي لم يمت، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وخصيف عن مجاهد، وبه قال عطاء، والضحاك، والقرظي. # والثالث: أن المستقدمين: من خرج من الخلق وكان. والمستأخرين: الذين في ~~أصلاب الرجال، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والرابع: أن المستقدمين: من مضى من الأمم، والمستأخرين: أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والخامس: أن المستقدمين: المتقدمون في الخير، والمستأخرون: المثبطون ~~عنه، قاله الحسن، وقتادة. # والسادس: أن المستقدمين في صفوف القتال، والمستأخرين عنها، قاله الضحاك. # والسابع: أن المستقدمين: من قتل في الجهاد، والمستأخرين: من لم يقتل، ~~قاله القرظي. # والثامن: أن المستقدمين: أول الخلق، والمستأخرين آخر الخلق، قاله ~~الشعبي. ### || [15.26-29] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان } يعني آدم { من صلصال } وفيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه الطين اليابس الذي لم تصبه النار، فإذا نقرته صل، ~~فسمعت له صلصلة، قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثاني: أنه الطين المنتن، قاله مجاهد، والكسائي، وأبو عبيد. ويقال: ~~صل اللحم: إذا تغيرت رائحته. # والثالث: أنه طين خلط برمل، فصار له صوت عند نقره، قاله الفراء. فأما ~~الحمأ، فقال أبو عبيدة: هو جمع حمأة، وهو الطين المتغير. وقال ابن ~~الأنباري: لا خلاف أن الحمأ: الطين الأسود المتغير الريح. وروى السدي ~~عن أشياخه قال: بل التراب حتى صار طينا، ثم ترك حتى أنتن وتغير. # وفي المسنون أربعة أقوال. # أحدها: المنتن أيضا، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة في ~~آخرين. قال ابن قتيبة: المسنون: المتغير الرائحة. # والثاني: أنه الطين الرطب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه المصبوب، قاله أبو عمرو بن العلاء، وأبو عبيد. # والرابع: أنه المحكوك، ذكره ابن الأنباري، قال: فمن قال: المسنون: ~~المنتن، قال: هو من قولهم: قد تسنى الشيء: إذا أنتن، ومنه قوله تعالى: # لم يتسنه # [البقرة 259]، وإنما قيل له: مسنون، لتقادم السنين عليه. ومن قال: ~~الطين الرطب، ms1088 قال: سمي مسنونا، لأنه يسيل وينبسط، فيكون كالماء المسنون ~~المصبوب. ومن قال: المصبوب، احتج بقول العرب: قد سننت علي الماء: إذا ~~صببته. ويجوز أن يكون المصبوب على صورة ومثال، من قوله: رأيت سنة ~~وجهه، أي: صورة وجهه، قال الشاعر: # تريك سنة وجه غير مقرفة # ملساء ليس بها خال ولا ندب # ومن قال: المحكوك، احتج بقول العرب: سننت الحجر على الحجر: إذا حككته ~~عليه. وسمي المسن مسنا، لأن الحديد يحك عليه. قال: وإنما ~~كررت «من» لأن الأولى متعلقة ب «خلقنا»، والثانية متعلقة بالصلصال، ~~تقديره: ولقد خلقنا الإنسان من الصلصال الذي هو من حمأ مسنون. # قوله تعالى: { والجان } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه مسيخ الجن، كما أن القردة والخنازير مسيخ الإنس، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنه أبو الجن، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وروى عنه الضحاك أنه ~~قال: الجان أبو الجن، وليسوا بشياطين، والشياطين ولد إبليس لا يموتون ~~إلا مع إبليس، والجن يموتون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر. # والثالث: أنه إبليس، قاله الحسن، وعطاء، وقتادة، ومقاتل. # فإن قيل: أليس أبو الجن هو إبليس؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنه هو، فيكون هذا القول هو الذي قبله. # والثاني: أن الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، فبينهما إذا فرق ~~على ما ذكرناه عن ابن عباس. قال العلماء: وإنما سمي جانا، لتواريه عن ~~العيون. # قوله تعالى: { من قبل } يعني: قبل خلق آدم { من نار السموم } ، وقال ~~ابن مسعود: من نار الريح الحارة، وهي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. ~~والسموم في اللغة: الريح الحارة وفيها نار، قال ابن السائب: وهي نار ~~لا دخان لها. ### || [15.30-41] # قوله تعالى: { فإذا سويته } أي: عدلت صورته، وأتممت خلقته { ~~ونفخت فيه من روحي } هذه الروح هي التي يحيا بها الإنسان، ولا تعلم ~~ما هيتها، وإنما أضافها إليه، تشريفا لآدم، وهذه إضافة ملك. ~~وإنما سمي إجراء الروح فيه نفخا، لأنها جرت في بدنه على مثل جري الريح ~~فيه. # قوله تعالى: { فقعوا } أمر من الوقوع. وقوله: { كلهم أجمعون } قال فيه ~~سيبويه ms1089 والخليل: هو توكيد بعد توكيد. وقال المبرد: «أجمعون» يدل على ~~اجتماعهم في السجود، فالمعنى: سجدوا كلهم في حالة واحدة. قال ابن ~~الأنباري: وهذا، لأن «كلا» تدل على اجتماع القوم في الفعل، ولا تدل على ~~اجتماعهم في الزمان. قال الزجاج: وقول سيبويه أجود، لأن «أجمعين» معرفة، ~~ولا تكون حالا. # قوله تعالى: { وإن عليك اللعنة } قال المفسرون: معناه: يلعنك أهل ~~السماء والأرض إلى يوم الحساب. قال ابن الأنباري: وإنما قال: { إلى ~~يوم الدين } لأنه يوم له أول وليس له آخر، فجرى مجرى الأبد الذي لا ~~يفنى، والمعنى: عليك اللعنة أبدا. # قوله تعالى: { إلى يوم الوقت المعلوم } يعني: المعلوم بموت الخلائق ~~فيه، فأراد أن يذيقه ألم الموت قبل أن يذيقه العذاب الدائم في جهنم. # قوله تعالى: { لأزينن لهم في الأرض } مفعول التزيين محذوف، والمعنى: ~~لأزينن لهم الباطل حتى يقعوا فيه. { ولأغوينهم } أي: ~~ولأضلنهم. والمخلصون: الذين أخلصوا دينهم لله عن كل شائبة تناقض ~~الإخلاص، وما أخللنا به من الكلمات هاهنا، فقد سبق تفسيرها في ~~[الأعراف:16] وغيرها. # قوله تعالى: { قال هذا صراط علي مستقيم } اختلفوا في معنى هذا الكلام ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يعني بقوله هذا: الإخلاص، فالمعنى: إن الإخلاص طريق ~~إلي مستقيم، و «علي» بمعنى «إلي». # والثاني: هذا طريق علي جوازه، لأني بالمرصاد، فأجازيهم بأعمالهم؛ وهو ~~خارج مخرج الوعيد، كما تقول للرجل تخاصمه: طريقك علي، فهو كقوله: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر 14]. # والثالث: هذا صراط علي استقامته، أي: أنا ضامن لاستقامته بالبيان ~~والبرهان. وقرأ قتادة، ويعقوب: «هذا صراط علي» بكسر اللام ورفع ~~الياء وتنوينها، أي: رفيع. ### || [15.42-44] # قوله تعالى: { إن عبادي } فيهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم المؤمنون. # والثاني: المعصومون، رويا عن قتادة. # والثالث: المخلصون، قاله مقاتل. # والرابع: المطيعون، قاله ابن جرير. فعلى هذه الأقوال، تكون الآية من ~~العام الذي أريد به الخاص. # وفي المراد بالسلطان قولان: # أحدهما: أنه الحجة، قاله ابن جرير، فيكون المعنى: ليس لك حجة في ~~إغوائهم. # والثاني: أنه القهر والغلبة؛ إنما له أن يغر ويزين، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. وسئل سفيان ms1090 بن عيينة عن هذه الآية، فقال: ليس لك عليهم ~~سلطان أن تلقيهم في ذنب يضيق عفوي عنه. # قوله تعالى: { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } يعني: الذين اتبعوه. # قوله تعالى: { لها سبعة أبواب } وهي دركاتها بعضها فوق بعض، قال علي ~~عليه السلام: أبواب جهنم ليست كأبوابكم هذه، ولكنها هكذا وهكذا وهكذا ~~بعضها فوق بعض، ووصف الراوي عنه بيده وفتح أصابعه. قال ابن جرير: لها ~~سبعة أبواب، أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم ~~الجحيم، ثم الهاوية. وقال الضحاك: هي سبعة أدراك بعضها فوق بعض، فأعلاها ~~فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر ذنوبهم ثم يخرجون، والثاني فيه ~~النصارى، والثالث فيه اليهود، والرابع فيه الصائبون، والخامس فيه المجوس، ~~والسادس فيه مشركو العرب، والسابع فيه المنافقون. قال ابن الأنباري: لما ~~اتصل العذاب بالباب، وكان الباب من سببه، سمي باسمه للمجاورة، كتسميتهم ~~الحدث غائطا. # قوله تعالى: { لكل باب منهم } أي: من أتباع إبليس { جزء مقسوم } ~~والجزء: بعض الشيء. ### || [15.45-48] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون } قد شرحنا في سورة [البقرة:2و ~~25] معنى التقوى والجنات. فأما العيون، فهي عيون الماء، والخمر، ~~والسلسبيل، والتسنيم، وغير ذلك مما ذكر أنه من شراب الجنة. # قوله تعالى: { ادخلوها بسلام } المعنى: يقال لهم: ادخلوها بسلام، وفيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: بسلامة من النار. والثاني: بسلامة من كل آفة. والثالث: بتحية من ~~الله. # وفي قوله: { آمنين } أربعة أقوال: # أحدها: آمنين من عذاب الله. والثاني: من الخروج. والثالث: من الموت. ~~والرابع: من الخوف والمرض. # قوله تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } قد ذكرنا تفسيرها في سورة ~~[الأعراف:43] فإن المفسرين ذكروا ما هناك هاهنا من تفسير وسبب نزول. # قوله تعالى: { إخوانا } منصوب على الحال، والمعنى: أنهم متوادون. # فإن قيل: كيف نصب «إخوانا» على الحال، فأوجب ذلك أن التآخي وقع مع نزع ~~الغل، وقد كان التآخي بينهم في الدنيا؟ # فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: ما مضى من التآخي قد كان تشوبه ضغائن ~~وشحناء، وهذا التآخي بينهم الموجود عند نزع الغل هو ms1091 تآخي المصافاة ~~والإخلاص، ويجوز أن ينتصب على المدح، المعنى: اذكر إخوانا. فأما ~~السرر، فجمع سرير، قال ابن عباس: على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد ~~والدر والياقوت، السرير مثل ما بين عدن إلى أيلة، { متقابلين } لا ~~يرى بعضهم قفا بعض، حيثما التفت رأى وجها يحبه يقابله. # قوله تعالى: { لايمسهم فيها نصب } أي: لا يصيبهم في الجنة إعياء ~~وتعب. ### || [15.49-53] # قوله تعالى: { نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم } سبب نزولها ما روى ~~ابن المبارك بإسناد له عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " طلع علينا رسول الله من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، ونحن نضحك، ~~فقال: «ألا أراكم تضحكون؟» ثم أدبر، حتى إذا كان عند الحجر، رجع إلينا ~~القهقرى، فقال: «إني لما خرجت، جاء جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد، ~~يقول الله تعالى: لم تقنط عبادي؟ نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم» " # وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو بتحريك ياء «عبادي» وياء «أني أنا»، ~~وأسكنها الباقون. # قوله تعالى: { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } قد شرحنا القصة في [هود: 69] ~~وبينا هنالك معنى الضيف والسبب في خوفه منهم، وذكرنا معنى الوجل في ~~[الأنفال:2]. # قوله تعالى: { بغلام عليم } أي: إنه يبلغ ويعلم. ### || [15.54-66] # قوله تعالى: { قال أبشرتموني } أي: بالولد { على أن مسني الكبر } ~~أي: على حالة الكبر والهرم { فبم تبشرون } قرأ أبو عمر، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «تبشرون» بفتح النون. وقرأ نافع بكسر ~~النون، ووافقه ابن كثير في كسرها، لكنه شددها. وهذا استفهام تعجب، كأنه ~~عجب من الولد على كبره. { قالوا بشرناك بالحق } أي: بما قضى الله ~~أنه كائن { فلا تكن من القانطين } يعني: الآيسين. { قال ومن يقنط } قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: «ومن يقنط» بفتح النون في ~~جميع القرآن. وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يقنط» بكسر النون. وكلهم قرؤوا # من بعد ماقنطوا # [الشورى:28] بفتح النون. وروى خارجة عن أبي عمرو «ومن يقنط» بضم النون. ~~قال الزجاج: يقال: قنط يقنط، وقنط يقنط، والقنوط بمعنى اليأس، ولم ~~يكن إبراهيم ms1092 قانطا، ولكنه استبعد وجود الولد. { قال فما خطبكم } أي: ما ~~أمركم؟ { قالوا إنا أرسلنا } أي: بالعذاب. وقوله: { إلا آل لوط } ~~استثناء ليس من الأول. فأما آل لوط، فهم أتباعه المؤمنون. # قوله تعالى: { إنا لمنجوهم } قرأ ابن كثير، ونافع وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «لمنجوهم» مشددة الجيم. وقرأ حمزة، والكسائي «لمنجوهم» ~~خفيفة. # قوله تعالى: { إلا امرأته } المعنى: إنا لمنجوهم إلا امرأته { ~~قدرنا } وروى أبو بكر عن عاصم «قدرنا» بالتخفيف، والمعنى واحد، ~~يقال: قدرت وقدرت، والمعنى: قضينا { إنها لمن الغابرين } يعني: ~~الباقين في العذاب. # قوله تعالى: { إنكم قوم منكرون } يعني: لا أعرفكم، { قالوا بل جئناك ~~بما كانوا فيه يمترون } يعنون: العذاب، كانوا يشكون في نزوله. { ~~وأتيناك بالحق } أي: بالأمر الذي لا شك فيه من عذاب قومك. # قوله تعالى: { واتبع أدبارهم } أي: سر خلفهم { وامضوا حيث تؤمرون ~~} أي: حيث يأمركم جبريل. # وفي المكان الذي أمروا بالمضي إليه قولان: # أحدهما: أنه الشام، قاله ابن عباس. والثاني: قرية من قرى قوم لوط، قاله ~~ابن السائب. # قوله تعالى: { وقضينا إليه ذلك الأمر } أي: أوحينا إليه ذلك الأمر، ~~أي: الأمر بهلاك قومه، قال الزجاج: فسر: ما الأمر بباقي الآية، ~~والمعنى: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين. فأما الدابر، فقد سبق ~~تفسيره [الأنعام:45]، والمعنى: إن آخر من يبقى منكم يهلك وقت الصبح. ### || [15.67-71] # قوله تعالى: { وجاء أهل المدينة } وهم قوم لوط، واسمها سدوم، { ~~يستبشرون } بأضياف لوط، طمعا في ركوب الفاحشة، فقال لهم لوط: { إن ~~هؤلاء ضيفي فلا تفضحون } أي: بقصدكم إياهم بالسوء، يقال: فضحه ~~يفضحه: إذا أبان من أمره ما يلزمه به العار، وقد أثبت يعقوب ياء ~~«تفضحون» و«لا تخزون» في الوصل والوقف. # قوله تعالى: { أولم ننهك عن العالمين } أي: عن ضيافة العالمين. # قوله تعالى: { بناتي إن كنتم } حرك ياء «بناتي» نافع، وأبو جعفر. ### || [15.72-77] # قوله تعالى: { لعمرك } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: وحياتك يا محمد، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. # والثاني: لعيشك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الأخفش، ~~وهو يرجع ms1093 إلى معنى الأول. # والثالث: أن معناه: وحقك على أمتك، تقول العرب: لعمر الله لا أقوم، ~~يعنون: وحق الله، ذكره ابن الأنباري. قال: وفي العمر ثلاث لغات. ~~عمر وعمر و عمر، وهو عند العرب: البقاء. وحكى الزجاج أن الخليل ~~وسيبويه وجميع أهل اللغة قالوا: العمر والعمر في معنى واحد، فإذا ~~استعمل في القسم، فتح لا غير، وإنما آثروا الفتح في القسم، لأن ~~الفتح أخف عليهم، وهم يؤكدون القسم ب «لعمري» و «لعمرك»، فلما كثر ~~استعمالهم إياه، لزموا الأخف عليهم، قال: وقال النحويون: ارتفع ~~«لعمرك» بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: لعمرك قسمي، ولعمرك ~~ما أقسم به، وحذف الخبر، لأن في الكلام دليلا عليه. المعنى: أقسم ~~{ إنهم لفي سكرتهم يعمهون }. # وفي المراد بهذه السكرة قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الضلالة، قاله قتادة. # والثاني: بمعنى الغفلة، قاله الأعمش. وقد شرحنا معنى العمه في سورة ~~[البقرة:15]. وفي المشار إليهم بهذا قولان. أحدهما: أنهم قوم لوط، قاله ~~الأكثرون. والثاني: قوم نبينا صلى الله عليه وسلم، قاله عطاء. # قوله تعالى: { فأخذتهم الصيحة } يعني: صيحة العذاب، وهي صيحة جبريل عليه ~~السلام. { مشرقين } قال الزجاج: يقال: أشرقنا، فنحن مشرقون: إذا ~~صادفوا شروق الشمس، وهو طلوعها، كما يقال: أصبحنا: إذا صادفوا الصبح، ~~يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت، هذا أكثر ~~اللغة. وقد قيل: شرقت وأشرقت في معنى واحد، إلا أن «مشرقين» في معنى ~~مصادفين لطلوع الشمس. # قوله تعالى: { فجعلنا عاليها سافلها } قد فسرنا الآية في سورة [هود: ~~82]. # وفي المتوسمين أربعة أقوال: # أحدها: أنهم المتفرسون، روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " # ثم قرأ { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } قال: المتفرسين، وبهذا قال ~~مجاهد، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: يقال: توسمت في فلان الخير، أي: ~~تبينته. وقال الزجاج: المتوسمون، في اللغة: النظار المتثبتون في ~~نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، يقال: توسمت في فلان كذا، أي: عرفت ~~وسم ذلك فيه. وقال غيره: المتوسم: الناظر في السمة الدالة على ms1094 الشيء. ~~والثاني: المعتبرون، قاله قتادة. والثالث: الناظرون، قاله الضحاك. ~~والرابع: المتفكرون، قاله ابن زيد، والفراء. # قوله تعالى: { وإنها } يعني: قرية قوم لوط { لبسبيل مقيم } فيه قولان: # أحدهما: لبطريق واضح، رواه نهشل عن الضحاك عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والزجاج. وقال ابن زيد: لبطريق متبين. # والثاني: لبهلاك. رواه أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس، والمعنى: إنها ~~بحال هلاكها لم تعمر حتى الآن، فالاعتبار بها ممكن، وهي على طريق قريش ~~إذا سافروا إلى الشام. ### || [15.78-79] # قوله تعالى: { وإن كان أصحاب الأيكة الظالمين } قال الزجاج: معنى ~~«إن» واللام: التوكيد، والأيك: الشجر الملتف، فالفصل بين واحده وجمعه، ~~الهاء. فالمعنى: أصحاب الشجرة. قال المفسرون: هم قوم شعيب، كان مكانهم ~~ذا شجر، فكذبوا شعيبا فأهلكوا بالحر كما بينا في سورة [هود: 87]. # قوله تعالى: { وإنهما } في المكنى عنهما قولان. أحدهما: أنهما الأيكة ~~ومدينة قوم لوط، قاله الأكثرون. والثاني: لوط وشعيب، ذكره ابن الأنباري. # وفي قوله: { لبإمام مبين } قولان: # أحدهما: لبطريق ظاهر، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: وقيل للطريق: ~~إمام، لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. # والثاني: لفي كتاب مستبين، قاله السدي. قال ابن الأنباري: «وإنهما» ~~يعني: لوطا وشعيبا بطريق من الحق يؤتم به. ### || [15.80-81] # قوله تعالى: { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين } يعني بهم ثمود. قال ~~ابن عباس: كانت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام. # وفي الحجر قولان: أحدهما: أنه اسم الوادي الذي كانوا به، قاله قتادة، ~~والزجاج. # والثاني: اسم مدينتهم، قاله الزهري، ومقاتل. # قال المفسرون: والمراد بالمرسلين: صالح وحده، لأنه من كذب نبيا فقد ~~كذب الكل. # والمراد بالآيات: الناقة، قال ابن عباس: كان في آيات: خروجها من الصخرة، ~~ودنو نتاجها عند خروجها، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها ~~حتى كان يكفيهم جميعا، { فكانوا عنها معرضين } لم يتفكروا فيها ولم ~~يستدلوا بها. ### || [15.82-86] # قوله تعالى: { وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا } قد شرحناه في [الأعراف ~~74]. # وفي قوله: { آمنين } ثلاثة أقوال: # أحدها: آمنين أن تقع عليهم. # والثاني: آمنين من خرابها. # والثالث: من عذاب ms1095 الله عز وجل، وفي قوله تعالى: { ماكانوا يكسبون } ~~قولان: # أحدهما: ما كانوا يعملون من نحت الجبال. # والثاني: ما كانوا يكسبون من الأموال والأنعام. # قوله تعالى: { إلا بالحق } أي: للحق ولإظهار الحق، وهو ثواب المصدق ~~وعقاب المكذب. { وإن الساعة لآتية } أي: وإن القيامة لتأتي، فيجازى ~~المشركون بأعمالهم، { فأصفح الصفح الجميل } عنهم، وهو الإعراض الخالي من ~~جزع وفحش. قال المفسرون: وهذا منسوخ بآية السيف. فأما { الخلاق } فهو ~~خالق كل شيء. و { العليم } قد سبق شرحة [البقرة:29]. ### || [15.87-89] # قوله تعالى: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } سبب نزولها أن سبع قوافل ~~وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد، فيها أنواع من ~~البز والطيب والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا ~~لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله هذه الآية، وقال: ~~أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل، ويدل على صحة هذا ~~قوله: { لا تمدن عينيك... } الآية، قاله الحسين بن الفضل. # وفي المراد بالسبع المثاني أربعة أقوال: # أحدها: أنها فاتحة الكتاب، قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن ~~مسعود في رواية، وابن عباس في رواية الأكثرين عنه، وأبو هريرة، والحسن، ~~وسعيد بن جبير في رواية، ومجاهد في رواية، وعطاء، وقتادة في آخرين. فعلى ~~هذا، إنما سميت بالسبع، لأنها سبع آيات. # وفي تسميتها بالمثاني سبعة أقوال: # أحدها: لأن الله استثناها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يعطها ~~أمة قبلهم، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: لأنها تثنى في كل ركعة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال ابن ~~الأنباري: والمعنى: آتيناك السبع الآيات التي تثنى في كل ركعة، وإنما ~~دخلت «من» للتوكيد، كقوله: # ولهم فيها من كل الثمرات # [محمد 15]. وقال ابن قتيبة: سمي «الحمد» مثاني، لأنها تثنى في كل ~~صلاة. # والثالث: لأنها ما أثني به على الله تعالى، لأن فيها حمد الله وتوحيده ~~وذكر مملكته، ذكره الزجاج. # والرابع: لأن فيها «الرحمن الرحيم» مرتين، ذكره أبو سليمان الدمشقي عن ~~بعض اللغويين، وهذا على قول ms1096 من يرى التسمية منها. # والخامس: لأنها مقسومة بين الله تعالى وبين عبده، ويدل عليه حديث أبي ~~هريرة «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي». # والسادس: لأنها نزلت مرتين، ذكره الحسين بن الفضل. # والسابع: لأن كلماتها مثناة، مثل: الرحمن الرحيم، إياك إياك، الصراط ~~صراط، عليهم عليهم، غير غير، ذكره بعض المفسرين. ومن أعظم فضائلها أن ~~الله تعالى جعلها في حيز، والقرآن كله في حيز، وامتن عليه بها ~~امتن عليه بالقرآن كله. # والقول الثاني: أنها السبع الطول، قاله ابن مسعود في رواية، وابن ~~عباس في رواية، وسعيد بن جبير في رواية، ومجاهد في رواية، والضحاك. ~~فالسبع الطول هي: (البقرة)، و (آل عمران)، و (النساء)، و (المائدة)، و ~~(الأنعام)، و (الأعراف)، وفي السابعة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها (يونس)، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: (براءة) قاله أبو مالك. # والثالث: (الأنفال) و (براءة) جميعا، رواه سفيان عن مسعر عن بعض أهل ~~العلم. قال ابن قتيبة: وكانوا يرون (الأنفال) و (براءة) سورة واحدة، ~~ولذلك لم يفصلوا بينهما. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: هي الطول، ولا ~~تقلها بالكسر، فعلى هذا، في تسميتها بالمثاني قولان: # أحدهما: لأن الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها، قاله ابن عباس. # والثاني: لأنها تجاوز المائة الأولى إلى المائة الثانية، ذكره ~~الماوردي. # والقول الثالث: أن السبع المثاني سبع معان أنزلت في القرآن: أمر، ونهي، ~~وبشارة، وإنذار، وضرب الأمثال، وتعداد النعم، وأخبار الأمم، قاله ~~زياد بن أبي مريم. # والقول الرابع: أن المثاني: القرآن كله، قاله طاووس، والضحاك، وأبو ~~مالك، فعلى هذا، في تسمية القرآن بالمثاني أربعة أقوال: # أحدها: لأن بعض الآيات يتلو بعضا، فتثنى الآخرة على الأولى، ولها ~~مقاطع تفصل الآية بعد الآية حتى تنقضي السورة، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أنه سمي بالمثاني لما يتردد فيه من الثناء على الله عز وجل. # والثالث: لما يتردد فيه من ذكر الجنة، والنار، والثواب، والعقاب. # والرابع: لأن الأقاصيص، والأخبار، والمواعظ، والآداب، ثنيت فيه، ذكرهن ~~ابن الأنباري. وقال ابن قتيبة: قد يكون المثاني سور القرآن كله، قصارها ~~وطوالها، وإنما سمي مثاني، لأن ms1097 الأنباء والقصص تثنى فيه، فعلى هذا ~~القول، المراد بالسبع: سبعة أسباع القرآن، ويكون في الكلام إضمار، ~~تقديره: وهي القرآن العظيم. # فأما قوله: { من المثاني } ففي «من» قولان: # أحدهما: أنها للتبعيض، فيكون المعنى: آتيناك سبعا من جملة الآيات التي ~~يثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن. # والثاني: أنها للصفة، فيكون السبع هي المثاني، ومنه قوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج 30] لا أن بعضها رجس، ذكر الوجهين الزجاج، وقد ذكرنا عن ابن ~~الأنباري قريبا من هذا المعنى. # قوله تعالى: { والقرآن العظيم } يعني: العظيم القدر، لأنه كلام ~~الله تعالى، ووحيه. # وفي المراد به هاهنا قولان: # أحدهما: أنه جميع القرآن. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: أنه الفاتحة أيضا، قاله أبو هريرة، وقد روينا فيه حديثا في ~~أول تفسير (الفاتحة) قال ابن الأنباري: فعلى القول الأول، يكون قد نسق ~~الكل على بعض، كما يقول العربي: رأيت جدار الدار والدار، وإنما يصلح ~~هذا، لأن الزيادة التي في الثاني من كثرة العدد أشبه بها ما يغاير ~~الأول، فجوز ذلك عطفه عليه. وعلى القول الثاني، نسق الشيء على نفسه ~~لما زيد عليه معنى المدح والثناء، كما قالوا: روي ذلك عن عمر، وابن ~~الخطاب. يريدون بابن الخطاب: الفاضل العالم الرفيع المنزلة، فلما دخلته ~~زيادة، أشبه ما يغاير الأول، فعطف عليه. # ولما ذكر الله تعالى منته عليه بالقرآن، نهاه عن النظر إلى الدنيا ~~ليستغني بما آتاه من القرآن عن الدنيا، فقال: { لا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من اليهود والمشركين، والمعنى: أنه ~~نهاه عن الرغبة في الدنيا. # وفي قوله: { ولا تحزن عليهم } قولان: # أحدهما: لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا. والثاني: لا تحزن بما أنعمت ~~عليهم في الدنيا. # قوله تعالى: { واخفض جناحك للمؤمنين } أي: ألن جانبك لهم. وخفض ~~الجناح: عبارة عن السكون وترك التصعب والإباء، قال ابن عباس: ارفق ~~بهم ولا تغلظ عليهم. # قوله تعالى: { وقل إني أنا النذير المبين } حرك ياء «إني» ابن كثير، ~~وأبو عمرو، ونافع. وذكر بعض المفسرين أن ms1098 معناها منسوخ بآية السيف. ### || [15.90-93] # قوله تعالى: { كما أنزلنا على المقتسمين } في هذه الكاف قولان: # أحدهما: أنها متعلقة بقوله: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني }. ثم في ~~معنى الكلام قولان: أحدهما: أن المعنى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني، ~~كما أنزلنا الكتب على المقتسمين، قاله مقاتل. والثاني: أن المعنى: ولقد ~~شرفناك وكرمناك بالسبع المثاني، كما شرفناك وأكرمناك بالذي أنزلناه ~~على المقتسمين من العذاب، والكاف بمعنى «مثل» و «ما» بمعنى «الذي» ~~ذكره ابن الأنباري. # والثاني: أنها متعلقة بقوله: { إني أنا النذير } ، والمعنى: إني أنا ~~النذير، أنذرتكم مثل الذي أنزل على المقتسمين من العذاب، وهذا معنى قول ~~الفراء. فخرج في معنى «أنزلنا» قولان: # أحدهما: أنزلنا االكتب، على قول مقاتل. # والثاني: العذاب، على قول الفراء. # وفي «المقتسمين» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم اليهود والنصارى، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~ومجاهد. فعلى هذا، في تسميتهم بالمقتسمين ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم آمنوا ~~ببعض القرآن، وكفروا ببعضه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: ~~أنهم اقتسموا القرآن، فقال بعضهم: هذه السورة لي، وقال آخر: هذه السورة ~~لي، استهزاء به، قاله عكرمة. والثالث: أنهم اقتسموا كتبهم، فآمن بعضهم ~~ببعضها وكفر ببعضها، وآمن آخرون بما كفر به غيرهم، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم مشركو قريش، قاله قتادة، وابن السائب. فعلى هذا، في ~~تسميتهم بالمقتسمين قولان. أحدهما: أن أقوالهم تقسمت في القرآن، فقال ~~بعضهم: إنه سحر، وزعم بعضهم أنه كهانة، وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين، ~~منهم الأسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، وعدي بن قيس السهمي، ~~والعاص ابن وائل، قاله قتادة. والثاني: أنهم اقتسموا على عقاب مكة، قال ~~ابن السائب: هم رهط من أهل مكة اقتسموا على عقاب مكة حين حضر الموسم، ~~قال لهم الوليد ابن المغيرة: انطلقوا فتفرقوا على عقاب مكة حيث يمر ~~بكم أهل الموسم، فاذا سألوكم عنه، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم: ساحر، وبعضكم: شاعر، وبعضكم: غاو، فإذا ~~انتهوا إلي صدقتكم، ومنهم حنظلة ابن أبي سفيان، وعتبة وشيبة ابنا ms1099 ~~ربيعة، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاص ابن هشام، وابو قيس بن ~~الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أمية، وهلال ابن عبد الأسود، ~~والسائب بن صيفي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن ~~الحجاج، وأمية بن خلف، وأوس بن المغيرة. # والثالث: أنهم قوم صالح الذين تقاسموا بالله: # لنبيتنه وأهله # [النمل 49]، فكفاه الله شرهم، قاله عبد الرحمن بن زيد. فعلى هذا، هو من ~~القسم، لا من القسمة. # قوله تعالى: { الذين جعلوا القرآن عضين } في المراد بالقرآن قولان: # أحدهما: أنه كتابنا، وهو الأظهر، وعليه الجمهور. والثاني: أن المراد به: ~~كتب المتقدمين قبلنا. # وفي «عضين» قولان: # أحدهما: أنه مأخوذ من الأعضاء. قال الكسائي، وأبو عبيدة: اقتسموا ~~بالقرآن وجعلوه أعضاء. ثم في ما فعلوا فيه قولان. # أحدهما: أنهم عضوه أعضاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه. والمعضي: ~~المفرق. والتعضية: تجزئة الذبيحة أعضاء. قال علي عليه السلام: لا ~~تعضية في ميراث، أراد: تفريق ما يوجب تفريقه ضررا على الورثة ~~كالسيف ونحوه. وقال رؤبة: # وليس دين الله بالمعضى # وهذا المعنى في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنهم عضوا القول فيه، أي: فرقوا، فقالوا: شعر، وقالوا: ~~سحر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين، وهذا المعنى في رواية ابن ~~جريج عن مجاهد، وبه قال قتادة، وابن زيد. # والثاني: أنه مأخوذ من العضه، والعضه، بلسان قريش: السحر، ~~ويقولون للساحرة: عاضهة، وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعن العاضهة والمستعضهة، فيكون المعنى: جعلوه سحرا، وهذا المعنى في ~~رواية عكرمة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، والفراء. # قوله تعالى: { فوربك لنسألنهم أجميعن عما كانوا يعملون } هذا سؤال ~~توبيخ، يسألون عما عملوا في ما أمروا به من التوحيد والإيمان، فيقال ~~لهم: لم عصيتهم وتركتم الإيمان؟ فتظهر فضيحتهم عند تعذر الجواب. قال ~~أبو العالية: يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين: عما كانوا ~~يعبدون، وعما أجابوا المرسلين. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين قوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان # [الرحمن: 39] فعنه جوابان: ms1100 # أحدهما: أنه لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم، وإنما يقول: لم عملتم ~~كذا؟ رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنهم يسألون في بعض مواطن القيامة، ولا يسألون في بعضها، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. ### || [15.94] # قوله تعالى: { فاصدع بما تؤمر } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فامض لما تؤمر، قاله ابن عباس. # والثاني: أظهر أمرك، رواه ليث عن مجاهد. قال ابن قتيبة: «فاصدع بما ~~تؤمر» أي: أظهر ذلك. وأصله: الفرق والفتح، يريد: اصدع الباطل بحقك. ~~وقال الزجاج: اظهر بما تؤمر به، أخذ ذلك من الصديع، وهو الصبح، قال ~~الشاعر: # كأن بياض غرته صديع # وقال الفراء: إنما لم يقل: بما تؤمر به، لأنه أراد: فاصدع بالأمر. وذكر ~~ابن الأنباري أن «به» مضمرة، كما تقول: مررت بالذي مررت. # والثالث: أن المراد به، الجهر بالقرآن في الصلاة، رواه ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد. قال موسى بن عبيدة: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا ~~حتى نزلت هذه الآية، فخرج هو وأصحابه. # وفي قوله: { وأعرض عن المشركين } ثلاثة أقوال: # أحدها: اكفف عن حربهم. # والثاني: لا تبال بهم، ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار أمرك. # والثالث: أعرض عن الاهتمام باستهزائهم. وأكثر المفسرين على أن هذا ~~القدر من الآية منسوخ بآية السيف. ### || [15.95-99] # قوله تعالى: { إنا كفيناك المستهزئين } المعنى: فاصدع بأمري كما كفيتك ~~المستهزئين، وهم قوم كانوا يستهزئون به وبالقرآن. وفي عددهم قولان: # أحدهما: أنهم كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، وأبو زمعة، والأسود بن عبد ~~يغوث، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، قاله ابن عباس. واسم أبي زمعة: ~~الأسود بن المطلب. وكذلك ذكرهم سعيد بن جبير، إلا أنه قال مكان الحارث ~~بن قيس: الحارث بن غيطلة، قال الزهري: غيطلة أمه، وقيس أبوه، فهو واحد. ~~وإنما ذكرت ذلك، لئلا يظن أنه غيره. وقد ذكرت في كتاب «التلقيح» من ~~ينسب إلى أمه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وسميت آباءهم ~~ليعرفوا إلى أي الأبوين نسبوا. وفي رواية عن ابن عباس مكان الحارث ~~ابن قيس: عدي بن ms1101 قيس. # والثاني: أنهم كانوا سبعة، قاله الشعبي، وابن أبي بزة، وعدهم ابن أبي ~~بزة، فقال: العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، والحارث بن عدي، ~~والأسود ابن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وأصرم وبعكك ابنا عبد الحارث ~~بن السباق. # وكذلك عدهم مقاتل، إلا أنه قال مكان الحارث بن عدي: الحارث بن قيس ~~السهمي، وقال: أصرم وبعكك ابنا الحجاج بن السباق. # ذكر ما أهلكهم الله به وكفى رسوله صلى الله عليه وسلم أمرهم # قال المفسرون: أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمستهزئون ~~يطوفون بالبيت، فمر الوليد بن المغيرة، فقال جبريل: يا محمد، كيف تجد ~~هذا؟ فقال: «بئس عبد الله» قال: قد كفيت، وأومأ إلى ساق الوليد، فمر ~~الوليد برجل يريش نبلا له، فتعلقت شظية من نبل بإزاره، فمنعه الكبر ~~أن يطامن لينزعها، وجعلت تضرب ساقه، فمرض ومات. وقيل: تعلق سهم بثوبه ~~فأصاب أكحله فقطعه، فمات. ومر العاص بن وائل، فقال جبريل: كيف تجد هذا يا ~~محمد؟ فقال: «بئس عبد الله» فأشار إلى أخمص رجله، وقال: قد كفيت، ~~فدخلت شوكة في أخمصه، فانتفخت رجله ومات. ومر الأسود بن المطلب، فقال: ~~كيف تجد هذا؟ قال: «عبد سوء»، فأشار بيده إلى عينيه، فعمي وهلك. وقيل: ~~جعل ينطح برأسه الشجر ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه، فقال: لا أرى ~~أحدا يصنع بك هذا غير نفسك، فمات وهو يقول: قتلني رب محمد. ومر الأسود ~~بن عبد يغوث، فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ فقال: «بئس عبد الله»، فقال: قد ~~كفيت، وأشار إلى بطنه، فسقى بطنه، فمات. وقيل: أصاب عينه شوك، فسالت ~~حدقتاه. وقيل: خرج عن أهله فأصابه السموم، فاسود حتى عاد حبشيا، ~~فلما أتى أهله لم يعرفوه، فأغلقوا دونه الأبواب حتى مات. ومر به الحارث ~~بن قيس، فقال: كيف تجد هذا؟ قال: «عبد سوء» فأومأ إلى رأسه، وقال: قد ~~كفيت، فانتفخ رأسه فمات، وقيل: أصابه العطش، فلم يزل يشرب الماء حتى ~~انقد بطنه. # وأما أصرم وبعكك، فقال مقاتل: أخذت أحدهما الدبيلة والآخر ذات ~~الجنب، فماتا جميعا. قال ms1102 عكرمة: هلك المستهزئون قبل بدر. وقال ابن ~~السائب: أهلكوا جميعا في يوم وليلة. # قوله تعالى: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } فيه قولان: # أحدهما: أنه التكذيب. والثاني: الاستهزاء. # قوله تعالى: { فسبح بحمد ربك } فيه قولان. # أحدهما: قل سبحان الله وبحمده، قاله الضحاك. والثاني: فصل بأمر ربك، ~~قاله مقاتل. # وفي قوله: { وكن من الساجدين } قولان: # أحدهما: من المصلين. والثاني: من المتواضعين، رويا عن ابن عباس. # قوله تعالى: { حتى يأتيك اليقين } فيه قولان: # أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور، وسمي يقينا، لأنه ~~موقن به. وقال الزجاج: معنى الآية: اعبد ربك أبدا، ولو قيل: اعبد ربك، ~~بغير توقيت، لجاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعا، فلما قال: { حتى ~~يأتيك اليقين } أمر بالإقامة على العبادة ما دام حيا. والثاني: أنه ~~الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك، حكاه الماوردي. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-3] # قوله تعالى: { أتى أمر الله } قرأ حمزة، والكسائي بالإمالة. # سبب نزولها: أنه لما نزل قوله تعالى: # اقتربت الساعة # [القمر: 1]، فقال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد ~~اقتربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر، فلما رأوا أنه لا ~~ينزل شيء؛ قالوا: ما نرى شيئا! فأنزل الله تعالى # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء: 1] فأشفقوا، وانتظروا قرب الساعة، فلما امتدت الأيام ~~قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به. فأنزل الله تعالى: { أتى ~~أمر الله } ، فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفع الناس رؤوسهم، ~~فنزل: { فلا تستعجلوه } فاطمأنوا، قاله ابن عباس. # وفي قوله: { أتى } ثلاثة أقوال: # أحدها: أتى بمعنى: يأتي، كما يقال: أتاك الخير فأبشر، أي: سيأتيك، قاله ~~ابن قتيبة، وشاهده: # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف 44]، # وإذ قال الله يا عيسى # [المائدة 116] ونحو ذلك. # والثاني: أتى بمعنى: قرب، قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن ذلك في قربه ~~بمنزلة ما قد أتى. # والثالث: أن «أتى» للماضي، والمعنى: أتى بعض عذاب الله، وهو: الجدب الذي ~~نزل بهم، والجوع. { فلا تستعجلوه } فينزل بكم مستقبلا كما نزل ms1103 ماضيا، ~~قاله ابن الأنباري. # وفي المراد ب «أمر الله» خمسة أقوال: # أحدها: أنها الساعة، وقد يخرج على قول ابن عباس الذي قدمناه، وبه قال ~~ابن قتيبة. والثاني: خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه الضحاك عن ~~ابن عباس، يعني: أن خروجه من أمارات الساعة. # وقال ابن الأنباري: أتى أمر الله من أشراط الساعة، فلا تستعجلوا قيام ~~الساعة. والثالث: أنه الأحكام والفرائض، قاله الضحاك. والرابع: عذاب ~~الله، ذكره ابن الأنباري. والخامس: وعيد المشركين، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { فلا تستعجلوه } أي: لا تطلبوه قبل حينه، { سبحانه } أي: ~~تنزيه له وبراءة من السوء عما يشركون به من الأصنام. # قوله تعالى: { ينزل الملائكة } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: { ينزل } ~~بإسكان النون وتخفيف الزاي. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: { ينزل } بالتشديد، وروى الكسائي عن أبي بكر عن عاصم: { ~~تنزل } بالتاء مضمومة، وفتح الزاي مشددة. { الملائكة } رفع. قال ابن ~~عباس: يريد بالملائكة جبريل عليه السلام وحده. # وفي المراد بالروح ستة أقوال. # أحدها: الوحي، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنه النبوة، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أن المعنى: تنزل الملائكة بأمره، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~فعلى هذا يكون المعنى: أن أمر الله كله روح. قال الزجاج: الروح ما كان ~~فيه من أمر الله حياة النفوس بالإرشاد. # والرابع: أنه الرحمة. قاله الحسن، وقتادة. # والخامس: أن أرواح الخلق: لا ينزل ملك إلا ومعه روح، قاله مجاهد. # والسادس: أنه القرآن، قاله ابن زيد. فعلى هذا سماه روحا، لأن الدين ~~يحيا به، كما أن الروح تحيي البدن. وقال بعضهم: الباء في قوله: { بالروح ~~} بمعنى: مع، فالتقدير: مع الروح، { من أمره } أي: بأمره { على من يشاء ~~من عباده } يعني: الأنبياء، { أن أنذروا } قال الزجاج: والمعنى: أنذروا ~~أهل الكفر والمعاصي { أنه لا إله إلا أنا } أي: مروهم بتوحيدي، وقال ~~غيره: أنذروا بأنه لا إله إلا أنا، أي: مروهم بالتوحيد مع تخويفهم إن ~~لم يقروا. ### || [16.4] # قوله تعالى: { خلق الإنسان من نطفة } قال المفسرون: أخذ أبي ms1104 بن خلف ~~عظما رميما، فجعل يفته ويقول: يامحمد كيف يبعت الله هذا بعدما رم؟ # فنزلت فيه هذه الآية والخصيم: المخاصم، والمبين: الظاهر الخصومه. # والمعنى: أنه مخلوق من نطفة، وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث، أفلا يستدل ~~بأولة على آخرة، وأن من قدر على إيجاده أولا، يقدر على إعادتة ثانيا؟! ~~وفية تنبية على إنعام الله عليه حين نقله من حال ضعف النطفة إلى القوة ~~التي أمكنة معها الخصام. ### || [16.5-7] # قوله تعالى: { والأنعام خلقها لكم } الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. # قوله تعالى: { لكم فيها دفء } فيه قولان: # أحدهما: أنه ما استدفىء به من أوبارها تتخذ ثيابا، وأخبية، وغير ذلك. ~~روى العوفي عن ابن عباس أنه قال: يعني بالدفء: اللباس، وإلى هذا المعنى ~~ذهب الأكثرون. # والثاني: أنه نسلها. روى عكرمة عن ابن عباس: { فيها دفء } قال: الدفء: ~~نسل كل دابة، وذكر ابن السائب قال: يقال: الدفء أولادها، ومن لا يحمل من ~~الصغار، وحكى ابن فارس اللغوي عن الأموي، قال: الدفء عند العرب: نتاج ~~الإبل وألبانها. # قوله تعالى: { ومنافع } أي: سوى الدفء من الجلود، والألبان، والنسل، ~~والركوب، والعمل عليها، إلى غير ذلك، { ومنها تأكلون } يعني: من لحوم ~~الأنعام. # قوله تعالى: { ولكم فيها جمال } أي: زينة، { حين تريحون } أي: حين ~~تردونها إلى مراحها، وهو المكان الذي تأوي إليه، فترجع عظام ~~الضروع والأسنمة، فيقال: هذا مال فلان، { وحين تسرحون }: ~~ترسلونها بالغداة إلى مراعيها. # فإن قيل: لم قدم الرواح وهو مؤخر؟ # فالجواب: أنها في حال الرواح تكون أجمل؛ لأنها قد رعت، وامتلأت ضروعها، ~~وامتدت أسنمتها. # قوله تعالى: { وتحمل أثقالكم } الإشارة بهذا إلى ما يطيق الحمل منها، ~~والأثقال: جمع ثقل، وهو متاع المسافر. # وفي قوله تعالى: { إلى بلد } قولان: # أحدهما: أنه عام في كل بلد يقصده المسافر، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أن المراد به: مكة، قاله عكرمة، والأول أصح، والمعنى: أنها ~~تحملكم إلى كل بلد لو تكلفتم أنتم بلوغه لم تبلغوه إلا بشق الأنفس. # وفي معنى «شق الأنفس» قولان: # أحدهما: أنه المشقة، قاله الأكثرون. قال ابن قتيبة: يقال: نحن ms1105 بشق من ~~العيش، أي: بجهد؛ وفي حديث أم زرع: «وجدني في أهل غنيمة بشق». # والثاني: أن الشق: النصف، فكان الجهد ينقص من قوة الرجل ونفسه كأنه ~~قد ذهب نصفه، ذكره الفراء. # قوله تعالى: { إن ربكم لرؤوف رحيم } أي: حين من عليكم بالنعم التي ~~فيها هذه المرافق. ### || [16.8] # قوله تعالى: { والخيل } أي: وخلق الخيل { والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة } قال الزجاج: المعنى: وخلقها زينة. # فصل # ويجوز أكل لحم الخيل، وإنما لم يذكر في الآية، لأنه ليس هو المقصود، ~~وإنما معظم المقصود بها: الركوب والزينة، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك: لا تؤكل لحوم الخيل. # قوله تعالى: { ويخلق مالا تعلمون } ذكر قوم من المفسرين: أن المراد به ~~عجائب المخلوقات في السموات والأرض التي لم يطلع عليها، مثل ما يروى: ~~أن لله ملكا من صفته كذا، وتحت العرش نهر من صفته كذا. وقال قوم: هو ما ~~أعد الله لأهل الجنة فيها، ولأهل النار. وقال أبو سليمان الدمشقي: في ~~الناس من كره تفسير هذا الحرف. وقال الشعبي: هذا الحرف من أسرار القرآن. ### || [16.9-11] # قوله تعالى: { وعلى الله قصد السبيل } القصد: استقامة الطريق، يقال: ~~طريق قصد وقاصد: إذا قصد بك ما تريد. قال الزجاج: المعنى: وعلى الله ~~تبيين الطريق المستقيم، والدعاء إليه بالحجج والبرهان. # قوله تعالى: { ومنها جائر } قال أبو عبيدة: السبيل لفظه لفظ الواحد، وهو ~~في موضع الجميع، فكأنه قال: ومن السبل سبيل جائر. قال ابن الأنباري: لما ~~ذكر السبيل، دل على السبل. فلذلك قال: { ومنها جائر } كما دل الحدثان ~~على الحوادث في قول العبدي: # ولا يبقى على الحدثان حي # فهل يبقى عليهن السلام # أراد: فهل يبقى على الحوادث، والسلام: الصخور، قال ويجوز أن يكون ~~إنما قال: { ومنها } ، لأن السبيل تؤنث وتذكر، فالمعنى: من السبيل ~~جائر. وقال ابن قتيبة: المعنى: ومن الطرق جائر لا يهتدون فيه، والجائر: ~~العادل عن القصد، قال ابن عباس: ومنها جائر الأهواء المختلفة. وقال ابن ~~المبارك: الأهواء والبدع. # قوله تعالى: { هو الذي أنزل من السماء ماء } يعني: المطر { لكم منه ms1106 ~~شراب } وهو ما تشربونه، { ومنه شجر } ذكر ابن الأنباري في معناه قولين: # أحدهما: ومنه سقي شجر، وشرب شجر، فخلف المضاف إليه المضاف، كقوله: # وأشربوا في قلوبهم العجل # [البقرة 93]. # والثاني: أن المعنى: ومن جهة الماء شجر، ومن سقيه شجر، ومن ناحيته شجر، ~~فحذف الأول، وخلفه الثاني، قال زهير: # لمن الديار بقنة الحجر # أقوين من حجج ومن شهر # أي: من ممر حجج. قال ابن قتيبة: والمراد بهذه الشجر: المرعى. وقال ~~الزجاج: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، قال الشاعر يصف الخيل: # يعلفها اللحم إذا عز الشجر # والخيل في إطعامها اللحم ضرر # يعني: أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض. و { تسيمون } بمعنى: ~~ترعون، يقال: سامت الإبل فهي سائمة: إذا رعت، وإنما أخذ ذلك من ~~السومة، وهي: العلامة، وتأويلها: أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات. # قوله تعالى: { ينبت لكم به الزرع } وروى أبو بكر عن عاصم: «ننبت» ~~بالنون. قال ابن عباس: يريد الحبوب، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: { ~~والنجوم مسخرات بأمره } قال الأخفش: المعنى: وجعل النجوم مسخرات، ~~فجاز إضمار فعل غير الأول، لأن هذا المضمر، في المعنى مثل المظهر، وقد ~~تفعل العرب أشد من هذا، قال الراجز: # تسمع في أجوافهن صردا # وفي اليدين جسأة وبددا # المعنى: وترى في اليدين. والجسأة: اليبس. والبدد: السعة. وقال ~~غيره: قوله تعالى: { مسخرات } حال مؤكدة، لأن تسخيرها قد عرف بقوله ~~تعالى: { وسخر }. وقرأ ابن عامر: والشمس والقمر والنجوم مسخرات، ~~رفعا كله، وروى حفص عن عاصم: بالنصب، كالجمهور، إلا قوله تعالى: { ~~والنجوم مسخرات } فإنه رفعها. ### || [16.12-16] # قوله تعالى: { وما ذرأ لكم } أي: وسخر ما ذرأ لكم. وذرأ بمعنى: خلق. و ~~«سخر البحر» أي: ذلله للركوب والغوص فيه { لتأكلوا منه لحما طريا } ~~يعني: السمك { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } يعني: الدر، واللؤلؤ، ~~والمرجان، وفي هذا دلالة على أن حالفا لو حلف: لا يلبس حليا، فلبس ~~لؤلؤا، أنه يحنث، وقال أبو حنيفة: لا يحنث. # قوله تعالى: { وترى الفلك } يعني: السفن. وفي معنى { مواخر } قولان: # أحدهما: جواري، قاله ابن عباس. ms1107 قال اللغويون: يقال: مخرت السفينة ~~مخرا: إذا شقت الماء في جريانها. # والثاني: المواقر، يعني: المملوءة، قاله الحسن. # وفي قوله تعالى: { ولتبتغوا من فضله } قولان: # أحدهما: بالركوب فيه للتجارة ابتغاء الربح من فضل الله. # والثاني: بما تستخرجون من حليته، وتصيدون من حيتانه. قال ابن الأنباري: ~~وفي دخول الواو في قوله تعالى: { ولتبتغوا من فضله } وجهان: # أحدهما: أنها معطوفة على لام محذوفة، تقديره: وترى الفلك مواخر فيه ~~لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا. # والثاني: أنها دخلت لفعل مضمر، تقديره: وفعل ذلك لكي تبتغوا. # قوله تعالى: { وألقى في الأرض رواسي } أي: نصب فيها جبالا ثوابت { أن ~~تميد } أي: لئلا تميد، وقال الزجاج: كراهة أن تميد، يقال: ماد الرجل ~~يميد ميدا: إذا أدير به، وقال ابن قتيبة: الميد: الحركة والميل، ~~يقال: فلان يميد في مشيته، أي: يتكفأ. # قوله تعالى: { وأنهارا } قال الزجاج: المعنى: وجعل فيها سبلا، لأن ~~معنى «ألقى»: «جعل»، فأما السبل، فهي الطرق. { ولعلكم تهتدون } أي: لكي ~~تهتدوا إلى مقاصدكم. # قوله تعالى: { وعلامات } فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون وبالليل، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها النجوم أيضا، منها ما يكون علامة لا يهتدى به، ومنها ما ~~يهتدى به، قاله مجاهد، وقتادة، والنخعي. # والثالث: الجبال، قاله ابن السائب، ومقاتل. # وفي المراد بالنجم أربعة أقوال: # أحدها: أنه الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدي، قاله السدي. # والثاني: أنه الجدي، والفرقدان، قاله ابن السائب. # والثالث: أنه الجدي وحده، لأنه أثبت النجوم كلها في مركزه، ذكره ~~الماوردي. # والرابع: أنه اسم جنس، والمراد جميع النجوم، قاله الزجاج، وقرأ الحسن، ~~والضحاك، وأبو المتوكل، ويحيى بن وثاب: «وبالنجم» بضم النون وإسكان ~~الجيم، وقرأ الجحدري: «وبالنجم» بضم النون والجيم، وقرأ مجاهد: ~~«وبالنجوم» بواو على الجمع. # وفي المراد بهذا الاهتداء قولان: # أحدهما: الاهتداء إلى القبلة. والثاني: إلى الطريق في السفر. ### || [16.17-19] # قوله تعالى: { أفمن يخلق كمن لا يخلق } يعني: الأوثان، وإنما عبر ~~عنها ب «من»، لأنهم نحلوها العقل والتمييز، { أفلا تذكرون } يعني: ~~المشركين، يقول: أفلا تتعظون كما اتعظ المؤمنون؟ قال ms1108 الفراء: وإنما جاز ~~أن يقول: { كمن لا يخلق } ، لأنه ذكر مع الخالق، كقوله: # فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين # [النور 45]، والعرب تقول: اشتبه علي الراكب وجمله، فما أدري من ذا ~~من ذا، لأنهم لما جمعوا بين الإنسان وغيره، صلحت «من» فيهما جميعا. # قوله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } قد فسرناه في ~~[إبراهيم: 34]. # قوله تعالى: { إن الله لغفور } أي: لما كان منكم من تقصيركم في شكر ~~نعمه { رحيم } بكم إذ لم يقطعها عنكم بتقصيركم. # قوله تعالى: { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } روى عبد الوارث، إلا ~~القزاز «يسرون» و «يعلنون» بالياء. ### || [16.20-21] # قوله تعالى: { والذين تدعون من دون الله } قرأ عاصم: يدعون، بالياء. # قوله تعالى: { أموات غير أحياء } يعني: الأصنام. قال الفراء: ومعنى ~~الأموات هاهنا: أنها لا روح فيها. قال الأخفش: وقوله: { غير أحياء } ~~توكيد. # قوله تعالى: { وما يشعرون أيان يبعثون } «أيان» بمعنى: «متى». # وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنها الأصنام، عبر عنها كما يعبر عن الآدميين. قال ابن عباس: ~~وذلك أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها، فيتبرؤون ~~من عبادتهم، ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار. # والثاني: أنهم الكفار، لا يعلمون متى بعثهم، قاله مقاتل. ### || [16.22-27] # قوله تعالى: { إلهكم إله واحد } قد ذكرناه في سورة [البقرة:163]. # قوله تعالى: { فالذين لايؤمنون بالآخرة } أي: بالبعث والجزاء { قلوبهم ~~منكرة } أي: جاحدة لا تعرف التوحيد { وهم مستكبرون } أي: ممتنعون من قبول ~~الحق. # قوله تعالى: { لاجرم } قد فسرناه في [هود:22]، ومعنى الآية: أنه ~~يجازيهم بسرهم وعلنهم، لأنه يعلمه. والمستكبرون: المتكبرون عن ~~التوحيد والإيمان. وقال مقاتل: «ما يسرون» حين بعثوا في كل طريق من ~~يصد الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، «وما يعلنون» حين أظهروا ~~العداوة لرسول الله. # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } يعني: المستكبرين { ماذا أنزل ربكم } على ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال الزجاج: «ماذا» بمعنى «ما الذي». و { ~~أساطير الأولين } مرفوعة على الجواب، كأنهم قالوا: الذي أنزل: أساطير ~~الأولين، أي: الذي ms1109 تذكرون أنتم أنه منزل: أساطير الأولين. وقد شرحنا ~~معنى الأساطير في [الأنعام:25]. قال مقاتل: الذين بعثهم الوليد بن ~~المغيرة في طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان، ويقول بعضهم: إن محمدا ~~ساحر، ويقول بعضهم: شاعر، وقد شرحنا هذا المعنى في [الحجر:90] في ذكر ~~المقتسمين. # قوله تعالى: { ليحملوا أوزارهم } هذه لام العاقبة، وقد شرحناها في غير ~~موضع، والأوزار: الآثام، وإنما قال: كاملة، لأنه لم يكفر منها شيء ~~بما يصيبهم من نكبة، أو بلية، كما يكفر عن المؤمن، { ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم } أي: أنهم أضلوهم بغير دليل، وإنما حملوا من ~~أوزار الأتباع، لأنهم كانوا رؤساء يقتدى بهم في الضلالة، وقد ذكر ابن ~~الأنباري في «من» وجهين: # أحدهما: أنها للتبعيض، فهم يحملون ما شركوهم فيه، فأما ما ركبه ~~أولئك باختيارهم من غير تزيين هؤلاء، فلا يحملونه، فيصح معنى التبعيض. # والثاني: أن «من» مؤكدة، والمعنى: وأوزار الذين يضلونهم. { ألا ساء ~~ما يزرون } أي: بئس ماحملوا على ظهورهم. # قوله تعالى: { قد مكر الذين من قبلهم } قال المفسرون: يعني به: النمرود ~~ابن كنعان، وذلك أنه بنى صرحا طويلا. واختلفوا في طوله، فقال ابن عباس: ~~خمسة آلاف ذراع، وقال مقاتل: كان طوله فرسخين، قالوا: ورام أن يصعد إلى ~~السماء ليقاتل أهلها بزعمه. ومعنى «المكر» هاهنا: التدبير الفاسد. # وفي الهاء والميم من «قبلهم» قولان: # أحدهما: أنها للمقتسمين على عقاب مكة، قاله ابن السائب. # والثاني: لكفار مكة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: من الأساس. قال ~~المفسرون: أرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر، وخر عليهم ~~الباقي. # قال السدي: لما سقط الصرح، تبلبلت ألسن الناس من الفزع، ~~فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت «بابل»، وإنما كان لسان الناس ~~قبل ذلك بالسريانية، وهذا قول مردود، لأن التبلبل يوجب الاختلاط ~~والتكلم بشيء غير مستقيم، فأما أن يوجب إحداث لغة مضبوطة الحواشي، ~~فباطل، وإنما اللغات تعليم من الله تعالى. # فإن قيل: إذا كان الماكر واحدا، فكيف قال: «الذين» ولم يقل: «الذي»؟، ~~فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه ms1110 كان الماكر ملكا له أتباع، فأدخلوا معه في الوصف. # والثاني: أن العرب توقع الجمع على الواحد، فيقول قائلهم: خرجت إلى ~~البصرة على البغال، وإنما خرج على بغل واحد. # والثالث: أن «الذين» غير موقع على واحد معين، لكنه يراد به: قد مكر ~~الجبارون الذين من قبلهم، فكان عاقبة مكرهم رجوع البلاء عليهم، ذكر هذه ~~الأجوبة ابن الأنباري: قال: وذكر بعض العلماء: أنه إنما قال: «من ~~فوقهم»، لينبه على أنهم كانوا تحته، إذ لو لم يقل ذلك، لاحتمل أنهم لم ~~يكونوا تحته، لأن العرب تقول: سقط علينا البيت، وخر علينا الحانوت، ~~وتداعت علينا الدار، وليسوا تحت ذلك. # قوله تعالى: { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } أي: من حيث ظنوا أنهم ~~آمنون فيه. قال السدي: أخذوا من مأمنهم. وروى عطية عن ابن عباس قال: ~~خر عليهم عذاب من السماء. وعامة المفسرين على ما حكيناه من أنه بنيان ~~سقط. وقال ابن قتيبة: هذا مثل، والمعنى: أهلكهم الله، كما هلك من هدم ~~مسكنه من أسفله، فخر عليه. # قوله تعالى: { ثم يوم القيامة يخزيهم } أي: يذلهم بالعذاب. { ويقول ~~أين شركائي } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ~~«شركائي الذين» بهمزة وفتح الياء، وقال البزي عن ابن كثير: «شركاي» ~~مثل: هداي، والمعنى: أين شركائي على زعمكم؟ هلا دفعوا عنكم!. { الذين ~~كنتم تشاقون فيهم } أي: تخالفون المسلمين فتعبدونهم وهم يعبدون الله، ~~وقرأ نافع: «تشاقون» بكسر النون، أراد: تشاقونني، فحذف النون ~~الثانية، وأبقى الكسرة تدل عليها، والمعنى: كنتم تنازعونني فيهم، ~~وتخالفون أمري لأجلهم. # قوله تعالى: { قال الذين أوتوا العلم } فيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم الملائكة، قاله ابن عباس. # والثاني: الحفظة من الملائكة، قاله مقاتل. # والثالث: أنهم المؤمنون. # فأما «الخزي» فقد شرحناه في مواضع [آل عمران 192] و «السوء» ~~هاهنا: العذاب. ### || [16.28-29] # قوله تعالى: { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } قال عكرمة: ~~هؤلاء قوم كانوا بمكة أقروا بالإسلام ولم يهاجروا، فأخرجهم المشركون ~~كرها إلى بدر، فقتل بعضهم. وقد شرحنا هذا في سورة [النساء: 97]. # قوله تعالى: { فألقوا السلم } قال ابن قتيبة: ms1111 انقادوا ~~واستسلموا، والسلم: الاستسلام. قال المفسرون: وهذا عندالموت يتبرؤون ~~من الشرك، وهو قولهم: { ماكنا نعمل من سوء } وهو الشرك، فترد عليهم ~~الملائكة فتقول: «بلى». وقيل: هذا رد خزنة جهنم عليهم { بلى إن الله ~~عليم بما كنتم تعملون } من الشرك والتكذيب. ثم يقال لهم: ادخلوا أبواب ~~جهنم، وقد سبق تفسير ألفاظ الآية [النساء 97] و [الحجر 44]. ### || [16.30-32] # قوله تعالى: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم } روى أبو صالح عن ~~ابن عباس أن مشركي قريش بعثوا ستة عشر رجلا إلى عقاب مكة أيام الحج ~~على طريق الناس، ففرقوهم على كل عقبة أربعة رجال، ليصدوا الناس ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا لهم: من أتاكم من الناس ~~يسألكم عن محمد فليقل بعضكم: شاعر، وبعضكم: كاهن، وبعضكم: ~~مجنون، وألا تروه ولا يراكم خير لكم، فإذا انتهوا إلينا، ~~صدقانكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى كل أربعة ~~منهم أربعة من المسلمين، فيهم عبد الله بن مسعود، فأمروا أن ~~يكذبوهم، فكان الناس إذا مروا على المشركين، فقالوا ما قالوا، رد ~~عليهم المسلمون، وقالوا: كذبوا، بل يدعو إلى الحق، ويأمر بالمعروف، ~~وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير، فيقولون: وما هذا الخير الذي يدعوا ~~إليه؟ فيقولون: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة }. # قوله تعالى: { قالوا خيرا } أي: أنزل خيرا، ثم فسر ذلك الخير فقال: { ~~للذين أحسنوا في هذه الدنيا } قالوا: لا إله إلا الله، وأحسنوا العمل { ~~حسنة } أي: كرامة من الله تعالى في الآخرة، وهي الجنة، وقيل: «للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة» في الدنيا وهي مارزقهم من خيرها وطاعته فيها، ~~{ ولدار الآخرة } يعني: الجنة { خير } من الدنيا. # وفي قوله تعالى: { ولنعم دار المتقين } قولان: # أحدهما: أنها الجنة، قاله الجمهور. قال ابن الأنباري: في الكلام محذوف، ~~تقديره: ولنعم دار المتقين الآخرة، غير أنه لما ذكرت أولا، عرف معناها ~~آخرا، ويجوز أن يكون المعنى: ولنعم دار المتقين جنات عدن. # والثاني: أنها الدنيا. قال الحسن: ولنعم دار المتقين الدنيا، لأنهم ~~نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة. ms1112 # قوله تعالى: { جنات عدن } قد شرحناه في [براءة: 72]. # قوله تعالى: { الذين تتوفاهم الملائكة } وقرأ حمزة «يتوفاهم» بياء مع ~~الإمالة. وفي معنى «طيبين» خمسة أقوال: # أحدها: مؤمنين. والثاني: طاهرين من الشرك. والثالث: زاكية أفعالهم ~~وأقوالهم. والرابع: طيبة وفاتهم، سهل خروج أرواحهم. والخامسة: طيبة ~~أنفسهم بالموت، ثقة بالثواب. # قوله تعالى: { يقولون } يعني الملائكة { سلام عليكم }. # وفي أي وقت يكون هذا [السلام]؟ فيه قولان: # أحدهما: عند الموت. قال البراء بن عازب: يسلم عليه ملك الموت إذا دخل ~~عليه. وقال القرظي: ويقول له: الله عز وجل يقرأ عليك السلام، ويبشره ~~بالجنة. # والثاني: عند دخول الجنة. قال مقاتل: هذا قول خزنة الجنة لهم في الآخرة ~~يقولون: سلام عليكم. ### || [16.33-34] # قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } وقرأ حمزة، ~~والكسائي «يأتيهم» بالياء، وهذا تهديد للمشركين، وقد شرحناه في ~~[البقرة:210] وآخر [الأنعام:158]. # وفي قوله تعالى: { أو يأتي أمر ربك } قولان: # أحدهما: أمر الله فيهم، قاله ابن عباس. والثاني: العذاب في الدنيا، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: { كذلك فعل الذين من قبلهم } يريد: كفار الأمم الماضية، ~~كذبوا كما كذب هؤلاء. { وما ظلمهم الله } بإهلاكهم { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } ، بالشرك { فأصابهم سيئات ما عملوا } أي: جزاؤها، قال ~~ابن عباس: جزاء ما عملوا من الشرك، { وحاق بهم } قد بيناه في ~~[الأنعام:10]، والمعنى: أحاط بهم { ما كانوا به يستهزؤن } من العذاب. ### || [16.35-37] # قوله تعالى: { وقال الذين أشركوا } يعني: كفار مكة { لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء } يعني: الأصنام أي لو شاء ما أشركنا ولا حرمنا ~~من دونه من شيء من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، والحرث، ~~وذلك أنه لما نزل # وماتشاؤون إلا أن يشاء الله # [الدهر:30] قالوا هذا، على سبيل الاستهزاء، لا على سبيل الاعتقاد، وقيل: ~~معنى كلامهم: لو لم يأمرنا بهذا ويرده منا، لم نأته. # قوله تعالى: { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي: من تكذيب الرسل وتحريم ما ~~أحل الله، { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } يعني: ليس عليهم إلا ~~التبليغ، فأما الهداية، فهي إلى الله تعالى، وبين ms1113 ذلك بقوله: { ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا } أي: كما بعثناك في هؤلاء { أن اعبدوا الله } ~~أي: وحدوه { واجتنبوا الطاغوت } وهو الشيطان { فمنهم من هدى الله } ~~أي: أرشده { ومنهم من حقت عليه الضلالة } أي: وجبت في سابق علم الله، ~~فأعلم الله عز وجل أنه إنما بعث الرسل بالأمر بالعبادة، وهو من وراء ~~الإضلال والهداية، { فسيروا في الأرض } أي: معتبرين بآثار الأمم ~~المكذبة. ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة لا يهتدي، فقال: { إن تحرص على ~~هداهم } أي: [إن] تطلب هداهم بجهدك { فإن الله لا يهدي من يضل } قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، «لا يهدى» برفع الياء وفتح الدال، ~~والمعنى: من أضله، فلا هادي له، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «يهدي» ~~بفتح الياء وكسر الدال، ولم يختلفوا في { يضل } أنها بضم الياء وكسر ~~الضاد، وهذه القراءة تحتمل معنيين، ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: لا يهدي من طبعه ضالا، وخلقه شقيا. # والثاني: لا يهدي أي: لا يهتدي من أضله، أي: من أضله الله لا يهتدي، ~~فيكون معنى يهدي: يهتدي، تقول العرب: قد هدي فلان الطريق، يريدون: ~~اهتدى. ### || [16.38-42] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } سبب نزولها أن رجلا من ~~المسلمين كان له على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما ~~تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك تبعث ~~بعد الموت؟! فأقسم بالله { لا يبعث الله من يموت } ، فنزلت هذه الآية، ~~قاله أبو العالية. و { جهد أيمانهم } مفسر في [المائدة:53]. وقوله: { ~~بلى } رد عليهم، قال الفراء: والمعنى: { بلى } ليبعثنهم { وعدا ~~عليه حقا }. # قوله تعالى: { ليبين لهم الذي يختلفون فيه } قال الزجاج: يجوز أن ~~يكون متعلقا بالبعث، فيكون المعنى: بلى يبعثهم فيبين لهم، ويجوز أن ~~يكون متعلقا بقوله تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } ليبين ~~لهم. # وللمفسرين في قوله { ليبين لهم } قولان: # أحدهما: أنهم جميع الناس، قاله قتادة. # والثاني: أنهم المشركون، يبين لهم بالبعث ما خالفوا المؤمنين فيه. # قوله تعالى: { أنهم كانوا كاذبين } أي: فيما أقسموا عليه ms1114 من نفي البعث. ~~ثم أخبر بقدرته على البعث بقوله: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة «فيكون» ~~رفعا، وكذلك في كل القرآن. وقرأ ابن عامر، والكسائي «فيكون» نصبا. قال ~~مكي بن إبراهيم: من رفع، قطعه عما قبله، والمعنى: فهو يكون، ومن نصب، ~~عطفه على «يقول»، وهذا مثل قوله: { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } ، وقد فسرناه في [البقرة:117]. # فإن قيل: كيف سمي الشيء قبل وجوده شيئا؟. # فالجواب: أن الشيء وقع على المعلوم عند الله قبل الخلق، لأنه بمنزلة ما ~~قد عوين وشوهد. # قوله تعالى: { والذين هاجروا في الله } اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلال، ~~وعمار، وصهيب، وخباب بن الأرت، وعايش وجبر موليان لقريش، أخذهم أهل ~~مكة فجعلوا يعذبونهم، ليردوهم عن الإسلام، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو، قاله داود بن أبي هند. # والثالث: أنهم جميع المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قاله قتادة. ومعنى «هاجروا في الله» أي: في طلب رضاه وثوابه { من بعد ما ~~ظلموا } بما نال المشركون منهم، { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } ~~وفيها خمسة أقوال: أحدها: لننزلنهم المدينة، روى هذا المعنى أبو صالح ~~عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والشعبي، وقتادة، فيكون المعنى: ~~لنبوئنهم دارا حسنة وبلدة حسنة. والثاني: لنرزقنهم في الدنيا ~~الرزق الحسن، قاله مجاهد. والثالث: النصر على العدو، قاله الضحاك. ~~والرابع: أنه ما بقي بعدهم من الثناء الحسن، وصار لأولادهم من الشرف، ~~ذكره الماوردي، وقد روي معناه عن مجاهد، فروى عنه ابن أبي نجيح أنه قال: ~~{ لنبوئنهم في الدنيا حسنة } قال: لسان صادق. # والخامس: أن المعنى: لنحسنن إليهم في الدنيا، قال بعض أهل المعاني: ~~فتكون على هذه الأقوال «لنبوئنهم»، على سبيل الاستعارة، إلا على القول ~~الأول. # قوله تعالى: { ولأجر الآخرة أكبر } قال ابن عباس: يعني: الجنة، ms1115 { لو ~~كانوا يعلمون } يعني: أهل مكة. # ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان إذا أعطى الرجل من ~~المهاجرين عطاءه، قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، ~~وما ذخر لك في الآخرة أفضل، ثم يتلو هذه الآية. # ثم إن الله أثنى عليهم ومدحهم بالصبر فقال: { الذين صبروا } أي: على ~~دينهم، لم يتركوه لأذى نالهم، وهم في ذلك واثقون بربهم. ### || [16.43-44] # قوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } قال المفسرون: لما أنكر ~~مشركو قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم من أن يكون ~~رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا! فنزلت هذه الآية، والمعنى: أن ~~الرسل كانوا مثلك آدميين، إلا أنهم يوحى إليهم، وقرأ حفص عن عاصم: ~~«نوحي» بالنون وكسر الحاء. { فاسألوا } يامعشر المشركين { أهل الذكر } ~~وفيهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أهل التوراة والإنجيل، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثاني: أهل التوراة، قاله مجاهد. والثالث: أهل القرآن، قاله ابن زيد. ~~والرابع: العلماء بأخبار من سلف، ذكره الماوردي. # وفي قوله تعالى: { إن كنتم لا تعلمون } قولان. # أحدهما: لا تعلمون أن الله تعالى بعث رسولا من البشر. # والثاني: لا تعلمون أن محمدا رسول الله، فعلى القول الأول، جائز أن ~~يسأل من آمن برسول الله ومن كفر، لأن أهل الكتاب والعلم بالسير ~~متفقون على أن الأنبياء كلهم، من البشر، وعلى الثاني إنما يسأل من ~~آمن من أهل الكتاب، وقد روي عن مجاهد { فاسألوا أهل الذكر } قال: عبد ~~الله بن سلام، وعن قتادة، قال: سليمان الفارسي. # قوله تعالى: { بالبينات والزبر } في هذه «الباء» قولان: # أحدهما: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا أرسلناهم بالبينات. والزبر: الكتب. وقد شرحنا هذا في [آل ~~عمران:184]. # قوله تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر } وهو القرآن بإجماع المفسرين { ~~لتبين للناس ما نزل إليهم } [فيه] من حلال وحرام، ووعد ووعيد { ~~ولعلهم يتفكرون } في ذلك فيعتبرون. ### || [16.45-47] # قوله تعالى: { أفأمن الذين مكروا السيئات } قال المفسرون: أراد مشركي ~~مكة. ms1116 ومكرهم السيئات: شركهم وتكذيبهم، وسمي ذلك مكرا، لأن المكر في ~~اللغة: السعي بالفساد، وهذا استفهام إنكار، ومعناه: ينبغي أن لا يأمنوا ~~العقوبة، وكان مجاهد يقول: عنى بهذا الكلام نمرود بن كنعان. # قوله تعالى: { أو يأخذهم في تقلبهم } فيه أربعة أقوال: # أحدها: في أسفارهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثاني: في منامهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: في ليلهم ونهارهم، قاله الضحاك، وابن جريج، ومقاتل. # والرابع: أنه جميع ما يتقلبون فيه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { أو يأخذهم على تخوف } فيه قولان: # أحدهما: على تنقص، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. قال ابن قتيبة: ~~التخوف: التقص، ومثله التخون. يقال: تخوفته الدهور وتخونته: ~~إذا نقصته وأخذت من ماله وجسمه. وقال الهيثم بن عدي: التخوف: ~~التنقص، بلغة أزد شنوءة. # ثم في هذا التنقص ثلاثة أقوال. أحدها: أنه تنقص من أعمالهم، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أخذ واحد بعد واحد، روي عن ابن عباس ~~أيضا. والثالث: تنقص أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم، قاله الزجاج. # والثاني: أنه التخوف نفسه، ثم فيه قولان: أحدهما: يأخذهم على خوف أن ~~يعاقب أو يتجاوز، قاله قتادة. والثاني: أنه يأخذ قرية لتخاف القرية ~~الأخرى، قاله الضحاك. وقال الزجاج: يأخذهم بعد أن يخيفهم بأن يهلك قرية ~~فتخاف التي تليها، فعلى هذا، خوفهم قبل هلاكهم، فلم يتوبوا، فاستحقوا ~~العذاب. # قوله تعالى: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } إذ لم يعجل بالعقوبة، وأمهل ~~للتوبة. ### || [16.48-50] # قوله تعالى: { أولم يروا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «أولم يروا» بالياء، وقرأ حمزة، والكسائي: «تروا» بالتاء، واختلف ~~عن عاصم. # قوله تعالى: { إلى ما خلق الله من شيء } أراد من شيء له ظل، من جبل، أو ~~شجر، أو جسم قائم { يتفيأ } قرأ الجماعة بالياء، وقرأ أبو عمرو، ~~ويعقوب بالتاء { ظلاله } وهو جمع ظل، وإنما جمع وهو مضاف إلى واحد، ~~لأنه واحد يراد به الكثرة، كقوله تعالى: # لتستووا على ظهوره # [الزخرف: 13] قال ابن قتيبة: ومعنى يتفيأ ظلاله: يدور ويرجع من جانب، ~~إلى جانب، والفيء: الرجوع، ومنه ms1117 قيل للظل بالعشي: فيىء، لأنه فاء عن ~~المغرب إلى المشرق. قال المفسرون: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى ~~القبلة، كان الظل قدامك، فإذا ارتفعت كان عن يمينك، فإذا كان بعد ذلك ~~كان خلفك، وإذا دنت للغروب كان على يسارك، وإنما وحد اليمين، والمراد ~~به: الجمع، إيجازا في اللفظ، كقوله تعالى: # ويولون الدبر # [القمر: 45]، ودلت «الشمائل» على أن المراد به الجميع، وقال الفراء: ~~إنما وحد اليمين، وجمع الشمائل، ولم يقل: الشمال، لأن كل ذلك جائز في ~~اللغة، وأنشد: # الواردون وتيم في ذرى سبأ # قد عض أعناقهم جلد الجواميس # ولم يقل: جلود، ومثله: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا # فإن زمانكم زمن خميص # وإنما جاز التوحيد، لأن أكثر الكلام يواجه به الواحد. # وقال غيره: اليمين راجعة إلى لفظ ما، وهو واحد، والشمائل راجعة إلى ~~المعنى. # قوله تعالى: { سجدا لله } قال ابن قتيبة: مستسلمة، منقادة، وقد ~~شرحنا هذا المعنى عند قوله تعالى: # وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد:15]. # وفي قوله تعالى: { وهم داخرون } قولان: # أحدهما: والكفار صاغرون. # والثاني: وهذه الأشياء داخرة مجبولة على الطاعة. قال الأخفش: إنما ذكر ~~من ليس من الإنس، لأنه لما وصفهم بالطاعة أشبهوا الإنس في الفعل. # قوله تعالى: { ولله يسجد مافي السموات... } الآية. الساجدون على ضربين: # أحدهما: من يعقل، فسجوده عبادة. # والثاني: من لا يعقل، فسجوده بيان أثر الصنعة فيه، والخضوع الذي يدل ~~على أنه مخلوق، هذا قول جماعة من العلماء، واحتجوا في ذلك بقول الشاعر: # بجيش تضل البلق في حجراته # ترى الأكم فيه سجدا للحوافر # قال ابن قتيبة: حجراته، أي: جوانبه، يريد أن حوافر الخيل قد قلعت ~~الأكم ووطئتها حتى خشعت وانخفضت. فأما الشمس والقمر والنجوم، فألحقها ~~جماعة بمن يعقل، فقال أبو العالية: سجودها حقيقة، ما منها غارب إلا ~~خر ساجدا بين يدي الله عز وجل، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، ويشهد ~~لقول أبي العالية، حديث أبي ذر قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المسجد حين وجبت الشمس، فقال: # " يا أبا ذر! تدري أين ذهبت الشمس» ms1118 قلت الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها ~~تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز وجل، فتستأذن في الرجوع، فيؤذن لها ~~فكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها ~~" # ، ثم قرأ: # والشمس تجري لمستقر لها # [يس: 38] أخرجه البخاري ومسلم. وأما النبات والشجر، فلا يخلو سجوده من ~~أربعة أشياء. # أحدها: أن يكون سجودا لا نعلمه، وهذا إذا قلنا: إن الله يودعه ~~فهما. والثاني: أنه تفيؤ ظلاله. والثالث: بيان الصنعة فيه. والرابع: ~~الانقياد لما سخر له. # قوله تعالى: { والملائكة } إنما أخرج الملائكة من الدواب، لخروجهم ~~بالأجنحة عن صفة الدبيب. # وفي قوله: { وهم لا يستكبرون. يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ~~قولان: # أحدهما: أنه من صفة الملائكة خاصة، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنه عام في جميع المذكورات، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي قوله: { من فوقهم } قولان ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: أنه ثناء على الله تعالى، وتعظيم لشأنه، وتلخيصه: يخافون ربهم ~~عاليا رفيعا عظيما. # والثاني: أنه حال، وتلخيصه: يخافون ربهم معظمين له عالمين بعظيم ~~سلطانه. ### || [16.51-52] # قوله تعالى: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } سبب نزولها: أن رجلا ~~من المسلمين دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال رجل من المشركين: أليس ~~يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين ~~اثنين؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. قال الزجاج: ذكر الاثنين توكيد، ~~كما قال تعالى: { إنما هو إله واحد }. # قوله تعالى: { وله الدين واصبا } في المراد بالدين أربعة أقوال: # أحدها: أنه الإخلاص، قاله مجاهد. والثاني: العبادة، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الحدود، والفرائض، قاله ~~عكرمة. # والرابع: الطاعة، قاله ابن قتيبة. # وفي معنى «واصبا» أربعة أقوال: # أحدها: دائما، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعكرمة، ~~ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، والثوري، واللغويون. قال أبو الأسود ~~الدؤلي: # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه # يوما بذم الدهر أجمع واصبا # قال ابن قتيبة: معنى الكلام: أنه ليس من أحد يدان له ms1119 ويطاع إلا ~~انقطع ذلك عنه بزوال أو هلكة، غير الله عز وجل، فإن الطاعة تدوم له. # والثاني: واجبا، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: خالصا، قاله الربيع بن أنس. # والرابع: وله الدين موصبا، أي: متعبا، لأن الحق ثقيل، وهو كما تقول ~~العرب: هم ناصب، أي: منصب، قال النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل أقاسيه بطيىء الكواكب # ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: له الدين، ~~والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به وسهل عليه، أو لم يسهل، فله الدين وإن ~~كان فيه الوصب، والوصب، شدة التعب. ### || [16.53-55] # قوله تعالى: { وما بكم من نعمة } قال الزجاج: المعنى: ما حل بكم من ~~نعمة، من صحة في جسم، أو سعة في رزق، أو متاع من مال وولد { فمن الله ~~} وقرأ ابن أبي عبلة: «فمن الله» بتشديد النون. # قوله تعالى: { ثم إذا مسكم الضر } قال ابن عباس: يريد الأسقام، ~~والأمراض، والحاجة. # قوله تعالى: { فإليه تجأرون } قال الزجاج: «تجأرون»: ترفعون أصواتكم ~~إليه بالاستغاثة، يقال: جأر يجأر جؤارا، والأصوات مبنية على ~~«فعال» و «فعيل» فأما «فعال» فنحو «الصراخ» و «الخوار»، وأما ~~«الفعيل» فنحو «العويل» و«الزئير»، والفعال أكثر. # قوله تعالى: { إذا فريق منكم } قال ابن عباس: يريد أهل النفاق. قال ابن ~~السائب: يعني الكفار. # قوله تعالى: { ليكفروا بما آتيناهم } قال الزجاج: المعنى: ليكفروا بأنا ~~أنعمنا عليهم، فجعلوا نعمنا سببا إلى الكفر، وهو كقوله تعالى: { ~~ربنا إنك آتيت فرعون } إلى قوله: # ليضلوا عن سبيلك # [يونس 88]، ويجوز أن يكون «ليكفروا»، أي: ليجحدوا نعمة الله في ذلك. # قوله تعالى: { فتمتعوا } تهدد، { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم. ### || [16.56-59] # قوله تعالى: { ويجعلون لما لا يعلمون } يعني: الأوثان. # وفي الذين لا يعلمون قولان: # أحدهما: أنهم الجاعلون، وهم المشركون، والمعنى: لما لا يعلمون لها ضرا ~~ولا نفعا؛ فمفعول العلم محذوف، وتقديره: ما قلنا، هذا قول مجاهد، ~~وقتادة. # والثاني: أنها الأصنام التي لا تعلم شيئا، وليس لها حس ولا معرفة، ~~وإنما قال: يعلمون، لأنهم لما نحلوها الفهم، أجراها مجرى من يعقل ~~على زعمهم، قاله ms1120 جماعة من أهل المعاني. قال المفسرون: وهؤلاء مشركو العرب ~~جعلوا لأوثانهم جزءا من أموالهم، كالبحيرة والسائبة وغير ذلك مما ~~شرحناه في [الأنعام:139]. # قوله تعالى: { تالله لتسألن } رجع عن الإخبار عنهم إلى الخطاب ~~لهم، وهذا سؤال توبيخ. # قوله تعالى: { ويجعلون لله البنات } قال المفسرون: يعني: خزاعة وكنانة، ~~زعموا أن الملائكة بنات الله { سبحانه } أي: تنزه عما زعموا. { ولهم ما ~~يشتهون } يعني: البنين. قال أبوسليمان: المعنى: ويتمنون لأنفسهم ~~الذكور. # قوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي: أخبر بأنه قد ولد له ~~بنت { ظل وجهه مسودا } قال الزجاج: أي: متغيرا تغير مغتم، يقال ~~لكل من لقي مكروها: قد اسود وجهه غما وحزنا. # قوله تعالى: { وهو كظيم } أي: يكظم شدة وجده، فلا يظهره، وقد شرحناه ~~في سورة [يوسف:84]. # قوله تعالى: { يتوارى من القوم } قال المفسرون: وهذا صنيع مشركي العرب، ~~كان أحدهم إذا ضرب امرأته المخاض، توارى إلى أن يعلم ما يولد له، ~~فإن كان ذكرا، سر به، وإن كانت أنثى، لم يظهر أياما يدبر كيف ~~يصنع في أمرها، وهو قوله تعالى: { أيمسكه على هون } فالهاء ترجع ~~إلى ما في قوله: { ما بشر به } ، والهون في كلام العرب: الهوان. ~~وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة، والجحدري: «على هوان» والدس: إخفاء ~~الشيء، في الشيء، وكانوا يدفنون البنت وهي حية { ألا ساء ما يحكمون } ~~إذ جعلوا لله البنات اللاتي محلهن منهم هذا، ونسبوه إلى الولد، ~~وجعلوا لأنفسهم البنين. ### || [16.60] # قوله تعالى: { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: صفة ~~السوء من احتياجهم إلى الولد، وكراهتهم للإناث، خوف الفقر والعار { ~~ولله المثل الأعلى } أي: الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد. ### || [16.61] # قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } أي: بشركهم ومعاصيهم، ~~كلما وجد شيء منهم أوخذوا به { ما ترك على ظهرها } يعني: الأرض، وهذه ~~كناية عن غير مذكور، غير أنه مفهوم، لأن الدواب إنما هي على الأرض. # وفي قوله: { من دابة } ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه عنى جميع ما يدب على وجه الأرض، قاله ابن مسعود. قال ~~قتادة: ms1121 وقد فعل ذلك في زمن نوح عليه السلام، وقال السدي: المعنى: لأقحط ~~المطر فلم تبق دابة إلا هلكت، وإلى نحوه ذهب مقاتل. # والثاني: أنه أراد من الناس خاصة، قاله ابن جريج. # والثالث: من الإنس والجن، قاله ابن السائب، وهو اختيار الزجاج. # قوله تعالى: { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } وهو منتهى آجالهم، وباقي ~~الآية قد تقدم [الأعراف: 34]. ### || [16.62] # قوله تعالى: { ويجعلون لله ما يكرهون } المعنى: ويحكمون له بما يكرهونه ~~لأنفسهم، وهو البنات، { وتصف ألسنتهم الكذب } أي: تقول الكذب، وقرأ أبو ~~العالية، والنخعي، وابن أبي عبلة: «الكذب» بضم الكاف والذال. ثم فسر ~~ذلك الكذب بقوله: { أن لهم الحسنى } وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها البنون، قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أنها الجزاء الحسن من الله تعالى، قاله الزجاج. # والثالث: [أنها] الجنة، وذلك أنه لما وعد الله المؤمنين الجنة، قال ~~المشركون: إن كان ما تقولونه حقا، لندخلنها قبلكم، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. # قوله تعالى: { لا جرم } قد شرحناها فيما مضى [هود: 22]. وقال الزجاج: ~~«لا» رد لقولهم، والمعنى: ليس ذلك كما وصفوا «جرم» أن لهم النار، ~~المعنى: جرم فعلهم، أي: كسب فعلهم هذا { أن لهم النار وأنهم مفرطون } ~~وفيه أربعة أوجه، قرأ الأكثرون: «مفرطون» بسكون الفاء وتخفيف الراء ~~وفتحها، وفي معناها قولان: # أحدهما: متركون، قاله ابن عباس. وقال الفراء: منسيون في النار. # والثاني: معجلون، قاله ابن عباس أيضا. وقال ابن قتيبة: معجلون ~~إلى النار. قال الزجاج: معنى «الفرط» في اللغة: المتقدم، فمعنى ~~«مفرطون»: مقدمون إلى النار، ومن فسرها «متركون» فهو كذلك ~~[أيضا]، أي: قد جعلوا مقدمين إلى العذاب أبدا، متروكين فيه. وقرأ ~~نافع، ومحبوب. عن أبي عمرو، وقتيبة عن الكسائي «مفرطون» بسكون الفاء ~~وكسر الراء وتخفيفها، قال الزجاج: ومعناها: أنهم أفرطوا في معصية الله. ~~وقرأ أبو جعفر وابن أبي عبلة «مفرطون» بفتح الفاء وتشديد الراء ~~وكسرها، قال الزجاج. ومعناها: أنهم فرطوا في الدنيا فلم يعملوا فيها ~~للآخرة، وتصديق هذه القراءة # يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله # [الزمر: 56]. وروى الوليد بن مسلم عن ابن ms1122 عامر «مفرطون» بفتح الفاء ~~والراء وتشديدها، قال الزجاج: وتفسيرها كتفسير القراءة الأولى، فالمفرط ~~والمفرط بمعنى واحد. ### || [16.63-64] # قوله تعالى: { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } قال المفسرون: هذه ~~تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم { فزين لهم الشيطان أعمالهم } الخبيثة ~~حتى عصوا وكذبوا، { فهو وليهم اليوم } فيه قولان: # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله ابن السائب، ومقاتل، كأنهما أرادا: فهو ~~وليهم يوم تكون لهم النار. # والثاني: أنه الدنيا، فالمعنى: فهو مواليهم في الدنيا { ولهم عذاب أليم ~~} في الآخرة، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { إلا لتبين لهم } يعني: الكفار { الذي اختلفوا فيه ~~} أي: ما خالفوا فيه المؤمنين من التوحيد والبعث والجزاء، فالمعنى: ~~أنزلناه بيانا لما وقع فيه الاختلاف. ### || [16.65-67] # قوله تعالى: { والله أنزل من السماء ماء } يعني: المطر { فأحيا به ~~الأرض بعد موتها } أي: بعد يبسها { إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } أي: ~~يعتبرون. # قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم } قرأ أبو عمرو، ~~وابن كثير، وحمزة، والكسائي: «نسقيكم» بضم النون، ومثله في ~~[المؤمنين:21]. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبوبكر عن عاصم: «نسقيكم» بفتح ~~النون فيهما. وقرأ أبو جعفر: «تسقيكم» بتاء مفتوحة، وكذلك في ~~[المؤمنين:21]، وقد سبق بيان الأنعام. وذكرنا معنى «العبرة» في [آل ~~عمران:13]، والفرق بين «سقى» و «أسقى» في [الحجر:22]. # فأما قوله: { مما في بطونه } فقال الفراء: النعم والأنعام شيء واحد، ~~وهما جمعان، فرجع التذكير إلى معنى «النعم» إذ كان يؤدي عن الأنعام، ~~أنشدني بعضهم. # وطاب ألبان اللقاح وبرد # فرجع إلى اللبن، لأن اللبن والألبان في معنى؛ قال: وقال الكسائي: أراد: ~~نسقيكم مما في البطون ما ذكرنا، وهو صواب، أنشدني بعضهم: # مثل الفراخ نتفت حواصله # وقال المبرد: هذا فاش في القرآن، كقوله للشمس: # هذا ربي # [الأنعام: 78] يعني: هذا الشيء الطالع؛ وكذلك { وإني مرسلة إليهم ~~بهدية } ثم قال: # فلما جاء سليمان # [النمل:35، 36] ولم يقل: «جاءت» لأن المعنى: جاء الشيء الذي ذكرنا، وقال ~~أبو عبيدة: الهاء في «بطونه» للبعض، والمعنى: نسقيكم مما في بطون البعض ~~الذي له لبن، لأنه ليس لكل ms1123 الأنعام لبن، وقال ابن قتيبة: ذهب بقوله: { ~~مما في بطونه } إلى النعم، والنعم تذكر وتؤنث، والفرث: ما ~~في الكرش، والمعنى: أن اللبن كان طعاما، فخلص من ذلك الطعام دم، وبقي ~~منه فرث في الكرش، وخلص من ذلك الدم { لبنا خالصا سائغا للشاربين } ~~أي: سهلا في الشرب لا يشجى به شاربه، ولا يغص. وقال بعضهم: سائغا، ~~أي: لا تعافه النفس وإن كان قد خرج من بين فرث ودم. وروى أبو صالح عن ~~ابن عباس قال: إذا استقر العلف في الكرش، طحنه، فصار أسفله فرثا، ~~وأعلاه دما، وأوسطه لبنا، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة، ~~فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش. # قوله تعالى: { ومن ثمرات النخيل والأعناب } تقدير الكلام: ولكم من ~~ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا. والعرب تضمر { ما } كقوله: # وإذا رأيت ثم # [الإنسان: 20] أي: ما ثم. والكناية في «منه» عائدة على «ما» المضمرة. ~~وقال الأخفش: إنما لم يقل: منهما، لأنه أضمر الشيء، كأنه قال: ومنها شيء ~~تتخذون منه سكرا. # وفي المراد بالسكر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الخمر، قاله ابن مسعود، وابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وإبراهيم ابن أبي ليلى، والزجاج، وابن قتيبة، وروى عمرو بن سفيان ~~عن ابن عباس قال: السكر: ما حرم من ثمرتها، وقال هؤلاء المفسرون: ~~وهذه الآية نزلت إذ كانت الخمرة مباحة، ثم نسخ [ذلك] بقوله: # فاجتنبوه # [المائدة:90] وممن ذكر أنها منسوخة، سعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، ~~والنخعي. # والثاني: أن السكر: الخل، بلغة الحبشة، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~وقال الضحاك: هو الخل، بلغة اليمن. # والثالث: أن «السكر» الطعم، يقال: هذا له سكر، أي: طعم، ~~وأنشدوا: # جعلت عيب الأكرمين سكرا # قاله أبو عبيدة: فعلى هذين القولين، الآية محكمة. فأما الرزق الحسن، فهو ~~ما أحل منهما، كالتمر، والعنب، والزبيب، والخل، ونحو ذلك. ### || [16.68-69] # قوله تعالى: { وأوحى ربك إلى النحل } في هذا الوحي قولان: # أحدهما: أنه إلهام، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، ~~ومقاتل. # والثاني: أنه أمر، رواه ms1124 العوفي عن ابن عباس. وروى ابن مجاهد عن أبيه ~~قال: أرسل إليها. والنحل: زنابير العسل، واحدتها نحلة. و «يعرشون» ~~يجعلونه عريشا. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم «يعرشون» بضم ~~الراء، وهما لغتان، يقال: «يعرش» و { يعرش } مثل { يعكف } { ويعكف ~~}. ثم فيه قولان: # أحدهما: ما يعرشون من الكروم، قاله ابن زيد. # والثاني: أنها سقوف البيوت، قاله الفراء. وقال ابن قتيبة: كل شيء عرش، ~~من كرم، أو نبات، أو سقف، فهو عرش، ومعروش. وقيل: المراد ب { مما ~~يعرشون }: مما يبنون لهم من الأماكن التي تلقي فيها العسل، ولولا ~~التسخير، ما كانت تأوي إليها. # قوله تعالى: { ثم كلي من كل الثمرات } قال ابن قتيبة: أي: من الثمرات، ~~و«كل» هاهنا ليست على العموم، ومثله قوله: # تدمر كل شيء # [الأحقاف: 25]. قال الزجاج: فهي تأكل الحامض، والمر، ومالا يوصف ~~طعمه، فيحيل الله عز وجل من ذلك عسلا. # قوله تعالى: { فاسلكي سبل ربك } السبل: الطرق، وهي التي ~~يطلب فيها الرعي. «والذلل» جمع ذلول. وفي الموصوف بها قولان: # أحدهما: أنها السبل، فالمعنى: اسلكي السبل مذللة لك، فلا ~~يتوعر عليها مكان سلكته، وهذا قول مجاهد، واختيار الزجاج. # والثاني: أنها النحل، فالمعنى: إنك مذللة بالتسخير لبني آدم، ~~وهذا وقول قتادة، واختيار ابن قتيبة. # قوله تعالى: { يخرج من بطونها شراب } يعني: العسل { مختلف ألوانه } قال ~~ابن عباس: منه أحمر، وأبيض، وأصفر. قال الزجاج: «يخرج» من بطونها، إلا ~~أنها تلقيه من أفواهها، وإنما قال. من بطونها، لأن استحالة الأطعمة لا ~~تكون إلا في البطن، فيخرج كالريق الدائم الذي يخرج من فم ابن آدم. ~~قوله تعالى: { فيه شفاء للناس } في هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى العسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~مسعود. واختلفوا، هل الشفاء الذي فيه يختص بمرض دون غيره، أم لا؟ على ~~قولين: # أحدهما: أنه عام في كل مرض. قال ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء. وقال ~~قتادة: فيه شفاء للناس من الأدواء. وقد روى أبو سعيد الخدري قال: # " جاء رجل إلى رسول ms1125 الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق ~~بطنه، فقال: «اسقه عسلا» فسقاه، ثم أتى فقال: قد سقيته فلم يزده ~~إلا استطلاقا، قال: «اسقه، عسلا»، فذكر الحديث.. إلى أن قال: ~~فشفي، إما في الثالثة، وإما في الرابعة. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «صدق الله، وكذب بطن أخيك» " # أخرجه البخاري، ومسلم. ويعني: بقوله «صدق الله»: هذه الآية. والثاني: ~~فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه، قاله السدي. والصحيح أن ذلك خرج مخرج ~~الغالب. قال ابن الأنباري: الغالب على العسل أنه يعمل في الأدواء، ويدخل ~~في الأدوية، فإذا لم يوافق آحاد المرضى، فقد وافق الأكثرين، وهذا كقول ~~العرب: الماء حياة كل شيء، وقد نرى من يقتله الماء، وإنما الكلام على ~~الأغلب. # والثاني: أن الهاء ترجع إلى الاعتبار. والشفاء: بمعنى الهدى، قاله ~~الضحاك. # والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله مجاهد. ### || [16.70] # قوله تعالى: { والله خلقكم } أي: أوجدكم ولم تكونوا شيئا { ثم ~~يتوفاكم } عند انقضاء آجالكم، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ~~وهو أردؤه، وأدونه، وهي حالة الهرم. وفي مقداره من السنين ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: خمس وسبعون سنة، قاله علي عليه السلام. # والثاني: تسعون سنة، قاله قتادة. # والثالث: ثمانون سنة، قاله قطرب. # قوله تعالى: { لكي لا يعلم بعد علم شيئا } قال الفراء: لكي لا يعقل من ~~بعد عقله الأول شيئا. وقال ابن قتيبة: أي: حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور ~~شيئا، لشدة هرمه. وقال الزجاج: المعنى: أن منكم من يكبر حتى يذهب ~~عقله خرفا، فيصير بعد أن كان عالما جاهلا، ليريكم من قدرته، كما ~~قدر على إماتته وإحيائه، أنه قادر على نقله من العلم إلى الجهل. ~~وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ليس هذا في المسلمين، المسلم لا يزداد في ~~طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله، وعقلا، ومعرفة. وقال عكرمة: ~~من قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر. ### || [16.71] # قوله تعالى: { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } يعني: فضل السادة على ~~المماليك { فما الذين فضلوا } يعني: السادة { برادي رزقهم ms1126 على ~~ماملكت أيمانهم } فعبرت «ما» عن «من» لأنه موضع إبهام، تقول: ما في ~~الدار؟ فيقول المخاطب: رجلان أو ثلاثة، ومعنى الآية: أن المولى لا يرد ~~على ماملكت يمينه من ماله حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء، وهو ~~مثل ضربه الله تعالى للمشركين الذين جعلوا الأصنام شركاء له، والأصنام ~~ملكا له، يقول: إذا لم يكن عبيدكم معكم في الملك سواء، فكيف تجعلون ~~عبيدي معي سواء، وترضون لي ما تأنفون لأنفسكم منه؟! وروى العوفي عن ابن ~~عباس، قال: لم يكونوا أشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون ~~عبيدي معي في سلطاني؟ # وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ~~ابن الله تعالى. # قوله تعالى: { أفبنعمة الله يجحدون } قرأ أبو بكر عن عاصم: «تجحدون» ~~بالتاء وفي هذه النعمة قولان: # أحدهما: حجته وهدايته. والثاني: فضله ورزقه. ### || [16.72-75] # قوله تعالى: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } يعني النساء. وفي معنى ~~{ من أنفسكم } قولان: # أحدهما: أنه خلق آدم، ثم خلق زوجته منه، قاله قتادة. # والثاني: «من أنفسكم»، أي: من جنسكم من بني آدم، قاله ابن زيد. وفي ~~الحفدة خمسة أقوال: # أحدها: أنهم الأصهار، أختان الرجل على بناته، قاله ابن مسعود، وابن عباس ~~في رواية، ومجاهد في رواية، وسعيد بن جبير، والنخعي، وأنشدوا من ذلك: # ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت # لها حفد مما يعد كثير # ولكنها نفس علي أبية # عيوف لأصهار اللئام قذور # والثاني: أنهم الخدم، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية ~~الحسن، وطاووس وعكرمة في رواية الضحاك، وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما: ~~أنه يراد بالخدم: الأولاد. فيكون المعنى: أن الأولاد يخدمون. قال ابن ~~قتيبة: الحفدة: الخدم والأعوان، فالمعنى: هم بنون، وهم خدم. وأصل ~~الحفد: مداركة الخطو والإسراع في المشي، وإنما يفعل الخدم هذا، فقيل ~~لهم: حفدة. ومنه يقال في دعاء الوتر: «وإليك نسعى ونحفد». والثاني: ~~أن يراد بالخدم، المماليك، فيكون معنى الآية: وجعل لكم من أزواجكم بنين، ~~وجعل لكم حفدة من غير الأزواج، ذكره ابن ms1127 الأنباري. # والثالث: أنهم بنو امرأة الرجل من غيره، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال الضحاك. # والرابع: أنهم ولد الولد، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والخامس: أنهم كبار الأولاد، والبنون: صغارهم، قاله ابن السائب، ومقاتل. ~~قال مقاتل: وكانوا في الجاهلية تخدمهم أولادهم. قال الزجاج: وحقيقة هذا ~~الكلام أن الله تعالى جعل من الأزواج بنين، ومن يعاون على ما يحتاج ~~إليه بسرعة وطاعة. # قوله تعالى: { ورزقكم من الطيبات } قاله ابن عباس: يريد: من أنواع ~~الثمار والحبوب والحيوان. # قوله تعالى: { أفبالباطل يؤمنون } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الأصنام، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الشريك والصاحبة والولد، فالمعنى: يصدقون أن لله ذلك؟! ~~قاله عطاء. # والثالث: أنه الشيطان، أمرهم بتحريم البحيرة والسائبة، فصدقوا. وفي ~~المراد ب «نعمة الله» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها التوحيد، قاله ابن عباس. والثاني: القرآن والرسول. # والثالث: الحلال الذي أحله الله لهم. # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا } وفي المشار ~~إليه قولان: # أحدهما: أنها الأصنام، قاله قتادة. والثاني: الملائكة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { من السموات } يعني: المطر، { و } من { الأرض } النبات، ~~والثمر. # قوله تعالى: { شيئا } قال الأخفش: جعل «شيئا» بدلا من الرزق، ~~والمعنى: لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا، { ولا يستطيعون } أي: لا ~~يقدرون على شيء. قال الفراء: وإنما قال في أول الكلام: «يملك» وفي آخره: ~~«يستطيعون»، لأن «ما» في مذهب: جمع لآلهتهم، فوحد «يملك» على لفظ «ما» ~~وتوحيدها، وجمع في «يستطيعون» على المعنى، كقوله: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42]. # قوله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال } أي: لا تشبهوه بخلقه، لأنه ~~لا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، فالمعنى: لا تجعلوا له شريكا. # وفي قوله: { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } أربعة أقوال: # أحدها: يعلم ضرب المثل، وأنتم لا تعلمون ذلك، قاله ابن السائب. # والثاني: يعلم أنه ليس له شريك، وأنتم لا تعلمون أنه ليس له شريك، قاله ~~مقاتل. # والثالث: يعلم خطأ ما تضربون من الأمثال، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من ~~خطئه. # والرابع: يعلم ما كان ms1128 ويكون، وأنتم لا تعلمون قدر عظمته حين أشركتم به، ~~ونسبتموه إلى العجز عن بعث خلقه. ### || [16.76] # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا } أي: بين شبها فيه بيان المقصود، ~~وفيه قولان: # أحدهما: انه مثل للمؤمن والكافر. فالذي { لا يقدر على شيء } هو ~~الكافر، لأنه لا خير عنده، وصاحب الرزق هو المؤمن، ابن لما عنده من ~~الخير، هذا قول عباس، وقتادة. # والثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللأوثان، لأنه مالك كل شيء، ~~وهي لا تملك شيئا، هذا قول مجاهد، والسدي. وذكر في التفسير أن هذا ~~المثل ضرب بقوم كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم ~~قولان: # أحدهما: أن المملوك: أبو الجوار، وصاحب الرزق الحسن: سيده هشام ابن ~~عمرو، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال مقاتل: المملوك: أبو الحواجر. # والثاني: أن المملوك: أبو جهل بن هشام، وصاحب الرزق الحسن: أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه، قاله ابن جريج. فأما قوله: { هل يستوون } ولم يقل: ~~يستويان، لأن المراد: الجنس. وقال ابن الأنباري: لفظ «من» لفظ توحيد، ~~ومعناها معنى الجمع، ولم يقع المثل بعبد معين، ومالك معين، لكن ~~عني بهما جماعة عبيد، وقوم مالكون، فلما فارق من تأويل الجمع، جمع ~~عائدها لذلك. # وقوله تعالى: { الحمدالله } أي: هو المستحق للحمد، لأنه المنعم، ولا ~~نعمة للأصنام، { بل أكثرهم } يعني المشركين { لا يعلمون } أن الحمد لله. ~~قال العلماء: وصف أكثرهم بذلك، والمراد: جميعهم. # قوله تعالى: { وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم } قد فسرنا «البكم» ~~في [البقرة: 18]. ومعنى «لايقدر على شيء» أي: من الكلام، لأنه لا يفهم ~~ولا يفهم عنه. { وهو كل على مولاه } قال ابن قتيبة: أي: ثقل على ~~وليه وقرابته. وفيمن أريد بهذا المثل أربعة أقوال: # أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالكافر هو الأبكم، ~~والذي يأمر بالعدل [هو] المؤمن، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان، هو الذي يأمر بالعدل، وفي مولى له ~~كان يكره الإسلام وينهى عثمان عن النفقة في سبيل الله، وهو الأبكم، ~~رواه ms1129 إبراهيم بن يعلى بن منية عن ابن عباس. # والثالث: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه، وللوثن. فالوثن: هو الأبكم، ~~والله تعالى: هو الآمر بالعدل، وهذا قول مجاهد، وقتادة، وابن السائب، ~~ومقاتل. # والرابع: أن المراد بالأبكم: أبي بن خلف، وبالذي يأمر بالعدل: حمزة، ~~وعثمان ابن عفان، وعثمان بن مظعون، قاله عطاء. فيخرج على هذه الأقوال في ~~معنى «مولاه» قولان. # أحدهما: أنه مولى حقيقة، إذا قلنا: إنه رجل من الناس. # والثاني: أنه بمعنى الولي، إذا قلنا: إنه الصنم، فالمعنى: وهو ثقل ~~على وليه الذي يخدمه ويزينه. ويخرج في معنى «أينما توجه» قولان. ~~إن قلنا: إنه رجل، فالمعنى: أينما يرسله. والتوجيه: الإرسال في وجه من ~~الطريق. # وإن قلنا: إنه الصنم، ففي معنى الكلام قولان: # أحدهما: أينما يدعوه، لا يجيبه، قاله مقاتل. # والثاني: أينما توجه تأميله إياه ورجاه له، لا يأته ذلك بخير، فحذف ~~التأميل، وخلفه الصنم، كقوله: # ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] أي: على ألسنة رسلك. وقرأ البزي عن ابن محيصن «أينما ~~توجهه» بالتاء على الخطاب. # فأما قوله: { لا يأت بخير } فان قلنا: هو رجل، فانما كان كذلك، لأنه لا ~~يفهم ما يقال له، ولا يفهم عنه، إما لكفره وجحوده، أو لبكم به. ~~وإن قلنا: إنه الصنم، فلكونه جمادا. { هل يستوي هو } أي: هذا الأبكم { ~~ومن يأمر بالعدل } أي: ومن هو قادر على التكلم، ناطق الحق. ### || [16.77] # قوله تعالى: { ولله غيب السموات والأرض } قد ذكرناه في آخر [هود: 123] ~~وسبب نزول هذه الآية أن كفار مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~متى الساعة؟ فنزلت هذه، قاله مقاتل. وقال ابن السائب: المراد بالغيب ~~هاهنا: قيام الساعة. # قوله تعالى: { وما أمر الساعة } يعني: القيامة { إلا كلمح البصر } ~~واللمح: النظر بسرعة، والمعنى: إن القيامة في سرعة قيامها وبعث الخلائق، ~~كلمح العين، لأن الله تعالى يقول: # كن فيكون # [البقرة: 117]. { أو هو أقرب } قال مقاتل: بل هو أسرع. وقال الزجاج: ليس ~~المراد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنه يصف سرعة القدرة على ~~الإتيان ms1130 بها متى شاء. ### || [16.78] # قوله تعالى: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم } قرأ حمزة: ~~«إمهاتكم» بكسر الألف والميم، وقرأ الكسائي بكسر الإلف وفتح الميم، ~~والباقون بضم الألف وفتح الميم، وكذلك في [النور: 61] و [الزمر: 6] و ~~[النجم: 32]، ولا خلاف بينهم في الابتداء بضم الهمزة. # قوله تعالى: { وجعل لكم السمع } لفظه لفظ الواحد، والمراد به الجميع، ~~وقد بينا علة ذلك في أول [البقرة: 7]. والأفئدة: جمع فؤاد. قال ~~الزجاج: مثل: غراب وأغربة، ولم يجمع «فؤاد» على أكثر العدد، لم يقل فيه: ~~«فئدان» مثل غراب وغربان. وقال أبو عبيدة: وإنما جعل لهم السمع ~~والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم، غير أن العرب تقدم وتؤخر، وأنشد: # ضخم تعلق أشناق الديات به # إذا المؤون أمرت فوقه حملا # [الشنق: ما بين الفريضتين]. والمؤون أعظم من الشنق، فبدأ بالأقل ~~قبل الأعظم. # قال المفسرون: ومقصود الآية: أن الله تعالى أبان نعمه عليهم حيث أخرجهم ~~جهالا بالأشياء، وخلق لهم الآلات التي يتوصلون بها إلى العلم. ### || [16.79] # قوله تعالى: { مسخرات في جو السماء } قال الزجاج: هو الهواء البعيد من ~~الأرض. # قوله تعالى: { ما يمسكهن إلا الله } فيه قولان: # أحدهما: ما يمسكهن عند قبض أجنحتهن وبسطها أن يقعن على الأرض ~~إلا الله، قاله الأكثرون. # والثاني: ما يمسكهن أن يرسلن الحجارة على شرار هذه الأمة، كما ~~فعل بغيرهم، إلا الله، قاله ابن السائب. ### || [16.80-83] # قوله تعالى: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } أي: موضعا تسكنون ~~فيه، وهي المساكن المتخذة من الحجر والمدر تستر العورات والحرم، ~~وذلك أن الله تعالى خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن بناء البيت ~~وتسقيفه، { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } وهي القباب والخيم المتخذة ~~من الأدم { تستخفونها } أي: يخف عليكم حملها { يوم ظعنكم } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو «ظعنكم» بفتح العين. وقرأ عاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي بتسكين العين، وهما لغتان، كالشعر والشعر، ~~والنهر والنهر، والمعنى: إذا سافرتم، { ويوم إقامتكم } أي: لا ~~تثقل عليكم في الحالين. { ومن أصوافها } يعني: الضأن { وأوبارها } يعني: ~~الإبل { وأشعارها } يعني: المعز { أثاثا } قال الفراء: ms1131 الأثاث: المتاع، ~~لا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له. والعرب تقول: جمع المتاع أمتعه، ~~ولو جمعت الأثاث، لقلت: ثلاثة أإثة، وأثث: مثل أعثة وغثث لا غير. ~~وقال ابن قتيبة: الأثاث: متاع البيت من الفرش والأكسية. قال أبو زيد: ~~واحد الأثاث: أثاثة. وقال الزجاج: يقال: قد أث يأث أثا: إذا صار ~~ذا أثاث. وروي عن الخليل أنه قال: أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع ~~إلى بعض، ومنه: شعر أثيث. # فأما قوله: { ومتاعا } فقيل: إنما جمع بينة وبين الأثاث، لاختلاف ~~اللفظين. # وفي قوله: { إلى حين } قولان: # أحدهما: أنه الموت، والمعنى: ينتفعون به إلى حين الموت، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. # والثاني: أنه إلى حين البلى، فالمعنى: إلى أن يبلى ذلك الشيء، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: { والله جعل لكم مما خلق ظلالا } أي: مايقيكم حر الشمس، ~~وفيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه ظلال الغمام، قاله ابن عباس. # والثاني: ظلال البيوت، [قاله ابن السائب. # والثالث: ظلال الشجر، قاله قتادة، والزجاج. # والرابع: ظلال الشجر والجبال]، قاله ابن قتيبة. # والخامس: انه كل شيء له ظل من حائط، وسقف، وشجر، وجبل، وغير ذلك، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { وجعل لكم من الجبال أكنانا } أي: مايكنكم من الحر ~~والبرد، وهي الغيران والأسراب. وواحد الأكنان «كن» وكل شيء وقى شيئا ~~وستره فهو «كن» { وجعل لكم سرابيل } وهي القمص { تقيكم الحر } ولم ~~يقل: البرد، لأن ماوقى من الحر، وقى من البرد، وأنشد: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # وقال الزجاج: إنما خص الحر، لأنهم كانوا في مكاناتهم أكثر معاناة له ~~من البرد، وهذا مذهب عطاء الخراساني. # قوله تعالى: { وسرابيل تقيكم بأسكم } يريد الدروع التي يتقون بها ~~شدة الطعن والضرب في الحرب. # قوله تعالى: { كذلك يتم نعمته عليكم } أي: مثلما أنعم الله عليكم بهذه ~~الأشياء، يتم نعمته عليكم في الدنيا { لعلكم تسلمون } والخطاب لأهل ~~مكة، وكان أكثرهم حينئذ كفارا، ولو قيل: إنه خطاب للمسلمين، فالمعنى: ~~لعلكم تدومون على الإسلام، وتقومون بحقه. # وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، ms1132 وعكرمة، وأبو رجاء: «لعلكم تسلمون» ~~بفتح التاء واللام، على معنى: لعلكم إذا لبستم الدروع تسلمون من ~~الجراح في الحرب. # قوله تعالى: { فإن تولوا } أعرضوا عن الإيمان { فإنما عليك البلاغ ~~المبين } وهذه عند المفسرين منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها } وفي هذه النعمة قولان: # أحدهما: أنها [المساكن] نعم الله عز وجل عليهم في الدنيا. وفي إنكارها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم يقولون: هذه ورثناها [عن آبائنا]. روى ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد قال: نعم الله: المساكن، والأنعام، وسرابيل الثياب، والحديد، ~~يعرفه كفار قريش، ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم، ~~وهذا عن مجاهد. والثاني: أنهم يقولون: لولا فلان، لكان كذا، فهذا ~~إنكارهم، قاله عون بن عبد الله. والثالث: يعرفون أن النعم من الله، ولكن ~~يقولون: هذه بشفاعة آلهتنا، قاله ابن السائب، والفراء وابن قتيبة. # والثاني: أن المراد بالنعمة هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون أنه ~~نبي ثم يكذبونه، وهذا مروي عن مجاهد، والسدي، والزجاج. # قوله تعالى: { وأكثرهم الكافرون } قال الحسن: وجميعهم كفار، فذكر ~~الأكثر، والمراد به الجميع. ### || [16.84-87] # قوله تعالى: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } يعني: يوم القيامة، وشاهد ~~كل أمة نبيها يشهد عليها بتصديقها وتكذبيها، { ثم لا يؤذن للذين ~~كفروا } في الاعتذار { ولا هم يستعتبون } أي: لا يطلب منهم أن يرجعوا ~~إلى ما أمر الله به، لأن الآخرة ليست بدار تكليف. # قوله تعالى: { وإذا رأى الذين ظلموا } أي: أشركوا { العذاب } يعني: ~~النار { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } لا يؤخرون، ولا ~~يمهلون. { وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم } يعني: الأصنام التي جعلوها ~~شركاء لله في العبادة، وذلك أن الله يبعث كل معبود من دونه، فيقول ~~المشركون: { ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو } أي: نعبد من دونك. # فان قيل: فهذا معلوم عند الله تعالى، فما فائدة قولهم: «هؤلاء شركاؤنا»؟ ~~فعنه جوابان: # أحدهما: أنهم لما كتموا الشرك في قولهم: والله ما كنا مشركين، عاقبهم ~~الله تعالى باصمات ألسنتهم، وإنطاق جوارحهم، فقالوا عند معاينه آلهتهم: ~~{ رنبا ms1133 هؤلاء شركاؤنا } أي: قد أقررنا بعد الجحد، وصدقنا بعد الكذب، ~~التماسا للرحمة، وفرارا من الغضب، وكأن هذا القول منهم على وجه ~~الاعتراف بالذنب، لا على وجه إعلام من لا يعلم. # والثاني: أنهم لما عاينوا عظم غضب الله تعالى قالوا: هؤلاء شركاؤنا، ~~تقدير أن يعود عليهم من هذا القول روح، وأن تلزم الأصنام إجرامهم، أو ~~بعض ذنوبهم إذ كانوا يدعون لها العقل والتمييز، فأجابتهم الأصنام بما ~~حسم طمعهم. # قوله تعالى: { فألقوا إليهم القول } أي: أجابوهم وقالوا لهم { إنكم ~~لكاذبون } قال الفراء: ردت عليهم آلهتهم قولهم. وقال أبو عبيدة: «فألقوا» ~~أي: قالوا لهم. يقال: ألقيت إلى فلان كذا. أي: قلت له. قال العلماء: ~~كذبوهم في عبادتهم إياهم، وذلك أن الأصنام كانت جمادا لا تعرف ~~عابديها، فظهرت فضيحتهم يومئذ إذ عبدوا من لم يعلم بعبادتهم، وذلك ~~كقوله: # سيكفرون بعبادتهم # [مريم: 83]. قوله تعالى: { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } ~~المعنى: أنهم استسلموا له. وفي المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم ~~المشركون، قاله الأكثرون. ثم في معنى استسلامهم. قولان: أحدهما: أنهم ~~استسلموا [له] بالإقرار بتوحيده وربوبيته. والثاني: أنهم استسلموا ~~لعذابه. # والثاني: أنهم المشركون والأصنام كلهم. قال الكلبي: والمعنى: أنهم ~~استسلموا لله منقادين لحكمه. # قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } فيه قولان: # أحدهما: بطل قولهم أنها تشفع لهم. والثاني: ذهب عنهم ما زين لهم ~~الشيطان أن لله شريكا وولدا. ### || [16.88-89] # قوله تعالى: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } قال ابن عباس: منعوا ~~الناس من طاعة الله والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { زدناهم عذابا فوق العذاب } إنما نكر العذاب [الأول]، ~~لأنه نوع خاص لقوم بأعيانهم، وعرف العذاب الثاني، لأنه العذاب الذي ~~يعذب به أكثر أهل النار، فكان في شهرته بمنزلة النار في قول القائل: ~~نعوذ بالله من النار، وقد قيل: إنما زيدوا هذا العذاب على ما يستحقونه ~~من عذابهم، بصدهم عن سبيل الله. وفي صفة هذا العذاب الذي زيدوا أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها عقارب كأمثال النخل الطوال، رواه مسروق عن ابن مسعود. # والثاني: أنها حيات ms1134 كأمثال الفيلة، وعقارب كأمثال البغال، رواه ~~زر عن ابن مسعود. # والثالث: أنها خمسة أنهار من صفر مذاب تسيل من تحت العرش يعذبون ~~بها. ثلاثة على مقدار الليل، واثنان على مقدار النهار، قاله ابن عباس. # والرابع: أنه الزمهرير، ذكره ابن الأنباري. # قال الزجاج: يخرجون من حر النار إلى الزمهرير، فيتبادرون من شدة ~~برده إلى النار. # قوله تعالى: { وجئنا بك شهيدا على هؤلاء } وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم قومه، قاله ابن عباس. # والثاني: أمته، قاله مقاتل. وتم الكلام هاهنا. ثم قال: { ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا } قال الزجاج: التبيان: اسم في معنى البيان. # فأما قوله تعالى: { لكل شيء } فقال العلماء بالمعاني: يعني: لكل شيء من ~~أمور الدين، إما بالنص عليه، أو بالإحالة على ما يوجب العلم، مثل بيان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين. ### || [16.90-93] # قوله تعالى: { إن الله يأمر بالعدل } فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه شهادة أن لا إله إلا الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنه الحق، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه استواء السريرة والعلانية في العمل لله تعالى، قاله سفيان ~~بن عيينة. # والرابع: أنه القضاء بالحق، ذكره الماوردي. قال أبو سليمان: العدل في ~~كلام العرب: الإنصاف، وأعظم الإنصاف: الاعتراف للمنعم بنعمته. # وفي المراد بالإحسان خمسة أقوال: # أحدها: أنه أداء الفرائض، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: ~~العفو، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: الإخلاص، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. والرابع: أن تعبد الله كأنك تراه، رواه عطاء عن ابن عباس. ~~والخامس: أن تكون السريرة أحسن من العلانية، قاله سفيان بن عيينة. # فأما قوله تعالى: { وإيتاء ذي القربي } فالمراد به: صلة الأرحام. وفي ~~الفحشاء قولان: # أحدهما: أنها الزنا، قاله ابن عباس. والثاني: المعاصي، قاله مقاتل. وفي ~~{ المنكر } أربعة أقوال: # أحدها: أنه الشرك، قاله مقاتل. # والثاني: أنه ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. # والثالث: أنه ما وعد الله عليه النار، ذكرهما ابن السائب. # والرابع: أن تكون علانية، الإنسان أحسن ms1135 من سريرته قاله سفيان بن عيينة. # فأما { البغي } فقال ابن عباس: هو الظلم، وقد سبق شرحه في مواضع ~~[البقرة: 173، والأعراف: 33، ويونس: 23، 90]. # قوله تعالى: { يعظكم } قال ابن عباس: يؤدبكم، وقد ذكرنا معنى الوعظ في ~~[سورة النساء: 58] و { تذكرون } بمعنى: تتعظون. قال ابن مسعود: هذه ~~الآية أجمع آية في القرآن لخير أو لشر. وقال الحسن: والله ما ترك العدل ~~والاحسان شيئا من طاعة [الله] إلا جمعاه، ولا تركت الفحشاء والمنكر ~~والبغي شيئا من معصية الله إلا جمعوه. # قوله تعالى: { وأوفوا بعهد الله } اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في حلف أهل الجاهلية، قاله مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ~~المفسرون: العهد الذي يجب الوفاء به، هو الذي يحسن فعله، فاذا عاهد العبد ~~عليه، وجب الوفاء به، والوعد من العهد { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~} أي: بعد تغليظها وتشديدها بالعزم والعقد على اليمين، بخلاف لغو اليمين، ~~ووكدت الشيء توكيدا، لغة أهل الحجاز. فأما أهل نجد، فيقولون: أكدته ~~تأكيدا. وقال الزجاج: يقال: وكدت الأمر، وأكدت، لغتان جيدتان، والأصل ~~الواو، والهمزة بدل منها. # قوله تعالى: { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } أي: بالوفاء، وذلك أن من ~~حلف بالله، فكأنه أكفل الله بالوفاء بما حلف عليه. # وللمفسرين في معنى «كفيلا» ثلاثة أقوال: # أحدها: شهيدا، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: وكيلا، قاله مجاهد. # والثالث: حفيظا مراعيا لعقدكم، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } قال مجاهد: هذا فعل نساء ~~أهل نجد، تنقض إحداهن حبلها، ثم تنفشه، ثم تخلطه بالصوف فتغزله، وقال ~~مقاتل: هي امرأة من قريش تسمى «ريطة» بنت عمرو بن كعب، كانت إذا غزلت، ~~نقضته. وقال ابن السائب: اسمها «رائطة» وقال ابن الأنباري: اسمها ~~«ريطة» بنت عمرو المرية، ولقبها الجعراء، وهي من أهل مكة، وكانت ~~معروفة عند المخاطبين، فعرفوها بوصفها، ولم يكن لها نظير في فعلها ذلك، ~~كانت متناهية الحمق، تغزل الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه، ثم تأمر ~~جاريتها بتقطيعه. وقال ms1136 بعضهم: كانت تغزل هي وجواريها، ثم تأمرهن أن ينقضن ~~ما غزلن، فضربها الله مثلا لناقضي العهد «ونقضت»، بمعنى: تنقض، كقوله: # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف: 43] بمعنى: وينادي. # وفي المراد بالغزل قولان: # أحدهما: أنه الغزل المعروف، سواء كان من قطن أو صوف أو شعر، وهو قول ~~الأكثرين. # والثاني: أنه الحبل، قاله مجاهد. وقوله: { من بعد قوة } قال قتادة: من ~~بعد إبرام، وقوله: { أنكاثا } أي: أنقاضا. قال ابن قتيبة: الأنكاث: ما ~~نقض من غزل الشعر وغيره. وواحدها: نكث. يقول: لا تؤكدوا على ~~أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا فيه، فتكونوا كامرأة ~~غزلت ونسجت، ثم نقضت ذلك النسج، فجعلته أنكاثا. # قوله تعالى: { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } أي: دغلا، ومكرا، ~~وخديعة، وكل شيء دخله عيب، فهو مدخول، وفيه دخل. # قوله تعالى: { أن تكون أمة } قال ابن قتيبة: لأن تكون أمة، { هي أربى } ~~أي: هي أغنى { من أمة } وقال [الزجاج]: المعنى: بأن تكون أمة هي ~~أكثر، يقال: ربا الشيء يربو: إذا كثر. قال ابن الأنباري: قال اللغويون: ~~«أربى»: أزيد عددا. قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر ~~منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك، فنهوا عن ذلك. وقال ~~الفراء: المعنى: لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم، أو قلتكم وكثرتهم ~~وقد غررتموهم بالأيمان. # قوله تعالى: { إنما يبلوكم الله به } في هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الكثرة، قاله سعيد بن جبير، وابن السائب، ومقاتل، ~~فيكون المعنى: إنما يختبركم الله بالكثرة، فاذا كان بين قومين عهد، فكثر ~~أحدهما، فلا ينبغي أن يفسخ الذي بينه وبين الأقل. فان قيل: إذا كنى عن ~~الكثرة، فهلا قيل بها؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، بأن الكثرة ليس ~~تأنيثها حقيقيا، فحملت على معنى التذكير، كما حملت الصيحة على معنى ~~الصياح. # والثاني: أنها ترجع إلى العهد، فانه لدلالة الأيمان عليه، يجرى مجرى ~~المظهر، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: أنها ترجع إلى الأمر بالوفاء، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } قد فسرناه في آخر [هود: ~~118]. # قوله تعالى: { ولكن يضل ms1137 من يشاء } صريح في تكذيب القدرية، حيث ~~أضاف الإضلال والهداية إليه، وعلقهما بمشيئته. ### || [16.94-96] # قوله تعالى: { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا } هذا استئناف للنهي عن ~~أيمان الخديعة. { فتزل قدم بعد ثبوتها } قال أبو عبيدة: هذا ~~مثل يقال لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقط في ورطة بعد سلامة: زلت به ~~قدمه. قال مقاتل: ناقض العهد يزل في دينه كما تزل قدم ~~الرجل بعد الاستقامة. قال المفسرون: وهذا نهي للذين بايعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الإسلام ونصرة الدين عن نقض العهد، ويدل عليه ~~قوله يتعالى: { وتذوقوا السوء } يعني: العقوبة { بما صددتم عن سبيل الله ~~} يريد أنهم إذا نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، صدوا ~~الناس عن الإسلام، فاستحقوا العذاب. # وقوله تعالى: { ولكم عذاب عظيم } يعني: في الآخرة. ثم أكد ذلك بقوله: { ~~ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } قال أبو صالح عن ابن عباس: نزلت في ~~رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، يقال لأحدهما ~~«عيدان بن أشوع» وهو صاحب الأرض، وللآخر: «امرؤ القيس» وهو المدعى عليه، ~~فهم امرؤ القيس أن يحلف، فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ~~هذه الآية. وذكر أبو بكر الخطيب أن اسم صاحب الأرض «ربيعة بن عبدان» ~~وقيل: «عيدان»، بفتح العين وياء معجمه باثنتين. ومعنى الآية: لاتنقضوا ~~عهودكم، تطلبون بنقضها عرضا يسيرا من الدنيا، إن ما عندالله من ~~الثواب على الوفاء هو خير لكم من العاجل. # { ما عندكم ينفد } أي: يفنى { وما عند الله } في الآخرة { باق } وقف ~~بالياء ابن كثير في رواية عنه، ولا خلاف في حذفها في الوصل. { ~~ولنجزين الذين صبروا } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «وليجزين» بالياء. وقرأ ابن كثير، وعاصم: ~~«ولنجزين» بالنون. # ولم يختلفوا في { ولنجزينهم أجرهم } أنها بالنون، ومعنى هذه ~~الآية: وليجزين الذين صبروا على أمره أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ~~في الدنيا، ويتجاوز عن سيئاتهم. ### || [16.97] # قوله تعالى: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } في سبب ms1138 نزولها ~~قولان: أحدهما: أن امرأ القيس المتقدم ذكره أقر بالحق الذي هم أن ~~يحلف عليه، فنزلت فيه: { من عمل صالحا } ، وهو إقراره بالحق، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن ناسا من أهل التوارة، وأهل الإنجيل، وأهل الأوثان، جلسوا، ~~فتفاضلوا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح. # قوله تعالى: { فلنحيينه حياة طيبة } اختلفوا أين تكون هذه الحياة ~~الطيبة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها في الدنيا، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. ثم فيها للمفسرين تسعة أقوال: # أحدها: أنها القناعة، قاله علي عليه السلام، وابن عباس في رواية، والحسن ~~في رواية، ووهب بن منبه. # والثاني: أنها الرزق الحلال، رواه أبو مالك عن ابن عباس. وقال الضحاك: ~~يأكل حلالا ويلبس حلالا. # والثالث: أنها السعادة، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: أنها الطاعة، قاله عكرمة. # والخامس: أنها رزق يوم بيوم، قاله قتادة. # والسادس: أنها الرزق الطيب، والعمل الصالح، قاله إسماعيل بن أبي ~~خالد. # والسابع: أنها حلاوة الطاعة، قاله أبو بكر الوراق. # والثامن: العافية والكفاية. # والتاسع: الرضى بالقضاء، ذكرهما الماوردي. # والثاني: أنها في الآخرة، قاله الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، ~~وابن زيد، وذلك إنما يكون في الجنة. # والثالث: أنها في القبر، رواه أبو غسان عن شريك. ### || [16.98-102] # قوله تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: فاذا أردت القراءة فاستعذ، ومثله # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6] وقوله: # وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب # [الأحزاب 53] وقوله: # إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة # [المجادلة: 12]. # ومثله في الكلام: إذا أكلت فقل: باسم الله، هذا قول عامة العلماء ~~واللغويين. # والثاني: أنه على ظاهره، وأن الاستعاذة بعد القراءة. روي عن أبي هريرة، ~~وداود. # والثالث: أنه من المقدم والمؤخر، فالمعنى: فاذا استعذت بالله فاقرأ، ~~قاله أبو حاتم السجستاني، والأول أصح. # فصل # والاستعاذة عند القراءة سنة في الصلاة وغيرها. # وفي صفتها عن أحمد روايتان: # إحدهما: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، ~~رواها أبو بكر المروزي. ms1139 # والثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، إن الله هو ~~السميع العليم، رواها حنبل. وقد بينا معنى «أعوذ» في أول الكتاب ~~[ص:7]، وشرحنا اشتقاق الشيطان في [البقرة:14]، والرجيم في [آل عمران:36]. # قوله تعالى: { إنه ليس له سلطان على الذين امنوا } في المراد بالسلطان ~~قولان: # أحدهما: أنه التسلط. # ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ليس له عليهم سلطان بحال، لأن الله صرف سلطانه عنهم بقوله: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين # [الحجر 42]. # والثاني: ليس له عليهم سلطان، لاستعاذتهم منه. # والثالث: ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. # والثاني: أنه الحجة. فالمعنى: ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من ~~المعاصي، قاله مجاهد. # فأما قوله: { يتولونه } معناه: يطيعونه. # وفي هاء الكناية في قوله: { والذين هم به مشركون } قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله مجاهد، والضحاك. # والثاني: أنها ترجع إلى الشيطان، فالمعنى: الذين هم من أجله مشركون ~~بالله، وهذا كما يقال: صار فلان بك عالما، أي: من أجلك، هذا قول ابن ~~قتيبة. وقال ابن الأنباري: المعنى: والذين هم باشراكهم إبليس في ~~العبادة، مشركون بالله تعالى. # قوله تعالى: { وإذا بدلنا آية مكان آية } سبب نزولها أن الله تعالى ~~كان ينزل الآية، فيعمل بها مدة، ثم ينسخها، فقال كفار قريش: والله ما ~~محمد إلا يسخر من أصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، ويأتيهم غدا بما هو ~~أهون عليهم منه، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والمعنى: ~~إذا نسخنا آية بآية، إما نسخ الحكم والتلاوة، أو نسخ الحكم مع بقاء ~~التلاوة { والله أعلم بما ينزل } من ناسخ ومنسوخ، وتشديد وتخفيف، فهو ~~عليم بالمصلحة في ذلك { قالوا إنما أنت مفتر } أي: كاذب { بل أكثرهم ~~لايعلمون } فيه قولان: # أحدهما: لايعلمون أن الله أنزله. # والثاني: لايعلمون فائدة النسخ. # قوله تعالى: { قل نزله } يعني: القرآن { روح القدس } يعني: جبريل. ~~وقد شرحنا هذا الاسم في [البقرة:87]. # قوله تعالى: { من ربك } أي: من كلامه { بالحق } أي: بالأمر الصحيح { ~~ليثبت الذين آمنوا ms1140 } بما فيه من البينات فيزدادوا يقينا. ### || [16.103-105] # قوله تعالى: { ولقد نعلم أنهم يقولون } يعني: قريشا { إنما يعلمه ~~بشر } أي: آدمي، وما هو من عند الله. # وفيمن أرادوا بهذا البشر تسعة أقوال: # أحدها: أنه كان لبني المغيرة غلام يقال له «يعيش» يقرأ التوراة، فقالوا: ~~منه يتعلم محمد، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال عكرمة في ~~رواية: كان هذا الغلام لبني عامر بن لؤي، وكان روميا. # والثاني: أنه فتى كان بمكة يسمى «بلعام» وكان نصرانيا أعجميا، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعلمه، فلما رأى المشركون دخوله إليه ~~وخروجه، قالوا ذلك، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنه نزلت في كاتب كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيملى عليه «سميع عليم» فيكتب هو «عزيز حكيم» أو نحو هذا، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أي ذلك كتبت فهو كذلك»، فافتتن، وقال: إن ~~محمدا يكل ذلك إلي فأكتب ما شئت، روي عن سعيد بن المسيب. # والرابع: أنه غلام أعجمي لامرأة من قريش يقال له: «جابر»، وكان جابر ~~يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه، فقال المشركون: إنما ~~يتعلم محمد من هذا، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: أنهم عنوا سلمان الفارسي، قاله الضحاك؛ وفيه بعد من جهة أن ~~سلمان أسلم بالمدينة، وهذه [الآية] مكية. # والسادس: أنهم عنوا به رجلا حدادا كان يقال «بحنس» النصراني، ~~قاله ابن زيد. # والسابع: أنهم عنوا به غلاما لعامر بن الحضرمي، وكان يهوديا ~~أعجميا، واسمه «يسار»، ويكنى «أبا فكيهة»، قاله مقاتل. وقد روي عن ~~سعيد بن جبير نحو هذا، إلا أنه لم يقل: إنه كان يهوديا. # والثامن: أنهم عنوا غلاما أعجميا اسمه «عايش» وكان مملوكا لحويطب، ~~وكان قد أسلم، قاله الفراء، والزجاج. # والتاسع: أنهما رجلان، قال عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا عبدان من ~~أهل عين التمر، يقال لأحدهما: «يسار» و للآخر «جبر» وكانا يصنعان السيوف ~~بمكة، ويقرآن الإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما ~~يقرآن، ms1141 فيقف يستمع، فقال المشركون: إنما يتعلم منهما. قال ابن الأنباري: ~~فعلى هذا القول، يكون البشر واقعا على اثنين، والبشر من أسماء الأجناس، ~~يعبر عن اثنين، كما يعبر «أحد» عن الاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث. # قوله تعالى: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبوعمرو، وابن عامر، وعاصم: «يلحدون» بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ ~~حمزة، والكسائي: «يلحدون» بفتح الياء والحاء. فأما القراءة الأولى، ~~فقال ابن قتيبة: «يلحدون» أي: يميلون إليه، ويزعمون أنه يعلمه، وأصل ~~الإلحاد الميل. وقال الفراء: «يلحدون» بضم الياء: يعترضون، ومنه ~~قول: # ومن يرد فيه بالحاد بظلم # [الحج: 25] أي: باعتراض، «ويلحدون» بفتح الياء: يميلون. # وقال الزجاج: يلحدون إليه، أي: يميلون القول فيه أنه أعجمي. # قال ابن قتيبة: لا يكاد عوام الناس يفرقون بين العجمي والأعجمي، ~~والعربي والأعرابي، فالأعجمي: الذي لا يفصح وإن كان نازلا بالبادية، ~~والعجمي: منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا؛ والأعرابي: هو البدوي، ~~والعربي: منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا. # قوله تعالى: { وهذا لسان } يعني: القرآن، { عربي } قال الزجاج: أي: أن ~~صاحبه يتكلم بالعربية. # قوله تعالى: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } أي: ~~الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله، كذبوا بها، { ~~وأولئك هم الكاذبون } أي: أن الكذب نعت لازم لهم، وعادة من عاداتهم، وهذا ~~رد عليهم إذ قالوا: # إنما أنت مفتر # [النحل: 101]. وهذه الآية من أبلغ الزجر عن الكذب، لأنه خص به من لا ~~يؤمن. ### || [16.106-111] # قوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه } قال مقاتل: نزلت في عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أنس ~~بن خطل، وطعمة بن أبيرق، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الفاكه ~~المخزومي. # فأما قوله تعالى: { إلا من أكره } فاختلفوا فيمن نزل على أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنه نزل في عمار بن ياسر، أخذه المشركون فعذبوه، فأعطاهم ما ~~أرادوا بلسانه، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثاني: أنه لما نزل قوله: { إن الذين توفاهم ms1142 الملائكة ظالمي ~~أنفسهم... } إلى آخر الآيتين اللتين في سورة النساء [96، 97] كتب بها ~~المسلمون الذين بالمدينة إلى من كان بمكة، فخرج ناس ممن أقر ~~بالإسلام، فاتبعهم المشركون، فأدركوهم، فأكرهوهم حتى أعطوا الفتنة، ~~فنزل { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد. # والثالث: أنه نزل في عياش بن أبي ربيعة، كان قد هاجر فحلفت أمه ألا ~~تستظل ولا تشبع من طعام حتى يرجع، فرجع إليها، فأكرهه المشركون حتى ~~أعطاهم بعض ما يريدون، قاله ابن سيرين. # والرابع: أنه نزل في جبر، غلام ابن الحضرمي، كان يهوديا فأسلم، فضربه ~~سيده حتى رجع إلى اليهودية، قاله مقاتل. وأما قوله: { ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا } فقال مقاتل: هم النفر المسمون في أول الآية. # فأما التفسير، فاختلف النحاة في قوله: { من كفر } وقوله: { ولكن من شرح ~~} فقال الكوفيون: جوابهما جمعيا في قوله: { فعليهم غضب } ، فقال ~~البصريون: بل قوله: { من كفر } مرفوع بالرد على { الذين لا يؤمنون }. قال ~~ابن الأنباري: ويجوز أن يكون خبر { من كفر } محذوفا، لوضوح معناه، ~~تقديره: من كفر بالله، فالله عليه غضبان. # قوله تعالى: { وقلبه مطمئن بالإيمان } أي: ساكن إليه راض به. { ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا } قال قتادة: من أتاه بايثار واختيار. وقال ابن ~~قتيبة: من فتح له صدره بالقبول. وقال أبو عبيدة: المعنى: من تابعته نفسه، ~~وانبسط إلى ذلك، يقال: ما ينشرح صدري بذلك، أي: ما يطيب. وجاء قوله: { ~~فعليهم غضب } على معنى الجميع، لأن «من» تقع على الجميع. # فصل # الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها. وفي الإكراه المبيح لذلك عن ~~أحمد روايتان: # إحداهما: أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما ~~أمر به. # والثانية: أن التخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب. وإذ ثبت جواز ~~«التقية» فالأفضل ألا يفعل، نص عليه أحمد، في أسير خير بين ~~القتل وشرب الخمر، فقال: إن صبر على القتل فله الشرف، وإن لم يصبر، فله ~~الرخصة، فظاهر هذا، الجواز. وروى عنه الأثرم أنه سئل ms1143 عن التقية في ~~شرب الخمر فقال: إنما التقية في القول. # فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك. فأما إذا أكره على الزنا، لم يجز له ~~الفعل، ولم يصح إكراهه، نص عليه أحمد. فان أكره على الطلاق، لم يقع ~~طلاقه، نص عليه أحمد، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يقع. # قوله تعالى: { ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا } في المشار إليه ~~بذلك قولان: # أحدهما: أنه الغضب والعذاب، قاله مقاتل. والثاني: أنه شرح الصدر للكفر. ~~و«استحبوا» بمعنى: أحبوا الدنيا واختاروها على الآخرة. # قوله تعالى: { وأن الله } أي: وبأن الله لا يريد هدايتهم. وما بعد هذا ~~قد سبق شرحه [البقرة:7، والنساء:155، والمائدة:67] إلى قوله: { وأولئك ~~هم الغافلون } ففيه قولان: # أحدهما: الغافلون عما يراد بهم، قاله ابن عباس. والثاني: عن الآخرة، ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: { لا جرم } قد شرحناها في [هود:22]. # قوله تعالى: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } اختلفوا ~~فيمن نزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها نزلت فيمن كان يفتن بمكة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن قوما من المسلمين خرجوا للهجرة، فلحقهم المشركون فأعطوهم ~~الفتنة، فنزل فيهم # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله # [العنكبوت 10]، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا، وأدركهم المشركون ~~فقاتلوهم حتى من نجا، وقتل من قتل، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان الشيطان قد ~~أزله حتى لحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل ~~يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وفيه بعد، لأن المشار ~~إليه وإن كان [قد] عاد إلى الإسلام، فان الهجرة انقطعت بالفتح. # والرابع: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل عمرو، ~~وعبد الله بن أسيد الثقفي، ms1144 قاله مقاتل. # فأما قوله تعالى: { من بعد ما فتنوا } فقرأ الأكثرون: «فتنوا» بضم ~~الفاء وكسر التاء، على معنى: من بعد ما فتنهم المشركون عن دينهم. قال ابن ~~عباس: فتنوا بمعنى: عذبوا. وقرأ عبد الله بن عامر: «فتنوا» بفتح ~~الفاء والتاء، على معنى: من بعد ما فتنوا الناس عن دين الله، يشير إلى ~~من أسلم من المشركين. وقال أبو علي: من بعد ما فتنوا أنفسهم باظهار ما ~~أظهروا للتقية، لأن الرخصة لم تكن نزلت بعد. # قوله تعالى: { ثم جاهدوا } أي: قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ وصبروا } على الدين والجهاد. { إن ربك من بعدها } في المكني عنها ~~أربعة أقوال: # أحدها: الفتنة، وهو مذهب مقاتل. # والثاني: الفعلة التي فعلوها، قاله الزجاج. # والثالث: المجاهدة، والمهاجرة، والصبر. والرابع: المهاجرة. ذكرهما ~~واللذين قبلهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: { يوم تأتي } قال الزجاج: هو منصوب على أحد شيئين، إما على ~~معنى: إن ربك لغفور يوم تأتي، وإما على معنى: اذكر يوم تأتي. ومعنى { ~~تجادل عن نفسها } أي: عنها. والمراد: أن كل إنسان يجادل عن نفسه. وقد ~~روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لكعب الأحبار: يا كعب خوفنا، فقال إن ~~لجهنم زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ~~ركبتيه، حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ليدلي بالخلة فيقول: «يا رب أنا ~~خليلك إبراهيم، لا أسألك إلا نفسي»، وإن تصديق ذلك في كتاب الله { ~~يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها }. وقد شرحنا معنى «الجدال» في [هود:32]. ### || [16.112] # قوله تعالى: { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة } في هذه القرية قولان: # أحدهما: أنها مكة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور، وهو ~~الصحيح. # والثاني: أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز، فبعث ~~الله عليهم الجوع حتى كانوا يأكلون ما يقعدون، قاله الحسن. فأما ما يروى ~~عن حفصة أنها قالت: هي المدينة، فذلك على سبيل التمثيل، لا على وجه ~~التفسير، وبيانه: ما روى سليم بن عنز، قال: صدرنا من الحج مع حفصة، ms1145 ~~وعثمان محصور بالمدينة، فرأت راكبين فسألنهما عنه، فقالا: قتل، ~~فقالت: والذي نفسي بيده إنها للقرية، تعني المدنية التي قال الله تعالى ~~في كتابه: { و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة } ، تعني حفصة: أنها ~~كانت على قانون الاستقامة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما، { فكفرت بأنعم الله } عند قتل عثمان رضي الله عنه. ~~ومعنى { كانت آمنة } أي: ذات أمن يأمن فيها أهلها أن يغار عليهم، { ~~مطمئنة } أي: ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق. ~~وقد شرحنا معنى الرغد في [البقرة:35،58]. # وقوله: { من كل مكان } أي: يجلب إليها من كل بلد، وذلك كله بدعوة ~~إبراهيم عليه السلام، { فكفرت بأنعم الله } بتكذيبهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وفي واحد الأنعم قولان: # أحدهما: أن واحدها «نعم» قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثاني: «نعمة» قاله الزجاج. قال ابن قتيبة: ليس قول من قال: هو جمع ~~«نعمة» بشيء، لأن «فعلة» لا تجمع على «أفعل»، وإنما هو جمع ~~«نعم» يقال: يوم نعم، ويوم بؤس، ويجمع «أنعما»، ~~و«أبؤسا». # قوله تعالى: { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } وروى عبيد بن عقيل، ~~وعبد الوارث عن أبي عمرو: «والخوف» بنصب الفاء. وأصل الذوق إنما هو ~~بالفم، وهذا استعارة منه، وقد شرحنا هذا المعنى في [آل عمران:106،185]. ~~وإنما ذكر اللباس هاهنا تجوزا، لما يظهر عليهم من أثر الجوع والخوف، ~~فهو كقوله: # ولباس التقوى # [الأعراف 26] وذلك لما يظهر على المتقي من أثر التقوى. قال المفسرون: ~~عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحترقة. فأما ~~الخوف، فهو خوفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سراياه التي كان ~~يبعثها حولهم. والكلام وفي هذه الآية خرج على القرية، والمراد أهلها، ~~ولذلك قال: { بما كانوا يصنعون } يعني به: بتكذيبهم لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإخراجهم إياه وما هموا به من قتله. ### || [16.113] # قوله تعالى: { ولقد جاءهم } يعني: أهل مكة { رسول منهم } يعني: محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، { فكذبوه فأخذهم العذاب } وفيه ms1146 قولان: # أحدهما: أنه الجوع، قاله ابن عباس. والثاني: القتل ببدر، قاله مجاهد. ~~قال ابن السائب: { وهم ظالمون } أي: كافرون. ### || [16.114-115] # قوله تعالى: { فكلوا مما رزقكم الله } في المخاطبين بهذا قولان: # أحدهما: أنهم المسلمون، وهو قول الجمهور. # والثاني: أنهم أهل مكة المشركون، لما اشتدت مجاعتهم، كلم رؤساؤهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن كنت عاديت الرجال، فما بال ~~النساء والصبيان؟! فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أن يحملوا ~~الطعام إليهم، حكاه الثعلبي، وذكر نحوه الفراء، وهذه الآية والتي تليها ~~مفسرتان في [البقرة: 172 173]. ### || [16.116-117] # قوله تعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب } قال ابن الأنباري: ~~اللام في «لما» بمعنى من أجل، وتلخيص الكلام: ولا تقولوا: هذه الميتة ~~حلال، وهذه البحيرة حرام، من أجل كذبكم، وإقدامكم على الوصف، والتخرص ~~لما لا أصل له، فجرت اللام هاهنا مجراها في قوله: # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8] أي: وإنه من أجل حب الخير، لبخيل و«ما» بمعنى المصدر، ~~والكذب منصوب ب «تصف» والتلخيص: لا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب. وقرأ ابن ~~أبي عبلة: «الكذب»، قال ابن القاسم: هو نعت الألسنة، وهو جمع كذوب. ~~قال المفسرون: والمعنى: أن تحليلكم وتحريمكم ليس له معنى إلا الكذب. ~~والإشارة بقوله: { هذا حلال وهذا حرام } إلى ما كانوا يحلون ~~ويحرمون، { لتفتروا على الله الكذب } وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك ~~التحليل والتحريم إلى الله تعالى، ويقولون: هو أمرنا بهذا. # وقوله: { متاع قليل } أي: متاعهم بهذا الذي فعلوه قليل. ### || [16.118-119] # قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } يعني به ~~ما ذكر في [الأنعام:126] وهو قوله: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر } { وما ظلمناهم } بتحريمنا ما حرمنا عليهم، { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } بالبغي والمعاصي. # قوله تعالى: { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة } قد شرحناه في سورة ~~[النساء 17] وشرحنا في [البقرة:160] التوبة والاصلاح، وذكرنا معنى قوله: ~~{ من بعدها } آنفا. ### || [16.120-122] # قوله تعالى: { إن إبراهيم كان أمة } قال ابن الأنباري: هذا مثل قول ~~العرب: فلان رحمة، وفلان ms1147 علامة، ونسابة، ويقصدون بهذا التأنيث قصد ~~التناهي في المعنى الذي يصفونه، والعرب قد توقع الأسماء المبهمة على ~~الجماعة، وعلى الواحد، كقوله: # فنادته الملائكة # [آل عمران:39]، وإنما ناداه جبريل وحده. وللمفسرين في المراد بالأمة ~~هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الأمة: الذي يعلم الخير، قاله ابن مسعود، والفراء، وابن ~~قتيبة. # والثاني: أنه المؤمن وحده في زمانه، روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد. # والثالث: أنه الإمام الذي يقتدى به، قاله قتادة، ومقاتل، وأبو عبيدة، ~~وهو في معنى القول الأول. فأما القانت فقال ابن مسعود: هو المطيع. وقد ~~شرحنا «القنوت» في [البقرة:116، 238] وكذلك الحنيف [البقرة 135]. # قوله تعالى: { ولم يك } قال الزجاج: أصلها: لم يكن، وإنما حذفت النون ~~عند سيبويه، لكثرة استعمال هذا الحرف، وذكر الجلة من البصرين أنها ~~إنما احتملت الحذف، لأنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال، وأنها عبارة عن كل ~~ما يمضي من الأفعال وما يستأنف، وأنها قد أشبهت حروف اللين، وأنها تكون ~~علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف، فلذلك ~~احتملت الحذف. # قوله تعالى: { شاكرا لأنعمه } انتصب بدلا من قوله: { أمة قانتا } ~~وقد ذكرنا واحد الأنعم آنفا، وشرحنا معنى «الاجتباء» في [الأنعام:87] ~~قال مقاتل: والمراد بالصراط المستقيم هاهنا: الإسلام. # قوله تعالى: { وآتيناه في الدنيا حسنة } فيها ستة أقوال: # أحدها: أنه الذكر الحسن، قاله ابن عباس. # والثاني: النبوة، قاله الحسن. # والثالث: لسان صدق، قاله مجاهد. # والرابع: اجتماع الملل على ولايته، فكلهم يتولونه ويرضونه، قاله ~~قتادة. # والخامس: أنها الصلاة عليه مقرونة بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قاله مقاتل بن حيان. # والسادس: الأولاد الأبرار على الكبر، حكاه الثعلبي. وباقي الآية مفسر ~~في [البقرة:130]. ### || [16.123] # قوله تعالى: { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم } ملته: دينه. ~~وفيما أمر باتباعه من ذلك قولان: # أحدهما: أنه أمر باتباعه في جميع ملته، إلا ما أمر بتركه، وهذا هو ~~الظاهر. # [والثاني: اتباعه في التبرؤ من الأوثان، والتدين بالإسلام، قاله أبو ~~جعفر الطبري]. # وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع المفضول، لأن ms1148 رسولنا أفضل الرسل، ~~وإنما أمر باتباعه، لسبقه إلى القول بالحق. ### || [16.124] # قوله تعالى: { إنما جعل السبت } أي: إنما فرض تعظيمه وتحريمه، وقرأ ~~الحسن، وأبو حيوة: «إنما جعل» بفتح الجيم والعين «السبت» بنصب التاء ~~{ على الذين اختلفوا فيه } والهاء ترجع إلى السبت. # وفي معنى اختلافهم فيه قولان: # أحدهما: أن موسى قال لهم: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما، فاعبدوه ~~في يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه شيئا من صنيعكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك، ~~وقالوا: لا نبتغي إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق، وهو يوم السبت، ~~فجعل ذلك عليهم، وشدد عليهم فيه، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ~~مقاتل: لما أمرهم موسى بيوم الجمعة، قالوا: نتفرغ يوم السبت، فان الله لم ~~يخلق فيه شيئا، فقال: إنما أمرت بيوم الجمعة، فقال أحبارهم: انتهوا ~~إلى أمر نبيكم، فأبوا، فذلك اختلافهم، فلما رأى موسى حرصهم على ~~السبت، أمرهم به، فاستحلوا فيه المعاصي. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: رأى موسى رجلا يحمل قصبا يوم السبت، فضرب عنقه، وعكفت عليه الطير ~~أربعين صباحا. وذكر ابن قتيبة في «مختلف الحديث»: أن الله تعالى بعث ~~موسى بالسبت، ونسخ السبت بالمسيح. # والثاني: أنه بعضهم استحله، وبعضهم حرمه، قاله قتادة. ### || [16.125] # قوله تعالى: { ادع إلى سبيل ربك } قال ابن عباس: نزلت مع الآية التي ~~بعدها، وسنذكر هناك السبب. فأما السبيل، فقال مقاتل: هو دين الإسلام. # وفي المراد { بالحكمة } ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها القرآن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الفقه، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: النبوة، ذكره الزجاج. # وفي { الموعظة الحسنة } قولان: # أحدهما: مواعظ القرآن، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الأدب الجميل الذي يعرفونه، قاله الضحاك عن ابن عباس. # قوله تعالى: { وجادلهم } في المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم أهل مكة، قاله أبوصالح. # والثاني: أهل الكتاب، قاله مقاتل. # وفي قوله: { بالتي هي أحسن } ثلاثة أقوال: # أحدها: جادلهم بالقرآن. # والثاني: ب «لا آله إلا الله»، روي القولان عن ابن عباس. # والثالث: جادلهم غير فظ ms1149 ولا غليظ، وألن لهم جانبك، قاله الزجاج. ~~وقال بعض علماء التفسير: وهذا منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: { إن ربك هو أعلم } المعنى: هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك ~~فيهما بما فيه الصلاح. ### || [16.126-128] # قوله تعالى: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } في سبب نزولها ~~قولان: # أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على حمزة، فرآه صريعا، ~~فلم ير شيئا كان أوجع لقلبه منه، فقال: «والله لأمثلن بسبعين منهم»، ~~فنزل جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف، بقوله: { وإن عاقبتم... } ~~إلى آخرها، فصبر رسول الله وكفر عن يمينه، قاله أبو هريرة. وقال ابن ~~عباس: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة قد شق بطنه، وجدعت ~~أذناه، فقال: «لولا أن تحزن النساء؛ أو تكون سنة بعدي لتركته حتى ~~يبعثه الله من بطون السباع والطير، ولأقتلن مكانه سبعين رجلا منهم»، ~~فنزل قوله: { ادع إلى سبيل ربك } إلى قوله: { وما صبرك إلا بالله }. ~~وروى الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يومئذ: ~~«لئن ظفرت بقاتل حمزة لأمثلن به مثلة تتحدث بها العرب»، وكانت هند ~~وآخرون معها قد مثلوا به، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة ~~منهم حمزة، ومثلوا بقتلاهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما من ~~الدهر، لنزيدن على عدتهم مرتين، فنزلت هذه الآية، قاله أبي بن ~~كعب. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن المسلمين قالوا: لئن أمكننا الله ~~منهم، لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات، فنزلت هذه الآية. يقول: إن ~~كنتم فاعلين، فمثلوا بالأموات، كما مثلوا بأمواتكم. قال ابن ~~الأنباري: وإنما سمى فعل المشركين معاقبة وهم ابتدؤوا بالمثلة، ليزدوج ~~اللفظان، فيخف على اللسان، كقوله: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. # فصل # واختلف العلماء، هل هذه [الآية] منسوخة، أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنها نزلت قبل { براءة } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقاتل من قاتله، ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك، وأمر بالجهاد، قاله ابن ms1150 ~~عباس، والضحاك، فعلى هذا يكون المعنى: { ولئن صبرتم } عن القتال، ثم نسخ ~~هذا بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة:5]. # والثاني: أنها محكمة، وإنما نزلت فيمن ظلم ظلامة، فلا يحل له أن ~~ينال من ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه، قاله مجاهد، والشعبي، والنخعي، ~~وابن سيرين، والثوري، وعلى هذا يكون المعنى: ولئن صبرتم عن المثلة، لا عن ~~القتال. # قوله تعالى: { واصبر وما صبرك إلا بالله } أي: بتوفيقه ومعونته. وهذا ~~أمر بالعزيمة. # وفي قوله: { ولا تحزن عليهم } قولان: # أحدهما على كفار مكة إن لم يسلموا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: ولا تحزن على قتلى أحد، فانهم أفضوا إلى رحمة الله، ذكره ~~علي بن أحمد النيسابوري. # قوله تعالى: { ولا تك في ضيق } قرأ الأكثرون بنصب الضاد، وقرأ ابن ~~كثير: «في ضيق» بكسر الضاد هاهنا وفي [النمل:70]. قال الفراء: الضيق ~~بفتح الضاد: ما ضاق عنه صدرك، والضيق: ما يكون في الذي يضيق ويتسع، مثل ~~الدار والثوب وأشباه ذلك. وقال ابن قتيبة: الضيق: تخفيف ضيق، مثل: ~~هين ولين، وهو، إذا كان على هذا التأويل: صفة، كأنه قال: لا تك في ~~أمر ضيق من مكرهم. قال: ويقال: مكان ضيق وضيق، بمعنى واحد، كما ~~يقال: رطل ورطل، وهذا أعجب إلي. فأما مكرهم المذكور هاهنا، فقال ~~أبوصالح عن ابن عباس: فعلهم وعملهم. # قوله تعالى: { إن الله مع الذين اتقوا } ما نهاهم عنه، وأحسنوا فيما ~~أمرهم به، بالعون والنصر. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # قوله تعالى: { سبحان } # " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن تفسير: «سبحان الله»، ~~فقال: «تنزيه لله عن كل سوء» " # ، وقد ذكرنا هذا المعنى في [البقرة: 32]. قال الزجاج: و«أسرى»: بمعنى: ~~سير عبده، يقال: أسريت وسريت: إذا سرت ليلا. وقد جاءت اللغتان في ~~القرآن. قال الله تعالى: # والليل إذا يسر # [الفجر: 4]. # وفي معنى التسبيح هاهنا قولان. # أحدهما: أن العرب تسبح عند الأمر المعجب، فكأن الله تعالى عجب ~~العباد مما أسدى إلى رسوله من النعمة. # والثاني: أن يكون خرج مخرج الرد عليهم، لأنه لما ms1151 حدثهم بالاسراء، ~~كذبوه، فيكون المعنى: تنزه الله أن يتخذ رسولا كذابا. ولا خلاف أن ~~المراد بعبده هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي قوله: { من المسجد الحرام } قولان. # أحدهما: أنه أسري به من نفس المسجد، قاله الحسن، وقتادة، ويسنده حديث ~~مالك بن صعصعة، وهو في «الصحيحين» «بينا أنا في الحطيم» وربما قال بعض ~~الرواة: في «الحجر». # والثاني: أنه أسري به من بيت أم هانىء، وهو قول أكثر المفسرين، فعلى ~~هذا يعني بالمسجد الحرام: الحرم. والحرم كله مسجد، ذكره القاضي أبو ~~يعلى وغيره. # فأما { المسجد الأقصى } فهو بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لبعد المسافة ~~بين المسجدين. ومعنى { باركنا حوله }: أن الله أجرى حوله الأنهار، وأنبت ~~الثمار. وقيل: لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة. # واختلف العلماء، هل دخل بيت المقدس، أم لا؟ فروى أبو هريرة أنه دخل بيت ~~المقدس، وصلى فيه بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماء. وقال حذيفة بن ~~اليمان: لم يدخل بيت المقدس ولم يصل فيه، ولا نزل عن البراق حتى عرج ~~به. # فان قيل: ما معنى قوله: { إلى المسجد الأقصى } وأنتم تقولون: صعد إلى ~~السماء؟ # فالجواب: أن الإسراء كان إلى هنالك، والمعراج كان من هنالك. # وقيل: إن الحكمة في ذكر ذلك، أنه لو أخبر بصعوده إلى السماء في ~~بدء الحديث، لاشتد إنكارهم، فلما أخبر ببيت المقدس، وبان لهم صدقه ~~فيما أخبرهم به من العلامات الصادقة، أخبر بمعراجه. # قوله تعالى: { لنريه من آياتنا } يعني: ما رأى، أي: تلك الليلة من ~~العجائب التي أخبر بها الناس. { إنه هو السميع } لمقالة قريش، { البصير ~~} بها. وقد ذكرنا في كتابنا المسمى ب «الحدائق» أحاديث المعراج، وكرهنا ~~الإطالة هاهنا. ### || [17.2-3] # قوله تعالى: { وآتينا موسى الكتاب } لما ذكر في الآية الأولى إكرام ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ذكر في هذه كرامة موسى. و { الكتاب }: التوراة. ~~{ وجعلناه هدى لبني إسرائيل } أي: دللناهم به على الهدى. { ألا ~~تتخذوا } قرأ أبو عمرو: «يتخذوا» بالياء، والمعنى: هديناهم لئلا يتخذوا. ~~وقرأ الباقون بالتاء، قال أبو علي: وهو على الانصراف إلى الخطاب بعد ms1152 ~~الغيبة، مثل { الحمد لله } ثم [قال] { إياك نعبد }. # قوله تعالى: { وكيلا } قال مجاهد: شريكا. وقال الزجاج: ربا. قال ~~ابن الأنباري: وإنما قيل للرب: وكيل، لكفايته وقيامه بشأن عباده، من ~~أجل أن الوكيل عند الناس قد علم أنه يقوم بشؤون أصحابه، وتفقد ~~أمورهم، فكان الرب وكيلا من هذه الجهة، لا على معنى ارتفاع منزلة ~~الموكل وانحطاط أمر الوكيل. # قوله تعالى: { ذرية من حملنا } قال مجاهد: هو نداء: يا ذرية ~~من حملنا. قال ابن الأنباري: من قرأ: «ألا تتخذوا» بالتاء، فإنه يقول: ~~بعد الذرية مضمر حذف اعتمادا على دلالة ما سبق، تلخيصه: يا ذرية من ~~حملنا مع نوح لا تتخذوا وكيلا، ويجوز أن يستغني عن الإضمار بقوله: { ~~إنه كان عبدا شكورا } لأنه بمعنى: اشكروني كشكره. ومن قرأ: «لا ~~يتخذوا» بالياء، جعل النداء متصلا بالخطاب، و«الذرية» تنتصب بالنداء، ~~ويجوز نصبها بالاتخاذ على أنها مفعول ثان، تلخيص الكلام: أن لا يتخذوا ~~ذرية من حملنا مع نوح وكيلا. قال قتادة: الناس كلهم ذرية من أنجى ~~الله في تلك السفينة. # قال العلماء: ووجه الإنعام على الخلق بهذا القول، أنهم كانوا في صلب ~~من نجا. # قوله تعالى: { إنه كان عبدا شكورا } قال سلمان الفارسي: كان إذا ~~أكل قال: «الحمد لله» وإذا شرب قال: «الحمد لله». وقال غيره: كان إذا ~~لبس ثوبا قال: «الحمد لله» فسماه الله عبدا شكورا. ### || [17.4-6] # قوله تعالى: { وقضينا إلى بني إسرائيل } فيه قولان: # أحدهما: أخبرناهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: قضينا عليهم، رواه العوفي عن ابن عباس. وبه قال قتادة، فعلى ~~الأول: تكون «إلى» على أصلها، ويكون الكتاب: التوراة، وعلى الثاني: تكون ~~«إلى» بمعنى «على»، ويكون الكتاب الذكر الأول. # قوله تعالى: { لتفسدن في الأرض } يعني: أرض مصر { مرتين } ~~بالمعاصي ومخالفة التوراة. # وفي من قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان. # أحدهما: زكريا، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: شعيا، قاله ابن ~~إسحاق. فأما المقتول من الأنبياء في الفساد الثاني: فهو يحيى بن زكريا. ~~قال مقاتل: كان بين الفسادين مائتا سنة وعشر سنين. فأما ms1153 السبب في قتلهم ~~زكريا، فإنهم اتهموه بمريم، وقالوا: منه حملت، فهرب منهم، فانفتحت له ~~شجرة فدخل فيها وبقي من ردائه هدب، فجاءهم الشيطان فدلهم عليه، فقطعوا ~~الشجرة بالمنشار وهو فيها. وأما السبب في قتلهم «شعيا»، فهو أنه قام فيهم ~~برسالة من الله ينهاهم عن المعاصي. وقيل: هو الذي هرب منهم فدخل في ~~الشجرة حتى قطعوه بالمنشار، وأن زكريا مات حتف أنفه. وأما السبب في قتلهم ~~يحيى بن زكريا، ففيه قولان. # أحدهما: أن ملكهم أراد نكاح امرأة لا تحل له، فنهاه عنها يحيى. ثم ~~فيها أربعة أقوال. # أحدها: أنها ابنة أخيه، قاله ابن عباس. # والثاني: ابنته، قاله عبد الله بن الزبير. # والثالث: أنها امرأة أخيه، وكان ذلك لا يصلح عندهم، قاله الحسين بن علي ~~عليهما السلام. # والرابع: ابنة امرأته، قاله السدي عن أشياخه، وذكر أن السبب في ذلك: أن ~~ملك بني إسرائيل هوي بنت امرأته، فسأل يحيى عن نكاحها، فنهاه، فحنقت ~~أمها على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها، وعمدت إلى ابنتها فزينتها ~~وأرسلتها إلى الملك حين جلس على شرابه، وأمرتها أن تسقيه، وأن تعرض ~~له، فان أرادها على نفسها، أبت حتى يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست، ~~ففعلت ذلك، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت: ما أريد إلا هذا، فأمر، ~~فأتي برأسه والرأس يتكلم ويقول: لا تحل لك، لا تحل لك. # والقول الثاني: أن امرأة الملك رأت يحيى عليه السلام وكان قد أعطي ~~حسنا وجمالا، فأرادته على نفسه، فأبى، فقالت لابنتها: سلي أباك رأس ~~يحيى، فأعطاها ما سألت، قاله الربيع بن أنس. قال العلماء بالسير: ما ~~زال دم يحيى يغلي حتى قتل عليه من بني إسرائيل سبعون ألفا، فسكن، وقيل: ~~لم يسكن حتى جاء قاتله، فقال: أنا قتلته، فقتل، فسكن. # قوله تعالى: { ولتعلن علوا كبيرا } أي: لتعظمن عن ~~الطاعة ولتبغن. # قوله تعالى: { فإذا جاء وعد أولاهما } أي: عقوبة أولى المرتين { ~~بعثنا } أي: أرسلنا { عليكم عبادا لنا } وفيهم خمسة أقوال. # أحدها: أنهم جالوت وجنوده، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: «بختنصر»، ms1154 قاله سعيد بن المسيب، واختاره الفراء، ~~والزجاج. # والثالث: العمالقة، وكانوا كفارا، قاله الحسن. # والرابع: سنحاريب، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: قوم من أهل فارس، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: سلط [الله] عليهم ~~سابور ذا الأكتاف من ملوك فارس. # قوله تعالى: { أولي بأس شديد } أي: ذوي عدد وقوة في القتال. # وفي قوله: { فجاسوا خلال الديار } ثلاثة أقوال. # أحدها: مشوا بين منازلهم، قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: ~~يتجسسون أخبارهم، ولم يكن قتال. وقال الزجاج: طافوا خلال الديار ينظرون ~~هل بقي أحد لم يقتلوه؟ و«الجوس»: طلب الشيء باستقصاء. # والثاني: قتلوهم بين بيوتهم، قاله الفراء، وأبو عبيدة. # والثالث: عاثوا وأفسدوا، يقال: جاسوا وحاسوا، فهم يجوسون ويحوسون إذا ~~فعلوا ذلك، قاله ابن قتيبة. # فأما الخلال: فهي جمع خلل، وهو الانفراج بين الشيئين. وقرأ أبو رزين، ~~والحسن، وابن جبير، وأبو المتوكل: «خلل الديار» بفتح الخاء واللام من ~~غير ألف. { وكان وعدا مفعولا } أي: لا بد من كونه. # قوله تعالى: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } أي: أظفرناكم بهم. والكرة، ~~معناها: الرجعة والدولة، وذلك حين قتل داود جالوت وعاد ملكهم إليهم. ~~وحكى الفراء أن رجلا دعا على «بختنصر»، فقتله الله، وعاد ملكهم إليهم. ~~وقيل: غزوا ملك بابل فأخذوا ما كان في يده من المال والأسرى. # قوله تعالى: { وجعلناكم أكثر نفيرا } أي: أكثر عددا وأنصارا منهم. ~~قال ابن قتيبة: النفير والنافر واحد، كما يقال: قدير وقادر، وأصله: ~~من ينفر مع الرجل من عشيرته وأهل بيته. ### || [17.7-8] # قوله تعالى: { إن أحسنتم } أي: وقلنا لكم إن أحسنتم فأطعتم الله { ~~أحسنتم لأنفسكم } أي: عاقبة الطاعة لكم { وإن أسأتم } بالفساد والمعاصي ~~{ فلها } وفيه قولان. # أحدهما: أنه بمعنى: فاليها. والثاني: فعليها. # { فإذا جاء وعد الآخرة } جواب «فاذا» محذوف، تقديره: فاذا جاء وعد ~~عقوبة المرة الآخرة من إفسادكم، بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم، وهذا الفساد ~~الثاني، هو قتلهم يحيى بن زكريا، وقصدهم قتل «عيسى» فرفع، وسلط الله ~~عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبوهم، فذلك قوله: { ليسوؤوا وجوهكم ~~}. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ms1155 وحفص عن عاصم: «ليسوؤوا» بالياء على ~~الجميع والهمز بين الواوين، والإشارة إلى المبعوثين. وقرأ ابن عامر، ~~وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «ليسوء وجوهكم» على التوحيد؛ قال أبو علي: فيه ~~وجهان. أحدهما: ليسوء الله عز وجل. والثاني: ليسوء البعث. وقرأ ~~الكسائي: «لنسوء» بالنون، وذلك راجع إلى الله تعالى. # وفيمن بعث عليهم في المرة الثانية قولان. # أحدهما: بختنصر، قاله مجاهد، وقتادة. وكثير من الرواة يأبى هذا القول، ~~ويقولون: كان بين تخريب «بختنصر» بيت المقدس، وبين مولد يحيى بن زكريا ~~زمان طويل. # والثاني: انطياخوس الرومي، قاله مقاتل. ومعنى { ليسوؤوا وجوهكم } أي: ~~ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم؛ وخصت المساءاة ~~بالوجوه، والمراد: أصحاب الوجوه، لما يبدو عليها من أثر الحزن والكآبة. # قوله تعالى: { وليدخلوا المسجد } يعني: بيت المقدس { كما دخلوه } في ~~المرة الأولى { وليتبروا } أي: ليدمروا ويخربوا. قال الزجاج: ~~يقال لكل شيء ينكسر من الزجاج والحديد والذهب: تبر. ومعنى { ما علوا } ~~أي: ليدمروا في حال علوهم عليكم. # قوله تعالى: { عسى ربكم أن يرحمكم } هذا مما وعدوا به في التوراة. ~~و«عسى» من الله واجبة، فرحمهم [الله] بعد انتقامه منهم، وعمر بلادهم، ~~وأعاد نعمهم بعد سبعين سنة. { وإن عدتم } إلى معصيتنا { عدنا } إلى ~~عقوبتكم. قال المفسرون: ثم إنهم عادوا إلى المعصية، فبعث الله عليهم ~~ملوكا من ملوك فارس والروم. قال قتادة: ثم كان آخر ذلك أن بعث الله ~~عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فهم في عذاب إلى يوم القيامة، فيعطون ~~الجزية عن يد وهم صاغرون. # قوله تعالى: { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } فيه قولان. # أحدهما: سجنا، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة. وقال مجاهد: يحصرون ~~فيها. وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: محبسا، وقال الزجاج: «حصيرا»: ~~حبسا، أخذ من قولك: حصرت الرجل، إذا حبسته، فهو محصور، وهذا حصيره، أي: ~~محبسه، والحصير: المنسوج، سمي حصيرا، لأنه حصرت طاقاته بعضها مع بعض، ~~ويقال للجنب: حصير، لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض. وقال ابن الأنباري: ~~حصيرا: بمعنى: حاصرة، فصرف من حاصرة إلى حصير، كما صرف «مؤلم» إلى ~~أليم. # والثاني: ms1156 فراشا ومهادا، قاله الحسن. قال أبو عبيدة: ويجوز أن تكون ~~جهنم لهم مهادا بمنزلة الحصير، والحصير: البساط الصغير. ### || [17.9-10] # قوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } قال ابن الأنباري: ~~«التي» وصف للجمع، والمعنى: يهدي إلى الخصال التي هي أقوم الخصال. قال ~~المفسرون: وهي توحيد الله والإيمان به وبرسله والعمل بطاعته، { ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم } أي: بأن لهم { أجرا } وهو ~~الجنة، { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: ويبشرهم بالعذاب، لأعدائهم، ~~وذلك أن المؤمنين كانوا في أذى من المشركين، فعجل الله لهم البشرى في ~~الدنيا بعقاب الكافرين. ### || [17.11] # قوله تعالى: { ويدعو الإنسان بالشر } وذلك أن الإنسان يدعو في حال ~~الضجر والغضب على نفسه وأهله بما لا يحب أن يستجاب له كما يدعو لنفسه ~~بالخير. { وكان الإنسان عجولا } يعجل بالدعاء بالشر عند الغضب والضجر ~~عجلته بالدعاء بالخير. # وفي المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اسم جنس يراد به الناس، قاله الزجاج وغيره. # والثاني: آدم، فاكتفى بذكره من ذكر ولده، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: أنه النضر بن الحارث حين قال: # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال: 32]، قاله مقاتل. وقال سلمان الفارسي: أول ما خلق الله من آدم ~~رأسه، فجعل ينظر إلى جسده كيف يخلق، قال: فبقيت رجلاه، فقال: يا رب ~~عجل، فذلك قوله: { وكان الإنسان عجولا }. ### || [17.12] # قوله تعالى: { وجعلنا الليل والنهار آيتين } أي: علامتين يدلان على قدرة ~~خالقهما. { فمحونا آية الليل } فيه قولان. # أحدهما: أن آية الليل: القمر، ومحوها: ما في بعض القمر من الاسوداد. ~~وإلى هذا المعنى ذهب علي عليه السلام، وابن عباس في آخرين. # والثاني: آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمة لليل؛ فنسب المحو ~~إلى الظلمة إذ كانت تمحو الأنوار وتبطلها، ذكره ابن الأنباري. ~~ويروى أن الشمس والقمر كانا في النور والضوء سواء، فأرسل الله جبريل ~~فأمر جناحه على وجه القمر وطمس عنه الضوء. # قوله تعالى: { وجعلنا آية النهار } يعني: الشمس { مبصرة } فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: منيرة، قاله قتادة. قال ابن الأنباري: وإنما صلح ms1157 وصف الآية ~~بالإبصار على جهة المجاز، كما يقال: لعب الدهر ببني فلان. # والثاني: أن معنى «مبصرة»: مبصرا بها، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أن معنى «مبصرة» مبصرة، فجرى «مفعل» مجرى ~~«مفعل»، والمعنى: أنها تبصر الناس، أي: تريهم الأشياء، قاله ابن ~~الأنباري. ومعاني الأقوال تتقارب. # قوله تعالى: { لتبتغوا فضلا من ربكم } أي: لتبصروا كيف تتصرفون في ~~أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار { ولتعلموا عدد السنين والحساب } بمحو آية ~~الليل، ولولا ذلك، لم يعرف الليل من النهار، ولم يتبين العدد. { وكل ~~شيء } أي: ما يحتاج إليه: { فصلناه تفصيلا } بيناه تبينا لا ~~يلتبس معه بغيره. ### || [17.13-14] # قوله تعالى: { وكل إنسان } وقرأ ابن أبي عبلة «وكل» برفع اللام. ~~وقرأ ابن مسعود، وأبي، والحسن { ألزمناه طيره } بياء ساكنة من غير ~~ألف. # وفي الطائر أربعة أقوال. # أحدها: شقاوته وسعادته، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: ما من ~~مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي، أو سعيد. # والثاني: عمله، قاله الفراء، وعن الحسن كالقولين. # والثالث: أنه ما يصيبه، قاله خصيف. وقال أبو عبيدة حظه. # قال ابن قتيبة: والمعنى فيما أرى والله أعلم : أن لكل امرئ حظا من ~~الخير والشر قد قضاه الله [عليه]، فهو لازم عنقه، والعرب تقول: لكل ما ~~لزم الإنسان: قد لزم عنقه، وهذا لك علي وفي عنقي حتى أخرج منه، وإنما ~~قيل للحظ من الخير والشر: «طائر»، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من ~~الخير، وجرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم ~~الله بما يستعملون، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر، هو الذي ~~يلزمه أعناقهم. # وقال الأزهري: الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم، علم المطيع من ~~ذريته، والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعا، ~~وشقاوة من علمه عاصيا، فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه ~~وإنشائه، فذلك قوله: { ألزمناه طائره في عنقه }. # والرابع: أنه ما يتطير من مثله من شيء عمله، وذكر العنق عبارة عن ~~اللزوم له، كلزوم القلادة ms1158 العنق من بين ما يلبس، هذا قول الزجاج. وقال ~~ابن الأنباري: الأصل في تسميتهم العمل طائرا، أنهم كانوا يتطيرون من ~~بعض الأعمال. # قوله تعالى: { ونخرج له } قرأ أبو جعفر: «ويخرج» بياء مضمومة وفتح ~~الراء. وقرأ يعقوب، وعبد الوارث: بالياء مفتوحة وضم الراء. وقرأ قتادة، ~~وأبو المتوكل: «ويخرج» بياء مرفوعة وكسر الراء. وقرأ أبو الجوزاء، ~~والأعرج: «وتخرج» بتاء مفتوحة ورفع الراء، { يوم القيامة كتابا } ~~وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: «كتاب» بالرفع، { يلقاه } وقرأ ابن ~~عامر، وأبو جعفر: «يلقاه» بضم الياء وتشديد القاف. وأمال حمزة، ~~والكسائي القاف. قال المفسرون: هذا كتابه الذي فيه ما عمل. وكان أبو ~~السوار العدوي إذا قرأ هذه الآية قال: نشرتان وطية، أما ما ~~حييت يا ابن آدم، فصحيفتك منشورة، فأمل فيها ما شئت، فاذا مت، ~~طويت، ثم إذا بعثت، نشرت. # قوله تعالى { إقرأ كتابك } وقرأ أبو جعفر: «اقرا» بتخفيف الهمزة، وفيه ~~إضمار، تقديره، فيقال له إقرأ كتابك. قال الحسن: يقرؤه أميا كان أو ~~غير أمي، ولقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. # وفي معنى { حسيبا } ثلاثة أقوال. # أحدها: محاسبا. والثاني: شاهدا. والثالث: كافيا، والمعنى: أن ~~الإنسان يفوض إليه حسابه، ليعلم عدل الله بين العباد، ويرى وجوب حجة ~~الله عليه، واستحقاقه العقوبة، ويعلم أنه إن دخل الجنة، فبفضل الله، لا ~~بعمله، وإن دخل النار، فبذنبه. قال ابن الأنباري: وإنما قال: { حسيبا ~~} ، والنفس مؤنثة، لأنه يعني بالنفس: الشخص، أو لأنه لا علامة للتأنيث في ~~لفظ النفس، فشبهت بالسماء والأرض، قال تعالى: # السماء منفطر به # [المزمل: 18]، قال الشاعر: # [فلا مزنة ودقت ودقها] # ولا أرض أبقل إبقالها ### || [17.15] # قوله تعالى: { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } أي: له ثواب اهتدائه، وعليه ~~عقاب ضلاله. # قوله تعالى: { ولا تزر وازرة } أي: نفس وازرة { وزر أخرى } قال ابن ~~عباس: إن الوليد بن المغيرة قال: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم، فقال ~~الله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ، قال أبو عبيدة: والمعنى: ولا ~~تأثم آثمة إثم أخرى. قال الزجاج: يقال: وزر، يزر، فهو وازر، ~~وزرا، ووزرا، ووزرة، ms1159 ومعناه: أثم إثما. # وفي تأويل هذه الآية وجهان. # أحدهما: أن الآثم لا يؤخذ بذنب غيره. # والثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم، لأن غيره عمله كما ~~قال الكفار: # إنا وجدنا آباءنا على أمة # [الزخرف: 22]. ومعنى { حتى نبعث رسولا } أي: حتى نبين ما به ~~نعذب، وما من أجله ندخل الجنة. # فصل # قال القاضي أبو يعلى: في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلا، ~~وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك، لم ~~يقطع عليه بالنار. قال: وقيل معناه: أنه لا يعذب في ما طريقه السمع ~~إلا بقيام حجة السمع من جهة الرسول، ولهذا قالوا: لو أسلم بعض أهل ~~الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها، لم يلزمه قضاء شيء ~~منها، لأنها لم تلزمه إلا بعد قيام حجة السمع، والأصل فيه قصة أهل ~~قباء حين استداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا، ولو أسلم في دار الإسلام ~~ولم يعلم بفرض الصلاة، فالواجب عليه القضاء، لأنه قد رأى الناس يصلون ~~في المساجد بأذان وإقامة، وذلك دعاء إليها. ### || [17.16-17] # قوله تعالى: { وإذا أردنا أن نهلك قرية } في سبب إرادته لذلك قولان. # أحدهما: ما سبق لهم في قضائه من الشقاء. والثاني: عنادهم الأنبياء ~~وتكذيبهم إياهم. # قوله تعالى: { أمرنا مترفيها } قرأ الأكثرون: «أمرنا» مخففة، على وزن ~~«فعلنا»، وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه من الأمر، وفي الكلام إضمار، تقديره: أمرنا مترفيها ~~بالطاعة، ففسقوا، هذا مذهب سعيد بن جبير. قال الزجاج: ومثله في الكلام: ~~أمرتك فعصيتني، فقد علم أن المعصية مخالفة الأمر. # والثاني: «كثرنا» يقال: أمرت الشيء وآمرته، أي: كثرته، ومنه قولهم: ~~مهرة مأمورة، أي: كثيرة النتاج، يقال: أمر بنو فلان يأمرون ~~أمرا: إذا كثروا، هذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة. # والثالث: أن معنى «أمرنا»: أمرنا، يقال: أمرت الرجل، بمعنى: ~~أمرته، والمعنى: سلطنا مترفيها بالإمارة، ذكره ابن الأنباري. وروى ~~خارجة عن نافع: «آمرنا» ممدودة، مثل «آمنا»، وكذلك روى حماد بن سلمة عن ~~ابن كثير، وهي قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي ms1160 رزين، والحسن، ~~والضحاك، ويعقوب. قال ابن قتيبة: وهي اللغة العالية المشهورة، ومعناه: ~~كثرنا، أيضا. وروى ابن مجاهد أن أبا عمرو قرأ: «أمرنا» مشددة ~~الميم، وهي رواية أبان عن عاصم، وهي قراءة أبي العالية، والنخعي ~~والجحدري. قال ابن قتيبة: المعنى: جعلناهم أمراء. وقرأ أبو المتوكل، ~~وأبو الجوزاء، وابن يعمر: «أمرنا» بفتح الهمزة مكسورة الميم مخففة. ~~فأما المترفون، فهم المتنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، ~~والمفسرون يقولون: هم الجبارون والمسلطون والملوك، وإنما خص ~~المترفين بالذكر، لأنهم الرؤساء، ومن عداهم تبع لهم. # قوله تعالى: { ففسقوا فيها } أي: تمردوا في كفرهم، لأن الفسق في الكفر: ~~الخروج إلى أفحشه. وقد شرحنا معنى «الفسق» في [البقرة: 26، 197]. # قوله تعالى: { فحق عليها القول } قال مقاتل: وجب عليها العذاب. وقد ~~ذكرنا معنى «التدمير» في [الأعراف: 137]. قوله تعالى: { وكم أهلكنا من ~~القرون } وهو جمع قرن. وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه في [الأنعام: 6]، ~~وشرحنا معنى «الخبير» و«البصير» في (البقرة). قال مقاتل: وهذه الآية ~~تخويف لأهل مكة. ### || [17.18-19] # قوله تعالى: { من كان يريد العاجلة } يعني: من كان يريد بعمله الدنيا، ~~فعبر بالنعت عن الاسم، { عجلنا له فيها ما نشاء } من عرض الدنيا، ~~وقيل: من البسط والتقتير، { لمن نريد } فيه قولان. # أحدهما: لمن نريد هلكته، قاله أبو إسحاق الفزاري. # والثاني: لمن نريد أن نعجل له شيئا، وفي هذا ذم لمن أراد بعمله الدنيا، ~~وبيان أنه لا ينال مع ما يقصده منها إلا ما قدر له، ثم يدخل النار ~~في الآخرة. وقال ابن جرير: هذه الآية لمن لا يوقن بالمعاد. وقد ذكرنا ~~معنى «جنهم» في [البقرة: 206]، ومعنى «يصلاها» في سورة [النساء: 10]، ~~ومعنى # مذموما مدحورا # في [الأعراف: 18]. # قوله تعالى: { ومن أراد الآخرة } يعني: الجنة { وسعى لها سعيها } أي: ~~عمل لها العمل الذي يصلح لها، وإنما قال: { وهو مؤمن } لأن الإيمان شرط ~~في صحة الأعمال، { فأولئك كان سعيهم مشكورا } أي: مقبولا. وشكر الله ~~عز وجل لهم: ثوابه إياهم، وثناؤه عليهم. ### || [17.20-22] # قوله تعالى: { كلا نمد هؤلاء } قال الزجاج: «كلا» منصوب ب ~~«نمد»، «هؤلاء» بدل من ms1161 «كل»، والمعنى: نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك. ~~قال المفسرون: كلا نعطي من الدنيا، البر والفاجر، والعطاء هاهنا: ~~الرزق، والمحظور: الممنوع، والمعنى: أن الرزق يعم المؤمن والكافر، ~~والآخرة للمتقين خاصة. { أنظر } يا محمد { كيف فضلنا بعضهم على بعض } ~~وفيما فضلوا فيه قولان. # أحدهما: الرزق، منهم مقل، ومنهم مكثر. # والثاني: الرزق والعمل، فمنهم موفق لعمل صالح، ومنهم ممنوع من ذلك. # قوله تعالى: { لا تجعل مع الله إلها آخر } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، والمعنى عام لجميع المكلفين. والمخذول: الذي لا ناصر له، والخذلان: ~~ترك العون. قال مقاتل: نزلت حين دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~ملة آبائه. ### || [17.23-25] # قوله تعالى: { وقضى ربك } روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمر ربك. ~~ونقل عنه الضحاك أنه قال: إنما هي «ووصى ربك» فالتصقت إحدى الواوين ب ~~«الصاد»، وكذلك قرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وسعيد بن جبير: «ووصى»، ~~وهذا على خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه. وقرأ أبو عمران، ~~وعاصم الجحدري، ومعاذ القارىء: «وقضاء ربك» بقاف وضاد بالمد والهمز ~~والرفع وخفض اسم الرب. قال ابن الأنباري: هذا القضاء ليس من باب الحتم ~~والوجوب، لكنه من باب الأمر والفرض، وأصل القضاء في اللغة: قطع الشيء ~~باحكام وإتقان، قال الشاعر يرثي عمر: # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق # أراد: قطعتها محكما لها. # قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } أي: وأمر بالوالدين إحسانا، وهو ~~البر والإكرام، وقد ذكرنا هذا في [البقرة: 83]. # قوله تعالى: { إما يبلغن } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: «يبلغن» على التوحيد. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ~~«يبلغان» على التثنية. قال الفراء: جعلت «يبلغن» فعلا لأحدهما وكرت ~~عليهما «كلاهما». ومن قرأ «يبلغان» فإنه ثنى، لأن الوالدين قد ذكرا ~~قبل هذا، فصار الفعل على عددهما، ثم قال: { أحدهما أو كلاهما } على ~~الاستئناف، كقوله: # فعموا وصموا # [المائدة: 71] ثم استأنف فقال: { كثير منهم }. # قوله تعالى: { فلا تقل لهما أف } قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر عن ms1162 عاصم: «أف» بالكسر من غير تنوين. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ~~ويعقوب، والمفضل: «أف» بالفتح من غير تنوين. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم: ~~«أف» بالكسر والتنوين. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر: «أف» بالرفع ~~والتنوين وتشديد الفاء. وقرأ معاذ القارىء، وعاصم، الجحدري، وحميد بن ~~قيس: «أفا» مثل «تعسا». وقرأ أبو عمران الجوني، وأبو السماك العدوي: ~~«أف» بالرفع من غير تنوين مع تشديد الفاء، وهي رواية الأصمعي عن أبي ~~عمرو. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: «أف» باسكان ~~الفاء وتخفيفها؛ قال الأخفش: وهذا لأن بعض العرب يقول: أف لك، على ~~الحكاية، والرفع قبيح، لأنه لم يجيء بعده لام. وقرأ أبو العالية، وأبو ~~حصين الأسدي: «أفي» بتشديد الفاء وبياء. وروى ابن الأنباري أن بعضهم ~~قرأها: «إف» بكسر الهمزة. وقال الزجاج: فيها سبع لغات، الكسر بلا ~~تنوين، وبتنوين، والضم بلا تنوين، وبتنوين، والفتح بلا تنوين، وبتنوين، ~~واللغة السابعة لا تجوز في القراءة: «أفي» بالياء، هكذا قال الزجاج. ~~وقال ابن الأنباري: في «أف» عشرة أوجه. «أف» لك، بفتح الفاء، ~~و«أف» بكسرها، «وأف»، و«أفا» لك بالنصب والتنوين على مذهب ~~الدعاء كما تقول: «ويلا» للكافرين، و«أف» لك، بالرفع والتنوين، وهو ~~رفع باللام، كقوله تعالى: # ويل للمطففين # [المطففون: 1]، و«أفه» لك، بالخفض والتنوين، تشبيها بالأصوات، كقولك: ~~«صه» و«مه»، و«أفها» لك، على مذهب الدعاء أيضا، و«أفي» لك، على ~~الإضافة إلى النفس، و«أف» لك، بسكون الفاء، تشبيها بالأدوات، مثل: ~~«كم» و«هل» و«بل»، و«إف» لك، بكسر الألف. # وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: وتقول: «أف» منه، و«أف»، ~~و«أف»، و«أف»، و«أفا»، و«أف»، و«أفي» مضاف، و«أفها»، و«أفا» ~~بالألف، ولا تقل: «أفي» بالياء فانه خطأ. # فأما معنى «أف» ففيه خمسة أقوال. # أحدها: أنه وسخ الظفر، قاله الخليل. # والثاني: وسخ الأذن، قاله الأصمعي. والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب. ~~والرابع: أن «الأف» الاحتقار والاستصغار، من «الأفف»، والأفف عند ~~العرب: القلة، ذكره ابن الأنباري. والخامس: أن «الأف» ما رفعته من ~~الأرض من عود أو قصبة، حكاه ابن فارس اللغوي. وقرأت على شيخنا أبي منصور ~~قال: ms1163 معنى «الأف»: النتن، والتضجر، وأصلها: نفخك الشيء يسقط عليك من ~~تراب ورماد، وللمكان تريد إماطة الأذى عنه، فقيلت لكل مستثقل. قال ~~المصنف: وأما قولهم: «تف»، فقد جعلها قوم بمعنى «أف»، فروي عن أبي عبيد ~~أنه قال: أصل «الأف» و«التف»: الوسخ على الأصابع إذا فتلته. وحكى ~~ابن الأنباري فرقا، فقال: قال اللغويون: أصل «الأف» في اللغة: وسخ ~~الأذن، و«التف»: وسخ الأظفار، فاستعملتهما العرب فيما يكره ويستقذر ~~ويضجر منه. وحكى الزجاج فرقا آخر، فقال: قد قيل: إن «أف»: وسخ ~~الأظفار، و«التف»: الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن، أو الشظية تؤخذ من ~~الأرض، ومعنى «أف»: النتن، ومعنى الآية: لا تقل لهما كلاما تتبرم ~~فيه بهما إذا كبرا وأسنا، فينبغي أن تتولى من خدمتهما مثل الذي ~~توليا من القيام بشأنك وخدمتك، { ولا تنهرهما } أي: لا تكلمهما ضجرا ~~صائحا في وجوههما. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تنفض يدك عليهما، يقال: ~~نهرته أنهره نهرا، وانتهرته انتهارا، بمعنى واحد. وقال ~~ابن فارس: نهرت الرجل وانتهرته، مثل: زجرته. قال المفسرون: وإنما ~~نهى عن أذاهما في الكبر، وإن كان منهيا عنه على كل حالة، لأن حالة ~~الكبر يظهر فيها منهما ما يضجر ويؤذي، وتكثر خدمتهما. # قوله تعالى: { وقل لهما قولا كريما } أي: لينا لطيفا أحسن ما تجد. ~~وقال سعيد بن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ. # قوله تعالى: { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } أي: ألن لهما جانبك ~~متذللا لهما من رحمتك إياهما. وخفض الجناح قد شرحناه في [الحجر: 88]. ~~قال عطاء: جناحك: يداك، فلا ترفعهما على والديك. والجمهور يضمون الذال من ~~«الذل». وقرأ أبو رزين، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعاصم ~~الجحدري، وابن أبي عبلة: بكسر الذال. قال الفراء: الذل: أن تتذلل ~~لهما، من الذل، والذل: أن تتذلل ولست بذليل في الخدمة، والذل ~~والذلة: مصدر الذليل، والذل، بالكسر: مصدر الذلول، مثل الدابة ~~والأرض. قال ابن الأنباري: من قرأ «الذل»، بكسر الذال، جعله بمعنى ~~الذل، بضم الذال، والذي عليه كبراء أهل اللغة أن الذل من الرجل: ~~الذليل، والذل من الدابة: ms1164 الذلول. # قوله تعالى: { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } أي: مثل رحمتهما ~~إياي في صغري حتى ربياني. وقد ذهب قوم إلى أن هذا الدعاء المطلق نسخ ~~منه الدعاء لأهل الشرك بقوله تعالى: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين # [التوبة: 113]، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومقاتل. ~~قال المصنف: ولا أرى هذا نسخا عند الفقهاء، لأنه عام دخله التخصيص، وقد ~~ذكر قريبا مما قلته ابن جرير. # قوله تعالى: { ربكم أعلم بما في نفوسكم } أي: بما تضمرون من البر ~~والعقوق، فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر العقوق، غفر له ذلك، وهو ~~قوله: { إن تكونوا صالحين } أي: طائعين لله، [وقيل] بارين، وقيل: ~~توابين، { فإنه كان للأوابين غفورا } في الأواب عشرة أقوال: # أحدها: أنه المسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنه التواب، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد ~~بن جبير، والضحاك، وأبو عبيدة. وقال ابن قتيبة: هو التائب مرة بعد ~~مرة. وقال الزجاج: هو التواب المقلع عن جميع ما نهاه الله عنه، ~~يقال: قد آب يؤوب أوبا: إذا رجع. # والثالث: أنه المسبح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والرابع: أنه المطيع لله تعالى، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والخامس: أنه الذي يذكر ذنبه في الخلاء، فيستغفر الله منه، قاله ~~عبيد بن عمير. # والسادس:أنه المقبل إلى الله تعالى بقلبه وعمله، قاله الحسن. # والسابع: المصلي، قاله قتادة. # والثامن: هو الذي يصلي بين المغرب والعشاء، قاله ابن المنكدر. # والتاسع: الذي يصلي صلاة الضحى، قاله عون العقيلي. # والعاشر: أنه الذي يذنب سرا ويتوب سرا، قاله السدي. ### || [17.26-28] # قوله تعالى: { وآت ذا القربى حقه } فيه قولان. # أحدهما: أنه قرابة الرجل من قبل أبيه وأمه، قاله ابن عباس، والحسن، ~~فعلى هذا في حقهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المراد به: برهم وصلتهم. # والثاني: النفقة الواجبة لهم وقت الحاجة. # والثالث: الوصية لهم عند الوفاة. # والثاني: أنهم قرابة الرسول، قاله علي بن الحسين عليهما السلام، والسدي. ~~فعلى هذا، يكون ms1165 حقهم: إعطاؤهم من الخمس، ويكون الخطاب للولاة. # قوله تعالى: { والمسكين وابن السبيل } قال القاضي أبو يعلى: يجوز أن ~~يكون المراد: الصدقات الواجبة، يعني: الزكاة، ويجوز أن يكون الحق الذي ~~يلزمه إعطاؤه عند الضرور إليه. وقيل: حق المسكين، من الصدقة، وابن ~~السبيل، من الضيافة. # قوله تعالى: { ولا تبذر تبذيرا } في التبذير قولان. # أحدهما: أنه إنفاق المال في غير حق، قاله ابن مسعود، وابن عباس. وقال ~~مجاهد: لو أنفق الرجل ماله كله في حق، ما كان مبذرا، ولو أنفق ~~مدا في غير حق، كان مبذرا. قال الزجاج: التبذير: النفقة في غير ~~طاعة الله، وكانت الجاهلية تنحر الإبل وتبذر الأموال تطلب بذلك الفخر ~~والسمعة، فأمر الله عز وجل بالنفقة في وجهها فيما يقرب منه. # والثاني: أنه الإسراف المتلف للمال، ذكره الماوردي. وقال أبو عبيدة: ~~المبذر: هو المسرف المفسد العائث. # قوله تعالى { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } لأنهم يوافقونهم ~~فيما يدعونهم إليه، ويشاكلونهم في معصية الله، { وكان الشيطان لربه ~~كفورا } أي: جاحدا لنعمه. وهذا يتضمن أن المسرف كفور للنعم. # قوله تعالى: { وإما تعرضن عنهم } في المشار إليهم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم الذين تقدم ذكرهم من الأقارب والمساكين وأبناء السبيل، ~~قاله الأكثرون، فعلى هذا في علة هذا الإعراض قولان. أحدهما: الإعسار، ~~قاله الجمهور. # والثاني: خوف إنفاقهم ذلك في معصية الله، قاله ابن زيد. وعلى هذا في ~~الرحمة قولان. # أحدهما: الرزق، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه الصلاح والتوبة، هذا على قول ابن زيد. # والثاني: أنهم المشركون، فالمعنى: وإما تعرضن عنهم لتكذيبهم، قاله ~~سعيد بن جبير. فتحتمل إذا الرحمة وجهين. # أحدهما: انتظار النصر عليهم. # والثاني: الهداية لهم. # والثالث: # " أنهم ناس من مزينة جاؤوا يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه»، فبكوا " # ، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء الخراساني. # والرابع: أنها نزلت في خباب، وبلال، وعمار، ومهجع، ونحوهم من ~~الفقراء، كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد ما يعطيهم، ~~فيعرض عنهم ويسكت، قاله مقاتل. فعلى هذا القول والذي قبله تكون الرحمة ms1166 ~~بمعنى الرزق. # قوله تعالى: { فقل لهم قولا ميسورا } قال أبو عبيدة: لينا هينا، ~~وهو من اليسر. وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه العدة الحسنة، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. # والثاني: أنه القول الجميل، مثل أن يقول: رزقنا الله وإياك، قاله ابن ~~زيد؛ وهذا على ما تقدم من قوله. # والثالث: أنه المداراة لهم باللسان، على قول من قال: هم المشركون، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي؛ وعلى هذا القول، تحتمل الآية النسخ. ### || [17.29-31] # قوله تعالى: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } سبب نزولها: # " أن غلاما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال، إن أمي ~~تسألك كذا وكذا، قال: «ما عندنا اليوم شيء»، قال: فتقول لك: اكسني ~~قميصك، قال: فخلع قميصه فدفعه إليه، وجلس في البيت حاسرا " # ، فنزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود. وروى جابر بن عبد الله نحو هذا، ~~فزاد فيه، فأذن بلال للصلاة، وانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب الصحابة، ~~فدخل عليه بعضهم، فرأوه عريانا، فنزلت هذه الآية، والمعنى: لا تمسك يدك ~~عن البذل كل الإمساك حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك، { ولا تبسطها كل ~~البسط } في الإعطاء والنفقة { فتقعد ملوما } تلوم نفسك ويلومك الناس، ~~{ محسورا } قال ابن قتيبة: تحسرك العطية وتقطعك كما يحسر ~~السفر البعير فيبقى منقطعا به. قال الزجاج: المحسور: الذي قد بلغ ~~الغاية في التعب والإعياء، فالمعنى: فتقعد وقد بلغت في الحمل على ~~نفسك وحالك حتى صرت بمنزلة من قد حسر. قال القاضي أبو يعلى: وهذا ~~الخطاب أريد به غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن ~~يدخر شيئا لغد، وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه، وقد كان ~~كثير من فضلاء الصحابة ينفقون جميع ما يملكون، فلم ينههم الله، لصحة ~~يقينهم، وإنما نهى من خيف عليه التحسر على ما خرج من يده، فأما من ~~وثق بوعد الله تعالى، فهو غير مراد بالآية. # قوله تعالى: { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي: يوسع على ~~من يشاء ويضيق، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } حيث أجرى أرزاقهم ~~على ms1167 ما علم فيه صلاحهم. # قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } قد فسرناه في ~~[الأنعام: 151]. # قوله تعالى: { كان خطئا كبيرا } قرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «خطءا» مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة مقصورة. وقرأ ابن ~~كثير، وعطاء: «خطاء» مكسورة الخاء ممدودة مهموزة. وقرأ ابن عامر: ~~«خطأ» بنصب الخاء والطاء وبالهمز من غير مد. وقرأ أبو رزين كذلك، ~~إلا أنه مد وقرأ الحسن، وقتادة: «خطءا» بفتح الخاء وسكون الطاء ~~مهموز مقصور. وقرأ الزهري، وحميد بن قيس: «خطا» بكسر الخاء وتنوين ~~الطاء من غير همز ولا مد. قال الفراء: الخطء: الإثم، وقد يكون في ~~معنى «خطأ» كما قالوا: «قتب» و«قتب» و«حذر» و«حذر» ~~و«نجس» و«نجس»، والخطء، والخطاء، والخطاء، ممدود: لغات. وقال ~~أبو عبيدة: خطئت وأخطأت، لغتان. وقال أبو علي: قراءة ابن كثير ~~«خطاء»، يجوز أن تكون مصدر «خاطأ» وإن لم يسمع «خاطأ» ولكن قد جاء ~~ما يدل عليه، أنشد أبو عبيدة: # الخطء والخطء والخطاء # وقال الأخفش: خطئ يخطأ بمعنى «أذنب» وليس بمعنى «أخطأ»، لأن ~~«أخطأ»: فيما لم يصنعه عمدا، تقول فيما أتيته عمدا: «خطئت»، وفيما ~~لم تتعمده: «أخطأت». وقال ابن الأنباري: «الخطء»: الإثم، يقال: قد ~~خطئ يخطأ: إذا أثم، وأخطأ يخطئ: إذا فارق الصواب. وقد ~~شرحنا هذا في [يوسف: 91] عند قوله: { وإن كنا لخاطئين }. ### || [17.32-33] # قوله تعالى: { ولا تقربوا الزنا } وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، والحسن: ~~بالمد. قال أبو عبيدة: وقد يمد «الزنا» في كلام أهل نجد، قال الفرزدق: # أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه # ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # وقال أيضا: # أخضبت فعلك للزناء ولم تكن # يوم اللقاء لتخضب الأبطالا # وقال آخر: # [كانت فريضة ما تقول] كما # كان الزناء فريضة الرجم # قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } قد ذكرناه في ~~[الأنعام: 151]. # قوله تعالى: { فقد جعلنا } قال الزجاج: الأجود إدغام الدال مع الجيم، ~~والإظهار جيد بالغ، إلا أن الجيم من وسط اللسان، والدال من طرف ~~اللسان، والإدغام جائز، لأن حروف وسط اللسان تقرب من حروف طرف اللسان. ~~ووليه: الذي بينه ms1168 وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ~~ولي، فالسلطان وليه. # وللمفسرين في السلطان قولان. # أحدهما: أنه الحجة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الوالي، والمعنى: { فقد جعلنا لوليه سلطانا } ينصره ~~وينصفه في حقه، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { فلا يسرف في القتل } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم: «فلا يسرف» بالياء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: بالتاء. # وفي المشار إليه في الآية قولان. # أحدهما: أنه ولي المقتول. وفي المراد بإسرافه خمسة أقوال. أحدها: أن ~~يقتل غير القاتل، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أن يقتل اثنين بواحد، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: أن يقتل أشرف من الذي قتل، قاله ابن زيد. # والرابع: أن يمثل، قاله قتادة. # والخامس: أن يتولى هو قتل القاتل دون السلطان، ذكره الزجاج. # والثاني: أن الإشارة إلى القاتل الأول، والمعنى: فلا يسرف القاتل ~~بالقتل تعديا وظلما، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { إنه كان منصورا } أي: معانا عليه. # وفي هاء الكناية أربعة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى الولي، فالمعنى: إنه كان منصورا بتمكينه من ~~القود، قاله قتادة، والجمهور. # والثاني: أنها ترجع إلى المقتول، فالمعنى: إنه كان منصورا بقتل ~~قاتله، قاله مجاهد. # والثالث: أنها ترجع إلى الدم، فالمعنى: إن دم المقتول كان منصورا، ~~أي: مطلوبا به. # والرابع: أنها ترجع إلى القتل، ذكر القولين الفراء. ### || [17.34-36] # قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم } قد شرحناه في [الأنعام: 152]. # قوله تعالى: { وأوفوا بالعهد } وهو عام فيما بين العبد وبين ربه، وفيما ~~بينه وبين الناس. قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من ~~العهد. # قوله تعالى: { كان مسؤولا } قال ابن قتيبة: أي: مسؤولا عنه. # قوله تعالى: { وأوفوا الكيل إذا كلتم } أي: أتموه ولا تبخسوا ~~منه. # قوله تعالى: { وزنوا بالقسطاس } فيه خمس لغات. أحدها: «قسطاس»، بضم ~~القاف وسينين، وهذه قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي ~~بكر عن عاصم هاهنا وفي [الشعراء: 182]. والثانية: كذلك، إلا أن القاف ~~مكسورة، وهذه قراءة حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم. قال الفراء: هما ~~لغتان. والثالثة: ms1169 «قصطاص»، بصادين. والرابعة: «قصطاس»، بصاد قبل الطاء ~~وسين بعدها، وهاتان مرويتان عن حمزة. والخامسة: «قسطان»، بالنون. قرأت ~~على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال: القسطاس: الميزان، رومي ~~معرب، ويقال: «قسطاس» و«قسطاس». # قوله تعالى: { ذلك خير } أي: ذلك الوفاء خير عند الله وأقرب إليه، { ~~وأحسن تأويلا } أي: عاقبة في الجزاء. # قوله تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم } قال الفراء: أصل «تقف» ~~من القيافة، وهي: تتبع الأثر، وفيه لغتان: قفا يقفو، وقاف يقوف، ~~وأكثر القراء يجعلونها من «قفوت»، فيحرك الفاء إلى الواو ويجزم القاف ~~كما تقول: لا تدع. وقرأ معاذ القارىء: «لا تقف»، مثل: تقل؛ والعرب ~~تقول: قفت أثره، وقفوت، ومثله: عاث وعثا، وقاع الجمل الناقة، ~~وقعاها: إذا ركبها. قال الزجاج: من قرأ باسكان الفاء وضم القاف من: قاف ~~يقوف، فكأنه مقلوب من قفا يقفو، والمعنى واحد، تقول: قفوت الشيء ~~أقفوه قفوا: إذا تبعت أثره. وقال ابن قتيبة: «لا تقف»، أي: لا تتبعه ~~الظنون والحدس، وهو من القفاء مأخوذ، كأنك تقفوا الأمور، أي: تكون ~~في أقفائها وأواخرها تتعقبها، والقائف: الذي يعرف الآثار ويتبعها، ~~فكأنه مقلوب عن القافي. # وللمفسرين في المراد به أربعة أقوال. # أحدها: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: لا تقل: رأيت، ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع، رواه عثمان بن ~~عطاء عن أبيه عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثالث: لا تشرك بالله شيئا، رواه عطاء أيضا عن ابن عباس. # والرابع: لا تشهد بالزور، قاله محمد بن الحنفية. # قوله تعالى: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك } قال الزجاج: إنما ~~قال: { كل } ، ثم قال: { كان } ، لأن كلا في لفظ الواحد، وإنما قال: { ~~أولئك } لغير الناس، لأن كل جمع أشرت إليه من الناس وغيرهم من ~~الموات، تشير إليه بلفظ «أولئك»، قال جرير: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # قال المفسرون: الإشارة إلى الجوارح المذكورة، يسأل العبد يوم القيامة ~~فيما إذا استعملها، وفي هذا زجر عن النظر إلى ms1170 ما لا يحل، والاستماع ~~إلى ما يحرم، والعزم على مالا يجوز. ### || [17.37-39] # قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } وقرأ الضحاك، وابن يعمر: ~~«مرحا» بكسر الراء، قال الأخفش: والكسر أجود، لأن «مرحا» اسم ~~الفاعل؛ قال الزجاج: وكلاهما في الجودة سواء، غير أن المصدر أوكد في ~~الاستعمال، تقول: جاء زيد ركضا، وجاء زيد راكضا، ف «ركضا» أوكد في ~~الاستعمال، لأنه يدل على توكيد الفعل، وتأويل الآية: لا تمش في الأرض ~~مختالا فخورا، والمرح: الأشر والبطر. وقال ابن فارس: المرح: شدة الفرح. # قوله تعالى: { إنك لن تخرق الأرض } فيه قولان. # أحدهما: لن تقطعها إلى آخرها. والثاني: لن تنفذها وتنقبها. قال ابن ~~عباس: لن تخرق الأرض بكبرك، ولن تبلغ الجبال طولا بعظمتك. قال ~~ابن قتيبة: والمعنى: لا ينبغي للعاجز أن يبذخ ويستكبر. # قوله تعالى: { كل ذلك كان سيئه } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: ~~«سيئة» منونا غير مضاف، على معنى: كان خطيئة، فعلى هذا يكون قوله: ~~{ كل ذلك } إشارة إلى المنهي عنه من المذكور فقط. وقرأ عاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «سيئه» مضافا مذكرا، فتكون لفظة { كل } ~~يشار بها إلى سائر ما تقدم ذكره. وكان أبو عمرو لا يرى هذه القراءة. ~~قال الزجاج: وهذا غلط من أبي عمرو، لأن في هذه الأقاصيص سيئا ~~وحسنا، وذلك أن فيها الأمر ببر الوالدين، وإيتاء ذي القربى، ~~والوفاء بالعهد، ونحو ذلك، فهذه القراءة أحسن من قراءة من نصب ~~السيئة، وكذلك قال أبو عبيدة: تدبرت الآيات من قوله تعالى: { وقضى ~~ربك... } فوجدت فيها أمورا حسنة. وقال أبو علي: من قرأ «سيئة» رأى ~~أن الكلام انقطع عند قوله: { وأحسن تأويلا } ، وأن قوله: { ولا تقف } لا ~~حسن فيه. # قوله تعالى: { ذلك مما أوحى إليك ربك } يشير إلى ما تقدم من الفرائض ~~والسنن، { من الحكمة } ، أي: من الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل ~~خير. وقد سبق معنى «المدحور» [الأعراف: 18]. ### || [17.40] # قوله تعالى: { أفأصفاكم ربكم بالبنين } قال مقاتل: نزلت في مشركي العرب ~~الذين قالوا: الملائكة بنات الرحمن. وقال أبو عبيدة: ومعنى { أفأصفاكم }: ~~اختصكم. ms1171 وقال المفضل: أخلصكم. وقال الزجاج: اختار لكم صفوة الشيء. وهذا ~~توبيخ للكفار، والمعنى: اختار لكم البنين دونه، وجعل البنات مشتركة بينكم ~~وبينه، فاختصكم بالأعلى وجعل لنفسه الأدون؟! ### || [17.41] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا } معنى التصريف هاهنا: التبيين، وذلك أنه ~~إنما يصرف القول ليبين. وقال ابن قتيبة: «صرفنا» بمعنى: وجهنا، ~~وهو من قولك: صرفت إليك كذا، أي: عدلت به إليك، وشدد للتكثير، كما ~~تقول: فتحت الأبواب. # قوله تعالى: { ليذكروا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: «ليذكروا» مشدد. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ~~«ليذكروا» مخفف، وكذلك قرؤوا في [الفرقان: 50]. والتذكر: الاتعاظ ~~والتدبر. { وما يزيدهم } تصريفنا وتذكيرنا { إلا نفورا } قال ابن ~~عباس: ينفرون من الحق ويتبعون الباطل. ### || [17.42-44] # قوله تعالى: { قل لو كان معه آلهة كما يقولون } قرأ نافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تقولون» بالتاء. وقرأ ~~ابن كثير، وحفص عن عاصم: «يقولون» بالياء. # قوله تعالى: { إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } فيه قولان. # أحدهما: لابتغوا سبيلا إلى ممانعته وإزالة ملكه، قاله الحسن، وسعيد ~~بن جبير. # والثاني: لابتغوا سبيلا إلى رضاه، لأنهم دونه، قاله قتادة. # قوله تعالى: { عما يقولون } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر، وحفص عن عاصم: «يقولون» بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي: ~~بالتاء. # قوله تعالى: { تسبح له السموات السبع } قرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «تسبح» بالتاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وأبو بكر [عن] عاصم: «يسبح» بالياء. قال الفراء: وإنما حسنت ~~«الياء» هاهنا، لأنه عدد قليل، وإذا قل العدد من المؤنث والمذكر، ~~كانت الياء فيه أحسن من التاء، قال عز وجل في المؤنث القليل: # وقال نسوة # [يوسف: 30]، وقال في المذكر: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم # [التوبه: 5]. قال العلماء: والمراد بهذا التسبيح: الدلالة على أنه ~~الخالق القادر. # قوله تعالى: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } «إن» بمعنى «ما». وهل ~~هذا على إطلاقه، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه على إطلاقه، فكل شيء يسبحه حتى الثوب والطعام وصرير ~~الباب، قاله إبراهيم ms1172 النخعي. # والثاني: أنه عام يراد به الخاص. ثم فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه كل ~~شيء فيه الروح، قاله الحسن، وقتادة والضحاك. والثاني: أنه كل ذي روح، ~~وكل نام من شجر أو نبات؛ قال عكرمة: الشجرة تسبح، والأسطوانة لا ~~تسبح. وجلس الحسن على طعام فقدموا الخوان، فقيل له: أيسبح هذا ~~الخوان؟، فقال: قد كان يسبح مرة. والثالث: أنه كل شيء لم يغير عن ~~حاله، فإذا تغير انقطع تسبيحه؛ روى خالد بن معدان عن المقدام بن معدي ~~كرب قال: إن التراب ليسبح ما لم يبتل، فاذا ابتل ترك التسبيح، ~~وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة، فاذا سقطت تركت التسبيح، وإن ~~الثوب ليسبح ما دام جديدا، فاذا توسخ ترك التسبيح. # فأما تسبيح الحيوان الناطق، فمعلوم، وتسبيح الحيوان غير الناطق، فجائز ~~أن يكون بصوته، وجائز أن يكون بدلالته على صانعه. # وفي تسبيح الجمادات ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه تسبيح لا يعلمه إلا الله. والثاني: أنه خضوعه وخشوعه لله. ~~والثالث: أنه دلالته على صانعه، فيوجب ذلك تسبيح مبصره. فإن قلنا: ~~إنه تسبيح حقيقة، كان قوله: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } لجميع الخلق؛ ~~وإن قلنا: إنه دلالته على صانعه، كان الخطاب للكفار، لأنهم لا ~~يستدلون، ولا يعتبرون. وقد شرحنا معنى «الحليم» و«الغفور» في [البقرة: ~~225]. ### || [17.45-52] # قوله تعالى: { حجابا مستورا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الحجاب: هو الأكنة على قلوبهم، قاله قتادة. # والثاني: أنه حجاب يستره فلا ترونه؛ وقيل: إنها نزلت في قوم كانوا ~~يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن؛ قال الكلبي: وهم ~~أبو سفيان، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وأم جميل امرأة أبي لهب، فحجب ~~الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به، ~~ولا يرونه. # والثالث: أنه منع الله عز وجل إياهم عن أذاه، حكاه الزجاج. # وفي معنى { مستورا } قولان. # أحدهما: أنه بمعنى ساتر؛ قال الزجاج: وهذا قول أهل اللغة. قال الأخفش: ~~وقد يكون الفاعل في لفظ المفعول، كما تقول: إنك مشؤوم علينا، وميمون ~~علينا، وإنما هو شائم ويامن، لأنه ms1173 من «شأمهم» و«يمنهم». # والثاني: أن المعنى: حجابا مستورا عنكم لا ترونه، ذكره الماوردي. وقال ~~ابن الأنباري: إذا قيل: الحجاب: هو الطبع على قلوبهم، فهو مستور عن ~~الأبصار، فيكون «مستورا» باقيا على لفظه. # قوله تعالى: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } قد شرحناه في ~~[الأنعام: 25]. # قوله تعالى: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } يعني: قلت: لا ~~إله إلا الله، وأنت تتلو القرآن { ولوا على أدبارهم } قال أبو عبيدة: ~~أي: على أعقابهم، { نفورا } وهو: جمع نافر، بمنزلة قاعد وقعود، وجالس ~~وجلوس. وقال الزجاج: تحتمل مذهبين. أحدهما: المصدر، فيكون المعنى: ~~ولوا نافرين نفورا. والثاني: أن يكون «نفورا» جمع نافر. # وفي المشار إليهم قولان. أحدهما: أنهم الشياطين، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنهم المشركون، وهذا مذهب ابن زيد. # قوله تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به } قال المفسرون: أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف ~~قريش من المشركين، ففعل ذلك، ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى التوحيد، وكانوا يستمعون ويقولون فيما ~~بينهم: هو ساحر، هو مسحور، فنزلت هذه الآية: { نحن أعلم بما يستمعون به } ~~، أي: يستمعونه، والباء زائدة. { إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى } قال ~~أبو عبيدة: هي مصدر من «ناجيت» واسم منها، فوصف القوم بها، والعرب ~~تفعل ذلك، كقولهم: إنما هو عذاب، وأنتم غم، فجاءت في موضع «متناجين». ~~وقال الزجاج: والمعنى: وإذ هم ذوو نجوى، وكانوا يستمعون من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ويقولون بينهم: هو ساحر، وهو مسحور، وما أشبه ذلك من ~~القول. # قوله تعالى: { إذ يقول الظالمون } يعني: أولئك المشركون { إن تتبعون ~~} أي: ما تتبعون { إلا رجلا مسحورا } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الذي سحر فذهب بعقله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: مخدوعا مغرورا، قاله مجاهد. # والثالث: له سحر، أي: رئة؛ وكل دابة أو طائر أو بشر يأكل فهو: ~~مسحور ومسحر، لأن له سحرا، قال لبيد: # فان تسألينا فيم نحن فاننا # عصافير من هذا ms1174 الأنام المسحر # وقال امرؤ القيس: # أرانا مرصدين لأمر غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # أي: نغذى، لأن أهل السماء لا يأكلون، فأراد أن يكون ملكا. فعلى ~~هذا يكون المعنى: إن تتبعون إلا رجلا له سحر، خلقه الله كخلقكم، ~~وليس بملك، وهذا قول أبي عبيدة. # قال ابن قتيبة: والقول قول مجاهد، [أي: مخدوعا]، لأن السحر حيلة ~~وخديعة، ومعنى قول لبيد «المسحر»: المعلل، وقول امرئ القيس: ~~«ونسحر» أي: نعلل، وكأنا نخدع، والناس يقولون: سحرتني بكلامك، ~~أي: خدعتني، ويدل عليه قوله: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ، لأنهم لو ~~أرادوا رجلا ذا رئة، لم يكن في ذلك مثل ضربوه، فلما أرادوا ~~مخدوعا كأنه بالخديعة سحر كان مثلا ضربوه، وكأنهم ذهبوا إلى أن ~~قوما يعلمونه ويخدعونه. قال المفسرون: ومعنى { ضربوا لك الأمثال } ~~بينوا لك الأشباه، حتى شبهوك بالساحر والشاعر والمجنون { فضلوا } ~~عن الحق، { فلا يستطيعون سبيلا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لا يجدون سبيلا إلى تصحيح ما يعيبونك به. # والثاني: لا يستطيعون سبيلا إلى الهدى، لأنا طبعنا على قلوبهم. # والثالث: لا يأتون سبيل الحق، لثقله عليهم؛ ومثله قولهم: لا أستطيع أن ~~أنظر إلى فلان، يعنون: أنا مبغض له، فنظري إليه يثقل، ذكرهن ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: { أئذا كنا عظاما } قرأ ابن كثير: { أيذا } بهمزة ثم ~~يأتي بياء ساكنة من غير مد، { أينا } مثله، وكذلك في كل القرآن. وكذلك ~~روى قالون عن نافع، إلا أن نافعا كان لا يستفهم في { أينا } ، كان ~~يجعل الثاني خبرا في كل القرآن، وكذلك مذهب الكسائي، غير أنه يهمز ~~الأولى همزتين. وقرأ عاصم، وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعا وقرأ ابن ~~عامر: «إذا كنا» بغير استفهام بهمزة واحدة «آئنا» بهمزتين يمد بينهما ~~مدة. # قوله تعالى: { ورفاتا } فيه قولان. # أحدهما: أنه التراب، ولا واحد له، فهو بمنزلة الدقاق والحطام، قاله ~~الفراء، وهو مذهب مجاهد. # والثاني: أنه العظام مالم تتحطم، والرفات: الحطام، قاله أبو عبيدة. ~~وقال الزجاج: الرفات: التراب. والرفات: كل شيء حطم وكسر، و { ~~خلقا جديدا } في معنى مجددا. # قوله تعالى: { أو خلقا مما يكبر في ms1175 صدوركم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الموت، قاله ابن عمر، وابن عباس، والحسن، والأكثرون. # والثاني: أنه السماء والأرض والجبال، قاله مجاهد. # والثالث: [أنه] ما يكبر في صدوركم، من كل ما استعظموه من خلق الله ~~تعالى، قاله قتادة. # فان قيل: كيف قيل لهم: { كونوا حجارة أو حديدا } وهم لا يقدرون على ~~ذلك؟ فعنه جوابان. # أحدهما: إن قدرتم على تغير حالاتكم، فكونوا حجارة أو أشد منها، ~~فانا نميتكم، وننفذ أحكامنا فيكم، ومثل هذا قولك للرجل: اصعد إلى ~~السماء فاني لاحقك. # والثاني: تصوروا أنفسكم حجارة أو أصلب منها، فإنا سنبيدكم، قال ~~الأحوص: # إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبى # فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # معناه: فتصور نفسك حجرا، وهؤلاء قوم اعترفوا أن الله خالقهم، ~~وجحدوا البعث، فأعلموا أن الذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم. # قوله تعالى: { فسينغضون إليك رؤوسهم } قال قتادة: يحركونها ~~تكذيبا واستهزاء. قال الفراء: يقال: أنغض رأسه: إذا حركه إلى فوق ~~وإلى أسفل. وقال ابن قتيبة: المعنى: يحركونها، كما يحرك الآيس من ~~الشيء والمستبعد [له] رأسه، يقال: نغصت سنه، إذا تحركت. # قوله تعالى: { ويقولون متى هو؟ } يعنون البعث { قل عسى أن يكون قريبا } ~~أي: هو قريب. ثم بين متى يكون فقال: { يوم يدعوكم } يعني: من القبور ~~بالنداء الذي يسمعكم، وهو النفخة الأخيرة { فتستجيبون } أي: تجيبون. قال ~~مقاتل: يقوم إسرافيل على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن، ~~فيقول: أيتها العظام البالية، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الشعور ~~المتفرقة، وأيتها العروق المتقطعة، اخرجوا إلى فصل القضاء لتجزوا ~~بأعمالكم، فيسمعون الصوت، فيسعون إليه. # وفي معنى { بحمده } أربعة أقوال. # أحدها: بأمره، قاله ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد. # والثاني: يخرجون من القبور وهم يقولون: سبحانك وبحمدك، قاله سعيد بن ~~جبير. والثالث: أن معنى { بحمده }: بمعرفته، وطاعته، قاله قتادة. قال ~~الزجاج: تستجيبون مقرين أنه خالقكم. # والرابع: تجيبون بحمد الله لا بحمد أنفسكم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } في هذا الظن قولان. # أحدهما: أنه بمعنى اليقين. # والثاني: أنه على أصله. وأين يظنون ms1176 أنهم لبثوا قليلا؟ فيه ثلاثة أقوال. ~~أحدها: بين النفختين، ومقداره أربعون سنة، ينقطع في ذلك العذاب عنهم، ~~فيرون لبثهم في زمان الراحة قليلا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~في الدنيا، لعلمهم بطول اللبث في الآخرة، قاله الحسن. والثالث: في ~~القبور، قاله مقاتل. فعلى هذا إنما قصر اللبث في القبور عندهم، لأنهم ~~خرجوا إلى ما هو أعظم عذابا من عذاب القبور. وقد ذهب بعض المفسرين إلى ~~أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، لأنهم يجيبون المنادي وهم يحمدون الله على ~~إحسانه إليهم، ويستقلون مدة اللبث في القبور، لأنهم كانوا غير ~~معذبين. ### || [17.53] # قوله تعالى: { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت هذه الآية. قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن رجلا من الكفار شتم عمر بن الخطاب، فهم به عمر رضي الله ~~عنه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل؛ والمعنى: وقل لعبادي المؤمنين يقولوا ~~الكلمة التي هي أحسن. واختلفوا فيمن تقال له هذه الكلمة على قولين. # أحدهما: أنهم المشركون، قال الحسن: تقول له: يهديك الله، وما ذكرنا من ~~سبب نزول الآية يؤيد هذا القول. وذهب بعضهم إلى أنهم أمروا بهذه الآية ~~بتحسين خطاب المشركين قبل الأمر بقتالهم، ثم نسخت هذه الآية بآية السيف. # والثاني: أنهم المسلمون، قاله ابن جرير. والمعنى: وقل لعبادي يقول بعضهم ~~لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقد روى مبارك عن الحسن قال: ~~«التي هي أحسن» أن يقول له مثل قوله، ولكن يقول له: يرحمك الله، ويغفر ~~الله لك. قال الأخفش: وقوله: { يقولوا } مثل قوله: «يقيموا الصلاة»، وقد ~~شرحنا ذلك في سورة [ابراهيم: 31]. # قوله تعالى: { إن الشيطان ينزغ بينهم } أي: يفسد ما بينهم، والعدو ~~المبين: الظاهر العداوة. ### || [17.54] # قوله تعالى: { ربكم أعلم بكم } فيمن خوطب بهذا قولان. # أحدهما: أنهم المؤمنون. ثم في معنى الكلام قولان. أحدهما: { إن يشأ ~~يرحمكم ms1177 } فينجيكم من أهل مكة، { وإن يشأ يعذبكم } فيسلطهم عليكم، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: إن يشأ يرحمكم بالتوبة، أو يعذبكم ~~بالإقامة على الذنوب، قاله الحسن. والثاني: أنهم المشركون. ثم في معنى ~~الكلام قولان. أحدهما: إن يشأ يرحمكم، فيهديكم للإيمان، أو إن يشأ ~~يعذبكم، فيميتكم على الكفر، قاله مقاتل. والثاني: أنه لما نزل القحط ~~بالمشركين فقالوا: # ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون # [الدخان: 12]، قال الله تعالى: { ربكم أعلم بكم } من الذي يؤمن، ومن ~~[الذي] لا يؤمن، { إن يشأ يرحمكم } فيكشف القحط عنكم { أو إن يشأ ~~يعذبكم } فيتركه عليكم، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قال ابن الأنباري: ~~و«أو» هاهنا دخلت لسعة الأمرين عند الله تعالى، وأنه لا يرد عنهما، ~~فكانت ملحقة ب «أو» المبيحة في قولهم: جالس الحسن، أو ابن سيرين، يعنون: ~~قد وسعنا لك الأمر. # قوله تعالى: { وما أرسلناك عليهم وكيلا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: كفيلا تؤخذ بهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: حافظا وربا، قاله الفراء. # والثالث: كفيلا بهدايتهم وقادرا على إصلاح قلوبهم، ذكره ابن ~~الأنباري. وذهب بعض المفسرين إلى أن هذا منسوخ بآية السيف. ### || [17.55] # قوله تعالى: { وربك أعلم بمن في السموات والأرض } لأنه خالقهم، فهدى ~~من شاء، وأضل من شاء، وكذلك فضل بعض النبيين على بعض، وذلك عن حكمة ~~منه وعلم، فخلق آدم بيده، ورفع إدريس، وجعل الذرية لنوح، واتخذ ~~ابراهيم خليلا، وموسى كليما، وجعل عيسى روحا، وأعطى سليمان ملكا ~~جسيما، ورفع محمدا صلى الله عليه وسلم فوق السموات، وغفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر. ويجوز أن يكون المفضلون أصحاب الكتب، لأنه ختم ~~الكلام بقوله: { وآتينا داود زبورا }. وقد شرحنا معنى «الزبور» في سورة ~~[النساء: 163]. ### || [17.56-57] # قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجن ~~والنفر من العرب لا يشعرون، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، روي عن ابن ~~مسعود. والثاني: أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هي تشفع ms1178 ~~لنا عند الله، فلما ابتلوا بالقحط سبع سنين، قيل لهم: «ادعوا الذين ~~زعمتم»، قاله مقاتل، والمعنى: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة، { فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } له إلى غيركم. # قوله تعالى: { أولئك الذين يدعون } في المشار إليهم ب «أولئك» ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنهم الجن الذين أسلموا. والثاني: الملائكة. وقد سبق بيان ~~القولين. والثالث: أنهم المسيح، وعزير، والملائكة، والشمس، والقمر، ~~قاله ابن عباس. وفي معنى «يدعون» قولان. # أحدهما: يعبدون، أي: يدعونهم آلهة، وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أنه بمعنى يتضرعون إلى الله في طلب الوسيلة. وعلى هذا يكون ~~قوله: «يدعون» راجعا إلى «أولئك»، ويكون قوله: «يبتغون» تماما للكلام. ~~وعلى القول الأول: يكون «يدعون» راجعا إلى المشركين، ويكون قوله: ~~«يبتغون» وصفا ل «أولئك» مستأنفا. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو ~~عبد الرحمن: «تدعون» بالتاء قال ابن الأبناري: فعلى هذا، الفعل مردود ~~إلى قوله: { فلا يملكون كشف الضر عنكم }. ومن قرأ «يدعون» بالياء، ~~قال: العرب تنصرف من الخطاب إلى الغيبة إذا أمن اللبس. ومعنى ~~«يدعون»: يدعونهم آلهة. وقد فسرنا معنى «الوسيلة» في [المائدة:35]. # وفي قوله: { أيهم أقرب } قولان ذكرهما الزجاج. # أحدهما: أن يكون «أيهم» مرفوعا بالابتداء، وخبره «أقرب»، ويكون المعنى: ~~يطلبون الوسيلة إلى ربهم، ينظرون أيهم أقرب إليه فيتوسلون إلى ~~الله به. # والثاني: أن يكون «أيهم أقرب» بدلا من الواو في «يبتغون»، فيكون ~~المعنى: يبتغي أيهم هو أقرب الوسيلة إلى الله، أي: يتقرب إليه ~~بالعمل الصالح. ### || [17.58] # قوله تعالى: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها } «إن» بمعنى «ما»، ~~والقرية الصالحة هلاكها بالموت، والعاصية بالعذاب، والكتاب: اللوح ~~المحفوظ، والمسطور: المكتوب. ### || [17.59] # قوله تعالى: { وما منعنا أن نرسل بالآيات } سبب نزولها فيه قولان. # أحدهما: # " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم ~~لعلنا نجتبي منهم، وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا، فان كفروا أهلكوا كما ~~أهلك من كان قبلهم، قال: «لا، بل أستأني بهم» " # ، فنزلت ms1179 هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: قد ذكرناه عن الزبير في قوله: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # [الرعد: 31]، ومعنى الآية: وما منعنا إرسال الآيات التي سألوها ~~إلا تكذيب الأولين، يعني: أن هؤلاء سألوا الآيات التي استوجب بتكذيبها ~~الأولون العذاب، فلم يرسلها لئلا يكذب بها هؤلاء، فيهلكوا كما هلك ~~أولئك، وسنة الله في الأمم أنهم إذا سألوا الآيات ثم كذبوا بها ~~عذبهم. # قوله تعالى: { وآتينا ثمود الناقة مبصرة } قال ابن قتيبة: أي: ~~بينة، يريد: مبصرا بها. قال ابن الأنباري: ويجوز أن تكون ~~مبصرة، ويصلح أن يكون المعنى: مبصر مشاهدوها، فنسب إليها فعل غيرها ~~تجوزا، كما يقال: لا أرينك هاهنا، فأدخل حرف النهي على غير المنهي ~~عنه، إذ المعنى لا تحضر هاهنا، حتى إذا جئت لم أرك فيه. ومن قرأ ~~«مبصرة» بفتح الميم والصاد، فمعناه: المبالغة في وصف الناقة بالتبيان، ~~كقولهم: «الولد مجبنة». # قوله تعالى: { فظلموا بها } قال ابن عباس: فجحدوا بها. وقال الأخفش: بها ~~كان ظلمهم. # قوله تعالى: { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } أي: نخوف العباد ~~ليتعظوا. # وللمفسرين في المراد بهذه الآيات أربعة أقوال. # أحدها: أنها الموت الذريع، قاله الحسن. والثاني: معجزات الرسل جعلها ~~الله تعالى تخويفا للمكذبين. والثالث: آيات الانتقام تخويفا من ~~المعاصي. والرابع: تقلب أحوال الإنسان من صغر إلى شباب، ثم إلى ~~كهولة، ثم إلى مشيب، ليعتبر بتقلب أحواله فيخاف عاقبة أمره، ذكر هذه ~~الأقوال الثلاثة الماوردي، ونسب القول الأخير منها إلى إمامنا أحمد ~~رضي الله عنه. ### || [17.60] # قوله تعالى: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أحاط علمه بالناس، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الربيع ~~بن أنس. وقال مقاتل: أحاط علمه بالناس، يعني: أهل مكة، أن يفتحها لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم. والثاني: أحاطت قدرته بالناس، فهم في قبضته، قاله ~~مجاهد. # والثالث: حال بينك وبين الناس أن يقتلوك، لتبلغ رسالته، قاله الحسن، ~~وقتادة. # قوله تعالى: { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } في هذه ~~الرؤيا ms1180 قولان. # أحدهما: أنها رؤيا عين، وهي ما رأى ليلة أسري به من العجائب والآيات. ~~روى عكرمة عن ابن عباس قال: هي رؤيا عين رآها ليلة أسري به، وإلى هذا ~~المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، ومسروق، والنخعي، ~~وقتادة، وأبو مالك، وأبو صالح، وابن جريج، وابن زيد في آخرين. فعلى هذا ~~يكون معنى الفتنة: الاختبار، فإن قوما آمنوا بما قال، وقوما كفروا. قال ~~ابن الأنباري: المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة، ولا فرق بين أن يقول ~~القائل: رأيت فلانا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها ~~في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في ~~المعنيين. # والثاني: أنها رؤيا منام. ثم فيها قولان. أحدهما: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان قد أري أنه يدخل مكة، هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، ~~فعجل قبل الأجل، فرده المشركون، فقال أناس: قد رد، وكان حدثنا ~~أنه سيدخلها، فكان رجوعهم فتنتهم، رواه العوفي عن ابن عباس. وهذا لا ~~ينافي حديث المعراج، لأن هذا كان بالمدينة، والمعراج كان بمكة. قال أبو ~~سليمان الدمشقي: وإنما ذكره ابن عباس على وجه الزيادة في الإخبار لنا ~~أن المشركين بمكة افتتنوا برؤيا عينه، والمنافقين بالمدينة افتتنوا برؤيا ~~نومه. والثاني: أنه أري بني أمية على المنابر، فساءه ذلك، فقيل له: إنها ~~الدنيا يعطونها، فسري عنه. فالفتنة هاهنا: البلاء، رواه علي بن ~~زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب، وإن كان مثل هذا لا يصح، ولكن قد ذكره ~~عامة المفسرين. # وروى ابن الأنباري أن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قوما على منابر، فشق ذلك عليه، وفيه نزل: { والشجرة الملعونة ~~في القرآن } ، قال: ومعنى قوله: { إلا فتنة للناس }: إلا بلاء للناس، ~~قال ابن الأنباري: فمن ذهب إلى أن الشجرة رجال رآهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في منامه يصعدون على المنابر، احتج بأن الشجرة يكنى بها عن المرأة ~~لتأنيثها، وعن الجماعة لاجتماع أغصانها. قالوا: ووقعت اللعنة بهؤلاء ~~الذين كنى ms1181 عنهم بالشجرة. قال المفسرون: وفي الآية تقديم وتأخير، تقديره: ~~وما جعلنا الرؤيا والشجرة إلا فتنة للناس. # وفي هذه الشجرة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها شجرة الزقوم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومسروق، والنخعي، والجمهور. وقال مقاتل: لما ذكر ~~الله تعالى شجرة الزقوم قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا ~~يخوفكم بشجرة الزقوم، ألستم تعلمون أن النار تحرق الشجر؟ ومحمد ~~يزعم أن النار تنبت الشجر، فهل تدرون ما الزقوم؟ فقال عبد الله بن ~~الزبعرى: إن الزقوم بلسان بربر: التمر والزبد، فقال أبو ~~جهل: يا جارية ابغينا تمرا وزبدا، فجاءته به، فقال لمن حوله: ~~تزقموا من هذا الذي يخوفكم به محمد، فأنزل الله تعالى: { ~~ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا }. قال ابن قتيبة: كانت ~~فتنتهم بالرؤيا قولهم: كيف يذهب إلى بيت المقدس، ويرجع في ليلة؟! ~~وبالشجرة قولهم: كيف يكون في النار شجرة؟! # وللعلماء في معنى «الملعونة» ثلاثة اقوال. أحدها: المذمومة، قاله ابن ~~عباس. والثاني: الملعون آكلها، ذكره الزجاج، وقال: إن لم يكن في القرآن ~~ذكر لعنها، ففيه لعن آكليها، قال: والعرب تقول لكل طعام مكروه وضار: ~~ملعون؛ فأما قوله: { في القرآن } فالمعنى: التي ذكرت في القرآن، وهي ~~مذكورة في قوله: # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # [الدخان: 43، 44]. والثالث: أن معنى «الملعونة»: المبعدة عن منازل أهل ~~الفضل، ذكره ابن الانباري. والقول الثاني: أن الشجرة الملعونة هي التي ~~تلتوي على الشجر، يعني: الكشوثى، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن الشجرة كناية عن الرجال على ما ذكرنا عن سعيد بن المسيب. # قوله تعالى: { ونخوفهم } قال ابن الأنباري: مفعول «نخوفهم» محذوف، ~~تقديره: ونخوفهم العذاب، { فما يزيدهم } أي: فما يزيدهم التخويف { إلا ~~طغيانا }؛ وقد ذكرنا معنى الطغيان في [البقرة: 15]، وذكرنا هناك تفسير ~~قوله: # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس # [البقرة: 34]. ### || [17.61-65] # قوله تعالى: { آسجد } قرأه الكوفيون: بهمزتين. وقرأه الباقون: بهمزة ~~مطولة؛ وهذا استفهام إنكار، يعني به: لم أكن لأفعل. # قوله تعالى: { لمن خلقت طينا } قال الزجاج: «طينا» ms1182 منصوب على وجهين. ~~أحدهما: التمييز، المعنى: لمن خلقته من طين. والثاني: على الحال، ~~المعنى: أنشأته في حال كونه من طين. ولفظ { قال أرأيتك } جاء هاهنا ~~بغير حرف عطف، لأن المعنى: قال آسجد لمن خلقت طينا، وأرأيتك، وهي في ~~معنى: أخبرني، والكاف ذكرت في المخاطبة توكيدا، والجواب محذوف، ~~والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرمت علي، لم كرمته علي وقد ~~خلقتني من نار وخلقته من طين؟! فحذف هذا، لأن في الكلام دليلا عليه. # قوله تعالى: { لئن أخرتن إلى يوم القيامة } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمر: «أخرتني» بياء في الوصل. ووقف ابن كثير بالياء. وقرأ ابن عامر، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي، بغير ياء في وصل ولا في وقف. # قوله تعالى: { لأحتنكن ذريته } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لأستولين عليهم، قاله ابن عباس، والفراء. # والثاني: لأضلنهم، قاله ابن زيد. # والثالث: لأستأصلنهم؛ يقال: احتنك الجراد ما على الأرض: إذا ~~أكله؛ واحتنك فلان ما عند فلان من العلم: إذا استقصاه، فالمعنى: ~~لأقودنهم كيف شئت، هذا قول ابن قتيبة. # فإن قيل: من أين علم الغيب. فقد أجبنا عنه في سورة [النساء: 119]. # قوله تعالى: { إلا قليلا } قال ابن عباس: هم أولياء الله الذين عصمهم. # قوله تعالى: { قال اذهب } هذا اللفظ يتضمن إنظاره؛ { فمن تبعك } ، أي: ~~تبع أمرك منهم، يعني: ذرية آدم. والموفور: الموفر. قال ابن قتيبة: ~~يقال: وفرت ماله عليه، ووفرته، بالتخفيف والتشديد. # قوله تعالى: { واستفزز من استطعت منهم } قال ابن قتيبة: ~~استخف، ومنه تقول: استفزني فلان. # وفي المراد بصوته قولان. أحدهما: أنه كل داع دعا إلى معصية الله، قاله ~~ابن عباس. والثاني: أنه الغناء والمزامير، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { وأجلب عليهم } أي: صح { بخيلك ورجلك } ~~واحثثهم عليهم بالإغراء؛ يقال: أجلب القوم وجلبوا: إذا صاحوا. وقال ~~الزجاج: المعنى: اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك؛ فعلى هذا تكون ~~الباء زائدة. قال ابن قتيبة: والرجل: الرجالة؛ يقال: راجل ~~ورجل، مثل تاجر وتجر، وصاحب وصحب. قال ابن عباس: كل خيل تسير في ~~معصية الله، وكل رجل يسير في معصية الله. ms1183 وقال قتادة: إن له خيلا ~~ورجلا من الجن والإنس. وروى حفص عن عاصم: «بخيلك ورجلك» بكسر ~~الجيم، وهي قراءة ابن عباس، وابي رزين، وأبي عبد الرحمن السلمي. قال ~~أبو زيد: يقال: رجل رجل: للراجل، ويقال: جاءنا حافيا رجلا. وقرأ ~~ابن السميفع، والجحدري: «بخيلك ورجالك» برفع الراء وتشديد الجيم ~~مفتوحة وبألف بعدها. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعكرمة: «ورجالك» ~~بكسر الراء وتخفيف الجيم مع ألف. # قوله تعالى: { وشاركهم في الأموال } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنها ما كانوا يحرمونه من أنعامهم، رواه عطية عن ابن عباس. ~~والثاني: الأموال التي أصيبت من حرام، قاله مجاهد. # والثالث: التي أنفقوها في معاصي الله، قاله الحسن. # والرابع: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، قاله الضحاك. # فأما مشاركته إياهم في الأولاد، ففيها أربعة أقوال. # أحدها: أنهم أولاد الزنا، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك. # والثاني: الموؤودة من أولادهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه تسمية أولادهم عبيدا لأوثانهم، كعبد شمس، وعبد العزى، ~~وعبد مناف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: ما مجسوا وهودوا ونصروا، وصبغوا من أولادهم غير ~~صبغة الإسلام، قاله الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: { وعدهم } قد ذكرناه في قوله # يعدهم ويمنيهم... # إلى آخر الآية [النساء: 120]. وهذه الآية لفظها لفظ الأمر، ومعناها ~~التهديد، ومثلها في الكلام أن تقول للانسان: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك. ~~قال الزجاج: إذا تقدم الأمر نهي عما يؤمر به، فمعناه التهديد والوعيد، ~~تقول للرجل: لا تدخلن هذه الدار؛ فاذا حاول أن يدخلها قلت: ادخلها ~~وأنت رجل، فلست تأمره بدخولها، ولكنك توعده وتهدده، ومثله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]، وقد نهوا أن يعملوا بالمعاصي. وقال ابن الانباري: هذا ~~أمر معناه التهديد، تقديره: إن فعلت هذا عاقبناك وعذبناك، فنقل إلى ~~لفظ الأمر عن الشرط، كقوله: # فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر # [الكهف: 29]. # قوله تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } قد شرحناه في [الحجر: ~~42]. # قوله تعالى: { وكفى بربك وكيلا } قال الزجاج: كفى به وكيلا لأوليائه ~~يعصمهم ms1184 من القبول من إبليس. ### || [17.66-70] # قوله تعالى: { ربكم الذي يزجي لكم الفلك } أي: يسيرها. قال الزجاج: ~~يقال: زجيت الشيء، أي: قدمته. # قوله تعالى: { لتبتغوا من فضله } أي: في طلب التجارة. # وفي «من» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها زائدة. والثاني: أنها للتبعيض. والثالث: أن المفعول محذوف، ~~والتقدير: لتبتغوا من فضله الرزق والخير، ذكرهن ابن الأنباري. # قوله تعالى: { إنه كان بكم رحيما } هذا الخطاب خاص للمؤمنين، ثم خاطب ~~المشركين فقال: { وإذا مسكم الضر في البحر } يعني: خوف الغرق ~~{ ضل من تدعون } أي: يضل من يدعون من الآلهة، إلا الله ~~تعالى. ويقال: ضل بمعنى غاب، يقال: ضل الماء في اللبن: إذا ~~غاب، والمعنى: أنكم أخلصتم الدعاء [لله]، ونسيتم الأنداد. وقرأ مجاهد، ~~وأبو المتوكل: «ضل من يدعون» بالياء. { فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم } عن الإيمان والإخلاص { وكان الإنسان } يعني الكافر { كفورا ~~} بنعمة ربه. { أفأمنتم } إذا خرجتم من البحر { أن يخسف بكم } قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو: «نخسف بكم» «أو نرسل» «أن نعيدكم» «فنرسل» ~~«فنغرقكم» بالنون في الكل. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، بالياء في الكل. ومعنى { نخسف بكم جانب البر } أي: نغيبكم ~~ونذهبكم في ناحية البر، والمعنى: إن حكمي نافذ في البر نفوذه في البحر، ~~{ أو نرسل عليكم حاصبا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الحاصب: حجارة من السماء، قاله قتادة. # والثاني: أنه الريح العاصف تحصب، قاله أبو عبيدة، وأنشد للفرزدق: # مستقبلين شمال الريح تضربهم # بحاصب كنديف القطن منثور # وقال ابن قتيبة: الحاصب: الريح، سميت بذلك لأنها تحصب، أي: ترمي ~~بالحصباء، وهي الحصى الصغار. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الحاصب: ~~الريح التي فيها الحصى. وإنما قال في الريح: «حاصبا» ولم يقل: «حاصبة» ~~لأنه وصف لزم الريح ولم يكن لها مذكر تنتقل إليه في حال، فكان ~~بمنزلة قولهم: «حائض» للمرأة، حين لم يقل: رجل حائض. قال: وفيه جواب ~~آخر، وهو أن نعت الريح عري من علامة التأنيث، فأشبهت بذلك أسماء ~~المذكر، كما قالوا: السماء أمطر، والأرض أنبت. # والثالث: أن الحاصب: التراب الذي فيه حصباء، قاله ms1185 الزجاج. # قوله تعالى: { ثم لاتجدوا لكم وكيلا } أي: مانعا وناصرا. # قوله تعالى: { أم أمنتم أن يعيدكم فيه } أي: في البحر { تارة أخرى } أي: ~~مرة أخرى، والجمع: تارات. { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } قال أبو ~~عبيدة: هي التي تقصف كل شيء. قال ابن قتيبة: القاصف: [الريح التي] تقصف ~~الشجر، أي: تكسره. # قوله تعالى: { فيغرقكم } وقرأ أبو المتوكل، و[أبو] جعفر، وشيبة، ~~ورويس: «فتغرقكم» بالتاء، وسكون الغين، وتخفيف الراء. وقرأ أبو الجوزاء، ~~وأيوب: «فيغرقكم» بالياء، وفتح الغين، وتشديدها. وقرأ أبو رجاء مثله، ~~إلا أنه بالتاء، { بما كفرتم } أي: بكفركم حيث نجوتم في المرة الأولى، { ~~ثم لاتجدوا لكم علينا به تبيعا } قال ابن قتيبة: أي: من يتبع بدمائكم، ~~أي: يطالبنا. # قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ريح العذاب أربع، اثنتان في البر، ~~واثنتان في البحر، فاللتان في البر: الصرصر، والعقيم، واللتان ~~في البحر: العاصف، والقاصف. # قوله تعالى: { ولقد كرمنا بني آدم } أي: فضلناهم. قال أبو عبيدة: ~~و«كرمنا» أشد مبالغة من «أكرمنا». # وللمفسرين فيما فضلوا به أحد عشر قولا. # أحدها: أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة: جبريل، ~~وميكائيك، وإسرافيل، وملك الموت، وأشباههم، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. فعلى هذا يكون المراد: المؤمنين منهم، ويكون تفضيلهم بالإيمان. # والثاني: أن سائر الحيوان يأكل بفيه، إلا ابن آدم فإنه يأكل بيده، رواه ~~ميمون بن مهران عن ابن عباس. وقال بعض المفسرين: المراد بهذا التفضيل: ~~أكلهم بأيديهم، ونظافة ما يقتاتونه، إذ الجن يقتاتون العظام والروث. # والثالث: فضلوا بالعقل، روي عن ابن عباس. # والرابع: بالنطق والتمييز، قاله الضحاك. # والخامس: بتعديل القامة وامتدادها، قاله عطاء. # والسادس: بأن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم، قاله محمد بن كعب. # والسابع: فضلوا بالمطاعم واللذات في الدنيا، قاله زيد بن أسلم. # والثامن: بحسن الصورة، قاله يمان. # والتاسع: بتسليطهم على غيرهم من الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم، قاله ~~محمد بن جرير. # والعاشر: بالأمر والنهي، ذكره الماوردي. # والحادي عشر: بأن جعلت اللحى للرجال، والذوائب للنساء، ذكره الثعلبي. # فإن قيل: كيف ms1186 أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر المهان؟ # فالجواب من وجهين. أحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرم بالنعم ~~الوافرة. والثاني: أنه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصفة على ~~جماعتهم، كقوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. # قوله تعالى: { وحملناهم في البر } على أكباد رطبة، وهي: الإبل، والخيل، ~~والبغال، والحمير، { و } في { البحر } على أعواد يابسة، وهي: السفن. { ~~ورزقناهم من الطيبات } فيه قولان. # أحدهما: الحلال. والثاني: المستطاب في الذوق. # قوله تعالى: { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } فيه قولان. # أحدهما: أنه على لفظه، وأنهم لم يفضلوا على سائر المخلوقات. وقد ذكرنا ~~عن ابن عباس أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة. وقال ~~غيره: بل الملائكة أفضل. # والثاني: أن معناه: وفضلناهم على جميع من خلقنا. والعرب تضع الأكثر ~~والكثير في موضع الجمع، كقوله: # يلقون السمع وأكثرهم كاذبون # [الشعراء: 223]. وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " المؤمن أكرم على الله عز وجل من الملائكة الذين عنده ". ### || [17.71-72] # قوله تعالى: { يوم ندعو } قال الزجاج: هو منصوب على معنى: اذكر { يوم ~~ندعو كل أناس بإمامهم } والمراد به: يوم القيامة. وقرأ الحسن البصري: ~~«يوم يدعو» بالياء { كل } بالنصب. وقرأ أبو عمران الجوني: «يوم يدعى» ~~بياء مرفوعة، وفتح العين، وبعدها ألف، «كل» بالرفع. # وفي المراد بإمامهم أربعة أقوال. # أحدها: أنه رئيسهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وروى عنه سعيد بن جبير ~~أنه قال: إمام هدى أو إمام ضلالة. والثاني: عملهم، رواه عطية عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن، وأبوالعالية. # والثالث: نبيهم، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد في ~~رواية. # والرابع: كتابهم، قاله عكرمة، ومجاهد في رواية. ثم فيه قولان. أحدهما: ~~أنه كتابهم الذي فيه أعمالهم، قاله قتادة، ومقاتل. والثاني: كتابهم الذي ~~أنزل عليهم، قاله الضحاك، وابن زيد. فعلى القول الأول يقال: يا متبعي ~~موسى، يا متبعي عيسى، يا متبعي محمد؛ ويقال: يا متبعي رؤساء ~~الضلالة. وعلى الثاني: يا من عمل كذا ms1187 وكذا. وعلى الثالث: يا أمة موسى، ~~يا أمة عيسى، يا أمة محمد. وعلى الرابع: يا أهل التوراة، يا أهل ~~الإنجيل، يا أهل القرآن. أو يا صاحب الكتاب الذي فيه عمل كذا وكذا. # قوله تعالى: { فأولئك يقرؤون كتابهم } معناه: يقرؤون حسناتهم، لأنهم ~~أخذوا كتبهم بأيمانهم. # قوله تعالى: { ولا يظلمون فتيلا } أي: لا ينقصون من ثوابهم بقدر ~~الفتيل، وقد بيناه في سورة [النساء: 49]. # قوله تعالى: { ومن كان في هذه أعمى } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~«أعمى فهو في الآخرة أعمى» مفتوحتي الميم. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر ~~عن عاصم بكسر الميمين. وقرأ أبو عمرو: «في هذه أعمى» بكسر الميم، «فهو في ~~الآخرة أعمى» بفتحها. # وفي المشار إليها ب «هذه» قولان. # أحدهما: أنها الدنيا، قاله مجاهد. ثم في معنى الكلام خمسة أقوال. # أحدها: من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة الله في خلق الأشياء، فهو ~~عما وصف له في الآخرة أعمى، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: من كان في الدنيا أعمى بالكفر، فهو في الآخرة أعمى، لأنه في ~~الدنيا تقبل توبته، وفي الآخرة لا تقبل، قاله الحسن. # والثالث: من عمي عن آيات الله في الدنيا، فهو عن الذي غيب عنه من أمور ~~الآخرة أشد عمى. # والرابع: من عمي عن نعم الله التي بينها في قوله: { ربكم الذي ~~يزجي لكم الفلك في البحر } إلى قوله: { تفضيلا } فهو في الآخرة أعمى ~~عن رشاده وصلاحه، ذكرهما ابن الأنباري. # والخامس: من كان فيها أعمى عن الحجة، فهو في الآخرة أعمى عن الجنة، ~~قاله أبو بكر الوراق. # والثاني: أنها النعم. ثم في الكلام قولان. # أحدهما: من كان أعمى عن النعم التي ترى وتشاهد، فهو في الآخرة التي ~~لم تر أعمى، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: من كان أعمى عن معرفة حق ~~الله في هذه النعم المذكورة في قوله: { ولقد كرمنا بني آدم } ولم ~~يؤد شكرها، فهو فيما بينه وبين الله مما يتقرب به إليه أعمى { وأضل ~~سبيلا } ، قاله السدي. قال أبو علي الفارسي: ومعنى ms1188 قوله: { في الآخرة ~~أعمى } أي: أشد عمى، لأنه كان في الدنيا يمكنه الخروج عن عماه ~~بالاستدلال، ولا سبيل له في الآخرة إلى الخروج من عماه. وقيل: معنى ~~العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب، وهذا كله من عمى ~~القلب. # فإن قيل: لم قال: { فهو في الآخرة أعمى } ولم يقل: أشد عمى، لأن ~~العمى خلقة بمنزلة الحمرة، والزرقة، والعرب تقول: ما أشد سواد ~~زيد، وما أبين زرقة عمرو، وقلما يقولون: ما أسود زيدا، وما أزرق ~~عمرا؟ # فالجواب: أن المراد بهذا العمى عمى القلب، وذلك يتزايد ويحدث منه شيء ~~بعد شيء، فيخالف الخلق اللازمة التي لا تزيد، نحو عمى العين، ~~والبياض، والحمرة، ذكره ابن الأنباري. ### || [17.73-77] # قوله تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك } في سبب نزولها أربعة أقوال. # أحدها: أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~متعنا باللات سنة، وحرم وادينا كما حرمت مكة، فأبى ذلك، ~~فأقبلوا يكثرون مسألتهم، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، ~~فإن خشيت أن يقول العرب: أعطيتهم مالم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك؛ ~~فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم [عنهم]، وداخلهم الطمع، فنزلت هذه ~~الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: ~~أجلنا سنة، ثم نسلم ونكسر أصنامنا، فهم أن يؤجلهم، فنزلت هذه ~~الآية. # والثاني: # " أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نكف عنك إلا بأن ~~تلم بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره»؟ " # فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يظن ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ~~ينظرهم سنة، وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا ~~عنه. # والثالث: أن قريشا خلوا برسول الله ليلة إلى الصباح يكلمونه ~~ويفخمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد ~~يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم ms1189 عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله ~~قتادة. # والرابع: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سقاط ~~الناس، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا ~~يلبسون الصوف، حتى نجالسك ونسمع منك، فهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم، فنزلت هذه الآيات، حكاه الزجاج؛ ~~قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت «إن» واللام للتوكيد. قال ~~المفسرون: وإنما قال: «ليفتنونك»، لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة ~~لحكم القرآن. # قوله تعالى: { لتفتري } أي: لتختلق { علينا غيره } وهو قولهم: قل ~~الله أمرني بذلك، { وإذا } لو فعلت ذلك { لاتخذوك خليلا } أي: ~~والوك وصافوك. # قوله تعالى: { ولولا أن ثبتناك } على الحق، لعصمتنا إياك { لقد ~~كدت تركن إليهم } أي: هممت وقاربت أن تميل إلى مرادهم { شيئا ~~قليلا } قال ابن عباس: وذلك حين سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته. ~~وقال ابن الأنباري: الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي ~~الباطن للمشركين، وتقديره: لقد كادوا يركنونك إليهم، وينسبون إليك ما ~~يشتهونه مما تكرهه، فنسب الفعل إلى غير فاعله عند أمن اللبس، كما ~~يقول الرجل للرجل: كدت تقتل نفسك اليوم، يريد: كدت تفعل فعلا يقتلك ~~غيرك من أجله؛ فهذا من المجاز والاتساع. وشبيه بهذا قوله: # فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون # [البقرة: 132]، وقول القائل: لا أرينك في هذا الموضع. # قوله تعالى: { إذا لأذقناك } المعنى: لو فعلت ذلك الشيء القليل { ~~لأذقناك ضعف الحياة } أي: ضعف عذاب الحياة { وضعف } عذاب { الممات } ، ~~ومثله قول الشاعر: # [نبئت أن النار بعدك أوقدت] # واستب بعدك يا كليب المجلس # أي: أهل المجلس. وقال ابن عباس: ضعف عذاب الدنيا والآخرة. وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكنه تخويف لأمته، لئلا يركن أحد ~~من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه. # قوله تعالى: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، حسدته ~~اليهود على مقامه بالمدينة، وكرهوا قربه، فأتوه، ms1190 فقالوا: يا محمد أنبي ~~أنت؟ قال: نعم، قالوا: فوالله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض ~~الأنبياء الشام، فان كنت نبيا فائت الشام، فنزلت هذه الآية، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غنم: لما ~~قالت له اليهود هذا: صدق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، ~~فلما بلغ تبوك، نزلت هذه الآية. # والثاني: أنهم المشركون أهل مكة هموا باخراج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا ~~به، قاله الحسن، ومجاهد. وقال قتادة: هم أهل مكة باخراجه من مكة، ولو ~~فعلوا ذلك ما نوظروا، ولكن الله كفهم عن إخراجه حتى أمره بالخروج. ~~وقيل: ما لبثوا بعد ذلك حتى بعث الله عليهم القتل ببدر. فعلى القول ~~الأول، المشار إليهم: اليهود، والأرض: المدينة. وعلى الثاني: هم ~~المشركون، والأرض: مكة. وقد ذكرنا معنى «الاستفزاز» آنفا [الاسراء: 64]، ~~وقيل: المراد به هاهنا: القتل، ليخرجوه من الأرض كلها؛ روي عن الحسن. # قوله تعالى: { وإذا لا يلبثون خلفك } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وأبو بكر عن عاصم: «خلفك». وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم: «خلافك». قال الأخفش «خلافك» في معنى خلفك، والمعنى: لا يلبثون ~~بعد خروجك { إلا قليلا } أي: لو أخرجوك لاستأصلناهم بعد خروجك بقليل، ~~وقد جازاهم الله على ما هموا به، فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من ~~اليهود بني قريظة، وأجلى النضير. وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا ~~يلبثون على خلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض. وقرأ أبو رزين، وأبو ~~المتوكل: «خلافك» بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع الفاء. # قوله تعالى: { سنة من قد أرسلنا } قال الفراء: نصب السنة على ~~العذاب المضمر، أي: يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا. وقال الأخفش: ~~المعنى: سنها سنة. وقال الزجاج: انتصب بمعنى «لا يلبثون» وتأويله: ~~إنا سننا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك أنهم إذا أخرجوا ~~نبيهم أو ms1191 قتلوه، لم يلبث العذاب أن ينزل بهم. ### || [17.78-81] # قوله تعالى: { أقم الصلاة } أي: أدها { لدلوك الشمس } أي: عند ~~دلوكها. وذكر ابن الأنباري في «اللام» قولين. أحدهما: أنها بمعنى «في». ~~والثاني: أنها مؤكدة، كقوله: # ردف لكم # [النمل: 72]. وقال أبو عبيدة: دلوكها: من عند زوالها إلى أن تغيب. ~~وقال الزجاج: ميلها وقت الظهيرة دلوك، وميلها للغروب دلوك. وقال ~~الأزهري: معنى «الدلوك» في كلام العرب: الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا ~~زالت نصف النهار: دالكة، وإذا أفلت: دالكة، لأنها في الحالين زائلة. ~~وللمفسرين في المراد بالدلوك هاهنا قولان. # أحدهما: أنه زوالها نصف النهار. # " روى جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء ~~من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: «اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس» " # ؛ وهذا قول ابن عمر، وأبي برزة، وأبي هريرة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن ~~جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعبيد بن عمير، وقتادة، والضحاك، ~~ومقاتل، وهو اختيار الأزهري. قال الأزهري: لتكون الآية جامعة للصلوات ~~الخمس، فيكون المعنى: أقم الصلاة من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل، ~~فيدخل فيها الأولى، والعصر، وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال: { ~~وقرآن الفجر } ، فهذه خمس صلوات. # والثاني: أنه غروبها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وابن زيد، وعن ابن عباس ~~كالقولين، قال الفراء: ورأيت العرب تذهب في الدلوك إلى غيبوبة الشمس، ~~وهذا اختيار ابن قتيبة، قال: لأن العرب تقول: دلك النجم: إذا غاب؛ ~~قال ذو الرمة: # مصابيح ليست باللواتي تقودها # نجوم ولا بالآفلات الدوالك # وتقول في الشمس: دلكت براح، يريدون: غربت، والناظر قد وضع كفه على ~~حاجبه ينظر إليها، قال الشاعر: # والشمس قد كادت تكون دنفا # أدفعها بالراح كي تزحلفا # فشبهها بالمريض [في] الدنف، لأنها قد همت بالغروب كما قارب ~~الدنف الموت، وإنما ينظر إليها من تحت الكف ليعلم كم بقي لها إلى ~~أن تغيب، ويتوقى الشعاع بكفه. فعلى هذا، المراد بهذه الصلاة: المغرب. ~~فأما غسق الليل، فظلامه. # وفي ms1192 المراد بالصلاة المتعلقة بغسق الليل ثلاثة أقوال. # أحدها: العشاء، قاله ابن مسعود. والثاني: المغرب، قاله ابن عباس. قال ~~القاضي أبو يعلى: فيحتمل أن يكون المراد بيان وقت المغرب، أنه من غروب ~~الشمس إلى غسق الليل. والثالث: المغرب والعشاء، قاله الحسن. # قوله تعالى: { وقرآن الفجر } المعنى: وأقم قراءة الفجر. قال المفسرون: ~~المراد به: صلاة الفجر. قال الزجاج: وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن ~~الصلاة لا تكون إلا بقراءة، حين سميت الصلاة قرآنا. قوله تعالى: { ~~إن قرآن الفجر كان مشهودا } روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار ". # قوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به } قال ابن عباس: فصل بالقرآن. ~~قال مجاهد، وعلقمة، والأسود: التهجد بعد النوم. قال ابن قتيبة: ~~تهجدت: سهرت، وهجدت: نمت. وقال ابن الأنباري: التهجد هاهنا ~~بمعنى: التيقظ والسهر، واللغويون يقولون: هو من حروف الأضداد؛ يقال ~~للنائم: هاجد ومتهجد، وكذلك للساهر، قال النابغة: # ولو انها عرضت لأشمط راهب # عبد الإله صرورة متهجد # لرنا لبهجتها وحسن حديثها # ولخاله رشدا وإن لم يرشد # يعني بالمتهجد: الساهر، وقال لبيد: # قال هجدنا فقد طال السرى # [وقدرنا إن خنا الدهر غفل # أي: نومنا. وقال الأزهري: المتهجد: القائم إلى الصلاة من ~~النوم. وقيل له: متهجد، لإلقائه الهجود عن نفسه، كما يقال: تحرج ~~وتأثم. # قوله تعالى: { نافلة لك } النافلة في اللغة: ما كان زائدا على الأصل. # وفي معنى هذه الزيادة في حقه قولان. # أحدهما: أنها زائدة فيما فرض عليه، فيكون المعنى: فريضة عليك، وكان قد ~~فرض عليه قيام الليل، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: أنها زائدة على الفرض، وليست فرضا؛ فالمعنى: تطوعا وفضيلة. ~~قال أبو أمامة، والحسن، ومجاهد: إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة. قال مجاهد: وذلك أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ~~فما زاد على فرضه فهو نافلة له وفضيلة، وهو لغيره كفارة. وذكر بعض أهل ~~العلم: أن صلاة الليل كانت فرضا عليه في الابتداء، ثم رخص له في ms1193 ~~تركها، فصارت نافلة. وذكر ابن الأنباري في هذا قولين. # أحدهما: يقارب ما قاله مجاهد، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا تنفل لا يقدر له أن يكون بذلك ماحيا للذنوب، لأنه قد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره إذا تنفل كان راجيا، ومقدرا محو ~~السيئات عنه بالتنفل، فالنافلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على ~~الحاجة، وهي لغيره مفتقر إليها، ومأمول بها دفع المكروه. والثاني: أن ~~النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والمعنى: ومن الليل فتهجدوا به ~~نافله لكم، فخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب أمته. # قوله تعالى: { عسى أن يبعثك ربك } «عسى» من الله واجبه، ومعنى ~~«يبعثك» يقيمك { مقاما محمودا } وهو الذي يحمده لأجله جميع أهل ~~الموقف. وفيه قولان. # أحدهما: أنه الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله ابن مسعود، وحذيفة بن ~~اليمان، وابن عمر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والحسن، وهي رواية ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثاني: يجلسه على العرش يوم القيامة. روى أبو وائل عن عبد الله أنه ~~قرأ هذه الآية، وقال: يقعده على العرش، وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس، ~~وليث عن مجاهد. # قوله تعالى: { وقل رب أدخلني مدخل صدق } وقرأ الحسن، وعكرمة، والضحاك، ~~وحميد بن قيس، وقتادة، وابن أبي عبلة بفتح الميم في «مدخل» و«مخرج». # قال الزجاج: المدخل، بضم الميم: مصدر أدخلته مدخلا، ومن قال: مدخل ~~صدق، فهو على أدخلته، فدخل مدخل صدق، وكذلك شرح «مخرج» مثله. # وللمفسرين في المراد بهذا المدخل والمخرج أحد عشر قولا. # أحدها: أدخلني المدينة مدخل صدق، وأخرجني من مكة مخرج صدق. روى أبو ~~ظبيان عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم أمر ~~بالهجرة، فنزلت عليه هذه الآية. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن في رواية ~~سعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أدخلني القبر مدخل صدق، وأخرجني منه مخرج صدق، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. # والثالث: أدخلني المدينة، وأخرجني إلى مكة، يعني: لفتحها، رواه أبو ~~صالح عن ms1194 ابن عباس. # والرابع: أدخلني مكة مدخل صدق، وأخرجني منها مخرج صدق، فخرج منها آمنا ~~من المشركين، ودخلها ظاهرا عليها يوم الفتح، قاله الضحاك. # والخامس: أدخلني مدخل صدق الجنة، وأخرجني مخرج صدق من مكة إلى ~~المدينة، رواه قتادة عن الحسن. # والسادس: أدخلني في النبوة والرسالة، وأخرجني منها مخرج صدق، قاله ~~مجاهد، يعني: أخرجني مما يجب علي فيها. # والسابع: أدخلني في الإسلام، وأخرجني منه، قاله أبو صالح؛ يعني: من ~~أداء ما وجب علي فيه إذا جاء الموت. # والثامن: أدخلني في طاعتك، وأخرجني منها، أي: سالما غير مقصر في ~~أدائها، قاله عطاء. # والتاسع: أدخلني الغار، وأخرجني منه، قاله محمد بن المنكدر. # والعاشر: أدخلني في الدين، وأخرجني من الدنيا وأنا على الحق، ذكره ~~الزجاج. # والحادي عشر: أدخلني مكة، وأخرجني إلى حنين، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. # وأما إضافة الصدق إلى المدخل والمخرج، فهو مدح لهما. وقد شرحنا هذا ~~المعنى في سورة [يونس: 2]. # قوله تعالى: { واجعل لي من لدنك } أي: من عندك { سلطانا } وفيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه التسلط على الكافرين بالسيف، وعلى المنافقين باقامة ~~الحدود، قاله الحسن. # والثاني: أنه الحجة البينة، قاله مجاهد. # والثالث: الملك العزيز الذي يقهر به العصاة، قاله قتادة. وقال ابن ~~الأنباري: وقوله: { نصيرا } يجوز أن يكون بمعنى منصرا، ويصلح أن ~~يكون تأويله ناصرا. # قوله تعالى: { وقل جاء الحق وزهق الباطل } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أن الحق: الإسلام، والباطل: الشرك، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن الحق: القرآن، والباطل: الشيطان، قاله قتادة. # والثالث: أن الحق: الجهاد، والباطل: الشرك، قاله ابن جريج. # والرابع: الحق: عبادة الله، والباطل: عبادة الأصنام، قاله مقاتل. ومعنى ~~«زهق»: بطل واضمحل. وكل شيء هلك وبطل فقد زهق. وزهقت نفسه: ~~تلفت. # وروى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وحول البيت ~~ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا. # فإن قيل: كيف قلتم: إن «زهق» بمعنى بطل، والباطل موجود معمول عليه ~~عند أهله؟ # فالجواب: أن المراد من بطلانه ms1195 وهلكته: وضوح عيبه، فيكون هالكا عند ~~المتدبر الناظر. ### || [17.82] # قوله تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاء } «من» هاهنا لبيان ~~الجنس، فجميع القرآن شفاء. وفي هذا الشفاء ثلاثة أقوال. # أحدها: شفاء من الضلال، لما فيه من الهدى. والثاني: شفاء من السقم، ~~لما فيه من البركة. والثالث: شفاء من البيان للفرائض والأحكام. # وفي «الرحمة» قولان. أحدهما: النعمة. والثاني: سبب الرحمة. # قوله تعالى: { ولا يزيد الظالمين } يعني المشركين { إلا خسارا } لأنهم ~~يكفرون به، ولا ينتفعون بمواعظه، فيزيد خسرانهم. ### || [17.83-84] # قوله تعالى: { وإذا أنعمنا على الإنسان } قال ابن عباس: الإنسان ~~هاهنا: الكافر، والمراد به: الوليد بن المغيرة. قال المفسرون: وهذا ~~الإنعام: سعة الرزق، وكشف البلاء. { ونأى بجانبه } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «ونأى» على وزن «نعى» بفتح النون ~~والهمزة. وقرأ ابن عامر: «ناء» مثل «باع». وقرأ الكسائي، وخلف عن سليم عن ~~حمزة: «وناء» بامالة النون والهمزة. وروى خلاد عن سليم: «نئي» بفتح ~~النون، وكسر الهمزة؛ والمعنى: تباعد عن القيام بحقوق النعم، وقيل: ~~تعظم وتكبر. { وإذا مسه الشر } أي: نزل به البلاء والفقر { كان ~~يؤوسا } أي: قنوطا شديد اليأس، لا يرجو فضل الله. # قوله تعالى: { قل كل يعمل على شاكلته } فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: على ناحيته، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. قال الفراء: الشاكلة: ~~الناحية، والجديلة، والطريقة، سمعت بعض العرب يقول: وعبد الملك إذ ذاك ~~على جديلته، وابن الزبير على جديلته، يريد: على ناحيته. وقال أبو عبيدة: ~~على ناحيته وخليقته. وقال ابن قتيبة: على خليقته وطبيعته، وهو من الشكل. ~~يقال: لست على شكلي، ولا شاكلتي وقال الزجاج: على طريقته، وعلى مذهبه. # والثاني: على نيته؛ قاله الحسن، ومعاوية بن قرة. وقال الليث: ~~الشاكلة من الأمور: ما وافق فاعله. # والثالث: على دينه، قاله ابن زيد. وتحرير المعنى: أن كل واحد يعمل على ~~طريقته التي تشاكل أخلاقه، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند ~~النعم واليأس عند الشدة، والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند ~~الرخاء والصبر عند البلاء، والله ms1196 يجازي الفريقين. وذكر أبو صالح عن ابن ~~عباس: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]، وليس بشيء. ### || [17.85] # قوله تعالى: { ويسألونك عن الروح } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بناس من اليهود، فقالوا: ~~سلوه عن الروح؟ فقال بعضهم: لا تسألوه، فيستقبلكم بما تكرهون. فأتاه ~~نفر منهم، فقالوا: يا أبا القاسم: ما تقول في الروح؟ فسكت، ونزلت هذه ~~الآية، قاله ابن مسعود. # والثاني: أن اليهود قالت لقريش: سلوا محمدا عن ثلاث، فإن أخبركم عن ~~اثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نبي؛ سلوه عن فتية فقدوا، وسلوه عن ذي ~~القرنين، وسلوه عن الروح. فسألوه عنها، ففسر لهم أمر الفتية في ~~الكهف، وفسر لهم قصة ذي القرنين، وأمسك عن قصة الروح، فنزلت هذه الآية، ~~رواه عطاء عن ابن عباس. وفي المراد بالروح هاهنا ستة أقوال. # أحدها: أنه الروح الذي يحيا به البدن، روى هذا المعنى العوفي عن ابن ~~عباس. وقد اختلف الناس في ماهية الروح، ثم اختلفوا هل الروح النفس، ~~أم هما شيئان فلا يحتاج إلى ذكر اختلافهم لأنه لا برهان على شيء من ذلك ~~وإنما هو شيء أخذوه عن الطب والفلاسفة؟ فأما السلف، فانهم أمسكوا عن ~~ذلك، لقوله تعالى: { قل الروح من أمر ربي } ، فلما رأوا أن القوم سألوا ~~عن الروح فلم يجابوا، ولوحي ينزل، والرسول حي، علموا أن السكوت عما لم ~~يحط بحقيقة علمه أولى. # والثاني: أن المراد بهذا الروح: ملك من الملائكة على خلقة هائلة، روي ~~عن علي عليه السلام، وابن عباس، ومقاتل. # والثالث: أن الروح: خلق من خلق الله عز وجل صورهم على صور بني ~~آدم، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والرابع: أنه جبريل عليه السلام، قاله الحسن، وقتادة. # والخامس: أنه القرآن، روي عن الحسن أيضا. # والسادس: أنه عيسى بن مريم، حكاه الماوردي. قال أبو سليمان الدمشقي: قد ~~ذكر الله تعالى الروح في مواضع من القرآن، فغالب ظني أن الناقلين نقلوا ~~تفسيره من موضعه إلى موضع لا يليق به، ms1197 وظنوه مثله، وإنما هو الروح الذي ~~يحيى به ابن آدم. وقوله: { من أمر ربي } أي: من علمه الذي منع أن يعرفه ~~أحد. قوله تعالى: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } في المخاطبين بهذا ~~قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله الأكثرون. # والثاني: أنهم جميع الخلق، علمهم قليل بالإضافة إلى علم الله عز وجل، ~~ذكره الماوردي. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269]؟ # فالجواب: أن ما أوتيه الناس من العلم، وإن كان كثيرا، فهو بالإضافة ~~إلى علم الله قليل. ### || [17.86-87] # قوله تعالى: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } قال الزجاج: ~~المعنى: لو شئنا لمحوناه من القلوب والكتب، حتى لا يوجد له أثر، { ثم لا ~~تجد لك به علينا وكيلا } أي: لا تجد من يتوكل [علينا] في رد شيء منه، { ~~إلا رحمة من ربك } هذا استنثاء ليس من الأول، والمعنى: لكن الله رحمك ~~فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين. وقال ابن الأنباري: المعنى: لكن رحمة ~~من ربك تمنع من أن تسلب القرآن، وكان المشركون قد خاطبوا نساءهم من ~~المسلمين في الرجوع إلى دين آبائهم، فهددهم الله عز وجل بسلب ~~النعمة، فكان ظاهر الخطاب للرسول، ومعنى التهدد للأمة. وقال أبو ~~سليمان: «ثم لا تجد لك به» أي: بما نفعله بك، من إذهاب ما عندك «وكيلا» ~~يدفعنا عما نريده بك. وروي [عن] عبد الله بن مسعود أنه قال: يسرى على ~~القرآن في ليلة واحدة، فيجيء جبريل من جوف الليل، فيذهب به من صدورهم ومن ~~بيوتهم، فيصبحون لا يقرؤون آية، ولا يحسنونها. ورد أبو سليمان الدمشقي ~~صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام: # " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا " # ، وحديث ابن مسعود مروي من طرق حسان، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم أراد بالعلم ما سوى القرآن، فإن العلم ما يزال ينقرض حتى يكون ~~رفع القرآن آخر الأمر. ### || [17.88] # قوله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } قال المفسرون: هذا ~~تكذيب للنضر بن الحارث حين ms1198 قال: «لو شئنا لقلنا مثل هذا». والمثل ~~الذي طلب منهم: كلام له نظم كنظم القرآن، في أعلى طبقات البلاغة. ~~والظهير: المعين. ### || [17.89-93] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن } قد فسرناه في هذه ~~السورة [الاسراء: 41]، والمعنى: من كل مثل من الأمثال التي يكون بها ~~الاعتبار { فأبى أكثر الناس } يعني أهل مكة { إلا كفورا } أي: جحودا ~~للحق وإنكارا. # قوله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } سبب ~~نزول هذه الآية وما يتبعها، # " أن رؤساء قريش، كعتبة، وشيبة، وأبي جهل، وعبد الله بن أبي أمية، ~~والنضر بن الحارث في آخرين، اجتمعوا عند الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا ~~إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف ~~قومك قد اجتمعوا ليكلموك، فجاءهم سريعا، وكان حريصا على رشدهم، ~~فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما ~~أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وفرقت ~~الجماعة، فإن كنت إنما جئت بهذا لتطلب مالا، جعلنا لك من أموالنا ما ~~تكون به أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سودناك علينا، ~~وإن كان هذا الرئي الذي يأتيك قد غلب عليك، بذلنا أموالنا في طلب ~~الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن تقبلوا مني [ما جئتكم به]، فهو حظكم في الدنيا ~~والآخرة، وإن تردوه علي، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني ~~وبينكم». قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا، فقد علمت ~~أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أشد عيشا منا، سل لنا ربك ~~يسير لنا هذه الجبال التي ضيقت علينا، ويجري لنا أنهارا، ويبعث من ~~مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا ~~صدوقا، فنسألهم عما تقول: أحق هو؟ فإن فعلت صدقناك، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ما بهذا بعثت، وقد أبلغتكم ما أرسلت به»؛ ~~قالوا: فسل ربك ms1199 أن يبعث ملكا يصدقك، وسله أن يجعل لك جنانا، ~~وكنوزا، وقصورا من ذهب وفضة تغنيك؛ قال: «ما أنا بالذي يسأل ربه هذا»؛ ~~قالوا: فأسقط السماء [علينا] كما زعمت بأن ربك إن شاء فعل؛ فقال: «ذلك ~~إلى الله عز وجل»؛ فقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا، وقال عبد الله بن أبي أمية: لا أؤمن لك حتى تتخذ إلى ~~[السماء] سلما، وترقى فيه وأنا أنظر، وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر ~~من الملائكة يشهدون لك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا ~~لما رأى من مباعدتهم إياه " # ، فأنزل الله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك... } الآيات، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس. # قوله تعالى: { حتى تفجر } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«حتى تفجر» بضم التاء، وفتح الفاء، وتشديد الجيم مع الكسرة. وقرأ ~~عاصم، وحمزة، والكسائي: «حتى تفجر» بفتح التاء، وتسكين الفاء، وضم ~~الجيم مع التخفيف. فمن ثقل، أراد كثرة الانفجار من الينبوع، ومن خفف، ~~فلأن الينبوع واحد. فأما الينبوع: فهو عين ينبع الماء منها؛ قال أبو ~~عبيدة: هو يفعول، من نبع الماء، أي: ظهر وفار. # قوله تعالى: { أو تكون لك جنة } أي: بستان { فتفجر الأنهار } أي: ~~تفتحها وتجريها { خلالها } أي: وسط تلك الجنة. # قوله تعالى: { أو تسقط السماء } وقرأ مجاهد، وأبو مجلز، وأبو رجاء، ~~وحميد، والجحدري: «أو تسقط» بفتح التاء، ورفع القاف «السماء» بالرفع. # قوله تعالى: { كسفا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~«كسفا» بتسكين السين في جميع القرآن إلا في [الروم: 48] فإنهم ~~حركوا السين. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم بتحريك السين في الموضعين، ~~وفي باقي القرآن بالتسكين. وقرأ ابن عامر هاهنا بفتح السين، وفي باقي ~~القرآن بتسكينها. قال الزجاج: من قرأ «كسفا» بفتح السين، جعلها جمع ~~كسفة، وهي: القطعة، ومن قرأ «كسفا» بتسكين السين، فكأنهم قالوا: ~~أسقطها طبقا علينا؛ واشتقاقه من كسفت الشيء: إذا غطيته، يعنون: ~~أسقطها علينا قطعة واحدة. وقال ابن الأنباري: من سكن قال: تأويله: ~~سترا وتغطية، من قولهم: قد انكسفت ms1200 الشمس: إذا غطاها ما يحول بين ~~الناظرين إليها وبين أنوارها. # قوله تعالى: { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: عيانا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة، وابن جريج، ~~ومقاتل. وقال أبو عبيدة: معناه: مقابلة، أي: معاينة، وأنشد للأعشى: # نصالحكم حتى تبوؤوا بمثلها # كصرخة حبلى يسرتها قبيلها # أي: قابلتها. ويروى: وجهتها [يعني بدل: يسرتها]. # والثاني: كفيلا أنك رسول الله، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره ~~الفراء، قال: القبيل، والكفيل، والزعيم، سواء؛ تقول: قبلت، وكفلت، وزعمت. # والثالث: قبيلة قبيلة، كل قبيلة على حدتها، قاله الحسن، ومجاهد. ~~فأما الزخرف، فالمراد به الذهب، وقد شرحنا أصل هذه الكلمة في [يونس: 24]، ~~و«ترقى»: بمعنى «تصعد»؛ يقال: رقيت أرقى رقيا. # قوله تعالى: { حتى تنزل علينا كتابا } قال ابن عباس: كتابا من رب ~~العالمين إلى فلان بن فلان يصبح عند كل واحد منا يقرؤه. # قوله تعالى: { قل سبحان ربي } قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: «قل». وقرأ ابن كثير، وابن عامر: «قال»، وكذلك هي في مصاحف أهل ~~مكة والشام، { هل كنت إلا بشرا رسولا } ، أي: أن هذه الأشياء ليست في ~~قوى البشر. # فإن قيل: لم اقتصر على حكاية «قالوا» من غير إيضاح الرد؟ # فالجواب: أنه لما خصهم بقوله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن } فلم يكن في وسعهم، عجزهم، فكأنه يقول: قد ~~أوضحت لكم بما سبق من الآيات ما يدل على نبوتي، ومن ذلك التحدي بمثل ~~هذا القرآن، فأما عنتكم فليس في وسعي، ولأنهم ألحوا عليه في هذه ~~الأشياء، ولم يسألوه أن يسأل ربه، فرد قولهم بكونه بشرا، فكفى ذلك في ~~الرد. ### || [17.94-96] # قوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا } قال ابن عباس: يريد أهل مكة. ~~قال المفسرون: ومعنى الآية: وما منعهم من الإيمان { إذ جاءهم الهدى } ~~وهو البيان والإرشاد في القرآن { إلا أن قالوا } [أي: إلا] قولهم في ~~التعجب والإنكار: { أبعث الله بشرا رسولا }؟ وفي الآية اختصار، ~~تقديره: هلا بعث الله ملكا رسولا، فأجيبوا على ms1201 ذلك بقوله تعالى: { ~~قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين } أي: مستوطنين الأرض. ومعنى ~~الطمأنينة: السكون؛ والمراد من الكلام أن رسول كل جنس ينبغي أن يكون ~~منهم. # قوله تعالى: { قل كفى بالله شهيدا } قد فسرناه في [الرعد: 43] { إنه ~~كان بعباده خبيرا بصيرا } قال مقاتل: حين اختص الله محمدا بالرسالة. ### || [17.97-100] # قوله تعالى: { من يهدي الله فهوالمهتدي } قرأ نافع، وأبو عمرو بالياء في ~~الوصل، وحذفاها في الوقف. وأثبتها يعقوب في الوقف، وحذفها الأكثرون في ~~الحالتين. «من يهد الله» قال ابن عباس: من يرد الله هداه { فهو المهتد ~~ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه } يهدونهم. # قوله تعالى: { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه يمشيهم على وجوههم، وشاهده ما روى البخاري ومسلم في ~~«صحيحيهما» من حديث أنس بن مالك # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الكافر على وجهه ~~يوم القيامة؟ قال: «إن الذي أمشاه على رجليه في الدنيا، قادر على أن ~~يمشيه على وجهه يوم القيامة ". # والثاني: أن المعنى: ونحشرهم مسحوبين على وجوههم، قاله ابن عباس. # والثالث: نحشرهم مسرعين مبادرين، فعبر بقوله: «على وجوههم» عن ~~الإسراع، كما تقول العرب: قد مر القوم على وجوههم: إذا أسرعوا، قاله ~~ابن الأنباري. # قوله تعالى: { عميا وبكما وصما } فيه قولان. # أحدهما: عميا لا يرون شيئا يسرهم، وبكما لا ينطقون بحجة، وصما ~~لا يسمعون شيئا يسرهم، قاله ابن عباس. وقال في رواية: عميا عن النظر ~~إلى ما جعل لأوليائه، وبكما عن مخاطبة الله، وصما عما مدح به أولياءه، ~~وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أن هذا الحشر في بعض أحوال القيامة بعد الحشر الأول. قال ~~مقاتل: هذا يكون حين يقال لهم: # اخسؤوا فيها # [المؤمنون: 108] فيصيرون عميا بكما صما لا يرون ولا يسمعون ولا ~~ينطقون بعد ذلك. # قوله تعالى: { كلما خبت } قال ابن عباس: أي: سكنت. قال المفسرون: ~~وذلك أنها تأكلهم، فإذا لم تبق منهم شيئا وصاروا فحما ولم تجد شيئا ~~تأكله، سكنت، فيعادون خلقا جديدا، فتعود لهم. وقال ms1202 ابن قتيبة: يقال: ~~خبت النار: إذا سكن لهبها. فاللهب يسكن، والجمر يعمل، فإن سكن ~~اللهب، ولم يطفأ الجمر، قيل: خمدت تخمد خمودا، فإن طفئت ~~ولم يبق منها شيء، قيل: همدت تهمد همودا. ومعنى { زدناهم سعيرا ~~}: نارا تتسعر، أي: تتلهب. وما بعد هذا قد سبق تفسيره [الاسراء: 49] ~~إلى قوله: { قادر على أن يخلق مثلهم } أي: على أن يخلقهم مرة ثانية، ~~وأراد ب «مثلهم» إياهم، وذلك أن مثل الشيء مساو له، فجاز أن يعبر ~~به عن نفس الشيء، يقال: مثلك لا يفعل هذا، أي: أنت، ومثله قوله: # فان آمنوا بمثل ما آمنتم به # [البقرة: 137]، وقد تم الكلام عند قوله: { مثلهم } ، ثم قال: { وجعل ~~لهم أجلا لا ريب فيه } يعني: أجل البعث { فأبى الظالمون إلا كفورا } ~~أي: جحودا بذلك الأجل. # قوله تعالى: { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي } قال الزجاج: المعنى: ~~لو تملكون أنتم، قال المتلمس: # ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي # نصبت لهم فوق العرانين ميسما # المعنى: لو أراد غير أخوالي. # وفي هذه الخزائن قولان. # أحدهما: خزائن الأرزاق. والثاني: خزائن النعم، فيخرج في الرحمة قولان. ~~أحدهما: الرزق. والثاني: النعمة. وتحرير الكلام: لو ملكتم ما يملكه ~~الله عز وجل لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفاقة. { وكان الإنسان } يعني: ~~الكافر { قتورا } أي: بخيلا ممسكا؛ يقال: قتر يقتر، وقتر ~~يقتر: إذا قصر في الإنفاق. وقال الماوردي: لو ملك أحد من ~~المخلوقين من خزائن الله تعالى، لما جاد كجود الله تعالى، لأمرين. ~~أحدهما: أنه لا بد أن يمسك منه لنفقته ومنفعته. والثاني: أنه يخاف ~~الفقر، والله تعالى منزه في جوده عن الحالين. # ثم إن الله تعالى ذكر إنكار فرعون آيات موسى، تشبيها بحال هؤلاء ~~المشركين، فقال: { ولقد آتينا موسى تسع آيات } وفيها قولان. # أحدهما: أنها بمعنى المعجزات والدلالات، ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع ~~آيات منها، وهي: يده، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، ~~والدم، واختلفوا في الآيتين الآخرتين على ثمانية أقوال. # أحدها: أنهما لسانه والبحر الذي فلق له، رواه العوفي عن ابن عباس؛ يعني ~~بلسانه: أنه كان ms1203 فيه عقدة فحلها الله تعالى له. # والثاني: البحر والجبل الذي نتق فوقهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: السنون ونقص الثمرات، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والشعبي، وعكرمة، وقتادة. وقال الحسن: السنون ونقص الثمرات آية واحدة. # والرابع: البحر والموت أرسل عليهم، قاله الحسن، ووهب. # والخامس: الحجر والبحر، قاله سعيد بن جبير. # والسادس: لسانه وإلقاء العصا مرتين عند فرعون، قاله الضحاك. # والسابع: البحر والسنون، قاله محمد بن كعب. # والثامن: ذكره [محمد بن إسحاق عن] محمد بن كعب أيضا، فذكر السبع ~~الآيات الأولى، إلا أنه جعل مكان يده البحر، وزاد الطمسة والحجر، يعني ~~قوله: # اطمس على أموالهم # [يونس: 88]. # والثاني: أنها آيات الكتاب، روى أبو داود السجستاني من حديث صفوان بن ~~عسال، # " أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا ~~تقل: إنه نبي، فإنه لو سمع ذلك، صارت له أربعة أعين؛ فأتياه، فسألاه ~~عن تسع آيات بينات، فقال: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تأكلوا ~~الربا، ولا تمشوا بالبريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا ~~تقذفوا المحصنات، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة يهود ألا ~~تعدوا في السبت»، قال: فقبلا يده، وقالا: نشهد أنك نبي ". ### || [17.101-104] # قوله تعالى: { فاسأل بني إسرائيل } قرأ الجمهور: «فاسأل» على معنى ~~الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما أمر أن يسأل من آمن منهم ~~عما أخبر [به] عنهم، ليكون حجة على من لم يؤمن منهم. وقرأ ابن عباس: ~~«فسأل بني إسرائيل»، [على معنى] الخبر عن موسى أنه سأل فرعون أن ~~يرسل معه بني إسرائيل. { فقال له فرعون إني لأظنك } أي: لأحسبك { ~~يا موسى مسحورا } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: مخدوعا، قاله ابن عباس. والثاني: مسحورا قد سحرت، قاله ابن ~~السائب. والثالث: ساحرا، فوضع مفعولا في موضع فاعل، هذا مروي عن ~~الفراء، وأبي عبيدة. فقال موسى: { لقد علمت } قرأ الجمهور بفتح التاء. ~~وقرأ علي عليه السلام بضمها، وقال: والله ما علم ms1204 عدو الله، ولكن ~~موسى هوالذي علم، فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتج بقوله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم # [النمل: 14]. واختار الكسائي وثعلب قراءة علي عليه السلام، وقد رويت عن ~~ابن عباس، وأبي رزين، وسعيد بن جبير، وابن يعمر. واحتج من نصرها بأنه لما ~~نسب موسى إلى أنه مسحور، أعلمه بصحة عقله بقوله: «لقد علمت»، ~~والقراءة الأولى أصح، لاختيار الجمهور، ولأنه قد أبان موسى من المعجزات ~~ما أوجب علم فرعون بصدقه، فلم يرد عليه إلا بالتعلل والمدافعة، فكأنه ~~قال: لقد علمت بالدليل والحجة «ما أنزل هؤلاء» يعني الآيات. وقد شرحنا ~~معنى «البصائر» في [الأعراف: 203]. # قوله تعالى: { وإني لأظنك } قال أكثر المفسرين: الظن هاهنا بمعنى ~~العلم، على خلاف ظن فرعون في موسى، وسوى بينهما بعضهم، فجعل الأول ~~بمعنى العلم أيضا. # وفي المثبور ستة أقوال. # أحدها: أنه الملعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. ~~والثاني: المغلوب، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: الناقص العقل، رواه ~~ميمون بن مهران عن ابن عباس. والرابع: المهلك، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة، وابن قتيبة. قال الزجاج: يقال: ثبر الرجل، ~~فهو مثبور: إذا أهلك. والخامس: الهالك، قاله مجاهد. والسادس: الممنوع ~~من الخير؛ تقول العرب: ما ثبرك عن هذا، أي: ما منعك، قاله الفراء. # قوله تعالى: { فأراد أن يستفزهم من الأرض } يعني: فرعون أراد أن ~~يستفز بني إسرائيل من أرض مصر. وفي معنى «يستفزهم» قولان. # أحدهما: يستأصلهم، قاله ابن عباس. # والثاني: يستخفهم حتى يخرجوا، قاله ابن قتيبة. وقال الزجاج: جائز أن ~~يكون استفزازهم إخراجهم منها بالقتل أو بالتنحية. قال العلماء: وفي ~~هذه الآية تنبيه على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لما خرج ~~موسى فطلبه فرعون، هلك فرعون وملك موسى، وكذلك أظهر الله نبيه بعد ~~خروجه من مكة حتى رجع إليها ظاهرا عليها. # قوله تعالى: { وقلنا من بعده } أي: من بعد هلاك فرعون { لبني إسرائيل ~~اسكنوا الأرض } وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: فلسطين والأردن، قاله ابن عباس. والثاني: أرض وراء ms1205 الصين، ~~قاله مقاتل. والثالث: أرض مصر والشام. # قوله تعالى: { فإذا جاء وعد الآخرة } يعني: القيامة { جئنا بكم لفيفا } ~~أي: جميعا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن قتيبة. وقال الفراء: لفيفا، ~~أي: من هاهنا ومن هاهنا. وقال الزجاج: اللفيف: الجماعات من قبائل شتى. ### || [17.105-109] # قوله تعالى: { وبالحق أنزلناه } الهاء كناية عن القرآن، والمعنى: أنزلنا ~~القرآن بالأمر الثابت والدين المستقيم، فهو حق، ونزوله حق، وما ~~تضمنه حق. وقال أبو سليمان الدمشقي: «وبالحق أنزلناه» أي: بالتوحيد، ~~«وبالحق نزل» يعني: بالوعد والوعيد، والأمر والنهي. # قوله تعالى: { وقرآنا فرقناه } قرأ علي عليه السلام، وسعد بن أبي ~~وقاص، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، ومجاهد، ~~والشعبي، وقتادة، والأعرج، وأبو رجاء، وابن محيصن: «فرقناه» بالتشديد. ~~وقرأ الجمهور بالتخفيف. # فأما قراءة التخفيف، ففي معناها ثلاثة أقوال. # أحدها: بينا حلاله وحرامه، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: فرقنا فيه بين الحق والباطل، [قاله الحسن]. # والثالث: أحكمناه وفصلناه، كقوله تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [الدخان: 4]، قاله الفراء. وأما المشددة، فمعناها: أنه أنزل متفرقا، ~~ولم ينزل جملة واحدة. وقد بينا في أول كتابنا هذا مقدار المدة التي ~~نزل فيها. قوله تعالى: { لتقرأه على الناس على مكث } قرأ أنس، ~~والشعبي، والضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبان عن عاصم، وابن محيصن: بفتح ~~الميم؛ والمعنى: على تؤدة وترسل ليتدبروا معناه. # قوله تعالى: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } هذا تهديد لكفار [أهل] مكة، ~~والهاء كناية عن القرآن. { إن الذين أوتوا العلم } وفيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم ناس من أهل الكتاب، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم الأنبياء عليهم السلام، قاله ابن زيد. # والثالث: طلاب الدين، كأبي ذر، وسلمان، وورقة بن نوفل، وزيد ابن عمرو، ~~قاله الواحدي. # وفي هاء الكناية في قوله: { من قبله } قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن، والمعنى: من قبل نزوله. # والثاني: ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد. فعلى ~~الأول { إذا يتلى عليهم } القرآن. وعلى قول ابن زيد { إذا يتلى عليهم } ~~ما أنزل إليهم من عند الله. ms1206 # قوله تعالى: { يخرون للأذقان } اللام هاهنا بمعنى «على». قال ابن ~~عباس: قوله «للأذقان» أي: للوجوه. قال الزجاج: الذي يخر وهو قائم، ~~إنما يخر لوجهه، والذقن: مجتمع اللحيين، وهو عضو من أعضاء ~~الوجه، فإذا ابتدأ يخر، فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن. ~~وقال ابن الأنباري: أول ما يلقى الأرض من الذي يخر قبل أن يصوب ~~جبتهه ذقنه، فلذلك قال: «للأذقان». ويجوز أن يكون المعنى: يخرون ~~للوجوه، فاكتفى بالذقن من الوجه كما يكتفى بالبعض من الكل، وبالنوع ~~من الجنس. # قوله تعالى: { ويقولون سبحان ربنا } نزهوا الله تعالى عن تكذيب ~~المكذبين بالقرآن، وقالوا: { إن كان وعد ربنا } بإنزال القرآن وبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم { لمفعولا } واللام دخلت للتوكيد. وهؤلاء قوم ~~كانوا يسمعون أن الله باعث نبيا من العرب، ومنزل عليه كتابا، فلما ~~عاينوا ذلك، حمدوا الله تعالى على إنجاز الوعد، { ويخرون للأذقان } ~~كرر القول ليدل على تكرار الفعل منهم. { ويزيدهم خشوعا } أي: يزيدهم ~~القرآن تواضعا. وكان عبد الأعلى التيمي يقول: من أوتي من العلم ما لا ~~يبكيه، لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله تعالى نعت ~~العلماء فقال: { إن الذين أوتوا العلم... } إلى قوله: «يبكون». ### || [17.110-111] # قوله تعالى: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن... } الآية. هذه الآية ~~نزلت على سببين. [نزل] أولها إلى قوله: { الحسنى } على سبب، وفيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهجد ذات ليلة بمكة، فجعل يقول ~~في سجوده: «يا رحمن، يا رحيم»: فقال المشركون: كان محمد يدعو إلها ~~واحدا، فهو الآن يدعو إلهين اثنين: الله، والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا ~~رحمن اليمامة، يعنون: مسيلمة، فأنزل الله هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب في أول ما أوحي ~~إليه: باسمك اللهم، حتى نزل: # إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم # [النمل: 30]، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا ~~الرحيم نعرفه، فما الرحمن؟ فنزلت هذه الآية، قاله ميمون بن مهران. # والثالث: أن ms1207 أهل الكتاب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك ~~لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فنزلت هذه ~~الآية، قاله الضحاك. # فأما قوله: { ولا تجهر بصلاتك } فنزل على سبب، وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته بالقرآن بمكة، ~~فيسب المشركون القرآن و من أتى به، فخفض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه، فأنزل الله تعالى: { ولا تجهر ~~بصلاتك } أي: بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، { ولا تخافت بها ~~} عن أصحابك، فلا يسمعون، قاله ابن عباس. # والثاني: أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول عائشة. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة عند الصفا، ~~فجهر بالقرآن في صلاة الغداة، فقال أبو جهل: لا تفتر على الله، فخفض ~~النبي صلى الله عليه وسلم صوته، فقال أبو جهل للمشركين: ألا ترون ما فعلت ~~بابن أبي كبشة؟! رددته عن قراءته، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # فأما التفسير، فقوله: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } المعنى: إن ~~شئتم فقولوا: يا ألله، وإن شئتم فقولوا: يا رحمن، فانهما يرجعان إلى ~~واحد، { أيا ما تدعوا } المعنى: أي أسماء الله تدعوا؛ قال الفراء: ~~و«ما» قد تكون صلة، كقوله: # عما قليل ليصبحن نادمين # [المؤمنون: 40]، وتكون في معنى: «أي» معادة لما اختلف لفظهما. # قوله تعالى: { ولا تجهر بصلاتك } فيه قولان. # أحدهما: أنها الصلاة الشرعية. ثم في المراد بالكلام ستة أقوال. # أحدها: لاتجهر بقراءتك، ولا تخافت بها، فكأنه نهي عن شدة الجهر ~~بالقراءة، وشدة المخافتة، قاله ابن عباس. فعلى هذا في تسمية القراءة ~~بالصلاة قولان ذكرهما ابن الأنباري. أحدهما: أن يكون المعنى: فلا تجهر ~~بقراءة صلاتك. # والثاني: أن القراءة بعض الصلاة، فنابت عنها، كما قيل لعيسى: كلمة الله، ~~لأنه بالكلمة كان. # والثاني: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس، قاله ابن ~~عباس أيضا. # والثالث: لا تجهر بالتشهد في صلاتك، روي عن عائشة في ms1208 رواية، وبه قال ~~ابن سيرين. # والرابع: لا تجهر بفعل صلاتك ظاهرا، ولا تخافت بها شديد الاستتار، قاله ~~عكرمة. # والخامس: لا تحسن علانيتها، وتسيء سريرتها، قاله الحسن. # والسادس: لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بجميعها. فاجهر في صلاة ~~الليل، وخافت في صلاة النهار، على ما أمرناك به، ذكره القاضي أبو يعلى. ~~والقول الثاني: أن المراد بالصلاة: الدعاء، وهو قول عائشة، وأبي هريرة، ~~ومجاهد. # قوله تعالى: { ولا تخافت بها } المخافتة: الإخفاء، يقال: صوت خفيت. { ~~وابتغ بين ذلك سبيلا } أي: اسلك بين الجهر والمخافتة طريقا. وقد روي عن ~~ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله: # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة، ودون الجهر من القول # [الأعراف: 205]، وقال ابن السائب: نسخت بقوله: # فاصدع بما تؤمر # [الحجر: 94]؛ وعلى التحقيق، وجود النسخ هاهنا بعيد. # قوله تعالى: { ولم يكن له شريك في الملك } وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وطلحة بن مصرف: «في الملك» بكسر الميم، { ولم يكن له ولي ~~من الذل } قال مجاهد: لم يحالف أحدا، ولم يبتغ نصر أحد؛ والمعنى: ~~أنه لا يحتاج إلى موالاة أحد لذل يلحقه، فهو مستغن عن الولي ~~والنصير. { وكبره تكبيرا } أي: عظمه تعظيما تاما. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-6] # قوله تعالى: { الحمد لله } قد شرحناه في أول «الفاتحة». والمراد بعبده ~~هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب: القرآن، تمدح بانزاله، لأنه ~~إنعام على الرسول خاصة، وعلى الناس عامة. قال العلماء باللغة ~~والتفسير: في هذه الآية تقديم وتأخير، تقديرها: أنزل على عبده الكتاب { ~~قيما } أي: مستقيما عدلا. وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وابن يعمر، والنخعي، والأعمش: «قيما» بكسر القاف، وفتح ~~الياء، وقد فسرناه في [الأنعام: 161]. # قوله تعالى: { ولم يجعل له عوجا } أي: لم يجعل فيه اختلافا، وقد سبق ~~بيان العوج في [آل عمران: 99]. # قوله تعالى: { لينذر بأسا شديدا } أي: عذابا شديدا، { من لدنه } أي: ~~من عنده، ومن قبله، والمعنى: لينذر الكافرين { ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم } أي: بأن لهم { أجرا حسنا } وهو الجنة. { ~~ماكثين } أي: مقيمين، وهو منصوب ms1209 على الحال. { وينذر } بعذاب الله { الذين ~~قالوا اتخذ الله ولدا } وهم اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى ~~حين قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون حين قالوا: الملائكة بنات الله، { ~~ما لهم به } أي: بذلك القول { من علم } لأنهم قالوا: أفترى على ~~الله، { ولا لآبائهم } الذين قالوا ذلك، { كبرت } أي: عظمت { ~~كلمة } الجمهور على النصب. وقرأ ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وأبو رزين، ~~وأبو رجاء، ويحيى بن يعمر، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: «كلمة» بالرفع. ~~قال الفراء: من نصب، أضمر: كبرت تلك الكلمة كلمة، ومن رفع، لم يضمر ~~شيئا، كما تقول: عظم قولك. وقال الزجاج: من نصب، فالمعنى: كبرت ~~مقالتهم: اتخذ الله ولدا كلمة، و«كلمة» منصوب على التمييز. ومن رفع، ~~فالمعنى: عظمت كلمة هي قولهم: اتخذ الله ولدا. # قوله تعالى: { تخرج من أفواههم } أي: إنها قول بالفم لا صحة لها، ولا ~~دليل عليها، { إن يقولون } أي: ما يقولون { إلا كذبا }. ثم عاتبه على ~~حزنه لفوت ما كان يرجو من إسلامهم، فقال: { فلعلك باخع نفسك } وقرأ ~~سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وقتادة: «باخع نفسك» بكسر السين، على ~~الإضافة. قال المفسرون واللغويون: فلعلك مهلك نفسك، وقاتل نفسك، وأنشد ~~أبو عبيدة لذي الرمة: # ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه # لشيء نحته عن يديه المقادر # أي: نحته. فإن قيل: كيف قال: { فلعلك } والغالب عليها الشك، والله ~~عالم بالأشياء قبل كونها؟ # فالجواب: أنها ليست بشك، إنما هي مقدرة تقدير الاستفهام الذي يعنى ~~به التقرير، فالمعنى: هل أنت قاتل نفسك؟! لا ينبغي أن يطول أساك على ~~إعراضهم، فإن من حكمنا عليه بالشقوة لا تجدي عليه الحسرة، ذكره ~~ابن الأنباري. # قوله تعالى: { على آثارهم } أي: من بعد توليهم عنك { إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث } يعني: القرآن { أسفا } وفيه أربعة أقوال. # أحدها: حزنا، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: جزعا، قاله مجاهد. # والثالث: غضبا، قاله قتادة. # والرابع: ندما، قاله السدي. وقال أبو عبيدة: ندما وتلهفا ~~وأسى. قال الزجاج: الأسف: المبالغة في الحزن، أو الغضب، يقال: قد أسف ~~الرجل، فهو أسيف، قال ms1210 الشاعر: # أرى رجلا منهم أسيفا كأنما # يضم إلى كشحيه كفا مخضبا # وهذه الآية يشير بها إلى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة ~~الحرص على إيمان قومه لئلا يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف. ### || [18.7-8] # قوله تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنهم الرجال. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: العلماء، رواه مجاهد عن ابن عباس فعلى هذين القولين تكون «ما» ~~في موضع «من» لأنها في موضع إبهام، قاله ابن الانباري. # والثالث: أنه ما عليها من شيء، قاله مجاهد. والرابع: النبات والشجر، ~~قاله مقاتل. وقول مجاهد أعم، يدخل فيه النبات، والماء، والمعادن، وغير ~~ذلك. # فإن قيل: قد نرى بعض ما على الأرض سمجا وليس بزينة. # فالجواب: أنا إن قلنا: إن المراد [به] شيء مخصوص، فالمعنى: إنا جعلنا ~~بعض ما على الأرض زينة لها، فخرج مخرج العموم، ومعناه الخصوص. وإن ~~قلنا: هم الرجال أو العلماء، فلعبادتهم أو لدلالتهم على خالقهم. وإن ~~قلنا: النبات والشجر، فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية. وإن ~~قلنا: إنه عام في كل ما عليها، فلكونه دالا على خالقه، فكأنه زينة ~~الأرض من هذه الجهة. # قوله تعالى: { لنبلوهم } أي: لنختبر الخلق، والمعنى: لنعاملهم معاملة ~~المبتلى. قال ابن الأنباري: من قال: إن «ما على الأرض» يعني به النبات، ~~قال: الهاء والميم ترجع إلى سكان الأرض المشاهدين للزينة، ومن قال: «ما ~~على الأرض» الرجال، رد الهاء والميم على «ما» لأنها بتأويل الجميع، ~~ومعنى الآية: لنبلوهم فنرى أيهم أحسن عملا، هذا، أم هذا. قال الحسن: ~~أيهم أزهد في الدنيا. وقد ذكرنا في هذه الآية أربعة أقوال في سورة ~~[هود: 7]. ثم أعلم الخلق أنه يفني جميع ذلك، فقال تعالى: { وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا } قال الزجاج: الصعيد: الطريق الذي لا نبات فيه. ~~وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الصعيد: التراب، ووجه الأرض. فأما ~~الجرز، فقال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أرض جرز، وجرز. وأسد ~~تقول: جرز، وجرز، وتميم تقول: أرض جرز، وجرز، بالتخفيف، ms1211 وقال أبو ~~عبيدة: الصعيد الجرز: الغليظ الذي لا ينبت شيئا. ويقال للسنة ~~المجدبة: جرز، وسنون أجراز، لجدوبتها، وقلة مطرها، وأنشد: # قد جرفتهن السنون الأجراز # وقال الزجاج: الجرز: الأرض التي لا ينبت فيها شيء، كأنها تأكل النبت ~~أكلا. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الجرز: [الأرض] التي لا يبقى ~~بها نبات، تحرق كل نبات يكون بها. وقال المفسرون: وهذا يكون يوم القيامة، ~~يجعل الله الأرض مستوية لا نبات فيها ولا ماء. ### || [18.9-12] # قوله تعالى: { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم } نزلت على سبب قد ~~ذكرناه عند قوله تعالى: # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85]. وقال ابن قتيبة: ومعنى «أم حسبت»: أحسبت. فأما «الكهف» ~~فقال المفسرون: هو المغارة في الجبل، إلا أنه واسع، فاذا صغر، فهو غار. ~~قال ابن الأنباري: قال اللغويون: الكهف بمنزلة الغار في الجبل. # فأما الرقيم، ففيه ستة أقوال. # أحدها: أنه لوح من رصاص كانت فيه أسماء الفتية مكتوبة ليعلم من اطلع ~~عليهم يوما من الدهر ما قصتهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب ~~بن منبه، وسعيد بن جبير في رواية، ومجاهد في رواية. وقال السدي: ~~الرقيم: صخرة كتب فيها أسماء الفتية، وجعلت في سور المدينة. وقال ~~مقاتل: الرقيم: كتاب كتبه رجلان صالحان، وكانا يكتمان إيمانهما من ~~الملك الذي فر منه الفتية، كتبا أمر الفتية في لوح من رصاص، ثم جعلاه ~~في تابوت من نحاس، ثم جعلاه في البناء الذي سدوا به باب الكهف، فقالا: ~~لعل الله أن يطلع على هؤلاء الفتية أحدا، فيعلمون أمرهم إذا قرؤوا ~~الكتاب. وقال الفراء: كتب في اللوح أسماؤهم، وأنسابهم، ودينهم، وممن ~~كانوا. قال أبو عبيدة: وابن قتيبة: الرقيم: الكتاب، وهو فعيل بمعنى ~~مفعول، ومنه: كتاب مرقوم، أي: مكتوب. # والثاني: أنه اسم القرية التي خرجوا منها، قاله كعب. # والثالث: اسم الجبل، قاله الحسن، وعطية. # والرابع: أن الرقيم: الدواة، بلسان الروم، قاله عكرمة ومجاهد في رواية. ~~والخامس: اسم الكلب، قاله سعيد بن جبير. # والسادس: اسم الوادي الذي فيه الكهف، قاله قتادة، والضحاك. # قوله تعالى: { كانوا ms1212 من آياتنا عجبا } قال المفسرون: معنى الكلام: ~~أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا؟! قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم، فإن ~~خلق السموات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم. وقال ابن عباس الذي آتيتك ~~من الكتاب والسنة والعلم، أفضل من شأنهم. # قوله تعالى: { إذ أوى الفتية } قال الزجاج: معنى: أووا إليه، صاروا ~~إليه، وجعلوه مأواهم. والفتية: جمع فتى، مثل غلام وغلمة، وصبي وصبية. ~~و«فعلة» من أسماء الجمع، وليس ببناء يقاس عليه؛ لا يجوز غراب وغربة، ~~ولا غني وغنية. وقال بعض المفسرين: الفتية: بمعنى الشبان. وقد ذكرنا ~~عن القتيبي أن الفتى: بمعنى الكامل من الرجال، وبيناه في قوله تعالى: # من فتياتكم المؤمنات # [النساء: 25]. # قوله تعالى: { فقالوا ربنا آتنا من لدنك } أي: من عندك { رحمة } أي: ~~رزقا { وهيىء لنا } أي: أصلح لنا { من أمرنا رشدا } أي: أرشدنا إلى ~~ما يقربنا منك. والمعنى: هيىء لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد. ~~والرشد والرشد، والرشاد: نقيض الضلال. # تلخيص قصة أصحاب الكهف # اختلف العلماء في بدو أمرهم، وسبب مصيرهم إلى الكهف، على ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنهم هربوا ليلا من ملكهم حين دعاهم إلى عبادة الأصنام، فمروا ~~براع له كلب، فتبعهم على دينهم، فأووا إلى الكهف يتعبدون، ورجل منهم ~~يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة، إلى أن جاءهم يوما فأخبرهم أنهم قد ~~ذكروا، فبكوا وتعوذوا بالله من الفتنة، فضرب الله تعالى على آذانهم، ~~وأمر الملك فسد عليهم الكهف، وهو يظنهم أيقاظا، وقد توفى الله ~~أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم قد غشيه ما غشيهم. ثم إن رجلين مؤمنين ~~يكتمان إيمانهما كتبا أسماءهم وأنسابهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه ~~في تابوت من نحاس في البنيان، وقالا: لعل الله يطلع عليهم قوما ~~مؤمنين، فيعلمون خبرهم، هذا قول ابن عباس. وقال عبيد بن عمير: فقدهم ~~قومهم فطلبوهم، فعمى الله عليهم أمرهم، فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في ~~لوح: فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا، في سنة كذا، في ~~مملكة فلان، ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا ~~شأن. والثاني: أن ms1213 أحد الحواريين جاء إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن ~~يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له، فكره ~~أن يدخلها، فأتى حماما قريبا من المدينة، فكان يعمل فيه بالأجر، ~~وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض، وخبر ~~الآخرة، فآمنوا به وصدقوه، حتى جاء ابن الملك يوما بامرأة، فدخل معها ~~الحمام، فأنكر عليه الحواري ذلك، فسبه ودخل، فمات وماتت المرأة في ~~الحمام، فأتى الملك، فقيل له: إن صاحب الحمام قتل ابنك، فالتمس فهرب، ~~فقال: من كان يصحبه؟ فسمي له الفتية، فالتمسوا فخرجوا من المدينة، ~~فمروا على صاحب لهم في زرع، وهو على مثل أمرهم، فانطلق معهم ومعه كلب حتى ~~آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت هاهنا، ثم نصبح إن شاء ~~الله فترون رأيكم، فضرب الله على آذانهم فناموا؛ وخرج الملك، وأصحابه ~~يتبعونهم، فوجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد رجل أن يدخل [الكهف] ~~أرعب، فقال قائل للملك: أليس قلت: إن قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، ~~قال: فابن عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشا، ففعل، هذا قول وهب ~~بن منبه. # والثالث: أنهم كانوا أبناء عظماء المدينة وأشرافهم، خرجوا فاجتمعوا وراء ~~المدينة على غير ميعاد، فقال رجل منهم، هو أسنهم: إني لأجد في نفسي ~~شيئا ما أظن أحدا يجده، فقالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربي رب ~~السموات والأرض، فقاموا جميعا فقالوا: ربنا رب السموات والأرض، ~~فأجمعوا أن يدخلوا الكهف، فدخلوا، فلبثوا ما شاء الله، هذا قول مجاهد. ~~وقال قتادة: كانوا أبناء ملوك الروم، فتفردوا بدينهم في الكهف، فضرب ~~الله على آذانهم. # فصل # فأما سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم، فقال عكرمة: جاءت أمة مسلمة، ~~وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح ~~والجسد. # وقال قائل: يبعث الروح وحده، والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئا، فشق ~~اختلافهم على الملك، فانطلق فلبس المسوح، وقعد على الرماد، ودعا الله أن ~~يبعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف. وقال ms1214 وهب بن منبه: جاء ~~راع قد أدركه المطر إلى الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف، وأدخلته غنمي ~~من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتحه، ورد الله إليهم أرواحهم حين أصبحوا ~~من الغد. وقال ابن السائب: احتاج صاحب الأرض التي فيها الكهف أن يبني ~~حظيرة لغنمه، فهدم ذلك السد، فبنى به، فانفتح باب الكهف. وقال ابن ~~إسحاق: ألقى الله في نفس رجل من أهل البلد أن يهدم ذلك البنيان فيبني به ~~حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين ينزعان تلك الحجارة، فنزعاها، وفتحا باب ~~الكهف، فجلسوا فرحين، فسلم بعضهم على بعض لا يرون في وجوههم ولا ~~أجسادهم شيئا يكرهونه، إنما هم على هيئتهم حين رقدوا وهم يرون أن ملكهم ~~في طلبهم، فصلوا، وقالوا ليمليخا صاحب نفقتهم: انطلق فاستمع، ما نذكر ~~به، وابتغ لنا طعاما، فوضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، ~~وخرج فرأى الحجارة قد نزعت عن باب الكهف، فعجب، ثم مر مستخفيا ~~متخوفا أن يراه أحد فيذهب به إلى الملك، فلما رأى باب المدينة رأى ~~عليه علامة تكون لأهل الإيمان، فعجب، وخيل إليه أنها ليست بالمدينة ~~التي يعرف، ورأى ناسا لا يعرفهم، فجعل يتعجب ويقول: لعلي نائم؛ فلما ~~دخلها رأى قوما يحلفون باسم عيسى، فقام مسندا ظهره إلى جدار، وقال في ~~نفسه: والله ما أدري ما هذا، عشية أمس لم يكن على [وجه] الأرض من يذكر ~~عيسى إلا قتل، واليوم أسمعهم يذكرونه، لعل هذه ليست المدينة التي أعرف، ~~والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا، فقام كالحيران، وأخرج ورقا فأعطاه ~~رجلا وقال: بعني طعاما، فنظر الرجل إلى نقشه فعجب، ثم ألقاه إلى آخر، ~~فجعلوا يتطارحونه بينهم، ويتعجبون، ويتشاورون، وقالوا: إن هذا قد أصاب ~~كنزا، ففرق منهم، وظنهم قد عرفوه، فقال: أمسكوا طعامكم فلا حاجة بي ~~إليه، فقالوا له: من أنت يا فتى؟ والله لقد وجدت كنزا وأنت تريد أن ~~تخفيه، شاركنا فيه وإلا أتينا بك إلى السلطان فيقتلك، فلم يدر ما يقول، ~~فطرحوا كساءه في عنقه وهو يبكي ويقول: فرق بيني وبين إخوتي، ms1215 يا ~~ليتهم يعلمون ما لقيت، فأتوا به إلى رجلين كانا يدبران أمر المدينة، ~~فقالا: أين الكنز الذي وجدت؟ قال: ما وجدت كنزا، ولكن هذه ورق ~~آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، ولا ما ~~أقول لكم، قال مجاهد: وكان ورق أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل، فقالوا: ~~من أنت، وما اسم أبيك؟ فأخبرهم، فلم يجدوا من يعرفه، فقال له أحدهما: ~~أتظن أنك تسخر منا وخزائن هذه البلدة بأيدينا، وليس عندنا من هذا الضرب ~~درهم ولا دينار؟! إني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى تعترف ~~بهذا الكنز، فقال يمليخا: أنبؤني عن شيء أسالكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم، ~~قالوا: سل، قال: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالوا: لا نعرف اليوم على وجه ~~الأرض ملكا يسمى دقيانوس، وإنما هذا ملك كان منذ زمان طويل، وهلكت ~~بعده قرون كثيرة، فقال: والله ما يصدقني أحد بما أقوله، لقد كنا ~~فتية، وأكرهنا الملك على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فهربنا منه ~~عشية أمس فنمنا، فلما انتبهنا خرجت أشتري لأصحابي طعاما، فإذا أنا كما ~~ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي، فانطلقوا معه وسائر أهل ~~المدينة، وكان أصحابه قد ظنوا لإبطائه عليهم أنه قد أخذ، فبينما هم ~~يتخوفون ذلك، إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل، فظنوا أنهم رسل دقيانوس، ~~فقاموا إلى الصلاة، وسلم بعضهم على بعض، فسبق يمليخا إليهم وهو يبكي، ~~فبكوا معه، وسألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقص عليهم النبأ كله، ~~فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله تعالى، وإنما أوقظوا ليكونوا آية ~~للناس، وتصديقا للبعث؛ ونظر الناس في المسطور الذي فيه أسماؤهم وقصتهم، ~~فعجبوا، وأرسلوا إلى ملكهم، فجاء، واعتنق القوم، وبكى، فقالوا له: ~~نستودعك الله ونقرأ عليك السلام، حفظك الله، وحفظ ملكك، فبينا الملك ~~قائم، رجعوا إلى مضاجعهم، وتوفى الله عز وجل أنفسهم، فأمر الملك ~~أن يجعل لكل واحد منهم تابوت من ذهب، فلما أمسوا رآهم في المنام، ~~فقالوا: إنا لم نخلق من ذهب وفضة، ولكن خلقنا من تراب، فاتركنا كما ~~كنا في الكهف ms1216 على التراب حتى يبعثنا الله عز وجل منه، وحجبهم الله عز ~~وجل حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد أن يدخل عليهم، وأمر ~~الملك فجعل على باب الكهف مسجد يصلى فيه، وجعل لهم عيدا عظيما ~~يؤتى كل سنة. # وقيل: إنه لما جاء يمليخا ومعه الناس، قال: دعوني أدخل إلى أصحابي ~~فأبشرهم، فانهم إن رأوكم معي أرعبتموهم، فدخل فبشرهم، وقبض الله ~~روحه وأرواحهم، فدخل الناس، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا، غير أنها ~~لا أرواح فيها، فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. # قوله تعالى: { فضربنا على آذانهم } قال الزجاج: المعنى: أنمناهم ~~ومنعناهم السمع، لأن النائم إذا سمع انتبه. و { عددا } منصوب على ~~ضربين. # أحدهما: على المصدر، المعنى: تعد عددا. # والثاني: أن يكون نعتا للسنين، المعنى: سنين ذات عدد، والفائدة في ~~ذكر العدد في الشيء المعدود، توكيد كثرة الشيء، لأنه إذا قل فهم ~~مقداره، وإذا كثر احتيج إلى أن يعد العدد الكثير. { ثم بعثناهم } ~~من نومهم، يقال لكل من خرج من الموت إلى الحياة، أو من النوم إلى ~~الانتباه: مبعوث، لأنه قد زال عنه ما كان يحبسه عن التصرف والانبعاث. # وقيل: معنى { سنين عددا }: أنه لم يكن فيها شهور ولا أيام، إنما هي ~~كاملة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { لنعلم أي الحزبين } قال المفسرون: أي: لنرى. وقال ~~بعضهم: المعنى: لتعلموا أنتم. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران، والنخعي: ~~«ليعلم» بضم الياء، على ما لم يسم فاعله «أي الحزبين»، ويعني ~~بالحزبين: المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف. { أحصى لما لبثوا } ~~أي: لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أو هؤلاء، فكأنه وقع بينهم تنازع في مدة ~~لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بينهم، فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر. قال ~~قتادة: لم يكن للفريقين علم بلبثهم، لا لمؤمنيهم، ولا لكافريهم. قال ~~مقاتل: لما بعثوا زال الشك وعرفت حقيقة اللبث. وقال القاضي أبو يعلى: ~~معنى الكلام: بعثناهم ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لبثهم، لما ~~في ذلك من العبرة. ### || [18.13-15] # قوله تعالى: { نحن نقص عليك نبأهم } أي: ms1217 خبر الفتية { بالحق } أي: ~~بالصدق. # قوله تعالى: { وزدناهم هدى } أي: ثبتناهم على الإيمان، { وربطنا على ~~قلوبهم } أي: ألهمناها الصبر { إذ قاموا } بين يدي ملكهم دقيانوس { ~~فقالوا ربنا رب السموات والأرض } وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة ~~الأصنام، فعصم الله هؤلاء حتى عصوا ملكهم. وقال الحسن: قاموا في قومهم ~~فدعوهم إلى التوحيد. وقيل: هذا قولهم بينهم لما اجتمعوا خارج المدينة ~~على ما ذكرنا في أول القصة. فأما الشطط، فهو الجور. قال الزجاج: يقال: ~~شط الرجل، وأشط: إذا جار. ثم قال الفتية: { هؤلاء قومنا } يعنون ~~الذين كانوا في زمن دقيانوس { اتخذوا من دونه آلهة } أي: عبدوا الأصنام { ~~لولا } أي: هلا { يأتون عليهم } أي: على عبادة الأصنام { بسلطان بين ~~} أي: بحجة. وإنما قال: «عليهم» والأصنام مؤنثة، لأن الكفار ~~نحلوها العقل والتمييز، فجرت مجرى المذكرين من الناس. # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فزعم أن له شريكا؟! ### || [18.16-17] # قوله تعالى: { وإذ اعزلتموهم } قال ابن عباس: هذا [قول] يمليخا، وهو ~~رئيس أصحاب الكهف، قال لهم: وإذ اعتزلتموهم، أي: فارقتموهم، يريد: عبدة ~~الأصنام، { وما يعبدون إلا الله } فيه قولان. # أحدهما: واعتزلتم ما يعبدون، إلا الله، فإن القوم كانوا يعبدون الله ~~ويعبدون معه آلهة، فاعتزل الفتية عبادة الآلهة، ولم يعتزلوا عبادة الله، ~~هذا قول عطاء الخراساني، والفراء. # والثاني: وما يعبدون غير الله؛ قال قتادة: هي في مصحف عبد الله: «وما ~~يعبدون من دون الله»، وهذا تفسيرها. # قوله تعالى: { فأووا إلى الكهف } أي: اجعلوه مأواكم، { ينشر لكم ربكم ~~من رحمته } أي: يبسط عليكم من رزقه، { ويهيء لكم من أمركم مرفقا } ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «مرفقا» بكسر الميم، ~~وفتح الفاء. وقرأ نافع، وابن عامر: «مرفقا» بفتح الميم، وكسرالفاء. قال ~~الفراء: أهل الحجاز يقولون: «مرفقا» بفتح الميم وكسر الفاء، في كل ~~مرفق ارتفقت به، ويكسرون مرفق الإنسان، والعرب قد يكسرون الميم منهما ~~جميعا. قال ابن الأنباري: معنى الآية: ويهيىء لكم بدلا من أمركم ~~الصعب مرفقا، قال الشاعر: # فليت لنا من ماء زمزم ms1218 شربة # مبردة باتت على طهيان # معناه: فليت لنا بدلا من ماء زمزم. قال ابن عباس: «ويهيىء لكم»: ~~يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر والرفق ~~واللطف. # قوله تعالى: { وترى الشمس إذا طلعت } المعنى: لو رأيتها لرأيت ما ~~وصفنا. { تزاور } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «تزاور» بتشديد ~~الزاي. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «تزاور» خفيفة. وقرأ ابن عامر: ~~«تزور» مثل: «تحمر». وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وأبو رجاء، ~~والجحدري: «تزوار» باسكان الزاي، وبألف ممدودة بعد الواو من غير ~~همزة، مشددة الراء. وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل، وابن السميفع: ~~«تزوئر» بهمزة قبل الراء، مثل: «تزوعر». وقرأ أبو الجوزاء، ~~وأبو السماك: «تزور» بفتح التاء والزاي وتشديد الواو المفتوحة خفيفة ~~الراء، مثل: «تكور»، أي: تميل وتعدل. قال الزجاج: أصل «تزاور»: ~~تتزاور، فأدغمت التاء في الزاي، و { تقرضهم } أي: تعدل عنهم وتتركهم، ~~وقال: ذو الرمة: # إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف # شمالا وعن أيمانهن الفوارس # يقرضن: يتركن. وأصل القرض: القطع والتفرقة بين الأشياء، ومنه قولك: ~~أقرضني درهما، أي: اقطع لي من مالك درهما. قال المفسرون: كان كهفهم ~~بازاء بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة لا ~~تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم. ثم أخبر أنهم كانوا في متسع ~~من الكهف ينالهم فيه برد الريح، ونسيم الهواء، فقال: { وهم في فجوة منه } ~~قال أبو عبيدة: أي: [في] متسع، والجمع: فجوات، وفجاء بكسر الفاء. ~~وقال الزجاج: إنما صرف الشمس عنهم آية من الآيات، ولم يرض قول من ~~قال: كان كهفهم بازاء بنات نعش. # قوله تعالى: { ذلك من آيات الله } يشير إلى ما صنعه بهم من اللطف في ~~هدايتهم، وصرف أذى الشمس عنهم، والرعب الذي ألقى عليهم حتى لم يقدر الملك ~~الظالم ولا غيره على أذاهم. «من آيات الله» أي: من دلائله على قدرته ~~ولطفه. { من يهد الله فهو المهتد } هذا بيان أنه هو الذي تولى هداية ~~القوم، ولولا ذلك لم يهتدوا. ### || [18.18] # قوله تعالى: { وتحسبهم أيقاظا } أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظا. ms1219 ~~قال الزجاج: الأيقاظ: المنتبهون، واحدهم: يقظ، ويقظان، والجميع: ~~أيقاظ؛ والرقود: النيام. قال الفراء: واحد الأيقاظ: يقظ، ويقظ. قال ~~ابن السائب: وإنما يحسبون أيقاظا، لأن أعينهم مفتحة وهم نيام. ~~وقيل: لتقلبهم يمينا وشمالا. وذكر بعض أهل العلم: أن وجه الحكمة في ~~فتح أعينهم، أنه لو دام طبقها لذابت. # قوله تعالى: { ونقلبهم } وقرأ أبو رجاء: «وتقلبهم» بتاء مفتوحة، ~~وسكون القاف، وتخفيف اللام المكسورة. وقرأ أبو الجوزاء، وعكرمة: ~~«ونقلبهم» مثلها، إلا أنه بالنون. { ذات اليمين } أي: على أيمانهم ~~وعلى شمائلهم. قال ابن عباس: كانوا يقلبون في كل عام مرتين، ستة أشهر ~~على هذا الجنب، وستة أشهر على هذا الجنب، لئلا تأكل الأرض لحومهم. وقال ~~مجاهد: كانوا ثلاثمائة عام على شق واحد، ثم قلبوا تسع سنين. قوله ~~تعالى: { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } أخبر أن الكلب كان على مثل حالهم ~~في النوم، وهو في رأي العين منتبه. وفي الوصيد أربعة أقوال. # أحدها: أنه الفناء فناء الكهف، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه ~~قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والفراء. قال الفراء: يقال: ~~الوصيد والأصيد لغتان، مثل الإكفاف والوكاف. وأرخت الكتاب وورخت، ~~ووكدت الأمر وأكدت؛ وأهل الحجاز يقولون: الوصيد، وأهل نجد يقولون: ~~الأصيد، وهو: الحظيرة والفناء. # والثاني: أنه الباب، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال السدي. وقال ابن ~~قتيبة: فيكون المعنى: وكلبهم باسط ذراعيه بالباب، قال الشاعر: # بأرض فضاء لا يسد وصيدها # علي ومعروفي بها غير منكر # والثالث: أنه الصعيد، وهو التراب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~سعيد بن جبير، ومجاهد في رواية عنهما. # والرابع: أنه عتبة الباب، قاله عطاء. قال ابن قتيبة: وهذا أعجب إلي، ~~لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه، ومنه قوله: # إنها عليهم مؤصدة # [الهمزة: 8]، أي: مطبقة مغلقة، وأصله أن تلصق الباب بالعتبة ~~إذا أغلقته، ومما يوضح هذا أنك إذا جعلت الكلب بالفناء، كان خارجا من ~~الكهف، وإن جعلته بعتبة الباب، أمكن أن يكون داخل الكهف، والكهف وإن ~~لم يكن له باب وعتبة، فانما أراد أن الكلب ms1220 موضع العتبة من البيت، ~~فاستعير. # قوله تعالى: { لو اطلعت عليهم } [وقرأ الأعمش، وأبو حصين: «لو ~~اطلعت» بضم الواو] { لوليت منهم فرارا } رهبة لهم { ولملئت } قرأ ~~عاصم، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «ولملئت» خفيفة ~~مهموزة. وقرأ ابن كثير، ونافع: «ولملئت» مشددة مهموزة، { رعبا } ~~[أي]: فزعا وخوفا، وذلك أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يدخل إليهم ~~أحد. وقيل: إنهم طالت شعورهم وأظفارهم جدا، فلذلك كان الرائي لهم لو ~~رآهم هرب مرعوبا، حكاه الزجاج. ### || [18.19-20] # قوله تعالى: { وكذلك بعثناهم } أي: وكما فعلنا بهم ما ذكرنا، بعثناهم من ~~تلك النومة { ليتساءلوا } أي: ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة ~~لبثهم، فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم. { قال قائل منهم كم ~~لبثتم } أي: كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف؟ { قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم } وذلك أنهم دخلوا غدوة، وبعثهم الله في آخر النهار، فلذلك ~~قالوا: { يوما } ، فلما رأوا الشمس قالوا: «أو بعض يوم» { قالوا ربكم ~~أعلم بما لبثتم } قال ابن عباس: القائل لهذا يمليخا رئيسهم، رد علم ~~ذلك إلى الله تعالى. وقال في رواية أخرى: إنما قاله مكسلمينا، وهو ~~أكبرهم. قال أبو سليمان: وهذا يوجب أن تكون نفوسهم قد حدثتهم أنهم قد ~~لبثوا أكثر مما ذكروا. وقيل: إنما قالوا ذلك، لأنهم رأوا أظفارهم ~~وأشعارهم قد طالت جدا. # قوله تعالى: { فابعثوا أحدكم } قال ابن الأنباري: إنما قال: «أحدكم»، ~~ولم يقل: واحدكم، لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم، فان العرب تقول: ~~رأيت أحد القوم، ولا يقولون: رأيت واحد القوم، إلا إذا أرادوا ~~المعظم، فأراد بأحدهم: بعضهم، ولم يرد شريفهم. # قوله تعالى: { بورقكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «بورقكم» الراء مكسورة خفيفة. وقرأ أبو ~~عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم ساكنة الراء. وعن أبي عمرو: «بورقكم» ~~مدغمة يشمها شيئا من التثقيل؛ قال الزجاج: تصير كافا خالصة. قال ~~الفراء: الورق لغة أهل الحجاز، وتميم يقولون: الورق، وبعض العرب ~~يكسرون الواو، فيقولون: الورق. قال ابن قتيبة. الورق: الفضة، دراهم ~~كانت أو غير دراهم، يدلك ms1221 على ذلك حديث عرفجة أنه اتخذ أنفا من ~~ورق. # قوله تعالى: { إلى المدينة } يعنون التي خرجوا منها، واسمها دقسوس، ~~ويقال: هي اليوم طرسوس. # قوله تعالى: { فلينظر أيها } قال الزجاج: المعنى: أي أهلها { ~~أزكى طعاما } وللمفسرين في معناه ستة أقوال. # أحدها: أحل ذبيحة؛ قاله ابن عباس، وعطاء، وذلك أن عامة أهل بلدهم ~~كانوا كفارا، فكانوا يذبحون للطواغيت، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم. # والثاني: أحل طعاما، قاله سعيد بن جبير؛ قال الضحاك: وكانت أكثر ~~أموالهم غصوبا. وقال مجاهد: قالوا لصاحبهم لا تبتع طعاما فيه ظلم ولا ~~غصب. # والثالث: أكثر، قاله عكرمة. # والرابع: خير، أي: أجود، قاله قتادة. # والخامس: أطيب، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والسادس: أرخص، قاله يمان بن رياب. قال ابن قتيبة: وأصل الزكاء: النماء ~~والزيادة. # قوله تعالى: { فليأتكم برزق منه } أي: بما تأكلونه. { وليتلطف } أي: ~~ليدقق النظر فيه، وليحتل لئلا يطلع عليه. { ولا يشعرن بكم ~~} أي: ولا يخبرن أحدا بمكانكم. { إنهم إن يظهروا } أي: يطلعوا ~~ويشرفوا عليكم، { يرجموكم } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: يقتلوكم، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: يقتلوكم بالرجم. # والثاني: يرجموكم بأيديهم، استنكارا لكم، قاله الحسن. # والثالث: بألسنتهم شتما لكم، قاله مجاهد، وابن جريج. # قوله تعالى: { أو يعيدوكم في ملتهم } أي: يردوكم في دينهم، { ولن ~~تفلحوا إذا أبدا } أي: إن رجعتم في دينهم، لم تسعدوا في الدنيا ولا ~~في الآخرة. ### || [18.21] # قوله تعالى: { وكذلك أعثرنا عليهم } أي: وكما أنمناهم وبعثناهم، أطلعنا ~~وأظهرنا عليهم. قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن من عثر بشيء وهو غافل، نظر ~~إليه حتى يعرفه، فاستعير العثار مكان التبيين والظهور، ومنه قول الناس: ~~ما عثرت على فلان بسوء قط، أي: ما ظهرت على ذلك منه. # قوله تعالى: { ليعلموا } في المشار إليهم بهذا العلم قولان. # أحدهما: أنهم أهل بلدهم حين اختصموا في البعث، فبعث الله أهل الكهف ~~ليعلموا { أن وعد الله } بالبعث والجزاء { حق } وأن القيامة لا شك ~~فيها، هذا قول الأكثرين. # والثاني: أنهم أهل الكهف، بعثناهم ليروا بعد علمهم أن وعد الله حق، ~~ذكره الماوردي. # قوله تعالى: ms1222 { إذ يتنازعون } يعني: أهل ذلك الزمان. قال ابن الأنباري: ~~المعنى: إذ كانوا يتنازعون، ويجوز أن يكون المعنى: إذ تنازعوا. # وفي ما تنازعوا فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنهم تنازعوا في البنيان، والمسجد. فقال المسلمون: نبني عليهم ~~مسجدا، لأنهم على ديننا؛ وقال المشركون: نبني عليهم بنيانا، لأنهم من ~~أهل سنتنا، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم تنازعوا في البعث، فقال المسلمون: تبعث الأجساد ~~والأرواح، وقال بعضهم: تبعث الأرواح دون الأجساد، فأراهم الله تعالى بعث ~~الأرواح والأجساد ببعثه أهل الكهف، قاله عكرمة. # والثالث: أنهم تنازعوا ما يصنعون بالفتية، قاله مقاتل. # والرابع: أنهم تنازعوا في قدر مكثهم. # والخامس: تنازعوا في عددهم، ذكرهما الثعلبي. # قوله تعالى: { ابنوا عليهم بنيانا } أي: استروهم من الناس بأن تجعلوهم ~~وراء ذلك البنيان. وفي القائلين لهذا قولان. # أحدهما: أنهم مشركو ذلك الزمان، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين أسلموا حين رأوا أهل الكهف، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { قال الذين غلبوا على أمرهم } قال ابن قتيبة: يعني ~~المطاعين والرؤساء، قال المفسرون: وهم الملك وأصحابه المؤمنون اتخذوا ~~عليهم مسجدا. قال سعيد بن جبير: بنى عليهم الملك بيعة. ### || [18.22-24] # قوله تعالى: { سيقولون ثلاثة } قال الزجاج: «ثلاثة» مرفوع بخبر ~~الابتداء، المعنى: سيقول الذين تنازعوا في أمرهم [هم] ثلاثة. وفي هؤلاء ~~القائلين قولان. # أحدهما: أنهم نصارى نجران، ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~عدة أهل الكهف، فقالت الملكية: هم ثلاثة رابعهم كلبهم، وقالت ~~اليعقوبية: هم خمسة سادسهم كلبهم، وقالت النسطورية: هم سبعة وثامنهم ~~كلبهم، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنهم أهل مدينتهم قبل ظهورهم عليهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { رجما بالغيب } أي: ظنا غير يقين، قال زهير: # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # فأما دخول الواو في قوله: { وثامنهم كلبهم } ولم تدخل فيما قبل هذا، ~~ففيه أربعة أقوال. # أحدها: أن دخولها وخروجها واحد، قاله الزجاج. # والثاني: أن ظهور الواو في الجملة الثامنة دلالة على أنها مرادة في ~~الجملتين المتقدمتين، فأعلم بذكرها هاهنا ms1223 أنها مرادة فيما قبل، وإنما ~~حذفت تخفيفا، ذكره أبو نصر في شرح «اللمع». # والثالث: أن دخولها يدل على انقطاع القصة، وأن الكلام قد تم، ذكره ~~الزجاج أيضا، وهو قول مقاتل بن سليمان، فإن الواو تدل على تمام الكلام ~~قبلها، واستئناف ما بعدها؛ قال الثعلبي: فهذه واو الحكم والتحقيق، كأن ~~الله تعالى حكى اختلافهم، فتم الكلام عند قوله: { ويقولون سبعة } ، ثم ~~حكم أن ثامنهم كلبهم. وجاء في بعض التفسير أن المسلمين قالوا عند اختلاف ~~النصارى: هم سبعة، فحقق الله قول المسلمين. # والرابع: أن العرب تعطف بالواو على السبعة، فيقولون: ستة، سبعة، ~~وثمانية، لأن العقد عندهم سبعة، كقوله: { التائبون العابدون... } إلى أن ~~قال في الصفة الثامنة: # والناهون عن المنكر # [التوبة: 112]، وقوله في صفة الجنة: # وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] وفي صفة النار: # فتحت أبوابها # [الزمر: 71]، لأن أبواب النار سبعة، وأبواب الجنة ثمانية، ذكر هذا ~~المعنى أبو إسحاق الثعلبي. # وقد اختلف العلماء في عددهم على قولين. # أحدهما: أنهم كانوا سبعة، قاله ابن عباس. # والثاني: ثمانية، قاله ابن جريج، وابن إسحاق. وقال ابن الأنباري: وقيل: ~~معنى قوله: { وثامنهم كلبهم }: صاحب كلبهم، كما يقال: السخاء حاتم، ~~والشعر زهير، أي: السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير. وأما أسماؤهم، ~~فقال هشيم: مكسلمينا، ويمليخا، وطرينوس، وسدينوس، وسرينوس، ~~ونواسس، ويرانوس، وفي التفسير خلاف في أسمائهم فلم أطل به. # واختلفوا في كلبهم لمن كان على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه كان لراع مروا به فتبعهم الراعي والكلب، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه كان لهم يتصيدون عليه، قاله عبيد بن عمير. # والثالث: أنهم مروا بكلب فتبعهم، فطردوه، فعاد، ففعلوا ذلك به مرارا، ~~فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟! لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء ~~الله، فناموا حتى أحرسكم، قاله كعب الأحبار. # وفي اسم كلبهم أربعة أقوال. # أحدها: قطمير، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: اسمه الرقيم، وقد ذكرناه عن سعيد بن جبير. # والثالث: قطمور، قاله عبد الله بن كثير. # والرابع: حمران، قاله شعيب الجبائي. وفي صفته ثلاثة أقوال. # أحدها: أحمر، حكاه الثوري. # والثاني: ms1224 أصفر، حكاه ابن إسحاق. # والثالث: أحمر الرأس، أسود الظهر، أبيض البطن، أبلق الذنب، ذكره ابن ~~السائب. # قوله تعالى { ربي أعلم بعدتهم } حرك الياء ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وأسكنها الباقون. # قوله تعالى: { ما يعلمهم إلا قليل } أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من ~~الناس. قال عطاء: يعني بالقليل: أهل الكتاب. قال ابن عباس: أنا من ذلك ~~القليل، هم سبعة، إن الله عدهم حتى انتهى إلى السبعة. # قوله تعالى: { فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا } قال ابن عباس، ~~وقتادة: لا تمار أحدا، حسبك ما قصصت عليك من أمرهم. وقال ابن زيد: ~~لا تمار في عدتهم إلا مراء ظاهرا أن تقول لهم: ليس كما تقولون، ~~ليس كما تعلمون. وقيل: «إلا مراء ظاهرا» بحجة واضحة، حكاه الماوردي. ~~والمراء في اللغة: الجدال؛ يقال: مارى يماري مماراة ومراء، أي: ~~جادل. قال ابن الأنباري: معنى الآية: لا تجادل إلا جدال متيقن عالم ~~بحقيقة الخبر، إذ الله تعالى ألقى إليك مالا يشوبه باطل. وتفسير المراء ~~في اللغة: استخراج غضب المجادل، من قولهم: مريت الشاة: إذا استخرجت ~~لبنها. # قوله تعالى: { ولا تستفت فيهم } أي: في أصحاب الكهف، { منهم } قال ابن ~~عباس: يعني: من أهل الكتاب. قال الفراء: أتاه فريقان من النصارى، نسطوري، ~~ويعقوبي، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن عددهم، فنهي عن ذلك. # قوله تعالى: { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ~~} سبب نزولها أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، ~~وعن الروح، وعن أصحاب الكهف، فقال: غدا أخبركم بذلك، ولم يقل: إن شاء ~~الله، فأبطأ عليه جبريل خمسة عشر يوما لتركه الاستثناء، فشق ذلك عليه، ~~ثم نزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الكلام: ولا تقولن ~~لشيء: إني فاعل ذلك غدا، إلا أن تقول: إن شاء الله، فحذف القول. # قوله تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } قال ابن الأنباري: معناه: ~~واذكر ربك بعد تقضي النسيان، كما تقول: اذكر لعبد الله إذا صلى ~~ حاجتك، أي: بعد انقضاء ms1225 الصلاة. # وللمفسرين في معنى الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المعنى: إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت، فقل: إن شاء الله، ~~ولو كان بعد يوم أو شهر أو سنة، قاله سعيد بن جبير، والجمهور. # والثاني: أن معنى «إذا نسيت»: إذا غضبت، قاله عكرمة، قال ابن ~~الأنباري: وليس ببعيد، لأن الغضب ينتج النسيان. # والثالث: إذا نسيت الشيء فاذكر الله ليذكرك إياه، حكاه الماوردي. # فصل # وفائدة الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب إذا لم يفعل ما حلف عليه، ~~كقوله في قصة موسى: # ستجدني إن شاء الله صابرا # [الكهف: 70]، ولم يصبر، فسلم من الكذب لوجود الاستثناء في حقه. ولا ~~تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق، وأنه ~~إذا قال: أنت طالق إن شاء الله، وأنت حر إن شاء الله، أن ذلك ~~يقع، وهو قول مالك؛ وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقع شيء من ذلك. وأما ~~اليمين بالله تعالى؛ فإن الاستثناء فيها يصح، بخلاف الطلاق، وكذلك ~~الاستثناء في كل ما يكفر، كالظهار، والنذر، لأن الطلاق والعتاق لفظه ~~لفظ إيقاع، وإذا علق به المشيئة، علمنا وجودها، لوجود لفظ الإيقاع ~~من جهته، بخلاف سائر الأيمان، لأنها ليست بموجبات للحكم، وإنما تتعلق ~~بأفعال مستقبلة. # وقد اختلف في الوقت الذي يصح فيه الاستثناء على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه لا يصح الاستثناء إلا موصولا بالكلام، وقد روي عن أحمد نحو ~~هذا، وبه قال أكثر الفقهاء. # والثاني: أنه يصح ما دام في المجلس، قاله الحسن وطاووس، وعن أحمد نحوه. # والثالث: أنه لو استثنى بعد سنة، جاز، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد ابن ~~جبير، وأبو العالية. وقال ابن جرير الطبري: الصواب للإنسان أن يستثني ولو ~~بعد حنثه في يمينه، فيقول: إن شاء الله، ليخرج بذلك مما ألزمه الله في ~~هذه الآية، فيسقط عنه الحرج، فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن ~~يكون الاستثناء موصولا بيمينه، ومن قال: له ثنياه ولو بعد سنة، أراد ~~سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاسثتناء دون الكفارة. # قوله تعالى: { وقل عسى أن يهديني ربي ms1226 } قرأ نافع، وأبو عمرو: ~~«يهديني ربي» بياء في الوصل [دون] الوقف. وقرأ ابن كثير بياء في ~~الحالين. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي بغير ياء في الحالين. # وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوه ما يكون ~~أقرب في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف، ففعل الله له ذلك، وآتاه من ~~علم غيوب المرسلين ما هو أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر ~~أصحاب الكهف، هذا قول الزجاج. # والثاني: أن قريشا لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم ~~خبر أصحاب الكهف، قال: «غدا أخبركم» كما شرحنا في سبب نزول الآية، فقال ~~الله تعالى له: { وقل عسى أن يهديني ربي } أي: عسى أن يعرفني جواب ~~مسائلكم قبل الوقت الذي حددته لكم، ويعجل لي من جهته الرشاد، هذا ~~قول ابن الأنباري. ### || [18.25-26] # قوله تعالى: { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «ثلاثمائة سنين» منونا. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: «ثلاثمائة سنين» مضافا غير منون. قال أبو علي: العدد ~~المضاف إلى الآحاد قد جاء مضافا إلى الجميع، قال الشاعر: # وما زودوني غير سحق عمامة # وخمسمىء منها قسي وزائف # وفي هذا الكلام قولان. # أحدهما: أنه حكاية عما قال الناس في حقهم، وليس بمقدار لبثهم، قاله ابن ~~عباس، واستدل عليه فقال: لو كانوا لبثوا ذلك، لما قال: { الله أعلم بما ~~لبثوا } ، وكذلك قال قتادة، وهذا قول أهل الكتاب. # والثاني: أنه مقدار ما لبثوا، قاله عبيد بن عمير، ومجاهد، والضحاك، وابن ~~زيد؛ والمعنى: لبثوا هذا القدر من يوم دخلوه إلى أن بعثهم الله وأطلع ~~الخلق عليهم. # قوله تعالى: { سنين } قال الفراء، وأبو عبيدة، والكسائي، والزجاج: ~~التقدير: سنين ثلاثمائة. وقال ابن قتيبة: المعنى: أنها لم تكن شهورا ولا ~~أياما، وإنما كانت سنين. وقال أبو علي الفارسي: «سنين» بدل من قوله: ~~«ثلاثمائة». قال الضحاك: نزلت: { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة } فقالوا: ~~أياما، أو شهورا، أو سنين؟ فنزلت: «سنين» فلذلك قال: «سنين»، ولم يقل: ~~سنة. ms1227 قوله تعالى: { وازدادوا تسعا } يعني: تسع سنين، فاستغنى عن ذكر ~~السنين بما تقدم من ذكرها. ثم أعلم أنه أعلم بقدر مدة لبثهم من ~~أهل الكتاب المختلفين فيها، فقال: { قل الله أعلم بما لبثوا } قال ابن ~~السائب: قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة، فقد عرفناها، وأما التسع، فلا ~~علم لنا بها، فنزل قوله تعالى: { قل الله أعلم بما لبثوا } وقيل: إن ~~أهل الكتاب قالوا: إن للفتية منذ دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة ~~وتسع سنين، فرد الله تعالى عليهم ذلك، وقال: «قل الله أعلم بما لبثوا» ~~بعد أن قبض أرواحهم إلى يومكم هذا، لا يعلم ذلك غير الله. وقيل: إنما ~~زاد التسع، لأنه تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية، حكاه ~~الماوردي. # قوله تعالى: { أبصر به وأسمع } فيه قولان. # أحدهما: أنه على مذهب التعجب، فالمعنى: ما أسمع الله به وأبصر، أي: هو ~~عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم، هذا قول الزجاج، وذكر أنه إجماع العلماء. # والثاني: أنه في معنى الأمر، فالمعنى: أبصر بدين الله وأسمع، أي: ~~بصر بهدى الله وسمع، فترجع الهاء إما على الهدى، وإما على الله عز ~~وجل، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { ما لهم من دونه } أي: ليس لأهل السموات والأرض من دون ~~الله من ناصر، { ولا يشرك في حكمه أحدا } ولا يجوز أن يحكم حاكم بغير ~~ما حكم به، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكا لله عز وجل في ~~حكمه. وقرأ ابن عامر: «ولا تشرك» جزما بالتاء، والمعنى: لا تشرك أيها ~~الإنسان. ### || [18.27-28] # قوله تعالى: { واتل ما أوحي إليك } في هذه التلاوة قولان. # أحدهما: أنها بمعنى القراءة. # والثاني: بمعنى الاتباع. فيكون المعنى على الأول: اقرأ القرآن، وعلى ~~الثاني: اتبعه واعمل به. وقد شرحنا في [الأنعام: 115] معنى { لا ~~مبدل لكلماته }. # قوله تعالى: { ولن تجد من دونه ملتحدا } قال مجاهد، والفراء: ملجأ. ~~وقال الزجاج: معدلا عن أمره ونهيه. وقال غيرهم: موضعا تميل إليه في ~~الالتجاء. # قوله تعالى: { واصبر نفسك } سبب نزولها # " أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله ms1228 صلى الله عليه وسلم: عيينة ~~بن حصن، والأقرع بن حابس، وذووهم، فقالوا: يا رسول الله: لو أنك جلست في ~~صدر المجلس، ونحيت هؤلاء عنا، يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء ~~المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف جلسنا إليك، وأخذنا عنك، فنزلت هذه ~~الآية إلى قوله: { إنا أعتدنا للظالمين نارا } ، فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يلتمسهم، حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، ~~قال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من ~~أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات» " # هذا قول سلمان الفارسي. ومعنى قوله: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } ~~أي: احبسها معهم على أداء الصلوات { بالغداة والعشي }. وقد فسرنا هذه ~~الآية في [الأنعام: 52] إلى قوله تعالى: { ولا تعد عيناك عنهم } أي: لا ~~تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف؛ وكان عليه السلام حريصا على ~~إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم، ولم يكن مريدا لزينة الدنيا قط، فأمر ~~أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين. # قوله تعالى: { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } سبب نزولها أن ~~أمية بن خلف الجمحي، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طرد ~~الفقراء عنه، وتقريب صناديد أهل مكة، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ~~ابن عباس. وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو عيينة وأشباهه. ومعنى «أغفلنا ~~قلبه»: جعلناه غافلا. وقرأ أبو مجلز: «من أغفلنا» بفتح اللام، ورفع باء ~~القلب. «عن ذكرنا»: عن التوحيد والقرآن والإسلام، { واتبع هواه } في ~~الشرك. { وكان أمره فرطا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه أفرط في قوله، لأنه قال: إنا رؤوس مضر، وإن نسلم يسلم ~~الناس بعدنا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: ضياعا، قاله مجاهد. وقال أبو عبيدة: سرفا وتضييعا. # والثالث: ندما، حكاه ابن قتيبة عن أبي عبيدة. # والرابع: كان أمره التفريط، والتفريط: تقديم العجز، قاله الزجاج. ### || [18.29] # قوله تعالى: { وقل الحق من ربكم } قال الزجاج: المعنى: وقل الذي ~~أتيتكم به، الحق من ربكم. # قوله تعالى: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } فيه ثلاثة ms1229 أقوال. # أحدها: فمن شاء الله فليؤمن، روي عن ابن عباس. # والثاني: أنه وعيد وإنذار، وليس بأمر، قاله الزجاج. # والثالث: أن معناه: لا تنفعون الله بإيمانكم، ولا تضرونه بكفركم، قاله ~~الماوردي. وقال بعضهم: هذا إظهار للغنى، لا إطلاق في الكفر. # قوله تعالى: { إنا أعتدنا } أي: هيأنا، وأعددنا، وقد شرحناه في قوله: # وأعتدت لهن متكأ # [يوسف 31]. فأما الظالمون، فقال المفسرون: هم الكافرون. وأما ~~السرادق، فقال الزجاج: السرادق: كل ما أحاط بشيء، نحو الشقة ~~في المضرب، أو الحائط المشتمل على الشيء. وقال ابن قتيبة: السرادق: ~~الحجرة التي تكون حول الفسطاط. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: ~~السرادق فارسي معرب، وأصله بالفارسية سرادار، وهو الدهليز، قال ~~الفرزدق: # تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم # تركت لهم قبل الضراب السرادقا # وفي المراد بهذا السرادق قولان. # أحدهما: أنه سرادق من نار، قاله ابن عباس. روى أبو سعيد الخدري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لسرادق النار أربعة جدر كثف، كل جدار منها مسيرة أربعين ~~سنة " # وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس، قال: السرادق: لسان من النار، يخرج من ~~النار فيحيط بهم حتى يفرغ من حسابهم. # والثاني: أنه دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو ثلاث شعب ~~الذي ذكره الله تعالى في [المرسلات: 30]، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { وإن يستغيثوا } أي: مما هم فيه من العذاب وشدة العطش { ~~يغاثوا بماء كالمهل } وفيه سبعة أقوال. # أحدها: أنه ماء غليظ كدردي الزيت، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه كل شيء أذيب حتى انماع، قاله ابن مسعود. وقال أبو عبيدة، ~~والزجاج: كل شيء أذبته من نحاس أو رصاص أو نحو ذلك، فهول مهل. # والثالث: قيح ودم أسود كعكر الزيت، قاله مجاهد. # والرابع: أنه الفضة والرصاص يذابان، روي عن مجاهد أيضا. # والخامس: أنه الذي انتهى حره، قاله سعيد بن جبير. # والسادس: [أنه] الصديد، ذكره ابن الأنباري. قال مغيث بن سمي: هذا ~~الماء هو ما يسيل من عرق أهل الموقف في الآخرة وبكائهم، وما يجري منهم ~~من ms1230 دم وقيح، يسيل ذلك إلى واد في جهنم، فتطبخه جهنم، فيكون أول ما ~~يغاث به أهل النار. # والسابع: أنه الرماد الذي ينفض عن الخبزة إذا خرجت من التنور، ~~حكاه ابن الأنباري. # قوله تعالى: { يشوي الوجوه } قال المفسرون: إذا قربه إليه سقطت فروة ~~وجهه فيه. ثم ذمه، فقال: { بئس الشراب وساءت } النار { مرتفقا } ~~وفيه خمسة أقوال. # أحدها: منزلا، قاله ابن عباس. والثاني: مجتمعا، قاله مجاهد. والثالث: ~~متكأ، قاله أبو عبيدة، وأنشد لأبي ذؤيب: # إني أرقت فبت الليل مرتفقا # كأن عيني فيها الصاب مذبوح # وذبحه: انفجاره؛ قال الزجاج: «مرتفقا» منصوب على التمييز؛ ومعنى ~~مرتفقا: متكأ على المرفق. # والرابع: ساءت مجلسا؛ قاله ابن قتيبة. # والخامس: ساءت مطلبا للرفق، لأن من طلب رفقا من جهتها، عدمه، ذكره ~~ابن الأنباري. ومعاني هذه الأقوال تتقارب. وأصل المرفق في اللغة: ما ~~يرتفق به. ### || [18.30-31] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } قال الزجاج: خبر «إن» ~~هاهنا على ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون على إضمار: { إنا لا نضيع أجر ~~من أحسن عملا } منهم، ولم يحتج إلى ذكر «منهم» لأن الله تعالى قد ~~أعلمنا أنه محبط عمل غير المؤمنين. # والثاني: أن يكون خبر «إن»: { أولئك لهم جنات عدن } ، فيكون قوله: { ~~إنا لا نضيع } قد فصل به بين الاسم وخبره، لأنه يحتوي على معنى الكلام ~~الأول، لأن من أحسن عملا بمنزلة الذين آمنوا. # والثالث: أن يكون الخبر: { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ، بمعنى: ~~إنا لا نضيع أجرهم. # قال المفسرون: ومعنى { لا نضيع أجر من أحسن عملا } أي: لا نترك أعماله ~~تذهب ضياعا، بل نجازيه عليها بالثواب. # فأما الأساور، فقال الفراء: في الواحد منها ثلاث لغات: إسوار، وسوار، ~~وسوار؛ فمن قال: إسوار، جمعه أساور، ومن قال: سوار أو سوار، جمعه ~~أسورة، وقد يجوز أن يكون واحد أساورة وأساور: سوار؛ وقال الزجاج: ~~الأساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: سوار اليد، ~~بالكسر، وقد حكي: سوار. قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا ~~الأساور في اليد والتيجان على الرؤوس، جعل ms1231 الله ذلك لأهل الجنة. قال سعيد ~~بن جبير: يحلى كل واحد منهم بثلاثة من الأساور، واحد من فضة، ~~وواحد من ذهب، وواحد من لؤلؤ ويواقيت. # فأما «السندس» و«الإستبرق»، فقال ابن قتيبة: السندس: رقيق ~~الديباج، والإستبرق ثخينه. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: ~~السندس: رقيق الديباج، لم يختلف أهل اللغة في أنه معرب، قال الراجز: # وليلة من الليالي حندس # لون حواشيها كلون السندس # والاستبرق: غليظ الديباج، فارسي معرب، وأصله إستفره. وقال ابن ~~دريد: إستروه، ونقل من العجمية إلى العربية، فلوا حقر ~~«إستبرق»، أو كسر، لكان في التحقير «أبيرق»، وفي التكسير «أبارق» ~~بحذف السين، والتاء جميعا. # قوله تعالى: { متكئين فيها } الاتكاء: التحامل على الشيء. قال أبو ~~عبيدة: والأرائك: الفرش في الحجال، ولا تكون الأريكة إلا بحجلة ~~وسرير، وقال ابن قتيبة: الأرائك: السرر في الحجال، واحدها: أريكة. ~~وقال ثعلب: لا تكون الأريكة إلا سريرا في قبة عليه شواره ومتاعه؛ ~~قال ابن قتيبة: الشوار، مفتوح الشين، وهو متاع البيت. وقال الزجاج: ~~الأرائك: الفرش في الحجال. قال: وقيل: إنها الفرش، وقيل: ~~الأسرة، وهي على الحقيقة: الفرش كانت في حجال لهم. ### || [18.32-36] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثلا رجلين } روى عطاء عن ابن عباس، قال: ~~هما ابنا ملك كان في بني إسرائيل توفي وتركهما، فاتخذ أحدهما الجنان ~~والقصور، وكان الآخر زاهدا في الدنيا، فكان إذا عمل أخوه شيئا من زينة ~~الدنيا، أخذ مثل ذلك فقدمه لآخرته، حتى نفد ماله، فضربهما الله عز ~~وجل مثلا للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة. وروى أبو صالح عن ابن ~~عباس: أن المسلم لما احتاج، تعرض لأخيه الكافر، فقال الكافر: أين ما ~~ورثت عن أبيك؟ فقال: أنفقته في سبيل الله، فقال الكافر: لكني ابتعت به ~~جنانا وغنما وبقرا، والله لا أعطيتك شيئا أبدا حتى تتبع ديني، ثم ~~أخذ بيد المسلم فأدخله جنانه يطوف به فيها، ويرغبه في دينه. وقال ~~مقاتل: اسم المؤمن يمليخا، واسم الكافر قرطس، وقيل: قطرس، وقيل: هذا ~~المثل [ضرب] لعيينة بن حصن وأصحابه، ولسلمان وأصحابه. # قوله تعالى: { وحففناهما بنخل ms1232 } الحف: الإحاطة بالشيء، ومنه قوله: # حافين من حول العرش # [الزمر: 75]. والمعنى: جعلنا النخل مطيفا بها. وقوله: { وجعلنا ~~بينهما زرعا } إعلام أن عمارتهما كاملة. # قوله تعالى: { كلتا الجنتين آتت أكلها } قال الفراء: لم يقل: آتتا، ~~لأن «كلتا» ثنتان لا تفرد واحدتهما، وأصله: «كل»، كما تقول للثلاثة: ~~«كل»، فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع، وجاز توحيده على ~~مذهب «كل»، وتأنيثه جائز للتأنيث الذي ظهر في «كلتا»، وكذلك فافعل ب ~~«كلا» و«كلتا» و«كل»، إذا أضفتهن إلى معرفة وجاء الفعل بعدهن، ~~فوحد واجمع، فمن التوحيد قوله تعالى: # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # [مريم: 96]، ومن الجمع: # وكل أتوه داخرين # [النمل: 87]، والعرب قد تفعل ذلك أيضا في «أي» فيؤنثون ويذكرون، قال ~~الله تعالى: # وما تدري نفس بأي أرض تموت # [لقمان: 34]، ويجوز في الكلام «بأيت أرض»، وكذلك # في أي صورة ما شاء ركبك # [الانفطار: 8]، ويجوز في الكلام «في أيت»، قال الشاعر: # بأي بلاء أم بأية نعمة # تقدم قبلي مسلم والمهلب # قال ابن الأنباري: «كلتا» وإن كان واقعا في المعنى على اثنتين، فإن ~~لفظه لفظ واحدة مؤنثة، فغلب اللفظ، ولم يستعمل المعنى ثقة بمعرفة ~~المخاطب به؛ ومن العرب من يؤثر المعنى على اللفظ، فيقول: «كلتا الجنتين ~~آتت أكلها»، ويقول آخرون: «كلتا الجنتين آتى أكله»، لأن «كلتا» ~~تفيد معنى «كل»، قال الشاعر: # وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي # فلا الموت أهواه ولا العيش أروح # يعني: وكلهما قد خط لي، وقد قالت العرب: كلكم ذاهب، وكلكم ذاهبون. ~~فوحدوا للفظ «كل» وجمعوا لتأويلها. وقال الزجاج: لم يقل «آتتا»، ~~لأن لفظ «كلتا» لفظ واحدة، والمعنى: كل واحدة منهما آتت أكلها { ولم تظلم ~~} أي: لم تنقص { منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا } فأعلمنا أن شربهما ~~كان من ماء نهر، وهو من أغزر الشرب. # وقال الفراء: إنما قال: «فجرنا» بالتشديد، وهو نهر واحد، لأن النهر ~~يمتد، فكان التفجر فيه كله. قرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو العالية، ~~وابن يعمر، وابن أبي عبلة: «وفجرنا» بالتخفيف. وقرأ أبو مجلز، وأبو ~~المتوكل: «خللهما». وقرأ أبو العالية، ms1233 وأبو عمران: «نهرا» بسكون ~~الهاء. # قوله تعالى: { وكان له } يعني: للأخ الكافر { ثمر } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «وكان له ثمر»، «وأحيط بثمره» ~~بضمتين. وقرأ عاصم: «وكان له ثمر»، «وأحيط بثمره» بفتح التاء والميم ~~فيهما. وقرأ أبو عمرو: «ثمر» و«بثمره» بضمة واحدة وسكون الميم. قال ~~الفراء: الثمر، بفتح الثاء والميم: المأكول، وبضمها: المال. وقال ابن ~~الأنباري: الثمر، بالفتح: الجمع الأول، والثمر، بالضم: جمع ~~الثمر، يقال: ثمر، وثمر، كما يقال: أسد، وأسد، ويصلح أن يكون ~~الثمر جمع الثمار، كما يقال: حمار وحمر، وكتاب وكتب؛ فمن ~~ضم، قال: الثمر أعم، لأنها تحتمل الثمار المأكولة، والأموال ~~المجموعة. قال أبو علي الفارسي: وقراءة أبي عمرو: «ثمر» يجوز أن تكون ~~جمع ثمار، ككتاب، وكتب، فتخفف، فيقال: كتب، ويجوز أن يكون «ثمر» ~~جمع ثمرة، كبدنة وبدن، وخشبة، وخشب. ويجوز أن يكون { ثمر } ~~واحدا، كعنق، وطنب. # وقد ذكر المفسرون في قراءة من ضم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه المال الكثير من صنوف الأموال، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الذهب، والفضة، قاله مجاهد. # والثالث: أنه جمع ثمرة، قال الزجاج: يقال: ثمرة، وثمار، وثمر. # فإن قيل: ما الفائدة في ذكر الثمر بعد ذكر الجنتين، وقد علم أن ~~صاحب الجنة لا يخلو من ثمر؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه لم يكن أصل الأرض ملكا له، وإنما كانت له الثمار، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أن ذكر الثمر دليل على كثرة ما يملك من الثمار في الجنتين ~~وغيرهما، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: إنا قد ذكرنا أن المراد بالثمر الأموال من الأنواع، وذكرنا ~~أنها الذهب، والفضة، وذلك يخالف الثمر المأكول؛ قال أبو علي الفارسي: من ~~قال: هو الذهب، والورق، فإنما قيل لذلك: ثمر على التفاؤل، لأن الثمر ~~نماء في ذي الثمر، وكونه هاهنا بالجنى أشبه من الذهب والفضة. ويقوي ذلك: ~~{ وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها } ، والإنفاق من ~~الورق، لا من الشجر. # قوله تعالى: { فقال } يعني الكافر { لصاحبه } المؤمن { وهو يحاوره } أي: ~~يراجعه الكلام ويجاوبه. # وفيما تحاورا فيه ms1234 قولان. # أحدهما: أنه الإيمان والكفر. # والثاني: طلب الدنيا، وطلب الآخرة. فأما «النفر» فهم الجماعة، ومثلهم: ~~القوم والرهط، [ولا واحد لهذه الألفاظ من لفظها. وقال ابن فارس اللغوي]: ~~النفر: عدة رجال من ثلاثة إلى العشرة. # وفيمن أراد بنفره ثلاثة أقوال. # أحدها: عبيده، قاله ابن عباس. # والثاني: ولده، قاله مقاتل. # والثالث: عشيرته ورهطه، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: { ودخل جنته } يعني: الكافر { وهو ظالم لنفسه } بالكفر؛ ~~وكان قد أخذ بيد أخيه فأدخله معه، { قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا } أنكر ~~فناء الدنيا، وفناء جنته، وأنكر البعث والجزاء بقوله: { وما أظن الساعة ~~قائمة } وهذا شك [منه] في البعث، ثم قال: { ولئن رددت إلى ربي } ~~أي: كما تزعم أنت. قال [ابن عباس]: يقول: إن كان البعث حقا { لأجدن ~~خيرا منها } قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «خيرا منها»، وكذلك ~~هي في مصاحف أهل البصرة والكوفة. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~«خيرا منهما» بزيادة ميم على التثنية، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة ~~والمدينة والشام. قال أبو علي: الإفراد أولى، لأنه أقرب إلى الجنة ~~المفردة في قوله: { ودخل جنته } ، والتثنية لا تمتنع، لتقدم ذكر ~~الجنتين. # قوله تعالى: { منقلبا } أي: كما أعطاني هذا في الدنيا، سيعطيني في ~~الآخرة أفضل منه. ### || [18.37-41] # قوله تعالى: { قال له صاحبه } يعني: المؤمن { وهو يحاوره أكفرت بالذي ~~خلقك من تراب } يعني: خلق أباك آدم { ثم من نطفة } يعني: ما أنشىء هو ~~منه، فلما شك في البعث كان كافرا. # قوله تعالى: { لكنا هو الله ربي } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي، وقالون عن نافع: «لكن هو الله ربي»، باسقاط الألف ~~في الوصل، وإثباتها في الوقف. وقرأ نافع في رواية المسيبي بإثبات ~~الألف وصلا ووقفا. وأثبت الألف ابن عامر في الحالين. وقرأ أبو رجاء: ~~«لكن» بإسكان النون خفيفة من غير ألف في الحالين. وقرأ ابن يعمر: ~~«لكن» بتشديد النون من غير ألف في الحالين. وقرأ الحسن: «لكن أنا هو ~~الله ربي» باسكان نون «لكن» وإثبات «أنا». قال الفراء: فيها ms1235 ثلاث ~~لغات: لكنا، ولكن، ولكنه بالهاء، أنشدني أبو ثروان: # وترمينني بالطرف أي أنت مذنب # وتقلينني لكن إياك لا أقلي # وقال أبو عبيدة: مجازه: لكن أنا هو الله ربي، ثم حذفت الألف الأولى، ~~وأدغمت إحدى النونين في الأخرى فشددت. قال الزجاج: وهذه الألف تحذف ~~في الوصل، وتثبت في الوقف، فأما من أثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف، ~~فهو على لغة من يقول: أنا قمت، فأثبت الألف، قال الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني # [حميدا قد تذريت السناما] # وهذه القراءة جيدة، لأن الهمزة قد حذفت من «أنا»، فصار إثبات الألف ~~عوضا من الهمزة. # قوله تعالى: { ولولا إذ دخلت جنتك } أي: وهلا؛ ومعنى الكلام التوبيخ. ~~قال الفراء: { ما شاء الله } في موضع رفع، إن شئت رفعته بإضمار هو، ~~يريد: [هو] ما شاء الله؛ وإن شئت أضمرت فيه: ما شاء الله كان؛ وجاز طرح ~~جواب الجزاء، كما جاز في قوله: # فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض # [الانعام: 35]، ليس له جواب، لأنه معروف. قال الزجاج: وقوله: { لا قوة ~~إلا بالله } الاختيار النصب بغير تنوين على النفي، كقوله: # لا ريب فيها # [الكهف: 21]، ويجوز: «لا قوة إلا بالله» على الرفع بالابتداء، والخبر ~~«بالله»، المعنى: لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى، ~~ولا يكون له إلا ما شاء الله. # قوله تعالى: { إن ترن } قرأ ابن كثير: «إن ترني أنا» و«يؤتيني خيرا» ~~بياء في الوصل والوقف. وقرأ نافع، وأبو عمرو بياء في الوصل. وقرأ ابن ~~عامر، وعاصم، وحمزة، بحذف الياء فيهما وصلا ووقفا. { أنا أقل } وقرأ ~~ابن أبي عبلة: «أنا أقل» برفع اللام. قال الفراء: «أنا» هاهنا عماد ~~إن نصبت «أقل»، واسم إذا رفعت «أقل»، والقراءة بهما جائز. # قوله تعالى: { فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك } أي: في الآخرة، { ~~ويرسل عليها حسبانا } وفيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه العذاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والضحاك. ~~وقال أبو صالح عن ابن عباس: نارا من السماء. # والثاني: قضاء من الله يقضيه، قاله ms1236 ابن زيد. # والثالث: مرامي من السماء، واحدها: حسبانة، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة ~~قال النضر ابن شميل: الحسبان: سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة ~~تنزع في القوس، ثم يرمي بعشرين منها دفعة، فعلى هذا القول يكون المعنى: ~~ويرسل عليها مرامي من عذابه، إما حجارة أو بردا أو غيرهما مما يشاء ~~من أنواع العذاب. # والرابع: أن الحسبان: الحساب، كقوله: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] أي: بحساب، فيكون المعنى: ويرسل عيها عذاب حساب ما كسبت ~~يداه، هذا قول الزجاج. # قوله تعالى: { فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا } قال ~~ابن قتيبة: الصعيد: الأملس المستوي، والزلق: الذي تزل عنه ~~الأقدام، والغور: الغائر، فجعل المصدر صفة، يقال: ماء غور، ومياه ~~غور، ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، كما يقال: رجل نوم، ورجل ~~صوم، ورجل فطر، ورجال نوم، [ونساء نوم]، ونساء صوم. ~~ويقال: للنساء إذا نحن: نوح، والمعنى: يذهب ماؤها غائرا في الأرض، ~~أي: ذاهبا فيها. { فلن تسطيع له طلبا } فلا يبقى له أثر تطلبه به، ولا ~~تناله الأيدي ولا الأرشية. وقال ابن الأنباري: «غورا» إذا غور، ~~فسقط المضاف، وخلفه المضاف إليه، والمراد بالطلب هاهنا: الوصول، فقام ~~الطلب مقامه لأنه سببه. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو المتوكل: «غؤورا» ~~برفع الغين والواو [الأولى] جميعا، [وواو بعدها]. ### || [18.42-44] # قوله تعالى: { وأحيط بثمره } أي: أحاط الله العذاب بثمره، وقد سبق ~~معنى الثمر. { فأصبح يقلب كفيه } أي: يضرب بيد على يد، وهذا فعل ~~النادم، { على ما أنفق فيها } أي: في جنته، و«في» هاهنا بمعنى «على». { ~~وهي خاوية } أي: خالية ساقطة { على عروشها } والعروش: السقوف، والمعنى: ~~أن حيطانها قائمة والسقوف قد تهدمت فصارت في قرارها، فصارت الحيطان ~~كأنها على السقوف، { ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } فأخبر الله ~~تعالى أنه لما سلبه ما أنعم به عليه، وحقق ما أنذره [به] أخوه في الدنيا، ~~ندم على شركه حين لا تنفعة الندامة. وقيل: إنما يقول هذا في القيامة. { ~~ولم تكن له فئة } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: «ولم تكن» ~~بالتاء. ms1237 وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «ولم يكن» بالياء. والفئة: الجماعة { ~~ينصرونه } أي: يمنعونه من عذاب الله. # قوله تعالى: { هنالك الولاية } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم: ~~«الولاية» بفتح الواو و { لله الحق } خفضا. وقرأ حمزة: «الولاية» ~~بكسر الواو، و«لله الحق» بكسر القاف أيضا. وقرأ أبو عمرو بفتح الواو، ~~ورفع «الحق»، ووافقه الكسائي في رفع القاف، لكنه كسر «الولاية»، قال ~~الزجاج: معنى الولاية في [مثل] تلك الحال: تبيين نصرة ولي الله. وقال ~~غيره: هذا الكلام عائد إلى ما قبل قصة الرجلين. فأما من فتح واو ~~«الولاية» فإنه أراد الموالاة والنصرة، ومن كسر، أراد السلطان والملك ~~على ما شرحنا في آخر [الأنفال: 72]. فعلى قراءة الفتح، في معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: أنهم يتولون الله تعالى في القيامة، ويؤمنون به، ويتبرؤون ~~مما كانوا يعبدون، قاله ابن قتيبة. # والثاني: هنالك يتولى الله أمر الخلائق، فينصر المؤمنين ويخذل ~~الكافرين. وعلى قراءة الكسر، يكون المعنى: هنالك السلطان لله. قال أبو ~~علي: من كسر قاف «الحق»، جعله من وصف الله عز وجل، ومن رفعه جعله ~~صفة للولاية. # فإن قيل: لم نعتت الولاية وهي مؤنثة بالحق وهو مصدر؟ فعنه جوابان ~~ذكرهما ابن الأنباري. # أحدهما: أن تأنيثها ليس حقيقيا، فحملت على معنى النصر؛ والتقدير: ~~هنالك النصر لله الحق، كما حملت الصيحة على معنى الصياح في قوله: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود: 67]. # والثاني: أن الحق مصدر يستوي في لفظه المذكر والمؤنث والاثنان ~~والجمع، فيقال: قولك حق، وكلمتك حق، وأقوالكم حق. ويجوز ارتفاع الحق على ~~المدح للولاية، وعلى المدح لله تعالى بإضمار «هو». # قوله تعالى: { هو خير ثوابا } أي: هو أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه، ~~وهذا على تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل. # قوله تعالى: { وخير عقبا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~والكسائي: «عقبا» مضمومة القاف. وقرأ عاصم، وحمزة: «عقبا» ساكنة ~~القاف. قال أبو علي: ما كان [على] «فعل» جاز تخفيفه، كالعنق، ~~والطنب، قال أبو عبيدة: العقب، والعقب، والعقبى، والعاقبة، ~~بمعنى، وهي الآخرة، والمعنى: عاقبة طاعة ms1238 الله خير من عاقبة طاعة غيره. ### || [18.45] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } أي: في سرعة نفادها ~~وذهابها، وقيل: في تصرف أحوالها، إذ مع كل فرحة ترحة، وهذا مفسر ~~في سورة [يونس: 24] إلى قوله: { فأصبح هشيما }. قال الفراء: الهشيم: كل ~~شيء كان رطبا فيبس. وقال الزجاج: الهشيم: النبات الجاف. وقال ابن ~~قتيبة: الهشيم من النبت: المتفتت، وأصله من هشمت الشيء: إذا كسرته، ~~ومنه سمي الرجل هاشما. و { تذروه الرياح } تنسفه. وقرأ أبي، وابن ~~عباس، وابن أبي عبلة: «تذريه» برفع التاء وكسر الراء بعدها ياء ~~ساكنة وهاء مكسورة. وقرأ ابن مسعود كذلك، إلا أنه فتح التاء. ~~والمقتدر: مفتعل، من قدرت. قال المفسرون { وكان الله على كل ~~شيء } من الإنشاء والإفناء { مقتدرا }. ### || [18.46] # قوله تعالى: { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } هذا رد على ~~المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أن ~~ذلك مما يتزين به في الدنيا، [لا] مما ينفع في الآخرة. # قوله تعالى: { والباقيات الصالحات } فيها خمسة أقوال. # أحدها: أنها «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»؛ ~~روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، وعن العدو أن تجاهدوه، فلا تعجزوا ~~عن قول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ~~فقولوها، فإنهن الباقيات الصالحات» " # ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وبه قال مجاهد، وعطاء، وعكرمة، ~~والضحاك. وسئل عثمان بن عفان رضي الله عنه عن الباقيات الصالحات، فقال ~~هذه الكلمات، وزاد فيها: «ولا حول ولا قوة إلا بالله». وقال سعيد بن ~~المسيب، ومحمد بن كعب القرظي مثله سواء. # والثاني: «أنها لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا قوة ~~إلا بالله»، رواه علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # والثالث: أنها الصلوات الخمس، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ~~ابن مسعود، ومسروق، وإبراهيم. # والرابع: الكلام الطيب، رواه العوفي عن ابن عباس. # والخامس: ms1239 هي جميع أعمال الحسنات، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه ~~قال قتادة، وابن زيد. # قوله تعالى: { خير عند ربك ثوابا } أي: أفضل جزاء { وخير أملا } ~~أي: خير مما تؤملون، لأن آمالكم كواذب، وهذا أمل لا يكذب. ### || [18.47-51] # قوله تعالى: { ويوم تسير الجبال } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «ويوم تسير» بالتاء «الجبال» رفعا. وقرأ نافع. وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «نسير» بالنون «الجبال» نصبا. وقرأ ابن محيصن: «ويوم ~~تسير» بفتح التاء وكسر السين وتسكين الياء «الجبال» بالرفع. قال ~~الزجاج: «ويوم» منصوب على معنى: اذكر، ويجوز أن يكون منصوبا على: ~~والباقيات الصالحات خير يوم تسير الجبال. قال ابن عباس: تسير ~~الجبال عن وجه الأرض، كما يسير السحاب في الدنيا، ثم تكسر فتكون في ~~الأرض كما خرجت منها. # قوله تعالى: { وترى الأرض بارزة } وقرأ عمرو بن العاص، وابن السميفع، ~~وأبو العالية: «وترى الأرض بارزة» برفع التاء والضاد. وقرأ أبو رجاء ~~العطاردي كذلك، إلا أنه فتح ضاد «الأرض». # وفي معنى «بارزة» قولان. أحدهما: [ظاهرة] فليس عليها شيء من جبل أو شجر ~~أو بناء، قاله الأكثرون. # والثاني: بارزا أهلها من بطنها، قاله الفراء. # قوله تعالى: { وحشرناهم } يعني المؤمنين والكافرين { فلم نغادر } قال ~~ابن قتيبة: أي: فلم نخلف، يقال: غادرت كذا: إذا خلفته، ومنه سمي ~~الغدير، لأنه ماء تخلفه السيول. وروى أبان: «فلم تغادر» بالتاء. # قوله تعالى: { وعرضوا على ربك صفا } إن قيل: هذا أمر مستقبل، فكيف ~~عبر [عنه] بالماضي؟ فالجواب: أن ما قد علم الله وقوعه، يجري مجرى ~~المعاين، كقوله: # ونادى أصحاب الجنة # [الأعرف: 43]. # وفي معنى قوله: { صفا } أربعة أقوال. # أحدها: أنه بمعنى: جميعا، كقوله: # ثم ائتوا صفا # [طه: 64]، قاله مقاتل. # والثاني: أن المعنى: وعرضوا على ربك مصفوفين، هذا مذهب البصريين. # والثالث: أن المعنى: وعرضوا على ربك صفوفا، فناب الواحد عن الجميع، ~~كقوله: # ثم نخرجكم طفلا # [الحج: 5]. # والرابع: أنه لم يغب عن الله منهم أحد، فكانوا كالصف الذي تسهل ~~الإحاطة بجملته، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. وقد قيل: إن كل أمة ~~وزمرة صف. ms1240 # قوله تعالى: { لقد جئتمونا } ، فيه إضمار «فيقال لهم». # وفي المخاطبين بهذا قولان. # أحدهما: أنهم الكل. # والثاني: الكفار، فيكون اللفظ عاما، والمعنى خاصا. وقوله: { كما ~~خلقناكم أول مرة } مفسر في [الأنعام: 94]. وقوله: { بل زعمتم } خطاب ~~الكفار خاصة، والمعنى: زعمتم في الدنيا { أن لن نجعل لكم موعدا } للبعث، ~~والجزاء. # قوله تعالى: { ووضع الكتاب } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الكتاب الذي سطر فيه ما تعمل الخلائق قبل وجودهم، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه الحساب، قاله ابن السائب. # والثالث: كتاب الأعمال، قاله مقاتل. وقال ابن جرير: وضع كتاب أعمال ~~العباد في أيديهم، فعلى هذا، الكتاب اسم جنس. # قوله تعالى: { فترى المجرمين } قال مجاهد: [هم] الكافرون. وذكر بعض أهل ~~العلم أن كل مجرم ذكر في القرآن، فالمراد به: الكافر. # قوله تعالى: { مشفقين } أي: خائفين { مما فيه } من الأعمال السيئة { ~~ويقولون يا ويلتنا } هذا قول كل واقع في هلكة. # وقد شرحنا هذا المعنى في قوله: # يا حسرتنا # [الأنعام: 31]. # قوله تعالى: { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } هذا على ظاهره ~~في صغير الأمور وكبيرها؛ وقد روى عكرمة عن ابن عباس، قال: الصغيرة: ~~التبسم، والكبيرة: القهقهة. وقد يتوهم أن المراد بذلك صغائر الذنوب ~~وكبائرها، وليس كذلك، إذ ليس الضحك والتبسم، مجردهما من الذنوب، ~~وإنما المراد أن التبسم من صغار الأفعال، والضحك فعل كبير، وقد روى ~~الضحاك عن ابن عباس، قال: الصغيرة: التبسم والاستهزاء بالمؤمنين، ~~والكبيرة: القهقهة بذلك؛ فعلى هذا يكون ذنبا من الذنوب لمقصود فاعله، لا ~~لنفسه. ومعنى «أحصاها»: عدها وأثبتها، والمعنى: وجدت محصاة. { ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا } أي: مكتوبا مثبتا في الكتاب، وقيل: رأوا ~~جزاءه حاضرا. وقال أبو سليمان: الصحيح عند المحققين أن صغائر المؤمنين ~~الذين وعدوا العفو عنها إذا اجتنبوا الكبائر، إنما يعفى عنها في ~~الآخرة بعد أن يراها صاحبها. # قوله تعالى: { ولا يظلم ربك أحدا } قال أبو سليمان: لا تنقص حسنات ~~المؤمن، ولا يزاد في سيئات الكافر. وقيل: إن كان للكافر فعل خير، كعتق ~~رقبة، وصدقة، خفف عنه به من عذابه، وإن ظلمه مسلم، ms1241 أخذ الله من ~~المسلم، فصار الحق لله. # ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر هؤلاء ~~المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس وما أورثه الكبر، فقال: { ~~وإذ قلنا } أي: اذكر ذلك. # وفي قوله: { كان من الجن } قولان. # أحدهما: أنه من الجن حقيقة، لهذا النص؛ واحتج قائلو هذا بأن له ذرية ~~وليس للملائكة ذرية وأنه كفر، والملائكة رسل الله، فهم معصومون من ~~الكفر. # والثاني: أنه كان من الملائكة، وإنما قيل: «من الجن»، لأنه كان من ~~قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن، قاله ابن عباس؛ وقد شرحنا هذا في ~~[البقرة: 34]. # قوله تعالى: { ففسق عن أمر ربه } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: خرج عن طاعة ربه، تقول العرب: فسقت الرطبة من قشرها: إذا ~~خرجت منه، قاله الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أتاه الفسق لما أمر فعصى، فكان سبب فسقه عن أمر ربه، قال ~~الزجاج: وهذا مذهب الخليل وسيبويه، وهو الحق عندنا. # والثالث: ففسق عن رد أمر ربه، حكاه الزجاج عن قطرب. # قوله تعالى: { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } [أي]: توالونهم ~~بالاستجابة لهم؟! قال الحسن، وقتادة: ذريته: أولاده، وهم يتوالدون كما ~~يتوالد بنو آدم. قال مجاهد: ذريته: الشياطين، ومن ذريته زلنبور صاحب ~~راية إبليس بكل سوق، وثبر، وهو صاحب المصائب، والأعور صاحب الرياء، ~~ومسوط صاحب الأخبار يأتي بها فيطرحها على أفواه الناس، فلا يوجد لها ~~أصل، وداسم صاحب الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله، ~~فهو يأكل معه إذا أكل. # قال بعض أهل العلم: إذا كانت خطيئة الإنسان في كبر فلا ترجه، ~~وإن كانت في شهوة فارجه، فإن معصية إبليس كانت بالكبر، ومعصية آدم ~~بالشهوة. # قوله تعالى: { بئس للظالمين بدلا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: بئس الاتخاذ للظالمين بدلا. # والثاني: بئس الشيطان. # والثالث: بئس الشيطان والذرية، ذكرهن ابن الأنباري. # قوله تعالى: { ما أشهدتهم خلق السموات والأرض } وقرأ أبو جعفر، ~~وشيبة: «ما أشهدناهم» بالنون والألف. # وفي المشار إليهم أربعة أقوال. # أحدها: إبليس وذريته. # والثاني: الملائكة. # والثالث: جميع الكفار. # والرابع: جميع الخلق؛ ms1242 والمعنى: إني لم أشاورهم في خلقهن؛ وفي هذا بيان ~~للغناء عن الأعوان، وإظهار كمال القدرة. # قوله تعالى: { ولا خلق أنفسهم } أي: ما أشهدت بعضهم خلق بعض، ولا ~~استعنت ببعضهم على إيجاد بعض. # قوله تعالى: { وما كنت متخذ المضلين } [يعني: الشياطين] { ~~عضدا } أي: أنصارا وأعوانا. والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون، ~~لأنه قوام [اليد]، قال الزجاج: والاعتضاد: التقوي وطلب المعونة، يقال: ~~اعتضدت بفلان، أي: استعنت به. # وفي ما نفى اتخاذهم عضدا فيه قولان. # أحدهما: أنه الولايات، والمعنى: ما كنت لأولي المضلين، قاله مجاهد. # والثاني: أنه خلق السموات والأرض، قاله مقاتل. وقرأ الحسن، والجحدري، ~~وأبو جعفر: «وما كنت» بفتح التاء. ### || [18.52-53] # قوله تعالى: { ويوم يقول } وقرأ حمزة: «نقول» بالنون، يعني: يوم القيامة ~~{ نادوا شركائي } أضاف الشركاء إليه على زعمهم، والمراد: نادوهم لدفع ~~العذاب عنكم، أو الشفاعة لكم، { الذين زعمتم } أي: زعمتموهم شركاء { ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } أي: لم يجيبوهم، { وجعلنا بينهم } في ~~المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم المشركون والشركاء. # والثاني: أهل الهدى وأهل الضلالة. # وفي معنى { موبقا } ستة أقوال. # أحدها: مهلكا، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وقال ابن قتيبة: ~~مهلكا بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال: أوبقته ذنوبه، [أي: ~~أهلكته]. قال الزجاج: [المعنى]: جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي: ~~يهلكهم، فالموبق: المهلك، يقال: وبق، ييبق، ويابق، وبقا، ~~ووبق، يبق، وبوقا، فهو وابق؛ وقال الفراء: جعلنا تواصلهم في ~~الدنيا موبقا، أي: مهلكا لهم في الآخرة، فالبين، على هذا ~~القول، بمعنى التواصل، كقوله تعالى: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] على قراءة من ضمن النون. # والثاني: أن الموبق: واد عميق يفرق به بين أهل الضلالة وأهل ~~الهدى، قاله عبد الله بن عمرو. # والثالث: أنه واد في جهنم، قاله أنس بن مالك، ومجاهد. # والرابع: أن معنى الموبق: العدواة، قاله الحسن. # والخامس: أنه المحبس، قاله الربيع بن أنس. # والسادس: أنه الموعد، قاله أبو عبيدة. # قال ابن الأنباري: إن قيل: لم قال: «موبقا» ولم يقل: «موبقا»، ~~بضم الميم، إذ كان معناه عذابا موبقا؟ # فالجواب: أنه اسم موضوع ms1243 لمحبس في النار، والأسماء لا تؤخذ بالقياس، ~~فيعلم أن «موبقا»: مفعل، من أوبقه الله: إذا أهلكه، فتنفتح ~~الميم، كما تنفتح في «موعد» و«مولد» و«محتد» إذا سميت الشخوص ~~بهن. # قوله تعالى: { ورأى المجرمون النار } أي: عاينوها وهي تتغيظ حنقا ~~عليهم. والمراد بالمجرمين: الكفار. { فظنوا } أي: أيقنوا { أنهم ~~مواقعوها } أي: داخلوها. ومعنى المواقعة: ملابسة الشيء بشدة { ولم ~~يجدوا عنها مصرفا } أي: معدلا؛ والمصرف: الموضع الذي يصرف ~~إليه، وذلك أنها أحاطت بهم من كل جانب، فلم يقدروا على الهرب. ### || [18.54-55] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا في هذا القرآن } قد فسرناه في [بني ~~إسرائيل:41]. # قوله تعالى: { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } فيمن نزلت قولان. # أحدهما: أنه النضر بن الحارث، وكان جداله في القرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: أبي بن خلف، وكان جداله في البعث حين أتى بعظم قد رم، ~~فقال: أيقدر الله على إعادة هذا؟! قاله ابن السائب. قال الزجاج: كل ما ~~يعقل من الملائكة والجن يجادل، والإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا. # قوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا } قال المفسرون: يعني: أهل مكة ~~{ إذ جاءهم الهدى } وهو: محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، والإسلام { ~~إلا أن تأتيهم سنة الأولين } وهو: أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: ما منعهم من الإيمان إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين، قاله ~~الزجاج. # والثاني: وما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا إلا لأن تأتيهم سنة ~~الأولين، أي: منعهم رشدهم لكي يقع العذاب بهم، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: ما منعهم إلا أني قد قدرت عليهم العذاب. وهذه الآية فيمن ~~قتل ببدر وأحد من المشركين، قاله الواحدي. # قوله تعالى: { أو يأتيهم العذاب } ذكر ابن الأنباري في «أو» [هاهنا] ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها بمعنى الواو. # والثاني: أنها لوقوع أحد الشيئين، إذ لا فائدة في بيانه. # والثالث أنها دخلت للتبعيض، أي: أن بعضهم يقع به هذا، وهذه الأقوال ~~الثلاثة قد أسلفنا بيانها في قوله عز وجل: # أو كصيب من السماء # [البقرة: 19]. # قوله تعالى: { قبلا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ms1244 عمرو، وابن عامر: ~~«قبلا» بكسر القاف وفتح الباء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «قبلا» ~~بضم القاف والباء. وقد بينا علة القراءتين في [الأنعام: 111]. وقرأ ~~أبي ابن كعب، وابن مسعود: «قبيلا» بوزن فعيل. وقرأ أبو الجوزاء، ~~وأبو المتوكل «قبلا» بفتح القاف من غير ياء، قال ابن قتيبة: أراد ~~استئنافا. # فإن قيل: إذا كان المراد بسنة الأولين العذاب، فما فائدة التكرار ~~بقوله: { أو يأتيهم العذاب }؟ # فالجواب: أن سنة الأولين أفادت عذابا مبهما يمكن أن يتراخى وقته، ~~وتختلف أنواعه، وإتيان العذاب قبلا أفاد القتل يوم بدر. قال مقاتل: ~~«سنة الأولين»: عذاب الأمم السالفة؛ «أو يأتيهم العذاب قبلا»، أي: ~~عيانا قتلا بالسيف يوم بدر. ### || [18.56-59] # قوله تعالى: { ويجادل الذين كفروا بالباطل } قال ابن عباس: يريد: ~~المستهزئين والمقتسمين وأتباعهم. وجدالهم بالباطل: أنهم ألزموه أن يأتي ~~بالآيات على أهوائهم { ليدحضوا به الحق } أي: ليبطلوا ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: جدالهم: قولهم: # أإذا كنا عظاما ورفاتا # [الإسراء 49]، # أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10]، ونحو ذلك ليبطلوا به ما جاء في القرآن من ذكر البعث ~~والجزاء. قال أبو عبيدة: ومعنى «ليدحضوا»: ليزيلوا ويذهبوا، يقال: ~~مكان دحض، أي: مزل لا يثبت فيه قدم ولا حافر. # قوله تعالى: { واتخذوا آياتي } يعني القرآن. { وما أنذروا } أي: ~~خوفوا به من النار والقيامة { هزوا } أي: مهزوءا به. # قوله تعالى: { ومن أظلم } قد شرحنا هذه الكلمة في [البقرة: 114]. و { ~~ذكر } بمعنى: وعظ. وآيات ربه: القرآن، وإعراضه عنها: تهاونه ~~بها. { ونسي ما قدمت يداه } أي: ما سلف من ذنوبه؛ وقد شرحنا ما بعد هذا ~~في [الأنعام: 21] إلى قوله: { وإن تدعهم إلى الهدى } وهو: الإيمان ~~والقرآن { فلن يهتدوا } هذا إخبار عن علمه فيهم. # قوله تعالى: { وربك الغفور ذو الرحمة } إذ لم يعاجلهم بالعقوبة. { بل ~~لهم موعد } للبعث والجزاء { لن يجدوا من دونه موئلا } قال الفراء: ~~الموئل: المنجى، وهو الملجأ في المعنى، لأن المنجى ملجأ. والعرب تقول: ~~إنه ليوائل إلى موضعه، أي: يذهب إلى موضعه، قال الشاعر: # لاواءلت نفسك خليتها # للعامريين، ولم تكلم # يريد: لا ms1245 نجت نفسك، وأنشد أبو عبيدة للأعشى: # وقد أخالس رب البيت غفلته # وقد يحاذر مني ثم مايئل # أي: ما ينجو. وقال ابن قتيبة: الموئل: الملجأ. يقال: وأل فلان إلى ~~كذا: إذا لجأ. # فإن قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي أن تأخير العذاب عن الكفار برحمة الله، ~~ومعلوم أنه لا نصيب لهم في رحمته. # فعنه جوابان. # أحدهما: [أن] الرحمة هاهنا بمعنى النعمة، ونعمة الله لا يخلو منها مؤمن ~~ولا كافر. فأما الرحمة التي هي الغفران والرضى، فليس للكافر فيها نصيب. # والثاني: أن رحمة الله محظورة على الكفار يوم القيامة، فأما في الدنيا، ~~فإنهم ينالون منها العافية والرزق. # قوله تعالى: { وتلك القرى } يريد: التي قصصنا عليك ذكرها، والمراد: ~~أهلها، ولذلك قال: { أهلكناهم } والمراد: قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب. ~~قال الفراء: قوله: { لما ظلموا } معناه: بعدما ظلموا. # قوله تعالى: { وجعلنا لمهلكهم } قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح اللام؛ قال ~~الزجاج: وفيه وجهان. # أحدهما: أن يكون مصدرا، فيكون المعنى: وجعلنا لإهلاكهم. # والثاني: أن يكون وقتا، فالمعنى: لوقت هلاكهم. # وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام، وهو مصدر مثل الهلاك. وقرأ حفص ~~عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام، ومعناه: لوقت إهلاكهم. ### || [18.60-65] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لفتاه... } ، الآية، سبب خروج موسى عليه ~~السلام في هذا السفر، ما روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: ~~أنا، فعتب الله عز وجل عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله ~~إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك؛ قال موسى: يا رب فكيف لي ~~به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ~~ثم. فانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا رؤؤسهما ~~فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله ~~في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل ~~الطاق. فلما استيقظ نسي صاحبه ms1246 أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما ~~وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا ~~من سفرنا هذا نصبا، قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي ~~أمره الله به، فقال فتاه: { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة... } إلى قوله: ~~{ عجبا } ، قال: فكان للحوت سربا، ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى: { ~~ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصا } قال: رجعا يقصان آثارهما ~~حتى انتهيا إلى الصخرة، فاذا هو مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال ~~الخضر: وأنى بأرضك السلام! من أنت؟ قال: أنا موسى، قال موسى: بني ~~إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال: إنك لن ~~تستطيع معي صبرا يا موسى، إني على علم من علم الله لا تعلمه ~~علمنيه، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه؛ فقال ~~موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا؛ فقال له الخضر: فإن ~~اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا، فانطلقا يمشيان ~~على الساحل، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه ~~بغير نول؛ فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ~~ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم قد حملونا بغير نول عمدت ~~إلى سفينتهم { فخرقتها لتغرق أهلها... } إلى قوله: { عسرا }؟! ~~قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت الأولى من موسى ~~نسيانا»، وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له ~~الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا ~~العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على ~~الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه ~~فقتله، فقال له موسى: { أقتلت نفسا زكية } إلى قوله: { يريد أن ينقض ~~} فقال الخضر بيده [هكذا]، فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ~~ولم يضيفونا { لو شئت لاتخذت عليه أجرا }! { قال هذا فراق بيني ~~وبينك... } الآية " # هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في ms1247 «الصحيحين»، وقد ذكرنا إسناده في ~~كتاب «الحدائق» فآثرنا الاختصار هاهنا. # فأما التفسير، فقوله تعالى: { وإذ قال موسى } المعنى: واذكر ذلك. وفي ~~موسى قولان. # أحدهما: أنه موسى بن عمران، قاله الأكثرون. ويدل عليه ما روي في ~~«الصحيحين» من حديث سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفا ~~البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل هو موسى صاحب الخضر، قال: كذب عدو ~~الله، أخبرني أبي بن كعب... فذكر الحديث الذي قدمناه آنفا. # والثاني: أنه موسى بن ميشا، قاله ابن إسحاق، وليس بشيء، للحديث الصحيح ~~الذي ذكرناه. فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف. وإنما سمي فتاه، ~~لأنه كان يلازمه، ويأخذ عنه العلم، ويخدمه. # ومعنى { لا أبرح }: لا أزال. وليس المراد به: لا أزول، لأنه إذا لم ~~يزل لم يقطع أرضا، فهو مثل قولك: ما برحت أناظر عبد الله، أي: ما زلت، ~~قال الشاعر: # إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة # وتحمل أخرى أفرحتك الودائع # أي: أثقلتك، والمعنى: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، أي: ~~ملتقاهما، وهو الموضع الذي وعده الله بلقاء الخضر فيه، قال قتادة: بحر ~~فارس، وبحر الروم، فبحر الروم نحو المغرب، وبحر فارس نحو المشرق. # وفي اسم البلد الذي بمجمع البحرين قولان. # أحدهما: إفريقية، قاله أبي بن كعب. # والثاني: طنجة، قاله محمد بن كعب القرظي. # قوله تعالى: { أو أمضي حقبا } وقرأ أبو رزين، والحسن، وأبو مجلز، ~~وقتادة، والجحدري، وابن يعمر: «حقبا» بإسكان الكاف. قال ابن قتيبة: ~~الحقب: الدهر، والحقب: السنون، واحدتها حقبة، ويقال: حقب ~~وحقب، كما يقال: قفل وقفل، وهزؤ وهزؤ، وكفؤ وكفؤ، وأكل ~~وأكل، وسحت وسحت، ورعب ورعب، ونكر ونكر، وأذن وأذن، ~~وسحق وسحق، وبعد وبعد، وشغل وشغل، وثلث وثلث، وعذر ~~وعذر، ونذر ونذر، وعمر وعمر. # وللمفسرين في المراد بالحقب هاهنا ثمانية أقوال. # أحدها: أنه الدهر، قاله ابن عباس. # والثاني: ثمانون سنة، قاله عبد الله بن عمرو، وأبو هريرة. # والثالث: سبعون ألف سنة، قاله الحسن. # والرابع: سبعون سنة، قاله مجاهد. # والخامس: سبعة عشر ألف سنة، قاله مقاتل ms1248 بن حيان. # والسادس: أنه ثمانون ألف سنة، كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا. # والسابع: أنه سنة بلغة قيس، ذكرهما الفراء. # والثامن: الحقب عند العرب وقت غير محدود، قاله أبو عبيدة. ومعنى ~~الكلام: لا أزال أسير، ولو احتجت أن أسير حقبا. # قوله تعالى: { فلما بلغا } يعني: موسى وفتاه { مجمع بينهما } ~~يعني: البحرين { نسيا حوتهما } وكانا قد تزودا حوتا مالحا في زبيل ~~فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل ~~البحر وضع فتاه المكتل، فأصاب الحوت بلل البحر. # وقيل: توضأ يوشع من عين الحياة فانتضخ على الحوت الماء، فعاش، فتحرك في ~~المكتل، فانسرب في البحر، وقد كان قيل لموسى: تزود حوتا مالحا، ~~فاذا فقدته وجدت الرجل. وكان موسى حين ذهب الحوت في البحر قد مضى ~~لحاجة، فعزم فتاه أن يخبره بما جرى فنسي. وإنما قيل: «نسيا حوتهما» ~~توسعا في الكلام، لأنهما جميعا تزوداه، كما يقال: نسي القوم زادهم، ~~وإنما نسيه أحدهم. قال الفراء: ومثله قوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22]، وإنما يخرج ذلك من الملح، لا من العذب. وقيل: نسي يوشع ~~أن يحمل الحوت، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء، فلذلك أضيف النسيان ~~إليهما. # قوله تعالى: { فاتخذ سبيله في البحر سربا } أي: مسلكا ومذهبا. قال ~~ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة. ~~وقال قتادة: جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا. وقد ذكرنا في ~~حديث أبي بن كعب أن الماء صار مثل الطاق على الحوت. # قوله تعالى: { فلما جاوزا } ذلك المكان الذي ذهب فيه الحوت، أصابهما ما ~~يصيب المسافر من النصب، فدعا موسى بالطعام، فقال: { آتنا غداءنا } وهو ~~الطعام الذي يؤكل بالغداة. والنصب: الإعياء. وهذا يدل على إباحة ~~إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من الأذى والتعب، ولا يكون ~~ذلك شكوى. { قال } يوشع لموسى { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } أي: حين ~~نزلنا هناك { فإني نسيت الحوت } فيه قولان. # أحدهما: نسيت أن أخبرك خبر الحوت. # والثاني: نسيت حمل الحوت. ms1249 # قوله تعالى: { وما أنسانيه } قرأ الكسائي: «أنسانيه» باماله السين [مع ~~كسر الهاء]. وقرأ ابن كثير: «أنسانيهي» بإثبات ياء في الوصل بعد الهاء. ~~وروى حفص عن عاصم: «أنسانيه إلا» بضم الهاء [في الوصل]. # قوله تعالى: { واتخذ سبيله في البحر عجبا } الهاء في السبيل ترجع إلى ~~الحوت. وفي المتخذ قولان. # أحدهما: أنه الحوت، ثم في المخبر عنه قولان. # أحدهما: أنه الله عز وجل، ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: فاتخذ سبيله في البحر يري عجبا، ويحدث عجبا. # والثاني: أنه لما قال الله تعالى: { واتخذ سبيله في البحر } ، قال: ~~اعجبوا لذلك عجبا، وتنبهوا لهذه الآية. # والثالث: أن إخبار الله تعالى انقطع عند قوله: «في البحر» فقال موسى: ~~عجبا، لما شوهد من الحوت. ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. # والثاني: [أن] المخبر عن الحوت يوشع، وصف لموسى ما فعل الحوت. # والقول الثاني: أن المتخذ موسى، اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا، فدخل ~~في المكان الذي مر فيه الحوت، فرأى الخضر. وروى عطية عن ابن عباس ~~قال: رجع موسى إلى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه ~~موسى، حتى انتهى به إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر. # قوله تعالى: { قال } يعني: موسى { ذلك ما كنا نبغي } أي: ذلك الذي ~~نطلب من العلامة الدالة على مطلوبنا. قرأ ابن كثير: «نبغي» بياء في ~~الوصل والوقف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، والكسائي، بياء في الوصل. وقرأ ابن ~~عامر، وعاصم، وحمزة، بحذف الياء في الحالين. # قوله تعالى: { فارتدا على آثارهما } قال الزجاج: أي: رجعا في الطريق ~~الذي سلكاه، يقصان الأثر والقصص: اتباع الأثر. # قوله تعالى: { فوجدا عبدا من عبادنا } يعني الخضر. # وفي اسمه أربعة أقوال. # أحدها: اليسع، قاله وهب، ومقاتل. # والثاني: الخضر بن عاميا. # والثالث: أرميا بن حلفيا، ذكرهما ابن المنادي. # والرابع: بليا بن ملكان، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # فأما تسميته بالخضر، ففيه قولان. # أحدهما: أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرت، رواه أبو هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. والفروة: الأرض اليابسة. # والثاني: أنه ms1250 كان إذا جلس اخضر ما حوله، قاله عكرمة. وقال مجاهد: كان ~~إذا صلى اخضر ما حوله. وهل كان الخضر نبيا، أم لا؟ فيه قولان، ذكرهما ~~أبو بكر بن الأنباري، وقال: كثير من الناس يذهب إلى أنه كان نبيا، ~~وبعضهم يقول: كان عبدا صالحا. واختلف العلماء هل هو باق إلى يومنا ~~هذا، على قولين حكاهما الماوردي، وكان الحسن يذهب إلى أنه مات، وكذلك ~~كان ابن المنادي من أصحابنا يقول، ويقبح قول من يرى بقاءه، ويقول: لا ~~يثبت حديث في بقائه. وروى أبو بكر النقاش أن محمد بن إسماعيل البخاري ~~سئل عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون ذلك وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد؟! ". # قوله تعالى: { آتيناه رحمة من عندنا } في هذه الرحمة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها النبوة، قاله مقاتل. # والثاني: الرقة والحنو على من يستحقه، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: النعمة، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { وعلمناه من لدنا } أي: من عندنا { علما } قال ابن ~~عباس: أعطاه علما من علم الغيب. ### || [18.66-69] # قوله تعالى: { أن تعلمني } قرأ ابن كثير: «تعلمني مما» بإثبات الياء ~~في الوصل والوقف. وقرأ نافع، وأبو عمرو بياء في الوصل. وقرأ ابن عامر، ~~وعاصم بحذف الياء في الحالين. # قوله تعالى: { مما علمت رشدا } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: «رشدا» بضم الراء، [وإسكان الشين] خفيفة. وقرأ أبو ~~عمرو: «رشدا» بفتح الراء والشين. وعن ابن عامر بضمهما. والرشد، ~~والرشد: لغتان، كالنخل والنخل، والعجم والعجم، والعرب ~~والعرب، والمعنى: أن تعلمني علما ذا رشد. وهذه القصة قد حرضت على ~~الرحلة في طلب العلم، واتباع المفضول للفاضل طلبا للفضل، وحثت على ~~الأدب والتواضع للمصحوب. # قوله تعالى: { إنك لن تستطيع معي صبرا } قال ابن عباس: لن تصبر على ~~صنعي، لأني علمت من غيب علم ربي. # وفي هذا الصبر وجهان. # أحدهما: على الإنكار. # والثاني: عن السؤال. # قوله تعالى: { وكيف تصبر على ما لم تحط به ms1251 خبرا } الخبر: علمك ~~بالشيء؛ والمعنى: كيف تصبر على أمر ظاهره منكر، وأنت لا تعلم باطنه؟! # قوله تعالى: { ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا } قال ابن ~~الأنباري: نفي العصيان منسوق على الصبر. والمعنى: ستجدني صابرا ولا أعصي ~~إن شاء الله. ### || [18.70-78] # قوله تعالى: { فلا تسألني } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «فلا تسألني» ساكنة اللام. وقرأ نافع: «فلا تسألني» ~~مفتوحة اللام مشددة النون. وقرأ ابن عامر في رواية الداجوني: «فلا ~~تسألن عن شيء» بتحريك اللام من غير ياء، والنون مكسورة. والمعنى: لا ~~تسألني عن شيء مما أفعله { حتى أحدث لك منه ذكرا } أي: حتى أكون أنا ~~الذي أبينه لك، لأن علمه قد غاب عنك. # قوله تعالى: { خرقها } أي: شقها. قال المفسرون: قلع منها لوحا، وقيل: ~~لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه وأنكر عليه ما فعل بقوله: { ~~أخرقتها لتغرق أهلها } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: «لتغرق» بالتاء «أهلها» بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي: «ليغرق» ~~بالياء «أهلها» برفع اللام. { لقد جئت شيئا إمرا } وفيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: منكرا، قاله مجاهد. وقال الزجاج: عظيما من المنكر. # والثاني: عجبا، قاله قتادة، وابن قتيبة. # والثالث: داهية، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: { لا تؤاخذني بما نسيت } في هذا النسيان ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه على حقيقته، وأنه نسي، روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أن الأولى كانت نسيانا من موسى» ". # والثاني: أنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، قاله أبي بن كعب، وابن ~~عباس. # والثالث: أنه بمعنى الترك، فالمعنى: لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك ~~عليه، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: { ولا ترهقني } قال الفراء: لا تعجلني. وقال أبو عبيدة، ~~وابن قتيبة، والزجاج: لا تغشني. قال أبو زيد: يقال: أرهقته عسرا: ~~إذا كلفته ذلك. قال الزجاج: والمعنى: عاملني باليسر، لا بالعسر. ~~قوله تعالى: { فانطلقا } يعني: موسى والخضر. قال الماوردي: يحتمل أن ~~يوشع تأخر عنهما، لأن الإخبار عن اثنين، ويحتمل أن يكون معهما ولم يذكر ~~لأنه ms1252 تبع لموسى، فاقتصر على حكم المتبوع. # قوله تعالى: { حتى إذا لقيا غلاما } اختلفوا في هذا الغلام هل كان ~~بالغا، أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنه لم يكن بالغا، قاله ابن عباس، ومجاهد، والأكثرون. # والثاني: أنه كان شابا قد قبض على لحيته، حكاه الماوردي عن ابن عباس ~~أيضا، واحتج بأن غير البالغ لم يجر عليه قلم، فلم يستحق القتل. وقد ~~يسمى الرجل غلاما، قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج: # [شفاها من الداء العضال الذي بها] # غلام إذا هز القناة سقاها # وفي صفة قتله له ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اقتلع رأسه، وقد ذكرناه في حديث أبي. # والثاني: كسر عنقه، قاله ابن عباس. # والثالث: أضجعة وذبحه بالسكين، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: { أقتلت نفسا زاكية } قرأ الكوفيون، وابن عامر: «زكية» ~~بغير ألف، والياء مشددة. # وقرأ الباقون بالألف من غير تشديد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، ~~وهما بمنزلة القاسية، والقسية. # وللمفسرين فيها ستة أقوال. # أحدها: أنها التائبة، روي عن ابن عباس أنه قال: الزكية: التائبة، [وبه] ~~قال الضحاك. # والثاني: أنها المسلمة، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها الزكية التي لم تبلغ الخطايا، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أنها الزكية النامية، قاله قتادة. وقال ابن الأنباري: القويمة ~~في تركيبها. # والخامس: أن الزكية: المطهرة، قاله أبو عبيدة. # والسادس: أن الزكية: البريئة التي لم يظهر ما يوجب قتلها، قاله الزجاج. # وقد فرق بعضهم بين الزاكية، والزكية، فروي عن أبي عمرو بن العلاء ~~أنه قال: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثم تابت. وروي ~~عن أبي عبيدة أنه قال: الزاكية في البدن، والزكية في الدين. # قوله تعالى: { بغير نفس } أي: بغير قتل نفس { لقد جئت شيئا نكرا } قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «نكرا» خفيفة في كل القرآن، ~~إلا قوله # إلى شيء نكر # [القمر: 6]، وخفف ابن كثير أيضا «إلى شيء نكر». وقرأ ابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم: «نكرا» و«إلى شيء نكر». مثقل. والمخفف إنما هو من ~~المثقل، كالعنق، والعنق، والنكر، والنكر. قال ms1253 الزجاج: والمعنى: ~~لقد أتيت شيئا نكرا. ويجوز أن يكون معناه: جئت بشيء نكر، فلما حذف ~~الباء، أفضى الفعل فنصب نكرا، و«نكرا» أقل منكرا من قوله: «إمرا» ~~لأن تغريق من في السفينة كان عنده أنكر من قتل نفس واحدة. # قوله تعالى: { قال ألم أقل لك }. # إن قيل: لم ذكر «لك» هاهنا، واختزله من الموضع الذي قبله؟ # فالجواب: أن إثباته للتوكيد، واختزاله لوضوح المعنى، وكلاهما معروف عند ~~الفصحاء. تقول العرب: قد قلت لك: اتق الله. وقد قلت لك: يا فلان اتق ~~الله، وأنشد ثعلب: # قد كنت حذرتك آل المصطلق # وقلت: يا هذا أطعني وانطلق # فقوله: يا هذا، توكيد لا يختل الكلام بسقوطه. وسمعت الشيخ أبا محمد ~~الخشاب يقول: وقره في الأول، فلم يواجهه بكاف الخطاب، فلما خالف في ~~الثاني، واجهه بها. # قوله تعالى: { إن سألتك عن شيء } أي: سؤال توبيخ وإنكار { بعدها } أي: ~~بعد هذه المسألة { فلا تصاحبني } وقرأ كذلك معاذ القارىء، وأبو نهيك، ~~وأبو المتوكل، والأعرج، إلا أنهم شددوا النون. قال الزجاج: ومعناه: ~~إن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي ~~عبلة، ويعقوب: «فلا تصحبني» بفتح التاء من غير ألف. وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو العالية، والأعمش كذلك، إلا أنهم شددوا النون. وقرأ أبو رجاء، وأبو ~~عثمان النهدي، والنخعي، والجحدري: «تصحبني» بضم التاء، وكسر الحاء، ~~وسكون الصاد والباء. قال الزجاج: فيهما وجهان. # أحدهما: لا تتابعني في شيء ألتمسه منك. يقال: قد أصحب المهر: إذا ~~انقاد. # والثاني: لا تصحبني علما من علمك. # { قد بلغت من لدني } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «من لدني» مثقل. وقرأ نافع: «من لدني» بضم الدال مع تخفيف ~~النون. وروى أبو بكر عن عاصم: «من لدني» بفتح اللام مع تسكين الدال. ~~وفي رواية أخرى عن عاصم: «لدني» بضم اللام وتسكين الدال. قال الزجاج: ~~وأجودها تشديد النون، لأن أصل «لدن» الإسكان، فاذا أضفتها إلى نفسك زدت ~~نونا، ليسلم سكون النون الأولى، تقول: من لدن زيد، فتسكن النون ثم ~~تضيف إلى نفسك، ms1254 فتقول: من لدني، كما تقول: عن زيد وعني. فأما إسكان ~~دال «لدني» فإنهم أسكنوها، كما تقول في عضد: عضد، فيحذفون الضم. قال ~~ابن عباس: يريد: إنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، يعني: أنك قد أخبرتني ~~أني لا أستطيع معك صبرا. # قوله تعالى: { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية } فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها أنطاكية، قاله ابن عباس. # والثاني: الأبلة، قاله ابن سيرين. # والثالث: باحروان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { استطعما أهلها } أي: سألاهم الضيافة { فأبوا أن ~~يضيفوهما } روى المفضل عن عاصم: «يضيفوهما» بضم الياء الأولى وكسر ~~الضاد وتخفيف الياء الثانية. وقرأ أبو الجوزاء كذلك، إلا أنه فتح الياء ~~[الأولى]. وقرأ الباقون: «يضيفوهما» بفتح الضاد وتشديد الياء الثانية ~~وكسرها. قال أبو عبيدة: ومعنى يضيفوهما: ينزلوهما منزل الأضياف، يقال: ~~ضفت أنا، وأضافني الذي ينزلني. وقال الزجاج: يقال: ضفت الرجل: إذا ~~نزلت عليه، وأضفته: إذا أنزلته وقريته. وقال ابن قتيبة: [يقال]: ~~ضيفت الرجل: إذا أنزلته منزلة الأضياف، ومنه هذه الآية، وأضفته: ~~أنزلته، وضفته: نزلت عليه. وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " «كانوا أهل قرية لئاما» ". # قوله تعالى: { فوجدا فيها جدارا } أي: حائطا. قال ابن فارس: وجمعه ~~جدر، والجدر: أصل الحائط. ومنه حديث الزبير: # " ثم دع الماء يرجع إلى الجدر " # ، والجيدر: القصير. # قوله تعالى: { يريد أن ينقض } وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء: «ينقاض» ~~بألف ممدودة، وضاد معجمة؛ وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وأبو عثمان ~~النهدي: «ينقاص» بألف ومدة وصاد غير معجمة، وكله بلا تشديد. قال ~~الزجاج: فمعنى: ينقض: يسقط بسرعة، وينقاص، غير معجمة: ينشق طولا، ~~يقال: انقاصت سنه: إذا انشقت. قال ابن مقسم: انقاصت سنه، ~~وانقاضت بالصاد، والضاد على معنى واحد. # فإن قيل: كيف نسبت الإرادة إلى ما لا يعقل؟ # فالجواب: أن هذا على وجه المجاز تشبيها بمن يعقل، ويريد: لأن هيأته في ~~التهيؤ للوقوع قد ظهرت كما يظهر من أفعال المريدين القاصدين، فوصف ~~بالإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وقد أضافت العرب الأفعال إلى مالا ~~يعقل تجوزا، قال ms1255 الله عز وجل: # ولما سكت عن موسى الغضب # [الأعراف: 154]، والغضب لا يسكت، وإنما يسكت صاحبه، وقال: # فإذا عزم الأمر # [محمد: 21]، وأنشدوا من ذلك: # إن دهرا يلف شملي بجمل # لزمان يهم بالإحسان # وقال آخر: # يريد الرمح صدر أبي براء # ويرغب عن دماء بني عقيل # وقال آخر: # ضحكوا والدهر عنهم ساكت # ثم أبكاهم دما لما نطق # وقال آخر: # يشكو إلي جملي طول السرى # [صبرا جميلا فكلانا مبتلى] # وهذا كثير في أشعارهم. # قوله تعالى: { فأقامه } أي: سواه، لأنه وجده مائلا. # وفي كيفية ما فعل قولان. أحدهما: أنه دفعه بيده فقام. والثاني: هدمه ثم ~~قعد يبنيه، روي القولان عن ابن عباس. # قوله تعالى: { لو شئت لتخذت عليه أجرا } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: «لتخذت» بكسرالخاء، غير أن أبا عمرو كان يدغم الذال، وابن ~~كثير يظهرها. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~«لاتخذت» وكلهم أدغموا، إلا حفصا عن عاصم، فإنه لم يدغم مثل ابن ~~كثير. قال الزجاج: يقال: تخذ يتخذ في معنى: اتخذ يتخذ. ~~وإنما قال له هذا، لأنهم لم يضيفوهما. # قوله تعالى: { قال } يعني: الخضر { هذا } يعني: الإنكار علي { فراق ~~بيني وبينك } أي: هو المفرق بيننا. قال الزجاج: المعنى: هذا فراق ~~بيننا، أي: فراق اتصالنا، وكرر «بين» توكيدا، ومثله في الكلام: أخزى ~~الله الكاذب مني ومنك. وقرأ أبو رزين، وابن السميفع، وأبو العالية، وابن ~~أبي عبلة: «هذا فراق» بالتنوين «بيني وبينك» بنصب النون. قال ابن ~~عباس: كان قول موسى في السفينة والغلام، لربه، وكان قوله في الجدار، ~~لنفسه، لطلب شيء من الدنيا. ### || [18.79-82] # قوله تعالى: { فكانت لمساكين } في المراد بمسكنتهم قولان. # أحدهما: أنهم كانوا ضعفاء في أكسابهم. # والثاني: في أبدانهم. وقال كعب: كانت لعشرة إخوة، خمسة زمنى، وخمسة ~~يعملون في البحر. # قوله تعالى: { فأردت أن أعيبها } أي: أجعلها ذات عيب، يعني بخرقها، { ~~وكان وراءهم } فيه قولان. # أحدهما: أمامهم، قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. وقرأ ~~أبي بن كعب، وابن مسعود: «وكان أمامهم ملك». # والثاني: خلفهم؛ قال الزجاج: وهو أجود الوجهين. فيجوز ms1256 أن يكون رجوعهم في ~~طريقهم كان عليه، ولم يعلموا بخبره، فأعلم الله تعالى الخضر خبره. ~~قوله تعالى { يأخذ كل سفينة غصبا } أي: كل سفينة صالحة. وفي قراءة ~~أبي [بن كعب]: «كل سفينة صحيحة». قال الخضر: إنما خرقتها، لأن ~~الملك إذا رآها منخرقة تركها ورقعها أهلها فانتفعوا بها. # قوله تعالى: { وأما الغلام } روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «وأما ~~الغلام فكان كافرا». وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه ~~طغيانا وكفرا " # قال الربيع بن أنس: كان الغلام على الطريق لا يمر به أحد إلا قتله ~~أو غصبه، فيدعو ذلك عليه وعلى أبويه. وقال ابن السائب: كان الغلام لصا، ~~فإذا جاء من يطلبه حلف أبواه أنه لم يفعل. # قوله تعالى: { فخشينا } في القائل لهذا قولان. # أحدهما: الله عز وجل. ثم في معنى الخشية المضافة إليه قولان. أحدهما: ~~أنها بمعنى: العلم. قال الفراء: معناه: فعلمنا. وقال ابن عقيل: المعنى: ~~فعلنا فعل الخاشي. # والثاني: الكراهة، قاله الأخفش، والزجاج. # والثاني: أنه الخضر، فتكون الخشية بمعنى الخوف للأمر المتوهم، قاله ابن ~~الأنباري. وقد استدل بعضهم على أنه من كلام الخضر بقوله: { فأردنا أن ~~يبدلهما ربهما }. قال الزجاج: المعنى: فأراد الله، لأن لفظ الخبر عن الله ~~تعالى هكذا أكثر من أن يحصى. ومعنى { يرهقهما }: يحملهما على الرهق، ~~وهو الجهل. قال أبو عبيدة: «يرهقهما»: يغشيهما. قال سعيد بن جبير: ~~خشينا أن يحملهما حبه على أن يدخلا في دينه. وقال الزجاج: فرحا به ~~حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فرضي امروء ~~بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره، خير له من قضائه فيما يحب. # قوله تعالى: { فأردنا أن يبدلهما ربهما } قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن ~~عاصم: «أن يبدلهما» بالتخفيف. وقرأ نافع، وأبو عمرو بالتشديد. # قوله تعالى: { خيرا منه زكاة } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: دينا، قاله ابن عباس. # والثاني: عملا، قاله مقاتل. # والثالث: صلاحا، قاله ms1257 الفراء. # قوله تعالى: { وأقرب رحما } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «رحما» ساكنة الحاء، وقرأ ابن عامر: «رحما» مثقلة. # وعن أبي عمرو كالقراءتين. وقرأ ابن عباس، وابن جبير، وأبو رجاء: ~~«رحما» بفتح الراء، وكسر الحاء. # وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: أوصل للرحم وأبر للوالدين، قاله ابن عباس، وقتادة. وقال ~~الزجاج: أقرب عطفا، وأمس بالقرابة. ومعنى الرحم والرحم في اللغة: ~~العطف والرحمة، قال الشاعر: # وكيف بظلم جارية # ومنها اللين والرحم # والثاني: أقرب أن يرحما به، قاله الفراء. وفيما بدلا به قولان. ~~أحدهما: جارية، قاله الأكثرون. وروى عطاء عن ابن عباس، قال: أبدلهما به ~~جارية ولدت سبعين نبيا. # والثاني: غلام مسلم، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة } يعني: ~~القرية المذكورة في قوله: { أتيا أهل قرية } ، قال مقاتل: واسمهما: ~~أصرم، وصريم. # قوله تعالى: { وكان تحته كنز لهما } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه كان ذهبا وفضة، رواه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال الحسن، وعكرمة، وقتادة: كان مالا. # والثاني: أنه كان لوحا من ذهب، فيه مكتوب: عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ~~ينصب، عجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبا لمن يؤمن بالموت كيف ~~يفرح، عجبا لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف ~~يغفل، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، أنا ~~الله الذي لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر: أنا ~~الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن ~~خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على ~~يديه، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن الأنباري: فسمي كنزا من جهة ~~الذهب، وجعل اسمه هو المغلب. # والثالث: كنز علم، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد: صحف فيها ~~علم، وبه قال سعيد بن جبير، والسدي. قال ابن الأنباري: فيكون المعنى ~~على هذا القول: كان تحته مثل الكنز، لأنه يتعجل من نفعه أفضل مما ~~ينال من الأموال. ms1258 قال الزجاج: والمعروف في اللغة: أن الكنز إذا أفرد، ~~فمعناه: المال المدفون المدخر، فاذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، ~~وله كنز فهم، والكنز هاهنا بالمال أشبه، وجائز أن يكون الكنز كان مالا، ~~مكتوب فيه علم، على ما روي، فهو مال وعلم عظيم. # قوله تعالى: { وكان أبوهما صالحا } قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ~~ولم يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد عليه السلام: كان بينهما وبين ~~ذلك الأب الصالح سبعة آباء. وقال مقاتل: كان أبوهما ذا أمانة. # قوله تعالى: { فأراد ربك } قال ابن الأنباري: لما كان قوله: «فأردت» ~~و«وأردنا» كل واحد منهما يصلح أن يكون خبرا عن الله عز وجل، وعن الخضر، ~~أتبعهما بما يحصر الإرادة عليه، ويزيلها عن غيره، ويكشف البغية من ~~اللفظتين الأوليين. وإنما قال: «فأردت» «فأردنا» «فأراد ربك»، لأن ~~العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتفاقه مع تساوي المعاني، لأنه أعذب على ~~الألسن، وأحسن موقعا في الأسماع، فيقول الرجل: قال لي فلان كذا، وأنبأني ~~بما كان، وخبرني بما نال. فأما «الأشد» فقد سبق ذكره في مواضع ~~[الأنعام: 152، ويوسف: 22، والإسراء: 34] ولو أن الخضر لم يقم الحائط ~~لنقض وأخذ ذلك الكنز قبل بلوغهما. # قوله تعالى: { رحمة من ربك } أي: رحمهما الله بذلك. { وما فعلته عن ~~أمري } قال قتادة: كان عبدا مأمورا. # فأما قوله { تسطع } فإن «استطاع» و«اسطاع» بمعنى واحد. ### || [18.83-88] # قوله تعالى: { ويسألونك عن ذي القرنين } قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله ~~تعالى: # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85]. # واختلفوا في اسم ذي القرنين على أربعة أقوال. # أحدها: عبد الله، قاله علي عليه السلام، وروي عن ابن عباس أنه عبد الله ~~بن الضحاك. # والثاني: الاسكندر، قاله وهب. # والثالث: عياش، قاله محمد بن علي بن الحسين. # والرابع: الصعب بن جابر بن القلمس، ذكره ابن أبي خيثمة. # وفي علة تسميته بذي القرنين عشرة أقوال. # أحدها: أنه دعا قومه إلى الله تعالى، فضربوه على قرنه فهلك، فغبر ~~زمانا، ثم بعثه الله، فدعاهم إلى الله فضربوه على قرنه الآخر فهلك، ~~فذانك قرناه، قاله علي ms1259 عليه السلام. # والثاني: أنه سمي بذي القرنين، لأنه سار إلى مغرب الشمس وإلى مطلعها، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس. # والرابع: لأنه رأى في المنام كأنه امتد من السماء إلى الأرض وأخذ بقرني ~~الشمس، فقص ذلك على قومه، فسمي بذي القرنين. # والخامس: لأنه ملك الروم وفارس. # والسادس: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، رويت هذه الأقوال الأربعة عن ~~وهب بن منبه. # والسابع: لأنه كانت له غديرتان من شعر، قاله الحسن. قال ابن الأنباري: ~~والعرب تسمي الضفيرتين من الشعر غديرتين، وجميرتين، وقرنين؛ قال: ومن ~~قال: سمي بذلك لأنه ملك فارس والروم، قال: لأنهما عاليان على جانبين من ~~الأرض يقال لهما: قرنان. # والثامن: لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت ذوي شرف. # والتاسع: لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس، وهو حي. # والعاشر: لأنه سلك الظلمة والنور، ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو إسحاق ~~الثعلبي. # واختلفوا هل كان نبيا، أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنه كان نبيا، قاله عبد الله بن عمرو، والضحاك بن مزاحم. # والثاني: أنه كان عبدا صالحا، ولم يكن نبيا، ولا ملكا، قاله علي ~~عليه السلام. وقال وهب: كان ملكا، ولم يوح إليه. # وفي زمان كونه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه من القرون الأول من ولد يافث بن نوح، قاله علي عليه ~~السلام. # والثاني: أنه كان بعد ثمود، قاله الحسن. ويقال: كان عمره ألفا وستمائة ~~سنة. # والثالث: [أنه] كان في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ~~قاله وهب. # قوله تعالى: { سأتلوا عليكم منه ذكرا } أي: خبرا يتضمن ذكره. { ~~إنا مكنا له في الأرض } أي: سهلنا عليه السير فيها. قال علي ~~عليه السلام: إنه أطاع الله، فسخر له السحاب فحمله عليه، ومد له في ~~الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء. وقال مجاهد: ~~ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن دواد، وذو ~~القرنين؛ والكافران: النمرود، وبختنصر. # قوله تعالى: { وآتيناه من كل شيء سببا } قال ابن عباس: علما يتسبب ~~به إلى ms1260 ما يريد. وقيل: هو العلم بالطرق والمسالك. # قوله تعالى: { فأتبع سببا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «فاتبع ~~سببا» «ثم اتبع سببا» «ثم اتبع سببا» مشددات التاء. وقرأ عاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «فأتبع سببا» «ثم أتبع سببا» «ثم أتبع ~~سببا» مقطوعات. قال ابن الأنباري: من قرأ «فاتبع سببا» فمعناه: قفا ~~الأثر، ومن قرأ «فأتبع» فمعناه: لحق؛ يقال: اتبعني فلان، أي: ~~تبعني، كما يقال: ألحقني فلان، بمعنى لحقني. وقال أبو علي: ~~«أتبع» تقديره: أتبع سببا سببا، فأتبع ما هو عليه سببا، والسبب: ~~الطريق، والمعنى: تبع طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس. وكان إذا ظهر ~~على قوم أخذ منهم جيشا فسار بهم إلى غيرهم. # قوله تعالى: { وجدها تغرب في عين حمئة } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وحفص عن وعاصم: «حمئة»، وهي قراءة [ابن عباس. وقرأ] ابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «حامية»، وهي قراءة عمرو، وعلي، وابن ~~مسعود، والزبير، ومعاوية، وأبي عبد الرحمن، والحسن، وعكرمة، والنخعي، ~~وقتادة، وأبي جعفر، وشيبة، وابن محيصن، والأعمش، كلهم لم يهمز. قال ~~الزجاج: فمن قرأ: «حمئة» أراد في عين ذات حمأة. يقال: حمأت ~~البئر: إذا أخرجت حمأتها؛ وأحمأتها: إذا ألقيت فيها ~~الحمأة. [وحمئت] فهي حمئة: إذا صارت فيها الحمأة. ومن قرأ: ~~«حامية» بغير همز، أراد: حارة. وقد تكون حارة ذات حمأة. وروى ~~قتادة عن الحسن، قال: وجدها تغرب في ماء يغلي كغليان القدور { ووجد ~~عندها قوما } لباسهم جلود السباع، وليس لهم طعام إلا ما أحرقت ~~الشمس من الدواب إذا غربت نحوها، وما لفظت العين من الحيتان إذا وقعت ~~فيها الشمس. وقال ابن السائب: وجد عندها قوما مؤمنين وكافرين، يعني عند ~~العين. وربما توهم متوهم أن هذه الشمس على عظم قدرها تغوص بذاتها ~~في عين ماء، وليس كذلك. فإنها أكبر من الدنيا مرارا، فكيف تسعها عين ~~[ماء؟!. وقيل: إن الشمس بقدر الدنيا مائة وخمسين مرة، وقيل: بقدر ~~الدنيا مائة وعشرين مرة، والقمر بقدر الدنيا ثمانين مرة]. وإنما ~~وجدها تغرب في العين كما يرى راكب البحر ms1261 الذي لا يرى طرفه أن الشمس ~~تغيب في الماء، وذلك لأن ذا القرنين انتهى إلى آخر البنيان فوجد عينا ~~حمئة ليس بعدها أحد. # قوله تعالى: { قلنا يا ذا القرنين } فمن قال: إنه نبي، قال: هذا القول ~~وحي؛ ومن قال: ليس بنبي، قال: هذا إلهام. # قوله تعالى: { إما أن تعذب } قال المفسرون: إما أن تقتلهم إن ~~أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتبصرهم الرشد. { قال أما ~~من ظلم } أي: أشرك { فسوف نعذبه } بالقتل إذا لم يرجع عن ~~الشرك. وقال الحسن: كان يطبخهم في القدور { ثم يرد إلى ربه } بعد ~~العذاب { فيعذبه عذابا نكرا } بالنار. # قوله تعالى: { فله جزاء الحسنى } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم: «جزاء الحسنى» برفع مضاف. قال الفراء: ~~«الحسنى»: الجنة، وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كقوله: # إنه لحق اليقين # [الحاقة: 51] و # دين القيمة # [البينة: 5] و # ولدار الآخرة # [النحل: 30]. قال أبو علي الفارسي: المعنى: فله جزاء الخلال الحسنى، لأن ~~الإيمان والعمل الصالح خلال. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف، ~~ويعقوب: «جزاء» بالنصب والتنوين؛ قال الزجاج: وهو مصدر منصوب على الحال، ~~المعنى: فله الحسنى مجزيا بها جزاء. وقال ابن الأنباري: وقد يكون ~~الجزاء غير الحسنى إذا تأول الجزاء بأنه الثواب؛ والحسنى: الحسنة ~~المكتسبة في الدنيا، فيكون المعنى: فله ثواب ما قدم من الحسنات. # قوله تعالى: { وسنقول له من أمرنا يسرا } أي: نقول له قولا جميلا. ### || [18.89-91] # قوله تعالى: { ثم أتبع سببا } أي: طريقا آخر يوصله إلى ~~المشرق. قال قتادة: مضى يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلا ~~من آمن حتى أتى مطلع الشمس فأصاب قوما في أسراب عراة، ليس لهم طعام ~~إلا ما أحرقت الشمس إذا طلعت، فإذا توسطت السماء خرجوا من أسرابهم في ~~طلب معايشهم مما أحرقته الشمس. وبلغنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه ~~بنيان، فيقال: إنهم الزنج. قال الحسن: كانوا إذا غربت الشمس خرجوا ~~يتراعون كما يتراعى الوحش. وقرأ الحسن، ومجاهد، وأبو مجلز، وأبو رجاء، ~~وابن محيصن: «مطلع ms1262 الشمس» بفتح اللام. قال ابن الأنباري: ولا خلاف بين ~~أهل العربية في أن المطلع، والمطلع كلاهما يعنى بهما المكان الذي ~~تطلع منه الشمس. ويقولون: ما كان على فعل يفعل، فالمصدر واسم الموضع ~~يأتيان على المفعل، كقولهم: المدخل، للدخول، والموضع الذي يدخل ~~منه، إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها المواضع، وهي: ~~المطلع، والمسكن، والمنسك، والمشرق، والمغرب، والمسجد، ~~والمنبت، والمجزر، والمفرق، والمسقط، والمهبل، الموضع ~~الذي تضع فيه الناقة؛ وخمسة من هؤلاء الأحد عشر حرفا سمع فيهن الكسر ~~والفتح: المطلع، والمطلع. والمنسك، والمنسك. والمجزر، ~~والمجزر. والمسكن، والمسكن. والمنبت، والمنبت. فقرأ الحسن ~~على الأصل من احتمال المفعل الوجهين الموصوفين [بفتح العين وكسرها]، ~~وقراءة العامة على اختيار العرب وما كثر على ألسنتها، وخصت الموضع ~~بالكسر، وآثرت المصدر بالفتح. قال أبو عمرو: المطلع، بالكسر: الموضع ~~الذي تطلع فيه؛ والمطلع، بالفتح: الطلوع؛ قال ابن الأنباري: هذا هو ~~الأصل، ثم إن العرب تتسع فتجعل الاسم نائبا عن المصدر، فيقرؤون: { حتى ~~مطلع الفجر } [القدر: 5] بالكسر وهم يعنون الطلوع؛ ويقرأ من قرأ { ~~مطلع الشمس } بالفتح على أنه موضع بمنزلة المدخل الذي هو اسم للموضع ~~الذي يدخل منه. # قوله تعالى: { كذلك } فيه أربعة أقوال. # أحدها: كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها. # والثاني: أتبع سببا كما أتبع سببا. # والثالث: كما وجد أولئك عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد هؤلاء ~~عند مطلعها وحكم فيهم. # والرابع: أن المعنى: كذلك أمرهم كما قصصنا عليك؛ ثم استأنف فقال: { ~~وقد أحطنا بما لديه } أي: بما عنده ومعه من الجيوش والعدد. وحكى أبو ~~سليمان الدمشقي: «بما لديه» أي: بما عند مطلع الشمس. وقد سبق معنى ~~الخبر [الكهف: 68]. ### || [18.92-98] # قوله تعالى: { ثم أتبع سببا } أي: طريقا ثالثا بين المشرق ~~والمغرب { حتى إذا بلغ بين السدين } قال وهب بن منبه: هما جبلان ~~منيفان في السماء، من ورائهما البحر، ومن أمامهما البلدان، وهما بمنقطع ~~أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية. وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: ~~الجبلان من قبل أرمينية وأذربيجان. واختلف القراء في «السدين» فقرأ ms1263 ~~ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم بفتح السين. وقرأ نافع، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم، وحمزة، والكسائي بضمها. # وهل المعنى واحد، أم لا؟ فيه قولان. # أحدها: أنه واحد. قال ابن الأعرابي: كل ما قابلك فسد ما وراءه، فهو ~~سد، وسد، نحو: الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال الكسائي، ~~وثعلب: السد والسد لغتان بمعنى واحد، وهذا مذهب الزجاج. # والثاني: أنهما يختلفان. # وفي الفرق بينهما قولان. # أحدهما: أن ما هو من فعل الله تعالى فهو مضموم، وما هو من فعل الآدميين ~~فهو مفتوح، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو عبيدة. قال الفراء: وعلى هذا ~~رأيت المشيخة وأهل العلم من النحويين. # والثاني: أن السد، بفتح السين: الحاجز بين الشيئين، والسد، بضمها: ~~الغشاوة في العين، قاله أبو عمرو بن العلاء. # قوله تعالى: { وجد من دونهما } يعني: أمام السدين { قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: ~~«يفقهون قولا» بفتح الياء، أي: لا يكادون يفهمونه. قال ابن ~~الأنباري: قال اللغويون: معناه أنهم يفهمون بعد إبطاء، وهو كقوله: # وما كادوا يفعلون # [البقرة: 71]. قال المفسرون: وإنما كانوا كذلك لأنهم لا يعرفون غير ~~لغتهم. وقرأ حمزة، والكسائي: «يفقهون» بضم الياء، أراد: يفهمون ~~غيرهم. وقيل: كلم ذا القرنين عنهم مترجمون ترجموا. # قوله تعالى: { إن يأجوج ومأجوج } هما: اسمان أعجميان، وقد همزهما عاصم. ~~قال الليث: الهمز لغة رديئة. قال ابن عباس: يأجوج رجل، ومأجوج رجل، وهما ~~ابنا يافث بن نوح عليه السلام، فيأجوج ومأجوج عشرة أجزاء، وولد آدم ~~كلهم جزء، وهم شبر وشبران وثلاثة أشبار. وقال علي عليه السلام: ~~منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول، ولهم من الشعر ~~ما يواريهم من الحر والبرد. وقال الضحاك: هم جيل من الترك. وقال ~~السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تغير، فجاء ذو القرنين فضرب ~~السد، فبقيت خارجه. وروى شقيق عن حذيفة، قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج ~~أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة [ألف] أمة، ms1264 لا يموت الرجل ~~منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه كل قد حمل السلاح؛ ~~قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: «هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال ~~الأرز»؛ قلت: يا رسول الله: وما الأرز؟ قال: «شجر بالشام، طول الشجرة ~~عشرون ومائة ذراع في السماء؛ وصنف منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ~~ذراع، وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم ~~أذنه، ويلتحف بالأخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا ~~أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام، وساقهم بخراسان، يشربون ~~أنهار المشرق وبحيرة طبرية» ". # قوله تعالى: { مفسدون في الأرض } في هذا الفساد أربعة أقوال. # أحدها: أنهم كانوا يفعلون فعل قوم لوط، قاله وهب بن منبه. # والثاني: أنهم كانوا يأكلون الناس، قاله سعيد بن عبد العزيز. # والثالث: يخرجون إلى الأرض الذين شكوا منهم أيام الربيع، فلا ~~يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه إلى أرضهم، ~~قاله ابن السائب. # والرابع: كانوا يقتلون الناس، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فهل نجعل لك خرجا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وعاصم: «خرجا» بغير ألف. وقرأ حمزة، والكسائي: ~~«خراجا» بألف. وهل بينهما فرق؟ فيه قولان. # أحدهما: أنهما لغتان بمعنى واحد، قاله أبو عبيدة، والليث. # والثاني: أن الخرج: ما تبرعت به، والخراج: ما لزمك أداؤه، قاله أبو ~~عمرو بن العلاء. قال المفسرون: المعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا ~~كالجعل لك؟ # قوله تعالى: { ما مكني } وقرأ ابن كثير: «مكنني» بنونين، وكذلك هي ~~في مصاحف مكة. قال الزجاج: من قرأ: «مكني» بالتشديد، أدغم النون في ~~النون لاجتماع النونين. ومن قرأ: «مكنني» أظهر النونين، لأنهما من ~~كلمتين، الأولى من الفعل، والثانية تدخل مع الاسم المضمر. # وفي الذي أراد بتمكينه منه قولان. # أحدهما: أنه العلم بالله؛ وطلب ثوابه. # والثاني: ما ملك من الدنيا. والمعنى: الذي أعطاني الله خير مما تبذلون ~~لي. # قوله تعالى: { فأعينوني بقوة } فيها قولان. # أحدهما: أنها الرجال، قاله مجاهد، ومقاتل. # والثاني: الآلة، قاله ms1265 ابن السائب. فأما الردم، فهو: الحاجز؛ قال ~~الزجاج: والردم في اللغة أكبر من السد، لأن الردم: ما جعل بعضه ~~على بعض، يقال: ثوب مردم: إذا كان قد رقع رقعة فوق رقعة. # قوله تعالى: { آتوني زبر الحديد } قرأ الجمهور: «ردما آتوني» أي: ~~أعطوني. وروى أبو بكر عن عاصم: «ردم ايتوني» بكسر التنوين، أي: جيئوني ~~بها. قال ابن عباس: احملوها إلي. وقال مقاتل: أعطوني. وقال الفراء: ~~المعنى: إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. فأما الزبر، فهي: ~~القطع، واحدتها: زبرة؛ والمعنى: فأتوه بها فبناه، { حتى إذا ساوى ~~} وروى أبان «إذا سوى» بتشديد الواو من غير ألف. قال الفراء: ساوى ~~وسوى سواء. واختلف القراء في { الصدفين } فقرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: «الصدفين» بضم الصاد والدال، وهي: لغة حمير. ~~وروى أبو بكر والمفضل عن عاصم: «الصدفين» بضم الصاد وتسكين الدال. # وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف، بفتح الصاد والدال ~~جميعا، وهي لغة تميم، واختارها ثعلب. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، وابن ~~يعمر: «الصدفين» بفتح الصاد ورفع الدال. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو ~~عمران، والزهري، والجحدري برفع الصاد وفتح الدال. قال ابن الأنباري: ~~ويقال: صدف، على مثال نغر، وكل هذه لغات في الكلمة. قال أبو عبيدة: ~~الصدفان: جنبا الجبل. قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل: صدفان، ~~إذا تحاذيا، لتصادفهما، أي: لتلاقيهما. قال المفسرون: حشا ما بين ~~الجبلين بالحديد، ونسج بين طبقات الحديد الحطب والفحم، ووضع عليها ~~المنافيخ، ثم { قال انفخوا } فنفخوا { حتى إذا جعله } يعني: الحديد، ~~وقيل: الهاء ترجع إلى ما بين الصدفين { نارا } أي: كالنار، لأن الحديد ~~إذا أحمي بالفحم والمنافيخ صار كالنار، { قال آتوني } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: «آتوني» ممدودة؛ والمعنى: ~~أعطوني. وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: «إيتوني» مقصورة؛ والمعنى: جيئوني ~~به أفرغه عليه. # وفي القطر أربعة أقوال. # أحدها: أنه النحاس، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والفراء، والزجاج. # والثاني: أنه الحديد الذائب، قاله أبو عبيدة. # والثالث: الصفر المذاب، قاله مقاتل. # والرابع: الرصاص، حكاه ابن الأنباري. ms1266 قال المفسرون: أذاب القطر ثم ~~صبه عليه، فاختلط والتصق بعضه ببعض حتى صار جبلا صلدا من حديد ~~وقطر. قال قتادة: فهو كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة حمراء. # قوله تعالى: { فما اسطاعوا } أصله: فما «استطاعوا» فلما كانت التاء ~~والطاء من مخرج واحد أحبوا التخفيف فحذفوا. قال ابن الأنباري: إنما ~~تقول العرب: اسطاع، تخفيفا، كما قالوا: سوف يقوم، وسيقوم، فأسقطوا ~~الفاء. # قوله تعالى: { أن يظهروه } أي: يعلوه؛ يقال: ظهر فلان فوق البيت: ~~إذا علاه، والمعنى: ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه واملاسه { وما ~~استطاعوا له نقبا } من أسفله، لشدته وصلابته. وروى أبو هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع ~~الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا، فيعودون إليه، فيرونه ~~كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله عز وجل أن يبعثهم على ~~الناس، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، ~~فستحفرونه غدا إن شاء الله، ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين ~~تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس " # وذكر باقي الحديث؛ وقد ذكرت هذا الحديث بطوله وأشباهه في كتاب «الحدائق» ~~فكرهت التطويل هاهنا. # قوله تعالى: { قال هذا رحمة من ربي } لما فرغ ذو القرنين من بنيانه ~~قال هذا. وفيما أشار إليه قولان. # أحدهما: أنه الردم، قاله مقاتل؛ قال: فالمعنى: هذا نعمة من ربي ~~على المسلمين لئلا يخرجوا إليهم. # والثاني: أنه التمكين الذي أدرك به عمل السد، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { فإذا جاء وعد ربي } فيه قولان. # أحدهما: القيامة. والثاني: وعده لخروج يأجوج ومأجوج. # قوله تعالى: { جعله دكا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«دكا» منونا غير مهموز ولا ممدود. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«دكاء» ممدودة مهموزة بلا تنوين. وقد شرحنا معنى الكلمة في [الأعراف: ~~143]. # قوله تعالى: { وكان وعد ربي حقا } أي: بالثواب والعقاب. ### || [18.99-101] # قوله تعالى: و { تركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض } في المشار إليهم ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم يأجوج ومأجوج. ثم في ms1267 المراد ب «يومئذ» قولان. # أحدهما: أنه يوم انقضى أمر السد، تركوا يموج بعضهم في بعض من ورائه ~~مختلطين لكثرتهم؛ وقيل: ماجوا متعجبين من السد. # والثاني: أنه يوم يخرجون من السد تركوا يموج بعضهم في بعض. # والثاني: أنهم الكفار. # والثالث: أنهم جميع الخلائق. الجن والإنس يموجون حيارى. فعلى هذين ~~القولين، المراد باليوم المذكور يوم القيامة. # قوله تعالى: { ونفخ في الصور } هذه نفخة البعث. وقد شرحنا معنى ~~«الصور» في [الأنعام: 73]. # قوله تعالى: { وعرضنا جهنم } أي: أظهرناها لهم حتى شاهدوها. # قوله تعالى: { الذين كانت أعينهم } يعني: أعين قلوبهم { في غطاء } أي: ~~في غفلة { عن ذكري } أي: عن توحيدي والإيمان بي وبكتابي { وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا } هذا لعداوتهم وعنادهم وكراهتهم ما ينذرون به، كما ~~تقول لمن يكره قولك: ما تقدر أن تسمع كلامي. ### || [18.102] # قوله تعالى: { أفحسب الذين كفروا } أي: أفظن المشركون { أن يتخذوا ~~عبادي } في هؤلاء العباد ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم الشياطين، قاله ابن عباس. # والثاني: الأصنام، قاله مقاتل. # والثالث: الملائكة والمسيح وعزير وسائر المعبودات من دونه، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { من دوني } فتح هذه الياء نافع، وأبو عمرو. وجواب ~~الاستفهام في هذه الآية محذوف، وفي تقديره قولان. # أحدهما: أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء، كلا بل هم أعداء لهم يتبرؤون منهم. # والثاني: أن يتخذوهم أولياء ولا أغضب ولا أعاقبهم. وروى أبان عن عاصم، ~~وزيد عن يعقوب: «أفحسب» بتسكين السين وضم الباء، وهي قراءة علي عليه ~~السلام، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وابن يعمر، وابن ~~محيصن؛ ومعناها: أفيكفيهم أن يتخذوهم أولياء؟. # فأما النزل ففيه قولان. # أحدهما: أنه ما يهيأ للضيف والعسكر، قاله ابن قتيبة. # والثاني: أنه المنزل، قاله الزجاج. ### || [18.103-106] # قوله تعالى: { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم القسيسون والرهبان، قاله علي عليه السلام، والضحاك. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله سعد بن أبي وقاص. # قوله تعالى: { أعمالا } منصوب على التمييز، لأنه لما قال: «بالأخسرين» ~~كان ذلك مبهما لا يدل على ما خسروه، فبين ذلك في أي نوع وقع. # قوله ms1268 تعالى: { الذين ضل سعيهم } أي: بطل عملهم واجتهادهم في الدنيا، وهم ~~يظنون أنهم محسنون بأفعالهم، فرؤساؤهم يعلمون الصحيح، ويؤثرون الباطل ~~لبقاء رئاستهم، وأتباعهم مقلدون بغير دليل. { أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم } جحدوا دلائل توحيده، وكفروا بالبعث والجزاء، وذلك أنهم بكفرهم ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء { ~~فحبطت أعمالهم } أي: بطل اجتهادهم، لأنه خلا عن الإيمان { فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا } وقرأ ابن مسعود، والجحدري: «فلا يقيم» بالياء. # وفي معناه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إنما يثقل الميزان بالطاعة، وإنما توزن الحسنات والسيئات، ~~والكافر لا طاعة له. # والثاني: أن المعنى: لا نقيم لهم قدرا. قال ابن الأعرابي في تفسير ~~هذه الآية: يقال: ما لفلان عندنا وزن، أي: قدر، لخسته. فالمعنى: أنهم ~~لا يعتد بهم، ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزلة. وقد روى أبو هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة، اقرؤوا إن ~~شئتم: { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ". # والثالث: أنه قال: «فلا نقيم لهم» لأن الوزن عليهم لا لهم، ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: { ذلك جزاؤهم } أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من بطلان عملهم ~~وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: { جزاؤهم جهنم } ، وقيل: المعنى: ذلك ~~التصغير لهم، وجزاؤهم جهنم، فأضمرت واو الحال. # قوله تعالى: { بما كفروا } أي: بكفرهم واتخاذهم { آياتي } التي أنزلتها ~~{ ورسلي هزوا } أي: مهزوءا به. ### || [18.107-108] # قوله تعالى: { كانت لهم جنات الفردوس } قال ابن الأنباري: كانت لهم في ~~علم الله قبل أن يخلقوا. وروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي ~~موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " جنان الفردوس أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، ~~وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيها، وليس بين القوم وبين أن ينظروا ~~إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " # وروى عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الجنة مائة درجة، ما بين ms1269 كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس ~~أعلاها، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه ~~الفردوس " # قال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنة. قال مجاهد: الفردوس: البستان ~~بالرومية. وقال كعب، والضحاك: «جنات الفردوس»: جنات الأعناب. قال الكلبي، ~~والفراء: الفردوس: البستان الذي فيه الكرم. وقال المبرد: الفردوس فيما ~~سمعت من كلام العرب: الشجر المتلف، والأغلب عليه العنب. وقال ثعلب: كل ~~بستان يحوط عليه فهو فردوس، قال عبد الله بن رواحة: # في جنان الفردوس ليس يخافو # ن خروجا عنها ولا تحويلا # وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قال الزجاج: الفردوس أصله رومي ~~أعرب، وهو البستان، كذلك جاء في التفسير، وقد قيل: الفردوس تعرفه العرب، ~~وتسمي الموضع الذي فيه كرم: فردوسا. وقال أهل اللغة: الفردوس مذكر، ~~وإنما أنث في قوله تعالى: # يرثون الفردوس هم فيها خالدون # [المؤمنون: 11] لأنه عنى به الجنة. وقال الزجاج: وقيل: الفردوس: الأودية ~~التي تنبت ضروبا من النبت، وقيل: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية، ~~قال: والفردوس أيضا بالسريانية كذا لفظه: فردوس، قال: ولم نجده في أشعار ~~العرب إلا في شعر حسان، وحقيقته أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في ~~البساتين، لأنه عند أهل كل لغة كذلك، وبيت حسان: # فإن ثواب الله كل موحد # جنان من الفردوس فيها يخلد # وقال ابن الكلبي باسناده: الفردوس: البستان بلغة الروم، وقال الفراء: ~~وهو عربي أيضا، والعرب تسمي البستان الذي فيه الكرم فردوسا. وقال ~~السدي: الفردوس أصله بالنبطية «فرداسا». وقال عبد الله بن الحارث: ~~الفردوس: الأعناب. وقد شرحنا معنى قوله: «نزلا» آنفا. # قوله تعالى: { لا يبغون عنها حولا } قال الزجاج: لا يريدون عنها ~~تحولا، يقال: قد حال من مكانه حولا، كما قالوا في المصادر: صغر ~~صغرا، وعظم عظما، وعادني حبها عودا؛ قال: وقد قيل أيضا: ~~إن الحول: الحيلة، فيكون المعنى: لا يحتالون منزلا غيرها. # فإن قيل: قد علم أن الجنة كثيرة الخير، فما وجه مدحها بأنهم لايبغون ~~عنها حولا؟ # فالجواب: أن الإنسان قد يجد في الدار الأنيقة معنى لا يوافقه، فيحب ms1270 أن ~~ينتقل إلى دار أخرى، وقد يمل، والجنة على خلاف ذلك. ### || [18.109] # قوله تعالى: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي } سببب نزولها أنه لما ~~نزل قوله تعالى: # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] قالت اليهود: كيف وقد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. ومعنى الآية: لو كان ماء البحر مدادا ~~يكتب به. قال مجاهد: [والمعنى]: لو كان البحر مدادا للقلم، والقلم ~~يكتب. وقال ابن الأنباري: سمي المداد مدادا لإمداده الكاتب، وأصله من ~~الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء. وقرأ الحسن، والأعمش: «مددا لكلمات ~~ربي» بغير ألف. # قوله تعالى: { قبل أن تنفد كلمات ربي } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم: «تنفد» بالتاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: «ينفد» ~~بالياء. قال أبو علي: التأنيث أحسن، لأن المسند إليه الفعل مؤنث، ~~والتذكير حسن، لأن التأنيث ليس بحقيقي، وإنما لم تنفد كلمات الله، لأن ~~كلامه صفة من صفات ذاته، ولا يتطرق على صفاته النفاد، { ولو جئنا بمثله } ~~أي: بمثل البحر { مددا } أي: زيادة؛ والمدد: كل شيء زاد في شيء. # فإن قيل: لم قال في أول الآية: «مدادا» وفي آخرها: «مددا» وكلاهما ~~بمعنى واحد، واشتقاقهما غير مختلف؟ # فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: لما كان الثاني آخر آية، وأواخر الآيات ~~هاهنا أتت على الفعل، والفعل، كقوله: «نزلا» «هزوا» «حولا» ~~كان قوله: «مددا» أشبه بهؤلاء الألفاظ من المداد، واتفاق المقاطع عند ~~أواخر الآي، وانقضاء الأبيات، وتمام السجع والنثر، أخف على الألسن، وأحلى ~~موقعا في الأسماع، فاختلفت اللفظتان لهذه [العلة]. وقد قرأ ابن عباس، ~~وسعيد ابن جبير، ومجاهد، وأبو رجاء، وقتادة، وابن محيصن: «ولو جئنا بمثله ~~مدادا» فحملوها على الأولى، ولم ينظروا إلى المقاطع. وقراءة الأولين ~~أبين حجة، وأوضح منهاجا. ### || [18.110] # قوله تعالى: { قل إنما أنا بشر مثلكم } قال ابن عباس: علم الله ~~تعالى رسوله التواضع لئلا يزهى على خلقه، فأمره أن يقر على نفسه بأنه ~~آدمي كغيره، إلا أنه أكرم بالوحي. # قوله تعالى: { فمن كان يرجو لقاء ربه ms1271 } سبب نزولها # " أن جندب بن زهير الغامدي قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم: إني ~~أعمل العمل [لله تعالى] فاذا اطلع عليه سرني، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب، ولا يقبل ماروئي ~~فيه» " # فنزلت فيه هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال طاووس: جاء رجل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب الجهاد [في سبيل الله] وأحب أن ~~يرى مكاني، فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: جاء رجل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: إني أتصدق، وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله ~~تعالى، فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. # وفي قوله: { فمن كان يرجو } قولان. # أحدهما: يخاف، قاله ابن قتيبة. # والثاني: يأمل، وهو اختيار الزجاج. وقال ابن الأنباري: المعنى: فمن كان ~~يرجو لقاء ثواب ربه. قال المفسرون: وذلك يوم البعث والجزاء. { فليعمل ~~عملا صالحا } لا يرائي به { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } قال سعيد بن ~~جبير: لا يرائي. قال معاوية بن أبي سفيان: هذه آخر آية نزلت من القرآن. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-6] # قوله تعالى: { كهيعص } قرأ ابن كثير: «كهيعص ذكر» بفتح الهاء والياء ~~وتبيين الدال التي في هجاء «صاد». وقرأ أبو عمرو: «كهيعص» بكسر الهاء ~~وفتح الياء ويدغم الدال في الذال، وكان نافع يلفظ بالهاء والياء بين ~~الكسر والفتح، ولا يدغم الدال التي في هجاء «صاد» في الذال من «ذكر». ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم، والكسائي، بكسر الهاء والياء، إلا أن الكسائي لا ~~يبين الدال، وعاصم يبينها. وقرأ ابن عامر، وحمزة، بفتح الهاء وكسر ~~الياء ويدغمان. وقرأ أبي بن كعب: «كهيعص» برفع الهاء وفتح الياء. وقد ~~ذكرنا في أول «البقرة» ما يشتمل على بيان هذا الجنس. وقد خص المفسرون ~~هذه الحروف المذكورة هاهنا بأربعة أقوال. # أحدها: أنها حروف من أسماء الله تعالى، قاله الأكثرون. ثم اختلف هؤلاء ~~في الكاف من أي اسم هو، ms1272 على أربعة أقوال. أحدها: أنه من اسم الله الكبير. # والثاني: من الكريم. # والثالث: من الكافي، روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والرابع: أنه من الملك، قاله محمد بن كعب. فأما الهاء، فكلهم قالوا: ~~هي من اسمه الهادي، إلا القرظي فإنه قال: من اسمه الله. وأما الياء، ~~ففيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها من حكيم. # والثاني: من رحيم. # والثالث: من أمين، روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس. ~~فأما العين، ففيها أربعة أقوال. # أحدها: أنها من عليم. # والثاني: من عالم. # والثالث: من عزيز، رواها أيضا سعيد [بن جبير] عن ابن عباس. # والرابع: أنها من عدل، قاله الضحاك. وأما الصاد، ففيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها من صادق. # والثاني: من صدوق، رواهما سعيد [بن جبير] أيضا عن ابن عباس. # والثالث: من الصمد، قاله محمد بن كعب. # والقول الثاني: أن «كهيعص» قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: هو اسم ~~من اسماء الله تعالى. وروي عنه أنه كان يقول [يا] كهيعص اغفر لي. قال ~~الزجاج: والقسم بهذا والدعاء لا يدل على أنه اسم واحد، لأن الداعي إذا ~~علم أن الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات الله فدعا بها، فكأنه قال: يا ~~كافي، يا هادي، يا عالم، يا صادق، وإذا أقسم بها، فكأنه قال: والكافي ~~الهادي العالم الصادق، وأسكنت هذه الحروف لأنها حروف تهج، النية ~~فيها الوقف. # والثالث: أنه اسم للسورة، قاله الحسن، ومجاهد. # والرابع: اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # فإن قيل: لم قالوا: ها يا، ولم يقولوا في الكاف: كا، وفي العين: عا، وفي ~~الصاد: صا، لتتفق المباني كما اتفقت العلل؟ # فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: حروف المعجم التسعة والعشرون تجري ~~مجرى الرسالة والخطبة، فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ واستواء الأوزان، ~~كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم، فيغيرون بعض الكلم ليختلف الوزن ~~وتتغير المباني، فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الأسماع. ms1273 # قوله تعالى: { ذكر رحمة ربك } قال الزجاج: الذكر مرفوع بالمضمر، ~~المعنى: هذا الذي نتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده. قال الفراء: وفي ~~الكلام تقديم وتأخير؛ المعنى: ذكر ربك عبده بالرحمة، و«زكريا» في ~~موضع نصب. # قوله تعالى: { إذ نادى ربه } النداء هاهنا بمعنى الدعاء. # وفي علة إخفائه لذلك ثلاثة أقوال. # أحدها: ليبعد عن الرياء، قاله ابن جريج. # والثاني: لئلا يقول الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد على ~~الكبر، قاله مقاتل. # والثالث: لئلا يعاديه بنو عمه، ويظنوا أنه كره أن يلوا مكانه بعده، ذكره ~~أبو سليمان الدمشقي. وهذه القصة تدل على أن المستحب إسرار الدعاء، ومنه ~~الحديث: # " إنكم لا تدعون أصم ". # قوله تعالى: { قال رب إني وهن العظم مني } وقرأ معاذ القارىء، ~~والضحاك: «وهن» بضم الهاء، أي: ضعف. قال الفراء: وغيره: وهن العظم، ~~ووهن، بفتح الهاء وكسرها؛ والمستقبل على الحالين كليهما: يهن. وأراد ~~أن قوة عظامه قد ذهبت لكبره؛ وإنما خص العظم، لأنه الأصل في ~~التركيب. وقال قتادة: شكا ذهاب أضراسه. # قوله تعالى: { واشتعل الرأس شيبا } يعني: انتشر الشيب فيه، كما ينتشر ~~شعاع النار في الحطب، وهذا من أحسن الاستعارات. { ولم أكن بدعائك } أي: ~~بدعائي إياك { رب شقيا } أي: لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب، لأنك ~~قد عودتني الإجابة؛ يقال: شقي فلان بكذا: إذا تعب بسببه، ولم ينل ~~مراده. # قوله تعالى: { وإني خفت الموالي } يعني: الذين يلونه في النسب، وهم ~~بنو العم والعصبة { من ورائي } أي: من بعد موتي. # وفي ما خافهم عليه قولان. # أحدهما: أنه خاف أن يرثوه، قاله ابن عباس. فإن اعترض عليه معترض، ~~فقال: كيف يجوز لنبي أن ينفس على قراباته بالحقوق المفروضة لهم بعد ~~موته؟ # فعنه جوابان. # أحدهما: أنه لما كان نبيا، والنبي لا يورث، خاف أن يرثوا ماله ~~فيأخذوا ما لا يجوز لهم. # والثاني: أنه غلب عليه طبع البشر، فأحب أن يتولى ماله ولده، ~~ذكرهما ابن الأنباري. # قلت: وبيان هذا أنه لا بد أن يتولى ماله وإن ولم يكن ميراثا، فأحب ~~أن يتولاه ولده. # والقول الثاني: ms1274 أنه خاف تضييعهم للدين ونبذهم إياه، ذكره جماعة من ~~المفسرين. # وقرأ عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وابن جبير، ومجاهد، ~~وابن أبي شريح عن الكسائي: «خفت» بفتح الخاء وتشديد الفاء على معنى ~~«قلت»؛ فعلى هذا يكون إنما خاف على علمه ونبوته ألا يورثا ~~فيموت العلم. وأسكن ابن شهاب الزهري ياء «الموالي». # قوله تعالى: { من ورائي } أسكن الجمهور هذه الياء، وفتحها ابن كثير في ~~رواية قنبل. # وروى عنه شبل: «وراي» مثل «عصاي». # قوله تعالى: { فهب لي من لدنك } أي: من عندك { وليا } أي: ولدا ~~صالحا يتولاني. # قوله تعالى: { يرثني ويرث من آل يعقوب } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة: «يرثني ويرث» برفعهما. وقرا أبو عمرو، والكسائي: ~~«يرثني ويرث» بالجزم فيهما. قال أبو عبيدة: من قرأ بالرفع، فهو على ~~الصفة للولي؛ فالمعنى: هب لي وليا وارثا، ومن جزم، فعلى الشرط ~~والجزاء، كقولك: إن وهبته لي ورثني. # وفي المراد بهذا الميرث أربعة أقوال. # أحدها: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وبه قال أبو صالح. # والثاني: يرثني العلم، ويرث من آل يعقوب الملك، فأجابه الله ~~تعالى إلى وراثة العلم دون الملك، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: يرثني نبوتي وعلمي، ويرث من آل يعقوب النبوة أيضا، ~~قاله الحسن. # والرابع: يرثني النبوة، ويرث من آل يعقوب الأخلاق، قاله عطاء. قال ~~مجاهد: كان زكريا من ذرية يعقوب، وزعم الكلبي أن آل يعقوب كانوا أخواله، ~~وأنه ليس بيعقوب أبي يوسف. وقال مقاتل: هو يعقوب بن ماثان، وكان يعقوب ~~هذا وعمران أبو مريم أخوين. # والصحيح: أنه لم يرد ميراث المال لوجوه. # أحدها: أنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ". # والثاني: [أنه] لا يجوز أن يتأسف نبي الله على مصير ماله بعد موته ~~إذا وصل إلى وارثه المستحق له شرعا. # والثالث: أنه لم يكن ذا مال. وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى ms1275 الله ~~عليه وسلم أن زكريا كان نجارا. # قوله تعالى: { واجعله رب رضيا } قال اللغويون: أي: مرضيا، فصرف ~~عن مفعول إلى فعيل، كما قالوا: مقتول وقتيل. ### || [19.7-11] # قوله تعالى: { يا زكريا إنا نبشرك } في الكلام إضمار، تقديره: فاستجاب ~~الله له فقال: «يا زكريا إنا نبشرك». وقرأ حمزة: «نبشرك» ~~بالتخفيف. وقد شرحنا هذا في [آل عمران: 39]. # قوله تعالى: { لم نجعل له من قبل سميا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لم يسم يحيى قبله، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~وقتادة، وابن زيد، والأكثرون. # فإن اعترض معترض، فقال: ما وجه المدحة باسم لم يسم به أحد قبله، ~~ونرى كثيرا من الأسماء لم يسبق إليها؟ فالجواب: أن وجه الفضيلة أن ~~الله تعالى تولى تسميته، ولم يكل ذلك إلى أبويه، فسماه باسم لم ~~يسبق إليه. # والثاني: لم تلد العواقر مثله ولدا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~فعلى هذا يكون المعنى: لم نجعل له نظيرا. # والثالث: لم نجعل له من قبل مثلا وشبها، قاله مجاهد. فعلى هذا ~~يكون عدم الشبه من حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية. وما بعد هذا مفسر ~~في [آل عمران: 39] إلى قوله: { وكانت امرأتي عاقرا }. # وفي معنى «كانت» قولان. # أحدهما: انه توكيد للكلام، فالمعنى: وهي عاقر، كقوله: # كنتم خير أمة # [آل عمران: 110] أي: أنتم. # والثاني: أنها كانت منذ كانت عاقرا، لم يحدث ذلك بها، ذكرهما ابن ~~الأنباري، واختار الأول. # قوله تعالى: { وقد بلغت من الكبر عتيا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «عتيا» و«بكيا» [مريم: 58] ~~و«صليا» [مريم: 70] بضم أوائلها. وقرأ حمزة، والكسائي، بكسر أوائلها، ~~وافقهما حفص عن عاصم، إلا في قوله: «بكيا» فإنه ضم أوله. وقرأ ابن ~~عباس، ومجاهد: «عسيا» بالسين قال مجاهد: «عتيا» هو قحول العظم. ~~وقال ابن قتيبة: أي يبسا؛ يقال: عتا وعسا بمعنى واحد. قال الزجاج: ~~كل شيء انتهى، فقد عتا يعتو عتيا، وعتوا، وعسوا، ~~وعسيا. # قوله تعالى: { قال كذلك } أي: الأمر كما قيل لك من هبة الولد ms1276 على ~~الكبر { قال ربك هو علي هين } أي: خلق يحيى علي سهل. ~~وقرأ معاذ القارىء، وعاصم الجحدري: «هين» باسكان الياء. { وقد خلقتك ~~من قبل } أي: أوجدتك. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: «خلقتك». وقرأ حمزة، والكسائي: «خلقناك» بالنون ~~والألف. { ولم تك شيئا } المعنى: فخلق الولد، كخلقك. وما بعد هذا مفسر ~~في [آل عمران: 39] إلى قوله: { ثلاث ليال سويا } قال الزجاج: ~~«سويا» منصوب على الحال، والمعنى: تمنع عن الكلام وأنت سوي. ~~قال ابن قتيبة: أي: سليما غير أخرس. # قوله تعالى: { فخرج على قومه } وهذا في صبيحة الليلة التي حملت فيها ~~أمرأته { من المحراب } أي: من مصلاه وقد ذكرناه في [آل عمران: 39]. # قوله تعالى: { فأوحى إليهم } فيه قولان. # أحدهما: أنه كتب إليهم في كتاب، قاله ابن عباس. # والثاني: أومأ برأسه ويديه، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { أن سبحوا } أي: صلوا { بكرة وعشيا } قد شرحناه ~~في [آل عمران: 39]، والمعنى: أنه كان يخرج إلى قومه فيأمرهم بالصلاة ~~بكرة وعشيا، فلما حملت امرأته أمرهم بالصلاة إشارة. ### || [19.12-15] # قوله تعالى: { يا يحيى } قال الزجاج: المعنى: فوهبنا له يحيى، وقلنا له: ~~يا يحيى { خذ الكتاب } يعني: التوراة، وكان مأمورا بالتمسك بها. وقال ~~ابن الأنباري: المعنى: اقبل كتب الله كلها إيمانا بها واستعمالا ~~لأحكامها. وقد شرحنا في [البقرة: 63] معنى قوله: { بقوة }. # قوله تعالى: { وآتيناه الحكم } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه الفهم، قاله مجاهد. # والثاني: اللب، قاله الحسن، وعكرمة. # والثالث: العلم، قاله ابن السائب. # والرابع: حفظ التوراة وعلمها، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد زدنا هذا ~~شرحا في سورة [يوسف: 23]. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من قرأ ~~القرآن [من] قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحكم صبيا. # فأما قوله: { صبيا } ففي سنه يوم أوتي الحكم قولان. # أحدهما: أنه سبع سنين، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: ثلاث سنين، قاله قتادة، ومقاتل. # قوله تعالى: { وحنانا من لدنا } قال الزجاج: أي: وآتيناه حنانا. ~~وقال ابن الأنباري: المعنى: وجعلناه حنانا لأهل زمانه. # وفي ms1277 الحنان ستة أقوال. # أحدها: أنه الرحمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والفراء، وأبو عبيدة، وأنشد: # تحنن علي هداك المليك # فإن لكل مقام مقالا # قال: وعامة ما يستعمل في المنطق على لفظ الاثنين، قال طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # قال ابن قتيبة: ومنه يقال: تحنن علي، وأصله من حنين الناقة على ~~ولدها. وقال ابن الأنباري: لم يختلف اللغويون أن الحنان: الرحمة، ~~والمعنى: فعلنا ذلك رحمة لأبويه، وتزكية له. والثاني: أنه التعطف من ~~ربه عليه، قاله مجاهد. والثالث: أنه اللين، قاله سعيد بن جبير. ~~والرابع: البركة، وروي عن ابن جبير أيضا. والخامس: المحبة، قاله ~~عكرمة، وابن زيد. والسادس: التعظيم، قاله عطاء بن أبي رباح. # وفي قوله: { وزكاة } أربعة أقوال. # أحدها: أنها العمل الصالح، قاله الضحاك، وقتادة. # والثاني: أن معنى الزكاة: الصدقة، فالتقدير: إن الله تعالى جعله صدقة ~~تصدق بها على أبويه، قاله ابن السائب. # والثالث: أن الزكاة: التطهير، قاله الزجاج. # والرابع: أن الزكاة: الزيادة، فالمعنى: وآتيناه زيادة في الخير على ما ~~وصف وذكر، قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: { وكان تقيا } قال ابن عباس: جعلته يتقيني، ولا يعدل بي ~~غيري. # قوله تعالى: { وبرا بوالديه } أي: وجعلناه برا بوالديه، والبر ~~بمعنى: البار؛ والمعنى: لطيفا بهما، محسنا إليهما. والعصي بمعنى: ~~العاصي. وقد شرحنا معنى الجبار في [هود: 59]. # قوله تعالى: { وسلام عليه } فيه قولان. # أحدهما: أنه السلام المعروف من الله تعالى. قال عطاء: سلام عليه مني ~~في هذه الأيام؛ وهذا اختيار أبي سليمان. # والثاني: أنه بمعنى: السلامة، قاله ابن السائب. # فإن قيل: كيف خص التسليم عليه بالأيام، وقد يجوز أن يولد ليلا ويموت ~~ليلا؟ # فالجواب: أن المراد باليوم الحين والوقت، على ما بينا في قوله: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3]. # قال ابن عباس: وسلام عليه حين ولد. وقال الحسن البصري: التقى يحيى ~~وعيسى، فقال يحيى لعيسى: أنت خير مني، فقال عيسى ليحيى: بل أنت خير مني، ~~سلم الله عليك، وأنا سلمت ms1278 على نفسي. وقال سعيد بن جبير مثله: إلا ~~أنه قال أثنى الله عليك، وأنا أثنيت على نفسي. وقال سفيان بن عيينه: أوحش ~~ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن، يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان ~~فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر ~~لم يره، فخص الله تعالى يحيى فيها بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة. ### || [19.16-21] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب } يعني: القرآن { مريم إذ انتبذت } قال ~~أبو عبيدة: تنحت واعتزلت { مكانا شرقيا } مما يلي المشرق، وهو عند ~~العرب خير من الغربي. # قوله تعالى: { فاتخذت من دونهم } يعني: أهلها { حجابا } أي: سترا ~~وحاجزا، وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ضربت سترا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن الشمس أظلتها، فلم يرها أحد منهم، وذلك مما سترها الله ~~به، [روي] هذا المعنى عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها اتخذت حجابا من الجدران، قاله السدي عن أشياخه. # وفي سبب انفرادها عنهم قولان. # أحدهما: [أنها] انفردت لتطهر من الحيض وتمتشط، قاله ابن عباس. # والثاني: لتفلي رأسها، قاله عطاء. # قوله تعالى: { فأرسلنا إليها روحنا } وهو جبريل في قول الجمهور. وقال ~~ابن الأنباري: صاحب روحنا، وهو جبريل. والروح بمعنى: الروح والفرح، ~~ثم تضم الراء لتحقيق مذهب الاسم، وإبطال طريق المصدر، ويجوز أن يراد ~~بالروح هاهنا: الوحي وجبريل صاحب الوحي. # وفي وقت مجيئه إليها ثلاثة أقوال. # أحدها: وهي تغتسل. # والثاني: بعد فراغها، ولبسها الثياب. # والثالث: بعد دخولها بيتها. وقد قيل: المراد بالروح هاهنا: [الروح] الذي ~~خلق منه عيسى، حكاه الزجاج، والماوردي، وهو مضمون كلام أبي بن كعب ~~فيما سنذكره عند قوله: { فحملته }. قال ابن الأنباري: وفيه بعد، لقوله: ~~{ فتمثل لها بشرا سويا } ، والمعنى: تصور لها في صورة البشر ~~التام الخلقة. وقال ابن عباس: جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعد قطط ~~حين طر شاربه. وقرأ أبو نهيك: «فأرسلنا إليها روحنا» بفتح الراء، من ~~الروح. # قوله تعالى: { قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا } المعنى: ~~إن كنت تتقي الله، ms1279 فستنتهي بتعوذي منك، هذا هو القول عند المحققين. ~~وحكي عن ابن عباس أنه كان في زمانها رجل اسمه تقي، وكان فاجرا، فظنته ~~إياه، ذكره ابن الأنباري، والماوردي. وفي قراءة علي عليه السلام، وابن ~~مسعود، وأبي رجاء: «إلا أن تكون تقيا». # قوله تعالى: { قال إنما أنا رسول ربك } أي: فلا تخافي { ليهب لك ~~} قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «لأهب لك» ~~بالهمز. وقرأ أبو عمرو، وورش عن نافع: «ليهب لك» بغير همز. قال الزجاج: ~~من قرأ «ليهب» فالمعنى: أرسلني ليهب، ومن قرأ «لأهب» فالمعنى: أرسلت ~~إليك لأهب لك. وقال ابن الأنباري: المعنى: أرسلني يقول لك: أرسلت ~~رسولي إليك لأهب لك. # قوله تعالى: { غلاما زكيا } أي: طاهرا من الذنوب. والبغي: الفاجرة ~~الزانية. قال ابن الأنباري: وإنما لم يقل: «بغية» لأنه وصف يغلب على ~~النساء، فقلما تقول العرب: رجل بغي، فيجري مجرى حائض، وعاقر. وقال ~~غيره: إنما لم يقل: «بغية» لأنه مصروف عن وجهه، فهو «فعيل» بمعنى: ~~«فاعل». # ومعنى الآية: ليس لي زوج، ولست بزانية، وإنما يكون الولد من هاتين ~~الجهتين. { قال كذلك قال ربك } قد شرحناه في قصة زكريا، والمعنى: ~~أنه يسير علي أن أهب لك غلاما من غير أب. { ولنجعله آية للناس } أي: ~~دلالة على قدرتنا كونه من غير أب. قال ابن الأنباري: إنما دخلت الواو في ~~قوله: { ولنجعله } لأنها عاطفة لما بعدها على كلام مضمر محذوف، تقديره: ~~قال ربك خلقه علي هين لننفعك به، ولنجعله عبرة. # قوله تعالى: { ورحمة منا } أي: لمن تبعه وآمن به { وكان أمرا ~~مقضيا } أي: وكان خلقه أمرا محكوما به، مفروغا عنه، سابقا في ~~علم الله تعالى كونه. ### || [19.22-26] # قوله تعالى: { فحملته } يعني: عيسى. # وفي كيفية حملها له قولان. # أحدهما: أن جبريل نفخ في جيب درعها، فاستمر بها حملها، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس. قال السدي: نفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من ~~قدامها، فدخلت النفخة في صدرها فحملت من وقتها. # والثاني: الذي خاطبها هو الذي حملته، ودخل من فيها، قاله ms1280 أبي بن ~~كعب. # وفي مقدار حملها سبعة أقوال. # أحدها: أنها حين حملت وضعت، قاله ابن عباس، والمعنى: أنه ما طال حملها، ~~وليس المراد أنها وضعته في الحال، لأن الله تعالى يقول: { فحملته فانتبذت ~~به } ، وهذا يدل على أن بين الحمل والوضع وقتا يحتمل الانتباذ به. # والثاني: أنها حملته تسع ساعات، ووضعت من يومها، قاله الحسن. # والثالث: تسعة أشهر، قاله سعيد بن جبير، وابن السائب. # والرابع: ثلاث ساعات، حملته في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، ~~قاله مقاتل بن سليمان. # والخامس: ثمانية أشهر، فعاش، ولم يعش مولود قط لثمانية أشهر، فكان في ~~هذا آية، حكاه الزجاج. # والسادس: في ستة أشهر، حكاه الماوردي. # والسابع: في ساعة واحدة، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { فانتبذت به } يعني بالحمل { مكانا قصيا } أي: ~~بعيدا. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: { قاصيا }. قال ابن إسحاق: مشت ~~ستة أميال. قال الفراء: القصي والقاصي بمعنى واحد. وقال غير الفراء: ~~القصي والقاصي بمنزلة الشهيد والشاهد. وإنما بعدت، فرارا من قومها ~~أن يعيروها بولادتها من غير زوج. # قوله تعالى: { فأجاءها المخاض } وقرأ عكرمة، وإبراهيم النخعي، وعاصم ~~الجحدري: «المخاض» بكسر الميم. قال الفراء: المعنى: فجاء بها المخاض، ~~فلما ألقيت الباء، جعلت في الفعل ألفا، ومثله: # آتنا غداءنا # [الكهف: 62] أي: بغدائنا، ومثله: # آتوني زبر الحديد # [الكهف: 96] أي: بزبر الحديد. قال أبو عبيدة: أفعلها من جاءت هي، ~~وأجاءها غيرها. وقال ابن قتيبة: المعنى: جاء بها، وألجأها، وهو من حيث ~~يقال: جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني الحاجة إليك، والمخاض: الحمل. ~~وقال غيره: المخاض: وجع الولادة. { إلى جذع النخلة } وهو ساق النخلة، ~~وكانت نخلة يابسة في الصحراء، ليس لها رأس ولا سعف. { قالت يا ليتني ~~مت قبل هذا } اليوم، أو هذا الأمر. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، ~~وحفص: «مت» بكسر الميم. # وفي سبب قولها هذا قولان. # أحدهما: أنها قالته حياء من الناس. # والثاني: لئلا يأثموا بقذفها. # قوله تعالى: { وكنت نسيا منسيا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، بكسر النون، ms1281 وقرأ حمزة، وحفص عن ~~عاصم: «نسيا» بفتح النون. قال الفراء: وأصحاب عبد الله يقرؤون: ~~«نسيا» بفتح النون، وسائرالعرب بكسرها، وهما لغتان، مثل الجسر ~~والجسر، والوتر والوتر، والفتح أحب إلي. # قال أبو علي الفارسي: الكسر على اللغتين. وقال ابن الأنباري: من كسر ~~النون قال: النسي: اسم لما ينسى، بمنزلة البغض اسم لما يبغض، ~~والسب اسم لما يسب. والنسي بفتح النون: اسم لما ينسى أيضا على أنه ~~مصدر ناب عن الاسم، كما يقال: الرجل دنف ودنف. فالمكسور: هو الوصف ~~الصحيح، والمفتوح: مصدر سد مسد الوصف. ويمكن أن يكون النسي والنسي ~~اسمين لمعنى، كما يقال: الرطل والرطل. # وللمفسرين في قوله تعالى: { نسيا منسيا } خمسة أقوال. # أحدها: يا ليتني لما أكن شيئا، قاله الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ~~وابن زيد. # والثاني: «وكنت نسيا منسيا» أي: دم حيضة ملقاة، قاله مجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وعكرمة. قال الفراء: النسي: ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها. ~~وقال ابن الأنباري: هي خرق الحيض تلقيها المرأة فلا تطلبها ولا تذكرها. # والثالث: [أنه من] السقط، قاله أبو العالية، والربيع. # والرابع: أن المعنى: يا ليتني لا يدرى من أنا، قاله قتادة. # والخامس: أنه الشيء التافه يرتحل عنه القوم، فيهون عليهم فلا يرجعون ~~إليه، قاله ابن السائب. وقال أبو عبيدة: النسي، والمنسي: ما ينسى من ~~إداوة وعصا. يعني أنه ينسى في المنزل، فلا يرجع إليه لاحتقار صاحبه ~~إياه. وقال الكسائي: معنى الآية: ليتني كنت ما إذا ذكر لم يطلب. # قوله تعالى: { فناداها من تحتها } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «من تحتها» بفتح الميم، والتاء. وقرأ نافع، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «من تحتها» بكسر الميم، والتاء. فمن قرأ بكسر ~~الميم، ففيه وجهان. # أحدهما: ناداها الملك من تحت النخلة. وقيل: كانت على نشز، فناداها ~~الملك أسفل منها. # والثاني: ناداها عيسى لما خرج من بطنها. قال ابن عباس: كل ما رفعت ~~إليه طرفك، فهو فوقك، وكل ما خفضت إليه طرفك، فهو تحتك. ومن قرأ بفتح ~~الميم، ms1282 ففيه الوجهان المذكوران. وكان الفراء يقول: ما خاطبها إلا الملك ~~على القراءتين جميعا. # قوله تعالى: { قد جعل ربك تحتك سريا } فيه قولان. # أحدهما: أنه النهر الصغير، قاله جمهور المفسرين، واللغويون، قال أبو ~~صالح، وابن جريج: هو الجدول بالسريانية. # والثاني: أنه عيسى كان سريا من الرجال، قاله الحسن، وعكرمة، [وابن ~~زيد]. قال ابن الأنباري: وقد رجع الحسن عن هذا القول إلى القول الأول، ~~ولو كان وصفا لعيسى، كان غلاما سريا أو سويا من الغلمان، وقلما ~~تقول العرب: رأيت عندك نبيلا، حتى يقولوا: رجلا نبيلا. # فإن قيل: كيف ناسب تسليتها أن قيل: لا تحزني، فهذا نهر يجري؟ # فالجواب: من وجهين. # أحدهما: أنها حزنت لجدب مكانها الذي ولدت فيه، وعدم الطعام والشراب ~~والماء الذي تتطهر به، فقيل: لا تحزني قد أجرينا لك نهرا، وأطلعنا لك ~~رطبا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها حزنت لما جرى عليها من ولادة ولد عن غير زوج، فأجرى الله ~~تعالى لها نهرا، فجاءها من الأردن، وأخرج لها الرطب من الشجرة ~~اليابسة، فكان ذلك آية تدل على قدرة الله تعالى في إيجاد عيسى، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: { وهزي إليك } الهز: التحريك. # والباء في قوله تعالى: { بجذع النخلة } فيها قولان. # أحدهما: أنها زائدة مؤكدة، كقوله تعالى: # فليمدد بسبب إلى السماء # [الحج: 15] قال الفراء: معناه: فليمدد سببا. والعرب تقول: هزه، وهز ~~به، وخذ الخطام، وخذ بالخطام، وتعلق زيدا، وتعلق به. وقال أبو ~~عبيدة: هي مؤكدة، كقول الشاعر: # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # والثاني: أنها دخلت على الجذع لتلصقه بالهز، فهي مفيدة للالصاق، قاله ~~ابن الأنباري. # قوله تعالى: { تساقط } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تساقط» بالتاء مشددة السين. وقرأ حمزة، ~~وعبد الوارث: «تساقط» بالتاء مفتوحة مخففة السين. وقرأ حفص عن عاصم: ~~«تساقط» بضم التاء وكسر القاف مخففة السين. وقرأ يعقوب، وأبو زيد عن ~~المفضل: «يساقط» بالياء مفتوجة وتشديد السين وفتح القاف. فهذه ~~القراآت المشاهير. وقرأ أبي بن كعب، وأبو حيوة: «تسقط» بفتح التاء ms1283 ~~وسكون السين ورفع القاف. وقرأ عبد الله بن عمرو، وعائشة، والحسن: ~~«يساقط» بألف وتخفيف السين ورفع الياء وكسر القاف. وقرأ الضحاك، وعمرو ~~بن دينار: «يسقط» برفع الياء وكسر القاف مع سكون السين وعدم الألف. ~~وقرأ عاصم الجحدري، وأبو عمران الجوني مثله، إلا أنه بالتاء. وقرأ معاذ ~~القارىء، وابن يعمر مثله، إلا أنه بالنون. وقرأ أبو رزين العقيلي، وابن ~~أبي عبلة: «يسقط» بالياء مفتوحة مع سكون السين ورفع القاف. وقرأ أبو ~~السماك العدوي، وابن حزام: «تتساقط» بتاءين مفتوحين وبألف. وقال الزجاج: ~~من قرأ «يساقط» فالمعنى: يتساقط، فأدغمت التاء في السين. ومن قرأ ~~«تساقط»، فكذلك أيضا، وأنث لأن لفظ النخلة يؤنث. ومن قرأ «تساقط» ~~بالتاء والتخفيف، فإنه حذف من «تتساقط» اجتماع التاءين. ومن قرأ «يساقط» ~~ذهب إلى معنى: يساقط الجذع عليك. ومن قرأ «نساقط» بالنون، فالمعنى: ~~نحن نساقط عليك، فنجعله لك آية، والنحويون يقولون: إن «رطبا» منصوب ~~على التمييز إذا قلت: يساقط أو يتساقط، المعنى: يتساقط الجزع رطبا. ~~وإذا قلت: تساقط بالتاء، فالمعنى: تتساقط النخلة رطبا. # قوله تعالى: { جنيا } قال الفراء: الجني: المجتنى، وقال ابن ~~الأنباري: هو الطري، والأصل: مجنو، صرف من مفعول إلى فعيل، كما ~~يقال: قديد، وطبيخ. وقال غيره: هو الطري بغباره: ولم يكن لتلك النخلة ~~رأس، فأنبته الله تعالى، فلما وضعت يدها عليها، سقط الرطب رطبا. وكان ~~السلف يستحبون للنفساء الرطب من أجل مريم عليها السلام. # قوله تعالى: { فكلي } أي: من الرطب { واشربي } من النهر { وقري عينا ~~} بولادة عيسى عليه السلام. قال الزجاج: يقال: قررت به عينا أقر، ~~بفتح القاف في المستقبل، وقررت في المكان أقر، بكسر القاف، و«عينا»: ~~منصوب على التمييز. # وروى ابن الأنباري عن الأصمعي أنه قال: معنى «وقري عينا»، ولتبرد ~~دمعتك، لأن دمعة الفرح باردة، ودمعة الحزن حارة. واشتقاق «قري» من ~~القرور، وهو الماء البارد. وقال لنا أحمد بن يحيى: تفسير «قري عينا» ~~بلغت غاية أملك حتى تقر عينك من الاستشراف إلى غيره، واحتج بقول عمرو ~~ابن كلثوم: # بيوم كريهة ضربا وطعنا # أقر به مواليك العيونا ms1284 # أي: ظفروا وبلغوا منتهى أمنيتهم، فقرت عينهم من تطلع إلى غيره. # قوله تعالى: { فإما ترين } وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، وابن السميفع، ~~والضحاك، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: «ترئن» بهمزة مكسورة من غير ~~ياء. أي: إن رأيت من البشر أحدا فقولي؛ وفيه إضمار تقديره: فسألك عن ~~أمر ولدك. { فقولي إني نذرت للرحمن صوما } فيه قولان. # أحدهما: صمتا، قاله ابن عباس، وأنس بن مالك، والضحاك؛ وكذلك قرأ أبي ~~بن كعب، وأنس بن مالك، وأبو رزين العقيلي: «صمتا» مكان قوله: «صوما». ~~وقرأ ابن عباس: صياما. # والثاني: صوما عن الطعام والشراب والكلام، قاله قتادة. وقال ابن زيد: ~~كان المجتهد من بني إسرائيل يصوم عن الكلام كما يصوم عن الطعام، إلا من ~~ذكر الله عز وجل. قال السدي: فأذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم تسكت. ~~قال ابن مسعود: أمرت بالصمت، لأنها لم تكن لها حجة عند الناس، ~~فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها مما يبرىء به ~~ساحتها. وقيل: كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس. قال ابن ~~الأنباري: الصوم في لغة العرب على أربعة معان، يقال: صوم لترك الطعام ~~والشراب، وصوم للصمت، وصوم لضرب من الشجر، وصوم لذرق النعام. # واختلف العلماء في مقدار سن مريم يوم ولادتها على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ولدت وهي بنت خمس عشرة سنة، قاله وهب بن منبه. # والثاني: بنت اثنتي عشرة سنة، قاله زيد بن أسلم. # والثالث: بنت ثلاث عشرة سنة، قاله مقاتل. ### || [19.27-33] # قوله تعالى: { فأتت به قومها تحمله } قال ابن عباس في رواية أبي صالح: ~~أتتهم به بعد أربعين يوما حين طهرت من نفاسها. وقال في رواية الضحاك: ~~انطلق قومها يطلبونها، فلما رأتهم حملت عيسى فتلقتهم به، فذلك قوله ~~تعالى: { فأتت به قومها تحمله }. # فإن قيل: «أتت به» يغني عن «تحمله» فلا فائدة للتكرير. # فالجواب: أنه لما ظهرت منه آيات، جاز أن يتوهم السامع «فأتت به» أن ~~يكون ساعيا على قدميه، فيكون سعية آية كنطقه، فقطع ذلك التوهم، ~~وأعلم أنه كسائر الأطفال، وهذا مثل قول العرب: نظرت ms1285 إلى فلان بعيني، ~~فنفوا بذلك نظر العطف؛ والرحمة، وأثبتوا [أنه] نظر عين. وقال ابن ~~السائب: لما دخلت على قومها بكوا، وكانوا قوما صالحين؛ و { قالوا يا ~~مريم لقد جئت شيئا فريا } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: شيئا عظيما، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. قال الفراء: ~~الفري: العظيم، والعرب تقول: تركته يفري الفري، إذا عمل فأجاد العمل ~~ففضل الناس، قيل هذا فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " فما رأيت عبقريا يفري فري عمر ". # والثاني: عجبا فائقا، قاله أبو عبيدة. # والثالث: شيئا مصنوعا، ومنه يقال: فريت الكذب، وافتريته، قاله ~~اليزيدي. قوله تعالى: { يا أخت هارون } في المراد بهارون هذا خمسة أقوال. # أحدها: أنه أخ لها من أمها، وكان من أمثل فتى في بني إسرائيل، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس. و قال الضحاك: كان من أبيها وأمها. # والثاني: أنها كانت من بني هارون، قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال السدي: ~~كانت من بني هارون أخي موسى عليهما السلام، فنسبت إليه، لأنها من ولده. # والثالث: أنه رجل صالح كان في بني إسرائيل، فشبهوها به في الصلاح، ~~وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وقتادة، ويدل عليه ما روى المغيرة بن شعبة ~~قال: # " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا: ألستم ~~تقرؤون: «يا أخت هارون» وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ فلم أدر ما ~~أجيبهم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «ألا ~~أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» ". # والرابع: أن قوم هارون كان فيهم فساق وزناة، فنسبوها إليهم، قاله ~~سعيد بن جبير. # والخامس: أنه رجل من فساق بني إسرائيل شبهوها به، قاله وهب بن ~~منبه. فعلى هذا يخرج في معنى «الأخت» قولان. # أحدهما: أنها الأخت حقيقة. # والثاني: المشابهة، لا المناسبة، كقوله تعالى: # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها # [الزخرف: 48]. # قوله تعالى: { ما كان أبوك } يعنون: عمران { امرأ سوء } أي: ~~زانيا { وما كانت أمك } حنة { بغيا } أي: زانية، فمن أين لك ~~هذا الولد؟! ms1286 # قوله تعالى: { فأشارت } أي: أومأت { إليه } أي: إلى عيسى فتكلم. # وقيل المعنى: أشارت إليه أن كلموه. وكان عيسى قد كلمها حين أتت ~~قومها، وقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما أشارت أن ~~كلموه، تعجبوا من ذلك، و { قالوا كيف نكلم من كان } وفيها أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنها زائدة، فالمعنى كيف نكلم صبيا في المهد؟!. # والثاني: أنها في معنى: وقع، وحدث. # والثالث: أنها في معنى الشرط والجزاء، فالمعنى: من يكن في المهد صبيا، ~~فكيف نكلمه؟! حكاها الزجاج، واختار الأخير منها؛ قال ابن الأنباري: ~~وهذا كما تقول: كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي؟! أي: من يكن لا يقبل، ~~والماضي يكون بمعنى المستقبل في الجزاء. # والرابع: أن «كان» بمعنى: صار، قاله قطرب. # وفي المراد بالمهد قولان. # أحدهما: حجرها، قاله نوف، وقتادة، والكلبي. # والثاني: سرير الصبي المعروف، حكاه الكلبي أيضا. # قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم، لم يزد على أن ترك الرضاع، وأقبل ~~عليهم بوجهه، فقال: إني عبد الله. قال المفسرون: إنما قدم ذكر ~~العبودية، ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية. وفي قوله: { آتاني ~~الكتاب } أسكن هذه الياء حمزة. وفي معنى الآية قولان. # أحدهما: أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~وقيل: علم التوراة والإنجيل وهو في بطن أمه. # والثاني: قضى أن يؤتيني الكتاب، قاله عكرمة. # وفي «الكتاب» قولان. # أحدهما: أنه التوراة. # والثاني: الإنجيل. # قوله تعالى: { وجعلني نبيا } هذا وما بعده إخبار عما قضى الله له ~~وحكم له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون. وقيل: المعنى: يؤتيني الكتاب ~~ويجعلني نبيا إذا بلغت؛ فحل الماضي محل المستقبل، كقوله تعالى: # وإذ قال الله يا عيسى # [المائدة: 116]. # وفي وقت تكليمه لهم قولان. # أحدهما: أنه كلمهم بعد أربعين يوما. # والثاني: في يومه. وهو مبني على ما ذكرنا من الزمان الذي غابت عنهم ~~فيه مريم. # قوله تعالى: { وجعلني مباركا أينما كنت } روى أبو هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: # " نفاعا حيثما توجهت " # وقال مجاهد: ms1287 معلما للخير. # وفي المراد «بالزكاة» قولان. # أحدهما: زكاة الأموال، قاله ابن السائب. # والثاني: الطهارة، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وبرا بوالدتي } قال ابن عباس: لما قال هذا، ولم يقل: ~~«بوالدي» علموا أنه ولد من غير بشر. # قوله تعالى: { ولم يجعلني جبارا } أي: متعظما { شقيا } عاصيا ~~لربه { والسلام علي يوم ولدت } قال المفسرون: السلامة علي من ~~الله يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان. وقد سبق تفسير الآية [مريم: 15]. # فإن قيل: لم ذكر هاهنا «السلام» بألف ولام، وذكره في قصة يحيى بلا ألف ~~ولام؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنه لما جرى ذكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام، كان ~~الأحسن أن يرد ثانية بألف ولام، هذا قول الزجاج. # وقد اعترض على هذا القول، فقيل: كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول عيسى، ~~على الأول وهو قول الله عز وجل؟! # وقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: عيسى إنما يتعلم من ربه، فيجوز أن ~~يكون سمع قول الله في يحيى، فبنى عليه وألصقه بنفسه، ويجوز أن يكون الله ~~عز وجل عرف السلام الثاني لأنه أتى بعد سلام قد ذكره، وأجراه عليه غير ~~قاصد به إتباع اللفظ المحكي، لأن المتكلم، له أن يغير بعض الكلام ~~الذي يحكيه، فيقول: قال عبد الله: أنا رجل منصف، يريد: قال لي عبد ~~الله: أنت رجل منصف. # والجواب الثاني: أن سلاما والسلام لغتان بمعنى واحد، ذكره ابن ~~الأنباري. ### || [19.34-36] # قوله تعالى: { ذلك عيسى ابن مريم } قال الزجاج: أي، ذلك الذي قال: إني ~~عبد الله، هو ابن مريم، لا ما تقول النصارى: إنه ابن الله، وإنه إله. # قوله تعالى: { قول الحق } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، ~~والكسائي: «قول الحق» برفع اللام. وقرأ عاصم، وابن عامر، ويعقوب: بنصب ~~اللام. قال الزجاج: من رفع «قول الحق» فالمعنى: هو قول الحق، يعني هذا ~~الكلام؛ ومن نصب، فالمعنى: أقول قول الحق. وذكر ابن الأنباري في الآية ~~وجهين. # أحدهما: أنه لما وصف بالكلمة جاز أن ينعت بالقول. # والثاني: أن في الكلام إضمارا، تقديره: ذلك نبأ ms1288 عيسى، ذلك النبأ قول ~~الحق. # قوله تعالى: { الذي فيه يمترون } أي: يشكون. قال قتادة: امترت اليهود ~~فيه والنصارى، فزعم اليهود أنه ساحر، وزعم النصارى أنه ابن الله وثالث ~~ثلاثة. قرأ أبو مجلز، ومعاذ القارىء، وابن يعمر، وأبو رجاء: «تمترون» ~~بالتاء. # قوله تعالى: { ما كان لله أن يتخذ من ولد } قال الزجاج: المعنى: ~~أن يتخذ ولدا. و«من» مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة، لأن للقائل ~~أن يقول: ما اتخذت فرسا، يريد: اتخذت أكثر من ذلك، وله أن يقول: ما ~~اتخذت فرسين ولا أكثر، يريد: اتخذت فرسا واحدا؛ فإذا قال: ما اتخذت من ~~فرس، فقد دل على نفي الواحد والجميع. # قوله تعالى: { كن فيكون } وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة: ~~«فيكون» بالنصب، وقد ذكرنا وجهه في [البقرة 117]. # قوله تعالى: { وإن الله ربي وربكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو: «وأن الله» بنصب الألف. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~«وإن الله» بكسر الألف. وهذا من قول عيسى؛ فمن فتح، عطفه على قوله: { ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة } وبأن الله ربي؛ ومن كسر، ففيه وجهان. # أحدهما: أن يكون معطوفا على قوله: { إني عبد الله }. # والثاني: أن يكون مستأنفا. ### || [19.37-40] # قوله تعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم } قال المفسرون: «من» زائدة، ~~والمعنى: اختلفوا بينهم. وقال ابن الأنباري: لما تمسك المؤمنون بالحق، ~~كان اختلاف الأحزاب بين المؤمنين مقصورا عليهم. # وفي الأحزاب قولان. # أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، فكانت اليهود تقول: إنه لغير رشدة، ~~والنصارى تدعي فيه ما لا يليق به. # والثاني: أنهم فرق النصارى، قال بعضهم: هو الله، وقال بعضهم: ابن ~~الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة. # قوله تعالى: { فويل للذين كفروا } بقولهم في المسيح { من مشهد ~~يوم عظيم } أي: من حضورهم ذلك اليوم للجزاء. # قوله تعالى: { أسمع بهم وأبصر } فيه قولان. # أحدهما: أن لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر؛ فالمعنى: ما أسمعهم وأبصرهم ~~يوم القيامة، سمعوا وأبصروا حين لم ينفعهم ذلك لأنهم شاهدوا من أمر الله ~~ما لا يحتاجون معه إلى نظر وفكر فعلموا الهدى وأطاعوا، هذا قول ~~الأكثرين. ms1289 # والثاني: أسمع بحديثهم اليوم، وأبصر كيف يصنع بهم { يوم يأتوننا ~~} ، قاله أبو العالية. # قوله تعالى: { لكن الظالمون } يعني: المشركين والكفار { اليوم } يعني: ~~في الدنيا { في ضلال مبين }. # قوله تعالى: { وأنذرهم } أي: خوف كفار مكة { يوم الحسرة } يعني: ~~يوم القيامة يتحسر المسيء إذ لم يحسن، والمقصر إذ لم يزدد ~~من الخير. # وموجبات الحسرة يوم القيامة كثيرة، فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قيل: يا أهل الجنة، ~~فيشرئبون وينظرون، وقيل: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون، فيجاء ~~بالموت كأنه كبش أملح، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت، ~~فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا ~~موت؛ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ ~~قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون } ". # قال المفسرون: فهذه هي الحسرة إذا ذبح الموت، فلو مات أحد فرحا مات ~~أهل الجنة، ولو مات أحد حزنا مات أهل النار. # ومن موجبات الحسرة، ما روى عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " «يؤتى يوم القيامة بناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا ~~ريحها ونظروا إلى قصورها، نودوا: أن اصرفوهم عنها، لا نصيب لهم فيها، ~~فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها، فيقولون: يا ربنا لو ~~أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا؛ قال: ذلك ~~أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس ~~لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس ~~ولم تهابوني، وأجللتم الناس ولم تجلوني، تركتم للناس ولم تتركوا لي، ~~فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتكم من الثواب ". # ومن موجبات الحسرة ما روي عن ابن مسعود قال: ليس من نفس يوم القيامة ~~إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، ثم يقال: يعني لهؤلاء: ~~لو عملتم، ولأهل الجنة: لولا أن من الله عليكم. ms1290 ومن موجبات الحسرة: قطع ~~الرجاء عند إطباق النار على أهلها. # قوله تعالى: { إذ قضي الأمر } قال ابن الأنباري: «قضي» في اللغة ~~بمعنى: أتقن وأحكم، وإنما سمي الحاكم قاضيا، لإتقانه وإحكامه ما ~~ينفذ. وفي الآية اختصار، والمعنى: إذ قضي الأمر الذي فيه هلاكهم. # وللمفسرين في الأمر قولان. # أحدهما: أنه ذبح الموت، قاله ابن جريج، والسدي. # والثاني: أن المعنى: قضي العذاب لهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وهم في غفلة } أي: هم في الدنيا في غفلة عما يصنع بهم ~~ذلك اليوم { وهم لا يؤمنون } بما يكون في الآخرة. # قوله تعالى: { إنا نحن نرث الأرض } أي: نميت سكانها فنرثها { ومن ~~عليها وإلينا يرجعون } بعد الموت. # فإن قيل: ما الفائدة في «نحن» وقد كفت عنها «إنا»؟ # فالجواب: أنه لما جاز في قول المعظم: «إنا نفعل» أن يوهم أن أتباعه ~~قعلوا، أبانت «نحن» بأن الفعل مضاف إليه حقيقة. # فإن قيل: فلم قال: «ومن عليها» وهو يرث الآدميين وغيرهم؟! # فالجواب: أن «من» تختص أهل التمييز، وغير المميزين يدخلون في معنى ~~الأرض ويجرون مجراها، ذكر الجوابين عن السؤالين ابن الأنباري. ### || [19.41-50] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إبراهيم } أي: اذكر لقومك قصته. وقد سبق ~~معنى الصديق في [النساء: 69]. # قوله تعالى: { ولا يغني عنك شيئا } أي: لا يدفع عنك ضرا. # قوله تعالى: { إني قد جاءني من العلم } بالله والمعرفة { مالم يأتك ~~}. # قوله تعالى: { لا تعبد الشيطان } أي: لا تطعه فيما يأمر به من الكفر ~~والمعاصي. وقد شرحنا معنى «كان» آنفا. و { عصيا } أي: عاصيا، فهو ~~«فعيل» بمعنى «فاعل». # قوله تعالى: { إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن } قال مقاتل: في ~~الآخرة؛ وقال غيره: في الدنيا، { فتكون للشيطان وليا } أي: قرينا في ~~عذاب الله، فجرت المقارنة مجرى الموالاة. وقيل: إنما طمع إبراهيم في ~~إيمان أبيه، لأنه حين خرج من النار قال له: نعم الإله إلهك يا ~~إبراهيم، فحينئذ أقبل يعظه، فأجابه أبوه: { أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم }! أي: أتارك عبادتها انت؟! { لئن لم تنته } عن عيبها وشتمها { ~~لأرجمنك } وفيه قولان. ms1291 # أحدهما: بالشتم والقول، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: بالحجارة حتى تتباعد عني، قاله الحسن. # قوله تعالى: { واهجرني مليا } فيه قولان. # أحدهما: اهجرني طويلا، رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، والفراء، والأكثرون. قال ابن قتيبة: اهجرني حينا طويلا، ومنه ~~يقال: تمليت حبيبك. # والثاني: اجتنبني سالما قبل أن تصيبك عقوبتي، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال قتادة، والضحاك؛ فعلى هذا يكون من قولهم: فلان ملي بكذا ~~وكذا: إذا كان مضطلعا به، فالمعنى: اهجرني وعرضك وافر، وأنت سليم من ~~أذاي، قاله ابن جرير. # قوله تعالى: { قال سلام عليك } أي: سلمت من أن أصيبك بمكروه، وذلك ~~أنه لم يؤمر بقتاله على كفره، { سأستغفر لك ربي } فيه قولان. # أحدهما: أن المعنى: سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته. # والثاني: أنه وعده الاستغفار وهو لا يعلم أن ذلك محظور في حق المصرين ~~على الكفر، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: { إنه كان بي حفيا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لطيفا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد، ~~والزجاج. # والثاني: رحيما، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: بارا عودني منه الإجابة إذا دعوته، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { وأعتزلكم } أي: وأتنحى عنكم، { و } أعتزل { ما ~~تدعون من دون الله } يعني: الأصنام. # وفي معنى «تدعون» قولان. # أحدهما: تعبدون. # والثاني: أن المعنى: وما تدعونه ربا، { وأدعو ربي } أي: وأعبده { ~~عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا } أي: أرجو أن لا أشقى بعبادته كما ~~شقيتم أنتم بعبادة الأصنام، لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم { فلما ~~اعتزلهم } قال المفسرون: هاجر عنهم إلى أرض الشام، فوهب الله له إسحاق ~~ويعقوب، فآنس الله وحشته عن فراق قومه بأولاد كرام. قال أبو سليمان: ~~وإنما وهب له إسحاق ويعقوب بعد إسماعيل. # قوله تعالى: { وكلا } أي: وكلا من هذين. وقال مقاتل: «وكلا» يعني: ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب { جعلناه نبيا }. # قوله تعالى: { ووهبنا لهم من رحمتنا } قال المفسرون: المال والولد ~~والعلم والعمل، { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } قال ابن قتيبة: أي: ~~ذكرا ms1292 حسنا في الناس مرتفعا، فجميع أهل الأديان يتولون إبراهيم ~~وذريته ويثنون عليهم، فوضع اللسان مكان القول، لأن القول يكون ~~باللسان. ### || [19.51-53] # قوله تعالى: { إنه كان مخلصا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، والمفضل عن عاصم: «مخلصا» بكسر اللام. وقرأ حمزة، والكسائى، ~~وحفص عن عاصم بفتح اللام. قال الزجاج: المخلص، بكسر اللام: الذي وحد ~~الله، وجعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسة، والمخلص، بفتح ~~اللام: الذي أخلصه الله، وجعله مختارا خالصا من الدنس. # قوله تعالى: { وكان رسولا } قال ابن الأنباري: إنما أعاد «كان» لتفخيم ~~شأن النبي المذكور. # قوله تعالى: { وناديناه من جانب الطور } أي: من ناحية الطور، وهو ~~جبل بين مصر ومدين اسمه زبير. قال ابن الأنباري: [إنما] خاطب الله ~~العرب بما يستعملون في لغتهم، ومن كلامهم: عن يمين القبلة وشمالها، ~~يعنون: مما يلي يمين المستقبل لها وشماله، فنقلوا الوصف إلى ذلك ~~اتساعا عند انكشاف المعنى، لأن الوادي لا يد له فيكون له يمين. ~~وقال المفسرون: جاء النداء عن يمين موسى، فلهذا قال: «الأيمن»، ولم ~~يرد به يمين الجبل. # قوله تعالى: { وقربناه نجيا } قال ابن الأنباري: معناه: مناجيا، ~~فعبر «فعيل» عن «مفاعل، كما قالوا: فلان خليطي وعشيري: يعنون: ~~مخالطي ومعاشري. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: «وقربناه» ~~قال: حتى سمع صريف القلم حين كتب له في الألواح. # قوله تعالى: { ووهبنا له من رحمتنا } أي: من نعمتنا عليه إذ أجبنا ~~دعاءه حين سأل أن نجعل معه أخاه وزيرا له. ### || [19.54-57] # قوله تعالى: { إنه كان صادق الوعد } هذا عام فيما بينه وبين الله، ~~وفيما بينه وبين الناس. وقال مجاهد: لم يعد ربه بوعد قط إلا وفى ~~له به. # فإن قيل: كيف خص بصدق الوعد إسماعيل، وليس في الأنبياء من ليس كذلك؟ # فالجواب: أن إسماعيل عانى [في الوفاء] بالوعد ما لم يعانه غيره من ~~الأنبياء، فأثني عليه بذلك. وذكر المفسرون: أنه كان بينه وبين رجل ~~ميعاد، فأقام ينتظره مدة فيها لهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أقام حولا، قاله ms1293 ابن عباس. # والثاني: اثنين وعشرين يوما، قاله الرقاشي. # والثالث: ثلاثة أيام، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وكان رسولا } إلى قومه، وهم جرهم. { وكان يأمر أهله ~~} قال مقاتل: يعني: قومه. وقال الزجاج: أهله: جميع أمته. فأما الصلاة ~~والزكاة، فهما العبادتان المعروفتان. # قوله تعالى: { ورفعناه مكانا عليا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه في السماء الرابعة، روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث ~~مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: أنه رأى ~~إدريس في السماء الرابعة، وبهذا قال أبو سعيد الخدري، ومجاهد، وأبو ~~العالية. # والثاني: أنه في السماء السادسة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~الضحاك. # والثالث: أنه في الجنة، قاله زيد بن أسلم، وهذا يرجع إلى الأول، لأنه ~~قد روي أن الجنة في السماء الرابعة. # والرابع: أنه في السماء السابعة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # وفي سبب صعوده إلى السماء ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه كان يصعد له من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم، فأحبه ~~ملك الموت، فاستأذن الله في خلته، فأذن له، فهبط إليه في صورة ~~آدمي، وكان يصحبه فلما عرفه، قال إني أسألك حاجة، قال: ما هي؟ قال: ~~تذيقني الموت، فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا؛ فأوحى ~~الله إليه أن اقبض روحه ساعة ثم أرسله، ففعل، ثم قال: كيف رأيت؟ ~~قال: كان أشد مما بلغني عنه، وإني أحب أن تريني النار، قال: فحمله، ~~فأراه إياها؛ قال: إني أحب أن تريني الجنة، فأراه إياها، فلما ~~دخلها وطاف فيها، قال له ملك الموت: اخرج، فقال: والله لا أخرج حتى يكون ~~الله تعالى يخرجني؛ فبعث الله ملكا فحكم بينهما، فقال: ما تقول يا ~~ملك الموت؟ فقص عليه ما جرى؛ فقال: ما تقول يا إدريس؟ قال: إن الله ~~تعالى قال: # كل نفس ذائقة الموت # [آل عمران: 185]، وقد ذقته، وقال: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]، وقد وردتها، وقال لأهل الجنة: # وما هم منها بمخرجين # [الحجر: 48]، فوالله لا أخرج حتى يكون الله يخرجني؛ فسمع هاتفا من ~~فوقه ms1294 يقول: باذني دخل، وبأمري فعل، فخل سبيله؛ هذا معنى ما رواه زيد بن ~~أسلم مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # فإن سأل سائل فقال: من أين لإدريس هذه الآيات، وهي في كتابنا؟! فقد ذكر ~~ابن الأنباري عن بعض العلماء، قال: كان الله تعالى قد أعلم إدريس بما ~~ذكر في القرآن من وجوب الورود، وامتناع الخروج من الجنة، وغير ذلك، فقال ~~ما قاله بعلم. # والثاني: أن ملكا من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إلى إدريس، فأذن ~~له، فلما عرفه إدريس، قال: هل بينك وبين ملك الموت قرابة؟ قال: ذاك أخي ~~من الملائكة، قال: هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت؟ قال سأكلمه فيك، ~~فيرفق بك، اركب ببن جناحي، فركب إدريس، فصعد به إلى السماء، فلقي ملك ~~الموت، فقال: إن لي إليك حاجة، قال: أعلم ما حاجتك، تكلمني في إدريس ~~وقد محي اسمه من الصحيفة ولم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين؟! فمات ~~إدريس بين جناحي الملك، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال أبو صالح عن ابن ~~عباس: فقبض ملك الموت روح إدريس في السماء السادسة. # والثالث: أن إدريس مشى يوما في الشمس، فأصابه وهجها، فقال: اللهم ~~خفف ثقلها عمن يحملها، يعني به الملك الموكل بالشمس، فلما أصبح ~~الملك وجد من خفة الشمس وحرها مالا يعرف، فسأل الله عز وجل عن ذلك، ~~فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها، فأجبته، ~~فقال: يا رب اجمع بيني وبينه، واجعل بيننا خلة، فأذن له، [فأتاه]، ~~فكان مما قال له إدريس: اشفع لي إلى ملك الموت ليؤخر أجلي، فقال: ~~إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، ولكن أكلمه فيك، فما كان ~~مستطيعا أن يفعل بأحد من بني آدم فعل بك، ثم حمله الملك على جناحه، ~~فرفعه إلى السماء، فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال: إن ~~لي إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، قال: ~~ليس ذاك إلي، ولكن إن أحببت أعلمته متى ms1295 يموت، فنظر في ديوانه، ~~فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا، ولا أجده يموت إلا عند ~~مطلع الشمس، فقال: إني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق، فما أراك تجده ~~إلا ميتا، فوالله ما بقي من أجله شيء، فرجع الملك فرآه ميتا. وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس وكعب في آخرين. فهذا القول والذي قبله يدلان ~~على أنه ميت، والقول الأول يدل على أنه حي. ### || [19.58-65] # قوله تعالى: { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين } يعني الذين ~~ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة { من ذرية آدم } يعني إدريس { ~~وممن حملنا مع نوح } يعني إبراهيم، لأنه من ولد سام بن نوح { ومن ~~ذرية إبراهيم } يريد: إسماعيل وإسحاق ويعقوب { وإسرائيل } يعني: ومن ~~ذرية إسرائيل، وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. # قوله تعالى: { وممن هدينا } أي: هؤلاء كانوا ممن أرشدنا، { ~~واجتبينا } أي: واصطفينا. # قوله تعالى: { خروا سجدا } قال الزجاج: «سجدا» حال مقدرة، ~~المعنى: خروا مقدرين السجود، لأن الإنسان في حال خروره لا يكون ~~ساجدا، ف «سجدا» منصوب على الحال، وهو جمع ساجد «وبكيا» معطوف ~~عليه، وهو: جمع باك، فقد بين الله تعالى أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا ~~آيات الله سجدوا وبكوا من خشية الله. # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف } قد شرحناه في [الأعراف: 169]. وفي ~~المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم اليهود، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي. # والثالث: أنهم من هذه الأمة، يأتون عند ذهاب صالحي أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم يتبارون بالزنا، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زناة، ~~قاله مجاهد، وقتادة. # قوله تعالى: { أضاعوا الصلاة } وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين العقيلي، ~~والحسن البصري: «الصلوات» على الجمع. # وفي المراد باضاعتهم إياها قولان. # أحدهما: أنهم أخروها عن وقتها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وعمر بن عبد ~~العزيز، والقاسم بن مخيمرة. # والثاني: تركوها، قاله القرظي، واختاره الزجاج. # قوله تعالى: { واتبعوا الشهوات } قال أبو سليمان الدمشقى: وذلك مثل ~~استماع الغناء، وشرب الخمر، والزنا، واللهو، وما شاكل ذلك مما يقطع ms1296 عن ~~أداء فرائض الله عز وجل. # قوله تعالى: { فسوف يلقون غيا } ليس معنى هذا اللقاء مجرد الرؤية، ~~وإنما المراد به الاجتماع والملابسة مع الرؤية. وفي المراد بهذا الغي ~~ستة أقوال. # أحدها: أنه واد في جهنم، روراه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وبه قال كعب. # والثاني: أنه نهر في جهنم، قاله ابن مسعود. # والثالث: أنه الخسران، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: أنه العذاب، قاله مجاهد. # والخامس: أنه الشر، قاله ابن زيد، وابن السائب. # والسادس: أن المعنى: فسوف يلقون مجازاة الغي، كقوله: # يلق أثاما # [الفرقان: 68] أي: مجازاة الآثام، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { إلا من تاب وآمن } فيه قولان. # أحدهما: تاب من الشرك، وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. # والثاني: تاب من التقصير في الصلاة، وآمن من اليهود والنصارى. # قوله تعالى: { جنات عدن } وقرأ أبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن يعمر، ~~وابن أبي عبلة: «جنات» برفع التاء. وقرأ الحسن البصري، والشعبي، وابن ~~السميفع: «جنة عدن» على التوحيد مع رفع التاء. # وقرأ أبو مجلز، وأبو المتوكل الناجي: «جنة عدن» على التوحيد مع نصب ~~التاء. وقوله: { التي وعد الرحمن عباده بالغيب } أي: وعدهم بها، ولم ~~يروها، فهي غائبة عنهم. # قوله تعالى: { إنه كان وعده مأتيا } فيه قولان. # أحدهما: آتيا، قال ابن قتيبة: وهو «مفعول» في معنى «فاعل»، وهو قليل أن ~~يأتي الفاعل على لفظ المفعول به. وقال الفراء: إنما لم يقل: آتيا، لأن ~~كل ما أتاك، فأنت تأتيه؛ ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة، وأتت ~~علي خمسون [سنة]؟. # والثاني: مبلوغا إليه، قاله ابن الأنباري. وقال ابن جريج: «وعده» ~~هاهنا: موعوده، وهو الجنة، و«مأتيا»: يأتيه أولياؤه. # قوله تعالى: { لا يسمعون فيها لغوا } فيه قولان. # أحدهما: أنه التخالف عند شرب الخمر، قاله مقاتل. # والثاني: ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، قاله الزجاج. وقال ابن ~~الأنباري: اللغو في العربية: الفاسد المطرح. # قوله تعالى: { إلا سلاما } قال أبو عبيدة: السلام ليس من اللغو، ~~والعرب تستثني الشيء بعد الشيء وليس ms1297 منه، وذلك أنها تضمر فيه، فالمعنى: ~~إلا أنهم يسمعون فيها سلاما. وقال ابن الأنباري: استثنى السلام من غير ~~جنسه، وفي ذلك توكيد للمعنى المقصود، لأنهم إذا لم يسمعوا من اللغوا ~~إلا السلام، فليس يسمعون لغوا البتة، وكذلك قوله: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، إذا لم يخرج من عداوتهم لي غير رب العالمين، فكلهم ~~عدو. # وفي معنى هذا السلام قولان. # أحدهما: أنه تسليم الملائكة عليهم، قاله مقاتل. # والثاني: أنهم لا يسمعون إلا ما يسلمهم، ولا يسمعون ما يؤثمهم، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } قال المفسرون: ليس في ~~الجنة بكرة ولا عشية، ولكنهم يؤتون برزقهم على مقدار ما كانوا ~~يعرفون في الغداة والعشي. قال الحسن: كانت العرب لا تعرف شيئا من ~~العيش أفضل من الغداء والعشاء، فذكر الله لهم ذلك. وقال قتادة: كانت ~~العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجب به، فأخبر الله أن لهم في ~~الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك الوقت، وليس ثم ليل ولا نهار، ~~وإنما هو ضوء ونور. وروى الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن ~~قوله تعالى: { بكرة وعشيا } فقال: ليس في الجنة ليل ولا نهار، هم في ~~نور أبدا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بارخاء الحجب ~~وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب. # قوله تعالى: { تلك الجنة } الإشارة إلى قوله: { فأولئك يدخلون الجنة ~~}. # قوله تعالى: { نورث } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والشعبي، ~~وقتادة، وابن أبي عبلة: بفتح الواو وتشديد الراء. قال المفسرون: ومعنى ~~«نورث»: نعطي المساكن التي كانت لأهل النار - لو آمنوا للمؤمنين. ويجوز ~~أن يكون معنى «نورث»: نعطي، فيكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك ~~مستأنف. # وقد شرحنا هذا في [الأعراف: 43]. # قوله تعالى: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } وقرأ ابن السميفع، وابن ~~يعمر: «وما يتنزل» بياء مفتوحة. # وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا ~~أكثر مما تزورنا» " # ، فنزلت ms1298 هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: # " أن الملك أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه، فقال: ~~لعلي أبطأت، قال: «قد فعلت»، قال: وما لي لا أفعل، وأنتم لا ~~تتسوكون، ولا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم " # ، فنزلت الآية، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: البراجم عند العرب: ~~الفصوص التي في فصول ظهور الأصابع، تبدو إذا جمعت، وتغمض إذا بسطت. ~~والرواجب: ما بين البراجم، بين كل برجمتين راجبة. # والثالث: # " أن جبريل احتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله [قومه] عن قصة ~~أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، فلم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه ~~جبريل بجواب، فأبطأ عليه، فشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة ~~شديدة، فلما نزل جبريل قال له: «أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت ~~إليك»، فقال جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور، إذا ~~بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست " # ، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة، وقتادة، والضحاك. # وفي سبب احتباس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولان. # أحدهما: لامتناع أصحابه من كمال النظافة، كما ذكرنا في حديث مجاهد. # والثاني: لأنهم سألوه عن قصة أصحاب الكهف، فقال: «غدا أخبركم»، ولم ~~يقل: إن شاء الله؛ وقد سبق هذا في سورة [الكهف: 24]. # وفي مقدار احتباسه عنه خمسة أقوال. # أحدها: خمسة عشر يوما؛ وقد ذكرناه في (الكهف) عن ابن عباس. # والثاني: أربعون يوما، قاله عكرمة، ومقاتل. # والثالث: اثنتا عشرة ليلة، قاله مجاهد. # والرابع: ثلاثة أيام، حكاه مقاتل. # والخامس: خمسة وعشرون يوما، حكاه الثعلبي. وقيل: إن سورة (الضحى) نزلت ~~في هذا السبب. والمفسرون على أن قوله: «وما نتنزل إلا بأمر ربك» قول ~~جبريل. وحكى الماوردي: أنه قول أهل الجنة إذا دخلوها، فالمعنى: ما ننزل ~~هذه الجنان إلا بأمر الله. وقيل: ما ننزل موضعا من الجنة إلا بأمر ~~الله. # وفي قوله: { ما بين أيدينا وما خلفنا } قولان. # أحدهما: ما بين أيدينا: الآخرة، وما خلفنا: الدنيا، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ms1299 وقتادة، ومقاتل. # والثاني: ما بين أيدينا: ما مضى من الدنيا، وما خلفنا: من الآخرة، فهو ~~عكس الأول، قاله مجاهد. وقال الأخفش: ما بين أيدينا: قبل أن نخلق، وما ~~خلفنا: بعد الفناء. # وفي قوله تعالى: { وما بين ذلك } ثلاثة أقوال. # أحدها: ما بين الدنيا والآخرة، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: ما بين النفختين، قاله مجاهد، وعكرمة، وأبو العالية. # والثالث: حين كوننا، قاله الأخفش. قال ابن الأنباري: وإنما وحد ~~ذلك، والإشارة إلى شيئين. # أحدهما: «ما بين أيدينا». # والثاني: «ما خلفنا»، لأن العرب توقع ذلك على الاثنين والجمع. # قوله تعالى: { وما كان ربك نسيا } النسي، بمعنى الناسي. # وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: ما كان تاركا لك منذ أبطأ الوحي عنك، قاله ابن عباس. وقال ~~مقاتل: ما نسيك عند انقطاع الوحي عنك. # والثاني: أنه عالم بما كان ويكون، لا ينسى شيئا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { فاعبده } أي: وحده، لأن عبادته بالشرك ليست عبادة، { ~~واصطبر لعبادته } أي: اصبر على توحيده؛ وقيل: على أمره ونهيه. # قوله تعالى: { هل تعلم له سميا } روى هارون عن أبي عمرو أنه كان يدغم ~~«هل تعلم»، ووجهه أن سيبويه يجيز إدغام اللام في التاء والثاء والدال ~~والزاي والسين والصاد والطاء، لأن آخر مخرج من اللام وقريب من مخارجهن. ~~قال أبو عبيدة: إذا كان بعد «هل» تاء، ففيه لغتان، بعضهم يبين لام ~~«هل»، وبعضهم يدغمها. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: مثلا وشبها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: هل تعلم أحدا يسمى «الله» غيره، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: هل تعلم أحدا يستحق أن يقال له: خالق وقادر، إلا هو، قاله ~~الزجاج. ### || [19.66-72] # قوله تعالى: { ويقول الإنسان } سبب نزولها أن أبي بن خلف أخذ عظما ~~باليا، فجعل يفته بيده ويذريه في الريح ويقول: زعم لكم محمد أن الله ~~يبعثنا بعد أن نكون مثل هذا العظم البالي، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. وروى عطاء عن ابن عباس: أنه ms1300 الوليد بن المغيرة. # قوله تعالى: { لسوف أخرج حيا } إن قيل: ظاهره ظاهر سؤال، فأين ~~جوابه؟ فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري. # أحدها: أن ظاهر الكلام استفهام، ومعناه معنى جحد وإنكار، تلخيصه: لست ~~مبعوثا بعد الموت. # والثاني: أنه لما استفهم بهذا الكلام عن البعث، أجابه الله عز وجل ~~بقوله: { أولا يذكر الإنسان } ، فهو مشتمل على معنى: نعم، وأنت ~~مبعوث. # والثالث: أن جواب سؤال هذا الكافر في [يس: 78] عند قوله تعالى: { وضرب ~~لنا مثلا } ، ولا ينكر بعد الجواب، لأن القرآن كله بمنزلة ~~الرسالة الواحدة، والسورتان مكيتان. # قوله تعالى: { أولا يذكر الإنسان } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: بفتح الذال مشددة الكاف. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: ~~«يذكر، ساكنة الذال خفيفة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل الناجي: ~~«أولا يتذكر الإنسان» بياء وتاء. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو ~~عبد الرحمن السلمي، والحسن: «يذكر» بياء من غير تاء ساكنة الذال مخففة ~~مرفوعة الكاف، والمعنى: أولا يتذكر هذا الجاحد أول خلقه، فيستدل ~~بالابتداء على الإعادة؟! { فوربك لنحشرنهم } يعني: المكذبين بالبعث ~~{ والشياطين } أي: مع الشياطين، وذلك أن كل كافر يحشر مع شيطانه في ~~سلسلة، { ثم لنحضرنهم حول جهنم } قال مقاتل: أي: في جهنم، وذلك ~~أن حول الشيء يجوز أن يكون داخله، تقول: جلس القوم حول البيت: إذا ~~جلسوا داخله مطيفين به. وقيل: يجثون حولها قبل أن يدخلوها. # فأما قوله: { جثيا } فقال الزجاج: هو جمع جاث، مثل قاعد وقعود، ~~وهو منصوب على الحال، والأصل ضم الجيم، وجاء كسرها إتباعا لكسرة الثاء. # وللمفسرين في معناه خمسة أقوال. # أحدها: قعودا، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: جماعات جماعات، روي عن ابن عباس أيضا. فعلى هذا هو جمع جثوة ~~وهي المجموع من التراب والحجارة. # والثالث: جثيا على الركب، قاله الحسن، ومجاهد، والزجاج. # والرابع: قياما، قاله أبو مالك. # والخامس: قياما على ركبهم، قاله السدي، وذلك لضيق المكان بهم. # قوله تعالى: { لننزعن من كل شيعة } أي: لنأخذن من كل فرقة ~~وأمة وأهل دين { أيهم أشد على الرحمن عتيا } أي: أعظمهم ms1301 له ~~معصية، والمعنى: أنه يبدأ بتعذيب الأعتى فالأعتى، وبالأكابر جرما، ~~والرؤوس القادة في الشر. قال الزجاج: وفي رفع «أيهم» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه على الاستئناف، ولم تعمل «لننزعن» شيئا، هذا قول يونس. # والثاني: أنه على معنى الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا؟ قاله الخليل، واختاره الزجاج، وقال: التأويل: لننزعن الذي من ~~أجل عتوه يقال: أي هؤلاء أشد عتيا؟ وأنشد: # ولقد أبيت عن الفتاة بمنزل # فأبيت لا حرج ولا محروم # المعنى: أبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حرج ولا محروم. # والثالث: أن «أيهم» مبنية على الضم، لأنه خالفت أخواتها، فالمعنى: ~~أيهم هو أفضل. وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول: اضرب أيهم أفضل، ولا ~~يحسن: اضرب من أفضل، حتى تقول: من هو أفضل، ولا يحسن: كل ما ~~أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا خذ ما أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، ~~فلما خالفت «ما» و«من» و«الذي» بنيت على الضم، قاله سيبويه. # قوله تعالى: { هم أولى بها صليا } يعني: أن الأولى بها ~~صليا الذين هم أشد عتيا، فيبتدأ بهم قبل أتباعهم. ~~و«صليا»: منصوب على التفسير، يقال: صلي النار يصلاها: إذا دخلها ~~وقاسى حرها. # قوله تعالى: { وإن منكم إلا واردها } في الكلام إضمار تقديره: وما ~~منكم أحد إلا وهو واردها. # وفيمن عني بهذا الخطاب قولان. # أحدهما: أنه عام في حق المؤمن والكافر، هذا قول الأكثرين. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: هذه الآية للكفار. وأكثر الروايات عنه كالقول الأول. قال ~~ابن الأنباري: ووجه هذا أنه لما قال: «لنحضرنهم» وقال: «أيهم ~~أشد على الرحمن عتيا» كان التقدير: وإن منهم، فأبدلت الكاف من ~~الهاء، كما فعل في قوله: # إن هذا كان لكم جزاء # [الانسان: 22] المعنى: كان لهم، لأنه مردود على قوله: # وسقاهم ربهم # [الانسان: 21]، وقال الشاعر: # شطت مزار العاشقين فأصبحت # عسرا علي طلابك ابنة مخرم # أراد: طلابها. وفي هذا الورود خمسة أقوال. # أحدها: أنه الدخول. روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " الورود: الدخول لا يبقى ms1302 بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن ~~بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار أو قال: لجهنم ~~ضجيجا من بردهم " # وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية، فقال له: «أما ~~أنا وأنت فسندخلها، فانظر أيخرجنا الله عز وجل منها، أم لا؟» فاحتج ~~بقوله تعالى # فأوردهم النار # [هود: 98] وبقوله تعالى: # أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. وكان عبد الله بن رواحة يبكي ويقول: أنبئت أني وارد، ~~ولم أنبأ أني صادر. وحكى الحسن البصري: أن رجلا قال لأخيه: يا أخي هل ~~أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم؛ قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال: لا؛ ~~قال: ففيم الضحك؟! وقال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قالوا: ~~ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: بلى، ولكن مررتم بها وهي ~~خامدة. # وممن ذهب إلى أنه الدخول: الحسن في رواية، وأبو مالك. # وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء. فقال الزجاج: العرب تقول: وردت ~~بلد كذا، ووردت ماء كذا: إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا، ومنه قوله ~~تعالى: # ولما ورد ماء مدين # [القصص: 33]، والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى: # أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها # [الأنبياء: 101، 102]، وقال زهير: # فلما وردن الماء زرقا جمامه # وضعن عصي الحاضر المتخيم # أي: لما بلغن الماء قمن عليه. # قلت: وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج، فقال: أما الآية الأولى، فإن موسى ~~لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم، كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل؛ وأما ~~الآية الأخرى: فإنها تضمنت الإخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها، وحينئذ ~~لا يسمعون حسيسها. وقد روينا آنفا عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها، ~~ولا يعلمون. # والثاني: أن الورود: الممر عليها، قاله عبد الله بن مسعود، وقتادة. ~~وقال ابن مسعود: يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم ~~كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس [ثم كالراكب في رحله]، ثم كشد ~~الرحل، ثم كمشيه. # والثالث: أن ورودها: حضورها، قاله عبيد بن عمير. # والرابع: أن ورود ms1303 المسلمين: المرور على الجسر، وورود المشركين: دخولها. ~~قاله ابن زيد. # والخامس: أن ورود المؤمن إليها: ما يصيبه من الحمى في الدنيا، روى ~~عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم ~~قرأ: «وإن منكم إلا واردها» فعلى هذا من حم من المسلمين، فقد ~~وردها. # قوله تعالى: { كان على ربك } يعني: الورود { حتما } والحتم: ايجاب ~~القضاء، والقطع بالأمر. والمقضي: الذي قضاه الله تعالى، والمعنى: إنه ~~حتم ذلك وقضاه على الخلق. # قوله تعالى: { ثم ننجي الذين اتقوا } وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، ~~وابن يعمر، وابن أبي ليلى، وعاصم الجحدري: «ثم» بفتح الثاء. وقرأ ~~الكسائي، ويعقوب: «ننجي» مخففة. وقرأت عائشة، وأبو بحرية، [وأبو ~~الجوزاء الربعي: «ثم ينجي» بياء مرفوعة قبل النون خفيفة الجيم مكسورة. ~~وقرأ أبي بن كعب]، وأبو مجلز، وابن السميفع، وأبو رجاء: «ننحي» بحاء ~~غير معجمة مشددة. وهذه الآية يحتج بها القائلون بدخول جميع الخلق، لأن ~~النجاة: تخليص الواقع في الشيء، ويؤكده قوله تعالى: { ونذر الظالمين ~~فيها } ولم يقل: وندخلهم؛ وإنما يقال: نذر ونترك لمن قد حصل في مكانه. ~~ومن قال: إن الورود للكفار خاصة، قال: معنى هذا الكلام: نخرج المتقين ~~من جملة من يدخل النار. والمراد بالمتقين: الذين اتقوا الشرك، ~~وبالظالمين: الكفار. وقد سبق معنى قوله تعالى: { جثيا } [مريم: 68]. ### || [19.73-74] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم } يعني: المشركين { آياتنا } يعني: ~~القرآن { قال الذين كفروا } يعني: مشركي قريش { للذين آمنوا } أي: لفقراء ~~المؤمنين { أي الفريقين خير مقاما } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، وحفص عن عاصم [مقاما] بفتح الميم. ~~وقرأ ابن كثير بضم الميم. قال أبو علي الفارسي: المقام: اسم المثوى، إن ~~فتحت الميم أو ضمت. # قوله تعالى: { وأحسن نديا } والندي والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم. ~~وقال الفراء: الندي والنادي، لغتان. ومعنى الكلام: أنحن خير، أم أنتم؟ ~~فافتخروا عليهم بالمساكن والمجالس، فأجابهم الله تعالى فقال: { وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن } وقد بينا معنى القرن في [الأنعام: 6] وشرحنا ~~الاثاث في [النحل: 80]. # فأما قوله تعالى: { ورئيا ms1304 } فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: «ورئيا» بهمزة بين الراء والياء في وزن: «رعيا»؛ قال ~~الزجاج: ومعناها: منظرا، من «رأيت». # وقرأ نافع، وابن عامر: «ريا» بياء مشددة من غير همز، قال الزجاج: لها ~~تفسيران. أحدهما: أنها بمعنى الأولى. والثاني: أنها من الري، فالمعنى: ~~منظرهم مرتو من النعمة، كأن النعيم بين فيهم. # وقرأ ابن عباس، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي سريج عن الكسائي: ~~«زيا» بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز. قال الزجاج: ومعناها: ~~حسن هيئتهم. ### || [19.75-76] # قوله تعالى: { قل من كان في الضلالة } أي: في الكفر والعمى عن التوحيد { ~~فليمدد له الرحمن } قال الزجاج: وهذا لفظ أمر، ومعناه الخبر، والمعنى: أن ~~الله تعالى جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها، قال ابن الأنباري: خاطب الله ~~العرب بلسانها، وهي تقصد التوكيد للخبر بذكر الأمر، يقول أحدهم: إن ~~زارنا عبد الله فلنكرمه، يقصد التوكيد، وينبه على أني ألزم نفسي ~~إكرامه؛ ويجوز أن تكون اللام لام الدعاء على معنى: قل يا محمد: من كان ~~في الضلالة فاللهم مد له في النعم مدا. قال المفسرون: ومعنى ~~مد الله تعالى له: إمهاله في الغي. { حتى إذا رأوا } يعني الذين ~~مدهم في الضلالة. وإنما أخبر عن الجماعة، لأن لفظ «من» يصلح ~~للجماعة. ثم ذكر ما يوعدون فقال: { إما العذاب } يعني: القتل، والأسر ~~{ وإما الساعة } يعني: القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار { ~~فسيعلمون من هو شر مكانا } في الآخرة، أهم، أم المؤمنون؟ لأن مكان ~~هؤلاء الجنة، ومكان هؤلاء النار، { و } يعلمون بالنصر والقتل من { أضعف ~~جندا } جندهم، أم جند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا رد عليهم في ~~قولهم: { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا }. # قوله تعالى: { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } فيه خمسة أقوال. # أحدها: ويزيد الله الذين اهتدوا بالتوحيد إيمانا. # والثاني: يزيدهم بصيرة في دينهم. # والثالث: يزيدهم بزيادة الوحي إيمانا، فكلما نزلت سورة زاد إيمانهم. # والرابع: يزيدهم إيمانا بالناسخ والمنسوخ. # والخامس: يزيد الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ. قال الزجاج: ms1305 المعنى: ~~إن الله تعالى يجعل جزاءهم أن يزيدهم يقينا، كما جعل جزاء الكافر أن ~~يمده في ضلالته. # قوله تعالى: { والباقيات الصالحات } قد ذكرناها في سورة [الكهف: 46]. ~~قوله تعالى: { وخير مردا } المرد هاهنا مصدر مثل الرد، والمعنى: ~~وخير ردا للثواب على عامليها، فليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت. ### || [19.77-80] # قوله تعالى: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: ما روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث مسروق عن خباب ~~[بن الأرت] قال: كنت رجلا قينا [أي: حدادا] وكان لي على العاص بن ~~وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: [لا] والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، ~~فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت، ثم تبعث. ~~قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك، فنزلت ~~فيه هذه الآية، إلى قوله تعالى: { فردا }. # والثاني: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وهذا مروي عن الحسن. ~~والمفسرون على الأول. # قوله تعالى: { لأوتين مالا وولدا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~ونافع، وعاصم، وابن عامر: بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي: بضم الواو. ~~وقال الفراء: وهما لغتان، كالعدم، والعدم، وليس يجمع، وقيس تجعل الولد ~~جمعا، والولد، بفتح الواو، واحدا. # وأين زعم هذا الكافر أن يؤتى المال والولد؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه أراد في الجنة على زعمكم. # والثاني: في الدنيا. قال ابن الأنباري: وتقدير الآية: أرأيته مصيبا؟! # قوله تعالى: { أطلع الغيب } قال ابن عباس في رواية: أعلم ما ~~غاب عنه حتى يعلم أفي الجنة هو، أم لا؟! وقال في رواية أخرى: أنظر في ~~اللوح المحفوظ؟! # قوله تعالى: { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أم قال: لا إله إلا الله، فأرحمه بها؟! قاله ابن عباس. # والثاني: أم قدم عملا صالحا، فهو يرجوه؟! قاله قتادة. # والثالث: أم عهد إليه أنه يدخله الجنة؟! قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { كلا } أي: ليس الأمر على ما قال من أنه يؤتى المال ~~والولد. ويجوز أن يكون معنى «كلا» أي: إنه لم يطلع الغيب، ms1306 ولم يتخذ ~~عند الله عهدا. { سنكتب ما يقول } أي: سنأمر الحفظة بإثبات قوله عليه ~~لنجازيه به، { ونمد له من العذاب مدا } أي: نجعل بعض العذاب على ~~إثر بعض. وقرأ أبو العالية الرياحي، وأبو رجاء العطاردي: «سيكتب» ~~«ويرثه» بياء مفتوحة. # قوله تعالى: { ونرثه ما يقول } فيه قولان. # أحدهما: نرثه ما يقول أنه له في الجنة، فنجعله لغيره من المسلمين، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء. # والثاني: نرث ما عنده من المال، والولد، باهلاكنا إياه، وإبطال ملكه، ~~وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال قتادة. قال الزجاج: المعنى: سنسلبه ~~المال والولد، ونجعله لغيره. # قوله تعالى: { ويأتينا فردا } أي: بلا مال ولا ولد. ### || [19.81-84] # قوله تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة } يعني: المشركين عابدي ~~الأصنام { ليكونوا لهم عزا } قال الفراء: ليكونوا لهم شفعاء في ~~الآخرة. # قوله تعالى: { كلا } أي: ليس الأمر كما قدروا، { سيكفرون } يعني ~~الأصنام بجحد عبادة المشركين، كقوله تعالى: # ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63] لأنها كانت جمادا لا تعقل العبادة، { ويكونون } يعني: ~~الأصنام { عليهم } يعني: المشركين { ضدا } أي: أعوانا عليهم في ~~القيامة، يكذبونهم ويلعنونهم. # قوله تعالى: { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين } قال الزجاج: في معنى هذا ~~الإرسال وجهان. # أحدهما: خلينا بين الشياطين وبين الكافرين فلم نعصمهم من القبول منهم. # والثاني: وهو المختار: سلطناهم عليهم، وقيضناهم لهم بكفرهم. { ~~تؤزهم أزا } أي: تزعجهم إزعاجا حتى يركبوا المعاصي. وقال الفراء: ~~تزعجهم إلى المعاصي، وتغريهم بها. قال ابن فارس: يقال: أزه على كذا: ~~إذا أغراه به، وأزت القدر: غلت. # قوله تعالى: { فلا تعجل عليهم } أي: لا تعجل بطلب عذابهم. وزعم بعضهم أن ~~هذا منسوخ بآية السيف، وليس بصحيح، { إنما نعد لهم عدا } في هذا ~~المعدود ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أنفاسهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال طاووس، ~~ومقاتل. # والثاني: الأيام، والليالي، والشهور، والسنون، والساعات، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنها أعمالهم، قاله قطرب. ### || [19.85-87] # قوله تعالى: { يوم نحشر المتقين } قال بعضهم: هذا متعلق بقوله: «ويكونون ~~عليهم ضدا، ms1307 يوم نحشر المتقين» وقال بعضهم: تقديره: اذكر لهم يوم نحشر ~~المتقين، وهم الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معصيته. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو عمران الجوني: «يوم يحشر» بياء مفتوحة ورفع الشين ~~«ويسوق» بياء مفتوحة ورفع السين. وقرأ أبي بن كعب، والحسن البصري، ~~ومعاذ القارىء، وأبو المتوكل الناجي: «يوم يحشر» بياء مرفوعة وفتح ~~الشين «المتقون» رفعا «ويساق» بألف وياء مرفوعة «المجرمون» بالواو على ~~الرفع. والوفد: جمع وافد، مثل: ركب، وراكب، وصحب، وصاحب. قال ابن ~~عباس، وعكرمة، والفراء: الوفد: الركبان. قال ابن الأنباري: الركبان عند ~~العرب: ركاب الإبل. # وفي زمان هذا الحشر قولان. # أحدهما: أنه من قبورهم إلى الرحمن، قاله علي بن أبي طالب. # والثاني: أنه بعد الحساب، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { ونسوق المجرمين } يعني: الكافرين { إلى جهنم وردا } ~~قال ابن عباس، وأبو هريرة، والحسن: عطاشا. قال أبو عبيدة: الورد: ~~مصدر الورود. وقال ابن قتيبة: الورد: جماعة يردون الماء، يعني: أنهم ~~عطاش، لأنه لا يرد الماء إلا العطشان. وقال ابن الأنباري: معنى قوله ~~" «وردا»: واردين. # قوله تعالى: { لا يملكون الشفاعة } أي: لا يشفعون، ولا يشفع لهم. # قوله تعالى: { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } قال الزجاج: جائز أن ~~يكون «من» في موضع رفع على البدل من الواو والنون، فيكون المعنى: لا ~~يملك الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا؛ وجائز أن يكون في موضع نصب ~~على استثناء ليس من الأول، فالمعنى: لا يملك الشفاعة المجرمون، ثم قال: ~~«إلا» على معنى «لكن» { من اتخذ عند الرحمن عهدا } فإنه يملك ~~الشفاعة. والعهد هاهنا: توحيد الله والإيمان به. وقال ابن الأنباري: ~~تفسير العهد في اللغة: تقدمة أمر يعلم ويحفظ، من قولك: عهدت فلانا ~~في المكان، أي: عرفته، وشهدته. ### || [19.88-95] # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } يعني: اليهود، والنصارى، ~~ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله { لقد جئتم شيئا إدا } ~~أي: شيئا عظيما من الكفر. قال أبو عبيدة: الإد، والنكر: الأمر ~~المتناهي العظم. # قوله تعالى: { تكاد السموات يتفطرن } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن ms1308 ~~عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «تكاد» بالتاء. وقرأ نافع، والكسائي: ~~«يكاد» بالياء. وقرءا جميعا: «يتفطرن» بالياء والتاء مشددة الطاء، ~~وافقهما ابن كثير، وحفص عن عاصم في «يتفطرن» وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر ~~عن عاصم: «ينفطرن» بالنون. وقرأ حمزة، وابن عامر في { مريم } مثل أبي ~~عمرو، وفي [عسق: 5] مثل ابن كثير. ومعنى «يتفطرن منه»: يقاربن الانشقاق ~~من قولكم. قال ابن قتيبة: وقوله تعالى: «هدا» أي: سقوطا. # قوله تعالى: { أن دعوا } قال الفراء: من أن دعوا، ولأن دعوا. وقال ~~أبو عبيدة: معناه: أن جعلوا، وليس هو من دعاء الصوت، وأنشد: # ألا رب من تدعو نصيحا وإن تغب # تجده بغيب غير منتصح الصدر # قوله تعالى: { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: ما يصلح له، ولا ~~يليق به اتخاذ الولد، لأن الولد يقتضي مجانسة، وكل متخذ ولدا يتخذه من ~~جنسه، والله تعالى منزه عن أن يجانس شيئا، أو يجانسه، فمحال في حقه ~~اتخاذ الولد، { إن كل } أي: ما كل { من في السموات والأرض إلا آتي ~~الرحمن } يوم القيامة { عبدا } ذليلا خاضعا. والمعنى: أن عيسى ~~وعزيرا والملائكة عبيد له. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذا دلالة على أن ~~الوالد إذا اشترى ولده، لم يبق ملكه عليه، وإنما يعتق بنفس الشراء، لأن ~~الله تعالى نفى البنوة لأجل العبودية، فدل على أنه لا يجتمع بنوة ~~ورق. # قوله تعالى: { لقد أحصاهم } أي: علم عددهم { وعدهم عدا } فلا يخفى ~~عليه مبلغ جميعهم مع كثرتهم { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } بلا مال، ~~ولا نصير يمنعه. # فإن قيل: لأية علة وحد في «الرحمن» و«آتيه» وجمع في العائد في ~~«أحصاهم، وعدهم». # فالجواب: أن لكل لفظ توحيد، وتأويل جمع، فالتوحيد محمول على اللفظ، ~~والجمع مصروف إلى التأويل. ### || [19.96-98] # قوله تعالى: { سيجعل لهم الرحمن ودا } قال ابن عباس: نزلت في علي ~~عليه السلام، وقال معناه: يحبهم، ويحببهم إلى المؤمنين. قال ~~قتادة: يجعل لهم ودا في قلوب المؤمنين. ومن هذا حديث أبي هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أحب ms1309 الله عبدا قال: يا جبريل، إني أحب فلانا فأحبوه، ~~فينادي جبريل في السموات: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيلقى حبه على ~~أهل الأرض فيحب " # ، وذكر في البغض مثل ذلك. وقال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى ~~الله عز وجل، إلا أقبل الله عز وجل بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى ~~يرزقه مودتهم ورحمتهم. # قوله تعالى: { فإنما يسرناه بلسانك } يعني: القرآن. قال ابن قتيبة: ~~أي، سهلناه، وأنزلناه بلغتك. واللد، جمع ألد، وهو الخصم ~~الجدل. # قوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم } هذا تخويف لكفار مكة { هل تحس ~~منهم من أحد } قال الزجاج: أي: هل ترى، يقال: هل أحسست صاحبك، أي: هل ~~رأيته؟ والركز: الصوت الخفي؛ وقال ابن قتيبة: الصوت الذي لا ~~يفهم، وقال أبو صالح: حركة، [والله تعالى أعلم]. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-8] # وهي مكية كلها باجماعهم. وفي سبب نزول (طه) ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يراوح بين قدميه، يقوم على ~~رجل، حتى نزلت هذه الآية، قاله [علي] عليه السلام. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه القرآن صلى ~~هو وأصحابه فأطال القيام، فقالت قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد ~~إلا ليشقى، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. # والثالث: أن أبا جهل، والنضر بن الحارث، والمطعم بن عدي، قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتشقى بترك ديننا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. # وفي «طه» قراءات. قرأ ابن كثير، وابن عامر: «طه» بفتح الطاء والهاء. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بكسر الطاء والهاء. وقرأ نافع: ~~«طه» بين الفتح والكسر، وهو إلى الفتح أقرب؛ كذلك قال خلف عن المسيبي. ~~وقرأ أبو عمرو: بفتح الطاء وكسر الهاء، وروى عنه عباس مثل حمزة. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو رزين العقيلي، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية: بكسر الطاء ~~وفتح الهاء. وقرأ الحسن: «طه» بفتح الطاء وسكون الهاء. وقرأ الضحاك، ~~ومورق: «طه» بكسر الطاء وسكون الهاء. # واختلفوا في معناها على أربعة أقوال. # أحدها: أن ms1310 معناها: يا رجل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة؛ واختلف هؤلاء بأي لغة هي، على ~~أربعة أقوال. # أحدها: بالنبطية، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير في ~~رواية، والضحاك. # والثاني: بلسان عك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: بالسريانية، قاله عكرمة في رواية، وسعيد بن جبير في رواية، ~~وقتادة. # والرابع: بالحبشية، قاله عكرمة في رواية. قال ابن الأنباري: ولغة قريش ~~وافقت هذه اللغة في المعنى. # والثاني: أنها حروف من أسماء. ثم فيها قولان. # أحدهما: أنها من أسماء الله تعالى. ثم فيها قولان. # أحدهما: أن الطاء من اللطيف، والهاء من الهادي، قاله ابن مسعود، وأبو ~~العالية. # والثاني: أن الطاء افتتاح اسمه «طاهر» و«طيب» والهاء افتتاح اسمه ~~«هادي» قاله سعيد بن جبير. والقول الثاني: أنها من غير أسماء الله تعالى. ~~ثم فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الطاء من طابة، وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، و ~~الهاء من مكة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. والثاني: أن الطاء: طرب أهل ~~الجنة، والهاء: هوان أهل النار. # والثالث: أن الطاء في حساب الجمل تسعة، والهاء خمسة، فتكون أربعة عشر. ~~فالمعنى: يا أيها البدر ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، حكى القولين ~~الثعلبي. # والثالث: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس. # وقد شرحنا معنى كونه اسما في فاتحة (مريم). وقال القرظي: أقسم الله ~~بطوله وهدايته؛ وهذا القول قريب المعنى من الذي قبله. # والرابع: أن معناه: طأ الأرض بقدميك، قاله مقاتل بن حيان. ومعنى قوله { ~~لتشقى }: لتتعب وتبلغ من الجهد ما قد بلغت، وذلك أنه اجتهد في العبادة ~~وبالغ، حتى إنه كان يراوح بين قدميه لطول القيام، فأمر بالتخفيف. # قوله تعالى: { إلا تذكرة } قال الأخفش: هو بدل من قوله: «لتشقى» ~~ما أنزلناه إلا تذكرة، أي: عظة. # قوله تعالى: { تنزيلا } قال الزجاج: المعنى: أنزلناه تنزيلا، و { ~~العلى } جمع العليا، تقول: سماء عليا، وسماوات على، مثل الكبرى، ~~والكبر. ms1311 فأما «الثرى» فهو التراب الندي. والمفسرون يقولون: أراد الثرى ~~الذي تحت الأرض السابعة. # قوله تعالى: { وإن تجهر بالقول } أي: ترفع صوتك { فإنه يعلم السر } ~~والمعنى: لا تجهد نفسك برفع الصوت، فإن الله يعلم السر. وفي المراد ب ~~«السر وأخفى» خمسة أقوال. # أحدها: أن السر: ما أسره الإنسان في نفسه، وأخفى: ما لم يكن بعد ~~وسيكون، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والثاني: أن السر: ما حدثت به نفسك، وأخفى: ما لم تلفظ به، قاله ~~سعيد بن جبير. # والثالث: أن السر: العمل الذي يسره الإنسان من الناس، وأخفى منه: ~~الوسوسة، قاله مجاهد. # والرابع: أن معنى الكلام: يعلم إسرار عباده، وقد أخفى سره عنهم فلا ~~يعلم، قاله زيد بن أسلم، وابنه. # والخامس: يعلم ما أسره الإنسان إلى غيره، وما أخفاه في نفسه، قاله ~~الفراء. # قوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } قد شرحناه في [الأعراف: 180]. ### || [20.9-16] # قوله تعالى: { وهل أتاك حديث موسى } هذا استفهام تقرير، ومعناه: قد ~~أتاك. قال ابن الأنباري: وهذا معروف عند اللغويين أن تأتي «هل» معبرة عن ~~«قد»، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب: # " اللهم هل بلغت " # يريد: قد بلغت. # قال وهب بن منبه: استأذن موسى شعيبا عليهما السلام في الرجوع إلى ~~والدته، فأذن له، فخرج بأهله، فولد له في الطريق في ليلة شاتية، فقدح ~~فلم يور الزناد، فبينا هو في مزاولة ذلك، أبصر نارا من بعيد عن يسار ~~الطريق؛ وقد ذكرنا هذا الحديث بطوله في كتاب «الحدائق» فكرهنا إطالة ~~التفسير بالقصص، لأن غرضنا الاقتصار على التفسير ليسهل حفظه. قال ~~المفسرون: رأى نورا، ولكن أخبر بما كان في ظن موسى. { فقال لأهله } ~~يعنى: امرأته { امكثوا } اي: أقيموا مكانكم. وقرأ حمزة: «لأهله ~~امكثوا» بضم الهاء هاهنا وفي [القصص: 29]. { إني آنست نارا } قال ~~الفراء: إني وجدت، يقال: هل آنست أحدا، أي: وجدت؟ وقال ابن قتيبة: ~~«آنست» بمعنى أبصرت. فأما القبس، فقال الزجاج: هو ما أخذته من النار ~~في رأس عود أو في رأس فتيلة. # قوله تعالى: ms1312 { أو أجد على النار هدى } قال الفراء: أراد: هاديا، ~~فذكره بلفظ المصدر. قال ابن الأنباري: يجوز أن تكون «على» هاهنا بمعنى ~~«عند»، وبمعنى «مع»، وبمعنى الباء. وذكر أهل التفسير أنه كان قد ضل ~~الطريق، فعلم أن النار لا تخلو من موقد. وحكى الزجاج: أنه ضل عن الماء، ~~فرجا أن يجد من يهديه الطريق أو يدله على الماء. # قوله تعالى: { فلما أتاها } يعني: النار { نودي يا موسى إني أنا ربك ~~} إنما كرر الكناية، لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإزالة الشبهة، ~~ومثله # إني أنا النذير المبين # [الحجر: 89]. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: «أني» بفتح الألف ~~والياء. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «إني» بكسر ~~الألف، إلا أن نافعا فتح الياء. قال الزجاج: من قرأ: «أني أنا» ~~بالفتح، فالمعنى: نودي [بأني أنا ربك، ومن قرأ بالكسر، فالمعنى: نودي] يا ~~موسى، فقال الله: إني أنا ربك. # قوله تعالى: { فاخلع نعليك } في سبب أمره بخلعهما قولان. # أحدهما: أنهما كانا من جلد حمار ميت، رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وبه قال علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه، وعكرمة. # والثاني: أنهما كانا من جلد بقرة ذكيت، ولكنه أمر بخلعهما ليباشر ~~تراب الأرض المقدسة، فتناله بركتها، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ~~وقتادة. # قوله تعالى: { إنك بالواد المقدس } فيه قولان قد ذكرناهما في ~~[المائدة: 21] عند قوله: { الأرض المقدسة }. # قوله تعالى: { طوى } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «طوى وأنا» غير ~~مجراة. # وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «طوى» مجراة؛ وكلهم ضم ~~الطاء. وقرأ الحسن، وأبو حيوة: «طوى» بكسر الطاء مع التنوين. وقرأ علي ~~بن نصر عن أبي عمرو: «طوى» بكسر الطاء من غير تنوين. قال الزجاج: في ~~«طوى» أربعة أوجه. طوى، بضم أوله من غير تنوين وبتنوين. فمن نونه، ~~فهو اسم للوادي. وهو مذكر سمي بمذكر على فعل نحو حطم وصرد، ~~ومن لم ينونه ترك صرفه من جهتين. # إحداهما: أن يكون معدولا عن طاو، فيصير مثل «عمر» المعدول عن ~~عامر، ms1313 فلا ينصرف كما لا ينصرف «عمر». # والجهة الثانية: أن يكون اسما للبقعة، كقوله: # في البقعة المباركة # [القصص: 30]، وإذا كسر ونون فهو مثل معى. والمعنى: المقدس ~~مرة بعد مرة، كما قال عدي بن زيد: # أعاذل، إن اللوم في غير كنهه # علي طوى من غيك المتردد # أي: اللوم المكرر علي؛ ومن لم ينون جعله اسما للبقعة. # [وللمفسرين في معنى «طوى» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اسم الوادي، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أن معنى «طوى»: طأ الوادي، رواه عكرمة عن ابن عباس، وعن مجاهد ~~كالقولين. # والثالث: أنه قدس مرتين، قاله الحسن، وقتادة]. # قوله تعالى: { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك. وقرأ حمزة، والمفضل: ~~«وأنا» بالنون المشددة «اخترناك» بألف. { فاستمع لما يوحى } أي: للذي ~~يوحى. قال ابن الأنباري: الاستماع هاهنا محمول على الإنصات، المعنى: ~~فأنصت لوحيي، والوحي هاهنا قوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني } أي: وحدني، { وأقم الصلاة لذكري } فيه قولان. # أحدهما: أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، سواء كنت في وقتها أو لم ~~تكن، هذا قول الأكثرين. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها غير ذلك، وقرأ: { أقم ~~الصلاة لذكري } ". # والثاني: أقم الصلاة لتذكرني فيها، قاله مجاهد. وقيل: إن الكلام ~~مردود على قوله: { فاستمع } ، فيكون المعنى: فاستمع لما يوحى، واستمع ~~لذكري. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن السميفع: «وأقم الصلاة ~~للذكرى» بلامين وتشديد الذال. # قوله تعالى: { أكاد أخفيها } أكثر القراء على ضم الألف. # ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: أكاد أخفيها من نفسي، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد في ~~آخرين. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومحمد بن علي: أكاد أخفيها من ~~نفسي، قال الفراء: المعنى: فكيف أظهركم عليها؟! قال المبرد: وهذا على ~~عادة العرب، فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء: كتمته حتى من ~~نفسي، أي: لم أطلع عليه أحدا. # والثاني: أن الكلام تم عند قوله: «أكاد»، وبعده مضمر تقديره: أكاد ms1314 آتي ~~بها، والابتداء: أخفيها، قال ضابىء البرجمي: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني # تركت على عثمان تبكي حلائله # أراد: كدت أفعل. # والثالث: أن معنى «أكاد»: أريد، قال الشاعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة # لو عاد من لهو الصبابة ما مضى # معناه: أرادت وأردت، ذكرهما ابن الأنباري. # فإن قيل: فما فائدة هذا الإخفاء الشديد؟ # فالجواب: أنه للتحذير والتخويف، ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوه كان ~~أشد حذرا. وقرأ سعيد بن جبير، وعروة ابن الزبير، وأبو رجاء العطاردي، ~~وحميد بن قيس، «أخفيها» بفتح الألف. قال الزجاج: ومعناه: أكاد أظهرها، ~~قال امرؤ القيس: # فإن تدفنوا الداء لا نخفه # وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # أي: إن تدفنوا الداء لا نظهره. قال: وهذه القراءة أبين في المعنى، ~~لأن معنى «أكاد أظهرها»: قد أخفيتها وكدت أظهرها. { لتجزى كل ~~نفس بما تسعى } أي: بما تعمل. و«لتجزى» متعلق بقوله: «إن الساعة ~~آتية» لتجزى، ويجوز أن يكون على «أقم الصلاة لذكري» لتجزى. # قوله تعالى: { فلا يصدنك عنها } أي: عن الإيمان بها { من لا يؤمن ~~بها } أي: من لا يؤمن بكونها؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب ~~لجميع أمته، { واتبع هواه } أي: مراده وخالف أمر الله عز وجل، { ~~فتردى } أي: فتهلك؛ قال الزجاج: يقال: ردي يردى: إذا هلك. ### || [20.17-23] # قوله تعالى: { وما تلك بيمينك } قال الزجاج: «تلك» اسم مبهم يجري مجرى ~~«التي»، والمعنى ما التي بيمينك؟ # قوله تعالى: { أتوكأ عليها } التوكؤ: التحامل على الشيء { ~~وأهش بها } قال الفراء: أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه ~~غنمي؛ قال الزجاج: واشتقاقه من أني أحيل الشيء إلى الهشاشة والإمكان. ~~والمآرب: الحاجات، واحدها: مأربة، ومأربة. وروى قتيبة، وورش: ~~«مآرب» بامالة الهمزة. # فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الله تعالى له: «وما تلك بيمينك» وهو يعلم؟ ~~فعنه جوابان. # أحدهما: أن لفظه لفظ الاستفهام، ومجراه مجرى السؤال، ليجيب المخاطب ~~بالإقرار به، فتثبت عليه الحجة باعترافه فلا يمكنه الجحد، ومثله في ~~الكلام أن تقول لمن تخاطبه وعندك ماء: ما هذا؟ فيقول: ماء، فتضع عليه ~~شيئا من ms1315 الصبغ، فإن قال: لم يزل هكذا، قلت له: ألست قد اعترفت بأنه ماء؟ ~~فتثبت عليه الحجة، هذا قول الزجاج: فعلى هذا تكون الفائدة أنه قرر موسى ~~أنها عصا لما أراد أن يريه من قدرته في انقلابها حية، فوقع ~~المعجز بها بعد التثبت في أمرها. # والثاني: أنه لما اطلع الله تعالى على ما في قلب موسى من الهيبة ~~والإجلال حين التكليم، أراد أن يؤانسه ويخفف عنه ثقل ما كان فيه من ~~الخوف، فأجرى هذا الكلام للاستئناس، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # فإن قيل: قد كان يكفي في الجواب أن يقول: «هي عصاي»، فما الفائدة في ~~قوله: «أتوكأ عليها» إلى آخر الكلام، وإنما يشرح هذا لمن لا يعلم ~~فوائدها؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه أجاب بقوله: «هي عصاي»، فقيل له: ما تصنع بها؟ فذكر باقي ~~الكلام جوابا عن سؤال ثان، قاله ابن عباس، ووهب. # والثاني: أنه إنما أظهر فوائدها، وبين حاجته إليها، خوفا [من] أن ~~يأمره بإلقائها كالنعلين، قاله سعيد ابن جبير. # والثالث: أنه بين منافعها لئلا يكون عابثا بحملها، قاله الماوردي. # فإن قيل: فلم اقتصر على ذكر بعض منافعها ولم يطل الشرح؟ فعنه ~~[ثلاثة] أجوبة. # أحدها: أنه كره أن يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها. # والثاني: استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد. # والثالث: أنه اقتصر على اللازم دون العارض. # وقيل: كانت تضيء له بالليل، وتدفع عنه الهوام، وتثمر له إذا اشتهى ~~الثمار. وفي جنسها قولان. # أحدهما: أنها كات من آس الجنة، قاله ابن عباس. # والثاني: [أنها] كانت من عوسج. # فإن قيل: المآرب جمع، فكيف قال: «أخرى» ولم يقل: «أخر»؟ فالجواب: أن ~~المآرب في معنى جماعة، فكأنه قال: جماعة من الحاجات أخرى، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { قال ألقها يا موسى } قال المفسرون: ألقاها، ظنا منه أنه ~~قد أمر برفضها، فسمع حسا فالتفت فإذا هي كأعظم ثعبان تمر بالصخرة ~~العظيمة فتبتلعها، فهرب منها. # وفي وجه الفائدة في إظهار هذه الآية ليلة المخطابة قولان. # أحدهما: لئلا يخاف منها إذا ألقاها بين يدي فرعون. # والثاني: ms1316 ليريه أن الذي أبعثك إليه دون ما أريتك، فكما ذللت لك ~~الأعظم وهو الحية، أذلل لك الأدنى. ثم إن الله تعالى أمره بأخذها ~~وهي على حالها حية، فوضع يده عليها فعادت عصا، فذلك قوله: { سنعيدها ~~سيرتها الأولى } قال الفراء: طريقتها، يقول: تردها عصى كما كانت. قال ~~الزجاج: و«سيرتها» منصوبة على إسقاط الخافض وإفضاء الفعل إليها، ~~المعنى: سنعيدها إلى سيرتها. # فإن قيل: إنما كانت العصا واحدة، وكان إلقاؤها مرة، فما وجه اختلاف ~~الأخبار عنها، فإنه يقول في [الأعراف: 107]: # فإذا هي ثعبان مبين # ، وهاهنا: «حية»، وفي مكان آخر: # كأنها جان # [النمل: 20]، والجان ليست بالعظيمة، والثعبان أعظم الحيات؟ # فالجواب: أن صفتها بالجان عبارة عن ابتداء حالها، وبالثعبان إخبار عن ~~انتهاء حالها، والحية اسم يقع على الصغير والكبير والذكر والأنثى. وقال ~~الزجاج: خلقها خلق الثعبان العظيم، واهتزازها وحركتها وخفتها ~~كاهتزاز الجان وخفته. # قوله تعالى: { واضمم يدك إلى جناحك } قال الفراء: الجناح من أسفل ~~العضد إلى الإبط. # وقال أبو عبيدة: الجناح ناحية الجنب، وأنشد: # أضمه للصدر والجناح # قوله تعالى: { تخرج بيضاء من غير سوء } أي: من غير برص { آية ~~أخرى } أي: دلالة على صدقك سوى العصا. قال الزجاج: ونصب «آية» على ~~معنى: آتيناك آية، أو نؤتيك [آية]. # قوله تعالى: { لنريك من آياتنا الكبرى }. إن قيل: لم لم يقل: ~~«الكبر؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه كقوله: { مآرب أخرى } وقد شرحناه، هذا قول الفراء. # والثاني: أن فيه إضمارا تقديره: لنريك من آياتنا الآية الكبرى. وقال ~~أبو عبيدة: فيه تقديم وتأخير، تقديره: لنريك الكبرى من آياتنا. # والثالث: إنما كان ذلك لوفاق رأس الآي، حكى القولين الثعلبي. ### || [20.24-35] # قوله تعالى: { إنه طغى } أي: جاوز الحد في العصيان. قوله تعالى: { ~~اشرح لي صدري } قال المفسرون: ضاق موسى صدرا بما كلف من مقاومة فرعون ~~وجنوده، فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى لا يخاف فرعون ~~وجنوده. ومعنى قوله: { يسر لي أمري }: سهل علي ما بعثتني له. { ~~واحلل عقدة من لساني } قال ابن قتيبة: كانت فيه رتة. قال المفسرون: ~~كان فرعون ms1317 قد وضع موسى في حجره وهو صغير، فجر لحية فرعون بيده، فهم ~~بقتله، فقالت له آسية: إنه لا يعقل، وسأريك بيان ذلك، قدم إليه ~~جمرتين ولؤلؤتين، فإن اجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل، فأخذ موسى جمرة ~~فوضعها في فيه فأحرقت لسانه وصار فيه عقدة، فسأل حلها ليفهموا كلامه. # وأما الوزير، فقال ابن قتيبة: أصل الوزارة من الوزر وهو الحمل، ~~كأن الوزير قد حمل عن السلطان الثقل. وقال الزجاج: اشتقاقه من ~~الوزر، والوزر: الجبل الذي يعتصم به لينجى من الهلكة، وكذلك وزير ~~الخليفة، معناه: الذي يعتمد عليه في أموره ويلتجىء إلى رأيه. ونصب ~~«هارون» من جهتين. إحداهما: أن تكون «اجعل» تتعدى إلى مفعولين، فيكون ~~المعنى: اجعل هارون أخي وزيري، فينتصب «وزيرا» على أنه مفعول ثان. ~~ويجوز أن يكون «هارون» بدلا من قوله: { وزيرا } ، فيكون المعنى: اجعل ~~لي وزيرا من أهلي، [ثم] أبدل هارون من وزير؛ والأول أجود. قال الماوردي: ~~وإنما سأل الله تعالى أن يجعل له وزيرا، لأنه لم يرد أن يكون مقصورا ~~على الوزراة حتى يكون شريكا في النبوة، ولولا ذلك لجاز أن يستوزر من ~~غير مسألة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح ياء «أخي». # قوله تعالى: { أشدد به أزري } قال الفراء: هذا دعاء من موسى، ~~والمعنى: اشدد به يا رب أزري، وأشركه يا رب في أمري. وقرأ ابن ~~عامر: «أشدد» بالألف مقطوعة مفتوحة، «وأشركه» بضم الألف، وكذلك يبتدىء ~~بالألفين. قال أبو علي: هذه القراءة على الجواب والمجازاة، والوجه ~~الدعاء دون الإخبار، لأن ما قبله دعاء، ولأن الإشراك في النبوة لا ~~يكون إلا من الله عز وجل، قال ابن قتيبة: والأزر: الظهر، يقال: آزرت ~~فلانا على الأمر، أي: قويته عليه وكنت له فيه ظهرا. # قوله تعالى: { وأشركه في أمري } أي: في النبوة معي { كي نسبحك } ~~أي: نصلي لك { ونذكرك } بألسنتنا حامدين لك على ما أوليتنا من ~~نعمك { إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما إذ خصصتنا بهذه ~~النعم. ### || [20.36-42] # قوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك } قال ابن قتيبة: أي: طلبتك، ~~وهو «فعل» ms1318 من «سألت»، أي: أعطيت ما سألت. # قوله تعالى: { ولقد مننا عليك } أي: أنعمنا عليك { مرة أخرى } ~~قبل هذه المرة. ثم بين متى كانت بقوله: { إذ أوحينا إلى أمك ~~ما يوحى } أي: ألهمناها ما يلهم مما كان سببا لنجاتك، ثم فسر ذلك ~~بقوله: { أن اقذفيه في التابوت } وقذف الشيء: الرمي به. # فإن قيل: ما فائدة قوله: «ما يوحى» وقد علم ذلك؟ فقد ذكر عنه ابن ~~الأنباري جوابين. # أحدهما: أن المعنى: أوحينا إليها الشيء الذي يجوز أن يوحى إليها، إذ ~~ليس كل الأمور يصلح وحيه إليها، لأنها ليست بنبي، وذلك أنها ألهمت. # والثاني: أن «ما يوحى» أفاد توكيدا، كقوله: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54]. قوله تعالى: { فليلقه اليم } قال ابن الأنباري: ظاهر ~~هذا الأمر، ومعناه معنى الخبر، تأويله: يلقيه [اليم]، ويجوز أن يكون ~~البحر مأمورا بآلة ركبها الله تعالى فيه، فسمع وعقل، كما فعل ذلك ~~بالحجارة والأشجار. فأما الساحل، فهو: شط البحر. { يأخذه عدو لي ~~وعدو له } يعني: فرعون. قال المفسرون: اتخذت أمه تابوتا وجعلت فيه ~~قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى وأحكمت بالقار شقوق التابوت، ثم ألقته في ~~النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس ~~البركة مع امرأته آسية، إذا بالتابوت، فأمر الغلمان والجواري بأخذه، ~~فلما فتحوه رأوا صبيا من أصبح الناس وجها؛ فلما رآه فرعون أحبه ~~حبا شديدا، فذلك قوله: { وألقيت عليك محبة مني } ، [قال أبو ~~عبيدة: ومعنى «ألقيت عليك» أي: جعلت لك محبة مني]. قال ابن ~~عباس: أحبه وحببه إلى خلقه، فلا يلقاه أحد إلا أحبه من مؤمن ~~وكافر. وقال قتادة: كانت في عينيه ملاحة، فما رآه أحد إلا حبه. # قوله تعالى: { ولتصنع على عيني } وقرأ أبو جعفر: «ولتصنع» بسكون ~~اللام والعين والإدغام. قال قتادة: لتغذى على محبتي وإرادتي. قال أبو ~~عبيدة: على ما أريد وأحب. قال ابن الأنباري: هو من قول العرب: غذي ~~فلان على عيني، أي: على المحبة مني. وقال غيره: لتربى وتغذى ~~بمرأى مني، يقال: صنع الرجل جاريته: إذا رباها؛ وصنع ms1319 فرسه: إذا ~~داوم على علفه ومراعاته، والمعنى: ولتصنع على عيني، قدرنا مشي ~~أختك وقولها: { هل أدلكم على من يكفله } لأن هذا كان من أسباب ~~تربيته على ما أراد الله عز وجل. فأما أخته، فقال مقاتل: اسمها مريم. ~~قال الفراء: وإنما اقتصر على ذكر المشي، ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت ~~على آل فرعون فدلتهم على الظئر، لأن العرب تجتزىء بحذف كثير من ~~الكلام، وبقليله، إذا كان المعنى معروفا، ومثله قوله: # أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون # [يوسف: 45]، ولم يقل: فأرسل حتى دخل على يوسف. # قال المفسرون: سبب مشي أخته أن أمه قالت لها: قصيه، فاتبعت ~~موسى على أثر الماء، فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة، فقالت ~~لهم أخته: «هل أدلكم على من يكفله» أي: يرضعه ويضمه إليه، ~~فقيل لها: ومن هي؟ فقالت: أمي، قالوا: وهل لها لبن؟ قالت: لبن أخي ~~هارون، وكان هارون أسن من موسى بثلاث سنين، فأرسلوها، فجاءت بالأم فقبل ~~ثديها، فذلك قوله: { فرجعناك إلى أمك } أي: رددناك إليها { كي ~~تقر عينها } بك وبرؤيتك. { وقتلت نفسا } يعني: القبطي الذي وكزه ~~فقضى عليه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى { فنجيناك من الغم } ~~وكان مغموما مخافة أن يقتل به، فنجاه الله بأن هرب إلى مدين، { ~~وفتناك فتونا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: اختبرناك اختبارا، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أخلصناك إخلاصا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثالث: ابتليناك ابتلاء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة. ~~وقال الفراء: ابتليناك بغم القتيل ابتلاء. وروى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال: الفتون: وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها، أولها أن ~~أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في ~~البحر، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره لحية فرعون حتى هم ~~بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى ~~مدين خائفا؛ وكان ابن عباس يقص هذه القصص على سعيد بن جبير، ms1320 ويقول ~~له عند كل ثلاثة: وهذا من الفتون يا ابن جبير؛ فعلى هذا يكون «فتناك» ~~خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث. ~~والفتون: مصدر. # قوله تعالى: { فلبثت سنين } تقدير الكلام: فخرجت إلى أهل مدين. ~~ومدين: بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر، فهرب إليه موسى. وقيل ~~مدين اسم رجل، وقد سبق هذا [الأعراف: 86]. # وفي قدر لبثه هناك قولان. # أحدهما: عشر سنين؛ قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: ثمان وعشرون سنة، عشر منهن مهر امرأته، وثمان عشرة أقام حتى ~~ولد له، قاله وهب. # قوله تعالى: { ثم جئت على قدر } أي: جئت لميقات قدرته لمجيئك ~~قبل خلقك، وكان ذلك على رأس أربعين سنة، وهو الوقت الذي يوحى فيه إلى ~~الأنبياء، هذا قول الأكثرين. وقال الفراء: «على قدر» أي: على ما أراد ~~الله به من تكليمه. # قوله تعالى: { واصطنعتك لنفسي } أي: اصطفيتك واختصصتك، والاصطناع: ~~اتخاذ الصنيعة، وهو الخير تسديه إلى إنسان. وقال ابن عباس: اصطفيتك ~~لرسالتي ووحيي { اذهب أنت وأخوك بآياتي } وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها العصا واليد. وقد يذكر الاثنان بلفظ الجمع. # والثاني: العصا واليد وحل العقدة التي ما زال فرعون وقومه يعرفونها، ~~ذكرهما ابن الأنباري. # والثالث: الآيات التسع. والأول أصح. # قوله تعالى: { ولا تنيا } قال ابن قتيبة: لا تضعفا ولا تفترا؛ ~~يقال: ونى يني في الأمر؛ وفيه لغة أخرى: وني، يونى. # وفي المراد بالذكر هاهنا قولان. # أحدهما: أنه الرسالة إلى فرعون. # والثاني: أنه القيام بالفرائض والتسبيح والتهليل. ### || [20.43-48] # قوله تعالى: { اذهبا إلى فرعون } فائدة تكرار الأمر بالذهاب، التوكيد. ~~وقد فسرنا قوله: # إنه طغى # [طه: 24]. # قوله تعالى: { فقولا له قولا لينا } وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم ~~الجحدري: «لينا» باسكان الياء، أي: لطفيا رفيقا. # وللمفسرين فيه خمسة أقوال. # أحدها: قولا له: قل: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، رواه خالد ~~ابن معدان عن معاذ، والضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنه قوله: # هل لك إلى أن تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى # [النازعات: 18، 19]، قاله أبو صالح عن ابن ms1321 عباس، وبه قال مقاتل. # والثالث: كنياه، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال السدي. فأما اسمه، ~~فقد ذكرناه في [البقرة: 49]. وفي كنيته أربعة أقوال. # أحدها: أبو مرة، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أبو مصعب، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: أبو العباس. # والرابع: أبو الوليد، حكاهما الثعلبي. # والقول الرابع: قولا له: إن لك ربا، وإن لك معادا، وإن بين ~~يديك جنة ونارا، قاله الحسن. # والخامس: أن القول اللين: أن موسى أتاه، فقال له: تؤمن بما جئت به ~~وتعبد رب العالمين، على أن لك شبابك فلا تهرم، وتكون ملكا لا ينزع ~~منك حتى تموت، فإذا مت دخلت الجنة، فأعجبه ذلك؛ فلما جاء هامان، أخبره ~~بما قال موسى، فقال: قد كنت أرى أن لك رأيا، أنت رب أردت أن تكون ~~مربوبا؟! فقلبه عن رأيه، قاله السدي. وحكي عن يحيى بن معاذ أنه قرأ هذه ~~الآية، فقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول: أنا إله، فكيف رفقك بمن يقول: ~~أنت إله. # قوله تعالى: { لعله يتذكر أو يخشى } قال الزجاج: «لعل» في ~~اللغة: ترج وطمع، تقول: لعلي أصير إلى خير، فخاطب الله عز وجل ~~العباد بما يعقلون. والمعنى عند سيبويه: اذهبا على رجائكما وطمعكما. ~~والعلم من الله تعالى من وراء ما يكون، وقد علم أنه لا يتذكر ولا يخشى، ~~إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالآية والبرهان، وإنما تبعث الرسل ~~وهي لا تعلم الغيب ولا تدري أيقبل منها، أم لا، وهم يرجون ويطمعون أن ~~يقبل منهم، ومعنى «لعل» متصور في أنفسهم، وعلى تصور ذلك تقوم ~~الحجة. قال ابن الأنباري: ومذهب الفراء في هذا: كي يتذكر. وروى خالد ~~بن معدان عن معاذ قال: والله ما كان فرعون ليخرج من الدنيا حتى يتذكر ~~أو يخشى، لهذه الآية، وإنه تذكر وخشي لما أدركه الغرق. وقال ~~كعب: والذي يحلف به كعب، إنه لمكتوب في التوراة: فقولا له قولا ~~لينا، وسأقسي قلبه فلا يؤمن. قال المفسرون: كان هارون يؤمئذ غائبا ~~بمصر، فأوحى الله تعالى إلى هارون أن يتلقى موسى، فتلقاه ms1322 على مرحلة، ~~فقال له موسى: إن الله تعالى أمرني أن آتي فرعون، فسألته أن يجعلك ~~معي؛ فعلى هذا يحتمل أن يكونا حين التقيا قالا: ربنا إننا نخاف. # قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون القائل لذلك موسى وحده، واخبر الله عنه ~~بالتثنية لما ضم إليه هارون، فإن العرب قد توقع التثنية على الواحد، ~~فتقول: يا زيد قوما، يا حرسي اضربا عنقه. # قوله تعالى: { أن يفرط علينا } وقرأ عبد الله بن عمرو، وابن السميفع، ~~وابن يعمر، وأبو العالية: «أن يفرط» برفع الياء وكسر الراء. وقرأ ~~عكرمة، وإبراهيم النخعي: «أن يفرط» بفتح الياء والراء. وقرأ أبو رجاء ~~العطاردي، وابن محيصن: «أن يفرط» برفع الياء وفتح الراء. قال الزجاج: ~~المعنى، أن يبادر بعقوبتنا، يقال: قد فرط منه أمر، أي: قد بدر؛ وقد ~~أفرط في الشيء: إذا اشتط فيه؛ وفرط في الشيء: إذا قصر؛ ومعناه ~~كله: التقدم في الشيء، لأن الفرط في اللغة: المتقدم، ومنه قوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " أنا فرطكم على الحوض ". # قوله تعالى: { أو أن يطغى } فيه قولان. # أحدهما: يستعصي، قاله مقاتل. # والثاني: يجاوز الحد في الإساءة إلينا. قال ابن زيد: نخاف أن يعجل ~~علينا قبل أن نبلغه كلامك وأمرك. # قوله تعالى: { إنني معكما } أي: بالنصرة والعون { أسمع } أقوالكم { ~~وأرى } أفعالكم. قال الكلبي: أسمع جوابه لكما، وأرى ما يفعل بكما. # قوله تعالى: { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي: خل عنهم { ولا ~~تعذبهم } وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة، { قد جئناك بآية من ~~ربك } قال ابن عباس: هي العصا. قال مقاتل: أظهر اليد في مقام، والعصا ~~في مقام. # قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى } قال مقاتل: على من آمن ~~بالله. قال الزجاج: وليس يعني به التحية، وإنما معناه: أن من اتبع ~~الهدى، سلم من عذاب الله وسخطه، والدليل على أنه ليس بسلام، أنه ليس ~~بابتداء لقاء وخطاب. # قوله تعالى: { على من كذب } أي: بما جئنا به وأعرض عنه. ### || [20.49-55] # قوله تعالى: { قال فمن ربكما } في الكلام محذوف معناه معلوم، ~~وتقديره: فأتياه فأديا الرسالة. قال الزجاج: ms1323 وإنما لم يقل: فأتياه، ~~لأن في الكلام دليلا على ذلك، لأن قوله: «فمن ربكما» يدل على أنهما ~~أتياه وقالا له. # قوله تعالى: { أعطى كل شيء خلقه } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أعطى كل شيء صورته، فخلق كل جنس من الحيوان على غير صورة ~~جنسه، فصورة ابن آدم لا كصورة البهائم، وصورة البعير لا كصورة الفرس، روى ~~هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير. # والثاني: أعطى كل ذكر زوجه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~السدي، فيكون المعنى: أعطى كل حيوان ما يشاكله. # والثالث: أعطى كل شيء ما يصلحه، قاله قتادة. # وفي قوله: { ثم هدى } ثلاثة أقوال. # أحدها: هدى كيف يأتي الذكر الأنثى، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه ~~قال ابن جبير. # والثاني: هدى للمنكح والمطعم والمسكن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: هدى كل شيء إلى معيشته، قاله مجاهد. وقرأ عمر بن الخطاب، وابن ~~عباس، والأعمش، وابن السميفع، ونصير عن الكسائي: «أعطى كل شيء ~~خلقه» بفتح اللام. # فإن قيل: ما وجه الاحتجاج على فرعون من هذا؟ # فالجواب: أنه قد ثبت وجود خلق وهداية، فلا بد من خالق وهاد. # قوله تعالى: { قال فما بال القرون الأولى } اختلفوا فيما سأل عنه من حال ~~القرون الأولى على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه سأله عن أخبارها وأحاديثها، ولم يكن له بذلك علم، إذ ~~التوراة إنما نزلت عليه بعد هلاك فرعون، فقال: { علمها عند ربي } ، ~~هذا مذهب مقاتل. وقال غيره: أراد: إني رسول، وأخبار الأمم علم غيب، ~~فلا علم لي بالغيب. # والثاني: أن مراده من السؤال عنها: لم عبدت الأصنام، ولم لم يعبد ~~الله إن كان الحق ما وصفت؟! # والثالث: أن مراده: ما لها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى؟! فقال: ~~علمها عند الله، أي: علم أعمالها. وقيل: الهاء في «علمها» كناية ~~عن القيامة، لأنه سأله عن بعث الأمم، فأجابه بذلك. # وقوله: { في كتاب } أراد: اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: { لا يضل ربي ولا ينسى } وقرأ عبد الله ms1324 بن عمرو، ~~وعاصم الجحدري، وقتادة، وابن محيصن: «لا يضل» بضم الياء وكسر الضاد، ~~أي: لا يضيعه. وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: «لا يضل» بضم الياء ~~وفتح الضاد. وفي هذه الآية توكيد للجزاء على الأعمال، والمعنى: لا يخطىء ~~ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم. وقيل: أراد: لم يجعل ~~ذلك في كتاب لأنه يضل وينسى. # قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: «مهادا». # وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «مهدا» بغير ألف. والمهاد: الفراش، ~~والمهد: الفرش. { وسلك لكم } أي: أدخل لأجلكم في الأرض طرقا ~~تسلكونها، { وأنزل من السماء ماء } يعني: المطر. وهذا آخر الإخبار عن ~~موسى. ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله: { فأخرجنا به } يعني: بالماء { ~~أزواجا من نبات شتى } أي: أصنافا مختلفة في الألوان والطعوم، كل صنف ~~منها زوج. و«شتى» لا واحد له من لفظه. { كلوا } أي: مما أخرجنا لكم من ~~الثمار { وارعوا أنعامكم } يقال: رعى الماشية، يرعاها: إذا سرحها في ~~المرعى. ومعنى هذا الأمر: التذكير بالنعم، { إن في ذلك لآيات } ~~أي: لعبرا في اختلاف الألوان والطعوم { لأولي النهى } قال الفراء: ~~لذوي العقول، يقال للرجل: إنه لذو نهية: إذا كان ذا عقل. قال ~~الزجاج: واحد النهى: نهية، يقال: فلان ذو نهية، أي: ذو عقل ينتهي ~~به عن المقابح، ويدخل به في المحاسن؛ قال: وقال بعض أهل اللغة: ذو ~~النهية: الذي ينتهى إلى رأيه وعقله، وهذا حسن أيضا. # قوله تعالى: { منها خلقناكم } يعني: الأرض المذكورة في قوله: «جعل لكم ~~الأرض مهادا». والإشارة بقوله: «خلقناكم» إلى آدم، والبشر كلهم منه. ~~{ وفيها نعيدكم } بعد الموت { ومنها نخرجكم تارة } أي: مرة { ~~أخرى } بعد البعث، يعني: كما أخرجناكم منها أولا عند خلق آدم من الأرض. ### || [20.56-64] # قوله تعالى: { ولقد أريناه } يعني: فرعون { آياتنا كلها } يعني: ~~التسع الآيات، ولم ير كل آية لله، لأنها لا تحصى، { فكذب } أي: نسب ~~الآيات إلى الكذب، وقال: هذا سحر { وأبى } أن يؤمن { قال أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا } يعني: مصر { بسحرك ms1325 } أي: تريد أن تغلب على ديارنا ~~بسحرك فتملكها وتخرجنا منها { فلنأتينك بسحر مثله } أي: ~~فلنقابلن ما جئت به من السحر بمثله { فاجعل بيننا وبينك موعدا } ~~أي: اضرب بيننا وبينك أجلا وميقاتا { لا نخلفه } أي: لا نجاوزه { ~~نحن ولا أنت مكانا } وقيل: المعنى: اجعل بيننا وبينك موعدا مكانا ~~نتواعد لحضورنا ذلك المكان، ولا يقع منا خلاف في حضوره. { سوى } قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي بكسر السين. وقرأ ابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة، وخلف، ويعقوب: «سوى» بضمها. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، ~~وابن أبي عبلة: «مكانا سواء» بالمد والهمز والنصب والتنوين وفتح ~~السين. وقرأ ابن مسعود مثله، إلا أنه كسر السين. قال أبو عبيدة: هو اسم ~~للمكان النصف فيما بين الفريقين، والمعنى: مكانا تستوي مسافته على ~~الفريقين، فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر. { قال موعدكم ~~يوم الزينة } قرأ الجمهور برفع الميم. وقرأ الحسن، ومجاهد، [وقتادة]، ~~وابن أبي عبلة، وهبيرة عن حفص بنصب الميم. وفي هذا اليوم أربعة أقوال. # أحدها: يوم عيد لهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس، والسدي عن أشياخه، وبه ~~قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: يوم عاشوراء، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: يوم النيروز، ووافق ذلك يوم السبت أول يوم من السنة، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: يوم سوق لهم، قاله سعيد بن جبير. # وأما رفع اليوم، فقال البصريون: التقدير: وقت موعدكم يوم الزينة، فناب ~~الموعد عن الوقت، وارتفع به ما كان يرتفع بالوقت إذا ظهر. فأما نصبه، ~~فقال الزجاج: المعنى: موعدكم يقع يوم الزينة، { وأن يحشر الناس } ~~موضع «أن» رفع، المعنى: موعدكم حشر الناس { ضحى } أي: إذا رأيتم الناس ~~قد حشروا ضحى. ويجوز أن تكون «أن» في موضع خفض عطفا على الزينة، ~~المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى. وقرأ ابن مسعود، وابن ~~يعمر، وعاصم الجحدري: «وأن تحشر» بتاء مفتوحة ورفع الشين ونصب ~~«الناس». وعن ابن مسعود، والنخعي: «وأن يحشر» بالياء المفتوحة ورفع ~~الشين ونصب «الناس». # قال المفسرون: أراد ms1326 بالناس: أهل مصر، وبالضحى: ضحى اليوم، وإنما ~~علقه بالضحى، ليتكامل ضوء الشمس واجتماع الناس، فيكون أبلغ في الحجة ~~وأبعد من الريبة. # { فتولى فرعون } فيه قولان. # أحدهما: أن المعنى: تولى عن الحق الذي أمر به. # والثاني: أنه انصرف إلى منزله لاستعداد ما يلقى به موسى، { فجمع كيده } ~~أي: مكره وحيلته { ثم أتى } أي: حضر الموعد. # { قال لهم موسى } أي: للسحرة. وقد ذكرنا عددهم في [الأعراف: 114]. # قوله تعالى: { ويلكم } قال الزجاج: هو منصوب على «ألزمكم الله ويلا» ~~ويجوز أن يكون على النداء، كقوله تعالى: # يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52]. # قوله تعالى: { لا تفتروا على الله كذبا } قال ابن عباس: لا تشركوا معه ~~أحدا. # قوله تعالى: { فيسحتكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «فيسحتكم» بفتح الياء، من «سحت». وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «فيسحتكم» بضم الياء، من «أسحت». قال الفراء: ~~ويسحت أكثر، وهو الاستئصال، والعرب تقول: سحته الله، وأسحته، قال ~~الفرزدق: # وعض زمان يابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # هكذا أنشد البيت الفراء، والزجاج. ورواه أبو عبيدة: «إلا مسحت أو ~~مجلف» بالرفع. قوله تعالى: { فتنازعوا أمرهم بينهم } يعني: السحرة ~~تناظروا فيما بينهم في أمر موسى، وتشاوروا { وأسروا النجوى } أي: ~~أخفوا كلامهم من فرعون وقومه. وقيل: من موسى وهارون. وقيل: «أسروا» ~~هاهنا بمعنى «أظهروا». # وفي ذلك الكلام الذي جرى بينهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قالوا: إن كان هذا ساحرا، فإنا سنغلبه، وإن يكن من ~~السماء كما زعمتم، فله أمره، قاله قتادة. # والثاني: أنهم لما سمعوا كلام موسى قالوا: ما هذا بقول ساحر، ولكن هذا ~~كلام الرب الأعلى، فعرفوا الحق، ثم نظروا إلى فرعون وسلطانه، وإلى ~~موسى وعصاه، فنكسوا على رؤوسهم، وقالوا إن هذان لساحران، قاله الضحاك، ~~ومقاتل. # والثالث: أنهم { قالوا إن هذان لساحران... } الآيات، قاله السدي. # واختلف القراء في قوله تعالى: { إن هذان لساحران } فقرأ أبو عمرو بن ~~العلاء: «إن هذين» على إعمال «إن» وقال: إني لأستحيي من الله أن ~~أقرأ ms1327 «إن هذان». وقرأ ابن كثير: «إن» خفيفه «هذان» بتشديد النون. ~~وقرأ عاصم في رواية حفص: «إن» خفيفة «هذان» خفيفة أيضا. وقرأ نافع، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «إن» بالتشديد «هاذان» بألف ونون خفيفة. ~~فأما قراءة أبي عمرو، فاحتجاجه في مخالفة المصحف بما روى عن عثمان ~~وعائشة، أن هذا من غلط الكاتب على ما حكيناه في قوله تعالى: # والمقيمين الصلاة # في سورة [النساء: 162]. وأما قراءة عاصم، فمعناها: ما هذان إلا ساحران، # كقوله تعالى: # وإن نظنك لمن الكاذبين # [الشعراء: 186] أي: ما نظنك إلا من الكاذبين، وأنشدوا في ذلك: # ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما # حلت عليه عقوبة المتعمد # أي: ما قتلت إلا مسلما. قال الزجاج: ويشهد لهذه القراءة، ما روي عن ~~أبي ابن كعب أنه قرأ «ما هذان إلا ساحران»، وروي عنه: «إن هذان ~~إلا ساحران»، ورويت عن الخليل «إن هذان» بالتخفيف، والإجماع على أنه ~~لم يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل. فأما قراءة الأكثرين بتشديد «إن» ~~وإثبات الألف في قوله: «هاذان» فروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: هي لغة ~~بلحارث بن كعب. # وقال ابن الأنباري: هي لغة لبني الحارث بن كعب، وافقتها لغة قريش. قال ~~الزجاج: وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب، وهو رأس من رؤوس الرواة: أنها لغة ~~لكنانة، يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، ~~يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، وأنشدوا: # فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى # مساغا لناباه الشجاع لصمما # ويقول هؤلاء: ضربته بين أذناه. وقال النحويون القدماء: هاهنا هاء ~~مضمرة، المعنى: إنه هذان لساحران. وقالوا أيضا: إن معنى «إن»: نعم ~~«هذان لساحران»، وينشدون: # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # قال الزجاج: والذي عندي، وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد، وعلى ~~إسماعيل بن إسحاق ابن حماد بن زيد، فقبلاه، وذكرا أنه أجود ما سمعناه ~~في هذا، وهو أن «إن» قد وقعت موقع «نعم»، والمعنى: نعم هذان لهما ~~الساحران، ويلي هذا في الجودة مذهب بني كنانة. وأستحسن هذه القراءة، ~~لأنها مذهب أكثر ms1328 القراء، وبها يقرأ. وأستحسن قراءة عاصم، والخليل، ~~لأنهما إمامان، ولأنهما وافقا أبي بن كعب في المعنى. ولا أجيز قراءة ~~أبي عمرو لخلاف المصحف. وحكى ابن الأنباري عن الفراء قال: «ألف» «هذان» ~~هي ألف «هذا» والنون فرقت بين الواحد والتثنية، كما فرقت نون «الذين» ~~بين الواحد والجمع. # قوله تعالى: { ويذهبا بطريقتكم } وقرأ أبان عن عاصم: «ويذهبا» بضم ~~الياء وكسر الهاء. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو، ~~وأبو رجاء العطاردي: «ويذهبا بالطريقة» بألف ولام، مع حذف الكاف والميم. ~~وفي الطريقة قولان. # أحدهما: بدينكم المستقيم، رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال أبو عبيدة: ~~بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه، يقال: فلان حسن الطريقة. # والثاني: بأمثلكم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: بأولي ~~العقل، والأشراف، والأسنان. وقال الشعبي: يصرفان وجوه الناس إليهما. قال ~~الفراء: الطريقة: الرجال الأشراف، تقول العرب للقوم الأشراف: هؤلاء طريقة ~~قومهم، وطرائق قومهم. # فأما «المثلى» فقال أبو عبيدة: هي تأنيث الأمثل. تقول في الإناث: خذ ~~المثلى منهما، وفي الذكور: خذ الأمثل. وقال الزجاج: ومعنى المثلى ~~والأمثل: ذو الفضل الذي به يستحق أن يقال: هذا أمثل قومه؛ قال: والذي ~~عندي أن في الكلام محذوفا، والمعنى: يذهبا بأهل طريقتكم المثلى، وقول ~~العرب: هذا طريقة قومه، أي: صاحب طريقتهم. # قوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم } قرأ الأكثرون: «فأجمعوا» بقطع الألف من ~~«أجمعت». والمعنى: ليكن عزمكم مجمعا عليه، لا تختلفوا فيختل أمركم. ~~قال الفراء: والإجماع: الإحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت على ~~الخروج، وأجمعت الخروج، تريد: أزمعت، قال الشاعر: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع # هل أغدون يوما وأمري مجمع # يريد: قد أحكم وعزم عليه. وقرأ أبو عمرو: «فاجمعوا» بفتح الميم من ~~«جمعت»، يريد: لا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به. فأما كيدهم، ~~فالمراد به: سحرهم ومكرهم. # قوله تعالى: { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين مجتمعين، ليكون أنظم ~~لأموركم، وأشد لهيبتكم. قال أبو عبيدة: «صفا» أي: صفوفا. وقال ابن ~~قتيبة: «صفا» بمعنى: جمعا. قال الحسن: كانوا خمسة وعشرين صفا، كل ~~ألف ms1329 ساحر صف. # قوله تعالى: { وقد أفلح اليوم من استعلى } قال ابن عباس: فاز من غلب. ### || [20.65-73] # قوله تعالى: { بل ألقوا } قال ابن الأنباري: دخلت «بل» لمعنى: جحد في ~~الآية الأولى، لأن الآية الأولى إذا تؤملت وجدت مشتملة على: إما ~~أن تلقي، وإما أن لا تلقي. # قوله تعالى: { وعصيهم } قرأ الحسن، وأبو رجاء العطاردي، وأبو عمران ~~الجوني، وأبو الجوزاء: «وعصيهم» برفع العين. # قوله تعالى: { يخيل إليه } وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والحسن، وقتادة، والزهري، وابن أبي عبلة: «تخيل» بالتاء، ~~«إليه» أي: إلى موسى. يقال: خيل إليه: إذا شبه له. وقد استدل ~~قوم بهذه الآية على أن السحر ليس بشيء. وقال: إنما خيل إلى موسى، ~~فالجواب: أنا لا ننكر أن يكون ما رآه موسى تخييلا، وليس بحقيقة، فإنه من ~~الجائز أن يكونوا تركوا الزئبق في سلوخ الحيات حتى جرت، وليس ذلك ~~بحيات، فأما السحر، فإنه يؤثر، وهو أنواع. وقد سحر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى أثر فيه، ولعن العاضهة، وهي الساحرة. # قوله تعالى: { فأوجس في نفسه خيفة موسى } قال ابن قتيبة: أضمر في نفسه ~~خوفا. وقال الزجاج: أصلها «خوفة» ولكن الواو قلبت ياء لانكسار ما ~~قبلها. # وفي خوفه قولان. # أحدهما: أنه خوف الطبع البشري. # والثاني: أنه لما رأى سحرهم من جنس ما أراهم في العصى، خاف أن يلتبس على ~~الناس أمره، ولا يؤمنوا، فقيل له: { لا تخف إنك أنت الأعلى } عليهم ~~بالظفر والغلبة. وهذا أصح من الأول. # قوله تعالى: { وألق ما في يمينك } يعني: العصا { تلقف } وقرأ ابن ~~عامر: «تلقف ما» برفع الفاء وتشديد القاف. وروى حفص عن عاصم: «تلقف» ~~خفيفة. وكان ابن كثير يشدد التاء من «تلقف» يريد: «تتلقف». وقرأ ابن ~~مسعود، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء: «تلقم» بالميم. وقد ~~شرحناها في [الأعراف: 117]، { إنما صنعوا كيد ساحر } قرأ حمزة، ~~والكسائى، وخلف: «كيد سحر». وقرأ الباقون: «كيد ساحر» بألف، والمعنى: إن ~~الذي صنعوا كيد ساحر، أي: عمل ساحر. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران الجوني: ms1330 ~~«إنما صنعوا كيد» بنصب الدال. { ولا يفلح الساحر } قال ابن عباس: لا ~~يسعد حيثما كان. وقيل: لا يفوز. وروى جندب بن عبد الله البجلي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أخذتم الساحر فاقتلوه، ثم قرأ { ولا يفلح الساحر حيث أتى } ، قال: ~~لا يأمن حيث وجد ". # قوله تعالى: { قال آمنتم له } قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، وورش عن ~~نافع: «آمنتم له» على لفظ الخبر. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«آمنتم له» بهمزة ممدودة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~«أآمنتم له» بهمزتين الثانية ممدودة. # قوله تعالى: { إنه لكبيركم } قال ابن عباس: يريد معلمكم. # قال الكسائي: الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه، قال: جئت من عند ~~كبيري. # قوله تعالى: { ولأصلبنكم في جذوع النخل } «في» بمعنى «على»، ومثله: # أم لهم سلم يستمعون فيه # [الطور: 38]. { ولتعلمن } أيها السحرة { أينا أشد عذابا } لكم ~~{ وأبقى } أي: أدوم، أنا على إيمانكم، أو رب موسى على تركهم الإيمان ~~به؟ { قالوا لن نؤثرك } أي: لن نختارك { على ما جاءنا من البينات } يعنون ~~اليد والعصى. # فإن قيل: لم نسبوا الآيات إلى أنفسهم بقولهم: «جاءنا» وإنما جاءت عامة ~~لهم ولغيرهم. # فالجواب: أنهم لما كانوا بأبواب السحر ومذاهب الاحتيال أعرف من غيرهم، ~~وقد علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر، كان ذلك في حق غيرهم أبين ~~وأوضح، وكانوا هم لمعرفته أخص. # وفي قوله تعالى: { والذي فطرنا } وجهان ذكرهما الفراء، والزجاج. # أحدهما: أن المعنى: لن نؤثرك على ماجاءنا من البينات، وعلى الذي فطرنا. # والثاني: أنه قسم، تقديره: وحق الذي فطرنا. # قوله تعالى: { فاقض ما أنت قاض } أي: فاصنع ما أنت صانع. وأصل القضاء: ~~عمل باحكام { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } قال الفراء: «إنما» حرف ~~واحد، فلهذا نصب: «الحياة الدنيا». ولو قرأ قارىء برفع «الحياة» لجاز، ~~على أن يجعل «ما» في مذهب «الذي»، كقولك: إن الذي تقضي هذه الحياة ~~الدنيا. وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو المتوكل: «إنما تقضى» بضم التاء على ~~مالم يسم فاعله، «الحياة» برفع ms1331 التاء. قال المفسرون: والمعنى: إنما ~~سلطانك وملكك في هذه الدنيا، لا في الآخرة. # قوله تعالى: { ليغفر لنا } يعنون الشرك { وما أكرهتنا عليه } أي: والذي ~~أكرهتنا عليه، أي: ويغفر لنا إكراهك إيانا على السحر. # فإن قيل: كيف قالوا: أكرهتنا، وقد قالوا: «أإن لنا لأجرا»، وفي هذا ~~دليل على أنهم فعلوا السحر غير مكرهين؟ فعنه أربعة أجوبة. # أحدها: أن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر، قاله ابن عباس. قال ~~ابن الأنباري: كان يطالب بعض أهل مملكته بأن يعلموا أولادهم السحر وهم ~~لذلك كارهون، وذلك لشغفه بالسحر، ولما خامر قلبه من خوف موسى، فالإكراه ~~على السحر، هو الإكراه على تعلمه في أول الأمر. # والثاني: أن السحرة لما شاهدوا موسى بعد قولهم: «أئن لنا لأجرا» ورأوا ~~ذكره الله تعالى وسلوكه منهاج المتقين، جزعوا من ملاقاته بالسحر، وحذروا ~~أن يظهر عليهم فيطلع على ضعف صناعتهم، فتفسد معيشتهم، فلم يقنع فرعون ~~منهم إلا بمعارضة موسى، فكان هذا هو الإكراه على السحر. # والثالث: أنهم خافوا أن يغلبوا في ذلك الجمع، فيقدح ذلك في صنعتهم عند ~~الملوك والسوق، وأكرههم فرعون على فعل السحر. # والرابع: أن فرعون أكرههم على مفارقة أوطانهم، وكان سبب ذلك السحر، ذكره ~~هذه الأقوال ابن الأنباري. # قوله تعالى: { والله خير } أي: خير منك ثوابا إذا أطيع { وأبقى } ~~عقابا إذا عصي، وهذا جواب قوله: «ولتعلمن أينا أشد عذابا ~~وأبقى»؛ وهذا آخر الإخبار عن السحرة. ### || [20.74-76] # قوله تعالى: { إنه من يأت ربه مجرما } يعني: مشركا { فإن له جهنم ~~لا يموت فيها } فيستريح { ولا يحيى } حياة تنفعه. # [أنشد ابن الأنباري في مثل هذا المعنى قوله: # ألا من لنفس لا تموت فينقضي # شقاها ولا تحيا حياة لها طعم # قوله تعالى: { قد عمل الصالحات } قال ابن عباس: قد أدى الفرائض، { ~~فأولئك لهم الدرجات العلى } يعني: درجات الجنة، وبعضها أعلى من بعض. ~~والعلى، جمع العليا، وهو تأنيث الأعلى. قال ابن الأنباري: وإنما قال: ~~«فأولئك»، لأن «من» تقع بلفظ التوحيد على تأويل الجمع. فإذا غلب لفظها، ~~وحد الراجع إليها، وإذا بين ms1332 تأويلها، جمع المصروف إليها. # قوله تعالى: { وذلك } يعني الثواب { جزاء من تزكى } أي: تطهر من ~~الكفر والمعاصي. ### || [20.77-82] # قوله تعالى: { أن أسر بعبادي } أي: سر بهم ليلا من أرض مصر { ~~فاضرب لهم طريقا } أي: اجعل لهم طريقا { في البحر يبسا } قرأ أبو ~~المتوكل، والحسن، والنخعي: «يبسا» باسكان الباء. وقرأ الشعبي، وأبو ~~رجاء، وابن السميفع: «يابسا» بألف. قال أبو عبيدة: اليبس، متحرك الحروف، ~~بمعنى اليابس، يقال: شاة يبس، أي: يابسة ليس لها لبن. وقال ابن قتيبة: ~~يقال لليابس: يبس، ويبس. # قوله تعالى: { لا تخاف } قرأ الأكثرون بألف. وقرأ أبان، وحمزة عن عاصم: ~~«لا تخف». قال الزجاج: من قرأ «لا تخاف»، فالمعنى: لست تخاف، ومن قرأ: ~~«لا تخف»، فهو نهي عن الخوف. قال الفراء: قرأ حمزة: «لا تخف» بالجزم، ~~ورفع «ولا تخشى» على الاستئناف، كقوله تعالى: # يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون # [آل عمران: 111] استأنف ب «ثم»، فهذا مثله، ولو نوى حمزة بقوله: «ولا ~~تخش» الجزم وإن كانت فيه الياء، كان صوابا. قال ابن قتيبة: ومعنى { ~~دركا } لحاقا. قال المفسرون: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، ~~وهذا البحر بين أيدينا، فأنزل الله على موسى { لا تخاف دركا } أي: من ~~فرعون { ولا تخشى } غرقا في البحر. # قوله تعالى: { فأتبعهم فرعون } قال ابن قتيبة: لحقهم. وروى هارون عن ~~أبي عمرو: «فاتبعهم» بالتشديد. وقال الزجاج: تبع الرجل الشيء، وأتبعه، ~~بمعنى واحد. ومن قرأ بالتشديد، ففيه دليل على أنه اتبعهم ومعه الجنود. ~~ومن قرأ «فأتبعهم»، فمعناه: ألحق جنوده بهم، وجائز أن يكون معهم على هذا ~~اللفظ، وجائز أن لا يكون، إلا أنه قد كان معهم. { فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم } أي: فغشيهم من ماء البحر ما غرقهم. وقال ابن الأنباري: ويعني ~~بقوله: «ما غشيهم» البعض الذي غشيهم، لأنه لم يغشهم كل مائه. وقرأ ابن ~~مسعود، وعكرمة، وأبو رجاء، والأعمش: «فغشاهم من اليم ما غشاهم» بألف ~~فيهما مع تشديد الشين وحذف الياء. # قوله تعالى: { وأضل فرعون قومه } أي: دعاهم إلى عبادته { وما هدى } ~~أي: [ما] أرشدهم حين ms1333 أوردهم موارد الهلكة. وهذا تكذيب له في قوله: # وما أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29]. # قوله تعالى: { وواعدناكم جانب الطور الأيمن } لأخذ التوراة. وقد ~~ذكرنا في [مريم: 52] معنى «الأيمن»، وذكرنا في [البقرة: 57] «المن ~~والسلوى». # [قوله تعالى: { كلوا } أي: وقلنا لهم: كلوا]. # قوله تعالى: { ولا تطغوا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لا تبطروا في نعمي [فتظلموا]. # والثاني: لا تجحدوا نعمي فتكونوا طاغين. # والثالث: لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة. # قوله تعالى: { فيحل عليكم غضبي } أي: فتجب لكم عقوبتي. والجمهور قرؤوا ~~«فيحل» بكسر الحاء { ومن يحلل } بكسر اللام. وقرأ الكسائي: «فيحل» بضم ~~الحاء «ومن يحلل» بضم اللام. قال الفراء: والكسر أحب إلي، لأن الضم ~~من الحلول، ومعناه: الوقوع، و«يحل» بالكسر، يجب، وجاء التفسير بالوجوب، ~~لا بالوقوع. # قوله تعالى: { فقد هوى } أي: هلك. # قوله تعالى: { وإني لغفار } الغفار: الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد ~~أخرى، فكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته، وأصل الغفر: الستر، وبه سمي ~~[زئبر] الثوب: غفرا، لأنه يستر سداه. فالغفار: الستار لذنوب عباده، ~~المسبل عليهم ثوب عطفه. # قوله تعالى: { لمن تاب } قال ابن عباس: لمن تاب من الشرك { وآمن } أي: ~~وحد الله وصدقه، { وعمل صالحا } أدى الفرائض. # وفي قوله تعالى: { ثم اهتدى } ثمانية أقوال. # أحدها: علم أن لعمله هذا ثوابا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: لم يشكك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: علم أن ذلك توفيق من الله [له]، رواه عطاء عن ابن عباس. # والرابع: لزم السنة والجماعة، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: استقام، قاله الضحاك. # والسادس: لزم الإسلام حتى يموت عليه، قاله قتادة. # والسابع: اهتدى كيف يعمل، قاله زيد بن أسلم. # والثامن: اهتدى إلى ولاية بيت النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ثابت ~~البناني. ### || [20.83-89] # قوله تعالى: { وما أعجلك عن قومك يا موسى } قال المفسرون: لما نجى ~~الله تعالى بني إسرائيل وأغرق فرعون، قالوا: يا موسى، لو أتيتنا بكتاب ~~من عند الله، فيه الحلال والحرام والفرائض، فأوحى الله [إليه يعده] ~~أنه ينزل عليه ذلك في الموضع ms1334 الذي كلمه فيه، فاختار سبعين، فذهبوا معه ~~إلى الطور لأخذ التوراة، فعجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه، وأمرهم ~~بلحاقه، فقال الله تعالى له: ما الذي حملك على العجلة عن قومك، { قال هم ~~أولاء } أي: هؤلاء { على أثري } ، وقرأ أبو رزين العقيلي، وعاصم الجحدري: ~~«على إثري» بكسر الهمزة وسكون الثاء. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وابن ~~يعمر، برفع الهمزة وسكون الثاء. وقرأ أبو رجاء، وأبو العالية: بفتح ~~الهمزة وسكون الثاء. والمعنى: هم بالقرب مني يأتون بعدي { وعجلت إليك ~~رب لترضى } أي: لتزداد رضى، { قال فإنا قد فتنا قومك } قال ~~الزجاج: ألقيناهم في فتنة ومحنة، واختبرناهم. # قوله تعالى: { من بعدك } أي: من بعد انطلاقك من بينهم { وأضلهم ~~السامري } أي: كان سببا لإضلالهم. وقرأ معاذ القارىء، وأبو المتوكل، ~~وعاصم الجحدري، وابن السميفع: «وأضلهم» برفع اللام. وقد شرحنا في ~~[البقرة: 52] سبب اتخاذ السامري العجل، وشرحنا في [الأعراف: 150] معنى ~~قوله تعالى: { غضبان أسفا }. # قوله تعالى: { ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } أي: صدقا، وفيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: إعطاء التوراة. # والثاني: قوله: { لئن أقمتم الصلاة } إلى قوله: # لأكفرن عنكم سيآتكم... # الآية: [المائدة: 13]، وقوله: # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82]. # والثالث: النصر والظفر. # قوله تعالى: { أفطال عليكم العهد } أي: مدة مفارقتي إياكم { أم أردتم ~~أن يحل عليكم غضب من ربكم } أن تصنعوا صنيعا يكون سببا لغضب ربكم { ~~فأخلفتم موعدي } أي: عهدي، وكانوا قد عاهدوه أنه إن فكهم الله من ~~ملكة آل فرعون، أن يعبدوا الله ولا يشركوا به، ويقيموا الصلاة، ~~وينصروا الله ورسله. { قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وابن عامر: بكسر الميم، وقرأ نافع، وعاصم: بفتح الميم. وقرأ ~~حمزة، والكسائي: بضم الميم. قال أبو علي: وهذه لغات. وقال الزجاج: ~~الملك، بالضم: السلطان والقدرة. والملك، بالكسر: ما حوته اليد. ~~والملك، بالفتح: المصدر، يقال: ملكت الشيء أملكه ملكا. # وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال. # أحدها: ما كنا نملك الذي اتخذ منه العجل، ولكنها كانت زينة آل فرعون، ~~فقذفناها، قاله ابن عباس. # والثاني: بطاقتنا، قاله قتادة، والسدي. ms1335 # والثالث: لم نملك أنفسنا عند الوقوع في البلية، قاله ابن زيد. # والرابع: لم يملك مؤمنونا سفهاءنا، ذكره الماوردي. # فيخرج فيمن قال هذا لموسى قولان. # أحدهما: أنهم الذين لم يعبدوا العجل. # والثاني: عابدوه. # قوله تعالى: { ولكنا حملنا أوزارا } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: «حملنا» بضم الحاء وتشديد الميم. # وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «حملنا» خفيفة. ~~والأوزار: الاثقال. والمراد بها: حلي آل فرعون الذي كانوا استعاروه منهم ~~قبل خروجهم من مصر. فمن قرأ «حملنا» بالتشديد، فالمعنى: حملنا ~~[ها] موسى، أمرنا باستعارتها من آل فرعون، { فقذفناها } أي: طرحناها في ~~الحفيرة. وقد ذكرنا سبب قذفهم إياها في سورة [البقرة: 52]. # قوله تعالى: { فكذلك ألقى السامري } فيه قولان. # أحدهما: أنه ألقى حليا كما ألقوا. # والثاني: ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل. وقد سبق شرح القصة في ~~[البقرة: 52]، وذكرنا في [الأعراف: 148] معنى قوله تعالى: { عجلا جسدا ~~له خوار }. # قوله تعالى: { فقالوا هذ إلهكم } هذا قول السامري ومن وافقه من الذين ~~افتتنوا. # قوله تعالى: { فنسي } في المشار إليه بالنسيان قولان. # أحدهما: أنه موسى. ثم في المعنى ثلاثة أقوال. # أحدها: هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى أن يخبركم أن هذا إلهه، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: فنسي موسى الطريق إلى ربه، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: فنسي موسى إلهه عندكم، وخالفه في طريق آخر، قاله قتادة. # والثاني: أنه السامري، والمعنى: فنسي السامري إيمانه وإسلامه، قاله ~~ابن عباس. وقال مكحول: فنسي، أي: فترك السامري ما كان عليه من الدين. ~~وقيل: فنسي أن العجل لا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. ~~فعلى هذا القول، يكون قوله تعالى: { فنسي } من إخبار الله عز وجل عن ~~السامري. وعلى ما قبله، فيمن قاله قولان. # أحدهما: أنه السامري. # والثاني: بنو إسرائيل. # قوله تعالى: { أفلا يرون ألا يرجع } قال الزجاج: المعنى: أفلا يرون ~~أنه لا يرجع «إليهم قولا». ### || [20.90-94] # قوله تعالى: { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي: من قبل ms1336 أن يأتي موسى { ~~يا قوم إنما فتنتم به } أي: ابتليتم { وإن ربكم الرحمن } لا العجل، ~~{ قالوا لن نبرح عليه عاكفين } أي: لن نزال مقيمين على عبادة العجل { حتى ~~يرجع إلينا موسى } فلما رجع موسى { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ~~ضلوا } بعبادة العجل { ألا تتبعني } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «ألا ~~تتبعني» بياء في الوصل ساكنة، ويقف ابن كثير بالياء، وأبو عمرو بغير ياء. ~~وروى إسماعيل بن جعفر عن نافع: «ألا تتبعني أفعصيت» بياء منصوبة. وروى ~~قالون عن نافع مثل أبي عمرو سواء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: بغير ياء في الوصل، والوقف. والمعنى: ما منعك من اتباعي. و«لا» ~~كلمة زائدة. # وفي المعنى ثلاثة أقوال. # أحدها: تسير ورائي بمن معك من المؤمنين، وتفارقهم. رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. # والثاني: أن تناجزهم القتال، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: في الإنكار عليهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { أفعصيت أمري } وهو قوله في وصيته إياه «اخلفني في قومي ~~وأصلح». قال المفسرون: ثم أخذ برأس أخيه ولحيته غضبا منه عليه. وهذا ~~وإن لم يذكر هاهنا، فقد ذكر في [الأعراف: 150] فاكتفي بذلك، وقد شرحنا ~~هناك معنى «يا ابن أم» واختلاف القراء فيها. # قوله تعالى: { ولا برأسي } أي: بشعر رأسي. وهذا الغضب كان لله عز وجل، ~~لا لنفسه، لأنه وقع في نفسه أن هارون عصى الله بترك اتباع موسى. # قوله تعالى: { إني خشيت } أي: إن فارقتهم واتبعتك { أن تقول فرقت ~~بين بني إسرائيل } وفيه قولان. # أحدهما: باتباعي إياك ومن معي من المؤمنين. # والثاني: بقتالي لبعضهم ببعض. # وفي قوله تعالى: { ولم ترقب قولي } قولان. # أحدهما: لم ترقب قولي لك: «اخلفني في قومي وأصلح». # والثاني: لم تنتظر أمري فيهم. ### || [20.95-98] # قوله تعالى: { فما خطبك يا سامري } أي: ما أمرك وشأنك الذي دعاك إلى ما ~~صنعت؟! قال ابن الأنباري: وبعض اللغويين يقول: الخطب مشتق من الخطاب. ~~المعنى: ما أمرك الذي تخاطب فيه؟! # واختلفوا في اسم السامري على قولين. # أحدهما: موسى أيضا، قاله وهب بن ms1337 منبه، وقال: كان ابن عم موسى بن عمران. # والثاني: ميخا، قاله ابن السائب. # وهل كان من بني إسرائيل، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: لم يكن منهم، قاله ابن عباس. # والثاني: كان من عظمائهم، وكان من قبيلة تسمى «سامرة»، قاله قتادة. وفي ~~بلده قولان. # أحدهما: كرمان، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: باجرما، قاله وهب. # قوله تعالى: { بصرت بما لم يبصروا به } وقرأ حمزة والكسائي: ~~«تبصروا»، بالتاء. فعلى قراءة الجمهور أشار إلى بني إسرائيل، وعلى هذه ~~القراءة خاطب الجميع. قال أبو عبيدة: علمت ما لم تعلموا. قال: وقوم ~~يقولون: بصرت، وأبصرت سواء، بمنزلة أسرعت، وسرعت. وقال الزجاج: يقال: ~~بصر الرجل يبصر: إذا صار عليما بالشيء، وأبصر يبصر: إذا نظر. قال ~~المفسرون: فقال له موسى: وما ذاك؟ قال: رأيت جبريل على فرس، فألقي في ~~نفسي: أن اقبض من أثرها { فقبضت قبضة } ، وقرأ أبي بن كعب، والحسن، ~~ومعاذ القارىء: «قبصة» بالصاد. وقال الفراء: والقبضة بالكف كلها، ~~والقبصة بالصاد بأطراف الأصابع. قال ابن قتيبه: ومثل هذا: الخضم ~~بالفم كله، والقضم بأطراف الأسنان، والنضخ أكثر من النضح، والرجز: ~~العذاب، والرجس: النتن، والهلاس في البدن، والسلاس في العقل، والغلط ~~في الكلام، والغلت في الحساب، والخصر: الذي يجد البرد، والخرص: الذي يجد ~~البرد والجوع، والنار الخامدة: التي قد سكن لهبها ولم يطفأ جمرها، ~~والهامدة: التي طفئت فذهبت البتة، والشكد: العطاء ابتداء، فإن كان ~~جزاء فهو شكم، والمائح: الذي يدخل البئر فيملأ الدلو، والماتح: الذي ~~ينزعها. # قوله تعالى: { فنبذتها } أي: فقذفتها في العجل. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وخلف: «فنبذتها» بالإدغام { وكذلك } أي: وكما حدثتك { سولت ~~لي نفسي } أي: زينت لي { قال } موسى { اذهب } أي: من بيننا { فإن لك ~~في الحياة } أي: ما دمت حيا { أن تقول لا مساس } أي: لا أمس ولا ~~أمس، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع، لا يمس ~~أحدا، ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، وألهمه أن يقول: «لا مساس»، ~~وكان إذا لقي أحدا يقول: لا مساس، أي: لا تقربني، ولا تمسني، وصار ms1338 ذلك ~~عقوبة لولده، حتى إن بقاياهم اليوم، فيما ذكر أهل التفسير، بأرض الشام ~~يقولون ذلك. وحكي أنه إن مس واحد من غيرهم واحدا منهم، أخذتهما ~~الحمى في الحال. # قوله تعالى: { وإن لك موعدا } أي: لعذابك يوم القيامة { لن تخلفه } ~~أي: لن يتأخر عنك. # ومن كسر لام «تخلف» أراد: لن تغيب عنه. # قوله تعالى: { وانظر إلى إلهك } يعني: العجل { الذي ظلت } قال ابن ~~عباس: معناه: أقمت عليه. وقال الفراء: معنى «ظلت»: فعلته نهارا. وقرأ ~~أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وابن يعمر: «ظلت» برفع الظاء. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو رجاء، والأعمش، وابن أبي عبلة: «ظلت» بكسر الظاء. وقال ~~الزجاج: «ظلت» و«ظلت» بفتح الظاء، وكسرها، فمن فتح، فالأصل فيه: «ظللت» ~~ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر، وبقيت الظاء على فتحها، ومن قرأ: ~~«ظلت» بالكسر، حول كسرة اللام على الظاء. ومعنى { عاكفا } مقيما، { ~~لنحرقنه } قرأ الجمهور «لنحرقنه» بضم النون وفتح الحاء وتشديد ~~الراء. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رزين، وابن معمر: «لنحرقنه» بفتح ~~النون وسكون الحاء ورفع الراء مخففة. وقرأ أبو هريرة، والحسن، وقتادة: ~~«لنحرقنه» برفع النون وإسكان الحاء وكسر الراء مخففة. قال الزجاج: إذا ~~شدد، فالمعنى: نحرقه مرة بعد مرة. وتأويل «لنحرقنه»: لنبردنه، يقال: ~~حرقت أحرق وأحرق: إذا بردت الشيء. والنسف: التذرية. وجاء في التفسير: ~~أن موسى أخذ العجل فذبحه. فسال منه دم، لأنه كان قد صار لحما ودما، ثم ~~أحرقه بالنار، ثم ذراه في البحر، ثم أخبرهم موسى عن إلههم، فقال: { ~~إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو } أي: هو الذي يستحق العبادة، ~~لاالعجل، { وسع كل شيء علما } أي: وسع علمه كل شيء. ### || [20.99-104] # قوله تعالى: { كذلك نقص عليك } أي: كما قصصنا عليك يا محمد من نبأ موسى ~~وقومه، نقص عليك { من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار من مضى، والذكر ~~هاهنا: القرآن { من أعرض عنه } فلم يؤمن، ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل ~~يوم القيامة } وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري: «يحمل» برفع ~~الياء وفتح الحاء وتشديد الميم، ms1339 { وزرا } أي: إثما { خالدين فيه } أي: ~~في عذاب ذلك الوزر { وساء لهم } قال الزجاج: المعنى: وساء الوزر لهم يوم ~~القيامة { حملا } ، و«حملا» منصوب على التمييز. # قوله تعالى: { يوم ينفخ في الصور } قرأ أبو عمرو: «ننفخ» بالنون. وقرأ ~~الباقون من السبعة: «ينفخ» بالياء على ما لم يسم فاعله. وقرأ أبو عمران ~~الجوني: «يوم ينفخ» بياء مفتوحة ورفع الفاء، وقد سبق بيانه. { ونحشر ~~المجرمين } وقرأ أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وطلحة بن مصرف: «ويحشر» ~~بياء مفتوحة ورفع الشين. وقرأ ابن مسعود، والحسن، وأبو عمران: «ويحشر» ~~بياء مرفوعة وفتح الشين «المجرمون» بالواو. قال المفسرون: والمراد ~~بالمجرمين: المشركون. { يومئذ زرقا } وفيه قولان. # أحدهما: عميا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ابن قتيبة: بيض العيون ~~من العمى، قد ذهب السواد، والناظر. # والثاني: زرق العيون من شدة العطش، قاله الزهري. والمراد: أنه يشوه ~~خلقهم بسواد الوجوه، وزرق العيون. # قوله تعالى: { يتخافتون بينهم } أي: يسار بعضهم بعضا { إن لبثتم } ~~أي: ما لبثتم إلا عشر ليال. وهذا على طريق التقليل، لا على وجه التحديد. # وفي مرادهم بمكان هذا اللبث قولان. # أحدهما: القبور. ثم فيه قولان. أحدهما: أنهم عنوا طول ما لبثوا فيها، ~~روى أبو صالح عن ابن عباس: إن لبثتم بعد الموت إلا عشرا. والثاني: ما ~~بين النفختين، وهو أربعون سنة، فإنه يخفف عنهم العذاب حينئذ، فيستقلون ~~مدة لبثهم لهول ما يعاينون، حكاه علي ابن أحمد النيسابوري. # والقول الثاني: أنهم عنوا لبثهم في الدنيا، قاله الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعقلهم، وأعدلهم قولا { إن ~~لبثتم إلا يوما } فنسي القوم مقدار لبثهم لهول ما عاينوا. ### || [20.105-114] # قوله تعالى: { ويسألونك عن الجبال } سبب نزولها أن رجالا من ثقيف أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا محمد: كيف تكون الجبال يوم ~~القيامة؟ فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: { فقل ينسفها ربي نسفا } قال المفسرون: النسف: التذرية. ~~والمعنى: يصيرها رمالا تسيل سيلا. ثم يصيرها كالصوف المنفوش، ~~تطيرها الرياح فتستأصلها { فيذرها ms1340 } أي: يدع أماكنها من الأرض إذا ~~نسفها { قاعا } قال ابن قتيبة: القاع من الأرض: المستوي الذي يعلوه ~~الماء، والصفصف: المستوي أيضا، يريد: أنه لا نبت فيها. # قوله تعالى: { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } في ذلك ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المراد بالعوج: الأودية، وبالأمت: الروابي، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، وكذلك قال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: ~~الارتفاع، وهذا مذهب الحسن. وقال ابن قتيبة: الأمت: النبك. # والثاني: أن العوج: الميل، والأمت: الأثر مثل الشراك، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أن العوج: الصدع، والأمت: الأكمة. # قوله تعالى: { يومئذ يتبعون الداعي } قال الفراء: أي: يتبعون صوت ~~الداعي للحشر، لا عوج لهم عن دعائه: لا يقدرون أن لا يتبعوا. # قوله تعالى: { وخشعت الأصوات } أي: سكنت وخفيت { فلا تسمع إلا ~~همسا } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: وطء الأقدام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد ~~بن جبير، وعكرمة، ومجاهد في رواية، واختاره الفراء، والزجاج. # والثاني: تحريك الشفاه بغير نطق، رواه سعيد بن جيير عن ابن عباس. # والثالث: الكلام الخفي، روي عن مجاهد. وقال أبو عبيدة: الصوت الخفي. # قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } يعني: لا تنفع أحدا { إلا ~~من أذن له الرحمن } أي: إلا شفاعة من أذن له الرحمن، أي: أذن أن ~~يشفع له، { ورضي له قولا } أي: ورضي للمشفوع فيه قولا، وهو الذي كان ~~في الدنيا من أهل «لا إله إلا الله». { يعلم ما بين أيديهم } الكناية ~~راجعة إلى الذين يتبعون الداعي. وقد شرحنا هذه الآية في سورة [البقرة: ~~255]. # وفي هاء «به» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله مقاتل. # والثاني: إلى «ما بين أيديهم وما خلفهم»، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { وعنت الوجوه } قال الزجاج: «عنت» في اللغة: خضعت، ~~يقال: عنا يعنو: إذا خضع، ومنه قيل: أخذت البلاد عنوة: إذا ~~أخذت غلبة، وأخذت بخضوع من أهلها. والمفسرون: على أن هذا في يوم ~~القيامة، إلا ما روي عن طلق بن حبيب: هو وضع الجبهة والأنف والكفين ~~والركبتين وأطراف القدمين ms1341 على الأرض للسجود. وقد شرحنا في آيةالكرسي ~~معنى # الحي القيوم # [البقرة: 255]. # قوله تعالى: { وقد خاب من حمل ظلما } قال ابن عباس: خسر من ~~أشرك بالله. # قوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن } «من» هاهنا للجنس. ~~وإنما شرط الإيمان، لأن غير المؤمن لا يقبل عمله، ولا يكون صالحا، ~~{ فلا يخاف } أي: فهو لا يخاف. وقرأ ابن كثير: «فلا يخف» على النهي. # قوله تعالى: { ظلما ولا هضما } فيه أربعة أقوال. # أحدها: لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته، ولا أن يهضم من حسناته، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: لا يخاف أن يظلم فيزاد من ذنب غيره، ولا أن يهضم من ~~حسناته، قاله قتادة. # والثالث: أن لا يخاف أن يؤاخذ بما لم يعمل، ولا ينتقص من عمله الصالح، ~~قاله الضحاك. # والرابع: لا يخاف أن لا يجزى بعمله، ولا أن ينقص من حقه، قاله ~~ابن زيد. قال اللغويون: الهضم: النقص، تقول العرب: هضمت لك من ~~حقي، أي: حططت، ومنه: فلان هضيم الكشحين، أي: ضامر الجنبين، ~~ويقال: هذا شيء يهضم الطعام، أي: ينقص ثقله. وفرق بعض المفسرين بين ~~الظلم والهضم، فقال: الظلم: منع الحق كله، والهضم: منع البعض، ~~وإن كان ظلما أيضا. # قوله تعالى: { وكذلك أنزلناه } أي: وكما بينا في هذه السورة، ~~أنزلناه، أي: أنزلنا هذا الكتاب { قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد ~~} أي: بينا فيه ضروب الوعيد. قال قتادة: يعني: وقائعه في الأمم ~~المكذبة. # قوله تعالى: { لعلهم يتقون } أي: ليكون سببا لاتقائهم الشرك ~~بالاتعاظ بمن قبلهم { أو يحدث لهم } أي: يجدد لهم القرآن، ~~وقيل: الوعيد { ذكرا } أي: اعتبارا، فيتذكروا به عقاب الأمم، ~~فيعتبروا. وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري: «أو نحدث» بنون مرفوعة. # قوله تعالى: { فتعالى الله } أي: جل عن إلحاد الملحدين وقول ~~المشركين في صفاته، { الملك } الذي بيده كل شيء، { الحق } وقد ~~ذكرناه في [يونس: 32]. # قوله تعالى: { ولا تعجل بالقرآن } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالسورة والآي ~~فيتلوها عليه، فلا يفرغ ms1342 جبريل من آخرها حتى يتكلم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: أن رجلا لطم امرأته، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تطلب القصاص، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزلت ~~هذه الآية، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى # الرجال قوامون على النساء # [النساء 34]، قاله الحسن البصري. # قوله تعالى: { من قبل أن يقضى إليك وحيه } وقرأ ابن مسعود، ~~والحسن، ويعقوب: «نقضي» بالنون وكسر الضاد وفتح الياء «وحيه» بنصب ~~الياء. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من تلاوته تخاف نسيانه، هذا ~~على القول الأول. # والثاني: لا تقرىء أصحابك حتى نبين لك معانيه، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: لا تسأل إنزاله قبل أن يأتيك الوحي، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وقل رب زدني علما } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: زدني قرآنا، قاله مقاتل. والثاني: فهما. والثالث: حفظا، ~~ذكرهما الثعلبي. ### || [20.115-127] # قوله تعالى: { ولقد عهدنا إلى آدم } أي: أمرناه وأوصيناه أن لا يأكل ~~من الشجرة { من قبل } أي: من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا ~~الإيمان بي، وهم الذين ذكرهم في قوله: { لعلهم يتقون } ، والمعنى: ~~أنهم إن نقضوا العهد، فإن آدم قد عهدنا إليه { فنسي }. # وفي هذا النسيان قولان. # أحدهما: أنه الترك، قاله ابن عباس، ومجاهد، والمعنى: ترك ما أمر به. # والثاني: أنه من النسيان الذي يخالف الذكر، حكاه الماوردي. # وقرأ معاذ القارىء، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: «فنسي» برفع النون ~~وتشديد السين. # قوله تعالى: { ولم نجد له عزما } العزم في اللغة: توطين النفس ~~على الفعل. وفي المعنى أربعة أقوال. # أحدها: لم نجد له حفظا، رواه العوفي عن ابن عباس، والمعنى: لم يحفظ ما ~~أمر به. # والثاني: صبرا، قاله قتادة، ومقاتل، والمعنى: لم يصبر عما نهي عنه. # والثالث: حزما، قاله ابن السائب. قال ابن الأنباري: وهذا لا يخرج آدم ~~من أولي العزم. وإنما لم يكن له عزم ms1343 في الأكل فحسب. # والرابع: عزما في العود إلى الذنب، ذكره الماوردي. وما بعد هذا ~~قد تقدم تفسيره [البقرة:34] إلى قوله تعالى: { فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى } قال المفسرون: المراد به نصب الدنيا وتعبها من ~~تكلف الحرث والزرع والعجن والخبز وغير ذلك. قال سعيد بن جبير: أهبط ~~إلى آدم ثور أحمر، فكان يعتمل عليه ويمسح العرق عن جبينه، فذلك شقاؤه. ~~قال العلماء: والمعنى: فتشقيا؛ وإنما لم يقل: فتشقيا، لوجهين. # أحدهما: أن آدم هو المخاطب، فاكتفى به، ومثله: # عن اليمين وعن الشمال قعيد # [ق:17]، قاله الفراء. # والثاني: أنه لما كان آدم هو الكاسب، كان التعب في حقه أكثر، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى } قرأ أبي بن كعب: ~~«لا تجاع ولا تعرى» بالتاء المضمومة والألف. { وأنك لا تظمأ } قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ~~«وأنك» مفتوحة الألف. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «وإنك» بكسر ~~الألف. قال أبو علي: من فتح، حمله على أن لك أن لا تجوع، وأن لك أن لا ~~تظمأ، ومن كسر، استأنف. # قوله تعالى: { لا تظمأ فيها } أي: لا تعطش. يقال: ظمىء الرجل ظمأ، ~~فهو ظمآن، أي: عطشان. ومعنى { لا تضحى } لا تبرز للشمس فيصيبك ~~حرها، لأنه ليس في الجنة شمس. # قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد } أي: على شجرة من أكل ~~منها لم يمت { وملك لا يبلى } جديده ولا يفنى. وما بعد هذا مفسر ~~في [الأعراف: 22]. # وفي قوله تعالى: { فغوى } قولان. # أحدهما: ضل طريق الخلود حيث أراده من قبل المعصية. # والثاني: فسد عليه عيشه، لأن معنى الغي: الفساد. # قال ابن الأنباري: وقد غلط بعض المفسرين، فقال: معنى «غوى»: أكثر مما ~~أكل من الشجرة حتى بشم، كما يقال: غوى الفصيل: إذا أكثر من لبن أمه ~~فبشم فكاد يهلك، وهذا خطأ من وجهين. # أحدهما: أنه لا يقال من البشم: غوى يغوي، وإنما يقال: غوي ~~يغوى. # والثاني: أن قوله تعالى: # فلما ذاقا الشجرة # [الأعراف: 22] يدل على أنهما لم ms1344 يكثرا، ولم تتأخر عنهما العقوبة حتى ~~يصلا إلى الإكثار. قال ابن قتيبة: فنحن نقول في حق آدم: عصى وغوى كما ~~قال الله عز وجل، ولا نقول: آدم عاص وغاو، كما تقول لرجل قطع ثوبه ~~وخاطه: قد قطعه وخاطه، ولا تقول: هذا خياط، حتى يكون معاودا لذلك الفعل، ~~معروفا به. # قوله تعالى: { ثم اجتباه ربه } قد بينا الاجتباء في [الأنعام: ~~87]. { فتاب عليه وهدى } أي: هداه للتوبة. { قال اهبطا } في المشار ~~إليهما قولان. # أحدهما: آدم وإبليس، قاله مقاتل. # والثاني: آدم وحواء، قاله أبو سليمان الدمشقي. ومعنى قوله تعالى: { ~~بعضكم لبعض عدو } آدم وذريته، وإبليس وذريته، والحية أيضا؛ وقد شرحنا ~~هذا في [البقرة: 36]. # قوله تعالى: { فمن اتبع هداي } أي: رسولي وكتابي { فلا يضل ~~ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، هداه الله ~~من الضلالة، ووقاه سوء الحساب، ولقد ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا ~~يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية. # قوله تعالى: { ومن أعرض عن ذكري } قال عطاء: عن موعظتي. وقال ابن ~~السائب: عن القرآن ولم يؤمن به ولم يتبعه. # قوله تعالى: { فإن له معيشة ضنكا } قال أبو عبيدة: معناه: معيشة ~~ضيقة، والضنك يوصف به الأنثى والذكر بغير هاء، وكل عيش أو مكان أو ~~منزل ضيق، فهو ضنك، وأنشد: # وإن نزلوا بضنك فانزل # وقال الزجاج: الضنك أصله في اللغة: الضيق والشدة. # وللمفسرين في المراد بهذه المعيشة خمسة أقوال. # أحدها: أنها عذاب القبر، روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر ~~في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا ~~ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة " # وممن ذهب إلى أنه عذاب القبر ابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، والسدي. # والثاني: أنه ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه فيه، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: شدة عيشه في النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، وقتادة، ms1345 وابن زيد. قال ابن السائب: وتلك المعيشة من الضريع ~~والزقوم. # والرابع: أن المعيشة الضنك: كسب الحرام، روى الضحاك عن ابن عباس قال: ~~المعيشة الضنك: أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدى لشيء منها، وله ~~معيشة حرام يركض فيها. # قال الضحاك: فهذه المعيشة هي الكسب الخبيث، وبه قال عكرمة. # والخامس: أن المعيشة الضنك: المال الذي لا يتقي الله صاحبه فيه، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # فخرج في مكان المعيشة ثلاثة أقوال. # أحدها: القبر. # والثاني: الدنيا. # والثالث: جهنم. # وفي قوله تعالى: { ونحشره يوم القيامة أعمى } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحفص عن عاصم: «أعمى» «حشرتني أعمى» بفتح الميمين. وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم بكسرهما. وقرأ نافع بين الكسر والفتح. ~~ثم في هذا العمى للمفسرين قولان. # أحدهما: أعمى البصر، روى أبو صالح عن ابن عباس قال: إذا أخرج من القبر ~~خرج بصيرا، فإذا سيق إلى المحشر عمي. # والثاني: أعمى عن الحجة، قاله مجاهد، وأبو صالح. قال الزجاج: معناه: ~~فلا حجة له يهتدي بها، لأنه ليس للناس على الله حجة بعد الرسل. # قوله تعالى: { كذلك } أي: الأمر كذلك كما ترى { أتتك آياتنا فنسيتها } ~~أي: فتركتها ولم تؤمن بها؛ وكما تركتها في الدنيا تترك اليوم في ~~النار. { وكذلك } أي: وكما ذكرنا { نجزي من أسرف } أي: أشرك، { ولعذاب ~~الآخرة أشد } من عذاب الدنيا ومن عذاب القبر { وأبقى } لأنه يدوم. ### || [20.128-130] # قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } أي: أفلم يتبين لكفار مكة إذا ~~نظروا آثار من أهلكنا من الأمم؛ وكانت قريش تتجر وترى مساكن عاد ~~وثمود وفيها علامات الهلاك، فذلك قوله تعالى: { يمشون في مساكنهم }. وروى ~~زيد عن يعقوب: «أفلم نهد» بالنون. # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك } في تأخير العذاب عن هؤلاء ~~الكفار إلى يوم القيامة، وقيل: إلى يوم بدر، وقيل: إلى انقضاء آجالهم ~~{ لكان لزاما } أي: لكان العذاب لزاما، أي: لازما لهم. واللزام: ~~مصدر وصف به العذاب. قال الفراء وابن قتيبة: في هذه الآية تقديم وتأخير، ~~والمعنى: ولولا كلمة وأجل مسمى ms1346 لكان لزاما. # قوله تعالى: { فاصبر على ما يقولون } أمر الله تعالى نبيه بالصبر على ~~ما يسمع من أذاهم إلى أن يحكم الله فيهم، ثم حكم فيهم بالقتل، ونسخ بآية ~~السيف إطلاق الصبر. # قوله تعالى: { وسبح بحمد ربك } أي: صل له بالحمد له والثناء عليه ~~{ قبل طلوع الشمس }: يريد الفجر { وقبل غروبها } يعني: العصر { ومن آناء ~~الليل } الآناء: الساعات، وقد بيناها في [آل عمران: 113]، { فسبح } ~~أي: فصل. # وفي المراد بهذه الصلاة أربعة أقوال. # أحدها: المغرب والعشاء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثاني: جوف الليل، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: العشاء، قاله مجاهد، وابن زيد. # والرابع: أول الليل وأوسطه وآخره، قاله الحسن. # قوله تعالى: { وأطراف النهار } المعنى: وسبح أطراف النهار. قال ~~الفراء: إنما هم طرفان، فخرجا مخرج الجمع، كقوله تعالى: # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. # وللمفسرين في المراد بهذه الصلاة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الظهر، قاله قتادة؛ فعلى هذا، إنما قيل لصلاة الظهر: ~~أطراف النهار، لأن وقتها عند الزوال، فهو طرف النصف الأول وطرف ~~النصف الثاني. # والثاني: أنها صلاة المغرب وصلاة الصبح، قاله ابن زيد؛ وهذا على أن ~~الفجر في ابتداء الطرف الأول، والمغرب في انتهاء الطرف الثاني. # والثالث: أنها الفجر والظهر والعصر؛ فعلى هذا يكون الفجر من الطرف ~~الأول، والظهر والعصر من الطرف الثاني، حكاه الفراء. # قوله تعالى: { لعلك ترضى } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: «ترضى» بفتح التاء. وقرأ الكسائي، وأبو بكر ~~عن عاصم بضمها. فمن فتح، فالمعنى: لعلك ترضى ثواب الله الذي يعطيك. ~~ومن ضمها، ففيه وجهان. # أحدهما: لعلك ترضى بما تعطى. # والثاني: لعل الله أن يرضاك. ### || [20.131-132] # قوله تعالى: { ولا تمدن عينيك } سبب نزولها، ما روى أبو رافع ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: # " نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني فأرسلني إلى رجل من ~~اليهود يبيع طعاما، فقال: قل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «بعني ms1347 كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب»، فأتيته فقلت ~~له ذلك، فقال اليهودي: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «والله لو باعني أو أسلفني ~~لقضيته، وإني لأمين في السماء أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه» ~~" # ، فنزلت هذه الآية تعزية له عن الدنيا. قال أبي بن كعب: من لم يتعز ~~بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا. وقد مضى تفسير هذه الآية في ~~آخر [الحجر: 88]. # قوله تعالى: { زهرة الحياة الدنيا } وقرأ ابن مسعود، والحسن، والزهري، ~~ويعقوب: «زهرة» بفتح الهاء. قال الزجاج: وهو منصوب بمعنى «متعنا»، ~~لأن معنى «متعنا»: جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة، { لنفتنهم فيه } أي: ~~لنجعل ذلك فتنة لهم. وقال ابن قتيبة: لنختبرهم. قال المفسرون: زهرة ~~الدنيا: بهجتها وغضارتها وما يروق الناظر منها عند رؤيته، وهو من زهرة ~~النبات وحسنه. # قوله تعالى: { ورزق ربك خير وأبقى } فيه قولان. # أحدهما: أنه ثوابه في الآخرة. # والثاني: القناعة. # قوله تعالى: { وأمر أهلك بالصلاة } قال المفسرون: المراد بأهله: ~~قومه ومن كان على دينه: ويدخل في هذا أهل بيته. # قوله تعالى: { واصطبر عليها } أي: واصبر على الصلاة { لا نسألك رزقا } ~~أي: لا نكلفك رزقا لنفسك ولا لخلقنا، إنما نأمرك بالعبادة ورزقك ~~علينا، { والعاقبة للتقوى } أي: وحسن العاقبة لأهل التقوى. وكان بكر بن ~~عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا، ثم يقول: ~~بهذا أمر الله تعالى ورسوله، ويتلو هذه الآية. ### || [20.133-135] # قوله تعالى: { وقالوا } يعني: المشركين { لولا } أي: هلا { يأتينا } ~~محمد { بآية من ربه } أي: كآيات الأنبياء، نحو الناقة والعصا، { أولم ~~يأتهم } قرأ نافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «تأتهم» بالتاء. وقرأ ابن ~~كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «يأتهم» بالياء. # قوله تعالى: { بينة ما في الصحف الأولى } أي: أولم يأتهم في القرآن ~~بيان ما في الكتب من أخبار الأمم التي أهلكناها لما سألوا الآيات ثم ~~كفروا بها، فما يؤمنهم أن تكون حالهم في سؤال الآيات كحال ms1348 أولئك؟! { ~~ولو أنا أهلكناهم } يعني: مشركي مكة { بعذاب من قبله } في الهاء قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله مقاتل. # والثاني: إلى الرسول، قاله الفراء. # قوله تعالى: { لقالوا } يوم القيامة { ربنا لولا } أي: هلا { أرسلت ~~إلينا رسولا } يدعونا إلى طاعتك { فنتبع آياتك } أي: نعمل بمقتضاها ~~{ من قبل أن نذل } بالعذاب { ونخزى } في جهنم. وقرأ ابن عباس، ~~وابن السميفع، وأبو حاتم عن يعقوب: «نذل» «ونخزى» برفع النون ~~فيهما، وفتح الذال. { قل } لهم يا محمد: { كل } منا ومنكم { متربص } ~~أي: نحن نتربص بكم العذاب في الدنيا، وأنتم تتربصون بنا الدوائر { ~~فتربصوا } أي: فانتظروا { فستعلمون } إذا جاء أمر الله { من أصحاب ~~الصراط السوي } أي: الدين المستقيم { ومن اهتدى } من الضلالة، ~~أنحن، أم أنتم؟ وقيل: هذه منسوخة بآية السيف، وليس بشيء. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-10] # وهي مكية باجماعهم من غير خلاف نعلمه. # قوله عز وجل: { اقترب } افتعل، من القرب، يقال: قرب الشيء واقترب. ~~وهذه الآية نزلت في كفار مكة. وقال الزجاج: اقترب للناس وقت حسابهم. ~~وقيل: اللام في قوله: { للناس } بمعنى: «من». والمراد بالحساب: محاسبة ~~الله لهم على أعمالهم. # وفي معنى قربه قولان. # أحدهما: أنه آت، وكل آت قريب. # والثاني: لأن الزمان لكثرة ما مضى وقلة ما بقي قريب. # قوله تعالى: { وهم في غفلة } أي: عما يفعل الله بهم ذلك اليوم { ~~معرضون } عن التأهب له. وقيل: «اقترب للناس» عام، والغفلة والإعراض ~~خاص في الكفار، بدلالة قوله تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث } ، وفي هذا الذكر ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه القرآن، قاله ابن عباس؛ فعلى هذا تكون الإشارة بقوله: ~~«محدث» إلى إنزاله له، لأنه أنزل شيئا بعد شيء. # والثاني: أنه ذكر من الأذكار، وليس بالقرآن، حكاه أبو سليمان الدمشقي. ~~وقال النقاش: هو ذكر من رسول الله، وليس بالقرآن. # والثالث: أنه رسول الله، بدليل قوله في سياق الآية: { هل هذا إلا ~~بشر مثلكم } ، قاله الحسن ابن الفضل. # قوله تعالى: { إلا استمعوه وهم يلعبون } قال ابن عباس: يستمعون ~~القرآن مستهزئين. # قوله تعالى: { لاهية قلوبهم } أي: ms1349 غافلة عما يراد بهم. قال الزجاج: ~~المعنى: إلا استمعوه لاعبين لاهية قلوبهم؛ ويجوز أن يكون منصوبا ~~بقوله: «يلعبون». وقرأ عكرمة، وسعيد بن جبير، وابن أبي عبلة: «لاهية» ~~بالرفع. # قوله تعالى: { وأسروا النجوى } أي: تناجوا فيما بينهم، يعني ~~المشركين. ثم بين من هم فقال: { الذين ظلموا } أي: أشركوا ~~بالله. و«الذين» في موضع رفع على البدل من الضمير في «وأسروا». ثم ~~بين سرهم الذي تناجوا به فقال: { هل هذا إلا بشر مثلكم } ~~أي: آدمي، فليس بملك؛ وهذا إنكار لنبوته. وبعضهم يقول: «أسروا» ~~هاهنا بمعنى: أظهروا، لأنه من الأضداد. # قوله تعالى: { أفتأتون السحر } أي: أفتقبلون السحر { وأنتم تعلمون } ~~أنه سحر؟! يعنون أن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر. { ~~قل ربي } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم: «قل ربي». وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «قال ربي»، وكذلك ~~هي في مصاحف الكوفيين، وهذا على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: يعلم القول، أي: لا يخفى عليه شيء يقال في السماء والأرض، فهو عالم ~~بما أسررتم. { بل قالوا } قال الفراء: رد ب «بل» على معنى تكذيبهم، ~~وإن لم يظهر قبله الكلام بجحودهم، لأن معناه الإخبار عن الجاحدين، ~~وأعلم أن المشركين كانوا قد تحيروا في أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فاختلفت أقوالهم فيه، فبعضهم يقول: هذا الذي يأتي به سحر، وبعضهم ~~يقول: أضغاث أحلام، وهي الأشياء المختلطة ترى في المنام؛ وقد شرحناها في ~~[يوسف: 44]، وبعضهم يقول: افتراه، أي: اختلقه، وبعضهم يقول: هو شاعر ~~فليأتنا بآية كالناقة والعصا، فاقترحوا الآيات التي لا إمهال بعدها. # قوله تعالى: { ما آمنت قبلهم } يعني: مشركي مكة { من قرية } وصف ~~القرية، والمراد أهلها، والمعنى: أن الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات، لم ~~يؤمنوا بالآيات لما أتتهم، فكيف يؤمن هؤلاء؟! وهذه إشارة إلى أن ~~الآية لا تكون سببا للإيمان، إلا أن يشاء الله. # قوله تعالى: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا } هذا جواب قولهم: «هل هذا ~~إلا بشر مثلكم». # قوله تعالى: { نوحي ms1350 إليهم } قرأ الأكثرون: «يوحى» بالياء. وروى حفص ~~عن عاصم: «نوحي» بالنون. وقد شرحنا هذه الآية في [النحل: 43]. # قوله تعالى: { وما جعلناهم } يعني الرسل { جسدا } قال الفراء: لم ~~يقل: أجسادا، لأنه اسم الجنس. قال مجاهد: وما جعلناهم جسدا ليس فيهم ~~روح. قال ابن قتيبة: ما جعلنا الانبياء قبله أجسادا لا تأكل الطعام لا ~~تموت فنجعله كذلك. قال المبرد وثعلب جميعا: العرب إذا جاءت بين الكلام ~~بجحدين، كان الكلام إخبارا، فمعنى الآية: إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا ~~الطعام. قال قتادة: المعنى: وما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام. # قوله تعالى: { ثم صدقناهم الوعد } يعني: الأنبياء أنجزنا وعدهم الذي ~~وعدناهم بإنجائهم وإهلاك مكذبيهم { فأنجيناهم ومن نشاء } وهم الذين ~~صدقوهم { وأهلكنا المسرفين } يعني: أهل الشرك؛ وهذا تخويف لأهل ~~مكة. ثم ذكر منته عليهم بالقرآن فقال: { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ~~ذكركم } ، وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: فيه شرفكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: فيه دينكم، قاله الحسن، يعني: فيه ما تحتاجون إليه من أمر ~~دينكم. # والثالث: فيه تذكرة لكم لما تلقونه من رجعة أو عذاب، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { أفلا تعقلون } ما فضلتكم به على غيركم. ### || [21.11-15] # ثم خوفهم فقال: { وكم قصمنا } قال المفسرون واللغويون: معناه: وكم ~~أهلكنا، وأصل القصم: الكسر. وقوله: { كانت ظالمة } ، أي: كافرة، والمراد: ~~أهلها. { فلما أحسوا بأسنا } أي: رأوا عذابنا بحاسة البصر { إذا ~~هم منها يركضون } أي: يعدون، وأصل الركض: تحريك الرجلين، ~~يقال: ركضت الفرس: إذا أعديته بتحريك رجليك فعدا. # قوله تعالى: { لا تركضوا } قال المفسرون: هذا قول الملائكة لهم: { ~~وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } أي: إلى نعمكم التي أترفتكم، وهذا ~~توبيخ لهم. # وفي قوله: { لعلكم تسألون } قولان. # أحدهما: تسألون من دنياكم شيئا، استهزاء بهم، قاله قتادة. # والثاني: تسألون عن قتل نبيكم، قاله ابن السائب. فلما أيقنوا ~~بالعذاب { قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين } بكفرنا، وقيل: بتكذيب ~~نبينا. { فما زالت تلك دعواهم } ، أي: ما زالت تلك الكلمة التي هي «يا ~~ويلنا إنا كنا ظالمين» قولهم يرددونها { حتى جعلناهم حصيدا } ~~بالعذاب، وقيل: ms1351 بالسيوف { خامدين } ، أي: ميتين كخمود النار إذا ~~طفئت. ### || [21.16-24] # قوله تعالى: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } أي: لم نخلق ~~ذلك عبثا، إنما خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا ليعتبر الناس ~~بخلقه، فيعلموا أن العبادة لا تصلح إلا لخالقه، لنجازي أولياءنا، ~~ونعذب أعداءنا. # قوله تعالى: { لو أردنا أن نتخذ لهوا } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن المشركين لما قالوا: الملائكة بنات الله والآلهة بناته، نزلت ~~هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن نصارى نجران قالوا: إن عيسى ابن الله، فنزلت هذه الآية، ~~قاله مقاتل. # وفي المراد باللهو ثلاثة أقوال. # أحدها: الولد، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال السدي. قال الزجاج: ~~المعنى: لو أردنا أن نتخذ ولدا ذا لهو نلهى به. # والثاني: المرأة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. # والثالث: اللعب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: { لاتخذناه من لدنا } قال ابن جريج: لاتخذنا نساء ~~أو ولدا من أهل السماء، لا من أهل الأرض. قال ابن قتيبة: وأصل اللهو: ~~الجماع، فكني عنه باللهو، كما كني عنه بالسر، والمعنى: لو ~~فعلنا ذلك لاتخذناه من عندنا، لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان ~~عنده، لا عند غيره. # وفي قوله { إن كنا فاعلين } قولان. # أحدهما: أن «إن» بمعنى «ما»، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. # والثاني: أنها بمعنى الشرط. قال الزجاج: والمعنى: إن كنا نفعل ذلك، ~~ولسنا ممن يفعله؛ قال: والقول الأول قول المفسرين، والثاني: قول ~~النحويين، وهم يستجيدون القول الأول أيضا، لأن «إن» تكون في موضع ~~النفي، إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام، تقول: إن كنت لصالحا، معناه: ~~ما كنت إلا صالحا. # قوله تعالى: { بل } أي: دع ذاك الذي قالوا، فإنه باطل { نقذف بالحق } ~~أي: نسلط الحق وهو القرآن { على الباطل } وهو كذبهم { فيدمغه } ~~قال ابن قتيبة: أي: يكسره، وأصل هذا إصابة الدماغ بالضرب، وهو مقتل { ~~فإذا هو زاهق } أي: زائل ذاهب. قال المفسرون: والمعنى: إنا نبطل كذبهم ~~بما نبين من الحق ms1352 حتى يضمحل، { ولكم الويل مما تصفون } أي: من ~~وصفكم الله بما لا يجوز { وله من في السموات والأرض } يعني: هم عبيده ~~وملكه { ومن عنده } يعني: الملائكة. # وفي قوله: { ولا يستحسرون } ثلاثة أقوال. # أحدها: لا يرجعون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: لا ينقطعون، قاله مجاهد. وقال ابن قتيبة: لا يعيون، والحسر: ~~المنقطع الواقف إعياء وكلالا. # والثالث: لا يملون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { لا يفترون } قال قتادة: لا يسأمون. وسئل كعب: أما ~~يشغلهم شأن؟ أما تشغلهم حاجة؟ فقال للسائل: يا ابن أخي، جعل لهم ~~التسبيح كما جعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب وتقوم وتجلس وتجيء ~~وتذهب وتتكلم وأنت تتنفس؟! فكذلك جعل لهم التسبيح. # ثم إن الله تعالى عاد إلى توبيخ المشركين فقال: { أم اتخذوا آلهة ~~من الأرض } لأن أصنامهم من الأرض هي، سواء كانت من ذهب أو فضة أو خشب أو ~~حجارة { هم } يعني: الآلهة { ينشرون } أي: يحيون الموتى. وقرأ ~~الحسن: «ينشرون» بفتح الياء وضم الشين. وهذا استفهام بمعنى الجحد، ~~والمعنى: ما اتخذوا آلهة تنشر ميتا. { لو كان فيهما } يعني: السماء ~~والأرض { آلهة } يعني: معبودين { إلا الله } قال الفراء: سوى الله. ~~وقال الزجاج: غير الله. # قوله تعالى: { لفسدتا } أي: لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما، لوجود ~~التمانع بين الآلهة، فلا يجري أمر العالم على النظام، لأن كل أمر صدر عن ~~اثنين فصاعدا لم يسلم من الخلاف. # قوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل } أي: عما يحكم في عباده من ~~هدي وإضلال، وإعزاز وإذلال، لأنه المالك للخلق، والخلق يسألون عن ~~أعمالهم؛ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، ولما أبطل عز وجل أن ~~يكون إله سواه من حيث العقل بقوله: { لفسدتا } ، أبطل ذلك من حيث الأمر ~~فقال: { أم اتخذوا من دونه آلهة } وهذا استفهام إنكار وتوبيخ { قل ~~هاتوا برهانكم } على ما تقولون، { هذا ذكر من معي } يعني: القرآن خبر ~~من معي على ديني ممن يتبعني إلى يوم القيامة بمالهم من الثواب على ~~الطاعة والعقاب على المعصية { وذكر من قبلي } يعني: الكتب ms1353 المنزلة، ~~والمعنى: هذا القرآن، وهذه الكتب التي أنزلت قبله، فانظروا هل في واحد ~~منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه؟ فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود ~~غيره من حيث الأمر به. قال الزجاج: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولا من ~~الرسل أخبر أمته بأن لهم إلها غير الله!. # قوله تعالى: { بل أكثرهم } يعني: كفار مكة { لا يعلمون الحق } وفيه ~~قولان. # أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: التوحيد، قاله مقاتل. { فهم معرضون } عن التفكر ~~والتأمل وما يجب عليهم من الإيمان. ### || [21.25-29] # قوله تعالى: { من رسول إلا نوحى } قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: «إلا نوحي» بالنون؛ والباقون بالياء. # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } في القائلين لهذا قولان. # أحدهما: أنهم مشركو قريش، قاله ابن عباس. وقال ابن إسحاق: القائل لهذا ~~النضر بن الحارث. # والثاني: أنهم اليهود، قالوا: إن الله صاهر الجن فكانت منهم الملائكة، ~~قاله قتادة. فعلى القولين، المراد بالولد: الملائكة، وكذلك المراد بقوله: ~~{ بل عباد مكرمون } ، والمعنى: بل عباد أكرمهم الله واصطفاهم، { لا ~~يسبقونه بالقول } ، أي: لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وقال ابن ~~قتيبة: لا يقولون حتى يقول، ثم يقولون عنه، ولا يعملون حتى يأمرهم. # قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما قدموا من الأعمال { وما ~~خلفهم } ما هم عاملون، { ولا يشفعون } يوم القيامة، وقيل: لا يستغفرون ~~في الدنيا { إلا لمن ارتضى } أي: لمن رضي عنه، { وهم من خشيته } ~~أي: من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى المفعول، { مشفقون } أي: ~~خائفون. وقال الحسن: يرتعدون. { ومن يقل منهم } أي: من الملائكة. قال ~~الضحاك في آخرين: هذه خاصة لإبليس، لم يدع أحد من الملائكة إلى ~~عبادة نفسه سواه، قال أبو سليمان الدمشقي: وهذا قول من قال إنه من ~~الملائكة، فإن إبليس قال ذلك للملائكة الذين هبطوا معه إلى الأرض، ومن ~~قال: إنه ليس من الملائكة، قال: هذا على وجه التهديد، وما قال أحد من ~~الملائكة ذلك. ### || [21.30-33] # قوله تعالى: { أولم ير الذين كفروا } أي: أولم يعلموا. وقرأ ابن كثير: ~~«ألم ms1354 ير الذين كفروا» بغير واو بين الألف واللام، وكذلك هي في مصاحف أهل ~~مكة، { أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما } قال أبو عبيدة: ~~السموات جمع، والأرض واحدة، فخرجت صفة لفظ الجمع على لفظ صفة الواحد ~~والعرب تفعل هذا إذا أشركوا بين جمع وبين واحد؛ والرتق مصدر يوصف به ~~الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث سواء، ومعنى الرتق: الذي ليس ~~فيه ثقب. قال الزجاج: المعنى: كانتا ذواتي رتق، فجعلهما ذوات فتق، ~~وإنما لم يقل: «رتقين» لأن الرتق مصدر. # وللمفسرين في المراد به ثلاثة أقوال. # أحدها: أن السموات كانت رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا ~~تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات. رواه عبد الله بن دينار عن ابن ~~عباس، وبه قال عطاء، وعكرمة، ومجاهد في رواية، والضحاك في آخرين. # والثاني: أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين، ففتقهما الله تعالى، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة. # والثالث: أنه فتق من الأرض ست أرضين فصارت سبعا، ومن السماء ست ~~سموات فصارت سبعا، رواه السدي عن أشياخه، وابن أبي نجيح عن مجاهد. # قوله تعالى: { وجعلنا من الماء كل شيء حي } وقرأ معاذ القارىء، ~~وابن أبي عبلة، وحميد بن قيس: «كل شيء حيا» بالنصب. # وفي هذا الماء قولان. # أحدهما: أنه الماء المعروف، والمعنى: جعلنا الماء سببا لحياة كل حي، ~~قاله الأكثرون. # والثاني: أنه النطفة، قاله أبو العالية. # قوله تعالى: { وجعلنا في الأرض رواسي } قد فسرناه في [النحل 15]. # قوله تعالى: { وجعلنا فيها } أي: في الرواسي { فجاجا } ، قال أبو ~~عبيدة: هي المسالك. قال الزجاج: الفجاج جمع فج، وهو كل منخرق بين ~~جبلين، ومعنى { سبلا } طرقا. قال ابن عباس: جعلنا من الجبال طرقا ~~كي تهتدوا إلى مقاصدكم في الأسفار. قال المفسرون: وقوله: «سبلا» تفسير ~~للفجاج، وبيان أن تلك الفجاج نافذة مسلوكة، فقد يكون الفج غير ~~نافذ. { وجعلنا السماء سقفا } أي: هي للأرض كالسقف. # وفي معنى { محفوظا } قولان. # أحدهما: بالنجوم من الشياطين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: محفوظا من الوقوع إلا باذن الله، ms1355 قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وهم } يعني: كفار مكة { عن آياتها } أي: شمسها وقمرها ~~ونجومها، قال الفراء: وقرأ مجاهد: «عن آيتها» فوحده، فجعل السماء بما ~~فيها آية؛ وكل صواب. # قوله تعالى: { كل } يعني: الطوالع { في فلك } قال ابن قتيبة: ~~الفلك: مدار النجوم الذي يضمها، وسماه فلكا، لاستدارته. ومنه ~~قيل: فلكة المغزل، وقد فلك ثدي المرأة. قال أبو سليمان: وقيل: ~~إن الفلك كهيئة الساقية من ماء مستديرة دون السماء وتحت الأرض، ~~فالأرض وسطها، والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار يجرون في الفلك، ~~وليس الفلك يديرها. ومعنى «يسبحون»: يجرون. قال الفراء: لما ~~كانت السباحة من أفعال الآدميين، ذكرت بالنون، كقوله: # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4]، لأن السجود من أفعال الآدميين. ### || [21.34-36] # قوله تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } سبب نزولها أن ~~ناسا قالوا: إن محمدا لا يموت، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى ~~الآية: ما خلدنا قبلك أحدا من بني آدم؛ والخلد: البقاء الدائم. { ~~أفإن مت فهم الخالدون } يعني: مشركي مكة، لأنهم قالوا: # نتربص به ريب المنون # [الطور: 30]. # قوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير } قال ابن زيد: نختبركم بما ~~تحبون لننظر كيف شكركم، وبما تكرهون لننظر كيف صبركم. # قوله تعالى: { وإلينا يرجعون } [قرأ ابن عامر: «ترجعون» بتاء ~~مفتوحة. وروى ابن عباس عن أبي عمرو: «يرجعون»] بياء مضمومة. وقرأ ~~الباقون بتاء مضمومة. # قوله تعالى: { وإذا رآك الذين كفروا } قال ابن عباس: يعني ~~المستهزئين، وقال السدي: نزلت في أبي جهل، مر به رسول الله، فضحك ~~وقال: هذا نبي بني عبد مناف. و«إن» بمعنى «ما» ومعنى { هزوا } ~~مهزوءا به { أهذا الذي يذكر آلهتكم } أي: يعيب أصنامكم، وفيه إضمار ~~«يقولون»، { وهم بذكر الرحمن هم كافرون } وذلك أنهم قالوا: ما نعرف ~~الرحمن، فكفروا بالرحمن. ### || [21.37-41] # قوله تعالى: { خلق الإنسان من عجل } وقرأ أبو رزين العقيلي، ~~ومجاهد، والضحاك: «خلق الإنسان» بفتح الخاء واللام ونصب النون. وهذه ~~الآية نزلت حين استعجلت قريش بالعذاب. # وفي المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: النضر بن الحارث، وهو الذي قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق ms1356 من عندك... # الآية [الانفال: 32]، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: آدم عليه السلام، قاله سعيد بن جبير، والسدي في آخرين. # والثالث: أنه اسم جنس، قاله علي بن أحمد النيسابوري؛ فعلى هذا يدخل ~~النضر ابن الحارث وغيره في هذا وإن كانت الآية نزلت فيه. # فأما من قال: أريد به آدم، ففي معنى الكلام قولان. # أحدهما: أنه خلق عجولا، قاله الأكثرون. فعلى هذا يقول: لما طبع آدم ~~على هذا المعنى، وجد في أولاده، وأورثهم العجل. # والثاني: خلق بعجل، استعجل بخلقه قبل غروب الشمس من يوم الجمعة، ~~وهو آخر الأيام الستة، قاله مجاهد. # فأما من قال: هو اسم جنس، ففي معنى الكلام قولان. # أحدهما: خلق عجولا؛ قال الزجاج: خوطبت العرب بما تعقل، والعرب ~~تقول للذي يكثر منه اللعب: إنما خلقت من لعب، يريدون المبالغة في ~~وصفه بذلك. # والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والمعنى: خلقت العجلة في ~~الإنسان، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { سأريكم آياتي } فيه قولان. # أحدهما: ما أصاب الأمم المتقدمة؛ والمعنى: إنكم تسافرون فترون آثار ~~الهلاك في الماضين، قاله ابن السائب. # والثاني: أنها القتل ببدر، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فلا تستعجلون } أثبت الياء في الحالين يعقوب. # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد } يعنون: القيامة. { لو يعلم الذين ~~كفروا } جوابه محذوف، والمعنى: لو علموا صدق الوعد ما استعجلوا، { حين لا ~~يكفون } أي: لا يدفعون { عن وجوههم النار } إذا دخلوا { ولا عن ظهورهم ~~} لإحاطتها بهم { ولا هم ينصرون } أي: يمنعون مما نزل بهم، { بل ~~تأتيهم } يعني: الساعة { بغتة } فجأة { فتبهتهم } تحيرهم؛ وقد ~~شرحنا هذا عند قوله: # فبهت الذي كفر # [البقرة: 258]، { فلا يستطيعون ردها } أي: صرفها عنهم، ولا هم ~~يمهلون لتوبة أو معذرة. ثم عزى نبيه، فقال: { ولقد استهزىء برسل من ~~قبلك } أي: كما فعل بك قومك { فحاق } أي نزل { بالذين سخروا منهم } أي: ~~من الرسل { ما كانوا به يستهزؤون } يعني: العذاب الذي كانوا استهزؤوا به. ### || [21.42-45] # قوله تعالى: { قل من يكلؤكم } المعنى: قل لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: ~~من يحفظكم من بأس الرحمن إن أراد ms1357 إنزاله بكم؟! وهذا استفهام إنكار، ~~أي: لا أحد يفعل ذلك، { بل هم عن ذكر ربهم } أي: عن كلامه ومواعظه ~~{ معرضون } لا يتفكرون ولا يعتبرون. { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ~~} فيه تقديم وتأخير، وتقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم؟ وهاهنا تم ~~الكلام. ثم وصف آلهتهم بالضعف، فقال: { لا يستطيعون نصر أنفسهم } ~~والمعنى: من لا يقدر على نصر نفسه عما يراد به، فكيف ينصر غيره؟! # قوله تعالى: { ولا هم } في المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم الكفار وهو قول ابن عباس. # والثاني: أنهم الأصنام، قاله قتادة. # وفي معنى { يصحبون } أربعة أقوال. # أحدها: يجارون، رواه العوفي عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: والمعنى: لا ~~يجيرهم منا أحد، لأن المجير صاحب لجاره. # والثاني: يمنعون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: ينصرون، قاله مجاهد. # والرابع: لا يصحبون بخير، قاله قتادة. # ثم بين اغترارهم بالإمهال، فقال: { بل متعنا هؤلاء وآباءهم } يعني ~~أهل مكة { حتى طال عليهم العمر } فاغتروا بذلك، { أفلا يرون أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافها } قد شرحناه في [الرعد: 41]، { أفهم ~~الغالبون } أي: مع هذه الحال، وهو نقص الأرض، والمعنى: ليسوا بغالبين، ~~ولكنهم المغلوبون. { قل إنما أنذركم } أي: أخوفكم { بالوحي } ~~أي: بالقرآن، والمعنى: إنني ما جئت به من تلقاء نفسي، إنما أمرت ~~فبلغت، { ولا يسمع الصم الدعاء } وقرأ ابن عامر: «ولا ~~تسمع» بالتاء مضمومة «الصم» نصبا. وقرأ ابن يعمر، والحسن: «ولا ~~يسمع» بضم الياء وفتح الميم «الصم» بضم الميم. شبه الكفار ~~بالصم الذين لا يسمعون نداء مناديهم؛ ووجه التشبيه أن هؤلاء لم ينتفعوا ~~بما سمعوا، كالصم لا يفيدهم صوت مناديهم. { ولئن مستهم } أي: ~~أصابتهم { نفحة } قال ابن عباس: طرف. وقال الزجاج: المراد أدنى شيء ~~من العذاب، { ليقولن ياويلنا } والويل ينادي به كل من وقع في هلكة. ### || [21.46-47] # قوله تعالى: { ونضع الموازين القسط } قال الزجاج: المعنى: ونضع ~~الموازين ذوات القسط، والقسط: العدل، وهو مصدر يوصف به، يقال: ميزان قسط، ~~وميزانان قسط، وموازين قسط. قال الفراء: القسط من صفة الموازين وإن كان ~~موحدا، كما ms1358 تقول: أنتم عدل، وأنتم رضى. وقوله: { ليوم القيامة } و«في ~~يوم القيامة» سواء. وقد ذكرنا الكلام في الميزان في أول [الأعراف: 8]. # فإن قيل: إذا كان الميزان واحدا، فما المعنى بذكر الموازين؟ # فالجواب: أنه لما كانت أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة، سميت ~~موازين. # قوله تعالى: { فلا تظلم نفس شيئا } أي: لا ينقص محسن من إحسانه، ~~ولا يزاد مسيء على إساءته { وإن كان مثقال حبة } أي: وزن حبة. ~~وقرأ نافع: «مثقال» برفع اللام. قال الزجاج: ونصب «مثقال» على معنى: ~~وإن كان العمل مثقال حبة. وقال أبو علي الفارسي: وإن كان الظلامة ~~مثقال حبة، لقوله تعالى: { فلا تظلم نفس شيئا }. قال: ومن رفع، ~~أسند الفعل إلى المثقال، كما أسند في قوله تعالى: # وإن كان ذو عسرة # [البقرة: 280]. # قوله تعالى: { أتينا بها } أي: جئنا بها. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد: ~~«آتينا» ممدودة، أي: جازينا بها. # قوله تعالى: { وكفى بنا حاسبين } قال الزجاج: هو منصوب على وجهين، ~~أحدهما: التمييز، والثاني: الحال. ### || [21.48-50] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه التوارة التي فرق بها بين الحلال والحرام، قاله مجاهد، ~~وقتادة. # والثاني: البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون، قاله ابن زيد. # والثالث: النصر والنجاة لموسى، وإهلاك فرعون، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { وضياء } روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يرى الواو زائدة؛ ~~قال الزجاج: وكذلك قال بعض النحويين أن المعنى: الفرقان ضياء، وعند ~~البصرين: أن الواو لا تزاد ولا تأتي إلا بمعنى العطف، فهي هاهنا مثل ~~قوله تعالى: # فيها هدى ونور # [المائدة: 44]. قال المفسرون: والمعنى أنهم استضاؤوا بالتوراة حتى ~~اهتدوا بها في دينهم. ومعنى قوله تعالى: { وذكرا للمتقين } أنهم ~~يذكرونه ويعملون بما فيه. { الذين يخشون ربهم بالغيب } فيه أربعة ~~أقوال. # أحدها: يخافونه ولم يروه، قاله الجمهور. # والثاني: يخشون عذابه ولم يروه، قاله مقاتل. # والثالث: يخافونه من حيث لا يراهم أحد، قاله الزجاج. # والرابع: يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس كخوفهم إذا كانوا بين ~~الناس، قاله أبو سليمان الدمشقي. ms1359 ثم عاد إلى ذكر القرآن، فقال: { وهذا ~~} يعني: القرآن { ذكر } لمن تذكر به، وعظة لمن اتعظ { مبارك } ~~أي: كثير الخير { أفأنتم } يا أهل مكة { له منكرون } أي: جاحدون؟! ~~وهذا استفهام توبيخ. ### || [21.51-58] # قوله تعالى: { ولقد آتينا إبراهيم رشده } أي: هداه { من قبل ~~} وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: من قبل بلوغه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: آتيناه ذلك في العلم السابق، قاله الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: من قبل موسى وهارون، قاله الضحاك. وقد أشرنا إلى قصة ~~إبراهيم في [الأنعام: 75]. # قوله تعالى: { وكنا به عالمين } أي: علمنا أنه موضع لإيتاء ~~الرشد. ثم بين متى آتاه فقال: { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ~~} يعني: الأصنام. والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبها بخلق من خلق ~~الله تعالى، وأصله من مثلث الشيء بالشيء: إذا شبهته به. وقوله: { ~~التي أنتم لها } أي: على عبادتها { عاكفون } أي: مقيمون، فأجابوه أنهم ~~رأوا آباءهم يعبدونها فاقتدوا بهم، فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم ~~في ضلال مبين، { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين } يعنون: أجاد ~~أنت، أم لاعب؟! # قوله تعالى: { لأكيدن أصنامكم } الكيد: احتيال الكائد في ضر المكيد. ~~والمفسرون يقولون: لأكيدنها بالكسر { بعد أن تولوا } أي: تذهبوا ~~عنها، وكان لهم عيد في كل سنة يخرجون إليه ولا يخلفون بالمدينة أحدا، ~~فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم، ~~فلما كان ببعض الطريق، قال: إني سقيم، وألقى نفسه، وقال سرا منهم: ~~«وتالله لأكيدن أصنامكم»، فسمعه رجل منهم، فأفشاه عليه، فرجع إلى بيت ~~الأصنام، وكانت فيما ذكره مقاتل بن سليمان اثنين وسبعين صنما من ذهب ~~وفضة ونحاس وحديد وخشب، فكسرها، ثم وضع الفأس في عنق الصنم الكبير، فذلك ~~قوله: { فجعلهم جذاذا } قرأ الأكثرون: «جذاذا» بضم الجيم. وقرأ أبو ~~بكر الصديق، وابن مسعود، وأبو رزين، وقتادة، وابن محيصن، والأعمش، ~~والكسائي: «جذاذا» بكسر الجيم. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وأيوب ~~السختياني، وعاصم الجحدري: «جذاذا» بفتح الجيم. وقرأ الضحاك، وابن ~~يعمر: «جذذا» بفتح الجيم من غير ألف. وقرأ معاذ القارىء، وأبو ms1360 حيوة، ~~وابن وثاب: «جذذا» بضم الجيم من غير ألف. قال أبو عبيدة: أي: ~~مستأصلين، قال جرير: # بني المهلب جذ الله دابرهم # أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف # أي: لم يبق منهم شيء، ولفظ «جذاذ» يقع على الواحد والاثنين والجميع ~~من المذكر والمؤنث. وقال ابن قتيبة: «جذاذا» أي: فتاتا، وكل ~~شيء كسرته فقد جذذته، ومنه قيل للسويق: الجذيذ. وقرأ الكسائي: ~~«جذاذا» بكسر الجيم على أنه جمع جذيذ، مثل ثقيل وثقال، وخفيف ~~وخفاف. والجذيذ بمعنى: المجذوذ، وهو المكسور. { إلا كبيرا لهم } أي: ~~كسر الأصنام إلا أكبرها. قال الزجاج: جائز أن يكون أكبرها في ذاته، ~~وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إياه، { لعلهم إليه يرجعون ~~} ، في هاء الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الصنم. ثم فيه قولان. # أحدهما: لعلهم يرجعون إليه فيشاهدونه، هذا قول مقاتل. # والثاني: لعلهم يرجعون إليه بالتهمة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # والثاني: أنها ترجع إلى إبراهيم. والمعنى: لعلهم يرجعون إلى دين ~~إبراهيم بوجوب الحجة عليهم، قاله الزجاج. ### || [21.59-63] # فلما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم { قالوا من فعل هذا بآلهتنا ~~إنه لمن الظالمين } أي: قد فعل ما لم يكن له فعله، فقال الذي سمع ~~إبراهيم يقول: «لأكيدن أصنامكم»: { سمعنا فتى يذكرهم } قال الفراء: ~~أي: يعيبهم؛ نقول للرجل: لئن ذكرتني لتندمن، تريد: بسوء. # قوله تعالى: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، لا ~~تأتوا به خفية. قال أبو عبيدة: تقول العرب إذا أظهر الأمر وشهر: ~~كان ذلك على أعين الناس. # قوله تعالى: { لعلهم يشهدون } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: يشهدون أنه قال لآلهتنا ما قال، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، وقتادة. # والثاني: يشهدون أنه فعل ذلك، قاله السدي. # والثالث: يشهدون عقابه وما يصنع به، قاله محمد بن إسحاق. # قال المفسرون: فانطلقوا به إلى نمرود، فقال له: { أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال بل فعله كبيرهم هذا } غضب أن تعبد معه ~~الصغار، فكسرها، { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } من فعله بهم؟! وهذا ~~إلزام للحجة عليهم بأنهم جماد ms1361 لا يقدرون على النطق. # واختلف العلماء في وجه هذا القول من إبراهيم عليه السلام على قولين. # أحدهما: أنه وإن كان في صورة الكذب، إلا أن المراد به التنبيه على أن ~~من لا قدرة له، لا يصلح أن يكون إلها، ومثله قول الملكين لداود: # إن هذا أخي # [ص:23] ولم يكن أخاه # له تسع وتسعون نعجة # [ص:23]، ولم يكن له شيء، فجرى هذا مجرى التنبيه لداود على ما فعل، وأنه ~~هو المراد بالفعل والمثل المضروب؛ ومثل هذا لا تسميه العرب كذبا. # والثاني: أنه من معاريض الكلام؛ فروي عن الكسائي أنه [كان] يقف عند قوله ~~تعالى: { بل فعله } ويقول معناه: فعله من فعله، ثم يبتدىء { كبيرهم هذا ~~}. قال الفراء: وقرأ بعضهم: «بل فعله» بتشديد اللام، يريد: فلعله ~~كبيرهم هذا. وقال ابن قتيبة: هذا من المعاريض، ومعناه: إن كانوا ينطقون، ~~فقد فعله كبيرهم، وكذلك قوله: # إني سقيم # [الصافات: 89] أي: سأسقم، ومثله # إنك ميت # [الزمر: 30] أي: ستموت، وقوله: # لا تؤاخذني بما نسيت # [الكهف: 74] قال ابن عباس: لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، والمعنى: لا ~~تؤاخذني بنسياني، ومن هذا قصة الخصمين # إذ تسوروا المحراب # [ص:21]، ومثله # وإنا أو إياكم لعلى هدى # [سبأ: 24]، والعرب تستعمل التعريض في كلامها كثيرا، فتبلغ إرادتها ~~بوجه هو ألطف من الكشف وأحسن من التصريح. وروي أن قوما من الأعراب ~~خرجوا يمتارون، فلما صدروا، خالف رجل في بعض الليل إلى عكم صاحبه، فأخذ ~~منه برا وجعله في عكمه، فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان، رأى ~~عكمه يشول، وعكم صاحبه يثقل، فأنشأ يقول: # عكم تغشى بعض أعكام القوم # لم أر عكما سارقا قبل اليوم # فخون صاحبه بوجه هو ألطف من التصريح. قال ابن الأنباري: كلام ~~إبراهيم كان صدقا عند البحث، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " كذب إبراهيم ثلاث كذبات " # قال قولا يشبه الكذب في الظاهر، وليس بكذب. قال المصنف: وقد ذهب جماعة ~~من العلماء إلى هذا الوجه، وأنه من المعاريض، والمعاريض لا تذم، خصوصا ~~إذا احتيج إليها، روى عمران بن حصين، قال: قال ms1362 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " # ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما يسرني أن لي بما أعلم من ~~معاريض القول مثل أهلي ومالي، وقال النخعي: لهم كلام يتكلمون به إذا ~~خشوا من شيء يدرؤون به عن أنفسهم. وقال ابن سيرين: الكلام أوسع من أن ~~يكذب ظريف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجوز: # " إن الجنة لا تدخلها العجائز " # ، أراد قوله تعالى: # إنا أنشأناهن إنشاء # [الواقعة: 35]، # " وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح بلالا، فيقول: «ما أخت ~~خالك منك»؟، وقال لامرأة: «من زوجك»؟ فسمته له، فقال: «الذي في ~~عينيه بياض»؟، وقال لرجل: «إنا حاملوك على ولد ناقة»، وقال له العباس: ~~ما ترجو لأبي طالب؟ فقال: «كل خير أرجوه من ربي» " # ، وكان أبو بكر حين خرج من الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~سأله أحد: من هذا بين يديك؟ يقول: هاد يهديني. وكانت امرأة ابن رواحة ~~قد رأته مع جارية له، فقالت له: وعلى فراشي أيضا؟! فجحد، فقالت له: فاقرأ ~~القرآن، فقال: # وفينا رسول الله يتلو كتابه # إذا انشق مشهور من الصبح طالع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه # إذا استثقلت بالكافرين المضاجع # فقالت: آمنت بالله، وكذبت بصري، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره، فضحك وأعجبه ما صنع. وعرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري: ~~كيف لبنها؟ قال: احلب في أي إناء شئت، قال: كيف الوطاء؟ قال افرش ~~ونم، قال: كيف نجاؤها؟ قال: إذا رأيتها في الإبل عرفت مكانها، علق ~~سوطك وسر، قال: كيف قونها؟ قال: احمل على الحائط ما شئت؛ ~~[فاستصراها] فلم ير شيئا مما وصف، فرجع إليه، فقال: لم أر فيها ~~شيئا مما وصفتها به، قال: ما كذبتك، قال: أقلني، قال: نعم. وخرج ~~شريح من عند زياد وهو مريض، فقيل له: كيف وجدت الأمير؟ قال: تركته يأمر ~~وينهى، فقيل له: ما معنى يأمر وينهى؟ قال: يأمر بالوصية، وينهى عن ~~النوح. وأخذ محمد بن يوسف ms1363 حجرا المدري فقال: العن عليا، فقال: إن ~~الأمير أمرني أن ألعن عليا محمد بن يوسف، فالعنوه، لعنه الله. وأمر بعض ~~الأمراء صعصعة بن صوحان بلعن علي، فقال: لعن الله من لعن الله ولعن ~~علي، ثم قال: إن [هذا] الأمير قد أبى إلا أن ألعن عليا، فالعنوه، ~~لعنه الله. # وامتحنت الخوارج رجلا من الشيعة، فجعل يقول: أنا من علي ومن عثمان ~~بريء. وخطب رجل امرأة وتحته أخرى، فقالوا: لا نزوجك حتى تطلق ~~امرأتك، فقال: اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا، فزوجوه، فأقام مع المرأة ~~الأولى، فادعوا أنه قد طلق، فقال: أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة ~~فطلقتها، ثم فلانة فطلقتها، ثم فلانة فطلقتها؟ قالوا: بلى، قال: ~~فقد طلقت ثلاثا. وحكي أن رجلا عثر به الطائف ليلة، فقال له: من أنت؟ ~~فقال: # أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره # وإن نزلت يوما فسوف تعود # ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره # فمنهم قيام حولها وقعود # فظن الطائف أنه ابن بعض الأشراف بالبصرة، فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو ~~ابن باقلائي. ومثل هذا كثير. ### || [21.64-67] # قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم } فيه قولان. # أحدهما: رجع بعضهم إلى بعض. # والثاني: رجع كل منهم إلى نفسه متفكرا. # قوله تعالى: { فقالوا إنكم أنتم الظالمون } فيه خمسة أقوال. # أحدها: حين عبدتم من لا يتكلم، قاله ابن عباس. # والثاني: حين تتركون آلهتكم وحدها، وتذهبون، قاله وهب بن منبه. # والثالث: في عبادة هذه الأصاغر مع هذا الكبير، روي عن وهب أيضا. # والرابع: لإبراهيم حين اتهمتموه والفأس في يد كبير الأصنام، قاله ابن ~~إسحاق، ومقاتل. # والخامس: أنتم ظالمون لإبراهيم حين سألتموه، وهذه أصنامكم حاضرة، ~~فاسألوها، ذكره ابن جرير. # قوله تعالى: { ثم نكسوا على رؤوسهم } وقرأ أبو رزين العقيلي، وابن أبي ~~عبلة، وأبو حيوة: «نكسوا» برفع النون وكسر الكاف مشددة. وقرأ سعيد بن ~~جبير، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: «نكسوا» بفتح النون والكاف مخففة. ~~قال أبو عبيدة: «نكسوا»: قلبوا، تقول: نكست فلانا على رأسه: إذا ~~قهرته وعلوته. # ثم في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال. # أحدها: ms1364 أدركتهم حيرة، فقالوا: { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } ، ~~قاله قتادة. # والثاني: رجعوا إلى أول ما كانوا يعرفونها به من أنها لا تنطق، قاله ~~ابن قتيبة. # والثالث: انقلبوا على إبراهيم يحتجون عليه بعد أن أقروا له ولاموا ~~أنفسهم في تهمته، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي قوله: { لقد علمت } ~~إضمار «قالوا»، وفي هذا إقرار منهم بعجز ما يعبدونه عن النطق، فحينئذ ~~توجهت لإبراهيم الحجة، فقال موبخا لهم: { أفتعبدون من دون الله ما ~~لا ينفعكم } أي: لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئا { ولا يضركم } إذا لم ~~تعبدوه، وفي هذا حث لهم على عبادة من يملك النفع والضر، { أف لكم } ~~قال الزجاج: معناه: النتن لكم؛ فلما ألزمهم الحجة غضبوا، فقالوا: { ~~حرقوه }. وذكر في التفسير أن نمرود استشارهم، بأي عذاب أعذبه، ~~فقال رجل: حرقوه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم ~~القيامة. ### || [21.68-73] # قوله تعالى: { وانصروا آلهتكم } أي: بتحريقه، لأنه يعيبها { إن كنتم ~~فاعلين } أي: ناصريها. # الإشارة إلى القصة # ذكر أهل التفسير أنهم حبسوا إبراهيم عليه السلام في بيت ثم بنوا له ~~حيرا طول جداره ستون ذراعا إلى سفح جبل منيف، ونادى منادي الملك: ~~أيها الناس احتطبوا لإبراهيم، ولا يتخلفن عن ذلك صغير ولا كبير، فمن ~~تخلف ألقي في تلك النار، ففعلوا ذلك أربعين ليلة، حتى إن كانت المرأة ~~لتقول: إن ظفرت بكذا لأحتطبن لنار إبراهيم، حتى إذا كان الحطب ~~يساوي رأس الجدار سدوا أبواب الحير وقذفوا فيه النار، فارتفع لهبها، ~~حتى إن كان الطائر ليمر بها فيحترق من شدة حرها، ثم بنوا بنيانا ~~شامخا، وبنوا فوقه منجنيقا، ثم رفعوا إبراهيم على رأس البنيان، فرفع ~~إبراهيم رأسه إلى السماء، فقال: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا ~~الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل؛ ~~فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك، ~~فائذن لنا في نصرته؛ فقال: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه؛ فقذفوه في ~~النار وهو ابن ست عشرة سنة، وقيل: ست وعشرين، فقال: «حسبي الله ونعم ms1365 ~~الوكيل». فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك ~~فلا، قال جبريل: فسل ربك، فقال: «حسبي من سؤالي علمه بحالي»، فقال ~~الله عز وجل: { يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم } ، فلم تبق ~~نار على وجه الأرض يومئذ إلا طفئت وظنت أنها عنيت. وزعم السدي أن ~~جبريل هو الذي ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاما لمات ~~إبراهيم من بردها. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأجلسوه ~~على الأرض، فإذا عين من ماء عذب، وورد أحمر، ونرجس. قال كعب ووهب: فما ~~أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه، وأقام في ذلك الموضع سبعة أيام، ~~وقال غيرهما: أربعين أو خمسين يوما، فنزل جبريل بقميص من الجنة وطنفسة ~~من الجنة، فألبسه القميص، وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه. وإن آزر ~~أتى نمرود فقال: أئذن لي أن أخرج عظام إبراهيم فأدفنها، فانطلق نمرود ~~ومعه الناس، فأمر بالحائط فنقب، فإذا إبراهيم في روضة تهتز وثيابه ~~تندى، وعليه القميص وتحته الطنفسة والملك إلى جنبه، فناداه نمرود: يا ~~إبراهيم، إن إلهك الذي بلغت قدرته هذا لكبير، هل تستطيع أن تخرج؟ ~~قال: نعم، فقام إبراهيم يمشي حتى خرج، فقال: من الذي رأيت معك؟ قال ~~ملك أرسله إلي ربي ليؤنسني، فقال نمرود: إني مقرب لإلهك ~~قربانا لما رأيت من قدرته، فقال: إذن لا يقبل الله منك ما كنت على ~~دينك، فقال: يا إبراهيم، لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبح له، فذبح ~~القربان وكف عن إبراهيم. # قال المفسرون: ومعنى «كوني بردا» أى: ذات برد «وسلاما» أي: سلامة. ~~{ وأرادوا به كيدا } وهو التحريق بالنار { فجعلناهم الأخسرين } وهو أن ~~الله تعالى سلط البعوض عليهم حتى أكل لحومهم وشرب دماءهم، ودخلت واحدة ~~في دماع نمرود حتى أهلكته، والمعنى: أنهم كادوه بسوء، فانقلب السوء ~~عليهم. # قوله تعالى: { ونجيناه } أي: من نمرود وكيده { ولوطا } وهو ابن أخي ~~إبراهيم، وهو لوط بن هاران بن تارح، وكان قد آمن به، فهاجرا من أرض ~~العراق إلى الشام. وكانت سارة مع ابراهيم في قول ms1366 وهب. وقال السدي: إنما ~~هي إبنة ملك حران، لقيها إبراهيم فتزوجها على أن لا يغيرها، وكانت قد ~~طعنت على قومها في دينهم. # فأما قوله تعالى { إلى الأرض التي باركنا فيها } ، ففيها قولان. # أحدهما: أنها أرض الشام، وهذا قول الأكثرين. وبركتها: أن الله عز وجل ~~بعث أكثر الأنبياء منها، وأكثر فيها الخصب والثمار والأنهار. # والثاني: أنها مكة، رواه العوفي عن ابن عباس. والأول أصح. # قوله تعالى: { ووهبنا له } يعني: إبراهيم { إسحاق ويعقوب نافلة } ، ~~وفي معنى النافلة قولان. # أحدهما: أنها بمعنى الزيادة، والمراد بها: يعقوب خاصة، فكأنه سأل ~~واحدا، فأعطي اثنين، وهذا مذهب ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والفراء. # والثاني: أن النافلة بمعنى العطية، والمراد: بها إسحاق ويعقوب، وهذا ~~مذهب مجاهد، وعطاء. قوله تعالى: { وكلا جعلنا صالحين } يعني: إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب. قال أبو عبيدة: «كل» يقع خبره على لفظ الواحد، لأن ~~لفظه لفظ الواحد، ويقع خبره على لفظ الجميع، لأن معناه معنى الجميع. # قوله تعالى: { وجعلناهم أئمة } أي: رؤوسا يقتدى بهم في الخير { ~~يهدون بأمرنا } أي: يدعون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بذلك { ~~وأوحينا إليهم فعل الخيرات } قال ابن عباس: شرائع النبوة. وقال مقاتل: ~~الأعمال الصالحة. { وإقام الصلاة } قال الزجاج: حذف الهاء من «إقامة ~~الصلاة» قليل في اللغة، تقول: أقام إقامة، والحذف جائز، لأن الإضافة ~~عوض من الهاء. ### || [21.74-75] # قوله تعالى: { ولوطا آتيناه حكما } قال الزجاج: انتصب «لوط» بفعل ~~مضمر، لأن قبله فعلا، فالمعنى: وأوحينا إليهم وآتينا لوطا. وذكر بعض ~~النحويين: أنه منصوب على «واذكر لوطا»، وهذا جائز، لأن ذكر إبراهيم ~~قد جرى، فحمل لوط على معنى: واذكر. # قال المفسرون: لما هاجر لوط مع إبراهيم، نزل إبراهيم أرض فلسطين، ~~ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة أو نحو ذلك من إبراهيم، فبعثه ~~الله نبيا. # فأما «الحكم» ففيه قولان. # أحدهما: أنه النبوة، قاله ابن عباس. # والثاني: الفهم والعقل، قاله مقاتل. وقد ذكرنا فيه أقوالا في سورة ~~[يوسف: 22]. وأما «القرية» هاهنا، فهي سدوم، والمراد أهلها، والخبائث: ~~أفعالهم المنكرة، فمنها إتيان الذكور وقطع السبيل، إلى ms1367 غير ذلك مما قد ~~ذكره الله عز وجل عنهم في مواضع [هود: 78 والحجر: 69]. # قوله تعالى: { وأدخلناه في رحمتنا } أي: بانجائه من بينهم. ### || [21.76-77] # قوله تعالى: { ونوحا } المعنى: واذكر نوحا، وكذلك ما يأتيك من ذكر ~~الأنبياء { إذ نادى } أي: دعا على قومه { من قبل } أي: من قبل ~~إبراهيم ولوط. فأما الكرب العظيم، فقال ابن عباس: هو الغرق وتكذيب ~~قومه. # قوله تعالى: { ونصرناه من القوم } أي: منعناه منهم أن يصلوا إليه ~~بسوء. وقيل: «من» بمعنى «على». ### || [21.78-82] # قوله تعالى: { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث } وفيه قولان. # أحدهما: أنه كان عنبا، قاله ابن مسعود، ومسروق، وشريح. # والثاني: كان زرعا، قاله قتادة. # { إذ نفشت فيه غنم القوم } قال ابن قتيبة: أي: رعت ليلا، ~~يقال: نفشت الغنم بالليل، وهي إبل نفش ونفاش ونفاش، ~~والواحد: نافش، وسرحت وسربت بالنهار. قال قتادة: النفش ~~بالليل، والهمل بالنهار. وقال ابن السكيت: النفش: أن تنتشر الغنم ~~بالليل ترعى بلا راع. # الإشارة إلى القصة # ذكر أهل التفسير أن رجلين كانا على عهد داود عليه السلام، أحدهما صاحب ~~حرث، والآخر صاحب غنم، فتفلتت الغنم فوقعت في الحرث فلم تبق منه ~~شيئا، فاختصما إلى داود، فقال لصاحب الحرث: لك رقاب الغنم، فقال ~~سليمان: أو غير ذلك؟ قال: ما هو؟ قال: ينطلق أصحاب الحرث بالغنم فيصيبون ~~من ألبانها ومنافعها، ويقبل أصحاب الغنم على الكرم، حتى إذا كان ~~كليلة نفشت فيه الغنم، دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى ~~هؤلاء كرمهم، فقال داود: قد أصبت القضاء، ثم حكم بذلك، فذلك قوله: { ~~وكنا لحكمهم شاهدين } وفي المشار إليهم قولان. # أحدهما: داود وسليمان، فذكرهما بلفظ الجمع، لأن الاثنين جمع، هذا قول ~~الفراء. # والثاني: أنهم داود وسليمان والخصوم، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة: «وكنا لحكمها» على التثنية. ومعنى ~~«شاهدين»: أنه لم يغب عنا من أمرهم شيء. { ففهمناها سليمان } ~~يعني: القضية والحكومة. وإنما كنى عنها، لأنه قد سبق ما يدل عليها من ~~ذكر الحكم، { وكلا } منهما { آتينا حكما } وقد ms1368 سبق بيانه. قال ~~الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان ~~لصوابه، وعذر دواد باجتهاده. # فصل # قال أبو سليمان الدمشقي: كان قضاء داود وسليمان جميعا من طريق ~~الاجتهاد، ولم يكن نصا، إذ لو كان نصا ما اختلفا. قال القاضي أبو ~~يعلى: وقد اختلف الناس في الغنم إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته، ~~فمذهب أصحابنا أن عليه الضمان، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~لا ضمان عليه ليلا ونهارا، إلا أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها، فظاهر ~~الآية يدل على قول أصحابنا، لأن داود حكم بالضمان، وشرع من قبلنا ~~شرع لنا مالم يثبت نسخه. فإن قيل: فقد ثبت نسخ هذا الحكم، لأن ~~داود حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث، وحكم سليمان له بأولادها ~~وأصوافها، ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشت غنمه في حرث رجل شيء من ~~ذلك؛ قيل: الآية تضمنت أحكاما، منها وجوب الضمان وكيفيته، فالنسخ حصل ~~على كيفيته، ولم يحصل على أصله، فوجب التعلق به، وقد روى حرام بن ~~محيصة عن أبيه: أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت، فقضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي ~~حفظها بالليل. # قوله تعالى: { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } تقدير الكلام: ~~وسخرنا الجبال يسبحن مع داود. قال أبو هريرة: كان إذا سبح أجابته ~~الجبال والطير بالتسبيح والذكر، وقال غيره: كان إذا وجد فترة، أمر ~~الجبال فسبحت حتى يشتاق هو فيسبح. # قوله تعالى: { وكنا فاعلين } أي: لذلك. قال الزجاج: المعنى: وكنا ~~نقدر على ما نريده. # قوله تعالى: { وعلمناه صنعة لبوس لكم } في المراد باللبوس ~~قولان. # أحدهما: الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح، وكان داود أول من صنع هذه الحلق ~~وسرد، قاله قتادة. # والثاني: أن اللبوس: السلاح كله من درع إلى رمح، قاله أبو عبيدة. ~~وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: «لبوس» بضم اللام. # قوله تعالى: { لتحصنكم } قرأ ابن كثير. ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: «ليحصنكم» بالياء. وقرأ ابن عامر، وحفص ms1369 عن عاصم: ~~«لتحصنكم» بالتاء. وروى أبو بكر عن عاصم: «لنحصنكم» بالنون ~~خفيفة. وقرأ أبو الدرداء، وأبو عمران الجوني، وأبو حيوة: ~~«لتحصنكم» بتاء مرفوعة وفتح الحاء وتشديد الصاد. وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو الجوزاء، وحميد بن قيس: «لتحصنكم» بتاء مفتوحة مع فتح الحاء ~~وتشديد الصاد مع ضمها. وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو المتوكل، ومجاهد: ~~«لنحصنكم» بنون مرفوعة وفتح الحاء وكسر الصاد مع تشديدها. وقرأ ~~معاذ القارىء، وعكرمة، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: ~~«ليحصنكم» بياء مرفوعة وسكون الحاء وكسر الصاد مشددة النون. فمن ~~قرأ بالياء ففيه أربعة أوجه. قال أبو علي الفارسي: أن يكون الفاعل اسم ~~الله، لتقدم معناه، ويجوز أن يكون اللباس، لأن اللبوس بمعنى اللباس من ~~حيث كان ضربا منه، ويجوز أن يكون داود، ويجوز أن يكون التعليم، وقد دل ~~عليه «علمناه». # ومن قرأ بالتاء، حمله على المعنى، لأنه الدرع. # ومن قرأ بالنون، فلتقدم قوله: «وعلمناه». # ومعنى «لتحصنكم»: لتحرزكم وتمنعكم { من بأسكم } يعني: ~~الحرب. # قوله تعالى: { ولسليمان الريح } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~عمران الجوني، وأبو حيوة الحضرمي: «الرياح» بألف مع رفع الحاء. وقرأ ~~الحسن، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: بالألف ونصب الحاء، والمعنى: ~~وسخرنا لسليمان الريح { عاصفة } أي: شديدة الهبوب { تجري بأمره } ~~يعني: بأمر سليمان { إلى الأرض التي باركنا فيها } وهي أرض الشام، وقد ~~مر بيان بركتها في هذه السورة [الأنبياء: 72]؛ والمعنى: أنها كانت ~~تسير به إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام. # قوله تعالى: { وكنا بكل شيء عالمين } علمنا أن ما نعطي سليمان ~~يدعوه إلى الخضوع لربه. # قوله تعالى: { ومن الشياطين من يغوصون له } قال أبو عبيدة: «من» تقع ~~على الواحد والاثنين والجمع من المذكر والمؤنث. قال المفسرون: كانوا ~~يغوصون في البحر، فيستخرجون الجواهر، { ويعملون عملا دون ذلك } قال ~~الزجاج: معناه: سوى ذلك، { وكنا لهم حافظين } أن يفسدوا ما عملوا. ~~وقال غيره: أن يخرجوا عن أمره. ### || [21.83-86] # قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه } أي: دعا ربه { أني } وقرأ ~~أبو عمران الجوني: «إني» بكسر الهمزة، { مسني الضر ms1370 } وقرأ حمزة: ~~«مسني» بتسكين الياء، أي: أصابني الجهد، { وأنت أرحم الراحمين } ~~أي: أكثرهم رحمة، وهذا تعريض منه بسؤال الرحمة إذ أثنى عليه بأنه الأرحم ~~وسكت. # الإشارة إلى قصته # ذكر أهل التفسير أن أيوب عليه السلام كان أغنى أهل زمانه، وكان كثير ~~الإحسان. فقال إبليس: يا رب سلطني على ماله وولده وكان له ثلاثة ~~عشر ولدا فإن فعلت رأيته كيف يطيعني ويعصيك، فقيل له: قد ~~سلطتك على ماله وولده، فرجع إبليس فجمع شياطينه ومردته، فبعث بعضهم ~~إلى دوابه ورعاته، فاحتملوها حتى قذفوها في البحر، وجاء إبليس في ~~صورة قيمه، فقال: يا أيوب ألا أراك تصلي وقد أقبلت ريح عاصف فاحتملت ~~دوابك ورعاتها حتى قذفتها في البحر؟ فلم يرد عليه شيئا حتى فرغ من ~~صلاته، ثم قال الحمد لله الذي رزقني ثم قبله مني، فانصرف خائبا، ثم ~~أرسل بعض الشياطين إلى جنانه وزروعه، فأحرقوها، وجاء فأخبره، فقال مثل ~~ذلك، فأرسل بعض الشياطين فزلزلوا منازل أيوب وفيها ولده وخدمه، فأهلكوهم، ~~وجاء فأخبره، فحمد الله، وقال لإبليس وهو يظنه قيمه في ماله: لو كان ~~فيك خير لقبضك معهم، فانصرف خائبا، فقيل له: كيف رأيت عبدي أيوب؟ ~~قال: يا رب سلطني على جسده فسوف ترى، قيل له: قد سلطتك على ~~جسده، فجاء فنفخ في إبهام قدميه، فاشتعل فيه مثل النار، ولم يكن في ~~زمانه أكثر بكاء منه خوفا من الله تعالى، فلما نزل به البلاء لم يبك ~~مخافة الجزع، وبقي لسانه للذكر، وقلبه للمعرفة والشكر، وكان يرى ~~أمعاءه وعروقه وعظامه، وكان مرضه أنه خرج في جميع جسده ثآليل كأليات ~~الغنم، ووقعت به حكة لا يملكها، فحك بأظفاره حتى سقطت، ثم بالمسوح، ثم ~~بالحجارة، فأنتن جسمه وتقطع، وأخرجه أهل القرية فجعلوا له عريشا على ~~كناسة، ورفضه الخلق سوى زوجته، واسمها رحمة بنت إفراييم بن يوسف بن ~~يعقوب، فكانت تختلف إليه بما يصلحه، وروى أبو بكر القرشي عن الليث بن ~~سعد، قال: كان ملك يظلم الناس، فكلمه في ذلك جماعة من الأنبياء، وسكت ~~عنه أيوب لأجل خيل ms1371 كانت له في سلطانه، فأوحى الله إليه: تركت كلامه من ~~أجل خيلك؟! لأطيلن بلاءك. # واختلفوا في مدة لبثه في البلاء على أربعة أقوال. # أحدها: ثماني عشرة سنة، رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: سبع سنين، قاله ابن عباس، وكعب، ويحيى بن أبي كثير. # والثالث: سبع سنين وأشهر، قاله الحسن. # والرابع: ثلاث سنين، قاله وهب. # وفي سبب سؤاله العافية ستة أقوال. # أحدها: [أنه] اشتهى إداما، فلم تصبه امرأته حتى باعت قرنا من شعرها، ~~فلما علم ذلك، قال: «مسني الضر»، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أن الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره الله، فلما انتهى أجل ~~البلاء، يسر له الدعاء، فاستجاب له، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أن نفرا من بني إسرائيل مروا به، فقال بعضهم لبعض: ما ~~أصابه هذا إلا بذنب عظيم، فعند ذلك قال: «مسني الضر»، قاله نوف ~~البكالي. وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان له أخوان، فأتياه يوما ~~فوجدا ريحا، فقالا: لو كان الله علم منه خيرا ما بلغ به كل هذا، فما ~~سمع شيئا أشد عليه من ذلك، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ~~ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق وهما يسمعان، ثم قال: ~~اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصا وأنا أعلم مكان عار فصدقني، ~~فصدق وهما يسمعان، فخر ساجدا، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى ~~تكشف ما بي، فكشف الله عز وجل ما به. # والرابع: أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلة، فقال: ليذبح أيوب هذه لي وقد ~~برأ، فجاءت فأخبرته، فقال: إن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، أمرتني ~~أن أذبح لغير الله؟! ثم طردها عنه، فذهبت، فلما رأى أنه لا طعام له ولا ~~شراب ولا صديق، خر ساجدا وقال: «مسني الضر»، قاله الحسن. # والخامس: أن الله تعالى أوحى إليه وهو في عنفوان شبابه: إني مبتليك، ~~قال: يا رب، وأين يكون قلبي؟ قال: عندي، فصب عليه من البلاء ما سمعتم، ~~حتى ms1372 إذا بلغ البلاء منتهاه، أوحى إليه أني معافيك، قال: يا رب، وأين ~~يكون قلبي؟ قال: عندك، قال: «مسني الضر»، قاله إبراهيم بن شيبان ~~القرميسي فيما حدثنا به عنه. # والسادس: أن الوحي انقطع عنه أربعين يوما، فخاف هجران ربه، فقال: ~~«مسني الضر»، ذكره الماوردي. # فإن قيل: أين الصبر، وهذا لفظ الشكوى؟ # فالجواب: أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما المذموم الشكوى ~~إلى الخلق، ألم تسمع قول يعقوب: # إنما أشكو بثي وحزني إلى الله # [يوسف: 86]. قال سفيان بن عيينة: وكذلك من شكا إلى الناس، وهو في شكواه ~~راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعا، ألم تسمع قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لجبريل في مرضه: # " أجدني مغموما " # و # " أجدني مكروبا " # ، وقوله: # " بل أنا وارأساه ". # قوله تعالى: { وآتيناه أهله } يعني: أولاده { ومثلهم معهم } فيه ~~أربعة أقوال. # أحدها: أن الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم، وآتاه مثلهم معهم في ~~الدنيا، قاله ابن مسعود، والحسن، وقتادة. وروى أبو صالح عن ابن عباس: ~~كانت امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات، فنشروا له؛ وولدت له امرأته ~~سبعة بنين وسبع بنات. # والثاني: أنهم كانوا قد غيبوا عنه ولم يموتوا، فآتاه إياهم في ~~الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة، رواه هشام عن الحسن. # والثالث: آتاه الله أجور أهله في الآخرة، وآتاه مثلهم في الدنيا، قاله ~~نوف، ومجاهد. # والرابع: آتاه أهله ومثلهم معهم في الآخرة، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: { رحمة من عندنا } أي: فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، { ~~وذكرى } أي: عظة { للعابدين } قال محمد بن كعب: من أصابه بلاء فليذكر ~~ما أصاب أيوب، فليقل: إنه قد أصاب من هو خير مني. # قوله تعالى: { وذا الكفل } اختلفوا هل كان نبيا، أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنه لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا، قاله أبو موسى ~~الأشعري، ومجاهد. ثم اختلف أرباب هذا القول في عله تسميته بذي الكفل ~~على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رجلا كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي، فكفل بصلاته، ~~فسمي: ذا الكفل، قاله أبو ms1373 موسى الأشعري. # والثاني: أنه تكفل للنبي بقومه أن يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم ~~بالعدل، ففعل، فسمي: ذا الكفل، قاله مجاهد. # والثالث: أن ملكا قتل في يوم ثلاثمائمة نبي، وفر منه مائة نبي، ~~فكفلهم ذو الكفل، يطعمهم ويسقيهم حتى أفلتوا، فسمي: ذا الكفل، قاله ~~ابن السائب. # والقول الثاني: أنه كان نبيا، قاله الحسن، وعطاء. قال عطاء: أوحى الله ~~تعالى [إلى] نبي من الأنبياء: إني أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على ~~بني إسرائيل، فمن تكفل لك بأنه يصلي الليل لا يفتر، ويصوم النهار لا ~~يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه، ففعل ذلك، فقام ~~شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل به، فوفى، فشكر الله له ذلك، ~~ونبأه، وسمي: ذا الكفل. وقد ذكر الثعلبي حديث ابن عمر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الكفل: # " أنه كان رجلا لا ينزع عن ذنب، وأنه خلا بامرأة ليفجر بها، فبكت، ~~وقالت: ما فعلت هذا قط، فقام عنها تائبا، ومات من ليلته، فأصبح ~~مكتوبا على بابه: قد غفر الله للكفل " # ؛ والحديث معروف، وقد ذكرته في «الحدائق»، فجعله الثعلبي أحد الوجوه في ~~بيان ذي الكفل، وهذا غلط، لأن ذلك اسمه الكفل، والمذكور في القرآن يقال ~~له: ذو الكفل، ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها، فلم يمض عليه زمان ~~طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا. وإذا قلنا: إنه نبي، فإن الأنبياء ~~معصومون عن مثل هذا الحال. وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر رحمه الله ~~تعالى، فوافقني، وقال: ليس هذا بذاك. # قوله تعالى: { كل من الصابرين } أي: على طاعة الله وترك معصيته، { ~~وأدخلناهم في رحمتنا } في هذه الرحمة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الجنة، قاله ابن عباس. # والثاني: النبوة، قاله مقاتل. # والثالث: النعمة والموالاة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. ### || [21.87-88] # قوله تعالى: { وذا النون } يعني: يونس بن متى. والنون: السمكة؛ أضيف ~~إليها لابتلاعها إياه. # قوله تعالى: { إذ ذهب مغاضبا } قال ابن قتيبة: المغاضبة: مفاعلة، ~~وأكثر المفاعلة من اثنين، كالمناظرة والمجادلة والمخاصمة، وربما تكون ~~من ms1374 واحد، كقولك: سافرت، وشارفت الأمر، وهي هاهنا من هذا الباب. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: «مغضبا» باسكان ~~الغين وفتح الضاد من غير ألف. # واختلفوا في مغاضبته لمن كانت؟ على قولين. # أحدهما: أنه غضب على قومه، قاله ابن عباس، والضحاك. وفي سبب غضبه عليهم ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الله تعالى أوحى إلى نبي يقال له: شعيا: أن ائت فلانا ~~الملك، فقل له: يبعث نبيا أمينا إلى بني إسرائيل، وكان قد غزا بني ~~إسرائيل ملك، وسبا منهم الكثير، فأراد النبي والملك أن يبعثا يونس إلى ~~ذلك الملك ليكلمه حتى يرسلهم، فقال يونس لشعيا: هل أمرك الله باخراجي؟ ~~قال: لا، قال: فهل سماني لك؟ قال: لا، قال: فهاهنا غيري من الأنبياء، ~~فألحوا عليه، فخرج مغاضبا للنبي والملك ولقومه، هذا مروي عن ابن ~~عباس؛ وقد زدناه شرحا في [يونس: 98]. # والثاني: أنه عانى من قومه أمرا صعبا من الأذى والتكذيب، فخرج عنهم ~~قبل أن يؤمنوا ضجرا، وما ظن أن هذا الفعل يوجب عليه ما جرى من ~~العقوبة، ذكره ابن الأنباري. وقد روي عن وهب بن منبه، قال: لما حملت ~~عليه أثقال النبوة، ضاق بها ذرعا ولم يصبر، فقذفها من يده وخرج ~~هاربا. # والثالث: أنه لما أوعدهم العذاب، فتابوا ورفع عنهم، قيل له: ارجع ~~إليهم، فقال: كيف أرجع فيجدوني كاذبا؟ فانصرف مغاضبا لقومه، عاتبا ~~على ربه. وقد ذكرنا هذا في [يونس: 98]. # والثاني: أنه خرج مغاضبا لربه، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، ~~وعروة. وقال أبو بكر النقاش: المعنى: مغاضبا من أجل ربه، وإنما غضب ~~لأجل تمردهم وعصيانهم. وقال ابن قتيبة: كان مغيظا عليهم لطول ما ~~عاناه من تكذيبهم، مشتهيا أن ينزل العذاب بهم، فعاقبه الله على كراهيته ~~العفو عن قومه. # قوله تعالى: { فظن أن لن نقدر عليه } وقرأ يعقوب: «يقدر» بضم ~~الياء وتشديد الدال وفتحها. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وابن أبي ~~ليلى: «يقدر» بياء مرفوعة مع سكون القاف وتخفيف الدال وفتحها. وقرأ ~~أبو عمران الجوني: «يقدر» بياء مفتوحة وسكون القاف ms1375 وكسر الدال خفيفة. ~~وقرأ الزهري، وابن يعمر، وحميد بن قيس: «نقدر» بنون مرفوعة وفتح ~~القاف وكسر الدال وتشديدها. ثم فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن لن نقضي عليه بالعقوبة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد، وقتادة، والضحاك. قال الفراء: معنى الآية: فظن أن لن نقدر عليه ما ~~قدرنا من العقوبة، والعرب تقول: قدر، بمعنى: قدر، قال أبو صخر: # ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى # تباركت ما تقدر يكن ولك الشكر # أراد: ما تقدر، وهذا مذهب الزجاج. # والثاني: فظن أن لن نضيق عليه، قاله عطاء. قال ابن قتيبة: يقال: فلان ~~مقدر عليه، ومقتر عليه، ومنه قوله تعالى: # فقدر عليه رزقه # [الفجر: 16] أي: ضيق عليه فيه. قال النقاش: والمعنى: فظن أن لن يضيق ~~عليه الخروج، فكأنه ظن أن الله قد وسع له، إن شاء أن يقيم، وإن شاء ~~أن يخرج، ولم يؤذن له في الخروج. # والثالث: أن المعنى: فظن أنه يعجز ربه، فلا يقدر عليه، رواه عوف عن ~~الحسن. وقال ابن زيد، وسليمان التيمي: المعنى: أفظن أن لن نقدر ~~عليه؛ فعلى هذا الوجه يكون استفهاما قد حذفت ألفه؛ وهذا الوجه يدل على ~~أنه من القدرة، ولا يتصور إلا مع تقدير الاستفهام، ولا أعلم له وجها ~~إلا أن يكون استفهام إنكار، تقديره: ما ظن عجزنا، فأين يهرب منا؟!. # قوله تعالى: { فنادى في الظلمات } فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، قاله سعيد ابن ~~جبير، وقتادة، والأكثرون. # والثاني: أن حوتا جاء فابتلع الحوت الذي هو في بطنه، فنادى في ظلمة ~~حوت، ثم في ظلمة حوت، ثم في ظلمة البحر، قاله سالم ابن أبي الجعد. # والثالث: أنها ظلمة الماء، وظلمة معى السمكة، وظلمة بطنها، قاله ابن ~~السائب. وقد روى سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس: ~~فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين " # قال ms1376 الحسن: وهذا اعتراف [من] يونس بذنبه وتوبة من خطيئته. قوله تعالى: ~~{ فاستجبنا له } أي: أجبناه { ونجيناه من الغم } أي: من الظلمات { ~~وكذلك ننجي المؤمنين } إذا دعونا. وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ: ~~«نجي المؤمنين» بنون واحدة مشددة الجيم؛ قال الزجاج: وهذا لحن لا ~~وجه له، وقال أبو علي الفارسي: غلط الراوي عن عاصم، ويدل على هذا إسكانه ~~الياء من «نجي» ونصب «المؤمنين»، ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن ~~الياء، ولرفع «المؤمنين». ### || [21.89-92] # قوله تعالى: { لا تذرني فردا } أي: وحيدا بلا ولد { وأنت خير الوارثين ~~} أي: أفضل من بقي حيا بعد ميت. # قوله تعالى: { وأصلحنا له زوجه } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أصلحت للولد بعد أن كانت عقيما، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وقتادة. # والثاني: أنه كان في لسانها طول، وهو البذاء، فأصلحت، قاله عطاء. وقال ~~السدي: كانت سليطة فكف عنه لسانها. # والثالث: أنه كان خلقها سيئا، قاله محمد ابن كعب. # قوله تعالى: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } أي: يبادرون في طاعة ~~الله. وفي المشار إليهم قولان. # أحدهما: زكريا، وامرأته، ويحيى. # والثاني: جميع الأنبياء المذكورون في هذه السورة. # قوله تعالى: { ويدعوننا } وقرأ ابن مسعود، وابن محيصن: «ويدعونا» بنون ~~واحدة. # قوله تعالى: { رغبا ورهبا } أي: رغبا فيما عندنا، ورهبا منا. ~~وقرأ الأعمش: «رغبا ورهبا» بضم الراءين وجزم الغين والهاء، وهما ~~لغتان مثل النحل، والنحل، والسقم، والسقم، { وكانوا لنا ~~خاشعين } أي: متواضعين. # قوله تعالى: { والتي أحصنت فرجها } فيه قولان. # أحدهما: أنه مخرج الولد، والمعنى: منعته مما لا يحل. وإنما وصفت ~~بالعفاف لأنها قذفت بالزنا. # والثاني: أنه جيب درعها. ومعنى الفرج في اللغة: كل فرجة بين شيئين، ~~وموضع جيب درع المرأة مشقوق، فهو يسمى فرجا. وهذا أبلغ في الثناء عليها، ~~لأنها إذا منعت جيب درعها، فهي لنفسها أمنع. # قوله تعالى: { فنفخنا فيها } أي: أمرنا جبريل، فنفخ في درعها، فأجرينا ~~فيها روح عيسى كما تجري الريح بالنفخ. وأضاف الروح إليه إضافة الملك، ~~للتشريف والتخصيص { وجعلناها وابنها آية } قال الزجاج: لما كان ms1377 شأنهما ~~واحدا، كانت الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن أبي عبلة: «آيتين» على التثنية. # قوله تعالى: { إن هذه أمتكم } قال ابن عباس: المراد بالأمة ~~هاهنا: الدين. وفي المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معنى قول مقاتل. # والثاني: أنهم الأنبياء عليهم السلام، قاله أبو سليمان الدمشقي. ثم ذكر ~~أهل الكتاب، فذمهم بالاختلاف، فقال تعالى: { وتقطعوا أمرهم بينهم } ~~أي: اختلفوا في الدين، { فمن يعمل من الصالحات } أي: شيئا من الفرائض ~~وأعمال البر { فلا كفران لسعيه } أي: لا نجحد ما عمل، قاله ابن قتيبة، ~~والمعنى: أنه يقبل منه، ويثاب عليه { وإنا له كاتبون } ذلك، نأمر الحفظة ~~أن يكتبوه لنجازيه به. ### || [21.93-100] # قوله تعالى: { وحرام على قرية } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: «وحرام» بألف. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: «وحرم» بكسر الحاء من غير ألف، وهما لغتان. يقال: حرم وحرام. ~~وقرأ معاذ القارىء، وأبو المتوكل، وأبو عمران الجوني: «حرم» بفتح ~~الحاء وسكون الراء من غير ألف والميم مرفوعة منونة. وقرأ سعيد بن جبير: ~~«وحرم» بفتح الحاء وسكون الراء وفتح الميم من غير تنوين ولا ألف. وقرأ ~~أبو الجوزاء، وعكرمة، والضحاك: «وحرم» بفتح الحاء والميم وكسر الراء ~~من غير تنوين ولا ألف. وقرأ سعيد بن المسيب، وأبو مجلز، وأبو رجاء: ~~«وحرم» بفتح الحاء وضم الراء ونصب الميم من غير ألف. # وفي معنى قوله تعالى: «وحرام» قولان. # أحدهما: واجب، قاله ابن عباس، وأنشدوا في معناه: # فإن حراما لا أرى الدهر باكيا # على شجوه إلا بكيت على عمرو # أي: واجب. # والثاني: أنه بمعنى العزم، قاله سعيد بن جبير. وقال عطاء: حتم من الله. ~~والمراد بالقرية: أهلها. # ثم في معنى الآية أربعة أقوال. # أحدها: واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يتوبون، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها، هذا قول ~~قتادة؛ وقد روي عن ابن عباس نحوه. # والثالث: أن ms1378 «لا» زائدة؛ والمعنى: حرام على قرية مهلكة أنهم يرجعون إلى ~~الدنيا، قاله ابن جريج، وابن قتيبة في آخرين. # والرابع: أن الكلام متعلق بما قبله، لأنه لما قال: «فلا كفران لسعيه» ~~أعلمنا أنه قد حرم قبول أعمال الكفار؛ فمعنى الآية: وحرام على قرية ~~أهلكناها أن يتقبل منهم عمل، لأنهم لا يتوبون، هذا قول الزجاج. # فإن قيل: كيف يصح أن يحرم على الإنسان ما ليس من فعله، ورجوعهم بعد ~~الموت ليس إليهم؟ # فالجواب: أن المعنى: منعوا من ذلك، كما يمنع الإنسان من الحرام وإن ~~قدر عليه، فكان التشبيه بالتحريم للحالتين من حيث المنع. # قوله تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } وقرأ ابن عامر: ~~«فتحت» بالتشديد، والمعنى: فتح الردم عنهم { وهم من كل حدب } قال ~~ابن قتيبة: من كل نشز من الأرض وأكمة { ينسلون } من النسلان: وهو ~~مقاربة الخطو مع الإسراع، كمشي الذئب إذا بادر، والعسلان مثله. وقال ~~الزجاج: الحدب: كل أكمة، و«ينسلون»: يسرعون. وقرأ أبو رجاء ~~العطاردي، وعاصم الجحدري: «ينسلون» بضم السين. # وفي قوله تعالى: { وهم } قولان. # أحدهما: أنه إشارة إلى يأجوج ومأجوج، قاله الجمهور. # والثاني: إلى جميع الناس؛ فالمعنى: وهم يحشرون إلى الموقف، قاله ~~مجاهد. والأول أصح. # فإن قيل: أين جواب «حتى»؟ ففيه قولان. # أحدهما: أنه قوله تعالى: { واقترب الوعد الحق } والواو في قوله تعالى: ~~«واقترب» زائدة، قاله الفراء. # قال: ومثله # حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها # [الزمر: 73]، وقوله تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه # [الصافات: 103، 104]، المعنى: نادينا. وقال عبد الله بن مسعود: الساعة ~~من الناس بعد يأجوج ومأجوج، كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم ~~بولدها ليلا أو نهارا. # والثاني: أنه قول محذوف في قوله: { يا ويلنا } ، فالمعنى: حتى إذا ~~فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد، قالوا: يا ويلنا. قال الزجاج: هذا قول ~~البصريين. فأما { الوعد الحق } فهو القيامة. # قوله تعالى: { فإذا هي } في «هي» أربعة أقوال. # أحدها: أن «هي» كناية عن الأبصار، والأبصار تفسير لها، كقول الشاعر: # لعمرو أبيها لا تقول ظعينتي # ألا فرعني مالك بن أبي كعب # فذكر الظعينة، وقد ms1379 كنى عنها في «لعمرو أبيها». والثاني: أن «هي» [ضمير ~~فصل، و] عماد، ويصلح في موضعها «هو»، ومثله قوله: # إنه أنا الله # [النمل: 9]، وقوله: # فإنها لا تعمى الأبصار # [الحج: 46]، وأنشدوا: # بثوب ودينار وشاة ودرهم # فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس # ذكرهما الفراء. # والثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله: «هي» على معنى: فإذا هي بارزة ~~واقفة، يعني: من قربها، كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال: { شاخصة } ، ~~ذكره الثعلبي. # والرابع: أن «هي» كناية عن القصة، والمعنى: القصة أن أبصارهم شاخصة في ~~ذلك اليوم، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. قال المفسرون: تشخص أبصار ~~الكفار من هول يوم القيامة، ويقولون: { يا ويلنا قد كنا } أي: في الدنيا ~~{ في غفلة من هذا } أي: عن هذا { بل كنا ظالمين } أنفسنا بكفرنا ~~ومعاصينا. ثم خاطب أهل مكة، فقال: { إنكم وما تعبدون من دون الله } ~~يعني: الأصنام { حصب جهنم } وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو العالية، وعمر ~~بن عبد العزيز: «حطب» بالطاء. وقرأ ابن عباس، وعائشة، وابن السميفع: ~~«حضب» بالضاد المعجمة المفتوحة. وقرأ عروة، وعكرمة، وابن يعمر، وابن ~~أبي عبلة: «حضب جهنم» بإسكان الضاد المعجمة. وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~حيوة، ومعاذ القارىء: «حضب» بكسر الحاء مع تسكين الضاد المعجمة. وقرأ ~~أبو مجلز، وأبو رجاء، وابن محيصن: «حصب» بفتح الحاء وبصاد غير معجمة ~~ساكنة. قال الزجاج: من قرأ «حصب جهنم» فمعناه: كل ما يرمى به فيها، ~~ومن قرأ «حطب» فمعناه: ما توقد به، ومن قرأ بالضاد المعجمة، فمعناه: ما ~~تهيج به النار وتذكى به. قال ابن قتيبة: الحصب: ما ألقي فيها، وأصله ~~من الحصباء، وهو: الحصى، يقال: حصبت فلانا: إذا رميته، حصبا، ~~بتسكين الصاد، وما رميت به فهو حصب، بفتح الصاد. # قوله تعالى: { أنتم } يعني: العابدين والمعبودين { لها واردون } أي: ~~داخلون. { لو كان هؤلاء } يعني: الأصنام { آلهة } على الحقيقة { ما ~~وردوها } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إشارة إلى الأصنام، والمعنى: لو كانوا آلهة ما دخلوا ~~النار. # والثاني: أنه إشارة إلى عابديها، فالمعنى: لو كانت الأصنام آلهة، منعت ~~عابديها دخول ms1380 النار. # والثالث: أنه إشارة إلى الآلهة وعابديها، بدليل قوله تعالى: { وكل ~~فيها خالدون } يعني: العابد والمعبود. # قوله تعالى: { لهم فيها زفير } قد شرحنا معنى الزفير في [هود: 106]. وفي ~~علة كونهم لا يسمعون ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه يوضع في مسامعهم مسامير من نار، ثم يقذفون في توابيت من ~~نار مقفلة عليهم، رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث طويل. وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا ~~في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى، فلا يسمعون ~~شيئا، ولا يرى أحدهم أن في النار أحدا يعذب غيره. # والثاني: أن السماع أنس، والله لا يحب أن يؤنسهم، قاله عون بن ~~عمارة. # والثالث: إنما لم يسمعوا لشدة غليان جهنم، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### || [21.101-107] # قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } سبب نزولها أنه # " لما نزلت «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم» شق ذلك على ~~قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، فجاء ابن الزبعرى، فقال: ما لكم؟ قالوا: شتم ~~آلهتنا، قال: وما قال؟ فأخبروه، فقال: ادعوه لي، فلما دعي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة، أو لكل من عبد من ~~دون الله؟ قال: «لا، بل لكل من عبد من دون الله»، فقال ابن الزبعرى: ~~خصمت ورب هذه البنية، ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى ~~عبد صالح، وأن عزيرا عبد صالح، فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه ~~النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرا، فضج أهل مكة " # ، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال الحسين بن الفضل: إنما أراد ~~بقوله: { وما تعبدون } الأصنام دون غيرها. لأنه لو أراد الملائكة والناس، ~~لقال: «ومن»، وقيل: «إن» بمعنى: «إلا»، فتقديره: إلا الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى، وهي قراءة ابن مسعود، وأبي نهيك، فإنهما قرءا: «إلا ~~الذين». وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ هذه الآية، فقال: أنا منهم، ~~وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، ms1381 وعبد الرحمن. # وفي المراد بالحسنى قولان. # أحدهما: الجنة، قاله ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: السعادة، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { أولئك عنها } أي: عن جهنم، وقد تقدم ذكرها { مبعدون } ~~والبعد: طول المسافة، والحسيس: الصوت تسمعه من الشيء إذا مر قريبا ~~منك. قال ابن عباس: لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم ~~من الجنة. # قوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر } وقرأ أبو رزين، وقتادة، ~~وابن أبي عبلة، وابن محيصن، وأبو جعفر الشيزري عن الكسائي: «لا ~~يحزنهم» بضم الياء وكسر الزاي. # وفي الفزع الأكبر أربعة أقوال. # أحدها: أنه النفخة الآخرة، رواه العوفي عن ابن عباس؛ وبهذه النفخة يقوم ~~الناس من قبورهم، ويدل على صحة هذا الوجه قوله تعالى: { وتتلقاهم ~~الملائكة }. # والثاني: أنه إطباق النار على أهلها، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ~~وبه قال الضحاك. # والثالث: أنه ذبح الموت بين الجنة والنار، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، ~~وبه قال ابن جريج. # والرابع: أنه حين يؤمر بالعبد إلى النار، قاله الحسن البصري. # وفي مكان تلقي الملائكة لهم قولان. # أحدهما: إذا قاموا من قبورهم، قاله مقاتل. # والثاني: على أبواب الجنة، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { هذا يومكم } فيه إضمار: «يقولون» هذا يومكم { الذي كنتم ~~توعدون } فيه الجنة. # قوله تعالى: { يوم نطوي السماء } وقرأ أبو العالية، وابن أبي عبلة، ~~وأبو جعفر: «تطوى» بتاء مضمومة «السماء» بالرفع؛ وذلك بمحو رسومها، ~~وتكدير نجومها، وتكوير شمسها، { كطي السجل للكتاب } قرأ الجمهور: ~~«السجل» بكسر السين والجيم وتشديد اللام. # وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، ومحبوب عن أبي عمرو: ~~«السجل» بكسر السين وإسكان الجيم خفيفة. وقرأ أبو السماك كذلك، إلا ~~أنه فتح الجيم. # قوله تعالى: { للكتاب } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«للكتاب». وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «للكتب» على الجمع. # وفي السجل أربعة أقوال. # أحدها: أنه ملك، قاله علي بن أبي طالب، وابن عمر، والسدي. # والثاني: أنه كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو ~~الجوزاء عن ابن عباس. # والثالث: ms1382 أن السجل بمعنى: الرجل، روى أبو الجوزاء عن ابن عباس، قال: ~~السجل: هو الرجل. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: وقد قيل: «السجل» بلغة ~~الحبشة: الرجل. # والرابع: أنه الصحيفة. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والفراء، وابن قتيبة. وقرأت على شيخنا أبي منصور، قال: قال أبو بكر، يعني ~~ ابن دريد : السجل: الكتاب، والله أعلم؛ ولا ألتفت إلى قولهم: إنه ~~فارسي معرب، والمعنى: كما يطوى السجل على ما فيه من كتاب. و«اللام» ~~بمعنى «على». وقال بعض العلماء: المراد بالكتاب: المكتوب، فلما كان ~~المكتوب ينطوي بانطواء الصحيفة، جعل السجل كأنه يطوي الكتاب. # ثم استأنف، فقال تعالى: { كما بدأنا أول خلق نعيده } الخلق ~~هاهنا مصدر، وليس بمعنى المخلوق. # وفي معنى الكلام أربعة أقوال. # أحدها: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا، كذلك ~~نعيدهم يوم القيامة؛ روي عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلا كما خلقوا، ثم قرأ: كما ~~بدأنا أول خلق نعيده " # ؛ وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد. # والثاني: أن المعنى: إنا نهلك كل شيء كما كان أول مرة، رواه العوفي عن ~~ابن عباس. # والثالث: أن السماء تمطر أربعين يوما كمني الرجال، فينبتون بالمطر في ~~قبورهم، كما ينبتون في بطون أمهاتهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: أن المعنى: قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { وعدا } قال الزجاج: هو منصوب على المصدر، لأن قوله ~~تعالى: «نعيده» بمعنى: وعدنا هذا وعدا، { إنا كنا فاعلين } أي: ~~قادرين على فعل ما نشاء. وقال غيره: إنا كنا فاعلين ما وعدنا. # قوله تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر } فيه أربعة ~~أقوال. # أحدها: أن الزبور جميع الكتب المنزلة من السماء، و«الذكر»: أم ~~الكتاب الذي عند الله، قاله سعيد بن جبير في رواية، ومجاهد، وابن زيد، ~~وهذا معنى قول ابن عباس في رواية ابن جبير، فإنه قال: الزبور: التوارة ~~والإنجيل والقرآن، والذكر: الذي في السماء. # والثاني: أن الزبور: ms1383 الكتب، والذكر: التوراة، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثالث: أن الزبور: القرآن، والذكر: التوراة والإنجيل، قاله سعيد ~~بن جبير في رواية. # والرابع: أن الزبور: زبور داود، والذكر: ذكر موسى، قاله الشعبي. ~~وفي الأرض المذكورة هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها أرض الجنة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ~~الأكثرون. # والثاني: أرض الدنيا، وهو منقول عن ابن عباس أيضا. # والثالث: الأرض المقدسة، قاله ابن السائب. # وفي قوله تعالى: { يرثها عبادي الصالحون } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. وفي رواية: ترث أمة محمد أرض الدنيا بالفتوح. # والثاني: بنو إسرائيل، قاله ابن السائب. # والثالث: أنه عام في كل صالح، قاله بعض فقهاء المفسرين. # قوله تعالى: { إن في هذا } يعني: القرآن { لبلاغا } أي: لكفاية؛ ~~والمعنى: أن من اتبع القرآن وعمل به، كان القرآن بلاغه إلى الجنة. # وقوله تعالى: { لقوم عابدين } قال كعب: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان. # قوله تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } قال ابن عباس: هذا ~~عام للبر والفاجر، فمن آمن به تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن ~~كفر به صرفت عنه العقوبة إلى الموت والقيامة. وقال ابن زيد: هو رحمة ~~لمن آمن به خاصة. ### || [21.108-112] # قوله تعالى: { فهل أنتم مسلمون } قال ابن عباس: فهل أنتم مخلصون له ~~العبادة؟ قال أهل المعاني: هذا استفهام بمعنى الأمر. # قوله تعالى: { فإن تولوا } أي: أعرضوا ولم يؤمنوا { فقل آذنتكم ~~على سواء } في معنى الكلام قولان. # أحدهما: نابذتكم وعاديتكم وأعلمتكم ذلك، فصرت أنا وأنتم على سواء ~~قد استوينا في العلم بذلك، وهذا من الكلام المختصر، قاله ابن قتيبة. # والثاني: أعلمتكم بالوحي إلي لتستووا في الإيمان به، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وإن أدري } أي: وما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } ~~بنزول العذاب بكم. { إنه يعلم الجهر } وهو ما يقولونه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم # متى هذا الوعد # [يس: 48]، و { ما تكتمون } إسرارهم أن ms1384 العذاب لا يكون. # قوله تعالى: { لعله فتنة لكم } في هاء «لعله» قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى ما آذنهم به، قاله الزجاج. # والثاني: إلى العذاب؛ فالمعنى: لعل تأخير العذاب عنكم فتنة، قاله ابن ~~جرير، وأبو سليمان الدمشقي. ومعنى الفتنة هاهنا: الاختبار، { ومتاع إلى ~~حين } أي: تستمعون إلى انقضاء آجالكم. { قل رب } وروى حفص عن عاصم: ~~«قال رب» { احكم } قرأ أبو جعفر: «رب احكم» بضم الباء. وروى زيد عن ~~يعقوب: «ربي» بفتح الياء «أحكم» بقطع الهمزة وفتح الكاف ورفع ~~الميم. ومعنى «احكم بالحق» أي: بعذاب كفار قومي الذي نزوله حق، فحكم ~~عليهم بالقتل في يوم بدر وفيما بعده من الأيام؛ والمعنى على هذا: افصل ~~بيني وبين المشركين بما يظهر به الحق. ومعنى { على ما تصفون } أي: من ~~كذبكم وباطلكم. وقرأ ابن عامر، والمفضل عن عاصم: «يصفون» بالياء. # فإن قيل: فهل يجوز على الله أن يحكم بغير الحق؟ # فالجواب: أن المعنى: احكم بحكمك الحق، كأنه استعجل النصر عليهم. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-4] # فصل في نزولها # روى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية كلها، غير آيتين نزلتا بالمدينة: ~~قوله تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف # والتي تليها [الحج: 13،12]. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنها مدنية إلا ~~أربع آيات نزلت بمكة، وهي قوله تعالى: # وما أرسلنا من قبلك من رسول... # إلى آخر الأربع [الحج: 53 - 57]. وقال عطاء بن يسار: نزلت بمكة إلا ~~ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة: # هذان خصمان # واللتان بعدها [الحج: 20 - 22]. وقال أبو سليمان الدمشقي: أولها مدني ~~إلى قوله تعالى: # وبشر المحسنين # [الحج:38] وسائرها مكي. وقال الثعلبي: هي مكية غير ست آيات نزلت ~~بالمدينة، وهي قوله تعالى: # هذان خصمان # [الحج:20] إلى قوله تعالى: # الحميد # [الحج:25]. وقال هبة الله بن سلامة: هي من أعاجيب سور القرآن، لأن فيها ~~مكيا، ومدنيا، وحضريا، وسفريا، وحربيا، وسلميا، وليليا، ونهاريا، ~~وناسخا، ومنسوخا. # فأما المكي، فمن رأس الثلاثين منها إلى آخرها. # وأما المدني، فمن رأس خمس وعشرين إلى رأس ثلاثين. # وأما الليلي، فمن أولها ms1385 إلى آخر خمس آيات. # وأما النهاري، فمن رأس خمس [آيات] إلى رأس تسع. # وأما السفري، فمن رأس تسع إلى اثنتي عشرة. # وأما الحضري، فإلى رأس العشرين [منها]، نسب إلى المدينة، لقرب مدته. # قوله تعالى: { اتقوا ربكم } أي: احذروا عقابه { إن زلزلة الساعة } ~~الزلزلة: الحركة على الحالة الهائلة. # وفي وقت هذه الزلزلة قولان. # أحدهما: أنها يوم القيامة بعد النشور. # " روى عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: «إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم» وقال: تدرون أي يوم ذلك؟ فإنه يوم ينادي الرب ~~عز وجل آدم عليه السلام: ابعث بعثا إلى النار " # ، فذكر الحديث. وروى أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: قم، فابعث بعث النار، فيقول: يا ~~رب، وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، ~~فحينئذ يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل حملها " # ، وقرأ الآية. وقال ابن عباس: زلزلة الساعة: قيامها، يعني أنها ~~تقارب قيام الساعة، وتكون معها. وقال الحسن، والسدي: هذه الزلزلة تكون ~~يوم القيامة. # والثاني: أنها تكون في الدنيا قبل القيامة، وهي من أشراط الساعة، قاله ~~علقمة، والشعبي، وابن جريج. وروى أبو العالية عن أبي بن كعب، قال ست ~~آيات قبل القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم ~~كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، ~~فتحركت، واضطربت، ففزع الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت ~~الدواب، والطير، والوحش، فماج بعضهم في بعض، فقالت الجن للإنس: نحن ~~نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحور، فإذا هي نار تأجج، فبينما هم ~~كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السابعة، والسماء إلى السماء ~~السابعة، فينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فماتوا. # وقال مقاتل: هذه الزلزلة قبل النفخة الأولى، وذلك أن مناديا ينادي من ~~السماء: يا أيها الناس أتى أمر الله، فيفزعون فزعا شديدا فيشيب الصغير، ~~وتضع الحوامل. # قوله تعالى: { شيء عظيم } أي: لا يوصف لعظمه. # قوله ms1386 تعالى: { يوم ترونها } يعني: الزلزلة { تذهل كل مرضعة عما أرضعت } ~~فيه قولان. # أحدهما: تسلو عن ولدها، وتتركه، قاله ابن قتيبة. # والثاني: تشغل عنه، قاله قطرب، ومنه قول ابن رواحة: # ويذهل الخليل عن خليله # وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة: «تذهل» برفع التاء وكسر الهاء ~~«كل» بنصب اللام. قال الأخفش: وإنما قال: «مرضعة»، لأنه أراد والله ~~أعلم الفعل، ولو أراد الصفة فيما نرى، لقال: «مرضع». قال الحسن: تذهل ~~المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، وهذا ~~يدل على أن الزلزلة تكون في الدنيا، لأن بعد البعث لا تكون حبلى. # قوله تعالى: { وترى الناس سكارى } وقرأ عكرمة، والضحاك، وابن يعمر، ~~«وترى» بضم التاء. ومعنى «سكارى»: من شدة الخوف { وما هم بسكارى } من ~~الشراب، والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم، لشدة ما يمر ~~بهم، يضطربون اضطراب السكران من الشراب. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ~~«سكرى وما هم بسكرى» وهي قراءة ابن مسعود. قال الفراء: وهو وجه جيد، ~~لأنه بمنزلة الهلكى والجرحى. وقرأ عكرمة، والضحاك، وابن السميفع: ~~«سكارى وما هم بسكارى» بفتح السين والراء وإثبات الألف، { ولكن عذاب ~~الله شديد } فيه دليل على أن سكرهم من خوف عذابه. # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله } قال المفسرون: نزلت في ~~النضر بن الحارث. وفيما جادل فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه كان كلما نزل شيء من القرآن كذب به، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه زعم أن الملائكة بنات الله، قاله مقاتل. # والثالث: أنه قال: لا يقدر الله على إحياء الموتى، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. # قوله تعالى: { بغير علم } أي: إنما يقوله بإغواء الشيطان، لا بعلم { ~~ويتبع } ما يسول له { كل شيطان مريد } وقد ذكرنا معنى «المريد» ~~في سورة [النساء: 117]. # قوله تعالى: { كتب عليه أنه من تولاه } «كتب» بمعنى: قضي والهاء ~~في «عليه» وفي «تولاه» كناية عن الشيطان. ومعنى الآية: قضي على الشيطان ~~أنه يضل من اتبعه. وقرأ أبو عمران الجوني: «كتب» بفتح الكاف ~~«أنه» بفتح الهمزة [«فإنه» بكسر ms1387 الهمزة]. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، ~~وابن أبي ليلى، والضحاك، وابن يعمر: «إنه» «فإنه» بكسر الهمزة فيهما. ~~وقد بينا معنى «السعير» في سورة [النساء: 10]. ### || [22.5-7] # قوله تعالى: { يا أيها الناس } يعني: أهل مكة { إن كنتم في ريب من ~~البعث } أي: في شك من القيامة { فإنا خلقناكم من تراب } يعني: خلق آدم ~~{ ثم من نطفة } يعني: خلق ولده، والمعنى: إن شككتم في بعثكم ~~فتدبروا أمر خلقكم وابتدائكم، فإنكم لا تجدون في القدرة فرقا بين ~~الابتداء والاعادة. فأما النطفة، فهي المني. والعلقة: دم عبيط جامد. وقيل ~~سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقة. ~~والمضغة: لحمة صغيرة. قال ابن قتيبة: وسميت بذلك، لأنه بقدر ما يمضغ، ~~كما قيل: غرفة لقدر ما يغرف. # قوله تعالى: { مخلقة وغير مخلقة } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أن المخلقة: ما خلق سويا، وغير المخلقة: ما ألقته الأرحام ~~من النطف، وهو دم قبل أن يكون خلقا، قاله ابن مسعود. # والثاني: أن المخلقة: ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، وهو الذي يولد ~~حيا لتمام، وغير المخلقة: ما سقط غير حي لم يكمل خلقه بنفح ~~الروح فيه، هذا معنى قول ابن عباس. # والثالث: أن المخلقة: المصورة، وغير المخلقة: غير مصورة، قاله ~~الحسن. # والرابع: أن المخلقة وغير المخلقة: السقط، تارة يسقط نطفة وعلقة، ~~وتارة قد صور بعضه، وتارة قد صور كله، قاله السدي. # والخامس: أن المخلقة: التامة، وغير المخلقة: السقط، قاله الفراء، ~~وابن قتيبة. # قوله تعالى: { لنبين لكم } فيه أربعة أقوال. # أحدها: خلقناكم لنبين لكم ما تأتون وما تذرون. # والثاني: لنبين لكم في القرآن بدو خلقكم، وتنقل أحوالكم. # والثالث: لنبين لكم كمال حكمتنا وقدرتنا في تقليب أحوال خلقكم. # والرابع: لنبين لكم أن البعث حق. # وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة: «ليبين لكم» لكم بالياء. # قوله تعالى: { ونقر في الأرحام } وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء: ~~«ويقر» بباء مرفوعة وفتح القاف ورفع الراء. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو ~~إسحاق السبيعي: «ويقر» بياء مرفوعة وبكسر القاف ونصب الراء. والذي ~~يقر في الأرحام، ms1388 هو الذي لا يكون سقطا، { إلى أجل مسمى } وهو أجل ~~الولادة { ثم نخرجكم طفلا } قال أبو عبيدة: هو في موضع «أطفال»، والعرب ~~قد تضع لفظ الواحد في معنى الجميع، قال الله تعالى: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4] أي: ظهراء، وأنشد: # فقلنا أسلموا إنا أخوكم # فقد برئت من الإحن الصدور # وأنشد أيضا: # في حلقكم عظم وقد شجينا # وقال غيره: إنما قال: «طفلا» فوحد، لأن الميم في قوله تعالى: { ~~نخرجكم } قد دلت على الجميع، فلم يحتج إلى أن يقول: أطفالا. # قوله تعالى: { ثم لتبلغوا } فيه إضمار، تقديره: ثم نعمركم لتبلغوا ~~أشدكم، وقد سبق معنى «الأشد» [الأنعام: 153]، { ومنكم من يتوفى } من ~~قبل بلوغ الأشد { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وقد شرحناه في ~~[النحل: 70]. # ثم إن الله تعالى دلهم على إحيائه الموتى باحيائه الأرض، فقال ~~تعالى: { وترى الأرض هامدة } قال ابن قتيبة: أي: ميتة يابسة، ومثله: همدت ~~النار: إذا طفئت فذهبت. # قوله تعالى: { فإذا أنزلنا عليها الماء } يعني: المطر { اهتزت } أي: ~~تحركت للنبات، وذلك أنها ترتفع عن النبات إذا ظهر، فهو معنى قوله ~~تعالى: { وربت } أي: ارتفعت وزادت. وقال المبرد: أراد: اهتز نباتها ~~وربا، فحذف المضاف. قال الفراء: وقرأ أبو جعفر المدني: «وربأت» بهمزة ~~مفتوحة بعد الباء. فإن كان ذهب إلى الربيئة الذي يحرس القوم، أي: أنه ~~يرتفع، وإلا، فهو غلط. # قوله تعالى: { وأنبتت من كل زوج بهيج } قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن ~~يبهج، أي: يسر، وهو فعيل في معنى فاعل. # قوله تعالى: { ذلك } قال الزجاج: المعنى: الأمر ذلك كما وصف لكم، ~~والأجود أن يكون موضع «ذلك» رفعا، ويجوز أن يكون نصبا على معنى: فعل ~~الله ذلك بأنه هو الحق. # قوله تعالى: { وأن الساعة } أي: ولتعلموا أن الساعة { آتية }. ### || [22.8-10] # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل } قد سبق بيانه. وهذا مما نزل في ~~النضر أيضا. والهدى: البيان والبرهان. # قوله تعالى: { ثاني عطفه } العطف: الجانب. وعطفا الرجل: جانباه عن ~~يمين وشمال، وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان ويلويه عند إعراضه عن ~~المشي. قال ms1389 الزجاج: «ثاني» منصوب على الحال، ومعناه: التنوين، معناه: ~~ثانيا عطفه. وجاء في التفسير: أن معناه: لاويا عنقه، وهذا يوصف به ~~المتكبر، والمعنى: ومن الناس من يجادل بغير علم متكبرا. # قوله تعالى: { ليضل } أي: ليصير أمره إلى الضلال، فكأنه وإن لم ~~يقدر أنه يضل، فإن أمره يصير إلى ذلك، { له في الدنيا خزي } وهو ما ~~أصابه يوم بدر، وذلك أنه قتل. وما بعد هذا قد سبق تفسيره [يونس: 70] ~~إلى قوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } وفي سبب نزول هذه ~~الآية قولان. # أحدهما: أن ناسا من العرب كان يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيقولون: نحن على دينك، فإن أصابوا معيشة، ونتجت خيلهم، ~~وولدت نساؤهم الغلمان اطمأنوا وقالوا: هذا دين حق، وإن لم ~~يجر الأمر على ذلك قالوا: هذا دين سوء، فينقلبون عن دينهم، فنزلت هذه ~~الآية، هذا معنى قول ابن عباس، وبه قال الأكثرون. # والثاني: # " أن رجلا من اليهود أسلم فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم بالإسلام، ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال: «إن الإسلام لا ~~يقال». فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا، أذهب بصري ومالي وولدي، ~~فقال: «يا يهودي: إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد ~~والفضة والذهب» " # ، فنزلت هذه الآية، رواه عطية عن أبي سعيد الخدري. ### || [22.11-14] # قوله تعالى: { على حرف } قال مجاهد، وقتادة: «على شك»، قال أبو عبيدة: ~~كل شاك في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم. وبيان هذا أن القائم على ~~حرف الشيء غير متمكن منه، فشبه به الشاك، لأنه قلق في دينه على ~~غير ثبات، ويوضحه قوله تعالى: { فإن أصابه خير } أي: رخاء وعافية { ~~اطمأن به } على عبادة الله { وإن أصابته فتنة } اختبار بجدب وقلة مال ~~{ انقلب على وجهه } أي: رجع عن دينه إلى الكفر. والمعنى: انصرف إلى ~~وجهه الذي توجه منه، وهو الكفر، { خسر الدنيا } حيث لم يظفر بما أراد ~~منها، { و } خسر { الآخرة } بارتداده عن الدين. وقرأ أبو رزين العقيلي، ~~وأبو ms1390 مجلز، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، وابن أبي عبلة، وزيد عن يعقوب: ~~«خاسر الدنيا» بألف قبل السين، وبنصب الراء «والآخرة» بخفض التاء. { ~~يدعو } هذا المرتد، أي: يعبد { مالا يضره } إن لم يعبده { ولا ينفعه } ~~إن أطاعه { ذلك } الذي فعل { هو الضلال البعيد } عن الحق { يدعو لمن ~~ضره } قال بعضهم: اللام صلة، والمعنى: يدعو من ضره. وحكى الزجاج عن ~~البصريين والكوفيين أن اللام معناها التأخير، والمعنى: يدعو من لضره ~~{ أقرب من نفعه } ، قال: وشرح هذا أن اللام لليمين والتوكيد، فحقها أن ~~تكون أول الكلام، فقدمت لتجعل في حقها. قال السدي: ضره في الآخرة ~~بعبادته إياه أقرب من نفعه. # فإن قيل: فهل للنفع من عبادة الصنم وجه؟ # فالجواب: أنه لا نفع من قبله أصلا، غير أنه جاء على لغة العرب، وهم ~~يقولون في الشيء الذي لا يكون: هذا بعيد. # قوله تعالى: { لبئس المولى ولبئس العشير } قال ابن قتيبة: المولى: ~~الولي، والعشير: الصاحب، والخليل. ### || [22.15-17] # قوله تعالى: { من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة } قال ~~مقاتل: نزلت في نفر من أسد، وغطفان، قالوا: إنا نخاف أن لا ينصر ~~محمد، فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود، وإلى نحو هذا ذهب أبو ~~حمزة الثمالي، والسدي. وحكى أبو سليمان الدمشقي أن الإشارة بهذه الآية ~~إلى الذين انصرفوا عن الإسلام، لأن أرزاقهم ما اتسعت، وقد شرحنا ~~القصة في قوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف }. # وفي هاء «ينصره» قولان. # أحدهما: أنها ترجع على «من»، والنصر: بمعنى الرزق، هذا معنى قول ابن ~~عباس في رواية عطاء، وبه قال مجاهد. قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من ~~بني بكر، فقال: من ينصرني نصره الله، أي: من يعطيني أعطاه الله، ويقال: ~~نصر المطر أرض كذا، أي: جادها، وأحياها، قال الراعي: # [إذا أدبر الشهر الحرام فودعي # بلاد تميم] وانصري أرض عامر # والثاني: أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: من كان ~~يظن أن لن ينصر الله محمدا، رواه التميمي عن ابن عباس، وبه ms1391 قال عطاء، ~~وقتادة. قال ابن قتيبة: وهذه كناية عن غير مذكور، وكان قوم من المسلمين ~~لشدة حنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر، وآخرون من ~~المشركين، يريدون اتباعه، ويخشون أن لا يتم أمره، فقال هذه الآية ~~للفريقين. ثم في معنى [هذا] النصر قولان. # أحدهما: أنه الغلبة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنه الرزق، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { فليمدد بسبب إلى السماء } في المراد بالسماء قولان. # أحدهما: سقف بيته، والمعنى: فليشدد حبلا في سقف بيته، فليختنق به { ثم ~~ليقطع } الحبل ليموت مختنقا، هذا قول الأكثرين. ومعنى الآية: ليصور هذا ~~الأمر في نفسه لا أنه يفعله، لأنه إذا اختنق لا يمكنه النظر والعلم. # والثاني: أنها السماء المعروفة، والمعنى: فليقطع الوحي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن قدر، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { ثم ليقطع } قرأ أبو عمرو، وابن عامر:«ثم ليقطع» «ثم ~~ليقضوا» [الحج: 29] بكسر اللام. زاد ابن عامر «وليوفوا» [الحج: 29] ~~«وليطوفوا» [الحج: 29] بكسر اللام أيضا. وكسر ابن كثير لام «ثم ~~ليقضوا» فحسب. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: بسكون هذه اللامات، وكذلك في ~~كل القرآن إذا كان قبلها واو أو فاء [أو] ثم، قال الفراء: من سكن ~~فقد خفف، وكل لام أمر وصلت بواو أو فاء، فأكثر كلام العرب تسكينها، وقد ~~كسرها بعضهم. قال أبو علي: الأصل الكسر، لأنك إذا ابتدأت قلت: ليقم زيد. # قوله تعالى: { هل يذهبن كيده } قال ابن قتيبة: المعنى: هل تذهبن ~~حيلته غيظه، والمعنى: ليجهد جهده. # قوله تعالى: { وكذلك } أي: ومثل ذلك الذي تقدم من آيات القرآن { أنزلناه ~~} يعني: القرآن. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: { إن الله يفصل ~~بينهم } أي: يقضي { يوم القيامة } بينهم بادخال المؤمنين الجنة، والآخرين ~~النار { إن الله عل كل شيء } من أعمالهم { شهيد }. ### || [22.18] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب } أي: ألم تعلم. ~~وقد بينا في سورة [النحل: 49] معنى السجود ms1392 في حق من يعقل، ومن لا ~~يعقل. # قوله تعالى: { وكثير من الناس } يعني: الموحدين الذين يسجدون لله. # وفي قوله تعالى: { وكثير حق عليه العذاب } قولان. # أحدهما: أنهم الكفار، وهم يسجدون، وسجودهم سجود ظلهم، قاله مقاتل. # والثاني: أنهم لا يسجدون؛ والمعنى: وكثير من الناس أبى السجود، فحق عليه ~~العذاب، لتركه السجود، هذا قول الفراء. # قوله تعالى: { ومن يهن الله } أي: من يشقه الله فما له من ~~مسعد، { إن الله يفعل ما يشاء } في خلقه من الكرامة والإهانة. ### || [22.19-22] # قوله تعالى: { هذان خصمان } اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في النفر الذين تبارزوا للقتال يوم بدر، حمزة، وعلي، ~~وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد ابن عتبة، هذا قول ~~أبي ذر. # والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله، ~~وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، ~~آمنا بمحمد، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون ~~نبينا، ثم كفرتم به حسدا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثالث: أنها في جميع المؤمنين، والكفار، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ~~وعطاء، ومجاهد. # والرابع: أنها نزلت في اختصام الجنة والنار، فقالت النار: خلقني الله ~~لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، قاله عكرمة. # فأما قوله تعالى: { هذان } وقرأ ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وعكرمة، ~~وابن كثير: «هاذان» بتشديد النون «خصمان»، فمعناه: جمعان، وليسا برجلين، ~~ولهذا قال تعالى: { اختصموا } ولم يقل: اختصما؛ على أنه قرأ ابن مسعود، ~~وابن أبي عبلة: «اختصما». # وفي خصومتهم ثلاثة أقوال. # أحدها: في دين ربهم، وهذا على القولين الأوليين. # والثاني: في البعث، قاله مجاهد. # والثالث: أنه خصام مفاخرة، على قول عكرمة. # قوله تعالى: { قطعت لهم ثياب } أي: سويت وجعلت لباسا. قال ابن ~~عباس: قمص من نار. وقال سعيد بن جبير: المراد بالنار هاهنا: النحاس. ~~فأما «الحميم» فهو الماء الحار { يصهر به } قال الفراء: يذاب به، ~~يقال: صهرت الشحم بالنار. قال المفسرون: يذاب بالماء الحار { ما في ~~بطونهم } من شحم أو ms1393 معى حتى يخرج من أدبارهم، وتنضج الجلود فتتسقاط من ~~حره، { ولهم مقامع } قال الضحاك: هي المطارق. وقال الحسن: إن النار ~~ترميهم بلهبها، حتى إذا كانوا في أعلاها، ضربوا بمقامع فهووا فيها ~~سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها، ضربهم زفير لهبها، فلا يستقرون ~~ساعة. قال مقاتل: إذا جاشت جهنم، ألقتهم في أعلاها، فيريدون الخروج، ~~فتتلقاهم خزنة جهنم بالمقامع، فيضربونهم، فيهوي أحدهم من تلك الضربة ~~إلى قعرها. وقال غيره: إذا دفعتهم النار، ظنوا أنها ستقذفهم خارجا ~~منها، فتعيدهم الزبانية بمقامع الحديد. ### || [22.23-24] # قوله تعالى: { ولؤلؤ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~«ولؤلو» بالخفض. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «ولؤلؤا» بالنصب. قال أبو ~~علي: من خفص، فالمعنى: يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ؛ ومن نصب قال: ~~ويحلون لؤلؤا. # قوله تعالى: { وهدوا } أي: أرشدوا في الدنيا { إلى الطيب من ~~القول } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه «لا إله إلا الله، والحمد لله» قاله ابن عباس. وزاد ابن ~~زيد: «والله أكبر». # والثاني: القرآن، قاله السدي. # والثالث: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حكاه الماوردي. # فأما «صراط الحميد» فقال ابن عباس: هو طريق الإسلام. ### || [22.25] # قوله تعالى: { ويصدون عن سبيل الله } أي: يمنعون الناس من الدخول في ~~الإسلام. قال الزجاج: ولفظ «يصدون» لفظ مستقبل عطف به على لفظ الماضي، ~~لأن معنى «الذين كفروا»: الذين هم كافرون، فكأنه قال: إن الكافرين ~~والصادين؛ فأما خبر «إن» فمحذوف، فيكون المعنى: إن الذين هذه ~~صفتهم هلكوا. # وفي «المسجد الحرام» قولان. # أحدهما: جميع الحرم. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كانوا يرون ~~الحرم كله مسجدا. # والثاني: نفس المسجد، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { الذي جعلناه للناس } هذا وقف التمام. # وفي معناه قولان. # أحدهما: جعلناه للناس كلهم، لم نخص به بعضهم دون بعض، هذا على أنه ~~جميع الحرم. # والثاني: جعلناه قبلة لصلاتهم، ومنسكا لحجهم، وهذا على أنه نفس ~~المسجد. وقرأ ابراهيم النخعي، وابن أبي عبلة، وحفص عن عاصم: «سواء» ~~بالنصب، فيتوجه الوقف على «سواء»، وقد وقف بعض القراء كذلك. قال ms1394 أبو علي ~~الفارسي: أبدل العاكف والبادي من الناس من حيث كانا كالشامل لهم، فصار ~~المعنى: الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء. فأما العاكف: فهو المقيم، ~~والبادي: الذي يأتيه من غير أهله، وهذا من قولهم: بدا القوم: إذا خرجوا ~~من الحضر إلى الصحراء. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «البادي» بالياء، غير ~~أن ابن كثير وقف بياء، وأبو عمرو بغير ياء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، والمسيبي عن نافع بغير ياء في الحالتين. # ثم في معنى الكلام قولان. # أحدهما: أن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس ~~أحدهما أحق بالمنزل من الآخر، غير أنه لا يخرج أحد من بيته، هذا قول ~~ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة؛ وإلى نحو هذا ذهب أبو حنيفة، وأحمد؛ ~~ومذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام، هذا على أن المسجد: الحرم ~~كله. # والثاني: أنهما يستويان في تفضيله وحرمته وإقامة المناسك به، هذا قول ~~الحسن، ومجاهد. و[منهم] من أجاز بيع دور مكة، وإليه يذهب الشافعي. وعلى ~~هذا يجوز أن يراد بالمسجد الحرم، ويجوز أن يراد نفس المسجد. # قوله تعالى: { ومن يرد فيه بالحاد } الإلحاد في اللغة: العدول عن ~~القصد، والباء زائدة، كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20]، وأنشدوا: # بواد يمان ينبت الشث صدره # وأسفله بالمرخ والشبهان # المعنى: وأسفله ينبت المرخ؛ وقال آخر: # هن الحرائر لا ربات أخمرة # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # وقال آخر: # نحن بنو جعدة أرباب الفلج # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # هذا قول جمهور اللغويين. قال ابن قتيبة: والباء قد تزاد في الكلام، كهذه ~~الآية، وكقوله تعالى: # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1] # وهزي إليك بجذع النخلة # [مريم: 24] # بأيكم المفتون # [القلم: 6] # تلقون إليهم بالمودة # [الممتحنة: 1] # عينا يشرب بها # [الانسان: 6] أي: يشربها؛ وقد تزاد «من»، كقوله تعالى: # ما أريد منهم من رزق # [الذاريات: 57]، وتزاد «اللام» كقوله تعالى: # الذين هم لربهم يرهبون # [الأعراف: 154]، والكاف، كقوله تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، و«عن»، كقوله تعالى: # يخالفون عن أمره # [النور: 63]، و«إن»، كقوله تعالى: # فإنه ملاقيكم # [الجمعة: 8]، و«إن» الخفيفة، كقوله تعالى: # فيما ms1395 إن مكناكم فيه # [الأحقاف: 26]، و«ما»، كقوله تعالى: # عما قليل ليصبحن نادمين # [المؤمنون: 40]، و«الواو» كقوله تعالى: # وتله للجبين، وناديناه # [الصافات: 103، 104]. # وفي المراد بهذا الإلحاد خمسة أقوال. # أحدها: أنه الظلم، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد: هو عمل سيئة؛ ~~فعلى هذا تدخل فيه جميع المعاصي، وقد روي عن عمر ابن الخطاب أنه قال: لا ~~تحتكروا الطعام بمكة، فإن احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم. # والثاني: أنه الشرك، رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وقتادة. # والثالث: الشرك والقتل، قاله عطاء. # والرابع: أنه استحلال محظورات الإحرام، وهذا المعنى محكي عن عطاء ~~أيضا. # والخامس: استحلال الحرام تعمدا، قاله ابن جريج. # فإن قيل: هل يؤاخذ الإنسان إن أراد الظلم بمكة، ولم يفعله؟ # فالجواب من وجهين. # أحدهما: أنه إذا هم بذلك في الحرم خاصة، عوقب، هذا مذهب ابن مسعود، ~~فإنه قال: لو أن رجلا هم بخطيئة، لم تكتب عليه ما لم يعملها، ولو أن ~~رجلا هم بقتل مؤمن عند البيت، وهو ب «عدن أبين»، أذاقه الله في ~~الدنيا من عذاب أليم. وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو ~~بأرض أخرى، فتكتب عليه ولم يعملها. وقال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة، كما ~~تضاعف الحسنات. وسئل الإمام أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال: ~~لا، إلا بمكة لتعظيم البلد. وأحمد على هذا يرى فضيلة المجاورة بها؛ وقد ~~جاور جابر بن عبد الله، وكان ابن عمر يقيم بها. # والثاني: أن معنى: «ومن يرد»: من يعمل. قال أبو سليمان الدمشقي: هذا قول ~~سائر من حفظنا عنه. ### || [22.26-29] # قوله تعالى: { وإذ بوأنا لإبراهيم } قال ابن عباس: جعلنا. وقال ~~مقاتل: دللناه عليه. وقال ثعلب: وإنما أدخل اللام، على أن «بوأنا» ~~في معنى: جعلنا، فيكون بمعنى: # ردف لكم # [النمل: 72] أي: ردفكم. وقد شرحنا كيفية بناء البيت في [البقرة: 129]. # قوله تعالى: { أن لا تشرك بي شيئا } المعنى: وأوحينا إليه ذلك، { وطهر ~~بيتي } حرك هذه الياء، نافع وحفص عن عاصم. وقد شرحنا الآية في ~~[البقرة: 125]. # وفي المراد ب «القائمين» قولان. # أحدهما: ms1396 القائمون في الصلاة، قاله عطاء، والجمهور. # والثاني: المقيمون بمكة، حكي عن قتادة. # قوله تعالى: { وأذن في الناس بالحج } قال المفسرون: لما فرغ إبراهيم ~~من بناء البيت، أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج، فقال ~~إبراهيم: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال أذن، وعلي البلاغ، فعلا على جبل ~~أبي قبيس، وقال يا أيها الناس: إن ربكم قد بنى بيتا، فحجوه، فأسمع ~~من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله أن يحج، ~~فأجابوه: لبيك اللهم لبيك. والأذان بمعنى النداء والإعلام، والمأمور ~~بهذا الأذان، إبراهيم في قول الجمهور، إلا ماروي عن الحسن أنه قال: ~~المأمور به محمد صلى الله عليه وسلم. والناس هاهنا: اسم يعم جميع بني آدم ~~عند الجمهور، إلا ما روى العوفي عن ابن عباس أنه قال: عنى بالناس أهل ~~القبلة. # واعلم أن من أتى البيت الذي دعا إليه إبراهيم، فكأنه قد أتى إبراهيم، ~~لأنه أجاب نداءه. وواحد الرجال هاهنا: راجل، مثل صاحب، وصحاب، والمعنى: ~~يأتوك مشاة. وقد روي أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين، وحج الحسن بن ~~علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة، والنجائب تقاد معه. ~~وحج الإمام أحمد ماشيا مرتين أو ثلاثا. # قوله تعالى: { وعلى كل ضامر } أي: ركبانا على ضمر من طول السفر. ~~قال الفراء: و«يأتين» فعل للنوق. وقال الزجاج: «يأتين» على معنى الإبل. ~~وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: «يأتون» بالواو. # قوله تعالى: { من كل فج عميق } أي: طريق بعيد. وقد ذكرنا تفسير الفج ~~عند قوله تعالى: # وجعلنا فيها فجاجا # [الانبياء: 31]. # قوله تعالى: { ليشهدوا } أي: ليحضروا { منافع لهم } وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: التجارة، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: منافع الآخرة، قاله سعيد بن المسيب، والزجاج في آخرين. # والثالث: منافع الدارين جميعا، قاله مجاهد. وهو أصح، لأنه لا يكون ~~القصد للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج، والتجارة تبع. # وفي الأيام المعلومات ستة أقوال. # أحدها: أنها أيام العشر، رواه مجاهد عن ابن عمر، وسعيد بن جبير عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، ms1397 وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والشافعي. # والثاني: تسعة أيام من العشر، قاله أبو موسى الأشعري. # والثالث: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، رواه نافع عن ابن عمر، ومقسم عن ~~ابن عباس. # والرابع: أنها أيام التشريق، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء ~~الخراساني، والنخعي، والضحاك. # والخامس: أنها خمسة أيام، أولها يوم التروية، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والسادس: ثلاثة أيام، أولها يوم عرفة، قاله مالك بن أنس. وقيل: إنما ~~قال: «معلومات»، ليحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. قال ~~الزجاج: والذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر، لقوله تعالى: { ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }؛ قال القاضي أبو يعلى: ويحتمل أن يكون ~~الذكر المذكور هاهنا: هو الذكر على الهدايا الواجبة، كالدم الواجب ~~لأجل التمتع والقران، ويحتمل أن يكون الذكر المفعول عند رمي الجمار ~~وتكبير التشريق، لأن الآية عامة في ذلك. # قوله تعالى: { فكلوا منها } يعني: الأنعام التي تنحر؛ وهذا أمر إباحة. ~~وكان أهل الجاهلية لا يستحلون أكل ذبائحهم، فأعلم الله عز وجل أن ذلك ~~جائز، غير أن هذا إنما يكون في الهدي المتطوع به، فأما دم التمتع ~~والقران، فعندنا أنه يجوز أن يأكل منه، وقال الشافعي: لا يجوز، وقد روى ~~عطاء عن ابن عباس أنه قال: من كل الهدي يؤكل، إلا ما كان من فداء أو ~~جزاء أو نذر. فأما «البائس» فهو ذو البؤس، وهو شدة الفقر. # قوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم } فيه أربعة أقوال. # أحدها: حلق الرأس، وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، ~~والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والوقوف بعرفة، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: مناسك الحج، رواه عكرمة عن ابن عباس، وهو قول ابن عمر. # والثالث: حلق الرأس، قاله مجاهد. # والرابع: الشعر، والظفر، قاله عكرمة. # والقول الأول أصح. لأن التفث: الوسخ، والقذارة: من طول الشعر والأظفار ~~والشعث. وقضاؤه: نقضه، وإذهابه. والحاج مغبر شعث لم يدهن، ولم ~~يستحد، فإذا قضى نسكه، وخرج من إحرامه بالحلق، والقلم، وقص الأظفار، ~~ولبس الثياب، ونحو ذلك، فهذا ms1398 قضاء تفثه. قال الزجاج: وأهل اللغة لا ~~يعرفون التفث إلا من التفسير، وكأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال. # قوله تعالى: { وليوفوا نذورهم } وروى أبو بكر عن عاصم: «وليوفوا» ~~بتسكين اللام وتشديد الفاء. قال ابن عباس: هو نحر ما نذروا من البدن. ~~وقال غيره: ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج، فإن الإنسان ربما ~~نذر أن يتصدق إن رزقه الله رؤية الكعبة، وقد يكون عليه نذور مطلقة، ~~فالأفضل أن يؤديها بمكة. # قوله تعالى: { وليطوفوا بالبيت العتيق } هذا هو الطواف الواجب، لأنه ~~أمر به بعد الذبح، والذبح إنما يكون في يوم النحر، فدل على أنه الطواف ~~المفروض. # وفي تسمية البيت عتيقا أربعة أقوال. # أحدها: لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة. روى عبد الله بن الزبير، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما سمى الله البيت: العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر ~~عليه جبار قط " # وهذا قول مجاهد، وقتادة. # والثاني: أن معنى العتيق: القديم، قاله الحسن، وابن زيد. # والثالث: لأنه لم يملك قط، قاله مجاهد في رواية، وسفيان بن عيينة. # والرابع: لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان، قاله ابن السائب. وقد ~~تكلمنا في هذه السورة في «ليقضوا» «وليوفوا» «وليطوفوا». ### || [22.30-33] # قوله تعالى: { ذلك } أي: الأمر ذلك، يعني: ما ذكر من أعمال الحج { ومن ~~يعظم حرمات الله } فيجتنب ما حرم الله عليه في الإحرام تعظيما لأمر ~~الله. قال الليث: الحرمة: مالا يحل انتهاكه. وقال الزجاج: الحرمة: ما ~~وجب القيام به، وحرم التفريط فيه. # قوله تعالى: { فهو } يعني: التعظيم { خير له عند ربه } في الآخرة { ~~وأحلت لكم الأنعام } وقد سبق بيانها [المائدة: 1] { إلا ما يتلى ~~عليكم } تحريمه، يعني [به]: ما ذكر في [المائدة: 3] من المنخنقة وغيرها. ~~وقيل: وأحلت لكم الأنعام في حال إحرامكم، إلا ما يتلى عليكم في الصيد، ~~فإنه حرام. # قوله تعالى: { فاجتنبوا الرجس } أي: دعوه جانبا، قال الزجاج: و«من» ~~هاهنا، لتخليص جنس من أجناس، المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن. وقد ~~شرحنا معنى الرجس في [المائدة: 90]. # وفي المراد ms1399 بقول الزور أربعة أقوال. # أحدها: شهادة الزور، قاله ابن مسعود. # والثاني: الكذب، قاله مجاهد. # والثالث: الشرك، قاله أبو مالك. # والرابع: أنه قول المشركين في الأنعام: هذا حلال، وهذا حرام، قاله ~~الزجاج، قال: وقوله تعالى: { حنفاء لله } منصوب على الحال، وتأويله: ~~مسلمين لا ينسبون إلى دين غير الإسلام. ثم ضرب الله مثلا للمشرك، ~~فقال: { ومن يشرك بالله } إلى قوله: { سحيق } ، والسحيق: البعيد. # واختلفوا في قراءة «فتخطفه» فقرأ الجمهور: «فتخطفه» بسكون الخاء من ~~غير تشديد الطاء. وقرأ نافع: بتشديد الطاء. وقرأ أبو المتوكل، ومعاذ ~~القارىء: بفتح التاء والخاء وتشديد الطاء ونصب الفاء. وقرأ أبو رزين، ~~وأبو الجوزاء، وأبو عمران [الجوني]: بكسر التاء والخاء وتشديد الطاء ورفع ~~الفاء. وقرأ الحسن، والأعمش: بفتح التاء وكسر الخاء وتشديد الطاء ورفع ~~الفاء. وكلهم فتح الطاء. # وفي المراد بهذا المثل قولان. # أحدهما: أنه شبه المشرك بالله في بعده عن الهدى وهلاكه، بالذي يخر ~~من السماء، قاله قتادة. # والثاني: أنه شبه حال المشرك في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا دفع ضر ~~يوم القيامة، بحال الهاوي من السماء، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { ذلك } أي: الأمر ذلك الذي ذكرناه { ومن يعظم شعائر الله } ~~قد شرحنا معنى الشعائر في [البقرة: 158]. # وفي المراد بها هاهنا قولان. # أحدهما: أنها البدن. وتعظيمها: استحسانها، واستسمانها { لكم فيها منافع ~~} قبل أن يسميها صاحبها هديا، أو يشعرها ويوجبها، فإذا فعل ذلك، لم ~~يكن له من منافعها شيء، روى هذا المعنى مقسم عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وقتادة، والضحاك. وقال عطاء ابن أبي رباح: لكم في هذه الهدايا منافع بعد ~~إيجابها وتسميتها هدايا إذا احتجتم إلى شيء من ذلك أو اضطررتم إلى ~~شرب ألبانها { إلى أجل مسمى } وهو أن تنحر. # والثاني: أن الشعائر: المناسك ومشاهد مكة؛ والمعنى: لكم فيها منافع ~~بالتجارة إلى أجل مسمى، وهو الخروج من مكة، رواه أبو رزين عن ابن ~~عباس. # وقيل: لكم فيها منافع من الأجر والثواب في قضاء المناسك إلى أجل مسمى، ~~وهو انقضاء أيام الحج. # قوله تعالى: { فإنها } يعني الأفعال ms1400 المذكورة، من اجتناب الرجس وقول ~~الزور، وتعظيم الشعائر. وقال الفراء: «فإنها» يعني الفعلة { من تقوى ~~القلوب } ، وإنما أضاف التقوى إلى القلوب، لأن حقيقة التقوى تقوى ~~القلوب. # قوله تعالى: { ثم محلها } أي: حيث يحل نحرها { إلى البيت } ~~يعني: عند البيت، والمراد به: الحرم كله، لأنا نعلم أنها لا تذبح عند ~~البيت، ولا في المسجد، هذا على القول الاول؛ وعلى الثاني، يكون المعنى: ~~ثم محل الناس من إحرامهم إلى البيت، وهو أن يطوفوا به بعد قضاء ~~المناسك. ### || [22.34-35] # قوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } قرأ حمزة، والكسائي، وبعض ~~أصحاب أبي عمرو بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. فمن فتح أراد المصدر، ~~من نسك ينسك، ومن كسر أراد مكان النسك كالمجلس والمطلع. ~~ومعنى الآية: لكل جماعة مؤمنة من الأمم السالفة جعلنا ذبح القرابين { ~~ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ، وإنما خص بهيمة ~~الأنعام، لأنها المشروعة في القرب. والمراد من الآية: أن الذبائح ليست ~~من خصائص هذه الأمة، وأن التسمية عليها كانت مشروعة قبل هذه الأمة. # قوله تعالى: { فإلهكم إله واحد } أي: لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم ~~سواه { فله أسلموا } أي: انقادوا واخضعوا. وقد ذكرنا معنى الإخبات في ~~[هود: 23] وكذلك ألفاظ الآية التي تلي هذه. ### || [22.36-37] # قوله تعالى: { والبدن } وقرأ الحسن، وابن يعمر برفع الدال. قال ~~الفراء: يقال: بدن وبدن، والتخفيف أجود وأكثر، لأن كل جمع كان واحده ~~على «فعلة» ثم ضم أول جمعه، خفف، مثل أكمة وأكم، وأجمة ~~وأجم، وخشبة وخشب. وقال الزجاج: «البدن» منصوبة بفعل مضمر يفسره ~~الذي ظهر، والمعنى: وجعلنا البدن؛ وإن شئت رفعتها على الإستئناف، ~~والنصب أحسن، ويقال: بدن وبدن وبدنة، مثل قولك: ثمر وثمر ~~وثمرة؛ وإنما سميت بدنة، لأنها تبدن، أي: تسمن. # وللمفسرين في البدن قولان. # أحدهما: أنها الإبل والبقر، قاله عطاء. # والثاني: الإبل خاصة، حكاه الزجاج، وقال: الأول قول أكثر فقهاء ~~الأمصار. قال القاضي أبو يعلى: البدنة: اسم يختص الإبل في اللغة، ~~والبقرة تقوم مقامها في الحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة ms1401 ~~عن سبعة والبقرة عن سبعة. # قوله تعالى: { جعلناها لكم من شعائر الله } أي: جعلنا لكم فيها عبادة ~~لله، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام ~~منها، { لكم فيها خير } وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة، { فاذكروا ~~اسم الله عليها } أي: على نحرها، { صواف } وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، ~~وقتادة: «صوافن» بالنون. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو العالية، والضحاك، ~~وابن يعمر: «صوافي» بالياء. قال الزجاج: «صواف» منصوبة على الحال، ~~ولكنها لا تنون لأنها لا تنصرف؛ أي: قد صفت قوائمها، والمعنى: اذكروا ~~اسم الله عليها في حال نحرها، والبعير ينحر قائما، وهذه الآية تدل على ~~ذلك. ومن قرأ: «صوافن» فالصافن: التي تقوم على ثلاث، والبعير إذا أرادوا ~~نحره، تعقل إحدى يديه، فهو الصافن، والجميع: صوافن. هذا ومن قرأ: ~~«صوافي» بالياء وبالفتح بغير تنوين، فتفسيره: خوالص، أي: خالصة لله لا ~~تشركوا به في التسمية على نحرها أحدا. { فإذا وجبت جنوبها } أي: إذا ~~سقطت إلى الأرض، يقال: وجب الحائط وجبة، إذا سقط. ووجب القلب ~~وجيبا: إذا تحرك من فزع. واعلم أن نحرها قياما سنة، والمراد ~~بوقوعها على جنوبها: موتها، والأمر بالأكل منها أمر إباحة، وهذا في ~~الأضاحي. # قوله تعالى: { وأطعموا القانع والمعتر } وقرأ الحسن: ~~«والمعتر» بكسر الراء خفيفة. وفيهما ستة أقوال. # أحدها: أن القانع: الذي يسأل، والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل، رواه ~~بكر بن عبد الله عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، واختاره الفراء. # والثاني: أن القانع: المتعفف، والمعتر: السائل، رواه علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والنخعي، وعن الحسن كالقولين. # والثالث: أن القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي ~~يتعرض لك ويلم بك ولا يسأل، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد: ~~القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته، والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل، ~~وهذا مذهب القرظي. # فعلى هذا يكون معنى القانع: أن يقنع بما أعطي. ومن قال: هو المتعفف، ~~قال: هو القانع بما عنده. # والرابع: القانع: أهل مكة، والمعتر: الذي يعتر بهم من ms1402 غير أهل مكة، ~~رواه خصيف عن مجاهد. # والخامس: القانع: الجار وإن كان غنيا، والمعتر: الذي يعتر بك، ~~رواه ليث عن مجاهد. # والسادس: القانع: المسكين السائل، والمعتر: الصديق الزائر، قاله زيد ~~ابن أسلم. قال ابن قتيبة: يقال: قنع يقنع قنوعا: إذا سأل، وقنع ~~يقنع قناعة: إذا رضي، ويقال في المعتر: اعترني واعتراني ~~وعراني. وقال الزجاج: مذهب أهل اللغة أن القانع: السائل، يقال: قنع ~~يقنع قنوعا: إذا سأل، فهو قانع، قال الشماخ: # لمال المرء يصلحه فيغني # مفاقره أعف من القنوع # أي: من السؤال؛ ويقال: قنع قناعة: إذا رضي، فهو قنع، والمعتر ~~والمعتري واحد. # قوله تعالى: { كذلك } أي: مثل ما وصفنا من نحرها قائمة { سخرناها لكم ~~} نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون { لعلكم ~~تشكرون } أي: لكي تشكروا. # قوله تعالى: { لن ينال الله لحومها } وقرأ عاصم الجحدري، وابن يعمر، ~~وابن أبي عبلة، ويعقوب: «لن تنال الله لحومها» بالتاء { ولكن تناله ~~التقوى } بالتاء أيضا. # سبب نزولها أن المشركين كانوا إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء ~~ينضحون بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزلت هذه الآية، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال المفسرون: ومعنى الآية: لن ترفع إلى ~~الله لحومها ولا دماؤها، وإنما يرفع إليه التقوى؛ وهو ما أريد به ~~وجهه منكم. فمن قرأ «تناله التقوى» بالتاء، فإنه أنث للفظ التقوى. ومن ~~قرأ: «يناله» بالياء، فلأن التقوى والتقى واحد. والإشارة بهذه الآية ~~إلى أنه لا يقبل اللحوم والدماء إذا لم تكن صادرة عن تقوى الله، ~~وإنما يتقبل ما يتقونه به، وهذا تنبيه على امتناع قبول الأعمال إذا ~~عريت عن نية صحيحة. # قوله تعالى: { كذلك سخرها } قد سبق تفسيره [الحج: 37]، { لتكبروا ~~الله على ما هداكم } أي: على ما بين لكم وأرشدكم إلى معالم دينه ~~ومناسك حجه، وذلك أن يقول: الله أكبر على ما هدانا، { وبشر المحسنين ~~} قال ابن عباس: يعني: الموحدين. ### || [22.38-41] # قوله تعالى: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: «يدفع» «ولولا دفع الله» بغير ألف، وهذا ms1403 على مصدر «دفع». وقرأ ~~عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «إن الله يدافع» بألف «ولولا دفع» ~~بغير ألف، وهذا على مصدر «دافع»، والمعنى: يدفع عن الذين آمنوا غائلة ~~المشركين بمنعهم منهم ونصرهم عليهم. قال الزجاج: والمعنى: إذا فعلتم هذا ~~وخالفتم الجاهلية فيما يفعلونه من نحرهم وإشراكهم، فإن الله يدفع عن ~~حزبه. وال «خوان» فعال من الخيانة، والمعنى: أن من ذكر غير اسم ~~الله، وتقرب إلى الأصنام بذبيحته، فهو خوان. # قوله تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } قرأ ابن كثير، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «أذن» بفتح الألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، ~~وأبو بكر، وحفص عن عاصم: «أذن» بضمها. # قوله تعالى: { للذين يقاتلون } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بكسر التاء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم: بفتحها. قال ابن عباس: # " كان مشركوا أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ~~لهم: «اصبروا، فإني لم أومر بالقتال» " # حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، وهي أول ~~آية أنزلت في القتال. وقال مجاهد: هم ناس خرجوا من مكة مهاجرين، فأدركهم ~~كفار قريش، فأذن لهم في قتالهم. قال الزجاج: معنى الآية: أذن للذين ~~يقاتلون أن يقاتلوا. { بأنهم ظلموا } أي: بسبب ما ظلموا. ثم وعدهم ~~النصر بقوله: { وإن الله على نصرهم لقدير } ولا يجوز أن تقرأ بفتح ~~«إن» هذه من غير خلاف بين أهل اللغة، لأن «إن» إذا كانت معها اللام، ~~لم تفتح أبدا. وقوله: { إلا أن يقولوا ربنا الله } معناه: أخرجوا ~~لتوحيدهم. # قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس } قد فسرناه في [البقرة: 251]. # قوله تعالى: { لهدمت } قرأ ابن كثير، ونافع: «لهدمت» خفيفة، ~~والباقون بتشديد الدال. # فأما الصوامع، ففيها قولان. # أحدهما: أنها صوامع الرهبان، قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وابن ~~زيد. # والثاني: أنها صوامع الصابئين، قاله قتادة، وابن قتيبة. # فأما البيع، فهي جمع بيعة، وهي بيع النصارى. # وفي المراد بالصلوات قولان. # أحدهما: مواضع الصلوات. ثم فيها قولان. # أحدهما: أنها كنائس اليهود، قاله ms1404 قتادة، والضحاك، وقرأت على شيخنا أبي ~~منصور اللغوي، قال: قوله تعالى: { وصلوات } هي كنائس اليهود، وهي ~~بالعبرانية «صلوثا». # والثاني: أنها مساجد الصابئين، قاله أبو العالية. # والقول الثاني: أنها الصلوات حقيقة، والمعنى: لولا دفع الله عن المسلمين ~~بالمجاهدين، لانقطعت الصلوات في المساجد، قاله ابن زيد. # فأما المساجد، فقال ابن عباس: هي مساجد المسلمين. وقال الزجاج: معنى ~~الآية: لولا دفع بعض الناس ببعض لهدمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن ~~عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد المساجد. # وفي قوله: { يذكر فيها اسم الله } قولان. # أحدهما: أن الكناية ترجع إلى جميع الأماكن المذكورات، قاله الضحاك. # والثاني: إلى المساجد خاصة، لأن جميع المواضع المذكورة، الغالب فيها ~~الشرك، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { ولينصرن الله من ينصره } أي: من ينصر دينه ~~وشرعه. # قوله تعالى: { الذين إن مكناهم في الأرض } قال الزجاج: هذه صفة ~~ناصريه. قال المفسرون: التمكين في الأرض: نصرتهم على عدوهم، والمعروف: ~~لا إله إلا الله، والمنكر الشرك. قال الأكثرون: وهؤلاء أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقال القرظي: هم الولاة. # قوله تعالى: { ولله عاقبة الأمور } أي: إليه مرجعها، لأن كل ملك ~~يبطل سوى ملكه. ### || [22.42-45] # قوله تعالى: { ثم أخذتهم } أي: بالعذاب { فكيف كان نكير } أثبت ~~الياء في «نكير» يعقوب [في الحالين]، ووافقه ورش في إثباتها في الوصل، ~~والمعنى: كيف [أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإهلاك؟! والمعنى: ~~إني] أنكرت عليهم أبلغ إنكار، وهذا استفهام معناه التقرير. # قوله تعالى: { أهلكتها } قرأ أبو عمرو: «أهلكتها» بالتاء. والباقون: ~~«أهلكناها» بالنون. # قوله تعالى: { وبئر معطلة } قرأ ابن كثير، [وعاصم]، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «وبئر» مهموز. وروى ورش عن نافع بغير همز، ~~والمعنى: وكم بئر معطلة، أي: متروكة { وقصر مشيد } فيه قولان. # أحدهما: مجصص، قاله ابن عباس، وعكرمة. قال الزجاج: أصل الشيد: ~~الجص والنورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مشيد. # والثاني: طويل، قاله الضحاك، ومقاتل. وفي الكلام إضمار، تقديره: وقصر ~~مشيد معطل أيضا ليس فيه ساكن. ### || [22.46-48] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا } قال ms1405 المفسرون: أفلم يسر قومك في أرض ~~اليمن والشام { فتكون لهم قلوب يعقلون بها } إذا نظروا آثار من هلك ~~{ أو آذان يسمعون بها } أخبار الأمم المكذبة { فإنها لا تعمى الأبصار ~~} قال الفراء: الهاء في قوله: «فإنها» عماد، والمعنى: أن أبصارهم لم تعم، ~~وإنما عميت قلوبهم. وأما قوله: { التي في الصدور } فهو توكيد، لأن القلب ~~لا يكون إلا في الصدر، ومثله: # تلك عشرة كاملة # [البقرة 196]، # يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]، # يقولون بأفواههم # [آل عمران 167]. # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب } قال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث ~~القرشي. وقال غيره: هو قولهم له: # متى هذا الوعد # [الملك 25] ونحوه من استعجالهم، { ولن يخلف الله وعده } في إنزال ~~العذاب بهم في الدنيا، فأنزله بهم يوم بدر، { وإن يوما عند ربك } أي: ~~من أيام الآخرة { كألف سنة مما تعدون } من أيام الدنيا. قرأ عاصم، ~~وأبو عمرو، وابن عامر: «تعدون» بالتاء. وقرأ ابن كثير، وحمزة، ~~والكسائي: «يعدون» بالياء. # فإن قيل: كيف انصرف الكلام من ذكر العذاب إلى قوله: «وإن يوما عند ~~ربك»؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا، فقيل لهم: لن يخلف الله وعده ~~في إنزال العذاب بكم في الدنيا، وإن يوما من أيام عذابكم في الآخرة ~~كألف سنة من سني الدنيا، فكيف تستعجلون بالعذاب؟! فقد تضمنت الآية ~~وعدهم بعذاب الدنيا والآخرة، هذا قول الفراء. # والثاني: وإن يوما عند الله وألف سنة سواء في قدرته على عذابهم، فلا ~~فرق بين وقوع ما يستعجلونه وبين تأخيره في القدرة، إلا أن الله تفضل ~~عليهم بالإمهال، هذا قول الزجاج. ### || [22.49-51] # قوله تعالى: { ورزق كريم } يعني به [الرزق] الحسن في الجنة. # قوله تعالى: { والذين سعوا في آياتنا } أي: عملوا في إبطالها { ~~معاجزين } قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «معجزين» بغير ألف. ~~وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «معاجزين» بألف. قال الزجاج: «معاجزين». ~~أي: ظانين أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنوا أنهم لا يبعثون وأنه لا جنة ولا ~~نار، قال: وقيل في التفسير: معاجزين: معاندين، وليس هو بخارج عن القول ~~الأول؛ و«معجزين» تأويلها: أنهم كانوا يعجزون ms1406 من اتبع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويثبطونهم عنه. ### || [22.52-55] # قوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول } الآية. قال المفسرون: ~~سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه سورة (النجم) ~~قرأها حتى بلغ قوله: # أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى # [النجم: 19، 20]، فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن ~~شفاعتهن لترتجى؛ فلما سمعت قريش بذلك فرحوا، فأتاه جبريل، فقال: ماذا ~~صنعت؟ تلوت على الناس مالم آتك به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حزنا شديدا، فنزلت هذه الآية تطييبا لقلبه، وإعلاما له أن ~~الأنبياء قد جرى لهم مثل هذا. قال العلماء المحققون: وهذا لا يصح، لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم عن مثل هذا، ولو صح، كان المعنى أن ~~بعض شياطين الإنس قال تلك الكلمات، فإنهم كانوا إذا تلا لغطوا، كما قال ~~الله عز وجل: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26]. قال: وفي معنى «تمنى» قولان. # أحدهما: تلا، قاله الأكثرون، وأنشدوا: # تمنى كتاب الله أول ليله # وآخره لاقى حمام المقادر # وقال آخر: # تمنى كتاب الله آخر ليله # تمني داود الزبور على رسل # والثاني: أنه من الأمنية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمنى ~~يوما أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومه، فألقى الشيطان على ~~لسانه لما كان قد تمناه، قاله محمد بن كعب القرظي. # قوله تعالى: { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي: يبطله ويذهبه { ~~ثم يحكم الله آياته } قال مقاتل: يحكمها من الباطل. # قوله تعالى: { ليجعل } اللام متعلقة بقوله: «ألقى الشيطان»، والفتنة ~~هاهنا بمعنى البلية والمحنة. والمرض: الشك والنفاق. { والقاسية قلوبهم ~~} يعني: الجافية عن الإيمان. ثم أعلمه أنهم ظالمون وأنهم في شقاق دائم، ~~والشقاق: غاية العدواة. # قوله تعالى: { وليعلم الذين أوتوا العلم } وهو التوحيد والقرآن، ~~وهم المؤمنون. وقال السدي: التصديق بنسخ الله. # قوله تعالى: { أنه الحق } إشارة إلى نسخ ما يلقي الشيطان؛ فالمعنى: ~~ليعلموا أن نسخ ذلك وإبطاله حق من الله ms1407 { فيؤمنوا } بالنسخ { فتخبت ~~له قلوبهم } أي: تخضع وتذل. ثم بين بباقي الآية أن هذا الإيمان ~~والإخبات إنما هو بلطف الله وهدايته. # قوله تعالى: { في مرية منه } أي: في شك. # وفي هاء «منه» أربعة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى قوله: تلك الغرانيق العلى. # والثاني: أنها ترجع إلى سجوده في سورة (النجم). والقولان عن سعيد بن ~~جبير، فيكون المعنى: إنهم يقولون: ما باله ذكر آلهتنا ثم رجع عن ~~ذكرها؟! # والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله ابن جريج. # والرابع: أنها ترجع إلى الدين، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { حتى تأتيهم الساعة } وفيها قولان. # أحدهما: القيامة تأتي من تقوم عليه من المشركين، قاله الحسن. # والثاني: ساعة موتهم، ذكره الواحدي. # قوله تعالى: { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } فيه قولان. # أحدهما: أنه يوم بدر، روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي. # والثاني: أنه يوم القيامة، قاله عكرمة، والضحاك. وأصل العقم في الولادة، ~~يقال: امرأة عقيم لا تلد، ورجل عقيم لا يولد له، وأنشدوا: # عقم النساء فلا يلدن شبيهه # إن النساء بمثله عقم # وسميت الريح العقيم بهذا الاسم، لأنها لا تأتي بالسحاب الممطر، فقيل ~~لهذا اليوم: عقيم، لأنه لم يأت بخير. # فعلى قول من قال: هو يوم بدر، في تسميته بالعقيم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه لم يكن فيه للكفار بركة ولا خير، قاله الضحاك. # والثاني: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء، ~~قاله ابن جريج. # والثالث: لأنه لا مثل له في عظم أمره، لقتال الملائكة فيه، قاله يحيى ~~بن سلام. # وعلى قول من قال: هو يوم القيامة، في تسميته بذلك قولان. # أحدهما: لأنه لا ليلة له، قاله عكرمة. # والثاني: لأنه لا يأتي المشركين بخير ولا فرج، ذكره بعض المفسرين. ### || [22.56-59] # قوله تعالى: { الملك يومئذ } أي: يوم القيامة { لله } من غير منازع ~~ولا مدع { يحكم بينهم } أي: بين المسلمين والمشركين؛ وحكمه بينهم بما ~~ذكره في تمام الآية وما بعدها. ثم ذكر فضل المهاجرين فقال: { والذين ~~هاجروا في سبيل الله } أي: من مكة إلى المدينة. # وفي الرزق ms1408 الحسن قولان. # أحدهما: أنه الحلال، قاله ابن عباس. # والثاني: رزق الجنة، قاله السدي. # قوله تعالى: { ثم قتلوا أو ماتوا } وقرأ ابن عامر: «قتلوا» ~~بالتشديد. # قوله تعالى: { ليدخلنهم مدخلا } [وقرأ نافع بفتح الميم] { ~~يرضونه } يعني: الجنة. والمدخل يجوز أن يكون مصدرا، فيكون المعنى: ~~ليدخلنهم إدخالا يكرمون به فيرضونه؛ ويجوز أن يكون بمعنى المكان. ~~و«مدخلا» بفتح الميم على تقدير: فيدخلون مدخلا. { وإن الله لعليم } ~~بنياتهم { حليم } عنهم. ### || [22.60-62] # قوله تعالى: { ذلك } قال الزجاج: المعنى: الأمر ذلك، أي: الأمر ما قصصنا ~~عليكم { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } والعقوبة: الجزاء؛ والأول ليس ~~بعقوبة، ولكنه سمي عقوبة، لاستواء الفعلين في جنس المكروه، كقوله: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] لما كانت المجازاة إساءة بالمفعول به سميت سيئة، ~~ومثله: # الله يستهزئ بهم # [البقرة: 15]، قاله الحسن. ومعنى الآية: من قاتل المشركين كما قاتلوه { ~~ثم بغي عليه } أي: ظلم باخراجه عن منزله. وزعم مقاتل أن سبب نزول ~~هذه الآية أن مشركي مكة لقوا المسلمين لليلة بقيت من المحرم، ~~فقاتلوهم، فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبوا إلا ~~القتال، فثبت المسلمون، ونصرهم الله على المشركين، ووقع في نفوس المسلمين ~~من القتال في الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية، وقال: { إن الله لعفو } ~~عنهم { غفور } لقتالهم في الشهر الحرام. # قوله تعالى: { ذلك } أي: ذلك النصر { بأن الله } القادر على ما يشاء. ~~فمن قدرته أنه { يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل وأن الله ~~سميع } لدعاء المؤمنين { بصير } بهم حيث جعل فيهم الإيمان والتقوى، { ~~ذلك } الذي فعل من نصر المؤمنين { بأن الله هو الحق } أي: هو الإله ~~الحق { وأن ما يدعون } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم: «يدعون» بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: ~~بالتاء، والمعنى: وأن ما يعبدون { من دونه هو الباطل }. ### || [22.63-64] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } يعني: المطر { ~~فتصبح الأرض مخضرة } بالنبات. وحكى الزجاج عن الخليل أنه قال: معنى ~~الكلام التنبيه، كأنه قال: أتسمع، ms1409 أنزل الله من السماء ماء فكان كذا ~~وكذا. وقال ثعلب: معنى الآية عند الفراء خبر، كأنه قال: اعلم أن الله ~~ينزل من السماء ماء فتصبح، ولو كان استفهاما والفاء شرطا لنصبه. # قوله تعالى: { إن الله لطيف } أي: باستخراج النبات من الأرض رزقا ~~لعباده { خبير } بما في قلوبهم عند تأخير المطر. وقد سبق معنى الغني ~~الحميد في [البقرة 267]. ### || [22.65-66] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض } يريد البهائم ~~التي تركب { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه } قال الزجاج: ~~كراهة أن تقع. وقال غيره: لئلا تقع { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } فيما ~~سخر لهم وفيما حبس عنهم من وقوع السماء عليهم. { وهو الذي أحياكم } بعد ~~أن كنتم نطفا ميتة { ثم يميتكم } عند آجالكم { ثم يحييكم } للبعث ~~والحساب { إن الإنسان } يعني: المشرك { لكفور } لنعم الله إذ لم ~~يوحده. ### || [22.67-70] # قوله تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا } قد سبق بيانه في هذه ~~السورة [الحج: 34] { فلا ينازعنك في الأمر } أي: في الذبائح، وذلك ~~أن كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر ~~الذبيحة، فقالوا: كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟! يعنون: ~~الميتة. # فإن قيل: إذا كانوا هم المنازعين له، فكيف قيل: «فلا ينازعنك في ~~الأمر»؟ # فقد أجاب عنه الزجاج، فقال: المراد: النهي له عن منازعتهم، فالمعنى: لا ~~تنازعنهم، كما تقول للرجل: لا يخاصمنك فلان في هذا أبدا، وهذا جائز ~~في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين، لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم ~~إلا باثنين، فإذا قلت: لا يجادلنك فلان، فهو بمنزلة: لا تجادلنه، ~~ولا يجوز هذا في قولك: لا يضربنك فلان وأنت تريد: لا تضربنه، [ولكن] ~~لو قلت: لا يضاربنك فلان، لكان كقولك: لا تضاربن، ويدل على هذا ~~الجواب قوله: { وإن جادلوك }. # قوله تعالى: { وادع إلى ربك } أي: إلى دينه والإيمان به. و«جادلوك» ~~بمعنى: خاصموك في أمر الذبائح، { فقل الله أعلم بما تعملون } من ~~التكذيب، فهو يجازيكم به. { الله يحكم بينكم يوم القيامة ms1410 } أي: يقضي ~~بينكم { فيما كنتم فيه تختلفون } من الدين، أي: تذهبون إلى خلاف ما ~~ذهب إليه المؤمنون؛ وهذا أدب حسن علمه الله عباده ليردوا به من ~~جادل على سبيل التعنت، ولا يجيبوه، ولا يناظروه. # فصل # قال أكثر المفسرين: هذا نزل قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. وقال ~~بعضهم: هذا نزل في حق المنافقين، كانت تظهر من أقوالهم وأفعالهم فلتات ~~تدل على شركهم، ثم يجادلون على ذلك، فوكل أمرهم إلى الله تعالى، فالآية ~~على هذا محكمة. # قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض } هذا استفهام ~~يراد به التقرير؛ والمعنى: قد علمت ذلك، { إن ذلك } يعني ما يجري في ~~السموات والأرض { في كتاب } يعني: اللوح المحفوظ، { إن ذلك } أي: علم ~~الله بجميع ذلك { على الله يسير } سهل لا يتعذر عليه العلم به. ### || [22.71-72] # قوله تعالى: { ويعبدون } يعني: كفار مكة { ما لم ينزل به سلطانا } ~~أي: حجة { وما ليس لهم به علم } أنه إله، { وما للظالمين } يعني: ~~المشركين { من نصير } أي: مانع من العذاب. { وإذا تتلى عليهم آياتنا } ~~يعني: القرآن؛ والمنكر هاهنا بمعنى الإنكار، فالمعنى: أثر الإنكار من ~~الكراهة، وتعبيس الوجوه، معروف عندهم. { يكادون يسطون } أي: يبطشون ~~ويوقعون بمن يتلو عليهم القرآن من شدة الغيظ، يقال: سطا عليه، وسطا ~~به: إذا تناوله بالعنف والشدة. { قل } لهم يا محمد: { أفأنبئكم بشر ~~من ذلكم } أي: بأشد عليكم وأكره إليكم من سماع القرآن، ثم ذكر ذلك ~~فقال: { النار } أي: هو النار. ### || [22.73-74] # قوله تعالى: { يا أيها الناس ضرب مثل } قال الأخفش: إن قيل: أين ~~المثل؟ # فالجواب: أنه ليس هاهنا مثل، وإنما المعنى: يا أيها الناس ضرب لي ~~مثل، أي: شبهت بي الأوثان { فاستمعوا } لهذا المثل. وتأويل الآية: جعل ~~المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي فاستمعوا حالها؛ ثم بين ذلك ~~بقوله: { إن الذين تدعون } أي: تعبدون { من دون الله } ، وقرأ ابن ~~عباس، وأبو رزين، وابن أبي عبلة: «يدعون» بالياء المفتوحة. وقرأ ابن ~~السميفع، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري: «يدعون» بضم الياء وفتح العين، ~~يعني: ms1411 الأصنام، { لن يخلقوا ذبابا } والذباب واحد، والجمع القليل: ~~أذبة، والكثير: الذبان، مثل: غراب وأغربة وغربان؛ وقيل: إنما ~~خص الذباب لمهانته واستقذاره وكثرته. { ولو اجتمعوا } يعني: الأصنام { ~~له } أي: لخلقه، { وإن يسلبهم } يعني: الأصنام؛ قال ابن عباس: كانوا ~~يطلون أصنامهم بالزعفران فيجف، فيأتي الذباب فيختلسه. وقال ابن جريج: ~~كانوا إذا طيبوا أصنامهم عجنوا طيبهم بشيء من الحلواء، كالعسل ونحوه، ~~فيقع عليها الذباب فيسلبها إياه، فلا تستطيع الآلهة ولا من عبدها أن ~~يمنعه ذلك. وقال السدي: كانوا يجعلون للآلهة طعاما، فيقع الذباب عليه ~~فيأكل منه. قال ثعلب: وإنما قال: { لا يستنقذوه منه } فجعل أفعال الآلهة ~~كأفعال الآدميين، إذ كانوا يعظمونها ويذبحون لها وتخاطب، كقوله: # يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18] لما خاطبهم جعلهم كالآدميين، ومثله: # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4]، وقد بينا هذا المعنى في [الأعراف: 191] عند قوله تعالى: ~~{ وهم يخلقون }. # قوله تعالى: { ضعف الطالب والمطلوب } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب. رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: الطالب: الذباب يطلب ما يسلبه من الطيب الذي على الصنم، ~~والمطلوب: الصنم يطلب الذباب منه سلب ما عليه، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: الطالب: عابد الصنم يطلب التقرب بعبادته، والمطلوب: الصنم، ~~هذا معنى قول الضحاك، والسدي. # قوله تعالى: { ما قدروا الله حق قدره } أي: ما عظموه حق عظمته، إذ ~~جعلوا هذه الأصنام شركاء له { إن الله لقوي } لا يقهر { عزيز } لا ~~يرام. ### || [22.75-76] # قوله تعالى: { الله يصطفي من الملائكة رسلا } كجبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت، { ومن الناس } الأنبياء المرسلين، { إن الله ~~سميع } لمقالة العباد { بصير } بمن يتخذه رسولا. وزعم مقاتل أن هذه ~~الآية نزلت حين قالوا: # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8]. # قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } الإشارة إلى الذين ~~اصطفاهم؛ وقد بينا معنى ذلك في آية الكرسي [البقرة: 255]. ### || [22.77-78] # قوله تعالى: { اركعوا واسجدوا } قال المفسرون: المراد: صلوا، لأن ~~الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، { واعبدوا ربكم } أي: وحدوه { ~~وافعلوا الخير } يريد: أبواب المعروف { لعلكم تفلحون } أي: لكي ms1412 ~~تسعدوا وتبقوا في الجنة. # فصل # لم يختلف أهل العلم في السجدة الأولى من (الحج) واختلفوا في هذه السجدة ~~الأخيرة؛ فروي عن عمر، وابن عمر، وعمار، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وابن ~~عباس: أنهم قالوا: في (الحج) سجدتان، وقالوا: فضلت هذه السورة على غيرها ~~بسجدتين، وبهذا قال أصحابنا، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: في (الحج) سجدة، وبهذا قال الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد ~~بن جبير، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك؛ ويدل على ~~الأول ما # " روى عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله أفي (الحج) سجدتان؟ قال: ~~«نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» ". # فصل # واختلف العلماء في عدد سجود القرآن، فروي عن أحمد روايتان، إحداهما: ~~أنها أربع عشرة سجدة. وبه قال الشافعي، والثانية: أنها خمس عشرة، فزاد ~~سجدة [ص: 24]. وقال أبو حنيفة: هي أربع عشرة، فأخرج التي في آخر (الحج) ~~وأبدل منها سجدة [ص: 24]. # فصل # وسجود التلاوة سنة، وقال أبو حنيفة: واجب. ولا يصح سجود التلاوة إلا ~~بتكبيرة الإحرام والسلام، خلافا لأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. ~~ولا يجزىء الركوع عن سجود التلاوة، وقال أبو حنيفة: يجزىء. ولا يسجد ~~المستمع إذا لم يسجد التالي، نص عليه أحمد رضي الله عنه. وتكره قراءة ~~السجدة في صلاة الإخفات، خلافا للشافعي. # قوله تعالى: { وجاهدوا في الله } في هذا الجهاد ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه فعل جميع الطاعات، هذا قول الأكثرين. # والثاني: أنه جهاد الكفار، قاله الضحاك. # والثالث: أنه جهاد النفس والهوى، قاله عبد الله بن المبارك. # فأما حق الجهاد، ففيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الجد في المجاهدة، واستيفاء الإمكان فيها. # والثاني: أنه إخلاص النية لله عز وجل. # والثالث: أنه فعل ما فيه وفاء لحق الله عز وجل. # فصل # وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة، واختلفوا في ناسخها على قولين. # أحدهما: قوله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]. # والثاني: قوله: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. وقال آخرون: بل هي محكمة، ويؤكده القولان الأولان ~~في تفسير ms1413 حق الجهاد، وهو الأصح، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها. # قوله تعالى: { هو اجتباكم } أي: اختاركم واصطفاكم لدينه. والحرج: ~~الضيق، فما من شيء وقع الإنسان فيه إلا وجد له في الشرع مخرجا ~~بتوبة أو كفارة أو انتقال إلى رخصة ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: الحرج: ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه الله عن ~~هذه الأمة. # قوله تعالى: { ملة أبيكم } قال الفراء: المعنى: وسع عليكم كملة ~~أبيكم، فاذا ألقيت الكاف نصبت، ويجوز النصب على معنى الأمر بها، لأن ~~أول الكلام أمر، وهو قوله: «اركعوا واسجدوا» والزموا ملة أبيكم. # فإن قيل: هذا الخطاب للمسلمين، وليس إبراهيم أبا لكلهم. # فالجواب: أنه إن كان خطابا عاما للمسلمين، فهو كالأب لهم، لأن حرمته ~~وحقه عليهم كحق الولد، وإن كان خطابا للعرب خاصة، فإبراهيم أبو العرب ~~قاطبة، هذا قول المفسرين. والذي يقع لي أن الخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لأن إبراهيم أبوه، وأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~داخلة فيما خوطب به رسول الله. # قوله تعالى: { هو سماكم المسلمين } في المشار إليه قولان. # أحدهما: أنه الله عز وجل، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور؛ فعلى هذا في ~~قوله: { من قبل } قولان. أحدهما: من قبل إنزال القرآن سماكم بهذا ~~في الكتب التي أنزلها. والثاني: «من قبل» أي: في أم الكتاب، ~~وقوله: { وفي هذا } أي: في القرآن. # والثاني: أنه إبراهيم عليه السلام حين قال: # ومن ذريتنا أمة مسلمة لك # [البقرة: 128]؛ فالمعنى: من قبل هذا الوقت، وذلك في زمان إبراهيم ~~عليه السلام، وفي هذا الوقت حين قال: { ومن ذريتنا أمة مسلمة } ، هذا قول ~~ابن زيد. # قوله تعالى: { ليكون الرسول } المعنى: اجتباكم وسماكم ليكون الرسول، ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { شهيدا عليكم } يوم القيامة أنه قد ~~بلغكم؛ وقد شرحنا هذا المعنى في [البقرة: 143] إلى قوله: { وآتوا ~~الزكاة }. # قوله تعالى: { واعتصموا بالله } قال ابن عباس: سلوه أن يعصمكم من ~~كل ما يسخط ويكره. وقال الحسن: تمسكوا بدين الله. وما بعد ms1414 هذا ~~مشروح في [الأنفال: 40]. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-11] # سورة المؤمنين مكية في قول الجميع # روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لقد أنزلت علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ: { قد أفلح ~~المؤمنون } إلى عشر آيات " # ، رواه الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه». # وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى حاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرس ~~غرسها بيده فقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال لها: طوبى ~~لك منزل الملوك " # قال الفراء: «قد» هاهنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين، ويجوز أن ~~تكون تقريبا للماضي من الحال، لأن «قد» تقرب الماضي من الحال حتى ~~تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، قبل حال قيامها، فيكون ~~معنى الآية: إن الفلاح قد حصل لهم وإنهم عليه في الحال. وقرأ أبي بن ~~كعب، وعكرمة، وعاصم الجحدري، وطلحة بن مصرف: «قد أفلح» بضم الألف ~~وكسر اللام وفتح الحاء، على ما لم يسم فاعله. قال الزجاج: ومعنى ~~الآية: قد نال المؤمنون البقاء الدائم في الخير. ومن قرأ: «قد أفلح» ~~بضم الألف، كان معناه: قد أصيروا إلى الفلاح. وأصل الخشوع في اللغة: ~~الخضوع والتواضع. # وفي المراد بالخشوع في الصلاة أربعة أقوال. # أحدها: أنه النظر إلى موضع السجود. روى أبو هريرة قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: { الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون } فنكس رأسه. وإلى هذا المعنى ذهب مسلم بن يسار، وقتادة. # والثاني: أنه ترك الالتفات في الصلاة، وأن تلين كنفك للرجل المسلم، ~~قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # والثالث: أنه السكون في الصلاة، قاله مجاهد، وإبراهيم، والزهري. # والرابع: أنه الخوف، قاله الحسن. # وفي المراد باللغو هاهنا خمسة أقوال. # أحدها: الشرك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الباطل، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: المعاصي، قاله الحسن. ms1415 والرابع: الكذب، ~~قاله السدي. والخامس: الشتم والأذى الذي كانوا يسمعونه من الكفار، قاله ~~مقاتل. قال الزجاج: واللغو: كل لعب ولهو، وكل معصية فهي مطرحة ملغاة. ~~فالمعنى: شغلهم الجد فيما أمرهم الله به عن اللغو. # قوله تعالى: { للزكاة فاعلون } أي: مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل، ~~لأنه فعل. # قوله تعالى: { إلا على أزواجهم } قال الفراء: «على» بمعنى «من». وقال ~~الزجاج: المعنى: أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم وأمروا بحفظه، ~~إلا على أزواجهم { أو ما ملكت أيمانهم } فإنهم لا يلامون. # قوله تعالى: { فمن ابتغى } أي: طلب { وراء ذلك } أي: سوى الأزواج ~~والمملوكات { فأولئك هم العادون } يعني: الجائرين الظالمين، لأنهم قد ~~تجاوزوا إلى مالا يحل، { والذين هم لأماناتهم } قرأ ابن كثير: ~~«لأمانتهم» وهو اسم جنس، والمعنى: للأمانات التي ائتمنوا عليها، فتارة ~~تكون الأمانة بين العبد وبين ربه، وتارة تكون بينه وبين جنسه، فعليه ~~مراعاة الكل. # وكذلك العهد. ومعنى { راعون }: حافظون. قال الزجاج: وأصل الرعي في ~~اللغة: القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي من كل شيء. # قوله تعالى: { على صلواتهم } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «صلواتهم» على الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي: «صلاتهم» على ~~التوحيد، وهو اسم جنس. والمحافظة على الصلوات: أداؤها في أوقاتها. # قوله تعالى: { أولئك هم الوارثون } ذكر السدي عن أشياخه أن الله تعالى ~~يرفع للكفار الجنة، فينظرون إلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا، ثم تقسم ~~بين المؤمنين فيرثونهم، فذلك قوله: «أولئك هم الوارثون». وقد شرحنا هذا ~~في [الأعراف: 43] عند قوله: { أورثتموها } ، وشرحنا معنى الفردوس في ~~[الكهف: 107]. ### || [23.12-16] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان } فيه قولان. # أحدهما: أنه آدم عليه السلام. وإنما قيل: «من سلالة» لأنه استل ~~من كل الأرض، هذا مذهب سلمان الفارسي، وابن عباس في رواية، وقتادة. # والثاني: أنه ابن آدم، والسلالة: النطفة استلت من الطين، والطين: ~~آدم عليه السلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: والسلالة: ~~فعالة، وهي القليل مما ينسل، وكل مبني على «فعالة» يراد به ~~القليل، من ذلك: الفضالة، والنخالة، والقلامة. # قوله تعالى: { ثم ms1416 جعلناه } يعني: ابن آدم { نطفة في قرار } وهو ~~الرحم { مكين } أي: حريز، قد هيىء لاستقراره فيه. وقد شرحنا في ~~سورة [الحج: 5] معنى النطفة والعلقة والمضغة. # قوله تعالى: { فخلقنا المضغة عظاما } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «عظاما فكسونا العظام» على الجمع. ~~وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «عظما فكسونا العظم» على التوحيد. # قوله تعالى: { ثم أنشأناه خلقا آخر } وهذه الحالة السابعة. قال علي ~~عليه السلام: لا تكون موؤودة حتى تمر على التارات السبع. # وفي محل هذا الإنشاء قولان. # أحدهما: أنه بطن الأم. ثم في صفة الإنشاء قولان. # أحدهما: أنه نفخ الروح فيه، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو ~~العالية، والشعبي، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك في آخرين. والثاني: أنه جعله ~~ذكرا أو أنثى، قاله الحسن. # والقول الثاني: أنه بعد خروجه من بطن أمه. ثم في صفة هذا الإنشاء ~~أربعة أقوال. # أحدها: أن ابتداء ذلك الإنشاء أنه استهل، ثم دل على الثدي، ~~وعلم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن قام على رجليه، إلى أن ~~مشى، إلى أن فطم، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن تقلب في البلاد، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه استواء الشباب، قاله ابن عمر، ومجاهد. # والثالث: أنه خروج الأسنان والشعر، قاله الضحاك، فقيل له: أليس يولد ~~وعلى رأسه الشعر؟ فقال: وأين العانة والإبط؟. # والرابع: أنه إعطاء العقل والفهم، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { فتبارك الله } أي: استحق التعظيم والثناء. وقد شرحنا معنى ~~«تبارك» في [الأعراف: 54]، { أحسن الخالقين } أي: المصورين ~~والمقدرين. والخلق في اللغة: التقدير. وجاء في الحديث أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وعنده عمر، إلى قوله تعالى: { خلقا ~~آخر } ، فقال عمر: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لقد ختمت بما تكلمت به يا ابن الخطاب ". # فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: { أحسن الخالقين } وقوله: # هل من خالق غير الله # [فاطر: 3]؟ # فالجواب: أن الخلق يكون بمعنى الإيجاد، ولا موجد سوى ms1417 الله، ويكون ~~بمعنى التقدير، كقول زهير: # [ولأنت تفري ما خلقت] وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # فهذا المراد هاهنا، أن بني آدم قد يصورون ويقدرون ويصنعون الشيء، ~~فالله خير المصورين والمقدرين. وقال الأخفش: الخالقون هاهنا هم ~~الصانعون، فالله خير الخالقين. # قوله تعالى: { ثم إنكم بعد ذلك } أي: بعد ما ذكر من تمام الخلق { ~~لميتون } عند انقضاء آجالكم. وقرأ أبو رزين العقيلي، وعكرمة، وابن أبي ~~عبلة: «لمائتون» بألف. قال الفراء: والعرب تقول لمن لم يمت: إنك مائت عن ~~قليل، وميت، ولا يقولون للميت الذي قد مات: هذا مائت، إنما يقال في ~~الاستقبال فقط، وكذلك يقال: هذا سيد قومه اليوم، فاذا أخبرت أنه ~~يسودهم عن قليل؛ قلت: هذا سائد قومه عن قليل، وكذلك هذا شريف القوم، ~~وهذا شارف عن قليل؛ وهذا الباب كله في العربية على ما وصفت لك. ### || [23.17-20] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } يعني: السموات السبع، ~~قال الزجاج: كل واحدة طريقة. وقال ابن قتيبة: إنما سميت «طرائق» ~~بالتطارق، لأن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت الشيء: إذا جعلت بعضه فوق ~~بعض. # قوله تعالى: { وما كنا عن الخلق غافلين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: ما غفلنا عنهم إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر ~~والكواكب. # والثاني: ما كنا تاركين لهم بغير رزق، فأنزلنا المطر. # والثالث: لم نغفل عن حفظهم من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم. # قوله تعالى: { وأنزلنا من السماء ماء بقدر } يعلمه الله، وقال ~~مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة. # قوله تعالى: { وشجرة } هي معطوفة على قوله: { جنات }. وقرأ أبو مجلز، ~~وابن يعمر، وإبراهيم النخعي: «وشجرة» بالرفع. والمراد بهذه الشجرة: ~~شجرة الزيتون. # فإن قيل: لماذا خص هذه الشجرة من بين الشجر؟ # فالجواب من أربعة أوجه. # أحدها: لكثرة انتفاعهم بها، فذكرهم من نعمه ما يعرفون، وكذلك خص ~~النخيل والأعناب في الآية الأولى، لأنهما كانا جل ثمار الحجاز وما ~~والاها، وكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف. # والثاني: لأنهم لا يكادون يتعاهدونها بالسقي، وهي تخرج الثمرة التي ~~يكون منها الدهن. # والثالث: ms1418 أنها تنبت بالماء الذي هو ضد النار، وفي ثمرتها حياة للنار ~~ومادة لها. # والرابع: لأن أول زيتونة نبتت بذلك المكان فيما زعم مقاتل. # قوله تعالى: { طور سيناء } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «طور ~~سيناء» مكسورة السين. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، مفتوحة ~~السين، وكلهم مدها. قال الفراء: العرب تقول: سيناء، بفتح السين في ~~جميع اللغات، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين. قال أبو علي: ولا ~~تنصرف هذه الكلمة، لأنها جعلت اسما لبقعة أو أرض، وكذلك «سينين»، ولو ~~جعلت اسما للمكان أو للمنزل أو نحو ذلك من الأسماء المذكرة لصرفت، ~~لأنك كنت قد سميت مذكرا بمذكر. والطور: الجبل. # وفي معنى «سيناء» خمسة أقوال. # أحدها: أنه بمعنى الحسن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال الضحاك: ~~«الطور»: الجبل بالسريانية، و«سيناء»: الحسن بالنبطية. وقال عطاء: ~~يريد: الجبل الحسن. # والثاني: أنه المبارك، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه اسم حجارة بعينها، أضيف الجبل إليها لوجودها عنده، قاله ~~مجاهد. # والرابع: أن طور سيناء: الجبل المشجر، قاله ابن السائب. # والخامس: أن سيناء: اسم المكان الذي به هذا الجبل، قاله الزجاج؛ قال ~~الواحدي: وهو أصح الأقوال؛ قال ابن زيد: وهذا هو الجبل الذي نودي منه ~~موسى، وهو بين مصر وأيلة. # قوله تعالى: { تنبت بالدهن } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «تنبت» برفع ~~التاء وكسر الباء. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بفتح ~~التاء وضم الباء. # قال الفراء: وهما لغتان: نبتت، وأنبتت، وكذلك قال الزجاج: يقال: نبت ~~الشجر وأنبت في معنى واحد، قال زهير: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل # قال: ومعنى «تنبت بالدهن»: تنبت ومعها دهن، كما تقول: جاءني زيد ~~بالسيف، أي: جاءني ومعه السيف. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: تنبت الدهن، ~~والباء زائدة، كقوله: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم # [الحج: 25] وقد بينا هذا المعنى هناك. # قوله تعالى: { وصبغ } وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، وإبراهيم النخعي، ~~والأعمش: «وصبغا» بالنصب. وقرأ ابن السميفع: «وصباغ» بألف مع ~~الخفض. قال ابن قتيبة: ms1419 الصبغ مثل الصباغ، كما يقال: دبغ ودباغ، ~~ولبس ولباس. قال المفسرون: والمراد بالصبغ هاهنا: الزيت، لأنه ~~يلون الخبز إذا غمس فيه، والمراد أنه إدام يصبغ به. ### || [23.21-22] # قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم } وقرأ نافع، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «نسقيكم» بفتح النون. وقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: بضمها. وقد شرحنا هذا في ~~[النحل: 66] إلى قوله تعالى: { ولكم فيها منافع كثيرة } يعني: في ظهورها ~~وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها { ومنها تأكلون } من لحومها ~~وأولادها والكسب عليها. # قوله تعالى: { وعليها } يعني: الإبل خاصة { وعلى الفلك تحملون } ~~فالإبل تحمل في البر، والسفن تحمل في البحر. ### || [23.23-44] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } قال المفسرون: هذا تعزية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا الرسول الصابر ليتأسى به في ~~صبره، وليعلم أن الرسل قبله قد كذبوا. # قوله تعالى: { يريد أن يتفضل عليكم } أي: يعلوكم بالفضيلة، فيصير ~~متبوعا، { ولو شاء الله } أن لا يعبد شيء سواه { لأنزل ملائكة } تبلغ ~~عنه أمره، لم يرسل بشرا { ما سمعنا بهذا } الذي يدعونا إليه نوح من ~~التوحيد { في آبائنا الأولين }. فأما الجنة فمعناها: الجنون. # وفي قوله: { حتى حين } قولان. # أحدهما: أنه الموت، فتقديره: انتظروا موته. # والثاني: أنه وقت منكر. # قوله تعالى: { قال رب انصرني } وقرأ عكرمة، وابن محيصن: «قال رب» ~~بضم الباء، وفي القصة الأخرى [المؤمنون: 39]. # قوله تعالى: { بما كذبون } وقرأ يعقوب: «كذبوني» بياء، وفي القصة ~~التي تليها أيضا: «فاتقوني» [المؤمنون: 52] «أن يحضروني» [المؤمنون: ~~98] «رب ارجعوني» [المؤمنون:99] «ولا تكلموني» [المؤمنون: 108] ~~أثبتهن في الحالين يعقوب، والمعنى: انصرني بتكذيبهم، أي: انصرني بإهلاكهم ~~جزاء لهم بتكذيبهم. { فأوحينا إليه } قد شرحناه في [هود: 37)] إلى ~~قوله: { فاسلك فيها } أي: أدخل في سفينتك { من كل زوجين اثنين } قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: «من كل» بكسر اللام من غير تنوين. وقرأ حفص عن عاصم: «من كل» ~~بالتنوين. قال أبو علي: قراءة الجمهور إضافة «كل» إلى «زوجين»، وقراءة ms1420 ~~حفص تؤول إلى زوجين، لأن المعنى: من كل الأزواج زوجين. # قوله تعالى: { وقل رب أنزلني منزلا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «منزلا» بضم الميم. ~~وروى أبو بكر عن عاصم فتحها. والمنزل، بفتح الميم: اسم لكل ما نزلت ~~به، والمنزل، بضمها: المصدر بمعنى الإنزال؛ تقول: أنزلته إنزالا ~~ومنزلا. # وفي الوقت الذي قال فيه نوح ذاك قولان. # أحدهما: عند نزوله في السفينة. # والثاني: عند نزوله من السفينة. # قوله تعالى: { إن في ذلك } أي: في قصة نوح وقومه { لآيات وإن كنا ~~} أي: وما كنا { لمبتلين } أي: لمختبرين إياهم بإرسال نوح إليهم. ~~{ ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } يعني: عادا { فأرسلنا فيهم رسولا ~~منهم } وهو هود، هذا قول الأكثرين؛ وقال أبو سليمان الدمشقي: هم ثمود، ~~والرسول صالح. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: { أيعدكم أنكم } قال ~~الزجاج: موضع «أنكم» نصب على معنى: أيعدكم [أنكم] مخرجون إذا ~~متم، فلما طال الكلام أعيد ذكر «أن» كقوله: # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم # [التوبة: 63]. # قوله تعالى: { هيهات هيهات } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «هيهات هيهات» بفتح التاء فيهما في الوصل، ~~وإسكانها في الوقف. # وقرأ أبي ابن كعب، وأبو مجلز، وهارون عن أبي عمرو: «هيهاتا هيهاتا» ~~بالنصب والتنوين. وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري، وأبو حيوة الحضرمي، ~~وابن السميفع: «هيهات هيهات» بالرفع والتنوين. وقرأ أبو العالية، ~~وقتادة: «هيهات هيهات» بالخفض والتنوين. وقرأ أبو جعفر: «هيهات ~~هيهات» بالخفض من غير تنوين، وكان يقف بالهاء. وقرأ أبو المتوكل الناجي، ~~وسعيد بن جبير، وعكرمة: «هيهات هيهات» بالرفع من غير تنوين، وقرأ معاذ ~~القارىء، وابن يعمر، وأبو رجاء، وخارجة عن أبي عمرو: «هيهات هيهات» ~~باسكان التاء فيهما. وفي «هيهات» عشر لغات قد ذكرنا منها سبعة عن القراء، ~~والثامنة: «إيهات»، والتاسعة: «إيهان» بالنون، والعاشرة: «إيها» بغير ~~نون، ذكرهن ابن القاسم؛ وأنشد الأحوص في الجمع بين لغتين منهن: # تذكر أياما مضين من الصبا # وهيهات هيهاتا إليك ms1421 رجوعها # قال الزجاج: فأما الفتح، فالوقف فيه بالهاء، تقول: «هيهاه» إذا فتحت ~~ووقفت بعد الفتح، فإذا كسرت ووقفت على التاء كنت ممن ينون في الوصل، ~~أو كنت ممن لا ينون. وتأويل «هيهات»: البعد لما توعدون. وإذا ~~قلت: «هيهات ما قلت»، فمعناه: بعيد ما قلت. وإذا قلت: «هيهات لما ~~قلت»، فمعناه: البعد لما قلت. ويقال: «أيهات» في معنى «هيهات»، وأنشدوا: # وأيهات أيهات العقيق ومن به # وأيهات وصل بالعقيق نواصله # قال أبو عمرو بن العلاء: إذا وقفت على «هيهات» فقل: «هيهاه». وقال ~~الفراء: الكسائي يختار الوقف بالهاء، وأنا اختار التاء. # قوله تعالى: { لما توعدون } قرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: «ما ~~توعدون» بغير لام. قال المفسرون: استبعد القوم بعثهم بعد الموت ~~إغفالا منهم للتفكر في بدو أمرهم وقدرة الله على إيجادهم، ~~وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبدا، { إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا } يعنون: ما الحياة إلا ما نحن فيه، و ليس بعد الموت حياة. # فإن قيل: كيف قالوا: { نموت ونحيا } وهم لا يقرون بالبعث؟ # فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها الزجاج. # أحدها: نموت ويحيا أولادنا، فكأنهم قالوا: يموت قوم ويحيا قوم. # والثاني: نحيا ونموت، لأن الواو للجمع، لا للترتيب. # والثالث: أبتداؤنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا، ثم نموت. # قوله تعالى: { إن هو } يعنون الرسول. وقد سبق تفسير ما بعد هذا [هود: ~~7، النحل: 38] إلى قوله: { قال عما قليل } قال الزجاج: معناه: عن ~~قليل، و«ما» زائدة بمعنى التوكيد. # قوله تعالى: { ليصبحن نادمين } أي: على كفرهم، { فأخذتهم ~~الصيحة بالحق } أي: باستحقاقهم العذاب بكفرهم. قال المفسرون: صاح بهم ~~جبريل صيحة رجفت لها الأرض من تحتهم، فصاروا لشدتها غثاء. قال أبو ~~عبيدة: الغثاء: ما أشبه الزبد وما ارتفع على السيل ونحو ذلك مما لا ~~ينتفع به في شيء. وقال ابن قتيبة: المعنى: فجعلناهم هلكى كالغثاء، ~~وهو ما علا السيل من الزبد والقمش، لأنه يذهب ويتفرق. # وقال الزجاج: الغثاء: الهالك والبالي من ورق الشجر الذي إذا جرى ~~السيل رأيته مخالطا زبده. وما بعد هذا قد سبق شرحه [الحجر: ms1422 5] إلى ~~قوله تعالى: { ثم أرسلنا رسلنا تترى } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو ~~جعفر: «تترى كلما» منونة والوقف بالألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: بلا تنوين، والوقف عند نافع وابن عامر بألف. وروى ~~هبيرة، وحفص عن عاصم، أنه يقف بالياء؛ قال أبو علي: يعني بقوله: يقف ~~بالياء، أي: بألف ممالة. قال الفراء: أكثر العرب على ترك التنوين، ~~ومنهم من نون، قال ابن قتيبة: والمعنى: نتابع بفترة بين كل رسولين، ~~وهو من التواتر، والأصل: وترى، فقلبت الواو تاء كما قلبوها في ~~التقوى والتخمة. وحكى الزجاج عن الأصمعي أنه قال: معنى واترت ~~الخبر: أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين هنية وقرأت على شيخنا ~~أبي منصور اللغوي قال: ومما تضعه العامة غير موضعه قولهم: تواترت كتبي ~~إليك، يعنون: اتصلت من غير انقطاع، فيضعون التواتر في موضع الاتصال، ~~وذلك غلط، إنما التواتر مجيء الشيء ثم انقطاعه ثم مجيئه، وهو التفاعل من ~~الوتر، وهو الفرد، يقال: واترت الخبر، أتبعت بعضه بعضا، وبين ~~الخبرين هنيهة، قال الله تعالى: { ثم أرسلنا رسلنا تترى } أصلها ~~«وترى» من المواترة، فأبدلت التاء من الواو، ومعناه: منقطعة متفاوتة، ~~لأن بين كل نبيين دهرا طويلا. وقال أبو هريرة: لا بأس بقضاء رمضان ~~تترى، أي: منقطعا. فإذا قيل: واتر فلان كتبه، فالمعنى: تابعها، وبين كل ~~كتابين فترة. # قوله تعالى: { فأتبعنا بعضهم بعضا } أي: أهلكنا الأمم بعضهم في ~~إثر بعض { وجعلناهم أحاديث } قال أبو عبيدة: أي: يتمثل بهم في ~~الشر؛ ولا يقال في الخير: جعلته حديثا. ### || [23.45-48] # قوله تعالى: { فاستكبروا } أي: عن الإيمان بالله وعبادته { وكانوا ~~قوما عالين } أي: قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم. # قوله تعالى: { وقومهما لنا عابدون } أي: مطيعون. قال أبو عبيدة: كل من ~~دان لملك فهو عابد له. ### || [23.49-50] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني: التوراة، أعطيها جملة ~~واحدة بعد غرق فرعون { لعلهم } يعني: بني إسرائيل، والمعنى: لكي ~~يهتدوا. # قوله تعالى: { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } وقرأ ابن مسعود، وابن أبي ~~عبلة: «آيتين» على التثنية، وهذا كقوله: # وجعلناها وابنها ms1423 آية # [الانبياء: 91] وقد سبق شرحه. # قوله تعالى: { وآويناهما } أي: جعلناهما يأويان { إلى ربوة } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «ربوة» بضم الراء. وقرأ عاصم، ~~وابن عامر: بفتحها. وقد شرحنا معنى الربوة في [البقرة: 265]، { ذات قرار ~~} أي: مستوية يستقر عليها ساكنوها، والمعنى: ذات موضع قرار. وقال ~~الزجاج: أي: ذات مستقر { ومعين } وهو الماء الجاري من العيون. وقال ~~ابن قتيبة: «ذات قرار» أي: يستقر بها للعمارة، «ومعين» هو الماء ~~الظاهر، ويقال: هو مفعول من العين، كأن أصله معيون، كما يقال: ثوب ~~مخيط، وبر مكيل. # واختلف المفسرون في موضع هذه الربوة الموصوفة على أربعة أقوال. # أحدها: أنها دمشق، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال عبد الله بن سلام، ~~وسعيد بن المسيب. # والثاني: أنها بيت المقدس، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال قتادة. وعن ~~الحسن كالقولين. # والثالث: أنها الرملة من أرض فلسطين، قاله أبو هريرة. # والرابع: مصر، قاله وهب بن منبه، وابن زيد، وابن السائب. # فأما السبب الذي لأجله أويا إلى الربوة، فقال أبو صالح عن ابن عباس: ~~فرت مريم بابنها عيسى من ملكهم، ثم رجعت إلى أهلها بعد اثنتي عشرة ~~سنة. قال وهب بن منبه: وكان الملك أراد قتل عيسى. ### || [23.51-56] # قوله تعالى: { يا أيها الرسل } قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة في ~~آخرين: يعني بالرسل هاهنا محمدا صلى الله عليه وسلم وحده، وهو مذهب ~~العرب في مخاطبة الواحد خطاب الجميع، ويتضمن هذا أن الرسل جميعا كذا ~~أمروا، وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة، والزجاج، والمراد بالطيبات: ~~الحلال. قال عمرو بن شرحبيل: كان عيسى عليه السلام يأكل من غزل أمه. # قوله تعالى: { وأن هذه أمتكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: ~~«وأن» بالفتح وتشديد النون. وافق ابن عامر في فتح الألف، لكنه سكن ~~النون. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «وإن» بكسر الألف وتشديد النون. ~~قال الفراء: من فتح، عطف على قوله: «إني بما تعملون عليم» وبأن هذه ~~أمتكم، فموضعها خفص لأنها مردودة على «ما»؛ وإن شئت كانت منصوبة ~~بفعل مضمر، ms1424 كأنك قلت: واعلموا هذا؛ ومن كسر استأنف. قال أبو علي الفارسي: ~~وأما ابن عامر، فإنه خفف النون المشددة، وإذا خففت تعلق بها ما ~~يتعلق بالمشددة. وقد شرحنا معنى الآية والتي بعدها في [الأنبياء 92] ~~إلى قوله: { زبرا } وقرأ ابن عباس، وأبو عمران الجوني: «زبرا» ~~برفع الزاي وفتح الباء. وقرأ أبو الجوزاء، وابن السميفع: «زبرا» برفع ~~الزاي وإسكان الباء. قال الزجاج: من قرأ «زبرا» بضم الباء، فتأويله: ~~جعلوا دينهم كتبا مختلفة، جمع زبور. ومن قرأ «زبرا» بفتح الباء، ~~أراد قطعا. # قوله تعالى: { كل حزب بما لديهم فرحون } أي: بما عندهم من ~~الدين الذي ابتدعوه معجبون، يرون أنهم على الحق. # وفي المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم أهل الكتاب، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم أهل الكتاب ومشركو العرب، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { فذرهم في غمرتهم } وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب: ~~«في غمراتهم» على الجمع. قال الزجاج: في عمايتهم وحيرتهم، { حتى حين } ~~أي: إلى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب. قال مقاتل: يعني كفار مكة. # فصل # وهل هذه الآية منسوخة، أم لا؟ فيها قولان. # أحدهما: أنها منسوخة بآية السيف. # والثاني: أن معناها التهديد، فهي محكمة. # قوله تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به } وقرأ عكرمة، وأبو ~~الجوزاء: «يمدهم» بالياء المرفوعة وكسر الميم. وقرأ أبو عمران ~~الجوني: «نمدهم» بنون مفتوحة ورفع الميم. قال الزجاج: المعنى: ~~أيحسبون أن الذي نمدهم به { من مال وبنين } مجازاة لهم؟! إنما هو ~~استدراج، { نسارع لهم في الخيرات } أي: نسارع لهم به في الخيرات. ~~وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وأيوب السختياني: «يسارع» بياء مرفوعة وكسر ~~الراء. وقرأ معاذ القارىء، وأبو المتوكل مثله، إلا أنهما فتحا الراء. ~~وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: «يسرع» بياء ~~مرفوعة وسكون السين ونصب الراء من غير ألف. # قوله تعالى: { بل لا يشعرون } أي: لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم. ### || [23.57-61] # ثم ذكر المؤمنين فقال: { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } ~~وقد شرحنا هذا المعنى في قوله: # وهم من خشيته مشفقون # [الانبياء: 28]. # قوله تعالى: { والذين يؤتون ms1425 ما آتوا } وقرأ عاصم الجحدري: «يأتون ما ~~أتوا» بقصر همزة «أتوا». # " وسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالت: يا ~~رسول الله، أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: «لا، بل هم الذين ~~يصلون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون، ويتصدقون وهم مشفقون أن لا ~~يتقبل منهم» " # قال الزجاج: فمعنى «يؤتون»: يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا ~~يتقبل منهم، { أنهم إلى ربهم راجعون } أي: لأنهم يوقنون أنهم ~~يرجعون. ومعنى «يأتون»: يعملون الخيرات وقلوبهم خائفة أن يكونوا مع ~~اجتهادهم مقصرين، { أولئك يسارعون في الخيرات } وقرأ أبو المتوكل، وابن ~~السميفع: «يسرعون» برفع الياء وإسكان السين وكسر الراء من غير ألف. ~~قال الزجاج: يقال: أسرعت وسارعت في معنى واحد، إلا أن «سارعت» أبلغ من ~~«أسرعت»، { وهم لها } أي: من أجلها، وهذا كما تقول: أنا أكرم فلانا لك، ~~أي: من أجلك. وقال بعض أهل العلم: الوجل المذكور هاهنا واقع على مضمر. ### || [23.62-67] # قوله تعالى: { ولدينا كتاب } يعني: اللوح المحفوظ { ينطق بالحق } ~~قد أثبت فيه أعمال الخلق، فهو ينطق بما يعملون { وهم لا يظلمون } أي: ~~لا ينقصون من ثواب أعمالهم. ثم عاد إلى الكفار، فقال: { بل قلوبهم في ~~غمرة من هذا } قال مقاتل: في غفلة عن الإيمان بالقرآن. وقال ابن جرير: ~~في عمى عن هذا القرآن. قال الزجاج: يجوز أن يكون إشارة إلى ما وصف من ~~أعمال البر في قوله: { أولئك يسارعون في الخيرات } ، فيكون المعنى: بل ~~قلوب هؤلاء في عماية من هذا؛ ويجوز أن يكون إشارة إلى الكتاب، فيكون ~~المعنى: بل قلوبهم في غمرة من الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم ~~محصاة فيه. # فخرج في المشار إليه ب { هذا } ثلاثة أقوال. # أحدها: القرآن. # والثاني: أعمال البر. # والثالث: اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: { ولهم أعمال من دون ذلك } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أعمال سيئة دون الشرك، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: خطايا من دون ذلك الحق، قاله مجاهد. وقال ابن جرير: من دون ~~أعمال المؤمنين وأهل التقوى والخشية. # والثالث: أعمال غير الأعمال التي ms1426 ذكروا بها سيعملونها، قاله الزجاج. # والرابع: أعمال - من قبل الحين الذي قدر الله تعالى أنه يعذبهم عند ~~مجيئه - من المعاصي، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { هم لها عاملون } إخبار بما سيعملونه من أعمالهم الخبيثة ~~التي كتبت عليهم لا بد لهم من عملها. # قوله تعالى: { حتى إذا أخذنا مترفيهم } أي: أغنياءهم ورؤساءهم، ~~والإشارة إلى قريش. وفي المراد «بالعذاب» قولان. # أحدهما: ضرب السيوف يوم بدر، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: الجوع الذي عذبوا به سبع سنين، قاله ابن السائب. و { ~~يجأرون } بمعنى: يصيحون. { لا تجأروا اليوم } أي: لا تستغيثوا من ~~العذاب { إنكم منا لا تنصرون } أي: لا تمنعون من عذابنا. { ~~قد كانت آياتي تتلى عليكم } يعني: القرآن { فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون } أي: ترجعون وتتأخرون عن الإيمان بها. { مستكبرين } ~~منصوب على الحال. وقوله: { به } الكناية عن البيت الحرام، وهي كناية عن ~~غير مذكور؛ والمعنى: إنكم تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرم، لأمنكم فيه ~~مع خوف سائر الناس في مواطنهم. تقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف أحدا. ~~ونحن أهل بيت الله وولاته، هذا مذهب ابن عباس وغيره. قال الزجاج: ~~ويجوز أن تكون الهاء في «به» للكتاب، فيكون المعنى: تحدث لكم تلاوته ~~عليكم استكبارا. # قوله تعالى: { سامرا } قال أبو عبيدة: معناه: تهجرون سمارا، ~~والسامر بمعنى السمار، بمنزلة طفل في موضع أطفال، وهو من سمر ~~الليل. وقال ابن قتيبة: «سامرا» أي: متحدثين ليلا، والسمر: حديث ~~الليل. وقرأ أبي بن كعب، وأبو العالية، وابن محيصن: «سمرا» بضم ~~السين وتشديد الميم وفتحها، جمع سامر. # وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري: «سمارا» برفع السين ~~تشديد الميم وألف بعدها. # قوله تعالى: { تهجرون } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: «تهجرون» بفتح التاء وضم الجيم. وفي معناها أربعة ~~أقوال. # أحدها: تهجرون ذكر الله والحق، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: تهجرون كتاب الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم، قاله ~~الحسن. # والثالث: تهجرون البيت، قاله أبو صالح. وقال سعيد بن جبير: كانت قريش ~~تسمر حول البيت، وتفتخر ms1427 به ولا تطوف به. # والرابع: تقولون هجرا من القول، وهو اللغو والهذيان، قاله ابن ~~قتيبة. قال الفراء: يقال: قد هجر الرجل في منامه: إذا هذى، والمعنى: ~~إنكم تقولون في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه ومالا ~~يضره. # وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن محيصن، ونافع: «تهجرون» ~~بضم التاء وكسر الجيم. قال ابن قتيبة: وهذا من الهجر، وهو السب ~~والإفحاش من المنطق، يريد سبهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه. ~~وقرأ أبو العالية، وعكرمة، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: «تهجرون» ~~بتشديد الجيم ورفع التاء؛ قال ابن الأنباري: ومعناها معنى قراءة ابن ~~عباس. ### || [23.68-70] # قوله تعالى: { أفلم يدبروا القول } يعني: القرآن، فيعرفوا ما فيه ~~من الدلالات والعبر على صدق رسولهم { أم جاءهم مالم يأت آباءهم ~~الأولين } المعنى: أليس قد أرسل الأنبياء إلى أممهم كما أرسل محمد ~~صلى الله عليه وسلم؟! { أم لم يعرفوا رسولهم } هذا توبيخ لهم، لأنهم ~~عرفوا نسبه وصدقه وأمانته صغيرا وكبيرا ثم أعرضوا عنه. والجنة: ~~الجنون، { بل جاءهم بالحق } يعني القرآن. ### || [23.71-73] # قوله تعالى: { ولو اتبع الحق أهواءهم } في المراد بالحق قولان. # أحدهما: أنه الله عز وجل، قاله مجاهد، وابن جريج، والسدي في آخرين. # والثاني: أنه القرآن، ذكره الفراء، والزجاج. فعلى القول الأول يكون ~~المعنى: لو جعل الله لنفسه شريكا كما يحبون. وعلى الثاني: لو نزل ~~القرآن بما يحبون من جعل شريك لله { لفسدت السموات والأرض و من فيهن بل ~~أتيناهم بذكرهم } أي: بما فيه شرفهم وفخرهم، وهو القرآن { فهم عن ~~ذكرهم معرضون } أي: قد تولوا عما جاءهم من شرف الدنيا والآخرة. ~~وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: «بل أتيناهم ~~بذكراهم فهم عن ذكراهم معرضون» بألف فيهما. { أم تسألهم } عما ~~جئتهم به { خرجا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: «خرجا» ~~بغير ألف [«فخراج» بألف]. وقرأ ابن عامر: «خرجا فخرج» بغير ألف في ~~الحرفين. وقرأ حمزة، والكسائي: «خراجا» بألف «فخراج» بألف في الحرفين. ~~ومعنى «خرجا»: أجرا ومالا، { فخراج ربك } أي: ms1428 فما يعطيك ربك من ~~أجره وثوابه { خير وهو خير الرازقين } أي: أفضل من أعطى؛ وهذا على سبيل ~~التنبيه لهم أنه لم يسألهم أجرا، لا أنه قد سألهم والناكب: العادل؛ ~~يقال: نكب عن الطريق، أي: عدل عنه. ### || [23.74-77] # قوله تعالى: { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر } قال ابن عباس: ~~الضر هاهنا: الجوع الذي نزل بأهل مكة حين دعا عليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # " اللهم أعني على قريش بسنين كسني يوسف " # ، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ~~الضر، وأنهم قد أكلوا القد والعظام، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، ~~وهو العذاب المذكور في قوله: { ولقد أخذناهم بالعذاب }. # قوله تعالى: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنه يوم بدر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: أنه الجوع الذي أصابهم، قاله مقاتل. # والثالث: باب من عذاب جهنم في الآخرة، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { إذا هم فيه مبلسون } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ~~وأبو المتوكل، وأبو نهيك، ومعاذ القارىء: «مبلسون» بفتح اللام. وقد ~~شرحنا معنى المبلس في [الأنعام: 45]. ### || [23.78-85] # قوله تعالى: { قليلا ما تشكرون } قال المفسرون: يريد أنهم لا يشكرون ~~أصلا. # قوله تعالى: { ذرأكم في الأرض } أي: خلقكم من الأرض. # قوله تعالى: { وله اختلاف الليل والنهار } أي: هو الذي جعلهما مختلفين ~~يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض { أفلا تعقلون } ما ترون من ~~صنعه؟! وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: { قل لمن الأرض } أي: قل لأهل مكة ~~المكذبين بالبعث: لمن الأرض { ومن فيها } من الخلق { إن كنتم ~~تعلمون } بحالها، { سيقولون لله } قرأ أبو عمرو: «لله» بغير ألف هاهنا، ~~وفي اللذين بعدها بألف. وقرأ الباقون: «لله» في المواضع الثلاثة. ~~وقراءة أبي عمرو على القياس. قال الزجاج: ومن قرأ: «سيقولون الله» فهو ~~جواب السؤال، ومن قرأ «لله» فجيد أيضا، لأنك إذا قلت؛ من صاحب هذه ~~الدار؟ فقيل: لزيد، جاز، لأن معنى «من صاحب هذه الدار؟»: لمن هي؟ وقال ~~أبو علي الفارسي: من ms1429 قرأ «لله» في الموضعين الآخرين، فقد أجاب على ~~المعنى دون ما يقتضيه اللفظ. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء: «سيقولون الله» «الله» «الله» بألف فيهن كلهن. قال أبو علي ~~الأهوازي: وهو في مصاحف أهل البصرة بألف فيهن. # قوله تعالى: { قل أفلا تذكرون } فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ~~ابتداءا، أقدر على إحياء الأموات؟! ### || [23.86-89] # قوله تعالى: { أفلا تتقون } فيه قولان. # أحدهما: تتقون عبادة غيره. # والثاني: تخشون عذابه. فأما الملكوت، فقد شرحناه في [الأنعام: 75]. # قوله تعالى: { وهو يجير ولا يجار عليه } أي: يمنع [من] السوء من ~~شاء، ولا يمنع منه من أراده بسوء، يقال: أجرت فلانا: أي: حميته، ~~وأجرت عليه: أي: حميت عنه. # قوله تعالى: { فأنى تسحرون } قال ابن قتيبة: أنى تخدعون ~~وتصرفون عن هذا؟! ### || [23.90-92] # قوله تعالى: { بل أتيناهم بالحق } أي: بالتوحيد والقرآن { وإنهم ~~لكاذبون } فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك؛ ثم نفاهما عنه بما ~~بعد هذا إلى قوله: { إذا لذهب كل إله بما خلق } أي: لانفرد ~~بخلقه ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ولمنع الإله ~~الآخر عن الاستيلاء على ما خلق { ولعلا بعضهم على بعض } أي: غلب بعضهم ~~بعضا. # قوله تعالى: { عالم الغيب } قرأ ابن كثير، وأبو [عمرو، وابن] عامر، ~~وحفص عن عاصم: «عالم» بالخفض. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: «عالم» بالرفع. قال الأخفش: الجر أجود، ليكون الكلام من وجه ~~واحد، والرفع، على أن يكون خبر ابتداء محذوف، ويقويه أن الكلام الأول ~~قد انقطع. ### || [23.93-98] # قوله تعالى: { إما تريني } وقرأ أبو عمران الجوني، والضحاك: ~~«ترئني» بالهمز بين الراء والنون من غير ياء. والمعنى: إن أريتني ما ~~يوعدون من القتل والعذاب، فاجعلني خارجا عنهم ولا تهلكني بهلاكهم؛ ~~فأراه الله تعالى ما وعدهم ببدر وغيرها، ونجاه ومن معه. # قوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } فيه أربعة أقوال. # أحدها: ادفع إساءة المسيء بالصفح، قاله الحسن. # والثاني: ادفع الفحش بالسلام، قاله عطاء، والضحاك. # والثالث: ادفع الشرك بالتوحيد، قاله ابن السائب. # والرابع: ادفع المنكر ms1430 بالموعظة، حكاه الماوردي. وذكر بعض المفسرين أن ~~هذا منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: { نحن أعلم بما يصفون } أي: بما يقولون من الشرك ~~والتكذيب؛ والمعنى إنا نجازيهم على ذلك. { وقل رب أعوذ } أي: ألجأ ~~وأمتنع { بك من همزات الشياطين } قال ابن قتيبة: هو نخسها ~~وطعنها، ومنه قيل للعائب: همزة، كأنه يطعن وينخس إذا عاب. ~~وقال ابن فارس: الهمز كالعصر، يقال: همزت الشيء في كفي، ومنه ~~الهمز في الكلام، لأنه كأنه يضغط الحرف، وقال غيره: الهمز في اللغة: ~~الدفع، وهمزات الشياطين: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. # قوله تعالى: { أن يحضرون } أي: أن يشهدون؛ والمعنى: أن يصيبوني ~~بسوء، لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم إلا بسوء. ثم أخبر أن هؤلاء الكفار ~~المنكرين للبعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند الموت بالآية التي تلي ~~هذه، وقيل: هذا السؤال منهم للملائكة الذين يقبضون أرواحهم. # فإن قيل: كيف قال: «ارجعون» وهو يريد: «ارجعني»؟ # فالجواب: أن هذا اللفظ تعرفه العرب للعظيم الشأن، وذلك أنه يخبر عن نفسه ~~[فيه] بما تخبر به الجماعة، كقوله: # إنا نحن نحيي ونميت # [ق: 43]، فجاء خطابه كإخباره عن نفسه، هذا قول الزجاج. ### || [23.99-104] # قوله تعالى: { لعلي أعمل صالحا فيما تركت } قال ابن عباس: فيما ~~مضى من عمري؛ وقال مقاتل: فيما تركت من العمل الصالح. # قوله تعالى: { كلا } أي: لا يرجع إلى الدنيا { إنها } يعني: ~~مسألته الرجعة { كلمة هو قائلها } أي: هو كلام لا فائدة له فيه { ومن ~~ورائهم } أي: أمامهم وبين أيديهم { برزخ } قال ابن قتيبة: البرزخ: ما بين ~~الدنيا والآخرة، وكل شيء بين شيئين فهو برزخ. وقال الزجاج: البرزخ في ~~اللغة: الحاجز، وهو هاهنا: ما بين موت الميت وبعثه. # قوله تعالى: { فإذا نفخ في الصور } في هذه النفخة قولان. # أحدهما: أنها النفخة الأولى، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنها الثانية، رواه عطاء عن ابن عباس. # قوله تعالى: { فلا أنساب بينهم } في الكلام محذوف، تقديره: لا أنساب ~~بينهم يومئذ يتفاخرون بها أو يتقاطعون بها، لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ، ~~إنما يرفع التواصل ms1431 والتفخار بها. # وفي قوله: { ولا يتساءلون } ثلاثة أقوال. # أحدها: لا يتساءلون بالأنساب أن يترك بعضهم لبعض حقه. # والثاني: لا يسأل بعضهم بعضا عن شأنه، لاشتغال كل واحد بنفسه. # والثالث: لا يسأل بعضهم بعضا من أي قبيل أنت، كما تفعل العرب لتعرف ~~النسب فتعرف قدر الرجل. وما بعد هذا قد سبق تفسيره [الأعراف: 8] إلى ~~قوله: { تلفح وجوههم النار } قال الزجاج: تلفح وتنفح بمعنى ~~واحد، إلا أن اللفح أعظم تأثيرا، والكالح: الذي قد تشمرت شفته عن ~~أسنانه، نحو ما ترى [من] رؤوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه. ~~وقال ابن مسعود: قد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم كالرأس المشيط بالنار. ~~وروى أبو عبد الله الحاكم في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: # " تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته ~~السفلى حتى تبلغ سرته ". ### || [23.105-111] # قوله تعالى: { ألم تكن } المعنى: ويقال لهم: ألم تكن { آياتي تتلى ~~عليكم } يعني: القرآن. { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } قرأ ابن ~~كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «شقوتنا» بكسر الشين من غير ~~ألف، وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين العقيلي، وأبو رجاء العطاردي كذلك، ~~إلا أنه بفتح الشين. و قرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والحسن، والأعمش، وحمزة، والكسائي: «شقاوتنا» بألف مع فتح ~~الشين والقاف؛ وعن الحسن، وقتادة كذلك، إلا أن الشين مكسورة. قال ~~المفسرون: أقر القوم بأن ما كتب عليهم من الشقاء منعهم الهدى. # قوله تعالى: { ربنا أخرجنا منها } أي: من النار. قال ابن عباس: طلبوا ~~الرجوع إلى الدنيا { فإن عدنا } أي: إلى الكفر والمعاصي. # قوله تعالى: { اخسؤوا } قال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط، يقال: ~~خسأت الكلب أخسؤه: إذا زجرته ليتباعد. # قوله تعالى: { ولا تكلمون } أي: في رفع العذاب عنكم. قال عبد الله بن ~~عمرو: إن أهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما، فلا يجيبهم، ثم يقول: # إنكم ماكثون # [الزخرف: 77]، ثم ينادون ربهم { ربنا أخرجنا منها } فيدعهم مثل ~~عمر الدنيا، ms1432 ثم يقول: { إنكم ماكثون } ثم ينادون ربهم { ربنا ~~أخرجنا منها } فيدعهم مثل عمر الدنيا، ثم يرد عليهم { اخسؤوا فيها ~~ولا تكلمون } فما ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان، إلا الزفير ~~والشهيق. ثم بين الذي لأجله أخسأهم بقوله: { إنه } وقرأ ابن مسعود. ~~وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: «أنه» بفتح الهمزة { كان فريق من ~~عبادي } قال ابن عباس: يريد المهاجرين. قوله تعالى: { فاتخذتموهم } ~~قال الزجاج: الأجود إدغام الذال في التاء لقرب المخرجين، وإن شئت ~~أظهرت، لأن الذال من كلمة والتاء من كلمة، وبين الذال والتاء في المخرج ~~شيء من التباعد. # قوله تعالى: { سخريا } قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو حاتم عن ~~يعقوب: «سخريا» بضم السين هاهنا وفي [ص: 63]، تابعهم المفضل في [ص: ~~32]. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: بكسر السين في ~~السورتين. ولم يختلف في ضم السين في الحرف الذي في [الزخرف: 32]. واختار ~~الفراء الضم، والزجاج الكسر. وهل هما بمعنى؟ فيه قولان. # أحدهما: أنهما لغتان ومعناهما واحد، قاله الخليل، وسيبويه، ومثله قول ~~العرب، بحر لجي ولجي، وكوكب دري ودري. # والثاني: أن الكسر بمعنى الهمز، والضم بمعنى: السخرة والاستعباد، قاله ~~أبو عبيدة، وحكاه الفراء، وهو مروي عن الحسن، وقتادة. # قال أبو علي: قراءة من كسر أرجح من قراءة من ضم، لأنه من الهزء، ~~والأكثر في الهزء كسر السين. قال مقاتل: كان رؤوس كفار قريش كأبي جهل ~~وعقبة [والوليد] قد اتخذوا فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كعمار وبلال وخباب وصهيب سخريا يستهزئون بهم ويضحكون منهم. قوله ~~تعالى: { حتى أنسوكم ذكري } أي: أنساكم الاشتغال بالاستهزاء بهم ~~ذكري، فنسب الفعل إلى المؤمنين وإن لم يفعلوه، لأنهم كانوا السبب في ~~وجوده، كقوله: # إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم: 36]. # قوله تعالى: { إني جزيتهم اليوم بما صبروا } أي: على أذاكم ~~واستهزائكم { أنهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «أنهم»، بفتح الألف. وقرأ حمزة، والكسائي: «إنهم» بكسرها. فمن ~~فتح «أنهم»، فالمعنى: جزيتهم بصبرهم الفوز، ومن كسر «إنهم»، استأنف. ### || [23.112-118] # قوله تعالى: { قال ms1433 كم لبثتم } قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«قال كم لبثتم» وهذا سؤال الله تعالى للكافرين. وفي وقته قولان. # أحدهما: أنه يسألهم يوم البعث. # والثاني: بعد حصولهم في النار. # وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: «قل كم لبثتم» وفيها قولان. # أحدهما: أنه خطاب لكل واحد منهم، والمعنى: قل يا أيها الكافر. # والثاني: أن المعنى: قولوا، فأخرجه مخرج الأمر للواحد، والمراد الجماعة، ~~لأن المعنى مفهوم. وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي يدغمون ثاء «لبثتم»، ~~والباقون لا يدغمونها؛ فمن أدغم، فلتقارب مخرج الثاء والتاء، ومن لم ~~يدغم، فلتباين المخرجين. # وفي المراد بالأرض قولان. # أحدهما: أنها القبور. # والثاني: الدنيا. فاحتقر القوم ما لبثوا لما عاينوا من الأهوال والعذاب ~~فقالوا: { لبثنا يوما أو بعض يوم } قال الفراء: والمعنى: لا ندري كم ~~لبثنا. # وفي المراد بالعادين قولان. # أحدهما: الملائكة، قاله مجاهد. # والثاني: الحساب، قاله قتادة، وقرأ الحسن، والزهري، وأبو عمران ~~الجوني، وابن يعمر: «العادين» بتخفيف الدال. # قوله تعالى: { قال إن لبثتم } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «قال إن لبثتم». وقرأ حمزة، والكسائي: «قل إن لبثتم» على ~~معنى: قل أيها السائل عن لبثهم. وزعموا أن في مصحف أهل الكوفة «قل» في ~~الموضعين، فقرأهما حمزة، والكسائي على ما في مصاحفهم، أي: ما لبثتم في ~~الأرض { إلا قليلا } لأن مكثهم في الأرض وإن طال، فإنه متناه، ~~ومكثهم في النار لا يتناهى. # وفي قوله: { لو أنكم كنتم تعلمون } قولان. # أحدهما: لو علمتم قدر لبثكم في الأرض. # والثاني: لم علمتم أنكم إلى الله ترجعون، فعملتم لذلك. # قوله تعالى: { أفحسبتم } أي: أفظننتم { أنما خلقناكم عبثا ~~} أي: للعبث؛ والعبث في اللغة: اللعب، وقيل: هو الفعل لا لغرض صحيح، { ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم: «لا ~~ترجعون» بضم التاء. وقرأ حمزة، والكسائي بفتحها. { فتعالى الله } ~~عما يصفه به الجاهلون من الشرك والولد، { الملك } قال الخطابي: ~~هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات. وأما المالك: فهو الخالص ~~الملك. وقد ذكرنا معنى «الحق» في [يونس: 32]. # قوله تعالى: { رب العرش الكريم ms1434 } والكريم في صفة الجماد بمعنى: ~~الحسن. وقرأ ابن محيصن: «الكريم» برفع الميم، يعني الله عز وجل. # قوله تعالى: { لا برهان له به } أي: لا حجة له به ولا دليل؛ وقال ~~بعضهم: معناه: فلا برهان له به. # قوله تعالى: { فإنما حسابه عند ربه } أي: جزاؤه عند ربه. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-3] # وهي مدنية كلها باجماعهم # روى أبو عبدالله الحاكم في " صحيحه " من حديث عائشة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن ~~المغزل وسورة النور " # ، يعني: النساء. # قوله عز وجل: { سورة } قرأ الجمهور بالرفع. وقرأ أبو رزين العقبلي، ~~وابن أبي عبلة، ومحبوب عن أبي عمرو: { سورة } بالنصب. قال أبو عبيدة: من ~~رفع، فعلى الابتداء. وقال الزجاج: هذا قبيح، لأنها نكرة، و { أنزلناها } ~~صفة لها، وإنما الرفع على إضمار: هذه سورة، والنصب على وجهين، أحدهما ~~على معنى: أنزلنا سورة، وعلى معنى: أتل سورة. # قوله تعالى: { وفرضناها } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتشديد، وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وعكرمة، والضحاك، والزهري، ~~ونافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وابن يعمر، ~~والأعمش، وابن أبي عبلة بالتخفيف. قال الزجاج: من قرأ بالتشديد، فعلى ~~وجهين. # أحدهما: على معنى التكثير، أي: إننا فرضنا فيها فروضا. # والثاني: على معنى: بينا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام؛ ومن ~~قرأ بالتخفيف، فمعناه: ألزمناكم العمل بما فرض فيها. وقال غيره: من ~~شدد، أراد: فصلنا فرائضها، ومن خفف، فمعناه: فرضنا ما فيها. # قوله تعالى: { الزانية والزاني } القراءة المشهورة بالرفع. وقرأ أبو ~~رزين العقيلي، وأبو الجوزاء، وابن أبي عبلة، وعيسى بن عمر: { الزانية } ~~بالنصب. واختار الخليل وسيبويه الرفع اختيار الأكثرين. قال الزجاج: ~~والرفع أقوى في العربية، لأن معناه: من زنى فاجلدوه، فتأويله الابتداء، ~~ويجوز النصب على معنى: اجلدوا الزانية. فأما الجلد، فهو ضرب الجلد؛ ~~يقال: جلده: إذا ضرب جلده، كما يقال: بطنه: إذا ضرب بطنه. # قال المفسرون: ومعنى الآية: الزانية والزاني إذا كانا حرين بالغين ~~بكرين، { فاجلدوا كل واحد منهما مائة ms1435 جلدة }. # فصل # قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية تقتضي وجوب الجلد على البكر ~~والثيب. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق البكر زيادة ~~على الجلد بتغريب عام، وفي حق الثيب زيادة على الجلد بالرجم ~~بالحجارة. فروى عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد ~~مائة ورجم بالحجارة " # وممن قال بوجوب النفي في حق البكر أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ~~وابن عمر، وممن بعدهم عطاء، وطاووس، وسفيان، ومالك، وابن أبي ليلى، ~~والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وممن قال بالجمع بين الجلد والرجم في حق ~~الثيب علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والحسن بن صالح، وأحمد، ~~وإسحاق. قال: وذهب قوم من العلماء إلى أن المراد بالجلد المذكور في ~~هذه الآية: البكر، فأما الثيب، فلا يجب عليه الجلد، وإنما يجب ~~الرجم، روي عن عمر، وبه قال النخعي، والزهري والأوزاعي والثوري وأبو ~~حنيفة ومالك، وروي عن أحمد رواية مثل قول هؤلاء. # قوله تعالى: { ولا تأخذكم } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~رزين، والضحاك، وابن يعمر، والأعمش: { يأخذكم } بالياء، { بهما ~~رأفة } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: { ~~رأفة } باسكان الهمزة. وقرأ أبو المتوكل، ومجاهد، وأبو عمران الجوني، ~~وابن كثير: بفتح الهمزة وقصرها على وزن رعفة. وقرأ سعيد بن جبير، ~~والضحاك، وأبو رجاء العطاردي: { رآفة } مثل سآمة وكآبة. # وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: لا تأخذكم بهما رأفة، فتخففوا الضرب، ولكن أوجعوهما، قاله ~~سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة. # والثاني: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، قاله ~~مجاهد، والشعبي، وابن زبد في آخرين. # فصل # واختلف العلماء في شدة الضرب في الحدود، فقال الحسن البصري: ضرب الزنا ~~أشد من القذف، والقذف أشد من الشرب، ويضرب الشارب أشد من ضرب التعزير، ~~وعلى هذا مذهب أصحابنا. وقال أبو حنيفة: التعزير أشد الضرب، وضرب الزنى ~~أشد من ضرب الشارب، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف. وقال مالك: الضرب في ms1436 ~~الحدود كلها سواء غير مبرح. # فصل # فأما ما يضرب من الأعضاء، فنقل الميموني عن أحمد في جلد الزاني، ~~قال: يجرد، ويعطى كل عضو حقه، ولا يضرب وجهه ولا رأسه. ونقل يعقوب ~~ابن بختان: لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير، وهو قول أبي حنيفة. ~~وقال مالك: لا يضرب إلا في الظهر. وقال الشافعي: يتقى الفرج ~~والوجه. # قوله تعالى: { في دين الله } فيه قولان. # أحدهما: في حكمه، قاله ابن عباس. # والثاني: في طاعة الله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } قال الزجاج: ~~القراءة باسكان اللام، ويجوز كسرها. والمراد بعذابهما ضربهما. # وفي المراد بالطائفة هاهنا خمسة أقوال. # أحدها: الرجل فما فوقه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. ~~وقال النخعي: الواحد طائفة. # والثاني: الاثنان فصاعدا، قاله سعيد بن جبير، وعطاء؛ وعن عكرمة ~~كالقولين. قال الزجاج: والقول الأول على غير ما عند أهل اللغة، لأن ~~الطائفة في معنى جماعة، وأقل الجماعة اثنان. # والثالث: ثلاثة فصاعدا، قاله الزهري. # والرابع: أربعة، قاله ابن زيد. # والخامس: عشرة، قاله الحسن البصري. # قوله تعالى: { الزاني لا ينكح إلا زانية } قال عبد الله بن عمرو: ~~كانت امرأة تسافح، وتشترط للذي يتزوجها أن تكفيه النفقة فأراد رجل من ~~المسلمين أن يتزوجها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه ~~الآية. وقال عكرمة: نزلت في بغايا، كن بمكة، ومنهن تسع صواحب رايات، ~~وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية: المواخير، ولا يدخل عليهن إلا زان من ~~أهل القبلة، أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، ~~فنزلت هذه الآية. # قال المفسرون: ومعنى الآية: الزاني من المسلمين لا يتزوج من أولئك ~~البغايا إلا زانية { أو مشركة } لأنهن كذلك كن { والزانية } منهن { لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك } ، ومذهب أصحابنا أنه إذا زنى بامرأة لم يجز ~~له أن يتزوجها إلا بعد التوبة منهما. # قوله تعالى: { وحرم ذلك } وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء: { وحرم الله ذلك } بزيادة اسم الله عز وجل مع فتح ms1437 حروف { ~~حرم }. وقرأ زيد بن علي { وحرم ذلك } بفتح الحاء وضم الراء مخففة. ~~ثم فيه قولان. # أحدهما: أنه نكاح الزواني، قاله مقاتل. # والثاني: الزنا: قاله الفراء. ### || [24.4-5] # قوله تعالى: { والذين يرمون المحصنات } شرائط الإحصان في الزنا ~~الموجب للرجم عندنا أربعة: البلوغ، والحرية، والعقل، والوطء في نكاح ~~صحيح. فأما الإسلام فليس بشرط في الإحصان، خلافا لأبي حنيفة، ومالك. ~~وأما شرائط إحصان القذف فأربع: الحرية، والإسلام، والعفة، وأن يكون ~~المقذوف ممن يجامع مثله. ومعنى الآية: يرمون المحصنات بالزنا، فاكتفى ~~بذكره المتقدم عن إعادته، { ثم لم يأتوا } على على ما رموهن به { ~~بأربعة شهداء } عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك، { فاجلدوهم } ~~يعني القاذفين. # فصل # وقد أفادت هذه الآية أن على القاذف إذا لم يقم البينة الحد ~~ورد الشهادة وثبوت الفسق. واختلفوا هل يحكم بفسقه ورد شهادته ~~بنفس القذف، أم بالحد؟ فعلى قول أصحابنا: إنه يحكم بفسقه ورد ~~شهادته إذا لم يقم البينة، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: ~~لا يحكم بفسقه، وتقبل شهادته مالم يقم الحد عليه. # فصل # والتعريض بالقذف - كقوله لمن يخاصمه: ما أنت بزان، ولا أمك زانية - ~~يوجب الحد في المشهور من مذهبنا. وقال أبو حنيفة: لا يوجب الحد. ~~وحد العبد في القذف نصف حد الحر، وهو أربعون، قاله الجماعة، إلا ~~الأوزاعي، فانه قال: ثمانون. فأما قاذف المجنون، فقال الجماعة: لا ~~يحد. وقال الليث: يحد. فأما الصبي، فان كان مثله يجامع أو كانت ~~صبية مثلها يجامع، فعلى القاذف الحد. وقال مالك: يحد قاذف ~~الصبية التي يجامع مثلها، ولا يحد قاذف الصبي. وقال أبو حنيفه، ~~والشافعي: لا يحد قاذفهما. فان قذف رجل جماعة بكلمة واحدة، فعليه ~~حد واحد، وإن أفرد كل واحد بكلمة، فعليه لكل واحد حد. وهو قول ~~الشعبي، وابن أبي ليلى؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه حد واحد، سواء ~~قذفهم بكلمة أو بكلمات. # فصل # وحد القذف حق لآدمي، يصح أن يبرىء منه، ويعفو عنه، وقال أبو حنيفة: ~~هو حق لله. وعندنا [أنه] لا يستوفى إلا بمطالبة المقذوف، وهو قول ms1438 ~~الأكثرين. وقال ابن أبي ليلى: يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف. # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } أي: من القذف { وأصلحوا } قال ابن ~~عباس: أظهروا التوبة؛ وقال غيره: لم يعودوا إلى قذف المحصنات. # وفي هذا الإستثناء قولان. # أحدهما: أنه نسخ حد القذف وإسقاط الشهادة معا، وهذا قول عكرمة، ~~والشعبي، وطاووس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، والزهري، والشافعي، وأحمد. # والثاني: أنه يعود إلى الفسق فقط، وأما الشهادة، فلا تقبل أبدا، ~~قاله الحسن، وشريح، وإبراهيم، وقتادة. فعلى هذا القول انقطع الكلام عند ~~قوله: { أبدا }؛ وعلى القول الأول وقع الاستثناء على جميع الكلام، وهذا ~~أصح، لأن المتكلم بالفاحشة، لا يكون أعظم جرما من راكبها، فإذا قبلت ~~شهادة المقذوف بعد ثبوته، فالرامي أيسر جرما، وليس القاذف بأشد جرما ~~من الكافر، فإنه إذا أسلم قبلت شهادته. ### || [24.6-10] # قوله تعالى: { والذين يرمون أزواجهم } سبب نزولها # " أن هلال بن أمية وجد عند أهله رجلا، فرأى بعينه وسمع بأذنه، فلم ~~يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله: إني جئت أهلي، فوجدت عندها رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، واشتد عليه، فقال سعد بن ~~عبادة: الآن يضرب رسول الله هلالا ويبطل شهادته، فقال هلال: والله ~~إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا، فوالله إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه [إذ] نزل عليه الوحي، فنزلت هذه ~~الآية " # ، رواه عكرمة عن ابن عباس. وفي حديث آخر # " أن الرجل الذي قذفها به شريك بن سحماء، وأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لهلال حين قذفها: «ائتني بأربعة شهداء، وإلا فحد في ظهرك»، ~~فنزلت هذه الآية " # ، فنسخ حكم الجلد في حق الزوج القاذف. # فصل # في بيان حكم الآية # إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، لزمه الحد، وله التخلص منه باقامة ~~البينة، أو باللعان، فإن أقام البينة لزمها الحد، وإن لاعنها، ~~فقد حقق عليها الزنا، ولها التخلص منه باللعان؛ فإن نكل الزوج عن ms1439 ~~اللعان، فعليه حد القذف، وإن نكلت الزوجة، لم تحد، وحبست حتى ~~تلاعن أو تقر بالزنا في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: يخلى ~~سبيلها. وقال أبو حنيفة: لا يحد واحد منهما، ويحبس حتى يلاعن. ~~وقال مالك، والشافعي: يجب الحد على الناكل منهما. # فصل # ولا تصح الملاعنة إلا بحضرة الحاكم. فان كانت المرأة خفرة، بعث ~~الحاكم من يلاعن بينهما. وصفة اللعان أن يبدأ الزوج فيقول: أشهد بالله ~~إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، أربع مرات، ثم يقول في ~~الخامسة: ولعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقول الزوجة أربع ~~مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا، ثم تقول: وغضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين. والسنة أن يتلاعنا قياما، ويقال للزوج ~~إذا بلغ اللعنة: اتق الله فانها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب ~~الآخرة، وكذلك يقال للزوجة إذا بلغت إلى الغضب. فإن كان بينهما ولد، ~~اقتصر نفيه عن الأب إلى ذكره في اللعان، فيزيد في الشهادة: وما هذا ~~الولد ولدي، وتزيد هي: وإن [هذا] الولد ولده. # فصل # واختلف الفقهاء في الزوجين اللذين يجري بينهما اللعان، فالمشهور عن ~~أحمد أن كل زوج صح قذفه صح لعانه، فيدخل تحت هذا المسلم والكافر والحر ~~والعبد، وكذلك المرأة، وهذا قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ~~اللعان بين الحر والأمة، ولا بين العبد والحرة، ولا بين الذميين، ~~أو إذا كان أحدهما ذميا؛ ونقل حرب عن أحمد نحو هذا، والمذهب هو الأول. # ولا تختلف الرواية عن أحمد: أن فرقة اللعان لا تقع بلعان الزوج وحده. ~~واختلف هل تقع بلعانهما من غير فرقة الحاكم على روايتين. وتحريم اللعان ~~مؤبد، فان أكذب الملاعن نفسه لم تحل له زوجته أيضا، وبه قال عمر، ~~وعلي، وابن مسعود؛ وعن أحمد روايتان، أصحهما: هذا، والثانية: يجتمعان بعد ~~التكذيب، وهو قول أبي حنيفة. # قوله تعالى: { ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم } وقرأ أبو المتوكل. وابن ~~يعمر، والنخعي: «تكن» بالتاء. # قوله تعالى: { فشهادة أحدهم أربع شهادات } قرأ ابن كثير، ms1440 ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: { أربع } بفتح العين. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: برفع العين. قال الزجاج: من رفع { أربع } ، ~~فالمعنى: فشهادة أحدهم التي تدرأ حد القذف أربع؛ ومن نصب، فالمعنى: ~~فعليهم أن يشهد أحدهم أربع. # قوله تعالى: { والخامسة } قرأ حفص عن عاصم: { والخامسة } نصبا، حملا ~~على نصب { أربع شهادات }. # قوله تعالى: { أن لعنة الله عليه } قرأ نافع، ويعقوب، والمفضل: { أن ~~لعنة الله } و { أن غضب الله } بتخفيف النون فيهما وسكونهما ورفع ~~الهاء من { لعنة } والباء من { غضب } ، إلا أن نافعا كسر الضاد من { ~~غضب } وفتح الباء. # قوله تعالى: { ويدرأ عنها } أي: ويدفع عنها { العذاب } وفيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدهما: [أنه] الحد. # والثاني: الحبس. ذكرهما ابن جرير. # والثالث: العار. # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } أي: ستره ونعمته. قال ~~الزجاج: وجواب «لولا» هاهنا متروك؛ والمعنى: لولا ذلك لنال الكاذب منكم ~~عذاب عظيم. وقال غيره: لولا فضل الله لبين الكاذب من الزوجين فأقيم ~~عليه الحد، { وأن الله تواب } يعود على من رجع عن المعاصي بالرحمة { ~~حكيم } فيما فرض من الحدود. ### || [24.11-20] # قوله تعالى: { إن الذين جاؤوا بالإفك } أجمع المفسرون أن هذه الآية وما ~~يتعلق بها بعدها. نزلت في قصة عائشة، وفي حديث الإفك أن هذه الآية إلى ~~عشر آيات نزلت في قصة عائشة. وقد ذكرنا حديث الإفك في كتاب الحدائق وفي ~~كتاب المغني في التفسير فلم نطل بذكره، لأن غرضنا اختصار هذا الكتاب، ~~ليحفظ فأما الإفك فهو الكذب والعصبة: الجماعة، ومعنى قوله: { منكم } ~~أي: من المؤمنين. وروى عروة عن عائشة أنها قالت: هم أربعة حسان بن ثابت ~~وعبد الله بن أبي بن سلول ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وكذلك عدهم ~~مقاتل. # قوله تعالى: { لا تحسبوه شرا لكم } قال المفسرون: هذا خطاب ~~لعائشة وصفوان بن المعطل، وقيل: لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~وعائشة. والمعنى: إنكم تؤجرون فيه. { لكل امرىء منهم } يعني: من ~~العصبة الكاذبة { ما اكتسب من الإثم } أي جزاء ما اجترح من ms1441 الذنب ~~على قدر خوضه فيه، { والذي تولى كبره منهم } وقرأ ابن عباس، وأبو ~~رزين، وعكرمة، ومجاهد وابن أبي عبلة، والحسن، ومحبوب عن أبي عمرو، ~~ويعقوب: { كبره } بضم الكاف. قال الكسائي: وهما لغتان. وقال ابن قتيبة: ~~كبر الشيء: معظمه، ومنه هذه الآية. قال قيس بن الخطيم يذكر امرأة: # تنام عن كبر شأنها فإذا # قامت رويدا تكاد تنغرف # وفي المتولي لذلك قولان. # أحدهما: أنه عبد الله بن أبي، رواه أبو صالح عن ابن عباس وعروة عن ~~عائشة، وبه قال مجاهد والسدي ومقاتل. قال المفسرون: هو الذي أشاع الحديث ~~فله عذاب عظيم بالنار، وقال الضحاك: هو الذي بدأ بذلك. # والثاني: أنه حسان، روى الشعبي: أن عائشة قالت: ما سمعت أحسن من شعر ~~حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة، فقيل: يا أم المؤمنين، أليس الله ~~يقول: { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } فقالت: أليس قد ذهب ~~بصره؟ وروى عنها مسروق أنها قالت: وأي عذاب أشد من العمى، ولعل الله أن ~~يجعل ذلك العذاب العظيم، ذهاب بصره، تعني: حسان بن ثابت. # ثم إن الله عز وجل أنكر على الخائضين في الإفك بقوله تعالى: { لولا إذ ~~سمعتموه } أي: هلا إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة { ظن ~~المؤمنون } من العصبة الكاذبة وهم حسان ومسطح { والمؤمنات } وهي ~~حمنة بنت جحش { بأنفسهم } وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: بأمهاتهم. # والثاني: بأخواتهم. # والثالث: بأهل دينهم، لان المؤمنين كنفس واحدة، { وقالوا هذا إفك ~~مبين } أي: كذب بين. وجاء في التفسير أن أبا أيوب الأنصاري قالت له ~~أمه: ألا تسمع ما يقول الناس في أمر عائشة فقال: هذا إفك مبين، أكنت يا ~~أماه فاعلته قالت: معاذ الله قال: فعائشة والله خير منك فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: { لولا جاؤوا } أي: هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم ~~عائشة { بأربعة شهداء } وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: بأربعة منونة؛ ~~والمعنى: يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به، { فإذا لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله } أي: في حكمه { هم الكاذبون } ثم ~~ذكر القاذفين فقال: { ولولا فضل ms1442 الله عليكم ورحمته } أي: لولا ما ~~من [الله] به عليكم { لمسكم } أي: لأصابكم { فيما أفضتم } أي: أخذتم ~~وخضتم { فيه } من الكذب والقذف { عذاب عظيم } في الدنيا والآخرة. ثم ذكر ~~الوقت الذي لولا فضله لأصابهم فيه العذاب فقال: { إذ تلقونه } وكان ~~الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا، فيتلقاه بعضهم من بعض. وقرأ عمر ~~بن الخطاب: { إذ تلقونه } بتاء واحدة خفيفة مرفوعة وإسكان اللام وقاف ~~منقوطة بنقطتين مرفوعة خفيفة. وقرأ معاوية وابن السميفع مثله، إلا أنهما ~~فتحا التاء والقاف. وقرأ ابن مسعود { تتلقونه } بتاءين مفتوحتين مع ~~نصب اللام وتشديد القاف. وقرأ أبي بن كعب، وعائشة، ومجاهد، وأبو حيوة: { ~~تلقونه } بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ورفع القاف. وقال ~~الزجاج: تلقونه يلقيه بعضكم إلى بعض وتلقونه؛ ومعناه: إذ تسرعون ~~بالكذب، يقال: ولق يلق: إذا أسرع في الكذب وغيره، قال الشاعر: # جاءت به عنس من الشام تلق # أي: تسرع، وقال ابن قتيبة: { تلقونه } أي: تقبلونه، ومن قرأ: { ~~تلقونه } أخذه من الولق، وهو الكذب. # قوله تعالى: { وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم } أي: من غير أن ~~تعلموا أنه حق، وتحسبونه، يعني ذلك القذف { هينا } أي: سهلا لا إثم ~~فيه، وهو عند الله عظيم في الوزر، ثم زاد عليهم في الإنكار فقال: { ولولا ~~إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا } أي: ما يحل وما ينبغي لنا أن ~~نتكلم بهذا سبحانك، وهو يحتمل التنزيه والتعجب. وروت عائشة أن امرأة أبي ~~أيوب الأنصاري قالت له: ألم تسمع ما يتحدث الناس؟ فقال: { ما يكون لنا ~~ان نتكلم بهذا } الآية فنزلت الآية. وقد روينا آنفا أن أمه ذكرت له ~~ذلك، فنزلت الآية المتقدمة. وروي عن سعيد بن جبير: أن سعد بن معاذ لما ~~سمع ذلك قال: سبحانك هذا بهتان عظيم. فقيل للناس: هلا قلتم كما قال سعد. # قوله تعالى: { يعظكم الله } أي: ينهاكم الله أن تعودوا لمثله أي: ~~إلى مثله إن كنتم مؤمنين، لأن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة، { ~~ويبين الله لكم الآيات } في الأمر والنهى. # ثم هدد ms1443 القاذفين بقوله: { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } ~~أي: يحبون أن يفشو القذف بالفاحشة وهي الزنا { في الذين آمنوا ~~لهم عذاب أليم في الدنيا } يعني: الجلد { والآخرة } عذاب النار ~~وروت عمرة عن عائشة قالت: لما نزل عذري، قام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة ~~فضربوا حدهم، وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جلد عبد الله بن ابي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، ~~فأما الثلاثة فتابوا وأما عبد الله فمات منافقا. وبعض العلماء ينكر صحة ~~هذا ويقول لم يضرب أحدا. # قوله تعالى: { والله يعلم } شر ما خضتم فيه وما يتضمن من سخط الله { ~~وأنتم لا تعلمون } ذلك { ولولا فضل الله عليكم } جوابه محذوف ~~تقديره لعاقبكم فيما قلتم لعائشة. قال ابن عباس يريد مسطحا وحسان وحمنة. ### || [24.21] # قوله تعالى: { لا تتبعوا خطوات الشيطان } أي: تزيينه لكم قذف ~~عائشة. وقد سبق شرح { خطوات الشيطان } وبيان { الفحشاء والمنكر }. # قوله تعالى: { ما زكى منكم } وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة: ما زكى ~~بتشديد الكاف. # وفيمن خوطب بهذا قولان. # أحدهما: أنه عام في الخلق. # والثاني: أنه خاص للمتكلمين في الإفك. ثم في معناه أربعة أقوال. # أحدهما: ما اهتدى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: ما أسلم، قاله ابن زيد. # والثالث: ما صلح، قاله مقاتل. # والرابع: ما طهر، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { ولكن الله يزكي من يشاء } أي: يطهر من يشاء من الإثم ~~بالتوبة والغفران، فالمعنى: وقد شئت ان أتوب عليكم، { والله سميع ~~عليم } علم ما في نفوسكم من التوبة والندامة. ### || [24.22] # قوله تعالى: { ولا يأتل } وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو جعفر، وابن ~~أبي عبلة: { ولا يتأل } بهمزة مفتوحة بين التاء واللام وتشديد اللام ~~على وزن يتعل. قال المفسرون: سبب نزولها أن أبا بكر الصديق، كان ينفق ~~على مسطح لقرابته وفقره، فلما خاض في أمر عائشة، قال أبو بكر: والله لا ~~أنفق عليه [شيئا] ms1444 أبدا، فنزلت هذه الآية. فأما الفضل، فقال أبو عبيدة: ~~هو التفضل والسعة: الجدة. قال المفسرون: والمراد به: أبو بكر. # قوله تعالى: { أن يؤتوا } قال ابن قتيبة: معناه: أن لا يؤتوا، فحذف { لا ~~} فأما قوله أولي القربى، فانه يعنى مسطحا، وكان ابن خالة أبي بكر، وكان ~~مسكينا وكان مهاجرا. قال المفسرون: فلما سمع أبو بكر: { ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم } قال: بلى يا رب وأعاد نفقته على مسطح. ### || [24.23-25] # قوله تعالى: { إن الذين يرمون المحصنات } يعني: العفائف { الغافلات } عن ~~الفواحش، { لعنوا في الدنيا } أي: عذبوا بالجلد، وفي الآخرة بالنار. # واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقوال. # أحدها: انها نزلت في عائشة خاصة. قال خصيف: سألت سعيد بن جبير عن هذه ~~الآية، فقلت: من قذف محصنة لعنه الله؟ قال: لا، إنما أنزلت هذه الآية في ~~عائشة خاصة. # والثاني: أنها في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك. # والثالث: أنها في المهاجرات. قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن المرأة ~~كانت إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة، قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: ~~إنما خرجت تفجر فنزلت هذه الآية. # والرابع: أنها عامة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن، وبه قال ~~قتادة، وابن زيد. # فان قيل: لم اقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال؟ # فالجواب: [أن] من رمى مؤمنة فلا بد أن يرمي معها مؤمنا، فاستغني عن ذكر ~~المؤمنين ومثله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل:81] أراد والبرد، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { يوم تشهد عليهم السنتهم } وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ~~يشهد بالياء، وهو إقرارها بما تكلموا به من الفرية. قال ابو سليمان ~~الدمشقي: وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم، وقال ابن جرير: المعنى: ان ~~ألسنة بعضهم تشهد على بعض. # قوله تعالى: { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } أي: حسابهم العدل، وقيل: ~~جزاءهم الواجب. وقرأ مجاهد، وأبو الجوزاء، وحميد بن قيس، والأعمش: دينهم ~~الحق برفع القاف { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } قال ابن عباس: وذلك ~~ان عبد الله بن ابي، كان يشك في ms1445 الدين، فإذا كانت القيامة علم حيث لا ~~ينفعه. ### || [24.26] # قوله تعالى: { الخبيثات للخبيثين } فيه أربعة أقوال. # أحدها: الكلمات الخبيثات لا يتكلم بها إلا الخبيث من الرجال والنساء، ~~والكلمات الطيبات لا يتكلم بها إلا الطيبون من الرجال والنساء. # والثاني: الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيثين من الرجال والنساء، فأما ~~الطيبات والطيبون فلا يصلح أن يقال في حقهم إلا الطيبات. # والثالث: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والطيبات من النساء ~~للطيبين من الرجال. # والرابع: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس ~~للخبيثات من الأعمال، وكذلك الطيبات. وقوله تعالى: { أولئك } يعني: عائشة ~~وصفوان { مبرؤون } أي: منزهون { مما يقولون } من الفرية { لهم مغفرة } ~~لذنوبهم { ورزق كريم } في الجنة. ### || [24.27-29] # قوله تعالى: { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ذكر أهل التفسير أن سبب ~~نزولها أن امرأة من الانصار جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالت: يا رسول الله، إني اكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها ~~أحد، فلا يزال يدخل علي رجل من أهلي، فنزلت هذه الآية. فقال ابو بكر بعد ~~نزولها: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن التي ليس فيها ساكن، فنزل ~~قوله: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } الآية. ومعنى ~~قوله: { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } أي: بيوتا ليست لكم. واختلف ~~القراء في باء البيوت، فقرأ بعضهم بضمها وبعضهم بكسرها، وقد بينا ذلك في ~~[البقرة:189]. # قوله تعالى: { حتى تستأنسوا } قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، ~~تقديره: حتى تسلموا وتستأنسوا. قال الزجاج: { وتستأنسوا } في اللغة ~~بمعنى: تستأذنوا وكذلك هو في التفسير، والاستئذان: الاستعلام، تقول: ~~آذنته بكذا، أي: أعلمته، وآنست منه كذا، أي: علمت منه، ومثله: # فان آنستم منهم رشدا # [النساء:6] أي: علمتم. فمعنى الآية: حتى تستعلموا، يريد أهلها ان تدخلوا ~~ام لا. قال المفسرون: وصفة الاستعلام أن تقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ولا ~~يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان لهذه الآية، { ذلكم خير لكم } من ~~أن تدخلوا بغير إذن { لعلكم تذكرون } أن الاستئذان خير فتأخذون به، قال ms1446 ~~عطاء: قلت لابن عباس: أستأذن على أمي وأختي ونحن في بيت واحد؟ قال: ~~أيسرك أن ترى منهن عورة، قلت: لا قال: فاستأذن. # قوله تعالى: { فان لم تجدوا فيها احدا } أي: إن وجدتموها خالية، { فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } أي: إن ردوكم فلا ~~تقفوا على أبوابهم وتلازموها، { هو أزكى لكم } يعني: الرجوع خير لكم ~~وأفضل { والله بما تعملون } من الدخول باذن وغير إذن { عليم }. # فصل # وهل هذه الآية منسوخة أم لا؟ فيها قولان. # أحدهما: أن حكمها عام في جميع البيوت، ثم نسخت منها البيوت التي ليس لها ~~أهل يستأذنون بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ~~} هذا مروي عن الحسن، وعكرمة. # والثاني: أن الآيتين محكمتان، فالاستئذان شرط في الأولى إذا كان للدار ~~أهل، والثانية وردت في بيوت لا ساكن لها، والإذن لا يتصور من غير آذن، ~~فاذا بطل الاستئذان لم تكن البيوت الخالية داخلة في الأولى، وهذا أصح. # قوله تعالى: { أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } فيها خمسة اقوال. # أحدها: أنها الخانات والبيوت المبنية للسابلة ليأووا إليها، ويؤووا ~~أمتعتهم، قاله قتادة. # والثاني: أنها البيوت الخربة، والمتاع: قضاء الحاجة فيها من الغائط ~~والبول، قاله عطاء. # والثالث: أنها بيوت مكة، قاله محمد بن الحنفية. # والرابع: حوانيت التجار التي بالأسواق، قاله ابن زيد. # والخامس: أنها جميع البيوت التي لا ساكن لها، لأن الاستئذان إنما جعل ~~لأجل الساكن، قاله ابن جريج. # فيخرج في معنى { المتاع } ثلاثة أقوال. # أحدهما: الأمتعة التي تباع وتشترى. # والثاني: إلقاء الأذى من الغائط والبول. # والثالث: الانتفاع بالبيوت لاتقاء الحر والبرد. ### || [24.30-31] # قوله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } في { من } قولان. # أحدهما: أنها صلة. # والثاني: أنها أصل، لأنهم لم يؤمروا بالغض مطلقا، وإنما أمروا بالغض ~~عما لا يحل. # وفي قوله: { ويحفظوا فروجهم } قولان. # أحدهما: عما لا يحل لهم، قاله الجمهور. # والثاني: عن أن ترى، فهو أمر لهم بالاستتار، قاله أبو العالية وابن ~~زيد. # قوله تعالى: { ذلك } إشارة إلى الغض وحفظ الفروج { أزكى لهم } أي: ms1447 خير ~~وأفضل { إن الله خبير بما يصنعون } في الأبصار والفروج ثم امر النساء بما ~~امر به الرجال. # قوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن } أي: لا يظهرنها لغير محرم. وزينتهن ~~على ضربين، خفية كالسوارين والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك، وظاهرة ~~وهي المشار إليها بقوله { إلا ما ظهر منها } وفيه سبعة أقوال. # أحدهما: انها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود، وفي لفظ آخر قال هو ~~الرداء. # والثاني: أنها الكف والخاتم والوجه. # والثالث: الكحل والخاتم، رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والرابع: القلبان، وهما السواران والخاتم والكحل، قاله المسور بن ~~مخرمة. # والخامس: الكحل والخاتم والخضاب، قاله مجاهد. # والسادس: الخاتم والسوار، قاله الحسن. # والسابع: الوجه والكفان، قاله الضحاك. قال القاضي أبو يعلى: والقول ~~الاول أشبه، وقد نص عليه احمد، فقال: الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء ~~منها عورة حتى الظفر، ويفيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير ~~عذر، فان كان لعذر مثل ان يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها، فانه ينظر في ~~الحالين إلى وجهها خاصة، فأما النظر إليها بغير عذر، فلا يجوز لا لشهوة ~~ولا لغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن. # فان قيل: فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها. # فالجواب: أن في تغطيته مشقة، فعفي عنه. # قوله تعالى: { وليضربن بخمرهن } وهي جمع خمار، وهو ما تغطى به المرأة ~~رأسها، والمعنى: وليلقين مقانعهن { على جيوبهن } ليسترن بذلك ~~شعورهن وقرطهن وأعناقهن. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم النخعي، ~~والأعمش: { على جيوبهن } بكسر الجيم، { ولا يبدين زينتهن } يعني: الخفية ~~وقد سبق بيانها { إلا لبعولتهن } قال ابن عباس: لا يضعن الجلباب والخمار ~~إلا لأزواجهن. # قوله تعالى: { أو نسائهن } يعني: المسلمات. قال أحمد: لا يحل للمسلمة ان ~~تكشف راسها عند نساء أهل الذمة، واليهودية والنصرانية لا تقبلان ~~المسلمة. # قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمانهن } قال اصحابنا: المراد به: الإماء دون ~~العبيد. وقال أصحاب الشافعي: يدخل فيه العبيد، فيجوز للمرأة عندهم أن ~~تظهر لمملوكها ما تظهر لمحارمها، لأن مذهب الشافعي أنه محرم لها، ms1448 ~~وعندنا انه ليس بمحرم، ولا يجوز أن ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقد نص ~~أحمد على انه لايجوز أن ينظر إلى شعر مولاته. # قال القاضي أبو يعلى: وإنما ذكر الإماء في الآية، لأنه قد يظن الظان أنه ~~لا يجوز أن تبدي زينتها للإماء، لأن الذين تقدم ذكرهم احرار فلما ذكر ~~الإماء زال الإشكال. # قوله تعالى: { أو التابعين } وهم الذين يتبعون القوم ويكونون معهم ~~لإرفاقهم إياهم، او لأنهم نشؤوا فيهم. # وللمفسرين في هذا التابع ستة اقوال: # أحدهما: أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل، قاله ~~قتادة، وكذلك قال مجاهد: هو الأبله الذي يريد الطعام ولا يريد النساء. # والثاني: أنه العنين، قاله عكرمة. # والثالث: المخنث كان يتبع الرجل يخدمه بطعامه، ولا يستطيع غشيان النساء ~~ولا يشتهيهن، قاله الحسن. # والرابع: أنه الشيخ الفاني. # والخامس: أنه الخادم، قالهما ابن السائب. # والسادس: أنه الذي لا يكترث بالنساء، إما لكبر أو لهرم أو لصغر، ذكره ~~ابن المنادي من أصحابنا. قال الزجاج: { غير } صفة للتابعين. وفيه دليل ~~على ان قوله: { أو ما ملكت أيمانهن } معناه: { غير أولي الإربة من الرجال ~~} والمعنى: ولا يبدين زينتهن لمماليكهن ولا لتباعهن إلا أن يكونوا ~~غير أولي الإربة، والإربة: الحاجة ومعناه: غير ذوي الحاجات إلى النساء. # قوله تعالى: { أو الطفل } قال ابن قتيبة: يريد ألأطفال، بدليل قوله { ~~لم يظهروا على عورات النساء } أي: لم يعرفوها. # قوله تعالى: { ولا يضربن بأرجلهن } أي: باحدى الرجلين على الأخرى، ليضرب ~~الخلخال الخلخال فيعلم أن عليها خلخالين. ### || [24.32-34] # قوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى } وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال ~~والنساء، يقال: رجل أيم وامرأة أيم، ورجل أرمل وامرأة أرملة، ورجل ~~بكر وامرأة بكر: إذا لم يتزوجا، وامرأة ثيب ورجل ثيب: إذا كانا ~~قد تزوجا، { والصالحين من عبادكم } أي: من عبيدكم، يقال: عبد وعباد ~~وعبيد، كما يقال: كلب وكلاب وكليب. وقرأ الحسن، ومعاذ القارىء: { ~~من عبيدكم }. قال المفسرون: والمراد بالآية الندب. ومعنى الصلاح هاهنا: ~~الإيمان. والمراد بالعباد: المملوكون، فالمعنى: زوجوا المؤمنين من ~~عبيدكم وولائدكم. ثم ms1449 رجع إلى الأحرار فقال: { إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله } فأخبرهم أن النكاح سبب لنفي الفقر. # قوله تعالى: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا } أي: وليطلب ~~العفة عن الزنا والحرام من لايجد ماينكح به من صداق ونفقة. وقد روى ~~ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يامعشر الشباب عليكم بالباءة، فمن لم يجد فعليه بالصيام فانه له وجاء ~~". # قوله تعالى: { والذين يبتغون الكتاب } أي: يطلبون المكاتبة من العبيد ~~والإماء على أنفسهم، { فكاتبوهم } فيه قولان. # أحدهما: أنه مندوب إليه، قاله الجمهور. # والثاني: أنه واجب، قاله عطاء، وعمرو بن دينار. وذكر المفسرون: أنها ~~نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: صبيح، سأل مولاه الكتابة ~~فأبى عليه، فنزلت هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها ~~عشرين دينارا. # قوله تعالى: { إن علمتم فيهم خيرا } فيه ستة أقوال. # أحدها: إن علمتم لهم مالا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وعطاء، والضحاك. # والثاني: إن علمتم لهم حيلة، يعني: الكسب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثالث: إن علمتم فيهم دينا، قاله الحسن. # والرابع: إن علمتم أنهم يريدون بذلك الخير، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: إن أقاموا الصلاة، قاله عبيدة السلماني. # والسادس: إن علمتم لهم صدقا ووفاء، قاله إبراهيم. # قوله تعالى: { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } فيه قولان. # أحدهما: أنه خطاب للأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة، أمروا ان يعطوا ~~المكاتبين من سهم الرقاب، روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: هو ~~سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون. # والثاني: أنه خطاب للسادة، أمروا أن يعطوا مكاتبيهم من كتابتهم شيئا. ~~قال أحمد والشافعي: الإيتاء واجب، وقدره أحمد بربع مال الكتابة. وقال ~~الشافعي: ليس بمقدر. وقال أبو حنيفة ومالك: لايجب الإيتاء. وقد روي عن ~~عمر بن الخطاب أنه كاتب غلاما له يقال له: أبو أمية، فجاءه بنجمه حين ~~حل؛ فقال: اذهب يا أبا أمية فاستعن به في مكاتبتك، قال: ياأمير ~~المؤمنين لو أخرته حتى يكون في ms1450 آخر النجوم، فقال: يا أبا أمية: إني ~~أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ: { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } ، قال ~~عكرمة: وكان ذلك أول نجم أدي في الإسلام. # قوله تعالى: { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } روى مسلم في «صحيحه» ~~من حديث أبي سفيان عن جابر، قال: كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له: ~~اذهبي فابغينا شيئا، فنزلت هذه الآية. قال المفسرون: وكان له جاريتان، ~~معاذة ومسيكة، فكان يكرههما على الزنا، ويأخذ منهما الضريبة، وكذلك ~~كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت ~~معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه إن كان خيرا فقد استكثرنا ~~منه، وإن كان شرا فقد آن لنا أن ندعه، فنزلت هذه الآية. وزعم مقاتل ~~أنها نزلت في ست جوار كن لعبد الله بن أبي، معاذة، ومسيكة، ~~وأميمة، وقتيلة، وعمرة، وأروى. فأما الفتيات، فهن الإماء. والبغاء: ~~الزنا. والتحصن: التعفف. # واختلفوا في معنى { إن أردن تحصنا } على أربعة أقوال. # أحدها: أن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكرناه، فخرج النهي عن صفة ~~السبب، وإن لم يكن شرطا فيه. # والثاني: إنه إنما شرط إرادة التحصن، لأن الإكراه لا يتصور إلا ~~عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن، فانها تبغي ~~بالطبع. # والثالث: أن «إن» بمعنى «إذ»، ومثله: # وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين # [البقرة:278] # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران:139]. # والرابع: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: { وأنكحوا الأيامى } ~~إلى قوله { وإمائكم } { إن أردن تحصنا } ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } وهو كسبهن وبيع أولادهن { ومن ~~يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور } للمكرهات { رحيم } ~~وقرأ ابن عباس، وأبو عمران الجوني، وجعفر بن محمد: { من بعد إكراههن لهن ~~غفور رحيم }. # قوله تعالى: { آيات مبينات } قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة غير أبي ~~بكر، وأبان: { مبينات } بكسر الياء في الموضعين في هذه السورة ~~[النور:34، 46]، وآخر سورة [الطلاق:11]. # قوله تعالى: { ومثلا من الذين خلوا } أي: شبها من حالهم بحالكم ~~أيها ms1451 المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق المكذبين قبلهم. ### || [24.35] # قوله تعالى: { الله نور السموات والأرض } فيه قولان. # أحدهما: هادي أهل السموات والأرض، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه ~~قال أنس بن مالك، وبيان هذا أن النور في اللغة: الضياء، وهو الذي تصل ~~به الأبصار إلى مبصراتها، فورد النور مضافا إلى الله تعالى، لأنه ~~هو الذي يهدي المؤمنين ويبين لهم ما يهتدون به، والخلائق بنوره ~~يهتدون. # والثاني: مدبر السموات والأرض، قاله مجاهد، والزجاج. وقرأ أبي ابن ~~كعب، وأبو المتوكل، وابن السميفع: { الله نور } بفتح النون والواو ~~وتشديدها ونصب الراء { السموات } بالخفض { والأرض } بالنصب. # قوله تعالى: { مثل نوره } في هاء الكناية أربعة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى الله عز وجل، قال ابن عباس: مثل هداه في قلب ~~المؤمن. # والثاني: أنها ترجع إلى المؤمن، فتقديره: مثل نور المؤمن، قاله ~~أبي ابن كعب. وكان أبي وابن مسعود يقرآن: { مثل نور من آمن به }. # والثالث: أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قاله كعب. # والرابع: أنها ترجع إلى القرآن، قاله سفيان. # فأما المشكاة، ففيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها في موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأنبوب، والمصباح: ~~الضوء، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها القنديل، والمصباح: الفتيلة، قاله مجاهد. # والثالث: أنها الكوة التي لا منفذ لها، والمصباح: السراج، قاله كعب، ~~وكذلك قال الفراء: المشكاة: الكوة التي ليست بنافذة. وقال ابن قتيبة: ~~المشكاة: الكوة بلسان الحبشة. وقال الزجاج: هي من كلام العرب، والمصباح: ~~السراج وإنما ذكر الزجاجة، لأن النور في الزجاج أشد ضوءا منه في ~~غيره. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وابن أبي عبلة: { في زجاجة الزجاجة } ~~بفتح الزاي فيهما. وقرأ معاذ القارىء، وعاصم الجحدري، وابن يعمر: بكسر ~~الزاي فيهما، قال بعض أهل المعاني: معنى الآية: كمثل مصباح في مشكاة، ~~فهو من المقلوب. # فأما الدري، فقرأ أبو عمرو، والكسائي، وأبان عن عاصم { دريء } ~~بكسر الدال وتخفيف الياء ممدودا مهموزا. قال ابن قتيبة: المعنى على ~~هذا: إنه من الكواكب الدراريء، وهي اللاتي يدرأن عليك، ms1452 أي: يطلعن. ~~وقال الزجاج: هو مأخوذ من درأ يدرأ: إذا اندفع منقضا، فتضاعف نوره، ~~يقال: تدارأ الرجلان: إذا تدافعا. وروى المفضل عن عاصم كسر الدال ~~وتشديد الياء من غير همز ولا مد، وهي قراءة عبد الله بن عمر، والزهري. ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: { دري } بضم الدال ~~وكسر الراء وتشديد الياء من غير مد ولا همز، وقرأ عثمان بن عفان، وابن ~~عباس، وعاصم، الجحدري: { دريء } بفتح الدال وكسر الراء ممدودا ~~مهموزا، وقرأ أبي ابن كعب، وسعيد بن المسيب، وقتادة: بفتح الدال ~~وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز. وقرأ ابن مسعود، وسعيد بن ~~جبير، وعكرمة، وقتادة، وابن يعمر: بفتح الدال وكسر الراء مهموزا ~~مقصورا. # قال الزجاج: الدري: منسوب إلى أنه كالدر في صفائه وحسنه. وقال ~~الكسائي: الدريء: الذي يشبه الدر، والدريء: جار، ~~والدريء: يلتمع، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم، والوليد بن عتبة عن ~~ابن عامر: بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات الهمزة والمد. قال الزجاج: ~~فالنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا؛ وقال الفراء: ليس هذا بجائز في ~~العربية، لأنه ليس في الكلام " فعيل " إلا أعجمي، مثل مريق، وما ~~أشبهه. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: المريق: العصفر، أعجمي ~~معرب، وليس في كلامهم اسم على زنة فعيل. قال أبو علي: وقد حكى ~~سيبويه عن أبي الخطاب: كوكب دريء: من الصفات، ومن الأسماء: ~~المريق: العصفر. # قوله تعالى: { توقد } قرأ ابن كثير. وأبو عمرو: بالتاء المفتوحة ~~وتشديد القاف ونصب الدال، يريدان المصباح، لأنه هو الذي يوقد. وقرأ ~~نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: { يوقد } بالياء مضمومة مع ضم الدال، ~~يريدون المصباح أيضا. وقرأ حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { توقد } ~~بضم التاء والدال، يريدون الزجاجة، قال الزجاج: والمقصود: مصباح الزجاجة، ~~فحذف المضاف. # قوله تعالى: { من شجرة } أي: من زيت شجرة، فحذف المضاف، يدلك على ذلك ~~قوله: { يكاد زيتها يضيء }؛ والمراد بالشجرة هاهنا: شجرة الزيتون، ~~وبركتها من وجوه، فانها تجمع الأدم والدهن والوقود، فيوقد بحطب ~~الزيتون، ويغسل ms1453 برمادة الإبريسم، ويستخرج دهنه أسهل استخراج، ويورق ~~غصنه من أوله إلى آخره. وإنما خصت بالذكر هاهنا دون غيرها، لأن ~~دهنها أصفى وأضوأ. # قوله تعالى: { لا شرقية ولا غربية } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها بين الشجر، فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس، قاله أبي ~~ابن كعب، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنها في الصحراء لا يظلها جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، ~~فهو أجود لزيتها، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والزجاج. # والثالث: أنها من شجر الجنة، لا من شجرة الدنيا، قاله الحسن. # قوله تعالى: { يكاد زيتها يضيء } أي: يكاد من صفائه يضيء قبل أن تصيبه ~~النار بأن يوقد به. { نور على نور } قال مجاهد: النار على الزيت. وقال ~~ابن السائب: المصباح نور، والزجاجة نور. وقال أبو سليمان الدمشقي: نور ~~النار، ونور الزيت، ونور الزجاجة، { يهدي الله لنوره } فيه أربعة أقوال. # أحدها: لنور القرآن. # والثاني: لنور الإيمان. # والثالث: لنور محمد صلى الله عليه وسلم. # والرابع: لدينه الإسلام. # فصل # فأما وجه هذا المثل، ففيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه شبه نور محمد صلى الله عليه وسلم بالمصباح النير؛ ~~فالمشكاة جوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمصباح النور الذي في ~~قلبه، والزجاجة قلبه، فهو من شجرة مباركة، وهو إبراهيم عليه السلام، ~~سماه شجرة مباركة، لأن أكثر الأنبياء من صلبه. # { لا شرقية ولا غربية } لايهودي ولا نصراني، يكاد محمد صلى الله عليه ~~وسلم يتبين للناس أنه نبي ولو لم يتكلم. وقال القرظي: المشكاة: ~~إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد، صلى الله عليه وعليهم ~~وسلم. وقال الضحاك: شبه عبد المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، ~~ومحمدا صلى الله عليه وسلم بالمصباح. # والثاني: أنه شبه نور الإيمان في قلب المؤمن بالمصباح، فالمشكاة: ~~قلبه، والمصباح: نور الإيمان فيه. وقيل: المشكاة: صدره، والمصباح: ~~القرآن والإيمان اللذان في صدره، والزجاجة: قلبه، فكأنه مما فيه من ~~القرآن والإيمان كوكب مضيء توقد من شجرة، وهي الإخلاص، فمثل ~~الإخلاص عنده كشجرة لا تصيبها الشمس، فكذلك هذا المؤمن قد احترس ms1454 من أن ~~تصيبه الفتن، فان أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن قال صدق، وإن حكم ~~عدل، فقلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فاذا جاءه العلم ~~ازداد هدى على هدى كما يكاد هذا الزيت يضيء قبل أن تمسه النار، فاذا ~~مسته اشتد نوره، فالمؤمن كلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه ~~نور، ومصيره إلى نور يوم القيامة. # والثالث: أنه شبه القرآن بالمصباح يستضاء به ولا ينقص، والزجاجة: قلب ~~المؤمن، والمشكاة: لسانه وفمه، والشجرة المباركة: شجرة الوحي، تكاد حجج ~~القرآن تتضح وإن لم تقرأ. وقيل: تكاد حجج الله تضيء لمن فكر فيها ~~وتدبرها ولو لم ينزل القرآن، { نور على نور } أي: القرآن نور من ~~الله لخلقه مع ماقد قام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن. # قوله تعالى: { ويضرب الله الأمثال } أي: ويبين الله الأشباه ~~للناس تقريبا إلى الأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك. ### || [24.36-38] # قوله تعالى: { في بيوت } قال الزجاج: «في» من صلة قوله: { كمشكاة } ~~، فالمعنى: كمشكاة في بيوت؛ ويجوز أن تكون متصلة بقوله: { يسبح له فيها ~~} فتكون فيها تكريرا على التوكيد؛ والمعنى: يسبح لله رجال في بيوت. # فان قيل: المشكاة إنما تكون في بيت واحد، فكيف قال: { في بيوت }؟ فعنه ~~جوابان. # أحدهما: أنه من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع، ~~كقوله تعالى: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق:1]. # والثاني: أنه راجع إلى كل واحد من البيوت، فالمعنى: في كل بيت مشكاة. ~~وللمفسرين في المراد بالبيوت هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها المساجد، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. # والثالث: بيت المقدس، قاله الحسن. # فأما { أذن } فمعناه: أمر. وفي معنى { أن ترفع } قولان. # أحدهما: أن تعظم، قاله الحسن، والضحاك. # والثاني: أن تبنى، قاله مجاهد، وقتادة. وفي قوله: { ويذكر فيها ~~اسمه } قولان. # أحدهما: توحيده، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يتلى فيها كتابه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: { يسبح } قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ونافع، وأبو ms1455 عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: { يسبح } بكسر الباء؛ وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم: بفتحها. وقرأ معاذ القارىء، وأبو حيوة: { تسبح } بتاء مرفوعة ~~وكسر الباء ورفع الحاء. # وفي قوله: { يسبح له فيها } قولان. # أحدهما: أنه الصلاة. ثم في صلاة الغدو قولان. # احدهما: أنها صلاة الفجر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: صلاة الضحى، روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: إن صلاة ~~الضحى لفي كتاب الله، وما يغوص عليها إلاغواص، ثم قرأ: { يسبح له ~~فيها بالغدو والآصال }. وفي صلاة الآصال قولان. # أحدهما: أنها صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قاله ابن السائب. # والثاني: صلاة العصر، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أنه التسبيح المعروف، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: { رجال لا تلهيهم } أي: لا تشغلهم { تجارة ولا بيع } ~~قال ابن السائب: التجار: الجلابون، والباعة: المقيمون. وقال ~~الواقدي: التجارة هاهنا بمعنى الشراء. وفي المراد بذكر الله ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس، وعطاء. وروى سالم عن ابن عمر ~~أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ~~ابن عمر: فيهم نزلت { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله }. # والثاني: عن القيام بحق الله، قاله قتادة. # والثالث: عن ذكر الله باللسان، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { وإقام الصلاة } أي: أداؤها لوقتها وإتمامها. # فان قيل: إذا كان المراد بذكر الله الصلاة، فما معنى إعادتها؟ # فالجواب: أنه بين أنهم يقيمونها بأدائها في وقتها. # قوله تعالى: { تتقلب فيه القلوب والأبصار } في معناه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن من كان قلبه مؤمنا بالبعث والنشور، ازداد بصيرة برؤية ما ~~وعد به؛ ومن كان قلبه على غير ذلك، رأى ما يوقن معه بأمر القيامة، ~~قاله الزجاج. # والثاني: أن القلوب تتقلب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، ~~والأبصار تتقلب، تنظر من أين يؤتون كتبهم، أمن قبل اليمين، أم ~~من قبل الشمال؟ وأي ناحية يؤخذ بهم، أذات اليمين، أم ذات الشمال؟ ~~قاله ابن جرير. # والثالث: تتقلب القلوب فتبلغ إلى الحناجر، وتتقلب الأبصار ms1456 إلى ~~الزرق بعد الكحل والعمى بعد النظر. # قوله تعالى: { ليجزيهم } المعنى: يسبحون الله ليجزيهم { ~~أحسن ما عملوا } أي: ليجزيهم بحسناتهم، فأما مساوئهم فلا يجزيهم بها ~~{ ويزيدهم من فضله } مالم يستحقوه بأعمالهم { والله يرزق من يشاء ~~بغير حساب } قد شرحناه في [آل عمران:27]. ### || [24.39-40] # ثم ضرب الله مثلا للكفار فقال: { والذين كفروا أعمالهم كسراب } قال ~~ابن قتيبة: السراب: ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار، والآل: ما ~~رأيته في أول النهار وآخره، وهو يرفع كل شيء، والقيعة والقاع واحد. وقرأ ~~أبي ابن كعب، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: { بقيعات }. وقال ~~الزجاج: القيعة: جمع قاع، مثل جار وجيرة، والقيعة والقاع: ما انبسط من ~~الأرض ولم يكن فيه نبات، فالذي يسير فيه يرى كأن فيه ماء يجري، وذلك هو ~~السراب، والآل مثل السراب، إلا أنه يرتفع وقت الضحى - كالماء - بين ~~السماء والأرض، يحسبه الظمآن وهو الشديد العطش ماء، حتى إذا جاء ~~إلى موضع السراب رأى أرضا لا ماء فيها، فأعلم الله أن الكافر الذي يظن ~~أن عمله قد نفعه عند الله - كظن الذي يظن السراب ماء - وعمله قد حبط. # قوله تعالى: { ووجد الله عنده } أي: قدم على الله { فوفاه حسابه } ~~أي: جازاه بعمله؛ وهذا في الظاهر خبر عن الظمآن، والمراد به الخبر عن ~~الكافر. # قوله تعالى: { والله سريع الحساب } مفسر في [البقرة:202]. # قوله تعالى: { أو كظلمات } في هذا المثل قولان. # أحدهما: أنه لعمل الكافر، قاله الجمهور، واختاره الزجاج. # والثاني: أنه مثل لقلب الكافر في أنه لا يعقل ولا يبصر، قاله ~~الفراء. فأما اللجي، فهو العظيم اللجة، وهو العميق { يغشاه } ~~أي: يعلو ذلك البحر { موج من فوقه } أي: من فوق الموج موج، والمعنى: ~~يتبع الموج موج، حتى كان بعضه فوق بعض، { من فوقه } أي: من فوق ذلك الموج ~~{ سحاب }. # ثم ابتدأ فقال: { ظلمات } يعني: ظلمة البحر، وظلمة الموج [الأول، وظلمة ~~الموج] الذي فوق الموج، وظلمة السحاب. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن: { ~~سحاب ظلمات } مضافا { إذا أخرج يده } يعني: إذا أخرجها مخرج، { ~~لم يكد يراها } فيه ms1457 قولان. # أحدهما: أنه لم يرها، قاله الحسن، واختاره الزجاج. قال: لأن في دون هذه ~~الظلمات لا يرى الكف؛ وكذلك قال ابن الأنباري: معناه: لم يرها البتة، ~~لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمات على أن الرؤية معدومة، فبان ~~بهذا الكلام أن «يكد» زائدة للتوكيد، بمنزلة «ما» في قوله: # عما قليل ليصبحن نادمين # [المؤمنون:40]. # والثاني: أنه لم يرها إلا بعد الجهد، قاله المبرد. قال الفراء: وهذا ~~كما تقول: ما كدت أبلغ إليك، وقد بلغت، قال الفراء: وهذا وجه العربية. # فصل # فأما وجه المثل، فقال المفسرون: لما ضرب الله للمؤمن مثلا ~~بالنور، ضرب للكافر هذا المثل بالظلمات؛ والمعنى: أن الكافر في حيرة ~~لا يهتدي لرشد. وقيل: الظلمات: ظلمة الشرك وظلمة المعاصي. وقال ~~بعضهم: ضرب الظلمات مثلا لعمله، والبحر اللجي لقلبه، والموج لما ~~يغشى قلبه من الشرك والجهل والحيرة، والسحاب للرين، والختم على ~~قلبه، فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره ~~إلى الظلمات يوم القيامة. # قوله تعالى: { ومن لم يجعل الله له نورا } فيه قولان. # أحدهما: دينا وإيمانا، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: هداية، قاله الزجاج. ### || [24.41-42] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض } قد ~~تقدم تفسيره [البقرة: 30]. # قوله تعالى: { والطير } أي: وتسبح له الطير { صافات } أي: ~~باسطات أجنحتها في الهواء: وإنما خص الطير بالذكر، لأنها تكون بين ~~السماء والأرض إذا طارت، فهي خارجة عن جملة من في السماوات والأرض. # قوله تعالى: { كل } أي: من الجملة التي ذكرها { قد علم صلاته ~~وتسبيحه } قال المفسرون: الصلاة، لبني آدم، والتسبيح، لغيرهم من الخلق. # وفي المشار إليه بقوله { قد علم } قولان. # أحدهما: أنه الله تعالى، والمعنى قد علم الله صلاة المصلي وتسبيحه، ~~قاله الزجاج. # والثاني: أنه المصلي والمسبح. ثم فيه قولان. # أحدهما: قد علم المصلي والمسبح صلاة نفسه وتسبيحه، أي: قد عرف ما ~~كلف من ذلك. # والثاني: قد علم المصلي صلاة الله وتسبيحه، أي: علم أن ذلك لله تعالى ~~وحده. # وقرأ قتادة، وعاصم الجحدري، وابن يعمر: { كل قد ms1458 علم } برفع العين ~~وكسر اللام { صلاته وتسبيحه } بالرفع فيهما. ### || [24.43-44] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يزجي سحابا } أي: يسوقه { ثم ~~يؤلف بينه } أي: يضم بعضه إلى بعض، فيجعل القطع المتفرقة قطعة ~~واحدة. والسحاب لفظه لفظ الواحد، ومعناه الجمع، فلهذا قال: { يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما } أي: يجعل بعض السحاب فوق بعض { فترى الودق } وهو ~~المطر. قال الليث: الودق: المطر كله شديده وهينه. # قوله تعالى: { من خلاله } وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ~~ومجاهد، والضحاك: { من خلله }. والخلال: جمع خلل، مثل: جبال وجبل. ~~{ وينزل من السماء } مفعول الإنزال محذوف، تقديره: وينزل من السماء ~~من جبال فيها من برد بردا، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه. ~~و«من» الأولى، لابتداء الغاية، لأن ابتداء الإنزال من السماء، ~~والثانية، للتبعيض، لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال، والثالثة، ~~لتبيين الجنس، لأن جنس تلك [الجبال] جنس البرد؛ قال المفسرون: وهي جبال ~~في السماء مخلوقة من برد. وقال الزجاج: معنى الكلام: وينزل من السماء ~~من جبال برد فيها، كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، المعنى: هذا ~~خاتم حديد في يدي. # قوله تعالى: { فيصيب به } أي: بالبرد { من يشاء } فيضره في زرعه ~~وثمره. والسنا: الضوء، { يذهب } وقرأ مجاهد، وأبو جعفر: { يذهب } ~~بضم الياء وكسر الهاء. { يقلب الله الليل والنهار } أي: يأتي بهذا، ~~ويذهب بهذا، { إن في ذلك } التقلب { لعبرة لأولي الأبصار } أي: ~~دلالة لأهل البصائر والعقول على وحدانية الله وقدرته. ### || [24.45] # قوله تعالى: { والله خلق كل دابة } وقرأ حمزة، والكسائي: { ~~والله خالق كل دابة من ماء } وفي الماء قولان. # أحدهما: أن الماء أصل كل دابة. # والثاني: أنه النطفة، والمراد به: جميع الحيوان المشاهد في الدنيا. ~~وإنما قال: { فمنهم } تغليبا لما يعقل. وإنما لم يذكر الذي يمشي على ~~أكثر من أربع، لأنه في رأي العين كالذي يمشي على أربع، وقيل: لأنه يعتمد ~~في المشي على أربع. وإنما سمى السائر على بطنه ماشيا، لأن كل سائر ~~ومستمر يقال له: ماش وإن لم يكن حيوانا، حتى إنه ms1459 يقال: قد مشى هذا ~~الأمر، هذا قول الزجاج. وقال أبو عبيدة: إنما هذا على سبيل التشبيه ~~بالماشي، لأن المشي لا يكون على البطن، إنما يكون لمن له قوائم، فإذا ~~خلطوا ماله قوائم بما لا قوائم له، جاز ذلك، كما يقولون: أكلت خبزا ~~ولبنا، ولا يقال: أكلت لبنا. ### || [24.46-52] # قوله تعالى: { ويقولون آمنا بالله } قال المفسرون: نزلت في رجل من ~~المنافقين يقال له: بشر كان بينه وبين يهودي حكومة، فدعا اليهودي ~~المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، فقال المنافق ~~لليهودي: إن محمدا يحيف علينا، ولكن بيني وبينك كعب بن الأشرف، فنزلت ~~هذه الآية. # قوله تعالى: { ثم يتولى فريق منهم } يعني: المنافقين { من بعد ~~ذلك } أي: من بعد قولهم: آمنا { وما أولئك } يعني: المعرضين عن ~~حكم الله ورسوله { بالمؤمنين. وإذا دعوا إلى الله } أي: إلى كتابه ~~{ ورسوله ليحكم بينهم } الرسول { إذا فريق منهم معرضون } ومعنى ~~الكلام: أنهم كانوا يعرضون عن حكم الرسول عليهم، لعلمهم أنه يحكم ~~بالحق؛ وإن كان الحق لهم على غيرهم، أسرعوا إلى حكمه مذعنين، لثقتهم ~~أنه يحكم لهم بالحق. قال الزجاج: والإذعان في اللغة: الإسراع مع ~~الطاعة، تقول: قد أذعن لي، أي: قد طاوعني لما كنت ألتمسه منه. # قوله تعالى: { أفي قلوبهم مرض } أي: كفر { أم ارتابوا } أي: شكوا في ~~القرآن؟ وهذا استفهام ذم وتوبيخ، والمعنى: إنهم كذلك، وإنما ذكره بلفظ ~~الاستفهام ليكون أبلغ في ذمهم، كما قال جرير في المدح: # ألستم خير من ركب المطايا # [وأندى العالمين بطون راح] # أي: أنتم كذلك. فأما الحيف، فهو: الميل في الحكم؛ يقال: حاف في ~~قضيته، أي: جار، { بل أولئك هم الظالمون } أي: لا يظلم الله ~~ورسوله أحدا، بل هم الظالمون لأنفسهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول. # ثم نعت المؤمنين، فقال: { إنما كان قول المؤمنين } قال الفراء: ليس ~~هذا بخبر ماض، وإنما المعنى: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين ~~إذا دعوا أن يقولوا سمعنا. وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء: { إنما كان قول ~~المؤمنين } بضم اللام. وقرأ أبو جعفر، ms1460 وعاصم الجحدري، وابن أبي [ليلى]: { ~~ليحكم بينهم } برفع الياء وفتح الكاف. وقال المفسرون: والمعنى: سمعنا ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعنا أمره، وإن كان ذلك فيما ~~يكرهونه. # قوله تعالى: { ويخش الله } أي: فيما مضى من ذنوبه { ويتقه } ~~فيما بعد أن يعصيه. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وورش عن نافع: { ~~ويتقهي } موصولة بياء. وروى قالون عن نافع: { ويتقه فأولئك } ~~بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم: { ويتقه } جزما. ### || [24.53-54] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله } قال المفسرون: لما نزل في هؤلاء ~~المنافقين ما نزل من بيان كراهتهم لحكم الله، قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، فكيف ~~لا نرضى حكمك؟! فنزلت هذه الآية. وقد بينا معنى # جهد أيمانهم # [المائدة: 53] { لئن أمرتهم ليخرجن } من أموالهم وديارهم، وقيل: ~~ليخرجن إلى الجهاد، { قل لا تقسموا } هذا تمام الكلام؛ ثم قال: { ~~طاعة معروفة } قال الزجاج: المعنى: أمثل من قسمكم الذي لا ~~تصدقون فيه طاعة معروفة. قال ابن قتيبة: وبعض النحويين يقول: الضمير ~~فيها: لتكن منكم طاعة معروفة، أي: صحيحة لا نفاق فيها. # قوله تعالى: { فان تولوا } هذا خطاب لهم، والمعنى: فان تتولوا، ~~فحذف إحدى التاءين، ومعنى التولي: الإعراض عن طاعة الله ورسوله، { ~~فإنما عليه } يعني: الرسول، { ما حمل } من التبليغ { وعليكم ما ~~حملتم } من الطاعة؛ وذكر بعض المفسرين أن هذا منسوح بآية السيف، ~~وليس بصحيح. # قوله تعالى: { وإن تطيعوه } يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~تهتدوا } ، وكان بعض السلف يقول: من أمر السنة على نفسه قولا ~~وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا، نطق ~~بالبدعة، لقوله: { وإن تطيعوه تهتدوا }. ### || [24.55-56] # قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم } روى أبو عبد الله ~~الحاكم في «صحيحه» من حديث أبي بن كعب، قال: لما قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآواهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس ~~واحدة، كانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا ms1461 يصبحون إلا في لأمتهم، ~~فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز ~~وجل؟! فنزلت هذه الآية. قال أبو العالية: لما أظهر الله عز وجل رسوله ~~على جزيرة العرب، وضعوا السلاح وأمنوا، ثم قبض الله نبيه، فكانوا آمنين ~~كذلك في إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا ~~بالنعمة، فأدخل الله عز وجل عليهم الخوف، فغيروا، فغير الله تعالى ما ~~بهم. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذا الوعد وعده الله أمة محمد في ~~التوراة والإنجيل. وزعم مقاتل أن كفار مكة لما صدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين عن العمرة عام الحديبية، قال المسلمون: لو أن ~~الله تعالى فتح علينا مكة، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: { ليستخلفنهم } أي: ليجعلنهم يخلفون من ~~قبلهم، والمعنى: ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ~~ملوكها وساستها وسكانها. وعلى قول مقاتل: المراد بالأرض مكة. # قوله تعالى: { كما استخلف الذين من قبلهم } وقرأ أبو بكر عن عاصم: { ~~كما استخلف } بضم التاء وكسر اللام؛ يعني: بني إسرائيل، وذلك أنه لما ~~هلكت الجبابرة بمصر، أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم. # قوله تعالى: { وليمكنن لهم دينهم } وهو الإسلام، وتمكينه: ~~إظهاره على كل دين، { وليبدلنهم } وقرأ ابن كثير، وأبو بكر، ~~وأبان، ويعقوب: { وليبدلنهم } بسكون الباء وتخفيف الدال { من بعد ~~خوفهم أمنا } لأنهم كانوا مظلومين مقهورين، { يعبدونني } هذا استئناف ~~كلام في الثناء عليهم، { ومن كفر بعد ذلك } بهذه النعم، أي: من جحد ~~حقها. قال المفسرون: وأول من كفر بهذه النعم قتله عثمان. ### || [24.57] # قوله تعالى: { لا تحسبن الذين كفروا } قرأ ابن عامر، وحمزة عن ~~عاصم: { لا يحسبن } بالياء وفتح السين. وقرأ الباقون: بالتاء وكسر ~~السين. ### || [24.58-60] # قوله تعالى: { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } في سبب ~~نزولها قولان. # أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه غلاما من الأنصار يقال ~~له: مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى ~~عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها، فقال: يا رسول ms1462 الله، وددت لو أن ~~الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن أسماء بنت مرثد كان لها غلام، فدخل عليها في وقت كرهته، ~~فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون ~~علينا في حالة نكرهها، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # ومعنى الآية: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم؛ وفيهم قولان. # أحدهما: أنه أراد الذكور دون الإناث، قاله ابن عمر. # والثاني: الذكور والإناث، رواه أبو حصين عن أبي عبد الرحمن. ومعنى ~~الكلام: ليستأذنكم مماليككم في الدخول عليكم. قال القاضي أبو يعلى: ~~والأظهر أن يكون المراد: العبيد الصغار والإماء الصغار، لأن العبد ~~البالغ بمنزلة الحر البالغ في تحريم النظر إلى مولاته، فكيف يضاف إلى ~~الصبيان الذين هم غير مكلفين؟! # قوله تعالى: { والذين لم يبلغوا الحلم } وقرأ عبد الوارث: { الحلم } ~~باسكان اللام { منكم } أي: من أحراركم من الرجال والنساء، { ثلاث مرات } ~~أي: ثلاثة أوقات؛ ثم بينها فقال: { من قبل صلاة الفجر } وذلك لأن ~~الإنسان قد يبيت عريانا، أو على حالة لا يحب أن يطلع عليه فيها { ~~وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة } أي: القائلة { ومن بعد صلاة العشاء } ~~حين يأوي الرجل إلى زوجته. { ثلاث عورات } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: { ثلاث عورات } برفع الثاء من { ثلاث } ~~، والمعنى: هذه الأوقات هي ثلاث عورات، لأن الإنسان يضع فيها ثيابه، ~~فربما بدت عورته. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { ثلاث عورات ~~} بنصب الثاء؛ قال أبو علي: وجعلوه بدلا من قوله: { ثلاث مرات } ~~والأوقات ليست عورات، ولكن المعنى: أنها أوقات ثلاث عورات، فلما حذف ~~المضاف أعرب [باعراب المحذوف]. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن ~~جبير، والأعمش: { عورات } بفتح الواو، { ليس عليكم } يعني: المؤمنين ~~الأحرار { ولا عليهم } يعني: الخدم والغلمان { جناح } أي: حرج { ~~بعدهن } أي: بعد مضي هذه الأوقات، أن لا يستأذنوا. فرفع الحرج عن ~~الفريقين، { طوافون عليكم } أي: هم طوافون عليكم { بعضكم على بعض } ~~أي: يطوف بعضكم وهم المماليك على بعض وهم ms1463 الأحرار. # فصل # وأكثر علماء المفسرين على أن هذه الآية محكمة، وممن روي عنه ذلك ابن ~~عباس، والقاسم بن محمد، وجابر بن زيد، والشعبي. وحكي عن سعيد بن المسيب ~~أنها منسوخة بقوله: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا }؛ ~~والأول أصح، لأن معنى هذه الآية: وإذا بلغ الأطفال منكم، أو من الأحرار ~~الحلم، فليستأذنوا، أي: في جميع الأوقات في الدخول عليكم { كما استأذن ~~الذين من قبلهم } يعني: كما استأذن الأحرار الكبار، الذين هم قبلهم ~~في الوجود، وهم الذين أمروا بالاستئذان على كل حال؛ فالبالغ يستأذن في ~~كل وقت، والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث. # قوله تعالى: { والقواعد من النساء } قال ابن قتيبة: يعني: العجز، ~~واحدها: قاعد، ويقال: إنما قيل لها: قاعد، لقعودها عن الحيض والولد، ~~وقد تقعد عن الحيض والولد ومثلها يرجو النكاح، ولا أراها سميت ~~قاعدا إلا بالقعود، لأنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة ~~الحركة، وأطالت القعود، فقيل لها: «قاعد» بلا هاء، ليدل حذف الهاء على ~~أنه قعود كبر، كما قالوا: «امرأة حامل»، ليدلوا بحذف الهاء على أنه ~~حمل حبل، وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. # قوله تعالى: { أن يضعن ثيابهن } أي: عند الرجال؛ ويعني بالثياب: ~~الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار، هذا المراد بالثياب، لا جميع ~~الثياب، { غير متبرجات بزينة } أي: من غير أن يردن بوضع ~~الجلباب أن ترى زينتهن، والتبرج: إظهار المرأة محاسنها، { وأن ~~يستعففن } فلا يضعن تلك الثياب { خير لهن } ، قال ابن ~~قتيبة: والعرب تقول: امرأة واضع: إذا كبرت فوضعت الخمار، ولا يكون ~~هذا إلا في الهرمة. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية دلالة على أنه ~~يباح [للعجوز] كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال، وأما شعرها، فيحرم ~~النظر إليه كشعر الشابة. ### || [24.61] # قوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج } في سبب نزولها خمسة أقوال. # أحدها: أنه لما نزل قوله تعالى: # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [النساء: 29] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي ~~والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن ms1464 أكل المال ~~بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفي ~~الطعام، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أن ناسا كانوا إذا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا ~~يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا، فكانوا يتقون أن ~~يأكلوا منها، ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فنزلت هذه ~~الآية، قاله سعيد بن المسيب. # والثالث: أن العرجان والعميان كانوا يمتنعون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن ~~الناس يتقذرونهم، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. # والرابع: أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا لم ~~يكن عندهم ما يطعمون المريض والزمن، ذهبوا به إلى بيوت آبائهم ~~وأمهاتهم وبعض من سمى الله عز وجل في هذه الآية، فكان أهل ~~الزمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير مالكه، فنزلت ~~هذه الآية، قاله مجاهد. # والخامس: أنها نزلت في إسقاط الجهاد عن أهل الزمانة المذكورين في ~~الآية، قاله الحسن، وابن زيد. # فعلى القول الأول يكون معنى الآية: ليس عليكم في الأعمى حرج أن تأكلوا ~~معه، ولا في الأعرج، وتكون «على» بمعنى «في»، ذكره ابن جرير. وكذلك ~~يخرج [معنى الآية] على كل قول بما يليق به. وقد كان جماعة من المفسرين ~~يذهبون إلى أن آخر الكلام { ولا على المريض حرج } وأن ما بعده مستأنف لا ~~تعلق له به، وهو يقوي قول الحسن، وابن زيد. # قوله تعالى: { أن تأكلوا من بيوتكم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها بيوت الأولاد. # والثاني: البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم، فيكون الخطاب لأهل ~~الرجل وولده وخادمه، ومن يشتمل عليه منزله، ونسبها إليهم لأنهم ~~سكانها. # والثالث: أنها بيوتهم والمراد أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم، لأن بيت ~~المرأة كبيت الرجل. # وإنما أباح الأكل من بيوت القرابات المذكورين، لجريان العادة ببذل ~~طعامهم لهم؛ فإن كان الطعام وراء حرز، لم يجز هتك الحرز. # قوله تعالى: { أو ما ملكتم مفاتحه } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: ms1465 أنه الوكيل، لا بأس أن يأكل اليسير، وهو معنى قول ابن عباس. ~~وقرأها سعيد بن جبير، وأبو العالية: { ملكتم } بضم الميم وتشديد ~~اللام مع كسرها على ما لم يسم فاعله، وفسرها سعيد فقال: يعني ~~القهرمان الذي بيده المفاتيح. وقرأ أنس بن مالك، وقتادة، وابن يعمر { ~~مفتاحه } بكسر الميم على التوحيد. # والثاني: بيت الإنسان الذي يملكه، وهو معنى قول قتادة. # والثالث: بيوت العبيد، قاله الضحاك. # قوله تعالى: { أو صديقكم } قال ابن عباس: نزلت هذه في الحارث بن ~~عمرو، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا، وخلف مالك بن زيد ~~على أهله، فلما رجع وجده مجهودا، فقال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير ~~إذنك، فنزلت هذه الآية. وكان الحسن وقتادة يريان الأكل من طعام الصديق ~~بغير استئذان جائزا. # قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا } في سبب نزول هذه ~~[الآية] ثلاثة أقوال. # أحدها: أن حيا من بني كنانة يقال لهم: بنو ليث كانوا يتحرجون أن ~~يأكل الرجل الطعام وحده؛ فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح ~~إلى الرواح، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة والضحاك. # والثاني: أن قوما من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ~~ضيفهم، فنزلت هذه الآية، ورخص لهم أن يأكلوا جميعا أو أشتاتا، قاله ~~عكرمة. # والثالث: أن المسلمين كانوا يتحرجون من مؤاكلة أهل الضر خوفا من ~~أن يستأثروا عليهم، ومن الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في مآكلهم ~~وزيادة بعضهم على بعض، فوسع عليهم، وقيل: { ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا } أي: مجتمعين { أو أشتاتا } أي: متفرقين، قاله ابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: { فإذا دخلتم بيوتا } فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها بيوت أنفسكم، فسلموا على أهاليكم وعيالكم، قال جابر بن ~~عبد الله، وطاووس، وقتادة. # والثاني: أنها المساجد، فسلموا على من فيها، قاله ابن عباس. # والثالث: بيوت الغير؛ فالمعنى: إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم، ~~قاله الحسن. # قوله تعالى: { تحية } قال الزجاج: هي منصوبة على المصدر، لأن قوله: { ~~فسلموا } بمعنى: فحيوا وليحي بعضكم بعضا تحية، ms1466 { من عند ~~الله } قال مقاتل: مباركة بالأجر، { طيبة } أي: حسنة. ### || [24.62] # قوله تعالى: { وإذا كانوا معه } يعني: مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ على أمر جامع } أي: على أمر طاعة يجتمعون عليها، نحو الجهاد والجمعة ~~والعيد ونحو ذلك { لم يذهبوا حتى يستأذنوه } قال المفسرون: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج ~~من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء منهم، فالأمر ~~إليه في ذلك. قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده. # قوله تعالى: { واستغفر لهم الله } أي: لخروجهم عن الجماعة إن ~~رأيت لهم عذرا. ### || [24.63-64] # قوله تعالى: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } فيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه نهي عن التعرض لإسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانه ~~إذا دعا على شخص فدعوته موجبة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم أمروا أن يقولوا: يا رسول الله، ونهوا أن يقولوا: يا ~~محمد، قاله سعيد بن خبير، وعلقمة، والأسود، وعكرمة، ومجاهد. # والثالث: أنه نهي لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم، ~~حكاه الماوردي. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وأبو المتوكل، ومعاذ القارىء: { ~~دعاء الرسول نبيكم } بياء مشددة ونون قبل الباء. # قوله تعالى: { قد يعلم الله الذين يتسللون } التسلل: الخروج في ~~خفية. واللواذ: أن يستتر بشيء مخافة من يراه، والمراد بقوله: { قد ~~يعلم } التهديد بالمجازاة. قال الفراء: كان المنافقون يشهدون ~~الجمعة، فيذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبهم بالآيات التي ~~أنزلت فيهم، فإن خفي لأحدهم القيام قام، فذلك قوله: { قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا } أي: يلوذ هذا بهذا، أي: يستتر ذا بذا. ~~وإنما قال: { لواذا } لأنها مصدر «لاوذت»، ولو كان مصدرا ~~ل«لذت» لقلت: لذت لياذا، كما تقول: قمت قياما. وكذلك ~~قال ثعلب: وقع البناء على لاوذ ملاوذة، ولو بني على لاذ يلوذ، ~~لقيل: لياذا. وقيل: هذا كان في ms1467 حفر الخندق، كان المنافقون ينصرفون عن ~~غير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين. # قوله تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } في هاء الكناية ~~قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الله عز وجل، قال مجاهد. # والثاني: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال قتادة. # وفي «عن» قولان. # أحدهما: [أنها] زائدة، قاله الاخفش. # والثاني: أن معنى { يخالفون }: يعرضون عن أمره. # وفي الفتنة هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: الضلالة، قاله ابن عباس. # والثاني: بلاء في الدنيا، قاله مجاهد. # والثالث: كفر، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: { أو يصيبهم عذاب أليم } فيه قولان. # أحدهما: القتل في الدنيا. # والثاني: عذاب جهنم في الآخرة. # قوله تعالى: { قد يعلم ما أنتم عليه } أي: ما في أنفسكم، وما تنطوي ~~عليه ضمائركم من الإيمان والنفاق؛ وهذا تنبيه على الجزاء على ذلك. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-3] # قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة في آخرين: هي مكية. وحكي ~~عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي ~~قوله: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان:68] إلى قوله: # غفورا رحيما # [الفرقان: 70]. # قوله تعالى: { تبارك } قد شرحناه في [الأعراف: 54] والفرقان: القرآن، ~~سمي فرقانا، لأنه فرق به بين الحق والباطل. # والمراد بعبده: محمد صلى الله عليه وسلم، { ليكون } فيه قولان. # أحدهما: أنه كناية عن عبده، قاله الجمهور. # والثاني: عن القرآن، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { للعالمين } يعني الجن والإنس { نذيرا } [أي]: ~~مخوفا من عذاب الله. # قوله تعالى: { فقدره تقديرا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: سواه وهيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. # والثاني: قدر له ما يصلحه ويقيمه. # والثالث: قدر له تقديرا من الأجل والرزق. # ثم ذكر ما صنعه المشركون، فقال: { واتخذوا من دونه آلهة } يعني: ~~الأصنام { لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } أي: وهي مخلوقة { ولا ~~يملكون لأنفسهم ضرا } أي: دفع ضر، ولا جر نفع، لأنها جماد لا ~~قدرة لها، { ولا يملكون موتا } أي: لا تملك أن تميت أحدا، ولا ~~أن تحيي أحدا، ولا أن تبعث أحدا من ms1468 الأموات؛ والمعنى: كيف يعبدون ما ~~هذه صفته، ويتركون عبادة من يقدر على ذلك كله؟! ### || [25.4-6] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } يعني: مشركي قريش؛ وقال مقاتل: هو قول ~~النضر بن الحارث من بني عبد الدار { إن هذا } أي: ما هذا، يعنون ~~القرآن { إلا إفك } أي: كذب { افتراه } أي: اختلقه من تلقاء نفسه { ~~وأعانه عليه قوم آخرون } قال مجاهد: يعنون اليهود؛ وقال مقاتل: أشاروا ~~إلى عداس مولى حويطب، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبر مولى لعامر ~~أيضا، وكان الثلاثة من أهل الكتاب. # قوله تعالى: { فقد جاؤوا ظلما وزورا } قال الزجاج: المعنى: فقد ~~جاؤوا بظلم وزور، فلما سقطت الباء أفضى الفعل فنصب، والزور: الكذب. { ~~وقالوا أساطير الأولين } المعنى: وقالوا: الذي جاء به أساطير الأولين؛ ~~وقد بينا ذلك في [الأنعام: 25]. قال المفسرون: والذي قال هذا هو ~~النضر بن الحارث. ومعنى { اكتتبها } أمر أن تكتب له. وقرأ ابن ~~مسعود، وإبراهيم النخعي، وطلحة بن مصرف: { اكتتبها } برفع التاء ~~الأولى وكسر الثانية، والابتداء على قراءتهم برفع الهمزة { فهي تملى ~~عليه } أي: تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، لأنه لم يكن كاتبا. { بكرة ~~وأصيلا } أي: غدوة وعشيا { قل } لهم يا محمد: { أنزله } يعني: ~~القرآن { الذي يعلم السر } أي لا يخفى عليه شىء { في السماوات والأرض ~~}. ### || [25.7-9] # قوله تعالى: { وقالوا } يعني المشركين { ما لهذا الرسول يأكل الطعام } ~~أنكروا أن يكون الرسول بشرا يأكل الطعام ويمشي في الطرق كما يمشي ~~سائر الناس يطلب المعيشة؛ والمعنى: أنه ليس بملك ولا ملك، لأن الملائكة ~~لا تأكل، والملوك لا تتبذل في الأسواق، فعجبوا أن يكون مساويا للبشر ~~لا يتميز عليهم بشيء؛ وإنما جعله الله بشرا ليكون مجانسا للذين ~~أرسل إليهم، ولم يجعله ملكا يمتنع من المشي في الأسواق، لأن ذلك من ~~فعل الجبابرة، ولأنه أمر بدعائهم، فاحتاج أن يمشي بينهم. # قوله تعالى: { لولا أنزل إليه ملك } وذلك أنهم قالوا له: سل ربك أن ~~يبعث معك ملكا يصدقك ويجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا، فذلك قوله: { ~~أو يلقى إليه كنز } أي: ينزل إليه كنز من السماء ms1469 { أو تكون له ~~جنة يأكل منها } أي: بستان يأكل من ثماره. قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر { يأكل منها } بالياء، يعنون النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقرأ حمزة، والكسائي: { نأكل } بالنون، قال أبو علي: ~~المعنى: يكون له علينا مزية في الفضل بأكلنا من جنته. وباقي الآية ~~مفسر في [بني إسرائيل: 47]. # قوله تعالى: { انظر } يا محمد { كيف ضربوا لك الأمثال } حين مثلوك ~~بالمسحور، وبالكاهن والمجنون والشاعر { فضلوا } بهذا عن الهدى { فلا ~~يستطيعون سبيلا } فيه قولان. # أحدهما: لا يستطيعون مخرجا من الأمثال التي ضربوها، قاله مجاهد، ~~والمعنى: أنهم كذبوا ولم يجدوا على قولهم حجة وبرهانا، وقال الفراء: ~~لا يستطيعون في أمرك حيلة. # والثاني: سبيلا إلى الطاعة، قاله السدي. ### || [25.10-14] # ثم أخبر أنه لو شاء لأعطاه خيرا مما قالوا في الدنيا، وهو قوله: { ~~خيرا من ذلك } يعني: لو شئت لأعطيتك في الدنيا خيرا مما قالوا، لأنه ~~قد شاء أن يعطيه ذلك في الآخرة. { ويجعل لك قصورا } قرأ ابن ~~كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم { ويجعل لك قصورا } برفع اللام. ~~وقرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: { ويجعل } بجزم ~~اللام. فمن قرأ بالجزم، كان المعنى: إن يشأ يجعل لك جنات ويجعل [لك] ~~قصورا. ومن رفع، فعلى الاستئناف [المعنى]: ويجعل لك قصورا في الآخرة. ~~وقد سبق معنى { أعتدنا } [النساء: 37] ومعنى { السعير } [النساء: 10]. # قوله تعالى: { إذ رأتهم من مكان بعيد } قال السدي عن أشياخه: من مسيرة ~~مائة عام. # فان قيل: السعير مذكر، فكيف قال: { إذا رأتهم }؟ # فالجواب: أنه أراد بالسعير النار. # قوله تعالى: { سمعوا لها تغيظا } فيه قولان. # أحدهما: غليان تغيظ، قاله الزجاج. قال المفسرون: والمعنى: أنها ~~تتغيظ عليهم، فيسمعون صوت تغيظها وزفيرها كالغضبان إذا غلا صدره من ~~الغيظ. # والثاني: يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم، حكاه ابن قتيبة. # قوله تعالى: { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا } قال المفسرون: تضيق عليهم كما يضيق الزج على ~~الرمح، وهم قد قرنوا مع الشياطين والثبور: الهلكة. وقرأ عاصم ~~الجحدري وابن السميفع ms1470 { ثبورا } بفتح الثاء. # قوله تعالى: { وادعوا ثبورا كثيرا } قال الزجاج: الثبور مصدر، فهو ~~للقليل والكثير على لفظ الواحد، كما تقول: ضربته ضربا كثيرا، والمعنى: ~~هلاكهم أكثر من أن يدعوا مرة واحدة. وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أول من يكسى من أهل النار يوم القيامة إبليس، يكسى حلة من ~~النار فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته خلفه وهو يقول: ~~واثبوراه، وهم ينادون: يا ثبورهم، حتى يقفوا على النار، فينادي: يا ~~ثبوراه، وينادون: يا ثبورهم، فيقول الله عز وجل: { لا تدعوا اليوم ~~ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } ". ### || [25.15-16] # قوله تعالى: { قل أذلك } يعني: السعير { خير أم جنة الخلد } ~~وهذا تنبيه على تفاوت ما بين المنزلتين، لا على أن في السعير خيرا. وقال ~~الزجاج: قد وقع التساوي بين الجنة والنار في أنهما منزلان، فلذلك وقع ~~التفضيل بينهما. # قوله تعالى: { كانت لهم جزاء } أي: ثوابا { ومصيرا } أي: مرجعا. # قوله تعالى: { كان على ربك } المشار إليه، إما الدخول، وإما ~~الخلود { وعدا } وعدهم الله إياه على ألسنة الرسل. # وفي معنى { مسؤولا } قولان. # أحدهما: مطلوبا. وفي الطالب له قولان. # أحدهما: أنهم المؤمنون، سألوا الله في الدنيا إنجاز ما وعدهم [به]. # والثاني: أن الملائكة سألته ذلك لهم، وهو قوله: # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم # [غافر: 8] # والثاني: أن معنى المسؤول؟ الواجب. ### || [25.17-20] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم } قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: { ~~يحشرهم } { فيقول } بالياء فيهما. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { نحشرهم } بالنون { فيقول } بالياء. وقرأ ~~ابن عامر: { نحشرهم } { فنقول } بالنون فيهما جميعا، يعني: المشركين، { ~~وما يعبدون } قال مجاهد: يعني عيسى وعزيرا والملائكة. وقال عكرمة، ~~والضحاك: يعني الأصنام، فيأذن الله للأصنام في الكلام، ويخاطبها { فيقول ~~أأنتم أضللتم عبادي } أي: أمرتموهم بعبادتكم { أم هم ضلوا السبيل } ~~أي: أخطأوا الطريق. { قالوا } يعني الأصنام { سبحانك } نزهوا الله ~~تعالى أن يعبد غيره { ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ~~} نواليهم؛ والمعنى: ما كان ينبغي لنا أن ms1471 نعبد نحن غيرك، فكيف ندعو ~~إلى عبادتنا؟! فدل هذا الجواب على أنهم لم يأمروا بعبادتهم. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن السلمي، وابن جبير، والحسن، وقتادة، وأبو جعفر، وابن يعمر، ~~وعاصم الجحدري: { أن نتخذ } برفع النون وفتح الخاء. ثم ذكروا سبب ~~تركهم الإيمان، فقالوا: { ولكن متعتهم } أي: أطلت لهم العمر وأوسعت ~~لهم الرزق { حتى نسوا الذكر } أي: تركوا الإيمان بالقرآن ~~والاتعاظ به { وكانوا قوما بورا } قال ابن عباس: هلكى. وقال في ~~رواية أخرى، البور: [في] لغة أزد عمان: الفاسد. قال ابن قتيبة: هو من ~~بار يبور: إذا هلك وبطل، يقال: بار الطعام: إذا كسد، وبارت ~~الأيم، إذا لم يرغب فيها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتعوذ من بوار الأيم، قال: وقال أبو عبيدة: يقال: رجل بور، ~~وقوم بور لا يجمع ولا يثنى، واحتج بقول الشاعر: # يا رسول المليك إن لساني # راتق ما فتقت إذ أنا بور # وقد سمعنا ب«رجل بائر»، ورأيناهم ربما جمعوا «فاعلا» على «فعل»، نحو ~~عائذ وعوذ، وشارف وشرف. قال المفسرون: فيقال للكفار حينئذ { فقد ~~كذبوكم } ، أي: فقد كذبكم المعبودون في قولكم: إنهم آلهة. وقرأ سعيد ~~ابن جبير، ومجاهد، ومعاذ القارىء، وابن شنبوذ عن قنبل: { بما يقولون } ~~بالياء؛ والمعنى: كذبوكم بقولهم: { سبحانك ما كان ينبغي لنا... } ~~الآية؛ هذا قول الأكثرين. وقال ابن زيد: الخطاب للمؤمنين؛ فالمعنى: فقد ~~كذبكم المشركون بما تقولون: إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { فما يستطيعون صرفا ولا نصرا } قرأ الأكثرون ~~بالياء. وفيه وجهان. # أحدهما: فما يستطيع المعبودون صرفا للعذاب عنكم ولا نصرا لكم. # والثاني: فما يستطيع الكفار صرفا لعذاب الله عنهم ولا نصرا لأنفسهم. ~~وقرأ حفص عن عاصم: { تستطيعون } بالتاء؛ والخطاب للكفار. وحكى ابن قتيبة ~~عن يونس البصري أنه قال: الصرف: الحيلة من قولهم: إنه ليتصرف. # قوله تعالى: { ومن يظلم منكم } أي: بالشرك { نذقه } في ~~الآخرة. وقرأ عاصم الجحدري، والضحاك، وأبو الجوزاء [وقتادة]: { يذقه } ~~بالياء { عذابا كبيرا } أي: شديدا. # { وما أرسلنا قبلك من المرسلين } قال الزجاج: في الآية محذوف، ~~تقديره: ms1472 وما أرسلنا قبلك رسلا من المرسلين، فحذفت { رسلا } لأن قوله: ~~{ من المرسلين } يدل عليها. # قوله تعالى: { إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } أي: ~~إنهم كانوا على مثل حالك، فكيف تكون بدعا منهم؟! # فان قيل: لم كسرت { إنهم } هاهنا، وفتحت في [(براءة:54) في] في ~~قوله: # أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم # فقد بينا هنالك علة فتح تلك؛ فأما كسر هذه، فذكر ابن الأنباري ~~فيه وجهين. # أحدهما: أن تكون فيها واو حال مضمرة، فكسرت بعدها «إن» للاستئناف، ~~فيكون التقدير: إلا وإنهم ليأكلون الطعام، فأضمرت الواو هاهنا كما ~~أضمرت في قوله: # أو هم قائلون # [الأعراف: 4]، والتأويل: أو وهم قائلون. # والثاني: أن تكون كسرت لإضمار «من» قبلها، فيكون التقدير: وما ~~أرسلنا قبلك من المرسلين إلا من إنهم ليأكلون، قال الشاعر: # فظلوا ومنهم دمعه سابق له # وآخر يثني دمعة العين بالمهل # أراد: من دمعه. # قوله تعالى: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } الفتنة: الابتلاء والاختبار. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه افتتان الفقير بالغني، يقول: لو شاء لجعلني غنيا، والأعمى ~~بالبصير، والسقيم بالصحيح، قاله الحسن. # والثاني: ابتلاء الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى، فاذا أراد الشريف أن ~~يسلم فرأى الوضيع قد سبقه بالإسلام أنف فأقام على كفره، قاله ابن ~~السائب. # والثالث: أن المستهزئين من قريش كانوا إذا رأوا فقراء المؤمنين، قالوا: ~~انظروا إلى أتباع محمد من موالينا ورذالتنا، قاله مقاتل. # فعلى الأول: يكون الخطاب بقوله: { أتصبرون } لأهل البلاء. وعلى ~~الثاني: للرؤساء، فيكون المعنى: أتصبرون على سبق الموالي والأتباع. وعلى ~~الثالث: للفقراء؛ فالمعنى: أتصبرون على أذى الكفار واستهزائهم، والمعنى: ~~قد علمتم ما وعد الصابرون، { وكان ربك بصيرا } بمن يصبر وبمن يجزع. ### || [25.21-24] # قوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } أي: لا يخافون البعث { ~~لولا } أي: هلا { أنزل علينا الملائكة } فكانوا رسلا إلينا ~~وأخبرونا بصدقك، { أو نرى ربنا } فيخبرنا أنك رسوله، { لقد ~~استكبروا في أنفسهم } أي: تكبروا حين سألوا هذه الآيات { وعتوا ~~عتوا كبيرا } قال الزجاج: العتو في اللغة: مجاوزة القدر في ~~الظلم. # قوله تعالى: { يوم يرون الملائكة } فيه ms1473 قولان. # أحدهما: عند الموت. # والثاني: يوم القيامة. # قال الزجاج: وانتصب اليوم على معنى: لا بشرى للمجرمين يوم يرون ~~الملائكة، و { يومئذ } مؤكد ل { يوم يرون الملائكة }؛ ~~والمعنى: أنهم يمنعون البشرى في ذلك اليوم؛ ويجوز أن يكون { يوم } ~~منصوبا على معنى: اذكر يوم يرون الملائكة، ثم أخبر فقال: { لا بشرى } ، ~~والمجرمون هاهنا: الكفار. # قوله تعالى: { ويقولون حجرا محجورا } وقرأ قتادة، والضحاك، ومعاذ ~~القارىء: { حجرا } بضم الحاء. قال الزجاج: وأصل الحجر في اللغة: ما ~~حجرت عليه، أي: منعت من ان يوصل إليه، ومنه حجر القضاة على ~~الأيتام. # وفي القائلين لهذا قولان. # أحدهما: أنهم الملائكة يقولون للكفار: حجرا محجورا، أي: حراما ~~محرما. وفيما حرموه عليهم قولان. # أحدهما: البشرى، فالمعنى: حرام محرم أن تكون لكم البشرى، قاله ~~الضحاك، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أن تدخلوا الجنة، قاله مجاهد. # والثاني: أنه قول المشركين إذا عاينوا العذاب، ومعناه: الاستعاذة من ~~الملائكة، روي عن مجاهد أيضا. وقال ابن فارس: كان الرجل إذا لقي من ~~يخافه في الشهر الحرام، قال: حجرا، أي: حرام عليك أذاي، فاذا رأى ~~المشركون الملائكة يوم القيامة، قالوا: حجرا محجورا، يظنون أنه ~~ينفعهم كما كان ينفعهم في الدنيا. # قوله تعالى: { وقدمنا } قال ابن قتيبه: أي: قصدنا وعمدنا، ~~والأصل أن من اراد القدوم إلى موضع عمد له وقصده. # قوله تعالى: { إلى ما عملوا من عمل } [أي] من أعمال الخير { فجعلناه ~~هباء } لأن العمل لا يتقبل مع الشرك. # وفي الهباء خمسة أقوال. # أحدها: أنه ما رأيته يتطاير في الشمس التي تدخل من الكوة مثل الغبار، ~~قاله علي عليه السلام، والحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ~~واللغويون؛ والمعنى أن الله أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء. # والثاني: أنه الماء المهراق، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه ما تنسفه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر، رواه عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس. # والرابع: أنه الشرر الذي يطير من النار إذا أضرمت، فاذا وقع لم يكن ~~شيئا، رواه عطية عن ابن عباس. # والخامس: أنه ما يسطع من ms1474 حوافر الدواب، قاله مقاتل. والمنثور: ~~المتفرق. # قوله تعالى: { أصحاب الجنة يومئذ } أي: يوم القيامة، { خير ~~مستقرا } أفضل منزلا من المشركين { وأحسن مقيلا } قال الزجاج: ~~المقيل: المقام وقت القائلة، وهو النوم نصف النهار. وقال الأزهري: ~~القيلولة عند العرب: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن ~~مع ذلك نوم. وقال ابن مسعود، وابن عباس: لا ينتصف النهار من يوم القيامة ~~حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. ### || [25.25-29] # قوله تعالى: { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا } هذا معطوف على قوله: { يوم يرون الملائكة } ، وقرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر: { تشقق } بالتشديد، فأدغموا التاء فى الشين، لأن ~~الأصل تتشقق. قال الفراء: المعنى: تتشقق السماء عن الغمام، وتنزل فيه ~~الملائكة، و«على» و«عن» و«الباء» في هذا الموضع بمعنى واحد، لأن العرب ~~تقول: رميت عن القوس، وبالقوس، وعلى القوس، والمعنى واحد. وقال أبو علي ~~الفارسي: المعنى: تتشقق السماء وعليها غمام، كما تقول: ركب الأمير ~~بسلاحه، وخرج بثيابه، وإنما تتشقق السماء لنزول الملائكة. قال ابن ~~عباس: تتشقق السماء عن الغمام، وهو الغيم الأبيض، وتنزل الملائكة في ~~الغمام. وقال مقاتل: المراد بالسماء: السماوات، تتشقق عن الغمام، وهو ~~غمام أبيض كهيئة الضباب، فتنزل الملائكة عند انشقاقها. وقرأ ابن كثير: ~~{ وننزل } بنونين، الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، واللام مضمومة، ~~و«الملائكة» نصبا. وقرأ عاصم الجحدري، وأبو عمران الجوني: { ونزل } ~~بنون واحدة مفتوحة ونصب الزاي وتشديدها وفتح اللام ونصب «الملائكة». ~~وقرأ ابن يعمر: { ونزل } بفتح النون واللام والزاي والتخفيف { ~~الملائكة } بالرفع. # قوله تعالى: { الملك يومئذ الحق للرحمن } قال الزجاج: ~~المعنى: الملك الذي هو الملك حقا للرحمن. فأما العسير، فهو الصعب ~~الشديد يشتد على الكفار، ويهون على المؤمنين فيكون كمقدار صلاة مكتوبة. # قوله تعالى: { ويوم يعض الظالم على يديه } في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أن أبي بن خلف كان يحضر [عند] رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويجالسه من غير أن يؤمن به، فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك، فنزلت هذه ~~الآية، رواه عطاء الخراساني عن ms1475 ابن عباس. # والثاني: # " أن عقبة دعا قوما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام فأكلوا، ~~وأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل، وقال «لا آكل حتى تشهد أن ~~لا إله إلا الله وأني رسول الله»، فشهد بذلك عقبة، فبلغ ذلك أبي ~~بن خلف، وكان خليلا له، فقال: صبوت يا عقبة؟ فقال: لا والله، ولكنه ~~أبى أن يأكل حتى قلت ذلك، وليس من نفسي، فنزلت هذه الآية " # ، قاله مجاهد. # والثالث: أن عقبة كان خليلا لأمية بن خلف، فأسلم عقبة، فقال ~~أمية: وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا، فكفر وارتد لرضى أمية، ~~فنزلت هذه الآية، قاله الشعبي. # فأما الظالم [المذكور] هاهنا، فهو الكافر، وفيه قولان. # أحدهما: أنه أبي بن خلف، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: عقبة بن أبي معيط، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة. قال ~~عطاء: يأكل يديه حتى تذهبا إلى المرفقين، ثم تنبتان، فلا يزال هكذا ~~كلما نبتت يده أكلها ندامة على ما فعل. # قوله تعالى: { يا ليتني اتخذت } الأكثرون يسكنون { يا ليتني } ، ~~وأبو عمرو يحركها؛ قال أبو علي: والأصل التحريك، لأنها بازاء الكاف ~~التي للخطاب، إلا أن حرف اللين تكره فيه الحركة، ولذلك أسكن من أسكن؛ ~~والمعنى: ليتني اتبعته فاتخذت معه طريقا إلى الهدى. # قوله تعالى: { ليتني لم أتخذ فلانا } في المشار إليه أربعة أقوال. # أحدها: أنه عنى أبي بن خلف، قاله ابن عباس. # والثاني: عقبة بن أبي معيط، قاله أبو مالك. # والثالث: الشيطان، قاله مجاهد. # والرابع: أمية ابن خلف، قاله السدي. # فان قيل: إنما يكنى من يخاف المبادأة أو يحتاج إلى المداجاة، فما وجه ~~الكناية؟ # فالجواب: أنه أراد بالظالم: كل ظالم، وأراد بفلان: كل من أطيع في ~~معصية وأرضي بسخط الله، وإن كانت الآية نزلت في شخص، قاله ابن قتيبة. ~~قوله تعالى: { لقد أضلني عن الذكر } أي: صرفني عن القرآن والإيمان ~~به { بعد إذ جاءني } مع الرسول، وهاهنا تم الكلام. ثم قال الله تعالى: { ~~وكان الشيطان للانسان } يعني: الكافر { خذولا } يتبرأ [منه] في ms1476 ~~الآخرة. ### || [25.30-31] # قوله تعالى: { وقال الرسول } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وهذا عند ~~كثير من العلماء أنه يقوله يوم القيامة؛ فالمعنى: ويقول الرسول يومئذ. ~~وذهب آخرون، منهم مقاتل، إلى أن الرسول قال ذلك شاكيا من قومه إلى ~~الله تعالى، حين كذبوه. وقرأ ابن كثير، ونافع، [وأبو عمرو]: { إن ~~قومي اتخذوا } بتحريك الياء؛ وأسكنها عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي. # وفي المراد بقوله: { مهجورا } قولان. # أحدهما: متروكا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون به، وهذا معنى قول ابن ~~عباس، ومقاتل. # والثاني: هجروا فيه، أي: جعلوه كالهذيان، ومنه يقال: فلان يهجر في ~~منامه، أي: يهذي، قاله ابن قتيبة. وقال الزجاج: الهجر: ما لا ينتفع ~~به من القول. قال المفسرون: فعزاه الله عز وجل، فقال: { وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا } أي: كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك، جعلنا ~~لكل نبي عدوا من كفار قومه؛ والمعنى: لا يكبرن هذا عليك، فلك ~~بالأنبياء أسوة، { وكفى بربك هاديا ونصيرا } يمنعك من عدوك. قال ~~الزجاج: والباء في قوله { بربك } زائدة؛ فالمعنى: كفى ربك هاديا ~~ونصيرا. ### || [25.32-34] # قوله تعالى: { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } أي: كما ~~أنزلت التوراة والإنجيل والزبور، فقال الله عز وجل: { كذلك } أي: ~~أنزلناه كذلك متفرقا، لأن معنى ما قالوا: لم نزل عليه متفرقا؟ ~~فقيل: إنما أنزلناه كذلك { لنثبت به فؤادك } أي: لنقوي به ~~قلبك فتزداد بصيرة، وذلك أنه كان يأتيه الوحي في كل أمر وحادثة، فكان ~~أقوى لقلبه وأنور لبصيرته وأبعد لاستيحاشه، { ورتلناه ترتيلا } أي: ~~أنزلناه على الترتيل، وهو التمكث الذي يضاد العجلة. # قوله تعالى: { ولا يأتونك } يعني المشركين { بمثل } يضربونه لك في ~~مخاصمتك وإبطال أمرك { إلا جئناك بالحق } أي: بالذي هو الحق لترد ~~به كيدهم { وأحسن تفسيرا } من مثلهم؛ والتفسير: البيان والكشف. # قال مقاتل: ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة، فقال: { الذين يحشرون على ~~وجوههم } وذلك أن كفار مكة قالوا: إن محمدا وأصحابه شر خلق الله، ~~فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: { أولئك شر مكانا } أي: منزلا ومصيرا { وأضل سبيلا ~~} دينا وطريقا من المؤمنين. ms1477 ### || [25.35-39] # قوله تعالى: { اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا }. # إن قيل: إنما عاينوا الآيات بعد [وجود] الرسالة، فكيف يقع التكذيب ~~منهم قبل وجود الآيات؟ # فالجواب: أنهم كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه المتقدمة، ومن ~~كذب نبيا فقد كذب سائر الأنبياء، ولهذا قال: { وقوم نوح لما ~~كذبوا الرسل } ، وقال الزجاج: يجوز ان يكون المراد به نوح وحده، ~~وقد ذكر بلفظ الجنس، كما يقال فلان يركب الدواب، وإن لم يركب إلا ~~دابة واحدة؛ وقد شرحنا هذا في [هود: 59] عند قوله: # وعصوا رسله # وقد سبق معنى التدمير [الاعراف: 137]. # قوله تعالى: { وأصحاب الرس } في الرس ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها بئر كانت تسمى الرس، قاله ابن عباس في رواية العوفي. ~~وقال في رواية عكرمة: هي بئر بأذربيجان. وزعم ابن السائب أنها بئر دون ~~اليمامة. وقال السدي: بئر بأنطاكية. # والثاني: أن الرس قرية من قرى اليمامة، قاله قتادة. # والثالث: أنها المعدن، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. # وفي تسميتها بالرس قولان. # أحدهما: أنهم رسوا نبيهم في البئر، قاله عكرمة. قال الزجاج: ~~رسوه، أي دسوه فيها. # والثاني: أن كل ركية لم تطو فهي رس، قاله ابن قتيبة. # واختلفوا في أصحاب الرس على خمسة أقوال. # أحدها: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة، فبعث الله تعالى إليهم نبيا من ~~ولد يهوذا بن يعقوب، فحفروا له بئرا وألقوه فيها، فهلكوا، قاله علي ~~عليه السلام. # والثاني: أنهم قوم كان لهم نبي يقال له: حنظلة بن صفوان، فقتلوا ~~نبيهم فأهلكهم الله، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: أنهم كانوا أهل بئر ينزلون عليها، وكانت لهم مواش، وكانوا ~~يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم شعيبا، فتمادوا في طغيانهم، فانهارت ~~البئر، فخسف بهم وبمنازلهم، قاله وهب بن منبه. # والرابع: أنهم الذين قتلوا حبيبا النجار، قتلوه في بئر لهم، وهو الذي ~~قال: # يا قوم اتبعوا المرسلين # [يس: 20]، قاله السدي. # والخامس: أنهم قوم قتلوا نبيهم وأكلوه، وأول من عمل السحر نساؤهم، ~~قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { وقرونا } المعنى: وأهلكنا قرونا { بين ذلك كثيرا } ~~أي: بين عاد وأصحاب الرس، وقد سبق بيان ms1478 القرن [الانعام: 6] وفي هذه ~~القصص تهديد لقريش. # قوله تعالى: { وكلا ضربنا له الأمثال } أي: أعذرنا إليه ~~بالموعظة وإقامة الحجة { وكلا تبرنا } قال الزجاج: التتبير: ~~التدمير، وكل شىء كسرته وفتته فقد تبرته، وكسارته: التبر، ومن هذا ~~قيل لمكسور الزجاج: التبر، وكذلك تبر الذهب. ### || [25.40-44] # قوله تعالى: { ولقد أتوا } يعني كفار مكة { على القرية التي أمطرت ~~مطر السوء } يعني قرية قوم لوط التي رميت بالحجارة، { أفلم يكونوا ~~يرونها } في أسفارهم فيعتبروا؟! ثم أخبر بالذي جرأهم على التكذيب، ~~فقال: { بل كانوا لا يرجون نشورا } أي: لا يخافون بعثا، هذا قول ~~المفسرين. وقال الزجاج: الذي عليه أهل اللغة أن الرجاء ليس بمعنى الخوف، ~~وإنما المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب عمل الخير، فركبوا المعاصي. # قوله تعالى: { وإذا رأوك إن يتخذونك } أي: ما يتخذونك { إلا ~~هزوا } أي: مهزوءا به. ثم ذكر ما يقولون من الاستهزاء { أهذا الذي ~~بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا } أي: ليصرفنا عن ~~عبادة آلهتنا { لولا أن صبرنا عليها } أي: على عبادتها؛ قال الله ~~تعالى: { وسوف يعلمون حين يرون العذاب } في الآخرة { من أضل } ~~أي: من أخطأ طريقا عن الهدى، أهم، أم المؤمنون. # ثم عجب نبيه من جهلهم حين عبدوا ما دعاهم إليه الهوى، فقال: { ~~أرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال ابن عباس: كان أحدهم يعبد الحجر، فاذا ~~رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال قتادة: هو الكافر لا يهوى ~~شيئا إلا ركبه. وقال ابن قتيبة: المعنى: يتبع هواه ويدع الحق، فهو ~~له كالإله. # قوله تعالى: { أفأنت تكون عليه وكيلا } أي: حفيظا يحفظه من اتباع ~~هواه. وزعم الكلبي أن هذه الآية منسوخة بآية القتال. # قوله تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون } يعني أهل مكة؛ ~~والمراد: يسمعون سماع طالب الإفهام { أو يعقلون } ما يعاينون من الحجج ~~والأعلام { إن هم إلا كالأنعام } وفي وجه تشبيههم بالأنعام قولان. # أحدهما: أن الأنعام تسمع الصوت ولا تفقه القول. # والثاني: أنه ليس لها هم إلا المأكل والمشرب. # قوله تعالى: { بل هم أضل سبيلا ms1479 } لأن البهائم تهتدي لمراعيها ~~وتنقاد لأربابها وتقبل على المحسن إليها، وهم على خلاف ذلك. ### || [25.45-52] # قوله تعالى: { ألم تر إلى ربك } أي: إلى فعل ربك. وقال ~~الزجاج: معناه ألم تعلم، فهو من رؤية القلب، ويجوز أن يكون من رؤية ~~العين؛ فالمعنى: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك؟ والظل من ~~وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس { ولو شاء لجعله ساكنا } أي: ثابتا ~~دائما لا يزول { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } فالشمس دليل على الظل، ~~فلولا الشمس ما عرف أنه شيء، كما أنه لولا النور ما عرفت الظلمة، ~~فكل الأشياء تعرف بأضدادها. # قوله تعالى: { ثم قبضناه إلينا } يعني: الظل { قبضا يسيرا } ~~وفيه قولان. # أحدهما: سريعا، قاله ابن عباس. # والثاني: خفيا، قاله مجاهد. # وفي وقت قبض الظل قولان. # أحدهما: عند طلوع الشمس يقبض الظل وتجمع أجزاؤه المنبسطة بتسليط ~~الشمس عليه حتى تنسخه شيئا فشيئا. # والثاني: عند غروب الشمس تقبض أجزاء الظل بعد غروبها، ويخلف كل جزء ~~منه جزءا من الظلام. # قوله تعالى: { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } أي: ساترا بظلمته، ~~لأن ظلمته تغشى الأشخاص وتشتمل عليها اشتمال اللباس على لابسه { ~~والنوم سباتا } قال ابن قتيبة: أي: راحة، ومنه يوم السبت، لأن ~~الخلق اجتمع يوم الجمعة، وكان الفراغ منه في يوم السبت، فقيل لبني ~~إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم ولا تعملوا فيه شيئا، فسمي يوم السبت، ~~أي: يوم الراحة، وأصل السبت: التمدد، ومن تمدد استراح. وقال ابن ~~الأنباري: أصل السبت: القطع؛ فالمعنى: وجعلنا النوم قطعا لأعمالكم. # قوله تعالى: { وجعل النهار نشورا } فيه قولان. # أحدهما: تنتشرون فيه لابتغاء الرزق، قاله ابن عباس. # والثاني: تنشر الروح باليقظة كما تنشر بالبعث، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { وهو الذي أرسل الرياح } قد شرحناه في [الأعراف: 57] ~~إلى قوله: { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } يعني: المطر. قال ~~الأزهري: الطهور في اللغة: الطاهر المطهر. والطهور ما يتطهر ~~به، كالوضوء الذي يتوضأ به، والفطور الذي يفطر عليه. # قوله تعالى: { لنحيي به بلدة ميتا } وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وأبو جعفر: ms1480 { ميتا } بالتشديد. قال الزجاج: لفظ البلدة ~~مؤنث، وإنما قيل: { ميتا } لأن معنى البلدة والبلد سواء. وقال غيره: ~~إنما قال: { ميتا } ، لأنه أراد بالبلدة المكان. وقد سبق معنى صفة ~~البلدة بالموت [الأعراف: 57] ومعنى # ونسقيه # [الحجر: 24]. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، والضحاك، والأعمش، وابن أبي ~~عبلة: { ونسقيه } بفتح النون. فأما الأناسي، فقال الزجاج: هو جمع ~~إنسي، مثل كرسي وكراسي؛ ويجوز أن يكون جمع إنسان، وتكون الباء بدلا ~~من النون، الأصل: أناسين مثل سراحين. وقرأ أبو مجلز، والضحاك، وأبو ~~العالية، وعاصم الجحدري { وأناسي } بتخفيف الياء. # قوله تعالى: { ولقد صرفناه } يعني المطر { بينهم } مرة لهذه البلدة، ~~ومرة لهذه { ليذكروا } أي: ليتفكروا في نعم الله عليهم ~~فيحمدوه. وقرأ حمزة، والكسائي: { ليذكروا } خفيفة الذال. قال أبو ~~علي: يذكر في معنى يتذكر، { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } وهم ~~الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، كفروا بنعمة الله. { ولو شئنا ~~لبعثنا في كل قرية نذيرا } المعنى: إنا بعثناك إلى جميع القرى ~~لعظم كرامتك، { فلا تطع الكافرين } ، وذلك أن كفار مكة دعوه إلى ~~دين آبائهم، { وجاهدهم به } أي بالقرآن { جهادا كبيرا } أي: تاما ~~شديدا. ### || [25.53-55] # قوله تعالى: { وهو الذي مرج البحرين } قال الزجاج: أي: خلى ~~بينهما؛ تقول: مرجت الدابة وأمرجتها: إذا خليتها ترعى، ومنه ~~الحديث: «مرجت عهودهم وأماناتهم» أي: اختلطت. قال المفسرون: والمعنى ~~أنه أرسلهما في مجاريهما، فما يلتقيان، ولا يخنلط الملح بالعذب، ولا ~~العذب بالملح، وهو قوله: { هذا } يعني: أحد البحرين { عذب } أي: ~~طيب؛ يقال: عذب الماء يعذب عذوبة، فهو عذب. قال الزجاج: ~~والفرات صفة للعذب، وهو أشد الماء عذوبة، والأجاج صفة للملح، وهو: ~~المر الشديد المرارة. وقال ابن قتيبة: هو أشد الماء ملوحة، وقيل: هو ~~الذي يخالطه مرارة، ويقال: ماء ملح، ولا يقال: مالح، والبرزخ: ~~الحاجز. وفي هذا الحاجز قولان. # أحدهما: أنه مانع من قدرة الله تعالى، قاله الأكثرون. قال الزجاج: فهما ~~في مرأى العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان لا يختلط أحدهما بالآخر. ~~قال أبو سليمان الدمشقي: ورأيت عند عبادان من سواد البصرة الماء ~~العذب ينحدر ms1481 في دجلة نحو البحر، ويأتي المد من البحر، فيلتقيان، فلا ~~يختلط أحد الماءين بالآخر، يرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة، وماء ~~دجلة إلى الحمرة الخفيفة، فيأتي المستقي فيغرف من ماء دجلة عذبا لا ~~يخالطه شيء، وإلى جانبه ماء البحر في مكان واحد. # والثاني: أن الحاجز: الأرض واليبس، وهو قول الحسن؛ والأول أصح. # قوله تعالى: { وحجرا محجورا } قال الفراء: أي: حراما محرما أن ~~يغلب أحدهما صاحبه. # قوله تعالى: { وهو الذي خلق من الماء بشرا } أي: من النطفة ~~بشرا، أي: إنسانا { فجعله نسبا وصهرا } أي: ذا نسب وصهر. ~~قال علي عليه السلام: النسب: ما لا يحل نكاحه، والصهر: ما يحل ~~نكاحه. وقال الضحاك: النسب سبع، وهو قوله: # حرمت عليكم أمهاتكم... # [النساء: 23] إلى قوله: # وبنات الأخت # [النساء: 23]، والصهر خمس، وهو قوله: # وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم... # [النساء: 23]إلى قوله: # من أصلابكم # [النساء: 23]. وقال طاووس: الرضاعة من الصهر. وقال ابن قتيبة: { ~~نسبا } أي: قرابة النسب، { وصهرا } أي: قرابة النكاح. وكل شيء من ~~قبل الزوج، مثل الأب والأخ، فهم الأحماء، واحدهم حما، مثل: قفا، ~~وحمو مثل أبو، وحممء مهموز ساكن الميم، وحم مثل أب. وحماة ~~المرأة: أم زوجها، لا لغة فيها غير هذه وكل شيء من قبل المرأة، فهم ~~الأختان. والصهر يجمع ذلك كله. وحكى ابن فارس عن الخليل، أنه قال: ~~لا يقال لأهل بيت الرجل إلا أختان، ولأهل بيت المرأة إلا أصهار. ومن ~~العرب يجعلهم أصهارا كلهم. والصهر: إذابة الشيء. وذكر الماوردي أن ~~المناكح سميت صهرا، لاختلاط الناس بها كما يختلط الشيء إذا ~~صهر. # قوله تعالى: { وكان الكافر على ربه ظهيرا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: معينا للشيطان على ربه، لأن عبادته للأصنام معاونة للشيطان. # والثاني: معينا للمشركين على أن لا يوحدوا الله تعالى. # والثالث: معينا على أولياء ربه. # والرابع: وكان الكافر على ربه هينا ذليلا، من قولك: ظهرت ~~بفلان: إذا جعلته وراء ظهرك ولم تلتفت إليه. قالوا: والمراد بالكافر ~~هاهنا أبو جهل. ### || [25.56-60] # قوله تعالى: { ما أسألكم عليه } أي: على القرآن وتبليغ الوحي { من ~~أجر } وهذا ms1482 توكيد لصدقه، لأنه لو سألهم شيئا من أموالهم لاتهموه، ~~{ إلا من شاء } معناه: لكن من شاء { أن يتخذ إلى ربه سبيلا } ~~بانفاق ماله في مرضاته، فعل ذلك، فكأنه قال: لا أسألكم لنفسي. وقد سبق ~~تفسير الكلمات التي تلي هذه [آل عمران:159، البقرة:30، الأعراف:54] إلى ~~قوله: { فاسأل به خبيرا } ، و«به» بمعنى: «عنه»، قال [علقمة بن ~~عبدة]: # فان تسألوني بالنساء فانني # بصير بأدواء النساء طبيب # وفي هاء «به» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى الله عز وجل. # والثاني: إلى اسمه الرحمن، لأنهم قالوا: لا نعرف الرحمن. # والثالث: إلى ما ذكر من خلق السموات والأرض وغير ذلك. # وفي «الخبير» أربعة أقوال. # أحدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الله عز وجل، والمعنى: سلني فأنا الخبير، قاله مجاهد. # والثالث: [أنه] القرآن، قاله شمر. # والرابع: مسلمة أهل الكتاب، قاله أبو سليمان، وهذا يخرج على قولهم: ~~لا نعرف الرحمن، فقيل: سلوا مسلمة أهل الكتاب، فان الله تعالى ~~خاطب موسى في التوراة باسمه الرحمن، فعلى هذا، الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد سواه. # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } يعني كفار مكة { اسجدوا للرحمن قالوا ~~وما الرحمن } قال المفسرون: إنهم قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن ~~اليمامة، فأنكروا أن يكون من أسماء الله تعالى، { أنسجد لما ~~تأمرنا } وقرأ حمزة، والكسائي: { يأمرنا } بالياء، أي: لما يأمرنا ~~به محمد، وهذا استفهام إنكار، ومعناه: لا نسجد للرحمن الذي تأمرنا ~~بالسجود له، { وزادهم } ذكر الرحمن { نفورا } أي: تباعدا من ~~الإيمان. ### || [25.61-62] # قوله تعالى: { تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا } قد ~~شرحناه في [الحجر:16]. والمراد بالسراج: الشمس. وقرأ حمزة، والكسائي: { ~~سرجا } بضم السين والراء وإسقاط الألف. قال الزجاج: أراد: الشمس ~~والكواكب العظام؛ ويجوز { سرجا } بتسكين الراء، مثل رسل ورسل. قال ~~الماوردي: لما اقترن بضوء الشمس وهج حرها، جعلها لأجل الحرارة سراجا، ~~ولما عدم ذلك في القمر جعله نورا. # قوله تعالى: { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } فيه قولان. # أحدهما: أن كل واحد منهما يخالف الآخر في اللون، فهذا ms1483 أبيض، وهذا أسود، ~~روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ~~قتادة. # والثاني: أن كل واحد منهما يخلف صاحبه، رواه عمرو بن قيس الملائي عن ~~مجاهد، وبه قال ابن زيد وأهل اللغة، وأنشدوا قول زهير: # بها العين والآرام يمشين خلفة # وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم # أي: إذا ذهبت طائفة جاءت طائفة. # قوله تعالى: { لمن أراد أن يذكر } أي: يتعظ ويعتبر باختلافهما. ~~وقرأ حمزة: { يذكر } خفيفة الذال مضمومة الكاف، وهي في معنى: ~~يتذكر، { أو أراد } شكر الله تعالى فيهما. ### || [25.63-67] # قوله تعالى: { وعباد الرحمن الذين يمشون } وقرأ علي، وأبو عبد ~~الرحمن السلمي، وابن السميفع: { يمشون } برفع الياء وفتح الميم ~~والشين وبالتشديد. وقال ابن قتيبة: إنما نسبهم إليه لاصطفائه إياهم، ~~كقوله: # ناقة الله # [الأعراف: 73 ]، ومعنى { هونا }: مشيا رويدا. ومنه يقال: أحبب ~~حبيبك هونا ما. وقال مجاهد: يمشون بالوقار والسكينة. { وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما } أي: سدادا. وقال الحسن: لا يجهلون على أحد، ~~وإن جهل عليهم حلموا. وقال مقاتل بن حيان: { قالوا سلاما } أي: ~~قولا يسلمون فيه من الإثم. وهذه الآية محكمة عند الأكثرين. وزعم قوم: ~~أن المراد بها أنهم يقولون للكفار: ليس بيننا وبينكم غير السلام، ثم ~~نسخت بآية السيف. # قوله تعالى: { والذين يبيتون لربهم } قال الزجاج: كل من أدركه الليل ~~فقد بات، نام أو لم ينم؛ يقال: بات فلان قلقا، إنما المبيت إدراك ~~الليل. # قوله تعالى: { كان غراما } فيه خمسة أقوال متقارب معانيها. # أحدها: دائما، رواه أبو سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: موجعا، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: ملحا، قاله ابن السائب؛ وقال ابن جريج: لا يفارق. # والرابع: هلاكا، قاله أبو عبيدة. # والخامس: أن الغرام في اللغة: أشد العذاب، قال الشاعر: # ويوم النسار ويوم الجفا # ركانا عذابا وكانا غراما # قاله الزجاج. # قوله تعالى: { ساءت مستقرا } أي: بئس موضع الاستقرار وموضع ~~الإقامة هي. # قوله تعالى: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو: { يقتروا } مفتوحة ms1484 الياء مكسورة التاء. وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي: { يقتروا } بفتح الياء وضم التاء. وقرأ نافع، وابن ~~عامر: { يقتروا } بضم الياء وكسر التاء. # وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: أن الإسراف: مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار: التقصير عما ~~لا بد منه، ويدل على هذا قول عمر بن الخطاب: كفى بالمرء سرفا أن ~~يأكل كل ما اشتهى. # والثاني: [أن] الإسراف: الإنفاق في معصية الله وإن قل، ~~والإقتار: منع حق الله تعالى، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج ~~في آخرين. # قوله تعالى: { وكان } يعني الإنفاق { بين ذلك } أي: بين الإسراف ~~والإقتار { قواما } أي: عدلا؛ قال ثعلب: القوام، بفتح القاف: ~~الاستقامة والعدل، وبكسرها: ما يدوم عليه الأمر ويستقر. ### || [25.68-70] # قوله تعالى: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود، # " قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: ~~«أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ~~ولدك مخافة أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة ~~جارك» " # ، فأنزل الله تعالى تصديقها { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر... ~~} الآية. # والثاني: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه ~~لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية، إلى ~~قوله: { غفورا رحيما } ، أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: # " أن وحشيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أتيتك ~~مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذا أتيتني مستجيرا ~~فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله، قال: فإني أشركت بالله وقتلت ~~النفس التي حرم الله وزنيت، فهل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية، فتلاها عليه، فقال: أرى ~~شرطا، ms1485 فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت ~~{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء } ~~[النساء: 48]، فدعاه فتلاها عليه، فقال: ولعلي ممن لا يشاء [الله]، أنا ~~في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت { يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله... } الآية [الزمر:53]، فقال: نعم، ~~الآن لا أرى شرطا، فأسلم " # ، رواه عطاء عن ابن عباس؛ وهذا وحشي هو قاتل حمزة؛ وفي هذا الحديث ~~المذكور عنه نظر، وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير هذا، وأنه ~~قدم مع رسل الطائف فأسلم من غير اشتراط. وقوله { يدعون } معناه: ~~يعبدون. وقد سبق بيان قتل النفس بالحق في [الأنعام: 151]. # قوله تعالى: { يلق أثاما } وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل: { ~~يلق } برفع الياء وفتح اللام وتشديد القاف مفتوحة. قال ابن عباس: ~~يلق جزاء. وقال مجاهد، وعكرمة: وهو واد في جهنم. وقال ابن قتيبة: ~~يلق عقوبة، وأنشد: # [جزى الله ابن عروة حيث أمسى # عقوقا] والعقوق له أثام # قال الزجاج: وقوله: { يلق أثاما } جزما على الجزاء. قال أبو عمرو ~~الشيباني: يقال: قد لقي أثام ذلك، أي: جزاء ذلك، وسيبويه والخليل يذهبان ~~إلى أن معناه: يلقى جزاء الأثام، قال سيبويه: وإنما جزم { يضاعف له ~~العذاب } لأن مضاعفة العذاب لقي الآثام، فلذلك جزمت، كما قال ~~الشاعر: # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # لأن الإتيان هو الإلمام، فجزم «تلمم» لانه بمعنى «تأتي. وقرأ ~~الحسن: { يضعف } ، وهو جيد بالغ؛ تقول: ضاعفت الشيء ~~وضعفته. وقرأ عاصم: { يضاعف } بالرفع على تفسير { يلق أثاما ~~} كأن قائلا قال: ما لقي الأثام؟ فقيل: يضاعف للآثم العذاب. وقرأ ~~أبو المتوكل، وقتادة، وأبو حيوة: { يضعف } برفع الياء وسكون الضاد ~~وفتح العين خفيفة من غير ألف. وقرأ أبو حصين الأسدي، والعمري عن أبي جعفر ~~مثله، إلا أن العين مكسورة، و { العذاب } بالنصب. # قوله تعالى: { ويخلد } وقرأ أبو حيوة، وقتادة، والأعمش: { ويخلد ~~} برفع الياء وسكون الخاء وفتح اللام مخففة. وقرأ عاصم الجحدري، ms1486 وابن ~~يعمر، وأبو المتوكل مثله، إلا أنهم شددوا اللام. # فصل # ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية قولان. # أحدهما: أنها منسوخة، وفي ناسخها ثلاثة أقوال. أحدها: أنه قوله تعالى: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم # [النساء93]، قاله ابن عباس. وكان يقول: هذه مكية، والتي في «النساء» ~~مدنية. والثاني: أنها نسخت بقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك... # الآية [النساء: 48]. والثالث: أن الأولى نسخت بالثانية، وهي قوله: { ~~إلا من تاب }. # والقول الثاني: أنها محكمة؛ والخلود إنما كان لانضمام الشرك إلى القتل ~~والزنا. وفساد القول الأول ظاهر، لأن القتل لا يوجب تخليدا عند ~~الأكثرين؛ وقد بيناه في سورة [النساء: 93]، والشرك لا يغفر إذا ~~مات المشرك عليه، والاستثناء ليس بنسخ. # قوله تعالى: { إلا من تاب } قال ابن عباس: قرأنا على عهد رسول الله ~~سنتين: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } ثم نزلت { إلا من تاب ~~} فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء فرحه بها، وب # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح1]. # قوله تعالى: { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } اختلفوا في كيفية ~~هذا التبديل وفي زمان كونه، فقال ابن عباس: يبدل الله شركهم إيمانا، ~~وقتلهم إمساكا، وزناهم إحصانا؛ وهذا يدل: على أنه يكون في الدنيا، ~~وممن ذهب إلى هذا المعنى سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن ~~زيد. # والثاني: أن هذا يكون في الآخرة، قاله سلمان رضي الله عنه، وسعيد بن ~~المسيب، وعلي بن الحسين. وقال عمرو بن ميمون: يبدل الله سيئات المؤمن ~~إذا غفرها له حسنات، حتى إن العبد يتمنى أن تكون سيئاته أكثر مما هي. ~~وعن الحسن كالقولين. وروي عن الحسن أنه قال: ود قوم يوم القيامة أنهم ~~كانوا في الدنيا استكثروا من الذنوب؛ فقيل: من هم؟ قال: هم الذين قال ~~الله تعالى فيهم: { فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات } ، ويؤكد هذا ~~القول حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فتعرض ~~عليه صغار ذنوبه ms1487 وتنحى عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا، كذا وكذا، ~~وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من الكبار، فيقال: أعطوه مكان كل ~~سيئة عملها حسنة " # أخرجه مسلم في «صحيحه». ### || [25.71-74] # قوله تعالى: { ومن تاب } ظاهر هذه التوبة أنها عن الذنوب المذكورة. وقال ~~ابن عباس: يعني: ممن لم يقتل ولم يزن، { وعمل صالحا } فاني قد ~~قدمتهم وفضلتهم على من قاتل نبيي واستحل محارمي. # قوله تعالى: { فانه يتوب إلى الله متابا } قال ابن الأنباري: معناه: ~~من أراد التوبة وقصد حقيقتها، فينبغي له أن يريد الله بها ولا يخلط ~~بها ما يفسدها؛ وهذا كما يقول الرجل: من تجر فانه يتجر في البز، ومن ~~ناظر فانه يناظر في النحو، أي: من أراد ذلك، فينبغي أن يقصد هذا الفن؛ ~~قال: ويجوز أن يكون معنى [هذه] الآية: ومن تاب وعمل صالحا. فان ثوابه ~~وجزاءه يعظمان له عند ربه، الذي أراد بتوبته، فلما كان قوله: { فانه ~~يتوب إلى الله متابا } يؤدي عن هذا المعنى، كفى منه، وهذا كما يقول ~~الرجل للرجل: إذا تكلمت فاعلم أنك تكلم الوزير، أي: تكلم من ~~يعرف كلامك ويجازيك، ومثله قوله تعالى: # إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت # [يونس:71]، أي: فاني أتوكل على من ينصرني ولا يسلمني. وقال قوم: ~~معنى الآية: فانه يرجع إلى الله مرجعا يقبله منه. # قوله تعالى: { والذين لا يشهدون الزور } فيه ثمانية أقوال. # أحدها: أنه الصنم؛ روى الضحاك عن ابن عباس ان الزور صنم كان ~~للمشركين. # والثاني: أنه الغناء، قاله محمد بن الحنفية، ومكحول؛ وروى ليث عن مجاهد ~~قال: لا يسمعون الغناء. # والثالث: الشرك، قاله الضحاك، وأبو مالك. # والرابع: لعب كان لهم في الجاهلية، قاله عكرمة. # والخامس: الكذب، قاله قتادة، وابن جريج. # والسادس: شهادة الزور، قاله علي بن أبي طلحة. # والسابع: أعياد المشركين، قاله الربيع بن أنس. # والثامن: مجالس الخنا، قاله عمرو بن قيس. # وفي المراد باللغو هاهنا خمسة أقوال. # أحدها: المعاصي، قاله الحسن. # والثاني: أذى المشركين إياهم، قاله مجاهد. # والثالث: الباطل، قاله قتادة. # والرابع: ms1488 الشرك، قاله الضحاك. # والخامس: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد. وقال محمد بن علي: ~~إذا ذكروا الفروج كنوا عنها. # قوله تعالى: { مروا كراما } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: مروا حلماء، قاله ابن السائب. # والثاني: مروا معرضين عنه، قاله مقاتل. # والثالث: أن المعنى: إذا مروا باللغو جاوزوه، قاله الفراء. # قوله تعالى: { والذين إذا ذكروا } أي: وعظوا { بآيات ربهم } وهي ~~القرآن { لم يخروا عليها صما وعميانا } قال ابن قتيبة: لم ~~يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها، عمي لم يروها. وقال غيره من ~~أهل اللغة: لم يثبتوا على حالتهم الأولى كأنهم لم يسمعوا ولم يروا، ~~وإن لم يكونوا خروا حقيقة؛ تقول العرب: شتمت فلانا، فقام يبكي، وقعد ~~يندب، وأقبل يعتذر، وظل يتحير، وإن لم يكن قام ولا قعد. # قوله تعالى: { هب لنا من أزواجنا وذرياتنا } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: { وذرياتنا } على الجمع. وقرأ ~~أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، [وحفص] عن عاصم: { وذريتنا ~~} على التوحيد، { قرة أعين } وقرأ ابن مسعود، وأبو حيوة: { ~~قرات أعين } يعنون: من يعمل بطاعتك فتقر به أعيننا في الدنيا ~~والآخرة. وسئل الحسن عن قوله: { قرة أعين } في الدنيا، أم في الآخرة؟ ~~قال: لا، بل في الدنيا، وأي شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته ~~وولده يطيعون الله، والله ما طلب القوم إلا أن يطاع الله فتقر ~~أعينهم. قال الفراء: إنما قال: { قرة } لأنها فعل، والفعل لا يكاد ~~يجمع، ألا ترى إلى قوله: # وادعوا ثبورا كثيرا # [الفرقان:44] فلم يجمعه؛ والقرة مصدر، تقول: قرت عينه قرة، ولو ~~قيل: قرة عين أو قرات أعين كان صوابا. وقال غيره: أصل القرة من ~~البرد، لأن العرب تتأذى بالحر، وتستروح إلى البرد. # قوله تعالى: { واجعلنا للمتقين إماما } فيه قولان. # أحدهما: اجعلنا أئمة يقتدى بنا، قاله ابن عباس. وقال غيره: هذا من ~~الواحد الذي يراد به الجمع، كقوله: # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء:16]، وقوله: # فانهم عدو لي # [الشعراء:77]. # والثاني: اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم، قاله مجاهد؛ فعلى ~~هذا يكون الكلام ms1489 من المقلوب، فيكون المعنى: واجعل المتقين لنا ~~إماما. ### || [25.75-77] # قوله تعالى: { أولئك يجزون الغرفة } قال ابن عباس: يعني الجنة. ~~وقال غيره: الغرفة: كل بناء عال مرتفع، والمراد غرف الجنة، وهي من ~~الزبرجد والدر والياقوت، { بما صبروا } على دينهم وعلى أذى ~~المشركين. # قوله تعالى: { ويلقون فيها } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحفص عن عاصم: { ويلقون } بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف. وقرأ ~~ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { ويلقون } بفتح ~~الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، { تحية وسلاما } قال ابن عباس: ~~يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ويرسل إليهم الرب عز وجل بالسلام. ~~وقال مقاتل: { تحية } يعني السلام، { وسلاما } أي سلم الله لهم أمرهم ~~وتجاوز عنهم. # قوله تعالى: { قل ما يعبأ بكم ربي } # فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: ما يصنع بكم! قاله ابن عباس. # والثاني: أي وزن يكون لكم عنده؛ تقول: ما عبأت بفلان، أي: ما كان له ~~عندي وزن ولا قدر، قاله الزجاج. # والثالث: ما يعبأ بعذابكم، قاله ابن قتيبة. # وفي قوله: { لولا دعاؤكم } أربعة أقوال. # أحدها: لولا إيمانكم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: لولا عبادتكم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، قاله مجاهد؛ والمراد نفع ~~الخلق، لأن الله تعالى غير محتاج. # والرابع: لولا توحيدكم، حكاه الزجاج. وعلى قول الأكثرين ليس في الآية ~~إضمار؛ وقال ابن قتيبة: فيها إضمار تقديره: ما يعبأ بعذابكم لولا ما ~~تدعونه من الشريك والولد، ويوضح ذلك [قوله]: { فسوف يكون لزاما } ~~يعني: العذاب، ومثله قول الشاعر: # من شاء دلى النفس في هوة # ضنك ولكن من له بالمضيق # أي: بالخروج من المضيق. وهل هذا خطاب للمؤمنين، أو للكفار؟ فيه قولان. ~~فأما قوله تعالى: { فقد كذبتم } فهو خطاب لأهل مكة حين كذبوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، { فسوف يكون } يعني: تكذيبكم { لزاما } أي: ~~عذابا لازما [لكم]؛ وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قتلهم يوم بدر، فقتلوا يومئذ، واتصل بهم عذاب الآخرة لازما ~~لهم، وهذا مذهب ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومجاهد في ms1490 آخرين. # والثاني: أنه الموت، قاله ابن عباس. # والثالث: أن اللزام: القتال، قاله ابن زيد. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-9] # قوله تعالى: { طسم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: { ~~طسم } بفتح الطاء وإدغام النون من هجاء «سين» عند الميم. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف، وأبان، والمفضل: { طسم } و { طس } [النمل] بامالة ~~الطاء فيهما. وأظهر النون من هجاء «سين» عند الميم حمزة هاهنا وفي ~~(القصص). وفي معنى { طسم } أربعة أقوال. # أحدها: أنها حروف من كلمات، ثم فيها ثلاثة أقوال. أحدها: [ما] رواه علي ~~بن أبي طالب عليه السلام قال: # " لما نزلت { طسم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاء: طور ~~سيناء، والسين: الاسكندرية، والميم: مكة» ". # والثاني: [أن] الطاء: طيبة، وسين: بيت المقدس، وميم: مكة، [رواه ~~الضحاك عن ابن عباس]. # والثالث: الطاء شجرة طوبى، والسين: سدرة المنتهى، والميم: محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قاله جعفر الصادق. # والثاني: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. وقد بينا كيف يكون مثل هذا من أسماء الله تعالى في ~~فاتحة مريم. وقال القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه وملكه. # والثالث: انه اسم للسورة، قاله مجاهد. # والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة، وأبو روق. وما بعد هذا ~~قد سبق تفسيره [المائدة:15، الكهف:6] إلى قوله: { ألا يكونوا مؤمنين } ~~والمعنى: لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان. # ثم أخبر أنه لو أراد أن ينزل عليهم ما يضطرهم إلى الإيمان لفعل، ~~فقال: { إن نشأ ننزل } وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل: { إن ~~يشأ ينزل } بالياء فيهما، { عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم ~~لها خاضعين } جعل الفعل أولا للأعناق، ثم جعل «خاضعين» للرجال، لأن ~~الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون. وقيل: لما وصف الأعناق بالخضوع، وهو ~~من صفات بني آدم، أخرج الفعل مخرج الآدميين كما بينا في قوله: # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف:4]، وهذا اختيار أبي عبيدة. وقال الزجاج: قوله: { فظلت } معناه: ~~فتظل، لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل، كقولك: ms1491 إن ~~تأتني أكرمتك، معناه: أكرمك؛ وإنما قال: { خاضعين } لأن خضوع ~~الأعناق هو خضوع أصحابها، وذلك أن الخضوع لما لم يكن إلا بخضوع ~~الأعناق، جاز أن يخبر عن المضاف إليه، كما قال الشاعر: # رأت مر السنين أخذن مني # كما أخذ السرار من الهلال # فلما كانت السنون لا تكون إلا بمر، أخبر عن السنين، وإن كان أضاف ~~إليها المرور. قال: وجاء في التفسير أنه يعني بالأعناق كبراءهم ~~ورؤساءهم. وجاء في اللغة: أن أعناقهم جماعاتهم؛ يقال: جاءني عنق من ~~الناس، أي: جماعة. وما بعد هذا قد سبق تفسيره [الأنبياء:2] إلى قوله: { ~~أولم يرو إلى الأرض } يعني المكذبين بالبعث { كم أنبتنا فيها ~~} بعد أن لم يكن فيها نبات { من كل زوج كريم } قال ابن قتيبة: من كل ~~جنس حسن. وقال الزجاج: الزوج: النوع، والكريم: المحمود. # قوله تعالى: { إن في ذلك } الإنبات { لآية } تدل على وحدانية الله ~~وقدرته { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: ما كان أكثرهم يؤمن في علم ~~الله، { وإن ربك لهو العزيز } المنتقم من أعدائه { الرحيم } ~~بأوليائه. ### || [26.10-22] # قوله تعالى: { وإذ نادى } المعنى: واتل هذه القصة على قومك. # قوله تعالى: { أن يكذبون } ياء { يكذبون } محذوفة، ومثلها # أن يقتلون # [الشعراء:14] # سيهدين # [الشعراء:62] # فهو يدين # [الشعراء:78] # ويسقين # [الشعراء:79] # فهو يشفين # [الشعراء:80] # ثم يحيين # [الشعراء:81] # كذبون # [الشعراء:117] # وأطيعون # [الشعراء:108] فهذه ثمان آيات أثبتهن في الحالين يعقوب. # قوله تعالى: { ويضيق صدري } أي بتكذيبهم إياي { ولا ينطلق ~~لساني } للعقدة التي كانت بلسانه. وقرأ يعقوب { ويضيق } { ولا ~~ينطلق } بنصب القاف فيهما، { فأرسل إلى هارون } المعنى: ليعينني، ~~فحذف، لأن في الكلام دليلا عليه، { ولهم علي ذنب } وهو القتيل الذي ~~وكزه فقضى عليه؛ والمعنى: ولهم علي دعوى ذنب { فأخاف أن يقتلون } ~~به { قال كلا } وهو ردع وزجر عن الإقامة على هذا الظن؛ والمعنى: لن ~~يقتلوك لأني لا اسلطهم عليك، { فاذهبا } يعني: أنت وأخوك { بآياتنا } ~~وهي: ما أعطاهما من المعجزة { إنا } يعني نفسه عز وجل { معكم } ~~فأجراهما مجرى الجماعة { مستمعون } نسمع ما تقولان وما يجيبونكما به. # قوله تعالى: { إنا رسول رب العالمين ms1492 } قال ابن قتيبة: الرسول ~~يكون بمعنى الجميع، كقوله: # هؤلاء ضيفي # [الحجر:68] وقوله: # ثم نخرجكم طفلا # [الحج:5]. وقال الزجاج: المعنى: إنا رسالة رب العالمين، أي: ذوو ~~رسالة رب العالمين، قال الشاعر: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي: برسالة. قوله تعالى: { أن أرسل } المعنى: بأن أرسل { معنا بني ~~إسرائيل } أي: أطلقهم من الاستعباد، فأتياه فبلغاه الرسالة، ف ~~{ قال ألم نربك فينا وليدا } أي: صبيا صغيرا { ولبثت فينا ~~من عمرك سنين } وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: ثماني عشرة سنة، قاله ابن عباس. # والثاني: أربعون سنة، قاله ابن السائب. # والثالث: ثلاثون سنة، قاله مقاتل، والمعنى: فجازيتنا على ان ربيناك ~~أن كفرت نعمتنا، وقتلت منا نفسا، وهو قوله: { وفعلت فعلتك } ~~وهي قتل النفس. قال الفراء: وإنما نصبت الفاء، لأنها مرة واحدة، ولو ~~أريد بها مثل الجلسة والمشية جاز كسرها. # وفي قوله: { وأنت من الكافرين } قولان. # أحدهما: من الكافرين لنعمتي، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، ~~والضحاك، وابن زيد. # والثاني: من الكافرين بالهك، كنت معنا على ديننا الذي تعيب، قاله ~~الحسن، والسدي. فعلى الاول: وأنت من الكافرين الآن. وعلى الثاني: وكنت. # وفي قوله: { وأنا من الضالين } ثلاثة أقوال. # أحدها: من الجاهلين، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة. ~~وقال بعض المفسرين: المعنى: إني كنت جاهلا لم يأتني من الله شيء. # والثاني: من الخاطئين؛ والمعنى: إني قتلت النفس خطأ، قاله ابن زيد. # والثالث: من الناسين؛ ومثله # أن تضل إحداهما # [البقرة:282]، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: { ففررت منكم } أي: ذهبت من بينكم { لما خفتكم } على ~~نفسي إلى مدين، وقرأ عاصم الجحدري، والضحاك، وابن يعمر { لما } ~~بكسر اللام وتخفيف الميم، { فوهب لي ربي حكما } وفيه قولان. # أحدهما: النبوة، قاله ابن السائب. # والثاني: العلم والفهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وتلك نعمة تمنها علي } يعني التربية { أن ~~عبدت بني إسرائيل } أي: اتخذتهم عبيدا؛ يقال عبدت فلانا ~~وأعبدته واستعبدته: إذا اتخذته عبدا. # وفي «أن» وجهان. # أحدهما: أن تكون في موضع رفع على البدل من «نعمة». # والثاني: ms1493 أن تكون في موضع نصب بنزع الخافض، تقديره: لأن عبدت أو ~~لتعبيدك. # واختلف العلماء في تفسير الآية، ففسرها قوم على الإنكار، وقوم على ~~الإقرار. فمن فسرها على الإنكار قال معنى الكلام: أو تلك نعمة؟! على ~~طريق الاستفهام، ومثله # هذا ربي # [الانعام:76]، وقوله: # فهم الخالدون # [الانبياء:34]، وأنشدوا: # [لم أنس يوم الرحيل وقفتها # وجفنها من دموعها شرق] # وقولها والركاب سائرة # تتركنا هكذا وتنطلق # وهذا قول جماعة منهم. ثم لهم في معنى الكلام ووجهه أربعة أقوال. # أحدها: أن فرعون أخذ أموال بني إسرائيل واستعبدهم وأنفق على موسى منها، ~~فأبطل موسى النعمة لأنها أموال بني إسرائيل، قاله الحسن. # والثاني: أن المعنى: إنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكفلني ~~أهلي، وكانت أمي تستغني عن قذفي في اليم، فكأنك تمن علي بما كان ~~بلاؤك سببا له، وهذا قول المبرد، والزجاج والأزهري. # والثالث: أن المعنى تمن علي باحسانك إلي خاصة، وتنسى إساءتك ~~بتعبيدك بني إسرائيل؟! قاله مقاتل. # والرابع: أن المعنى: كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي؟! ومن ~~أهين قومه فقد ذل، فقد حبط إحسانك إلي بتعبيدك قومي، حكاه ~~الثعلبي. # فأما من فسرها على الإقرار، فانه قال: عدها موسى نعمة حيث رباه ~~ولم يقتله ولا استعبده. فالمعنى: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم ~~تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل؛ ف «أن» تدل على المحذوف، ومثله في ~~الكلام - أن تضرب بعض عبيدك وتترك الآخر، فيقول المتروك -: هذه نعمة ~~علي أن ضربت فلانا وتركتني، ثم تحذف «وتركتني»، لأن المعنى معروف، ~~هذا قول الفراء. ### || [26.23-28] # قوله تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } سأله عن ماهية من ~~لا ماهية له، فأجابه بما يدل عليه من مصنوعاته. # وفي قوله: { إن كنتم موقنين } قولان. # أحدهما: أنه خلق السموات والأرض. # والثاني: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه، فكذلك، فأيقنوا ~~أن رب العالمين رب السماوات والأرض. { قال } يعني: فرعون { لمن ~~حوله } من أشراف قومه { ألا تستمعون } معجبا لهم. # فان قيل: فأين جوابهم؟ # فالجواب: أنه أراد: ألا تستمعون قول موسى؟ فرد موسى، لأنه المراد ms1494 ~~بالجواب، ثم زاد في البيان بقوله: { ربكم ورب آبائكم الأولين } ، ~~فأعرض فرعون عن جوابه ونسبه إلى الجنون، فلم يحفل موسى بقول فرعون، ~~واشتغل بتأكيد الحجة، ف { قال رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون } أي: إن كنتم ذوي عقول، لم يخف عليكم ~~ما أقول. ### || [26.29-48] # قوله تعالى: { أولو جئتك بشيء مبين } أي: بأمر ظاهر تعرف به ~~صدقي أتسجنني؟! وما بعد هذا مفسر في [الأعراف:107] إلى قوله: { فجمع ~~السحرة لميقات يوم معلوم } وهو يوم الزينة، وكان عيدا لهم، { وقيل ~~للناس } يعني أهل مصر. وذهب ابن زيد إلى أن اجتماعهم كان بالاسكندرية. # قوله تعالى: { لعلنا نتبع السحرة } قال الاكثرون: أرادوا سحرة ~~فرعون؛ فالمعنى: لعلنا نتبعهم على أمرهم. وقال: بعضهم: أرادوا موسى ~~وهارون، وإنما قالوا ذلك استهزاء. قال ابن جرير: و «لعل» هاهنا بمعنى ~~«كي». وقوله تعالى: { بعزة فرعون } أي: بعظمته. ### || [26.49-51] # قوله تعالى: { فلسوف تعلمون } قال الزجاج: اللام دخلت للتوكيد. # قوله تعالى: { لا ضير } أي: لا ضرر. قال ابن قتيبة: هو من ضاره ~~يضوره ويضيره؛ بمعنى: ضره. والمعنى: لا ضرر علينا فيما ينالنا في ~~الدنيا، لأنا ننقلب إلى ربنا في الآخرة مؤملين غفرانه. # قوله تعالى: { أن كنا } أي: لأن كنا { أول المؤمنين } بآيات ~~موسى في هذه الحال. ### || [26.52-59] # قوله تعالى: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وقومه. # قوله تعالى: { إن هؤلاء } المعنى: وقال فرعون: إن هؤلاء، يعني بني ~~إسرائيل { لشرذمة } قال ابن قتيبة: أي: طائفة. قال الزجاج: ~~والشرذمة في كلام العرب: القليل. قال المفسرون: وكانوا ستمائة ألف، ~~وإنما استقلهم بالإضافة إلى جنده، وكان جنده لا يحصى. # قوله تعالى: { وإنهم لنا لغائظون } تقول: غاظني الشيء، إذا ~~أغضبك. قال ابن جرير: وذكر أن غيظهم كان لقتل الملائكة من قتلت من ~~أبكارهم. قال: ويحتمل أن غيظهم لذهابهم بالعواري التي استعاروها من ~~حليهم، ويحتمل أن يكون لفراقهم إياهم وخروجهم من أرضهم على كره ~~منهم. # قوله تعالى: { وإنا لجميع حذرون } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو: { حذرون } بغير ألف. وقرأ الباقون: { حاذرون } بألف. وهل بينهما ~~فرق؟ فيه ms1495 قولان. # أحدهما: أن الحاذر: المستعد، والحذر: المتيقظ، وجاء في التفسير أن ~~معنى حاذرين: مؤدون، أي: ذوو أداة، وهي السلاح، لأنها أداة الحرب. # والثاني: أنهما لغتان معناهما واحد؛ قال أبو عبيدة: يقال: رجل حذر ~~وحذر وحاذر. والمقام الكريم: المنزل الحسن. # وفي قوله: { كذلك } قولان. # أحدهما: كذلك أفعل بمن عصاني، قاله ابن السائب. # والثاني: الأمر كذلك، أي: كما وصفنا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وأورثناها بني إسرائيل } وذلك أن الله تعالى ردهم إلى ~~مصر بعد غرق فرعون، وأعطاهم ما كان لفرعون وقومه من المساكن والأموال. ~~وقال ابن جرير الطبري: إنما جعل ديار آل فرعون ملكا لبني إسرائيل، ~~ولم يرددهم إليها لكنه جعل مساكنهم الشام. ### || [26.60-68] # قوله تعالى: { فأتبعوهم } قال ابن قتيبة: لحقوهم { مشرقين } أي: ~~حين شرقت الشمس، أي: طلعت، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما ~~يقال: أمسينا وأصبحنا. وقرأ الحسن، وأيوب السختياني: { فاتبعوهم } ~~بالتشديد. # قوله تعالى: { فلما تراءى الجمعان } وقرأ أبو رجاء، والنخعي، والأعمش: ~~{ تراأى } بكسر الراء وفتح الهمزة، أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق ~~صاحبه. # قوله تعالى: { كلا } أي: لن يدركونا { إن معي ربي سيهدين } ~~أي: سيدلني على طريق النجاة. # قوله تعالى: { فانفلق } فيه إضمار «فضرب فانفلق»، أي: انشق الماء ~~اثني عشر طريقا { فكان كل فرق } أي: كل جزء انفرق منه. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري: { كل فلق } باللام، { ~~كالطود } وهو الجبل. # قوله تعالى: { وأزلفنا ثم الآخرين } أي: قربنا الآخرين من ~~الغرق، وهم أصحاب فرعون. وقال أبو عبيدة: { أزلفنا } أي: جمعنا. قال ~~الزجاج: وكلا القولين حسن، لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض، وأصل الزلفى ~~في كلام العرب: القربى. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو رجاء، ~~والضحاك، وابن يعمر: { أزلقنا } بقاف، وكذلك قرأوا: # وأزلقت الجنة # [الشعراء:90] بقاف [أيضا]. # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية } يعني: في إهلاك فرعون وقومه عبرة ~~لمن بعدهم { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: لم يكن أكثر أهل مصر مؤمنين، ~~إنما آمنت آسية، وخربيل مؤمن آل فرعون، وفنة الماشطة، ومريم امرأة ~~دلت موسى على عظام يوسف ، هذا ms1496 قول مقاتل. وما أخللنا به من تفسير ~~كلمات في قصة موسى، فقد سبق بيانها، وكذلك ما يفقد ذكره في مكان، فهو ~~إما أن يكون قد سبق، وإما أن يكون ظاهرا، فتنبه لهذا. ### || [26.69-82] # قوله تعالى: { هل يسمعونكم } والمعنى: هل يسمعون دعاءكم. وقرأ سعيد ~~بن جبير، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: { هل يسمعونكم } بضم الياء وكسر ~~الميم، { إذ تدعون } قال الزجاج: إن شئت بينت الذال، وإن شئت ~~أدغمتها في التاء وهو أجود في العربية، لقرب الذال من التاء. # قوله تعالى: { أو ينفعونكم } أي: إن عبدتموهم { أو يضرون } إن ~~لم تعبدوهم؟ فأخبروا عن تقليد آبائهم. # قوله تعالى: { فإنهم عدو لي } فيه وجهان. # أحدهما: أن لفظه لفظ الواحد والمراد به الجميع؛ فالمعنى: فانهم أعداء ~~لي. # والثاني: فان كل معبود لكم عدو لي. # فان قيل: ما وجه وصف الجماد بالعداوة؟ # فالجواب: من وجهين. # أحدهما: أن معناه: فانهم عدو لي يوم القيامة إن عبدتهم. # والثاني: أنه من المقلوب؛ والمعنى: فإني عدو لهم، لأن من عاديته ~~عاداك، قاله ابن قتيبة. # وفي قوله: { إلا رب العالمين } قولان. # أحدهما: أنه استثناء من الجنس، لأنه علم أنهم كانوا يعبدون الله مع ~~آلهتهم، قاله ابن زيد. # والثاني: أنه من غير الجنس؛ والمعنى: لكن رب العالمين [ليس كذلك]، قاله ~~أكثر النحويين. # قوله تعالى: { الذي خلقني فهو يهدين } أي: إلى الرشد، لا ما ~~تعبدون، { والذي هو يطعمني ويسقين } أي: هو رازقي الطعام ~~والشراب. # فإن قيل: لم قال: { مرضت } ، ولم يقل «أمرضني»؟ # فالجواب: أنه أراد الثناء على ربه فأضاف إليه الخير المحض، لأنه لو ~~قال: «أمرضني» لعد قومه ذلك عيبا، فاستعمل حسن الأدب؛ ونظيره قصة ~~الخضر حين قال في العيب: # فأردت # [الكهف:79]، وفي الخير المحض: # فأراد ربك # [الكهف:82]. # فإن قيل: فهذا يرده قوله: { والذي يميتني }. # فالجواب: أن القوم كانوا لا ينكرون الموت، وإنما يجعلون له سببا سوى ~~تقدير الله عز وجل، فأضافه إبراهيم إلى الله عز وجل، وقوله: { ثم ~~يحيين } يعني للبعث: [وهو] أمر لا يقرون به، وإنما قاله استدلالا ~~عليهم؛ والمعنى: أن ما ms1497 وافقتموني عليه موجب لصحة قولي فيما خالفتموني ~~فيه. # قوله تعالى: { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي } يعني: ما يجري على ~~مثلي من الزلل؛ والمفسرون يقولون: إنما عنى الكلمات الثلاث التي ~~ذكرناها في [الأنبياء:63]، { يوم الدين } يعني: يوم الحشر والحساب؛ ~~وهذا احتجاج على قومه أنه لا تصلح الإلهية إلا لمن فعل هذه ~~الأفعال. ### || [26.83-89] # قوله تعالى: { هب لي حكما } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: النبوة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: اللب، قاله عكرمة. # والثالث: الفهم والعلم، قاله مقاتل، وقد بينا معنى { وألحقني ~~بالصالحين } في سورة [يوسف:101]، وبينا معنى { لسان صدق } ~~في [مريم:50] والمراد بالآخرين: الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: { واغفر لأبي } قال الحسن: بلغني أن أمه كانت مسلمة على ~~دينه، فلذلك لم يذكرها. # فإن قيل: فقد قال: { اغفر لي ولوالدي } [ابراهيم:41]. # قيل: أكثر الذكر إنما جرى لأبيه، فيجوز أن يسأل الغفران لأمه وهي ~~مؤمنة، فأما أبوه فلا شك في كفره. وقد بينا سبب استغفاره لأبيه في ~~[براءة:113]، وذكرنا معنى الخزي في [آل عمران:192]. # قوله تعالى: { يوم يبعثون } يعني: الخلائق. # قوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } فيه ستة أقوال. # أحدها: سليم من الشرك، قاله الحسن، وابن زيد. # والثاني: سليم من الشك، قاله مجاهد. # والثالث: سليم، أي: صحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق ~~مريض، قاله سعيد بن المسيب. # والرابع: أن السليم في اللغة: اللديغ، فالمعنى: كاللديغ من خوف الله ~~تعالى، قاله الجنيد. # والخامس: سليم من آفات المال والبنين، قاله الحسين بن الفضل. # والسادس: سليم من البدعة، مطمئن على السنة، حكاه الثعلبي. ### || [26.90-104] # قوله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين } أي: قربت ~~إليهم حتى نظروا إليها، { وبرزت الجحيم } أي: أظهرت { للغاوين ~~} وهم الضالون، { وقيل لهم } على وجه التوبيخ { أين ما كنتم تعبدون من ~~دون الله هل ينصرونكم } أي: يمنعونكم من العذاب، أو يمتنعون منه. # قوله تعالى: { فكبكبوا } قال السدي: هم المشركون. قال ابن قتيبة: ~~ألقوا على رؤوسهم، وأصل الحرف «كببوا» من قولك: كببت الإناء، ~~فأبدل من الباء الوسطى ms1498 كافا، استثقالا لاجتماع ثلاث باءات، كما ~~قالوا: «كمكموا» من «الكمة»، والأصل: «كمموا». وقال الزجاج: ~~معناه: طرح بعضهم على بعض؛ وحقيقة ذلك في اللغة تكرير الانكباب، كأنه ~~إذا ألقي ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر فيها. # وفي الغاوين ثلاثة اقوال. # أحدها: المشركون، قاله ابن عباس. # والثاني: الشياطين، قاله قتادة، ومقاتل. # والثالث: الآلهة، قاله السدي. { وجنود إبليس } أتباعه من الجن ~~والإنس. { قالوا وهم فيها يختصمون } يعني: هم وآلهتهم، { تالله ~~إن كنا } قال الفراء: لقد كنا. وقال الزجاج: ما كنا إلا في ~~ضلال. # قوله تعالى: { إذ نسويكم } أي: نعدلكم بالله في العبادة، { وما ~~أضلنا إلا المجرمون } فيهم قولان. # أحدهما: الشياطين. # والثاني: أولوهم الذين اقتدوا بهم، قال عكرمة: إبليس وابن آدم ~~القاتل. # قوله تعالى: { فما لنا من شافعين } هذا قولهم إذا شفع الأنبياء ~~والملائكة والمؤمنون. وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الرجل يقول في الجنة: ما فعل صديقي فلان؟ وصديقه في الجحيم، فيقول ~~الله عز وجل: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي [في النار]: فما ~~لنا من شافعين ولا صديق حميم " # ؟. والحميم: القريب الذي توده ويودك والمعنى: مالنا من ذي قرابة ~~يهمه أمرنا، { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون ~~من المؤمنين }. لتحل لنا الشفاعة كما حلت للموحدين. ### || [26.105-110] # قوله تعالى: { كذبت قوم نوح } قال الزجاج: القوم مذكرون؛ ~~والمعنى: كذبت جماعة قوم نوح. # قوله تعالى: { إذ قال لهم أخوهم نوح } كانت الأخوة من جهة ~~النسب بينهم، لا من جهة الدين، { ألا تتقون } عذاب الله بتوحيده ~~وطاعته، { إني لكم رسول أمين } على الرسالة فيما بيني وبين ربكم. { ~~وما أسألكم عليه من أجر } أي: على الدعاء إلى التوحيد. ### || [26.111-116] # قوله تعالى: { واتبعك الأرذلون } وقرأ يعقوب بفتح الهمزة وتسكين ~~التاء وضم العين: { وأتباعك الأرذلون } ، وفيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: الحاكة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: الحاكة والأساكفة؛ قاله عكرمة. # والثالث: المساكين الذين ليس لهم مال ولا عز، قاله عطاء. وهذا جهل ~~منهم، لأن الصناعات لا ms1499 تضر في باب الديانات. # قوله تعالى: { وما علمي بما كانوا يعملون } أي: لم أعلم أعمالهم ~~وصنائعهم، ولم أكلف ذلك، إنما كلفت أن أدعوهم، { إن حسابهم ~~} فيما يعملون { إلا على ربي لو تشعرون } بذلك ما عبتموهم في ~~صنائعهم، { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ما أنا بالذي لا أقبل إيمانهم ~~لزعمكم أنهم الأرذلون. # وفي قوله: { لتكونن من المرجومين } ثلاثة أقوال. # أحدها: من المشتومين، قاله الضحاك. # والثاني: من المضروبين بالحجارة، قاله قتادة. # والثالث: من المقتولين بالرجم، قاله مقاتل. ### || [26.117-122] # قوله تعالى: { فافتح بيني وبينهم } أي: اقض بيني وبينهم قضاء، يعني: ~~بالعذاب { ونجني ومن معي } من ذلك العذاب. والفلك قد تقدم بيانه. ~~[البقرة:164]. والمشحون: المملوء، يقال: شحنت الإناء، إذا ملأته؛ ~~وكانت سفينة نوح قد ملئت من الناس والطير والحيوان كله، { ثم أغرقنا ~~بعد } بعد نجاة نوح ومن معه { الباقين }. ### || [26.123-135] # قوله تعالى: { أتبنون بكل ريع } وقرأ عاصم الجحدري، وأبو حيوة، وابن ~~أبي عبلة: { بكل ريع } بفتح الراء. قال الفراء: هما لغتان. ثم فيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه المكان المرتفع؛ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: بكل ~~شرف. قال الزجاج: هو في اللغة: الموضع المرتفع من الأرض. # والثاني: أنه الطريق، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # والثالث: الفج بين الجبلين، قاله مجاهد. والآية: العلامة. # وفيما أراد بهذا البناء ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أراد: تبنون مالا تسكنون، رواه عطاء عن ابن عباس؛ والمعنى ~~أنه جعل بناءهم ما يستغنون عنه عبثا. # والثاني: بروج الحمام، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. # والثالث: أنهم كانوا يبنون في المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة، ~~فيسخروا منهم ويعبثوا بهم، وهو معنى قول الضحاك. # قوله تعالى: { وتتخذون مصانع } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: قصور مشيدة، قاله مجاهد. # والثاني: مصانع الماء تحت الارض، قاله قتادة. # والثالث: بروج الحمام، قاله السدي. # وفي قوله: { لعلكم تخلدون } قولان. # أحدهما: كأنكم تخلدون؛ قاله ابن عباس، وأبو مالك. # والثاني: كيما تخلدوا، قاله الفراء، وابن قتيبة. وقرأ عكرمة، ~~والنخعي، وقتادة، وابن يعمر: { تخلدون } برفع التاء [وتسكين الخاء ~~وفتح ms1500 اللام مخففة. وقرأ عاصم الجحدري، وأبو حصين]: { تخلدون } بفتح ~~الخاء وتشديد اللام. # قوله تعالى: { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } المعنى: إذا ~~ضربتم ضربتم بالسياط ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم؛ وإنما أنكر ~~عليهم ذلك، لأنه صدر عن ظلم، إذ لو ضربوا بالسيف أو بالسوط في حق ~~ماليموا. # وفي قوله: { عذاب يوم عظيم } قولان. # أحدهما: ما عذبوا به في الدنيا. # والثاني: عذاب جهنم. ### || [26.136-145] # قوله تعالى: { إن هذا إلا خلق الأولين } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، والكسائي: { خلق } بفتح الخاء وتسكين اللام؛ قال ابن قتيبة: ~~أرادوا اختلاقهم وكذبهم، يقال: خلقت الحديث واختلقته، أي: افتعلته، ~~قال الفراء: والعرب تقول للخرافات: أحاديث الخلق. وقرأ عاصم، وأبو ~~عمرو، وحمزة، [وخلف، ونافع]: { خلق الأولين } بضم الخاء واللام. وقرأ ~~ابن عباس، وعكرمة، وعاصم الجحدري: { خلق } برفع الخاء وتسكين اللام؛ ~~والمعنى: عادتهم وشأنهم. قال قتادة: قالوا [له]: هكذا كان الناس يعيشون ~~ما عاشوا، ثم يموتون، ولا بعث لهم ولا حساب. # قوله تعالى: { وما نحن بمعذبين } أي: على ما نفعله في الدنيا. ### || [26.146-152] # قوله تعالى: { أتتركون فيما هاهنا } أي: فيما أعطاكم الله في الدنيا ~~{ آمنين } من الموت والعذاب. # قوله تعالى: { طلعها هضيم } الطلع: الثمر. وفي الهضيم سبعة ~~أقوال. # أحدها: أنه الذي قد اينع وبلغ، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه الذي يتهشم تهشما، قاله مجاهد. # والثالث: أنه الذي ليس له نوى، قاله الحسن. # والرابع: أنه المذنب من الرطب، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: اللين، قاله قتادة، والفراء. # والسادس: أنه الحمل الكثير الذي يركب بعضه بعضا، قاله الضحاك. # والسابع: أنه الطلع قبل أن ينشق عنه [القشر] وينفتح، يريد أنه ~~منضم مكتنز، ومنه قيل: رجل أهضم الكشحين، إذا كان ~~منضمها، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو: { فرهين }. وقرأ الباقون: { فارهين } بألف. قال ~~ابن قتيبة: { فرهين } أشرين بطرين، ويقال: الهاء فيه مبدلة ~~من حاء، أي: فرحين، و { الفرح } قد يكون السرور، وقد يكون الأشر، ~~ومنه قوله: # إن الله لا يحب الفرحين # [القصص:76] ms1501 أي: الأشرين، ومن قرأ: { فارهين } فهي لغة أخرى، يقال: ~~فره وفاره، كما يقال: فرح وفارح، ويقال: { فارهين } أي ~~حاذقين؛ قال عكرمة: حاذقين بنحتها. قوله تعالى: { ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين } قال ابن عباس: يعني: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين ~~عقروا الناقة. ### || [26.153-164] # قوله تعالى: { إنما أنت من المسحرين } قال الزجاج: أي: ممن ~~له سحر، والسحر: الرئة، والمعنى: أنت بشر مثلنا. وجائز أن يكون من ~~المفعلين من السحر؛ والمعنى: ممن قد سحر مرة بعد مرة. # قوله تعالى: { لها شرب } أي: حظ من الماء. قال ابن عباس: لها شرب ~~معروف لا تحضروه معها، ولكم شرب، لا تحضر معكم، فكانت إذا كان يومهم ~~حضروا الماء فاقتسموه، وإذا كان يومها شربت الماء كله. وقال ~~قتادة: كانت إذا كان يوم شربها، شربت ماءهم أول النهار، وسقتهم اللبن ~~آخر النهار. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي ~~عبلة: { لها شرب } بضم الشين. قوله تعالى: { فأصبحوا نادمين } قال ~~ابن عباس: ندموا حين رأوا العذاب على عقرها، وعذابهم كان بالصيحة. ### || [26.165-175] # قوله تعالى: { أتأتون الذكران } وهو جمع ذكر { من العالمين } ~~أي: من بني آدم، { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } [قال ~~الزجاج: وقرأ ابن مسعود: { ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم } ] يعني به ~~الفروج. وقال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال. # قوله تعالى: { بل أنتم قوم عادون } أي: ظالمون معتدون { قالوا لئن لم ~~تنته يالوط } أي: لئن لم تسكت عن نهينا { لتكونن من المخرجين ~~} من بلدنا. { قال إني لعملكم } يعني: إتيان الرجال { من القالين } ~~قال ابن قتيبة: أي من المبغضين، يقال: قليت الرجل: إذا ~~أبغضته. # قوله تعالى: { رب نجني وأهلي مما يعملون } أي: من عقوبة عملهم، { ~~فنجيناه وأهله } وقد ذكرناهم في [هود:80]، { إلا عجوزا } يعني: ~~امرأته { في الغابرين } أي: الباقين في العذاب. { ثم دمرنا الآخرين ~~} أهلكناهم بالخسف والحصب، وهو قوله: { وأمطرنا عليهم مطرا } ~~يعني الحجارة. ### || [26.176-180] # قوله تعالى: { كذب أصحاب الأيكة } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: { ~~أصحاب ليكة } هاهنا، وفي [ص:13] بغير ms1502 همز والتاء مفتوحة؛ وقرأ ~~الباقون: { الأيكة } بالهمز فيهما والألف. وقد سبق هذا الحرف ~~[الحجر:78]. { إذ قال لهم شعيب } إن قيل: لم لم يقل: أخوهم، كما ~~قال في [الأعراف: 85]؟ فالجواب: أن شعيبا لم يكن من نسل أصحاب الأيكة، ~~فلذلك لم يقل: أخوهم، وإنما أرسل إليهم بعد أن أرسل إلى مدين، ~~وهو من نسل مدين، فلذلك قال هناك: أخوهم، هذا قول مقاتل بن سليمان. ~~وقد ذكرنا في سورة [هود:94] عن محمد بن كعب القرظي، أن أهل مدين ~~عذبوا بعذاب الظلة، فإن كانوا غير أصحاب الأيكة كما زعم مقاتل، فقد ~~تساووا في العذاب، وإن كان أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، وهو مذهب ابن ~~جرير الطبري كان حذف ذكر الأخ تخفيفا، والله أعلم. ### || [26.181-184] # قوله تعالى: { ولا تكونوا من المخسرين } أي: من الناقصين للكيل، ~~يقال: أخسرت الكيل والوزن: إذا نقصته. وقد ذكرنا القسطاس في [بني ~~إسرائيل:35]. # قوله تعالى: { واتقوا الذي خلقكم والجبلة } أي: وخلق ~~الجبلة. وقيل: المعنى: واذكروا ما نزل بالجبلة { الأولين }. ~~وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو رجاء، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: { ~~والجبلة } برفع الجيم والباء جميعا مشددة اللام. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي، والضحاك، وعاصم الجحدري: بكسر الجيم وتسكين الباء وتخفيف ~~اللام. قال ابن قتيبة: الجبلة: الخلق، يقال: جبل فلان على كذا، ~~أي خلق. قال الشاعر: # والموت أعظم حادث # مما يمر على الجبله ### || [26.185-191] # قوله تعالى: { فأسقط علينا كسفا } قال ابن قتيبة: أي قطعة { من ~~السماء } ، و«كسف» جمع «كسفة»، [كما] يقال: قطع وقطعة. # قوله تعالى: { ربي أعلم بما تعلمون } أي: من نقصان الكيل والميزان؛ ~~والمعنى: إنه يجازيكم إن شاء، وليس عذابكم بيدي، { فكذبوه فأخذهم ~~عذاب يوم الظلة } قال المفسرون: بعث الله عليهم حرا شديدا، فأخذ ~~بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هربا إلى البرية، فبعث الله عليهم ~~سحابة أظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا، ونادى بعضهم بعضا، حتى إذا ~~اجتمعوا تحتها، أرسل الله عليهم نارا، فكان ذلك من أعظم العذاب. ~~والظلة: السحابة التي أظلتهم. ### || [26.192-199] # قوله تعالى: { وإنه } يعني القرآن { لتنزيل رب العالمين. ~~نزل ms1503 به الروح الأمين } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن ~~عاصم: { نزل به } خفيفا { الروح الأمين } بالرفع. وقرأ أبن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { نزل } مشددة الزاي { الروح ~~الأمين } بالنصب. والمراد بالروح الأمين جبريل، وهو أمين على وحي الله ~~تعالى إلى أنبيائه، { على قلبك } قال الزجاج: معناه: نزل عليك فوعاه ~~قلبك، فثبت، فلا تنساه أبدا. # قوله تعالى: { لتكون من المنذرين } أي: ممن أنذر بآيات الله ~~المكذبين، { بلسان عربي مبين } قال ابن عباس: بلسان قريش ليفهموا ~~ما فيه. # قوله تعالى: { وإنه لفي زبر الأولين } وقرأ الاعمش: { زبر } ~~بتسكين الباء. وفي هاء الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن؛ والمعنى: وإن ذكر القرآن وخبره، ~~هذا قول الأكثرين. # والثاني: أنها تعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. ~~والزبر: الكتب. # قوله تعالى: { أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: { ~~أولم يكن لهم } بالياء { آية } بالنصب. وقرأ ابن عامر. وابن أبي عبلة: { ~~تكن } بالتاء { آية } بالرفع. وقرأ أبو عمران الجوني، وقتادة { تكن } ~~بالتاء { آية } بالنصب قال الزجاج: إذا قلت: { يكن } بالياء، فالاختيار ~~نصب { آية } ويكون «أن» اسم كان، ويكون «آية» خبر كان، المعنى: أولم ~~يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أن النبي صلى الله عليه وسلم حق، ~~وأن نبوته حق؟! { آية } أي: علامة موضحة، لأن العلماء الذين آمنوا من ~~بني إسرائيل وجدوا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل. ومن قرأ: { أولم تكن } بالتاء { آية } جعل «آية» ~~هي الاسم، و «أن يعلمه» خبر «تكن». ويجوز أيضا { أولم تكن } بالتاء { ~~آية } بالنصب، كقوله # ثم لم تكن فتنتهم # [الأنعام:23] وقرأ الشعبي، والضحاك، وعاصم الجحدري: { أن تعلمه } ~~بالتاء. # قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة ~~صفته، فكان ذلك آية لهم على صدقه. # قوله تعالى: { على بعض الأعجمين } قال الزجاج: ms1504 هو جمع أعجم، والأنثى ~~عجماء، والأعجم: الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي؛ فأما العجمي: فالذي من ~~جنس العجم، أفصح أو لم يفصح. # قوله تعالى: { ما كانوا به مؤمنين } أي: لو قرأه عليهم أعجمي لقالوا: ~~لأنفقه هذا، فلم يؤمنوا. ### || [26.200-209] # قوله تعالى: { كذلك سلكناه } قد شرحناه في [الحجر:12]. والمجرمون هاهنا ~~المشركون. # قوله تعالى: { لا يؤمنون به } قال الفراء: المعنى: كي لا يؤمنوا. فأما ~~العذاب الأليم، فهو عند الموت. { فيقولوا } عند نزول العذاب { هل نحن ~~منظرون } أي: مؤخرون لنؤمن ونصدق. قال مقاتل: فلما أوعدهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعذاب، قالوا: فمتى هو؟ تكذيبا به، فقال ~~الله تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون }. # قوله تعالى: { أفرأيت إن متعناهم سنين } قال عكرمة: عمر ~~الدنيا. # قوله تعالى: { ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } أي: من العذاب. { وما ~~أهلكنا من قرية } بالعذاب في الدنيا { إلا لها منذرون } يعني: ~~رسلا تنذرهم العذاب { ذكرى } أي: موعظة وتذكيرا. ### || [26.210-212] # قوله تعالى: { وما تنزلت به الشياطين } سبب نزولها أن قريشا قالت: ~~إنما تجىء بالقرآن الشياطين فتلقيه على [لسان] محمد، فنزلت هذه الآية، ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وما ينبغي لهم } أي: أن ينزلوا بالقرآن، { وما يستطيعون } ~~أن يأتوا به من السماء، لأنهم قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة ~~والشهب. { إنهم عن السمع } أي: عن الاستماع للوحي من السماء { ~~لمعزولون } فكيف ينزلون به؟! وقال عطاء: عن سماع القرآن لمحجوبون، لأنهم ~~يرجمون بالنجوم. ### || [26.213-220] # قوله تعالى: { فلا تدع مع الله إلها آخر } قال ابن عباس: يحذر به ~~غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت من دوني إلها ~~لعذبتك. # قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } روى البخاري ومسلم من حديث ~~أبي هريرة قال: # " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله { وأنذر عشيرتك ~~الاقربين } فقال: «يا معشر قريش: اشتروا أنفسكم من الله، لا ~~أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من ~~الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ~~يا صفية عمة رسول الله لا ms1505 أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة ~~بنت محمد سليني ما شئت ما أغني عنك من الله شيئا» " # وفي بعض الألفاظ: # " سلوني من مالي ما شئتم " # وفي لفظ: # " غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها " # ومعنى قوله: { عشيرتك الأقربين }: رهطك الأدنين. { فان عصوك } ~~يعني: العشيرة { فقل إني بريء مما تعملون } من الكفر. { ~~وتوكل على العزيز الرحيم } أي: ثق به وفوض أمرك إليه، فهو ~~عزيز في نقمته، رحيم لم يعجل بالعقوبة. وقرا نافع، وابن عامر: { ~~فتوكل } بالفاء، وكذلك [هو] في مصاحف أهل المدينة والشام. # { الذي يراك حين تقوم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: حين تقوم إلى الصلاة، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: حين تقوم من مقامك، قاله أبو الجوزاء. # والثالث: حين تخلو، قاله الحسن. # قوله تعالى: { وتقلبك } أي: ونرى تقلبك { في الساجدين } وفيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: وتقلبك في أصلاب الأنبياء حتى أخرجك، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: وتقلبك في الركوع والسجود والقيام مع المصلين في الجماعة؛ ~~والمعنى: يراك وحدك ويراك في الجماعة، وهذا قول الأكثرين منهم قتادة. # والثالث: وتصرفك في ذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، قاله الحسن. ### || [26.221-223] # قوله تعالى: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } هذا رد ~~علهيم حين قالوا: إنما يأتيه بالقرآن الشياطين. فأما الأفاك فهو ~~الكذاب، والأثيم: الفاجر؛ قال قتادة: وهم الكهنة. # قوله تعالى: { يلقون السمع } أي: يلقون ما سمعوه من السماء ~~إلى الكهنة. # وفي قوله: { وأكثرهم كاذبون } قولان. # أحدهما: أنهم الشياطين. # والثاني: الكهنة. ### || [26.224-227] # قوله تعالى: { والشعراء يتبعهم الغاوون } وقرا نافع: { يتبعهم } ~~بسكون التاء؛ والوجهان حسنان، يقال: تبعت واتبعت، مثل حقرت ~~واحتقرت. وروى العوفي عن ابن عباس، قال: كان رجلان على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه، ~~فقال الله: { والشعراء يتبعهم الغاوون }. وفي رواية آخرى عن ابن عباس، ~~قال: هم شعراء المشركين. قال مقاتل: منهم عبد الله بن الزبعرى، وأبو ~~سفيان بن حرب، وهبيرة ابن أبي وهب المخزومي في آخرين، قالوا: نحن نقول ~~مثل قول محمد، وقالوا ms1506 الشعر، فاجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون ~~أشعارهم ويروون عنهم. # وفي الغاوين ثلاثة أقوال. # أحدها: الشياطين، قاله مجاهد، وقتادة. # والثاني: السفهاء، قاله الضحاك. # والثالث: المشركون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } هذا مثل بمن ~~يهيم في الأودية؛ والمعنى أنهم يأخذون في كل فن من لغو وكذب وغير ذلك؛ ~~فيمدحون بباطل، ويذمون بباطل، ويقولون: فعلنا، ولم يفعلوا. قوله ~~تعالى: { إلا الذين آمنوا } قال ابن عباس: لما نزل ذم الشعراء، جاء ~~كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، فقالوا: يا رسول الله، ~~أنزل الله هذا وهو يعلم أنا شعراء، فنزلت هذه الآية. قال المفسرون: ~~وهذا الاستثناء لشعراء المسلمين الذين مدحوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وذموا من هجاه، { وذكروا الله كثيرا } أي: لم يشغلهم الشعر ~~عن ذكر الله ولم يجعلوا الشعر همهم. وقال ابن زيد: وذكروا الله في ~~شعرهم. وقيل: المراد بالذكر: الشعر في طاعة الله عز وجل. # قوله تعالى: { وانتصروا } أي: من المشركين { من بعد ما ظلموا ~~} لأن المشركين بدؤوا بالهجاء. ثم أوعد شعراء المشركين، فقال: { ~~وسيعلم الذين ظلموا } أي: أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين { أي منقلب ينقلبون } قال الزجاج: { ~~أي } منصوبة بقوله: { ينقلبون } لا بقوله: { سيعلم } ، لأن «أيا» ~~وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها. ومعنى الكلام: إنهم ~~ينقلبون إلى نار يخلدون فيها. # وقرأ ابن مسعود، ومجاهد عن ابن عباس، وأبو المتوكل، وأبو رجاء: { أي ~~متقلب يتقلبون } بتاءين مفتوحتين وبقافين على كل واحدة منهما ~~نقطتان وتشديد اللام فيهما. وقرأ أبي كعب، وابن عباس، وأبو العالية، ~~وأبو مجلز، وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: { أي منفلت ~~ينفلتون } بالفاء فيهما وبنونين ساكنين وبتاءين. وكان شريح يقول: ~~سيعلم الظالمون حظ من نقصوا، إن الظالم ينتظر العقاب، وإن ~~المظلوم ينتظر النصر. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-8] # قوله تعالى: { طس } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. وفي رواية أخرى ms1507 عنه، قال: هو اسم الله الأعظم. # والثاني: اسم من أسماء القرآن، قاله قتاده. # والثالث: الطاء من اللطيف، والسين من السميع، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { وكتاب مبين } وقرأ أبو المتوكل، وأبو عمران، وابن ~~أبي عبلة: { وكتاب مبين } بالرفع فيهما. # قوله تعالى: { وبشرى } أي: بشرى بما فيه من الثواب للمصدقين. # قوله تعالى: { زينا لهم أعمالهم } أي: حببنا إليهم قبيح فعلهم. ~~وقد بينا حقيقة التزبين والعمه في [البقرة:15، 212]. وسوء ~~العذاب: شديده. # قوله تعالى: { هم الأخسرون } لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى ~~النار. # قوله تعالى: { وإنك لتلقى القرآن } قال ابن قتيبة: أي: ~~يلقى عليك فتتلقاه أنت، أي: تأخذه. { إذ قال موسى } المعنى: ~~اذكر إذ قال موسى. # قوله تعالى: { بشهاب قبس } قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب إلا ~~زيدا: { بشهاب } بالتنوين. وقرأ الباقون على الإضافة غير منون. قال ~~الزجاج: من نون الشهاب، وجعل القبس من صفة الشهاب، وكل أبيض ذي نور، ~~فهو شهاب. فأما من أضاف، فقال الفراء: هذا مما يضاف إلى نفسه إذا ~~اختلفت الأسماء، كقوله: # ولدار الآخرة # [يوسف:109]. قال ابن قتيبة: الشهاب: النار، والقبس: النار تقبس، ~~يقال: قبست النار قبسا، واسم ما قبست: قبس. # قوله تعالى: { تصطلون } أي: تستدفئون، وكان الزمان شتاء. # قوله تعالى: { فلما جاءها } أي: جاء موسى النار، وإنما كان نورا ~~فاعتقده نارا، { نودي أن بورك من في النار } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: قدس من في النار، وهو الله عز وجل، قاله ابن ~~عباس، والحسن، والمعنى: قدس من ناداه من النار، لا أن الله عز ~~وجل يحل في شيء. # والثاني: أن «من» زائدة؛ والمعنى: بوركت النار، قاله مجاهد. # والثالث: أن المعنى: بورك على من في النار، أو فيمن في النار؛ قال ~~الفراء: والعرب تقول: باركه الله، وبارك عليه، وبارك فيه، بمعنى واحد، ~~والتقدير: بورك من في طلب النار، وهو موسى، فحذف المضاف. وهذه تحية ~~من الله تعالى لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم بالبركة على ألسنة ~~الملائكة حين دخلوا عليه، فقالوا: # رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت # [هود:73]. # فخرج في قوله: ms1508 { بورك } قولان: # أحدهما: قدس. # والثاني: من البركة. وفي قوله { ومن حولها } ثلاثة أقوال: # أحدها: الملائكة، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: موسى والملائكة، قاله محمد بن كعب. # والثالث: موسى؛ فالمعنى: بورك فيمن يطلبها وهو قريب منها. ### || [27.9-14] # قوله تعالى: { إنه أنا الله } الهاء عماد في قول أهل اللغة؛ وعلى ~~قول السدي: هي كناية عن المنادي، لأن موسى قال: من هذا الذي يناديني؟ ~~فقيل: { إنه أنا الله }. # قوله تعالى: { وألق عصاك } في الآية محذوف، تقديره: فألقاها فصارت ~~حية، { فلما رآها تهتز كأنها جان } قال الفراء: الجان: ~~الحية التي ليست بالعظيمة ولا بالصغيرة. # قوله تعالى: { ولم يعقب } فيه قولان. # أحدهما: لم يلتفت، قاله قتادة. # والثاني: لم يرجع، قاله ابن قتيبة، والزجاج. قال ابن قتيبة: وأهل النظر ~~يرون أنه مأخوذ من العقب. # قوله تعالى: { إني لا يخاف لدي المرسلون } أي: لا يخافون ~~عندي. وقيل: المراد: في الموضع الذي يوحى إليهم فيه، فكأنه نبهه على ~~أن من آمنه الله بالنبوة من عذابه لا ينبغي أن يخاف من حية. # وفي قوله: { إلا من ظلم } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه استثناء صحيح، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل؛ والمعنى: إلا من ~~ظلم منهم فانه يخاف. قال ابن قتيبة: علم الله تعالى أن موسى ~~مستشعر خيفة من ذنبه في الرجل الذي وكزه، فقال { إلا ~~من ظلم ثم بدل حسنا } أي: توبة وندما، فانه يخاف، وإني ~~غفور رحيم. # والثاني: أنه استثناء منقطع؛ والمعنى: لكن من ظلم فانه يخاف، قاله ابن ~~السائب، والزجاج. وقال الفراء: «من» مستثناة من الذين تركوا في ~~الكلام، كأنه قال: لا يخاف لدي المرسلون، إنما الخوف على غيرهم، إلا ~~من ظلم، فتكون «من» مستثناة. وقال ابن جرير: في الآية محذوف، ~~تقديره: إلا من ظلم، فمن ظلم ثم بدل حسنا. # والثالث: أن «إلا» بمعنى الواو، فهو كقوله # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم # [البقرة150]، حكاه الفراء عن بعض النحويين، ولم يرضه. # وقرأ أبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعاصم الجحدري، وابن يعمر: ~~{ ألا من ظلم } بفتح ms1509 الهمزة وتخفيف اللام. # وللمفسرين في المراد بالظلم هاهنا قولان. # أحدهما: المعاصي. # والثاني: الشرك. ومعنى { حسنا }: توبة وندما. # وقرأ ابن مسعود، والضحاك، وأبو رجاء، والأعمش، وابن السميفع، وعبد ~~الوارث عن أبي عمرو: { حسنا } بفتح الحاء والسين. { بعد سوء } ~~أي: بعد إساءة. وقيل: الإشارة بهذا إلى أن موسى وإن كان [قد] ظلم ~~نفسه بقتل القبطي، فان الله يغفر له، لأنه ندم على ذلك وتاب. قوله ~~تعالى: { وأدخل يدك في جيبك } الجيب حيث جيب من القميص، ~~أي: قطع. قال ابن جرير: إنما أمر بادخاله يده في جيبه، لأنه كان ~~عليه حينئذ مدرعة من صوف ليس لها كم. والسوء: البرص. # قوله تعالى: { في تسع آيات } قال الزجاج: «في» من صلة قوله { ~~وألق عصاك } { وأدخل يدك } ، فالتأويل: أظهر هاتين الآيتين في تسع ~~آيات. و «في» بمعنى «من»، فتأويله: من تسع آيات؛ تقول: خذ لي عشرا ~~من الإبل فيها فحلان، أي: منها فحلان، وقد شرحنا الآيات في [بني ~~إسرائيل:101]. # قوله تعالى: { إلى فرعون وقومه } أي: مرسلا إلى فرعون وقومه، ~~فحذف ذلك لأنه معروف، { فلما جاءتهم آياتنا مبصرة } أي: بينة ~~واضحة، وهو كقوله # وآتينا ثمود الناقة مبصرة # [الاسراء:59] وقد شرحناه. # قوله تعالى: { قالوا هذا } أي: هذا الذي نراه عيانا { سحر مبين } ~~{ وجحدوا بها } أي: أنكرها { واستيقنتها أنفسهم } أنها من ~~عند الله، { ظلما } أي: شركا { وعلوا } أي: تكبرا. قال الزجاج: ~~المعنى: وجحدوا بها ظلما وعلوا، أي: ترفعا عن أن يؤمنوا بما ~~جاء به موسى وهم يعلمون أنها من عند الله. ### || [27.15-19] # قوله تعالى: { ولقد آتينا داود وسليمان علما } قال المفسرون: علما ~~بالقضاء وبكلام الطير والدواب وتسبيح الجبال { وقالا الحمد لله الذي ~~فضلنا } بالنبوة والكتاب وإلانة الحديد وتسخير الشياطين والجن ~~والإنس { على كثير من عباده المؤمنين } قال مقاتل: كان داود أشد ~~تعبدا من سليمان، وكان سليمان أعظم ملكا منه وأفطن. # قوله تعالى: { وورث سليمان داود } أي: ورث نبوته وعلمه وملكه، ~~وكان لداود تسعة عشر ذكرا، فخص سليمان بذلك، ولو كانت وراثة مال لكان ~~جميع أولاده فيها سواء. # قوله تعالى: ms1510 { وقال } يعني سليمان لبني إسرائيل { يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير } قرأ أبي بن كعب { علمنا } بفتح ~~العين واللام. قال الفراء: { منطق الطير }: كلام الطير، كالمنطق ~~إذا فهم، قال الشاعر: # عجبت لها أنى يكون غناؤها # فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما # ومعنى الآية: فهمنا ما تقول الطير. قال قتادة: والنمل من الطير. { ~~وأوتينا من كل شىء } قال الزجاج: أي: من كل شىء يجوز أن يؤتاه ~~الأنبياء والناس. وقال مقاتل: أعطينا الملك والنبوة والكتاب ~~والرياح ومنطق الطير، وسخرت لنا الجن والشياطين. # وروى جعفر بن محمد عن أبيه، قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ~~ومغاربها، فملك سبعمائة سنة وستة أشهر، وملك اهل الدنيا كلهم من الجن ~~والإنس والشياطين والدواب والطير والسباع، وأعطي علم كل شيء ومنطق كل ~~شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة، فذلك قوله: { علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شيء }. # قوله تعالى: { إن هذا } يعني: الذي أعطينا { لهو الفضل ~~المبين } أي: الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا. { وحشر لسليمان ~~جنوده } أي: جمع له كل صنف من جنده على حدة، وهذا كان في مسير له، ~~{ فهم يوزعون } قال مجاهد: يحبس أولهم على آخرهم. قال ابن قتيبة: ~~وأصل الوزع: الكف والمنع. يقال: وزعت الرجل، أي: كففته، ووازع ~~الجيش: الذي يكفهم عن التفرق، ويرد من شذ منهم. # قوله تعالى: { حتى إذا أتوا } أي: أشرفوا { على وادي النمل } ~~وفي موضعه قولان. # أحدهما: أنه بالطائف، قاله كعب. # والثاني: بالشام قاله قتادة. # قوله تعالى: { قالت نملة } وقرأ ابو مجلز، وأبو رجاء، وعاصم ~~الجحدري، وطلحة بن مصرف { نملة } بضم الميم؛ أي: صاحت بصوت، فلما كان ~~ذلك الصوت مفهوما عبر عنه بالقول؛ ولما نطق النمل كما ينطق بنو ~~آدم، أجري مجرى الآدميين، فقيل: { ادخلوا } ، وألهم الله تلك النملة ~~معرفة سليمان معجزا له، وقد ألهم الله النمل كثيرا من مصالحها تزيد ~~به على الحيوانات، فمن ذلك أنها تكسر كل حبة تدخرها قطعتين لئلا ~~تنبت، إلا الكزبرة فانها تكسرها أربع قطع، لأنها تنبت إذا ~~كسرت قطعتين، فسبحان من ألهمها هذا! # وفي ms1511 صفة تلك النملة قولان. # أحدهما: أنها كانت كهيئة النعجة، قال نوف الشامي: كان النمل في زمن ~~سليمان بن داود كأمثال الذئاب. # والثاني: كانت نملة صغيرة. # { ادخلوا مساكنكم } وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري: ~~{ مسكنكم } على التوحيد. # قوله تعالى: { لا يحطمنكم } الحطم: الكسر. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو رجاء { ليحطمنكم } بغير ألف بعد اللام. وقرأ ابن ~~مسعود: { لا يحطمكم } بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وسكون ~~الميم وحذف النون. وقرأ عمرو بن العاص، وأبان { يحطمنكم } بفتح ~~الياء وسكون الحاء والنون ساكنة أيضا والطاء خفيفة. وقرا أبو المتوكل، ~~وأبو مجلز: { لا يحطمنكم } بفتح الياء وكسر الحاء وتشديد الطاء ~~والنون جميعا. وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: { ~~يحطمنكم } برفع الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وتشديد النون. ~~والحطم: الكسر، والحطام: ما تحطم. قال مقاتل: سمع سليمان كلامها ~~من ثلاثة أميال. # وفي قوله: { وهم لا يشعرون } قولان. # أحدهما: وأصحاب سليمان لم يشعروا بكلام النملة، قاله ابن عباس. # والثاني: وأصحاب سليمان لا يشعرون بمكانكم، لانها علمت أنه ملك لا ~~بغي فيه، وأنهم لو علموا بالنمل ما توطؤوهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فتبسم ضاحكا } قال الزجاج: { ضاحكا } منصوب، حال ~~مؤكدة، لأن «تبسم» بمعنى «ضحك». قال المفسرون: تبسم تعجبا مما ~~قالت: وقيل: من ثنائها عليه. وقال بعض العلماء: هذه الآية من عجائب ~~القرآن، لأنها بلفظة «يا» نادت «أيها» نبهت { النمل } عينت { ادخلوا } ~~أمرت { مساكنكم } نصت { لا يحطمنكم } حذرت { سليمان } خصت { ~~وجنوده } عمت { وهم لا يشعرون } عذرت. # قوله تعالى: { وقال رب أوزعني } قال ابن قتيبة: ألهمني، أصل ~~الإيزاع: الإغراء بالشيء، يقال: أوزعته بكذا، أي: أغريته به، وهو ~~موزع بكذا، ومولع بكذا. وقال الزجاج. تأويله في اللغة: كفني عن ~~الأشياء إلا عن شكر نعمتك؛ والمعنى: كفني عما يباعد منك، { ~~وأن أعمل } أي: وألهمني أن أعمل { صالحا ترضاه } قال المفسرون: ~~إنما شكر الله عز وجل لأن الريح أبلغت إليه صوتها ففهم ذلك. ### || [27.20-26] # قوله تعالى: { وتفقد الطير } التفقد: طلب ما غاب عنك؛ ~~والمعنى أنه طلب ما فقد من ms1512 الطير؛ والطير اسم جامع للجنس، وكانت ~~الطير تصحب سليمان في سفره تظله بأجنحتها { فقال مالي لا أرى ~~الهدهد } قرأ ابن كثير، وعاصم، والكسائي: { ما لي لا أرى ~~الهدهد } بفتح الياء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة ~~بالسكون، والمعنى: ما للهدهد [لا أراه]؟! تقول العرب: مالي أراك كئيبا، ~~أي: مالك؟ فهذا من المقلوب الذي معناه معلوم. قال المفسرون: لما ~~فصل سليمان عن وادي النمل، وقع في قفر من الأرض، فعطش الجيش فسألوه ~~الماء، وكان الهدهد يدله على الماء، فاذا قال له: هاهنا الماء، شققت ~~الشياطين الصخر وفجرت العيون قبل أن يضربوا أبنيتهم، وكان الهدهد يرى ~~الماء في الأرض كما يرى الماء في الزجاجة، فطلبه يومئذ فلم يجده. وقال ~~بعضهم: إنما طلبه لأن الطير كانت تظلهم من الشمس، فأخل الهدهد ~~بمكانه، فطلعت الشمس عليهم من الخلل. # قوله تعالى: { أم كان } قال الزجاج: معناه: بل كان. # قوله تعالى: { لأعذبنه عذابا شديدا } فيه ستة أقوال. # أحدها: نتف ريشه، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: نتفه وتشميسه، قاله عبد الله بن شداد. # والثالث: شد رجله وتشميسه، قاله الضحاك. # والرابع: أن يطليه بالقطران ويشمسه، قاله مقاتل بن حيان. # والخامس: ان يودعه القفص. # والسادس: أن يفرق بينه وبين إلفه، حكاهما الثعلبي. # قوله تعالى: { أو ليأتيني } وقرأ ابن كثير: { ليأتينني } ~~بنونين، وكذلك هي في مصاحفهم. فأما السلطان، فهو الحجة، وقيل: العذر. # وجاء في التفسير أن سليمان لما نزل في بعض مسيره، قال الهدهد: إنه قد ~~اشتغل بالنزول فأرتفع أنا إلى السماء فأنظر إلى طول الدنيا وعرضها، ~~فارتفع فرأى بستانا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فاذا هو بهدهد ~~قد لقيه، فقال: من اين أقبلت؟ قال: من الشام مع صاحبي سليمان، فمن أين ~~أنت؟ قال: من هذه البلاد، وملكها امرأة يقال لها: بلقيس، فهل انت منطلق ~~معي حتى ترى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا ~~احتاج إلى الماء، قال: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، ~~فانطلق معه، فنظر إلى بلقيس وملكها، { فمكث غير بعيد ms1513 } قرأ الجمهور ~~بضم الكاف، وقرأ عاصم بفتحها، وقرأ ابن مسعود: { فتمكث } بزيادة تاء؛ ~~والمعنى: لم يلبث إلا يسيرا حتى جاء، فقال سليمان: ما الذي أبطأ بك؟ { ~~فقال أحطت بما لم تحط به } أي: علمت شيئا من جميع جهاته مما لم ~~تعلم [به] { وجئتك من سبأ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: { سبأ } ~~نصبا غير مصروف، وقرأ الباقون خفضا منونا. وجاء فى الحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن سبأ رجل من العرب. # وقال قتادة: هي أرض باليمن يقال لها: مأرب. وقال أبو الحسن الأخفش: إن ~~شئت صرفت «سبأ» فجعلته اسم أبيهم، أو اسم الحي، وإن شئت لم تصرف ~~فجعلته اسم القبيلة، أو اسم الأرض. قال الزجاج: وقد ذكر قوم من النحويين ~~أنه اسم رجل. وقال آخرون: الاسم إذا لم يدر ما هو لم يصرف؛ وكلا ~~القولين خطأ، لأن الأسماء حقها الصرف، وإذا لم يعلم هل الاسم ~~للمذكر أم للمؤنث، فحقه الصرف حتى يعلم أنه لا ينصرف، لأن أصل ~~الأسماء الصرف. وقول الذين قالوا: هو اسم رجل، غلط، لأن سبأ هي مدينة ~~تعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فمن لم يصرفه ~~جعله اسم مدينة، ومن صرفه فلأنه اسم البلد، فيكون مذكرا سمي ~~بمذكر. # قوله تعالى: { بنبأ يقين } أي: بخبر صادق، { إني وجدت امرأة ~~تملكهم } يعني: بلقيس { وأوتيت من كل شيء } قال الزجاج: معناه: من ~~كل شيء يعطاه الملوك ويؤتاه الناس. والعرش: سرير الملك. قال قتادة: كان ~~عرشها من ذهب، قوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ، وكان أحد أبويها من الجن، ~~وكان مؤخر أحد قدميها مثل حافر الدابة. وقال مجاهد: كان قدماها كحافر ~~الحمار. وقال ابن السائب: لم يكن بقدميها شيء، إنما وقع الجن فيها عند ~~سليمان بهذا القول، فلما جعل لها الصرح بان له كذبهم. قال مقاتل: كان ~~ارتفاع عرشها ثمانين ذراعا في عرض ثمانين، وكانت أمها من الجن. قال ~~ابن جرير: وإنما صار هذا الخبر عذرا للهدهد، لأن سليمان كان لا يرى ~~لأحد في الأرض مملكة ms1514 سواه، وكان مع ذلك يحب الجهاد، فلما دله ~~الهدهد على مملكة لغيره، وعلى قوم كفرة يجاهدهم، صار ذلك عذرا له. # قوله تعالى: { ألا يسجدوا } قرأ الأكثرون: «ألا» بالتشديد. قال ~~الزجاج: والمعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا، أي: فصدهم لئلا ~~يسجدوا. وقرأ ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والزهري، ~~وقتادة، وأبو العالية، وحميد الأعرج، والأعمش، وابن أبي عبلة، والكسائي: ~~{ ألا يسجدوا } مخففة، على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيكون في ~~الكلام إضمار { هؤلاء } ويكتفى منها ب «يا»، ويكون الوقف «ألا يا» ~~والابتداء { اسجدوا }؛ قال الفراء: فعلى هذه القراءة هي سجدة، وعلى قراءة ~~من شدد لا ينبغي لها أن تكون سجدة. وقال أبو عبيدة: هذا أمر من الله ~~مستأنف، يعني: ألا يا أيها الناس اسجدوا. وقرأ ابن مسعود، وأبي: { ~~هلا يسجدوا } بهاء. # قوله تعالى: { الذي يخرج الخبء في السموات والأرض } قال ابن ~~قتيبة: أي: المستتر فيهما، وهو من خبأت الشيء: إذا أخفيته، ~~ويقال: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. وقال الزجاج: كل ما ~~خبأته فهو خبء، فالخبء: كل ما غاب؛ فالمعنى: يعلم الغيب في ~~السموات والأرض. وقال ابن جرير: «في» بمعنى «من»، فتقديره: يخرج ~~الخبء من السموات. # قوله تعالى: { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } قرأ حفص [عن] ~~عاصم، والكسائي بالتاء فيهما. وقرأ الباقون بالياء. قال ابن زيد: من ~~قوله: { أحطت } إلى قوله: { العظيم } كلام الهدهد. وقرأ الضحاك، ~~وابن محيصن: { العظيم } برفع الميم. ### || [27.27-31] # فلما فرغ الهدهد من كلامه { قال سننظر } فيما أخبرتنا به { ~~أصدقت } فيما قلت { أم كنت من الكاذبين } وإنما شك في خبره، ~~لأنه أنكر أن يكون لغيره في الأرض سلطان. ثم كتب كتابا وختمه بخاتمه ~~ودفعه إلى الهدهد وقال: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } قرأ ابن ~~كثير، وابن عامر، والكسائي: { فألقهي } موصولة بياء. وقرأ أبو عمرو، ~~وعاصم، وأبو جعفر، وحمزة: { فألقه } بسكون الهاء، وروى قالون عن نافع ~~كسر الهاء من غير إشباع؛ ويعني إلى أهل سبأ، { ثم تول عنهم } ~~فيه قولان. # أحدهما: أعرض. # والثاني: انصرف، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ms1515 ماذا يردون من ~~الجواب. # فإن قيل: إذا تولى عنهم فكيف يعلم جوابهم؟ فعنه جوابان. # أحدهما: أن المعنى: ثم تول عنهم مستترا من حيث لا يرونك، فانظر ماذا ~~يردون من الجواب، وهذا قول وهب بن منبه. # والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: فانظر ماذا يرجعون ~~ثم تول عنهم، وهذا مذهب ابن زيد. # قال قتادة: أتاها الهدهد وهي نائمة فألقى الكتاب على نحرها فقرأته ~~وأخبرت قومها. وقال مقاتل: حمله في منقاره حتى وقف على رأس المرأة، فرفرف ~~ساعة والناس ينظرون، فرفعت رأسها فألقي الكتاب في حجرها، فلما رأت ~~الخاتم أرعدت وخضعت وخضع من معها من الجنود. # واختلفوا لأي علة سمته كريما على سبعة أقوال. # أحدها: لأنه كان مختوما، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: لأنها ظنته من عند الله عز وجل، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن معنى قولها { كريم }: حسن ما فيه، قاله قتادة، والزجاج. # والرابع: لكرم صاحبه، فانه كان ملكا، ذكره ابن جرير. # والخامس: لأنه كان مهيبا، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والسادس: لتسخير الهدهد لحمله، حكاه الماوردي. # السابع: لأنها رأت في صدره { بسم الله الرحمن الرحيم } ، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { إنه من سليمان } أي: إن الكتاب من عنده { وإنه } ~~أي: وإن المكتوب { بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي } ~~أي: لا تتكبروا. وقرأ ابن عباس: { تغلوا } بغين معجمة { وأتوني ~~مسلمين } أي: منقادين طائعين. ثم استشارت قومها، ف { قالت يا ~~أيها الملأ } يعني الاشراف، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدا، كل ~~رجل منهم على عشرة آلاف. وقال ابن عباس: كان معها مائة ألف قيل، مع كل ~~قيل مائة ألف. وقيل: كانت جنودها ألف ألف ومائتي ألف. ### || [27.32-35] # قوله تعالى: { أفتوني في أمري } أي: بينوا لي ما أفعل، وأشيروا ~~علي. قال الفراء: جعلت المشورة فتيا، وذلك جائز لسعة اللغة. # قوله تعالى: { ما كنت قاطعة أمرا } أي: فاعلته { حتى تشهدون } ~~أي: تحضرون؛ والمعنى: إلا بحضوركم ومشورتكم. # { قالوا نحن أولوا قوة } فيه قولان. # أحدهما: أنهم أرادوا القوة في الأبدان. # والثاني: كثرة ms1516 العدد والبأس والشجاعة في الحرب. # وفيما أرادوا بذلك القول قولان. # أحدهما: تفويض الأمر إلى رأيها. # والثاني: تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم. # ثم قالوا: { والأمر إليك } أي: في القتال وتركه. { قالت إن الملوك ~~إذا دخلوا قرية } قال الزجاج: المعنى: إذا دخلوها عنوة عن قتال ~~وغلبة. # قوله تعالى: { أفسدوها } أي: خربوها { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } ~~أي: أهانوا أشرافها ليستقيم لهم الأمر. ومعنى الكلام: أنها حذرتهم ~~مسير سليمان إليهم ودخوله بلادها. # قوله تعالى: { وكذلك يفعلون } فيه قولان. # أحدهما: أنه من تصديق الله تعالى، لقولها، قاله الزجاج. # والثاني: من تمام كلامها؛ والمعنى: وكذلك يفعل سليمان وأصحابه إذا ~~دخلوا بلادنا، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية } قال ابن عباس: إنما ~~أرسلت الهدية لتعلم أنه إن كان نبيا لم يرد الدنيا، وإن كان ~~ملكا فسيرضى بالحمل، وأنها بعثت ثلاث لبنات من ذهب في كل لبنة ~~مائة رطل؛ وياقوتة حمراء طولها شبر مثقوبة، وثلاثين وصيفا وثلاثين ~~وصيفة، وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف الذكر من الأنثى، ثم كتبت ~~إليه: إني قد بعثت إليك بهدية فاقبلها، وبعثت إليك بياقوتة ~~طولها شبر، فأدخل فيها خيطا واختم على طرفي الخيط بخاتمك، وقد بعثت ~~إليك ثلاثين وصيفا وثلاثين وصيفة، فميز بين الجواري والغلمان؛ فجاء ~~أمير الشياطين فأخبره بما بعثت إليه، فقال له: انطلق فافرش على طريق ~~القوم من باب مجلسي ثمانية أميال في ثمانية أميال [لبنا] من الذهب؛ ~~فانطلق، فبعث الشياطين، فقطعوا اللبن من الجبال وطلوه بالذهب وفرشوه، ~~ونصبوا في الطريق أساطين الياقوت الأحمر، فلما جاء الرسل، قال بعضهم ~~لبعض: كيف تدخلون على هذا الرجل بثلاث لبنات، وعنده ما رأيتم؟! فقال ~~رئيسهم: إنما نحن رسل، فدخلوا عليه، فوضعوا اللبن بين يديه، فقال: ~~أتمدنني بمال؟ ثم دعا ذرة فربط فيها خيطا وأدخلها في ثقب ~~الياقوتة حتى خرجت من طرفها الآخر، ثم جمع بين طرفي الخيط فختم عليه ~~ودفعها إليهم، ثم ميز بين الغلمان والجواري، هذا كله مروي عن ابن ~~عباس. وقال مجاهد: جعلت لباس الغلمان للجواري ولباس الجواري للغلمان، ~~فميزهم ms1517 ولم يقبل هديتها. وفي عدد الوصائف والوصفاء خمسة أقوال. # أحدها: ثلاثون وصيفا وثلاثون وصيفة، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، قاله وهب. # والثالث: مائتا غلام ومائتا جارية، قاله مجاهد. # والرابع: عشرة غلمان وعشر جوار، قاله ابن السائب. # والخامس: مائة وصيف ومائة وصيفة، قاله مقاتل. # وفي ما ميزهم به ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أمرهم بالوضوء، فبدأ الغلام من مرفقه إلى كفه، وبدأت ~~الجارية من كفها إلى مرفقها، فميزهم بذلك، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: أن الغلمان بدؤوا بغسل ظهور السواعد قبل بطونها، ~~والجواري على عكس ذلك، قاله قتادة. # والثالث: أن الغلام اغترف بيده، والجارية أفرغت على يدها، قاله السدي. ~~وجاء في التفسير: أنها أمرت الجواري أن يكلمن سليمان بكلام الرجال، ~~وأمرت الرجال أن يكلموه كلام النساء، وأرسلت قدحا تسأله أن يملأها ~~ماء ليس من [ماء] السماء ولا من ماء الأرض، فأجرى الخيل وملأه من عرقها. # قوله تعالى: { فناظرة بم يرجع المرسلون } أي: بقبول أم ~~برد. قال ابن جرير: وأصل «بم»: بما، وإنما أسقطت الألف لأن العرب ~~إذا كانت «ما» بمعنى «أي» ثم وصلوها بحرف خافض، أسقطوا ألفها، تفريقا ~~بين الاستفهام والخبر، كقوله تعالى: # عم يتساءلون # ؟ [النبأ:1] و # قالوا فيم كنتم # ؟ [النساء:97]، وربما أثبتوا فيها الألف كما قال الشاعر: # عى ما قام يشتمنا لئيم # كخنزير تمرغ في رماد؟ ### || [27.36-40] # قوله تعالى: { فلما جاء سليمان } قال الزجاج: لما جاء رسولها، ويجوز: ~~فلما جاء برها. # قوله تعالى: { أتمدونني بمال } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: { ~~أتمدونني } بنونين وياء في الوصل. وروى المسيبي عن نافع: { ~~أتمدوني } بنون واحدة خفيفة وياء في الوصل والوقف. وقرأ عاصم، وابن ~~عامر، والكسائي: { أتمدونن } بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ حمزة: ~~{ أتمدوني بمال } بنون واحدة مشددة ووقف على الياء. # قوله تعالى: { فما آتاني الله } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { فما آتان الله } بكسر النون من غير ~~ياء. وقرأ أبو عمرو، ونافع، وحفص عن عاصم: { آتاني } بفتح الياء. ~~وكلهم فتحوا التاء ms1518 غير الكسائي، فإنه أمالها من { آتاني الله } وأمال ~~حمزة: { أنا آتيك به } أشم النون شيئا من الكسر، والمعنى: فما آتاني ~~الله، أي: من النبوة والملك { خير مما آتاكم } من المال { بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون } يعني إذا أهدى بعضكم إلى بعض فرح، فأما أنا ~~فلا، ثم قال للرسول: { إرجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل } أي: ~~لا طاقة { لهم بها ولنخرجنهم منها } يعني بلدتهم. فلما رجعت ~~رسلها إليها بالخبر، قالت: قد علمت أنه ليس بملك وما لنا به طاقة، ~~فبعثت إليه، إني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما تدعو إليه، ثم أمرت ~~بعرشها فجعل وراء سبعة أبواب، ووكلت به حرسا يحفظونه، وشخصت إلى ~~سليمان في اثني عشر ألف ملك، تحت يدي كل ملك منهم ألوف، وكان سليمان ~~مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يسأل عنه، فجلس يوما على سرير ملكه فرأى ~~رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت بهذا المكان، وكان ~~قدر فرسخ، وقد كان بلغه أنها احتاطت على عرشها قبل خروجها ف { قال يا ~~أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها } ، وفي سبب طلبه له خمسة أقوال. # أحدها: ليعلم صدق الهدهد، قاله ابن عباس. # والثاني: ليجعل ذلك دليلا على صدق نبوته، لأنها خلفته في دارها ~~واحتاطت عليه، فوجدته قد تقدمها، قاله وهب بن منبه. # والثالث: ليختبر عقلها وفطنتها، أتعرفه أم تنكره، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: لأن صفته أعجبته، فخشي أن تسلم فيحرم عليه مالها، فأراد ~~أخذه قبل ذلك، قاله قتادة. # والخامس: ليريها قدرة الله تعالى وعظم سلطانه، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { قال عفريت من الجن } قال أبو عبيدة: العفريت من ~~كل جن أو إنس: الفائق المبالغ الرئيس. وقال ابن قتيبة: العفريت: ~~الشديد الوثيق. وقال الزجاج: العفريت: النافذ في الأمر، المبالغ فيه مع ~~خبث ودهاء. # وقرأ أبي بن كعب، والضحاك، وأبو العالية، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: ~~{ قال عفريت } بفتح العين وكسر الراء. وروى ابن أبي شريح عن الكسائي: ~~«عفرية» بفتح الياء وتخفيفها؛ وروي عنه أيضا تشديدها وتنوين الهاء ~~على التأنيث. # وقرأ ms1519 ابن مسعود، وابن السميفع: { عفراة } بكسر العين وفتح الراء ~~وبألف من غير ياء. # قوله تعالى: { قبل أن تقوم من مقامك } أي: من مجلسك؛ ومثله # في مقام أمين # [الدخان:51]. وكان سليمان يجلس للقضاء بين الناس من وقت الفجر إلى طلوع ~~الشمس، وقيل: إلى نصف النهار { وإني عليه } أي: على حمله { لقوي ~~}. # وفي قوله { أمين } قولان. # أحدهما: أمين على ما فيه من الجوهر والدر وغير ذلك، قاله ابن ~~السائب. # والثاني: أمين أن لا آتيك بغيره بدلا منه، قاله ابن زيد. # قال سليمان: أريد اسرع من ذلك، { قال الذي عنده علم من الكتاب } ~~وهل هو إنسي أم ملك؟ فيه قولان. # أحدهما: إنسي، قاله ابن عباس، والضحاك، وأبو صالح. ثم فيه أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنه رجل من بني إسرائيل، واسمه آصف بن برخيا، قاله مقاتل. قال ~~ابن عباس: دعا آصف وكان آصف يقوم على رأس سليمان بالسيف فبعث الله ~~الملائكة فحملوا السرير تحت الأرض يخدون الأرض خدا، حتى انخرقت ~~الأرض بالسرير بين يدي سليمان. # والثاني: أنه سليمان عليه السلام، وإنما قال له رجل: أنا آتيك به قبل ~~أن يرتد إليك طرفك، فقال: هات، قال: أنت النبي ابن النبي، فان ~~دعوت الله جاءك، فدعا الله فجاءه، قاله محمد بن المكندر. # والثالث: أنه الخضر، قاله ابن لهيعة. # والرابع: أنه عابد خرج يومئذ من جزيرة في البحر فوجد سليمان فدعا فأتي ~~بالعرش، قاله ابن زيد. # والقول الثاني: أنه من الملائكة. ثم فيه قولان. # أحدهما: أنه جبريل عليه السلام. # والثاني: ملك من الملائكة أيد الله به سليمان، حكاهما الثعلبي. # وفي العلم الذي عنده من الكتاب ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اسم الله الأعظم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. # والثاني: أنه علم كتاب سليمان إلى بلقيس. # والثالث: أنه علم ما كتب الله لبني آدم، وهذا على أنه ملك، حكى ~~القولين الماوردي. # وفي قوله: { قبل أن يرتد إليك طرفك } أربعة أقوال. # أحدها: قبل أن يأتيك أقصى ما تنظر إليه، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: قبل أن ينتهي طرفك إذا مددته ms1520 إلى مداه، قاله وهب. # والثالث: قبل أن يرتد طرفك حسيرا إذا أدمت النظر، قاله مجاهد. # والرابع: بمقدار ما تفتح عينك ثم تطرف، قاله الزجاج. قال مجاهد: دعا ~~فقال: ياذا الجلال والإكرام. وقال ابن السائب: إنما قال: ياحي ~~ياقيوم. # قوله تعالى: { فلما رآه } في الكلام محذوف، تقديره: فدعا الله ~~[فأتي] به، فلما رآه، يعني: سليمان { مستقرا عنده } أي: ثابتا ~~بين يديه { قال هذا } يعني: التمكن من حصول المراد. # قوله تعالى: { أأشكر أم أكفر } فيه قولان. # أحدهما: أأشكر على السرير إذ أتيت به، أم أكفر إذا رأيت من هو دوني ~~في الدنيا أعلم مني، قاله ابن عباس. # و الثاني: أأشكر ذلك من فضل الله علي، أم أكفر نعمته بترك الشكر له، ~~قاله ابن جرير. ### || [27.41-44] # قوله تعالى: { قال نكروا لها عرشها } قال المفسرون: خافت الشياطين أن ~~يتزوج سليمان بلقيس، فتفشي إليه أسرار الجن، لأن أمها كانت جنية، ~~فلا ينفكون من تسخير سليمان وذريته بعده، فأساؤوا الثناء عليها ~~وقالوا: إن في عقلها شيئا، وإن رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان [أن] ~~يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى قدميها ببناء الصرح. قال ابن ~~قتيبة: ومعنى { نكروا }: غيروا، يقال: نكرت الشيء فتنكر، أي: ~~غيرته فتغير. وللمفسرين في كيفية تغييره ستة أقوال. # أحدها: أنه زيد فيه ونقص منه، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنهم جعلوا صفائح الذهب التي كانت عليه مكان صفائح الفضة، ~~وصفائح الفضة مكان صفائح الذهب، والياقوت مكان الزبرجد، والدر ~~مكان اللؤلؤ، وقائمتي الزبرجد مكان قائمتي الياقوت، قاله ابن عباس ~~أيضا. # والثالث: أنهم نزعوا ما عليه من فصوصه وجواهره، روي عن ابن عباس أيضا. # والرابع: أنهم جعلوا ما كان منه أحمر أخضر، وما كان أخضر أحمر، قاله ~~مجاهد. # والخامس: أنهم جعلوا أسفله أعلاه، ومقدمه مؤخره، وزادوا فيه، ~~ونقصوا منه، قاله قتادة. # والسادس: أنهم جعلوا فيه تماثيل السمك، قاله أبو صالح. # وفي قوله { كأنه هو } قولان. # أحدهما: أنها لما رأته جعلت تعرف وتنكر، ثم قالت في نفسها: من ~~أين يخلص إلى ذلك وهو في سبعة ms1521 أبيات والحرس حوله؟! ثم قالت: كأنه هو، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال قتادة: شبهته بعرشها. وقال السدي: ~~وجدت فيه ما تعرفه فلم تنكر، ووجدت فيه ما تنكره فلم تثبت، ~~فلذلك قالت: كأنه هو. # والثاني: أنها عرفته، ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا [عليها]، فلو ~~أنهم قالوا: هذا عرشك، لقالت: نعم، قاله مقاتل. قال المفسرون: فقيل لها: ~~فانه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الابواب؟! # وفي قوله: { وأوتينا العلم } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قول سليمان، قاله مجاهد. ثم في معناه قولان. # أحدهما: وأوتينا العلم بالله وقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة. # والثاني: أوتينا العلم باسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا ~~مسلمين لله. # والقول الثاني: انه من قول بلقيس، فانها لما رأت عرشها، قالت: قد عرفت ~~هذه الآية، وأوتينا العلم بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة، ~~تعني أمر الهدهد والرسل التي بعثت من قبل هذه الآية، وكنا ~~مسلمين منقادين لأمرك قبل أن نجىء. # والثالث: أنه من قول قوم سليمان، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } قال الفراء: معنى ~~الكلام: هي عاقلة، إنما صدها عن عبادة الله عبادتها الشمس والقمر، ~~وكان عادة من دين آبائها؛ والمعنى: وصدها أن تعبد الله ما كانت تعبد، ~~قال: وقد قيل: صدها سليمان، أي: منعها ما كانت تعبد. # قال الزجاج: المعنى: صدها عن الإيمان العادة التي كانت عليها، لأنها ~~نشأت ولم تعرف إلا قوما يعبدون الشمس، وبين عبادتها بقوله: { ~~إنها كانت من قوم كافرين } وقرأ سعيد بن جبير، وابن أبي عبلة: { ~~أنها كانت } بفتح الهمزة. # قوله تعالى: { قيل لها ادخلي الصرح } قال المفسرون: أمر الشياطين ~~فبنوا له صرحا كهيئة السطح من زجاج. # وفي سبب أمره بذلك ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أراد أن يريها ملكا هو اعز من ملكها، قاله وهب بن ~~منبه. # والثاني: أنه أراد أن ينظر إلى قدمها من غير أن يسألها كشفها، لأنه قيل ~~له إن رجلها كحافر الحمار، فأمر ان يهيأ لها بيت من قوارير فوق ~~الماء، ووضع ms1522 سرير سليمان في صدر البيت، هذا قول محمد بن كعب القرظي. # والثالث: أنه فعل ذلك ليختبرها كما اختبرته بالوصائف والوصفاء، ذكره ابن ~~جرير. فأما الصرح فقال ابن قتيبة: هو القصر، وجمعه: صروح، ومنه قول ~~الهذلي: # [على طرق كنحور الركا # ب] تحسب أعلامهن الصروحا # قال: ويقال: الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير، وجعل تحتها ماء ~~وسمك. قال مجاهد: كانت بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير. وقال ~~مقاتل: كان قصرا من قوارير بني على الماء، وتحته السمك. # قوله تعالى: { حسبته لجة } وهي: معظم الماء { وكشفت عن ~~ساقيها } لدخول الماء، فناداها سليمان { إنه صرح ممرد } أي: ~~مملس { من قوارير } أي: من زجاج؛ فعلمت حينئذ أن ملك سليمان من ~~الله تعالى، ف { قالت رب إني ظلمت نفسي } أي: بعبادة غيرك. ~~وقيل: ظنت في سليمان أنه يريد تغريقها في الماء، فلما علمت أنه ~~صرح ممرد قالت: رب إني ظلمت نفسي بذلك الظن، وأسلمت مع ~~سليمان، ثم تزوجها سليمان. وقيل: إنه ردها إلى مملكتها وكان يزورها ~~في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام، وأنها ولدت منه، وقيل: إنه ~~زوجها ببعض الملوك ولم يتزوجها هو. ### || [27.45-47] # قوله تعالى: { فاذا هم فريقان } أي: مؤمن وكافر { يختصمون } وفيه قولان. # أحدهما: أنه قولهم # أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه... # الآيات [الأعراف:75،80]. # والثاني: أنه قول كل فريق منهم: الحق معي. # قوله تعالى: { لم تستعجلون بالسيئة } وذلك حين قالوا: إن ~~كان ما أتيتنا به حقا فائتنا بالعذاب. وفي السيئة والحسنة قولان. # أحدهما: أن السيئة: العذاب، والحسنة: الرحمة، قاله مجاهد. # والثاني: [أن] السيئة: البلاء، والحسنة: العافية، قاله السدي. # قوله تعالى: { لولا } أي: هلا { تستغفرون الله } من الشرك { ~~لعلكم ترحمون } فلا تعذبون. { قالوا اطيرنا } قال ابن قتيبة: ~~المعنى: تطيرنا وتشاءمنا { بك } ، فأدغمت التاء في الطاء، وأثبتت ~~الألف، ليسلم السكون لما بعدها. وقال الزجاج: الأصل: تطيرنا، ~~فأدغمت التاء في الطاء، واجتلبت الألف لسكون الطاء؛ فاذا ابتدأت ~~قلت: اطيرنا، وإذا وصلت لم تذكر الألف وتسقط لأنها ألف وصل، ~~[وإنما] تطيروا به، لأنهم قحطوا وجاعوا، ms1523 ف { قال } لهم { طائركم ~~عند الله } وقد شرحنا هذا المعنى في [الاعراف:131]. # وفي قوله: { تفتنون } ثلاثة أقوال. # أحدها: تختبرون بالخير والشر، قاله ابن عباس. # والثاني: تصرفون عن دينكم، قاله الحسن. # والثالث: تبتلون بالطاعة والمعصية، قاله قتادة. ### || [27.48-53] # قوله تعالى: { وكان في المدينة } وهي الحجر التي نزلها صالح { ~~تسعة رهط يفسدون في الأرض } يريد: في أرض الحجر، وفسادهم: ~~كفرهم ومعاصيهم، وكانوا يسفكون الدماء ويثبون على الأموال والفروج، ~~وهم الذين عملوا في قتل الناقة. وروي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ~~قالا: كان فسادهم كسر الدراهم والدنانير، { قالوا } فيما بينهم { ~~تقاسموا بالله } أي: احلفوا بالله { لنبيتنه } أي: لنقتلن ~~صالحا { وأهله } ليلا { ثم لنقولن } وقرأ حمزة، والكسائي { ~~لتبيتنه وأهله ثم لتقولن } بالتاء فيهما. وقرأ مجاهد، وأبو ~~رجاء، وحميد بن قيس { ليبيتنه } بياء وتاء مرفوعتين { ثم ~~ليقولن } بياء مفتوحة وقاف مرفوعة وواو ساكنة ولام مرفوعة { ~~لوليه } أي: لولي دمه إن سألنا عنه { ما شهدنا } أي: ما ~~حضرنا { مهلك أهله } قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح اللام؛ ~~والمهلك: يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإهلاك، ويجوز أن يكون الموضع. ~~وروى ابو بكر، وأبان عن عاصم: بفتح الميم واللام، يريد الهلاك؛ يقال: ~~هلك يهلك مهلكا. وروى عنه حفص، والمفضل: بفتح الميم وكسر ~~اللام، وهو اسم المكان، على معنى: ما شهدنا موضع هلاكهم؛ فهذا كان مكرهم، ~~فجازاهم الله عليه فأهلكهم. # وفي صفة إهلاكهم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم أتوا دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة ~~فقتلتهم، [قاله ابن عباس. # والثاني: رماهم الله بصخرة فقتلتهم، قاله قتادة]. # والثالث: أنهم دخلوا غارا ينتظرون مجيء صالح، فبعث الله صخرة سدت باب ~~الغار، قاله ابن زيد. # والرابع: أنهم نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، ~~فجثم عليهم الجبل فأهلكهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { أنا دمرناهم } قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: { ~~أنا دمرناهم } بفتح الألف. وقرأ الباقون بكسرها. فمن كسر استأنف، ومن ~~فتح، فقال أبو علي: فيه وجهان. # أحدهما: أن يكون بدلا من { عاقبة مكرهم }. # والثاني: أن يكون محمولا على ms1524 مبتدإ مضمر، كأنه قال: هو أنا ~~دمرناهم. # قوله تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية } قال الزجاج: هي منصوبة على ~~الحال؛ المعنى: فانظر إلى بيوتهم خاوية. ### || [27.54-58] # قوله تعالى: { أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون } فيه قولان. # أحدهما: وأنتم تعلمون أنها فاحشة. # والثاني: وبعضكم يبصر بعضا. # قوله تعالى: { بل أنتم قوم تجهلون } قال ابن عباس: تجهلون القيامة ~~وعاقبة العصيان. # قوله تعالى: { قدرناها من الغابرين } أي: جعلناها بتقديرنا ~~وقضائنا عليها من الباقين في العذاب. وقرأ أبو بكر عن عاصم: { ~~قدرناها } خفيفة، وهي في معنى المشددة. وباقي القصة قد تقدم ~~تفسيره [هود:77]. ### || [27.59-61] # قوله تعالى: { قل الحمد لله } هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أمر أن يحمد الله على هلاك الأمم الكافرة، وقيل: على جميع ~~نعمه، { وسلام على عباده، الذين اصطفى } فيهم أربعة أقوال. # أحدها: الرسل، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وروى عنه عكرمة، قال: اصطفى ~~إبراهيم بالخلة، وموسى بالكلام، ومحمدا بالرؤية. # والثاني: أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رواه أبو مالك عن ابن ~~عباس، وبه قال السدي. # والثالث: أنهم الذين وحدوه وآمنوا به، رواه عطاء عن ابن عباس. # والرابع: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { آلله خير أما يشركون } قال أبو عبيدة: مجازه: ~~أو ما يشركون، وهذا خطاب للمشركين؛ والمعنى: آلله خير لمن عبده، أم ~~الأصنام لعابديها؟! ومعنى الكلام: أنه لما قص عليهم قصص الأمم ~~الخالية، أخبرهم أنه نجى عابديه، ولم تغن الأصنام عنهم. # قوله تعالى: { أمن خلق السموات } تقديره: أما يشركون خير، أمن ~~خلق السماوات { والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة }؟! فأما الحدائق، فقال ابن قتيبة: هي البساتين، واحدها: حديقة، ~~سميت بذلك لأنه يحدق عليها، أي: يحظر، والبهجة: الحسن. # قوله تعالى: { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } أي: ما ينبغي لكم ذلك ~~[لأنكم] لا تقدرون عليه. ثم قال مستفهما منكرا عليهم: { أإله مع ~~الله }؟! أي: ليس معه إله { بل هم } يعني: كفار مكة { قوم يعدلون } ~~وقد شرحناه في فاتحة [الأنعام]. { أمن ms1525 جعل الأرض قرارا } أي: ~~مستقرا لا تميد بأهلها { وجعل خلالها } أي: فيما بينها { ~~أنهارا وجعل لها رواسي } أي جبالا ثوابت { وجعل بين البحرين حاجزا } ~~أي: مانعا من قدرته بين العذب والملح ان يختلطا { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } قدر عظمة الله. ### || [27.62-75] # قوله تعالى: { أمن يجيب المضطر } وهو: المكروب المجهود؛ { ~~ويكشف السوء } يعني الضر { ويجعلكم خلفاء الأرض } أي: ~~يهلك قرنا وينشىء آخرين، و { تذكرون } بمعنى تتعظون. وقرأها أبو ~~عمرو بالياء، والباقون بالتاء. { أمن يهديكم } أي: يرشدكم إلى ~~مقاصدكم إذا سافرتم # في ظلمات البر والبحر # وقد بيناها في [الأنعام:63، 97] وشرحنا ما يليها من الكلمات فيما ~~مضى [الأعراف:57، ويونس:4] إلى قوله: { وما يشعرون } يعني من في ~~السموات والأرض { أيان يبعثون } أي: متى يبعثون بعد موتهم. # قوله تعالى: { بل أدرك علمهم في الآخرة } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: { بل أدرك } قال مجاهد: «بل» بمعنى «أم» والمعنى: لم يدرك ~~علمهم، وقال الفراء: المعنى: هل أدرك علمهم علم الآخرة؟ فعلى ~~هذا يكون المعنى: إنهم لا يقفون في الدنيا على حقيقة العلم بالآخرة. ~~وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: { بل ادارك } على ~~معنى: بل تدارك، أي: تتابع وتلاحق، فأدغمت التاء في الدال، ثم في معناها ~~قولان. # أحدهما: بل تكامل علمهم يوم القيامة لأنهم مبعوثون، قاله الزجاج. وقال ~~ابن عباس: ما جهلوه في الدنيا، علموه في الآخرة. # والثاني: بل تدارك ظنهم وحدسهم في الحكم على الآخرة، فتارة يقولون: ~~إنها كائنة، وتارة يقولون: لا تكون، قاله ابن قتيبة. وروى أبو بكر عن ~~عاصم: { بل ادرك } على وزن افتعل من أدركت. # قوله تعالى: { بل هم في شك منها } أي: بل هم اليوم في شك من القيامة ~~{ بل هم منها عمون } قال ابن قتيبة: أي: من علمها. وما بعد هذا قد ~~سبق بيانه [النحل:127،المؤمنون:35، 82] إلى قوله: { متى هذا الوعد } ~~يعنون: العذاب الذي تعدنا. { قل عسى أن يكون ردف لكم } قال ابن ~~عباس: قرب لكم. وقال ابن قتيبة: تبعكم، واللام زائدة، كأنه قال: ~~ردفكم. # وفي ما تبعهم مما استعجلوه قولان. # أحدهما: ms1526 يوم بدر. # والثاني: عذاب القبر. # قوله تعالى: { وإن ربك لذو فضل على الناس } قال مقاتل: على ~~أهل مكة حين لا يعجل عليهم بالعذاب. # قوله تعالى: { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم } أي: ما ~~تخفيه { وما يعلنون } بألسنتهم من عداوتك وخلافك؛ والمعنى: أنه ~~يجازيهم عليه. { وما من غائبة } أي: وما من جملة غائبة { إلا في كتاب ~~} يعني اللوح المحفوظ؛ والمعنى: إن علم ما يستعجلونه من العذاب ~~بين عند الله وإن غاب عن الخلق. ### || [27.76-82] # { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } وذلك أن أهل الكتاب ~~اختلفوا فيما بينهم، فصاروا أحزابا يطعن بعضهم على بعض، فنزل القرآن ~~ببيان ما اختلفوا فيه، فلو أخذوا به لسلموا. { إن ربك يقضي بينهم } ~~يعني بين بني إسرائيل { بحكمه } وقرأ أبو المتوكل؛ وأبو عمران ~~الجوني، وعاصم الجحدري: { بحكمه } بكسر الحاء وفتح الكاف. # قوله تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } الموتى قال المفسرون: هذا ~~مثل ضربه الله للكفار فشبههم بالموتى. # قوله تعالى: { ولا تسمع الصم الدعاء } وقرأ ابن كثير: { ولا ~~يسمع الصم } بفتح ميم { يسمع } وضم ميم { الصم }. # قوله تعالى: { إذا ولوا مدبرين } أي: أن الصم إذا أدبروا عنك ~~ثم ناديتهم لم يسمعوا، فكذلك الكافر { وما أنت بهاد العمي } أي: ~~[ما أنت] بمرشد من أعماه الله عن الهدى، { إن تسمع } إسماع ~~إفهام { إلا من يؤمن بآياتنا }. # قوله تعالى: { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض } ~~{ وقع } بمعنى «وجب». # وفي المراد بالقول ثلاثة أقوال. # أحدها: العذاب، قاله ابن عباس. # والثاني: الغضب، قاله قتادة. # والثالث: الحجة، قاله ابن قتيبة. ومتى ذلك؟ فيه قولان. # أحدهما: إذا لم يأمروا بمعروف، ولم ينهوا عن منكر، قاله ابن عمر، ~~وأبو سعيد الخدري. # والثاني: إذا لم يرج صلاحهم، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وهو معنى قول ~~أبي العالية. والإشارة بقوله: { عليهم } إلى الكفار الذين تخرج ~~الدابة عليهم. # وللمفسرين في صفة الدابة أربعة أقوال. # أحدها: أنها ذات وبر وريش، رواه حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال ابن عباس: ذات زغب وريش ms1527 لها أربع قوائم. # والثاني: أن رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها ~~قرن إيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، ~~وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، ~~رواه ابن جريج عن أبي الزبير. # والثالث: أن وجهها وجه رجل، وسائر خلقها كخلق الطير، قاله وهب. # والرابع: أن لها أربع قوائم وزغبا وريشا وجناحين، قاله مقاتل. # وفي المكان الذي تخرج منه خمسة أقوال. # أحدها: من الصفا. روى حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~[أنه] قال: # " بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون، تضطرب الأرض تحتهم، وينشق ~~الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو منها ~~رأسها، ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب، ولن يفوتها هارب " # وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " طولها ستون ذراعا " # ، وكذلك قال ابن مسعود: تخرج من الصفا. وقال ابن عمر: تخرج من صدع في ~~الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها. # وقال عبد الله بن عمر: تخرج الدابة فيمس رأسها السحاب ورجلاها في ~~الأرض ما خرجتا. # والثاني: أنها تخرج من شعب أجياد، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وعن ابن عمر مثله. # والثالث: تخرج من بعض أودية تهامة، قاله ابن عباس. # والرابع: من بحر سدوم، قاله وهب بن منبه. # والخامس: أنها تخرج بتهامة بين الصفا والمروة، حكاه الزجاج. وقد روى ~~أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تخرج الدابة معها خاتم سليمان، وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن بالعصا ~~وتحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل البيت ليجتمعون، فيقول هذا: يا ~~مؤمن، ويقول هذا: يا كافر " # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تسم المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه: مؤمن، وتسم الكافر بين ~~عينيه وتكتب بين عينيه: كافر، وتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين ~~الخافقين " # وقال حذيفة بن أسيد: إن للدابه ثلاث خرجات، خرجة في بعض البوادي ثم ~~تنكتم، ms1528 وخرجة في بعض القرى ثم تنكتم، فبينما الناس عند أشرف المساجد - ~~يعني المسجد الحرام - إذ ارتفعت الأرض، فانطلق الناس هرابا، فلا ~~يفوتونها، حتى إنها لتأتي الرجل وهو يصلي، فتقول: أتتعوذ بالصلاة، ~~والله ما كنت من أهل الصلاة، فتخطمه، وتجلو وجه المؤمن. وقال عبد ~~الله بن عمرو: إنها تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء فتفشو في ~~وجهه فيسود وجهه، وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في ~~وجهه حتى يبيض وجهه، فيعرف الناس المؤمن والكافر، ولكأني بها قد ~~خرجت في عقب ركب من الحاج. # قوله تعالى: { تكلمهم } قرأ الأكثرون بتشديد اللام، فهو من الكلام. # وفيما تكلمهم به ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها تقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، قاله ~~قتادة. # والثاني: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الاسلام، قاله السدي. # والثالث: تقول: هذا مؤمن، وهذا كافر، حكاه الماوردي. # وقرأ ابن أبي عبلة، والجحدري: بتسكين الكاف وكسر اللام [وفتح التاء]، ~~فهو [من] الكلم؛ قال ثعلب: والمعنى: تجرحهم. وسئل ابن عباس عن ~~القراءتين، فقال: كل ذلك والله تفعله، تكلم المؤمن، وتكلم الفاجر ~~والكافر، أي: تجرحه. # قوله تعالى: { أن الناس } قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح الهمزة، ~~وكسرها الباقون؛ فمن فتح أراد: تكلمهم بأن الناس، وهكذا قرأ ابن مسعود، ~~وأبو عمران الجوني: { تكلمهم بأن الناس } بزيادة باء مع فتح الهمزة؛ ~~ومن كسر، فلأن معنى { تكلمهم }: تقول لهم: إن الناس، والكلام قول. ### || [27.83-86] # قوله تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } الفوج: الجماعة ~~من الناس كالزمرة، والمراد به: الرؤساء والمتبوعون في الكفر، حشروا ~~وأقيمت الحجة عليهم. وقد سبق معنى # يوزعون # [النمل: 17]. { حتى إذا جاؤوا } إلى موقف الحساب { قال } الله تعالى ~~لهم: { أكذبتم بآياتي }؟! هذا استفهام إنكار عليهم ووعيد لهم، { ولم ~~تحيطوا بها علما } فيه قولان. # أحدهما: لم تعرفوها حق معرفتها. # والثاني: لم تحيطوا علما ببطلانها. والمعنى: إنكم لم تتفكروا في ~~صحتها، # { أم ماذا كنتم تعملون } في الدنيا فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه؟!. # قوله تعالى: # ووقع القول عليهم # قد شرحناه آنفا [النمل: 82] { بما ظلموا } أي: بما أشركوا ms1529 { فهم لا ~~ينطقون } بحجة عن أنفسهم. ثم احتج عليهم بالآية التي تلي هذه. ومعنى ~~قوله: { والنهار مبصرا } أي: يبصر فيه لابتغاء الرزق. ### || [27.87-90] # قوله تعالى: { ويوم ينفخ في الصور } قال ابن عباس: هذه النفخة ~~الأولى. # قوله تعالى: { ففزع من في السموات ومن في الأرض } [قال المفسرون: ~~المعنى: فيفزع من في السماوات ومن في الارض]، والمراد أنهم ماتوا، بلغ ~~بهم الفزع إلى الموت. # وفي قوله: { إلا من شاء الله } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم الشهداء، قاله أبو هريرة، وابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم إن الله تعالى ~~يميتهم بعد ذلك، قاله مقاتل. # والثالث: أنهم الذين في الجنة من الحور وغيرهن، وكذلك من في النار، ~~لأنهم خلقوا للبقاء، ذكره أبو إسحاق ابن شاقلا من أصحابنا. # قوله تعالى: { وكل } أي: من الأحياء الذين ماتوا ثم أحيوا { آتوه } ~~وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: { أتوه } بفتح التاء مقصورة، أي: يأتون ~~الله يوم القيامة { داخرين } قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: صاغرين. ~~قال أبو عبيدة: { كل } لفظه لفظ الواحد، ومعناه يقع على الجميع، فهذه ~~الآية في موضع جمع. # قوله تعالى: { وترى الجبال } قال ابن قتيبة: هذا يكون إذا نفخ في ~~الصور، تجمع الجبال وتسير، فهي لكثرتها تحسب { جامدة } أي: ~~واقفة { وهي تمر } أي: تسير سير السحاب، وكذلك كل جيش عظيم يحسبه ~~الناظر من بعيد واقفا وهو يسير، لكثرته، قال الجعدي يصف جيشا: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم # وقوف لحاج والركاب تهملج # قوله تعالى: { صنع الله } قال الزجاج: هو منصوب على المصدر، لأن ~~قوله: { وترى الجبال تحسبها جامدة } دليل على الصنعة، فكأنه قال: ~~صنع الله ذلك صنعا، ويجوز الرفع على معنى: ذلك صنع الله. فأما ~~الإتقان، فهو في اللغة: إحكام الشيء. # قوله تعالى: { إنه خبير بما تفعلون } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: { يفعلون } بالياء. وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي ~~بالتاء. # قوله تعالى: { من جاء بالحسنة } قد شرحنا الحسنة والسيئة في آخر ~~[الأنعام:160]. # قوله تعالى: { فله خير منها } فيه قولان. # أحدهما: فله ms1530 خير منها يصل إليه، وهو الثواب، قاله ابن عباس، والحسن، ~~وعكرمة. # والثاني: فله أفضل منها، لأنه يأتي بحسنة فيعطى عشر أمثالها، قاله زيد ~~ابن أسلم. # قوله تعالى: { وهم من فزع يومئذ } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر { من فزع يومئذ } مضافا. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: { ~~من فزع } بالتنوين { يومئذ } بفتح الميم. وقال الفراء: الإضافة ~~أعجب إلي في العربية، لأنه فزع معلوم، ألا ترى إلى قوله: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الانبياء:103] فصيره معرفة، فاذا أضفت مكان المعرفة كان أحب ~~إلي. واختار أبو عبيدة قراءة التنوين وقال: هي أعم التأويلين، فيكون ~~الأمن من جميع فزع ذلك اليوم. قال أبو علي الفارسي: إذا نون جاز أن ~~يعنى به فزع واحد، وجاز أن يعنى به الكثرة، لأنه مصدر، والمصادر تدل ~~على الكثرة وإن كانت مفردة الألفاظ، كقوله: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير # [لقمان:19]، وكذلك إذا أضيف جاز أن يعنى به فزع واحد، وجاز أن يعنى به ~~الكثرة؛ وعلى هذا القول، القراءتان سواء، فان أريد به الكثرة، فهو شامل ~~لكل فزع يكون يوم القيامة، وإن أريد به الواحد، فهو المشار إليه بقوله: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء:103]. وقال ابن السائب: إذا أطبقت النار على أهلها ~~فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها، وأهل الجنة آمنون من ذلك الفزع. # قوله تعالى: { ومن جاء بالسيئة } قال المفسرون: هي الشرك { ~~فكبت وجوههم } يقال: كببت الرجل: إذا ألقيته لوجهه؛ وتقول ~~لهم خزنة جهنم: { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } أي: ~~إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك. ### || [27.91-93] # قوله تعالى: { إنما أمرت } المعنى: قل للمشركين: إنما ~~أمرت { أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها } وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو عمران الجوني: { التي حرمها } ، وهي مكة، وتحريمها: تعظيم حرمتها ~~بالمنع من القتل فيها والسبي والكف عن صيدها وشجرها، { وله كل شيء } ~~لأنه خالقه ومالكه، { وأمرت أن أكون من المسلمين } أي: من ~~المخلصين لله بالتوحيد، { وأن أتلو القرآن } عليكم { فمن اهتدى ~~فانما يهتدي لنفسه } أي: فله ثواب اهتدائه { ومن ضل ms1531 } أي: أخطأ ~~[طريق] الهدى { فقل إنما أنا من المنذرين } أي: ليس علي ~~إلا البلاغ؛ وذكر المفسرون أن هذا منسوخ بآية السيف، { وقل الحمد لله ~~} أي: قل لمن ضل: الحمد لله الذي وفقنا لقبول ما امتنعتم منه { ~~سيريكم آياته }. ومتى يريهم؟ فيه قولان. # أحدهما: في الدنيا. ثم فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن منها الدخان وانشقاق القمر، وقد أراهم ذلك، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: سيريكم آياته [فتعرفونها] في السماء، وفي أنفسكم، وفي الرزق، ~~قاله مجاهد. # والثالث: القتل ببدر، قاله مقاتل. # والثاني: سيريكم آياته في الآخرة فتعرفونها على ما قال في الدنيا، ~~قاله الحسن. قوله تعالى: { وما ربك بغافل عما تعملون } ~~وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم { تعملون } بالتاء، على معنى: قل ~~لهم، وقرأ الباقون بالياء، على أنه وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-6] # قوله تعالى: { طسم } قد سبق تفسيره [الشعراء]. # قوله تعالى: { إن فرعون علا في الأرض } أي: طغى وتجبر في أرض مصر { ~~وجعل أهلها شيعا } أي: فرقا وأصنافا في خدمته { يستضعف ~~طائفة منهم } وهم بنو إسرائيل، واستضعافه إياهم: استعبادهم { إنه ~~كان من المفسدين } بالقتل والعمل بالمعاصي. { يذبح أبناءهم ~~} وقرأ أبو رزين، والزهري، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: { يذبح } بفتح ~~الياء وسكون الذال خفيفة. # قوله تعالى: { ونريد أن نمن } أي: ننعم { على الذين ~~استضعفوا } وهم بنو إسرائيل { ونجعلهم أئمة } يقتدى بهم في ~~الخير؛ وقال قتادة: ولاة وملوكا { ونجعلهم الوارثين } لملك فرعون ~~بعد غرقه. # قوله تعالى: { ونري فرعون وهامان وجنودهما } وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وخلف { ويرى } بياء مفتوحة وإمالة الألف التي بعد الراء { فرعون ~~وهامان وجنودهما } بالرفع. ومعنى الآية: أنهم أخبروا أن هلاكهم على ~~يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله ما ~~كانوا يحذرون. ### || [28.7-9] # قوله تعالى: { وأوحينا إلى أم موسى } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إلهام، قاله ابن عباس. # والثاني: أن جبريل أتاها بذلك، قاله مقاتل. # والثالث: أنه كان رؤيا منام، حكاه الماوردي. قال مقاتل: واسم أم موسى ~~«يوخابذ». # قوله تعالى: { أن ms1532 أرضعيه } قال المفسرون: كانت امرأة من القوابل ~~مصافية لأم موسى، فلما وضعته تولت أمرها ثم خرجت فرآها بعض العيون ~~فجاؤوا ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، ~~فلفت موسى في خرقة ووضعته في التنور وهو مسجر، فدخلوا ثم خرجوا، ~~فقالت لأخته: أين الصبي، قالت: لا أدري، فسمعت بكاءه من التنور ~~فاطلعت وقد جعل الله عليه النار بردا وسلاما، فأرضعته بعد ~~ولادته ثلاثة أشهر، وقيل: أربعة أشهر، فلما خافت عليه صنعت له التابوت. # وفي قوله: { فاذا خفت عليه } قولان. # أحدهما: إذا خفت عليه القتل، قاله مقاتل. # والثاني: إذا خفت [عليه] أن يصيح أو يبكي فيسمع صوته، قاله ابن ~~السائب. # وفي قوله: { ولا تخافي } قولان. # أحدهما: أن يغرق، قاله ابن السائب. # والثاني: أن يضيع، قاله مقاتل. # وقال الأصمعي: قلت لأعرابية: ما أفصحك! فقالت: أو بعد هذه الآية فصاحة ~~وهي قوله { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فاذا خفت عليه فألقيه في ~~اليم، ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } ~~جمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين؟! # قوله تعالى: { فالتقطه آل فرعون } الالتقاط: إصابة الشيء من غير ~~طلب، والمراد بآل فرعون: الذين تولوا أخذ التابوت من البحر. # وفي الذين التقطوه ثلاثة أقوال. # أحدها: جواري امرأة فرعون، قاله السدي. # والثاني: ابنة فرعون، قاله محمد بن قيس. # والثالث: أعوان فرعون، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: { ليكون لهم عدوا } أي: ليصير بهم الأمر إلى ذلك، لا ~~أنهم أخذوه لهذا، وهذه اللام تسمى لام العاقبة، وقد شرحناه في [يونس:88]. # وللمفسرين في معنى الكلام قولان. # أحدهما: ليكون لهم عدوا في دينهم وحزنا لما يصنعه بهم. # والثاني: عدوا لرجالهم وحزنا على نسائهم، فقتل الرجال بالغرق، ~~واستعبد النساء. { وقالت امرأة فرعون } وهي آسية بنت مزاحم، وكانت من بني ~~إسرائيل تزوجها فرعون: { قرة عين } قال الزجاج: رفع { قرة ~~عين } على إضمار «هو». قال المفسرون: كان فرعون لا يولد له إلا ~~البنات، فقالت: { عسى أن ينفعنا } فنصيب منه خيرا { أو نتخذه ~~ولدا } ، { وهم لا يشعرون ms1533 } فيه أربعة أقوال. # أحدها: لا يشعرون أنه عدو لهم، قاله مجاهد. # والثاني: أن هلاكهم على يديه، قاله قتادة. # والثالث: لا يشعر بنو إسرائيل أنا التقطناه، قاله محمد ابن قيس. # والرابع: لا يشعرون أني أفعل ما أريد لا ما يريدون، قاله محمد ابن ~~إسحاق. ### || [28.10-13] # قوله تعالى: { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى، رواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أصبح فؤادها فزعا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وهي قراءة أبي ~~رزين، وأبي العالية، والضحاك، وقتادة، وعاصم الجحدري، فانهم قرؤوا { ~~فزعا } بزاي معجمة. # والثالث: فارغا من وحينا بنسيانه، قاله الحسن، وابن زيد. # والرابع: فارغا من الحزن، لعلمها أنه لم يقتل، قاله أبو عبيدة. ~~قال ابن قتيبة: وهذا من أعجب التفسير، كيف يكون كذلك والله يقول: { ~~لولا أن ربطنا على قلبها }؟! وهل يربط إلا على قلب الجازع ~~المحزون؟! # قوله تعالى: { إن كادت لتبدي به } في هذه الهاء قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى موسى. ومتى أرادت هذا؟ فيه ثلاثة أقوال. أحدها: ~~أنه حين فارقته؛ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس [أنه] قال: كادت تقول: يا ~~بنياه. قال قتادة: وذلك من شدة وجدها. والثاني: حين حملت ~~لرضاعه ثم كادت تقول: هو ابني، قاله السدي. والثالث: أنه لما كبر ~~وسمعت الناس يقولون: موسى بن فرعون، كادت تقول: لا بل هو ابني، قاله ~~ابن السائب. # والقول الثاني: أنها ترجع إلى الوحي؛ والمعنى: إن كادت لتبدي ~~بالوحي، حكاه ابن جرير. # قوله تعالى: { لولا أن ربطنا على قلبها } قال الزجاج: المعنى: ~~لولا ربطنا على قلبها، والربط: إلهام الصبر وتشديد القلب وتقويته. # قوله تعالى: { لتكون من المؤمنين } أي: من المصدقين بوعد ~~الله. { وقالت لأخته قصيه } قال ابن عباس: قصي أثره واطلبيه هل ~~تسمعين له ذكرا، [أي]: أحي هو، أو قد أكلته الدواب؟ ونسيت الذي ~~وعدها الله فيه. وقال وهب: إنما قالت لأخته: قصيه، لأنها سمعت ~~أن فرعون قد أصاب صبيا ms1534 في تابوت. قال مقاتل: واسم أخته: مريم. قال ~~ابن قتيبة: ومعنى «قصيه»: قصي أثره واتبعيه { فبصرت به عن ~~جنب } أي: عن بعد منها عنه وإعراض، لئلا يفطنوا، والمجانبة ~~من هذا. وقرأ أبي ابن كعب، وأبو مجلز: { عن جناب } بفتح الجيم ~~والنون وبألف بعدهما. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران الجوني: { عن جانب ~~} بفتح الجيم وكسر النون وبينهما ألف. وقرأ قتادة، وأبو العالية، وعاصم ~~الجحدري: { عن جنب } بفتح الجيم وإسكان النون من غير ألف. # قوله تعالى: { وهم لا يشعرون } فيه قولان. # أحدهما: وهم لا يشعرون أنه عدو لهم، قاله مجاهد. # والثاني: لا يشعرون أنها أخته، قاله السدي. # قوله تعالى: { وحرمنا عليه المراضع } وهي جمع مرضع { من قبل ~~} أي: من قبل أن نرده على أمه، وهذا تحريم منع، لا تحريم ~~شرع. قال المفسرون: بقي ثمانية أيام ولياليهن، كلما أتي بمرضع لم ~~يقبل ثديها، فأهمهم ذلك واشتد عليهم { فقالت } لهم أخته: { هل ~~أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } فقالوا لها: نعم، من تلك؟ ~~فقالت: أمي، قالوا: وهل لها لبن؟ قالت: لبن هارون. فلما جاءت قبل ~~ثديها. وقيل: إنها لما قالت: { وهم له ناصحون } قالوا: لعلك ~~تعرفين أهله، قالت: لا، ولكني إنما قلت: وهم للملك ناصحون. # قوله تعالى: { فرددناه إلى أمه } قد شرحناه في [طه:40]. # قوله تعالى: { ولتعلم أن وعد الله } برد ولدها { حق } وهذا ~~علم عيان ومشاهدة { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الله وعدها أن ~~يرده إليها. ### || [28.14-17] # { ولما بلغ أشده } قد فسرنا هذه الآية في سورة [يوسف:22]، وكلام ~~المفسرين في لفظ الآيتين متقارب، إلا أنهم فرقوا بين بلوغ الأشد ~~وبي الاستواء؛ فأما بلوغ الأشد، فقد سلف بيانه [الانعام:152]. # وفي مدة الاستواء لهم قولان. # أحدهما: أنه أربعون سنة، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: ستون سنة، ذكره ابن جرير. قال المفسرون: مكث عند أمه حتى ~~فطمته، ثم ردته إليهم، فنشأ في حجر فرعون وامرأته واتخذاه ولدا. # قوله تعالى: { ودخل المدينة } فيها قولان. # أحدهما: أنها مصر. # والثاني: مدينة بالقرب من مصر. # قال السدي: ركب فرعون ms1535 يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى ركب في إثره ~~فأدركه المقيل في تلك المدينة. وقال غيره: لما توهم فرعون في موسى ~~أنه عدوه أمر باخراجه من مدينته، فلم يدخل إلا بعد أن كبر، فدخلها ~~يوما { على حين غفلة من أهلها }. وفي ذلك الوقت أربعة أقوال. # أحدها: أنه كان يوم عيد لهم، وكانوا قد اشتغلوا فيه بلهوهم، قاله ~~علي عليه السلام. # والثاني: أنه دخل نصف النهار، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال سعيد ابن ~~جبير. # والثالث: بين المغرب والعشاء، قاله وهب بن منبه. # والرابع: أنهم لما أخرجوه لم يدخل عليهم حتى كبر، فدخل على حين ~~غفلة عن ذكره، لأنه قد نسي أمره، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { هذا من شيعته } أي: من أصحابه من بني إسرائيل { وهذا ~~من عدوه } أي: من أعدائه من القبط، والعدو يذكر للواحد وللجمع. ~~قال الزجاج: وإنما قيل في الغائب: «هذا» و «هذا»، على جهة الحكاية ~~للحضرة؛ والمعنى: أنه إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته، ~~وهذا من عدوه. قال المفسرون: وإن القبطي كان قد سخر ~~الإسرائيلي أن يحمل حطبا إلى مطبخ فرعون { فاستغاثه } أي: فاستنصره، ~~{ فوكزه } قال الزجاج: الوكز: أن يضربه بجميع كفه. وقال ابن قتيبة: { ~~فوكزه } أي: لكزه، يقال: وكزته ولكزته ولهزته: إذا ~~دفعته، { فقضى عليه } أي: قتله؛ وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت ~~عليه. وللمفسرين فيما وكزه به قولان. # أحدهما: كفه، قاله مجاهد. # والثاني: عصاه، قاله قتادة. # فلما مات القبطي ندم موسى لأنه لم يرد قتله، و { قال هذا من عمل ~~الشيطان } أي: هو الذي هيج غضبي، حتى ضربت هذا، { إنه عدو } ~~لابن آدم { مضل } له { مبين } عداوته. ثم استغفر ف { قال رب ~~إني ظلمت نفسي } أي: بقتل هذا، ولا ينبغي لنبي أن يقتل حتى ~~يؤمر. { قال رب بما أنعمت علي } بالمغفرة { فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين } قال ابن عباس: عونا للكافرين، وهذا يدل على أن ~~الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا. ### || [28.18-20] # قوله تعالى: { فأصبح في المدينة } وهي التي قتل ms1536 بها القبطي { خائفا ~~} على نفسه { يترقب } أي: ينتظر سوءا يناله منهم ويخاف أن يقتل به { ~~فاذا الذي استنصره بالأمس } وهو الاسرائيلي { يستصرخه } أي: يستغيث به ~~على قبطي آخر أراد أن يسخره أيضا { قال له موسى } في هاء الكناية ~~قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى القبطي. # والثاني: إلى الإسرائيلي، وهو أصح. # فعلى الأول يكون المعنى: { إنك لغوي } بتسخيرك وظلمك. # وعلى الثاني فيه قولان. # أحدهما: أن يكون الغوي بمعنى المغوي، كالأليم والوجيع بمعنى ~~المؤلم والموجع، والمعنى: إنك لمضل حين قتلت بالأمس رجلا ~~بسببك، وتدعوني اليوم إلى آخر. # والثاني: أن يكون الغوي بمعنى الغاوي؛ والمعنى: إنك غاو في قتالك من ~~لا تطيق دفع شره عنك. # قوله تعالى: { فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما } أي: ~~بالقبطي { قال يا موسى } هذا قول الإسرائيلي من غير خلاف علمناه بين ~~المفسرين؛ قالوا: لما رأى الاسرائيلي غضب موسى عليه، حين قال [له]: ~~{ إنك لغوي مبين } ورآه قد هم أن يبطش بالفرعوني، ظن ~~أنه يريده فخاف على نفسه ف { قال يا موسى أتريد أن تقتلني } وكان ~~قوم فرعون لم يعلموا من قاتل القبطي، إلا أنهم أتوا إلى ~~فرعون فقالوا: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا فخذ لنا بحقنا، ~~فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه لآخذ لكم حقكم، فبينا هم يطوفون ولا ~~يدرون من القاتل، وقعت هذه الخصومة بين الإسرائيلي والقبطي في اليوم ~~الثاني، فلما قال الإسرائيلي لموسى: { أتريد أن تقتلني كما قتلت ~~نفسا بالأمس } انطلق القبطي إلى فرعون فأخبره أن موسى هو الذي قتل ~~الرجل، فأمر بقتل موسى، فعلم بذلك رجل من شيعة موسى فأتاه فأخبره، فذلك ~~قوله: { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى }. فأما الجبار، فقال السدي: ~~هو القتال، وقد شرحناه في [هود:59]، وأقصى المدينة: آخرها وأبعدها، ~~ويسعى: بمعنى يسرع. قال ابن عباس: وهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون، وسيأتي ~~الخلاف في اسمه في سورة [المؤمن:28]. فأما الملأ، فهم الوجوه من الناس ~~والأشراف. # وفي قوله: { يأتمرون بك } ثلاثة اقوال. # أحدها: يتشاورون فيك ليقتلوك، قاله أبو عبيدة. ms1537 # والثاني: يهمون بك، قاله ابن قتيبة. # والثالث: يأمر بعضهم بعضا بقتلك، قاله الزجاج. ### || [28.21-28] # قوله تعالى: { فخرج منها } أي: من مصر { خائفا } وقد مضى تفسيره ~~[القصص:18]. # قوله تعالى: { نجني من القوم الظالمين } يعني المشركين أهل مصر. # { ولما توجه تلقاء مدين } قال ابن قتيبة: أي: تجاه ~~مدين ونحوها وأصله: اللقاء، وزيدت فيه التاء، قال الشاعر: # [أملت خيرك هل تأتي مواعده] # فاليوم قصر عن تلقائك الأمل # أي: عن لقائك. # قال المفسرون: خرج خائفا بغير زاد ولا ظهر، وكان بين مصر ومدين ~~مسيرة ثمانية أيام، ولم يكن له بالطريق علم، ف { قال عسى ربي أن ~~يهديني سواء السبيل } أي: قصده. قال ابن عباس: لم يكن له ~~علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه. وقال السدي: بعث الله له ~~ملكا فدله، قالوا: ولم يكن له في طريقه طعام إلا ورق الشجر، فورد ~~ماء مدين وخضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال؛ والأمة: ~~الجماعة، وهم الرعاة، { يسقون } مواشيهم { ووجد من دونهم } أي من ~~سوى الأمة { امرأتين } وهما ابنتا شعيب؛ قال مقاتل: واسم الكبرى: ~~صبورا والصغرى: عبرا { تذودان } قال ابن قتيبة: أي: تكفان غنمهما، ~~فحذف الغنم اختصارا. قال المفسرون: وإنما فعلتا ذلك ليفرغ الناس ~~وتخلو لهما البئر، قال موسى: { ما خطبكما } أي: ما شأنكما لا ~~تسقيان؟! { قالتا لا نسقي } وقرأ ابن مسعود، وأبو الجوزاء، وابن يعمر، ~~وابن السميفع: { لا نسقي } برفع النون { حتى يصدر الرعاء } وقرأ ~~أبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر: «يصدر» بفتح الياء وضم الدال، أي ~~حتى يرجع الرعاء. وقرأ الباقون { يصدر } بضم الياء وكسرالدال، ~~أرادوا: حتى يرد الرعاء غنمهم عن الماء، والرعاء: جمع راع، كما ~~يقال: صاحب وصحاب. وقرأ عكرمة، وسعيد بن جبير، وابن يعمر، وعاصم ~~الجحدري: { الرعاء } بضم الراء، والمعنى: نحن امرأتان لا نستطيع أن ~~نزاحم الرجال { وأبونا شيخ كبير } لا يقدر أن يسقي ماشيته من ~~الكبر؛ فلذلك احتجنا نحن إلى أن نسقي، وكان على تلك البئر صخرة ~~عظيمة، فاذا فرغ الرعاء من سقيهم أعادوا الصخرة، فتأتي المرأتان ~~إلى فضول حياض الرعاء فتسقيان ms1538 غنمهما. { فسقى لهما } موسى. # وفي صفة ما صنع قولان. # أحدهما: أنه ذهب إلى بئر أخرى عليها صخرة لا يقتلعها إلا جماعة من ~~الناس، فاقتلعها وسقى لهما، قاله عمر بن الخطاب، وشريح. # والثاني: أنه زاحم القوم على الماء، وسقى لهما، قاله ابن إسحاق، ~~والمعنى: سقى غنمهما لأجلهما. # { ثم تولى } أي: انصرف { إلى الظل } وهو ظل شجرة { فقال رب ~~إني لما } اللام بمعنى إلى، فتقديره: إني إلى ما { أنزلت ~~إلي من خير فقير } وأراد بالخير: الطعام. وحكى ابن جرير: أنه ~~أسمع المرأتين هذا الكلام تعريضا أن تطعماه، { فجاءته إحداهما } ~~المعنى: فلما شربت غنمهما رجعتا إلى أبيهما فأخبرتاه خبر موسى، ~~فبعث إحداهما تدعو موسى. # وفيها قولان. # أحدهما: الصغرى. # والثاني: الكبرى. فجاءته { تمشي على استحياء } قد سترت وجهها بكم ~~درعها. # وفي سبب استحيائها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه كان من صفتها الحياء، فهي تمشي مشي من لم يعتد الخروج ~~والدخول. # والثاني: لأنها دعته لتكافئه، وكان الأجمل عندها أن تدعوه من غير ~~مكافأة. # والثالث: لأنها رسول أبيها. # قوله تعالى: { ليجزيك أجر ما سقيت لنا } قال المفسرون: لما ~~سمع موسى هذا القول كرهه وأراد أن لا يتبعها، فلم يجد بدا للجهد ~~الذي به من اتباعها، فتبعها، فكانت الريح تضرب ثوبها فيصف بعض جسدها، ~~فناداها: يا أمة الله، كوني خلفي ودليني الطريق، { فلما جاءه } أي: ~~جاء موسى شعيبا، { وقص عليه القصص } أي: أخبره بأمره من حين ~~ولد والسبب الذي أخرجه من أرضه { قال لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين } أي: لا سلطان لفرعون بأرضنا ولسنا في مملكته. { قالت ~~إحداهما } وهي الكبرى: { يا أبت استأجره } أي: اتخذه أجيرا { ~~إن خير من استأجرت القوي الأمين } أي: خير من استعملت على عملك ~~من قوي على عملك وأدى الأمانة؛ وإنما سمته قويا، لرفعه ~~الحجر عن رأس البئر، وقيل: لأنه استقى بدلو لا يقلها إلا العدد ~~الكثير من الرجال، وسمته أمينا، لأنه امرها أن تمشي خلفه. وقال ~~السدي: قال لها شعيب: قد رأيت قوته، فما يدريك بأمانته؟ فحدثته. ~~قال المفسرون: فرغب فيه شعيب، ms1539 فقال له: { إني أريد أن أنكحك } ~~أي: أزوجك { إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج } قال ~~الفراء: تأجرني وتأجرني، بضم الجيم وكسرها، لغتان. قال الزجاج: ~~والمعنى: تكون أجيرا لي ثماني سنين { فإن أتمت عشرا فمن عندك ~~} أي: فذلك تفضل منك، وليس بواجب عليك. # قوله تعالى: { وما أريد أن أشق عليك } أي: في العشر { ستجدني إن ~~شاء الله من الصالحين } أي: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت. { ~~قال } له موسى { ذلك بيني وبينك } أي: ذلك الذي وصفت وشرطت علي ~~فلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما فلي، فالأمر كذلك بيننا. وتم ~~الكلام هاهنا. ثم قال { أيما الأجلين } يعني: الثماني والعشر. قال ~~أبو عبيدة «ما» زائدة. # قوله تعالى: { قضيت } أي: أتممت { فلا عدوان علي } أي: لا سبيل ~~علي؛ والمعنى: لا تعتد علي بأن تلزمني أكثر منه { والله على ~~ما نقول وكيل } قال الزجاج: أي: والله شاهدنا على ما عقد بعضنا ~~على بعض. واختلف العلماء في هذا الرجل الذي استأجر موسى على أربعة أقوال. # أحدها: أنه شعيب نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا أكثر [أهل] ~~التفسير، وفيه أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل عليه، وبه قال وهب، ~~ومقاتل. # والثاني: أنه صاحب مدين، واسمه يثرى، قاله ابن عباس. # والثالث: رجل من قوم شعيب، قاله الحسن. # والرابع: أنه يثرون ابن أخي شعيب، رواه عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ابن ~~عبد الله بن مسعود، وبه قال ابن السائب. # واختلفوا في التي تزوجها موسى من الابنتين على قولين. # أحدهما: الصغرى، روي عن ابن عباس. # والثاني: الكبرى، قاله مقاتل. وفي اسم التي تزوجها ثلاثة أقوال. # أحدها: صفوريا، حكاه أبو عمران الجوني. # والثاني: صفورة، قاله شعيب الجبائي. # والثالث: صبورا، قاله مقاتل. ### || [28.29-35] # قوله تعالى: { فلما قضى موسى الأجل } روى ابن عباس رضي الله عنهما # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الأجلين قضى موسى، قال: ~~«أوفاهما وأطيبهما» " # قال مجاهد: مكث بعد قضاء الأجل عندهم عشرا أخر. وقال وهب بن منبه: ms1540 ~~أقام عندهم بعد أن أدخل عليه امرأته سنين، وقد سبق تفسير هذه الآية ~~[طه:10] إلى قوله: { أو جذوة } وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، والكسائي: { جذوة } بكسر الجيم. وقرأ عاصم بفتحها. وقرأ ~~حمزة، وخلف، والوليد عن ابن عامر بضمها، وكلها لغات. قال ابن عباس: ~~الجذوة: قطعة حطب فيها نار، وقال أبو عبيدة: قطعة غليظة من الحطب ليس ~~فيها لهب، وهي مثل الجذمة من أصل الشجرة، قال ابن مقبل: # باتت حواطب ليلى يلتمسن لها # جزل الجذا غير خوار ولا دعر # والدعر: الذي قد نخر، ومنه رجل داعر، أي: فاسد. # قوله تعالى: { نودي من شاطىء الواد } وهو: جانبه { الأيمن } وهو ~~الذي عن يمين موسى { في البقعة } وهي القطعة من الأرض { المباركة } ~~بتكليم الله موسى فيها { من الشجرة } أي: من ناحيتها. وفي تلك الشجرة ~~قولان. # أحدهما: [أنها] شجرة العناب، قاله ابن عباس. # والثاني: عوسجة، قاله قتادة، وابن السائب، ومقاتل. وما بعد هذا قد سبق ~~بيانه [النمل:10] إلى قوله: { إنك من الآمنين } أي: من أن ينالك مكروه. # قوله تعالى: { أسلك يدك } أي: أدخلها، { واضمم إليك جناحك } ~~قد فسرنا الجناح في [طه:22] إلا ان بعض المفسرين خالف بين تفسير ~~اللفظين، فشرحناه. وقال ابن زيد: جناحه: الذراع والعضد والكف. وقال ~~الزجاج: الجناح هاهنا: العضد، ويقال لليد كلها: جناح. وحكى ابن ~~الأنباري عن الفراء أنه قال: الجناح هاهنا: العصا. قال ابن الأنباري: ~~الجناح للانسان مشبه بالجناح للطائر، ففي حال تشبه العرب رجلي ~~الإنسان بجناحي الطائر، فيقولون: قد مضى فلان طائرا في جناحيه، يعنون ~~ساعيا على قدميه، وفي حال يجعلون العضد منه بمنزلة جناحي الطائر، كقوله: ~~{ واضمم يدك إلى جناحك } ، وفي حال يجعلون العصا بمنزلة الجناح، لأن ~~الإنسان يدفع بها عن نفسه كدفع الطائر عن نفسه بجناحه، كقوله: { واضمم ~~إليك جناحك من الرهب } ، وإنما يوقع الجناح على هذه الأشياء ~~تشبيها واستعارة، كما يقال: قد قص جناح الإنسان، وقد قطعت يده ~~ورجله: إذا وقعت به جائحة أبطلت تصرفه؛ ويقول الرجل للرجل: أنت يدي ~~ورجلي، أي: أنت من ms1541 به أصل إلى محابي، قال جرير: # سأشكر أن رددت إلي ريشي # وأنبت القوادم في جناحي # وقالت امرأة من العرب ترثي زوجها الأغر: # يا عصمتي في النائبات ويا # ركني [الأغر] ويا يدي اليمنى # لا صنت وجها كنت صائنه # أبدا ووجهك في الثرى يبلى # فأما الرهب، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: { من الرهب } ~~بفتح الراء والهاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { من ~~الرهب } بضم الراء وسكون الهاء. وقرأ حفص [وأبان] عن عاصم: { من ~~الرهب } بفتح الراء وسكون الهاء [وهي قراءة ابن مسعود، وابن السميفع]. ~~وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وقتادة، بضم الراء والهاء. قال الزجاج: ~~الرهب، والرهب بمعنى واحد، مثل الرشد، والرشد. وقال أبو ~~عبيدة: الرهب والرهبة بمعنى الخوف والفرق. وقال ابن الأنباري: ~~الرهب، والرهب، والرهب، مثل الشغل، والشغل، والشغل، ~~والبخل، والبخل، والبخل، وتلك لغات ترجع إلى معنى الخوف والفرق. # وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه لما هرب من الحية أمره الله أن يضم إليه جناحه ~~ليذهب عنه الفزع. قال ابن عباس: المعنى: اضمم يدك إلى صدرك من الخوف ولا ~~خوف عليك. وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه ~~الفزع. # والثاني: أنه لما هاله بياض يده وشعاعها، أمر أن يدخلها في ~~جيبه، فعادت إلى حالتها الأولى. # والثالث: أن معنى الكلام: سكن روعك، وثبت جأشك. قال أبو علي: ~~ليس يراد به الضم بين الشيئين، إنما أمر بالعزم [على ما أمر به] ~~والجد فيه، ومثله: اشدد حيازيمك للموت. # قوله تعالى: { فذانك } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: { فذانك } بالتشديد. ~~وقرأ الباقون: { فذانك } بالتخفيف. قال الزجاج: التشديد تثنية «ذلك»، ~~والتخفيف تثنية «ذاك»، فجعل اللام في «ذلك» بدلا من تشديد النون في ~~«ذانك»، { برهانان } أي: بيانان اثنان. قال المفسرون: «فذانك» يعني ~~العصا واليد، حجتان من الله لموسى على صدقه، { إلى فرعون } أي: ~~أرسلنا بهاتين الآيتين إلى فرعون. وقد سبق تفسير ما بعد هذا ~~[الشعراء:14] إلى قوله: { هو أفصح مني لسانا } أي: أحسن ~~بيانا، لأن موسى كان في لسانه ms1542 أثر الجمرة التي تناولها، { فأرسله ~~معي ردءا } قرأ الأكثرون: { ردءا } بسكون الدال وبعدها همزة. ~~وقرأ أبو جعفر: { ردا } بفتح الدال وألف بعدها من غير تنوين ولا همز؛ ~~وقرأ نافع كذلك، إلا أنه نون. وقال الزجاج: الردء: العون، يقال: ~~ردأته أردؤه ردءا: إذا أعنته. # قوله تعالى: { يصدقني } قرأ عاصم، وحمزة: { يصدقني } بضم ~~القاف. وقرأ الباقون بسكون القاف. قال الزجاج: من جزم { يصدقني } ~~فعلى جواب المسألة: أرسله يصدقني؛ ومن رفع، فالمعنى: ردءا ~~مصدقا لي. وأكثر المفسرين على أنه أشار بقوله: { يصدقني } إلى ~~هارون؛ وقال مقاتل بن سليمان: لكي يصدقني فرعون. # قوله تعالى: { سنشد عضدك بأخيك } قال الزجاج: المعنى: سنعينك ~~بأخيك، ولفظ العضد على جهة المثل، لأن اليد قوامها عضدها، وكل ~~معين فهو عضد، { ونجعل لكما سلطانا } أي: حجة بينة. وقيل ~~للزيت: السليط، لانه يستضاء به؛ والسلطان: أبين الحجج. # قوله تعالى: { فلا يصلون إليكما } أي: بقتل ولا أذى. وفي قوله { ~~بآياتنا } ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المعنى: تمتنعان منهم بآياتنا وحججنا فلا يصلون إليكما. # والثاني: أنه متعلق بما بعده، فالمعنى: بآياتنا أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون، أي: تغلبون بآياتنا. # والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: ونجعل لكما سلطانا ~~بآياتنا، فلا يصلون إليكما. ### || [28.36-37] # قوله تعالى: { ما هذا إلا سحر مفترى } أي: ما هذا الذي جئتنا به ~~إلا سحر افتريته من قبل نفسك ولم تبعث به { وما سمعنا بهذا ~~} الذي تدعونا إليه { في آبائنا الأولين } ، { وقال موسى ربي أعلم } ~~وقرأ ابن كثير: { قال موسى } بلا واو، وكذلك هي في مصاحفهم { بمن جاء ~~بالهدى } أي: هو أعلم بالمحق منا، { ومن تكون له عاقبة الدار ~~} وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، [والمفضل]: «يكون» بالياء، والباقون ~~بالتاء. ### || [28.38-42] # قوله تعالى: { فأوقد لي يا هامان على الطين } قال ابن قتيبة: ~~المعنى: اصنع لي الآجر { فاجعل لي صرحا } أي: قصرا عاليا. وقال ~~الزجاج: الصرح: كل بناء متسع مرتفع. وجاء في التفسير أنه لما ~~أمر هامان وهو وزيره ببناء الصرح، جمع العمال والفعلة حتى ~~اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع، فرفعوه وشيدوه حتى ms1543 ارتفع ارتفاعا ~~لم يبلغه بنيان أحد قط، فلما تم ارتقى فرعون فوقه، وأمر ~~بنشابة فرمى بها نحو السماء، فردت وهي متلطخة بالدم، فقال: ~~قد قتلت إله موسى، فبعث الله تعالى جبريل فضربه بجناحه فقطعه ثلاث ~~قطع، فوقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة أخرى في ~~البحر، وأخرى في المغرب. # قوله تعالى: { لعلي أطلع إلى إله موسى } أي: أصعد إليه ~~وأشرف عليه { وإني لأظنه } يعني موسى { من الكاذبين } في ~~ادعائه إلها غيري. وقال ابن جرير: المعنى: أظن موسى كاذبا في ~~ادعائه أن في السماء ربا أرسله. { واستكبر هو وجنوده في الأرض } ~~يعني أرض مصر { بغير الحق } أي: بالباطل والظلم { وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون } بالبعث للجزاء. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: { يرجعون } برفع الياء؛ وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: ~~بفتحها. # قوله تعالى: { وجعلناهم } أي: في الدنيا { أئمة } أي: قادة في الكفر ~~يأتم بهم العتاة، { يدعون إلى النار } لأن من أطاعهم دخلها؛ { ~~وينصرون } بمعنى: يمنعون من العذاب. وما بعد هذا مفسر في [هود:60، ~~99]. # قوله تعالى: { من المقبوحين } أي: من المبعدين الملعونين؛ قال أبو ~~زيد: يقال: قبح الله فلانا، أي: أبعده من كل خير. وقال ابن جريج: ~~معنى الآية: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة لعنة أخرى، ثم ~~استقبل الكلام، فقال: هم من المقبوحين. ### || [28.43-47] # قوله تعالى: { من بعد ما أهلكنا القرون الأولى } يعني قوم نوح ~~وعاد وثمود وغيرهم { بصائر للناس } أي: ليبصروا به ويهتدوا. # قوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربي } قال الزجاج: أي: وما كنت ~~بجانب الجبل الغربي. # قوله تعالى: { إذ قضينا إلى موسى الأمر } أي: أحكمنا الأمر معه ~~بارساله إلى فرعون وقومه، { وما كنت من الشاهدين } لذلك الأمر؛ وفي ~~هذا بيان لصحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، لأنهم يعلمون أنه لم ~~يقرأ الكتب، ولم يشاهد ما جرى، فلولا أنه أوحي إليه ذلك، ما علم. # قوله تعالى: { ولكنا أنشأنا قرونا } أي: خلقنا أمما من بعد ~~موسى { فتطاول عليهم العمر } أي: طال إمهالهم فنسوا عهد ms1544 الله ~~وتركوا أمره؛ وهذا يدل على أنه قد عهد إلى موسى وقومه عهود في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وأمروا بالإيمان به، فلما طال إمهالهم، ~~أعرضوا عن مراعاة العهود، { وما كنت ثاويا } أي: مقيما { في أهل ~~مدين } فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل مكة، { ~~ولكنا كنا مرسلين } أرسلناك إلى أهل مكة، وأخبرناك خبر ~~المتقدمين، ولولا ذلك ما علمته. { وما كنت بجانب الطور } أي: ~~بناحية الجبل الذي كلم عليه موسى { إذ نادينا } موسى وكلمناه، هذا ~~قول الأكثرين؛ وقال أبو هريرة: كان هذا النداء: يا أمة محمد، أعطيتكم ~~قبل أن تسألوني. وأستجيب لكم قبل أن تدعوني. # قوله تعالى: { ولكن رحمة من ربك } قال الزجاج: المعنى: لم تشاهد ~~قصص الأنبياء، ولكنا أوحينا إليك وقصصناها عليك، رحمة من ربك. # { ولولا أن تصيبهم مصيبة } جواب «لولا» محذوف، تقديره: لولا أنهم ~~يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة. وقيل: لولا ذلك لم ~~نحتج إلى إرسال الرسل ومؤاثرة الاحتجاج. ### || [28.48-55] # قوله تعالى: { فلما جاءهم } يعني أهل مكة { الحق من عندنا } وهو ~~محمد عليه السلام والقرآن { قالوا لولا } أي: هلا { أوتي } محمد من ~~الآيات { مثل ما أوتي موسى } كالعصا واليد. قال المفسرون: أمرت ~~اليهود قريشا أن تسأل محمدا مثل ما أوتي موسى، فقال الله تعالى: { ~~أو لم يكفروا بما أوتي موسى } أي: فقد كفروا بآيات موسى، و { قالوا ~~} في المشار إليهم قولان. # أحدهما: اليهود. # والثاني: قريش. { سحران } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~[ساحران }. { تظاهرا } أي: تعاونا. وروى العباس الانصاري عن أبي ~~عمرو: { تظاهرا } بتشديد الظاء. # وفيمن عنوا ثلاثة أقوال. # أحدها: موسى ومحمد، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير؛ فعلى هذا هو ~~من قول مشركي العرب. # والثاني: موسى وهارون، قاله مجاهد؛ فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ~~ابتداء الرسالة. # والثالث: محمد وعيسى، قاله قتادة؛ فعلى هذا هو من قول اليهود الذين لم ~~يؤمنوا بنبينا. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: { سحران } وفيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: التوراة والفرقان، قاله ابن عباس، والسدي. # والثاني: ms1545 الإنجيل والقرآن، قاله قتادة. # والثالث: الثوراة والإنجيل، قاله أبو مجلز، وإسماعيل ابن أبي خالد. ~~ومعنى الكلام: كل سحر منهما يقوي الآخر، فنسب التظاهر إلى ~~السحرين توسعا في الكلام، { وقالوا إنا بكل كافرون } يعنون ما ~~تقدم ذكره على اختلاف الأقوال، فقال الله لنبيه { قل } لكفار ~~مكة { فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما } أي: من التوراة ~~والقرآن، { إن كنتم صادقين } أنهما ساحران. { فان لم يستجيبوا لك } ~~أي: فان لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن، { فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم } أي: أن ما ركبوه من الكفر لم يحملهم عليه حجة، وإنما ~~آثروا فيه الهوى { ومن أضل } أي: ولا أحد أضل، { ممن اتبع هواه ~~بغير هدى } أي: بغير رشاد ولا بيان جاء { من الله }. { ولقد وصلنا ~~لهم القول } وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وابن يعمر: { وصلنا } بتخفيف ~~الصاد. # وفي المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم قريش، قاله الأكثرون، منهم مجاهد. # والثاني: اليهود، قاله رفاعة القرظي. # والمعنى: أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا، ويخبر عن الأمم الخالية كيف ~~عذبوا لعلهم يتعظون. # { الذين آتيناهم الكتاب } وفيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم مؤمنو أهل الكتاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: مسلمو أهل الإنجيل، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أربعين ~~من أصحاب النجاشي قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه ~~أحدا، فنزلت فيهم هذه الآية. # والثالث: مسلمو اليهود، كعبد الله بن سلام وغيره، قاله السدي. # قوله تعالى: { من قبله } أي: من قبل القرآن، { هم به } في هاء ~~الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ذكره كان ~~مكتوبا [عندهم] في كتبهم، فآمنوا به. # والثاني: إلى القرآن. # قوله تعالى: { وإذا يتلى عليهم } يعني القرآن { قالوا آمنا به } ، ~~{ إنا كنا من قبله } أي: من قبل نزول القرآن { مسلمين } ~~أي: مخلصين لله مصدقين بمحمد، وذلك لأن ذكره كان في كتبهم فآمنوا ~~به { أولئك يؤتون أجرهم مرتين }. في المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم مؤمنو أهل الكتاب، وهذا قول الجمهور، وهو الظاهر، وفيما ms1546 ~~صبروا عليه قولان. # أحدهما: أنهم صبروا على الكتاب الأول، وصبروا على اتباعم محمدا، ~~قاله قتادة، وابن زيد. # والثاني: أنهم صبروا على الإيمان بمحمد قبل أن يبعث، ثم على ~~اتباعه حين بعث، قاله الضحاك. # والقول الثاني: انهم قوم من المشركين أسلموا، فكان قومهم يؤذونهم، ~~فصبروا على الأذى، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { ويدرؤون بالحسنة السيئة } فيه أقوال قد شرحناها في ~~[الرعد:22]. # قوله تعالى: { وإذا سمعوا اللغو } فيه ثلاث أقوال. # أحدها: الاذى والسب، قاله مجاهد. # والثاني: الشرك، قاله الضحاك. # والثالث: أنهم قوم من اليهود آمنوا، فكانوا يسمعون ما غيراليهود من ~~صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكرهون ذلك ويعرضون عنه، قاله ابن ~~زيد. وهل هذا منسوخ، أم لا؟ فيه قولان. # وفي قوله: { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } قولان. # أحدهما: لنا ديننا ولكم دينكم. # والثاني: لنا حلمنا ولكم سفهكم. # { سلام عليكم } قال الزجاج: لم يريدوا التحية، وإنما أرادوا: بيننا ~~وبينكم المتاركة، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال، وذكر المفسرون ~~أن هذا منسوخ بآية السيف. # وفي قوله: { لا نبتغي الجاهلين } ثلاثة أقوال. # أحدها: لا نبتغي دين الجاهلين. # والثاني: لا نطلب مجاورتهم. # والثالث: لا نريد أن نكون جهالا. ### || [28.56-58] # قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت } قد ذكرنا سبب نزولها عند ~~قوله: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين # [التوبة:113]، وقد روى مسلم فيما انفرد به عن البخاري من حديث أبي هريرة ~~قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه «قل: لا إله إلا الله أشهد ~~لك بها يوم القيامة»، فقال: لولا أن تعيرني نساء قريش، يقلن: إنما ~~حمله على ذلك الجزع، لاقررت بها عينك، فأنزل الله عز وجل: { إنك لا ~~تهدي من أحببت } " # قال الزجاج: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب. وفي قوله: { من ~~أحببت } قولان. # أحدهما: من أحببت هدايته. # والثاني: من أحببته لقرابته. # { ولكن الله يهدي من يشاء } أي: يرشد لدينه من يشاء { وهو أعلم ~~بالمهتدين } أي: من قدر له الهدى. # قوله تعالى: { وقالوا إن نتبع الهدى معك } قال ابن ms1547 عباس في ~~رواية العوفي: هم ناس من قريش قالوا ذلك. وقال في رواية ابن أبي ~~مليكة: إن الحارث بن عامر بن نوفل قال ذلك. وذكر مقاتل أن الحارث ~~بن عامر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي ~~تقول حق، ولكن يمنعنا ان نتبع [الهدى] معك مخافة أن تتخطفنا العرب ~~من أرضنا، يعنون مكة. ومعنى الاية: إن اتبعناك على دينك خفنا العرب ~~لمخالفتنا إياها. والتخطف: الانتزاع بسرعة؛ فرد الله عليهم ~~قولهم، فقال: { أولم نمكن لهم حرما } أي: أولم ~~نسكنهم حرما ونجعله مكانا لهم، ومعنى { آمنا }: ذو أمن يأمن ~~فيه الناس، وذلك أن العرب كان يغير بعضها على بعض، وأهل مكة آمنون في ~~الحرم من القتل والسبي والغارة، أي: فكيف يخافون إذا أسلموا وهم في ~~حرم آمن؟! { يجبي } [قرأ نافع: { تجبي } بالتاء]، أي: تجمع إليه ~~وتحمل من [كل] النواحي الثمرات، { رزقا من لدنا } أي: من ~~عندنا { ولكن أكثرهم } يعني أهل مكة { لا يعلمون } أن الله هو ~~الذي فعل بهم ذلك فيشكرونه. ومعنى الآية: إذا كنتم آمنين في حرمي تأكلون ~~رزقي وتعبدون غيري، فكيف تخافون إذا عبدتموتي وآمنتم بي؟! ثم خوفهم ~~عذاب الأمم الخالية فقال: { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ~~} قال الزجاج: { معيشتها } منصوبة باسقاط «في»، والمعنى: بطرت في ~~معيشتها، والبطر: الطغيان في النعمة. قال عطاء: عاشوا في البطر ~~فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام. # قوله تعالى: { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } ~~قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق يوما أو ~~ساعة، والمعنى: لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا { وكنا نحن ~~الوارثين } أي: لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم في منازلهم، فبقيت خرابا ~~غير مسكونة. ### || [28.59-61] # { وما كان ربك مهلك القرى } يعني القرى الكافر أهلها { حتى ~~يبعث في أمها } أي: في أعظمها { رسولا } ، وإنما خص الأعظم ~~ببعثة الرسول، لأن الرسول إنما يبعث إلى الأشراف، وأشراف القوم ~~ملوكهم، وإنما يسكنون المواضع التي هي أم ما حولها. وقال قتادة: أم ~~القرى: مكة، والرسول: محمد. # قوله تعالى: ms1548 { يتلو عليهم آياتنا } قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن ~~العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا. # قوله تعالى: { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } أي: ~~بظلمهم أهلكهم. وظلمهم: شركهم. { وما أوتيتم من شيء } أي: ما أعطيتم ~~من مال وخير { فمتاع الحياة الدنيا } تتمتعون به أيام حياتكم ثم ~~يفنى وينقضي، { وما عند الله } من الثواب { خير وأبقى } أفضل وأدوم ~~لأهله { أفلا تعقلون } أن الباقي أفضل من الفاني؟! # قوله تعالى: { أفمن وعدناه وعدا حسنا } اختلف فيمن نزلت ~~على أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. # والثاني: في علي وحمزة عليهما السلام، وأبي جهل. والقولان مرويان عن ~~مجاهد. # والثالث: في المؤمن والكافر، قاله قتادة. # والرابع: في عمار والوليد بن المغيرة، قاله السدي. وفي الوعد الحسن ~~قولان. # أحدهما: الجنة. # والثاني: النصر. # قوله تعالى: { فهو لاقيه } أي: مصيبه ومدركه { كمن متعناه ~~متاع الحياة الدنيا } أي: كمن هو ممتع بشيء يفنى ويزول عن قريب { ثم ~~هو يوم القيامة من المحضرين } فيه قولان. # أحدهما: من المحضرين في عذاب الله، قاله قتادة. # والثاني: من المحضرين للجزاء، حكاه الماوردي. ### || [28.62-67] # قوله تعالى: { ويوم يناديهم } أي: ينادي الله تعالى المشركين يوم ~~القيامة { فيقول أين شركائي } هذا على حكاية قولهم؛ والمعنى: أين شركائي ~~في قولكم؟! { قال الذين حق عليهم القول } أي: وجب عليهم العذاب، وهم ~~رؤساء الضلالة، وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم رؤوس المشركين. والثاني: أنهم الشياطين { ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينا } يعنون الأتباع { أغويناهم كما غوينا } أي: ~~أضللناهم كما ضللنا { تبرأنا إليك } أي: تبرأنا منهم إليك؛ ~~والمعنى: أنهم يتبرأ بعضهم من بعض ويصيرون أعداءا. { وقيل } لكفار ~~بني آدم { ادعوا شركاءكم } أي: استغيثوا بآلهتكم لتخلصكم من العذاب { ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } أي: فلم يجيبوهم إلى نصرهم { ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } قال الزجاج: جواب «لو» محذوف؛ ~~والمعنى: لو [أنهم] كانوا يهتدون لما اتبعوهم ولما رأوا العذاب. # قوله تعالى: { ويوم يناديهم } أي: ينادي الله الكفار ويسألهم { فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين }. { فعميت عليهم الأنباء } وقرأ أبو رزين ~~العقبلي، ms1549 وقتادة، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري: { ~~فعميت } برفع العين وتشديد الميم. قال المفسرون: خفيت عليهم ~~الحجج، وسميت أنباء، لأنها أخبار يخبر بها. قال ابن قتيبة: ~~والمعنى: عموا عنها من شدة الهول فلم يجيبوا، و { الأنباء } ~~هاهنا: الحجج. # قوله تعالى: { فهم لا يتساءلون } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجة، قاله الضحاك. # والثاني: أن المعنى: سكتوا فلا يتساءلون في تلك الساعة، قاله الفراء. # والثالث: لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه شيئا من ذنوبه، حكاه ~~الماوردي. # { فأما من تاب } من الشرك { وآمن } أي: صدق بتوحيد الله { ~~وعمل صالحا } أدى الفرائض { فعسى أن يكون من المفلحين } و { عسى ~~} من الله واجب. ### || [28.68-70] # قوله تعالى: { وربك يخلق ما يشاء ويختار } روى العوفي عن ابن ~~عباس في قوله: { وربك يخلق ما يشاء ويختار } قال: كانوا يجعلون ~~لآلهتهم خير أموالهم في الجاهلية. وقال مقاتل: نزلت في الوليد ابن ~~المغيرة حين قال: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم # [الزخرف:31]؛ والمعنى: أنه لا تبعث الرسل باختيارهم. قال الزجاج: ~~والوقف الجيد على قوله: «ويختار» وتكون «ما» نفيا؛ والمعنى: ليس لهم ~~أن يختاروا على الله؛ ويجوز أن تكون «ما» بمعنى «الذي»، فيكون المعنى: ~~ويختار الذي لهم فيه الخيرة مما يتعبدهم به ويدعوهم إليه؛ قال ~~الفراء: والعرب تقول لما تختاره: أعطني الخيرة والخيرة ~~والخيرة، قال ثعلب: كلها لغات. # قوله تعالى: { ما تكن صدورهم } أي: ما تخفي من الكفر والعداوة { ~~وما يعلنون } بألسنتهم. قوله تعالى: { له الحمد في الأولى والآخرة ~~} [أي]: يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الجنة { وله ~~الحكم } وهو الفصل بين الخلائق. والسرمد: الدائم. ### || [28.71-75] # قوله تعالى: { أفلا تسمعون } أي: سماع فهم وقبول، فتستدلوا بذلك ~~على وحدانية الله تعالى؟! ومعنى { تسكنون فيه }: تستريحون من الحركة ~~والنصب { أفلا تبصرون } ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة؟! ثم أخبر ~~أن الليل والنهار رحمة منه. وقوله { لتسكنوا فيه } يعني في الليل { ~~ولتبتغوا من فضله } أي: لتلتمسوا من رزقه بالمعاش في النهار { ~~ولعلكم تشكرون } الذي أنعم عليكم ms1550 بهما. # قوله تعالى: { ونزعنا من كل أمة شهيدا } أي: أخرجنا من كل ~~أمة رسولها الذي يشهد عليها بالتبليغ { فقلنا هاتوا برهانكم } أي: ~~حجتكم على ما كنتم تعبدون من دوني { فعلموا أن الحق لله } أي: ~~علموا أنه لا إله إلا هو { وضل عنهم } أي: بطل في الآخرة { ما ~~كانوا يفترون } في الدنيا من الشركاء. ### || [28.76-77] # قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى } أي: من عشيرته؛ وفي نسبه ~~إلى موسى ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه كان ابن عمه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عبد ~~الله بن الحارث، وإبراهيم، وابن جريج. # والثاني: ابن خالته، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنه كان عم موسى، قاله ابن إسحاق. # قال الزجاج: «قارون» اسم أعجمي لا ينصرف، ولو كان «فاعولا» من العربية ~~من «قرنت الشيء» لانصرف. # قوله تعالى: { فبغى عليهم } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنه جعل لبغي جعلا على أن تقذف موسى بنفسها، ففعلت، ~~فاستحلفها موسى على ما قالت، فأخبرته بقصتها، فكان هذا بغيه، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه بغى بالكفر بالله تعالى، قاله الضحاك. # والثالث: بالكبر، قاله قتادة. # والرابع: أنه زاد في طول ثيابه شبرا، قاله عطاء الخراساني، وشهر بن ~~حوشب. # والخامس: أنه كان يخدم فرعون فتعدى على بني إسرائيل وظلمهم، حكاه ~~الماوردي. وفي المراد بمفاتحه قولان. # أحدهما: أنها مفاتيح الخزائن التي تفتح بها الأبواب، قاله مجاهد، ~~وقتادة. وروى الأعمش عن خيثمة قال: كانت مفاتيح قارون وقر ستين بغلا، ~~وكانت من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع. # والثاني: أنها خزائنه، قاله السدي، وأبو صالح، والضحاك. قال الزجاج: ~~وهذا الأشبه أن تكون مفاتحه خزائن ماله؛ وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة. ~~قال أبو صالح: كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا. # قوله تعالى: { لتنوء بالعصبة } أي: تثقلهم وتميلهم. ومعنى ~~الكلام: لتنيء العصبة، فلما دخلت الباء في «العصبة» انفتحت ~~التاء، كما تقول: هذا يذهب بالأبصار، وهذا يذهب الأبصار، وهذا ~~اختيار الفراء، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. وقال بعضهم: هذا من ~~المقلوب، وتقديره: ما إن العصبة ms1551 لتنوء بمفاتحه، كما يقال: إنها ~~لتنوء بها عجيزتها، أي: هي تنوء بعجيزتها، وأنشدوا: # فديت بنفسه نفسي ومالي # وما آلوك إلا ما أطيق # أي: فديت بنفسي وبمالي نفسه، وهذا اختيار أبي عبيدة، والأخفش. وقد ~~بينا معنى العصبة في سورة [يوسف:8]، و [في] المراد بها [هاهنا] ستة ~~أقوال. # أحدها: أربعون رجلا، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: ما بين الثلاثة إلى العشرة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: خمسة عشر، قاله مجاهد. # والرابع: فوق العشرة إلى الأربعين، قاله قتادة. # والخامس: سبعون رجلا، قاله أبو صالح. # والسادس: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين، حكاه الزجاج. قوله تعالى { ~~إذ قال له قومه } في القائل له قولان. # أحدهما: أنهم المؤمنون من قومه، قاله السدي. # والثاني: أنه قول موسى له، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { لا تفرح } قال ابن قتيبة: المعنى: لا تأشر، ولا ~~تبطر، قال الشاعر: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني # ولا جازع من صرفه المتحول # أي: لست بأشر، فأما السرور، فليس بمكروه. { إن الله لا ~~يحب الفرحين } وقرأ أبو رجاء، وأبو حيوة، وعاصم الجحدري، وابن أبي ~~عبلة: { الفارحين } [بألف]. # قوله تعالى: { وابتغ فيما آتاك الله } أي: اطلب فيما أعطاك ~~الله من الأموال. وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: { واتبع } ~~بتشديد التاء وكسر الباء بعدها وعين ساكنة غير معجمة { الدار الآخرة } ~~وهي: الجنة؛ وذلك يكون بانفاقه في رضى الله تعالى وشكر المنعم به { ~~ولا تنس نصيبك من الدنيا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن يعمل في الدنيا للآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. # والثاني: أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه، قاله الحسن. # والثالث: أن يستغني بالحلال عن الحرام، قاله قتادة. # وفي معنى { وأحسن كما أحسن الله إليك } ثلاثة أقوال حكاها ~~الماوردي. # أحدها: أعط فضل مالك كما زادك على قدر حاجتك. # والثاني: أحسن فيما افترض عليك كما أحسن في إنعامه إليك. # والثالث: أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الإحلال. # قوله تعالى: { ولا تبغ الفساد في الأرض } فتعمل فيها بالمعاصي. ### || [28.78] # قوله تعالى: { إنما أوتيته } يعني المال { على ms1552 علم عندي } فيه ~~خمسة أقوال. # أحدها: على علم عندي بصنعة الذهب، رواه أبو صالح عن ابن عباس؛ قال ~~الزجاج: وهذا لا أصل له، لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له. # والثاني: برضى الله عني، قاله ابن زيد. # والثالث: على خير علمه الله عندي، قاله مقاتل. # والرابع: إنما أعطيته لفضل علمي، قاله الفراء. قال الزجاج: ادعى ~~أنه أعطي المال لعلمه بالتوراة. # والخامس: على علم عندي بوجوه المكاسب، حكاه الماوردي. قوله تعالى { ~~أولم يعلم } يعني قارون { أن الله قد أهلك } بالعذاب { من ~~قبله من القرون } في الدنيا حين كذبوا رسلهم { من هو أشد ~~منه قوة وأكثر جمعا } للأموال. # وفي قوله: { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } ثلاثة أقوال. # أحدها: لا يسألون ليعلم ذلك من قبلهم وإن سئلوا سؤال توبيخ، ~~قاله الحسن. # والثاني: أن الملائكة تعرفهم بسيماهم فلا تسألهم عن ذنوبهم، قاله مجاهد. # والثالث: يدخلون النار بغير حساب، قاله قتادة. وقال السدي: يعذبون ولا ~~يسألون عن ذنوبهم. ### || [28.79-80] # قوله تعالى: { فخرج على قومه في زينته } قال الحسن: في ثياب حمر وصفر؛ ~~وقال عكرمة: في ثياب معصفرة. وقال وهب بن منبه: خرج على بغلة شهباء ~~عليها سرج أحمر من أرجوان، ومعه أربعة آلاف مقاتل، وثلاثمائة وصيفة ~~عليهن الحلي والزينة على بغال بيض. قال الزجاج: الأرجوان في اللغة: ~~صبغ أحمر. # قوله تعالى: { لذو حظ } أي: لذو نصيب وافر من الدنيا. # [وقوله]: { وقال الذين أوتوا العلم } قال ابن عباس: يعني الأحبار من ~~بني إسرائيل. وقال مقاتل: الذين أوتوا العلم بما وعد الله في ~~الآخرة قالوا للذين تمنوا ما أوتي [قارون] { ويلكم ثواب الله } ~~أي: ما عنده من الجزاء { خير لمن آمن } مما أعطي قارون. قوله ~~تعالى: { ولا يلقاها } قال أبو عبيدة: لا يوفق لها ويرزقها. ~~وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: { ولا يلقاها } بفتح الياء وسكون ~~اللام وتخفيف القاف. وفي المشار إليها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الأعمال الصالحة، قاله مقاتل. # والثاني: أنها الجنة، والمعنى: لا يعطاها في الآخرة إلا الصابرون ~~على أمر الله، قاله ابن السائب. # والثالث: ms1553 أنها الكلمة التي قالوها، وهي قولهم: { ثواب الله خير } ، ~~قاله الفراء. ### || [28.81-82] # قوله تعالى: { فخسفنا به وبداره الأرض } لما أمر قارون ~~البغي بقذف موسى على ما سبق شرحه [القصص:76] غضب موسى فدعا عليه، ~~فأوحى الله تعالى إليه. إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها؛ فقال ~~موسى: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت سريره، فلما رأى ذلك ناشده ~~بالرحم، فقال: خذيه، فأخذته حتى غيبت قدميه؛ فما زال يقول: خذيه، ~~حتى غيبته، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى ما أفظك، وعزتي ~~وجلالي لو استغاث بي لأغثته. قال ابن عباس: فخسفت به الأرض إلى الأرض ~~السفلى. وقال سمرة بن جندب: إنه يخسف به كل يوم قامة، فتبلغ ~~به الأرض السفلى يوم القيامة. وقال مقاتل: فلما هلك قارون قال بنو ~~إسرائيل: إنما أهلكه موسى ليأخذ ماله وداره، فخسف الله بداره ~~وماله بعده بثلاثة أيام. # قوله تعالى: { ينصرونه من دون الله } أي: يمنعونه من الله { وما ~~كان من المنتصرين } أي: من الممتنعين مما نزل به. ثم أعلمنا أن ~~المتمنين مكانه ندموا على ذلك التمني بالآية التي تلي هذه. # وقوله تعالى: { لخسف بنا } الأكثرون على ضم الخاء وكسر السين. وقرأ ~~يعقوب، والوليد عن ابن عامر، وحفص، وأبان عن عاصم: بفتح الخاء والسين. # فأما قوله: { ويك } فقال ابن عباس: معناه: ألم تر. وكذلك قال أبو ~~عبيده، والكسائي. وقال الفراء: «ويك أن» في كلام العرب تقرير، كقول ~~الرجل: أما ترى إلى صنع الله وإحسانه، أنشدني بعضهم: # ويك أن من يكن له نشب يح # بب ومن يفتقر يعش عيش ضر # وقال ابن الأنباري: في قوله: { ويك أنه } ثلاثة أوجه. # إن شئت قلت: «ويك» حرف، و «أنه» حرف؛ والمعنى: ألم تر أنه، ~~والدليل على هذا قول الشاعر: # سالتاني الطلاق أن رأتاني # قل مالي قد جئتماني بنكر # ويك أن من يكن له نشب يح # بب ومن يفتقر يعش عيش ضر # والثاني: أن يكون «ويك» حرفا، و «أنه» حرفا، والمعنى: ويلك ~~اعلم أنه، فحذفت اللام، كما قالوا: قم لا أباك، يريدون: لا ms1554 أبالك، ~~وأنشدوا: # أبالموت الذي لا بد أني # ملاق لا أباك تخوفيني # أراد: لا أبالك، فحذف اللام. # والثالث: أن يكون «وي» حرفا، و «كأنه» حرفا، فيكون معنى «وي» ~~التعجب، كما تقول وي لم فعلت كذا وكذا، ويكون معنى «كأنه»: ~~أظنه وأعلمه، كما تقول في الكلام: كأنك بالفرج قد أقبل؛ ~~فمعناه: أظن الفرج مقبلا، وإنما وصلوا الياء بالكاف في قوله: ~~«ويكأنه» لأن الكلام بهما كثر، كما جعلوا # يا ابن أم # في المصحف حرفا واحدا، وهما حرفان [طه:94]. وكان جماعة منهم يعقوب، ~~يقفون على «ويك» في الحرفين، ويبتدؤون «أن» و«أنه» في الموضعين. ~~وذكر الزجاج عن الخليل أنه قال: «وي» مفصولة من «كأن»، وذلك أن ~~القوم تندموا فقالوا: «وي» متندمين على ما سلف منهم، وكل من ~~ندم فأظهر ندامته قال: وي. وحكى ابن قتيبة عن بعض العلماء أنه قال: ~~معنى «ويكأن»: رحمة لك، بلغة حمير. # قوله تعالى: { لولا أن من الله علينا } أي: بالرحمة والمعافاة ~~والإيمان { لخسف بنا }. ### || [28.83-84] # قوله تعالى: { تلك الدار الآخرة } يعني الجنة { نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض } وفيه خمسة أقوال. # أحدها: أنه البغي، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: الشرف والعز، قاله الحسن. # والثالث: الظلم، قاله الضحاك. # والرابع: الشرك، قاله يحيى بن سلام. # والخامس: الاستكبار عن الإيمان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { ولا فسادا } فيه قولان. # أحدهما: العمل بالمعاصي، قاله عكرمة. # والثاني: الدعاء إلى غير عبادة الله، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { والعاقبة للمتقين } أي: العاقبة المحمودة لهم. # قوله تعالى: { من جاء بالحسنة } قد فسرناه في سورة [النمل:89]. # قوله تعالى: { فلا يجزى الذين عملوا السيئات } يريد الذين أشركوا ~~{ إلا ما كانوا يعملون } أي: إلا جزاء عملهم من الشرك، وجزاؤه ~~النار. ### || [28.85-88] # قوله تعالى: { إن الذي فرض عليك القرآن } قال مقاتل: خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الغار ليلا، فمضى من وجهه إلى المدينة فسار ~~في غير الطريق مخافة الطلب؛ فلما أمن رجع إلى الطريق فنزل ~~الجحفة بين مكة والمدينة، فعرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها، وذكر ~~مولده، فأتاه ms1555 جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم؛ قال: فان ~~الله تعالى يقول: { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ~~} ، فنزلت هذه الآية بالجحفة. # وفي معنى { فرض عليك } ثلاثة أقوال. # أحدها: فرض عليك العمل بالقرآن، قاله عطاء بن أبي رباح، وابن قتيبة. # والثاني: أعطاك القرآن، قاله مجاهد. # والثالث: أنزل عليك القرآن، قاله مقاتل، والفراء، وأبو عبيدة. # وفي قوله: { لرادك إلى معاد } أربعة أقوال. # أحدها: إلى مكة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية، ~~والضحاك. قال ابن قتيبة: معاد الرجل: بلده، لأنه يتصرف [في ~~البلاد ويضرب في الأرض] ثم يعود إلى بلده. # والثاني: إلى معادك من الجنة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~والزهري. فإن اعترض على هذا فقيل: الرد يقتضي أنه قد كان فيما رد ~~إليه؛ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه لما كان أبوه آدم في الجنة ثم أخرج، كان كأن ولده ~~أخرج منها، فاذا دخلها فكأنه أعيد. # والثاني: أنه دخلها ليلة المعراج، فاذا دخلها يوم القيامة كان ردا ~~إليها، ذكرهما ابن جرير. # والثالث: أن العرب تقول: رجع الأمر إلى كذا، وإن لم يكن له كون فيه ~~قط، وأنشدوا: # [وما المرء إلا كالشهاب وضوئه] # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # وقد شرحنا هذا في قوله # وإلى الله ترجع الأمور # [البقرة:210]. # والثالث: لرادك إلى الموت، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ~~أبو سعيد الخدري. # والرابع: لرادك إلى القيامة بالبعث، قاله الحسن، والزهري، ومجاهد ~~في رواية، والزجاج. # ثم ابتدأ كلاما يرد به على الكفار حين نسبوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى الضلال، فقال: { قل ربي أعلم من جاء بالهدى }؛ ~~والمعنى: قد علم أني جئت بالهدى، وأنكم في ضلال مبين، ثم ذكره ~~نعمه فقال: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب } أي: أن ~~تكون نبيا وأن يوحى إليك القرآن { إلا رحمة من ربك } ~~قال الفراء: هذا استثناء منقطع، والمعنى: إلا أن ربك رحمك ~~فأنزله عليك { فلا تكونن ظهيرا للكافرين } أي: عونا لهم على ms1556 ~~دينهم، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فأمر بالاحتراز منهم؛ والخطاب ~~بهذا وأمثاله له، والمراد أهل دينه لئلا يظاهروا الكفار ولا ~~يوافقوهم. # قوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه } فيه قولان. # أحدهما: إلا ما أريد به وجهه، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال ~~الثوري. والثاني: إلا هو، قاله الضحاك، وأبو عبيدة. # قوله تعالى: { له الحكم } أي: الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره ~~{ وإليه ترجعون } في الآخرة. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-4] # قوله تعالى: { الم أحسب الناس أن يتركوا } في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه لما أمر بالهجرة، كتب المسلمون إلى إخوانهم بمكة ~~أنه لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا، فخرجوا نحو المدينة ~~فأدركهم المشركون فردوهم، فأنزل الله عز وجل من أول هذه السورة عشر ~~آيات، فكتبوا إليهم يخبرونهم بما نزل فيهم، فقالوا: نخرج، فان ~~اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم ~~من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله عز وجل فيهم # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا # [النحل:110]، هذا قول الحسن، والشعبي. # والثاني: أنها نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله عز وجل، ~~قاله عبد الله بن عبيد بن عمير. # والثالث: أنها نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب حين قتل ببدر، ~~فجزع عليه أبواه وامرأته، فأنزل الله تعالى في أبويه وامرأته هذه الآية. # قوله تعالى: { أحسب الناس } قال ابن عباس: يريد بالناس: الذين ~~آمنوا بمكة، كعياش بن أبي ربيعة، وعمار بن ياسر، وسلمة بن هشام، ~~وغيرهم. # قال الزجاج: لفظ الآية استخبار، ومعناه معنى التقرير والتوبيخ؛ والمعنى: ~~أحسب الناس أن يتركوا بأن يقولوا: آمنا، ولأن يقولوا: ~~آمنا، أي: أحسبوا أن يقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون، فقط، ~~ولا يمتحنون بما يبين حقيقة إيمانهم، { وهم لا يفتنون } أي لا ~~يختبرون بما يعلم به صدق إيمانهم من كذبه. # وللمفسرين فيه قولان. # أحدهما: لا يفتنون في أنفسهم بالقتل والتعذيب، قاله مجاهد. # والثاني: لا يبتلون بالأوامر والنواهي. # قوله تعالى: { ولقد فتنا الذين من قبلهم } أي: ms1557 ابتليناهم ~~واختبرناهم، { فليعلمن الله } فيه ثلاثة أقوال. # أحدهما: فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم عند البلاء إذا ~~صبروا لقضائه، وليرين الكاذبين في إيمانهم إذا شكوا عند ~~البلاء، قاله مقاتل. # والثاني: فليميزن، لأنه [قد] علم ذلك من قبل، قاله أبو ~~عبيدة. # والثالث: فليظهرن ذلك حتى يوجد معلوما، حكاه الثعلبي. # وقرأ علي بن أبي طالب، وجعفر بن محمد: { فليعلمن الله } { ~~وليعلمن الكاذبين } # وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين # [العنكبوت: 11] بضم الياء وكسر اللام. # قوله تعالى: { أم حسب } أي: أيحسب { الذين يعملون ~~السيئات } يعني الشرك { أن يسبقونا } أي: يفوتونا ويعجزونا ~~{ ساء ما يحكمون } أي: بئس ما حكموا لأنفسهم حين ظنوا ذلك. قال ابن ~~عباس: عنى بهم الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والعاص بن هشام، وغيرهم. ### || [29.5-7] # قوله تعالى: { من كان يرجو لقاء الله } قد شرحناه في آخر [الكهف] { ~~فان أجل الله لآت } يعني الأجل المضروب للبعث؛ والمعنى: فليعمل لذلك ~~اليوم { وهو السميع } لما يقول { العليم } بما يعمل. { ومن جاهد ~~فانما يجاهد لنفسه } أي: إن ثوابه إليه يرجع. # قوله تعالى: { لنكفرن عنهم سيآتهم } أي: لنبطلنها حتى ~~تصير بمنزلة ما لم يعمل { ولنجزينهم أحسن الذين كانوا يعملون ~~} أي: بأحسن أعمالهم، وهو الطاعة، ولا نجزيهم بمساوئ أعمالهم. ### || [29.8-9] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } وقرأ أبي بن كعب، ~~وأبو مجلز: وعاصم الجحدري { إحسانا } بألف. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء: ~~{ حسنا } بفتح الحاء والسين. روى أبو عثمان النهدي عن سعد ابن أبي ~~وقاص، قال: في أنزلت هذه الآية، كنت رجلا برا بأمي، فلما ~~أسلمت قالت: يا سعد! ما هذا الدين الذي قد أحدثت، لتدعن دينك ~~هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه، ~~قلت: لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع ديني هذا لشيء، قال: فمكثت ~~يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوما آخر وليلة لا ~~تأكل، فلما رأيت ذلك قلت: تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مائة ~~نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، ms1558 فكلي، وإن شئت ~~لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فأنزلت هذه الآية. وقيل: إنها نزلت ~~في عياش بن أبي ربيعة، وقد جرى له مع أمه نحو هذا. وذكر بعض ~~المفسرين أن هذه الآية، والتي في [لقمان:15] وفي [الأحقاف:15] نزلن في ~~قصة سعد. قال الزجاج: من قرأ: { حسنا } فمعناه: ووصينا الإنسان ~~أن يفعل بوالديه ما يحسن، ومن قرأ { إحسانا } فمعناه: ووصينا ~~الإنسان أن يحسن إلى والديه، وكان { حسنا } أعم في البر. # { وإن جاهداك } قال أبو عبيدة: مجاز هذا الكلام مجاز المختصر الذي فيه ~~ضمير، والمعنى: وقلنا له: وإن جاهداك. # قوله تعالى: { لتشرك بي } معناه: لتشرك بي شريكا لا تعلمه لي ~~وليس لأحد بذلك علم، { فلا تطعمها }. # قوله تعالى: { لندخلنهم في الصالحين } أي: في زمرة الصالحين ~~في الجنة. وقال مقاتل: «في» بمعنى «مع». ### || [29.10-11] # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله } اختلفوا فيمن ~~نزلت على أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون إلى بدر ~~فارتدوا، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: نزلت في قوم كانوا يؤمنون بألسنتهم، فاذا أصابهم بلاء من الله ~~أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، قاله مجاهد. # والثالث: نزلت في ناس من المنافقين بمكة، كانوا يؤمنون، فاذا أوذوا ~~وأصابهم بلاء من المشركين رجعوا إلى الشرك، قاله الضحاك. # والرابع: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، كان أسلم، فخاف على نفسه من ~~أهله وقومه، فخرج من مكة هاربا إلى المدينة، وذلك قبل قدوم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجزعت أمه فقالت لأخويه أبي جهل ~~والحارث ابني هشام وهما أخواه لأمه : والله لا آوي بيتا ولا آكل ~~طعاما ولا أشرب شرابا حتى تأتياني به، فخرجا في طلبه فظفرا به، فلم ~~يزالا به حتى تابعهما وجاءا به إليها، فقيدته، وقالت: والله لا ~~أحلك من وثاقك حتى تكفر بمحمد، ثم أقبلت تجلده بالسياط ~~وتعذبه حتى كفر بمحمد عليه السلام جزعا من الضرب، فنزلت [فيه] ~~هذه الآية، ثم هاجر بعد وحسن إسلامه، هذا قول ابن السائب، ومقاتل. ms1559 ~~وفي رواية عن مقاتل أنهما جلداه في الطريق مائتي جلدة، فتبرأ من ~~دين محمد، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: { فاذا أوذي في الله } أي: ناله أذى أو عذاب بسبب ~~إيمانه { جعل فتنة الناس } أي: ما يصيبه من عذابهم في الدنيا { ~~كعذاب الله } في الآخرة؛ وإنما ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله ~~تعالى لما يرجو من ثوابه { ولئن جاء نصر من ربك } يعني دولة ~~للمؤمنين { ليقولن } يعني المنافقين للمؤمنين { إنا كنا معكم ~~} على دينكم. فكذبهم الله عز وجل وقال: { أوليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين } من الإيمان والنفاق. وقد فسرنا الآية التي تلي هذه في ~~أول السورة. ### || [29.12-13] # قوله تعالى: { اتبعوا سبيلنا } يعنون: ديننا. قال مجاهد: هذا قول ~~كفار قريش لمن آمن من أهل مكة، قالوا لهم: لا نبعث نحن ولا أنتم ~~فاتبعونا، فان كان عليكم شيء فهو علينا. # قوله تعالى: { ولنحمل خطاياكم } قال الزجاج: هو أمر في تأويل الشرط ~~والجزاء، يعني: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم. وقال الأخفش: كأنهم ~~أمروا أنفسهم بذلك. وقرأ الحسن: { ولنحمل } بكسر اللام. قال ابن قتيبة: ~~الواو زائدة والمعنى: لنحمل خطاياكم. # قوله تعالى: { إنهم لكاذبون } أي: فيما ضمنوا من حمل خطاياهم. # قوله تعالى: { وليحملن أثقالهم } أي: أوزار أنفسهم { وأثقالا مع ~~أثقالهم } أي: أوزارا مع أوزارهم، وهي أوزار الذين أضلوهم، وهذا ~~كقوله: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم ~~بغير علم # [النحل:25] { وليسألن يوم القيامة } سؤال توبيخ وتقريع { عما ~~كانوا يفترون } من الكذب على الله عز وجل؛ وقال مقاتل: عن قولهم: نحن ~~الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله عز وجل. ### || [29.14-15] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } في هذه القصة تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أعلم أن الأنبياء قد ابتلوا قبله، وفيها ~~وعيد شديد لمن أقام على الشرك، فانهم وإن أمهلوا، فقد أمهل قوم نوح ~~أكثر ثم أخذوا. # قوله تعالى: { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } اختلفوا في ~~عمر نوح على خمسة أقوال. # أحدها: بعث بعد أربعين سنة، ms1560 وعاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ~~يدعوهم، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. # والثاني: أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد ذلك سبعين ~~عاما، فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين سنة، قاله كعب الأحبار. # والثالث: أنه بعث وهو ابن خمسين وثلاثمائة، فلبث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة، قاله عون بن أبي شداد. # والرابع: أنه لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، [ودعاهم ثلاثمائة ~~سنة] ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، قاله قتادة. وقال وهب ابن ~~منبه: بعث لخمسين سنة. # والخامس: أن هذه الآية بينت مقدار عمره كله، حكاه الماوردي. # فان قيل: ما فائدة قوله { إلا خمسين عاما } ، فهلا قال: تسعمائة ~~وخمسين! # فالجواب: أن المراد به تكثير العدد، وذكر الألف أفخم في اللفظ، ~~وأعظم للعدد. # قال الزجاج: تأويل الاستثناء في كلام العرب: التوكيد، تقول: جاءني ~~إخوتك إلا زيدا، فتؤكد أن الجماعة جاؤوا، وتنقص زيدا. واستثناء ~~نصف الشيء قبيح جدا لا تتكلم به العرب، وإنما تتكلم بالاستثناء كما ~~تتكلم بالنقصان، تقول: عندي درهم ينقص قيراطا، فلو قلت: ينقص نصفه، ~~كان الأولى أن تقول: عندي نصف درهم، ولم يأت الاستثناء في كلام العرب ~~إلا قليل من كثير. # قوله تعالى: { فأخذهم الطوفان } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: الموت، روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: { ~~فأخذهم الطوفان } قال: «الموت». # والثاني: المطر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة. قال ابن قتيبة: ~~هو المطر الشديد. # والثالث: الغرق، قاله الضحاك. # قال الزجاج: الطوفان من كل شيء: ما كان كثيرا مطيفا بالجماعة ~~كلها، فالغرق الذي يشتمل على المدن الكثيرة: طوفان، وكذلك القتل ~~الذريع، والموت الجارف: طوفان. # قوله تعالى: { وهم ظالمون } قال ابن عباس: كافرون. # قوله تعالى: { وجعلناها } يعني السفينة، قال قتادة: أبقاها الله آية ~~للناس بأعلى الجودي. قال أبو سليمان الدمشقي: وجائز أن يكون أراد: ~~الفعلة التي فعلها بهم من الغرق { آية } ، أي عبرة { للعالمين } ~~[بعدهم]. ms1561 ### || [29.16-18] # قوله تعالى: { وإبراهيم } قال الزجاج: هو معطوف على نوح، والمعنى: ~~أرسلنا إبراهيم. # قوله تعالى: { ذلكم } يعني عبادة الله { خير لكم } من عبادة الأوثان، { ~~إن كنتم تعلمون } ما هو خير لكم مما هو شر لكم؛ والمعنى: ولكنكم لا ~~تعلمون. { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } قال الفراء: «انما» ~~في هذا الموضع حرف واحد، وليست على معنى «الذي»، وقوله: { وتخلقون ~~إفكا } مردود على «إنما»، كقولك: إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا ~~وقال مقاتل: الأوثان: الأصنام. قال ابن قتيبة: واحدها وثن، وهو ما كان من ~~حجارة أو جص. # قوله تعالى: { وتخلقون إفكا } وقرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل: { ~~وتختلقون } بزيادة تاء. ثم فيه قولان. # أحدهما: تختلقون كذبا في زعمكم أنها آلهة. # والثاني: تصنعون الأصنام؛ والمعنى: تعبدون أصناما أنتم تصنعونها. ثم ~~بين عجزهم بقوله: { لا يملكون لكم رزقا } أي: لا يقدرون على أن ~~يرزقوكم { فابتغوا عند الله الرزق } أي: فاطلبوا من الله، فانه ~~القادر على ذلك. # قوله تعالى: { وإن تكذبوا } هذا تهديد لقريش { فقد كذب أمم من ~~قبلكم } والمعنى: فأهلكوا. ### || [29.19-23] # { أولم يروا } [قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر { ~~يروا } ] بالياء وقرأ حمزة، والكسائي: بالتاء. [وعن عاصم كالقراءتين]. ~~وعنى بالكلام كفار مكة { كيف يبدىء الله الخلق } أي: كيف يخلقهم ~~ابتداء من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى أن يتم الخلق { ثم ~~يعيده } أي: ثم هو يعيده في الآخرة عند البعث. وقال أبو عبيدة: مجازه: ~~أولم يروا كيف استأنف الله الخلق الأول ثم يعيده. وفيه لغتان: أبدأ ~~وأعاد، وكان مبدئا ومعيدا، وبدأ وعاد، وكان بادئا وعائدا. # قوله تعالى: { إن ذلك على الله يسير } يعني الخلق الأول والخلق ~~الثاني. # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض } أي: انظروا إلى المخلوقات التي ~~في الأرض، وابحثوا عنها هل تجدون لها خالقا غير الله، فاذا علموا أنه لا ~~خالق لهم سواه، لزمتهم الحجة في الإعادة، وهو قوله: { ثم الله ~~ينشىء النشأة الآخرة } أي: ثم الله ينشئهم عند البعث نشأة أخرى. وأكثر ~~القراء قرؤوا: { النشأة } بتسكين الشين ms1562 وترك المد. وقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو: { النشاءة } بالمد. # قوله تعالى: { يعذب من يشاء } فيه قولان. # أحدهما: أنه في الآخرة بعد إنشائهم. # والثاني: أنه في الدنيا. ثم فيه خمسة أقوال حكاها الماوردي. # أحدها: يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة. # والثاني: يعذب بسوء الخلق ويرحم بحسن الخلق. # والثالث: يعذب بمتابعة البدعة، ويرحم بملازمة السنة. # والرابع: يعذب بالانقطاع إلى الدنيا، ويرحم بالإعراض عنها. # والخامس: يعذب من يشاء ببغض الناس له، ويرحم من يشاء بحب الناس له. # قوله تعالى: { وإليه تقلبون } أي: تردون { وما أنتم بمعجزين ~~في الأرض } فيه قولان حكاهما الزجاج. # أحدهما: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا أهل السماء بمعجزين في السماء. # والثاني: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا لو كنتم في السماء وقال قطرب: ~~هذا كقولك: ما يفوتني فلان لا هاهنا ولا بالبصرة، أي: ولا بالبصرة لو صار ~~إليها. قال مقاتل: والخطاب لكفار مكة؛ والمعنى: لا تسبقون الله حتى ~~يجزيكم بأعمالكم السيئة، { وما لكم من دون الله من ولي } أي: ~~قريب ينفعكم { ولا نصير } يمنعكم من الله. # قوله تعالى: { والذين كفروا بآيات الله ولقائه } أي: بالقرآن والبعث { ~~أولئك يئسوا من رحمتي } في الرحمة قولان. # أحدهما: الجنة، قاله مقاتل. # والثاني: العفو والمغفرة، قاله أبو سليمان. قال ابن جرير: وذلك في ~~الآخرة عند رؤية العذاب. ### || [29.24-25] # ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم، وهو قوله: { فما كان جواب قومه } أي: ~~حين دعاهم إلى الله ونهاهم عن الأصنام { إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه } وهذا بيان لسفه أحلامهم حين قابلوا احتجاجه عليهم بهذا. # قوله تعالى: { فأنجاه الله } المعنى: فحرقوه فأنجاه الله { من ~~النار }. # قوله تعالى: { إن في ذلك } يشير إلى إنجائه إبراهيم. # قوله تعالى: { وقال } يعني إبراهيم { إنما اتخذتم من دون الله ~~أوثانا مودة بينكم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: { مودة ~~بينكم } بالرفع والإضافة. قال الزجاج: { مودة } مرفوعة باضمار ~~«هي»، كأنه قال: تلك مودة بينكم، أي: ألفتكم واجتماعكم على الأصنام ~~مودة بينكم؛ والمعنى: إنما اتخذتم هذه الأوثان لتتوادوا بها ~~في الحياة الدنيا. ms1563 ويجوز أن تكون «ما» بمعنى الذي. # وقرأ ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وابن أبي عبلة: { مودة } ~~بالرفع { بينكم } بالنصب. # وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: { مودة بينكم } قال ~~أبو علي: المعنى: اتخذتم الأصنام للمودة، و { بينكم } نصب على ~~الظرف، والعامل فيه المودة. # وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: { مودة بينكم } بنصب { مودة } ~~مع الإضافة، وهذا على الاتساع في جعل الظرف اسما لما أضيف إليه. # قال المفسرون: معنى الكلام: إنما اتخذتموها لتتصل المودة ~~بينكم واللقاء والاجتماع عندها، وأنتم تعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، { ~~ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } أي: يتبرأ القادة من الأتباع { ~~ويلعن بعضكم بعضا } يلعن الأتباع القادة لأنهم زينوا لهم ~~الكفر. ### || [29.26-30] # قوله تعالى: { فآمن له لوط } أي: صدق بابراهيم { وقال } يعني إبراهيم ~~{ إني مهاجر إلى ربي } فيه قولان. # أحدهما: إلى رضى ربي. # والثاني: إلى حيث أمرني ربي، فهاجر من سواد العراق إلى الشام وهجر ~~قومه المشركين. { ووهبنا له إسحاق } بعد إسماعيل { ويعقوب } من ~~إسحاق { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } وذلك أن الله ~~تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه { وآتيناه أجره في ~~الدنيا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: الذكر الحسن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: الثناء الحسن والولد الصالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: العافية والعمل الحسن والثناء، فلست تلقى أحدا من اهل ~~الملل إلا يتولاه، قاله قتادة. # والرابع: أنه أري مكانه من الجنة، قاله السدي. # قوله تعالى: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } قد سبق بيانه ~~[البقرة:130]. قال ابن جرير: له هناك جزاء الصالحين غير منقوص من ~~الآخرة بما أعطي في الدنيا من الأجر. وما بعد هذا قد سبق بيانه ~~[الأعراف:80] إلى قوله: { وتقطعون السبيل } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم كانوا يعترضون من مر بهم لعملهم الخبيث، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنهم كانوا إذا جلسوا في مجالسهم يرمون ابن السبيل بالحجارة، ~~فيقطعون سبيل المسافر، قاله مقاتل. # والثالث: أنه قطع النسل للعدول عن النساء إلى الرجال، ms1564 حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال ابن قتيبة: النادي: ~~المجلس، والمنكر يجمع الفواحش من القول والفعل. # وللمفسرين في المراد بهذا المنكر أربعة أقوال. # أحدها: أنهم كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، فذلك المنكر، ~~روته أم هانىء بنت أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ~~عكرمة، والسدي: كانوا يحذفون كل من مر بهم. # والثاني: لف القميص على اليد، وجر الإزار، وحل الأزرار، ~~والحذف والرمي بالبندق، ولعب الحمام، والصفير، في خصال أخر رواها ~~ميمون بن مهران عن ابن عباس. # والثالث: أنه الضراط، رواه عروة عن عائشة، وكذلك فسره القاسم ابن ~~محمد. # والرابع: أنه إتيان الرجال في مجالسهم، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. # وهذه الآية [تدل] على أنه لا ينبغي للمجتمعين أن يتعاشروا إلا على ما ~~يقرب من الله عز وجل، ولا ينبغي ان يجتمعوا على الهزء واللعب. # قوله تعالى: { رب انصرني } أي: بتصديق قولي في العذاب. ### || [29.31-35] # قوله تعالى: { إنا مهلكو أهل هذه القرية } يعنون قرية لوط. # قوله تعالى: { لننجينه } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وعاصم: { لننجينه } و { إنا منجوك } بتشديد الحرفين، ~~وخففهما حمزة، والكسائي. وروى أبوبكر عن عاصم: { لننجينه } ~~مشددة، و { إنا منجوك } مخففة ساكنة النون. وقد سبق شرح ما أخللنا ~~بذكره [هود:77] إلى قوله: { إنا منزلون على أهل هذه القرية ~~رجزا } وهو الحصب والخسف. # قوله تعالى: { ولقد تركنا منها } في المكني عنها قولان. # أحدهما: أنها الفعلة التي فعل بهم؛ فعلى هذا في الآية ثلاثة أقوال. ~~أحدها: أنها الحجارة التي أدركت أوائل هذه الأمة، قاله قتادة. ~~والثاني: الماء الاسود على وجه الأرض، قاله مجاهد. والثالث: الخبر عما ~~صنع بهم. # والثاني: أنها القرية؛ فعلى هذا في المراد بالآية ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها آثار منازلهم الخربة، قاله ابن عباس. # والثاني: أن الآية في قريتهم إلى الآن أن أساسها أعلاها وسقوفها ~~أسفلها، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: أن المعنى: تركناها آية تقول: إن في السماء لآية، تريد أنها ~~هي الآية، قاله الفراء. ### || [29.36-37] # قوله تعالى: { وارجوا اليوم ms1565 الآخر } قال المفسرون: اخشوا البعث الذي ~~فيه جزاء الأعمال. ### || [29.38-40] # قوله تعالى: { وعادا وثمود } قال الزجاج: المعنى: وأهلكنا عادا ~~وثمودا، لأن قبل هذا { فأخذتهم الرجفة }. # قوله تعالى: { وقد تبين لكم من مساكنهم } أي: ظهر لكم يا أهل مكة ~~من منازلهم بالحجاز واليمن آية في هلاكهم، { وكانوا مستبصرين } قال ~~الفراء: أي: ذوي بصائر. وقال الزجاج: أتوا ما أتوه وقد تبين لهم أن ~~عاقبته عذابهم. وقال غيره: كانوا عند أنفسهم مستبصرين، يظنون أنهم على ~~حق. # قوله تعالى: { وما كانوا سابقين } أي: ما كانوا يفوتون الله أن يفعل ~~بهم ما يريد. # قوله تعالى: { فكلا أخذنا بذنبه } أي: عاقبنا بتكذيبه { فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا } يعني قوم لوط { ومنهم من أخذته الصيحة } يعني ~~ثمودا وقوم شعيب { ومنهم من خسفنا به الأرض } يعني قارون وأصحابه { ~~ومنهم من أغرقنا } يعني قوم نوح وفرعون { وما كان الله ليظلمهم } ~~فيعذبهم على غير ذنب { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالإقامة ~~على المعاصي. ### || [29.41-43] # قوله تعالى: { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } يعني ~~الأصنام يتخذها المشركون أولياء يرجون نفعها ونصرها، فمثلهم في ضعف ~~احتيالهم { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } قال ثعلب: والعنكبوت أنثى، ~~وقد يذكرها بعض العرب، قال الشاعر: # [على هطالهم منهم بيوت] # كأن العنكبوت هو ابتناها # قوله تعالى: { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء } ~~أي: هو عالم بما عبدوه من دونه، لا يخفى عليه ذلك؛ والمعنى: أنه يجازيهم ~~على كفرهم. { وتلك الأمثال } يعني أمثال القرآن التي شبه بها أحوال ~~الكفار؛ وقيل: إن «تلك» بمعنى «هذه» { والعالمون }: الذين يعقلون عن ~~الله عز وجل. ### || [29.44-45] # { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي: للحق، ولإظهار الحق. # قوله تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } في المراد ~~بالصلاة قولان. # أحدهما: أنها الصلاة المعروفة، قاله الأكثرون. وروى أنس بن مالك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من لم تنهه صلاته عن الحشاء والمنكر، لم يزد من الله إلا ~~بعدا ". # والثاني: أن المراد بالصلاة: القرآن، قاله ابن عمر؛ ويدل على هذا ms1566 قوله: # ولا تجهر بصلاتك # [الاسراء:110]. وقد شرحنا معنى الفحشاء والمنكر فيما سبق [البقرة:168، ~~النحل:90]. # وفي معنى هذه الآية للعلماء ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الإنسان إذا أدى الصلاة كما ينبغي وتدبر ما يتلو فيها، ~~نهته عن الفحشاء والمنكر، هذا مقتضاها وموجبها. # والثاني: أنها تنهاه ما دام فيها. # والثالث: أن المعنى: ينبغي أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر. # قوله تعالى: { ولذكر الله أكبر } فيه أربعة أقوال. # أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، رواه ابن عمر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد في آخرين. # والثاني: ولذكر الله أفضل من كل شيء سواه، وهذا مذهب أبي الدرداء، ~~وسلمان، وقتادة. # والثالث: ولذكر الله في الصلاة أكبر مما نهاك عنه من الفحشاء ~~والمنكر، قاله عبد الله بن عون. # والرابع: ولذكر الله العبد - ما كان في صلاته - أكبر من ذكر ~~العبد لله، قاله ابن قتيبة. ### || [29.46] # قوله تعالى: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } في ~~التي هي أحسن ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها لا إله إلا الله، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنها الكف عنهم إذا بذلوا الجزية، فان أبوا قوتلوا، قاله ~~مجاهد. # والثالث: أنها القرآن والدعاء إلى الله بالآيات والحجج. # قوله تعالى: { إلا الذين ظلموا منهم } وهم الذين نصبوا الحرب ~~وأبوا أن يؤدوا الجزية، فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا أو ~~يعطوا الجزية { وقولوا } لمن أدى الجزية منهم إذا أخبركم بشيء ~~مما في كتبهم { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم... } ~~[الآية]. وقد روى أبو هريرة قال: # " كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ~~ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم... } » " # [الآية]. # فصل # واختلف في نسخ هذه الآية على قولين. # أحدهما: أنها نسخت بقوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله... # [التوبة:29] إلى قوله: # وهم صاغرون # [التوبة:29] قاله قتادة، والكلبي. # والثاني: أنها ثابتة الحكم، وهو مذهب ابن زيد. ### || [29.47-49] ms1567 # قوله تعالى: { وكذلك } أي: وكما أنزلنا الكتاب عليهم، { أنزلنا إليك ~~الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } يعني مؤمني أهل الكتاب { ~~ومن هؤلاء } يعني أهل مكة { من يؤمن به } وهم الذين أسلموا { وما ~~يجحد بآياتنا إلا الكافرون } قال قتادة: إنما يكون الجحد بعد ~~المعرفة. قال مقاتل: وهم اليهود. # قوله تعالى: { وما كنت تتلو من قبله من كتاب } قال أبو عبيدة: ~~مجازه: ما كنت تقرأ قبله كتابا، و «من» زائدة. فأما الهاء في «قبله» ~~فهي عائدة إلى القرآن. والمعنى: ما كنت قارئا قبل الوحي ولا كاتبا، ~~وهكذا كانت صفته في التوراة والإنجيل أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ~~وهذا يدل على ان الذي جاء به، من عند الله تعالى. # قوله تعالى: { إذا لارتاب المبطلون } أي: لو كنت قارئا كاتبا ~~لشك اليهود فيك، ولقالوا: ليست هذه صفته في كتابنا. والمبطلون: ~~الذين يأتون بالباطل، وفيهم هاهنا قولان. # أحدهما: كفار قريش، قاله مجاهد. # والثاني: كفار اليهود، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { بل هو آيات بينات } في المكني عنه قولان. # أحدهما: أنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم في معنى الكلام قولان. # أحدهما: أن المعنى: بل وجدان أهل الكتاب في كتبهم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، وأنه أمي، آيات بينات في صدورهم، ~~وهذا مذهب ابن عباس، والضحاك، وابن جريج. # والثاني: أن المعنى: بل محمد ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا ~~العلم من أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته، قاله قتادة. # والثاني: أنه القرآن، والذين أوتوا العلم: المؤمنون الذين حملوا القرآن ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملوه بعده. وإنما أعطي الحفظ ~~هذه الأمة، وكان من قبلهم لا يقرؤون كتابهم إلا نظرا، فاذا أطبقوه ~~لم يحفظوا ما فيه سوى الأنبياء، وهذا قول الحسن. # وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان. # أحدهما: المشركون، قاله ابن عباس. # والثاني: كفار اليهود، قاله مقاتل. ### || [29.50-52] # قوله تعالى: { وقالوا } يعني كفار مكة { لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن ms1568 عاصم: { آيات } على ~~الجمع. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { آية } على ~~التوحيد. وإنما أرادوا: كآيات الأنبياء { قل إنما الآيات عند الله ~~} أي: هو القادر على إرسالها، وليست بيدي. وزعم بعض علماء التفسير أن ~~قوله { وإنما أنا نذير مبين } منسوخ بآية السيف. # ثم بين الله عز وجل أن القرآن يكفي من الآيات التي سألوها بقوله: { ~~أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب }؟! وذكر يحيى بن جعدة # " أن ناسا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتب قد ~~كتبوها، فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: «كفى ~~بها حماقة قوم، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى قوم ~~غيرهم» " # ، فنزلت: { أولم يكفهم } إلى آخر الآية. # قوله تعالى: { قل كفى بالله } قال المفسرون: لما كذبوا بالقرآن ~~نزلت: { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } يشهد لي أني رسوله، ويشهد ~~عليكم بالتكذيب، وشهادة الله له: إثبات المعجزة له بانزال الكتاب عليه، ~~{ والذين آمنوا بالباطل } قال ابن عباس: بغير الله. وقال مقاتل: بعبادة ~~الشيطان. ### || [29.53-55] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب } قال مقاتل: نزلت في النضر بن ~~الحارث حين قال: # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال:32]. # وفي [الأجل] المسمى أربعة أقوال. # أحدها: أنه يوم القيامة، قاله سعيد ابن جبير. # والثاني: أجل الحياة إلى حين الموت، وأجل الموت إلى حين البعث، قاله ~~قتادة. # والثالث: مدة أعمارهم، قاله الضحاك. # والرابع: يوم بدر، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { وليأتينهم } يعني العذاب. وقرأ معاذ القارئ، وأبو ~~نهيك، وابن أبي عبلة: { ولتأتينهم } بالتاء { بغتة وهم لا ~~يشعرون } باتيانه. # قوله تعالى: { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } أي: جامعة لهم. قوله ~~تعالى: { ويقول ذوقوا } قرأ ابن كثير: بالنون. وقرأ نافع: بالياء. فمن ~~قرأ بالياء، أراد الملك الموكل بعذابهم؛ ومن قرأ بالنون، فلأن ذلك ~~لما كان بأمر الله تعالى جاز أن ينسب إليه. ومعنى { ما كنتم تعملون ~~} أي: جزاء ما عملتم من الكفر والتكذيب. ### || [29.56-60] # قوله تعالى: { يا عبادي الذين آمنوا } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وابن ms1569 عامر: { يا عبادي } بتحريك الياء. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~باسكانها. # قوله تعالى: { إن أرضي واسعة } وقرأ ابن عامر وحده: { أرضي } بفتح ~~الياء. وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه خطاب لمن آمن [من] أهل مكة، قيل لهم: { إن أرضي } يعني ~~المدينة { واسعة } ، فلا تجاوروا الظلمة في أرض مكة، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس؛ وكذلك قال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، [أي]: إن كنتم ~~في ضيق بمكة من إظهار الإيمان، فارض المدينة واسعة. # والثاني: أن المعنى: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرجوا منها، رواه سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء. # والثالث: إن رزقي لكم واسع، قاله مطرف بن عبد الله. # قوله تعالى: { فاياي فاعبدون } أثبت فيها الياء يعقوب في الحالين، ~~وحذفها الباقون. قال الزجاج: أمرهم بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم ~~فيه عبادة الله إلى حيث تتهيأ لهم العبادة؛ ثم خوفهم بالموت لتهون ~~عليهم الهجرة، فقال: { كل نفس ذائقة الموت } المعنى: فلا تقيموا في ~~دار الشرك خوفا من الموت { ثم إلينا ترجعون } بعد الموت ~~فنجزيكم بأعمالكم، والأكثرون قرؤوا: { ترجعون } بالتاء على الخطاب؛ ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء. # قوله تعالى: { لنبوئنهم } [قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: { لنبوئنهم } بالباء]، أي: لننزلنهم. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، [وخلف]: { لنثوينهم } بالثاء، [وهو] من: ~~ثويت بالمكان: إذا أقمت به قال الزجاج: [يقال]: ثوى الرجل: إذا أقام، ~~وأثويته: إذا أنزلته منزلا يقيم فيه. # قوله تعالى: { وكأين من دابة لا تحمل رزقها } قال ابن عباس: ~~لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى المدينة، قالوا: ~~يا رسول الله، نخرج إلى المدينة وليس لنا بها عقار ولا مال؟! فمن ~~يؤوينا ويطعمنا؟ فنزلت هذه الآية. قال ابن قتيبة: ومعنى الآية: كم من ~~دابة لا ترفع شيئا لغد، قال ابن عيينة: ليس شيء يخبأ ~~إلا الإنسان والفأرة والنملة. قال المفسرون: وقوله: { الله ~~يرزقها } أي: حيثما توجهت { وإياكم } أي: ويرزقكم إن هاجرتم إلى ~~المدينة { وهو السميع } لقولكم: لا نجد ما ننفق بالمدينة { العليم ms1570 ~~} بما في قلوبكم. ### || [29.61-63] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم } يعني كفار مكة، وكانوا يقرون بأنه ~~الخالق والرازق؛ وإنما أمره أن يقول: { الحمد لله } على إقرارهم، ~~لأن ذلك يلزمهم الحجة فيوجب عليهم التوحيد { بل أكثرهم لا ~~يعقلون } توحيد الله مع إقرارهم بأنه الخالق. والمراد بالأكثر: ~~الجميع. ### || [29.64-66] # قوله تعالى: { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب } والمعنى: ~~وما الحياة في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي عن قليل { وإن الدار ~~الآخرة } يعني الجنة { لهي الحيوان } قال أبو عبيدة: اللام في { ~~لهي } زائدة للتوكيد، والحيوان والحياة واحد؛ والمعنى: لهي دار ~~الحياة التي لا موت فيها، ولا تنغيص يشوبها كما يشوب الحياة الدنيا { ~~لو كانوا يعلمون } أي: لو علموا لرغبوا عن الفاني في الباقي، ولكنهم ~~لا يعلمون. # قوله تعالى: { فاذا ركبوا في الفلك } يعني المشركين { دعوا ~~الله مخلصين له الدين } أي: أفردوه بالدعاء. قال مقاتل: ~~والدين بمعنى التوحيد؛ والمعنى أنهم لا يدعون من يدعونه شريكا ~~له { فلما نجاهم } أي: خلصهم من أهوال البحر، وأفضوا { إلى ~~البر إذا هم يشركون } في البر، وهذا إخبار عن عنادهم. { ~~ليكفروا بما آتيناهم } هذه لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، ~~كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت:40]؛ والمعنى: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم { ~~وليتمتعوا } قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي باسكان اللام على معنى ~~الأمر؛ والمعنى: ليتمتعوا بباقي أعمارهم { فسوف يعلمون } عاقبة كفرهم. ~~وقرأ الباقون بكسر اللام في { ليتمتعوا } ، فجعلوا اللامين بمعنى ~~«كي»، فتقديره: لكي يكفروا، ولكي يتمتعوا، فيكون معنى الكلام: إذا ~~هم يشركون ليكفروا وليتمتعوا، أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا ~~الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العاجلة من غير نصيب لهم في الآخرة. ### || [29.67-69] # قوله تعالى: { أولم يروا } يعني كفار مكة { أنا جعلنا ~~حرما آمنا } يعني مكة؛ وقد شرحنا هذا المعنى في [القصص:57] { ~~ويتخطف الناس من حولهم } أي: أن العرب يسبي بعضهم بعضا ~~وأهل مكة آمنون { أفبالباطل } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: الشرك، قاله قتادة. # والثاني: الأصنام، قاله ابن السائب. # والثالث: الشيطان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { يؤمنون } وقرأ أبو عبد الرحمن ms1571 السلمي، وعاصم الجحدري: ~~{ تؤمنون وبنعمة الله تكفرون } بالتاء فيهما. # قوله تعالى: { وبنعمة الله } يعني: محمدا والإسلام؛ وقيل: بانعام ~~الله عليهم حين أطعمهم وآمنهم { يكفرون } ، { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } أي: زعم أن له شريكا وأنه أمر بالفواحش { أو ~~كذب بالحق لما جاءه } يعني محمدا والقرآن { أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين }؟! وهذا استفهام بمعنى التقرير، كقول جرير: # ألستم خير من ركب المطايا # [وأندى العالمين بطون راح] # { والذين جاهدوا فينا } أي: قاتلوا أعداءنا لأجلنا { لنهدينهم ~~سبلنا } أي: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة؛ وقيل: ~~لنزيدنهم هداية { وإن الله لمع المحسنين } بالنصرة ~~والعون. قال ابن عباس: يريد بالمحسنين: الموحدين؛ وقال غيره: يريد ~~المجاهدين. وقال ابن المبارك: من اعتاصت عليه مسألة، فليسأل أهل الثغور ~~عنها، لقوله: { لنهدينهم سبلنا }. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-5] # قوله تعالى: { غلبت الروم } ذكر أهل التفسير في سبب نزولها أنه ~~كان بين فارس والروم حرب فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، فشق ذلك عليهم، وفرح المشركون بذلك، لأن ~~فارس لم يكن لهم كتاب وكانوا يجحدون البعث ويعبدون الأصنام، والروم ~~أصحاب كتاب، فقال المشركون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ~~أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل ~~فارس على إخوانكم من الروم، فان قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فنزلت ~~هذه الآية، فخرج بها أبو بكر الصديق إلى المشركين، فقالوا: هذا كلام ~~صاحبك، فقال: الله أنزل هذا، فقالوا لأبي بكر: نراهنك على أن الروم لا ~~تغلب فارس، فقال أبو بكر: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فقالوا: ~~الوسط من ذلك ست، فوضعوا الرهان، وذلك قبل أن يحرم الرهان، فرجع ~~أبو بكر إلى أصحابه فأخبرهم، فلاموه وقالوا: هلا أقررتها كما أقرها ~~الله؟! لو شاء أن يقول: ستا، لقال! فلما كانت سنة ست، لم تظهر الروم ~~على فارس، فأخذوا الرهان، فلما كانت سنة سبع ظهرت الروم على فارس. ~~وروى ابن عباس، قال: # " لما نزلت: { آلم غلبت الروم } ناحب أبو بكر قريشا، فقال له ~~رسول ms1572 الله صلى الله عليه وسلم: «ألا احتطت، فان البضع ما بين السبع ~~والتسع»، وذكر بعضهم أنهم ضربوا الأجل خمس سنين، وقال بعضهم: ثلاث سنين، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما البضع ما بين الثلاث إلى ~~التسع»، فخرج أبو بكر فقال لهم: أزايدكم في الخطر وأمد في الأجل ~~إلى تسع سنين، ففعلوا، فقهرهم أبو بكر، وأخذ رهانهم " # وفي الذي تولى وضع الرهان من المشركين قولان. # أحدهما: أبي بن خلف، قاله قتادة. # والثاني: أبو سفيان بن حرب، قاله السدي. # قوله تعالى: { في أدنى الأرض } وقرأ أبي بن كعب، والضحاك، وأبو رجاء، ~~وابن السميفع: { في أداني الأرض } بألف مفتوحة الدال، أي: أقرب الأرض ~~أرض الروم إلى فارس. قال ابن عباس: وهي طرف الشام. # وفي اسم هذا المكان ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، قاله مجاهد. # والثاني؛ أذرعات وكسكر، قاله عكرمة. # والثالث: الأردن وفلسطين، قاله السدي. # قوله تعالى: { وهم } يعني الروم { من بعد غلبهم } وقرأ أبو ~~الدرداء، وأبو رجاء، وعكرمة، والأعمش: { غلبهم } بتسكين اللام؛ أي: من ~~بعد غلبة فارس إياهم. والغلب والغلبة لغتان، { سيغلبون } فارس ~~في # بضع سنين # في البضع تسعة أقوال قد ذكرناها في [يوسف:42] قال المفسرون: وهي هاهنا ~~سبع سنين، وهذا من علم الغيب الذي يدل على أن القرآن حق، { لله الأمر ~~من قبل ومن بعد } أي: من قبل ان تغلب الروم ومن بعد ما ~~غلبت؛ والمعنى: أن غلبة الغالب وخذلان المغلوب، بأمر الله وقضائه { ~~ويومئذ } يعني يوم غلبت الروم فارس { يفرح المؤمنون بنصر الله } ~~للروم. وكان التقاء الفريقين في السنة السابعة من غلبة فارس إياهم، ~~فغلبتهم الروم، وجاء جبريل يخبر بنصر الروم على فارس، فوافق ذلك يوم ~~بدر، وقيل: يوم الحديبية. ### || [30.6-8] # قوله تعالى: { وعد الله } أي: وعد الله وعدا { لا يخلف ~~الله وعده } أن الروم يظهرون على فارس { ولكن أكثر الناس ~~} يعني كفار مكة { لا يعلمون } ان الله لا يخلف وعده في ذلك. # ثم وصف كفار مكة، فقال: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ms1573 } قال ~~عكرمة: هي المعايش. وقال الضحاك: يعلمون بنيان قصورها وتشقيق أنهارها. ~~وقال الحسن: يعلمون متى زرعهم و [متى] حصادهم، ولقد بلغ والله من ~~علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيخبرك بوزنه ولا يحسن ~~يصلي. # قوله تعالى: { وهم عن الآخرة هم غافلون } لأنهم لا يؤمنون بها. قال ~~الزجاج: وذكرهم ثانية يجري مجرى التوكيد، كما تقول: زيد هو عالم، وهو ~~أوكد من قولك: زيد عالم. # قوله تعالى: { أولم يتفكروا في أنفسهم } قال الزجاج: معناه: ~~أولم يتفكروا فيعلموا، فحذف { فيعلموا } لأن في الكلام دليلا [عليه]. ~~ومعنى { إلا بالحق } إلا للحق، أي لإقامة الحق { وأجل مسمى } ~~وهو وقت الجزاء { وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } ~~المعنى: لكافرون بلقاء ربهم، فقدمت الباء، لأنها متصلة ب { بكافرون ~~}؛ وما اتصل بخبر «إن» جاز أن يقدم قبل اللام، ولا يجوز أن تدخل ~~اللام بعد مضي الخبر من غير خلاف بين النحويين، لا يجوز أن تقول: إن ~~زيدا كافر لبالله، لأن اللام حقها أن تدخل على الابتداء أو الخبر، ~~أو بين الابتداء والخبر، لأنها تؤكد الجملة. وقال مقاتل في قوله: { ~~وأجل مسمى }: للسموات والأرض أجل ينتهيان إليه، وهو يوم القيامة، ~~{ وإن كثيرا من الناس } يعني كفار مكة { بلقاء ربهم } أي: ~~بالبعث { لكافرون }. ### || [30.9-11] # قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض } أي: أولم يسافروا ~~فينظروا مصارع الأمم قبلهم كيف أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا. # قوله تعالى: { وأثاروا الأرض } أي: قلبوها للزراعة، ومنه قيل للبقرة: ~~مثيرة. وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارىء، وأبو حيوة: { وآثروا الأرض ~~} بمد الهمزة وفتح الثاء مرفوعة الراء، { وعمروها أكثر مما ~~عمروها } أي: أكثر من عمارة أهل مكة، لطول أعمار أولئك وشدة قوتهم ~~{ وجاءتهم رسلهم بالبينات } أي: بالدلالات { فما كان الله ~~ليظلمهم } بتعذيبهم على غير ذنب { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~بالكفر والتكذيب؛ ودل هذا على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا. # ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: { ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى } ~~يعني: الخلة السيئة؛ وفيها قولان. # أحدهما: أنها العذاب، قاله الحسن. # والثاني: جهنم، قاله السدي. # قوله تعالى: { أن كذبوا ms1574 } قال الفراء: معناه: لأن كذبوا، فلما ~~ألقيت اللام كان نصبا. وقال الزجاج: لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم. ~~وقيل: السوأى مصدر بمنزلة الإساءة؛ فالمعنى: ثم كان التكذيب آخر ~~أمرهم، أي: ماتوا على ذلك، كأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع ~~على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب عقوبة لهم. وقال مكي بن أبي طالب ~~النحوي: { عاقبة } اسم كان، و { السوأى } خبرها، و { أن كذبوا } ~~مفعول من أجله؛ ويجوز أن يكون { السوأى } مفعولة ب { أساؤوا } ، و { ~~أن كذبوا } خبر كان؛ ومن نصب «عاقبة» جعلها خبر «كان»، و «السوأى» ~~اسمها، ويجوز أن يكون { أن كذبوا } اسمها. وقرأ الأعمش: «أساؤوا ~~السوء» برفع «السوء». # قوله تعالى: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } أي: يخلقهم أولا، ثم ~~يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا، { ثم إليه ترجعون } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: { ترجعون } ~~بالتاء؛ فعلى هذا يكون الكلام عائدا من الخبر إلى الخطاب وقرأ أبو ~~عمرو، وأبو بكر عن عاصم: بالياء، لأن المتقدم ذكره غيبة، والمراد ~~بذكر الرجوع: الجزاء على الأعمال، والخلق بمعنى المخلوقين، وإنما ~~قال: { يعيده } على لفظ الخلق. ### || [30.12-16] # قوله تعالى: { يبلس المجرمون } قد شرحنا الإبلاس في [الأنعام:44]. # قوله تعالى: { ولم يكن لهم من شركائهم } أي: [من] أوثانهم التي ~~عبدوها { شفعاء } في القيامة { وكانوا بشركائهم كافرين } يتبرؤون منها ~~وتتبرأ منهم. # قوله تعالى: { يومئذ يتفرقون } وذلك بعد الحساب ينصرف قوم إلى ~~الجنة، وقوم إلى النار. # قوله تعالى: { فهم في روضة } الروضة: المكان المخضر من الأرض؛ ~~وإنما خص الروضة، لأنها كانت أعجب الأشياء إلى العرب؛ قال أبو ~~عبيدة: ليس شيء عند العرب أحسن من الرياض المعشبة ولا أطيب ريحا، ~~قال الأعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها مسبل هطل # يوما بأطيب منها نشر رائحة # ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل # قال المفسرون: والمراد بالروضة: رياض الجنة. # وفي معنى { يحبرون } أربعة أقوال. # أحدها: يكرمون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: ينعمون، قاله مجاهد، وقتادة. قال الزجاج: والحبرة في ~~اللغة: ms1575 كل نغمة حسنة. # والثالث: يفرحون، قاله السدي. وقال ابن قتيبة: { يحبرون }: ~~يسرون، والحبرة: السرور. # والرابع: أن الحبر: السماع في الجنة، فاذا أخذ أهل الجنة في السماع، ~~لم تبق شجرة إلا وردت، قاله يحيى بن أبي كثير. وسئل يحيى بن معاذ: ~~أي الأصوات أحسن؟ فقال: مزامير أنس، في مقاصير قدس، بألحان تحميد، في ~~رياض تمجيد # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر:55]. # قوله تعالى: { فأولئك في العذاب محضرون } أي: هم حاضرون العذاب أبدا ~~لا يخفف عنهم. ### || [30.17-19] # ثم ذكر ما تدرك به الجنة ويتباعد به من النار فقال: { فسبحان ~~الله حين تمسون } قال المفسرون: المعنى: فصلوا لله حين تمسون، أي: ~~حين تدخلون في المساء { وحين تصبحون } أي: تدخلون في الصباح، و { ~~تظهرون } تدخلون في الظهيرة، وهي وقت الزوال، { وعشيا } أي: ~~وسبحوه عشيا. وهذه الآية قد جمعت الصلوات الخمس، فقوله: { حين تمسون ~~} يعني [به] صلاة المغرب والعشاء، { وحين تصبحون } يعني به صلاة الفجر، { ~~وعشيا } العصر، «وحين تظهرون» الظهر. # قوله تعالى: { وله الحمد في السموات والأرض } قال ابن عباس: يحمده ~~أهل السموات وأهل الأرض ويصلون له. # قوله تعالى: { يخرج الحي من الميت } فيه أقوال قد ذكرناها في ~~سورة [آل عمران:27]. # قوله تعالى: { ويحيي الأرض بعد موتها } أي: يجعلها منبتة بعد أن ~~كانت لا تنبت، وتلك حياتها { وكذلك تخرجون } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تخرجون» بضم التاء، وفتحها حمزة ~~والكسائي؛ والمراد: تخرجون يوم القيامة من الأرض، أي: كما أحيا الأرض ~~بالنبات يحييكم بالبعث. ### || [30.20-29] # قوله تعالى: { ومن آياته } أي: من دلائل قدرته { أن خلقكم من تراب } ~~يعني آدم، لأنه أصل البشر { ثم إذا أنتم بشر } من لحم ودم، يعني ~~ذريته { تنتشرون } أي: تنبسطون في الأرض. # قوله تعالى: { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } فيه قولان. # أحدهما: أنه يعني بذلك آدم، خلق حواء من ضلعه، وهو معنى قول قتادة. # والثاني: أن المعنى: جعل لكم آدميات مثلكم، ولم يجعلهن من غير ~~جنسكم، قاله الكلبي. # قوله تعالى: { لتسكنوا إليها } أي: لتأووا إلى الأزواج ms1576 { وجعل بينكم ~~مودة ورحمة } وذلك أن الزوجين يتوادان ويتراحمان من غير رحم ~~بينهما { إن في ذلك } الذي ذكره من صنعه { لآيات لقوم يتفكرون } في ~~قدرة الله وعظمته. # قوله تعالى: { واختلاف ألسنتكم } يعني اللغات من العربية والعجمية وغير ~~ذلك { وألوانكم } لأن الخلق بين أسود وأبيض وأحمر، وهم ولد رجل واحد ~~وامرأة واحدة. وقيل: المراد باختلاف الألسنة اختلاف النغمات والأصوات، ~~حتى إنه لا يشتبه صوت أخوين من أب وأم والمراد باختلاف الألوان: اختلاف ~~الصور، فلا تشتبه صورتان مع التشاكل { إن في ذلك لآيات للعالمين ~~} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، [والكسائي]، وأبو ~~بكر عن عاصم: { للعالمين } بفتح اللام. وقرأ حفص عن عاصم: { للعالمين ~~} بكسر اللام. # قوله تعالى: { ومن آياته منامكم بالليل والنهار } أي: نومكم. قال أبو ~~عبيدة: المنام من مصادر النوم، بمنزلة قام يقوم قياما ومقاما، وقال ~~يقول مقالا، قال المفسرون: وتقدير الآية: منامكم بالليل { وابتغاؤكم من ~~فضله } وهو طلب الرزق بالنهار { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } سماع ~~اعتبار [وتذكر] وتدبر. { ومن آياته يريكم البرق } قال اللغويون: ~~إنما حذف «أن» لدلالة الكلام عليه، وأنشدوا: # [وما الدهر إلا تارتان فتارة # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # ومعناه: فتارة أموت فيها]، وقال طرفة: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # [وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي] # أراد: أن أحضر. وقد شرحنا معنى الخوف والطمع في رؤية البرق في سورة ~~[الرعد:12]. # قوله تعالى: { أن تقوم السماء والأرض } أي: تدوما قائمتين { بأمره } { ~~ثم إذا دعاكم دعوة } وهي نفحة إسرافيل الأخيرة في الصور بأمر الله ~~عز وجل { من الأرض } أي: من قبوركم { إذا أنتم تخرجون } منها. وما بعد ~~هذا قد سبق بيانه [البقرة:116، العنكبوت:19] إلى قوله: { وهو أهون عليه ~~} وفيه أربعة أقوال. # أحدها: أن الإعادة أهون عليه من البداية، وكل هين عليه، قاله ~~مجاهد، وأبو العالية. # والثاني: أن «أهون» بمعنى «هين»، فالمعنى: وهو هين عليه، وقد يوضع ~~«أفعل» في موضع «فاعل»، ومثله قولهم في الأذان: الله أكبر، أي: الله ~~كبير، قال الفرزدق: # إن الذي سمك السماء ms1577 بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # وقال معن بن أوس المزني: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل # على أينا تغدوا المنية أول # أي: وإني لوجل، وقال غيره: # أصبحت أمنحك الصدود وإنني # قسما إليك مع الصدود لأميل # وأنشدوا أيضا: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أي: بواحد، هذا قول أبي عبيدة، وهو مروي عن الحسن، وقتادة. و [قد] قرأ ~~أبي بن كعب، وأبو عمران الجوني، وجعفر بن محمد: { وهو هين عليه }. # والثالث: أنه خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم ~~البعث أسهل من الابتداء في تقديرهم وحكمهم، فمن قدر على الإنشاء كان ~~البعث أهون عليه، هذا اختيار الفراء، والمبرد، والزجاج، وهو قول مقاتل. ~~وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الهاء في «عليه» عائدة إلى الله تعالى. # والرابع: أن الهاء تعود على المخلوق، لأنه خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة، ~~ويوم القيامة يقول له كن فيكون، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو اختيار ~~قطرب. # قوله تعالى: { وله المثل الأعلى } قال المفسرون: أي: له الصفة ~~العليا { في السماوات والأرض } وهي أنه لا إله غيره. # قوله تعالى: { ضرب لكم مثلا } سبب نزولها أن أهل الجاهلية كانوا ~~يلبون فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، ~~فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. ومعنى الآية: بين لكم ~~أيها المشركون شبها، وذلك الشبه { من أنفسكم } ، ثم بينه فقال: { ~~هل لكم مما ملكت أيمانكم } أي: من عبيدكم { من شركاء فيما رزقناكم } ~~من المال والأهل والعبيد، أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم { فأنتم فيه ~~سواء } أي: أنتم وشركاؤكم من عبيدكم سواء { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ~~} أي: كما تخافون أمثالكم من الأحرار، وأقرباءكم كالآباء والأبناء؟ قال ~~ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا؟ وقال غيره: ~~تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم كما يفعل الشركاء؟ والمعنى: هل يرضى أحدكم ~~أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك، فهو ~~يخاف أن ينفرد في ماله بأمر ms1578 يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء ~~الأحرار؟! فاذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فلم عدلتم بي من خلقي من ~~هو مملوك لي؟! { كذلك } أي: كما بينا هذا المثل { نفصل الآيات ~~لقوم يعقلون } عن الله. ثم بين أنهم إنما اتبعوا الهوى في ~~إشراكهم، فقال: { بل اتبع الذين ظلموا } أي: أشركوا بالله { أهواءهم ~~بغير علم فمن يهدي من أضل الله } وهذا يدل على أنهم إنما أشركوا ~~باضلال الله إياهم { وما لهم من ناصرين } أي: مانعين من عذاب الله. ### || [30.30-38] # قوله تعالى: { فأقم وجهك } قال مقاتل: أخلص دينك الإسلام { للدين } ~~أي: للتوحيد. وقال أبو سليمان الدمشقي: استقم بدينك نحو الجهة التي ~~وجهك الله إليها. وقال غيره: سدد عملك، والوجه: ما يتوجه إليه، ~~وعمل الإنسان ودينه: ما يتوجه إليه لتسديده وإقامته. # قوله تعالى: { حنيفا } قال الزجاج: { الحنيف }: الذي يميل إلى الشيء ~~ولا يرجع عنه، كالحنف في الرجل، وهو ميلها إلى خارجها خلقة، لا ~~يقدر الأحنف أن يرد حنفه وقوله: { فطرة الله } منصوب، بمعنى: ~~اتبع فطرة الله، لأن معنى { فأقم وجهك }: اتبع الدين القيم، ~~واتبع فطرة الله، أي: دين الله. والفطرة: الخلقة التي خلق الله ~~عليها البشر. وكذلك قوله عليه السلام: # " كل مولود يولد على الفطرة " # ، أي: على الإيمان بالله. وقال مجاهد في قوله: { فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها } قال: الإسلام، وكذلك قال قتادة. والذي أشار إليه الزجاج ~~أصح، وإليه ذهب ابن قتيبة، فقال: فرق ما بيننا وبين أهل القدر في هذا ~~الحديث، أن الفطرة عندهم: الإسلام، والفطرة عندنا: الإقرار بالله ~~والمعرفة به، لا الإسلام، ومعنى الفطرة: ابتداء الخلقة، والكل أقروا ~~حين قوله: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف:172] ولست واجدا أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا ~~ومدبرا وإن عبد شيئا دونه وسماه بغير اسمه؛ فمعنى الحديث: إن كل ~~مولود في العالم على ذلك العهد وذلك الإقرار الأول، وهو الفطرة، ثم ~~يهود اليهود أبناءهم، أي يعلمونهم ذلك، وليس الإقرار الأول مما ~~يقع به حكم ولا ثواب؛ وقد ذكر نحو هذا أبو بكر الأثرم، واستدل ms1579 عليه بأن ~~الناس أجمعوا على أنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ثم ~~أجمعوا على أن اليهودي إذا مات له ولد صغير ورثه، وكذلك النصراني ~~والمجوسي، ولو كان معنى الفطرة الإسلام، ما ورثه إلا المسلمون، ولا دفن ~~إلا معهم؛ وإنما أراد بقوله عليه السلام: # " كل مولود يولد على الفطرة " # أي: على تلك البداية التي أقروا له فيها بالوحدانية حين أخذهم من ~~صلب آدم، فمنهم من جحد ذلك بعد إقراره. ومثل هذا الحديث حديث عياض بن ~~حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء " # ، وذلك أنه لم يدعهم يوم الميثاق إلا إلى حرف واحد، فأجابوه. # قوله تعالى: { لا تبديل لخلق الله } لفظه لفظ النفي، ومعناه النهي؛ ~~والتقدير: لا تبدلوا خلق الله. وفيه قولان. # أحدهما: أنه خصاء البهائم، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # والثاني: دين الله، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي في ~~آخرين. وعن ابن عباس وعكرمة كالقولين. # قوله تعالى: { ذلك الدين القيم } يعني التوحيد المستقيم { ولكن ~~أكثر الناس } يعني كفار مكة { لا يعلمون } توحيد الله. # قوله تعالى: { منيبين إليه } قال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معنى ~~هذا: فأقيموا وجوهكم منيبين، لأن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم تدخل ~~معه فيها الأمة ومعنى { منيبين }: راجعين إليه في كل ما أمر، فلا ~~يخرجون عن شيء من أمره. وما بعد هذا قد سبق تفسيره [البقرة:3، ~~الأنعام:159] إلى قوله: { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ~~منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة } وفيه قولان. # أحدهما: أنه القحط، والرحمة: المطر. # والثاني: أنه البلاء، والرحمة: العافية، { إذا فريق منهم } وهم ~~المشركون. والمعنى: إن الكل يلتجؤون إليه في شدائدهم، ولا يلتفت ~~المشركون حينئذ إلى أوثانهم. # قوله تعالى: { ليكفروا بما آتيناهم } قد شرحناه في آخر ~~[العنكبوت:67]، وقوله تعالى: { فتمتعوا } خطاب لهم بعد الإخبار عنهم. # قوله تعالى: { أم أنزلنا عليهم } أي: على هؤلاء المشركين { سلطانا } ~~أي: حجة وكتابا من السماء { فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } ~~أي: ms1580 يأمرهم بالشرك؟! وهذا استفهام إنكار، معناه: ليس الأمر كذلك. # قوله تعالى: { وإذا أذقنا الناس } قال مقاتل: يعني كفار مكة { رحمة } ~~وهي المطر. والسيئة: الجوع والقحط. وقال ابن قتيبة: الرحمة: النعمة، ~~والسيئة المصيبة. قال المفسرون: وهذا الفرح المذكور هاهنا، هو فرح ~~البطر، الذي لا شكر فيه، والقنوط: اليأس من فضل الله، وهو خلاف وصف ~~المؤمن، فانه يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة؛ وقد شرحناه في بني ~~[إسرائيل:26] إلى قوله: { ذلك } يعني إعطاء الحق { خير } أي: أفضل من ~~الإمساك { للذين يريدون وجه الله } أي: يطلبون بأعمالهم ثواب الله. ### || [30.39-40] # قوله تعالى: { وما آتيتم من ربا } في هذه الآية أربعة أقوال. # أحدها: أن الربا هاهنا: أن يهدي الرجل للرجل الشيء يقصد أن يثيبه ~~عليه أكثر من ذلك، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس، ~~[والضحاك]، وقتادة، والقرظي. قال الضحاك: فهذا ليس فيه أجر ولا وزر. وقال ~~قتادة: ذلك الذي لا يقبله الله ولا يجزي به، وليس فيه وزر. # والثاني: أنه الربا المحرم، قاله الحسن البصري. # والثالث: أن الرجل يعطي قرابته المال ليصير به غنيا، لا يقصد بذلك ~~ثواب الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي. # والرابع: أنه الرجل يعطي من يخدمه لأجل خدمته، لا لأجل الله تعالى، ~~قاله الشعبي. # قوله تعالى: { ليربو في أموال الناس } وقرأ نافع، ويعقوب: [ { ~~لتربو } ] بالتاء وسكون الواو، أي: [في] اجتلاب أموال الناس، ~~واجتذابها { فلا يربو عند الله } أي: لا يزكو ولا يضاعف، لأنكم قصدتم ~~زيادة العوض، ولم تقصدوا القربة. # { وما آتيتم من زكاة } أي: ما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة، ~~إنما تريدون بها ما عند الله، { فأولئك هم المضعفون } قال ابن ~~قتيبة: الذين يجدون التضعيف والزيادة. وقال الزجاج: أي ذوو الأضعاف من ~~الحسنات، كما يقال: رجل مقو، أي: صاحب قوة، وموسر: صاحب يسار. ### || [30.41-43] # قوله تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر } في هذا الفساد أربعة ~~أقوال. # أحدها: نقصان البركة، قاله ابن عباس. # والثاني: ارتكاب المعاصي، قاله أبو العالية. # والثالث: الشرك، قاله قتادة، والسدي. # والرابع: قحط المطر، ms1581 قاله عطية. # فأما البر. فقال ابن عباس: البر: البرية التي ليس عندها نهر. # وفي البحر قولان. # أحدهما: أنه ما كان من المدائن والقرى على شط نهر، قاله ابن عباس. ~~وقال عكرمة: لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية عامرة. وقال قتادة: ~~المراد بالبر: أهل البوادي، وبالبحر: أهل القرى. وقال الزجاج: المراد ~~بالبحر: مدن البحر التي على الأنهار، وكل ذي ماء فهو بحر. # والثاني: أن البحر: الماء المعروف. قال مجاهد: ظهور الفساد في البر: قتل ~~ابن آدم أخاه، وفي البحر: ملك جائر يأخذ كل سفينة غصبا. وقيل لعطية: ~~أي فساد في البحر؟ فقال: إذا قل المطر قل الغوص. # قوله تعالى: { بما كسبت أيدي الناس } أي: بما عملوا من المعاصي { ~~ليذيقهم } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، وقتادة، وابن محيصن، ~~وروح [عن يعقوب]، وقنبل عن ابن كثير: { لنذيقهم } بالنون { بعض الذي ~~عملوا } أي: جزاء بعض أعمالهم؛ فالقحط جزاء، ونقصان البركة جزاء، ~~ووقوع المعصية منهم جزاء معجل لمعاصيهم أيضا. # قوله تعالى: { لعلهم يرجعون } في المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم الذين أذيقوا الجزاء، ثم في معنى رجوعهم قولان. # أحدهما: يرجعون عن المعاصي، قاله أبو العالية. # والثاني: يرجعون إلى الحق، قاله إبراهيم. # والثاني: أنهم الذين يأتون بعدهم؛ فالمعنى: لعله يرجع من بعدهم، ~~قاله الحسن. # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض } أي: سافروا { فانظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبل } أي: الذين كانوا قبلكم؛ والمعنى: انظروا إلى ~~مساكنهم وآثارهم { كان أكثرهم مشركين } المعنى: فأهلكوا بشركهم. { ~~فأقم وجهك للدين } أي: أقم قصدك لاتباع الدين { القيم } وهو ~~الإسلام المستقيم { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } ~~يعني: [يوم] القيامة لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم، لأن الله تعالى قد ~~قضى كونه { يومئذ يصدعون } أي: يتفرقون إلى الجنة والنار. ### || [30.44] # { من كفر فعليه كفره } أي: جزاء كفره { ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون } أي: يوطئون. وقال مجاهد: يسوون المضاجع في القبور، ~~قال أبو عبيدة: «من» يقع على الواحد والاثنين والجمع من المذكر ~~والمؤنث، ومجازها هاهنا مجاز ms1582 الجميع، و { يمهد } بمعنى يكتسب ويعمل ~~ويستعد. ### || [30.45-47] # قوله تعالى: { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } تبشر بالمطر { ~~وليذيقكم من رحمته } وهو الغيث والخصب { ولتجري الفلك } في ~~البحر بتلك الرياح { بأمره } { ولتبتغوا } بالتجارة في البحر { من ~~فضله } وهو الرزق؛ وكل هذا بالرياح. # قوله تعالى: { فجاؤوهم بالبينات } أي: بالدلالات على صدقهم { ~~فانتقمنا من الذين أجرموا } أي: عذبنا الذين كذبوهم { وكان حقا ~~علينا } أي: واجبا هو أوجبه على نفسه { نصر المؤمنين } إنجاؤهم مع ~~الرسل من عذاب المكذبين. ### || [30.48-57] # قوله تعالى: { يرسل الرياح } وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، والنخعي، ~~وطلحة بن مصرف، والأعمش: { يرسل الريح } بغير ألف. # قوله تعالى: { فتثير سحابا } أي: تزعجه { فيبسطه } الله { في ~~السماء كيف يشاء } إن شاء بسطه مسيرة يوم أو يومين أو أقل أو أكثر { ~~ويجعله كسفا } أي: قطعا متفرقة. والأكثرون فتحوا سين { كسفا ~~}؛ وقرأ أبو رزين، وقتادة، وابن عامر، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة: ~~بتسكينها؛ قال أبو علي: يمكن أن يكون مثل سدرة وسدر، فيكون معنى ~~القراءتين واحدا { فترى الودق يخرج من خلاله } وقرأ ابن مسعود، ~~وابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية: { من خلله }؛ وقد شرحناه في ~~[النور43] { فاذا أصاب به } أي: بالودق؛ ومعنى { يستبشرون } يفرحون ~~بالمطر، { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من ~~قبله } وفي هذا التكرير ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه للتأكيد كقوله: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر:30]، قاله الأخفش في آخرين. # والثاني: أن «قبل» الأولى للتنزيل، والثانية للمطر، قاله قطرب. قال ~~ابن الأنباري: والمعنى: من قبل نزول المطر، من قبل المطر، وهذا ~~مثلما يقول القائل: آتيك من قبل أن تتكلم، من قبل ان تطمئن في مجلسك، فلا ~~تنكر الإعادة، لاختلاف الشيئين. # والثالث: أن الهاء في قوله: { من قبله } ترجع إلى الهدى وإن لم ~~يتقدم له ذكر، فيكون المعنى: كانوا يقنطنون من قبل نزول المطر، من ~~قبل الهدى، فلما جاء الهدى والإسلام زال القنوط، ذكره ابن ~~الأنباري عن أبي عمر الدوري وأبي جعفر بن قادم. والمبلسون: الآيسون ~~وقد سبق الكلام في هذا [الأنعام:44]. # { فانظر إلى ms1583 آثار رحمة الله } قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو ~~بكر عن عاصم: { إلى أثر }. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: { إلى آثار } على الجمع، والمراد بالرحمة هاهنا المطر، وأثرها: ~~النبت؛ والمعنى: انظر إلى حسن تأثيره في الأرض { كيف يحيي الارض } أي: ~~كيف يجعلها تنبت بعد أن لم يكن فيها نبت. وقرأ عثمان بن عفان، وأبو ~~رجاء، وأبو عمران الجوني، وسليمان التيمي. { كيف تحيي } بتاء مرفوعة ~~مكسورة الياء { الأرض } بفتح الضاد. # قوله تعالى: { ولئن أرسلنا ريحا } [أي: ريحا] باردة مضرة، ~~والريح إذا أتت على لفظ الواحد أريد بها العذاب، ولهذا # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند هبوب الريح: «اللهم اجعلها ~~رياحا ولا تجعلها ريحا» " # { فرأوه مصفرا } يعني النبت، والهاء عائدة إلى الأثر. قال الزجاج: ~~المعنى: فرأوا النبت قد اصفر وجف { لظلوا من بعده يكفرون } ~~ومعناه: ليظلن، لأن معنى الكلام الشرط والجزاء، فهم يستبشرون ~~بالغيث، ويكفرون إذا انقطع عنهم الغيث وجف النبت. وقال غيره: المراد ~~برحمة الله: المطر. و { ظلوا } بمعنى صاروا { من بعده } أي: من بعد ~~اصفرار النبت يجحدون ما سلف من النعمة. # وما بعد هذا مفسر في سورة [النمل:80،81] إلى قوله: { الله الذي ~~خلقكم من ضعف } وقد ذكرنا الكلام فيه في [الأنفال:66]، قال المفسرون: ~~المعنى: خلقكم من ماء ذي ضعف، وهو المني { ثم جعل من بعد ~~ضعف } يعني ضعف الطفولة قوة الشباب، ثم جعل من بعد قوة ~~الشباب ضعف الكبر، وشيبة، { يخلق ما يشاء } أي: من ضعف وقوة وشباب ~~وشيبة { وهو العليم } بتدبير خلقه { القدير } على ما يشاء. # { ويوم تقوم الساعة } قال الزجاج: الساعة في القرآن على معنى الساعة ~~التي تقوم فيها القيامة، فلذلك لم تعرف أي ساعة هي. # قوله تعالى: { يقسم المجرمون } أي: يحلف المشركون { ما لبثوا } ~~في القبور { غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون } قال ابن قتيبة: يقال: ~~أفك الرجل: إذا عدل به عن الصدق، فالمعنى أنهم قد كذبوا في ~~هذا الوقت كما كذبوا في الدنيا. وقال غيره: أراد الله تعالى أن ~~يفضحهم ms1584 يوم القيامة بين المؤمنين، فحلفوا على شيء يبين للمؤمنين كذبهم ~~فيه، ويستدلون على كذبهم في الدنيا. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم ~~بقوله: { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان } وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم الملائكة. # والثاني: المؤمنون. # قوله تعالى: { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } فيه قولان. # أحدهما: أن فيه تقديما وتأخيرا، تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب ~~الله والإيمان بالله، قاله ابن جريج في جماعة من المفسرين. # والثاني: أنه على نظمه. ثم في معناه قولان. # أحدهما: لقد لبثتم في علم الله، قاله الفراء. # والثاني: لقد لبثتم في خبر الكتاب، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { فهذا يوم البعث } أي: اليوم الذي كنتم تنكرونه { ~~ولكنكم كنتم لا تعلمون } في الدنيا أنه يكون. { فيومئذ لا ينفع ~~الذين ظلموا معذرتهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: { ~~لا تنفع } بالتاء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: بالياء، لأن التأنيث ~~غير حقيقي. # قال ابن عباس: لا يقبل من الذين أشركوا عذر ولا توبة. # قوله تعالى: { ولا هم يستعتبون } أي: لا يطلب منهم العتبى ~~والرجوع في الآخرة. ### || [30.58-60] # قوله تعالى: { ولئن جئتهم بآية } أي: كعصا موسى ويده { ليقولن ~~الذين كفروا إن أنتم } أي: ما أنتم يا محمد وأصحابك { إلا مبطلون ~~} أي: أصحاب أباطيل، وهذا بيان لعنادهم. { كذلك } أي: كما طبع على قلوبهم ~~حتى لا يصدقون الآيات { يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } ~~توحيد الله؛ فالسبب في امتناع الكفار من التوحيد، الطبع على قلوبهم. # قوله تعالى: { فاصبر إن وعد الله } بنصرك وإظهارك على عدوك { ~~حق }. { ولا يستخفنك } وقرأ يعقوب إلا روحا وزيدا: { ~~يستخفنك } بسكون النون. قال الزجاج: لايستفزنك عن دينك { ~~الذين لا يوقنون } أي: هم ضلال شاكون. وقال غيره: لا يوقنون ~~بالبعث والجزاء. وزعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-13] # قوله تعالى: { هدى ورحمة } وقرأ حمزة وحده: { ورحمة } بالرفع. قال ~~الزجاج: القراءة بالنصب على الحال؛ والمعنى: تلك آيات الكتاب في حال ~~الهداية والرحمة؛ ويجوز الرفع على إضمار { هو هدى ورحمة } وعلى معنى { ~~تلك ms1585 هدى ورحمة }. وقد سبق تفسير مفتتح هذه السورة [البقرة:1-5] إلى ~~قوله: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال ابن عباس: نزلت هذه ~~الآية في رجل اشترى جارية مغنية. وقال مجاهد: نزلت في شراء القيان ~~والمغنيات. وقال ابن السائب ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وذلك ~~أنه كان تاجرا إلى فارس، فكان يشتري أخبار الأعاجم فيحدث بها قريشا ~~ويقول لهم: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث ~~رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع ~~القرآن، فنزلت فيه هذه الآية. # وفي المراد بلهو الحديث أربعة أقوال. # أحدها: [أنه] الغناء. كان ابن مسعود يقول: هو الغناء والذي لا إله إلا ~~هو، يرددها ثلاث مرات؛ وبهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وقتادة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: اللهو: الطبل. # والثاني: أنه ما ألهى عن الله، قاله الحسن، وعنه مثل القول الأول. # والثالث: أنه الشرك، قاله الضحاك. # والرابع: الباطل، قاله عطاء. # وفي معنى { يشتري } قولان. # أحدهما: يشتري بماله؛ وحديث النضر يعضده. # والثاني: يختار ويستحب، قاله قتادة، ومطر. وإنما قيل لهذه الأشياء: ~~لهو الحديث، لأنها تلهي عن ذكر الله. # قوله تعالى: { ليضل } المعنى: ليصير أمره إلى الضلال، وقد ~~بينا هذا الحرف في [الحج:9]. # وقرأ أبو رزين، والحسن وطلحة بن مصرف، والأعمش، وأبو جعفر: { ليضل ~~} بضم الياء، والمعنى: ليضل غيره، وإذا أضل غيره فقد ضل هو ~~أيضا. # قوله تعالى: { ويتخذها } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم: { ويتخذها } برفع الذال. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: بنصب الذال. قال أبو علي: من نصب عطف على { ~~ليضل } { ويتخذ } ومن رفع عطفه على { من يشتري } { ويتخذ }. # وفي المشار إليه بقوله: { ويتخذها } قولان. # أحدهما: أنها الآيات. # والثاني: السبيل. # وما بعد هذا مفسر في مواضع قد تقدمت [الاسراء:46، الانعام:25، ~~البقرة:25، الرعد:2، النحل:15،الشعراء:7] إلى قوله: { ولقد آتينا ~~لقمان الحكمة } وفيها قولان. # أحدهما: الفهم والعقل، قاله الأكثرون. # والثاني: النبوة. وقد اختلف في نبوته على قولين: # أحدهما: أنه كان حكيما ولم ms1586 يكن نبيا، قاله سعيد بن المسيب، ومجاهد، ~~وقتادة. # والثاني: أنه كان نبيا، قاله الشعبي، وعكرمة، والسدي. هكذا حكاه عنهم ~~الواحدي، ولا يعرف، إلا أن هذا مما تفرد به عكرمة؛ والقول الأول ~~أصح. # وفي صناعته ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه كان خياطا، قاله سعيد بن المسيب. # والثاني: راعيا، قاله ابن زيد. # والثالث: نجارا، قاله خالد الربعي. # فأما صفته، فقال ابن عباس: كان عبدا حبشيا. وقال سعيد بن المسيب: كان ~~لقمان أسود من سودان مصر. وقال مجاهد: كان غليظ الشفتين مشقق القدمين، ~~وكان قاضيا على بني إسرائيل. # قوله تعالى: { أن اشكر لله } المعنى: وقلنا له: أن أشكر لله [على] ما ~~أعطاك من الحكمة { ومن يشكر فانما يشكر لنفسه } أي: إنما يفعل ~~لنفسه { ومن كفر } النعمة، فان الله لغني عن عبادة خلقه. ### || [31.14-17] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه } قال مقاتل: نزلت في سعد بن ~~أبي وقاص، وقد شرحنا ذلك في [العنكبوت:8]. # قوله تعالى: { حملته أمه وهنا على وهن } وقرأ الضحاك، وعاصم ~~الجحدري { وهنا على وهن } بفتح الهاء فيهما. قال الزجاج: أي ~~ضعفا على ضعف. والمعنى: لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة ~~بعد مرة. وموضع «أن» نصب ب { وصينا }؛ المعنى: ووصينا الإنسان ~~أن أشكر لي ولوالديك، أي: وصيناه بشكرنا وشكر والديه. # قوله تعالى: { وفصاله في عامين } أي: فطامه يقع في انقضاء عامين. ~~وقرأ إبراهيم النخعي، وأبو عمران، والأعمش: { وفصاله } بفتح الفاء. ~~وقرأ أبي بن كعب، والحسن وأبو رجاء، وطلحة بن مصرف؛ وعاصم الجحدري، ~~وقتادة؛ { وفصله } بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف. والمراد: ~~التنبيه على مشقة الوالدة بالرضاع بعد الحمل. قوله تعالى: { وإن ~~جاهداك } قد فسرنا ذلك في سورة [العنكبوت:8] إلى قوله: { وصاحبهما ~~في الدنيا معروفا } قال الزجاج: أي مصاحبا معروفا، تقول صاحبه ~~مصاحبا ومصاحبة؛ والمعروف: ما يستحسن من الأفعال. # قوله تعالى: { واتبع سبيل من أناب إلي } أي: من رجع ~~إلي؛ وأهل التفسير يقولون: هذه الآية نزلت في سعد، وهو المخاطب بها. # وفي المراد بمن أناب ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أبو بكر الصديق، قيل لسعد: ms1587 اتبع سبيله في الإيمان، ~~هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء. وقال ابن إسحاق: أسلم على يدي ~~أبي بكر [الصديق]: عثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي ~~وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. # والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب. # والثالث: من سلك طريق محمد وأصحابه، ذكره الثعلبي. # ثم رجع إلى الخبر عن لقمان فقال: { يا بني }. وقال ابن جرير: وجه ~~اعتراض هذه الآيات بين الخبرين عن وصية لقمان أن هذا مما أوصى به ~~لقمان ابنه. # قوله تعالى: { إنها إن تك مثقال حبة } وقرأ نافع وحده: { ~~مثقال حبة } برفع اللام. وفي سبب قول لقمان لابنه هذا قولان. # أحدهما: أن ابن لقمان قال لأبيه: أرأيت لو كانت حبة في قعر البحر ~~أكان الله يعلمها؟ فأجابه بهذه الآية، قاله السدي. # والثاني: أنه قال يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف ~~يعلمها الله؟ فأجابه بهذا، قاله مقاتل. # قال الزجاج: من قرأ برفع المثقال مع تأنيث { تك } فلأن { مثقال ~~حبة من خردل } راجع إلى معنى: خردلة، فهي بمنزلة: إن تك حبة من ~~خردل؛ ومن قرأ { مثقال حبة } فعلى معنى: إن التي سألتني عنها إن ~~تك مثقال حبة، وعلى معنى: إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت ~~بها الله. وقد بينا معنى { مثقال حبة من خردل } في [الأنبياء47]. # قوله تعالى: { فتكن في صخرة } قال قتادة: في جبل. # وقال السدي: هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة، ليست في السماوات ولا في ~~الأرض. # وفي قوله: { يأت بها الله } ثلاثة أقوال. # أحدها: يعلمها الله، قاله أبو مالك. # والثاني: يظهرها، قاله ابن قتيبة. # والثالث: يأت بها الله في الآخرة للجزاء عليها. # { إن الله لطيف } قال الزجاج: لطيف باستخراجها { خبير } بمكانها. ~~وهذا مثل لأعمال العباد، والمراد أن الله تعالى يأتي بأعمالهم يوم ~~القيامة، من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره. # قوله تعالى: { واصبر على ما أصابك } أي: في الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر من الأذى. وباقي الآية مفسر ms1588 في [آل عمران:286]. ### || [31.18-19] # قوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس } قرأ ابن كثير، وابن عامر، ~~وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: { تصعر } بتشديد العين من غير ألف. وقرأ ~~نافع، [وأبو عمرو]، وحمزة، والكسائي: بألف من غير تشديد. قال الفراء: هما ~~لغتان، ومعناهما: الإعراض من الكبر. وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء، ~~وابن السميفع، وعاصم الجحدري: { ولا تصعر } باسكان الصاد وتخفيف العين ~~من غير ألف. وقال الزجاج: معناه: لا تعرض عن الناس تكبرا؛ يقال: ~~أصاب البعير صعر: إذا أصابه داء يلوي منه عنقه. وقال ابن عباس: ~~هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر. وقال أبو العالية: ليكن ~~الغني والفقير عندك في العلم سواء. وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينه ~~وبين أخيه الحنة، فيراه فيعرض عنه. وباقي الآية بعضه مفسر في [بني ~~إسرائيل:37] وبعضه في سورة [النساء:36]. # قوله تعالى: { واقصد في مشيك } أي: ليكن مشيك قصدا، لا ~~تخيلا ولا إسراعا. قال عطاء: امش بالوقار والسكينة. # قوله تعالى: { واغضض من صوتك } أي: انقص منه. قال الزجاج: ومنه قولهم: ~~غضضت بصري، وفلان يغض من فلان، أي: يقصر به. # { إن أنكر الأصوات } وقرأ أبو المتوكل، وابن أبي عبلة: { أن أنكر ~~الأصوات } بفتح الهمزة. ومعنى { أنكر }: أقبح؛ تقول: أتانا فلان بوجه ~~منكر، أي: قبيح. وقال المبرد: تأويله: أن الجهر بالصوت ليس بمحمود، ~~وأنه داخل في باب الصوت المنكر. وقال ابن قتيبة: عرفه قبح رفع ~~الأصوات في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير، لأنها عالية. قال ابن ~~زيد: لو كان رفع الصوت خيرا، ما جعله الله للحمير. وقال سفيان الثوري: ~~صياح كل شيء تسبيح لله عز وجل، إلا الحمار، فانه ينهق بلا فائدة. # فان قيل: كيف قال { لصوت } ولم يقل { لأصوات الحمير }؟ فالجواب: أن ~~لكل جنس صوتا، فكأنه قال: إن أنكر أصوات الأجناس صوت هذا الجنس. ### || [31.20-21] # قوله تعالى: { وأسبغ عليكم } أي: أوسع وأكمل { نعمه } قرأ ~~نافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: { نعمه } ، أرادوا جميع ما أنعم به. ~~وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ms1589 { ~~نعمة } على التوحيد. قال الزجاج: هو ما أعطاهم من توحيده. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس، قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! ما هذه ~~النعمة الظاهرة والباطنة؟ فقال: «أما ما ظهر: فالإسلام، وما سوى ~~الله من خلقك، وما أفضل عليك من الرزق. وأما ما بطن: فستر ~~مساوىء عملك، ولم يفضحك» " # وقال الضحاك: الباطنة: المعرفة، والظاهرة: حسن الصورة، وامتداد القامة، ~~وتسوية الأعضاء. # قوله تعالى: { أولو كان الشيطان يدعوهم } هو متروك الجواب، ~~تقديره: أفتتبعونه؟ ### || [31.22-27] # قوله تعالى: { ومن يسلم وجهه } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~العالية، وقتادة: { ومن يسلم } بفتح السين وتشديد اللام. وذكر ~~المفسرون أن قوله: { ومن كفر فلا يحزنك كفره } منسوخ بآية ~~السيف، ولا يصح، لأنه تسلية عن الحزن، وذلك لا ينافي الأمر بالقتال. وما ~~بعد هذا قد تقدم تفسير ألفاظه في مواضع [هود:48، العنكبوت:61، ~~البقرة:267] إلى قوله: { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } وفي ~~سبب نزولها قولان. # أحدهما: # " أن أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت قول ~~الله عز وجل: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } [الاسراء:85]، ~~إيانا يريد، أم قومك؟ فقال: «كلا»، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك ~~أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء؟ فقال: «إنها في علم ~~الله قليل» " # ، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن المشركين قالوا في القرآن: إنما هو كلام [يوشك أن] ~~ينفد وينقطع، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. ومعنى الآية: لو كانت شجر ~~الأرض أقلاما، وكان البحر ومعه سبعة أبحر مدادا - وفي الكلام محذوف ~~تقديره: فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات الله - لتكسرت الأقلام ~~ونفذت البحور، ولم تنفذ كلمات الله، أي: لم تنقطع. # فأما قوله: { والبحر } فقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: { والبحر } بالرفع، ونصبه أبو عمرو. وقال الزجاج: من ~~قرأ: { والبحر } بالنصب، فهو عطف على «ما»؛ المعنى: ولو أن ما في ~~الأرض، ولو أن البحر؛ والرفع حسن على معنى: والبحر هذه حاله. ms1590 قال ~~اليزيدي: ومعنى { يمده من بعده }: يزيد فيه؛ يقال: مد ~~قدرك، أي: زد في مائها، وكذلك قال ابن قتيبة: { يمده } من ~~المداد، لا من الإمداد، يقال: مددت دواتي بالمداد، وأمددته ~~بالمال والرجال. ### || [31.28-32] # قوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } سبب ~~نزولها أن أبي بن خلف في آخرين من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظاما، لحما، ثم ~~تزعم أنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة؟! فنزلت هذه ~~الآية ومعناها: ما خلقكم أيها الناس جميعا في القدرة إلا كخلق ~~نفس واحدة، ولا بعثكم جميعا في القدرة إلا كبعث نفس واحدة، قاله ~~مقاتل. # وما بعد هذا قد تقدم تفسيره [آل عمران:27،الرعد:2، الحج:62] إلى قوله: ~~{ ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله } قال ابن عباس: ~~من نعمه جريان الفلك { ليريكم من آياته } أي: ليريكم من ~~صنعته عجائبه في البحر، وابتغاء الرزق { إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار } قال مقاتل: أي: لكل صبور على أمر الله { شكور } في نعمه. # قوله تعالى: { وإذا غشيهم } يعني الكفار؛ وقال بعضهم: هو عام في ~~الكفار والمسلمين { موج كالظلل } قال ابن قتيبة: وهي جمع ظلة، يراد ~~أن بعضه فوق بعض، فله سواد من كثرته. # قوله تعالى: { دعوا الله مخلصين له الدين } وقد سبق شرح هذا ~~[يونس:22]؛ والمعنى أنهم لا يذكرون أصنامهم في شدائدهم إنما يذكرون ~~الله وحده، وجاء في الحديث أن عكرمة بن ابي جهل لما هرب يوم الفتح من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أهل ~~السفينة: أخلصوا، فان آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: ~~ما هذا الذي تقولون؟ فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله، فقال: ~~هذا إله محمد الذي كان يدعونا إليه، لئن لم ينجني في البحر إلا ~~الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، ارجعوا بن، فرجع فأسلم. # قوله تعالى: { فمنهم مقتصد } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: مؤمن، قاله الحسن. # والثاني: مقتصد في قوله، ms1591 وهو كافر، قاله مجاهد. يعني أنه يعترف بأن الله ~~وحده القادر على إنجائه وإن كان مضمرا للشرك. # والثالث: أنه العادل في الوفاء بما عاهد الله عليه في البحر من ~~التوحيد، قاله مقاتل. # فأما { الختار } فقال الحسن: هو الغدار. قال ابن قتيبة: الختر: ~~أقبح الغدر وأشده. ### || [31.33-34] # قوله تعالى: { يا أيها الناس اتقوا ربكم } قال المفسرون: هذا ~~خطاب لكفار مكة. وقوله: { لا يجزي والد عن ولده } أي: لا يقضي عنه ~~شيئا من جنايته ومظالمه. قال مقاتل: وهذا يعني به الكفار. وقد شرحنا هذا ~~في [البقرة:48]. قال الزجاج: وقوله: { هو جاز } جاءت في المصاحف بغير ~~ياء، والأصل { جازي } بضمة وتنوين. وذكر سيبويه والخليل أن الاختيار في ~~الوقف هو { جاز } بغير ياء، هكذا وقف الفصحاء من العرب ليعلموا أن هذه ~~الياء تسقط في الوصل. وزعم يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقف بياء، ~~ولكن الاختيار اتباع المصحف. # قوله تعالى: { إن وعد الله حق } أي: بالبعث والجزاء { فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا } بزينتها عن الإسلام والتزود للآخرة { ~~ولا يغرنكم بالله } أي: بحلمه وإمهاله { الغرور } يعني: ~~الشيطان، وهو الذي من شأنه أن يغر. قال الزجاج: { الغرور } على وزن ~~الفعول، وفعول من أسماء المبالغة، يقال: فلان أكول: إذا كان كثير ~~الأكل، وضروب: إذا كان كثير الضرب، فقيل للشيطان: غرور، لأنه ~~يغر كثيرا. وقال ابن قتيبة: الغرور بفتح الغين: الشيطان، وبضمها: ~~الباطل. # قوله تعالى: { إن الله عنده علم الساعة } سبب نزولها # " أن رجلا من أهل البادية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن امرأتي حبلى، فأخبرني ماذا تلد؟ وبلدنا مجدب، فأخبرني ~~متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت " # ، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # ومعنى الآية: { إن الله } عز وجل { عنده علم الساعة } متى تقوم، لا ~~يعلم سواه ذلك { وينزل الغيث } وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: { ~~وينزل } بالتشديد، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، أليلا أم ~~نهارا { ويعلم ما في الأرحام } لا يعلم سواه ما فيها؛ أذكرا أم ~~أنثى، أبيض أو أسود { وما تدري ms1592 نفس ماذا تكسب غدا } أخيرا أم ~~شرا { وما تدري نفس بأي أرض تموت } أي: بأي مكان. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبي بن كعب، وابن أبي عبلة: { بأية أرض } بتاء مكسورة. ~~والمعنى: ليس أحد يعلم [أين] مضجعه من الأرض حتى يموت، أفي بر أو بحر ~~أو سهل أو جبل. وقال أبو عبيدة: [يقال]: بأي أرض كنت، وبأية أرض كنت، ~~لغتان. وقال الفراء: من قال: بأي أرض، اجتزأ بتأنيث الأرض من أن يظهر ~~في «أي» تأنيثا آخر. قال ابن عباس: هذه الخمس لا يعلمها ملك مقرب ~~ولا نبي [مرسل] مصطفى. قال الزجاج: فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه ~~كفر بالقرآن لأنه خالفه. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-4] # قوله تعالى: { تنزيل الكتاب لا ريب فيه } قال مقاتل: المعنى: لا شك ~~فيه أنه تنزيل { من رب العالمين }. # { أم يقولون } بل يقولون، يعني المشركين { افتراه } محمد من تلقاء ~~نفسه، { بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من ~~قبلك } يعني: العرب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأتهم ~~نذير من قبل محمد عليه السلام. وما بعده قد سبق تفسيره [الاعراف:54] ~~إلى قوله: { ما لكم من دونه من ولي } يعني الكفار؛ يقول: ليس لكم من ~~دون عذابه من ولي، أي: قريب يمنعكم فيرد عذابه عنكم { ولا شفيع } ~~يشفع لكم { أفلا تتذكرون } فتؤمنوا. ### || [32.5-9] # قوله تعالى: { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } في معنى الآية ~~قولان. # أحدهما: يقضي القضاء من السماء فينزله مع الملائكة إلى الأرض، { ثم ~~يعرج } الملك { إليه في يوم } من أيام الدنيا، فيكون الملك قد قطع ~~في يوم واحد من أيام الدنيا في نزوله وصعوده مسافة ألف سنة من مسيرة ~~الآدمي. # والثاني: يدبر أمر الدنيا مدة أيام الدنيا، فينزل القضاء والقدر ~~من السماء إلى الأرض، { ثم يعرج إليه } أي: يعود إليه الأمر والتدبير ~~حين ينقطع أمر الأمراء وأحكام الحكام وينفرد الله تعالى بالأمر { في يوم ~~كان مقداره ألف سنة } وذلك في [يوم] القيامة، لأن كل يوم من أيام ~~الآخرة ms1593 كألف سنة. # وقال مجاهد: يقضي أمر ألف سنة في يوم واحد، ثم يلقيه إلى الملائكة، ~~فاذا مضت قضى لألف سنة آخرى، ثم كذلك أبدا. # وللمفسرين في المراد بالأمر ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الوحي، قاله السدي. # والثاني: القضاء، قاله مقاتل. # والثالث: أمر الدنيا. # و { يعرج } بمعنى يصعد. قال الزجاج: يقال: عرجت في السلم ~~أعرج، وعرج الرجل يعرج: إذا صار أعرج. # وقرأ معاذ القارىء، وابن السميفع، وابن أبي عبلة: { ثم يعرج إليه } ~~بياء مرفوعة وفتح الراء. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء: { يعرج } ~~بياء مفتوحة وكسر الراء. وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: { ثم ~~تعرج } بتاء مفتوحة ورفع الراء. # قوله تعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه } فيه خمسة أقوال. # أحدها: جعله حسنا. # والثاني: أحكم كل شيء، رويا عن ابن عباس، وبالأول قال قتادة، وبالثاني ~~قال مجاهد. # والثالث: أحسنه، لم يتعلمه من أحد، كما يقال: فلان يحسن كذا: إذا ~~علمه، قاله السدي، ومقاتل. # والرابع: أن المعنى: ألهم خلقه كل ما يحتاجون إليه، كأنه أعلمهم كل ~~ذلك وأحسنهم، قاله الفراء. # والخامس: أحسن إلى كل شيء خلقه، حكاه الماوردي. # وفي قوله: { خلقه } قراءتان. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: { ~~خلقه } ساكنة اللام. وقرأ الباقون بتحريك اللام. وقال الزجاج: فتحها ~~على الفعل الماضي، وتسكينها على البدل، فيكون المعنى: أحسن خلق كل ~~شيء خلقه. وقال أبو عبيدة: المعنى: أحسن خلق كل شيء، والعرب تفعل ~~مثل هذا، يقدمون ويؤخرون. # قوله تعالى: { وبدأ خلق الإنسان } يعني آدم، { ثم جعل نسله } أي: ~~ذريته وولده؛ وقد سبق شرح الآية [المؤمنون:12]. # ثم رجع إلى آدم فقال: { ثم سواه ونفخ فيه من روحه } وقد سبق ~~بيان ذلك [الحجر:29]. ثم عاد إلى ذريته فقال: { وجعل لكم السمع ~~والأبصار } أي: بعد كونكم نطفا. ### || [32.10-12] # قوله تعالى: { وقالوا } يعني منكري البعث { أإذا ضللنا في الأرض } ~~وقرأ علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وجعفر بن محمد، وأبو رجاء، وأبو ~~مجلز، وحميد، وطلحة: { ضللنا } بضاد معجمة مفتوحة وكسر اللام الأولى. ~~قال الفراء: ضللنا وضللنا لغتان، والمعنى: إذا ms1594 صارت عظامنا ~~ولحومنا ترابا كالأرض؛ تقول ضل الماء في اللبن، وضل الشيء في ~~الشيء: إذا أخفاه وغلب عليه. وقرأ أبو نهيك، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: { ضللنا } [بضم] الضاد المعجمة ~~وتشديد اللام الأولى وكسرها. وقرأ الحسن، وقتادة، ومعاذ القارىء: { ~~صللنا } بصاد غير معجمة مفتوحة، وذكر لها الزجاج معنيين. # أحدهما: أنتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا؛ يقال: صل ~~اللحم وأصل: إذا أنتن وتغير. # والثاني: صرنا من جنس الصلة، وهي الأرض اليابسة. # قوله تعالى: { أإئنا لفي خلق جديد }؟! هذا استفهام إنكار. # قوله تعالى: { الذي وكل بكم } أي: بقبض أرواحكم { ثم إلى ~~ربكم ترجعون } يوم الجزاء. # ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسو ~~رؤوسهم } أي: مطأطئوها حياء وندما، { ربنا } فيه إضمار { يقولون ~~ربنا } { أبصرنا وسمعنا } أي: علمنا صحة ما كنا به ~~مكذبين { فارجعنا } إلى الدنيا؛ وجواب «لو» متروك تقديره: لو رأيت ~~حالهم لرأيت ما يعتبر به، ولشاهدت العجب. ### || [32.13-17] # قوله تعالى: { ولكن حق القول مني } أي: وجب وسبق؛ والقول هو ~~قوله لإبليس # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [ص: 85]. # قوله تعالى: { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } أي: من ~~كفار الفريقين. { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } قال مقاتل: إذا ~~دخلوا النار قالت لهم الخزنة: فذوقوا العذاب. وقال غيره: إذا اصطرخوا ~~فيها قيل لهم: ذوقوا بما نسيتم، أي: بما تركتم العمل للقاء يومكم ~~هذا، { إنا نسيناكم } أي: تركناكم من الرحمة. # قوله تعالى: { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها } أي: ~~وعظوا بها { خروا سجدا } أي: سقطوا على وجوههم ساجدين. وقيل: ~~المعنى: إنما يؤمن بفرائضنا من الصلوات الخمس الذين إذا ذكروا ~~بها بالأذان والإقامة خروا سجدا. # قوله تعالى: { تتجافى جنوبهم } اختلفوا فيمن نزلت وفي الصلاة التي ~~تتجافى لها جنوبهم على أربعة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في المتهجدين بالليل؛ # " روى معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: { تتجافى ~~جنوبهم } قال: «قيام العبد من الليل» " # وفي لفظ آخر أنه قال لمعاذ: # " إن شئت ms1595 أنبأتك بأبواب الخير» قال: قلت أجل يا رسول الله، قال: ~~«الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل ~~يبتغي وجه الله» " # ? ثم قرأ: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع }. وكذلك قال الحسن، ومجاهد، ~~وعطاء، وأبو العالية، وقتادة، وابن زيد أنها في قيام الليل. وقد روى ~~العوفي عن ابن عباس قال: تتجافى جنوبهم لذكر الله، كلما استيقظوا ~~ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في قيام، أو في قعود، أو على ~~جنوبهم، فهم لا يزالون يذكرون الله عز وجل. # والثاني: أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك. # والثالث: أنها نزلت في صلاة العشاء [كأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا ينامون حتى يصلوها، قاله ابن عباس. # والرابع: أنها صلاة العشاء] والصبح في جماعة، قاله أبو الدرداء، ~~والضحاك. # ومعنى «تتجافى»: ترتفع. والمضاجع جمع مضجع، وهو الموضع الذي ~~يضطجع عليه. # { يدعون ربهم خوفا } من عذابه { وطمعا } في رحمته [وثوابه] { ~~ومما رزقناهم ينفقون } في الواجب والتطوع. # { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم } وأسكن ياء «أخفي» حمزة، ~~ويعقوب. قال الزجاج: في هذا دليل على أن المراد بالآية التي قبلها: ~~الصلاة في جوف الليل، لأنه عمل يستر الإنسان به، فجعل لفظ ما يجازى ~~به { أخفي لهم } ، فاذا فتحت ياء «أخفي»، فعلى تأويل الفعل الماضي، ~~وإذا أسكنتها، فالمعنى: ما أخفي أنا لهم، إخبار عن الله تعالى؛ ~~وكذلك قال الحسن البصري: أخفي لهم، بالخفية خفية، وبالعلانية علانية. ~~وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم: { فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم } ". # قوله تعالى: { من قرة أعين } وقرأ أبو الدرداء، وأبو هريرة، وأبو ~~عبد الرحمن السلمي، والشعبي، وقتادة: { من قرات أعين } [بألف] على ~~الجمع. ### || [32.18-22] # قوله تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن ms1596 الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال لعلي بن أبي طالب: أنا ~~أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي: ~~اسكت فانما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية، فعنى بالمؤمن عليا، وبالفاسق ~~الوليد، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن يسار، وعبد ~~الرحمن ابن أبي ليلى، ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل، قاله شريك. # قوله تعالى: { لا يستوون } قال الزجاج: المعنى: لا يستوي المؤمنون ~~والكافرون؛ ويجوز أن يكون لاثنين، لأن معنى الاثنين جماعة؛ وقد شهد الله ~~بهذا الكلام لعلي عليه السلام بالايمان وأنه في الجنة، لقوله: { ~~أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى }. وقرأ ابن ~~مسعود، وطلحة بن مصرف: { جنة المأوى } على التوحيد. # قوله تعالى: { نزلا } وقرأ الحسن، والنخعي، والأعمش، وابن أبي عبلة: ~~{ نزلا } بتسكين الزاي. وما بعد هذا قد سبق بيانه [الحج:22] إلى قوله ~~تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } وفيه ستة أقوال. # أحدها: أنه ما أصابهم يوم بدر، رواه مسروق عن ابن مسعود، وبه قال قتادة، ~~والسدي. # والثاني: سنون أخذوا بها، رواه أبو عبيدة عن ابن مسعود، وبه قال ~~النخعي. وقال مقاتل: أخذوا بالجوع سبع سنين. # والثالث: مصائب الدنيا، قاله أبي بن كعب، وابن عباس في رواية ابن أبي ~~طلحة، وأبو العالية، والحسن، وقتادة، والضحاك. # والرابع: الحدود، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والخامس: عذاب القبر، قاله البراء. # والسادس: القتل والجوع، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { دون العذاب الأكبر } أي: قبل العذاب الأكبر؛ وفيه ~~قولان. # أحدهما: أنه عذاب يوم القيامة، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنه القتل ببدر، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { لعلهم يرجعون } قال أبو العالية: لعلهم يتوبون. وقال ~~ابن مسعود: لعل من بقي منهم يتوب. وقال مقاتل: لكي يرجعوا عن الكفر ~~إلى الإيمان. # قوله تعالى: # ومن أظلم # قد فسرناه في [الكهف:57]. # قوله تعالى: { إنا من المجرمين منتقمون } قال زيد بن رفيع: هم أصحاب ~~القدر. وقال مقاتل: هم كفار مكة انتقم الله منهم بالقتل ببدر، وضربت ~~الملائكة وجوههم وأدبارهم، ms1597 وعجل أرواحهم إلى النار. ### || [32.23-30] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة { فلا تكن في ~~مرية من لقائه } فيه أربعة أقوال. # أحدها: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه، رواه ابن عباس عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # والثاني: من لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله أبو العالية، ومجاهد، ~~وقتادة، وابن السائب. # والثالث: فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى، قاله الحسن. # والرابع: لا تكن في مرية من تلقى موسى كتاب الله بالرضى والقبول، ~~قاله السدي. قال الزجاج: وقد قيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، ~~فتكون الهاء للكتاب. وقال أبو علي الفارسي: المعنى: من لقاء موسى الكتاب، ~~فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح له على امتثاله ما أمر به، ~~وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل. وفي قوله: { وجعلناه هدى } قولان. # أحدهما: الكتاب، قاله الحسن. # والثاني: موسى، قاله قتادة. # { وجعلنا منهم } أي: من بني إسرائيل { أئمة } أي: قادة في الخير { ~~يهدون بأمرنا } أي: يدعون الناس إلى طاعة الله { لما صبروا } [قرأ ~~ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: { لما صبروا } بفتح ~~اللام وتشديد الميم. وقرأ حمزة، والكسائي: { لما } بكسر اللام خفيفة. ~~وقرأ ابن مسعود { بما } بباء مكان اللام؛ والمراد: صبرهم] على دينهم وأذى ~~عدوهم { وكانوا بآياتنا يوقنون } أنها من الله عز وجل؛ وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم الأنبياء. # والثاني: أنهم قوم صالحون سوى الأنبياء. وفي هذا تنبيه لقريش أنكم إن ~~أطعتم جعلت منكم أئمة. # قوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم } أي: يقضي ويحكم؛ وفي ~~المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم الأنبياء وأممهم. # والثاني: المؤمنون والمشركون. # ثم خوف كفار مكة بقوله: { أولم يهد لهم } وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي: { نهد } بالنون. وقد سبق تفسيره في [طه:128]. # { أولم يروا أنا نسوق الماء } يعني المطر والسيل { إلى ~~الأرض الجرز } وهي التي لا تنبت - وقد ذكرناها في أول [الكهف:8] - ~~فاذا جاء الماء أنبت فيها ما يأكل الناس والأنعام. # { ويقولون } يعني كفار مكة { متى هذا الفتح ms1598 } وفيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه ما فتح يوم بدر؛ روى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ~~يوم بدر فتح للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم بعد الموت. # والثاني: أنه يوم القيامة، وهو يوم الحكم بالثواب والعقاب، قاله مجاهد. # والثالث: أنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا؛ قاله السدي. # والرابع: فتح مكة، قاله ابن السائب، والفراء، وابن قتيبة؛ وقد اعترض ~~على هذا القول، فقيل: كيف لا ينفع الكفار إيمانهم يوم الفتح، وقد أسلم ~~جماعة وقبل إسلامهم يومئذ؟! فعنه جوابان. # أحدهما: لا ينفع من قتل من الكفار يومئذ إيمانهم بعد الموت؛ وقد ~~ذكرناه عن ابن عباس. وقد ذكر أهل السير أن خالدا دخل يوم الفتح من ~~غير الطريق التي دخل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيه صفوان بن ~~أمية وسهيل ابن عمرو في آخرين فقاتلوه، فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم، ~~فقتل أربعة وعشرين من قريش، وأربعة من هذيل، وانهزموا، فلما ظهر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألم أنه عن القتال»؟ فقيل: إن خالدا ~~قوتل فقاتل. # والثاني: لا ينفع الكفار ما أعطوا من الأمان، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " # قال الزجاج: يقال: آمنت فلانا إيمانا، فعلى هذا يكون المعنى: لا ~~يدفع هذا الأمان عنهم عذاب الله. وهذا القول الذي قد دافعنا عنه ليس ~~بالمختار، وإنما بينا وجهه لأنه قد قيل. # وقد خرج بما ذكرنا في الفتح قولان. # أحدهما: أنه الحكم والقضاء، وهو الذي نختاره. # والثاني: فتح البلد. # قوله تعالى: { فأعرض عنهم وانتظر } أي: انتظر عذابهم { إنهم ~~منتظرون } بك حوادث الدهر. قال المفسرون: وهذه الآية منسوخة بأية ~~السيف. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-4] # قوله تعالى: { يا أيها النبي اتق الله } سبب نزولها أن أبا سفيان ~~بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، قدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على عبد ms1599 الله بن ~~أبي، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس؛ فتكلموا فيما بينهم، وأتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوه إلى أمرهم وعرضوا عليه أشياء ~~كرهها، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال مقاتل: سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفض ذكر اللات والعزى ويقول: ~~إن لها شفاعة، فكره ذلك، ونزلت [هذه] الآية. وقال ابن جرير: { ولا ~~تطع الكافرين } الذين يقولون: اطرد عنا أتباعك من ضعفاء المسلمين { ~~والمنافقين } فلا تقبل منهم رأيا. # فان قيل: ما الفائدة في أمر الله تعالى رسوله بالتقوى، وهو سيد ~~المتقين؟! فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو عليه. # والثاني: الإكثار مما هو فيه. # والثالث: أنه خطاب ووجه به، والمراد أمته. # قال المفسرون: وأراد بالكافرين في هذه الآية: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا ~~الأعور، وبالمنافقين: عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ~~وطعمة بن أبيرق. وما بعد هذا قد سبق بيانه [النساء:81] إلى قوله: { ~~ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } وفي سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن المنافقين كانوا يقولون: لمحمد قلبان، قلب معنا، وقلب مع ~~أصحابه، فأكذبهم الله تعالى، ونزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في جميل بن معمر الفهري كذا نسبه جماعة من ~~المفسرين. وقال الفراء: جميل بن أسد، ويكنى: أبا معمر. وقال مقاتل: ~~أبو معمر بن أنس الفهري - وكان لبيبا حافظا لما سمع، فقالت قريش: ~~ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان في جوفه، وكان يقول: إن لي قلبين ~~أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما كان يوم بدر وهزم ~~المشركون وفيهم يومئذ جميل بن معمر، تلقاه أبو سفيان وهو معلق إحدى ~~نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: ما حال الناس؟ فقال: انهزموا، ~~قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا ~~أنهما في رجلي، فعرفوا [يومئذ] أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في ~~يده؛ وهذا قول جماعة ms1600 من المفسرين. وقد قال الزهري في هذا قولا عجيبا، ~~قال: بلغنا أن ذلك في زيد ابن حارثة ضرب له مثل يقول: ليس ابن رجل ~~آخر ابنك. قال الأخفش: «من» زائدة في قوله: { من قلبين }. قال ~~الزجاج: أكذب الله عز وجل هذا الرجل الذي قال: لي قلبان، ثم قرر بهذا ~~الكلام ما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال: { وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } فأعلم الله تعالى ~~أن الزوجة لا تكون أما، وكانت الجاهلية تطلق بهذا الكلام، وهو أن ~~يقول لها: أنت علي كظهر أمي، وكذلك قوله: { وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم } أي: ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ~~ابنا { ذلكم قولكم بأفواهكم } أي: نسب من لا حقيقة لنسبه قول ~~بالفم لا حقيقة تحته { والله يقول الحق } أي: لا يجعل غير الابن ~~ابنا { وهو يهدي السبيل } أي: للسبيل المستقيم. # وذكر المفسرون أن قوله: { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون ~~منهن } نزلت في اوس بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة. # ومعنى الكلام: ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن كأمهاتكم في ~~التحريم، إنما قولكم معصية، وفيه كفارة، وأزواجكم لكم حلال؛ ~~وسنشرح هذا في سورة [المجادلة] إن شاء الله. وذكروا أن قوله: { وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم } نزل في زيد بن حارثة، أعتقه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زينب بنت جحش قال اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ~~ينهى الناس عنها، فنزلت هذه الآية. ### || [33.5-6] # قوله تعالى: { أدعوهم لآبائهم } قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن ~~حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت { أدعوهم لآبائهم }. قوله تعالى: { هو ~~أقسط } أي: أعدل، { فان لم تعلموا آباءهم } أي: إن لم تعرفوا آباءهم ~~{ فاخوانكم } أي: فهم إخوانكم، فليقل أحدكم: يا أخي، { ومواليكم } ~~قال الزجاج: أي: بنو عمكم. ويجوز أن يكون { مواليكم } أولياءكم في ~~الدين. # { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: فيما أخطأتم به قبل النهي، قاله ms1601 مجاهد. # والثاني: في دعائكم من تدعونه إلى غير أبيه وأنتم ترونه كذلك، قاله ~~قتادة. # والثالث: فيما سهوتم فيه، قاله حبيب بن أبي ثابت. # فعلى الأول يكون معنى قوله: { ولكن ما تعمدت قلوبكم } أي: بعد ~~النهي. وعلى الثاني والثالث: ما تعمدت في دعاء الرجل إلى غير أبيه. # قوله تعالى: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي: أحق، ~~فله أن يحكم فيهم بما يشاء، قال ابن عباس: إذا دعاهم إلى شيء، ودعتهم ~~أنفسهم إلى شيء، كانت طاعته أولى من طاعة أنفسهم؛ وهذا صحيح، فان ~~أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والرسول يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. ~~قوله تعالى: { وأزواجه أمهاتهم } أي: في تحريم نكاحهن على ~~التأبيد، ووجوب إجلالهن وتعظيمهن؛ ولا تجري عليهن أحكام ~~الأمهات في كل شيء، إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يتزوج ~~بناتهن، ولورثن المسلمين، ولجازت الخلوة بهن. وقد روى مسروق ~~عن عائشة أن أمرأة قالت: يا أماه، فقالت: لست لك بأم؛ إنما ~~أنا أم رجالكم؛ فبان بهذا الحديث أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن ~~فقط. وقال مجاهد: «وأزواجه أمهاتهم» وهو أب لهم. وما بعد هذا مفسر ~~في آخر [الأنفال] إلى قوله تعالى: { من المؤمنين والمهاجرين } والمعنى ~~أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة ~~كما كانوا يفعلون قبل النسخ { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } ~~[وهذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن فعلكم إلى أوليائكم ~~معروفا] جائز، وذلك أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة، ~~أباح الوصية للمعاقدين، فللانسان أن يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلثه. ~~فالمعروف هاهنا: الوصية. # قوله تعالى: { كان ذلك } يعني نسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي ~~الأرحام { في الكتاب } يعني اللوح المحفوظ { مسطورا } أي: مكتوبا. ### || [33.7-9] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا } المعنى: واذكر إذ أخذنا { من النبيين ~~ميثاقهم } أي: عهدهم؛ وفيه قولان. # أحدهما: أخذ ميثاق النبيين: أن يصدق بعضهم بعضا، قاله قتادة. # والثاني: أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضا، وأن ~~ينصحوا لقومهم، قاله مقاتل. وهذا الميثاق أخذ ms1602 منهم حين أخرجوا من ظهر ~~آدم كالذر. قال أبي بن كعب: لما أخذ ميثاق الخلق خص ~~النبيين بميثاق آخر. # فان قيل: لم خص الأنبياء الخمسة بالذكر دون غيرهم من الأنبياء؟ # فالجواب: أنه نبه بذلك على فضلهم، لأنهم أصحاب الكتب والشرائع؛ وقدم ~~نبينا صلى الله عليه وسلم بيانا لفضله عليهم. قال قتادة: كان نبينا ~~أول النبيين في الخلق. # وقوله: { ميثاقا غليظا } أي: شديدا على الوفاء بما حملوا. وذكر ~~المفسرون أن ذلك العهد الشديد: اليمين بالله عز وجل. { ليسأل ~~الصادقين } يقول: أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين، وهم الأنبياء { عن ~~صدقهم } في تبليغهم. ومعنى سؤال الأنبياء وهو يعلم صدقهم تبكيت ~~مكذبيهم. وهاهنا تم الكلام. ثم أخبر بعد ذلك عما أعد للكافرين ~~بالرسل. # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود } وهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام ~~الخندق. # الإشارة إلى القصة. # ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجلى ~~بني النضير، ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة فألبوا ~~قريشا ودعوهم إلى الخروج لقتاله، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان ~~وسليم، ففارقوهم على مثل ذلك. وتجهزت قريش ومن تبعهم من العرب، فكانوا ~~أربعة آلاف، وخرجوا يقودهم أبو سفيان، ووافتهم بنو سليم ب «مر ~~الظهران» وخرجت بنو أسد، وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، فكان جميع من وافى ~~الخندق من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب؛ فلما بلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خروجهم من مكة، أخبر الناس خبرهم، وشاورهم، فأشار سلمان ~~بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى سفح «سلع»، وجعل سلعا خلف ظهره؛ ودس أبو سفيان بن حرب ~~حيي بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكونوا معهم عليه، فأجابوا، واشتد الخوف، ~~وعظم البلاء، ثم جرت بينهم مناوشة وقتال، وحصر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى ms1603 خلص إليهم الكرب، وكان نعيم ~~بن مسعود الأشجعي قد أسلم، فمشى بين قريش وقريظة وغطفان فخذل بينهم، ~~فاستوحش كل منهم من صاحبه، واعتلت قريظة بالسبت فقالوا: لا نقاتل فيه، ~~وهبت ليلة السبت ريح شديدة، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم ~~والله لستم بدار مقام، لقد هلك الخف والحافر، وأجدب الجناب، ~~وأخلفتنا قريظة، ولقينا من الريح ما ترون، فارتحلوا فاني مرتحل؛ ~~فأصبحت العساكر قد أقشعت كلها. قال مجاهد: والريح التي أرسلت عليهم ~~هي الصبا، حتى أكفأت قدورهم، ونزعت فساطيطهم. والجنود: الملائكة، ولم ~~تقاتل يومئذ. وقيل: إن الملائكة جعلت تقلع أوتادهم وتطفىء نيرانهم ~~وتكبر في جوانب عسكرهم، فاشتدت عليهم، فانهزموا من غير قتال. # قوله تعالى: { لم تروها } وقرأ النخعي، والجحدري، والجوني، وابن ~~السميفع: { لم يروها } بالياء { وكان الله بما تعملون بصيرا } ~~وقرأ أبو عمرو: [ { يعملون } ] بالياء. ### || [33.10-12] # قوله تعالى: { إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } أي: من فوق ~~الوادي ومن أسفله { وإذ زاغت الأبصار } أي: مالت وعدلت، فلم تنظر ~~إلى شيء إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب، { وبلغت القلوب ~~الحناجر } وهي جمع حنجرة، والحنجرة: جوف الحلقوم. قال قتادة: ~~شخصت عن مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت. وقال ~~غيره: المعنى: أنهم جبنوا وجزع أكثرهم؛ وسبيل الجبان إذا اشتد ~~خوفه أن تنتفخ رئته فيرتفع حينئذ القلب إلى الحنجرة، وهذا المعنى ~~مروي عن ابن عباس والفراء. وذهب ابن قتيبة إلى أن المعنى: كادت القلوب ~~تبلغ الحلوق من الخوف. وقال ابن الأنباري: «كاد» لا يضمر ولا ~~يعرف معناه إذا لم ينطق به. # قوله تعالى: { وتظنون بالله الظنونا } قال الحسن: اختلفت ظنونهم، ~~فظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون، وظن المؤمنون أنه ينصر. # قرأ ابن كثير، والكسائي، وحفص عن عاصم: { الظنونا } و # الرسولا # [الأحزاب:66] و # السبيلا # [الأحزاب: 67] بألف إذا وقفوا عليهن، وبطرحها في الوصل. وقال هبيرة عن ~~حفص عن عاصم: وصل أو وقف بألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: ~~بالألف فيهن وصلا ووقفا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بغير ms1604 ألف في ~~وصل ولا وقف. قال الزجاج: والذي عليه حذاق النحويين والمتبعون ~~السنة من قرائهم أن يقرؤوا: { الظنونا } ويقفون على الألف ولا ~~يصلون؛ وإنما فعلوا ذلك، لأن أواخر الآيات عندهم فواصل يثبتون في ~~آخرها الألف في الوقف. # قوله تعالى: { هنالك } أي: عند ذلك { ابتلي المؤمنون } أي: ~~اختبروا بالقتال والحصر ليتبين المخلص من المنافق { وزلزلوا } ~~أي: أزعجوا وحركوا بالخوف، فلم يوجدوا إلا صابرين. وقال الفراء: ~~حركوا إلى الفتنة تحريكا، فعصموا. # قوله تعالى: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } فيه قولان. # أحدهما: أنه الشرك، قاله الحسن. # والثاني: النفاق، قاله قتادة { ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا } قال المفسرون: قالوا يومئذ: إن محمدا يعدنا أن نفتح مدائن ~~كسرى وقيصر وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله! هذا والله الغرور. وزعم ~~ابن السائب أن قائل هذا معتب بن قشير. ### || [33.13-17] # قوله تعالى: { وإذ قالت طائفة منهم } يعني من المنافقين. وفي القائلين ~~لهذا منهم قولان. # أحدهما: عبد الله بن أبي وأصحابه، قاله السدي. # والثاني: بنو سالم من المنافقين، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { يا أهل يثرب } قال أبو عبيدة: يثرب: اسم أرض، ومدينة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية منها. قوله تعالى: { لا مقام لكم ~~} وقرأ حفص عن عاصم { لا مقام } بضم الميم. قال الزجاج: من ضم ~~الميم، فالمعنى: لا إقامة لكم؛ ومن فتحها، فالمعنى: لا مكان لكم تقيمون ~~فيه. وهؤلاء كانوا يثبطون المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { فارجعوا } أي: إلى المدينة، وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خرج بالمسلمين حتى عسكروا ب «سلع»، وجعلوا الخندق بينهم ~~وبين القوم، فقال المنافقون للناس: ليس لكم هاهنا مقام، لكثرة العدو، ~~وهذا قول الجمهور. وحكى الماوردي قولين [آخرين]. # أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب، قاله ~~الحسن. # والثاني: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى طلب الأمان، قاله ~~الكلبي. # قوله تعالى: { ويستأذن فريق منهم النبي } فيه قولان. # أحدهما: أنهم بنو حارثة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: بنو ms1605 حارثة ابن ~~الحارث بن الخزرج. وقال السدي: إنما استأذنه رجلان من بني حارثة. # والثاني: بنو حارثة، وبنو سلمة بن جشم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { إن بيوتنا عورة } قال ابن قتيبة: أي: خالية، فقد ~~أمكن من أراد دخولها، وأصل العورة: ما ذهب عنه الستر والحفظ، ~~فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت، فاذا ذهبوا أعورت البيوت، تقول ~~العرب: أعور منزلي: إذا ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور ~~الفارس: إذا بان منه موضع خلل للضرب والطعن، يقول الله: { وما هي ~~بعورة } لأن الله يحفظها، ولكن يريدون الفرار. وقال الحسن، ومجاهد: ~~قالوا: بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا ~~مما يلي العدو، ولا نأمن على أهلنا، فكذبهم الله وأعلم أن قصدهم ~~الفرار. # قوله تعالى: { ولو دخلت عليهم من أقطارها } يعني المدينة؛ والأقطار: ~~النواحي والجوانب، واحدها: قطر، { ثم سئلوا الفتنة } وقرأ علي بن أبي ~~طالب عليه السلام، والضحاك، والزهري، وأبو عمران، وأبو جعفر، وشيبة: { ثم ~~سيلوا } برفع السين وكسر الياء من غير همز. وقرأ أبي بن كعب، ~~ومجاهد، وأبو الجوزاء: { ثم سوءلوا } برفع السين ومد الواو بهمزة ~~مكسورة بعدها. وقرأ الحسن، وأبو الأشهب: { ثم سولوا } برفع السين وسكون ~~الواو من غير مد ولا همز. وقرأ الأعمش، وعاصم الجحدري: { ثم سيلوا } ~~بكسر السين ساكنة الياء من غير همز ولا واو. ومعنى: { سئلوا الفتنة } ، ~~أي: سئلوا فعلها؛ [والفتنة: الشرك، { لآتوها } ] قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر: { لأتوها } بالقصر، أي: لقصدوها، ولفعلوها. # وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: { لآتوها } بالمد، أي ~~لأعطوها. قال ابن عباس في معنى الآية: لو ان الأحزاب دخلوا المدينة ثم ~~أمروهم بالشرك لأشركوا. # قوله تعالى: { وما تلبثوا بها إلا يسيرا } فيه قولان. # أحدهما: وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا، قاله قتادة. # والثاني: وما تلبثوا بالمدينة بعد الإجابة إلا يسيرا حتى ~~يعذبوا، قاله السدي، وحكى أبو سليمان الدمشقي في الآية قولا عجيبا، ~~وهو أن الفتنة هاهنا: الحرب، والمعنى: ولو دخلت المدينة على أهلها من ~~أقطارها، ثم سئل هؤلاء المنافقون الحرب لأتوها مبادرين، ms1606 وما تلبثوا ~~يعني الجيوش الداخلة عليهم بها - إلا قليلا حتى يخرجوهم منها؛ ~~وإنما منعهم من القتال معك ما قد تداخلهم من الشك في دينك؛ قال: ~~وهذا المعنى حفظته من كتاب الواقدي. # قوله تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } في وقت معاهدتهم ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم ناس غابوا عن وقعة بدر، فلما علموا ما اعطى الله أهل ~~بدر من الكرامة قالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن، قاله قتادة. # والثاني: أنهم أهل العقبة، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على طاعة الله ونصرة رسوله، قاله مقاتل. # والثالث: أنه لما نزل بالمسلمين يوم أحد ما نزل، عاهد الله معتب ~~بن قشير وثعلبة بن حاطب: لا نولي دبرا قط، فلما كان يوم ~~الأحزاب نافقا، قاله الواقدي، واختاره أبو سليمان الدمشقي، وهو اليق ~~مما قبله. وإذا كان الكلام في حق المنافقين، فكيف يطلق القول على ~~أهل العقبة كلهم! # قوله تعالى: { وكان عهد الله مسؤولا } أي: يسألون عنه في الآخرة. # ثم أخبر أن الفرار لا يزيد في آجالهم، فقال: { قل لن ينفعكم الفرار ~~إن فرتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون } بعد الفرار في ~~الدنيا { إلا قليلا } وهو باقي آجالكم. # ثم أخبر ان ما قدره عليهم لا يدفع، بقوله: { من ذا الذي يعصمكم ~~من الله } أي: يجيركم ويمنعكم منه { إن أراد بكم سوءا } وهو ~~الإهلاك والهزيمة والبلاء { أو أراد بكم رحمة } وهي النصر والعافية ~~والسلامة { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } أي: لا ~~يجدون مواليا ولا ناصرا يمنعهم من مراد الله فيهم. ### || [33.18-22] # قوله تعالى: { قد يعلم الله المعوقين منكم } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: أن رجلا انصرف من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الأحزاب، فوجد أخاه لأمه وابيه وعنده شواء ونبيذ، فقال له: أنت ~~هاهنا ورسول الله بين الرماح والسيوف؟! فقال: هلم إلي، لقد ~~أحيط بك وبصاحبك؛ والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا؛ فقال له: ~~كذبت، والذي يحلف به، أما والله لأخبرن رسول ms1607 الله صلى الله ~~عليه وسلم بأمرك، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجده ~~قد نزل جبريل بهذه الآية إلى قوله: { يسيرا } ، هذا قول ابن زيد. # والثاني: أن عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والمنافقين الذين ~~رجعوا من الخندق إلى المدينة، كانوا إذا جاءهم منافق قالوا له: ويحك ~~اجلس فلا تخرج، ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين في العسكر أن ائتونا ~~بالمدينة فإنا ننتظركم - يثبطونهم عن القتال - وكانوا لا يأتون ~~العسكر إلا أن لا يجدوا بدا، فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم، ~~فاذا غفل عنهم، عادوا إلى المدينة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. # والمعوق: المثبط؛ تقول: عاقني فلان، واعتاقني، وعوقني: إذا منعك ~~عن الوجه الذي تريده. وكان المنافقون يعوقون عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نصاره. # قوله تعالى: { والقائلين لإخوانهم هلم إلينا } فيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه المنافق الذي قال لأخيه ما ذكرناه في قول ابن زيد. # والثاني: أنهم اليهود دعوا إخوانهم من المنافقين إلى ترك القتال، ~~قاله مقاتل. # والثالث: أنهم المنافقون دعوا المسلمين إليهم عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { ولا يأتون البأس } أي: لا يحضرون القتال في سبيل الله { ~~إلا قليلا } للرياء والسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك [القليل] ~~لله لكان كثيرا. # قوله تعالى: { أشحة عليكم } قال الزجاج: هو منصوب على الحال. ~~المعنى: لا يأتون الحرب إلا تعذيرا، بخلاء عليكم. # وللمفسرين فيما شحوا به أربعة أقوال. # أحدها: أشحة بالخير، قاله مجاهد. # والثاني: بالنفقة في سبيل الله. # والثالث: بالغنيمة، رويا عن قتادة. وقال الزجاج: بالظفر والغنيمة. # والرابع: بالقتال معكم، حكاه الماوردي. # ثم أخبر عن جبنهم فقال: { فاذا جاء الخوف } أي: إذا حضر القتال { ~~رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينم كالذي يغشى عليه من الموت } أي: ~~كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي دنا موته وغشيته ~~أسبابه، فانه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره فلا يطرف، فكذلك هؤلاء، ~~لأنهم يخافون القتل. # { فاذا ذهب الخوف سلقوكم } قال الفراء: آذوكم بالكلام في الأمن ms1608 { ~~بألسنة حداد } سليطة ذربة، والعرب تقول: صلقوكم، بالصاد، ولا يجوز ~~في القراءة؛ وهذا قول الفراء. # وقد قرأ بالصاد أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو عمران الجوني، وابن ~~أبي عبلة في آخرين وقال الزجاج: معنى: { سلقوكم }: خاطبوكم أشد مخاطبة ~~وأبلغها في الغنيمة، يقال: خطيب مسلاق: إذا كان بليغا في خطبته { ~~أشحة على الخير } أي: خاطبوكم وهم أشحة على المال والغنيمة. قال ~~قتادة: إذا كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون: أعطونا ~~فلستم أحق بها منا؛ فأما عند الباس، فأجبن قوم وأخذله للحق، وأما ~~عند الغنيمة، فأشح قوم. # وفي المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الغنيمة. # والثاني: على المال أن ينفقوه في سبيل الله تعالى. # والثالث: على رسول الله صلى الله عليه وسلم بظفره. قوله تعالى: { ~~أولئك لم يؤمنوا } أي: هم وإن أظهروا الإيمان فليسوا بمؤمنين، ~~لنفاقهم { فأحبط الله أعمالهم } قال مقاتل: أبطل جهادهم، لأنه لم ~~يكن في إيمان { وكان ذلك } الإحباط { على الله يسيرا }. # ثم أخبر عنهم بما يدل على جبنهم، فقال: { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ~~} أي: يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب بعد انهزامهم ~~وذهابهم لم يذهبوا، { وإن يأت الأحزاب } [أي]: يرجعوا إليهم كرة ~~ثانية للقتال { يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } أي: يتمنوا لو ~~كانوا في بادية الأعراب من خوفهم، { يسألون عن أنبائكم } أي: ودوا لو ~~أنهم بالبعد منكم يسألون عن أخباركم، فيقولون: ما فعل محمد وأصحابه، ~~ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة، فرقا وجبنا؛ وقيل: بل ~~يسألون شماتة بالمسلمين وفرحا بنكباتهم { ولو كانوا فيكم } أي: لو ~~كانوا يشهدون القتال معكم { ما قاتلوا إلا قليلا } فيه قولان. # أحدهما: إلا رميا بالحجارة، قاله ابن السائب. # والثاني: إلا رياء من غير احتساب، قاله مقاتل. # ثم عاب من تخلف بالمدينة بقوله: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة } أي: قدوة صالحة. والمعنى: لقد كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به ~~في الصبر [معه] كما صبر يوم أحد حتى كسرت رباعيته وشج جبينه ~~وقتل عمه، وآساكم مع ذلك بنفسه. ms1609 # وقرأ عاصم: { أسوة } بضم الألف؛ والباقون بكسر الألف؛ وهما لغتان. قال ~~الفراء: أهل الحجاز وأسد يقولون: { إسوة } بالكسر، وتميم وبعض قيس ~~يقولون: { أسوة } بالضم. وخص الله تعالى بهذه الأسوة المؤمنين، ~~فقال: { لمن كان يرجو الهل واليوم الآخر } والمعنى أن الأسوة برسول ~~الله إنما كانت لمن كان يرجو الله { واليوم الآخر }؛ وفيه قولان. # أحدهما: يرجو ما عنده من الثواب والنعيم، قاله ابن عباس. # والثاني: يخشى الله ويخشى البعث، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وذكر الله كثيرا } أي: ذكرا كثيرا، لأن ذاكر ~~الله متبع لأوامره، بخلاف الغافل عنه. # ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب، فقال: { ولما رأى المؤمنون ~~الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله } وفي ذلك الوعد قولان. # أحدهما: أنه قوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم... # الآية: [البقرة:214] فلما عاينوا البلاء يومئذ قالوا: هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدهم النصر والظهور على ~~مدائن كسرى وقصور الحيرة، ذكره الماوردي وغيره. # قوله تعالى: { وما زادهم } يعني ما رأوه { إلا إيمانا } بوعد الله ~~{ وتسليما } لأمره. ### || [33.23-27] # قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ~~اختلفوا فيمن نزلت على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في أنس بن النضر، قاله أنس بن مالك. وقد أخرج البخاري ~~ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال ~~بدر، فلما قدم قال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله عز وجل قتالا ليرين الله ~~ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف الناس، فقال: اللهم إني أبرأ ~~إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين، وأعتذر إليك مما صنع ~~هؤلاء، يعني المسلمين؛ ثم مشى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، ~~والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة. قال ~~سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع؛ قال أنس: فوجدناه ms1610 بين القتلى به ~~بضع وثمانون جراحة، من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد ~~مثلوا به؛ قال: فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه؛ قال أنس: فكنا ~~نقول: أنزلت هذه الآية { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ~~فيه وفي أصحابه. # والثاني: أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله، روى النزال بن سبرة عن ~~علي عليه السلام أنهم قالوا له: حدثنا عن طلحة، قال: ذاك امرؤ نزلت ~~فيه آية من كتاب الله تعالى { فمنهم من قضى نحبه } لا حساب عليه فيما ~~يستقبل. وقد جعل بعض المفسرين هذا القدر من الآية في طلحة، وأولها في ~~أنس. قال ابن جرير: ومعنى الآية: وفوا لله بما عاهدوه عليه. وفي ذلك ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنهم عاهدوا ليلة العقبة على الإسلام والنصرة. # والثاني: أنهم قوم لم يشهدوا بدرا، فعاهدوا الله أن لا يتأخروا ~~بعدها. # والثالث: أنهم عاهدوا أن لا يفروا إذا لاقوا، فصدقوا. # والرابع: أنهم عاهدوا على البأساء والضراء وحين البأس. # قوله تعالى: { فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر } فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: فمنهم من مات، ومنهم من ينتظر الموت، قاله ابن عباس. # والثاني: فمنهم من قضى عهده قتل أو عاش. ومنهم من ينتظر أن يقضيه ~~بقتال أو صدق لقاء، قاله مجاهد. # والثالث: فمنهم من قضى نذره الذي كان نذر، قاله أبو عبيدة. فيكون ~~النحب على القول الأول: الأجل؛ وعلى الثاني: العهد؛ وعلى الثالث: ~~النذر. وقال ابن قتيبة: { قضى نحبه } أي: قتل، وأصل النحب: ~~النذر، كأن قوما نذورا أنهم إن لقوا العدو قاتلوا حتى يقتلوا ~~أو يفتح الله عليهم، فقتلوا، فقيل: فلان قضى نحبه، أي: قتل، ~~فاستعير النحب مكان الأجل، لأن الأجل وقع بالنحب، وكان ~~النحب سببا له، ومنه قيل: للعطية: «من»، لأن من أعطى فقد من. # قال ابن عباس: ممن قضى نحبه: حمزة بن عبد المطلب، وأنس بن النضر ~~وأصحابه. وقال ابن إسحاق: { فمنهم من قضى نحبه } من استشهد يوم بدر ~~وأحد، { ومنهم من ينتظر } ما وعد الله من نصره، أو الشهادة على ms1611 ما ~~مضى عليه أصحابه { وما بدلوا } أي: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ~~ربهم عليه كما غير المنافقون. # قوله تعالى: { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } وهم المؤمنون ~~الذين صدقوا فيما عاهدوا { الله } عليه { ويعذب المنافقين } بنقض ~~العهد { إن شاء } وهو أن يميتهم على نفاقهم { أو يتوب عليهم } في ~~الدنيا، فيخرجهم من النفاق إلى الإيمان، فيغفر لهم. # { ورد الله الذين كفروا } يعني الأحزاب، صدهم ومنعهم عن الظفر ~~بالمسلمين { بغيظهم } أي: لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا { لم ~~ينالوا خيرا }. أي: لم يظفروا بالمسلمين، وكان ذلك عندهم خيرا، فخوطبوا ~~على استعمالهم { وكفى الله المؤمنين القتال } بالريح والملائكة، { ~~وأنزل الذين ظاهروهم } أي: عاونوا الأحزاب، وهم بنو قريظة، وذلك أنهم ~~نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، وصاروا مع ~~المشركين يدا واحدة. # وهذه الإشارة إلى قصتهم. # ذكر أهل العلم بالسيرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الخندق وضع عنه ~~اللأمة واغتسل، فتبدى له جبريل، فقال: ألا أراك وضعت اللأمة، وما ~~وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة؟! إن الله يأمرك أن تسير إلى بني ~~قريظة فاني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم؛ فدعا عليا فدفع لواءه ~~إليه، وبعث بلالا فنادى في الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة، ثم سار إليهم فحاصرهم خمسة ~~عشر يوما أشد الحصار، وقيل: عشرين ليلة، فأرسلوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله ~~إليهم، فشاوروه في أمرهم، فأشار إليهم بيده: إنه الذبح، ثم ندم ~~فقال: خنت الله ورسوله، فانصرف، فارتبط في المسجد حتى أنزل الله ~~توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم رسول ~~الله محمد ابن مسلمة، وكتفوا، ونحوا ناحية، وجعل النساء ~~والذرية ناحية. وكلمت الأوس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يهبهم لهم، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ " # ؛ هكذا ms1612 ذكر محمد بن سعد. وحكى غيره: # " أنهم نزلوا أولا على حكم سعد بن معاذ، وكان بينهم وبين قومه حلف، ~~فرجوا أن تأخذه فيهم هوادة، فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه ~~المواسي، وتسبى النساء والذراري، وتقسم الأموال. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»؛ وانصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود ~~في السوق، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، وأخرجوا ~~إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة ". # قوله تعالى: { من صياصيهم } قال ابن عباس وقتادة: من حصونهم؛ قال ابن ~~قتيبة: وأصل الصياصي: قرون البقر، لأنها تمتنع بها وتدفع عن أنفسها؛ ~~فقيل: للحصون: الصياصي، لأنها تمنع، وقال الزجاج: كل قرن صيصية، وصيصية ~~الديك: شوكة يتحصن بها. # قوله تعالى: { وقذف في قلوبهم الرعب } أي: ألقى فيها الخوف { ~~فريقا تقتلون } وهم المقاتلة { وتأسرون } وقرأ ابن يعمر، وابن أبي ~~عبلة: { وتأسرون } برفع السين { فريقا } وهم النساء والذراري، { ~~وأورثكم أرضهم وديارهم } يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم { وأموالهم } ~~من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء { وأرضا لم تطؤوها } أي: لم ~~تطؤوها بأقدامكم بعد، وهي مما سنفتحها عليكم؛ وفيها أربعة أقوال. # أحدها: أنها فارس والروم، قاله الحسن. # والثاني: ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة، قاله عكرمة. # والثالث: مكة، قاله قتادة. # والرابع: خيبر، قاله ابن زيد، وابن السائب، وابن إسحاق، ومقاتل. ### || [33.28-34] # قوله تعالى: { يا أيها النبي قل لأزواجك... } الآية، ذكر أهل ~~التفسير # " أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن ~~منه زيادة النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منهن شهرا، وصعد إلى غرفة له فمكث فيها، فنزلت ~~هذه الآية، وكن أزواجه يومئذ تسعا. عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، ~~وسودة، وأم سلمة، وصفية الخيبريه، وميمونة الهلالية؛ وزينب بنت ~~جحش، وجويرية بنت الحارث، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض الآية ~~عليهن، فبدأ بعائشة، فاختارت الله ورسوله، ms1613 ثم قالت: يا رسول الله لا ~~تخبر أزواجك أني اخترتك؛ فقال: «إن الله بعثني مبلغا ولم يبعثني ~~متعنتا» " # وقد ذكرت حديث التخيير في كتاب «الحدائق» وفي «المغني» بطوله. وفي ما ~~خيرهن فيه قولان. # أحدهما: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، هذا قول عائشة عليها ~~السلام. # والثاني: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، أو اختيار الآخرة ~~فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن، وقتادة. # وفي سبب تخييره إياهن ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهن سألنه زيادة النفقة. # والثاني: أنهن آذينه بالغيرة، والقولان مشهوران في التفسير. # والثالث: أنه لما خير بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة، ~~أمر بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله، حكاه أبو القاسم الصيمري. # والمراد بقوله: { أمتعكن }: متعة الطلاق. والمراد بالسراح: ~~الطلاق، وقد ذكرنا ذلك في [البقرة:231]. والمراد بالدار الآخرة. الجنة. ~~والمحسنات: المؤثرات للآخرة. # قال المفسرون: فلما اخترنه أثابهن الله عز وجل ثلاثة أشياء. # أحدها: التفضيل على سائر النساء بقوله: { لستن كأحد من النساء }. # والثاني: أن جعلهن أمهات المؤمنين. # والثالث: أن حظر عليه طلاقهن والاستبدال بهن بقوله: # لا يحل لك النساء من بعد # [الأحزاب:52]. وهل أبيح له بعد ذلك التزويج عليهن؟ فيه قولان سيأتي ~~ذكرهما إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: { من يأت منكن بفاحشة مبينة } أي: بمعصية ~~ظاهرة. قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق { يضاعف لها العذاب ~~ضعفين } أي: يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى ~~أجرها على الطاعة مرتين. وإنما ضوعف عقابهن، لأنهن يشاهدن من ~~الزواجر الرادعة مالا يشاهد غيرهن، فاذا لم يمتنعن استحققن تضعيف ~~العذاب، ولأن في معصيتهن أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وجرم من ~~آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من جرم غيره. # قوله تعالى: { وكان ذلك على الله يسيرا } أي: وكان عذابها على الله ~~هينا. { ومن يقنت } أي: تطع، و { وأعتدنا } قد سبق بيانه ~~[النساء:37]، والرزق الكريم: الحسن، وهو الجنة. # ثم أظهر فضيلتهن على النساء بقوله: { لستن كأحد من النساء } ~~قال الزجاج: لم يقل: كواحدة من النساء، ms1614 لأن «أحدا» نفي عام للمذكر ~~والمؤنث والواحد والجماعة. # قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء ~~الصالحات، أنتن أكرم علي، وثوابكن أعظم { إن اتقيتن ~~} ، فشرط عليهن التقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا ~~بنفس اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { فلا ~~تخضعن بالقول } أي: لا تلن بالكلام { فيطمع الذي في قلبه ~~مرض } أي: فجور؛ والمعنى: لا تقلن قولا يجد به منافق أو فاجر ~~سبيلا إلى موافقتكن له؛ والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى ~~الغلظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة. # { وقلن قولا معروفا } أي: صحيحا عفيفا لا يطمع فاجرا. # { وقرن في بيوتكن } قرأ نافع، وعاصم إلا أبان، وهبيرة، والوليد ~~بن مسلم عن ابن عامر: { وقرن } بفتح القاف؛ وقرأ الباقون بكسرها. قال ~~الفراء: من قرأ بالفتح، فهو من قررت في المكان، فخففت، كما قال: # ظلت عليه عاكفا # [طه:97]، ومن قرأ بالكسر، فمن الوقار، يقال: قر في منزلك. وقال ابن ~~قتيبة: من قرأ بالكسر، فهو من الوقار، يقال: وقر في منزله يقر ~~وقورا. ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار. وقرأ أبي بن كعب، وأبو ~~المتوكل { واقررن } باسكان القاف وبراءين الأولى مفتوحة والثانية ~~ساكنة. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة مثله، إلا أنهما كسرا الراء ~~الأولى. # قال المفسرون: ومعنى الآية: الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن ~~وأن لا يخرجن. # قوله تعالى: { ولا تبرجن } قال أبو عبيدة: التبرج: أن يبرزن ~~محاسنهن. وقال الزجاج: التبرج: إظهار الزينة وما يستدعى به شهوة ~~الرجل. # وفي { الجاهلية الأولى } أربعة أقوال. # أحدها: أنها كانت بين إدريس ونوح، وكانت ألف سنة، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنها كانت على عهد إبراهيم عليه السلام، وهو قول عائشة رضي ~~الله عنها. # والثالث: بين نوح وآدم، قاله الحكم. # والرابع: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، قاله الشعبي. قال الزجاج: ~~وإنما قيل: { الأولى } ، لأن كل متقدم أول، وكل متقدمة أولى، ~~فتأويله: أنهم تقدموا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي صفة ms1615 تبرج الجاهلية الأولى ستة أقوال. # أحدها: أن المرأة كانت تخرج فتمشي بين الرجال، فهو التبرج، قاله مجاهد. # والثاني: أنها مشية فيها تكسر وتغنج، قاله قتادة. # والثالث: أنه التبختر، قاله ابن أبي نجيح. # والرابع: أن المرأة منهن كانت تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم ~~تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وذلك في زمن إبراهيم عليه السلام، قاله ~~الكلبي. # والخامس: أنها كانت تلقي الخمار عن رأسها ولا تشده، فيرى قرطها ~~وقلائدها، قاله مقاتل. # والسادس: أنها كانت تلبس الثياب تبلغ المال، لا تواري جسدها، حكاه ~~الفراء. # قوله تعالى: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس } وفيه ~~للمفسرين خمسة أقوال. # أحدها: الشرك، قاله الحسن. # والثاني: الإثم، قاله السدي. # والثالث: الشيطان، قاله ابن زيد. # والرابع: الشك. # والخامس: المعاصي، حكاهما الماوردي. قال الزجاج: الرجس: كل مستقذر من ~~مأكول أو عمل أو فاحشة. # ونصب { أهل البيت } على وجهين. # أحدهما: على معنى: أعني أهل البيت. # والثاني: على النداء، فالمعنى: يا أهل البيت. # وفي المراد بأهل البيت هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهن في بيته، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وابن السائب، ومقاتل. ويؤكذ ~~هذا القول أن ما قبله وبعده متعلق بأزواج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وعلى أرباب هذا القول اعتراض، وهو أن جمع المؤنث بالنون، فكيف ~~قيل: { عنكم } { ويطهركم }؟ فالجواب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيهن، فغلب المذكر. # والثاني: أنه خاص في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة ~~والحسن والحسين، قاله أبو سعيد الخدري. وروي عن أنس وعائشة وأم سلمة نحو ~~ذلك. # والثالث: أنهم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، قاله الضحاك. ~~وحكى الزجاج أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجال الذين هم ~~آله؛ قال: واللغة تدل على أنها للنساء والرجال جميعا، لقوله: «عنكم» ~~بالميم، ولو كانت للنساء، لم يجز إلا «عنكن» «ويطهركن». # قوله تعالى: { ويطهركم تطهيرا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: من الشرك، قاله مجاهد. # والثاني: من ms1616 السوء، قاله قتادة. # والثالث: من الإثم، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: { واذكرن } فيه قولان. # أحدهما: أنه تذكير لهن بالنعم. # والثاني: أنه أمر لهن بحفظ ذلك. فمعنى { واذكرن }: واحفظن { ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله } يعني القرآن. وفي الحكمة قولان. # أحدهما: أنها السنة، قاله قتادة. # والثاني: الأمر والنهي، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { إن الله كان لطيفا } أي: ذا لطف بكن إذ جعلكن ~~في البيوت التي تتلى فيها آياته { خبيرا } بكن إذ اختاركن ~~لرسوله. ### || [33.35] # قوله تعالى: { إن المسلمين والمسلمات } في سبب نزولها خمسة أقوال. # أحدها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن: ما له ليس يذكر ~~إلا المؤمنون، ولا تذكر المؤمنات بشيء؟! فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~ظبيان عن ابن عباس. # والثاني: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يذكر الرجال ولا ~~نذكر! فنزلت هذه الآية، ونزل قوله: # لا أضيع عمل عامل منكم # [آل عمران:195]، قاله مجاهد. # والثالث: أن أم عمارة الأنصارية قالت: قلت: يا رسول الله بأبي ~~وأمي ما بال الرجال يذكرون، ولا تذكر النساء؟! فنزلت هذه ~~الآية، قاله عكرمة. وذكر مقاتل بن سليمان أن أم سلمة وأم عمارة ~~قالتا ذلك، فنزلت [هذه] الآية في قولهما. # والرابع: أن الله تعالى لما ذكر أزواج رسوله دخل النساء المسلمات ~~عليهن فقلن: ذكرتن ولم نذكر، ولو كان فينا خير ذكرنا، ~~فنزلت هذه الآية قاله قتادة. # والخامس: # " أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة دخلت على نساء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي ~~خيبة وخسار، قال: «ومم ذاك»؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما ~~يذكر الرجال " # ، فنزلت هذه الآية، ذكره مقاتل بن حيان. # وقد سبق تفسير ألفاظ الآية في مواضع [البقرة:129، 109، الاحزاب:31، آل ~~عمران:17، البقرة:45، يوسف:88، البقرة:184، الانبياء:91، آل عمران:191]. ### || [33.36-37] # قوله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة... } الآية، في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: # " أن رسول الله ms1617 صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب زينب بنت جحش لزيد بن ~~حارثة، فقالت: لا أرضاه، ولست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «بلى فانكحيه، فاني قد رضيته لك»، فأبت " # ، فنزلت هذه الآية. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ~~والجمهور. وذكر بعض المفسرين أن عبد الله بن جحش أخا زينب كره ذلك كما ~~كرهته زينب، فلما نزلت الآية رضيا وسلما. قال مقاتل: والمراد ~~بالمؤمن: عبد الله بن جحش، والمؤمنة: زينب بنت جحش. # والثاني: # " أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول ~~امرأة هاجرت، فوهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد ~~قبلتك»، وزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما ~~أردنا رسول الله فزوجها عبده " # ؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد. والأول عند المفسرين أصح. # قوله تعالى: { إذا قضى الله ورسوله أمرا } أي: حكما بذلك { أن ~~تكون } وقرأ أهل الكوفة: { أن يكون } بالياء { لهم الخيرة } وقرأ أبو ~~مجلز، وأبو رجاء: { الخيرة } باسكان الياء؛ فجمع في الكناية في قوله ~~«لهم»، لأن المراد جميع المؤمنين والمؤمنات، والخيرة: الاختيار، فأعلم ~~الله عز وجل أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله، فلما زوجها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا مكثت عنده حينا، ثم إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أتى منزل زيد فنظر إليها وكانت بيضاء جميلة من أتم ~~نساء قريش، فوقعت في قلبه، فقال: «سبحان مقلب القلوب»، وفطن زيد، فقال: ~~يا رسول الله ائذن لي في طلاقها. وقال بعضهم: أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منزل زيد، فرأى زينب، فقال: «سبحان مقلب القلوب»، فسمعت ذلك ~~زينب، فلما جاء زيد ذكرت له ذلك، فعلم أنها قد وقعت في نفسه، فأتاه ~~فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها. وقال ابن زيد: جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى باب زيد - وعلى الباب ستر من شعر - فرفعت الريح ~~الستر، فرأى زينب، فلما وقعت في قلبه كرهت إلى الآخر، فجاء فقال: ms1618 يا ~~رسول الله أريد فراقها، فقال له: «اتق الله». وقال مقاتل: لما فطن زيد ~~لتسبيح رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله ائذن لي في ~~طلاقها، فان فيها كبرا، فهي تعظم علي وتؤذيني بلسانها، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: { أمسك عليك زوجك واتق الله }. ثم إن زيدا ~~طلقها بعد ذلك، فأنزل الله تعالى: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~} بالاسلام { وأنعمت عليه } بالعتق. # قوله تعالى: { واتق الله } أي: في أمرها فلا تطلقها { وتخفي في ~~نفسك } أي: تسر وتضمر في قلبك { ما الله مبديه } أي: ~~مظهره؛ وفيه أربعة أقوال. # أحدها: حبها، قاله ابن عباس. # والثاني: عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة، فلما أتى زيد ~~يشكوها، قال له: { أمسك عليك زوجك واتق الله } ، وأخفى في نفسه ما ~~الله مبديه، قاله علي بن الحسين. # والثالث: إيثاره لطلاقها، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل. # والرابع: أن الذي أخفاه: إن طلقها زيد تزوجتها، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { وتخشى الناس } فيه قولان. # أحدهما: أنه خشي اليهود أن يقولوا: تزوج محمد امرأة ابنه، رواه عطاء ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنه خشي لوم الناس أن يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته، ثم ~~نكحها. # قوله تعالى: { والله أحق أن تخشاه } أي: أولى أن تخشى في كل ~~الأحوال، وليس المراد أنه لم يخش الله في هذه الحال، ولكن لما كان ~~لخشيته بالخلق نوع تعلق، قيل له: الله أحق أن تخشى منهم. قالت ~~عائشة: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من ~~هذه الآية، ولو كتم شيئا من الوحي لكتمها. # فصل # وقد ذهب بعض العلماء إلى تنزيه رسول الله من حبها وإيثاره طلاقها، ~~وإن كان ذلك شائعا في التفسير. قالوا: وإنما عوتب في هذه القصة على ~~شيئين: # أحدهما: أنه أخبر بأنها ستكون زوجة له، فقال لزيد: { أمسك عليك زوجك } ~~فكتم ما أخبره الله به من أمرها حياء من زيد ان يقول له: إن زوجتك ~~ستكون امرأتي؛ وهذا يخرج ms1619 على ما ذكرنا عن علي بن الحسين، وقد نصره ~~الثعلبي، والواحدي. # والثاني: أنه لما رأى اتصال الخصومة بين زيد وزينب، ظن أنهما لا ~~يتفقان وأنه سيفارقها، وأضمر أنه إن طلقها تزوجتها صلة لرحمها، ~~وإشفاقا عليها، لأنها كانت بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، فعاتبه ~~الله على إضمار ذلك وإخفائه حين قال لزيد: { أمسك عليك زوجك } ، وأراد ~~منه أن يكون ظاهره وباطنه عند الناس سواء كما قيل له في قصة رجل أراد ~~قتله: هلا أومأت إلينا بقتله؟ فقال: # " ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " # ، ذكر هذا القول القاضي أبو يعلى رحمه الله عليه. # قوله تعالى: { فلما قضى زيد منها وطرا } قال الزجاج: الوطر: كل ~~حاجة لك فيها همة، فاذا بلغها البالغ قيل: قد قضى وطره. وقال غيره: ~~قضاء الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، ثم صار عبارة ~~عن الطلاق، لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. ~~والمعنى: لما قضى زيد حاجته من نكاحها { زوجناكها } ، وإنما ذكر ~~قضاء الوطر هاهنا ليبين أن امرأة المتبني تحل وإن وطئها، وهو ~~قوله: { لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا }؛ والمعنى: زوجناك زينب - وهي امرأة زيد الذي ~~تبنيته - لكيلا يظن أن امرأة المتبنى لا يحل نكاحها. # وروى مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال: لما انقضت عدة زينب ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: «اذهب فاذكرها علي»، قال ~~زيد: فانطلقت، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر ~~إليها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، ~~ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب: أرسلني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى ~~مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير ~~إذن. # وذكر أهل العلم أن من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أجيز له ~~التزويج بغير مهر ms1620 ليخلص قصد زوجاته لله دون العوض، وليخفف عنه، ~~وأجيز له التزويج بغير ولي، لأنه مقطعوع بكفاءته، وكذلك هو مستغن في ~~نكاحه عن الشهود. وكانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: ~~زوجكن أهلوكن، وزوجني الله عز وجل. ### || [33.38-40] # قوله تعالى: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } ~~قال قتادة: فيما أحل الله له من النساء. # قوله تعالى: { سنة الله } هي منصوبة على المصدر، لأن معنى { ما كان ~~على النبي من حرج }: سن الله سنة واسعة لا حرج فيها. ~~والذين خلوا: هم النبيون؛ فالمعنى: أن سنة الله في التوسعة على ~~محمد فيما فرض له، كسنته في الأنبياء الماضين. قال ابن السائب: هكذا ~~سنة الله في الأنبياء، كداود، فانه كان له مائة امرأة، وسليمان كان له ~~سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ~~أي: قضاء مقضيا. وقال ابن قتيبة: { سنة الله في الذين خلوا } ~~معناه: لا حرج على أحد فيما لم يحرم عليه. # ثم أثنى الله على الأنبياء بقوله: { الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } أي: لا يخافون لائمة الناس ~~وقولهم فيما أحل لهم. وباقي الآية قد تقدم بيانه [النساء:6]. # قوله تعالى: { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } قال المفسرون: لما ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، قال الناس: إن محمدا قد ~~تزوج امرأة ابنه، فنزلت هذه الآية، والمعنى: ليس بأب لزيد فتحرم ~~عليه زوجته { ولكن رسول الله } قال الزجاج: من نصبه، فالمعنى: ولكن كان ~~رسول الله، وكان خاتم النبيين؛ ومن رفعه، فالمعنى: ولكن هو رسول ~~الله؛ ومن قرأ: { خاتم } بكسر التاء، فمعناه: وختم النبيين؛ ومن ~~فتحها، فالمعنى: آخر النبيين. قال ابن عباس: يريد: لو لم أختم به ~~النبيين، لجعلت له ولدا يكون بعده نبيا. ### || [33.41-44] # قوله تعالى: { اذكروا الله ذكرا كثيرا } قال مجاهد: هو أن لا ~~ينساه أبدا. وقال ابن السائب: يقال: { ذكرا كثيرا } بالصلوات الخمس. ~~وقال مقاتل بن حيان: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل ms1621 ~~حال: وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول ربكم: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه " # قوله تعالى: { وسبحوه بكرة وأصيلا } قال أبو عبيدة: الأصيل: ما ~~بين العصر إلى الليل. وللمفسرين في هذا التسبيح قولان. # أحدهما: أنه الصلاة، واتفق أرباب هذا القول على أن المراد بالتسبيح ~~بكرة: صلاة الفجر. # واختلفوا في صلاة الأصيل على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها صلاة العصر، قاله أبو العالية، وقتادة. # والثاني: أنها الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قاله ابن السائب. # والثالث: أنها الظهر والعصر، قاله مقاتل. # والقول الثاني: أنه التسبيح باللسان، وهو قول:«سبحان الله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } في صلاة الله علينا ~~خمسة أقوال. # أحدها: أنها رحمته، قاله الحسن. # والثاني: مغفرته، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: ثناؤه، قاله أبو العالية. # والرابع: كرامته، قاله سفيان. # والخامس: بركته، قاله أبو عبيدة. # وفي صلاة الملائكة قولان. # أحدهما: أنها دعاؤهم، قاله أبو العالية. # والثاني: استغفارهم، قاله مقاتل. # وفي الظلمات والنور هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: الضلالة والهدى، قاله ابن زيد. # والثاني: الإيمان والكفر، قاله مقاتل. # والثالث: الجنة والنار، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { تحيتهم } الهاء والميم كناية عن المؤمنين. # فأما الهاء في قوله { يلقونه } ففيها قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الله عز وجل. ثم فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناه: تحيتهم من الله يوم يلقونه سلام. وروى صهيب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يسلم على أهل الجنة. والثاني: ~~تحيتهم من الملائكة يوم يلقون الله: سلام، قاله مقاتل. وقال أبو ~~حمزة الثمالي: تسلم عليهم الملائكة يوم القيامة، وتبشرهم حين ~~يخرجون من قبورهم. والثالث: تحيتهم بينهم يوم يلقون ربهم: سلام، وهو ~~أن يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أن الهاء ترجع إلى ملك الموت، وقد سبق ذكره في ذكر ~~الملائكة. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال ms1622 له: ~~ربك يقرئك السلام. وقال البراء بن عازب: في قوله: { تحيتهم يوم ~~يلقونه } قال: ملك الموت، ليس مؤمن يقبض روحه إلا سلم عليه. فأما ~~الأجر الكريم، فهو الحسن في الجنة. ### || [33.45-48] # قوله تعالى: { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } أي: على ~~أمتك بالبلاغ { ومبشرا } بالجنة لمن صدقك { ونذيرا } أي: ~~منذرا بالنار لمن كذبك، { وداعيا إلى الله } أي: إلى توحيده ~~وطاعته { بإذنه } أي: بأمره، لا أنك فعلته من تلقاء نفسك { وسراجا ~~منيرا } أي: أنت لمن اتبعك { سراجا } ، أي: كالسراج المضيء في ~~الظلمة يهتدى به. # قوله تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } وهو ~~الجنة. قال جابر بن عبد الله: لما أنزل قوله: { إنا فتحنا لك فتحا ~~مينا... } الآيات [الفتح] قال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، فما ~~لنا؟ فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: { ولا تطع الكافرين } قد سبق في أول السورة. # قوله تعالى: { ودع أذاهم } قال العلماء: معناه لا تجازهم عليه { ~~وتوكل على الله } في كفاية شرهم؛ وهذا منسوخ بآية السيف. ### || [33.49] # قوله تعالى: { إذا نكحتم المؤمنات } قال الزجاج: معنى { ~~نكحتم }: تزوجتم. ومعنى { تمسوهن } تقربوهن. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: { تماسوهن } بألف. # قوله تعالى: { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } أجمع العلماء ~~أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة فلا عدة؛ وعندنا أن الخلوة ~~توجب العده وتقرر الصداق، خلافا للشافعي. # قوله تعالى: { فمتعوهن } المراد به من لم يسم لها مهرا، لقوله ~~في [البقرة:236] { أو تفرضوا لهن فريضة } وقد بينا المتعة ~~هنالك وكان سعيد بن المسيب وقتادة يقولان: هذه الآية منسوخة بقوله: # فنصف ما فرضتم # [البقرة:237]. # قوله تعالى: { وسرحوهن سراحا جميلا } أي: من غير إضرار. وقال ~~قتادة: هو طلاقها طاهرا من غير جماع. وقال القاضي أبو يعلي: الأظهر أن ~~هذا التسريح ليس بطلاق، لأنه قد ذكر الطلاق، وإنما هو بيان أنه لا سبيل ~~له عليها، وأن عليه تخليتها من يده وحباله. # فصل # واختلف العلماء فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم تزوجها؛ فعندنا ~~أنها لا تطلق، وهو قول ابن عباس، وعائشة، ms1623 والشافعي، واستدل أصحابنا بهذه ~~الآية، وأنه جعل الطلاق بعد النكاح. وقال سماك بن الفضل: النكاح ~~عقدة، والطلاق يحلها، فكيف يحل عقدة لم تعقد؟! فجعل بهذه الكلمة ~~قاضيا على «صنعاء». وقال أبو حنيفة: ينعقد الطلاق، فاذا وجد النكاح ~~وقع. وقال مالك: ينعقد ذلك في خصوص النساء، وهو إذا كان في امرأة ~~بعينها، ولا ينعقد في عمومهن. فأما إذا قال: إن ملكت فلانا فهو حر، ~~ففيه عن أحمد روايتان. ### || [33.50-52] # قوله تعالى: { إنا أحللنا لك أزواجك } ذكر الله تعالى أنواع ~~الأنكحة التي أحلها له، فقال: { أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } ~~أي: مهورهن، وهن اللواتي تزوجتهن بصداق { وما ملكت ~~يمينك } يعني الجواري { مما أفاء الله عليك } أي: رد عليك من ~~الكفار، كصفية وجويرية، فانه أعتقهما وتزوجهما { وبنات عمك وبنات ~~عماتك } يعني نساء قريش { وبتات خالك وبنات خالاتك } يعني نساء بني ~~زهرة { اللاتي هاجرن معك } إلى المدينة. قال القاضي أبو يعلى: و ~~[ظاهر] هذا يدل على أن من لم تهاجر معه من النساء لم يحل له ~~نكاحها. وقالت أم هانىء: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت ~~إليه بعذر، ثم أنزل الله تعالى: { إنا أحللنا لك أزواجك } إلى ~~قوله: { اللاتي هاجرن معك } ، قالت: فلم أكن لأحل له، لأني لم ~~أهاجر معه، كنت من الطلقاء؛ وهذا يدل من مذهبها أن تخصيصه ~~بالمهاجرات قد أوجب حظر من لم تهاجر. # وذكر بعض المفسرين: أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه. ~~وحكى الماوردي في ذلك قولين. # أحدهما: أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على الإطلاق. # والثاني: أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون الأجنبيات. # قوله تعالى: { وامرأة مؤمنة } أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة { إن ~~وهبت نفسها } لك، { إن أراد النبي أن يستنكحها } أي: إن آثر ~~نكاحها { خالصة لك } أي: خاصة. قال الزجاج: وإنما قال: { إن وهبت ~~نفسها للنبي } ، ولم يقل: «لك»، لأنه لو قال: «لك»، جاز أن يتوهم ~~أن ذلك يجوز لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاز في بنات العم ms1624 ~~وبنات العمات. { وخالصة } منصوب على الحال. # وللمفسرين في معنى { خالصة } ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المراة إذا وهبت له نفسها، لم يلزمه صداقها دون غيره من ~~المؤمنين، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب. # والثاني: أن له أن ينكحها بلا ولي ولا مهر دون غيره، قاله ~~قتادة. # والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، وهذا ~~قول الشافعي، وأحمد. # وفي المرأة التي وهبت له نفسها أقوال. # أحدها: أم شريك. والثاني: خولة بنت حكيم. ولم يدخل بواحدة منهما. ~~وذكروا أن لبلى بنت الخطيم وهبت نفسها له فلم يقبلها. قال ابن عباس: لم ~~يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. وقد حكي عن ~~ابن عباس أن التي وهبت نفسها له ميمونة بنت الحارث؛ وعن الشعبي: أنها ~~زينب بنت خزيمة. والأول: أصح. # قوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم } أي: على المؤمنين غيرك ~~{ في أزواجهم } وفيه قولان. # أحدهما: أن لا يجاوز الرجل أربع نسوة، قاله مجاهد. # والثاني: أن لا يتزوج الرجل المرأة إلا بولي وشاهدين وصداق، قاله ~~قتادة. # قوله تعالى: { وما ملكت أيمانهم } أي: وما أبحنا لهم من ملك ~~اليمين مع الأربع الحرائر من غير عدد محصور. # قوله تعالى: { لكيلا يكون عليك حرج } هذا فيه تقديم؛ المعنى: ~~أحللنا لك أزواجك، إلى قوله: { خالصة لك من دون المؤمنين } { لكيلا ~~يكون عليك حرج }. # قوله تعالى: { ترجي من تشاء منهن } قرأ ابن كثير، وأبوعمرو، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: { ترجىء } مهموزا؛ وقرأ نافع، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: بغير همز. وسبب نزولها أنه لما نزلت آية ~~التخيير المتقدمة، أشفقن أن يطلقن، فقلن: يا نبي الله، ~~اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا، فنزلت هذه الآية، ~~قاله أبو رزين. # وفي معنى الآية أربعة أقوال. # أحدها: تطلق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء من نسائك، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: تترك نكاح من تشاء، وتنكح من نساء أمتك من تشاء، قاله ~~الحسن. # والثالث: تعزل من شئت من ms1625 أزواجك فلا تأتيها بغير طلاق، وتأتي من ~~تشاء فلا تعزلها. قاله مجاهد. # والرابع: تقبل من تشاء من المؤمنات اللواتي يهبن أنفسهن، ~~وتترك من تشاء، قاله الشعبي، وعكرمة. # وأكثر العلماء على أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مصاحبة نسائه كيف شاء من غير إيجاب القسمة عليه والتسوية ~~بينهن، غير أنه كان يسوي بينهن. وقال الزهري: ما علمنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أرجأ منهن أحدا، ولقد آواهن كلهن حتى ~~مات. وقال أبو رزين: آوى عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب، وكان قسمه ~~من نفسه وماله فيهن سواء. وأرجأ سودة، وجويرية، وصفية، وأم ~~حبيبة، وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء. وكان أراد فراقهن فقلن: ~~اقسم لنا ما شئت، ودعنا على حالنا. وقال قوم: إنما أرجأ سودة ~~وحدها لأنها وهبت يومها لعائشة، فتوفي وهو يقسم لثمان. # قوله تعالى: { وتؤوي } أي: تضم، { ومن ابتغيت ممن عزلت } أي: ~~إذا أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلت من القسمة { فلا جناح ~~عليك } أي: لا ميل عليك بلوم ولا عتب { ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن } أي: ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أقرب إلى ~~رضاهن. والمعنى: إنهن إذا علمن أن هذا أمر من الله، كان أطيب ~~لأنفسهن. وقرأ ابن محيصن، وأبو عمران الجوني: { أن تقر } بضم التاء ~~وكسر القاف { أعينهن } بنصب النون. { ويرضين بما آتيتهن ~~كلهن } أي: بما أعطيتهن من تقريب وتأخير { والله يعلم ما في ~~قلوبكم } من الميل إلى بعضهن. والمعنى: إنما خيرناك تسهيلا عليك. # قوله تعالى: { لا يحل لك النساء } كلهم قرأ: { لا يحل } ~~بالياء، غير أبي عمرو، فانه قرأ بالتاء؛ والتأنيث ليس بحقيقي، إنما هو ~~تأنيث الجمع، فالقراءتان حسنتان. # وفي قوله { من بعد } ثلاثة أقوال. # أحدها: من بعد نسائك اللواتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله، قاله ~~ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين، وهن التسع، فصار [مقصورا] ~~عليهن ممنوعا من غيرهن وذكر أهل العلم أن طلاقه لحفصة وعزمه على ~~طلاق سودة كان قبل التخيير. # والثاني: من بعد الذي أحللنا لك، فكانت ms1626 الإباحة بعد نسائه مقصورة على ~~المذكور في قوله: { إنا أحللنا لك أزواجك } إلى قوله: { ~~خالصة لك }؛ قاله أبي بن كعب، والضحاك. # والثالث: لا تحل لك النساء غير المسلمات كاليهوديات ~~والنصرانيات والمشركات، وتحل لك المسلمات، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { ولا أن تبدل بهن } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن تطلق زوجاتك وتستبدل بهن سواهن، قاله الضحاك. # والثاني: أن تبدل بالمسلمات المشركات، قاله مجاهد في آخرين. # والثالث: أن تعطي الرجل زوجتك وتأخذ زوجته، وهذه كانت عادة للجاهلية، ~~قاله أبو هريرة، وابن زيد. # قوله تعالى: { إلا ما ملكت يمينك } يعني الإماء. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: إلا أن تملك بالسبي، فيحل لك وطؤها وإن كانت من غير ~~الصنف الذي أحللته لك؛ وإلى هذا أومأ أبي بن كعب في آخرين. # والثاني: إلا أن تصيب يهودية أو نصرانية فتطأها بملك اليمين، قاله ~~ابن عباس، ومجاهد. # والثالث: إلا أن تبدل أمتك بأمة غيرك، قاله ابن زيد. # قال أبو سليمان الدمشقي: وهذه الأقوال جائزة، إلا أنا لا نعلم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح يهودية ولا نصرانية بتزويج ولا ملك ~~يمين، ولقد سبى ريحانة القرظية فلم يدن منها حتى أسلمت. # فصل # واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين. # أحدهما: أنها منسوخة بقوله: { إنا أحللنا لك أزواجك } ، وهذا ~~مروي عن علي، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وعلي بن الحسين، والضحاك. ~~وقالت عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له ~~النساء، قال أبو سليمان الدمشقي: يعني نساء جميع القبائل من المهاجرات ~~وغير المهاجرات. # والقول الثاني: أنها محكمة؛ ثم فيها قولان. # أحدهما: أن الله تعالى أثاب نساءه حين اخترنه بأن قصره عليهن، فلم ~~يحل له غيرهن، ولم ينسخ هذا، قاله الحسن، وابن سيرين، وأبو أمامة ~~بن سهل، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. # والثاني: أن المراد بالنساء هاهنا: الكافرات، ولم يجز له أن يتزوج ~~كافرة، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد. ### || [33.53] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ms1627 لا تدخلوا بيوت النبي... } ~~الآية. في سبب نزولها ستة أقوال. # القول الأول: أخرجاه في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش دعا ~~القوم، فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم ~~يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من القوم من قام، وقعد ثلاثة، فجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فاذا القوم جلوس، فرجع، وإنهم ~~قاموا فانطلقوا، وجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد ~~انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه " # ، وأنزل الله تعالى هذه الآية. # والثاني: أن ناسا من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا ~~يخرجون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. # والثالث: أن عمر بن الخطاب قال: قلت يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن ~~البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، ~~أخرجه البخاري من حديث أنس، وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر، كلاهما عن عمر. # والرابع: أن عمر أمر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب، ~~فقالت زينب: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟! ~~فنزلت الآية، قاله ابن مسعود. # والخامس: أن عمر كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، ~~فلا يفعل، فخرجت سودة ليلة، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة - حرصا ~~على أن ينزل الحجاب - فنزل الحجاب، رواه عكرمة عن عائشة. # والسادس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم معه بعض أصحابه، ~~فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } أي: أن تدعوا إليه ~~{ غير ناظرين } أي: منتظرين { إناه }. قال الزجاج: موضع «أن» نصب؛ ~~والمعنى: إلا بأن يؤذن لكم، أو لأن يؤذن، و «وغير» منصوبة ms1628 على ~~الحال؛ والمعنى: إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين. و { وإناه }: ~~نضجه وبلوغه. # قوله تعالى: { فانتشروا } أي: فاخرجوا. # قوله تعالى: { ولا مستأنسين لحديث } المعنى: ولا تدخلوا مستأنسين، ~~أي: طالبي الأنس لحديث، وذلك أنهم كانوا يجلسون بعد الأكل فيتحدثون ~~طويلا، وكان ذلك يؤذيه، ويستحيي أن يقول لهم: قوموا، فعلمهم الله ~~الأدب، فذلك قوله: { والله لا يستحيي من الحق } أي: لا يترك ان يبين ~~لكم ما هو الحق { وإذا سألتموهن متاعا } أي: شيئا يستمتع به ~~وينتفع به من آلة المنزل { فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر } ~~أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب أطهر { لقلوبكم ~~وقلوبهن } من الريبة. # قوله تعالى: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } أي: ما كان لكم ~~أذاه في شيء من الأشياء. قال أبو عبيدة: و «كان» من حروف الزوائد. ~~والمعنى: ما لكم أن تؤذوا رسول الله { ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا }. روى عطاء عن ابن عباس، قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: لو توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تزوجت عائشة، فأنزل الله ما أنزل. وزعم مقاتل أن ذلك الرجل طلحة بن ~~عبيد الله. # قوله تعالى: { إن ذلكم } يعني نكاح أزواج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { كان عند الله عظيما } أي: ذنبا عظيم العقوبة. ### || [33.54-55] # قوله تعالى: { إن تبدوا شيئا أو تخفوه } قيل: إنها نزلت فيما ~~أبداه القائل: لئن مات رسول الله لأتزوجن عائشة. # قوله تعالى: { لا جناح عليهن في آبائهن } قال المفسرون: لما نزلت ~~آية الحجاب، قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى: { لا ~~جناح عليهن في آبائهن } أي: في أن يروهن ولا يحتجبن عنهم، ~~إلى قوله: { ولا نسائهن } قال ابن عباس: يعني نساء المؤمنين، لأن نساء ~~اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن رأينهن. # فان قيل: ما بال العم والخال لم يذكرا؟ فعنه جوابان: # أحدهما: لأن المرأة تحل ms1629 لأبنائهما، فكره أن تضع خمارها عند عمها ~~وخالها، لأنهما ينعتانها لأبنائهما، هذا قول الشعبي وعكرمة. # والثاني: لأنهما يجريان مجرى الوالدين فلم يذكرا، قاله الزجاج. # فأما قوله: { ولا ما ملكت أيمانهن } ففيه قولان. # أحدهما: أنه أراد الإماء دون العبيد، قاله سعيد بن المسيب. # والثاني: أنه عام في العبيد والإماء. قال ابن زيد: كن أزواج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من المماليك. وقد سبق بيان هذا في ~~سورة [النور:31]. # قوله تعالى: { واتقين الله } أي: أن يراكن غير هؤلاء { إن الله ~~كان على كل شيء شهيدا } أي: لم يغب عنه شيء. ### || [33.56-58] # قوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } في صلاة الله ~~وصلاة الملائكة أقوال قد تقدمت في هذه السورة [الأحزاب:43]. # قوله تعالى: { صلوا عليه } # " قال كعب بن عجرة: قلنا: يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، ~~فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما ~~صليت على [آل] إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل ~~محمد، كما باركت على [آل] إبراهيم، إنك حميد مجيد» " # ، أخرجه البخاري ومسلم. ومعنى قوله: «قد علمنا التسليم عليك»: ما يقال ~~في التشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته». وذهب ابن ~~السائب إلى أن معنى التسليم: سلموا لما يأمركم به. # قوله تعالى: { إن الذين يؤذون الله ورسوله } اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: في الذين طعنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اتخذ ~~صفية بنت حيي، قاله ابن عباس. # والثاني: نزلت في المصورين، قاله عكرمة. # والثالث: في المشركين واليهود والنصارى، وصفوا الله بالولد وكذبوا ~~رسوله وشجوا وجهه وكسروا رباعيته وقالوا: مجنون شاعر ساحر كذاب. ~~ومعنى أذى الله: وصفه بما هو منزه عنه، وعصيانه؛ ولعنهم في الدنيا: ~~بالقتل والجلاء، وفي الآخرة: بالنار. # قوله تعالى: { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات } في سبب نزولها أربعة ~~أقوال. # أحدها: أن عمر بن الخطاب رأى جارية متبرجة فضربها وكف ما رأى من ~~زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكو، فخرجوا إليه فآذوه، فنزلت ms1630 هذه الآية، ~~رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة ~~يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيرون المرأة فيدنون ~~منها فيغمزونها؛ وإنما كانوا يؤذون الإماء، غير أنه لم تكن الأمة ~~تعرف من الحرة، فشكون ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # والثالث: أنها نزلت فيمن تكلم في عائشة وصفوان بن المعطل بالإفك، ~~قاله الضحاك. # والرابع: أن ناسا من المنافقين آذوا علي بن أبي طالب، فنزلت هذه ~~الآية، قاله مقاتل. # قال المفسرون: ومعنى الآية: يرمونهم بما ليس فيهم. ### || [33.59-62] # قوله تعالى: { يا أيها النبي قل لأزواجك... } الآية، سبب نزولها أن ~~الفساق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فاذا رأوا المرأة عليها ~~قناع تركوها وقالوا: هذه حرة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة، ~~فآذوها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # قوله تعالى: { يدنين عليهن من جلابيبهن } قال ابن قتيبة: ~~يلبسن الأردية. وقال غيره: يغطين رؤوسهن ووجوهن ليعلم أنهن ~~حرائر { ذلك أدنى } أي: أحرى وأقرب { أن يعرفن } أنهن حرائر { فلا ~~يؤذين }. # قوله تعالى: { لئن لم ينته المنافقون } أي: عن نفاقهم { والذين في ~~قلوبهم مرض } أي: فجور: وهم الزناة { والمرجفون في المدينة } بالكذب ~~والباطل، يقولون: أتاكم العدو، وقتلت سراياكم وهزمت { لنغرينك ~~بهم } أي: لنسلطنك عليهم بأن نأمرك بقتالهم. قال المفسرون: وقد ~~أغري بهم، فقيل له: # جاهد الكفار والمنافقين # [التوبة:73، التحريم:9]، وقال يوم الجمعة «اخرج يا فلان من المسجد فانك ~~منافق، قم يا فلان فانك منافق» { ثم لا يجاورونك فيها } أي: في المدينة { ~~إلا قليلا } حتى يهلكوا، { ملعونين } منصوب على الحال؛ أي: لا ~~يجاورونك إلا وهم ملعونون { أينما ثقفوا } أي: وجدوا وأدركوا { ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا } معنى الكلام: الأمر، أي: هذا الحكم فيهم، { ~~سنة الله } أي: سن في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن ~~يفعل بهم هذا. ### || [33.63-68] # قوله تعالى: { يسألك الناس عن الساعة } قال عروة: الذي سأله عنها ~~عتبة بن ربيعة. # قوله تعالى: { وما يدريك } أي: أي شيء ms1631 يعلمك أمر الساعة ومتى تكون؟ ~~والمعنى: أنت لا تعرف ذلك؛ ثم قال: { لعل الساعة تكون قريبا }. # فإن قيل: هلا قال: قريبة؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه أراد الظرف، ولو أراد صفة الساعة بعينها، لقال: قريبة، هذا ~~قول أبي عبيدة. # والثاني: أن المعنى راجع إلى البعث، أو إلى مجيء الساعة. # والثالث: أن تأنيث الساعة غير حقيقي، ذكرهما الزجاج. وما بعد هذا قد سبق ~~بيان ألفاظه [البقرة:159، النساء:10، الاسراء:97]. # فأما قوله: { وأطعنا الرسول } فقال الزجاج: الاختيار الوقف بألف، لأن ~~أواخر الآي وفواصلها تجري مجرى أواخر الأبيات، وإنما خوطبوا بما يعقلونه ~~من الكلام المؤلف ليدل بالوقف بزيادة الحرف أن الكلام قد تم؛ وقد ~~أشرنا إلى هذا في قوله { الظنونا } [الأحزاب:1]. # قوله تعالى: { أطعنا سادتنا وكبراءنا } أي: أشرافنا وعظماءنا. قال ~~مقاتل: هم المطعمون في غزوة بدر. وكلهم قرأوا: { سادتنا } على ~~التوحيد، غير ابن عامر، فانه قرأ: { سادتنا } على الجمع مع كسر التاء، ~~ووافقه المفضل، ويعقوب، إلا أبا حاتم { فأضلونا السبيل } أي: عن سبيل ~~الهدى، { ربنا آتهم } يعنون السادة { ضعفين } أي: ضعفي عذابنا، { ~~والعنهم لعنا كبيرا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبوعمرو، وحمزة، والكسائي: ~~{ كثيرا } بالثاء. وقرأ عاصم، وابن عامر: { كبيرا } بالباء. وقال أبو ~~علي: الكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر. ### || [33.69-71] # قوله تعالى: { لا تكونوا كالذين آذوا موسى } أي: لا تؤذوا محمدا كما ~~آذى بنو إسرائيل موسى فينزل بكم ما نزل بهم. وفي ما آذوا به موسى أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنهم قالوا: هو آدر، فذهب يوما يغتسل، ووضع ثوبه على حجر، ~~ففر الحجر بثوبه، فخرج في طلبه، فرأوه فقالوا: والله ما به من بأس. ~~والحديث مشهور في الصحاح كلها من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؛ وقد ذكرته باسناده في «المغني» و «الحدائق». قال ابن قتيبة: ~~والآدر عظيم الخصيتين. # والثاني: أن موسى صعد الجبل ومعه هارون، فمات هارون، فقال بنو ~~إسرائيل: أنت قتلته، فآذوه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته ~~حتى مرت به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف ms1632 بنو ~~إسرائيل أنه مات، فبرأه الله من ذلك، قاله علي عليه السلام. # والثالث: أن قارون استأجر بغيا لتقذف موسى بنفسها على ملأ من بني ~~إسرائيل فعصمها الله وبرأ موسى من ذلك، قاله أبو العالية. # والرابع: أنهم رموه بالسحر والجنون، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { وكان عند الله وجيها } قال ابن عباس: كان عند الله ~~حظيا لا يسأله شيئا إلا أعطاه. وقد بينا معنى الوجيه في [آل ~~عمران:45]. وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وأبو حيوة: { وكان عبدا لله } ~~بالتنوين والباء، وكسر اللام. # قوله تعالى: { وقولوا قولا سديدا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: صوابا، قاله ابن عباس. # والثاني: صادقا، قاله الحسن. # والثالث: عدلا، قاله السدي. # والرابع: قصدا، قاله ابن قتيبة. # ثم في المراد بهذا القول ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه «لا إله إلا الله»، قاله ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: أنه العدل في جميع الأقوال والأعمال، قاله قتادة. # والثالث: في شأن زينب وزيد، ولا تنسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى ما لا يصلح، قاله مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: { يصلح لكم أعمالكم } فيه قولان. # أحدهما: يتقبل حسناتكم، قاله ابن عباس. # والثاني: يزكي أعمالكم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فقد فاز فوزا عظيما } أي: نال الخير وظفر به. ### || [33.72-73] # قوله تعالى: { إنا عرضنا الأمانة } فيها قولان. # أحدهما: أنها الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، إن ~~أدتها أثابها، وإن ضيعتها عذبها، فكرهت ذلك؛ وعرضها على آدم ~~فقبلها بما فيها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وكذلك قال سعيد بن ~~جبير: عرضت الأمانة على آدم فقيل له: تأخذها بما فيها، إن أطعت غفرت ~~لك، وإن عصيت عذبتك، فقال: قبلت، فما كان إلا كما بين صلاة ~~العصر إلى أن غربت الشمس حتى أصاب الذنب. وممن ذهب إلى أنها ~~الفرائض قتادة، والضحاك، والجمهور. # والثاني: أنها الأمانة التي يأتمن الناس بعضهم بعضا عليها. روى السدي ~~عن أشياخه أن آدم لما أراد الحج قال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، ~~فأبت، وقال للأرض، فأبت، وقال للجبال، فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، ~~تذهب وتجيء ms1633 وتجد أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم، قتل قابيل هابيل، ~~فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حيث يقول الله عز وجل: { إنا ~~عرضنا الأمانة } إلى قوله { وحملها الإنسان } وهو ابن آدم، فما ~~قام بها. # وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أن آدم لما حضرته الوفاة قال: يا رب، ~~من أستخلف من بعدي؟ فقيل له: اعرض خلافتك على جميع الخلق، فعرضها، فكل ~~أباها غير ولده. # وللمفسرين في المراد بعرض الأمانة على السماوات والأرض قولان. # أحدهما: أن الله تعالى ركب العقل في هذه الأعيان، وأفهمهن خطابه، ~~وأنطقهن بالجواب حين عرضها عليهن، ولم يرد بقوله: { أبين } ~~المخالفة، ولكن أبين للخشية والمخافة، لأن العرض كان تخييرا ~~لا إلزاما، و { أشفقن } بمعنى خفن منها أن لا يؤدينها فيلحقهن ~~العقاب، هذا قول الأكثرين. # والثاني: أن المراد بالآية: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل ~~الأرض وأهل الجبال من الملائكة، قاله الحسن. # وفي المراد بالإنسان أربعة أقوال. # أحدها: آدم في قول الجمهور. # والثاني: قابيل في قول السدي. # والثالث: الكافر والمنافق، قاله الحسن. # والرابع: جميع الناس، قاله ثعلب. # قوله تعالى: { إنه كان ظلوما جهولا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: ظلوما لنفسه، غرا بأمر ربه، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثاني: ظلوما لنفسه، جهولا بعاقبة أمره، قاله مجاهد. # والثالث: ظلوما بمعصية ربه، جهولا بعقاب الأمانة، قاله ابن ~~السائب. # وذكر الزجاج في الآية وجها يخالف أكثر الأقوال، وذكر أنه موافق ~~للتفسير فقال: إن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من ~~طاعته، وائتمن السماوات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له، فأما ~~السماوات والأرض فقالتا: # أتينا طائعين # [فصلت:11]، وأعلمنا أن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وأن الشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والملائكة يسجدون لله، فعرفنا الله تعالى ~~أن السماوات والأرض لم تحتمل الأمانة، لأنها أدتها، وأداؤها: طاعة ~~الله وترك معصيته، وكل من خان الأمانة فقد احتملها، وكذلك كل من أثم ~~فقد احتمل الإثم، وكذلك قال الحسن: { وحملها الإنسان } أي: الكافر ~~والمنافق حملاها، أي: خانا ولم يطيعا؛ فأما من ms1634 أطاع، فلا يقال: كان ~~ظلوما جهولا. # قوله تعالى: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } قال ابن قتيبة: المعنى: عرضنا ~~ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهم الله، ويظهر إيمانه ~~المؤمنين فيتوب الله عليهم، أي: يعود عليهم بالرحمة والمغفرة إن وقع ~~منهم تقصير في الطاعات. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-6] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا ~~وخلقا { وله الحمد في الآخرة } يحمده أولياؤه إذا دخلوا ~~الجنة، فيقولون: # الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر:74] # الحمد لله الذي هدانا لهذا # [الأعراف:43] # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # [فاطر:34]. # { يعلم ما يلج في الأرض } من بذر أو مطر أو كنز أو غير ذلك { وما ~~يخرج منها } من زرع ونبات وغير ذلك { وما ينزل من السماء } من ~~مطر أو رزق أو ملك { وما يعرج فيها } من ملك أو عمل أو دعاء. # { وقال الذين كفروا } يعني منكري البعث { لا تأتينا الساعة } أي: لا ~~نبعث. # قوله تعالى { عالم الغيب } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: { عالم ~~الغيب } بكسر الميم؛ وقرأ نافع، وابن عامر، برفعها. وقرأ حمزة، والكسائي: ~~{ علام الغيب } بالكسر ولام قبل الألف. قال أبو علي: من كسر، فعلى ~~معنى: الحمد لله عالم الغيب؛ ومن رفع، جاز أن يكون { عالم الغيب } ~~خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو عالم الغيب، ويجوز أن يكون ابتداء، خبره ~~{ لا يعزب عنه }؛ و { علام } أبلغ من «عالم». وقرأ الكسائي وحده: { ~~لا يعزب } بكسر الزاي؛ وهما لغتان. # قوله تعالى: { ولا أصغر من ذلك } وقرأ ابن السميفع، والنخعي، ~~والأعمش: { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } بالنصب فيهما. # قوله تعالى: { ليجزي الذين آمنوا } قال الزجاج: المعنى: بلى ~~وربي لنأتينكم المجازاة وقال ابن جرير: المعنى: أثبث مثقال ~~الذرة وأصغر منه في كتاب مبين، ليجزي الذين آمنوا، وليري الذين ~~أوتوا العلم. # قوله تعالى: { من رجز أليم } قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ويعقوب، ~~[والمفضل]: { من رجز أليم } رفعا؛ والباقون بالخفض فيهما. # وفي { الذين أوتوا العلم } قولان. # أحدهما: ms1635 أنهم مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة. # قوله تعالى: { الذي أنزل إليك من ربك } يعني القرآن { هو الحق ~~} قال الفراء: «هو» عماد، فلذلك انتصب الحق. وما أخللنا به فقد سبق في ~~مواضع [الحج:51، 52، البقرة:130، 267]. ### || [34.7-9] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } وهم منكرو البعث. قال بعضهم لبعض: ~~{ هل ندلكم على رجل ينبئكم } أي: يقول لكم: إنكم { إذا ~~مزقتم كل ممزق } أي: فرقتم كل تفريق؛ والممزق هاهنا مصدر ~~بمعنى التمزيق { إنكم لفي خلق جديد } أي: يجدد خلقكم للبعث. ثم ~~أجاب بعضهم فقالوا: { أفترى على الله كذبا } حين زعم أنا نبعث؟! ~~وألف { أفترى } ألف استفهام، وهو استفهام تعجب وإنكار، { أم به جنة ~~} أي: جنون؟! فرد الله عليهم فقال: { بل } أي: ليس الأمر كما تقولون ~~من الافتراء والجنون، بل { الذين لا يؤمنون بالآخرة } وهم الذين يجحدون ~~البعث { في العذاب } إذا بعثوا في الآخرة { والضلال البعيد } من الحق ~~في الدنيا. # ثم وعظهم فقال: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض } وذلك أن الإنسان حيثما نظر رأى السماء والأرض قدامه وخلفه ~~وعن يمينه وعن شماله؛ فالمعنى أنهم أين كانوا فأرضي وسمائي محيطة بهم؛ ~~وأنا القادر عليهم، إن شئت خسفت بهم الأرض، وإن شئت أسقطت عليهم ~~قطعة من السماء، { إن في ذلك } أي: فيما يرون من السماء والأرض { ~~لآية } تدل على قدرة الله تعالى على بعثهم والخسف بهم { لكل عبد ~~منيب } أي: راجع إلى طاعة الله، متأمل لما يرى. ### || [34.10-11] # قوله تعالى: { ولقد آتينا داود منا فضلا } وهو النبوة ~~والزبور وتسخير الجبال والطير، إلى غير ذلك مما أنعم الله به عليه ~~{ يا جبال أوبي معه } وروى الحلبي عن عبد الوارث: { أوبي } بضم ~~الهمزة وتخفيف الواو. قال الزجاج: المعنى: وقلنا: يا جبال أوبي معه، ~~أي: رجعي معه. والمعنى: سبحي معه ورجعي التسبيح. ومن قرأ: { أوبي ~~} ، معناه: عودي في التسبيح معه كلما عاد. وقال ابن قتيبة: { أوبي } ~~أي: ms1636 سبحي، وأصل التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله، وينزل ~~ليلا، فكأنه أراد: ادأبي النهار [كله] بالتسبيح إلى الليل. # قوله تعالى: { والطير } وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، ~~وأبو العالية، وابن أبي عبلة: { والطير } بالرفع. فأما قراءة النصب، ~~فقال أبو عمرو بن العلاء: هو عطف على قوله: { ولقد آتينا داود منا ~~فضلا } { والطير } أي: وسخرنا له الطير. قال الزجاج: ويجوز ~~أن يكون نصبا على النداء، كأنه قال: دعونا الجبال والطير، فالطير ~~معطوف على موضع الجبال، وكل منادى عند البصريين فهو في موضع نصب؛ قال: ~~وأما الرفع، فمن جهتين، إحداهما: أن يكون نسقا على ما في { أوبي } ، ~~فالمعنى: يا جبال رجعي التسبيح معه أنت والطير؛ والثانية: على النداء، ~~المعنى: يا جبال ويا أيها الطير أوبي [معه]. # قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إذا سبح، وكان إذا قرأ لم تبق ~~دابة إلا استمعت لقراءته وبكت لبكائه. وقال وهب بن منبه: كان يقول ~~للجبال: سبحي، وللطير: أجيبي، ثم يأخذ هو في تلاوة الزبور بين ذلك ~~بصوته الحسن، فلا يرى الناس منظرا أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئا أطيب ~~منه. # قوله تعالى: { وألنا له الحديد } أي: جعلناه لينا. قال قتادة: ~~سخر الله له الحديد بغير نار، فكان يسويه بيده، لا يدخله النار، ~~ولا يضربه بحديدة، وكان أول من صنع الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح. # قوله تعالى: { أن اعمل } قال الزجاج: معناه: وقلنا له: اعمل، ~~ويكون في معنى «لأن يعمل» { سابغات } أي: دروعا سابغات، فذكر الصفة ~~لأنها تدل على الموصوف. # قال المفسرون: كان يأخذ الحديد بيده فيصير كأنه عجين يعمل به ما يشاء، ~~فيعمل الدرع في بعض يوم فيبيعه بمال كثير، فيأكل ويتصدق. والسابغات: ~~الدروع الكوامل التي تغطي لابسها حتى تفضل عنه فيجرها على الأرض. # { وقدر في السرد } أي: اجعله على قدر الحاجة. قال ابن قتيبة: ~~السرد: النسج، ومنه يقال لصانع الدروع: سراد وزراد، تبدل ~~من السين الزاي، كما يقال: سراط وزراط. وقال الزجاج: السرد في ~~اللغة: تقدمة الشيء إلى الشيء تأني ms1637 به متسقا بعضه في إثر بعض ~~متتابعا. ومنه قولهم: سرد فلان الحديث. # وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: عدل المسمار في الحلقة ولا تصغره فيقلق، ولا تعظمه ~~فتنفصم الحلقة، قاله مجاهد. # والثاني: لا تجعل حلقه واسعة فلا تقي صاحبها، قاله قتادة. قوله ~~تعالى: { واعملوا صالحا } خطاب لداود وآله. ### || [34.12-14] # قوله تعالى: { ولسليمان الريح } قرأ الأكثرون بنصب الريح على معنى: ~~وسخرنا لسليمان الريح. وروى أبو بكر، والمفضل عن عاصم: { الريح } ~~رفعا، أي: له تسخير الريح. وقرأ أبو جعفر: { الرياح } على الجمع. # { غدوها شهر } قال قتادة: تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، ~~وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة ~~شهرين. قال الحسن: لما شغلت نبي الله سليمان الخيل عن الصلاة ~~فعقرها، أبدله الله خيرا منها وأسرع وهي الريح، فكان يغدو من دمشق ~~فيقيل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من إصطخر فيبيت ~~بكابل، وبينهما مسيرة شهر للمسرع. # قوله تعالى: { وأسلنا له عين القطر } قال الزجاج: القطر: ~~النحاس، وهو الصفر، أذيب مذ ذاك وكان قبل سليمان لا يذوب. # قال المفسرون: أجرى الله لسليمان عين الصفر حتى صنع منها ما أراد من ~~غير نار، كما ألين لداود الحديد بغير نار، فبقيت تجري ثلاثة أيام ~~ولياليهن كجري الماء؛ وإنما يعمل الناس اليوم مما أعطي سليمان. # قوله تعالى: { ومن الجن } المعنى: وسخرنا له من الجن { من يعمل بين ~~يديه باذن ربه } أي: بأمره؛ سخرهم الله له، وأمرهم بطاعته؛ والكلام ~~يدل على أن منهم من لم يسخر له { ومن يزغ منهم } أي: يعدل { ~~عن أمرنا } له بطاعة سليمان { نذقه من عذاب السعير }؛ وهل هذا في ~~الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه قولان. # أحدهما: في الآخرة، قاله الضحاك. # والثاني: في الدنيا، قاله مقاتل. # وقيل: إنه كان مع سليمان ملك بيده سوط من نار، فمن زاغ من الجن ضربه ~~الملك بذلك السوط. # { يعملون له ما يشاء من محاريب } وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها المساجد، قاله مجاهد، وابن قتيبة. # والثاني: القصور، قاله عطية. # والثالث: المساجد والقصور، ms1638 قاله قتادة. وأما التماثيل، فهي الصور؛ ~~قال الحسن: ولم تكن يومئذ محرمة؛ ثم فيها قولان. # أحدهما: أنها كانت كالطواويس والعقبان والنسور على كرسيه ودرجات ~~سريره لكي يهابها من أراد الدنو منه، قاله الضحاك. # والثاني: أنها كانت صور النبيين والملائكة لكي يراهم الناس ~~مصورين، فيعبدوا مثل عبادتهم ويتشبهوا بهم، قاله ابن السائب. # وفي ما كانوا يعملونها منه قولان. # أحدهما: من النحاس، قاله مجاهد. # والثاني: من الرخام والشبه، قاله قتادة. # قوله تعالى: { وجفان كالجوابي } الجفان: جمع جفنة، وهي القصعة ~~الكبيرة؛ والجوابي؛ جمع جابية، وهي الحوض الكبير يجبى فيه الماء، ~~أي: يجمع. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: { كالجوابي } بياء، إلا أن ابن ~~كثير يثبت الياء في الوصل والوقف، وأبو عمرو يثبتها في الوصل دون الوقف. ~~قال الزجاج: وأكثر القراء على الوقف بغير ياء، وكان الأصل الوقف بالياء، ~~إلا أن الكسرة تنوب عنها. # قال المفسرون: كانوا يصنعون [له] القصاع كحياض الإبل، يجتمع على ~~القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. # قوله تعالى: { وقدور راسيات } أي: ثوابت؛ يقال: رسا يرسو: إذا ثبت. # وفي علة ثبوتها في مكانها قولان. # أحدهما: أن أثافيها منها، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها لا تنزل لعظمها، قاله ابن قتيبة. # قال المفسرون: وكانت القدور كالجبال لا تحرك من أماكنها، يأكل من ~~القدر ألف رجل. # قوله تعالى: { اعملوا آل داود شكرا } المعنى: وقلنا: اعملوا ~~بطاعة الله شكرا له على ما آتاكم. # قوله تعالى: { فلما قضينا عليه الموت } يعني على سليمان. قال ~~المفسرون: كانت الإنس تقول: إن الجن تعلم الغيب الذي يكون في غد، فوقف ~~سليمان في محرابه يصلي متوكئا على عصاه، فمات، فمكث كذلك حولا ~~والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم بموته حتى أكلت الأرض عصا ~~سليمان، فخر فعلموا بموته، وعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب. # وقيل: إن سليمان سأل الله تعالى أن يعمي على الجن موته، فأخفاه الله ~~عنهم حولا. # وفي سبب سؤاله قولان. # أحدهما: لأن الجن كانوا يقولون للانس إننا نعلم الغيب، فأراد ~~تكذيبهم. # والثاني: لأنه كان قد بقي من ms1639 عمارة بيت المقدس بقية. # فاما { دابة الأرض } فهي: الأرضة. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، ~~وعاصم الجحدري: { دابة الأرض } بفتح الراء. # والمنسأة: العصا. قال الزجاج: وإنما سميت منسأة، لأنه ينسأ ~~بها، أي: يطرد ويزجر. قال الفراء: أهل الحجاز لا يهمزون ~~المنسأة، وتميم وفصحاء قيس يهمزونها. # قوله تعالى: { فلما خر } أي: سقط { تبينت الجن } أي: ظهرت، ~~وانكشف للناس أنهم لا يعلمون الغيب، ولو علموا { ما لبثوا في العذاب ~~المهين } أي: ما عملوا مسخرين وهو ميت وهم يظنونه حيا. وقيل: ~~تبينت الجن، أي: علمت لأنها كانت تتوهم باستراقها السمع أنها ~~تعلم الغيب، فعلمت حينئذ خطأها في ظنها. وروى رويس عن يعقوب { ~~تبينت } برفع التاء والباء وكسر الياء. ### || [34.15-21] # قوله تعالى: { لقد كان لسبأ في مساكنهم آية } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: { في مساكنهم }. وقرأ حمزة، ~~وحفص عن عاصم { مسكنهم } بفتح الكاف من غير ألف. وقرأ الكسائي، وخلف: ~~{ مسكنهم } بكسر الكاف، وهي لغة. # قال المفسرون: المراد بسبأ هاهنا: القبيلة التي هم من أولاد سبأ بن ~~يشجب ابن يعرب بن قحطان؛ وقد ذكرنا في سورة [النمل:22] الخلاف في ~~هذا، وأن قوما يقولون: هو اسم بلد، وليس باسم رجل. وذكر الزجاج في هذا ~~المكان أن من قرأ: { لسبأ } بالفتح وترك الصرف، جعله اسما ~~للقبيلة، ومن صرف وكسر ونون، جعله اسما للحي واسما لرجل؛ وكل ~~جائز حسن. و { آية } رفع، اسم «كان»، و { جنتان } رفع على نوعين، ~~أحدهما: أنه بدل من «آية». # والثاني: على إضمار، كأنه لما قيل: «آية»، قيل: الآية جنتان. # الإشارة إلى قصتهم. # ذكر العلماء بالتفسير والسير أن بلقيس لما ملكت [قومها] جعل ~~قومها يقتتلون على ماء واديهم، فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها، فتركت ~~ملكها وانطلقت إلى قصرها فنزلته، فلما كثر الشر بينهم ~~وندموا، أتوها فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها، فأبت، فقالوا: ~~لترجعن أو لنقتلنك، فقالت: إنكم لا تطيعونني وليست لكم ~~عقول، فقالوا: فانا نطيعك، فجاءت إلى واديهم - وكانوا إذا مطروا ~~أتاه السيل من مسيرة أيام - فأمرت به، ms1640 فسد ما بين الجبلين ~~بمسناة، وحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق ~~بعض، وبنت من دونه بركة وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة ~~أنهارهم، فكان الماء يخرج بينهم بالسوية، إلى أن كان من شأنها مع ~~سليمان ما سبق ذكره [النمل:29 44]، وبقوا بعدها على حالهم. وقيل: ~~إنما بنوا ذلك البنيان لئلا يغشى السيل أموالهم فيهلكها، فكانوا ~~يفتحون من أبواب السد ما يريدون، فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه، ~~وكانت لهم جنتان عن يمين واديهم وعن شماله، فأخصبت أرضهم، وكثرت ~~فواكههم، وإن كانت المرأة لتمر بين الجنتين والمكتل على رأسها، ~~فترجع وقد امتلأ من الثمر ولا تمس بيدها شيئا منه، ولم يكن [يرى] في ~~بلدهم حية ولا عقرب ولا بعوضة ولا ذباب ولا برغوث، ويمر الغريب ~~ببلدتهم وفي ثيابه القمل، فيموت القمل لطيب هوائها. وقيل لهم: { كلوا ~~من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة } أي: هذه بلدة طيبة، أو ~~بلدتكم بلدة طيبة، ولم تكن سبخة ولا فيها ما يؤذي { ورب غفور } ~~أي: والله رب غفور، وكانت ثلاث عشرة قرية، فبعث الله إليهم ثلاثة ~~عشر نبيا، فكذبوا الرسل، ولم يقروا بنعم الله، فذلك قوله: { ~~فأعرضوا } أي: عن الحق، وكذبوا أنبياءهم { فأرسلنا عليهم سيل ~~العرم } وفيه أربعة أقوال. # أحدها: أن العرم: الشديد، رواه علي بن أبي طالب عن ابن عباس. وقال ~~ابن الأعرابي: العرم: السيل الذي لا يطاق. # والثاني: [أنه] اسم الوادي، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والضحاك، ومقاتل. # والثالث: أنه المسناة، قاله مجاهد، وأبو ميسرة، والفراء، وابن ~~قتيبة. وقال أبو عبيدة: العرم: جمع عرمة، وهي: السكر ~~والمسناة. # والرابع: أن العرم: الجرذ الذي نقب عليهم السكر، حكاه الزجاج. # وفي صفة إرسال هذا السيل عليهم قولان. # أحدهما: أن الله تعالى بعث على سكرهم دابة من الأرض فنقبت فيه ~~نقبا، فسال ذلك الماء إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. وقال قتادة والضحاك في آخرين: بعث الله عليهم ~~جرذا يسمى الخلد - والخلد: الفأر ms1641 الأعمى - فنقبه من أسفله، ~~فأغرق الله [به] جناتهم، وخرب به أرضهم. # والثاني: أنه أرسل عليهم ماء أحمر، أرسله في السد فنسفه وهدمه وحفر ~~الوادي، ولم يكن الماء أحمر من السد، وإنما كان سيلا أرسل عليهم، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: { وبدلناهم بجنتيهم } يعني اللتين تطعمان الفواكه { ~~جنتين ذواتي أكل خمط } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: { أكل } بالتنوين. وقرأ أبو عمرو: { أكل } ~~بالإضافة. وخفف الكاف ابن كثير ونافع، وثقلها الباقون. أما ~~الأكل، فهو الثمر. # وفي المراد بالخمط ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الأراك، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور؛ فعلى هذا، ~~أكله: ثمره؛ ويسمى ثمر الأراك: البرير. # والثاني: أنه كل شجرة ذات شوك، قاله أبو عبيدة. # والثالث: أنه كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله، قاله ~~المبرد والزجاج. فعلى هذا القول، الخمط: اسم للمأكول، فيحسن على ~~هذا قراءة من نون الأكل؛ وعلى ما قبله، هو اسم شجرة، والأكل ثمرها، ~~فيحسن قراءة من أضاف. # فأما الأثل، ففيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الطرفاء، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه السمر، حكاه ابن جرير. # والثالث: أنه شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه. # قوله تعالى: { وشيء من سدر قليل } فيه تقديم، وتقديره: وشيء قليل ~~من سدر، وهو شجر النبق. والمعنى أنه كان الخمط والأثل في جنتيهم ~~أكثر من السدر. قال قتادة: بينا شجرهم من خير الشجر، إذ صيره ~~الله من شر الشجر. # قوله تعالى: { ذلك جزيناهم } أي: ذلك التبديل جزيناهم { بما كفروا ~~وهل نجازي إلا الكفور }. # فان قيل: قد يجازى المؤمن والكافر، فما معنى هذا التخصيص؟ فعنه ~~جوابان. # أحدهما: أن المؤمن يجزى ولا يجازى، فيقال في أفصح اللغة: جزى الله ~~المؤمن، ولا يقال: جازاه، لأن «جازاه» بمعنى كافأه، فالكافر يجازى ~~بسيئته مثلها، مكافأة له، والمؤمن يزاد في الثواب ويتفضل عليه، ~~هذا قول الفراء. # والثاني: أن الكافر ليست له حسنة تكفر ذنوبه، فهو يجازى بجميع ~~الذنوب، والمؤمن قد أحبطت حسناته سيئاته، هذا قول الزجاج. # وقال طاووس: الكافر يجازى ولا يغفر ms1642 له، والمؤمن لا يناقش الحساب. # قوله تعالى: { وجعلنا بينهم } هذا معطوف على قوله تعالى: { لقد كان ~~لسبأ }؛ والمعنى: كان من قصصهم أنا جعلنا بينهم { وبين القرى ~~التي باركنا فيها } وهي: قرى الشام؛ وقد سبق بيان معنى البركة فيها ~~[الانبياء:71]، هذا قول الجمهور. وحكى ابن السائب أن الله تعالى لما ~~أهلك جنتيهم قالوا للرسل: قد عرفنا نعمة الله علينا، فلئن رد إلينا ~~ما كنا عليه لنعبدنه عبادة شديدة، فرد عليهم النعمة، وجعل ~~لهم قرى ظاهرة، فعادوا إلى الفساد وقالوا: باعد بين أسفارنا، ~~فمزقوا. # قوله تعالى: { قرى ظاهرة } أي: متواصلة ينظر بعضها إلى بعض { ~~وقدرنا فيها السير } فيه قولان. # أحدهما: أنهم كانوا يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في ~~قرية، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: أنه جعل ما بين القرية والقرية مقدارا واحدا، قاله ابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: { سيروا فيها } والمعنى: وقلنا لهم: سيروا فيها { ليالي ~~وأياما } أي: ليلا ونهارا { آمنين } من مخاوف السفر من جوع أو عطش ~~أو سبع أو تعب، وكانوا يسيرون أربعة أشهر في أمان، فبطروا النعمة ~~وملوها كما مل بنو إسرائيل المن والسلوى { فقالوا ربنا بعد ~~بين أسفارنا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: { بعد } بتشديد العين وكسرها. ~~وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة: { باعد } بألف وكسر العين. وعن ابن عباس ~~كالقراءتين. قال ابن عباس: إنهم قالوا: لو كانت جناتنا أبعد مما هي، ~~كان أجدر أن يشتهى جناها. قال أبو سليمان الدمشقي: لما ذكرتهم ~~الرسل نعم الله، أنكروا أن يكون ماهم فيه نعمة، وسألوا الله أن ~~يباعد بين أسفارهم. وقرأ يعقوب: [ { ربنا } برفع الباء] { باعد } ~~بفتح العين والدال، جعله فعلا ماضيا على طريق الإخبار للناس بما أنزله ~~الله عز وجل بهم. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو عبد الرحمن [السلمي]، وأبو ~~رجاء، وابن السميفع، وابن أبي عبلة: { بعد } برفع العين وتخفيفها وفتح ~~الدال من غير ألف، على طريق الشكاية إلى الله عز وجل. وقرأ عاصم ~~الجحدري، وأبو عمران الجوني: { بوعد } برفع الباء وبواو ساكنة مع كسر ~~العين. # قوله تعالى: { وظلموا أنفسهم } فيه ms1643 قولان. # أحدهما: بالكفر وتكذيب الرسل. # والثاني: بقولهم { بعد بين أسفارنا }. # { فجعلناهم أحاديث } لمن بعدهم يتحدثون بما فعل بهم { ومزقناهم ~~كل ممزق } أي: فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، لأن ~~الله لما غرق مكانهم وأذهب جنتيهم تبددوا في البلاد، فصارت ~~العرب تتمثل في الفرقة بسبأ { إن في ذلك } أي: فيما فعل بهم { ~~لآيات } أي: لعبرا { لكل صبار } عن معاصي الله { شكور } ~~لنعمه. # قوله تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } { عليهم } بمعنى ~~«فيهم»، وصدقه في ظنه أنه ظن بهم أنهم يتبعونه إذ أغواهم، ~~فوجدهم كذلك. # وإنما قال: # ولأضلنهم ولأمنينهم # [النساء:119] بالظن، لا بالعلم، فمن قرأ: { صدق } بتشديد الدال، ~~فالمعنى: حقق ما ظنه فيهم بما فعل بهم؛ ومن قرأ بالتخفيف، فالمعنى: ~~صدق عليهم في ظنه بهم. # وفي المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم أهل سبأ. # والثاني: سائر المطيعين لإبليس. # قوله تعالى: { وما كان له عليهم من سلطان } قد شرحناه في قوله: # ليس لك عليهم سلطان # [الحجر:42]. قال الحسن: والله ما ضربهم بعصا ولا قهرهم على شيء، ~~إلا أنه دعاهم إلى الأماني والغرور. # قوله تعالى: { إلا لنعلم } أي: ما كان تسليطنا إياه إلا ~~لنعلم المؤمنين من الشاكين. وقرأ الزهري: { إلا ليعلم } ~~بياء مرفوعة على ما لم يسم فاعله. وقرأ ابن يعمر: { ليعلم } بفتح ~~الياء. # وفي المراد بعلمه هاهنا ثلاثة أقوال قد شرحناها في أول [العنكبوت:3]. # { وربك على كل شيء } من الشك والإيمان { حفيظ } ، وقال ابن قتيبة: ~~والحفيظ بمعنى الحافظ. قال الخطابي: وهو فعيل بمعنى فاعل، كالقدير، ~~والعليم، فهو يحفظ السماوات والأرض بما فيها لتبقى مدة بقائها، ويحفظ ~~عباده من المهالك، ويحفظ عليهم أعمالهم، ويعلم نياتهم، ويحفظ أولياءه ~~عن مواقعة الذنوب، ويحرسهم من مكايد الشيطان. ### || [34.22-23] # قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم } المعنى: قل للكفار: ادعوا ~~الذين زعمتم أنهم آلهة لينعموا عليكم بنعمة، أو يكشفوا عنكم ~~بلية. ثم أخبر عنهم فقال: { لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا ~~في الأرض } أي: من خير وشر ونفع وضر { وما لهم فيهما من شرك } لم ~~يشاركونا في ms1644 شيء من خلقهما، { وماله } أي: وما لله { منهم } أي: من ~~الآلهة { من ظهير } أي: من معين على شيء. # { ولا تنفع الشفاعة عنه إلا لمن أذن له } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر: { أذن له } بفتح الألف. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وخلف: { أذن له } برفع الألف وعن عاصم كالقراءتين. أي: لا ~~تنفع شفاعة ملك ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، وقيل: حتى يؤذن ~~له فيمن يشفع. وفي هذا رد عليهم حين قالوا: إن هذه الآلهة تشفع لنا. # { حتى إذا فزع عن قلوبهم } قرأ الأكثرون: { فزع } بضم الفاء ~~وكسر الزاي. قال ابن قتيبة: خفف عنها الفزع. وقال الزجاج: معناه: ~~كشف الفزع عن قلوبهم. وقرأ ابن عامر، ويعقوب، وأبان: { فزع } بفتح ~~الفاء والزاي، والفعل لله عز وجل. وقرأ الحسن، وقتادة، وابن يعمر: { فرغ ~~} بالراء غير معجمة، وبالغين معجمة، وهو بمعنى الأول، لأنها فرغت من ~~الفزع. وقال غيره: بل فرغت من الشك والشرك. # وفي المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم الملائكة. وقد دل الكلام على أنهم يفزعون لأمر يطرأ ~~عليهم من أمر الله، ولم يذكره في الآية، لأن إخراج الفزع يدل على حصوله. ~~وفي سبب فزعهم قولان. # أحدهما: أنهم يفزعون لسماع كلام الله تعالى. روى عبد الله بن مسعود عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على ~~الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فاذا جاءهم جبريل ~~فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل: ماذا قال ربك؟ قال: فيقول: الحق، ~~فينادون: الحق الحق " # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا قضى الله عز وجل الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها ~~خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فاذا فزع عن قلوبهم قالوا: ~~ماذا قال ربكم، قالوا: للذي قال الحق { وهو العلي الكبير } ". # والثاني: أنهم يفزعون من قيام الساعة. وفي السبب الذي ظنوه بدنو ~~الساعة ففزعوا، قولان. # أحدهما: أنه لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما ms1645 ~~وسلم، ثم بعث الله محمدا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل ~~ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من أمر الساعة، فصعقوا لذلك، فجعل جبريل ~~يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي، قاله قتادة، ~~ومقاتل، وابن السائب. # وقيل: لما علموا بالإيحاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فزعوا، ~~لعلمهم أن ظهوره من أشراط الساعة. # والثاني: أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض ويكتبون ~~أعمالهم إذا أرسلهم الله تعالى فانحدروا، يسمع لهم صوت شديد، فيحسب ~~الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجدا، ~~ويصعقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة، وهذا كلما مروا عليهم، ~~رواه الضحاك عن ابن مسعود. # والقول الثاني: أن الذي أشير إليهم المشركون؛ ثم في معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: أن المعنى: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند الموت ~~إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ ~~قالوا: الحق، فأقروا حين لم ينفعهم الإقرار، قاله الحسن، وابن زيد. # والثاني: حتى إذا كشف الغطاء عن قلوبهم يوم القيامة، قيل لهم: ماذا ~~قال ربكم؟ قاله مجاهد. ### || [34.24-27] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السموات } يعني المطر { والأرض } ~~يعني النبات والثمر. وإنما أمر أن يسأل الكفار عن هذا، احتجاجا عليهم ~~بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة، وهم لا يثبتون رازقا سواه، ~~ولهذا قيل له: { قل الله } لأنهم لا يجيبون بغير هذا؛ وهاهنا تم ~~الكلام. ثم أمره أن يقول لهم: { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين } مذهب المفسرين أن «أو» هاهنا بمعنى الواو. وقال أبو عبيدة: ~~معنى الكلام: وإنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين. وقال ~~الفراء: معنى: «أو» عند المفسرين معنى الواو، وكذلك هو في المعنى، غير أن ~~العربية على غير ذلك، لا تكون «أو» بمنزلة الواو، ولكنها تكون في الأمر ~~المفوض، كما تقول: إن شئت فخذ درهما أو اثنين، فله أن يأخذ واحدا ~~أو اثنين، وليس له أن يأخذ ثلاثة؛ وإنما معنى الآية: وإنا لضالون أو ~~مهتدون، ms1646 وإنكم أيضا لضالون أو مهتدون، وهو يعلم أن رسوله ~~المهتدي، وأن غيره الضال، كما تقول للرجل تكذبه: والله إن أحدنا ~~لكاذب - وأنت تعنيه - فكذبته تكذيبا غير مكشوف؛ ويقول الرجل: والله ~~لقد قدم فلان، فيقول له من يعلم كذبه: قل: إن شاء الله، فيكذبه ~~بأحسن من تصريح التكذيب؛ ومن كلام العرب أن يقولوا: قاتله الله، ثم ~~يستقبحونها، فيقول: قاتعه الله، ويقول بعضهم: كاتعه الله؛ ويقولون: ~~جوعا، دعاء على الرجل، ثم يستقبحونها فيقولون: جودا، وبعضهم يقول: ~~جوسا؛ ومن ذلك قولهم: ويحك وويسك، وإنما هي في معنى { ويلك } إلا أنها ~~دونها. # قوله تعالى: { قل لا تسألون عما أجرمنا } أي: لا تؤاخذون به { ولا ~~نسأل عما تعلمون } من الكفر والتكذيب؛ والمعنى: إظهار التبري ~~منهم. وهذه الآية عند أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف، ولا وجه لذلك. # قوله تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا } يعني عند البعث في الآخرة { ~~ثم يفتح بيننا } أي يقضي { بالحق } أي: بالعدل { وهو الفتاح } ~~القاضي { العليم } بما يقضي { قل } للكفار { أروني الذين ألحقتم به ~~شركاء } أي: أعلموني من أي وجه ألحقتموهم وهم لا يخلقون ولا يرزقون ~~{ كلا } ردع وتنبيه؛ والمعنى: ارتدعوا عن هذا القول، وتنبهوا عن ~~ضلالتكم، فليس الأمر على ما أنتم عليه. ### || [34.28-30] # قوله تعالى: { وما أرسلناك إلا كافة للناس } أي: عامة لجميع ~~الخلائق. وفي الكلام تقديم، تقديره: وما أرسلناك إلا للناس كافة. ~~وقيل: معنى { كافة للناس }: تكفهم عما هم عليه من الكفر، والهاء فيه ~~للمبالغة. # { ويقولون متى هذا الوعد } يعنون العذاب الذي يعدهم به في يوم ~~القيامة؛ وإنما قالوا هذا، لأنهم ينكرون البعث، { قل لكم ميعاد ~~يوم } وفيه قولان. # أحدهما: أنه يوم الموت عند النزع والسياق، قاله الضحاك. # والثاني: يوم القيامة، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### || [34.31-33] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } يعني مشركي مكة { لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه } يعنون التوراة والإنجيل، وذلك أن مؤمني أهل ~~الكتاب قالوا: إن صفة محمد في كتابنا، فكفر أهل مكة بكتابهم. # ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال: { ولو ترى إذ ms1647 الظالمون } يعني مشركي ~~مكة { موقوفون عند ربهم } في الآخرة { يرجع بعضهم إلى بعض القول ~~} أي: يرد بعضهم على بعض في الجدال واللوم { يقول الذين استضعفوا ~~} وهم الأتباع { للذين استكبروا } وهم الأشراف والقادة: { لولا أنتم ~~لكنا مؤمنين } أي: مصدقين بتوحيد الله؛ والمعنى: أنتم منعتمونا عن ~~الإيمان؛ فأجابهم المتبوعون فقالوا: { أنحن صددناكم عن الهدى } أي: ~~منعناكم عن الإيمان { بعد إذ جاءكم } به الرسول؟ { بل كنتم مجرمين } ~~بترك الإيمان - وفي هذا تنبيه للكفار على أن طاعة بعضهم لبعض في الدنيا ~~تصير سببا للعداوة في الآخرة - فرد عليهم الأتباع فقالوا: { بل مكر ~~الليل والنهار } أي: بل مكركم بنا في الليل والنهار. قال الفراء: وهذا ~~مما تتوسع فيه العرب لوضوح معناه، كما يقولون: ليله قائم، ونهاره صائم، ~~فتضيف الفعل إلى غير الآدميين، والمعنى لهم. وقال الأخفش: وهذا كقوله: # من قريتك التي أخرجتك # [محمد:13]، قال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى # ونمت وما ليل المطي بنائم # وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري: { بل مكر } بفتح ~~الكاف والراء { الليل والنهار } برفعهما. وقرأ ابن يعمر: { بل مكر } ~~باسكان الكاف ورفع الراء وتنوينها { الليل والنهار } بنصبهما. # قوله تعالى: { إذ تأمروننا أن نكفر بالله } وذلك أنهم كانوا يقولون ~~لهم: إن ديننا حق ومحمد كذاب، { وأسروا الندامة } وقد سبق ~~بيانه في [يونس:54]. # قوله تعالى: { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } إذا دخلوا ~~جهنم غلت أيديهم إلى أعناقهم، وقالت لهم خزنة جهنم: هل تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون في الدنيا. قال أبو عبيدة: مجاز «هل» هاهنا مجاز ~~الإيجاب، وليس باستفهام؛ والمعنى: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون. ### || [34.34-39] # { وما أرسلنا في قرية من نذير } أي: نبي ينذر { إلا قال ~~مترفوها } وهم أغنياؤها ورؤساؤها. # قوله تعالى: { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا }. في المشار إليهم ~~قولان. # أحدهما: أنهم المترفون من كل أمة. # والثاني: مشركو مكة، فظنوا من جهلهم أن الله خولهم المال والولد ~~لكرامتهم عليه، فقالوا: { وما نحن بمعذبين } لأن الله أحسن إلينا بما ~~أعطانا فلا يعذبنا، فأخبر أنه { يبسط ms1648 الرزق لمن يشاء ويقدر }؛ ~~والمعنى أن بسط الرزق وتضييقه ابتلاء وامتحان، لا أن البسط ~~يدل على رضى الله، ولا التضييق يدل على سخطه { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } ذلك. ثم صرح بهذا المعنى بقوله { وما أموالكم ولا أولادكم ~~بالتي تقربكم عندنا زلفى } قال الفراء: يصلح أن تقع «التي» على ~~الأموال والأولاد جميعا، لأن الأموال جمع والأولاد جمع؛ وإن شئت ~~وجهت «التي» إلى الأموال، واكتفيت بها من ذكر الأولاد؛ وأنشد ~~لمرار الأسدي: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقد شرحنا هذا في قوله: # ولا ينفقونها في سبيل الله # [التوبة:34] وقال الزجاج: المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم، ولا ~~أولادكم بالذين يقربونكم، فحذف اختصارا. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، ~~وأبو الجوزاء: { باللاتي تقربكم }. قال الأخفش: و { زلفى } هاهنا ~~اسم مصدر، كأنه قال: تقربكم عندنا ازدلافا. وقال ابن قتيبة: { ~~زلفى } أي: قربى ومنزلة عندنا. # قوله تعالى: { إلا من آمن } قال الزجاج: المعنى: ما تقرب ~~الأموال إلا من آمن وعمل بها في طاعة الله، { فأولئك لهم جزاء ~~الضعف } والمراد به هاهنا عشر حسنات، تأويله: لهم جزاء الضعف الذي ~~قد أعلمتكم مقداره. وقال ابن قتيبة: لم يرد فيما يرى أهل النظر - ~~والله أعلم أنهم يجازون بواحد مثله، ولا اثنين، ولكنه أراد جزاء ~~التضعيف، وهو مثل يضم إلى مثل ما بلغ، وكأن الضعف ~~الزيادة، فالمعنى: لهم جزاء الزيادة. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، ~~ورويس، وزيد عن يعقوب: { لهم جزاء } بالنصب والتنوين وكسر التنوين وصلا ~~{ الضعف } بالرفع. وقرأ أبو الجوزاء، وقتادة، وأبو عمران الجوني: { ~~لهم جزاء } بالرفع والتنوين { الضعف } بالرفع. # قوله تعالى: { وهم في الغرفات } يعني [في] غرف الجنة، وهي البيوت ~~فوق الأبنية. وقرأ حمزة: { في الغرفة } على التوحيد؛ أراد اسم الجنس. ~~وقرأ الحسن، وأبو المتوكل: { في الغرفات } بضم الغين وسكون الراء مع ~~الألف. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر: بضم الغين وفتح الراء مع الألف { ~~آمنون } من الموت والغير. وما بعد هذا قد تقدم تفسيره [الحج:51، ~~الرعد:26] إلى قوله: { وما أنفقتم من شيء فهو ms1649 يخلفه } أي: يأتي ~~ببدله، يقال: أخلف الله له وعليه: إذا أبدل ما ذهب عنه وفي معنى ~~الكلام أربعة أقوال. # أحدهما: ما أنفقتم من غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، قاله سعيد بن ~~جبير. # والثاني: ما أنفقتم في طاعته، فهو يخلفه في الآخرة بالأجر، قاله السدي. # والثالث: ما أنفقتم في الخير والبر فهو يخلفه، إما أن يعجله ~~في الدنيا، أو يدخره لكم في الآخرة، قاله ابن السائب. # والرابع: أن الإنسان قد ينفق ماله في الخير ولا يرى له خلفا أبدا؛ ~~وإنما معنى الآية: ما كان من خلف فهو منه، ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: { وهو خير الرازقين } لما دار على الألسن أن السلطان ~~يرزق الجند، وفلان يرزق عياله، أي: يعطيهم، أخبر أنه خير المعطين. ### || [34.40-45] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا } يعني المشركين؛ وقال مقاتل: يعني ~~الملائكة ومن عبدها { ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون } وهذا استفهام تقرير وتوبيخ للعابدين؛ فنزهت الملائكة ~~ربها عن الشرك ف { قالوا سبحانك } أي: تنزيها لك مما أضافوه إليك ~~من الشركاء { أنت ولينا من دونهم } أي: نحن نتبرأ إليك منهم، ما ~~تولينا ولا اتخذناهم عابدين، ولسنا نريد وليا غيرك. { بل كانوا ~~يعبدون الجن } أي: يطيعون الشياطين في عبادتهم إيانا { أكثرهم ~~بهم } أي: بالشياطين { مؤمنون } أي: مصدقون لهم فيما يخبرونهم من ~~الكذب أن الملائكة بنات الله، فيقول الله تعالى: { فاليوم } يعني في ~~الآخرة { لا يملك بعضكم لبعض } يعني العابدين والمعبودين { نفعا } ~~بالشفاعة { ولا ضرا } بالتعذيب { ونقول للذين ظلموا } فعبدوا غير ~~الله { ذوقوا عذاب النار... } الآية. # ثم أخبر أنهم يكذبون محمدا والقرآن بالآية التي تلي هذه، وتفسيرها ~~ظاهر. # ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدا عن يقين، ~~ولم يأتهم قبله كتاب ولا نبي يخبرهم بفساد أمره، فقال: { وما آتيناهم من ~~كتب يدرسونها } قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن ~~ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد؛ وهذا محمول على الذين أنذرهم نبينا ~~[محمد] صلى الله عليه وسلم؛ وقد كان إسماعيل نذيرا للعرب. # ثم ms1650 أخبر عن عاقبة المكذبين قبلهم مخوفا لهم، فقال: { وكذب الذين ~~من قبلهم } يعني الأمم الكافرة { وما بلغوا معشار ما آتيناهم } وفيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: ما بلغ كفار مكة معشار ما آتينا الأمم التي كانت قبلهم من ~~القوة والمال وطول العمر، قاله الجمهور. # والثاني: ما بلغ الذين من قبلهم معشار ما أعطينا هؤلاء من الحجة ~~والبرهان. # والثالث: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، حكاهما ~~الماوردي. # والمعشار: العشر. والنكير: اسم بمعنى الإنكار. قال الزجاج: ~~والمعنى: فكيف كان نكيري؛ وإنما حذفت الياء، لأنه آخر آية. ### || [34.46-50] # قوله تعالى: { قل إنما أعظكم } أي: آمركم وأوصيكم { بواحدة } ~~وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها «لا إله إلا الله»، رواه ليث عن مجاهد. # والثاني: طاعة الله، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثالث: أنها قوله: { أن تقوموا لله مثنى وفرادى } ، قاله قتادة. ~~والمعنى: أن التي أعظكم بها، قيامكم وتشميركم لطلب الحق، وليس ~~بالقيام على الأقدام. والمراد بقوله { مثنى } أي: يجتمع اثنان فيتناظران ~~في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمراد ب { فرادى }: أن يتفكر ~~الرجل وحده، ومعنى الكلام: ليتفكر الإنسان منكم وحده، وليخل ~~بغيره، وليناظر، وليستشر، فيستدل بالمصنوعات على صانعها، ~~ويصدق الرسول على اتباعه، وليقل الرجل لصاحبه: هلم ~~فلنتصادق هل رأينا بهذا الرجل جنة قط، أو جربنا عليه كذبا ~~قط. وتم الكلام عند قوله: { ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة } ، ~~وفيه اختصار تقديره: ثم تتفكروا لتعلموا صحة ما أمرتكم به وأن ~~الرسول ليس بمجنون، { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ~~في الآخرة. # قوله تعالى: { قل ما سألتكم من أجر } على تبليغ الرسالة { فهو ~~لكم } والمعنى: ما أسألكم شيئا؛ ومثله قول القائل: ما لي في هذا فقد ~~وهبته لك، يريد: ليس لي فيه شيء. # قوله تعالى: { قل إن ربي يقذف بالحق } أي يلقي الوحي إلى ~~أنبيائه { علام الغيوب } وقرأ أبو رجاء: { علام } بنصب الميم. # { قل جاء الحق } وهو الإسلام والقرآن. # وفي المراد بالباطل ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الشيطان، لا يخلق أحدا ولا ms1651 يبعثه، قاله قتادة. # والثاني: أنه الأصنام، لا تبدئ خلقا ولا تحيي، قاله الضحاك. وقال ~~أبو سليمان: لا يبتدىء الصنم من عنده كلاما فيجاب، ولا يرد ما جاء ~~من الحق بحجة. # والثالث: أنه الباطل الذي يضاد الحق؛ فالمعنى: ذهب الباطل بمجيء ~~الحق، فلم تبق منه بقية يقبل بها أو يدبر أو يبدىء أو يعيد، ~~ذكره جماعة من المفسرين. # قوله تعالى: { قل إن ضللت فانما أضل على نفسي } أي: إثم ~~ضلالتي على نفسي، وذلك أن كفار مكة زعموا أنه قد ضل حين ترك ~~دين آبائه، { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } من الحكمة ~~والبيان. ### || [34.51-54] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ فزعوا } في زمان هذا الفزع قولان. # أحدهما: أنه حين البعث من القبور، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه عند ظهور العذاب في الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال قتادة. وقال سعيد بن جبير: هو الجيش الذي يخسف به بالبيداء، يبقى ~~منهم رجل فيخبر الناس بما لقوا، وهذا حديث مشروح في التفسير، وأن هذا ~~الجيش يؤم البيت الحرام لتخريبه، فيخسف بهم. وقال الضحاك وزيد ابن ~~أسلم: هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من المشركين. # قوله تعالى: { فلا فوت } المعنى: فلا فوت لهم، أي: لا يمكنهم أن ~~يفوتونا { وأخذوا من مكان قريب } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: من مكانهم يوم بدر، قاله زيد بن أسلم. # والثاني: من تحت أقدامهم بالخسف، قاله مقاتل. # والثالث: من القبور، قاله ابن قتيبة. وأين كانوا، فهم من الله قريب. # قوله تعالى: { وقالوا } أي: حين عاينوا العذاب { آمنا به } في هاء ~~الكناية أربعة أقوال. # أحدها: أنها تعود إلى الله عز وجل، قاله مجاهد. # والثاني: إلى البعث، قاله الحسن. # والثالث: إلى الرسول، قاله قتادة. # والرابع: إلى القرآن، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وأنى لهم التناوش } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: { التناوش } غير مهموز. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، والمفضل عن عاصم: بالهمز. قال الفراء: من همز جعله من ~~«نأشت»، ومن لم يهمز، جعله من «نشت»، وهما متقاربان؛ والمعنى: ~~تناولت ms1652 الشيء، بمنزلة: ذمت الشيء وذأمته: إذا عبته؛ وقد تناوش ~~القوم في القتال: إذا تناول بعضهم بعضا بالرماح، ولم يتدانوا ~~كل التداني، وقد يجوز همز «التناؤش» وهي من «نشت» لانضمام ~~الواو، مثل قوله: # وإذا الرسل أقتت # [المرسلات: 11]. وقال الزجاج: من همز «التناؤش» فلأن واو ~~التناوش مضمومة، وكل واو مضمونة ضمتها لازمة، إن شئت أبدلت ~~منها همزة، وإن شئت لم تبدل، نحو: أدؤر. وقال ابن قتيبة: معنى الآية: ~~وأنى لهم التناوش لما أرادوا بلوغه وإدراك ما طلبوا من ~~التوبة { من مكان بعيد } وهو الموضع الذي تقبل فيه التوبة. وكذلك ~~قال المفسرون: أنى لهم بتناول الإيمان والتوبة وقد تركوا ذلك في ~~الدنيا والدنيا قد ذهبت؟! # قوله تعالى: { وقد كفروا به } في هاء الكناية أربعة أقوال قد تقدمت ~~في قوله { آمنا به } [سبأ:52]. ومعنى { من قبل } أي: في الدنيا من ~~قبل معاينة أهوال الآخرة { ويقذفون بالغيب } أي: يرمون بالظن { ~~من مكان بعيد } وهو بعدهم عن العلم بما يقولون. # وفي المراد بمقالتهم هذه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم يظنون أنهم يردون إلى الدنيا، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه قولهم في الدنيا: لا بعث لنا ولا جنة ولا نار، قاله الحسن، ~~وقتادة. # والثالث: أنه قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو ساحر، هو كاهن، ~~هو شاعر، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } أي: منع هؤلاء الكفار مما ~~يشتهون، وفيه ستة أقوال. # أحدها: انه الرجوع إلى الدنيا، قاله ابن عباس. # والثاني: الأهل والمال والولد، قاله مجاهد. # والثالث: الإيمان، قاله الحسن. # والرابع: طاعة الله، قاله قتادة. # والخامس: التوبة، قاله السدي. # والسادس: حيل بين الجيش الذي خرج لتخريب الكعبة وبين ذلك بأن خسف بهم، ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: { كما فعل } وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو ~~عمران: { كما فعل } بفتح الفاء والعين { بأشياعهم من قبل } قال ~~الزجاج: أي بمن كان مذهبه مذهبهم. قال المفسرون: والمعنى: كما فعل ~~بنظرائهم من الكفار من قبل هؤلاء، فانهم حيل بينهم وبين ما ~~يشتهون. وقال الضحاك: ms1653 هم أصحاب الفيل حين أرادوا خراب الكعبة { إنهم ~~كانوا في شك } من البعث ونزول العذاب بهم { مريب } أي: موقع ~~للريبة والتهمة. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-2] # قوله تعالى: { الحمد لله فاطر السموات والأرض } أي: خالقهما ~~مبتدئا على غير مثال. قال ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر السماوات ~~والأرض حتى اختصم أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ~~ابتدأتها. # قوله تعالى: { جاعل الملائكة } وروى الحلبي والقزاز عن عبد الوارث: ~~{ جاعل } بالرفع والتنوين { الملائكة } بالنصب { رسلا } يرسلهم ~~إلى الأنبياء وإلى ما شاء من الأمور { أولي أجنحة } أي: أصحاب أجنحة، ~~{ مثنى وثلاث ورباع } فبعضهم له جناحان، وبعضهم [له] ثلاثة، ~~وبعضهم له أربعة، و { يزيد في الخلق ما يشاء } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنه زاد في خلق الملائكة الأجنحة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يزيد في الأجنحة ما يشاء، رواه عباد بن منصور عن الحسن، وبه ~~قال مقاتل. # والثالث: أنه الخلق الحسن، رواه عوف عن الحسن. # والرابع: أنه حسن الصوت، قاله الزهري، وابن جريج. # والخامس: الملاحة في العينين، قاله قتادة. # قوله تعالى: { ما يفتح الله للناس من رحمة } أي: من خير ~~ورزق، وقيل: أراد بها المطر { فلا ممسك لها } وقرأ أبي بن كعب، ~~وابن أبي عبلة: { فلا ممسك له }. وفي الآية تنبيه على أنه لا إله ~~إلا هو، إذ لا يستطيع أحد إمساك ما فتح وفتح ما أمسك. ### || [35.3-7] # قوله تعالى: { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم } قال ~~المفسرون: الخطاب لأهل مكة، و { اذكروا } بمعنى: «احفظوا»، ونعمة الله ~~عليهم: إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم. # { هل من خالق غير الله } وقرأ حمزة والكسائي: { غير الله } بخفض ~~الراء؛ قال أبو علي: جعلاه صفة على اللفظ، وذلك حسن لإتباع الجر. ~~وهذا استفهام تقرير وتوبيخ؛ والمعنى: لا خالق سواه { يرزقكم من السماء ~~} المطر (و) من { الأرض } النبات. وما بعد هذا قد سبق بيانه [الأنعام:95، ~~آل عمران:184، البقرة:210، لقمان:33] إلى قوله: { إن الشيطان لكم ~~عدو } أي: إنه يريد هلاككم { فاتخذوه عدوا } أي: أنزلوه من ~~أنفسكم ms1654 منزلة الأعداء، وتجنبوا طاعته { إنما يدعو حزبه } أي: ~~شيعته إلى الكفر { ليكونوا من أصحاب السعير }. ### || [35.8-9] # قوله تعالى: { أفمن زين له سوء عمله } اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في أبي جهل ومشركي مكة، قاله ابن عباس. # والثاني: في أصحاب الأهواء والملل التي خالفت الهدى، قاله سعيد بن ~~جبير. # والثالث: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله أبو قلابة. # فان قيل: أين جواب { أفمن زين له }؟. # فالجواب: من وجهين ذكرهما الزجاج. # أحدهما: أن الجواب محذوف؛ والمعنى: أفمن زين له سوء عمله كمن ~~هداه الله؟! ويدل على هذا قوله: { فان الله يضل من يشاء ويهدي ~~من يشاء }. # والثاني: أن المعنى: أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت ~~نفسك عليهم حسرات؟! ويدل على هذا قوله: { فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات }. وقرأ أبو جعفر { فلا تذهب } بضم التاء وكسر الهاء { ~~نفسك } بنصب السين. # وقال ابن عباس: لا تغتم ولا تهلك نفسك حسرة على تركهم ~~الإيمان. # قوله تعالى: { فتثير سحابا } أي: تزعجه من مكانه؛ وقال أبو عبيدة: ~~تجمعه وتجيء به، و { سقناه } بمعنى: «نسوقه»؛ والعرب قد تضع ~~«فعلنا» في موضع «نفعل»، وأنشدوا: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا # مني وما سمعوا من صالح دفنوا # المعنى: يطيروا ويدفنوا. # قوله تعالى: { كذلك النشور } وهو الحياة. وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: كما أحيا الله الأرض بعد موتها يحيي الموتى يوم البعث. روى ~~أبو رزين العقيلي، # " قال: قلت: يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في ~~خلقه؟ فقال: «هل مررت بوادي أهلك محلا؟ ثم مررت به يهتز ~~خضرا؟» قلت: نعم، قال: «فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في ~~خلقه» ". # والثاني: كما أحيا الله الأرض المينة بالماء، كذلك يحيي الله الموتى ~~بالماء. قال ابن مسعود: يرسل الله تعالى ماء من تحت العرش كمني ~~الرجال، قال: فتنبت لحمانهم وجسمانهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض ~~من الثرى، ثم قرأ هذه الآية. وقد ذكرنا في [الأعراف:57] نحو هذا الشرح. ### || [35.10] # قوله تعالى: { من كان يريد العزة ms1655 } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: من كان يريد العزة بعبادة الأوثان { فلله العزة جميعا } ~~، قاله مجاهد. # والثاني: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله، قاله قتادة. وقد ~~روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين ~~فليطع العزيز " # والثالث: من كان يريد علم العزة لمن هي، فانها لله جميعا، قاله ~~الفراء. # قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب } وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، والنخعي، والجحدري، والشيزري عن الكسائي: { ~~يصعد الكلام الطيب } وهو توحيده وذكره { والعمل الصالح ~~يرفعه } قال علي بن المديني: الكلم الطيب: لا إله إلا الله، ~~والعمل الصالح: أداء الفرائض واجتناب المحارم. # وفي هاء الكناية في قوله «يرفعه» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الكلم الطيب؛ فالمعنى: والعمل الصالح يرفع ~~الكلم الطيب، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ~~والضحاك. وكان الحسن يقول: يعرض القول على الفعل، فان وافق القول ~~الفعل قبل، وإن خالف رد. # والثاني: أنها ترجع إلى العمل الصالح، فالمعنى: والعمل الصالح يرفعه ~~الكلم الطيب، فهو عكس القول الأول، وبه قال أبو صالح، وشهر بن ~~حوشب. فاذا قلنا: إن الكلم الطيب هو التوحيد، كانت فائدة هذا ~~القول أنه لا يقبل عمل صالح إلا من موحد. # والثالث: أنها ترجع إلى الله عز وجل؛ فالمعنى: والعمل الصالح يرفعه ~~الله إليه، أي: يقبله، قاله قتادة. # قوله تعالى: { والذين يمكرون السيئات } قال أبو عبيدة: يمكرون: ~~بمعنى: يكتسبون ويجترحون. ثم في المشار إليهم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، ~~قاله أبو العالية. # والثاني: أنهم أصحاب الرياء، قاله مجاهد، وشهر بن حوشب. # والثالث: أنهم الذين يعملون السيئات، قاله قتادة، وابن السائب. # والرابع: أنهم قائلو الشرك، قاله مقاتل. # وفي معنى { يبور } قولان. # أحدهما: يبطل، قاله ابن قتيبة. # والثاني: يفسد قاله الزجاج. ### || [35.11-14] # قوله تعالى: { والله خلقكم من تراب } يعني آدم { ثم من نطفة } ~~يعني نسله { ثم جعلكم أزواجا } أي: أصنافا، ذكورا ms1656 وإناثا؛ قال ~~قتادة: زوج بعضهم ببعض. # قوله تعالى: { وما يعمر من معمر } أي: ما يطول عمر أحد { ~~ولا ينقص } وقرأ الحسن، ويعقوب: { ينقص } بفتح الياء وضم القاف { ~~من عمره } في هذه الهاء قولان. # أحدهما: أنها كناية عن آخر، فالمعنى: ولا ينقص من عمر آخر؛ وهذا ~~المعنى في رواية العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في آخرين. قال ~~الفراء: وإنما كني عنه كأنه الأول، لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول، ~~كأنه قال: ولا ينقص من عمر معمر، ومثله في الكلام: عندي درهم ~~ونصفه؛ والمعنى: ونصف آخر. # والثاني: أنها ترجع إلى المعمر المذكور؛ فالمعنى: ما يذهب من عمر ~~هذا المعمر يوم أو ليلة إلا وذلك مكتوب؛ قال سعيد بن جبير: مكتوب ~~في أول الكتاب: عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل من ذلك: ذهب يوم، ذهب ~~يومان، ذهبت ثلاثة، إلى أن ينقطع عمره؛ وهذا المعنى في رواية ابن جبير ~~عن ابن عباس، وبه قال عكرمة وأبو مالك في آخرين. # فأما الكتاب، فهو اللوح المحفوظ. # وفي قوله { إن ذلك على الله يسير } قولان. # أحدهما: أنه يرجع إلى كتابة الآجال. # والثاني: إلى زيادة العمر ونقصانه. # قوله تعالى: { وما يستوي البحران } يعني العذب والملح؛ وهذه الآية وما ~~بعدها قد سبق بيانه [الفرقان:53، النحل:14، آل عمران:27، الرعد:2] إلى ~~قوله: { ما يملكون من قطمير } قال ابن عباس: هو القشر الذي يكون ~~على ظهر النواة. # قوله تعالى: { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } لأنهم جماد { ولو ~~سمعوا } بأن يخلق الله لهم أسماعا { ما استجابوا لكم } أي: لم يكن ~~عندهم إجابة { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أي: يتبرؤون من ~~عبادتكم { ولا ينبئك } يا محمد { مثل خبير } أي: عالم ~~بالأشياء، يعني نفسه عز وجل؛ والمعنى أنه لا أخبر منه عز وجل بما ~~أخبر أنه سيكون. ### || [35.15-26] # { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } أي: المحتاجون إليه { ~~والله هو الغني } عن عبادتكم { الحميد } عند خلقه باحسانه إليهم. ~~وما بعد هذا قد تقدم بيانه [إبراهيم:19، الأنعام:164] إلى قوله: { وإن ~~تدع مثقلة } أي: ms1657 نفس مثقلة بالذنوب { إلى حملها } الذي ~~حملت من الخطايا { لا يحمل منه شيء ولو كان } الذي تدعوه { ذا قربى ~~} ذا قرابة { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } أي: ~~يخشونه ولم يروه؛ والمعنى: إنما تنفع بانذارك أهل الخشية، فكأنك ~~تنذرهم دون غيرهم لمكان اختصاصهم بالانتفاع، { ومن تزكى } أي: ~~تطهر من الشرك والفواحش، وفعل الخير { فانما يتزكى لنفسه ~~} أي: فصلاحه لنفسه { وإلى الله المصير } فيجزي بالأعمال. # { وما يستوي الأعمى والبصير } يعني المؤمن والمشرك، { ولا الظلمات } ~~يعني الشرك والضلالات { ولا النور } الهدى والإيمان، { ولا ~~الظل ولا الحرور } فيه قولان. # أحدهما: ظل الليل وسموم النهار، قاله عطاء. # والثاني: الظل: الجنة، والحرور: النار، قاله مجاهد. قال ~~الفراء: الحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة. والحرور ~~تكون بالنهار وبالليل، والسموم لا تكون إلا بالنهار. وقال أبو ~~عبيدة: الحرور تكون بالنهار مع الشمس، وكان رؤبة يقول: الحرور ~~بالليل، والسموم بالنهار. # قوله تعالى: { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } فيهم قولان. # أحدهما: أن الأحياء: المؤمنون، والأموات: الكفار. # والثاني: أن الأحياء: العقلاء، والأموات: الجهال. وفي «لا» المذكورة ~~في هذه الآية قولان. # أحدهما: أنها زائدة مؤكدة. # والثاني: أنها نافية لاستواء أحد المذكورين مع الآخر. # قال قتادة: هذه أمثال ضربها الله تعالى للمؤمن والكافر، يقول: كما لا ~~تستوي هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. # { إن الله يسمع من يشاء } أي: يفهم من يريد إفهامه { وما أنت ~~بمسمع من في القبور } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، ~~والجحدري: { بمسمع من } على الإضافة؛ يعني الكفار، شبههم ~~بالموتى، { إن أنت إلا نذير } قال بعض المفسرين: نسخ معناها بآية ~~السيف. # قوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي: ما من ~~أمة إلا قد جاءها رسول. وما بعد هذا قد سبق بيانه [آل عمران:184، ~~الحج:44] إلى قوله: { فكيف كان نكير } أثبت فيها الياء في الحالين ~~يعقوب، وافقه في الوصل ورش. ### || [35.27-28] # قوله تعالى: { ومن الجبال جدد بيض } أي: ومما خلقنا من ~~الجبال جدد. قال ابن قتيبة: الجدد: الخطوط والطرائق تكون في ~~الجبال، فبعضها بيض، وبعضها ms1658 حمر، وبعضها غرابيب سود، والغرابيب ~~جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب، وتمام الكلام ~~عند قوله: { كذلك } ، يقول: من الجبال مختلف ألوانه، { ومن الناس ~~والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك } أي: كاختلاف الثمرات. قال ~~الفراء: وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: وسود غرابيب، لأنه يقال: ~~أسود غربيب، وقلما يقال: غربيب أسود. وقال الزجاج: المعنى: ومن ~~الجبال غرابيب سود، وهي ذوات الصخر الأسود. وقال ابن دريد: الغربيب: ~~الأسود، أحسب أن اشتقاقه من الغراب. # وللمفسرين في المراد بالغرابيب ثلاثة أقوال. # أحدها: الطرائق السود، قاله ابن عباس. # والثاني: الأودية السود، قاله قتادة. # والثالث: الجبال السود، قاله السدي. # ثم ابتدأ فقال: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } يعني ~~العلماء بالله عز وجل. قال ابن عباس: يريد: إنما يخافني من ~~خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. وقال مجاهد والشعبي: العالم ~~من خاف الله. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم. ### || [35.29-31] # قوله تعالى: { إن الذين يتلون كتاب الله } يعني قراء القرآن، ~~فأثنى عليهم بقراءة القرآن؛ وكان مطرف يقول: هذه آية القراء. # وفي قوله: { يتلون } قولان. # أحدهما: يقرؤون. # والثاني: يتبعون. قال أبو عبيدة: { وأقاموا الصلاة } بمعنى ويقيمون، ~~وهو إدامتها لمواقيتها وحدودها. # قوله تعالى: { يرجون تجارة } قال الفراء: هذا جواب قوله: { إن ~~الذين يتلون }. قال المفسرون: والمعنى: يرجون بفعلهم هذا تجارة لن ~~تفسد ولن تهلك ولن تكسد { ليوفيهم أجورهم } أي: جزاء ~~أعمالهم { ويزيدهم من فضله } قال ابن عباس: سوى الثواب مالم تر عين ~~ولم تسمع أذن. # فأما الشكور، فقال الخطابي: هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، فيثيب ~~عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، ويرضي باليسير من ~~الشكر؛ ومعنى الشكر المضاف إليه: الرضى بيسير الطاعة من العبد، ~~والقبول له، وإعظام الثواب عليه؛ وقد يحتمل أن يكون معنى الثناء على ~~الله بالشكور ترغيب الخلق في الطاعة قلت أو كثرت، لئلا ~~يستقلوا القليل من العمل، ولا يتركوا اليسير منه. ### || [35.32-33] # قوله تعالى: { ثم أورثنا الكتاب } في «ثم» وجهان. # أحدهما: أنها بمعنى الواو. # والثاني: أنها للترتيب. والمعنى: ms1659 أنزلنا الكتب المتقدمة، ثم ~~أورثنا الكتاب { الذين اصطفينا } وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم الأنبياء وأتباعهم، قاله الحسن. وفي الكتاب قولان. # أحدهما: أنه اسم جنس، والمراد به الكتب التي أنزلها الله عز وجل، وهذا ~~يخرج على القولين. فان قلنا: الذين اصطفوا أمة محمد، فقد قال ابن ~~عباس: إن الله أورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم كل كتاب أنزله. ~~وقال ابن جرير الطبري: ومعنى ذلك: أورثهم الإيمان بالكتب كلها - ~~وجميع الكتب تأمر باتباع القرآن - فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها؛ ~~واستدل على صحة هذا القول بأن الله تعالى قال في الآية التي قبل هذه: { ~~والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق } وأتبعه بقوله: { ثم ~~أورثنا الكتاب } فعلمنا أنهم أمة محمد، إذ كان معنى الميراث: ~~انتقال شيء من قوم إلى قوم، ولم تكن أمة على عهد نبينا انتقل إليهم ~~كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته. فان قلنا: هم الأنبياء وأتباعهم، ~~كان المعنى: أورثنا كل كتاب أنزل على نبي ذلك النبي وأتباعه. # والقول الثاني: أن المراد بالكتاب القرآن. # وفي معنى { أورثنا } قولان. # أحدهما: أعطينا، لأن الميراث عطاء، قاله مجاهد. # والثاني: أخرنا، ومنه الميراث، لأنه تأخر عن الميت؛ فالمعنى: ~~أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناه هذه الأمة، إكراما ~~لها، ذكره بعض أهل المعاني. # قوله تعالى: { فمنهم ظالم لنفسه } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه صاحب الصغائر؛ روى عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " # وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، ~~قال: # " كلهم في الجنة " # والثاني: أنه الذي مات على كبيرة ولم يتب منها، رواه عطاء عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنه الكافر، رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس، وقد رواه ابن عمر ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا يكون الاصطفاء لجملة من ~~أنزل عليه الكتاب، كما قال: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44] ms1660 أي: لشرف لكم، وكم من مكرم لم يقبل الكرامة! # والرابع: أنه المنافق، حكي عن الحسن. وقد روي عن الحسن أنه قال: الظالم ~~الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد: الذي قد استوت حسناته وسيئاته، ~~والسابق: من رجحت حسناته. وروي عن عثمان بن عفان أنه تلا هذه الآية، ~~فقال: سابقنا أهل جهادنا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا. # قوله تعالى: { ومنهم سابق } وقرأ أبو المتوكل، والجحدري، وابن ~~السميفع: { سباق } مثل: فعال { بالخيرات } أي: بالأعمال الصالحة ~~إلى الجنة، أو إلى الرحمة { باذن الله } أي: بارادته وأمره { ذلك هو ~~الفضل الكبير } يعني إيراثهم الكتاب. # ثم أخبر بثوابهم، فجمعهم في دخول الجنة فقال: { جنات عدن ~~يدخلونها } قرأ أبو عمرو وحده: { يدخلونها } بضم الياء؛ وفتحها ~~الباقون، وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: { ولؤلؤا } بالنصب. وروى أبو ~~بكر عن عاصم أنه كان يهمز الواو الثانية ولا يهمز الأولى، وفي رواية أخرى ~~أنه كان يهمز الأولى ولا يهمز الثانية. والآية مفسرة في سورة [الحج:23]. ~~قال كعب: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم. ### || [35.34-39] # ثم أخبر عما يقولون عند دخولها، وهو قوله: { الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن } الحزن والحزن واحد، كالبخل والبخل. # وفي المراد بهذا الحزن خمسة أقوال. # أحدها: أنه الحزن لطول المقام في المحشر. روى أبو الدرداء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أما السابق، فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد، فيحاسب حسابا ~~يسيرا، وأما الظالم لنفسه، فانه حزين في ذلك المقام " # فهو الحزن والغم، وذلك قوله تعالى: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ~~}. # والثاني: أنه الجوع، رواه أبو الدرداء أيضا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، [ولا يصح]، وبه قال شمر بن عطية. وفي لفظ عن شمر أنه قال: الحزن: ~~هم الخبز، وكذلك روي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحزن: هم الخبز ~~في الدنيا. # والثالث: أنه حزن النار، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. # والرابع: حزنهم في الدنيا على ذنوب سلفت منهم، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والخامس: حزن ms1661 الموت، قاله عطية. # والآية عامة في هذه الأقوال وغيرها، ومن القبيح تخصيص هذا الحزن ~~بالخبز وما يشبهه، وإنما حزنوا على ذنوبهم وما يوجبه الخوف. # قوله تعالى: { الذي أحلنا } أي: أنزلنا { دار المقامة } قال الفراء: ~~المقامة هي الإقامة، والمقامة: المجلس، بالفتح لا غير، قال الشاعر: # يومان يوم مقامات وأندية # ويوم سير إلى الأعداء تأويب # قوله تعالى: { من فضله } قال الزجاج: أي: بتفضله، لا بأعمالنا. ~~والنصب: التعب. واللغوب: الإعياء من التعب. ومعنى { لغوب ~~}: شيء يلغب؛ أي: لا نتكلف شيئا نعنى منه. # قوله تعالى: { لا يقضى عليهم فيموتوا } أي: لايهلكون فيستريحوا مما ~~هم فيه، ومثله: # فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص:51]. قوله تعالى: { كذلك نجزي كل كفور } وقرأ أبو عمرو: { ~~يجزى } بالياء { كل } برفع اللام. وقرأ الباقون: { نجزي } بالنون ~~«كل» بنصب اللام. # قوله تعالى: { وهم يصطرخون فيها } وهو افتعال من الصراخ: ~~والمعنى: يستغيثون، فيقولون: { ربنا أخرجنا نعمل صالحا } أي: ~~نوحدك ونطيعك { غير الذي كنا نعمل } من الشرك والمعاصي؛ ~~فوبخهم الله تعالى بقوله: { أولم نعمركم } قال أبو عبيدة: ~~معناه التقرير، وليس باستفهام؛ والمعنى: أولم نعمركم عمرا يتذكر ~~فيه من تذكر؟! # وفي مقدار هذا التعمير أربعة أقوال. # أحدها: أنه سبعون سنة، قال ابن عمر: هذه الآية تعبير لأبناء السبعين. # والثاني: أربعون سنة. # والثالث: ستون سنة، رواهما مجاهد عن ابن عباس، وبالأول منهما قال الحسن، ~~وابن السائب. # والرابع: ثماني عشرة سنة، قاله عطاء، ووهب بن منبه، وأبو العالية، ~~وقتادة. # قوله تعالى: { وجاءكم النذير } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه الشيب، قاله ابن عمر، وعكرمة، وسفيان بن عيينة؛ والمعنى: ~~أولم نعمركم حتى شبتم؟!. # والثاني: النبي صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة، وابن زيد، وابن ~~السائب، ومقاتل. # والثالث: موت الأهل والأقارب. # والرابع. الحمى ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: { فذوقوا } يعني: العذاب { فما للظالمين من نصير } أي: من ~~مانع يمنع عنهم. وما بعد هذا قد تقدم بيانه [المائدة:7] إلى قوله: { ~~خلائف في الأرض } وهي الأمة التي خلفت من قبلها ورأت فيمن ~~تقدمها ما ينبغي أن تعتبر به { فمن كفر فعليه كفره } أي: ms1662 جزاء ~~كفره. ### || [35.40-41] # قوله تعالى: { أرأيتم شركاءكم } المعنى: أخبروني عن الذين عبدتم من ~~دون الله واتخذتموهم شركاء بزعمكم، بأي شيء أوجبتم لهم الشركة في ~~العبادة؟! أبشيء خلقوه من الارض، أم شاركوا خالق السموات في خلقها؟! ~~ثم عاد إلى الكفار فقال: { أم آتيناهم كتابا } يأمرهم بما يفعلون { ~~فهم على بينة منه }؟! قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص عن ~~عاصم: { على بينة } على التوحيد. وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: { بينات } جمعا. والمراد: البيان بأن مع الله ~~شريكا { بل إن يعد الظالمون } يعني المشركين يعد { بعضهم ~~بعضا } أن الأصنام تشفع لهم، وأنه لا حساب عليهم ولا عقاب. وقال ~~مقاتل: ما يعد الشيطان الكفار من شفاعة الآلهة إلا باطلا. # قوله تعالى: { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا } ~~أي: يمنعهما من الزوال والذهاب والوقوع. قال الفراء: { ولئن } بمعنى ~~«ولو»، و «إن» بمعنى «ما»، فالتقدير: ولو زالتا ما أمسكهما من أحد. وقال ~~الزجاج: لما قالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن ~~الله، كادت السموات يتفطرن والجبال أن تزول والأرض أن تنشق، ~~فأمسكها الله عز وجل؛ وإنما وحد { الأرض } مع جمع { السموات } ، لأن ~~الأرض تدل على الأرضين. { ولئن زالتا } تحتمل وجهين. # أحدهما: زوالهما يوم القيامة. # والثاني: أن يقال تقديرا: وإن لم تزولا، وهذا مكان يدل على ~~القدرة، غير أنه ذكر الحلم فيه، لأنه لما أمسكهما عند قولهم: # اتخذ الرحمن ولدا # [مريم:88]، حلم فلم يعجل لهم العقوبة. ### || [35.42-43] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } يعني كفار مكة، حلفوا ~~بالله قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم { لئن جاءهم نذير } أي: رسول ~~{ ليكونن أهدى } أي: أصوب دينا { من إحدى الأمم } يعني: ~~اليهود والنصارى الصابئين { فلما جاءهم نذير } وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم { ما زادهم } مجيئه { إلا نفورا } أي: تباعدا عن الهدى، { ~~استكبارا في الأرض } أي: عتوا على الله وتكبرا عن الإيمان به. قال ~~الاخفش: نصب { استكبارا } على البدل من النفور. قال الفراء: المعنى: ~~فعلوا ذلك استكبارا { ومكر السيء } ، فأضيف المكر ms1663 إلى ~~السيء، كقوله: # وإنه لحق اليقين # [الحاقة:51]، وتصديقه في قراءة عبد الله: { ومكرا سيئا } ، ~~والهمزة في { السيء } مخفوضة، وقد جزمها الأعمش وحمزة، لكثرة ~~الحركات؛ قال الزجاج: وهذا عند النحويين الحذاق لحن، إنما يجوز ~~في الشعر اضطرارا. وقال أبو جعفر النحاس: كان الأعمش يقف على { مكر ~~السي } فيترك الحركة، وهو وقف حسن تام، فغلط الراوي؛ فروى أنه ~~كان يحذف الإعراب في الوصل، فتابع حمزة الغالط، فقرأ في الإدراج ~~بترك الحركة. # وللمفسرين في المراد ب { مكر السيء } قولان. # أحدهما: أنه الشرك. قال ابن عباس: عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن ~~أشرك. # والثاني: أنه المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { فهل ينظرون } أي: ينتظرون { إلا سنة الأولين ~~} أي: إلا أن ينزل العذاب بهم كما نزل بالأمم المكذبة قبلهم { ~~فلن تجد لسنة الله } في العذاب { تبديلا } وإن تأخر { ولن ~~تجد لسنة الله تحويلا } أي: لا يقدر أحد أن يحول العذاب ~~عنهم إلى غيرهم. ### || [35.44-45] # قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } هذا عام، ~~وبعضهم يقول: أراد بالناس المشركين. والمعنى: لو واخذهم بأفعالهم لعجل ~~لهم العقوبة. وقد شرحنا هذه الآية في [النحل:61]. وما أخللنا به فقد سبق ~~بيانه [يوسف:109، الروم:9، الأعراف:34، النحل:61]. # قوله تعالى: { فان الله كان بعباده بصيرا } قال ابن جرير: ~~بصيرا بمن يتسحق العقوبة ومن يستوجب الكرامة. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-6] # وفي قوله: (يس) خمسة أقوال. # أحدها: أن معناها: يا إنسان، بالحبشية، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومقاتل. # والثاني: أنها قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن معناها: يا محمد، قاله ابن الحنفية، والضحاك. # والرابع: أن معناها: يا رجل، قاله الحسن. # والخامس: اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء: " يس " بفتح الياء وكسر النون. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو رجاء، وابن أبي عبلة: بفتح الياء والنون جميعا. وقرأ أبو ~~حصين الأسدي: بكسر الياء وإظهار النون. قال الزجاج: والذي ms1664 عند أهل ~~العربية أن هذا بمنزلة افتتاح السور، وبعض العرب يقول: { يسن والقرآن ~~} بفتح النون. وهذا جائز في العربية لوجهين. # أحدهما: أن «يس» اسم للسورة، فكأنه قال: اتل يس، وهو على وزن هابيل ~~وقابيل لا ينصرف. والثاني: أنه فتح لالتقاء الساكنين، والتسكين أجود، ~~لأنه حرف هجاء. # قوله تعالى: { والقرآن الحكيم } هذا قسم، وقد سبق معنى " الحكيم " ~~[البقرة: 32]، قال الزجاج: وجوابه: { إنك لمن المرسلين }؛ ~~وأحسن ما جاء في العربية أن يكون " لمن المرسلين " خبر " إن ~~" ، ويكون قوله: { على صراط مستقيم } خبرا ثانيا، فيكون المعنى: ~~إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم. ويجوز أن يكون ~~{ على صراط } من صلة { المرسلين } ، فيكون المعنى: إنك لمن ~~المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة. # قوله تعالى: { تنزيل العزيز } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: { ~~تنزيل } برفع اللام. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: { تنزيل } بنصب ~~اللام. وعن عاصم كالقراءتين. قال الزجاج: من قرأ بالنصب، فعلى المصدر، ~~على معنى: نزل الله ذلك تنزيلا، ومن قرأ بالرفع، فعلى معنى: الذي ~~أنزل إليك تنزيل العزيز. وقال الفراء: من نصب، أراد إنك لمن ~~المرسلين تنزيلا حقا منزلا ويكون الرفع على الاستئناف، كقوله: ~~{ ذلك تنزيل العزيز } وقرأ أبي بن كعب، وأبو رزين، وأبو العالية، ~~والحسن، والجحدري: { تنزيل } بكسر اللام. وقال مقاتل: هذا القرآن تنزيل ~~العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه. # قوله تعالى: { لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم } في " ما " ~~قولان. # أحدهما: أنها نفي، وهو قول قتادة والزجاج في الأكثرين. # والثاني: أنها بمعنى " كما " ، قاله مقاتل. وقيل: هي بمعنى " الذي ". # قوله تعالى: { فهم غافلون } أي: عن حجج التوحيد وأدلة البعث. ### || [36.7-12] # { لقد حق القول } فيه قولان. # أحدهما: وجب العذاب. # والثاني: سبق القول بكفرهم. # قوله تعالى: { على أكثرهم } يعني أهل مكة، وهذه إشارة إلى إرادة الله ~~تعالى السابقة لكفرهم { فهم لا يؤمنون } لما سبق من القدر بذلك. # { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها مثل، وليس هناك غل حقيقة، قاله أكثر المحققين، ثم ~~لهم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها مثل لمنعهم عن ms1665 كل خير، قاله قتادة. ~~والثاني: لحبسهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال، قاله ~~الفراء، وابن قتيبة. والثالث: لمنعهم من الإيمان بالله، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. # والقول الثاني: أنها موانع حسية منعت كما يمنع الغل؛ قال ~~مقاتل بن سليمان: حلف أبو جهل لئن رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ~~ليدمغنه، فجاءه وهو يصلي، فرفع حجرا فيبست يده والتصق ~~الحجر بيده، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم الخبر، فقام رجل منهم فأخذ الحجر، ~~فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم طمس الله على بصره فلم ~~يره، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فنزل في أبي جهل: { ~~إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا... } الآية. ونزل في الآخر: { ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا }. # والقول الثالث: أنه على حقيقته، إلا أنه وصف لما سينزله ~~الله تعالى بهم في النار، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { فهي إلى الأذقان } قال الفراء: " فهي " كناية عن الأيمان، ~~ولم تذكر، لأن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق جامعا لهما، ~~فاكتفي بذكر أحدهما عن صاحبه. وقال الزجاج: " هي " كناية عن الأيدي، ~~ولم يذكرها إيجازا، لأن الغل يتضمن اليد والعنق، وأنشد: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # وإنما قال: أيهما، لأنه قد علم أن الخير والشر معرضان للإنسان. ~~قال الفراء: والذقن: أسفل اللحيين، والمقمح: الغاض بصره بعد ~~رفع رأسه، قال أبو عبيده: كل رافع رأسه فهو مقامح وقامح، والجمع ~~قماح، فإن فعل ذلك بإنسان فهو مقمح، ومنه هذه الآية. وقال ابن ~~قتيبة: يقال بعير قامح وإبل قماح: إذا رويت من الماء ~~فقمحت، قال الشاعر وذكر سفينة : # ونحن على جوانبها قعود # نغض الطرف كالإبل القماح # وقال الأزهري: المراد أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم، رفعت ~~الأغلال أذقانهم ورؤوسهم، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها. # قوله تعالى: { وجعلنا من بين أيديهم سدا } قرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم: بفتح السين، والباقون: بضمها، وقد تكلمنا على الفرق ~~[بينهما] في [الكهف: 94]. وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم ms1666 لا يستطيعون الخروج عن الكفر. # والثاني: حجبناهم عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظلمة لما ~~قصدوه بالأذى. # قوله تعالى: { فأغشيناهم } قال ابن قتيبة: أغشينا عيونهم وأعميناهم عن ~~الهدى. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ويحيى ~~بن يعمر: { فأغشيناهم } بعين غير معجمة. ثم ذكر أن الإنذار لا ينفعهم ~~لإضلاله إياهم بالآية التي بعد هذه. ثم أخبر عمن ينفعه الإنذار ~~بقوله: { إنما تنذر } أي: إنما ينفع إنذارك { من اتبع ~~الذكر } وهو القرآن، فعمل به { وخشي الرحمن بالغيب } وقد شرحناه ~~في [الأنبياء: 49]، والأجر الكريم: الحسن، وهو الجنة. { إنا نحن ~~نحيي الموتى } للبعث { ونكتب ما قدموا } من خير وشر في ~~دنياهم. وقرأ النخعي والجحدري: " ويكتب " بياء مرفوعة وفتح التاء " ~~وآثارهم " برفع الراء. # وفي أثارهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها خطاهم بأرجلهم، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة. قال أبو سعيد ~~الخدري: شكت بنو سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~منازلهم من المسجد، فأنزل الله تعالى: { ونكتب ما قدموا وآثارهم } ~~، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " عليكم منازلكم، فإنما تكتب آثاركم " # ، وقال قتادة وعمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلا شيئا، لأغفل ~~ما تعفي الرياح من أثر قدم ابن آدم. # والثاني: أنها الخطا إلى الجمعة، قاله أنس بن مالك. # والثالث: ما أثروا من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم، قاله ~~ابن عباس، وسعيد بن جبير، واختاره الفراء، وابن قتيبة، والزجاج. # قوله تعالى: { وكل شيء } وقرأ ابن السميفع، وابن أبي عبلة: " وكل ~~" برفع اللام، أي: من الأعمال (أحصيناه) أي: حفظناه { في إمام ~~مبين } وهو اللوح المحفوظ. ### || [36.13-19] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثلا } المعنى: صف لأهل مكة مثلا؛ أي: ~~شبها. وقال الزجاج: المعنى: مثل لهم مثلا { أصحاب القرية } وهو ~~بدل من مثل، كأنه قال: اذكر لهم أصحاب القرية. وقال عكرمة، وقتادة: ~~هذه القرية هي أنطاكية. # { إذ أرسلنا إليهم اثنين } وفي اسميهما ثلاثة أقوال: # أحدها: صادق وصدوق، قاله ابن عباس، وكعب. # والثاني: يوحنا وبولس، قاله وهب بن منبه. # والثالث: تومان وبولس، ms1667 قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فعززنا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " فعززنا " بتشديد الزاي. قال ابن ~~قتيبة: المعنى: قوينا وشددنا، يقال: تعزز لحم الناقة: إذا ~~صلب. وقرأ أبو بكر، والمفضل عن عاصم: " فعززنا " خفيفة، قال أبو ~~علي: أراد: فغلبنا. قال مقاتل: واسم هذا الثالث شمعون، وكان من ~~الحواريين، وهو وصي عيسى عليه السلام. قال وهب: وأوحى الله إلى ~~شمعون يخبره خبر الاثنين ويأمره بنصرتهما، فانطلق يؤمهما. وذكر ~~الفراء أن هذا الثالث كان قد أرسل قبلهما؛ قال: ونراه في التنزيل كأنه ~~بعدهما، وإنما المعنى: فعززنا بالثالث الذي قبلهما، والمفسرون على أنه ~~إنما أرسل لنصرتهما، ثم إن الثالث إنما يكون بعد ثان، فأما ~~إذا سبق الاثنين فهو أول؛ وإني لأتعجب من قول الفراء. # واختلف المفسرون فيمن أرسل هؤلاء الرسل على قولين: # أحدهما:أن الله تعالى أرسلهم، وهو ظاهر القرآن، وهو مروي عن ابن عباس، ~~وكعب، ووهب. # والثاني: أن عيسى أرسلهم. وجاز أن يضاف ذلك إلى الله تعالى لأنهم رسل ~~رسوله، قاله قتادة، وابن جريج. # قوله تعالى: { قالوا ما أنتم إلا بشر مثلهنا } أي: مالكم علينا ~~فضل في شيء { وما أنزل الرحمن من شيء } أي: لم ينزل كتابا ولم ~~يرسل رسولا. وما بعده ظاهر إلى قوله: { قالوا إنا تطيرنا بكم } ~~وذلك أن المطر حبس عنهم، فقالوا: إنما أصابنا هذا من قبلكم { لئن ~~لم تنتهوا } أي: تسكتوا عنا { لنرجمنكم } أي: ~~لنقتلنكم. # { قالوا طائركم معكم } أي: شؤمكم معكم بكفركم، لا بنا { أئن ~~ذكرتم } قرأ ابن كثير: { أين ذكرتم } بهمزة واحدة بعدها ياء؛ ~~وافقه أبو عمرو، إلا أنه كان يمد. قال الأخفش: معناه: حيث ~~ذكرتم، أي: وعظتم وخوفتم، وهذا استفهام جوابه محذوف، تقديره: أئن ~~ذكرتم تطيرتم بنا؟! وقيل: أئن ذكرتم قلتم هذا القول؟ والمسرفون ~~هاهنا المشركون. ### || [36.20-29] # قوله تعالى: { وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى } واسمه حبيب ~~النجار، وكان مجذوما، وكان قد آمن بالرسل لما وردوا القرية، وكان ~~منزله عند أقصى باب من أبواب القرية، فلما بلغه أن قومه قد ms1668 كذبوا ~~الرسل وهموا بقتلهم، جاء يسعى، فقال ما قصه الله علينا إلى قوله: ~~{ وهم مهتدون } يعني الرسل، فأخذوه ورفعوه إلى الملك. فقال له ~~الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: { ومالي } أسكن هذه الياء حمزة، وخلف، ~~ويعقوب { لا أعبد الذي فطرني } أي: وأي شيء لي إذا لم أعبد خالقي ~~{ وإليه ترجعون } عند البعث، فيجزيكم بكفركم؟! # فإن قيل: لم أضاف الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم وهو يعلم أن ~~الله قد فطرهم جميعا كما يبعثهم جميعا؟ # فالجواب: أن إيجاد الله تعالى نعمة يوجب الشكر، والبعث في القيامة ~~وعيد يوجب الزجر، فكانت إضافة النعمة إلى نفسه أظهر في الشكر، ~~وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ في الزجر. # ثم أنكر عبادة الأصنام بقوله: { أأتخذ من دونه آلهة }. # قوله تعالى: { لا تغن عني شفاعتهم } يعني أنه لا شفاعة لهم ~~فتغني، { ولا ينقذون } أثبت ها هنا الياء في الحالين يعقوب، وورش. ~~والمعنى: لا يخلصوني من ذلك المكروه. { إني إذا } فتح هذه الياء ~~نافع، وأبو عمرو. # قوله تعالى: { إني آمنت بربكم } فتح هذه الياء أهل الحجاز وأبو ~~عمرو. # وفيمن خاطبهم بإيمانه قولان: # أحدهما: أنه خاطب قومه بذلك، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنه خاطب الرسل. # ومعنى { فاسمعون } اشهدوا لي بذلك، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: ~~المعنى: فاسمعوا مني. وأثبت ياء " فاسمعوني " في الحالين يعقوب. قال ~~ابن مسعود: لما خاطب قومه بذلك، وطئوه بأرجلهم. وقال السدي: رموه ~~بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي. # قوله تعالى: { قيل ادخل الجنة } لما قتلوه فلقي الله، قيل له: " ~~ادخل الجنة " ، فلما دخلها { قال ياليت قومي يعلمون بما ~~غفر لي ربي } ، وفي " ما " قولان: # أحدهما: أنها مع " غفر " في موضع مصدر؛ والمعنى: بغفران الله لي. # والثاني: أنها بمعنى " الذي " ، فالمعنى: ليتهم يعلمون بالذي غفر لي ~~[به] ربي فيؤمنون، فنصحهم حيا وميتا. # فلما قتلوه عجل الله لهم العذاب، فذلك قوله تعالى: { وما أنزلنا ~~على قومه } يعنى قوم حبيب { من بعده } أي: من بعد قتله { من ~~جند من السماء } يعني الملائكة، أي: لم ينتصر منهم بجند من ~~السماء { وما كنا ms1669 } ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم. وقيل: ~~المعنى: ما بعثنا إليهم بعده نبيا، ولا أنزلنا عليهم رسالة. # { إن كانت إلا صيحة واحدة } قال المفسرون: أخذ جبريل عليه السلام ~~بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم ميتون لا ~~يسمع لهم حس، كالنار إذا طفئت، وهو قوله تعالى: { فإذا هم ~~خامدون } أي: ساكنون كهيأة الرماد الخامد. ### || [36.30-36] # قوله تعالى: { يا حسرة على العباد } قال الفراء: المعنى: يالها ~~حسرة على العباد. وقال الزجاج: الحسرة أن يركب الإنسان من ~~شدة الندم مالا نهاية له حتى يبقى قلبه حسيرا. وفي المتحسر على ~~العباد قولان: # أحدهما: أنهم يتحسرون على أنفسهم، قال مجاهد والزجاج: استهزاؤهم ~~بالرسل كان حسرة عليهم في الآخرة. وقال أبو العالية: لما عاينوا ~~العذاب، قالوا: يا حسرتنا على المرسلين، كيف لنا بهم الآن حتى نؤمن. # والثاني: أنه تحسر الملائكة على العباد في تكذيبهم الرسل، قاله ~~الضحاك. # ثم خوف كفار مكة فقال: { ألم يروا } أي: ألم يعلموا { كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون } فيعتبروا ويخافوا أن نعجل لهم الهلاك كما ~~عجل لمن أهلك قبلهم ولم يرجعوا إلى الدنيا؟!. قال الفراء: وألف { ~~أنهم } مفتوحة، لأن المعنى: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وقد ~~كسرها الحسن، كأنه لم يوقع الرؤية على " كم " ، فلم يوقعها على { أن ~~} ، وإن استأنفتها كسرتها. # قوله تعالى: { وإن كل لما } وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة: " ~~لما " بالتشديد، { جميع لدينا محضرون } أي: إن الأمم يحضرون ~~يوم القيامة، فيجازون بأعمالهم. قال الزجاج: من قرأ " لما " بالتخفيف، ~~ف { ما } زائدة مؤكدة، والمعنى: وإن كل لجميع، ومعناه: وما ~~كل إلا جميع لدينا محضرون. ومن قرأ " لما " بالتشديد، فهو ~~بمعنى " إلا " تقول: " سألتك لما فعلت " وإلا فعلت. # { وآية لهم الأرض الميتة } وقرأ نافع: { الميتة } بالتشديد، ~~وهو الأصل، والتخفيف أكثر، وكلاهما جائز؛ { وآية } مرفوعة بالابتداء، ~~وخبرها " لهم " ، ويجوز أن يكون خبرها " الأرض الميتة "؛ والمعنى: ~~وعلامة تدلهم على التوحيد وأن الله يبعث الموتى أحياء الأرض ~~الميتة. # قوله تعالى: { فمنه يأكلون } يعنى ما يقتات من الحبوب. # قوله تعالى: { وجعلنا فيها ms1670 } وقوله: { وفجرنا فيها } يعني في ~~الأرض. # قوله تعالى: { ليأكلوا من ثمره } يعني النخيل، وهو في اللفظ ~~مذكر. # { وما عملته أيديهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحفص عن عاصم: " عملته " بهاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: { عملت } بغير هاء. والهاء مثبتة في مصاحف مكة والمدينة ~~والشام والبصرة. ومحذوفة من مصاحف أهل الكوفة. قال الزجاج: وضع " ما " ~~خفض؛ والمعنى: ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم؛ ويجوز أن يكون " ~~ما " نفيا؛ المعنى: ولم تعمله أيديهم، وهذا على قراءه من أثبت الهاء. ~~فإذا حذفت الهاء، فالاختيار أن تكون " ما " في موضع خفض. وتكون بمعنى " ~~الذي " فيحسن حذف الهاء. وكذلك ذكر المفسرون القولين. فمن قال ~~بالأول، قال: ليأكلوا مما عملت أيديهم، وهو الغروس والحروث التي ~~تعبوا فيها، ومن قال بالثاني قال: ليأكلوا ما ليس من صنعهم، ولكنه ~~من فعل الحق عز وجل { أفلا يشكرون } الله تعالى فيوحدوه؟!. # ثم نزه نفسه بقوله { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } يعني ~~الأجناس كلها { مما تنبت الأرض } من الفواكهة والحبوب وغير ذلك { ~~ومن أنفسهم } وهم الذكور والإناث { ومما لا يعلمون } من ~~دواب البر والبحر وغير ذلك مما لم يقفوا على علمه. ### || [36.37-40] # قوله تعالى: { وآية له الليل نسلخ منه النهار } أي: وعلامة لهم ~~تدل على توحيدنا وقدرتنا الليل نسلخ منه النهار؛ قال الفراء: نرمي ~~بالنهار عنه. و " منه " بمعنى " عنه ". وقال أبو عبيدة: نخرج منه ~~النهار ونميزه منه فتجيء الظلمة، قال الماوردي: وذلك أن ضوء النهار ~~يتداخل في الهواء فيضيء، فإذا خرج منه أظلم. وقوله { فإذا هم مظلمون ~~} أي: داخلون في الظلام. # { والشمس } أي: وآية لهم الشمس { تجري لمستقر لها } وفيه ~~أربعة أقوال: # أحدها: إلى موضع قرارها؛ روى # " أبو ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { ~~لمستقر لها } قال: " مستقرها تحت العرش " ، وقال: " ~~إنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الطلوع، ~~فيؤذن لها " # والثاني: أن مستقرها مغربها لا تجاوزه ولا تقصر عنه، قاله ~~مجاهد. # والثالث: لوقت واحد لا تعدوه، ms1671 قاله قتاده. وقال مقاتل: لوقت لها ~~إلى يوم القيامة. # والرابع: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها الذي لا ~~تجاوزه، ثم ترجع إلى أول منازلها، قاله ابن السائب. وقال ابن قتيبة: ~~إلى مستقر لها، ومستقرها: أقصى منازلها في الغروب، [وذلك] ~~لأنها لا تزال تتقدم إلى أقصى مغاربها، ثم ترجع. # وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، وعلي بن الحسين، والشيزري عن الكسائي: { لا ~~مستقر لها } والمعنى: أنها تجري أبدا، لا تثبت في مكان واحد. # قوله تعالى: { ذلك } الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس { تقدير ~~العزيز } في ملكه { العليم } بما يقدر. # قوله تعالى: { والقمر } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " والقمر ~~" بالرفع. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: و " القمر " ~~بالنصب. قال الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: وقدرنا القمر قدرناه ~~منازل. ومن قرأ بالرفع فالمعنى: وآية لهم القمر قدرناه، ويجوز أن ~~يكون على الابتداء، و " قدرناه " الخبر. # قال المفسرون: ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، ينزلها من ~~أول الشهر إلى آخره، وقد سميناها في سورة [يونس: 5]، فإذا صار إلى ~~آخر منازله دق فعاد كالعرجون، وهو عود العذق الذي تركته الشماريخ ~~فإذا جف وقدم يشبه الهلال. قال ابن قتيبة: و " القديم " هاهنا: الذي ~~قد أتى عليه حول، شبه القمر آخر ليلة يطلع به. قال الزجاج: ~~وتقدير " عرجون ": فعلون من الانعراج. # وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، والضحاك، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: { ~~كالعرجون } بكسر العين. # قوله تعالى: { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدهما: أنهما إذا اجتمعا في السماء، كان أحدهما بين يدي الآخر، فلا ~~يشتركان في المنازل، قاله ابن عباس. # والثاني: لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، قاله مجاهد. # والثالث: لا يجمتع ضوء أحدهما مع الآخر، فإذا جاء سلطان أحدهما ذهب ~~سلطان الآخر، قاله قتادة؛ فيكون وجه الحكمة في ذلك أنه لو اتصل الضوء لم ~~يعرف الليل. # قوله تعالى: { ولا الليل سابق النهار } وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وأبو عمران، وعاصم الجحدري: { سابق } بالتنوين " النهار " ~~بالنصب، وفيه قولان: # أحدهما: لا يتقدم الليل ms1672 قبل استكمال النهار. # والثاني: لا يأتي ليل بعد ليل من غير نهار فاصل بيهما. وباقي الآية ~~مفسر في سورة [الأنبياء:33]. ### || [36.41-46] # قوله تعالى: { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم } قرأ نافع، ~~وابن عامر: " ذرياتهم " على الجمع؛ وقرأ الباقون من السبعة: " ~~ذريتهم " على التوحيد. قال المفسرون: أراد: في سفينة نوح، فنسب ~~الذرية إلى المخاطبين، لأنهم من جنسهم، كأنه قال: ذرية ~~الناس. وقال الفراء: أي: ذرية من هو منهم، فجعلها ذرية لهم، ~~وقد سبقتهم. وقال غيره: هو حمل الأنبياء في أصلاب الآباء حين ركبوا ~~السفينة، ومنه قول العباس: # بل نطفة تركب السفين وقد # ألجم نسرا وأهله الغرق # قال المفضل بن سلمة: الذرية: النسل، لأنهم من ذرأهم الله ~~منهم، والذرية أيضا: الآباء، لأن الذر وقع منهم، فهو من ~~الأضداد. ومنه هذه الآية وقد شرحنا هذا في قوله، # ذرية بعضها من بعض # [آل عمران: 34]؛ والمشحون: المملوء. # قوله تعالى: { وخلقنا لهم من مثله } فيه قولان. # أحدهما: مثل سفينة نوح، وهي السفن، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس، وبه قال الضحاك، وأبو مالك، وأبو صالح، والمراد بهذا ذكر ~~منته بأن خلق الخشب الذي تعمل منه السفن. # والثاني: أنها الإبل، خلقها لهم للركوب في البر، مثل السفن ~~المركوبة في البحر، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وعن ~~الحسن وقتادة كالقولين. # قوله تعالى: { فلا صريخ لهم } أي: لا مغيث ولا مجير، { ولا هم ~~ينقذون } أي: ينجون من الغرق، يقال: أنقذه واستنقذه: إذا خلصه، ~~من المكروه، { إلا رحمة منا } المعنى: إلا أن نرحمهم ونمتعهم ~~إلى آجالهم. # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } يعني الكفار { اتقوا ما بين أيديكم ~~وما خلفكم } فيه أربعة أقوال: # أحدها: { ما بين أيديكم }: ما مضى من الذنوب، { وما خلفكم }: ما ~~يأتي من الذنوب، قاله مجاهد. # والثاني: { ما بين أيدكم } ما تقدم من عذاب الله للأمم { وما خلفكم ~~} من أمر الساعة، قاله قتادة. # والثالث: " ما بين أيديكم " من الدنيا " وما خلفكم " من عذاب الآخرة ~~قاله سفيان. # والرابع: " ما بين أيديكم " من أمر ms1673 الآخرة، " وما خلفكم " من أمر ~~الدنيا فلا تغتروا بها. قاله ابن عباس والكلبي. # { لعلكم ترحمون } أي: لتكونوا على رجاء الرحمة من الله. وجواب " إذا ~~" محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا، أعرضوا؛ ويدل على هذا المحذوف قوله ~~{ وما تأتيهم من آية } أي: من دلالة تدل على صدق الرسول. ### || [36.47-58] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم أنفقوا } اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: في اليهود، قاله الحسن. # والثاني: في الزنادقة قاله قتادة. # والثالث: في مشركي قريش قاله مقاتل؛ وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: ~~أنفقوا على المساكين النصيب الذي زعمتم أنه لله من الحرث والأنعام فقالوا ~~{ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه }. وقال ابن السائب: كان العاص بن ~~وائل إذا سأله مسكين، قال: اذهب إلى ربك فهو أولى بك مني، ويقول: قد ~~منعه الله، أطعمه أنا؟! ومعنى الكلام أنهم قالوا: لو أراد الله أن ~~يرزقهم لرزقهم، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم فلا نطعمهم وهذا خطأ ~~منهم، لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضا، ليبلو الغني ~~بالفقير فيما فرض له في ماله من الزكاة، والمؤمن لا يعترض على المشيئة، ~~وإنما يوافق الأمر. وقيل: إنما قالوا هذا على سبيل الاستهزاء. # وفي قوله: { إن أنتم إلا في ضلال مبين } قولان. # أحدهما: أنه من قول الكفار للمؤمنين، يعنون إنكم في خطأ من اتباع ~~محمد. # والثاني: أنه من قول الله للكفار لما ردوه من جواب المؤمنين. # قوله تعالى: { متى هذا الوعد } يعنون القيامة؛ والمعنى: متى إنجاز هذا ~~الوعد { إن كنتم صادقين }؟ يعنون محمدا وأصحابه. # { ما ينظرون } أي: ما ينتظرون { إلا صيحة واحدة } وهي النفخة ~~الأولى. و { يخصمون } بمعنى يختصون، فأدغمت التاء في الصاد. قرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو: { يخصمون } بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد. ~~وروي عن أبي عمرو اختلاس حركة الخاء. وقرأ عاصم، وابن عامر، والكسائي: { ~~يخصمون } بفتح الياء وكسر الخاء. وعن عاصم كسر الياء والخاء. وقرأ ~~نافع بسكون الخاء وتشديد الصاد. وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد، أي: ~~يخصم بعضهم بعضا. وقرأ أبي بن كعب: ms1674 { يختصمون } بزيادة تاء؛ ~~والمعنى أن الساعة تأتيهم أغفل ما كانوا عنها وهم متشاغلون في ~~متصرفاتهم وبيعهم وشرائهم { فلا يستطيعون توصية } قال مقاتل: أعجلوا ~~عن الوصية فماتوا، { ولا إلى أهلهم يرجعون } أي: لا يعودون من ~~الأسواق إلى منازلهم؛ فهذا وصف ما يلقون في النفخة الأولى. ثم ذكر ما ~~يلقون في النفخة الثانية فقال: { ونفخ في الصور فإذا هم من ~~الأجداث } يعني القبور؛ { إلى ربهم ينسلون } أي: يخرجون بسرعة، ~~وقد شرحنا هذا المعنى في سورة [الأنبياء: 96]. { قالوا يا وليلنا من ~~بعثنا من مرقدنا } وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رزين، والضحاك وعاصم ~~الجحدري: { من بعثنا } بكسر الميم والثاء وسكون العين. قال المفسرون: ~~إنما قالوا هذا، لأن الله تعالى رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين. قال ~~أبي بن كعب: ينامون نومة قبل البعث فإذا بعثوا قالوا هذا. # قوله تعالى: { هذا ما وعد الرحمن } في قائلي هذا الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قول المؤمنين، قاله مجاهد، وقتادة، وابن أبي ليلى. قال ~~قتادة: أول الآية للكافرين، وآخرها للمؤمنين. # والثاني: أنه قول الملائكة لهم، قاله الحسن. # والثالث: أنه قول الكافرين، يقول بعضهم لبعض: هذا الذي أخبرنا به ~~المرسلون أننا نبعث ونجازى، قاله ابن زيد. # قال الزجاج: { من مرقدنا } هو وقف التمام ويجوز أن يكون " هذا " من نعت ~~" مرقدنا " على معنى: من بعثنا من مرقدنا هذا الذي كنا راقدين فيه؟ ~~ويكون في قوله { ما وعد الرحمن } أحد إضمارين، إما " هذا " ، وإما " ~~حق " ، فيكون المعنى: حق ما وعد الرحمن. # ثم ذكر النفخة الثانية، فقال: { إن كانت إلا صيحة واحدة } ، وما بعد ~~هذا ظاهر إلى قوله { إن أصحاب الجنة اليوم } يعني في الآخرة { في ~~شغل } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو " في شغل " بإسكان الغين. ~~وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " في شغل " بضم الشين والغين. ~~وقرأ أبو هريرة، وأبو رجاء، وأيوب السختياني: { في شغل } بفتح الشين ~~والغين. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وعكرمة، والضحاك، والنخعي، وابن ~~يعمر، والجحدري " { في شغل } بفتح الشين وسكون الغين. وفيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: ms1675 أن شغلهم افتضاض العذارى، رواه شقيق عن ابن مسعود، ومجاهد عن ابن ~~عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، وقتادة، والضحاك. # والثاني: ضرب الأوتار، رواه عكرمة عن ابن عباس؛ وعن عكرمة كالقولين، ولا ~~يثبت هذا القول. # والثالث: النعمة، قاله مجاهد. وقال الحسن: شغلهم: نعيمهم عما فيه ~~أهل النار من العذاب. # قوله تعالى: { فاكهون } وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~المتوكل، وقتادة، وأبو الجوزاء، والنخعي، وأبو جعفر: { فكهون }. وهل ~~بينهما فرق؟ فيه قولان: # أحدهما: أن بينهما فرقا. # فأما " فاكهون " ففيه أربعه أقوال: # أحدها: فرحون، قاله ابن عباس. # والثاني: معجبون، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: ناعمون قاله أبو مالك، ومقاتل. # والرابع: ذوو فاكهة، كما يقال: فلان لابن تامر، قاله أبو عبيدة، ~~وابن قتيبة. # وأما { فكهون } ففيه قولان. # أحدهما: أن الفكه: الذي يتفكه، تقول العرب للرجل إذا كان يتفكه ~~بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراض الناس: إن فلانا لفكه بكذا. ومنه يقال ~~للمزاح: فكاهة، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أن فكهين بمعنى فرحين، قاله أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أن فاكهين وفكهين بمعنى واحد، كما يقال: حاذر ~~وحذر، قاله الفراء. وقال الزجاج: فاكهون وفكهون بمعنى فرحين، وقال ~~أبو زيد: الفكه: الطيب النفس الضحوك، يقال رجل فاكه وفكه. # قوله تعالى: { هم وأزواجهم } يعنى حلائلهم { في ظلال } وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف: { في ظلل }. قال الفراء: الظلال جمع ظل ~~والظلل جمع ظلة، وقد تكون الظلال جمع ظلة أيضا، كما يقال: ~~خلة وخلل؛ فإذا كثرت فهي الخلال والحلال والقلال. # قال مقاتل: والظلال: أكنان القصور. قال أبو عبيدة: والمعنى أنهم لا ~~يضحون. فأما الأرائك فقد بيناها في سورة [الكهف: 31]. # قوله تعالى: { ولهم ما يدعون } قال ابن قتيبة: ما يتمنون، ~~ومنه يقول الناس: هو في خير ما ادعى، أي: ما تمنى، والعرب تقول: ~~ادع ما شئت، أي: تمن ما شئت. وقال الزجاج: هو مأخوذ من الدعاء؛ ~~والمعنى: كل ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم وقوله: { سلام } بدل من " ما ~~"؛ المعنى: لهم ما يتمنون سلام، أي هذا منى أهل الجنة أن يسلم ms1676 ~~الله عليهم و { قولا } منصوب على معنى: سلام يقوله الله قولا. قال ~~أبو عبيدة: " سلام " رفع على " لهم "؛ فالمعنى: لهم فيها فاكهة ولهم ~~فيها سلام. وقال الفراء: معنى الكلام: لهم ما يدعون مسلم خالص، ونصب ~~القول، كأنك قلت: قاله قولا، وإن شئت جعلته نصبا من قوله: ولهم ما ~~يدعون قولا، كقولك: عدة من الله. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن ~~كعب، والجحدري { سلاما قولا } بنصبهما جميعا. ### || [36.59-64] # قوله تعالى: { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } قال ابن قتيبة: أي: ~~انقطعوا عن المؤمنين وتميزوا منهم، يقال: مزت الشيء من الشيء: إذا ~~عزلته عنه، فانماز وامتاز وميزته فتميز. # قال المفسرون: إذا اختلط الإنس والجن في الآخرة، قيل: { وامتازوا اليوم ~~أيها المجرمون } ، فيقال للمجرمين { ألم أعهد إليكم }؟ أي: ألم آمركم ~~ألم أوصكم؟ و " تعبدوا " بمعنى تطيعوا، والشيطان هو إبليس، زين لهم ~~الشرك فأطاعوه { إنه لكم عدو مبين } ظاهر العداوة، أخرج أبويكم ~~من الجنة. # { وأن اعبدوني } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي: { وأن ~~اعبدوني } بضم النون. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة: { وأن اعبدوني } ~~بكسر النون؛ والمعنى: وحدوني { هذا صراط مستقيم } يعني التوحيد. # { ولقد أضل منكم جبلا } قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: { ~~جبلا } بضم الجيم والباء وتخفيف اللام. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر: " ~~جبلا " بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام. وقرأ نافع، وعاصم: " ~~جبلا " بكسر الجيم والباء مع تشديد اللام. وقرأ علي بن أبي طالب، ~~وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والزهري، والأعمش: { جبلا } بضم ~~الجيم والباء مع تشديد اللام. وقرأ عبد الله بن عمرو، وابن السميفع: { ~~جبلا } بكسر الجيم وسكون الباء وتخفيف اللام. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو ~~المتوكل، ومعاذ القاريء: { جبلا } برفع الجيم وفتح الباء وتخفيف ~~اللام. وقرأ أبو العالية: وابن يعمر: { جبلا } بكسر الجيم وفتح الباء ~~وتخفيف اللام. وقرأ أبو عمران الجوني، وعمرو بن دينار: { جبالا } ~~مكسورة الجيم مفتوحة الباء وبألف. ومعنى الكلمة كيف تصرفت في هذه ~~اللغات: الخلق والجماعة؛ فالمعنى: ولقد أضل منكم خلقا كثيرا { ~~أفلم تكونوا تعقلون }؟ فالمعنى: قد رأيتم ms1677 آثار الهالكين قبلكم بطاعة ~~الشيطان، أفلم تعقلوا ذلك؟! وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن يعمر: { أفلم يكونوا يعقلون } بالياء ~~فيهما، فإذا أدنوا إلى جهنم قيل لهم: { هذه جهنم التي كنتم توعدون ~~} بها في الدنيا { اصلوها } أي: قاسوا حرها. ### || [36.65-68] # قوله تعالى: { اليوم نختم على أفواهم } وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء: { يختم } بياء مضمومة وفتح التاء { وتكلمنا } قرأ ابن ~~مسعود: { ولتكلمنا } بزيادة لام مكسورة وفتح الميم و واو قبل اللام ~~وقرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة: { لتكلمنا } بلام مكسورة من غير ~~واو قبلها وبنصب الميم؛ وقرأوا جميعا: { ولتشهد أرجلهم } بلام ~~مكسورة وبنصب الدال. # ومعنى { نختم }: نطبع عليها، وقيل: منعها من الكلام هو الختم ~~عليها، وفي سبب ذلك أربعة أقوال: # أحدها: أنهم لما قالوا # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] ختم الله على أفواهم ونطقت جوارحهم، قاله أبو موسى ~~الأشعري. # والثاني: ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعوانا لهم على المعاصي صارت ~~شهودا [عليهم]. # والثالث: ليعرفهم أهل الموقف، فيتميزوا منهم بذلك. # والرابع: لأن إقرار الجوارح أبلغ في الإقرار من نطق اللسان، ذكرهن ~~الماوردي. # فإن قيل: ما الحكمة في تسمية نطق اليد كلاما ونطق الرجل شهادة؟. # فالجواب: أن اليد كانت مباشرة والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره ~~شهادة بما رأى وقول الفاعل على نفسه إقرار بما فعل. # قوله تعالى: { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ولو نشاء لأذهبنا أعينهم حتى لا يبدو لها شق ولا جفن. ~~والمطموس: الذي لا يكون بين جفنيه شق، { فاستبقوا الصراط } أي: ~~فتبادروا إلى الطريق { فأنى يبصرون } [أي]: فكيف يبصرون وقد ~~أعمينا أعينهم؟! وقرأ أبو بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وأبو رجاء: ~~{ فاستبقوا } بكسر الباء { فأنى تبصرون } بالتاء وهذا تهديد ~~لأهل مكة، وهو قول الأكثرين. # والثاني: ولو نشاء لأضللناهم وأعميناهم عن الهدى، فأنى يبصرون ~~الحق.؟! رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم وأعميناهم عن غيهم ~~وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم، ms1678 فأنى يبصرون ~~ولم أفعل ذلك، بهم؟! روي عن جماعة منهم مقاتل. # قوله تعالى: { ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم } وروى أبو بكر عن ~~عاصم: { على مكاناتهم }؛ وقد سبق بيان هذا [البقرة: 65]. # وفي المراد بقوله { لمسخناهم } أربعة أقوال. # أحدها: لأهلكناهم، قاله ابن عباس. # والثاني: لأقعدناهم على أرجلهم، قاله الحسن وقتادة. # والثالث: لجعلناهم حجارة، قاله أبو صالح، ومقاتل. # والرابع: لجعلناهم قردة وخنازير لا أرواح فيها، قاله ابن السائب. # وفي قوله: { فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون } ثلاثة أقوال. # أحدها: فما استطاعوا أن يتقدموا ولا أن يتأخروا، قاله قتادة. # والثاني: فما استطاعوا مضيا عن العذاب، ولا رجوعا إلى الخلقة ~~الأولى بعد المسخ، قاله الضحاك. # والثالث: مضيا من الدنيا ولا رجوعا إليها، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # قوله تعالى: { ومن نعمره ننكسه في الخلق } قرأ حمزة: { ~~ننكسه } مشددة مع ضم النون الأولى وفتح الثانية؛ والباقون: بفتح ~~النون الأولى وتسكين الثانية من غير تشديد؛ وعن عاصم كالقراءتين، ومعنى ~~الكلام: من نطل عمره ننكس خلقه، فنجعل مكان القوة الضعف، ~~وبدل الشباب الهرم، فنرده إلى أرذل العمر. { أفلا يعقلون } قرأ ~~نافع، وأبو عمرو: { أفلا تعقلون } بالتاء، والباقون بالياء. والمعنى: ~~أفلا يعقلون أن من فعل هذا قادر على البعث؟!. ### || [36.69-70] # قوله تعالى: { وما علمناه الشعر } قال المفسرون: إن كفار مكة ~~قالوا: إن هذا القرآن شعر وإن محمدا شاعر، فقال الله تعالى: { وما ~~علمناه الشعر } { وما ينبغي له } أي: ما يتسهل له ذلك. قال ~~المفسرون: ما كان يتزن له بيت شعر، حتى إنه # " روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه تمثل يوما فقال: " # " كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا " # " فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنما قال الشاعر: " # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # " أشهد أنك رسول الله، ما علمك الله الشعر، وما ينبغي لك. ~~ودعا يوما بعباس بن مرداس فقال: " أنت القائل: " # أتجعل نهبي ونهب العبي...د بين الأقرع وعيينة "؟ # " فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي، لم يقل كذلك، فأنشده أبو بكر، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لا يضرك بأيهما ms1679 بدأت " ، فقال أبو ~~بكر: والله ما أنت بشاعر، ولا ينبغي لك الشعر. وتمثل يوما، فقال: " # " ويأتك من لم تزوده بالأخبار " # " فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله، فقال: " إني لست بشاعر، ولا ~~ينبغي لي " # وإنما منع من قول الشعر، لئلا تدخل الشبهة على قوم فيما أتى به ~~من القرآن فيقولون: قوي على ذلك بما في طبعه من الفطنة للشعر. # قوله تعالى: { إن هو } يعني القرآن { إلا ذكر } إلا موعظة { ~~وقرآن مبين } فيه الفرائض والسنن [والأحكام]. # قوله تعالى: { لينذر } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: " لينذر " بالياء، يعنون القرآن. وقرأ نافع، وابن عامر، ~~ويعقوب: " لتنذر " بالتاء، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، أي: ~~لتنذر يا محمد بما في القرآن. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، ~~وابن السمفيع: " لينذر " ياء مرفوعة وفتح الذال والراء جميعا. # قوله تعالى: { من كان حيا } وفيه أربعة أقوال. # أحدها: حي القلب حي البصر، قال قتادة. # والثاني: من كان عاقلا، قاله الضحاك. قال الزجاج: من كان يعقل ما ~~يخاطب به، فإن الكافر كالميت في ترك النذير. # والثالث: مهتديا، قاله السدي وقال مقاتل: من كان مهتديا في علم ~~الله. # والرابع: من كان مؤمنا، قال يحيى بن سلام؛ وهذا على المعنى الذي قد سبق ~~في قوله: # إنما تنذر الذين يخشون ربهم # [فاطر:18]، ويجوز أن يريد: إنما ينفع إنذارك من كان مؤمنا في ~~علم الله. # قوله تعالى: { ويحق القول على الكافرين } معناه: يجب. وفي المراد ~~بالقول قولان. أحدهما: أنه العذاب. والثاني: الحجة. ### || [36.71-76] # ثم ذكرهم قدرته فقال: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينا أنعاما } قال ابن قتيبة: يجوز أن يكون المعنى: مما ~~عملناه بقوتنا وقدرتنا، وفي اليد القدرة والقوة على العمل، ~~فتستعار اليد فتوضع موضعها هذا مجاز للعرب يحتمله هذا الحرف، ~~والله أعلم بما أراد. وقال غيره: ذكر الأيدي ها هنا يدل على انفراده ~~بما خلق، والمعنى: لم يشاركنا أحد في إنشائنا؛ والواحد منا إذا ~~قال: عملت هذا بيدي، دل ذلك على انفراده بعمله. وقال أبو سليمان ms1680 ~~الدمشقي: معنى الآية: مما أوجدناه بقدرتنا وقوتنا؛ وهذا إجماع ~~أنه لم يرد هاهنا إلا ما ذكرنا. # قوله تعالى: { فهم لها مالكون } فيه قولان. # أحدهما: ضابطون، قاله قتادة، ومقاتل. قال الزجاج: ومثله في الشعر: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # أي: لا أضبط رأس البعير. # والثاني: قادرون عليها بالتسخير لهم، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { وذللناها لهم } أي: سخرناها، فهي ذليلة لهم { فمنها ~~ركوبهم } قال ابن قتيبة: الركوب: ما يركبون، والحلوب: ما ~~يحلبون. قال الفراء: ولو قرأ قارىء: { فمنها ركوبهم } ، كان ~~وجها، كما تقول: منها أكلهم وشربهم وركوبهم. وقد قرأ بضم الراء الحسن، ~~وأبو العالية، والأعمش، وابن يعمر في آخرين. وقرأ أبي بن كعب، وعائشة: ~~{ ركوبتهم } بفتح الراء والباء وزيادة تاء مرفوعة. قال المفسرون: ~~يركبون من الأنعام الإبل، ويأكلون الغنم، { ولهم فيها منافع } من ~~الأصواف والأوبار والأشعار والنسل { ومشارب } [من] ألبانها، { ~~أفلا يشكرون } رب هذه النعم فيوحدونه؟!. # ثم ذكر جهلهم فقال: { واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ~~} أي: لتمنعهم من عذاب الله؛ ثم أخبر أن ذلك لا يكون بقوله { لا ~~يستطيعون نصرهم } أي: لا تقدر الأصنام على منعهم من أمر أراده ~~الله بهم { وهم } يعني الكفار { لهم } يعني الأصنام { جند ~~محضرون } وفيه أربعة أقوال: # أحدها: جند في الدنيا محضرون في النار، قاله الحسن. # والثاني: محضرون عند الحساب، قاله مجاهد. # والثالث: المشركون جند للأصنام، يغضبون لها في الدنيا، وهي لا تسوق ~~إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا قاله قتادة. وقال مقاتل: الكفار ~~يغضبون للآلهة ويحضرونها في الدنيا. وقال الزجاج: هم للأصنام ~~ينتصرون، وهي لا تستطيع نصرهم. # والرابع: هم جند محضرون عند الأصنام يعبدونها، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { فلا يحزنك قولهم } يعني قول كفار مكة في تكذيبك { ~~إنا نعلم ما يسرون } في ضمائرهم من تكذيبك { وما يعلنون } ~~بألسنتهم من ذلك؛ والمعنى إنا نثيبك ونجازيهم. ### || [36.77-83] # قوله تعالى: { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } ~~اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية والتي بعدها على خمسة أقوال: # أحدها: # " أنه العاص ms1681 بن وائل السهمي، أخذ عظما من البطحاء ففته بيده، ثم ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال: ~~" نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم " # ، فنزلت هذه الآيات. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنه عبد الله بن أبي بن سلول، جرى له نحو هذه القصة، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أنه أبو جهل ابن هشام وأن هذه القصة جرت له، رواه الضحاك عن ~~ابن عباس. # والرابع: أنه أمية بن خلف، قاله الحسن. # والخامس: أنه أبي بن خلف الجمحي، وهذه القصة جرت له، قاله مجاهد، ~~وقتادة، والجمهور، وعليه المفسرون. # ومعنى الكلام: التعجب من جهل هذا المخاصم في إنكاره البعث؛ ~~والمعنى: ألا يعلم أنه مخلوق فيتفكر في بدء خلقه فيترك خصومته؟! وقيل: ~~هذا تنبيه له على نعمة الله عليه حيث أنشأه من نطفة فصار مجادلا. # { وضرب لنا مثلا } في إنكار البعث بالعظم البالي حين فته بيده، ~~وتعجب ممن يقول: إن الله يحييه { ونسي خلقه } أي: نسي ~~خلقنا له، أي: ترك النظر في خلق نفسه، إذ خلق من نطفة. ~~{ قال من يحيي العظام وهي رميم }! أي: بالية يقال: رم العظم، ~~إذا بلي، فهو رميم، لأنه معدول عن فاعله، وكل معدول عن وجهه و ~~وزنه فهو مصروف عن إعرابه كقوله: # وما كانت أمك بغيا # [مريم: 28]، فأسقط الهاء لأنها مصروفة عن " باغية "؛ فقاس هذا الكافر ~~قدرة الله تعالى بقدرة الخلق، فأنكر إحياء العظم البالي لأن ذلك ليس ~~في مقدور الخلق. { قل يحييها الذي أنشأها } أي: ابتدأ خلقها { ~~أول مرة وهو بكل خلق } من الابتداء والإعادة { عليم }. # { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } قال ابن قتيبة: أراد ~~الزنود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفار. فإن ~~قيل: لم قال: " الشجر الأخضر " ولم يقل: الشجر الخضر؟ # فالجواب: أن الشجر جمع، وهو يؤنث ويذكر، قال الله تعالى: # فمالئون منها البطون # [الواقعة: 53]، وقال: { فإذا أنتم منه توقدون }. # ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، ms1682 فقال: { أو ليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر } وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري: ~~{ يقدر } بياء من غير ألف { على أن يخلق مثلهم }؟! وهذا ~~استفهام تقرير؛ والمعنى: من قدر على ذلك العظيم، قدر على هذا ~~اليسير. وقد فسرنا معنى { أن يخلق مثلهم } في [بني إسرائيل: 99]؛ ~~ثم أجاب هذا الاستفهام فقال: { بلى وهو الخلاق } يخلق خلقا بعد ~~خلق. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وعاصم الجحدري: { وهو الخالق } { ~~العليم } بجميع المعلومات. والملكوت والملك واحد. وباقي السورة قد ~~تقدم شرحه [البقرة: 117، 32، الأنعام: 75]. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-5] # قوله تعالى: { والصافات صفا } فيها قولان: # أحدهما: أنها الملائكة، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. قال ابن عباس: هم الملائكة صفوف في ~~السماء، لا يعرف ملك منهم من إلى جانبه، لم يلتفت منذ ~~خلقه الله عز وجل. وقيل: هي الملائكة تصف أجنحتها في الهواء ~~واقفة إلى أن يأمرها الله عز وجل بما يشاء. # والثاني: أنها الطير، كقوله: # والطير صافات # [النور: 41] حكاه الثعلبي. # وفي الزاجرات قولان: # أحدهما: أنها الملائكة التي تزجر السحاب، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنها زواجر القرآن وكل ما ينهى ويزجر عن القبيح، قاله ~~قتادة. # وفي التاليات ذكرا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الملائكة تقرأ كتب الله تعالى، قاله ابن مسعود، [والحسن]، ~~والجمهور. # والثاني: أنهم الرسل، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: ما يتلى في القرآن من أخبار الأمم، قاله قتادة. # وهذا قسم بهذه الأشياء، وجوابه: { إن إلهكم لواحد } وقيل: ~~معناه: ورب هذه الأشياء إنه واحد. # قوله تعالى: { ورب المشارق } قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون ~~مشرقا، والمغارب مثلها، على عدد أيام السنة. # فإن قيل: لم ترك ذكر المغارب؟ # فالجواب: أن المشارق تدل على المغارب، لأن الشروق قبل الغروب. ### || [37.6-10] # قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا } يعني التي تلي الأرض، ~~وهي أدنى السموات إلى الأرض { بزينة الكواكب } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وابن عامر، وأبو عمرو، والكسائي: { بزينة الكواكب } مضافا، أي: بحسنها ~~وضوئها. وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: { بزينة } منونة وخفض " الكواكب ms1683 " ~~[وجعل " الكواكب " ] بدلا من الزينة لأنها هي، كما تقول: مررت بأبي عبد ~~الله زيد؛ [فالمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب. وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم: " بزينة " بالتنوين وبنصب " الكواكب " ]؛ والمعنى: ~~زينا السماء الدنيا بأن زينا الكواكب فيها حين ألقيناها في ~~منازلها وجعلناها ذات نور. قال الزجاج: ويجوز أن يكون " الكواكب " في ~~النصب بدلا من قوله: { بزينة } لأن قوله: { بزينة } في موضع نصب. ~~وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارىء، وأبو نهيك، وأبو حصين الأسدي في ~~آخرين: { بزينة } بالتنوين { الكواكب } برفع الباء؛ قال الزجاج: ~~والمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بأن زينتها الكواكب وبأن ~~زينت الكواكب. { وحفظا } أي: وحفظناها حفظا. فأما المارد، فهو ~~العاتي، وقد شرحنا هذا في قوله تعالى: # شيطانا مريدا # [النساء: 117]. # قوله تعالى: { لا يسمعون } قال الفراء: " لا " هاهنا كقوله # كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به # [الشعراء: 200 201]؛ ويصلح في " لا " على هذا المعنى الجزم، فإن ~~العرب تقول: ربطت الفرس لا ينفلت. وقال غيره: لكي لا يسمعوا ~~إلى الملأ الأعلى، وهم الملائكة الذين في السماء. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم، وخلف: { لا يسمعون } بتشديد السين، وأصله: ~~يتسمعون، فأدغمت التاء في السين. وإنما قال: { إلى الملأ الأعلى } ~~لأن العرب تقول: سمعت فلانا، وسمعت من فلان، وإلى فلان. # { ويقذفون من كل جانب } بالشهب { دحورا } قال قتادة: أي ~~قذفا بالشهب. وقال ابن قتيبة: أي: طردا، يقال: دحرته دحرا ~~ودحورا، أي: دفعته. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رجاء، وأبو عبد ~~الرحمن، والضحاك، وأيوب السختياني، وابن أبي عبلة: { دحورا } بفتح ~~الدال. # وفي { الواصب } قولان: # أحدهما: أنه الدائم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والفراء، ~~وابن قتيبة. # والثاني: أنه الموجع، قاله أبو صالح والسدي. # وفي زمان هذا العذاب قولان: # أحدهما: أنه في الآخرة. # والثاني: [أنه] في الدنيا، فهم يخرجون بالشهب ويخبلون إلى ~~النفخة الأولى في الصور. # قوله تعالى: { إلا من خطف الخطفة } قرأ ابن السميفع: { خطف ~~} بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها. وقرأ أبو رجاء، والجحدري: بكسر الخاء ~~والطاء جميعا والتخفيف. قال الزجاج: خطف ms1684 وخطف، بفتح الطاء وكسرها، ~~يقال: خطفت أخطف، وخطفت أخطف: إذا أخذت الشيء بسرعة. ~~ويجوز { إلا من خطف } بفتح الخاء وتشديد الطاء، ويجوز { خطف } ~~بكسر الخاء وفتح الطاء؛ والمعنى: اختطف فأدغمت التاء في الطاء، وسقطت ~~الألف لحركة الخاء؛ فمن فتح الخاء، ألقى عليها فتحة التاء التي كانت في " ~~اختطف " ، ومن كسر الخاء، فلسكونها وسكون الطاء. فأما من روى [ " خطف ~~" ] بكسر الخاء والطاء، فلا وجه لها إلا وجها ضعيفا جدا، وهو أن يكون ~~على إتباع الطاء كسرة الخاء. قال المفسرون: والمعنى: إلا من اختطف ~~الكلمة من كلام الملائكة مسارقة { فأتبعه } أي: لحقه { ~~شهاب ثاقب } قال ابن قتيبة: أي كوكب مضيء، يقال: أثقب نارك، ~~أي: أضئها، والثقوب: ما تذكى به النار. ### || [37.11-26] # قوله تعالى: { فاستفتهم } أي: فسلهم سؤال تقرير { أهم ~~أشد خلقا } أي: أحكم صنعة { أم من خلقنا } فيه ~~قولان: # أحدهما: أن المعنى: أم من عددنا خلقه من الملائكة والشياطين ~~والسموات والأرض، قاله ابن جرير. # والثاني: أم من خلقنا قبلهم من الأمم السالفة، والمعنى: إنهم ~~ليسوا بأقوى من أولئك وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمن هؤلاء؟!. # ثم ذكر خلق الناس فقال: { إنا خلقناهم من طين لازب } قال ~~الفراء، وابن قتيبة: أي: لاصق لازم، والباء تبدل من الميم لقرب ~~مخرجيهما. قال ابن عباس: هو الطين الحر الجيد اللزق. وقال ~~غيره: هو الطين الذي ينشف عنه الماء وتبقى رطوبته في باطنه ~~فيلصق باليد كالشمع. وهذا إخبار عن تساوي الأصل في خلقهم وخلق ~~من قبلهم؛ فمن قدر على إهلاك الأقوياء، قدر على إهلاك الضعفاء. # قوله تعالى: { بل عجبت } " بل " معناه: ترك الكلام الأول والأخذ ~~في الكلام الآخر، كأنه قال: دع يا محمد ما مضى. # وفي { عجبت } قراءتان: قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: { بل عجبت } بفتح التاء. وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود، ~~وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، وقتادة، وأبو مجلز، والنخعي، ~~وطلحة بن مصرف، والأعمش، وابن أبي ليلى، وحمزة، والكسائي في آخرين: { بل ~~عجبت } بضم التاء، [واختارها الفراء]. فمن ms1685 فتح أراد: بل عجبت يا ~~محمد { ويسخرون } هم. قال ابن السائب: أنت تعجب منهم، وهم ~~يسخرون منك. وفي ما عجب منه قولان: # أحدهما: من الكفار إذ لم يؤمنوا بالقرآن. # والثاني: إذ كفروا بالبعث. ومن ضم، أراد الإخبار عن الله عز وجل أنه ~~عجب، قال الفراء: وهي قراءة علي، وعبد الله، وابن عباس، وهي أحب ~~إلي، وقد أنكر هذه القراءة قوم، منهم شريح القاضي، فإنه قال: إن الله لا ~~يعجب إنما يعجب من لا يعلم. قال الزجاج: وإنكار هذه القراءة ~~غلط، لأن العجب من الله خلاف العجب من الآدميين، وهذا كقوله # ويمكر الله # [الأنفال: 30] وقوله # سخر الله منهم # [التوبة: 79] وأصل العجب في اللغة: أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ~~ويقل مثله، قال: قد عجبت من كذا، وكذلك إذا فعل الآدميون ~~ما ينكره الله عز وجل، جاز أن يقول: عجبت، والله قد علم ~~الشيء قبل كونه. وقال ابن الأنباري: المعنى: جازيتهم على عجبهم من ~~الحق فسمى الجزاء على الشيء باسم الشيء الذي له الجزاء، فسمى فعله ~~عجبا وليس بعجب في الحقيقة، لأن المتعجب يدهش ويتحير، والله ~~عز وجل قد جل عن ذلك؛ وكذلك سمي تعظيم الثواب عجبا، لأنه ~~إنما يتعجب من الشيء إذا كان في النهاية، والعرب تسمي الفعل باسم ~~الفعل إذا داناه من بعض وجوهه، وإن كان مخالفا له في أكثر معانيه، قال ~~عدي: # ثم أضحوا لعب الدهر بهم # [وكذاك الدهر يودي بالرجال] # فجعل إهلاك الدهر وإفساده لعبا. وقال ابن جرير: من ضم التاء، ~~فالمعنى: بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكا وتكذيبهم تنزيلي. ~~وقال غيره: إضافة العجب إلى الله على ضربين: # أحدهما: بمعنى الإنكار والذم، كهذه الآية. # والثاني: بمعنى الاستحسان والإخبار عن تمام الرضى، كقوله عليه السلام: # " عجب ربك من شاب ليست له صبوة " # قوله تعالى: { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: إذا وعظوا بالقرآن ~~لا يذكرون ولا يتعظون. وقرأ سعيد بن جبير، والضحاك، وأبو المتوكل، ~~وعاصم الجحدري، وأبو عمران: { ذكروا } بتخفيف الكاف. # { وإذا رأوا آية } قال ابن عباس: يعني انشقاق ms1686 القمر { يستسخرون ~~} قال أبو عبيدة: يستسخرون ويسخرون سواء. قال ابن قتيبة: يقال ~~سخر واستسخر، كما يقال: قر واستقر، وعجب ~~واستعجب، ويجوز أن يكون: يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا من ~~رسول الله كما يقال: استعتبته، أي: سألته العتبى، ~~واستوهبته، أي: سألته الهبة، واستعفيته: سألته العفو. # { وقالوا إن هذا } يعنون انشقاق القمر { إلا سحر مبين } أي: ~~بين لمن تأمله أنه سحر. # { أإذا متنا } قد سبق بيان [هذه] الآية [مريم: 66]. # { أو آباؤنا } هذه ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف، كقوله: # أو أمن أهل القرى # [الاعراف: 98]. وقرأ نافع، وابن عامر: { أو آباؤنا الأولون } ~~بسكون الواو هاهنا وفي [الواقعة: 48]. # { قل نعم } أي: نعم تبعثون { وأنتم داخرون } أي: ~~صاغرون. # { فإنما هي زجرة واحدة } أي: فإنما قصة البعث صيحة واحدة من ~~إسرافيل، وهي نفخة البعث، وسميت زجرة، لأن مقصودها الزجر { فإذا ~~هم ينظرون } قال الزجاج: أي: يحيون ويبعثون بصراء ~~ينظرون، فإذا عاينوا بعثهم، ذكروا إخبار الرسل عن البعث، { وقالوا ~~يا ويلنا هذا يوم الدين } أي: يوم الحساب والجزاء، فتقول الملائكة: ~~{ هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء الذي يفصل فيه بين المحسن ~~والمسيء؛ ويقول الله عز وجل يومئذ للملائكة: { أحشروا } أي: اجمعوا ~~{ الذين ظلموا } من حيث هم، وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم المشركون. # والثاني: أنه عام في كل ظالم. وفي أزواجهم أربعة أقوال: # أحدها: أمثالهم وأشباههم، وهو قول عمر، وابن عباس، والنعمان بن بشير، ~~ومجاهد في أخرين. وروي عن عمر قال: يحشر صاحب الربا مع صاحب ~~الربا، وصاحب الزنا مع صاحب الزنا وصاحب الخمر مع صاحب الخمر. # والثاني: أن أزواجهم: المشركات، قاله الحسن. # والثالث: أشياعهم، قاله قتادة. # والرابع: قرناؤهم من الشياطين الذين أضلوهم، قاله مقاتل. # وفي قوله: { وما كانوا يعبدون } ثلاثة أقوال: # أحدها: الأصنام، قاله عكرمة، وقتادة. # والثاني: إبليس وحده، قاله مقاتل. # والثالث: الشياطين، ذكره الماوردي وغيره. # قوله تعالى: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها؛ ~~والمعنى: اذهبوا بهم إليها. قال الزجاج: يقال: هديت الرجل: إذا ~~دللته، وهديت العروس إلى زوجها، وأهديت الهدية، فإذا جعلت ~~العروس كالهدية، ms1687 قلت أهديتها. # قوله تعالى: { وقفوهم } أي: احبسوهم { إنهم مسؤولون } وقرأ ~~ابن السميفع: { أنهم } بفتح الهمزة. قال المفسرون: لما سيقوا إلى ~~النار حبسوا عند الصراط، لأن السؤال هناك. وفي هذا السؤال ستة أقوال: # أحدها: أنهم سئلوا عن أعمالهم وأقوالهم في الدنيا. # الثاني: عن " لا إله إلا الله " ، رويا جميعا عن ابن عباس. # والثالث: عن خطاياهم، قاله الضحاك. # والرابع: سألهم خزنة جهنم # ألم يأتكم نذير # [الملك: 8] ونحو هذا، قاله مقاتل. # والخامس: أنهم يسألون عما كانوا يعبدون، ذكره ابن جرير. # والسادس: أن سؤالهم قوله { ما لكم لا تناصرون }؟! [ذكره الماوردي]. ~~قال المفسرون: المعنى: مالكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في ~~الدنيا؟! وهذا جواب أبي جهل حين قال يوم بدر: # نحن جميع منتصر # [القمر: 44] فقيل لهم ذلك يومئذ توبيخا، والمستسلم المنقاد ~~الذليل؛ والمعنى: أنهم منقادون لا حيلة لهم. ### || [37.27-49] # قوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض } فيهم قولان: # أحدهما: الإنس على الشياطين. # والثاني: الأتباع على الرؤساء { يتساءلون } تسآل توبيخ وتأنيب ولوم ~~فيقول الأتباع للرؤساء: [لم] غررتمونا؟ ويقول الرؤساء: لم قبلتم ~~منا؟ فذلك قوله { قالوا } يعنى الأتباع للمتبوعين { إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: كنتم تقهروننا بقدرتكم علينا، لأنكم كنتم أعز منا، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: من قبل الدين فتضلونا عنه، قاله الضحاك. وقال الزجاج: ~~تأتوننا من قبل الدين فتخدعونا بأقوى الأسباب. # والثالث: كنتم توثقون ما كنتم تقولون بأيمانكم، فتأتوننا من قبل ~~الأيمان التي تحلفونها. حكاه علي بن أحمد النيسابوري. فيقول ~~المتبوعون لهم: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: لم تكونوا على حق ~~فنضلكم عنه، إنما الكفر من قبلكم. # { وما كان عليكم من سلطان } فيه قولان: # أحدهما: أنه القهر. # والثاني: الحجة. فيكون المعنى على الأول: وما كان لنا عليكم من ~~قوة نقهركم بها ونكرهكم على متابعتنا. وعلى الثاني: لم ~~نأتكم بحجة على ما دعوناكم إليه كما أتت الرسل. # قوله تعالى: { فحق علينا قول ربنا } أي: فوجبت علينا كلمة ~~العذاب، وهي قوله # لأملأن جهنم # [الاعراف: 18] { إنا لذائقون } العذاب جميعا نحن وأنتم، { ~~فأغويناكم ms1688 } أي، أضللناكم عن الهدى بدعائكم إلى ما نحن عليه، وهو ~~قوله { إنا كنا غاوين }. # ثم أخبر عن الأتباع والمتبوعين بقوله: { فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون } ، والمجرمون هاهنا: المشركون، { إنهم كانوا } في ~~الدنيا { إذا قيل لهم لا إله إلا الله } أي: قولوا هذه الكلمة { ~~يستكبرون } أي: يتعظمون عن قولها { ويقولون أئنا لتاركو ~~آلهتنا } المعنى: أنترك عبادة آلهتنا { لشاعر } أي: لاتباع ~~شاعر؟! يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد الله عليهم فقال: ~~(بل) أي: ليس الأمر على ما قالوا، بل { جاء بالحق } وهو التوحيد ~~والقرآن. { وصدق المرسلين } الذين كانوا قبله؛ والمعنى: أنه أتى بما ~~أتوا به. ثم خاطب المشركين بما يعد هذا إلى قوله: { إلا عباد الله ~~المخلصين } يعني الموحدين. قال أبو عبيدة: والعرب تقول: إنكم ~~لذاهبون إلا زيدا، وفي ما استثناهم منه قولان: # أحدهما: من الجزاء على الأعمال، فالمعنى: إنا لا نؤاخذهم بسوء أعمالهم، ~~بل نغفر لهم، قاله ابن زيد. # والثاني: من دون العذاب؛ فالمعنى: فإنهم لا يذوقون العذاب، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { أولئك لهم رزق معلوم } فيه قولان: # أحدهما: أنه الجنة، قاله قتادة. # والثاني: أنه الرزق في الجنة، قاله السدي. # فعلى هذا، في معنى { معلوم } قولان: # أحدهما: أنه بمقدار الغداة والعشي، قاله ابن سائب. # والثاني: أنهم حين يشتهونه يؤتون به، قاله مقاتل. # ثم بين الرزق فقال: { فواكه } [وهي جمع فاكهة] وهي الثمار ~~كلها، رطبها ويابسها { وهم مكرمون } بما أعطاهم الله. # وما بعد هذا قد تقدم تفسيره [الحجر: 47] إلى قوله { يطاف عليهم بكأس ~~من معين } قال الضحاك: كل كأس ذكرت في القرآن، فإنما عني بها ~~الخمر، [قال أبو عبيدة: الكأس الإناء بما فيه، والمعين: الماء الطاهر ~~الجاري. قال الزجاج: الكأس الإناء الذي فيه الخمر]، ويقع الكأس على كل ~~إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس، والمعين: الخمر تجري كما ~~يجري الماء على وجه الأرض من العيون. # قوله تعالى: { بيضاء } قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن. ~~قال أبو سليمان الدمشقي: ويدل على أنه أراد بالكأس الخمر، أنه قال ms1689 " ~~بيضاء " فأنث، ولو أراد الإناء على انفراده، أو الإناء والخمر، لقال ~~أبيض. وقال ابن جرير: إنما أراد بقوله " بيضاء " الكأس، ولتأنيث الكأس ~~أنثت البيضاء. # قوله تعالى: { لذة } قال ابن قتيبة: أي: لذيذة، يقال: شراب لذاذ: ~~إذا كان طيبا. وقال الزجاج: أي: ذات لذة. # { لا فيها غول } فيه سبعة أقوال: # أحدها: ليس فيها صداع، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: ليس فيها وجع بطن، [رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وابن زيد]. # والثالث: ليس فيها صداع رأس، قاله قتادة. # والرابع: ليس فيها أذى ولا مكروه، قاله سعيد بن جبير. # والخامس: لا تغتال عقولهم، قاله السدي. وقال الزجاج: لا تغتال ~~عقولهم فتذهب بها ولا يصيبهم منها وجع. # والسادس: ليس فيها إثم، حكاه ابن جرير. # والسابع: ليس فيها شيء من هذه الآفات، لأن كل من ناله شيء من هذه ~~الآفات، قيل: قد غالته غول، فالصواب أن يكون نفي الغول عنها ~~يعم جميع هذه الأشياء، هذا اختيار ابن جرير. # قوله تعالى: { ولاهم عنها ينزفون } قرأ حمزة، والكسائي: بكسر الزاي ~~هاهنا وفي [الواقعة:19]. وفتح عاصم الزاي هاهنا، وكسرها في [الواقعة:19]. ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: بفتح الزاي في السورتين، ~~قال الفراء: فمن فتح، فالمعنى: لا تذهب عقولهم بشربها، يقال للسكران: ~~نزيف ومنزوف؛ [ومن] كسر، ففيه وجهان: # أحدهما: لا ينفدون شرابهم، أي: هو دائم أبدا. # والثاني: لا يسكرون، قال الشاعر: # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم # لبئس الندامى كنتم آل أبجرا # قوله تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف } فيه قولان. # أحدهما: أنهن النساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ~~ينظرن إلى غيرهم، وأصل القصر: الحبس، قال ابن زيد: إن المرأة ~~منهن لتقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن ~~منك، فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي. # والثاني: أنهن قد قصرن طرف الأزواج عن غيرهن، لكمال حسنهن، ~~سمعته من الشيخ أبي محمد ابن الخشاب النحوي. # وفي العين ثلاثة أقوال: # أحدها: حسان العيون، قاله مجاهد. # والثاني: عظام الأعين، قاله السدي، وابن ms1690 زيد. # والثالث: كبار العيون حسانها، وواحدتهن عيناء، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { كأنهن بيض مكنون } في المراد بالبيض هاهنا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اللؤلؤ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال أبو ~~عبيدة. # والثاني: بيض النعام، قاله الحسن، وابن زيد، والزجاج. قال جماعة من ~~أهل اللغة: والعرب تشبه المرأة الحسناء في بياضها وحسن لونها ~~ببيضة النعامة، وهو أحسن ألوان النساء، وهو أن تكون المرأة بيضاء ~~مشربة صفرة. # والثالث: أنه البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي، قاله السدي، ~~وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير، وقتادة، وابن جرير. # فأما المكنون، فهو المصون. فعلى القول الأول: هو مكنون في صدفه، ~~وعلى الثاني: هو مكنون بريش النعام، وعلى الثالث هو مكنون بقشرة. ### || [37.50-61] # قوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض } يعني أهل الجنة { يتساءلون } عن ~~أحوال كانت في الدنيا. # { قال قائل منهم إني كان لي قرين } فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الصاحب في الدنيا. # والثاني: أنه الشريك رويا عن ابن عباس. # والثالث: أنه الشيطان، قاله مجاهد. # والرابع: أنه الأخ؛ قال مقاتل: وهما الأخوان المذكوران في سورة [الكهف: ~~32] في قوله: # واضرب لهم مثلا رجلين # والمعنى: كان لي صاحب أو أخ ينكر البعث، { يقول أئنك لمن ~~المصدقين } قال الزجاج: هي مخففة الصاد، من صدق يصدق فهو ~~مصدق، ولا يجوز هاهنا تشديد الصاد. قال المفسرون: والمعنى: أئنك ~~لمن المصدقين بالبعث؟ وقرأ بكر بن عبد الرحمن القاضي عن حمزة { ~~المصدقين } بتشديد الصاد. # قوله تعالى: { أئنا لمدينون } أي: مجزيون بأعمالنا؛ يقال: ~~دنته بما صنع، أي: جازيته، فأحب المؤمن أن يرى قرينه الكافر، ~~فقال لأهل الجنة، { هل أنتم مطلعون } أي: هل تحبون الاطلاع ~~إلى النار لتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهلها؟ وقرأ ابن عباس، ~~والضحاك، وأبو عمران، وابن يعمر: { هل أنتم مطلعون } بإسكان الطاء ~~وتخفيفها { فأطلع } بهمزة مرفوعة وسكون الطاء. وقرأ أبو رزين، وابن ~~أبي عبلة: { مطلعون } بكسر النون. قال ابن مسعود: اطلع ثم التفت إلى ~~أصحابه فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي؛ قال ابن عباس: وذلك ms1691 أن في ~~الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار. # قوله تعالى: { فرآه } يعني قرينة الكافر { في سواء الجحيم } أي: في ~~وسطها. وقيل: إنما سمي الوسط سواء، لاستواء المسافة منه إلى ~~الجوانب. قال خليد العصري: والله لولا أن الله عرفه إياه، ما ~~عرفه، لقد تغير حبره وسبره. فعند ذلك { قال تالله إن كدت ~~لتردين } قال المفسرون: معناه: والله ما كدت إلا تهلكني؛ ~~يقال: أرديت فلانا أي: أهلكته { ولولا نعمة ربي } أي: إنعامه ~~علي بالإسلام { لكنت من المحضرين } معك في النار. # قوله تعالى: { أفما نحن بميتين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إذا ذبح الموت، قال أهل الجنة: { أفما نحن بمييتن، ~~إلا موتتنا الأولى } التي كانت في الدنيا { وما نحن بمعذبين ~~}؟ فيقال لهم: لا؛ فعند ذلك قالوا: { إن هذا لهو الفوز العظيم } ~~، فيقول الله تعالى { لمثل هذا فليعمل العاملون } ، قاله ابن ~~السائب. وقيل: يقول ذلك للملائكة. # والثاني: أنه قول المؤمن لأصحابه، فقالوا له: إنك لا تموت، فقال: { إن ~~هذا لهو الفوز العظيم } ، قاله مقاتل. وقال أبو سفيان الدمشقي: ~~إنما خاطب المؤمن أهل الجنة بهذا على طريق الفرح بدوام النعيم، لا ~~على طريق الاستفهام، لأنه قد علم أنهم ليسوا بميتين، ولكن أعاد ~~الكلام ليزداد بتكراره على سمعه سرورا. # والثالث: أنه قول المؤمن لقرينه الكافر على جهة التوبيخ بما كان ~~ينكره، ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: { لمثل هذا } يعنى النعيم الذي ذكره في قوله # أولئك لهم رزق معلوم # [الصافات: 41] { فليعمل العاملون } ، وهذا ترغيب في طلب ثواب ~~الله عز وجل بطاعته. ### || [37.62-74] # { أذلك خير } يشير إلى ما وصف لأهل الجنة { نزلا } قال ابن ~~قتيبة: أي رزقا. ومنه: إقامة الأنزال، وأنزال الجنود: أرزاقها. وقال ~~الزجاج: النزل هاهنا الريع والفضل، يقال: هذا طعام له نزل ونزل، ~~بتسكين الزاي وضمها؛ والمعنى: أذلك خير في باب الأنزال التي تتقوت ~~ويمكن معها الإقامة، أم نزل أهل النار؟! وهو قوله { أم شجرة ~~الزقوم }. # واختلف العلماء هل هذه الشجرة في الدنيا، أم لا؟. # فقال قطرب: هي شجرة مرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. ms1692 وقال غيره: ~~الزقوم ثمرة شجرة كريهة الطعم. وقيل: إنها لا تعرف في شجر ~~الدنيا، وإنما هي في النار، يكره أهل النار على تناولها. # قوله تعالى: { إنا جعلناها فتنة للظالمين } يعني للكافرين. وفي ~~المراد بالفتنة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لما ذكر أنها في النار، افتتنوا وكذبوا، فقالوا: كيف يكون ~~في النار شجرة، والنار تأكل الشجر؟! فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. وقال ~~السدي: فتنة لأبي جهل وأصحابه. # والثاني: أن الفتنة بمعنى العذاب، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أن الفتنة بمعنى الاختبار اختبروا بها فكذبوا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { تخرج في أصل الجحيم } أي: في قعر النار. قال ~~الحسن: أصلها في قعر النار، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها { طلعها ~~} أي: ثمرها، وسمي طلعا، لطلوعة { كأنه رؤوس الشياطين }. # فإن قيل: كيف شبهها بشيء لم يشاهد؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه قد استقر في النفوس قبح الشياطين وإن لم تشاهد ~~فجاز تشبيهها بما قد علم قبحه. قال امرؤ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب أغوال # قال الزجاج: هو لم ير الغول ولا أنيابها، ولكن التمثيل بما يستقبح ~~أبلغ في باب المذكر أن يمثل بالشياطين، وفي باب المؤنث أن يشبه ~~بالغول. # والثاني: أن بين مكة واليمن شجر يسمى: رؤوس الشياطين، فشبهها بها، ~~قاله ابن السائب. # والثالث: أنه أراد بالشياطين: حيات لها رؤوس ولها أعراف، فشبه طلعها ~~برؤوس الحيات، ذكره الزجاج. قال الفراء: والعرب تسمي بعض الحيات ~~شيطانا، وهو حية ذو عرف قبيح الوجه. # قوله تعالى: { فإنهم لآكلون منها } أي: من ثمرها { فمالئون منها ~~البطون } وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلىء بطونهم. # { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } قال ابن قتيبة: أي: ~~لخلطا من الماء الحار يشربونه عليها. قال أبو عبيدة: تقول العرب ~~كل شيء خلطته بغيره فهو مشوب. قال المفسرون: إذا أكلوا الزقوم ~~ثم شربوا عليه الحميم، شاب الحميم الزقوم في بطونهم فصار شوبا ~~له. # { ثم إن مرجعهم } أي: بعد أكل الزقوم وشرب الحميم { لإلى ~~الجحيم } وذلك أن الحميم خارج الجحيم، فهم يوردونه كما تورد ms1693 الإبل ~~الماء، ثم يردون إلى الجحيم؛ ويدل على هذا قوله: # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44]، و { ألفوا } بمعنى وجدوا و { يهرعون } مشروح في ~~[هود: 78]، والمعنى: أنهم يتبعون آباءهم في سرعة { ولقد ضل ~~قبلهم } أي: قبل هؤلاء المشركين { أكثر الأولين } من الأمم ~~الخالية. # قوله تعالى: { إلا عباد الله المخلصين } يعني الموحدين، ~~فإنهم نجوا من العذاب. قال ابن جرير: وإنما حسن الاستثناء، لأن ~~المعنى: فانظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد الله. ### || [37.75-82] # { ولقد نادانا نوح } أي: دعانا. وفي دعائه، قولان: # أحدهما: أنه دعا مستنصرا على قومه. # والثاني: أن ينجيه من الغرق { فلنعم المجيبون } نحن؛ والمعنى: ~~إنا أنجيناه وأهلكنا قومه. # وفي { الكرب العظيم } قولان: # أحدهما: [أنه] الغرق. # والثاني: أذى قومه. # { وجعلنا ذريته هم الباقين } [وذلك] أن نسل [أهل] السفينة ~~انقرضوا غير نسل ولده، فالناس كلهم من ولد نوح، { وتركنا عليه } أي: ~~تركنا عليه ذكرا جميلا { في الآخرين } وهم الذين جاؤوا بعده إلى ~~يوم القيامة. قال الزجاج: وذلك الذكر الجميل قوله { سلام على نوح ~~في العالمين } وهم الذين جاؤوا من بعده. والمعنى: تركنا عليه أن ~~يصلى عليه في الآخرين إلى يوم القيامة { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين } قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في ~~العالمين. ### || [37.83-101] # قوله تعالى: { وإن من شيعته لإبراهيم } أي: من أهل دينه ~~وملته والهاء في " شيعته " عائدة على نوح في قول الأكثرين؛ وقال ابن ~~السائب: تعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم، واختاره الفراء. # فإن قيل: كيف يكون من شيعته، وهو قبله؟. # فالجواب: أنه مثل قوله # حملنا ذريتهم # [يس: 41] فجعلها ذريتهم وقد سبقتهم، وقد شرحنا هذا فيما مضى [يس: ~~41]. # قوله تعالى: { إذ جاء ربه } أي: صدق الله وآمن به { بقلب ~~سليم } من الشرك وكل دنس، وفيه أقوال ذكرناها في [الشعراء: 89]. # قوله تعالى: { ماذا تعبدون }؟ هذا استفهام توبيخ، كأنه وبخهم على ~~عبادة غير الله. { أإفكا }؟! أي: أتأفكون إفكا وتعبدون آلهة ~~سوى الله؟! { فما ظنكم برب العالمين } إذا لقيتموه وقد ~~عبدتم غيره؟!. كأنه قال: فما ظنكم أن يصنع بكم. # { فنظر نظرة ms1694 في النجوم } فيه قولان. # أحدهما: [أنه] نظر في علم النجوم، وكان القوم يتعاطون علم ~~النجوم، فعاملهم من حيث هم، وأراهم أني أعلم من ذلك ما تعلمون، ~~لئلا ينكروا عليه ذلك. قال ابن المسيب: رأى نجما طالعا، فقال: ~~إني مريض غدا. # والثاني: أنه نظر إلى النجوم، لا في علمها. # فإن قيل: فما كان مقصوده؟. # فالجواب: أنه كان لهم عيد، فأراد التخلف عنهم ليكيد أصنامهم، ~~فاعتل بهذا القول. # قوله تعالى: { إني سقيم } من معاريض الكلام. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه سأسقم، قاله الضحاك. قال ابن الأنباري: أعلمه ~~الله عز وجل أنه يمتحنه بالسقم إذا طلع نجم يعرفه، فلما رأى ~~النجم، علم أنه سيسقم. # والثاني: إني سقيم القلب عليكم إذ تكهنتم بنجوم لا تضر ولا ~~تنفع، ذكره ابن الأنباري. # والثالث: أنه سقم لعلة عرضت له، حكاه الماوردي. وذكر السدي ~~أنه خرج معهم إلى يوم عيدهم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني ~~سقيم أشتكي رجلي { فتولوا عنه مدبرين، فراغ إلى آلهتهم } أي: ~~مال إليها وكانوا قد جعلوا بين يديها طعاما لتبارك فيه على زعمهم ~~(فقال) إبراهيم استهزاء بها { ألا تأكلون }. # وقوله: { ضربا باليمين } في اليمين ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها اليد اليمنى، قاله الضحاك. # والثاني: بالقوة والقدرة قاله السدي، والفراء. # والثالث: باليمين التي سبقت منه وهي قوله # وتالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 57]، حكاه الماوردي. # قال الزجاج: " ضربا " مصدر؛ والمعنى: فمال على الأصنام يضربها ~~ضربا باليمين؛ وإنما قال: { عليهم } ، وهي أصنام، لأنهم جعلوها ~~بمنزلة ما يميز. # { فأقبلوا إليه يزفون } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، والكسائي: { يزفون } بفتح الياء وكسر الزاي وتشديد ~~الفاء. وقرأ حمزة، والمفضل عن عاصم: { يزفون } برفع الياء وكسر ~~الزاي وتشديد الفاء. وقرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل، والضحاك: { ~~يزفون } بفتح الياء وكسر الزاي وتخفيف الفاء. # وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو نهيك { يزفون } بفتح الياء وسكون الزاي ~~وتخفيف الفاء. قال الزجاج: أعرب القراءات فتح الياء وتشديد الفاء، ~~وأصله من زفيف النعام، وهو ابتداء عدو النعام، يقال: زف ~~النعام ms1695 يزف. وأما ضم الياء، فمعناه: يصيرون إلى الزفيف، ~~وأنشدوا: # [تمنى حصين أن يسود جذاعه] # فأضحى حصين قد أذل وأقهرا # أي: صار إلى القهر. وأما كسر الزاي مع تخفيف الفاء، فهو من: ~~وزف يزف، بمعنى أسرع يسرع، ولم يعرفه الكسائي ولا ~~الفراء، وعرفه غيرهما. # قال المفسرون: بلغهم ما صنع إبراهيم، فأسرعوا، فلما انتهوا إليه، ~~قال لهم محتجا عليهم: { أتعبدون ما تنحتون } بأيديكم { والله ~~خلقكم وما تعملون }؟!، قال ابن جرير: في { ما } وجهان. # أحدهما: أن تكون بمعنى المصدر، فيكون المعنى: والله خلقكم ~~[وعملكم. # والثاني: أن تكون بمعنى " الذي " فيكون المعنى: والله خلقكم] ~~وخلق الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام؛ وفي هذه الآية دليل على أن ~~أفعال العباد مخلوقة [لله]. # فلما لزمتهم الحجة { قالوا ابنوا له بنيانا } وقد شرحنا قصته ~~في سورة [الأنبياء: 52-74] وبينا معنى الجحيم في [البقرة: 119] ~~والكيد الذي أرادوا به: إحراقه. # ومعنى قوله: { فجعلناهم الأسفلين } أن إبراهيم علاهم بالحجة حيث ~~سلمه الله من كيدهم وحل الهلاك بهم. # (وقال) يعني إبراهيم { إني ذاهب إلى ربي } في هذا الذهاب قولان: # أحدهما: أنه ذاهب حقيقة، وفي وقت قوله هذا قولان: # أحدهما: أنه حين أراد هجرة قومه؛ فالمعنى: إني ذاهب إلى حيث أمرني ~~ربي عز وجل { سيهدين } إلى حيث أمرني، وهو الشام، قاله الأكثرون. # والثاني: حين ألقي في النار، قاله سليمان بن صرد. فعلى هذا في ~~المعنى قولان: # أحدهما: ذاهب إلى الله بالموت، سيهدين إلى الجنة. # والثاني: [ذاهب] إلى ماقضى [به] ربي، سيهدين إلى الخلاص من النار. # والقول الثاني: إني ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي، قاله قتادة. # فلما قدم الأرض المقدسة، سأل ربه الولد فقال { رب هب لي من ~~الصالحين } أي: ولدا صالحا من الصالحين، فاجتزأ بما ذكر عما ~~ترك، ومثله # وكانوا فيه من الزاهدين # [يوسف: 20] فاستجاب له، وهو قوله: { فبشرناه بغلام حليم } وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنه إسحاق. # والثاني: أنه إسماعيل. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه ~~مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن ويوصف بالحلم. ### || [37.102-113] # قوله تعالى: { فلما بلغ ms1696 معه السعي } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد بالسعي هاهنا: العمل قاله، ابن عباس. # والثاني: أنه المشي، والمعنى: مشى مع أبيه، قاله قتاده. قال ابن قتيبة: ~~بلغ أن ينصرف معه ويعينه. قال ابن السائب: كان ابن ثلاث عشرة سنة. # والثالث: أن المراد بالسعي، العبادة، قاله ابن زيد؛ فعلى هذا، يكون قد ~~بلغ. # قوله تعالى: { إني أرى في المنام أني أذبحك } أكثر العلماء ~~على أنه لم ير أنه ذبحه في المنام، وإنما المعنى أنه أمر في المنام ~~بذبحه، ويدل عليه قوله { افعل ما تؤمر }. وذهب بعضهم إلى أنه رأى أنه ~~يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. قال قتادة: ورؤيا الأنبياء حق، ~~إذا رأوا شيئا، فعلوه. وذكر السدي عن أشياخه: أنه لما بشر جبريل ~~سارة بالولد، قال إبراهيم: هو إذا لله ذبيح، فلما فرغ من بنيان ~~البيت، أتي في المنام، فقيل له: أوف بنذرك. واختلفوا في الذبيح ~~على قولين: # أحدهما: [أنه] إسحاق، قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والعباس ~~ابن عبد المطلب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأنس، وكعب ~~الأحبار، ووهب بن منبه، [ومسروق]، وعبيد بن عمير، والقاسم ابن أبي ~~بزة، ومقاتل بن سليمان، واختاره ابن جرير. وهؤلاء يقولون: كانت هذه ~~القصة بالشام. وقيل: طويت له الأرض حتى حمله إلى المنحر بمنى في ~~ساعة. # والثاني: أنه إسماعيل، قاله ابن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن البصري، ~~وسعيد بن المسيب، والشعبي، ومجاهد، ويوسف بن مهران، وأبو صالح، ومحمد بن ~~كعب القرظي، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن سابط. واختلفت الرواية عن ~~ابن عباس، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وروى عنه عطاء، ومجاهد، والشعبي، ~~وأبو الجوزاء، ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، وروى عنه سعيد بن جبير ~~كالقولين. وعن سعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والسدي روايتان. ~~وكذلك عن أحمد رضي الله عنه روايتان. ولكل قوم حجة ليس هذا موضعها، ~~وأصحابنا ينصرون القول الأول. # الإشارة إلى قصة الذبح: ذكر أهل العلم بالسير والتفسير أن ~~إبراهيم لما أراد ذبح ولده، قال له: ms1697 انطلق فنقرب قربانا إلى الله ~~عز وجل، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق، حتى إذا ذهبا بين الجبال، ~~قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ قال: يا بني إني رأيت في ~~المنام أني أذبحك، فقال له: اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ~~ثيابك حتى لا ينتضح عليك من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرع مر ~~السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت أمي فاقرأ ~~عليها السلام مني؛ فأقبل عليه إبراهيم يقبله ويبكي ويقول: نعم ~~العون أنت يا بني على أمر الله عز وجل، ثم [إنه] أمر السكين ~~على حلقه فلم يحك شيئا. # وقال مجاهد: لما أمرها على حلقه انقلبت، فقال: مالك؟ قال: ~~انقلبت. قال: اطعن بها طعنا. وقال السدي: ضرب الله على حلقه ~~صفيحة من نحاس؛ وهذا لا يحتاج إليه، بل منعها بالقدرة أبلغ. ~~قالوا: فلما طعن بها، نبت، وعلم الله منهما الصدق في ~~التسليم، فنودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، هذا فداء ابنك؛ ~~فنظر إبراهيم فإذا جبريل معه كبش أملح. # قوله تعالى: { فانظر ماذا ترى } لم يقل له ذلك على وجه ~~المؤامرة في أمر الله عز وجل. ولكن أراد أن ينظر ما عنده من الرأي. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: { ماذا تري } بضم التاء وكسر الراء؛ وفيها ~~قولان: # أحدهما: ماذا تريني من صبرك أو جزعك، قاله الفراء. # والثاني: ماذا تبين، قاله الزجاج. وقال غيره: ماذا تشير. # قوله تعالى: { افعل ما تؤمر } قال ابن عباس: افعل ما أوحي ~~إليك من ذبحي { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على ~~البلاء. # قوله تعالى: { فلما أسلما } أي: استسلما لأمر الله عز وجل فأطاعا ~~ورضيا. وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~والأعمش، وابن أبي عبلة: { فلما سلما } بتشديد اللام من غير همز قبل ~~السين؛ والمعنى: سلما لأمر الله عز وجل. # وفي جواب قوله { فلما أسلما } قولان. # أحدهما: أن جوابه: { وناديناه } ، والواو زائدة، قاله الفراء. # والثاني: أن الجواب محذوف لأن في الكلام دليلا عليه؛ والمعنى: فلما ~~فعل ذلك سعد وأجزل ثوابه، ms1698 قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وتله للجبين } قال ابن قتيبة: أي صرعه على جبينه ~~فصار أحد جبينيه على الأرض، وهما جبينان، والجبهة بينهما، وهي ما أصاب ~~الأرض في السجود، والناس لا يكادون يفرقون بين الجبين والجبهة، ~~فالجبهة مسجد الرجل الذي يصيبه ندب السجود، والجبينان يكتنفانها من ~~كل جانب جبين. # قوله تعالى: { وناديناه } قال المفسرون: نودي من الجبل { ياإبراهيم قد ~~صدقت الرؤيا } وفيه قولان: # أحدهما: قد عملت ما أمرت، وذلك أنه قصد الذبح بما أمكنه، ~~وطاوعه الابن بالتمكين من الذبح، إلا أن الله عز وجل صرف ذلك كما شاء، ~~فصار كأنه قد ذبح وإن لم يتحقق الذبح. # والثاني: أنه رأى في المنام معالجة الذبح، ولم ير إراقة الدم، فلما ~~فعل في اليقظة ما رأى في المنام، قيل له: " قد صدقت الرؤيا ". # وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو عمران، والجحدري: { قد صدقت ~~الرؤيا } بتخفيف الدال، وهاهنا تم الكلام. ثم قال تعالى { إنا كذلك } ~~أي: كما ذكرنا من العفو من ذبح ولده { نجزي المحسنين }. # { إن هذا لهو البلاء المبين } في ذلك قولان: # أحدهما: النعمة البينة، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: الاختبار العظيم، قاله ابن زيد، وابن قتيبة. فعلى الأول، يكون ~~قوله هذا إشارة إلى العفو عن الذبح. # وعلى الثاني، يكون إشارة إلى امتحانه بذبح ولده. # قوله تعالى: { وفديناه } يعني: الذبيح { بذبح } وهو بكسر ~~الذال: اسم ما ذبح، وبفتح الذال: مصدر ذبحت، قاله ابن قتيبة. ~~ومعنى الآية: خلصناه من الذبح بأن جعلنا الذبح فداء له. وفي هذا ~~الذبح ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كان كبشا أقرن قد رعى في الجنة قبل ذلك أربعين عاما، قاله ~~ابن عباس في رواية مجاهد، وقال في رواية سعيد بن جبير: هو الكبش الذي ~~قربه ابن آدم فتقبل منه، كان في الجنة حتى فدي به. # والثاني: أن إبراهيم فدى ابنه بكبشين أبيضين أعينين أقرنين، رواه أبو ~~الطفيل عن ابن عباس. # والثالث: [أنه] ما فدي إلا بتيس من الأروى، أهبط عليه من ثبير، ~~قاله الحسن. # وفي معنى { عظيم } أربعة أقوال: # أحدها: لأنه ms1699 كان قد رعى في الجنة، قاله ابن عباس، وابن جبير. # والثاني: لأنه ذبح على دين إبراهيم وسنته، قاله الحسن. # والثالث: لأنه متقبل، قاله مجاهد. وقال أبو سليمان الدمشقي: لما ~~قربه ابن آدم، رفع حيا، فرعى في الجنة، ثم جعل فداء الذبيح، ~~فقبل مرتين. # والرابع: لأنه عظيم الشخص والبركة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وتركنا عليه } قد فسرناه في هذه السورة [الصافات:78]. # قوله تعالى: { وبشرناه بإسحاق } من قال: إن إسحاق الذبيح، قال: ~~بشر إبراهيم بنبوة إسحاق، وأثيب إسحاق بصبره النبوة، وهذا قول ~~ابن عباس في رواية عكرمة، وبه قال قتادة، والسدي. ومن قال: الذبيح ~~إسماعيل، قال: بشر الله إبراهيم بولد يكون نبيا بعد هذه القصة، ~~جزاء لطاعته وصبره، وهذا قول سعيد ابن المسيب. # قوله تعالى: { وباركنا عليه وعلى إسحاق } يعني بكثرة ذريتهما، وهم ~~الأسباط كلهم { ومن ذريتهما محسن } أي: مطيع لله { وظالم } ~~وهو العاصي له. وقيل: المحسن: المؤمن، والظالم: الكافر. ### || [37.114-133] # قوله تعالى: { ولقد مننا على موسى وهارون } أي: أنعمنا عليهما ~~بالنبوة. # وفي { الكرب العظيم } قولان: # أحدهما: استعباد فرعون وبلاؤه، وهو معنى قول قتادة. # والثاني: الغرق، قاله السدي. # قوله تعالى: { ونصرناهم } فيه قولان: # أحدهما: [أنه] يرجع إلى موسى وهارون وقومهما. # والثاني: [أنه] يرجع إليهما فقط، فجمعا، لأن العرب تذهب بالرئيس إلى ~~الجمع، لجنوده وأتباعه، ذكرهما ابن جرير. وما بعد هذا قد تقدم بيانه ~~[الأنبياء: 48] إلى قوله: { وإن إلياس لمن المرسلين } فيه ~~قولان. # أحدهما: أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه إدريس، قاله ابن مسعود، وقتادة، وكذلك كان يقرأ ابن ~~مسعود، وأبوالعالية، وأبو عثمان النهدي: { وإن إدريس } مكان " إلياس ~~". # قوله تعالى: { إذ قال لقومه ألا تتقون } أي: ألا تخافون الله ~~فتوحدونه وتعبدونه؟! { أتدعون بعلا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه بمعنى الرب، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبوعبيدة، وابن ~~قتيبة. وقال الضحاك: كان ابن عباس قد أعياه هذا الحرف، فبينا هو جالس، إذ ~~مر أعرابي قد ضلت ناقته وهو يقول: من وجد ناقة أنا بعلها؟ فتبعه ~~الصبيان يصيحون به: يازوج الناقة، يازوج ms1700 الناقة، فدعاه ابن عباس فقال: ~~ويحك، ما عنيت ببعلها؟ قال: أنا ربها. فقال ابن عباس: صدق الله { ~~أتدعون بعلا }: ربا. وقال قتادة: هذه لغة يمانية. # والثاني: أنه اسم صنم كان لهم، قاله الضحاك، وابن زيد. وحكى ابن جرير: ~~أنه به سميت " بعلبك ". # والثالث: أنها امرأه كانوا يعبدونها، حكاه محمد بن إسحاق. # قوله تعالى: { الله ربكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم: { الله ربكم } بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم، وخلف، ويعقوب: { الله } بالنصب. # قوله تعالى: { فكذبوه فإنهم لمحضرون } النار، { إلا عباد الله ~~المخلصين } الذين لم يكذبوه، فإنهم لا يحضرون النار. # الإشارة إلى القصة: # ذكر أهل العلم بالتفسير والسير أنه لما كثرت الأحداث بعد قبض حزقيل ~~النبي عليه السلام، وعبدت الأوثان، بعث الله تعالى إليهم ~~إلياس. قال ابن إسحاق: وهو إلياس بن تشبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون ~~بن عمران، فجعل يدعوهم فلا يسمعون منه، فدعا عليهم بحبس المطر، فجهدوا ~~جهدا شديدا، واستخفى إلياس خوفا منهم على نفسه، ثم إنه قال لهم ~~يوما: إنكم قد هلكتم جهدا، وهلكت البهائم والشجر بخطاياكم، ~~فاخرجوا بأصنامكم وادعوها، فإن استجابت لكم، فالأمر كما تقولون، وإن ~~لم تفعل، علمتم أنكم على باطل فنزعتم عنه، ودعوت الله ففرج ~~عنكم، فقالوا: أنصفت، فخرجوا بأصنامهم وأوثانهم، فدعوا فلم يستجب ~~لهم، فعرفوا ضلالهم، فقالوا: ادع الله لنا. فدعا لهم، فأرسل المطر ~~وعاشت بلادهم، فلم ينزعوا عما كانوا عليه، فدعا إلياس ربه أن ~~يقبضه إليه ويريحه منهم، فقيل له: اخرج يوم كذا إلى مكان كذا، ~~فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج، فأقبل فرس من نار، فوثب ~~عليه، فانطلق به، وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم ~~والمشرب، فطار في الملائكة، فكان إنسيا ملكيا، أرضيا ~~سماويا. # قوله تعالى: { سلام على إلياسين } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: { إلياسين } موصولة مكسورة الألف ساكنة اللام، ~~فجعلوها كلمة واحدة؛ وقرأ الحسن مثلهم، إلا أنه فتح الهمزة. وقرأ نافع، ~~وابن عامر، وعبد ms1701 الوارث، ويعقوب إلا زيدا: { إل ياسين } مقطوعة، ~~فجعلوها كلمتين. # وفي قراءة الوصل قولان: # أحدهما: أنه جمع لهذا النبي وأمته المؤمنين به، وكذلك يجمع ما ~~ينسب إلى الشيء بلفظ الشيء، فتقول: رأيت المهالبة، تريد: بني ~~المهلب، والمسامعة، تريد بني مسمع. # والثاني: أنه اسم النبي وحده، وهو اسم عبراني، والعجمي من الأسماء قد ~~يفعل به هكذا، [كما] تقول: ميكال وميكائيل، ذكر القولين الفراء ~~والزجاج. # فأما قراءة من قرأ { إل ياسين } مفصولة، ففيها قولان: # أحدهما: أنهم آل هذا النبي المذكور، وهو يدخل فيهم، كقوله عليه السلام # " اللهم صل على آل أبي أوفى " # فهو داخل فيهم، لأنه هو المراد بالدعاء. # والثاني: أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الكلبي. وكان عبد الله ~~بن مسعود يقرأ: { سلام على إدراسين } وقد بينا مذهبه في أن إلياس ~~هو إدريس. # فإن قيل: كيف قال: " إدراسين " ، وإنما الواحد إدريس، والمجموع ~~إدريسي لا إدراس ولا إدراسي؟ # فالجواب: أنه يجوز أن يكون لغة، كإبراهيم وإبراهام، و مثله: # قدني من الخبيبين قدي # وقرأ أبي بن كعب، وأبو نهيك: { سلام على ياسين } بحذف الهمزة واللام. ### || [37.134-138] # قوله تعالى: { إذ نجيناه } { إذ } هاهنا لا يتعلق بما قبله، لأنه لم ~~يرسل إذ نجي، ولكنه يتعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يامحمد إذ ~~نجيناه، وقد تقدم تفسير ما بعد هذا [الشعراء:171] إلى قوله: { وإنكم ~~لتمرون عليهم مصبحين } هذا خطاب لأهل مكة، كانوا إذا ذهبوا ~~إلى الشام وجاؤوا، مروا على قرى قوم لوط صباحا ومساء، { أفلا ~~تعقلون } فتعتبرون. ### || [37.139-148] # قوله تعالى: { إذ أبق } قال المبرد: تأويل " أبق " تباعد؛ وقال ~~أبو عبيدة: فزع؛ وقال الزجاج: هرب؛ وقال بعض أهل المعاني: خرج ولم ~~يؤذن له، فكان بذلك كالهارب من مولاه. قال الزجاج: والفلك: السفينة، ~~والمشحون المملوء، وساهم بمعنى [قارع]، { من المدحضين } أي: ~~المغلوبين؛ قال ابن قتيبة: يقال: أدحض الله حجته، فدحضت، ~~أي: أزالها [فزالت]، وأصل الدحض: الزلق. # الإشارة إلى قصته: # قد شرحنا بعض قصته في آخر (يونس) وفي [الأنبياء:86] على قدر ما تحتمله ~~الآيات، ونحن نذكر هاهنا ما تحتمله. قال ms1702 عبد الله بن مسعود: لما وعد ~~يونس قومه بالعذاب بعد ثلاث، جأروا إلى الله عز وجل واستغفروا، فكف ~~عنهم العذاب، فانطلق مغاضبا حتى انتهى إلى قوم في سفينة فعرفوه فحملوه، ~~فلما ركب السفينة وقفت، فقال: ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري، قال: ~~لكني أدري، فيها عبد آبق من ربه، وإنها والله لا تسير حتى تلقوه، ~~فقالوا: أما أنت يا نبي الله فوالله لا نلقيك، قال: فاقترعوا، فمن ~~قرع فليقع، فاقترعوا، فقرع يونس، فأبوا أن يمكنوه من الوقوع، ~~فعادوا إلى القرعة حتى قرع يونس ثلاث مرات. وقال طاووس: إن صاحب السفينة ~~هو الذي قال: إنما يمنعها أن تسير أن فيكم رجلا مشؤوما، فاقترعوا ~~لنلقي أحدنا، فاقترعوا، فقرع يونس ثلاث مرات. # قال المفسرون: وكل الله به حوتا، فلما ألقى نفسه في الماء التقمه، ~~وأمر أن لا يضره ولا يكلمه، وسارت السفينة حينئذ. ومعنى التقمه: ~~ابتعله. # { وهو مليم } قال ابن قتيبة: أي: مذنب، يقال: ألام الرجل: إذا ~~أتى ذنبا يلام عليه، قال الشاعر: # [تعد معاذرا لا عذر فيها] # ومن يخذل أخاه فقد ألاما # قوله تعالى: { فلولا أنه كان من المسبحين } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من المصلين، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: من العابدين، قاله مجاهد، ووهب بن منبه. # والثالث: قول # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين # [الأنبياء:87]، قاله الحسن. وروى عمران القطان عن الحسن قال: والله ما ~~كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت؛ فعلى هذا القول، يكون تسبيحه في ~~بطن الحوت. وجمهور العلماء على أنه أراد: لولا ما تقدم له قبل التقام ~~الحوت إياه من التسبيح، { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ~~} قال قتادة: لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم القيامة، ولكنه كان كثير ~~الصلاة في الرخاء، فنجاه الله تعالى بذلك. # وفي قدر مكثه في بطن الحوت خمسة أقوال: # أحدها: أربعون يوما، قاله أنس بن مالك، وكعب، وأبو مالك، وابن جريج، ~~والسدي. # والثاني: سبعة أيام، قاله سعيد بن جبير، وعطاء. # والثالث: ثلاثة أيام، قاله مجاهد، وقتادة. # والرابع: ms1703 عشرون يوما، قاله الضحاك. # والخامس: بعض يوم، التقمة ضحى، ونبذه قبل غروب الشمس، قاله الشعبي. # قوله تعالى: { فنبذناه } قال ابن قتيبة: أي: ألقيناه { بالعراء ~~} وهي الأرض التي لا يتوارى فيها بشجر ولا غيره، وكأنه من عري ~~الشيء. # قوله تعالى: { وهو سقيم } أي: مريض؛ قال ابن مسعود: كهيأة الفرخ ~~الممعوط الذي ليس له ريش. وقال سعيد بن جبير: أوحى الله تعالى إلى الحوت ~~أن ألقه في البر، فألقاه لا شعر عليه ولا جلد ولا ظفر. # قوله تعالى: { وأنبتنا عليه شجرة من يقطين } قال ابن عباس: هو القرع، ~~وقد قال أمية بن أبي الصلت قبل الإسلام: # فأنبت يقطينا عليه برحمة # من الله لولا الله ألفي ضاحيا # قال الزجاج: كل شجرة لا تنبت على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض نحو ~~القرع والبطيخ والحنظل، فهي يقطين، واشتقاقه من: قطن بالمكان: إذا ~~أقام، فهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض، فلذلك قيل له: يقطين. قال ~~ابن مسعود: كان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها، فأوحى الله ~~إليه: أتبكي على شجرة أن يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن ~~تهلكهم؟! قال يزيد بن عبد الله بن قسيط: قيض [الله] له أروية من ~~الوحش تروح عليه بكرة وعشيا فيشرب من لبنها حتى نبت لحمه. # فإن قيل: ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين عليه دون غيرها؟ # فالجواب: أنه خرج كالفرخ على ما وصفنا، وجلده قد ذاب، فأدنى شيء يمر ~~به يؤذيه، وفي ورق اليقطين خاصية، وهو أنه إذا ترك على شيء، لم ~~يقربه ذباب، فأنبته الله عليه ليغطيه ورقها ويمنع الذباب ريحه أن ~~يسقط عليه فيؤذيه. # قوله تعالى: { وأرسلناه إلى مائة ألف } اختلفوا، هل كانت رسالته قبل ~~التقام الحوت إياه، أم بعد ذلك؟ على قولين: # أحدهما: أنها كانت بعد نبذ الحوت إياه، على ما ذكرنا في [يونس: 98]، ~~وهو مروي عن ابن عباس. # والثاني: أنها كانت قبل التقام الحوت له، وهو قول الأكثرين، منهم الحسن، ~~ومجاهد، وهو الأصح. والمعنى: وكنا أرسلناه إلى مائة ألف، ms1704 فلما خرج من ~~بطن الحوت، أمر أن يرجع إلى قومه الذين أرسل إليهم. # وفي قوله: { أو } ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى " بل " قاله ابن عباس، والفراء. # والثاني: أنها بمعنى الواو، قاله ابن قتيبة. وقد قرأ أبي بن كعب، ومعاذ ~~القارىء، وأبو المتوكل، وأبو عمران الجوني: { ويزيدون } من غير ألف. # والثالث: أنها على أصلها، والمعنى: أو يزيدون في تقديركم، إذا رآهم ~~الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. # وفي زيادتهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا مائة ألف يزيدون عشرين ألفا، رواه أبي بن كعب عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنهم كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا. # والثالث: مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفا، رويا عن ابن عباس. # والرابع: أنهم كانوا يزيدون سبعين ألفا، قاله سعيد بن جبير ونوف. # قوله تعالى: { فآمنوا } في وقت إيمانهم قولان: # أحدهما: عند معاينة العذاب. # والثاني: حين أرسل إليهم يونس { فمتعناهم إلى حين } إلى منتهى ~~آجالهم. ### || [37.149-163] # قوله تعالى: { فاستفتهم } أي: سل أهل مكة سؤال توبيخ وتقرير، لأنهم ~~زعموا أن الملائكة بنات الله { وهم شاهدون } أي: حاضرون. { ألا إنهم ~~من إفكهم } أي: كذبهم { ليقولون، ولد الله } حين زعموا أن الملائكة ~~بناته. # قوله تعالى: { أصطفى البنات } قال الفراء: هذا استفهام فيه توبيخ لهم، ~~وقد تطرح ألف الاستفهام من التوبيخ، ومثله: # أذهبتم طيباتكم # [الأحقاف:20]، { وأذهبتم } يستفهم بها ولا يستفهم، ومعناهما واحد. ~~وقرأ أبو هريرة، وابن المسيب، والزهري، وابن جماز عن نافع، وأبو جعفر، ~~وشيبة: { وإنهم لكاذبون اصطفى } بالوصل غير مهموز ولا ممدود؛ قال أبو ~~علي: وهو على [وجه] الخبر، كأنه قال: اصطفى البنات على البنين، كما ~~يقولون، كقوله: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان:49]. # قوله تعالى: { مالكم كيف تحكمون } لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين؟! { ~~أم لكم سلطان مبين } أي: حجة [بينة] على ما تقولون، { فائتوا ~~بكتابكم } الذي فيه حجتكم. # { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قالوا: هو وإبليس أخوان، رواه العوفي عن ابن عباس؛ قال ~~الماوردي: وهو قول الزنادقة والذين يقولون: الخير من الله، والشر ms1705 ~~من إبليس. # والثاني: أن كفار قريش قالوا: الملائكة بنات الله، والجنة صنف من ~~الملائكة. يقال لهم: الجنة، قاله مجاهد. # والثالث: أن اليهود قالت: إن الله تعالى تزوج إلى الجن فخرجت من ~~بينهم الملائكة، قاله قتادة، وابن السائب. # فخرج في معنى الجنة قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة. # والثاني: الجن. # فعلى الأول، يكون معنى قوله: { ولقد علمت الجنة } أي: علمت ~~الملائكة { إنهم } أي: إن هؤلاء المشركين { لمحضرون } النار. # وعلى الثاني: [ { ولقد علمت الجنة] إنهم } أي: إن الجن أنفسها " ~~لمحضرون " الحساب. # قوله تعالى: { إلا عباد الله المخلصين } يعني: الموحدين. وفيما ~~استثنوا منه قولان: # أحدهما: أنهم استثنوا من حضور النار، قاله مقاتل. # والثاني: مما يصف أولئك، وهو معنى قول ابن السائب. # قوله تعالى: { فإنكم } يعني المشركين { وما تعبدون } من دون الله، { ~~ما أنتم عليه } أي: على ما تعبدون { بفاتنين } أي: بمضلين ~~أحدا، { إلا من هو صال الجحيم } أي: من سبق له في علم الله ~~أنه يدخل النار. ### || [37.164-182] # ثم أخبر عن الملائكة بقوله: { وما منا } والمعنى: ما منا ملك { ~~إلا له مقام معلوم } أي: مكان في السموات مخصوص يعبد الله فيه { ~~وإنا لنحن الصافون } قال قتادة: صفوف في السماء. وقال السدي: ~~هو الصلاة. وقال ابن السائب: صفوفهم في السماء كصفوف أهل الدنيا في ~~الأرض. # قوله تعالى: { وإنا لنحن المسبحون } فيه قولان: # أحدهما: المصلون. # والثاني: المنزهون لله عز وجل عن السوء. وكان عمر بن الخطاب إذا ~~أقيمت الصلاة أقبل على الناس بوجهه وقال: يا أيها الناس استووا، فإنما ~~يريد الله بكم هدي الملائكة، { وإنا لنحن الصافون، وإنا ~~لنحن المسبحون }. # ثم عاد إلى الإخبار عن المشركين، فقال: { وإن كانوا ليقولون } ~~اللام في " ليقولون " لام توكيد؛ والمعنى: وقد كان كفار قريش يقولون ~~قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، { لو أن عندنا ذكرا } أي: ~~كتابا { من الأولين } أي: مثل كتب الأولين، وهم اليهود والنصارى، { ~~لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا العبادة لله عز وجل. # { فكفروا به } فيه اختصار، تقديره: فلما آتاهم ما طلبوا، كفروا به، { ~~فسوف يعلمون } عاقبة ms1706 كفرهم، وهذا تهديد لهم. # { ولقد سبقت كلمتنا } أي: تقدم وعدنا للمرسلين بنصرهم، ~~والكلمة قوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21]، { إنهم لهم المصورون } بالحجة، { وإن جندنا ~~} يعني حزبنا المؤمنين { لهم الغالبون } بالحجة أيضا والظفر. ~~{ فتول عنهم } أي: أعرض عن كفار مكة { حتى حين } أي: حتى تنقضي ~~مدة إمهالهم. وقال مجاهد: حتى نأمرك بالقتال؛ فعلى هذا الآية ~~محكمة. وقال في رواية: حتى الموت؛ وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: حتى ~~القيامة؛ فعلى هذا، يتطرق نسخها. وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية ~~القتال. # قوله تعالى: { وأبصرهم } أي: انظر إليهم إذا نزل العذاب. قال ~~مقاتل بن سليمان: هو العذاب ببدر؛ وقيل: أبصر حالهم بقلبك { فسوف ~~يبصرون } ما انكروا، وكانوا يستعجلون بالعذاب تكذيبا به، فقيل: { ~~أفبعذابنا يستعجلون }. # { فإذا نزل } يعني العذاب. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران، والجحدري، ~~وابن يعمر: { فإذا نزل } برفع النون وكسر الزاي وتشديدها { بساحتهم } ~~أي: بفنائهم وناحيتهم، والساحة فناء الدار. قال الفراء: العرب تكتفي ~~بالساحة والعقوة من القوم، فيقولون: نزل بك العذاب وبساحتك. قال ~~الزجاج: فكان عذاب هؤلاء القتل { فساء صباح المنذرين } أي: ~~بئس صباح الذين أنذروا العذاب. # ثم كرر ما تقدم توكيدا لوعده بالعذاب، فقال: { وتول عنهم... } ~~الآيتين. # ثم نزه نفسه عن قولهم بقوله تعالى: { سبحان ربك رب ~~العزة } قال مقاتل: يعني: عزة من يتعزز من ملوك الدنيا. # قوله تعالى: { عما يصفون } أي: من اتخاذ النساء والأولاد. # { وسلام على المرسلين } فيه وجهان: # أحدهما: تسليمه عليهم إكراما لهم. # والثاني: إخباره بسلامتهم. # { والحمد لله رب العالمين } على هلاك المشركين ونصرة ~~الأنبياء والمرسلين. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-3] # واختلفوا في معنى { ص } على سبعة أقوال: # أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنه بمعنى صدق محمد، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: صدق الله، قاله الضحاك. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ~~معناه صادق فيما وعد. وقال الزجاج: معناه: الصادق الله تعالى. # والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، أقسم الله به، قاله قتادة. ms1707 # والخامس: أنه اسم حية رأسها تحت العرش وذنبها تحت الأرض ~~السفلى، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وقال: أظنه عن عكرمة. # والسادس: أنه بمعنى: حادث القرآن، أي: انظر فيه، قاله الحسن، وهذا ~~على قراءة من كسروا، منهم ابن عباس، [والحسن]، وابن أبي عبلة. قال ابن ~~جرير: فيكون المعنى: صاد بعملك القرآن، أي: عارضه. وقيل: ~~اعرضه على عملك، فانظر أين هو [منه]. # والسابع: أنه بمعنى: صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به ~~وأحبوه. حكاه الثعلبي، وهذا على قراءة من فتح. وهي قراءة أبي رجاء، ~~وأبي الجوزاء، وحميد، ومحبوب عن أبي عمرو. قال الزجاج: والقراءة " صاد " ~~، بتسكين الدال، لأنها من حروف التهجي، وقد قرئت بالفتح وبالكسر، ~~فمن فتحها، فعلى ضربين: # أحدهما: لالتقاء الساكنين. # والثاني: على معنى: أتل " صاد " ، ويكون [صاد] اسما للسورة لاينصرف؛ ~~ومن كسر، فعلى ضربين: # أحدهما: لالتقاء الساكنين أيضا. # والثاني: على معنى: صاد القرآن بعملك، من قولك: صادى يصادي: إذا ~~قابل وعادل، يقال: صاديته: إذا قابلته. # قوله تعالى: { ذي الذكر } في المراد بالذكر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الشرف، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. # والثاني: البيان، قاله قتادة. # والثالث: التذكير، قاله الضحاك. # فإن قيل: أين جواب القسم بقوله: { ص والقرآن ذي الذكر }؟ # فعنه خمسة أجوبة: # أحدها: أن " ص " جواب لقوله: { والقرآن } ، ف { ص } في معناها، كقولك: ~~وجب والله، نزل والله، حق والله، قاله الفراء، وثعلب. # والثاني: أن جواب { ص } قوله { كم أهلكنا من قبلهم من ~~قرن } ، ومعناه: لكم. فلما طال الكلام، حذفت اللام، ومثله: # والشمس وضحاها # [الشمس: 1] # قد أفلح # [الشمس: 9]، فإن المعنى: لقد أفلح، غير أنه لما اعترض بينهما كلام، ~~تبعه قوله: { قد أفلح } ، حكاه الفراء، وثعلب أيضا. # والثالث: أنه قوله: # إن كل إلا كذب الرسل # [ص:14]، حكاه الأخفش. # والرابع: أنه قوله: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64]، قاله الكسائي. وقال الفراء: لا نجده مستقيما في العربية، ~~لتأخره جدا عن قوله { والقرآن }. # والخامس: أن جوابه محذوف، تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما ~~يقول الكفار، ويدل على هذا المحذوف ms1708 قوله { بل الذين كفروا في ~~عزة وشقاق } ، ذكره جماعة من المفسرين، وإلى نحوه ذهب قتادة. # والعزة: الحمية والتكبر عن الحق. وقرأ عمرو بن العاص، وأبو ~~رزين، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، ومحبوب عن أبي عمرو: { في غرة } ~~بغين معجمة و راء غير معجمة. والشقاق: الخلاف والعداوة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقد سبق بيان الكلمتين مشروحا [البقرة: 206، 138]. # ثم خوفهم بقوله تعالى: { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ~~يعنى الأمم الخالية { فنادوا } عند وقوع الهلاك بهم. وفي هذا النداء ~~قولان: # أحدهما: أنه الدعاء. # والثاني: الاستغاثة. # قوله تعالى: { ولات حين مناص } وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعاصم ~~الجحدري، وابن يعمر: { ولات حين } بفتح التاء ورفع النون. قال ابن ~~عباس: ليس حين يروه فرار. وقال عطاء: في لغة أهل اليمن { لات } بمعنى " ~~ليس ". وقال وهب بن منبه: هي بالسريانية. وقال الفراء: " لات " بمعنى " ~~ليس ". والمعنى: ليس بحين فرار. ومن القراء من يخفض " لات " ، ~~والوجه النصب، لأنها في معنى " ليس ". أنشدني المفضل: # تذكر حب ليلى لات حينا # وأضحى الشيب قد قطع القرينا # قال ابن الأنباري: كان الفراء والكسائي والخليل وسيبويه والأخفش وأبو ~~عبيدة يذهبون إلى أن التاء في قوله تعالى: { ولات } منقطعة من { حين } ~~قال: وقال أبو عبيدة: الوقف عندي على هذا الحرف { ولا } ، والابتداء { ~~تحين } لثلاث حجج: # إحداهن: أن تفسير ابن عباس يشهد لها، لأنه قال: ليس حين يروه ~~فرار؛ فقد علم أن { ليس } هي أخت { لا } وفي معناها. # والحجة الثانية: أنا لا نجد في شيء من كلام العرب { ولات } ، إنما ~~المعروفة { لا }. # والحجة الثالثة: أن هذه التاء، إنما وجدناها تلحق مع { حين } ومع { الآن ~~} ومع ال { أوان } فيقولون: كان هذا تحين كان ذلك، وكذلك: " تأوان " ، ~~ويقال: اذهب تلان، ومنه قول أبي وجزة السعدي: # العاطفون تحين ما من عاطف # والمطعمون زمان ما من مطعم # وذكر ابن قتيبة عن ابن الأعرابي أن معنى هذا البيت: " العاطفونة " ~~بالهاء، ثم تبتدىء: " حين مامن عاطف " ، قال ابن الأنباري: وهذا غلط ~~لأن الهاء إنما تقحم على النون في مواضع ms1709 القطع والسكون، فأما ~~مع الاتصال، فإنه غير موجود. وقال علي بن أحمد النيسابوري: النحويون ~~يقولون في قوله { ولات } هي { لا } زيدت فيها التاء، كما قالوا: ثم ~~وثمت، ورب وربت، وأصلها هاء وصلت ب { لا } فقالوا: " ~~لاه " فلما وصلوها، جعلوها تاء؛ والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، ~~وأبي علي، وعند الكسائي بالهاء، وعند أبي عبيد الوقف على { لا }. # فأما المناص، فهو الفرار. قال الفراء: النوص في كلام العرب: ~~التأخر؛ والبوص: التقدم. قال إمرؤ القيس: # أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص # فتقصر عنها خطوة وتبوص # وقال أبوعبيدة: المناص: مصدر ناص ينوص، وهوالمنجى والفوز. ### || [38.4-11] # قوله تعالى: { وعجبوا } يعني الكفار { أن جاءهم منذر منهم ~~} يعني رسولا من أنفسهم ينذرهم النار. # { أجعل الآلهة إلها واحدا } لأنه دعاهم إلى الله وحده وأبطل عبادة ~~آلهتهم؛ وهذا قولهم لما اجتمعوا عند أبي طالب، وجاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: # " أتعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وهي " لا إله ~~إلا الله " # ، فقاموا يقولون: { أجعل الآلهة إلها واحدا } ونزلت هذه الآية ~~فيهم. { إن هذا } [الذي] يقول محمد من أن الآلهة إله واحد { لشيء ~~عجاب } أي: لأمر عجب. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، ~~وابن يعمر، وابن السميفع: { عجاب } بتشديد الجيم. قال اللغويون: ~~العجاب والعجاب والعجيب بمعنى واحد، كما تقول: كبير وكبار ~~وكبار، وكريم وكرام وكرام، وطويل وطوال وطوال؛ ~~وأنشد الفراء: # جاؤوا عجب من العجب # أزيرق العينين طوال الذنب # قال قتادة: عجب المشركون أن دعي الله وحده وقالوا: أيسمع ~~لحاجاتنا جميعا إله واحد؟. # وقوله تعالى: { وانطلق الملأ منهم } قال المفسرون: لما اجتمع ~~أشراف قريش عند أبي طالب وشكوا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على ما سبق بيانه، نفروا من قوله: " لا إله إلا الله " ، وخرجوا من عند ~~أبي طالب، فذلك قوله { وانطلق الملأ منهم }. والانطلاق: الذهاب ~~بسهولة، ومنه طلاقة الوجه، والملأ أشراف قريش، فخرجوا يقول بعضهم ~~لبعض: { امشوا } و { أن } بمعنى " أي "؛ فالمعنى: أي: امشوا. قال ~~الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: انطلقوا بأن ms1710 امشوا، أي: انطلقوا ~~بهذا القول. وقال بعضهم: المعنى: انطلقوا يقولون: امشوا إلى أبي ~~طالب فاشكوا إليه ابن أخيه، { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على ~~عبادتها { إن هذا } الذي نراه من زيادة أصحاب محمد { لشيء يراد } ~~أي: لأمر يراد بنا. # { ما سمعنا بهذا } الذي جاء به محمد من التوحيد { في الملة ~~الآخرة } وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: النصرانية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وإبراهيم بن المهاجر ~~عن مجاهد، وبه قال محمد بن كعب القرظي، ومقاتل. # والثاني: أنها ملة قريش، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال قتادة. # والثالث: اليهودية والنصرانية، قاله الفراء، والزجاج؛ والمعنى أن اليهود ~~أشركت بعزير، والنصارى قالت: ثالث ثلاثة، فلهذا أنكرت التوحيد. # { إن هذا } الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، { إلا اختلاق } ~~أي: كذب. { أأنزل عليه الذكر } يعنون القرآن. " عليه " يعنون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، { من بيننا } أي: كيف خص بهذا دوننا، ~~وليس بأعلانا نسبا ولا أعظمنا شرفا؟! قال الله تعالى: { بل هم ~~في شك من ذكري } أي: من القرآن؛ والمعن: أنهم ليسوا على يقين مما ~~يقولون، إنما هم شاكون { بل لما } قال مقاتل: " لما " بمعنى " لم ~~" كقوله # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات:14]. وقال غيره: هذا تهديد لهم. والمعنى: أنه لو نزل بهم ~~العذاب، علموا أن ما قاله محمد حق. وأثبت ياء { عذابي } في الحالين ~~يعقوب. # قال الزجاج: ولما دل قولهم: { أأنزل عليه الذكر } على ~~حسدهم له، أعلم الله عز وجل أن الملك والرسالة إليه، فقال: { أم ~~عندهم خزائن رحمة ربك }؟! قال المفسرون: ومعنى الآية: ~~أبأيديهم مفاتيح النبوة فيضعونها حيث شاؤوا؟! والمعنى: ليست ~~بأيديهم، ولا ملك السموات والأرض لهم. فإن ادعوا شيئا من ذلك { ~~فليرتقوا في الأسباب }. قال سعيد بن جبير: أي: في أبواب السماء. ~~وقال الزجاج: فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء. # قوله تعالى: { جند } أي: هم جند. والجند: الأتباع؛ فكأنه قال: ~~هم أتباع مقلدون ليس فيهم عالم راشد. و { ما } زائدة، و { هنالك ~~} إشارة إلى بدر. والأحزاب: جميع ms1711 من تقدمهم من الكفار الذين ~~تحزبوا على الأنبياء. قال قتادة: أخبر الله نبيه وهو بمكة أنه ~~سيهزم جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. ### || [38.12-15] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح } قال أبو عبيدة: قوم من ~~العرب يؤنثون " القوم " ، وقوم يذكرون، فإن احتج عليهم بهذه الآية ~~قالوا: وقع المعنى على العشيرة، واحتجوا بقوله # كلا إنها تذكرة # [عبس:11]، قالوا: والمضمر مذكر. # قوله تعالى: { وفرعون ذو الأوتاد } فيه ستة أقوال: # أحدها: أنه كان يعذب الناس بأربعة أوتاد يشدهم فيها، ثم يرفع ~~صخرة فتلقى على الإنسان فتشدخه، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وكذلك ~~قال الحسن، ومجاهد: كان يعذب الناس بأوتاد يوتدها في أيديهم ~~وأرجلهم. # والثاني: أنه ذو البناء المحكم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ~~الضحاك، والقرظي، واختاره ابن قتيبة، قال: والعرب تقول: هم في عز ~~ثابت الأوتاد وملك ثابت الأوتاد، يريدون أنه دائم شديد، وأصل هذا، أن ~~البيت [من بيوتهم] يثبت بأوتاد، قال الأسود بن يعفر: # [ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة] # في ظل ملك ثابت الأوتاد # والثالث: أن المراد بالأوتاد: الجنود، رواه عطية عن ابن عباس، وذلك ~~أنهم كانوا يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوي الوتد ~~الشيء. # والرابع: أنه كان يبني منارا يذبح عليها الناس. # والخامس: أنه كان له أربع أسطوانات، فيأخذ الرجل فيمد كل قائمة ~~إلى أسطوانة فيعذبه. روي القولان عن سعيد بن جبير. # والسادس: أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها، قاله عطاء، ~~وقتادة. # ولما ذكر المكذبين، قال: { أولئك الأحزاب } فأعلمنا أن مشركي قريش ~~من هؤلاء، وقد عذبوا وأهلكوا، { فحق عقاب } ، أثبت الياء في ~~الحالين يعقوب. { وما ينظر } أي: وما ينتظر { هؤلاء } يعني كفار مكة { ~~إلا صيحة واحدة } وفيها قولان: # أحدهما: أنها النفخة الأولى، قاله مقاتل. # والثاني: النفخة الأخيرة، قاله ابن السائب. # وفي الفواق قراءتان: قرأ حمزة، وخلف، والكسائي: بضم الفاء، وقرأ ~~الباقون: بفتحها، وهل بينهما فرق أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهما لغتان بمعنى واحد، وهو معنى قول الفراء، وابن قتيبة، ~~والزجاج. قال الفراء: والمعنى: مالها من ms1712 راحة ولا إفاقة، وأصله من ~~الإفاقة في الرضاع إذا ارتضعت البهيمة أمها ثم تركتها حتى تنزل ~~شيئا من اللبن، فتلك الإفاقة، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " العيادة قدر فواق ناقة " # ومن يفتح الفاء، فهي لغة جيدة عالية، وقال ابن قتيبة: الفواق والفواق ~~واحد، وهو أن تحلب الناقة وتترك ساعة حتى تنزل شيئا من ~~اللبن، ثم تحلب، فما بين الحلبتين فواق، فاستعير الفواق في موضع ~~المكث والانتظار. وقال الزجاج: الفواق ما بين حلبتي الناقة، وهو مشتق ~~من الرجوع، لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين، يقال: ~~أفاق من مرضه، أي: رجع إلى الصحة. # والثاني: أن من فتحها، أراد: مالها من راحة، ومن ضمها، أراد: ~~فواق الناقة، قاله أبو عبيدة. # وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال: # أحدها: مالها من رجعة، ثم فيه قولان. # أحدهما: مالها من ترداد، قاله ابن عباس، والمعنى: أن تلك الصيحة لا ~~تكرر. # والثاني: مالها من رجوع إلى الدنيا، قاله الحسن، وقتادة، والمعنى: أنهم ~~لا يعودون بعدها إلى الدنيا. # والثاني: ما لهم منها من إفاقة، بل تهلكهم، قاله ابن زيد. # والثالث: مالها من فتور ولا انقطاع، قاله ابن جرير. # والرابع: مالها من راحة، حكاه جماعة من المفسرين. ### || [38.16-20] # قوله تعالى: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا } في سبب قولهم هذا ~~قولان: # أحدهما: أنه لما ذكر لهم ما في الجنة، قالوا هذا، قاله سعيد بن ~~جبير، والسدي. # والثاني: أنه لما نزل قوله # فأما من أوتي كتابه بيمينه... # الآيات [الحاقة: 19-37]، قالت قريش: زعمت يا محمد أنا نؤتى كتبنا ~~بشمائلنا؟! فعجل لنا قطنا، يقولون ذلك تكذيبا له. قاله أبو العالية ~~ومقاتل. # وفي المراد بالقط أربعة أقوال: # أحدها: أنه الصحيفة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال الفراء: القط في ~~كلام العرب: الصك. وقال أبو عبيدة: القط الكتاب، والقطوط: الكتب ~~بالجوائز، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: أن القط: الحساب، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه القضاء، قاله عطاء الخراساني، والمعنى أنهم لما وعدوا ~~بالقضاء ms1713 بينهم، سألوا ذلك. # والرابع: أنه النصيب، قاله سعيد بن جبير. [قال الزجاج: القط: النصيب، ~~وأصله: الصحيفة يكتب للإنسان فيها شيء يصل إليه، واشتقاقة من ~~قططت، أي: قطعت، فالنصيب: هو القطعة من الشيء. ثم في هذا القول ~~للمفسرين قولان: # أحدهما: أنهم سألوه نصيبهم من الجنة، قاله سعيد بن جبير]. # والثاني: سألوه نصيبهم من العذاب، قاله قتادة. وعلى جميع الأقوال، إنما ~~سألوا ذلك استهزاء، لتكذيبهم بالقيامة. # { اصبر على ما يقولون } أي: من تكذيبهم وأذاهم، وفي هذا قولان: # أحدهما: أنه أمر بالصبر، سلوكا لطريق أولي العزم، وهذا محكم. # والثاني: أنه منسوخ بآية السيف فيما زعم الكلبي. # قوله تعالى: { واذكر عبدنا داود } في وجه المناسبة بين قوله: { ~~إصبر } وبين قوله: { واذكر عبدنا داود } قولان: # أحدهما: أنه أمر أن يتقوى على الصبر بذكر قوة داود على ~~العبادة والطاعة. # والثاني: أن المعنى: عرفهم أن الأنبياء عليهم السلام مع طاعتهم ~~كانوا خائفين مني، هذا داود مع قوته على العبادة، لم يزل باكيا ~~مستغفرا، فكيف حالهم مع أفعالهم. # فأما قوله: { ذا الأيد } فقال ابن عباس: هي القوة في العبادة. وفي ~~" الصحيحين " من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر ~~يوما، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ~~ويقوم ثلثه وينام سدسه " # وفي { الأواب } أقوال قد ذكرناها في [بني اسرائيل:25]. { إنا ~~سخرنا الجبال معه يسبحن } قد ذكرنا تسبيح الجبال معه في ~~[الأنبياء: 79]، وذكرنا معنى العشي في مواضع مما تقدم، [آل عمران: 41] ~~[الأنعام: 53]، وذكرنا معنى الإشراق في [الحجر: 73] عند قوله { ~~مشرقين }. قال الزجاج: الإشراق: طلوع الشمس [وإضاءتها]، وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: طلبت صلاة الضحى، فلم أجدها إلا في هذه ~~الآية. # وقد ذكرنا عنه أن صلاة الضحى مذكورة في [النور:36] في قوله { ~~بالغدو والآصال }. # قوله تعالى: { والطير محشورة } وقرأ عكرمة، وأبو الجوزاء، ~~والضحاك، وابن أبي عبلة: { والطير محشورة } بالرفع فيهما، أي: ~~مجموعة إليه، تسبح الله معه { كل له } في ms1714 هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى داود، أي: كل لداود { أواب } أي: ~~رجاع إلى طاعته وأمره، والمعنى: كل له مطيع بالتسبيح معه، هذا ~~قول الجمهور. # والثاني: [أنها] ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: كل مسبح لله، قاله ~~السدي. # قوله تعالى: { وشددنا ملكه } أي: قويناه. وفي ما شد به ~~ملكه قولان: # أحدهما: أنه الحرس والجنود؛ قال ابن عباس: كان يحرسه كل ليلة ستة ~~وثلاثون ألف رجل. # والثاني: أنه هيبة ألقيت في قلوب الناس؛ وهذا المعنى مروي عن ~~ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: { وآتيناه الحكمة } وفيها أربعة أقوال: أحدها: أنها ~~الفهم، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. والثاني: الصواب، قاله ~~مجاهد. والثالث: السنة، قاله قتادة. والرابع: النبوة، قاله ~~السدي. وفي فصل الخطاب أربعة أقوال: # أحدها: علم القضاء والعدل، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: بيان الكلام، روي عن ابن عباس أيضا، وذكر الماوردي أنه البيان ~~الكافي في كل غرض مقصود. # والثالث: قوله { أما بعد } وهو أول من تكلم بها، قاله أبو موسى ~~الأشعري، والشعبي. # والرابع: تكليف المدعي البينة، والمدعى عليه اليمين، قاله شريح، ~~وقتادة، وهو قول حسن، لأن الخصومة إنما تفصل بهذا. ### || [38.21-26] # قوله تعالى: { وهل أتاك نبأ الخصم } قال أبو سليمان: المعنى: قد ~~أتاك فاستمع له نقصص عليك. # واختلف العلماء في السبب الذي امتحن لأجله داود عليه السلام بما ~~امتحن به، على خمسة أقوال: # أحدها: أنه قال: يارب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما ~~لو وددت أنك أعطيتني مثله، فقال الله تعالى: إني ابتليتهم ~~بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به ~~وأعطيتك كما أعطيتهم. قال: نعم. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه ~~حمامة فأراد أن يأخذها فطارت، فذهب ليأخذها، فرأى امرأة تغتسل، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال السدي. # والثاني: أنه مازال يجتهد في العبادة حتى برز له قرناؤه من الملائكة ~~وكانوا يصلون معه ويسعدونه بالبكاء، فلما استأنس بهم، قال: ~~أخبروني بأي شيء أنتم موكلون؟ قالوا: مانكتب عليك ذنبا، بل ~~نكتب صالح عملك ونثبتك ms1715 ونوفقك ونصرف عنك السوء. فقال في نفسه: ~~ليت شعري، كيف أكون لو خلوني ونفسي، وتمنى أن يخلى بينه وبين نفسه ~~ليعلم كيف يكون، فأمر الله تعالى قرناءه أن يعتزلوه ليعلم أنه ~~لا غناء به عن الله [عزوجل، فلما فقدهم، جد واجتهد ضعف عبادته ~~إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه، فأراد الله تعالى] أن يعرفه ~~ضعفه، فأرسل إليه طائرا من طيور الجنة، فسقط في محرابه، فقطع ~~صلاته ومد يده إليه، فتنحى عن مكانه، فأتبعه بصره، فإذا امرأة ~~أوريا، هذا قول وهب بن منبه. # والثالث: أنه تذاكر هو وبنو إسرائيل، فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم ~~لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان يوم ~~عبادته، أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكب على قراءه ~~الزبور، فإذا حمامة من ذهب، فأهوى إليها فطارت، فتبعها فرأى المرأة، ~~رواه مطر عن الحسن. # والرابع: أنه قال لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، ولم ~~يستثن، فابتلي. رواه قتادة عن الحسن. # والخامس: أنه أعجبه كثرة عمله، فابتلي، قاله أبو بكر الوراق. # الإشارة إلى قصة ابتلائه: # قد ذكرنا عن وهب أنه قال: كانت الحمامة من طيور الجنة، وقال السدي: ~~تصور له الشيطان في صورة حمامة. قال المفسرون: إنه لما تبع الحمامة، ~~رأى امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، وقيل: بل على سطح لها، ~~فعجب من حسنها، فحانت منها التفاته فرأت ظله فنقضت شعرها، فغطى ~~بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها، فسأل عنها، فقيل: هذه امرأة أوريا، ~~وزوجها في غزاة، فكتب داود إلى أمير ذلك الجيش أن ابعث أوريا إلى موضع ~~كذا وكذا، وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم على التابوت لا يحل ~~له أن يرجع حتى يفتح عليه أو يستشهد، ففعل ذلك، ففتح عليه، فكتب إلى ~~داود يخبره فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، ففتح له، فكتب إليه ~~أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، فقتل في المرة الثالثة، فلما انقضت ~~عدة المرأة تزوجها داود فهي أم ms1716 سليمان، فلما دخل بها، لم يلبث ~~إلا يسيرا حتى بعث الله عز وجل ملكين في صورة إنسيين، وقيل: لم ~~يأته الملكان حتى جاء منها سليمان وشب، ثم أتياه فوجداه في محراب ~~عبادته، فمنعهما الحرس من الدخول إليه، فتسوروا المحراب عليه؛ وعلى هذا ~~الذي ذكرناه من القصة أكثر المفسرين، وقد روى نحوه العوفي عن ابن عباس، ~~وروي عن الحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل في آخرين، وذكر جماعة من المفسرين ~~أن داود لما نظر إلى المرأة، سأل عنها، وبعث زوجها إلى الغزاة مرة ~~بعد مرة إلى أن قتل، فتزوجها؛ وروي مثل [هذا] عن ابن عباس، ~~ووهب، والحسن في جماعة. # قال المصنف: وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى، لأن ~~الأنبياء منزهون عنه. # وقد اختلف المحققون في ذنبه الذي عوتب عليه على أربعة أقوال: # أحدها: أنه لما هويها، قال لزوجها: تحول لي عنها، فعوتب على ذلك. ~~وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مازاد داود على أن قال لصاحب ~~المرأة: أكفلنيها وتحول لي عنها؛ ونحو ذلك روي عن ابن مسعود. وقد ~~حكى أبو سليمان الدمشقي أنه بعث إلى أوريا فأقدمه من غزاته، فأدناه ~~وأكرمه جدا، إلى أن قال له يوما: أنزل لي عن امرأتك، وانظر أي ~~امرأة شئت في بني إسرائيل أزوجكها، أو أي أمة شئت أبتاعها لك، ~~فقال: لا أريد بامرأتي بديلا، فلما لم يجبه إلى ما سأل أمره أن ~~يرجع إلى غزاته. # والثاني: أنه تمنى تلك المرأة حلالا، وحدث نفسه بذلك، فاتفق غزو ~~أوريا وهلاكه من غير أن يسعى في سبب قتله، ولا في تعريضه للهلاك، فلما ~~بلغة قتله، لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، ثم ~~تزوج امرأته، فعوتب على ذلك، وذنوب الأنبياء عليهم السلام وإن ~~صغرت، فهي عظيمة عند الله عز وجل. # والثالث: أنه لما وقع بصره عليها، أشبع النظر إليها حتى علقت ~~بقلبه. # والرابع: أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة، فخطبها داود مع علمه بأن ~~أوريا قد خطبها فتزوجها، فاغتم ms1717 أوريا، وعاتب الله تعالى داود، ~~إذ لم يتركها لخاطبها الأول، واختار القاضي أبو يعلى هذا القول، ~~واستدل عليه بقوله { وعزني في الخطاب } قال: فدل هذا على أن الكلام ~~إنما كان بينهما في الخطبة، ولم يكن قد تقدم تزوج الآخر، فعوتب ~~داود عليه السلام لشيئين ينبغي للأنبياء التنزه عنهم،: # أحدهما: خطبته على خطبته غيره. # والثاني: إظهار الحرص على التزويج مع كثرة نسائه، ولم يعتقد ذلك ~~معصية، فعاتبه الله تعالى عليها؛ قال: فأما ماروي أنه نظر إلى المرأة ~~فهويها وقدم زوجها للقتل، فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء، لأن ~~الأنبياء لا يأتون المعاصي مع العلم بها. # قال الزجاج: إنما قال { الخصم } بلفظ الواحد، وقال { تسوروا ~~المحراب } بلفظ الجماعة، لأن قولك: خصم، يصلح للواحد والاثنين ~~والجماعة، والذكر والأنثى. تقول: هذا خصم وهي خصم، وهما خصم، وهم خصم؛ ~~وإنما يصلح لجميع ذلك لأنه مصدر تقول: خصمته أخصمه خصما. ~~والمحراب هاهنا كالغرفة، قال الشاعر: # ربة محراب إذا جئتها # لم ألقها أو أرتقي سلما # و { تسوروا } يدل على علو. # قال المفسرون: كانا ملكين، وقيل: هما جبريل وميكائيل عليهما السلام، ~~أتياه لينبهاه على التوبة، وإنما قال { تسوروا } وهما اثنان، لأن ~~معنى الجمع ضم شيء إلى شيء، والاثنان فما فوقهما جماعة. # قوله تعالى: { إذ دخلوا على داود } قال الفراء: يجوز أن يكون ~~معنى " تسوروا ": دخلوا، فيكون تكرارا. ويجوز أن تكون { إذ } بمعنى ~~" لما " فيكون المعنى إذ تسوروا المحراب لما دخلوا، ولما تسوروا ~~إذ دخلوا. # قوله تعالى: { ففزع منهم } وذلك أنهما أتيا على غير صفة مجيء الخصوم، ~~وفي غير وقت الحكومة، ودخلا تسورا من غير إذن. وقال أبو الأحوص: ~~دخلا عليه وكل واحد منهما آخذ برأس صاحبه. و { خصمان } مرفوع ~~بإضمار " نحن " ، قال ابن الأنباري: [المعنى]: نحن كخصمين، ومثل ~~خصمين، فسقطت الكاف، وقام الخصمان مقامها، كما تقول العرب: عبد الله ~~القمر حسنا، وهم يريدون: مثل القمر، قالت هند بنت عتبة ترثي أباها ~~وعمها: # من حس لي الأخوين كال # غصنين أو من راهما # أسدين في عيل يحيد ال # قوم عن ms1718 عرواهما # صقرين لا يتذللا # ن ولا يباح حماهما # رمحين خطيين في # كبد السماء تراهما # أرادت: مثل أسدين، ومثل صقرين، فأسقطت مثلا وأقامت الذي بعده ~~مقامه، ثم صرف الله عز وجل النون والألف في " بعضنا " إلى " نحن " ~~المضمر، كما تقول العرب: نحن قوم شرف أبونا، ونحن قوم شرف أبوهم. ~~والمعنى واحد. والحق هاهنا: العدل. # { ولا تشطط } أي: لا تجر، يقال: شط وأشط إذا جار. وقرأ ~~ابن أبي عبلة { ولا تشطط } بفتح التاء وضم الطاء. قال الفراء: وبعض ~~العرب يقول: شططت علي في السوم، وأكثر الكلام " أشططت " ~~بالألف، وشطت الدار: تباعدت. # قوله تعالى: { واهدنا إلى سواء الصراط } أي: إلى قصد ~~الطريق؛ والمعنى: احملنا على الحق، فقال داود: تكلما، فقال ~~أحدهما: { إن هذا أخي } قال ابن الأنباري: المعنى: قال أحد الخصمين ~~اللذين شبه الملكان بهما: إن هذا أخي، فأضمر القول لوضوح معناه ~~{ له تسع وتسعون نعجة } قال الزجاج: كني عن المرأة بالنعجة، ~~وقال غيره: العرب تشبه النساء بالنعاج، وتوري عنها بالشاء والبقر. # قال ابن قتيبة: ورى عن ذكر النساء بذكر النعاج، كما قال عنترة: # ياشاة ما قنص لمن حلت له # حرمت علي وليتها لم تحرم # يعرض بجارية يقول: أي صيد أنت لمن حل له أن يصيدك! فأما ~~أنا، فإن حرمة الجوار قد حرمتك علي. وإنما ذكر الملك ~~هذا العدد لأنه عدد نساء داود. # قوله تعالى: { ولي نعجة واحدة } فتح الياء حفص عن عاصم وأسكنها ~~الباقون. # { فقال أكفلنيها } قال ابن قتيبة: أي: ضمها إلي واجعلني ~~كافلها. وقال الزجاج: انزل أنت عنها واجعلني أنا أكفلها. # قوله تعالى: { وعزني في الخطاب } أي: غلبني في القول. وقرأ عمر بن ~~الخطاب، وأبو رزين [العقيلي]، والضحاك، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: { ~~وعازني } بألف، أي: غالبني. قال ابن مسعود، وابن عباس في قوله { ~~وعزني في الخطاب }: ما زاد على أن قال: انزل لي عنها. وروى العوفي ~~عن ابن عباس قال: إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان ~~أشد مني. # فإن قيل: كيف قال الملكان هذا، وليس شيء منه ms1719 موجودا عندهما؟ # فالجواب: أن العلماء قالوا: إنما هذا على سبيل المثل والتشبيه بقصة ~~داود، وتقدير كلامهما: ما تقول إن جاءك خصمان فقالا كذا وكذا؟ وكان ~~داود لا يرى أن عليه تبعة فيما فعل فنبهه الله بالملكين. ~~وقال ابن قتيبة: هذا مثل ضربه الله [له] ونبهه على خطيئته. وقد ~~ذكرنا آنفا أن المعنى: نحن كخصمين. # قوله تعالى: { قال } يعني داود { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه } قال الفراء: أي: بسؤاله نعجتك، فإذا ألقيت الهاء من السؤال، ~~أضفت الفعل إلى النعجة، ومثله: # لا يسأم الإنسان من دعاء الخير # [فصلت:49] أي: من دعائه بالخير، فلما ألقى الهاء، أضاف الفعل إلى ~~الخير، وألقى من الخير الباء، وأنشدوا: # فلست مسلما ما دمت حيا # على زيد بتسليم الأمير # أي: بتسليم على الأمير. # قوله تعالى: { إلى نعاجه } أي: ليضمها إلى نعاجه. قال ابن قتيبة: ~~المعنى بسؤال نعجتك مضمومة إلى نعاجه فاختصر. قال: ويقال " إلى " ~~بمعنى " مع ". # فإن قيل: كيف حكم داود قبل أن يسمع كلام الآخر؟ # فالجواب: أن الخصم الآخر اعترف، فحكم عليه باعترافه، وحذف ذكر الاعتراف ~~اكتفاء بفهم السامع. والعرب تقول: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال، أي ~~فاتجرت فكسبت. ويدل عليه قول السدي: إن داود قال للخصم الآخر: ~~ما تقول؟ قال: نعم، أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي وهو كاره. قال: ~~إذا لا ندعك وإن رمت هذا ضربنا منك هذا ويشير إلى أنفه ~~وجبهته فقال: أنت ياداود أحق أن يضرب هذا منك حيث لك تسع ~~وتسعون امرأة، ولم يكن لأوريا إلا واحدة، فنظر داود فلم ير أحدا ~~فعرف ما وقع فيه. # قوله تعالى: { وإن كثيرا من الخلطاء } يعني الشركاء، واحدهم: ~~خليط، وهو المخالط في المال. وإنما قال هذا، لأنه ظنهما شريكين، { ~~إلا الذين آمنوا } أي: فإنهم لا يظلمون أحدا، { وقليل ماهم } " ما ~~" زائدة، والمعنى: وقليل هم. وقيل المعنى: هم قليل، يعني الصالحين الذين ~~لا يظلمون. # قوله تعالى: { وظن داود } أي: أيقن وعلم { أنما فتناه } ~~فيه قولان: # أحدهما: اختبرناه. # والثاني: ابتليناه بما جرى له من نظره إلى ms1720 المرأة وافتتانه بها. وقرأ ~~عمر بن الخطاب { أنما فتناه } بتشديد التاء والنون جميعا. وقرأ ~~أنس بن مالك، وأبو رزين، والحسن، وقتادة، وعلي بن نصر عن أبي عمرو: { ~~أنما فتناه } بتخفيف التاء والنون جميعا، يعني الملكين. قال أبو ~~علي الفارسي: يريد صمدا له. وفي سبب علمه وتنبيهه على ذلك ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن الملكين أفصحا له بذلك، على ماذكرناه عن السدي. # والثاني: أنهما عرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، فعلم أنه ~~عني بذلك، قاله وهب. # والثالث: أنه لما حكم بينهما، نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك، ثم صعدا ~~إلى السماء وهو ينظر، فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فاستغفر ربه } قال المفسرون: لما فطن داود ~~بذنبه خر راكعا. قال ابن عباس: أي: ساجدا. وعبر عن السجود ~~بالركوع، لأنهما بمعنى الانحناء. وقال بعضهم: المعنى: فخر بعد أن كان ~~راكعا. # فصل # واختلف العلماء هل هذه من عزائم السجود؟ على قولين: # أحدهما: ليست من عزائم السجود، قاله الشافعي. # والثاني: أنها من عزائم السجود، قاله أبو حنيفة. وعن أحمد روايتان. قال ~~المفسرون: فبقي في سجوده أربعين ليلة، لا يرفع رأسه إلا لوقت صلاة ~~مكتوبة أو حاجة لا بد منها، ولا يأكل ولا يشرب، فأكلت الأرض من ~~جبينه، ونبت العشب من دموعه، ويقول في سجوده: رب داود زل ~~داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب. قال مجاهد: نبت البقل من ~~دموعه حتى غطى رأسه ثم نادى: رب قرح الجبين وجمدت العين ~~وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء، فنودي أجائع فتطعم، أم مريض ~~فتشفى أم مظلوم فينتصر لك؟ فنحب نحيبا هاج كل شيء نبت، ~~فعند ذلك غفر له. وقال ثابت البناني: اتخذ داود سبع حشايا من شعر ~~وحشاهن من الرماد، ثم بكى حتى أنفذها دموعا، ولم يشرب شرابا إلا ~~ممزوجا بدموع عينيه. وقال وهب بن منبه: نودي: يا داود ارفع رأسك فإنا ~~قد غفرنا لك، فرفع رأسه وقد زمن وصار مرعشا. # فأما قوله: { وأناب } فمعناه: رجع من ذنبه تائبا إلى ربه، { ~~فغفرنا ms1721 له ذلك } يعني الذنب { وإن له عندنا لزلفى } ~~[قال ابن قتيبة]: أي: تقدم وقربة. # قوله تعالى: { وحسن مآب } قال مقاتل: حسن مرجع، وهو ما أعد ~~الله له في الجنة. # قوله تعالى: { يا داود } المعنى: وقلنا له يا داود { إنا ~~جعلناك } أي: صيرناك { خليفة في الأرض } أي: تدبر أمر ~~العباد من قبلنا بأمرنا، فكأنك خليفة عنا { فاحكم بين الناس بالحق ~~} أي: بالعدل { ولا تتبع الهوى } أي: لا تمل مع ما تشتهي إذا ~~خالف أمر الله عز وجل { فيضلك عن سبيل الله } أي: عن دينه { إن ~~الذين يضلون } وقرأ أبو نهيك، وأبو حيوة، وابن يعمر: { يضلون } ~~بضم الياء. # قوله تعالى: { بما نسوا يوم الحساب } فيه قولان: # أحدهما: بما تركوا العمل ليوم الحساب، قاله السدي. قال الزجاج: لما ~~تركوا العمل لذلك اليوم، صاروا بمنزلة الناسين. # والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: لهم عذاب شديد يوم ~~الحساب بما نسوا أي: تركوا القضاء بالعدل، وهو قول عكرمة. ### || [38.27-29] # قوله تعالى: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } أي: ~~عبثا { ذلك ظن الذين كفروا } أن ذلك خلق لغير شيء، وإنما ~~خلق للثواب والعقاب. # { أم نجعل الذين آمنوا } قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا ~~نعطى في الآخرة مثل ما تعطون. فنزلت هذه الآية. وقال ابن السائب: ~~نزلت في الستة الذين تبارزوا يوم بدر، علي رضي الله عنه، وحمزة رضي ~~الله عنه، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه، وعتبة، وشيبة، والوليد بن ~~عتبة، فذكر أولئك بالفساد في الأرض لعملهم فيها بالمعاصي، وسمى ~~المؤمنين بالمتقين لاتقائهم الشرك. وحكم الآية عام. # قوله تعالى: { كتاب } أي: هذا كتاب، يعني القرآن، وقد بينا معنى ~~بركته في سورة [الأنعام:92]. # { ليدبروا آياته } وقرأ عاصم في رواية: { لتدبروا آياته } ~~بالتاء خفيفة الدال، أي: ليتفكروا فيها فيتقرر عندهم صحتها { ~~وليتذكر } بما فيه من المواعظ { أولو الألباب } وقد سبق بيان ~~هذا [الرعد: 19]. ### || [38.30-44] # قوله تعالى: { نعم العبد } يعني به سليمان. # وفي الأواب أقوال قد تقدمت في [بني إسرائيل: 25] أليقها بهذا المكان ~~أنه رجاع بالتوبة إلى ms1722 الله تعالى مما يقع منه من السهو ~~والغفلة. # قوله تعالى: { إذ عرض عليه بالعشي } وهو ما بعد الزوال { ~~الصافنات } وهي الخيل. وفي معنى الصافنات قولان. # أحدهما: أنها القائمة على ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر ~~من يد أو رجل؛ وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وابن زيد، واختاره الزجاج، ~~وقال: هذا أكثر قيام الخيل إذا وقفت كأنها تراوح بين قوائمها. قال ~~الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسيرا # والثاني: أنها القائمة، سواء كانت على ثلاث أو غير ثلاث. قال الفراء: ~~على هذا رأيت العرب وأشعارهم تدل على أنه القيام خاصة. وقال ابن ~~قتيبة: الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل وغيرها، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من سره أن يقوم له الرجل صفونا، فليتبوأ مقعده ~~من النار " # ، أي: يديمون القيام له. # فأما الجياد، فهي السراع في الجري. وفي سبب عرضها عليه أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه عرضها لأنه أراد جهاد عدو له، قاله علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه. # والثاني: أنها كانت من دواب البحر. قال الحسن: بلغني أنها كانت خيلا ~~خرجت من البحر لها أجنحة. وقال إبراهيم التيمي: كانت عشرين فرسا ذات ~~أجنحة. وقال ابن زيد: أخرجتها له الشياطين من البحر. # والثالث: أنه ورثها من أبيه داود عليه السلام، فعرضت عليه، قاله ~~وهب بن منبه ومقاتل. # والرابع: أنه غزا جيشا، فظفر به وغنمها، فدعا بها فعرضت عليه، ~~قاله ابن السائب. # وفي عددها أربعة أقوال: # أحدها: ثلاثة عشر ألفا، قاله وهب. # والثاني: عشرون ألفا، قاله سعيد بن مسروق. # والثالث: ألف فرس، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والرابع: عشرون فرسا، وقد ذكرناه عن إبراهيم التيمي. # قال المفسرون: ولم تزل تعرض عليه إلى أن غابت الشمس، ففاتته صلاة ~~العصر، وكان مهيبا لا يبتدئه أحد بشيء، فلم يذكروه، ونسي هو، فلما ~~غابت الشمس ذكر الصلاة، { فقال إني أحببت } فتح الياء أهل ~~الحجاز وأبو عمرو { حب الخير } وفيه قولان: # أحدهما: أنه المال، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. # والثاني: حب ms1723 الخيل، قاله قتادة، والسدي. والقولان يرجعان إلى معنى ~~واحد، لأنه أراد بالخير الخيل، وهي مال. وقال الفراء: العرب تسمي ~~الخيل: الخير. قال الزجاج: وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زيد الخيل: زيد الخير، ومعنى " أحببت " آثرت حب الخير ~~على ذكر ربي؛ وكذلك قال غير الزجاج. " عن " بمعنى " على ". # وقال بعضهم: يحتمل المعنى فشغلني عن ذكر ربي. قال أبو عبيدة: ~~ومعنى [الكلام] أحببت حبا، ثم أضاف الحب إلى الخير. وقال ابن ~~قتيبة: سمى الخيل خيرا، لما فيها من الخير. والمفسرون على أن ~~المراد بذكر ربه، صلاة العصر، قاله علي، وابن مسعود، وقتادة في ~~آخرين. وقال الزجاج: لا أدري هل كانت صلاة العصر مفروضة أم لا!، إلا ~~أن اعتراضه الخيل شغله عن وقت كان يذكر الله فيه { حتى توارت ~~بالحجاب } قال المصنف: وأهل اللغة يقولون: يعني الشمس، ولم ير لها ~~ذكر ولا أحسبهم أعطوا في هذا الفكر حقه، لأن في الآية دليلا على ~~الشمس، وهو قوله { بالعشي } ومعناه: عرض عليه بعد زوال الشمس حتى ~~توارت الشمس بالحجاب، ولا يجوز الإضمار، إلا أن يجري ذكر أو دليل ~~ذكر فيكون بمنزلة الذكر، وأما الحجاب، فهو ما يحجبها عن الأبصار. # قوله تعالى: { ردها علي } قال المفسرون: لما شغله عرض ~~الخيل عليه عن الصلاة، فصلاها بعد خروج وقتها، اغتم وغضب، وقال: " ~~ردوها علي " ، يعني: أعيدوا الخيل علي { فطفق } قال ابن ~~قتيبة: أي: أقبل { مسحا } قال الأخفش: أي: يمسح مسحا. # فأما السوق، فجمع ساق، مثل دور ودار، وهمز السؤق ابن كثير، قال ~~أبو علي: وغير الهمز أحسن منه. وقرأ أبو عمران الجوني، وابن محيصن: " ~~بالسؤوق " مثل الرؤوس، وفي المراد بالمسح هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ضربها بالسيف، # " وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: { ~~فطفق مسحا بالسوق والأعناق } قال: «بالسيف» " # وروى مجاهد عن ابن عباس قال: مسح أعناقها وسوقها بالسيف. وقال الحسن، ~~وقتادة، وابن السائب: قطع أعناقها وسوقها، وهذا اختيار السدي، ومقاتل، ~~والفراء، وأبي عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة، وأبي ms1724 سليمان الدمشقي، ~~والجمهور. # والثاني: أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها، رواه علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: مسحها بيده، وهذا اختيار ابن جرير ~~والقاضي أبي يعلى. # والثالث: أنه كوى سوقها وأعناقها وحبسها في سبيل الله تعالى، حكاه ~~الثعلبي. # والمفسرون: على القول الأول. وقد اعترضوا [على] القول الثاني، وقالوا: ~~أي مناسبة بين شغلها إياه عن الصلاة وبين مسح أعرافها حبا ~~لها؟!، ولا أعلم قوله: " حبا لها " يثبت عن ابن عباس. وحملوا قول ~~مجاهد " مسحها بيده " أي تولى ضرب أعناقها. # فإن قيل: فالقول الأول يفسد بأنه لا ذنب للحيوان، فكيف وجه العقوبة ~~إليه؟ وقصد التشفي بقتله، وهذا يشبه فعل الجبارين، لا فعل ~~الأنبياء؟ # فالجواب: أنه لم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أبيح له، وجائز أن يباح ~~له ما يمنع منه في شرعنا، على أنه إذا ذبحها كانت قربانا، وأكل لحمها ~~جائز، فما وقع تفريط. # قال وهب بن منبه: لما ضرب سوقها وأعناقها، شكر الله تعالى له ذلك، ~~فسخر له الريح مكانها، وهي أحسن في المنظر، وأسرع في ~~السير، وأعجب في الأحدوثة. # قوله تعالى: { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه وامتحناه ~~بسلب ملكه { وألقينا على كرسيه } أي: على سريره { جسدا ~~} وفيه قولان: # أحدهما: أنه شيطان، قاله ابن عباس، والجمهور. وفي اسم ذلك الشيطان ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: صخر، رواه العوفي عن ابن عباس. وذكر العلماء أنه كان شيطانا ~~مريدا لم يسخر لسليمان. # والثاني: آصف، قاله مجاهد، إلا أنه ليس بالمؤمن الذي عنده الاسم ~~الأعظم، إلا أن بعض ناقلي التفسير حكى أنه آصف الذي عنده علم من ~~الكتاب، وأنه لما فتن سليمان سقط الخاتم من يده فلم يثبت، فقال آصف: ~~أنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك، فقام في مقامه، وسار بالسيرة ~~الجميلة، وهذا لا يصح، ولا ذكره من يوثق به. # والثالث: حبقيق، قاله السدي، والمعنى: أجلسنا على كرسيه في ملكه ~~شيطانا. { ثم أناب } أي: رجع. وفيما رجع إليه قولان: # أحدهما: تاب من ذنبه، قاله قتادة. # والثاني: رجع إلى ملكه، ms1725 قاله الضحاك. # وفي سبب ابتلاء سليمان بهذا خمسة أقوال: # أحدها: أنه كانت له امرأة يقال لها: جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قوم ~~خصومة، فقضى بينهم بالحق، إلا أنه ود أن الحق كان لأهلها، فعوقب حين ~~لم يكن هواه فيهم واحدا، وأوحى الله تعالى إليه أنه سيصيبك بلاء، ~~فكان لا يدري أيأتيه من السماء، أو من الأرض. رواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن زوجته جرادة كانت آثر النساء عنده، فقالت له يوما: إن ~~أخي بينه وبين فلان خصومة، وإني أحب أن تقضي له، فقال: نعم، ولم ~~يفعل فابتلي لأجل ما قال، قاله السدي. # والثالث: أن زوجته جرادة كان قد سباها في غزاة له، وكانت بنت ملك ~~فأسلمت، وكانت تبكي عنده بالليل والنهار، فسألها عن حالها، فقالت: ~~أذكر أبي وما كنت فيه، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في ~~داري فأتسلى بها، [ففعل]، فكانت إذا خرج سليمان، تسجد له هي وولائدها ~~[أربعين صباحا، فلما علم سليمان، كسر تلك الصورة، وعاقب المرأة ~~وولائدها] ثم تضرع إلى الله تعالى مستغفرا مما كان في داره، فسلط ~~الشيطان على خاتمه، [هذا قول وهب بن منبه. # والرابع: أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه: ~~ياسليمان، احتجبت عن الناس ثلاثة أيام، فلم تنظر في أمور عبادي ولم ~~تنصف مظلوما من ظالم؟! فسلط الشيطان على خاتمه]، قاله سعيد ابن ~~المسيب. # والخامس: أنه قارب امرأة من نسائه في الحيض أو غيره، قاله الحسن. # والقول الثاني: أن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد [له ~~ولد] فاجتمعت الشياطين، فقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد، لم ننفك من ~~البلاء، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم بذلك سليمان، ~~[فأمر السحاب] فحمله، وعدا ابنه في السحاب خوفا من الشياطين، فعاتبه ~~الله تعالى على تخوفه من الشياطين، ومات الولد فألقي على كرسيه ميتا ~~جسدا. # قاله الشعبي. والمفسرون على القول الأول. ونحن نذكر قصة ابتلائه على ~~قول الجمهور. # الإشارة إلى ذلك: # اختلف العلماء في كيفية ذهاب ms1726 خاتم سليمان على قولين: # أحدهما: أنه كان جالسا على شاطىء البحر، فوقع منه في البحر، قاله علي ~~رضي الله عنه. # والثاني: أن شيطانا أخذه، وفي كيفية ذلك أربعة أقوال. # أحدها: أنه دخل ذات يوم الحمام ووضع الخاتم تحت فراشه، فجاء الشيطان ~~فأخذه وألقاه في البحر، وجعل الشيطان يقول: أنا نبي الله، قاله سعيد ~~ابن المسيب. # والثاني: أن سليمان قال للشيطان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني ~~خاتمك أخبرك، فأعطاه إياه، فنبذه في البحر، فذهب ملك سليمان، وقعد ~~الشيطان على كرسيه، قاله مجاهد. # والثالث: أنه دخل الحمام، ووضع خاتمه عند أوثق نسائه في نفسه، فأتاها ~~الشيطان فتمثل لها في صورة سليمان، وأخذ الخاتم منها، فلما خرج ~~سليمان، طلبه منها، فقالت: قد دفعته إليك، فهرب سليمان، وجاء الشيطان ~~فجلس على ملكه. قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أنه دخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه الشيطان في ~~البحر، فذهب ملك سليمان، وألقي على الشيطان شبهه، قاله قتادة. # فأما قصة الشيطان، فذكر أكثر المفسرين أنه لما أخذ الخاتم رمى به ~~في البحر، وألقي عليه شبه سليمان، فجلس على كرسيه، وتحكم في ~~سلطانه. وقال السدي: لم يلقه في البحر حتى فر من مكان سليمان. وهل ~~كان يأتي [نساء] سليمان؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه لم يقدر عليهن، قاله الحسن وقتادة. # والثاني: أنه كان يأتيهن في زمن الحيض فأنكرنه، قاله سعيد ابن ~~المسيب. والأول أصح، قالوا: وكان يقضي بقضايا فاسدة، ويحكم بما لا ~~يجوز، فأنكره بنو إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: إما أن تكونوا قد هلكتم ~~أنتم، وإما أن يكون ملككم قد هلك، فاذهبوا إلى نسائه ~~فاسألوهن، فذهبوا، فقلن: إنا والله قد أنكرنا ذلك؛ فلم يزل ~~على حاله إلى أن انقضى زمن البلاء. # وفي كيفية بعد الشيطان عن مكان سليمان أربعة أقوال: # أحدها: أن سليمان وجد خاتمه فتختم به، ثم جاء فأخذ بناصية الشيطان، ~~قاله سعيد بن المسيب. # والثاني: أن سليمان لما رجع إلى ملكه وجاءته الريح والطير ~~والشياطين، فر الشيطان حتى دخل البحر، قاله مجاهد. # والثالث: أنه لما مضى ms1727 أربعون يوما، طار الشيطان من مجلسه، قاله وهب. # والرابع: أن بني إسرائيل لما أنكروه، أتوه فأحدقوا به، ثم نشروا ~~التوراة فقرؤوا، فطار بين أيديهم، حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه ~~في البحر فابتلعه حوت، قاله السدي. # وفي قدر مكث الشيطان قولان: # أحدهما: أربعون يوما، قاله الأكثرون. # والثاني: أربعة عشر يوما، حكاه الثعلبي. # وأما قصة سليمان عليه السلام، فإنه لما سلب خاتمه، ذهب ملكه، فانطلق ~~هاربا في الأرض. قال مجاهد: كان يستطعم فلا يطعم، فيقول: لو ~~عرفتموني أعطيتموني، أنا سليمان، فيطردونه، حتى أعطته امرأة حوتا، ~~فوجد خاتمه في بطن الحوت. وقال سعيد بن جبير: انطلق سليمان حتى أتى ساحل ~~البحر، فوجد صيادين قد صادوا سمكا كثيرا، وقد أنتن عليهم بعضه، فأتاهم ~~يستطعم فقالوا: اذهب إلى تلك الحيتان فخذ منها، فقال: لا، ~~أطعموني من هذا، فأبوا عليه، فقال: أطعموني فإني سليمان، فوثب ~~إليه رجل منهم فضربه بالعصا غضبا لسليمان، فأتى تلك الحيتان فأخذ ~~منها شيئا، فشق بطن حوت، فإذا هو بالخاتم. وقال الحسن: ذكر لي أنه ~~لم يؤوه أحد من الناس، ولم يعرف أربعين ليلة، وكان يأوي إلى ~~امرأة مسكينة، فبينا هو يوما على شط نهر، وجد سمكة، فأتى بها المرأة ~~فشقتها فإذا بالخاتم. وقال الضحاك: اشترى سمكة من امرأة فشق بطنها ~~فوجد خاتمه. # وفي المدة التي سلب فيها الملك قولان: # أحدهما: أربعون ليلة، كما ذكرنا عن الحسن. # والثاني: خمسون ليلة، قاله سعيد بن جبير. قال المفسرون: فلما جعل ~~الخاتم في يده، رد الله عليه بهاءه وملكه، فأظلته الطير، وأقبل ~~لا يستقبله جني ولا طائر ولا حجر ولا شجر إلا سجد له، حتى انتهى إلى ~~منزله. قال السدي: ثم أرسل إلى الشيطان، فجيء به، فأمر به، فجعل في ~~صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وأقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي ~~في البحر، فهو فيه إلى أن تقوم الساعة. وقال وهب: جاب صخرة فأدخله فيها ~~ثم، أوثقها بالحديد والرصاص، ثم قذفه في البحر. # قوله تعالى: { وهب لي ملكا لا ينبغي ms1728 لأحد من بعدي } ~~فتح الياء نافع، وأبو عمرو. وفيه قولان: # أحدهما: لا يكون لأحد بعدي، قاله مقاتل، وأبو عبيدة. وقد أخرج البخاري ~~ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إن عفريا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي ~~صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من ~~سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان { هب ~~لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } فرددته خاسئا " # والثاني: لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان ~~الذي جلس على كرسيه، قاله الحسن، وقتادة. وإنما طلب هذا الملك، ليعلم ~~أنه قد غفر له، ويعرف منزلته بإجابة دعوته، قاله الضحاك. ولم يكن في ~~ملكه حين دعا بهذا الريح ولا الشياطين { فسخرنا له الريح } ~~وقرأ أبو الجوزاء، وأبو جعفر، وأبو المتوكل: " الرياح " على الجمع. # قوله تعالى: { رخاء } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: مطيعة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والضحاك. # والثاني: أنها الطيبة، قاله مجاهد. # والثالث: اللينة، مأخوذ من الرخاوة، قاله اللغويون. # فإن قيل: كيف وصفها بهذا بعد أن وصفها في سورة [الأنبياء: 81] بأنها ~~عاصفة؟ # فالجواب: أن المفسرين قالوا: كان يأمر العاصف تارة ويأمر الرخاء ~~أخرى. وقال ابن قتيبة: كأنها كانت تشتد إذا أراد، وتلين إذا ~~أراد. # قوله تعالى: { حيث أصاب } أي: حيث قصد وأراد. قال الأصمعي: تقول ~~العرب: أصاب فلان الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب. # قوله تعالى: { والشياطين } أي: وسخرنا له الشياطين { كل بناء ~~} يبنون له ما يشاء { وغواص } يغوصون له في البحار فيستخرجون ~~الدر، { وآخرين } أي: وسخرنا له آخرين، وهم مردة ~~الشياطين، سخرهم له حتى قرنهم في الأصفاد لكفرهم. قال مقاتل: ~~أوثقهم في الحديد. وقد شرحنا معنى { مقرنين في الأصفاد } في ~~سورة نبي الله إبراهيم عليه السلام [إبراهيم: 49] { هذا عطاؤنا } المعنى: ~~قلنا له: هذا عطاؤنا. وفي المشار إليه قولان: # أحدهما: أنه جميع ما أعطي، { فامنن أو أمسك } أي: أعط من ~~شئت من المال، وامنع من شئت. ms1729 والمن: الإحسان إلى من لا يطلب ~~ثوابه. # والثاني: أنه إشارة إلى الشياطين المسخرين له؛ فالمعنى: فامنن ~~على من شئت بإطلاقه، وأمسك من شئت منهم، وقد روي معنى القولين ~~عن ابن عباس. # قوله تعالى: { بغير حساب } قال الحسن: لا تبعة عليك في الدنيا ولا ~~في الآخرة. وقال سعيد بن جبير: ليس عليك حساب يوم القيامة. وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير تقديره: هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك. # وما بعد هذا قد سبق تفسيره [سبأ: 37] [الرعد:29] [الأنبياء:83] إلى ~~قوله: { مسني الشيطان } وذلك أن الشيطان سلط عليه، فأضاف ما ~~أصابه إليه. # قوله تعالى: { بنصب } قرأ الأكثرون بضم النون وسكون الصاد؛ وقرأ ~~الحسن، وابن أبي عبلة، وابن السميفع، والجحدري، ويعقوب: بفتحهما. وهل ~~بينهما فرق؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهما سواء. قال الفراء: هما كالرشد والرشد والعدم، ~~والعدم، والحزن والحزن؛ وكذلك قال ابن قتيبة والزجاج. قال ~~المفسرون: والمراد بالنصب: الضر الذي أصابه. # والثاني: أن النصب بتسكين الصاد: الشر، وبتحريكها الإعياء، قاله ~~أبو عبيدة. # وقرأت عائشة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو جعفر، وشيبة، وأبو عمارة عن حفص: ~~{ بنصب } بضم النون والصاد جميعا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~الجوزاء، وهبيرة عن حفص: { بنصب } بفتح النون وسكون الصاد. # وفي المراد بالعذاب قولان: # أحدهما: أنه العذاب الذي أصاب جسده. # والثاني: أنه أخذ ماله وولده. # قوله تعالى: { أركض } أي: اضرب الأرض { برجلك } ومنه: ~~ركضت الفرس فركض فنبعت عين ماء، فذلك قوله عز وجل: { هذا ~~مغتسل بارد وشراب }. قال ابن قتيبة: المغتسل: الماء، وهو ~~الغسول أيضا. قال الحسن: ركض برجله فنبعت عين [فاغتسل منها، ~~ثم مشى نحوا من أربعين ذراعا، ثم ركض برجله فنبعت عين] فشرب ~~منها؛ وعلى هذا جمهور العلماء أنه ركض ركضتين فنبعت له عينان، فاغتسل ~~من واحدة وشرب من الأخرى. # قوله تعالى: { وخذ بيدك ضغثا } كان قد حلف لئن شفاه الله ~~ليجلدن زوجته مائة جلدة. وفي سبب هذه اليمين ثلاثة أقوال: # أحدها: أن إبليس جلس في طريق زوجة أيوب كأنه طبيب، فقالت له: يا عبد ~~الله إن هاهنا ms1730 إنسانا مبتلى، فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم، إن شاء ~~شفيته على أن يقول إذا برأ: أنت شفيتني، فجاءت فأخبرته فقال: ذاك ~~الشيطان، لله علي إن شفاني أن أجلدك مائة جلدة. رواه يوسف بن ~~مهران عن ابن عباس. # والثاني: أن إبليس لقيها فقال: إني أنا الذي فعلت بأيوب مابه، ~~وأنا آله الأرض، وما أخذته منه فهو بيدي، فانطلقي أريك، فمشى بها ~~غير بعيد، ثم سحر بصرها، فأراها واديا عميقا فيه أهلها وولدها ~~ومالها، فأتت أيوب فأخبرته فقال: ذاك الشيطان، ويحك كيف وعى ~~قوله سمعك؟ والله لئن شفاني الله عز وجل لأجلدنك مائة. ~~قاله وهب بن منبه. # والثالث: أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلة، فقال: ليذبح لي هذه وقد ~~برأ، فأخبرته فحلف ليجلدنها، وقد ذكرنا هذا القول في سورة ~~[الأنبياء: 83] عن الحسن. # فأما الضغث فقال الفراء: هو كل ما جمعته من شيء مثل الحزمة ~~الرطبة قال: وما قام على ساق واستطال ثم جمعته فهو ضغث. وقال ابن ~~قتيبة: هو الحزمة من الخلال والعيدان. قال الزجاج: هو الحزمة من ~~الحشيش والريحان وما أشبههه. قال المفسرون: جزى الله زوجته بحسن ~~صبرها أن أفتاه في ضربها، فسهل الأمر، فجمع لها مائة عود، وقيل: مائة ~~سنبلة. وقيل: كانت أسلا. وقيل: من الإذخر. وقيل: كانت شماريخ، ~~فضربها بها ضربة واحدة ولم يحنث في يمنيه. وهل ذلك خاص له، أم ~~لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه عام وبه قال ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح [وابن أبي ~~ليلى]. # والثاني: أنه خاص لأيوب، قاله مجاهد. # فصل # وقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلها ~~وضربه بها ضربة واحدة، فقال مالك، والليث بن سعد: لا يبر، وبه قال ~~أصحابنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أصابه في الضربة الواحدة كل ~~واحد منها، فقد بر، واحتجوا بعموم قصة أيوب عليه الصلاة والسلام. # قوله تعالى: { إنا وجدناه صابرا } أي: على البلاء الذي ابتليناه ~~به. ### || [38.45-54] # قوله تعالى: { واذكر عبادنا } وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، وابن ~~محيصن، وابن كثير: { عبدنا ms1731 } ، إشارة إلى إبراهيم، وجعلوا إسحاق ~~ويعقوب عطفا عليه، لأنه الأصل وهما ولداه، والمعنى: اذكر صبرهم، ~~فإبراهيم ألقي في النار، وإسحاق أضجع للذبح، ويعقوب صبر على ذهاب بصره ~~وابتلي بفقد ولده؛ ولم يذكر إسماعيل معهم، لأنه لم يبتل كما ~~ابتلوا. # { أولي الأيدي } يعني القوة في الطاعة { والأبصار } البصائر في ~~الدين والعلم. قال ابن جرير: وذكر الأيدي مثل، وذلك لأن باليد ~~البطش، وبالبطش تعرف قوة القوي، فلذلك قيل للقوي: ذو يد، وعنى ~~بالبصر: بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء، وقرأ ابن مسعود، والأعمش، ~~وابن أبي عبلة: { أولي الأيد } بغير ياء في الحالين. قال الفراء: ولها ~~وجهان: # أحدهما: أن يكون القارئ لهذا أراد الأيدي، فحذف الياء، وهو صواب، مثل ~~الجوار والمناد. # والثاني: أن يكون من القوة والتأييد، من قوله # وأيدناه بروح القدس # [البقرة: 87]. # قوله تعالى: { إنا أخلصناهم } أي: اصطفيناهم وجعلناهم لنا ~~خالصين، فأفردناهم بمفردة من خصال الخير؛ ثم أبان عنها بقوله: { ذكرى ~~الدار }. # وفي المراد بالدار هاهنا قولان: # أحدهما: الآخرة. # والثاني: الجنة. # وفي الذكرى قولان: # أحدهما: أنها من الذكر، فعلى هذا يكون المعنى: أخلصناهم بذكر ~~الآخرة، فليس لهم ذكر غيرها، قاله مجاهد، وعطاء، والسدي. وكان الفضيل ~~ابن عياض رحمة الله عليه يقول: هو الخوف الدائم في القلب. # والثاني: أنها التذكير، فالمعنى: أنهم يدعون الناس إلى الآخرة وإلى ~~عبادة الله تعالى. قاله قتادة. # وقرأ نافع { بخالصة ذكرى الدار } فأضاف " خالصة " إلى " ذكرى ~~الدار ". # قال أبو علي: تحتمل قراءة من نون وجهين: # أحدهما: أن تكون " ذكرى " بدلا من " خالصة " ، والتقدير: أخلصناهم بذكر ~~الدار. # والثاني: أن يكون المعنى: أخلصناهم بأن يذكروا الدار بالتأهب ~~للآخرة، والزهد في الدنيا. ومن أضاف فالمعنى: أخلصناهم بإخلاصهم ~~ذكرى الدار بالخوف منها. وقال ابن زيد: أخلصناهم بأفضل ما في الجنة. # قوله تعالى: { وإنهم عندنا لمن المصطفين } أي: من الذين ~~اتخذهم الله صفوة فصفاهم من الأدناس { الأخيار } الذين اختارهم. # { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل } أي: اذكرهم بفضلهم ~~وصبرهم لتسلك طريقهم، واليسع نبي، واسمه أعجمي معرب، وقد ~~ذكرناه في [الأنعام: 85] وشرحنا في سورة [الأنبياء: ms1732 85] قصة ذي الكفل، ~~وتكلمنا في [البقرة: 125] في اسم إسماعيل، وزعم مقاتل أن إسماعيل هذا ~~ليس بابن إبراهيم. # قوله تعالى: { هذا ذكر } أي: شرف وثناء جميل يذكرون به أبدا { ~~وإن للمتقين لحسن مآب } أي: حسن مرجع يرجعون إليه ~~في الآخرة. # ثم بين ذلك المرجع، فقال: { جنات عدن مفتحة لهم ~~الأبواب } قال الفراء: إنما رفعت " الأبواب " لأن المعنى: مفتحة لهم ~~أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة، فيقولون: مررت ~~على رجل حسن العين، وقبيح الأنف، والمعنى: حسنة عينه قبيح ~~أنفه، ومنه قوله تعالى: # فإن الجحيم هي المأوى # [النازعات:39] والمعنى: مأواه. وقال الزجاج: المعنى مفتحة لهم ~~الأبواب منها، فالألف واللام للتعريف، لا للبدل. قال ابن جرير: والفائدة ~~في ذكر تفتيح الأبواب، أن الله عز وجل أخبر عنها أن أبوابها تفتح لهم ~~بغير فتح سكانها لها بيد، ولكن بالأمر، قال الحسن: هي أبواب تكلم ~~فتكلم: انفتحي انغلقي. # قوله تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف } قد مضى بيانه في [الصافات: ~~48]. قال الزجاج: والأتراب: اللواتي أسنانهن واحدة وهن في غاية ~~الشباب والحسن. # قوله تعالى: { هذا ما توعدون } قرأ أبو عمرو، وابن كثير بالياء. ~~والباقون بالتاء. # قوله تعالى: { ليوم الحساب } اللام بمعنى " في " والنفاد: ~~الانقطاع. قال السدي: كلما أخذ من رزق الجنة شيء، عاد مثله. ### || [38.55-66] # قوله تعالى: { هذا } المعنى: هذا الذي ذكرناه { وإن للطاغين } ~~يعني الكافرين { لشر مآب } ، ثم بين ذلك بقوله: { جهنم } ~~والمهاد: الفراش. { هذا فليذوقوه } قال الفراء: في الآية تقديم ~~وتأخير، تقديره: هذا حميم وغساق فليذوقوه؛ وإن شئت جعلت ~~الحميم مستأنفا، كأنك قلت: هذا فليذوقوه، ثم قلت: منه حميم ~~ومنه غساق، كقول الشاعر: # حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس # وغودر البقل ملوي ومحصود # فأما الحميم، فهوالماء الحار. وأما الغساق، ففيه لغتان، قرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف، وحفص: بالتشديد، وكذلك في [عم يتساءلون:25]، تابعهم ~~لمفضل في { عم يتساؤلون } ، وقرأ الباقون بالتخفيف. وفي الغساق ~~أربعة أقوال: # أحدها: الزمهرير، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: ~~الغساق لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. # والثاني: أنه ما ms1733 يجري من صديد أهل النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه ~~قال عطية، وقتادة، وابن زيد. # والثالث: أن الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات ~~حمة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي فيغمس ~~فيها غمسة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويجر لحمه ~~جر الرجل ثوبه، قاله كعب. # والرابع: أنه ما يسيل من دموعهم، قاله السدي. قال أبو عبيدة: الغساق: ~~ما سال، يقال: غسقت العين والجرح. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي ~~عن ابن قتيبة قال: لم يكن أبو عبيدة [يذهب] إلى أن في القرآن شيئا من غير ~~لغة العرب. وكان يقول: هو اتفاق يقع بين اللغتين، وكان [غيره] يزعم أن ~~الغساق: البارد المنتن بلسان الترك. وقيل: فعال، من غسق ~~يغسق؛ فعلى هذا يكون عربيا. وقيل في معناه: إنه الشديد البرد ~~يحرق من برده. وقيل: هو ما يسيل من جلود أهل النار من الصديد. # قوله تعالى: { وآخر } قرأ أبو عمرو، والمفضل: { وأخر } بضم الهمزة ~~من غير مد، فجمعا لأجل نعته بالأزواج، وهي جمع. وقرأ الباقون بفتح ~~الألف ومده على التوحيد، واحتجوا بأن العرب تنعت الاسم إذا كان ~~فعلا بالقليل والكثير؛ قال الفراء: تقول: عذاب فلان ضروب شتى، ~~وضربان مختلفان؛ وإن شئت جعلت الأزواج نعتا للحميم والغساق ~~والآخر، فهن ثلاثة، والأشبه أن تجعله صفة لواحد. وقال الزجاج: من قرأ ~~" وآخر " بالمد، فالمعنى: وعذاب آخر { من شكله } أي: مثل ~~الأول. ومن قرأ: " وأخر " فالمعنى: وأنواع أخر، لأن قوله: { أزواج ~~} بمعنى أنواع. وقال ابن قتيبة: " من شكله " أي: من نحوه، " ~~أزواج " أي: أصناف. وقال ابن جرير: " من شكله " أي: من ~~نحو الحميم. قال ابن مسعود في قوله { وآخر من شكله }: هو ~~الزمهرير. وقال الحسن: لما ذكر الله تعالى العذاب الذي يكون في ~~الدنيا، قال: " وآخر من شكله " أي: وآخر لم ير في الدنيا. # قوله تعالى: { هذا فوج } هذا قول الزبانية للقادة المتقدمين في ~~الكفر إذا جاؤوهم بالأتباع. وقيل: بل هو قول الملائكة لأهل النار كلما ~~جاؤوهم بأمة ms1734 بعد أمة. والفوج: الجماعة من الناس، وجمعه: أفواج. ~~والمقتحم: الداخل في الشيء رميا بنفسه. قال ابن السائب: إنهم ~~يضربون بالمقامع، فيلقون أنفسهم في النار ويثبون فيها خوفا ~~من تلك المقامع. فلما قالت الملائكة ذلك لأهل النار قالوا: لا مرحبا ~~بهم، فاتصل الكلام كأنه قول واحد، وإنما الأول من قول الملائكة، والثاني: ~~من قول أهل النار؛ وقد بينا مثل هذا في قوله # ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف:52] والمرحب والرحب: السعة. والمعنى: لا اتسعت بهم ~~مساكنهم. قال أبو عبيدة: تقول العرب للرجل: لا مرحبا [بك] أي: لا ~~رحبت عليك الأرض. وقال ابن قتيبة: معنى قولهم: " مرحبا وأهلا " ~~أي: أتيت رحبا، أي: سعة، وأهلا، أي: أتيت أهلا لا غرباء، ~~فائنس ولا تستوحش، وسهلا، أي: أتيت سهلا لا حزنا، وهو في مذهب ~~الدعاء، كما تقول: لقيت خيرا. قال الزجاج: و " مرحبا " منصوب ~~بقوله: رحبت بلادك مرحبا، وصادفت مرحبا، فأدخلت " لا " على ~~ذلك المعنى. # قوله تعالى: { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها كما دخلناها، ~~ومقاسون حرها، فأجابهم القوم، ف { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم ~~أنتم قدمتموه لنا }. إن قلنا: إن هذا قول الأتباع للرؤساء، فالمعنى: ~~أنتم زينتم لنا الكفر؛ [وإن قلنا: إنه قول الأمة المتأخرة للأمة ~~المتقدمة، فالمعنى: أنتم شرعتم لنا الكفر] وبدأتم به قبلنا، فدخلتم ~~النار قبلنا { فبئس القرار } أي: بئس المستقر والمنزل. # { قالوا ربنا من قدم لنا هذا } أي: من سنه وشرعه { فزده ~~عذابا ضعفا في النار } وقد شرحناه في [الأعراف: 38] وفي القائلين ~~لهذا قولان. # أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. # والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وقالوا } يعني أهل النار { ما لنا لا نرى رجالا ~~كنا نعدهم من الأشرار } قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم ~~يروا من كان يخالفهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول ~~أبو جهل في النار: أين صهيب، أين عمار، أين خباب، أين بلال؟!. # قوله تعالى: { أتخذناهم سخريا } قرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: { من الأشرار اتخذناهم } بالوصل على الخبر؛ أي: [إنا] ~~اتخذناهم. ms1735 وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف ~~وفتحها على معنى الاستفهام. وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: ~~وهذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبخون أنفسهم على ~~ما صنعوا بالمؤمنين { وسخريا } يقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها ~~في آخر سورة [المؤمنين: 110] { أم زاغت عنهم الأبصار } أي: وهم معنا ~~في النار ولا نراهم؟!. وقال أبو عبيدة: " أم " هاهنا بمعنى " بل ". # قوله تعالى: { إن ذلك لحق } قال الزجاج: [أي]: إن الذي وصفناه ~~عنهم لحق. ثم بين ما هو، فقال: هو { تخصم أهل النار } وقرأ ~~أبوالجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: { تخاصم } ~~برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من " أهل ". وقرأ أبو مجلز، وأبو ~~العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: { تخاصم أهل } بفتح الصاد ~~والميم ورفع اللام. ### || [38.67-88] # قوله تعالى: { قل هو نبأ عظيم } النبأ: الخبر. وفي المشار ~~إليه قولان. # أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. # والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة، { أنتم عنه معرضون } ~~أي: لا تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي، وأن ما جئت به من ~~الأخبار عن قصص الماضين لم أعلمه إلا بوحي من الله. ويدل على هذا ~~المعنى قوله { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى } يعني الملائكة { ~~إذ يختصمون } في شأن آدم حين قال الله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]؛ والمعنى: إني ما علمت هذا إلا بوحي، { إن ~~يوحى إلي } أي: ما يوحى إلي { إلا أنما أنا نذير } [أي]: ~~إلا أني نبي أنذركم وأبين لكم ما تأتونه وتجتنبونه. # { إذ قال ربك } هذا متصل بقوله: " يختصمون " ، وإنما اعترضت تلك ~~الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصموا حين شووروا في خلق آدم، فقال ~~الله لهم: { إني جاعل في الأرض خليفة } ، وهذه الخصومة منهم إنما ~~كانت مناظرة بينهم. وفي مناظرتهم قولان: # أحدهما: أنه قولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30]، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم قالوا: لن يخلق الله خلقا إلا كنا أكرم منه ~~وأعلم. قاله الحسن؛ هذا قول الأكثر من المفسرين. وقد روي ms1736 عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " رأيت ربي عز وجل، فقال لي: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت ~~أعلم يا رب، قال: في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات، فإسباغ ~~الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد ~~الصلاة. وأما الدرجات، فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، ~~والصلاة بالليل والناس نيام " # قوله تعالى: { أستكبرت } أي: أستكبرت بنفسك حين أبيت ~~السجود { أم كنت من العالين } أي: من قوم يتكبرون ~~فتكبرت عن السجود لكونك من قوم يتكبرون. # قوله تعالى: { فإنك رجيم } أي: مرجوم بالذم واللعن. # قوله تعالى: { إلى يوم الوقت المعلوم } وهو وقت النفخة الأولى، وهو ~~حين موت الخلائق. # وقوله: { فبعزتك } يمين بمعنى: فوعزتك. وما أخللنا به في هذه ~~القصة فهو مذكور في [الأعراف: 12] و [الحجر: 34] وغيرهما مما تقدم. # قوله تعالى: { قال فالحق والحق أقول } قرأ عاصم إلا حسنون عن ~~هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب: { فالحق } بالرفع في الأول ونصب ~~الثاني. وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد؛ قال ابن عباس في معناه: فأنا ~~الحق وأقول الحق؛ وقال غيره: خبر الحق محذوف، تقديره: الحق ~~مني. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما؛ قال الزجاج: من رفعهما ~~جميعا، كان المعنى: فأنا الحق والحق أقول. وقرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى ~~قولك: حقا لآتينك، ووجود الألف واللام وطرحهما سواء، وهو ~~بمنزلة قولك: حمدا لله. # وقال مكي بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإغراء، أي: اتبعوا ~~الحق، واسمعوا والزموا الحق. وقيل: هو نصب على القسم كما تقول: ~~الله لأفعلن، فتنصب حين حذفت الجار، لأن تقديره: فبالحق؛ ~~فأما الحق الثاني، فيجوز أن يكون الأول، وكرره توكيدا، ويجوز أن ~~يكون منصوبا ب { أقول } ، كأنه قال: وأقول الحق. وقرأ ابن عباس، ~~ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارىء، [والأعمش]: { فالحق } بكسر ~~القاف { والحق } بنصبها. وقرأ أبو عمران [الجوني]: بكسر القافين ~~جميعا. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: { فالحق } بالنصب ~~{ والحق } بالرفع. # قوله تعالى: { لأملأن جهنم منك } أي: ms1737 من نفسك وذريتك. # { قل ما أسألكم عليه من أجر } أي: على تبليغ الوحي { وما أنا من ~~المتكلفين } أي: لم أتكلف إتيانكم من قبل نفسي، إنما أمرت ~~أن آتيكم، ولم أقل القرآن من تلقاء نفسي، إنما أوحي إلي. # { إن هو } أي: ماهو، يعني القرآن { إلا ذكر } أي: موعظة { ~~للعالمين }. # { ولتعلمن } يا معاشر الكفار { نبأه } أي: خبر صدق القرآن ~~{ بعد حين } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بعد الموت. # والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني ~~يقول عكرمة. # والثالث: يوم بدر، قاله السدي، ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إلى أن ~~ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ومن مات علمه ~~بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا ~~وجه لذلك. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-4] # قوله تعالى: { تنزيل الكتاب } قال الزجاج: الكتاب هاهنا القرآن، ورفع ~~" تنزيل " من وجهين. # أحدهما: الابتداء، ويكون الخبر { من الله } ، فالمعنى: نزل من عند ~~الله. # والثاني: على إضمار هذا تنزيل الكتاب؛ و { مخلصا } منصوب على ~~الحال؛ فالمعنى: فاعبد الله موحدا لا تشرك به شيئا. # قوله تعالى: { ألا لله الدين الخالص } يعني: الخالص من الشرك، وما ~~سواه ليس بدين الله الذي أمر به؛ [وقيل]: المعنى: لا يستحق ~~الدين الخالص إلا الله. # { والذين اتخذوا من دونه أولياء } يعنى آلهة ويدخل في هؤلاء ~~اليهود حين قالوا # عزير ابن الله # [التوبة: 30] والنصارى لقولهم # المسيح ابن الله # [التوبة:30] وجميع عباد الأصنام، ويدل عليه قوله بعد ذلك # لو أراد الله أن يتخذ ولدا # [الزمر:4]. # قوله تعالى: { ما نعبدهم } أي: يقولون ما نعبدهم { إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى } أي: إلا ليشفعوا لنا إلى الله، ~~والزلفى: القربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر فكأنه قال: إلا ~~ليقربونا إلى الله تقريبا. # { إن الله يحكم بينهم } أي: بين أهل الأديان فيما كانوا يختلفون فيه ~~من أمر الدين. وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا وجه ~~لذلك. # قوله تعالى: { إن الله لا يهدي } أي: لا يرشد { من ms1738 هو كاذب } ~~في قوله إن الآلهه تشفع { كفار } أي: كافر باتخاذها آلهة. وهذا ~~إخبار عمن سبق عليه القضاء بحرمان الهداية. # { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } [أي]: على ما يزعم من ينسب ذلك ~~إلى الله { لاصطفى } أي: لاختار مما يخلق. قال مقاتل: أي من ~~الملائكة. ### || [39.5] # قوله تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق } [أي]: لم يخلقهما ~~لغير شيء. # { يكور الليل على النهار } قال أبو عبيدة: يدخل هذا على ~~هذا. قال ابن قتيبة: وأصل التكوير: اللف ومنه كور العمامة، ~~وقال غيره: التكوير طرح الشيء بعضه على بعض. # { وسخر الشمس والقمر } أي ذللهما للسير على ما أراد { كل ~~يجري لأجل مسمى } أي: إلى الأجل الذي وقت الله للدنيا. ~~وقد شرحنا معنى العزيز في [البقرة:129] ومعنى الغفار في [طه: 82]. ### || [39.6] # قوله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم { ثم جعل ~~منها زوجها } أي: قبل خلقكم جعل منها زوجها، لأن حواء ~~خلقت قبل الذرية، ومثله في الكلام أن تقول: قد أعطيتك ~~اليوم شيئا، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر؛ هذا اختيار الفراء. وقال ~~غيره: ثم أخبركم أنه خلق منها زوجها. { وأنزل لكم من الأنعام ~~} أي: خلق { ثمانية أزواج } ، وقد بيناها في سورة [الأنعام:143]. # { خلقا من بعد خلق } أي: نطفا ثم علقا ثم مضغا ~~ثم عظما ثم لحما، ثم أنبت الشعر، إلى غير ذلك من تقلب الأحوال ~~إلى إخراج الأطفال، هذا قول الجمهور. وقال ابن زيد: خلقا في البطون ~~من بعد خلقكم في ظهر آدم. # قوله تعالى: { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن، وظلمة الرحم، ~~وظلمة المشيمة، قاله الجمهور، وابن زيد معهم. وقال أبو عبيدة: إنها ~~ظلمة صلب الأب، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم. # قوله تعالى: { فأنى تصرفون } أي: من أين تصرفون عن طريق ~~الحق بعد هذا البيان. ### || [39.7] # { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } أي: عن إيمانكم وعبادتكم { ولا ~~يرضى لعباده الكفر } فيه قولان: أحدهما: لا يرضاه للمؤمنين قاله ~~ابن عباس. # والثاني: لا يرضاه لأحد وإن وقع بإرادته، وفرق بين الإرادة ~~والرضى. وقد أشرنا إلى هذا في ms1739 [البقرة:205] عند قوله: { والله لا يحب ~~الفساد }. # { وإن تشكروا يرضه لكم } أي: يرضى ذلك الشكر لكم { إنه ~~عليم بذات الصدور } أي: بما في القلوب. ### || [39.8] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان ضر } اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين. # أحدهما: في عتبة بن ربيعة، قاله عطاء. # والثاني: في أبي حذيفة بن المغيرة، قاله مقاتل. والضر: البلاء ~~والشدة. # { منيبا إليه } أي: راجعا إليه من شركه. # { ثم إذا خوله } أي: أعطاه وملكه { نعمة منه } بعد ~~البلاء الذي أصابه، كالصحة بعد المرض والغنى بعد الفقر { نسي } ~~أي: ترك ما كان يدعو إليه، وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله تعالى. # والثاني: نسي الضر الذي [كان] يدعو [الله] إلى كشفه. # والثالث: نسي الله الذي [كان] يتضرع إليه. قال الزجاج: وقد ~~تدل { ما } على الله عز وجل، كقوله # ولا أنتم عابدون ما أعبد # [الكافرون:3] وقال الفراء: ترك ما كان يدعو إليه، وقد سبق معنى ~~الأنداد [البقرة:22] ومعنى # ليضل عن سبيل الله # [الحج:9]. # قوله تعالى: { قل تمتع بكفرك } لفظه لفظ الأمر ومعناه ~~التهديد، ومثله # فتمتعوا فسوف تعلمون # [النحل:55]. ### || [39.9-10] # قوله تعالى: { أمن هو قانت } قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، وأبو ~~جعفر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب: { أمن } بالتخفيف؛ وقرأ ~~الباقون: بالتشديد. فأما المشددة فمعناها: أهذا الذي ذكرنا خير، ~~أمن هو قانت؟ والأصل في { أمن }: أم من فأدغمت الميم في الميم. ~~وأما المخففة، ففي تقديرها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بمعنى النداء. قال الفراء: فسرها الذين قرؤوا بها فقالوا: ~~يامن هو قانت، وهو وجه حسن، والعرب تدعو بالألف كما تدعوا بياء ~~فيقولون: يا زيد أقبل، وأزيد أقبل. فيكون المعنى: أنه ذكر ~~الناسي الكافر. ثم قص قصة الصالح بالنداء، كما تقول: فلان ~~لا يصوم ولا يصلي، فيامن يصوم أبشر. # والثاني: أن تقديرها: أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟!. # والثالث: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادا؟!. # وقد ذكرنا معنى القنوت في [البقرة:116] ومعنى # آناء الليل # في [آل عمران:113]. # قوله تعالى: { ساجدا وقائما } يعني في الصلاة. وفيمن ms1740 نزلت فيه هذه ~~الآية خمسة أقوال. # أحدها: أنه أبو بكر الصديق، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: عثمان بن عفان، قاله ابن عمر. # والثالث: عمار بن ياسر، قاله مقاتل. # والرابع: ابن مسعود، وعمار وصهيب، وأبو ذر قاله ابن السائب. # والخامس: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه يحيى بن سلام. # قوله تعالى: { يحذر الآخرة } أي: عذاب الآخرة. وقد قرأ ابن مسعود، ~~وأبي بن كعب، وابن عباس، وعروة، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء، وأبو ~~عمران: { يحذر عذاب الآخرة } بزيادة { عذاب }. # { ويرجو رحمة ربه } فيها قولان: # أحدهما: أنها المغفرة، قاله ابن السائب. # والثاني: الجنة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { قل هل يستوي الذي يعلمون } أن ما وعد الله من ~~الثواب والعقاب حق { والذين لا يعلمون } وباقي الآية قد تقدم في ~~[الرعد:19] وكذلك قوله { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } قد ~~تقدم في [النحل: 30]. # وفي قوله: { وأرض الله واسعة } قولان. # أحدهما: أنه حث لهم على الهجرة من مكة إلى حيث يأمنون. # والثاني: أنها أرض الجنة رغبهم فيها. # { إنما يوفى الصابرون } الذين صبروا لأجل الله تعالى على مانالهم ~~{ بغير حساب } أي: يعطون عطاء كثيرا أوسع من أن يحسب وأعظم من ~~أن يحاط به، لا على قدر أعمالهم. ### || [39.11-18] # قوله تعالى: { قل إني أمرت } قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش ~~قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على الذي أتيتنا به؟! ~~ألا تنظر إلى ملة آبائك فتأخذ بها؟! فنزلت هذه الآية. والمعنى { قل ~~إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } أي: أمرت أن ~~أعبده على التوحيد والإخلاص السالم من الشرك، { وأمرت لأن ~~أكون أول المسلمين } من هذه الأمة. # { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بالرجوع إلى دين آبائي، { ~~عذاب يوم عظيم } وقد اختلفوا في نسخ هذه الآية كما بينا في ~~نظيرتها في [الأنعام:15]. # { قل الله أعبد مخلصا له ديني } بالتوحيد، { فاعبدوا ~~ماشئتم } ، وهذا تهديد، وبعضهم يقول: هو منسوخ بآية السيف، وهذا باطل، ~~لأنه لو كان أمرا، كان منسوخا، فأما أن يكون بمعنى ms1741 الوعيد، فلا وجه ~~لنسخه. # { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } بأن صاروا إلى النار. ~~(و) خسروا (أهليهم) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم خسروا الحور العين اللواتي أعددن لهم في الجنة لو ~~أطاعوا، قاله الحسن وقتادة. # والثاني: خسروا الأهل في النار، إذ لا أهل لهم فيها، قاله مجاهد، ~~وابن زيد. # والثالث: خسروا أهليهم الذين كانوا في الدنيا، إذ صاروا إلى النار ~~بكفرهم، وصار أهلوههم إلى الجنة بإيمانهم، قاله الماوردي. # قوله تعالى: { لهم من فوقهم ظلل من النار } وهي الأطباق من ~~النار. وإنما قال: { ومن تحتهم ظلل } لأنها ظلل لمن تحتهم ~~(ذلك) الذي وصف الله من العذاب { يخوف الله به عباده } المؤمنين. # قوله تعالى: { والذين اجتنبوا الطاغوت } روى ابن زيد عن أبيه أن هذه ~~الآية والتي بعدها نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله ~~تعالى: زيد ابن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي، رضى الله ~~عنهم؛ قال { أولئك الذين هداهم الله } بغير كتاب ولا نبي. # وفي المراد بالطاغوت هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: الشياطين، قاله مجاهد. # والثاني: الكهنة، قاله ابن السائب. # والثالث: الأوثان، قاله مقاتل، فعلى قول مقاتل هذا إنما قال: " يعبدوها ~~" لأنها مؤنثة. وقال الأخفش: إنما قال: " يعبدوها " لأن الطاغوت في ~~معنى جماعة، وإن شئت جعلته واحدا مؤنثا. قوله تعالى: { وأنابوا ~~إلى الله } أي: رجعوا إليه بالطاعة { لهم البشرى } بالجنة { ~~فبشر عبادي } بباء، وحرك الياء أبوعمرو. # ثم نعتهم فقال { الذين يستمعون القول } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: [أنه] القرآن، قاله الجمهور. فعلى، هذا في معنى { فيتبعون ~~أحسنه } أقوال. قد شرحناها في [الأعراف:145] عند قوله { وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها }. # والثاني: أنه جميع الكلام. ثم في المعنى قولان: # أحدهما: [أنه الرجل] يجلس مع القوم فيسمع كلامهم، فيعمل ~~بالمحاسن ويحدث بها، ويكف عن المساوىء ولايظهرها، قاله ابن ~~السائب. # والثاني: [أنه] لما ادعى مسيلمة أنه قد أتى بقرآن، وأتت الكهنة ~~بالكلام المزخرف في الأباطيل، فرق المؤمنون بين ذلك وبين كلام الله، ~~فاتبعوا كلام الله، ورفضوا أباطيل أولئك. قاله أبو سليمان الدمشقي. ### || [39.19-20] # قوله تعالى: ms1742 { أفمن حق عليه كلمة العذاب } قال ابن عباس: ~~سبق في علم الله أنه في النار. # فإن قيل: كيف اجتمع في هذه الآية استفهامان بلا جواب؟ # قيل: أما الفراء، فإنه يقول: هذا مما يراد به استفهام واحد، فسبق ~~الاستفهام إلى غير موضعه فرد إلى موضعه الذي هو له، فيكون المعنى: ~~أفأنت تنقذ من في النار من حقت عليه كلمة العذاب؟ ومثله # أيعدكم أتكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون # [المؤمنون:35] فرد { أنك } مرتين، والمعنى: أيعدكم أنكم ~~مخرجون إذا متم؟ ومثله # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا # [آل عمران: 188] ثم قال # فلا تحسبنهم # [آل عمران:188] فرد " تحسبن " مرتين، والمعنى: لا تحسبن ~~الذين يفرحون بمفازة من العذاب. وقال الزجاج: يجوز أن يكون في ~~الكلام محذوف، تقديره: أفمن حق عليه كلمة العذاب فيتخلص منه أو ~~ينجو، أفأنت تنقذه؟ قال المفسرون: أفأنت تخلصه مما قدر له فتجعله ~~مؤمنا؟ والمعنى: ما تقدر على ذلك. قال عطاء: يريد بهذه الآية: أبا لهب ~~وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. # قوله تعالى: { لكن الذين اتقوا } وقرأ أبو المتوكل، وأبوجعفر: { ~~لكن } بتشديد النون [وفتحها] قال الزجاج: والغرف هي: المنازل ~~الرفيعة في الجنة، { من فوقها غرف } أي: منازل أرفع منها. # { وعد الله } منصوب على المصدر؛ فالمعنى: وعدهم الله غرفا ~~وعدا. ومن قرأ: " وعد الله " بالرفع؛ فالمعنى: ذلك وعد الله. ### || [39.21] # قوله تعالى: { أنزل من السماء ماء } قال الشعبي: كل مافي ~~الأرض فمن السماء ينزل { فسلكه ينابيع } قال ابن قتيبة: أي: ~~أدخله فجعله ينابيع، أي: عيونا تنبع، { ثم يهيج } أي: ~~ييبس. قال الأصمعي: يقال للنبت إذا تم جفافه: قد هاج ~~يهيج هيجا. # فأما الحطام، فقال أبو عبيدة: هو ما يبس فتحات من النبات، ~~ومثله الرفات. قال مقاتل: هذا مثل ضرب الدنيا، بينا ترى النبت ~~أخضر، إذ تغير فيبس ثم هلك، وكذلك الدنيا وزينتها. وقال ~~غيره: هذا البيان للدلالة على قدرة الله عز وجل. ### || [39.22] # قوله تعالى: { أفمن شرح الله صدره } قال الزجاج: جوابه متروك، ~~لأن ms1743 الكلام دال عليه، تقديره: أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع ~~على قلبه فلم يهتد؟ ويدل على هذا قوله { فويل للقاسية قلوبهم ~~}؛ وقد روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، ~~فقلنا: يا رسول الله وما هذا الشرح؟ فذكر حديثا قد ذكرناه في قوله # فمن يرد اله أن يهديه يشرح صدره للاسلام # [الأنعام:125]. # قوله تعالى: { فهو على نور } فيه أربعة أقوال. # أحدها: اليقين، قاله ابن عباس. # والثاني: كتاب الله يأخذ به وينتهي إليه، قاله قتادة. # والثالث: البيان، قاله ابن السائب. # والرابع: الهدى، قاله مقاتل. # وفيمن نزلت هذه الآية؟ فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها نزلت في أبي بكر الصديق وأبي بن خلف. رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. # والثاني: في علي وحمزة وأبي لهب و وولده قاله عطاء. # والثالث: في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } قد بينا ~~معنى القساوة في [البقرة:74]. # فإن قيل: كيف يقسو القلب من ذكر الله عز وجل؟ # فالجواب: أنه كلما تلي عليهم ذكر الله الذي يكذبون به، ~~قست قلوبهم عن الإيمان به. وذهب مقاتل في آخرين إلى أن { من } ~~هاهنا بمعنى " عن " ، قال الفراء: كما تقول: أتخمت عن طعام ~~أكلته، ومن طعام أكلته؛ وإنما قست قلوبهم من ذكر الله، لأنهم ~~جعلوه كذبا فأقسى قلوبهم؛ ومن قال: قست قلوبهم عنه، أراد: أعرضت ~~عنه. و[قد] قرأ أبي ابن كعب، وابن أبي عبلة، وأبو عمران: { قلوبهم ~~عن ذكر الله } مكان قوله { من }. ### || [39.23] # قوله تعالى: { الله نزل أحسن الحديث } يعني القرآن، وقد ذكرنا ~~سبب نزولها في أول (يوسف). # قوله تعالى: { كتابا متشابها } فيه قولان: # أحدهما: أن بعضه يشبه بعضا في الآي والحروف، فالآية تشبه ~~الآية، والكلمة تشبه الكلمة، والحرف يشبه الحرف. # والثاني: أن بعضه يصدق بعضا، فليس فيه اختلاف ولا تناقض. # وإنما قيل له: { مثاني } لأنه كررت فيه القصص والفرائض والحدود ~~والثواب والعقاب. # فإن قيل: ما الحكمة في تكرار القصص، والواحدة قد ms1744 كانت تكفي؟ # فالجواب: أن وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن، فيكون ذلك كافيا لهم، وكان يبعث ~~إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص ~~مثناة مكررة، لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة ~~نوح إلى قوم، فأراد الله تعالى أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ~~ويلقيها إلى كل سمع، فأما فائدة تكرار الكلام من جنس واحد، كقوله # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن]، وقوله: # لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون] وقوله # أولى لك فأولى # [القيامة: 34 35] # وما أدراك ما يوم الدين # [الانفطار: 17 18] فسنذكرها في سورة { الرحمن } عز وجل. # قوله تعالى: { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } أي: ~~تأخذهم قشعريرة، وهو تغير يحدث في جلد الإنسان من الوجل. وروى ~~العباس ابن عبد المطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله، تحاتت ذنوبه كما ~~يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها " # وفي معنى الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: تقشعر من وعيده، وتلين عند وعده، قاله السدي. # والثاني: تقشعر من الخوف، وتلين من الرجاء. # والثالث: تقشعر الجلود لإعظامه، وتلين عند تلاوته، ذكرهما ~~الماوردي. # وقال بعض أهل المعاني: مفعول الذكر في قوله { إلى ذكر الله } ~~محذوف، لأنه معلوم؛ والمعنى: تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله الجنة ~~والثواب. قال قتادة: هذا نعت أولياء الله، تقشعر جلودهم ~~[وتلين قلوبهم]، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، ~~إنما هذا في أهل البدع. وهذا من الشيطان. وقد روى أبو حازم، قال: ~~مر ابن عمر برجل ساقط من أهل العراق، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إنه ~~إذا قرىء عليه القرآن يصيبه هذا. قال: إنا لنخشى الله عز وجل، وما ~~نسقط. وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: جئت أبي، فقال لي: أين كنت؟ ~~فقلت: وجدت قوما، ما رأيت خيرا منهم قط، يذكرون الله عز وجل ~~فيرعد واحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله عز وجل، فقعدت معهم، ~~فقال: لا تقعد معهم ms1745 بعدها [أبدا]. قال: فرآني كأني لم يأخذ ذلك في ~~فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر ~~وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا من خشية الله تعالى، أفترى أنهم ~~أخشى لله من أبي بكر وعمر، قال: فرأيت ذلك كذلك. # وقال عكرمة: سئلت أسماء بنت أبي بكر: هل كان أحد من السلف يغشى ~~عليه من الخوف؟ قالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون. وقال عبد الله بن عروة بن ~~الزبير: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يفعلون إذا قرىء عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم ~~الله تعالى، تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم. فقلت لها: إن ~~ناسا اليوم إذا قرىء عليهم القرآن، خر أحدهم مغشيا عليه؟ ~~فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وكان جواب يرعد عند ~~الذكر، فقال له إبراهيم النخعي: إن كنت تملكه، فما أبالي أن لا ~~أعتد بك، وإن كنت لا تملكه، فقد خالفت من كان قبلك. # قوله تعالى: { ذلك هدى الله } في المشار إليه قولان. # أحدهما: أنه القرآن، قاله مقاتل. # والثاني: أنه ما ينزل بالمؤمنين عند تلاوة القرآن من اقشعرار الجلود ~~عند الوعيد، ولينها عند الوعد، قاله ابن الأنباري. ### || [39.24-28] # قوله تعالى: { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } أي: شدته. ~~قال الزجاج: جوابه محذوف، تقديره: كمن يدخل الجنة؟ وجاء في التفسير ~~أن الكافر يلقى في النار مغلولا، ولا يتهيأ له أن يتقيها إلا ~~بوجه. # ثم أخبر عما يقول الخزنة للكفار بقوله { وقيل للظالمين } يعني ~~الكافرين { ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي: جزاء كسبكم. # قوله تعالى: { كذب الذين من قبلهم } أي: من قبل كفار مكة { ~~فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } أي: وهم آمنون غافلون عن العذاب، { ~~فأذاقهم الله الخزي } يعني الهوان والعذاب، { ولعذاب الآخرة أكبر ~~} مما أصابهم في الدنيا { لو كانوا يعلمون } ، ولكنهم لا يعلمون ~~ذلك. # { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن } أي: وصفنا لهم { من كل ~~مثل } أي: من كل شبه يشبه أحوالهم. # قوله تعالى: { قرآنا عربيا } قال الزجاج: ms1746 " عربيا " منصوب على ~~الحال، المعنى: ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه، فذكر ~~{ قرآنا } توكيدا، كما تقول جاءني زيد رجلا صالحا. وجاءني عمرو ~~إنسانا عاقلا، فذكر رجلا وإنسانا توكيدا. # قوله تعالى: { غير ذي عوج } روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ~~غير مخلوق. وقال غيره: مستقيم غير مختلف. ### || [39.29-31] # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا } ثم بينه فقال: { رجلا فيه ~~شركاء متشاكسون } قال ابن قتيبة: أي: مختلفون، يتنازعون ~~ويتشاحون فيه، يقال: رجل شكس. وقال اليزيدي: الشكس من ~~الرجال: الضيق الخلق. # قال المفسرون: وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فإن الكافر ~~يعبد آلهة شتى فمثله بعبد يملكه جماعة يتافسون في خدمته، ولا ~~يقدرون أن يبلغ رضاهم أجمعين؛ والمؤمن يعبد الله وحده، فمثله بعبد ~~لرجل واحد، قد علم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من ~~تشاكس الخلطاء فيه، فذلك قوله: { سالما لرجل } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو إلا عبد الوارث في غير رواية القزاز، وأبان عن عاصم { ورجلا ~~سالما } بألف وكسر اللام وبالنصب والتنوين فيهما؛ والمعنى: ورجلا ~~خالصا لرجل قد سلم له من غير منازع. ورواه عبد الوارث إلا القزاز ~~كذلك، إلا أنه رفع الاسمين، فقال: " ورجل سالم لرجل. وقرأ ابن أبي ~~عبلة { سلم لرجل } بكسر السين ورفع الميم. وقرأ الباقون: { ~~ورجلا سلما } بفتح السين واللام [وبالنصب] فيهما والتنوين. ~~والسلم، بفتح السين واللام، معناه الصلح، والسلم، بكسر السين ~~مثله. قال الزجاج: من قرأ: " سلما " و " سلما " فهما مصدران وصف ~~بهما، فالمعنى: ورجلا ذا سلم لرجل وذا سلم لرجل؛ فالمعنى: ذا ~~سلم؛ والسلم: الصلح، والسلم، بكسر السين مثله. وقال ابن ~~قتيبة: [من قرأ] { سلما لرجل } أراد: سلم إليه فهو سلم له. ~~وقال أبو عبيدة: السلم والسلم الصلح. # قوله تعالى: { هل يستويان مثلا } هذا استفهام معناه الإنكار، ~~أي: لا يستويان، لأن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ما ~~لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين. وقيل: لا يستويان في باب ~~الراحة، لأنه هذا قد عرف الطريق إلى رضى مالكه، وذاك متحير ms1747 بين ~~الشركاء. قال ثعلب: وإنما قال { هل يستويان مثلا } ولم ~~يقل: مثلين، لأنهما جميعا ضربا مثلا واحدا، ومثله: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50]، ولم يقل: آيتين، لأن شأنهما واحد، وتم الكلام هاهنا. ~~ثم قال: { الحمد لله } أي: له الحمد دون غيره من المعبودين { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } والمراد بالأكثر الكل. # ثم أخبر نبيه بما بعد هذا الكلام أنه يموت، وأن الذين يكذبونه ~~يموتون، وأنهم يجتمعون للخصومة عند الله عز وجل، المحق والمبطل، ~~والمظلوم والظالم. وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية وما ندري ما تفسيرها، ~~وما نرى أنها نزلت إلا فينا وفي أهل الكتابين، حتى قتل عثمان، فعرفت ~~أنها فينا نزلت وفي لفظ آخر: حتى وقعت الفتنة بين علي ومعاوية. ### || [39.32-35] # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن كذب على الله } بأن دعا له ~~ولدا وشريكا { وكذب بالصدق إذ جاءه } وهو التوحيد والقرآن { ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين } أي: مقام للجاحدين؟! وهذا ~~استفهام بمعنى التقرير، يعني: إنه كذلك. # قوله تعالى: { والذي جاء بالصدق } فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله علي بن أبي طالب، وابن ~~عباس، وقتادة، وابن زيد. ثم في الصدق الذي جاء به قولان: # أحدهما: أنه " لا إله إلا الله " ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه ~~قال [سعيد] بن جبير. والثاني: [أنه] القرآن، قاله قتادة. [وفي الذي صدق ~~به ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا، هو جاء بالصدق، وهو ~~صدق به، قاله ابن عباس، والشعبي. # والثاني: أنه أبو بكر، قاله علي بن أبي طالب. # والثالث: أنهم المؤمنون، قاله قتادة]، والضحاك، وابن زيد. # والقول الثاني: [أن] الذي جاء بالصدق: أهل القرآن، وهو الصدق الذي ~~يجيبون به يوم القيامة، وقد أدوا حقه، فهم الذين صدقوا به، قاله ~~مجاهد. # والثالث: أن الذي جاء بالصدق الأنبياء، قاله الربيع، فعلى هذا، يكون ~~الذي صدق به: المؤمنون. # والرابع: أن الذي جاء بالصدق: جبريل، وصدق به: محمد، قاله السدي. # قوله تعالى: { أولئك هم المتقون } أي: ms1748 الذين اتقوا الشرك؛ ~~وإنما قيل: " هم " ، لأن معنى " الذي " معنى الجمع، كذلك قال اللغويون، ~~وأنشد أبو عبيدة، والزجاج: # فإن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم، كل القوم، يا أم خالد # قوله تعالى: { ليكفر الله عنهم } المعنى: أعطاهم ماشاؤوا ليكفر ~~عنهم { أسوأ الذي عملوا } ، أي: ليستر ذلك بالمغفرة { ويجزيهم ~~أجرهم } بمحاسن أعمالهم لا بمساوئها. ### || [39.36-38] # قوله تعالى: { أليس الله بكاف عبده } ذكر المفسرون أن مشركي ~~مكة قالوا: يا محمد، ما تزال تذكر آلهتنا وتعيبها، فاتق أن تصيبك ~~بسوء، فنزلت هذه الآية. والمراد بعبده هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم. # وقرأ حمزة، والكسائي: { عباده } على الجمع، وهم الأنبياء، لأن الأمم ~~قصدتهم بالسوء؛ فالمعنى: أنه كما كفى الأنبياء قبلك، يكفيك. وقرأ ~~سعد بن أبي وقاص، وأبو عمران الجوني: { بكافي } مثبتة الياء " عبده ~~" بكسر الدال والهاء من غير ألف. وقرأ أبي بن كعب، وأبو العالية، وأبو ~~الجوزاء، والشعبي مثله، إلا أنهم أثبتوا الألف في { عباده }. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش: { بكاف } ~~بالتنوين، { عباده } على الجمع. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء العطاردي: ~~{ يكافي } بياء مرفوعة قبل الكاف وياء ساكنة بعد الفاء { عباده } ~~على الجمع. # { وخوفونك بالذين من دونه } أي: بالذين يعبدون من دونه، ~~وهم الأصنام. # ثم أعلم بما بعد هذا أن الإضلال والهداية إليه تعالى، وأنه ~~منتقم ممن عصاه، ثم أخبر أنهم مع عبادتهم، يقرون أنه الخالق. ثم أمر ~~أن يحتج عليهم بأن ما يعبدون لا يملك كشف ضر ولا جلب ~~خير. # وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: { كاشفات ضره } و { ممسكات رحمته ~~} منونا. والباقون: { كاشفات ضره } و { ممسكات رحمته } على ~~الإضافة. ### || [39.39-41] # قوله تعالى: { قل يا قوم اعملوا } ذكر بعض المفسرين أنها والآية التي ~~تليها نسخت بآية السيف. # قوله تعالى: { إنا أنزلنا عليك الكتاب } يعني القرآن { للناس } ~~أي: لجميع الخلق { بالحق } ليس فيه باطل. وتمام الآية مفسر في ~~آخر [يونس: 108]، وذكروا أنه منسوخ بآية السيف. ### || [39.42] # قوله تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها } أي: ~~يقبض الأرواح حين موت أجسادها ms1749 { والتي لم تمت } أي: ويتوفى ~~التي لم تمت { في منامها }. # { فيمسك } أي: عن الجسد [والنفس] { التي قضى عليها الموت } وقرأ ~~حمزة، والكسائي: { قضي } بضم القاف وفتح الياء، { الموت } بالرفع. # { ويرسل الأخرى } إلى الجسد { إلى أجل مسمى } وهو انقضاء ~~العمر { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } في أمر البعث، ~~وروى [سعيد] بن جبير عن ابن عباس قال: تلتقي أرواح الأحياء وأرواح ~~الأموات في المنام، فيتعارفون ويتساءلون، ثم ترد أرواح الأحياء ~~إلى أجسادها، فلا يخطأ بشيء منها، فذلك قوله: { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون } وقال ابن عباس في رواية أخرى: في ابن آدم نفس وروح، ~~فبالنفس العقل والتمييز، وبالروح النفس والتحريك، فإذا نام ~~العبد، قبض الله نفسه ولم يقبض روحه وقال ابن جريج: في ~~الإنسان روح ونفس، بينهما حاجز، فهو تعالى يقبض النفس عند ~~النوم يردها إلى الجسد عند الانتباه، فإذا أراد إماتة العبد في ~~نومه، لم يرد النفس وقبض الروح. # وقد اختلف العلماء، هل بين النفس والروح فرق؟ على قولين قد ~~ذكرتهما في " الوجوه والنظائر " ، وزدت هذه الآية شرحا في باب التوفي ~~في كتاب " النظائر " ، وذهب بعض العلماء إلى أن التوفي المذكور في حق ~~النائم هو نومه، وهذا اختيار الفراء وابن الأنباري؛ فعلى هذا، يكون ~~معنى توفي النائم: قبض نفسه عن التصرف، وإرسالها: إطلاقها ~~باليقظة للتصرف. ### || [39.43-44] # قوله تعالى: { أم اتخذوا } يعني كفار مكة. # وفي المراد بالشفعاء قولان: # أحدهما: أنها الأصنام، زعموا أنها تشفع لهم في حاجاتهم، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: الملائكة، قاله مقاتل. # { قل أولو كانوا لا يملكون شيئا } من الشفاعة { ولا يعقلون ~~} أنكم تعبدونهم؟! وجواب هذا الاستفهام محذوف، تقديره: أولو كانوا ~~بهذه الصفة تتخذونهم. # { قل لله الشفاعة جميعا } أي: لا يملكها أحد إلا ~~بتمليكه، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. ### || [39.45-48] # قوله تعالى: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: انقبضت عن التوحيد، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: استكبرت، قاله قتادة. والثالث: نفرت، قاله أبو عبيدة، ~~والزجاج. # قوله تعالى: { وإذا ذكر الذين ms1750 من دونه } يعني الأصنام { إذا ~~هم يستبشرون } يفرحون. وما بعد هذا قد تقدم تفسيره [الأنعام: 14 ~~73] [البقرة: 113] [الرعد:18] إلى قوله { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون }. قال السدي: ظنوا أن أعمالهم حسنات، فبدت لهم سيئات. ~~وقال غيره: عملوا أعمالا ظنوا أنها تنفعهم، فلم تنفع مع شركهم. ~~قال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا مالم يحتسبوا أنه نازل بهم؛ فهذا ~~القول يحتمل وجهين: # أحدهما: أنهم كانوا يرجون القرب من الله بعبادة الأصنام، فلما ~~عوقبوا عليها، بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون. # والثاني: أن البعث والجزاء لم يكن في حسابهم، وروي عن محمد بن ~~المنكدر أنه جزع عند الموت وقال: أخشى هذه الآية أن يبدو لي مالا ~~أحتسب. # قوله تعالى: { وحاق بهم } أي: نزل بهم { ما كانوا به يستهزؤن } أي: ما ~~كانوا ينكرونه ويكذبون به. ### || [39.49-52] # قوله تعالى: { فإذا مس الإنسان ضر دعانا } قال مقاتل: هو أبو ~~حذيفة ابن المغيرة، وقد سبق في هذه السورة نظيرها [الزمر: 8] وإنما كنى ~~عن النعمة بقوله { أوتيته } ، لأن المراد بالنعمة: الإنعام. # { على علم } عندي، أي: على خير علمه الله عندي. وقيل: على ~~علم من الله بأني له أهل، قال الله تعالى: { بل هي } يعني ~~النعمة التي أنعم [الله] عليه بها { فتنة } أي: بلوى يبتلى بها ~~العبد ليشكر أو يكفر، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن ذلك ~~استدراج لهم وامتحان. وقيل: " بل هي " أي: المقالة التي قالها فتنة. # { قد قالها } يعني تلك الكلمة، وهي قوله: { إنما أوتيتة على علم } ~~{ الذين من قبلهم } وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم الأمم الماضية، قاله السدي. # والثاني: قارون، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { فما أغنى عنهم } أي: ما دفع عنهم العذاب { ما كانوا ~~يكسبون } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: من الكفر. # والثاني: من عبادة الأصنام. # والثالث: من الأموال. # { فأصابهم سيئات ما كسبوا } أي: جزاء سيئاتهم، وهو العذاب. # ثم أوعد كفار مكة، فقال: { والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين } أي: إنهم لا يعجزون الله ~~ولا يفوتونه. # قال مقاتل: ثم وعظهم ليعلموا ms1751 وحدانيته حين مطروا بعد سبع سنين، ~~فقال: { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر إن في ذلك } أي: في بسط الرزق وتقتيره { لآيات لقوم ~~يؤمنون }. ### || [39.53-55] # قوله تعالى: { قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } في سبب ~~نزولها أربعة أقوال: # أحدها: أن ناسا من المشركين كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا ~~فأكثروا، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي ~~تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت ~~هذه الآية. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر ~~من المسلمين كانوا قد أسلموا، ثم عذبوا فافتتنوا، فكان أصحاب رسول ~~الله يقولون: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا، قوم ~~تركوا دينهم بعذاب عذبوه! فنزلت هذه الآية، فكتبها عمر إلى عياش ~~والوليد وأولئك النفر، فأسلموا وهاجروا؛ وهذا قول ابن عمر. # والثالث: أنها نزلت في وحشي، وهذا القول ذكرناه مشروحا في آخر ~~[الفرقان: 68] عن ابن عباس. # والرابع: أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان ~~وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ~~ونسلم وقد فعلنا ذلك؟! فنزلت هذه الآية؛ وهذا مروي عن ابن عباس ~~أيضا. # ومعنى { أسرفوا على أنفسهم } ارتكبوا الكبائر، والقنوط بمعنى اليأس. ~~{ وأنيبوا } بمعنى ارجعوا إلى الله من الشرك والذنوب، { وأسلموا ~~له } أي: أخلصوا له التوحيد. و { تنصرون } بمعنى تمنعون. # { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم } قد بيناه في قوله # يأخذوا بأحسنها # [الأعراف: 145]. ### || [39.56-59] # قوله تعالى: { أن تقول نفس } قال المبرد: المعنى: بادروا ~~قبل أن تقول نفس، وحذرا من أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن ~~تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا القول. ومعنى { يا حسرتا } يا ندامتا ويا ~~حزنا. والتحسر: الاغتمام على ما فات. والألف في { يا حسرتا } هي ياء ~~المتكلم، والمعنى: يا حسرتي على الإضافة. قال الفراء: والعرب تحول ~~الياء إلى الألف في كل كلام معناه الاستغاثة ويخرج على لفظ الدعاء، ~~وربما أدخلت العرب الهاء بعد هذه ms1752 الألف، فيخفضونها مرة، ~~ويرفعونها أخرى. وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو عمران، وأبو الجوزاء: { ~~يا حسرتي } بكسر التاء، على الإضافة إلى النفس. وقرأ معاذ القارىء، ~~وأبو جعفر: { يا حسرتاي } بألف بعد التاء وياء مفتوحة. قال الزجاج: وزعم ~~الفراء أنه يجوز " يا حسرتاه على كذا " بفتح الهاء، و " يا حسرتاه " ~~بالضم والكسر، والنحويون أجمعون لا يجيزون أن تثبت هذه الهاء مع ~~الوصل. # قوله تعالى: { في جنب الله } فيه خمسة أقوال: # أحدها: في طاعة الله تعالى، قاله الحسن. # والثاني: في حق الله، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: في أمر الله، قاله مجاهد، والزجاج. # والرابع: في ذكر الله، قاله عكرمة، والضحاك. # والخامس: في قرب الله؛ روي عن الفراء أنه قال: الجنب: القرب، أي: ~~في قرب الله وجواره؛ يقال: فلان يعيش في جنب فلان، أي: في قربه ~~وجواره؛ فعلى هذا يكون المعنى: [على] ما فرطت في طلب قرب الله ~~تعالى، وهو الجنة. # قوله تعالى: { وإن كنت لمن الساخرين } أي: وما كنت إلا من ~~المستهزئين بالقرآن وبالمؤمنين في الدنيا. # { أو تقول لو أن الله هداني } أي: أرشدني إلى دينه { لكنت من ~~المتقين } الشرك؛ فيقال لهذا القائل: { بلى قد جاءتك آياتي } قال ~~الزجاج: و " بلى " جواب النفي، وليس في الكلام لفظ النفي، غير أن معنى { ~~لو أن الله هداني } ما هديت، فقيل: " بلى قد جاءتك آياتي ". وروى ابن ~~أبي سريج [عن الكسائي] { جاءتك } { فكذبت } ، { واستكبرت } ~~{ وكنت } ، بكسر التاء فيهن، مخاطبة للنفس ومعنى " استكبرت ~~": تكبرت عن الإيمان بها. ### || [39.60-61] # قوله تعالى: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله } فزعموا أن ~~له ولدا وشريكا { وجوههم مسودة }. وقال الحسن: هم الذين ~~يقولون: إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل، وباقي الآية قد ذكرناه ~~آنفا [الزمر:32]. # قوله تعالى: { وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم } وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { بمفازاتهم } قال الفراء: وهو كما قد تقول: ~~قد تبين أمر القوم وأمورهم، وارتفع الصوت والأصوات، والمعنى واحد. ~~وفيها للمفسرين ثلاثة أقوال: # أحدها: بفضائلهم، قاله السدي. # والثاني: بأعمالهم، قاله ابن السائب، ومقاتل. ms1753 # والثالث: بفوزهم من النار. # قال المبرد: المفازة: مفعلة من الفوز، وإن جمع فحسن، كقولك: ~~السعادة والسعادات، والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم أي: بنجاتهم من النار ~~وفوزهم بالجنة. ### || [39.62-63] # قوله تعالى: { له مقاليد السموات والأرض } قال ابن قتيبة: أي: ~~مفاتيحها وخزائنها، لأن مالك المفاتيح مالك الخزائن، واحدها إقليد، ~~وجمع على غير واحد، كما قالوا: مذاكير جمع ذكر، ويقال: هو فارسي ~~معرب. [وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: الإقليد: المفتاح، فارسي ~~معرب]، قال الراجز: # لم يؤذها الديك بصوت تغريد # ولم تعالج غلقا باقليد # والمقليد: لغة في الإقليد، والجمع: مقاليد. # وللمفسرين في المقاليد قولان. # أحدهما: المفاتيح، قاله ابن عباس. # والثاني: الخزائن، قاله الضحاك. وقال الزجاج: تفسيره: أن كل شيء في ~~السموات والأرض، فهو خالقه وفاتح بابه. قال المفسرون: مفاتيح السموات: ~~المطر، ومفاتيح الأرض: النبات. ### || [39.64-66] # قوله تعالى: { أفغير الله تأمروني أعبد } قرأ نافع، وابن ~~عامر: { تأمروني أعبد } مخففة، غير أن نافعا فتح الياء، ولم ~~يفتحها ابن عامر. وقرأ ابن كثير: { تأمروني } بتشديد النون وفتح الياء. ~~وقرأ الباقون بسكون الياء. وذلك حين دعوه إلى دين آبائه { أيها ~~الجاهلون } أي: فيما تأمرون. # قوله تعالى: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك } فيه ~~تقديم وتأخير، تقديره: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك وكذلك أوحي إلى الذين من قبلك. قال أبو عبيدة: ومجازها ~~مجاز الأمرين اللذين يخبر عن أحدهما ويكف عن الآخر، قال ابن ~~عباس: هذا أدب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتهديد لغيره، ~~لأن الله عز وجل قد عصمه من الشرك. وقال غيره: إنما خاطبه بذلك، ~~ليعرف من دونه أن الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها، ~~ولو وقع من نبي. وقرأ أبو عمران، وابن السميفع، ويعقوب: { ~~لنحبطن } بالنون، " عملك " بالنصب. { بل الله فاعبد } ~~أي: وحد. ### || [39.67] # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } سبب نزولها # " أن رجلا من أهل الكتاب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~أبا القاسم، بلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع ~~والأرضين على إصبع والشجر على ms1754 إصبع والثرى على إصبع؟! ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله ابن مسعود. [وقد أخرج البخاري ~~ومسلم في " الصحيحين " نحوه عن ابن مسعود]. وقد فسرنا أول هذه الآية في ~~[الأنعام: 91] قال ابن عباس: هذه الآية في الكفار، فأما من آمن بأنه ~~على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره. # ثم ذكر عظمته بقوله { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسموات مطويات بيمينه } وقد أخرج البخاري ومسلم في " الصحيحين " ~~من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: ~~أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " # وأخرجا من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ~~ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ " # قال ابن عباس: الأرض والسموات كلها بيمينه. وقال سعيد بن جبير: ~~السموات قبضة والأرضون قبضة. ### || [39.68-70] # قوله تعالى: { ونفخ في الصور فصعق } وقرأ ابن السميفع، وابن ~~يعمر، والجحدري: { فصعق } بضم الصاد { من في السموات ومن في الأرض ~~} أي: ماتوا من الفزع وشدة الصوت. وقد بينا هذه الآية والخلاف في ~~الذين استثنوا في سورة [النمل: 87]. # { ثم نفخ فيه أخرى } وهي نفخة البعث { فإذا هم } يعني الخلائق ~~{ قيام ينظرون }. # قوله تعالى: { وأشرقت الأرض بنور ربها } أي: أضاءت. والمراد ~~بالأرض: عرصات القيامة. # قوله تعالى: { ووضع الكتاب } فيه قولان: # أحدهما: كتاب الأعمال، قاله قتادة، ومقاتل. # والثاني: الحساب، قاله السدي. وفي الشهداء قولان: # أحدهما: أنهم الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، قاله الجمهور، ثم ~~فيهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم المرسلون من الأنبياء. والثاني: أمة ~~محمد يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وتكذيب الأمم إياهم، رويا عن ~~ابن عباس رضي الله عنه. والثالث: الحفظه، قاله عطاء. والرابع: ~~النبيون والملائكة وأمة محمد صلى الله عليه وسلم والجوارح، قاله ~~ابن زيد. # والثاني: أنهم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، قاله قتادة، والأول ~~أصح. # { ووفيت كل نفس ms1755 ما عملت } أي: جزاء عملها { وهو ~~أعلم بما يفعلون } أي: لا يحتاج إلى كاتب ولا شاهد. ### || [39.71-75] # قوله تعالى: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } قال أبو ~~عبيدة: الزمر: جماعات في تفرقة بعضهم على إثر بعض، واحدها: زمرة. # قوله تعالى: { رسل منكم } أي: من أنفسكم. و { كلمة العذاب } هي ~~قوله # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18]. # قوله تعالى: { فتحت أبوابها } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: { فتحت } و { فتحت } مشددتين؛ وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: بالتخفيف. # وفي هذه الواو ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها زائدة، روي عن جماعة من اللغويين منهم الفراء. # والثاني: أنها واو الحال؛ فالمعنى: جاؤوها وقد فتحت أبوابها، فدخلت ~~الواو لبيان أن الأبواب كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفت من قصة أهل ~~النار لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، ووجه الحكمة في ذلك من ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أن أهل الجنة جاؤوها وقد فتحت أبوابها ليستعجلوا السرور ~~والفرح إذا رأوا الأبواب مفتحة، وأهل النار يأتونها وأبوابها ~~مغلقة ليكون أشد لحرها، ذكره أبو إسحاق ابن شاقلا من أصحابنا. # والثاني: أن الوقوف على الباب المغلق نوع ذل، فصين أهل الجنة ~~عنه، وجعل في حق أهل النار، ذكره لي بعض مشايخنا. # والثالث: أنه لو وجد أهل الجنة بابها مغلقا لأثر انتظار ~~فتحه في كمال الكرم، ومن كمال الكرم غلق باب النار إلى حين ~~مجيء أهلها، لأن الكريم يعجل المثوبة، ويؤخر العقوبة، وقد قال عز ~~وجل: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم # [النساء: 147] قال المصنف: هذا وجه خطر لي. # والقول الثالث: أن الواو زيدت لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب ~~النار سبعة، والعرب تعطف في العدد بالواو على ما فوق السبعة على ما ~~ذكرناه في قوله: # ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم # [الكهف: 22] حكى هذا القول والذي قبله الثعلبي. # واختلف العلماء: أين جواب هذه الآية؟ على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الجواب محذوف، قاله أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج في آخرين. ~~وفي تقدير هذا المحذوف قولان: # أحدهما: أن تقديره: { حتى إذا جاؤوها... } إلى آخر الآية سعدوا، ~~قاله المبرد. # والثاني: { حتى ms1756 إذا جاؤوها... } إلى قوله: { فادخلوها خالدين }.. ~~دخلوها، وإنما حذف، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا اختيار الزجاج. # والقول الثاني: أن الجواب: قال لهم خزنتها، والواو زائدة، ذكره الأخفش. ~~قال: ومثله في الشعر. # فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن # إلا كلمة حالم بخيال # أي: فإذا ذلك. # والثالث: الجواب: { حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها } والواو زائدة، ~~حكاه الزجاج عن قوم من أهل اللغة. # وفي قوله: { طبتم } خمسة أقوال: # أحدها: أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة وجدوا عند بابها شجرة يخرج ~~من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما فلا يبقى في بطونهم أذى ولا ~~قذى إلا خرج، ويغتسلون من الأخرى، فلا تغبر جلودهم ولا ~~تشعث أشعارهم أبدا، حتى إذا انتهوا إلى باب الجنة قال لهم ~~عند ذلك خزنتها: { سلام عليكم طبتم } رواه عاصم بن ضمرة عن علي رضى ~~الله عنه، وقد ذكرنا في [الأعراف: 44] نحوه عن ابن عباس. # والثاني: طاب لكم المقام، قاله ابن عباس. # والثالث: طبتم بطاعة الله، قاله مجاهد. # والرابع: أنهم طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة، واقتص من ~~بعضهم لبعض، فلما هذبوا قالت لهم الخزنة: طبتم، قاله ~~قتادة. # والخامس: كنتم طبين في الدنيا، قاله الزجاج. # فلما دخلوها قالوا: { الحمد لله الذي صدقنا وعده } بالجنة { ~~وأورثنا الأرض } أي أرض الجنة { نتبوأ منها حيث نشاء } أي: ~~نتخذ فيها من المنازل ما نشاء. وحكى أبو سليمان الدمشقي: أن أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة قبل الأمم فينزلون منها حيث شاؤوا، ~~ثم تنزل الأمم بعدهم فيها، فلذلك قالوا: " نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~"؛ يقول الله عز وجل: { فنعم أجر العاملين } أي: نعم ثواب ~~المطيعين في الدنيا الجنة. # قوله تعالى: { وترى الملائكة حافين من حول العرش }: أي ~~محدقين به، يقال: حف القوم بفلان: إذا أحدقوا به؛ ودخلت ~~" من " للتوكيد، كقولك: ما جاءني من أحد. # { يسبحون بحمد ربهم } قال السدي، ومقاتل: بأمر ربهم. ~~وقال بعضهم: يسبحون بالحمد له حيث دخل الموحدون الجنة. وقال ابن ~~جرير: التسبيح هاهنا بمعنى الصلاة. # قوله تعالى: { وقضي بينهم } أي: بين ms1757 الخلائق { بالحق } أي: ~~بالعدل { وقيل الحمد لله رب العالمين } هذا قول أهل الجنة ~~شكرا لله تعالى على إنعامه. # قال المفسرون: ابتدأ الله ذكر الخلق بالحمد فقال: # الحمد لله الذي خلق السموات والأرض # [الأنعام: 1] وختم غاية الأمر وهو استقرار الفريقين في منازلهم بالحمد ~~لله بهذه الآية، فنبه على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-3] # وفي { حم } أربعة أقوال: # أحدها: قسم أقسم الله به وهو من أسمائه عز وجل، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. قال أبو سليمان: وقد قيل: إن جواب القسم قوله # إن الذين كفروا ينادون # [المؤمن: 10]. # والثاني: أنها حروف من أسماء الله عز وجل، ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن { آلر } و { حم } و { نون } حروف الرحمن، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. # والثاني: أن الحاء مفتاح اسمه " حميد " ، والميم مفتاح اسمه " مجيد " ، ~~قاله أبو العالية. # والثالث: أن الحاء مفتاح كل اسم لله ابتداؤه حاء، مثل: " حكيم " و " ~~حليم " و " حي " ، والميم مفتاح كل اسم له، ابتداؤه ميم مثل " ملك " ~~و " متكبر " و " مجيد " ، حكاه أبو سليمان الدمشقي. وروي نحوه عن عطاء ~~الخراساني. # والثالث: أن معنى { حم }: قضي ما هو كائن، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. وروي عن الضحاك والكسائي مثل هذا كأنهما أرادا الإشارة إلى ~~حم، بضم الحاء وتشديد الميم. قال الزجاج: وقد قيل في { حم }: حم ~~الأمر. # والرابع: أن { حم } اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. وقرأ ابن كثير: { ~~حم } بفتح الحاء؛ وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: بكسرها، واختلف عن ~~الباقين. قال الزجاج: أما الميم، فساكنة في قراءة القراء كلهم إلا ~~عيسى ابن عمر، فإنه فتحها؛ وفتحها على ضربين. أحدهما: أن يجعل { حم } ~~اسما للسورة، فينصبه ولا ينونه، لأنه على لفظ الأسماء الأعجمية نحو ~~هابيل وقابيل. والثاني: على معنى: اتل حم، والأجود أن يكون فتح لالتقاء ~~الساكنين حيث جعله اسما للسورة، ويكون حكاية حروف الهجاء. # قوله تعالى: { تنزيل الكتاب } أي: هذا تنزيل الكتاب. والتوب: ~~جمع توبة، وجائز أن يكون مصدرا من تاب ms1758 يتوب توبا، والطول: ~~الفضل. قال أبو عبيدة: يقال: فلان ذو طول على قومه، أي: ذو فضل. ~~وقال ابن قتيبة: يقال: طل علي يرحمك الله، أي: تفضل. قال ~~الخطابي: ذو حرف النسبة، والنسبة في كلامهم على ثلاثة أوجه: بالياء ~~كقولهم: أسدي،وبكري، والثاني: على الجمع كقولهم: المهالبة، والمسامعة، ~~والأزارقة، والثالث: ب { ذي } و { ذات } ، كقولهم: رجل مال، أي: ذو ~~مال، وكبش صاف، أي: ذو صوف، وناقة ضامر، أي ذات ضمر فقوله: ذو الطول، ~~معناه: أهل الطول والفضل. ### || [40.4-6] # قوله تعالى: { ما يجادل في آيات الله } أي: ما يخاصم فيها بالتكذيب ~~لها ودفعها بالباطل { إلا الذين كفروا } وباقي الآية في [آل عمران: ~~196]؛ والمعنى: إن عاقبة أمرهم إلى العذاب كعاقبة من قبلهم. # قوله تعالى: { وهمت كل أمة برسولهم ليأخدوه } فيه قولان: # أحدهما: ليقتلوه، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: ليحبسوه ويعذبوه، ويقال للأسير: أخيذ، حكاه ابن قتيبة. قال ~~الأخفش: وإنما قال: " ليأخذوه " فجمع على الكل، لأن الكل مذكر ~~ومعناه معنى الجماعة. وما بعد هذا مفسر في [الكهف: 56] إلى قوله { ~~فأخذتهم } أي: عاقبتهم وأهلكتهم { فكيف كان عقاب } استفهام ~~تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم. { وكذلك } أي: مثل الذي حق على الأمم ~~المكذبة { حقت كلمة ربك } بالعذاب، وهي قوله # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] على الذين كفروا من قومك. وقرأ نافع، وابن عامر: { ~~حقت كلمات ربك } ، { أنهم } قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم { ~~أصحاب النار }. ### || [40.7-9] # ثم أخبر بفضل المؤمنين فقال: { الذين يحملون العرش } وهم أربعة ~~أملاك، فإذا كان يوم القيامة جعلوا ثمانية { ومن حوله } قال وهب ~~بن منبه: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به، ومن وراء ~~هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة ليس فيهم أحد إلا وهو يسبح بما لا ~~يسبحه الآخر، وقال غيره: الذين حول العرش هم الكروبيون وهم سادة ~~الملائكة. وقد ذكرنا في السورة المتقدمة معنى قوله: { يسبحون بحمد ~~ربهم } [الزمر:75]. # قوله تعالى: { ربنا } أي: يقولون ربنا { وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما } قال الزجاج: هو منصوب على التمييز. وقال غيره: ~~المعنى: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء ms1759 { فاغفر للذين تابوا } ~~من الشرك { واتبعوا سبيلك } وهو دين الإسلام. وما بعد هذا ظاهر ~~إلى قوله: { وقهم السيئات } قال قتادة: يعني العذاب. ### || [40.10-12] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله } قال ~~المفسرون: لما رأوا أعمالهم وأدخلوا النار مقتوا أنفسهم ~~لسوء فعلهم، فناداهم مناد: لمقت الله إياكم في الدنيا { ~~إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } أكبر من مقتكم أنفسكم. # ثم أخبر عما يقولون في النار بقوله { ربنا أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين } وهذا مثل قوله # وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة:28] وقد فسرناه هنالك. # قوله تعالى: { فهل إلى خروج } أي: من النار إلى الدنيا لنعمل ~~بالطاعة { من سبيل }؟ وفي الكلام اختصار، تقديره: فأجيبوا أن لا ~~سبيل إلى ذلك؛ وقيل لهم { ذلكم } يعني العذاب الذي نزل بهم { بأنه ~~إذا دعي الله وحده كفرتم } أي: إذا قيل " لا إله إلا الله " ~~أنكرتم، وإن جعل له شريك آمنتم، { فالحكم لله } فهو الذي حكم على ~~المشركين بالنار. وقد بينا في سورة [البقرة:255] معنى العلي وفي ~~[الرعد:9] معنى الكبير. ### || [40.13-17] # { هو الذي يريكم آياته } أي: مصنوعاته التي تدل على وحدانيته ~~وقدرته. والرزق هاهنا المطر، سمي رزقا، لأنه سبب الأرزاق. و " ~~يتذكر " بمعنى يتعظ، و " ينيب " بمعنى يرجع إلى الطاعة. # ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال: { فادعوا الله ملصين له الدين ~~} أي: موحدين. # قوله تعالى: { رفيع الدرجات } قال ابن عباس: يعني رافع السموات. ~~وحكى الماوردي عن بعض المفسرين قال: معناه عظيم الصفات. # قوله تعالى: { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه. # قوله تعالى: { يلقي الروح } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنه القرآن. # والثاني: النبوة. والقولان: مرويان عن ابن عباس وبالأول قال ابن ~~زيد، وبالثاني قال السدي. # والثالث: الوحي، قاله قتادة. وإنما سمي القرآن والوحي روحا، لأن ~~قوام الدين به، كما أن قوام البدن بالروح. # والرابع: جبريل، قاله الضحاك. # والخامس: الرحمة، حكاه إبراهيم الحربي. # قوله تعالى: { من أمره } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: من قضائه، قاله ابن عباس. # والثاني: بأمره، قاله مقاتل. # والثالث: من قوله، ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: { على من يشاء ms1760 من عباده } يعني الأنبياء. # { لينذر } في المشار إليه قولان. # أحدهما: أنه الله عز وجل. # والثاني: النبي الذي يوحى إليه # والمراد ب { يوم التلاق }: يوم القيامة. وأثبت ياء { التلاقي } في ~~الحالين ابن كثير ويعقوب، وأبو جعفر. وافقهما في الوصل؛ والباقون بغير ~~ياء في الحالين، وفي سبب تسميته بذلك خمسة أقوال: # أحدها: أنه يلتقي فيه أهل السماء والأرض، رواه يوسف بن مهران عن ابن ~~عباس. # والثاني: يلتقي فيه الأولون والآخرون روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: [يلتقي] فيه الخلق والخالق، قاله قتادة ومقاتل. # والرابع: يلتقي المظلوم والظالم، قاله ميمون بن مهران. # والخامس: يلتقي المرء بعمله، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { يوم هم بارزون } أي ظاهرون من قبورهم { لا ~~يخفى على الله منهم شيء }. # فإن قيل: فهل يخفى عليه منهم اليوم شيء؟ # فالجواب: أن لا، غير أن معنى الكلام التهديد بالجزاء؛ وللمفسرين فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يخفى عليه مما عملوا شيء، قاله ابن عباس. # والثاني: لا يستترون منه بجبل ولا مدر، قاله قتادة. # والثالث: أن المعنى: أبرزهم جميعا، لأنه لا يخفى عليه منهم شيء، ~~حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { لمن الملك اليوم } اتفقوا على أن هذا يقوله الله ~~عز وجل بعد فناء الخلائق. واختلفوا في وقت قوله له على قولين: # أحدهما: [أنه] يقوله عند فناء الخلائق إذا لم يبق مجيب، فيرد هو ~~على نفسه فيقول: { لله الواحد القهار } ، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه يقوله يوم القيامة. # وفيمن يجيبه حينئذ قولان. # أحدهما: أنه يجيب نفسه، وقد سكت الخلائق لقوله، قاله عطاء. # والثاني: أن الخلائق كلهم يجيبونه فيقولون { لله الواحد القهار } ~~قاله ابن جريج. ### || [40.18-19] # قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الآزفة } فيه قولان: # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله الجمهور. قال ابن قتيبة: وسميت القيامة ~~بذلك لقربها. يقال: أزف شخوص فلان، أي: قرب. # والثاني: أنه يوم حضور المنية، قاله قطرب. # قوله تعالى: { إذ القلوب لدى الحناجر } وذلك أنها ترتقي إلى ~~الحناجر فلا تخرج ولا تعود، هذا على القول الأول. وعلى الثاني: القلوب ~~هي النفوس تبلغ الحناجر عند حضور المنية؛ ms1761 قال الزجاج: و { كاظمين } ~~منصوب على الحال، والحال محمولة على المعنى؛ لأن القلوب لا يقال لها: ~~كاظمين، وإنما الكاظمون أصحاب القلوب؛ فالمعنى: إذ قلوب الناس لدى ~~الحناجر في حال كظمهم. قال المفسرون: " كاظمين " أي: مغمومين ~~ممتلئين خوفا وحزنا، والكاظم: الممسك للشيء على ما فيه؛ وقد أشرنا ~~إلى هذا عند قوله: # والكاظمين الغيظ # [آل عمران:134]. # { ما للظالمين } يعني الكافرين { من حميم } أي: قريب ينفعهم { ~~ولا شفيع يطاع } فيهم فتقبل شفاعته. # { يعلم خائنة الأعين } قال ابن قتيبة: الخائنة والخيانة واحد. ~~وللمفسرين فيها أربعة أقوال: # أحدها: أنه الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فيريهم أنه يغض ~~بصره، فإذا رأى منهم غفلة لحظ إليها، فإن خاف أن يفطنوا له غض ~~بصره، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه نظر العين إلى ما نهي عنه، قاله مجاهد. # والثالث: الغمز بالعين، قاله الضحاك والسدي. قال قتادة: هو الغمز بالعين ~~فيما لا يحبه الله ولا يرضاه. # والرابع: النظرة بعد النظرة قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { وما تخفي الصدور } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما تضمره من الفعل أن لو قدرت على ما نظرت إليه، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: الوسوسة، قاله السدي. # والثالث: ما يسره القلب من أمانة أو خيانة حكاه المارودي. ### || [40.20-25] # قوله تعالى: { والله يقضي بالحق } أي: يحكم به فيجزي بالحسنة ~~والسيئة { والذين يدعون من دونه } من الآلهة. وقرأ نافع وابن ~~عامر { تدعون } بالتاء، على معنى: قل لهم: { لا يقضون بشيء } ~~أي: لا يحكمون بشيء ولا يجازون به؛ وقد نبه الله عز وجل بهذا ~~على أنه حي، لأنه إنما يأمر ويقضي من كان حيا، وأيد ذلك بذكر ~~السمع والبصر، لأنهما إنما يثبتان لحي، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~وما بعد هذا قد تقدم بعضه [يوسف:109] وبعضه ظاهر إلى قوله: { كانوا هم ~~أشد منهم قوة } وقرأ ابن عامر: { أشد منكم } بالكاف، ~~وكذلك هو في مصاحفهم، وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، { وما ~~كان لهم من الله } أي: من عذاب الله { من واق } يقي العذاب عنهم. # { ذلك } أي: ذلك العذاب ms1762 الذي نزل بهم { بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات.... } إلى آخر الآية. # ثم ذكر قصة موسى وفرعون ليعتبروا. وأراد بقوله { اقتلوا أبناء الذين ~~آمنوا معه } أعيدوا القتل عليهم كما كان أولا، قاله ابن عباس. وقال ~~قتادة: كان فرعون قد كف عن قتل الولدان، فلما بعث الله موسى، ~~أعاد عليهم القتل ليصدهم بذلك عن متابعة موسى. # قوله تعالى: { وما كيد الكافرين إلا في ضلال } أي إنه يذهب ~~باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل. ### || [40.26-34] # { وقال فرعون ذروني أقتل موسى } وإنما قال هذا، لأنه كان في ~~خاصة فرعون من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك { وليدع ~~ربه } الذي يزعم أنه أرسله فليمنعه من القتل { إني أخاف أن ~~يبدل دينكم } أي: عبادتكم إياي { وأن يظهر في الأرض الفساد } ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: { وأن } بغير ألف. وقرأ ~~عاصم، وحمزة، والكسائي: { أو أن } بألف قبل الواو على معنى: إن لم يبدل ~~دينكم أوقع الفساد، إلا أن نافعا وأبا عمرو قرآ: { يظهر } ~~بضم الياء { الفساد } بالنصب. وقرأ الباقون { يظهر } بفتح الياء " ~~الفساد " بالرفع، والمعنى: يظهر الفساد بتغيير أحكامنا فجعل ذلك فسادا ~~بزعمه؛ وقيل: يقتل أبناءكم كما تفعلون بهم. # فلما قال فرعون هذا، استعاذ موسى بربه فقال: { إني عذت بربي ~~وربكم } قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر: { عذت } مبينة الذال، ~~وأدغمها أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف { من كل ~~متكبر } أي: متعظم عن الإيمان فقصد فرعون قتل موسى، فقال حينئذ { ~~رجل مؤمن من آل فرعون... }. # وفي الآل هاهنا قولان. # أحدهما: [أنه] بمعنى الأهل والنسب؛ قال السدي ومقاتل: كان ابن عم ~~فرعون، وهو المراد بقوله # وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى # [القصص: 20]. # والثاني: أنه بمعنى القبيلة والعشيرة؛ قال قتادة ومقاتل: كان قبطيا. ~~وقال قوم: كان إسرائيليا، وإنما المعنى: قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من ~~آل فرعون؛ وفي اسمه خمسة أقوال: # أحدها: حزبيل، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: حبيب: قاله كعب. # والثالث: سمعون، بالسين المهملة، قاله شعيب الجبائي. # والرابع: جبريل. # والخامس: شمعان، بالشين ms1763 المعجمة، رويا عن ابن إسحاق، وكذلك حكى الزجاج " ~~شمعان " بالشين، وذكره ابن ماكولا بالشين المعجمة أيضا. والأكثرون على ~~أنه آمن بموسى لما جاء. وقال الحسن: كان مؤمنا قبل مجيء موسى، وكذلك ~~امرأة فرعون. قال مقاتل: كتم إيمانه من فرعون مائة سنة. # قوله تعالى { أتقتلون رجلا أن يقول } أي: لأن يقول { ربي الله ~~} وهذا استفهام إنكار { وقد جاؤكم بالبينات } أي: بما يدل على صدقه ~~{ وإن يك كاذبا فعليه كذبه } أي: لا يضركم ذلك { وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } من العذاب. وفي " بعض " ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنها بمعنى " كل " ، قاله أبو عبيدة، وأنشد للبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يعتلق بعض النفوس حمامها # أراد: كل النفوس. # والثاني: أنها صلة؛ والمعنى: يصبكم الذي يعدكم، حكي عن الليث. # والثالث: أنها على أصلها، ثم في ذلك قولان. # أحدهما: أنه وعدهم النجاة إن آمنوا، والهلاك إن كفروا، فدخل ذكر ~~البعض لأنهم على أحد الحالين. # والثاني: أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، فصار ~~هلاكهم في الدنيا بعض الوعد، ذكرهما الماوردي. # قال الزجاج: هذا باب من النظر يذهب فيه المناظر إلى إلزام الحجة ~~بأيسر ما في الأمر، وليس في هذا نفي إصابة الكل، ومثله قول الشاعر: # قد يدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون من المستعجل الزلل # وإنما ذكر البعض ليوجب الكل، لأن البعض من الكل، ولكن القائل إذا ~~قال: أقل ما يكون للمتأني إدراك بعض الحاجة، وأقل ما يكون للمستعجل ~~الزلل، فقد أبان فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم ~~أن يدفعه، فكأن المؤمن قال لهم: أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم ~~بعض الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هلاككم؛ قال: وأما بيت لبيد، فإنه أراد ~~ببعض النفوس: نفسه وحدها. # قوله تعالى: { إن الله لا يهدي } أي: لا يوفق للصواب { من هو ~~مسرف } وفيه قولان. # أحدهما: أنه المشرك، قاله قتادة. # والثاني: أنه السفاك للدم، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { ظاهرين في الأرض } أي: عالين في أرض مصر { فمن ~~ينصرنا } أي: من ms1764 يمنعنا { من بأس الله } أي: من عذابه؛ والمعنى: ~~لا تتعرضوا للعذاب بالتكذيب وقتل النبي، فقال فرعون عند ذلك: { ~~ما أريكم } من الرأي والنصيحة { إلا ما أرى } لنفسي { وما أهديكم ~~} أي: أدعوكم إلا إلى طريق الهدى في تكذيب موسى والإيمان بي، وهذا ~~يدل على أنه انقطع عن جواب المؤمن. # { وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } ~~قال الزجاج: أي مثل يوم حزب حزب؛ والمعنى: أخاف أن تقيموا على ~~كفركم فينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بالأمم المكذبة رسلهم. # قوله تعالى: { يوم التناد } قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: { التناد } بغير ياء. وأثبت الياء في الوصل والوقف ابن ~~كثير، ويعقوب، وافقهم أبو جعفر في الوصل. وقرأ أبو بكر الصديق، وابن ~~عباس، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وأبو العالية/ والضحاك: { التناد ~~} بتشديد الدال. قال الزجاج: أما إثبات الياء فهو الأصل، وحذفها حسن ~~جميل، لأن الكسرة تدل على الياء، وهو رأس آية، وأواخر هذه الآيات على ~~الدال، ومن قرأ بالتشديد، فهو من قولهم: ند فلان، وند البعير: ~~إذا هرب على وجهه، ويدل على هذا قوله { يوم تولون مدبرين } ~~وقوله # يوم يفر المرء من أخيه # [عبس:34] قال أبو علي: معنى الكلام إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد. ~~قال الضحاك: إذا سمع الناس زفير جهنم وشهيقها ندوا فرارا منها في ~~الأرض، فلا يتوجهون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة، فيرجعون ~~من حيث جاؤوا. وقال غيره: يؤمر بهم إلى النار فيفرون ولا عاصم لهم. ~~فأما قراءة التخفيف، فهي من النداء، وفيها للمفسرين أربعة أقوال: # أحدها: أنه عند نفخة الفزع ينادي الناس بعضهم بعضا. روى أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة ~~الفزع، فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فتسير ~~الجبال، وترج الأرض. وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويولي ~~الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا وهو قوله: { يوم التناد } " # والثاني: أنه نداء أهل الجنة والنار بعضهم بعضا ms1765 كما ذكر في ~~[الأعراف:4450]، وهذا قول قتادة. # والثالث: أنه قولهم: يا حسرتنا يا ويلتنا قاله ابن جريج. # والرابع: أنه ينادى فيه كل أناس بإمامهم بسعادة السعداء وشقاوة ~~الأشقياء. # قوله تعالى: { يوم تولون مدبرين } فيه قولان. # أحدهما: هربا من النار. # والثاني: أنه انصرافهم إلى النار. # قوله تعالى: { مالكم من الله من عاصم } أي: من مانع. # قوله تعالى: { ولقد جاءكم يوسف } وهو يوسف بن يعقوب، ويقال: إنه ليس به، ~~وليس بشيء. # قوله تعالى: { من قبل } أي: من قبل موسى { بالبينات } وهي ~~الدلالات على التوحيد، كقوله # أأرباب متفرقون خير... # الآية [يوسف:39]، وقال ابن السائب: البينات: تعبير الرؤيا وشق ~~القميص، وقيل: بل بعثه الله تعالى بعد موت ملك مصر إلى القبط. # قوله تعالى: { فما زلتم في شك مما جاءكم به } أي: من عبادة الله ~~وحده { حتى إذا هلك } أي: مات { قلتم لن يبعث الله من بعده ~~رسولا } أي: إنكم أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد إيجاب ~~الحجة عليكم { كذلك } أي: مثل هذا الضلال { يضل الله من هو ~~مسرف } أي: مشرك { مرتاب } أي: شاك في التوحيد وصدق ~~الرسل. ### || [40.35-37] # قوله تعالى: { الذين يجادلون } قال الزجاج: هذا تفسير المسرف المرتاب، ~~والمعنى: هم الذين يجادلون في آيات الله. قال المفسرون: يجادلون في ~~إبطالها والتكذيب بها بغير سلطان، أي: بغير حجة أتتهم من الله. # { كبر مقتا } أي: كبر جدالهم مقتا عند الله وعند الذين ~~آمنوا، والمعنى: يمقتهم الله ويمقتهم المؤمنون بذلك الجدال. # { كذلك } أي: كما طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا وجادلوا بالباطل، ~~يطبع { على كل قلب متكبر } عن عبادة الله وتوحيده. وقد سبق بيان ~~معنى الجبار في [هود: 59]. وقرأ أبو عمرو: { على كل قلب } بالتنوين، ~~وغيره من القراء السبعة يضيفه. وقال أبو علي: المعنى: يطبع على جملة ~~القلب من المتكبر. واختار قراءة الإضافة الزجاج: قال: لأن المتكبر ~~هو الإنسان، لا القلب. # فإن قيل: لو كانت هذه القراءة أصوب لتقدم القلب على الكل؟. # فالجواب: أن هذا جائز عند العرب، قال الفراء: تقدم هذا وتأخره واحد، ~~سمعت ms1766 بعض العرب يقول: هو يرجل شعره يوم كل جمعة، يريد: كل يوم جمعة، ~~والمعنى واحد. وقد قرأ ابن مسعود، وأبو عمران الجوني: { على قلب كل ~~متكبر } بتقديم القلب. # قال المفسرون: فلما وعظ المؤمن فرعون وزجره عن قتل موسى، قال فرعون ~~لوزيره: { يا هامان ابن لي صرحا } وقد ذكرناه في [القصص: 38]. # قوله تعالى: { لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات } قال ابن عباس. ~~وقتادة: يعني أبوابها. وقال أبو صالح: طرقها. وقال غيره: المعنى: لعلي ~~أبلغ الطرق من سماء الى سماء. وقال الزجاج لعلي أبلغ ما ~~يؤديني إلى السموات. وما بعد هذا مفسر في [القصص:38] إلى قوله: { ~~وكذلك } أي: ومثل ما وصفنا { زين لفرعون سوء عمله وصد } ~~عن سبيل الهدى قرأ عاصم، وحمزة والكسائي: { وصد } بضم الصاد، والباقون ~~بفتحها، { وما كيد فرعون } في إبطال آيات موسى { إلا في تباب } ~~أي: في بطلان وخسران. ### || [40.38-40] # ثم عاد الكلام إلى نصيحة المؤمن لقومه، وهو قوله: { اتبعون أهدكم ~~سبيل الرشاد } أي: طريق الهدى، { يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا ~~متاع } يعني الحياة في هذه الدار متاع يتمتع بها أياما ثم تنقطع { ~~وإن الآخرة هي دار القرار } التي لازوال لها. # { من عمل سيئة } فيها قولان.. # أحدهما: أنها الشرك، ومثلها جهنم، قاله الأكثرون. # والثاني: المعاصي، ومثلها: العقوبة بمقدارها، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. فعلى الأول، العمل الصالح: التوحيد، وعلى الثاني، هو [على] ~~الإطلاق. # قوله تعالى: { فأولئك يدخلون الجنة } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " ~~يدخلون " بضم الياء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بالفتح، ~~وعن عاصم كالقراءتين. # وفي قوله: { بغير حساب } قولان. # أحدهما: أنهم لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة، قاله مقاتل. # والثاني: أنه يصب عليهم الرزق صبا بغير تقتير، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. ### || [40.41-46] # قوله تعالى: { ويا قوم مالي أدعوكم } أي: مالكم، كما تقول: ما لي ~~أراك حزينا، معناه: مالك، ومعنى الآية: أخبروني كيف هذه الحال، أدعوكم ~~{ إلى النجاة } من النار بالإيمان { وتدعونني إلى النار } أي: إلى ~~الشرك الذي يوجب النار؟! ثم فسر الدعوتين بما بعد هذا. # ومعنى { ليس ms1767 لي به علم } أي: لا أعلم هذا الذي ادعوه شريكا له. ~~وقد سبق بيان ما بعد هذا [البقرة:129] [طه: 82] إلى قوله: { ليس له دعوة ~~} وفيه قولان: # أحدهما: ليس له استجابة دعوة، قاله السدي. # والثاني: ليس له شفاعة، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { وأن مردنا إلى الله } أي: مرجعنا؛ والمعنى أنه ~~يجازينا بأعمالنا. وفي المسرفين قولان قد ذكرناهما عند قوله: # مسرف كذاب # [غافر:28]. # قوله تعالى: { فستذكرون ما أقول لكم } وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~العالية، وأبو عمران الجوني، وأبو رجاء: { فستذكرون } بفتح الذال ~~وتخفيفها وتشديد الكاف وفتحها؛ وقرأ أبي بن كعب، وأيوب السختياني: ~~بفتح الذال والكاف وتشديدهما جميعا. أي: إذا نزل العذاب بكم، ما أقول ~~لكم في الدنيا من النصيحة؟!. # { وأفوض أمري إلى الله } أي: أرده، وذلك أنهم تواعدوه ~~لمخالفته دينهم { إن الله بصير بالعباد } أي: بأوليائه وأعدائه. # ثم خرج المؤمن عنهم، فطلبوه فلم يقدروا عليه، ونجا مع موسى لما عبر ~~البحر، فذلك قوله { فوقاه الله سيئات ما مكروا } أي: ما أرادوا به ~~من الشر { وحاق بآل فرعون } لما لجوا في البحر { سوء العذاب } قال ~~المفسرون هو الغرق. # قوله تعالى: { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } قال ابن ~~مسعود وابن عباس: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود يعرضون على ~~النار كل يوم مرتين فيقال: يا آل فرعون هذه داركم. ورورى ابن جرير ~~قال حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: حدثنا حماد بن محمد البلخي قال: ~~سمعت الأوزاعي، وسأله رجل فقال: رأينا طيورا تخرج من البحر فتأخذ ناحية ~~الغرب بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان ~~العشي رجع مثلها سودا، قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: نعم، إن تلك ~~الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا، ~~فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداء، فينبت عليها من الليل ~~رياش بيض، وتتناثر السود، ثم تغدو ويعرضون على النار غدوا أوعشيا، ~~[ثم ترجع إلى وكورها]، فذلك دأبها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال ~~الله عزوجل { أدخلوا ms1768 آل فرعون أشد العذاب }. وقد روى البخاري ومسلم ~~في " الصحيحين " من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان ~~من أهل الجنة فمن [أهل] الجنة، وإن كان من أهل النار فمن [أهل] النار، ~~يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " # وهذه الآية تدل على عذاب القبر، لأنه بين ما لهم في الآخرة فقال { ~~ويوم تقوم الساعة ادخلوا } قرأ ابن كثير، وابن عامر، [وأبو عمرو]، ~~وأبو بكر وأبان عن عاصم: { الساعة ادخلوا } بالضم وضم الخاء على معنى ~~الأمر لهم بالدخول، والابتداء على قراءة هؤلاء بضم الألف. وقرأ الباقون: ~~بالقطع مع كسر الخاء على جهة الأمر للملائكة بإدخالهم، وهؤلاء يبتدئون ~~بفتح الألف. ### || [40.47-52] # قوله تعالى: { وإذ يتحاجون في النار } المعنى: واذكر لقومك يا محمد إذ ~~يختصمون، يعني أهل النار، والآية مفسرة في [سورة إبراهيم:21]، والذين ~~استكبروا هم القادة. ومعنى { إنا كل فيها } أي: نحن وأنتم، { إن ~~الله قد حكم بين العباد } أي: قضى هذا علينا وعليكم. ومعنى قول ~~الخزنة لهم: { فادعوا } أي: نحن لا ندعو لكم { وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال } أي: إن ذلك يبطل ولا ينفع. # { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا } فيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أن ذلك بإثبات حججهم. # والثاني: بإهلاك عدوهم. # والثالث: بأن العاقبة تكون لهم. وفصل الخطاب: أن نصرهم حاصل لابد ~~منه، فتارة يكون بإعلاء أمرهم كما أعطى داود وسليمان من الملك ما قهرا ~~به كل كافر، وأظهر محمدا صلى الله عليه وسلم على مكذبيه، وتارة يكون ~~بالانتقام من مكذبيهم بانجاء الرسل وإهلاك أعدائهم كما فعل بنوح وقومه ~~وموسى وقومه، وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاة الرسل، ~~كتسليطه بختنصر على قتلة يحيى بن زكريا. وأما نصرهم يوم يقوم الأشهاد ~~فإن الله منجيهم من العذاب، وواحد الأشهاد شاهد، كما أن واحد الأصحاب ~~صاحب. وفي الأشهاد ثلاثة أقوال: # أحدها: الملائكة شهدوا للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب، قاله ~~مجاهد والسدي. قال ms1769 مقاتل: وهم الحفظة من الملائكة. # والثاني: الملائكة والأنبياء قاله قتادة. # والثالث: أنهم أربعة: الأنبياء والملائكة والمؤمنون والجوارح، قاله ابن ~~زيد. # قوله تعالى: { يوم لا ينفع } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " تنفع ~~" بالتاء، والباقون بالياء؛ لأن المعذرة والاعتذار بمعنى { الظالمين ~~معذرتهم } أي: لا يقبل منهم إن اعتذروا { ولهم اللعنة } أي: البعد ~~من الرحمة. وقد بينا في [الرعد: 25] أن " لهم " بمعنى " عليهم " و { ~~وسوء الدار }: النار. ### || [40.53-68] # { ولقد آتينا موسى الهدى } من الضلالة، يعني التوراة { وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب } بعد موسى، وهو التوراة أيضا في قول الأكثرين؛ وقال ابن ~~السائب: التوراة والإنجيل والزبور. والذكرى بمعنى التذكير. # { فاصبر } على أذاهم { إن وعد الله حق } في نصرك، وهذه الآية ~~في هذه السورة في موضعين [غافر:5577]، وقد ذكروا أنها منسوخة بآية ~~السيف. ومعنى: { سبح } صل. # وفي المراد بصلاة العشي والإبكار ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس. # والثاني: صلاة الغداة وصلاة العصر، قاله قتادة. # والثالث: أنها صلاة كانت قبل أن تفرض الصلوات، ركعتان غدوة وركعتان ~~عشية، قاله الحسن. # وما بعد هذا قد تقدم آنفا [المؤمن: 4] إلى قوله: { إن في صدورهم إلا ~~كبر... } الآية نزلت في قريش؛ والمعنى: ما يحملهم على تكذيبك إلا ~~ما في صدورهم من التكبر عليك، وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر؛ لأن ~~الله تعالى مذلهم { فاستعذ بالله } من شرهم؛ ثم نبه على قدرته ~~بقوله { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } أي: من ~~إعادتهم، وذلك لكثرة أجزائها وعظم جرمها، فنبههم على قدرته على ~~إعادة الخلق { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يعني الكفار حين لا ~~يستدلون بذلك على التوحيد. وقال مقاتل: عظمت اليهود الدجال ~~وقالوا: إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان، فقال الله: { إن ~~الذين يجادلون في آيات الله } لأن الدجال من آياته، { بغير سلطان } ~~أي: [بغير] حجة، فاستعذ بالله من فتنة الدجال. قال: والمراد ب { خلق ~~الناس }: الدجال؛ وإلى نحو هذا ذهب أبو العالية، والأول أصح. # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: { ادعوني أستجب لكم } فيه قولان. # أحدهما: ms1770 وحدوني واعبدوني أثبكم، قاله ابن عباس. # والثاني: سلوني أعطكم، قاله السدي. # { إن الذين يستكبرون عن عبادتي } فيه قولان. # أحدهما: عن توحيد،. # والثاني: عن دعائي ومسألتي { سيدخلون جهنم } قرأ ابن كثير، وأبو ~~بكر عن عاصم، وعباس بن الفضل عن أبي عمرو: { سيدخلون } [بضم الياء]، ~~والباقون بفتحها والداخر الصاغر. # وما بعد هذا قد سبق في مواضع متقرفة [يونس:67] [القصص:73] [الأنعام:95] ~~[النمل:61] [الأعراف:54 29] [الحج:5] إلى قوله { ولتبلغوا أجلا مسمى ~~} وهو أجل الحياة إلى الموت { ولعلكم تعقلون } توحيد الله وقدرته. ### || [40.69-85] # { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله } يعني القرآن، يقولون: ليس ~~من عند الله، { أنى يصرفون } أي: كيف صرفوا عن الحق إلى الباطل؟! ~~وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم المشركون، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم القدرية، ذكره جماعة من المفسرين. وكان ابن سيرين ~~يقول: إن لم تكن نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت. # وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، وأبو مجلز، والضحاك، وابن يعمر، ~~وابن أبي عبلة: { والسلاسل يسحبون } بفتح اللام والياء. وقال ابن ~~عباس: إذا سحبوها كان أشد عليهم. # قوله تعالى: { يسجرون } قال مجاهد: توقد بهم النار فصاروا ~~وقودها. # قوله تعالى: { أين ما كنتم تشركون } مفسر في [الأعراف:190]. # وفي قوله: { لم نكن ندعو من قبل شيئا } قولان. # أحدهما: أنهم أرادوا أن الأصنام لم تكن شيئا، لأنها لم تكن تضر ولا ~~تنفع، وهو قول الأكثرين. # والثاني: أنهم قالوه على وجه الجحود، قاله أبو سليمان الدمشقي. { كذلك } ~~أي: كما أضل الله هؤلاء يضل الكافرين. # { ذلكم } العذاب الذي نزل بكم { بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق } ~~أي: بالباطل { وبما كنتم تمرحون } وقد شرحنا المرح في [بني ~~إسرائيل:37] وما بعد هذا قد تقدم بتمامه [النحل:29] [يونس:109] ~~[النساء:164] إلى قوله: { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا باذن الله } ~~وذلك لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات { فإذا جاء أمر الله } وهو قضاؤه ~~بين الأنبياء وأممهم و { المبطلون }: أصحاب الباطل. # قوله تعالى: { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } أي: حوائجكم في ~~البلاد. # قوله تعالى: { فأي آيات الله تنكرون ms1771 } استفهام توبيخ. # قوله تعالى: { فما أغنى عنهم } في " ما " قولان. # أحدهما: أنها للنفي. # والثاني: [أنها] للاستفهام ذكرهما ابن جرير. # قوله تعالى: { فرحوا بما عندهم من العلم } في المشار إليهم قولان: # أحدهما: [أنهم] الأمم المكذبة، قاله الجمهور؛ ثم في معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: أنهم قالوا: نحن أعلم منهم لن نعث ولن نحاسب، قاله ~~مجاهد. # والثاني: فرحوا بما كان عندهم أنه علم، قاله السدي. # والقول الثاني: أنهم الرسل؛ والمعنى: فرح الرسل لما هلك المكذبون ~~ونجوا بما عندهم من العلم بالله إذ جاء تصديقه، حكاه أبو سليمان ~~وغيره. # قوله تعالى: { وحاق بهم } يعني بالمكذبين العذاب الذي كانوا به ~~يستهزؤون والبأس: العذاب. ومعنى { سنة الله }: أنه سن هذه ~~السنة في الأمم، أي: أن إيمانهم لا ينفعهم إذا رأوا العذاب، { وخسر ~~هنالك الكافرون }. # فإن قيل: كأنهم لم يكونوا خاسرين قبل ذلك؟ # فعنه جوابان. # أحدهما: أن " خسر " بمعنى " هلك " قاله ابن عباس. # والثاني: أنه إنما بين لهم خسرانهم عند نزول العذاب، قاله الزجاج. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-8] # قوله تعالى: { تنزيل } قال الفراء: يجوز أن يرتفع " تنزيل " ب { حم } ~~، ويجوز أن يرتفع بإضمار " هذا ". وقال الزجاج: " تنزيل " مبتدأ، وخبره ~~{ كتاب فصلت آياته } ، هذا مذهب البصريين و { قرآنا } منصوب ~~على الحال، المعنى: بينت آياته في حال جمعه، { لقوم يعلمون ~~} أي: لمن يعلم. # قوله تعالى: { فأعرض أكثرهم } يعني أهل مكة { فهم لا يسمعون } ~~تكبرا عنه، { وقالوا قلوبنا في أكنة } أي: في أغطية فلا نفقه قولك. ~~وقد سبق بيان " الأكنة " و " الوقر " في [الأنعام:25]. ومعنى الكلام: ~~إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم، { ومن بيننا ~~وبينك حجاب } أي: حاجز في النحلة والدين. قال الأخفش: و " من " ~~هاهنا للتوكيد. # قوله تعالى: { فاعمل } فيه قولان. # أحدهما: اعمل في إبطال أمرنا إنا عاملون على إبطال أمرك. # والثاني: اعمل على دينك إنا عاملون على ديننا. # { قل إنما أنا بشر مثلكم } أي: لولا الوحي لما دعوتكم. # { فاستقيموا إليه } أي: توجهوا إليه بالطاعة، واستغفروه من الشرك. # قوله تعالى: { الذين لا يؤتون الزكاة ms1772 } فيه خمسة أقوال. # أحدها: لا يشهدون أن " لا إله إلا الله " رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وبه قال عكرمة. والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. # والثاني: لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: لا يزكون أعمالهم، قاله مجاهد، والربيع. # والرابع: لا يتصدقون، ولا ينفقون في الطاعات، قاله الضحاك، ومقاتل. # والخامس: لا يعطون زكاة أموالهم، قال ابن السائب: كانوا يحجون ~~ويعتمرون ولا يزكون. # قوله تعالى: { غير ممنون } أي: غير مقطوع ولا منقوص. ### || [41.9-12] # قوله تعالى: { خلق الأرض في يومين } قال ابن عباس: في يوم الأحد ~~والاثنين، وبه قال عبد الله بن سلام، والسدي، والأكثرون. وقال مقاتل: في ~~يوم الثلاثاء والأربعاء. وقد أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: # " خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، ~~وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور ~~يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس " # ، وهذا الحديث يخالف ما تقدم، وهو أصح. # قوله تعالى: { وتجعلون له أندادا } قد شرحناه في [البقرة:22] و(ذلك) ~~الذي فعل ما ذكر (رب العالمين). # { وجعل فيها رواسي } أي: جبالا ثوابت من فوق الأرض، { وبارك فيها } ~~بالأشجار والثمار والحبوب والأنهار، وقيل: البركة فيها: أن ينمي فيها ~~الزرع، فتخرج الحبة حبات، والنواة نخلة { وقدر فيها أقواتها } قال ~~أبو عبيدة: هي جمع قوت، وهي الأرزاق وما يحتاج إليه. # وللمفسرين في هذا التقدير خمسة أقوال: # أحدها: أنه شقق الأنهار وغرس الأشجار، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه قسم أرزاق العباد والبهائم، قاله الحسن. # والثالث: أقواتها من المطر، قاله مجاهد. # والرابع: قدر لكل بلدة ما لم يجعله في الأخرى كما أن ثياب اليمن لا ~~تصلح إلا ب " اليمن " والهروية ب " هراة " ، ليعيش بعضهم من بعض ~~بالتجارة، قاله عكرمة، والضحاك. # والخامس: قدر البر لأهل قطر، والتمر لأهل قطر، والذرة ~~لأهل قطر، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { في أربعة أيام } أي: في تتمة أربعة أيام. ms1773 قال الأخفش: ~~ومثله [أن] تقول: تزوجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما التي تزوجتها ~~أمس. # قال المفسرون: يعني: الثلاثاء والأربعاء، وهما مع الأحد والإثنين أربعة ~~أيام. # قوله تعالى: { سواء } قرأ أبو جعفر: { سواء } بالرفع. وقرأ يعقوب، ~~وعبد الوارث: " سواء " بالجر. وقرأ الباقون من العشرة: بالنصب قال ~~الزجاج: من قرأ بالخفض، جعل " سواء " من صفة الأيام فالمعنى: في أربعة ~~أيام مستويات تامات؛ ومن نصب، فعلى المصدر؛ فالمعنى: استوت سواء ~~واستواء؛ ومن رفع، فعلى معنى: هي سواء. # وفي قوله: { للسائلين } وجهان. # أحدهما: للسائلين القوت، لأن كلا يطلب القوت ويسأله. # والثاني: لمن يسأل: في كم خلقت الأرض؟ فيقال: خلقت في أربعة أيام ~~سواء، لا زيادة ولا نقصان. # قوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء } قد شرحناه في [البقرة:29] { وهي ~~دخان } وفيه قولان: # أحدهما: أنه لما خلق [الماء] أرسل عليه الريح فثار منه دخان فارتفع ~~وسما، فسماه سماء. # والثاني: أنه لما خلق الأرض أرسل عليها نارا، فارتفع منها دخان فسما. # قوله تعالى: { فقال لها وللأرض } قال ابن عباس: قال للسماء: أظهري ~~شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك، { ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } قال الزجاج: هو منصوب على الحال، ~~وإنما لم يقل: طائعات، لأنهن جرين مجرى ما يعقل ويميز كما قال ~~في النجوم: # وكل في فلك يسبحون # [يس:40]، قال: وقد قيل: أتينا نحن ومن فينا طائعين. # { فقضاهن } أي: خلقهن وصنعهن، قال أبو ذئيب الهذلي: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # معناه: عملهما وصنعهما. # قوله تعالى: { في يومين } قال ابن عباس وعبد الله بن سلام: وهما يوم ~~الخميس ويوم الجمعة. وقال مقاتل: الأحد والإثنين، لأن مذهبه أنها خلقت ~~قبل الأرض. وقد بينا مقدار هذه الأيام في [الأعراف:54]. # { وأوحى في كل سماء أمرها } فيه قولان. # أحدهما: أوحى ما أراد، وأمر بما شاء، قاله مجاهد، ومقاتل. # والثاني: خلق في كل سماء خلقها، قاله السدي. # قوله تعالى: { وزينا السماء الدنيا } أي: القربى إلى الأرض { ~~بمصابيح } وهي النجوم، والمصابيح: السرج فسمي الكوكب مصباحا ~~لإضاءته { وحفظا } قال ms1774 الزجاج: معناه: وحفظناها من استماع الشياطين ~~بالكواكب حفظا. ### || [41.13-18] # قوله تعالى: { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل أنذرتكم ~~صاعقة } الصاعقة: المهلك من كل شيء؛ والمعنى: أنذرتكم عذابا مثل ~~عذابهم. وإنما خص القبيلتين، لأن قريشا يمرون على قرى القوم في ~~أسفارهم. # { إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم } أي: أتت آباءهم ومن كان قبلهم { ~~ومن خلفهم } أي: من خلف الآباء، وهم الذين أرسلوا إلى هؤلاء ~~المهلكين { ألا تعبدوا } أي: بأن لا تعبدوا { إلا الله قالوا لو ~~شاء ربنا } أي: لو أراد دعوة الخلق { لأنزل ملائكة }. # قوله تعالى: { فاستكبروا } أي: تكبروا عن الإيمان وعملوا بغير ~~الحق. وكان هود قد تهددهم بالعذاب فقالوا: نحن نقدر على دفعه بفضل ~~قوتنا. والآيات هاهنا: الحجج. # وفي الريح الصرصر أربعة أقوال: # أحدها: أنها الباردة، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وقال الفراء: هي ~~الريح الباردة تحرق كالنار، وكذلك قال الزجاج: هي الشديدة البرد جدا؛ ~~فالصرصر متكرر فيها البرد، كما تقول: أقللت الشيء وقلقلته، ~~فأقللته بمعنى رفعته، وقلقلته: كررت رفعه. # والثاني: أنها الشديدة السموم، قاله مجاهد. # والثالث: الشديدة الصوت، قاله السدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. # والرابع: الباردة الشديدة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { في أيام نحسات } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: { ~~نحسات } بإسكان الحاء؛ وقرأ الباقون: بكسرها. قال الزجاج: من كسر ~~الحاء، فواحدهن " نحس ". ومن أسكنها فواحدهن " نحس "؛ والمعنى: ~~مشؤومات. # وفي أول هذه الأيام ثلاثة أقوال: # أحدها: غداة يوم الأحد، قاله السدي. # والثاني: يوم الجمعة، قاله الربيع بن أنس. # والثالث: يوم الأربعاء، قاله يحيى بن سلام. والخزي: الهوان. # قوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: بينا لهم، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. وقال قتادة: ~~بينا لهم سبيل الخير والشر. # والثاني: دعوناهم، قاله مجاهد. # والثالث: دللناهم على مذهب الخير، قاله الفراء. # قوله تعالى: { فاستحبوا العمى } أي: اختاروا الكفر على الإيمان، { ~~فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي: ذي الهوان، وهو الذي يهينهم. ### || [41.19-25] # قوله تعالى: { ويوم يحشر أعداء الله } وقرأ نافع: " نحشر " ~~بالنون " أعداء " بالنصب. # قوله تعالى: { فهم ms1775 يوزعون } أي: يحبس أولهم على آخرهم ~~ليتلاحقوا. # { حتى إذا ما جاؤوها } يعني النار التي حشروا إليها { شهد عليهم ~~سمعهم وأبصارهم وجلودهم } ، وفي المراد بالجلود ثلاثة أقوال: # أحدها: الأيدي والأرجل. # والثاني: الفروج، رويا عن ابن عباس. # والثالث: أنه الجلود نفسها، حكاه الماوردي. وقد أخرج مسلم في أفراده من ~~حديث أنس بن مالك قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: " هل تدرون مم ~~أضحك؟ " قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " من مخاطبة العبد ربه، ~~يقول: يارب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: لا ~~أجيز علي إلا شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك ~~شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال ~~لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه ~~وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل " # قوله تعالى: { قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } أي: مما ~~نطق. وهاهنا تم الكلام. وما بعده ليس من جواب الجلود. # قوله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم } ~~روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث ابن مسعود قال: كنت مستترا ~~بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر، قرشي وختناه ثقفيان، أو ثقفي ~~وختناه قرشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، ~~فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا ~~هذا؟ فقال الآخران: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإن لم نرفع لم ~~يسمع، وقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله، فذكرت ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد ~~عليكم سمعكم... } إلى قوله: { من الخاسرين } ومعنى " تستترون ": ~~تستخفون " أن يشهد " أي: من أن يشهد " عليكم سمعكم " لأنكم لا ~~تقدرون على الاستخفاء من جوارحكم، ولا تظنون أنها تشهد { ولكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } قال ابن عباس: كان ~~الكفار يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكنه يعلم ما يظهر، { ~~وذلكم ظنكم } أي: أن الله لا يعلم ما تعملون، { أرداكم } أهلككم. ms1776 # { فإن يصبروا } أي: على النار، فهي مسكنهم، { وإن يستعتبوا } ~~أي: يسألوا أن يرجع لهم إلى ما يحبون، لم يرجع لهم، لأنهم لا ~~يستحقون ذلك. يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي. ~~واستعتبته، أي: طلبت منه أن يعتب، أي: يرضى. # قوله تعالى: { وقيضنا لهم قرناء } أي: سببنا لهم قرناء من ~~الشياطين { فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ما بين أيديهم: من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا ~~حساب، وما خلفهم: من أمر الدنيا، فزينوا لهم اللذات وجمع الأموال ~~وترك الإنفاق في الخير. # والثاني: ما بين أيديهم: من أمر الدنيا، وما خلفهم: من أمر الآخرة، على ~~عكس الأول. # والثالث: ما بين أيديهم: ما فعلوه، وما خلفهم: ما عزموا على فعله. وباقي ~~الآية [قد] تقدم تفسيره [الإسراء: 16] [الأعراف: 38]. ### || [41.26-28] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن } أي: لا تسمعوه ~~{ والغوا فيه } أي: عارضوه باللغو، وهو الكلام الخالي عن فائدة. ~~وكان الكفار يوصي بعضهم بعضا: إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه ~~فارفعوا أصواتكم حتى تلبسوا عليهم قولهم. وقال مجاهد: والغوا فيه ~~بالمكاء والصفير والتخليط من القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~قرأ { لعلكم تغلبون } فيسكتون. # قوله تعالى: { ذلك جزاء أعداء الله } يعني العذاب المذكور. وقوله: { ~~النار } بدل من الجزاء { لهم فيها دار الخلد } أي: دار الإقامة. قال ~~الزجاج: النار هي الدار، ولكنه كما تقول: لك في هذه الدار دار ~~السرور، وأنت تعني الدار بعينها، قال الشاعر: # أخور رغائب يعطيها ويسألها # يأبى الظلامة منه النوفل الزفر ### || [41.29-32] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } لما دخلوا النار { ربنا أرنا ~~اللذين أضلانا } وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " أرنا " ~~بسكون الراء. قال المفسرون: يعنون إبليس وقابيل، لأنهما سنا المعصية، { ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين } أي: في الدرك الأسفل، وهو ~~أشد عذابا من غيره. # ثم ذكر المؤمنين فقال: { إن الذين قالوا ربنا الله } [أي: ~~وحدوه] { ثم استقاموا } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: استقاموا ms1777 على التوحيد، قاله أبو بكر الصديق، ومجاهد. # والثاني: على طاعة الله وأداء فرائضه، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. # والثالث: على الإخلاص والعمل إلى الموت، قاله أبو العالية، والسدي، ~~وروى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق، وذلك ~~أن المشركين قالوا: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله، فلم يستقيموا، وقالت اليهود: ربنا الله، وعزير ابنه، ومحمد ليس ~~بنبي، فلم يستقيموا، وقالت النصارى: ربنا الله، والمسيح ابنه، ومحمد ~~ليس بنبي، فلم يستقيموا، وقال أبو بكر: ربنا الله وحده، ومحمد عبده ~~ورسوله، فاستقام. # قوله تعالى: { تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا } أي: بأن لا ~~تخافوا. وفي وقت نزولها عليهم قولان: # أحدهما: عند الموت، قاله ابن عباس، ومجاهد؛ فعلى هذا في معنى { لا ~~تخافوا } قولان. # أحدهما: لا تخافوا الموت، ولا تحزنوا على أولادكم، قاله مجاهد. # والثاني: لا تخافوا ما أمامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، قاله عكرمة، ~~والسدي. # والقول الثاني: تتنزل عليهم إذا قاموا من القبور، قاله قتادة؛ فيكون ~~معنى " لا تخافوا ": أنهم يبشرونهم بزوال الخوف والحزن يوم القيامة. # قوله تعالى: { نحن أولياؤكم } قال المفسرون: هذا قول الملائكة لهم، ~~والمعنى: نحن [الذين] كنا نتولاكم في الدنيا، لأن الملائكة تتولى ~~المؤمنين وتحبهم لما ترى من أعمالهم المرفوعة إلى السماء، { وفي ~~الآخرة } أي: ونحن معكم في الآخرة لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. وقال ~~السدي: هم الحفظة على ابن آدم، فلذلك قالوا: { نحن أولياؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة }؛ وقيل: هم الملائكة الذين يأتون لقبض الأرواح. # قوله تعالى: { ولكم فيها } أي: في الجنة. # { نزلا } قال الزجاج: معناه: أبشروا بالجنة تنزلونها [نزلا]. وقال ~~الأخفش: لكم فيها ما تشتهي أنفسكم أنزلناه نزلا. ### || [41.33-36] # قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } فيمن أريد بهذا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم المؤذنون. روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " نزلت في المؤذنين " ، وهذا قول عائشة، ومجاهد، ~~وعكرمة. # والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة ms1778 أن لا إله إلا ~~الله، قاله ابن عباس، والسدي، وابن زيد. # والثالث: أنه المؤمن أجاب الله إلى ما دعاه، ودعا الناس إلى ذلك { ~~وعمل صالحا } في إجابته، قاله الحسن. # وفي قوله: { وعمل صالحا } ثلاثة أقوال: # أحدها: صلى ركعتين بعد الأذان، وهو قول عائشة، ومجاهد. وروى إسماعيل بن ~~أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } ~~قال: الأذان { وعمل صالحا } قال: الصلاة بين الأذان والإقامة. # والثاني: أدى الفرائض وقام لله بالحقوق، قاله عطاء. # والثالث: صام وصلى، قاله عكرمة. # قوله تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } قال الزجاج: " لا " ~~زائدة مؤكدة؛ والمعنى: ولا تستوي [الحسنة] والسيئة. وللمفسرين ~~فيهما ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الحسنة: الإيمان، والسيئة: الشرك، قاله ابن عباس. # والثاني: الحلم والفحش، قاله الضحاك. # والثالث: النفور والصبر، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن } وذلك كدفع الغضب بالصبر، ~~والإساءة بالعفو، فإذا فعلت ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصديق ~~القريب، وقال عطاء: هو السلام على من تعاديه إذا لقيته. قال ~~المفسرون: وهذه الآية منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: { وما يلقاها } أي: ما يعطاها. قال الزجاج: ما ~~يلقى هذه الفعلة: وهي دفع السيئة بالحسنة { إلا الذين صبروا ~~} على كظم الغيظ { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } من الخير. وقال ~~السدي: إلا ذو جد. وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة؛ فالمعنى: ما ~~يلقاها إلا من وجبت له الجنة. # قوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } قد ~~فسرناه في [الأعراف: 200]. ### || [41.37-39] # قوله تعالى: { فإن استكبروا } [أي: تكبروا عن التوحيد والعبادة] { ~~فالذين عند ربك } يعني الملائكة { يسبحون } أي: يصلون. و " ~~يسأمون " بمعنى يملون. # وفي موضع السجدة قولان: # أحدهما: أنه عند قوله: " يسأمون " ، قاله ابن عباس، ومسروق، وقتادة، ~~واختاره القاضي أبو يعلى، لأنه تمام الكلام. # والثاني: [أنه] عند قوله: { إن كنتم إياه تعبدون } ، روي عن أصحاب ~~عبد الله، والحسن، وأبي عبد الرحمن. # قوله تعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة } قال قتادة: غبراء ~~متهشمة قال الأزهري: إذا يبست الأرض ولم تمطر، ms1779 قيل: خشعت. # قوله تعالى: { اهتزت } أي: تحركت بالنبات { وربت } أي: ~~علت، لأن النبت إذا أراد أن يظهر ارتفعت له الأرض؛ وقد سبق بيان ~~هذا [الحج: 5]. ### || [41.40-42] # قوله تعالى: { إن الذين يلحدون في آياتنا } قال مقاتل: نزلت في ~~أبي جهل. وقد شرحنا معنى الإلحاد في [النحل: 103]؛ وفي المراد به هاهنا ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنه وضع الكلام على غير موضعه، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه المكاء والصفير عند تلاوة القرآن، قاله مجاهد. # والثالث: أنه التكذيب بالآيات، قاله قتادة. # والرابع: أنه المعاندة، قاله السدي. # والخامس: أنه الميل عن الإيمان بالآيات، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { لا يخفون علينا } هذا وعيد بالجزاء { أفمن يلقى ~~في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } وهذا عام، غير أن ~~المفسرين ذكروا فيمن أريد به سبعة أقوال: # أحدها: أنه أبو جهل وأبو بكر الصديق، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أبو جهل وعمار بن ياسر، قاله عكرمة. # والثالث: أبو جهل ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب، ~~ومقاتل. # والرابع: أبو جهل وعثمان بن عفان، حكاه الثعلبي. # والخامس: أبوجهل وحمزة، حكاه الواحدي. # والسادس: أبو جهل وعمر بن الخطاب. # والسابع: الكافر والمؤمن، حكاهما الماوردي. # قوله تعالى: { اعملوا ما شئتم } قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه ~~الوعيد والتهديد. # قوله تعالى: { إن الذين كفروا بالذكر } يعني القرآن؛ ثم أخذ في ~~وصف الذكر؛ وترك جواب " إن " ، وفي جوابها هاهنا قولان: # [أحدهما]: أنه " أولئك ينادون من مكان بعيد " ، ذكره الفراء. # والثاني: أنه متروك، وفي تقديره قولان: أحدهما: إن الذين كفروا ~~بالذكر لما جاءهم كفروا به. والثاني: إن الذين كفروا يجازون بكفرهم. # قوله تعالى: { وإنه لكتاب عزيز } فيه أربعة أقوال: # أحدها: منيع من الشيطان لا يجد إليه سبيلا، قاله السدي. # والثاني: كريم على الله، قاله ابن السائب. # والثالث: منيع من الباطل، قاله مقاتل. # والرابع: يمتنع على الناس أن يقولوا مثله، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { لا يأتيه الباطل } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: التكذيب، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: الشيطان. # والثالث: التبديل، رويا ms1780 عن مجاهد. قال قتادة: لا يستطيع إبليس أن ينقص ~~منه حقا، ولا يزيد فيه باطلا، وقال مجاهد: لا يدخل فيه ماليس منه. # وفي قوله: { من بين يديه ولا من خلفه } ثلاثة اقوال. # أحدها: بين يدي تنزيله، وبعد نزوله. # والثاني: أنه ليس قبله كتاب يبطله، ولا يأتي بعده كتاب يبطله. # والثالث: لا يأتيه الباطل في إخباره عما تقدم، ولا في إخباره عما ~~تأخر. ### || [41.43-44] # قوله تعالى: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه قد قيل فيمن أرسل قبلك: ساحر وكاهن ومجنون. ~~وكذبوا كما كذبت، هذا قول الحسن، وقتادة، والجمهور. # والثاني: ما تخبر إلا بما أخبر الأنبياء قبلك من أن الله ~~غفور، وأنه ذو عقاب، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { ولو جعلناه } يعني الكتاب الذي أنزل عليه { قرآنا ~~أعجميا } أي: بغير لغة العرب { لقالوا لولا فصلت آياته } أي: هلا ~~بينت آياته بالعربية حتى نفهمه؟! { أأعجمي وعربي } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " آعجمي " [بهمزة] ممدودة، ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { أأعجمي } بهمزتين، والمعنى: ~~أكتاب أعجمي ونبي عربي؟! وهذا استفهام إنكار؛ أي: لو كان كذلك لكان ~~أشد لتكذيبهم. # { قل هو } يعني القرآن { للذين آمنوا هدى } من الضلالة { وشفاء } ~~للشكوك والأوجاع. و " الوقر ": الصمم؛ فهم في ترك القبول بمنزلة ~~من في أذنه صمم. # { وهو عليهم عمى } أي: ذو عمى. قال قتادة: صموا عن القرآن وعموا ~~عنه { أولئك ينادون من مكان بعيد } أي: إنهم لا يسمعون ولا يفهمون ~~كالذي ينادي من بعيد. ### || [41.45-46] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } هذه تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؛ والمعنى: كما آمن بكتابك قوم وكذب به قوم. فكذلك كتاب ~~موسى، { ولولا كلمة سبقت من ربك } في تأخير العذاب إلى أجل ~~مسمى وهو القيامة { لقضي بينهم } بالعذاب الواقع بالمكذبين { ~~وإنهم لفي شك } من صدقك وكتابك، { مريب } أي: موقع لهم ~~الريبة. ### || [41.47-48] # قوله تعالى: { إليه يرد علم الساعة } سبب نزولها أن اليهود ~~قالوا للنبي صلى الله ms1781 عليه وسلم: أخبرنا عن الساعة إن كنت رسولا ~~كما تزعم، قاله مقاتل. ومعنى الآية: لا يعلم قيامها إلا هو، فإذا ~~سئل عنها فعلمها مردود إليه. # { وما تخرج من ثمرة } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: " من ثمرة ". وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " ~~من ثمرات " على الجمع { من أكمامها } أي: أوعيتها. قال ابن قتيبة: أي: ~~من المواضع التي كانت فيها مستترة، وغلاف كل شيء: كمه، وإنما قيل: ~~كم القميص، من هذا. قال الزجاج: الأكمام: ما غطى، وكل شجرة ~~تخرج ماهو مكمم فهي ذات أكمام، وأكمام النخلة: ما غطى ~~جمارها من السعف والليف والجذع، وكل ما أخرجته النخلة فهو ~~ذو أكمام، فالطلعة كمها قشرها، ومن هذا قيل للقلنسوة: كمة، ~~لأنها تغطي الرأس، ومن هذا كما القميص، لأنهما يغطيان اليدين. # قوله تعالى: { ويوم يناديهم } أي: ينادي الله تعالى المشركين { أين ~~شركائي } الذين كنتم تزعمون { قالوا آذناك } قال الفراء، وابن ~~قتيبة: أعلمناك، وقال مقاتل: أسمعناك { ما منا من شهيد } فيه قولان. # أحدهما: أنه من قول المشركين؛ والمعنى: ما منا من شهيد بأن لك ~~شريكا، فيتبرؤون يومئذ مما كانوا يقولون، هذا قول مقاتل. # والثاني: [أنه] من قول الآلهة التي كانت تعبد؛ والمعنى: ما منا من ~~شهيد لهم بما قالوا، قاله الفراء، وابن قتيبة. # قوله تعالى: { وضل عنهم } أي: بطل عنهم في الآخرة { ما كانوا ~~يدعون } أي: يعبدون في الدنيا، { وظنوا } أي: أيقنوا { ما لهم ~~من محيص } وقد شرحنا المحيص في سورة [النساء: 121]. ### || [41.49-52] # قوله تعالى: { لا يسأم الإنسان } قال المفسرون: المراد به الكافر؛ ~~فالمعنى: لا يمل الكافر { من دعاء الخير } أي: من دعائه بالخير، وهو ~~المال والعافية. { وإن مسه الشر } وهو الفقر والشدة؛ والمعنى: ~~إذا اختبر بذلك يئس من روح ال،له وقنط من رحمته. وقال أبو عبيدة: ~~اليؤوس، فعول من يأس، والقنوط، فعول من قنط. # قوله تعالى: { لئن أذقناه رحمة منا } أي: خيرا وعافية ~~وغنى، { ليقولن هذا لي } أي: هذا واجب لي بعملي وأنا محقوق به، ~~ثم يشك ms1782 في البعث فيقول { وما أظن الساعة قائمة } أي: لست على ~~يقين من البعث { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } يعني ~~الجنة، أي: كما أعطاني في الدنيا يعطيني في الآخرة { فلننبئن ~~الذين كفروا } أي: لنخبرنهم بمساوئ أعمالهم. وما بعده قد سبق ~~[إبراهيم:17] [الإسراء:83] إلى قوله تعالى { ونأى بجانبه } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو: { ونأى } مثل " نعى ". وقرأ ابن عامر: " وناء " مفتوحة ~~النون ممدودة والهمزة بعد الألف. وقرأ حمزة: " نئى " مكسورة النون ~~والهمزة. # { فذو دعاء عريض } قال الفراء، وابن قتيبة: معنى العريض: الكثير، وإن ~~وصفته بالطول أو بالعرض جاز في الكلام. # { قل } يامحمد لأهل مكة { أرأيتم إن كان } القرآن { من عند الله ~~ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق } أي: خلاف للحق ~~(بعيد) عنه؟! وهو اسم؛ والمعنى: فلا أحد أضل منكم. وقال ابن جرير: ~~معنى الآية: [ثم] كفرتم به، ألستم في شقاق للحق وبعد عن الصواب؟! ~~فجعل مكان هذا باقي الآية. ### || [41.53-54] # قوله تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } فيه خمسة أقوال. # أحدها: في الآفاق: فتح أقطار الأرض، وفي أنفسهم: فتح مكة، قاله الحسن، ~~ومجاهد، والسدي. # والثاني: أنها في الآفاق: وقائع الله في الأمم الخالية، وفي أنفسهم: يوم ~~بدر، قاله قتادة، ومقاتل. # والثالث: أنها في الآفاق: إمساك القطر عن الأرض كلها، وفي أنفسهم: ~~البلايا التي تكون في أجسادهم، قاله ابن جريج. # والرابع: أنها في الآفاق: آيات السماء كالشمس والقمر والنجوم، وفي ~~أنفسهم: حوادث الأرض، قاله ابن زيد. وحكي عن ابن زيد؛ أن التي في ~~أنفسهم: سبيل الغائط والبول، فإن الإنسان يأكل ويشرب من مكان واحد، ~~ويخرج من مكانين. # والخامس: أنها في الآفاق: آثار من مضى قبلهم من المكذبين، وفي ~~أنفسهم: كونهم خلقوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما إلى أن ~~نقلوا إلى العقل والتمييز، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { حتى يتبين لهم أنه الحق } في هاء الكناية ~~قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. # والثاني: إلى جميع ما دعاهم إليه الرسول. وقال ابن جرير: معنى الآية: ~~حتى ms1783 يعلموا حقيقة ما أنزلنا على محمد وأوحينا إليه من الوعد له بأنا ~~مظهرو دينه على الأديان كلها. # { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } أي: أولم يكف ~~به أنه شاهد على كل شيء؟! قال الزجاج: المعنى: أو لم يكفهم شهادة ~~ربك؟! ومعنى الكفاية هاهنا: أنه قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة ~~على توحيده وتثبيت رسله. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-6] # قوله تعالى: { حم } قد سبق تفسيره [المؤمن]. # قوله تعالى: { عسق } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنه حروف من أسماء؛ ثم فيه خمسة أقوال: # أحدها: أن العين علم الله، والسين سناؤه، والقاف قدرته، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # والثاني: أن العين فيها عذاب، والسين فيها مسخ، والقاف فيها قذف، رواه ~~أبو الجوزاء عن ابن عباس. # والثالث: أن الحاء من حرب، والميم من تحويل ملك، والعين من عدو مقهور، ~~والسين استئصال بسنين كسني يوسف، والقاف من قدرة الله في ملوك الأرض، ~~قاله عطاء. # والرابع: أن العين من عالم، والسين من قدوس، والقاف من قاهر، قاله ~~[سعيد] بن جبير. # والخامس: أن العين من العزيز، والسين من السلام، والقاف من القادر، قاله ~~السدي. # والثالث: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # قوله تعالى: { كذلك يوحي إليك } فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه كما أوحيت " حم عسق " إلى كل نبي، كذلك نوحيها إليك، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى من قبلك، ~~رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أن " حم عسق " نزلت في أمر العذاب، فقيل: كذلك نوحي إليك أن ~~العذاب نازل بمن كذبك كما أوحينا ذلك إلى من كان قبلك، قاله ~~مقاتل. # والرابع: أن المعنى: هكذا نوحي إليك، قاله ابن جرير. # وقرأ ابن كثير: " يوحى " بضم الياء وفتح الحاء. كأنه إذا قيل: من ~~يوحي؟ قيل: الله. وروى أبان عن عاصم: " نوحي " بالنون وكسر الحاء. # { تكاد السماوات يتفطرن ms1784 } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة: { ~~تكاد } بالتاء { يتفطرن } بياء وتاء مفتوحة وفتح الطاء وتشديدها. ~~وقرأ نافع، والكسائي: { يكاد } بالياء { يتفطرن } مثل قراءة ابن ~~كثير. وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: { تكاد } بالتاء { ينفطرن ~~} بالنون وكسر الطاء وتخفيفها، أي: يتشققن { من فوقهن } ~~أي: من فوق الأرضين من عظمة الرحمن؛ وقيل: من قول المشركين: " اتخذ ~~الله ولدا ". ونظيرها [التي] في [مريم: 90]. # { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } قال بعضهم: يصلون بأمر ربهم؛ ~~وقال بعضهم: ينزهونه عما لا يجوز في صفته { ويستغفرون لمن في ~~الأرض } فيه قولان. # أحدهما: أنه أراد المؤمنين، قاله قتادة، والسدي. # والثاني: أنهم كانوا يستغفرون للمؤمنين، فلما ابتلي هاروت وماروت ~~استغفروا لمن في الأرض. # ومعنى استغفارهم: سؤالهم الرزق لهم، قاله ابن السائب. وقد زعم قوم ~~منهم مقاتل أن هذه الآية منسوخة بقوله: # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر: 7] وليس بشيء، لأنهم إنما يستغفرون للمؤمنين دون الكفار، ~~فلفظ هذه الآية عام، ومعناها خاص، ويدل على التخصيص قوله: # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر: 7] لأن الكافر لا يستحق أن يستغفر له. # قوله تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } يعني كفار مكة ~~اتخذوا آلهة فعبدوها من دونه { الله حفيظ عليهم } أي: حافظ ~~لأعمالهم ليجازيهم بها { وما أنت عليهم بوكيل } أي: لم نوكلك بهم ~~فتؤخذ بهم. وهذه الآية عند جمهور المفسرين منسوخة بآية السيف، ولا يصح. ### || [42.7-9] # قوله تعالى: { وكذلك } أي: ومثل ما ذكرنا { أوحينا إليك قرآنا عربيا ~~} ليفهموا مافيه { لتنذر أم القرى } يعني مكة، والمراد: أهلها، ~~{ وتنذر يوم الجمع } أي: وتنذرهم يوم الجمع، وهو يوم القيامة، ~~يجمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين { لا ريب ~~فيه } أي: لا شك في هذا الجمع أنه كائن، ثم بعد الجمع يتفرقون، وهو ~~قوله: { فريق في الجنة وفريق في السعير }. # ثم ذكر سبب افتراقهم فقال: { ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة } ~~أي: على دين واحد، كقوله: # لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35] { ولكن يدخل من يشاء في رحمته } أي: في دينه { ~~والظالمون } وهم الكافرون { مالهم من ولي } يدفع عنهم العذاب { ولا ~~نصير ms1785 } يمنعهم منه. # { أم اتخذوا من دونه } أي: بل اتخذ الكافرون من دون الله { ~~أولياء } يعني آلهة يتولونهم { فالله هو الولي } أي: ولي ~~أوليائه، فليتخذوه وليا دون الآلهة؛ وقال ابن عباس: وليك يا محمد ~~وولي من اتبعك. ### || [42.10-14] # قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } أي: من أمر الدين؛ وقيل: بل ~~هو عام { فحكمه إلى الله } فيه قولان. # أحدهما: علمه عند الله. # والثاني: هو يحكم فيه. قال مقاتل. وذلك أن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن ~~وآمن بعضهم، فقال الله: أنا الذي أحكم فيه { ذلكم الله } الذي يحكم ~~بين المختلفين هو { ربي عليه توكلت } في مهماتي { وإليه أنيب } أي: ~~أرجع في المعاد. # { فاطر السموات } قد سبق بيانه [الأنعام:14]، { جعل لكم من أنفسكم } ~~أي: من مثل خلقكم { أزواجا } نساء { ومن الأنعام أزواجا } أصنافا ~~ذكورا وإناثا، والمعنى أنه خلق لكم الذكر والأنثى من الحيوان كله { ~~يذرؤكم } فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: يخلقكم، قاله السدي. # والثاني: يعيشكم، قاله مقاتل. # والثالث: يكثركم، قاله الفراء. و[في قوله] (فيه) قولان. # أحدهما: أنها على أصلها، قاله الأكثرون. فعلى هذا في هاء الكناية ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنها ترجع إلى بطون الإناث وقد تقدم ذكر الأزواج، قاله زيد بن ~~أسلم. فعلى هذا يكون المعنى: يخلقكم في بطون النساء، وإلى نحو هذا ذهب ~~ابن قتيبة، فقال: يخلقكم في الرحم أو في الزوج، وقال ابن جرير: ~~يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم، ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام. # والثاني: أنها ترجع إلى الأرض، قاله ابن زيد؛ فعلى هذا يكون المعنى: ~~يذرؤكم فيما خلق من السموات والأرض. # والثالث: أنها ترجع إلى الجعل المذكور؛ ثم في معنى الكلام قولان. # أحدهما: يعيشكم فيما جعل من الأنعام، قاله مقاتل. # والثاني: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعل الأزواج قاله ~~الواحدي. # والقول الثاني: أن " فيه " بمعنى " به "؛ والمعنى يكثركم بما جعل لكم، ~~قاله الفراء والزجاج. # قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } قال ابن قتيبة: أي ليس كهو شيء، ~~والعرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، ms1786 ~~أي: أنا لا يقال لي هذا. وقال الزجاج: الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس ~~مثله شيء، وما بعد هذا قد سبق بيانه [الزمر: 63] [الرعد: 26] إلى ~~قوله { شرع لكم } أي: بين وأوضح { من الدين ما وصى به نوحا } ~~وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تحليل الحلال وتحريم الحرام، قاله قتادة. # والثاني: تحريم الأخوات والأمهات، قاله الحكم. # والثالث: التوحيد وترك الشرك. # قوله تعالى: { والذي أوحينا إليك } أي: من القرآن وشرائع الإسلام ~~قال الزجاج: المعنى: وشرع الذي أوحينا إليك وشرع لكم ما وصى به إبراهيم ~~وموسى وعيسى وقوله: { أن أقيموا الدين } تفسير قوله: { ما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى } ، وجائز أن يكون تفسيرا ل " ما وصى به نوحا ~~" ولقوله: { والذي أوحينا إليك } ولقوله: { وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى } ، فيكون المعنى: شرع لكم ولمن قبلكم إقامة الدين وترك ~~الفرقة، وشرع الاجتماع على اتباع الرسل وقال مقاتل: { أن أقيموا ~~الدين } يعني التوحيد { ولا تتفرقوا فيه } أي: لا تختلفوا { كبر ~~على المشركين } أي: عظم على مشركي مكة { ما تدعوهم إليه } يا محمد ~~من التوحيد. # قوله تعالى: { الله يجتبي إليه } أي: يصطفي من عباده لدينه { من ~~يشاء ويهدي } إلى دينه { من ينيب } أي: يرجع إلى طاعته. # ثم ذكر افتراقهم بعد أن أوصاهم بترك الفرقة، فقال: { وما تفرقوا } ~~يعني أهل الكتاب { إلا من بعد ما جاءهم العلم } فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: من بعد كثرة علمهم للبغي. # والثاني: من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال. # والثالث: من بعد ما جاءهم القرآن، بغيا منهم على محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # { ولولا كلمة سبقت من ربك } في تأخير المكذبين من هذه ~~الأمة إلى يوم القيامة، { لقضي بينهم } بإنزال العذاب على ~~المكذبين { وإن الذين أورثوا الكتاب } يعني اليهود والنصارى { من ~~بعدهم } أي: من بعد أنبيائهم { لفي شك منه } أي: من محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [42.15-16] # قوله تعالى: { فلذلك فادع } قال الفراء: المعنى: فالى ذلك، تقول: ~~دعوت إلى فلان، ودعوت لفلان، و " ذلك " بمعنى " هذا "؛ وللمفسرين قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن السائب. # والثاني: ms1787 أنه التوحيد، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { ولا تتبع أهواءهم } يعني: أهل الكتاب، لأنهم دعوه ~~إلى دينهم. # قوله تعالى: { وأمرت لأعدل بينكم } قال بعض النحويين المعنى: ~~أمرت كي أعدل. وقال غيره المعنى: أمرت بالعدل. وتقع " ~~أمرت " على " أن " ، وعلى " كي " وعلى " اللام " يقال أمرت أن ~~أعدل، وكي أعدل، ولأعدل. # ثم في ما أمر أن يعدل فيه قولان. # أحدهما: في الأحكام إذا ترافعوا إليه. # والثاني: في تبليغ الرسالة. # قوله تعالى: { الله ربنا وربكم } أي: هو آلهنا وإن اختلفنا، فهو ~~يجازينا بأعمالنا، فذلك قوله: { لنا أعمالنا } أي: جزاؤها. # { لا حجة بيننا وبينكم } قال مجاهد: لا خصومة بيننا وبينكم. # فصل # وفي هذه الآية قولان: # أحدهما: أنها اقتضت الاقتصار على الإنذار، وذلك قبل القتال، ثم نزلت آية ~~السيف فنسختها، قاله الأكثرون. # والثاني: أن معناها: إن الكلام بعد ظهور الحجج والبراهين قد سقط ~~بيننا، فعلى هذا هي محكمة، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله عن طائفة من ~~المفسرين. # قوله تعالى: { والذين يحاجون في الله } أي: يخاصمون في دينه. قال ~~قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا: قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ~~فنحن خير منكم. وعلى قول مجاهد: هم المشركون، طمعوا أن تعود الجاهلية. # قوله تعالى: { من بعد ما استجيب له } أي: من بعد إجابة الناس إلى ~~الإسلام { حجتهم داحضة } أي: خصومتهم باطلة. ### || [42.17-20] # قوله تعالى: { الله الذي أنزل الكتاب } يعني القرآن { بالحق } أي: لم ~~ينزله لغير شيء { والميزان } فيه قولان: # أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس، وقتادة، والجمهور. # والثاني: أنه الذي يوزن به، حكي عن مجاهد. ومعنى إنزاله: إلهام ~~الخلق أن يعملوا به، وأمر الله عز وجل إياهم بالإنصاف. وسمي ~~العدل ميزانا، لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق. وتمام ~~الآية مشروح في [الأحزاب: 63]. # قوله تعالى: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } لأنهم لا يخافون ما ~~فيها، إذ لم يؤمنوا بكونها، فهم يطلبون قيامها استبعادا واستهزاء { ~~والذين آمنوا مشفقون } أي: خائفون { منها } لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ~~ومجزيون، ولا يدرون ما يكون منهم { ويعلمون أنها الحق } أي: ~~أنها كائنة ms1788 لا محالة { ألا إن الذين يمارون في الساعة } أي: ~~يخاصمون في كونها { لفي ضلال بعيد } حين لم يتفكروا، فيعلموا قدرة ~~الله على إقامتها. # { الله لطيف بعباده } قد شرحنا معنى [اسمه] " اللطيف " في [الأنعام: ~~103] وفي عباده هاهنا قولان: # أحدهما: أنهم المؤمنون. # والثاني: أنه عام في الكل ولطفه بالفاجر: أنه لا يهلكه. # { يرزق من يشاء } أي: يوسع له الرزق. # قوله تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة } قال ابن قتيبة: أي: عمل ~~الآخرة، يقال: فلان يحرث الدنيا، أي: يعمل لها ويجمع المال؛ فالمعنى: ~~من أراد بعمله الآخرة { نزد له في حرثه } أي: نضاعف له الحسنات. # قال المفسرون: من أراد العمل لله بما يرضيه، أعانه الله على عبادته، ~~ومن أراد الدنيا مؤثرا لها على الآخرة لأنه غير مؤمن بالآخرة، يؤته ~~منها، وهو الذي قسم له، { وما له في الآخرة من نصيب } لأنه كافر بها ~~لم يعمل لها. # فصل # اتفق العلماء على أن أول هذه الآية إلى " حرثه " محكم، واختلفوا في ~~باقيها على قولين. # أحدهما: [أنه] منسوخ بقوله # عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد # [الإسراء: 18]، وهذا قول جماعة منهم مقاتل. # والثاني: أن الآيتين محكمتان متفقتان في المعنى، لأنه لم يقل في هذه ~~الآية: نؤته مراده، فعلم أنه إنما يؤتيه الله ما أراد وهذا موافق ~~لقوله: " لمن نريد " ، ويحقق هذا أن لفظ الآيتين لفظ الخبر ~~ومعناهما معنى الخبر، وذلك لا يدخله النسخ، وهذا مذهب جماعة منهم قتادة. ### || [42.21-24] # قوله تعالى: { أم لهم شركاء } يعني كفار مكة؛ والمعنى ألهم آلهة ~~{ شرعوا } أي: ابتدعوا { لهم } دينا لم يأذن به الله؟! { ولولا كلمة ~~الفصل } وهي: القضاء السابق بأن الجزاء يكون في القيامة { لقضي بينهم ~~} في الدنيا بنزول العذاب على المكذبين. والظالمون في هذه الآية والتي ~~تليها: يراد بهم المشركون. والإشفاق: الخوف. والذي كسبوا: هو الكفر ~~والتكذيب، { وهو واقع بهم } يعني جزاؤه. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: { ~~ذلك } يعني: ما تقدم ذكره من الجنات { الذي يبشر الله عباده } ~~قال أبو سليمان الدمشقي: " ذلك " بمعنى: هذا الذي أخبرتكم به ms1789 بشرى ~~يبشر الله بها عباده. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " ~~يبشر " بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين. # قوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا } في سبب نزول هذه الآية ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ~~فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنه لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده ~~سعة، فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله به، وليس في يده ~~سعة، فاجمعوا له من أموالكم مالا يضركم، ففعلوا ثم أتوه به، ~~فنزلت هذه الآية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون ~~محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والهاء في " عليه " كناية عما جاء به من الهدى. # وفي الاستثناء هاهنا قولان: # أحدهما: أنه من الجنس، فعلى هذا يكون سائلا أجرا. وقد أشار ابن عباس ~~في رواية الضحاك إلى هذا المعنى، ثم قال: نسخت هذه بقوله # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم... # الآية [سبأ: 47]، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل. # والثاني: أنه استثناء من غير الأول، لأن الأنبياء لا يسألون على ~~تبليغهم أجرا؛ وإنما المعنى: لكني أذكركم المودة في القربى، ~~وقد روى هذا المعنى جماعة عن ابن عباس، منهم العوفي، وهذا اختيار ~~المحققين، وهو الصحيح، فلا يتوجه النسخ أصلا. # وفي المراد بالقربى خمسة أقوال. # أحدها: أن معنى الكلام: إلا أن تودوني لقرابتي منكم، قاله ابن ~~عباس، وعكرمة، ومجاهد في الأكثرين. قال ابن عباس: ولم يكن بطن من بطون ~~قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة. # والثاني: إلا [أن] تودوا قرابتي، قاله علي بن الحسين، وسعيد بن ~~جبير، والسدي. ثم في المراد بقرابته قولان: أحدهما: علي وفاطمة وولدها، ~~وقد رووه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنهم الذين ~~تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم وبنو ~~المطلب. # والثالث: أن المعنى إلا أن توددوا ms1790 إلى الله تعالى فيما يقربكم ~~إليه من العمل الصالح، قاله الحسن وقتادة. # والرابع: إلا أن تودوني، كما تودون قرابتكم، قاله ابن زيد. # والخامس: إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، حكاه الماوردي. ~~والأول: أصح. # قوله تعالى: { ومن يقترف } أي: من يكتسب { حسنة ~~نزد له فيها حسنا } أي: نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا. وقرأ ~~ابن السميفع، وابن يعمر، والجحدري: " يزد له " له بالياء { إن الله ~~غفور } للذنوب { شكور } للقليل حتى يضاعفه. # { أم يقولون } أي: بل يقول كفار مكة { افترى على الله كذبا } حين زعم ~~أن القرآن من عند الله! { فإن يشأ الله يختم على قلبك } فيه قولان. # أحدهما: يختم على قلبك فينسيك القرآن، قاله قتادة. # والثاني: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يشق عليك قولهم: إنك ~~مفتر، قاله مقاتل والزجاج. # قوله تعالى: { ويمح الله الباطل } قال الفراء: ليس بمردود على " ~~يختم " فيكون جزما، وإنما هو مستأنف، ومثله مما حذفت منه الواو # ويدع الإنسان بالشر # [الإسراء: 11] وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير. تقديره: والله يمحو ~~الباطل. وقال الزجاج: الوقف عليها " ويمحوا " بواو وألف؛ والمعنى: والله ~~يمحو الباطل على كل حال، غير أنها كتبت في المصاحف بغير واو، لأن ~~الواو تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين، فكتبت على الوصل، ولفظ الواو ~~ثابت؛ والمعنى: ويمحو الله الشرك ويحق الحق بما أنزله من كتابه ~~على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. ### || [42.25-27] # قوله تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } قد ذكرناه في ~~[براءة: 104]. # قوله تعالى: { ويعلم ما تفعلون } أي: من خير وشر. قرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: بالتاء، وقرأ الباقون: بالياء، على الإخبار عن ~~المشركين والتهديد لهم. # و " يستجيب " بمعنى يجيب. وفيه قولان: # أحدهما: أن الفعل فيه لله، والمعنى: يجيبهم إذا سألوه؛ وقد روى قتادة ~~عن أبي إبراهيم اللخمي { ويستجيب الذين آمنوا } قال: يشفعون في ~~إخوانهم. { ويزيدهم من فضله } قال: يشفعون في إخوان ~~إخوانهم. # والثاني: أنه للمؤمنين؛ فالمعنى: يجيبونه والأول أصح. # قوله تعالى: { ولو بسط الله الرزق لعباده } قال خباب ابن ~~الأرت: فينا نزلت هذه الآية، ms1791 وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة ~~والنضير فتمنيناها، فنزلت هذه الآية. ومعنى الآية: لو أوسع الله ~~الرزق لعباده لبطروا وعصوا وبغى بعضهم على بعض، { ولكن ينزل ~~بقدر ما يشاء } أي: ينزل أمره بتقدير ما يشاء مما يصلح أمورهم ولا ~~يطغيهم { إنه بعباده خبير بصير } فمنهم من لا يصلحه إلا الغنى، ~~ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر. ### || [42.28-31] # { وهو الذي ينزل الغيث } يعني: المطر وقت الحاجة { من بعد ما ~~قنطوا } أي: يئسوا، وذلك أدعى لهم إلى شكر منزله { وينشر رحمته } ~~في الرحمة هاهنا قولان. # أحدهما: المطر، قاله مقاتل. # والثاني: الشمس بعد المطر، حكاه أبو سليمان الدمشقي. وقد ذكرنا " الولي ~~" في سورة [النساء: 45] و " الحميد " في [البقرة: 267]. # قوله تعالى: { وما أصابكم من مصيبة } وهو ما يلحق المؤمن من مكروه { ~~فبما كسبت أيديكم } من المعاصي. وقرأ نافع، وابن عامر: " بما كسبت ~~أيديكم " بغير فاء وكذلك [هي] في مصاحف أهل المدينة والشام { ويعفوا عن ~~كثير } من السيئات فلا يعاقب بها. وقيل لأبي سليمان الداراني: ما ~~بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ قال: إنهم علموا أن الله ~~تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، وقرأ هذه الآية. # قوله تعالى: { وما أنتم بمعجزين في الأرض } إن أراد الله عقوبتكم، ~~وهذا يدخل فيه الكفار والعصاة كلهم. ### || [42.32-36] # قوله تعالى: { من آياته الجواري في البحر } والمراد بالجوار: السفن. ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: " الجواري " بياء في الوصل، إلا أن ~~ابن كثير يقف أيضا بياء، وأبو عمرو بغير ياء، ويعقوب يوافق ابن كثير، ~~والباقون بغير ياء في الوصل والوقف؛ قال أبو علي: والقياس ما ذهب إليه ~~ابن كثير، ومن حذف، فقد كثر حذف مثل هذا كلامهم. # { كالأعلام } قال ابن قتيبة: كالجبال، واحدها: علم. وروي عن الخليل بن ~~أحمد أنه قال: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. # قوله تعالى: { إن يشأ يسكن الريح } التي تجريها { فيظللن ~~} يعني الجواري { رواكد على ظهره } أي: سواكن على ظهر البحر { لا ~~يجرين }. # { أو يوبقهن } أي: يهلكهن ويغرقهن، والمراد أهل ~~السفن، ولذلك قال: { بما ms1792 كسبوا } أي: من الذنوب { ويعف عن كثير } ~~من ذنوبهم، فينجيهم من الهلاك. # { ويعلم الذين يجادلون } قرأ نافع، وابن عامر: " ويعلم " ~~بالرفع على الاستئناف وقطعه من الأول؛ وقرأ الباقون بالنصب. قال الفراء: ~~هو مردود على الجزم، إلا أنه صرف، والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب. # وللمفسرين في معنى الآية قولان. # أحدهما: ويعلم الذين يخاصمون في آيات الله حين يؤخذون بالغرق أنه لا ~~ملجأ لهم. # والثاني: أنهم يعلمون بعد البعث أنه لا مهرب لهم من العذاب. # قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء } أي: ما أعطيتم من الدنيا فهو متاع ~~تتمتعون به، ثم يزول سريعا { وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا } ~~لا للكافرين، لأنه إنما أعد لهم في الآخرة العذاب. ### || [42.37-43] # قوله تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } وقرأ حمزة، والكسائي: ~~" كبير الإثم " على التوحيد من غير ألف، والباقون بألف. وقد شرحنا ~~الكبائر في سورة [النساء: 31]. وفي المراد بالفواحش هاهنا قولان: # أحدهما: الزنا. # والثاني: موجبات الحدود. # قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } أي: يعفون عمن ~~ظلمهم طلبا لثواب الله تعالى. # { والذين استجابوا لربهم } أي: أجابوه فيما دعاهم إليه. # { وأمرهم شورى بينهم } قال ابن قتيبة: أي يتشاورون فيه [بينهم]. وقال ~~الزجاج: المعنى أنهم لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه. # قوله تعالى: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } اختلفوا ~~في [هذا] البغي على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بغي الكفار على المسلمين، قال عطاء: هم المؤمنون الذين ~~أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله منهم فانتصروا. ~~وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين بمكة، ~~فرقة كانت تؤذى فتعفو عن المشركين، وفرقة كانت تؤذى فتنتصر، فأثنى ~~الله عز وجل عليهم جميعا، فقال في الذين لم ينتصروا: { وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون } ، وقال في المنتصرين: { والذين إذا أصابهم ~~البغي هم ينتصرون } أي: من المشركين. وقال ابن زيد: ذكر المهاجرين، ~~وكانوا صنفين، صنفا عفا، وصنفا انتصر، فقال: { وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون } ، فبدأ بهم، وقال في المنتصرين: { والذين إذا أصابهم ms1793 ~~البغي هم ينتصرون } أي: من المشركين؛ وقال: { والذين استجابوا لربهم ~~} إلى قوله { ينفقون } وهم الأنصار؛ ثم ذكر الصنف الثالث فقال: { ~~والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } من المشركين. # والثاني: أنه بغي المسلمين على المسلمين خاصة. # والثالث: أنه عام في جميع البغاة، سواء كانوا مسلمين أو كافرين. # فصل # واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ، فذهب بعض القائلين بأنها في ~~المشركين إلى أنها منسوخة بآية السيف، فكأنهم يشيرون إلى أنها أثبتت ~~الانتصار بعد بغي المشركين، فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال، دل ~~على أنها منسوخة. وللقائلين بأنها في المسليمن قولان: # أحدهما: أنها منسوخة بقوله: # ولمن صبر وغفر # [الشورى: 43] فكأنها نبهت على مدح المنتصر، ثم أعلمنا أن الصبر ~~والغفران أمدح، فبان وجه النسخ. # والثاني: أنها محكمة، لأن الصبر والغفران فضيلة، والانتصار مباح، فعلى ~~هذا تكون محكمة، [وهو الأصح]. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وظاهرها مدح المنتصر وبين آيات ~~الحث على العفو؟ فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: أنه انتصار المسلمين من الكافرين، وتلك رتبة الجهاد كما ذكرنا عن ~~عطاء. # والثاني: أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له، وإن كان العفو أفضل، ~~ومن لم يخرج من الشرع بفعله، حسن مدحه. قال ابن زيد: جعل الله ~~المؤمنين صنفين، صنف يعفو، فبدأ بذكره وصنف ينتصر. # والثالث: أنه إذا بغي على المؤمن فاسق، فلأن له اجتراء الفساق ~~عليه، وليس للمؤمن أن يذل نفسه، فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة ~~لتكون العزة لأهل الدين. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون ~~للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق، فإذا قدروا ~~عفوا. وقال القاضي أبو يعلى: هذه الآية محمولة على من تعدى وأصر ~~على ذلك، وآيات العفو محمولة على أن يكون الجاني نادما. # قوله تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } قال مجاهد، والسدي: هو ~~جواب القبيح، إذا قال له كلمة إجابة بمثلها من غير أن يعتدي. وقال ~~مقاتل: هذا في القصاص في الجراحات والدماء. # { فمن عفا } فلم يقتص { وأصلح } العمل { فأجره على الله إنه لا ~~يحب الظالمين } يعني من بدأ ms1794 بالظلم. وإنما سمى المجازاة ~~سيئة، لما بينا عند قوله: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194]. قال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم ~~من كان أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا. # { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: بعد ظلم الظالم إياه؛ ~~والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول، ونظيره: # من دعاء الخير # [فصلت: 49] و # وبسؤال نعجتك # [ص: 24]، { فأولئك } يعني المنتصرين { ماعليهم من سبيل } أي: من طريق ~~إلى لوم ولا حد { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } أي: ~~يبتدؤون بالظلم { ويبغون في الأرض بغير الحق } أي: يعملون فيها ~~بالمعاصي. # قوله تعالى: { ولمن صبر } فلم ينتصر { وغفر إن ذلك } الصبر ~~والتجاوز { لمن عزم الأمور } وقد شرحناه في [آل عمران: 186]. ### || [42.44-46] # قوله تعالى: { ومن يضلل الله فما له من ولي } أي: من أحد يلي ~~هدايته بعد إضلال الله إياه. # { وترى الظالمين } يعني المشركين { لما رأوا العذاب } في الآخرة ~~يسألون الرجعة إلى الدنيا { يقولون هل إلى مرد من سبيل }. # { وتراهم يعرضون عليها } أي: على النار { خاشعين } أي: خاضعين ~~متواضعين { من الذل ينظرون من طرف خفي } وفيه أربعة أقوال: # أحدها: من طرف ذليل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. وقال ~~الأخفش: ينظرون من عين ضعيفة. وقال غيره: " من " بمعنى " الباء ". # والثاني: يسارقون النظر، قاله قتادة، والسدي. # والثالث: ينظرون ببعض العين، قاله أبو عبيدة. # والرابع: أنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم، لأنهم قد حشروا عميا فلم ~~يروها بأعينهم، حكاه الفراء، والزجاج. وما بعد هذا قد سبق بيانه ~~[الأنعام: 12] [هود: 39] إلى قوله: { ينصرونهم من دون الله } أي: ~~يمنعونهم من عذاب الله. ### || [42.47-50] # قوله تعالى: { استجيبوا لربكم } أي: أجيبوه، فقد دعاكم برسوله { من ~~قبل أن يأتي يوم } وهو يوم القيامة { لا مرد له من الله } أي: ~~لا يقدر أحد على رده ودفعه { مالكم من ملجأ } تلجؤون إليه، { ~~وما لكم من نكير } قال مجاهد: من ناصر ينصركم. وقال غيره: من قدرة ~~على تغيير ما نزل بكم. # { فإن أعرضوا } عن الإجابة { فما أرسلناك عليهم حفيظا } لحفظ ~~أعمالهم { إن عليك ms1795 إلا البلاغ } أي: ما عليك إلا أن تبلغهم. وهذا ~~عند المفسرين منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها } ~~قال المفسرون: المراد به: الكافر؛ والرحمة: الغنى والصحة والمطر ونحو ~~ذلك. والسيئة: المرض والفقر والقحط [ونحو ذلك]. والإنسان هاهنا: اسم ~~جنس، فلذلك قال: { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } أي: بما ~~سلف من مخالفتهم { فإن الإنسان كفور } بما سلف من النعم. # { لله ملك السموات والأرض } أي: له التصرف فيها بما يريد، { ~~يهب لمن يشاء إناثا } يعني البنات ليس فيهن ذكر، كما وهب للوط ~~صلى الله عليه وسلم، فلم يولد له إلا البنات. { ويهب لمن يشاء ~~الذكور } يعني البنين ليس معهم أنثى، كما وهب لإبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام، [فلم يولد له إلا الذكور]. # { أو يزوجهم } يعني الإناث والذكور. قال الزجاج: ومعنى " يزوجهم ~~": يقرنهم. وكل شيئين يقترن أحدهما بالآخر، فهما زوجان، ويقال لكل ~~واحد منهما: زوج، تقول: عندي زوجان من الخفاف، يعني اثنين. # وفي معنى الكلام للمفسرين قولان: # أحدهما: أنه وضع المرأة غلاما ثم جارية ثم غلاما ثم جارية، قاله ~~مجاهد، والجمهور. # والثاني: [أنه] وضع المرأة جارية وغلاما توأمين، قاله ابن الحنفية. ~~قالوا: وذلك كما جمع لمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه وهب له بنين وبنات، ~~{ ويجعل من يشاء عقيما } لا يولد له، كيحيى بن زكريا عليهما السلام. ~~وهذه الأقسام موجودة في سائر الناس، وإنما ذكروا الأنبياء تمثيلا. ### || [42.51-53] # قوله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } قال ~~المفسرون: سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا ~~تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا صادقا كما كلمه موسى ونظر ~~إليه؟ فقال لهم: " لم ينظر موسى إلى الله " ، ونزلت هذه الآية. والمراد ~~بالوحي هاهنا: الوحي في المنام. # { أو من وراء حجاب } كما كلم موسى. # { أو يرسل } قرأ نافع، وابن عامر: { يرسل } بالرفع { فيوحي } ~~بسكون الياء. وقرأ الباقون: { يرسل } بنصب اللام { فيوحي } بتحريك ~~الياء، والمعنى: " أو يرسل رسولا " كجبرائيل " فيوحي " ذلك الرسول إلى ~~المرسل إليه ms1796 { بإذنه ما يشاء }. قال مكي بن أبي طالب: من قرأ " أو ~~يرسل " بالنصب، عطفه على معنى قوله { إلا وحيا } لأنه بمعنى: إلا ~~أن يوحي. ومن قرأ بالرفع، فعلى الابتداء، كأنه قال: أو هو يرسل. قال ~~القاضي أبو يعلى: وهذه الآية محمولة على أنه لا يكلم بشرا إلا من ~~وراء حجاب في دار الدنيا. # قوله تعالى: { وكذلك } أي: وكما أوحينا إلى الرسل { أوحينا إليك } ، ~~وقيل الواو عطف على أول السورة، فالمعنى: كذلك نوحي إليك وإلى الذين ~~من قبلك. # { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } قال ابن عباس: هو القرآن. وقال ~~مقاتل: وحيا بأمرنا. # قوله تعالى: { ما كنت تدري ما الكتاب } وذلك أنه لم يكن يعرف القرآن ~~قبل الوحي { ولا الإيمان } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى الدعوة إلى الإيمان، قاله أبو العالية. # والثاني: أن المراد به: شرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلها إيمان؛ وقد ~~سمى الصلاة إيمانا بقوله: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143]، هذا اختيار ابن قتيبة، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. # والثالث: أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وإذ كان طفلا ~~قبل البلوغ، حكاه الواحدي. والقول ما اختاره ابن قتيبة، وابن خزيمة، وقد ~~اشتهر في الحديث عنه عليه السلام أنه كان قبل النبوة يوحد الله، ~~ويبغض اللات والعزى، ويحج ويعتمر، ويتبع شريعة إبراهيم ~~عليه السلام. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: من زعم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان على دين قومه، فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل ما ~~ذبح على النصب؟ وقال ابن قتيبة: قد جاء في الحديث أنه كان على دين ~~قومه أربعين سنة. ومعناه: أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين ~~إسماعيل، من ذلك حج البيت، والختان وإيقاع الطلاق إذا كان ثلاثا، ~~وأن للزوج الرجعة في الواحدة والاثنتين ودية النفس مائة من الإبل، ~~والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر. وكان عليه ~~الصلاة والسلام على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم في ~~الختان والغسل والحج، وكان لا ms1797 يقرب الأوثان، ويعيبها. # وكان لا يعرف شرائع الله التي شرعها لعباده على لسانه، فذلك، قوله: ~~{ ما كنت تدري ما الكتاب } [يعني القرآن] " ولا الإيمان " يعني ~~شرائع الإيمان؛ ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله، لأن آباءه ~~الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون له [البيت] مع ~~شركهم. # قوله تعالى: { ولكن جعلناه } في هاء الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. # والثاني: إلى الإيمان. # { نورا } أي: ضياء ودليلا على التوحيد { نهدي به من نشاء } [من ~~عبادنا] إلى دين الحق. # { وإنك لتهدي } أي: لتدعو { إلى صراط مستقيم } وهو الإسلام. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-10] # قوله تعالى: { حم } قد تقدم بيانه [المؤمن]. # { والكتاب المبين } قسم بالقرآن. # { إنا جعلناه } قال سعيد بن جبير: أنزلناه. وما بعد هذا تقدم ~~بيانه [النساء: 82] [يوسف: 2] إلى قوله: { وإنه } يعني القرآن { في ~~أم الكتاب } قال الزجاج: أي: في أصل الكتاب، وأصل كل شيء: أمه، ~~والقرآن مثبت عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: { لدينا } أي: عندنا { لعلي } أي: رفيع. وفي معنى ~~الحكيم قولان: # أحدهما: محكم، أي: ممنوع من الباطل، قاله مقاتل. # والثاني: حاكم لأهل الإيمان بالجنة ولأهل الكفر بالنار، ذكره أبو ~~سليمان الدمشقي، والمعنى: إن كذبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا شريف ~~عظيم المحل. # قوله تعالى: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } قال ابن قتيبة: أي: ~~نمسك عنكم فلا نذكركم صفحا، أي: إعراضا. يقال: صفحت عن فلان: ~~إذا أعرضت عنه، والأصل في ذلك أن توليه صفحة عنقك، قال كثير ~~يصف امرأة: # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة # فمن مل منها ذلك الوصل ملت # أي: معرضة بوجهها، يقال؛ ضربت عن فلان كذا: إذا أمسكته ~~وأضربت عنه. { أن كنتم } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: { ~~أن كنتم } بالنصب، أي: لأن كنتم قوما مسرفين. وقرأ نافع، وحمزة، ~~والكسائي: { إن كنتم } بكسر الهمزة. قال الزجاج: وهذا على معنى ~~الاستقبال أي إن تكونوا مسرفين نضرب عنكم الذكر. # وفي المراد بالذكر قولان: # أحدهما: أنه ذكر العذاب، فالمعنى: أفنمسك عن عذابكم ونترككم على ~~كفركم؟! ms1798 وهذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، والسدي. # والثاني: أنه القرآن فالمعنى: أفنمسك عن إنزال القرآن من أجل أنكم ~~لا تؤمنون به؟! وهو معنى قول قتادة، وابن زيد. # وقال قتادة: " مسرفين " بمعنى مشركين. # ثم أعلم نبيه أني قد بعثت رسلا فكذبوا فأهلكت المكذبين ~~بالآيات التي تلي هذه. # قوله تعالى: { أشد منهم } أي: من قريش { بطشا } أي: قوة { ~~ومضى مثل الأولين } أي: سبق وصف عقابهم فيما أنزل عليك. وقيل: ~~سبق تشبيه حال أولئك بهؤلاء في التكذيب، فستقع المشابهة بينهم في ~~الإهلاك. # ثم أخبر عن جهلهم حين أقروا بأنه خالق السموات والأرض ثم عبدوا غيره ~~بالآية التي تلي هذه؛ ثم التي تليها مفسرة في [طه: 53] إلى قوله: { ~~لعلكم تهتدون } أي: لكي تهتدوا في أسفاركم إلى مقاصدكم. ### || [43.11-14] # قوله تعالى: { والذي نزل من السماء ماء بقدر } قال ابن عباس: يريد ~~أنه ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر فأغرقهم، بل هو بقدر ليكون ~~نافعا. ومعنى: " أنشرنا ": أحيينا. # قوله تعالى: { كذلك تخرجون } قرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر: { ~~تخرجون } بفتح التاء وضم الراء؛ والباقون بضم التاء وفتح الراء. وما ~~بعد هذا قد سبق [يس: 36 42] إلى قوله تعالى: { لتستووا على ظهوره } قال ~~أبو عبيدة: هاء التذكير ل " ما ". # { ثم تذكروا نعمة ربكم } إذ سخر لكم ذلك المركب في البر ~~والبحر، { وما كنا له مقرنين } قال ابن عباس ومجاهد: أي: مطيقين. ~~قال ابن قتيبة: يقال أنا مقرن لك، أي: مطيق لك، ويقال: هو من قولهم: ~~أنا قرن لفلان: إذا كنت مثله في الشدة. فإن قلت: أنا قرن لفلان ~~ بفتح القاف فمعناه: أن تكون مثله بالسن. وقال أبو عبيدة: " ~~مقرنين " أي ضابطين، يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له. # قوله تعالى: { وإنا إلى ربنا لمنقلبون } أي: راجعون في الآخرة. ### || [43.15-18] # قوله تعالى: { وجعلوا له من عباده جزءا } أما الجعل هاهنا، ~~فمعناه: الحكم بالشيء، وهم الذين زعموا أن الملائكة بنات الله؛ ~~والمعنى: جعلوا له نصيبا من الولد، قال الزجاج: وأنشدني بعض أهل اللغة ~~بيتا يدل على أن معنى ms1799 { جزء } معنى الإناث - ولا أدري البيت قديم أو ~~مصنوع -: # إن أجزأت حرة، يوما، فلا عجب # قد تجزىء الحرة المذكار أحيانا # أي: آنثت، ولدت أنثى. # قوله تعالى: { إن الإنسان } يعني الكافر { لكفور } أي: جحود ~~لنعم الله عز وجل { مبين } أي: ظاهر الكفر. # ثم أنكر عليهم فقال: { أم اتخذ مما يخلق بنات } وهذا ~~استفهام توبيخ وإنكار { وأصفاكم } أي: أخلصكم بالبنين. # { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } أي: بما جعل لله ~~شبها، وذلك أن ولد كل شيء شبهه وجنسه. والآية مفسرة في [النحل:58]. # قوله تعالى: { أومن ينشأ } قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: { ~~ينشأ } بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين، وقرأ الباقون: بفتح ~~الياء وسكون النون. قال المبرد: تقديره: أو يجعلون من ينشأ (في ~~الحلية) قال أبو عبيدة: الحلية: الحلى. # قال المفسرون: والمراد بذلك: البنات، فإنهن ربين في الحلي ~~والخصام بمعنى المخاصمة، { غير مبين } حجة. قال قتادة: قلما ~~تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. # وقال بعضهم: هي الأصنام. ### || [43.19-25] # قوله تعالى: { وجعلوا الملائكة } قال الزجاج: الجعل هاهنا بمعنى ~~القول والحكم على الشيء، نقول: قد جعلت زيدا أعلم الناس، أي: قد ~~وصفته بذلك وحكمت به. قال المفسرون: وجعلهم الملائكة إناثا قولهم: ~~هن بنات الله. # قوله تعالى: { الذين هم عباد الرحمن } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، ويعقوب، وأبان عن عاصم، والشيزري عن الكسائي: { عند الرحمن } ~~بنون من غير ألف. وقرأ الباقون: { عباد الرحمن } ، ومعنى هذه القراءة ~~جعلوا له من عباده بنات والقراءة الأولى موافقة لقوله # إن الذين عند ربك # [الأعراف: 206] وإذا كانوا في السماء كان أبعد للعلم بحالهم { ~~أشهدوا خلقهم }؟ قرأ نافع، والمفضل عن عاصم: { أأشهدوا } ~~بهمزتين، الأولى مفتوحة والثانية مضمومة. وروى المسيبي عن نافع " أو ~~شهدوا " ممدودة من أشهدت، والباقون لا يمدون. # " أشهدوا " من شهدت، أي: أحضروه فعرفوا أنهم إناث؟! وهذا ~~توبيخ لهم إذ قالوا فيما يعلم بالمشاهدة من غير مشاهدة { ستكتب ~~شهادتهم } على الملائكة أنها بنات الله. وقال مقاتل: لما قال الله عز ~~وجل { أشهدوا خلقهم }؟، سئلوا عن ذلك فقالوا: [لا]. ms1800 فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " فما يدريكم أنها إناث "؟ فقالوا: سمعنا من ~~آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال الله: { ستكتب شهادتهم ~~ويسألون } عنها في الآخرة. وقرأ أبو رزين، ومجاهد: { سنكتب } ~~بنون مفتوحة { شهادتهم } بنصب التاء. ووافقهم ابن أبي عبلة في " ~~سنكتب " وقرأ " شهاداتهم " بألف. # قوله تعالى: { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } في المكني عنهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة، قاله قتادة، ومقاتل في آخرين. # والثاني: الأوثان، قاله مجاهد. وإنما عنوا بهذا أنه لو لم يرض ~~عبادتنا لها لعجل عقوبتنا، فرد عليهم قولهم بقوله: { ما لهم بذلك ~~من علم } وبعض المفسرين يقول: إنما أشار بقوله: { مالهم بذلك من ~~علم } إلى ادعائهم أن الملائكة إناث؛ قال: ولم يتعرض لقولهم { ~~لو شاء الرحمن ما عبدناهم } لأنه قول صحيح؛ والذي اعتمدنا عليه أصح، ~~لأن هذه الآية كقوله: # لو شاء الله ما أشركنا # [الانعام: 148] وقوله: # أنطعم من لو يشاء الله أطعمه # [يس: 47] وقد كشفنا عن هذا المعنى هنالك و { يخرصون } بمعنى: ~~يكذبون. وإنما كذبهم لأنهم اعتقدوا أنه رضي منهم الكفر دينا. # { أم آتيناهم كتابا من قبله } أي: من قبل هذا القرآن، أي ~~بأن يعبدوا غير الله { فهم به مستمسكون } يأخذون بما فيه. # { بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة } أي: على سنة وملة ~~ودين { وإنا على آثارهم مهتدون } فجعلوا أنفسهم مهتدين بمجرد ~~تقليد الآباء من غير حجة؛ ثم أخبر أن غيرهم قد قال هذا القول، فقال: { ~~وكذلك } أي: وكما قالوا قال مترفو القرى من قبلهم، { وإنا على ~~آثارهم مقتدون } بهم. # { قل أولو جئتكم } وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: { قال أولو ~~جئتكم } [بألف]. قال أبو علي: فاعل: " قال " النذير، المعنى: فقال لهم ~~النذير. وقرأ أبو جعفر: { أولو جئناكم } بألف ونون( بأهدى) أي: بأصوب ~~وأرشد. قال الزجاج: ومعنى الكلام: قل: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم ~~وإن جئتكم بأهدى منه؟! وفي هذه الآية إبطال القول بالتقليد. قال مقاتل: ~~فردوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: { إنا بما أرسلتم به ~~كافرون }؛ ثم رجع إلى الأمم ms1801 الخالية، فقال { فانتقمنا منهم... } ~~الآية. ### || [43.26-30] # قوله تعالى: { إنني براء } قال الزجاج: البراء بمعنى البريء، ~~والعرب تقول للواحد: أنا البراء منك، وكذلك للإثنين والجماعة، وللذكر ~~والأنثى، يقولون: نحن البراء منك والخلاء منك، لا يقولون: نحن البراءان ~~منك، ولا البراءون منك، وإنما المعنى: أنا ذو البراء منك، ونحن ذو ~~البراء منك، كما يقال: رجل عدل، وامرأة عدل. وقد بينا استثناء ~~إبراهيم ربه عز وجل مما يعبدون عند قوله: # إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]. # قوله تعالى: { وجعلها } يعني كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " ~~{ كلمة باقية في عقبه } أي: فيمن يأتي بعده من ولده، فلا يزال ~~فيهم موحد { لعلهم يرجعون } إلى التوحيد كلهم إذا سمعوا أن ~~أباهم تبرأ من الأصنام ووحد الله عز وجل. # ثم ذكر نعمته على قريش فقال: { بل متعت هؤلاء وآباءهم } والمعنى: ~~إني أجزلت لهم النعم ولم أعاجلهم بالعقوبة { حتى جاءهم الحق } ~~وهو القرآن { ورسول مبين } وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ينبغي ~~لهم أن يقابلوا النعم بالطاعة للرسول، فخالفوا. # { ولما جاءهم } يعني قريشا في قول الأكثرين. وقال قتادة: هم اليهود و ~~{ الحق } القرآن. ### || [43.31-35] # قوله تعالى: { وقالوا لولا } أي: هلا { نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم } أما القريتان، فمكة والطائف، قاله ابن عباس، ~~والجماعة؛ وأما عظيم مكة، ففيه قولان: # أحدهما: الوليد بن المغيرة القرشي، رواه العوفي وغيره عن ابن عباس، [وبه ~~قال قتادة، والسدي]. # والثاني: عتبة بن ربيعة، قاله مجاهد. وفي عظيم الطائف خمسة أقوال. # أحدها: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: مسعود بن عمرو بن عبيد الله، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي، رواه ليث عن مجاهد وبه ~~قال قتادة. # والرابع: [أنه] ابن عبد ياليل، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والخامس: كنانة بن عبد [بن] عمرو بن عمير الطائفي، قاله السدي. # فقال الله عز وجل ردا عليهم وإنكارا { أهم يقسمون رحمة ~~ربك } يعني النبوة، فيضعونها حيث شاؤوا، لأنهم اعترضوا على ms1802 الله ~~بما قالوا. # { نحن قسمنا بينهم معيشتهم } المعنى أنه إذا كانت الأرزاق بقدر ~~الله، لا بحول المحتال وهو دون النبوة فكيف تكون النبوة؟! ~~قال قتادة: إنك لتلقى ضعيف الحيلة عيي اللسان قد بسط له ~~الرزق، وتلقى شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتور عليه. # قوله تعالى: { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } فيه قولان. # أحدهما: بالغنى والفقر. # والثاني: بالحرية والرق { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } وقرأ ~~ابن السميفع، وابن محيصن: " سخريا " بكسر السين. ثم فيه قولان: # أحدهما: يستخدم الأغنياء الفقراء بأموالهم، فيلتئم قوام ~~العالم، وهذا على القول الأول. # والثاني: ليملك بعضهم بعضا بالأموال فيتخذونهم عبيدا، وهذا على ~~الثاني. # قوله تعالى: { ورحمة ربك } فيها قولان: # أحدهما: النبوة خير من أموالهم التي يجمعونها، قاله ابن عباس. # والثاني: الجنة خير مما يجمعون في الدنيا، قاله السدي. # قوله تعالى: { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } فيه قولان: # أحدهما: لولا أن يجتمعوا على الكفر، قاله ابن عباس. # والثاني: على إيثار الدنيا على الدين، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة } لهوان الدنيا عندنا. قال الفراء: إن شئت جعلت اللام في " ~~لبيوتهم " مكررة كقوله: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه # [البقرة: 217]، وإن شئت جعلتها بمعنى " على " ، كأنه قال: جعلنا ~~لهم على بيوتهم، تقول للرجل: جعلت لك لقومك الأعطية، أي: جعلتها من ~~أجلك لهم. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: { سقفا } على التوحيد. ~~وقرأ الباقون { سقفا } بضم السين والقاف جميعا. # قال الزجاج: والسقف واحد يدل على الجمع؛ فالمعنى: جعلنا لبيت كل ~~واحد منهم سقفا من فضة { ومعارج } وهي الدرج؛ والمعنى: وجعلنا ~~معارج من فضة، وكذلك " ولبيوتهم أبوابا " أي: من فضة " وسررا ~~" أي: من فضة. # قوله تعالى: { عليها يظهرون } قال ابن قتيبة: أي: يعلون، يقال: ~~ظهرت على البيت إذا علوت سطحه. # قوله تعالى: { وزخرفا } وهو الذهب؛ والمعنى: ويجعل لهم مع ذلك ذهبا ~~وغنى { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } المعنى: لمتاع ~~الحياة الدنيا، و " ما " زائدة. وقرأ عاصم، وحمزة: " لما " بالتشديد، ~~فجعلاه بمعنى " إلا ms1803 "؛ والمعنى: إن ذلك يتمتع به قليلا ثم يزول { ~~والآخرة عند ربك للمتقين } خاصة لهم. ### || [43.36-40] # قوله تعالى: { ومن يعش } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يعرض، قاله الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والفراء، ~~والزجاج. # والثاني: يعم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال عطاء، وابن زيد. # والثالث: أنه البصر الضعيف، حكاه الماوردي. وقال أبوعبيدة: تظلم ~~عينه عنه. وقال الفراء: من قرأ: " يعش " ، فمعناه: يعرض، ومن نصب ~~الشين، أراد: يعم عنه؛ قال ابن قتيبة: لا أرى القول إلا قول أبي ~~عبيدة، ولم نر أحدا يجيز " عشوت عن الشيء ": أعرضت عنه، إنما ~~يقال: " تعاشيت عن كذا " ، أي: تغافلت عنه، كأني لم أره. ومثله: ~~تعاميت والعرب تقول: " عشوت إلى النار ": إذا استدللت إليها ~~ببصر ضعيف، قال الحطيئة: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد # ومنه حديث ابن المسيب: " أن إحدى عينيه ذهبت، وهو يعشو بالأخرى ~~" ، أي: يبصر بها بصرا ضعيفا. قال المفسرون: " ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن " فلم يخف عقابه ولم يلتفت إلى كلامه " نقيض له " ~~أي: نسبب له " شيطانا " فنجعل ذلك جزاءه " فهو له قرين " لا يفارقه. # { وإنهم } يعني الشياطين { ليصدونهم } يعني الكافرين، أي: ~~يمنعونهم عن سبيل الهدى؛ وإنما جمع، لأن { من } في موضع جمع، { ~~ويحسبون } يعني كفار بني آدم (أنهم) على هدى. # { حتى إذا جاءنا } وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: { ~~جاءنا } واحد، يعني الكافر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر ~~عن عاصم: { جاءانا } بألفين على التثنية يعنون الكافر وشيطانه. وجاء في ~~التفسير: أنهما يجعلان يوم البعث في سلسلة، فلا يفترقان حتى ~~يصيرهما الله إلى النار، { قال } الكافر للشيطان: { يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين } أي: بعد ما بين المشرقين؛ وفيهما ~~قولان: # أحدهما: أنهما مشرق الشمس في أقصر يوم في السنة، ومشرقها في ~~أطول يوم، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنه أراد المشرق والمغرب، فغلب ذكر المشرق، كما ~~قالوا سنة العمرين، يريدون: أبا بكر وعمر، وأنشدوا من ذلك: # أخذنا بآفاق السماء عليكم ms1804 # لنا قمراها والنجوم الطوالع # يريد: الشمس والقمر؛ وأنشدوا: # فبصرة الأزد منا والعراق لنا # والموصلان ومنا مصر والحرم # يريد: الجزيرة والموصل، [وهذا اختيار الفراء، والزجاج]. # قوله تعالى: { فبئس القرين } أي: أنت أيها الشيطان. ويقول ~~الله عز وجل يومئذ للكفار: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم } أي: ~~أشركتم في الدنيا { أنكم في العذاب مشتركون } أي: لن ينفعكم الشركة ~~في العذاب، لأن لكل واحد منه الحظ الأوفر. قال المبرد: منعوا روح ~~التأسي، لأن التأسي يسهل المصيبة، وأنشد للخنساء أخت صخر بن ~~مالك في هذا المعنى: # ولولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه بالتأسي # وقرأ ابن عامر: { إنكم } بكسر الألف. # ثم أخبر عنهم بما سبق لهم من الشقاوة بقوله: { أفأنت تسمع ~~الصم... } الآية. ### || [43.41-44] # قوله تعالى: { فإما نذهبن بك } قال أبو عبيدة: معناها: فإن ~~نذهبن؛ وقال الزجاج: دخلت " ما " توكيدا للشرط، ودخلت النون ~~الثقيلة في { نذهبن } توكيدا أيضا؛ والمعنى: إنا ننتقم منهم ~~إن توفيت أو نرينك ما وعدناهم ووعدناك فيهم من ~~النصر. قال ابن عباس: ذلك يوم بدر وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله { ~~فإما نذهبن بك } منسوخ بآية السيف، ولا وجه[ له]. # قوله تعالى: { وإنه } يعني القرآن { لذكر لك } أي: شرف لك ~~بما أعطاك الله { ولقومك } في قومه ثلاثة أقوال: # أحدها: العرب قاطبة. # والثاني: قريش. # والثالث: جميع من آمن به. وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا سئل: لمن هذا الأمر من بعدك؟ لم يخبر بشيء، ~~حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: " لقريش " وهذا يدل ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين ~~بحكم النبوة وشرف القرآن، وأن قومه يخلفونه من بعده في ~~الولاية لشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم. ومذهب مجاهد أن القوم ~~هاهنا: العرب، والقرآن شرف لهم إذ أنزل بلغتهم. قال ابن قتيبة: ~~إنما وضع الذكر موضع الشرف، لأن الشريف يذكر وفي قوله: { ~~وسوف تسألون ms1805 } قولان. أحدهما: عن شكر ما أعطيتم من ذلك. والثاني: ~~عما لزمكم فيه من الحقوق. ### || [43.45-56] # قوله تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } إن ~~قيل: كيف يسأل الرسل وقد ماتوا قبله؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه لما أسري به جمع له الأنبياء فصلى بهم، ثم قال[له] ~~جبريل: سل من أرسلنا قبلك...الآية. فقال: لا أسأل، قد ~~اكتفيت. رواه عطاء عن ابن عباس. وهذا قول سعيد بن جبير، والزهري، ~~وابن زيد؛ قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به، فلقيهم، وأمر أن ~~يسألهم، فما شك ولا سأل. # والثاني: أن المراد: [اسأل] مؤمني أهل الكتاب [من] الذين أرسلت إليهم ~~الأنبياء، روي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي في ~~آخرين. قال ابن الأنباري: والمعنى سل أتباع من أرسلنا قبلك، ~~كما تقول: السخاء حاتم، أي: سخاء حاتم، والشعر زهير، أي: شعر زهير. ~~وعند المفسرين أنه لم يسأل على القولين. وقال الزجاج: هذا سؤال تقرير، ~~فإذا سأل جميع الأمم، لم يأتوا بأن في كتبهم: أن اعبدوا غيري. # والثالث: [أن] المراد بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم: خطاب أمته، ~~فيكون المعنى: سلوا، قاله الزجاج. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: { إذ ~~هم منها يضحكون } استهزاء بها وتكذيبا. # { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها } يعني ما ترادف ~~عليهم من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، ~~فكانت كل آية أكبر من التي قبلها، وهي العذاب المذكور في قوله: { ~~وأخذناهم بالعذاب } ، فكانت عذابا لهم، ومعجزات لموسى عليه السلام. # قوله تعالى: { وقالوا يا أيها الساحر } في خطابهم له بهذا ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنهم أرادوا: يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم قالوه على جهة الاستهزاء، قاله الحسن. # والثالث: أنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: { إننا لمهتدون } أي: مؤمنون بك. فدعا موسى فكشف عنهم، ~~فلم يؤمنوا. وقد ذكرنا ما تركناه هاهنا في [الأعراف: 135]. # قوله تعالى: { تجري من تحتي } أي: من تحت قصوري ms1806 { أفلا تبصرون ~~} عظمتي وشدة ملكي. # ؟! { أم أنا خير } قال أبو عبيدة: أراد: بل أنا خير. وحكى ~~الزجاج عن سيبويه والخليل أنهما قالا: عطف { أنا } ب { أم } على { أفلا ~~تبصرون } [فكأنه قال: أفلا تبصرون] أم أنتم بصراء؟!. لأنهم إذا ~~قالوا: أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء. قال الزجاج: والمهين ~~القليل؛ يقال: شيء مهين، أي: قليل. وقال مقاتل: " مهين " بمعنى ذليل ~~ضعيف. # قوله تعالى: { ولا يكاد يبين } أشار إلى عقدة لسانه التي كانت به ثم ~~أذهبها الله عنه، فكأنه عيره بشيء قد كان وزال، ويدل على زواله قوله ~~تعالى: # قد أوتيت سؤلك يا موسى # [طه: 36]، وكان في سؤاله: # واحلل عقدة من لساني # [طه: 27]. وقال بعض العلماء: ولا يكاد يبين الحجة ولا يأتي ببيان ~~يفهم. # { فلولا } أي: فهلا { ألقي عليه أساورة من ذهب } وقرأ حفص ~~عن عاصم: { أسورة } بغير ألف. قال الفراء: واحد الأساورة: إسوار، ~~وقد تكون الأساورة جمع أسورة. كما يقال في جمع الأسقية: الأساقي، ~~وفي جمع الأكرع: الأكارع. وقال الزجاج: يصلح أن تكون الأساورة جمع ~~الجمع، تقول: أسورة وأساورة، كما تقول: أقوال وأقاويل، ويجوز أن تكون ~~جمع إسوار. وإنما صرفت أساورة، لأنك ضممت الهاء إلى أساور فصار ~~اسما واحدا، وصار له مثال في الواحد نحو " علانية ". # قال المفسرون: إنما قال فرعون هذا لأنهم كانوا إذا سودوا الرجل منهم ~~سوروه بسوار. # { أو جاء معه الملائكة مقترنين } فيه قولان: أحدهما: متتابعين، ~~قاله قتادة. والثاني: يمشون معه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { فاستخف قومه } قال الفراء: استفزهم؛ وقال غيره: ~~استخف أحلامهم وحملهم على خفة الحلم بكيده وغروره { فأطاعوه } ~~في تكذيب موسى. # { فلما آسفونا } قال ابن عباس: أغضبونا. قال ابن قتيبة: الأسف: ~~الغضب، يقال أسفت آسف أسفا أي: غضبت. # { فجعلناهم سلفا } أي: قوما تقدموا. وقرأها أبو هريرة، وسعيد ~~بن جبير، ومجاهد، وحميد الأعرج: " سلفا " بضم السين وفتح اللام كأن ~~واحدته سلفة من الناس، مثل القطعة، يقال: تقدمت سلفة من الناس، ~~أي: قطعة منهم. وقرأ حمزة، والكسائي: { سلفا } بضم السين واللام، وهو ~~جمع " سلف " ، كما قالوا: ms1807 خشب وخشب، وثمر وثمر، ويقال: هو جمع ~~" سليف " وكله من التقدم وقال الزجاج: " السليف " جمع قد ~~مضى، والمعنى: جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. # قوله تعالى: { ومثلا } أي: عبرة وعظة. ### || [43.57-66] # قوله تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا } أكثر المفسرين على أن ~~هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعري رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين نزل قوله: # إنكم وما تعبدون من دون الله.. # الآية [الأنبياء: 98] وقد شرحنا القصة في سورة [الأنبياء: 101]. ~~والمشركون هم الذين ضربوا عيسى مثلا لآلهتهم وشبههوه بها، لأن تلك ~~الآية إنما تضمنت ذكر الأصنام لأنها عبدت من دون الله، فألزموه ~~عيسى، وضربوه مثلا لأصنامهم، لأنه معبود النصارى. والمراد بقومه: ~~المشركون. # فأما { يصدون } فقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي: بضم الصاد، ~~وكسرها الباقون؛ قال الزجاج: ومعناهما جميعا: يضجون، ويجوز أن يكون ~~معنى المضمومة: يعرضون. وقال أبو عبيدة: من كسر الصاد، فمجازها: ~~يضجون، ومن ضمها، فمجازها: يعدلون. # قوله تعالى: { وقالوا أآلهتنا خير أم هو } المعنى: ليست خيرا ~~منه، فإن كان في النار لأنه عبد من دون الله، فقد رضينا أن تكون ~~آلهتنا بمنزلته. # { ما ضربوه لك إلا جدلا } أي: ما ذكروا عيسى إلا ليجادلوك به، ~~لأنهم قد علموا أن المراد ب { حصب جهنم } ما اتخذوه من الموات { بل ~~هم قوم خصمون } أي: أصحاب خصومات. # قوله تعالى: { وجعلناه مثلا } أي: آية وعبرة { لبني إسرائيل } ~~يعرفون به قدرة الله على ما يريد، إذ خلقه من غير أب. # ثم خاطب كفار مكة، فقال: { ولو نشاء لجعلنا منكم } فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: لجعلنا بدلا منكم { ملائكة }؛ ثم في معنى { ~~يخلفون } ثلاثة أقوال. أحدها: يخلف بعضهم بعضا، قاله ابن عباس. ~~والثاني: يخلفونكم ليكونوا بدلا منكم، قاله مجاهد. والثالث: يخلفون ~~الرسل فيكونون رسلا إليكم بدلا منهم، حكاه الماوردي. # والقول الثاني: أن المعنى: " ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة " أي: ~~قلبنا الخلقة فجعلنا بعضكم ملائكة يخلفون من ذهب منكم، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: { وإنه لعلم للساعة } في هاء الكناية قولان: # أحدهما: [أنها] ترجع إلى عيسى عليه ms1808 السلام. ثم في معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: نزول عيسى من أشراط الساعة يعلم به قربها، وهذا قول ابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي. # والثاني: أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى، قاله ابن ~~إسحاق. # والقول الثاني: أنها ترجع إلى القرآن، قاله الحسن، وسعيد بن جبير. ~~وقرأ الجمهور { لعلم } بكسر العين وتسكين اللام؛ وقرأ ابن عباس، وأبو ~~رزين، وأبو عبد الرحمن، وقتادة، وحميد، وابن محيصن: بفتحهما. # قال ابن قتيبة: من قرأ بكسر العين، فالمعنى أنه يعلم به قرب ~~الساعة، ومن فتح العين واللام، فإنه بمعنى العلامة والدليل. # قوله تعالى: { فلا تمترن بها } أي: فلا تشكن فيها { واتبعون ~~} على التوحيد { هذا } الذي أنا عليه { صراط مستقيم }. # { ولما جاء عيسى بالبينات } قد شرحنا هذا في [البقرة:87]. # { قال قد جئتكم بالحكمة } وفيها قولان. # أحدهما: النبوة، قاله عطاء، والسدي. # والثاني: الإنجيل قاله مقاتل. # { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } أي من أمر دينكم؛ وقال ~~مجاهد: " بعض الذي تختلفون فيه " من تبديل التوراة؛ وقال ابن جرير: من ~~أحكام التوراة. وقد ذهب قوم إلى أن البعض هاهنا بمعنى الكل. وقد شرحنا ~~ذلك في [حم المؤمن: 28]؛ قال الزجاج: والصحيح أن البعض لا يكون في معنى ~~الكل، وإنما بين لهم عيسى بعض الذي اختلفوا فيه مما احتاجوا ~~إليه؛ وقد قال ابن جرير: كان بينهم اختلاف في أمر دينهم ودنياهم، فبين ~~لهم أمر دينهم فقط. وما بعد هذا قد سبق بيانه [النساء:175] [مريم:37] إلى ~~قوله: { هل ينظرون } يعني كفار مكة. ### || [43.67-73] # قوله تعالى: { الأخلاء } أي: في الدنيا { يومئذ } أي: في القيامة { ~~بعضهم لبعض عدو } لأن الخلة إذا كانت في الكفر والمعصية صارت ~~عداوة يوم القيامة؛ وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف وعقبة ابن أبي ~~معيط { إلا المتقين } يعني الموحدين. فإذا وقع الخوف يوم القيامة ~~نادى مناد { يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } ، ~~فيرفع الخلائق رؤوسهم. فيقول: { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ~~} ، فينكس الكفار رؤوسهم. قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم: ms1809 { يا عبادي } بإثبات الياء في الحالين وإسكانها، وحذفها في ~~الحالين ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وحفص، والمفضل عن عاصم، وخلف. # وفي أزواجهم قولان: # أحدهما: زوجاتهم. # والثاني: قرناؤهم. # وقد سبق معنى { تحبرون } [الروم:15]. # قوله تعالى: { يطاف عليهم بصحاف } قال الزجاج: واحدها صحفة، وهي ~~القصعة والأكواب واحدها: كوب وهو إناء مستدير لا عروة له؛ قال ~~الفراء: الكوب: [الكوز] المستدير الرأس الذي لا أذن له، وقال عدي: # متكئا تصفق أبوابه # يسعى عليه العبد بالكوب # وقال ابن قتيبة: الأكواب: الأباريق التي لا عرى لها. وقال شيخنا أبو ~~منصور اللغوي: وإنما كانت بغير عرى ليشرب الشارب من أين شاء، لأن ~~العروة ترد الشارب من بعض الجهات. # قوله تعالى: { وفيها ما تشتهي الأنفس } وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم: { تشتهيه } بزيادة هاء وحذف الهاء كإثباتها في المعنى. # قوله تعالى: { وتلذ الأعين } يقال: لذذت الشيء، واستلذذته، ~~والمعنى: ما من شيء اشتهته نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة، ~~وقد جمع الله تعالى جميع نعيم الجنة في هذين الوصفين، فإنه ما من نعمة ~~إلا وهي نصيب النفس أو العين، وتمام النعيم الخلود، لأنه لو انقطع ~~لم تطب. # { وتلك الجنة } يعني التي ذكرها في قوله: " ادخلوا الجنة { ~~التي أورثتموها } قد شرحنا هذا في [الأعراف:43] عند قوله { ~~أورثتموها }. ### || [43.74-83] # قوله تعالى: { إن المجرمين } يعني الكافرين، { لا يفتر } ~~أي: لا يخفف { عنهم وهم فيه } يعني في العذاب { مبلسون } قال ~~ابن قتيبة: آيسون من رحمة الله. وقد شرحنا هذا في [الأنعام:44] { وما ~~ظلمناهم } أي: ما عذبناهم على غير ذنب { ولكن كانوا هم ~~الظالمين } لأنفسهم بما جنوا عليها. قال الزجاج: والبصريون يقولون: ~~" هم " هاهنا فصل، كذلك يسمونها، ويسميها الكوفيون العماد. # قوله تعالى: { ونادوا يا مالك } وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~وابن مسعود، وابن يعمر: [ " يا مال " ] بغير كاف مع كسر اللام. قال ~~الزجاج: وهذا يسميه النحويون: [الترخيم]، ولكني أكرهها لمخالفة المصحف. # قال المفسرون: يدعون مالكا خازن النار فيقولون { ليقض علينا ~~ربك } [أي]: ليمتنا؛ والمعنى: أنهم توسلوا به ليسأل الله ms1810 تعالى ~~لهم الموت فيستريحوا من العذاب؛ فيسكت، عن جوابهم مدة، فيها أربعة ~~أقوال. # أحدها: أربعون عاما، قاله عبد الله بن عمرو، ومقاتل. # والثاني: ثلاثون سنة قاله أنس. # والثالث: ألف سنة، قاله ابن عباس. # والرابع: مائة سنة، قاله كعب. # وفي سكوته عن جوابهم هذه المدة قولان. # أحدهما: أنه سكت حتى أوحى الله إليه أن أجبهم، قاله مقاتل. # والثاني: لأن بعد ما بين النداء والجواب أخزى لهم وأذل. # قال الماوردي: فرد عليهم مالك فقال { إنكم ماكثون } أي: مقيمون في ~~العذاب. # { لقد جئناكم بالحق } أي: أرسلنا رسلنا بالتوحيد { ولكن أكثركم } ~~قال ابن عباس يريد: كلكم { كارهون } لما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله تعالى: { أم أبرموا أمرا } في " أم " قولان. # أحدهما: أنها للاستفهام. # والثاني: بمعنى " بل " والإبرام: الإحكام. وفي هذا الأمر ثلاثة أقوال. # أحدها: المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يخرجوه ~~حين اجتمعوا في دار الندوة؛ وقد سبق بيان القصة [الأنفال:30]، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: أنه إحكام أمرهم في تكذيبهم، قاله قتادة. # والثالث: أنه إبرام أمرهم ينجيهم من العذاب قاله الفراء. # { فإنا مبرمون } أي: محكمون أمرا في مجازاتهم. # { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم } وهو ما يسرونه من ~~غيرهم { ونجواهم } ما يتناجون به بينهم { بلى } والمعنى: إنا نسمع ~~ذلك { ورسلنا } يعني [من] الحفظة { لديهم يكتبون }. # { قل إن كان للرحمن ولد } في " إن " قولان. # أحدهما: أنها بمعنى الشرط؛ والمعنى: إن كان له ولد في قولكم وعلى ~~زعمكم، فعلى هذا في قوله { فأنا أول العابدين } أربعة أقوال. # أحدها: فأنا أول الجاحدين، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي رواية ~~أخرى عن ابن عباس: أن أعرابيين اختصما إليه، فقال أحدهما: إن هذا كانت ~~لي في يده أرض، فعبدنيها. فقال ابن عباس: الله أكبر فأنا أول العابدين ~~الجاحدين أن لله ولدا. # والثاني: فأنا أول من عبد الله مخالفا لقولكم، هذا قول مجاهد. ~~وقال الزجاج: معناه: إن كنتم تزعمون للرحمن ولدا، فأنا أول ~~الموحدين. # والثالث: فأنا أول الآنفين لله مما قلتم. قاله ابن ms1811 السائب، وأبو عبيدة. ~~قال ابن قتيبة: يقال عبدت من كذا، أعبد عبدا، فأنا عبد ~~وعابد قال الفرزدق: # [أولئك قوم إن هجوني هجوتهم] # وأعبد أن تهجى تميم بدارم # أي: آنف وأنشد أبو عبيدة: # وأعبد أن أسبهم بقومي # وأوثر دارما وبني رزاح # والرابع: أن معنى الآية: كما أني لست أول عابد لله فكذلك ليس له ~~ولد؛ وهذا كما تقول: إن كنت كاتبا فأنا حاسب، أي لست كاتبا ولا أنا ~~حاسب. حكى هذا القول الواحدي عن سفيان بن عيينة. # والقول الثاني: أن " إن " بمعنى " ما " قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة، ~~وابن زيد؛ فيكون المعنى: ما كان للرحمن [ولد]، فأنا أول من عبد الله ~~على يقين أنه لا ولد له. وقال أبو عبيدة: الفاء على [هذا القول] بمعنى ~~الواو. # قوله تعالى: { فذرهم } يعني كفار مكة { يخوضوا } في باطلهم { ~~ويلعبوا } في دنياهم { حتى يلاقوا } وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وابن محيصن، وأبو جعفر: " حتى يلقوا " بفتح الياء والقاف ~~وسكون اللام من غير ألف. والمراد: يلاقوا [يوم] القيامة. وهذه الآية [عند ~~الجمهور] منسوخة بآية السيف. ### || [43.84-89] # قوله تعالى: { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } قال مجاهد، ~~وقتادة: يعبد في السماء ويعبد في الأرض. وقال الزجاج: هو الموحد ~~في السماء وفي الأرض. وقرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وابن ~~السميفع، وابن يعمر والجحدري: " في السماء الله وفي الأرض الله " بألف ~~ولام من غير تنوين ولا همز فيهما. وما بعد هذا سبق بيانه [الأعراف:54] ~~[لقمان:34] إلى قوله: { ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة } سبب نزولها أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا: إن كان ما ~~يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة، فهم أحق بالشفاعة من محمد. ~~فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: أنه أراد بالذين يدعون من دونه: آلهتهم، ثم استثنى عيسى ~~وعزير والملائكة فقال: { إلا من شهد بالحق } وهو أن يشهد أن لا ~~إله إلا الله { وهم يعلمون } بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، وهذا مذهب ~~الأكثرين، منهم قتادة. # والثاني: ms1812 أن المراد بالذين يدعون: عيسى وعزير والملائكة الذين ~~عبدهم المشركون بالله لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد { إلا من شهد ~~} أي: [إلا] لمن شهد { بالحق } وهي كلمة الإخلاص { وهم يعلمون ~~} أن الله عز وجل خلق عيسى وعزير والملائكة، وهذا مذهب قوم منهم مجاهد. ~~وفي الآية دليل على أن شرط جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما ~~يشهد به. # قوله تعالى: { وقيله يارب } قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه ~~إلى ربه. وقال ابن عباس: شكا إلى الله تخلف قومه عن الإيمان. قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو: { وقيله } بنصب اللام؛ وفيها ~~ثلاثة أوجه. # أحدها: أنه أضمر معها قولا كأنه قال: وقال قيله وشكا شكواه إلى ~~ربه. # والثاني: أنه عطف على قوله: { أم يحسبون أنا لانسمع سرهم ونجواهم } ~~وقيله؛ فالمعنى: ونسمع قيله، ذكر القولين الفراء، والأخفش. # والثالث: أنه منصوب على معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيله، لأن ~~معنى " وعنده علم الساعة ": يعلم الساعة ويعلم قيله. هذا ~~اختيار الزجاج. وقرأ عاصم، وحمزة: { وقيله } بكسر اللام والهاء حتى ~~تبلغ إلى الياء؛ والمعنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله. وقرأ أبو ~~هريرة وأبو رزين، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء، والجحدري، وقتادة، وحميد: ~~برفع اللام؛ والمعنى: ونداؤه هذه الكلمة: يارب؛ ذكر علة الخفض والرفع ~~الفراء والزجاج. # قوله تعالى: { فاصفح عنهم } أي فأعرض عنهم { وقل سلام } فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: قل خيرا بدلا من شرهم، قاله السدي. # والثاني: اردد [عليهم] معروفا، قاله مقاتل. # والثالث: قل ما تسلم به من شرهم، حكاه الماوردي. # { فسوف يعلمون } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يعلمون عاقبة كفرهم. # والثاني: أنك صادق. # والثالث: حلول العذاب بهم، وهذا تهديد لهم: " فسوف يعلمون ". وقرأ نافع، ~~وابن عامر: " تعلمون " بالتاء. ومن قرأ بالياء، فعلى الأمر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بهذا، قاله مقاتل؛ فنسخت آية السيف ~~الإعراض والسلام. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-9] # قوله عز وجل: { حم والكتاب المبين } قد تقدم بيانه [المؤمن] ~~و[الزخرف]، وجواب القسم { إنا أنزلناه } ، والهاء كناية عن الكتاب، ~~وهو القرآن { في ليلة مباركة ms1813 } وفيها قولان: # أحدهما: أنها ليلة القدر، وهو قول الأكثرين، وروى عكرمة عن ابن عباس ~~قال: أنزل القرآن من عند الرحمن ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في ~~السماء الدنيا، ثم أنزل نجوما. وقال مقاتل: نزل القرآن كله في ليلة ~~القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. # والثاني: أنها ليلة النصف من شعبان، قاله عكرمة. # قوله تعالى: { إنا كنا منذرين } أي: مخوفين عقابنا. # { فيها } أي في تلك الليلة { يفرق كل } أي: يفصل. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو نهيك، ومعاذ القارىء: " يفرق " بفتح الياء وكسر الراء " ~~كل " بنصب اللام. { أمر حكيم } أي: محكم. قال ابن عباس: يكتب ~~من أم الكتاب في ليلة القدر ماهو كائن في السنة من الخير والشر ~~والأرزاق والآجال، حتى الحاج، وإنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع ~~اسمه في الموتى. وعلى ماروي عن عكرمة أن ذلك في ليلة النصف من شعبان، ~~والرواية عنه بذلك مضطربة قد خولف الراوي لها، فروي عن عكرمة أنه قال في ~~ليلة القدر، وعلى هذا المفسرون. # قوله تعالى: { أمرا من عندنا } قال الأخفش: " أمرا " و " رحمة " ~~منصوبان على الحال؛ المعنى: إنا أنزلناه آمرين أمرا وراحمين رحمة. ~~قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا ب { يفرق } بمنزلة يفرق ~~فرقا، لأن " أمرا " بمعنى " فرقا ". قال الفراء: ويجوز أن تنصب ~~الرحمة بوقوع " مرسلين " عليها، فتكون الرحمة هي النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقال مقاتل: " مرسلين " بمعنى منزلين هذا القرآن، أنزلناه ~~رحمة لمن آمن به. وقال غيره: " أمرا من عندنا " أي: إنا نأمر بنسخ ~~ما ينسخ من اللوح { إنا كنا مرسلين } الأنبياء، { رحمة } منا ~~بخلقنا { رب السموات } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: " ~~رب " بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: { رب } بكسر ~~الباء. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله { بل هم } يعني الكفار { في شك } ~~مما جئناهم به { يلعبون } يهزؤون به. ### || [44.10-16] # { فارتقب } أي: فانتظر { يوم تأتي السماء بدخان مبين } اختلفوا في ~~هذا الدخان ووقته على ثلاثة أقوال: # أحدها: [أنه] دخان يجيء قبل قيام الساعة، فروي ms1814 عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " إن الدخان يجيء فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ ~~المؤمنين منه كهيئة الزكام. وروى عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ~~ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم، قال: طلع ~~الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يطرق الدخان، وهذا المعنى مروي عن علي، ~~وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن. # والثاني: أن قريشا أصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء دخانا ~~من الجوع؛ فروى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث مسروق، قال: كنا ~~عند عبد الله، فدخل علينا رجل، فقال: جئتك من المسجد، وتركت رجلا ~~يقول في هذه [الآية] { يوم تأتي السماء بدخان مبين }: يغشاهم يوم ~~القيامة دخان يأخذ بأنفاسهم حتى يصيبهم منه كهيئة الزكام؛ فقال عبد ~~الله: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله ~~أعلم، إنما كان [هذا] لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام ~~والميتة، وجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان ~~من الجهد، فقالوا { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } ، فقال الله ~~تعالى: { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون } ، فكشف عنهم، ثم ~~عادوا إلى الكفر، فأخذوا يوم بدر، فذلك قوله: { يوم نبطش ~~البطشة الكبرى } ، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، ~~وابن السائب، ومقاتل. # والثالث: أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء بالغبرة، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { هذا عذاب } أي: يقولون هذا عذاب. # { ربنا اكشف عنا العذاب } فيه قولان. # أحدهما: الجوع. # والثاني: الدخان. { إنا مؤمنون } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # { أنى لهم الذكرى } أي: من أين لهم التذكر والاتعاظ بعد نزول ~~هذا البلاء، { و } حالهم أنه { قد جاءهم رسول مبين } أي: ظاهر الصدق. # { ثم تولوا عنه } أي: أعرضوا ولم يقبلوا قوله { وقالوا معلم ~~مجنون } أي: هو معلم يعلمه بشر مجنون بادعائه النبوة؛ قال الله ~~تعالى: { إنا كاشفوا العذاب قليلا } أي: زمانا يسيرا. ms1815 وفي العذاب ~~قولان: # أحدهما: الضر الذي نزل بهم كشف بالخصب، هذا على قول ابن مسعود. ~~قال مقاتل كشفه إلى يوم بدر. # والثاني: أنه الدخان، قاله قتادة. # قوله تعالى: { إنكم عائدون } فيه قولان. # أحدهما: إلى الشرك، قاله ابن مسعود. # والثاني: إلى عذاب الله قاله قتادة. # قوله تعالى: { يوم نبطش البطشة الكبرى } وقرأ الحسن، وابن ~~يعمر، وأبو عمران: { يوم تبطش } بتاء مرفوعة وفتح الطاء " ~~البطشة " بالرفع. قال الزجاج: المعنى واذكر يوم نبطش. ولا يجوز ~~أن يكون منصوبا بقوله: " منتقمون " ، لأن ما بعد { إنا } لا يجوز أن ~~يعمل فيما قبلها. # وفي هذا اليوم قولان: # أحدهما: يوم بدر قاله ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو هريرة، وأبو ~~العالية، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: يوم القيامة، قاله ابن عباس، والحسن. والبطش: الأخذ بقوة. ### || [44.17-29] # قوله تعالى: { ولقد فتنا } أي ابتلينا { قبلهم } أي: قبل قومك ~~{ قوم فرعون } بارسال موسى إليهم { وجاءهم رسول كريم } وهو موسى بن ~~عمران. # وفي معنى { كريم } ثلاثة أقوال. # أحدها: حسن الخلق، قاله مقاتل. # والثاني: كريم على ربه، قاله الفراء. # والثالث: شريف وسيط النسب، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: { أن أدوا } أي: بان أدوا { إلي عباد الله } وفيه ~~قولان: # أحدهما: أدوا إلى ما أدعوكم إليه من الحق باتباعي، روى هذا المعنى ~~العوفي عن ابن عباس. فعلى هذا ينتصب { عباد الله } بالنداء قال الزجاج: ~~ويكون المعنى أن أدوا إلي ما آمركم به يا عباد الله. # والثاني: أرسلوا معي بني إسرائيل، قاله مجاهد، وقتادة، والمعنى: ~~أطلقوهم من تسخيركم، وسلموهم إلي. # { وأن لا تعلوا على الله } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لا تفتروا عليه، قاله ابن عباس. # والثاني: لا تعتوا عليه، قاله قتادة. # والثالث: لا تعظموا عليه، قاله ابن جريج { إني آتيكم بسلطان مبين } ~~أي: بحجة تدل على صدقي. # فلما قال هذا تواعدوه بالقتل فقال: { وإني عذت بربي وربكم أن ~~ترجمون } وفيه قولان. # أحدهما: أنه رجم القول، قاله ابن عباس؛ فيكون المعنى: أن يقولوا: شاعر ~~أو مجنون. # والثاني: القتل، قاله السدي. { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } أي: ~~فاتركوني لا ms1816 معي ولا علي، فكفروا ولم يؤمنوا { فدعا ربه أن هؤلاء ~~} قال الزجاج: من فتح { أن } فالمعنى: بأن هؤلاء؛ ومن كسر، فالمعنى: ~~قال: إن هؤلاء، { وإن } بعد القول مكسورة. وقال المفسرون: المجرمون. ~~هاهنا: المشركون. # فأجاب الله دعاءه، وقال { فأسر بعبادي ليلا } يعني بالمؤمنين { ~~إنكم متبعون } يتبعكم فرعون وقومه؛ فأعلمهم أنهم يتبعونهم، وأنه ~~سيكون سببا لغرقهم. # { واترك البحر رهوا } أي ساكنا على حاله بعد أن انفرق لك، ولا ~~تأمره أن يرجع كما كان حتى يدخله فرعون وجنوده. والرهو: مشي في ~~سكون. # قال قتادة: لما قطع موسى عليه السلام البحر، عطف يضرب البحر بعصاه ~~ليلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل [له]: " واترك البحر رهوا " ~~، أي كما هو طريقا يابسا. # قوله تعالى: { إنهم جند مغرقون } أخبره الله عز وجل بغرقهم ~~ليطمئن قلبه في ترك البحر على حاله. # { كم تركوا } أي: بعد غرقهم { من جنات } وقد فسرنا الآية في ~~[الشعراء:57]. فأما " النعمة " فهو العيش اللين الرغد. وما بعد هذا ~~قد سبق بيانه [يس:55] إلى قوله: { وأورثناها قوما آخرين } يعني ~~بني إسرائيل. # { فما بكت عليهم السماء } أي: على آل فرعون وفي معناه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه على الحقيقة؛ روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " ما من مسلم إلا وله في السماء بابان، باب يصعد فيه عمله، ~~وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه " # وتلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وقال علي رضي الله عنه: إن المؤمن ~~إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، وإن آل ~~فرعون لم يكن لهم في الأرض مصلى ولا في السماء مصعد عمل، فقال الله ~~تعالى: { فما بكت عليهم السماء والأرض } ، وإلى نحو هذا ذهب ابن ~~عباس، والضحاك، ومقاتل، وقال ابن عباس: الحمرة التي في السماء: بكاؤها. ~~وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا، ~~فقيل له: أو تبكي؟ قال: وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع ~~والسجود؟!. وما للسماء لا تبكي ms1817 على عبد كان لتسبيحه وتكبيره، فيها دوي ~~كدوي النحل؟!. # والثاني: أن المراد: أهل السماء وأهل الأرض، قاله الحسن، ونظير هذا قوله ~~تعالى: # حتى تضع الحرب أوزارها # [محمد: 4]، أي: أهل الحرب. # والثالث: أن العرب تقول: إذا أرادت تعظيم مهلك عظيم:أظلمت الشمس ~~له، وكسف القمر لفقده، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض، ~~يريدون المبالغة في وصف المصيبة، وليس ذلك بكذب منهم، لأنهم جميعا ~~متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه؛ ونيتهم في ~~قولهم: أظلمت الشمس كادت تظلم، وكسف القمر: كاد يكسف، ومعنى " ~~كاد ": هم أن يفعل ولم يفعل؛ قال ابن مفرغ يرثي رجلا: # الريح تبكي شجوه # والبرق يلمع في غمامه # وقال الآخر: # الشمس طالعة ليست بكاسفة # تبكي عليك نجوم الليل والقمرا # أراد: الشمس طالعة تبكي عليه، وليست مع طلوعها كاسفة النجوم ~~والقمر، لأنها مظلمة، وإنما تكسف بضوئها، فنجوم الليل ~~بادية بالنهار، فيكون معنى الكلام: إن الله لما أهلك قوم فرعون لم يبك ~~عليهم باك، ولم يجزع جازع، ولم يوجد لهم فقد، هذا كله كلام ~~ابن قتيبة. ### || [44.30-42] # قوله تعالى: { من العذاب المهين } يعني قتل الأبناء واستخدام النساء ~~والتعب في أعمال فرعون، { إنه كان عاليا } أي: جبارا. # { ولقد اخترناهم } يعني بني إسرائيل { على علم } علمه الله ~~فيهم على عالمي زمانهم، { وآتيناهم من الآيات } كانفراق البحر، وتظليل ~~الغمام، وإنزال المن والسلوى، إلى غير ذلك { ما فيه بلاء مبين ~~} أي: نعمة ظاهرة. # ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، فقال: { إن هؤلاء ليقولون إن هي ~~إلا موتتنا الأولى } يعنون التي تكون في الدنيا { وما نحن ~~بمنشرين } أي: بمبعوثين، { فائتوا بآبائنا } أي: ابعثوهم لنا { إن ~~كنتم صادقين } في البعث. وهذا جهل منهم من وجهين: # أحدهما: أنهم قد رأوا من الآيات ما يكفي في الدلالة؛ فليس لهم أن ~~يتنطعوا. # والثاني: أن الإعادة للجزاء؛ وذلك في الآخرة، لا في الدنيا. # ثم خوفهم عذاب الأمم قبلهم فقال: { أهم خير } أي: أشد ~~وأقوى { أم قوم تبع }؟! أي: ليسوا خيرا منهم. روى أبو هريرة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ms1818 قال: # " ما أدري تبعا، نبي، أو غير نبي " # وقالت عائشة: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا، ألا ترى أن ~~الله تعالى ذم قومه ولم يذمه. وقال وهب: أسلم تبع ولم يسلم ~~قومه فلذلك ذكر قومه ولم يذكر. وذكر بعض المفسرين أنه كان يعبد ~~النار، فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه. # فأما تسميته ب { تبع } فقال أبو عبيدة: كل ملك من ملوك اليمن كان ~~يسمى: تبعا، لأنه يتبع صاحبه، فموضع " تبع " في الجاهلية ~~موضع الخليفة في الإسلام وقال مقاتل: إنما سمي تبعا لكثرة ~~أتباعه، واسمه: ملكيكرب. وإنما ذكر قوم تبع، لأنهم كانوا أقرب ~~في الهلاك إلى كفار مكة من غيرهم. وما بعد هذا قد تقدم [الأنبياء: 16] ~~[الحجر: 85] إلى قوله تعالى: { إن يوم الفصل } وهو يوم يفصل ~~الله عز وجل بين العباد { ميقاتهم } أي: ميعادهم { أجمعين } يأتيه ~~الأولون والآخرون. # { يوم لايغني مولى عن مولى شيئا } فيه قولان: # أحدهما: لا ينفع قريب قريبا، قاله مقاتل. وقال ابن قتيبة: لا ~~يغني ولي عن وليه بالقرابة أو غيرها. # والثاني: لا ينفع ابن عم ابن عمه، قاله أبو عبيدة. # { ولا هم ينصرون } أي، لا يمنعون من عذاب الله، { إلا من ~~رحم الله } وهم المؤمنون، فإنه يشفع بعضهم في بعض. ### || [44.43-59] # { إن شجرة الزقوم } قد ذكرناها في [الصافات: 62]. و " الأثيم ~~": الفاجر؛ وقال مقاتل: هو أبو جهل. وقد ذكرنا معنى " المهل " في ~~[الكهف: 29]. # قوله تعالى: { يغلي في البطون } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم: { يغلي } بالياء؛ والباقون: بالتاء. فمن قرأ [ { تغلي } ] بالتاء، ~~فلتأنيث الشجرة؛ ومن قرأ بالياء، حمله على الطعام قال أبو علي الفارسي: ~~ولا يجوز أن يحمل الغلي على المهل، لأن المهل ذكر للتشبيه في ~~الذوب، وإنما يغلي ما شبه به { كغلي الحميم } وهو الماء ~~الحار إذا اشتد غليانه. # قوله تعالى: { خذوه } أي: يقال للزبانية: خذوه { فاعتلوه } وقرأ ابن ~~كثير، ونافع، وابن عامر، ويعقوب: بضم التاء؛ وكسرها الباقون؛ قال ابن ~~قتيبة: ومعناه قودوه بالعنف، يقال جيء بفلان يعتل إلى السلطان، و ~~" سواء ms1819 الجحيم ": وسط النار. قال مقاتل: الآيات في أبي جهل يضربه الملك ~~من خزان جهنم على رأسه بمقمعة من حديد فتنقب عن دماغه، فيجري دماغه ~~على جسده، ثم يصب الملك في النقب ماء حميما قد انتهى حره، ~~فيقع في بطنه، ثم يقول [له] الملك: (ذق) العذاب { إنك أنت العزيز ~~الكريم } هذا توبيخ له بذلك؛ وكان أبو جهل يقول: أنا أعز قريش ~~وأكرمها. وقرأ الكسائي: { ذق أنك } بفتح الهمزة؛ والباقون: بكسرها ~~قال أبو علي: من كسرها، فالمعنى أنت العزيز في زعمك، ومن فتح، فالمعنى ~~بأنك. # فإن قيل: كيف سمي بالعزيز وليس به؟ # فالجواب: من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه قيل ذلك استهزاء به، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. # والثاني: أنت العزيز [الكريم] عند نفسك، قاله قتادة. # والثالث: أنت العزيز في قومك، الكريم على أهلك، حكاه الماوردي. # ويقول الخزان لأهل النار: { إن هذا ما كنتم به تمترون } أي: ~~تشكون في كونه. # ثم ذكر مستقر المتقين فقال: { إن المتقين في مقام ~~أمين } قرأ نافع، وابن عامر: { في مقام } بضم الميم؛ والباقون: بفتحها ~~قال الفراء: المقام، بفتح الميم: المكان، وبضمها الإقامة. # قوله تعالى: { أمين } أي: أمنوا فيه الغير والحوادث. وقد ذكرنا " ~~الجنات " في [البقرة: 25] و[ذكرنا] معنى " العيون " ومعنى " متقابلين ~~" في [الحجر: 45 47] وذكرنا " السندس والإستبرق " في [الكهف: 31]. # قوله تعالى: { كذلك } أي: الأمر كما وصفنا { وزوجناهم بحور ~~عين } قال المفسرون: المعنى: قرناهم بهن، وليس من عقد التزويج. ~~قال أبو عبيدة: المعنى: جعلنا ذكور أهل الجنة أزواجا { بحور عين } ~~من النساء، تقول للرجل: زوج هذه النعل الفرد بالنعل الفرد. أي: ~~اجعلهما زوجا، والمعنى: جعلناهم اثنين اثنين. وقال يونس: العرب لا ~~تقول تزوج بها، إنما يقولون تزوجها ومعنى { وزوجناهم بحور ~~عين }: قرناهم. # وقال ابن قتيبة: يقال: زوجته امرأة، وزوجته بامرأة. وقال أبوعلي ~~الفارسي: والتنزيل على ما قال يونس، وهو قوله تعالى: # زوجناكها # [الأحزاب: 37]، وما قال: زوجناك بها. # فأما الحور، فقال مجاهد: الحور النساء النقيات البياض. وقال الفراء: ~~الحوراء: البيضاء من الإبل؛ قال: وفي " الحور العين " لغتان: حور ~~عين، وحير ms1820 عين، وأنشد: # أزمان عيناء سرور المسير # وحوراء عيناء من العين الحير # وقال أبو عبيدة: الحوراء: الشديدة بياض بياض العين، الشديدة سواد ~~سوادها. وقد بينا معنى " العين " في [الصافات: 48]. # قوله تعالى: { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين } فيه قولان: # أحدهما: آمنين من انقطاعها في بعض الأزمنة. # والثاني: آمنين من التخم والأسقام والآفات. # قوله تعالى: { إلا الموتة الأولى } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى " سوى " ، فتقدير الكلام: لا يذوقون في الجنة الموت ~~سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا؛ ومثله: # ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف # [النساء: 22] وقوله: # خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك # [هود: 107] أي: سوى ما شاء لهم ربك من الزيادة على مقدار الدنيا، هذا ~~قول الفراء، والزجاج. # والثاني: أن السعداء حين يموتون يصيرون إلى الروح والريحان. ~~وأسباب من الجنة يرون منازلهم منها، وإذا ماتوا في الدنيا، فكأنهم ~~ماتوا في الجنة، لا تصالهم بأسبابها، ومشاهدتهم إياها، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أن { إلا } بمعنى " بعد " ، كما ذكرنا في أحد الوجوه في ~~قوله: # إلا ما قد سلف # [النساء: 22]، وهذا قول ابن جرير. # قوله تعالى: { فضلا من ربك } أي: فعل الله ذلك بهم فضلا منه. # { فإنما يسرناه } أي: سهلناه، والكناية عن القرآن { بلسانك } ~~أي: بلغة العرب { لعلهم يتذكرون } أي: لكي يتعظوا فيؤمنوا، ~~{ فارتقب } أي: انتظر بهم العذاب { إنهم مرتقبون } ~~هلاكك؛ وهذه عند أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف، وليس بصحيح. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-13] # قوله تعالى: { حم تنزيل الكتاب } قد شرحناه في أول [المؤمن]. # قوله تعالى: { وفي خلقكم } أي: من تراب ثم من نطفة إلى أن يتكامل ~~خلق الإنسان { وما يبث من دابة } أي: وما يفرق في الأرض ~~من جميع ما خلق على اختلاف ذلك في الخلق والصور { آيات } تدل ~~على وحدانيته. قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: { ~~آيات } رفعا { وتصريف الرياح آيات } رفعا أيضا. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: بالكسر فيهما. والرزق هاهنا بمعنى المطر. # قوله تعالى: { تلك آيات الله } أي: هذه حجج الله { نتلوها ms1821 عليك بالحق ~~فبأي حديث بعد الله } أي: بعد حديثه { وآياته } يؤمن هؤلاء ~~المشركون؟!. # قوله تعالى: { ويل لكل أفاك أثيم } روى أبو صالح عن ابن عباس أنها ~~نزلت في النضر بن الحارث. وقد بينا معناها في [الشعراء: 222] والآية ~~التي تليها مفسرة في [لقمان: 7]. # قوله تعالى: { وإذا علم من آياتنا شيئا } قال مقاتل: معناه: ~~إذا سمع. وقرأ ابن مسعود: " وإذا علم " برفع العين وكسر اللام ~~وتشديدها. # قوله تعالى: { اتخذها هزوا } أي: سخر منها، وذلك كفعل أبي جهل ~~حين نزلت # إن شجرة الزقوم، طعام الأثيم # [الدخان: 43 44] فدعا بتمر وزبد، وقال: تزقموا فما يعدكم محمد ~~إلا هذا. وإنما قال: { أولئك } لأنه رد الكلام إلى معنى " كل ". # { من ورائهم جهنم } قد فسرناه في [إبراهيم: 16] { ولا يغني ~~عنهم ما كسبوا شيئا } من الأموال، ولا ما عبدوا من الآلهة. # قوله تعالى: { هذا هدى } يعني القرآن { والذين كفروا } به، { لهم ~~عذاب من رجز أليم } قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: " أليم " بالرفع ~~على نعت العذاب، وقرأ الباقون: بالكسر على نعت الرجز. والرجز بمعنى ~~العذاب، وقد شرحناه في [الأعراف: 134]. # قوله تعالى: { جميعا منه } أي: ذلك التسخير منه لا من غيره، فهو من ~~فضله. وقرأ عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وأبو مجلز، وابن السميفع، وابن ~~محيصن، والجحدري: { جميعا منة } بفتح النون وتشديدها وتاء منصوبة ~~منونة. وقرأ سعيد بن جبير: " منه " بفتح الميم ورفع النون والهاء ~~مشددة النون. ### || [45.14-22] # قوله تعالى: { قل للذين آمنوا يغفروا... } [الآية] في سبب نزولها ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنهم نزلوا في غزاة بني المصطلق على بئر يقال لها: " المريسيع " ~~، فأرسل عبد الله بن أبي غلامة ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما ~~أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر، ما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ~~ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله ~~عمر، فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ~~ابن عباس. # والثاني: ms1822 [أنها] لما نزلت: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج رب محمد، ~~فلما سمع بذلك عمر، اشتمل [على] سيفه وخرج في طلبه، فنزل جبريل عليه ~~السلام بهذه الآية، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلب عمر، فلما ~~جاء قال: " يا عمر، ضع سيفك " وتلا عليه الآية، رواه ميمون بن مهران ~~عن ابن عباس. # والثالث: أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ~~كانوا في أذى شديد من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال، فشكوا ذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، قاله القرظي، ~~والسدي. # والرابع: أن رجلا من كفار قريش شتم عمر بن الخطاب، فهم عمر أن يبطش ~~به، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # ومعنى الآية: قل للذين آمنوا: اغفروا، ولكن شبه بالشرط والجزاء، ~~كقوله: # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة # [إبراهيم: 31]، وقد مضى بيان هذا. # وقوله: { للذين لا يرجون } أي: لا يخافون وقائع الله في الأمم ~~الخالية، لأنهم لا يؤمنون به، فلا يخافون عقابه. وقيل: لا يدرون ~~أنعم الله عليهم، أم لا. وقد سبق بيان معنى " أيام الله " في سورة ~~[إبراهيم: 5]. # فصل # وجمهور المفسرين على أن هذه الآية منسوخة، لأنها تضمنت الأمر ~~بالإعراض عن المشركين. واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال: # أحدها: [أنه] قوله: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]، رواه معمر عن قتادة. # والثاني: أنه قوله في [الأنفال: 57] # فإما تثقفنهم في الحرب # وقوله في [براءة: 36] # وقاتلوا المشركين كافة # [التوبة: 36] رواه سعيد عن قتادة. # والثالث: [أنه] قوله: # أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا # [الحج: 39] قاله أبو صالح. # قوله تعالى: { ليجزي قوما } وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: { ~~لنجزي } بالنون { قوما } يعني الكفار، فكأنه قال: لا تكافئوهم أنتم ~~لنكافئهم نحن. # وما بعد هذا قد سبق [الإسراء: 7] إلى قوله: { ولقد آتينا بني ~~إسرائيل الكتاب } يعني التوراة { والحكم } وهو الفهم في الكتاب، { ~~ورزقناهم من الطيبات } يعني المن والسلوى { وفضلناهم على ~~العالمين } أي: عالمي زمانهم. # { وآتيناهم بينات من الأمر } فيه قولان: ms1823 # أحدهما: بيان الحلال والحرام، قاله السدي. # والثاني: العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته، ذكره ~~الماوردي. # وما بعد هذا قد تقدم بيانه [آل عمران: 19] إلى قوله: { ثم ~~جعلناك على شريعة من الأمر } سبب نزولها أن رؤساء قريش دعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إلى ملة آبائه، فنزلت هذه الآية، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # فأما قوله: { على شريعة } فقال ابن قتيبة: [أي]: على ملة ومذهب، ~~ومنه يقال: شرع فلان في كذا: إذا أخذ فيه، ومنه " مشارع الماء " ~~وهي الفرض التي شرع فيها الوارد. # قال المفسرون: ثم جعلناك بعد موسى على طريقة من الأمر، أي: من الدين ~~(فاتبعها و { الذين لا يعلمون } كفار قريش. # { إنهم لن يغنوا عنك } أي: لن يدفعوا عنك عذاب الله إن ~~اتبعتهم، { وإن الظالمين } يعني المشركين. { والله ولي ~~المتقين } الشرك. والآية التي بعدها [مفسرة] في آخر [الأعراف: ~~203]. # { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } سبب نزولها أن كفار مكة ~~قالوا للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة مثلما تعطون من الأجر. قاله ~~مقاتل. والاستفهام هاهنا استفهام إنكار و " اجترحوا " بمعنى اكتسبوا. # { سواء محياهم ومماتهم } قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وزيد عن ~~يعقوب: { سواء } نصبا، وقرأ الباقون: بالرفع فمن رفع، فعلى الابتداء؛ ~~ومن نصب جعله مفعولا ثانيا، على تقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم ~~سواء؛ والمعنى: إن هؤلاء يحيون مؤمنين ويموتون مؤمنين، وهؤلاء ~~يحيون كافرين ويموتون كافرين؛ وشتان ماهم في الحال والمآل { ساء ما ~~يحكمون } أي: بئس ما يقضون. # ثم ذكر بالآية التي تلي هذه أنه خلق السموات والأرض بالحق، أي: للحق ~~والجزاء بالعدل، لئلا يظن الكافر أنه لا يجزي بكفره. ### || [45.23-31] # قوله تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } قد شرحناه في ~~[الفرقان: 43]. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في الحارث بن قيس السهمي. # قوله تعالى: { وأضله الله على علم } أي: على علمه السابق فيه أنه ~~لا يهتدي { وختم على سمعه } أي: طبع عليه فلم يسمع الهدى (و) ~~على { قلبه } فلم يعقل الهدى. وقد ذكرنا الغشاوة والختم في ~~[البقرة:7]. ms1824 # { فمن يهديه من بعد الله }؟! أي: من بعد إضلاله إياه ~~{ أفلا تذكرون } فتعرفوا قدرته على ما يشاء؟! وما بعد [هذا] ~~مفسر في سورة [المؤمنون: 37] إلى قوله: { وما يهلكنا إلا ~~الدهر } أي: اختلاف الليل والنهار { وما لهم بذلك من علم } أي: ~~ما قالوه عن علم، إنما قالوه شاكين فيه. ومن أجل هذا قال نبينا ~~عليه الصلاة والسلام: # " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " # ، أي: هو الذي يهلككم، لا ماتتوهمونه من مرور الزمان. وما بعد هذا ~~ظاهر، وقد تقدم بيانه [البقرة: 28] [الشورى: 7] إلى قوله: { يخسر ~~المبطلون } يعني: المكذبين الكافرين أصحاب الأباطيل؛ والمعنى: يظهر ~~خسرانهم يومئذ. { وترى كل أمة } قال الفراء: ترى أهل كل دين { ~~جاثية } قال الزجاج: أي: جالسة على الركب، يقال: قد جثا فلان ~~جثوا: إذا جلس على ركبتيه، ومثله: جذا يجذو. والجذو أشد ~~استيفازا من الجثو، لأن الجذو: أن يجلس صاحبه على أطراف أصابعه. ~~قال ابن قتيبة: والمعنى أنها غير مطمئنة. # قوله تعالى: { كل أمة تدعى إلى كتابها } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كتابها الذي فيه حسناتها وسيئاتها، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه حسابها، قاله الشعبي، والفراء، وابن قتيبة. # والثالث: كتابها الذي أنزل على رسوله، حكاه الماوردي. # ويقال لهم: { اليوم تجزون ما كنتم تعملون }. # { هذا كتابنا } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كتاب الأعمال الذي تكتبه الحفظة، قاله ابن السائب. # والثاني: اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. # والثالث: القرآن، والمعنى: أنهم يقرؤنه فيدلهم ويذكرهم، فكأنه ~~ينطق عليهم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } أي: نأمر ~~الملائكة بنسخ أعمالكم، أي بكتبها وإثباتها. وأكثر المفسرين على أن ~~هذا الاستنساخ، من اللوح المحفوظ، تستنسخ الملائكة كل عام ما ~~يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقا ما يعملونه. قالوا: ~~والاستنساخ لا يكون إلا من أصل. قال الفراء: يرفع الملكان العمل ~~كله، فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو. ~~وقال الزجاج: نستنسخ ما تكتبه الحفظة، ويثبت عند الله عز وجل. # قوله تعالى: { في رحمته ms1825 } قال مقاتل في جنته. # قوله تعالى: { أفلم تكن آياتي } فيه إضمار، تقديره: فيقال لهم ~~ألم تكن آياتي، يعني آيات القرآن { تتلى عليكم فاستكبرتم } عن ~~الإيمان بها { وكنتم قوما مجرمين }؟! قال ابن عباس: كافرين. ### || [45.32-37] # قوله تعالى: { وإذا قيل إن وعد الله } بالبعث { حق } أي: كائن ~~{ والساعة } قرأ حمزة: " والساعة " بالنصب " لا ريب فيها " أي: ~~كائنة بلا شك { قلتم ما ندري ما الساعة } أي: أنكرتموها { إن ~~نظن إلا ظنا } أي: ما نعلم ذلك إلا ظنا وحدسا، ولا ~~نستيقن كونها. # وما بعد هذا قد تقدم [الزمر: 48] إلى قوله: { وقيل اليوم ننساكم } ~~أي: نترككم في النار { كما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي: كما تركتم ~~الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم. # { ذلكم } الذي فعلنا بكم { بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا } ~~أي: مهزوءا بها { وغرتكم الحياة الدنيا } حتى قلتم: إنه لا بعث ~~ولا حساب { فاليوم لا يخرجون } وقرأ حمزة، والكسائي: " لا ~~يخرجون " بفتح الياء وضم الراء، وقرأ الباقون: [ " لا يخرجون " ~~] بضم الياء وفتح الراء { منها } أي: من النار { ولا هم يستعتبون ~~} أي: لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله عز وجل، لأنه ليس بحين ~~توبة ولا اعتذار. # قوله تعالى: { وله الكبرياء } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: السلطان، قاله مجاهد. # والثاني: الشرف، قاله ابن زيد. # والثالث: العظمة، قاله يحيى بن سلام، والزجاج. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-4] # فصل في نزولها # روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية. وبه قال الحسن، ~~ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والجمهور. وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: ~~فيها آية مدنية، وهي قوله: # قل أرأيتثم إن كان من عند الله # [الأحقاف: 10] وقال مقاتل: نزلت بمكة غير آيتين: قوله # قل أرأيتثم إن كان من عند الله # [الأحقاف: 10] وقوله: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35] نزلتا بالمدينة. وقد تقدم تفسير فاتحتها [المؤمن] [الحجر: ~~85] إلى قوله: { وأجل مسمى } وهو أجل فناء السموات والأرض، وهو ~~يوم القيامة. # قوله تعالى: { قل أرأيتم } مفسر في [فاطر: 40] إلى قوله: { إيتوني ~~بكتاب } ، وفي الآية اختصار، تقديره: فإن ادعوا ms1826 أن شيئا من ~~المخلوقات صنعة آلهتهم، فقل لهم: إيتوني بكتاب { من قبل هذا } أي: ~~من قبل القرآن فيه برهان ما تدعون من أن الأصنام شركاء الله، { ~~أو أثارة من علم } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الشيء يثيره مستخرجه، قاله الحسن. # والثاني: بقية من علم تؤثر عن الأولين، قاله ابن قتيبة. ~~وإلى نحوه ذهب الفراء، وأبو عبيدة. # والثالث: علامة من علم، قاله الزجاج. وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، ~~وأيوب السختياني، ويعقوب: " أثرة " بفتح الثاء، مثل شجرة. ثم ذكروا في ~~معناها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الخط، قاله ابن عباس؛ وقال هو خط كانت العرب تخطه في ~~الأرض، قال أبو بكر بن عياش: الخط هو العيافة. # والثاني: أو علم تأثرونه عن غيركم، قاله مجاهد. # والثالث: خاصة من علم، قاله قتادة. # وقرأ أبي بن كعب، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ~~وابن يعمر: { أثرة } بسكون الثاء من غير ألف بوزن نظرة. # وقال الفراء: قرئت " أثارة " و " أثرة " ، وهي لغات، ومعنى الكل: ~~بقية من علم، ويقال: أو شيء مأثور من كتب الأولين، فمن قرأ " ~~أثارة " فهو المصدر، مثل قولك: السماحة والشجاعة، ومن قرأ " أثرة " ~~فإنه بناه على الأثر، كما قيل: قترة، ومن قرأ " أثرة " فكأنه أراد ~~مثل قوله: الخطفة " [الصافات: 10] و " الرجفة " [الأعراف: 78]. # وقال اليزيدي: الأثارة: البقية؛ والأثرة، مصدر أثره يأثره، أي: ~~يذكره ويرويه، ومنه حديث مأثور. ### || [46.5-8] # قوله تعالى: { من لا يستجيب له } يعني الأصنام { وهم عن دعائهم ~~غافلون } لأنها جماد لا تسمع، فإذا قامت القيامة صارت الآلهة أعداء ~~لعابديها في الدنيا. ثم ذكر [بما] بعد هذا أنهم يسمون القرآن سحرا ~~وأن محمدا افتراه. # قوله تعالى: { فلا تملكون لي من الله شيئا } أي: لا تقدرون ~~على أن تردوا عني عذابه، أي: فكيف أفتري من أجلكم وأنتم لا تقدرون ~~على دفع عذابه عني؟! { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي: بما تقولون في ~~القرآن وتخوضون فيه من التكذيب والقول بأنه سحر { كفى به شهيدا بيني ~~وبينكم } أن القرآن جاء من عند الله { وهو الغفور الرحيم ms1827 } في تأخير ~~العذاب عنكم. وقال الزجاج: إنما ذكر هاهنا الغفران والرحمة ~~ليعلمهم أن من أتى ما أتيتم ثم تاب فإن الله تعالى غفور له ~~رحيم به. ### || [46.9-10] # قوله تعالى: { قل ما كنت بدعا من الرسل } أي: ما أنا بأول ~~رسول. والبدع والبديع من كل شيء: المبتدأ { وما أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم } وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة: " ما يفعل " بفتح الياء ~~ثم فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد بذلك ما يكون في الدنيا. ثم فيه قولان: # أحدهما: [أنه] لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~رأى في المنام أنه هاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على ~~أصحابه، فاستبشروا بذلك لما يلقون من أذى المشركين. ثم إنهم مكثوا ~~برهة لا يرون ذلك، فقالوا: يا رسول الله متى تهاجر إلى الأرض التي ~~رأيت؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم } يعني: لا أدري، أخرج إلى الموضع ~~الذي رأيته في منامي أم لا؟ ثم قال: إنما هو شيء رأيته في منامي، وما ~~{ أتبع إلا ما يوحى إلي } ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وكذلك ~~قال عطية: ما أدري هل يتركني بمكة أو يخرجني منها. # والثاني: ما أدري هل أخرج كما أخرج الأنبياء قبلي، أو أقتل ~~كما قتلوا، ولا أدري ما يفعل بكم، أتعذبون أم تؤخرون؟ ~~أتصدقون أم تكذبون؟ قاله الحسن. # والقول الثاني: أنه أراد ما يكون في الآخرة. روى ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس قال: لما نزلت هذه الآية، نزل بعدها # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] وقال: # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات # الآية [الفتح: 5] فأعلم ما يفعل به وبالمؤمنين. وقيل: إن المشركين ~~فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا: ما أمرنا وأمر محمد إلا واحد، ~~ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فنزل قوله: # ليغفر لك الله... # الآية [الفتح: 2]، فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، فماذا يفعل ~~بنا؟ ms1828 فنزلت # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات # الآية [الفتح: 5]؛ وممن ذهب إلى هذا القول أنس، وعكرمة، وقتادة. وروي ~~عن الحسن ذلك. # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن كان من عند الله } يعني القرآن { ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل } وفيه قولان: # أحدهما: أنه عبد الله بن سلام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. # والثاني: أنه موسى بن عمران عليه السلام، قاله الشعبي، ومسروق. # فعلى القول الأول يكون ذكر المثل صلة، فيكون المعنى: وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل عليه، أي: على أنه من عند الله، { فآمن } الشاهد، وهو ابن سلام ~~{ واستكبرتم } يا معشر اليهود. # وعلى الثاني: يكون المعنى: وشهد موسى على التوراة التي هي مثل ~~القرآن أنها من عند الله، كما شهد محمد على القرآن أنه كلام الله، " فآمن ~~" من آمن بموسى والتوراة " واستكبرتم " أنتم يا معشر العرب أن ~~تؤمنوا بمحمد والقرآن. # فإن قيل: أين جواب " إن "؟ قيل: هو مضمر؛ وفي تقديره ستة أقوال: # أحدها: أن جوابه: فمن أضل منكم، قاله الحسن. # والثاني: أن تقدير الكلام: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ~~فآمن، أتؤمنون؟ قاله الزجاج. # والثالث: أن تقديره: أتأمنون عقوبة الله؟ قاله أبو علي الفارسي. # والرابع: أن تقديره: أفما تهلكون؟ ذكره الماوردي. # والخامس: من المحق منا ومنكم ومن المبطل؟ ذكره الثعلبي. # والسادس: أن تقديره: أليس قد ظلمتم؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: ~~{ إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ، ذكره الواحدي. ### || [46.11-16] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا... } الآية، في سبب ~~نزولها خمسة أقوال: # أحدها: أن الكفار قالوا: لو كان دين محمد خيرا ما سبقنا إليه ~~اليهود، فنزلت هذه الآية، قاله مسروق. # والثاني: أن امرأة ضعيفة البصر أسلمت، وكان الأشراف من قريش يهزؤون ~~بها ويقولون: والله لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا هذه إليه، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أبو الزناد. # والثالث: أن أبا ذر الغفاري أسلم واستجاب به قومه إلى الإسلام، فقالت ~~قريش: لو كان خيرا ما سبقونا إليه، فنزلت هذه ms1829 الآية، قاله أبو المتوكل. # والرابع: أنه لما اهتدت مزينة وجهينة وأسلمت، قالت أسد ~~وغطفان: لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء الشاء، يعنون مزينة ~~وجهينة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. # والخامس: أن اليهود قالوا: لو كان دين محمد خيرا ما سبقتمونا إليه، ~~لأنه لا علم لكم بذلك، ولو كان حقا لدخلنا فيه، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. وقال: [هو قول من يقول: إن الآية نزلت بالمدينة؛ ومن قال: هي ~~مكية، قال]: هو قول المشركين. فقد خرج في " الذين كفروا " قولان: # أحدهما: أنهم المشركون. # والثاني: اليهود. # وقوله: { لو كان خيرا } أي: لو كان دين محمد خيرا { ما سبقونا إليه ~~} فمن قال: هم المشركون، قال: أرادوا: إنا أعز وأفضل؛ ومن قال: هم ~~اليهود، [قال]: أرادوا لأنا أعلم. # قوله تعالى: { وإذا لم يهتدوا به } أي: بالقرآن { فسيقولون هذا ~~إفك قديم } أي: كذب متقدم، يعنون أساطير الأولين. # { ومن قبله كتاب موسى } أي: من قبل القرآن التوراة. وفي ~~الكلام محذوف، تقديره: فلم يهتدوا، لأن المشركين لم يهتدوا بالتوراة. { ~~إماما } قال الزجاج: هو منصوب على الحال { ورحمة } عطف عليه { وهذا ~~كتاب مصدق } المعنى: مصدق للتوراة { لسانا عربيا } منصوب على ~~الحال؛ المعنى: مصدق لما بين يديه عربيا وذكر " لسانا " توكيدا، ~~كما تقول: جاءني زيد رجلا صالحا، تريد: جاءني زيد صالحا. # قوله تعالى: { لينذر الذين ظلموا } قرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: " لينذر " بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب: { ~~لتنذر } بالتاء. وعن ابن كثير كالقراءتين. و " الذين ظلموا " ~~المشركين { وبشرى } أي: وهو بشرى { للمحسنين } وهم الموحدون ~~يبشرهم بالجنة. # وما بعد هذا قد تقدم تفسيره [فصلت: 30] إلى قوله: { بوالديه حسنا } ~~وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: { إحسانا } بألف. # { حملته أمه كرها } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: { ~~كرها } بفتح الكاف؛ وقرأ الباقون: بضمها. قال الفراء: والنحويون ~~يستحبون الضم هاهنا، ويكرهون الفتح، للعلة التي بيناها عند ~~قوله: # وهو كره لكم # [البقرة: 216]. قال الزجاج: والمعنى حملته على مشقة { ووضعته } على ~~مشقة. { وفصاله } أي: فطامه. # وقرأ يعقوب { وفصله } بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ms1830 ألف { ثلاثون ~~شهرا } قال ابن عباس: " ووضعته كرها " يريد به شدة الطلق. ~~واعلم أن هذه المدة قدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع؛ فأما ~~الأشد، ففيه أقوال قد تقدمت؛ واختار الزجاج أنه بلوغ ثلاث وثلاثين ~~سنة، لأنه وقت كمال الإنسان في بدنه وقوته واستحكام شأنه وتمييزه. ~~وقال ابن قتيبة: أشد الرجل غير أشد اليتيم، لأن أشد الرجل: ~~الاكتهال والحنكة وأن يشتد رأيه وعقله، وذلك ثلاثون سنة، ويقال: ~~ثمان وثلاثون سنة، وأشد الغلام: أن يشتد خلقه ويتناهى نباته. ~~وقد ذكرنا بيان الأشد في [الانعام: 153] وفي [يوسف: 22] وهذا تحقيقه. ~~واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: [أنها] نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أنه ~~صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة، فنزلوا ~~منزلا فيه سدرة، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلها، ~~ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال [له]: من الرجل ~~الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ~~فقال: هذا والله نبي وما استظل تحتها أحد بعد عيسى إلا محمد ~~نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فكان لا يفارق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضره، فلما نبىء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ أربعين سنة، قال: رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي. رواه عطاء عن ابن ~~عباس، وبه قال الأكثرون؛ قالوا: فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة، دعا الله ~~عز وجل بما ذكره في هذه الآية، فأجابه الله، فأسلم والداه و أولاده ~~ذكورهم وإناثهم، ولم يجتمع ذلك لغيره من الصحابة. # والقول الثاني: أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد شرحنا قصته في سورة ~~[العنكبوت: 8]، وهذا مذهب الضحاك، والسدي. # والثالث: أنها ms1831 نزلت على العموم، قاله الحسن. وقد شرحنا في سورة [النمل: ~~19] معنى قوله: { أوزعني }. # قوله تعالى: { وأن أعمل صالحا ترضاه } قال ابن عباس: أجابه الله يعني ~~أبا بكر فأعتق تسعة من المؤمنين كانوا يعذبون في الله عز وجل، ولم ~~يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه، واستجاب له في ذريته ~~فآمنوا، { إني تبت إليك } أي: رجعت إلى كل ما تحب. # قوله تعالى: { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم: " يتقبل " " ويتجاوز " بالياء المضمومة فيهما. # وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف: { نتقبل } و { ~~نتجاوز } بالنون فيهما. وقرأ أبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو عمران ~~الجوني: " يتقبل " و " يتجاوز " بياء مفتوحة فيهما، يعني أهل ~~هذا القول والأحسن بمعنى الحسن. # { في أصحاب الجنة } أي: في جملة من يتجاوز عنهم، وهم أصحاب الجنة. ~~وقيل: " في " بمعنى " مع ". # { وعد الصدق } قال الزجاج: هو منصوب، لأنه مصدر مؤكد لما ~~قبله، لأن قوله: " أولئك الذين نتقبل عنهم " بمعنى الوعد، لأنه ~~وعدهم القبول بقوله: { وعد الصدق } ، يؤكد ذلك قوله: { الذين ~~كانوا يوعدون } أي: على ألسنة الرسل في الدنيا. ### || [46.17-20] # قوله تعالى: { والذي قال لوالديه أف لكما } قرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي. وأبو بكر عن عاصم: { أف لكما } بالخفض من غير تنوين. وقرأ ~~ابن كثير، وابن عامر: بفتح الفاء. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم: { أف } ~~بالخفض والتنوين. وقرأ ابن يعمر: { أف } بتشديد الفاء مرفوعة منونة. ~~وقرأ حميد، والجحدري: " أفا " بتشديد الفاء وبالنصب والتنوين. وقرأ ~~عمرو بن دينار: " أف " بتشديد الفاء وبالرفع من غير تنوين. وقرأ أبو ~~المتوكل، [وعكرمة]، وأبو رجاء: { أف لكما } باسكان الفاء خفيفة. وقرأ ~~أبو العالية، وأبو عمران: { أفي } بتشديد الفاء وياء ساكنة ممالة. ~~وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، ~~كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو يأبى، وعلى هذا جمهور المفسرين. ~~وقد روي عن عائشة أنها كانت تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد ms1832 الرحمن، ~~وتحلف على ذلك وتقول: لوشئت لسميت الذي نزلت فيه. قال الزجاج: ~~وقول من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن، باطل بقوله: { أولئك الذين حق ~~عليهم القول } فأعلم الله أن هؤلاء لا يؤمنون، وعبد الرحمن مؤمن؛ ~~والتفسير الصحيح أنا نزلت في الكافر العاق. وروي [عن] مجاهد أنها نزلت ~~في عبد الله بن أبي بكر، وعن الحسن: [أنها] نزلت في جماعة من كفار قريش ~~قالوا ذلك لآبائهم. # قوله تعالى: { وقد خلت القرون من قبلي } فيه قولان: # أحدهما: مضت القرون فلم يرجع منهم أحد، قاله مقاتل. # والثاني: مضت القرون مكذبة بهذا، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { وهما يستغيثان الله } أي: يدعوان الله له بالهدى، ~~ويقولان له: (ويلك آمن) أي: صدق بالبعث، { فيقول ما هذا } الذي تقولان ~~{ إلا أساطير الأولين } وقد سبق شرحها [الأنعام:25]. # قوله تعالى: { أولئك } يعني الكفار { الذين حق عليهم القول } أي: ~~وجب عليهم قضاء الله أنهم من أهل النار { في أمم } أي: مع أمم. فذكر ~~الله تعالى في الآيتين قبل هذه من بر والديه وعمل بوصية ~~الله عز وجل، ثم ذكر من لم يعمل بالوصية ولم يطع ربه ولا ~~والديه { إنهم كانوا خاسرين } وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران: { ~~أنهم } بفتح الهمزة. # ثم قال: { ولكل درجات مما عملوا } أي: منازل ومراتب بحسب ما ~~اكتسبوه من إيمان وكفر، فيتفاضل أهل الجنة في الكرامة، وأهل النار في ~~العذاب { وليوفيهم أعمالهم } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: " ~~وليوفيهم " بالياء، وقرأ الباقون: بالنون؛ أي: جزاء أعمالهم. # قوله تعالى: { ويوم يعرض } المعنى: واذكر لهم يوم يعرض { ~~الذين كفروا على النار أذهبتم } أي: ويقال لهم: أذهبتم، قرأ ابن ~~كثير: [ { آذهبتم } بهمزة مطولة. وقرأ] ابن عامر: " أأذهبتم ~~" بهمزتين. # وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: " أذهبتم " على ~~الخبر، وهو توبيخ لهم. قال الفراء، والزجاج: [العرب] توبخ بالألف وبغير ~~الألف، فتقول: أذهبت وفعلت كذا؟! وذهبت ففعلت؟! قال المفسرون: ~~والمراد بطيباتهم ما كانوا فيه من اللذات مشتغلين بها عن الآخرة ~~معرضين عن شكرها. ولما وبخهم الله بذلك، آثر النبي ms1833 صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب نعيم العيش ولذته ليتكامل ~~أجرهم ولئلا يلهيهم عن معادهم. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على خصفة وبعضه على التراب ~~وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، فقال: يا رسول الله: أنت نبي الله ~~وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير؟! فقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " يا عمر، إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم، وهي وشيكة الانقطاع، ~~وإنا أخرت لنا طيباتنا " # وروى جابر بن عبد الله قال: رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي، ~~فقال: ما هذا ياجابر؟ فقلت: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال: أو كلما ~~اشتهيت اشتريت يا جابر؟! أما تخاف هذه الآية { أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا }. وروي عن عمر أنه قيل له: لو أمرت أن نصنع لك طعاما ~~ألين من هذا، فقال: إني سمعت الله عير أقواما فقال: { أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا }. # قوله تعالى: { تستكبرون في الأرض } أي: تتكبرون عن عبادة الله ~~والإيمان به. ### || [46.21-25] # قوله تعالى: { واذكر أخا عاد } يعني هودا { إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف } قال الخليل: الأحقاف: الرمال العظام. وقال ابن قتيبة: واحد ~~الأحقاف: حقف، وهو من الرمل: ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى. ~~وقال ابن جرير: هو ما استطال من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلا. # واختلفوا في المكان الذي سمي بهذا الاسم على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه جبل بالشام، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثاني: أنه واد، ذكره عطية. وقال مجاهد: هي أرض. وحكى ابن جرير أنه ~~واد بين عمان ومهرة. وقال ابن إسحاق: كانوا ينزلون ما بين عمان ~~وحضرموت واليمن كله. # والثالث: أن الأحقاف: رمال مشرفة على البحر بأرض يقال لها الشحر، ~~قاله قتادة. # قوله تعالى: { وقد خلت النذر } أي: قد مضت الرسل من قبل ~~هود ومن بعده بإنذار أممها { ألا تعبدوا إلا الله }؛ والمعنى لم ~~يبعث رسول قبل هود ولا بعده إلا بالأمر بعبادة الله وحده. وهذا ~~كلام اعترض بين إنذار هود ms1834 وكلامه لقومه. ثم عاد إلى كلام هود فقال: { ~~إني أخاف عليكم }. # قوله تعالى: { لتأفكنا } أي: لتصرفنا عن عبادة آلهتنا بالإفك. # قوله تعالى: { إنما العلم عند الله } أي: هو يعلم متى ~~يأتيكم العذاب. # { فلما رأوه } يعني ما يوعدون في قوله: " بما تعدنا " { عارضا } ~~أي: سحاب يعرض من ناحية السماء. قال ابن قتيبة: العارض: السحاب. قال ~~المفسرون: كان المطر قد حبس عن عاد، فساق الله إليهم سحابة سوداء ~~فلما رأوها فرحوا و { قالوا هذا عارض ممطرنا } ، فقال لهم هود: { ~~بل هو ما استعجلتم به } ، ثم بين ما هو فقال: { ريح فيها عذاب ~~أليم } ، فنشأت الريح من تلك السحابة، { تدمر كل شيء } أي: ~~تهلك كل شيء مرت به من الناس والدواب والأموال. قال عمرو بن ~~ميمون: لقد كانت الريح تحتمل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها جرادة، ~~{ فأصبحوا } يعني عادا { لا يرى إلا مساكنهم } قرأ عاصم، وحمزة: " ~~لا يرى " برفع الياء " إلا مساكنهم " برفع النون. وقرأ علي، ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والجحدري: " لا ترى " بتاء ~~مضمومة. وقرأ أبو عمران، وابن السميفع: " لا ترى " بتاء مفتوحة " إلا ~~مسكنهم " على التوحيد وهذا لأن السكان هلكوا فقيل أصبحوا وقد غطتهم ~~الريح بالرمل فلا يرون. ### || [46.26-28] # ثم خوف كفار مكة فقال عز وجل { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ~~} في " إن " قولان: # أحدهما: أنها بمعنى " لم " ، فتقديره: فيما لم نمكنكم فيه، [قاله ~~ابن عباس، وابن قتيبة. وقال الفراء: هي بمنزلة " ما " في الجحد، فتقديره: ~~الكلام: في الذي لم نمكنكم فيه]. # والثاني: أنها زائدة؛ والمعنى فيما مكناكم فيه، وحكاه ابن قتيبة ~~أيضا. # ثم أخبر أنه جعل لهم آلات الفهم، فلم يتدبروا بها، ولم يتفكروا فيما ~~يدلهم على التوحيد. قال المفسرون: والمراد بالأفئدة: القلوب؛ وهذه ~~الآلات لم ترد عنهم عذاب الله. # ثم زاد كفار مكة في التخويف فقال: { ولقد أهلكنا ما حولكم من ~~القرى } كديار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من الأمم المهلكة { ~~وصرفنا الآيات } أي: بيناها { لعلهم } يعني أهل القرى { ~~يرجعون } عن كفرهم. وهاهنا محذوف، تقديره: فما ms1835 رجعوا عن كفرهم. # { فلولا } أي: فهلا { نصرهم } أي: منعهم من عذاب الله { الذين ~~اتخذوا من دون الله قربانا آلهة }؟! يعني الأصنام التي تقربوا ~~بعبادتها إلى الله على زعمهم؛ وهذا استفهام إنكار معناه: لم ينصروهم { ~~بل ضلوا عنهم } أي: لم ينفعوهم عند نزول العذاب { وذلك } يعني دعاءهم ~~الآلهة { إفكهم } أي: كذبهم. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن يعمر، وأبو ~~عمران: { وذلك أفكهم } بفتح الهمزة وقصرها وفتح الفاء وتشديدها ونصب ~~الكاف. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، وأبو رزين، والشعبي، وأبو ~~العالية، والجحدري: " أفكهم " بفتح الهمزة وقصرها ونصب الكاف والفاء ~~[وتخفيفها]. قال ابن جرير: أي أضلهم. وقال الزجاج: معناها: صرفهم عن ~~الحق فجعلهم ضلالا. وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل: { آفكهم } بفتح ~~الهمزة ومدها وكسر الفاء وتخفيفها ورفع الكاف، أي مضلهم. ### || [46.29-32] # قوله تعالى: { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } وبخ الله عز ~~وجل بهذه الآية كفار قريش بما آمنت به الجن. وفي سبب صرفهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم صرفوا إليه بسبب ما حدث من رجمهم بالشهب. روى البخاري ~~ومسلم في " الصحيحين " من حديث ابن عباس قال: انطلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين ~~الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين ~~فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا ~~الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ~~ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر. فمر النفر الذين توجهوا نحو ~~تهامة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ب " نخلة " وهو يصلي ~~بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي ~~حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: # إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد # [الجن: 1 2] فأنزل الله على نبيه # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن # [الجن:1] وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على ms1836 الجن، ولا رآهم، وإنما أتوه وهو ب " نخلة " ~~فسمعوا القرآن. # والثاني: أنهم صرفوا إليه لينذرهم، وأمر أن يقرأ عليهم القرآن، ~~هذا مذهب جماعة، منهم قتادة. وفي أفراد مسلم # " من حديث علقمة قال: قلت لعبد الله: من كان منكم مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: ما كان منا معه أحد. فقدناه ذات ليلة ~~ونحن بمكة، فقلنا: اغتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو استطير، ~~فانطلقنا نطلبه في الشعاب، فلقيناه مقبلا من نحو حراء، فقلنا: ~~يا رسول الله، أين كنت؟ لقد أشفقنا عليك، وقلنا له: بتنا الليلة ~~بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك، فقال: " إنه أتاني داعي ~~الجن، فذهبت أقرئهم القرآن " فذهب بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ~~" # وقال قتادة: # " ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إني أمرت أن ~~أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني "؟ فاطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم ~~استتبعهم الثالثة فأطرقوا، فأتبعه عبد الله بن مسعود، فدخل نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له: " شعب الحجون " ، وخط على عبد ~~الله خطا ليثبته به، قال: فسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع قلت: يا نبي الله ما اللغط الذي ~~سمعت، قال: " اجتمعوا إلي في قتيل كان بينهم، فقضيت بينهم بالحق " # والثالث: أنهم مروا به وهو يقرأ، فسمعوا القرآن. فذكر بعض المفسرين ~~أنه لما يئس من أهل مكة أن يجيبوه، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى ~~الإسلام وقيل: ليلتمس نصرهم وذلك بعد موت أبي طالب، فلما كان ببطن ~~نخلة قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمر به نفر من أشراف جن ~~نصيبين فاستمعوا القرآن. فعلى هذا القول والقول الأول، لم يعلم بحضورهم ~~حتى أخبره الله تعالى؛ وعلى القول الثاني، علم بهم حين جاءوا. وفي ~~المكان الذي سمعوا فيه تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم قولان: # أحدهما: الحجون، وقد ذكرناه عن ابن مسعود، وبه قال قتادة. # والثاني: بطن نخلة، وقد ذكرناه عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # وأما ms1837 النفر، فقال ابن قتيبة: يقال: إن النفر ما بين الثلاثة ~~إلى العشرة. وللمفسرين في عدد هؤلاء النفر ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم كانوا سبعة، قاله ابن مسعود، وزر بن حبيش، ومجاهد، ورواه ~~عكرمة عن ابن عباس: # والثاني: تسعة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: اثني عشر ألفا، روي عن عكرمة. ولا يصح، لأن النفر لا ~~يطلق على الكثير. # قوله تعالى: { فلما حضروه } أي: حضروا استماعه و { قضي } يعني: ~~فرغ من تلاوته { ولوا إلى قومهم منذرين } أي: محذرين عذاب ~~الله عز وجل إن لم يؤمنوا. # وهل أنذروا قومهم من قبل أنفسهم أم جعلهم رسول الله رسلا ~~إلى قومهم؟ فيه قولان: # قال عطاء: كان دين أولئك الجن اليهودية فلذلك قالوا: { من ~~بعد موسى }. # قوله تعالى: { أجيبوا داعي الله } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~وهذا يدل على أنه أرسل إلى الجن والإنس. # قوله تعالى: { يغفر لكم من ذنوبكم } " من " هاهنا صلة. # قوله تعالى: { فليس بمعجز في الأرض } أي: لا يعجز الله تعالى { ~~وليس له من دونه أولياء } أي: أنصار يمنعونه من عذاب الله تعالى { ~~أولئك } الذين لا يجيبون الرسل { في ضلال مبين }. ### || [46.33-35] # ثم احتج على إحياء الموتى بقوله: { أولم يروا... } إلى آخر ~~الآية. والرؤية هاهنا بمعنى العلم. # { ولم يعي } أي: لم يعجز عن ذلك؛ يقال: عي فلان بأمره، ~~إذا لم يهتد له ولم يقدر عليه. قال الزجاج: يقال عييت بالأمر، إذا ~~لم تعرف وجهه، وأعييت، إذا تعبت. # قوله تعالى: { بقادر } قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة مؤكدة. ~~وقال الفراء: العرب تدخل الباء مع الجحد، مثل قولك ما أظنك بقائم، ~~وهذا قول الكسائي، والزجاج. وقرأ يعقوب: " يقدر " بياء مفتوحة مكان ~~الباء وسكون القاف ورفع الراء من غير ألف. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: { ~~كما صبر أولوا العزم } أي: ذوو الحزم والصبر؛ وفيهم عشرة ~~أقوال: # أحدها: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن ~~السائب. # والثاني: نوح، وهود، ms1838 وإبراهيم، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم، قاله أبو ~~العالية الرياحي. # والثالث: أنهم الذين لم تصبهم فتنة من الأنبياء، قاله الحسن. # والرابع: أنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد والشعبي. # والخامس: أنهم إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلى الله ~~عليهم وسلم، قاله السدي. # والسادس: أن منهم إسماعيل، ويعقوب، وأيوب، وليس منهم آدم، ولا يونس، ~~ولا سليمان، قاله ابن جريج. # والسابع: أنهم الذين أمروا بالجهاد والقتال، قاله ابن السائب، وحكي عن ~~السدي. # والثامن: أنهم جميع الرسل، فإن الله لم يبعث رسولا إلا كان من ~~أولي العزم، قاله ابن زيد، واختاره ابن الأنباري، وقال: " من " دخلت ~~للتجنيس لا للتبعيض، كما تقول: قد رأيت الثياب من الخز والجباب من ~~القز. # والتاسع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة [الأنعام: 83 ~~86]، قاله الحسين بن الفضل. # والعاشر: أنهم جميع الأنبياء إلا يونس، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { ولا تستعجل لهم } يعني العذاب قال بعض المفسرين: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر، وأحب أن ينزل ~~العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر. # قوله تعالى: { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } أي: من العذاب { ~~لم يلبثوا } في الدنيا { إلا ساعة من نهار } لأن ما مضى ~~كأنه لم يكن وإن كان طويلا. وقيل: لأن مقدار مكثهم في الدنيا قليل ~~في جنب مكثهم في عذاب الآخرة. وهاهنا تم الكلام. ثم قال: { بلاغ } ~~أي: هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ عن الله إليكم. # وفي معنى وصف القرآن بالبلاغ قولان: # أحدهما: أن البلاغ بمعنى التبليغ. # والثاني: أن معناه: الكفاية، فيكون المعنى: ما أخبرناهم به لهم فيه ~~كفاية وغنى. # وذكر ابن جرير وجها آخر، وهو أن المعنى: لم يلبثوا إلا ساعة ~~من نهار، ذلك لبث بلاغ، أي: ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم، ثم ~~حذفت " ذلك لبث " اكتفاء بدلالة ما ذكر في الكلام عليها. # وقرأ أبو العالية، وأبو عمران: " بلغ " بكسر اللام وتشديدها وسكون ~~الغين من غير ألف. # قوله تعالى: { فهل يهلك } وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل، وابن محيصن: ~~{ يهلك ms1839 } بفتح الياء وكسر اللام، أي: عند رؤية العذاب { إلا ~~القوم الفاسقون } الخارجون عن أمر الله عز وجل. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-6] # قوله تعالى: { الذين كفروا } أي: بتوحيد الله { وصدوا } الناس عن ~~الإيمان به، وهم مشركو قريش، { أضل أعمالهم } أي: أبطلها، ولم يجعل ~~لها ثوابا، فكأنها لم تكن؛ وقد كانوا يطعمون الطعام، ويصلون ~~الأرحام، ويتصدقون، ويفعلون ما يعتقدونه قربة. # { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعني: أصحاب محمد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # { وآمنوا بما نزل على محمد } وقرأ ابن مسعود { نزل } بفتح النون ~~والزاي وتشديدها. وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارىء: " أنزل " ~~بهمزة مضمومة مكسورة الزاي. وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، وأبو عمران: ~~" نزل " بفتح النون والزاي وتخفيفها، { كفر عنهم سيئآتهم } أي: ~~غفرها لهم { وأصلح بالهم } أي: حالهم، قاله قتادة، والمبرد. # قوله تعالى: { ذلك } قال الزجاج: معناه: الأمر ذلك، وجائز أن يكون: ذلك ~~الإضلال، لاتباعهم الباطل، وتلك الهداية والكفارات باتباع المؤمنين ~~الحق، { كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } أي: كذلك يبين أمثال ~~حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين كهذا البيان. # قوله تعالى: { فضرب الرقاب } إغراء؛ والمعنى: فاقتلوهم، لأن ~~الأغلب في موضع القتل ضرب العنق { حتى إذا أثخنتموهم } أي: أكثرتم ~~فيهم القتل { فشدوا الوثاق } يعني في الأسر؛ وإنما يكون الأسر بعد ~~المبالغة في القتل. و " الوثاق " اسم من الإيثاق؛ تقول: أوثقته ~~إيثاقا ووثاقا، إذا شددت أسره لئلا يفلت { فإما منا بعد ~~} قال أبو عبيدة: إما أن تمنوا وإما أن تفادوا، ومثله سقيا، ~~ورعيا، وإنما هو سقيت ورعيت. وقال الزجاج: إما مننتم ~~عليهم بعد أن تأسروهم منا، وإما أطلقتموهم بفداء. # فصل # وهذه الآية محكمة عند عامة العلماء. وممن ذهب إلى أن حكم ~~المن والفداء باق لم ينسخ: ابن عمر، ومجاهد، والحسن، وابن ~~سيرين، وأحمد، والشافعي. وذهب قوم إلى نسخ المن والفداء بقوله: { ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ، وممن ذهب إلى هذا ابن جريج، والسدي ~~وأبو حنيفة. وقد أشرنا إلى القولين في [براءة: 5]. # قوله تعالى: { حتى تضع الحرب أوزارها } قال ابن عباس: حتى لا ~~يبقى أحد من المشركين. ms1840 وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا دين ~~الإسلام. وقال سعيد بن جبير: حتى يخرج المسيح. وقال الفراء: حتى لا ~~يبقى إلا مسلم أو مسالم. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: حتى يضع أهل الحرب سلاحهم؛ قال الأعشى: # وأعددت للحرب أوزارها # رماحا طوالا وخيلا ذكورا # وأصل " الوزر " ما حملته، فسمى السلاح " أوزارا " لأنه يحمل، هذا ~~قول ابن قتيبة. # والثاني: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن ~~يسلموا ولا يعبدوا إلا الله، ذكره الواحدي. # قوله تعالى: { ذلك } أي: الأمر ذلك الذي ذكرنا { ولو يشاء الله ~~لانتصر منهم } بإهلاكهم أوتغذيتهم بما شاء { ولكن } أمركم بالحرب { ~~ليبلو بعضكم ببعض } فيثيب المؤمن ويكرمه بالشهادة، ويخزي الكافر ~~بالقتل والعذاب. # قوله تعالى: { والذين قتلوا } قرأ أبو عمرو، وحفص عن عاصم: { ~~قتلوا } بضم القاف وكسر التاء؛ والباقون: { قاتلوا } بألف. # قوله تعالى: { سيهديهم } فيه أربعة أقوال: # أحدها: يهديهم إلى أرشد الأمور، قاله ابن عباس. # والثاني: يحقق لهم الهداية، قاله الحسن. # والثالث: إلى محاجة منكر ونكير. # والرابع: إلى طريق الجنة، حكاهما الماوردي. # وفي قوله: { عرفها لهم } قولان: # أحدهما: عرفهم منازلهم فيها فلا يستدلون عليها ولا يخطئونها، هذا ~~قول الجمهور، منهم مجاهد وقتادة، واختاره الفراء، وأبو عبيدة. # والثاني: طيبها لهم، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: وهو قول ~~أصحاب اللغة يقال: طعام معرف، أي: مطيب. # وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء وابن محيصن: { عرفها لهم } بتخفيف الراء. ### || [47.7-14] # قوله تعالى: { إن تنصروا الله } أي: تنصروا دينه ورسوله { ينصركم ~~} على عدوكم { ويثبت أقدامكم } عند القتال. وروى المفضل عن عاصم: { ~~ويثبت } بالتخفيف. # { والذين كفروا فتعسا لهم } قال الفراء: المعنى: فأتعسهم الله، ~~والدعاء قد يجري مجرى الأمر والنهي. قال ابن قتيبة: هو من قولك: ~~تعست، أي: عثرت وسقطت. وقال الزجاج: التعس في اللغة: ~~الانحطاط والعثور. وما بعد هذا قد سبق بيانه [الكهف: 105] [يوسف: 109] ~~إلى قوله: { دمر الله عليهم } أي: أهلكم [الله] { وللكافرين ~~أمثالها } أي: أمثال تلك العاقبة. # { ذلك } الذي فعله بالمؤمنين من النصر، وبالكافرين من الدمار { بأن ~~الله مولى الذين آمنوا ms1841 } أي: وليهم. # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: { ويأكلون كما تأكل الأنعام } أي: إن ~~الأنعام تأكل وتشرب، ولا تدري ما في غد، فكذلك الكفار لا يلتفتون إلى ~~الآخرة. والمثوى: المنزل. # { وكأين } مشروح في [آل عمران: 146]. والمراد بقريته مكة؛ وأضاف القوة ~~والإخراج إليها، والمراد أهلها ولذلك قال { أهلكناهم }. # قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } فيه قولان. # أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية. # والثاني: أنه المؤمن، قاله الحسن. # وفي { البينة } قولان. # أحدهما: القرآن، قاله ابن زيد. # والثاني: الدين، قاله ابن السائب. # { كمن زين له سوء عمله } يعني عبادة الأوثان، وهو الكافر { ~~واتبعوا أهواءهم } بعبادتها. ### || [47.15] # { مثل الجنة التي وعد المتقون } أي: صفتها وقد شرحناه في ~~[الرعد: 35]. و " المتقون " عند المفسرين: الذين يتقون الشرك. و " ~~الآسن " المتغير الريح، قاله أبو عبيدة، والزجاج. وقال ابن قتيبة: ~~هو المتغير الريح والطعم و " الآجن " نحوه. وقرأ ابن كثير { غير ~~أسن } بغير مد. وقد شرحنا قوله: { لذة للشاربين } في [الصافات: ~~46]. # قوله تعالى: { من عسل مصفى } أي: من عسل ليس فيه عكر ولا كدر كعسل ~~أهل الدنيا. # قوله تعالى: { كمن هو خالد في النار } قال الفراء: أراد من كان في ~~هذا النعيم، كمن هو خالد في النار؟!. # قوله تعالى: { ماء حميما } أي: حارا شديد الحرارة. و " الأمعاء " جميع ~~ما في البطن من الحوايا. ### || [47.16-18] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } يعني المنافقين. وفيما ~~يستمعون قولان. # أحدهما: أنه سماع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة. # والثاني: سماع قوله على عموم الأوقات. فأما { الذين أوتوا العلم } ، ~~فالمراد بهم: علماء الصحابة. # قوله تعالى: { ماذا قال آنفا } قال الزجاج: أي: ماذا قال الساعة، وهو ~~من قولك: استأنفت الشيء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: لمن ترع، أي: ~~لها أول يرعى؛ فالمعنى: ماذا قال في أول وقت يقرب منا. ~~وحدثنا عن أبي عمر غلام ثعلب أنه قال: معنى " آنفا " مذ ساعة. ~~وقرأ ابن كثير، في بعض الروايات عنه: " أنفا " بالقصر، وهذه قراءة ~~عكرمة، وحميد وابن ms1842 محيصن. قال أبو علي: يجوز أن يكون ابن كثير توهم، ~~مثل حاذر وحذر، وفاكه وفكه وفي استفهامهم قولان. # أحدهما: لأنهم لم يعقلوا ما يقول، ويدل عليه باقي الآية. # والثاني: أنهم قالوه استهزاء. # قوله تعالى: { والذين اهتدوا } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم المسلمون، قاله الجمهور. # والثاني: قوم من أهل الكتاب كانوا على الإيمان بأنبيائهم وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، قاله ~~عكرمة. # وفي الذي زادهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الله عز وجل. # والثاني: قول الرسول. # والثالث: استهزاء المنافقين زاد المؤمنين هدى، ذكرهن الزجاج. وفي معنى ~~الهدى قولان. # أحدهما: أنه العلم. # والثاني: البصيرة. # وفي قوله: { وآتاهم تقواهم } ثلاثة أقوال. # أحدها: ثواب تقواهم في الآخرة، قاله السدي. # والثاني: اتقاء المنسوخ والعمل بالناسخ، قاله عطية. # والثالث: أعطاهم التقوى مع الهدى، فاتقوا معصيته خوفا من عقوبته، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. # و { ينظرون } بمعنى ينتظرون { أن تأتيهم } وقرأ أبي بن كعب، وأبو ~~الأشهب، وحميد: { إن تأتهم } بكسر الهمزة من غير ياء بعد التاء. ~~والأشراط: العلامات؛ قال أبو عبيدة: الأشراط: الأعلام، وإنما سمي ~~الشرط فيما ترى لأنهم أعلموا أنفسهم. قال المفسرون: ظهور ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وانشقاق القمر والدخان ~~وغير ذلك. # { فأنى لهم } أي: فمن أين لهم { إذا جاءتهم } الساعة { ذكراهم ~~}؟! قال قتادة: أنى لهم أن يذكروا ويتوبوا إذا جاءت؟!. ### || [47.19-21] # قوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله } قال بعضهم: اثبت ~~على علمك، وقال قوم: المراد بهذا الخطاب غيره؛ وقد شرحنا هذا في فاتحة ~~(الأحزاب). وقيل: إنه كان يضيق صدره بما يقولون، فقيل له: اعلم أنه ~~لا كاشف لما بك إلا الله. # فأما قوله؛ { واستغفر لذنبك } فإنه كان يستغفر في اليوم مائة ~~مرة، وأمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم لأنه شفيع ~~مجاب. # { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، وهو معنى قول ابن عباس. # والثاني: متقلبكم في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء، ومقامكم في ~~القبور، قاله عكرمة. ms1843 # والثالث: " متقلبكم " بالنهار و " مثواكم " أي: مأواكم بالليل، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } قال ~~المفسرون: سألوا ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله، ~~اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا على الجهاد، فقالوا: " لولا " أي: هلا؛ ~~وكان أبو مالك الأشجعي يقول: " لا " هاهنا صلة، فالمعنى: لو أنزلت ~~سورة، شوقا منهم إلى الزيادة في العلم، ورغبة في الثواب والأجر ~~بالاستكثار من الفرائض. # وفي معنى { محكمة } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها التي يذكر فيها القتال، قاله قتادة. # والثاني: أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام. # والثالث: التي لا منسوخ فيها، حكاهما أبو سليمان الدمشقي. # ومعنى قوله: { وذكر فيها القتال } أي: فرض فيها الجهاد. # وفي المراد بالمرض قولان. # أحدهما: النفاق، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور. # والثاني: الشك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { ينظرون إليك } أي: يشخصون نحوك بأبصارهم ينظرون ~~نظرا شديدا كما ينظر الشاخص ببصره عند الموت، لأنهم يكرهون القتال، ~~ويخافون إن قعدوا أن يتبين نفاقهم. # { فأولى لهم } قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: " أولى لك " ~~أي: وليك وقاربك ما تكره. وقال ابن قتيبة: هذا وعيد وتهديد، ~~تقول للرجل إذا أردت به سوءا، ففاتك أولى لك، ثم ابتدأ، ~~فقال: { طاعة وقول معروف... } وقال سيبويه والخليل: المعنى ~~طاعة وقول معروف أمثل. وقال الفراء: الطاعة معروفة في كلام العرب، ~~إذا قيل لهم: افعلوا كذلك، قالوا: سمع وطاعة، فوصف [الله] قولهم ~~قبل أن تنزل السورة أنهم يقولون: سمع وطاعة، فإذا نزل الأمر كرهوا. ~~وأخبرني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: { ~~فأولى } ، ثم قال: { لهم } أي: للذين آمنوا منهم { طاعة } فصارت ~~(أولى) وعيدا لمن كرهها، واستأنف الطاعة ب { لهم }؛ والأول ~~عندنا كلام العرب، وهذا غير مردود، يعني حديث أبي صالح. وذكر بعض ~~المفسرين أن الكلام متصل بما قبله؛ والمعنى: فأولى لهم أن يطيعوا وأن ~~يقولوا معروفا بالإجابة. # قوله تعالى: { فإذا عزم الأمر } قال الحسن: جد الأمر. وقال ~~غيره: جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ms1844 في الجهاد، ولزم ~~فرض القتال، وصار الأمر معروفا عليه. وجواب " إذا " محذوف تقديره: فإذا ~~عزم الأمر نكلوا؛ يدل على المحذوف { فلو صدقوا الله } ~~أي: في إيمانهم وجهادهم { لكان خيرا لهم } من المعصية والكراهة. ### || [47.22-28] # قوله تعالى: { فهل عسيتم إن توليتم } في المخاطب بهذا أربعة ~~أقوال. # أحدها: المنافقون، وهو الظاهر. # والثاني: منافقو اليهود، قاله مقاتل. # والثالث: الخوارج، قاله بكر بن عبد الله المزني. # والرابع: قريش، حكاه جماعة منهم الماوردي. # وفي قوله: { توليتم } قولان: # أحدهما: أنه بمعنى الإعراض فالمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام { أن ~~تفسدوا في الأرض } بأن تعودوا إلى الجاهلية يقتل بعضكم بعضا، ~~ويغير بعضكم على بعض، ذكره جماعة من المفسرين. # والثاني: أنه من الولاية لأمور الناس، قاله القرظي. فعلى هذا يكون ~~معنى " أن تفسدوا في الأرض ": بالجور والظلم. # وقرأ يعقوب: { وتقطعوا } بفتح التاء والطاء وتخفيفها وسكون القاف. ثم ~~ذم من يريد ذلك بالآية التي بعد هذه. # وما بعد هذا قد سبق [النساء:82] إلى قوله: { أم على قلوب أقفالها } ~~" أم " بمعنى " بل " ، وذكر الأقفال استعارة، والمراد أن القلب ~~يكون كالبيت المقفل لا يصل إليه الهدى. [قال مجاهد]: الران أيسر ~~من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد ذلك كله. ~~وقال خالد بن معدان: مامن آدمي إلا وله أربع أعين، عينان في ~~رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه وما ~~وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان ~~في قلبه، وإذا أراد به غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله: { أم على قلوب ~~أقفالها }. # قوله تعالى: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا ~~كفارا؛ وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم المنافقون، قاله ابن عباس، والسدي، وابن زيد. # والثاني: أنهم اليهود، قاله قتادة، ومقاتل. { من بعد ما تبين ~~لهم الهدى } أي: من بعد ما وضح لهم الحق. ومن قال: هم ~~اليهود، قال: من بعد أن تبين لهم وصف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونعته في كتابهم و { سول } بمعنى زين. { وأملى لهم } قرأ ~~أبو عمرو، وزيد عن يعقوب: ms1845 { وأملي لهم } بضم الهمزة وكسر اللام ~~وبعدها ياء مفتوحة. وقرأ يعقوب إلا زيدا، وأبان عن عاصم كذلك، إلا ~~أنهما أسكنا الياء. وقرأ الباقون بفتح الهمزة واللام. وقد سبق معنى ~~الإملاء [آل عمران: 178] [الأعراف: 183]. # قوله تعالى: { ذلك } قال الزجاج: المعنى: الأمر ذلك، أي: ذلك ~~الإضلال بقولهم { للذين كرهوا ما نزل الله } وفي الكارهين قولان. # أحدهما: أنهم المنافقون، فعلى هذا في معنى قوله: { سنطيعكم في بعض ~~الأمر } ثلاثة أقوال. # أحدها: في القعود عن نصرة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. # والثاني: في الميل إليكم والمظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم. # والثالث: في الارتداد بعد الإيمان، حكاهما الماوردي. # والثاني: أنهم اليهود، فعلى هذا في الذي أطاعوهم فيه قولان. # أحدهما: في أن لا يصدقوا شيئا من مقالة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قاله الضحاك. # والثاني: في كتم ما علموه من نبوته، قاله ابن جريج. # { والله يعلم إسرارهم } قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ~~والوليد عن يعقوب: بكسر الألف على أنه مصدر أسررت؛ وقرأ الباقون: ~~بفتحها على أنه جمع سر والمعنى: أنه يعلم ما بين اليهود والمنافقين ~~من السر. # قوله تعالى: { فكيف إذا توفتهم الملائكة } ، أي: فكيف يكون حالهم ~~حينئذ؟ وقد بينا في [الأنفال: 50] معنى قوله: { يضربون وجوههم ~~وأدبارهم }. # قوله تعالى: { وكرهوا رضوانه } أي: كرهوا ما فيه الرضوان، وهو ~~الإيمان والطاعة. ### || [47.29-34] # قوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي: نفاق { أن لن ~~يخرج الله أضغانهم } قال الفراء: أي: لن يبدي الله عداوتهم ~~وبغضهم لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: أي: لن يبدي ~~عداوتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم ويظهره على نفاقهم. # { ولو نشاء لأريناكهم } أي: لعرفناكهم، تقول: قد أريتك هذا ~~الأمر، أي: قد عرفتك إياه، المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين ~~علامة، وهي السيماء { فلعرفتهم بسيماهم } أي: بتلك العلامة { ~~ولتعرفنهم في لحن القول } أي: في فحوى القول، فدل بهذا ~~على أن قول القائل وفعله يدل على نيته. وقول الناس: قد لحن ~~فلان، تأويله: قد أخذ في ناحية عن ms1846 الصواب، وعدل عن الصواب إليها، ~~وقول الشاعر: # منطق صائب وتلحن أحيا # نا، وخير الحديث ما كان لحنا # تأويله: خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد، إنما ~~يعرف قولها في أنحاء قولها. قال المفسرون: ولتعرفنهم في فحوى ~~الكلام ومعناه ومقصده، فإنهم يتعرضون بتهجين أمرك والاستهزاء ~~بالمسلمين. قال ابن جرير: ثم عرفه الله إياهم. # قوله تعالى: { ولنبلونكم } أي: ولنعاملنكم معاملة ~~المختبر بأن نأمركم بالجهاد { حتى نعلم } العلم الذي هو ~~علم وجود، وبه يقع الجزاء؛ وقد شرحنا هذا في [العنكبوت: 3]. # قوله تعالى: { ونبلو أخباركم } أي: نظهرها ونكشفها باباء من ~~يأبى القتال ولا يصبر على الجهاد. وقرأ أبو بكر عن عاصم: { ~~وليبلونكم } بالياء " حتى يعلم " بالياء { ويبلو } بالياء ~~فيهن. وقرأ معاذ القارىء، وأيوب السختياني: " أخياركم " بالياء جمع " خير ~~". # قوله تعالى: { إن الذين كفروا.. } [الآية] اختلفوا فيمن نزلت على ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنها في المطعمين يوم بدر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في الحارث بن سويد، ووحوح الأنصاري، أسلما ثم ~~ارتدا، فتاب الحارث ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى صاحبه ~~أن يرجع حتى مات، قاله السدي. # والثالث: أنها في اليهود، قاله مقاتل. # والرابع: أنها في قريظة [والنضير]، ذكره الواحدي. # قوله تعالى: { ولا تبطلوا أعمالكم } اختلفوا في مبطلها على أربعة ~~أقوال. # أحدها: المعاصي والكبائر، قاله الحسن. # والثاني: الشك والنفاق، قاله عطاء. # والثالث: الرياء والسمعة، قاله ابن السائب. # والرابع: بالمن، وذلك أن قوما من الأعراب قدموا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: أتيناك طائعين، فلنا عليك حق، فنزلت هذه الآية. ~~ونزل قوله # يمنون عليك أن أسلموا # [الحجرات: 17]، هذا قول مقاتل. قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على أن ~~كل من دخل في قربة لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها، وهذا ~~على ظاهره في الحج، فأما في الصلاة والصيام، فهو على سبيل الاستحباب. ### || [47.35-38] # قوله تعالى: { فلا تهنوا } أي: فلا تضعفوا { وتدعوا إلى ~~السلم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم: { إلى ms1847 السلم } بفتح السين؛ وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: ~~بكسر السين، والمعنى: لا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداءا. وفي هذا ~~دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين، و دلالة على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحا، لأنه نهاه عن الصلح. # قوله تعالى: { وأنتم الأعلون } أي: أنتم أعز منهم، والحجة لكم، ~~وآخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات { والله معكم } بالعون ~~والنصرة { ولن يتركم } قال ابن قتيبة: أي: لن ينقصكم ولن ~~يظلمكم، يقال وترتني حقي، أي بخستنيه. قال المفسرون: ~~المعنى: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا. # قوله تعالى: { ولا يسألكم أموالكم } أي: لن يسألكموها كلها. # قوله تعالى: { فيحفكم } قال الفراء: يجهدكم. وقال ابن قتيبة: ~~يلح عليكم بما يوجبه في أموالكم { تبخلوا } ، يقال: أحفاني بالمسألة ~~وألحف: إذا ألح. وقال السدي: إن يسألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا. # { ويخرج أضغانكم } وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن يعمر: { ~~ويخرج } بياء مرفوعه وفتح الراء { أضغانكم } بالرفع. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو رزين، وعكرمة، وابن السميفع، وابن محيصن، والجحدري: { وتخرج ~~} بتاء مفتوحة ورفع الراء { أضغانكم } بالرفع. وقرأ ابن مسعود، والوليد ~~عن يعقوب: { ونخرج } بنون مرفوعة وكسر الراء { أضغانكم } بنصب النون، ~~أي يظهر بغضكم وعداوتكم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولكنه فرض ~~عليكم يسيرا. # وفيمن يضاف إليه هذا الإخراج وجهان: # أحدهما: إلى الله عز وجل. # والثاني: البخل، حكاهما الفراء. وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة بآية ~~الزكاة، وليس بصحيح، لأنا قد بينا أن معنى الآية: إن يسألكم جميع ~~أموالكم؛ والزكاة لا تنافي ذلك. # قوله تعالى: { ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله } ~~يعني ما فرض عليكم في أمولكم { فمنكم من يبخل } بما فرض عليه من ~~الزكاة { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } أي: على نفسه بما ~~ينفعها في الآخرة { والله الغني } عنكم وعن أموالكم { وأنتم الفقراء ~~} إليه إلى ما عنده من الخير والرحمة { وإن تتولوا } عن طاعته { ~~يستبدل قوما غيركم } أطوع له منكم { ثم لا ms1848 يكونوا أمثالكم } ~~بل خيرا منكم. وفي هؤلاء القوم ثمانية أقوال: # أحدها: أنهم العجم، قاله الحسن، وفيه حديث يرويه أبو هريرة قال: لما ~~نزلت { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } كان سلمان إلى جنب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين ~~إذا تولينا استبدلوا بنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~[يده] على منكب سلمان، فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو أن ~~الدين معلق بالثريا لتناوله رجال من فارس ". # والثاني: فارس والروم، قاله عكرمة. # والثالث: من يشاء من جميع الناس، قاله مجاهد. # والرابع: يأتي بخلق جديد غيركم. وهو معنى قول قتادة. # والخامس: كندة والنخع، قاله ابن السائب. # والسادس: أهل اليمن، قاله راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، وشريح بن ~~عبيد. # والسابع: الأنصار، قاله مقاتل. # والثامن: أنهم الملائكة، حكاه الزجاج وقال: فيه بعد [لأنه] لا يقال ~~للملائكة " قوم " إنما يقال ذلك للآدميين، قال: وقد قيل: إن تولى ~~أهل مكة استبدل الله بهم أهل المدينة، وهذا [معنى] ما ذكرنا ~~عن مقاتل. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-3] # قوله تعالى: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا.. } [الآية] سبب ~~نزولها: أنه لما نزل قوله: # وما أدري ما يفعل بي ولا بكم # [الأحقاف: 9] قال اليهود: كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به؟! ~~فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه ~~عطاء عن ابن عباس. # وفي المراد بالفتح أربعة أقوال. # أحدها: أنه كان يوم الحديبية، قاله الأكثرون. قال البراء بن عازب: نحن ~~نعد الفتح بيعة الرضوان. وقال الشعبي: هو فتح الحديبية، غفر ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي ~~محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على ~~المجوس قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن ~~المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، ~~وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام. قال مجاهد: ~~يعني بالفتح ما قضى الله له من نحر ms1849 الهدي بالحديبية وحلق رأسه. وقال ~~ابن قتيبة: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " أي: قضينا لك قضاء ~~عظيما، ويقال للقاضي: الفتاح. قال الفراء: والفتح قد يكون صلحا، ~~ويكون أخذ الشيء عنوة، ويكون بالقتال. وقال غيره: معنى الفتح في ~~اللغة: فتح المنغلق، والصلح الذي جعل مع المشركين بالحديبية كان ~~مسدودا متعذرا حتى فتحه الله تعالى. # الإشارة إلى قصة الحديبية: # روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في ~~النوم كأن قائلا يقول [له] لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين، فأصبح فحدث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج للعمرة؛ فذكر أهل ~~العلم بالسير أنه خرج واستنفر أصحابه للعمرة، وذلك في سنة ست، ~~ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في القرب، وساق هو وأصحابه البدن، ~~فصلى الظهر ب " ذي الحليفة " ، ثم دعا بالبدن فجللت، ثم ~~أشعرها وقلدها، فعل ذلك أصحابه، وأحرم ولبى. فبلغ المشركين خروجه ~~فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام، وخرجوا حتى عسكروا ب " ~~بلدح " وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم، وسار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى دنا من الحديبية؛ قال الزجاج: وهي بئر، فسمي المكان ~~باسم البئر؛ قالوا: وبينها وبين مكة تسعة أميال، فوقفت يدا راحلته فقال ~~المسلمون: حل حل، يزجرونها، فأبت فقالوا: خلأت القصواء ~~والخلاء في الناقة مثل الحران في الفرس. فقال: # " ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله لا يسألوني ~~خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها " # ، ثم جرها فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل على ثمد من ~~أثماد الحديبية قليل الماء، فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها، فجاشت ~~لهم بالرواء، وجاءه بديل بن ورقاء في ركب فسلموا وقالوا: جئناك من ~~عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، يقسمون، لا يخلون ~~بينك وبين البيت حتى تبيد خضراءهم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لم نأت لقتال أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه ~~قاتلناه " # فرجع [بديل] فأخبر قريشا، فبعثوا عروة بن مسعود، فكلمه بنحو ذلك، ~~فأخبر ms1850 قريشا، فقالوا: نرده من عامنا هذا ويرجع من قابل ~~فيدخل مكة ويطوف بالبيت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ~~بن عفان قال: # " اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد، وإنما ~~جئنا زوارا لهذا البيت، معنا الهدي ننحره وننصرف " # ، فأتاهم فأخبرهم، فقالوا: لا كان هذا أبدا، ولا يدخلها العام، ~~وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فقال: # " لا نبرح حتى نناجزهم " # ، فذاك حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان، فبايعهم تحت الشجرة. # وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال. # أحدها: ألف وأربعمائة، قاله البراء، وسلمة بن الأكوع، وجابر، ومعقل بن ~~يسار. # والثاني: ألف وخمسمائة، روي عن جابر أيضا، وبه قال قتادة. # والثالث: ألف وخمسمائة وخمس وعشرون، رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: ألف وثلاثمائة، قاله عبد الله بن أبي أوفى. قال: وضرب يومئذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله على يمينه لعثمان، وقال: إنه ذهب ~~في حاجة الله ورسوله، وجعلت الرسل تختلف بينهم، فأجمعوا على ~~الصلح، فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة رجال، فصالحه كما ذكرنا في ~~[براءة: 7] فأقام بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال: عشرين ليلة، ثم ~~انصرف، فلما كان ب { ضجنان } نزل عليه: { إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا } ، فقال جبريل: يهنيك يا رسول الله، وهنأه المسلمون. # والقول الثاني: أن هذا الفتح فتح مكة، رواه مسروق عن عائشة وبه قال ~~السدي. وقال بعض من ذهب إلى هذا: إنما وعد بفتح مكة بهذه الآية. # والثالث: أنه فتح خيبر، قاله مجاهد، والعوفي وعن أنس بن مالك كالقولين. # والرابع: أنه القضاء له بالإسلام، قاله مقاتل. وقال غيره: حكمنا لك ~~بإظهار دينك والنصرة على عدوك. # قوله تعالى: { ليغفر لك الله } قال ثعلب: اللام لام " كي " ، ~~والمعنى: لكي يجتمع لك [مع] المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما ~~انضم إلى المغفرة شيء حادث، حسن معنى " كي ". وغلط من قال: ~~ليس. الفتح سبب المغفرة. قوله تعالى { ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } قال ابن عباس: والمعنى " ما تقدم " في الجاهلية، و " ما ms1851 ~~تأخر " ما لم تعلمه، وهذا على سبيل التأكيد، كما تقول: فلان يضرب من ~~يلقاه ومن لا يلقاه. # قوله تعالى: { ويتم نعمته عليك } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أن ذلك في الجنة. # والثاني: أنه بالنبوة والمغفرة، رويا عن ابن عباس. # والثالث: بفتح مكة والطائف وخيبر حكاه الماوردي. # والرابع: بإظهار دينك على سائر الأديان، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { ويهديك صراطا مستقيما } أي: ويثبتك عليه؛ وقيل: ~~ويهدي بك، { وينصرك الله } على عدوك { نصرا عزيزا } قال ~~الزجاج: أي: نصرا ذا عز لا يقع معه ذل. ### || [48.4-10] # قوله تعالى: { هو الذي أنزل السكينة } أي: السكون والطمأنينة { في ~~قلوب المؤمنين } لئلا تنزعج قلوبهم لما يرد عليهم، فسلموا لقضاء ~~الله، وكانوا قد اشتد عليهم صد المشركين لهم عن البيت، حتى قال عمر: ~~علام نعطي الدنية في ديننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني " # ، ثم أوقع الله الرضى بما جرى في قلوب المسلمين، فسلموا ~~وأطاعوا. # { ليزدادوا إيمانا } وذلك أنه كلما نزلت فريضة زاد إيمانهم. # { ولله جنود السموات والأرض } يريد: أن جميع أهل السموات والأرض ~~ملك له لو أراد نصرة نبيه بغيركم لفعل، ولكنه اختاركم لذلك، ~~فاشكروه. # قوله تعالى: { ليدخل المؤمنين... } الآية. سبب نزولها أنه لما نزل ~~قوله { إنا فتحنا لك } قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~هنيئا لك يا رسول الله بما أعطاك الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية، قاله ~~أنس بن مالك. قال مقاتل: فلما سمع عبد الله بن أبي بذلك، انطلق في ~~نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما لنا عند الله؟ ~~فنزلت { ويعذب المنافقين... } الآية. # قال ابن جرير: كررت اللام في " ليدخل " على اللام في " ~~ليغفر " ، فالمعنى: إنا فتحنا لك ليغفر لك الله ~~ليدخل المؤمنين، ولذلك لم يدخل بينهما واو العطف، والمعنى: ~~ليدخل وليعذب. # قوله تعالى: { عليهم دائرة السوء } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بضم ~~السين؛ والباقون بفتحها. # قوله تعالى: { وكان ذلك } أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير ~~سيئاتهم ms1852 { عند الله } أي: في حكمه { فوزا عظيما } لهم؛ والمعنى: ~~أنه حكم لهم بالفوز، فلذلك وعدهم إدخال الجنة. # قوله تعالى: { الظانين بالله ظن السوء } فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنهم ظنوا أن لله شريكا. # والثاني: أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه. # والثالث: أنهم ظنوا به حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أويهزم ~~ولا يعود ظافرا. # والرابع: أنهم ظنوا أنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة ~~عند الله. # والخامس: ظنوا أن الله لا يبعث الموتى وقد بينا معنى " دائرة ~~السوء في [براءة: 98]. # وما بعد هذا قد سبق بيانه [الفتح: 4] [الاحزاب: 45] إلى قوله: { ~~ليؤمنوا بالله ورسوله } قرأ ابن كثير " ، وأبو عمرو: " ليؤمنوا " ~~بالياء " ويعزروه ويوقروه ويسبحوه " كلهن بالياء، والباقون: ~~بالتاء؛ على معنى: قل لهم: إنا أرسلناك، لتؤمنوا. وقرأ علي بن أبي ~~طالب: وابن السميفع: { ويعززوه } بزاءين وقد ذكرنا في [الأعراف: 157] ~~معنى " ويعزروه " عند قوله: { وعزروه ونصروه }. # قوله تعالى: { ويوقروه } أي: يعظموه ويبجلوه. واختار كثير من ~~القراء الوقف هاهنا، لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده. # قوله تعالى: { ويسبحوه } هذه الهاء ترجع إلى الله عز وجل. والمراد ~~بتسبيحه هاهنا: الصلاة له. قال المفسرون: والمراد بصلاة البكرة الفجر، ~~وبصلاة الأصيل باقي الصلوات الخمس. # قوله تعالى: { إن الذين يبايعونك } يعني بيعة الرضوان بالحديبية. ~~وعلى ماذا بايعوه؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهم بايعوه على الموت، قاله عبادة بن الصامت. # والثاني: على أن لا يفروا، قاله جابر بن عبد الله. ومعناهما متقارب، ~~لأنه أراد: على أن لا تفروا ولو متم، وسميت بيعة، لأنهم باعوا ~~أنفسهم من الله بالجنة، وكان العقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكأنهم بايعوا الله عز وجل، لأنه ضمن لهم الجنة بوفائهم. # { يد الله فوق أيديهم } فيه أربعة أقوال. # أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم. # والثاني: يد الله في الثواب فوق أيديهم. # والثالث: يد الله عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة، ذكر هذه ~~الأقوال الزجاج. # والرابع: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، ذكره ابن جرير ~~وابن كيسان. # قوله تعالى: { فمن نكث } أي: نقض ms1853 ما عقده من هذه البيعة { ~~فإنما ينكث على نفسه } أي: يرجع ذلك النقض عليه { ومن ~~أوفى بما عاهد عليه الله } من البيعة { فسنؤتيه } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وابن عامر، وأبان عن عاصم: { فسنؤتيه } بالنون. وقرأ عاصم، ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بالياء { أجرا عظيما } وهو الجنة. قال ~~ابن السائب: فلم ينكث العهد منهم غير رجل واحد يقال له: الجد بن قيس، ~~وكان منافقا. ### || [48.11-14] # قوله تعالى: { سيقول لك المخلفون من الأعراب } قال ابن إسحاق: لما ~~أراد العمرة استنفر من حول المدينة من أهل البوادي والأعراب ~~ليخرجوا معه، خوفا من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد، فتثاقل عنه ~~كثير منهم، فهم الذين عنى الله بقوله: { سيقول لك المخلفون من الأعراب ~~} قال أبو صالح [عن ابن عباس]: وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع والديل ~~وأسلم. قال يونس النحوي: الديل في عبد القيس ساكن الياء، والدول من ~~حنيفة ساكن الواو، والدئل في كنانة رهط أبي الأسود الدؤلي. فأما ~~المخلفون فإنهم تخلفوا مخافة القتل. { شغلتنا أموالنا وأهلونا } ~~أي: خفنا عليهم الضيعة { فاستغفر لنا } أي: ادع [الله] أن ~~يغفر لنا تخلفنا عنك { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } أي: ما ~~يبالون استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. # قوله تعالى: { فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا } ~~قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: { ضرا } بضم الضاد؛ والباقون: بالفتح. قال ~~أبو علي: " الضر " بالفتح: خلاف النفع، وبالضم: سوء الحال، ويجوز أن ~~يكونا لغتين كالفقر والفقر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم يدفع عنهم ~~الضر، ويعجل لهم النفع بسلامة أنفسهم وأموالهم فأخبرهم الله تعالى ~~أنه إن أراد بهم شيئا، لم يقدر أحد على دفعه [عنهم]، { بل كان الله ~~بما تعملون خبيرا } من تخلفهم وقولهم عن المسلمين أنهم سيهلكون، وذلك ~~قوله: { بل ظننتم } أي: توهمتم { أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم } أي: لا يرجعون إلى المدينة، لاستئصال ~~العدو إياهم، { وزين ذلك في قلوبكم } وذلك من تزيين الشيطان. # قوله تعالى: { وكنتم قوما بورا } قد ذكرناه في [الفرقان: 18]. ### || [48.15] # وما بعد ms1854 هذا ظاهر إلى قوله: { سيقول المخلفون } الذين تخلفوا عن ~~الحديبية { إذا انطلقتم إلى مغانم } وذلك أنهم لما انصرفوا عن ~~الحديبية بالصلح وعدهم الله فتح خيبر، وخص بها من شهد ~~الحديبية فانطلقوا إليها، فقال هؤلاء المخلفون: { ذرونا نتبعكم } ~~، قال الله تعالى: { يريدون أن يبدلوا كلام الله } وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف: " أن يبدلوا كلم الله " بكسر اللام. # وفي المعنى قولان: # أحدهما: أنه مواعيد الله بغنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أمر الله نبيه أن لا يسير معه منهم أحد، وذلك أن الله وعده ~~وهو بالحديبية أن يفتح عليه خيبر، ونهاه أن يسير معه أحد من المتخلفين، ~~قاله مقاتل. # وعلى القولين: قصدوا أن يجيز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يخالف أمر الله، فيكون تبديلا لأمره. # قوله تعالى: { كذلكم قال الله من قبل } فيه قولان. # أحدهما: قال إن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية، وهذا على القول ~~الأول. # والثاني: قال لن تتبعونا، وهذا قول مقاتل. # { فسيقولون بل تحسدوننا } أي: يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم. ### || [48.16-17] # قوله تعالى: { ستدعون إلى قوم } المعنى: إن كنتم تريدون الغزو ~~والغنيمة فستدعون إلى جهاد قوم { أولي بأس شديد }. # وفي هؤلاء القوم ستة أقوال: # أحدها: أنهم فارس، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن أبي ~~رباح، وعطاء الخراساني، وابن أبي ليلى، وابن جريج في آخرين. # والثاني: فارس والروم، قاله الحسن، و رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثالث: أنهم أهل الأوثان، رواه ليث عن مجاهد. # والرابع: أنهم الروم، قاله كعب. # والخامس: أنهم هوازن وغطفان، وذلك يوم حنين، قاله سعيد بن جبير، وقتادة. # والسادس: بنو حنيفة يوم اليمامة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، قاله ~~الزهري، وابن السائب، ومقاتل. قال مقاتل: خلافة أبي بكر في هذه بينة ~~مؤكدة. وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم ~~حتى دعي أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم. وقال بعض ~~أهل العلم: لا يجوز أن تكون هذه الآية إلا ms1855 في العرب، لقوله: { ~~تقاتلونهم أو يسلمون } ، وفارس والروم إنما يقاتلون حتى ~~يسلموا أو يؤدوا الجزية، وقد استدل جماعة من العلماء على صحة ~~إمامة أبي بكر وعمر بهذه الآية، لأنه إن أريد بها بنو حنيفة، فأبو ~~بكر دعا إلى قتالهم، وإن أريد بها فارس والروم، فعمر دعا إلى ~~قتالهم، والآية تلزمهم اتباع طاعة من يدعوهم وتتوعدهم على التخلف ~~بالعقاب. قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على صحة إمامتها إذا كان ~~المتولي عن طاعتهما مستحقا للعقاب. # قوله تعالى: { فإن تطيعوا } قال ابن جريج: فإن تطيعوا أبا بكر وعمر، { ~~وإن تتولوا } عن طاعتهما { كما توليتم } عن طاعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم في المسير إلى الحديبية. وقال الزجاج: المعنى: إن تبتم وتركتم ~~نفاقكم وجاهدتم، يؤتكم الله أجرا حسنا، وإن توليتم فأقمتم على ~~نفاقكم، وأعرضتم عن الإيمان والجهاد كما توليتم على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعذبكم عذابا أليما. # قوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج } قال المفسرون: عذر الله أهل ~~الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية. # قوله تعالى: { يدخله جنات } قرأ نافع، وابن عامر: " ندخله " و ~~" نعذبه " بالنون فيهما؛ والباقون: بالياء. ### || [48.18-24] # ثم ذكر الذين أخلصوا نيتهم وشهدوا بيعة الرضوان بقوله: { لقد ~~رضي الله عن المؤمنين } وقد ذكرنا سبب هذه البيعة آنفا، وإنما ~~سميت بيعة الرضوان، لقوله: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة } روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، قال: بينما ~~نحن قائلون زمن الحديبية، نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها ~~الناس، البيعة البيعة، نزل روح القدس قال: فثرنا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة، فبايعناه، وقال عبد الله ~~بن مغفل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة يبايع الناس، ~~وإني لأرفع أغصانها عن رأسه. وقال بكير بن الأشج: كانت الشجرة بفج ~~نحو مكة. قال نافع: كان الناس يأتون تلك الشجرة فيصلون عندها، فبلغ ذلك ~~عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت. # قوله ms1856 تعالى: { فعلم ما في قلوبهم } أي: من الصدق والوفاء، ~~والمعنى: علم أنهم مخلصون { فأنزل السكينة عليهم } يعني الطمأنينة ~~والرضى حتى بايعوا على أن يقاتلوا ولا يفروا { وأثابهم } أي: ~~عوضهم على الرضى بقضائه والصبر على أمره { فتحا قريبا } وهو ~~خيبر، { ومغانم كثيرة يأخذونها } أي: من خيبر، لأنها كانت ذات عقار ~~وأموال، فأما قوله بعد هذا: { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } ~~فقال المفسرون: هي الفتوح التي تفتح على المسلمين إلى يوم القيامة. # { فعجل لكم هذه } فيها قولان. # أحدهما: أنها غنيمة خيبر، قاله مجاهد، وقتادة، والجمهور. # والثاني: أنه الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~قريش، رواه العوفي عن ابن عباس. # قوله تعالى: { وكف أيدي الناس عنكم } فيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم اليهود هموا أن يغتالوا عيال المسلمين الذين خلفوهم في ~~المدينة، فكفهم الله عن ذلك، قاله قتادة. # والثاني: أنهم أسد وغطفان جاؤوا لينصروا أهل خيبر، فقذف الله في ~~قلوبهم الرعب، فانصرفوا عنهم، قاله مقاتل. وقال الفراء: كانت أسد ~~وغطفان [مع أهل خيبر، فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالحوه ~~وخلوا بينه وبين خيبر. وقال غيرهما: بل همت أسد وغطفان] باغتيال ~~[أهل] المدينة، فكفهم الله عن ذلك. # والثالث: أنهم أهل مكة كفهم الله بالصلح،حكاهما الثعلبي وغيره. # ففي قوله " عنكم " قولان. # أحدهما: أنه على أصله، قاله الأكثرون. # والثاني: عن عيالكم، قاله ابن قتيبة، وهو مقتضى قول قتادة. # { ولتكون آية للمؤمنين } في المشار إليها قولان. # أحدهما: أنها الفعلة التي فعلها بكم من كف أيديهم عنكم كانت آية ~~للمؤمنين، فعلموا أن الله تعالى متولي حراستهم في مشهدهم ومغيبهم. # والثاني: أنها خيبر كان فتحها علامة للمؤمنين، في تصديق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما وعدهم به. # قوله تعالى: { ويهديكم صراطا مستقيما } فيه قولان. # أحدهما: طريق التوكل عليه والتفويض إليه، وهذا على القول الأول. # والثاني: يزيدكم هدى بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ~~من وعد الله تعالى بالفتح والغنيمة. # قوله تعالى: { وأخرى } المعنى: وعدكم الله مغانم أخرى؛ وفيها أربعة ms1857 ~~أقوال. # أحدها: أنها ما فتح للمسلمين بعد ذلك. روى سماك الحنفي عن ابن عباس { ~~وأخرى لم تقدروا عليها } قال: ما فتح لكم من هذه الفتوح، وبه قال ~~مجاهد. # والثاني: أنها خيبر، رواه عطية، والضحاك عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد. # والثالث: فارس والروم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الحسن، وعبد ~~الرحمن بن أبي ليلى. # والرابع: مكة، ذكره قتادة، وابن قتيبة. # قوله تعالى: { قد أحاط الله بها } فيه قولان. # أحدهما: أحاط بها علما أنها ستكون من فتوحكم. # والثاني: حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى فتحتموها. # قوله تعالى: { ولو قاتلكم الذين كفروا } هذا خطاب لأهل الحديبية، قاله ~~قتادة؛ { والذين كفروا } مشركو قريش. فعلى هذا يكون المعنى لو قاتلوكم ~~يوم الحديبية { لولوا الأدبار } لما في قلوبهم من الرعب { ثم لا ~~يجدون وليا } لأن لله قد خذلهم. قال الزجاج: المعنى: لو قاتلك من لم ~~يقاتلك لنصرت عليه، لأن سنة الله النصرة لأوليائه. و " ~~سنة الله " منصوبة على المصدر، لأن قوله: " لولوا الأدبار " ~~معناه: سن الله عز وجل خذلانهم سنة، وقد مر مثل هذا في ~~قوله: # كتاب الله عليكم # [النساء: 24] وقوله: # صنع الله # [النمل: 88]. # قوله تعالى: { وهو الذي كف أيديهم عنكم } روى أنس بن مالك أن ~~ثمانين رجلا من أهله مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل ~~التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~فأخذهم سلما، فاستحياهم، وأنزل الله هذه الآية. وروى عبد الله بن ~~مغفل قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة، فبينا ~~نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم ~~فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل جئتم في عهد؟ " ~~أو " هل جعل لكم أحد أمانا؟ " قالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، ونزلت ~~هذه الآية " # وذكر قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا فأتوه باثني ~~عشر فارسا ms1858 من الكفار، فأرسلهم. وقال مقاتل: خرجوا يقاتلون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فهزمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالطعن والنبل ~~حتى أدخلهم بيوت مكة. قال المفسرون: ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكر ~~منته إذ حجز بين الفريقين فلم يقتتلا حتى تم الصلح بينهم. وفي بطن ~~مكة ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الحديبية، قاله أنس. # والثاني: وادي مكة، قاله السدي. # والثالث: التنعيم، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # فأما " مكة " فقال الزجاج: " مكة " لا تنصرف لأنها مؤنثة، وهي معرفة، ~~ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق " بكة " ، والميم تبدل من الباء، ~~يقال: ضربة لازم، ولازب، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم: امتك ~~الفصيل مافي ضرع الناقة: إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقي فيه ~~شيئا. فيكون سميت بذلك لشدة الازدحام فيها؛ قال: والقول الأول ~~أحسن. وقال قطرب: مكة من تمككت المخ: إذا أكلته. وقال ابن ~~فارس: تمككت العظم: إذا أخرجت مخه؛ والتمكك: الاستقصاء؛ ~~وفي الحديث: " لا تمككوا على غرمائكم ". # وفي تسمية " مكة " أربعة أقوال. # أحدها: لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج، وكأنها هي ~~التي تجذبهم إليها، وذلك من قول العرب: امتك الفصيل ما في ضرع ~~الناقة. # والثاني: أنها سميت (مكة) من قولك: بككت الرجل: إذا وضعت ~~منه ورددت نخوته فكأنها تمك من ظلم فيها، أي تهلكه ~~وتنقصه، وأنشدوا: # يا مكة، الفاجر مكي مكا # ولا تمكي مذحجا وعكا # والثالث: [أنها] سميت بذلك لجهد أهلها. # والرابع: لقلة الماء بها. # وهل مكة وبكة واحد؟ قد ذكرناه في [آل عمران:96]. # قوله تعالى: { من بعد أن أظفركم عليهم } أي: بهم؛ يقال: ظفرت ~~بفلان، وظفرت عليه. # قوله تعالى: { وكان الله بما تعلمون بصيرا } قرأ أبو عمرو: { يعملون } ~~بالياء والباقون: بالتاء. ### || [48.25-26] # قوله تعالى: { هم الذين كفروا } يعني أهل مكة { وصدوكم عن المسجد ~~الحرام } أن تطوفوا به وتحلوا من عمرتكم { والهدي } قال الزجاج: ~~أي: وصدوا الهدي { معكوفا } أي: محبوسا { أن يبلغ } أي: عن أن ~~يبلغ { محله } قال المفسرون: " محله " منحره، وهو حيث ~~يحل نحره { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } وهم المستضعفون ms1859 ~~بمكة { لم تعلموهم } أي: لم تعرفوهم { أن تطؤوهم } بالقتل. ومعنى ~~الآية: لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بالقتل، وتوقعوا بهم ~~ولا تعرفونهم، { فتصيبكم منهم معرة } وفيها أربعة أقوال. # أحدهما: إثم، قاله ابن زيد. # والثاني: غرم الدية، قاله ابن إسحاق. # والثالث: كفارة قتل الخطأ، قاله ابن السائب. # والرابع: عيب بقتل من هو على دينكم، حكاه جماعة من المفسرين. وفي ~~الآية محذوف، تقديره: لأدخلتكم من عامكم هذا؛ وإنما حلت بينكم وبينهم ~~{ ليدخل الله في رحمته } أي: في دينه { من يشاء } من أهل مكة، وهم ~~الذين أسلموا بعد الصلح { لو تزيلوا } قال ابن عباس: لو تفرقوا. ~~وقال ابن قتيبة، والزجاج: لو تميزوا. قال المفسرون: لو انماز المؤمنون ~~من المشركين { لعذبنا الذين كفروا } بالقتل والسبي بأيديكم. وقال ~~قوم: لو تزيل المؤمنون من أصلاب الكفار لعذبنا الكفار. وقال ~~بعضهم: قوله: " لعذبنا " جواب لكلامين. # أحدهما: " لولا رجال " ، # والثاني: " لو تزيلوا " وقوله { إذ جعل } من صلة قوله { لعذبنا ~~}. والحمية: الأنفة والجبرية. قال المفسرون: وإنما أخذتهم الحمية ~~حين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول مكة، فقالوا: يدخلون علينا ~~[وقد قتلوا] أبناءنا وإخواننا فتتحدث العرب بذلك! والله لا يكون ~~ذلك، { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } فلم يدخلهم ~~ما دخل أولئك فيخالفوا الله في قتالهم. وقيل: الحمية ما تداخل سهيل ~~بن عمرو من الأنفة أن يكتب في كتاب الصلح ذكر " الرحمن الرحيم " ~~وذكر " رسول الله " صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { وألزمهم كلمة التقوى } فيه خمسة أقوال. # أحدهما: " لا اله إلا الله " ، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد في آخرين، وقد روي مرفوعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعلى هذا يكون معنى: " ألزمهم ": ~~حكم لهم بها، وهي التي تنفي الشرك. # والثاني: " لا إله إلا الله والله أكبر " ، قاله ابن عمر. وعن علي بن ~~أبي طالب كالقولين. # والثالث: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير " ، قاله عطاء بن ms1860 أبي رباح. # والرابع: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، قاله عطاء الخراساني. # والخامس: " بسم الله الرحمن الرحيم " ، قاله الزهري. # فعلى هذا يكون المعنى: أنه لما أبى المشركون أن يكتبوا هذا في كتاب ~~الصلح، ألزمه الله المؤمنين. { وكانوا أحق بها } من المشركين { و } ~~كانوا { أهلها } في علم الله تعالى. ### || [48.27-28] # قوله تعالى: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } قال المفسرون: ~~سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أري في المنام قبل ~~خروجه إلى الحديبية قائلا يقول له: { لتدخلن المسجد الحرام } ~~إلى قوله { لا تخافون } ورأى كأنه هو وأصحابه يدخلون مكة وقد حلقوا ~~وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلما خرجوا إلى الحديبية ~~حسبوا أنهم يدخلون مكة في عامهم ذلك، فلما رجعوا ولم يدخلوا قال ~~المنافقون: أين رؤياه التي رأى؟! فنزلت هذه الآية، فدخلوا في العام ~~المقبل. # وفي قوله: { إن شاء الله } ستة أقوال. # أحدها: أن " إن " بمعنى " إذ " ، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثاني: أنه استثناء من الله، وقد علمه، والخلق يستثنون فيما لا ~~يعلمون، قاله ثعلب؛ فعلى هذا يكون المعنى أنه علم أنهم سيدخلونه، ~~ولكن استثنى على ما أمر الخلق به من الاستثناء. # والثالث: أن المعنى: لتدخلن المسجد الحرام إن أمركم الله به، قاله ~~الزجاج. # والرابع: أن الاستثناء يعود إلى دخول بعضهم أو جميعهم، لأنه علم أن ~~بعضهم يموت، حكاه الماوردي. # والخامس: أنه على وجه الحكاية لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام أن قائلا يقول { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~} ، حكاه القاضي أبو يعلى. # والسادس: أنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول، فلا شك فيه، ~~حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { آمنين } من العدو { محلقين رؤوسكم ومقصرين } من ~~الشعر { لا تخافون } عدوا. # { فعلم ما لم تعلموا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: علم أن الصلاح في الصلح. # والثاني: أن في تأخير الدخول صلاحا. # والثالث: فعلم أن يفتح عليكم خيبر قبل ذلك. # قوله تعالى: { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } فيه قولان. # أحدهما: فتح خيبر، قاله أبو ms1861 صالح عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وابن زيد، ~~ومقاتل. # والثاني: صلح الحديبية، قاله مجاهد، والزهري، وابن إسحاق وقد بينا ~~كيف كان فتحا في أول السورة. # وما بعد هذا مفسر في [براءة:33] إلى قوله: { وكفى بالله شهيدا } وفيه ~~قولان. # أحدهما: أنه شهد له على نفسه أنه يظهره على الدين كله، ~~قاله الحسن. # والثاني: كفى به شهيدا أن محمدا رسوله قاله مقاتل. ### || [48.29] # قوله تعالى: { محمد رسول الله } وقرأ الشعبي، وأبو رجاء، وأبو ~~المتوكل، والجحدري: " محمدا رسول الله " بالنصب فيهما. قال ابن عباس ~~شهد: له بالرسالة. # قوله تعالى: { والذين معه } يعني أصحابه والأشداء: جمع شديد. قال ~~الزجاج: والأصل أشدداء، نحو نصيب وأنصباء، ولكن الدالين تحركتا، ~~فأدغمت الأولى في الثانية، [ومثله] { من يرتد منكم } ~~[المائدة:54]. # قوله تعالى: { رحماء بينهم } الرحماء جمع رحيم، والمعنى: أنهم ~~يغلظون على الكفار، ويتوادون بينهم { تراهم ركعا سجدا } ~~يصف كثرة صلاتهم { يبتغون فضلا من الله } وهو الجنة { ورضوانا } ~~وهو رضى الله عنهم. وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور وروى مبارك بن ~~فضاله عن الحسن البصري أنه قال: " والذين معه " أبو بكر " أشداء على ~~الكفار " عمر " رحماء بينهم " عثمان " تراهم ركعا سجدا " علي بن ~~أبي طالب " يبتغون فضلا من الله ورضوانا " طلحة والزبير وعبدالرحمن ~~وسعد وسعيد وأبو عبيدة. # قوله تعالى: { سيماهم } أي: علامتهم { في وجوههم } ، وهل هذه العلامة ~~في الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه قولان. # أحدهما: في الدنيا. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها السمت الحسن، قاله ابن عباس في رواية ابن أبي طلحة؛ وقال ~~في رواية مجاهد: أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام وسمته ~~وخشوعه، وكذلك قال مجاهد: ليس بندب التراب في الوجه، ولكنه الخشوع ~~والوقار والتواضع. # والثاني: أنه ندى الطهور وترى الأرض، قاله سعيد بن جبير. وقال أبو ~~العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال الأوزاعي: بلغني ~~أنه ما حملت جباههم من الأرض. # والثالث: أنه السهوم، فإذا سهم وجه الرجل من الليل أصبح مصفارا. ~~قال الحسن البصري: " سيماهم في وجوههم ": الصفرة؛ وقال سعيد ms1862 بن جبير: ~~أثر السهر؛ وقال شمر بن عطية: هو تهيج في الوجه من سهر الليل. # والقول الثاني: أنها في الآخرة. ثم فيه قولان. # أحدهما: أن مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضا يوم ~~القيامة، قاله عطية العوفي، وإلى نحو هذا ذهب الحسن، والزهري. وروى ~~العوفي عن ابن عباس قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة. # والثاني: أنهم يبعثون غرا محجلين من أثر الطهور، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: { ذلك مثلهم } أي: صفتهم والمعنى أن صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه { في التوراة } هذا. # فأما قوله: { ومثلهم في الإنجيل } ففيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في الإنجيل. ~~قال مجاهد: مثلهم في التوراة والإنجيل واحد. # والثاني: أن المتقدم مثلهم في التوراة، فأما مثلهم في الإنجيل ~~فهو قوله: { كزرع } ، وهذا قول الضحاك، وابن زيد. # والثالث: أن مثلهم في التوراة والإنجيل كزرع، ذكر هذه الأقوال أبو ~~سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: { أخرج شطأه } وقرأ ابن كثير، وابن عامر: [ " ~~شطأه " بفتح الطاء والهمزة. وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: { شطأه } بسكون الطاء. وكلهم يقرأ بهمزة مفتوحة. وقرأ أبي ~~بن كعب، وأبو العالية، وابن أبي عبلة]: { شطاءه } بفتح الطاء [وبالمد] ~~والهمزة وبألف. قال أبو عبيدة: أي فراخه يقال أشطأ الزرع فهو ~~مشطىء: إذا أفرخ { فآزره } أي: ساواه، وصار مثل الأم. وقرأ ابن ~~عامر: " فأزره " مقصورة الهمزة مثل فعله. وقال ابن قتيبة: آزره ~~أعانه وقواه { فاستغلظ } أي: غلظ { فاستوى على سوقه } وهي جمع " ~~ساق " ، وهذا مثل ضربه الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ ~~خرج وحده، فأيده بأصحابه، كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت منها ~~حتى كبرت وغلظت واستحكمت. وقرأ ابن كثير: على " سؤقه " مهموزة؛ ~~والباقون بلا همزة. وقال قتادة: في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات ~~الزرع. وفيمن أريد. بهذا المثل قولان. # أحدهما: أن أصل الزرع: عبد المطلب " أخرج شطأه " أخرج محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { فآزره }: بأبي بكر { فاستغلظ }: بعمر { فاستوى }: بعثمان { ~~على سوقه }: علي ms1863 بن أبي طالب، رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن المراد بالزرع محمد صلى الله عليه وسلم " أخرج شطأه " أبو ~~بكر " فآزره " بعمر " فاستغلظ " بعثمان " فاستوى على سوقه ": بعلي { ~~يعجب الزراع }: يعني المؤمنين " ليغيظ بهم الكفار " وهو قول ~~عمر لأهل مكة: لا يعبد الله سرا بعد اليوم، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس، ومبارك عن الحسن. # قوله تعالى: { ليغيظ بهم الكفار } أي: إنما كثرهم وقواهم ~~ليغيظ بهم. الكفار. وقال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية. وقال ابن ~~إدريس: لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار، يعني الرافضة، لأن الله ~~تعالى يقول: " ليغيظ بهم الكفار ". # قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة ~~وأجرا عظيما } قال الزجاج: في " من " قولان. # أحدهما: أن يكون تخليصا للجنس من غيره، كقوله # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج:30]، ومثله أن تقول: أنفق من الدراهم، أي: اجعل نفقتك من ~~هذا الجنس. قال ابن الأنباري: معنى الآية: وعد الله الذين آمنوا من ~~هذا الجنس، أي من جنس الصحابة. # والثاني: أن يكون [هذا] الوعد لمن أقام منهم على الإيمان والعمل ~~الصالح. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-3] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله } في سبب نزولها أربعة أقوال. # أحدها: أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع ابن معبد، وقال عمر: أمر ~~الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما ~~أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتها فنزل قوله: { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } إلى قوله: { ولو ~~أنهم صبروا } فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~[بعد هذه الآية] حتى يستفهمه، رواه عبد الله بن الزبير. # والثاني: أن قوما ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم النحر، فأمرهم رسول الله صلى الله ms1864 عليه وسلم أن يعيدوا ~~الذبح، فنزلت الآية، قاله الحسن. # والثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يقولون: لو أنزل الله في كذا ~~وكذا! فكره الله ذلك، وقدم فيه، قاله قتادة. # والرابع: [أنها] نزلت في عمرو بن أمية الضمري، وكان قد قتل رجلين من ~~بني سليم قبل أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب. ~~وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. ~~وروى العوفي عنه قال: نهو أن يتكلموا بين يدي كلامه. وروي عن عائشة ~~رضي الله عنها في هذه الآية قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. ومعنى ~~الآية على جميع الأقوال: لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو يفعل. قال ابن قتيبة: يقال فلان يقدم بين ~~يدي الإمام وبين يدي أبيه، أي يعجل بالأمر والنهي دونه. # فأما { تقدموا } فقرأ ابن مسعود وأبو هريرة، وأبو رزين، وعائشة، ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، والضحاك وابن سيرين، وقتادة، وابن يعمر، ~~ويعقوب: بفتح التاء والدال؛ وقرأ الباقون: بضم التاء وكسر الدال. قال ~~الفراء: كلاهما صواب، يقال: قدمت وتقدمت؛ وقال الزجاج: كلاهما ~~واحد؛ فأما " بين يدي الله ورسوله " فهو عبارة عن الأمام، لأن ما ~~بين يدي الإنسان أمامه؛ فالمعنى: لا تقدموا قدام الأمير. # قوله تعالى: { لا ترفعوا أصواتكم } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما فيما ذكرناه آنفا في حديث ابن ~~الزبير، وهذا قول ابن أبي مليكة. # والثاني: [أنها] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان جهوري ~~الصوت، فربما كان إذا تكلم تأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بصوته، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { ولا تجهر له بالقول } فيه قولان. # أحدهما: أن الجهر بالصوت في المخاطبة، قاله الأكثرون. # والثاني: لا تدعوه باسمه: يا محمد، كما يدعو بعضكم بعضا، ولكن ~~قولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، وهو معنى قول سعيد بن جبير، ~~والضحاك، ومقاتل. # قوله تعالى: { أن تحبط } قال ابن قتيبة: لئلا تحبط. ms1865 وقال ~~الأخفش: مخافة أن تحبط. قال أبو سليمان الدمشقي: وقد قيل معنى ~~الإحباط هاهنا: نقص المنزلة، لا إسقاط العمل من أصله كما يسقط ~~بالكفر. # قوله تعالى: { إن الذين يغضون أصواتهم } قال ابن عباس: لما نزل ~~قوله: " لا ترفعوا أصواتكم " تألى أبو بكر أن لا يكلم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، فأنزل الله في أبي بكر: { إن ~~الذين يغضون أصواتهم } ، والغض: النقص كما بينا عند قوله: # قل للمؤمنين يغضوا # [النور:30]. # { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم } قال ابن عباس: أخلصها { للتقوى ~~} من المعصية. وقال الزجاج: اختبر قلوبهم فوجدهم مخلصين، كما تقول: قد ~~امتحنت هذا الذهب والفضة، أي: اختبرتهما بأن أذبتهما حتى خلصا، فعلمت ~~حقيقة كل واحد منهما. وقال ابن جرير: اختبرها بامتحانه إياها فاصطفاها ~~وأخلصها للتقوى. ### || [49.4-5] # قوله تعالى: { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } في سبب ~~نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: # " أن بني تميم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوا على ~~الباب: يا محمد اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين، ~~فخرج وهو يقول: " إنما ذلكم الله " ، فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا ~~بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال: " ما بالشعر بعثت ولا ~~بالفخار أمرت، ولكن هاتوا " فقال الزبرقان بن بدر لشاب منهم قم ~~فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام فذكر ذلك، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثابت بن قيس، فأجابه، وقام شاعرهم، فأجابه حسان، فقال الأقرع ~~بن حابس: والله ما أدري ما هذا الأمر؟! تكلم خطيبنا فكان خطيبهم ~~أحسن قولا، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر، ثم دنا فأسلم، فأعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية " # ، هذا قول جابر بن عبد الله في آخرين. وقال ابن اسحاق: نزلت في جفاة ~~بني تميم، وكان فيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، والزبرقان بن بدر، ~~[وقيس بن عاصم المنقري]، وخالد بن مالك، وسويد بن هشام، وهما نهشليان، ~~والقعقاع بن معبد، ms1866 وعطاء بن حابس، ووكيع بن وكيع. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني العنبر، ~~وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا بذلك هربوا وتركوا ~~عيالهم، فسباهم عيينة، فجاء رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت ~~الظهيرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائل، فجعلوا: ينادون يا محمد ~~اخرج إلينا، حتى أيقظوه، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثالث: أن ناسا من العرب قال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا ~~الرجل، فإن يكن نبيا نكن أسعد الناس به، وإن يكن ملكا نعش في ~~جناحه، فجاؤوا، فجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد، فنزلت هذه الآية، [قاله ~~زيد بن أرقم]. # فأما " الحجرات " فقرأ أبي بن كعب، وعائشة، وأبو عبد الرحمن السلمي، ~~ومجاهد وأبو العالية، وابن يعمر، [وأبو جعفر وشيبة]: بفتح الجيم؛ وأسكنها ~~أبو رزين، وسعيد بن المسيب، وابن أبي عبلة؛ وضمها الباقون. قال الفراء: ~~وجه الكلام أن تضم الحاء والجيم، وبعض العرب يقول: الحجرات ~~والركبات، وربما خففوا فقالوا: " الحجرات " ، والتخفيف في تميم، ~~والتثقيل في أهل الحجاز. وقال ابن قتيبة. واحد الحجرات حجرة، مثل ~~ظلمة وظلمات. قال المفسرون: وإنما نادوا من وراء الحجرات، لأنهم لم ~~يعلموا في أي الحجر رسول الله. # قوله تعالى: { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم } ~~قال الزجاج: أي: لكان الصبر خيرا لهم. وفي وجه كونه خيرا لهم قولان. # أحدهما: لكان خيرا لهم فيما قدموا له من فداء ذراريهم، فلو صبروا ~~خلى سبيلهم بغير فداء، قاله مقاتل. # والثاني: لكان أحسن لآدابهم في طاعة الله ورسوله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { والله غفور رحيم } أي: لمن تاب منهم. ### || [49.6-8] # قوله تعالى: { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } نزلت في الوليد بن ~~عقبة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض ~~صدقاتهم، وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فسار بعض الطريق، ثم ~~خاف فرجع فقال: إنهم قد منعوا الصدقة وأرادوا قتلي، فصرف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم البعث إليهم، فنزلت هذه الآية. وقد ms1867 ذكرت القصد في ~~كتاب " المغني " وفي " الحدائق " مستوفاة، وذكرت معنى { فتبينوا } في ~~سورة [النساء:94]، والنبأ: الخبر، و " أن " بمعنى " لئلا " ، ~~والجهالة هاهنا: أن يجهل حال القوم، { فتصبحوا على ما فعلتم } من ~~إصابتهم بالخطأ { نادمين }. # ثم خوفهم فقال: { واعلموا أن فيكم رسول الله } أي: إن كذبتموه ~~أخبره الله فافتضحتم، ثم قال: { لو يطيعكم في كثير من الأمر } ~~أي: مما تخبرونه فيه بالباطل { لعنتم } أي: لوقعتم في ~~عنت. قال ابن قتيبة: وهو الضرر والفساد. وقال غيره: هو الإثم ~~والهلاك وذلك أن المسلمين لما سمعوا أن أولئك القوم قد كفروا قالوا: ~~ابعث إليهم يا رسول الله واغزهم واقتلهم؛ ثم خاطب المؤمنين ~~فقال: { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } إلى قوله: { والعصيان } ~~، ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: { أولئك هم الراشدون } أي: المهتدون ~~إلى محاسن الأمور، { فضلا من الله } قال الزجاج: المعنى: ففعل بكم ~~ذلك فضلا، أي: للفضل والنعمة. ### || [49.9-10] # قوله تعالى: { وإن طائفتان.... } الآية، في سبب نزولها قولان. # أحدهما: ما روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث أنس بن مالك قال: ~~قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله ابن أبي، فركب ~~حمارا وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك. فقال رجل من ~~الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل ~~من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي ~~والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم { وإن طائفتان... } الآية. وقد ~~أخرجا جميعا من حديث أسامة ابن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~يعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيهم عبد الله بن أبي، وعبد الله بن ~~رواحة، فخمر ابن أبي وجهه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا. فذكر ~~الحديث، وأن المسلمين والمشركين واليهود استبوا. وقد ذكرت الحديث ~~بطوله في " المغني " و " الحدائق ". وقال مقاتل: وقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الأنصار وهو على حمار له، فبال الحمار، فقال عبد ms1868 الله بن ~~أبي: أف، وأمسك على أنفه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لهو ~~أطيب ريحا منك، فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة ضرب بالنعال ~~والأيدي والسعف، ونزلت هذه الآية. # والقول الثاني: أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في ~~حق بينهما، فقال أحدهما: لآخذن حقي عنوة، وذلك لكثرة عشيرته، ودعاه ~~الآخر ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل الأمر بينهما ~~حتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، قاله قتادة. وقال مجاهد: المراد ~~بالطائفتين: الأوس والخزرج؛ اقتتلوا بالعصي بينهم. وقرأ أبي بن كعب، ~~وابن مسعود، وأبو عمران الجوني: " اقتتلا " على فعل اثنين مذكرين. وقرأ ~~أبو المتوكل الناجي، وأبو الجون، وابن أبي عبلة { اقتتلتا } بتاء وألف ~~بعد اللام على فعل اثنين مؤنثتين. وقال الحسن وقتادة والسدي { فأصلحوا ~~بينهما } بالدعاء إلى حكم كتاب الله عز وجل والرضى بما فيه لهما وعليها ~~{ فإن بغت إحداهما } طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح، { فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء } أي: ترجع { إلى أمر الله } أي: إلى طاعته في ~~الصلح الذي أمر به. # قوله تعالى: { وأقسطوا } أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما. # قوله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة } قال الزجاج: إذا كانوا متفقين في ~~دينهم رجعوا باتفاقهم إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، فإذا اختلفت ~~أديانهم افترقوا في النسب. # قوله تعالى: { فأصلحوا بين أخويكم } قرأ الأكثرون " بين أخويكم " بياء ~~على التثنية. وقرأ أبي بن كعب، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، ~~[وقتادة]، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، ويعقوب: " بين ~~إخوتكم " بتاء مع كسر الهمزة على الجمع. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو ~~رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والشعبي، وابن سيرين: " بين ~~إخوانكم " بالنون وألف قبلها. قال قتادة: ويعني بذلك الأوس والخزرج. ### || [49.11] # قوله تعالى: { لا يسخر قوم من قوم } هذه الآية نزلت على ثلاثة ~~أسباب؛ فأما أولها: إلى قوله تعالى: { خيرا منهم } فنزلت على سبب وفيه ~~قولان. # أحدهما: أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوما يريد الدنو من ms1869 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكان به صمم، فقال لرجل بين يديه: افسح، فقال ~~له الرجل: قد أصبت مجلسا، فجلس مغضبا ثم قال للرجل: من أنت؟ قال ~~أنا فلان. فقال ثابت: أنت ابن فلانة!! فذكر أما له كان يعير بها في ~~الجاهلية، فأغضى الرجل ونكس رأسه ونزل قوله تعالى: { لا يسخر قوم ~~من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم } ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن وفد تميم استهزؤوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك ومقاتل. # وأما قوله تعالى { ولا نساء من نساء } فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة ~~بالقصر، فنزلت هذه [الآية]، قاله أنس بن مالك. وزعم مقاتل أن عائشة ~~استهزأت من قصر أم سلمة. # والثاني: أن امرأتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم سخرتا من ~~أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت أم سلمة قد خرجت ذات ~~يوم وقد ربطت أحد طرفي جلبابها على حقوها، وأرخت الطرف الآخر خلفها، ~~ولا تعلم، فقالت إحداهما للأخرى: انظري ما خلف أم سلمة كأنه لسان ~~كلب، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: # " أن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، ~~وإن زوجي محمد " # فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # وأما قوله تعالى { ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب } ~~فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم ألقاب ~~يدعون بها، فجعل الرجل يدعو الرجل بلقبه، فقيل له: يا رسول الله: ~~إنهم يكرهون هذا، فنزل قوله تعالى: " ولا تنابزوا بالألقاب " ، قاله ~~أبو جبيرة بن الضحاك. # والثاني: أن أبا ذر كان بينه وبين ms1870 رجل منازعة، فقال له الرجل: يا ابن ~~اليهودية، فنزلت: " ولا تنابزوا بالألقاب " ، قاله الحسن. # والثالث: أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي حدرد ~~الأسلمي كلام، فقال له: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي فنزلت ~~فيهما { ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب } قاله مقاتل. # وأما التفسير، فقوله تعالى: { لا يسخر قوم من قوم } أي: لا يستهزئ ~~غني بفقير، ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر عليه، ولا ذو حسب ~~بلئيم الحسب، وأشباه ذلك مما يتنقصه به، عسى أن يكون عند الله خيرا ~~[منه]. وقد بينا في [البقرة: 54] أن القوم اسم الرجال دون النساء، ~~ولذلك قال: " ولا نساء من نساء " و " تلمزوا " بمعنى تعيبوا، وقد ~~سبق بيانه [التوبة:58]. والمراد بالأنفس هاهنا: الإخوان. والمعنى: لا ~~تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم، والتنابز: التفاعل من ~~النبز، وهو مصدر، والنبز الاسم. { والألقاب } جمع لقب، وهو اسم ~~يدعى به الإنسان سوى الاسم الذي سمي به. قال ابن قتيبة: { ولا ~~تنابزوا بالألقاب } أي: لا تتداعوا بها. و " الألقاب " و " الأنباز ~~" واحد، ومنه الحديث: " نبزهم الرافضة " أي: لقبهم. وللمفسرين في ~~المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال. # أحدها: تعيير التائب بسيئات قد كان عملها، رواه عطية العوفي عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه تسميته بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام كقوله لليهودي إذا ~~أسلم: يا يهودي، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. وبه قال الحسن، وسعيد ابن ~~جبير، وعطاء الخراساني، والقرظي. # والثالث: أنه قول الرجل للرجل: يا كافر، يا منافق، قاله عكرمة. # والرابع: أنه تسميته بالأعمال السيئة، كقوله: يا زاني؛ يا سارق، يا ~~فاسق، قاله ابن زيد. قال: أهل العلم: والمراد بهذه الألقاب: ما يكرهه ~~المنادى به، أو يعد ذما له. فأما الألقاب التي تكسب حمدا وتكون ~~صدقا، فلا تكره، كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: فاروق، ولعثمان: ذو ~~النورين، ولعلي: أبو تراب، ولخالد سيف الله، ونحو ذلك. وقوله { بئس ~~الاسم الفسوق } أي: تسميته فاسقا أو كافرا وقد آمن، { ومن لم يتب ~~} من التنابز { فأولئك ms1871 هم الظالمون } وفيه قولان. # أحدهما: الضارون لأنفسهم بمعصيتهم، قاله ابن عباس. # والثاني: هم أظلم من الذين قالوا لهم ذلك، قاله ابن زيد. ### || [49.12] # قوله تعالى: { اجتنبوا كثيرا من الظن } قال ابن عباس: نهى الله ~~تعالى المؤمن أن يظن بالمؤمن شرا. وقال سعيد بن جبير: هو الرجل ~~يسمع من أخيه كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به ~~[سوءا]، فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا. وقال الزجاج: هو أن يظن ~~بأهل الخير سوءا، فأما أهل السوء والفسق، فلنا أن نظن بهم مثل ~~الذي ظهر منهم. قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن ~~جميع الظن؛ والظن على أربعة أضرب. محظور، ومأمور به، ومباح ومندوب ~~إليه، فأما المحظور، فهو سوء الظن بالله تعالى، والواجب: حسن الظن ~~بالله، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور، وأما ~~الظن المأمور به، فهو ما لم ينصب عليه دليل يوصل إلى العلم به، وقد ~~تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه، والاقتصار على غالب الظن، وإجراء الحكم ~~عليه واجب، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول، وتحري ~~القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها ~~توقيف، فهذا وما كان من نظائره قد تعبدنا فيه بأحكام غالب الظنون. ~~فأما الظن المباح: فكالشاك في الصلاة إذا كان إماما، أمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه، وإن فعله ~~كان مباحا، وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا. وروى ~~أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا ظننتم فلا تحققوا " # وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة ~~فلا ينبغي له أن يحققه. وأما الظن المندوب إليه: فهو إحسان الظن ~~بالأخ المسلم يندب إليه ويثاب عليه. فأما ما روي في الحديث: # " احترسوا من الناس بسوء الظن " # فالمراد: الإحتراس بحفظ المال، مثل أن يقول: إن تركت بابي مفتوحا خشيت ~~السراق. # قوله تعالى: { إن بعض الظن إثم } قال المفسرون: ms1872 هو ما تكلم به ~~مما ظنه من السوء بأخيه المسلم، فإن لم يتكلم به فلا بأس، وذهب ~~بعضهم إلى أنه يأثم بنفس ذلك الظن وإن لم ينطق به. # قوله تعالى: { ولا تجسسوا } وقرأ أبو رزين، والحسن، والضحاك، وابن ~~سيرين، وأبو رجاء، وابن يعمر: بالحاء. قال أبو عبيدة: التجسس والتحسس ~~واحد، وهو التبحث ومنه الجاسوس. وروي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: ~~التجسس، بالجيم: البحث عن عورات الناس، وبالحاء: الاستماع لحديث القوم. ~~قال المفسرون: التجسس: البحث عن عيب المسلمين وعوراتهم؛ فالمعنى: لا يبحث ~~أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذ ستره الله. وقيل لابن مسعود: هذا ~~الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا نهينا عن التجسس، فإن ~~يظهر لنا شيء نأخذه به. # قوله تعالى: { ولا يغتب بعضكم بعضا } أي: لا يتناول بعضكم بعضا ~~بظهر الغيب بما يسوؤه. وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل ما الغيبة؟ قال: " ذكرك أخاك بما يكره " ، قال: ~~أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال: " إن كان في أخيك ما تقول فقد ~~اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته ". ثم ضرب الله للغيبة مثلا ~~فقال: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } وقرأ نافع " ميتا ~~" بالتشديد. قال الزجاج: وبيانه أن ذكرك بسوء من لم يحضر، بمنزلة ~~أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك. قال القاضي أبو يعلى: وهذا تأكيد ~~لتحريم الغيبة، لأن أكل لحم المسلم محظور، ولأن النفوس تعافه من طريق ~~الطبع، فينبغي أن تكون الغيبة بمنزلته في الكراهة. # قوله تعالى: { فكرهتموه } وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري { فكرهتموه } ~~برفع الكاف وتشديد الراء. قال الفراء: أي: وقد كرهتموه فلا تفعلوه، ومن ~~قرأ " فكرهتموه " أي: فقد بغض إليكم، والمعنى واحد. قال الزجاج: ~~والمعنى: كما تكرهون أكل لحمه ميتا، فكذلك تجنبوا ذكره بالسوء ~~غائبا. # قوله تعالى: { واتقوا الله } أي: في الغيبة { إن الله تواب } على ~~من تاب { رحيم } به. ### || [49.13] # قوله تعالى: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } في سبب ~~نزولها ms1873 ثلاثة أقوال. # أحدها: نزلت في ثابت بن قيس وقوله في الرجل الذي لم يفسح له: أنت ابن ~~فلانة، وقد ذكرناه عن ابن عباس في قوله: { لا يسخر قوم من قوم } ~~[الحجرات:11]. # والثاني: أنه لما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلالا فصعد على ظهر الكعبة فأذن، وأراد أن يذل المشركين بذلك، ~~فلما أذن قال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أسيدا قبل اليوم، ~~وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟! ~~وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله شيئا يغيره. وقال أبو سفيان: ~~أما أنا فلا أقول شيئا، فإني إن قلت شيئا لتشهدن علي ~~السماء، ولتخبرن عني الأرض، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # والثالث: أن عبدا أسود مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~قبض فتولى غسله وتكفينه ودفنه، فأثر ذلك عند الصحابة، فنزلت هذه ~~الآية، قاله يزيد بن شجرة. فأما المراد بالذكر والأنثى، فآدم ~~وحواء. والمعنى: إنكم تتساوون في النسب؛ وهذا زجر عن التفاخر ~~بالأنساب. فأما الشعوب، فهي جمع شعب. وهو الحي العظيم، مثل مضر ~~وربيعة، والقبائل دونها، كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا قول الجمهور ~~من المفسرين وأهل اللغة. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب: ~~الموالي، وبالقبائل: العرب. وقال أبو رزين: الشعوب أهل الجبال الذين لا ~~يعتزون لأحد، والقبائل: قبائل العرب. وقال أبو سليمان الدمشقي: وقد ~~قيل: إن القبائل هي الأصول، والشعوب هي البطون التي تتشعب منها، ~~وهذا ضد القول الأول. # قوله تعالى: { لتعارفوا } أي: ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب ~~وبعده. قال الزجاج: المعنى جعلناكم كذلك لتعارفوا، لا لتفاخروا. ثم ~~أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم. وقرأ أبي بن كعب. وابن عباس، ~~والضحاك، وابن يعمر، وأبان عن عاصم: " لتعرفوا " بإسكان العين وكسر ~~الراء من غير ألف. وقرأ مجاهد، وأبو المتوكل، وابن محيصن: { لتعارفوا ~~} بتاء واحدة مشددة وبألف مفتوحة الراء مخففة. وقرأ أبو نهيك، والأعمش: " ~~لتتعرفوا " بتاءين مفتوحة الراء وبتشديدها من غير ألف. # قوله ms1874 تعالى: { إن أكرمكم } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، ~~وأبو الجوزاء: " أن " بفتح الهمزة قال الفراء: من فتح " أن " فكأنه ~~قال: لتعارفوا أن الكريم التقي ولو كان كذلك لكانت " لتعرفوا ~~" ، غير أنه يجوز " لتعارفوا " على معنى: ليعرف بعضكم بعضا أن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ". ### || [49.14-18] # قوله تعالى: { قالت الأعراب آمنا } قال مجاهد: نزلت في أعراب بني أسد ~~ابن خزيمة. ووصف غيره حالهم، فقال: قدموا المدينة في سنة مجدبة، ~~فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، ~~وأغلوا أسعارهم، وكانوا يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيقولون: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك، فنزلت فيهم هذه ~~الآية. وقال السدي: نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار [وهم ~~الذين ذكرهم الله تعالى في سورة (الفتح) وكانوا يقولون: آمنا بالله ~~ليأمنوا على أنفسهم]، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فنزلت ~~فيهم هذه الآية. وقال مقاتل: كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا ~~مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، ~~ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه. # قوله تعالى: { قل لم تؤمنوا } أي: لم تصدقوا { ولكن قولوا ~~أسلمنا } قال ابن قتيبة: أي استسلمنا من خوف السيف، وانقدنا. قال ~~الزجاج: الإسلام: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وبذلك يحقن الدم. فإن كان معه اعتقاد وتصديق ~~بالقلب، فذلك الإيمان، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان بقوله: { ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم } أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم ~~تعوذا من القتل. وقال مقاتل: " ولما " بمعنى " ولم " يدخل التصديق ~~في قلوبكم. # قوله تعالى: { وإن تطيعوا الله ورسوله } قال ابن عباس: إن ~~تخلصوا الإيمان { لا يألتكم } قرأ أبو عمرو: { يألتكم } بألف ~~وهمز؛ وروي عنه بألف ساكنة مع ترك الهمزة: وقرأ الباقون: " يلتكم " ~~بغير ألف ولا همز. فقراءة أبي عمرو من ألت يألت. وقراءة الباقين من ~~لات يليت، قال الفراء: وهما لغتان، قال الزجاج: معناهما واحد. ~~والمعنى: ms1875 لا ينقصكم وقال أبو عبيدة: فيها ثلاث لغات: ألت يألت، ~~تقديرها: أفك يأفك، وألات يليت تقديرها: أقال يقيل، ولات ~~يليت، قال رؤبة: # وليلة ذات ندى سريت # ولم يلتني عن سراها ليت # قوله تعالى: { من أعمالكم } أي: من ثوابها. ثم نعت الصادقين في ~~إيمانهم بالآية التي تلي هذه. ومعنى: { يرتابوا } يشكوا. وإنما ~~ذكر الجهاد، لأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فرضا في ~~ذلك الوقت، { أولئك هم الصادقون } [في إيمانهم، فلما نزلت هاتان ~~الآيتان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون] ~~فنزلت [هذه الآية]. # قوله تعالى: { قل أتعلمون الله بدينكم } و " علم " ، بمعنى " ~~أعلم " ، ولذلك دخلت الباء في قوله: { بدينكم } والمعنى: أتخبرون ~~[الله] بالدين الذي أنتم عليه؟!، أي: هو عالم بذلك لا يحتاج إلى ~~أخباركم؛ وفيهم نزل قوله تعالى: { يمنون عليك أن أسلموا } قالوا: ~~أسلمنا ولم نقاتلك، [والله أعلم]. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-5] # قوله تعالى: { ق } قرأ الجمهور: بإسكان الفاء. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي، وأبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء،«قاف» بنصب الفاء. وقرأ ~~أبو رزين، وقتادة، «قاف» برفع الفاء. وقرأ الحسن، وأبو عمران، «قاف» ~~بكسر الفاء. وفي «ق» خمسة أقوال. # أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه جبل من زبرجدة خضراء، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وروى ~~عكرمة عن ابن عباس قال: خلق الله جبلا يقال له «ق» محيط بالعالم، ~~وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله عز وجل أن يزلزل ~~قرية، أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية. وقال مجاهد: هو ~~جبل محيط بالأرض. وروي عن الضحاك أنه من زمردة خضراء، وعليه كنفا ~~السماء، وخضرة السماء منه. # والثالث: أنه جبل من نار في النار، قاله الضحاك في رواية عنه عن ابن ~~عباس. # والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. # والخامس: أنه حرف من كلمة. ثم فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنه افتتاح اسمه «قدير»، قاله أبو ms1876 العالية. # والثاني: أنه افتتاح أسمائه: القدير، والقاهر، والقريب، ونحو ذلك. قاله ~~القرظي. # والثالث: أنه افتتاح «قضي الأمر»، وأنشدوا: # قلنا لها قفي فقالت قاف # معناه: أقف، فاكتفت بالقاف من «أقف»، حكاه جماعة منهم الزجاج. # والرابع: قف عند أمرنا ونهينا، ولا تعدهما، قاله أبو بكر الوراق. # والخامس: قل يا محمد، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { والقرآن المجيد } قال ابن عباس، وابن جبير: المجيد: ~~الكريم. وفي جواب هذا القسم أربعة أقوال. # أحدها: أنه مضمر، تقديره: ليبعثن بعد الموت. قاله الفراء، ~~وابن قتيبة، ويدل عليه قول الكفار: { هذا شيء عجيب }. # والثاني: أنه قوله: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } ، فيكون ~~المعنى: [قاف] والقرآن المجيد لقد علمنا، فحذفت اللام لأن ما ~~قبلها عوض منها، كقوله: # والشمس وضحاها... قد أفلح # [الشمس:1-9] أي: لقد أفلح، أجاز هذا القول الزجاج. # والثالث: أنه قوله: { ما يلفظ من قول } ، حكي عن الأخفش. # والرابع: أنه في سورة أخرى، حكاه أبو سليمان الدمشقي، ولم يبين في أي ~~سورة. # قوله تعالى: { بل عجبوا } مفسر في [ص: 4] إلى قوله: { شيء عجيب ~~} أي: معجب. # { أئذا متنا } قال الأخفش: هذا الكلام على جواب، كأنه قيل لهم: إنكم ~~ترجعون، فقالوا: أئذا متنا وكنا ترابا؟ وقال غيره: تقدير الكلام: ق ~~والقرآن ليبعثن، فقال: أئذا متنا وكنا ترابا؛ والمعنى: أنبعث ~~إذا كنا كذلك؟! وقال ابن جرير: لما تعجبوا من وعيد الله على تكذيبهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا شيء عجيب، كان كأنه قال لهم: ~~ستعلمون إذا بعثتم ما يكون حالكم في تكذيبكم محمدا، فقالوا: أئذا متنا ~~وكنا ترابا؟! # قوله تعالى: { ذلك رجع } أي: رد إلى الحياة { بعيد } قال ابن ~~قتيبة: أي: لا يكون. # { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم ~~وأشعارهم إذا ماتوا، يعني أن ذلك لا يعزب عن علمه { وعندنا } مع ~~علمنا بذلك { كتاب حفيظ } أي: حافظ لعددهم وأسمائهم، ولما تنقص ~~الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ قد أثبت فيه ما يكون. # { بل كذبوا بالحق } وهو القرآن. والمريج: المختلط قال ابن قتيبة: ~~يقال: ms1877 مرج [أمر] الناس، ومرج الدين. وأصل هذا أن يقلق الشيء، ~~ولا يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي، إذا قلق، للهزال. قال المفسرون: ~~ومعنى اختلاط أمرهم: أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~مرة: ساحر، ومرة شاعر، ومرة معلم، ويقولون للقرآن مرة: سحر، ومرة: ~~مفترى، ومرة: رجز، فكان أمرهم ملتبسا مختلطا عليهم. ### || [50.6-15] # ثم دلهم على قدرته على البعث بقوله: { أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنيناها } بغير عمد { وزيناها } بالكواكب { وما لها من ~~فروج } أي: من صدوع وشقوق. والزوج: الجنس. والبهيج: الحسن، قاله ~~أبو عبيدة، وقال ابن قتيبة: البهيج: الذي يبتهج به. # قوله تعالى: { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } قال الزجاج: أي: فعلنا ~~ذلك لنبصر وندل على القدرة. والمنيب: الذي يرجع إلى الله ~~ويفكر في قدرته. # قوله تعالى: { ونزلنا من السماء ماء } وهو المطر { مباركا } أي: ~~كثير الخير، فيه حياة كل شيء { فأنبتنا به جنات } وهي البساتين { ~~وحب الحصيد } أراد: الحب الحصيد، فأضافه إلى نفسه، كقوله: # لهو حق اليقين # [الواقعة: 95] وقوله: # من حبل الوريد # [ق: 16] فالحبل هو الوريد، وكما يقال: صلاة الأولى، يراد: الصلاة ~~الأولى، ويقال: مسجد الجامع، يراد: المسجد الجامع، وإنما تضاف هذه ~~الأشياء إلى أنفسها لاختلاف لفظ اسمها، وهذا قول الفراء، وابن قتيبة. ~~وقال غيرهما: أراد حب النبت الحصيد { والنخل } أي: وأنبتنا ~~النخل { باسقات } و«بسوقها» طولها. قال ابن قتيبة: يقال: بسق الشيء ~~يبسق بسوقا: إذا طال، والنضيد: المنضود بعضه فوق بعض، وذلك قبل ~~أن يتفتح، فاذا انشق جف طلعه وتفرق فليس بنضيد. # قوله تعالى: { زرقا للعباد } أي: أنبتنا هذه الأشياء للرزق { ~~وأحيينا به } أي: بالمطر { بلدة ميتا كذلك الخروج } من ~~القبور. # ثم ذكر الأمم المكذبة بما بعد هذا. وقد سبق بيانه إلى قوله: { فحق ~~وعيد } أي: وجب عليهم عذابي. # { أفعيينا بالخلق الأول } هذا جواب لقولهم: ذلك رجع بعيد. ~~والمعنى: أعجزنا عن ابتداء الخلق، وهو الخلق الأول، فنعيا ~~بالبعث وهو الخلق الثاني؟! وهذا تقرير لهم، لأنهم اعترفوا أنه الخالق، ~~وأنكروا البعث { بل هم في لبس } أي: في شك ms1878 { من خلق جديد } ~~وهو البعث. ### || [50.16-22] # { ولقد خلقنا الإنسان } يعني ابن آدم { ونعلم ما توسوس به ~~نفسه } أي: ما تحدثه به نفسه. وقال الزجاج: نعلم ما يكنه في ~~نفسه. # قوله تعالى: { ونحن أقرب إليه } أي: بالعلم { من حبل الوريد } ~~الحبل هو الوريد، وإنما أضافه إلى نفسه لما شرحناه آنفا في قوله: # وحب الحصيد # [ق:9] قال الفراء: والوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. وعنه ~~أيضا قال: عرق بين اللبة والعلباوين. وقال الزجاج: الوريد: ~~عرق في باطن العنق، [وهما وريدان]، والعلباوان: العصبتان ~~الصفراوان في متن العنق، واللبتان: مجرى القرط في العنق. ~~وقال ابن الأنباري: اللبة حيث يتذبذب القرط مما يقرب من ~~شحمة الأذن. وحكى بعض العلماء أن الوريد: عرق متفرق في البدن ~~مخالط لجميع الأعضاء. فلما كانت أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضا، ~~أعلم أن علمه لا يحجبه شيء. والمعنى: ونحن أقرب إليه حين ~~يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان بابن آدم يتلقيان ~~عمله وقوله: { إذا يتلقى المتلقيان } أي: يأخذان ذلك ~~ويثبتانه { عن اليمين } كاتب الحسنات { وعن الشمال } كاتب ~~السيئات. قال الزجاج: والمعنى: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، ~~فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، قال الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما عن # دك راض والرأي مختلف # وقال آخر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوى رماني # المعنى: كنت منه بريئا. وقال ابن قتيبة: القعيد بمعنى قاعد، كما ~~يقال: «قدير» بمعنى «قادر»، ويكون القعيد بمعنى مقاعد، كالأكيل ~~والشريب بمنزلة: المؤاكل والمشارب. # قوله تعالى: { ما يلفظ } يعني الانسان، أي: ما يتكلم من كلام ~~فيلفظه، أي: يرميه من فمه، { إلا لديه رقيب } أي: حافظ، وهو ~~الملك الموكل به، إما صاحب اليمين، وإما صاحب الشمال { عتيد } ~~قال الزجاج: العتيد: الثابت اللازم. وقال غيره: العتيد: الحاضر معه ~~أينما كان. وروى أبو أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يساره، ~~فكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب ~~اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، ms1879 وأراد صاحب الشمال أن يكتبها، قال صاحب ~~اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر منها لم يكتب ~~عليه شيء، وإن لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة " # وقال ابن عباس: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل، وحافظين في ~~النهار. واختلفوا هل يكتبان جميع أفعاله وأقواله على قولين. # أحدهما: أنهما يكتبان عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه، قاله مجاهد. # والثاني: أنهما لا يكتبان إلا ما يؤجر [عليه]، أو يوزر، قاله عكرمة. ~~فأما مجلسهما، فقد نطق القرآن بأنهما عن اليمين وعن الشمال، وكذلك ذكرنا ~~في حديث أبي أمامة. # وقد روى علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت ~~تجري فيما لا يعنيك " # وروي عن الحسن والضحاك قالا: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. # قوله تعالى: { وجاءت سكرة الموت } وهي غمرته وشدته، التي ~~تغشى الإنسان وتغلب على عقله وتدله على أنه ميت { بالحق } وفيه ~~وجهان. # أحدهما: أن معناه: جاءت بحقيقة الموت. # والثاني: بالحق من أمر الآخرة، فأبانت للانسان ما لم يكن بينا له من ~~أمر الآخرة. ذكر الوجهين الفراء، وابن جرير. # وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه: { وجاءت سكرة الحق بالموت } ، قال ~~ابن جرير: ولهذه القراءة وجهان. # أحدهما: أن يكون الحق هو الله تعالى، فيكون المعنى: وجاءت سكرة الله ~~بالموت. # والثاني: أن تكون السكرة هي الموت، أضيفت إلى نفسها، كقوله: # إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة 95]، فيكون المعنى: وجاءت السكرة الحق بالموت، بتقديم ~~«الحق». وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: «وجاءت سكرات» على الجمع ~~«الحق بالموت» بتقديم «الحق» وقرأ أبي ابن كعب، وسعيد بن جبير: ~~«وجاءت سكرات الموت» على الجمع «بالحق» بتأخير «الحق». # قوله تعالى: { ذلك } أي: فيقال للانسان حينئذ: «ذلك» أي: ذلك الموت { ما ~~كنت منه تحيد } أي: تهرب وتفر. وقال ابن عباس: تكره. # قوله تعالى: { ونفخ في الصور } يعني نفخة البعث { ذلك } اليوم { ~~يوم الوعيد } أي: يوم وقوع الوعيد. # قوله تعالى: { معها سائق } فيه قولان. # أحدهما: ms1880 أن السائق: ملك يسوقها إلى محشرها، قاله أبو هريرة. # والثاني: أنه قرينها من الشياطين، سمي سائقا، لأنه يتبعها وإن لم ~~يحثها. # وفي الشهيد ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه ملك يشهد عليها بعملها، قاله عثمان بن عفان، والحسن. وقال ~~مجاهد: الملكان: سائق: وشهيد. وقال ابن السائب: السائق: الذي كان يكتب ~~عليه السيئات، والشهيد: الذي كان يكتب الحسنات. # والثاني: أنه العمل يشهد على الإنسان، قاله أبو هريرة. # والثالث: الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله، قاله الضحاك. # وهل هذه الآيات عامة، أم خاصة؟ فيها قولان. # أحدهما: أنها عامة، قاله الجمهور. # والثاني: خاصة في الكافر، قاله الضحاك، ومقاتل. # قوله تعالى: { لقد كنت } أي: ويقال له: { لقد كنت في غفلة من هذا } ~~اليوم وفي المخاطب بهذه الآيات ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الكافر، قاله ابن عباس، وصالح بن كيسان في آخرين. # والثاني: أنه عام في البر والفاجر، قاله حسين بن عبد الله بن عبيد ~~الله بن عباس، واختاره ابن جرير. # والثالث: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ابن زيد. فعلى القول ~~الأول يكون المعنى: لقد كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا بكفرك به؛ ~~وعلى الثاني: كنت غافلا عن أهوال القيامة { فكشفنا عنك غطاءك } ~~الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك. # وقيل معناه: أريناك ما كان مستورا عنك؛ وعلى الثالث: لقد كنت قبل ~~الوحي في غفلة عما أوحي إليك، فكشفنا عنك غطاءك بالوحي { فبصرك ~~اليوم حديد } وفي المراد بالبصر قولان. # أحدهما: البصر المعروف، قاله الضحاك. # والثاني: العلم، قاله الزجاج. # وفي قوله: «اليوم» قولان. # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه في الدنيا، وهذا على قول ابن زيد. فأما قوله: «حديد» ~~فقال ابن قتيبة: الحديد بمعنى الحاد. أي: فأنت ثاقب البصر. ثم فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: فبصرك حديد إلى لسان الميزان حين توزن حسناتك وسيئاتك، ~~قاله مجاهد. # والثاني: أنه شاخص لا يطرف لمعاينة الأخرة، قاله مقاتل. # والثالث: أنه العلم النافذ، قاله الزجاج. ### || [50.23-29] # قوله تعالى: { وقال قرينه } قال مقاتل: هو ملكه الذي كان يكتب ms1881 ~~عمله السيء في دار الدنيا، يقول لربه: قد كتبت ما وكلتني به، ~~فهذا عندي معد حاضر من عمله الخبيث، فقد أتيتك به وبعمله. وفي «ما» ~~قولان. # أحدهما: أنها بمعنى «من» قاله مجاهد. # والثاني: أنها بمعنى الشيء، فتقديره: هذا شيء لدي عتيد، قاله الزجاج. ~~وقد ذكرنا معنى العتيد في هذه السورة [ق: 18] فيقول الله تعالى { ألقيا ~~في جهنم } وفي معنى هذا الخطاب ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه مخاطبة للواحد بلفظ الخطاب للاثنين، قال الفراء: والعرب تأمر ~~الواحد والقوم بأمر الاثنين، فيقولون للرجل: ويلك ارحلاها وازجراها، ~~سمعتها من العرب، وأنشدني بعضهم: # فقلت لصاحبي لا تحبسانا # بنزع أصوله واجتز شيحا # وأنشدني أبو ثروان: # فان تزجراني يابن عفان أنزجر # وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # ونرى أن ذلك منهم، لأن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك ~~الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى الكلام على صاحبيه، ألا ترى الشعر ~~أكثر شيء قيلا: يا صاحبي ويا خليلي. قال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب # نقضي لبانات الفؤاد المعذب # ثم قال: # ألم ترأني كلما جئت طارقا # وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # فرجع إلى الواحد، وأول كلامه اثنان، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل، وقال: ~~«ألقيا» خطاب للخازن، يعني خازن النار. # والثاني: أنه فعل ثني توكيدا، كأنه لما قال: «ألقيا»، ناب عن ~~ألق ألق، وكذلك: قفا نبك، معناه: قف قف، فلما ناب عن ~~فعلين، ثني، قاله المبرد. # والثالث: أنه أمر للملكين، يعني السائق والشهيد، وهذا اختيار الزجاج. # فأما «الكفار» فهو أشد مبالغة من الكافر. و«العنيد» قد فسرناه ~~في [هود: 59]. # قوله تعالى: { مناع للخير } في المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: الزكاة المفروضة، قاله قتادة. # والثاني: أنه الإسلام، يمنع الناس من الدخول فيه، قاله الضحاك، ~~ومقاتل، وذكر أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، منع بني أخيه عن الإسلام. # والثالث: أنه عام في كل خير من قول أو فعل، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { معتد } أي: ظالم لا يقر بالتوحيد { مريب } أي: ~~شاك في الحق، من قولهم: أراب الرجل: ms1882 إذا صار ذا ريب. # قوله تعالى: { قال قرينه } فيه قولان. # أحدهما: شيطانه، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. وفي الكلام ~~اختصار تقديره: إن الإنسان ادعى على قرينه من الشياطين أنه أضله فقال: ~~{ ربنا ما أطغيته } أي: لم يكن لي قوة على إضلاله بالإكراه، وإنما ~~طغى هو بضلاله. # والثاني: أنه الملك الذي كان يكتب السيئات. # ثم فيما يدعيه الكافر على الملك قولان. # أحدهما: [أنه] يقول: زاد علي فيما كتب، فيقول الملك: ما أطغيته، أي: ~~ما زدت عليه، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: أنه يقول: كان يعجلني عن التوبة، فيقول: ربنا ما ~~أطغيته، هذا قول الفراء. # قوله تعالى: { ولكن كان في ضلال بعيد } أي: بعيد من الهدى، فيقول الله ~~تعالى: { لا تختصموا لدي }. في هذا الخصام قولان. # أحدهما: أنه اعتذارهم بغير عذر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه خصامهم مع قرنائهم الذين أغووهم، قاله أبو العالية. فأما ~~اختصامهم فيما كان بينهم من المظالم في الدنيا، فلا يجوز أن يهمل، لأنه ~~يوم التناصف. # قوله تعالى: { وقد قدمت إليكم بالوعيد } أي: قد أخبرتكم على ألسن ~~الرسل بعذابي في الآخرة لمن كفر. # { ما يبدل القول لدي } فيه قولان. # أحدهما: ما يبدل [القول] فيما وعدته من ثواب وعقاب، قاله الأكثرون. # والثاني: ما يكذب عندي ولا يغير القول عن جهته، لأني أعلم ~~الغيب وأعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم، هذا قول ابن السائب واختيار ~~الفراء وابن قتيبة، ويدل عليه أنه قال تعالى: { ما يبدل القول لدي ~~} ولم يقل: ما يبدل قولي { وما أنا بظلام للعبيد } فأزيد على ~~إساءة المسيء، أو أنقص من إحسان المحسن. ### || [50.30-40] # { يوم نقول لجهنم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر؛ وحمزة، ~~والكسائي: «يوم نقول» بالنون المفتوحة وضم القاف. [وقرأ نافع، وأبو بكر، ~~والمفضل عن عاصم: «يوم يقول» بالياء المفتوحة وضم القاف]. وقرأ أبي ~~بن كعب، والحسن، وعبد الوارث عن أبي عمرو: «يوم يقال» بياء مضمومة وفتح ~~القاف وإثبات ألف. قال الزجاج: وانتصاب «يوم» على وجهين، أحدهما: على ~~معنى: ما يبدل القول لدي في ذلك ms1883 اليوم. والثاني: على معنى: ~~وأنذرهم يوم نقول لجهنم. # فأما فائدة سؤاله إياها، وقد علم هل امتلأت أم لا، فإنه توبيخ لمن ~~أدخلها، وزيادة في مكروهه، ودليل على تصديق قوله: # لأملأن جهنم # [الأعراف:18]. # وفي قولها: { هل من مزيد } قولان عند أهل اللغة. # أحدهما: أنها تقول ذلك بعد امتلائها، فالمعنى: هل بقي في موضع لم ~~يمتلىء؟ أي: قد امتلأت. # والثاني: أنها تقول تغيظا على من عصى الله تعالى، وجعل الله ~~فيها أن تميز وتخاطب، كما جعل في النملة أن قالت: # أدخلوا مساكنكم # [النمل:18] وفي المخلوقات أن تسبح بحمده. # قوله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين } اي: قربت للمتقين ~~[الشرك] { غير بعيد } أي: جعلت عن يمين العرش حيث يراها أهل ~~الموقف، ويقال لهم: { هذا } الذي ترونه { ما توعدون } وقرأ عثمان بن ~~عفان، وابن عمر، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن: «يوعدون» بالياء { ~~لكل أواب } وفيه أقوال قد ذكرناها في [بني إسرائيل: 25] وفي { حفيظ ~~} قولان. # أحدهما: الحافظ لذنوبه حتى يرجع عنها، قاله ابن عباس. # والثاني: الحافظ لأمر الله تعالى، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { من خشي الرحمن بالغيب } قد بيناه في [الأنبياء: ~~49] { وجاء بقلب منيب } أي: راجع إلى طاعة الله عن معصيته. # { أدخلوها } أي: يقال لهم: أدخلوا الجنة { بسلام } وذلك أنهم سلموا ~~من عذاب الله، وسلموا فيها من الغموم والتغير والزوال، وسلم الله ~~وملائكته عليهم { ذلك يوم الخلود } في الجنة، لأنه لا موت فيها ولا ~~زوال. # { لهم ما يشاؤون فيها } وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسائلهم، ~~فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم ما لم يسألوا، فذلك قوله: { ولدينا ~~مزيد } وللمفسرين في المراد بهذا المزيد ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه النظر إلى الله عز وجل؛ روى علي رضي الله عنه عن النبي عليه ~~السلام في قوله: «ولدينا مزيد» قال: يتجلى لهم. وقال أنس بن مالك: في ~~قوله «ولدينا مزيد» يتجلى لهم الرب تعالى في كل جمعة. # والثاني: أن السحاب يمر بأهل الجنة، فيمطرهم الحور، فتقول الحور: ~~نحن اللواتي قال الله عزل وجل: «ولدينا مزيد»، حكاه الزجاج. # والثالث: أن الزيادة على ما ms1884 تمنوه وسألوا مما لم تسمع به أذن ولم ~~يخطر على قلب بشر، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # ثم خوف كفار مكة بما بعد هذا إلى قوله: { فنقبوا في البلاد } قرأ ~~الجمهور «فنقبوا» بفتح النون والقاف مع تشديدها. # وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، والحسن، وابن السميفع، ويحيى بن يعمر. ~~كذلك، إلا أنهم كسروا القاف على جهة الأمر تهددا. وقرأ عمر بن الخطاب، ~~وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، وابن أبي عبلة، وعبيد عن أبي عمر، ~~«فنقبوا» بفتح القاف وتخفيفها. قال الفراء: ومعنى «فنقبوا» ساروا في ~~البلاد، فهل كان لهم من الموت { من محيص } فأضمرت «كان» هاهنا، كقوله: # أهلكناهم فلا ناصر لهم # [محمد:13] أي: فلم يكن لهم ناصر. ومن قرأ «فنقبوا» بكسر القاف، فإنه ~~كالوعيد؛ والمعنى: اذهبوا في البلاد وجيئوا فهل من الموت من محيص؟! ~~وقال الزجاج «نقبوا»: طوقوا وفتشوا، فلم تروا محيصا من الموت. ~~قال امرؤ القيس: # لقد نقبت في الآفاق حتى # رضيت من الغنيمة بالإياب # فأما المحيص فهو المعدل؛ وقد استوفينا شرحه في [سورة النساء: 121]. # قوله تعالى: { إن في ذلك } يعني الذي ذكره من إهلاك القرى { لذكرى } ~~أي: تذكرة وعظة { لمن كان له قلب } قال ابن عباس: أي: عقل. قال ~~الفراء: وهذا جائز في اللغة أن تقول: ما لك قلب، وما معك قلبك، تريد ~~العقل. وقال ابن قتيبة: لما كان القلب موضعا للعقل كنى به [عنه]. وقال ~~الزجاج: المعنى: لمن صرف قلبه إلى التفهم، { أو ألقى السمع } أي: ~~استمع مني { وهو شهيد } أي: وقلبه فيما يسمع. وقال الفراء: وهو ~~شهيد أي: شاهد ليس بغائب. # قوله تعالى: { ولقد خلقنا السموات والأرض } ذكر المفسرون أن اليهود ~~قالت: خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، آخرها يوم ~~الجمعة، واستراح يوم السبت، فلذلك لا نعمل فيه شيئا، فنزلت هذه الآيات، ~~فأكذبهم الله عز وجل بقوله: { وما مسنا من لغوب } قال الزجاج: ~~واللغوب التعب والإعياء. # قوله تعالى: { فاصبر على ما يقولون } أي: من بهتهم وكذبهم. قال ~~المفسرون: ونسخ معنى قوله: «فاصبر» بآية السيف { وسبح ms1885 بحمد ربك } ~~أي: صل بالثناء على ربك والتنزيه [له] مما يقول المبطلون { ~~قبل طلوع الشمس } وهي صلاة الفجر. { وقبل الغروب } فيها قولان. # أحدهما: صلاة الظهر والعصر، قاله ابن عباس. # والثاني: صلاة العصر، قاله قتادة. وروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من ~~حديث جرير بن عبد الله، قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر، فقال: إنكم ~~سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، ~~فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ~~فافعلوا ". # وقرأ «فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب». # قوله تعالى: { ومن الليل فسبحه } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها صلاة الليل كله، أي: وقت صلى منه، قاله مجاهد. # والثاني: صلاة العشاء، قاله ابن زيد. # والثالث: صلاة المغرب والعشاء قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وأدبار السجود } قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، وخلف: ~~بكسر الهمزة؛ وقرأ الباقون بفتحها. قال الزجاج: من فتح ألف «أدبار» فهو ~~جمع دبر، ومن كسرها فهو مصدر: أدبر يدبر إدبارا. # وللمفسرين في هذا التسبيح ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الركعتان بعد صلاة المغرب، روي عن عمر، وعلي، والحسن بن ~~علي، رضي الله عنهم، وأبي هريرة، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ~~وقتادة، في آخرين، وهو رواية العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه النوافل بعد المفروضات قاله ابن زيد. # والثالث: أنه التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات، رواه مجاهد ~~عن ابن عباس. وروي عن أبي الأحوص أنه قال في جميع التسبيح المذكور في ~~هاتين الآيتين كذلك. ### || [50.41-45] # قوله تعالى: { واستمع يوم ينادي المنادي } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، «ينادي المنادي» بياء في الوصل. ووقف ابن كثير ~~بياء، ووقف نافع وأبو عمرو بغير ياء. ووقف الباقون ووصلوا بياء. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: المعنى: واستمع حديث يوم ينادي المنادي. قال ~~المفسرون: والمنادي إسرافيل، يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها ~~الناس هلموا إلى الحساب، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء؛ وهذه ~~هي النفخة الأخيرة. والمكان القريب صخرة بيت ms1886 المقدس. قال كعب ومقاتل: هي ~~أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا وقال ابن السائب: باثني عشر ~~ميلا قال الزجاج: ويقال: إن تلك الصخرة في وسط الأرض. # قوله تعالى: { يوم يسمعون الصيحة } وهي [هذه] النفخة الثانية { ~~بالحق } ، أي: بالبعث الذي لا شك فيه { ذلك يوم الخروج } من ~~القبور. # { إنا نحن نحيي ونميت } أي: نميت في الدنيا ونحيي للبعث { وإلينا ~~المصير } بعد البعث، وهو قوله { يوم تشقق الأرض عنهم } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وابن عامر، «تشقق» بتشديد الشين؛ وقرأ الباقون ~~بتخفيفها { سراعا } أي: فيخرجون منها سراعا، { ذلك حشر علينا ~~يسير } أي هين. # ثم عزى نبيه فقال: { نحن أعلم بما يقولون } في تكذيبك، يعني كفار ~~مكة { وما أنت عليهم بجبار } قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على ~~الاسلام إنما بعثت مذكرا، وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم؛ وأنكر الفراء ~~هذا القول فقال: العرب لا تقول «فعال من أفعلت» لا يقولون ~~«خراج» يريدون «مخرج» ولا «دخال» يريدون «مدخل»، إنما يقولون: ~~«فعال» من «فعلت»، وإنما الجبار هنا في موضع السلطان من ~~الجبرية، وقد قالت العرب في حرف واحد: «دراك» من «أدركت»، وهو ~~شاذ، فإن جعل هذا على هذه الكلمة فهو وجه. وقال ابن قتيبة: { بجبار } ~~أي: بمسلط، والجبار: الملك، سمي بذلك لتجبره، يقول: لست ~~عليهم بملك مسلط. قال اليزيدي: لست بمسلط فتقهرهم على ~~الإسلام، وقال مقاتل: لتقتلهم. وذكر المفسرون أن قوله: { وما أنت ~~عليهم بجبار } منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: { فذكر بالقرآن } أي: فعظ به { من يخاف وعيد } ~~[وقرأ يعقوب: «وعيدي» بياء في الحالين]، أي: ما أوعدت من عصاني من ~~العذاب. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-23] # قوله تعالى: { والذاريات ذروا } يعني الرياح، يقال: ذرت ~~الريح التراب تذروه ذروا، إذا فرقته، قال الزجاج: يقال ~~ذرت فهي ذارية، وأذرت فهي مذرية بمعنى واحد. # { والذاريات } ، مجرورة على القسم، المعنى: أحلف بالذاريات وهذه ~~الأشياء، والجواب { إنما توعدون لصادق } ، قال قوم: المعنى: ورب ~~الذاريات، ورب الجاريات. # قوله تعالى: { فالحاملات وقرا } يعني السحاب التي تحمل وقرها من ~~الماء. # { فالجاريات يسرا } يعني السفن ms1887 تجري ميسرة [في الماء] جريا ~~سهلا. # { فالمقسمات أمرا } يعني الملائكة تقسم الأمور على ما أمر الله ~~به، قال ابن السائب: والمقسمات أربعة: جبريل، وهو صاحب الوحي والغلظة، ~~وميكائيل، وهو صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل، وهو صاحب الصور ~~واللوح، وعزرائيل، وهو قابض الأرواح. وإنما أقسم بهذه الأشياء لما ~~فيها من الدلالة على صنعه وقدرته. # ثم ذكر المقسم عليه فقال: { إنما توعدون } أي: من الثواب والعقاب ~~يوم القيامة { لصادق } أي: لحق. # { وإن الدين } فيه قولان. # أحدهما: الحساب. # والثاني: الجزاء { لواقع } أي: لكائن. # ثم ذكر قسما آخر فقال: { والسماء ذات الحبك } وقرأ عمر بن ~~الخطاب، وأبو رزين: { الحبك } بكسر الحاء والباء جميعا. وقرأ عثمان ~~بن عفان، والشعبي، وأبو العالية، وأبو حيوة، «الحبك» بكسر الحاء ~~وإسكان الباء. وقرأ أبي ابن كعب، وابن عباس، وأبو رجاء، وابن أبي ~~عبلة، «الحبك» برفع الحاء وإسكان الباء. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة: ~~«الحبك» بفتح الحاء والباء جميعا. وقرأ أبو الدرداء، وأبو الجوزاء، ~~وأبو المتوكل، وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: [«الحبك»] بفتح ~~الحاء وكسر الباء. # ثم في معنى «الحبك» أربعة أقوال: # أحدها: ذات الخلق الحسن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة. # والثاني: البنيان المتقن، قاله مجاهد. # والثالث: ذات الزينة، قاله سعيد بن جبير. وقال الحسن: حبكها ~~نجومها. # والرابع: ذات الطرائق، قاله الضحاك واللغويون. وقال الفراء: الحبك: ~~تكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء ~~القائم إذا مرت به الريح، والشعرة الجعدة تكسرها حبك، ~~وواحد الحبك: حباك وحبيكة. وقال الزجاج: أهل اللغة يقولون: الحبك: ~~الطرائق الحسنة، والمحبوك في اللغة: ما أجيد عمله، وكل ما تراه ~~من الطرائق في الماء وفي الرمل إذا أصابته الريح فهو حبك. وروي ~~عن عبد الله بن عمرو أنه قال: هذه هي السماء السابعة. # ثم ذكر جواب القسم الثاني، قال: { إنكم } يعني أهل مكة { لفي ~~قول مختلف } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، بعضكم يقول: شاعر، ~~وبعضكم يقول: مجنون، وفي القرآن [بعضكم] يقول: سحر، وبعضكم يقول: ~~كهانة ورجز، إلى غير ذلك. ms1888 # { يؤفك عنه من أفك } أي: يصرف عن الإيمان [به] من صرف ~~[فحرمه]. [والهاء في «عنه» عائدة إلى القرآن، وقيل: يصرف عن هذا ~~القول، أي: من أجله وسببه عن الإيمان من صرف]. # وقرأ قتادة «من أفك» بفتح الألف والفاء. وقرأ عمرو بن دينار «من ~~أفك» بفتح الألف وكسر الفاء. # { قتل الخراصون } قال الفراء: يعني: [لعن] الكذابون الذين ~~قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ساحر وكذاب وشاعر، خرصوا ما لا ~~علم لهم به. وفي رواية العوفي عن ابن عباس: أنهم الكهنة. وقال ابن ~~الأنباري: والقتل إذ أخبر عن الله به فهو بمعنى اللعنة، لأن من لعنه ~~الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. # قوله تعالى { الذين هم في غمرة } أي: في عمى وجهالة بأمر الآخرة { ~~ساهون } أي: غافلون. والسهو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه. # { يسألون أيان يوم الدين } أي: يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء؟! ~~تكذيبا منهم واستهزاءا. # ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال: { يوم هم على النار } قال الزجاج: ~~«اليوم» منصوب على معنى: يقع الجزاء يوم هم على النار. { يفتنون ~~} أي: يحرقون ويعذبون، ومن ذلك يقال للحجارة السود التي كأنها قد ~~أحرقت بالنار الفتين. # قوله تعالى: { ذوقوا } المعنى: يقال لهم: ذوقوا { فتنتكم } وفيها ~~قولان. # أحدهما: تكذيبكم، قاله ابن عباس. # والثاني: حريقكم، قاله مجاهد. قال أبو عبيدة: هاهنا تم الكلام، ثم ~~ائتنف، فقال { هذا الذي كنتم به تستعجلون } قال المفسرون: يعني الذي ~~كنتم تستعجلونه في الدنيا استهزاءا. ثم ذكر ما وعد الله لأهل الجنة ~~فقال: { إن المتقين في جنات وعيون } وقد سبق شرح هذا ~~[البقرة:25، الحجر:45]. # قوله تعالى: { آخذين } قال الزجاج: هو منصوب على الحال، فالمعنى: في ~~جنات وعيون في حال أخذ { ما آتاهم ربهم } قال المفسرون: أي: ما أعطاهم ~~الله من الكرامة { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } في أعمالهم. وفي ~~الآية وجه آخر: «آخذين ما آتاهم ربهم» أي: عاملين بما أمرهم به من ~~الفرائض «إنهم كانوا قبل» أن تفرض الفرائض عليهم، «محسنين» أي: مطيعين، ~~وهذا معنى قول ابن عباس في رواية ms1889 مسلم البطين. # ثم ذكر إحسانهم فقال: { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } والهجوع: ~~النوم بالليل دون النهار. # وفي «ما» قولان. # أحدهما: النفي. ثم في المعنى قولان. أحدهما: كانوا يسهرون قليلا من ~~الليل. قال أنس بن مالك، وأبو العالية: هو ما بين المغرب والعشاء. # والثاني: كانوا ما ينامون قليلا من الليل. واختار قوم الوقف على قوله ~~«قليلا» على معنى كانوا من الناس قليلا، ثم ابتدأ فقال: «من الليل ما ~~يهجعون» على معنى نفي النوم عنهم البتة، وهذا مذهب الضحاك، ومقاتل. # والقول الثاني: أن «ما» بمعنى الذي، فالمعنى: كانوا قليلا من الليل ~~الذي يهجعونه، وهذا مذهب الحسن، والأحنف بن قيس، والزهري. وعلى هذا يحتمل ~~أن تكون «ما» زائدة. # قوله تعالى: { وبالأسحار هم يستغفرون } وقد شرحناه في [آل عمران: ~~17]. # قوله تعالى: { وفي أموالهم حق } أي نصيب، وفيه قولان. # أحدهما: أنه ما يصلون به رحما، أو يقرون به ضيفا، أو يحملون به ~~كلا، أو يعينون به محروما، وليس بالزكاة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الزكاة قاله قتادة، وابن سيرين. # قوله تعالى: { للسائل } وهو الطالب. # وفي { المحروم } ثمانية أقوال. # أحدها: أنه الذي ليس له سهم في فيء المسلمين، وهو المحارف، قاله ابن ~~عباس. وقال إبراهيم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة. # والثاني: أنه الذي لا ينمى له شيء، قاله مجاهد، وكذلك قال عطاء: هو ~~المحروم في الرزق والتجارة. # والثالث: أنه المسلم الفقير، قاله محمد بن علي. # والرابع: أنه المتعفف الذي لا يسأل شيئا، قاله قتادة، والزهري. # والخامس: أنه الذي يجيء بعد الغنيمة، وليس له فيها سهم، قاله: الحسن ابن ~~محمد بن الحنفية. # والسادس: أنه المصاب ثمرته وزرعه أو نسل ماشيته، قاله ابن زيد. # والسابع: أنه المملوك، حكاه الماوردي. # والثامن: أنه الكلب، روي عن عمر بن عبد العزيز. وكان الشعبي يقول: ~~أعياني أن أعلم ما المحروم. وأظهر الأقوال قول قتادة والزهري، لأنه قرنه ~~بالسائل، والمتعفف لا يسأل ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل ثم ~~يتحفظ بالتعفف من ظهور أثر الفاقة عليه، فيكون محروما من ms1890 قبل نفسه ~~حين لم يسأل، ومن قبل الناس حين لا يعطونه، وإنما يفطن له متيقظ. ~~وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، ولا يصح. # قوله تعالى: { وفي الأرض آيات } كالجبال والأنهار والأشجار والثمار ~~وغير ذلك { للموقنين } بالله عز وجل الذين يعرفونه بصنعه. # { وفي أنفسكم } آيات إذ كنتم نطفا، ثم عظاما، ثم علقا، ثم ~~مضغا، إلى غير ذلك من أحوال الاختلاف، ثم اختلاف الصور والألوان ~~والطبائع، وتقويم الأدوات، والسمع والبصر والعقل، وتسهيل سبيل الحدث، إلى ~~غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم. وتم الكلام عند قوله: «وفي ~~أنفسكم»، ثم قال: { أفلا تبصرون } قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف ~~خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث. # قوله تعالى: { وفي السماء رزقكم } وقرأ أبي بن كعب، وحميد، وأبو ~~حصين الأسدي: «أرزاقكم» براء ساكنة وبألف بين الزاي والقاف. وقرأ ابن ~~مسعود، والضحاك، وأبو نهيك: «رازقكم» بفتح الراء وكسر الزاي وبألف ~~بينهما. وعن ابن محيصن كهاتين القراءتين. وفيه قولان. # أحدهما: أنه المطر، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وليث عن مجاهد، وهو قول ~~الجمهور. # والثاني: الجنة، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # وفي قوله: { ما توعدون } قولان. # أحدهما: أنه الخير والشر كلاهما يأتي من السماء، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثاني: الجنة رواه ليث عن مجاهد. قال: أبو عبيدة: في هذه الآية مضمر ~~مجازه: عند من في السماء رزقكم، وعنده ما توعدون، والعرب تضمر، قال ~~نابغة [ذبيان]: # كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع خلف رجليه بشن # أراد: كأنك جمل من جمال بني أقيش. # قوله تعالى: { إنه لحق } قال الزجاج: يعني: ما ذكره من أمر الآيات ~~والرزق وما توعدون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، { مثل ما أنكم ~~تنطقون } قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «مثل» برفع ~~اللام. وقرأ الباقون بنصب اللام. قال الزجاج: فمن رفع «مثل» فهي من ~~صفة الحق، والمعنى: إنه لحق مثل نطقكم؛ ومن نصب فعلى ضربين: # أحدهما: أن يكون في موضع رفع، إلا أنه لما ms1891 أضيف إلى «أن» فتح. # والثاني: أن يكون منصوبا على التأكيد، على معنى: إنه لحق حقا ~~مثل نطقكم، وهذا الكلام كما تقول: إنه لحق كما أنك تتكلم. ### || [51.24-37] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } «هل» ~~بمعنى: «قد» في قول ابن عباس، ومقاتل، فيكون المعنى: قد أتاك فاستمع ~~نقصصه عليك، وضيفه: هم الذين جاؤوا بالبشرى. وقد ذكرنا عددهم في ~~[هود:70] وذكرنا هناك معنى الضيف. # وفي معنى: «المكرمين» أربعة أقوال. # أحدهما: لأنه أكرمهم بالعجل، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد. # والثاني: بأن خدمهم هو وامرأته بأنفسهما، قاله السدي. # والثالث: أنهم مكرمون عند الله، قاله عبد العزيز بن يحيى. # والرابع: لأنهم أضياف، والأضياف مكرمون، قاله أبو بكر الوراق. # قوله تعالى: { فقالوا سلاما } قد ذكرناه في [هود:70]. # قوله تعالى: { قوم منكرون } قال الزجاج: ارتفع على معنى: أنتم قوم ~~منكرون. # وللمفسرين في سبب إنكارهم أربعة أقوال. # أحدها: لأنه لم يعرفهم، قاله ابن عباس. # والثاني: لأنهم سلموا عليه، فأنكر سلامهم، في ذلك الزمان وفي تلك ~~الأرض، قاله أبو العالية. # والثالث: لأنهم دخلوا [عليه] من غير استئذان. # والرابع: لأنه رأى فيهم صورة البشر وصورة الملائكة. # قوله تعالى: { فراغ إلى أهله } قال ابن قتيبة: أي: عدل إليهم في ~~خفية، ولا يكون الرواغ إلا أن تخفي ذهابك ومجيئك. # قوله تعالى: { فجاء بعجل سمين } وكان مشويا { فقربه إليهم } ~~قال الزجاج: والمعنى: فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا، فقال: { ~~ألا تأكلون }؟! على النكير، أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره. # قوله تعالى: { فأوجس منهم خيفة } قد شرحناه في [هود: 70]، وذكرنا معنى ~~«غلام عليم» في [الحجر: 54]. # { فأقبلت امرأته } وهي: سارة. قال الفراء وابن قتيبة: لم تقبل من ~~موضع إلى موضع، وإنما هو كقولك: أقبل يشتمني، وأقبل يصيح ويتكلم، ~~أي: أخذ في ذلك، والصرة: الصيحة. وقال أبو عبيدة: الصرة: شدة ~~الصوت. # وفيما قالت في صيحتها قولان. # أحدهما: أنها تأوهت، قال قتادة. # والثاني: أنها قالت: يا ويلتا، ذكره الفراء. # قوله تعالى: { فصكت وجهها } فيه قولان. # أحدهما: لطمت وجهها، قاله ابن ms1892 عباس. # والثاني: ضربت جبينها تعجبا، قاله مجاهد. ومعنى الصك: ضرب ~~الشيء بالشيء العريض. # { وقالت عجوز } قال الفراء: هذا مرفوع بإضمار «أتلد عجوز». وقال ~~الزجاج: المعنى: أنا عجوز عقيم، فكيف ألد؟! وقد ذكرنا معنى { العقيم } ~~في [هود: 72]. # { قالوا كذلك قال ربك } أنك ستلدين غلاما؛ والمعنى: إنما نخبرك ~~عن الله عز وجل وهو حكيم عليم يقدر أن يجعل العقيم ولودا، فعلم ~~[حينئذ] إبراهيم أنهم ملائكة. # { قال فما خطبكم } مفسر في [الحجر: 57]. # قوله تعالى: { حجارة من طين } قال ابن عباس: هو الآجر. # قوله تعالى: { مسومة عند ربك } قد شرحناه في [هود: 83]. # قوله تعالى: { للمسرفين } قال ابن عباس: للمشركين. # قوله تعالى: { فأخرجنا من كان فيها } ، أي: من قرى لوط { من ~~المؤمنين } وذلك قوله تعالى: # فأسر بأهلك... # الآية: [هود: 82]. # { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } وهو لوط وابنتاه، ~~وصفهم الله عز وجل بالإيمان والإسلام، لأنه ما من مؤمن إلا وهو ~~مسلم. # { وتركنا فيها آية } أي: علامة للخائفين من عذاب الله تدلهم على ~~أن الله أهلكهم. وقد شرحنا هذا في [العنكبوت: 35] وبينا المكني ~~عنها. ### || [51.38-51] # قوله تعالى: { وفي موسى } اي: وفيه ايضا آية { إذ أرسلناه إلى فرعون ~~بسلطان مبين } اي: بحجة ظاهرة { فتولى } اي: أعرض { بركنه ~~} قال مجاهد: بأصحابه. وقال ابو عبيدة: «بركنه» و«بجانبه» سواء، إنما ~~هي ناحيته، { وقال ساحر }: اي وقال لموسى: هذا ساحر { أو مجنون } وكان ~~أبو عبيدة يقول «أو» بمعنى الواو. فأما «اليم» فقد ذكرناه في ~~[الأعراف: 136] و«مليم» في [الصافات: 142]. # قوله تعالى: { وفي عاد } اي: في إهلاكهم آية ايضا { إذ أرسلنا عليهم ~~الريح العقيم } وهي التي لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرا ~~ولا تحمل مطرا، وإنما هي للإهلاك. وقال سعيد بن المسيب: هي ~~الجنوب. # { ما تذر من شيء أتت عليه } أي: من أنفسهم وأموالهم { إلا جعلته ~~كالرميم } اي: كالشيء الهالك البالي. قال الفراء: الرميم: نبات الأرض ~~إذا يبس وديس. وقال الزجاج: الرميم: الورق الجاف المتحطم مثل ~~الهشيم. # { وفي ثمود } آية ايضا { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } فيه ~~قولان. # أحدهما: ms1893 أنه قيل لهم: تمتعوا في الدنيا إلى وقت انقضاء آجالكم ~~تهددا لهم. # والثاني: أن صالحا قال لهم بعد عقر الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام؛ ~~فكان الحين وقت فناء آجالهم، { فعتوا عن أمر ربهم } قال مقاتل: ~~عصوا أمره { فأخذتهم الصاعقة } يعني العذاب، وهو الموت من صيحة ~~جبريل. وقرأ الكسائي وحده «الصعقة» [بسكون العين من غير الف]؛ وهي ~~الصوت الذي يكون عن الصاعقة. # قوله تعالى: { وهم ينظرون } فيه قولان. # أحدهما: يرون ذلك عيانا. والثاني: وهم ينتظرون العذاب، فأتاهم ~~صيحة يوم السبت. # قوله تعالى: { فما استطاعوا من قيام } فيه قولان. # أحدهما: ما استطاعوا نهوضا من تلك الصرعة. # والثاني: ما أطاقوا ثبوتا لعذاب الله. { وما كانوا منتصرين } أي: ~~ممتنعين من العذاب. # قوله تعالى: { وقوم نوح من قبل } قرأ أبو عمرو إلا عبد ~~الوارث، وحمزة، والكسائي: بخفض الميم، وروى عبد الوارث رفع الميم، ~~والباقون بنصبها. قال الزجاج: من خفض القوم فالمعنى: وفي قوم نوح آية، ~~ومن نصب فهو عطف على معنى قوله «فأخذتهم الصاعقة» فإن معناه: ~~أهلكناهم، فيكون المعنى: وأهلكنا قوم نوح، والأحسن والله أعلم أن ~~يكون محمولا على قوله «فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم» لأن ~~المعنى: أغرقناه، وأغرقنا قوم نوح. # { والسماء بنيناها } المعنى: وبنينا السماء بنيناها { بأيد } أي: ~~بقوة، وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسائر المفسرين واللغويين ~~«بأيد» اي: بقوة. # وفي قوله: { وإنا لموسعون } خمسة أقوال. # أحدها: لموسعون الرزق بالمطر، قاله الحسن. والثاني: لموسعون السماء، ~~قاله ابن زيد. والثالث: لقادرون، قاله ابن قتيبة. والرابع: لموسعون ما ~~بين السماء والأرض، قاله الزجاج. والخامس: لذو سعة لا يضيق عما يريد، ~~حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { والأرض فرشناها فنعم الماهدون } قال الزجاج: هذا عطف ~~على ما قبله منصوب بفعل مضمر محذوف يدل عليه قوله: «فرشناها»، ~~فالمعنى: فرشنا الأرض فرشناها «فنعم الماهدون» أي: فنعم الماهدون ~~نحن. # قال مقاتل: «فرشناها» أي: بسطناها مسيرة خمسمائة عام، وهذا بعيد. وقد ~~قال قتادة: الأرض عشرون ألف فرسخ، والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: { ومن كل شيء خلقنا زوجين } ، اي: صنفين ونوعين ~~كالذكر والأنثى، والبر ms1894 والبحر والليل والنهار، والحلو والمر، ~~والنور والظلمة، وأشباه ذلك { لعلكم تذكرون } فتعلموا أن خالق ~~الأزواج واحد. # { ففروا إلى الله } بالتوبة من ذنوبكم؛ والمعنى: اهربوا مما ~~يوجب العقاب من الكفر والعصيان إلى ما يوجب الثواب من الطاعة ~~والإيمان. ### || [51.52-60] # قوله تعالى: { كذلك } أي: كما كذبك قومك وقالوا: ساحر أو مجنون، ~~كانوا من قبلك يقولون للأنبياء. # قوله تعالى: { أتواصوا به } أي: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب؟! وهذا ~~استفهام توبيخ. وقال أبو عبيدة: أتواطؤوا عليه فأخذه بعضهم من بعض؟! # قوله تعالى: { بل هم قوم طاغون } اي: يحملهم الطغيان فيما أعطوا من ~~الدنيا على التكذيب؛ والمشار إليهم اهل مكة. # { فتول عنهم } فقد بلغتهم { فما أنت } عليهم { بملوم } لأنك قد ~~أديت الرسالة. ومذهب أكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة، ولهم في ~~ناسخها قولان. # أحدهما: أنه قوله { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين }. # والثاني: آية السيف. وفي قوله «وذكر» قولان. # أحدهما: عظ، قاله مقاتل. والثاني: ذكرهم بأيام الله وعذابه ورحمته، ~~قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } أثبت الياء ~~في «يعبدون» و«يطعمون» و«لا يستعجلون» في الحالين يعقوب. واختلفوا ~~في هذه الآية على أربعة أقوال. # أحدها: إلا لآمرهم أن يعبدوني، قاله علي بن أبي طالب، واختاره ~~الزجاج. # والثاني: إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها، قاله ابن عباس؛ ~~وبيان هذا قوله # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. # والثالث: أنه خاص في حق المؤمنين. قال سعيد بن المسيب: ما خلقت من ~~يعبدني إلا ليعبدني. وقال الضحاك، والفراء، وابن قتيبة: هذا خاص لأهل ~~طاعته، وهذا اختيار القاضي ابي يعلى فإنه قال: معنى هذا الخصوص لا ~~العموم، لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب وإن كانوا ~~من الإنس، فكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179]، فمن خلق للشقاء ولجهنم، لم يخلق للعبادة. # والرابع: إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا. ومعنى العبادة في اللغة: ~~الذل والانقياد. وكل الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل لا ~~يملك خروجا عما قضاه الله عز وجل، هذا مذهب ms1895 جماعة من أهل المعاني. # قوله تعالى: { ما أريد منهم من رزق } أي: ما أريد أن يرزقوا ~~أنفسهم { وما أريد أن يطعموني } أي: أن يطعموا أحدا من خلقي، ~~لأني أنا الرزاق. وإنما أسند الإطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال ~~الله، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا ابن آدم: استطعمتك فلم ~~تطعمني " # ، اي: لم تطعم عبدي. # فأما { الرزاق } فقرأ الضحاك، وابن محيصن: «الرازق» بوزن «العالم». ~~قال الخطابي: هو المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمها من ~~قوتها. { والمتين } الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يلحقه ~~في أفعاله مشقة. وقد روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ: «المتين» بكسر ~~النون. # وكذا قرأ أبو رزين، وقتادة، وأبو العالية، والأعمش. قال الزجاج: { ذو ~~القوة المتين } أي: ذو الاقتدار الشديد، ومن رفع «المتين» فهو صفة ~~الله عز وجل، ومن خفضه جعله صفة للقوة، لأن تأنيث القوة كتأنيث ~~الموعظة، فهو كقوله: # فمن جاءه موعظة من ربه # [البقرة: 275]. # قوله تعالى: { فإن للذين ظلموا } يعني مشركي مكة { ذنوبا } أي: ~~نصيبا من العذاب { مثل ذنوب أصحابهم } الذين أهلكوا، كقوم نوح ~~وعاد وثمود. قال الفراء: الذنوب في كلام العرب: الدلو العظيمة، ~~ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ، قال الشاعر: # لنا ذنوب ولكم ذنوب # فإن أبيتم فلنا القليب # والذنوب، يذكر ويؤنث. وقال ابن قتيبة، أصل الذنوب: الدلو ~~العظيمة، وكانوا يستقون، فيكون لكل واحد ذنوب، فجعل «الذنوب» مكان ~~«الحظ والنصيب» قوله تعالى: { فلا يستعجلون } أي: بالعذاب إن ~~أخروا إلى يوم القيامة، وهو يومهم الذي يوعدون، ويقال: هو يوم بدر. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-16] # قوله تعالى: { والطور } هذا قسم بالجبل الذي كلم الله عز وجل ~~عليه موسى عليه السلام، وهو بأرض مدين [واسمه زبير]. # { وكتاب مسطور } أي: مكتوب، وفيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه اللوح المحفوظ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: كتب أعمال بني آدم، قاله مقاتل، والزجاج. # والثالث: التوراة. ms1896 # والرابع: «القرآن» حكاهما الماوردي. # قوله تعالى: { في رق } قال أبو عبيدة: الرق: الورق. فأما ~~المنشور فهو المبسوط. # قوله تعالى: { والبيت المعمور } فيه قولان. # أحدهما: أنه بيت في السماء. وفي أي سماء هو؟ [فيه] ثلاثة أقوال: # أحدها: [أنه] في السماء السابعة. رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وحديث مالك بن صعصعة الذي أخرج في «الصحيحين» يدل عليه. # والثاني: أنه في السماء السادسة، قاله علي رضي الله عنه. # والثالث: أنه في السماء الدنيا، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال ابن عباس: هو حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألف ~~ملك ثم لا يعودون فيه حتى تقوم الساعة، يسمى الضراح. وقال الربيع بن ~~أنس: كان البيت المعمور مكان الكعبة في زمان آدم، فلما كان زمن نوح أمر ~~الناس بحجه، فعصوه، فلما طغى الماء رفع فجعل بحذاء البيت في السماء ~~الدنيا. # والثاني: أنه البيت الحرام، قاله الحسن. وقال أبو عبيدة: ومعنى: ~~«المعمور» الكثير الغاشية. # قوله تعالى: { والسقف المرفوع } فيه قولان: # أحدهما: أنه السماء، قاله علي رضي الله عنه والجمهور. # والثاني: العرش، قاله الربيع. # قوله تعالى: { والبحر } فيه قولان. # أحدهما: أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يمطر العباد منه بعد النفخة ~~الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبورهم، قاله علي رضي الله عنه. # والثاني: أنه بحر الأرض، ذكره الماوردي. # وفي { المسجور } أربعة أقوال. # أحدها: المملوء، قاله الحسن، وأبو صالح، وابن السائب، وجميع اللغويين. # والثاني: أنه الموقد، قاله مجاهد، وابن زيد. وقال شمر بن عطية: هو ~~بمنزلة التنور المسجور. # والثالث: أنه اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب، قاله أبو العالية. وروي عن ~~الحسن قال: تسجر، يعني البحار، حتى يذهب ماؤها، فلا يبقى فيها قطرة. وقول ~~هذين يرجع إلى معنى قول مجاهد. وقد نقل في الحديث أن الله تعالى يجعل ~~البحار كلها نارا، فتزاد في نار جهنم. # والرابع: أن «المسجور» المختلط عذبه بملحه، قاله الربيع بن أنس. فأقسم ~~الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن ms1897 ~~تعذيب المشركين حق، فقال: { إن عذاب ربك لواقع } أي: لكائن في ~~الآخرة. ثم بين متى يقع، فقال: { يوم تمور السماء مورا } وفيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: تدور دورا «رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وهو ~~اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج. # والثاني: تحرك تحركا، رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة. وقال أبو عبيدة «تمور» أي: تكفأ، وقال الأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها # مور السحابة لا ريث ولا عجل # والثالث: يموج بعضها في بعض لأمر الله تعالى، قاله الضحاك. وما بعد هذا ~~قد سبق بيانه [النمل: 88] إلى قوله: { الذين هم في خوض يلعبون } أي: ~~يخوضون في حديث محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والاستهزاء، ويلهون ~~بذكره، فالويل لهم. # { ويوم يدعون } قال ابن قتيبة: أي: يدفعون، يقال: دععته أدعه، ~~أي: دفعته، ومنه قوله # يدع اليتيم # [الماعون: 2] قال ابن عباس: يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار. وقال ~~مقاتل: تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم ~~يدفعون إلى جهنم على وجوههم، حتى إذا دنوا منها قالت لهم خزنتها: { ~~هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا { أفسحر هذا } العذاب الذي ~~ترون؟ فإنكم زعمتم أن الرسل سحرة { أم أنتم لا تبصرون } النار؟ ~~فلما ألقوا فيها قال لهم خزنتها: { إصلوها }. وقال غيره: لما نسبوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أنه ساحر يغطي على الأبصار بالسحر، ~~وبخوا عند رؤية النار بهذا التوبيخ، وقيل: { إصلوها } أي: قاسوا ~~شدتها { فاصبروا } على العذاب { أو لا تصبروا سواء عليكم } ~~الصبر والجزع { إنما تجزون } جزاء { ما كنتم تعملون } من الكفر ~~والتكذيب. ### || [52.17-20] # ثم وصف ما للمؤمنين بما بعد هذا، وقوله: { فاكهين } قرئت بألف وبغير ~~ألف، وقد شرحناها في [يس: 55]، { ووقاهم } أي: صرف عنهم و { الجحيم } ~~مذكور في [البقرة: 119]. # { كلوا } أي: يقال لهم: كلوا { واشربوا هنيئا } تأمنون حدوث المرض ~~عنه. قال الزجاج: المعنى: ليهنكم ما صرتم إليه، وقد شرحنا هذا في ~~سورة [النساء: 4] ثم ذكر حالهم عند أكلهم وشربهم فقال: { متكئين على ~~سرر } وقال ابن ms1898 جرير: فيه محذوف تقديره: على نمارق على سرر، وهي جمع ~~سرير { مصفوفة } قد وضع بعضها إلى جنب بعض. وباقي الآية مفسر في ~~سورة [الدخان: 54]. ### || [52.21-28] # قوله تعالى: { وأتبعناهم ذرياتهم } قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «واتبعتهم» بالتاء «ذريتهم» واحدة { بهم ذريتهم ~~} واحدة أيضا. وقرأ نافع: «واتبعتهم ذريتهم» واحدة «بهم ~~ذرياتهم» جمعا. وقرأ ابن عامر «وأتبعناهم ذرياتهم» «بهم ~~ذرياتهم» جمعا في الموضعين. واختلفوا في تفسيرها على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن معناها: واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم [ذرياتهم] من ~~المؤمنين في الجنة، وإن كانوا لم يبلغوا أعمال آبائهم، تكرمة من الله ~~تعالى لآبائهم المؤمنين باجتماع أولادهم معهم، روى هذا المعنى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس. # والثاني: واتبعتهم ذريتهم بإيمان، أي: بلغت أن آمنت، ألحقنا بهم ~~ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان. وروى هذا المعنى العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. ومعنى هذا القول: أن أولادهم الكبار تبعوهم ~~بإيمان منهم، وأولادهم الصغار تبعوهم بإيمان الآباء، [لأن الولد يحكم له ~~بالإسلام تبعا لوالده. # والثالث: «وأتبعناهم ذرياتهم» بإيمان الآباء] فأدخلناهم الجنة، ~~وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: { وما ألتناهم } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: «وما ألتناهم» بالهمزة وفتح اللام. وقرأ ابن كثير: ~~«وما ألتناهم» بكسر اللام. وروى ابن شنبوذ عن قنبل عنه «ومالتناهم» ~~بإسقاط الهمزة مع كسر اللام. وقرأ أبو العالية، وأبو نهيك، ومعاذ القارىء ~~بإسقاط الهمزة مع فتح اللام. وقرأ ابن السميفع «وما آلتناهم» بمد ~~الهمزة وفتحها. وقرأ الضحاك، وعاصم، الجحدري: «وماولتناهم» بواو ~~مفتوحة من غير همزة وبنصب اللام. وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل: «وما ~~ألتهم» مثل جعلتهم. وقد ذكرنا هذه الكلمة في [الحجرات: 140] ~~والمعنى: ما نقصنا الآباء بما أعطينا الذرية. # { كل امريء بما كسب رهين } أي: مرتهن بعمله لا يؤاخذ أحد ~~بذنب أحد. وقيل: هذا الكلام يختص بصفة أهل النار، وذلك الكلام قد ~~تم. # قوله تعالى: { وأمددناهم } قال ابن عباس: هي الزيادة على الذي كان ~~لهم. # قوله تعالى: { يتنازعون } قال أبو عبيدة: أي: يتعاطون ويتداولون، ms1899 ~~وأنشد الأخطل: # نازعته طيب الراح الشمول وقد # صاح الدجاج وحانت وقعة الساري # قال الزجاج: يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا، فأما ~~الكأس فقد شرحناها في [الصافات: 45]. # قوله تعالى: { لا لغو فيها ولا تأثيم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: ~~«لا لغو فيها ولا تأثيم» نصبا وقرأ الباقون: «لا لغو فيها ولا ~~تأثيم» رفعا منونا. قال ابن قتيبة: أي: لا تذهب بعقولهم فيلغوا ~~ويرفثوا فيأثموا، كما يكون ذلك في خمر الدنيا. وقال غيره: التأثيم: ~~تفعيل من الإثم، يقال آثمه: إذا جعله ذا إثم: والمعنى أن تلك الكأس لا ~~تجعلهم آثمين. # { ويطوف عليهم } للخدمة { غلمان لهم كأنهم } في الحسن والبياض { ~~لؤلؤ مكنون } أي: مصون لم تمسه الأيدي. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا نبي الله، هذا الخادم، ~~فكيف المخدوم؟ فقال: # " إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب ". # قوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } قال ابن عباس: يتذاكرون ~~ما كانوا فيه في الدنيا من الخوف والتعب، وهو قوله: { قالوا إنا كنا ~~قبل في أهلنا } أي: في دار الدنيا { مشفقين } أي: خائفين من العذاب، { ~~فمن الله علينا } بالمغفرة { ووقانا عذاب السموم } أي: عذاب النار. ~~وقال الحسن: السموم من أسماء جهنم. وقال غيره: سموم: جهنم. وهو ما ~~يوجد من نفحها وحرها، { إنا كنا من قبل ندعوه } أي: ~~نوحده ونخلص له { إنه هو البر } وقرأ نافع، والكسائي: «أنه» ~~بفتح الهمزة. # وفي معنى «البر» ثلاثة أقوال: # أحدها: الصادق فيما وعد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: اللطيف، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث، العطوف على عباده المحسن إليهم الذي عم ببره جميع ~~خلقه، قاله أبو سليمان الخطابي. ### || [52.29-34] # قوله تعالى: { فذكر } أي: فعظ بالقرآن { فما أنت بنعمة ربك } أي: ~~بإنعامه عليك بالنبوة { بكاهن } وهو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ~~ويخبر عما في غد من غير وحي. والمعنى: إنما تنطق بالوحي لا كما ~~يقول [فيك] كفار مكة. # { أم يقولون شاعر } أي: هو شاعر. ms1900 وقال أبو عبيدة: «أم» بمعنى «بل» قال ~~الأخطل: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط # غلس الظلام من الرباب خيالا # لم يستفهم، إنما أوجب أنه رأى. # قوله تعالى: { نتربص به ريب المنون } فيه قولان: # أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس. # والثاني: حوادث الدهر، قاله مجاهد، قال ابن قتيبة: حوادث الدهر وأوجاعه ~~ومصائبه، و«المنون» الدهر، قال أبو ذؤيب: # أمن المنون وريبه تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # هكذا أنشدناه أصحاب الأصمعي عنه، وكان يذهب إلى أن المنون ~~الدهر، قال: وقوله «والدهر ليس بمعتب» يدل على ذلك، كأنه ~~قال: «أمن الدهر وريبه تتوجع؟!» قال الكسائي: العرب ~~تقول: لا أكلمك آخر المنون، أي: آخر الدهر. # قوله تعالى: { قل تربصوا } أي: انتظروا بي ذلك { فإني معكم من ~~المتربصين } أي: من المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف. ~~وبعض المفسرين يقول: هذا منسوخ بآية السيف، ولا يصح، إذ لاتضاد بين ~~الآيتين. # قوله تعالى: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا } قال المفسرون: كانت عظماء ~~قريش توصف بالأحلام، وهي العقول، فأزرى الله بحلومهم، إذ لم تثمر ~~لهم معرفة الحق من الباطل. وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم ~~يؤمنوا وقد وصفهم الله تعالى بالعقول؟! فقال: تلك عقول كادها ~~بارئها، أي: لم يصحبها التوفيق. # وفي قوله: «أم تأمرهم» وقوله: { أم هم } قولان. # أحدهما: أنهما بمعنى «بل»، قاله أبو عبيدة. # والثاني: بمعنى ألف الاستفهام، قاله الزجاج؛ قال: والمعنى: أتأمرهم ~~أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك ~~بالدلائل، أم يكفرون طغيانا وقد ظهر لهم الحق؟! وقال ابن قتيبة: ~~المعنى: أم تدلهم عقولهم على هذا؟! لأن الحلم يكون بالعقل، فكني عنه ~~به. # قوله تعالى: { أم يقولون تقوله } أي: افتعل القرآن من تلقاء ~~نفسه؟ والتقول: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب { بل } ~~أي: ليس الأمر كما زعموا { لا يؤمنون } بالقرآن، استكبارا. # { فليأتوا بحديث مثله } في نظمه وحسن بيانه. وقرأ أبو رجاء، ~~وأبو نهيك، ومورق العجلي، وعاصم الجحدري: «بحديث مثله» بغير تنوين { ~~إن كانوا صادقين } أن محمدا تقوله. ### || [52.35-43] # قوله تعالى: { أم خلقوا ms1901 من غير شيء } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أم خلقوا من غير رب خالق؟ # والثاني: أم خلقوا من غير آباء ولا أمهات، فهم كالجماد لا ~~يعقلون؟ # والثالث: أم خلقوا من غير شيء كالسماوات والأرض؟ أي: إنهم ليسوا ~~بأشد خلقا من السماوات والأرض، لأنها خلقت من غير شيء وهم خلقوا ~~من آدم، وآدم من تراب. # والرابع: أم خلقوا لغير شيء؟ فتكون «من» بمعنى اللام. والمعنى: ما ~~خلقوا عبثا فلا يؤمرون ولا ينهون. # قوله تعالى: { أم هم الخالقون } فلذلك لا يأتمرون ولا ينتهون؟ لأن ~~الخالق لا يؤمر ولا ينهى. # قوله تعالى: { بل لا يوقنون } بالحق، وهو توحيد الله وقدرته على ~~البعث. # قوله تعالى: { أم عندهم خزائن ربك } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: المطر والرزق، قاله ابن عباس. # والثاني: النبوة، قاله عكرمة. # والثالث: علم ما يكون من الغيب، ذكره الثعلبي. وقال الزجاج: المعنى: ~~أعندهم ما في خرائن ربك من العلم، وقيل: من الرزق، فهم معرضون ~~عن ربهم لاستغنائهم؟! # قوله تعالى: { أم هم المصيطرون } قرأ ابن كثير: «المسيطرون» ~~بالسين. وقال ابن عباس: المسلطون. قال أبو عبيدة: «المصيطرون» ~~الأرباب. يقال: تسيطرت علي، أي: اتخذتني خولا، قال: ولم يأت في ~~كلام العرب اسم على «مفيعل» إلا خمسة أسماء: مهيمن، ومجيمر، ~~ومسيطر، ومبيطر، ومبيقر، فالمهيمن: الله الناظر المحصي ~~الذي لا يفوته شيء؛ ومجيمر: جبل؛ والمسيطر: المسلط؛ ومبيطر: ~~بيطار؛ والمبيقر: الذي يخرج من أرض إلى أرض، يقال: بيقر: إذا ~~خرج من بلد إلى بلد، قال امرؤ القيس: # ألا هل أتاها، والحوادث جمة # بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا؟ # قال الزجاج: المسيطرون: الأرباب المسلطون، يقال: قد تسيطر علينا ~~وتصيطر: بالسين والصاد، والأصل السين، وكل سين بعدها طاء، فيجوز أن تقلب ~~صادا، تقول: سطر وصطر، وسطا علينا وصطا. قال المفسرون: معنى الكلام: أم ~~هم الأرباب فيفعلون ما شاؤوا ولا يكونون تحت أمر ولا نهى؟! # قوله تعالى: { أم لهم سلم } أي: مرقى ومصعد إلى السماء { ~~يستمعون فيه } أي: عليه الوحي، كقوله: # في جذوع النخل # [طه: 71] فالمعنى يستمعون [الوحي] فيعلمون أن ما هم عليه ms1902 حق { ~~فليأت مستمعهم } إن ادعى ذلك { بسلطان مبين } أي، بحجة ~~واضحة كما أتى محمد بحجة على قوله. # { أم له البنات ولكم البنون } هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ~~البنات. # { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } أي: هل سألتهم أجرا ~~على ما جئت به، فأثقلهم ذلك الذي تطلبه منهم فمنعهم عن الاسلام؟ ~~والمغرم بمعنى الغرم وقد شرحناه في [براءة: 98]. # قوله تعالى: { أم عندهم الغيب } هذا جواب لقولهم: «نتربص به ريب ~~المنون»؛ والمعنى: أعندهم الغيب؟ وفيه قولان. # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، { فهم يكتبون } ما فيه ويخبرون الناس. قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أعندهم علم الغيب فيعلمون أن محمدا يموت قبلم { فهم ~~يكتبون } أي: يحكمون فيقولون: سنقهرك. والكتاب: الحكم؛ ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " سأقضي بينكما بكتاب الله " # أي: بحكم الله عز وجل؛ وإلى هذا المعنى: ذهب ابن قتيبة. # قوله تعالى: { أم يريدون كيدا } وهو ما كانوا عزموا عليه في دار ~~الندوة؛ وقد شرحنا ذلك في قوله: # وإذ يمكر بك الذين كفروا # [الأنفال: 30] ومعنى { هم المكيدون } هم المجزيون بكيدهم، لأن ~~ضرر ذلك عاد عليهم فقتلوا ببدر وغيرها. # { أم لهم إله غير الله } أي: ألهم إله يرزقهم ويحفظهم غير الله؟ ~~والمعنى أن الأصنام ليست بآلهة، لأنها لا تنفع ولا تدفع. ثم نزه نفسه ~~عن شركهم بباقي الآية. ### || [52.44-49] # ثم ذكر عنادهم فقال: { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا } والمعنى: ~~لو سقط بعض السماء عليهم لما انتهوا عن كفرهم، ولقالوا: هذه قطعة من ~~السحاب قدركم بعضه على بعض. # { فذرهم } أي خل عنهم { حتى يلاقوا } قرأ أبو جعفر «يلقوا» ~~بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف { يومهم } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه يوم موتهم. # والثاني: يوم القيامة. # والثالث: يوم النفخة الأولى. # قوله تعالى: { يصعقون } قرأ عاصم، وابن عامر: «يصعقون» برفع ~~الياء، من أصعقهم غيرهم؛ والباقون بفتحها، من صعقوهم. # وفي قوله: { يصعقون } قولان. # أحدهما: يموتون. # والثاني: يغشى عليهم، كقوله: # وخر موسى صعقا # [الأعراف: 143] وهذا يخرج على قول من قال: هو يوم القيامة، فإنهم يغشى ms1903 ~~عليهم من الأهوال. وذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا ~~يصح، لأن معنى الآية الوعيد. # قوله تعالى: { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } هذا اليوم الأول؛ ~~والمعنى: لا ينفعهم مكرهم ولا يدفع عنهم العذاب { ولا هم ينصرون } ~~أي: يمنعون من العذاب. # قوله تعالى: { وإن للذين ظلموا } أي: أشركوا { عذابا دون ذلك } ~~أي: قبل ذلك اليوم؛ وفيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه عذاب القبر، قاله البراء، وابن عباس. # والثاني: عذاب القتل يوم بدر، وروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مقاتل. # والثالث: مصائبهم في الدنيا، قاله الحسن، وابن زيد. # والرابع: عذاب الجوع، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي: لا يعلمون ما هو نازل ~~بهم. # { واصبر لحكم ربك } أي: لما يحكم به عليك { فإنك بأعيننا } قال ~~الزجاج: فإنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إلى مكروهك. وذكر ~~المفسرون: أن معنى الصبر نسخ بآية السيف، ولا يصح لأنه لا تضاد. # { وسبح بحمد ربك حين تقوم } فيه ستة أقوال. # أحدها: صل لله حين تقوم من منامك، قاله ابن عباس. # والثاني: قل: " سبحانك اللهم وبحمدك " حين تقوم من مجلسك، قاله ~~عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد في آخرين. # والثالث: قل «سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله ~~غيرك» حين تقوم في الصلاة، قاله الضحاك. # والرابع: سبح الله إذا قمت من نومك، قاله حسان بن عطية. # والخامس: صل صلاة الظهر إذا قمت من نوم القائلة، قاله زيد بن ~~أسلم. # والسادس: اذكر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة، ~~قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { ومن الليل فسبحه } قال مقاتل: صل المغرب وصل ~~العشاء { وإدبار النجوم } قرأ زيد عن يعقوب، وهارون عن أبي عمرو، ~~والجعفي عن أبي بكر: «وأدبار النجوم» بفتح الهمزة؛ وقرأ الباقون ~~بكسرها. وقد شرحناها في [ق:40]؛ والمعنى: صل له في إدبار النجوم، أي: ~~حين تدبر، أي: تغيب بضوء الصبح. وفي هذه الصلاة قولان. # أحدهما: أنها الركعتان قبل صلاة الفجر، رواه علي رضي الله عنه عن ~~النبي ms1904 صلى الله عليه وسلم، وهو قول الجمهور. # والثاني: أنها صلاة الغداة، قاله الضحاك، وابن زيد. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-4] # قوله تعالى: { والنجم إذا هوى } هذا قسم. وفي المراد بالنجم خمسة ~~أقوال. # أحدها: أنه الثريا، رواه العوفي عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن ~~مجاهد، قال ابن قتيبة: والعرب تسمي الثريا - وهي ستة أنجم - نجما. وقال ~~غيره: هي سبعة، فستة ظاهرة، وواحد خفي، يمتحن به الناس أبصارهم. # والثاني: الرجوم من النجوم، يعني ما يرمى به الشياطين، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنه القرآن نزل نجوما متفرقة، قاله عطاء عن ابن عباس، ~~والأعمش عن مجاهد. وقال مجاهد: كان ينزل نجوما ثلاث آيات وأربع آيات ~~ونحو ذلك. # والرابع: نجوم السماء كلها، وهو مروي عن مجاهد أيضا. # والخامس: أنها الزهرة: قاله السدي. # فعلى قول من قال: النجم: الثريا، يكون «هوى» بمعنى «غاب»؛ ومن قال: هو ~~الرجوم، يكون هويها في رمي الشياطين، ومن قال: القرآن، يكون معنى ~~«هوى» نزل، ومن قال: نجوم السماء كلها، ففيه قولان. # أحدهما: أن هويها أن تغيب. # والثاني: أن تنتثر يوم القيامة. # قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آياتها. ~~وقرأ أبو عمرو ونافع بين الفتح والكسر. وقرأ حمزة والكسائي ذلك كله ~~بالإمالة. # قوله تعالى: { ما ضل صاحبكم } هذا جواب القسم؛ والمعنى: ما ضل ~~عن طريق الهدى، والمراد به: رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { وما ينطق عن الهوى } أي: ما يتكلم بالباطل. وقال أبو عبيدة: ~~«عن» بمعنى الباء. وذلك أنهم قالوا: إنه يقول القرآن من تلقاء نفسه. # { إن هو } أي: ما القرآن { إلا وحي } من الله { يوحى } وهذا ~~مما يحتج به من لا يجيز للنبي أن يجتهد، وليس كما ظنوا، لأن ~~اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي، جاز أن ينسب إلى الوحي. ### || [53.5-18] # قوله تعالى: { علمه شديد القوى } وهو جبريل عليه السلام علم ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال ابن قتيبة: وأصل هذا من «قوى الحبل» ~~وهي طاقاته، الواحدة: قوة { ذو مرة } أي: ذو قوة، ms1905 وأصل ~~المرة: الفتل. قال المفسرون: وكان من قوته أنه قلع قريات لوط ~~وحملها على جناحه فقلبها، وصاح بثمود فأصبحوا خامدين. # قوله تعالى: { فاستوى، وهو بالأفق الأعلى } فيه قولان. # أحدهما: فاستوى جبريل، وهو يعني النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: ~~أنهما استويا بالأفق الأعلى لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قاله الفراء. # والثاني: فاستوى جبريل، وهو يعني جبريل بالأفق الأعلى على صورته ~~الحقيقية، لأنه كان يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبط عليه ~~بالوحي في صورة رجل، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراه على ~~حقيقته، فاستوى في أفق المشرق، فملأ الأفق؛ فيكون المعنى؛ فاستوى ~~جبريل بالأفق الأعلى في صورته، هذا قول الزجاج. قال مجاهد: والأفق ~~الأعلى: هو مطلع الشمس. وقال غيره: إنما قيل له: «الأعلى» لأنه فوق ~~جانب المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء. # قوله تعالى: { ثم دنا فتدلى } قال الفراء: المعنى: ثم تدلى ~~فدنا. ولكنه جائز أن تقدم أي الفعلين شئت إذا كان المعنى فيهما ~~واحدا، فتقول: قد دنا فقرب، وقرب فدنا، وشتم فأساء، وأساء فشتم، ~~ومنه قوله: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1] المعنى والله أعلم : انشق القمر واقتربت الساعة. قال ابن ~~قتيبة: المعنى: تدلى فدنا، لأنه تدلى للدنو، ودنا ~~بالتدلي. وقال الزجاج: دنا بمعنى قرب، وتدلى: زاد في القرب، ~~ومعنى اللفظتين واحد. وقال غيرهم: أصل التدلي: النزول إلى الشيء ~~حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب. # وفي المشار إليه بقوله: «ثم دنا» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الله عز وجل. روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث شريك ~~بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال: دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى ~~كان منه قاب قوسين أو أدنى. وروى أبو سلمة عن ابن عباس: «ثم دنا» قال: ~~دنا ربه فتدلى، وهذا اختيار مقاتل. قال: دنا الرب من محمد ليلة ~~أسري به،، فكان منه قاب قوسين أو أدنى. وقد كشفت هذا الوجه في كتاب ~~«المغني» وبينت أنه ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام ms1906 وقطع ~~المسافة، لأن ذلك يختص بالأجسام، والله منزه عن ذلك. # والثاني: أنه محمد دنا من ربه، قاله ابن عباس، والقرظي. # والثالث: أنه جبريل. ثم في الكلام قولان. # أحدهما: دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: دنا جبريل من ربه عز وجل فكان منه قاب قوسين أو أدنى، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: { فكان قاب قوسين أو أدنى } وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~رزين: «فكان قاد قوسين» بالدال. وقال أبو عبيدة: القاب والقاد: ~~القدر. وقال ابن فارس: القاب: القدر. ويقال: بل القاب: ما بين ~~المقبض والسية، ولكل قوس قابان. وقال ابن قتيبة: سية القوس: ما ~~عطف من طرفيها. # وفي المراد بالقوسين قولان. # أحدهما: أنها القوس التي يرمى بها، قاله ابن عباس، واختاره ابن قتيبة، ~~فقال: قدر قوسين. وقال الكسائي: أراد بالقوسين: قوسا واحدا. # والثاني: أن القوس: الذراع؛ فالمعنى: كان بينهما قدر ذراعين، حكاه ابن ~~قتيبة. وهو قول ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والسدي. قال ابن مسعود: دنا ~~جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين. # قوله تعالى: { أو أدنى } فيه قولان. # أحدهما: أنها بمعنى «بل»، قاله مقاتل. # والثاني: أنهم خوطبوا على لغتهم؛ والمعنى: كان على ما تقدرونه أنتم ~~قدر قوسين أو أقل، هذا اختيار الزجاج. # قوله تعالى: { فأوحى إلى عبده ما أوحى } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أوحى الله إلى محمد كفاحا بلا واسطة، وهذا على قول من يقول: ~~إنه كان في ليلة المعراج. # والثاني: أوحى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله ~~إليه، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أوحى [الله] إلى جبريل ما يوحيه، روي عن عائشة رضي الله ~~عنها، والحسن، وقتادة. # قوله تعالى: { ما كذب الفؤاد ما رأى } قرأ أبو جعفر، وهشام عن ابن ~~عامر، وأبان عن عاصم: «ما كذب» بتشديد الذال؛ وقرأ الباقون بالتخفيف. ~~فمن شدد أراد: ما أنكر فؤاده ما رأته عينه؛ ومن خفف أراد: ما ~~أوهمه فؤاده أنه رأى، ولم ير، بل ms1907 صدق الفؤاد رؤيته. # وفي الذي رأى قولان. # أحدهما: أنه رأى ربه عز وجل، قاله ابن عباس، [وأنس]، والحسن، وعكرمة. # والثاني: أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها، قاله ابن مسعود ~~وعائشة. # قوله تعالى: { أفتمارونه } وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وخلف، ~~ويعقوب: «أفتمرونه». قال ابن قتيبة: معنى «أفتمارونه»: ~~أفتجادلونه، من المراء، ومعنى «أفتمرونه»: أفتجحدونه. # قوله تعالى: { ولقد رآه نزلة أخرى } قال الزجاج: أي: رآه ~~مرة أخرى. قال ابن عباس: رأى محمد ربه؛ وبيان هذا أنه تردد ~~لأجل الصلوات مرارا، فرأى ربه في بعض تلك المرات مرة أخرى. قال ~~كعب: إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى، فرآه محمد مرتين، ~~وكلمه موسى مرتين. وقد روي عن ابن مسعود أن هذه الرؤية لجبريل أيضا، ~~رآه على صورته التي خلق عليها. # فأما سدرة المنتهى، فالسدرة: شجرة النبق، وقد صح في الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة " # وفي مكانها قولان. # أحدهما: أنها فوق السماء السابعة، وهذا مذكور في «الصحيحين» من حديث ~~مالك بن صعصعة. قال مقاتل: وهي عن يمين العرش. # والثاني: أنها في السماء السادسة، أخرجه مسلم في أفراده عن ابن مسعود ~~وبه قال الضحاك. قال المفسرون: وإنما سميت سدرة المنتهى، لأنه ~~إليها منتهى ما يصعد به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما ~~يهبط به من فوقها فيقبض منها، وإليها ينتهي علم جميع الملائكة. # قوله تعالى: { عندها } وقرأ معاذ القارىء، وابن يعمر، وأبو نهيك: ~~«عنده» بهاء مرفوعة على ضمير مذكر { جنة المأوى } قال ابن ~~عباس: هي جنة يأوي إليها جبريل والملائكة. وقال الحسن: هي التي يصير ~~إليها أهل الجنة. وقال مقاتل: هي جنة إليها تأوي أرواح الشهداء. وقرأ ~~سعيد بن المسيب، والشعبي، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو العالية: ~~«جنه المأوى» بهاء صحيحة مرفوعة. قال ثعلب: يريدون أجنه، وهي ~~شاذة. وقيل: معنى «عندها»: أدركه المبيت يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قوله تعالى: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } روى مسلم ms1908 في ~~أفراده من حديث ابن مسعود قال: غشيها فراش من ذهب. وفي حديث مالك ~~بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لما غشيها من أمر الله ما غشيها، تغيرت، فما أحد من ~~خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها " # وقال الحسن، ومقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن ~~على الشجرة. وقال الضحاك: [غشيها] نور رب العالمين. # قوله تعالى: { ما زاغ البصر } أي: ما عدل بصر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا { وما طغى } أي: ما زاد ولا جاوز ما ~~رأى؛ وهذا وصف أدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام. # { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } فيه قولان. أحدهما: [لقد] رأى من ~~آيات ربه العظام. والثاني: لقد رأى من آيات ربه [الآية] الكبرى. # وللمفسرين في المراد بما رأى من الآيات ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنه رأى جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات، قاله ابن ~~زيد. # والثالث: أنه رأى من أعلام ربه وأدلته [الأعلام والأدلة] الكبرى، ~~قاله ابن جرير: ### || [53.19-26] # قال الزجاج: فلما قص الله تعالى هذه الأقاصيص قال: { أفرأيتم ~~اللات والعزى } المعنى: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها هل ~~لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء؟! # فأما «اللات» فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وهو اسم صنم كان لثقيف ~~اتخذوه من دون الله، وكانوا يشتقون لأصنامهم من أسماء الله تعالى، ~~فقالوا من «الله»: اللات،: ومن «العزيز»: العزى. قال أبو سليمان ~~الخطابي: كان المشركون يتعاطون «الله» اسما لبعض أصنامهم، فصرفه الله ~~إلى اللات صيانة لهذا الاسم وذبا عنه. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وابن السميفع، ومجاهد، وابن يعمر، ~~والأعمش، وورش عن يعقوب: «اللات» بتشديد التاء؛ ورد في تفسير ذلك عن ابن ~~عباس ومجاهد أن رجلا كان يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على ~~قبره فعبدوه. وقال الزجاج: زعموا أن رجلا كان يلت السويق ويبيعه ~~عند ms1909 ذلك الصنم، فسمي الصنم: اللات. وكان الكسائي يقف عليه بالهاء، ~~فيقول: «اللاه»؛ وهذا قياس، والأجود الوقوف بالتاء، لاتباع المصحف. # وأما «العزى» ففيها قولان. # أحدهما: أنها شجرة لغطفان كانوا يعبدونها، قاله مجاهد. # والثاني: صنم لهم، قاله الضحاك. قال: وأما «مناة» فهو صنم لهذيل ~~وخزاعة يعبده أهل مكة. وقال قتادة: بل كانت للأنصار. وقال أبو عبيدة: ~~كانت اللات والعزى ومناة أصناما من حجارة في جوف الكعبة يعبدونها. ~~وقرأ ابن كثير «ومناءة» ممدودة مهموزة. # فأما قوله: { الثالثة } فانه نعت ل «مناة»، هي ثالثة الصنمين في ~~الذكر، و«الأخرى» نعت لها. قال الثعلبي: العرب لا تقول للثالثة: ~~الأخرى، وإنما الأخرى نعت للثانية؛ فيكون في المعنى وجهان. # أحدهما: أن ذلك لوفاق رؤوس الآي، كقوله # مآرب أخرى # [طه: 18] ولم يقل، أخر، قاله الخليل. # والثاني: أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره: أفرأيتم اللات ~~والعزى الأخرى ومناة الثالثة، قاله الحسين بن الفضل. # قوله تعالى: { ألكم الذكر } قال ابن السائب: إن مشركي قريش ~~قالوا للأصنام والملائكة: بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر ~~بالأنثى كره، فقال الله تعالى منكرا عليهم: { ألكم الذكر وله ~~الأنثى }؟! يعني الأصنام وهي [إناث] في أسمائها. # { تلك إذا قسمة ضيزى } قرأ عاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: [«ضيزى»] بكسر الضاد من غير همز؛ وافقهم ابن كثير [في] ~~كسر الضاد، لكنه همز. وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارىء: «ضيزى» بفتح ~~الضاد من غير همز. قال الزجاج: الضيزى في كلام العرب: الناقصة ~~الجائرة، يقال: ضازه يضيزه: إذا نقصه حقه، ويقال: ضأزه ~~يضأزه بالهمز. وأجمع النحويون أن أصل ضيزى: ضوزى، وحجتهم ~~أنها نقلت من «فعلى» من ضوزى إلى ضيزى، لتسلم الياء، كما قالوا: ~~أبيض وبيض، وأصله: بوض، فنقلت الضمة إلى الكسرة. # وقرأت على بعض العلماء باللغة: في «ضيزى» لغات؛ يقال: ضيزى، ~~وضوزى، وضؤزى، وضأزى على «فعلى» مفتوحة؛ ولا يجوز في القرآن ~~إلا «ضيزى» بياء غير مهموزة؛ وإنما لم يقل النحويون: إنها على ~~أصلها لأنهم لا يعرفون في الكلام «فعلى» صفة، إنما يعرفون الصفات على ~~«فعلى» بالفتح، نحو ms1910 سكرى وغضبى، أو بالضم، نحو حبلى وفضلى. # قوله تعالى: { إن هي } يعني الأوثان { إلا أسماء } والمعنى: إن هذه ~~الأوثان التي سموها بهذه الأسامي لا معنى تحتها، لأنها لا تضر ولا ~~تنفع، فهي تسميات ألقيت على جمادات، { ما أنزل الله بها من سلطان } ~~أي: لم ينزل كتابا فيه حجة بما يقولون: إنها آلهة. ثم رجع إلى ~~الإخبار عنهم بعد الخطاب لهم فقال: { إن يتبعون } في أنها آلهة، [ { ~~إلا الظن وما تهوى الأنفس } ] وهو ما زين لهم الشيطان، { ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى } وهو البيان بالكتاب والرسول، وهذا تعجيب من حالهم إذ ~~لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان. # ثم أنكر عليهم تمنيهم شفاعتها فقال: { أم للإنسان } يعني الكافر { ~~ما تمنى } من شفاعة الأصنام { فلله الآخرة والأولى } أي لا ~~يملك فيهما أحد شيئا إلا بإذنه. ثم أكد هذا بقوله: { وكم من ~~ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا } فجمع في الكناية، لأن معنى ~~الكلام الجمع { إلا من بعد أن يأذن الله } في الشفاعة { لمن ~~يشاء ويرضى }؛ والمعنى أنهم لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنهم. ### || [53.27-30] # قوله تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: بالبعث { ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى } وذلك حين زعموا أنها بنات الله، { وما لهم } ~~بذلك، { من علم } أي: ما يستيقنون أنها إناث { إن يتبعون إلا ~~الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } أي: لا يقوم مقام ~~العلم؛ فالحق هاهنا بمعنى العلم. # { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } يعني القرآن؛ وهذا عند المفسرين ~~منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: { ذلك مبلغهم من العلم } قال الزجاج: إنما يعلمون ما ~~يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة. # قوله تعالى: { هو أعلم بمن ضل عن سبيله... } الآية؛ والمعنى أنه ~~عالم بالفريقين فيجازيهم. ### || [53.31-32] # قوله تعالى: { ولله ما في السموات وما في الأرض } هذا إخبار عن قدرته ~~وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله: { ليجزي ~~الذين أساؤوا } لأن اللام في «ليجزي» متعلقة بمعنى الآية الأولى، لأنه ~~إذا كان أعلم بهما، جازى كلا ms1911 بما يستحقه، وهذه لام العاقبة، وذلك ~~أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم، وإنما يقدر على ~~مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك، فلذلك أخبر به في قوله: { ولله ما ~~في السموات وما في الأرض }. قال المفسرون: و«أساؤوا» بمعنى أشركوا، ~~و«أحسنوا» بمعنى وحدوا. والحسنى: الجنة. والكبائر مذكورة في سورة ~~[النساء: 31] وقيل: كبائر الإثم: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش: ~~كل ذنب فيه الحد. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وخلف: ~~«يجتنبون كبير الإثم» واللمم في كلام العرب: المقاربة للشيء. ~~وفي المراد به هاهنا ستة أقوال. # أحدها: ما ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية، فإنه يغفر في ~~الإسلام، قاله زيد بن ثابت. # والثاني: أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود، قاله ابن ~~عباس، والحسن، والسدي. # والثالث: أنه صغار الذنوب، كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا، ~~قاله ابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي، ومسروق، ويؤيد هذا حديث أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فزنا العينين النظر، ~~وزنا اللسان النطق، والنفس تشتهي وتتمنى، ويصدق ذلك ويكذبه ~~الفرج، فإن تقدم بفرجه كان الزنا، وإلا فهو اللمم ". # والرابع: أنه ما يهم به الإنسان، قاله محمد بن الحنفية. # والخامس: أنه ألم بالقلب، أي: خطر، قاله سعيد بن المسيب. # والسادس: أنه النظر من غير تعمد، قاله الحسين بن الفضل. فعلى ~~القولين [الأولين] يكون الاستثناء من الجنس، وعلى باقي الأقوال ليس من ~~الجنس. # قوله تعالى: { إن ربك واسع المغفرة } قال ابن عباس: لمن فعل ذلك ~~ثم تاب. وهاهنا تم الكلام. ثم قال { هو أعلم بكم } يعني قبل ~~خلقكم { إذ أنشأكم من الأرض } يعني آدم عليه السلام { وإذا أنتم ~~أجنة } جمع جنين؛ والمعنى أنه علم ما تفعلون وإلى ماذا تصيرون، { ~~فلا تزكوا أنفسكم } أي: لا تشهدوا لها أنها زكية بريئة من ~~المعاصي. وقيل: لا تمدحوها بحسن أعمالها. وفي سبب نزول هذه الآية قولان. # أحدهما: أن اليهود كانوا إذا هلك لهم صبي، قالوا: صديق، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول عائشة ms1912 رضي الله عنها. # والثاني: أن ناسا من المسلمين قالوا: قد صلينا وصمنا وفعلنا، ~~يزكون أنفسهم، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { وهو أعلم بمن اتقى } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: عمل حسنة وارعوى عن معصية، قاله علي رضي الله عنه. # والثاني: أخلص العمل لله، قاله الحسن. # والثالث: اتقى الشرك فآمن، قاله الثعلبي. ### || [53.33-41] # قوله تعالى: { أفرأيت الذي تولى } اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال. # أحدها: أنه الوليد بن المغيرة، وكان قد تبع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على دينه، فعيره بعض المشركين، وقال: تركت دين الأشياخ ~~وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا ~~من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله عز وجل ففعل، فأعطاه ~~بعض الذي ضمن له، ثم بخل ومنعه، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وابن ~~زيد. # والثاني: أنه النضر بن الحارث أعطى بعض الفقراء المسلمين خمس قلائص ~~حتى ارتد عن إسلامه، وضمن له أن يحمل عنه إثمه، قاله الضحاك. # والثالث: أنه أبو جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا ~~بمكارم الأخلاق، قاله محمد بن كعب القرظي. # والرابع: أنه العاص بن وائل السهمي، وكان ربما وافق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بعض الأمور، قاله السدي. # ومعنى «تولى»: أعرض عن الإيمان. # { وأعطى قليلا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أطاع قليلا ثم عصى. قاله ابن عباس. # والثاني: أعطى قليلا من نفسه بالاستماع ثم أكدى بالانقطاع، قاله ~~مجاهد. # والثالث: أعطى قليلا من ماله ثم منع، قاله الضحاك. # والرابع: أعطى قليلا من الخير بلسانه ثم قطع، قاله مقاتل. قال ابن ~~قتيبة: ومعنى «أكدى»: قطع، وهو من كدية الركية، وهي ~~الصلابة فيها، وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها، فقطع الحفر، فقيل ~~لكل من طلب شيئا فلم يبلغ آخره، أو أعطى ولم يتم: أكدى. # قوله تعالى: { أعنده علم الغيب فهو يرى } فيه قولان. # أحدهما: فهو يرى حاله في الآخرة، قاله الفراء. # والثاني: فهو يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وغيرها، قاله ابن ms1913 قتيبة. # قوله تعالى: { أم لم ينبأ بما في صحف موسى } يعني التوراة، ~~{ وإبراهيم } أي: وصحف إبراهيم. وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " أن الله تعالى أنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل ~~التوراة عشر صحائف ". # قوله تعالى: { الذي وفى } قرأ سعيد بن جبير، وأبو عمران الجوني، وابن ~~السميفع اليماني «وفى» بتخفيف الفاء. قال الزجاج: قوله: «وفى» أبلغ ~~من «وفى»، لأن الذي امتحن به من أعظم المحن. وللمفسرين في الذي ~~وفى عشرة أقوال. # أحدها: أنه وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار، رواه أبوأمامة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه وفى في كلمات كان يقولها. روى سهل بن معاذ بن أنس الجهني ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله [الذي وفى]؟ " # لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون... # [الروم: 17] وختم الآية. # والثالث: أنه وفى الطاعة فيما فعل بابنه، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال القرظي. # والرابع: أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام، روى هذا المعنى عكرمة عن ~~ابن عباس. # والخامس: أنه وفى ما أمر به من تبليغ الرسالة، روي عن ابن عباس ~~أيضا. # والسادس: أنه عمل بما أمر به، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، ~~وقال مجاهد: وفى ما فرض عليه. # والسابع: أنه وفى بتبليغ هذه الآيات، وهي: «ألا تزر وازرة وزر ~~أخرى» وما بعدها، وهذا مروي عن عكرمة، ومجاهد، والنخعي. # والثامن: وفى شأن المناسك، قاله الضحاك. # والتاسع: أنه عاهد أن لا يسأل مخلوقا شيئا، فلما قذف في النار قال ~~له جبريل، ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فوفى بما عاهد، ذكره عطاء ~~بن السائب. # والعاشر: أنه أدى الأمانة، قاله سفيان بن عيينة. # ثم بين ما في صحفهما فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: ~~لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى؛ والمعنى: لا تؤخذ بإثم غيرها. # { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } قال الزجاج: ms1914 هذا في صحفهما أيضا. ~~ومعناه: ليس للإنسان إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرا جزي عليه خيرا، ~~وإن عمل شرا. جزي شرا. واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية ~~أقوال. # أحدها: أنها منسوخة بقوله: # وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان # [الطور: 21] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء، قاله ابن عباس، ولا ~~يصح، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا تنسخ. # والثاني: أن ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما ~~سعوا وما سعى غيرهم، قاله عكرمة، واستدل # " بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته: إن أبي مات ولم ~~يحج، فقال: «حجي عنه» ". # والثالث: أن المراد بالإنسان هاهنا: الكافر، فأما المؤمن، فله ما سعى ~~وما سعي له، قاله الربيع بن أنس. # والرابع: أنه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من باب ~~الفضل، فجائز أن يزيده الله عز وجل ما يشاء، قاله الحسين بن الفضل. # والخامس: أن معنى «ما سعى» ما نوى، قاله أبو بكر الوراق. # والسادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه ~~فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير، ذكره الثعلبي. # والسابع: أن اللام بمعنى «على» فتقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى. # والثامن: أنه ليس له إلا سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه ~~في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق، وتارة يسعى في خدمة الدين ~~والعبادة، فيكتسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سببا حصل بسعيه، حكى ~~القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني. # قوله تعالى: { وأن سعيه سوف يرى } فيه قولان. # أحدهما: سوف يعلم، قاله ابن قتيبة. # والثاني: سوف يرى العبد سعيه يوم القيامة، أي: يرى عمله في ميزانه، ~~قاله الزجاج. # قوله تعالى: { يجزاه } الهاء عائدة على السعي { الجزاء الأوفى } ~~أي: الأكمل الأتم. ### || [53.42-55] # { وأن إلى ربك المنتهى } أي: منتهى العباد ومرجعهم. قال ~~الزجاج: هذا كله في صحف إبراهيم وموسى. # قوله تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } قالت عائشة: # " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يضحكون، فقال: لو ~~تعلمون ms1915 ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا " # ، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية، فرجع إليهم، فقال: ما خطوت ~~أربعين خطوة حتى أتاني جبريل، فقال: إئت هؤلاء فقل لهم: إن الله يقول: ~~وأنه هو أضحك وأبكى، وفي هذا تنبيه على أن جميع الأعمال بقضاء الله ~~وقدره حتى الضحك والبكاء. وقال مجاهد: أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل ~~النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات. وأبكى السماء بالمطر. # قوله تعالى: { وأنه هو أمات } في الدنيا { وأحيا } للبعث. # { وأنه خلق الزوجين } أي: الصنفين { الذكر والأنثى } من جميع ~~الحيوانات، { من نطفة إذا تمنى } فيه قولان. # أحدهما: إذا تراق في الرحم، قاله ابن السائب. # والثاني: إذا تخلق وتقدر، { وأن عليه النشأة الأخرى } وهي ~~الخلق الثاني للبعث يوم القيامة. # { وأنه هو أغنى } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أغنى بالكفاية، قاله ابن عباس. # والثاني: بالمعيشة، قاله الضحاك. # والثالث: بالأموال، قاله أبو صالح. # والرابع: بالقناعة، قاله سفيان. # وفي قوله: { أقنى } ثلاثة أقوال: # أحدها: أرضى بما أعطى، قاله ابن عباس. # والثاني: أخدم، قاله الحسن، وقتادة، وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: جعل للإنسان قنية، وهو أصل مال، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: { وأنه هو رب الشعرى } قال ابن قتيبة: هو الكوكب ~~الذي يطلع بعد الجوزاء، وكان ناس من العرب يعبدونها. # قوله تعالى: { وأنه أهلك عادا الأولى } قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «عادا الأولى» منونة. وقرأ نافع، وأبو عمرو: ~~«عادا لولى» موصولة مدغمة. ثم فيهم قولان. # أحدهما: أنهم قوم هود، وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى، هذا قول ~~الجمهور. # والثاني: أن قوم هود هم عاد الأخرى، وهم من أولاد عاد الأولى، قاله ~~كعب الأحبار. وقال الزجاج: وفي «الأولى» لغات، أجودها سكون اللام وإثبات ~~الهمزة، والتي تليها في الجودة ضم اللام وطرح الهمزة، ومن العرب من يقول: ~~لولى، يريد: الأولى، فتطرح الهمزة لتحرك اللام. # قوله تعالى: { وقوم نوح من قبل } أي: من قبل عاد وثمود { ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } من غيرهم، لطول دعوة نوح إياهم، ~~وعتوهم. # { والمؤتفكة } قرى قوم لوط { أهوى } [أي]: أسقط، ms1916 وكان الذي تولى ~~ذلك جبريل بعد أن رفعها، وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله: { فغشاها } ~~أي: ألبسها { ما غشى } يعني الحجارة { فبأي آلاء ربك تتمارى } ~~هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله ما فعله مما يدل على وحدانيته ~~قال: فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك؟ وقال ابن ~~عباس: فبأي آلاء ربك تكذب يا وليد، يعني [الوليد] بن المغيرة. ### || [53.56-62] # قوله تعالى: { هذا نذير } فيه قولان. # أحدهما: أنه القرآن، نذير بما أنذرت الكتب المتقدمة، قاله قتادة. # والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذير بما أنذرت به ~~الأنبياء، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: { أزفت الآزفة } أي: دنت القيامة، { ليس لها من دون ~~الله كاشفة } فيه قولان. # أحدهما: إذا غشيت الخلق شدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد ولم ~~يردها، قاله عطاء، وقتادة، والضحاك. # والثاني: ليس لعلمها كاشف دون الله، أي: لا يعلم علمها إلا الله، ~~قاله الفراء، قال: وتأنيث «كاشفة» كقوله: # هل ترى لهم من باقية # [الحاقة: 8] يريد: من بقاء؛ والعافية والباقية والناهية كله في ~~معنى المصدر. وقال غيره: تأنيث «كاشفة» على تقدير: نفس كاشفة. # قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث } قال مقاتل: يعني القرآن { تعجبون ~~} تكذيبا به، { وتضحكون } استهزاء { ولا تبكون } مما فيه من ~~الوعيد؟! ويعني بهذا كفار مكة، { وأنتم سامدون } فيه خمسة أقوال. # أحدها: لاهون، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الفراء والزجاج. قال ~~أبو عبيدة: يقال: دع عنك سمودك، أي: لهوك. # والثاني: معرضون، قاله مجاهد. # والثالث: أنه الغناء، وهي لغة يمانية، يقولون: اسمد لنا، أي: تغن ~~لنا، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال عكرمة: هو الغناء بالحميرية. # والرابع: غافلون، قاله قتادة. # والخامس: أشرون بطرون، قاله الضحاك. # قوله تعالى: { فاسجدوا لله } فيه قولان. # أحدهما: أنه سجود التلاوة، قاله ابن مسعود. # والثاني: سجود الفرض في الصلاة. # قال مقاتل: يعني بقوله: «فاسجدوا»: الصلوات الخمس. # وفي قوله: { واعبدوا } قولان. # أحدهما: أنه التوحيد. # والثاني: العبادة. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-5] # وهي مكية بإجماعهم، وقال مقاتل: مكية غير آية # سيهزم الجمع # [القمر: 45]، وحكي عنه أنه قال: ms1917 إلا ثلاث آيات، أولها: # أم يقولون نحن جميع منتصر # [القمر:44] إلى قوله # وأمر # [القمر: 46]، قال ابن عباس: # " اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت ~~صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن فعلت تؤمنون؟» قالوا: نعم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينادي: «يا فلان يا فلان اشهدوا» " # وذلك بمكة قبل الهجرة. وقد روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث ابن ~~مسعود قال: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا» " # وقد روى حديث الانشقاق جماعة، منهم عبد الله بن عمر، وحذيفة، وجبير بن ~~مطعم، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعلى هذا جميع المفسرين، إلا أن قوما ~~شذوا فقالوا: سينشق يوم القيامة. وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه ~~نحو ذلك، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع، ولأن قوله: { وانشق } ~~لفظ ماض، وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل، ~~وليس ذلك موجودا. وفي قوله: «وإن يروا آية يعرضوا» دليل على أنه قد ~~كان ذلك. ومعنى { اقتربت }: دنت؛ و { الساعة } القيامة. وقال ~~الفراء: فيه تقديم وتأخير، تقديره: انشق القمر واقتربت الساعة. وقال ~~مجاهد: انشق القمر فصار فرقتين، فثبتت فرقة، وذهبت فرقة وراء الجبل. ~~وقال ابن زيد: لما انشق القمر كان يرى نصفه على قعيقعان، ~~والنصف الآخر على أبي قبيس. قال ابن مسعود: لما انشق القمر قالت ~~قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السفار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد ~~رأيناه، فأنزل الله عز وجل: «اقتربت الساعة وانشق القمر». # قوله تعالى: { وإن يروا آية } أي: آية تدلهم على صدق الرسول، ~~والمراد بها هاهنا: انشقاق القمر { يعرضوا } عن التصديق { ويقولوا ~~سحر مستمر } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: ذاهب، من قولهم: مر الشيء واستمر: إذا ذهب، قاله مجاهد، ~~وقتادة، والكسائي، والفراء؛ فعلى هذا يكون المعنى: هذا سحر، ms1918 والسحر ~~يذهب ولا يثبت. # والثاني: شديد قوي، قاله أبو العالية، والضحاك، وابن قتيبة، قال: وهو ~~مأخوذ من المرة، والمرة: الفتل. # والثالث: دائم، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: { وكذبوا } يعني كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~عاينوا من قدرة الله تعالى { واتبعوا أهواءهم } ما زين لهم ~~الشيطان { وكل أمر مستقر } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أن كل أمر مستقر بأهله، فالخير يستقر بأهل الخير، ~~والشر يستقر بأهل الشر، قاله قتادة. # والثاني: لكل حديث منتهى وحقيقة، قاله مقاتل. # والثالث: أن قرار تكذيبهم مستقر، وقرار تصديق المصدقين مستقر حتى ~~يعلموا حقيقته بالثواب والعقاب، قاله الفراء. # قوله تعالى: { ولقد جاءهم } يعني أهل مكة { من الأنباء } أي: من أخبار ~~الأمم المكذبة في القرآن { ما فيه مزدجر } قال ابن قتيبة: أي: ~~متعظ ومنتهى. # قوله تعالى: { حكمة بالغة } قال الزجاج: هي مرفوعة لأنها بدل من ~~«ما» فالمعنى: ولقد جاءهم حكمة بالغة [وإن شئت رفعتهما بإضمار: هو حكمة ~~بالغة]. و«ما» في قوله { فما تغن النذر } جائز أن يكون استفهاما ~~بمعنى التوبيخ، فيكون المعنى: أي شيء تغني النذر؟! وجائز أن يكون ~~نفيا، على معنى، فليست تغني النذر. قال المفسرون: والمعنى: جاءهم ~~القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت الغاية، فما تغني النذر إذا لم ~~يؤمنوا؟!. ### || [54.6-8] # { فتول عنهم } قال الزجاج: هذا وقف التمام، و { يوم } منصوب ~~بقوله: «يخرجون من الأجداث» وقال مقاتل: فتول عنهم [إلى] يوم { يدع ~~الداعي } أثبت هذه الياء في الحالين يعقوب؛ وافقه أبو جعفر، وأبو عمرو ~~في الوصل، وحذفها الأكثرون في الحالين. و«الداعي»: إسرافيل ينفخ النفخة ~~الثانية { إلى شيء نكر } وقرأ ابن كثير: «نكر» خفيفة؛ أي: إلى أمر ~~فظيع. وقال مقاتل: «النكر» بمعنى المنكر، وهو القيامة، وإنما ~~ينكرونه إعظاما له. والتولي المذكور في الآية منسوخ عند المفسرين ~~بآية السيف. # قوله تعالى: { خشعا أبصارهم } قرأ أهل الحجاز، وابن عامر، وعاصم: ~~«خشعا» بضم الخاء وتشديد الشين من غير ألف. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: «خاشعا» بفتح الخاء وألف بعدها وتخفيف الشين. قال الزجاج: ~~المعنى: يخرجون خشعا، و«خاشعا» منصوب على الحال، ms1919 وقرأ ابن مسعود: ~~«خاشعة»؛ ولك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد ~~والتأنيث والجمع؛ تقول: مررت بشبان حسن أوجههم، وحسان أوجههم، ~~وحسنة أوجههم، قال الشاعر: # وشباب حسن أوجههم # من إياد بن نزار بن معد # قال المفسرون: والمعنى أن أبصارهم ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. ~~والأجداث: القبور، وإنما شبههم بالجراد المنتشر، لأن الجراد لا جهة ~~له يقصدها، [فهو أبدا مختلف بعضه في بعض]، فهم يخرجون فزعين ليس ~~لأحد منهم جهة يقصدها. والداعي: إسرافيل. وقد أثبت ياء «الداعي» في ~~الحالين ابن كثير، ويعقوب؛ تابعهما في الوصل نافع، وأبو عمرو؛ والباقون ~~بحذفها في الحالين. وقد بينا معنى «مهطعين» في سورة [إبراهيم: 43] ~~والعسر: الصعب الشديد. ### || [54.9-22] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا ~~عبدنا } نوحا { وقالوا مجنون وازدجر } قال أبو عبيدة: افتعل ~~من زجر. قال المفسرون: زجروه عن مقالته { فدعا } عليهم نوح { ربه } ~~ب { أني مغلوب فانتصر } أي: فانتقم لي ممن كذبني. قال ~~الزجاج: وقرأ عيسى بن عمر النحوي: «إني» بكسر الألف، وفسرها سيبويه ~~فقال: هذا على إرادة القول، فالمعنى: قال: إني مغلوب؛ ومن فتح، وهو ~~الوجه، فالمعنى: دعا ربه ب { أني مغلوب }. # قوله تعالى: { ففتحنا أبواب السماء } قرأ ابن عامر: «ففتحنا» ~~بالتشديد. فأما المنهمر، فقال ابن قتيبة: هو الكثير السريع الانصباب، ~~ومنه يقال: همر الرجل: إذا أكثر من الكلام وأسرع. وروى علي رضي ~~الله عنه أن أبواب السماء فتحت بالماء من المجرة، وهي شرج ~~السماء. وعلى ما ذكرنا من القصة في [هود: 44] أن المطر جاءهم، يكون هو ~~المراد بقوله: { ففتحنا أبواب السماء } قال المفسرون: جاءهم الماء من ~~فوقهم أربعين يوما، وفجرت الأرض من تحتهم عيونا أربعين يوما. # { فالتقى الماء } وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري: ~~«المآءان» بهمزة وألف ونون مكسورة. وقرأ ابن مسعود: «المايان» بياء ~~وألف ونون مكسورة من غير همز. وقرأ الحسن، وأبو عمران: «الماوان» بواو ~~وألف وكسر النون. قال الزجاج: يعني بالماء: ماء السماء وماء الأرض، ويجوز ~~الماءان، لأن اسم الماء اسم يجمع ماء ms1920 الأرض وماء السماء. # قوله تعالى: { على أمر قد قدر } فيه قولان. # أحدهما: كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، قاله مقاتل. # والثاني: قد قدر في اللوح المحفوظ، قاله الزجاج. فيكون المعنى: على أمر ~~قد قضي عليهم، وهو الغرق. # قوله تعالى: { وحملناه } يعني نوحا { على ذات ألواح ودسر } قال ~~الزجاج: أي: على سفينة ذات ألواح. قال المفسرون: ألواحها: خشباتها ~~العريضة التي منها جمعت. وفي الدسر أربعة أقوال. # أحدها: أنها المسامير، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~والقرظي، وابن زيد، وقال الزجاج: الدسر: المسامير والشرط التي ~~تشد بها الألواح، وكل شيء نحو السمر أو إدخال شيء في شيء بقوة ~~وشدة قهر فهو دسر، يقال: دسرت المسمار أدسره وأدسره. ~~والدسر: واحدها دسار، نحو حمار، وحمر. # والثاني: أنه صدر السفينة، سمي بذلك لأنه يدسر الماء، أي: ~~يدفعه، رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة؛ ومنه الحديث في ~~العنبر أنه شيء دسره البحر، أي: دفعه. # والثالث: أن الدسر: أضلاع السفينة، قاله مجاهد. # والرابع: أن الدسر: طرفاها وأصلها، والألواح: جانباها، قاله الضحاك. # قوله تعالى: { تجري بأعيننا } أي: بمنظر ومرأى منا { جزاء } ~~قال الفراء: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن ~~كفر به. # وفي المراد ب «من» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الله عز وجل، وهو مذهب مجاهد، فيكون المعنى: عوقبوا لله ~~ولكفرهم به. # والثاني: أنه نوح كفر به وجحد أمره، قاله الفراء. # والثالث: أن «من» بمعنى «ما»؛ فالمعنى: جزاء لما كان كفر من نعم ~~الله عند الذين أغرقهم، حكاه ابن جرير. وقرأ قتادة: «لمن كان كفر» ~~بفتح الكاف والفاء. # قوله تعالى: { ولقد تركناها } في المشار إليها قولان. # أحدهما: أنها السفينة، قال قتادة: أبقاها الله على الجودي حتى أدركها ~~أوائل هذه الأمة. # والثاني: أنها الفعلة، فالمعنى: تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة نوح ~~آية، أي: علامة ليعتبر بها، { فهل من مدكر } وأصله مدتكر، ~~فأبدلت التاء دالا على ما بينا في قوله: # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45] قال ابن قتيبة: أصله: مذتكر، فأدغمت التاء ms1921 في الذال، ثم ~~قلبت دالا مشددة. قال المفسرون: والمعنى: هل من متذكر يعتبر بذلك؟ ~~{ فكيف كان عذابي ونذر } وفي هذه السورة «ونذر» ستة مواضع، أثبت ~~الياء فيهن في الحالين يعقوب، تابعه في الوصل ورش، والباقون بحذفها في ~~الحالين، وقوله: «فكيف كان عذابي» استفهام عن تلك الحالة، ومعناه التعظيم ~~لذلك العذاب. قال ابن قتيبة: والنذر هاهنا جمع نذير، وهو بمعنى ~~الإنذار، ومثله النكير بمعنى الإنكار. قال المفسرون: وهذا تخويف لمشركي ~~مكة. # { ولقد يسرنا القرآن } أي: سهلناه { للذكر } أي: للحفظ ~~والقراءة { فهل من مدكر } أي: من ذاكر يذكره ويقرؤه؛ والمعنى: هو ~~الحث على قراءته وتعلمه قال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ ~~كله ظاهرا إلا القرآن. وأما الريح الصرصر، فقد ذكرناها في [حم ~~السجدة: 160]. # قوله تعالى: { في يوم نحس مستمر } قرأ الحسن: «في يوم» ~~بالتنوين، على أن اليوم منعوت بالنحس. والمستمر: الدائم الشؤم، ~~استمر عليهم بنحوسه. وقال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم. وقيل: ~~إنه كان يوم أربعاء في آخر الشهر. # { تنزع الناس } أي: تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم فتصرعهم على ~~رقابهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد، ف { كأنهم أعجاز ~~نخل } وقرأ أبي بن كعب، وابن السميفع: «أعجز نخل» برفع الجيم ~~من غير ألف بعد الجيم. وقرأ ابن مسعود، وأبو مجلز، وأبو عمران: «كأنهم ~~عجز نخل» بضم العين والجيم. ومعنى الكلام: كأنهم أصول «نخل ~~منقعر» أي: منقلع. وقال الفراء: المنقعر: المنصرع من ~~النخل. قال ابن قتيبة: يقال: قعرته فانقعر، أي قلعته فسقط. قال ~~أبو عبيدة: والنخل يذكر ويؤنث، فهذه الآية على لغة من ذكر، ~~وقوله: # أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 8] على لغة من أنث. وقال مقاتل: شبههم حين وقعوا من شدة ~~العذاب بالنخل الساقطة التي لا رؤوس لها، وإنما شبههم بالنخل ~~لطولهم، وكان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا. ### || [54.23-32] # قوله تعالى: { كذبت ثمود بالنذر } فيه قولان. # أحدهما: أنه جمع نذير. وقد بينا أن من كذب نبيا واحدا فقد كذب ~~الكل. # والثاني: أن النذر بمعنى الإنذار كما ms1922 بينا في قوله: «فكيف كان ~~عذابي ونذر»؛ فكأنهم كذبوا الإنذار الذي جاءهم به صالح، { قالوا ~~أبشرا منا } قال الزجاج: هو منصوب بفعل مضمر والذي ظهر تفسيره، ~~المعنى: أنتبع بشرا منا { واحدا } ، قال المفسرون: قالوا: هو آدمي ~~مثلنا، وهو واحد فلا نكون له تبعا { إنا إذا } إن فعلنا ذلك { ~~لفي ضلال } أي: خطأ وذهاب عن الصواب { وسعر } قال ابن عباس: أي: ~~جنون. قال ابن قتيبة: هو من: تسعرت النار: إذا التهبت، يقال: ~~ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة من النشاط. وقال غيره: لفي شقاء ~~وعناء لأجل ما يلزمنا من طاعته. # ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه فقالوا: { أألقي الذكر؟ } أي: ~~أنزل الوحي { عليه من بيننا } أي: كيف خص من بيننا بالنبوة ~~والوحي؟! { بل هو كذاب أشر } وفيه قولان. # أحدهما: أنه المرح المتكبر، قاله ابن قتيبة. # والثاني: البطر، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { سيعلمون غدا } قرأ ابن عامر وحمزة: «ستعلمون» ~~بالتاء «غدا» فيه قولان. # أحدهما: يوم القيامة، قاله ابن السائب. # والثاني: عند نزول العذاب بهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { إنا مرسلوا الناقة } وذلك أنهم سألوا صالحا أن ~~يظهر لهم ناقة من صخرة، فقال الله تعالى: «إنا مرسلوا الناقة» ~~أي: مخرجوها كما أرادوا { فتنة لهم } أي: محنة واختبارا { ~~فارتقبهم } أي: فانتظر ما هم صانعون { واصطبر } على ما يصيبك من ~~الأذى، { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } أي: بين ثمود وبين ~~الناقة، يوم لها ويوم لهم، فذلك قوله: { كل شرب محتضر } ~~يحضره صاحبه ويستحقه. # قوله تعالى: { فنادوا صاحبهم } واسمه قدار بن سالف { فتعاطى } قال ~~ابن قتيبة: تعاطى عقر الناقة { فعقر } أي: قتل؛ وقد بينا هذا في ~~[الأعراف: 77]. # قوله تعالى: { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة } وذلك أن جبريل عليه ~~السلام صاح بهم؛ وقد أشرنا إلى قصتهم في [هود: 61] { فكانوا كهشيم ~~المحتظر } قال ابن عباس: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك ~~دون السباع، فما سقط من ذلك وداسته الغنم، فهو الهشيم. وقد بينا ~~معنى «الهشيم» في [الكهف: 45]. وقال الزجاج: الهشيم: ما يبس من ~~الورق وتكسر وتحطم، والمعنى: كانوا ms1923 كالهشيم الذي يجمعه صاحب ~~الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف، فهو يجمع ليوقد. وقرأ الحسن: ~~«المحتظر» بفتح الظاء، وهو اسم الحظيرة؛ والمعنى: كهشيم المكان الذي ~~يحتظر فيه الهشيم من الحطب. وقال سعيد بن جبير: هو التراب الي يتناثر ~~من الحيطان. وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة. والمراد من جميع ~~ذلك: أنهم بادوا وهلكوا حتى صاروا كالشيء المتحطم. ### || [54.33-40] # قوله تعالى: { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } قال المفسرون: هي الحجارة ~~التي قذفوا بها { إلا آل لوط } يعني لوط وابنتيه { نجيناهم } من ~~ذلك العذاب { بسحر } قال الفراء: «سحر» هاهنا يجري لأنه نكرة، ~~كقوله: نجيناهم بليل، فإذا ألقت العرب منه الباء لم يجر، لأن ~~لفظهم به بالألف واللام، يقولون: ما زال عندنا منذ السحر، لا يكادون ~~يقولون غيره، فإذا حذفت منه الألف واللام لم يصرف. وقال الزجاج: إذا ~~كان السحر نكرة يراد به سحر من الأسحار، انصرف، فإذا أردت سحر ~~يومك، لم ينصرف. # قوله تعالى: { كذلك نجزي من شكر } قال مقاتل: من وحد الله تعالى لم ~~يعذب مع المشركين. # قوله تعالى: { ولقد راودوه عن ضيفه } أي: طلبوا أن يسلم إليهم ~~أضيافه، وهم الملائكة { فطمسنا أعينهم } وهو أن جبريل ضرب أعينهم ~~بجناحه فأذهبها. وقد ذكرنا القصة في سورة [هود: 81]. وتم الكلام هاهنا، ~~ثم قال: { فذوقوا } أي: فقلنا لقوط لوط لما جاءهم العذاب: ذوقوا { عذابي ~~ونذر } أي: ما أنذركم به لوط، { ولقد صبحهم بكرة } أي: أتاهم ~~صباحا { عذاب مستقر } أي: نازل بهم. قال مقاتل: استقر بهم العذاب ~~بكرة. قال الفراء: والعرب تجري «غدوة» و«بكرة» ولا تجريهما، ~~وأكثر الكلام في «غدوة» ترك الإجراء، وأكثر في «بكرة» أن تجرى، فمن لم ~~يجرها جعلها معرفة، لأنها اسم يكون أبدا في وقت واحد بمنزلة «أمس» ~~و«غد» وأكثر ما تجري العرب «غدوة» إذا قرنت بعشية، يقولون: إني ~~لآتيهم غدوة وعشية، [وبعضهم يقول: «غدوة»، فلا يجريها، و«عشية»] ~~فيجريها، ومنهم من لا يجري «عشية» لكثرة ما صحبت «غدوة». وقال ~~الزجاج: الغدوة والبكرة إذا كانتا نكرتين نونتا وصرفتا، فإذا ~~أردت بهما بكرة يومك وغداة ms1924 يومك، لم تصرفهما، والبكرة هاهنا نكرة، ~~فالصرف أجود، لأنه لم يثبت رواية في أنه كان في يوم كذا في شهر كذا. ### || [54.41-46] # قوله تعالى: { ولقد جاء آل فرعون } يعني القبط { النذر } فيهم ~~قولان. # أحدهما: [أنه] جمع نذير، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى. # والثاني: أن النذر بمعنى الإنذار؛ وقد بيناه آنفا، { فأخذناهم } ~~بالعذاب { أخذ عزيز } أي: غالب في انتقامه { مقتدر } قادر على ~~هلاكهم. # ثم خوف أهل مكة فقال: { أكفاركم } يا معشر العرب { خير } أي: أشد ~~وأقوى { من أولئكم؟! } وهذا استفهام معناه الإنكار؛ والمعنى: ليسوا ~~بأقوى من قوم نوح وعاد وثمود، وقد أهلكناهم { أم لكم براءة } من ~~العذاب أنه لا يصيبكم ما أصابهم { في الزبر } أي: في الكتب ~~المتقدمة، { أم يقولون نحن جميع منتصر } المعنى: أيقولون: نحن يد ~~واحدة على من خالفنا فننتصر منهم؟ وإنما وحد المنتصر للفظ ~~الجميع، فإنه على لفظ «واحد» وإن كان اسما للجماعة { سيهزم الجمع } ~~وروى أبو حاتم بن يعقوب: «سنهزم» بالنون، «الجمع» بالنصب، «وتولون» ~~بالتاء، ويعني بالجمع: جمع كفار مكة { ويولون الدبر } ولم يقل: ~~الأدبار، وكلاهما جائز؛ قال الفراء: مثله أن يقول: إن فلانا لكثير ~~الدينار والدرهم. وهذا مما أخبر الله به نبيه من علم الغيب، ~~فكانت الهزيمة يوم بدر. # قوله تعالى: { والساعة أدهى } قال مقاتل: هي أفظع { وأمر } من ~~القتل. قال الزجاج: ومعنى الداهية: الأمر الشديد الذي لا يهتدى لدوائه؛ ~~ومعنى «أمر»: أشد مرارة من القتل والأسر. ### || [54.47-55] # قوله تعالى: { إن المجرمين في ضلال وسعر } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن مشركي مكة جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخاصمون في القدر، فنزلت هذه الآية إلى قوله: { خلقناه بقدر } ~~انفرد بإخراجه مسلم من حديث أبي هريرة وروى أبو أمامة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن هذه الآية نزلت في القدرية ". # والثاني: # " أن أسقف نجران جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ~~فقال: يا محمد تزعم أن المعاصي بقدر، وليس كذلك، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ms1925 «أنتم خصماء الله» " # ، فنزلت: { إن المجرمين } إلى قوله { بقدر } ، قاله عطاء. # قوله تعالى: { وسعر } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: الجنون. # والثاني: العناء، وقد ذكرناهما في صدر السورة. # والثالث: أنه نار تستعر عليهم، قاله الضحاك. # فأما { سقر } فقال الزجاج: هي اسم من أسماء جهنم لا ينصرف لأنها ~~معرفة، وهي مؤنثة. وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: سقر: اسم لنار ~~الأخرة أعجمي، ويقال: بل هو عربي، من قولهم: سقرته الشمس: إذا ~~أذابته، سميت بذلك لأنها تذيب الأجسام. وروى عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فنادى نداء يسمعه ~~الأولون والآخرون: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية، فيؤمر بهم ~~إلى النار " # ، يقول الله تعالى: { ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ~~} ، وإنما قيل لهم: «خصماء الله» لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن ~~يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها. وروى هشام بن حسان عن ~~الحسن قال: والله لو أن قدريا صام حتى يصير كالحبل، ثم صلى حتى ~~يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما وزورا حتى ذبح بين الركن والمقام ~~لكبه الله على وجهه في سقر «إنا كل شيء خلقناه بقدر». وروى ~~مسلم في أفراده من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل شيء بقدر حتى العجز والكيس " # وقال ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضع يدك على خدك. وقال الزجاج: ~~معنى «بقدر» أي: كل شيء خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ. قبل ~~وقوعه، ونصب «كل شيء» بفعل مضمر؛ المعنى: إنا خلقنا كل شيء خلقناه ~~بقدر. # قوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة } قال الفراء: أي: إلا مرة ~~واحدة، وكذلك قال مقاتل: مرة واحدة لا مثنوية لها. وروى عطاء عن ابن ~~عباس قال يريد: إن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. وقال ابن السائب: ~~المعنى: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كلمح البصر. # ومعنى اللمح بالبصر: النظر بسرعة. # { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي: أشباهكم ونظراءكم ms1926 في الكفر من الأمم ~~الماضية { فهل من مدكر } أي متعظ { وكل شيء فعلوه } يعني الأمم. # وفي { الزبر } قولان. # أحدهما: أنه كتب الحفظة. # والثاني: اللوح المحفوظ. # { وكل صغير وكبير } أي: من الأعمال المتقدمة { مستطر } أي: ~~مكتوب، قال ابن قتيبة: هو «مفتعل» من «سطرت»: إذا كتبت، وهو مثل ~~«مسطور». # قوله تعالى: { في جنات ونهر } قال الزجاج: المعنى: في جنات ~~وأنهار، والاسم الواحد يدل على الجميع، فيجتزأ به من الجميع. أنشد ~~سيبويه والخليل: # بها جيف الحسرى، فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # يريد: وأما جلودها، ومثله: # في حلقكم عظم وقد شجينا # ومثله: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا # وحكى ابن قتيبة عن الفراء أنه وحد لأنه رأس آية، فقابل بالتوحيد ~~رؤوس الآي، قال: ويقال: النهر: الضياء والسعة، من قولك: أنهرت ~~الطعنة: إذا وسعتها، قال قيس بن الخطيم يصف طعنة: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها # أي: أوسعت فتقها. قلت: وهذا قول الضحاك. وقرأ الأعمش «ونهر». # قوله تعالى: { في مقعد صدق } أي: مجلس حسن؛ وقد نبهنا على ~~هذا المعنى في قوله: # أن لهم قدم صدق # [يونس:2] فأما المليك، فقال الخطابي: المليك: هو المالك، وبناء ~~فعيل للمبالغة في الوصف، ويكون المليك بمعنى الملك، ومنه هذه ~~الآية. والمقتدر مشروح في [الكهف:45]. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # قوله تعالى: { الرحمن. علم القرآن } قال مقاتل: لما نزل قوله: # اسجدوا للرحمن # [الفرقان:60] قال كفار مكة: وما الرحمن؟! فأنكروه وقالوا: لا ~~نعرف الرحمن، فقال تعالى: { الرحمن } الذي أنكروه هو الذي ~~«علم القرآن». # وفي قوله: { علم القرآن } قولان. # أحدهما: علمه محمدا، وعلم محمد أمته قاله ابن السائب. # والثاني: يسر القرآن، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { خلق الإنسان } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه اسم جنس، فالمعنى: خلق الناس جميعا، قاله الأكثرون. فعلى ~~هذا، في «البيان» ستة أقوال. # أحدها: النطق والتمييز، قاله الحسن. والثاني: الحلال والحرام، قاله ~~قتادة. والثالث: ما يقول وما يقال له، قاله محمد بن كعب. والرابع: الخير ~~والشر، قاله الضحاك. والخامس: [طرق] الهدى، قاله ابن جريج. والسادس: ~~الكتابة ms1927 والخط، قاله يمان. # والثاني: أنه آدم، قاله ابن عباس، وقتادة. فعلى هذا في «البيان» ثلاثة ~~أقوال. أحدها: أسماء كل شيء. والثاني: بيان كل شيء. والثالث: اللغات. # والقول الثالث: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، علمه بيان ما كان وما ~~يكون، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: { الشمس والقمر بحسبان } أي بحساب ومنازل، لا ~~يعدوانها؛ وقد كشفنا هذا المعنى في [الأنعام:96]. قال الأخفش: أضمر ~~الخبر، وأظنه والله أعلم أراد: يجريان بحسبان. # قوله تعالى: { والنجم والشجر يسجدان } في النجم قولان. ~~أحدهما: أنه كل نبت ليس له ساق، وهو مذهب ابن عباس، والسدي، ~~ومقاتل، واللغويين. والثاني: أنه نجم السماء، والمراد به: جميع ~~النجوم، قاله مجاهد. فأما الشجر: فكل ما له ساق. قال الفراء: ~~سجودهما: أنهما يستقبلان الشمس إذا أشرقت، ثم يميلان معها حتى ~~ينكسر الفيىء. وقد أشرت في [النحل:49] إلى معنى سجود مالا يعقل. ~~قال أبو عبيدة: وإنما ثني فعلهما على لفظهما. # قوله تعالى: { والسماء رفعها } وإنما فعل ذلك ليحيا الحيوان وتمتد ~~الأنفاس، وأجرى الريح بينها وبين الأرض، كيما يتروح الخلق. ولولا ذلك ~~لماتت الخلائق كربا. # قوله تعالى: { ووضع الميزان } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه العدل، قاله الأكثرون. منهم مجاهد والسدي واللغويون. قال ~~الزجاج: وهذا لأن المعادلة: موازنة الأشياء. # والثاني: أنه الميزان المعروف، ليتناصف الناس في الحقوق، قاله الحسن، ~~وقتادة، والضحاك. # والثالث: أنه القرآن، قاله الحسين بن الفضل. # قوله تعالى: { ألا تطغوا } ذكر الزجاج في «أن» وجهين. # أحدهما: أنها بمعنى اللام؛ والمعنى: لئلا تطغوا. # والثاني: أنها للتفسير، فتكون «لا» للنهي؛ والمعنى: أي: لاتطغوا، أي ~~لا تجاوزوا العدل. # قوله تعالى: { ولا تخسروا الميزان } قال ابن قتيبة: أي لا تنقصوا ~~الوزن. # فأما الأنام، ففيهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم الناس، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: كل ذي روح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، ~~وقتادة، والسدي، والفراء. # والثالث: الإنس والجن، قاله الحسن، والزجاج. # قوله تعالى: { فيها فاكهة } أي، ما يتفكه [به] من ألوان الثمار { ~~والنخل ذات الأكمام } والأكمام: الأوعية والغلف؛ وقد استوفينا شرح ms1928 ~~هذا في [حم السجدة: 47]. # قوله تعالى: { والحب } يريد: جميع الحبوب، كالبر والشعير وغير ذلك. ~~وقرأ ابن عامر: «والحب» بنصب الباء «ذا العصف» بالألف «والريحان» ~~بنصب النون. وقرأ حمزة، والكسائي إلا ابن أبي سريج، وخلف: «والحب ذو ~~العصف والريحان» بخفض النون؛ وقرأ الباقون بضم النون. # وفي «العصف» قولان: # أحدهما: أنه تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الرياح، قاله ابن عباس. ~~وكذلك قال مجاهد: هو ورق الزرع. قال ابن قتيبة: العصف: ورق الزرع، ~~ثم يصير إذا جف ويبس وديس تبنا. # والثاني: أن العصف: المأكول من الحب، حكاه الفراء. # وفي «الريحان» أربعة أقوال. # أحدها: أنه الرزق، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن ~~جبير، والسدي. قال الفراء: الريحان في كلام العرب: الرزق، تقول: ~~خرجنا نطلب ريحان الله، وأنشد الزجاج للنمر بن تولب: # سلام الإله وريحانه # ورحمته وسماء درر # والثاني: أنه خضرة الزرع، رواه الوالبي عن ابن عباس. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: فعلى هذا، سمي ريحانا، لاستراحة النفس بالنظر إليه. # والثالث: أنه ريحانكم هذا الذي يشم، روى العوفي عن ابن عباس قال: ~~«الريحان» ما أنبتت الأرض من الريحان، وهذا مذهب الحسن، والضحاك، ~~وابن زيد. # والرابع: أنه ما [لم] يؤكل من الحب، والعصف: المأكول منه، حكاه ~~الفراء. # قوله تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } فإن قيل: كيف خاطب ~~اثنين، وإنما ذكر الإنسان وحده؟ فعنه جوابان ذكرهما الفراء. # أحدهما: أن العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين كما بينا في قوله: # ألقيا في جهنم # [ق:24]. # والثاني: أن الذكر أريد به الإنسان والجان، فجرى الخطاب لهما من أول ~~السورة إلى آخرها. قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة ما ~~يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان وخلق الشمس والقمر ~~والسماء والأرض، خاطب الجن والإنس، قال: { فبأي ألاء ربكما ~~تكذبان } أي: فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء ~~المذكورة، لأنها كلها منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على ~~وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم. وقال ابن قتيبة: الآلاء: ~~النعم، واحدها: ألا، مثل: قفا، وإلا، مثل: ms1929 معى. ### || [55.14-25] # قوله تعالى: { خلق الإنسان } يعني آدم { من صلصال } قد ذكرنا ~~في [الحجر: 26 - 27] الصلصال والجان. فأما قوله: { كالفخار } فقال ~~أبو عبيدة: خلق من طين يابس لم يطبخ، فله صوت إذا نقر، فهو من ~~يبسه كالفخار. والفخار: ما طبخ بالنار. # فأما المارج، فقال ابن عباس: هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ~~التهبت. وقال مجاهد: هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر ~~والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت. وقال مقاتل: هو لهب النار الصافي ~~من غير دخان. وقال أبو عبيدة: المارج: خلط من النار. وقال ابن قتيبة: ~~المارج: لهب النار، من قولك: قد مرج الشيء: إذا اضطرب ولم يستقر. ~~وقال الزجاج: هو اللهب المختلط بسواد النار. # فإن قيل: قد أخبر الله تعالى عن خلق آدم عليه السلام بألفاظ مختلفة، ~~فتارة يقول: # خلقه من تراب # [آل عمران: 59]، وتارة: «من صلصال» وتارة: # من طين لازب # [الصافات: 11] وتارة # كالفخار # [الرحمن: 14] وتارة: # من حمأ مسنون # [الحجر: 29]؛ فالجواب: أن الأصل التراب فجعل طينا، ثم صار كالحمإ ~~المسنون، ثم صار صلصالا كالفخار، هذه أخبار عن حالات أصله. فإن قيل: ~~ما الفائدة في تكرار قوله: «فبأي آلاء ربكما تكذبان» الجواب أن ~~ذلك التكرير لتقرير النعم وتأكيد التذكير بها. قال ابن قتيبة: من مذاهب ~~العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف ~~والإيجاز، لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره في ~~المقام على فن واحد، يقول القائل منهم: والله لا أفعله، ثم والله لا ~~أفعله، إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله، كما يقول: والله ~~أفعله، بإضمار «لا» إذا أراد الاختصار، ويقول القائل المستعجل: اعجل ~~اعجل، وللرامي: ارم ارم، قال الشاعر: # كم نعمة كانت له وكم وكم # وقال الآخر: # هلا سألت جموع كن # دة يوم ولوا أين أينا # وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانية ~~لأنها كلمة واحدة، فغيروا منها حرفا ثم أتبعوها الأولى، كقولهم: ~~عطشان نطشان، وشيطان ليطان، وحسن بسن. قال ابن دريد: ومن ~~الإتباع: جائع نائع، ms1930 ومليح قريح، وقبيح شقيح، وشحيح نحيح، وخبيث ~~نبيث، وكثير بثير، وسيغ ليغ، وسائغ لائغ، وحقير نقير، وضئيل ~~بئيل، وخضر مضر، وعفريت نفريت، وثقة نقة، وكن إن، وواحد ~~فاحد، وحائر بائر، وسمح لمح. قال ابن قتيبة: فلما عدد الله ~~تعالى في هذه السورة نعماءه، وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على ~~قدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نعمتين، ليفهمهم النعم ~~ويقررهم بها، كقولك للرجل: ألم أبوئك منزلا وكنت طريدا؟ ~~أفتنكر هذا؟ ألم أحج بك وأنت صرورة؟ أفتنكر هذا؟. وروى ~~الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه» من حديث جابر بن عبد الله قال: # " قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم ~~قال: «مالي أراكم سكوتا؟! للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت ~~عليهم هذه الآية من مرة» { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا ~~قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ". # قوله تعالى: { رب المشرقين } قرأ أبو رجاء، وابن أبي عبلة: «رب ~~المشرقين ورب المغربين» بالخفض، وهما مشرق الصيف ~~ومشرق الشتاء ومغرب الصيف ومغرب الشتاء للشمس والقمر جميعا. # قوله تعالى: { مرج البحرين } أي: أرسل العذب والملح وخلاهما ~~وجعلهما { يلتقيان } ، { بينهما برزخ } أي: حاجز من قدرة الله تعالى { ~~لا يبغيان } أي: لا يختلطان فيبغي أحدهما على الآخر. وقال ابن عباس: بحر ~~السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام. قال الحسن: «مرج البحرين» يعني ~~بحر فارس والروم، بينهما برزخ، يعني الجزائر؛ وقد سبق بيان هذا في ~~[الفرقان: 53]. # قوله تعالى: { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } قال الزجاج: إنما ~~يخرج من البحر الملح، وإنما جمعهما، لأنه إذا خرج من أحدهما فقد ~~أخرج منهما، ومثله # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16]. قال أبو علي الفارسي: أراد: يخرج من أحدهما، فحذف المضاف. ~~وقال ابن جرير: إنما قال «منهما» لأنه يخرج من أصداف البحر عن قطر ~~السماء. # فأما اللؤلؤ والمرجان، ففيهما قولان. # أحدهما: أن المرجان: ما صغر من اللؤلؤ، واللؤلؤ: العظام، قاله ~~الأكثرون، منهم ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والفراء. وقال الزجاج: ~~اللؤلؤ: اسم جامع للحب الذي ms1931 يخرج من البحر، والمرجان: صغاره. # والثاني: أن اللؤلؤ: الصغار، والمرجان: الكبار، قاله مجاهد، والسدي، ~~ومقاتل. قال ابن عباس: إذا أمطرت السماء، فتحت الأصداف أفواهها، فما وقع ~~فيها من مطر فهو لؤلؤ، قال ابن جرير: حيث وقعت قطرة كانت لؤلؤة. وقرأت ~~على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: ذكر بعض أهل اللغة أن المرجان ~~أعجمي معرب. قال أبو بكر، يعني ابن دريد: ولم أسمع فيه بفعل منصرف، ~~وأحر به أن يكون كذلك. قال ابن مسعود: المرجان: الخرز الأحمر. وقال ~~الزجاج: المرجان أبيض شديد البياض. وحكى القاضي أبو يعلى أن المرجان: ~~ضرب من اللؤلؤ كالقضبان. # قوله تعالى: { وله الجوار } يعني السفن { المنشآت } قال مجاهد: هو ~~ما قد رفع قلعه من السفن دون مالم يرفع قلعه. قال ابن قتيبة: هن ~~اللواتي أنشئن، أي: ابتدىء بهن { في البحر } ، وقرأ حمزة: ~~«المنشئات»، فجعلهن اللواتي ابتدأن، يقال: أنشأت السحابة تمطر: إذا ~~ابتدأت، وأنشأ الشاعر يقول، والأعلام: الجبال، وقد سبق هذا [الشورى: ~~32]. ### || [55.26-30] # قوله تعالى: { كل من عليها فان } أي: على الأرض، وهي كناية عن غير ~~المذكور، «فان» أي؛ هالك. # { ويبقى وجه ربك } أي: ويبقى ربك { ذو الجلال والإكرام } قال ~~أبو سليمان الخطابي: الجلال: مصدر الجليل، يقال: جليل بين الجلالة ~~والجلال. والإكرام: مصدر أكرم يكرم إكراما؛ والمعنى أن الله تعالى ~~مستحق أن يجل ويكرم، ولا يجحد ولا يكفر به، وقد يحتمل أن ~~يكون المعنى: أنه يكرم أهل ولايته ويرفع درجاتهم؛ وقد يحتمل أن يكون ~~أحد الأمرين وهو الجلال مضافا إلى الله تعالى بمعنى الصفة له، ~~والآخر مضافا إلى العبد بمعنى الفعل منه، كقوله تعالى: # هو أهل التقوى وأهل المغفرة # [المدثر: 56] فانصرف أحد الأمرين إلى الله وهو المغفرة، والآخر إلى ~~العباد وهو التقوى. # قوله تعالى: { يسأله من في السموات والأرض } المعنى أن الكل يحتاجون ~~إليه فيسألونه وهو غني عنهم { كل يوم هو في شأن } مثل أن يحيي ~~ويميت، ويعز ويذل، ويشفي مريضا، ويعطي سائلا، إلى غير ذلك من ~~أفعاله. وقال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت. قال ms1932 ~~مقاتل: وسبب نزول هذه الآية أن اليهود قالت: إن الله لا يقضي في يوم ~~السبت شيئا، فنزلت: «كل يوم هو في شأن». ### || [55.31-36] # قوله تعالى: { سنفرغ لكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «سنفرغ» بنون مفتوحة. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، والأعمش، ~~وحمزة، والكسائي، وعبد الوارث: [«سيفرغ»] بياء مفتوحة. وقرأ ابن ~~السميفع، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وعاصم الجحدري، عن عبد الوارث: ~~«سيفرغ» بضم الياء وفتح الراء. قال الفراء: هذا وعيد من الله تعالى، ~~لأنه لا يشغله شيء عن شيء، تقول للرجل الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد ~~فرغت تشتمني؟! أي: قد أخذت في هذا وأقبلت عليه؟! قال الزجاج: الفراغ في ~~اللغة على ضربين. أحدهما: الفراغ من شغل. والآخر: القصد للشيء، تقول: قد ~~فرغت مما كنت فيه، أي: قد زال شغلي به، وتقول: سأتفرغ لفلان، أي: ~~سأجعله قصدي، ومعنى الآية: سنقصد لحسابكم. فأما «الثقلان» فهما ~~الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقل الأرض. # قوله تعالى: { أن تنفذوا } أي: تخرجوا؛ يقال: نفذ الشيء من الشيء: ~~إذا خلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية، والأقطار: النواحي ~~والجوانب. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات ~~والأرض فاهربوا واخرجوا منها؛ والمراد: أنكم حيثما كنتم أدرككم الموت، ~~هذا قول الضحاك ومقاتل في آخرين. # والثالث: إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم ~~حتى لا يقدر عليكم فجوزوا؛ وإنما يقال لهم هذا يوم القيامة، ذكره ابن ~~جرير. # قوله تعالى: { لا تنفذون إلا بسلطان } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا تنفذون إلا في سلطان الله وملكه، لأنه مالك كل شيء، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: لا تنفذون إلا بحجة، قاله مجاهد. # والثالث: لا تنفذون إلا بملك، وليس لكم ملك، قاله قتادة. # قوله تعالى: { يرسل عليكما } فثنى على اللفظ. وقد جمع في قوله: { ~~إن استطعتم } على المعنى. # فأما «الشواظ» ففيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه لهب ms1933 النار، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر ~~المنقطع من النار. # والثاني: الدخان، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: النار المحضة، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: هي النار التي ~~تأجج لا دخان فيها، ويقال: شواظ وشواظ. وقرأ ابن كثير بكسر الشين؛ ~~وقرأ أيضا هو وأهل البصرة: «ونحاس» بالخفض، والباقون برفعهما. # وفي «النحاس» قولان. # أحدهما: أنه دخان النار، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، والفراء وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج، ومنه قول الجعدي يذكر ~~امرأة: # تضيء كضوء سراج السلي # ط لم يجعل الله فيه نحاسا # وذكر الفراء في السليط ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه دهن السنام، وليس له دخان إذا استصبح به. # والثاني: أنه دهن السمسم. # والثالث: الزيت. # والثاني: أنه الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة. قال مقاتل: والمراد بالآية: كفار الجن ~~والإنس، يرسل عليهما في الآخرة لهب النار والصفر الذائب، وهي خمسة ~~أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار ~~الليل، ونهران على مقدار نهار الدنيا، { فلا تنتصران } أي: فلا ~~تمتنعان من ذلك. ### || [55.37-45] # قوله تعالى: { فإذا انشقت السماء } أي: انفرجت من المجرة ~~لنزول من فيها يوم القيامة { فكانت وردة } وفيها قولان. # أحدهما: كلون الفرس الوردة، قاله أبو صالح، والضحاك. وقال الفراء: ~~الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصفرة، فإذا اشتد الحر كانت ~~وردة حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة، فشبه تلون السماء ~~بتلون الوردة من الخيل؛ وكذلك قال الزجاج: «فكانت وردة» أي: كلون فرس ~~وردة؛ والكميت: الورد يتلون، فيكون لونه في الشتاء خلاف لونه في ~~الصيف، ولونه في الصيف خلاف لونه في الشتاء، فالسماء تتلون من الفزع ~~الأكبر. وقال ابن قتيبة: المعنى: فكانت حمراء في لون الفرس الورد. # والثاني: أنها وردة النبات؛ وقد تختلف ألوانها، إلا أن الأغلب عليها ~~الحمرة، ذكره الماوردي. # وفي الدهان قولان. # أحدهما: أنه واحد، وهو الأديم الأحمر، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه جمع دهن، ms1934 والدهن تختلف ألوانه بخضرة وحمرة وصفرة، ~~حكاه اليزيدي، وإلى نحوه ذهب مجاهد. وقال الفراء: شبه تلون السماء ~~بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن. # قوله تعالى: { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: لا يسألون ليعلم حالهم، لأن الله تعالى أعلم منهم بذلك. # والثاني: لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله لاشتغال كل واحد منهم بنفسه، روي ~~القولان عن ابن عباس. # والثالث: لا يسألون عن ذنوبهم لأنهم يعرفون بسيماهم، فالكافر أسود ~~الوجه، والمؤمن أغر محجل من أثر وضوئه، قاله الفراء. قال الزجاج: لا ~~يسأل أحد عن ذنبه ليستفهم، ولكنه يسأل سؤال توبيخ. # قوله تعالى: { يعرف المجرمون بسيماهم } قال الحسن: بسواد ~~الوجوه، وزرق الأعين { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } فيه قولان. # أحدهما: أن خزنة جهنم تجمع بين نواصيهم إلى أقدامهم من وراء ظهورهم، ثم ~~يدفعونهم على وجوههم في النار، قاله مقاتل. # والثاني: يؤخذ بالنواصي والأقدام، فيسحبون إلى النار، ذكره الثعلبي. ~~وروى مردويه الصائغ، قال: صلى بنا الإمام صلاة الصبح فقرأ سورة «الرحمن» ~~ومعنا علي بن الفضيل بن عياض، فلما قرأ «يعرف المجرمون بسيماهم» ~~خر علي مغشيا عليه حتى فرغنا من الصلاة، فلما كان بعد ذلك قلنا ~~له: أما سمعت الإمام يقرأ «حور مقصورات في الخيام»؟ قال: شغلني عنها ~~«يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام». # قوله تعالى: { هذه جهنم } أي: يقال لهم. هذه جهنم { التي يكذب ~~بها المجرمون } يعني المشركين، { يطوفون بينها } وقرأ أبو العالية، ~~وأبو عمران الجوني: «يطوفون» بياء مضمومة مع تشديد الواو؛ وقرأ ~~الأعمش مثله إلا أنه بالتاء. # قوله تعالى: { وبين حميم آن } قال ابن قتيبة: الحميم: الماء الحار، ~~والآني: الذي قد انتهت شدة حره. قال المفسرون: المعنى أنهم يسعون ~~بين عذاب الجحيم وبين الحميم، إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم ~~الشديد الحرارة. ### || [55.46-53] # قوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } فيه قولان. # أحدهما: قيامه بين يدي ربه عز وجل يوم الجزاء. # والثاني: قيام الله على عبده بإحصاء ما اكتسب. وجاء في التفسير، أن ms1935 ~~العبد يهم بمعصية فيتركها خوفا من الله عز وجل فله جنتان، وهما ~~بستانان. # { ذواتا أفنان } فيه قولان. # أحدهما: أنها الأغصان، وهي جمع فنن، وهو الغصن المستقيم طولا، وهذا ~~قول مجاهد، وعكرمة، وعطية، والفراء، والزجاج. # والثاني: أنها الألوان والضروب من كل شيء، وهي جمع فنن، وهذا قول سعيد ~~بن جبير. وقال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة. # وجمع عطاء بين القولين، فقال في كل غصن فنون من الفاكهة. # قوله تعالى: { فيهما عينان تجريان } قال ابن عباس: تجريان بالماء ~~الزلال، إحداهما: السلسبيل، والأخرى: التسنيم. وقال عطية: إحداهما: من ~~ماء غير آسن، والأخرى: من خمر. وقال أبو بكر الوراق: فيهما عينان ~~تجريان لمن كانت له في الدنيا عينان تجريان من البكاء. # قوله تعالى: { فيهما من كل فاكهة زوجان } أي: صنفان ونوعان. قال ~~المفسرون: فيهما من كل ما يتفكه به نوعان، رطب ويابس، لا يقصر أحدهما ~~عن الآخر في فضله. ### || [55.54-61] # { متكئين } هذا حال المذكورين { على فرش } جمع فراش { بطائنها ~~} جمع بطانة، وهي التي تحت الظهارة. وقال أبو هريرة: هذه البطائن، فما ~~ظنكم بالظهائر؟! وقال ابن عباس: إنما ترك وصف الظواهر، لأنه ليس أحد ~~يعلم ما هي. وقال قتادة: البطائن: هي الظواهر بلغة قوم. وكان الفراء ~~يقول: قد تكون البطانة ظاهرة، والظاهرة بطانة، لأن كل واحد منهما قد يكون ~~وجها، والعرب تقول: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء، ~~لظاهرها، وهو الذي نراه، وقال ابن الزبير يعيب قتلة عثمان: خرجوا عليه ~~كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كل قتلة، ونجا منهم من نجا تحت بطون ~~الكواكب. يعني هربوا ليلا؛ فجعلوا ظهور الكواكب بطونا، وذلك جائز في ~~العربية. وأنكر هذا القول ابن قتيبة جدا، وقال: إنما أراد الله أن ~~يعرفنا من حيث نفهم فضل هذه الفرش وأن ما ولي الأرض منها ~~إستبرق، وإذا كانت البطانة كذلك، فالظهارة أعلى وأشرف. وهل يجوز ~~[لأحد] أن يقول لوجه مصل: هذا بطانته، ولما ولي الأرض منه: ~~هذا ظهارته؟! وإنما يجوز هذا في ذي الوجهين المتساويين، تقول لما ~~وليك من الحائط: هذا ms1936 ظهر الحائط، ويقول جارك لما وليه: هذا ~~ظهر الحائط، وكذلك السماء ماولينا منها: ظهر، وهي لمن ~~فوقها: بطن. وقد ذكرنا الإستبرق في [سورة الكهف: 31]. # قوله تعالى: { وجنى الجنتين دان } قال أبو عبيدة: أي: ما يجتنى ~~قريب لا يعني الجاني. # قوله تعالى: { فيهن قاصرات الطرف } قد شرحناه في [الصافات: ~~48]. # وفي قوله: «فيهن» قولان. # أحدهما: أنها تعود إلى الجنتين وغيرهما مما أعد لصاحب هذه ~~القصة، قاله الزجاج. # والثاني: أنها تعود إلى الفرش، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله تعالى: { لم يطمثهن } قرأ الكسائي بضم الميم، والباقون ~~بكسرها، وهما لغتان: يطمث ويطمث، مثل يعكف ويعكف. وفي ~~معناه قولان. # أحدهما: لم يقتضضهن؛ والطمث: النكاح بالتدمية، ومنه قيل ~~للحائض: طامث، قاله الفراء. # والثاني: لم يمسسهن؛ يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط، ~~أي: ما مسه، قاله أبو عبيدة. قال مقاتل: وذلك لأنهن خلقن من ~~الجنة؛ فعلى قوله، هذا صفة الحور. وقال الشعبي: هن من نساء الدنيا ~~لم يمسسهن مذ أنشئن خلق. وفي الآية دليل على أن الجني ~~يغشى المرأة كالإنسي. # قوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان } قال قتادة: هن في ~~صفاء الياقوت وبياض المرجان. وذكر الزجاج أن أهل التفسير وأهل اللغة ~~قالوا: هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان والمرجان: صغار اللؤلؤ، ~~وهو أشد بياضا. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: «الياقوت» ~~فارسي معرب، والجمع «اليواقيت» وقد تكلمت به العرب، قال مالك بن ~~نويرة اليربوعي: # لن يذهب اللؤم تاج قد حبيت به # من الزبرجد والياقوت والذهب # قوله تعالى: { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } قال الزجاج، أي: ما ~~جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. وقال ابن ~~عباس: هل جزاء من قال: «لا إله إلا الله» وعمل بما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلا الجنة. وروى أنس بن مالك قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وقال: «هل تدرون ما قال ~~ربكم»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن ربكم يقول: هل جزاء ~~من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة» ms1937 " ### || [55.62-78] # قوله تعالى: { ومن دونهما جنتان } قال الزجاج: المعنى: ولمن ~~خاف مقام ربه جنتان، وله من دونهما جنتان. # وفي قوله: «ومن دونهما» قولان. # أحدهما: دونهما في الدرج، قاله ابن عباس. # والثاني: دونهما في الفضل كما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " جنتان من ذهب وجنتان من فضة " # ؛ وإلى نحو هذا ذهب ابن زيد، ومقاتل. # قوله تعالى: { مدهامتان } قال ابن عباس [وابن الزبير]: خضراوان من ~~الري. وقال أبو عبيدة: من خضرتهما قد اسودتا. قال الزجاج: يعني ~~أنهما خضراوان تضرب خضرتهما إلى السواد، وكل نبت أخضر فتمام خضرته ~~وريه أن يضرب إلى السواد. # قوله تعالى: { نضاختان } قال أبو عبيدة: فوارتان. وقال ابن قتيبة: ~~تفوران، و«النضخ» أكثر من «النضح». وفيما يفوران به أربعة أقوال. # أحدها: بالمسك والكافور، قاله ابن مسعود. # والثاني: بالماء، قاله ابن عباس. # والثالث: بالخير والبركة، قاله الحسن. # والرابع: بأنواع الفاكهة، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: { ونخل ورمان } قال ابن عباس: نخل الجنة: ~~جذوعها زمرد أخضر، وكربها: ذهب أحمر، وسعفها: كسوة أهل الجنة، ~~منها مقطعاتهم وحللهم. وقال سعيد بن جبير: نخل الجنة: جذوعها من ذهب، ~~وعروقها من ذهب، وكرانيفها من زمرد، ورطبها كالدلاء أشد بياضا من ~~اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل، ليس له عجم. قال أبو ~~عبيدة: الكرانيف: أصول السعف الغلاظ، الواحدة: كرنافة. وإنما أعاد ~~ذكر النخل والرمان وقد دخلا في الفاكهة لبيان فضلهما كما ~~ذكرنا في قوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]، هذا قول جمهور المفسرين واللغويين. وحكى الفراء ~~والزجاج أن قوما قالوا: ليسا من الفاكهة؛ قال الفراء: وقد ذهبوا مذهبا، ~~ولكن العرب تجعلهما فاكهة. قال الأزهري: ما علمت أحدا من العرب قال في ~~النخيل والكروم وثمارها: إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال، ~~لقلة علمه بكلام العرب، فالعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئا ~~منها بالتسمية تنبيها على فضل فيه، كقوله: # وجبريل وميكال # [البقرة: 98]؛ فمن قال: ليسا من الملائكة كفر، ومن قال: ثمر النخل ~~والرمان ليسا من الفاكهة جهل. # قوله ms1938 تعالى: { فيهن } يعني في الجنان الأربع { خيرات } يعني ~~الحور. وقرأ معاذ القارىء، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: «خيرات» ~~بتشديد الياء. قال اللغويون: أصله «خيرات» بالتشديد، فخفف، كما ~~قيل: هين لين، وهين لين. وروت أم سلمة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " خيرات الأخلاق حسان الوجوه ". # قوله تعالى: { حور مقصورات } قد بينا في سورة [الدخان: 54] معنى ~~الحور. # وفي المقصورات قولان. # أحدهما: المحبوسات في الحجال، قاله ابن عباس، وهو مذهب الحسن، وأبي ~~العالية، والقرظي، والضحاك، وأبي صالح. # والثاني: المقصورات الطرف على أزواجهن، فلا يرفعن طرفا إلى غيرهم، ~~قاله الربيع. وعن مجاهد كالقولين. والأول أصح، فإن العرب تقول: امرأة ~~مقصورة وقصيرة وقصورة: إذا كانت ملازمة خدرها، قال كثير: # لعمري لقد حببت كل قصيرة # إلي وما تدري بذاك القصائر # عنيت قصيرات الحجال ولم أرد # قصار الخطى، شر النساء البحاتر # وبعضهم ينشده: قصورة، وقصورات؛ والبحاتر: القصار. # وفي «الخيام» قولان. # أحدهما: أنها البيوت. # والثاني: خيام تضاف إلى القصور. وقد روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من ~~حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في ~~السماء ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى ~~بعضهم بعضا " # وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس: الخيام: در مجوف. ~~وقال ابن عباس: الخيمة: لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، لها ~~أربعة آلاف مصراع من ذهب. # قوله تعالى: { متكئين على رفرف } وقرأ عثمان بن عفان، وعاصم ~~الجحدري، وابن محيصن: «على رفارف» جمع غير مصروف. وقرأ الضحاك، وأبو ~~العالية، وأبو عمران الجوني مثلهم، إلا أنهم صرفوا «رفارف» قال ثعلب: ~~إنما لم يقل: أخضر، لأن الرفرف جمع، واحدته: رفرفة، كقوله: # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا # [يس: 80] ولم يقل: الخضر، لأن الشجر جمع، تقول: هذا حصى أبيض، وحصى ~~أسود، قال الشاعر: # أحقا عباد الله أن لست ماشيا # بهرجاب ما دام الأراك به خضرا # واختلف المفسرون في المراد بالرفرف على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها فضول ms1939 المحابس [والبسط]، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال ~~أبو عبيدة: هي: الفرش والبسط. وحكى الفراء، وابن قتيبة: أنها المحابس. ~~وقال النقاش: الرفرف: المحابس الخضر فوق الفرش. # والثاني: أنها رياض الجنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير. # والثالث: أنها الوسائد، قاله الحسن. # قوله تعالى: { وعبقري حسان } فيه قولان. # أحدهما: أنها الزرابي، قاله ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وابن ~~زيد، وكذلك قال ابن قتيبة: العبقري: الطنافس الثخان. قال أبو عبيدة: ~~يقال لكل شيء من البسط: عبقري. # والثاني: أنه الديباج الغليظ، قاله مجاهد. قال الزجاج: أصل العبقري ~~في اللغة أنه صفة لكل ما بولغ في وصفه، وأصله أن عبقر: بلد كان يوشى ~~فيه البسط وغيرها، فنسب كل شيء جيد إليه، قال زهير: # بخيل عليها جنة عبقرية # جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا # وقرأ عثمان بن عفان، وعاصم الجحدري، وابن محيصن: «وعباقري» بألف ~~مكسورة القاف مفتوحة الياء من غير تنوين؛ قال الزجاج: ولا وجه لهذه ~~القراءة في العربية، لأن الجمع الذي بعد ألفه حرفان، نحو؛ مساجد ومفاتح، ~~لا يجوز أن يكون فيه مثل عباقري، لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء ~~النسب، فلو جمعت «عبقري» كان جمعه «عباقرة»، كما أنك لو جمعت ~~«مهلبي» كان جمعه «مهالبة»، ولم تقل: «مهالبي» قال: فإن قيل: ~~«عبقري» واحد، و«حسان» جمع، فكيف جاز هذا؟ فالأصل أن واحد هذا ~~«عبقرية» والجمع «عبقري»، كما تقول: تمرة، وتمر، ولوزة، ولوز، ~~ويكون أيضا «عبقري» اسما للجنس. # وقرأ الضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران: «وعباقري» بألف مع ~~التنوين. # قوله تعالى: { تبارك اسم ربك } فيه قولان. # أحدهما: أن ذكر «الاسم» صلة، والمعنى: تبارك ربك. # والثاني: أنه أصل. قال ابن الأنباري: المعنى: تفاعل من البركة، أي: ~~البركة تنال وتكتسب بذكر اسمه. وقد بينا معنى «تبارك» في ~~[الأعراف: 54]، وذكرنا في هذه السورة معنى # ذي الجلال والإكرام # [الرحمن: 27]، وكان ابن عامر يقرأ: «ذو الجلال» وكذلك هي في مصاحف أهل ~~الشام؛ والباقون: «ذي الجلال» وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والعراق، وهم ~~متفقون على الموضع الأول ms1940 أنه «ذو». ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-12] # قوله تعالى: { إذا وقعت الواقعة } قال أبو سليمان الدمشقي: لما قال ~~المشركون: متى هذا الوعد، متى هذا الفتح؟! نزل قوله: { إذا وقعت ~~الواقعة } ، فالمعنى: يكون إذا وقعت الواقعة. قال المفسرون: والواقعة: ~~القيامة، وكل آت يتوقع، يقال له إذا كان: قد وقع، والمراد بها هاهنا: ~~النفخة في الصور لقيام الساعة. # { ليس لوقعتها } أي: لظهورها ومجيئها { كاذبة } أي: كذب، كقوله: # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية: 11] أي: لغوا. قال الزجاج: و«كاذبة» مصدر، كقولك: عافاه الله ~~عافية، وكذب كاذبة، فهذه أسماء في موضع المصدر. وفي معنى الكلام ~~قولان. # أحدهما: لا رجعة لها ولا ارتداد، قاله قتادة. # والثاني: ليس الإخبار عن وقوعها كذبا، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { خافضة } أي: هي خافضة { رافعة } وقرأ أبو رزين، وأبو ~~عبد الرحمن، وأبو العالية، والحسن، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، واليزيدي ~~في اختياره: «خافضة رافعة» بالنصب فيهما. وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: أنها خفضت فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت البعيد، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. وهذا يدل على أن المراد بالواقعة: صيحة القيامة. # والثاني: أنها خفضت ناسا، ورفعت آخرين، رواه عكرمة عن ابن عباس. قال ~~المفسرون: تخفض أقواما إلى أسفل السافلين في النار، وترفع أقواما إلى ~~عليين في الجنة. # قوله تعالى: { إذا رجت الأرض رجا } أي: حركت حركة شديدة ~~وزلزلت، وذلك أنها ترتج حتى ينهدم ما عليها من بناء، ويتفتت ما ~~عليها من جبل. وفي ارتجاجها قولان. # أحدهما: أنه لإماتة من عليها من الأحياء. # والثاني: لإخراج من في بطنها من الموتى. # قوله تعالى: { وبست الجبال بسا } فيه قولان. # أحدهما: فتتت فتا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. ~~قال ابن قتيبة: فتتت حتى صارت كالدقيق والسويق المبسوس. # والثاني: لتت، قاله قتادة. وقال الزجاج: خلطت ولتت. قال ~~الشاعر: # لا تخبزوا خبزا وبسا بسا # وفي «الهباء» أقوال قد ذكرناها في [الفرقان: 23]. وذكر ابن قتيبة أن ~~الهباء المنبث: ما سطع من سنابك الخيل، وهو من «الهبوة» ~~والهبوة: الغبار. والمعنى: كانت ترابا منتشرا. # قوله تعالى: ms1941 { وكنتم أزواجا } أي: أصنافا { ثلاثة }. # { فأصحاب الميمنة } فيهم ثمانية أقوال. # أحدها: [أنهم] الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت ذريته من ~~صلبه، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، قاله الضحاك، والقرظي. # والثالث: أنهم الذين كانوا ميامين على أنفسهم، أي: مباركين، قاله ~~الحسن، والربيع. # والرابع: أنهم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، قاله زيد بن أسلم. # والخامس: أنهم الذين منزلتهم عن اليمين، قاله ميمون بن مهران. # والسادس: أنهم أهل الجنة، قاله السدي. # والسابع: أنهم أصحاب المنزلة الرفيعة، قاله الزجاج. # والثامن: أنهم الذين يؤخذ [بهم] ذات اليمين إلى الجنة، ذكره علي بن ~~أحمد النيسابوري. # قوله تعالى: { ما أصحاب الميمنة } قال الفراء: عجب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم منهم؛ والمعنى: أي شيء هم؟! قال الزجاج: وهذا اللفظ ~~في العربية مجراه مجرى التعجب، ومجراه من الله عز وجل في مخاطبة العباد ~~ما يعظم به الشأن عندهم، ومثله: # ما الحاقة # [الحاقة: 2] # ما القارعة # [القارعة: 2]؛ قال ابن قتيبة: ومثله أن يقول: زيد ما زيد! أي: أي ~~رجل هو! { وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } [أي: أصحاب] الشمال، ~~والعرب تسمي اليد اليسرى: الشؤمى، والجانب الأيسر: الأشأم، ومنه ~~قيل: اليمن والشؤم، فاليمن: كأنه [ما] جاء عن اليمين، والشؤم [ما ~~جاء] عن الشمال، ومنه سميت «اليمن» و«الشأم» لأنها عن يمين الكعبة ~~وشمالها. قال المفسرون: أصحاب الميمنة: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين، ~~ويعطون كتبهم بأيمانهم؛ وتفسير أصحاب المشأمة على ضد تفسير أصحاب ~~الميمنة سواء؛ والمعنى: أي قوم هم؟! ماذا أعد لهم من العذاب؟!. # قوله تعالى: { والسابقون السابقون } فيهم خمسة أقوال. # أحدها: أنهم السابقون إلى الإيمان من كل أمة، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: أنهم الذين صلوا [إلى] القبلتين، قاله ابن سيرين. # والثالث: أهل القرآن، قاله كعب. # والرابع: الأنبياء، قاله محمد بن كعب. # والخامس: السابقون إلى المساجد وإلى الخروج في سبيل الله، قاله عثمان بن ~~أبي سودة. # وفي إعادة ذكرهم قولان. # أحدهما: أن ذلك للتوكيد. # والثاني: أن المعنى: السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله ~~ذكرهما الزجاج. ms1942 # قوله تعالى: { أولئك المقربون } قال أبو سليمان الدمشقي: يعني عند ~~الله في ظل عرشه وجواره. ### || [56.13-26] # قوله تعالى: { ثلة من الأولين } الثلة: الجماعة غير محصورة ~~العدد. # وفي الأولين والآخرين هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الأولين: الذين كانوا من زمن آدم إلى زمن نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، والآخرون: هذه الأمة. # والثاني: [أن الأولين]: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخرين: ~~التابعون. # والثالث: أن الأولين [والآخرين: من] أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # فعلى الأول يكون المعنى: إن الأولين السابقين جماعة من الأمم ~~المتقدمة الذين سبقوا بالتصديق لأنبيائهم من جاء بعدهم مؤمنا، ~~وقليل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الذين عاينوا الأنبياء ~~أجمعين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين نبينا وصدق به. وعلى الثاني: أن ~~السابقين: جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الأولون ~~من المهاجرين والأنصار، وقليل من التابعين وهم الذين اتبعوهم باحسان. # وعلى الثالث: أن السابقين: الأولون من المهاجرين والأنصار، وقليل ~~ممن جاء بعدهم لعجز المتأخرين أن يلحقوا الأولين، فقليل منهم من ~~يقاربهم في السبق. # وأما «الموضونة»، فقال ابن قتيبة: هي المنسوجة، كأن بعضها أدخل في ~~بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع: موضونة، ومنه قيل: ~~وضين الناقة، وهو بطان من سيور يدخل بعضه في بعض. قال الفراء: ~~سمعت بعض العرب يقول: الآجر موضون بعضه على بعض، اي: مشرج. # وللمفسرين في معنى «موضونة» قولان. # أحدهما: مرمولة بالذهب، رواه مجاهد عن ابن عباس. وقال عكرمة: مشبكة ~~بالدر والياقوت، وهذا معنى ما ذكرناه عن ابن قتيبة، وبه قال ~~الأكثرون. # والثاني: مصفوفة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # وما بعد هذا قد تقدم بيانه [الكهف: 30] إلى قوله: { ولدان مخلدون ~~} الولدان: الغلمان. وقال الحسن البصري: هؤلاء أطفال لم يكن لهم ~~حسنات فيجزون بها، ولا سيئات فيعاقبون عليها، فوضعوا بهذا الموضع. # وفي المخلدين قولان. # أحدهما: أنه من الخلد؛ والمعنى: أنهم مخلوقون للبقاء لا يتغيرون، وهم ~~على سن واحد. قال الفراء: والعرب تقول للإنسان إذا كبر ms1943 ولم يشمط: ~~أو لم تذهب أسنانه عن الكبر: إنه لمخلد، هذا قول الجمهور. # والثاني: أنهم المقرطون، ويقال: المسورون، ذكره الفراء، وابن ~~قتيبة، وانشدوا في ذلك: # ومخلدات باللجين كأنما # أعجازهن أقاوز الكثبان # قوله تعالى: { بأكواب وأباريق } الكوب: إناء لا عروة له ولا خرطوم، ~~وقد ذكرناه في [الزخرف: 72]؛ والأباريق: آنية لها عرى وخراطيم؛ وقرأت ~~على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: الإبريق: فارسي معرب، وترجمته من ~~الفارسية أحد شيئين، إما أن يكون: طريق الماء، أو: صب الماء على ~~هينة، وقد تكلمت به العرب قديما، قال عدي بن زيد: # ودعا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها إبريق # وباقي الآيات في [الصافات: 46]. # قوله تعالى: { لا يصدعون عنها ولا ينزفون } فيه قولان. # أحدهما: لا يلحقهم الصداع الذي يلحق شاربي خمر الدنيا. و«عنها» ~~كناية عن الكأس المذكور، والمراد بها: الخمر، وهذا قول الجمهور. # والثاني: لا يتفرقون عنها، من قولك: صدعته فانصدع، حكاه ابن ~~قتيبة. ولا «ينزفون» مفسر في [الصافات: 47]. # قوله تعالى: { مما يتخيرون } أي: يختارون، تقول: تخيرت الشيء: ~~إذا أخذت خيره. # قوله تعالى: { ولحم طير } قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير، فيصير ~~ممثلا بين يديه على ما اشتهى. وقال مغيث بن سمي: تقع على أغصان شجرة ~~طوبى طير كأمثال البخت، فإذا اشتهى الرجل طيرا دعاه، فيجيء حتى يقع ~~على خوانه، فيأكل من أحد جانبيه قديدا والآخر شواء، ثم يعود طيرا ~~فيطير فيذهب. # قوله تعالى: { وحور عين } قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «وحور عين» بالرفع فيهما. وقرأ أبو جعفر، وحمزة، ~~والكسائي، والمفضل عن عاصم: بالخفض فيهما. وقرأ أبي بن كعب، وعائشة، ~~وأبو العالية، وعاصم الجحدري: «وحورا عينا» بالنصب فيهما. قال ~~الزجاج: والذين رفعوا كرهوا الخفض، لأنه معطوف على قوله: { يطوف عليهم } ~~، قالوا: والحور ليس مما يطاف به، ولكنه مخفوض على غير ما ذهب إليه ~~هؤلاء، لأن المعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بها، ~~وكذلك ينعمون بلحم طير، فكذلك ينعمون بحور عين، والرفع أحسن، ~~والمعنى: ولهم حور عين؛ ومن قرأ «وحورا عينا» حمله ms1944 على المعنى، ~~لأن المعنى: يعطون هذه الأشياء ويعطون حورا عينا، إلا أنها ~~تخالف المصحف فتكره. ومعنى { كأمثال اللؤلؤ } أي: صفاؤهن ~~وتلألؤهن كصفاء اللؤلؤ وتلألئه. والمكنون: الذي لم يغيره الزمان ~~واختلاف أحوال الاستعمال، فهن كاللؤلؤ حين يخرج من صدفه. # { جزاء } منصوب مفعول له؛ والمعنى: يفعل بهم ذلك جزاء بأعمالهم، ~~ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مصدر، لأن معنى «يطوف عليهم ولدان ~~مخلدون»: يجازون جزاء بأعمالهم؛ وأكثر النحويين على هذا الوجه. # قوله تعالى: { لا يسمعون فيها لغوا } قد فسرنا معنى اللغو ~~والسلام في سورة [مريم: 62] ومعنى التأثيم في [الطور: 23] ومعنى «ما ~~أصحاب اليمين» في أول هذه السورة [الواقعة: 9]. # فإن قيل: التأثيم لا يسمع فكيف ذكره مع المسموع؟ # فالجواب: أن العرب يتبعون آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في ~~أحدهما ما يحسن في الآخر، فيقولون: أكلت خبزا ولبنا، واللبن لا ~~يؤكل، إنما حسن هذا لأنه كان مع ما يؤكل، قال الفراء: أنشدني بعض ~~العرب: # إذا ما الغانيات برزن يوما # وزججن الحواجب والعيونا # قال: والعين لا تزجج إنما تكحل، فردها على الحاجب لأن ~~المعنى يعرف، وأنشدني آخر: # ولقيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # وأنشدني آخر: # علفتها تبنا وماء باردا # والماء لا يعلف وإنما يشرب، فجعله تابعا للتبن؛ قال الفراء: ~~وهذا هو وجه قراءة من قرأ، «وحور عين» بالخفض، لإتباع آخر الكلام ~~أوله، وهو وجه العربية. ### || [56.27-40] # وقد شرحنا معنى قوله: { وأصحاب اليمين } في قوله: # فأصحاب الميمنة # [الواقعة: 9] وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أصحاب اليمين: أطفال ~~المؤمنين. # قوله تعالى: { في سدر مخضود } سبب نزولها أن المسلمين نظروا إلى ~~وج، وهو واد بالطائف مخصب. فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل ~~هذا؟ فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية، والضحاك. # وفي المخضود ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الذي لا شوك فيه، رواه أبو طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~عكرمة، وقسامة بن زهير. قال ابن قتيبة: كأنه خضد شوكه، أي: قلع، ومنه # " قول النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: «لا يخضد شوكها» ms1945 ". # والثاني: أنه الموقر حملا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والضحاك. # والثالث: أنه الموقر الذي لا شوك فيه، ذكره قتادة. # وفي الطلح قولان. # أحدهما: أنه الموز، قاله علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد ~~الخدري، والحسن، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه شجر عظام كبار الشوك، قال أبو عبيدة: هذا هو الطلح عند ~~العرب، قال الحادي: # بشرها دليلها وقالا # غدا ترين الطلح والجبالا # فإن قيل: ما الفائدة في الطلح؟ # فالجواب أن له نورا وريحا طيبة، فقد وعدهم ما يعرفون ويميلون ~~إليه، وإن لم يقع التساوي بينه وبين ما في الدنيا. وقال مجاهد: كانوا ~~يعجبون ب «وج» وظلاله من طلحه وسدره. فأما المنضود، فقال ابن ~~قتيبة: هو الذي قد نضد بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى ~~آخره، فليس له ساق بارزة، وقال مسروق: شجر الجنة نضيد من أسفلها إلى ~~أعلاها. # قوله تعالى: { وظل ممدود } أي: دائم لا تنسخه الشمس. # { وماء مسكوب } أي: جار غير منقطع. # قوله تعالى: { لا مقطوعة ولا ممنوعة } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: لا مقطوعة في حين دون حين، ولا ممنوعة بالحيطان والنواطير، إنما ~~هي مطلقة لمن أرادها، هذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. ~~ولخصه بعضهم فقال: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. # والثاني: لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمنع من أحد إذا أريدت، روي عن ~~ابن عباس. # والثالث: لا مقطوعة بالفناء، ولا ممنوعة بالفساد، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { وفرش مرفوعة } فيها قولان. # أحدهما: أنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم. وفي رفعها قولان. # أحدهما: أنها مرفوعة فوق السرر. # والثاني: أن رفعها: زيادة حشوها ليطيب الاستمتاع بها. # والثاني: أن المراد بالفراش: النساء؛ والعرب تسمي المرأة: فراشا ~~وإزارا ولباسا؛ وفي معنى رفعهن ثلاثة أقوال. أحدها: أنهن رفعن ~~بالجمال على نساء أهل الدنيا، والثاني: رفعن عن الأدناس. والثالث: في ~~القلوب لشدة الميل إليهن. # قوله تعالى: { إنا أنشأناهن إنشاء } يعني النساء. قال ابن قتيبة: ~~اكتفى بذكر الفرش لأنها محل النساء عن ذكرهن. # وفي المشار إليهن قولان. # أحدهما: أنهن نساء أهل ms1946 الدنيا المؤمنات؛ ثم في إنشائهن، قولان. # أحدهما: أنه إنشاؤهن من القبور، قاله ابن عباس. # والثاني: إعادتهن بعد الشمط والكبر أبكارا صغارا، قاله الضحاك. # والثاني: أنهن الحور العين، وإنشاؤهن: إيجادهن عن غير ولادة، قاله ~~الزجاج. والصواب أن يقال: إن الإنشاء عمهن كلهن، فالحور أنشئن ~~ابتداء، والمؤمنات أنشئن بالإعادة وتغيير الصفات؛ وقد روى أنس بن مالك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا ". # قوله تعالى: { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى. وقال ابن عباس: لا ~~يأتيها زوجها إلا وجدها بكرا. # قوله تعالى: { عربا } قرأ الجمهور: بضم الراء. وقرأ حمزة، وخلف: ~~بإسكان الراء؛ قال ابن جرير: هي لغة تميم وبكر. # وللمفسرين في معنى «عربا» خمسة أقوال. # أحدها: أنهن المتحببات إلى أزواجهن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~سعيد بن جبير، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: أنهن العواشق، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، وقتادة، ومقاتل، والمبرد؛ وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: الحسنة التبعل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال أبو ~~عبيدة. # والرابع: الغنجات، قاله عكرمة. # والخامسة: الحسنة الكلام، قاله ابن زيد. # فأما الأتراب فقد ذكرناهن في [ص: 52]. # قوله تعالى: { ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين } هذا من ~~نعت أصحاب اليمين. وفي الأولين والآخرين خلاف، وقد سبق شرحه [الواقعة: ~~13] وقد زعم مقاتل أنه لما نزلت الآية الأولى، وهي قوله: «وقليل من ~~الآخرين» وجد المؤمنون من ذلك وجدا شديدا حتى أنزلت «وثلة من ~~الآخرين» فنسختها. وروي عن عروة بن رويم نحو هذا المعنى. # قلت: وادعاء النسخ هاهنا لا وجه له لثلاثة أوجه. # أحدها: أن علماء الناسخ والمنسوخ لم يوافقوا على هذا. # والثاني: أن الكلام في الآيتين خبر، والخبر لا يدخله النسخ، [فهو هاهنا ~~لا وجه له]. # والثالث: أن الثلة بمعنى الفرقة والفئة؛ قال الزجاج: اشتقاقهما من ~~القطعة، والثل: الكسر والقطع. فعلى هذا قد يجوز أن تكون الثلة ~~في معنى القليل. ### || [56.41-56] # قوله تعالى: { ما أصحاب الشمال } قد بينا أنه بمعنى ms1947 التعجب من ~~حالهم؛ والمعنى: ما لهم، وما أعد لهم من الشر؟! ثم بين لهم سوء ~~منقلبهم فقال: { في سموم } قال ابن قتيبة: هو حر النار. # قوله تعالى: { وظل من يحموم } قال ابن عباس: ظل من دخان. قال ~~الفراء: اليحموم: الدخان الأسود، { لا بارد ولا كريم } فوجه الكلام ~~الخفض تبعا لما قبله، ومثله # زيتونة لا شرقية ولا غربية # [النور: 35]، وكذلك قوله: { وفاكهة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة } ، ~~ولو رفعت ما بعد «لا» كان صوابا، والعرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء ~~نفت عنه فعلا ينوي [به] الذم، فتقول: ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة، ~~وما هذا بسمين ولا كريم. قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر. # قوله تعالى: { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } ~~أي: متنعمين في ترك أمر الله، فشغلهم ترفهم عن الاعتبار والتعبد. # { وكانوا يصرون } أي: يقيمون { على الحنث } وفيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه الشرك، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن زيد. # والثاني: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه، قاله مجاهد. وعن قتادة ~~كالقولين. # والثالث: أنه اليمين الغموس، قاله الشعبي. # والرابع: الشرك والكفر بالبعث، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { أو آباؤنا الأولون } قال أبو عبيدة: الواو متحركة ~~لأنها ليست بواو «أو»، إنما هي «وآباؤنا»، فدخلت عليها ألف الاستفهام ~~فتركت مفتوحة. وقرأ أهل المدينة، وابن عامر: «أو آباؤنا» بإسكان ~~الواو. # وقد سبق بيان ما لم يذكر هاهنا [هود:103، الصافات:62، الأنعام:70] ~~إلى قوله: { فشاربون شرب الهيم } قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: ~~«شرب» بضم الشين؛ والباقون بفتحها. قال الفراء: والعرب تقول: ~~شربته شربا، وأكثر أهل نجد يقولون: شربا بالفتح، أنشدني ~~عامتهم: # تكفيه حزة فلذ إن ألم بها # من الشواء ويكفي شربه الغمر # وزعم الكسائي أن قوما من بني سعد بن تميم يقولون: «شرب الهيم» ~~بالكسر. وقال الزجاج: «الشرب» المصدر، و«الشرب» بالضم: الاسم، قال: ~~وقد قيل: إنه مصدر أيضا. # وفي «الهيم» قولان. # أحدهما: الإبل العطاش، رواه ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة. قال ms1948 ابن قتيبة: هي الإبل ~~يصيبها داء فلا تروى من الماء، يقال: بعير أهيم، وناقة ~~هيماء. # والثاني: أنها الأرض الرملة التي لا تروى من الماء، وهو مروي عن ~~ابن عباس أيضا. قال أبو عبيدة: الهيم: ما لا يروى من رمل أو بعير. # قوله تعالى: { هذا نزلهم } أي: رزقهم. ورواه عباس عن أبي عمرو: ~~«نزلهم» بسكون الزاي، أي: رزقهم وطعامهم. وفى «الدين» قولان قد ~~ذكرناهما فى «الفاتحة». ### || [56.57-62] # قوله تعالى: { نحن خلقناكم } أي: أوجدناكم ولم تكونوا شيئا، وأنتم ~~تقرون بهذا { فلولا } أي: فهلا { تصدقون } بالبعث؟! # ثم احتج على بعثهم بالقدرة على ابتدائهم فقال: { أفرأيتم ما تمنون ~~} قال الزجاج: أي: ما يكون منكم من المني، يقال: أمنى الرجل يمني، ~~ومنى يمني، فيجوز على هذا «تمنون» بفتح التاء إن ثبتت به رواية. # قوله تعالى: { أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } أي: تخلقون ما ~~تمنون بشرا؟! وفيه تنبيه على شيئين. # أحدهما: الامتنان، إذا خلق من الماء المهين بشرا سويا. # والثاني: أن من قدر على خلق ما شاهدتموه من أصل وجودكم كان أقدر ~~على خلق ما غاب عنكم من إعادتكم. # قوله تعالى: { نحن قدرنا بينكم الموت } وقرأ ابن كثير: ~~«قدرنا» بتخفيف الدال. وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: قضينا عليكم بالموت. # والثاني: سوينا بينكم في الموت { وما نحن بمسبوقين، على أن نبدل ~~أمثالكم } قال الزجاج: المعنى: إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم ~~يسبقنا سابق، ولا يفوتنا ذلك. وقال ابن قتيبة: لسنا مغلوبين على أن ~~نستبدل بكم أمثالكم. # قوله تعالى: { وننشئكم في ما لا تعلمون } وفيه أربعة أقوال. # أحدها: نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم، ~~قاله الحسن. # والثاني: ننشئكم في حواصل طير سود تكون ب «برهوت» كأنها الخطاطيف، قاله ~~سعيد بن المسيب. # والثالث: نخلقكم في أي خلق شئنا، قاله مجاهد. # والرابع: نخلقكم في سوى خلقكم، قاله السدي. قال مقاتل: نخلقكم سوى خلقكم ~~في مالا تعلمون من الصور. # قوله تعالى: { ولقد علمتم النشأة الأولى } وهي ابتداء خلقكم من ~~نطفة وعلقة { فلولا تذكرون } أي: فهلا تعتبرون ms1949 فتعلموا قدرة ~~الله فتقروا بالبعث. ### || [56.63-74] # { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تعملون في الأرض من إثارتها، وإلقاء ~~البذور فيها، { أأنتم تزرعونه } أي: تنبتونه؟! وقد نبه هذا الكلام ~~على أشياء منها إحياء الموتى، ومنها الامتنان بإخراج القوت، ومنها ~~القدرة العظيمة الدالة على التوحيد. # قوله تعالى: { لجعلناه } يعني الزرع { حطاما } قال عطاء: تبنا لا ~~قمح فيه. وقال الزجاج: أبطلناه حتى يكون محتطما لا حنطة فيه، ولا شيء. # قوله تعالى: { فظلتم } وقرأ الشعبي، وابو العالية، وابن أبي عبلة: ~~«فظلتم» بكسر الظاء؛ وقد بيناه في قوله: # ظلت عليه عاكفا # [طه: 97]. # قوله تعالى: { تفكهون } وقرأ أبي بن كعب، وابن السميفع، والقاسم ~~بن محمد، وعروة: «تفكنون» بالنون. وفي المعنى أربعة أقوال. # أحدها: تعحبون، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل. قال الفراء: ~~تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم. # والثاني: تندمون، قاله الحسن، والزجاج. وعن قتادة كالقولين. قال ابن ~~قتيبة: يقال: «تفكهون» تندمون، ومثلها: تفكنون، وهي لغة ~~لعكل. # والثالث: تتلاومون، قاله عكرمة. # والرابع: تتفجعون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { إنا لمغرمون } قال الزجاج: أي: تقولون: قد غرمنا ~~وذهب زرعنا. وقال ابن قتيبة: «لمغرمون» أي: لمعذبون. # قوله تعالى: { بل نحن محرومون } أي: حرمنا ما كنا نطلبه من الريع ~~في الزرع. وقد نبه بهذا على أمرين. # أحدهما: إنعامه عليهم إذ لم يجعل زرعهم حطاما. # والثاني: قدرته على إهلاكهم كما قدر على إهلاك الزرع. فأما المزن، ~~فهي السحاب، واحدتها: مزنة. # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: { تورون } قال أبو عبيدة: تستخرجون، من ~~أوريت، وأكثر ما يقال: وريت. وقال ابن قتيبة: التي تستخرجون من ~~الزنود. قال الزجاج: «تورون» أي: تقدحون، تقول: أوريت النار: إذا ~~قدحتها. # قوله تعالى: { أأنتم أنشأتم شجرتها } في المراد بشجرتها ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنها الحديد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها الشجرة التي تتخذ منها الزنود، وهو خشب يحك ~~بعضه ببعض فتخرج منه النار، هذا قول ابن قتيبة، والزجاج. # والثالث: أن شجرتها: أصلها، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { نحن جعلناها تذكرة } قال المفسرون: إذا رآها ~~الرائي ذكر نار ms1950 جهنم، وما يخاف من عذابها، فاستجار بالله منها { ومتاعا ~~} أي: منفعة { للمقوين } وفيهم أربعة أقوال. # أحدها: أنهم المسافرون، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. قال ابن قتيبة: ~~سموا بذلك لنزلهم القوى، وهو القفر. وقال بعض العلماء: المسافرون أكثر ~~حاجة إليها من المقيمين، لأنهم إذا أوقدوها هربت منهم السباع واهتدى به ~~الضال. # والثاني: أنهم المسافرون والحاضرون، قاله مجاهد. # والثالث: أنهم الجائعون، قال ابن زيد: المقوي: الجائع في كلام العرب. # والرابع: أنهم الذين لا زاد معهم ولا مرد لهم، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الزجاج: لما ذكر ما يدل على ~~توحيده، وقدرته، وإنعامه، قال: «فسبح» أي: برء الله ونزهه عما يقولون ~~في وصفه. وقال الضحاك: معناه: فصل باسم ربك، أي: استفتح الصلاة بالتكبير. ~~وقال ابن جرير: سبح بذكر ربك وتسميته. وقيل: الباء زائدة. والاسم يكون ~~بمعنى الذات، والمعنى: فسبح ربك. ### || [56.75-82] # قوله تعالى: { فلا أقسم } في «لا» قولان. # أحدهما: أنها دخلت توكيدا. والمعنى: فأقسم، ومثله # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحشر: 29] قال الزجاج: وهو مذهب سعيد بن جبير. # والثاني: أنها على أصلها. ثم في معناها قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى ما تقدم، ومعناها: النهي، تقدير الكلام: فلا ~~تكذبوا، ولا تجحدوا ما ذكرته من النعم والحجج، قاله الماوردي. # والثاني: أن «لا» رد لما يقوله الكفار في القرآن: إنه سحر، وشعر، ~~وكهانة. ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، قاله علي بن أحمد ~~النيسابوري. وقرأ الحسن: فلأقسم بغير ألف بين اللام والهمزة. # قوله تعالى: { بمواقع } وقرأ حمزة، والكسائي: «بموقع» على التوحيد. قال ~~أبو علي: مواقعها: مساقطها. ومن أفرد، فلأنه اسم جنس. ومن ~~جمع، فلاختلاف ذلك. وفي «النجوم» قولان. # أحدهما: نجوم السماء، قاله الأكثرون. فعلى هذا في مواقعها ثلاثة أقوال. # أحدها: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، قاله الحسن. # والثاني: منازلها، قاله عطاء، وقتادة. # والثالث: مغيبها في المغرب، قاله أبو عبيدة. # والثاني: أنها نجوم القرآن، رواه ابن جبير عن ابن عباس. فعلى هذا سميت ~~نجوما لنزولها متفرقة، ومواقعها: نزولها { وإنه لقسم } الهاء كناية ~~عن ms1951 القسم. وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: وإنه لقسم عظيم لو تعلمون ~~عظمه. ثم ذكر المقسم عليه فقال تعالى: { إنه لقرآن كريم } والكريم: ~~اسم جامع لما يحمد، وذلك أن فيه البيان، والهدى، والحكمة، وهو معظم ~~عند الله عز وجل. # قوله تعالى: { في كتاب } فيه قولان. # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس. والثاني: أنه المصحف الذي ~~بأيدينا، قاله مجاهد، وقتادة. # وفي «المكنون» قولان. # أحدهما: مستور عن الخلق، قاله مقاتل، وهذا على القول الأول. # والثاني: مصون، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { لا يمسه إلا المطهرون } من قال: إنه اللوح المحفوظ. ~~فالمطهرون عنده: الملائكة، وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن ~~جبير. فعلى هذا يكون الكلام خبرا. ومن قال: هو المصحف، ففي المطهرين ~~أربعة أقوال. # أحدها: أنهم المطهرون من الأحداث، قاله الجمهور. فيكون ظاهر الكلام ~~النفي، ومعناه النهي. # والثاني: المطهرون من الشرك، قاله ابن السائب. # والثالث: المطهرون من الذنوب والخطايا، قاله الربيع بن أنس. # والرابع: أن معنى الكلام: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، حكاه ~~الفراء. # قوله تعالى: { تنزيل } أي: هو تنزيل. والمعنى: هو منزل، فسمي المنزل ~~تنزيلا في اتساع اللغة، كما تقول للمقدور: قدر، وللمخلوق: خلق. # قوله تعالى: { أفبهذا الحديث } يعني: القرآن { أنتم مدهنون } فيه قولان. # أحدهما: مكذبون، قاله ابن عباس، والضحاك، والفراء. # والثاني: ممالئون الكفار على الكفر به، قاله مجاهد. قال أبو عبيدة: ~~المدهن، المداهن، وكذلك قال ابن قتيبة: «مدهنون» أي: مداهنون. يقال: أدهن ~~في دينه، وداهن { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } روى مسلم في «صحيحه» من ~~حديث ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر " # قالوا: هذه رحمة وضعها الله حيث شاء. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، ~~وكذا، فنزلت هذه الآية «فلا أقسم بمواقع النجوم» حتى بلغ «أنكم تكذبون». ~~وروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث زيد بن خالد الجهني، قال # " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بالحديبية ms1952 على إثر سماء ~~كانت من الليل. فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ~~ربكم»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر. فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي، كافر ~~بالكواكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب» ~~". # وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الرزق هاهنا بمعنى الشكر. روت عائشة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: { وتجعلون رزقكم } قال: «شكركم»، وهذا قول علي بن أبي ~~طالب، وابن عباس، وكان علي يقرأ «وتجعلون شكركم». # والثاني: أن المعنى: وتجعلون شكر رزقكم تكذيبكم، قاله الأكثرون. وذلك ~~أنهم كانوا يمطرون، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. # والثالث: أن الرزق بمعنى الحظ، فالمعنى: وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن ~~أنكم تكذبون، ذكره الثعلبي. وقرأ أبي بن كعب، والمفضل عن عاصم ~~«تكذبون» بفتح التاء، وإسكان الكاف، مخففة الذال. ### || [56.83-96] # قوله تعالى: { فلولا } أي: فهلا { إذا بلغت الحلقوم } يعني: النفس، ~~فترك ذكرها لدلالة الكلام، وأنشدوا من ذلك: # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # قوله تعالى: { وأنتم } يعني أهل الميت { تنظرون } إلى سلطان الله وأمره. ~~والثاني: تنظرون إلى الإنسان في تلك الحالة، ولا تملكون له شيئا { ونحن ~~أقرب إليه منكم } فيه قولان. # أحدهما: ملك الموت أدنى إليه من أهله { ولكن لا تبصرون } الملائكة، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ونحن أقرب إليه منكم بالعلم والقدرة ~~والرؤية { ولكن لا تبصرون } أي: لا تعلمون، والخطاب للكفار، ذكره ~~الواحدي. # قوله تعالى: { غير مدينين } فيه خمسة أقوال. # أحدها: محاسبين، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وابن جبير، ~~وعطاء، وعكرمة. # والثاني: موقنين، قاله مجاهد. # والثالث: مبعوثين، قاله قتادة. # والرابع: مجزيين. ومنه يقال: دنته، وكما تدين تدان، قاله أبو عبيدة. # والخامس: مملوكين أذلاء من قولك: دنت له بالطاعة، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { ترجعونها } أي: تردون النفس. والمعنى: إن جحدتم ~~الإله الذي يحاسبكم ويجازيكم، فهلا تردون هذه النفس؟! فإذا لم ~~يمكنكم ذلك، فاعلموا ms1953 أن الأمر لغيركم. # قال الفراء: وقوله تعالى: { ترجعونها } هو جواب لقوله تعالى: { فلولا ~~إذا بلغت الحلقوم } ولقوله تعالى: { فلولا إن كنتم غير مدينين } فإنهما ~~أجيبتا بجواب واحد. ومثله قوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم # [البقرة: 38] ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت فقال تعالى: { فأما إن كان ~~} يعني: الذي بلغت نفسه الحلقوم { من المقربين } عند الله. قال أبو ~~العالية: هم السابقون { فروح } أي: فله روح. والجمهور يفتحون ~~الراء. وفي معناها ستة أقوال. # أحدها: الفرح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: الراحة، رواه أبو طلحة عن ابن عباس. # والثالث: المغفرة والرحمة، رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: الجنة، قاله مجاهد. # والخامس: روح من الغم الذي كانوا فيه، قاله محمد بن كعب. # والسادس: روح في القبر، أي: طيب نسيم، قاله ابن قتيبة. وقرأ أبو بكر ~~الصديق، وأبو رزين، والحسن، وعكرمة، وابن يعمر، وقتادة، ورويس عن يعقوب، ~~وابن أبي سريج عن الكسائي: «فروح» برفع الراء. وفي معنى هذه القراءة ~~قولان. # أحدهما: أن معناها: فرحمة، قاله قتادة. # والثاني: فحياة وبقاء، قاله ابن قتيبة. وقال الزجاج: معناه: فحياة ~~دائمة لا موت معها. وفي «الريحان» أربعة أقوال. # أحدها: أنه الرزق، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أنه المستراح، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أنه الجنة، قاله مجاهد، وقتادة. # والرابع: أنه الريحان المشموم. وقال أبو العالية: لا يخرج أحد من ~~المقربين من الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة، فيشمه، ثم تقبض فيه ~~روحه، وإلى نحو هذا ذهب الحسن. # وقال أبو عمران الجوني: بلغنا أن المؤمن إذا قبض روحه تلقى بضبائر ~~الريحان من الجنة، فتجعل روحه فيه. # قوله تعالى: { فسلام لك من أصحاب اليمين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: فسلامة لك من العذاب، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين، قاله عطاء. # والثالث: أن المعنى: أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة. وقد علمت ما ~~أعد لهم من ms1954 الجزاء، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وأما إن كان من المكذبين } أي: بالبعث { الضالين } عن ~~الهدى { فنزل } وقد بيناه في هذه السورة [الواقعة: 56]. # قوله تعالى: { إن هذا } يعني: ما ذكر في هذه السورة { لهو حق اليقين } ~~أي: هو اليقين حقا، فأضافه إلى نفسه، كقولك: صلاة الأولى، وصلاة العصر، ~~ومثله: # ولدار الآخرة # [يوسف: 109] وقد سبق هذا المعنى وقال قوم: معناه: وإنه للمتقين حقا. ~~وقيل للحق: اليقين. # قوله تعالى: { فسبح باسم ربك } قد ذكرناه في هذه السورة [الواقعة: 74]. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-6] # قوله تعالى: { سبح لله ما في السموات والأرض } أما تسبيح ما يعقل، ~~فمعلوم، وتسبيح ما لا يعقل، قد ذكرنا معناه في قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]. # قوله تعالى: { هو الأول } قال أبو سليمان الخطابي: هو السابق للأشياء { ~~والآخر } الباقي بعد فناء الخلق { والظاهر } بحججه الباهرة، وبراهينه ~~النيرة، وشواهده الدالة على صحة وحدانيته. ويكون: الظاهر فوق كل ~~شيء بقدرته. وقد يكون الظهور بمعنى العلو، ويكون بمعنى الغلبة. ~~والباطن: هو المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية. ~~وقد يكون معنى الظهور والبطون: احتجابه عن أبصار الناظرين، وتجليه ~~لبصائر المتفكرين. ويكون معناه: العالم بما ظهر من الأمور، والمطلع ~~على ما بطن من الغيوب { هو الذي خلق السموات والأرض } مفسر في [الأعراف: ~~54] إلى قوله تعالى: { يعلم ما يلج في الأرض } وهو مفسر في [سبأ: 2] إلى ~~قوله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم } أي: بعلمه وقدرته. وما بعده ظاهر ~~إلى قوله تعالى: { آمنوا بالله ورسوله } قال المفسرون: هذا الخطاب لكفار ~~قريش { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } يعني: المال الذي كان بأيدي ~~غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشا ذلك المال، فكانوا فيه خلفاء من مضى. ### || [57.7-11] # قوله تعالى: { وما لكم لا تؤمنون بالله } هذا استفهام إنكار، والمعنى: ~~أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله { وقد أخذ ~~ميثاقكم؟ } قرأ أبو عمرو «أخذ» بالرفع. وقرأ الباقون «أخذ» بفتح الخاء { ~~ميثاقكم } بالفتح. والمراد به: حين أخرجتم من ظهر آدم { إن كنتم ms1955 مؤمنين ~~} بالحجج والدلائل. # قوله تعالى: { هو الذي ينزل على عبده } يعني: محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { آيات بينات } يعني: القرآن { ليخرجكم من الظلمات } يعني الشرك { ~~إلى } نور الإيمان { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } حين بعث الرسول ونصب ~~الأدلة. ثم حثهم على الإنفاق فقال: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ~~ولله ميراث السموات والأرض } أي: أي شيء لكم في ترك الإنفاق مما يقرب ~~إلى الله عز وجل وأنتم ميتون تاركون أموالكم؟! ثم بين فضل من سبق ~~بالإنفاق فقال: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح } وفيه قولان. # أحدهما: أنه فتح مكة، قاله ابن عباس، والجمهور. # والثاني: أنه فتح الحديبية، قاله الشعبي. والمعنى: لا يستوي من أنفق قبل ~~ذلك { وقاتل } ومن فعل ذلك بعد الفتح. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في ~~أبي بكر الصديق. { أولئك أعظم درجة } قال ابن عباس: أعظم منزلة عند ~~الله. قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في ~~أفضلها. قال الزجاج: لأن المتقدمين كانت بصائرهم أنفذ، ونالهم من المشقة ~~أكثر { وكلا وعد الله الحسنى } أي: وكلا الفريقين وعده الله الجنة. وقرأ ~~ابن عامر «وكل» بالرفع. # قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له } قرأ ابن ~~كثير، وابن عامر «فيضعفه» مشددة بغير ألف، إلا أن ابن كثير يضم ~~الفاء، وابن عامر يفتحها. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي ~~«فيضاعفه» بالألف وضم الفاء، وافقهم عاصم، إلا أنه فتح الفاء. قال أبو ~~علي: يضاعف ويضعف بمعنى واحد، إلا أن الرفع في «يضاعف» هو الوجه، لأنه ~~محمول على «يقرض». أو على الانقطاع من الأول، كأنه [قال:] فهو يضاعف. ~~ويحمل قول الذي نصب على المعنى، لأنه إذا قال: من ذا الذي يقرض الله، ~~معناه: أيقرض الله أحد قرضا فيضاعفه. والآية مفسرة في [البقرة: 245] ~~والأجر الكريم: الجنة. ### || [57.12-15] # قوله تعالى: { يسعى نورهم } قال المفسرون: يضيء لهم نور عملهم على ~~الصراط على قدر أعمالهم. قال ابن مسعود: منهم من نوره مثل الجبل، ~~وأدناهم نورا نوره على إبهامه ms1956 يطفىء مرة، ويتقد أخرى. وفي قوله تعالى: ~~{ وبأيمانهم } قولان. # أحدهما: أنه كتبهم يعطونها بأيمانهم، قاله الضحاك. # والثاني: أنه نورهم يسعى، أي: يمضي بين أيديهم، وعن أيمانهم، وعن ~~شمائلهم. والباء بمعنى: «في». و«في» بمعنى «عن» هذا قول الفراء. # قوله تعالى: { بشراكم اليوم } هذا قول الملائكة لهم. # قوله تعالى: { انظرونا نقتبس } وقرأ حمزة: «أنظرونا» بقطع الهمزة، ~~وفتحها، وكسر الظاء. قال المفسرون: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة، ~~فيعطى المؤمنون النور، فيمشي المنافقون في نور المؤمنين، فإذا سبقهم ~~المؤمنون قالوا: انظرونا نقتبس من نوركم { قيل: ارجعوا وراءكم } في ~~القائل قولان. # أحدهما: أنهم المؤمنون، قاله ابن عباس. # والثاني: الملائكة، قاله مقاتل. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: ارجعوا إلى المكان الذي قبستم فيه النور، فيرجعون، فلا يرون ~~شيئا. # والثاني: ارجعوا فاعملوا عملا يجعله الله لكم نورا. # والثالث: أن المعنى: لا نور لكم عندنا { فضرب بينهم بسور } قال ابن ~~عباس: هو الأعراف، وهو سور بين الجنة والنار { باطنه فيه الرحمة } وهي: ~~الجنة { وظاهره } يعني: من وراء السور { من قبله العذاب } وهو جهنم. وقد ~~ذهب قوم إلى أن هذا السور يكون ببيت المقدس في مكان السور الشرقي بين ~~الوادي الذي يسمى: وادي جهنم، وبين الباب الذي يسمى: باب الرحمة، وإلى ~~نحو هذا ذهب عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو، وكعب. # قوله تعالى: { ينادونهم } أي: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور: ~~{ ألم نكن معكم } أي: على دينكم نصلي بصلاتكم، ونغزو معكم؟! فيقول لهم ~~المؤمنون: { بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم } قال الزجاج: استعملتموها في ~~الفتنة. وقال غيره: آثمتموها بالنفاق { وتربصتم } فيه قولان. # أحدهما: تربصتم بالتوبة. # والثاني: تربصتم بمحمد الموت، وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح { وارتبتم ~~} شككتم في الحق { وغرتكم الأماني } يعني: ما كانوا يتمنون من نزول ~~الدوائر بالمؤمنين { حتى جاء أمر الله } وفيه قولان. # أحدهما: أنه الموت. # والثاني: إلقاؤهم في النار { وغركم بالله الغرور } أي: غركم الشطيان ~~بحكم الله وإمهاله { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } وقرأ أبو جعفر، وابن ~~عامر، ويعقوب «لا تؤخذ» بالتاء، أي: بدل وعوض عن ms1957 عذابكم. وهذا خطاب ~~للمنافقين، ولهذا قال تعالى: { ولا من الذين كفروا }. # قوله تعالى: { هي مولاكم } قال أبو عبيدة: أي: أولى بكم. ### || [57.16-17] # قوله تعالى: { ألم يأن للذين آمنوا } اختلفوا فيمن نزلت على قولين. # أحدهما: أنها نزلت في المؤمنين. قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا، ~~وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم ~~بعضا. # والثاني: أنها نزلت في المنافقين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال ~~مقاتل: سأل المنافقون سلمان الفارسي فقالوا: حدثنا عن التوراة، فإن ~~فيها العجائب، فنزلت هذه الآية. وقال الزجاج: نزلت هذه الآية في طائفة من ~~المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع. فأما من كان وصفه الله عز وجل ~~بالخشوع، والرقة، فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء. فعلى الأول: يكون ~~الإيمان حقيقة. وعلى الثاني: يكون المعنى: «ألم يأن للذين آمنوا» ~~بألسنتهم. قال ابن قتيبة: المعنى: ألم يحن، تقول: أنى الشيء: إذا حان. # قوله تعالى: { أن تخشع قلوبهم } أي: ترق وتلين لذكر الله. المعنى: ~~أنه يجب أن يورثهم الذكر خشوعا { وما نزل من الحق } قرأ ابن كثير، ~~وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي «وما نزل» بفتح النون، ~~والزاي، مع تشديد الزاي. وقرأ نافع، وحفص، والمفضل عن عاصم «نزل» بفتح ~~النون، وتخفيف الزاي. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، وابن ~~يعمر، ويونس بن حبيب عن أبي عمرو، وأبان عن عاصم «نزل» برفع النون، ~~وكسر الزاي، مع تشديدها. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء «وما أنزل» بهمزة ~~مفتوحة، وفتح الزاي. وقرأ أبو مجلز، وعمرو بن دينار مثله، إلا أنه بضم ~~الهمزة، وكسر الزاي. و«الحق» القرآن { ولا يكونوا } قرأ رويس عن يعقوب ~~«لا تكونوا» بالتاء { كالذين أوتوا الكتاب } يعني: اليهود، والنصارى { ~~فطال عليهم الأمد } وهو: الزمان. وقال ابن قتيبة: الأمد: الغاية. ~~والمعنى: أنه بعد عهدهم بالأنبياء والصالحين { فقست قلوبهم وكثير منهم ~~فاسقون } وهم الذين لم يؤمنوا بعيسى ومحمد عليهما السلام { إعلموا أن ~~الله يحيي الأرض بعد موتها } أي: يخرج منها النبات بعد يبسها، فكذلك يقدر ~~على إحياء الأموات ms1958 { قد بينا لكم الآيات } الدالة على وحدانيته وقدرته { ~~لعلكم تعقلون } أي: لكي تتأملوا. ### || [57.18-19] # قوله تعالى: { إن المصدقين والمصدقات } قرأ ابن كثير، وعاصم إلا ~~حفصا بتخفيف الصاد فيهما على معنى التصديق وقرأ الباقون، بالتشديد على ~~معنى الصدقة. # قوله تعالى: { أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } اختلفوا في ~~نظم الآية على قولين. # أحدهما: أن تمام الكلام عند قوله تعالى: { أولئك هم الصديقون } ثم ~~ابتدأ فقال تعالى: { والشهداء عند ربهم } هذا قول ابن عباس، ومسروق، ~~والفراء في آخرين. # والثاني: أنها على نظمها. والواو في «والشهداء» واو النسق. ثم في معناها ~~قولان. # أحدهما: أن كل مؤمن صديق شهيد، قاله ابن مسعود، ومجاهد. # والثاني: أنها نزلت في قوم مخصوصين، وهم ثمانية نفر سبقوا إلى الإسلام: ~~أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة بن عبد المطلب، وطلحة، والزبير، ~~وسعد، وزيد، قاله الضحاك. وفي الشهداء قولان. # أحدهما: أنه جمع شاهد. ثم فيهم قولان. أحدهما: أنهم الأنبياء خاصة، قاله ~~ابن عباس. والثاني: أنهم الشاهدون عند ربهم على أنفسهم بالإيمان لله، ~~قاله مجاهد. # والقول الثاني: أنه جمع شهيد، قاله الضحاك، ومقاتل. ### || [57.20-21] # قوله تعالى: { إعلموا أنما الحياة الدنيا } يعني: الحياة في هذه الدار ~~{ لعب ولهو } أي: غرور ينقضي عن قليل. وذهب بعض المفسرين إلى أن المشار ~~بهذا إلى حال الكافر في دنياه، لأن حياته تنقضي على لهو ولعب وتزين ~~الدنيا، ويفاخر قرناءه وجيرانه، ويكاثرهم بالأموال والأولاد، فيجمع من ~~غير حله، ويتطاول على أولياء الله بماله، وخدمه، وولده، فيفنى عمره في ~~هذه الأشياء، ولا يلتفت إلى العمل للآخرة. ثم بين لهذه الحياة شبها، ~~فقال: { كمثل غيث } يعني: مطرا { أعجب الكفار } وهم الزراع، وسموا ~~كفارا، لأن الزارع إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي: غطاه { نباته } ~~أي: ما نبت من ذلك الغيث { ثم يهيج } أي: ييبس { فتراه مصفرا } بعد ~~خضرته وريه { ثم يكون حطاما } أي: ينحطم، وينكسر بعد يبسه. وشرح هذا ~~المثل قد تقدم في «يونس» عند قوله تعالى: # إنما مثل الحياة الدنيا # [آية:24] وفي «الكهف» عند قوله تعالى: # واضرب لهم ms1959 مثل الحياة الدنيا # [آية:45]. # قوله تعالى: { وفي الآخرة عذاب شديد } أي: لأعداء الله { ومغفرة من الله ~~ورضوان } لأوليائه وأهل طاعته. وما بعد هذا مذكور في [آل عمران:185] إلى ~~قوله: { ذلك فضل الله } فبين أنه لا يدخل الجنة أحد إلا بفضل الله. ### || [57.22-24] # قوله تعالى: { ما أصاب من مصيبة في الأرض } يعني: قحط المطر، وقلة ~~النبات، ونقص الثمار { ولا في أنفسكم } من الأمراض، وفقد الأولاد { إلا ~~في كتاب } وهو اللوح المحفوظ { من قبل أن نبرأها } أن نخلقها، يعني: ~~الأنفس { إن ذلك على الله يسير } أي: إثبات ذلك على كثرته هين على الله ~~عز وجل { لكيلا تأسوا } أي: تحزنوا { على ما فاتكم } من الدنيا { ولا ~~تفرحوا بما آتاكم } وقرأ أبو عمرو الا اختيار اليزيدي بالقصر على ~~معنى: جاءكم من الدنيا. وقرأ الباقون بالمد على معنى: أعطاكم الله منها. ~~وأعلم أنه من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه وفرحه. وقد روى ~~قتيبة بن سعيد قال: دخلت بعض أحياء العرب، فإذا بفضاء من الأرض فيه من ~~الإبل ما لا يحصى عدده كلها قد مات، فسألت عجوزا: لمن كانت هذه الإبل؟ ~~فأشارت إلى شيخ على تل يغزل الصوف فقلت له: يا شيخ ألك كانت هذه الإبل؟ ~~قال: كانت باسمي، قلت: فما أصابها؟ قال: ارتجعها الذي أعطاها، قلت: فهل ~~قلت في ذلك شيئا؟ قال نعم، قلت: # لا والذي أنا عبد في عبادته # والمرء في الدهر نصب الرزء والحزن # ما سرني أن إبلي في مباركها # وما جرى في قضا رب الورى يكن # وما بعد هذا قد ذكرناه في سورة [النساء:37] والذي قيل في البخل هناك هو ~~الذي قيل هاهنا إلى قوله: { ومن يتول } أي: عن الإيمان { فإن الله هو ~~الغني } عن عباده { الحميد } إلى أوليائه. وقد سبق معنى الاسمين في ~~[البقرة:267] وقرأ نافع وابن عامر: «فإن الله الغني الحميد» ليس فيها ~~«هو» وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة، والشام. ### || [57.25] # قوله تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } أي: بالآيات والحجج { ~~وأنزلنا معهم الكتاب } ببيان ms1960 الشرائع، والأحكام. وفي «الميزان» قولان. # أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنه الذي يوزن به، قاله ابن زيد ومقاتل. فعلى القول الأول: ~~يكون المعنى: وأمرنا بالعدل. وعلى الثاني: ووضعنا الميزان، أي: أمرنا به ~~{ ليقوم الناس بالقسط } أي: لكي يقوموا بالعدل. # قوله تعالى: { وأنزلنا الحديد } فيه قولان. # أحدهما: أن الله تعالى أنزل مع آدم السندان، والكلبتين، والمطرقة، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أن معنى «أنزلنا»: أنشأنا وخلقنا، كقوله تعالى: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر:6]. # قوله تعالى: { فيه بأس شديد } قال الزجاج: وذلك أنه يمتنع به، ~~ويحارب به { ومنافع للناس } في أدواتهم: وما ينتفعون به من آنية ~~وغيرها. # قوله تعالى: { وليعلم الله } هذا معطوف على قوله تعالى: { ليقوم الناس ~~} ، والمعنى: ليتعامل الناس بالعدل وليعلم الله { من ينصره بالقتال في ~~سبيله، ونصرة دينه، وذلك أنه أمر في الكتاب الذي أنزل بذلك. وقد سبق معنى ~~قوله تعالى: { وليعلم الله } في مواضع. وقوله تعالى: { بالغيب } أي: ولم ~~ير الله، ولا أحكام الآخرة، وإنما يجهد ويثاب من أطاع بالغيب. ### || [57.26-27] # قوله تعالى: { وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } يعني: الكتب { فمنهم ~~} يعني: من الذرية { مهتد وكثير منهم فاسقون } فيه قولان. # أحدهما: كافرون، قاله ابن عباس. # والثاني: عاصون، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { ثم قفينا على آثارهم } أي: أتبعنا على آثار نوح، ~~وإبراهيم، وذريتهما { بعيسى } وكان آخر أنبياء بني إسرائيل، { وجعلنا في ~~قلوب الذين اتبعوه } يعني: الحواريين وغيرهم من أتباعه على دينه { ~~رأفة } وقد سبق بيانها [النور:2] متوادين، كما وصف الله تعالى أصحاب ~~نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى: # رحماء بينهم # [الفتح:29]. # قوله تعالى: { ورهبانية ابتدعوها } ليس هذا معطوفا على ما قبله، وإنما ~~انتصب بفعل مضمر، يدل عليه ما بعده، تقديره: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ~~أي: جاؤوا بها من قبل أنفسهم، وهي غلوهم في العبادة، وحمل المشاق على ~~أنفسهم في الامتناع عن المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في ~~الجبال { ما كتبناها عليهم } أي: ما فرضناها عليهم. وفي قوله تعالى: { ~~إلا ابتغاء رضوان الله } قولان. # أحدهما: أنه يرجع ms1961 إلى قوله تعالى: «ابتدعوها»، وتقديره: ما كتبناها ~~عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، ذكره علي بن عيسى، والرماني ~~عن قتادة، وزيد بن أسلم. # والثاني: أنه راجع إلى قوله تعالى: «ما كتبناها» ثم في معنى الكلام ~~قولان. أحدهما: ما كتبناها عليهم بعد دخولهم فيها تطوعا إلا ابتغاء ~~رضوان الله. قال الحسن: تطوعوا بابتداعها ثم كتبها الله عليهم. وقال ~~الزجاج: لما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع لزمهم إتمامه، كما أن الإنسان ~~إذا جعل على نفسه صوما لم يفترض عليه، لزمه أن يتمه. قال القاضي أبو ~~يعلى: والابتداع قد يكون بالقول، وهو ما ينذره ويوجبه على نفسه، وقد يكون ~~بالفعل بالدخول فيه. وعموم الآية تتضمن الأمرين، فاقتضى ذلك أن كل من ~~ابتدع قربة، قولا، أو فعلا، فعليه رعايتها وإتمامها. # والثاني: أن المعنى: ما أمرناهم منها إلا بما يرضي الله عز وجل، لا غير ~~ذلك، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { فما رعوها حق رعايتها } في المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم الذين ابتدعوا الرهبانية، قاله الجمهور. ثم في معنى الكلام ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم ما رعوها لتبديل دينهم وتغييرهم له، قاله عطية العوفي. # والثاني: لتقصيرهم فيما ألزموه أنفسهم. # والثالث: لكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث، ذكر القولين ~~الزجاج. # والثاني: أنهم الذين اتبعوا مبتدعي الرهبانية في رهبانيتهم، ما رعوها ~~بسلوك طريق أوليهم، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس. # قوله تعالى: { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } فيهم ثلاثة أقوال. # أحدها: الذين آمنوا بمحمد { وكثير منهم فاسقون } وهم الذين لم يؤمنوا ~~به. # والثاني: أن الذين آمنوا: المؤمنون بعيسى، والفاسقون: المشركون. # والثالث: أن الذين آمنوا: مبتدعو الرهبانية، والفاسقون: متبعوهم على غير ~~القانون الصحيح. ### || [57.28-29] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله } عامة ~~المفسرين على أن هذا الخطاب لليهود والنصارى. والمعنى: يا أيها الذين ~~آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله، وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم { ~~يؤتكم كفلين } أي: نصيبين، وحظين { من رحمته } قال الزجاج: الكفل: كساء ~~يمنع الراكب أن يسقط، ms1962 فالمعنى: يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي. ~~وقد بينا «معنى» «الكفل» في سورة [النساء:85] وفي المراد بالكفلين هاهنا ~~قولان. # أحدهما: لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء، والآخر: لإيمانهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. # والثاني: أن أحدهما: أجر الدنيا، والثاني: أجر الآخرة، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { ويجعل لكم نورا } فيه أربعة أقوال: # أحدها: القرآن، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثاني: نورا تمشون به على الصراط، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: الهدى، قاله مجاهد. # والرابع: الإيمان، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { لئلا يعلم } «لا» زائدة. قاله الفراء: والعرب تجعل «لا» ~~صلة في كل كلام دخل في آخره أو أوله جحد، فهذا مما جعل في آخره جحد. ~~والمعنى: ليعلم { أهل الكتاب } الذين لم يؤمنوا بمحمد { ألا يقدرون } ~~أي: أنهم لا يقدرون { على شيء من فضل الله } والمعنى: أنه جعل الأجرين ~~لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ليعلم من لم يؤمن به أنه لا أجر لهم ~~ولا نصيب في فضل الله { وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } فآتاه ~~المؤمنين. هذا تلخيص قول الجمهور في هاتين الآيتين. وقد ذهب قوم إلى أنه ~~لما نزل في مسلمة أهل الكتاب # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون # إلى قوله تعالى: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص:54،52] افتخروا على المسلمين بزيادة الأجر، فشق ذلك على ~~المسلمين، فنزلت هاتان الآيتان، وهذا المعنى في رواية أبي صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال مقاتل. فعلى هذا يكون الخطاب للمسلمين، ويكون المعنى: ~~يؤتكم أجرين ليعلم مؤمنو أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله ~~الذي خصكم، فإنه فضلكم على جميع الخلائق. وقال قتادة: لما نزل قوله ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله... } الآية، حسد ~~أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنزل الله تعالى: { لئلا يعلم أهل الكتاب... ~~} الآية. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # قوله تعالى: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } أما سبب نزولها، ~~فروي عن عائشة أنها قالت: ms1963 تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت ~~المجادلة فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في جانب البيت ~~أسمع كلامها، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها وتقول: يا رسول الله: ~~أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، ~~اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات. # فأما تفسيرها، فقوله تعالى: { قد سمع الله } قال الزجاج: إدغام الدال في ~~السين حسن لقرب المخرجين، لأنهما من حروف طرف اللسان، وإظهار الدال جائز، ~~لأنه وإن قرب من مخرج السين، فله حيز على حدة، ومن موضع الدال الطاء ~~والتاء، فهذه الأحرف الثلاثة موضعها واحد، والسين والزاي والصاد من موضع ~~واحد، وهي تسمى: حروف الصفير. وفي اسم هذه المجادلة ونسبتها أربعة أقوال: # أحدها: خولة بنت ثعلبة، رواه مجاهد، عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~وقتادة، والقرظي. # والثاني: خولة بنت خويلد، رواه عكرمة. عن ابن عباس. # والثالث: خولة بنت الصامت، رواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: خولة بنت الدليج، قاله أبو العالية. واسم زوجها: أوس بن ~~الصامت، وكانا من الأنصار. # قال ابن عباس: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت علي كظهر ~~أمي، حرمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، ثم ندم، وقال ~~لامرأته: انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسليه، فأتته، فنزلت ~~هذه الآيات. فأما مجادلتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ~~كلما قال لها: قد حرمت عليه تقول: والله ما ذكر طلاقا، فقال: ما ~~أوحي إلي في هذا شيء، فجعلت تشتكي إلى الله. وتشتكي بمعنى: تشكو. ~~يقال: اشتكيت ما بي، وشكوته. وقالت: إن لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ~~ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. فأما التحاور، فهو مراجعة الكلام. قال ~~عنترة في فرسه: # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى # ولكان لو علم الكلام مكلمي ### || [58.2-4] # قوله تعالى: { الذين يظاهرون منكم من نسائهم } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو «يظهرون» بفتح الياء، وتشديد الظاء والهاء وفتحهما من غير ms1964 ~~ألف. وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بفتح الياء، وتشديد ~~الظاء، وبألف، وتخفيف الهاء. وقرأ عاصم «يظاهرون» بضم الياء، وتخفيف ~~الظاء والهاء، وكسر الهاء في الموضعين مع إثبات الألف. وقرأ ابن مسعود ~~«يتظاهرون» بياء، وتاء، وألف. وقرأ أبي بن كعب «يتظهرون» بياء، ~~وتاء، وتخفيف الياء، وتشديد الهاء من غير ألف. وقرأ الحسن، وقتادة، ~~والضحاك «يظهرون» بفتح الياء، وفتح الظاء، مخففة، مكسورة الهاء مشددة. ~~والمعنى: تقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا { ما هن أمهاتهم } قرأ ~~الأكثرون بكسر التاء. وروى المفضل عن عاصم رفعها. والمعنى: ما اللواتي ~~تجعلن كالأمهات بأمهات لهم { إن أمهاتهم } أي ما أمهاتهم { إلا اللائي ~~ولدنهم } قال الفراء: وانتصاب، «الأمهات» هاهنا بإلقاء الباء، وهي ~~قراءة عبد الله «ما هن بأمهاتهم» ومثله: # ما هذا بشرا # [يوسف:31]، المعنى: ما هذا ببشر، فلما ألقيت الباء أبقي أثرها، وهو: ~~النصب، وعلى هذا كلام أهل الحجاز. فأما أهل نجد، فإنهم إذا ألقوا الباء ~~رفعوا، وقالوا: «ما هن أمهاتهم» و«ما هذا بشر» أنشدني بعض العرب: # ركاب حسيل آخر الصيف بدن # وناقة عمرو ما يحل لها رحل # ويزعم حسل أنه فرع قومه # وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل # قوله تعالى: { وإنهم } يعني: المظاهرين { ليقولون منكرا من القول } ~~لتشبيههم الزوجات بالأمهات، والأمهات محرمات على التأبيد، بخلاف الزوجات. ~~{ وزورا } أي: كذبا { وإن الله لعفو غفور } إذ شرع الكفارة ~~لذلك. # قوله تعالى: { ثم يعودون لما قالوا } اللام في «لما» بمعنى «إلى» ~~والمعنى: ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا على أنفسهم من وطء الزوجة ~~بالعزم على الوطء. قال الفراء: معنى الآية: يرجعون عما قالوا، وفي نقض ما ~~قالوا. وقال سعيد بن جبير: المعنى: يريدون أن يعودوا إلى الجماع الذي قد ~~حرموه على أنفسهم. وقال الحسن، وطاووس، والزهري: العود: هو الوطء. ~~وهذا يرجع إلى ما قلناه. وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار مدة ~~يمكنه طلاقها فيه فلا يطلقها. فإذا وجد هذا، استقرت عليه الكفارة، لأنه ~~قصد بالظهار تحريمها، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه، وان ~~سكت ms1965 عن الطلاق، فقد ندم على ما ابتدأ به، فهو عود إلى ما كان عليه، ~~فحينئذ تجب الكفارة. وقال داود: هو إعادة اللفظ ثانيا، لأن ظاهر قوله ~~تعالى: { يعودون } يدل على تكرير اللفظ. قال الزجاج: وهذا قول من لا يدري ~~اللغة. وقال أبو علي الفارسي: ليس في هذا كما ادعوا، لأن العود قد ~~يكون إلى شيء لم يكن الإنسان عليه قبل، وسميت الآخرة معادا، ولم يكن ~~فيها أحد ثم عاد إليها. # قال الهذلي: # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل # سوى الحق شيئا واستراح العواذل # وقد شرحنا هذا في قوله تعالى: # وإلى الله ترجع الأمور # [البقرة:210] قال ابن قتيبة: من توهم أن الظهار لا يقع حتى يلفظ به ~~ثانية، فليس بشيء، لأن الناس قد أجمعوا أن الظهار يقع بلفظ واحد. وإنما ~~تأويل الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم ~~الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، وأنزل قوله تعالى: ~~«والذين يظاهرون من نسائهم» يريد في الجاهلية «ثم يعودون لما قالوا» في ~~الإسلام، أي: يعودون لما كانوا يقولونه من هذا الكلام، { فتحرير رقبة } ~~قال المفسرون: المعنى: فعليهم، أو فكفارتهم تحرير رقبة، أي: عتقها. وهل ~~يشترط أن تكون مؤمنة؟ فيه عن أحمد روايتان. # قوله تعالى: { من قبل أن يتماسا } وهو: كناية عن الجماع على أن العلماء ~~قد اختلفوا: هل يباح للمظاهر الاستمتاع باللمس والقبلة؟ وعن أحمد ~~روايتان. وقال أبو الحسن الأخفش: تقدير الآية «والذين يظاهرون من نسائهم ~~فتحرير رقبة» لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم. # فصل # إذا وطىء المظاهر قبل أن يكفر أثم، واستقرت الكفارة. وقال أبو ~~حنيفة: يسقط الظهار والكفارة. واختلف العلماء فيما يجب عليه إذا فعل ~~ذلك، فقال الحسن، وسعيد بن المسيب، وطاووس، ومجاهد، وإبراهيم، وابن ~~سيرين: عليه كفارة واحدة. وقال الزهري، وقتادة، في آخرين: عليه كفارتان. ~~فإن قال: أنت علي كظهر أمي اليوم، بطل الظهار بمضي اليوم، هذا قول ~~أصحابنا، وأبي حنيفة، والثوري، والشافعي. وقال ابن أبي ليلى، ومالك، ~~والحسن بن صالح: هو مظاهر أبدا. # واختلفوا في الظهار ms1966 من الأمة، فقال ابن عباس: ليس من أمة ظهار، وبه قال ~~سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وأبو حنيفة، والشافعي. وقال سعيد بن ~~جبير، وطاووس، وعطاء، والأوزاعي، والثوري، ومالك: هو ظهار. ونقل أبو طالب ~~عن أحمد أنه قال: لا يكون مظاهرا من أمته، ولكن تلزمه كفارة الظهار، كما ~~قال في المرأة إذا ظاهرت من زوجها لم تكن مظاهرة، وتلزمها كفارة الظهار. # واختلفوا فيمن ظاهر مرارا، فقال أبو حنيفة، والشافعي: إن كان في مجالس، ~~فكفارات، وإن كان في مجلس واحد، فكفارة: قال القاضي أبو يعلى: وعلى قول ~~أصحابنا: يلزمه كفارة واحدة، سواء كان في مجلس، أو في مجالس، ما لم ~~يكفر، وهذا قول مالك. # قوله تعالى: { ذلكم توعظون به } قال الزجاج: ذلكم التغليظ توعظون به. ~~والمعنى: أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. # قوله تعالى: { فمن لم يجد } يعني: الرقبة { فصيام شهرين } أي: فعليه ~~صيام شهرين { متتابعين فمن لم يستطع } الصيام { ف } كفارته { إطعام ~~ستين مسكينا ذلك } أي: الفرض ذلك الذي وصفنا { لتؤمنوا بالله ورسوله } ~~أي: تصدقوا بأن الله أمر بذلك، وتصدقوا بما أتى به الرسول { وتلك ~~حدود الله } يعني: ما وصفه الله من الكفارات في الظهار { وللكافرين ~~عذاب أليم } قال ابن عباس: لمن جحد هذا وكذب به. ### || [58.5-7] # قوله تعالى: { إن الذين يحادون الله ورسوله } قد ذكرنا معنى ~~المحادة في [التوبة: 63] ومعنى «كبتوا» في [آل عمران] عند قوله تعالى ~~{ أو يكبتهم } [آية:127] وقال ابن عباس: أخزوا يوم الخندق بالهزيمة كما ~~أخزي الذين من قبلهم ممن قاتل الرسل. # قوله تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعا } أي: من قبورهم { فينبئهم بما ~~عملوا } من معاصيه، وتضييع فرائضه { أحصاه الله } أي: حفظه الله عليهم { ~~ونسوه والله على كل شيء } من أعمالهم في السر والعلانية { شهيد }. { ~~ألم تر } أي: ألم تعلم. # قوله تعالى: { ما يكون من نجوى ثلاثة } وقرأ أبو جعفر «ما تكون» بالتاء. ~~قال ابن قتيبة: النجوى: السرار. وقال الزجاج: ما يكون من خلوة ثلاثة ~~يسرون شيئا ويتناجون به { إلا هو رابعهم } أي: عالم به. ms1967 «ونجوى» ~~مشتق من النجوة، وهو ما ارتفع. وقرأ يعقوب «ولا أكثر» بالرفع. وقال ~~الضحاك «إلا هو معهم» أي: علمه معهم. ### || [58.8-10] # قوله تعالى: { ألم ترى إلى الذين نهوا عن النجوى } في سبب نزولها ~~قولان. # أحدهما: نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما ~~بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى ~~المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلا قد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا ~~الذين خرجوا في السرايا، قتل أو موت، أو مصيبة، فيقع ذلك في قلوبهم، ~~ويحزنهم، فلا يزالون كذلك حتى تقدم أصحابهم. فلما طال ذلك وكثر، شكا ~~المؤمنون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون ~~المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: نزلت في اليهود، قاله مجاهد. قال مقاتل: وكان بين اليهود وبين ~~رسول الله موادعة، فإذا رأوا رجلا من المسلمين وحده تناجوا بينهم، ~~فيظن المسلم أنهم يتناجون بقتله، أو بما يكره، فيترك الطريق من ~~المخافة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن النجوى، فلم ~~ينتهوا، وعادوا إليها، فنزلت هذه الآية. وقال ابن السائب: نزلت في ~~المنافقين. والنجوى: بمعنى: المناجاة { ثم يعودون } إلى المناجاة التي ~~نهوا عنها { ويتناجون } قرأ حمزة، ويعقوب، إلا زيدا، وروحا ~~«ويتنجون» وقرأ الباقون «ويتناجون» بألف. وفي معنى تناجيهم { بالإثم ~~والعدوان } وجهان. # أحدهما: يتناجون بما يسوء المسلمين، فذلك الإثم والعدوان، ويوصي بعضهم ~~بعضا بمعصية الرسول. # والثاني: يتناجون بعد نهي الرسول، ذلك هو الإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول. # قوله تعالى: { وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله } اختلفوا ~~فيمن نزلت على قولين. # أحدهما: نزلت في اليهود. قالت عائشة رضي الله عنها: # " جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام ~~عليك يا أبا القاسم، فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: مه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش، ولا التفحش، ~~فقلت: يا رسول الله: ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تريني أرد ms1968 عليهم ما ~~يقولون، وأقول: وعليكم " # ، قالت: فنزلت هذه الآية في ذلك. قال الزجاج: والسام: الموت. # والثاني: أنها نزلت في المنافقين، رواه عطية عن ابن عباس. # قال المفسرون: ومعنى «حيوك» سلموا عليك بغير سلام الله عليك، ~~وكانوا يقولون: سام عليك. فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم، أو يقول بعضهم ~~لبعض، لو كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول. # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم } فيها قولان. # أحدهما: نزلت في المنافقين، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بزعمهم، وهذا ~~قول عطاء ومقاتل. # والثاني: أنها في المؤمنين، والمعنى: أنه نهاهم عن فعل المنافقين ~~واليهود، وهذا مذهب جماعة، منهم الزجاج. # قوله تعالى: { تتناجوا } هكذا قرأ الجماعة بألف. وقرأ يعقوب وحده «فلا ~~تتنجوا». فأما «البر» فقال مقاتل: هو الطاعة، و«التقوى» ترك ~~المعصية. وقال أبو سليمان الدمشقي: «البر» الصدق، و«التقوى» ترك ~~الكذب. ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون، من الشيطان، فقال تعالى { ~~إنما النجوى من الشيطان } أي: من تزيينه، والمعنى: إنما يزين لهم ذلك { ~~ليحزن الذين آمنوا } وقد بينا اتقاء ما كان يحزن المؤمنين من هذه ~~النجوى { وليس بضارهم شيئا } أي: وليس الشيطان بضار المؤمنين شيئا { ~~إلا بإذن الله } أي: بإرادته { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي: ~~فليكلوا أمورهم إليه. ### || [58.11] # قوله تعالى: { إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس } وقرأ عاصم في «المجالس» ~~على الجمع، وذلك لأن كل جالس له مجلس، فالمعنى: ليفسح كل رجل منكم في ~~مجلسه. قال المفسرون: نزلت في نفر من المؤمنين كانوا يسابقون إلى مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أقبل المهاجرون وأهل السابقة، لم ~~يجدوا موضعا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه أولو الفضل ~~ليحفظوا عنه، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة جالس في ~~صفة ضيقة في المسجد، جاء نفر من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس ابن ~~شماس، فسلموا وانتظروا أن يوسعوا لهم، فأوسعوا لبعضهم، وبقي بعضهم، ~~فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قم يا فلان، قم ms1969 يا فلان، ~~حتى أقام من المجلس على عدة من هو قائم من أهل السابقة، فرأى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في وجوه من أقامهم الكراهة، وتكلم المنافقون في ذلك ~~وقالوا: والله ما عدل، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة: كانوا يتنافسون في ~~مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أقبل مقبل ضنوا بمجلسهم، ~~فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. قال المفسرون: ومعنى «تفسحوا» ~~توسعوا وذلك أنهم كانوا يجلسون متضايقين حول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا يجد غيرهم مجلسا عنده، فأمرهم أن يوسعوا لغيرهم ليتساوى ~~الناس في الحظ منه، ويظهر فضيلة المقربين إليه من أهل بدر وغيرهم. # وفي المراد «بالمجلس» هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه مجلس الحرب، ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصف، ~~فيقول لهم: توسعوا، فيأبون عليه لحرصهم على القتال، وهذا قول ابن ~~عباس، والحسن، وأبي العالية، والقرظي. # والثاني: أنه مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. وقال ~~قتادة: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله خاصة. # والثالث: مجالس الذكر كلها، روي عن قتادة أيضا. وقرأ علي ابن أبي ~~طالب، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن، ومجاهد، والحسن، وعكرمة، وقتادة، وابن ~~أبي عبلة، والأعمش: «تفسحوا في المجالس» بألف على الجمع. # قوله تعالى: { يفسح الله لكم } أي: يوسع الله لكم الجنة، والمجالس ~~فيها. { وإذا قيل انشزوا } قرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم «انشزوا ~~فانشزوا» برفع الشين. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بكسر ~~الشين فيهما. ومعنى «انشزوا» قوموا. قال الفراء: وهما لغتان. وفي المراد ~~بهذا القيام خمسة أقوال: # أحدها: أنه القيام إلى الصلاة، وكان رجال يتثاقلون عنها، فقيل لهم: إذا ~~نودي للصلاة فانهضوا، هذا قول عكرمة والضحاك. # والثاني: أنه القيام إلى قتال العدو، قاله الحسن. # والثالث: أنه القيام إلى كل خير من قتال، أو أمر بمعروف، ونحو ذلك، قاله ~~مجاهد. # والرابع: أنه الخروج من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم ~~كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله صلى ms1970 الله عليه وسلم أطالوا ليكون كل ~~واحد منهم آخرهم عهدا به، فأمروا أن ينشزوا إذا قيل لهم: انشزوا، قاله ~~ابن زيد. # والخامس: أن المعنى: قوموا وتحركوا وتوسعوا لإخوانكم، قاله الثعلبي. # قوله تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم } أي: يرفعهم بإيمانهم على ~~من ليس بمنزلتهم من الإيمان { و } يرفع { الذين أوتوا العلم } على من ~~ليس بعالم. وهل هذا الرفع في الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه وجهان. # أحدهما: أنه إخبار عن ارتفاع درجاتهم في الجنة. # والثاني: أنه ارتفاع مجالسهم في الدنيا، فيكون ترتيبهم فيها بحسب ~~فضائلهم في الدين والعلم. وكان ابن مسعود يقول: أيها الناس: افهموا هذه ~~الآية ولترغبكم في العلم، فإن الله يرفع المؤمن العالم فوق من لا ~~يعلم درجات. ### || [58.12-13] # قوله تعالى: { إذا ناجيتم الرسول } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، ~~فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فأنزل هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يكثرون مناجاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت هذه الآية، فأما أهل العسرة فلم ~~يجدوا شيئا، وأما أهل الميسرة فبخلوا، واشتد ذلك على أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فنزلت الرخصة، قاله مقاتل بن حيان، وإلى نحوه ذهب ~~مقاتل بن سليمان، إلا أنه قال: فقدر الفقراء حينئذ على مناجاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولم يقدم أحد من أهل الميسرة صدقة غير علي بن ~~أبي طالب. # وروى مجاهد عن علي رضي الله عنه قال: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد ~~قبلي، ولن يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى. كان لي دينار، فبعته بعشرة ~~دراهم، فكلما أردت أن أناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت درهما، ~~فنسختها الآية الأخرى { أأشفقتم أن تقدموا... } الآية. # قوله تعالى: { ذلك خير لكم وأطهر } أي: تقديم الصدقة على المناجاة خير ~~لكم، لما فيه من طاعة ms1971 الله، وأطهر لذنوبكم { فإن لم تجدوا } يعني: ~~الفقراء { فإن الله غفور رحيم } إذ عفا عمن لا يجد. # قوله تعالى: { أأشفقتم } أي: خفتم بالصدقة الفاقة { وتاب الله عليكم } ~~أي: فتجاوز عنكم، وخفف بنسخ إيجاب الصدقة. قال مقاتل بن حيان: إنما ~~كان ذلك عشر ليال. قال قتادة: ما كان إلا ساعة من نهار. ### || [58.14-19] # قوله تعالى: { ألم ترى إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم } نزلت ~~في المنافقين الذين تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين. وقال ~~السدي، ومقاتل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق، وذلك أنه كان يجالس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرفع حديثه إلى اليهود، فدخل عليه يوما، ~~وكان أزرق، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: علام تشتمني أنت ~~وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فعلت» ~~فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، فأنزل الله هذه الآيات. ~~وروى الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه» من حديث ابن عباس، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان في ظل حجرة من حجره، وعنده نفر من المسلمين، فقال: ~~إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا أتاكم فلا تكلموه، ~~فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: علام تشتمني ~~أنت وفلان وفلان؟ فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا بالله واعتذروا إليه، ~~فأنزل الله تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون... } الآية. # فأما التفسير، فالذين تولوا: هم المنافقون، والمغضوب عليهم: هم اليهود ~~{ ما هم منكم } يعني: المنافقين ليسوا من المسلمين، ولا من اليهود { ~~ويحلفون على الكذب } وهو ما ذكرنا في سبب نزولها وقال بعضهم حلفوا أنهم ~~ما سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تولوا اليهود { وهم ~~يعلمون } أنهم كذبة { اتخذوا أيمانهم جنة } أي: سترة يتقون ~~بها القتل. قال ابن قتيبة: المعنى: استتروا بالحلف فكلما ظهر لهم شيء ~~يوجب معاقبتهم حلفوا كاذبين، { فصدوا عن سبيل الله } فيه قولان. # أحدهما: صدوا الناس عن دين الإسلام قاله السدي. # والثاني: صدوا عن جهادهم بالقتل وأخذ ms1972 مالهم. # قوله تعالى: { فيحلفون له } قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة ~~أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا { ويحسبون أنهم على ~~شيء } من أيمانهم الكاذبة { ألا إنهم هم الكاذبون } في قولهم ~~وأيمانهم. # قوله تعالى: { استحوذ عليهم الشيطان } قال أبو عبيدة: غلب عليهم، ~~وحاذهم، وقد بينا هذا في سورة [النساء] عند قوله تعالى: # نستحوذ عليكم # [آية:141] وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: { أولئك في الأذلين } ~~أي: في المغلوبين، فلهم في الدنيا ذل، وفي الآخرة خزي. ### || [58.20-22] # قوله تعالى: { كتب الله } أي: قضى الله { لأغلبن أنا ورسلي } وفتح الياء ~~نافع، وابن عامر. # قال المفسرون: من بعث من الرسل بالحرب، فعاقبة الأمر له، ومن لم يبعث ~~بالحرب، فهو غالب بالحجة { إن الله قوي عزيز } أي: مانع حزبه من أن ~~يذل. # قوله تعالى: { لا تجد قوما... } الآية. اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال. # أحدها: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح، قتل أباه يوم أحد، وفي أبي بكر ~~دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال: يا رسول الله دعني أكون في الرعلة ~~الأولى، فقال: متعنا بنفسك يا أبا بكر، وفي مصعب بن عمير، قتل أخاه ~~عبيد بن حمنة يوم أحد، وفي عمرو قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر، وفي ~~علي وحمزة قتلا عتبة وشيبة يوم بدر، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنها نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أن أبا قحافة سب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر الصديق صكة شديدة سقط ~~منها، ثم ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أو فعلته " # ؟ قال: نعم. قال: فلا تعد إليه، فقال أبو بكر: والله لو كان السيف ~~قريبا مني لقتلته، فنزلت هذه الآية، قاله ابن جريج. # والثالث: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي، وذلك أنه كان جالسا ~~إلى جنب رسول الله، فشرب رسول الله ماء، فقال عبد الله: يا رسول الله ~~أبق فضلة من شرابك، قال: وما تصنع ms1973 بها؟ قال: أسقيها أبي، لعل الله سبحانه ~~يطهر قلبه، ففعل فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ قال: فضلة من شراب رسول ~~الله جئتك بها لتشربها، لعل الله يطهر قلبك، فقال: هلا جئتني ببول ~~أمك! فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: ~~ائذن لي في قتل أبي، قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ارفق به، وأحسن إليه " # ، فنزلت هذه الآية قاله السدي. # والرابع: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة ~~يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزم على قصدهم، قاله مقاتل، ~~واختاره الفراء، والزجاج. # وهذه الآية قد بينت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان، وأن من ~~كان مؤمنا لم يوال كافرا وإن كان أباه أو ابنه أو أحدا من عشيرته. # قوله تعالى: { أولئك } الذين، يعني: الذين لا يوادون من حاد الله ~~ورسوله { كتب في قلوبهم الإيمان } وقرأ المفضل عن عاصم «كتب» برفع ~~الكاف والنون من «الإيمان». وفي معنى «كتب» خمسة أقوال. # أحدها: أثبت في قلوبهم الإيمان، قاله الربيع بن أنس. # والثاني: جعل، قاله مقاتل. # والثالث: كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان حكاه الماوردي. # والرابع: حكم لهم بالإيمان. وإنما ذكر القلوب، لأنها موضع الإيمان، ذكره ~~الثعلبي. # والخامس: جمع في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه، قاله الواحدي. # قوله تعالى: { وأيدهم } أي: قواهم { بروح منه } وفي المراد ~~«بالروح» هاهنا خمسة أقوال: # أحدها: أنه النصر، قاله ابن عباس، والحسن. فعلى هذا سمي النصر روحا، ~~لأن أمرهم يحيا به. # والثاني: الإيمان، قاله السدي. # والثالث: القرآن، قاله الربيع. # والرابع: الرحمة، قاله مقاتل. # والخامس: جبريل عليه السلام أيدهم به يوم بدر، ذكره الماوردي. فأما { ~~حزب الله } فقال الزجاج: هم الداخلون في الجمع الذين اصطفاهم وارتضاهم، ~~و«ألا» كلمة تنبيه وتوكيد للقصة. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-5] # قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني: يهود بني ~~النضير { من ديارهم } أي: من منازلهم { لأول الحشر } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنهم أول ms1974 من حشر وأخرج من داره، قاله ابن عباس. وقال ابن ~~السائب: هم أول من نفي من أهل الكتاب. # والثاني: أن هذا كان أول حشرهم، والحشر الثاني: إلى أرض المحشر يوم ~~القيامة، قاله الحسن. قال عكرمة: من شك أن المحشر إلى الشام فليقرأ هذه ~~الآية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يومئذ: اخرجوا، فقالوا: إلى ~~أين؟ قال إلى أرض المحشر. # والثالث: أن هذا كان أول حشرهم. والحشر الثاني: نار تحشرهم من المشرق ~~إلى المغرب قاله قتادة. # والرابع: أن هذا كان أول حشرهم من المدينة، والحشر الثاني: من خيبر، ~~وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات، وأريحا من أرض الشام في أيام عمر بن ~~الخطاب، قاله مرة الهمداني. # قوله تعالى: { ما ظننتم } يخاطب المؤمنين { أن يخرجوا } من ديارهم ~~لعزهم، ومنعتهم، وحصونهم { وظنوا } يعني: بني النضير أن ~~حصونهم تمنعهم من سلطان الله { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } وذلك ~~أنه أمر نبيه بقتالهم وإجلائهم، ولم يكونوا يظنون أن ذلك يكون، ولا ~~يحسبونه { وقذف في قلوبهم الرعب } لخوفهم من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: لقتل سيدهم كعب بن الأشرف { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين } قرأ أبو عمرو «يخربون» بالتشديد. وقرأ الباقون ~~«يخربون». وهل بينهما فرق، أم لا؟ فيه قولان. # أحدهما: أن المشددة معناها: النقض والهدم. والمخففة معناها: يخرجون منها ~~ويتركونها خرابا معطلة، حكاه ابن جرير، روي عن أبي عمرو أنه قال: إنما ~~اخترت التشديد، لأن بني النضير نقضوا منازلهم، ولم يرتحلوا عنها وهي ~~معمورة. # والثاني: أن القراءتين بمعنى واحد. والتخريب والإخراب لغتان بمعنى، حكاه ~~ابن جرير عن أهل اللغة. وللمفسرين فيما فعلوا بمنازلهم أربعة أقوال. # أحدها: أنه كان المسلمون كلما ظهروا على دار من دورهم هدموها ليتسع ~~لهم مكان القتال، وكانوا هم ينقبون دورهم، فيخرجون إلى ما يليها، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أنه كان المسلمون كلما هدموا شيئا من حصونهم نقضوا ما يبنون ~~به الذي خربه المسلمون، قاله الضحاك. # والثالث: أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم، أو العمود، أو ~~الباب، فيستحسنونه، ms1975 فيهدمون البيوت، وينزعون ذلك منها، ويحملونه معهم، ~~ويخرب المؤمنون باقيها، قاله الزهري. # والرابع: أنهم كانوا يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون، حسدا منهم، ~~وبغيا، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { فاعتبروا يا أولي الأبصار } الاعتبار: النظر في الأمور، ~~ليعرف بها شيء آخر من جنسها، و«الأبصار» العقول. والمعنى: تدبروا ما ~~نزل بهم { ولولا أن كتب الله } أي: قضى { عليهم الجلاء } وهو خروجهم من ~~أوطانهم. # وذكر الماوردي بين الإخراج والجلاء فرقين. # أحدهما: أن الجلاء: ما كان مع الأهل والولد، والإخراج: قد يكون مع بقاء ~~الأهل والولد. # والثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة. والإخراج: قد يكون لواحد ~~ولجماعة. والمعنى: لولا أن الله قضى عليهم بالخروج { لعذبهم في الدنيا ~~} بالقتل والسبي، كما فعل بقريظة { ولهم في الآخرة } مع ما حل بهم في ~~الدنيا { عذاب النار، ذلك } الذي أصابهم { بأنهم شاقوا الله } وقد ~~سبق بيان الآية [الأنفال 13] و [محمد 32]. قال القاضي أبو يعلى: فقد دلت ~~هذه الآية على جواز مصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير سبي ~~ولا استرقاق، ولا جزية، ولا دخول في ذمة، وهذا حكم منسوخ إذا كان في ~~المسلمين قوة على قتالهم، لأن الله تعالى أمر بقتال الكفار حتى يسلموا، ~~أو يؤدوا الجزية. وإنما يجوز هذا الحكم إذا عجز المسلمون عن مقاومتهم ~~فلم يقدروا على إدخالهم في الإسلام أو الذمة، فيجوز لهم حينئذ مصالحتهم ~~على الجلاء من بلادهم. وفي هذه القصة دلالة على جواز مصالحتهم على مجهول ~~من المال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على أرضهم، وعلى الحلقة، ~~وترك لهم ما أقلت الإبل، وذلك مجهول. # قوله تعالى: { ما قطعتم من لينة } سبب نزولها أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حرق نخل بني النضير، وقطع، فنزلت هذه الآية، أخرجه البخاري ~~ومسلم من حديث ابن عمر. وذكر المفسرون أنه لما نزلت ببني النضير تحصنوا ~~في حصونهم، فأمر بقطع نخيلهم، وإحراقها، فجزعوا، وقالوا: يا محمد زعمت ~~أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر، وقطع النخل؟ وهل وجدت فيما ~~أنزل عليك الفساد في ms1976 الأرض؟ فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم. واختلف المسلمون، فقال بعضهم: لا ~~تقطعوا، فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، فنزلت ~~هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وأخبر أن ~~قطعه وتركه بإذن الله تعالى. # وفي المراد «باللينة» ستة أقوال. # أحدها: أنه النخل كله ما خلا العجوة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وبه ~~قال عكرمة، وقتادة، والفراء. # والثاني: أنه النخل والشجر، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنها ألوان النخل كلها إلا العجوة، والبرنية، قاله الزهري، ~~وأبو عبيدة، وابن قتيبة. وقال الزجاج: أهل المدينة يسمون جميع النخيل: ~~الألوان، ما خلا البرني، والعجوة. وأصل «لينة» لونة، فقلبت الواو ياء ~~لانكسار ما قبلها. # والرابع: أنها النخل كله، قاله مجاهد، وعطية، وابن زيد. قال ابن جرير. ~~معنى الآية: ما قطعتم من ألوان النخيل. # والخامس: أنها كرام النخل، قاله سفيان. # والسادس: أنها ضرب من النخل يقال لتمرها: اللون، وهي شديدة الصفرة، ~~ترى نواه من خارج، وكان أعجب ثمرهم إليهم، قاله مقاتل. وفي عدد ما قطع ~~المسلمون ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قطعوا وأحرقوا ست نخلات، قاله الضحاك. # والثاني: أحرقوا نخلة، وقطعوا نخلة، قاله ابن إسحاق. # والثالث: قطعوا أربع نخلات، قاله مقاتل. # قوله تعالى { فبإذن الله } قال يزيد بن رومان ومقاتل: بأمر الله. # قوله تعالى: { وليخزي الفاسقين } يعني اليهود. وخزيهم: أن يريهم ~~أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا. والمعنى: وليخزي الفاسقين، ~~أذن في ذلك، ودل على المحذوف قوله: { فبإذن الله }. ### || [59.6-10] # قوله تعالى { وما أفاء الله على رسوله } أي ما رد عليهم { منهم } ~~يعني: من بني النضير { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } قال أبو عبيدة: ~~الإيجاف: الإيضاع، والركاب: الإبل. قال ابن قتيبة: يقال وجف الفرس ~~والبعير، وأوجفته ومثله: الإيضاع، وهو الإسراع في السير. وقال الزجاج: ~~معنى الآية: أنه لا شيء لكم في هذا، إنما هو لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خاصة. # قال المفسرون: طلب المسلمون ms1977 من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخمس ~~أموال بني النضير لما أجلوا، فنزلت هذه الآية تبين أنها فيىء لم تحصل ~~لهم بمحاربتهم، وإنما هو بتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو له ~~خاصة، يفعل فيه ما يشاء، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~المهاجرين، ولم يعط الأنصار منه شيئا، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، ~~وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. ثم ذكر حكم ~~الفيىء فقال تعالى: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } أي: من ~~أموال كفار أهل القرى { فلله } أي: يأمركم فيه بما أحب، { ولرسوله } ~~بتحليل الله إياه. وقد ذكرنا «ذوي القربى واليتامى» في [الأنفال: 41] ~~وذكرنا هناك الفرق بين الفيىء والغنيمة. # فصل # واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فذهب قوم: أن المراد بالفيىء هاهنا: ~~الغنيمة التي يأخذها المسلمون من أموال الكافرين عنوة، وكانت في بدو ~~الإسلام للذين سماهم الله هاهنا دون الغالبين الموجفين عليها، ثم نسخ ~~ذلك بقوله تعالى في [الأنفال:41] # واعلموا أنما غنمتم من شيء... # الآية، هذا قول قتادة، ويزيد بن رومان. وذهب قوم إلى أن هذا الفيىء: ما ~~أخذ من أموال المشركين ما لم يوجف بخيل ولا ركاب، كالصلح، والجزية، ~~والعشور، ومال من مات منهم في دار الإسلام ولا وارث له، فهذا كان يقسم في ~~زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أخماس، فأربعة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يفعل بها ما يشاء، والخمس الباقي للمذكورين في هذه الآية. # واختلف العلماء فيما يصنع بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته ~~على ما بينا في [الأنفال:41] فعلى هذا تكون هذه الآية مثبتة لحكم ~~الفيىء والتي في [الأنفال: 41] مثبتة لحكم الغنيمة، فلا يتوجه النسخ. # قوله تعالى: { كي لا يكون } يعني: الفيىء { دولة } وهو اسم للشيء ~~يتداوله القوم. والمعنى لئلا يتداوله الأغنياء بينهم فيغلبوا الفقراء ~~عليه. قال الزجاج: الدولة: اسم الشيء يتداول. والدولة، بالفتح: الفعل ~~والانتقال من حال إلى حال { وما آتاكم الرسول } من الفيىء { فخذوه ms1978 وما ~~نهاكم } عن أخذه { فانتهوا } وهذا نزل في أمر الفيىء، وهو عام في كل ما ~~أمر به، ونهى عنه. # قال الزجاج ثم بين من المساكين الذي لهم الحق، فقال تعالى: { للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم } قال المفسرون: يعني بهم المهاجرين { ~~يبتغون فضلا من الله } أي: رزقا يأتيهم { ورضوانا } رضى ربهم حين ~~خرجوا إلى دار الهجرة { أولئك هم الصادقون } في إيمانهم. ثم مدح الأنصار ~~حين طابت أنفسهم عن الفيىء، فقال تعالى: { والذين تبوؤا الدار } يعني: ~~دار الهجرة، وهي المدينة { والإيمان من قبلهم } فيها تقديم وتأخير، ~~تقديره: والذين تبوؤوا الدار من قبلهم، أي: من قبل المهاجرين، ~~والإيمان عطف على «الدار» في الظاهر، لا في المعنى، لأن «الإيمان» ليس ~~بمكان يتبوأ، وإنما تقديره: وآثروا الإيمان، وإسلام المهاجرين قبل ~~الأنصار، وسكنى الأنصار المدينة قبل المهاجرين. وقيل: الكلام على ظاهره، ~~والمعنى: تبوؤوا الدار والإيمان قبل الهجرة { يحبون من هاجر إليهم } ~~وذلك أنهم شاركوهم في منازلهم، وأموالهم { ولا يجدون في صدورهم حاجة } ~~أي: حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون. # وفيما أوتوه قولان: # أحدهما: مال الفيء، قاله الحسن. وقد ذكرنا آنفا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة ~~نفر. # والثاني: الفضل والتقدم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم } بأموالهم ومنازلهم { ولو كان بهم ~~خصاصة } أي فقر وحاجة، فبين الله عز وجل أن إيثارهم لم يكن عن غنى. وفي ~~سبب نزول هذا الكلام قولان: # أحدهما: # " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصابه الجهد، فقال: ~~يا رسول الله: إني جائع فأطعمني، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أزواجه: هل عندكن شيء؟ فكلهن قلن: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا ~~الماء، فقال: ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يطعمك هذه الليلة. ~~ثم قال: «من يضيف هذا هذه الليلة يرحمه الله؟» فقام رجل فقال: أنا يا ~~رسول الله، فأتى به منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه ms1979 ~~وسلم، فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، ~~فقال: قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا، ثم أصبحي ~~سراجك، فإذا أخذ الضيف ليأكل، فقومي كأنك تصلحين السراج، فأطفئيه، ~~وتعالي نمضغ ألسنتنا لأجل ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع، ~~ففعلت ذلك، وظن الضيف أنهما يأكلان معه، فشبع هو، وباتا طاويين، فلما ~~أصبحا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر اليهما ~~تبسم، ثم قال: ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما " # ، فأنزل الله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة... } ~~الآية. أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وفي بعض ~~الألفاظ عن أبي هريرة: أن الضيف كان من أهل الصفة، والمضيف كان من ~~الأنصار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لقد عجب من فعالكما أهل السماء ". # والثاني: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له ~~رأس شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به ~~إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى واحد حتى تداولها سبعة أهل أبيات، حتى ~~رجعت إلى أولئك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عمر. وروي نحو هذه القصة عن ~~أنس بن مالك قال: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي، وكان مجهودا، ~~فوجه به إلى جار له فتناوله تسعة أنفس، ثم عاد إلى الأول، فنزلت هذه ~~الآية. # قوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه } وقرأ ابن السميفع، وأبو رجاء، «ومن ~~يوق» بتشديد القاف. قال المفسرون: هو أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله ~~عنه، ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه. والمعنى: أن الأنصار ممن وقي ~~شح نفسه حين طابت أنفسهم بترك الفيىء للمهاجرين. # فصل # وقد اختلف العلماء في الشح والبخل، هل بينهما، فرق، أم لا؟ فقال ابن ~~جرير: الشح في كلام العرب: هو منع الفضل من المال. وقال أبو سليمان ~~الخطابي: الشح أبلغ في المنع من البخل، وإنما الشح بمنزلة الجنس، ~~والبخل بمنزلة النوع، وأكثر ما يقال ms1980 في البخل: إنما هو في أفراد الأمور ~~وخواص الأشياء، والشح عام، فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع ~~والجبلة. وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال: البخل: أن يضن بماله، ~~والشح: أن يبخل بماله ومعروفه. وقد روى أبو الشعثاء أن رجلا أتى ابن ~~مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله ~~يقول: «ومن يوق شح نفسه» وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، فقال: ~~ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن، الشح: أن تأكل مال أخيك ~~ظلما، إنما ذلك البخل، وبئس الشيء البخل وروى أنس بن مالك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " برىء من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة ~~". # قوله تعالى: { والذين جاؤوا من بعدهم } يعني التابعين إلى يوم القيامة. ~~قال الزجاج: والمعنى: ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء ~~المسلمين، وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل هذا قوله تعالى: { والذين ~~جاؤوا من بعدهم } أي: الذين جاؤوا في حال قولهم: { ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا } فمن ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ~~في قلبه غل لهم، فله حظ من فيىء المسلمين، ومن شتمهم ولم يترحم ~~عليهم، وكان في قلبه غل لهم، فما جعل الله له حقا في شيء من فيىء ~~المسلمين بنص الكتاب. وكذلك روي عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه قال: من ~~تنقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان في قلبه عليهم غل، ~~فليس له حق في فيىء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات. ### || [59.11-17] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين نافقوا } يعني: عبد الله بن أبي ~~وأصحابه { يقولون لإخوانهم } في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود ~~{ لئن أخرجتم } من المدينة { لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم } أي: في ~~خذلانكم { أحدا أبدا } فكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: { والله يشهد ~~إنهم لكاذبون } ثم ذكر ms1981 أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر ~~بالآية التي تلي هذه، فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا ~~فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، ومعنى { ولئن نصروهم } ~~لئن قدر وجود نصرهم، لأن الله نفى نصرهم، فلا يجوز وجوده. وقوله ~~تعالى: { ثم لا ينصرون } يعني: بني النضير. # قوله تعالى: { لأنتم أشد } يعني: المؤمنين أشد { رهبة في صدورهم } وفيهم ~~قولان. # أحدهما: أنهم المنافقون، قاله مقاتل. # والثاني بنو النضير، قاله الفراء. # قوله تعالى: { لا يقاتلونكم جميعا } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله الأكثرون. # والثاني: اليهود والمنافقون، قاله ابو سليمان الدمشقي. والمعنى: أنهم لا ~~يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين { في قرى محصنة أو من وراء ~~جدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبان «جدار» بألف. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، «جدر» بضم الجيم والدال. وقرأ أبو بكر ~~الصديق، وابن أبي عبلة، «جدر» بفتح الجيم والدال جميعا، وقرأ عمر ~~بن الخطاب، ومعاوية، وعاصم الجحدري، «جدر» بفتح الجيم وسكون الدال. ~~وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، والحسن، وابن ~~سيرين، وابن يعمر، «جدر» بضم الجيم وإسكان الدال { بأسهم بينهم شديد ~~} فيما وراء الحصون شديد، وإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله. # قوله تعالى: { تحسبهم جميعا } فيهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود والمنافقون، قاله مقاتل. # والثاني: بنو النضير، قاله الفراء. # قوله تعالى: { وقلوبهم شتى } قال الزجاج: أي: هم مختلفون لا تستوي ~~قلوبهم، ولا يتعاونون بنيات مجتمعة، لأن الله تعالى ناصر حزبه، وخاذل ~~أعدائه. # قوله تعالى: { ذلك } يعني: ذلك الاختلاف { بأنهم قوم لا يعقلون } ما فيه ~~الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلا، فقال تعالى: { كمثل الذين من قبلهم ~~قريبا } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: بنو قينقاع، وكانوا وادعوا رسول الله، ثم غدروا، فحصروهم، ثم ~~نزلوا، على حكمه، أن له أموالهم، ولهم النساء والذرية. فالمعنى: مثل ~~بني النضير فيما فعل بهم كبني قينقاع فيما فعل بهم. # والثاني: أنهم كفار قريش يوم بدر، قاله مجاهد. والمعنى: مثل هؤلاء ~~اليهود كمثل المشركين الذين كانوا من قبلهم ms1982 قريبا، وذلك لقرب غزاة بني ~~النضير من غزاة بدر. # والثالث: أنهم بنو قريظة، فالمعنى: مثل بني النضير كبني قريظة { ~~ذاقوا وبال أمرهم } بأن قتلت مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم، وهؤلاء ~~أجلوا عن ديارهم، فذاقوا وبال أمرهم { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. # ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا فقال تعالى: { كمثل الشيطان }. والمعنى: ~~مثل المنافقين في غرورهم بني النضير، وقولهم لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ~~ولئن قوتلتم لننصرنكم، كمثل الشيطان { إذ قال للإنسان اكفر } وفيه قولان. # أحدهما: أنه مثل ضربه الله تعالى للكافر في طاعة الشيطان، وهو عام في ~~جميع الناس، قاله مجاهد. # والثاني: أنه مثل ضربه الله لشخص معين، وعلى هذا جمهور المفسرين، ~~وهذا شرح قصته. # ذكر أهل التفسير أن عابدا من بني إسرائيل كان يقال له برصيصا تعبد في ~~صومعة له أربعين سنة لا يقدر عليه الشيطان، فجمع إبليس يوما مردة ~~الشياطين، فقال: ألا أحد منكم يكفيني برصيصا؟ فقال الأبيض: وهو صاحب ~~الأنبياء: أنا أكفيكه، فانطلق على صفة الرهبان، وأتى صومعته، فناداه فلم ~~يجبه وكان لا ينفتل عن صلاته، إلا في كل عشرة أيام، ولا يفطر إلا في كل ~~عشرة أيام، فلما رأى أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما ~~انفتل برصيصا، اطلع فرآه منتصبا يصلي على هيئة حسنة، فناداه ما حاجتك؟ ~~فقال: إني أحببت أن أكون معك، أقتبس من عملك، وأتأدب بأدبك، ونجتمع ~~على العبادة، فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك، ثم أقبل على صلاته، وأقبل ~~الأبيض يصلي، فلم يقبل إليه برصيصا أربعين يوما، ثم انفتل، فرآه ~~يصلي، فلما رأى شدة اجتهاده، قال: ما حاجتك؟ فأعاد عليه القول، فأذن له، ~~فصعد إليه، فأقام معه حولا لا يفطر إلا كل أربعين يوما، ولا ينفتل من ~~صلاته إلا في كل أربعين يوما، وربما زاد على ذلك، فلما رأى برصيصا ~~اجتهاده، أعجبه شأنه وتقاصرت إليه نفسه، فلما حال الحول قال الأبيض ~~لبرصيصا: إني منطلق عنك، فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما ~~أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي أرى، فاشتد ms1983 ذلك على برصيصا، وكره مفارقته، ~~فلما ودعه قال له الأبيض: إن عندي دعوات أعلمكها، يشفي الله بها ~~السقيم، ويعافي بها المبتلي، فقال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة، لأن لي ~~في نفسي شغلا، فأخاف أن يعلم الناس بهذا، فيشغلوني عن العبادة، فلم يزل ~~به حتى علمه إياها، ثم انطلق إلى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل ~~فانطلق الأبيض، فتعرض لرجل فخنقه، ثم جاءه في صورة رجل متطبب، فقال ~~لأهله: إن بصاحبكم جنونا فأعالجه؟ قالوا: نعم فقال لهم: إني لا أقوى ~~على جنيه، ولكن سأرشدكم إلى من يدعو له فيعافى، فقالوا له: دلنا، ~~قال: انطلقوا إلى برصيصا العابد، فإن عنده اسم الله الأعظم، فانطلقوا ~~إليه، فدعا بتلك الكلمات، فذهب عنهم الشيطان، وكان الأبيض يفعل بالناس ~~ذلك، ثم يرشدهم إلى برصيصا، فيعافون، فلما طال ذلك عليه انطلق إلى ~~جارية من بنات ملوك بني إسرائيل، لها ثلاثة إخوة، فخنقها، ثم جاء إليهم ~~في صورة متطبب، فقال أعالجها؟ قالوا: نعم. # فقال إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى رجل تدعونها ~~عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، قالوا، ومن هو؟ قال برصيصا، قالوا: فكيف ~~لنا أن يقبلها منا، وهو أعظم شأنا من ذلك؟! قال: إن قبلها، وإلا ~~فضعوها في صومعته، وقولوا له: هي أمانة عندك، فانطلقوا اليه، فأبى عليهم، ~~فوضعوها عنده. وفي بعض الروايات أنه قال: ضعوها في ذلك الغار، وهو غار ~~إلى جنب صومعته، فوضعوها، فجاء الشيطان فقال له: انزل إليها فامسحها ~~بيدك تعافى، وتنصرف إلى أهلها، فنزل، فلما دنا إلى باب الغار دخل الشيطان ~~فيها، فإذا هي تركض، فسقطت عنها ثيابها، فنظر العابد إلى شيء لم ير مثله ~~حسنا وجمالا، فلم يتمالك أن وقع عليها، وضرب على أذنه، فجعل يختلف ~~اليها إلى أن حملت، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا قد افتضحت، فهل لك ~~أن تقتل هذه وتتوب؟! فأن سألوك عنها فقل: جاء شيطانها، فذهب بها، فلم يزل ~~بها حتى قتلها، ودفنها، ثم رجع إلى صومعته، فأقبل على صلاته إذ جاء ms1984 ~~إخوتها يسألون عنها، فقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟ قال: جاء شيطانها ~~فذهب بها، ولم أطقه، فصدقوه، وانصرفوا. وفي بعض الروايات أنه قال: دعوت ~~لها، فعافاها الله، ورجعت اليكم، فتفرقوا ينظرون لها أثرا، فلما ~~أمسوا جاء الشيطان إلى كبيرهم في منامه، فقال: ويحك: إن برصيصا فعل ~~بأختك كذا وكذا. وإنه دفنها في موضع كذا من جبل كذا، فقال: هذا حلم، ~~وبرصيصا خير من ذلك، فتتابع عليه ثلاث ليال، ولا يكترث، فانطلق إلى ~~الأوسط كذلك، ثم إلى الأصغر مثل ذلك، فقال الأصغر لإخوته: لقد رأيت كذا ~~وكذا، فقال الأوسط: وأنا والله، فقال الأكبر: وأنا والله، فأتوا برصيصا، ~~فسألوه عنها. فقال: قد أعلمتكم بحالها، فكأنكم اتهمتموني، قالوا: لا ~~والله، واستحيوا، وانصرفوا، فجاءهم الشيطان فقال: ويحكم إنها لمدفونة ~~في موضع كذا وكذا، وإن إزارها لخارج من التراب، فانطلقوا، فحفروا عنها، ~~فرأوها، فقالوا: يا عدو الله لم قتلتها؟ اهبط. فهدموا صومعته، ثم ~~أوثقوه، وجعلوا في عنقه حبلا، ثم قادوه إلى الملك فأقر على نفسه، وذلك ~~أن الشطيان عرض له، فقال: تقتلها ثم تكابر، فاعترف، فأمر الملك ~~بقتله وصلبه، فعرض له الأبيض، فقال: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا ~~صاحبك الذي علمتك الدعوات، ويحك ما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها، ~~أما استحييت من الله؟! ألم يكفك ذلك حتى أقررت ففضحت نفسك وأشباهك بين ~~الناس؟! فإن مت على هذه الحالة لم تفلح، ولا أحد من نظرائك، قال: ~~فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة حتى أنجيك، وآخذ بأعينهم، وأخرجك من ~~مكانك، قال: ما هي؟ قال: تسجد لي، فسجد له، فقال: هذا الذي أردت منك صارت ~~عاقبة أمرك أن كفرت { إني بريء منك } ثم قتل. فضرب الله هذا المثل لليهود ~~حين غرهم المنافقون، ثم أسلموهم. # قوله تعالى: { إني أخاف الله } ونصب ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ياء ~~«إني» وأسكنها الباقون. وقد بينا المعنى في [الأنفال:48] { فكان ~~عاقبتهما } يعني: الشيطان وذلك الكافر. ### || [59.18-20] # قوله تعالى: { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي: لينظر أحدكم أي شيء ~~قدم؟ أعملا صالحا ينجيه؟ ms1985 أم سيئا يوبقه؟ { ولا تكونوا كالذين ~~نسوا الله } أي: تركوا أمره { فأنساهم أنفسهم } أي: أنساهم حظوظ أنفسهم، ~~فلم يعملوا بالطاعة، ولم يقدموا خيرا. قال ابن عباس: يريد قريظة، ~~والنضير، وبني قينقاع. ### || [59.21-24] # قوله تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل } أخبر الله بهذا عن تعظيم ~~شأن القرآن، وأنه لو جعل في جبل - على قساوته وصلابته - تمييزا، كما جعل ~~في بني آدم، ثم أنزل عليه القرآن لتشقق من خشية الله، وخوفا أن لا ~~يؤدي حق الله في تعظيم القرآن. و«الخاشع»: المتطأطىء الخاضع، ~~و«المتصدع»: المتشقق. وهذا توبيخ لمن لا يحترم القرآن، ولا يؤثر في ~~قلبه مع الفهم والعقل، ويدلك على هذا المثل قوله تعالى: { وتلك ~~الأمثال نضربها للناس } ثم أخبر بعظمته وربوبيته، فقال تعالى: { هو الله ~~الذي لا إله إلا هو } قال الزجاج: قوله تعالى: { هو الله } رد على قوله ~~تعالى: في أول السورة: { سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز ~~الحكيم }. # فأما هذه الأسماء، فقد سبق ذكر «الله»، و«الرحمن»، و«الرحيم» في ~~(الفاتحة) وذكرنا معنى «عالم الغيب والشهادة» في [الأنعام:73]. و«الملك» ~~في سورة [المؤمنين:116]. # فأما «القدوس» فقرأ أبو الأشهب، وأبو نهيك، ومعاذ القارىء بفتح القاف. ~~قال أبو سليمان الخطابي: «القدوس»: الطاهر من العيوب، المنزه عن ~~الأنداد والأولاد. «والقدس»: الطهارة. ومنه سمي: بيت المقدس، ومعناه: ~~المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب، وقيل للجنة: حظيرة القدس، ~~لطهارتها من آفات الدنيا. والقدس: السطل الذي يتطهر فيه، ولم يأت من ~~الأسماء على فعول بضم الفاء الا «قدوس»، و«سبوح» وقد يقال ~~أيضا: قدوس، وسبوح، بالفتح فيهما، وهو القياس في الأسماء، كقولهم ~~سفود، وكلوب. # فأما «السلام» فقال ابن قتيبة: سمى نفسه سلاما، لسلامته مما يلحق الخلق ~~من العيب والنقص والفناء. وقال الخطابي: معناه: ذو السلام. والسلام في ~~صفة الله سبحانه: هو الذي سلم من كل عيب، وبرىء من كل آفة ونقص يلحق ~~المخلوقين. قال: وقد قيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه. # فأما «المؤمن»، ففيه ستة أقوال. # أحدها: أنه الذي أمن الناس ظلمه، وأمن من ms1986 آمن به عذابه، ~~قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنه المجير، قاله القرظي. # والثالث: الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه، قاله ابن زيد. # والرابع: أنه الذي وحد نفسه، لقوله تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران:18] ذكره الزجاج. # والخامس: أنه الذي يصدق عباده وعده، قاله ابن قتيبة. # والسادس: أنه يصدق ظنون عباده المؤمنين، ولا يخيب آمالهم، كقول ~~النبي عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه عز وجل: # أنا عند ظن عبدي بي # حكاه الخطابي. # فأما «المهيمن» ففيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه الشهيد، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والكسائي. قال ~~الخطابي: ومنه قوله تعالى # ومهيمنا عليه # [المائدة:48]، فالله الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل. # والثاني: أنه الأمين، قاله الضحاك، قال الخطابي: وأصله: مؤيمن، فقلبت ~~الهمزة هاء، لأن الهاء أخف عليهم من الهمزة. # ولم يأت مفيعل في غير التصغير، إلا في ثلاثة أحرف «مسيطر» ~~و«مبيطر» و«مهيمن» وقد ذكرنا في سورة [الطور:37] عن أبي عبيدة، أنها ~~خمسة أحرف: # والثالث: المصدق فيما أخبر، قاله ابن زيد. # والرابع: أنه الرقيب على الشيء، والحافظ له، قاله الخليل. قال الخطابي: ~~وقال بعض أهل اللغة. الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له، وأنشد: # ألا إن خير الناس بعد نبيه # مهيمنه التاليه في العرف والنكر # يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم. وقد زدنا هذا شرحا في ~~[المائدة:48] وبينا معنى: «العزيز» في [البقرة:129]. # فأما «الجبار»، ففيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه العظيم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يريد، قاله القرظي والسدي. ~~وقال قتادة: جبر خلقه على ما شاء. وحكى الخطابي: أنه الذي جبر الخلق على ~~ما أراد من أمره ونهيه. يقال: جبره السلطان، وأجبره. # والثالث: أنه الذي جبر مفاقر الخلق، وكفاهم أسباب المعاش والرزق. # والرابع: أنه العالي فوق خلقه، من قولهم: تجبر النبات: إذا طال وعلا، ~~ذكر القولين الخطابي. # فأما «المتكبر» ففيه خمسة أقوال: # أحدها: أنه الذي تكبر عن كل سوء، قاله قتادة. # والثاني: أنه الذي تكبر عن ظلم عباده، ms1987 قاله الزجاج. # والثالث: أنه ذو الكبرياء، وهو الملك، قاله ابن الأنباري. # والرابع: أنه المتعالي عن صفات الخلق. # والخامس: أنه الذي يتكبر على عتاة خلقه، إذا نازعوه العظمة، فقصمهم، ~~ذكرهما الخطابي. قال: والتاء في «المتكبر» { تاء } التفرد والتخصص، ~~لأن التعاطي، والتكلف، والكبر لا يليق بأحد من المخلوقين، وإنما سمة ~~العبد الخضوع والتذلل. وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله، ~~لا من الكبر الذي هو مذموم في الخلق. # وأما «الخالق»، فقال الخطابي: هو المتبدىء للخلق المخترع لهم على غير ~~مثال سبق، فأما في نعوت الآدميين، فمعنى الخلق: كقول زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # يقول: إذا قدرت شيئا قطعته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه، أي: يتمنى ما لا ~~يبلغه، و { البارىء } الخالق. يقال: برأ الله الخلق، يبرؤهم. ~~«والمصور»: الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها. ومعنى ~~التصوير: التخطيط، والتشكيل. وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء، وأبو عمران، وابن ~~السميفع، «البارىء المصور» بفتح الواو والراء جميعا، يعني: آدم عليه ~~السلام. وما بعد هذا قد تقدم بيانه [الأعراف:180، والإسراء: 110] إلى آخر ~~السورة. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-3] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ذكر ~~أهل التفسير أنها: # " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن ~~صيفي بن هاشم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال لها: «أمسلمة ~~جئت؟» قالت: لا، قال: «فما جاء بك؟» قالت: أنتم الأهل، والعشيرة، ~~والموالي، وقد احتجت حاجة شديدة، فقدمت إليكم لتعطوني. قال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «فأين أنت من شباب أهل مكة؟» وكانت مغنية، ~~فقالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بني عبد المطلب، فكسوها، وحملوها، وأعطوها، فأتاها حاطب بن أبي ~~بلتعة، فكتب معها كتابا إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل ~~الكتاب إلى أهل مكة، ms1988 [وكتب في الكتاب: من حاطب إلى أهل مكة] إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حذركم. فخرجت به سارة، ونزل جبريل ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب. فبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليا، وعمارا، والزبير، وطلحة، والمقداد، وأبا ~~مرثد، وقال: «انطلقوا حتى تأتوا «روضة خاخ»، فإن فيها ظعينة معها ~~كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها، وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه ~~إليكم فاضربوا عنقها» فخرجوا حتى أدركوها، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت ~~بالله ما معها من كتاب، ففتشوا متاعها فلم يجدوا شيئا فهموا بالرجوع. ~~فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه، وقل أخرجي ~~الكتاب، وإلا ضربت عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها، فخلوا ~~سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى ~~حاطب، فأتاه، فقال له: «هل تعرف الكتاب؟» قال: نعم. قال: «فما حملك على ~~ما صنعت؟» فقال: يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ ~~نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا ~~وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت [غريبا] فيهم، وكان أهلي بين ~~ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت ~~أن الله ينزل بهم بأسه، وكتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعذره، ونزلت هذه السورة تنهى حاطبا عما فعل، ~~وتنهى المؤمنين أن يفعلوا كفعله، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله: ~~دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ~~يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقالوا: اعملوا ما شئتم فقد ~~غفرت لكم» " # وقد أخرج هذا الحديث في «الصحيحين» مختصرا، وفيه ذكر علي، وابن الزبير، ~~وأبي مرثد فقط. # قوله تعالى: { تلقون إليهم بالمودة } وفيه قولان. # أحدهما: أن الباء زائدة، والمعنى: تلقون إليهم المودة، ومثله # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم # [الحج: 25]، هذا قول الفراء، وأبي عبيدة، وابن قتيبة، والجمهور. # والثاني: ms1989 تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة ~~التي بينكم وبينه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وقد كفروا } الواو للحال، وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من ~~الحق، وهو القرآن { يخرجون الرسول وإياكم } من مكة { أن تؤمنوا بالله ~~} { إن كنتم خرجتم } هذا شرط، جوابه، متقدم، وفي الكلام تقديم وتأخير. ~~قال الزجاج: معنى الآية: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ~~فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. # قوله تعالى: { تسرون إليهم بالمودة } الباء في «المودة» حكمها ~~حكم الأولى. قال المفسرون: والمعنى: تسرون إليهم النصيحة { وأنا أعلم ~~بما أخفيتم } من المودة للكفار { وما أعلنتم } أي: أظهرتم بألسنتكم. ~~وقال ابن قتيبة: المعنى: كيف تستسرون بمودتكم لهم مني وأنا أعلم بما ~~تضمرون وما تظهرون؟! # قوله تعالى: { ومن يفعله منكم } يعني: الإسرار والإلقاء إليهم { فقد ~~ضل سواء السبيل } أي: أخطأ طريق الهدى. ثم أخبر بعداوة الكفار فقال ~~تعالى: { إن يثقفوكم } أي: يظفروا بكم { يكونوا لكم أعداء } لا موالين { ~~ويبسطوا إليكم أيديهم } بالضرب والقتل { وألسنتهم بالسوء } وهو: الشتم ~~{ وودوا لو تكفرون } فترجعون إلى دينهم. والمعنى: أنه لا ينفعكم ~~التقرب إليهم، بنقل أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { لن تنفعكم أرحامكم } أي: قراباتكم. والمعنى: ذوو ~~أرحامكم، أراد، لن ينفعكم الذين عصيتم الله لأجلهم، { يوم القيامة يفصل ~~بينكم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «يفصل» برفع الياء وتسكين ~~الفاء، ونصب الصاد. وقرأ ابن عامر «يفصل بينكم» برفع الياء، والتشديد، ~~وفتح الصاد، وافقه حمزة، والكسائي، وخلف إلا أنهم كسروا الصاد. وقرأ ~~عاصم، غير المفضل، ويعقوب بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد، وتخفيفها. ~~وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، وأبو العالية: «نفصل» بنون مرفوعة، وفتح ~~الفاء، مكسورة الصاد مشددة. وقرأ أبو رزين، وعكرمة، والضحاك: «نفصل» ~~بنون مفتوحة، ساكنة الفاء، مكسورة الصاد خفيفة، أي: نفصل بين المؤمن ~~والكافر وإن كان ولده. قال القاضي أبو يعلى: في هذه القصة دلالة على أن ~~الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، كما يبيح في ~~الخوف على النفس، ويبين ms1990 ذلك أن الله تعالى فرض الهجرة، ولم يعذرهم في ~~التخلف لأجل أموالهم وأولادهم. وإنما ظن حاطب أن ذلك يجوز له ليدفع به ~~عن ولده، كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند التقية، وإنما قال ~~عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق لأنه ظن أنه فعل ذلك عن غير تأويل. ### || [60.4-9] # قوله تعالى: { قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم } وقرأ عاصم: «أسوة» ~~بضم الألف، وهما لغتان، أي: اقتداء حسن به وبمن معه، وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم الأنبياء. # والثاني: المؤمنون { إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم } قال الفراء: ~~يقول: أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم وقومه فتبرأت من أهلك كما ~~تبرؤوا من قومهم؟! # قوله تعالى: { إلا قول إبراهيم لأبيه } قال المفسرون: والمعنى: تأسوا ~~بإبراهيم إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فلا تأسوا به في ذلك، فإنه كان ~~عن موعدة وعدها إياه، { وما أملك لك من الله من شيء } أي: ما أدفع عنك ~~عذاب الله إن أشركت به، وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه { ربنا عليك ~~توكلنا } إلى قوله تعالى: { العزيز الحكيم } قال الفراء: قولوا أنتم: ~~ربنا عليك توكلنا. وقد بينا معنى قوله تعالى: { لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا } في «يونس» [آية: 85]. ثم أعاد الكلام في ذكر الأسوة فقال تعالى: ~~{ لقد كان لكم فيهم } أي: في إبراهيم ومن معه، وذلك أنهم كانوا يبغضون من ~~خالف الله. وقوله تعالى { لمن كان يرجوا الله } بدل من قوله تعالى: { لكم ~~} وبيان أن هذه الأسوة، لمن يخاف الله، ويخشى عقاب الآخرة. # قوله تعالى: { ومن يتول } أي: يعرض عن الإيمان ويوال الكفار، { فإن ~~الله هو الغني } عن خلقه { الحميد } إلى أوليائه. فلما أمر الله المؤمنين ~~بعداوة الكفار عادوا أقرباءهم، فأنزل الله تعالى { عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم } أي: من كفار مكة { مودة } ففعل ذلك، بأن ~~أسلم كثير منهم يوم الفتح، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة ~~بنت أبي سفيان، فانكسر أبو سفيان عن كثير مما كان عليه حتى هداه الله ~~للإسلام، ms1991 { والله قدير } على جعل المودة { والله غفور } لهم { رحيم } بهم ~~بعدما أسلموا. # قوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين } ~~اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال. # أحدها: أنها في أسماء بنت أبي بكر، وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد ~~العزى، قدمت عليها المدينة بهدايا، فلم تقبل هداياها، ولم تدخلها ~~منزلها، فسألت لها عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، ~~فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها، وتقبل هديتها، ~~وتكرمها، وتحسن إليها، قاله عبد الله بن الزبير. # والثاني: أنها نزلت في خزاعة وبني مدلج، وكانوا صالحوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه أحدا، قاله ابن ~~عباس. وروي عن الحسن البصري أنها نزلت في خزاعة، وبني الحارث بن عبد ~~مناف، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فداموا على ~~الوفاء به. # والثالث: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس، قاله عطية العوفي ومرة. # والرابع: أنها عامة في جميع الكفار، وهي منسوخة بقوله تعالى # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # { التوبة: 5 } قاله قتادة. # والخامس: نزلت في النساء والصبيان، حكاه الزجاج. # قال المفسرون: وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين ~~وجواز برهم، وإن كانت الموالاة منقطعة منهم. # قوله تعالى: { ولم يخرجوكم من دياركم } أي: من مكة { أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم } أي: تعاملوهم بالعدل فيما بينكم وبينهم. # قوله تعالى: { وظاهروا على إخراجكم } أي: عاونوا على ذلك { أن تولوهم ~~} والمعنى: إنما ينهاكم عن أن تولوا هؤلاء، لأن مكاتبتهم بإظهار ما ~~أسره رسول الله صلى الله عليه وسلم موالاة. وذكر بعض المفسرين أن معنى ~~الآية والتي قبلها منسوخ بآية السيف. قال ابن جرير: لا وجه لادعاء ~~النسخ، لأن بر المؤمنين للمحاربين سواء كانوا قرابة أو غير قرابة، غير ~~محرم إذا لم يكن في ذلك تقوية لهم على الحرب بكراع أو سلاح، أو دلالة لهم ~~على عورة أهل الإسلام. ويدل على ذلك حديث أسماء وأمها الذي ms1992 سبق. ### || [60.10-11] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن } قال ابن عباس: إن مشركي مكة صالحوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم. ومن ~~أتى أهل مكة من أصحابه، فهو لهم، وكتبوا بذلك الكتاب، وختموه، فجاءت ~~سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنبي بالحديبية، ~~فأقبل زوجها وكان كافرا، فقال: يا محمد: اردد علي امرأتي، فإنك قد ~~شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد ~~فنزلت هذه الآية. وذكر جماعة من العلماء منهم محمد ابن سعد كاتب الواقدي ~~أن هذه الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أول من هاجر من ~~النساء الى المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدمت ~~المدينة في هدنة الحديبية، فخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة ابنا ~~عقبة، فقالا: يا محمد، أوف لنا بشرطنا، وقالت أم كلثوم: يا رسول الله، ~~أنا امرأة، وحال النساء إلى الضعف ما قد علمت، فتردني إلى الكفار ~~يفتنوني عن ديني، ولا صبر لي؟! فنقض الله عز وجل العهد في النساء، ~~وأنزل فيهن المحنة، وحكم فيهن بحكم رضوه كلهم، ونزل في أم كلثوم { ~~فامتحنوهن } فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتحن النساء ~~بعدها، يقول: والله ما أخرجكن الا حب الله ورسوله، وما خرجتن لزوج ~~ولا مال؟ فإذا قلن ذلك تركن، فلم يرددن إلى أهليهن. # وقد اختلف العلماء في المرأة التي كانت سببا لنزول هذه الآية على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها سبيعة، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وقد ذكرناه عن جماعة من أهل ~~العلم، وهو المشهور. # والثالث: أميمة بنت بشر من بني عمرو بن عوف، ذكره أبو نعيم الأصبهاني. ~~قال الماوردي: وقد اختلف أهل العلم هل دخل رد النساء في عقد الهدنة ~~لفظا أو عموما؟ فقالت طائفة: قد كان شرط ردهن في لفظ الهدنة لفظا ~~صريحا؛ ms1993 فنسخ الله تعالى ردهن من العقد، ومنع منه، وأبقاه في الرجال ~~على ما كان. وقالت طائفة: لم يشرط ردهن في العقد صريحا، وإنما أطلق ~~العقد، وكان ظاهر العموم اشتماله مع الرجال، فبين الله عز وجل خروجهن ~~عن عمومه، وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين. # أحدهما: أنهن ذوات فروج تحرمن عليهم. # والثاني: أنهن أرق قلوبا، وأسرع تقلبا منهم. فأما المقيمة على ~~شركها فمردودة عليهم. وقال القاضي أبو يعلى: وإنما لم يرد النساء ~~عليهم، لأن النسخ جائز بعد التمكين من الفعل، وإن لم يقع الفعل. # قال المفسرون: والمراد بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا } رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الذي تولى امتحانهن، ويراد به سائر ~~المؤمنين عند غيبته صلى الله عليه وسلم. # قال ابن زيد: وإنما أمرنا بامتحانهن، لأن المرأة كانت إذا غضبت على ~~زوجها بمكة، قالت: لألحقن بمحمد. وفيما كان يمتحنهن به ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه كان يمتحنهن ب «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله»، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه كان يستحلف المرأة بالله: ما خرجت من بغض زوج، ولا رغبة ~~عن أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، وما خرجت إلا حبا لله ولرسوله، روي ~~عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنه كان يمتحنهن بقوله تعالى: { إذا جاءك المؤمنات يبايعنك } ~~فمن أقرت بهذا الشرط قالت: قد بايعتك، هذا قول عائشة. # قوله تعالى: { الله أعلم بإيمانهن } أي: إن هذا الامتحان لكم، والله ~~أعلم بهن، { فإن علمتموهن مؤمنات } وذلك يعلم بإقرارهن، فحينئذ لا يحل ~~ردهن { إلى الكفار } [لأن الله تعالى لم يبح مؤمنة لمشرك { وآتوهم } ~~يعني أزواجهن الكفار] { ما أنفقوا } يعني: المهر. قال مقاتل: هذا إذا ~~تزوجها مسلم. فإن لم يتزوجها أحد، فليس لزوجها الكافر شيء { ولا جناح ~~عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن } وهي المهور. # فصل # عندنا إذا هاجرت الحرة بعد دخول زوجها بها، وقعت الفرقة على انقضاء ~~عدتها. فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها فهي امرأته، وهذا قول الأوزاعي، ~~والليث، ومالك، والشافعي. وقال أبو ms1994 حنيفة: تقع الفرقة باختلاف الدارين. # قوله تعالى { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي، «تمسكوا» بضم التاء، والتخفيف. وقرأ أبو ~~عمرو، ويعقوب «تمسكوا» بضم التاء، وبالتشديد. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، ~~والحسن، وابن يعمر، وأبو حيوة «تمسكوا» بفتح التاء، والميم، والسين ~~مشددة. و«الكوافر» جمع كافرة، والمعنى: إن الله تعالى نهى المؤمنين عن ~~المقام على نكاح الكوافر، وأمرهم بفراقهن. وقال الزجاج: المعنى: أنها إذا ~~كفرت، فقد زالت العصمة بينها وبين المؤمن، أي: قد انبت عقد النكاح، ~~وأصل العصمة: الحبل، وكل ما أمسك شيئا فقد عصمه. # قوله تعالى { واسألوا ما أنفقتم } أي: إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من ~~الكفار مرتدة، فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا لم يدفعوها إليكم { ~~وليسألوا ما أنفقوا } يعني: المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا ~~تزوجن منكم، فليسأل أزواجهن الكفار من تزوجهن «ما أنفقوا» وهو المهر. ~~والمعنى: عليكم أن تغرموا لهم الصداق كما يغرمون لكم. # قال أهل السير: وكانت أم كلثوم حين هاجرت عاتقا لم يكن لها زوج ~~فيبعث إليه قدر مهرها، فلما هاجرت تزوجت زيد بن حارثة. # قوله تعالى: { ذلكم حكم الله } يعني ما ذكر في هذه الآية. # فصل # وذكر بعضهم في قوله تعالى «ولا تمسكوا بعصم الكوافر» أنه نسخ ذلك في ~~حرائر أهل الكتاب بقوله تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: 5]، وهذا تخصيص لا نسخ. # قوله تعالى: { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم } قال ~~الزجاج: أي: أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم. وقرأ ابن مسعود، ~~والأزهري، والنخعي: «فعقبتم» بغير ألف، وبفتح العين والقاف، وبتخفيفها، ~~وقرأ ابن عباس، وعائشة، وحميد، والأعمش مثل ذلك، إلا أن القاف مشددة. قال ~~الزجاج: المعنى: في التشديد والتخفيف واحد، فكانت العقبى لكم بأن غلبتم. ~~وقرأ أبي بن كعب وعكرمة، ومجاهد: «فأعقبتم» بهمزة ساكنة العين، مفتوحة ~~القاف خفيفة. وقرأ معاذ القارىء، وأبو عمران الجوني: «فعقبتم» بفتح ~~العين، وكسر القاف وتخفيفها من غير ألف { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ~~ما أنفقوا } أي: أعطوا الأزواج ms1995 من رأس الغنيمة ما أنفقوا من المهر. # وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في عياض بن غنم، كانت زوجته مسلمة، ~~وهي أم الحكم بنت أبي سفيان، فارتدت، فلحقت بمكة، فأمر الله المسلمين ~~أن يعطوا زوجها من الغنيمة بقدر ما ساق إليها من المهر، ثم نسخ ذلك ~~بقوله تعالى: # براءة من الله ورسوله # [التوبة:1] إلى رأس الخمس. # فصل # قال القاضي أبو يعلى: وهذه الأحكام في أداء المهر، وأخذه من الكفار، ~~وتعويض الزوج من الغنيمة، أومن صداق قد وجب رده على أهل الحرب، منسوخة ~~عند جماعة من أهل العلم. وقد نص أحمد على هذا. قلت: وكذا قال مقاتل: كل ~~هؤلاء الآيات نسختها آية السيف. ### || [60.12] # قوله تعالى: { إذا جاءك المؤمنات يبايعنك } قال المفسرون: لما فتح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءته النساء يبايعنه، فنزلت هذه الآية، ~~وشرط في مبايعتهن الشرائط المذكورة في الآية فبايعهن، وهو على الصفا، ~~فلما قال: ولا يزنين، قالت هند: أوتزني الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن، ~~فقالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم. وقد صح في ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح في البيعة امرأة، وإنما ~~بايعهن بالكلام. وقد سمينا من أحصينا من المبايعات في كتاب «التلقيح» ~~على حروف المعجم، وهن أربعمائة وسبع وخمسون امرأة، والله الموفق. # قوله تعالى: { ولا يقتلن أولادهن } قال المفسرون: هو الوأد الذي كانت ~~الجاهلية تفعله. # قوله تعالى: { ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } فيه ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم، قاله ابن عباس، والجمهور، وذلك ~~أن المرأة كانت تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان ~~المفترى. وإنما قال: «بين أيديهن وأرجلهن» لأن الولد إذا وضعته الأم ~~سقط بين يديها ورجليها. وقيل: معنى «يفترينه بين أيديهن»: يأخذنه لقيطا ~~«وأرجلهن» ما ولدنه من زنى. # والثاني: السحر. # والثالث: المشي بالنميمة، والسعي في الفساد، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: { ولا يعصينك في معروف } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه النوح، قاله ابن عباس، وروي مرفوعا عن النبي صلى ms1996 الله ~~عليه وسلم. # والثاني: أنه لا يدعين ويلا، ولا يخدشن وجها، ولا ينشرن ~~شعرا، ولا يشققن ثوبا، قاله زيد بن أسلم. # والثالث: جميع ما يأمرهن به رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرائع ~~الإسلام وآدابه، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي هذه الآية دليل على أن ~~طاعة الولاة إنما تلزم في المباح دون المحظور. # قوله تعالى: { فبايعهن } المعنى: إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن. ### || [60.13] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } ~~وهم اليهود، وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار ~~المسلمين، يتقربون إليهم بذلك ليصيبوا من ثمارهم وطعامهم، فنزلت هذه ~~الآية. # قوله تعالى: { قد يئسوا من الآخرة } وذلك أن اليهود بتكذيبهم محمدا، ~~وهم يعرفون صدقه، قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير، والمعنى: قد ~~يئسوا من ثواب الآخرة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح. وقال قتادة: قد ~~يئسوا أن يبعثوا، { كما يئس الكفار } فيه قولان. # أحدهما: كما يئس الكفار من بعث من في القبور، قاله ابن عباس. # والثاني: كما يئس الكفار الذين ماتوا من ثواب الآخرة، لأنهم أيقنوا ~~بالعذاب، قاله مجاهد. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-4] # قوله تعالى: { لم تقولون ما لا تفعلون } في سبب نزولها خمسة أقوال: # أحدها: ما روى أبو سلمة عن عبد الله بن سلام، قال: قعدنا نفرا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله ~~عز وجل عملناه، فأنزل الله { سبح لله ما في السموات } إلى آخر السورة. # والثاني: أن الرجل كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: فعلت ~~كذا وكذا، وما فعل، فنزلت «لم تقولون ما لا تفعلون» رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وكذلك قال الضحاك: كان الرجل يقول: قاتلت، ولم يقاتل، وطعنت، ولم ~~يطعن، وصبرت، ولم يصبر، فنزلت هذه الآية. # والثالث: أن ناسا من المسلمين كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد: لوددنا ~~أن الله تعالى دلنا على أحب الأعمال إليه، فلما نزل الجهاد، كرهه ناس ms1997 من ~~المؤمنين، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والرابع: أن صهيبا قتل رجلا يوم بدر، فجاء رجل فادعى أنه قتله وأخذ ~~سلبه، فقال صهيب: أنا قتلته يا رسول الله، فأمره أن يدفع سلبه إلى صهيب، ~~ونزلت هذه الآية، رواه سعيد بن المسيب عن صهيب. # والخامس: أن المنافقين كانوا يقولون للنبي وأصحابه: لو قد خرجتم خرجنا ~~معكم، ونصرناكم. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { كبر مقتا عند الله } قال الزجاج: «مقتا» منصوب على ~~التمييز، والمعنى: كبر قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله. ثم أعلم ~~عز وجل ما الذي يحبه، فقال تعالى: { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا كأنهم بنيان مرصوص } أي: بنيان لاصق بعضه ببعض، فأعلم أنه يحب من ~~يثبت في الجهاد، ويلزم مكانه كثبوت البنيان المرصوص. ويجوز أن يكون عنى ~~أن يستوي ثباتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان ~~المرصوص، وللمفسرين في المراد ب «المرصوص» قولان. # أحدهما: أنه الملتصق بعضه ببعض، فلا يرى فيه خلل لإحكامه، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: أنه المبني بالرصاص، وإلى نحو هذا ذهب الفراء، وكان أبو ~~بحرية يقول: كانوا يكرهون القتال على الخيل، ويستحبون القتال على الأرض ~~لهذه الآية اسم أبي بحرية: عبد الله بن قيس التراغمي، يروي عن معاذ، ~~وكأنه أشار بذلك إلى أن الفرسان لا يصطفون في الغالب إنما يصطف ~~الرجالة. ### || [61.5-9] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى } المعنى: اذكر لمن يؤذيك من المنافقين ما ~~صنعت بالذين آذوا موسى. وقد ذكرنا ما آذوا به موسى في [الأحزاب:69]. # قوله تعالى: { فلما زاغوا } أي: مالوا عن الحق { أزاغ الله قلوبهم } أي: ~~أمالها عن الحق جزاء لما ارتكبوه، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى { ~~يأتي من بعدي } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم «من ~~بعدي اسمه» بفتح الياء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم ~~«من بعدي اسمه» بإسكان الياء { ومن أظلم ms1998 ممن افترى على الله الكذب } ~~وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم اليهود، قاله مقاتل. # والثاني: النصارى حين قالوا: عيسى ابن الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~وقرأ ابن مسعود. وعاصم الجحدري، وطلحة بن مصرف «يدعي إلى الإسلام» ~~بفتح الياء، والدال، وتشديدها، وبكسر العين، وما بعد هذا في [براءة:32] ~~إلى قوله تعالى: { متم نوره } قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم وخلف «متم نوره» مضاف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم «متم» رفع منون. ### || [61.10-14] # قوله تعالى: { هل أدلكم على تجارة } قال المفسرون: نزلت: هذه الآية حين ~~قالوا: لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به أبدا، فدلهم الله ~~على ذلك، وجعله بمنزلة التجارة لمكان ربحهم فيه. # قوله تعالى: { تنجيكم } قرأ ابن عامر «تنجيكم» بالتشديد. وقرأ الباقون ~~بالتخفيف. ثم بين التجارة، فقال تعالى: { تؤمنون بالله } إلى قوله ~~تعالى: { يغفر لكم } قال الزجاج: وقوله: «يغفر لكم» جواب قوله: ~~«وتجاهدون»، لأن معناه معنى الأمر. والمعنى: آمنوا بالله وجاهدوا، يغفر ~~لكم، أي: إن فعلتم ذلك، يغفر لكم. وقد غلط بعض النحويين، فقال: هذا جواب ~~«هل» وهذا غلط بين، لأنه ليس إذا دلهم على ما ينفعهم غفر لهم، ~~إنما يغفر لهم إذا عملوا بذلك. ومن قرأ «يغفر لهم» بإدغام الراء في ~~اللام، فغير جائز عند سيبويه، والخليل، لأنه لا تدغم الراء في اللام في ~~قولهم. وقد رويت عن أبي عمرو بن العلاء، وهو إمام عظيم، ولا أحسبه ~~قرأها إلا وقد سمعها من العرب. وقد زعم سيبويه والخليل وجميع البصريين، ~~ما خلا أبا عمرو، أن اللام تدغم في الراء، وأن الراء لا تدغم في اللام، ~~وحجتهم أن الراء حرف مكرر قوي، فإذا أدغمت في اللام ذهب التكرير منها. ~~وما بعد هذا قد سبق إلى قوله تعالى: { وأخرى تحبونها } قال الفراء: ~~والمعنى: ولكم في العاجل مع ثواب الآخرة أخرى تحبونها، ثم فسرها فقال ~~تعالى: { نصر من الله وفتح قريب } وفيه قولان. # أحدهما: أنه فتح مكة، قاله ابن عباس. # والثاني: فتح فارس والروم، قاله عطاء. ms1999 # قوله تعالى: { وبشر المؤمنين } أي: بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، ~~ثم حضهم على نصر دينه بقوله تعالى { كونوا أنصار الله } قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، «كونوا أنصارا لله» منونة. وقرأ عاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي «أنصار الله» ومعنى الآية: دوموا على ما أنتم عليه، ~~وانصروا دين الله، مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى: { من ~~أنصاري إلى الله } وحرك نافع ياء «من أنصاري إلى الله» وقد سبق ~~تفسير هذا الكلام [آل عمران:52] { فآمنت طائفة من بني إسرائيل } بعيسى { ~~وكفرت طائفة } { فأيدنا الذين آمنوا } بعيسى { على عدوهم } وهم ~~مخالفو عيسى، كذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والجمهور، وقال مقاتل: تم ~~الكلام عند قوله تعالى: { وكفرت طائفة } ، { فأيدنا الذين آمنوا } بمحمد ~~{ على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } ، بمحمد على الأديان. وقال إبراهيم النخعي: ~~أصبح من آمن بعيسى ظاهرين بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم، أن عيسى كلمة ~~الله وروحه بتعليم الحجة. قال ابن قتيبة: { فأصبحوا ظاهرين } أي: غالبين ~~عليهم بمحمد. من قولك: ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا ~~صرت فوقه. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-4] # قوله تعالى: { هو الذي بعث في الأميين } يعني: العرب، وكانوا لا يكتبون ~~وقد شرحنا هذا المعنى في [البقرة:78] { رسولا } يعني: محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { منهم } أي: من جنسهم ونسبهم. # فإن قيل: فما وجه الامتنان في أنه بعث نبيا أميا؟ # فعنه ثلاثة أجوبة. # أحدها: لموافقة ما تقدمت البشارة [به في كتب] الأنبياء. # والثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب لموافقتهم. # والثالث: لئلا يظن به أنه يعلم كتب من قبله. وما بعد هذا في سورة ~~[البقرة:129]. إلى قوله تعالى: { وإن كانوا من قبل } ، أي: وما كانوا ~~قبل بعثته إلا في { ضلال مبين } بين، وهو الشرك. # قوله تعالى: { وآخرين منهم } فيه قولان: # أحدهما: وبعث محمدا في آخرين منهم، أي: من الأميين. # والثاني: ويعلم آخرين منهم، ويزكيهم. وفي المراد بالآخرين أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنهم العجم، قاله ابن عمر، وسعيد بن جبير، وهي رواية ليث عن ~~مجاهد. فعلى هذا إنما قال: ms2000 «منهم»، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، إذ ~~المسلمون يد واحدة، وملة واحدة. # والثاني: أنهم التابعون، قاله عكرمة، ومقاتل. # والثالث: جميع من دخل في الإسلام إلى يوم القيامة، قاله ابن زيد، وهي ~~رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والرابع: أنهم الأطفال، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { لما يلحقوا بهم } أي: لم يلحقوا بهم. # قوله تعالى: { ذلك فضل الله } يعني: الإسلام والهدى { والله ذو الفضل ~~العظيم } بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [62.5-8] # ثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا، فقال تعالى: { مثل ~~الذين حملوا التوراة } أي: كلفوا العمل بما فيها { ثم لم يحملوها } ~~أي: لم يعملوا بموجبها، ولم يؤدوا حقها { كمثل الحمار يحمل أسفارا } ، ~~وهي جمع سفر. والسفر: الكتاب، فشبههم بالحمار لا يعقل ما يحمل، إذ ~~لم ينتفعوا بما في التوارة، وهي دالة على الإيمان بمحمد [وهذا المثل ~~يلحق من لم يعمل بالقرآن ولم يفهم معانيه { بئس مثل القوم } ذم مثلهم، ~~والمراد ذمهم، واليهود كذبوا بالقرآن وبالتوراة حين لم يؤمنوا بمحمد] { ~~والله لا يهدي القوم الظالمين } أنفسهم بتكذيب الأنبياء. # قوله تعالى: { إن زعمتم أنكم أولياء لله } وذلك أن اليهود، قالوا: نحن ~~ولد إسرائيل الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله، ونحن أولى بالله عز وجل ~~من سائر الناس، وإنما تكون النبوة فينا. فقال الله عز وجل لنبيه عليه ~~الصلاة والسلام { قل } لهم إن كنتم { أولياء لله فتمنوا الموت } لأن ~~الموت خير لأولياء الله من الدنيا. وقد بينا هذا وما بعده في ~~[البقرة:94] إلى قوله تعالى: { قل إن الموت الذي تفرون منه } وذلك أن ~~اليهود علموا أنهم أفسدوا على أنفسهم أمر الآخرة بتكذيبهم محمدا، وكانوا ~~يكرهون الموت، فقيل لهم: لا بد من نزوله [بكم] بقوله تعالى: { فإنه ~~ملاقيكم } قال الفراء: العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما يوصل، ~~مثل: «من» و «الذي» فمن أدخل الفاء هاهنا ذهب «بالذي» إلى تأويل الجزاء. ~~وفي قراءة عبد الله «إن الموت الذي تفرون منه ملاقيكم» وهذا على ~~القياس، لأنك تقول: إن أخاك قائم، ولا ms2001 تقول: فقائم، ولو قلت: إن ضاربك ~~فظالم، لجاز، لأن تأويله: إن من يضربك فظالم. وقال الزجاج: إنما جاز دخول ~~الفاء، لأن في الكلام معنى الشرط والجزاء. ويجوز أن يكون تمام الكلام عند ~~قوله تعالى: «تفرون منه» كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان من قتل أو ~~غيره «فإنه ملاقيكم» وتكون «فإنه» استئنافا بعد الخبر الأول. ### || [62.9-10] # قوله تعالى: { إذا نودي للصلاة } وهذا هو النداء الذي ينادى به إذا جلس ~~الإمام على المنبر، ولم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء ~~سواه، كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذلك كان على ~~عهد أبي بكر، وعمر، فلما كثر الناس على عهد عثمان أمر بالتأذين على دار ~~له بالسوق، يقال لها «الزوراء» وكان إذا جلس أذن أيضا. # قوله تعالى: { للصلاة } أي: لوقت الصلاة. وفي «الجمعة» ثلاث لغات. ضم ~~الجيم والميم، وهي قراءة الجمهور. وضم الجيم مع إسكان الميم، وبها قرأ ~~أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رجاء، وعكرمة، والزهري، وابن أبي ليلى، وابن ~~أبي عبلة، والأعمش. وبضم الجيم مع فتح الميم، وبها قرأ أبو مجلز، وأبو ~~العالية، والنخعي، وعدي بن الفضل عن أبي عمرو. قال الزجاج: من قرأ بتسكين ~~الميم، فهو تخفيف الجمعة لثقل الضمتين. وأما فتح الميم، فمعناها: الذي ~~يجمع الناس، كما تقول: رجل لعنة: يكثر لعنة الناس، وضحكة: يكثر ~~الضحك. # وفي تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة ثلاثة أقوال. # أحدها: لأن فيه جمع آدم. # " روى سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أتدري ما ~~الجمعة؟» قلت: لا. قال: «فيه جمع أبوك» " # ، يعني: تمام خلقه في يوم. # والثاني: لاجتماع الناس فيه للصلاة. # والثالث: لاجتماع المخلوقات فيه، لأنه اليوم الذي منه فرغ من خلق ~~الأشياء. # وفي أول من سماها بالجمعة قولان. # أحدهما: أنه كعب بن لؤي سماها بذلك، وكان يقال ليوم الجمعة: العروبة، ~~قاله أبو سلمة. وقيل: إنما سماها بذلك لاجتماع قريش فيه. # والثاني: أول من سماها بذلك الأنصار، قاله ابن سيرين. # قوله تعالى: { فاسعوا ms2002 إلى ذكر الله } وفي هذا السعي ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه المشي، قاله ابن عباس. وكان ابن مسعود يقرؤها «فامضوا» ~~ويقول: لو قرأتها «فاسعوا» لسعيت حتى يسقط ردائي. وقال عطاء: هو ~~الذهاب والمشي إلى الصلاة. # والثاني: أن المراد بالسعي: العمل، قاله عكرمة، والقرظي، والضحاك، فيكون ~~المعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله بالتفرغ له، والاشتغال بالطهارة ~~ونحوها. # والثالث: أنه النية بالقلب، قاله الحسن. وقال ابن قبيبة: هو المبادرة ~~بالنية والجد. # وفي المراد «بذكر الله» قولان. # أحدهما: أنه الصلاة، قاله الأكثرون. # والثاني: موعظة الإمام، قاله سعيد بن المسيب. # قوله تعالى: { وذروا البيع } أي: دعوا التجارة في ذلك الوقت. وعندنا: ~~أنه لا يجوز البيع في وقت النداء، ويقع البيع باطلا في حق من يلزمه فرض ~~الجمعة، وبه قال مالك خلافا للأكثرين. # فصل # تجب الجمعة على من سمع النداء من المصر، إذا كان المؤذن صيتا، ~~والريح ساكنة. وقد حده مالك بفرسخ، ولم يحده الشافعي. # وعن أحمد في التحديد نحوهما. وتجب الجمعة على أهل القرى. وقال أبو ~~حنيفة: لا تجب إلا على أهل الأمصار. ويجوز لأهل المصر أن يقيموا الجمعة ~~في الصحراء القريبة من المصر خلافا للشافعي. ولا تنعقد الجمعة بأقل من ~~أربعين. وعن أحمد: أقله خمسون. وعنه: أقله ثلاثة. وقال أبو حنيفة: تنعقد ~~بثلاثة والإمام، والعدد شرط في الجمعة وقال أبو حنيفة في إحدى ~~الروايتين: يصح أن يخطب منفردا. وهل تجب الجمعة على العبيد؟ فيه عن أحمد ~~روايتان. وعندنا: تجب على الأعمى إذا وجد قائدا، خلافا لأبي حنيفة. ولا ~~تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين، خلافا لأبي حنيفة. وهل تجب الجمعة ~~والعيدان من غير إذن سلطان؟ فيه عن أحمد روايتان. وتجوز الجمعة في ~~موضعين في البلد مع الحاجة. وقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف: لا تجوز إلا ~~في موضع واحد. وتجوز إقامة الجمعة قبل الزوال خلافا لأكثرهم، وإذا وقع ~~العيد يوم الجمعة أجزأ حضوره عن يوم الجمعة، وبه قال الشعبي، والنخعي، ~~خلافا للأكثرين. والمستحب لأهل الأعذار أن يصلوا الظهر في جماعة. وقال ~~أبو حنيفة: يكره. ولا يجوز ms2003 السفر يوم الجمعة بعد الزوال. وقال أبو حنيفة: ~~يجوز. وهل يجوز السفر بعد طلوع الفجر؟ فيه عن أحمد روايتان. ونقل عن ~~أحمد: أنه لا يجوز الخروج في الجمعة إلا للجهاد. وقال أبو حنيفة: يجوز ~~لكل سفر. وقال الشافعي: لا يجوز أصلا. # والخطبة شرط في الجمعة. وقال داود: هي مستحبة. والطهارة لا تشترط في ~~الخطبة، خلافا للشافعي في أحد قوليه. والقيام ليس بشرط في الخطبة، ~~خلافا للشافعي. ولا تجب القعدة بين الخطبتين، خلافا له أيضا. # ومن شرط الخطبة: التحميد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة ~~آية، والموعظة. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يخطب بتسبيحة. # والخطبتان واجبتان. وأما القراءة في الخطبة الثانية، فهي شرط، خلافا ~~للشافعي. # والسنة للإمام إذا صعد المنبر، واستقبل الناس: أن يسلم، خلافا ~~لأبي حنيفة، ومالك. وهل يحرم الكلام في حال سماع الخطبة؟ فيه عن أحمد ~~روايتان. ويحرم على المستمع دون الخاطب، خلافا للأكثرين. ولا يكره ~~الكلام قبل الابتداء بالخطبة، وبعد الفراغ منها، خلافا لأبي حنيفة. # ويستحب له أن يصلي تحية المسجد والإمام يخطب، خلافا لأبي حنيفة، ~~ومالك. # وهل يجوز أن يخطب واحد، ويصلي آخر، فيه عن أحمد روايتان. # قوله تعالى: { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: إن كان لكم علم ~~بالأصلح { فإذا قضيت الصلاة } أي: فرغتم منها { فانتشروا في الأرض } هذا ~~أمر إباحة { وابتغوا من فضل الله } إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع ~~منها بقوله تعالى: «وذروا البيع» وقال الحسن، وابن جبير: هو طلب العلم. ### || [62.11] # قوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة } سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يخطب يوم الجمعة، إذ أقبلت عير قد قدمت، فخرجوا إليها حتى ~~لم يبق معه إلا إثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية، أخرجه البخاري ومسلم في ~~«الصحيحين» من حديث جابر بن عبد الله، قاله الحسن: وذلك أنهم أصابهم جوع. ~~وغلاء سعر، فلما سمعوا بها خرجوا إليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو اتبع آخرهم أولهم التهب عليهم الوادي نارا " # قال المفسرون: كان الذي قدم ms2004 بالتجارة دحية بن خليفة الكلبي، قال مقاتل: ~~وذلك قبل أن يسلم. قالوا: قدم بها من الشام، وضرب لها طبل يؤذن الناس ~~بقدومها. وهذه كانت عادتهم إذا قدمت عير. قال جابر بن عبد الله: كانت ~~التجارة طعاما. وقال أبو مالك: كانت زيتا. والمراد باللهو: ضرب الطبل. ~~و { انفضوا } بمعنى: تفرقوا عنك، فذهبوا إليها. والضمير للتجارة. وإنما ~~خصت برد الضمير إليها، لأنها كانت أهم إليهم، هذا قول الفراء، والمبرد. ~~وقال الزجاج: المعنى: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا ~~إليه، فحذف خبر أحدهما، لأن الخبر الثاني يدل على الخبر المحذوف. وقرأ ~~ابن مسعود، وابن أبي عبلة «انفضوا إليهما». على التثنية. وعن ابن مسعود، ~~وابن أبي عبلة «انفضوا إليه» على ضمير مذكر { وتركوك قائما } وهذا ~~القيام كان في الخطبة { قل ما عند الله } من ثواب الصلاة والثبات مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ~~} لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده، ومن يكفر به ويجحده، فهو يعطي من سأل، ~~ويبتدىء من لا يسأل، وغيره إنما يرزق من يرجو منفعته، ويقبل على خدمته. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-4] # قوله تعالى: { إذا جاءك المنافقون } يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه { ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله } وهاهنا تم الخبر عنهم. ثم ابتدأ فقال تعالى: ~~{ والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } وإنما جعلهم ~~كاذبين، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا. قال الفراء: إنما كذب ضميرهم. { ~~اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله } قد ذكرناه في ~~[المجادلة: 16] قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على أن قول القائل: ~~«أشهد» يمين، لأنهم قالوا: «نشهد» فجعله يمينا بقوله تعالى: { اتخذوا ~~أيمانهم جنة } وقد قال أحمد، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة: ~~أشهد، وأقسم، وأعزم، وأحلف، كلها أيمان. وقال ~~الشافعي: «أقسم» ليس بيمين. وإنما قوله: «أقسم بالله» يمين إذا أراد ~~اليمين. # قوله تعالى: { ذلك } أي: ذلك الكذب { بأنهم آمنوا } باللسان { ثم كفروا ~~} في السر { فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } الإيمان والقرآن { ~~وإذا رأيتهم ms2005 تعجبك أجسامهم } يعني: أن لهم أجساما ومناظر. قال ابن عباس: ~~كان عبد الله بن أبي جسيما فصيحا، ذلق اللسان، فإذا قال، سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم قوله. وقال غيره: المعنى: تصغي إلى قولهم، ~~فتحسب أنه حق { كأنهم خشب } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة: «خشب» بضم الخاء، والشين جميعا، وهو جمع خشبة. ~~مثل ثمرة، وثمر. وقرأ الكسائي: بضم الخاء، وتسكين الشين، مثل: ~~بدنة، وبدن، وأكمة، وأكم. وعن ابن كثير، وأبي عمرو، مثله. ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وعروة، وابن سيرين: «خشب» بفتح الخاء، والشين ~~جميعا. وقرأ أبو نهيك، وأبو المتوكل، وأبو عمران بفتح الخاء، وتسكين ~~الشين، فوصفهم الله بحسن الصورة، وإبانة المنطق، ثم أعلم أنهم في ترك ~~التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب. والمسندة: الممالة إلى الجدار. ~~والمراد: أنها ليست بأشجار تثمر وتنمي، بل خشب مسندة إلى حائط. ~~ثم عابهم بالجبن فقال تعالى: { يحسبون كل صيحة عليهم } أي: لا يسمعون ~~صوتا إلا ظنوا أنهم قد أتوا لما في قلوبهم من الرعب أن يكشف الله ~~أسرارهم، وهذه مبالغة في الجبن. وأنشدوا في هذا المعنى: # ولو أنها عصفورة لحسبتها # مسومة تدعو عبيدا وأزنما # أي: لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك خيلا تدعو هاتين القبيلتين. # قوله تعالى: { هم العدو فاحذرهم } أي: لا تأمنهم على سرك، لأنهم ~~عيون لأعدائك من الكفار { قاتلهم الله أنى يؤفكون } مفسر في ~~[براءة: 30]. ### || [63.5-8] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله } قد ~~بينا سببه في نزول السورة { لووا رؤوسهم } وقرأ نافع، والمفضل عن ~~عاصم، ويعقوب: «لووا» بالتخفيف. واختار أبو عبيدة التشديد. وقال: ~~لأنهم فعلوا ذلك مرة بعد مرة. قال مجاهد: لما قيل لعبد الله بن ~~أبي: تعال يستغفر لك رسول الله لوى رأسه، قال: ماذا قلت؟ وقال ~~مقاتل: عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار. وقال الفراء: حركوها استهزاء ~~بالنبي وبدعائه. # قوله تعالى: { ورأيتهم يصدون } أي: يعرضون عن الاستغفار. { وهم ~~مستكبرون } أي: متكبرون عن ذلك. ثم ذكر أن استغفاره لهم لا ينفعهم. ~~بقوله تعالى: { سواء عليهم ms2006 أستغفرت لهم } وقرأ أبو جعفر: { آستغفرت } ~~بالمد. # قوله تعالى: { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله } قد ~~بينا أنه قول ابن أبي. { وينفضوا } بمعنى: يتفرقوا { ولله ~~خزائن السموات والأرض } قال المفسرون: خزائن السموات: المطر، وخزائن ~~الأرض: النبات. والمعنى: أنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين، لا أولئك، ~~{ ولكن المنافقين لا يفقهون } أي: لا يعلمون أن الله رازقهم في حال إنفاق ~~هؤلاء عليهم { يقولون لئن رجعنا } من هذه الغزوة. وقد تقدم ذكرها وهذا ~~قول ابن أبي { ليخرجن الأعز } يعني: نفسه، وعنى ب { ~~الأذل } رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن: «لنخرجن» ~~بالنون مضمومة وكسر الراء «الأعز» بنصب الزاي [والأذل منصوب] على الحال ~~[بناء على جواز تعريف الحال، أو زيادة «أل» فيه، أو بتقدير «مثل»]. ~~المعنى: لنخرجنه ذليلا على أي حال ذل. والكل نصبوا «الأذل» فرد ~~الله عز وجل عليه فقال: { ولله العزة } وهي: المنعة والقوة { ~~ولرسوله وللمؤمنين } بإعزاز الله ونصره إياهم { ولكن المنافقين لا يعلمون ~~} ذلك. ### || [63.9-11] # قوله تعالى: { لا تلهكم } أي: لا تشغلكم. وفي المراد بذكر الله هاهنا ~~أربعة أقوال: # أحدها: طاعة الله في الجهاد، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الصلاة المكتوبة، قاله عطاء، ومقاتل. # والثالث: الفرائض من الصلاة، وغيرها، قاله الضحاك. # والرابع: أنه على إطلاقه. قال الزجاج: حضهم بهذا على إدامة الذكر. # قوله تعالى: { وأنفقوا مما رزقناكم } في هذه النفقة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه زكاة الأموال، قاله ابن عباس. # والثاني: أنها النفقة في الحقوق الواجبة بالمال، كالزكاة والحج، ونحو ~~ذلك، وهذا المعنى مروي عن الضحاك. # والثالث: أنه صدقة التطوع، ذكره الماوردي. فعلى هذا يكون الأمر ندبا، ~~وعلى ما قبله يكون أمر وجوب. # قوله تعالى: { من قبل أن يأتي أحدكم الموت } قال الزجاج: أي: من قبل ~~أن يعاين ما يعلم منه أنه ميت. # قوله تعالى: { لولا أخرتني } أي: هلا أخرتني { إلى أجل قريب } يعني ~~بذلك الاستزادة في أجله ليتصدق ويزكي، وهو قوله تعالى: { فأصدق } ~~قال أبو عبيدة: «فأصدق» نصب، لأن كل جواب بالفاء للاستفهام منصوب. تقول: ms2007 ~~من عندك فآتيك. هلا فعلت كذا فأفعل كذا، ثم تبعتها { وأكن من ~~الصالحين } بغير واو. وقال أبو عمرو: إنما هي، وأكون، فذهبت الواو من ~~الخط. كما يكتب أبو جاد أبجد هجاء، وهكذا يقرؤها أبو عمرو «وأكون» ~~بالواو، ونصب النون. والباقون يقرؤون «وأكن» بغير واو. قال الزجاج: من ~~قرأ «وأكون» فهو على لفظ فأصدق. ومن جزم «أكن» فهو على موضع ~~«فأصدق» لأن المعنى: إن أخرتني أصدق وأكن. وروى أبو صالح عن ابن عباس ~~«فأصدق» أي: أزكي مالي «وأكن من الصالحين» أي: أحج مع المؤمنين، ~~وقال في قوله تعالى: { والله خبير بما تعملون } والمعنى: بما تعملون من ~~التكذيب بالصدقة. قال مقاتل: يعني: المنافقين. وروى الضحاك عن ابن عباس، ~~ما من أحد يموت، وقد كان له مال لم يزكه، وأطاق الحج فلم يحج، إلا سأل ~~الله الرجعة عند الموت، فقالوا له: إنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: أنا ~~أتلو عليكم به قرآنا، ثم قرأ هذه الآية. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-6] # وقد سبق تفسير فاتحتها إلى قوله تعالى: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } وفيه ~~قولان. # أحدهما: أن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، رواه الوالبي عن ابن عباس. ~~والأحاديث تعضد هذ القول، كقوله عليه الصلاة والسلام: # " خلق فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا " # ، وقوله: # " فيؤمر الملك بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم ~~سعيد " # والثاني: أن تمام الكلام عند قوله تعالى: { خلقكم } ثم وصفهم، فقال ~~تعالى: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ، واختلف أرباب هذا القول فيه على ~~أربعة أقوال. # أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن ~~عباس. # والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته ~~كافر، في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري. # والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر ~~بالكواكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء. # والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج. والكفر ~~بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع. وما بعد ms2008 هذا قد سبق إلى قوله تعالى: ~~{ وصوركم فأحسن صوركم } قال الزجاج: أي: خلقكم أحسن الحيوان كله. ~~وقرأ الأعمش «صوركم» بكسر الصاد. ويقال في جمع صورة: صور، وصور، كما ~~يقال في جمع لحية: لحى، ولحى. وذكر ابن السائب أن معنى «فأحسن ~~صوركم» أحكمها. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: { ويعلم ما تسرون } ~~روى المفضل عن عاصم «يسرون» و«يعلنون» بالياء فيهما { ألم يأتكم نبأ ~~الذين كفروا من قبل } هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفار قبلهم، ~~فذلك قوله تعالى: { فذاقوا وبال أمرهم } أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم ~~من العذاب في الدنيا { ولهم عذاب أليم } في الآخرة { ذلك } الذي أصابهم { ~~بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } فينكرون ذلك، ويقولون: { أبشر } أي: ~~ناس مثلنا، { يهدوننا؟! } والبشر اسم جنس معناه الجمع، وإن كان لفظه ~~واحدا { فكفروا وتولوا } أي: أعرضوا عن الإيمان { واستغنى الله } عن ~~إيمانهم وعبادتهم. ### || [64.7-18] # قوله تعالى: { زعم الذين كفروا } كان ابن عمر يقول: «زعموا» كناية ~~الكذب. وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان. # قوله تعالى: { وذلك على الله يسير } يعني: البعث { والنور } هو القرآن، ~~وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء. # قوله تعالى: { يوم يجمعكم } هو منصوب بقوله تعالى: «لتبعثن ثم ~~لتنبؤن بما عملتم» { يوم يجمعكم ليوم الجمع } وهو يوم القيامة. وسمي ~~بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السموات، وأهل الأرض { ~~ذلك يوم التغابن } تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم ~~القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، ~~فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. # والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا ~~مغبونا، فصار في الآخرة غابنا، ذكره الماوردي. # والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن ~~بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج: وإنما ذكر ذلك مثلا ~~للبيع والشراء، كقوله ms2009 تعالى: # فما ربحت تجارتهم # [البقرة: 16]، وقوله تعالى: # هل أدلكم على تجارة # [الصف: 10] وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: { يكفر عنه سيئآته } قرأ ~~نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم «نكفر» «وندخله» بالنون فيهما. ~~والباقون: بالياء { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } قال ابن عباس: ~~بعلمه وقضائه { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } فيه ستة أقوال. # أحدها: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم ~~يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة: هو الرجل ~~تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. # والثاني: يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون ~~قاله مقاتل. # والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ~~ابن السائب، وابن قتيبة. # والرابع، يهد قلبه، أي: يجعله مهتديا، قاله الزجاج. # والخامس: يهد وليه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الوراق. # والسادس: يهد قلبه لاتباع السنة إذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: «يهد» بياء مفتوحة. ~~ونصب الدال «قلبه» بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. ~~فالمعنى: إذا سلم لأمر الله سكن قلبه. وقرأ عثمان بن عفان، ~~والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة: «نهد» بالنون. وقرأ علي بن ~~أبي طالب، وأبو عبد الرحمن: «يهد» بضم الياء، وفتح الدال «قلبه» ~~بالرفع. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: { إن من أزواجكم وأولادكم ~~عدوا لكم } سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. # فإذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، وقالوا: ننشدك الله أن تذهب ~~وتدع أهلك وعشيرتك وتصير إلى المدينة بلا أهل ولا مال. فمنهم من ~~يرق لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. فلما هاجر أولئك، ورأوا ~~الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا أهلهم الذين منعوهم، ~~فأنزل الله تعالى: { وإن تعفوا وتصفحوا } إلى آخر الآية، هذا قول ابن ~~عباس. وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد ~~صبرنا ms2010 لكم على مفارقة الدين ولا نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة ~~الأموال، والمساكن، فأعلم الله عز وجل أن من كان بهذه الصورة، فهو عدو، ~~وإن كان ولدا، أو كانت زوجة. وقال مجاهد: كان حب الرجل ولده وزوجته ~~يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه. وقال قتادة: كان من أزواجهم، وأولادهم ~~من ينهاهم عن الإسلام، ويثبطهم عنه، فخرج في قوله تعالى: { عدوا لكم } ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: بمنعه من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس. # والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وعلى هذا قول مجاهد. # والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة. # قوله تعالى: { فاحذروهم } قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلف. # قوله تعالى: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } أي: بلاء وشغل عن الآخرة. ~~فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله. وقال ابن قتيبة: ~~أي: إغرام. يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: أغرم بها. وقال ~~الفراء: قال أهل المعاني: إنما دخل «من» في قوله تعالى: «إن من أزواجكم» ~~لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداء. ولم يذكر «من» في قوله تعالى: { ~~إنما أموالكم وأولادكم فتنة } لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب ~~بها. وقد روى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء ~~الحسن، والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، ~~فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله عز وجل: { إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة } نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى ~~قطعت حديثي، ورفعتهما. # قوله تعالى: { والله عنده أجر عظيم } أي: ثواب جزيل، وهو الجنة. ~~والمعنى: لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر ~~العظيم { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: ما أطقتم { واسمعوا } ما ~~تؤمرون به { وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم } وفي هذه النفقة ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: الصدقة، قاله ابن عباس. # والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. # والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك { ومن يوق شح نفسه } حتى ~~يعطي حق الله في ماله. وقد تقدم بيان هذا في [الحشر: 9] وما بعده قد ms2011 سبق ~~بيانه إلى آخر السورة [البقرة: 245، والحديد: 11، 18، والحشر: 23، 24]. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # قوله تعالى: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } قال الزجاج: هذا خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. والمؤمنون داخلون معه فيه. ومعناه: إذا أردتم ~~طلاق النساء، كقوله تعالى: # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة: 6] وفي سبب نزول هذه الآية قولان. # أحدهما: أنها نزلت حين طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، ~~وقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة، وهي من إحدى زوجاتك في ~~الجنة، قاله أنس بن مالك. # والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن عمر، وذلك أنه طلق امرأته حائضا، ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، قاله ~~السدي. # قوله تعالى: { لعدتهن } أي: لزمان عدتهن، وهو الطهر. وهذا ~~للمدخول بها، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها. # والطلاق: على ضربين: سني، وبدعي. # فالسني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وذلك هو الطلاق ~~للعدة، لأنها تعتد بذلك الطهر من عدة، وتقع في العدة عقيب ~~الطلاق، فلا يطول عليها زمان العدة. # والطلاق البدعي: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، فهو ~~واقع، وصاحبه آثم، وإن جمع الطلاق الثلاث في طهر واحد، فالمنصور من ~~مذهبنا أنه بدعة. # قوله تعالى: { وأحصوا العدة } أي: زمان العدة. وفي إحصائها فوائد. منها: ~~مراعاة زمان الرجعة، وأوان النفقة، والسكنى، وتوزيع الطلاق على الإقرار ~~إذا أراد أن يطلق ثلاثا، وليعلم أنها قد بانت، فيتزوج بأختها، ~~وأربع سواها. # قوله تعالى: { واتقوا الله ربكم } أي: فلا تعصوه فيما أمركم به. { ولا ~~تخرجوهن من بيوتهن } فيه دليل على وجوب السكنى. ونسب البيوت إليهن، ~~لسكناهن قبل الطلاق فيهن، ولا يجوز لها أن تخرج في عدتها إلا لضرورة ~~ظاهرة. فإن خرجت أثمت { إلا أن يأتين بفاحشة } وفيها أربعة أقوال: # أحدها: المعنى: إلا أن يخرجن قبل انقضاء المدة، فخروجهن هو الفاحشة ~~المبينة، وهذا قول عبد الله بن عمر، والسدي، وابن السائب. # والثاني: أن الفاحشة: الزنا، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ms2012 ~~والشعبي، وعكرمة، والضحاك. فعلى هذا يكون المعنى: إلا أن يزنين ~~فيخرجن لإقامة الحد عليهن. # والثالث: الفاحشة: أن تبذؤ على أهلها، فيحل لهم إخراجها، رواه محمد ~~بن إبراهيم عن ابن عباس. # والرابع: أنها إصابة حد، فتخرج لإقامة الحد عليها، قاله سعيد ابن ~~المسيب. # قوله تعالى: { وتلك حدود الله } يعني: ما ذكر من الأحكام { ومن يتعد ~~حدود الله } التي بينها. وأمر بها { فقد ظلم نفسه } أي: أثم فيما بينه ~~وبين الله تعالى { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } أي: يوقع في ~~قلب الزوج المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. وهذا يدل على أن ~~المستحب في الطلاق تفريقه، وأن لا يجمع الثلاث. ### || [65.2-3] # قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } أي: قاربن انقضاء العدة { فأمسكوهن ~~بمعروف } وهذا مبين في [البقرة: 231] { وأشهدوا ذوي عدل منكم } ~~قال المفسرون: أشهدوا على الطلاق، أو المراجعة. واختلف العلماء: هل ~~الإشهاد على المراجعة واجب، أم مستحب؟ وفيه عن أحمد روايتان، وعن الشافعي ~~قولان ثم قال للشهداء: { وأقيموا الشهادة لله } أي: اشهدوا بالحق، ~~وأدوها على الصحة، طلبا لمرضاة الله، وقياما بوصيته. وما بعده قد ~~سبق بيانه [البقرة: 232] إلى قوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~} فذكر أكثر المفسرين أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر العدو ~~ابنا له، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه الفاقة، فقال: ~~اتق الله، واصبر، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل الرجل ~~ذلك، فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة ~~آلاف شاة، فنزلت هذه الآية. وفي معناها للمفسرين خمسة أقوال. # أحدها: ومن يتق الله ينجه من كل كرب في الدنيا والآخرة، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: بأن مخرجه: علمه بأن ما أصابه من عطاء أو منع، من ~~قبل الله، وهو معنى قول ابن مسعود. # والثالث: ومن يتق الله، فيطلق للسنة، ويراجع للسنة، يجعل ~~له مخرجا، قاله السدي. # والرابع: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة، يجعل له مخرجا من النار ~~إلى الجنة، قاله ابن السائب. ms2013 # والخامس: يجعل له مخرجا من الحرام إلى الحلال، قاله الزجاج. والصحيح أن ~~هذا عام، فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجا من كل ما يضيق عليه. ومن لا ~~يتقي، يقع في كل شدة. قال الربيع بن خثيم: يجعل له مخرجا من كل ما ~~يضيق على الناس { ويرزقه من حيث لا يحتسب } أي: من حيث لا يأمل، ولا ~~يرجو. قال الزجاج: ويجوز أن يكون: إذا اتقى الله في طلاقه، وجرى في ذلك ~~على السنة، رزقه الله أهلا بدل أهله { ومن يتوكل على الله فهو حسبه ~~} أي: من وثق به فيما نابه، كفاه الله ما أهمه { إن الله بالغ ~~أمره } وروى حفص، والمفضل عن عاصم «بالغ أمره» مضاف. والمعنى: يقضي ما ~~يريد { قد جعل الله لكل شيء قدرا } أي: أجلا ومنتهى ينتهي إليه، قدر ~~الله ذلك كله، فلا يقدم ولا يؤخر. قال مقاتل: قد جعل الله لكل شيء من ~~الشدة والرخاء قدرا، فقدر متى يكون هذا الغني فقيرا، وهذا الفقير ~~غنيا. ### || [65.4-5] # قوله تعالى: { واللائي يئسن من المحيض } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: أنها لما نزلت عدة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها في ~~[البقرة 227: 232] قال أبي بن كعب: يا رسول الله إن نساء من أهل ~~المدينة يقلن: قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء. قال: «وما هو؟» قال: ~~الصغار والكبار، وذوات الحمل، فنزلت هذه الآية، قاله عمرو بن سالم. # والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن... } ~~[الآية البقرة: 228] قال خلاد بن النعمان الأنصاري: يا رسول الله، فما ~~عدة التي لا تحيض، وعدة التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فنزلت هذه ~~الآية، قاله مقاتل. ومعنى الآية: { إن ارتبتم } ، أي: شككتم فلم تدروا ~~ما عدتهن { فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } كذلك. # فصل # قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالارتياب هاهنا: ارتياب المخاطبين في ~~مقدار عدة الآيسة والصغيرة كما هو؟ وليس المراد به ارتياب المعتدات في ~~اليأس من المحيض، أو اليأس من الحمل للسبب الذي ذكر في نزول الآية. ولأنه ~~لو أريد بذلك النساء ms2014 لتوجه الخطاب إليهن، فقيل: إن ارتبتن، أو ~~ارتبن، لأن الحيض إنما يعلم من جهتهن. # وقد اختلف في المرأة إذا تأخر حيضها لا لعارض كم تجلس؟ فمذهب أصحابنا ~~أنها تجلس غالب مدة الحمل، وهو تسعة أشهر، ثم ثلاثة. والعدة: هي الثلاثة ~~التي بعد التسعة. فإن حاضت قبل السنة بيوم، استأنفت ثلاث حيض، وإن ~~تمت السنة من غير حيض، حلت، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة، ~~والشافعي في الجديد: تمكث أبدا حتى يعلم براءة رحمها قطعا، وهي أن تصير ~~في حد لا يحيض مثلها، فتعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر. # قوله تعالى: { واللائي لم يحضن } يعني: عدتهن ثلاثة أشهر أيضا، لأنه ~~كلام لا يستقل بنفسه، فلا بد له من ضمير، وضميره تقدم ذكره مظهرا، ~~وهو العدة بالشهور. وهذا على قول أصحابنا محمول على من لم يأت عليها ~~زمان الحيض: أنها تعتد ثلاثة أشهر. فأما من أتى عليها زمان الحيض، ولم ~~تحض، فإنها تعتد سنة. # قوله تعالى: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } عام في المطلقات، ~~والمتوفى عنهن أزواجهن، وهذا قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي ~~مسعود البدري، وأبي هريرة، وفقهاء الأمصار. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ~~تعتد آخر الأجلين. ويدل على قولنا عموم الآية. وقول ابن مسعود: من شاء ~~لاعنته، ما نزلت «وأولات الأحمال» إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، ~~وقول أم سلمة: إن سبيعة وضعت بعد وفاة زوجها بأيام، فأمرها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن تتزوج. # قوله تعالى: { ومن يتق الله } أي: فيما أمر به { يجعل له من أمره ~~يسرا } يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة، وهذا قول الأكثرين. وقال ~~الضحاك: ومن يتق الله في طلاق السنة، يجعل الله له من أمره يسرا في ~~الرجعة { ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله } بطاعته { يكفر ~~عنه سيآته } أي: يمح عنه خطاياه { ويعظم له أجرا } في الآخرة. ### || [65.6-7] # { أسكنوهن من حيث سكنتم } و«من» صلة قوله: { من وجدكم } قرأ الجمهور ~~بضم الواو. وقرأ أبو هريرة، وأبو عبد الرحمن، وأبو رزين، ms2015 وقتادة، وروح ~~عن يعقوب بكسر الواو. وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة: بفتح ~~الواو. قال ابن قتيبة: أي: بقدر وسعكم. والوجد: المقدرة، والغنى، ~~يقال: افتقر فلان بعد وجد. قال الفراء: يقول: على ما يجد، فإن كان ~~موسعا عليه، وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان مقترا ~~عليه، فعلى قدر ذلك. # قوله تعالى: { ولا تضاروهن } بالتضييق عليهن في المسكن، والنفقة، ~~وأنتم تجدون سعة. قال القاضي أبو يعلى: المراد بهذا: المطلقة الرجعية ~~دون المبتوتة، بدليل قوله تعالى: # لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا # [الطلاق: 1] وقوله: # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف # [الطلاق: 2] فدل ذلك على أنه أراد الرجعية. # وقد اختلف الفقهاء في المبتوتة: هل لها سكنى، ونفقة في مدة العدة، أم ~~لا؟ فالمشهور عند أصحابنا: أنه لا سكنى لها ولا نفقة، وهو قول ابن أبي ~~ليلى. وقال أبو حنيفة لها السكنى، والنفقة. وقال مالك والشافعي: لها ~~السكنى، دون النفقة. وقد رواه الكوسج عن أحمد. ويدل على الأول حديث فاطمة ~~بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إنما النفقة للمرأة على ~~زوجها ما كانت له عليها الرجعة، فإذا لم يكن له عليها، فلا نفقة ولا ~~سكنى. ومن حيث المعنى: إن النفقة إنما تجب لأجل التمكين من الاستمتاع، ~~بدليل أن الناشز لا نفقة لها. # واختلفوا في الحامل، والمتوفى عنها زوجها، فقال ابن مسعود، وابن عمر، ~~وأبو العالية، والشعبي، وشريح، وإبراهيم: نفقتها من جميع المال، وبه قال ~~مالك، وابن أبي ليلى، والثوري. وقال ابن عباس، وابن الزبير، والحسن، ~~وسعيد بن المسيب، وعطاء: نفقتها في مال نفسها، وبه قال أبو حنيفة، ~~وأصحابه. وعن أحمد كالقولين. # قوله تعالى: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } يعني: أجرة الرضاع. وفي ~~هذا دلالة على أن الأم إذا رضيت أن ترضعه بأجرة مثله، لم يكن للأب أن ~~يسترضع غيرها { وأتمروا بينكم بمعروف } أي: لا تشتط المرأة على الزوج ~~فيما تطلبه من أجرة الرضاع، ولا يقصر الزوج عن المقدار المستحق { ~~وإن تعاسرتم } في الأجرة، ms2016 ولم يتراض الوالدان على شيء { فسترضع له أخرى ~~} لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الأمر، أي: فليسترضع الوالد غير والدة الصبي. # { لينفق ذو سعة من سعته } أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على ~~نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهم. وقرأ ابن السميفع «لينفق» ~~بفتح القاف { ومن قدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه من المطلقين. ~~وقرأ أبي بن كعب، وحميد «قدر» بضم القاف، وتشديد الدال. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن أبي عبلة «قدر» بفتح القاف وتشديد الدال «رزقه» بنصب ~~القاف { فلينفق مما آتاه الله } على قدر ما أعطاه { لا يكلف الله نفسا ~~إلا ما آتاها } أي: على قدر ما أعطاها من المال { سيجعل الله بعد عسر ~~يسرا } أي: بعد ضيق وشدة، غنى وسعة، وكان الغالب عليهم حينئذ الفقر، ~~فأعلمهم أنه سيفتح عليهم بعد ذلك. ### || [65.8-11] # قوله تعالى: { وكأين } أي: وكم { من قرية عتت عن أمر ربها ورسله } أي: ~~عن أمر رسله. والمعنى: عتا أهلها. قال ابن زيد: عتت، أي: كفرت، وتركت أمر ~~ربها، فلم تقبله. وفي باقي الآية قولان. # أحدهما: أن فيها تقديما، وتأخيرا. والمعنى: عذبناها عذابا نكرا في ~~الدنيا بالجوع، والسيف، والبلايا، وحاسبناها حسابا شديدا في الآخرة، ~~قاله ابن عباس، والفراء في آخرين. # والثاني: أنها على نظمها، والمعنى: حاسبناها بعملها في الدنيا، ~~فجازيناها بالعذاب على مقدار عملها؛ فذلك قوله تعالى: «وعذبناها» فجعل ~~المجازاة بالعذاب محاسبة. والحساب الشديد: الذي لا عفو فيه، والنكر: ~~المنكر { فذاقت وبال أمرها } أي: جزاء ذنبها { وكان عاقبة أمرها خسرا } ~~في الدنيا، والآخرة، وقال ابن قتيبة: الخسر: الهلكة. # قوله تعالى: { قد أنزل الله إليكم ذكرا } أي: قرآنا { رسولا } أي: ~~وبعثه رسولا، قاله مقاتل. وإلى نحوه ذهب السدي. وقال ابن السائب: ~~الرسول هاهنا: جبرائيل، فعلى هذا: يكون الذكر والرسول جميعا منزلين. ~~وقال ثعلب: الرسول: هو الذكر. وقال غيره: معنى الذكر هاهنا: الشرف. وما ~~بعده قد تقدم [البقرة: 257، والأحزاب: 43، والتغابن: 9] إلى قوله ~~تعالى: { قد أحسن الله له رزقا } يعني: الجنة التي لا ينقطع نعيمها. ### || [65.12] # قوله: { ومن الأرض مثلهن } أي: وخلق الأرض بعددهن. ms2017 وجاء في الحديث: ~~كثافة كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بينها وبين الأخرى كذلك، وكثافة ~~كل أرض خمسمائة عام، وما بينها وبين الأرض الأخرى كذلك. وقد روى أبو ~~الضحى عن ابن عباس قال: في كل أرض آدم مثل آدمكم، ونوح مثل نوحكم، ~~وإبراهيم مثل إبراهيمكم، وعيسى كعيسى، فهذا الحديث تارة يرفع إلى ابن ~~عباس، وتارة يوقف على أبي الضحى، وليس له معنى إلا ما حكى أبو سليمان ~~الدمشقي، قال سمعت أن معناه: إن في كل أرض خلقا من خلق الله لهم سادة، ~~يقوم كبيرهم ومتقدمهم في الخلق مقام آدم فينا، وتقوم ذريته في ~~السن والقدم كمقام نوح. وعلى هذا المثال سائرهم. وقال كعب: ساكن ~~الأرض الثانية: البحر العقيم، وفي الثالثة: حجارة جهنم، والرابعة: كبريت ~~جهنم، والخامسة: حيات جهنم، والسادسة: عقارب جهنم، والسابعة: فيها إبليس. # قوله تعالى: { يتنزل الأمر بينهن } ، في الأمر قولان. # أحدهما: قضاء الله وقدره، قاله الأكثرون. قال قتادة: في كل أرض من ~~أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء ~~من قضائه. # والثاني: أنه الوحي، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما } أعلمكم بهذا لتعلموا قدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-5] # قوله تعالى: { لم تحرم ما أحل الله لك } في سبب نزولها قولان. # أحدهما: # " أن حفصة ذهبت إلى أبيها تتحدث عنده، فأرسل النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، ~~فرجعت حفصة، فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة ~~شديدة. فلما دخلت حفصة قالت: قد رأيت من كان عندك. والله لقد سؤتني، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم «والله لأرضينك، وإني مسر إليك ~~سرا فاحفظيه»، قالت: وما هو؟ قال: «إني أشهدك أن سريتي هذه علي ~~حرام رضى لك»، وكانت عائشة وحفصة متظاهرتين على نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فقالت لها: أبشري، إن النبي ms2018 صلى الله ~~عليه وسلم قد حرم عليه فتاته " # ، فنزلت هذه الآية رواه العوفي عن ابن عباس. وقد روي عن عمر نحو هذا ~~المعنى، وقال فيه: # " فقالت حفصة: كيف تحرمها عليك، وهي جاريتك؟! فحلف لها أن لا يقربها، ~~فقال لها: «لا تذكريه لأحد»، فذكرته لعائشة، فآلى أن لا يدخل على نسائه ~~شهرا " # ، فنزلت هذه الآية وقال الضحاك: قال لها: # " لا تذكري لعائشة ما رأيت " # ، فذكرته، فغضبت عائشة، ولم تزل بنبي الله حتى حلف أن لا يقربها، فنزلت ~~هذه الآية، وإلى هذا المعنى: ذهب سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والشعبي، ~~ومسروق، ومقاتل، والأكثرون. # والثاني: ما روى عروة عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان إذا ~~انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه، فدخل على حفصة بنت عمر، واحتبس ~~عندها، فسألت عن ذلك، فقيل: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل، ~~فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت ~~لسودة: إنه سيدنو منك إذا دخل عليك، فقولي له: يا رسول الله أكلت ~~مغافير، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: جرست نحله ~~العرفط وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت ~~له: يا رسول الله أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي فيه، قالت: تقول: سودة ~~سبحان الله، والله لقد حرمناه قلت لها: اسكتي " # ، أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين». وفي رواية ابن أبي ملكية عن ابن ~~عباس: أن التي شرب عندها العسل سودة، فقالت له عائشة: إني لأجد منك ~~ريحا، ثم دخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحا، فقال: إني أراه من ~~شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزلت هذه الآية. وفي حديث عبيد بن ~~عمير عن عائشة أن التي شرب عندها العسل زينب بنت جحش، فتواطأت حفصة ~~وعائشة أن تقولا له ذلك القول. # قال أبو عبيد: المغافير: شيء شبيه بالصمغ فيه حلاوة. وخرج الناس ~~يتمغفرون: إذا خرجوا يجتنونه. ويقال: المغاثير بالثاء، مثل جدث، ms2019 وجدف. ~~وقال الزجاج: المغافير: صمغ متغير الرائحة. فخرج في المراد بالذي أحل ~~الله له قولان. # أحدهما: أنه جاريته. # والثاني: العسل. # قوله تعالى: { تبتغي مرضات أزواجك } أي: تطلب رضاهن بتحريم ذلك. { والله ~~غفور رحيم } غفر الله لك التحريم { قد فرض الله لكم } قال مقاتل: قد ~~بين الله لكم { تحلة أيمانكم } أي: كفارة أيمانكم، وذلك البيان ~~في [المائدة: 89] قال المفسرون: وأصل «تحلة» تحلله على وزن ~~تفعلة، فأدغمت، والمعنى: قد بين الله لكم تحليل أيمانكم بالكفارة، ~~فأمره الله أن يكفر يمينه، فأعتق رقبة. # واختلفوا هل حرم مارية على نفسه بيمين، أم لا؟ على قولين. # أحدهما: حرمها من غير ذكر يمين، فكان التحريم موجبا لكفارة اليمين، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: أنه حلف يمينا حرمها بها، قاله الحسن. والشعبي، وقتادة، { ~~والله مولاكم } أي: وليكم وناصركم. # قوله تعالى: { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا } يعني: حفصة من ~~غير خلاف علمناه. # وفي هذا السر ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قال لها: إني مسر إليك سرا فاحفظيه، سريتي هذه ~~علي حرام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، والشعبي، والضحاك، ~~وقتادة، وزيد بن أسلم، وابنه، والسدي. # والثاني: أنه قال لها: أبوك، وأبو عائشة، واليا الناس من بعدي، فإياك ~~أن تخبري أحدا، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: أنه أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي، قاله ميمون بن ~~مهران. # قوله تعالى: { فلما نبأت به } أي: أخبرت به عائشة { وأظهره الله ~~عليه } أي: أطلع الله نبيه على قول حفصة لعائشة، فغضب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غضبا شديدا، لأنه استكتم حفصة ذلك، ثم دعاها، فأخبرها ببعض ~~ما قالت، فذلك قوله تعالى: { عرف بعضه وأعرض عن بعض } وفي الذي ~~عرفها إياه قولان. # أحدهما: أنه حدثها ما حدثتها عائشة من شأن أبي بكر وعمر، وسكت عما ~~أخبرت عائشة من تحريم مارية، لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن الذي عرف: تحريم مارية، والذي أعرض عنه: ذكر الخلافة ~~لئلا ms2020 ينتشر، قاله الضحاك، وهذا اختيار الزجاج. قال: ومعنى «عرف بعضه» ~~عرف حفصة بعضه. وقرأ الكسائي، «عرف» بالتخفيف. قال الزجاج: على هذه ~~القراءة قد عرف كل ما أسره، غير أن المعنى جار على بعضه، كقوله تعالى: # وما تفعلوا من خير يعلمه الله # [البقرة: 179] أي: يعلمه ويجاز عليه، وكذلك: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7] أي: ير جزاءه. فقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ~~تطليقة، فكان ذلك جزاءها عنده، فأمره الله أن يراجعها. # وقال مقاتل بن حيان: لم يطلقها، وإنما هم بطلاقها، فقال له جبريل: ~~لا تطلقها، فإنها صوامة قوامة. وقال الحسن: ما استقصى كريم قط، ثم ~~قرأ «عرف بعضه وأعرض عن بعض» وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن ~~السميفع «عراف» برفع العين، وتشديد الراء وبألف «بعضه» بالخفض. # قوله تعالى: { فلما نبأها به } أي: أخبر حفصة بإفشائها السر { قالت ~~من أنبأك هذا؟ } أي: من أخبرك بأني أفشيت سرك؟ { قال نبأني العليم الخبير ~~} ثم خاطب عائشة وحفصة، فقال: { إن تتوبا إلى الله } أي: من التعاون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء { فقد صغت قلوبكما } قال ابن ~~عباس: زاغت، وأثمت. قال الزجاج: عدلت، وزاغت عن الحق. قال مجاهد: كنا نرى ~~قوله تعالى: «فقد صغت قلوبكما» شيئا هينا حتى وجدناه في قراءة ابن ~~مسعود: فقد زاغت قلوبكما. وإنما جعل القلبين جماعة لأن كل اثنين فما ~~فوقهما جماعة. وقد أشرنا إلى هذا في قوله تعالى: # فإن كان له إخوة # [النساء: 11] وقوله تعالى: # إذ تسوروا المحراب # [ص:11]. قال المفسرون: وذلك أنهما أحبا ما كره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من اجتناب جاريته، { وإن تظاهرا } وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد ~~الرحمن ومجاهد، والأعمش «تظاهرا» بتخفيف الظاء، أي: تعاونا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالإيذاء { فإن الله هو مولاه } أي: وليه في العون، ~~والنصرة { وجبريل } وليه { وصالح المؤمنين } وفي المراد بصالح المؤمنين ~~ستة أقوال. # أحدها: أنهم أبو بكر وعمر، قاله ابن مسعود، وعكرمة، والضحاك. # والثاني: أبو بكر، رواه مكحول عن ms2021 أبي أمامة. # والثالث: عمر، قاله ابن جبير، ومجاهد. # والرابع: خيار المؤمنين، قاله الربيع بن أنس. # والخامس: أنهم الأنبياء، قاله قتادة، والعلاء بن زياد العدوي، وسفيان. # والسادس: أنه علي رضي الله عنه، حكاه الماوردي. قاله الفراء: «وصالح ~~المؤمنين» موحد في مذهب جميع، كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن ~~كان ذا ساسة للحرب، فقد أمر بالمجيء، ومثله قوله تعالى: # والسارق والسارقة # [المائدة: 38]، وقوله تعالى: # واللذان يأتيانها منكم # [النساء: 16]، وقوله تعالى: # إن الإنسان خلق هلوعا # [المعارج: 19] في كثير من القرآن يؤدي معنى الواحد عن الجميع. # قوله تعالى: { والملائكة بعد ذلك ظهير } أي: ظهرا، وهذا مما لفظه لفظ ~~الواحد، ومعناه الجميع، ومثله # يخرجكم طفلا # [غافر: 67]، وقد شرحناه هناك. ثم خوف نساءه، فقال تعالى: { عسى ربه ~~إن طلقكن } وسبب نزولها ما روى أنس عن عمر بن الخطاب قال: بلغني بعض ما ~~آذى به رسول الله نساؤه، فدخلت عليهن، فجعلت أستقرئهن واحدة ~~واحدة، فقلت: والله لتنتهن، أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، ~~فنزلت هذه الآية. والمعنى: واجب من الله { إن طلقكن } رسوله { أن ~~يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات } أي: خاضعات لله بالطاعة { مؤمنات ~~} مصدقات بتوحيد الله { قانتات } أي: طائعات { سائحات } فيه قولان. # أحدهما: صائمات، قاله ابن عباس، والجمهور. وقد شرحنا هذا المعنى عند ~~قوله تعالى: # السائحون # [التوبة: 112]. # والثاني: مهاجرات، قاله زيد بن أسلم، وابنه. { والثيبات } جمع ثيب، ~~وهي المرأة التي قد تزوجت، ثم ثابت إلى بيت أبويها، فعادت كما كانت غير ~~ذات زوج. «والأبكار»: العذارى. ### || [66.6-8] # قوله تعالى: { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } وقاية النفس: بامتثال ~~الأوامر، واجتناب النواهي، ووقاية الأهل: بأن يؤمروا بالطاعة، ~~وينهوا عن المعصية. وقال علي رضي الله عنه: علموهم وأدبوهم { ~~وقودها الناس والحجارة } وقد ذكرناه في [البقرة: 24] { عليها ملائكة ~~غلاظ } على أهل النار { شداد } عليهم. وقيل: غلاظ القلوب شداد ~~الأبدان. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: خزنة النار تسعة عشر، ما ~~بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، وقوته: أن يضرب بالمقمعة، فيدفع بتلك ~~الضربة سبعين ألفا. فيهوون في قعر جهنم { لا ms2022 يعصون الله ما أمرهم } ~~أي: لا يخافون فيما يأمر { ويفعلون ما يؤمرون } فيه قولان. # أحدهما: لا يتجاوزون ما يؤمرون. # والثاني: يفعلونه في وقته لا يؤخرونه، ولا يقدمونه. ويقال لأهل ~~النار: { يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم }. # قوله تعالى: { توبوا إلى الله توبة نصوحا } قرأ أبو بكر عن عاصم، ~~وخارجة عن نافع «نصوحا» بضم النون. والباقون بفتحها. قال الزجاج: فمن ~~فتح فعلى صفة التوبة، ومعناه: توبة بالغة في النصح، و«فعول» من أسماء ~~الفاعلين التي تستعمل للمبالغة في الوصف. تقول: رجل صبور، وشكور. ومن قرأ ~~بالضم، فمعناه: ينصحون فيها نصوحا، يقال: نصحت له نصحا، ونصاحة، ~~ونصوحا. وقال غيره: من ضم أراد: توبة نصح لأنفسكم. وقال عمر بن ~~الخطاب: التوبة النصوح: أن يتوب العبد من الذنب وهو يحدث نفسه أنه لا ~~يعود. وسئل الحسن البصري عن التوبة النصوح، فقال: ندم بالقلب، واستغفار ~~باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود. وقال ابن مسعود: التوبة ~~النصوح تكفر كل سيئة، ثم قرأ هذه الآية. # قوله تعالى: { يوم لا يخزي الله النبي } قد بينا معنى «الخزي» في [آل ~~عمران: 192] وبينا معنى قوله تعالى: { نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ~~} في [الحديد: 12] { يقولون ربنا أتمم لنا نورنا } وذلك إذا رأى المؤمنون ~~نور المنافقين يطفأ سألوا الله تعالى أن يتمم لهم نورهم، ويبلغهم به ~~الجنة. قال ابن عباس: ليس أحد من المسلمين إلا يعطى نورا يوم القيامة. ~~فأما المنافق فيطفأ نوره، والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور ~~المنافق، فهم يقولون: «ربنا أتمم لنا نورنا». ### || [66.9-12] # قوله تعالى: { جاهد الكفار والمنافقين } قد شرحناه في [براءة: 73]. # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح } قال المفسرون ~~منهم مقاتل: هذا المثل يتضمن تخويف عائشة وحفصة أنهما إن عصيا ربهما ~~لم يغن رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما شيئا. قال مقاتل: اسم ~~امرأة نوح «والهة» وامرأة لوط «والغة». # قوله تعالى: { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } يعني: نوحا ولوطا ~~عليهما السلام { فخانتاهما } قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، ms2023 إنما ~~كانت خيانتهما في الدين، كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون، وكانت ~~امرأة لوط تدل على الأضياف، فإذا نزل بلوط ضيف بالليل أوقدت النار، وإذا ~~نزل بالنهار دخنت ليعلم قومه أنه قد نزل به ضيف. وقال السدي: كانت ~~خيانتهما: كفرهما. وقال الضحاك: نميمتهما. وقال ابن السائب: نفاقهما. # قوله تعالى: { فلم يغنيا عنهما من الله شيئا } أي: فلم يدفعا عنهما من ~~عذاب الله شيئا. وهذه الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه ~~صلاح غيره. ثم أخبر أن معصية الغير لا تضر المطيع. بقوله تعالى: { وضرب ~~الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون } وهي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها. ~~وقال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر به عائشة وحفصة رضي الله ~~عنهما. ثم ضرب لهما هذا المثل يرغبهما في التمسك بالطاعة. وكانت آسية قد ~~آمنت بموسى. قال أبو هريرة: ضرب فرعون لامرأته أوتادا في يديها ورجليها، ~~وكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة، فقالت: { رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة } فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته قبل موتها { ~~ونجني من فرعون وعمله } فيه قولان. # أحدهما: أن عمله: جماعه. # والثاني: أنه دينه رويا عن ابن عباس { ونجني من القوم الظالمين } يعني: ~~أهل دين المشركين. # قوله تعالى: { والتي أحصنت فرجها } قد ذكرنا فيه قولين في سورة ~~[الأنبياء:92] فمن قال: هو فرج ثوبها، قال «الهاء» في قوله تعالى: { ~~فنفخنا فيه } يرجع إليه، وذلك أن جبريل مد جيب درعها، فدخل فيه. ومن ~~قال: هو مخرج الولد، قال: «الهاء» كناية عن غير مذكور، لأنه إنما نفخ في ~~درعها لا في فرجها. # قوله تعالى: { وصدقت بكلمات ربها } وفيه قولان. # أحدهما: أنها قول جبريل # إنما أنا رسول ربك # [مريم:19]. # والثاني: أن الكلمات هي التي تضمنتها كتب الله المنزلة. وقرأ أبي ~~ابن كعب، وأبو مجلز، وعاصم الجحدري، «بكلمة ربها» على التوحيد «وكتبه» ~~قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وابو بكر عن عاصم «وكتابه» ~~على التوحيد، وقرأ أبو عمرو، وحفص عن عاصم، ms2024 وخارجة عن نافع «وكتبه» ~~جماعة، وهي التي أنزلت على الأنبياء، ومن قرأ «وكتابه» فهو اسم جنس على ~~ما بينا في خاتمة [البقرة:285] وقد بينا فيها القنوت مشروحا ~~[البقرة:116]. ومعنى الآية: وكانت من القانتين، ولذلك لم يقل: من ~~القانتات. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-11] # قوله تعالى: { تبارك } قد شرحناه في [الأعراف:54]. # قوله تعالى: { الذي بيده الملك } قال ابن عباس: يعني: السلطان يعز ~~ويذل. # قوله تعالى: { الذي خلق الموت والحياة } قال الحسن: خلق الموت المزيل ~~للحياة، والحياة التي هي ضد الموت { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } قد شرحناه ~~في [هود:7] قال الزجاج: والمعلق ب { أيكم } مضمر تقديره: ليبلوكم، ~~فيعلم أيكم أحسن عملا، وهذا علم وقوع. وارتفعت «أي» بالابتداء، ولا ~~يعمل فيها ما قبلها، لأنها على أصل الاستفهام، ومثله # أي الحزبين أحصى # [الكهف:12]. والمعنى: خلق الحياة ليختبركم فيها، وخلق الموت ليبعثكم ~~ويجازيكم. وقال غيره: اللام في «ليبلوكم» متعلق بخلق الحياة دون خلق ~~الموت، لأن الابتلاء بالحياة، { الذي خلق سبع سموات طباقا } أي: خلقهن ~~مطابقات، أي: بعضها فوق بعض { ما ترى } يا ابن آدم { في خلق الرحمن من ~~تفاوت } قرأ حمزة والكسائي: «من تفوت» بتشديد الواو من غير ألف. وقرأ ~~الباقون بألف. قال الفراء: وهما بمنزلة واحدة، كما تقول: تعاهدت الشيء، ~~وتعهدته. والتفاوت: الاختلاف. وقال ابن قتيبة: التفاوت: الاضطراب ~~والاختلاف، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئا، فيقع الخلل، ولكنه ~~متصل بعضه ببعض. # قوله تعالى: { فارجع البصر } أي: كرر البصر { هل ترى من فطور } وقرأ ~~أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، «هل ترى» بإدغام اللام في التاء، أي: هل ترى ~~فيها فروجا وصدوعا. # قوله تعالى: { ثم ارجع البصر كرتين } أي: مرة بعد مرة { ينقلب ~~إليك البصر خاسئا } قال ابن قتيبة: أي: مبعدا من قولك: خسأت الكلب: ~~إذا باعدته { وهو حسير } أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه. وقال ~~الزجاج: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا. # قوله تعالى: { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح } وقد شرحناه في [حم ~~السجدة:12] { وجعلناها رجوما للشياطين } أي: يرجم ms2025 بها مسترقو السمع. وقد ~~سبق بيان هذا المعنى [الحجر:18] { وأعتدنا لهم } أي: في الآخرة { عذاب ~~السعير } وهذا وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله تعالى: { سمعوا لها ~~شهيقا } أي: صوتا مثل صوت الحمار. وقد بينا معنى الشهيق في [هود:106] { ~~وهي تفور } أي: تغلي بهم كغلي المرجل { تكاد تميز } أي: تتقطع من ~~تغيظها عليهم { كلما ألقي فيها فوج } أي: جماعة منهم { سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذير؟! } وهذا سؤال توبيخ. # قوله تعالى: { إن أنتم } أي: قلنا للرسل: { إن أنتم إلا في ضلال } أي: ~~في ذهاب عن الحق بعيد. قال الزجاج: ثم اعترفوا بجهلهم فقالوا: { لو كنا ~~نسمع } أي: سماع من يعي ويفكر { أو نعقل } عقل من يميز وينظر { ما ~~كنا } من أهل النار { فسحقا } أي: بعدا. وهو منصوب على المصدر، ~~المعنى: أسحقهم الله سحقا، أي: باعدهم الله من رحمته مباعدة، والسحيق: ~~البعيد. وكذلك روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «فسحقا» أي: بعدا. وقال ~~سعيد بن جبير، وأبو صالح: السحق: واد في جهنم يقال له: سحق. ### || [67.12-15] # قوله تعالى: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } قد شرحناه في [سورة ~~الأنبياء: 49] { لهم مغفرة } لذنوبهم { وأجر كبير } وهو: الجنة. ثم عاد ~~إلى خطاب الكفار، فقال تعالى: { وأسروا قولكم أو اجهروا به } قال ~~ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيخبره جبرائيل بما قالوا، فيقول بعضهم: أسروا قولكم حتى لا يسمع ~~إله محمد. # قوله تعالى: { ألا يعلم من خلق؟! } أي: ألا يعلم ما في الصدور خالقها؟!، ~~و«اللطيف» مشروح في [الأنعام:103] و«الخبير» في [البقرة:234]. # قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } أي: مذللة ~~سهلة لم يجعلها ممتنعة بالحزونة والغلظ. # قوله تعالى: { فامشوا في مناكبها } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: طرقاتها، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: جبالها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~واختاره الزجاج، قال: لأن المعنى: سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم ~~السلوك في جبالها، فهو أبلغ في التذليل. # والثالث: في ms2026 جوانبها، قاله مقاتل، والفراء، وأبو عبيدة، واختاره ابن ~~قتيبة، قال: ومنكبا الرجل: جانباه. # قوله تعالى: { وإليه النشور } أي: إليه تبعثون من قبوركم. ### || [67.16-19] # ثم خوف الكفار فقال: { أأمنتم } قرأ ابن كثير: «وإليه النشور وأمنتم» ~~وقرأ نافع، وأبو عمرو: «النشور آمنتم» بهمزة ممدودة. وقرأ عاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «أأمنتم» بهمزتين { من في السماء } قال ابن ~~عباس: أمنتم عذاب من في السماء، وهو الله عز وجل؟! و«تمور» بمعنى ~~تدور. قال مقاتل: والمعنى: تدور بكم إلى الأرض السفلى. # قوله تعالى: { أن يرسل عليكم حاصبا } وهي: الحجارة، كما أرسل على قوم ~~لوط { فستعلمون كيف نذير } أي: كيف كانت عاقبة إنذاري لكم في الدنيا ~~إذا نزل بكم العذاب { ولقد كذب الذين من قبلهم } يعني: كفار الأمم { ~~فكيف كان نكير } أي: إنكاري عليهم بالعذاب. # { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات } أي: تصف أجنحتها في الهواء، ~~وتقبض أجنحتها بعد البسط، وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضه بعد ~~البسط { ما يمسكهن } أن يقعن { إلا الرحمن }. ### || [67.20-27] # قوله تعالى: { أمن هذا الذي هو جند لكم } هذا استفهام إنكار. ولفظ ~~«الجند» موحد، فلذلك قال تعالى: «هذا الذي هو» والمعنى: لا جند ~~لكم { ينصركم } أي: يمنعكم من عذاب الله إن أراده بكم { إن الكافرون إلا ~~في غرور } وذلك أن الشيطان يغرهم، فيقول: إن العذاب لا ينزل بكم { ~~أمن هذا الذي يرزقكم } المطر وغيره { إن أمسك } الله ذلك عنكم { بل ~~لجوا في عتو } أي: تماد في كفر { ونفور } عن الإيمان. # ثم ضرب مثلا، فقال تعالى: { أفمن يمشي مكبا على وجهه } قال ابن ~~قتيبة: أي: لا يبصر يمينا، ولا شمالا، ولا من بين يديه. يقال: أكب ~~فلان على وجهه بالألف، وكبه الله لوجهه، وأراد: الأعمى. قال المفسرون: ~~هذا مثل للمؤمن، والكافر. و«السوي»: المعتدل، أي: الذي يبصر الطريق. ~~وقال قتادة: هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبا على وجهه، والمؤمن ~~يمشي سويا. # قوله تعالى: { قليلا ما تشكرون } فيه قولان. # أحدهما: أنهم لا يشكرون، قاله مقاتل. # والثاني: يشكرون قليلا، قاله أبو عبيد. # قوله ms2027 تعالى: { ذرأكم } أي: خلقكم { ويقولون متى هذا الوعد } يعنون ~~بالوعد: العذاب { فلما رأوه زلفة } أي: رأوا العذاب قريبا منهم { ~~سيئت وجوه الذين كفروا } قال الزجاج: أي: تبين فيها السوء. وقال ~~غيره: قبحت بالسواد { وقيل هذا الذي كنتم به تدعون } فيه قولان. # أحدهما: أن «تدعون» بالتشديد، بمعنى تدعون بالتخفيف، وهو «تفتعلون» ~~من الدعاء. يقال: دعوت، وادعيت، كما يقال: خبرت واختبرت، ~~ومثله: يدكرون، ويدكرون، هذا قول الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أن المعنى: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل ~~والأكاذيب، تدعون أنكم إذا متم لا تبعثون؟! وهذا اختيار ~~الزجاج. وقرأ أبو رزين، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن أبي عبلة، ~~ويعقوب: «تدعون» بتخفيف الدال، وسكونها، بمعنى تفعلون من الدعاء. ~~وقال قتادة: كانوا يدعون بالعذاب. ### || [67.28-30] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أهلكني الله } بعذابه { ومن معي } من ~~المؤمنين. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: ~~«معي» بفتح الياء. وقرأ أبو بكر عن عاصم، والكسائي: «معي» بالإسكان { أو ~~رحمنا } فلم يعذبنا { فمن يجير الكافرين } أي يمنعهم ~~ويؤمنهم { من عذاب أليم } ومعنى الآية: إنا مع إيماننا، بين الخوف ~~الرجاء: فمن يجيركم مع كفركم من العذاب؟! أي: لأنه لا رجاء لكم كرجاء ~~المؤمنين { قل هو الرحمن } الذي نعبد { فستعلمون } وقرأ الكسائي: ~~«فسيعلمون» بالياء عند معاينة العذاب من الضال نحن أم أنتم. # قوله تعالى: { إن أصبح ماؤكم غورا } قد بيناه في [الكهف:41] { ~~فمن يأتيكم بماء معين؟! } أي: بماء ظاهر تراه العيون، وتناله الأرشية. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-7] # قوله تعالى: { ن } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~وحفص: { ن والقلم } النون في آخر الهجاء من نون ظاهرة عند الواو، وهذا ~~اختيار الفراء. وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان لا يبين النون من { نون }. ~~وبها قرأ الكسائي، وخلف، ويعقوب، وهو اختيار الزجاج. وقرأ ابن عباس، وأبو ~~رزين، وقتادة، والأعمش: «نون والقلم» بكسر النون. وقرأ الحسن، وأبو ~~عمران، وأبو نهيك: «ن والقلم» برفع النون. # وفي معنى نون سبعة أقوال. # أحدها: أنها الدواة. روى ms2028 أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " أول ما خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة " # وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير، وبه قال الحسن وقتادة. # والثاني: أنه آخر حروف الرحمن، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أنه الحوت الذي على ظهر الأرض، وهذا المعنى في رواية أبي ظبيان ~~عن ابن عباس، وهو مذهب مجاهد، والسدي، وابن السائب، ومقاتل. # والرابع: أنه لوح من نور، قاله معاوية بن قرة. # والخامس: أنه افتتاح اسمه «نصير»، و«ناصر»، قاله عطاء. # والسادس: أنه قسم بنصرة الله للمؤمنين، قاله القرظي. # والسابع: أنه نهر في الجنة، قاله جعفر الصادق. # وفي القلم قولان. # أحدهما: أنه الذي كتب به في اللوح المحفوظ. # والثاني: أنه الذي يكتب به الناس. وإنما أقسم به، لأن كتبه إنما تكتب و ~~{ يسطرون } بمعنى: يكتبون. وفي المشار إليهم قولان. # أحدهما: أنهم الملائكة. وفيما أرادوا بما يكتبونه قولان. # أحدهما: أنه الذكر، قاله مجاهد، والسدي. # والثاني: أعمال بني آدم، قاله مقاتل. # والقول الثاني: أنهم جميع الكتبة، حكاه الثعلبي { ما أنت بنعمة ربك ~~بمجنون } أي: ما أنت بإنعام ربك عليك بالإيمان والنبوة بمجنون. ~~قال الزجاج: هذا جواب قولهم: إنك لمجنون. وتأويله: فارقك الجنون بنعمة ~~الله. # قوله تعالى: { وإن لك } بصبرك على افترائهم عليك، ونسبتهم إياك إلى ~~الجنون { لأجرا غير ممنون } أي: غير مقطوع ولا منقوص، { وإنك لعلى خلق ~~عظيم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: دين الإسلام، قاله ابن عباس. # والثاني: أدب القرآن، قاله الحسن. # والثالث: الطبع الكريم. وحقيقة «الخلق»: ما يأخذ به الإنسان نفسه من ~~الآداب، فسمي خلقا، لأنه يصير كالخلقة في صاحبه. فأما ما طبع عليه ~~فيسمى: «الخيم» فيكون الخيم: الطبع الغريزي، والخلق: الطبع ~~المتكلف. هذا قول الماوردي. وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن. تعني: كان على ~~ما أمره الله به في القرآن. # قوله تعالى: { فستبصر ويبصرون } يعني: أهل مكة. وهذا وعيد لهم بالعذاب. ~~والمعنى: سترى ويرون إذا ms2029 نزل بهم العذاب ببدر { بأيكم المفتون } ~~وفيه أربعة أقوال. # أحدها: الضال، قاله الحسن. # والثاني: الشيطان، قاله مجاهد. # والثالث: المجنون، قاله الضحاك. # والمعنى: الذي قد فتن بالجنون. # والرابع: المعذب، حكاه الماوردي. # وفي الباء قولان. # أحدهما: أنها زائدة، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. وأنشدوا: # [نحن بنو جعدة أصحاب الفلج] # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # والثاني: أنها أصلية، وهذا قول الفراء، والزجاج. قال الزجاج: ليس كونها ~~لغوا بجائز في العربية في قول أحد من أهلها. # وفي الكلام قولان للنحويين. # أحدهما: أن «المفتون» هاهنا: الفتون. والمصادر تجيء على المفعول. تقول ~~العرب: ليس هذا معقود رأي، أي: عقد رأي، وتقول: دعه إلى ميسوره، أي: ~~يسره. والمعنى: بأيكم الجنون. # والثاني: بأيكم المفتون بالفرقة التي أنت فيها، أم بفرقة الكفار؟ فيكون ~~المعنى: في أي الفرقتين المجنون. وقد ذكر الفراء نحو ما شرحه الزجاج. وقد ~~قرأ أبي بن كعب، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: «في أي المفتون». ثم ~~أخبر أنه عالم بالفريقين بما بعد هذا. ### || [68.8-16] # قوله تعالى: { فلا تطع المكذبين } وذلك أن رؤساء أهل مكة دعوه إلى ~~دين آبائه، فنهاه الله أن يطيعهم { ودوا لو تدهن فيدهنون } فيه ~~سبعة أقوال. # أحدها: لو ترخص فيرخصون، قاله ابن عباس. # والثاني: لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم، قاله الحسن. # والثالث: لو تكفر فيكفرون، قاله عطية، والضحاك، ومقاتل. # والرابع: لو تلين فيلينون لك، قاله ابن السائب. # والخامس: لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون، قاله زيد بن أسلم. # والسادس: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم. وكانوا أرادوه ~~على أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا الله مدة، قاله ابن قتيبة. وقال أبو ~~عبيدة: هو من المداهنة. # والسابع: لو تقاربهم فيقاربونك، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: { ولا تطع كل حلاف } وهو كثير الحلف بالباطل { مهين } ~~وهو الحقير الدنيء. وروى العوفي عن ابن عباس قال: المهين: الكذاب. # واختلفوا فيمن نزل هذا على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الوليد بن المغيرة، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: الأخنس بن شريق، قاله عطاء، والسدي. # والثالث: الأسود بن عبد يغوث، ms2030 قاله مجاهد. # قوله تعالى: { هماز } قال ابن عباس: هو المغتاب. وقال ابن قتيبة: هو ~~العياب. # قوله تعالى: { مشاء بنميم } أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وهو نقل ~~الكلام السيء من بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم { مناع للخير } فيه ~~قولان. # أحدهما: أنه منع ولده وعشيرته الإسلام، قاله ابن عباس. # والثاني: مناع للحقوق في ماله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { معتد } أي: ظلوم { أثيم } فاجر { عتل بعد ذلك } أي: ~~مع ما وصفناه به. وفي «العتل» سبعة أقوال. # أحدها: أنه العاتي الشديد المنافق، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه المتوفر الجسم، قاله الحسن. # والثالث: الشديد الأشر، قاله مجاهد. # والرابع: القوي في كفره، قاله عكرمة. # والخامس: الأكول الشروب القوي الشديد، قاله عبيد بن عمير. # والسادس: الشديد الخصومة بالباطل، قاله الفراء. # والسابع: أنه الغليظ الجافي، قاله ابن قتيبة. # وفي «الزنيم» أربعة أقوال. # أحدها: أنه الدعي في قريش وليس منهم، رواه عطاء عن ابن عباس، وهذا ~~معروف في اللغة أن الزنيم: هوالملتصق في القوم وليس منهم، وبه قال ~~الفراء، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. قال حسان: # وأنت زنيم نيط في آل هاشم # كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # والثاني: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: أنه الذي له زنمة مثل زنمة الشاة. وقال ابن عباس: نعت فلم ~~يعرف حتى قيل: زنيم، فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها. ولا نعلم أن ~~الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه من ذكر عيوب الوليد، لأنه وصفه ~~بالحلف، والمهانة، والعيب للناس، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، ~~والإثم، والجفاء، والدعوة، فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا ~~والآخرة. # والزنمتان: المعلقتان عند حلوق المعزى. وقال ابن فارس: يعني التي ~~تتعلق من أذنها. # والرابع: أنه الظلوم، رواه الوالبي عن ابن عباس. # قوله تعالى: { أن كان ذا مال وبنين } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «أن كان» على الخبر، أي: لأن كان. والمعنى: لا ~~تطعه لماله وبنيه. وقرأ ابن عباس بهمزتين، ms2031 الأولى: مخففة. والثانية: ~~ملينة، وفصل بينهما بألف أبو جعفر. وقرأ حمزة: «أأن كان» بهمزتين مخففتين ~~على الاستفهام، وله وجهان. # أحدهما: لأن كان ذا مال تطيعه؟!. # والثاني: ألأن كان ذا مال وبنين، { إذا تتلى عليه آياتنا } يكفر بها؟ ~~فيقول: { أساطير الأولين } ذكر القولين الفراء. وقرأ ابن مسعود: «أن كان» ~~بهمزة واحدة مقصورة. ثم أوعده فقال تعالى: { سنسمه على الخرطوم } ~~الخرطوم: الأنف. وفي هذه السمة ثلاثة أقوال. # أحدها: سنسمه بالسيف، فنجعل ذلك علامة على أنفه ما عاش، فقاتل يوم بدر ~~فخطم بالسيف، قاله ابن عباس. # والثاني: سنلحق به شيئا لا يفارقه، قاله قتادة، واختاره ابن قتيبة. # والثالث: أن المعنى: سنسود وجهه. قال الفراء: و«الخرطوم» وإن كان ~~قد خص بالسمة، فإنه في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدي عن البعض. ~~وقال الزجاج: سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد ~~وجوههم. وجائز والله أعلم أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوته لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتبين بها عن غيره. ### || [68.17-41] # قوله تعالى: { إنا بلوناهم } يعني: أهل مكة، أي: ابتليناهم بالجوع، ~~والقحط { كما بلونا أصحاب الجنة } حين هلكت جنتهم. # وهذه الإشارة إلى قصتهم # ذكر أهل التفسير أن رجلا كان بناحية اليمن له بستان، وكان مؤمنا. وذلك ~~بعد عيسى بن مريم عليهما السلام، وكان يأخذ منه قدر قوته، وكان يتصدق ~~بالباقي. وقيل: كان يترك للمساكين ما تعداه المنجل، وما يسقط من رؤوس ~~النخل، وما ينتثر عند الدراس، فكان يجتمع من هذا شيء كثير، فمات الرجل ~~عن ثلاث بنين، فقالوا: والله إن المال لقليل، وإن العيال لكثير، وإنما ~~كان أبونا يفعل هذا إذ كان المال كثيرا، والعيال قليلا، وأما الآن فلا ~~نستطيع أن نفعل هذا. فعزموا على حرمان المساكين، وتحالفوا بينهم ليغدن ~~قبل خروج الناس، فليصرمن نخلهم، فذلك قوله تعالى: { إذ أقسموا } أي: ~~حلفوا { ليصرمنها } أي: ليقطعن نخلهم { مصبحين } أي: في أول الصباح. ~~وقد بقيت من الليل ظلمة لئلا يبقى للمساكين شيء. # وفي قوله تعالى: { ولا يستثنون } قولان. # أحدهما: لا يقولون: ms2032 إن شاء الله قاله الأكثرون. # والثاني: لا يستثنون حق المساكين، قاله عكرمة { فطاف عليها طائف من ربك ~~} أي: من أمر ربك. قال الفراء: الطائف لا يكون إلا بالليل. قال المفسرون: ~~بعث الله عليها نارا بالليل، فاحترقت، فصارت سوداء، فذلك قوله تعالى: { ~~فأصبحت كالصريم } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: كالرماد الأسود، قاله ابن عباس. # والثاني: كالليل المسود، قاله الفراء. وكذلك قال ابن قتيبة: أصبحت ~~سوداء كالليل محترقة. والليل: هو الصريم، والصبح أيضا: صريم، لأن كل ~~واحد منهما ينصرم عن صاحبه. # والثالث: أصبحت وقد ذهب ما فيها من الثمر، فكأنه قد صرم، أي: قطع، ~~وجذ حكاه ابن قتيبة أيضا. # قوله تعالى: { فتنادوا مصبحين } أي: نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا { أن ~~اغدوا على حرثكم } يعني: الثمار والزروع والأعناب { إن كنتم صارمين } ~~أي: قاطعين للنخل، { فانطلقوا } أي: ذهبوا إلى جنتهم { وهم يتخافتون } ~~قال ابن قتيبة: يتساررون ب { أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ~~وغدوا على حرد } فيه ثمانية أقوال. # أحدهما: على قدرة، قاله ابن عباس. # والثاني: على فاقة، قاله الحسن في رواية. # والثالث: على جد، قاله الحسن في رواية، وقتادة، وأبو العالية، والفراء، ~~ومقاتل. # والرابع: على أمر مجمع قد أسسوه بينهم، قاله مجاهد، وعكرمة. # والخامس: أن الحرد: اسم الجنة، قاله السدي. # والسادس: أنه الحنق والغضب على المساكين، قاله الشعبي، وسفيان. وأنشد ~~أبو عبيدة: # أسود شرى لاقت أسود خفية # تساقوا على حرد دماء الأساود # والسابع: أنه المنع، مأخوذ من حاردت السنة فليس فيها مطر، وحاردت ~~الناقة فليس لها لبن، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. # والثامن: أنه القصد. يقال: حردت حردك، أي: قصدت قصدك، ~~حكاه الفراء، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. # وأنشدوا: # قد جاء سيل كان من أمر الله # يحرد حرد الجنة المغلة # أي: يقصد قصدها. قال ابن قتيبة: وفيها لغتان: حرد، وحرد، كما ~~يقال: الدرك، والدرك. # وفي قوله تعالى: { قادرين } ثلاثة أقوال. # أحدها: قادرين على جنتهم عند أنفسهم، قاله قتادة. # والثاني: قادرين على المساكين، قاله الشعبي. # والثالث: أن المعنى: منعوا وهم قادرون، أي: واجدون، قاله ابن قتيبة. ms2033 ~~قالوا: { فلما رأوها } محترقة { قالوا إنا لضالون } أي: قد ضللنا طريق ~~جنتنا، فليست هذه. ثم علموا أنها عقوبة، فقالوا: { بل نحن محرومون } ~~أي: حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المسكين { قال أوسطهم } أي: ~~أعدلهم، وأفضلهم { لولا } أي: هلا { تسبحون } وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: هلا تستثنون عند قولكم: «ليصرمنها مصبحين» قاله ابن جريج ~~والجمهور. والمعنى: هلا قلتم: إن شاء الله. قال الزجاج: وإنما قيل ~~للاستثناء: تسبيح، لأن التسبيح في اللغة: تنزيه الله عز وجل عن السوء. ~~والاستثناء تعظيم لله، وإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلا إلا بمشيئة ~~الله. # والثاني: أنه كان استثناؤهم قول: «سبحان الله»، قاله أبو صالح. # والثالث: هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم، حكاه الثعلبي. ~~وقوله تعالى: { قالوا سبحان ربنا } فنزهوه أن يكون ظالما فيما صنع، ~~وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا: { إنا كنا ظالمين } بمنعنا ~~المساكين { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } أي: يلوم بعضهم بعضا في منع ~~المساكين حقوقهم. يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا، ويقول الآخر: ~~أنت فعلت، ثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا: { يا ويلنا إنا كنا ~~طاغين } حين لم نصنع ما صنع آباؤنا، ثم رجعوا إلى الله تعالى فسألوه أن ~~يبدلهم خيرا منها، فذلك قوله: { عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها ~~}. وقرأ قوم: «يبدلنا» بالتخفيف، وهما لغتان. وفرق قوم بينهما، ~~فقالوا: التبديل: تغيير حال الشيء وصفته والعين باقية. والإبدال: إزالة ~~الشيء ووضع غيره مكانه. ونقل أن القوم أخلصوا، فبدلهم الله جنة ~~العنقود منها وقر بغل. # قوله تعالى: { كذلك العذاب } ما فعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا. ~~وهاهنا انتهت قصة أهل الجنة. ثم قال تعالى: { ولعذاب الآخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون } يعني: المشركين. ثم ذكر ما للمتقين عنده بما بعد هذا، ~~فقال المشركون: إنا لنعطى في الآخرة أفضل مما تعطون، فقال تعالى ~~مكذبا لهم { أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟! } قال الزجاج: هذه ألف ~~الاستفهام مجازها هاهنا مجاز التوبيخ، والتقرير. # قوله تعالى: { كيف تحكمون } أي: كيف تقضون بالجور { أم لكم كتاب } ~~أنزل من عند الله { فيه } هذا { تدرسون } أي: ms2034 تقرؤون ما فيه { إن لكم ~~} في ذلك الكتاب { لما تخيرون } أي: ما تختارون وتشتهون. وقرأ أبو ~~الجوزاء، وعاصم الجحدري، وأبو عمران: «أن لكم» بفتح الهمزة. وهذا تقريع ~~لهم، وتوبيخ على ما يتمنون من الباطل «سلهم أيهم بذلك زعيم» { أم ~~لكم أيمان علينا بالغة } أي: ألكم عهود على الله تعالى حلف لك على ما ~~تدعون بأيمان بالغة، أي: مؤكدة. # وكل شيء متناه في الجودة والصحة فهو بالغ. ويجوز أن يكون المعنى: بالغة ~~إلى يوم القيامة، أي: تبلغ تلك الأيمان إلى يوم القيامة في لزومها ~~وتوكيدها { إن لكم لما تحكمون } لأنفسكم به من الخير والكرامة عند الله ~~تعالى. قال الفراء: والقراء على رفع «بالغة» إلا الحسن فإنه نصبها ~~على مذهب المصدر، كقوله تعالى: # حقا # [الروم:47] ومعنى الآية: هل لكم أيمان علينا بالغة بأن لكم ما تحكمون؟! ~~فلما كانت اللام في جواب «إن» كسرتها. # قوله تعالى: { سلهم أيهم بذلك زعيم } فيه قولان. # أحدهما: أنه الكفيل، قاله ابن عباس، وقتادة. والمعنى: أيهم كفل بأن ~~لهم في الآخرة ما للمسلمين من الخير. # والثاني: أنه الرسول، قاله الحسن. # قوله تعالى: { أم لهم شركاء } يعني: الأصنام التي جعلوها شركاء لله ~~تعالى، والمعنى: ألهم أرباب يفعلون بهم هذا الذي زعموا. وقيل: يشهدون لهم ~~بصدق ما ادعوا { فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين } في أنها شركاء ~~الله. وإنما أضيف الشركاء إليهم لادعائهم أنهم شركاء الله. ### || [68.42-47] # { يوم يكشف } المعنى: فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق. قرأ الجمهور: ~~«يكشف» بضم الياء، وفتح الشين. وقرأ ابن أبي عبلة، وعاصم الجحدري، ~~وأبو الجوزاء، بفتح الياء، وبكسر الشين. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس: ~~«تكشف» بتاء مفتوحة، وكسر الشين. وقرأ ابن مسعود، وأبو مجلز، وابن ~~يعمر، والضحاك: «نكشف» بنون مفتوحة مع كسر الشين. وهذا اليوم هو يوم ~~القيامة. وقد روى عكرمة عن ابن عباس: «يوم يكشف عن ساق» قال: ~~يكشف عن شدة، وأنشد: # وقامت الحرب بنا على ساق # وهذا قول مجاهد، وقتادة. # قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم ms2035 يحتاج إلى ~~معاناته والجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة، هذا ~~قول الفراء، وأبي عبيدة، واللغويين. وقد أضيف هذا الأمر إلى الله تعالى. ~~فروي في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه # " يكشف عن ساقه " # ، وهذا إضافة إليه، لأن الكل له وفعله. وقال أبو عمر الزاهد: يراد بها ~~النفس، ومنه قول علي رضي الله عنه: أقاتلهم ولو تلفت ساقي، أي: نفسي. ~~فعلى هذا يكون المعنى: يتجلى لهم. # قوله تعالى: { ويدعون إلى السجود } يعني: المنافقين { فلا ~~يستطيعون } كأن في ظهورهم سفافيد الحديد. قال النقاش: وليس ذلك بتكليف ~~لهم أن يسجدوا، وهم عجزة، ولكنه توبيخ لهم بتركهم السجود { خاشعة ~~أبصارهم } أي: خاضعة { ترهقهم ذلة } أي: تغشاهم { وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود } يعني: بالأذان في دار الدنيا، ويؤمرون ~~بالصلاة المكتوبة { وهم سالمون } أي: معافون ليس في أصلابهم مثل سفافيد ~~الحديد. وفي هذا وعيد لمن ترك صلاة الجماعة. وكان كعب يقول: والله ما ~~نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات { فذرني ومن ~~يكذب بهذا الحديث } يعني: القرآن. والمعنى: خل بيني وبينه. قال ~~الزجاج: أي: لا تشغل قلبك به، كله إلي فأنا أكفيك أمره. وذكر بعض ~~المفسرين أن هذا القدر من الآية إلى قوله: «الحديث» منسوخ بآية السيف. ~~وما بعد هذا مفسر في [الأعراف: 183،182] إلى قوله تعالى: { أم تسألهم ~~أجرا } فإنها مفسرة والتي قبلها في [الطور:40،39]. ### || [68.48-52] # قوله تعالى: { فاصبر لحكم ربك } أي: اصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو ~~آت. وقيل: معنى الأمر بالصبر منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: { ولا تكن كصاحب الحوت } وهو يونس. وفيماذا نهي أن يكون ~~مثله قولان: # أحدهما: أنه العجلة، والغضب، قاله قتادة. # والثاني: الضعف عن تبليغ الرسالة، قاله ابن جرير. # قال ابن الأنباري: وهذا لا يخرج يونس من أولي العزم، لأنها خطيئة. ~~ولو قلنا: إن كل مخطىء من الأنبياء ليس من أولي العزم، خرجوا كلهم إلا ~~يحيى. ثم أخبر عن عقوبته إذ لم يصبر، فقال تعالى: { إذ ms2036 نادى وهو مكظوم } ~~قال الزجاج: مملوء غما وكربا. # قوله تعالى: { لولا أن تداركه } وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي ~~عبلة: «لولا أن تداركته» بتاء خفيفة، وبتاء ساكنة بعد الكاف مع تخفيف ~~الدال. وقرأ أبو هريرة، وأبو المتوكل: «تداركه» بتاء واحدة خفيفة مع ~~تشديد الدال. وقرأ أبي بن كعب: «تتداركه» بتاءين خفيفتين { نعمة من ~~ربه } فرحمه بها، وتاب عليه من معاصيه { لنبذ بالعراء وهو مذموم } ~~وقد بينا معنى «العراء» في [الصافات:145] ومعنى الآية: أنه نبذ غير ~~مذموم لنعمة الله عليه بالتوبة والرحمة. وقال ابن جريج: نبذ بالعراء، ~~وهي: أرض المحشر، فالمعنى: أنه كان يبقى مكانه إلى يوم القيامة { فاجتباه ~~ربه } أي: استخلصه واصطفاه، وخلصه من الذم { فجعله من الصالحين } فرد ~~عليه الوحي، وشفعه في قومه ونفسه { وإن يكاد الذين كفروا ~~ليزلقونك بأبصارهم } قرأ الأكثرون بضم الياء من أزلقته، وقرأ أهل ~~المدينة، وأبان بفتحها من زلقته أزلقه، وهما لغتان مشهورتان في ~~العرب. قال الزجاج: يقال: زلق الرجل رأسه وأزلقه: إذا حلقه. وفي ~~معنى الآية للمفسرين قولان: # أحدهما: أن الكفار قصدوا أن يصيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعين، وكان فيهم رجل يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل شيئا، ثم يرفع ~~جانب خبائه، فتمر به النعم، فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما ~~أحسن من هذه، فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها عدة، فسأل الكفار هذا ~~الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين، فعصم الله نبيه، ~~وأنزل هذه الآية، هذا قول الكلبي، وتابعه قوم من المفسرين تلقفوا ذلك ~~من تفسيره، منهم الفراء. # والثاني: أنهم كانوا ينظرون إليه بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقه ~~من شدته، أي: يلقيه إلى الأرض. وهذا مستعمل في كلام العرب. يقول القائل: ~~نظر إلي فلان نظرا كاد يصرعني. وأنشدوا: # يتقارضون إذا التقوا في موطن # نظرا يزيل مواطن الأقدام # أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة يكاد يزيل الأقدام، وإلى ~~هذا ذهب المحققون، منهم ابن قتيبة، والزجاج. ويدل على صحته أن الله تعالى ~~قرن هذا ms2037 النظر بسماع القرآن، وهو قوله تعالى: { لما سمعوا الذكر } ~~والقوم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة، فيحدون النظر إليه ~~بالبغضاء، وإصابة العين، إنما تكون مع الإعجاب والاستحسان، لا مع البغض، ~~فلا يظن بالكلبي أنه فهم معنى الآية { وما هو } يعني: القرآن { إلا ذكر ~~} أي: موعظة. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-12] # { الحاقة }: القيامة. قال الفراء: إنما قيل لها: حاقة، لأن فيها حواق ~~الأمور. وقال الزجاج: إنما سميت الحاقة، لأنها تحق كل إنسان بعمله من خير ~~وشر. # قوله تعالى: { ما الحاقة؟ } هذا استفهام، معناه التفخيم لشأنها، كما ~~تقول: زيد، وما زيد؟ على التعظيم لشأنه. ثم زاد في التهويل بأمرها، فقال ~~تعالى: { وما أدراك ما الحاقة } أي: لأنك لم تعاينها، ولم تدر ما فيها من ~~الأهوال. ثم أخبر عن المكذبين بها، فقال تعالى: { كذبت ثمود ~~وعاد بالقارعة } قال ابن عباس: القارعة: اسم من أسماء يوم القيامة. قال ~~مقاتل: وإنما سميت بالقارعة، لأن الله تعالى يقرع أعداءه بالعذاب. وقال ~~ابن قتيبة: القارعة: القيامة لأنها تقرع، يقال: أصابتهم قوارع الدهر. ~~وقال الزجاج: لأنها تقرع بالأهوال. وقال غيرهم: لأنها تقرع القلوب ~~بالفزع. فأما { الطاغية } ففيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها طغيانهم وكفرهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وأبو ~~عبيدة، وابن قتيبة، قال الزجاج: ومعنى الطاغية عند أهل اللغة: طغيانهم ~~و«فاعلة» قد يأتي بمعنى المصادر، نحو عاقبة، وعافية. # والثاني: بالصيحة الطاغية، قاله قتادة. وذلك أنها جاوزت مقدار الصياح ~~فأهلكتهم. # والثالث: أن الطاغية: عاقر الناقة، قاله ابن زيد. والريح الصرصر قد ~~فسرناها في [حم السجدة:16] والعاتية: التي جاوزت المقدار. وجاء في ~~التفسير أنها عتت على خزانها يومئذ، فلم يكن لهم عليها سبيل. # قوله تعالى: { سخرها عليهم } أرسلها وسلطها. والتسخير: استعمال ~~الشيء بالاقتدار. وفي قوله تعالى: { حسوما } ثلاثة أقوال. # أحدها: تباعا، قاله ابن عباس. قال الفراء: الحسوم: التباع، يقال في ~~الشيء إذا تتابع، فلم ينقطع أوله عن آخره: حسوم. وإنما أخذ والله ~~أعلم من حسم الداء: إذا كوي صاحبه، لأنه يحمى ثم يكوى، ثم ~~يتابع الكي عليه. # والثاني: كاملة، قاله الضحاك. فيكون ms2038 المعنى: أنها حسمت الليالي والأيام ~~فاستوفتها على الكمال، لأنها ظهرت مع طلوع الشمس، وذهبت مع غروبها. قال ~~مقاتل: هاجت الريح غدوة، وسكنت بالعشي في اليوم الثامن، وقبضت ~~أرواحهم في ذلك اليوم، ثم بعث الله طيرا أسود فالتقطهم حتى ألقاهم في ~~البحر. # والثالث: أنها حسمتهم، فلم تبق منهم أحدا، أي: أذهبتهم وأفنتهم، هذا ~~قول ابن زيد. # قوله تعالى: { فترى القوم فيها } أي: في تلك الليالي والأيام { صرعى } ~~وهو جمع صريع، لأنهم صرعوا بموتهم { كأنهم أعجاز نخل } أي: أصول نخل { ~~خاوية } أي: بالية. وقد بينا هذا في سورة [القمر: 20]. # قوله تعالى: { فهل ترى لهم من باقية } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: من بقاء، قاله الفراء. # والثاني: من بقية، قاله أبو عبيدة. قال: وهو مصدر كالطاغية. # والثالث: هل ترى لهم من أثر؟ قاله ابن قتيبة { وجاء فرعون ومن قبله } ~~قرأ أبو عمرو، ويعقوب، والكسائي، وأبان: بكسر القاف، وفتح الباء. # والباقون: بفتح القاف، وإسكان الباء. فمن كسر القاف أراد: من يليه ~~ويحف به من جنوده وأتباعه. ومن فتحها أراد: من كان قبله من الأمم ~~الكافرة. وفي «المؤتفكات» ثلاثة أقوال. # أحدها: قرى قوم لوط. والمعنى: وأهل المؤتفكات، قاله الأكثرون. # والثاني: أنهم الذين ائتفكوا بذنوبهم، أي: هلكوا بالذنوب التي معظمها ~~الإفك. وهو الكذب، قاله الزجاج. # والثالث: أنه قارون وقومه، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { بالخاطئة } قال ابن قتيبة: أي: بالذنوب، وقال الزجاج: ~~الخاطئة: الخطأ العظيم { فعصوا رسول ربهم } أي: كذبوا رسلهم { فأخذهم ~~أخذة رابية } أي: زائدة على الأحداث { إنا لما طغى الماء } أي: تجاوز ~~حده حتى علا على كل شيء في زمن نوح { حملناكم } يعني: حملنا آباءكم ~~وأنتم في أصلابهم { في الجارية } وهي: السفينة التي تجري في الماء { ~~لنجعلها } أي: لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوح، ونجاة ~~من حملنا معه { تذكرة } أي: عبرة، وموعظة { وتعيها أذن واعية } أي: ~~أذن تحفظ ما سمعت، وتعمل به. وقال الفراء: لتحفظها كل أذن، فتكون ~~عظة لمن يأتي بعده. ### || [69.13-37] # قوله تعالى: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } وفيها قولان. ms2039 # أحدهما: أنها النفخة الأولى، قاله عطاء. # والثاني: الأخيرة، قاله ابن السائب، ومقاتل. { وحملت الأرض والجبال ~~} أي: حملت الأرض والجبال وما فيها { فدكتا دكة واحدة } أي: كسرتا، ~~ودقتا دقة واحدة، لا يثنى عليها حتى تستوي بما عليها من شيء، فتصير ~~كالأديم الممدود. وقد أشرنا إلى هذا المعنى في (الأعراف) عند قوله تعالى: # جعله دكا # [آية:143]. قال الفراء: وإنما قال: فدكتا، ولم يقل فدككن، لأنه ~~جعل الجبال كالشيء الواحد، كقوله تعالى: # أن السموات والأرض كانتا رتقا # [الأنبياء:30]، وانشدوا: # هما سيدانا يزعمان وإنما # يسوداننا أن يسرت غنماهما # والعرب تقول: قد يسرت الغنم: إذا ولدت، أو تهيأت للولادة. # قوله تعالى: { فيومئذ وقعت الواقعة } أي: قامت القيامة { وانشقت السماء ~~} لنزول من فيها من الملائكة { فهي يومئذ واهية } فيه قولان. # أحدهما: أن وهيها: ضعفها وتمزقها من الخوف، قاله مقاتل. # والثاني: أنه تشققها، قاله الفراء { والملك } يعني: الملائكة، فهو اسم ~~جنس { على أرجائها } أي: على جوانبها. قال الزجاج: ورجاء كل شيء: ناحيته، ~~مقصور. والتثنية: رجوان، والجمع: أرجاء. وأكثر المفسرين على أن المشار ~~إليها السماء. قال الضحاك: إذ انشقت السماء كانت الملائكة على حافتها حتى ~~يأمرهم الله تعالى، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بها، ومن عليها. وروي عن ~~سعيد بن جبير أنه قال: على أرجاء الدنيا. # قوله تعالى: { ويحمل عرش ربك فوقهم } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: فوق رؤوسهم، أي: العرش على رؤوس الحملة، قاله مقاتل. # والثاني: فوق الذين على أرجائها، أي: أن حملة العرش فوق الملائكة الذين ~~هم على أرجائها. # والثالث: أنهم فوق أهل القيامة، حكاهما الماوردي { يومئذ } أي: يوم ~~القيامة { ثمانية } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: ثمانية أملاك. وجاء في الحديث أنهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم ~~القيامة أمدهم الله بأربعة أملاك آخرين، هذا قول الجمهور. # والثاني: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل، قاله ~~ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة. # والثالث: ثمانية أجزاء من الكروبيين لا يعلم عددهم إلا الله، قاله ~~مقاتل. وقد روى أبو داود في «سننه» من حديث جابر بن عبد الله عن ms2040 النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، أن ما ~~بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ". # قوله تعالى: { يومئذ تعرضون } على الله لحسابكم { لا تخفى } عليه. ~~قرأ حمزة، والكسائي: «لا يخفى» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. والمعنى: لا ~~يخفى عليه { منكم خافية } أي: نفس خافية، أو فعلة خافية. وفي حديث أبي ~~موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث ~~عرضات، فأما عرضتان فجدال، ومعاذير، وأما الثالثة، فعندها تتطاير الصحف ~~في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، وكان عمر بن الخطاب يقول: حاسبوا ~~أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، ~~يومئذ لا تخفى منكم خافية. # { فيقول: هاؤم } قال الزجاج: «هاؤم» أمر من الجماعة. بمنزلة هاكم. تقول ~~للواحد: ها يا رجل، وللاثنين: هاؤما يا رجلان. وللثلاثة: هاؤم يا رجال. ~~قال المفسرون: إنما يقول هذا ثقة بسلامته وسرورا بنجاته. وذكر مقاتل ~~أنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد. # قوله تعالى: { إني ظننت } أي: علمت وأيقنت في الدنيا { أني ملاق ~~حسابيه } أي: أبعث، وأحاسب في الآخرة { فهو في عيشة } أي: حالة من ~~العيش { راضية } قال الفراء: أي: فيها الرضى. وقال الزجاج: أي: ذات رضى ~~يرضاها من يعيش فيها. وقال أبو عبيدة: مجازها مجاز مرضية { في جنة ~~عالية } أي: عالية المنازل { قطوفها } أي: ثمارها { دانية } أي: قريبة ~~ممن يتناولها، وهي جمع قطف. والقطف: ما يقطف من الثمار. قال البراء بن ~~عازب: يتناول الثمرة وهو نائم. # قوله تعالى: { كلوا } أي: يقال لهم: كلوا { واشربوا هنيئا بما أسلفتم } ~~أي: قدمتم من الأعمال الصالحة { في الأيام الخالية } الماضية، وهي ~~أيام الدنيا. { وأما من أوتي كتابه بشماله } قال مقاتل: نزلت في الأسود ~~بن عبد الأسود، قتله حمزة ببدر، وهو أخو أبي سلمة. وقيل: نزلت في أبي ~~جهل. # قوله تعالى: { يا ليتني لم أوت كتابيه } وذلك لما يرى فيه من القبائج { ~~ولم أدر ما حسابيه } لأنه لا حاصل ms2041 له في ذلك الحساب، إنما كله عليه. ~~وكان ابن مسعود. وقتادة، ويعقوب، يحذفون الهاء من «كتابيه»، و«حسابيه» في ~~الوصل. قال الزجاج: والوجه أن يوقف على هذه الهاآت، ولا توصل، لأنها ~~أدخلت للوقف. وقد حذفها قوم في الوصل، ولا أحب مخالفة المصحف، وكذلك ~~قوله تعالى: # وما أدراك ماهيه # [القارعة: 10]. # قوله تعالى: { يا ليتها } يعني: الموتة التي ماتها في الدنيا { كانت ~~القاضية } أي القاطعة للحياة، فكأنه تمنى دوام الموت، وأنه لم يبعث ~~للحساب { هلك عني سلطانيه } فيه قولان. # أحدهما: ضلت عني حجتي، قاله مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والسدي. # والثاني: زال عني ملكي، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { خذوه } أي: يقول الله تعالى: { خذوه فغلوه } أي: اجمعوا ~~يده إلى عنقه { ثم الجحيم صلوه } أي: أدخلوه النار. وقال الزجاج: ~~اجعلوه يصلى النار { ثم في سلسلة } وهي: حلق منتظمة { ~~ذرعها سبعون ذراعا } قال ابن عباس: بذراع الملك. وقال نوف الشامي: ~~كل ذراع سبعون باعا. الباع أبعد مما بينك وبين مكة، وكان في رحبة ~~الكوفة. وقال سفيان: كل ذراع سبعون ذراعا. وقال مقاتل: ذرعها سبعون ~~ذراعا بالذراع الأول. ويقال: إن جميع أهل النار في تلك السلسلة. # قوله تعالى: { فاسلكوه } أي: أدخلوه. # قال الفراء: وذكر أنها تدخل في دبر الكافر فتخرج من رأسه، فذلك سلكه ~~فيها. والمعنى: ثم اسكلوا فيه السلسلة، ولكن العرب تقول: أدخلت رأسي في ~~القلنسوة، وأدخلتها في رأسي. ويقال: الخاتم لا يدخل في يدي، وإنما اليد ~~تدخل في الخاتم، وإنما استجازوا ذلك، لأن معناه معروف. # قوله تعالى: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم } أي: لا يصدق بوحدانيته ~~وعظمته { ولا يحض على طعام المسكين } أي: لا يطعمه، ولا يأمر بإطعامه ~~{ فليس له اليوم هاهنا حميم } أي: قريب ينفعه، أي: يشفع له { ولا طعام ~~إلا من غسلين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه صديد أهل النار، قاله ابن عباس. قال مقاتل: إذا سال القيح، ~~والدم، بادروا أكله قبل أن تأكله النار. # والثاني: شجر يأكله أهل النار، قاله الضحاك، والربيع: # والثالث: أنه غسالة أجوافهم، قاله يحيى بن سلام. قال ms2042 ابن قتيبة: وهو ~~«فعلين» من «غسلت» كأنه غسالة. # قوله تعالى: { إلا الخاطئون } يعني: الكافرين. ### || [69.38-43] # قوله تعالى: { فلا أقسم } «لا» رد لكلام المشركين، كأنه قيل: ليس ~~الأمر كما يقول المشركون { أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون } وقال قوم: ~~«لا» زائدة مؤكدة. والمعنى: أقسم بما ترون، وما لا ترون، فأراد جميع ~~الموجودات. وقيل: الأجسام والأرواح { إنه } يعني: القرآن { لقول ~~رسول كريم } فيه قولان. # أحدهما: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الأكثرون. # والثاني: جبريل، قاله ابن السائب، ومقاتل. قال ابن قتيبة: لم يرد أنه ~~قول الرسول، وإنما أراد أنه قول الرسول عن الله تعالى، وفي الرسول ما ~~يدل على ذلك، فاكتفى به من أن يقول عن الله { وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون } وقرأ ابن كثير. «يؤمنون» و«يذكرون» بالياء فيهما. قال ~~الزجاج: «ما» مؤكدة، وهي لغو في باب الإعراب. والمعنى: قليلا تؤمنون. ~~وقال غيره: أراد نفي إيمانهم أصلا. وقد بينا معنى «الكاهن» في ~~[الطور: 29] قال الزجاج: وقوله تعالى: «تنزيل» مرفوع ب «هو» مضمرة يدل ~~عليها قوله تعالى: «وما هو بقول شاعر» هو تنزيل. ### || [69.44-52] # قوله تعالى: { ولو تقول علينا } أي: لو تكلف محمد أن يقول علينا ~~ما لم نقله { لأخذنا منه باليمين } أي: لأخذناه بالقوة والقدرة، قاله ~~الفراء، والمبرد، والزجاج. قال ابن قتيبة: إنما أقام اليمين مقام القوة، ~~لأن قوة كل شيء في ميامنه. # قوله تعالى: { ثم لقطعنا منه الوتين } وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل ~~بالقلب، فإذا انقطع بطلت القوى: ومات صاحبه. قال أبو عبيدة: الوتين: نياط ~~القلب، وأنشد الشماخ: # إذا بلغتني وحملت رحلي # عرابة فاشرقي بدم الوتين # وقال الزجاج: الوتين: عرق أبيض غليظ كأنه قصبة. # قوله تعالى: { فما منكم من أحد عنه حاجزين } أي: ليس منكم أحد يحجزنا ~~عنه، وإنما قال تعالى: { حاجزين } لأن أحدا يقع على الجمع، كقوله تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285]، هذا قول الفراء، وأبي عبيدة، والزجاج. ومعنى الكلام: أنه ~~لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه، ثم ms2043 لم يقدر ~~على دفع عقوبتنا عنه { وإنه } يعني: القرآن { لحسرة على الكافرين } في ~~يوم القيامة. يندمون إذ لم يؤمنوا به { وإنه لحق اليقين } إضافة إلى ~~نفسه لاختلاف اللفظين، كقوله تعالى: # ولدار الآخرة # [يوسف: 109]. وقال الزجاج: المعنى: وإنه لليقين حق اليقين، وقد شرحنا ~~هذا المعنى، وما بعده في [الواقعة: 95، 96]. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-18] # قوله تعالى: { سأل سائل } قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث ~~حين قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال: 32] وهذا مذهب الجمهور، منهم ابن عباس، ومجاهد. وقال الربيع ~~بن أنس: هو أبو جهل. قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: «سال» بغير همز. ~~والباقون بالهمز. فمن قرأ «سأل» بالهمز ففيه ثلاثة أقوال. # أحدها: دعا داع على نفسه بعذاب واقع. # والثاني: سأل سائل عن عذاب واقع لمن هو؟ وعلى من ينزل؟ ومتى يكون؟ ~~وذلك على سبيل الاستهزاء، فتكون الباء بمعنى «عن» وأنشدوا: # فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # والثالث: سأل سائل عذابا واقعا، والباء زائدة. # ومن قرأ بلا همز ففيه قولان. # أحدهما: أنه من السؤال أيضا، وإنما لين الهمزة، يقال سأل، وسال، ~~وأنشد الفراء: # تعالوا فسالوا يعلم الناس أينا # لصاحبه في أول الدهر تابع # والثاني: المعنى سال واد في جهنم بالعذاب للكافرين، وهذا قول زيد بن ~~ثابت، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن، وكان ابن عباس في آخرين يقرؤون ~~«سال سيل» بفتح السين، وسكون الياء من غير ألف ولا همز. وإذا قلنا ~~إنه من السؤال فقوله تعالى: «للكافرين» جواب للسؤال، كأنه لما سأل: لمن ~~هذا العذاب؟ قيل: للكافرين. والواقع: الكائن. والمعنى: أن العذاب للذي ~~سأله هذا الكافر كائن لا محالة في الآخرة { للكافرين ليس له دافع من الله ~~} قال الزجاج: المعنى: ذلك العذاب واقع من الله للكافرين. # قوله تعالى: { ذي المعارج } فيه قولان. # أحدهما: أنها السموات، قاله ابن عباس، وقال مجاهد: هي معارج الملائكة. ~~قال ابن قتيية: وأصل المعارج الدرج، وهي من عرج: إذا صعد قال ~~الفراء: لما كانت الملائكة ms2044 تعرج إليه، وصف نفسه بذلك. قال الخطابي: ~~المعارج: الدرج، واحدها: معرج، وهو المصعد، فهو الذي يصعد ~~إليه بأعمال العباد، وبأرواح المؤمنين. فالمعارج: الطرائق التي يصعد ~~فيها. # والثاني: أن المعارج: الفواضل والنعم. قاله قتادة. # قوله تعالى: { تعرج الملائكة } قرأ الكسائي: «يعرج» بالياء. # { والروح } في «الروح» قولان. # أحدهما: جبريل، قاله الأكثرون. # والثاني: روح الميت حين تقبض، قاله قبيصة بن ذؤيب. # قوله تعالى: { إليه } أي: إلى الله عز وجل { في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة } فيه قولان. # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والقرظي، وهذا ~~هو مقدار يوم القيامة من وقت البعث إلى أن يفصل بين الخلق. وفي الحديث # " إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة " # وقيل: بل لو ولي حساب الخلق سوى الله عز وجل لم يفرغ منه في خمسين ألف ~~سنة، والحق يفرغ منه في ساعة من نهار. # وقال عطاء: يفرغ الله من حساب الخلق في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، ~~فعلى هذا يكون المعنى: ليس دافع من الله في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة، وقيل: المعنى: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة. فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير. # والثاني: أن مقدار صعود الملائكة من أسفل الأرض إلى العرش لو صعده ~~غيرهم قطعه في خمسين ألف سنة، وهذا معنى قول مجاهد. # قوله تعالى: { فاصبر } أي: اصبر على تكذيبهم إياك { صبرا جميلا } لا ~~جزع فيه، وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم نسخ بآية السيف { إنهم ~~يرونه } يعني العذاب { بعيدا } غير كائن { ونراه قريبا } كائنا، ~~لأن كل ما هو آت قريب. ثم أخبر متى يكون فقال تعالى { يوم تكون السماء ~~كالمهل } وقد شرحناه في [الكهف 29] { وتكون الجبال كالعهن } أي: كالصوف. ~~فشبهها في ضعفها ولينها بالصوف. وقيل: شبهها به في خفتها ~~وسيرها، لأنه قد نقل أنها تسير على صورها، وهي كالهباء: قال الزجاج: ~~«العهن» الصوف. واحدته: عهنة، ويقال: عهنة، وعهن، مثل: ~~صوفة، وصوف. وقال ابن قتيبة: «العهن» الصوف ms2045 المصبوغ. # وقوله تعالى: { ولا يسأل حميم حميما } قرأ الأكثرون: «سأل» بفتح ~~الياء. والمعنى: لا يسأل قريب عن قرابته، لاشتغاله بنفسه. وقال مقاتل: لا ~~يسأل الرجل قرابته، ولا يكلمه من شدة الأهوال. وقرأ معاوية، وأبو رزين، ~~والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن، وابن أبي عبلة، وأبو ~~جعفر: بضم الياء. والمعنى: لا يقال للحميم: أين حميمك؟. # قوله تعالى: { يبصرونهم } أي: يعرف الحميم حميمه حتى ~~يعرفه، وهو مع ذلك لا يسأل عن شأنه. ولا يكلمه اشتغالا بنفسه. ~~يقال: بصرت زيدا كذا: إذا عرفته إياه. قال ابن قتيبة: معنى ~~الآية لا يسأل ذو قرابة عن قرابته، ولكنهم يبصرونهم، أي: ~~يعرفونهم. وقرأ قتادة، وأبو المتوكل، وأبو عمران: «يبصرونهم» ~~بإسكان الباء، وتخفيف الصاد، وكسرها. # قوله تعالى: { يود المجرم } يعني: يتمنى المشرك لو قبل منه ~~الفداء { يومئذ ببنيه، وصاحبته } وهي الزوجة { وفصيلته } قال ابن ~~قتيبة: أي: عشيرته. وقال الزجاج: هي أدنى قبيلته منه، ومعنى { تؤويه } ~~تضمه، فيود أن يفتدي بهذه المذكورات { ثم ينجيه } ذلك الفداء { كلا ~~} لا ينجيه ذلك { إنها لظى } قال الفراء: هو اسم من أسماء جهنم، فلذلك ~~لم يجر، وقال غيره: معناها في اللغة: اللهب الخالص، وقال ابن ~~الأنباري: سميت لظى لشدة توقدها وتلهبها، يقال: هو يتلظى، أي: ~~يتلهب ويتوقد. وكذلك النار تتلظى يراد بها هذا المعنى. وأنشدوا: # جحيما تلظى لا تفتر ساعة # ولا الحر منها غابر الدهر يبرد # { نزاعة للشوى } قرأ الجمهور «نزاعة للشوى» بالرفع على معنى: ~~هي نزاعة. وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن، ومجاهد، ~~وعكرمة، وابن أبي عبلة، وحفص عن عاصم «نزاعة» بالنصب. # قال الزجاج: وهذا على أنها حال مؤكدة، كما قال تعالى: # هو الحق مصدقا # [فاطر: 31] ويجوز أن ينصب على معنى «إنها تتلظى نزاعة». # وفي المراد ب «الشوى» أربعة أقوال. # أحدها: جلدة الرأس، قاله مجاهد. # والثاني: محاسن الوجه، قاله الحسن، وأبو العالية. # والثالث: العصب، والعقب، قاله ابن جبير. # والرابع: الأطراف اليدان، والرجلان، والرأس، قاله الفراء، والزجاج. # قوله تعالى: { تدعو من أدبر } عن الإيمان { وتولى } عن الحق. ms2046 قال ~~المفسرون: تقول: إلي يا مشرك، إلي يا منافق { وجمع فأوعى } قال ~~الفراء: أي: جمع المال في وعاء فلم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما. ### || [70.19-44] # قوله تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا } قال مقاتل: عنى به أمية بن ~~خلف الجمحي. وفي الهلوع سبعة أقوال. # أحدها: أنه الموصوف بما يلي هذه الآية، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال ~~أبو عبيدة، والزجاج. # والثاني: أنه الحريص على ما لا يحل له، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثالث: البخيل، قاله الحسن، والضحاك. # والرابع: الشحيح، قاله ابن جبير. # والخامس: الشره، قاله مجاهد. # والسادس: الضجور، قاله عكرمه، وقتادة، ومقاتل، والفراء. # والسابع: الشديد الجزع، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: { إذا مسه الشر } أي: أصابه الفقر { جزوعا } لا يصبر. ولا ~~يحتسب { وإذا مسه الخير } أصابه المال { منوعا } بمنعه من حق الله عز ~~وجل { إلا المصلين } وهم أهل الإيمان بالله. وإنما استثنى الجمع من ~~الإنسان، لأنه اسم جنس { الذين هم على صلاتهم دائمون } وفيهم ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنهم الذين يحافظون على المكتوبات، وهو معنى قول ابن مسعود. # والثاني: أنهم لا يلتفتون عن أيمانهم وشمائلهم في الصلاة، قاله عقبة بن ~~عامر. واختاره الزجاج قال: ويكون اشتقاقه من الدائم، وهو الساكن، كما جاء ~~في الحديث أنه نهى عن البول في الماء الدائم. # والثالث: أنهم الذين يكثرون فعل التطوع، قاله ابن جريج. { والذين في ~~أموالهم حق معلوم } قد سبق شرح هذه الآية والتي بعدها في [الذاريات: 19] ~~وبينا معنى «يوم الدين» في «الفاتحة». وما بعد هذا قد شرحناه في ~~[المؤمنين 7، 8] إلى قوله تعالى «لأماناتهم» قرأ ابن كثير وحده: ~~«لأمانتهم» { والذين هم بشهاداتهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «بشهادتهم» على التوحيد. وقرأ حفص عن ~~عاصم: «بشهاداتهم» جمعا { قائمون } أي: يقومون فيها بالحق، ولا يكتمونها ~~{ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين } نزلت في جماعة من الكفار جلسوا ~~حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يستهزؤون بالقرآن، ويكذبون به. قال ~~الزجاج: والمهطع: المقبل ببصره على الشيء لا ms2047 يزايله، وكانوا ~~ينظرون إلى النبي نظر عداوة. وقد سبق الخلاف في قوله تعالى: # مهطعين # [إبراهيم 43، والقمر: 8]. # قوله: { عن اليمين وعن الشمال عزين }. قال الفراء: العزون: الحلق، ~~الجماعات، واحدتها: عزة، وكانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيقولون: إن دخل هؤلاء الجنة، كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ~~فلندخلنها قبلهم، فنزل قوله تعالى { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل ~~جنة نعيم } وقرأ ابن مسعود، والحسن، وطلحة بن مصرف، والأعمش، والمفضل عن ~~عاصم: «أن يدخل» بفتح الياء، وضم الخاء. وقال أبو عبيدة: عزين: جمع ~~عزة، مثل ثبة، وثبين، فهي جماعات في تفرقة. # قوله تعالى: { كلا } أي: لا يكون ذلك { إنا خلقناهم مما يعلمون } فيه ~~قولان. # أحدهما: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فالمعنى: لا يستوجب الجنة أحد ~~بما يدعيه من الشرف على غيره، إذ الأصل واحد، وإنما يستوجبها ~~بالطاعة. # والثاني: إنا خلقناهم من أقذار. فبماذا يستحقون الجنة ولم يؤمنوا؟ وقد ~~روى بشر بن جحاش عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية { إنا ~~خلقناهم مما يعلمون } ثم بزق، قال: يقول الله عز وجل: أنى تعجزني، ~~وقد خلقتك من مثل هذه؟! حتى إذا سويتك، وعدلتك، مشيت بين ~~بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: ~~أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟!. # قوله تعالى: { فلا أقسم } قد تكلمنا عليه في [الحاقة: 38] والمراد ~~بالمشارق، والمغارب: شرق كل يوم ومغربه { إنا لقادرون على أن ~~نبدل خيرا منهم } أي: نخلق أمثل منهم، وأطوع لله حين ~~عصوا { وما نحن بمسبوقين } مفسر في [الواقعة: 60] { فذرهم يخوضوا } في ~~باطلهم { ويلعبوا } أي: يلهوا في دنياهم { حتى يلاقوا } وقرأ ابن محيصن ~~«يلقوا يومهم الذي يوعدون» وهو يوم القيامة. وهذا لفظ أمر، معناه: ~~الوعيد. وذكر المفسرون أنه منسوخ بآية السيف. وإذا قلنا: إنه وعيد بلقاء ~~يوم القيامة، فلا وجه للنسخ { يوم يخرجون من الأجداث سراعا } أي: يخرجون ~~بسرعة كأنهم يستبقون. # قوله تعالى: { كأنهم إلى نصب } قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم بضم النون ~~والصاد. وقال ابن ms2048 جرير: وهو واحد الأنصاب، وهي آلهتهم التي كانوا ~~يعبدونها، فعلى هذا يكون المعنى: كأنهم إلى آلهتهم التي كانوا يعبدونها ~~يسرعون. وقرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بفتح ~~النون وسكون الصاد، وهي في معنى القراءة الأولى، إلا أنه مصدر. كقول ~~القائل: نصبت الشيء أنصبه نصبا. قال قتادة: معناه: كأنهم إلى شيء منصوب ~~يسرعون. وقال ابن جرير: تأويله، كأنهم إلى صنم منصوب يسرعون. وقرأ ~~ابن عباس، وأبو مجلز، والنخعي «نصب» برفع النون، وإسكان الصاد، وقرأ ~~الحسن، وأبو عثمان النهدي، وعاصم الجحدري «إلى نصب» بفتح النون ~~والصاد جميعا. قال ابن قتيبة: النصب: حجر ينصب أو صنم، يقال: نصب، ~~ونصب، ونصب، وقال الفراء: النصب والنصب واحد، وهو مصدر، ~~والجمع: الأنصاب. وقال الزجاج: النصب، والنصب: العلم المنصوب. قال ~~الفراء: والإيفاض: الإسراع. # قوله تعالى: { ترهقهم ذلة } قرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعمرو ~~ابن دينار «ذلة ذلك اليوم» بغير تنوين، وبخفض الميم. وباقي السورة ~~قد تقدم بيانه [المعارج: 42]. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # قوله تعالى: { أن أنذر قومك } أي: بأن أنذر قومك. و«العذاب الأليم»، ~~الغرق. # قوله تعالى: { أن اعبدوا الله } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~والكسائي، وعلي بن نصر عن أبي عمرو «أن اعبدوا الله» بضم النون. وقرأ ~~عاصم، وحمزة، وعبد الوارث عن أبي عمرو «أن اعبدوا الله» بكسر النون. قال ~~أبو علي: من ضم كره الكسر. # قوله تعالى: { وأطيعون } أثبت الياء في الحالين يعقوب. # قوله تعالى: { من ذنوبكم } «من» هاهنا صلة. والمعنى: يغفر لكم ذنوبكم، ~~قاله السدي، ومقاتل. وقال الزجاج: إنما دخلت «من» هاهنا لتختص الذنوب من ~~سائر الأشياء، ولم تدخل لتبعيض الذنوب، ومثله # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] وذهب بعض أهل المعاني إلى أنها للتبعيض. والمعنى: يغفر لكم ~~من ذنوبكم إلى وقت الإيمان { ويؤخركم } أي: عن العذاب { إلى أجل مسمى } ~~وهو منتهى آجالهم. والمعنى: فتموتوا عند منتهى آجالكم غير ميتة ~~المعذبين { إن أجل الله } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أجل الموت، قاله مجاهد. فيكون المعنى: إن أجل الله الذي ~~أجلكم إليه، لا ms2049 يؤخر إذا جاء، فلا يمكنكم حينئذ الإيمان. # والثاني: أنه أجل البعث، قاله الحسن. # والثالث: أجل العذاب، قاله السدي، ومقاتل. ### || [71.5-24] # قوله تعالى: { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } أي: تباعدا من الإيمان { ~~وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان والطاعة { جعلوا أصابعهم في آذانهم } ~~لئلا يسمعوا صوتي { واستغشوا ثيابهم } أي: غطوا بها وجوههم لئلا ~~يروني { وأصروا } على كفرهم { واستكبروا } عن الإيمان بك واتباعي ~~{ ثم إني دعوتهم جهارا } أي: معلنا لهم بالدعاء. قال ابن عباس: بأعلى ~~صوتي { ثم إني أعلنت لهم } أي: كررت الدعاء معلنا { وأسررت لهم ~~إسرارا } قال ابن عباس: يريد أكلم الرجل بعد الرجل في السر، ~~وأدعوه إلى توحيدك وعبادتك { فقلت استغفروا ربكم } قال المفسرون: منع ~~الله عنهم القطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فقال لهم نوح { ~~استغفروا ربكم } من الشرك، أي: استدعوا مغفرته بالتوحيد { يرسل السماء ~~عليكم مدرارا } قد شرحناه في أول [الأنعام: 6] ومعنى الكلام أنه أخبرهم ~~أن الإيمان يجمع لهم خير الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: { ما لكم لا ترجون لله وقارا؟ } فيه أربعة أقوال. # أحدها: لا ترون لله عظمة، قال الفراء، وابن قتيبة. # والثاني: لا تخافون عظمة الله، قاله الفراء، وابن قتيبة. # والثالث: لا ترون لله طاعة، قاله ابن زيد. # والرابع: لا ترجون عاقبة الإيمان والتوحيد، قاله الزجاج { وقد خلقكم ~~أطوارا } أي: وقد جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده من خلقه إياكم ~~من نطفة، ثم من علقة شيئا بعد شيء إلى آخر الخلق. قال ابن الأنباري: ~~الطور: الحال، وجمعه: أطوار. وقال ابن فارس: الطور: التارة، طورا ~~بعد طور، أي: تارة بعد تارة. وقيل أراد بالأطوار: اختلاف المناظر ~~والأخلاق، من طويل، وقصير، وغير ذلك، ثم قررهم، فقال تعالى: { ألم ~~تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: ~~«طباق» بتنوين القاف، وكسرها من غير ألف. وقد بينا هذا في سورة ~~[الملك: 3]. # قوله تعالى: { وجعل القمر فيهن نورا } فيه قولان. # أحدهما: أن وجه القمر قبل السموات، وظهره قبل الأرض، يضيء، لأهل ~~السموات، كما يضيء لأهل الأرض، ms2050 وكذلك الشمس، هذا قول عبد الله ابن عمرو. # والثاني: أن القمر في السماء الدنيا، وإنما قال «فيهن» لأنهن كالشيء ~~الواحد، ذكره الأخفش والزجاج، وغيرهما. وهذا كما تقول: أتيت بني تميم، ~~وإنما أتيت بعضهم، وركبت السفن، { وجعل الشمس سراجا } يستضيء بها ~~العالم { والله أنبتكم من الأرض } يعني: أن مبتدأ خلقكم من الأرض، وهو ~~آدم { نباتا } قال الخليل: معناه: فنبتم نباتا. وقال الزجاج: ~~«نباتا» محمول في المصدر على المعنى، لأن معنى أنبتكم: جعلكم تنبتون ~~نباتا. قال ابن قتيبة: هذا مما جاء فيه المصدر على غير المصدر، لأنه جاء ~~على نبت. ومثله: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8] فجاء على «بتل». # قال الشاعر: # وخير الأمر ما استقبلت من # ه وليس بأن تتبعه اتباعا # فجاء على اتبعت. وقال الآخر: # وإن شئتم تعاودنا عوادا # فجاء على «عوادنا» وإنما تجيء المصادر مخالفة الأفعال، لأن الأفعال وإن ~~اختلفت أبنيتها، واحدة في المعنى. # قوله تعالى: { سبلا فجاجا } قال الفراء: هي الطرق الواسعة. # قوله تعالى: { واتبعوا من لم يزده ماله وولده } قرأ أهل المدينة، ~~وابن عامر، وعاصم، «وولده» بفتح اللام والواو. وقرأ الباقون «ولده» ~~بضم الواو، وسكون اللام. قال الزجاج: وهما بمعنى واحد، مثل العرب، ~~والعرب، والعجم، والعجم، وقرأ الحسن، وأبو العالية، وابن يعمر، ~~والجحدري، «وولده» بكسر الواو، وإسكان اللام. قال المفسرون: المعنى: ~~أن الأتباع، والفقراء اتبعوا رأي الرؤساء والكبراء. # قوله تعالى: { ومكروا مكرا كبارا } قرأ أبو رجاء، وأبو عمران: ~~«كبارا» برفع الكاف، وتخفيف الباء. وقرأ ابن يعمر، وأبو الجوزاء، وابن ~~محيصن: «كبارا» بكسر الكاف مع تخفيف الباء. والمعنى: «كبيرا» يقال: ~~كبير، وكبار، وقد شرحنا هذا في أول { ص } ومعنى «المكر»: السعي في ~~الفساد. وذلك أن الرؤساء منعوا أتباعهم من الإيمان بنوح { وقالوا لا ~~تذرن آلهتكم } أي: لا تدعن عبادتها { ولا تذرن ودا } ~~قرأ أبو جعفر، ونافع بضم الواو. والباقون بفتحها. وهذا الاسم وما بعده ~~أسماء آلهتهم. وجاء في التفسير أن هذه أسماء قوم صالحين، كانوا بين آدم ~~ونوح. ونشأ قوم بعدهم يأخذون بأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو ~~صورتم ms2051 صورهم كان أنشط لكم، وأشوق للعبادة، ففعلوا. ثم نشأ قوم ~~بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم، وكان ~~ابتداء عبادة الأوثان من ذلك الوقت. وسميت تلك الصور بهذه الأسماء، لأنهم ~~صوروها على صور أولئك القوم المسمين بهذه الأسماء. وقيل: إنما هي أسماء ~~لأولاد آدم، مات، منهم واحد، فجاء الشيطان فقال: هل لكم أن أصور لكم ~~صورته، فتذكرونه بها؟ فصورها. ثم مات آخر، فصور لهم صورته، إلى أن صور ~~صورا خمسة. ثم طال الزمان. وتركوا عبادة الله، فقال لهم الشيطان: ما لكم ~~لا تعبدون شيئا؟ فقالوا: لمن نعبد؟ قال هذه آلهتكم، وآلهة آبائكم، ألا ~~ترونها مصورة في مصلاكم؟! فعبدوها. وقال الزجاج: هذه الأصنام كانت لقوم ~~نوح، ثم صارت إلى العرب، فكان «ود» لكلب، و «سواع» لهمدان، و«يغوث» لبني ~~غطيف، وهم حي من مراد. وقيل: لما جاء الطوفان غطى على هذه الأصنام ~~وطمها التراب، فلما ظهرت بعد الطوفان صارت إلى هؤلاء المذكورين، قال ~~الواقدي: كان «ود» على صورة رجل، «وسواع» على صورة امرأة، «ويغوث» على ~~صورة أسد، و «يعوق» على صورة فرس، و «نسر» على صورة النسر من الطير. # قوله تعالى: { وقد أضلوا كثيرا } فيه قولان. # أحدهما: وقد أضلت الأصنام كثيرا من الناس، أي: ضلوا بسببها. # والثاني: وقد أضل الكبراء كثيرا من الناس { ولا تزد الظالمين } يعني: ~~الكافرين { إلا ضلالا } وهذا دعاء من نوح عليهم، لما أعلمه الله أنهم لا ~~يؤمنون. ### || [71.25-28] # قوله تعالى: { مما خطيآتهم } «ما»: صلة. والمعنى: من خطيآتهم: أي: من ~~أجلها، وسببها، وقرأ أبو عمرو «مما خطاياهم» وقرأ أبو الجوزاء، والجحدري ~~«خطيئتهم» من غير ألف { أغرقوا فأدخلوا نارا } قال ابن السائب: ~~المعنى: سيدخلون في الآخرة نارا، فجاء لفظ الماضي بمعنى الاستقبال، لأن ~~الوعد حق، هذا قول الأكثرين. وقال الضحاك: فأدخلوا نارا في الدنيا، ~~وذلك أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحترقون في الماء من جانب. # قوله تعالى: { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } أي: لم يجدوا أحدا ~~يمنعهم من عذاب الله. # قوله تعالى: { ديارا } قال ms2052 ابن قتيبة: أي: أحدا. يقال: ما بالمنازل ~~ديار، أي: ما بها أحد، وهو من الدار، أي: ليس بها نازل دارا. وقال ~~الزجاج: أصلها «ديوار» فيعال، فقلبت الواو ياء، وأدغمت إحداهما في ~~الأخرى. وإنما دعا عليهم نوح لأن الله تعالى أوحى إليه # لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]. # قوله تعالى: { يضلوا عبادك } وذلك أن الرجل منهم كان ينطلق بابنه ~~إلى نوح، فيحذره تصديقه. # قوله تعالى: { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } قال المفسرون: إن الله ~~تعالى أخبر نوحا أنهم لا يلدون مؤمنا، فلذلك علم الفاجر الخارج عن ~~الطاعة. # قوله تعالى: { رب اغفر لي ولوالدي } قال الحسن: وذلك أنهما كانا ~~مؤمنين. وقرأ أبو بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، والجحدري، ~~والجوني «ولوالدي» ساكنة الياء على التوحيد. وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~العالية، وابن يعمر، والزهري، والنخعي «ولولدي» من غير ألف على ~~التثنية { ولمن دخل بيتي } وقرا حفص عن عاصم «بيتي» بفتح الياء. وفيه ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: منزله، قاله ابن عباس. # والثاني: مسجده، قاله الضحاك. # والثالث: سفينته، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { وللمؤمنين والمؤمنات } هذا عام في كل من آمن { ولا تزد ~~الظالمين } يعني: الكافرين { إلا تبارا } أي: هلاكا. ومنه قوله ~~تعالى: # تبرنا تتبيرا # [الفرقان: 39]. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-17] # قوله تعالى: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } قد ذكرنا سبب ~~نزول هذه الآية في [الأحقاف: 29] وبينا هنالك سبب استماعهم. ومعنى ~~«النفر» وعددهم، فأما قوله تعالى: { قرآنا عجبا } فمعناه: بليغا ~~يعجب منه لبلاغته { يهدي إلى الرشد } أي: يدعو إلى الصواب من التوحيد ~~والإيمان { ولن نشرك بربنا } أي: لن نعدل بربنا أحدا من خلقه. وقيل: ~~عنوا إبليس، أي: لا نطيعه في الشرك بالله. # قوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا } اختلف القراء في اثنتي عشرة ~~همزة في هذه السورة، وهي: «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنا ظننا»، ~~«وأنه كان رجال»، «وأنهم ظنوا»، «وأنا لمسنا»، «وأنا كنا»، «وأنا لا ~~ندري»، «وأنا منا»، «وأنا ظننا أن لن نعجز الله»، «وأنا لما سمعنا»، ~~«وأنا منا»، ففتح الهمزة ms2053 في هذه المواضع ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ~~وخلف، وحفص عن عاصم، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع «وأنه تعالى»،«وأنه ~~كان يقول»، «وأنه كان رجال»،وكسر الباقيات. وقرأ الباقون بكسرهن. وقال ~~الزجاج: والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه ~~«أن» بالفتح، وما كان من قول الجن قيل «إن» بالكسر. معطوف على قوله ~~تعالى: { إنا سمعنا قرآنا عجبا } وعلى هذا يكون المعنى: وقالوا: إنه ~~تعالى جد ربنا، وقالوا: إنه كان يقول سفيهنا. فأما من فتح، فذكر بعض ~~النحويين: يعني الفراء، أنه معطوف على الهاء في قوله تعالى: { فآمنا به } ~~وبأنه تعالى جد ربنا. وكذلك ما بعد هذا. وهذا رديء في القياس، لا ~~يعطف على الهاء المتمكنة المخفوضة إلا بإظهار الخافض. ولكن وجهه أن يكون ~~محمولا على معنى أمنا به، فيكون المعنى: وصدقنا أنه تعالى جد ~~ربنا. وللمفسرين في معنى «تعالى جد ربنا» سبعة أقوال. # أحدها: قدرة ربنا، قاله ابن عباس. # والثاني: غنى ربنا، قاله الحسن. # والثالث: جلال ربنا، قاله مجاهد، وعكرمة. # والرابع: عظمة ربنا، قاله قتادة. # والخامس: أمر ربنا، قاله السدي. # والسادس: ارتفاع ذكره وعظمته، قاله مقاتل. # والسابع: ملك ربنا وثناؤه وسلطانه، قاله أبو عبيدة. { وأنه كان ~~يقول سفيهنا } فيه قولان. # أحدهما: أنه إبليس، قاله مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه كفارهم، قاله مقاتل. و«الشطط»: الجور، والكذب، وهو: وصفه ~~بالشريك، والولد. ثم قالت الجن { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على ~~الله كذبا } وقرأ يعقوب: «أن لن تقول» بفتح القاف، وتشديد الواو. ~~والمعنى: ظنناهم صادقين في قولهم: لله صاحبة وولد، وما ظنناهم يكذبون ~~حتى سمعنا القرآن، يقول الله عز وجل «وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن» وذلك أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في قفر من ~~الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في ~~جوار منهم حتى يصبح. # ومنه حديث كردم بن أبي السائب الأنصاري، قال خرجت مع أبي إلى المدينة في ~~حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله ms2054 صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا ~~المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملا من الغنم، ~~فوثب الراعي فنادى: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه: يا سرحان ~~أرسله. فإذا الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة، فأنزل الله على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم «وأنه كان رجال من الإنس...» الآية. # وفي قوله تعالى: { فزادوهم رهقا } قولان. # أحدهما: أن الإنس زادوا الجن رهقا لتعوذهم بهم، قاله مقاتل. والمعنى: ~~أنهم لما استعاذوا بسادتهم قالت السادة: قد سدنا الجن والإنس. # والثاني: أن الجن زادوا الإنس رهقا، ذكره الزجاج. قال أبو عبيدة: ~~زادوهم سفها وطغيانا. وقال ابن قتيبة: زادوهم ضلالا. وأصل الرهق: ~~العيب. ومنه يقال: فلان يرهق في دينه. # قوله تعالى: { وأنهم ظنوا } يقول الله عز وجل: ظن الجن { كما ظننتم } ~~أيها الإنس المشركون أنه لا بعث. وقالت الجن: { وأنا لمسنا السماء } أي: ~~أتيناها { فوجدناها ملئت حرسا شديدا } وهم الملائكة الذين يحرسونها ~~من استراق السمع { وشهبا } جمع شهاب، وهو النجم المضيء { وأنا كنا ~~نقعد منها مقاعد للسمع } أي: كنا نستمع، فالآن حين حاولنا الاستماع بعد ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم، رمينا بالشهب. ومعنى: «رصدا» قد أرصد ~~له المرمى به { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض } بإرسال محمد ~~إليهم، فيكذبونه فيهلكون { أم أراد بهم ربهم رشدا } وهو أن يؤمنوا ~~فيهتدوا، قاله مقاتل. والثاني: أنه قول كفرة الجن، والمعنى: لا ندري ~~أشر أريد بمن في الأرض بحدوث الرجم بالكواكب، أم صلاح؟ قاله الفراء. ~~ثم أخبروا عن حالهم، فقالوا: { وأنا منا الصالحون } وهم المؤمنون ~~المخلصون { ومنا دون ذلك } فيه قولان. # أحدهما: أنهم المشركون. # والثاني: أنهم أهل الشر دون الشرك { كنا طرائق قددا } قال الفراء: ~~أي: فرقا مختلفة أهواؤنا. وقال أبو عبيدة: واحد الطرائق: طريقة، وواحد ~~القدد: قدة، أي: ضروبا وأجناسا ومللا. قال الحسن، والسدي: الجن ~~مثلكم فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة. # قوله تعالى: { وأنا ظننا } أي: أيقنا { أن لن نعجز الله في الأرض } ~~أي: لن نفوته إذا أراد ms2055 بنا أمرا { ولن نعجزه هربا } أي: أنه ~~يدركنا حيث كنا { وأنا لما سمعنا الهدى } وهو القرآن الذي أتى به ~~محمد صلى الله عليه وسلم { آمنا به } أي: صدقنا أنه من عند الله عز ~~وجل { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا } أي: نقصا من الثواب { ولا ~~رهقا } أي: ولا ظلما ومكروها يغشاه، { وأنا منا المسلمون } قال ~~مقاتل: المخلصون لله { ومنا القاسطون } وهم المردة. قال ابن قتيبة: ~~القاسطون: الجائرون. يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل. # قال المفسرون: هم الكافرون { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } أي: ~~توخوه، وأموه. ثم انقطع كلام الجن. قال مقاتل: ثم رجع إلى كفار ~~مكة فقال تعالى: { وأن لو استقاموا على الطريقة } يعني طريقة الهدى، وهذا ~~قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، واختاره ~~الزجاج. قال لأن الطريقة هاهنا بالألف واللام معرفة، فالأوجب أن تكون ~~طريقة الهدى. وذهب قوم إلى أن المراد بها: طريقة الكفر، قاله محمد بن ~~كعب، والربيع، والفراء، وابن قتيبة، وابن كيسان. فعلى القول الأول يكون ~~المعنى: لو آمنوا لوسعنا عليهم { لنفتنهم } أي: لنختبرهم { فيه } ~~فننظر كيف شكرهم. والماء الغدق: الكثير. وإنما ذكر الماء مثلا، لأن ~~الخير كله يكون بالمطر، فأقيم مقامه إذ كان سببه وعلى الثاني يكون ~~المعنى: لو استقاموا على الكفر فكانوا كفارا كلهم، لأكثرنا لهم المال ~~لنفتنهم فيه عقوبة واستدارجا، ثم نعذبهم على ذلك. وقيل لأكثرنا لهم ~~الماء فأغرقناهم، كقوم نوح { ومن يعرض عن ذكر ربه } يعني: ~~القرآن { يسلكه } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «نسلكه» ~~بالنون. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بالياء. { عذابا صعدا } قال ابن ~~قتيبة: أي: عذابا شاقا، يقال: تصعدني الأمر: إذا شق علي. ومنه قول ~~عمر: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح. ونرى أصل هذا ~~كله من الصعود، لأنه شاق، فكني به عن المشقات. وجاء في التفسير أنه ~~جبل في النار يكلف صعوده، وسنذكره عند قوله تعالى: # سأرهقه صعودا # [المدثر:17] إن شاء الله تعالى. ### || [72.18-28] # قوله تعالى: { وأن المساجد لله } فيها أربعة أقوال. ms2056 # أحدها: أنها المساجد التي هي بيوت الصلوات، قاله ابن عباس. قال قتادة: ~~كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا، فأمر الله عز ~~وجل المسلمين أن يخلصوا له إذا دخلوا مساجدهم. # والثاني: الأعضاء التي يسجد عليها العبد، قاله سعيد بن جبير، وابن ~~الأنباري، وذكره الفراء. فيكون المعنى، لا تسجدوا عليها لغيره. # والثالث: أن المراد بالمساجد هاهنا: البقاع كلها، قاله الحسن. فيكون ~~المعنى: أن الأرض كلها مواضع للسجود، فلا تسجدوا عليها لغير خالقها. # والرابع: أن المساجد: السجود، فإنه جمع مسجد. يقال: سجدت سجودا، ~~ومسجدا، كما يقال: ضربت في الأرض ضربا، ومضربا، ثم يجمع، فيقال: ~~المساجد، والمضارب. قال ابن قتيبة: فعلى هذا يكون واحدها: مسجدا، ~~بفتح الجيم. والمعنى: أخلصوا له، ولا تسجدوا لغيره. ثم رجع إلى ذكر ~~الجن فقال تعالى: { وأنه لما قام عبد الله } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { يدعوه } أي: يعبده. وكان يصلي ببطن نخلة على ما سبق بيانه في ~~[الأحقاف: 29] { كادوا يكونون عليه لبدا } قرأ الأكثرون: «لبدا» بكسر ~~اللام، وفتح الباء. وقرأ هشام عن ابن عامر، وابن محيصن «لبدا» بضم ~~اللام، وفتح الباء مع تخفيفها. قال الفراء: ومعنى القراءتين واحد. يقال: ~~لبدة، ولبدة. قال الزجاج: والمعنى: كاد يركب بعضهم بعضا. ومنه ~~اشتقاق اللبد الذي يفترش. وكل شيء أضفته إلى شيء فقد لبدته. وقرأ قوم ~~منهم الحسن، والجحدري: «لبدا» بضم اللام مع تشديد الباء. قال الفراء: ~~فعلى هذه القراءة يكون صفة للرجال، كقولك: ركعا وركوعا، وسجدا ~~وسجودا. قال الزجاج: هو جمع لابد، مثل راكع، وركع. وفي معنى الآية ~~ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه إخبار الله تعالى عن الجن يحكي حالهم. والمعنى: أنه لما قام ~~يصلي كاد الجن لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضا، حرصا على سماع ~~القرآن، رواه عطية عن ابن عباس. # والثاني: أنه من قول الجن لقومهم لما رجعوا إليهم، فوصفوا لهم طاعة ~~أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع، ~~والسجود، فكأنهم قالوا: لما قام يصلي كاد أصحابه يكونون عليه لبدا. وهذا ~~المعنى في رواية ms2057 ابن جبير، عن ابن عباس. # والثالث: أن المعنى: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة ~~تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه، ليبطلوا الحق الذي جاء به، قاله ~~الحسن، وقتادة، وابن زيد. # قوله تعالى: { قل إنما أدعوا ربي } قرأ عاصم، وحمزة: «قل إنما أدعو ربي» ~~بغير ألف. وقرأ الباقون «قال» على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~قال مقاتل: إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك جئت بأمر ~~عظيم، لم يسمع بمثله فارجع عنه، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: { قل لا أملك لكم ضرا } أي: لا أدفعه عنكم { ولا } أسوق ~~إليكم { رشدا } أي: خيرا، أي: إن الله تعالى يملك ذلك، لا أنا { قل ~~إني لن يجيرني من الله أحد } أي: إن عصيته لم يمنعني منه أحد، وذلك أنهم ~~قالوا: اترك ما تدعو إليه، ونحن نجيرك { ولن أجد من دونه ملتحدا } وقد ~~بيناه في [الكهف: 27] { إلا بلاغا من الله } فيه وجهان، ذكرهما ~~الفراء. # أحدهما: أنه استثناء من قوله تعالى { لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } إلا ~~أن أبلغكم. # والثاني: لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالته. وبالأول قال ابن ~~السائب. وبالثاني: قال مقاتل. وقال بعضهم: المعنى: لن يجيرني من عذاب ~~الله إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت، فذلك البلاغ هو الذي يجيرني { ~~ومن يعص الله ورسوله } بترك الإيمان والتوحيد. # قوله تعالى: { حتى إذا رأوا } يعني: الكفار { ما يوعدون } من العذاب ~~في الدنيا، وهو القتل. وفي الآخرة { فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ~~} أي: جندا ونصرا، أهم، أم المؤمنون؟ { قل إن أدري } أي: ما أدري { ~~أقريب ما توعدون } من العذاب { أم يجعل له ربي أمدا } أي: غاية ~~وبعدا. وذلك لأن علم الغيب لله وحده { فلا يظهر } أي: فلا يطلع ~~على غيبه الذي يعلمه أحدا من الناس { إلا من ارتضى من رسول } لأن من ~~الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب. والمعنى: أن من ارتضاه للرسالة ~~أطلعه على ما شاء من غيبه. وفي هذا دليل على أن ms2058 من زعم أن النجوم تدل على ~~الغيب فهو كافر. ثم ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يطلع عليه الرسول فقال تعالى: ~~{ فإنه يسلك من بين يديه } أي: من بين يدي الرسول { ومن خلفه رصدا } ~~أي: يجعل له حفظة من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه ~~الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة، فيتكلمون به قبل أن يخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم الناس. وقال الزجاج: يسلك من بين يدي الملك ومن خلفه ~~رصدا. وقيل يسلك من بين يدي الوحي. فالرصد من الملائكة يدفعون ~~الشياطين عن أن تستمع ما ينزل من الوحي. # قوله تعالى: { ليعلم } فيه خمسة أقوال. # أحدها: ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل قد بلغ إليه، قاله ~~ابن جبير. # والثاني: ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله { قد أبلغوا ~~رسالات ربهم } وأن الله قد حفظها فدفع عنها، قاله قتادة. # والثالث: ليعلم مكذبو الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم، قاله ~~مجاهد. # والرابع: ليعلم الله عز وجل ذلك موجودا ظاهرا يجب به الثواب، فهو ~~كقوله تعالى: # ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم # [آل عمران: 142] قاله ابن قتيبة. # والخامس: ليعلم النبي أن الرسل قد أتته، ولم تصل إلى غيره، ذكره ~~الزجاج. وقرأ رويس عن يعقوب { ليعلم } بضم الياء على ما لم يسم فاعله. ~~وقال ابن قتيبة: ويقرأ { لتعلم } بالتاء، يريد: لتعلم الجن أن الرسل ~~قد بلغت عن إلههم بما رجوا من استراق السمع { وأحاط بما لديهم } أي: ~~علم الله ما عند الرسل { وأحصى كل شيء عددا } فلم يفته شيء حتى الذر ~~والخردل. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-18] # قوله تعالى: { يا أيها المزمل } وقرأ أبي بن كعب، وأبو ~~العالية، وأبو مجلز، وأبو عمران، والأعمش: «المتزمل» بإظهار التاء. ~~وقرأ عكرمة، وابن يعمر: «المزمل» بحذف التاء وتخفيف الزاي قال اللغويون: ~~«المزمل» الملتف في ثيابه، وأصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي. ~~فثقلت. وكل من التف بثوبه فقد تزمل. قال الزجاج: وإنما أدغمت فيها ~~لقربها منها. قال المفسرون: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتزمل في ~~ثيابه ms2059 في أول ما جاء جبريل فرقا منه حتى أنس به. وقال السدي: كان قد ~~تزمل للنوم. وقال مقاتل: خرج من البيت وقد لبس ثيابه، فناداه جبريل: يا ~~أيها المزمل. وقيل: أريد به متزمل النبوة. قال عكرمة: في معنى ~~هذه الآية: زملت هذا الأمر، فقم به. وقيل: إنما لم يخاطب بالنبي ~~والرسول هاهنا، لأنه لم يكن قد بلغ، وإنما كان في بدء الوحي. # قوله تعالى: { قم الليل } أي: للصلاة. وكان قيام الليل فرضا عليه { إلا ~~قليلا نصفه } هذا بدل من الليل، كما تقول: ضربت زيدا رأسه. فإنما ذكرت ~~زيدا لتوكيد الكلام، لأنه أوكد من قولك: ضربت رأس زيد. والمعنى: قم من ~~الليل النصف إلا قليلا { أو انقص منه قليلا } أي: من النصف { أو زد ~~عليه } أي: على النصف. قال المفسرون: انقص من النصف إلى الثلث، أو زد ~~عليه إلى الثلثين، فجعل له سعة في مدة قيامه، إذ لم تكن محدودة، فكان ~~يقوم ومعه طائفة من المؤمنين، فشق ذلك عليه وعليهم، فكان الرجل لا يدري ~~كم صلى، وكم بقي من الليل، فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر ~~الواجب، فنسخ ذلك عنه وعنهم بقوله تعالى: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ... } الآية، هذا مذهب جماعة من المفسرين. وقالوا: ليس في ~~القرآن سورة نسخ آخرها أولها سوى هذه السورة، وذهب قوم إلى أنه ~~نسخ قيام الليل في حقه بقوله تعالى # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] ونسخ في حق المؤمنين بالصلوات الخمس. وقيل: نسخ عن الأمة، ~~وبقي عليه فرضه أبدا. وقيل: إنما كان مفروضا عليه دونهم، وفي مدة فرضه ~~قولان. # أحدهما: سنة، قال ابن عباس: كان بين أول (المزمل) وآخرها سنة. # والثاني: ستة عشر شهرا، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { ورتل القرآن } قد ذكرنا الترتيل في [الفرقان: 32]. # قوله تعالى: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } وهو القرآن. وفي معنى ~~ثقله ستة أقوال. # أحدها: أنه كان يثقل عليه إذا أوحي إليه. وهذا قول عائشة قالت ولقد ~~رأيته ينزل عليه في ms2060 اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، يعني يتخلص عنه، وإن ~~جبينه ليتفصد عرقا. # والثاني: أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: أنه يثقل في الميزان يوم القيامة، قاله ابن زيد. # والرابع: أنه المهيب، كما يقال للرجل العاقل: هو رزين راجح، قاله عبد ~~العزيز بن يحيى. # والخامس: أنه ليس بالخفيف ولا السفساف، لأنه كلام الرب عز وجل، قاله ~~الفراء. # والسادس: أنه قول له وزن في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام ~~رصين، وهذا قول وزن: إذا استجدته. ذكره الزجاج. # قوله تعالى: { إن ناشئة الليل } قال ابن مسعود، وابن عباس، هي قيام ~~الليل بلسان الحبشة. وهل هي في وقت مخصوص من الليل، أم في جميعه؟ فيه ~~قولان. # أحدهما: أنها في جميع الليل. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال: ~~الليل كله ناشئة. وإلى هذا ذهب اللغويون. قال ابن قتيبة: ناشئة الليل: ~~ساعاته الناشئة، من نشأت: إذا ابتدأت. وقال الزجاج: ناشئة الليل: ساعات ~~الليل، كل ما نشأ منه، أي: كل ما حدث. وقال أبو علي الفارسي: كأن ~~المعنى: إن صلاة ناشئة، أو عمل ناشئة الليل. # والثاني: أنها في وقت مخصوص من الليل، ثم فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنها ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك. # والثاني: أنها القيام بعد النوم، وهذا قول عائشة، وابن الأعرابي. وقد نص ~~عليه أحمد في رواية المرودي. # والثالث: أنها ما بعد العشاء، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة، وأبو مجلز. # والرابع: أنها بدء الليل، قاله عطاء، وعكرمة. # والخامس: أنها القيام من آخر الليل، قاله يمان، وابن كيسان. # قوله تعالى: { هي أشد وطأ } قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، «وطاء» بكسر ~~الواو مع المد، وهو مصدر واطأت فلانا على كذا مواطأة، ووطاء، ~~وأراد أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على ~~التفهم للقرآن والإحكام لتأويله. ومنه قوله تعالى: # ليواطئوا عدة ما حرم الله # [التوبة: 37] وقرأ الباقون «وطأ» بفتح الواو مع القصر والمعنى: إنه ~~أثقل على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب: ms2061 اشتدت على القوم ~~وطأة السلطان: إذا ثقل عليهم ما يلزمهم. ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم «اللهم اشدد وطأتك على مضر» ذكر معنى القراءتين ابن قتيبة. ~~وقرأ ابن محيصن «أشد وطاء» بفتح الواو، والطاء، وبالمد. # قوله تعالى: { وأقوم قيلا } أي: أخلص للقول، وأسمع له، لأن الليل تهدأ ~~فيه الأصوات فتخلص القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون سمعه ~~وتفهمه حائل. # قوله تعالى: { إن لك في النهار سبحا طويلا } أي: فراغا لنومك وراحتك، ~~فاجعل ناشئة الليل لعبادتك، قاله ابن عباس، وعطاء، وقرأ علي، وابن مسعود، ~~وأبو عمران، وابن أبي عبلة «سبخا» بالخاء المعجمة قال الزجاج: ومعناها ~~في اللغة صحيح يقال: قد سبخت القطن بمعنى نفشته، ومعنى نفشته: وسعته ~~فيكون المعنى: إن لك في النهار توسعا طويلا. # قوله تعالى: { واذكر اسم ربك } أي: بالنهار أيضا { وتبتل إليه ~~تبتيلا } قال مجاهد: أخلص له إخلاصا. وقال ابن قتيبة: انقطع إليه، من ~~قولك: بتلت الشيء: إذا قطعته. وقال الزجاج: انقطع إليه في العبادة. ~~ومنه قيل لمريم: البتول، لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة. وكذلك ~~صدقة بتلة: منقطعة من مال المصدق، والأصل في مصدر تبتل تبتلا. ~~وإنما قوله تعالى: «تبتيلا» محمول على معنى تبتل { رب المشرق } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم «رب» بالرفع. وقرأ ابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، بالكسر. وما بعد هذا قد سبق ~~[الشعراء: 28] إلى قوله تعالى { واصبر على ما يقولون } من التكذيب لك ~~والأذى { واهجرهم هجرا جميلا } لا جزع فيه. وهذه الآية عند المفسرين ~~منسوخة بآية السيف { وذرني والمكذبين } أي: لا تهتم بهم، فأنا ~~أكفيكهم { أولي النعمة } يعني: التنعم. وفيمن عني بهذا ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنهم المطعمون ببدر، قاله مقاتل بن حيان. # والثاني: أنهم بنو المغيرة بن عبد الله، قاله مقاتل بن سليمان. # والثالث: أنهم المستهزئون، وهم صناديد قريش، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { ومهلهم قليلا } قالت عائشة: فلم يكن إلا اليسير حتى ~~كانت وقعة بدر، وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة ms2062 بآية السيف، ~~وليس بصحيح. # قوله تعالى: { إن لدينا أنكالا } وهي القيود، واحدها: نكل. وقد شرحنا ~~معنى «الجحيم» في [البقرة: 119] { وطعاما ذا غصة } وهو الذي لا يسوغ ~~في الحلق، وفيه للمفسرين أربعة أقوال. # أحدها: أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج، قاله ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: الزقوم، قاله مقاتل. # والثالث: الضريع، قاله الزجاج. # والرابع: الزقوم والغسلين والضريع، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { يوم ترجف الأرض } قال الزجاج: هو منصوب بقوله تعالى: «إن ~~لدينا أنكالا» والمعنى: ينكل الكافرين، ويعذبهم، { يوم ترجف الأرض ~~} أي: تزلزل وتحرك أغلظ حركة. # قوله تعالى: { وكانت الجبال } قال مقاتل: المعنى: وصارت بعد الشدة، ~~والقوة «كثيبا» قال الفراء: «الكثيب»: الرمل. و«المهيل»: الذي تحرك ~~أسفله، فينهال عليكم من أعلاه. والعرب تقول: مهيل ومهيول، ومكيل ومكيول. ~~وقال الزجاج: الكثيب جمعه: كثبان، وهي القطع العظام من الرمل. والمهيل: ~~السائل. # قوله تعالى: { إنا أرسلنا إليكم } يعني: أهل مكة { رسولا } يعني: ~~محمدا صلى الله عليه وسلم { شاهدا عليكم } بالتبليغ وإيمان من آمن، ~~وكفر من كفر { كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } وهو موسى عليه السلام، ~~والوبيل: الشديد. قال ابن قتيبة: هو من قولك: استوبلت المكان: إذا ~~استوخمته. ويقال: كلأ مستوبل أي: لا يستمرأ. قال الزجاج: ~~الوبيل: الثقيل الغليظ جدا. ومنه قيل للمطر العظيم. وابل قال مقاتل: ~~والمراد بهذا الأخذ الوبيل: الغرق. وهذا تخويف لكفار مكة أن ينزل بهم ~~العذاب لتكذيبهم، كما نزل بفرعون. # قوله تعالى: { فكيف تتقون إن كفرتم يوما } أي: عذاب يوم. # قال الزجاج: المعنى: بأي شيء تتحصنون من عذاب يوم من هوله يشيب ~~الصغير من غير كبر. وقرأ أبي بن كعب، وأبو عمران «نجعل الولدان» ~~بالنون. # قوله تعالى: { السماء منفطر به } قال الفراء: السماء تذكر ~~وتؤنث. وهي هاهنا في وجه التذكير. قال الشاعر: # فلو رفع السماء إليه قوما # لحقنا بالسماء مع السحاب # قال الزجاج: وتذكير السماء على ضربين. # أحدهما: على أن معنى السماء معنى السقف. # والثاني: على قولهم: امرأة مرضع على جهة النسب. فالمعنى: السماء ذات ~~انفطار، كما أن المرضع ذات الرضاع. وقال ms2063 ابن قتيبة: ومعنى الآية: السماء ~~منشق به، أي: فيه، يعني في ذلك اليوم. قوله تعالى: { كان وعده ~~مفعولا } وذلك أنه وعد بالبعث فهو كائن لا محالة. ### || [73.19-20] # { إن هذه } يعني: آيات القرآن { تذكرة } أي: تذكير وموعظة { فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا } بالإيمان والطاعة. # قوله تعالى: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى } أي: أقل { من ثلثي الليل ~~ونصفه وثلثه } وقرأ ابن كثير، وأهل الكوفة. بفتح الفاء والثاء. ~~والباقون: بكسرهما. # قوله تعالى: { وطائفة من الذين معك } يعني: المؤمنين { والله يقدر ~~الليل والنهار } يعلم مقاديرهما، فيعلم القدر الذي تقومون به من الليل { ~~علم أن لن تحصوه } وفيه قولان. # أحدهما: لن تطيقوا قيام ثلثي الليل، ولا ثلث الليل، ولا نصف الليل، ~~قاله مقاتل. # والثاني: لن تحفظوا مواقيت الليل، قاله الفراء. { فتاب عليكم } أي: عاد ~~عليكم بالمغفرة والتخفيف { فاقرؤوا ما تيسر } عليكم { من القرآن } يعني: ~~في الصلاة، من غير أن يوقت وقتا. وقال الحسن: هو ما يقرأ في صلاة المغرب ~~والعشاء. ثم ذكر أعذارهم فقال تعالى: { علم أن سيكون منكم مرضى } فلا ~~يطيقون قيام الليل، { وآخرون يضربون في الأرض } وهم المسافرون للتجارة { ~~يبتغون من فضل الله } أي: من رزقه، فلا يطيقون قيام الليل، { وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله } وهم المجاهدون، فلا يطيقون قيام الليل، { فاقرؤوا ~~ما تيسر من القرآن } وذكروا أن هذا نسخ عن المسلمين بالصلوات الخمس، فذلك ~~قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة } أي: الصلوات الخمس في أوقاتها { وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا } وقد سبق بيانه [الحديد: 18]. قال ابن عباس: يريد سوى ~~الزكاة في صلة الرحم، وقرى الضيف { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله } أي: تجدوا ثوابه في الآخرة { هو خيرا } قال أبو عبيدة: ~~المعنى: تجدوه خيرا. قال الزجاج: ودخلت «هو» فصلا. وقال المفسرون: ~~ومعنى «خيرا» أي: أفضل مما أعطيتم { وأعظم أجرا } من الذي تؤخرونه ~~إلى وقت الوصية عند الموت. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-37] # فأما سبب نزولها، فروى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث جابر بن عبد ~~الله قال: حدثنا رسول الله صلى الله ms2064 عليه وسلم قال: # " جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت بطن ~~الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فلم أر ~~أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي، فإذا هو في الهواء (يعني: جبريل عليه ~~السلام) فأقبلت إلى خديجة، فقلت دثروني دثروني، فأنزل الله عز ~~وجل { يا أيها المدثر قم فأنذر } " # قال المفسرون: فلما رأى جبريل وقع مغشيا عليه، فلما أفاق دخل إلى ~~خديجة، ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني، فدثروه بقطيفة، فأتاه ~~جبريل فقال { يا أيها المدثر } وقرأ أبي بن كعب، وأبو عمران، ~~والأعمش، «المتدثر» بإظهار التاء. وقرأ أبو رجاء، وعكرمة، وابن يعمر، ~~«المدثر» بحذف التاء، وتخفيف الدال. قال اللغويون: وأصل «المدثر» ~~المتدثر، فأدغمت التاء، كما ذكرنا في المتزمل، وهذا في قول الجمهور ~~من التدثير بالثياب. وقيل: المعنى: يا أيها المدثر بالنبوة، وأثقالها، ~~قال عكرمة: دثرت هذا الأمر فقم به. # قوله تعالى: { قم فأنذر } كفار مكة العذاب إن لم يوحدوا { وربك ~~فكبر } أي: عظمه عما يقول عبدة الأوثان { وثيابك فطهر } فيه ~~ثمانية أقوال. # أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر. قال غيلان بن سلمة الثقفي: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدرة أتقنع # روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: لا تكن ثيابك من مكسب غير طاهر، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: طهر نفسك من الذنب، قاله مجاهد، وقتادة. ويشهد له قول عنترة: # فشككت بالرمح الأصم ثيابه # ليس الكريم على القنا بمحرم # أي: نفسه، وهذا مذهب ابن قتيبة. قال: المعنى: طهر نفسك من الذنوب، فكنى ~~عن الجسم بالثياب، لأنها تشتمل عليه. قالت ليلى الأخيلية وذكرت ~~إبلا: # رموها بأثواب خفاف فلا ترى # لها شبها إلا النعام المنفرا # أي: ركبوها، فرموها بأنفسهم. والعرب تقول للعفاف: إزار، لأن العفيف ~~كأنه استتر لما عف. # والرابع: وعملك فأصلح، قاله الضحاك. # والخامس: خلقك فحسن، قاله الحسن، والقرظي. # والسادس: وثيابك فقصر وشمر، قاله طاووس. # والسابع: قلبك فطهر، قاله سعيد بن جبير. ويشهد له قول امرىء ~~القيس: # فإن يك قد ساءتك ms2065 مني خليقة # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # أي: قلبي من قلبك. # والثامن: اغسل ثيابك بالماء، ونقها، قاله ابن سيرين، وابن زيد. # قوله تعالى: { والرجز فاهجر } قرأ الحسن، وأبو جعفر، وشيبة، ~~وعاصم، إلا أبا بكر، ويعقوب، وابن محصين، وابن السميفع، «والرجز» بضم ~~الراء. والباقون: بكسرها. ولم يختلفوا في غير هذا الموضع. قال الزجاج: ~~ومعنى القراءتين واحد. وقال أبو علي: قراءة الحسن بالضم، وقال: هو اسم ~~صنم. # وقال قتادة: صنمان: إساف، ونائلة، ومن كسر، فالرجز: العذاب. فالمعنى: ~~ذو العذاب فاهجر. # وفي معنى «الرجز» للمفسرين ستة أقوال. # أحدها: أنه الأصنام، والأوثان، قاله ابن عباس. ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ~~والزهري، والسدي، وابن زيد. # والثاني: أنه الإثم، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: الشرك، قاله ابن جبير، والضحاك. # والرابع: الذنب، قاله الحسن. # والخامس: العذاب، قاله ابن السائب، قال الزجاج: الرجز في اللغة: ~~العذاب. ومعنى الآية: اهجر ما يؤدي إلى عذاب الله. # والسادس: الشيطان، قاله ابن كيسان. { ولا تمنن تستكثر } فيه ~~أربعة أقوال. # أحدها: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، قاله ابن عباس، وعكرمة، ~~وقتادة، قال المفسرون: معناه: أعط لربك وأرد به الله، فأدبه ~~بأشرف الآداب. ومعنى «لا تمنن»: لا تعط شيئا من مالك لتعطى أكثر منه، ~~وهذا الأدب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وليس على أحد من أمته إثم أن ~~يهدي هدية يرجو بها ثوابا أكثر منها. # والثاني: لا تمنن بعملك تستكثره على ربك، قاله الحسن. # والثالث: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، قاله مجاهد. # والرابع: لا تمنن على الناس بالنبوة لتأخذ عليها منهم أجرا، قاله ~~ابن زيد. { ولربك } فيه أربعة أقوال. # أحدها: لأجل ربك. والثاني: لثواب ربك. والثالث: لأمر ربك. والرابع: ~~لوعد ربك { فاصبر } فيه قولان. # أحدهما: على طاعته وفرائضه. # والثاني: على الأذى والتكذيب. # قوله تعالى: { فإذا نقر في الناقور } أي: نفخ في الصور. وهل هذه النفخة ~~هي الأولى أو الثانية؟ فيه قولان { فذلك يومئذ يوم عسير } أي: يعسر الأمر ~~فيه { على الكافرين غير يسير } غير هين { ذرني } قد شرحناه في ~~[المزمل: ms2066 11] { ومن خلقت } أي: ومن خلقته { وحيدا } فيه قولان. # أحدهما: خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد، قاله مجاهد. # والثاني: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، قاله الزجاج. قال ~~ابن عباس: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ ~~عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم إن ~~قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله، ~~فقال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك ~~أنك منكر له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ~~فوالله ما يشبهها الذي يقول، والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإنه ~~لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى. قال: لا يرضى عنك ~~قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه. فقال: هذا سحر يؤثر: يأثره ~~عن غيره، فنزلت { ذرني ومن خلقت وحيدا... } الآيات كلها. وقال مجاهد: ~~قال الوليد لقريش: إن لي إليكم حاجة فاجتمعوا في دار الندوة، فقال: إنكم ~~ذوو أحساب وأحلام، وإن العرب يأتونكم، وينطلقون من عندكم على أمر مختلف، ~~فأجمعوا على شيء واحد. # ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول إنه شاعر، فعبس عندها، وقال: قد ~~سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر. فقالوا: نقول: إنه كاهن، قال: إذن ~~يأتونه فلا يجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة، قالوا: نقول: إنه مجنون، ~~قال: إذن يأتونه فلا يجدونه مجنونا. فقالوا: نقول: إنه ساحر. قال: وما ~~الساحر؟ قالوا بشر يحببون بين المتباغضين، ويبغضون بين المتحابين، ~~قال: فهو ساحر، فخرجوا لا يلقى أحد منهم النبي إلا قال: يا ساحر، فاشتد ~~ذلك عليه، فأنزل الله عز وجل «يا أيها المدثر» إلى قوله تعالى «إن هذا ~~إلا سحر يؤثر» وذكر بعض المفسرين: أن قوله تعالى: { ذرني ومن خلقت ~~وحيدا } منسوخ بآية السيف، ولا يصح. # قوله تعالى: { وجعلت له مالا ممدودا } في معنى الممدود ثلاثة أقوال. # أحدها: كثيرا، قاله أبو عبيدة. # والثاني دائما، قاله ms2067 ابن قتيبة. # والثالث: غير منقطع، قاله الزجاج. # وللمفسرين في مقداره أربعة أقوال. # أحدها: غلة شهر بشهر قاله عمر بن الخطاب. # والثاني: ألف دينار، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، قال الفراء: نرى ~~أن الممدود: جعل غاية للعدد، لأن «ألف» غاية للعدد يرجع في أول العدد ~~من الألف. # والثالث: أربعة آلاف، قاله قتادة. # والرابع: أنه بستان كان له بالطائف لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا، قاله ~~قاتل. # قوله تعالى: { وبنين شهودا } أي: حضورا معه لا يحتاجون إلى التصرف ~~والسفر فيغيبوا عنه. وفي عددهم أربعة أقوال. # أحدها: عشرة، قاله مجاهد، وقتادة. # والثاني: ثلاثة عشر، قاله ابن جبير. # والثالث: اثنا عشر، قاله السدي. # والرابع: سبعة، قاله مقاتل. { ومهدت له تمهيدا } أي: بسطت له العيش، ~~وطول العمر، { ثم يطمع أن أزيد } فيه قولان. # أحدهما: يطمع أن أدخله الجنة، قاله الحسن. والثاني: أن أزيده من المال ~~والولد، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { كلا } أي: لا أفعل، فمنعه الله المال والولد حتى مات ~~فقيرا { إنه كان لآياتنا عنيدا } أي: معاندا. # وفي المراد بالآيات هنا ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه القرآن، قاله ابن جبير. # والثاني: الحق، قاله مجاهد. # والثالث: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. # قوله تعالى: { سأرهقه صعودا } قال الزجاج: سأحمله على مشقة من ~~العذاب. وقال غيره: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها، وقال ابن ~~قتيبة: «الصعود»: العقبة الشاقة، وكذلك «الكؤود». وفي حديث أبي سعيد عن ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: «سأرهقه صعودا» قال: جبل ~~من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع رجله عليها ذابت، فإذا رفعها عادت. ~~يصعد سبعين خريفا، ثم يهوي فيه كذلك أبدا، وذكر ابن السائب، أنه جبل من ~~صخرة ملساء في النار، يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى ~~أسفلها، ثم يكلف أن يصعدها، فذلك دأبه أبدا، يجذب من أمامه سلاسل ~~الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد، فيصعدها في أربعين سنة. # قوله تعالى: { إنه فكر } أي: تفكر ماذا يقول في القرآن { وقدر } ~~القول في ms2068 نفسه { فقتل } أي: لعن { كيف قدر ثم قتل كيف قدر } ~~أي: لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام. وقيل: «كيف» هاهنا ~~بمعنى التعجب والإنكار والتوبيخ. وإنما كرر تأكيدا { ثم نظر } في طلب ~~ما يدفع به القرآن، ويرده { ثم عبس وبسر } قال اللغويون: أي: كره ~~وجهه وقطب. يقال: بسر الرجل وجهه، أي: قبضه. وأنشدوا لتوبة: # وقد رابني منها صدود رأيته # وإعراضها عن حاجتي وبسورها # قال المفسرون: كره وجهه، ونظر بكراهية شديدة، كالمهتم المتفكر في ~~الشيء { ثم أدبر } عن الإيمان { واستكبر } أي: تكبر حين دعي إليه { فقال ~~إن هذا } أي: ما هذا القرآن { إلا سحر يؤثر } أي: يروى عن السحرة { ~~إن هذا إلا قول البشر } أي: من كلام الإنس، وليس من كلام الله تعالى، ~~فقال الله تعالى: { سأصليه سقر } أي: سأدخله النار. وقد ذكر «سقر» في ~~سورة [القمر: 48] { وما أدراك ما سقر } لعظم شأنها { لا تبقي ولا ~~تذر } أي: لا تبقي لهم لحما إلا أكلته، ولا تذرهم إذا أعيدوا خلقا ~~جديدا { لواحة } أي: مغيرة. يقال: لاحته الشمس، أي: غيرته ~~وأنشدوا: # يا ابنة عمي لاحني الهواجر # وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، وابن أبي عبلة، «لواحة» بالنصب. وفي ~~البشر قولان. # أحدهما: أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة، وهذا قول مجاهد، ~~والفراء، والزجاج. # والثاني: أنهم الإنس من أهل النار، قاله الأخفش، وابن قتيبة، في آخرين. # قوله تعالى: { عليها تسعة عشر } وهم خزانها، مالك ومعه ثمانية عشر، ~~أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم، ما ~~بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر. قد نزعت منهم ~~الرحمة. فلما نزلت هذه الآية قال أبو جهل: يخوفكم محمد بتسعة عشر، أما ~~له من الجنود إلا هؤلاء! أيعجز كل عشرة منكم أن يبطش بواحد منهم، ثم ~~يخرجون من النار! فقال أبو الأشدين: قال مقاتل: اسمه: أسيد بن كلدة. ~~وقال غيره: كلدة بن خلف الجمحي : يا معشر قريش: أنا أمشي بين أيديكم ~~فأرفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر، فندخل الجنة، ms2069 فأنزل الله ~~تعالى { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } لا آدميين، فمن يطيقهم ومن ~~يغلبهم؟! { وما جعلنا عدتهم } في هذه القلة { إلا فتنة } أي: ضلالة ~~{ للذين كفروا } حتى قالوا ما قالوا { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } أن ~~ما جاء به محمد حق، لأن عدتهم في التوراة تسعة عشر { ويزداد الذين ~~آمنوا } من أهل الكتاب { إيمانا } أي: تصديقا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم إذ وجدوا ما يخبرهم موافقا لما في كتابهم { ولا يرتاب الذين أوتوا ~~الكتاب والمؤمنون } أي: ولا يشك هؤلاء في عدد الخزنة { وليقول ~~الذين في قلوبهم مرض } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه النفاق، ذكره الأكثرون. # والثاني: أنه الشك، قاله مقاتل. وزعم أنهم يهود أهل المدينة، وعنده أن ~~هذه الآية مدنية. # والثالث: أنه الخلاف، قاله الحسين بن الفضل. وقال: لم يكن بمكة نفاق. ~~وهذه مكية. فأما «الكافرون» فهم مشركو العرب { ماذا أراد الله } أي: أي ~~شيء أراد الله { بهذا } الحديث والخبر { مثلا } والمثل يكون بمعنى ~~الحديث نفسه. ومعنى الكلام: يقولون: ما هذا من الحديث { كذلك } أي: كما ~~أضل من أنكر عدد الخزنة، وهدى من صدق { يضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء } وأنزل في قول أبي جهل: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة ~~عشر: { وما يعلم جنود ربك إلا هو } يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب ~~أهل النار. وذلك أن لكل واحد من هؤلاء التسعة عشر من الأعوان ما لا يعلمه ~~إلا الله. وذكر الماوردي في وجه الحكمة في كونهم تسعة عشر قولا محتملا، ~~فقال: التسعة عشر: عدد يجمع أكثر القليل، وأقل الكثير، لأن الآحاد أقل ~~الأعداد، وأكثرها تسعة، وما سوى الآحاد كثير. وأقل الكثير: عشرة، فوقع ~~الاقتصار على عدد يجمع أقل الكثير، وأكثر القليل. ثم رجع إلى ذكر النار ~~فقال تعالى: { وما هي إلا ذكرى } أي: ما النار في الدنيا إلا مذكرة ~~لنار الآخرة { كلا } أي: حقا { والقمر. والليل إذ أدبر } قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «إذا أدبر» ~~وقرأ نافع، وحمزة، وحفص، والفضل ms2070 عن عاصم، ويعقوب «إذ» بسكون الذال من غير ~~ألف بعدها «أدبر» بسكون الدال وبهمزة قبلها. وهل معنى القراءتين واحد، أم ~~لا؟ فيه قولان. # أحدهما: أنهما لغتان بمعنى واحد. يقال: دبر الليل، وأدبر. ودبر الصيف ~~وأدبر، هذا قول الفراء، والأخفش، وثعلب. # والثاني: أن «دبر» بمعنى خلف، «وأدبر» بمعنى ولى. يقال: دبرني فلان: ~~جاء خلفي، وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيدة وابن قتيبة. # قوله تعالى: { إذا أسفر } أي: أضاء وتبين { إنها } يعني: سقر { لإحدى ~~الكبر } قال ابن قتيبة: الكبر، جمع كبرى، مثل الأول، والأولى، ~~والصغر، والصغرى. وهذا كما يقال: إنها لإحدى العظائم. قال الحسن: ~~والله ما أنذر الله بشيء أوهى منها. # وقال ابن السائب، ومقاتل: أراد بالكبر: دركات جهنم السبعة. # قوله تعالى: { نذيرا للبشر } قال الزجاج: نصب «نذيرا» على الحال. ~~والمعنى: إنها لكبيرة في حال الإنذار. وذكر «النذير»، لأن معناه معنى ~~العذاب. ويجوز أن يكون «نذيرا» منصوبا متعلقا بأول السورة، على معنى: ~~قم نذيرا للبشر. # قوله تعالى: { لمن شاء منكم } بدل من قوله تعالى: «للبشر»، { أن يتقدم ~~أو يتأخر } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عن معصيته، قاله ابن جريج. # والثاني: أن يتقدم إلى النار، أو يتأخر عن الجنة، قاله السدي. # والثالث: أن يتقدم في الخير، أو يتأخر إلى الشر، قاله يحيى بن سلام. # والرابع: أن يتقدم في الإيمان، أو يتأخر عنه. والمعنى: أن الإنذار ~~قد حصل لكل أحد ممن أقر أو كفر. ### || [74.38-56] # قوله تعالى: { كل نفس بما كسبت رهينة } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: كل نفس بالغة مرتهنة بعملها لتحاسب عليه { إلا أصحاب ~~اليمين } وهم أطفال المسلمين، فإنه لا حساب عليهم، لأنه لا ذنوب لهم، ~~قاله علي، واختاره الفراء. # والثاني: كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار، إلا أصحاب اليمين، ~~وهم المؤمنون، فإنهم في الجنة، قاله الضحاك. # والثالث: كل نفس مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين، فإنهم لا ~~يحاسبون، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: { يتساءلون عن المجرمين } قال مقاتل: إذا خرج أهل التوحيد ~~من ms2071 النار قال المؤمنون لمن بقي في النار: { ما سلككم في سقر؟ } قال ~~المفسرون: سلككم بمعنى: أدخلكم. وقال مقاتل: ما حبسكم فيها؟ { قالوا لم ~~نك من المصلين } لله في دار الدنيا { ولم نك نطعم المسكين } أي: لم ~~نتصدق لله { وكنا نخوض مع الخائضين } أهل الباطل والتكذيب { وكنا ~~نكذب بيوم الدين } أي: بيوم الجزاء والحساب { حتى أتانا اليقين } وهو ~~الموت. يقول الله تعالى: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } وهذا إنما جرى ~~بعد شفاعة الأنبياء والملائكة والشهداء والمؤمنين. وهذا يدل على نفع ~~الشفاعة لمن آمن { فما لهم عن التذكرة معرضين؟ } يعني: كفار قريش حين ~~نفروا من القرآن والتذكير بمواعظه. والمعنى: لا شيء لهم في الآخرة إذ ~~أعرضوا عن القرآن فلم يؤمنوا به، ثم شبههم في نفورهم عنه بالحمر، ~~فقال تعالى: { كأنهم حمر مستنفرة } قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن ~~عامر، والمفضل عن عاصم بفتح الفاء. والباقون: بكسرها. قال أبو عبيدة، ~~وابن قتيبة: من قرأ بفتح الفاء أراد: مذعورة، استنفرت فنفرت. ومن قرأ ~~بكسر الفاء أراد: نافرة. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: حمر ~~مستنفرة. وناس من العرب يكسرون الفاء. والفتح أكثر في كلام العرب. ~~وقراءتنا بالكسر. أنشدني الكسائي: # احبس حمارك إنه مستنفر # في إثر أحمرة عمدن لغرب # و«غرب» موضع. # وفي «القسورة» سبعة أقوال. # أحدها: أنه الأسد، رواه يوسف بن مهران، عن ابن عباس. وبه قال أبو هريرة، ~~وزيد بن أسلم، وابنه. قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد ~~هربت منه، فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~هربوا منه، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة، والزجاج. قال ابن قتيبة: كأنه من ~~القسر والقهر، فالأسد يقهر السباع. # والثاني: أن القسورة: الرماة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو موسى ~~الأشعري، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، وابن كيسان. # والثالث: أن القسورة: حبال الصيادين، رواه عكرمة، عن ابن عباس. # والرابع: أنهم عصب الرجال، رواه أبو حمزة عن ابن عباس. واسم أبي ~~حمزة: نصر بن عمران الضبعي. # والخامس: أنه ركز الناس، وهذا في رواية عطاء أيضا عن ms2072 ابن عباس. # وركز الناس: حسهم وأصواتهم. # والسادس: أنه الظلمة والليل، قاله عكرمة. # والسابع: أنه النبل، قاله قتادة. # قوله تعالى: { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } ~~فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك، ~~فليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله تعالى إلى فلان بن فلان ~~يؤمر فيه باتباعك، قاله الجمهور. # والثاني: أنهم أرادوا براءة من النار أن لا يعذبوا بها، قاله أبو ~~صالح. # والثالث: أنهم قالوا: كان الرجل إذا أذنب في بني إسرائيل وجده مكتوبا ~~إذا أصبح في رقعة. فما بالنا لا نرى ذلك؟ فنزلت هذه الآية، قاله الفراء. ~~فقال الله تعالى: { كلا } أي: لا يؤتون الصحف { بل لا يخافون الآخرة ~~} أي: لا يخشون عذابها. والمعنى: أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا ~~الآيات بعد قيام الدلالة { كلا } أي: حقا. وقيل: معنى { كلا } ليس ~~الأمر كما يريدون ويقولون { إنه تذكرة } أي: تذكير وموعظة { فمن شاء ~~ذكره } الهاء عائدة على القرآن فالمعنى: فمن شاء أن يذكر القرآن ويتعظ ~~به ويفهمه، ذكره. ثم رد المشيئة إلى نفسه فقال تعالى: { وما يذكرون إلا ~~أن يشاء الله } أي: إلا أن يريد لهم الهدى { هو أهل التقوى } أي: أهل أن ~~يتقى { وأهل المغفرة } أي: أهل أن يغفر لمن تاب. روى أنس عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية، فقال: قال ربكم عز وجل: أنا ~~أهل أن أتقى، فلا يشرك بي غيري. وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي غيري أن ~~أغفر له. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-15] # قوله تعالى: { لا أقسم } اتفقوا على أن المعنى «أقسم» واختلفوا في «لا» ~~فجعلها بعضهم زائدة، كقوله تعالى: # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] وجعلها بعضهم ردا على منكري البعث. ويدل عليه أنه «أقسم» ~~على كون البعث. قال ابن قتيبة: زيدت «لا» على نية الرد على المكذبين، كما ~~تقول: لا والله ما ذاك، ولو حذفت جاز، ولكنه أبلغ في الرد. وقرأ ابن كثير ~~إلا ابن ms2073 فليح «لأقسم» بغير ألف بعد اللام، فجعلت لاما دخلت على «أقسم»، ~~وهي قراءة ابن عباس، وأبي عبد الرحمن، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وابن ~~محيصن، قال الزجاج: من قرأ «لأقسم» فاللام لام القسم والتوكيد. وهذه ~~القراءة بعيدة في العربية، لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا ~~مع النون، تقول: لأضربن زيدا. ولا يجوز: لأضرب زيدا. # قوله تعالى: { ولا أقسم بالنفس اللوامة } قال الحسن: أقسم ~~بالأولى ولم يقسم بالثانية. وقال قتادة: حكمها حكم الأولى. # وفي «النفس اللوامة» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها المذمومة، قاله ابن عباس. فعلى هذا: هي التي تلوم نفسها حين ~~لا ينفعها اللوم. # والثاني: أنها النفس المؤمنة، قاله الحسن. قال: لا يرى المؤمن إلا يلوم ~~نفسه على كل حال. # والثالث: أنها جميع النفوس. قال الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة ~~إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرا. قال: هلا زدت. وإن كانت عملت ~~سوءا قال: ليتني لم أفعل. # قوله تعالى: { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } المراد بالإنسان هاهنا: ~~الكافر. وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. وقال مقاتل: عدي بن ربيعة، وذلك ~~أنه قال: أيجمع الله هذه العظام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: ~~«نعم»، فاستهزأ منه فنزلت هذه الآية. قال ابن الأنباري: وجواب القسم ~~محذوف، كأنه: لتبعثن، لتحاسبن، فدل قوله تعالى: «أيحسب ~~الإنسان أن لن نجمع عظامه» على الجواب، فحذف. # قوله تعالى: { بلى } وقف حسن. ثم يبتدأ «قادرين» على معنى: بلى نجمعها ~~قادرين. ويصلح نصب «قادرين» على التكرير بل فليحسبنا قادرين { على ~~أن نسوي بنانه } وفيه قولان. # أحدهما: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير، وحافر ~~الحمار، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة، كالكتابة والخياطة، هذا قول ~~الجمهور. # والثاني: نقدر على أن نسوي بنانه كما كانت، وإن صغرت عظامها، ومن قدر ~~على جمع صغار العظام، كان على جمع كبارها أقدر، هذا قول ابن قتيبة، ~~والزجاج. وقد بينا معنى البنان في [الأنفال: 12]. # قوله تعالى: { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } فيه قولان. # أحدهما: يكذب بما أمامه من ms2074 البعث والحساب، قاله ابن عباس. # والثاني: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، ويقول: سوف أتوب، قاله سعيد بن ~~جبير. فعلى هذا: يكون المراد بالإنسان: المسلم. # وعلى الأول: الكافر. # قوله تعالى: { يسأل أيان يوم القيامة } أي: متى هو؟ تكذيبا به، وهذا هو ~~الكافر { فإذا برق البصر } قرأ أهل المدينة، وأبان عن عاصم «برق» بفتح ~~الراء، والباقون بكسرها. قال الفراء: العرب تقول: برق البصر يبرق، ~~وبرق يبرق، إذا رأى هولا يفزع منه، و«برق» أكثر وأجود قال الشاعر: # فنفسك فانع ولا تنعني # وداو الكلوم ولا تبرق # بالفتح. يقول: لا تفزع من هول الجراح التي بك. قال المفسرون: يشخص بصر ~~الكافر يوم القيامة، فلا يطرف لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها ~~في الدنيا، وقال مجاهد: برق البصر عند الموت. # قوله تعالى: { وخسف القمر } قال أبو عبيدة: كسف وخسف بمعنى واحد، ~~أي: ذهب ضوؤه. # قوله تعالى: { وجمع الشمس والقمر } إنما قال «جمع» لتذكير القمر، ~~هذا قول أبي عبيدة. وقال الفراء: إنما لم يقل: جمعت، لأن المعنى: جمع ~~بينهما. وفي معنى الآية قولان. # أحدهما: جمع بين ذاتيهما. وقال ابن مسعود: جمعا كالبعيرين القرينين. ~~وقال عطاء بن يسار: يجمعان ثم يقذفان في البحر. وقيل: يقذفان ~~في النار. وقيل: يجمعان، فيطلعان من المغرب. # والثاني: جمع بينهما في ذهاب نورهما، قاله الفراء، والزجاج. # قوله تعالى: { يقول الإنسان } يعني: المكذب بيوم القيامة { أين المفر ~~} قرأ الجمهور بفتح الميم، والفاء، وقرأ ابن عباس، ومعاوية، وأبو رزين، ~~وأبو عبد الرحمن، والحسن، وعكرمة، والضحاك، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: ~~بكسر الفاء قال الزجاج: فمن فتح، فالمعنى: أين الفرار؟ ومن كسر، فالمعنى: ~~أين مكان الفرار؟ تقول: جلست مجلسا بالفتح، يعني: جلوسا. فإذا قلت: ~~مجلسا بالكسر، فأنت تريد المكان. # قوله تعالى: { كلا لا وزر } قال ابن قتيبة: لا ملجأ. وأصل الوزر: الجبل. ~~الذي يمتنع فيه { إلى ربك يومئذ المستقر } أي: المنتهى والمرجع. # { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } فيه ستة أقوال. # أحدها: بما قدم قبل موته، وما سن من شيء فعمل به بعد موته، قاله ms2075 ~~ابن مسعود، وابن عباس. # والثاني: ينبأ بأول عمله وآخره، قاله مجاهد. # والثالث: بما قدم من الشر وأخر من الخير، قاله عكرمة. # والرابع: بما قدم من فرض، وأخر من فرض، قاله الضحاك. # والخامس: بما قدم من معصية، وأخر من طاعة. # والسادس: بما قدم من أمواله، وما خلف للورثة، قاله زيد بن أسلم. # قوله تعالى: { بل الإنسان على نفسه بصيرة } قال الفراء: المعنى: بل على ~~الإنسان من نفسه بصيرة، أي: رقباء يشهدون عليه بعمله، وهي: الجوارح. قال ~~ابن قتيبة: فلما كانت جوارحه منه، أقامها مقامه. وقال أبو عبيدة: جاءت ~~الهاء في «بصيرة» في صفة الذكر، كما جاءت في رجل «راوية»، و«طاغية»، ~~وعلامة. # قوله تعالى: { ولو ألقى معاذيره } في المعاذير قولان. # أحدهما: أنه جمع عذر، فالمعنى: لو اعتذر، وجادل عن نفسه، فعليه من ~~يكذب عذره، وهي: الجوارح، وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أن المعاذير جمع معذار، وهو: الستر. والمعاذير: الستور. ~~فالمعنى: ولو أرخى ستوره، هذا قول الضحاك، والسدي، والزجاج، فيخرج في ~~معنى «ألقى» قولان. # أحدهما: قال، ومنه # فألقوا إليهم القول # [النحل: 36]، وهذا على القول الأول: # والثاني: أرخى، وهذا على القول الثاني. ### || [75.16-25] # قوله تعالى: { لا تحرك به لسانك } روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان يشتد عليه ~~حفظه، وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من ~~قراءة الوحي، مخافة أن لا يحفظه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعناها: ~~لا تحرك بالقرآن لسانك لتعجل بأخذه { إن علينا جمعه وقرآنه } قال ابن ~~قتيبة: أي: ضمه وجمعه في صدرك { فإذا قرأناه } أي: جمعناه { فاتبع ~~قرآنه } أي: جمعه. قال المفسرون: يعني: اقرأ إذا فرغ جبريل من قراءته. ~~قال ابن عباس: فاتبع قرآنه، أي: اعمل به. وقال قتادة: فاتبع حلاله ~~وحرامه { ثم إن علينا بيانه } فيه أربعة أقوال. # أحدها: نبينه بلسانك، فتقرؤه كما أقرأك جبريل. وكان إذا أتاه جبريل ~~أطرق، فإذا ذهب، قرأه كما وعده الله، قاله ابن عباس. # والثاني: إن علينا أن ms2076 نجزي به يوم القيامة بما فيه من وعد ووعيد، قاله ~~الحسن. # والثالث: إن علينا بيان ما فيه من الأحكام، والحلال، والحرام، قاله ~~قتادة. # والرابع: علينا أن ننزله قرآنا عربيا، فيه بيان للناس، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { كلا } قال عطاء: أي: لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه، ~~وقال ابن جرير: المعنى: ليس الأمر كما تقولون من أنكم لا تبعثون، ~~ولكن دعاكم إلى قيل ذلك محبتكم للعاجلة. # قوله تعالى: { بل تحبون العاجلة } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «بل يحبون ~~العاجلة ويذرون» بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. والمراد: كفار ~~مكة، يحبونها ويعملون لها «ويذرون الآخرة» أي: يتركون العمل لها إيثارا ~~للدنيا عليها. # قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة } أي: مشرقة بالنعيم { إلى ربها ناظرة } ~~روى عطاء عن ابن عباس قال: إلى الله ناظرة. قال الحسن: حق لها أن تنضر ~~وهي تنظر إلى الخالق، وهذا مذهب عكرمة. ورؤية الله عز وجل حق لا شك فيها. ~~والأحاديث فيها صحاح، قد ذكرت جملة منها في «المغني» و«الحدائق». # قوله تعالى: { ووجوه يومئذ باسرة } قال ابن قتيبة: أي: عابسة مقطبة. # قوله تعالى: { تظن } قال الفراء: أي: تعلم، و«الفاقرة» الداهية. قال ابن ~~قتيبة: إنه من فقارة الظهر، كأنها تكسره، يقال فقرت الرجل: إذا ~~كسرت فقاره، كما يقال: رأسته: إذا ضربت رأسه. وبطنته: إذا ~~ضربت بطنه. قال ابن زيد: والفاقرة: دخول النار. قال ابن السائب: ~~هي أن تحجب عن ربها، فلا تنظر إليه. ### || [75.26-40] # قوله تعالى: { كلا } قال الزجاج: «كلا» ردع وتنبيه. المعنى: ارتدعوا ~~عما يؤدي إلى العذاب. وقال غيره: معنى «كلا»: لا يؤمن الكافر بهذا. # قوله تعالى: { إذا بلغت } يعني: النفس. وهذه كناية عن غير مذكور. ~~و«التراقي» العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال. وواحدة ~~التراقي: ترقوة، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، { ~~وقيل من راق } فيه قولان. # أحدهما: أنه قول الملائكة بعضهم لبعض: من يرقى روحه، ملائكة الرحمة، أو ~~ملائكة العذاب؟ رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، ~~ومقاتل. # والثاني: أنه قول أهله: ms2077 هل من راق يرقيه بالرقى؟ وهو مروي عن ~~ابن عباس أيضا، وبه قال عكرمة، والضحاك، وأبو قلابة، وقتادة، وابن زيد، ~~وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. # قوله تعالى: { وظن } أي: أيقن الذي بلغت روحه التراقي { أنه الفراق } ~~للدنيا { والتفت الساق بالساق } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أمر الدنيا بأمر الآخرة، رواه الوالبي عن ابن عباس: وبه قال ~~مقاتل. # والثاني: اجتمع فيه الحياة والموت، قاله الحسن، وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: التفت ساقاه في الكفن، قاله سعيد بن المسيب. # والرابع: التفت ساقاه عند الموت، قاله الشعبي. # والخامس: الشدة بالشدة، قاله قتادة. قال الزجاج: آخر شدة الدنيا بأول ~~شدة الآخرة. # قوله تعالى: { إلى ربك يومئذ المساق } أي: إلى الله المنتهى { فلا صدق ~~ولا صلى } قال أبو عبيدة: «لا» هاهنا في موضع «لم». قال المفسرون: هو ~~أبو جهل { ولكن كذب وتولى } عن الإيمان { ثم ذهب إلى أهله يتمطى } ~~أي: رجع إليهم يتبختر ويختال. قال الفراء «يتمطى» أي يتبختر، لأن الظهر ~~هو المطا، فيلوي ظهره متبخترا. وقال ابن قتيبة: أصله يتمطط، فقلبت ~~الطاء فيه ياء، كما قيل: يتظنى، وأصله: يتظنن، ومنه المشية ~~المطيطاء. وأصل الطاء في هذا كله دال. إنما هو مد يده في المشي إذا ~~تبختر. يقال: مططت ومددت بمعنى. # قوله تعالى: { أولى لك فأولى } قال ابن قتيبة: هو تهديد ووعيد. وقال ~~الزجاج: العرب تقول: أولى لفلان: إذا دعت عليه بالمكروه، ومعناه: وليك ~~المكروه يا أبا جهل. # قوله تعالى: { أيحسب الإنسان } يعني: أبا جهل { أن يترك سدى } قال ~~ابن قتيبة: أي: يهمل فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعاقب، يقال: أسديت الشيء، ~~أي: أهملته. ثم دل على البعث بقوله تعالى: { ألم يك نطفة من مني ~~يمنى } قرأ أبن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائي وأبو بكر عن عاصم ~~«تمنى» بالتاء. وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم، ويعقوب «يمنى» ~~بالياء. وعن أبي عمرو كالقراءتين. وقد شرحنا هذا في [النجم: 24] { ثم كان ~~علقة } بعد النطفة { فخلق } فيه الروح، وسوى خلقه { فجعل منه } ~~أي: خلق من مائه أولادا ذكورا وإناثا { أليس ذلك ms2078 } الذي فعل هذا { ~~بقادر؟ } وقرأ أبو بكر الصديق، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري «يقدر» { على ~~أن يحيي الموتى؟! } وهذا تقرير لهم، أي: إن من قدر على الابتداء قدر ~~على الإعادة. قال ابن عباس: إذا قرأ أحدكم هذه الآية، فليقل: اللهم بلى. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-3] # قوله تعالى: { هل أتى } قال الفراء: معناه: قد أتى. و«هل» تكون خبرا، ~~وتكون جحدا، فهذا من الخبر، لأنك تقول: هل وعظتك؟ هل أعطيتك؟ فتقرره ~~بأنك قد فعلت ذلك. والجحد، أن تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا؟ وهذا قول ~~المفسرين، وأهل اللغة. وفي هذا الإنسان قولان. # أحدهما: أنه آدم عليه السلام. والحين. الذي أتى عليه: أربعون سنة، وكان ~~مصورا من طين لم ينفخ فيه الروح، هذا قول الجمهور. # والثاني: أنه جميع الناس، روي عن ابن عباس، وابن جريج، فعلى هذا يكون ~~الإنسان اسم جنس، ويكون الحين زمان كونه نطفة، وعلقة، ومضغة. # قوله تعالى: { لم يكن شيئا مذكورا } المعنى: أنه كان شيئا، غير أنه ~~لم يكن مذكورا. # قوله تعالى: { إنا خلقنا الإنسان } يعني: ولد آدم { من نطفة أمشاج } ~~قال ابن قتيبة: أي: أخلاط. يقال: مشجته، فهو مشيج، يريد: اختلاط ماء ~~المرأة بماء الرجل. # قوله تعالى: { نبتليه } قال الفراء: هذا مقدم، ومعناه التأخير، لأن ~~المعنى: خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. قال الزجاج: المعنى: ~~جعلناه كذلك لنختبره. وقوله تعالى: { إنا هديناه السبيل } أي: بينا ~~له سبيل الهدى بنصب الأدلة، وبعث الرسول { إما شاكرا } أي: خلقناه إما ~~شاكرا { وإما كفورا } قال الفراء: بينا له الطريق إن شكر، أو كفر. ### || [76.4-31] # قوله تعالى: { إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا } قرأ ابن كثير، وابن عامر، ~~وحمزة: «سلاسل» بغير تنوين ووقفوا بألف. ووقف أبو عمرو بألف. قال مكي بن ~~أبي طالب النحوي: «سلاسل» و «قوارير» أصله أن لا ينصرف، ومن صرفه من ~~القراء، فإنها لغة لبعض العرب. وقيل: إنما صرفه لأنه وقع في المصحف ~~بالألف، فصرفه لاتباع خط المصحف. قال مقاتل: السلاسل في أعناقهم، ~~والأغلال في أيديهم. وقد شرحنا معنى «السعير» في [النساء: 10]. # قوله تعالى: ms2079 { إن الأبرار } واحدهم بر، وبار، وهم الصادقون. وقيل: ~~المطيعون. وقال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر { يشربون من كأس } أي: ~~من إناء فيه شراب { كان مزاجها } يعني: مزاج الكأس { كافورا } وفيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الكافور المعروف، قاله مجاهد، ومقاتل، فعلى هذا في المراد ~~«بالكافور» ثلاثة أقوال. # أحدها: برده، قاله الحسن. والثاني: ريحه، قاله قتادة. والثالث: طعمه، ~~قاله السدي. # والثاني: أنه اسم عين في الجنة، قاله عطاء، وابن السائب. # والثالث: أن المعنى: مزاجها كالكافور لطيب ريحه، أجازه الفراء، والزجاج. # قوله تعالى: { عينا } قال الفراء: هي المفسرة للكافور، وقال الأخفش: هي ~~منصوبة على معنى: أعني عينا. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من ~~عين، { يشرب بها } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: يشرب منها. والثاني: يشربها، والباء صلة. والثالث: يشرب بها عباد ~~الله الخمر يمزجونها بها. وفي هذه العين قولان. # أحدهما: أنها الكافور الذي سبق ذكره. # والثاني: التسنيم، و { عباد الله } هاهنا: أولياؤه { يفجرونها تفجيرا ~~} قال مجاهد: يقودونها إلى حيث شاؤوا من الجنة. قال الفراء: حيث ما أحب ~~الرجل من أهل الجنة فجرها لنفسه. # قوله تعالى: { يوفون بالنذر } قال الفراء: فيه إضمار «كانوا» يوفون ~~بالنذر. وفيه قولان. # أحدهما: يوفون بالنذر إذا نذروا في طاعة الله، قاله مجاهد، وعكرمة. # والثاني: يوفون بما فرض الله عليهم، قاله قتادة. ومعنى «النذر» في ~~اللغة: الإيجاب. فالمعنى: يوفون بالواجب عليهم { ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا } قال ابن عباس: فاشيا. وقال ابن قتيبة: فاشيا منتشرا. يقال: ~~استطار الحريق: إذا انتشر، واستطار الفجر: إذا انتشر الضوء. وأنشدوا ~~للأعشى: # فبانت وقد أسأرت في الفؤا # د صدعا على نأيها مستطيرا # وقال مقاتل: كان شره فاشيا في السموات، فانشقت، وتناثرت الكواكب، ~~وفزعت الملائكة، وكورت الشمس والقمر في الأرض، ونسفت الجبال، ~~وغارت المياه، وتكسر كل شيء على وجه الأرض من جبل، وبناء، وفشا ~~شر يوم القيامة فيهما. # قوله تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه } اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين. # أحدهما: نزلت في علي بن أبي طالب. آجر نفسه ليسقي نخلا بشيء من شعير ~~ليلة حتى ms2080 أصبح. فلما قبض الشعير طحن ثلثه، وأصلحوا منه شيئا يأكلونه، ~~فلما استوى أتى مسكين، فأخرجوه إليه، ثم عمل الثلث الثاني، فلما تم أتى ~~يتيم، فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلما استوى جاء أسير من المشركين، ~~فأطعموه وطووا يومهم ذلك، فنزلت هذه الآيات، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري صام يوما، فلما أراد أن ~~يفطر جاء مسكين، ويتيم، وأسير، فأطعمهم ثلاثة أرغفة، وبقي له ولأهله رغيف ~~واحد، فنزلت فيهم هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي هاء الكناية في قوله تعالى «على حبه» قولان. # أحدهما: ترجع إلى الطعام، فكأنهم كانوا يؤثرون وهم محتاجون إليه، ~~وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والزجاج، والجمهور. # والثاني: ترجع إلى الله تعالى، قاله الداراني. وقد سبق معنى «المسكين ~~واليتيم» [البقرة: 83]. وفي الأسير أربعة أقوال. # أحدها: أنه المسجون من أهل القبلة، قاله عطاء، ومجاهد، وابن جبير. # والثاني: أنه الأسير المشرك، قاله الحسن، وقتادة. # والثالث: المرأة، قاله أبو حمزة الثمالي. # والرابع: العبد، ذكره الماوردي. # فصل # وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية تضمنت مدحهم على إطعام الأسير ~~المشرك. قال: وهذا منسوخ بآية السيف. وليس هذا القول بشيء، فإن في إطعام ~~الأسير المشرك ثوابا، وهذا محمول على صدقة التطوع. فأما الفرض فلا يجوز ~~صرفه إلى الكفار، ذكره القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: { إنما نطعمكم لوجه الله } أي: لطلب ثواب الله. قال مجاهد، ~~وابن جبير: أما إنهم ما تكلموا بهذا، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به ~~عليهم ليرغب في ذلك راغب. # قوله تعالى: { لا نريد منكم جزاء } أي: بالفعل { ولا شكورا } بالقول { ~~إنا نخاف من ربنا يوما } أي: ما في يوم { عبوسا } قال ابن قتيبة: أي: ~~تعبس فيه الوجوه، فجعله من صفة اليوم، كقوله تعالى: # في يوم عاصف # [إبراهيم: 18]، أراد: عاصف الريح. فأما «القمطرير» فروى ابن أبي طلحة، ~~عن ابن عباس: أنه الطويل. وروى عنه العوفي أنه قال: هو الذي يقبض فيه ~~الرجل ما بين عينيه. فعلى هذا يكون اليوم موصوفا بما يجري فيه، كما قلنا ms2081 ~~في «العبوس» لأن اليوم لا يوصف بتقبيض ما بين العينين. وقال مجاهد، ~~وقتادة: «القمطرير» الذي يقلص الوجوه، ويقبض الحياة، وما بين الأعين من ~~شدته. وقال الفراء: هو الشديد. يقال يوم قمطرير، ويوم قماطر. وأنشدني ~~بعضهم: # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا # عليكم إذا ما كان يوم قماطر # وقال أبو عبيدة: العبوس، والقمطرير، والقماطر، والعصيب، والعصبصب: ~~أشد ما يكون من الأيام، وأطوله في البلاء. # قوله تعالى: { فوقاهم الله شر ذلك اليوم } بطاعتهم في الدنيا { ~~ولقاهم نضرة } أي: حسنا وبياضا في الوجوه { وسرورا } لا ~~انقطاع له. وقال الحسن: النضرة في الوجوه. والسرور في القلوب { ~~وجزاهم بما صبروا } على طاعته، وعن معصيته { جنة وحريرا } وهو لباس ~~أهل الجنة { متكئين فيها } قال الزجاج: هو منصوب على الحال، أي: جزاهم ~~جنة في حال اتكائهم فيها، وقد شرحنا هذا في [الكهف: 31]. # قوله تعالى: { لا يرون فيها شمسا } فيؤذيهم حرها { ولا ~~زمهريرا } وهو البرد الشديد. والمعنى: لا يجدون فيها الحر والبرد. ~~وحكي عن ثعلب أنه قال: الزمهرير: القمر، وأنشد: # وليلة ظلامها قد اعتكر # قطعتها والزمهرير ما زهر # أي: لم يطلع القمر. # قوله تعالى: { ودانية } قال الفراء: المعنى: وجزاهم جنة، ودانية عليهم ~~ظلالها، أي: قريبة منهم ظلال أشجارها { وذللت قطوفها تذليلا } قال ~~ابن عباس: إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت إليه حتى يتناول ما ~~يريد. وقال غيره: قربت إليهم مذللة كيف شاؤوا، فهم يتناولونها ~~قياما، وقعودا، ومضطجعين، فهو كقوله تعالى # قطوفها دانية # [الحاقة: 23]. فأما «الأكواب» فقد شرحناها في [الزخرف: 71] { كانت ~~قواريرا } أي: تلك الأكواب هي قوارير، ولكنها من فضة، قال ابن عباس: لو ~~ضربت فضة الدنيا حتى جعلتها مثل جناح الذباب، لم ير الماء من ~~ورائها، وقوارير الجنة من فضة في صفاء القارورة. وقال الفراء، وابن ~~قتيبة: هذا على التشبيه، المعنى: كأنها من فضة، أي: لها بياض كبياض الفضة ~~وصفاء كصفاء القوارير. وكان نافع، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: يقرؤون ~~«قواريرا قواريرا» فيصلونهما جميعا بالتنوين. ويقفون عليهما ~~بالألف. وكان ابن عامر وحمزة يصلانهما جميعا بغير تنوين، ويقفان ~~عليهما ms2082 بغير ألف. وكان ابن كثير يصل الأول بالتنوين، ويقف عليه بالألف، ~~ويصل الثاني بغير تنوين، ويقف بغير ألف. وروى حفص عن عاصم أنه كان ~~يقرأ «سلاسل» و «قوارير قوارير» يصل الثلاثة بغير تنوين، ويقف على ~~الثلاثة بالألف. وكان أبو عمرو يقرأ الأول «قواريرا» فيقف عليه بالألف، ~~ويصل بغير تنوين. وقال الزجاج: الاختيار عند النحويين أن لا يصرف ~~«قوارير» لأن كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان لا ينصرف. ومن قرأ «قواريرا» ~~يصرف الأول علامة رأس آية، وترك صرف الثاني لأنه ليس بآخر آية. ومن صرف ~~الثاني: أتبع اللفظ اللفظ، لأن العرب ربما قلبت إعراب الشيء لتتبع ~~اللفظ اللفظ، كما قالوا: جحر ضب خرب. وإنما الخرب من نعت ~~الجحر. # قوله تعالى: { قدروها تقديرا } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~عمران، والجحدري، وابن يعمر «قدروها» برفع القاف، وكسر الدال، ~~وتشديدها. وقرأ حميد، وعمرو بن دينار، «قدروها» بفتح القاف، والدال، ~~وتخفيفها. # ثم في معنى الآية قولان. # أحدهما: قدروها في أنفسهم، فجاءت على ما قدروا، قاله الحسن. ~~وقال الزجاج: جعل الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه على ~~تقديرهم. # والثاني: قدروها على مقدار لا يزيد ولا ينقص، قاله مجاهد. وقال ~~غيره: قدر الكأس على قدر ريهم، لا يزيد عن ريهم فيثقل ~~الكف، ولا ينقص منه فيطلب الزيادة، وهذا ألذ الشراب. فعلى هذا القول ~~يكون الضمير في «قدروا» للسقاة والخدم. وعلى الأول للشاربين. # قوله تعالى: { ويسقون فيها } يعني في الجنة { كأسا كان مزاجها ~~زنجبيلا } والعرب تضرب المثل بالزنجبيل، والخمر، ممزوجين. # قال المسيب بن علس يصف فم امرأة: # فكأن طعم الزنجبيل به # إذ ذقته وسلافة الخمر # وقال آخر: # كأن القرنفل والزنجبي # ل باتا بفيها وأريا مشارا # الأري: العسل. والمشار: المستخرج من بيوت، النحل. قال مجاهد: ~~والزنجبيل: اسم العين التي منها شراب الأبرار، وقرأت على شيخنا أبي منصور ~~اللغوي قال: الزنجبيل معرب. وقال الدينوري: ينبت في أرياف ~~عمان، وهي عروق تسري في الأرض، وليس بشجرة تؤكل رطبا. وأجود ما يحمل ~~من بلاد الصين. قال الزجاج: وجائز أن يكون ms2083 فيها طعم الزنجبيل، والكلام ~~فيه كالكلام السابق في الكافور. وقيل: شراب الجنة عل برد الكافور، وطعم ~~الزنجبيل، وريح المسك. # قوله تعالى: { عينا فيها } قال الزجاج: يسقون عينا. وسلسبيل: اسم ~~العين، إلا أنه صرف لأنه رأس آية. وهو في اللغة: صفة لما كان في غاية ~~السلاسة، فكأن العين وصفت وسميت بصفتها. وقرأت على شيخنا أبي منصور ~~اللغوي قال: قوله تعالى: { تسمى سلسبيلا } قيل: هو اسم أعجمي نكرة، ~~فلذلك انصرف. وقيل: هو اسم معرفة، إلا أنه أجري، لأنه رأس آية. وعن ~~مجاهد، قال: حديدة الجرية. وقيل: سلسبيل سلس ماؤها، مستقيد لهم. وقال ابن ~~الأنباري: السلسبيل صفة للماء. لسلسه وسهولة مدخله في الحلق. يقال: ~~شراب سلسل، وسلسال، وسلسبيل. وحكى الماوردي: أن عليا قال: ~~المعنى: سل سبيلا إليها، ولا يصح. # قوله تعالى: { ويطوف عليهم ولدان مخلدون } قد سبق بيانه [الواقعة: 17] ~~{ إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } أي: في بياض اللؤلؤ ~~وحسنه، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه منظرا. ~~وإنما شبهوا باللؤلؤ المنثور، لانتشارهم في الخدمة. ولو كانوا صفا ~~لشبهوه بالمنظوم. { وإذا رأيت ثم } يعني: الجنة { رأيت نعيما } ~~لا يوصف و { ملكا كبيرا } أي: عظيما واسعا لا يريدون شيئا إلا ~~قدروا عليه، ولا يدخل عليهم ملك إلا باستئذان. # قوله تعالى: { عاليهم } قرأ أهل المدينة، وحمزة، والمفضل عن عاصم ~~بإسكان الياء، وكسر الهاء. وقرأ الباقون بفتح الياء، إلا أن الجعفي، عن ~~أبي بكر قرأ «عاليتهم» بزيادة تاء مضمومة. وقرأ أنس بن مالك، ~~ومجاهد، وقتادة، «عليهم» بفتح اللام، وإسكان الياء من غير تاء، ولا ~~ألف. # قال الزجاج: فأما تفسير إعراب «عاليهم» بإسكان الياء، فيكون رفعه ~~بالابتداء. ويكون الخبر { ثياب سندس } وأما «عاليهم» بفتح الياء ~~فنصبه على الحال من شيئين، أحدهما من الهاء والميم. والمعنى: يطوف على ~~الأبرار ولدان مخلدون عاليا للأبرار ثياب سندس، لأنه وصف ~~أحوالهم في الجنة، فيكون المعنى: يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء. ويجوز ~~أن يكون حالا من الولدان. المعنى إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا في حال علو الثياب. وأما «عاليتهم» ms2084 فقد قرئت بالرفع ~~وبالنصب. وهما وجهان جيدان في العربية، إلا أنهما يخالفان المصحف. # فلا أرى القراءة بهما، وتفسيرها كتفسير «عاليهم». # قوله تعالى: { ثياب سندس خضر } قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، «خضر» ~~رفعا «وإستبرق» خفضا. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم «خضر» ~~خفضا «وإستبرق» رفعا. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم «خضر وإستبرق» ~~كلاهما بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، «خضر وإستبرق» كلاهما بالخفض. ~~قال الزجاج: من قرأ «خضر» بالرفع فهو نعت الثياب، ولفظ الثياب لفظ ~~الجمع. ومن قرأ «خضر» فهو من نعت السندس، والسندس في المعنى راجع إلى ~~الثياب. ومن قرأ «وإستبرق» فهو نسق على «ثياب» المعنى: وعليهم ~~إستبرق. ومن خفض، عطفه على السندس، فيكون المعنى: عليهم ثياب من هذين ~~النوعين وقد بينا في [الكهف: 31] معنى السندس، والإستبرق، والأساور. # قوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } فيه قولان. # أحدهما: لا يحدثون ولا يبولون عن شرب خمر الجنة، قاله ~~عطية. # والثاني: لأن خمر الجنة طاهرة، وليست بنجسة كخمر الدنيا، قاله ~~الفراء. وقال أبو قلابة: يؤتون بعد الطعام بالشراب الطهور ~~فيشربون فتضمر بذلك بطونهم، ويفيض من جلودهم عرق مثل ريح المسك. # قوله تعالى: { إن هذا } يعني: ما وصف من نعيم الجنة { كان لكم جزاء } ~~بأعمالكم { وكان سعيكم } أي: عملكم في الدنيا بطاعته { مشكورا } قال ~~عطاء: يريد شكرتكم عليه، وأثبتكم أفضل الثواب { إنا نحن نزلنا ~~عليك القرآن تنزيلا } أي: فضلناه في الإنزال، فلم ننزله جملة ~~واحدة { فاصبر لحكم ربك } وقد سبق بيانه في مواضع [الطور: 48، والقلم: ~~48]. والمفسرون يقولون: هذا منسوخ بآية السيف، ولا يصح، { ولا تطع ~~منهم } أي: من مشركي أهل مكة { آثما أو كفورا } «أو» بمعنى: الواو، ~~كقوله تعالى: # أو الحوايا # [الأنعام: 146] وقد سبق هذا وللمفسرين في المراد بالآثم والكفور ثلاثة ~~أقوال. # أحدها: أنهما صفتان لأبي جهل. # والثاني: أن الآثم: عتبة بن ربيعة، والكفور: الوليد بن المغيرة. # والثالث: الآثم: الوليد. والكفور: عتبة. وذلك أنهما قالا له: ارجع عن ~~هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج. { واذكر اسم ربك } أي: اذكره ~~بالتوحيد في الصلاة { بكرة } يعني: الفجر ms2085 { وأصيلا } يعني: العصر. ~~وبعضهم يقول: صلاة الظهر والعصر { ومن الليل فاسجد له } يعني: المغرب ~~والعشاء. وسبحه { ليلا طويلا } وهي: صلاة الليل، كانت فريضة عليه، ~~وهي لأمته تطوع { إن هؤلاء } يعني: كفار مكة { يحبون ~~العاجلة } أي: الدار العاجلة، وهي: الدنيا { ويذرون وراءهم } أي: ~~أمامهم { يوما ثقيلا } أي: عسيرا شديدا. والمعنى: أنهم يتركون ~~الإيمان به، والعمل له. ثم ذكر قدرته، فقال تعالى: { نحن خلقناهم ~~وشددنا أسرهم } أي: خلقهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والفراء، ~~وابن قتيبة، والزجاج. قال ابن قتيبة: يقال امرأة حسنة الأسر. أي: ~~حسنة الخلق، كأنها أسرت، أي: شدت. وأصل هذا من الإسار، ~~وهو: القد. [الذي تشد به الأقتاب] يقال: ما أحسن ما أسر قتبه، ~~أي: ما أحسن ما شده [بالقد]. # وروي عن أبي هريرة قال: مفاصلهم. وعن الحسن قال: أوصالهم بعضها إلى بعض ~~بالعروق والعصب { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم } أي: إن شئنا أهلكناهم ~~وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلا منهم { إن هذه تذكرة } قد شرحنا الآية ~~في [المزمل: 19]. # قوله تعالى: { وما تشاؤون } إيجاد السبيل { إلا أن يشاء الله } ذلك لكم. ~~وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، «وما يشاؤون» بالياء. # قوله تعالى: { يدخل من يشاء في رحمته } قال المفسرون: الرحمة: ~~هاهنا الجنة { والظالمين } المشركون. قال أبو عبيدة: نصب «الظالمين» ~~بالجوار. المعنى: ولا يدخل الظالمين في رحمته. وقال الزجاج: إنما نصب ~~«الظالمين»، لأن قبله منصوبا. المعنى: يدخل من يشاء في رحمته، ويعذب ~~الظالمين. ويكون قوله تعالى: { أعد لهم } تفسيرا لهذا المضمر، وقرأ ~~أبو العالية، وأبو الجوزاء، وابن أبي عبلة، «والظالمون» رفعا. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-50] # قوله تعالى: { والمرسلات عرفا } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنها الرياح يتبع بعضها بعضا، رواه أبو العبيدين، عن ~~ابن مسعود، والعوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه، رواه ~~مسروق عن ابن مسعود، وبه قال أبو هريرة، ومقاتل. وقال الفراء: هي ~~الملائكة. # فأما قوله تعالى: «عرفا» فيقال: أرسلت بالمعروف، ويقال: ~~تتابعت كعرف الفرس. والعرب تقول: يركب الناس إلى فلان عرفا ms2086 ~~واحدا: إذا توجهوا إليه فأكثروا. قال ابن قتيبة: يريد أن الملائكة ~~متتابعة بما ترسل به. وأصله من عرف الفرس، لأنه سطر مستو بعضه في ~~إثر بعض، فاستعير للقوم يتبع بعضهم بعضا. # والثالث: أنهم الرسل بما يعرفون به من المعجزات، وهذا معنى قول أبي ~~صالح، ذكره الزجاج. # والرابع: الملائكة والريح، قاله أبو عبيدة. قال: ومعنى «عرفا»: يتبع ~~بعضها بعضا. يقال: جاؤوني عرفا. وفي { العاصفات } قولان. # أحدهما: أنها الرياح الشديدة الهبوب، قاله الجمهور. # والثاني: الملائكة، قاله مسلم بن صبيح. قال الزجاج: تعصف بروح الكافر. ~~وفي «الناشرات» خمسة أقوال. # أحدها: أنها الرياح تنشر السحاب، قاله ابن مسعود، والجمهور. # والثاني: الملائكة تنشر الكتب، قاله أبو صالح. # والثالث: الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد، قاله الضحاك. # والرابع: البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح، قاله الربيع. # والخامس: المطر ينشر النبات، حكاه الماوردي. # وفي «الفارقات» أربعة أقوال. # أحدها: الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل، قاله الأكثرون. # والثاني: آي القرآن فرقت بين الحلال والحرام، قاله الحسن، وقتادة، ~~وابن كيسان. # والثالث: الريح تفرق بين السحاب فتبدده، قاله مجاهد. # والرابع: الرسل، حكاه الزجاج. # { فالملقيات ذكرا } قولان. # أحدهما: الملائكة تلقي ما حملت من الوحي إلى الأنبياء، وهذا مذهب ابن ~~عباس، وقتادة، والجمهور. # والثاني: الرسل يلقون ما أنزل عليهم إلى الأمم، قاله قطرب. # قوله تعالى: { عذرا أو نذرا } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم «عذرا» خفيفا «أو نذرا» مثقلا. وقرأ أبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص، وخلف «عذرا أو نذرا» خفيفتان. قال الفراء: ~~وهو مصدر، مثقلا كان أو مخففا. ونصبه على معنى: أرسلت بما أرسلت ~~به إعذارا من الله وإنذارا. وقال الزجاج: المعنى: فالملقيات عذرا ~~أو نذرا. ويجوز أن يكون المعنى: فالملقيات ذكرا للإعذار والإنذار. ~~وهذه المذكورات مجرورات بالقسم. وجواب القسم { إنما توعدون لواقع } ~~قال المفسرون: إن ما توعدون به من أمر الساعة، والبعث، والجزاء ~~لواقع، أي: لكائن. ثم ذكر متى يقع فقال تعالى: { فإذا النجوم طمست } ~~أي: محي نورها { وإذا السماء فرجت } أي: شقت { وإذا الجبال ~~نسفت ms2087 } قال الزجاج: أي: ذهب بها كلها بسرعة. يقال: انتسفت ~~الشيء: إذا أخذته بسرعة. # قوله تعالى: { وإذا الرسل أقتت } قرأ أبو عمر «وقتت» بواو مع ~~تشديد القاف. ووافقه أبو جعفر، إلا أنه خفف القاف. وقرأ الباقون: ~~«أقتت» بألف مكان الواو مع تشديد القاف. قال الزجاج: وقتت ~~وأقتت بمعنى واحد. فمن قرأ «أقتت» بالهمز، فإنه أبدل الهمزة من ~~الواو لانضمام الواو. وكل واو انضمت، وكانت ضمتها لازمة، جاز أن تبدل ~~منها همزة. وقال الفراء: الواو إذا كانت أول حرف، وضمت، همزت. تقول: ~~صلى القوم أحدانا. وهذه أجوه حسان. ومعنى «أقتت»: جمعت لوقتها يوم ~~القيامة. وقال ابن قتيبة: جمعت لوقت، وهو يوم القيامة. وقال الزجاج: جعل ~~لها وقت واحد لفصل القضاء بين الأمة. # قوله تعالى: { لأي يوم أجلت } أي: أخرت. وضرب الأجل ~~لجمعهم، يعجب العباد من هول ذلك اليوم، ثم بينه فقال تعالى: { ليوم ~~الفصل } وهو يوم يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق. ثم عظم ذلك اليوم ~~بقوله: { وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين } بالبعث. ثم أخبر ~~الله تعالى عما فعل بالأمم المكذبة، فقال: { ألم نهلك الأولين } ~~يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم { ثم نتبعهم الآخرين } ~~والقراء على رفع العين في «نتبعهم»، وقد قرأ قوم منهم أبو حيوة بإسكان ~~العين. قال الفراء: «نتبعهم» مرفوعة. ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود ~~«وسنتبعهم الآخرين». ولو جزمت على معنى: ألم نقدر على إهلاك الأولين ~~وإتباعهم الآخرين كان وجها جيدا، وقال الزجاج: الجزم عطف على ~~«نهلك»، ويكون المعنى: لمن أهلك أولا وآخرا. والرفع على معنى: ثم ~~نتبع الأول الآخر من كل مجرم. وقال مقاتل: ثم نتبعهم الآخرين: يعني: ~~كفار مكة حين كذبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جرير: ~~الأولون: قوم نوح، وعاد، وثمود، والآخرون: قوم إبراهيم، ولوط، ~~ومدين. # قوله تعالى: { كذلك } أي: مثل ذلك { نفعل بالمجرمين } يعني: المكذبين. # فإن قيل: ما الفائدة في تكرار قوله تعالى { ويل يومئذ للمكذبين }؟ # فالجواب: أنه أراد بكل آية منها غير ما أراد بالأخرى، لأنه كلما ذكر ms2088 ~~شيئا قال: { ويل يومئذ للمكذبين } بهذا. # قوله تعالى: { ألم نخلقكم } قرأ قالون عن نافع بإظهار القاف. وقرأ ~~الباقون بإدغامها. # قوله تعالى { من ماء مهين } أي: ضعيف { فجعلناه في قرار مكين } يعني: ~~الرحم { إلى قدر معلوم } وهو مدة الحمل { فقدرنا } قرأ أهل ~~المدينة، والكسائي «فقدرنا» بالتشديد. وقرأ الباقون: بالتخفيف. وهل ~~بينهما فرق؟ # فيه قولان. # أحدهما: أنهما لغتنان بمعنى واحد. قال الفراء: تقول العرب: قدر عليه، ~~وقدر عليه. وقد احتج من قرأ بالتخفيف فقال: لو كانت مشددة لقال: فنعم ~~المقدرون، فأجاب الفراء فقال: قد تجمع العرب بين اللغتين كقوله تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق:17] قال الشاعر: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # يقول: ما أنكرت إلا ما يكون في الناس. # والثاني: أن المخففة من القدرة والملك، والمشددة من التقدير ~~والقضاء. ثم بين لهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال تعالى: { ألم نجعل ~~الأرض كفاتا } قال اللغويون: الكفت في اللغة: الضم. والمعنى: أنها تضم ~~أهلها أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها. قال ابن قتيبة: يقال: اكفت ~~هذا إليك، أي: ضمه. وكانوا يسمون بقيع الغرقد: كفتة، لأنه مقبرة يضم ~~الموتى. # وفي قوله تعالى { أحياء وأمواتا } قولان. # أحدهما: أن المعنى: تكفتهم أحياء وأمواتا، قاله الجمهور. قال الفراء: ~~وانتصب الأحياء والأموات بوقوع الكفات عليهم، كأنك قلت: ألم نجعل الأرض ~~كفات أحياء وأموات، فإذا نونت نصبت كما يقرأ # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد:14]. وقال الأخفش انتصب على الحال. # والقول الثاني: أن المعنى: ألم نجعل الأرض أحياء بالنبات والعمارة، ~~وأمواتا بالخراب واليبس، هذا قول، مجاهد، وأبي عبيدة. # قوله تعالى { وجعلنا فيها رواسي } قد سبق بيانه { شامخات } أي: عاليات: ~~{ وأسقيناكم } قد سبق معنى «أسقينا»، [الحجر:22: والجن:16] ومعنى ~~«الفرات» [الفرقان:53، وفاطر:12] والمعنى: أن هذه الأشياء أعجب من البعث. ~~ثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة: { إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } في ~~الدنيا، وهو النار، { انطلقوا إلى ظل } قرأ الجمهور هذه الثانية بكسر ~~اللام على الأمر. وقرأ أبي بن كعب، وأبو عمران، ورويس عن ms2089 يعقوب بفتح ~~اللام على الخبر بالفعل الماضي. قال ابن قتيبة و«الظل» هاهنا: ظل من دخان ~~نار جهنم سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع ~~أن يتشعب، فيقال لهم: كونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب، كما يكون أولياء ~~الله في ظل عرشه، أو حيث شاء من الظل، ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره ~~من الجنة والنار { لا ظليل } أي: لا يظلكم من حر هذا اليوم بل يدنيكم ~~من لهب النار إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس. قال مجاهد: تكون شعبة فوق ~~الإنسان، وشعبة عن يمينه، وشعبة عن شماله، فتحيط به. وقال الضحاك: الشعب ~~الثلاث: هي الضريع، والزقوم، والغسلين. فعلى هذا القول يكون هذا ~~بعد دخول النار. # قوله تعالى: { ولا يغني من اللهب } أي: لا يدفع عنكم لهب جهنم. ثم ~~وصف النار فقال تعالى: { إنها ترمي بشرر } ، وهو جمع شررة، وهو ما ~~يتطاير من النار متفرقا { كالقصر } قرأ الجمهور بإسكان الصاد على أنه ~~واحد القصور المبنية. وهذا المعنى في رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~وهو قول الجمهور. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، ومجاهد، وأبو الجوزاء، ~~«كالقصر» بفتح الصاد. وفي أفراد البخاري من حديث ابن عباس قال: كنا ~~نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل فنرفعه للشتاء، فنسميه: القصر. قال ~~ابن قتيبة: من فتح الصاد أراد: أصول النخل المقطوعة المقلوعة. قال ~~الزجاج: أراد أعناق الإبل. وقرأ سعد ابن أبي وقاص، وعائشة، وعكرمة، وأبو ~~مجلز، وأبو المتوكل، وابن يعمر «كالقصر» بفتح القاف، وكسر الصاد. # وقرأ ابن مسعود، وأبو هريرة، والنخعي، «كالقصر» برفع القاف والصاد ~~جميعا. وقرأ أبو الدرداء، وسعيد بن جبير «كالقصر» بكسر القاف، وفتح ~~الصاد، وقرأ أبو العالية، وأبو عمران، وأبو نهيك، ومعاذ القارىء، ~~«كالقصر» بضم القاف وإسكان الصاد. # قوله تعالى: { كأنه جمالات } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم «جمالات» بألف. وكسر الجيم. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم «جمالة» على التوحيد. وقرأ رويس عن يعقوب ~~«جمالات» بضم ms2090 الجيم. وقرأ أبو رزين، وحميد، وأبو حيوة، «جمالة» برفع ~~الجيم على التوحيد. قال الزجاج: من قرأ «جمالات» بالكسر، فهو جمع ~~جمال، كما تقول: بيوت، وبيوتات، وهو جمع الجمع، فالمعنى: كأن ~~الشرارات كالجمالات. ومن قرأ { جمالات } بالضم، فهو جمع «جمالة» ومن قرأ ~~«جمالة» فهو جمع جمل وجمالة، كما قيل: حجر، وحجارة، وذكر، ~~وذكارة، وقرئت «جمالة» على ما فسرناه في جمالات بالضم. و«الصفر» ~~هاهنا: السود. يقال للإبل التي هي سود تضرب إلى الصفرة: إبل صفر. ~~وقال الفراء: الصفر: سود الإبل لا يرى الأسود من الإبل إلا وهو ~~مشرب صفرة، فلذلك سمت العرب سود الإبل: صفرا، كما سموا ~~الظباء: أدما لما يعلوها من الظلمة في بياضها. # قوله تعالى: { هذا يوم لا ينطقون } قال المفسرون: هذا في بعض مواقف ~~القيامة. قال عكرمة: تكلموا واختصموا، ثم ختم على أفواههم، فتكلمت ~~أيديهم، وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون بحجة تنفعهم. وقرأ أبو رجاء، ~~والقاسم ابن محمد والأعمش، وابن أبي عبلة «هذا يوم لا ينطقون» بنصب ~~الميم. # قوله تعالى: { هذا يوم الفصل } أي: بين أهل الجنة وأهل النار { جمعناكم ~~} يعني: مكذبي هذه الأمة و { الأولين } من المكذبين الذين كذبوا ~~أنبياءهم { فإن كان لكم كيد فكيدون } أثبت فيها الياء في الحالين ~~يعقوب، أي: إن قدرتم على حيلة، فاحتالوا لأنفسكم. ثم ذكر ما ~~للمؤمنين، فقال تعالى: { إن المتقين في ظلال } يعني: ظلال الشجر، ~~وظلال أكنان القصور { وعيون } الماء، وهذا قد تقدم بيانه، إلى قوله ~~تعالى { كلوا } أي: ويقال لهم: كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون في ~~الدنيا بطاعة الله. ثم قال لكفار مكة: { كلوا وتمتعوا قليلا } في الدنيا ~~إلى منتهى آجالكم { إنكم مجرمون } أي: مشركون بالله. # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اركعوا } فيه قولان. # أحدهما: أنه حين يدعون إلى السجود يوم القيامة، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنه في الدنيا كانوا إذا قيل لهم: اركعوا، أي صلوا { لا يركعون ~~} أي: لا يصلون. وإلى نحو هذا ذهب مجاهد في آخرين، وهو الأصح. وقيل ~~نزلت: في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى ms2091 الله عليه وسلم بالصلاة، فقالوا: ~~لا نحني، فإنها مسبة علينا، فقال: لا خير في دين ليس فيه ركوع. # قوله تعالى: { فبأي حديث بعده يؤمنون } أي: إن لم يصدقوا بهذا القرآن، ~~فبأي كتاب بعده يصدقون، ولا كتاب بعده:! ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-40] # قوله تعالى: { عم يتساءلون } أصله «عن ما» فأدغمت النون في الميم، ~~وحذفت ألف «ما» كقولهم: فيم، وبم، قال المفسرون: لما بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جعل المشركون يتساءلون بينهم، فيقولون: ما الذي ~~أتى به؟ ويتجادلون، ويختصمون فيما بعث به، فنزلت هذه الآية. واللفظ لفظ ~~استفهام، والمعنى: تفخيم القصة، كما يقولون: أي شيء زيد؟ إذا أردت ~~تعظيم شأنه. ثم بين ما الذي يتساءلون عنه، فقال تعالى: { عن النبإ ~~العظيم } يعني عن الخبر العظيم الشأن. وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: القرآن، قاله مجاهد، ومقاتل، والفراء. قال الفراء: فلما أجاب ~~صارت «عم» كأنها في معنى: لأي شيء يتساءلون عن القرآن. # والثاني: البعث، قاله قتادة. # والثالث: أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: { الذي هم فيه مختلفون } من قال: إنه القرآن، فإن المشركين ~~اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: ~~أساطير الأولين، إلى غير ذلك، وكذلك من قال: هو أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فأما من قال: إنه البعث والقيامة، ففي اختلافهم فيه قولان. # أحدهما: أنهم اختلفوا فيه لما سمعوا به، فمنهم من صدق وآمن، ومنهم من ~~كذب، وهذا معنى قول قتادة. # والثاني: أن المسلمين والمشركين اختلفوا فيه، فصدق به المسلمون، ~~وكذب به المشركون، قاله يحيى بن سلام. # قوله تعالى: { كلا } قال بعضهم: هي ردع وزجر. وقال بعضهم: هي نفي ~~لاختلافهم، والمعنى: ليس الأمر على ما قالوا { سيعلمون } عاقبة تكذيبهم ~~حين ينكشف الأمر { ثم كلا سيعلمون } وعيد على إثر وعيد. وقرأ ابن عامر ~~«ستعلمون» في الحرفين بالتاء. ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده، فقال تعالى: { ~~ألم نجعل الأرض مهادا } أي: فراشا وبساطا { والجبال أوتادا } للأرض ~~لئلا تميد { وخلقناكم أزواجا } أي: أصنافا، وأضدادا، ذكورا، ms2092 وإناثا، ~~سودا، وبيضا، وحمرا { وجعلنا نومكم سباتا } قال ابن قتيبة: أي: راحة ~~لأبدانكم. وقد شرحنا هذا في [الفرقان: 47] وشرحنا هناك قوله تعالى: { ~~وجعلنا الليل لباسا }. # قوله تعالى: { وجعلنا النهار معاشا } أي: سببا لمعاشكم. والمعاش: ~~العيش، وكل شيء يعاش به، فهو معاش. والمعنى: جعلنا النهار مطلبا ~~للمعاش. وقال ابن قتيبة: معاشا، أي: عيشا، وهو مصدر { وبنينا فوقكم ~~سبعا شدادا } قال مقاتل: هي السموات، غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ~~وبين كل سماءين مثل ذلك، وهي فوقكم يا بني آدم. فاحذروا أن تعصوا ~~فتخر عليكم. # قوله تعالى: { وجعلنا سراجا } يعني: الشمس { وهاجا } قال ابن عباس: ~~هو المضيء. وقال اللغويون: الوهاج: الوقاد. وقيل: الوهاج يجمع ~~النور والحرارة. # قوله تعالى: { وأنزلنا من المعصرات } فيها ثلاث أقوال: # أحدها: أنها السموات، قاله أبي بن كعب، والحسن، وابن جبير. # والثاني: أنها الرياح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وعكرمة، وقتادة، ومقاتل. وقال زيد بن أسلم: هي الجنوب. فعلى هذا القول ~~تكون «من» بمعنى «الباء»، فتقديره: بالمعصرات. وإنما قيل للرياح: ~~معصرات، لأنها تستدر المطر. # والثالث: أنها السحاب، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، ~~والضحاك، والربيع. قال الفراء: السحابة المعصر: التي تتحلب بالمطر ولما ~~يجتمع، مثل الجارية المعصر، قد كادت تحيض، ولما تحض. وكذلك قال ابن ~~قتيبة: شبهت السحاب بمعاصير الجواري، والمعصر: الجارية التي قد دنت ~~من الحيض. وقال الزجاج: إنما قيل للسحاب: معصرات، كما قيل: أجز الزرع، ~~فهو مجز، أي: صار إلى أن يجز، فكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر، ~~فقد أعصر. # قوله تعالى: { ماء ثجاجا } قال مقاتل: أي: مطرا كثيرا منصبا ~~يتبع بعضه بعضا. وقال غيره: يقال: ثج الماء يثج: إذا انصب { ~~لنخرج به } أي: بذلك الماء { حبا ونباتا } وفيه قولان. # أحدهما: أن الحب: ما يأكله الناس، والنبات: ما تنبته الأرض مما يأكل ~~الناس والأنعام، هذا قول الجمهور. وقال الزجاج: كل ما حصد حب، ~~وكل ما أكلته الماشية من الكلإ، فهو نبات. # والثاني: أن الحب: اللؤلؤ، والنبات: العشب. قال عكرمة: ما ms2093 أنزل الله من ~~السماء قطرا، إلا أنبت به في البحر لؤلؤا، وفي الأرض عشبا. # قوله تعالى: { وجنات } يعني: بساتين { ألفافا } قال أبو عبيدة: ~~أي: ملتفة من الشجر ليس بينها خلال، الواحدة: لفاء، وجنات لف، ~~وجمع الجمع: ألفاف. قال المفسرون: فدل بذكر المخلوقات على البعث. ثم ~~أخبر عن يوم القيامة فقال تعالى: { إن يوم الفصل } أي: يوم القضاء بين ~~الخلائق { كان ميقاتا } لما وعد الله من الثواب والعقاب. { يوم ينفخ في ~~الصور فتأتون } من قبوركم { أفواجا } أي: زمرا زمرا من كل مكان { ~~وفتحت السماء } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، و ~~«فتحت» بالتشديد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بالتخفيف، وإنما تفتح ~~لنزول الملائكة { فكانت أبوابا } أي: ذات أبواب { وسيرت الجبال } عن ~~أماكنها { فكانت سرابا } أي: كالسراب، لأنها تصير هباء منبثا فيراها ~~الناظر كالسراب بعد شدتها وصلابتها { إن جهنم كانت مرصادا } قال ~~المبرد: مرصادا يرصدون به، أي: هو معد لهم يرصد بها خزنتها ~~الكفار. وقال الأزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد فيه الراصد ~~العدو. ثم بين لمن هي مرصاد فقال تعالى { للطاغين } قال ابن عباس: ~~للمشركين { مآبا } أي: مرجعا. # قوله تعالى: { لابثين } وقرأ حمزة «لبثين» والمعنى: فيهما واحد. يقال: ~~هو لابث بالمكان، ولبث. ومثله طامع، وطمع، وفاره، وفره. وأما ~~الأحقاب فجمع حقب، وقد ذكرنا الاختلاف فيه في [الكهف 60]. # فإن قيل: ما معنى ذكر الأحقاب، وخلودهم في النار لا نفاد له؟ فعنه ~~جوابان. # أحدهما: أن هذا لا يدل على غاية، لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب. # ولو أنه قال «لابثين فيها عشرة أحقاب أو خمسة» دل على غاية، هذا قول ابن ~~قتيبة، والجمهور. وبيانه أن زمان أهل الجنة والنار يتصور دخوله تحت ~~العدد، وإن لم يكن لها نهاية. # والثاني: أن المعنى: أنهم يلبثون فيها أحقابا { لا يذوقون } في الأحقاب ~~{ بردا ولا شرابا } فأما خلودهم في النار فدائم. هذا قول الزجاج. ~~وبيانه أن الأحقاب حد لعذابهم بالحميم والغساق، فإذا انقضت الأحقاب ~~عذبوا بغير ذلك من العذاب. وفي المراد «بالبرد» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه برد ms2094 الشراب. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: لا يذوقون فيها ~~برد الشراب، ولا الشراب. # والثاني: أنه الروح والراحة، قاله الحسن، وعطاء. # والثالث: أنه النوم، قاله مجاهد، والسدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ~~وأنشدوا: # فإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # قال ابن قتيبة: النقاخ: الماء، والبرد: النوم، سمي بذلك لأنه تبرد فيه ~~الحرارة. وقال مقاتل: لا يذوقون فيها بردا ينفعهم من حرها، ولا شرابا ~~ينفعهم من عطش { إلا حميما وغساقا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر «غساقا» بالتخفيف. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وحفص عن ~~عاصم بالتشديد. وقد تقدم ذكر الحميم، والغساق [ص 57] { جزاء وفاقا } ~~قال الفراء: وفقا لأعمالهم. وقال غيره: جوزوا جزاء وفاقا لأعمالهم ~~على مقدارها، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. # { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } فيه قولان: # أحدهما: لا يخافون أن يحاسبوا، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الجمهور. # والثاني: لا يرجون ثواب حساب، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وكذبوا بآياتنا كذابا } قال الفراء: الكذاب ~~بالتشديد لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذبت به كذابا، وخرقت القميص ~~خراقا، وكل «فعلت» فمصدره في لغتهم مشدد. قال لي أعرابي ~~منهم على المروة يستفتيني: الحلق أحب اليك، أم القصار؟ وأنشدني بعض ~~بني كلاب: # لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي # وعن حوج قضاؤها من شفائيا # وأما أهل نجد، فيقولون: كذبت به تكذيبا. وقال أبو عبيدة: الكذاب ~~أشد من الكذاب وهما مصدر المكاذبة. قال الأعشى: # فصدقتها وكذبتها # والمرء ينفعه كذابه # قوله تعالى: { وكل شيء أحصيناه } قال الزجاج: «كل» منصوب بفعل مضمر ~~تفسيره: أحصيناه، والمعنى: أحصينا كل شيء، و { كتابا } توكيد ل ~~«أحصيناه»، لأن معنى «أحصيناه» و «كتبناه» فيما يحصل ويثبت واحد. ~~فالمعنى: كتبناه كتابا. قال المفسرون: وكل شيء من الأعمال أثبتناه في ~~اللوح المحفوظ { فذوقوا } أي: فيقال لهم: ذوقوا جزاء فعالكم { فلن نزيدكم ~~إلا عذابا. إن للمتقين } الذين لم يشركوا { مفازا } وفيه قولان. # أحدهما: متنزها، قاله ابن عباس، والضحاك. # والثاني: فازوا بأن ms2095 نجوا من النار بالجنة، ومن العذاب بالرحمة، قاله ~~قتادة. قال ابن قتيبة: «مفازا» في موضع «فوز» { حدائق } قال ابن قتيبة: ~~الحدائق: بساتين نخل، واحدها: حديقة. # قوله تعالى: { وكواعب } قال ابن عباس: الكواعب: النواهد. قال ابن فارس: ~~يقال: كعبت المرأة كعابة، فهي كاعب: إذا نتأ ثديها. وقد ذكرنا معنى ~~«الأتراب» في [ص: 52]. # قوله تعالى: { وكأسا دهاقا } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الملأى، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، ~~وابن زيد. # والثاني: أنها المتتابعة. رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير. ~~وعن مجاهد كالقولين. # والثالث: أنها الصافية، قاله عكرمة. # قوله تعالى: { لا يسمعون فيها } أي: في الجنة إذا شربوها { لغوا } وقد ~~ذكرناه في [الطور: 23] وغيرها { ولا كذابا } أي: لا يكذب بعضهم ~~بعضا، لأن أهل الدنيا إذا شربوا الخمر تكلموا بالباطل، وأهل الجنة ~~منزهون عن ذلك. قال الفراء: وقراءة علي رضي الله عنه «كذابا» ~~بالتخفيف، كأنه والله أعلم لا يتكاذبون فيها. وكان الكسائي يخفف ~~هذه ويشدد، و«كذبوا بآياتنا كذابا» لأن «كذبوا» يقيد «الكذاب» ~~بالمصدر، وهذه ليست مقيدة بفعل يصيرها مصدرا. وقد ذكرنا عن أبي عبيدة ~~أن الكذاب بالتشديد والتخفيف مصدر المكاذبة. وقال أبو علي الفارسي: ~~«الكذاب» بالتخفيف مصدر «كذب» مثل «الكتاب» مصدر «كتب». # قوله تعالى: { جزاء } قال الزجاج: المعنى: جازاهم بذلك جزاء، وكذلك ~~«عطاء» لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد. و { حسابا } معناه: ما يكفيهم، ~~أي: فيه كل ما يشتهون. يقال: أحسبني كذا بمعنى كفاني. { رب السموات } ~~قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والمفضل، «رب السموات والأرض وما ~~بينهما الرحمن» برفع الباء من «رب» والنون من «الرحمن» على معنى: هو ~~رب السموات. وقرأ عاصم، وابن عامر بخفض الباء والنون على الصفة من ~~«ربك». وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء ورفع النون، واختار هذه القراءة ~~الفراء، ووافقه على هذا جماعة، وعللوا بأن الرب قريب من المخفوض، ~~والرحمن بعيد منه. # قوله تعالى: { لا يملكون منه خطابا } فيه قولان. # أحدهما: لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه قاله ابن السائب. # والثاني: لا يقدر الخلق ms2096 أن يكلموا الرب إلا بإذنه، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { يوم يقوم الروح } فيه سبعة أقوال. # أحدها: أنه جند من جند الله تعالى، وليسوا بملائكة، رواه ابن عباس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: هم خلق على صورة بني آدم ~~يأكلون ويشربون. # والثاني: أنه ملك أعظم من السموات، والجبال، والملائكة، قاله ابن ~~مسعود، ومقاتل بن سليمان. وروى عطاء عن ابن عباس قال: الروح ملك ما خلق ~~الله أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا، وقامت ~~الملائكة كلهم صفا واحدا، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم. # والثالث: أنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ~~ترد إلى الأجسام، رواه عطية عن ابن عباس. # والرابع: أنه جبريل عليه السلام قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك. # والخامس: أنهم بنو آدم، قاله الحسن، وقتادة. # والسادس: أنه القرآن، قاله زيد بن أسلم. # والسابع: أنهم أشرف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: { والملائكة صفا } قال الشعبي: هما سماطان، سماط من ~~الروح، وسماط من الملائكة، فعلى هذا يكون المعنى: يوم يقوم الروح ~~صفا، والملائكة صفا. وقال ابن قتيبة: معنى قوله تعالى: { صفا } ~~صفوفا. # قوله تعالى: { لا يتكلمون } يعني: الخلق كلهم { إلا من أذن له الرحمن ~~} في الكلام { وقال صوابا } أي: قال في الدنيا صوابا، وهو الشهادة ~~بالتوحيد عند أكثر المفسرين. وقال مجاهد: قال حقا في الدنيا، وعمل به { ~~ذلك اليوم الحق } الكائن الواقع بلا شك { فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا } ~~أي: مرجعا إليه بطاعته. ثم خوف كفار مكة، فقال تعالى: { إنا ~~أنذرناكم عذابا قريبا } وهو عذاب الآخرة، وكل آت قريب { يوم ينظر ~~المرء ما قدمت يداه } أي: يرى عمله مثبتا في صحيفته خيرا كان أو ~~شرا { ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا } يا ليتني لم أبعث. وحكى ~~الثعلبي عن بعض أشياخه أنه رأى في بعض التفاسير أن الكافر هاهنا: إبليس، ~~وذلك أنه عاب آدم، لأنه خلق من التراب، فتمنى يوم القيامة أنه كان ~~بمكان آدم، فقال: يا ليتني ms2097 كنت ترابا. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # قوله تعالى: { والنازعات } فيه سبعة أقوال: # أحدها: أنها الملائكة تنزع أرواح الكفار، قاله علي، وابن مسعود. ~~وروى عطية عن ابن عباس قال: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم، وبه قال ~~مسروق. # والثاني: أنه الموت ينزع النفوس، قاله مجاهد. # والثالث: أنها النفس حين تنزع، قاله السدي. # والرابع: أنها النجوم تنزع من أفق الى أفق تطلع ثم تغيب، قاله ~~الحسن، وقتادة، وأبو عبيدة، والأخفش، وابن كيسان. # والخامس: أنها القسي تنزع بالسهم، قاله عطاء، وعكرمة. # والسادس: أنها الوحوش تنزع وتنفر، حكاه الماوردي. # والسابع: أنها الرماة، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { غرقا } اسم أقيم مقام الإغراق. قال ابن قتيبة: والمعنى: ~~والنازعات إغراقا، كما يغرق النازع في الفوس، يعني أنه يبلغ به غاية ~~المد. # قوله تعالى: { والناشطات نشطا } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنها الملائكة. ثم في معنى الكلام قولان. أحدهما: أنها حين تنشط ~~أرواح الكفار حتى تخرجها بالكرب والغم، قاله علي رضي الله عنه. قال ~~مقاتل: ينزع ملك الموت روح الكافر، فإذا بلغت ترقوته غرقها في حلقه، ~~فيعذبه في حياته، ثم ينشطها من حلقه أي: يجذبها كما ينشط السفود ~~من الصوف المبتل. والثاني: أنها تنشط أرواح المؤمنين بسرعة، كما ينشط ~~العقال من يد البعير إذا حل عنها، قاله ابن عباس. وقال الفراء: الذي ~~سمعته من العرب: كما أنشط من عقال بألف. تقول: إذا ربطت الحبل في يد ~~البعير: نشطته، فإذا حللته قلت: أنشطته. # والقول الثاني: أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج، وهذا مروي عن ~~ابن عباس أيضا، وبيانه أن المؤمن يرى منزله من الجنة قبل الموت فتنشط ~~نفسه لذلك. # والثالث: أن الناشطات: الموت ينشط نفس الإنسان، قاله مجاهد. # والرابع: النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي: تذهب، قاله قتادة، وأبو ~~عبيدة، والأخفش. ويقال لبقر الوحش: نواشط، لأنها تذهب من موضع إلى موضع. ~~قال أبو عبيدة: والهموم تنشط بصاحبها. قال هميان بن قحافة: # أمست همومي تنشط المناشطا # الشام بي طورا وطورا واسطا # والخامس: أنها النفس حين تنشط بالموت، قاله السدي. ms2098 # قوله تعالى: { والسابحات سبحا } فيه ستة أقوال. # أحدها: أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين، قاله علي رضي الله عنه. قال ~~ابن السائب: يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء. فأحيانا ينغمس، ~~وأحيانا يرتفع، يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح. # والثاني: أنهم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كما يقال للفرس ~~الجواد: سابح: إذا أسرع في جريه، قاله مجاهد، وأبو صالح، والفراء. # والثالث: أنه الموت يسبح في نفوس بني آدم، روي عن مجاهد أيضا. # والرابع: أنها السفن تسبح في الماء، قاله عطاء. # والخامس: أنها النجوم،والشمس، والقمر، كل في فلك يسبحون، قاله قتادة، ~~وأبو عبيدة. # والسادس: أنها الخيل، حكاه الماوردي. # قوله تعالى { فالسابقات سبقا } فيه خمسة أقوال: # أحدها: أنها الملائكة. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال. أحدها: أنها تسبق ~~الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، قاله علي، ومسروق. والثاني: أنها تسبق ~~بأرواح المؤمنين إلى الجنة، قاله مجاهد، وأبو روق. والثالث: أنها سبقت ~~بني آدم الى إلإيمان، قاله الحسن. # والقول الثاني: أنها أنفس المؤمنين تسبق الملائكة شوقا إلى لقاء الله، ~~فيقبضونها وقد عاينت السرور، قاله ابن مسعود. # والثالث: أنه الموت يسبق إلى النفوس، روي عن مجاهد أيضا. # والرابع: أنها الخيل، قاله عطاء. # والخامس: أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير، قاله قتادة. # قوله تعالى: { فالمدبرات أمرا } قال ابن عباس: هي الملائكة. قال ~~عطاء: وكلت بأمور عرفهم الله العمل بها، وقال عبد الرحمن بن سابط: ~~يدبر أمر الدنيا أربعة أملاك: جبريل، وهو موكل بالرياح والجنود. ~~وميكائيل، وهو موكل بالقطر والنبات. وملك الموت، وهو موكل بقبض الأنفس. ~~وإسرافيل، وهو ينزل بالأمر عليهم. وقيل: بل جبريل للوحي، وإسرافيل ~~للصور. وقال ابن قتيبة: فالمدبرات أمرا: تنزل بالحلال والحرام. # فإن قيل: أين جواب هذه الأقسام، فعنه جوابان. # أحدهما: أن الجواب قوله تعالى: { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } ، قاله ~~مقاتل. # والثاني: أن الجواب مضمر، تقديره: لتبعثن ولتحاسبن، ويدل ~~على هذا قوله تعالى: { أئذا كنا عظاما نخرة } قاله الفراء. # قوله تعالى: { يوم ترجف الراجفة } ، وهي النفخة الأولى التي يموت منها ~~جميع الخلائق. ms2099 و «الراجفة» صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا ~~تمحض. و «ترجف» بمعنى: تتحرك حركة شديدة { تتبعها الرادفة } وهي: ~~النفخة الثانية ردفت الأولى، أي: جاءت بعدها. وكل شيء جاء بعد شيء فهو ~~يردفه { قلوب يومئذ واجفة } أي: شديدة الاضطراب لما عاينت من أهوال ~~القيامة، { أبصارها خاشعة } أي: ذليلة لمعاينة النار. قال عطاء: وهذه ~~أبصار من لم يمت على الإسلام. ويدل على هذا أنه ذكر منكري البعث، فقال ~~تعالى: { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة } قرأ ابن عامر وأهل الكوفة ~~«أئنا» بهمزتين مخففتين على الاستفهام، وقرأ الباقون بتخفيف الأولى ~~وتليين الثانية، وفصل بينهما بألف نافع وأبو عمرو. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الحافرة: الحياة بعد الموت. فالمعنى: أنرجع أحياء بعد ~~موتنا؟! وهذا قول ابن عباس، وعطية، والسدي. قال الفراء: يعنون: أنرد ~~إلى أمرنا الأول إلى الحياة؟! والعرب تقول: أتيت فلانا، ثم رجعت على ~~حافرتي، أي: رجعت من حيث جئت. قال أبو عبيدة: يقال: رجع فلان في حافرته، ~~وعلى حافرته: إذا رجع من حيث جاء، وهذا قول الزجاج. # والثاني: أنها الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فسميت حافرة، والمعنى: ~~محفورة، كما يقال # ماء دافق # [الطارق: 6] و # عيشة راضية # [الحاقة: 21] وهذا قول مجاهد، والخليل. فيكون المعنى: أئنا لمردودون إلى ~~الأرض خلقا جديدا؟! # قال ابن قتيبة: «في الحافرة» أي: إلى أول أمرنا. # ومن فسرها بالأرض، فإلى هذا يذهب، لأنا منها بدئنا. قال ~~الشاعر: # أحافرة على صلع وشيب # معاذ الله من سفه وعار # [كأنه قال: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا «بعد ما ~~شبت وصلعت؟!». # والثالث: أن الحافرة: النار، قاله ابن زيد]. # قوله تعالى: { أئذا كنا عظاما نخرة } وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم ~~«ناخرة» قال الفراء: وهما بمعنى واحد في اللغة. مثل طمع، وطامع. ~~وحذر، وحاذر. وقال الأخفش: هما لغتان. وقال الزجاج: يقال: نخر ~~العظم ينخر، فهو نخر. مثل عفن الشيء يعفن، فهو عفن. ~~وناخرة على معنى: عظاما فارغة، يجيىء فيها من هبوب الريح كالنخير. قال ~~المفسرون: والمراد أنهم أنكروا ms2100 البعث، وقالوا نرد أحياء إذا متنا ~~وبليت عظامنا؟! { تلك إذن كرة خاسرة } أي: إن رددنا بعد ~~الموت لنحسرن بما يصيبنا مما يعدنا به محمد، فأعلمهم الله ~~بسهولة البعث عليه، فقال تعالى { فإنما هي } يعني النفخة الأخيرة { ~~زجرة واحدة } أي: صيحة في الصور يسمعونها من إسرافيل وهم في الأرض ~~فيخرجون { فإذا هم بالساهرة } وفيها أربعة أقوال. # أحدها: أن الساهرة: وجه الأرض، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، ~~واللغويون. قال الفراء: كأنها سميت بهذا الأسم، لأن فيها نوم الحيوان ~~وسهرهم. # والثاني: أنه جبل عند بيت المقدس، قاله وهب بن منبه. # والثالث: أنها جهنم، قاله قتادة. # والرابع: أنها أرض الشام، قاله سفيان. ### || [79.15-33] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث موسى } أي: قد جاءك. وقد بينا هذا في ~~[طه: 9] وما بعده إلى قوله تعالى: { طوى اذهب } قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو «طوى اذهب» غير مجراة. وقرأ الباقون «طوى» منونة { فقل هل ~~لك إلى أن تزكى } وقرأ ابن كثير، ونافع «تزكى» بتشديد الزاي، ~~أي: تطهر من الشرك { وأهديك إلى ربك } أي: أدعوك إلى توحيده، ~~وعبادته { فتخشى } عذابه { فأراه الآية الكبرى } وفيها قولان. # أحدهما: أنها اليد والعصا، قاله جمهور المفسرين. والثاني: أنها اليد، ~~قاله الزجاج. # قوله تعالى: { فكذب } أي: بأنها من الله، { وعصى } نبيه { ثم أدبر } ~~أي: أعرض عن الإيمان { يسعى } أي: يعمل بالفساد في الأرض { فحشر } أي: ~~فجمع قومه وجنوده { فنادى } لما اجتمعوا { فقال أنا ربكم الأعلى } أي: لا ~~رب فوقي. وقيل أراد أن الأصنام أرباب، وأنا ربها وربكم. وقيل: ~~أراد: أنا رب السادة والقادة. # قوله تعالى: { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أن الأولى قوله # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] والآخرة قوله «أنا ربكم الأعلى»، قاله ابن عباس، وعكرمة، ~~والشعبي، ومقاتل، والفراء. ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. قال ابن عباس: ~~وكان بينهما أربعون سنة. قال السدي: فبقي بعد الآخرة ثلاثين سنة. قال ~~الفراء: فالمعنى: أخذه الله أخذا نكالا للآخرة والأولى. # والثاني: المعنى: جعله الله نكال الدنيا والآخرة، أغرقه ms2101 في الدنيا، ~~وعذبه في الآخرة، قاله الحسن، وقتادة. وقال الربيع بن أنس: عذبه الله ~~في أول النهار بالغرق، وفي آخره بالنار. # والثالث: أن الأولى: تكذيبه وعصيانه. والآخرة قوله: «أنا ربكم الأعلى»، ~~قاله أبو رزين. # والرابع: أنها أول أعماله وآخرها، رواه منصور عن مجاهد. قال الزجاج: ~~النكال: منصوب مصدر مؤكد، لأن معنى أخذه الله: نكل الله به نكال الآخرة ~~والأولى: فأغرقه في الدنيا ويعذبه في الآخرة. قوله تعالى { إن في ذلك } ~~الذي فعل بفرعون { لعبرة } أي: لعظة { لمن يخشى } الله. # ثم خاطب منكري البعث، فقال تعالى { أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها } ~~قال الزجاج: ذهب بعض النحويين الى أن قوله تعالى { بناها } من صفة ~~السماء، فيكون المعنى: أم السماء التي بناها. وقال قوم: السماء ليس مما ~~توصل، ولكن المعنى: أأنتم أشد خلقا، أم السماء أشد خلقا. ثم بين كيف ~~خلقها، فقال تعالى { بناها } قال المفسرون: أخلقكم بعد الموت أشد ~~عندكم، أم السماء في تقديركم؟ وهما في قدرة الله واحد. ومعنى: «بناها» ~~رفعها. وكل شيء ارتفع فوق شيء فهو بناء. ومعنى { رفع سمكها } رفع ~~ارتفاعها وعلوها في الهواء «فسواها» بلا شقوق، ولا فطور، ولا تفاوت، ~~يرتفع فيه بعضها على بعض { وأغطش ليلها } أي: أظلمه فجعله مظلما. # قال الزجاج: يقال: غطش الليل وأغطش، وغبش وأغبش، وغسق وأغسق، وغشي ~~وأغشى، كله بمعنى أظلم. # قوله تعالى: { وأخرج ضحاها } أي: أبرز نهارها. والمعنى: أظهر نورها ~~بالشمس. وإنما أضاف النور والظلمة إلى السماء لأنهما عنها يصدران { ~~والأرض بعد ذلك } أي: بعد خلق السماء { دحاها } أي: بسطها. وبعض من يقول: ~~إن الأرض خلقت قبل السماء يزعم أن «بعد» هاهنا بمعنى «قبل»، كقوله تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر # [الأنبياء: 105] وبعضهم يقول: هي بمعنى «مع» كقوله تعالى # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم: 13] ولا يمتنع أن تكون الأرض خلقت قبل السماء، ثم دحيت بعد كمال ~~السماء، وهذا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد أشرنا إلى هذا الخلاف ~~في [البقرة: 29] ونصبت الأرض بمضمر تفسيره قوله تعالى: { دحاها ms2102 }. # { أخرج منها ماءها } أي: فجر العيون منها { ومرعاها } وهو ما يأكله ~~الناس والأنعام { والجبال أرساها } قال الزجاج: أي: أثبتها { متاعا لكم ~~} أي: للإمتاع، لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها: أمتع بذلك. وقال ابن ~~قتيبة: «متاعا لكم» أي: منفعة [لكم]. ### || [79.34-46] # قوله تعالى: { فإذا جاءت الطامة الكبرى } والطامة: الحادثة التي تطم ~~على ما سواها، أي: تعلو فوقه. وفي المراد بها هاهنا ثلاثة أقوال. # أحدها: النفخة الثانية التي فيها البعث. # والثاني: أنها حين يقال لأهل النار: قوموا إلى النار. # والثالث: أنها حين يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. # قوله تعالى: { يتذكر الإنسان ما سعى } أي: ما عمل من خير وشر { ~~وبرزت الجحيم لمن يرى } أي: لأبصار الناظرين. قال مقاتل: يكشف عنها ~~الغطاء فينظر إليها الخلق. وقرأ أبو مجلز، وابن السميفع «لمن ترى» ~~بالتاء. وقرأ ابن عباس، ومعاذ القارىء «لمن رأى» بهمزة بين الراء والألف. # قوله تعالى: { فأما من طغى } في كفره { وآثر الحياة الدنيا } على الآخرة ~~{ فإن الجحيم هي المأوى } قال الزجاج: أي: هي المأوى له. وهذا جواب «فإذا ~~جاءت الطامة» فإن الأمر كذلك. # قوله تعالى: { وأما من خاف مقام ربه } قد ذكرناه في سورة [الرحمن:46]. # قوله تعالى: { ونهى النفس عن الهوى } أي: عما تهوى من المحارم. قال ~~مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه للحساب، فيتركها. # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } قد سبق في ~~[الأعراف:187] { فيم أنت من ذكراها } أي: لست في شيء من علمها ~~وذكرها. والمعنى: إنك لا تعلمها { إلى ربك منتهاها } أي: منتهى علمها ~~{ إنما أنت منذر من يخشاها } وقرأ أبو جعفر «منذر» بالتنوين. ومعنى ~~الكلام: إنما أنت مخوف من يخافها. والمعنى: إنما ينفع إنذارك من ~~يخافها، وهو المؤمن بها. وأما من لا يخافها فكأنه لم ينذر { كأنهم } ~~يعني: كفار قريش { يوم يرونها } أي: يعاينون القيامه { لم يلبثوا } في ~~الدنيا. وقيل: في قبورهم { إلا عشية أو ضحاها } أي: قدر آخر النهار من ~~بعد العصر، أو أوله إلى أن ترتفع الشمس. قال الزجاج: والهاء والألف ms2103 في ~~«ضحاها» عائدان إلى العشية. والمعنى: إلا عشية، أو ضحى العشية. قال ~~الفراء. # فإن قيل: للعشية ضحى، إنما الضحى لصدر النهار؟. # فالجواب: أن هذا ظاهر في كلام العرب أن يقولوا: آتيك العشية، أو ~~غداتها، أو آتيك الغداة، أو عشيتها، فتكون العشية في معنى «آخر»، ~~والغداة في معنى «أول». أنشدني بعض بني عقيل: # نحن صبحنا عامرا في دارها # عشية الهلال أو سرارها # أراد: عشية الهلال، أو عشية سرار العشية، فهذا أشد من قولهم: آتيك ~~الغداة أو عشيتها. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-16] # قوله تعالى: { عبس وتولى } قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، وأمية وأبيا ~~ابني خلف، ويدعوهم إلى الله تعالى، ويرجو إسلامهم، فجاء ابن أم مكتوم ~~الأعمى، فقال: علمني يا رسول الله مما علمك الله، وجعل يناديه، ~~ويكرر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بكلام غيره، حتى ظهرت الكراهية في ~~وجهه صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأقبل على القوم يكلمهم، فنزلت هذه الآيات، فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكرمه بعد ذلك، ويقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. وذهب ~~قوم، منهم مقاتل، إلى أنه إنما جاء ليؤمن، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم اشتغالا بالرؤساء، فنزلت فيه هذه الآيات. # ومعنى «عبس» قطب وكلح «وتولى» أعرض بوجهه { أن جاءه } أي: لأن ~~جاءه. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وأبو المتوكل، وأبو عمران «آن جاءه» ~~بهمزة واحدة مفتوحة ممدودة. وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، «أأن» ~~بهمزتين مقصورتين مفتوحتين. و { الأعمى } هو ابن أم مكتوم، واسمه عمرو بن ~~قيس. وقيل: اسمه عبد الله بن عمرو { وما يدريك لعله يزكى } أي: ~~يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح، وما يتعلمه منك. وقال مقاتل: لعله يؤمن ~~{ أو يذكر } أي: يتعظ بما يتعلمه من مواعظ القرآن { فتنفعه الذكرى ~~} قرأ حفص عن عاصم «فتنفعه» بفتح العين، والباقون برفعها. قال الزجاج: من ~~نصب، فعلى جواب «لعل» ومن رفع، فعلى العطف على ms2104 «يزكى». # قوله تعالى: { أما من استغنى } قال ابن عباس: استغنى عن الله وعن ~~الإيمان بماله. قال مجاهد: «أما من استغنى»: عتبة، وشيبة، { فأنت له ~~تصدى }. قرأ ابن كثير، ونافع، «تصدى» بتشديد الصاد. وقرأ عاصم، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، «تصدى» بفتح التاء، والصاد ~~وتخفيفها، وقرأ أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وعمرو بن دينار ~~«تتصدى» بتاءين مع تخفيف الصاد. قال الزجاج: الأصل: تتصدى، ولكن ~~حذفت التاء الثانية لاجتماع تاءين. ومن قرأ «تصدى» بإدغام التاء، ~~فالمعنى أيضا: تتصدى، إلا أن التاء أدغمت في الصاد لقرب مخرج التاء من ~~الصاد. قال ابن عباس: «تصدى» تقبل عليه بوجهك. وقال ابن قتيبة: ~~تتعرض. وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، والجحدري، { تصدى } بتاء واحدة ~~مضمومة، وتخفيف الصاد. # قوله تعالى: { وما عليك } أي: أي شيء عليك في أن لا يسلم من ~~تدعوه إلى الإسلام؟ يعني: أنه ليس عليه إلا البلاغ. # { وأما من جاءك يسعى } فيه قولان. # أحدهما: يمشي. # والثاني: يعمل في الخير، وهو ابن أم مكتوم { وهو يخشى } الله { فأنت عنه ~~تلهى } وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف، وأبو الجوزاء «تتلهى» بتاءين. # وقرأ أبي ابن كعب، وابن السميفع، والجحدري، «تلهى» بتاء واحدة ~~خفيفة مرفوعة. قال الزجاج: أي: تتشاغل عنه. يقال: لهيت عن الشيء ألهى ~~عنه: إذا تشاغلت عنه. # قوله تعالى: { كلا } أي: لا تفعل ذلك. { إنها } في المكني عنها قولان. # أحدهما: آيات القرآن، قاله مقاتل. # والثاني: هذه السورة، قاله الفراء «والتذكرة» بمعنى التذكير { فمن شاء ~~ذكره } مفسر في آخر [المدثر:55]. ثم أخبر بجلالة القرآن عنده، فقال ~~تعالى: { في صحف مكرمة } أي: هو في صحف، أي: في كتب مكرمة، ~~وفيها قولان. # أحدهما: أنها اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. # والثاني: كتب الأنبياء، ذكره الثعلبي. فعلى هذا يكون معنى «مرفوعة» ~~عالية القدر. وعلى الأول يكون رفعها كونها في السماء. # وفي معنى «المطهرة» أربعة أقوال. # أحدها: مطهرة من أن تنزل على المشركين، قاله الحسن. # والثاني: مطهرة من الشرك والكفر، قاله مقاتل. # والثالث: لأنه لا يمسها إلا المطهرون، قاله الفراء. # والرابع: مطهرة من ms2105 الدنس، قاله يحيى بن سلام. # قوله تعالى: { بأيدي سفرة } فيهم قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة، قاله الجمهور. # والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله وهب بن منبه. # وفي معنى «سفرة» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهم الكتبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ~~والزجاج. قال الزجاج: واحدهم: سافر، وسفرة، مثل كاتب، وكتبة، ~~وكافر وكفرة. وإنما قيل للكتاب: سفر، وللكاتب: سافر، لأن معناه أنه ~~يبين الشيء ويوضحه. يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء. وسفرت المرأة. إذا كشفت ~~النقاب عن وجهها. ومنه: سفرت بين القوم، أي: كشفت ما في قلب هذا، وقلب ~~هذا، لأصلح بينهم. # والثاني: أنهم القراء، قاله قتادة. # والثالث: أنهم السفراء، وهم المصلحون. قال الفراء: تقول العرب: سفرت ~~بين القوم، أي: أصلحت بينهم، فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله، ~~كالسفير الذي يصلح بين القوم. قال الشاعر: # وما أدع السفارة بين قومي # وما أمشي بغش إن مشيت # قوله تعالى: { كرام } أي: على ربهم { بررة } أي: مطيعين. قال ~~الفراء: واحد { البررة } في قياس العربية: بار، لأن العرب لا تقول: ~~فعلة ينوون به الجمع إلا والواحد منه فاعل، مثل كافر، وكفرة، وفاجر، ~~وفجرة. ### || [80.17-32] # قوله تعالى: { قتل الإنسان } أي: لعن. والمراد بالإنسان هاهنا: الكافر. ~~وفيمن عنى بهذا القول ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه أشار إلى كل كافر، قاله مجاهد. # والثاني: أنه أمية بن خلف، قاله الضحاك. # والثالث: عتبة بن أبي لهب، قاله مقاتل. # وفي قوله تعالى: { ما أكفره } ثلاثة أقوال. # أحدها: ما أشد كفره، قاله ابن جريج. # والثاني: أي شيء أكفره؟ قاله السدي. فعلى هذا يكون استفهام توبيخ. # الثالث: أنه على وجه التعجب، وهذا التعجب يؤمر به الآدميون والمعنى: ~~اعجبوا أنتم من كفره، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { من أي شيء خلقه } ثم فسره فقال تعالى: { من نطفة ~~خلقه } ، وفي معنى «فقدره» ثلاثة أقوال. # أحدها: قدر أعضاءه: رأسه، وعينيه، ويديه، ورجليه، قاله ابن السائب. # والثاني: قدره أطوارا: نطفة، ثم علقة، إلى آخر خلقه، قاله مقاتل. # والثالث: فقدره على الاستواء، قاله الزجاج. # { ثم السبيل يسره } فيه قولان. ms2106 # أحدهما: سهل له العلم بطريق الحق والباطل، قاله الحسن، ومجاهد. قال ~~الفراء: والمعنى: ثم يسره للسبيل. # والثاني: يسر له السبيل في خروجه من بطن أمه، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: { فأقبره } قال الفراء: أي: جعله مقبورا، ولم يجعله ممن ~~يلقى للسباع والطير، فكأن القبر مما أكرم به المسلم. ولم يقل: قبره، ~~لأن القابر هو الدافن بيده. والمقبر الله، لأنه صيره مقبورا، فليس ~~فعله كفعل الآدمي. والعرب تقول: بترت ذنب البعير، والله أبتره. ~~وعضبت قرن الثور، والله أعضبه. وطردت فلانا عني، والله ~~أطرده، أي: صيره طريدا. وقال أبو عبيدة: أقبره: أي أمر أن يقبر، وجعل ~~له قبرا. قالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لما قتل صالح بن عبد الرحمن: ~~أقبرنا صالحا، فقال: دونكموه. والذي يدفن بيده هو القابر. قال الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى نحرها # عاش ولم يسلم إلى قابر # قوله تعالى: { ثم إذا شاء أنشره } أي: بعثه. يقال: أنشر الله الموتى، ~~فنشروا، ونشر الميت: حيي [هو] بنفسه، وواحدهم ناشر. قال ~~الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # قوله تعالى: { كلا } قال الحسن: حقا { لما يقض ما أمره } به ربه، ~~ولم يؤد ما فرض عليه. وهل هذا عام، أم خاص؟ فيه قولان. # أحدهما: أنه عام. قال مجاهد: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله ~~عليه. # والثاني: أنه خاص للكافر لم يقض ما أمر به من الإيمان والطاعة، قاله ~~يحيى بن سلام. ولما ذكر خلق ابن آدم، ذكر رزقه ليعتبر وليستدل ~~بالنبات على البعث، فقال تعالى: { فلينظر الإنسان إلى طعامه } قال مقاتل: ~~يعني به عتبة بن أبي لهب. ومعنى الكلام: فلينظر الإنسان كيف خلق الله ~~طعامه الذي جعله سببا لحياته؟ ثم بين فقال تعالى: { أنا } قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «إنا» بالكسر. # وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي { أنا صببنا } بفتح الهمزة في الوصل وفي ~~الابتداء، ووافقهم رويس على فتحها في الوصل، فإذا ابتدأ كسر. قال الزجاج: ~~من كسر «إنا» فعلى الابتداء والاستئناف، ومن فتح، فعلى البدل ms2107 من الطعام، ~~المعنى: فلينظر الإنسان أنا صببنا. قال المفسرون: أراد بصب الماء: المطر. ~~{ ثم شققنا الأرض } بالنبات { شقا فأنبتنا فيها حبا } يعني به جميع ~~الحبوب التي يتغذى بها { وعنبا وقضبا } قال الفراء: هو ~~الرطبة. وأهل مكة يسمون القت: القضب. قال ابن قتيبة: ويقال: إنه سمي ~~بذلك، لأنه يقضب مرة بعد مرة، أي: يقطع، وكذلك القصيل، لأنه ~~يقصل، أي يقطع. # قوله تعالى: { وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا } قال الفراء: كل بستان ~~كان عليه حائط، فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل: حديقة. ~~والغلب: ما غلظ من النخل. قال أبو عبيدة: يقال: شجرة غلباء: إذا كانت ~~غليظة. وقال ابن قتيبة: الغلب: الغلاظ الأعناق. وقال الزجاج: هي ~~المتكاثفة، العظام. # قوله تعالى: { وفاكهة } يعني: ألوان الفاكهة { وأبأ } فيه قولان. # أحدهما: أنه ما ترعاه البهائم، قاله ابن عباس، وعكرمة، واللغويون. وقال ~~الزجاج: هو جميع الكلأ التي تعتلفه الماشية. # والثاني: أنه الثمار الرطبة، رواه الوالبي عن ابن عباس. # { متاعا لكم ولأنعامكم } قد بيناه في السورة التي قبلها ~~[النازعات: 33]. ### || [80.33-42] # قوله تعالى: { فإذا جاءت الصاخة } وهي الصيحة الثانية. قال ابن قتيبة: ~~الصاخة تصخ صخا، أي: تصم. يقال: رجل أصخ، وأصلخ: إذا كان لا ~~يسمع. والداهية صاخة أيضا. وقال الزجاج: هي الصيحة التي تكون عليها ~~القيامة، تصخ الأسماع، أي: تصمها، فلا تسمع إلا ما تدعى به لإحيائها. ثم ~~فسر في أي وقت تجيء، فقال تعالى: { يوم يفر المرء من أخيه } قال ~~المفسرون: المعنى: لا يلتفت الإنسان إلى أحد من أقاربه، لعظم ما هو ~~فيه. قال الحسن: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أمه وأبيه إبراهيم، ~~ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح. وقال قتادة: يفر هابيل من قابيل، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم من أمه، وإبراهيم من أبيه، ولوط من صاحبته، ~~ونوح من ابنه. # قوله تعالى: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } قال الفراء: أي: ~~يشغله عن قرابته. وقال ابن قتيبة: أي: يصرفه ويصده عن قرابته، ~~يقال: اغن عني وجهك، أي: اصرفه، واغن عني السفيه. وقرأ ms2108 أبو عبد الرحمن ~~السلمي، والزهري، وأبو العالية، وابن السميفع، وابن محيصن، وابن أبي ~~عبلة، «يعنيه» بفتح الياء والعين غير معجمة. قال الزجاج: معنى الآية: له ~~شأن لا يقدر مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره. وكذلك قراءة من قرأ ~~«يغنيه» بالغين، معناه: له شأن لا يهمه معه غيره. # وقد روى أنس بن مالك قال: قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: أنحشر ~~عراة؟ قال: نعم. قالت: واسوءتاه، فأنزل الله تعالى { لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه }. # قوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة } أي: مضيئة قد علمت ما لها من الخير ~~{ ضاحكة } لسرورها { مستبشرة } أي: فرحة بما نالها من كرامة الله عز ~~وجل { ووجوه يومئذ عليها غبرة } أي: غبار. وقال مقاتل: أي سواد وكآبة { ~~ترهقها } أي: تغشاها { قترة } أي: ظلمة. وقال الزجاج: يعلوها سواد ~~كالدخان. ثم بين من أهل هذه الحال، فقال تعالى: { أولئك هم ~~الكفرة الفجرة } وهو جمع كافر وفاجر. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # روى أبو عبد الله الحاكم في «صحيحه» من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ قوله تعالى: { إذا الشمس كورت ~~} ". # وفي قوله تعالى: { كورت } أربعة أقوال. # أحدها: أظلمت، رواه الوالبي عن ابن عباس، وكذلك قال الفراء: ذهب ضوؤها، ~~وهذا قول قتادة، ومقاتل. # والثاني: ذهبت، رواه عطية عن ابن عباس، وكذلك قال مجاهد: اضمحلت. # والثالث: غورت، روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن الأنباري، ~~وهذا من قول الناس بالفارسية: كوربكرد. وقرأت على شيخنا أبي منصور ~~اللغوي قال: هو بالفارسية كوربور. # والرابع: أنها تكور مثل تكوير العمامة، فتلف وتمحى، قاله أبو ~~عبيد. # قال الزجاج: ومعنى «كورت» جمع ضوؤها، ولفت كما تلف العمامة. ~~ويقال: كورت العمامة على رأسي أكورها: إذا لففتها. قال ~~المفسرون: تجمع الشمس بعضها إلى بعض، ثم تلف ويرمى بها في البحر. ~~وقيل: في النار. وقيل تعاد إلى ما خلقت منه. # قوله تعالى: { وإذا النجوم انكدرت } أي: تناثرت، وتهافتت. يقال انكدر ~~الطائر في الهواء: ms2109 إذا انقض { وإذا الجبال سيرت } عن وجه الأرض، ~~فاستوت مع الأرض { وإذا العشار عطلت } قال المفسرون وأهل اللغة: ~~العشار: النوق الحوامل، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر فقيل لها: ~~العشار لذلك، وذلك الوقت أحسن زمان حملها، وهي تضع إذا ~~وضعت لتمام في سنة، فهي أنفس ما للعرب عندهم، فلا يعطلونها إلا ~~لإتيان ما يشغلهم عنها، وإنما خوطبت العرب بأمر العشار، لأن أكثر ~~عيشهم ومالهم من الإبل. ومعنى «عطلت» سيبت وأهملت، ~~لإشتغالهم عنها بأهوال القيامة. # قوله تعالى: { وإذا الوحوش } يعني: دواب البحر { حشرت } وفيه قولان. # أحدهما: ماتت، قاله ابن عباس. # والثاني: جمعت إلى القيامة، قاله السدي. وقد زدنا هذا شرحا في ~~[الأنعام: 111]. # قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ~~«سجرت» بتخفيف الجيم، وقرأ الباقون بتشديدها. # وفي المعنى ثلاثة أقوال: # أحدها: أوقدت فاشتعلت نارا، قاله علي وابن عباس. # والثاني: يبست، قاله الحسن. # والثالث: ملئت بأن صارت بحرا واحدا، وكثر ماؤها، قاله ابن السائب، ~~والفراء، وابن قتيبة. # قوله تعالى: { وإذا النفوس زوجت } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: قرنت بأشكالها، قاله عمر رضي الله عنه. الصالح مع الصالح في ~~الجنة، والفاجر مع الفاجر في النار، وهذا قول الحسن، وقتادة. # والثاني: ردت الأرواح إلى الأجساد، فزوجت بها، قاله الشعبي. وعن ~~عكرمة كالقولين. # والثالث: زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين ~~بالشياطين، قاله عطاء، ومقاتل. # قوله تعالى: { وإذا الموؤودة سئلت } قال اللغويون: الموؤودة: البنت ~~تدفن وهي حية، وكان هذا من فعل الجاهلية. # يقال: وأد ولده، أي: دفنه حيا. قال الفرزدق: # ومنا الذي منع الوائدا # ت فأحيا الوئيد ولم يوأد # يعني: صعصعة بن صوحان، وهو جد الفرزدق. قال الزجاج: ومعنى سؤالها: ~~تبكيت قاتليها في القيامة، لأن جوابها: قتلت بغير ذنب. ومثل هذا التبكيت ~~قوله تعالى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين؟! # [المائدة: 116]. وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد ~~الرحمن، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وهارون عن أبي عمرو «سألت» بفتح ~~السين، وألف بعدها { بأي ذنب قتلت } بإسكان اللام، ms2110 وضم التاء ~~الأخيرة. وسؤالها هذا أيضا تبكيت لقاتليها. قال ابن عباس: كانت المرأة ~~في الجاهلية إذا حملت، فكان أوان ولادها حفرت حفيرة، فتمخضت على رأس ~~الحفيرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة، وإن ولدت غلاما حبسته. # قوله تعالى: { وإذا الصحف نشرت } قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر، ~~وابن عامر، ويعقوب «نشرت» بالتخفيف، والباقون بالتشديد. والمراد ~~بالصحف: صحائف أعمال بني آدم تنشر للحساب { وإذا السماء كشطت } قال ~~الفراء: نزعت، فطويت. وفي قراءة عبد الله «قشطت» بالقاف، ~~وهكذا تقوله قيس، وتميم، وأسد، بالقاف. وأما قريش، فتقوله بالكاف، ~~والمعنى واحد. # والعرب تقول: القافور، والكافور، والقسط، والكسط. وإذا تقارب الحرفان في ~~المخرج تعاقبا في اللغات، كما يقال: حدث، وحدت. قال ابن قتيبة: ~~كشطت كما يكشط الغطاء عن الشيء، فطويت. وقال الزجاج: قلعت ~~كما يقلع السقف. و { سعرت } أوقدت. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم «سعرت» مشددة. قال الزجاج: المعنى واحد. إلا أن معنى المشدد: ~~أوقدت مرة بعد مرة. و { أزلفت } قربت من المتقين. وجواب هذه ~~الأشياء { علمت نفس ما أحضرت } أي: إذا كانت هذا الأشياء علمت في ذلك ~~الوقت كل نفس ما أحضرت من عمل، فأثيبت على قدر عملها. وروي عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال في قوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: لهذا جرى الحديث. ~~وقال ابن عباس: من أول السورة إلى هاهنا اثنتا عشرة خصلة، ستة في الدنيا، ~~وستة في الآخرة. ### || [81.15-29] # قوله تعالى: { فلا أقسم } لا زائدة، والمعنى: أقسم { بالخنس } وفيها ~~خمسة أقوال. # أحدها: أنها خمسة أنجم تخنس بالنهار فلا ترى، وهي زحل، وعطارد، ~~والمشتري، والمريخ، والزهرة، قاله علي، وبه قال مقاتل، وابن قتيبة. ~~وقيل: اسم المشتري: البرجس. واسم المريخ: بهرام. # والثاني: أنها النجوم، قاله الحسن وقتادة على الإطلاق، وبه قال أبو ~~عبيدة. # والثالث: أنها بقر الوحش، قاله ابن مسعود. # والرابع: الظباء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. # والخامس: الملائكة، حكاه الماوردي. والأكثرون على أنها النجوم. قال ابن ~~قتيبة: وإنما سماها خنسا، لأنها تسير في البروج ms2111 والمنازل، كسير الشمس ~~والقمر، ثم تخنس، أي: ترجع، بينا يرى أحدها في آخر البروج كر ~~راجعا إلى أوله، وسماها كنسا، لأنها تكنس، أي: تسير كما تكنس ~~الظباء، وقال الزجاج: تخنس، أي: تغيب، وكذلك تكنس، أي: تغيب في المواضع ~~التي تغيب فيها. وإذا كان المراد الظباء فهو يدخل الكناس، وهو الغصن من ~~أغصان الشجر. ووقف يعقوب على «الجواري» بالياء. # قوله تعالى: { والليل إذا عسعس } فيه قولان. # أحدهما: ولى، قاله ابن عباس، وابن زيد، والفراء. # والثاني: أقبل، قاله ابن جبير، وقتادة. قال الزجاج: يقال: عسعس الليل: ~~إذا أقبل. وعسعس: إذا أدبر. واستدل من قال: إن المراد: إدباره بقوله ~~تعالى { والصبح إذا تنفس } وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن قرط: # حتى إذا الصبح لها تنفسا # وإنجاب عنها ليلها وعسعسا # وفي قوله تعالى { تنفس } قولان. # أحدهما: أنه طلوع الفجر، قاله علي وقتادة. # والثاني: طلوع الشمس، قاله الضحاك. قال الزجاج: معناه: إذا امتد حتى ~~يصير نهارا بينا. وجواب القسم في قوله: { فلا أقسم بالخنس } وما ~~بعده قوله { إنه لقول رسول كريم } يعني: أن القرآن نزل به جبريل. وقد ~~بينا هذا في [الحاقة: 40]. ثم وصف جبريل بقوله تعالى: { ذي قوة } وهو ~~كقوله تعالى: { ذو مرة } وقد شرحناه في [النجم آية: 6] { ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين } يعني: في المنزلة { مطاع ثم أمين } أي: في السموات ~~تطيعه الملائكة. فمن طاعة الملائكة له: أنه أمر خازن الجنة ليلة ~~المعراج حتى فتحها لمحمد صلى الله عليه وسلم فدخلها ورأى ما فيها، وأمر ~~خازن جهنم ففتح له عنها حتى نظر إليها. وقرأ أبي بن كعب، وابن ~~مسعود، وأبو حيوة، «ثم» بضم الثاء. ومعنى «أمين» على وحي الله ~~ورسالاته. قال أبو صالح: أمين على أن يدخل سبعين سرادقا من نور بغير ~~إذن. # قوله تعالى: { وما صاحبكم بمجنون } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~والخطاب لأهل مكة. قال الزجاج: وهذا أيضا من جواب القسم، وذلك أنه أقسم ~~أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا ليس بمجنون كما يقول أهل مكة. # قوله تعالى: { ولقد ms2112 رآه بالأفق المبين } قال المفسرون: رأى محمد صلى ~~الله عليه وسلم جبريل على صورته بالأفق، وقد ذكرنا هذا في سورة [النجم: ~~7]. # قوله تعالى: { وما هو } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم { على الغيب } ~~أي: على خبر السماء الغائب عن أهل الأرض { بضنين } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، والكسائي، ورويس، «بظنين» بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد. قال ابن ~~قتيبة: من قرأ بالظاء، فالمعنى: ما هو بمتهم على ما يخبر به عن الله، ~~ومن قرأ بالضاد، فالمعنى: ليس ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم. ~~وقال غيره: ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه. # قوله تعالى: { وما هو } يعني: القرآن { بقول شيطان رجيم } قال مقاتل: ~~وذلك أن كفار مكة قالوا: إنما يجيء به الشيطان، فيلقيه على لسان محمد. # قوله تعالى: { فأين تذهبون } قال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون ~~أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ { إن هو } أي: ما هو، ~~يعني: القرآن { إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة للخلق أجمعين { لمن شاء ~~منكم أن يستقيم } على الحق والإيمان. والمعنى: أن القرآن إنما يتعظ به من ~~استقام على الحق. وقد بينا سبيل الإستقامة، فمن شاء أخذ في تلك ~~السبيل. ثم أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه بما بعد هذا، وقد ~~بينا هذا في سورة [الإنسان: 30] قال أبو هريرة: لما نزلت { لمن شاء ~~منكم أن يستقيم } قالوا: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم ~~نستقم، فنزل قوله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } ~~وقيل: القائل لذلك أبو جهل. وقرأ أبو بكر الصديق، وأبو المتوكل، وأبو ~~عمران: «وما يشاؤون» بالياء. # فصل # وقد زعم بعض ناقلي التفسير أن قوله تعالى { لمن شاء منكم أن يستقيم } ~~وقوله تعالى في [عبس: 12] # فمن شاء ذكره # وقوله تعالى في سورة [الإنسان: 29] وفي سورة [المزمل: 18] # فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا # كله منسوخ بقوله تعالى { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } ولا أرى هذا ~~القول صحيحا، لأنه لو جاز وقوع مشيئتهم مع عدم مشيئته توجه النسخ. ms2113 ~~فأما إذ أخبر أن مشيئتهم لا تقع إلا بعد مشيئته، فليس للنسخ وجه. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-19] # قوله تعالى: { إذا السماء انفطرت } انفطارها: انشقاقها. و { انتثرت } ~~بمعنى تساقطت. و { فجرت } بمعنى فتح بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا. ~~وقال الحسن: ذهب ماؤها، و { بعثرت } بمعنى أثيرت. قال ابن قتيبة: ~~قلبت فأخرج ما فيها. يقال بعثرت المتاع وبحثرته: إذا ~~جعلت أسفله أعلاه. # قوله تعالى: { علمت نفس ما قدمت وأخرت } هذا جواب الكلام. وقد ~~شرحناه في قوله تعالى # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]. # قوله تعالى: { يا أيها الإنسان } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنه عني به أبو الأشدين، وكان كافرا، قاله ابن عباس، ومقاتل. ~~وقد ذكرنا اسمه في [المدثر: 30]. # والثاني: أنه الوليد بن المغيرة، قاله عطاء. # والثالث: أبي بن خلف، قاله عكرمة. # والرابع: أنه أشار الى كل كافر، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: { ما غرك } قال الزجاج: أي: ما خدعك وسول لك حتى ~~أضعت ما وجب عليك؟. وقال غيره: المعنى: ما الذي أمنك من عقابه وهو ~~كريم متجاوز إذ لم يعاقبك عاجلا؟ وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله ~~سبحانه يوم القيامة، وقال: ما غرك بربك الكريم، ماذا كنت تقول؟ قال: ~~أقول: غرني ستورك المرخاة. وقال يحيى بن معاذ: لو قال لي: ما غرك بي؟ ~~قلت: برك سالفا وآنفا. قيل: لما ذكر الصفة التي هي الكرم هاهنا دون ~~سائر صفاته، كان كأنه لقن عبده الجواب، ليقول: غرني كرم الكريم. # قوله تعالى: { الذي خلقك } ولم تك شيئا { فسواك } إنسانا تسمع وتبصر ~~{ فعدلك } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «فعدلك» ~~بالتشديد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي «فعدلك» بالتخفيف. قال الفراء: ~~من قرأ بالتخفيف، فوجهه والله أعلم فصورك إلى أي صورة شاء، إما ~~حسن، وإما قبيح، وإما طويل، وإما قصير. وقيل: في صورة أب، في صورة عم، ~~في صورة بعض القرابات تشبيها. ومن قرأ بالتشديد، فإنه أراد والله ~~أعلم-: جعلك معتدلا، معدل الخلقة. وقال غيره: عدل أعضاءك فلم تفضل ~~يد على يد، ولا رجل ms2114 على رجل، وعدل بك أن يجعلك حيوانا بهيما. # قوله تعالى: { في أي صورة ما شاء ركبك } قال الزجاج: يجوز أن تكون ~~«ما» زائدة. ويجوز أن تكون بمعنى الشرط والجزاء، فيكون المعنى: في أي ~~صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك. وفي معنى الآية أربعة أقوال. # أحدها: في أي صورة من صور القرابات ركبك، وهو معنى قول مجاهد. # والثاني: في أي صورة، من حسن، أو قبح، أو طول، أو قصر، أو ذكر، أو ~~أنثى، وهو معنى قول الفراء. # والثالث: إن شاء أن يركبك في غير صورة الإنسان ركبك، قاله مقاتل. وقال ~~عكرمة: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. # والرابع: إن شاء في صورة إنسان بأفعال الخير. وإن شاء في صورة حمار ~~بالبلادة والبله، وإن شاء في صورة كلب بالبخل، أو خنزير بالشره، ذكره ~~الثعلبي. # قوله تعالى: { بل تكذبون بالدين } وقرأ أبو جعفر «بالياء» أي: ~~بالجزاء والحساب، تزعمون أنه غير كائن. ثم أعلمهم أن أعمالهم محفوظة، ~~فقال تعالى { وإن عليكم لحافظين } أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم ~~{ كراما } على ربهم { كاتبين } يكتبون أعمالكم { يعلمون ما تفعلون } ~~من خير وشر، فيكتبونه عليكم. # قوله تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } وذلك في الآخرة إذا دخلوا الجنة { ~~وإن الفجار } وفيهم قولان. # أحدهما: أنهم المشركون. # والثاني: الظلمة. ونقل عن سليمان بن عبد الملك أنه قال لأبي حازم: يا ~~ليت شعري ما لنا عند الله؟ فقال له: اعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم ~~ما لك عنده، فقال: وأين أجده؟ قال: عند قوله تعالى: { إن الأبرار لفي ~~نعيم، وإن الفجار لفي جحيم } قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من ~~المحسنين. # قوله تعالى: { يصلونها } يعني: يدخلون الجحيم مقاسين حرها { يوم ~~الدين } أي: يوم الجزاء على الأعمال { وما هم عنها } أي: عن الجحيم { ~~بغائبين } وهذا يدل على تخليد الكفار. وأجاز بعض العلماء أن تكون «عنها» ~~كناية عن القيامة، فتكون فائدة الكلام تحقيق البعث. ويشتمل هذا على ~~الأبرار والفجار. ثم عظم ذلك اليوم بقوله تعالى: { وما ms2115 أدراك ما يوم ~~الدين } ثم كرر ذلك تفخيما لشأنه، وكان ابن السائب يقول: الخطاب ~~بهذا للإنسان الكافر، لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { يوم لا تملك نفس لنفس } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «يوم» ~~بالرفع والباقون بالفتح. قال الزجاج: من رفع «اليوم»، فعلى أنه صفة لقوله ~~تعالى: «يوم الدين». ويجوز أن يكون رفعه بإضمار «هو»، ونصبه على معنى: ~~هذه الأشياء المذكورة تكون { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } قال المفسرون: ~~ومعنى الآية أنه لا يملك الأمر أحد إلا الله، ولم يملك أحدا من ~~الخلق شيئا كما ملكهم في الدنيا. وكان مقاتل يقول: لا تملك نفس لنفس ~~كافرة شيئا من المنفعة. والقول على الإطلاق أصح، لأن مقاتلا فيما أحسب ~~خاف نفي شفاعة المؤمنين. والشفاعة إنما تكون عن أمر الله وتمليكه. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-6] # قوله تعالى: { ويل للمطففين } قال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى { ويل ~~للمطففين } فأحسنوا الكيل بعد ذلك. وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل ~~بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية. وقد شرحنا معنى «الويل» ~~في [البقرة: 79]. وقال ابن قتيبة: المطفف: الذي لا يوفي الكيل، يقال: ~~إناء طفان: إذا لم يكن مملوءا. وقال الزجاج: إنما قيل: مطفف، لأنه ~~لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء الطفيف، وإنما أخذ من طف ~~الشيء، وهو جانبه. # قوله تعالى: { الذين إذا اكتالوا على الناس } أي: من الناس. ف «على» ~~بمعنى «من» في قول المفسرين واللغويين. قال الفراء: «على»، و «من» ~~يعتقبان في هذا الموضع، لأنك إذا قلت: اكتلت عليك، فكأنك قلت: أخذت ما ~~عليك، [كيلا]، وإذا قلت: اكتلت منك، فهو كقولك: استوفيت منك. [كيلا]. ~~قال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، وكذلك ~~إذا اتزنوا، ولم يذكر «إذا اتزنوا»، لأن الكيل والوزن بهما ~~الشراء والبيع فيما يكال ويوزن، فأحدهما يدل ms2116 على الآخر { وإذا كالوهم ~~} أي: كالوا لهم { أو وزنوهم } أي: وزنوا لهم { يخسرون } أي: ينقصون في ~~الكيل، والوزن. فعلى هذا لا يجوز أن يقف على «كالوا» ومن الناس من يجعل ~~«هم» توكيدا لما كالوا، ويجوز أن يقف على «كالوا» والاختيار الأول. قال ~~الفراء: سمعت أعرابية تقول: # إذا صدر الناس أتينا التاجر، فيكليلنا المد والمدين إلى الموسم ~~المقبل. # قوله تعالى: { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟! } قال الزجاج: المعنى: لو ~~ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن { ليوم عظيم } يعني به ~~يوم القيامة { يوم يقوم الناس } منصوب بقوله تعالى «مبعوثون». قال ~~المفسرون: والظن هاهنا بمعنى العلم واليقين. ومعنى: يقوم الناس، أي: من ~~قبورهم { لرب العالمين } أي: لأمره، أو لجزائه وحسابه، وقيل: يقومون بين ~~يديه لفصل القضاء. وفي «الصحيحين» من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: في هذه الآية: # " يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " # وقال كعب: يقفون ثلاثمائة عام. قال مقاتل: وذلك إذا خرجوا من قبورهم. ### || [83.7-28] # قوله تعالى: { كلا } ردع وزجر، أي: ليس الأمر على ما هم عليه، ~~فليرتدعوا. وهاهنا تم الكلام عند كثير من العلماء. وكان أبو حاتم يقول: ~~«كلا» ابتداء يتصل بما بعده على معنى «حقا» { إن كتاب الفجار } قال ~~مقاتل: إن كتاب أعمالهم { لفي سجين } وفيها أربعة أقوال: # أحدها: أنها الأرض السابعة، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ~~ومقاتل. وروي عن مجاهد قال: «سجين» صخرة تحت الأرض السابعة، يجعل كتاب ~~الفجار تحتها، وهذه علامة لخسارتهم، ودلالة على خساسة منزلتهم. # والثاني: أن المعنى إن كتابهم لفي سفال، قاله الحسن. # والثالث: لفي خسار، قاله عكرمة. # والرابع: لفي حبس، فعيل من السجن، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: { وما أدراك ما سجين } هذا تعظيم لأمرها. وقال الزجاج: أي: ~~ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. # قوله تعالى: { كتاب مرقوم } أي: ذلك الكتاب الذي في سجين كتاب مرقوم، ~~أي: مكتوب. قال ابن قتيبة: والرقم: الكتاب، قال أبو ذؤيب: # عرفت الديار كرقم الدوا # ة ms2117 يزبره الكاتب الحميري # وأنشده الزجاج: «يذبرها» بالذال المعجمة، وكسر الباء. قال الأصمعي: ~~يقال: زبر: كتب، وذبر: قرأ. وروى أبو عمرو عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، ~~قال: الصواب: زبرت بالزاي كتبت. وذبرت بالذال أتقنت ما حفظت. ~~قال: والبيت يزبرها، بالزاي والضم. وقال ابن قتيبة: يروى «يزبرها» ~~و«يذبرها» وهو مثله، يقال: زبر الكتاب يزبره، ويزبره. وذبره يذبره، ~~ويذبره. وقال قتادة: رقم له بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه ~~الكافر. وقيل: المعنى: إنه مثبت لهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى ~~حتى يجازوا به. # قوله تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين } هذا منتظم بقوله تعالى: { يوم يقوم ~~الناس } وما بينهما كلام معترض. وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله تعالى: { ~~بل ران على قلوبهم } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر «بل ران» بفتح ~~الراء مدغمة، وقرأ أبو بكر عن عاصم «بل ران» مدغمة بكسر الراء. وقرأ حفص ~~عن عاصم «بل» بإظهار اللام «ران» بفتح الراء. قال اللغويون: أي: غلب على ~~قلوبهم، يقال: الخمرة ترين على عقل السكران. قال الزجاج: قرئت بإدغام ~~اللام في الراء، لقرب ما بين الحرفين، وإظهار اللام جائز، لأنه من كلمة، ~~والرأس من كلمة أخرى. ويقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا: إذا غشي ~~على قلبه، ويقال: غان يغين غنيا، والغين كالغيم الرقيق، والرين كالصدأ ~~يغشى على القلب. وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: الغين يقال: بالراء، ~~وبالغين، ففي القرآن «كلا بل ران» وفي الحديث # " إنه ليغان على قلبي " # وكذلك الراية تقال بالراء، وبالغين، والرميصاء تكتب «بالغين»، وبالراء، ~~لأن الرمص يكتب بهما. # قال المفسرون: لما كثرت معاصيهم وذنوبهم أحاطت بقلوبهم. قال الحسن: هو ~~الذنب على الذنب حتى يعمى القلب. # قوله تعالى: { كلا } أي: لا يصدقون. ثم استأنف { إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون } قال ابن عباس: إنهم عن النظر إلى ربهم يومئذ لمحجوبون، ~~والمؤمن لا يحجب عن رؤيته. وقال مالك بن أنس: لما حجب أعداءه فلم يروه ~~تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي: لما حجب قوما بالسخط دل على ~~أن ms2118 قوما يرونه بالرضى. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله ~~عز وجل يرى في القيامة. ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست ~~منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن ربهم. ثم من بعد حجبهم عن الله يدخلون ~~النار، فذلك قوله تعالى { ثم إنهم لصالوا الجحيم }. # قوله تعالى: { ثم يقال } أي: يقول لهم خزنة النار: { هذا } العذاب { ~~الذي كنتم به تكذبون. كلا } أي: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم أعلم أين ~~محل { كتاب الأبرار } فقال تعالى: { لفي عليين } وفيها سبعة أقوال. # أحدها: أنها الجنة، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أنه لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش فيه أعمالهم مكتوبة، ~~روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين، قاله كعب، وهو ~~مذهب مجاهد، وابن زيد. # والرابع: أنها قائمة العرش اليمنى، قاله قتادة. وقال مقاتل: ساق العرش. # والخامس: أنه سدرة المنتهى، قاله الضحاك. # والسادس: أنه في علو وصعود إلى الله عز وجل، قاله الحسن. وقال الفراء: ~~في ارتفاع بعد ارتفاع. # والسابع: أنه أعلى الأمكنة، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وما أدراك ما عليون } هذا تعظيم لشأنها. # قوله تعالى: { كتاب مرقوم } الكلام فيه كالكلام في الآية التي قبلها. # قوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يحضر المقربون من الملائكة ذلك ~~المكتوب، أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. وما بعد هذا قد سبق بيانه ~~[الانفطار: 13] إلى قوله تعالى: { ينظرون } وفيه قولان. # أحدهما: إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. # والثاني: إلى أعدائهم حين يعذبون. # قوله تعالى: { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } وقرأ أبو جعفر، ويعقوب، ~~«تعرف» بضم التاء، وفتح الراء «نضرة» بالرفع. قال الفراء: بريق النعيم ~~ونداه، قال المفسرون: إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعيم، لما ترى من ~~الحسن والنور. وفي «الرحيق» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الخمر، قاله الجمهور. ثم اختلفوا أي الخمر هي على أربعة ~~أقوال. أحدها: أجود الخمر، قاله الخليل بن أحمد. والثانية: الخالصة من ~~الغش، قاله الأخفش. والثالث: الخمر البيضاء، قاله مقاتل. والرابع: الخمر ms2119 ~~العتيقة، حكاه ابن قتيبة. # والقول الثاني: أنه عين في الجنة مشوبة بالمسك، قاله الحسن. # والثالث: أنه الشراب الذي لا غش فيه، قاله ابن قتيبة، والزجاج. وفي قوله ~~تعالى { مختوم } ثلاثة أقوال. # أحدها: ممزوج، قاله ابن مسعود. # والثاني: مختوم على إنائه، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد. # والثالث: له ختام، أي: عاقبة ريح، وتلك العاقبة هي قوله تعالى: ختامه ~~مسك، أي: عاقبته. هذا قول أبي عبيدة. # { ختامه مسك } قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة ~~«ختامه» بكسر الخاء، وبفتح التاء، وبألف بعدهما، مرفوعه الميم. وقرأ ~~الكسائي «خاتمه» بخاء مفتوحة، بعدها ألف، وبعدها تاء مفتوحة. وروى ~~الشيزري «خاتمه» مثل ذلك، إلا أنه يكسر التاء. وقرأ أبي بن كعب، ~~وعروة، وأبو العالية: «ختمه» بفتح الخاء والتاء و [بضم] الميم من غير ~~ألف. # وللمفسرين في قوله تعالى: { ختامه مسك } أربعة أقوال. # أحدها: خلطه مسك، قاله ابن مسعود، ومجاهد. # والثاني: أن ختمه الذي يختم به الإناء مسك، [قاله ابن عباس. # والثالث: أن طعمه وريحه مسك، قاله علقمة. # والرابع: أن آخر طعمه مسك] قاله سعيد بن جبير، والفراء، وأبو عبيدة، ~~وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. # قوله تعالى: { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } أي: فليجدوا في طلبه، ~~وليحرصوا عليه بطاعة الله. والتنافس: كالتشاح على الشيء، والتنازع فيه. # قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم } فيه قولان. # أحدهما: أنه اسم عين في الجنة يشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب ~~اليمين. # والثاني: أن التسنيم الماء، قاله الضحاك. قال مقاتل: وإنما سمي تسنيما، ~~لأنه يتسنم عليه من جنة عدن، فينصب عليهم انصبابا، فيشربون الخمر من ~~ذلك الماء. قال ابن قتيبة: يقال: إن التسنيم أرفع شراب في الجنة. ويقال: ~~إنه يمتزج بماء ينزل من تسنيم، أي: من علو. وأصل هذا من سنام البعير، ~~ومن تسنيم القبور. وهذا أعجب إلي، لقول المسيب بن علس في وصف ~~امرأة: # كأن بريقتها للمزا # ج من ثلج تسنيم شيبت عقارا # أراد كأن بريقتها عقارا شيبت للمزاج من ثلج تسنيم، يريد: جبلا. ~~قال الزجاج: المعنى: ومزاجه من تسنيم عينا ms2120 تأتيهم من تسنيم، أي: من علو ~~يتسنم عليهم من الغرف. ف «عينا» في هذا القول منصوبة، كما قال ~~تعالى: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد: 15] ويجوز أن تكون «عينا» منصوبة بقوله: يسقون عينا، أي: ~~من عين. وقد بينا معنى # يشرب بها # في [هل أتى: 6]. ### || [83.29-36] # قوله تعالى: { إن الذين أجرموا } أي: أشركوا { كانوا من الذين آمنوا } ~~يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل عمار، وبلال، وخباب ~~وغيرهم { يضحكون } على وجه الإستهزاء بهم { وإذا مروا } يعني: المؤمنين ~~{ بهم } أي: بالكفار { يتغامزون } أي: يشيرون بالجفن والحاجب استهزاء ~~بهم { وإذا انقلبوا } يعني الكفار { إلى أهلهم انقلبوا فكهين } أي: ~~متعجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم. وقرأ أبو جعفر، وحفص عن عاصم، ~~وعبد الرزاق عن ابن عامر «فكهين» بغير ألف. وقد شرحنا معنى القراءتين في ~~[يس:55] { وإذا رأوهم } أي: رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ قالوا إن هؤلاء لضالون } يقول الله تعالى { وما أرسلوا } يعني الكفار ~~{ عليهم } أي: على المؤمنين { حافظين } يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم ~~يوكلوا بحفظ أعمالهم { فاليوم } يعني: في الآخرة { الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون } إذا رأوهم يعذبون في النار. قال أبو صالح: يقال ~~لأهل النار وهم فيها: اخرجوا، وتفتح لهم أبوابها، فإذا أقبلوا يريدون ~~الخروج، غلقت أبوابها دونهم. والمؤمنون. { على الأرآئك ينظرون } إلى ~~عذاب عدوهم. قال مقاتل: لكل رجل من أهل الجنة ثلمة ينظرون إلى أعداء ~~الله كيف يعذبون. فيحمدون الله على ما أكرمهم به، فهم يكلمون أهل ~~النار ويكلمونهم إلى أن تطبق النار على أهلها، فتسد حينئذ الكوى. # قوله تعالى: { هل ثوب الكفار } وقرأ حمزة، والكسائي، وهارون عن أبي ~~عمرو «هل ثوب» بإدغام اللام. أي: هل جوزوا وأثيبوا على استهزائهم ~~بالمؤمنين في الدنيا؟ وهذا الإستفهام بمعنى التقرير. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-14] # قوله تعالى: { إذا السماء انشقت } قال المفسرون: انشقاقها من علامات ~~الساعة. وقد ذكر ذلك في مواضع من القرآن. [الفرقان:225، الرحمن:37، ~~الحاقة:16] { وأذنت لربها } أي: استمعت وأطاعت في الانشقاق، من ~~الأذن، وهو الاستماع للشيء ms2121 والإصغاء إليه، وأنشدوا: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به # فإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # { وحقت } أي: حق لها أن تطيع ربها الذي خلقها { وإذا الأرض ~~مدت } قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزاد في سعتها، وقال ~~مقاتل: لا يبقى جبل ولا بناء إلا دخل فيها. # قوله تعالى: { وألقت ما فيها من الموتى } والكنوز { وتخلت } أي: ~~خلت من ذلك، فلم يبق في باطنها شيء. واختلفوا في جواب هذه الأشياء ~~المذكورات على أربعة أقوال. # أحدها: أنه متروك، لأن المعنى معروف قد تردد في القرآن. # والثاني: أنه { يا أيها الإنسان } كقول القائل، إذا كان كذا وكذا فيا ~~أيها الناس ترون ما عملتم، فيجعل: { يا أيها الإنسان } هو الجواب، ~~وتضمر فيه الفاء، كأن المعنى: يرى الثواب والعقاب إذا السماء انشقت، وذكر ~~القولين الفراء. # والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره «يا أيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت» قاله المبرد. # والرابع: أن الجواب مدلول عليه بقوله تعالى «فملاقيه». فالمعنى: إذا كان ~~يوم القيامة لقي الإنسان عمله، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { إنك كادح إلى ربك كدحا } فيه قولان. # أحدهما: إنك عامل لربك عملا، قاله ابن عباس. # والثاني: ساع إلى ربك سعيا، قاله مقاتل. قال الزجاج: و «الكدح» في ~~اللغة: السعي، والدأب في العمل في باب الدنيا والآخرة. قال تميم بن مقبل: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # وفي قوله تعالى { إلى ربك } قولان. # أحدهما: عامل لربك، وقد ذكرناه عن ابن عباس. # والثاني: إلى لقاء ربك، قاله ابن قتيبة. وفي قوله تعالى: { فملاقيه } ~~قولان. # أحدهما: فملاق عملك. # والثاني: فملاق ربك، كما ذكرهما الزجاج. # قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } وهو أن تعرض عليه سيئاته، ثم ~~يغفرها الله له. وفي «الصحيحين» من حديث عائشة، قالت: قال: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من نوقش الحساب هلك، فقلت: يا رسول الله، فإن الله يقول: «فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا» قال: «ذلك العرض» ". # قوله تعالى: { وينقلب إلى أهله } يعني: في الجنة من ms2122 الحور العين ~~والآدميات { مسرورا } بما أوتي من الكرامة { وأما من أوتي كتابه وراء ~~ظهره } قال المفسرون: تغل يده اليمنى إلى عنقه، وتجعل يده اليسرى ~~وراء ظهره { فسوف يدعو ثبورا } قال الزجاج: يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه، ~~وهذا يقوله كل من وقع في هلكة. # قوله تعالى: { ويصلى سعيرا } قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~والكسائي، «ويصلى» بضم الياء، وتشديد اللام. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، ~~وحمزة «ويصلى» بفتح الياء خفيفة، إلا أن حمزة والكسائي يميلانها. وقد ~~شرحناه في سورة [النساء: 11]. # قوله تعالى: { إنه كان في أهله } يعني في الدنيا { مسرورا } باتباع ~~هواه، وركوب شهواته. { إنه ظن أن لن يحور } أي: لن يرجع إلى الآخرة، ولن ~~يبعث وهذه صفة الكافر. قال اللغويون: الحور في اللغة: الرجوع، وأنشدوا ~~للبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع ### || [84.15-25] # قوله تعالى: { بلى } قال الفراء: المعنى: بلى ليحورون، ثم استأنف، فقال ~~تعالى: { إن ربه كان به بصيرا } قال المفسرون: بصيرا به على جميع ~~أحواله. # قوله تعالى: { فلا أقسم } قد سبق بيانه. # فأما «الشفق» فقال ابن قتيبة: هما شفقان: الأحمر، والأبيض، فالأحمر: من ~~لدن غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء ثم يغيب، ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف ~~الليل. # وللمفسرين في المراد «بالشفق» هاهنا ستة أقوال. # أحدها: الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وقد روى ابن عمر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشفق: الحمرة»، وهذا قول عمر، ~~وابنه، وابن مسعود، وعبادة، وأبي قتادة، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، ~~وأبي هريرة، وأنس، وابن المسيب، وابن جبير، وطاووس، ومكحول، ومالك، ~~والأوزاعي، وأبي يوسف، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، وابن قتيبة، ~~والزجاج. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول وعليه ثوب مصبوغ: كأنه الشفق، ~~وكان أحمر. # والثاني: أنه النهار. # والثالث: الشمس، روي القولان عن مجاهد. # والرابع: ما بقي من النهار، قاله عكرمة. # والخامس: السواد الذي يكون بعد ذهاب البياض، قاله أبو جعفر محمد ابن ~~علي. # والسادس: أنه البياض، قاله عمر بن عبد ms2123 العزيز. # قوله تعالى: { والليل وما وسق } أي: وما جمع وضم. وأنشدوا: # إن لنا قلائصا حقائقا # مستوسقات لو يجدن سائقا # قال أبو عبيدة: { وما وسق } ما علا فلم يمنع منه شيء، فإذا جلل ~~الليل الجبال، والأشجار، والبحار، والأرض، فاجتمعت له، فقد وسقها. وقال ~~بعضهم: معنى: «ما وسق»: ما جمع مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه إلى ~~مأواه. # قوله تعالى: { والقمر إذا اتسق } قال الفراء: اتساقه: اجتماعه واستواؤه ~~ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، إلى ست عشرة. # قوله تعالى: { لتركبن طبقا عن طبق } قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي ~~«لتركبن» بفتح التاء والباء، وفي معناه قولان. # أحدهما: أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم في معناه قولان. # أحدهما: لتركبن سماء بعد سماء، قاله ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد. # والثاني: لتركبن حالا بعد حال، قاله ابن عباس، وقال: هو نبيكم. # والقول الثاني: أن الإشارة إلى السماء. والمعنى: أنها تتغير ضروبا من ~~التغيير، فتارة كالمهل، وتارة كالدهان، روي عن ابن مسعود أيضا. # وقرأ عاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «لتركبن» بفتح التاء، وضم ~~الباء، وهو خطاب لسائر الناس. ومعناه. لتركبن حالا بعد حال. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو الجوزاء، وأبو الأشهب، «ليركبن» بالياء، ونصب الباء. وقرأ ~~أبو المتوكل، وأبو عمران، وابن يعمر «ليركبن» بالياء، وضم الباء. و ~~«عن» بمعنى: «بعد». وهذا قول عامة المفسرين واللغوين، وأنشدوا للأقرع بن ~~حابس. # إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره # وساقني طبق منه إلى طبق # ثم في معنى الكلام خمسة أقوال. # أحدها: أنه الشدائد، والأهوال، ثم الموت، ثم البعث، ثم العرض، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنه الرخاء بعد الشدة، والشدة بعد الرخاء، والغنى بعد الفقر، ~~والفقر بعد الغنى، والصحة بعد السقم، والسقم بعد الصحة، [قاله الحسن. # والثالث: أنه كون الإنسان رضيعا ثم فطيما ثم غلاما شابا ثم شيخا]، ~~قاله عكرمة. # والرابع: أنه تغير حال الإنسان في الآخرة بعد الدنيا، فيرتفع من كان ~~وضيعا، ويتضع من كان مرتفعا، وهذا مذهب سعيد بن جبير. # والخامس: أنه ركوب سنن من كان قبلهم من الأولين، ms2124 قاله أبو عبيدة. وكان ~~بعض الحكماء يقول: من كان اليوم على حالة، وغدا على حالة أخرى، فليعلم ~~أن تدبيره إلى سواه. # قوله تعالى: { فما لهم } يعني: كفار مكة { لا يؤمنون } أي: لا يؤمنون ~~بمحمد والقرآن، وهو استفهام إنكار { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ~~فيه قولان. # أحدهما: لا يصلون، قاله عطاء، وابن السائب. # والثاني: لا يخضعون له، ويستكينون، قاله ابن جرير، واختاره القاضي أبو ~~يعلى. قال: وقد احتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة، وليس فيها دلالة على ~~ذلك، وإنما المعنى: لا يخشعون، ألا ترى أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، ~~والسجود يختص بمواضع منه. # قوله تعالى: { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن، والبعث، والجزاء { ~~والله أعلم بما يوعون } في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من التكذيب. قال ابن ~~قتيبة: «يوعون»: يجمعون في قلوبهم. وقال الزجاج: يقال: أوعيت المتاع في ~~الوعاء، ووعيت العلم. # قوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } أي أخبرهم بذلك. وقال الزجاج: اجعل ~~للكفار بدل البشارة للمؤمنين بالجنة والرحمة، العذاب الأليم. و ~~«الممنون» عند أهل اللغة: المقطوع. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-22] # قوله تعالى: { والسماء ذات البروج } قد ذكرنا البروج في [الحجر:16] { ~~واليوم الموعود } هو يوم القيامة بإجماعهم { وشاهد ومشهود } فيه أربعة ~~وعشرون قولا. # أحدها: أن الشاهد، يوم الجمعة، والمشهود. يوم عرفة، رواه أبو هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال علي، وابن عباس في رواية، وابن ~~زيد. فعلى هذا سمي يوم الجمعة شاهدا، لأنه يشهد على كل عامل بما فيه، ~~وسمي يوم عرفة مشهودا، لأن الناس يشهدون فيه موسم الحج، وتشهده ~~الملائكة. # والثاني: أن الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم النحر، قاله ابن عمر. # والثالث: أن الشاهد: الله عز وجل، والمشهود: يوم القيامة، رواه الوالبي ~~عن ابن عباس. # والرابع: أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة، رواه مجاهد عن ~~ابن عباس. # والخامس: أن الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: يوم القيامة، ~~رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس، وبه قال الحسن بن علي. # والسادس: أن الشاهد: يوم القيامة، ms2125 والمشهود: الناس، قاله جابر بن عبد ~~الله. # والسابع: أن الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم القيامة، قاله الضحاك. # والثامن: أن الشاهد: يوم التروية، والمشهود: يوم عرفة، قاله سعيد بن ~~المسيب. # والتاسع: أن الشاهد: هو الله، والمشهود: بنو آدم، قاله سعيد بن جبير. # والعاشر: أن الشاهد: محمد، والمشهود: يوم عرفة، قاله الضحاك. # والحادي عشر: أن الشاهد: آدم عليه السلام، والمشهود: يوم القيامة، رواه ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثاني عشر: أن الشاهد، ابن آدم، والمشهود: يوم القيامة، رواه ليث عن ~~مجاهد، وبه قال عكرمة. # الثالث عشر: أن الشاهد: آدم عليه السلام، وذريته، والمشهود يوم القيامة، ~~قاله عطاء بن يسار. # والرابع عشر: أن الشاهد: الإنسان، والمشهود: الله عز وجل، قاله محمد بن ~~كعب. # والخامس عشر: أن الشاهد: يوم النحر، والمشهود: يوم عرفة، قاله إبراهيم. # والسادس عشر: أن الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود، أمته، قاله أبو ~~مالك. ودليله قوله تعالى: # وكنت عليهم شهيدا # [المائدة:117]. # والسابع عشر: أن الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: أمته، قاله ~~عبد العزيز بن يحيى، وبيانه # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء:41]. # والثامن عشر: أن الشاهد: هذه الأمة، والمشهود: سائر الناس، قاله الحسين ~~بن الفضل، ودليله # لتكونوا شهداء على الناس # [البقرة:143]. # والتاسع عشر: أن الشاهد: الحفظة، والمشهود: بنو آدم، قاله محمد بن علي ~~الترمذي، وحكي عن عكرمة نحوه. # والعشرون: أن الشاهد: الحق، والمشهود: الكون، قاله الجنيد. # والحادي والعشرون: أن الشاهد، الحجر الأسود، والمشهود: الحاج. # والثاني والعشرون: أن الشاهد: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمشهود: ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وبيانه # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين.... # الآية [آل عمران:81]. # والثالث والعشرون: أن الشاهد: الله عز وجل، والملائكة، وأولو العلم، ~~والمشهود: لا إله إلا الله، وبيانه # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم # [آل عمران:18]، حكى هذه الأقوال الثلاثة الثعلبي. # والرابع والعشرون: أن الشاهد: الأنبياء عليهم السلام، والمشهود: الأمم، ~~حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. # وفي جواب القسم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه قوله تعالى: { إن بطش ربك لشديد } قاله ms2126 قتادة، والزجاج. # والثاني: أنه قوله تعالى: { قتل أصحاب الأخدود } ، كما أن القسم في ~~قوله تعالى: { والشمس وضحاها } { قد أفلح } ، حكاه الفراء. # والثالث: أنه متروك، وهذا اختيار ابن جرير. # قوله تعالى: { قتل أصحاب الأخدود } أي: لعنوا. والأخدود: شق يشق ~~في الأرض، والجمع: أخاديد. وهؤلاء قوم حفروا حفائر في الأرض وأوقدوا فيها ~~النار، وألقوا فيها من لم يكفر. # واختلف العلماء فيهم على ستة أقوال. # أحدها: أنه ملك كان له ساحر فبعث إليه غلاما يعلمه السحر، وكان ~~الغلام يمر على راهب، فأعجبه أمره، فتبعه، فعلم به الملك، فأمره أن ~~يرجع عن دينه، فقال: لا أفعل، فاجتهد الملك في إهلاكه، فلم يقدر، فقال ~~الغلام: لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. اجمع الناس في صعيد واحد، ~~واصلبني على جذع، وارمني بسهم من كنانتي، وقل: بسم الله رب الغلام، ~~ففعل، فمات الغلام، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فخد الأخاديد، وأضرم ~~فيها النار، وقال: من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها، ففعلوا، وهذا مختصر ~~الحديث، وفيه طول، وقد ذكرته في «المغني» و «الحدائق» بطوله من حديث صهيب ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أن ملكا من الملوك سكر، فوقع على أخته، فلما أفاق قال لها: # ويحك: كيف المخرج؟ فقالت له: اجمع أهل مملكتك فأخبرهم أن الله عز وجل قد ~~أحل نكاح الأخوات، فإذا ذهب هذا في الناس وتناسوه، خطبتهم ~~فحرمته. ففعل ذلك، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فبسط فيهم السوط، ثم جرد ~~السيف، فأبوا فخد لهم أخدودا، وأوقد فيه النار، وقذف من أبى قبول ~~ذلك، قاله علي بن طالب. # والثالث: أنهم ناس اقتتل مؤمنوهم وكفارهم، فظهر المؤمنون، ثم تعاهدوا أن ~~لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر كفارهم، فأخذوهم، فقال له رجل من المؤمنين: ~~أوقدوا نارا، واعرضوا عليها، فمن تابعكم على دينكم، فذاك الذي تحبون، ~~ومن لم يتبعكم أقحم النار فاسترحتم منه، ففعلوا، فجعل المسلمون ~~يقتحمونها، ذكره قتادة. # والرابع: أن قوما من المؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، فأرسل إليهم ~~جبار من عبدة الأوثان، فعرض عليهم الدخول ms2127 في دينه فأبوا، فخدلهم ~~أخدودا، وألقاهم فيه، قاله الربيع بن أنس. # والخامس: أن جماعة آمنوا من قوم يوسف بن ذي نواس بعدما رفع عيسى، ~~فخدلهم أخدودا، وأوقد فيه النار، فأحرقهم كلهم، فأنزل الله تعالى: ~~«قتل أصحاب الأخدود» وهم: يوسف بن ذي نواس وأصحابه، قاله مقاتل. # والسادس: أنهم قوم كانوا يعبدون صنما، ومعهم قوم يكتمون إيمانهم، ~~فعلموا بهم، فخدوا لهم أخدودا، وقذفوهم فيه، حكاه الزجاج. # واختلفوا في الذين أحرقوا على خمسة أقوال. # أحدها: أنهم كانوا من الحبشة، قاله علي كرم الله وجهه. # والثاني: من بني إسرائيل، قاله ابن عباس. # والثالث: من أهل اليمن، قاله الحسن. وقال الضحاك: كانوا من نصارى اليمن، ~~وذلك قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة. # والرابع: من أهل نجران، قاله مجاهد. # والخامس: من النبط، قاله عكرمة. # وفي عددهم ثلاثة أقوال. # أحدها: اثنا عشر ألفا، قاله وهب. # والثاني: سبعون ألفا، قاله ابن السائب. # والثالث: ثمانون رجلا، وتسعة نسوة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { النار ذات الوقود } هذا بدل من «الأخدود» كأنه قال: ~~قتل أصحاب النار، و «الوقود» مفسر في [البقرة:24]. وقرأ أبو رزين ~~العقيلي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، ومجاهد، وأبو العالية، وابن ~~يعمر، وابن أبي عبلة «الوقود» بضم الواو { إذ هم عليها قعود } أي: عند ~~النار. وكان الملك وأصحابه جلوسا على الكراسي عند الأخدود يعرضون ~~المؤمنين على الكفر، فمن أبى ألقوه { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود } أي: حضور، فأخبر الله عز وجل في هذه الآيات بقصة قوم بلغ من ~~إيمانهم ويقينهم أن صبروا على التحريق بالنار، ولم يرجعوا عن دينهم. # قوله تعالى: { وما نقموا منهم } قرأ ابن أبي عبلة «نقموا» بكسر القاف. # قال الزجاج: { أي } ما أنكروا عليهم إيمانهم. وقد شرحنا معنى «نقموا» في ~~[المائدة:59] و [براءة:74] وشرحنا معنى «العزيز الحميد» في [البقرة: 129، ~~267]. # قوله تعالى: { والله على كل شيء شهيد } أي: لم يخف عليه ما صنعوا، ~~فهو شهيد عليهم بما فعلوا. # قوله تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: أحرقوهم، ~~وعذبوهم. # كقوله تعالى: # يوم ms2128 هم على النار يفتنون # [الذاريات:13] { ثم لم يتوبوا } من شركهم وفعلهم ذلك بالمؤمنين { فلهم ~~عذاب جهنم } بكفرهم { ولهم عذاب الحريق } بما أحرقوا المؤمنين، وكلا ~~العذابين في جهنم عند الأكثرين. وذهب الربيع بن أنس في جماعة إلى أن ~~النار ارتفعت إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم، فذلك عذاب الحريق في الدنيا. ~~قال الربيع: وقبض الله أرواح المؤمنين قبل أن تمسهم النار. وحكى الفراء ~~أن المؤمنين نجوا من النار، وأنها ارتفعت فأحرقت الكفرة. # قوله تعالى: { ذلك الفوز الكبير } لأنهم فازوا بالجنة. وقال بعض ~~المفسرين: فازوا من عذاب الكفار، وعذاب الآخرة. # قوله تعالى: { إن بطش ربك } قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا أخذ ~~الظلمة والجبابرة لشديد. # قوله تعالى: { إنه هو يبدئ ويعيد } فيه قولان: # أحدهما: يبدئ الخلق ويعيدهم، قاله الجمهور. # والثاني: يبدئ العذاب في الدنيا على الكفار ثم يعيده عليهم في الآخرة، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. وقد شرحنا في [هود:90] معنى «الودود». # قوله تعالى: { ذو العرش المجيد } وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل عن عاصم ~~«المجيد» بالخفض، وقرأ غيرهم بالرفع، فمن رفع «المجيد» جعله من صفات ~~الله عز وجل، ومن كسر جعله من صفة العرش. # قوله تعالى: { هل أتاك حديث } أي: قد أتاك حديث { الجنود } وهم الذين ~~تجندوا على أولياء الله. ثم بين من هم، فقال تعالى: { فرعون وثمود ~~بل الذين كفروا } يعني: مشركي مكة { في تكذيب } لك والقرآن، أي: لم ~~يعتبروا بمن كان قبلهم { والله من ورائهم محيط } لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالهم { بل هو قرآن مجيد } أي: كريم، لأنه كلام الله، وليس كما ~~يقولون بشعر، ولا كهانة، ولا سحر. وقرأ أبو العالية، وأبو الجوزاء، وأبو ~~عمران، وابن السميفع «بل هو قرآن مجيد» بغير تنوين وبخفض «مجيد» { في ~~لوح محفوظ } وهو اللوح المحفوظ، منه نسخ القرآن وسائر الكتب، فهو محفوظ ~~عند الله، محروس به من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان منه. وقرأ ~~نافع «محفوظ» رفعا على نعت القرآن. فالمعنى: إنه محفوظ من التحريف ~~والتبديل. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-10] # قوله تعالى: { والسماء والطارق } قال ms2129 ابن قتيبة: الطارق: النجم، سمي ~~بذلك، لأنه يطرق، أي: يطلع ليلا، وكل من أتاك ليلا، فقد طرقك. ومنه قول ~~هند ابنة عتبة: # نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # تريد: إن أبانا نجم في شرفه وعلوه. # قوله تعالى: { وما أدراك ما الطارق } قال المفسرون: ذلك أن هذا الاسم ~~يقع على كل ما طرق ليلا، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدري ما ~~المراد به حتى تبينه بقوله تعالى: { النجم الثاقب } يعني: المضيء، كما ~~بينا في [الصافات: 10]. # وفي المراد بهذا النجم ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه زحل، قاله علي رضي الله عنه. وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس ~~رضي الله عنه قال: هو زحل، ومسكنه في السماء السابعة لا يسكنها غيره من ~~النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط، فكان معها، ثم رجع ~~إلى مكانه من السماء السابعة، فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد. # والثاني: أنه الثريا، قاله ابن زيد. # والثالث: أنه اسم جنس، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله تعالى: { إن كل نفس } قرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل [إن] ~~بالتشديد «كل» بالنصب { لما عليها حافظ } وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ~~وعاصم الجحدري، وحمزة، وأبو حاتم عن يعقوب «لما» بالتشديد. وقرأ ~~الباقون بالتخفيف. # قال الزجاج: هذه الآية جواب القسم، ومن خفف فالمعنى: لعليها حافظ و ~~«ما» لغو. ومن شدد، فالمعنى: إلا، قال: فاستعملت «لما» في موضع «إلا» في ~~موضعين. أحدهما: هذا. والآخر: في باب القسم. تقول: سألتك لما فعلت، ~~بمعنى: إلا فعلت. قال المفسرون: المعنى: ما من نفس إلا عليها حافظ. وفيه ~~قولان. # أحدهما: أنهم الحفظة من الملائكة، قاله ابن عباس. قال قتادة: يحفظون على ~~الإنسان عمله من خير أو شر. # والثاني: حافظ يحفظ الإنسان حتى حين يسلمه إلى المقادير، قاله الفراء. ~~ثم نبه على البعث بقوله تعالى: { فلينظر الإنسان مم خلق؟ } أي: من أي شيء ~~خلقه الله؟ والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال ليعرف أن الذي ~~ابتدأه من نطفة قادر على إعادته. # قوله تعالى: { من ماء دافق } قال الفراء: ms2130 معناه: مدفوق، كقول العرب. ~~سر كاتم، وهم ناصب، وليل نائم، وعيشة راضية، وأهل الحجاز يجعلون ~~المفعول فاعلا، قال الزجاج: ومذهب سيبويه، وأصحابه أن معناه النسب إلى ~~الاندفاق، والمعنى: من ماء ذي اندفاق. # قوله تعالى: { يخرج من بين الصلب } قرأ ابن مسعود، وابن سيرين، وابن ~~السميفع، وابن أبي عبلة «الصلب» بضم الصاد، واللام جميعا. يعني: يخرج من ~~صلب الرجل وترائب المرأة. قال الفراء: يريد يخرج من الصلب والترائب. ~~يقال: يخرج من بين هذين الشيئين خير كثير. بمعنى: يخرج منهما. # وفي «الترائب» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه موضع القلادة، قاله ابن عباس. قال الزجاج: قال أهل اللغة ~~أجمعون: الترائب: موضع القلادة من الصدر، وأنشدوا لامرىء القيس: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة # ترائبها مصقولة كالسجنجل # قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: السجنجل: المرآة بالرومية. وقيل: ~~هي سبيكة الفضة، وقيل: السجنجل: الزعفران، وقيل: ماء الذهب. ويروى: البيت ~~«بالسجنجل». # والثاني: أن الترائب: اليدان والرجلان والعينان، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال الضحاك. # والثالث: أنها أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة أضلاع من يسرة الصدر، ~~حكاه الزجاج. # قوله تعالى: { إنه } الهاء كناية عن الله عز وجل { على رجعه } الرجع: رد ~~الشيء إلى أول حاله. وفي هذه الهاء قولان. # أحدهما: أنها تعود على الإنسان. ثم فيه قولان. # أحدهما: أنه على إعادة الإنسان حيا بعد موته قادر، قاله الحسن، وقتادة. ~~قال الزجاج: ويدل على هذا القول قوله تعالى { يوم تبلى السرائر }. # والثاني: أنه على رجعه من حال الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ~~ومن الصبا إلى النطفة قادر، قاله الضحاك. والقول الثاني: أنها تعود إلى ~~الماء. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال. # أحدها: رد الماء في الإحليل، قاله مجاهد. # والثاني: على رده في الصلب، قاله عكرمة، والضحاك. # والثالث: على حبس الماء فلا يخرج، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: { يوم تبلى السرائر } التي بين العبد وبين ربه حتى يظهر ~~خيرها من شرها، ومؤديها من مضيعها، فإن الإنسان مستور في الدنيا، لا ~~يدري أصلى، أم لا؟ أتوضأ، أم لا؟ ms2131 فإذا كان يوم القيامة أبدى الله كل ~~سر، فكان زينا في الوجه، أو شينا. وقال ابن قتيبة: تختبر ~~سرائر القلوب. # قوله تعالى: { فما له من قوة } أي: فما لهذا الإنسان المنكر للبعث من ~~قوة يمتنع بها من عذاب الله { ولا ناصر } ينصره. ### || [86.11-17] # قوله تعالى: { والسماء ذات الرجع } أي: ذات المطر، وسمي المطر رجعا ~~لأنه يجيء ويرجع ويتكرر { والأرض ذات الصدع } أي: ذات الشق. وقيل ~~لها هذا، لأنها تتصدع وتتشقق بالنبات، هذا قول المفسرين وأهل اللغة ~~في الحرفين. # قوله تعالى: { إنه لقول فصل } يعني به القرآن، وهذا جواب القسم. والفصل: ~~الذي يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما { وما هو بالهزل ~~} أي: باللعب. والمعنى: إنه جد، ولم ينزل باللعب. وبعضهم يقول: ~~الهاء، في «إنه» كناية عن الوعيد المتقدم ذكره. # قوله تعالى: { إنهم } يعني مشركي مكة { يكيدون كيدا } [أي: يحتالون] ~~وهذا الاحتيال المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار ~~الندوة، { وأكيد كيدا } أي: أجازيهم [على كيدهم] بأن أستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون، فأنتقم منهم في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالنار. { فمهل ~~الكافرين } هذا وعيد من الله لهم. ومهل وأمهل لغتان جمعتا هاهنا. ~~ومعنى الآية: مهلهم قليلا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ ~~الإمهال بآية السيف. قال ابن قتيبة: ومعنى «رويدا» مهلا، ورويدك بمعنى ~~أمهل. قال تعالى: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } أي: أمهلهم قليلا، ~~فإذا لم يتقدمها «أمهلهم» كانت بمعنى «مهلا». ولا يتكلم بها إلا مصغرة ~~ومأمورا بها، وجاءت في الشعر بغير تصغير في غير معنى الأمر. # قال الشاعر: # كأنها مثل من يمشي على رود # أي: على مهل. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-13] # وفي معنى { سبح } خمسة أقوال. # أحدها: قل سبحان ربي الأعلى، قاله الجمهور. # والثاني: عظم. # والثالث: صل بأمر ربك، روي القولان عن ابن عباس. # والرابع: نزه ربك عن السوء، قاله الزجاج. # والخامس: نزه اسم ربك وذكرك إياه أن تذكره وأنت معظم له، خاشع له، ~~ذكره الثعلبي. # وفي قوله تعالى: { اسم ربك } قولان. # أحدهما: أن ms2132 ذكر الاسم صلة، كقول لبيد بن ربيعة: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والثاني: أنه أصلي. وقال الفراء: [سبح ربك، و] سبح اسم ربك سواء في كلام ~~العرب. # قوله تعالى: { الذي خلق فسوى } أي: فعدل الخلق. وقد أشرنا إلى هذا ~~المعنى في [الإنفطار:7] { والذي قدر } قرأ الكسائي وحده «قدر» ~~بالتخفيف { فهدى } فيه سبعة أقوال. # أحدها: قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة، قاله مجاهد. # والثاني: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه، قاله عطاء. # والثالث: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج، قاله السدي. # والرابع: قدرهم ذكورا وإناثا، وهدى الذكر لإتيان الأنثى، قاله ~~مقاتل. # والخامس: أن المعنى: قدر فهدى وأضل، فحذف «وأضل»، لأن في الكلام ~~دليلا على ذلك، حكاه الزجاج. # والسادس: قدر الأرزاق، وهدى إلى طلبها. # والسابع: قدر الذنوب، وهدى إلى التوبة، حكاهما الثعلبي. # قوله تعالى: { والذي أخرج المرعى } أي: أنبت العشب، وما ترعاه البهائم { ~~فجعله } بعد الخضرة { غثاء } قال الزجاج، أي: جففه حتى جعله هشيما ~~جافا كالغثاء الذي تراه فوق ماء السيل. وقد بينا هذا في سورة ~~[المؤمنين:41] فأما قوله تعالى: { أحوى } فقال الفراء: الأحوى: الذي قد ~~اسود عن القدم، والعتق، ويكون أيضا: أخرج المرعى أحوى: أسود من ~~الخضرة، فجعله غثاء كما قال تعالى: # مدهامتان # [الرحمن:64]. # قوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى } قال مقاتل: سنعلمك القرآن، ونجمعه في ~~قلبك فلا تنساه أبدا. # قوله تعالى: { إلا ما شاء الله } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: إلا ما شاء الله أن تنسى شيئا، فإنما هو كقوله تعالى: # خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك # [هود:107] فلا يشاء. # قوله تعالى: { إنه يعلم الجهر } من القول والفعل { وما يخفى } منهما { ~~ونيسرك لليسرى } أي: نسهل عليك عمل الخير { فذكر } أي: عظ أهل مكة ~~{ إن نفعت الذكرى } وفي «إن» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الشرطية، وفي معنى الكلام قولان، # أحدهما: إن قبلت الذكرى، قاله يحيى ابن سلام. # والثاني: إن ms2133 نفعت وإن لم تنفع، قاله علي بن أحمد النيسابوري. # والثاني: أنها بمعنى «قد» فتقديره: قد نفعت الذكرى، قاله مقاتل. # والثالث: أنها بمعنى «ما» فتقديره: فذكر ما نفعت الذكرى، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { سيذكر } سيتعظ بالقرآن { من يخشى ويتجنبها } ويتجنب ~~الذكرى { الأشقى الذي يصلى النار الكبرى } أي: العظيمة الفظيعة لأنها أشد ~~من نار الدنيا { ثم لا يموت فيها } فيستريح { ولا يحيى } حياة تنفعه. ~~وقال ابن جرير: تصير نفس أحدهم في حلقه، فلا تخرج فتفارقه فيموت، ولا ~~ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا. ### || [87.14-19] # قوله تعالى: { قد أفلح } قال الزجاج: أي: صادف البقاء الدائم، والفوز { ~~من تزكى } فيه خمسة أقوال. # أحدها: من تطهر [من] الشرك بالإيمان، قاله ابن عباس. # والثاني: من أعطى صدقة الفطر، قاله أبو سعيد الخدري، وعطاء، وقتادة. # والثالث: من كان عمله زاكيا، قاله الحسن، والربيع. # والرابع: أنها زكوات الأموال كلها، قاله أبو الأحوص. # والخامس: تكثر بتقوى الله. ومعنى الزاكي: النامي الكثير، قاله الزجاج. # قوله تعالى: { وذكر اسم ربه } قد سبق بيانه [الأحزاب:31]. # وفي قوله تعالى: { فصلى } ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: صلاة العيدين، قاله أبو سعيد الخدري. # والثالث: صلاة التطوع، قاله أبو الأحوص. والقول قول ابن عباس في ~~الآيتين، فإن هذه السورة مكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة زكاة، ولا عيد. # قوله تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا } قرأ أبو عمرو، وابن قتيبة، ~~وزيد عن يعقوب «بل يؤثرون» بالياء، والباقون بالتاء، واختار الفراء ~~والزجاج التاء، لأنها رويت عن أبي بن كعب: «بل أنتم تؤثرون». فإن ~~أريد بذلك الكفار، فالمعنى: أنهم يؤثرون الدنيا على الآخرة، لأنهم لا ~~يؤمنون بها. وإن أريد به المسلمون، فالمعنى: يؤثرون الاستكثار من الدنيا ~~على الاستحسان من الثواب. قال ابن مسعود: إن الدنيا عجلت لنا، وإن ~~الآخرة نعتت لنا، وزويت عنا، فأخذنا بالعاجل [وتركنا الآجل]. # قوله تعالى: { والآخرة خير لك } يعني الجنة أفضل { وأبقى } أي: أدوم من ~~الدنيا. # { إن هذا لفي الصحف الأولى } في المشار إليه أربعة أقوال. # أحدها: أنه قوله ms2134 تعالى { والآخرة خير وأبقى } قاله قتادة. # والثاني: هذه السورة، قاله عكرمة، والسدي. # والثالث: أنه لم يرد [أن معنى] السورة [في الصحف الأولى]، ولا الألفاظ ~~بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى، في الصحف ~~الأولى، كما هو في القرآن، قاله ابن قتيبة. # والرابع: أنه من قوله تعالى: { قد أفلح من تزكى } ، إلى قوله: { وأبقى } ~~قاله ابن جرير. # ثم بين الصحف الأولى ما هي، فقال: { صحف إبراهيم وموسى } وقد فسرناها في ~~[النجم:36]. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-7] # قوله تعالى: { هل أتاك } أي: قد أتاك، قاله قطرب. وقال الزجاج: والمعنى: ~~هذا لم يكن من علمك ولا من علم قومك. # وفي «الغاشية» قولان. # أحدهما: أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال، قاله ابن عباس، والضحاك، ~~وابن قتيبة. # والثاني: أنها النار تغشى وجوه الكفار، قاله سعيد بن جبير، والقرظي، ~~ومقاتل. # قوله تعالى: { وجوه يومئذ خاشعة } أي: ذليلة وفيها قولان. # أحدهما: أنها وجوه اليهود والنصارى، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه جميع الكفار، قاله يحيى بن سلام. # قوله تعالى: { عاملة ناصبة } فيه أربعة أقوال. # أحدها: أنهم الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، كعبدة ~~الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، رواه عطاء عن ابن ~~عباس. # والثاني: أنهم الرهبان، وأصحاب الصوامع، رواه أبو الضحى عن ابن عباس، ~~وبه قال سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم. # والثالث: عاملة ناصبة في النار بمعالجة السلاسل والأغلال، لأنها [لم] ~~تعمل لله في الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار، وروى هذا المعنى العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال الحسن. وقال قتادة: تكبرت في الدنيا عن طاعة ~~الله، فأعملها وأنصبها في النار بالانتقال من عذاب إلى عذاب. قال الضحاك: ~~يكلفون ارتقاء جبل في النار. وقال ابن السائب: يخرون على وجوههم ~~في النار. وقال مقاتل: عاملة في النار تأكل من النار، ناصبة للعذاب. # والرابع: عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في النار يوم القيامة، قاله ~~عكرمة، والسدي. والكلام هاهنا على الوجوه، والمراد أصحابها. وقد بينا ~~معنى «النصب» في قوله تعالى: # لا يمسهم فيها ms2135 نصب # [الحجر:48]. # قوله تعالى: { تصلى نارا حامية } قرأ أهل البصرة وعاصم إلا حفصا ~~«تصلى» بضم التاء. والباقون بفتحها. قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى ~~على أعداء الله، { تسقى من عين آنية } ، أي: متناهية في الحرارة. قال ~~الحسن: وقد [أوقدت] عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها [وردا] عطاشا. # قوله تعالى: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } فيه ستة أقوال. # أحدها: أنه نبت ذو شوك لا طىء بالأرض، وتسميه قريش «الشبرق» فإذا ~~هاج سموه: ضريعا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، ~~وقتادة. # والثاني: أنه شجر من نار، رواه الوالبي عن ابن عباس. # والثالث: أنها الحجارة، قاله ابن جبير. # والرابع: أنه السلم، قاله أبو الجوزاء. # والخامس: أنه في الدنيا: الشوك اليابس الذي ليس له ورق، وهو في الآخرة ~~شوك من نار، قاله ابن زيد. # والسادس: أنه طعام يضرعون إلى الله تعالى منه، قاله ابن كيسان. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على ~~الضريع، فأنزل الله تعالى { لا يسمن ولا يغني من جوع } وكذبوا، فإن ~~الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا، وحينئذ يسمى شبرقا، لا ضريعا، ~~فإذا يبس يسمى: ضريعا لم يأكله شيء. # فإن قيل: إنه قد أخبر في هذه الآية: «ليس لهم طعام إلا من ضريع» وفي ~~مكان آخر # ولا طعام إلا من غسلين # [الحاقة: 36] فكيف الجمع بينهما؟. # فالجواب: أن النار دركات، وعلى قدر الذنوب تقع العقوبات، فمنهم من ~~طعامه الزقوم، [ومنهم] من طعامه غسلين، ومنهم من شرابه ~~الحميم، ومنهم من شرابه الصديد. قاله ابن قتيبة. ### || [88.8-26] # قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: في نعمة وكرامة { لسعيها } في ~~الدنيا { راضية } والمعنى: رضيت بثواب عملها { في جنة عالية } قد فسرناه ~~في «الحاقة» [آية:22] { لا تسمع فيها لاغية } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~ورويس «لا يسمع» بياء مضمومة. «لاغية» بالرفع. وقرأ نافع كذلك إلا أنه ~~بتاء مضمومة، والباقون بتاء مفتوحة، ونصب «لاغية» والمعنى: لا تسمع ~~فيها كلمة [لغو] { فيها سرر مرفوعة } قال ابن عباس: ألواحها من ms2136 ذهب ~~مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد ~~أن يجلس عليها صاحبها، تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها { ~~وأكواب موضوعة } عندهم وقد ذكرنا «الأكواب» في [الزخرف:71] { ونمارق } ~~وهي الوسائد، واحدها: نمرقة بضم النون. قال الفراء: وسمعت بعض كلب تقول: ~~نمرقة، بكسر النون والراء { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، والزرابي: ~~الطنافس [التي] لها خمل رقيق { مبثوثة } كثيرة. قال ابن قتيبة: كثيرة ~~مفرقة. قال المفسرون: لما نعت الله سبحانه ما في الجنة، عجب من ذلك أهل ~~الكفرة، فذكرهم صنعه، فقال تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل } وقال ~~قتادة: ذكر الله ارتفاع [سرر] الجنة، وفرشها، فقالوا: كيف نصعدها، ~~فنزلت هذه الآية. قال العلماء: وإنما خص الإبل من غيرها لأن العرب لم ~~يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل إلا الشاذ منهم، ~~ولأنها كانت أنفس أموالهم وأكثرها، لا تفارقهم ولا يفارقونها، ~~فيلاحظون فيها العبر الدالة على قدرة الخالق، من إخراج لبنها من بين ~~فرث ودم [و] من عجيب خلقها، وهي على عظمها مذللة للحمل ~~الثقيل، وتنقاد للصبي الصغير، وليس في ذوات الأربع ما يحمل عليه وقره وهو ~~بارك فيطيق النهوض به سواها، وقرأ ابن عباس، وأبو عمران الجوني، والأصمعي ~~عن أبي عمرو «الإبل» بإسكان الباء، وتخفيف اللام. وقرأ أبي بن كعب، ~~وعائشة، وأبو المتوكل، والجحدري، وابن السميفع، ويونس بن حبيب وهارون ~~كلاهما عن أبي عمرو «الإبل» بكسر الباء، وتشديد اللام. قال هارون: قال ~~أبو عمرو «الإبل» بتشديد اللام: السحاب الذي يحمل الماء. # قوله تعالى: { كيف خلقت } وقرأ علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبو ~~العالية، وأبو عمران، وابن أبي عبلة «خلقت» بفتح الخاء، وضم التاء. ~~وكذلك قرؤوا: «رفعت» و«نصبت» و «سطحت». # قوله تعالى: { وإلى السماء كيف رفعت } من الأرض حتى لا ينالها شيء ~~بغير عمد { وإلى الجبال كيف نصبت } على الأرض لا تزول ولا تتغير { ~~وإلى الأرض كيف سطحت } أي: بسطت. والسطح: بسط الشيء، وكل ذلك يدل ~~على [قدرة] خالقه { فذكر } أي: عظ { إنما أنت مذكر } أي: ms2137 واعظ، ~~ولم يكن حينئذ أمر بغير التذكير، ويدل عليه قوله تعالى: { لست عليهم ~~بمسيطر } أي: بمسلط، فتقتلهم وتكرههم على الإيمان. # ثم نسختها آية السيف. وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، ~~وقتادة، والحلواني عن ابن عامر «بمسيطر» بالسين. وقد سبق بيان «المسيطر» ~~في قوله تعالى # أم هم المسيطرون # [الطور:37]. # قوله تعالى: { إلا من تولى } وهذا استثناء منقطع معناه: لكن من تولى { ~~وكفر } بعد التذكر. وقرأ ابن عباس، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وأبو ~~مجلز، وقتادة، وسعيد بن جبير «ألا من تولى» بفتح الهمزة وتخفيف اللام. { ~~فيعذبه الله العذاب الأكبر } وهو أن يدخله جهنم، وذلك أنهم قد عذبوا ~~في الدنيا بالجوع، والقتل، والأسر، فكان عذاب جهنم هو الأكبر { إن إلينا ~~إيابهم } قرأ أبي بن كعب، وعائشة، وعبد الرحمن، وأبو جعفر «إيابهم» ~~بتشديد الياء، أي: رجوعهم ومصيرهم بعد الموت { ثم إن علينا حسابهم } قال ~~مقاتل: أي: جزاءهم. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-14] # قوله تعالى: { والفجر } قال ابن عباس: الفجر: انفجار الظلمة عن الصبح، ~~وانفجر الماء: انبجس. قال شيخنا علي بن عبيد الله: الفجر: ضوء النهار إذا ~~انشق عنه الليل، وهو مأخوذ من الانفجار، يقال: انفجر النهر ينفجر ~~انفجارا: إذا انشق فيه موضع لخروج الماء، ومن هذا سمي الفاجر فاجرا، ~~لأنه خرج عن طاعة الله. # وللمفسرين في المراد بهذا الفجر ستة أقوال. # أحدها: أنه الفجر المعروف الذي هو بدء النهار، قاله علي رضي الله عنه. ~~وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو انفجار الصبح كل يوم، وبهذا قال ~~عكرمة، وزيد بن أسلم، والقرظي. # والثاني: صلاة الفجر، رواه عطية عن ابن عباس. # والثالث: النهار كله، فعبر عنه بالفجر، لأنه أوله، وروى هذا المعنى ~~أبو نصر عن ابن عباس. # والرابع: أنه فجر يوم النحر خاصة قاله مجاهد. # والخامس: أنه فجر أول يوم من ذي الحجة، قاله الضحاك. # والسادس: أنه أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة قاله قتادة. # قوله تعالى: { وليال عشر } فيها أربعة أقوال. # أحدها: أنه عشر ذي الحجة، رواه العوفي عن ms2138 ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وقتادة، والضحاك، والسدي ومقاتل. # والثاني: أنها العشر الأواخر من رمضان، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. # والثالث: العشر الأول من رمضان، قاله الضحاك. # والرابع: العشر الأول من المحرم، قاله يمان بن رئاب. # قوله تعالى: { والشفع والوتر } قرأ حمزة، والكسائي، وخلف ~~«والوتر» بكسر الواو، وفتحها الباقون، وهما لغتان. قال الفراء: الكسر ~~لقريش وتميم وأسد، والفتح لأهل الحجاز. # وللمفسرين في «الشفع والوتر» عشرون قولا. # أحدهما: أن الشفع: يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر: ليلة النحر، رواه أبو ~~أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة، [رواه جابر بن عبد الله عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك]. # والثالث: أن الشفع والوتر: الصلاة، منها الشفع، ومنها الوتر، رواه عمران ~~بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال قتادة. # والرابع: [أن الشفع: الخلق كله، والوتر: الله تعالى]، رواه العوفي عن ~~ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية مسروق، وأبو صالح. # والخامس: أن الوتر: آدم شفع بزوجته، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والسادس: أن الشفع يومان بعد يوم النحر، وهو النفر الأول، والوتر: اليوم ~~الثالث، وهو النفر الأخير، قاله عبد الله ابن الزبير، واستدل بقوله ~~تعالى: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه # [البقرة:203]. # والسابع: أن الشفع: صلاة الغداة، والوتر: صلاة المغرب، حكاه عطية. # والثامن: أن الشفع: الركعتان من صلاة المغرب، والوتر: الركعة الثالثة، ~~قاله أبو العالية، والربيع بن أنس. # والتاسع: أن الشفع والوتر: الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر، قاله ابن زيد ~~ومجاهد في رواية. # والعاشر: أنه العدد، منه شفع، ومنه وتر، وهذا والذي قبله مرويان عن ~~الحسن. # والحادي عشر: أن الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام [منى] الثلاثة، قاله ~~الضحاك. # والثاني عشر: أن الشفع: هو الله، لقوله تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة:7] والوتر: هو الله، لقوله تعالى: { قل هو الله أحد } ، قاله ~~سفيان بن عيينة. # والثالث عشر: أن ms2139 الشفع: هو آدم وحواء. والوتر: الله تعالى، قاله مقاتل ~~بن سليمان. # والرابع عشر: أن الشفع: الأيام والليالي، والوتر: اليوم الذي لا ليلة ~~[بعده]، وهو يوم القيامة، قاله مقاتل بن حيان. # والخامس عشر: الشفع: درجات الجنان، لأنها ثمان، والوتر: دركات النار ~~لأنها سبع، فكأن الله أقسم بالجنة والنار، قاله الحسين بن الفضل. # والسادس عشر: الشفع: تضاد أوصاف المخلوقين بين عز وذل، وقدرة وعجز، ~~وقوة وضعف، وعلم وجهل، وموت وحياة. والوتر: انفراد صفات الله عز وجل: ~~عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا ~~موت، قاله أبو بكر الوراق. # والسابع عشر: أن الشفع: الصفا والمروة، والوتر: البيت. # والثامن عشر: أن الشفع: مسجد مكة والمدينة، والوتر: بيت المقدس. # والتاسع عشر: أن الشفع: القران بين الحج والتمتع، والوتر: الإفراد. # والعشرون: الشفع: العبادات المتكررة، كالصلاة، والصوم، والزكاة، والوتر: ~~العبادة التي لا تتكرر، وهو الحج، حكى هذه الأقوال الأربعة الثعلبي. # قوله تعالى: { والليل إذا يسر } وقرأ ابن كثير، ويعقوب «يسري» بياء في ~~الوصل والوقف، وافقهما في الوصل نافع وأبو عمرو. وقرأ ابن عامر وعاصم ~~وحمزة والكسائي «يسر» بغير ياء في الوصل والوقف. قال الفراء، والزجاج: ~~الاختيار حذفها لمشاكلتها لرؤوس الآيات، ولاتباع المصحف. وفي قوله ~~تعالى: { والليل إذا يسر } قولان. # أحدهما: أن الفعل له، ثم فيه قولان. # أحدهما: إذا يسري ذاهبا، قاله الجمهور، وهو اختيار الزجاج. # والثاني: إذا يسري مقبلا، قاله قتادة. # والقول الثاني: أن الفعل لغيره، والمعنى: إذا يسري فيه، كما يقال: ليل ~~نائم، أي: ينام فيه، قاله الأخفش، وابن قتيبة. # وفي المراد بهذا الليل ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه عام في كل ليلة، وهذا الظاهر. # والثاني: أنه ليلة المزدلفة، وهي ليلة جمع: قاله مجاهد وعكرمة. # والثالث: ليلة القدر، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { هل في ذلك } أي: [هل في ذلك المذكور من الأمور التي ~~أقسمنا بها] { قسم لذي حجر } أي: لذي عقل، وسمي العقل حجرا، لأنه يحجر ~~صاحبه عن القبيح، وسمي عقلا، لأنه يعقل عمالا يحسن، وسمي العقل النهى، ~~لأنه ينهى ms2140 عما لا يحل. ومعنى الكلام: أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم ~~الله به من هذه الأشياء، فيه دلائل على توحيد الله وقدرته، فهو حقيق أن ~~يقسم به لدلالته. # وجواب القسم قوله تعالى { إن ربك لبالمرصاد } فاعترض بين القسم وجوابه ~~بقوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فخوف أهل مكة بإهلاك من كان ~~أشد منهم. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر «بعاد إرم» بكسر الدال من غير ~~تنوين على الإضافة. # وفي «إرم» أربعة أقوال. # أحدها: أنه اسم بلدة، قال الفراء. ولم يجر «إرم» لأنها اسم بلدة ثم ~~فيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها دمشق، قاله سعيد بن المسيب، وعكرمة، وخالد الربعي. # والثاني: الإسكندرية، قاله محمد بن كعب. # والثالث: أنها مدينة صنعها شداد بن عاد، وهذا قول كعب. وسيأتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى. # والقول الثاني: أنه اسم أمة من الأمم، ومعناه: القديمة، قاله مجاهد. # والثالث: أنه قبيلة من قوم عاد، قاله قتادة ومقاتل. قال الزجاج: وإنما ~~لم تنصرف «إرم» لأنها جعلت اسما للقبيلة ففتحت، وهي في موضع خفض. # والرابع: أنه اسم لجد عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، ~~قاله ابن اسحاق. قال الفراء: فإن كان اسما لرجل على هذا القول، فإنما ~~ترك إجراؤه، لأنه كالعجمي، قال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى: هي إرم، ~~وهي التي قال الله تعالى: # وأنه أهلك عادا الأولى # [النجم:50]. # وهل قوم هود عاد الأولى، أم لا؟ فيه قولان قد ذكرناهما في (النجم). # وفي قوله تعالى: { إرم ذات العماد } أربعة أقوال. # أحدها: لأنهم كانوا أهل عمد وخيام يطلبون الكلأ حيث كان، ثم يرجعون إلى ~~منازلهم، فلا يقيمون في موضع، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد، وقتادة، والفراء. # والثاني: أن معنى ذات العماد: ذات الطول، روي عن ابن عباس أيضا، وبه ~~قال مقاتل، وأبو عبيدة، قال الزجاج يقال رجل معمد: إذا كان طويلا. # والثالث: ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، قاله الضحاك. # والرابع: ذات البناء المحكم بالعماد، ms2141 قاله ابن زيد. وقيل: إنما سميت ذات ~~العماد لبناء بناه بعضهم. # قوله تعالى: { التي لم يخلق مثلها في البلاد } وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وأبو عمران: «لم تخلق» بتاء مفتوحة ورفع اللام «مثلها» ~~بنصب اللام. وقرأ معاذ القارئ، وعمرو بن دينار: «لم نخلق» بنون مفتوحة ~~ورفع اللام «مثلها» بنصب اللام. # وفي المشار إليها قولان. # أحدهما: لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهذا معنى قول ~~الحسن. # والثاني: المدينة لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد، قاله عكرمة. # وقد جاء في التفسير صفات تلك المدينة. وهذه الإشارة إلى ذلك. # روى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت، ~~فبينما هو في صحارى عدن وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول ~~الحصن قصور كثيرة. فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فلم ير ~~خارجا ولا داخلا، فنزل عن دابته، وعقلها، وسل سيفه، ودخل من باب ~~الحصن، فلما دخل الحصن إذا هو ببابين عظيمين [لم ير أعظم منهما]، ~~والبابان مرصعان بالياقوت [الأبيض و] الأحمر، فلما رأى ذلك دهش، ففتح ~~أحد البابين، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها، وإذا قصور، كل قصر فوقه ~~غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت، ومصاريع تلك ~~الغرف مثل مصاريع المدينة، يقابل بعضها بعضا، مفروشة كلها باللؤلؤ، ~~وبنادق من مسك وزعفران. # فلما عاين ذلك، ولم ير أحدا، هاله ذلك، ثم نظر إلى الأزقة فإذا هو في ~~كل زقاق منها شجر قد أثمر، وتحت الشجر أنهار مطردة يجري ماؤها من قنوات ~~من فضة. فقال الرجل: إن هذه هي الجنة، فحمل معه من لؤلؤها، ومن بنادق ~~المسك والزعفران ورجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه. وبلغ الأمر إلى ~~معاوية، فأرسل إليه، فقص عليه ما رأى، فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار، ~~فلما أتاه قال له: يا أبا إسحاق: هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة؟ قال: ~~نعم. أخبرك بها وبمن بناها؟ إنما بناها شداد بن عاد، والمدينة: ms2142 # «إرم ذات العماد»، قال: فحدثني حديثها، فقال إن عادا المنسوب إليهم عاد ~~الأولى، كان له ولدان: شديد، وشداد. فلما مات [عاد]، ثم مات شديد وبقي ~~شداد، ملك الأرض، ودانت له الملوك، وكان مولعا بقراءة الكتب، فكان إذا ~~مر بذكر الجنة دعته نفسه إلى بناء مثلها عتوا على الله تعالى. فأمر ~~بصنع «إرم ذات العماد» فأمر على عملها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من ~~الأعوان، وكتب إلى ملوك الأرض أن يمدوه بما في بلادهم من الجواهر، فخرج ~~القهارمة يسيرون في الأرض ليجدوا أرضا موافقة، فوقفوا على صحراء عظيمة ~~نقية من التلال، وإذا فيها عيون ماء ومروج فقالوا: هذه صفة الأرض التي ~~أمر الملك أن يبنى بها، فوضعوا أساسها من الجزع اليماني، وأقاموا في ~~بنائها ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة، فلما أتوه وقد فرغوا ~~منها قال: انطلقوا، واجعلوا عليها حصنا، واجعلوا حول الحصن ألف قصر، عند ~~كل قصر ألف علم ليكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي، ففعلوا ~~ذلك، فأمر الملك الوزراء وهم ألف وزير أن يتهيئوا للنقلة إلى «إرم ~~ذات العماد»، وكان الملك وأهله في جهازهم عشر سنين، ثم ساروا إليها، فلما ~~كانوا منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه، وعلى من كان معه صيحة من ~~السماء فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد. # وروى الشعبي عن دغفل الشيباني عن علماء حمير قالوا: لما هلك شداد ~~ابن عاد ومن معه من الصيحة، ملك بعده ابنه مرثد بن شداد، وقد كان ~~أبوه خلفه بحضرموت على ملكه وسلطانه، فأمر بحمل أبيه من تلك المفازة ~~إلى حضرموت، وأمر [بدفنه] فحفرت له حفيرة في مفازة، فاستودعه فيها ~~على سرير من ذهب، وألقى عليه سبعين حلة منسوجة بقضبان الذهب، ووضع ~~عند رأسه لوحا عظيما من ذهب وكتب عليه: # إعتبر يا أيها المغ # رور بالعمر المديد # أنا شداد بن عاد # صاحب الحصن المشيد # وأخو القوة والبأ # ساء والملك الحشيد # دان أهل الأرض طرا # لي من خوف وعيدي # وملكت الشرق والغر # ب ms2143 بسلطان شديد # وبفضل الملك والع # دة فيه والعديد # فأتى هود وكنا # في ضلال قبل هود # فدعانا لو قبلنا # ه إلى الأمر الرشيد # فعصيناه ونادى # ما لكم هل من محيد؟ # فأتتنا صيحة ته # وي من الأفق البعيد # فتوافينا كزرع # وسط بيداء حصيد # قوله تعالى: { وثمود الذين جابوا الصخر } قطعوه ونقبوه. قال إسحاق: ~~والوادي: وادي القرى. وقرأ الحسن: «بالوادي» بإثبات الياء في الحالين { ~~وفرعون ذي الأوتاد } مفسر في سورة [ص: 12] { الذين طغوا في البلاد } ~~يعني: عادا، وثمود، وفرعون، عملوا بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله ~~{ فأكثروا فيها الفساد } القتل والمعاصي { فصب عليهم ربك سوط عذاب ~~}. # قال ابن قتيبة: وإنما قال: سوط عذاب، لأن التعذيب قد يكون بالسوط. وقال ~~الزجاج: [أي جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب] { إن ربك لبالمرصاد } أي: ~~يرصد من كفر به بالعذاب، والمرصد: الطريق، وقد شرحناه في قوله تعالى # كانت مرصادا # [النبأ: 21]. ### || [89.15-30] # قوله تعالى: { فأما الإنسان } فيمن عنى به أربعة أقوال. # أحدها: عتبة بن ربيعة، وأبو حذيفة بن المغيرة، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثاني: أبي بن خلف، قاله ابن السائب. # والثالث: أمية بن خلف، قاله مقاتل. # والرابع: أنه الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، قال الزجاج: وابتلاه بمعنى ~~اختبره بالغنى واليسر { فأكرمه } بالمال { ونعمه } بما وسع عليه من ~~الإفضال { فيقول ربي أكرمني } فتح ياء «ربي» «أكرمني» «ربي» «أهانني» ~~أهل الحجاز، وأبو عمرو، أي: فضلني بما أعطاني، ويظن أن ما أعطاه من ~~الدنيا لكرامته عليه { وأما إذا ما ابتلاه } بالفقر { فقدر عليه ~~رزقه } وقرأ أبو جعفر، وابن عامر «فقدر» بتشديد الدال، والمعنى: ~~ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة { فيقول ربي أهانني } أي: هذا ~~الهوان منه لي حين أذلني بالفقر. # واعلم أن من لا يؤمن بالبعث، فالكرامة عنده زيادة الدنيا، والهوان ~~قلتها. # قوله تعالى: { كلا } أي: ليس الأمر كما يظن. قال مقاتل: ما أعطيت [من ~~أغنيت] هذا الغنى لكرامته علي، ولا أفقرت [من] أفقرت لهوانه علي، ~~وقال الفراء: المعنى: لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا، إنما ينبغي أن يحمد ms2144 ~~الله على الأمرين: الفقر، والغنى. ثم أخبر عن الكفار فقال تعالى: { بل لا ~~تكرمون اليتيم } قرأ أهل البصرة «يكرمون» و «يحضون» و «يأكلون» ~~و «يحبون» بالياء فيهن، والباقون بالتاء. ومعنى الآية: إني أهنت من ~~أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم. والآية تحتمل معنيين. # أحدهما: أنهم كانوا لا يبرونه. # والثاني: لا يعطونه حقه من الميراث، وكذلك كانت عادة الجاهلية لا ~~يورثون النساء ولا الصبيان. ويدل على المعنى الأول قوله تعالى: { ولا ~~تحاضون على طعام المسكين } قرأ أبو جعفر، وأهل الكوفة «تحاضون» بألف ~~مع فتح التاء. وروى الشيرزي عن الكسائي كذلك إلا أنه ضم التاء. والمعنى: ~~لا يأمرون بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة. ويدل على المعنى الثاني ~~قوله تعالى: { وتأكلون التراث أكلا لما } قال ابن قتيبة: التراث: ~~الميراث، والتاء فيه منقلبة عن واو، كما قالوا: تجاه، والأصل: وجاه، ~~وقالوا: تخمة، والأصل: وخمة. و { لما } أي: شديدا، وهو من قولك: ~~لممت بالشيء: إذا جمعته، وقال الزجاج: هو ميراث اليتامى. # قوله تعالى: { وتحبون المال } أي: تحبون جمعه { حبا جما } أي: ~~كثيرا فلا تنفقونه في خير { كلا } أي: ما هكذا ينبغي أن يكون [الأمر]. ~~ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم، فقال تعالى: { إذا ~~دكت الأرض دكا دكا } أي: مرة بعد مرة، فتكسر كل شيء ~~عليها، { وجاء ربك } قد ذكرنا هذا المعنى في قوله تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله # [البقرة: 210]. # قوله تعالى: { والملك صفا صفا } أي: تأتي [ملائكة] كل سماء صفا ~~[صفا] على حدة. # قال الضحاك: يكونون سبعة صفوف، { وجيء يومئذ بجهنم } روى مسلم في ~~أفراده من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع [كل زمام] سبعون ألف ملك ~~يجرونها " # قال مقاتل: يجاء بها فتقام عن يسار العرش. # قوله تعالى: { يومئذ } أي: يوم يجاء بجهنم { يتذكر الإنسان } أي: يتعظ ~~الكافر ويتوب. قال مقاتل: هو أمية بن خلف { وأنى له الذكرى } أي: كيف ~~له بالتوبة وهي ms2145 في القيامة لا تنفع { يقول يا ليتني قدمت } العمل ~~الصالح في الدنيا { لحياتي } في الآخرة التي لا موت فيها { فيومئذ لا ~~يعذب عذابه أحد } قرأ الكسائي، ويعقوب، والمفضل «لا يعذب» بفتح ~~الذال، والباقون بكسرها، فمن فتح، أراد: لا يعذب عذاب الكافر أحد، ومن ~~كسر أراد: لا يعذب عذاب الله أحد، أي كعذابه، وهذه القراءة تختص ~~بالدنيا، والأولى تختص بالآخرة. # قوله تعالى: { يا أيتها النفس المطمئنة } اختلفوا فيمن نزلت على خمسة ~~أقوال. # أحدها: في حمزة بن عبد المطلب لما استشهد يوم أحد، قاله أبو هريرة، ~~وبريدة الأسلمي. # والثاني: في عثمان بن عفان حين أوقف بئر رومة، قاله الضحاك. # والثالث: في خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة، قاله مقاتل. # والرابع: في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حكاه الماوردي. # والخامس: [في] جميع المؤمنين، قاله عكرمة. # وفي معنى «المطمئنة» ثلاثة أقوال. # أحدها: المؤمنة، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المطمئنة بالإيمان. # والثاني: الراضية بقضاء الله، قاله مجاهد. # والثالث: الموقنة بما وعد الله، قاله قتادة. # واختلفوا في أي حين يقال لها ذلك على قولين. # أحدهما: عند خروجها من الدنيا، قاله الأكثرون. # والثاني: عند البعث يقال لها: ارجعي إلى صاحبك، وإلى جسدك، فيأمر الله ~~الأرواح أن تعود إلى الأجساد، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ~~وعكرمة والضحاك. # وفي قوله تعالى { ارجعي إلى ربك راضية } أربعة أقوال. # أحدها: ارجعي إلى صاحبك الذي كنت في جسده، وهذا المعنى في رواية العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال عكرمة والضحاك. # والثاني: { ارجعي إلى ربك } بعد الموت في الدنيا، قاله أبو صالح. # والثالث: ارجعي إلى ثواب ربك، قاله الحسن. # والرابع: يا أيتها النفس المطمئنة [إلى الدنيا] ارجعي إلى الله تعالى ~~بتركها، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: { فادخلي في عبادي } أي: في جملة عبادي المصطفين. قال ~~أبو صالح: يقال لها عند الموت: ارجعي إلى ربك، فإذا كان يوم القيامة قيل ~~لها: { فادخلي في عبادي } وقال الفراء: ادخلي مع عبادي. وقرأ سعد بن أبي ~~وقاص، وأبي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، ms2146 والضحاك، وأبو العالية، وأبو ~~عمران: «في عبدي» على التوحيد. قال الزجاج: فعلى هذه القراءة والله ~~أعلم يكون المعنى: ارجعي إلي ربك، أي: إلى صاحبك الذي خرجت منه، ~~فادخلي فيه. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-10] # قوله تعالى: { لا أقسم } قال الزجاج: المعنى: أقسم. و «لا» دخلت ~~توكيدا، كقوله تعالى: # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] وقرأ عكرمة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو العالية، ~~«لأقسم» قال الزجاج: وهذه القراءة بعيدة في العربية، وقد شرحنا هذا ~~في أول «القيامة». # قوله تعالى: { وأنت حل بهذا البلد } فيه ثلاثة أقوال. # و { البلد } هاهنا: مكة. # أحدها: حل لك ما صنعت في هذا البلد من قتل أو غيره، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. قال الزجاج: يقال: رجل حل، وحلال، ومحل. قال المفسرون: ~~والمعنى: إن الله تعالى وعد نبيه أن يفتح مكة على يديه بأن يحلها ~~له، فيكون فيها حلا. # والثاني: فأنت محل بهذا البلد غير محرم في دخوله، يعني: عام ~~الفتح، قاله الحسن، وعطاء. # والثالث: أن المشركين بهذا البلد يستحلون إخراجك وقتلك، ويحرمون قتل ~~الصيد، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { ووالد وما ولد } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه آدم وما ولد، قاله الحسن، ومجاهد، والضحاك، وقتادة. # والثاني: أولاد إبراهيم، وما ولد: ذريته، قاله أبو عمران الجوني. # والثالث: أنه عام في كل والد وما ولد، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان } هذا جواب القسم. # وفيمن عنى بالإنسان خمسة أقوال. # أحدهما: أنه اسم جنس، وهو معنى قول ابن عباس. # والثاني: أنه أبو الأشدين الجمحي، وقد سبق ذكره، [المدثر: 29، ~~والانفطار: 5] قاله الحسن. # والثالث: أنه الحارث بن عامر بن نوفل، وذلك أنه أذنب ذنبا، فأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالكفارة، فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات، والنفقات ~~منذ دخلت في دين محمد، قاله مقاتل. # والرابع: آدم عليه السلام، قاله ابن زيد. # والخامس: الوليد بن المغيرة، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: { في كبد } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: في نصب، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، فإنهم قالوا: في ms2147 شدة. قال الحسن: يكابد الشكر ~~على السراء والصبر على الضراء، لأنه لا يخلو من أحدهما ويكابد ~~مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة. قال ابن قتيبة: في شدة غلبة ومكابدة ~~لأمور الدنيا والآخرة، فعلى هذا يكون من مكابدة الأمر، وهي معاناته. # والثاني: أن المعنى: خلق منتصبا يمشي على رجلين، وسائر الحيوان غير ~~منتصب، رواه مقسم عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، والضحاك، وعطية، والفراء، ~~فعلى هذا يكون معنى الكبد: الاستواء والاستقامة. # والثالث: في وسط السماء، قال ابن زيد: «لقد خلقنا الإنسان» يعني: آدم ~~«في كبد» أي: في وسط السماء. # قوله تعالى: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } يعني الله عز وجل أي: ~~[أيحسب أن] لن نقدر على بعثه، ومعاقبته؟! { يقول أهلكت مالا لبدا } ~~أي: كثيرا، قال أبو عبيدة: هو فعل من التلبد، وهو المال الكثير بعضه ~~على بعض. # قال ابن قتيبة: وهو المال المتلبد، كأن بعضه على بعض. قال الزجاج: ~~وهو فعل للكثرة، كما يقال: رجل حطم: إذا كان كثير الحطم، وقرأ أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه، وعائشة، وأبو عبد الرحمن، وقتادة، وأبو العالية، ~~وأبو جعفر «لبدا» بضم اللام، وتشديد الباء مفتوحة، وقرأ عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، وأبو المتوكل، وأبو عمران «لبدا» بفتح اللام وتسكين ~~الباء خفيفة. وقرأ عثمان بن عفان، والحسن، ومجاهد، «لبدا» برفع اللام ~~والباء وتخفيفهما. وقرأ علي وابن أبي الجوزاء «لبدا» بكسر اللام، ~~وفتح الباء مخففة. # وفيما قال لأجله ذلك قولان. # أحدهما: أنه أراد: أهلكت مالا كثيرا في عداوة محمد، قاله ابن السائب، ~~فكأنه استطال بما أنفق. # والثاني: أنفقت في سبيل الله وفي الكفارات مالا كثيرا، قاله مقاتل. ~~فكأنه ندم على ما أنفق. # قوله تعالى: { أيحسب أن لم يره أحد } يعني الله عز وجل: والمعنى: ~~أيظن أن الله لم ير نفقته، ولم يحصها؟! وكان قد ادعى ما لم ينفق. # قوله تعالى: { ألم نجعل له عينين } والمعنى: ألم نفعل به ما يدل على أن ~~الله قادر على بعثه؟!. # قوله تعالى: { وهديناه النجدين } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: سبيل الخير ms2148 والشر، قاله علي، والحسن، والفراء. وقال ابن قتيبة: ~~يريد طريق الخير والشر. وقال الزجاج: النجدان: الطريقان الواضحان. ~~والنجد: المرتفع من الأرض، فالمعنى: ألم نعرفه طريق الخير والشر ~~كتبين الطريقين العاليين. # والثاني: سبيل الهدى والضلال، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: هو سبيل ~~الشقاوة والسعادة. # والثالث: الثديان ليتغذى بلبنهما، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ابن ~~المسيب، والضحاك، وقتادة. ### || [90.11-20] # قوله تعالى: { فلا اقتحم العقبة } قال أبو عبيدة: فلم يقتحم العقبة [في ~~الدنيا]. وقال ابن قتيبة: فلا هو اقتحم العقبة. قال الفراء: لم يضم إلى ~~قوله تعالى: فلا اقتحم العقبة كلاما آخر فيه «لا»، والعرب لا تكاد تفرد ~~«لا» في الكلام حتى يعيدوها عليه في كلام آخر، كقوله تعالى: # فلا صدق ولا صلى # [القيامة: 31]، # ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 62]. ومعنى «لا» مأخوذ من آخر هذا الكلام، فاكتفى بواحدة من ~~الأخرى، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة، فقال: فك رقبة. { أو إطعام في ~~يوم ذي مسغبة } { ثم كان من الذين آمنوا } ففسرها بثلاثة أشياء. فكأنه ~~كان في أول الكلام: فلا فعل ذا، ولا ذا. وذهب ابن زيد في آخرين إلى أن ~~المعنى: أفلا اقتحم العقبة؟ على وجه الاستفهام، والمعنى: فهلا أنفق ~~ماله في فك الرقاب والإطعام ليجاوز بذلك العقبة؟! # فأما الاقتحام فقد بيناه في [ص: 59]. # وفي العقبة سبعة أقوال. # أحدها: أنه جبل في جهنم، قاله ابن عمر. # والثاني: عقبة دون الجسر، قاله الحسن. # والثالث: سبعون دركة في جهنم، قاله كعب. # والرابع: الصراط، قاله مجاهد، والضحاك. # والخامس: نار دون الجسر، قاله قتادة. # والسادس: طريق النجاة، قاله ابن زيد. # والسابع: أن ذكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس ~~والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة. ~~يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، ذكره علي بن أحمد ~~النيسابوري في آخرين. # قوله تعالى: { وما أدراك ما العقبة } قال سفيان بن عيينة: كل ما فيه ~~«وما أدراك» فقد أخبره به، وكل ما فيه «وما يدريك» فإنه لم يخبره ms2149 به. ~~قال المفسرون: المعنى: وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ ثم بينه فقال ~~تعالى: { فك رقبة } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، إلا عبد الوارث، ~~والكسائي، والداجوني عن ابن ذكوان «فك» بفتح الكاف «رقبة» بالنصب ~~«أو أطعم» بفتح الهمزة والميم وسكون الطاء من غير ألف. وقرأ عاصم، وابن ~~عامر، ونافع، وحمزة «فك» بالرفع «رقبة» بالخفض «أو إطعام» بالألف. ~~ومعنى فك الرقبة: تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته. ومن ~~قرأ «فك رقبة» على الفعل، فهو تفسير اقتحام العقبة بالفعل، واختاره ~~الفراء، لقوله تعالى: { ثم كان من الذين آمنوا } قال ابن قتيبة: ~~والمسغبة: المجاعة، يقال: سغب يسغب سغوبا: إذا جاع { يتيما ذا ~~مقربة } أي: ذا قرابة { أو مسكينا ذا متربة } أي: ذا فقر كأنه لصق ~~بالتراب. وقال ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء. ثم بين أن ~~هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان بقوله تعالى: { ثم كان من الذين آمنوا ~~} و «ثم» هاهنا بمعنى الواو، كقوله تعالى: # ثم الله شهيد # [يونس:46]. # قوله تعالى: { وتواصوا بالصبر } على فرائض الله وأمره { وتواصوا ~~بالمرحمة } أي: بالتراحم بينهم. وقد ذكرنا أصحاب الميمنة والمشأمة في ~~[الواقعة:7،8] قال الفراء: و «المؤصدة» المطبقة. قال مقاتل: يعني أبوابها ~~عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر ~~الأبد. وقال ابن قتيبة: يقال: أوصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته. وقال ~~الزجاج: المعنى: أن العذاب مطبق عليهم. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «موصدة» بغير همز هاهنا وفي [الهمزة:8] وقرأ ~~أبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم بالهمز في الموضعين. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-10] # قوله تعالى: { والشمس وضحاها } في المراد «بضحاها» ثلاثة أقوال. # أحدها: ضوؤها، قاله مجاهد، والزجاج. والضحى: حين يصفو ضوء الشمس بعد ~~طلوعها. # والثاني: النهار كله، قاله قتادة، وابن قتيبة. # والثالث: حرها، قاله السدي، ومقاتل: { والقمر إذا تلاها } فيه قولان. # أحدهما: إذا تبعها، قاله ابن عباس في آخرين. ثم في وقت اتباعه لها ~~ثلاثة أقوال. # أحدهما: أنه في ms2150 أول ليلة من الشهر يرى القمر إذا سقطت الشمس، قاله ~~قتادة. # والثاني: أنه في الخامس عشر يطلع القمر مع غروب الشمس، حكاه الماوردي. # والثالث: أنه في النصف الأول من الشهر إذا غربت تلاها القمر في الإضاءة، ~~وخلفها في النور، حكاه علي بن أحمد النيسابوري. # والقول الثاني: إذا ساواها، قاله مجاهد. وقال غيره: إذا استدار، فتلا ~~الشمس في الضياء والنور، وذلك في الليالي البيض. # قوله تعالى: { والنهار إذا جلاها } في المكنى عنها قولان. # أحدهما: أنها الشمس، قاله مجاهد، فيكون المعنى: والنهار إذا بين ~~الشمس، لأنها تتبين إذا انبسط النهار. # والثاني: أنها الظلمة، فيكون كناية عن غير مذكور، لأن المعنى معروف، كما ~~تقول: أصبحت باردة، وهبت شمالا، وهذا قول الفراء، واللغويين. # { والليل إذا يغشاها } أي: يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. # قوله تعالى: { والسماء وما بناها } في «ما» قولان. # أحدهما: بمعنى «من» تقديره «ومن بناها» قاله الحسن، ومجاهد، وأبو ~~عبيدة، وبعضهم يجعلها بمعنى الذي. # والثاني: أنها بمعنى المصدر، تقديره: وبنائها، وهذا مذهب قتادة، ~~والزجاج. وكذلك القول في «وما طحاها» «وما سواها» وقد قرأ أبو عمران ~~الجوني في آخرين «ومن بناها» «ومن طحاها» «ومن سواها» كله بالنون. قال ~~أبو عبيدة: ومعنى «طحاها»: بسطها يمينا وشمالا، ومن كل جانب. قال ابن ~~قتيبة: يقال: خير طاح، أي كثير متسع. # وفي المراد «بالنفس» ها هنا قولان: # أحدهما: آدم، قاله الحسن. # والثاني: جميع النفوس، قاله عطاء. وقد ذكرنا معنى «سواها» في قوله ~~تعالى: # فسواك فعدلك # [الانفطار:7] { فألهمها فجورها وتقواها } الإلهام: إيقاع الشيء في ~~النفس. قال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. وقال ابن زيد: جعل ذلك ~~فيها بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور. # قوله تعالى: { قد أفلح من زكاها } قال الزجاج: هذا جواب القسم. والمعنى: ~~لقد أفلح، ولكن اللام حذفت لأن الكلام طال، فصار طوله عوضا منها. قال ~~ابن الأنباري: جوابه محذوف. وفي معنى الكلام قولان. # أحدهما: قد أفلحت نفس زكاها الله عز وجل، قاله ابن عباس، ومقاتل، ~~والفراء، والزجاج. # والثاني: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة ms2151 الله وصالح الأعمال، قاله قتادة، ~~وابن قتيبة. ومعنى «زكاها»: أصلحها وطهرها من الذنوب { وقد خاب من دساها ~~} فيه قولان كالذي قبله. # فإن قلنا: إن الفعل لله، فمعنى «دساها» خذلها، وأخملها، وأخفى محلها، ~~[بالكفر والمعصية] ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح. # وإن قلنا: الفعل للإنسان، فمعنى «دساها» أخفاها بالفجور. قال الفراء: ~~ويروى أن «دساها» دسسها لأن البخيل يخفي منزله وماله. وقال ابن ~~قتيبة: المعنى: دسى نفسه، أي: أخفاها بالفجور والمعصية. والأصل من ~~دسست، فقلبت السين ياء، كما قالوا: قصيت أظفاري، أي: قصصتها. ~~فكأن النطف بارتكاب الفواحش دس نفسه، وقمعها، ومصطنع المعروف ~~شهر نفسه ورفعها، وكانت أجواد العرب تنزل الربا للشهرة. واللئام تنزل ~~الأطراف لتخفي أماكنها. وقال الزجاج: معنى «دساها» جعلها قليلة خسيسة. ### || [91.11-15] # قوله تعالى: { كذبت ثمود بطغواها } أي: كذبت رسولها بطغيانها. والمعنى: ~~أن الطغيان حملهم على التكذيب. قال الفراء: أراد بطغواها: طغيانها، وهما ~~مصدران، إلا أن الطغوى أشكل برؤوس الآيات، فاختير لذلك. وقيل: كذبوا ~~العذاب { إذ انبعث } أي: انتدب { أشقاها } وهو: عاقر الناقة لعقرها { ~~فقال لهم رسول الله } وهو صالح { ناقة الله } قال الفراء: نصب الناقة على ~~التحذير، وكل تحذير فهو نصب. قال ابن قتيبة: المعنى: احذروا ناقة الله ~~وشربها. وقال الزجاج: المعنى: ذروا ناقة الله { و } ذروا { سقياها }. ~~قال المفسرون: سقياها: شربها من الماء. والمعنى: لا تتعرضوا ليوم شربها ~~{ فكذبوه } في تحذيره إياهم العذاب بعقرها { فعقروها } وقد بينا معنى ~~«العقر» في [الأعراف: 77] { فدمدم عليهم ربهم } قال الزجاج: أي: أطبق ~~عليهم العذاب. يقال: دمدمت على الشيء: إذا أطبقت فكررت الإطباق. وقال ~~المؤرج: الدمدمة: إهلاك باستئصال. # وفي قوله تعالى: { فسواها } قولان. # أحدهما: سوى بينهم في الإهلاك، قاله السدي، ويحيى بن سلام. وقيل: ~~سوى الدمدمة عليهم. والمعنى: أنه أهلك صغيرهم، وكبيرهم. # والثاني: سوى الأرض عليهم. قال مقاتل: سوى بيوتهم على قبورهم. ~~وكانوا قد حفروا قبورا فاضطجعوا فيها، فلما صيح بهم فهلكوا زلزلت ~~بيوتهم فوقعت على قبورهم. # قوله تعالى: { ولا يخاف عقباها } قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، «فلا ~~يخاف» بالفاء، وكذلك هو في ms2152 مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون ~~بالواو، وكذلك هي في مصاحف مكة، والكوفة، والبصرة. # وفي المشار إليه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الله عز وجل، فالمعنى: لا يخاف الله من أحد تبعة في ~~إهلاكهم، ولا يخشى عقبى ما صنع، قاله ابن عباس، والحسن. # والثاني: أنه الذي عقرها، فالمعنى: أنه لم يخف عقبى ما صنع، وهذا مذهب ~~الضحاك والسدي، وابن السائب. فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ~~إذ انبعث أشقاها وهو لا يخاف عقباها. # والثالث: أنه نبي الله صالح لم يخف عقباها، حكاه الزجاج. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-11] # قوله تعالى: { والليل إذا يغشى } قال ابن عباس: يغشى بظلمته النهار. ~~وقال الزجاج: يغشى الأفق، ويغشى جميع ما بين السماء والأرض، { والنهار ~~إذا تجلى } أي: بان وظهر من بين الظلمة، { وما خلق الذكر والأنثى } في ~~«ما» قولان. وقد ذكرناهما عند قوله تعالى: # وما بناها # [الشمس: 5] وفي «الذكر والأنثى» قولان. # أحدهما: آدم وحواء، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنه عام، ذكره الماوردي. قوله تعالى: { إن سعيكم لشتى } هذا ~~جواب القسم. قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة، عمل للجنة، وعمل للنار. ~~وقال الزجاج: سعي المؤمن والكافر مختلف، بينهما بعد. # وفي سبب نزول هذه السورة قولان. # أحدهما: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اشترى بلالا من أمية ~~وأبي ابني خلف ببردة وعشرة أواق، فأعتقه، فأنزل الله عز وجل ~~«والليل» إلى قوله تعالى: { إن سعيكم لشتى } يعني: سعي أبي بكر، وأمية ~~وأبي، قاله عبد الله بن مسعود. # والثاني: # " أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل ~~إذا صعد النخلة ليأخذ منها الثمر، فربما سقطت الثمرة، فيأخذها صبيان ~~الفقير فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ الثمرة من أيديهم، فإن وجدها في فم ~~أحدهم أدخل أصبعه حتى يخرجها، فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة، فقال: «تعطني نخلتك ~~التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة؟» فقال الرجل: إن لي ms2153 نخلا ~~وما فيه نخلة أعجب إلي منها، ثم ذهب الرجل، فقال رجل: ممن سمع ذلك ~~الكلام: يا رسول الله، أتعطيني نخلة في الجنة إن أنا أخذتها؟ قال: نعم، ~~فذهب الرجل، فلقي صاحب النخلة، فساومها منه، فقال له: أما شعرت أن ~~محمدا أعطاني بها نخلة في الجنة؟ فقلت: ما لي نخلة أعجب إلي منها، ~~فقال له: أتريد بيعها؟ قال: لا، إلا أن أعطى بها مالا أظنني أعطى، قال: ~~ما مناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال: أنا أعطيك أربعين نخلة، فأشهد له ~~ناسا، ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن النخلة قد صارت ~~في ملكي، وهي لك، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الدار، ~~فقال: النخلة لك ولعيالك، فأنزل الله عز وجل «والليل إذا يغشى» إلى قوله ~~تعالى { إن سعيكم لشتى } " # رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال عطاء: الذي اشتراها من الرجل أبو الدحداح، ~~أخذها بحائط له، فأنزل الله تعالى هذه الآيات إلى قوله تعالى: «إن سعيكم ~~لشتى» أبو الدحداح، وصاحب النخلة. # قوله تعالى: { فأما من أعطى واتقى } قال ابن مسعود: يعني: أبا بكر ~~الصديق، هذا قول الجمهور. # وقال عطاء: هو أبو الدحداح. # وفي المراد بهذا العطاء ثلاثة أقوال. # أحدها: أعطى من فضل ماله، قاله ابن عباس. # والثاني: أعطى الله الصدق من قبله، قاله الحسن. # والثالث: أعطى حق الله عليه، قاله قتادة. # وفي قوله تعالى { واتقى } ثلاثة أقوال. # أحدها: اتقى الله، قاله ابن عباس. # والثاني: اتقى البخل، قاله مجاهد. # والثالث: اتقى محارم الله التي نهى عنها، قاله قتادة. # وفي «الحسنى» ستة أقوال: # أحدها: أنه «لا إله إلا الله»، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # والثاني: الخلف، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # والثالث: الجنة، قاله مجاهد. # والرابع: نعم الله عليه، قاله عطاء. # والخامس: بوعد الله أن يثيبه، قاله قتادة، ومقاتل. # والسادس: الصلاة، والزكاة، والصوم، قاله زيد بن أسلم. # قوله تعالى: { فسنيسره لليسرى } ضم أبو جعفر سين «اليسرى» وسين «العسرى» ~~وفيه قولان. # أحدهما: ms2154 للخير، قاله ابن عباس. والمعنى: نيسر ذلك عليه. # والثاني: للجنة، قاله زيد بن أسلم. # { وأما من بخل } قال ابن مسعود: يعني ذلك أمية وأبي ابني خلف. ~~وقال عطاء: هو صاحب النخلة. # قال المفسرون: «وأما من بخل» بالنفقة في الخير والصدقة. وقال قتادة: بحق ~~الله عز وجل { واستغنى } عن ثواب الله فلم يرغب فيه { وكذب بالحسنى } ~~وقد سبقت الأقوال فيها. # وفي «العسرى» قولان. # أحدهما: النار، قاله ابن مسعود. # والثاني: الشر، قاله ابن عباس. والمعنى: سنهيؤه للشر فيؤديه إلى الأمر ~~العسير، وهو عذاب النار. # ثم ذكر أن ما أمسكه من ماله لا ينفعه، فقال تعالى: { وما يغنى عنه ماله ~~} الذي بخل به عن الخير { إذا تردى } وفيه قولان. # أحدهما: إذا تردى في جهنم، قاله ابن عباس، وقتادة، والمعنى: إذا سقط ~~فيها. # والثاني: إذا مات فتردى في قبره، قاله مجاهد. ### || [92.12-21] # قوله تعالى: { إن علينا للهدى } قال الزجاج: المعنى: إن علينا أن ~~نبين طريق الهدى من طريق الضلالة { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: ~~فليطلبا منا { فأنذرتكم نارا تلظى } أي: توقد وتتوهج { لا يصلاها ~~إلا الأشقى } يعني: المشرك { الذي كذب } الرسول { وتولى } عن الإيمان. ~~قال أبو عبيدة: { الأشقى } بمعنى الشقي. والعرب تضع «أفعل» في موضع ~~«فاعل». قال طرفة: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # قال الزجاج: وهذه الآية التي من أجلها زعم أهل الإرجاء أنه لا يدخل ~~النار إلا كافر، وليس [الأمر] كما ظنوا. هذه نار موصوفة بعينها، ولأهل ~~النار منازل. فلو كان [كل] من لا يشرك لا يعذب لم يكن في قوله تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # [النساء: 48] فائدة [وكان «ويغفر ما دون ذلك» كلاما لا معنى له]. # قوله تعالى: { وسيجنبها } أي: يبعد عنها، فيجعل منها على جانب { ~~الأتقى } يعني: أبا بكر الصديق في قول جميع المفسرين { الذي يؤتي ماله ~~يتزكى } أي: يطلب أن يكون عنه الله زاكيا، ولا يطلب الرياء، ولا ~~السمعة، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: لم يفعل ذلك مجازاة ليد ~~أسديت ms2155 إليه. # وروى عطاء عن ابن عباس أن أبا بكر لما اشترى بلالا بعد أن كان يعذب ~~قال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك إلا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله ~~تعالى: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى }. أي: ~~إلا طلبا لثواب ربه. قال الفراء: و «إلا» بمعنى «لكن» ونصب «ابتغاء» ~~على إضمار إنفاقه. فالمعنى: وما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه. # قوله تعالى: { ولسوف يرضى } أي: بما يعطى في الجنة من الثواب. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # وفي المراد «بالضحى» أربعة أقوال. # أحدها: ضوء النهار، قاله مجاهد. # والثاني: صدر النهار، قاله قتادة. # والثالث: أول ساعة من النهار إذا ترحلت الشمس، قاله السدي، ومقاتل. # والرابع: النهار كله، قاله الفراء. # وفي معنى «سجى» خمسة أقوال. # أحدها: أظلم. # والثاني: ذهب، رويا عن ابن عباس. # والثالث: أقبل، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: سكن، قاله عطاء، وعكرمة، وابن زيد. فعلى هذا: في معنى «سكن» ~~قولان. # أحدهما: استقر ظلامه. قال الفراء: «سجى» بمعنى أظلم وركد في طوله. كما ~~يقال: بحر ساج: وليل ساج: إذا ركد وأظلم. ومعنى: ركد: سكن. قال ~~أبو عبيدة، يقال: ليلة ساجية، وساكنة، وشاكرة. قال الحادي: # يا حبذا القمراء والليل الساج # وطرق مثل ملاء النساج # قال ابن قتيبة: «سجى» بمعنى سكن، وذلك عند تناهي ظلامه وركوده. # والثاني: سكن الخلق فيه، ذكره الماوردي. # والخامس: امتد ظلامه، قاله ابن الأعرابي. # قوله تعالى: { ما ودعك ربك } وقرأ عمر بن الخطاب، وأنس، وعروة، وأبو ~~العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وأبو حاتم عن يعقوب «ما ودعك» ~~بتخفيف الدال. وهذا جواب القسم. قال أبو عبيدة: «ما ودعك» من التوديع ~~كما يودع المفارق، و «ما ودعك» مخففة من ودعه يدعه { وما قلى } أي: ~~أبغض. # قوله تعالى: { وللآخرة خير لك من الأولى } قال عطاء، خير لك من الدنيا. ~~وقال غيره: الذي لك في الآخرة أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا. # قوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك } في الآخرة من الخير { فترضى } بما ~~تعطى. قال علي والحسن: هو الشفاعة ms2156 في أمته حتى يرضى. قال ابن عباس: ~~عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يفتح على أمته من بعده ~~كفرا كفرا، فسر بذلك، فأنزل الله عز وجل: «وللآخرة خير لك من ~~الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى». # قوله تعالى: { ألم يجدك يتيما فآوى } فيه قولان. # أحدهما: جعل لك مأوى، إذا ضمك إلى عمك أبي طالب، فكفاك المؤونة، قاله ~~مقاتل. # والثاني: جعل لك مأوى لنفسك أغناك عن كفالة أبي طالب، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: { ووجدك ضالا فهدى } فيه ستة أقوال. # أحدها: ضالا عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها، قاله ~~الجمهور، منهم الحسن، والضحاك. # والثاني: أنه ضل وهو صبي صغير في شعاب مكة، فرده الله إلى جده عبد ~~المطلب، رواه أبو الضحى عن ابن عباس. # والثالث: أنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ إبليس بزمام ناقته، فعدل ~~به عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة، ورده ~~إلى القافلة، فمن الله عليه بذلك، قاله سعيد بن المسيب. # والرابع: أن المعنى: ووجدك في قوم ضلال، فهداك للتوحيد والنبوة، قاله ~~ابن السائب. # والخامس: ووجدك نسيا، فهداك إلى الذكر. ومثله: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282]، قاله ثعلب. # والسادس: ووجدك خاملا لا تذكر ولا تعرف، فهدى الناس إليك حتى ~~عرفوك، قاله عبد العزيز بن يحيى، ومحمد بن علي الترمذي. # قوله تعالى: { ووجدك عائلا } قال أبو عبيدة: أي: ذا فقر. وأنشد: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # أي: يفتقر. قال ابن قتيبة: العائل: الفقير، كان له عيال، أو لم يكن. ~~يقال: عال الرجل، إذا افتقر. وأعال: إذا كثر عياله. # قوله تعالى: { فأغنى } قولان. # أحدهما: رضاك بما أعطاك من الرزق، قاله ابن السائب، واختاره الفراء. ~~وقال: لم يكن غناه عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. # والثاني: فأغناك بمال خديجة عن أبي طالب، قاله جماعة من المفسرين. # قوله تعالى: { فأما اليتيم فلا تقهر } فيه قولان. # أحدهما: لا تحقر، قاله مجاهد. # والثاني: لا تقهره على ms2157 ماله، قاله الزجاج { وأما السائل } ففيه قولان. # أحدهما: سائل البر، قاله الجمهور. والمعنى: إذا جاءك السائل، فإما أن ~~تعطيه، وإما أن ترده ردا لينا. ومعنى { فلا تنهر } لا تنهره، ~~يقال: نهره وانتهره: إذا استقبله بكلام يزجره. # والثاني: أنه طالب العلم، قاله يحيى بن آدم في آخرين. # قوله تعالى: { وأما بنعمة ربك فحدث } في النعمة ثلاثة أقوال. # أحدها: النبوة. # والثاني: القرآن، رويا عن مجاهد. # والثالث: أنها عامة في جميع الخيرات، وهذا قول مقاتل. وقد روي عن مجاهد ~~قال: قرأت على ابن عباس. فلما بلغت «والضحى» قال: كبر إذا ختمت كل سورة ~~حتى تختم. وقد قرأت على أبي بن كعب فأمرني بذلك. قال علي بن أحمد ~~النيسابوري: ويقال: إن الأصل في ذلك أن الوحي لما فتر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقال المشركون: قد هجره شيطانه وودعه، اغتم لذلك، ~~فلما نزل «والضحى» كبر عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا ~~بنزول الوحي، فاتخذه الناس سنة. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # قوله تعالى: { ألم نشرح لك صدرك } الشرح: الفتح بإذهاب ما يصد عن ~~الإدراك. والله تعالى فتح صدر نبيه للهدى والمعرفة بإذهاب الشواغل التي ~~تصدر عن إدراك الحق. ومعنى هذا الإستفهام: التقرير، أي: قد فعلنا ذلك { ~~ووضعنا عنك وزرك } أي: حططنا عنك إثمك الذي سلف في الجاهلية، ~~قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، والفراء، وابن قتيبة في آخرين. ~~وقال الزجاج: المعنى: أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال ابن ~~قتيبة: وأصل الوزر: ما حمله الإنسان على ظهره، فشبه بالحمل فجعل ~~مكانه. ومعنى { أنقض ظهرك } أثقله حتى سمع نقيضه، أي: صوته. وهذا مثل، ~~يعني: أنه لو كان حملا يحمل لسمع نقيض الظهر منه. وذهب قوم إلى أن ~~المراد بهذا تخفيف أعباء النبوة التي يثقل القيام بها الظهر، ~~فسهل الله له ذلك حتى تيسر عليه الأمر. وممن ذهب إلى هذا عبد ~~العزيز بن يحيى. # قوله تعالى: { ورفعنا لك ذكرك } فيه خمسة أقوال. أحدها: ما روى أبو ~~سعيد الخدري عن ms2158 رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه ~~الآية، فقال: قال الله عز وجل: إذا ذكرت [ذكرت] معي. قال قتادة: ~~فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وهذا قول الجمهور. # والثاني: رفعنا لك ذكرك بالنبوة، قاله يحيى بن سلام. # والثالث: رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا، حكاه الماوردي. # والرابع: رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء. # والخامس: بأخذ الميثاق لك على الأنبياء، وإلزامهم الإيمان بك، والإقرار ~~بفضلك، حكاهما الثعلبي. # قوله تعالى: { فإن مع العسر يسرا } ضم سين «العسر» وسين «اليسر» ~~أبو جعفر. و «العسر» مذكور في الآيتين بلفظ التعريف. و «اليسر» مذكور ~~بلفظ التنكير، فدل على أن العسر واحد، واليسر اثنان. قال ابن مسعود، وابن ~~عباس في هذه [الآية]: لن يغلب عسر يسرين. قال الفراء: العرب إذا ~~ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة صارت اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما ~~فأنفق درهما، فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي كقولك: إذا ~~كسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ~~ذكر العسر بالألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع ~~العسر يسرين. وقال الحسين بن يحيى الجرجاني ويقال له: صاحب النظم : ~~معنى الكلام: لا يحزنك ما يعيرك به المشركون من الفقر «فإن مع العسر ~~يسرا» [عاجلا في الدنيا، فأنجزه بما وعده، بما فتح عليه، ثم ابتدأ ~~فصلا آخر فقال: «إن مع العسر يسرا»] والدليل على ابتدائه تعريه من ~~الفاء والواو، وهو وعد لجميع المؤمنين أن مع عسر المؤمنين يسرا في ~~الآخرة، فمعنى قولهم: لن يغلب عسر يسرين: لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي ~~وعده الله المؤمنين في الدنيا، فاليسر الذي وعدهم في الآخرة، إنما يغلب ~~أحدهما، وهو يسر الدنيا. # فأما يسر الآخرة، فدائم لا ينقطع، كقوله [صلى الله عليه وسلم]: # " شهرا عيد لا ينقصان " # أي لا يجتمعان في النقص. وحكي عن العتبي قال: كنت ذات ليلة في البادية ~~بحالة من ms2159 الغم، فألقي في روعي بيت من الشعر، فقلت: # أرى الموت لمن أصب # ح مغموما له أروح # فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف: # ألا يا أيها المرء ال # لذي الهم به برح # وقد أنشد بيتا لم # يزل في فكره يسنح # إذا اشتد بك العسر # ففكر في { ألم نشرح } # فعسر بين يسرين # إذا أبصرته فافرح # فحفظت الأبيات وفرج الله غمي. # قوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب } أي: فادأب في العمل، وهو من النصب، ~~والنصب: التعب، الدؤوب في العمل. # وفي معنى الكلام خمس أقوال. # أحدها: فإذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، قاله ابن مسعود. # والثاني: فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، قاله ابن عباس، والضحاك، ~~ومقاتل. # والثالث: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك، قاله مجاهد. # والرابع: فإذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، قاله الشعبي، ~~والزهري. # والخامس: إذا صح بدنك فاجعل صحتك نصبا في العبادة، ذكره علي ابن أبي ~~طلحة { وإلى ربك فارغب } قال الزجاج: اجعل رغبتك إلى الله عز وجل وحده. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # قوله تعالى: { والتين والزيتون } فيهما سبعة أقوال. # أحدها: أنه التين المعروف، والزيتون المعروف، قاله ابن عباس، والحسن، ~~وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وإبراهيم. وذكر بعض المفسرين أنه ~~إنما أقسم بالتين لأنها فاكهة مخلصة من شائب التنغيص، وهو يدل على ~~قدرة من هيأه على تلك الصفة. وجعل الواحدة منه على مقدار اللقمة، وإنما ~~أقسم بالزيتون لكثرة الانتفاع به. # والثاني: أن التين: مسجد نوح عليه السلام الذي بنى على الجودي. ~~والزيتون: بيت المقدس، رواه عطية عن ابن عباس. # والثالث: التين المسجد الحرام، والزيتون: المسجد الأقصى، قاله الضحاك. # والرابع: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس، قاله كعب، وقتادة، ~~وابن زيد. # والخامس: أنهما جبلان، قاله عكرمة في رواية. وروي عن قتادة قال: التين: ~~الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. # والسادس: أن التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء، قاله ~~القرظي. # والسابع: أن التين: جبال ما بين حلوان إلى همذان، والزيتون: جبال ms2160 ~~بالشام، حكاه الفراء. # فأما { طور سينين } فالطور: جبل وفيه قولان. # أحدهما: أنه الجبل الذي كلم الله موسى عليه، قاله كعب الأحبار في ~~الأكثرين. # والثاني: أنه جبل بالشام، قاله قتادة. # فأما «سينين» فهو لغة في سيناء. وقد قرأ علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبو ~~العالية، وأبو مجلز و«طور سيناء» ممدودة مهموزة، مفتوحة السين. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو الدرداء، وأبو حيوة «وطور سيناء» مثلهم إلا أنهم كسروا ~~السين. وقرأ أبو رجاء، والجحدري «سينين» كما في المصحف، لكنهما فتحا ~~السين. وقال ابن الأنباري: «سينين» هو سيناء. # واختلفوا في معناه، فقيل: معناه: الحسن. وقيل: المبارك. وقيل: إنه اسم ~~للشجر الذي حوله. وقد شرحنا هذا في سورة [المؤمنين:20] قال الزجاج: وقد ~~قرىء هاهنا «وطور سيناء» وهو أشبه لقوله تعالى # وشجرة تخرج من طور سيناء # [المؤمنون:20]. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين، وسيناء بلغة ~~النبط. # قوله تعالى: { وهذا البلد الأمين } يعني: مكة يأمن فيه الخائف في ~~الجاهلية، والإسلام قال الفراء: ومعنى «الأمين» الآمن. والعرب تقول ~~للأمين: آمن. # قال الشاعر: # ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني # حلفت يمينا لا أخون أميني # يريد آمني. # قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان } هذا جواب القسم. وفي المراد بالإنسان ~~هاهنا خمسة أقوال. # أحدها: أنه كلدة بن أسيد، قاله ابن عباس. # والثاني: الوليد بن المغيرة، قاله عطاء. # والثالث: أبو جهل بن هشام. # والرابع: عتبة، وشيبة، حكاهما الماوردي. # والخامس: أنه اسم جنس، وهذا مذهب كثير من المفسرين، وهو معنى قول مقاتل. # قوله تعالى: { في أحسن تقويم } فيه أربعة أقوال. # أحدها: في أعدل خلق. # والثاني: منتصب القامة، رويا عن ابن عباس. # والثالث: في أحسن صورة، قاله أبو العالية. # والرابع: في شباب وقوة، قاله عكرمة { ثم رددناه أسفل سافلين } فيه ~~قولان. # أحدهما: إلى أرذل العمر، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~وإبراهيم، وقتادة. وقال الضحاك: إلى الهرم بعد الشباب، والضعف بعد ~~القوة، والسافلون: هم الضعفاء، والزمنى، والأطفال، والشيخ الكبير ~~أسفل هؤلاء جميعا. قال الفراء: وإنما قال: «سافلين» على الجمع، لأن ~~الإنسان ms2161 في معنى جمع. تقول: هذا أفضل قائم، ولا تقول: قائمين، لأنك تريد ~~واحدا، فإذا لم ترد واحدا ذكرته بالتوحيد وبالجمع. # والثاني: إلى النار، قاله الحسن، وأبو العالية، ومجاهد. والمعنى: إنا ~~نفعل هذا بكثير من الناس. تقول العرب: أنفق فلان ماله على فلان، وإنما ~~أنفق بعضه، ومثله قوله تعالى: # الذي يؤتي ماله يتزكى # [الليل:18] لم يرد كل ماله. ثم استثنى من الإنسان فقال تعالى: { ~~إلا الذين آمنوا } لأن معنى الإنسان الكثير. # وللمفسرين في معنى الاستثناء قولان: # أحدهما: إلا الذين آمنوا، فإنهم لا يردون إلى الخرف وأرذل ~~العمر وإن عمروا طويلا، وهذا على القول الأول. قال ابن عباس: من ~~قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. وقال النخعي: إذا بلغ المؤمن من ~~الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل، وهو قوله تعالى: { فلهم ~~أجر غير ممنون } وقال ابن قتيبة: المعنى: إلا الذين آمنوا في وقت القوة ~~والقدرة، فإنهم حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات، لأن الله ~~تعالى علم أنهم لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير، فهو ~~يجري لهم أجر ذلك. # والثاني: إلا الذين آمنوا، فإنهم لا يردون إلى النار. وهذا على ~~القول الثاني. # وقد شرحنا معنى «الممنون» في «ن» [آية:3]. # قوله تعالى: { فما يكذبك بعد بالدين } فيه قولان. # أحدهما: فما يكذبك أيها الإنسان بعد هذه الحجة «بالدين» أي: ما الذي ~~يجعلك مكذبا بالجزاء؟! وهذا توبيخ للكافر، وهو معنى قول مقاتل. وزعم ~~أنها نزلت في عدي بن ربيعة. # والثاني: فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعدما تبين له خلقنا ~~الإنسان على ما وصفنا، قاله الفراء. فأما «الدين» فهو الجزاء. والمشار ~~بذكره إلى البعث، كأنه استدل بتقليب الأحوال على البعث. # قوله تعالى { أليس الله بأحكم الحاكمين } أي: بأقضى القاضين. قال مقاتل: ~~يحكم بينك وبين مكذبيك. وذكر بعض المفسرين: أن معنى هذه الآية تسليته ~~في تركهم والإعراض عنهم. ثم نسخ هذا المعنى بآية السيف. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-5] # قوله تعالى: { اقرأ } قرأ أبو جعفر بتخفيف الهمزة في ms2162 الحرفين. قال أبو ~~عبيدة: المعنى: { إقرأ باسم ربك } والباء زائدة. # وقال المفسرون: المعنى: اذكر اسمه مستفتحا به قراءتك. وإنما قال تعالى: ~~{ الذي خلق } لأن الكفار كانوا يعلمون أنه الخالق دون أصنامهم. والإنسان ~~هاهنا: ابن آدم. والعلق: جمع علقة، وقد بيناها في سورة «الحج» قال ~~الفراء: لما كان الإنسان في معنى الجمع جمع العلق مع مشاكلة رؤوس الآيات. # قوله تعالى: { اقرأ } تقرير للتأكيد. ثم استأنف فقال تعالى: { وربك ~~الأكرم } قال الخطابي: الأكرم: الذي لايوازيه كرم، ولا يعادله في الكرم ~~نظير. وقد يكون الأكرم بمعنى الكريم، كما جاء الأعز والأطول بمعنى ~~العزيز والطويل. وقد سبق تفسير الكريم. # قوله تعالى: { الذي علم بالقلم } أي: علم الإنسان الكتابة بالقلم { علم ~~الإنسان ما لم يعلم } من الخط، والصنائع، وغير ذلك. وقيل: المراد ~~بالإنسان هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [96.6-19] # قوله تعالى: { كلا } أي: حقا. وقال مقاتل: { كلا } لا يعلم أن الله ~~علمه. ثم استأنف فقال تعالى: { إن الإنسان ليطغى } يعني: أبا جهل. وكان ~~إذا أصاب مالا أشر وبطر في ثيابه، ومراكبه، وطعامه { أن رآه استغنى ~~} قال ابن قتيبة: أي: أن رأى نفسه استغنى. و «الرجعى» المرجع. # قوله تعالى: «أرأيت الذي ينهى» معنى: أرأيت: تعجيبه المخاطب، وإنما ~~كررها للتأكيد والتعجيب. والمراد بالناهي هاهنا: أبو جهل. قال أبو هريرة: ~~قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فبالذي ~~يحلف به لئن رأيته لأطأن على رقبته. فقيل له: هاهو ذاك يصلي. ~~فانطلق ليطأ على رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي ~~بيديه، فأتوه فقالوا: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إن بيني وبينه خندقا ~~من نار، وهولا وأجنحة. وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " # ، فأنزل الله تعالى { أرأيت الذي ينهى } إلى آخر السورة. وقال ابن عباس: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن ~~هذا؟! فانصرف إليه النبي صلى الله عليه وسلم فزبره، فقال أبو ms2163 جهل: ~~والله إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله تعالى: { فليدع ناديه ~~سندع الزبانية } قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله. # قال المفسرون: والمراد بالعبد هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: ~~كانت الصلاة صلاة الظهر. # قوله تعالى: { أرأيت إن كان على الهدى } يعني المنهي وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله تعالى: { أرأيت إن كذب وتولى } يعني: الناهي، وهو أبو جهل، ~~قال الفراء: والمعنى: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، وهو كاذب ~~متول عن الذكر، فأي شيء أعجب من هذا؟! وقال ابن الأنباري: ~~تقديره: أرأيته مصيبا. # قوله تعالى: { ألم يعلم } يعني أبا جهل { بأن الله يرى } ذلك فيجازيه ~~{ كلا } أي: لا يعلم ذلك { لئن لم ينته } عن تكذيب محمد وشتمه وإيذائه { ~~لنسفعا بالناصية } السفع: الأخذ، والناصية: مقدم الرأس. قال أبو ~~عبيدة: يقال: سفعت بيده، أي أخذت بها. وقال الزجاج: يقال سفعت الشيء: ~~إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا. والمعنى: لنجرن ناصيته إلى ~~النار. # قوله تعالى: { ناصية } قال أبو عبيدة: هي بدل، فلذلك جرها. قال ~~الزجاج: والمعنى: بناصية صاحبها كاذب خاطىء، كما يقال: نهاره صائم، ~~وليله قائم، أي: هو صائم في نهاره، قائم في ليله { فليدع ناديه } أي: ~~أهل ناديه، وهم أهل مجلسه فليستنصرهم { سندع الزبانية } قال عطاء: ~~هم الملائكة الغلاظ الشداد. وقال مقاتل: هم خزنة جهنم. وقال ~~قتادة: الزبانية في كلام العرب: الشرط. # قال الفراء: كان الكسائي يقول: لم أسمع للزبانية بواحد، ثم قال ~~بأخرة: واحد الزبانية: زبني، فلا أدري أقياسا منه أو سماعا. ~~وقال أبو عبيدة: واحد الزبانية: زبنية وهو كل متمرد من إنس، أو ~~جان. يقال: فلان زبنية عفرية. قال ابن قتيبة: وهو مأخوذ من ~~الزبن، وهو الدفع، كأنهم يدفعون أهل النار إليها. قال ابن دريد: ~~الزبن الدفع. يقال: ناقة زبون: إذا زبنت حالبها، ودفعته برجلها. ~~وتزابن القوم: تدارؤوا. واشتقاق الزبانية من الزبن. والله أعلم. # قوله تعالى: { كلا } أي: ليس الأمر على ما عليه أبو جهل { لا تطعه } ~~في ترك الصلاة { واسجد ms2164 } أي: صل لله { واقترب } إليه بالطاعة، وهذا ~~قول الجمهور أن قوله تعالى { واقترب } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقد قيل: إنه خطاب لأبي جهل. ثم فيه قولان. # أحدهما: أن المعنى: اسجد أنت يا محمد، واقترب أنت يا أبا جهل من ~~النار، قاله زيد بن أسلم. # والثاني: واقترب يا أبا جهل تهددا له، رواه أبو سليمان الدمشقي عن ~~بعض القدماء. وهذا يشرحه حديث أبي هريرة الذي قدمناه. وروى أبو هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ". ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # قوله تعالى: { إنا أنزلناه } يعني: القرآن { في ليلة القدر } وذلك أنه ~~أنزل جملة في تلك الليلة إلى بيت العزة، وهو بيت في السماء الدنيا. ~~وقد ذكرنا هذا الحديث في أول كتابنا. والهاء في «إنا أنزلناه» كناية عن ~~غير مذكور. وقال الزجاج: قد جرى ذكره في قوله تعالى # إنا أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان:3]. # فأما { ليلة القدر } ففي تسميتها بذلك خمسة أقوال. # أحدها: أن القدر: العظمة، من قولك: لفلان قدر، قاله الزهري. # ويشهد له قوله تعالى: # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام:91] و [الزمر: 67]. # والثاني: أنه من الضيق، أي: هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ~~ينزلون، قاله الخليل بن أحمد، ويشهد له قوله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق:7]. # والثالث: أن القدر: الحكم كأن الأشياء تقدر فيها، قاله ابن ~~قتيبة. # والرابع: لأن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر، قاله أبو بكر ~~الوراق. # والخامس: لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، وتنزل فيها رحمة ذات قدر، ~~وملائكة ذوو قدر، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. # فصل # واختلف العلماء هل ليلة القدر باقية، أم كانت في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة؟ والصحيح بقاؤها. # وهل هي في جميع السنة، أم في رمضان؟ # فيه قولان. # أحدهما: في رمضان، قاله الجمهور. # والثاني: في جميع السنة، قاله ابن مسعود. # واختلف القائلون بأنها في شهر رمضان هل تختص ببعضه دون ms2165 بعض؟ على قولين: # أحدهما: أنها في العشر الأواخر، قاله الجمهور، وأكثر الأحاديث الصحيحة ~~تدل عليه. # وقد روى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، أو سابعة تبقى، ~~أو في خامسة تبقى " # وفي حديث أبي بكرة قال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم،إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: # " التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث يبقين، ~~أو آخر ليلة ". # والقول الثاني: أنها في جميع رمضان، قاله الحسن البصري. # واختلف القائلون بأنها في العشر الأواخر هل تختص ليالي الوتر دون الشفع؟ ~~على قولين. # أحدهما: أنها تختص الأفراد، قاله الجمهور. والأحاديث الصحاح كلها تدل ~~عليه. وقد أخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ابتغوها في العشر الأواخر في الوتر منها ". # والثاني: أنها تكون في الشفع كما تكون في الوتر، قاله الحسن. وروي عن ~~الحسن ومالك بن أنس قالا: هي ليلة ثماني عشرة. # واختلف القائلون بأنها في الأفراد في أخص الليالي بها على خمسة أقوال. # أحدها: أن الأخص بها ليلة إحدى وعشرين. فروى البخاري ومسلم في ~~«الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم العشر الوسط، واعتكفنا معه، فلما أصبحنا صبيحة عشرين رجع، ورجعنا ~~معه، وأري ليلة القدر، ثم أنسيها، فقال: # " إني رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها وأراني أسجد في ماء وطين، فمن ~~اعتكف فليرجع إلى معتكفه، وهاجت علينا السماء آخر تلك العشية، وكان ~~سقف المسجد عريشا من جريد، فوكف [المسجد] فوالذي هو أكرمه، وأنزل ~~عليه الكتاب لرأيته يصلي، بدأ المغرب ليلة إحدى وعشرين، وإن جبهته ~~وأرنبة أنفه لفي الماء والطين " # وهذا مذهب الشافعي. # والثاني: أن الأخص بها ليلة ثلاث وعشرين. روى أبو هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة ثلاث وعشرين: «اطلبوها الليلة» ~~". # وروى ابن ms2166 عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " من كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين ". # وروى مسلم في أفراده من # " حديث عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين. ~~قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه " # قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول ليلة ثلاث وعشرين. # والثالث: ليلة خمس وعشرين، روى هذا المعنى أبو بكرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # والرابع: ليلة سبع وعشرين، روى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كان متحريا فليتحرها ليلة سبع ~~وعشرين، يعني: ليلة القدر، وهذا مذهب علي وأبي بن كعب. وكان ~~أبي يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، وبه قال ابن عباس، وعائشة، ~~ومعاوية، واختاره أحمد رضي الله عنه. # وروي عن ابن عباس: أنه استدل على ذلك بشيئين. # أحدهما: أنه قال: إن الله تعالى خلق الإنسان على سبعة أصناف، يشير إلى ~~قوله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة # [المؤمنين:12] الآيات. ثم جعل رزقه في سبعة أصناف يشير إلى قوله تعالى: # أنا صببنا الماء صبا # [عبس: 25] ثم تصلى الجمعة على رأس سبعة أيام، وجعل السموات سبعا، ~~والأرضين سبعا، والمثاني سبعا، فلا أرى ليلة القدر إلا ليلة السابعة ~~[وعشرين]. # والثاني: أنه قال: قوله تعالى { سلام } هي الكلمة السابعة والعشرون، فدل ~~على أنها كذلك. # واحتج بعضهم فقال: ليلة القدر كررت في هذه السورة ثلاث مرات، وهي ~~تسعة أحرف، والتسعة إذا كررت ثلاثا فهي سبع وعشرون، وهذا تنبيه على ~~ذلك. # والقول الخامس: أن الأولى طلبها في أول ليلة من رمضان، قاله أبو رزين ~~العقيلي. # وروى أيوب عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر. # فأما الحكمة في إخفائها فليتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان طمعا ~~منهم ms2167 في إدراكها، كما أخفى ساعة الجمعة، وساعة الليل، واسمه الأعظم، ~~والصلاة الوسطى، والولي في الناس. # قوله تعالى: { وما أدراك ما ليلة القدر } هذا على سبيل التعظيم والتشوق ~~إلى خيرها. # قوله تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } قال مجاهد: قيامها والعمل ~~فيها خير من قيام ألف شهر وصيامها ليس فيها ليلة القدر، وهذا قول قتادة، ~~واختيار الفراء، وابن قتيبة، والزجاج، وروى عطاء عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذكر له رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه ~~في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، وتمنى ~~أن يكون ذلك في أمته، فأعطاه الله ليلة القدر، وقال هي خير من ألف شهر ~~التي حمل فيها الاسرائيلي السلاح في سبيل الله. وذكر بعض المفسرين أنه ~~كان الرجل فيما مضى لا يستحق أن يقال له: عابد حتى يعبد الله ألف شهر ~~كانوا يعبدون فيها. # قوله تعالى: { تنزل الملائكة } قال أبو هريرة: الملائكة ليلة القدر في ~~الأرض أكثر من عدد الحصى. # وفي الروح ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه جبريل، قاله الأكثرون. وفي حديث أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ~~ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل ". # والثاني: أن الروح: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة ~~ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر، قاله كعب، ومقاتل بن حيان. # والثالث: أنه ملك عظيم يفي بخلق من الملائكة، قاله الواقدي. # قوله تعالى: { فيها } أي: في ليلة القدر { بإذن ربهم } أي: بما أمر به ~~وقضاه { من كل أمر } قال ابن قتيبة: أي: بكل أمر. قال المفسرون: ~~يتنزلون بكل أمر قضاه الله في تلك السنة إلى قابل. وقرأ ابن عمر، وابن ~~عباس، وأبو العالية، وأبو عمران الجوني «من كل امرىء» بكسر الراء ~~وبعدها همزة مكسورة منونة، وبوصل اللام من غير همز، ولهذه القراءة ~~وجهان. # أحدهما: من كل ملك سلام. ms2168 # والثاني: أن تكون «من» بمعنى «على» تقديره: على كل أمر من المسلمين سلام ~~من الملائكة، كقوله تعالى: # ونصرناه من القوم الذين كذبوا # [الأنبياء:77] والقراءة الموافقة لخط المصحف هي الصواب. ويكون تمام ~~الكلام عند قوله تعالى: # «من كل أمر» ثم ابتدأ فقال تعالى: { سلام هي } أي: ليلة القدر سلام. وفي ~~معنى السلام قولان. # أحدهما: أنه لا يحدث فيها داء، ولا يرسل فيها شيطان، قاله مجاهد. # والثاني: أن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة. وكان بعض العلماء ~~يقول: الوقف على «سلام» على معنى تنزل الملائكة بالسلام. # قوله تعالى: { حتى مطلع الفجر } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة «مطلع» بفتح اللام. وقرأ الكسائي بكسرها. قال الفراء: ~~والفتح أقوى في قياس العربية، لأن المطلع بالفتح: الطلوع، وبالكسر: ~~الموضع الذي يطلع منه، إلا أن العرب تقول: طلعت الشمس مطلعا، بالكسر، ~~وهم يريدون المصدر، كما تقول: أكرمتك كرامة، فتجتزئ بالاسم عن المصدر. ~~وقد شرحنا هذا المعنى في «الكهف» عند قوله تعالى: { مطلع الشمس } [آية:9] ~~شرحا كافيا، ولله الحمد. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # قوله تعالى: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني اليهود والنصارى ~~{ والمشركين } أي: ومن المشركين، وهم عبدة الأوثان { منفكين } أي: ~~منفصلين وزائلين يقال: فككت الشيء، فانفك، أي انفصل والمعنى: لم ~~يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم { حتى تأتيهم } أي: حتى أتتهم، فلفظه ~~لفظ المستقبل، ومعناه الماضي. و { البينة } الرسول، وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك أنه بين لهم ضلالهم وجهلهم، وهذا بيان عن نعمة الله ~~على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم. وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية: ~~لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبيا حتى بعث فافترقوا. وقال بعضهم: لم ~~يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله حتى أقيمت عليهم البينة. والوجه ~~هو الأول. والرسول هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى { يتلو صحفا } ~~أي: ما تضمنته الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن. ويدل على ذلك أنه كان ~~يتلو القرآن عن ظهر قلبه لا من كتاب. ومعنى { مطهرة ms2169 } أي: من الشرك ~~والباطل. { فيها } أي: في الصحف { كتب قيمة } أي: عادلة مستقيمة ~~تبين الحق من الباطل، وهي الآيات. قال مقاتل: وإنما قيل لها: كتب لما ~~جمعت من أمور شتى. # قوله تعالى: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } يعني: من لم يؤمن منهم ~~{ إلا من بعد ما جاءتهم البينة } وفيها ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها محمد صلى الله عليه وسلم. والمعنى: لم يزالوا مجتمعين على ~~الإيمان به حتى بعث، قاله الأكثرون. # والثاني: القرآن، قاله أبو العالية. # والثالث: ما في كتبهم من بيان نبوته، ذكره الماوردي. وقال الزجاج: ~~وما تفرقوا في كفرهم بالنبي إلا من بعد أن تبينوا أنه الذي ~~وعدوا به في كتبهم. # قوله تعالى: { وما أمروا } أي: في كتبهم { إلا ليعبدوا الله } أي: إلا ~~أن يعبدوا الله. قال الفراء: والعرب تجعل اللام في موضع «أن» في الأمر ~~والإرادة كثيرا، كقوله تعالى: # يريد الله ليبين لكم # [النساء: 26] و # يريدون ليطفئوا نور الله # [الصف: 8] وقال في الأمر # وأمرنا لنسلم # [الأنعام: 71]. # قوله تعالى: { مخلصين له الدين } أي: موحدين لا يعبدون سواه { ~~حنفاء } على دين إبراهيم { ويقيموا الصلاة } المكتوبة في أوقاتها { ~~ويؤتوا الزكاة } عند وجوبها { وذلك } الذي أمروا به هو { دين القيمة ~~} قال الزجاج: أي دين الأمة القيمة بالحق. ويكون المعنى: ذلك الدين ~~دين الملة المستقيمة. # قوله تعالى: { أولئك هم خير البرية } قرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر ~~بالهمز بالكلمتين. وقرأ الباقون بغير همز فيهما. قال ابن قتيبة: ~~البرية: الخلق. وأكثر العرب والقراء على ترك همزها لكثرة ما جرت على ~~الألسنة، وهي فعلية بمعنى مفعولة. ومن الناس من يزعم أنها مأخوذة من ~~بريت العود، ومنهم من يزعم أنها من البرى وهو التراب [أي: خلق من ~~التراب، وقالوا: لذلك لا يهمز، وقال الزجاج: لو كان من البري وهو ~~التراب] لما قرنت بالهمز، وإنما اشتقاقها من برأ الله الخلق. وقال ~~الخطابي: أصل البرية الهمز، إلا أنهم اصطلحوا على ترك الهمز فيها. وما ~~بعده ظاهر إلى قوله تعالى: { رضي الله عنهم } قال مقاتل: رضي الله عنهم ~~بطاعتهم ms2170 { ورضوا عنه } بثوابه. وكان بعض السلف يقول: إذا كنت لا ترضى عن ~~الله، فكيف تسأله الرضى عنك؟!. # قوله تعالى: { ذلك لمن خشي ربه } أي: خافه في الدنيا، وتناهى عن معاصيه. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # قوله تعالى: { إذا زلزلت الأرض زلزالها } أي: حركت حركة ~~شديدة، وذلك عند قيام الساعة. وقال مقاتل: تتزلزل من شدة صوت إسرافيل ~~حتى ينكسر كل ما عليها من شدة الزلزلة ولا تسكن حتى تلقي ما على ~~ظهرها من جبل، أو بناء، أو شجر، ثم تتحرك وتضطرب، فتخرج ما في جوفها. # وفي وقت هذه الزلزلة قولان. # أحدهما: تكون في الدنيا، وهي من أشراط الساعة، قاله الأكثرون. # والثاني: أنها زلزلة يوم القيامة، قاله خارجة بن زيد في آخرين. قال ~~الفراء: حدثني محمد بن مروان، قال: قلت للكلبي: أرأيت قول الله تعالى: { ~~إذا زلزلت الأرض زلزالها }؟ فقال هذه بمنزلة قوله تعالى: # ويخرجكم إخراجا # [نوح: 18] فأضيف المصدر إلى صاحبه، وأنت قائل في الكلام: لأعطينك ~~عطيتك، تريد عطية. والزلزال بالكسر المصدر، وبالفتح الاسم. وقد ~~قرأ أبو العالية، وأبو عمران، وأبو حيوة الجحدري: «زلزالها» بفتح الزاي. # قوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } فيه قولان. # أحدهما: ما فيها من الموتى، قاله ابن عباس. # والثاني: كنوزها، قاله عطية وجمع الفراء بين القولين فقال: لفظت ما فيها ~~من ذهب، أو فضة، أو ميت. # قوله تعالى: { وقال الإنسان ما لها } فيه قولان. # أحدهما: أنه اسم جنس يعم الكافر والمؤمن، وهذا قول من جعلها من أشراط ~~الساعة، لأنها حين ابتدأت لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة، فسأل ~~بعضهم بعضا حتى أيقنوا. # والثاني: أنه الكافر خاصة، وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة، لأن المؤمن ~~عارف فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها لأنه لا يؤمن بالبعث، فلذلك يسأل. # قوله تعالى: { يومئذ تحدث أخبارها } قال الزجاج: «يومئذ» منصوب ~~بقوله تعالى: { إذا زلزلت } { وأخرجت } ففي ذلك اليوم تحدث بأخبارها، ~~أي: تخبر بما عمل عليها. وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ms2171 و رسوله أعلم. قال: ~~أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل كذا وكذا ~~يوم كذا وكذا. # قوله تعالى: { بأن ربك أوحى لها } قال الفراء: تحدث أخبارها بوحي ~~الله وإذنه لها. قال ابن عباس: أوحى لها، أي: أوحى إليها، وأذن لها أن ~~تخبر بما عمل عليها. وقال أبو عبيدة: «لها» بمعنى «إليها» قال العجاج: # وحى لها القرار فاستقرت # قوله تعالى: { يومئذ يصدر الناس } أي: يرجعون عن موقف الحساب { ~~أشتاتا } أي: فرقا. فأهل الإيمان على حدة وأهل الكفر على حدة { ~~ليروا أعمالهم } وقرأ أبو بكر الصديق، وعائشة، والجحدري: «ليروا» ~~بفتح الياء. قال ابن عباس: أي: ليروا جزاء أعمالهم. فالمعنى: أنهم يرجعون ~~عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنة والنار. وقيل: في الكلام تقديم ~~وتأخير، تقديره: تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم ~~يومئذ يصدر الناس أشتاتا. # فعلى هذا: يرون ما عملوا من خير أو شر في موقف العرض { فمن يعمل ~~مثقال ذرة } قال المفسرون: من يعمل في الدنيا مثقال ذرة من الخير أو الشر ~~يره وقرأ أبان عن عاصم «يره» بضم الياء في الحرفين. وقد بينا معنى ~~«الذرة» في سورة [النساء: 40] وفي معنى هذه الرؤية قولان. # أحدهما: أنه يراه في كتابه. # والثاني: يرى جزاءه. وذكر مقاتل: أنها نزلت في رجلين كانا بالمدينة، كان ~~أحدهما يستقل أن يعطي السائل الكسرة، أو التمرة. وكان الآخر يتهاون ~~بالذنب اليسير، فأنزل الله عز وجل هذا يرغبهم في القليل من الخير، ~~ويحذرهم اليسير من الشر. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # قوله تعالى: { والعاديات } فيه قولان: # أحدهما: أنها الإبل في الحج، قاله علي، وابن مسعود، وعبيد بن عمير، ~~والقرظي، والسدي. وروي عن علي أنه قال: و «العاديات ضبحا» من عرفة إلى ~~المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى، وروي عن علي أنه قال هذا في صفة وقعة ~~بدر. قال: وما كان معنا يومئذ إلا فرس. وفي بعض الحديث أنه كان معهم ~~فرسان. # والثاني: أنها الخيل في سبيل الله، قاله ابن عباس، والحسن، وعطاء، ~~ومجاهد، ms2172 وأبو العالية، وعكرمة، وقتادة، وعطية، والربيع، واللغويون. وكان ~~ابن عباس يذهب إلى أن هذا كان في سرية، فروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا، فلم يأته خبرها شهرا، فنزلت ~~«والعاديات ضبحا» ضبحت بمناخرها { فالموريات قدحا } قدحت بحوافرها ~~الحجارة فأورت نارا { فالمغيرات صبحا } صبحت القوم بغارة { فأثرن به ~~نقعا } أثارت بحوافرها التراب { فوسطن به جمعا } قال: صبحت الحي ~~جميعا. وقال مقاتل: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى ~~حيين من كنانة واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، فأبطأ عنه ~~خبرها، فجعل اليهود والمنافقون إذا رأوا رجلا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تناجوا، فيظن الرجل أنه قد قتل أخوه أو أبوه، أو ~~عمه، فيجد من ذلك حزنا، فنزلت «والعاديات ضبحا» فأخبر الله كيف فعل ~~بهم. قال الفراء: الضبح: أصوات أنفاس الخيل إذا عدون. وقال ابن ~~قتيبة: الضبح: صوت حلوقها إذا عدت. وقال الزجاج: ضبحها: صوت أجوافها ~~إذا عدت. # قوله تعالى: { فالموريات قدحا } فيه خمسة أقوال. # أحدها: أنها الخيل توري النار بحوافرها إذا جرت، وهذا قول الجمهور. # قال الزجاج: إذا عدت الخيل بالليل، فأصابت بحوافرها الحجارة، انقدحت ~~منها النيران. # والثاني: أنها نيران المجاهدين إذا أوقدت، روي عن ابن عباس. # والثالث: مكر الرجال في الحرب، قاله مجاهد، وزيد بن أسلم. # والرابع: نيران الحجيج بالمزدلفة، قاله القرظي. # والخامس: أنها الألسنة إذا ظهرت بها الحجج وأقيمت بها الدلائل على الحق ~~وفضح بها الباطل، قاله عكرمة. # قوله تعالى: { فالمغيرات صبحا } هي التي تغير على العدو عند ~~الصباح، هذا قول الأكثرين. وقال ابن مسعود: فالمغيرات صبحا حين يفيضون ~~من جمع. # قوله تعالى: { فأثرن به } قال الفراء: يريد بالوادي ولم يذكره قبل ~~ذلك، وهذا جائز، لأن الغبار لا يثار إلا من موضع. والنقع: الغبار، ويقال: ~~التراب. وقال الزجاج: المعنى: فأثرن بمكان عدوهن، ولم يتقدم ذكر ~~المكان، ولكن في الكلام دليل عليه { فوسطن به جمعا } قال المفسرون: ~~المعنى: توسطن جمعا من العدو، فأغارت عليهم. وقال ابن مسعود: فوسطن ms2173 به ~~جمعا، يعني مزدلفة. # قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } هذا جواب القسم. # والإنسان هاهنا: الكافر. قال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال ~~مقاتل: نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي. # وفي «الكنود» ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، رواه أبو أمامة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه الكفور، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. # والثالث: لوام لربه يعد المصيبات، وينسى النعم، قاله ~~الحسن. قال ابن قتيبة: والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا. قوله ~~تعالى: { وإنه على ذلك لشهيد } في هاء الكناية قولان. # أحدهما: أنها ترجع إلى الله عز وجل، [تقديره]: وإن الله على كفره لشهيد. # والثاني: أنها ترجع إلى الإنسان، فتقديره: إن الإنسان شاهد على نفسه أنه ~~كنود، روي القولان عن ابن عباس. # قوله تعالى: { وإنه } يعني: الإنسان { لحب الخير } يعني: المال { ~~لشديد }. وفي معنى الآية قولان. # أحدهما: وإنه من أجل حب المال لبخيل، هذا قول الحسن، وابن قتيبة، ~~والزجاج. قال أبو عبيدة: ويقال للبخيل: شديد، ومتشدد. قال طرفة: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي # عقيلة مال الباخل المتشدد # والثاني: وإنه للخير لشديد الحب، وهذا اختيار الفراء. قال: فكأن ~~الكلمة لما تقدم فيها الحب، وكان موضعه أن يضاف إليه «شديد»، حذف الحب ~~من آخره لما جرى ذكره في أوله، ولرؤوس الآي. ومثله # اشتدت به الريح في يوم عاصف # [إبراهيم: 18] فلما جرى ذكر الريح قبل اليوم طرحت من آخره. # قوله تعالى: { أفلا يعلم } يعني: الإنسان المذكور { إذا بعثر ما في ~~القبور } أي: أثير وأخرج { وحصل ما في الصدور } أي: ميز ~~واستخرج. والتحصيل: تمييز ما يحصل. وقال ابن عباس: أبرز ما فيها وقال ~~ابن قتيبة: ميز ما فيها من الخير والشر. وقال أبو سليمان الدمشقي: ~~المعنى: لو علم الإنسان الكافر ما له في ذلك اليوم لزهد في الكفر، وبادر ~~إلى الإسلام. ثم ابتدأ فقال تعالى: { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } وقال ~~غيره: إنما قرئت «إن» بالكسر لأجل اللام، ولولاها ms2174 كانت مفتوحة بوقوع ~~العلم عليها. # فإن قيل: أليس الله خبيرا بهم في كل حال، فلم خص ذلك اليوم؟ # فالجواب أن المعنى: أنه يجازيهم على أفعالهم يومئذ، ومثله # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم # [النساء: 63]، ومعناه: يجازيهم على ذلك، ومثله: # يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء # [غافر: 16] ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # قوله تعالى: { يوم يكون الناس } اليوم منصوب على الظرف. المعنى: يكون ~~يوم يكون الناس { كالفراش المبثوث } وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه غوغاء الجراد، قاله الفراء. قال ابن قتيبة: غوغاء الجراد: ~~صغاره، ومنه قيل لعامة الناس: غوغاء. # والثاني: أنه طير ليس ببعوض ولا ذبان، قاله أبو عبيدة. # والثالث: أنه ما تهافت في النار من البعوض، قاله ابن قتيبة. وكذلك قال ~~الزجاج: ما يرى كصغار البق يتهافت في النار. وشبه الناس في وقت ~~البعث به وبالجراد المنتشر، لأنهم إذا بعثوا ماج بعضهم في بعض. وذكر ~~الماوردي: أن هذا التشبيه للكفار، فهم يتهافتون في النار يوم القيامة ~~تهافت الفراش. # فأما «المبثوث» فهو المنتشر والمتفرق. # قوله تعالى: { وتكون الجبال كالعهن } وقد شرحناه في [سأل سائل:9] ~~و«المنفوش» الذي قد ندف. قال مقاتل: وتصير الجبال كالصوف المندوف. فإذا ~~رأيت الجبل قلت: هذا جبل: فإذا مسسته لم تر شيئا، وذلك من شدة ~~الهول. # قوله تعالى: { فأما من ثقلت موازينه } ، أي: رجحت بالحسنات، وقد ~~بينا هذه الآية في أول [الأعراف:8] وبينا معنى «عيشة راضية» في ~~[الحاقة:21] # قوله تعالى: { فأمه هاوية } ، قرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف، والجحدري ~~«فإمه» بكسر الهمزة. وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أم رأسه هاوية، يعني: أنه يهوي في النار على رأسه، هذا قول ~~عكرمة، وأبي صالح. # والثاني: أنها كلمة عربية كان الرجل إذا وقع في أمر شديد قالوا: هوت ~~أمه، قاله قتادة. # والثالث: أن المعنى، فمسكنه النار. وإنما قيل لمسكنه: أمه، لأن ~~الأصل السكون إلى الأمهات. والنار لهذا كالأم، إذ لا مأوى له ~~غيرها، هذا قول ابن زيد، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج، ويدل على صحة هذا ~~ما روي عن رسول الله ms2175 صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مات العبد تلقى ~~روحه أرواح المؤمنين، فتقول له: ما فعل فلان؟ فإذا قال: مات، قالوا: ~~ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية. # قوله تعالى: { وما أدراك ماهيه } يعني: الهاوية. قرأ حمزة، ويعقوب ~~«ما هي» بحذف الهاء الأخيرة في الوصل، وإثباتها في الوقف. لتبيين فتحة ~~الياء، فالوقف «هيه» والوصل هي نار. والذي يجب اتباع المصحف. والهاء فيه ~~ثابتة فتوقف عليها، ولا توصل «نار حامية» أي: حارة قد انتهى حرها. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # قوله [تعالى]: { ألهاكم } وقرأ أبو بكر الصديق، وابن عباس، والشعبي، ~~وأبو العالية، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: «أألهاكم» بهمزتين مقصورتين ~~على الاستفهام. وقرأ معاوية، وعائشة «آلهاكم» بهمزة واحدة ممدودة ~~استفهاما أيضا. ومعنى ألهاكم: شغلكم عن طاعة الله وعبادته. وفي المراد ~~بالتكاثر ثلاثة أقوال. # أحدها: التكاثر بالأموال والأولاد، قاله الحسن. # والثاني: التفاخر بالقبائل والعشائر، قاله قتادة. # والثالث: التشاغل بالمعاش والتجارة، قاله الضحاك. # وفي قوله تعالى { حتى زرتم المقابر } قولان. # أحدهما: حتى أدرككم الموت على تلك الحال، فصرتم في المقابر زوارا ~~ترجعون منها إلى منازلكم من الجنة أو النار، كرجوع الزائر إلى منزله. # والثاني: حتى زرتم المقابر فعددتم من فيها [من] موتاكم. # قوله تعالى: { كلا } قال الزحاج: هي ردع وتنبيه. والمعنى: ليس الأمر ~~الذي ينبغي أن يكونوا عليه التكاثر. # قوله تعالى: { سوف تعلمون } عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت. ~~وقيل: العلم الأول: يقع عند نزول الموت. والثاني: عند نزول القبر. # قوله تعالى: { كلا لو تعلمون علم اليقين } المعنى: لو تعلمون الأمر ~~علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر، والتفاخر. وجواب «لو» ~~محذوف: وهو ما ذكرنا. ثم أوعدهم وعيدا آخر فقال تعالى: { لترون ~~الجحيم } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة «لترون» «ثم ~~لترونها» بفتح التاء. وقرأ مجاهد، وعكرمة، وحميد، وابن أبي عبلة ~~«لترون» «لترونها» بضم التاء فيهما من غير همز { ثم لترونها عين ~~اليقين } أي: مشاهدة، فكان المراد ب «عين اليقين» نفسه، لأن عين الشيء: ~~ذاته. # قوله تعالى: { ثم ms2176 لتسألن يومئذ عن النعيم } اختلفوا، هل هذا السؤال ~~عام، أم لا؟ على قولين. # أحدهما: أنه خاص للكفار، قاله الحسن. # والثاني: عام، قاله قتادة. وللمفسرين في المراد بالنعيم عشرة أقوال. # أحدها: أنه الأمن والصحة، رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وتارة يأتي موقوفا عليه، وبه قال مجاهد والشعبي. # والثاني: أنه الماء البارد، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # والثالث: أنه الخبز البر والماء العذب، قاله أبو أمامة. # والرابع: أنه ملاذ المأكول والمشروب، قاله جابر بن عبد الله. # والخامس: أنه صحة الأبدان، والأسماع، والأبصار، قاله ابن عباس. وقال ~~قتادة: هو العافية. # والسادس: أنه الغداء والعشاء، قاله الحسن. # والسابع: الصحة والفراغ، قاله عكرمة. # والثامن: كل شيء من لذة الدنيا، قاله مجاهد. # والتاسع: أنه إنعام الله على الخلق بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قاله القرظي. # والعاشر: أنه صنوف النعم، قاله مقاتل. # والصحيح أنه عام في كل نعيم، وعام في جميع الخلق، فالكافر يسأل توبيخا ~~إذا لم يشكر المنعم، ولم يوحده. والمؤمن يسأل عن شكرها. وفي الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: # " ثلاث لا أسأل عبدي عن شكرهن وأسأله عما سوى ذلك، بيت يكنه؛ وما ~~يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس ". ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # قوله تعالى { والعصر } فيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه الدهر، قاله ابن عباس، وزيد بن أسلم، والفراء، وابن قتيبة. ~~وإنما أقسم بالدهر لأن فيه عبرة للناظر من مرور الليل والنهار على تقدير ~~لا ينخرم. # والثاني: أنه العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، قاله الحسن وقتادة. # والثالث: صلاة العصر، قاله مقاتل. # قوله تعالى: { إن الإنسان لفي خسر } قال الزجاج: هو جواب القسم. ~~والإنسان هاهنا بمعنى الناس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس، تريد ~~الدراهم. والخسر والخسران في معنى واحد. قال أهل المعاني: الخسر: هلاك ~~رأس المال أو نقصه. فالإنسان إذا لم يستعمل نفسه فيما يوجب له الربح ~~الدائم، فهو في خسران، لأنه عمل ms2177 في إهلاك نفسه، وهما أكبر رأس ماله { إلا ~~الذين آمنوا } أي: صدقوا الله ورسوله، وعملوا بالطاعة { وتواصوا ~~بالحق } أي: بالتوحيد، والقرآن، واتباع الرسول { وتواصوا بالصبر } على ~~طاعة الله، والقيام بشريعته. # وقال إبراهيم في تفسير هذه السورة: إن الإنسان إذا عمر في الدنيا لفي ~~نقص وضعف، إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجور أعمالهم التي كانوا يعملون ~~في شبابهم وصحتهم. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # قوله تعالى: { ويل لكل همزة لمزة } اختلفوا في الهمزة ~~واللمزة هل هما بمعنى واحد، أم مختلفان؟ على قولين. # أحدهما: أنهما مختلفان. ثم فيهما سبعة أقوال. # أحدها: أن الهمزة: المغتاب، واللمزة: العياب، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أن الهمزة: الذي يهمز الإنسان في وجهه. واللمزة: ~~يلمزه إذا أدبر عنه، قاله الحسن، وعطاء، وأبو العالية. # والثالث: أن الهمزة: الطعان في الناس، واللمزة: الطعان في ~~أنساب الناس، قاله مجاهد. # والرابع: أن الهمزة: بالعين، واللمزة: باللسان، قاله قتادة. # والخامس: أن الهمزة: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة: ~~الذي يلمزهم بلسانه، قاله ابن زيد. # والسادس: أن الهمزة: الذي يهمز بلسانه، واللمزة: الذي يلمز ~~بعينه، قاله سفيان الثوري. # والسابع: أن الهمزة: المغتاب، واللمزة: الطاعن على الإنسان في ~~وجهه، قاله مقاتل. # والقول الثاني: أن الهمزة: العياب الطعان، واللمزة مثله. وأصل ~~الهمز واللمز: الدفع، قاله ابن قتيبة، وكذلك قال الزجاج: الهمزة ~~اللمزة: الذي يغتاب الناس ويغضهم. قال الشاعر: # إذا لقيتك عن كره تكاشرني # وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه # قوله تعالى: { الذي جمع مالا } قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وخلف، وروح «جمع» بالتشديد. والباقون بالتخفيف. # قوله تعالى: { وعدده } قرأ الجمهور بتشديد الدال. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي، والحسن، وابن يعمر بتخفيفها. # وللمفسرين في معنى الكلام قولان. # أحدهما: أحصى عدده، قاله السدي. # والثاني: أعده لما يكفيه في السنين، قاله عكرمة. قال الزجاج: من ~~قرأ «عدده» بالتشديد، فمعناه: عدده للدهور. ومن قرأ «عدده» ~~بالتخفيف، فمعناه: جمع مالا وعددا. أي: وقوما اتخذهم أنصارا. # قوله تعالى: { يحسب أن ماله أخلده } أخلده بمعنى يخلده، والمعنى: يظن ~~ماله مانعا له من الموت، ms2178 فهو يعمل عمل من لا يظن أنه يموت { كلا } أي: ~~لا يخلده ماله ولا يبقى له { لينبذن } أي: ليطرحن { في ~~الحطمة } وهو اسم من أسماء جهنم. سميت بذلك لأنها تحطم ما يلقى فيها، ~~أي: تكسره، فهي تكسر العظم بعد أكلها اللحم. ويقال للرجل الأكول: إنه ~~لحطمة. وقرأ أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبد الرحمن، ~~والحسن، وابن أبي عبلة، وابن محيصن، «لينبذان» بألف ممدودة، وبكسر ~~النون، وتشديدها، أي: هو وماله. # قوله تعالى: { التي تطلع على الأفئدة } أي: تأكل اللحم والجلود حتى ~~تقع على الأفئدة فتحرقها، قال الفراء: يبلغ ألمها الأفئدة. والاطلاع ~~والبلوغ قد يكونان بمعنى واحد، والعرب تقول: متى طلعت أرضنا؟ أي: بلغت. ~~وقال ابن قتيبة: تطلع على الأفئدة، أي: توفي عليها وتشرف. وخص ~~الأفئدة، لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، فأخبر أنهم في حال من ~~يموت، وهم لا يموتون. وقد ذكرنا تفسير «المؤصدة» في سورة [البلد: 20]. # قوله تعالى: { في عمد } قرأ حمزة، وخلف، والكسائي، وعاصم إلا حفصا ~~بضم العين، وإسكان الميم. قال المفسرون: وهي أوتاد الأطباق التي تطبق على ~~أهل النار. و «في» بمعنى الباء. والمعنى: مطبقة بعمد. قال قتادة: ~~وكذلك هو في قراءة عبد الله. وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم ~~شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها. و «ممددة» ~~صفة العمد، أي: أنها ممدودة مطولة، وهي أرسخ من القصيرة. وقال قتادة: ~~هي عمد يعذبون بها في النار. وقال أبو صالح: «في عمد ممددة» ~~قال: القيود الطوال. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # قوله تعالى: (ألم تر) فيه قولان. # أحدهما: ألم تخبر، قاله الفراء. # والثاني: ألم تعلم، قاله الزجاج. ومعنى الكلام معنى التعجب. وأصحاب ~~الفيل هم الذين قصدوا تخريب الكعبة. # وفي سبب قصدهم لذلك قولان: # أحدهما: أن أبرهة بني بيعة وقال: لست منتهيا حتى أضيف إليها حج ~~العرب، فسمع بذلك رجل من بني كنانة، فخرج، فدخلها ليلا، فأحدث فيها، ~~فبلغ ذلك أبرهة، فحلف ليسيرن إلى الكعبة فيهدمها، قاله ابن عباس. # والثاني: أن قوما من قريش ms2179 خرجوا في تجارة إلى أرض النجاشي فنزلوا في ~~جنب بيعة، فأوقدوا نارا، وشووا لحما، فلما رحلوا هبت ~~الريح، فاضطرم المكان نارا، فغضب النجاشي لأجل البيعة، فقال له ~~كبراء أصحابه - منهم حجر بن شراحيل، وأبو يكسوم : لا تحزن، فنحن نهدم ~~الكعبة، قاله مقاتل. وقال ابن اسحاق: أبو يكسوم اسمه أبرهة بن الأشرم. ~~وقيل: وزيره، وحجر من قواده. # ذكر الإشارة إلى القصة # ذكر أهل التفسير أن أبرهة لما سار بجنوده إلى الكعبة ليهدمها خرج معه ~~بالفيل، فلما دنا من مكة أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس، فأصابوا ~~إبلا لعبد المطلب، وبعث بعض جنوده، فقال: سل عن شريف مكة، وأخبره أني لم ~~آت لقتال، وإنما جئت لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد ~~المطلب بن هاشم، فقال إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال ~~إلا أن تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت، ثم ينصرف عنكم، فقال عبد ~~المطلب: ما له عندنا قتال، وما لنا به يد، إنا سنخلي بينه وبين ما جاء ~~له، فإن هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن ~~يمنعه، فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبين ذلك، فوالله ما لنا به قوة. ~~قال: فانطلق معي إلى الملك، فلما دخل عبد المطلب على أبرهة أعظمه، وكرمه، ~~ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان، فقال: ~~حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: ~~لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت الآن فيك، جئت إلى بيت هو دينك ~~لأهدمه، فلم تكلمني فيه، وكلمتني لإبل أصبتها. فقال عبد المطلب: أنا ~~رب هذه الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه. فأمر بإبله فردت عليه، ~~فخرج، فأخبر قريشا، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ورؤوس الجبال خوفا ~~من معرة الجيش إذا دخل، ففعلوا، فأتى عبد المطلب الكعبة، فأخذ بحلقة ~~الباب، وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # إمنعهم أن يخربوا قراكا # وقال ms2180 أيضا: # لا هم إن المرء يم # نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم غدوا محالك # جروا جميع بلادهم # والفيل كي يسبوا عيالك # عمدوا حماك بكيدهم # جهلا وما رقبوا جلالك # إن كنت تاركهم وكع # تنا فأمر ما بدالك # ثم إن أبرهة أصبح متهيئا للدخول، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه، ~~فأبى، فوجهوه إلى اليمن راجعا، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل ~~مثل ذلك، وإلى المشرق ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى الحرم، فأبى، فأرسل ~~الله طيرا من البحر. # واختلفوا في صفتها، فقال ابن عباس: كانت لهم خراطيم كخراطيم الطير، ~~وأكف كأكف الكلاب. وقال عكرمة: كانت لها رؤوس كرؤوس السباع. # وقال ابن إسحاق: كانت أمثال الخطاطيف. # واختلفوا في ألوانها على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها كانت خضراء، قاله عكرمة، وسعيد بن جبير. # والثاني: سوداء، قاله عبيد بن عمير. # والثالث: بيضاء، قاله قتادة. قال: وكان مع كل طير ثلاثة أحجار، حجران ~~في رجليه، وحجر في منقاره. # واختلفوا في صفة الحجارة فقال بعضهم: كانت كأمثال الحمص والعدس. وقال ~~عبيد بن عمير: بل كان الحجر كرأس الرجل والجمل، فلما غشيت القوم أرسلتها ~~عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك. وكان الحجر يقع على رأس ~~الرجل، فيخرج من دبره. وقيل: كان على كل حجر اسم الذي وقع عليه، فهلكوا ~~ولم يدخلوا الحرم، وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فتساقطت أنامله، ~~وانصدع صدره قطعتين عن قلبه، فهلك، ورأى أهل مكة الطير وقد أقبلت من ~~ناحية البحر، فقال عبد المطلب: إن هذه الطير غريبة. ثم إن عبد المطلب بعث ~~ابنه عبد الله على فرس ينظر إلى القوم، فرجع يركض ويقول: هلك القوم ~~جميعا، فخرج عبد المطلب وأصحابه فغنموا أموالهم. وقيل: لم ينج من القوم ~~إلا أبو يكسوم، فسار، وطائر يطير من فوقه، ولا يشعر به حتى دخل على ~~النجاشي، فأخبره بما أصاب القوم، فلما أتم كلامه رماه الطائر فمات، فأرى ~~الله تعالى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه. # واختلفوا كم كان بين مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2181 وبين هذه القصة ~~على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، وهو الأصح. # والثاني: كان بينهما ثلاث وعشرون سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أربعون سنة، حكاه مقاتل. # قوله تعالى: { ألم يجعل كيدهم } وهو ما أرادوا من تخريب الكعبة { في ~~تضليل } أي: في ذهاب. والمعنى: أن كيدهم ضل عما قصدوا له، فلم يصلوا ~~إلى مرادهم { وأرسل عليهم طيرا أبابيل }. # وفي «الأبابيل» خمسة أقوال. # أحدهما: أنها المتفرقة من هاهنا وهاهنا، قاله ابن مسعود، والأخفش. # والثاني: أنها المتتابعة التي يتبع بعضها بعضا، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~ومقاتل. # والثالث: الكثيرة، قاله الحسن، وطاووس. # والرابع: أنها الجمع بعد الجمع، قاله عطاء، وأبو صالح، وكذلك قال أبو ~~عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج، «الأبابيل»: جماعات في تفرقة. # والخامس: المختلفة الألوان، قاله زيد بن أسلم. قال الفراء، وأبو عبيدة: ~~«الأبابيل» لا واحد لها. # قوله تعالى: { ترميهم } قرأ أبو عبد الرحمن السلمي «يرميهم» بالياء. وقد ~~بينا معنى «سجيل» في [هود: 82] ومعنى «العصف» في سورة [الرحمن: 12] عز ~~وجل. # وفي معنى «مأكول» ثلاثة أقوال. # أحدهما: أن يكون أراد أنه أخذ ما فيه من الحب فأكل، وبقي هو لا حب فيه. # والثاني: أن يكون أراد أن العصف مأكول البهائم، كما يقال للحنطة: هذا ~~المأكول ولما يؤكل. وللماء: هذا المشروب ولما يشرب. يريد أنهما مما ~~يؤكل ويشرب، ذكرهما ابن قتيبة. # والثالث: أن المأكول هاهنا: الذي وقع فيه الأكال. فالمعنى: جعلهم ~~كورق الزرع الذي جف وأكل: أي: وقع فيه الأكال، قاله الزجاج. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # قوله تعالى: { إيلافهم } قرأ أبو جعفر وابن فليح عن ابن كثير، والوليد ~~بن عتبة عن ابن عامر، والتغلبي عن ابن ذكوان، عنه «إلافهم» بهمزة مكسورة ~~من غير ياء بعدها، مثل: علافهم. وروى الخزاعي عن ابن فليح، وأبان بن ~~تغلب عن عاصم «إلفهم» بسكون اللام أيضا. ورواه الشموني إلا حمادا ~~بهمزتين مكسورتين بعدهما ياء ساكنة، ورواه حماد كذلك إلا أنه حذف الياء. ~~وقرأ الباقون بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة مثل «عيلافهم». ms2182 وجمهور ~~العلماء على أن الرحلتين كانتا للتجارة، وكانوا يخرجون إلى الشام في ~~الصيف، وإلى اليمن في الشتاء لشدة برد الشام. وروى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال: كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف. قال الفراء: والرحلة ~~منصوبة بايقاع الفعل عليها. # قوله تعالى: { فليعبدوا رب هذا البيت } أي: ليوحدوه { الذي أطعمهم ~~من جوع } أي: بعد الجوع، كما تقول: كسوتك من عري، وذلك أن الله تعالى ~~آمنهم بالحرم، فلم يتعرض لهم في رحلتهم، فكان ذلك سببا لإطعامهم ~~بعدما كانوا فيه من الجوع. وروى عطاء عن ابن عباس قال: كانوا في ضر ~~ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، فكانوا يقسمون ربحهم بين الغني ~~والفقير حتى استغنوا. # قوله تعالى: { وآمنهم من خوف } وذلك أنهم كانوا آمنين بالحرم، إن حضروا ~~حماهم، وإن سافروا قيل: هؤلاء أهل الحرم، فلا يعرض لهم أحد. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # قوله تعالى: { أرأيت الذي يكذب بالدين } اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية ~~على ستة أقوال. # أحدها: نزلت في رجل من المنافقين، قاله ابن عباس. # والثاني: نزلت في عمرو بن عائذ، قاله الضحاك. # والثالث: في الوليد بن المغيرة، قاله السدي. # والرابع: في العاص بن وائل، قاله ابن السائب. # والخامس: في أبي سفيان بن حرب، قاله ابن جريج. # والسادس: في أبي جهل، حكاه الماوردي. # وفي «الدين» أربعة أقوال. # أحدها: أنه حكم الله عز وجل، قاله ابن عباس. # والثاني: الحساب، قاله مجاهد، وعكرمة. # والثالث: الجزاء، حكاه الماوردي. # والرابع: القرآن، حكاه بعض المفسرين. و «يدع» بمعنى يدفع. وقد ~~ذكرناه في قوله تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم # [الطور: 13] والمعنى: أنه يدفع اليتيم عن حقه دفعا عنيفا ليأخذ ماله، ~~وقد بينا فيما سبق أنهم كانوا لا يورثون الصغير، وقيل: يدفع اليتيم ~~إبعادا له، لأنه لا يرجو ثواب إطعامه { ولا يحض على طعام المسكين } أي: ~~لا يطعمه، ولا يأمر بإطعامه، لأنه مكذب بالجزاء. # قوله تعالى: { فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون } نزل هذا في ~~المنافقين الذين لا يرجون لصلاتهم ثوابا، ولا يخافون على تركها عقابا. ~~فإن ms2183 كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلوا رياء، وإن لم يكونوا معه لم ~~يصلوا، فذلك قوله تعالى: { الذين هم يراؤون } وقال ابن مسعود: والله ما ~~تركوها البتة ولو تركوها البتة كانوا كفارا، ولكن تركوا المحافظة على ~~أوقاتها. وقال ابن عباس: يؤخرونها عن وقتها. ونقل عن أبي العالية أنه ~~قال: هو الذي لا يدري عن كم انصرف، عن شفع، أو عن وتر. ورد هذا بعض ~~العلماء فقال: هذا ليس بشيء، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سها في ~~صلاته، ولأنه قال تعالى: { عن صلاتهم } ولم يقل: في صلاتهم، ولأن ذاك لا ~~يكاد يدخل تحت طوق ابن آدم. # قال الشيخ رحمه الله: قلت: ولا أظن أبا العالية أراد السهو النادر، ~~وإنما أراد السهو الدائم، وذلك ينبئنا عن التفات القلب عن احترام الصلاة، ~~فيتوجه الذم إلى ذلك لا إلى السهو. # وفي «الماعون» ستة أقوال. # أحدها: أنه الإبرة، والماء، والنار، والفأس، وما يكون في البيت من هذا ~~النحو، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى نحوه ذهب ابن ~~مسعود وابن عباس في رواية. وروى عنه أبو صالح أنه قال: الماعون: المعروف ~~كله حتى ذكر القدر، والقصعة، والفأس. وقال عكرمة: ليس الويل لمن ~~منع هذا، إنما الويل لمن جمعهن، فراءى في صلاته، وسها عنها. ومنع هذا. ~~قال الزجاج: والماعون في الجاهلية: كل ما كان فيه منفعة كالفأس، والقدر، ~~والدلو، والقداحة، ونحو ذلك، وفي الإسلام أيضا. # والثاني: أنه الزكاة، قاله علي، وابن يعمر، والحسن، وعكرمة، وقتادة. # والثالث: أنه الطاعة، قاله ابن عباس في رواية. # والرابع: المال، قاله سعيد بن المسيب، والزهري. # والخامس: المعروف، قاله محمد بن كعب. # والسادس: الماء ذكره الفراء عن بعض العرب قال: وأنشدني: # يمج صبيره الماعون صبا # والصبير: السحاب. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # وفي «الكوثر» ستة أقوال. # أحدها: أنه نهر في الجنة. روى البخاري في أفراده من حديث أنس بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه ms2184 قباب الدر المجوف. قلت: ~~ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك عز وجل، فإذا طينه، ~~أو طيبه، مسك أذفر ". # وروى مسلم أيضا في أفراده من حديث أنس أيضا قال: # " أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما إما ~~قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال: «إنه أنزل علي الآن آنفا ~~سورة» فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم { إنا أعطيناك الكوثر } حتى ختمها. ~~وقال: «هل تدرون ما الكوثر؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هو نهر ~~أعطانيه ربي عز وجل في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم ~~القيامة آنيته عدد كواكب السماء، يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من ~~أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ". # والثاني: أن الكوثر: الخير الكثير الذي أعطي نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، قاله ابن عباس. # والثالث: العلم والقرآن، قاله الحسن. # والرابع: النبوة، قاله عكرمة. # والخامس: أنه حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يكثر الناس عليه، ~~قاله عطاء. # والسادس: أنه كثرة أتباعه، وأمته، قاله أبو بكر بن عياش. # قوله تعالى: { فصل لربك } في هذه الصلاة ثلاثة أقوال. # أحدها: صلاة العيد. وقال قتادة: صلاة الأضحى. # والثاني: صلاة الصبح بالمزدلفة، قاله مجاهد. # والثالث: الصلوات الخمس، قاله مقاتل. # وفي قوله تعالى: { وانحر } خمسة أقوال. # أحدها: اذبح يوم النحر، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~عطاء، ومجاهد، والجمهور. # والثاني: وضع اليمين على اليسرى عند النحر في الصلاة. # والثالث: أنه رفع اليدين بالتكبير إلى النحر، قاله أبو جعفر محمد بن ~~علي. # والرابع: أن المعنى: صل لله، وانحر لله، فإن ناسا يصلون لغيره، وينحرون ~~لغيره، قاله القرظي. # والخامس: أنه استقبال القبلة بالنحر، حكاه الفراء. # قوله تعالى: { إن شانئك } اختلفوا فيمن عنى بذلك على خمسة أقوال. # أحدها: أنه العاص بن وائل السهمي، قاله ابن عباس: نزلت في العاص ابن ~~وائل، لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب المسجد فوقف يحدثه حتى ~~دخل العاص المسجد، ms2185 وفيه أناس من صناديد قريش، فقالوا له: من الذي كنت ~~تحدث؟ قال: ذاك الأبتر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي ~~قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسمون من ليس ~~له ابن: أبتر، فأنزل الله عز وجل هذه السورة. وممن ذهب إلى أنها نزلت في ~~العاص سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه أبو جهل، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أبو لهب، قاله عطاء. # والرابع: عقبة بن أبي معيط، قاله شمر بن عطية. # والخامس: أنه عنى به جماعة من قريش، قاله عكرمة. والشانىء: المبغض، ~~والأبتر: المنقطع عن الخير. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # وفيها قولان. # أحدهما: مكية، قاله ابن مسعود، والحسن، والجمهور. # والثاني: مدنية، روي عن قتادة. # ذكر سبب نزولها. اختلفوا على ثلاثة أقوال. # أحدها: أن رهطا من قريش منهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، ~~والأسود بن عبد يغوث لقوا العباس بن عبد المطلب، فقالوا: يا أبا الفضل: ~~لو أن ابن أخيك أسلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول ولآمنا بالاهه، فأتاه ~~العباس فأخبره، فنزلت هذه السورة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أن عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف لقيا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالا يا محمد: لا ندعك حتى تتبع ديننا، ونتبع دينك، فإن كان ~~أمرنا رشدا كنت قد أخذت بحظك منه، وإن كان أمرك رشدا كنا قد أخذنا ~~بحظنا منه، فنزلت هذه السورة، قاله عبيد ابن عمير. # والثالث: أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبع ~~دينك عاما، وترجع إلى ديننا عاما، فنزلت هذه السورة، قاله وهب. قال ~~مقاتل في آخرين: نزلت هذه السورة في أبي جهل وفي المستهزئين، ولم يبق من ~~الذين نزلت فيهم أحد. وأما قوله تعالى: { لا أعبد } فهو في موضع ~~«من» ولكنه جعل مقابلا لقوله تعالى: { ما تعبدون } وهي الأصنام. وفي ~~تكرار الكلام قولان. # أحدهما: لتأكيد الأمر، وحسم أطماعهم فيه، قاله الفراء. وقد أنعمنا شرح ~~هذا في سورة ms2186 [الرحمن: 13]. # والثاني: أن المعنى { لا أعبد ما تعبدون } في حالي هذه { ولا أنتم } في ~~حالكم هذه { عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم } فيما أستقبل، وكذلك ~~أنتم، فنفى عنه وعنهم ذلك في الحال والاستقبال، وهذا في قوم بأعيانهم، ~~أعلمه الله عز وجل أنهم لا يؤمنون، كما ذكرنا عن مقاتل، فلا يكون حيئذ ~~تكرارا، هذا قول ثعلب، والزجاج. وقوله تعالى: { لكم دينكم ولي دين } فتح ~~ياء «ولي» نافع، وحفص، وأبان عن عاصم. وأثبت ياء «ديني» في الحالين ~~يعقوب. وهذا منسوخ عند المفسرين بآية السيف. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # قوله تعالى: { إذا جاء نصر الله } أي: معونته على الأعداء. والفتح: فتح ~~مكة. قال الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب: ~~أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم ~~به يدان فدخلوا في دين الله أفواجا. قال أبو عبيدة: والأفواج: جماعات في ~~تفرقة. # قوله تعالى: { فسبح بحمد ربك } فيه قولان. # أحدهما: أنه الصلاة، قاله ابن عباس. # والثاني: التسبيح المعروف، قاله جماعة من المفسرين. قال المفسرون: ~~نعيت إليه نفسه بنزول هذه السورة، وأعلم أنه قد اقترب أجله، ~~فأمر بالتسبيح والاستغفار ليختم له عمره بالزيادة في العمل الصالح. قال ~~ابن عباس: إذا جاء نصر الله والفتح: داع من الله، ووداع من الدنيا. ~~قال قتادة: وعاش بعد نزول هذه السورة سنتين. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # وسبب نزولها ما روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس قال: # " لما نزل { وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214] صعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الصفا فقال: «يا صباحاه». فاجتمعت إليه قريش، ~~فقالوا: مالك؟ فقال: «أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم، أو ~~ممسيكم، أما كنتم تصدقوني؟» قالوا: بلى. قال: «فإني نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد». قال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله تعالى: ~~{ تبت يدا أبي لهب } " # ومعنى تبت: خسرت يدا أبي لهب { وتب } أي: وخسر هو. قال الفراء: الأول: ms2187 ~~دعاء، والثاني: خبر، كما يقول الرجل: أهلكك الله وقد أهلكك، وجعلك الله ~~صالحا وقد جعلك. وقيل: ذكر يديه، والمراد نفسه، ولكن هذا عادة العرب ~~يعبرون ببعض الشيء عن جميعه، كقوله تعالى: # ذلك بما قدمت يداك # [الحج: 10]. وقال مجاهد: «تبت يدا أبي لهب وتب» ولد أبي لهب. فأما أبو ~~لهب فهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن اسمه عبد العزى. وقرأ ~~ابن كثير وحده «أبي لهب» بإسكان الهاء. قال أبو علي: يشبه أن يكون ~~لغة كالشمع، والشمع والنهر، والنهر. # فإن قيل: كيف كناه الله عز وجل، وفي الكنية نوع تعظيم؟ # فعنه جوابان. # أحدهما: أنه إن صح أن اسمه عبد العزى، فكيف يذكره الله بهذا الاسم ~~وفيه معنى الشرك؟! # والثاني: أن كثيرا من الناس اشتهروا بكناهم، ولم يعرف لهم أسماء. قال ~~ابن قتيبة: خبرني غير واحد عن الأصمعي أن أبا عمرو بن العلاء، وأبا ~~سفيان ابن العلاء أسماؤهما كناهما، فإن كان اسم أبي لهب كنيته، فإنما ~~ذكره بما لايعرف إلا به. # قوله تعالى: { ما أغنى عنه ماله } قال ابن مسعود: لما دعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقربيه إلى الله عز وجل قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن ~~أخي حقا، فإني أفتدي بمالي، وولدي، فقال الله عز وجل: { ما أغنى عنه ~~ماله وما كسب } قال الزجاج: و «ما» في موضع رفع. المعنى: ما أغنى عنه ~~ماله وكسبه أي: ولده. وكذلك قال المفسرون: المراد بكسبه هاهنا: ولده. و ~~«أغنى» بمعنى يغني { سيصلى نارا ذات لهب } أي: تلتهب عليه من غير دخان { ~~وامرأته } أي: ستصلى امرأته، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان. وفي هذا ~~دلالة على صحة نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، لأنه أخبر بهذا المعنى ~~أنه وزوجته يموتان على الكفر، فكان كذلك. إذ لو قالا بألسنتهما: قد ~~أسلمنا، لوجد الكفار متعلقا في الرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~غير أن الله علم أنهما لا يسلمان باطنا ولا ظاهرا، فأخبره بذلك. # قوله تعالى: { حمالة ms2188 الحطب } فيه أربعة أقوال. # أحدهما: أنها كانت تمشي بالنميمة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، ~~والفراء، وقال ابن قتيبة: فشبهوا النميمة بالحطب، والعداوة والشحناء ~~بالنار، لأنهما يقعان بالنميمة، كما تلتهب النار بالحطب. # والثاني: أنها كانت تحتطب الشوك، فتلقيه في طريق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلا، رواه عطية عن ابن عباس. وبه قال الضحاك، وابن زيد. # والثالث: أن المراد بالحطب: الخطايا، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: أنها كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، ~~وكانت تحتطب فعيرت بذلك، قاله قتادة. وليس بالقوي، لأن الله تعالى ~~وصفه بالمال. وقرأ عاصم وحده { حمالة الحطب } بالنصب. # قال الزجاج: من نصب «حمالة» فعلى الذم. والمعنى: أعني: حمالة الحطب. ~~والجيد: العنق. والمسد في لغة العرب: الحبل إذا كان من ليف ~~المقل. وقد يقال لما كان من أوبار الإبل من الحبال: المسد. قال ~~الشاعر: # ومسد أمر من أيانق # [صهب عتاق ذات مخ زاهق] # وقال ابن قتيبة: المسد عند كثير من الناس: الليف دون غيره، وليس ~~كذلك، إنما المسد: كل ما ضفر وفتل من الليف وغيره. # واختلف المفسرون في المراد بهذا الحبل على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنها حبال كانت تكون بمكة، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال ~~الضحاك: حبل من شجر كانت تحتطب به. # والثاني: أنه قلادة من ودع، قاله قتادة. # والثالث: أنه سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا، قاله عروة بن ~~الزبير. وقال غيره: المراد بهذا الحبل: السلسلة التي ذكرها الله تعالى في ~~النار، طولها سبعون ذراعا، والمعنى: أن تلك السلسلة قد فتلت فتلا ~~محكما، [فهي] في عنقها تعذب بها في النار. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # وفيها قولان. # أحدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر. # والثاني: مدنية، روي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وقد روى البخاري في ~~أفراده من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن " # وروى مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ms2189 ~~قال: # " إنها تعدل ثلث القرآن ". # وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المشركين قالوا: يا محمد انسب لنا ربك، فنزلت هذه السورة، ~~قاله أبي بن كعب. # والثاني: أن عامر بن الطفيل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إلام ~~تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله عز وجل. قال: صفه لي، أمن ذهب هو، أو من ~~فضة، أو من حديد، فنزلت هذه السورة، قاله ابن عباس. # والثالث: أن الذين قالوا هذا، قوم من أحبار اليهود قالوا: من أي جنس هو، ~~وممن ورث الدنيا، ولمن يورثها؟ فنزلت هذه السورة، قاله قتادة، والضحاك. ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، «أحد الله» ~~وقرأ أبو عمرو «أحد الله» بضم الدال، ووصلها باسم الله. قال الزجاج: هو ~~كناية عن ذكر الله عز وجل. والمعنى: الذي سألتم تبيين نسبته هو الله و ~~«أحد» مرفوع على معنى: هو أحد، فالمعنى: هو الله، وهو أحد. وقرئت «أحد ~~الله الصمد» بتنوين أحد. وقرئت «أحد الله» بترك التنوين، وقرئت بإسكان ~~الدال «أحد الله»، وأجودها الرفع بإثبات التنوين، وكسر التنوين ~~لسكونه وسكون اللام في «الله»، ومن حذف التنوين، فلالتقاء الساكنين ~~أيضا، ومن أسكن أراد الوقف ثم ابتدأ «الله الصمد» وهو أردؤها. # فأما «الأحد» فقال ابن عباس، وأبو عبيدة: هو الواحد. وفرق قوم بينهما. ~~وقال أبو سليمان الخطابي: [الواحد]: هو المنفرد بالذات، فلا يضاهيه أحد. # والأحد: هو المنفرد بالمعنى، فلا يشاركه فيه أحد. وأصل «الأحد» عند ~~النحويين: الوحد، ثم أبدلوا من الواو الهمزة. # وفي «الصمد» أربعة أقوال. # أحدها: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، رواه ابن عباس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ~~الصمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده. قال أبو عبيدة: هو السيد الذي ليس ~~فوقه. أحد والعرب تسمي أشرافها: الصمد. قال الأسدي: # لقد بكر الناعي بخيري بني أسد # بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وقال الزجاج: هو الذي ينتهي إليه السؤدد، فقد صمد له كل شيء قصد ms2190 ~~قصده. وتأويل صمود كل شيء له: أن في كل شيء أثر صنعه. وقال ابن ~~الأنباري: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد: السيد الذي ليس فوقه أحد يصمد ~~إليه الناس في أمورهم وحوائجهم. # والثاني: أنه الذي لا جوف له، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن ~~جبير، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي. وقال ابن قتيبة: فكأن الدال من ~~هذا التفسير مبدلة من تاء، والمصمت من هذا. # والثالث: أنه الدائم. # والرابع: الباقي بعد فناء الخلق، حكاهما الخطابي وقال: أصح الوجوه ~~الأول، لأن الاشتقاق يشهد له، فإن أصل الصمد: القصد. يقال: اصمد صمد ~~فلان، أي اقصد قصده. فالصمد: السيد الذي يصمد إليه في الأمور، ويقصد في ~~الحوائج. # قوله تعالى: { لم يلد } قال مقاتل: لم يلد فيورث { ولم يولد } ~~فيشارك، وذلك أن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الرحمن. وقالت ~~اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فبرأ نفسه من ~~ذلك. # قوله تعالى: { ولم يكن له كفوا أحد } قرأ الأكثرون بالتثقيل والهمز. ~~ورواه حفص بالتثقيل وقلب الهمز واوا. وقرأ حمزة بسكون الفاء. والكفء: ~~المثل المكافئ. وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولم يكن له أحد كفوا، ~~فقدم وأخر لتتفق رؤوس الآيات. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # وفيها قولان. # أحدهما: مدنية رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة في آخرين. # والثاني: مكية رواه كريب عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، ~~وجابر. والأول أصح، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر وهو ~~مع عائشة، فنزلت عليه المعوذتان. # فذكر أهل التفسير في نزولهما: # " أن غلاما من اليهود كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل ~~به اليهود حتى أخذ مشاطة رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدة ~~أسنان من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها. وكان الذي تولى ذلك ~~لبيد بن أعصم اليهودي. ثم دسها في بئر لبني زريق، يقال لها: بئر ذروان. ~~ويقال: ذي أروان، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتشر شعر رأسه، ~~وكان يرى أنه يأتي النساء ms2191 وما يأتيهن، ويخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما ~~يفعله، فبينا هو ذات يوم نائم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، ~~والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما بال الرجل؟ قال: طب. قال: ~~وما طب؟ قال: سحر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن أعصم. قال: وبم ~~طبه؟ قال: بمشط ومشاطة. قال: وأين هو؟ قال في جف طلعة تحت ~~راعوفة في بئر ذروان والجف: قشر الطلع. والراعوفة: صخرة تترك في أسفل ~~البئر إذا حفرت. فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها، فانتبه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة أما شعرت أن الله أخبرني ~~بدائي، ثم بعث عليا، والزبير، وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر، ثم ~~رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجف، وإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان مشطه، ~~وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة [مغروزة بالإبرة، فأنزل الله تعالى ~~المعوذتين، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة]. ووجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خفة حين انحلت العقدة الأخيرة، وجعل جبريل عليه السلام يقول: ~~بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن حاسد وعين، والله يشفيك. فقالوا يا ~~رسول الله: أفلا نأخذ الخبيث فنقتله؟ فقال: «أما أنا فقد شفاني الله، ~~وأكره أن أثير على الناس شرا» ". # وقد أخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث عائشة حديث سحر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقد بينا معنى «أعوذ» في أول كتابنا. # وفي «الفلق» ستة أقوال. # أحدها: أنه الصبح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وقتادة، والقرظي، وابن زيد، واللغويون قالوا: ويقال: هذا ~~أبين من فلق الصبح وفرق الصبح. # والثاني: أنه الخلق، رواه الوالبي عن ابن عباس. وكذلك قال الضحاك: ~~الفلق: الخلق كله. # والثالث: سجن في جهنم، روي عن ابن عباس أيضا. # وقال وهب والسدي: جب في جهنم. وقال ابن السائب: واد في جهنم. # والرابع: شجرة في النار، قاله عبد الله بن عمرو. # والخامس: أنه كل ما انفلق عن شيء كالصبح، والحب، والنوى، وغير ~~ذلك. قاله الحسن. ms2192 قال الزجاج: وإذا تأملت الخلق بان لك أن أكثره عن ~~انفلاق، كالأرض بالنبات، والسحاب بالمطر. # والسادس: أنه اسم من أسماء جهنم، قاله أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد ~~الحبلي. # قوله تعالى: { من شر ما خلق } وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر: «خلق» بضم ~~الخاء، وكسر اللام. وفيه ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه عام، وهو الأظهر. # والثاني: أن شر ما خلق: إبليس وذريته، قاله الحسن. # والثالث: جهنم، حكاه الماوردي. # وفي «الغاسق» أربعة أقوال. # أحدها: أنه القمر، روت عائشة قالت: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى القمر، فقال: استعيذي بالله من شره فإنه الغاسق إذا وقب، رواه ~~الترمذي، والنسائي في كتابيهما. قال ابن قتيبة: ويقال: الغاسق: القمر إذا ~~كسف فاسود. ومعنى «وقب» دخل في الكسوف. # والثاني: أنه النجم، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثالث: أنه الليل، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والقرظي، والفراء، ~~وأبو عبيد، وابن قتيبة، والزجاج. قال اللغويون: ومعنى «وقب» دخل في كل ~~شيء فأظلم. و «الغسق» الظلمة. وقال الزجاج: الغاسق: البارد، فقيل ~~لليل: غاسق، لأنه أبرد من النهار. # والرابع: أنه الثريا إذا سقطت، وكانت الأسقام، والطواعين تكثر عند ~~وقوعها، وترتفع عند طلوعها، قاله ابن زيد. # فأما { النفاثات } فقال ابن قتيبة: هن السواحر ينفثن. أي: يتفلن إذا ~~سحرن، ورقين. قال الزجاج: يتفلن بلا ريق، كأنه نفح. وقال ابن ~~الأنباري: قال اللغويون: تفسير نفث: نفخ نفخا ليس معه ريق، ومعنى ~~تفل: نفخ نفخا معه ريق. قال ذو الرمة: # ومن جوف ماء عرمض الحول فوقه # متى يحس منه مائح القوم يتفل # وقد روى ابن أبي سريج «النافثات» بألف قبل الفاء مع كسر الفاء ~~وتخفيفها. وقال بعض المفسرين: المراد بالنفاثات هاهنا: بنات لبيد بن ~~أعصم اليهودي سحرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { ومن شر حاسد } يعني: اليهود حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ~~ذكرنا حد الحسد في [البقرة:109] والحسد: أخس الطبائع. وأول معصية ~~عصي الله بها في السماء حسد إبليس لآدم، وفي الأرض حسد ms2193 قابيل ~~هابيل. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # فإن قيل: لم خص الناس هاهنا بأنه ربهم، وهو رب كل شيء؟ # فعنه جوابان. # أحدهما: لأنهم معظمون متميزون على غيرهم. # والثاني: لأنه لما أمر بالاستعاذة من شرهم أعلم أنه ربهم، ليعلم أنه ~~هو الذي يعيذ من شرهم. ولما كان في الناس ملوك قال تعالى: { ملك الناس } ~~ولما كان فيهم من يعبد غيره قال تعالى: { إله الناس }. # و { الوسواس } الشيطان، وهو { الخناس } يوسوس في الصدور، فإذا ذكر ~~الله، خنس، أي: كف وأقصر. قال الزجاج: الوسواس هنا: ذو الوسواس. ~~وقال ابن قتيبة: الصدور هاهنا: القلوب. قال ابن عباس: الشيطان جاثم على ~~قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل، وسوس، فإذا ذكر الله، خنس. # قوله تعالى: { من الجنة والناس } الجنة: الجن. ومن معنى الآية ~~قولان. # أحدهما: يوسوس في صدور الناس جنتهم وناسهم، فسمى الجن هاهنا ناسا، ~~كما سماهم رجالا في قوله تعالى # يعوذون برجال من الجن # [الجن:6] وسماهم نفرا بقوله تعالى: # استمع نفر من الجن # [الجن:1] هذا قول الفراء. وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوسا للجن، ~~كما يوسوس للإنس. # والثاني: أن الوسواس: الذي يوسوس في صدور الناس، هو من الجنة، وهم من ~~الجن. والمعنى: من شر الوسواس الذي هو من الجن. ثم عطف قوله تعالى: ~~«والناس» على «الوسواس». والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس، كأنه أمر ~~أن يستعيذ من الجن والإنس، هذا قول الزجاج. ms2194